Lafzullah

أحكام القرآن — التوبة 9:1 – لقمان 31:14

المؤلف / المصدر: إلكيا الهراسي

المحتويات
  1. التوبة 9:1
  2. التوبة 9:3
  3. التوبة 9:5
  4. التوبة 9:6
  5. التوبة 9:7
  6. التوبة 9:11
  7. التوبة 9:12
  8. التوبة 9:16
  9. التوبة 9:17
  10. التوبة 9:23
  11. التوبة 9:28
  12. التوبة 9:29
  13. التوبة 9:34
  14. التوبة 9:36
  15. التوبة 9:37
  16. التوبة 9:40
  17. التوبة 9:41
  18. التوبة 9:60
  19. التوبة 9:65
  20. التوبة 9:73
  21. التوبة 9:74
  22. التوبة 9:75
  23. التوبة 9:77
  24. التوبة 9:80
  25. التوبة 9:84
  26. التوبة 9:91
  27. التوبة 9:100
  28. التوبة 9:103
  29. التوبة 9:107
  30. التوبة 9:108
  31. التوبة 9:109
  32. التوبة 9:111
  33. التوبة 9:113
  34. التوبة 9:119
  35. التوبة 9:120
  36. التوبة 9:122
  37. التوبة 9:123
  38. يونس 10:15
  39. يونس 10:59
  40. يونس 10:87
  41. هود 11:15
  42. هود 11:45
  43. هود 11:61
  44. هود 11:69
  45. هود 11:70
  46. هود 11:87
  47. هود 11:113
  48. هود 11:114
  49. يوسف 12:5
  50. يوسف 12:18
  51. يوسف 12:19
  52. يوسف 12:20
  53. يوسف 12:26
  54. يوسف 12:44
  55. يوسف 12:50
  56. يوسف 12:55
  57. يوسف 12:67
  58. يوسف 12:72
  59. يوسف 12:76
  60. يوسف 12:88
  61. الرعد 13:8
  62. إبراهيم 14:25
  63. الحجر 15:72
  64. النحل 16:5
  65. النحل 16:8
  66. النحل 16:14
  67. النحل 16:67
  68. النحل 16:75
  69. النحل 16:98
  70. النحل 16:106
  71. النحل 16:123
  72. النحل 16:126
  73. الإسراء 17:15
  74. الإسراء 17:18
  75. الإسراء 17:23
  76. الإسراء 17:26
  77. الإسراء 17:28
  78. الإسراء 17:29
  79. الإسراء 17:31
  80. الإسراء 17:32
  81. الإسراء 17:33
  82. الإسراء 17:34
  83. الإسراء 17:78
  84. الإسراء 17:110
  85. الكهف 18:7
  86. الكهف 18:19
  87. الكهف 18:23
  88. الكهف 18:24
  89. الكهف 18:103
  90. الكهف 18:110
  91. مريم 19:3
  92. مريم 19:4
  93. مريم 19:58
  94. مريم 19:92
  95. طه 20:12
  96. طه 20:14
  97. الحج 22:5
  98. الحج 22:25
  99. الحج 22:27
  100. الحج 22:28
  101. الحج 22:29
  102. الحج 22:32
  103. الحج 22:33
  104. الحج 22:36
  105. الحج 22:39
  106. المؤمنون 23:2
  107. المؤمنون 23:3
  108. المؤمنون 23:5
  109. المؤمنون 23:6
  110. المؤمنون 23:9
  111. المؤمنون 23:60
  112. المؤمنون 23:61
  113. المؤمنون 23:67
  114. النور 24:2
  115. النور 24:3
  116. النور 24:4
  117. النور 24:6
  118. النور 24:8
  119. النور 24:12
  120. النور 24:13
  121. النور 24:22
  122. النور 24:27
  123. النور 24:28
  124. النور 24:30
  125. النور 24:31
  126. النور 24:32
  127. النور 24:33
  128. النور 24:48
  129. النور 24:58
  130. النور 24:60
  131. النور 24:61
  132. النور 24:62
  133. النور 24:63
  134. الفرقان 25:48
  135. الفرقان 25:54
  136. الشعراء 26:84
  137. الشعراء 26:224
  138. القصص 28:27
  139. القصص 28:55
  140. العنكبوت 29:8
  141. العنكبوت 29:45
  142. العنكبوت 29:46
  143. الروم 30:39
  144. لقمان 31:14

التوبة 9:1

(p-١٧١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ بَراءَةٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، الآيَةَ. اعْلَمْ أنَّ الإمامَ إذا اسْتَشْعَرَ مِن أهْلِ العَهْدِ جِنايَةً، أوْ تَوَقَّعَ مِنهم غائِلَةً، كانَ لَهُ نَبْذُ عَهْدِهِمْ إلَيْهِمْ، دَفْعًا لِغائِلَتِهِمْ، حَتّى لا يُؤْتى مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ، إلّا أنَّهُ إنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ بِأنْ يُجاهِرَ بِنَبْذِ العَهْدِ إلَيْهِمْ، حَتّى لا يَكْتَسِبَهم مُغافَصَةً، فَيُشْبِهَ الغَدْرَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُعاهِدَ المُشْرِكِينَ إلى أنْ يَرى فِيهِ رَأْيَهُ، كَما عاهَدَ أهْلَ خَيْبَرَ، وقالَ في العَهْدِ: أُقِرُّكم ما أقَرَّكُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أجْلاهم عُمَرُ، وكُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ. وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾: يَدُلُّ عَلى أنَّ عَهْدًا قَدْ تَقَدَّمَ بَيْنَهُمْ، وأنَّهُ قَدْ نُقِضَ. (p-١٧٢)يَبْقى أنْ يُقالَ: فَلِمَ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، وإذا انْتَقَضَ العَهْدُ فَلِمَ جازَ الإمْهالُ؟ فَيُقالُ: لا يَبْعُدُ جَوازُ الإمْهالِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ في تَدَبُّرِ مَن أُمْهِلَ في عاقِبَةِ أمْرِهِ، ومَآلِ حالِهِ، وأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ داعِيًا إلى الإسْلامِ، وإنَّما لا يَحْسُنُ الإمْهالُ لِمَن يَتَوَقَّعُ الغَوْثَ، فَأمّا مَن لا يَخْشى الغَوْثَ، فَلا يَقْبُحُ مِنهُ الإمْهالُ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢] . ومَعْناهُ: غَيْرُ مُعْجِزِيهِ بِتَمْكِينِ نَبِيِّهِ مِنهُمْ، ونُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، أوْ نَفاذِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ بِما شاءَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢] . فَكانَ المَقْصُودُ مِنَ التَّسَمُّحِ بِهَذِهِ المُدَّةِ، التَّوَصُّلَ إلى هَذِهِ البُغْيَةِ، وهو رَجاءُ الإسْلامِ. وإذا بانَ السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَجُوزُ نَبْذُ عُهُودِ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَدْ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ أخَذُوا في نَقْضِ عُهُودِهِمُ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَهُ ﷺ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ فِيمَن كانَ عَهْدُهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ أنْ يُقِرَّهُ إلى مُضِيِّ هَذِهِ المُدَّةِ، وذَلِكَ مِن يَوْمِ النَّحْرِ إلى عَشْرٍ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ، ومَن كانَ لَهُ مِنَ العَهْدِ أكْثَرُ، أمَرَ أنْ يُحَطَّ إلى ذَلِكَ، ومَن كانَ أقَلَّ، أمَرَ أنْ يَرْجِعَ بِهِ إلى هَذا القَدْرِ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، أمَرَ أنْ يَجْعَلَ لَهُ خَمْسِينَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ النَّحْرِ إلى انْسِلاخِ المُحَرَّمِ، إلّا حَيًّا مِن بَنِي كِنانَةَ، كانَ قَدْ بَقِيَ مِن عَهْدِهِمْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُتِمَّ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: (p-١٧٣)﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤] - إلى قَوْلِهِ - ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، الآيَةَ». وذَكَرَ التَّبَرِّيَ وقَطْعَ العِصْمَةِ، وبَعَثَ عَلِيًّا بِذَلِكَ، لِيُنادِيَ فِيهِمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] . واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وقَعَتْ مِنهم مُظاهَرَةٌ أوْ مُخابَرَةٌ وخِداعٌ، يَقْتَضِي نَقْضَ العَهْدِ والإخْلالَ بِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، الآيَةَ. فَلَوْ كانَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمُ الِاسْتِقامَةَ في العَهْدِ، لَمْ يُجِزْ مِنهُ تَعالى أنْ يَتَبَرَّأ مِنهم ويَنْقَضَ عَهْدَهُمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ تَقَدَّمَ مِنهم نَقْضُ العَهْدِ، إمّا ظاهِرًا وإمّا سِرًّا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في سُورَةِ التَّوْبَةِ: إنَّها هي الفاضِحَةُ، فَهَذا القَوْلُ مِنهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم نَكَثُوا وأسَرُّوا بِهِ، فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ما أسَرُّوهُ بِالبَراءَةِ مِنهُمْ، ونَبْذِ العَهْدِ إلَيْهِمْ. وذُكِرَ في النَّقْضِ وجْهٌ آخَرُ، مِن حَيْثُ اسْتَبْعَدَ هَؤُلاءِ النَّقْضَ مِن جَمِيعِ المُشْرِكِينَ سِرًّا، فَقالَ: سَبَبُ نَقْضِ العَهْدِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أرادَ أنْ يَحُجَّ لِقابِلٍ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ لا يَتَفَرَّغُ إلى الحَجِّ إلّا بَعْدَ العامِ القابِلِ، لِقُرْبِ أجَلِهِ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً في الطَّوافِ، والتَّعَرِّي بِحَضْرَتِهِ شِرْكٌ وكُفْرٌ، فاقْتَضى ذَلِكَ نَقْضَ العَهْدِ. (p-١٧٤)وهَذا باطِلٌ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّقْضُ لِهَذِهِ العِلَّةِ، فَإنَّ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يُخْلى لَهُ البَيْتُ ساعَةً، ولا يُمَكِّنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الطَّوافِ في تِلْكَ الحالَةِ، كَما طافَ في عُمْرَةِ القَضاءِ وأخْلى لَهُ المُشْرِكُونَ البَيْتَ. والَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ: لا يَجُوزُ نَبْذُ عَهْدِ الكُفّارِ إلى الكُفّارِ إلّا بِنَقْضٍ ظاهِرٍ مِنهُمْ، أوْ تَوَقُّعِ نَقْضٍ، أوْ إبْهامٍ في مُدَّةِ العَهْدِ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ: نُقِرُّكم ما أقَرَّكُمُ اللَّهُ. ثُمَّ الأمانُ، فَسَدَ أوْ صَحَّ، لا يَجُوزُ نَقْضُهُ بِالِاغْتِيالِ، بَلْ بِإظْهارِ نَبْذِ العَهْدِ إلَيْهِمْ. فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِالفِقْهِ مِنَ الآيَةِ، وما ذُكِرَ في الآيَةِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ [التوبة: ٤]، الآيَةَ. والمُتَعَلِّقُ بِالأحْكامِ مِنهُ وراءَ ما ذَكَرْناهُ، أنَّ مَن كانَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَهم عَهْدٌ، فَإذا ظاهَرُوا عَلَيْنا قَوْمًا مِنَ الأعْداءِ فَهو نَقْضُ العَهْدِ، سَواءٌ ظاهَرُوا سِرًّا أوْ جَهْرًا.

التوبة 9:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾، الظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(الحَجُّ عَرَفَةُ)». ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ووَرَدَ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أثَرٌ، وتَسْمِيَتُهُ الحَجَّ الأكْبَرَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمْرَةَ أصْغَرُهُما.

التوبة 9:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾، الآيَةَ. وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ النِّداءَ إنَّما كانَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، والأشْهُرُ الحُرُمُ: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ سَرْدٌ ورَجَبٌ فَرْدٌ، فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَقُولُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾، وما بَقِيَ إلّا أيّامٌ قَلائِلُ؟ وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: مِنها: أنَّهُ لَمّا كانَ آخِرُ الأشْهُرِ الحُرُمِ المُحَرَّمَ، وكانَ بِانْقِضائِهِ تَنْقَضِي الأرْبَعَةُ أشْهُرٍ، جازَ أنْ يُعَلِّقَ قِتالَ الكُفّارِ بِهِ. (p-١٧٥)والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالأشْهُرِ الحُرُمِ: الأرْبَعَةُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى فِيها قِتالَهُمْ، وأمَّنَهم فِيها، وهي: مِن يَوْمِ النَّحْرِ إلى العاشِرِ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ هي الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى فِيها القَتْلَ فَقَطْ، ولَمْ يَعْنِ بِالحُرُمِ الثَّلاثَةَ السَّرْدَ والواحِدَ الفَرْدَ، وإنَّما أرادَ الأرْبَعَةَ المُتَوالِيَةَ مِن وقْتِ العَهْدِ إلى العاشِرِ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. وفِيهِ شَيْءٌ، وهو أنَّ اسْمَ الأشْهُرِ الحُرُمِ لا يُتَعارَفُ مِنهُ غَيْرُ المَعْهُودِ، ولا يَصِيرُ بِسَبَبِ العَهْدِ الأشْهَرُ مُسَمّاةً بِالحُرُمِ، فَلا جَرَمَ، اخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَوْلَ الأوَّلَ. وقالَ الأصَمُّ: أُرِيدَ بِالآيَةِ مَن لا عَهْدَ لَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأوْجَبَ أنْ يُمْسَكَ عَنْ قِتالِهِمْ حَتّى يَنْسَلِخَ المُحَرَّمُ، وهو مُدَّةُ خَمْسِينَ يَوْمًا عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الأسْرِ بَدَلَ القَتْلِ والتَّخْيِيرِ بَيْنَهُما، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ قَتْلِهِمْ، أوْ أسْرِهِمْ، عَلى وجْهِ المَكِيدَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] و﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] (p-١٧٦)وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]، قالَ: نُسِخَ هَذا كُلُّهُ بِآيَةِ السَّيْفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]، الآيَةَ. وقالَ مُوسى بْنُ غَفَلَةَ: كانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ يَكُفُّ عَمَّنْ لا يُقاتِلُهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٠]، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾، الآيَةَ. وعُمُومُ ذَلِكَ يُوجِبُ قَتْلَ كافَّةِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهُ جَعَلَ المَرَدَّ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ﴾، إلّا أنَّ الأخْبارَ ورَدَتْ في أخْذِ الجِزْيَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ المُشْرِكِينَ لا يَتَناوَلُ أهْلَ الكِتابَيْنِ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ مَنعَ أخْذِ الجِزْيَةِ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ وغَيْرِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ مُطْلَقَ قَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ يَقْتَضِي جَوازَ قَتْلِهِمْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، إلّا أنَّ الأخْبارَ ورَدَتْ في النَّهْيِ عَنِ المُثْلَةِ، ومَعَ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمّا قَتَلَ أهْلَ الرِّدَّةِ بِالإحْراقِ بِالنّارِ، والحِجارَةِ، والرَّمْيِ مِن رُؤُوسِ الجِبالِ، والتَّنْكِيسِ في الآبارِ، تَعَلَّقَ في ذَلِكَ بِعُمُومِ الآيَةِ. (p-١٧٧)وكَذَلِكَ إحْراقُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمًا مِن أهْلِ الرِّدَّةِ بِالإحْراقِ بِالنّارِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَيْلًا إلى هَذا المَذْهَبِ واعْتِمادًا عَلى عُمُومِ اللَّفْظِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾: هَذِهِ الآيَةُ فِيها تَأْمُّلٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ القَتْلَ عَلى الشِّرْكِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾، والأصْلُ أنَّ القَتْلَ مَتى كانَ الشِّرْكُ يَزُولُ بِزَوالِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي زَوالَ القَتْلِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ إقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، ولِذَلِكَ سَقَطَ القَتْلُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قَبْلَ وقْتِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، فَهَذا بَيِّنٌ. غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ التَّوْبَةَ وذَكَرَ مَعَها شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ، فَلا سَبِيلَ إلى إلْغائِهِما، وصَحَّ أنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قاتَلَ مانِعِي الزَّكاةِ، لا مَن جَحَدَ وُجُوبَ الزَّكاةِ فَقَطْ، بَلْ مَن قالَ: لا أُؤَدِّيها إلَيْكَ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ”لا واللَّهِ، حَتّى آخُذَها كَما أخَذَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ“. وإنَّما فِعْلُ ذَلِكَ، فَهِمَ العُلَماءُ مِنهُ قِتالَ مانِعِي الزَّكاةِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَطَ أُمُورًا ثَلاثَةً في تَرْكِ القِتالِ، فَلا بُدَّ مِن وُجُودِها جَمِيعًا، ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى (p-١٧٨)فِي مَوْضِعِ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] . عَلى أنَّ لِإقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ مَدْخَلًا في تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ، كَما أنَّ لِلتَّوْبَةِ مَدْخَلًا في ذَلِكَ، وبِذَلِكَ احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أنَّ التَّوْبَةَ لا تَكْفِي في تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ، والكَفِّ عَنْ قَتْلِهِمْ، حَتّى يَنْضافَ إلَيْها فِعْلُ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وقالَ: إنَّهُ ﷺ قالَ: ” «فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها“» . فَلْمْ تَثْبُتِ العِصْمَةُ بِمُجَرَّدِ الإسْلامِ، وذُكِرَ أنَّ الزَّكاةَ مِن حَقِّها. وتَعَلَّقَ عَلِيٌّ بِذَلِكَ في قِتالِ الفِئَةِ الباغِيَةِ، وذَهَبَ إلى أنَّ المُشْرِكِينَ إذا أسْلَمُوا، ولَمْ يُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولَمْ يُؤْتُوا الزَّكاةَ، حَلَّ قِتالُهم وقَتْلُهم. وقالَ بَعْضُهم: إنَّما أرادَ بِذَلِكَ الِاعْتِرافَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لا فِعْلَهُما، فَمَن جَحَدَ أحَدَهُما فَقَتْلُهُ مُباحٌ، وهَذا يَسْتَأْصِلُ وجْهَ التَّخْصِيصِ. فَإنْ قِيلَ: فَإذا تابَ قَبْلَ وقْتِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ فَلا قَتْلَ عَلَيْهِ، ولَمْ يُقِمِ الصَّلاةَ ولا الزَّكاةَ جَمِيعًا. الجَوابُ: أنَّ التَّوْبَةَ إنْ كَفَتْ عَلى هَذا الرَّأْيِ، فَذِكْرُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ لَغْوٌ، وهو بِمَثابَةِ مَن يَقُولُ: فَإنْ تابُوا ودَخَلُوا الدّارَ ولَبِسُوا الثَّوْبَ. (p-١٧٩)نَعَمْ، فَهَمُّنا مَن جَعَلَهُما شَرْطا خُرُوجِ ما قَبْلَ حالَةِ الوُجُوبِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَهُما شَرْطًا، ولِما وجَبا ولَزِما. فالظّاهِرُ ما قالَهُ الصِّدِّيقُ، وهو جَوازُ مُحارَبَتِهِمْ إذا امْتَنَعُوا مِنَ القِيامِ بِهِما. وقَدْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَعْتَرِفُونَ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ، لَكِنَّهم كانُوا يَمْتَنِعُونَ مِن دَفْعِها إلَيْهِ، وأمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِمُحارَبَتِهِمْ وقالَ: لَوْ مَنَعُونِي عِقالًا مِمّا أعْطَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقاتَلْتُهم عَلَيْهِ. فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ الزَّكاةَ لِلْإمامِ فِيها حَقُّ الأخْذِ، فَمَتى امْتَنَعُوا وانْحازُوا إلى فِئَةٍ حَلَّ قِتالُهم وقَتْلُهم ما دامُوا مُصِرِّينَ عَلى الِامْتِناعِ، وكَذَلِكَ إذا امْتَنَعُوا مِنَ الصَّلاةِ، وفَعْلِها عَلى وجْهٍ يَظْهَرُ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذا بِالمُشْرِكِينَ وقِتالِهِمْ، فَمِن أيْنَ أنَّ هَذا جائِزٌ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ؟ والجَوابُ: أنَّهُ إذا ثَبَتَ أنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ القَتْلَ، وإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ تُسْقِطُ القَتْلَ، فَمُقْتَضاهُ: أنَّ المُشْرِكَ إذا تابَ ولَمْ يُصَلِّ ولَمْ يُزَكِّ وجَبَ عَلَيْهِ القَتْلُ، وهَذا ما نَقُولُهُ. يَبْقى أنْ يُقالَ: إنَّ الآيَةَ أوْجَبَتِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَنعِ الصَّلاةِ ومَنعِ الزَّكاةِ، والشّافِعِيُّ يُخَصِّصُ بِالصَّلاةِ. والجَوابُ: أنَّ عِنْدَ الشّافِعِيِّ لا فَرْقَ بَيْنَ البابَيْنِ، إلّا أنَّ في الزَّكاةِ أخْذَها مُمْكِنٌ قَهْرًا، وفي الصِّيامِ يُمْكِنُ أنْ يُحْبَسَ في مَوْضِعٍ فَيُجْعَلَ مُمْسِكًا، والرُّكْنُ الأعْظَمُ في الصَّوْمِ الإمْساكُ، فَأمّا الصَّلاةُ، فاسْتِيفاؤُها مِنهُ غَيْرُ (p-١٨٠)مُمْكِنٍ، فَكانَ قَتْلُ تارِكِ الصَّلاةِ مِن حَيْثُ تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤُها مِنهُ، بِمَثابَةِ قَتْلِ تارِكِ الزَّكاةِ إذا انْحازَ إلى فِئَةٍ.

التوبة 9:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، الآيَةَ. اعْلَمْ أنَّ هَذا لا دِلالَةَ فِيهِ عَلى أمانِ مُشْرِكٍ، ووُجُوبِ بَذْلِ الأمانِ فِيمَن يَطْلُبُ الأمانَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ وشَرَعَ الأمانَ لِفائِدَةٍ، وهي سَماعُ الأدِلَّةِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، والكُفّارُ مَتى طَلَبُوا تَعَرُّفَ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ وجَبَ ذَلِكَ، وإذا وجَبَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، وجَبَ عَلى سائِرِ الأُمَّةِ، بَلْ عَلى سائِرِ المُجاهِدِينَ. ولا يَحِلُّ لِلْمُجاهِدِ قَتْلُ الكافِرِ مَعَ طَلَبِهِ التَّعَرُّفَ لِلدِّينِ، والوُقُوفَ عَلى الأدِلَّةِ، لِأنَّهُ لَوْ حَلَّ قَتْلُهُ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُجارَ، وأنْ يُؤَمَّنَ، فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُوَ المُجاهِدُونَ مِنَ العُلَماءِ، لِأنَّهُ لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ في الكُفّارِ مَن يَلْتَمِسُ ذَلِكَ، فَإذا لَمْ يَجِدْ مَن يُحِلُّ شُبْهَتَهُ، ويُثْبِتُ لَهُ طَرِيقَةَ الحَقِّ، لَمْ تَجُزْ مُقاتَلَتُهُ. فَلَوْ قالُوا: إنّا نُرِيدُ الوُقُوفَ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ وتَمْيِيزِهِ عَنِ الباطِلِ، فَأمْهِلُونا ودَعُوا مُقاتَلَتَنا، لَوَجَبَ ذَلِكَ، وكَما يَجِبُ أنْ يَكُونَ في عَسْكَرِ الإسْلامِ مَن يَسْتَعِدُّ لِقُوَّةِ الدِّينِ بِالسِّلاحِ والعُدَّةِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن يَسْتَقِلُّ بِقُوَّةِ المُناظَرَةِ وتَعْرِيفِ الأدِلَّةِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأجِرْهُ﴾ أمْرٌ دالٌّ عَلى الوُجُوبِ، ولا وُجُوبَ إلّا عِنْدَ هَذا الغَرَضِ، ولَيْسَ هَذا الغَرَضُ مِنَ الأمانِ المَعْرُوفِ في الشَّرْعِ في شَيْءٍ، فَإنَّ الأمانَ هو الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبٍ مِنَ المُسْلِمِ مَوْقُوفًا عَلى خِيَرَتِهِ: إنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وفي الِاسْتِجارَةِ لِغَرَضِ الِاسْتِماعِ لِكَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَجِبُ الأمانُ، وتَنْكَفُّ السُّيُوفُ عَنْ رَقَبَتِهِ، ويَتَحَرَّسُ دَمُهُ مَتى طَلَبَ ذَلِكَ، سَواءٌ كانَ جَرى مِنّا الأمانُ أوْ لَمْ يَجْرِ. (p-١٨١)ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، الآيَةَ. أيْ بَعْدَ السَّماعِ، لِأنَّهُ لا فائِدَةَ في مُقامِهِ عِنْدَنا. والأمانُ الَّذِي تَعارَفَهُ الفُقَهاءُ، أنْ يُؤَمِّنَ كافِرًا لا يَبْغِي بِهِ سَماعَ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، حَتّى إذا اسْتَمَعَ أبْلَغَهُ مَأْمَنَهُ، بَلْ يَبْغِي بِهِ أمانَهُ حَتّى يَتَّجِرَ ويَتَسَوَّقَ ويُقِيمَ عِنْدَنا مُدَّةً لِغَرَضٍ لِهَذا المُسْلِمِ، وذَلِكَ لَيْسَ ما نَحْنُ فِيهِ بِسَبِيلٍ.

التوبة 9:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ عَهْدٌ، إنَّما نَفاهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَسْتَتِمَّ، بَلْ غَدَرَ سِرًّا أوْ جَهْرًا، أوْ خِيفَ مِنهُ الغَدْرُ، وذِكْرُ الشِّرْكِ ذِكْرُ الباعِثِ عَلى الغَدْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ . فَإنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنهم غَدْرٌ. ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ فَإنَّما نَقَضَهُ لِمَكانِ الغَدْرِ، وتَوَقُّعِ الجِنايَةِ، وإلّا فَلَوِ اسْتَوى المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ في الِاسْتِقامَةِ والوَفاءِ لاسْتَوَيا في وُجُوبِ الوَفاءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] . (p-١٨٢)فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المَعْلُومَ مِن حالِهِمُ الغَدْرُ عِنْدَ التَّمَكُّنِ، وأنَّهم يَنْتَهِزُونَ فُرْصَةَ الِاغْتِيالِ والمُجاهَرَةِ بِسِرِّ المُكاشَفَةِ. وبَيَّنَ أنَّهم في إظْهارِ التَّمَسُّكِ بِالعَهْدِ مُنافِقُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٨] وقَوْلُهُ: ( إلًّا )، يَحْتَمِلُ القَرابَةَ والعَهْدَ والجِوارَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى يَحْلِفُ بِهِ، فَأبانَ أنَّهم لا يَثْبُتُونَ عَلى العَهْدِ واليَمِينِ.

التوبة 9:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ الآيَةَ. هَذا فِيهِ تَأمُّلٌ، فَإنّا إنْ جَعَلْنا لِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ أثَرًا في تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُما اخْتِصاصٌ أصْلًا بِكَوْنِ مُقِيمِهِما أخًا لَنا في الدِّينِ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الإسْلامِ كافٍ في هَذا المَعْنى ولا وجْهَ لَهُ، إلّا أنَّ ذِكْرَهُما يَدُلُّ عَلى ما عَداهُما. فَإنَّ الصَّلاةَ هي الوَظِيفَةُ الكُبْرى المُخْتَصَّةُ بِدِينِنا وشَرْعِنا. والزَّكاةُ هي الوَظِيفَةُ الشّاقَّةُ عَلى المُكَلَّفِينَ؛ وما كانَتْ لَهم عادَةٌ بِهِما. فَأبانَ أنَّ الدُّخُولَ فِيهِما دُخُولٌ فِيما سِواهُما. وأبانَ أنَّهُ وإنْ تَمَسَّكَ بِالكُفْرِ دَهْرًا طَوِيلًا فَإذا تابَ صارَ في الحالِ بِمَثابَةِ مَن كانَ مَعَنا دَهْرًا طَوِيلًا عَلى الإسْلامِ، حَتّى يَجِبَ عَلَيْنا نُصْرَتُهُ ومُوالاتُهُ.

التوبة 9:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ الآيَةَ. (p-١٨٣)يَدُلُّ عَلى أنَّ المُعاهَدَ لا يُقْتَلُ في عَهْدِهِ ما لَمْ يَنْكُثْ، وذِكْرُ الأمْرَيْنِ لا يَقْتَضِي تَوَقُّفَ قِتالِهِمْ عَلى وُجُودِهِما، فَإنَّ النَّكْثَ يَقْتَضِي ذَلِكَ بِانْفِرادِهِ عَقْلًا وشَرْعًا. فالمُرادُ بِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ التَّمْيِيزُ في الجَمْعِ، وتَقْدِيرُهُ: فَإنْ نَكَثُوا حَلَّ قِتالُهم وإنْ لَمْ يَنْكُثُوا وطَعَنُوا في الدِّينِ مَعَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ حَلَّ قِتالُهم. وهَذا يُقَوِّي مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ، فَإنَّ المُعاهَدَ إذا جاهَرَ بِسَبِّ الرَّسُولِ، وطَعْنٍ في الدِّينِ، فَإنَّهُ يَحِلُّ قَتْلُهُ وقِتالُهُوَأبُو حَنِيفَةَ رَأى أنَّ مُجَرَّدَ الطَّعْنِ في الدِّينِ لا يُنْقَضُ بِهِ العَهْدُ، ولا شَكَّ أنَّ دِلالَةَ الآيَةِ قَوِيَّةٌ فِيما قالَهُ الشّافِعِيُّ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ؟ ولِمَ خَصَّصَهم بِذَلِكَ مَعَ وُجُودِ القِتالِ مِن جَمِيعِهِمْ؟ الجَوابُ: أنَّ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ أنَّ المُقْدِمَ عَلى الطَّعْنِ في الدِّينِ ونَكْثِ العَهْدِ صارَ أصْلًا ورَأْسًا في الكُفْرِ، فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، أوْ عَنى بِهِ المُقَدَّمِينَ والرُّؤَساءَ مِنهُمْ، وأنَّ قِتالَهم قِتالُ أتْباعِهِمْ، وأبانَ أنَّهم لا يَحْتَرِمُونَ ولا يَهابُونَ. وقَدْ قِيلَ: عَنى بِهِ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ، كَأبِي جَهْلٍ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ وأُمَيَّةَ ابْنَ خَلَفٍ. وهَذا بَعِيدٌ: فَإنَّ الآيَةَ في سُورَةِ بَراءَةٌ، وحِينَ نَزَلَتْ وقُرِئَتْ عَلى النّاسِ اسْتُؤْصِلَ شَأْفَةُ قُرَيْشٍ فَلَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالَمٌ. * * (p-١٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ لا أيْمانَ لَهم يُفُونَ بِها، ويَثْبُتُونَ عَلَيْها. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ . أبانَ بِهِ أنَّ الغَرَضَ مِن قِتالِ الكُفّارِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ طَلَبَ إسْلامِهِمْ، فَمَن رَجا مِنهُمُ الإسْلامَ وتَطَلَّبَ تَعْرِيفَ الحَقِّ يَجِبُ السَّعْيُ في بَيانِ ذَلِكَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ كَيْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وباطِلِهِمْ وأذِيَّتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن قِتالِهِمْ، إمّا دَفْعَ ضَرَرِهِمْ فَيَنْتَهُونَ عَنْ قِتالِنا، وإمّا الِانْتِهاءَ عَنْ كُفْرِهِمْ بِإظْهارِ الإسْلامِ. وقَدْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ نَزَلَ في اليَهُودِ الَّذِينَ غَدَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونَكَثُوا ما كانُوا أعْطَوْا مِنَ العُهُودِ والأيْمانِ، عَلى أنْ لا يُعِينُوا عَلَيْهِ أعْداءَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهَمُّوا بِمُعاوَنَةِ المُنافِقِينَ والكُفّارِ عَلى إخْراجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأخْبَرَ أنَّهم بَدَءُوا بِالنَّكْثِ والنَّقْضِ، وقالَ بَعْدَهُ: ( ألّا تُقاتِلُونَ قَوْما نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وهَمُّوا ) وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.

التوبة 9:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ الآيَةَ. يَقْتَضِي لُزُومَ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ، وتَرْكَ العُدُولِ عَنْهُمْ، كَما يَلْزَمُ اتِّباعُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

التوبة 9:17

(p-١٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ﴾، الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ عِمارَةَ المَسْجِدِ بِالزِّيارَةِ، والزِّيادَةِ في بِنائِهِ، ودُخُولِهِ مُحَرَّمٌ عَلى الكُفّارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ بِناءَ المَسْجِدِ إنَّما يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ الَّذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى رِضاءِ اللَّهِ، فَأمّا الكافِرُ فَإنَّ عَمَلَهُ في ذَلِكَ مُحْبَطٌ، ولَمْ يُؤْمَرْ بِعَمَلٍ مُحْبَطٍ، وإنَّما أُمِرَ بِعَمَلٍ مَقْبُولٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

التوبة 9:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾، الآيَةَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى يَغْلِبُ حُكْمَ القُرْبِ والنَّسَبِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ تَوَلِّيَ الكافِرِ تَعْظِيمٌ، فَلِذَلِكَ أطْلَقَ تَعالى فِيمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ أنَّهُ ظالِمٌ.

التوبة 9:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، الآيَةَ. صارَ بَعْضُ النّاسِ إلى الحُكْمِ بِنَجاسَتِهِمْ حَقِيقَةً حَتّى نَجَّسُوا الماءَ بِمُلاقاتِهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: لَمْ يُرِدْ تَعالى نَجاسَتَهم حَقِيقَةً، وإنَّما أرادَ بِهِ جَعْلَهُ فاتِحَةً لِمَنعِ قُرْبِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ، كَما تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ النَّجاساتُ، فَمَعْناهُ: إنَّما المُشْرِكُونَ كالشَّيْءِ النَّجِسِ، وتَعْلِيقُ مَنعِهِمْ أنْ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بِكَوْنِهِمْ أنْجاسًا، يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ التَّشْبِيهَ لا التَّحْقِيقَ، والنَّجاسَةُ مِن حَقِّها صِحَّةُ إزالَتِها بِالماءِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الشِّرْكِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: يَدْخُلُ كُلَّ مَسْجِدٍ إلّا المَسْجِدَ الحَرامَ خاصَّةً، ويَجُوزُ (p-١٨٦)لِلذِّمِّيِّ دُخُولُ سائِرِ المَساجِدِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، والشّافِعِيُّ يَعْتَبِرُ الحاجَةَ، ومَعَ الحاجَةِ لا يَجُوزُ دُخُولُ المَسْجِدِ الحَرامَ. فَأمّا الآيَةُ فَظاهِرُها ألّا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الحَجُّ، والتَّقْيِيدُ بِالعامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الحَجُّ الَّذِي لا يَتَأتّى إلّا في العامِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ .

التوبة 9:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ - إلى قَوْلِهِ: - ﴿عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾، الآيَةَ. اعْلَمْ أنَّ مُطْلَقَ قَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] . يَدُلُّ كُلُّ ذَلِكَ عَلى جَوازِ قَتْلِ الكُفّارِ بِأسْرِهِمْ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ( اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ )، لَكانَ اللَّفْظُ عامًّا في حَقِّ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ. وقَدْ قالَ قائِلُونَ: إنَّ عُمُومَ لَفْظِ المُشْرِكِينَ مَقْصُورٌ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى فَرَّقَ في اللَّفْظِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلِ الكِتابِ، والمَجُوسِ، (p-١٨٧)بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧] . فَعَطَفَ المُشْرِكِينَ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ. وقالَ آخَرُونَ: لَمّا كانَ مَعْنى الشِّرْكِ مَوْجُودًا في مَقالاتِ هَؤُلاءِ الفِرَقِ مِنَ النَّصارى المُشْرِكِينَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى عِبادَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ. والمَجُوسُ أشْرَكَتْ مِن حَيْثُ جَعَلَتْ لِلَّهِ تَعالى نِدًّا مُغالِبًا، والصّابِئُونَ هم عَبَدَةُ الكَواكِبِ، فَهم مُشْرِكُونَ حَقِيقَةً، وقَدِ انْتَظَمَ اللَّفْظُ، فَعَلى هَذا دَلَّ قَوْلُهُ ”المُشْرِكُونَ“ عَلى نَفْيِ أخْذِ الجِزْيَةِ مِن هَؤُلاءِ كُلِّهِمُ، العَرَبِ والعَجَمِ عَلى ما يَقُولُهُ الشّافِعِيُّ. ولِأجْلِ ذَلِكَ تَوَقَّفَ عُمَرُ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ المَجُوسِ، ولَيْسُوا أهْلَ الكِتابِ تَحْقِيقًا، فَإنَّهُ سُلِبَ الكِتابُ مِنهم كَما نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ، وإنْ صَحَّ هَذا النَّقْلُ عَنْ عَلِيٍّ، فَلَيْسُوا أهْلَ الكِتابِ في الحالِ، وكَوْنُ آبائِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ لا يَقْتَضِي أمْرًا في حَقِّهِمْ، وقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما نَقَلَهُ الرُّواةُ عَنْهُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ»، يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ، إذا تَبَيَّنَ ذَلِكَ، فَأخْذُ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ بِحُكْمِ تَخْصِيصِ الشَّرْعِ إيّاهم مِن بَيْنِ المُشْرِكِينَ، لا يَدُلُّ عَلى مِثْلِهِ في المَجُوسِ، إذْ لا يَتَناوَلُهم لَفْظُ مُطْلَقِ لَفْظِ الكِتابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنعام: ١٥٦] . (p-١٨٨)فَإنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾، يَقْتَضِي جَوازَ أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، ولا دِلالَةَ لِلَّفْظِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، إنَّما ورَدَ في مُشْرِكِي العَرَبِ، فَإنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] . ولَيْسَ فِيهِ دِلالَةً عَلى مَنعِ أخْذِ الجِزْيَةِ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ مِنَ العَجَمِ، والظّاهِرُ لا يَقْتَضِي في ذَلِكَ مُشْرِكِي العَجَمِ مَنعًا ولا إثْباتًا. نَعَمِ، الظّاهِرُ يَقْتَضِي جَوازَ أخْذِ الجِزْيَةِ مِن كافَّةِ أهْلِ الكِتابِ عَرَبًا كانُوا أوْ عَجَمًا، وهَذا هو الحَقُّ عِنْدَنا، ولَيْسَ يَظْهَرُ عَنْ هَذا السُّؤالِ جَوابٌ؟ نَعَمْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ ألّا تُقْبَلَ الجِزْيَةُ مِنَ الكُفّارِ إلّا فِيما خُصَّ، وذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ مُوجَبِ الظّاهِرِ ويَتَعَلَّقُ بِنَوْعٍ آخَرَ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ - إلى قَوْلِهِ في سِياقِ الآيَةِ -: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ . تَوَهَّمَ قَوْمٌ أنَّهُ مُنْصَرِفٌ إلى جَمِيعِ الكُفّارِ وهم أصْنافٌ: فَمِنهُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ، ولَيْسَ ذَلِكَ صِفَةَ أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ. (p-١٨٩)وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾، صِفَةُ غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ وكَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هو وصْفُ أهْلِ الكِتابِ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ. وذَكَرُوا أنَّ ظاهِرَ هَذا يَقْتَضِي أخْذَ الجِزْيَةِ مِن أصْنافِ الكُفّارِ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ الإجْماعِ عَلَيْهِ في حَقِّ مُشْرِكِي العَرَبِ، وهَذا باطِلٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فَوَصَفَ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ بِأوْصافٍ، فَلْتَكُنِ الأوْصافُ راجِعَةً إلى الضَّمِيرِ المَذْكُورِ أوَّلًا. وقَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وصْفٌ لَهم. ﴿ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ أيْضًا. وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾، يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلَّذِينِ. فَإذا لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَقَدْ نَعَتَ قَوْمًا بِنَعْتٍ، وذَكَرَ بَعْدَهُ نَعْتًا لا لِمَنعُوتٍ مُتَقَدِّمٍ، وذَلِكَ يَسْتَحِيلُ قَطْعًا. فَلا جَرَمَ، رَجَعَ كُلُّ مَن يَرْجِعُ إلى فَهْمٍ، ونَحْصُلُ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَقِّ أهْلِ الكِتابِ. يَبْقى أنْ يُقالَ: كَيْفَ وصَفَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ؟ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم بِمَنزِلَةِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في بابِ الذَّمِّ، ومِثْلُهُ في مَن يُوالِي الكُفّارَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ. ومَعْناهُ أنَّهم لَوْ كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ، ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ. وقَدْ قِيلَ: مَعْناهُ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ يَقِينٍ ومَعْرِفَةٍ. (p-١٩٠)وقَدْ قِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ عَلى ما يُؤْمِنُ بِهِ المُؤْمِنُونَ. وقَدْ قِيلَ: لَمْ تَكْمُلْ مَعْرِفَتُهم بِاللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ . فالجِزْيَةُ عَطِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ. قِيلَ: سُمِّيَتْ جِزْيَةً لِأنَّها جَزاءٌ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: اشْتِقاقُها مِنَ الإجْزاءِ بِمَعْنى الكِفايَةِ، أيْ أنَّها تَكْفِي مَن يُوضَعُ ذَلِكَ فِيهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وتَجْزِي عَنِ الكافِرِ في عِصْمَتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾، الصَّغارُ هو النَّكالُ، وُصِفَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُصَغِّرُ صاحِبَهُ، بِأنْ يَدْفَعُوها عَنْ قِيامٍ، والآخِذُ لَها قاعِدٌ، ويُعْطِيَها بِيَدِهِ مَشْيًا إلى الوالِي الطّالِبِ. وفائِدَةُ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ الفَرْقُ بَيْنَ ما يُوجَدُ مِنهم مَعَ كُفْرِهِمْ، وبَيْنَ ما يُوجَدُ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ الزَّكاةِ، فَكَما يَقْتَرِنُ بِالزَّكاةِ المَدْحُ والإعْظامُ والدُّعاءُ لَهُ، فَيَقْتَرِنُ بِالجِزْيَةِ الذُّلُّ والذَّمُّ، ومَتى أُخِذَتْ عَلى هَذا الوَجْهِ، كانَ أقْرَبَ إلى ألّا يَثْبُتُوا عَلى الكُفْرِ لِما يَتَداخَلُهم مِنَ الأنَفَةِ والعارِ، وما كانَ أقْرَبَ إلى الإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ فَهو أصْلَحُ في الحِكْمَةِ، وأوْلى بِوَضْعِ الشَّرْعِ. وعَلى هَذا، إذا قالَ القائِلُ: كَيْفَ يَجُوزُ العُدُولُ عَنِ اسْتِئْصالِ الكُفّارِ وتَطْهِيرِ الأرْضِ مِنهم إلى تَعْزِيزِهِمْ في دِيارِنا ونُصْرَتِهِمْ بِأنْفُسِنا وأمْوالِنا مَعَ عَظِيمِ كُفْرِهِمْ، ومَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠]، ثُمَّ يَعْصِمُ مالَهُ بِقَدْرٍ يَسِيرٍ، وهَلْ هَذا إلّا كالرِّضا بِكُفْرِهِمْ، وتَمْهِيدِ أسْبابِهِ لَهم. (p-١٩١)فَيُقالُ في إبْطالِ ذَلِكَ: إنَّ قَتْلَ الكافِرِ مُؤَيِّسٌ مِنَ التَّوْبَةِ، وإذا تُرِكَ بِشَرِيطَةِ الجِزْيَةِ فَيَلْحَقُهُ مِنَ الذُّلِّ ما يُضْجِرُهُ ويَحْمِلُهُ عَلى الإسْلامِ، هَذا مَعَ نَفْعٍ يَعُودُ إلى المُسْلِمِينَ، ومَعَ مُخالَطَةِ الكافِرِ لِلْمُسْلِمِينَ الدّاعِيَةِ لَهُ إلى تَدَبُّرِ أدِلَّةِ الإسْلامِ، وهَذا المَعْنى لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ طائِفَةٍ وطائِفَةٍ، إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَتْلَ مَن لا كِتابَ لَهُ أقْرَبُ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الدِّينِ، ولِأنَّ أهْلَ الكِتابِ أقْرَبُ إلى تَدَبُّرِ مَعانِي الكِتابِ لِتُقارِبِ ما بَيْنَ الأدْيانِ، وتَشاهُدِها عَلى صِدْقِ نَبِيِّنا ﷺ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأصْحابُ بِالجِزْيَةِ أقْرَبَ إلى إيمانِ أهْلِ الكِتابِ مِنهُ إلى غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠]، تَعْظِيمٌ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، ورُجُوعُ وبالِ كُفْرِهِ عَلَيْهِ في المِيعادِ. ومَعَ هَذا فَيُمْهِلُ الشَّرْعُ أسْبابًا هي داعِيَةٌ إلى صَلاحِ حالِهِ في مالِهِ. ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: وإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلِمَ يُرْزَقُونَ ويُحْسَنُ إلَيْهِمْ. لِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى لا تُنافِي اسْتِعْظامَهُ لِلْكُفْرِ، فَكَذَلِكَ إقْرارُهم عَلى المُقامِ في بِلادِنا بِأخْذِ الجِزْيَةِ لا تُنافِي اسْتِعْظامَ كُفْرِهِ. وإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ أمْكَنَ أنْ يُقالَ: الجِزْيَةُ عُقُوبَةٌ لِيَحْصُلَ بِها زَجْرُهُ عَنْ كُفْرِهِ. والعُقُوبَةُ مُنْقَسِمَةٌ إلى ما يَكُونُ زَجْرًا لِمَصْلَحَةِ المُعاقَبِ، وإلى ما يَكُونُ جَزاءً. فَأمّا الجَزاءُ فَلَمْ يُشْرَعْ لِمَصْلَحَةِ المُعاقَبِ، فَعَلى هَذا لا نَقُولُ: يَجِبُ عَلى (p-١٩٢)الكافِرِ الجِزْيَةُ مَتى اقْتَضَتْ عِصْمَةً، فَكَأنَّها دَفْعُ القَتْلِ عَنْهُ لِيَتَدَبَّرَ قُبْحَ القُبْحِ فَيُسْلِمَ، فَجَرى مَجْرى العِباداتِ، وما يَجِبُ فِعْلُهُ لا يُعَدُّ مِنَ العُقُوباتِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما يَجِبُ عَلَيْهِمْ ما يَحْسُنُ لا ما يَقْبُحُ ويَحْرُمُ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ مِنهُ دَفْعُ الجِزْيَةِ، ومِنَ الإمامِ أخْذُها، وإذا أخَذْناها مِنهُ عَلى طَرِيقِ عِصْمَةِ دَمِهِ، فَقَدْ رَضِينا بِمُقامِهِ عَلى كُفْرِهِ، وهم مَتى أرادُوا دَفْعَ الجِزْيَةِ فَقَدْ أرادُوا مُقامَهم عَلى الكُفْرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ قُبْحَ الدَّفْعِ والأخْذِ، ولَوْ كانُوا بِالجِزْيَةِ حاقِنِينَ دِماءَهم كَما بِالإسْلامِ، كانُوا مُخَيَّرِينَ بَيْنَهُما، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الجِزْيَةَ واجِبَةٌ تَحْقِيقًا، ولَكِنْ يُقالُ: إنَّ الجِزْيَةَ إضْجارٌ ومُعاقَبَةٌ لِيَرْجِعَ عَنْ كُفْرِهِ؟ ويُجابُ عَنْ هَذا بِأنْ يُقالَ: بِأنَّ الَّذِي في الكافِرِ مِن كُفْرِهِ، يَقْتَضِي إباحَةَ دَمِهِ، لَكِنَّ حُرْمَةَ الكِتابِ تَقْتَضِي اسْتِبْقاءَهُ لِما في اسْتِبْقائِهِ مِن تَوَقُّعِ إسْلامِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ القَتْلُ أوْلى بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَفَعَ الكافِرَ إلى القَتْلِ، أوْ دَفَعُ الجِزْيَةِ، وفي دَفْعِها إزالَةُ القَتْلِ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِإزالَةِ الضَّرَرِ العَظِيمِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ القَتْلَ امْتَنَعَ بِبَذْلِ الجِزْيَةِ لِما في أخْذِ الجِزْيَةِ مِن تَوَقُّعِ إسْلامِهِ، والمَقْصُودُ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُ عَلى مَساقِهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْتُومًا، ويَجِبُ عَلَيْنا أخْذُ الجِزْيَةِ مِنهُ، ويَمْتَنِعُ قَتْلُهُ. والجَوابُ: أنَّ الكافِرَ إذا لَمْ يَعْرِفْ حُسْنَ الإسْلامِ، فَقَدْ دَفَعَهُ الشَّرْعُ إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا القَتْلِ، وإمّا الجِزْيَةِ، وهو يَعْلَمُ أنَّ الجِزْيَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ، وفي الجِزْيَةِ حَقْنُ الدَّمِ، فَيَحْسُنُ بِقَضِيَّةِ العَقْلِ والشَّرائِعِ كُلِّها دَفْعُ الجِزْيَةِ، تَحْقِيقًا لِمَقْصُودِ دَفْعِ شَرِّ القَتْلِ، ووَجَبَ بِحُكْمِ شَرْعِنا الجِزْيَةُ عَلَيْهِ، لِما فِيهِ (p-١٩٣)مِن حُسْنِ تَوَقُّعِ إسْلامِهِ، ودَفْعِ قَتْلٍ يُعَجِّلُهُ إلى النّارِ، فَفي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْكافِرِ بِحُكْمِ دِينِهِ الَّذِي هو عَلَيْهِ عِنْدَ جَهْلِهِ بِحُسْنِ الإسْلامِ، وبِحُكْمِ دِينِنا الَّذِي بِهِ عَرَفْنا حُسْنَ الإسْلامِ، وتَوَقُّعِهِ مِنهُ بِبَذْلِ الجِزْيَةِ، إلّا أنَّهُ إذا امْتَنَعَ فَلا يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ في دِيارِنا عَلى كُرْهٍ مِنهُ، لِما فِيهِ مِن غائِلَةِ هَرَبِهِ وتَرَصُّدِهِ لِأذِيَّةِ المُسْلِمِينَ، فَوَجَبَ قَتْلُهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، أمّا إذا تَوَطَّنَ وتَأهَّلَ وطَلَبَ مِنّا الذِّمَّةَ انْدَفَعَتْ غائِلَتُهُ، فَحَسُنَ بَذْلُ الجِزْيَةِ لِهَذا المَعْنى. ومَعْلُومٌ أنَّ مَن أُكْرِهَ عَلى دَفْعِ مالِهِ بِالقَتْلِ، وجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُ مالِهِ لِدَفْعِ شَرِّ القَتْلِ عَنْ نَفْسِهِ. فَعَلى هَذا يَجِبُ عَلى الذِّمِّيِّ بَذْلُ الجِزْيَةِ لِدَفْعِ شَرِّ القَتْلِ عَنْ نَفْسِهِ، ويَحْسُنُ مِنَ المُسْلِمِينَ أخْذُها مِنهُمْ، لِما يُتَوَقَّعُ في ذَلِكَ مِن إسْلامِهِ، وقَدْ قِيلَ: يَحْسُنُ أخْذُ الجِزْيَةِ في مُقابَلَةِ مُساكَنَتِهِمْ لَنا وذَبِّنا عَنْهم. فالكافِرُ لَيْسَ يَبْذُلُ عَلى هَذا القَصْدِ، ولَكِنْ يَبْذُلُها لِدَفْعِ القَتْلِ، ووَجْهُ الوُجُوبِ عَلَيْهِ هَذا. فَأمّا المُسْلِمُ، فَإنَّما يَأْخُذُها لِحَقِّ المُساكَنَةِ، ولِأجْلِ ذَبِّنا عَنْهُمْ، فَقِيلَ لَهم: فَإذا وجَبَتِ الجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ لِهَذا المَعْنى، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الحَقْنُ مَقْصُودًا، وإنَّما يَكُونُ الحَقْنُ مَقْصُودًا، وتَقْرِيرُهم في دِيارِنا مَقْصُودًا مَعْنِيًّا، إذا كانَ البَقاءُ عَلى الكُفْرِ مُرادًا، فَإنَّ مِن ضَرُورَةِ تَقْرِيرِ الكافِرِ في دِيارِنا والتِزامِ الذَّبِّ عَنْهُ، الرِّضا بِفِعْلِهِ، وإرادَةُ الكُفْرِ مِنهُ، فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ الجِزْيَةُ عُقُوبَةً وزَجْرًا عَنِ الكُفْرِ، حَتّى تَكُونَ إرادَةُ الزّاجِرِ كَراهَةَ المَزْجُورِ عَنْهُ. فَأمّا إذا كانَتِ الجِزْيَةُ عِوَضًا عَنِ المُساكَنَةِ أوْ عَنِ الذَّبِّ، كانَ الذَّبُّ مَقْصُودًا، ووُجُوبُ تَعْظِيمِهِ وصِيانَتِهِ والذَّبِّ عَنْهُ يَقْتَضِي إرادَةَ الكُفْرِ لا مَحالَةَ. (p-١٩٤)وإنْ جُعِلَتِ الجِزْيَةُ لِدَفْعِ القَتْلِ، فَدَفْعُ القَتْلِ واجِبٌ، كَما أنَّ الإسْلامَ وجَبَ لِدَفْعِ العِقابِ، ودَفْعُ العِقابِ واجِبٌ، فَإذًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الإسْلامِ الَّذِي يُدْفَعُ بِهِ العِقابُ، وبَيْنَ الجِزْيَةِ الَّتِي يُدْفَعُ بِها القَتْلُ، فَعَلى هَذا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اخْتِيارُ مَنِ اخْتارَ كَوْنَ الجِزْيَةِ في مُقابَلَةِ الذَّبِّ والمُساكَنَةِ ضَعِيفًا، وإنَّما المُعْتَمَدُ كَوْنُ الجِزْيَةِ دافِعَةً لِلْقَتْلِ في حَقِّ الكافِرِ، ونَحْنُ نَأْخُذُها لِمَنفَعَةِ المُسْلِمِينَ، وغَرَضُنا مِنها تَوَقُّعُ إسْلامِهِ، وفِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ في دَفْعِ القَتْلِ عَنْهُ، ومَنفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ لا يَبْعُدُ وُجُوبُها. وعَلى أنَّهُ يُقالُ: مَتى قُلْنا: إنَّ الجِزْيَةَ تَقْتَضِي العِصْمَةَ كالإسْلامِ، فَإنَّما نَقُولُ ذَلِكَ في أحْكامِ الدُّنْيا، وفي أحْكامِ الدُّنْيا كَلِمَةُ الشَّهادَتَيْنِ مِثْلُ الجِزْيَةِ. ونَحْنُ نَقُولُ: يَجِبُ عَلى الكافِرِ كَلِمَةُ الشَّهادَتَيْنِ، ولا تَنْفَعُهُ الشَّهادَةُ في إزالَةِ العِقابِ، وإنَّما يَنْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والمَعْرِفَةِ، وكَذَلِكَ لا يُحْقَنُ الدَّمُ، ويَتَبَيَّنُ كَيْفَ يَحْسُنُ دَفْعُ الجِزْيَةِ وأخْذُها، وكَيْفَ يَقْبُحُ. وأمّا مِقْدارُ الجِزْيَةِ، فَلَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السُّنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاجْتِهادِ مَدْخَلٌ فِيهِ عَلى ما بَيَّنّاهُ في الفِقْهِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الرِّجالِ المُقاتِلِينَ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ”قاتِلُوا حَتّى“. فَيَقْتَضِي ذَلِكَ وُجُوبَها عَلى مَن يُقاتِلُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى العَبْدِ وإنْ كانَ مُقاتِلًا لِأنَّهُ لا مالَ لَهُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾، ولا يُقالُ لِمَن لا يَمْلِكُ: حَتّى تُعْطِيَ، والظّاهِرُ يَقْتَضِي أنَّهُ المُفْتَدِي بِمالِهِ، وأنْ ذَلِكَ كالعُقُوبَةِ، فَلا تَجِبُ عَلى السَّيِّدِ بِسَبَبِ عَبْدِهِ. (p-١٩٥)واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن دانَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِدِينِ أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ المَنهَبِ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَقْتَضِي القَبُولَ لِأنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ. وكَما لَيْسَ في القُرْآنِ بَيانُ مِقْدارِ الجِزْيَةِ المُؤَدّاةِ، فَلَيْسَ فِيهِ بَيانُ مُدَّةِ أداءِ الجِزْيَةِ، وتَكَرُّرُها بِتَكَرُّرِ الحَوْلِ، وإنَّما فِيهِ بَيانُ أنَّ الجِزْيَةَ يَنْتَهِي بِها وُجُوبُ المُقاتَلَةِ، والظّاهِرُ يَقْتَضِي وُجُوبَها مَرَّةً واحِدَةً. وأبُو حَنِيفَةَ لا يَرى تَعَدُّدَ وُجُوبَها بِتَكَرُّرِ الحَوْلِ، بَلْ يَقُولُ: إنَّهم يُقاتِلُونَ إلى أنْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، إلّا أنَّها تُؤْخَذُ مِنهم عِنْدَ انْفِصالِ السَّنَةِ، ولا ذِكْرَ لِذَلِكَ في القُرْآنِ. ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ . عَلى أنَّ بِالإسْلامِ يَزُولُ هَذا المَعْنى، فَلا جَرَمَ لا خِلافَ أنَّهم إذا أسْلَمُوا فَلا يُؤَدُّونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. والشّافِعِيُّ لا يَأْخُذُ بَعْدَ الإسْلامِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قالَهُ اللَّهُ تَعالى، وإنَّما يَقُولُ: الجِزْيَةُ دَيْنٌ، وجَبَ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ سابِقٍ، وهو السُّكْنى، أوْ لِدَفْعِ شَرِّ القَتْلِ، فَصارَ كالدُّيُونِ كُلِّها، فَإذا ثَبَتَ لِلشّافِعِيِّ أنَّها دَيْنٌ، فَإنَّها لا تَسْقُطُ، وإذا كانَ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلى نَحْوِ وُجُوبِ الدُّيُونِ، وفِيها غَرَضٌ، وهو دَفْعُ القَتْلِ، فَهي طاعَةٌ مَأْمُورٌ بِها، والذِّمِّيُّ قَدْ أطاعَ اللَّهَ تَعالى بِدَفْعِها، إلّا أنَّ ثَوابَ طاعَتِهِ مُحْبَطٌ، كَثَوابِ الطّاعاتِ كُلِّها، فَهَذا تَمامُ ما أرَدْنا بَيانَهُ. وأبُو حَنِيفَةَ لا يَرى الجِزْيَةَ واجِبَةً عَلى الذِّمِّيِّ طاعَةً، بَلْ يَقُولُ: يُقامُ عَلَيْهِ إضْجارًا لَهُ وإتْعابًا، وذَلِكَ لا يَكُونُ طاعَةً في حَقِّهِ، وإنَّما هي طاعَةٌ في حَقِّنا، فَأمّا في حَقِّ الدّافِعِ فَلا، فَهم إذا امْتَنَعُوا مِنَ الجِزْيَةِ وجَبَ (p-١٩٦)قِتالُهُمْ، وإذا بَذَلُوا الجِزْيَةَ امْتَنَعَ قِتالُهُمْ، إلّا أنَّ الجِزْيَةَ عِنْدَهم عُقُوبَةٌ زاجِرَةٌ عَنِ الكُفْرِ، بِالإضافَةِ إلى الذِّمِّيِّ، والَّذِي يُخالِطُ المُسْلِمِينَ، فَتَوَقُّعُ الإسْلامِ مِنهُ يَزِيدُ عَلى تَوَقُّعِهِ مِمَّنْ لا يُخالِطُونا، فَهَذا تَمامُ هَذا المَعْنى عَلى المَذاهِبِ كُلِّها.

التوبة 9:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾، الآيَةَ. ذَكَرَ الأصَمُّ: أنَّهُ راجِعٌ إلى أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهُ مَذْكُورٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ . وغَيْرُهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى كُلِّ كافِرٍ، وذَلِكَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، ومَعْطُوفٌ عَلى المُتَقَدِّمِ بِاللَّفْظِ العامِّ، لِأنَّهُ وصْفٌ لِما تَقَدَّمَ، ولِأنَّهُ مُسْتَقِلٌّ، وإنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِما تَقَدَّمَ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ قائِلًا قالَ لَهُ وهو بِالرَّبَذَةِ: ما أنْزَلَكَ هَذا المَنزِلَ؟ فَقالَ: كُنّا بِالشّامِ، فَقَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ مُعاوِيَةُ: نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ لا فِينا. فَقُلْتُ: لا، بَلْ فِينا وفِيهِمْ. وكَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى عُثْمانَ: أنَّ أبا ذَرٍّ يَطْعَنُ فِينا، ويَقُولُ كَذا، فَكَتَبَ إلَيَّ عُثْمانُ بِالإقْبالِ إلَيْهِ، فَأقْبَلْتُ، فَلَمّا قَدِمْتُ المَدِينَةَ، كَثُرَ عَلَيَّ النّاسُ حَتّى كَأنَّهم لَمْ يَرَوْنِي فَآذَوْنِي، فَشَكَوْتُ إلى عُثْمانَ، فَقالَ: تَنَحَّ قَرِيبًا، فَتَنَحَّيْتُ إلى مَنزِلِي هَذا. وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الوَعِيدَ عَلى الكَنْزِ عَلى مَن يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ تَعالى فِيهِ، فَما لَمْ يُؤَدَّ حَقُّ اللَّهِ تَعالى مِنهُ، فَهو كَنْزٌ كانَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، أوْ تَحْتَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: (p-١٩٧)«ما مِن صاحِبِ كَنْزٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ كَنْزِهِ إلّا جِيءَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُحْمى ويُكْوى بِهِ جَنْبُهُ وجَبِينُهُ». وقالَ: «مَن لَهُ مالٌ فَأدّى زَكاتَهُ فَقَدْ سَلِمَ» . ولا خِلافَ في جَوازِ دَفْنِ المالِ المُزَكّى أوْ غَيْرِ المُزَكّى إذا أدّى زَكاتَهُ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ العُدُولُ عَنِ الإكْثارِ وجَمْعِ المالِ، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَجِيءُ كَنْزُ أحَدِكم شُجاعٌ أقْرَعُ، فَإذا رَأى صاحِبُهُ هَرَبَ مِنهُ فَيَطْلُبُهُ فَيَقُولُ: أنا كَنْزُكَ» . وعَلى الجُمْلَةِ، المَعْقُولُ مِنَ الآيَةِ تَعْلِيقُ الوَعِيدِ عَلى مَن كَنَزَ، ولَمْ يُنْفِقْ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْواجِبِ وغَيْرِهِ، غَيْرَ أنَّ صِفَةَ الكَنْزِ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً، فَإنَّ مَن لَمْ يَكْنِزْ، ومَنَعَ الإنْفاقَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَلا أثَرَ لِصِفَةِ الكَنْزِ، ولَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ الواجِبِ مِن غَيْرِهِ، ولَكِنْ مِنَ المَعْقُولِ أنَّ صُورَةَ الكَنْزِ كَما لا تُعْتَبَرُ، فالِامْتِناعُ مِن أداءِ ما لَيْسَ بِواجِبٍ لا يُعْتَبَرُ أيْضًا، وإذا لَمْ يُعْتَبَرْ هَذا، ولا ذاكَ جُمْلَةً، فَلَيْسَ إلّا أنَّ المُرادَ مَنعُ الواجِبِ مِنَ الزَّكاةِ وغَيْرِهِ، إلّا أنَّ الَّذِي يُخَبَّأُ تَحْتَ الأرْضِ هو الَّذِي يُمْنَعُ إنْفاقُهُ في الواجِباتِ عُرْفًا، فَلِذَلِكَ خُصَّ الوَعِيدُ بِهِ. وإذا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الكَنْزِ أنَّ صاحِبَهُ يُمْسِكُهُ ولا يُنْفِقُ مِنهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَظَنَّ قَوْمٌ أنَّ مَن صاغَ الدَّراهِمَ حُلِيًّا، ولا يُزَكِّي مِنهُ، فَهو كانِزٌ. (p-١٩٨)وهَذا اسْتِدْلالٌ بِطَرِيقِ المَعْنى، وإلّا فاللَّفْظُ مِن حَيْثُ الظّاهِرُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ أصْلًا. ويُحْتَمَلُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في وقْتِ شِدَّةِ الحاجَةِ، وضَعْفِ المُهاجِرِينَ، وقُصُورِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِفايَتِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ في بَيْتِ المالِ ما يَسَعُهُمْ، وكانَتِ السُّنُونَ والحَوائِجُ هاجِمَةً عَلَيْهِمْ، فَنُهُوا عَنْ إمْساكِ شَيْءٍ مِنَ المالِ زائِدٍ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ، ولا يَجُوزُ ادِّخارُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وإلّا فَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ المُسْتَفِيضِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيجابُهُ في مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، خَمْسَةُ دَراهِمَ، وفي عِشْرِينَ دِينارًا، نِصْفُ دِينارٍ، ولَمْ يُوجِبِ الكُلَّ، واعْتَبَرَ مُدَّةَ الِاسْتِنْماءِ، وكانَ في الصَّحابَةِ ذَوُو ثَرْوَةٍ ونِعْمَةٍ وأمْوالٍ جَمَّةٍ، مِثْلُ عُثْمانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. أوْ يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهُ: ولا يُنْفِقُونَها، أيْ لا يُنْفِقُونَ مِنها تُحْذَفُ مِن، وبَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ عُمَرُ: أنا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ، فانْطَلَقَ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّهُ كَبُرَ عَلى أصْحابِكَ هَذِهِ الآيَةُ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيُطَيِّبَ ما بَقِيَ مِن أمْوالِكُمْ، وإنَّما فَرَضَ المَوارِيثَ لِتَكُونَ لِمَن بَعْدَكُمْ“، فَكَبَّرَ عُمَرُ». (p-١٩٩)فَأبانَ بِهَذا الحَدِيثِ أنَّ المُرادَ بِهِ إنْفاقُ بَعْضِ المالِ لا جَمِيعِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ( الَّذِينَ يَكْنِزُونَ ) المُرادُ بِهِ مَنعُ الزَّكاةِ. ورَوى سُهَيْلُ بْنُ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن صاحِبِ كَنْزٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ كَنْزِهِ إلّا جِيءَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وبِكَنْزِهِ، فَيُكْوى بِهِ جَنْبُهُ وجَبِينُهُ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ عِبادِهِ» . فَأخْبَرَ في هَذا الحَدِيثِ، أنَّ الحَقَّ الواجِبَ في الكَنْزِ هو الزَّكاةُ دُونَ غَيْرِهِما، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] . يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يُؤَدُّوا زَكاتَهُ. ورَوى ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الَّذِي لا يُؤَدِّي زَكاتَهُ، يُمَثَّلُ لَهُ مالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، شُجاعًا أقْرَعَ لَهُ ذَبِيبَتانِ تَلْزَمُهُ أوْ يُطَوِّقُهُ، فَيَقُولُ: أنا كَنْزُكَ أنا كَنْزُكَ»، فَأخْبَرَ أنَّ المالَ الَّذِي لا يُزَكّى هو الكَنْزُ، فَبانَ بِهِ أنَّ الكَنْزَ اسْمٌ لِما لا يُؤَدّى زَكاتُهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ، والوَعِيدُ انْصَرَفَ إلَيْهِ، فاعْلَمْهُ.

التوبة 9:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. وظاهِرُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ تَعْلِيقُ الأحْكامِ المُتَّصِلَةِ بِالشُّهُورِ والسِّنِينَ، مِن عِباداتٍ وغَيْرِها، بِالأشْهُرِ العَرَبِيَّةِ دُونَ الشُّهُورِ الَّتِي يَعْتَبِرُها العَجَمُ والرُّومُ، وإنَّ شُهُورَ الرُّومِ وإنْ لَمْ تَزِدْ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ، ولَكِنَّها مُخْتَلِفَةُ الأعْدادِ، مِنها ما يَزِيدُ عَلى ثَلاثِينَ، ومِنها ما يَنْقُصُ. وشُهُورُ (p-٢٠٠)العَرَبِ لا تَزِيدُ عَلى ثَلاثِينَ، ومِنها ما يَنْقُصُ، والَّذِي يَنْقُصُ لا يَتَعَيَّنُ لَهُ شَهْرٌ، وإنَّما تَفاوُتُها في النُّقْصانِ، والتَّمامِ عَلى حَسَبِ سَيْرِ القَمَرِ في البُرُوجِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ . ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الأرْبَعَةَ الحُرُمَ لَها ضَرْبٌ مِنَ الِاخْتِصاصِ، وأنَّها رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ. وإذا خَصَّها اللَّهُ تَعالى بِأنَّها حُرُمٌ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِهَذا الِاخْتِصاصِ مَعْنًى، ولَيْسَ يَظْهَرُ ذَلِكَ المَعْنى في حُكْمٍ سِوى المُقابَلَةِ، وقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ، أوْ تَحْرِيمُ القَتْلِ، حَتّى إنَّ الدِّيَةَ تَتَغَلَّظُ بِالأشْهُرِ الحُرُمِ، فَهَذا وجْهُ التَّخْصِيصِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾، عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ هو راجِعٌ إلى الجَمِيعِ، وعَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: هو راجِعٌ إلى الأشْهُرِ الحُرُمِ خاصَّةً، ومَن يُخَصِّصُ بِالأرْبَعَةِ يَقُولُ: لِأنَّها إلَيْها أقْرَبُ، ولَها مَزِيَّةُ تَعْظِيمِ الظُّلْمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ . فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَ هَذِهِ الشُّهُورَ وسَمّاها بِأسْمائِها، عَلى ما رَتَّبَها عَلَيْهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلى أنْبِيائِهِ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ . وحُكْمُها باقٍ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَزَّلَها عَنْ مَرْتَبَتِها تَغْيِيرُ المُشْرِكِينَ لِأسْمائِها وتَقْدِيمُ المُؤَخَّرِ، وتَأْخِيرُ المُقَدَّمِ، في الِاسْمِ فِيها، والمَقْصُودُ مِن (p-٢٠١)ذَلِكَ اتِّباعُ أمْرِ اللَّهِ تَعالى فِيها، ورَفْضُ ما كانَتْ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِن تَأْخِيرِ أسْماءِ الشُّهُورِ وتَقْدِيمِها، وتَعْلِيقِ الأحْكامِ عَلى الأسْماءِ الَّتِي رَتَّبُوها عَلَيْها، ولِذَلِكَ «قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَجَّةِ الوَداعِ في خُطْبَتِهِ بِالعَقَبَةِ: ”أيُّها النّاسُ، إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ“» . وإنَّ الَّذِي تَجْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ، مِن جَعْلِ المُحَرَّمِ صَفَرًا وصَفَرٍ مُحَرَّمًا، لَيْسَ يَتَغَيَّرْنَ، ما وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى. والَّذِينَ صارُوا إلى جَعْلِ بَعْضِ السِّنِينَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، لَيْسَ عَلى ما تَوَهَّمُوهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَضَعْ غَيْرَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، فَهَذا وجْهٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ في كِتابِ اللَّهِ، أنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ الزَّمانَ في الأصْلِ اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا، فَجَعَلَ نُزُولَ الشَّمْسِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنَ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، قِسْمًا مِنها، فَيَكُونُ قَطْعُها لِلْفَلَكِ في ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسٍ وسِتِّينَ يَوْمًا ورُبْعِ يَوْمٍ، فَيَجِيءُ نَصِيبُ كُلِّ قِسْمٍ مِنها بِالأيّامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا وكَسْرًا، وقَسَّمَ الأزْمِنَةَ أيْضًا عَلى سَيْرِ القَمَرِ، فَصارَ القَمَرُ يَقْطَعُ الفَلَكَ كُلَّ تِسْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، ونِصْفٍ، وجَعَلَ السَّنَةَ القَمَرِيَّةَ ثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا، ورُبْعَ يَوْمٍ، واخْتَلَفَتْ سَنَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، مَعَ اتِّفاقِ أعْدادِ شُهُورِها، وكانَ تَفاوُتُ ما بَيْنَها أحَدَ عَشَرَ يَوْمًا بِالتَّقْرِيبِ، وكانَتْ شُهُورُ القَمَرِ ثَلاثِينَ وتِسْعَةً وعِشْرِينَ، فِيما يَتَعَلَّقُ بِها مِن أحْكامِ الشَّرْعِ، ولَمْ يَكُنْ لِلنِّصْفِ الَّذِي هو زِيادَةٌ عَلى تِسْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا حُكْمٌ، وكانَ ذَلِكَ هو القِسْمَةَ الَّتِي قَسَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها السَّنَةَ في ابْتِداءِ وضْعِ الخَلْقِ، ثُمَّ جاءَتِ الأُمَمُ فَغَيَّرَتْ هَذا الوَضْعَ، وكانَ قَصْدُهم بِذَلِكَ أنْ لا تَتَغَيَّرَ الشُّهُورُ عَنْ (p-٢٠٢)أوْقاتِها الَّتِي هي عَلَيْها شِتاءً وصَيْفًا وخَرِيفًا ورَبِيعًا، فاقْتَضاهم ذَلِكَ أوْضاعًا مُخْتَلِفَةً. فَوَضَعَتِ الرُّومُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، بَعْضُها ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ، وبَعْضُها ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ ونِصْفٌ، وبَعْضُها أحَدٌ وثَلاثُونَ، وكانَتْ شُهُورُ الفُرْسِ ثَلاثِينَ إلّا شَهْرًا واحِدًا، وهو أبازُ ماهْ، فَإنَّهُ خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ، ثُمَّ كانَتْ تَكْبِسُ في كُلِّ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً شَهْرًا كامِلًا، فَتَصِيرُ السَّنَةُ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَأمّا أشْهُرُ العَرَبِ، فَإنَّها تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ أوْ ثَلاثُونَ، وأبْطَلَ اللَّهُ تَعالى كَبْسَةَ الفُرْسِ، وجَعْلَها ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا في بَعْضِ السَّنَةِ، وأبْطَلَ ما كانَ المُشْرِكُونَ عَلَيْهِ مِن تَغْيِيرِ النِّظامِ، وصارَتِ الشُّهُورُ الَّتِي لَها أسامٍ لا تُؤَدِّي الأسْماءُ مَعانِيَها، لِأنَّها تارَةً تَكُونُ في الصَّيْفِ، وتارَةً تَكُونُ في الشِّتاءِ، وأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَ شَهْرَ رَمَضانَ تارَةً في الصَّيْفِ، وتارَةً في الشِّتاءِ، اسْتِيغالُهم مَصالِحَ الدِّينِ والدُّنْيا في التَّخْفِيفِ تارَةً، وفي التَّغْلِيظِ أُخْرى، ولَمْ يَكُنْ صَوْمُنا كَصَوْمِ النَّصارى في الرَّبِيعِ لا يَخْتَلِفُ.

التوبة 9:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾، الآيَةَ. هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ، وهو أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَجْعَلُ المُحَرَّمَ صَفَرًا وصَفَرًا المُحَرَّمَ في بَعْضِ السِّنِينَ، عَلى ما كانَتْ تَقْتَضِيهِ الكَبْسَةُ الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، وأوَّلُ مَن وضَعَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ مَلِكٌ لَهم يُقالُ لَهُ: القَلَمَّسُ، واسْمُهُ حُذَيْفَةُ، وهو أوَّلُ مَن أنْسَأ النَّسِيءَ، أنْسَأ المُحَرَّمَ، فَكانَ يُحِلُّهُ عامًا ويُحَرِّمُهُ عامًا، فَكانَ إذا حَرَّمَهُ كانَ ثَلاثًا حُرُمًا مُتَوالِياتٍ، وهي الَّتِي يُقالُ: ثَلاثَةٌ سُرُدٌ، وهي العِدَّةُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في عَهْدِ إبْراهِيمَ، فَإذا أحَلَّهُ دَخَلَ مَكانَهُ صَفَرٌ في المُحَرَّمِ لِتُواطِئَ العِدَّةَ، يَقُولُ: قَدْ أكْمَلْتُ الأرْبَعَةَ كَما كانَتْ، لِأنِّي لَمْ أُحِلَّ شَهْرًا إلّا وقَدْ حَرَّمْتُ مَكانَهُ شَهْرًا، لَكِنَّهُ لَيْسَ مَسْرُورًا، (p-٢٠٣)فَحَجَّ النَّبِيُّ ﷺ، وقَدْ عادَ المُحَرَّمُ إلى ما كانَ في الأصْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦]، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ النَّسِيءَ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ كُفْرٌ، وأنَّ الأشْهُرَ الحُرُمَ الثَّلاثَةَ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مُتَوالِيَةً، وأنَّ صَفَرًا لا يُقامُ مَقامَها، فَهَذا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ قائِلُونَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ رُوما مِن بَنِي كِنانَةَ وغَيْرِها، كانُوا يُؤَخِّرُونَ الحَجَّ عَنْ وقْتِهِ في كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا، فَيُوقِعُونَهُ في المُحَرَّمِ بَعْدَ ذِي الحِجَّةِ، وفي السَّنَةِ الثّانِيَةِ في صَفَرٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا الصَّنِيعَ كُفْرٌ.

التوبة 9:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، الآيَةَ. يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى إضافَةِ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ، إذا كانَ مِنهُ تَسَبُّبٌ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وما أخْرَجُوهُ حَقِيقَةً بَلْ أخافُوهُ حَتّى اضْطُرَّ إلى أنْ يَخْرُجَ، وكانَ الصِّدِّيقُ مَعَهُ، فَتارَةً كانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وتارَةً يَمْشِي خَلْفَهُ، وقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إذا ذَكَرْتُ الرَّصْدَ مَشَيْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ، وإذا ذَكَرْتُ الطَّلَبَ مَشَيْتُ خَلْفَكَ. وظَنَّ جُهّالُ الإمامِيَّةِ أنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِي بَكْرٍ: ”لا تَحْزَنْ“، يَدُلُّ عَلى جَهْلٍ مِنهُ ونَقِيصَةٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ مِثْلَهُ في قَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] ﴿قُلْنا لا تَخَفْ﴾ [طه: ٦٨] . وقَوْلِهِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ﴾ [هود: ٧٠] . (p-٢٠٥)فَإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَعْنًا عَلَيْهِمْ ووَصْفًا لَهم بِالنَّقْصِ، فَكَذَلِكَ في أبِي بَكْرٍ، ولَيْسَ حُزْنُهُ مِن جِهَةِ الشِّدَّةِ والحَيْرَةِ، بَلْ لِتَجْوِيزِهِ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإلَيْهِ، وما كانَ الخَبَرُ أتاهُ بِأنَّ الرَّسُولَ كانَ مَعْصُومًا مِنَ القَوْمِ مَحْرُوسًا مِنهُمْ، حَتّى قالَ لَهُ الرَّسُولُ: لا تَحْزَنْ، فَسَكَنَ إلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِسِنِينَ، فَلا يُوجِبُ كَوْنَ أبِي بَكْرٍ عالِمًا بِعِصْمَتِهِ، ولَوْ عَلِمَ أنَّهُ يَسْلَمُ مِنهم بِنَفْسِهِ لَمْ يَأْمَن مَضَرَّةً بِجِراحَةٍ أوْ غَيْرِها، وفي ذَلِكَ جَوازُ الحُزْنِ والخَوْفِ عَلَيْهِ.

التوبة 9:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾، الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكم انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، الآيَةَ. اخْتَلَفُوا في عُمُومِهِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أرادَ بِهِ كُلَّ المُؤْمِنِينَ. وعِنْدَ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في وُجُوبِ هَذا التَّغَيُّرِ: فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِهِ وُجُوبُ النُّفُورِ إلى الرَّسُولِ إذا دَعا إلى الجِهادِ وأمَرَ بِهِ، وهو الأصَحُّ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِهِ عِنْدَ الحاجَةِ وظُهُورِ الكَفَرَةِ واشْتِدادِ شَوْكَتِهِمْ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِدْعاءِ، فَعَلى هَذا لا يَتَّجِهُ الحَمْلُ عَلى وقْتِ ظُهُورِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ لا يَخْتَصُّ بِالِاسْتِدْعاءِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فالِاسْتِدْعاءُ والِاسْتِبْقاءُ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مُوجِبًا شَيْئًا لَمْ يَجِبْ مِن قَبْلُ، إلّا أنَّ الإمامَ إذا عَيَّنَ قَوْمًا ونَدَبَهم إلى الجِهادِ، لَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَتَثاقَلُوا عَنْهُ، ولَهُ وِلايَةُ التَّعْيِينِ، ويَصِيرُ بِعَيْنِهِ فَرْضًا عَلى مَن عَيَّنَهُ لا لِمَكانِ (p-٢٠٤)الجِهادِ، ولَكِنْ طاعَةُ الإمامِ واجِبَةٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وكانَ مِن أهْلِ الثُّغُورِ كِفايَةٌ، فالَّذِي قالَهُ أصْحابُنا أنَّهُ يَجِبُ عَلى الإمامِ أنْ يُفَرِّقَ في الجِهاتِ الأرْبَعَةِ قَوْمًا في كُلِّ سَنَةٍ، يُظْهِرُ لَهُمُ النِّكايَةَ في العَدُوِّ، ويَمْنَعُهم ذَلِكَ مِنَ انْتِهازِ فُرْصَةِ الِاحْتِشادِ والِاسْتِعْدادِ، وإذا حَصَلَتِ الكِفايَةُ لِقَوْمٍ، سَقَطَ عَنِ الباقِينَ، فَلَيْسَ الجِهادُ عَلى هَذا الرَّأْيِ فَرْضًا عَلى كُلِّ واحِدٍ، وإنَّما هو فَرْضُ كِفايَةٍ، فَإذا قامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ.

التوبة 9:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾، الآيَةَ. ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ المِسْكِينَ غَيْرُ الفَقِيرِ. وقالَ قَوْمٌ: هُما واحِدٌ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَهُما بِاسْمَيْنِ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ فِيهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ. وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَلِلشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ اخْتِلافٌ في اللَّفْظِ في أيِّهِما أعْظَمُ حاجَةٌ وأشَدُّ خَصاصَةً، ولَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، ولَيْسَ بِبَيِّنٍ أنْ يُجْعَلَ المِسْكِينُ صِنْفًا والفَقِيرُ صِنْفًا، فَيُقالُ: يُعْطى الصِّنْفانِ وهُما فَقِيرانِ إلّا أنَّ أحَدَ الصِّنْفَيْنِ أشَدُّ فَقْرًا مِنَ الآخَرِ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَقْرُبُ قَوْلُ مَن جَعَلَهُما واحِدًا. ومُطْلَقُ لَفْظِ الفَقْرِ لا يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ بِالمُسْلِمِينَ دُونَ أهْلِ الذِّمَّةِ، ولَكِنْ تَظاهَرَتِ الأخْبارُ في أنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِن أغْنِياءِ المُسْلِمِينَ، وتُرَدُّ في فُقَرائِهِمْ. (p-٢٠٦)والَّذِي يُمْكِنُ أنْ يُفْهَمَ مِنَ الآيَةِ، ومِنَ السُّنَّةِ، أنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَقَ الصَّدَقاتِ، وبَيَّنَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصْنافَ الصَّدَقاتِ، وما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، وما لا تَجِبُ، والَّذِي لا تَجِبُ قَدْ تَجِبُ فِيهِ إذا اتَّجَرَ. وقَدْ حُكِيَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى عَلِمَ قَدْرَ ما يَرْتَفِعُ مِنَ الزَّكاةِ، وأنَّهُ بِما تَقَعُ بِهِ الكِفايَةُ لِهَذِهِ الأصْنافِ، فَأوْجَبَهُ لَهُمْ، وجَعَلَهُ حَقًّا لِجَمِيعِهِمْ، فَمَن مَنَعَهم ذَلِكَ فَهو الظّالِمُ لَهم رِزْقَهم. ولِذَلِكَ قالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الزَّكاةَ تَصِيرُ شَرِكَةً لِلْفُقَراءِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ كالتَّمْلِيكِ، وإنَّما لَمْ يَجْعَلْهُ تَمْلِيكًا حَقِيقَةً مِن حَيْثُ جُعِلَ لِوَصْفٍ لا لِعَيْنٍ، وكُلُّ حَقٍّ جُعِلَ لِمَوْصُوفٍ، فَإنَّهُ لا يَمْلِكُهُ إلّا بِالتَّسْلِيمِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ الأصْنافِ لِأنْواعِ الصَّدَقاتِ، حَتّى لا يُحْرَمَ صِنْفٌ مِنهم. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في اسْتِيعابِ هَذِهِ الأصْنافِ: فَمِنهم مَن قالَ: الفَرْضُ بِهِ بَيانُ المَصارِفِ حَتّى لا يَخْرُجَ عَنْهُمْ، ثُمَّ الِاخْتِيارُ إلى مَن يُقْسَمُ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ وحُذَيْفَةَ، وخَلْقٍ مِنَ التّابِعِينَ، كالحَسَنِ وإبْراهِيمَ وغَيْرِهِما، حَتّى ادَّعى مالِكٌ الإجْماعَ في ذَلِكَ. وقالَ الشّافِعِيُّ وبَعْضُ أهْلِ الظّاهِرِ: يَتَعَيَّنُ اسْتِيعابُ الجَمِيعِ إلّا إذا عُدِمَ بَعْضُهُمْ، فَيُصْرَفُ نَصِيبُهُ إلى الباقِينَ. فَمِن هَذا الوَجْهِ، فارَقَ إضافَةَ الأمْوالِ إلى مُسْتَحِقِّيها، وفارَقَ الوَصِيَّةَ إلى أقْوامٍ، فَإنَّهُ إذا تَعَذَّرَ الوُصُولُ إلى بَعْضِ مَن أوْصى لَهُ لا يُصْرَفُ نَصِيبُهُ إلى الباقِينَ. (p-٢٠٧)ورَأى الشّافِعِيُّ أنَّ اسْتِيعابَ جِهاتِ الحاجاتِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أعْظَمَ في القُرْبَةِ، ولا يَجُوزُ رَفْعُ المَزِيَّةِ بِلا دَلِيلٍ مَعَ مُوافَقَةِ الظّاهِرِ لَهُ، وإذا تَعَذَّرَ البَعْضُ، فالأقْرَبُ إلى القُرْبَةِ الصَّرْفُ إلى الباقِينَ. فَعَلى هَذا لا نَقُولُ: إنَّ الصَّرْفَ عَلى الأصْنافِ عَلى نَحْوِ صَرْفِ الوِصايَةِ إلى الأصْنافِ والأشْخاصِ، وأنَّ الإضافَةَ إلَيْهِمْ بِلامِ التَّمْلِيكِ، ولَكِنّا نَدَّعِي أنَّ اسْتِيعابَ جِهاتِ الحاجاتِ في القُرْبَةِ أوْ في الصَّرْفِ إلى واحِدٍ. وإذا ثَبَتَ زِيادَةُ القُرْبَةِ في المَنصُوصِ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إلْغاؤُهُ، وهَذا بَيِّنٌ. وقَدْ شَنَّعَ عَلِيُّ بْنُ مُوسى القُمِّيُّ عَلى الشّافِعِيِّ بِأنْ قالَ: إذا كانَ قَدْرُ الواجِبِ نِصْفَ دِينارٍ، وكانَ هو القاسِمَ لِذَلِكَ، ووُجِدَ السَّهْمانِ كَيْفَ يُفَرِّقُ ذَلِكَ فِيهِمْ، ولا يَسُدُّ مَسَدًّا، فَإنَّهُ يَنْقَسِمُ نِصْفُ دِينارٍ عَلى ثَمانِيَةِ أصْنافٍ، ويُصْرَفُ مِن كُلِّ صِنْفٍ إلى ثَلاثَةٍ، فَيَحْتاجُ أنْ يُقَسِّمَهُ عَلى أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ سَهْمًا، وأحَدُ السِّهامِ المُكاتَبُونَ، والمَقْصُودُ إزالَةُ الرِّقِّ، وأيُّ أثَرٍ لِهَذا القَدْرِ في إزالَةِ الرِّقِّ. والَّذِي ذَكَرَهُ جَهالَةٌ تَلْزَمُ عَلَيْهِ، إذا أوْصى المُوصِي بِها لِلْأصْنافِ. ولِأنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ وحْدَهُ، بَلْ إذا كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ حَصَلَ الِاسْتِيعابُ، وحَصَلَ مَقْصُودُ الأصْنافِ مِنهُ، ومِن غَيْرِهِ، فَلا مَعْنى لِهَذا التَّشْنِيعِ. ولا خِلافَ أنْ لا يَجُوزَ صَرْفُ الجَمِيعِ إلى العامِلِينَ عَلَيْها، فَإنَّهُ إنَّما يَأْخُذُ أُجْرَتَهُ، فَلَوْ وضَعَ فِيهِ تَناقَضَ، فَإنَّهُ يَسْعى لِلْفَقِيرِ، فَكَيْفَ يَأْخُذُ الكُلَّ إلى نَفْسِهِ، فَهَذا آخِرُ فُصُولِ هَذِهِ الآيَةِ. الفَصْلُ الآخَرُ في الفُقَراءِ والمَساكِينِ، وقَدْ ذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى بِاسْمَيْنِ، فَقالَ بَعْضُهم: (p-٢٠٨)ذَكَرَهُما بِاسْمَيْنِ لِيُؤَكِّدَ أمْرَهم في هَذِهِ الصَّدَقاتِ بِأشَدَّ مِن تَأْكِيدِ غَيْرِهِمْ. ومِنهم مَن قالَ: ذَكَرَهُما بِاسْمَيْنِ لِكَوْنِهِما صِنْفَيْنِ، وهَذا ما قَدَّمْناهُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مَعْنى الفَقِيرِ: فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ المُتَعَفِّفُ السّاتِرُ فَقْرَهُ عَنِ النّاسِ، وقَدْ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] . والمِسْكِينُ الَّذِي يَسْألُ إذا احْتاجَ، ويُمْسِكُ إذا اسْتَغْنى، ويَتَخاضَعُ لِلْمَسْألَةِ، وذَلِكَ هو اخْتِيارُ الأصَمِّ. ومِنهم مَن قالَ: الفَقِيرُ هو الضَّعِيفُ الَّذِي لا يَسْألُ، والمِسْكِينُ الَّذِي يَسْألُ، ورَوَوْهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَدَّمْناهُ. وقَدْ قِيلَ: الفَقِيرُ هو الزَّمِنُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى التَّكَسُّبِ، والمِسْكِينُ الصَّحِيحُ. وقَدْ قِيلَ: الفَقِيرُ أشَدُّ حاجَةً، فَإنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كَسْرِ فِقارِ الظَّهْرِ، والمِسْكِينُ دُونَهُ في الحاجَةِ. وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى مُلّاكَ السَّفِينَةِ، بِأنَّهم مَساكِينُ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ، وأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّكُونِ. وبِالجُمْلَةِ: الفَقْرُ في ظاهِرِهِ أدَلُّ عَلى الحاجَةِ مِنَ المَسْكَنَةِ، لِأنَّ المِسْكِينَ إنَّما يَدُلُّ حالُهُ عَلى الحاجَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وهو التَّخاضُعُ الَّذِي هو دَلِيلُ الحاجَةِ لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، والفَقْرُ عِبارَةٌ عَنِ الحاجَةِ. ومَن جَعَلَهُما صِنْفًا واحِدًا، قالَ: لا فَقِيرَ إلّا ويَحْسُنُ أنْ يُسَمّى مِسْكِينًا. (p-٢٠٩)ولِلْفُقَراءِ مَراتِبُ لا تَنْحَصِرُ في مَرَّتَيْنِ، أوْ ثَلاثَةٍ، أوْ أرْبَعَةٍ، والَّذِي يُعَدِّدُها يَنْظُرُ إلى العَطْفِ ومَعْناهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي الفَرْقَ بَيْنَهُما، فَيُقالُ: الفَقِيرُ هو الشَّدِيدُ الحاجَةِ مَعَ التَّعَفُّفِ، والمِسْكِينُ هو المُظْهِرُ لِحاجَتِهِ بِالمَسْألَةِ. ولَعَلَّ مَن جَعَلَ الفَقِيرَ هو الزَّمِنَ، فَلِأنَّ الزَّمانَةَ تُقْعِدُ عَنِ الطَّلَبِ، ومَن جَعَلَ المِسْكِينَ الصَّحِيحَ فَلِتَمْكِينِهِ مِنَ الطَّلَبِ. واعْلَمْ أنَّ مُطْلَقَ الفَقِيرِ لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ وتَقْيِيدٌ، بَلْ فِيهِ دِلالَةُ جَوازِ الصَّرْفِ إلى ذَوِي القُرْبى مِن بَنِي هاشِمٍ وغَيْرِهِمْ، ولَكِنَّ السُّنَّةَ ورَدَتْ بِاعْتِبارِ شُرُوطٍ، مِنها أنْ يَكُونَ مِن بَنِي هاشِمٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ جَوازُ صَرْفِ صَدَقَةِ الهاشِمِيِّ إلى الهاشِمِيِّ. ومِن شَرائِطِهِ ألّا يَكُونَ كَسُوبًا مِقْدارَ كِفايَتِهِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» . والظّاهِرُ يَقْتَضِي جَوازَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ فَقِيرٌ مَعَ قُوَّتِهِ وصِحَّةِ بَدَنِهِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ. ومِن شَرائِطِهِ: أنْ يَكُونَ مِمَّنْ لا تَلْزَمُ المُتَصَدِّقَ نَفَقَتُهُ، ولَكِنَّ هَذا الوَجْهَ يُحَرِّمُ الزَّكاةَ لِلْفَقْرِ لا لِلْغُرْمِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الصِّفاتِ. واخْتَلَفُوا فِيما بِهِ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ فَقِيرًا، فَقالَ قَوْمٌ: بِألّا يَمْلِكَ نِصابًا. (p-٢١٠)وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ لا يَتَحَدَّدُ ذَلِكَ، ويَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ، فَمِنهم مَن يَكْثُرُ وُجُوهُ حَرَجِهِ، فَيُعَدُّ فَقِيرًا مَعَ مِلْكِ نُصُبٍ كَثِيرَةٍ، ورُبَّما احْتاجَ في يَوْمٍ إلى نِصابٍ، فَهَذا يُعَدُّ فَقِيرًا، وهو أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُدْفَعُ لَهُ مِقْدارٌ أمْ لا؟ فَقالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ أنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ أكْثَرُ مِمّا يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا. وقالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ، وهو الألْيَقُ بِالظّاهِرِ، فَإنَّهُ تَعالى جَوَّزَ وضْعَ الصَّدَقَةِ في الفَقِيرِ ولَمْ يَفْصِلْ. واخْتَلَفُوا في هَلِ اسْتِحْقاقِ الصَّدَقاتِ كُلِّها بِالفَقِيرِ والحاجَةِ فَقَطْ، أوْ بِذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ. فَمِنهم مَن قالَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ، وزَعَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ الأصْنافَ لِاخْتِلافِ مَعْنى الحاجَةِ فِيهِمْ، فَأكَّدَ ذَلِكَ وبَيَّنَهُ، وإلّا فالوَجْهُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَجُوزُ وضْعُ الصَّدَقَةِ فِيهِمْ واحِدٌ، عَلى ما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَدَّها في فُقَرائِهِمْ. فَبَيَّنَ أنَّ الِاسْتِحْقاقَ بِهَذا الوَجْهِ الواحِدِ. وأمّا العامِلُونَ، فَإنَّهم يَأْخُذُونَ مِن جِهَةِ الفُقَراءِ لا مِن جِهَةِ رَبِّ المالِ، إلّا أنَّهُ لا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ إلّا أُجْرَةُ سَعْيِهِمْ، فَهم كالوُكَلاءِ لِلْفُقَراءِ، ومِنهم يَأْخُذُونَ هَذا السَّهْمَ. وكَذَلِكَ الجَوابُ عَنِ المُؤَلَّفَةِ، حَيْثُ كانَتْ، لِأنَّهم مَعَ الغِنى كانُوا يَأْخُذُونَ لِإعْزازِ الدِّينِ. ومَن قالَ بِالقَوْلِ الثّانِي قالَ: إنَّ الغارِمَ قَدْ يَأْخُذُ مَعَ الغِنى، وكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ، وكَذَلِكَ الغازِي. والأقْرَبُ إلى الظّاهِرِ هَذا القَوْلُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأصْنافَ، فَإنْ أرادَ المُرِيدُ بِالحاجَةِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنها في جَمِيعِهِمْ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ (p-٢١١)فَصَحِيحٌ، فَإنَّ العامِلَ وإنْ كانَ غَنِيًّا، فَفي صَرْفِ أُجْرَتِهِ إلَيْهِ تَقْوِيَةٌ لِأمْرِ الصَّدَقاتِ، فالحاجَةُ إلَيْهِمْ ماسَّةٌ، وفي الصَّرْفِ إلى المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم تَقْوِيَةُ الإسْلامِ، فالحاجَةُ واقِعَةٌ، وكَذَلِكَ الغارِمُ بِالدِّياتِ، تَمَسُّ الحاجَةُ إلَيْهِ لِتَسْكِينِ الفائِزَةِ، وتَطْفِيَةِ الفِتْنَةِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ في نُصْرَةِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ، ومَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، عَلى أنَّ ذِكْرَ العامِلِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ دَفْعِ الزَّكاةِ إلَيْهِمْ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُفَرِّقَ بِنَفْسِهِ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ ذِكْرَهم يَتَضَمَّنُ أنَّهم إذا كانُوا أُعْطَوْا نَصِيبَهُمْ، فَأمّا إذا لَمْ يَكُونُوا فَلا، ولَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُمْ، كَما أنَّهُ لَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن رِقابٍ وغارِمٍ ومُؤَلَّفَةٍ. فَأمّا المُؤَلَّفَةُ، فَقَدْ قِيلَ كانَ ذَلِكَ وزالَ. وقَدْ قِيلَ: لِلْإمامِ أنْ يَتَألَّفَ قَوْمًا إذا رَأى في تَأْلِيفِهِمْ صَلاحًا لِلْمُسْلِمِينَ، لِما فِيهِ مِن دَفْعِ ضَرَرِهِمْ أوِ الضَّرَرِ بِمَكانِهِمْ، فَلَهُ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِمْ سَهْمَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخُصَّ وقْتًا دُونَ وقْتٍ. وأمّا الرِّقابُ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ. فَقالَ قائِلُونَ: أرادَ بِهِ العِتْقَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ لا يَرى بَأْسًا أنْ يُعْطِيَ الرَّجُلَ مِن زَكاتِهِ في عِتْقِ رَقَبَةٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ بِهِ المُكاتَبُونَ، وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيِّ وغَيْرِهِمْ، وعَلَّلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقالَ: لا يُعْتَقُ مِنَ الزَّكاةِ مَخافَةَ جَرِّ الوَلاءِ. (p-٢١٢)وذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ مُوسى القُمِّيُّ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُكاتَبَ مُرادٌ، واخْتَلَفُوا في عِتْقِ الرِّقابِ، وذَكَرَ هو وُجُوهًا بَيِّنَةً في مَنعِ ذَلِكَ. مِنها: أنَّ العِتْقَ إبْطالُ مِلْكٍ، ولَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، وما يَدْفَعُهُ إلى المُكاتَبِ تَمْلِيكٌ، ومِن حَقِّ الصَّدَقَةِ ألّا تَجْرِيَ إلّا إذا جَرى فِيها التَّمْلِيكُ، وقَوّى ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ دَفَعَ الزَّكاةَ عَنِ الغارِمِ في دِينِهِ مِن غَيْرِ إذْنِهِ، لَمْ يُجْزِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ، فَلِأنْ لا يُجْزى ذَلِكَ في العِتْقِ أوْلى. وذَكَرَ أنَّ في العِتْقِ جَرُّ الوَلاءِ إلى نَفْسِهِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ في دَفْعِهِ إلى المُكاتَبِ. وذَكَرَ أنَّ ثَمَنَ العَبْدِ إذا دَفَعَهُ إلى العَبْدِ لَمْ يَمْلِكْ، وإنْ دَفَعَهُ إلى السَّيِّدِ فَقَدْ مَلَكَهُ الغَنِيُّ، وإنْ دَفَعَهُ بَعْدَ الشِّراءِ والعِتْقِ، فَهو قاضٍ دَيْنًا، وذَلِكَ وذَلِكَ لا يَجُوزُ في الزَّكاةِ. وأمّا حَقُّ الغارِمِينَ، فَقَدْ قِيلَ: هو المُسْتَدِينُ مِن غَيْرِ سَرَفٍ ولا وفاءٍ في مالِهِ بِدَيْنِهِ، ورُوِيَ قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وعائِشَةَ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ مُوسى القُمِّيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: أنَّ المَسْألَةَ لا تَحِلُّ إلّا لِأحَدِ ثَلاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، ولِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، ولِذِي دَمٍ مُوجِعٍ، وعَلى هَذا إذا تَحَمَّلَ مِمّا لَهُ فِيها مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ في «حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخارِقٍ أنَّهُ قالَ: تَحَمَّلْتُ حَمالَةً فَأتَيْتُهُ ﷺ فَسَألْتُهُ فَقالَ: ”يُؤَدِّيها عَنْكَ إذا جاءَتْ نِعْمَ الصَّدَقَةُ“ . ثُمَّ قالَ: "أما عَلِمْتَ أنَّ المَسْألَةَ لا تَحِلُّ إلّا لِثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمالَةً فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتّى يُصِيبَ قِوامًا مِن عَيْشٍ أوْ سَدادًا مِن عَيْشٍ. (p-٢١٣)ورَجُلٌ أصابَتْهُ فاقَةٌ وحاجَةٌ حَتّى تَكَلَّمَ ثَلاثَةٌ مِن ذَوِي الحِجْرِ مِن قَوْمِهِ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ، حَتّى يُصِيبَ سَدادًا مِن عَيْشٍ أوْ قِوامًا مِن عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ"» . فَدَلَّ قَوْلُهُ: (مَن تَحَمَّلَ حَمالَةً)، أنَّ المَسْألَةَ تَحِلُّ لَهُ حَتّى يُؤَدِّيَ ثُمَّ يُمْسِكُ، عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ فَقِيرًا لَمْ يَلْزَمْهُ أنْ يُمْسِكَ، بَلْ كانَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَسْألَ لِفَقْرِهِ. وظاهِرُ الغارِمِ يَتَناوَلُ الغارِمِينَ كُلَّهم. وقَوْلُهُ: وفي سَبِيلِ اللَّهِ: قَدْ قِيلَ، إنَّ المُرادَ بِهِ الغازِي، وإنْ كانَ غَنِيًّا، وقِيلَ: هَذا يَخْتَصُّ بِالفَقِيرِ. ومِنهم مَن يَقُولُ: إنْ كانَ مُسْتَغْنِيًا بِالفَيْءِ ولَمْ يُعْطَ، وإلّا أُعْطِيَ. والظّاهِرُ أنَّهُ الغازِي، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا أوْ مَعَهُ مِنَ الفَيْءِ ما يُحَرِّمُ أخْذَ الصَّدَقَةِ، لِأنَّهُ يَحْتاجُ لِعُدَّةِ جِهادِهِ وتَقْوِيَةِ قَلْبِهِ، إلى ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، فَصَرْفُ الصَّدَقَةِ إلَيْهِ جائِزٌ والحالَةُ هَذِهِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ» . وهَذا مُوافِقٌ لِلظّاهِرِ. وفِي رِوايَةٍ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ». وابْنُ السَّبِيلِ يَأْخُذُ الزَّكاةَ مَعَ غِناهُ، وقَدْ قِيلَ: هو مُخْتَصٌّ بِمَن يُوجَدُ مُسافِرًا. وقَدْ قِيلَ: يَلْحَقُ بِهِ مَن يَهُمُّ بِسَفَرٍ لا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ.

التوبة 9:65

(p-٢١٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾، الآيَةَ: فِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ اللّاعِبَ والخائِضَ سَواءٌ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى غَيْرِ وجْهِ الإكْراهِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ ذَكَرُوا أنَّهم قالُوا ما قالُوهُ لَعِبًا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّعِبِ بِذَلِكَ. ودَلَّ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ.

التوبة 9:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ . رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ”جاهِدْهم بِيَدِكَ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِلِسانِكَ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فاكْفَهِرَّ في وُجُوهِهِمْ“ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جاهِدِ الكُفّارَ بِالسَّيْفِ، والمُنافِقِينَ بِاللِّسانِ.

التوبة 9:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾، الآيَةَ، والَّذِي قالُوهُ مِن كَلِمَةِ الكُفْرِ قَوْلُ الخُلامِسِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ: إنْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. وقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، وفِيما قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا مِن نَبَإ المُنافِقِينَ مَعَ اسْتِيعابِهِمْ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ مَقْبُولَةٌ إذا لَمْ يُظْهِرِ الكُفْرَ.

التوبة 9:75

(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مَن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾، الآيَةَ. ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ أبْطَأ عَنْهُ مالُهُ بِالشّامِ، فَحَلَفَ في مَجالِسِ الأنْصارِ، إنْ سَلِمَ ذَلِكَ لَأتَصَدَّقَ مِنهُ، ولَأصِلَنَّ مِنهُ، فَلَمّا سَلِمَ بَخِلَ بِذَلِكَ، وهَذا نَذْرُ التَّبَرُّرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: نَزَلَ ذَلِكَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ عاهَدُوا ثُمَّ أخْلَفُوا. واسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ إنْ فَعَلَ كَذا، فَعَلَيَّ كَذا لِلَّهِ تَعالى، أنَّهُ يَلْزَمُهُ. وظاهِرُ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِنَذْرٍ، ولا قَصَدَ فِعْلَهُ، ولا إنَّهُ مِمّا يُقالُ فِيهِ: لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ مَن قالَ: إنْ آتانِي اللَّهُ مالًا تَصَدَّقْتُ بِهِ، وفَعَلْتُ وصَنَعْتُ.

التوبة 9:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المَعاصِي داعِيًا إلى البَعْضِ، فَكَأنَّ البُخْلَ أعْقَبَ النِّفاقَ. وأبانَ بِهِ إنَّ بَعْضَ الأفْعالِ قَدْ تَكُونُ لُطْفًا في بَعْضٍ، وبَعْضُها فَسادًا في بَعْضٍ. وقَدْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي عاهَدَ لَمْ يَكُنْ مُنافِقًا مِن قَبْلُ. فَأعْقَبَهم نِفاقًا. ثَبَتُوا عَلَيْهِ إلى المَماتِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ.

التوبة 9:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، الآيَةَ. (p-٢١٦)كَلِمَةُ ”أوْ“ ها هُنا لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، لِأنَّ التَّخْيِيرَ لا يَصِحُّ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . وذِكْرُ السَّبْعِينَ كالمُبالَغَةِ، مِثْلُ قَوْلِ القائِلِ: لَوْ سَألْتَنِي مِائَةَ مَرَّةٍ ما أجَبْتُكَ. ولا يَكُونُ المُرادُ بِهِ التَّحْدِيدَ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنَ الفَحْوى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ، أنَّهُ عَلَّلَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ، والعِلَّةُ قائِمَةٌ بَعْدَ السَّبْعِينَ، فَظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَخْيِيرٍ، بَلْ هو مَنعٌ مِنَ الِاسْتِغْفارِ. ورُوِيَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «خَيَّرَنِي رَبِّي،» والصَّحِيحُ الأوَّلُ.

التوبة 9:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾، الآيَةَ. وكانَ قَدْ صَلّى عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، بِناءً عَلى الظّاهِرِ مِن لَفْظِ إسْلامِهِ، وأمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ نِفاقَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَما نُهِيَ عَنْهُ.

التوبة 9:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾، الآيَةَ. يُحْتَجُّ بِهِ في إسْقاطِ الضَّمانِ عَنْ قاتِلِ البَهِيمَةِ الصّائِلَةِ.

التوبة 9:100

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾، الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى تَفَضُّلِ السّابِقِ إلى الخَيْرِ عَلى التّالِي، لِأنَّهُ داعٍ إلَيْهِ بِسَبْقِهِ، والتّالِي تابِعٌ لَهُ، فَهو إمامٌ لَهُ ولَهُ أجْرٌ مِثْلُهُ، كَما قالَ ﷺ: «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً»، الحَدِيثَ.

التوبة 9:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾، الآيَةَ: الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ في (p-٢١٧)الأمْوالِ، ولَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ مِقْدارِ المَأْخُوذِ، ولا المَأْخُوذِ مِنهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ شُرُوطٍ مُعْتَبَرَةٍ في المَأْخُوذِ مِنهُ، ولا مُعْتَبَرَةٍ في المَأْخُوذِ، ولا شُرُوطٍ في المُؤَدِّي، ولا شُرُوطٍ في الآخِذِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ . يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الزَّكاةَ تَطْهِيرًا، ودُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طُمَأْنِينَةً لِقُلُوبِهِمْ، وعَلَمًا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى غَفَرَ لَهُمْ، فَإنَّهُ لا يُصَلِّي عَلى قَوْمٍ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في ذَلِكَ، ولا يُؤْذَنَ لَهُ في ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ مَغْفُورًا لَهُ.

التوبة 9:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾، الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ الأفْعالَ تَخْتَلِفُ بِالقُصُودِ والإراداتِ، ولِذَلِكَ قالَ: - ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى﴾، وإنَّ الَّذِي اتُّخِذَ لِقَصْدِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لا تَحِلُّ بِهِ حُرْمَةٌ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَدْمِهِ.

التوبة 9:108

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، الآيَةَ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ الطَّهارَةِ.

التوبة 9:109

ثُمَّ قالَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مِنَ أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾، الآيَةَ. هُوَ مِنَ المَجازِ المُسْتَحْسَنِ، وذَمَّ اتِّخاذَ المَسْجِدِ لِلطَّعْنِ عَلى الإسْلامِ والتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ، وبَيَّنَ أنَّ هَذا الصَّنِيعَ يُوجِبُ انْهِيارَهم في نارِ جَهَنَّمَ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ . (p-٢١٨)ثُمَّ أبانَ عَنْ مَوْتِهِمْ عَلى الإصْرارِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠] .

التوبة 9:111

ومِنَ المَجازِ المُسْتَحْسَنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾، الآيَةَ. فَجَعَلَ بَذْلَ أنْفُسِهِمْ في الجِهادِ وإنْفاقِهِمْ في ذَلِكَ طَلَبًا لِلثَّوابِ بَيْعًا، وجَعَلَ ما طَلَبُوهُ ثَمَنًا. ولَمّا كانَ تَعالى هو المُرَغِّبُ في ذَلِكَ والدّاعِي إلَيْهِ، وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ اشْتَرى أنْفُسَهُمْ، كَما وُصِفُوا بِأنَّهم باعُوا وابْتاعُوا، وفي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى عِظَمِ مَحَلِّ الجِهادِ ومَنزِلَتِهِ. ودَلَّ أنَّ هَذا التَّعَبُّدَ كَما ورَدَ بِهِ القُرْآنُ، فَكَذَلِكَ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. ودَلَّ بِهِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُخْلِفُ الوَعْدَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ ويَدْخُلُ في الوَعْدِ الوَعِيدُ. ثُمَّ أبانَ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ تَمامُ البِشارَةِ في مُعاهَدَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا بُدَّ في المُؤْمِنِ المُجاهِدِ أنْ يَكُونَ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُبَشِّرًا عَلى ما قالَ في آخِرِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]، الآيَةَ. وانْطَوَتِ الآيَةُ عَلى سائِرِ العِباداتِ مِن تَوْبَةٍ وعِبادَةٍ، وقِيامٍ بِشُكْرٍ، وأمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، ونَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ. ثُمَّ أجْمَلَ ما يَأْتِي عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِهِ، وهو الحِفْظُ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعالى، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ اجْتِنابُ الكَبائِرِ كُلِّها، والقِيامُ بِالطّاعاتِ كُلِّها.

التوبة 9:113

(p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، الآيَةَ. فَأبانَ أنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهُمْ، وحَرَّمَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ طَلَبُ مَغْفِرَةٍ مَأْيُوسٍ مِنها سَمْعًا. وأبانَ أنَّ اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ، كانَ عَلى تَوَقُّعِ الإيمانِ مِنهُ إذا آمَنَ، فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ امْتَنَعَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ.

التوبة 9:119

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾، الآيَةَ. فِيهِ دِلالَةٌ عَلى التَّأمُّلِ في الأقْوالِ، وأنْ لا نَتَّبِعَ مِنها إلّا ما دَلَّتِ الدِّلالَةُ عَلَيْهِ، وبانَ صِدْقُهُ، فَأمّا أنْ نَأْخُذَ تَقْلِيدًا دُونَ أنْ نَعْلَمَ صِدْقَهُ فَلا، ولَيْسَ فِيهِ دِلالَةٌ عَلى رَدِّ أخْبارِ الآحادِ والظُّنُونِ، فَإنَّها لا تُقْبَلُ عِنْدَنا إلّا إذا دَلَّ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِها، والعَمَلِ بِها عِنْدَ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، الَّذِي يُوجِبُ العِلْمَ بِهِ، مَعْلُومٌ صِدْقُهُ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ الِاتِّباعُ لِلصّادِقِ تَحْقِيقًا. وقالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] - إلى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] . وهَذِهِ صِفَةُ أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مِنهُمْ، ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ( كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ) . فَدَلَّ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ، لِإخْبارِهِ أنَّ مَن فَعَلَ ما ذَكَرَ (p-٢٢٠)فِي الآيَةِ فَهُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ إجْماعِهِمْ، إلّا إذا بانَ بِالدَّلِيلِ صِدْقُهم فِيهِ.

التوبة 9:120

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾، الآيَةَ. بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوبَ الخُرُوجِ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في غَزَواتِهِ، إلّا المَعْذُورِينَ ومَن أرْخَصَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في القُعُودِ. وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾، الآيَةَ. أيْ لا يَطْلُبُونَ المَنفَعَةَ بِتَوْقِيَةِ أنْفُسِهِمْ دُونَ نَفْسِهِ، بَلْ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُوقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأنْفُسِهِمْ، وقَدْ كانَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مَن يَفْدِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، ويَبْذُلُ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ، لِيَبْقى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ. وقالَ تَعالى: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾، الآيَةَ. اسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلى أنَّ وطْءَ دِيارِهِمْ إذا جُعِلَ بِمَنزِلَةِ النَّيْلِ مِنَ الكُفّارِ، وأخْذِ أمْوالِهِمْ، وإخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ - وهو الَّذِي يَغِيظُهم ويُدْخِلُ الذُّلَّ عَلَيْهِمْ - فَهو بِمَنزِلَةِ نَيْلِ الغَنِيمَةِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلِيٌّ: ما وُطِئَ قَوْمٌ في عُقْرِ دِيارِهِمْ إلّا ذَلُّوا.

التوبة 9:122

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾، الآيَةَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] (p-٢٢١)فَقالَ تَعالى: ما لَهم أنْ يَتَفَرَّقُوا في السَّرايا ويَتْرُكُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ في المَدِينَةِ وحْدَهُ، ولَكِنْ تَبْقى بَقِيَّةٌ لِتَنْفَعَهُ، ثُمَّ يُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: لِتَتَفَقَّهَ الطّائِفَةُ النّافِرَةُ، ثُمَّ تُنْذِرَ إذا رَجَعَتْ إلى قَوْمِها. وهَذا التَّأْوِيلُ أشْبَهُ بِظاهِرِ الآيَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾، الآيَةَ. فَظاهِرُ الكَلامِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ النّافِرَةُ هي الَّتِي تَتَفَقَّهُ وتُنْذِرُ قَوْمَها. وفِي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى وُجُوبِ طَلَبِ العِلْمِ، وأنَّهُ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ في بَعْضِ المَعْلُوماتِ، وفَرْضُ عَيْنٍ في بَعْضٍ. وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى لُزُومِ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ في أُمُورِ الدِّياناتِ الَّتِي لا يَجِبُ عَلى الكُلِّ مَعْرِفَتُها، ولا تَعُمُّ الحاجَةُ إلَيْها.

التوبة 9:123

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾، الآيَةَ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ( قاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً ) . وأوْجَبَ قِتالَ جَمِيعِ الكُفّارِ في وقْتٍ واحِدٍ، وإنَّ المُمْكِنَ فِيهِ قِتالُ طائِفَةٍ، وكانَ مَن قَرُبَ مِنهم أوْلى وأقْرَبُ إلى الجُرْمِ، ولَيْسَ ذَلِكَ نافِيًا لِقَوْلِهِ: ( قاتِلُوا المُشْرِكِينَ ) فَإنَّهُ إذا قالَ: ﴿الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ . فَإذا فَرَغَ مِنهم وصارَتِ الدِّيارُ لِلْإسْلامِ فالَّذِي يَلِيهِمْ بِمَثابَتِهِ، حَتّى يَسْتَوْعِبَ الكُفّارَ. فَهَذا تَمامُ ما أرَدْنا بَيانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ.

يونس 10:15

(p-٢٢٢)(p-٢٢٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ يُونُسَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾، الآيَةَ. يُسْتَدَلُّ بِهِ في مَنعِ نَسْخِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾، الآيَةَ. وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّ الآيَةَ ورَدَتْ في طَلَبِ المُشْرِكِينَ مِثْلَ القُرْآنِ نَظْمًا، ولَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قادِرًا عَلَيْهِ، ولَمْ يَسْألُوهُ تَبْدِيلَ الحُكْمِ دُونَ اللَّفْظِ، ولِأنَّ الَّذِي يَقُولُهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إذا كانَ وحْيًا لَمْ يَكُنْ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، بَلْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

يونس 10:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا، قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهُ تَفْتَرُونَ﴾، الآيَةَ. يُسْتَدَلُّ بِهِ في القِياسِ وهو بَعِيدٌ، فَإنَّ القِياسَ دَلِيلُ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ والتَّحْلِيلُ مِنَ اللَّهِ، عِنْدَ وُجُودِ دِلالَةٍ نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى الحُكْمِ، (p-٢٢٤)فَإنْ خالَفَ في أنَّ القِياسَ دَلِيلُ اللَّهِ تَعالى، فَهو خُرُوجٌ عَنْ هَذا الغَرَضِ ورُجُوعٌ إلى غَيْرِهِ.

يونس 10:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا خائِفِينَ مِنَ الظُّهُورِ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا بُيُوتَهم قِبْلَةً، فَيُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ في المَسْجِدِ أفْضَلُ إلّا لِعُذْرٍ.

هود 11:15

(p-٢٢٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ هُودٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ الآيَةَ. مَعْناهُ مَعْنى قَوْلِهِ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ،» الحَدِيثَ. ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن صامَ في رَمَضانَ لا عَنْ رَمَضانَ لا يَقَعُ عَنْ رَمَضانَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَوَضَّأ لِلتَّبَرُّدِ والتَّنَظُّفِ لا يَقَعُ قُرْبَةً عَنْ جِهَةِ الصَّلاةِ.

هود 11:45

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ الآيَةَ. سَمّى ابْنَهُ مِن أهْلِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أوْصى لِأهْلِهِ دَخَلَ تَحْتَهُ ابْنُهُ ومَن تَضَمَّنَهُ مُنْزِلُهُ وهو في عِيالِهِ، فَدَلَّ قَوْلُ نُوحٍ عَلى ذَلِكَ، وقالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾، [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] . (p-٢٢٦)فَسَمّى جَمِيعَ مَن تَضَمَّنَهُ مَنزِلُهُ مِن أهْلِهِ. وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي: الَّذِينَ وعَدْتَنِي أنْ تُنْجِيَهُمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِي وعَدْتُ أنْ أُنْجِيَهم. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنِ ابْنُهُ حَقِيقَةً، وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ الِاتِّفاقِ في الدِّينِ أقْوى مِنَ النَّسَبِ.

هود 11:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ عِمارَةِ الأرْضِ، فَإنَّ الِاسْتِعْمارَ طَلَبُ العِمارَةِ، والطَّلَبُ المُطْلَقُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْوُجُوبِ.

هود 11:69

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّلامَ الَّذِي هو تَحِيَّةُ الإسْلامِ، كانَ تَحِيَّةَ المَلائِكَةِ.

هود 11:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ ساقَ الكَلامَ، إلى أنْ قالَ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] الآيَةَ- حِينَ قالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾، الآيَةَ ٧٠، لِنُهْلِكَهم. وقَوْلُهُ: ﴿قالَ: إنَّ فِيها لُوطًا- قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ [العنكبوت: ٣٢]: وذَلِكَ يَحْتَجُّ بِهِ مَن يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ، لِأنَّ المَلائِكَةَ أخْبَرَتْ إبْراهِيمَ أنَّها تُهْلِكُ قَوْمَ لُوطٍ، ولَمْ تُبَيِّنِ المُنْجِينَ مِنهُمْ، ومَعَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جادَلَهم وقالَ: أتُهْلِكُونَهم وفِيهِمْ كَذا وكَذا مِنَ المُسْلِمِينَ، (p-٢٢٧)وتَعْرِفُ مِنهم أمْرَ العَذابِ، وأنَّهُ عَذابٌ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، أمْ يُعْفى عَنْهم إذا رَجَعُوا؟ وهَذا دَلالَةٌ لا مَحالَةَ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ، وهو بَيِّنٌ حَسَنٌ.

هود 11:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ الآيَةَ. يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وقَدْ قِيلَ: الصَّلاةُ هاهُنا الدِّينُ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ تُطْلِقُ بِمَعْنى الدِّينِ.

هود 11:113

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ مَجالِسِ الظّالِمِينَ ومُؤانَسَتِهِمْ، والإنْصاتِ إلَيْهِمْ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] .

هود 11:114

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ الآيَةَ. عَنى بِطَرَفَيِ النَّهارِ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: الفَجْرَ، والعَصْرَ، وعَنى بِقَوْلِهِ: زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ المَغْرِبَ والعِشاءَ.

يوسف 12:5

(p-٢٢٨)(p-٢٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ يُوسُفَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ﴾ الآيَةَ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَرْكِ إظْهارِ النِّعْمَةِ، عِنْدَ مَن يُخْشى غائِلَتُهُ حَسَدًا وكَيْدًا. وقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اسْتَعِينُوا عَلى حَوائِجِكم بِالكِتْمانِ فَإنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ».

يوسف 12:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ صَدْرُ الآيَةِ: عَلى جَوازِ الحُكْمِ بِالعَلامَةِ، فَإنَّهُ لَمّا رَأى القَمِيصَ صَحِيحًا قالَ: يا بُنَيَّ، ما عَهِدْتُ واللَّهِ الذِّئْبَ حَلِيمًا. وقَوْلُهُ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن أدَبِ الدِّينِ حُسْنَ الصَّبْرِ والعَزاءِ، وتَرْكَ الشَّكْوى، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٣٠)﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .

يوسف 12:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسَرَّهُ إخْوَتُهُ وكَتَمُوا أنَّهُ أخُوهُمْ، وبايَعَهم يُوسُفُ عَلى ذَلِكَ الكِتْمانِ لِئَلّا يَقْتُلُوهُ. وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُ قَضى في اللَّقِيطِ أنَّهُ حُرٌّ، وقَرَأ: ” ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] “ الآيَةَ. ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ أبِي جَمِيلٍ قالَ: وجَدْتُ مَنبُوذًا عَلى عَهْدِ عُمَرَ، فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَسى الغُوَيْرُ أبْؤُسًا، فَقِيلَ إنَّهُ لا يَتَّهِمُ، فَقالَ: هو ذاكَ ولّاهُ أبِي وِلايَتَهُ إذْ هو حُرٌّ الأصْلِ في الظّاهِرِ. ومَعْنى قَوْلِهِ عَسى الغُوَيْرُ أبْؤُسًا: الغُوَيْرُ تَصْغِيرُ غارٍ، وهو مِثْلُ: - مَعْناهُ: عَسى أنْ يَكُونَ البائِسُ جاءَ مِن قِبَلِ الغارِ، فَإنَّهم غَمَزُوا الرَّجُلَ. وقالَ: عَسى أنْ يَكُونَ الأمْرُ جاءَ مِن قِبَلِكَ في هَذا الصَّبِيِّ اللَّقِيطِ، وأنْ يَكُونَ مِن مُغالِكَ، فَلَمّا شَهِدَ وآلُهُ بِالسَّتْرِ، أمَرَهُ بِإمْساكِهِ، وقالَ ولاؤُهُ لَكَ، أيْ إمْساكُهُ والوِلايَةُ عَلَيْهِ.

يوسف 12:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ الآيَةَ: قِيلَ إنَّ إخْوَتَهُ كانُوا في الثَّمَنِ مِنَ الزّاهِدِينَ، فَإنَّ ما كانَ مِن أبِيهِمْ إلّا يُغَيِّبُوهُ عَنْ وجْهِ أبِيهِ.

يوسف 12:26

(p-٢٣١)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ الآيَةَ. رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ صَبِيٌّ في المَهْدِ. ورَوى أيْضًا أنَّهُ رَجُلٌ، ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِذَلِكَ في الحُكْمِ بِالعَلامَةِ في اللَّقْطَةِ وكَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، حَتّى قالَ مالِكٌ في اللُّصُوصِ: إذا وجَدْتَ مَعَهم أمْتِعَةً فَجاءَ قَوْمٌ فادَّعُوها ولَيْسَتْ لَهم بَيِّنَةُ أنَّ السُّلْطانَ يَتَلَوَّمُ في ذَلِكَ، فَإنْ جاءَ غَيْرُهم يَطْلُبُها، وإلّا دَفَعَها إلَيْهِمْ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ في مَتاعِ البَيْتِ: إذا اخْتَلَفَ فِيهِ الرَّجُلُ والمَرْأةُ فَهو لِلرَّجُلِ. ولا يُحْكَمُ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ بِمِثْلِهِ، فَإنَّهُ لَوْ تَنازَعَ عَطّارٌ وسَقّاءٌ قِرْبَةً وهُما مُتَعَلِّقانِ بِها، فَهي بَيْنَهُما، ولِأنَّ الأشْبَهَ في حَدِيثِ يُوسُفَ، والعَلامَةُ أنَّ ذَلِكَ كانَ آيَةً مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، وإلّا فَما يُدْرِيهِمْ أنَّ امْرَأةً ورَجُلًا إذا تَداعَيا أمْرًا بَيْنَهُما، فَيَكُونُ قَدْ قُدَّ قَمِيصُ أحَدِهِما أوْ قَمِيصِها، أوْ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يُقالَ إنَّ الرَّجُلَ هَمَّ بِها فَطَلَبَتْهُ مُمْتَعِضَةً وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ، ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلالَةً إلّا مِن جِهَةِ خَرْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ العادَةَ، بِانْطِلاقِ الصَّبِيِّ في المَهْدِ. وكانَ شُرَيْحٌ وإياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ يَعْمَلانِ عَلى العَلاماتِ في حُكُوماتٍ، وأصْلُ ذَلِكَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ فِيما طَرِيقُهُ التُّهْمَةُ، لا عَلى سَبِيلِ بَتِّ الحُكْمِ، وقَدْ يَسْتَحِي الإنْسانُ إذا ظَهَرَ مِثْلُ هَذا مِنهُ لِلْإقامَةِ عَلى الدَّعْوى فَيُقِرُّ، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالإقْرارِ.

يوسف 12:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ الآيَةَ. وقَدْ كانَتِ الرُّؤْيا صَحِيحَةً، ولَمْ تَكُنْ أضْغاثَ أحْلامٍ، فَإنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَرَها عَلى سِنِيِّ الخِصْبِ والجَدْبِ. (p-٢٣٢)وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ الرُّؤْيا عَلى أوَّلِ ما تُعَبَّرُ، فَإنَّ الأقْوامَ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ، ولَمْ تَقَعْ كَذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ الرِّوايَةِ: أنَّ الرُّؤْيا عَلى رِجْلِ طائِرٍ، فَإذا عُبِّرَتْ وقَعَتْ.

يوسف 12:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى ثَباتِ النَّفْسِ والصَّبْرِ، وطَلَبِ بَراءَةِ السّاحَةِ، لِيَكُونَ أجَلَّ في صَدْرِهِ عِنْدَ حُضُورِهِ، وأقْرَبَ إلى أنْ يُقْبَلَ مِنهُ ما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ. الأمّارَةُ: الكَثِيرَةُ الأمْرِ بِالشَّيْءِ، والنَّفْسُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِكَثْرَةِ ما يَشْتَبِهُ وتَنازَعَ إلَيْهِ مِمّا يَقَعُ الفِعْلُ مِن أجْلِهِ.

يوسف 12:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ الآيَةَ: وصَفَ نَفْسَهُ بِالعِلْمِ والحِفْظِ، فَدَلَّ ذَلِكَ أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَصِفَ الإنْسانُ نَفْسَهُ بِالفَضْلِ عِنْدَ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَحْظُورِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] .

يوسف 12:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ الآيَةَ: ذَهَبَ بِهِ إلى حَرْفِ العَيْنِ.

يوسف 12:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ الآيَةَ: أصْلٌ في الجَعالَةِ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: مَن رَدَّ إلَيَّ عَبْدِي الآبِقَ فَلَهُ كَذا. (p-٢٣٣)فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾، ظَنَّ ظانُّونَ أنَّ ذَلِكَ كَفالَةٌ، ولَيْسَ بِكَفالَةِ إنْسانٍ عَنْ إنْسانٍ، وإنَّما كَفَلَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وضَمِنَهُ نِعَمٌ هو جِعالُهُ.

يوسف 12:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ الآيَةَ. دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الحِيلَةِ في التَّوَصُّلِ إلى المُباحِ، وما فِيهِ مِنَ العِظَةِ والصَّلاحِ، واسْتِخْراجِ الحُقُوقِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] . وحَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في عامِلِ خَيْبَرَ والَّذِي أهْداهُ مِنَ التَّمْرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وما قالَهُ في ذَلِكَ. «وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِهِنْدَ: ”خُذِي مِن مالِ أبِي سُفْيانَ ما يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» “. «وكانَ إذا أرادَ سَفَرًا ورّى بِغَيْرِهِ». «وأرْسَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ إلى أبِي سُفْيانَ، أنِ ائْتُونا فَإنّا نَسْتَعِينُ عَلى بَيْضَةِ المُسْلِمِينَ مِن ورائِهِمْ، فَسَمِعَ ذَلِكَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وكانَ مُوادِعًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ عِنْدَ عَيْنَيْهِ حِينَ أرْسَلَتْ بِذَلِكَ بَنُو قُرَيْظَةَ إلى الأحْزابِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وأصْحابِهِ، فَأقْبَلَ نُعَيْمٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَرَهُ خَبَرَها وما أرْسَلَتْ بِهِ بَنُو قُرَيْظَةَ إلى الأحْزابِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّنا أمَرْناهم بِذَلِكَ، فَقامَ نُعَيْمٌ بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ، وكانَ نُعَيْمٌ رَجُلًا لا يَكْتُمُ الحَدِيثَ، قالَ: فَلَمّا ولّى مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذاهِبًا إلى غَطَفانَ، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما هَذا الَّذِي (p-٢٣٤)قُلْتَ؟ إنْ كانَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فامْضِهِ، وإنْ كانَ هَذا رَأْيًا رَأيْتَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ، فَإنَّ شَأْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ أهْوَنُ مِن أنْ تَقُولَ شَيْئًا يُؤْثَرُ عَنْكَ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ هَذا رَأْيٌ، إنَّ الحَرْبَ خَدْعَةٌ». وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: إنَّ في مَعارِيضِ الكَلامِ لَمَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما سَرَّنِي بِمَعارِيضِ الكَلامِ حُمْرُ النَّعَمِ. وقالَ إبْراهِيمُ حِينَ سُئِلَ عَنْ سارَةَ مَن هِيَ؟ فَقالَ هي أُخْتِي، لِئَلّا يَأْخُذُوها، وإنَّما أرادَ بِهِ أُخْتِي في الدِّينِ. وقالَ إبْراهِيمُ حِينَ تَخَلَّفَ لِيَكْسِرَ آلِهَتَهم: إنِّي سَقِيمٌ، مَعْناهُ إنِّي سَأسْقَمُ يَعْنِي أمُوتُ، كَما قالَ تَعالى إنَّكَ مَيِّتٌ، فَعارَضَ عَنْ كَلامٍ مُبْهَمٍ سَألُوهُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ عَلى وجْهٍ لا يَلْحَقُهُ في ذَلِكَ كَذِبٌ.

يوسف 12:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ الآيَةَ. وقالَ: ألا تَرَوْنَ أنِّي أوْفِ الكَيْلَ. هَذا مِمّا يُحْتَجُّ بِهِ في أُجْرَةِ الكَيّالِ والوَزّانِ أنَّها عَلى البائِعِ، فَإنَّهُ إذا كانَ عَلَيْهِ أنْ يُوفِ الكَيْلَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أنْ يَقُومَ بِمَئُونَةِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ.

الرعد 13:8

(p-٢٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الرَّعْدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ، وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ الآيَةَ. قالَ قائِلُونَ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى ظُهُورِ الحَيْضِ في أيّامِ الحَمْلِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾، فَلا جَرَمَ قالَ قائِلُونَ: إنَّ الحامِلَ تَحِيضُ، تَعَلُّقًا بِهَذا الظّاهِرِ. وقالَ بَعْضُهم: لا تَحِيضُ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِهِ السَّقْطُ، فَإنَّهُ مِن غَيْضِ الأرْحامِ حَقِيقَةً. وقالَ بَعْضُهم: هو نُقْصانُ مُدَّةِ الحَمْلِ، حَتّى يُقابِلَهُ قَوْلُهُ: ﴿وما تَزْدادُ﴾، يَعْنِي في مُدَّةِ الوَضْعِ، فَجَعَلُوا الغَيْضَ في سِتَّةِ أشْهُرٍ، وما تَزْدادُ: ما يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أُنْثى، ويَعْلَمُ ما تَغِيضُ الأرْحامُ، وفي الدَّمِ والحَيْضِ في غَيْرِ حالِ الحَمْلِ، وما تَزْدادُ بَعْدَ (p-٢٣٦)غَيْضِها مِن ذَلِكَ، حَتّى يَجْتَمِعَ في رَحِمِها الدَّمُ، وذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَعَلى هَذا لا يَدُلُّ ظاهِرُ الآيَةِ عَلى أنَّ الحامِلَ تَحِيضُ، إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ عامٌّ، فَإذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في الأرْحامِ أنَّها تَغِيضُ بِالدَّمِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ حَيْضًا، لِأنَّ الحَيْضَ هو الَّذِي تَساقَطَ عَنِ الرَّحِمِ، والِاسْتِحاضَةُ دَمُ عِرْقٍ لا مِنَ الرَّحِمِ.

إبراهيم 14:25

(p-٢٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ إبْراهِيمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ الآيَةَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، ولَعَلَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً أُخْرى أنَّهُ قالَ: هي النَّخْلَةُ تُطْعَمُ في كُلِّ سِتَّةِ أشْهُرٍ. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: الحِينُ سَنَةٌ. وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: الحِينُ شَهْرانِ مِن حِينِ تُصْرَمُ النَّخْلُ إلى حِينِ تَطْلُعُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: النَّخْلَةُ لا يَكُونُ فِيها أُكُلُها إلّا شَهْرانِ. وقالَ تَعالى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]، وعَنى بِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. (p-٢٣٨)وقالَ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]: يَوْمَ القِيامَةِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ: إنْ فَعَلَتْ كَذا وكَذا إلى حِينٍ فَغُلامُهُ حُرٌّ، فَأتى إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَسَألَنِي عَنْها فَقُلْتُ: إنَّ مِنَ الحِينِ حِينًا لا يُدْرَكُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] . فَأرى أنْ يُمْسِكَ ما بَيْنَ صِرامِ النَّخْلِ إلى حَمْلِها، فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ: لِلْحِينِ مَصارِفُ، ولَمْ يُرَ لِلشّافِعِيِّ تَعْيِينُ مَصْرِفٍ مِن هَذِهِ المَصارِفِ، لِأنَّهُ لَمْ يُوضَعْ في اللُّغَةِ لِمَعْنًى مُعَيَّنٍ، والَّذِي ذَكَرَهُ أبُو حَنِيفَةَ مِن تَقْيِيدِ الحِينِ في الحَلِفِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ اتِّباعًا لِعِكْرِمَةَ تَحَكُّمٌ، وتَخْصِيصُهُ بِإدْراكِ النَّخْلِ لا مَأْخَذَ لَهُ فَلا مَعْنى لِاعْتِبارِهِ.

الحجر 15:72

(p-٢٣٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحِجْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: حَياتُكَ، فَقَوْلُهُ: لَعُمْرُكَ: لُغَةٌ. وكَرِهَ قَوْمٌ أنْ يَحْلِفُوا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ووَرَدَ فِيهِ خَبَرٌ، وإنْ لَمْ يَقْوَ إسْنادُهُ وكَرِهُوا أيْضًا أنْ يَقُولَ: وحَقِّ الكَعْبَةِ، وحَقِّ الرَّسُولِ ﷺ، فَهَذا ما فِيهِ مِنَ الحُكْمِ.

النحل 16:5

(p-٢٤٠)(p-٢٤١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّحْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِّفْءُ اللِّباسُ. وقالَ الحَسَنُ: الدِّفْءُ ما اسْتُدْفِئَ بِهِ مِن أصْوافِها، وأوْبارِها وأشْعارِها. واسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِها في حالَةِ حَياةِ الحَيَوانِ ومَوْتِهِ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ، ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ . فَبَيَّنَ أنَّ مِنها ما أكَلْنا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى إباحَةِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِشَرْطِ الزَّكاةِ.

النحل 16:8

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ الآيَةَ، عَظِيمَ مَنِّهِ عَلَيْنا. (p-٢٤٢)وذَكَرَ ذاكِرُونَ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى تَحْرِيمِ لُحُومِها، فَيَقُولُونَ: في الأنْعامِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الكِتابِ أنَّها لِلْأكْلِ، وفي البِغالِ والحَمِيرِ أنَّها لِلرُّكُوبِ والزِّينَةِ، وذَكَرُوا في تَحْقِيقِ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في الأنْعامِ مَنافِعَ الرُّكُوبِ وحَمْلِ الأثْقالِ إلى البِلادِ، وذَكَرَ الجِمالَ بِها حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ، فَنَبَّهَ عَلى المَنافِعِ الأصْلِيَّةِ، والنّادِرَةِ، كالأكْلِ والرُّكُوبِ عَلى الأنْعامِ، فَلَوْ كانَتِ الخَيْلُ مَأْكُولَةً لَذَكَرَهُ. ويُجابُ عَنْهُ، بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يَعُدْ لِلْأكْلِ عُرْفًا، وإنَّما يُؤْكَلُ إذا أصابَتْهُ زَمانَةٌ، ونَقَصَتْ قِيمَتُهُ، فَلَمْ يَذْكُرِ الأكْلَ بِما فِيهِ مِن نُقْصانٍ وخُسْرانٍ. بِخِلافِ الأنْعامِ الَّتِي مِنها الأكْلُ، وأنَّ حَمْلَ الأثْقالِ عَلَيْها هو المَقْصُودُ.

النحل 16:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ الآيَةَ. يَحْتَجُّ بِهِ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والشّافِعِيُّ، فِيمَن حَلَفَ لا يَلْبَسُ حُلِيًّا فَلَبِسَ لُؤْلُؤًا، أنَّهُ يَحْنَثُ لِتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ حُلِيًّا. وأبُو حَنِيفَةَ لا يَرى ذَلِكَ، لِأنَّ الحُلِيَّ إذا أُطْلِقَ لا يُفْهَمُ مِنهُ اللُّؤْلُؤُ، وذَلِكَ مُكابَرَةٌ مِنهُ.

النحل 16:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَجِبُ الِاعْتِبارُ بِها، لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى ما تَقَدَّمَ. (p-٢٤٣)وفِيهِ بَيانُ عَظِيمِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى لِهَذَيْنَ الجِنْسَيْنِ، والأمْرُ ظاهِرٌ في مَزِيَّتِهِما، لِكَثْرَةِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِهِما، بِخِلافِ سائِرِ الثَّمَراتِ، فَلِذَلِكَ خَصَّهُما بِالذِّكْرِ. فَأمّا السَّكَرُ فَفِيهِ أقْوالٌ: قالَ الحَسَنُ: هو المُسْكِرُ مِنَ الشَّرابِ. وقالَ الأصَمُّ: أنَّ السَّكَرَ كُلُّ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن ثَمَرِهِما، والرِّزْقُ الحَسَنُ ما أحَلَّهُ اللَّهُ. وقالَ الحَسَنُ: هو الشَّرابُ المُسْتَلَذُّ وإنْ لَمْ يُسْكِرْ، والرِّزْقُ الحَسَنُ: الرُّطَبُ والعِنَبُ وما يَتَفَرَّعُ عَنْهُما. والأقْرَبُ إلى الظّاهِرِ هو ما يُتَّخَذُ مِنَ الرُّطَبِ والعِنَبِ، وما يُتَّخَذُ مِنَ التِّينِ غَيْرِهِ، ويَدْخُلُ فِيما يُتَّخَذُ مِنها السَّكَرُ، وهو الشَّرابُ الَّذِي يُسْكِرُ، لِأنَّ ذَلِكَ هو مُقْتَضى الآيَةِ، ويَدْخُلُ في قَوْلِهِ رِزْقًا حَسَنًا، ما يُتَّخَذُ مِنهُما مِن خَلٍّ وزَبِيبٍ وغَيْرِهِ، مِمّا يُؤْكَلُ في الطَّعامِ الطَّيِّبِ وكُلُّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنهُ. والأقْرَبُ أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ بَعْدَ ذَلِكَ. ووَجَبَ الِاعْتِبارُ بِثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ، فَأظْهَرَ ما ذَكَرَهُ في اللَّبَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا﴾ [النحل: ٦٦]، لِأنَّ ظُهُورَ الرُّطَبِ والعِنَبِ مِن ذَلِكَ الرَّطْبِ اليابِسِ عَلى اخْتِلافِ طَعُومِهِما، وذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الآيَةَ.

النحل 16:75

(p-٢٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ الآيَةَ. ذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ، أنَّ المُرادَ بِهِ عَبْدُ نَفْسِهِ، ولَيْسَ المُرادُ عَبْدًا لِلْعِبادِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ. وهَذا بَعِيدٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ أيُّ عَبْدٍ كانَ. واحْتَجَّ بِهِ قَوْمٌ في أنَّهُ لا يُمَلَّكُ بِالتَّمْلِيكِ، فَإنَّهُ لَوْ مُلِّكَ لَقَدَرَ عَلى شَيْءٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ، أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّهُ إذا تَصَرَّفَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَصَرَّفَ إلّا بِإذْنِ غَيْرِهِ، كَما يُقالُ ذَلِكَ فِيمَن لا يُمَلَّكُ أصْلًا، وإلّا فَهَذا اللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ مِلْكِ الطَّلاقِ، ونَفْيِ مِلْكِ النِّكاحِ، فَهَذا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ دُونَ ما سِواهُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾، فَأبانَ بِذَلِكَ أنَّ نَقِيضَ هَذا المَعْنى في العَبْدِ عَدَمُ اسْتِقْلالِهِ بِالإنْفاقِ سِرًّا وجَهْرًا. وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ بِهِ المَمْلُوكُ الَّذِي رُبَّما يَكُونُ أشَدَّ مِن مَوْلاهُ أسْرًا وأنْضَرَ وجْهًا، وهو لِسَيِّدِهِ ذَلِيلٌ لا يَقْدِرُ إلّا عَلى ما أذِنَ لَهُ فِيهِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى ضَرْبًا لِلْمَثَلِ: فَإذا كانَ هَذا شَأْنَكم وشَأْنَ عَبِيدِكُمْ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ أحْجارًا أمْواتًا شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى في خَلْقِهِ وعِبادَتِهِ، وهي لا تَسْمَعُ ولا تَعْقِلُ؟ وهَذا القَوْلُ أوْلى بِالظّاهِرِ، لِأنَّ العَبْدَ المَمْلُوكَ لا يَكُونُ جَمادًا، ولا يُقالُ في الجَمادِ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو بِالصِّفَةِ الَّتِي مَعَها لا يَجُوزُ أنْ يَقْدِرَ، فَلا حاجَةَ والحالَةُ هَذِهِ إلى صَرْفِهِ عَنْ ظاهِرِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا العَبْدَ إذا لَمْ يُساوِ مَن رَزَقْناهُ رِزْقًا حَسَنًا، فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا مَعَ اشْتِراكِهِما (p-٢٤٥)فِي الحَيَوانِيَّةِ والقُدْرَةِ والآلَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأصْنامِ الَّتِي لا يَتَأتّى مِنها ضَرَرٌ ولا نَفْعٌ وبَيْنَ مالِكِ الأمْرِ والخَلْقِ. وإسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ رَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ وعَبْدِهِ أسْلَما، وإنَّهُ كانَ مَوْلًى لِعُثْمانَ يَكْفُلُهُ ويُنْفِقُ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ في الأبْكَمِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ كَما ذَكَرَهُ في العَبْدِ، ثُمَّ لا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يُمْلَكُ.

النحل 16:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ الآيَةَ. وقَدْ رَوى جُبَيْرُ بْنُ مَطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلاةَ قالَ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطانِ مِن هَمْزِهِ ونَفْثِهِ ونَفْخِهِ“». ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ كانَ يَتَعَوَّذُ في صَلاتِهِ قَبْلَ القِراءَةِ». وقالَ مالِكٌ: لا يُتَعَوَّذُ في المَكْتُوبَةِ قَبْلَ القِراءَةِ، ويُتَعَوَّذُ في قِيامِ رَمَضانَ إذا قَرَأ. ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ التَّعَوُّذُ بَعْدَ القِراءَةِ مُطْلَقًا، احْتِجاجًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . ولا شَكَّ في أنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ، يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الِاسْتِعاذَةُ بَعْدَ القِراءَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣]، (p-٢٤٦)إلّا أنَّ غَيْرَهُ مُحْتَمَلٌ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] . وقَوْلُهُ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . لَيْسَ المُرادُ بِهِ أنْ يَسْألا مِن وراءِ حِجابٍ بَعْدَ سُؤالٍ مُتَقَدِّمٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ القائِلِ: فَإذا قُلْتَ فاصْدُقْ وإذا أحْرَمْتَ فاغْتَسِلَ. يَعْنِي فاغْتَسِلْ قَبْلَ الإحْرامِ. والمَعْنى في جَمِيعِ ذَلِكَ: إذا أرَدْتَ ذَلِكَ، كَذَلِكَ، والِاسْتِعاذَةُ قَبْلَ القِراءَةِ لِنَفْيِ وساوِسِ الشَّيْطانِ لَعَنَهُ اللَّهُ قَبْلَ القِراءَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ﴾ [الحج: ٥٢] .

النحل 16:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ الآيَةَ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ الرِّدَّةِ لا يَلْزَمُهُ غَيْرُ أنَّهُ إنْ أمْكَنَهُ أنْ يُوَرِّيَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ وإلّا كَفَرَ، ولَوْ صَبَرَ حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا كانَ أعْظَمَ لِأجْرِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عِنْدَ الإكْراهِ قَبِيحٌ أيْضًا، غَيْرَ أنَّ المُشَرِّعَ غَفَرَ لَهُ لِما يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنَ الضَّرَرِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا في نَفْسِهِ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَأْتِيَ بِهِ. واسْتَدَلَّ بِهِ أصْحابُ الشّافِعِيِّ عَلى نَفْيِ وُقُوعِ طَلاقِ المُكْرَهِ وعَتاقِهِ، (p-٢٤٧)وكُلُّ قَوْلٍ حُمِلَ عَلَيْهِ بِباطِلٍ، نَظَرًا لِما فِيهِ مِن حِفْظِ حَقِّهِ عَلَيْهِ، كَما امْتَنَعَ الحُكْمُ بِنُفُوذِ رِدَّتِهِ حِفْظًا عَلى دِينِهِ، وإذا أُكْرِهَ عَلى الزِّنا فَلا يُباحُ لَهُ الزِّنا، ولا يُباحُ لَهُ القَتْلُ بِالإكْراهِ، فَلَوْلا الرُّخْصَةُ أمْكَنَ في الرِّدَّةِ مِثْلُهُ، فَكَأنَّ الَّذِي يَتَلَفَّظُ بِكَلِمَةِ الرِّدَّةِ مُرادُهُ دَفْعُ الضَّرَرِ، فَلَيْسَ يُطْلَقُ عَلى ما يَأْتِي بِهِ الكُفْرُ، وما أرادَ الكُفْرَ لِمَعْناهُ، وإنَّما أرادَ بِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ.

النحل 16:123

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآيَةَ. إيجابُ اتَّباعِ مِلَّتِهِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أُصُولِ الفِقْهِ.

النحل 16:126

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُماثَلَةِ في القِصاصِ، وعَلى وُجُوبِ المِثْلِ في المِثْلِيّاتِ والقِيَمِ العادِيَّةِ في المُقَوِّماتِ، وقَدْ ورَدَتِ الآيَةُ في الكَفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ، حَيْثُ مَثَّلُوا بِبَعْضِ القَتْلى، كَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وغَيْرِهِ، فَأرادَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُمَثِّلَ بِسَبْعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ بَدَلَهُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ الآيَةَ، وأبانَ أنَّ الصَّبْرَ أوْلى، ودَلَّ بِهِ عَلى أنَّ لِلْوَلِيِّ الحَقَّ عَلى غَيْرِهِ، وهو أنْ يَعْفُوَ.

الإسراء 17:15

(p-٢٤٨)(p-٢٤٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الإسْراءِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أهْلِ الحَقِّ في أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ السَّمْعِ، وأنَّهُ لا وُجُوبَ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ، ولا يَقْبُحُ ولا يِحْسُنُ بِالعَقْلِ، خِلافًا لِمَن عَدا أهْلِ الحَقِّ، في كَوْنِ العَقْلِ طَرِيقًا إلى مَعْرِفَةِ وُجُوبِ الواجِباتِ، وتَحْرِيمِ المُحَرَّماتِ، وإباحَةِ المُباحاتِ، ثُمَّ الأكْثَرُونَ مِنهم عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقْتَصِرَ بِبَعْضِ المُكَلَّفِينَ عَلى دَلِيلِ العَقْلِ دُونَ السَّمْعِ، إذا كانَتْ مَصْلَحَتُهُ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ، وأنَّهُ يَقَعُ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يَنْهَضُ بِما كَلَّفَهُ دَلِيلُ العَقْلِ والغَرَضُ بِالشَّرائِعِ المُصْلِحَةِ، وإذا كانَ المَعْلُومُ مِن حالِ بَعْضِهِمْ نُهُوضَهُ بِالتَّكالِيفِ العَقْلِيَّةِ تَلَقِّيًا مِن دَلِيلِ العَقْلِ، لَمْ يَكُنْ لِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ فائِدَةٌ، وإنَّما يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَهُمُ الرَّسُولَ إلى مَن وقَعَ في المَعْلُومِ أنَّ تَمَسُّكَ المُتَمَسِّكِ بِالشَّرِيعَةِ داعِي إلى المَصْلَحَةِ في التَّكالِيفِ العَقْلِيَّةِ، فَيُرْسِلُ الرَّسُولُ إلَيْهِ بِأُمُورٍ سَمْعِيَّةٍ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى كَوْنَها داعِيَةً إلى المُسْتَحَسَناتِ العَقْلِيَّةِ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنَ السَّمْعِيّاتِ ما يُعْلَمُ كَوْنُهُ داعِيًا إلى المُسْتَقْبَحاتِ العَقْلِيَّةَ. (p-٢٥٠)فَإذا لَمْ يَقَعْ في المَعْلُومِ كَوْنُ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ داعِيًا إلى الواجِبِ العَقْلِيِّ، ولا ناهِيًا عَنِ القَبِيحِ العَقْلِيِّ، لَمْ يَكُنْ لِلْإرْسالِ فائِدَةٌ، ولَيْسَ يَجِبُ أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِن أحْوالِ المُكَلَّفِينَ جُمْلَةً، ورُبَّما عَلِمَ مِن أحْوالِ بَعْضِهِمْ، فَيَجِبُ إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، ورُبَّما لا يُعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يَجِبُ إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ. وفِيهِمْ مَن يَقُولُ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرُّسُلِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى مُظاهَرَةِ الحُجَّةِ وأقْوى في مَعْنى اللُّطْفِ. وهَذا الإخْفاءُ بِبُطْلانِهِ، إذْ يَلْزَمُ مِنهُ إبْقاءُ الرَّسُولِ أبَدًا أوْ تَوالِي الرُّسُلِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى اللُّطْفِ، ولا شَكَّ أنَّ إبْقاءَ إبْلِيسَ في الدُّنْيا مَعَ أعْوانِهِ أبْعَدُ عَنِ اللُّطْفِ مِن تَوالِي الرُّسُلِ، ومُظاهَرَةِ الحُجَّةِ بِهِمْ. ورُبَّما قالُوا: العَبْدُ لا يُعَرّى مِن مَصالِحَ في دِينِهِ لا يَعْلَمُها إلّا بِالسَّمْعِ، كَما لا يُعَرّى عَنْ مَصالِحَ في الدُّنْيا لا تُعْلَمُ إلّا بِالخَبَرِ. وهَذا تَحَكُّمُ، ومِن أيْنَ وجَدَ ذَلِكَ؟ وإذا ثَبَتَ أنَّ الأصَحَّ مِن قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ المَذْهَبُ الأوَّلُ، فَقالَ لِلْمُعْتَزِلَةِ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ ؟ وعِنْدَكم يَجُوزُ في المَعْلُومِ أنْ يَنْهَضَ العَبْدُ بِالمَصالِحِ العَقْلِيَّةِ، مِن غَيْرِ افْتِقارٍ إلى أفْعالٍ تَكُونُ لُطْفًا في تِلْكَ المَصالِحِ وتُعْلَمُ بِالسَّمْعِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، وعِنْدَكم في تِلْكَ الحالِ يَجِبُ أنْ لا يَبْعَثَ رَسُولًا ويُعَذِّبَ دُونَ الرَّسُولِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: وما كُنّا نَفْعَلُ ما يَجِبُ عَلَيْنا فِعْلُهُ، دُونَ أنْ نَبْعَثَ رَسُولًا لا يَجُوزُ لَنا بَعْثُهُ في بَعْضِ الأحْوالِ. وهُمُ اخْتَلَفُوا في الجَوابِ عَنِ الآيَةِ، فَقالَ قائِلُونَ: المُرادُ بِهِ عَذابُ (p-٢٥١)الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا﴾ [القصص: ٥٩] . وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ عَلى حَسَبِ ما يَقَعُ في المَعْلُومِ كَوْنُهُ مَصْلَحَةً، وإنْ كانَ الِاسْتِئْصالُ مَصْلَحَةً دُونَ ابْتِعاثِ الرُّسُلِ، وجَبَ عِنْدَهم ذَلِكَ، فَإنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ إنَّما اسْتَحَقَّهُ مَنِ اسْتَحَقَّهُ لِمُخالَفَةِ التَّكالِيفِ، فَإذا حَصَلَتِ المُخالَفَةُ قَبْلَ الرُّسُلِ، فَأيُّ مَعْنًى لِتَرْكِ ذَلِكَ؟ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ، فَلا اسْتِئْصالَ، لا بَعْدَ الرُّسُلِ ولا قَبْلَهُمْ، وهَذا بَيِّنٌ حَسَنٌ. وأجابُوا مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالُوا: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ فِيما طَرِيقُهُ السَّمْعُ، حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا، فَأمّا ما كانَ طَرِيقُهُ العَقْلَ فَلا، وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّ التَّكالِيفَ إذا كانَتْ مُنْقَسِمَةً، وأقْوى القِسْمَيْنِ التَّكالِيفُ العَقْلِيَّةُ، والسَّمْعِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْها، لِكَوْنِها داعِيَةً إلَيْها ولُطْفًا بِها، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا. وعِنْدَهم أنَّهُ يَجِبُ العَذابُ عَلى تَرْكِ التَّكالِيفِ العَقْلِيَّةِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: وما كُنّا نَفْعَلُ ما يَجِبُ عَلَيْنا فِعْلُهُ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إبانَةٌ عَنْ وجْهِ العَدْلِ في أفْعالِهِ، أوِ القَهْرِ وإنْفاذِ المَشِيئَةِ، وذَلِكَ عِنْدَهم عَلى إطْلاقٍ قَبِيحٍ، وهو عَلى أصْلِهِمْ مِثْلُ قَوْلِ القائِلِ: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا، ويَعْنِي بِذَلِكَ بَعْضَ السَّمْعِيّاتِ دُونَ بَعْضٍ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ بِمَثابَةٍ. واسْتَدَلَّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ عَلى رَدِّ قَوْلِ بَعْضِ أصْحابِنا في أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ أطْفالَ المُشْرِكِينَ، لِأنَّهُ إذا كانَ لا يُعَذِّبُ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ، فَهَؤُلاءِ الأطْفالُ لَمْ يَعْلَمُوا الرُّسُلَ ولا لَهم مُكْنَةٌ في مَعْرِفَتِهِمْ، فَكَيْفَ يُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِ آبائِهِمْ؟ (p-٢٥٢)وهَذا مَنِ المُحْتَجُّ بِهِ جَهِلٌ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، مَن يَجُوزُ إنْفاذُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، فَيُعَذَّبُ عَلى تَرْكِ ما كُلِّفَ، فَأمّا الأطْفالُ فَلا يُعَذَّبُونَ عِنْدَنا عَلى تَرْكِ ما كُلِّفُوا، وإنَّما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ العَذابَ حُكْمًا مِنهُ نافِذًا، وقَضاءً ماضِيًا، كَما يُؤْلِمُ الأطْفالَ والبَهائِمَ في الدُّنْيا، فَسَقَطَ ما قالُوهُ جُمْلَةً. واسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذا في أنَّ أهْلَ الجَزائِرِ إذا سَمِعُوا بِالإسْلامِ فَآمَنُوا، فَلا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ فِيما مَضى، وهَذا صَحِيحٌ. ومَن لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ العَذابَ مِن جِهَةِ العَقْلِ عِنْدَنا. وهو مَضْمُونٌ عَلى قائِلِهِ عِنْدَنا. ولِأبِي حَنِيفَةَ في ذَلِكَ خِلافٌ، ولَهُ مَأْخَذٌ فِيهِ يَسْتَقِيمُ عَلى نَظَرِ الفُقَهاءِ مِن غَيْرِ اسْتِمْدادٍ مِن أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ، حَتّى لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ أبا حَنِيفَةَ بَنى تِلْكَ المَسْألَةَ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهُ بَعِيدٌ مِنها، وذَكَرْنا ذَلِكَ المَأْخَذَ في مَسائِلِ الخِلافِ في الكِتابِ الَّذِي أفْرَدْناهُ لِلرَّوايا. ثُمَّ أبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إنْ لَمْ يُهْلِكِ القُرى قَبْلَ انْبِعاثِ الرُّسُلِ، فَلَيْسَ لِأنَّهُ يُقَبِّحُ ذَلِكَ مِنهُ إنْ فَعَلَ، ولَكِنَّهُ وعِيدٌ مِنهُ ولا خُلْفَ في وعْدِهِ، فَإذا أرادَ إهْلاكَ قَرْيَةٍ مَعَ تَحْقِيقِ وعْدِهِ، كانَ عَلى ما قالَهُ تَعالى: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] . لِيَعْلَمَ أنَّ مَن هَلَكَ إنَّما هَلَكَ بِإرادَتِهِ، فَهو الَّذِي يُسَبِّبُ الأسْبابَ ويَسُوقُها إلى غاياتِها، لِيَحِقِّ القَوْلُ السّابِقُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

الإسراء 17:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] الآيَةَ. (p-٢٥٣)فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أُمُورٍ، مِنها أنَّ مَن يُرِيدُ بِما يَتَكَلَّفُهُ مِنَ الطّاعاتِ أحْوالَ الدُّنْيا، أوْ يُرِيدُ تَحْصِيلَ العاجِلَةِ بِغَيْرِ الطّاعَةِ فَهو مُتَوَعِّدٌ، مِثْلَ أنْ يَتَزَهَّدَ مُراءاةً لِلنّاسِ، أوْ لِاعْتِمادِهِمْ عَلى أقْوالِهِ وائْتِمانِهِمْ لَهُ عَلى أمْوالِهِمْ، فَهو مُتَوَعِّدٌ بِالنّارِ، وأنَّ مَن يُرِيدُ اللَّهَ تَعالى بِمَساعِيهِ فَلَهُ الثَّوابُ بِحُكْمِ وعْدِ اللَّهِ تَعالى.

الإسراء 17:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الآيَةَ. قَرَنَ ذِكْرَ الوالِدَيْنِ بِعِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَنَبَّهَ بِهِ عَلى عَظِيمِ إنْعامِ اللَّهِ تَعالى المُقْتَضِي لِلشُّكْرِ، ونَبَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى عَظِيمِ نِعَمِ الوالِدَيْنِ، وبَيْنَ اخْتِلافِ الوالِدَيْنِ، لِيَكُونَ بِرُّهُ بِهِما وإحْسانُهُ إلَيْهِما عَلى قَدْرِ حاجاتِهِما فَقالَ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾، فَخَصَّ هَذِهِ الحالَةَ بِالذِّكْرِ، وهي حالَةُ حاجَتِهِما إلى بِرِّهِ لِتَغْيِيرِ الحالِ عَلَيْهِما بِالضَّعْفِ النّازِلِ والكِبْرِ، فَأُلْزِمَ في هَذِهِ الحالَةِ مِن مُراعاةِ أحْوالِهِما أكْثَرَ مِمّا أُلْزِمَ مِن قَبْلُ، لِأنَّهُما قَدْ صارا في هَذِهِ الحالَةِ كَلا عَلَيْهِ، فَيَحْتاجانِ إلى أنْ يَلِيَ مِن أمْرِهِما لِلضَّعْفِ النّازِلِ مِنهُما، ما كانَ يَحْتاجُهُ هو في صِغَرِهِ أنْ يَلِيا مِنهُ، فَذَلِكَ مَعْنى تَخْصِيصِ هَذِهِ الحالَةِ بِالذِّكْرِ، لِيُبَيِّنَ ما يَلْزَمُ مِن مَزِيدِ البِرِّ والتَّعاهُدِ، وما يَتَّصِلُ بِخِدْمَةٍ وإنْفاقٍ. ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾، عَلى وُجُوبِ صَبْرِهِ عَلَيْهِما حَتّى لا يَتَبَرَّمَ ولا يَضْجَرَ، فَإنَّ العادَةَ جارِيَةٌ في المُتَضَجِّرِ عِنْدَ الأمْرِ أنْ يَقُولَ أُفٍّ أوْ تَفٍ في الأُمُورِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَحْرِيمَ هَذا القَدْرِ مِنَ (p-٢٥٤)التَّبَرُّمِ عَلى الوَلَدِ عِنْدَ ضَعْفِ الوالِدَيْنِ وحاجَتِهِما إلى بِرِّهِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ تَعالى عَلى هَذا القَدْرِ في بَيانِ حَقِّهِما حَتّى قالَ: ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾، مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ ودالًّا بِهِ عَلى أنَّ الواجِبَ في بِرِّهِ لَهُما سُلُوكُ طَرِيقَةِ اللِّينِ في القَوْلِ: ثُمَّ قالَ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾، والكَرِيمُ مِنَ القَوْلِ ما يُوافِقُ مَسَرَّةَ النَّفْسِ، ولا يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ. ثُمَّ أُمِرَ بِمَزِيدِ التَّواضُعِ فَقالَ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وهَذا الكَلامُ في أعْلى مَراتِبِ الفَصاحَةِ والتَّعْبِيرِ عَنِ المَقْصُودِ بِلَفْظِ المَجازِ، لِأنَّ الذُّلَّ لَيْسَ لَهُ جَناحٌ، ولا يُوصَفُ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ المُبالَغَةَ في التَّذَلُّلِ والتَّواضُعِ، وهو كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ في وصْفِ اللَّيْلِ: ؎فَقُلْتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِصُلْبِهِ وأرْدَفَ أعْجازًا وناءَ بِكَلْكَلِ يَصِفُ اللَّيْلَ المُتَقَدِّمَ عَلى هَذا البَيْتِ في قَوْلِهِ: ؎ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخى سُدُولَهُ ∗∗∗ عَلَيَّ بِأنْواعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِيَ ولَيْسَ لِلَّيْلِ صُلْبٌ ولا إعْجازٌ ولا كَلْكَلٌ فَهو مَجازٌ، وأرادَ بِهِ تَكامُلَهُ واسْتِواءَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ لَهُما لَيْسَ مَقْصُورًا عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، بَلْ يَلْزَمُهُ مَعَ ذَلِكَ ما يُمْكِنُ في بابِ الآخِرَةِ مِنَ الدُّعاءِ، لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ مِنهُما عَلى ما سِواهُ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] . بَيَّنَ العِلَّةَ في لُزُومِ الدُّعاءِ لَهُما، وبَيَّنَ أنَّهُ يَلْزَمُ الوَلَدَ مِنَ الدُّعاءِ لِلْوالِدَيْنِ، أكْثَرَ مِمّا يَلْزَمُهُ في غَيْرِهِما.

الإسراء 17:26

(p-٢٥٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآيَةَ. أبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنّا مُراعاةَ مَراتِبِ مُسْتَحِقِّي الحُقُوقِ، فَبَدَأ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وقَرَنَهُ بِذِكْرِ الوالِدَيْنِ، وعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾، وظاهِرُ العَطْفِ أنَّهُ قَرِيبُ الإنْسانِ. وقَدْ قِيلَ: عَنى بِهِ قَرابَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والأمْرُ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن إيتاءِ ذِي القُرْبى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ . والتَّبْذِيرُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ إنْفاقُ المالِ في غَيْرِ حَقِّهِ، فَلا تَبْذِيرَ في عَمَلِ الخَيْرِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبْذِيرًا. وقَدْ ثَبَتَ في سُورَةِ البَقَرَةِ الحَجْرُ عَلى المُبَذِّرِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ. ثُمَّ أبانَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ التَّبْذِيرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] الآيَةَ.

الإسراء 17:28

ثُمَّ قالَ تَعالى في تَخْصِيصِ نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ الآيَةَ. وهُوَ تَأْدِيبٌ عَجِيبٌ، وقَوْلٌ لَطِيفٌ بَدِيعٌ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾: أيْ لا تُعْرِضُ عَنْهم إعْراضَ مُسْتَهِينٍ عَنْ ظَهْرِ الغِنا والقُدْرَةِ فَتَحْرِمَهُمْ، وإنَّما يَجُوزُ لَهُ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم عِنْدَ عَجْزٍ يَعْرِضُ، وعِنْدَ عائِقٍ يَعْرِضُ، وأنْتَ عِنْدَ ذَلِكَ تَرْجُو مِنَ (p-٢٥٦)اللَّهِ فَتْحَ بابِ الخَيْرِ لِتَتَوَصَّلَ بِهِ إلى مُواساةِ السّائِلِ، فَإنْ قَعَدَ بِكَ الحالُ عَنِ المُواساةِ ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾، يَعْمَلُ في مَسَرَّةِ نَفْسِهِ عَمَلَ المُواساةِ فَتَقُولُ: اللَّهُ يَرْزُقُ، واللَّهُ يَفْتَحُ بِالخَيْرِ.

الإسراء 17:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ الآيَةَ: هو مَجازٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ ومُراعاةِ الِاقْتِصادِ فِيهِما جَمِيعًا، فَقالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾: فَلا تُعْطِي مِن مالِكٍ شَيْئًا. ولَمّا كانَ العَطاءُ في الأكْثَرِ بِاليَدِ غَيْرَ غَلِّ اليَدِ عَنِ الإمْساكِ، فالَّذِي لا يُعْطِي شَيْئًا جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ مَن يَدُهُ مَغْلُولَةٌ إلى عُنُقِهِ، والعَرَبُ تَصِفُ البَخِيلَ بِضِيقِ اليَدِ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ ضَيِّقُ الكَفَّيْنِ إذا كانَ بَخِيلًا، وقَصِيرُ الباعِ، وفي ضِدِّهِ رَحْبُ الذِّراعِ طَوِيلُ الباعِ طَوِيلُ اليَدَيْنِ. «وقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِنِسائِهِ: ”أسْرَعُكُنَّ بِي لِحاقًا أطْوَلُكُنَّ يَدًا“». وإنَّما أرادَ بِهِ كَثْرَةَ الصَّدَقَةِ، فَكانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، لِأنَّها كانَتْ أكْثَرَهُنَّ صَدَقَةً. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وما كانَ أكْثَرُهم سِوامًا. ∗∗∗ ولَكِنْ كانَ أرْحَبَهم ذِراعًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾، فَلا تُخْرِجْ جَمِيعَ ما في يَدِكَ مَعَ حاجَتِكَ وحاجَةِ عِيالِكَ. ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾، يَعْنِي ذا حَسْرَةٍ عَلى ما خَرَجَ مِن يَدِكَ. (p-٢٥٧)وهَذا الخِطابُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ، وكانَ يَجُوعُ حَتّى يَشُدَّ الحَجَرَ عَلى بَطْنِهِ. وقَدْ كانَ كَثِيرٌ مِن فُضَلاءِ أصْحابِهِ يُنْفِقُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ جَمِيعَ أمْلاكِهِمْ، فَلَمْ يُعَنِّفْهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ لِصِحَّةِ يَقِينِهِمْ وشِدَّةِ بَصائِرِهِمْ. وإنَّما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنِ الإفْراطِ في الإنْفاقِ، وإخْراجِ جَمِيعِ ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ يَدُهُ مِنَ المالِ، مَن خِيفَ عَلَيْهِ الحَسْرَةُ عَلى ما خَرَجَ مِن يَدِهِ، فَأمّا مَن وثِقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ تَعالى وجَزِيلِ ثَوابِهِ فِيما أنْفَقَهُ فَغَيْرُ مُرادٍ بِالآيَةِ. وقَدْ رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا أتى إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسَلَّمَ إلَيْهِ مِثْلَ بَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أصَبْتُ هَذِهِ مِن مَعْدِنٍ واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَها، فَأعْرَضَ عَنْهُ، فَعادَ ثانِيًا فَأعْرَضَ عَنْهُ، فَعادَ ثالِثًا فَأخَذَها النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورَماهُ بِها لَوْ أصابَتْهُ لَعَقَرَتْهُ، وقالَ: ”يَأْتِينِي أحَدُكم بِجَمِيعِ ما يَمْلِكُهُ ثُمَّ يَقْعُدُ ويَتَكَفَّفُ وُجُوهَ النّاسِ“». وكانَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذا مالٍ كَثِيرٍ، فَأنْفَقَ جَمِيعَ مالِهِ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ، حَتّى بَقِيَ في عَباءَةٍ، فَلَمْ يُعَنِّفْهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ. فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُخاطَبَةٍ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنَّما خُوطِبَ بِهِ غَيْرُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] . (p-٢٥٨)فاقْتَضَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، الأمْرَ بِالتَّوْحِيدِ والإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ، وإلى ذِي القُرْبى، واليَتامى، والمَساكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ، والنَّهْيَ عَنْ تَبْذِيرِ المالِ وإنْفاقِهِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، والأمْرِ بِالِاقْتِصادِ في الإنْفاقِ والنَّهْيَ عَنِ الإفْراطِ.

الإسراء 17:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾، الآيَةَ ٣١. وهُوَ كَلامٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ السَّبَبِ الخارِجِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ كانَ مِنَ العَرَبِ مَن يَقْتُلُ بَناتَهُ خَشْيَةَ الفَقْرِ، لِئَلّا يَحْتاجَ إلى الإنْفاقِ عَلَيْهِنَّ، ويَتَوَفَّرَ ما يُرِيدُ إنْفاقَهُ عَلَيْهِنَّ عَلى نَفْسِهِ وعَلى بَيْتِهِ، فَكانَ ذَلِكَ شائِعًا فِيهِمْ وهي ”المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ“، والمَوْءُودَةُ هي المَدْفُونَةُ حَيَّةً؟ وكانُوا يَدْفِنُونَ بَناتَهم أحْياءً. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «سُئِلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقِيلَ: ”ما أعْظَمُ الذُّنُوبِ؟ فَقالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خُلَقَكَ، وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خِيفَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، وأنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ“».

الإسراء 17:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ الزِّنا، وهو الَّذِي تَعَرّى عَنْ نِكاحٍ وعَنْ شُبْهَةِ نِكاحٍ. ووَصَفَ اللَّهُ تَعالى نِكاحَ امْرَأةِ الأبِ بِما وصَفَ الزِّنا بِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٢٢] . وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مُساواتِهِ في التَّحْرِيمِ، وبَيَّنّا ما يَعْتَرِضُ بِهِ عَلَيْهِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في اللِّواطِ، وأنَّهُ هَلْ يَدْخُلُ تَحْتَ الزِّنا؟ والشُّرُوعُ فِيهِ لَيْسَ مِن غَرَضِنا.

الإسراء 17:33

(p-٢٥٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ الآيَةَ. السُّلْطانُ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ: الحُجَّةَ والدِّيَةَ والقَوَدَ، ويَحْتَمِلُ الجَمْعَ لا جَرَمَ، الشّافِعِيُّ يُخَيِّرُ بَيْنَ القَتْلِ وغَيْرِهِ، لِأنَّ الكُلَّ بِالإضافَةِ إلى اللَّفْظِ سَواءٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ . قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ. لا يُقْتَلُ غَيْرُ قاتِلِهِ، ولا يُمَثَّلُ بِهِ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَعَدّى إلى غَيْرِ القَلِيلِ مِنَ الحَمِيمِ والغَرِيبِ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ سُلْطانًا نَهاهُ عَنِ التَّعَدِّي، وعَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] . فَإنْ كانَ لِبَعْضِ القَبائِلِ طَوْلٌ عَلى الأُخْرى، فَكانَ إذا قُتِلَ مِنهُمُ العَبْدُ لا يَرْضَوْنَ إلّا بِأنْ يُقْتَلَ الحُرُّ مِنهُمْ، وهَذا في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ بِأنْ يَتَعَدّى إلى غَيْرِ القاتِلِ. ذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ، في قَوْلِهِ: لِوَلِيِّهِ، ما يَدُلُّ عَلى خُرُوجِ المَرْأةِ عَنْ مُطْلَقِ الوَلِيِّ، فَلا جَرَمَ، لَيْسَ لِلنِّساءِ حَقُّ القِصاصِ، كَذَلِكَ قالَ، ولا أثَرَ لِعَفْوِها ولَيْسَ لَها الِاسْتِبْقاءُ. ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ هاهُنا الوارِثُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ (p-٢٦٠)والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] . وقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]: فاقْتَضى ذَلِكَ إثْباتَ القَوَدِ لِسائِرِ الوَرَثَةِ. احْتَجَّ إسْماعِيلُ في ذَلِكَ بِوُجُوهٍ رَكِيكَةٍ مِنها: أنَّ الوَلِيَّ في ظاهِرِهِ عَلى التَّذْكِيرِ وهو واحِدٌ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ ما كانَ بِمَعْنى الجِنْسِ اسْتَوى فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. ومِمّا ذَكَرَهُ أنَّ المَرْأةَ لا تَسْتَحِقُّ كُلَّ القِصاصِ، والقِصاصُ لا بَعْضَ لَهُ، فَلَزِمَهُ مِن ذَلِكَ إخْراجُ الزَّوْجِ مِن جُمْلَةِ الأوْلِياءِ في القِصاصِ، وعَلى أنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ بِنَفْسِها لا تَسْتَحِقُّ، ولَكِنَّها مَعَ غَيْرِها كالوَرَثَةِ، واعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ سَبَبَ الوَرَثَةِ واحِدٌ، وقَدِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ هاهُنا، فَلَزِمَهُ ألّا يُثْبِتَ القِصاصَ بَيْنَ الزَّوْجِ والأخِ ولا الأخِ مِنَ الأُمِّ. وذَكَرَ فِيما ذَكَرَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِصاصِ تَقْلِيلُ القَتْلِ، والمَقْصُودَ بِكَثْرَةِ القَتْلِ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ. ولَزِمَ عَلى هَذا ألّا يَجِبَ القِصاصُ عَلى المَرْأةِ بِقَتْلِ الرَّجُلِ، ولا عَلى الرَّجُلِ بِقَتْلِ المَرْأةِ.

الإسراء 17:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ الآيَةَ. (p-٢٦١)قالَ مُجاهِدٌ: الَّتِي هي أحْسَنُ التِّجارَةُ، خُصَّ اليَتِيمُ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ إلَيْهِ أحْوَجُ، وعَنِ الِاسْتِقْلالِ أبْعَدُ، وإلى المَرْحَمَةِ والشَّفَقَةِ أقْرَبُ. ذَكَرَ الرّازِيُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ، عُلِمَ أنَّ إيناسَ الرُّشْدِ عِنْدَ بُلُوغِ الأشَدِّ لا يُعْتَبَرُ، ولَوِ اعْتُبِرَ لِذُكِرَ كَما قالَ: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] . والأشُدُّ مَذْكُورٌ عَلى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] . وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤]، الآيَةَ. وذَكَرُوا أنَّهُ بُلُوغُ الحُلُمِ. وذَكَرُوا أنَّهُ بُلُوغُ أرْبَعِينَ سَنَةً. فَلَيْسَ لِلْأشُدِّ مَرَدٌّ مَعْلُومٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِبُلُوغِ الأشُدِّ قَبْلَ الأرْبَعِينَ سَنَةً، وتَخْتَلِفُ أحْوالُ النّاسِ فِيهِ، والَّذِي ذَكَرَهُ مِن أنَّ إيناسَ الرُّشْدِ لَيْسَ مُعْتَبَرًا مَعَ الأشُدِّ فَبَعِيدٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي (p-٢٦٢)أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾، فاقْتَضى ذَلِكَ جَوازَ التَّصَرُّفِ إلى بُلُوغِ الأشُدِّ مُطْلَقًا، ولا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلّا عِنْدَ جَعْلِ الأشُدِّ بِمَعْنى البُلُوغِ، والوَلِيُّ لا يَتَصَرَّفُ في مالِ اليَتِيمِ بَعْدَ البُلُوغِ، ولا أنَّهُ يُسَمّى يَتِيمًا إلى أرْبَعِينَ سَنَةً.

الإسراء 17:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ الآيَةَ: قِيلَ: دَلُوكُها: زَوالُها، وقِيلَ: غُرُوبُها، وقَدْ ورَدَتْ فِيها آياتٌ، فَإنْ كانَ الدُّلُوكُ الزَّوالَ، وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ، لِقَوْلِهِ: لِدَلْوِكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِماعُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ، وقِيلَ غَسَقُ اللَّيْلِ انْتِصابُهُ، ووَقْتُ الِاخْتِيارِ لِلْعِشاءِ يَمْتَدُّ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾، مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ: ”أقِمْ“، فَتَقْدِيرُهُ أقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ. وقالَ قائِلُونَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾: صَلاةُ الفَجْرِ، فَإنَّهُ يَبْعُدُ تَخْصِيصُ صَلاةِ الفَجْرِ بِالقِراءَةِ فِيها، والصَّلاةُ كَما تَشْتَمِلُ عَلى القِراءَةِ تَشْتَمِلُ عَلى ما عَداها مِنَ الأذْكارِ. والأوَّلُونَ اسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، والتَّهَجُّدُ بِالقِراءَةِ لا بِصَلاةِ الفَجْرِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ التَّهَجُّدُ بِالصَّلاةِ، مُرَتَّبًا عَلى قَوْلِهِ: أقِمِ الصَّلاةَ.

الإسراء 17:110

(p-٢٦٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ الآيَةَ. رُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ كانَ يُخافِتُ، وكانَ عُمَرُ يَجْهَرُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ: لِمَ لا تَجْهَرُ؟ فَقالَ: أُناجِي رَبِّي وهو أعْلَمُ بِحاجَتِي. وقالَ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَجْهَرُ؟ قالَ: أُوقِظُ الوَسْنانَ وأطْرُدُ الشَّيْطانَ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أحْسَنْتُما، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِي بَكْرٍ: ارْفَعْ شَيْئًا، وقالَ لِعُمَرَ: اخْفِضْ شَيْئًا». وقالَتْ عائِشَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: أرادَ بِها الدُّعاءَ والمَسْألَةَ. ورَوَتْ عائِشَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ صَوْتَ أبِي مُوسى فَقالَ: ”لَقَدْ أُوتِيَ أبُو مُوسى مِن مَزامِرِ آلِ داوُدَ ﷺ“».

الكهف 18:7

(p-٢٦٤)(p-٢٦٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الكَهْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ الآيَةَ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما جَعَلَهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، جَعَلَهُ لُطْفًا لِعِبادِهِ، الَّذِينَ أرادَ بِهِمُ الخَيْرَ في اخْتِيارِ الطّاعاتِ.

الكهف 18:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى جَوازِ خَلْطِ دَراهِمِ الجَماعَةِ والشِّراءِ بِها والأكْلِ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي بَيْنَهم بِالشَّرِكَةِ، وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن يَأْكُلُ أكْثَرَ ومَن يَأْكُلُ أقَلَّ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ النّاسُ المُناهَدَةَ، ويَفْعَلُونَهُ في الأسْفارِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ فَأضافَ الوَرِقَ إلى الجَمِيعِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] . (p-٢٦٦)وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الوَكالَةِ بِالشِّراءِ، لِأنَّ الَّذِي بَعَثُوا بِهِ كانَ وكِيلًا.

الكهف 18:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] الآيَةَ. لِأنَّ المَقْصُودَ بِذَلِكَ ألّا يَكُونَ مُحَقَّقًا لِحُكْمِ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَإنَّهُ إذا قالَ لَأفْعَلَنَّ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ كانَ كاذِبًا، وإنْ قالَ لَأفْعَلَنَّ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُحَقِّقًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: أيُّ مَعْنًى في ذَلِكَ، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يَفْعَلَ فاعِلٌ فِعْلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، هَلْ ذِكْرُ ذَلِكَ وعَدَمُ ذِكْرِهِ إلّا بِمَثابَةٍ واحِدَةٍ، وهَلْ هَذا إلّا بِمَثابَةِ مَن يَقُولُ لَأفْعَلَنَّ ذَلِكَ إنْ كُنْتَ فاعِلًا وإنْ كُنْتَ قادِرًا وإنْ شِئْتَ، وأيُّ أثَرٍ لِذِكْرِ شَرْطٍ لِلْفِعْلِ لا مَحالَةَ في العَقْلِ. والجَوابُ: أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، غَيْرَ أنَّهُ إذا قالَ القائِلُ لَأفْعَلَنَّ في وقْتِ كَذا، فَقَدْ أوْهَمَ أنَّهُ يَفْعَلُ لا مَحالَةَ، وأبانَ أنَّ شَرْطَ الفِعْلِ يُوجَدُ، فَإذا لَمْ يَفْعَلْ لِعَدَمِ الشَّرْطِ وهو مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى، أوْ عائِقٌ آخَرُ، كانَ كاذِبًا في قَوْلِهِ عُرْفًا، وإذا قالَ لَأفْعَلَنَّ كَذا إنْ شاءَ اللَّهُ، أوْ إنْ شاءَ زَيْدٌ، فَلَمْ يَقْطَعْ بِأنَّهُ يَفْعَلُ، بَلْ رَدَّدَ ومَيَّلَ القَوْلَ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أدْرِي هَلْ أفْعَلُ أمْ لا، فَهَذا هو المَعْنى فِيهِ. وكَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أدَّبَ رَسُولَهُ ﷺ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . أيْ كُنْ مُتَذَكِّرًا لِلْعَوائِقِ وناظِرًا في العَواقِبِ، ولَعَلَّ عائِقًا يَعْتَرِضُ دُونَ مَرامِكَ، فَرَدَّدَ القَوْلَ فِيما لا يَعْلَمُهُ، لِئَلّا يَجْرِي ما يُنْسَبُ فِيهِ إلى خُلْفٍ في القَوْلِ عُرْفًا. ومِن أجْلِهِ قالَ عُلَماؤُنا: إذا حَلَفَ واسْتَثْنى لَمْ يَحْنَثْ إذا كانَ مَوْصُولًا، وإنِ انْفَصَلَ يُؤَثِّرُ الِاسْتِثْناءُ. (p-٢٦٧)ورُوِيَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: «إذا قالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: أنْتَ حُرٌّ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَهو حُرٌّ، وإذا قالَ لِامْرَأتِهِ أنْتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ فَلَيْسَ بِطالِقٍ». وهَذا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، واهِي السَّنَدِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ. وقِيلَ لِلْمُعْتَزِلَةِ: عِنْدَكم أنَّ فِعْلَ الفاعِلِ لا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَما مَعْنى قَوْلِهِ عِنْدَكم لَأفْعَلَنَّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهو يَفْعَلُ وإنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ. فَأجابُوا بِأنَّ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ألّا يُلْجِئَنِي إلَيْهِ، أوْ يَقْطَعَنِي عَنْهُ بِاخْتِرامٍ أوْ مَوْتٍ، فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قاطِعًا عَلى الخَبَرِ، فَيَحْسُنُ مِنهُ الخَبَرُ. وقالَ آخَرُونَ مِنهم: الغَرَضُ بِالِاسْتِثْناءِ إخْراجُ الخَبَرِ عَنْ أنْ يَكُونَ قَطْعًا وخَبَرًا تامًّا مِن غَيْرِ إرادَةِ ما يُجْرى مَجْرى الشَّرْطِ، فَكَأنَّهُ وضَعَ في اللُّغَةِ لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّوَقُّفَ في الخَبَرِ، وهَذا أقْرَبُ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ يُؤَثِّرُ في هَذا الخَبَرِ، سَواءٌ وقَعَ مِمَّنْ لَهُ قَصْدٌ إلى ما ذَكَرْناهُ أوْ مَن لا قَصْدَ لَهُ. فَحَمْلُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي أُولى. ومِمّا قِيلَ لِلْمُعْتَزِلَةِ: إذا قالَ القائِلُ عَبْدِي حُرٌّ إنْ شاءَ اللَّهُ فَلا يُعْتِقُ، وقِياسُ قَوْلِكم أنَّهُ يُعْتِقُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ شاءَ ذَلِكَ تَعَبُّدًا، وجَوابُهم عَنْهُ عَلى ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، أنَّهُ لَمْ يُخَصِّصِ المُسْتَثْنى المَشِيئَةَ بِطَرِيقِ التَّعَبُّدِ، ولَوْ خَصَّصَهُ بِذَلِكَ لَصارَ حُرًّا بِأنْ يَنْوِيَ بِالِاسْتِثْناءِ مَشِيئَةَ التَّعَبُّدِ فَقَطْ. نَعَمْ إذا أُطْلِقَ الِاسْتِثْناءُ فَلا حُرِّيَّةَ، فَأمّا إذا قُيِّدَ الِاسْتِثْناءُ، صارَ كَأنَّهُ قالَ لِلْمَمْلُوكِ: أنْتَ حُرٌّ إنْ أرادَ اللَّهُ مِنِّي إعْتاقَكَ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ ذَلِكَ مَعَ سَلامَةِ الأحْوالِ، وإنَّما تَصِحُّ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَتى قِيلَ لا بُدَّ في (p-٢٦٨)الِاسْتِثْناءِ مِن تَقْيِيدٍ، حَتّى يَصِيرَ كالشَّرْطِ، ويَجْرِيَ مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: أنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدّارَ، وإنْ شاءَ زَيْدٌ، فَيُمْكِنُ عِنْدَ ذَلِكَ ادِّعاءُ مُخالِفَةِ الإجْماعِ عَلى المُعْتَزِلَةِ، فَأمّا إذا قِيلَ بِالوَجْهِ الآخَرِ، وهو أنَّ الِاسْتِثْناءَ يُخْرِجُ الخَبَرَ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرًا، إلى أنْ يَكُونَ مَشْكُوكًا فِيهِ مَوْقُوفًا فَلَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ.

الكهف 18:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ إنْ نَسِيَ الِاسْتِثْناءَ ثُمَّ ذَكَرَ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ، لَمْ يَحْنَثْ إنْ كانَ حالِفًا. وذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ ذَلِكَ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾، قالَ يُسْتَثْنى إذا ذُكِرَ. والأصَحُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ.

الكهف 18:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَعْمَلُ العَمَلَ وهو يَظُنُّ أنَّهُ مُحْسِنٌ فِيهِ، وقَدْ حَبِطَ سَعْيُهُ الَّذِي يُوجِبُ إحْباطَ السَّعْيِ إمّا فَسادُ الِاعْتِقادِ أوِ المُراءاةُ. والمُرادُ بِهِ هاهُنا الكُفْرُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ بَعْدَ ذِكْرِ هَؤُلاءِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] . أبانَ عَنْ كُفْرِهِمْ وأنَّهُ سَبَبُ ضَياعِ أعْمالِهِمْ.

الكهف 18:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ الآيَةَ. دَلَّ عَلى أنَّ مَن عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى مُراءاةً ومُباهاةً وطَلَبًا لِلنَّجاةِ، فَلا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ، وقَدْ مَضى شَرْحُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

مريم 19:3

(p-٢٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ مَرْيَمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْضَلَ الدُّعاءِ ما هَذِهِ حالُهُ، لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وأقْرَبُ إلى الإخْلاصِ.

مريم 19:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُسْتَحْب لِلْمَرْءِ أنْ يَذْكُرَ في دُعائِهِ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وما يَلِيقُ بِالخُضُوعِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾، إظْهارُ لِلْخُضُوعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، إظْهارًا لِعاداتِ تَفَضُّلِهِ في إجابَةِ أدْعِيَتِهِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالمَسْألَةِ فَقالَ: * * ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ [مريم: ٥] الآيَةَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ رَفْعَ الحاجَةِ إلَيْهِ، إنَّما يُسْتَحَبُّ عِنْدَ مَخافَةِ الضَّرَرِ في الدِّينِ، فَإنَّهُ خافَ مِن أقارِبِهِ الفَسادَ والشَّرَّ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَدًا يَقُومُ بِالدِّينِ بَعْدَهُ، فَيَرِثُهُ النُّبُوَّةَ، ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَهْتَمَّ بِالدُّعاءِ هَذا الِاهْتِمامَ، ومُرادُهُ أنْ يُورِثَهُ المالَ، فَإنَّ ذَلِكَ مُبايِنٌ لِطَرِيقَةِ الأنْبِياءِ، (p-٢٧٠)ولِأنَّهُ جَمَعَ وِراثَتَهُ إلى وِراثَةِ آلِ يَعْقُوبَ، ومَعْلُومٌ أنَّ ولَدَ زَكَرِيّا لا يَرِثُهم. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أقْدَمَ عَلى مَسْألَةِ ما يَخْرُقُ العادَةَ مِن غَيْرِ إذْنٍ!؟ الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، في زَمانِ الأنْبِياءِ، وفي القُرْآنِ ما كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى، فَإنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧] . فَلَمّا رَأى خارِقَ العادَةِ اسْتَحْكَمَ طَمَعُهُ في إجابَةِ دَعْوَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] .

مريم 19:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لِتِلاوَةِ آياتِ الرَّحْمَنِ تَأْثِيرًا، فَقالَ الحَسَنُ: إذْ تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا: في الصَّلاةِ. وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ بِآياتِ اللَّهِ كُتُبُهُ المُتَضَمِّنَةُ لِتَوْحِيدِهِ وحُجَّتِهِ، وأنَّهم كانُوا يَسْجُدُونَ عِنْدَ تِلاوَتِها، ويَبْكُونَ عِنْدَ ذِكْرِها. والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ، خاصَّةً وأنَّهم كانُوا يَسْجُدُونَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ ويَبْكُونَ، فَفي ذَلِكَ دَلالَةٌ مِن قَوْلِهِ عَلى أنَّ القُرْآنَ هو الَّذِي كانَ يُتْلى عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ الرَّسُولُ ﷺ مُخْتَصًّا بِإنْزالِهِ عَلَيْهِ. (p-٢٧١)واحْتَجَّ الرّازِيُّ بِهِ عَلى وُجُوبِ سُجُودِ القُرْآنِ عَلى المُسْتَمِعِ والقارِئِ، وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّ هَذا الوَصْفَ شامِلٌ لِكُلِّ آياتِ اللَّهِ تَعالى، وضَمَّ إلى السُّجُودِ البُكاءَ، وأبانَ بِهِ عَنْ طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ في تَعْظِيمِهِمُ اللَّهَ تَعالى وآياتِهِ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِ آياتٍ مَخْصُوصَةٍ.

مريم 19:92

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾، ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] الآيَةَ. فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ مَمْلُوكًا لِأبِيهِ خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّهُ يَشْتَرِيهِ فَيَمْلِكُهُ ولا يُعْتَقُ إلّا إذا أعْتَقَهُ، وقَدْ أبانَ اللَّهُ تَعالى المُنافاةَ بَيْنَ الوِلادَةِ والمُلْكِ. واسْتَدَلَّ إسْماعِيلُ بْنُ إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، ونَقَلَهُ الرّازِيُّ في كِتابِهِ عَنْهُ فَقالَ: وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ أُمَّةَ الرَّجُلِ إذا حَمَلَتْ مِنهُ، فَإنَّ الوَلَدَ يَتَحَرَّرُ في بَطْنِ أُمِّهِ، مَعَ أنَّ العِبْرَةَ في رِقِّ الوَلَدِ بِرِقِّ الأُمِّ، وحُرِّيَّةُ الوالِدِ لا تَقْتَضِي حُرِّيَّةَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَكُنْ عِتْقُ الوَلَدِ مِن جِهَةِ كَوْنِ الأبِ حُرًّا، وإنَّما كانَ مِن جِهَةِ أنَّ الوَلَدَ لَوْ عَلَّقَ رَقِيقًا، لَكانَ مِلْكًا لِلْوالِدِ، ولا يَثْبُتُ المِلْكُ لِلْوالِدِ عَلى الوَلَدِ أصْلًا. إلّا أنَّ الوَلَدَ ثَمَّ حُرُّ الأصْلِ، لِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى إثْباتِ الرِّقِّ والمِلْكِ لِلْوَلَدِ، فَعَلِقَ الوَلَدُ حُرًّا هُنالِكَ، حَتّى لا يَثْبُتَ لِلْوالِدِ عَلى الوَلَدِ مِلْكٌ. وإذا اشْتَرى، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ، فَإنَّ المِلْكَ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَمْ يَصِحَّ الشِّراءُ، ولا بُدَّ مِن تَصْحِيحِ الشِّراءِ. وقالَ مالِكٌ: يَنْقُلُ المالِكُ المِلْكَ إلى المُشْتَرِي، فَيَثْبُتُ لَهُ المِلْكُ بِقَدْرِ ما يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِقالُ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ الشِّراءِ، وامْتَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُبُوتُ مِلْكِ الوالِدِ عَلَيْهِ. (p-٢٧٢)وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ شِراءَ الوَلَدِ لا يَثْبُتُ لَهُ مِلْكًا أصْلًا، وإنَّما هو عَقْدُ عَتاقٍ، فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ حَقِيقَةً في زَمانٍ، وحَصَلَ العِتْقُ بَعْدَهُ في زَمانٍ آخَرَ فَلا، ولَكِنَّ العِتْقَ ثَبَتَ مُقارِنًا لِلشِّراءِ، وجَعَلَ الشِّراءَ عَقْدَ عَتاقٍ وإسْقاطٍ لِمِلْكِ المالِكِ، لا عَلى حَقِيقَةِ شِراءٍ فِيما سِواهُ، ولَمْ يَجْعَلِ الشِّراءَ سَبَبَ المِلْكِ، لِوُجُودِ الأُبُوَّةِ المُنافِيَةِ لَهُ، كَما لَمْ يَجْعَلْ مِلْكَ المَحَلِّ سَبَبًا لِمِلْكِ الوَلَدِ لِوُجُودِ سَبَبِ ما يُنافِيهِ، فَيُقالُ حَدَثَ حُرًّا، وكَذَلِكَ يُقالُ حَصَلَ الشِّراءُ مَعَ الحُرِّيَّةِ. فَهَذا قَوْلٌ فِيهِ تَأمُّلٌ. وعَلى كُلِّ حالٍ تَبَيَّنَ بِهِ أنَّهُ لا يَدُومُ مِلْكُ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ.

طه 20:12

(p-٢٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ طه قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ الآيَةَ. يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِهِ تَعَبُّدًا تَبَرُّكًا بِالمَوْضِعِ لِيَمَسَّهُ قَدَمُهُ حافِيًا. وقَدْ قِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، فَأمَرَهُ بِخَلْعِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَدْبُوغًا، أوْ كانَ نَجِسًا مَدْبُوغًا مَعَ الدَّبْغِ في شَرِيعَةِ مُوسى، ونُسِخَ في شَرْعِنا.

طه 20:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ الآيَةَ. صَحَّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نامَ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ فَصَلّاها بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقالَ: "إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾». (p-٢٧٤)وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها لا كَفارَةَ لَهُ إلّا ذَلِكَ». وفِي السَّلَفِ مَن خالَفَ ذَلِكَ وقالَ: يَصْبِرُ إلى مِثْلِ وقْتِهِ ويُصَلِّي، وإذا فاتَتِ الصُّبْحُ يُصَلِّيها مِنَ الغَدِ، وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ بَعِيدٌ. * * (p-٢٧٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأنْبِياءِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿وداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآيَةَ. حَكَمَ داوُدُ بِأنَّ الشِّياءَ تُسَلَّمُ إلى صاحِبِ الزَّرْعِ ويُقْضى بِها لَهُ. وقالَ سُلَيْمانُ: تُدْفَعُ إلَيْهِ الغَنَمُ لِيُصِيبَ مِن ألْبانِها وأصْوافِها حَتّى يَعُودَ الزَّرْعُ كَما كانَ. وصارَ الحَسَنُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ في شَرْعِنا، إذْ لَمْ يُرَ في شَرْعِنا ناسِخًا مَقْطُوعًا بِهِ عِنْدَهُ. وقالَ قائِلُونَ: سُلَيْمانُ أوْحى إلَيْهِ بِذَلِكَ، فَكانَ ناسِخًا لِما قَضى بِهِ داوُدُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن مَنَعَ اجْتِهادَ الأنْبِياءِ في الوَقائِعِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ اجْتَهَدَ داوُدُ فَلَمْ يَصُبِ الأشْبَهَ وأصابَهُ سُلَيْمانُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أخْطَأ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ. (p-٢٧٦)وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما حَكَما بِهِ مُسْتَدْرَكًا بِالِاجْتِهادِ، فَإنَّ الِاجْتِهادَ مَبْنِيٌّ عَلى أُصُولٍ، وذَلِكَ لا يُسْتَدْرَكُ إلّا تَوْقِيفًا. وهَذا يَحْتَمِلُ الخِلافَ، فَإنَّ النَّظَرَ في المَصالِحِ يَجُوزُ أنْ يَقُودَ إلى هَذا: وأنَّ داوُدَ أرادَ جَبْرَ حَقِّ صاحِبِ الزَّرْعِ، وسُلَيْمانُ أرادَ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقَّيْنِ. وأبُو حَنِيفَةَ لا يَرى الضَّمانَ أصْلًا عَلى صاحِبِ البَهِيمَةِ، والشّافِعِيُّ يَفْصِلُ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ. والمَسْألَةُ مُسْتَقْصاةٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، ومُتَعَلَّقُنا مِنها بِالآيَةِ ما ذَكَرْناهُ فَقَطْ.

الحج 22:5

(p-٢٧٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَجِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِنَ تُرابٍ ثُمَّ مِنَ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنَ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنَ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ الآيَةَ. قَوْلُهُ: ﴿مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ﴾، يَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ المُضْغَةُ إنْسانًا كَما اقْتَضى ذَلِكَ في العَلَقَةِ والنُّطْفَةِ والتُّرابِ، وإنَّما نَبَّهَنا اللَّهُ تَعالى عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، بِأنْ خَلَقَ الإنْسانِ مِن غَيْرِ إنْسانٍ، وهي المُضْغَةُ والنُّطْفَةُ الَّتِي لا تَخْطِيطَ فِيها ولا تَرْكِيبَ، وإذا لَمْ يَكُنْ إنْسانًا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ لَيْسَ يَحْمِلُ مِثْلَ النُّطْفَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أصْلُ الإنْسانِ الَّذِي يَنْعَقِدُ ويَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الرَّحِمُ وصارَ حِمْلًا، ولَيْسَ كالنُّطْفَةِ المُجَرَّدَةِ الَّتِي لا نَدْرِي ما يَكُونُ مِنها. وزَعَمَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ قَوْمًا ذَهَبُوا إلى أنَّ السَّقْطَ لا تَنْقَضِي بِهِ العِدَّةُ، ولا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ ولَدٍ، وزَعَمَ أنَّ هَذا غَلَطٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَنا (p-٢٧٨)أنَّ المُضْغَةَ الَّتِي هي غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ قَدْ دَخَلَ فِيما ذُكِرَ مِن خَلْقِ النّاسِ كَما ذُكِرَتِ المُخَلَّقَةُ، ودَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ إلى خُرُوجِ الوَلَدِ مِن بَطْنِ أُمٍّ فَهو حَمْلٌ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] . وهَذا لا حُجَّةَ فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ حَمْلٌ، وإنَّما نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِأنْ خَلَقَنا مِنَ المُضْغَةِ والعَلَقَةِ والتُّرابِ والنُّطْفَةِ، ولَيْسَ الوَلَدُ نُطْفَةً ولا مُضْغَةً، بَلْ خُلِقَ مِنهُ الوَلَدُ، وما دَخَلَتِ العَلَقَةُ في اسْمِ الإنْسانِ، ولا النُّطْفَةُ ولا المُضْغَةُ الَّتِي لَيْسَتْ مُخَلَّقَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فالمُرادُ بِهِ ما يُسَمّى ولَدًا. واسْتَدَلَّ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ أنَّهُ يَرِثُ بِهَذا وهو غَلَطٌ، فَإنَّهُ يَرِثُ عِنْدَ الوِلادَةِ حَيًّا مُسْتَنِدًا إلى حالَةِ كَوْنِهِ نُطْفَةً، ولا كَلامَ فِيهِ حَتّى لَوْ طَلَّقَها مِن أرْبَعِ سِنِينَ وأتَتْ بِوَلَدٍ، يَعْلَمُ أنَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ كانَ نُطْفَةً يَرِثُ أيْضًا، ولَوِ انْفَصَلَ مَيِّتًا وقَدْ تَكامَلَ خَلْقُهُ لَمْ يَرِثْ، وانْقَضَتْ بِهِ العِدَّةُ، فَهُما بابانِ مُتَبايِنانِ.

الحج 22:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ الآيَةَ: احْتَجَّ بِهِ قَوْمٌ عَلى مَنعِ بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ، فَإنَّها مِخْلاةٌ لِلسّاكِنِينَ، لا يَتَخَصَّصُ سُكّانُها بِها، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ، ولا شَكَّ أنَّ أبْنِيَتَها لِمُلّاكِها لا يُزاحِمُونَ فِيها دُونَ إذْنِهِمْ، إلّا ما كانَ وقْفًا عَلى الصّادِرِ والوارِدِ، وأكْثَرُ (p-٢٧٩)دُورِ مَكَّةَ كَذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾، الآيَةَ ٢٥. يَظْهَرُ حَمْلُهُ عَلى المَسْجِدِ الَّذِي لا يَتَخَصَّصُ بِهِ قَوْمٌ عَنْ قَوْمٍ، وأنَّهُ يَشْتَرِكُ في الِانْتِفاعِ بِهِ قُعُودًا وصَلاةً كافَّةُ النّاسِ. وذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ فَضْلَةَ قالَ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وما تُدْعى رِباعُ مَكَّةَ إلّا السَّوائِبَ، مَنِ احْتاجَ سَكَنَ، ومَن لَمْ يَحْتَجْ لَمْ يَسْكُنْ». ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ يَمْنَعُ أنْ تُغْلَقَ دُورُ مَكَّةَ في زَمَنِ الحَجِّ، وكانُوا يَنْزِلُونَ حَيْثُ وُجِدُوا، حَتّى كانُوا يَضْرِبُونَ الفُسْطاطَ في جَوْفِ الدُّورِ. ونَهى عُمَرُ أهْلَ مَكَّةَ أنْ يَجْعَلُوا لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ اشْتَرى دارًا بِأرْبَعَةِ آلافٍ. وبَيَّنّا بَعْدَ قَوْلِ مَن يَقُولُ لا اخْتِصاصَ لِأهْلِ مَكَّةَ بِدُورِهِمُ المَعْرُوفَةِ بِهِمْ، المَوْرُوثَةِ عَنْ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ، وأنَّ مَن شاءَ أزْعَجَهُمْ، وما زالُوا يَتَصَرَّفُونَ فِيها هَدْمًا وبِناءً وبَيْعًا وإجارَةً وإعارَةً مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، ولَعَلَّ عُمَرَ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ ازْدِحامِ النّاسِ وضِيقِ المَنازِلِ، فَأباحَ ذَلِكَ لا أنَّهُ أزالَ مِلْكَ الرِّباعِ، وإلّا فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ اشْتَرى بِها دارًا بِأرْبَعَةِ آلافٍ، ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ. * * (p-٢٨٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾، الآيَةَ: مَعْنى الإلْحادِ مِنَ المُتَعارَفِ: المَيْلُ إلى الكُفْرِ، والظُّلْمُ لَفْظٌ عامٌّ. أبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الظُّلْمَ فِيهِ أعْظَمُ مِنَ الظُّلْمِ فِيما سِواهُ.

الحج 22:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ الآيَةَ: ظاهِرُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِإبْراهِيمَ، لِأنَّهُ مَسُوقٌ عَلى مُخاطَبَتِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] الآيَةَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ذَلِكَ، أنَّ إبْراهِيمَ عِنْدَ هَذا الأمْرِ نادى: يا أيُّها النّاسُ إنَّ رَبَّكم قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا وقَدْ أمَرَكم أنْ تَحُجُّوهُ، فَلَمْ يَبْقَ إنْسٌ ولا جِنٌّ إلّا قالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. وعَنْ عَلِيٍّ نَضَّرَ اللَّهُ وجْهَهُ مِثْلُ ذَلِكَ. وعَلى هَذا يَقُولُونَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ كانَ قَدْ حَجَّ قَبْلَ الهِجْرَةِ مَرَّتَيْنِ، فَسَقَطَ الفَرْضُ عَنْهُ بِذَلِكَ. وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّهُ إذا ورَدَ في شَرْعِهِ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فَلا بُدَّ مِن وُجُوبٍ عَلَيْهِ، بِحُكْمِ الخِطابِ في شَرْعِهِ. ولَئِنْ قِيلَ: إنَّما خاطَبَ مَن لَمْ يَحُجَّ، كانَ تَحَكُّمًا وتَخْصِيصًا بِلا دَلِيلٍ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يَجِبَ بِهَذا الخِطابِ عَلى مَن يَحُجُّ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ. وقَدْ أبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَأْتُونَ رُكْبانًا ومُشاةً لا لِنَفْسِ السَّفَرِ، بَلْ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ الدِّينِ والدُّنْيا أيْضًا مِنَ التِّجارَةِ وغَيْرِها. (p-٢٨١)والمَقْصُودُ أنَّ الإتْعابِ لِغَرَضٍ جائِزٌ.

الحج 22:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ الآيَةَ. ذَكَرْنا مِن قَبْلُ مَعْنى المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ والِاخْتِلافَ فِيهِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ الآيَةَ. وذَلِكَ في دِماءِ النُّسُكِ، ولَيْسَ الأكْلُ واجِبًا بِالِاتِّفاقِ، وإنَّما يُؤْكَلُ مِن دِماءِ النُّسُكِ، وأمّا دِماءُ الجِناياتِ، فَلا خِلافَ أنَّ النّاسِكَ لا يَأْكُلُ مِنها، ودَمُ المُتْعَةِ والقِرانِ دَمُ جَبْرٍ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، فَلا يَأْكُلْ مِنهُ، ويَأْكُلُ مِنها عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، لِأنَّهُ رَأى الدِّينَ دَمُ نُسُكٍ، فَلْيَقَعِ الكَلامُ في ذَلِكَ الأصْلِ.

الحج 22:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾، يُوجِبُ الطَّوافَ (p-١٩)لِجَمِيعِ البَيْتِ، فَمَن سَلَكَ الحَجَرَ، أوْ عَلا شاذِرْوانَ الكَعْبَةِ، وهي مِنَ البَيْتِ فَلَمْ يَطُفْ جَمِيعَ البَيْتِ فَلا يَجُوزُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ الآيَةَ. مَعْناهُ: أنَّهم عِنْدَ النَّحْرِ يَنْتِفُونَ ويَحْلِقُونَ ويُقَلِّمُونَ الأظافِرَ، لِأنَّ الإحْرامَ إذا مَنَعَ مِن ذَلِكَ فَعَلَ عِنْدَ التَّحَلُّلِ، ويُزِيلُ ما بِهِ مِنَ التَّفَثِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨]: يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُ جَمِيعِهِ، ولا التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ إخْراجِ النُّذُرِ، وإنْ كانَ دَمًا أوْ هَدْيًا أوْ عُمْرَةً، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ النَّذْرَ لا يَجُوزُ أنْ يُؤْكَلَ مِنهُ وفاءً بِالنَّذْرِ. وقَدْ رَتَّبَهُ اللَّهُ تَعالى هَذا التَّرْتِيبَ، فَبَيَّنَ حُكْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ مِنها: قَضاءُ التَّفَثِ، والوَفاءُ بِالنَّذْرِ، والطَّوافُ، فَيَجِبُ حَمْلُ الطَّوافِ عَلى ما يُفْعَلُ بَعْدَ النَّحْرِ، وهو طَوافُ الزِّيارَةِ، فَإذا أتى بِهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ حَلَّ لَهُ النِّساءُ والطِّيبُ. (p-٢٨٢)ثُمَّ عَظُمَ الأمْرُ في قَوْلِ الزُّورِ، ومِنهُ أنْ قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] الآيَةَ.

الحج 22:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ الآيَةَ. فِيهِ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ، وذَلِكَ أنَّ أصْلَ شِراءِ البَدَنِ رُبَّما يُحْمَلُ عَلى فِعْلِ ما لا بُدَّ مِنهُ، فَلا يَدُلُّ عَلى الإخْلاصِ، فَإنَّ عِظَمَهُما مَعَ حُصُولِ الإجْزاءِ بِما دُونَهُ فَلا يَظْهَرُ لَهُ مَحْمَلٌ إلّا تَعْظِيمَ الشَّرْعِ، وهو مِن تَقْوى القُلُوبِ.

الحج 22:33

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ: لَكم فِيها مَنافِعُ مِن ألْبانِها وأصْوافِها وظُهُورِها، إلى أنْ تُسَمّى بُدْنًا، ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ.

الحج 22:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ الآيَةَ: القانِعُ: هو الرّاضِي بِما رُزِقَ، والمُعْتَرُّ: هو الَّذِي يَسْألُ. ويُمْكِنُ أنْ يُفْهَمَ مِنهُ تَجْزِئَةُ المَذْبُوحِ ثَلاثَةَ أجْزاءٍ: لِلْأكْلِ، وإطْعامِ القانِعِ، والمُعْتَرِّ.

الحج 22:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ الآيَةَ: أبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الغَرَضَ مِن قِتالِهِمْ دَفْعَ ظُلْمِهِمْ، وأنَّهم إنْ مُكِّنُوا في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ. (p-٢٨٣)والخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ كانُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ، فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِمْ. * * قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] الآيَةَ. ذَكَرُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبَقَ لَفْظُهُ، إلى تِلْكَ الغَرانِيقِ العُلا، وبَيَّنّا فَسادَ ذَلِكَ، وبَيَّنّا وجْهَ الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ في الأُصُولِ.

المؤمنون 23:2

(p-٢٨٤)(p-٢٨٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُؤْمِنُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ الآيَةَ: والمُرادُ بِهِ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أنْ لا يَتَجاوَزَ بَصَرُهُ مُصَلّاهُ، ولا يَلْتَفِتَ ولا يُحَرِّكَ يَدَيْهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اسْكُنُوا في الصَّلاةِ، وكُفُّوا أيْدِيَكم في الصَّلاةِ».

المؤمنون 23:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ الآيَةَ: اللَّغْوُ: الباطِلُ، وجَعَلَ قَتادَةُ ذَلِكَ وصْفًا لِلْمُصَلِّينَ، أيْ إنَّ المُؤْمِنَ في الصَّلاةِ مُعْرِضٌ عَنِ اللَّغْوِ والرَّفَثِ.

المؤمنون 23:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾، ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] الآيَةَ: يَقْتَضِي تَحْرِيمَ المُتْعَةِ، إذْ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ ولا مِلْكِ يَمِينٍ.

المؤمنون 23:6

قَوْلُهُ: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ . لا بُدَّ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلرِّجالِ، فَإنَّ المَرْأةَ لا تَسْتَحِلُّ بِمِلْكِ اليَمِينِ شَيْئًا مِن أمْرِ البُضْعِ.

المؤمنون 23:9

(p-٢٨٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ الآيَةَ: المُحافَظَةُ عَلَيْها في الوَقْتِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يُحافِظُونَ عَلى مَواقِيتِها ورُكُوعِها، ومُراعاةِ حُدُودِها وشُرُوطِها.

المؤمنون 23:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ الآيَةَ. ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أهُوَ الرَّجُلُ يَشْرَبُ الخَمْرَ ويَسْرِقُ؟ فَقالَ: ”لا يا عائِشَةُ، ولَكِنَّهُ، الرَّجُلُ يَصُومُ ويُصَلِّي ويَتَصَدَّقُ ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ“». وقالَ الحَسَنُ: لَقَدْ أدْرَكْتُ أقْوامًا كانُوا مِن حَسَناتِهِمْ أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ أشْفَقَ مِنكم عَلى سَيِّئاتِكم أنْ تُعَذَّبُوا عَلَيْها.

المؤمنون 23:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ الآيَةَ. مَدْحُ المُسارِعِينَ.

المؤمنون 23:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾، الآيَةَ ٦٧. اخْتَلَفُوا في السَّمَرِ، فَرَوى شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ المُنْهالِ بْنِ أبِي بَرْزَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، «أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَها والحَدِيثَ بَعْدَها».

النور 24:2

(p-٢٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النُّورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ الآيَةَ: اعْلَمْ أنَّ الزِّنا كانَ مَعْرُوفًا في اللُّغَةِ قَبْلَ الشَّرْعِ، مِثْلَ اسْمِ السَّرِقَةِ والقَتْلِ، وكانَ مَوْضُوعًا لِلْفِعْلِ الخاصِّ القَبِيحِ، وأُطْلِقَ عَلى فِعْلٍ خاصٍّ حَقِيقَةً، وجُعِلَ وطْءُ رِجْلٍ امْرَأةً في فَرْجِها مِن غَيْرِ نِكاحٍ ولا شُبْهَةِ نِكاحٍ بِمُطاوَعَتِها زِنًا، وذَلِكَ إنَّما عُلِمَ بِالسَّمْعِ، ولَوْلا السَّمْعُ لَحَسُنَ ذَلِكَ، لِأنَّ اسْتِمْتاعَهُ بِها وهي راضِيَةٌ، بِمَنزِلَةِ اسْتِخْدامِهِ لا فِيما يَنْتَفِعانِ بِهِ فَلا مَضَرَّةَ ولا ظُلْمَ. والأصْلُ أنَّ النَّفْعَ العاجِلَ لا يَحْرُمُ إلّا بِالسَّمْعِ، وقَدِ اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في اسْتِقْباحِ هَذا الجِنْسِ: فَقَوْمٌ مِنَ العَرَبِ كانُوا يُسِيبُونَ الإماءِ، ويَطْلُبُونَ النَّسْلَ. ومِنهم مَن كانَ يَرْضى بِأنْ يَكُونَ نِساؤُهم بَغايا. ومِنهم مَن كانَ يَرْضى بِنِكاحِ الزّانِياتِ. ومَتى قِيلَ إنَّ في الزِّنا اخْتِلاطَ الأنْسابِ والجَهْلَ بِتَمْيِيزِها، والعَقْلُ يَشْهَدُ بِقُبْحِ ما يَرْفَعُ الأنْسابَ ويُبْطِلُهُ. (p-٢٨٨)فالجَوابُ، أنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ إنَّما يَجِبُ أنْ نَعْرِفَهُ، لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَأمّا مِن جِهَةِ العَقْلِ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ، فَإنْ عَرَفَ المَرْءُ بِالظّاهِرِ أنَّ الِابْنَ مَخْلُوقٌ مِن مائِهِ سُرَّ بِهِ، وإلّا لَمْ يَجِبْ أنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ، وإذا كانَتِ الأنْسابُ لا يَجِبُ مَعْرِفَتُها عَقْلًا، ولا حُكْمَ يَجِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِها مِن جِهَةِ العَقْلِ، لَوْلا العِلْمُ بِها لَما تَمَّ، فَمِن أيْنَ أنَّ العَقْلَ المُؤَدِّيَ إلى الجَهْلِ بِالأنْسابِ يُقَبَّحُ. ولَئِنْ قِيلَ: إذا لَمْ يَتَخَصَّصِ الوَلَدُ بِوالِدٍ، فَمَن يُرَبِّي الوَلَدَ ويَنْهَضُ بِكِفايَتِهِ؟ فَيُقالُ: وحَيْثُ قِيلَ هَذا أبٌ، لَمْ يَجِبْ عَقْلًا أنْ يَقُومَ بِكِفايَتِهِ، وتَوَلُّدِهِ مِن مائِهِ مِن أيْنَ أوْجَبَ عَلَيْهِ عَقْلًا أنْ يَقُومَ بِمَئُونَتِهِ وكِفايَتِهِ وتَرْبِيَتِهِ؟ نَعَمْ إنَّ ذَلِكَ تَلَقِّي مِنَ السَّمْعِ. وحَيْثُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلى النّاسِ عَقْلًا السَّعْيُ فِيما فِيهِ صَلاحُهم وبَقاءُ جِنْسِهِمْ، وهَذا بَيِّنٌ. وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَسائِلَ، وأنَّ اسْمَ الزِّنا هَلْ يَتَناوَلُها؟ ولَيْسَ نَعْنِي بِهِ أنْ يَتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ اللُّغَةِ، ولَكِنَّ الزِّنا صارَ في الشَّرْعِ اسْمًا لِمَحْظُورٍ خاصٍّ، فَهَلْ نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ المَحْظُورَ هَلْ وُجِدَ، فَنُرْجِعُ الخِلافَ إلَيْهِ؟ مِثْلَ قَوْلِنا: المُجامِعُ في الدُّبُرِ هَلْ يَكُونُ زانِيًا؟ وواطِئًا أُمَّهُ وأُخْتَهُ وابْنَتَهُ بِاسْمِ النِّكاحِ؟ هَلْ يَكُونُ تَحْرِيمُ فِعْلِهِ كَتَحْرِيمِ فِعْلِ مَن زَنا بِأجْنَبِيَّةٍ أوْ زَنا بِها قَبْلَ النِّكاحِ حَتّى يُسَمّى زِنًا؟ واخْتَلَفُوا في أحْكامٍ شَرْعِيَّةٍ لِاخْتِلافِ عَقائِدِهِمْ في أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْمِ الوَطْءِ، أوْ بِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ الحَلالُ، مِثْلَ تَحْرِيمِ المُصاهَرَةِ. (p-٢٨٩)واخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِ المُصاهَرَةِ. واخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِ المَخْلُوقَةِ مِن ماءِ الزِّنا، فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ تَحْرِيمَ بِنْتِهِ إنَّما كانَ لِمَكانِ النَّسَبِ، أوْ لِمَكانِ أنَّها تَوَلَّدَتْ مِن مائِهِ مُطْلَقًا. وإذا وطِئَها في دُبُرِها أوْ لاطَ بِغُلامٍ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في أنَّ الزِّنا أوْجَبَ الحَدَّ، لِكَوْنِهِ مُسْتَنْكَرًا في النُّفُوسِ والطِّباعِ، وهو مُؤَذِّنٌ بِالهُتْكَةِ والفَضِيحَةِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ، فاللِّواطُ أعْظَمُ وأشْنَعُ في هَذا البابِ. ومِنهم مَن يَرى أنَّ السَّبَبَ في تَعْظِيمِ تَحْرِيمِهِ، ما يَتَوَلَّدُ مِن فَسادِ النَّسْلِ واخْتِلاطِ الأنْسابِ. وظَنَّ ظانُّونَ أنَّ كِتابَ اللَّهِ تَعالى لا يُنْبِئُ عَنْ دُخُولِ اللِّواطِ تَحْتَ اسْمِ الزِّنا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ . فَقِيلَ لَهم: لَمْ يَذْكُرْ في الظّاهِرِ الزّانِيَ بِها والزّانِيَةُ بِهِ، بَلْ أطْلَقَ ذَلِكَ، فانْطَلَقَ عَلى اللِّواطِ. فَأجابُوا بِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ الفِعْلَ مِنهُما لا مِن أحَدِهِما. ومَتى قِيلَ: إذا لَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ والسّارِقُ والسّارِقَةُ، بَلْ دَخَلَ فِيها السّارِقُ مِن غَيْرِها، فَكَذَلِكَ هاهُنا. فَأجابُوا بِأنَّ الزِّنا لا يَكُونُ إلّا بَيْنَهُما، ومِن فِعْلِهِما، والسَّرِقَةَ يَنْفَرِدُ بِها أحَدُهُما فافْتَرَقا. وهَذا رَكِيكٌ عِنْدَنا، وأوَّلُ ما فِيهِ أنْ لا يَدْخُلَ في عُمُومِهِ الزّانِي بِالمَجْنُونَةِ والصَّغِيرَةِ والمُكْرَهَةِ عَلى الزِّنا والحَرْبِيَّةِ، إذا لَمْ تَعْرِفْ أحْكامَ (p-٢٩٠)الإسْلامِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَسائِلِ الَّتِي لا خِلافَ في تَناوُلِ عُمُومِ اسْمِ الزِّنا لَها. ولِأنَّهُ تَعالى إذْ قالَ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾، فَلَيْسَ يَعْنِي بِهِ شَخْصَيْنِ فَقَطْ، وإنَّما ذَلِكَ لِلْجِنْسِ، وإذْ كانَتِ الألِفُ واللّامُ لِإبانَةِ الجِنْسِ، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ الرَّجُلَ الزّانِي مُطْلَقًا، وذَكَرَ جِنْسَ الزّانِياتِ، فَلا يَجِبُ أنْ يُفْهَمَ مِنهُ زِناهُ بِها حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ اللِّواطُ، وعَلى أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لا فَرْجَ فِيهِ، فَإنَّهُ إذا لاطَ بِها مُطاوَعَةً، فَهي زانِيَةٌ وهو زانِي. نَعَمْ: نَقُولُ إنَّهُ لا يَتَناوَلُ لِواطَ الرَّجُلِ بِالرَّجُلِ، وهو لا يَقْدَحُ في المَقْصُودِ، بَعْدَ أنْ ثَبَتَ كَوْنُ اللِّواطِ في الجُمْلَةِ داخِلًا تَحْتَ اسْمِ الزِّنا، فَبَطَلَ ما تَوَهَّمُوهُ. نَعَمِ الوَطْءُ دُونَ الفَرْجِ لا يُعَدُّ زِنًا، لا حَقِيقَةَ لُغَةً ولا شَرْعًا: أمّا اللُّغَةُ، فاسْمُ الزِّنا أُطْلِقَ حَقِيقَةً عَلى الكامِلِ في جِنْسِهِ، ولَهُ مُقَدِّماتٌ ووَسائِلُ لا يُعَدُّ زِنًا حَقِيقَةً، وإنَّما هو مُجاوِرَةٌ لِلزِّنا أوْ مُوَصِّلَةٌ إلَيْهِ. فَإذا ثَبَتَ الكَلامُ في الِاسْمِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الدّاخِلِينَ تَحْتَ هَذا الِاسْمِ، فَقالَتِ الخَوارِجُ: الكُلُّ داخِلُونَ فَلا رَجْمَ عِنْدَهم. وأثْبَتَ غَيْرُهُمُ الرَّجْمَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن يَعْمَلُ بِالآيَةِ عُمُومًا ويَضُمُّ الرَّجْمَ إلى المُحْصَنِ بَعْدَ الجِلْدِ، وأكْثَرُ الفُقَهاءِ لا يَرَوْنَ ذَلِكَ. فَإذا المُرادُ بِالآيَةِ البِكْرانِ، فَأمّا الثَّيِّبانِ المُحْصَنانِ فَحَدُّهُما الرَّجْمُ، وقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ماعِزًا ولَمْ يَجْلِدْهُ، ولِذَلِكَ تَخَصَّصَتِ الآيَةُ بِخَبَرِ عُبادَةَ حَيْثُ رَوى: «والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ». (p-٢٩١)ويَجُوزُ بِهِ اسْتِخْراجُ جِنْسِ المُحْصَنِينَ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ، مَعَ أنَّهم شَطْرُ الزُّناةِ وأكْبَرُ، ومَعَ أنَّ المُبالَغَةَ في الزَّجْرِ في اقْتِضاءِ ذِكْرِ الرَّجْمِ أوْلى مِنها بِاقْتِضاءِ ذِكْرِ الجَلْدِ، الَّذِي لا يَظْهَرُ لَهُ وقْعٌ، بِالإضافَةِ إلى الرَّجْمِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا﴾ . قَصَدَ بِهِ بَيانَ المُبالِغَةِ في الزَّجْرِ، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ. فَكَيْفَ يَنْتَظِمُ مَعَ هَذا أنْ يَكُونَ الرَّجْمُ مَشْرُوعًا في ذَلِكَ الوَقْتِ في حَقِّ الثَّيِّبِ، وهم كُثْرُ النّاسِ أوْ شَطْرُهُمْ، ولا يَتَعَرَّضُ لَهُ أصْلًا ولا يَذْكُرُهُ؟ فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: إنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ ما كانَ الرَّجْمُ مَشْرُوعًا، ثُمَّ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى الرَّجْمَ بَعْدَهُ، فَصارَ ناسِخًا لِلْجَلْدِ في حَقِّ الثَّيِّبِ، ولَيْسَ يَجُوزُ إطْلاقُ لَفْظِ التَّخْصِيصِ في كُلِّ مَوْضِعٍ، بَلْ لِلْكَلامِ قَرائِنُ أحْوالٍ، يُعْلَمُ بِها مَقْصُودُ المُتَكَلِّمِ ضَرُورَةً، وهَذا مِمّا لا يُمْكِنُ فِيهِ إغْفالُ الرَّجْمِ وإرادَةُ الجَلْدِ في حَقِّ الأبْكارِ، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ ما ذَكَرْناهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ في حَقِّ المُحْصَنِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفَ النّاسُ في العَبْدِ، هَلْ يَدْخُلُ فِيهِ، وكَذَلِكَ الأُمَّةُ؟ والصَّحِيحُ أنَّهم دَخَلُوا فِيهِ، ولَكِنْ خُصِّصُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] . (p-٢٩٢)ويَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ الآيَةَ. ولا يُرادُ بِهِ العَبِيدُ والإماءُ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي بَيانَ الأكْثَرِ الأعْظَمِ مِنَ الزّاجِرِ. واخْتَلَفُوا في الذِّمِّيِّ هَلْ يَدْخُلُ فِيهِ؟ ومَذْهَبُ مالِكٍ، أنَّ الذِّمِّيَّيْنِ لا يَحُدّانِ إذا زَنَيا، والظّاهِرُ يَنْفِي الفَرْقَ بَيْنَ المُسْلِمِ والكافِرِ. إذا ثَبَتَ هَذا، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا﴾، وهَذا عامٌّ، إلّا أنَّ العُلَماءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الإمامَ هو الَّذِي يَتَوَلّى ذَلِكَ في حَقِّ الرَّعايا، والسَّيِّدُ في حَقِّ مَمْلُوكِهِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وإذا لَمْ يَكُنْ إمامٌ، فَإنْ أفْضى اسْتِيفاءَ الحُدُودِ مِن جِهَةِ صُلَحاءِ النّاسِ إلى هَرْجٍ وفِتْنَةٍ لَمْ يَجُزْ، وإنْ لَمْ يُفْضِ إلَيْهِ جازَ. ثُمَّ لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ في أنَّهُ كانَ جَلْدُ الزّانِيَيْنِ في ابْتِداءِ الإسْلامِ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥]، ﴿فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] فَكانَ حَدُّ المَرْأةِ بِالحَبْسِ، والأذى بِالتَّعْيِيرِ، وكانَ حَدُّ الرَّجُلِ بِالتَّعْيِيرِ، ثُمَّ نُسِخَ في غَيْرِ المُحْصَنِ بِقَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾، مَعَ ما بَيَّنّا فِيهِ مِنَ الكَلامِ، وفي المُحْصَنِ الرَّجْمُ، وكَأنَّ حَدِيثَ عُبادَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] . وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا». وبَيَّنَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَدِيثِ عُبادَةَ المُرادَ بِالسَّبِيلِ. إذا ثَبَتَ هَذا، فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُحْصَنِ وغَيْرِ المُحْصَنِ كَما (p-٢٩٣)قَدَّمْناهُ مِن قَبْلُ، والشّافِعِيُّ يَضُمُّ النَّفْيَ إلى الجَلْدِ في حَقِّ البِكْرِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَنْفِيهِ، فَإنَّ النَّفْيَ يَجُوزُ أنْ لا يُذْكَرَ عِنْدَ ذِكْرِ مِائَةِ جَلْدَةٍ وإشْهارِ المَجْلُودِ بِهِ، وهَذا مِمّا شَرَحْناهُ في مَسائِلِ الفِقْهِ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ ما يَنْفِي الحَدَّ ولا ما يُثْبِتُهُ، فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ السُّنَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وأوْجَبَ الشّافِعِيُّ الرَّجْمَ عَلى الذِّمِّيَّيْنِ، كَما أوْجَبَ عَلى المُسْلِمَيْنِ، تَلَقِّيًا مِنَ الخَبَرِ النَّصَّ في حَقِّ الذِّمِّيِّينَ مِن عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ». ومالِكٌ يَقُولُ: إنَّما رَجَمَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِلْيَهُودِ مِن ذِمَّةٍ، وتَحاكَمُوا إلَيْهِ فَحَكَمَ بَيْنَهُما بِحُكْمِ التَّوْراةِ، فَلَمْ يَكُنْ في قَتْلِهِ نَقْضُ ذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا بُعْدَ في إجْراءِ أحْكامِهِمْ عَلَيْهِمْ، وهَذا بِعِيدٌ، فَإنَّ قَتْلَ الكافِرِ إنْ جازَ، فَإنَّما يَجُوزُ بِغَيْرِ وجْهِ الرَّجْمِ، والرَّجْمُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا، فَيَحْرُمُ بِحُكْمِ شَرْعِنا، فَكَيْفَ يَجُوزُ إجْراؤُهُ عَلَيْهِمْ عَلى مُوجَبِ دِينِهِمْ؟ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا﴾، فالظّاهِرُ يَقْتَضِي فِعْلَ أوَّلِ ما يُسَمّى جَلْدًا، فَإذا فَعَلَهُ واسْتَوْفى العَدَدَ، فَقَدْ وُفِّيَ الظّاهِرُ حَقَّهُ، وما زادَ عَلى ذَلِكَ عَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَتَخَيَّرَ الجَلّادُ بَيْنَ التَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَخَيَّرَ الإنْسانُ بَيْنَ عُقُوبَةِ مُسْلِمٍ وتَرْكِها. والمُفَسِّرُونَ والفُقَهاءُ، حَمَلُوا ظاهِرَ الآيَةِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن فِعْلِ الضَّرْبِ أوِ التَّأْدِيبِ. (p-٢٩٤)ورَوى عَلِيُّ بْنُ مُوسى القَمِّيُّ «أنَّهُ ﷺ أُوتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ أصابَ حَدًّا، وأُوتِيَ بِسَوْطٍ شَدِيدٍ، فَقالَ: دُونَ هَذا، وأُوتِيَ بِسَوْطٍ دُونَهُ فَقالَ: هَذا». ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ أمَرَ بِرَجُلٍ يَضْرِبُ الحَدَّ فَقالَ: لا تَرْفَعْ إبْطَكَ. وعَنْهُ أنَّهُ اخْتارَ سَوْطًا بَيْنَ السَّوْطَيْنِ. فَيَجِبُ اتِّباعُ السُّنَّةِ في ذَلِكَ وهو المُتَعارَفُ في الضَّرْبِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ هَذا الجَلَدَ يُفَرَّقُ عَلى جِسْمِهِ، لِأنَّهُ المُتَعارَفُ المُتَعالَمُ، فَإنَّهُ إنْ جُمِعَ في مَكانٍ واحِدٍ خِيفَ عَلَيْهِ القَتْلُ، وخَرَجَ عَنْ طَرِيقَةِ الضَّرْبِ. ولا خِلافَ أنَّهُ يَتَّقِي في بابِ الضَّرْبِ مَواضِعَ المَقاتِلِ، والمَواضِعَ الَّتِي يَشِينُ الأثَرُ فِيها كالوَجْهِ والمَذاكِرِوَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنِ اسْمِ الجَلْدِ، وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِن مَعْنى الحَدِّ، والمَقْصُودُ بِهِ. وظَنَّ ظانُّونَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾، تَشْدِيدُ الضَّرْبِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: التَّعْزِيرُ أشَدُّ الضَّرْبِ. وضَرْبُ الزِّنا أشَدُّ مِن ضَرْبِ الشّارِبِ. وضَرْبُ الشّارِبِ أشَدُّ مِن ضَرْبِ القاذِفِوَقالَ الثَّوْرِيُّ: ضَرْبُ الزِّنا أشَدُّ مِن ضَرْبِ القاذِفِ. وضَرْبُ القَذْفِ أشَدُّ مِن ضَرْبِ الشُّرْبِ. والظّاهِرُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-٢٩٥)فِي تَرْكِ الحَدِّ وتَضْيِيعِهِ، وقَدْ يَكُونُ في نُقْصانِهِ، فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ هَذِهِ المَحامِلِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ: اخْتَلَفَ في المُرادِ بِالطّائِفَةِ، فَحَمَلَها بَعْضُهم عَلى العَشْرَةِ، وقالُوا أقَلُّها عَشْرَةٌ ولا نِهايَةَ لِلْأكْثَرِ، وقالَ آخَرُونَ: أقَلُّهُ رَجُلٌ إلى ألْفٍ، والأظْهَرُ أنَّهُ ثَلاثَةٌوَمِمّا احْتَجُّوا بِهِ مِن أنَّ حَدَّ الزِّنا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أشَدَّ مِن حَدِّ القَذْفِ والشُّرْبِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ بِضَرْبِ الشّارِبِ بِالجَرِيدِ والنِّعالِ، وضَرْبِ الزّانِي إنَّما يَكُونُ بِالسَّوْطِ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ ضَرْبَ الشّارِبِ ما كانَ مُقَدَّرًا، والكَلامُ فِيما تَقَدَّرَ مِنهُ بِمَبْلَغٍ مَعْلُومٍ، وحِينَ أمَرَ بِضَرْبِ الشّارِبِ بِالنِّعالِ، كانَ حَدُّ الشُّرْبِ كالتَّعْزِيرِ. ومِمّا قالُوهُ أنَّ القاذِفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صادِقًا، فَلَمْ يُقْطَعْ بِجَرِيمَتِهِ، والزِّنا بِخِلافِهِ، فَكَيْفَ يُسَوِّي بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ، وهَذا هَوَسٌ، فَإنَّ الشَّرْعَ ما أوْجَبَ الحَدَّ إلّا عِنْدَ القَطْعِ بِكَذِبِهِ وبِقَوْلِهِ شَرْعًا، فَلا حاصِلَ لِما قالُوهُ، ولِذَلِكَ رُدَّتْ شَهادَتُهُ، وقالَ تَعالى: ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] الآيَةَ. وعَلى أنّا أظْهَرْنا مَزِيَّةَ الزِّنا بِزِيادَةِ الجَلَداتِ، فَمِن أيْنَ يَجِبُ ظُهُورُ المَزِيَّةِ ووَصْفُ الضَّرْبِ مِن جِهَةِ الشِّدَّةِ.

النور 24:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ﴾ الآيَةَ. رَوى إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في الرَّجُلِ يَزْنِي بِالمَرْأةِ ثُمَّ يَتَزَوَّجُها: إنَّهُما زانِيانِ ما عاشا. (p-٢٩٦)ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عائِشَةَ وعَنْ عَلِيٍّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: إذا تابَ الرَّجُلُ حَلَّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ عَبّاسٍ فِيمَن زَنى بِها ثُمَّ تَزَوَّجَها، أنَّ أوَّلَهُ سِفاحٌ وآخِرَهُ نِكاحٌ، فَأمّا المَرْوِيُّ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، فَهو «أنَّ رَجُلًا كانَ يُقالُ لَهُ مَرْثَدٌ كانَ يَحْمِلُ الأسْرى ولَهُ صَدِيقَةٌ بِمَكَّةَ يُقالُ لَها عَنانُ مِنَ البَغايا، قالَ: فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أنْكِحْنِي عَنانًا، فَأمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ لِي: يا مَرْثَدُ، إنَّ الزّانِيَ لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً». ونُقِلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، ودَلِيلُ النَّسْخِ، أنَّهُ جَوَّزَ لِلزّانِي أنْ يَنْكِحَ مُشْرِكَةً، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَإنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] . وقالَ بَعْضُهم: هو وارِدٌ في نَفْسِ الوَطْءِ لا في عَقْدِ النِّكاحِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وطْءُ الزِّنا لا يَقَعُ إلّا مِن زانٍ أوْ مُشْرِكٍ، فَأمّا مِنَ المُؤْمِنِ فَلا يَقَعُ. وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ﴾، يَقْتَضِي تَقْدِيرَ كَوْنِهِ زانِيًا، وإنَّ النِّكاحَ مُمْتَنِعٌ إمّا نَهْيًا وإمّا خَبَرًا، فَلا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الوَطْءِ. ووَطْءُ الزّانِيَةِ مُحَرَّمٌ عَلى غَيْرِ الزّانِي، كَتَحْرِيمِهِ عَلى الزّانِي، فَأقْوى التَّأْوِيلاتِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَغايا الجاهِلِيَّةِ، والمُسْلِمُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ، فَإذا تُبْنَ وأسْلَمْنَ صَحَّ النِّكاحُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَلا يَجِبُ كَوْنُهُ مَنسُوخًا. وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ إلى أنَّ المَجْلُودَ في الزِّنا (p-٢٩٧)لا يَتَزَوَّجُ إلّا مَجْلُودَةً مِثْلَهُ، فَإنْ تَزَوَّجَ غَيْرَ زانِيَةٍ، فَرِّقْ بَيْنَهُما بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ عَمَلًا بِالظّاهِرِ. ولَكِنْ يَلْزَمُهُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَجُوزُ لِلزّانِي أنْ يَتَزَوَّجَ بِالمُشْرِكَةِ، ويَجُوزَ لِلزّانِيَةِ أنْ تُزَوِّجَ نَفْسَها مِن مُشْرِكٍ. وهَذا في غايَةِ البُعْدِ، وخُرُوجٌ عَنِ الإسْلامِ بِالكُلِّيَّةِ، بِما قالَ هَؤُلاءِ، إنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ في المُشْرِكَةِ خاصَّةً دُونَ الزّانِيَةِ، وهَؤُلاءِ يَرْوُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عُمَرَ مِثْلَ مَذْهَبِهِمْ. ورَوَوْا عَنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّهُ ﷺ قالَ: لا يَنْكِحُ الزّانِي المَجْلُودُ إلّا مِثْلَهُ،» واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ [النساء: ٢٥] - إلى قَوْلِهِ- ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يُبِحْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وخَوْفِ العَنَتِ إلّا بِشَرْطِ الإحْصانِ، فَفي حالِ الضَّرُورَةِ لَأنْ يَحْرُمَ أوْلى. واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ أيْضًا بِما ثَبَتَ مِن وُقُوعِ الفُرْقَةِ بِاللِّعانِ، لِأنَّهُ قَدْ أقَرَّ بِأنَّها زَنَتْ، فَإذا صَحَّ الزِّنا بِبَيِّنَةٍ، فالمَنعُ مِن تَزَوُّجِها أوْلى. وأمّا الكَلامُ في الآيَةِ فَعَلى ما تَقَدَّمَ، وأمّا الأخْبارُ فَمُتَعارِضَةٌ والقِياسُ لا وجْهَ لَهُ بِإقْرارِ نَفْسِهِ فِيما يُوجِبُ الفُرْقَةَ، فَلَمّا ثَبَتَ بِالإجْماعِ أنْ لا فُرْقَةَ في هَذِهِ الحالَةِ، ثَبَتَ أنَّ عِنْدَ اللِّعانِ إنَّما تَجِبُ الفُرْقَةُ لِأمْرٍ آخَرَ، إذْ لَوْ وجَبَ لِكَوْنِها زانِيَةً، لَكانَ اعْتِرافُهُ بِذَلِكَ فِيها كاعْتِرافِهِ بِأنَّها أُخْتُهُ مِن نَسَبٍ أوْ رِضاعٍ، في ألّا يَنْتَظِرَ في تَحْرِيمِها عَلَيْهِ أمْرٌ سِواهُ.

النور 24:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ. (p-٢٩٨)والإحْصانُ يَخْتَلِفُ مَعْناهُ بِاخْتِلافِ مَواضِعِهِ عَلى ما شَرَحَهُ الفُقَهاءُ. والمُعْتَبَرُ هاهُنا في إحْصانِ المَقْذُوفِ: البُلُوغُ، والعَقْلُ، والإسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، والعِفَّةُ مِنَ الزِّنا، وكَثِيرٌ مِن ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ. ولَيْسَ في نَفْسِ اللَّفْظِ مِن طَرِيقِ اللُّغَةِ، إلّا دَلالَةُ تَخْصِيصِ الرَّمْيِ بِالزِّنا، إلّا أنْ يُشْبِهَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ ذَلِكَ، مَعَ ما ذَكَرْنا مِنَ الإحْصانِ، ثُمَّ لَمّا اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ في حَقِّ المُحْصَنَةِ عَلى أنَّ مَعْنى الرَّمْيِ بِالزِّنا، جَعَلُوا المُحْصَنَ في مَعْنى المُحْصَنَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾: يَدُلُّ عَلى أنَّ شَهادَةَ الأرْبَعَةِ شَرْطٌ في إثْباتِ الزِّنا، ولَيْسَتْ لِلصِّفاتِ الأرْبَعِ ذُكُورَةٍ وعَدالَةٍ وحُرِّيَّةٍ ذِكْرٌ، لَكِنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ، ولَيْسَ في الآيَةِ رَمْيُ المَرْأةِ الرَّجُلَ، ولَكِنَّها في مَعْناهُ شَرْعًا. واخْتَلَفَ النّاسُ في التَّعْرِيضِ بِالقَذْفِ، فَمالِكٌ يُوجِبُ بِهِ الحَدَّ، والشّافِعِيُّ وكافَّةُ العُلَماءِ عَلى خِلافِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الشَّرْعَ إذا عَلَّقَ الحَدَّ عَلى الصَّرِيحِ، فالمُحْتَمَلُ دُونَهُ، فَلا يَلْحَقُ بِهِ، سِيَّما في الحُدُودِ الَّتِي تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ. ومِن أقْوى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ في ذَلِكَ ما قالَهُ الشّافِعِيُّ، مِن أنَّ التَّعْرِيضَ بِالخُطْبَةِ لَمْ يَلْحَقْ بِالصَّرِيحِ مَعَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى مَقْصُودِ المُتَعَرِّضِ، فَلْيَكُنْ في القَذْفِ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ أوْلى بِالسُّقُوطِ بِالشُّبْهَةِ. وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ العَبْدِ، فَقالَ أكْثَرُ العُلَماءِ عَلَيْهِ إذا قَذَفَ أرْبَعُونَ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: بِجِلْدِ ثَمانِينَ. وعَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قالَ في عَبْدٍ قَذَفَ حُرًّا أنْ يُجْلَدَ ثَمانِينَ. (p-٢٩٩)وقالَ أبُو الزِّنادِ: جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَبْدًا في الفِرْيَةِ ثَمانِينَ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وفَهِمْنا مِن ذَلِكَ أنَّ حَدَّ الزِّنا حَقُّ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ رُبَّما كانَ أخَفَّ مِمَّنْ قَبِلَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَحَسُنَ مِمَّنْ عَظُمَتْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وأمّا حَدُّ القَذْفِ فَحَقُّ الآدَمِيِّ وجَبَ لِلْجِنايَةِ عَلى عِرْضِ المَقْذُوفِ، والجِنايَةُ لا تَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ. ورُبَّما قالُوا: لَوْ كانَتْ تَخْتَلِفُ لَذَكَرَها كَما ذَكَرْنا في الزِّنا؟ وغايَةُ ما يُقالُ أنَّ العَبْدَ مُنْزَجِرٌ عَنْ قَذْفِ الحُرِّ أكْثَرَ مِنِ انْزِجارِ الحُرِّ. واخْتُلِفَ في حَدِّ القاذِفِ دُونَ مُطالَبَةِ المَقْذُوفِ، فَقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: يَحُدُّهُ الإمامُ وإنْ لَمْ يُطالِبْهُ المَقْذُوفُ. وقالَ مالِكٌ: لا يَحُدُّهُ الإمامُ قَبْلَ طَلَبِهِ، إلّا أنْ يَكُونَ الإمامُ قَدْ سَمِعَهُ فَيَحُدُّهُ، إذا كانَ مَعَ الإمامِ شُهُودٌ عُدُولٌ. وهَذا مُشْكِلٌ عَلى أبِي حَنِيفَةَ، إذا جَعَلَهُ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى، فَإنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعالى كَيْفَ يَتَوَقَّفُ عَلى طَلَبِ الآدَمِيِّ، وإذا لَمْ يَسْقُطْ بِإسْقاطِهِ، كَيْفَ يَتَوَقَّفُ عَلى طَلَبِهِ؟ فَهو مُناقَضَةٌ مِنهم. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ الآيَةَ: حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في القاذِفِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَعَلَّقَ الشَّرْعُ عَلى القَذْفِ عِنْدَ إظْهارِ العَجْزِ عَنْ إقامَةِ الشَّهادَةِ ثَلاثَةَ أحْكامٍ: أحَدُها: جَلْدُ ثَمانِينَ. والثّانِي: بُطْلانُ الشَّهادَةِ. (p-٣٠٠)والثّالِثُ: الحُكْمُ بِتَفْسِيقِهِ إلى أنْ يَتُوبَ. فَقالَ قائِلُونَ: بَطَلَتْ شَهادَتُهُ ولَزِمَهُ سِمَةُ الفِسْقِ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: شَهادَتُهُ قَبْلَ الحَدِّ مَقْبُولَةٌ. والَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ ظاهِرٌ جِدًّا، فَإنَّ الحَدَّ لا يُقامُ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ الحُكْمِ بِفِسْقِهِ، فَأمّا أنْ يَتَقَدَّمَ إقامَةُ الحَدِّ الحُكْمَ بِفِسْقِهِ فَكَلّا، ولا يُبْتَدَأُ بِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ ظُهُورِ عَجْزِهِ، لا أنَّ بِإقامَةِ الحَدِّ يَظْهَرُ عَجْزُهُ. وبِالجُمْلَةِ: الِامْتِناعُ مِن إقامَةِ الحَدِّ مَعَ تَرَدُّدِ الخَبَرِ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ أمْثَلُ مِنَ الحُكْمِ بِفِسْقِهِ والتَّرَدُّدِ في شَهادَتِهِ، فَإنَّ الشَّهادَةَ تُرَدُّ بِالتُّهْمَةِ والشُّبْهَةِ، فَكَيْفَ يَتَأتّى لِعاقِلٍ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ. ونُقَرِّرُ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ آخَرَ فَنَقُولُ: المُوجِبُ لِرَدِّ الشَّهادَةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الحَدَّ، فَإنَّ إقامَةَ الحَدِّ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُؤَثِّرَ، ولِأنَّهُ إلى التَّكْفِيرِ أقْرَبُ، فالحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها. فَهَذِهِ المَسْألَةُ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الآيَةِ. المَسْألَةُ الأُخْرى: أنَّ شَهادَةَ القاذِفِ تُقْبَلُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ. وظَنَّ ظانُّونَ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ إذا تَعَقَّبَ جُمَلًا، هَلْ تَرْجِعُ إلى الجَمِيعِ أمْ إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ؟ ومَن يَرُدُّهُ إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ يَحْتَجُّ بِرُجُوعِهِ إلَيْهِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم (p-٣٠١)أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠]، فَكانَتِ المَرْأةُ مُسْتَثْناةً مِنَ المُنَجِّينَ لِأنَّها تَلِيهِمْ، ولَوْ قالَ: لِفُلانٍ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلّا ثَلاثَةَ إلّا دِرْهَمَ، فَقَوْلُهُ إلّا دِرْهَمَ يَرْجِعُ إلى الثَّلاثَةِ. وهَذِهِ جَهالَةٌ، فَإنَّ فِيما قالُوهُ إذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، والِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، ومِنَ الإثْباتِ نَفْيٌ، وقَدْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ إلَيْهِما عَلى اخْتِلافِهِما فَيَرْجِعُ إلى الأقْرَبِ، ولا خِلافَ في أنَّ الِاسْتِثْناءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٣٣] - إلى قَوْلِهِ- ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [المائدة: ٣٤] يَرْجِعُ إلى الجَمِيعِ ويَتَعَلَّقُ بِالكُلِّ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] - إلى قَوْلِهِ- ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] . والتَّيَمُّمُ راجِعٌ إلى الجَمِيعِ. وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، فَإنّا عَلى القَوْلَيْنِ جَمِيعًا نَرى قَبُولَ شَهادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَإنَّ عِلَّةَ رَدِّ شَهادَتِهِ رَمْيُهُ وفِسْقُهُ لا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ، لِما بَيَّنّا مِن أنَّ إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَلا يُؤَثِّرُ في شَهادَتِهِ، فَهو أقْرَبُ إلى التَّفْكِيرِ كَما رُوِيَ في الحُدُودِ، والتَّوْبَةُ إذا رَفَعَتْ عِلَّةَ رَدِّ الشَّهادَةِ وهو الفِسْقُ، دارَ القَوْلُ. فَإنَّ المَعْلُولَ لا يَثْبُتُ دُونَ العِلَّةِ فاعْلَمْهُ، هَذا تَمامُ ما أرَدْنا بَيانَهُ مِن ذَلِكَ. وعِنْدَهم أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ- (p-٣٠٢)﴿ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ﴾ وعِنْدَهم: إنْ رَمى قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، فَقَدْ خالَفُوا ظاهِرَ الآيَةِ وما خالَفْنا. وظَنَّ بَعْضُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾، فَإذا أتى بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فُسّاقٍ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ أتى بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ وذَلِكَ بِالفُسّاقِ، فَلَوْ جاءَ بِأرْبَعَةٍ مِنَ المَحْدُودِينَ والكافِرِينَ، فَلا يَسْقُطُ الحَدُّ عَنْهُ، وكَذَلِكَ العَبِيدُ، ولا شَكَّ أنَّ لَفْظَ الشُّهَداءِ لَيْسَ فِيهِ هَذا التَّفْصِيلُ فَهو بِهِ مُتَحَكِمٌ، ولِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ”فَإنْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ“، يَعْنِي: إذا لَمْ يَأْتِ بِالشُّهَداءِ الَّذِينَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الصِّدْقُ، ويُقْبَلُ قَوْلُهُمْ، فَأُولَئِكَ كاذِبُونَ، فَأمّا أنْ يَجِيءَ بِأرْبَعَةٍ لا يُصَدِّقُهُمُ الشَّرْعُ في إثْباتِ الزِّنا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُدْرَأ الحَدُّ عَنْهُ؟ فَهَذا مَقْطُوعٌ بِهِ، ورُبَّما بَنى ذَلِكَ عَلى أنَّ الفاسِقَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ، وذَلِكَ مُجَرَّدُ لَفْظٍ، فَلا مَعْنى إذا تَبَيَّنَ أنَّ الفاسِقَ لا يَجُوزُ أنْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُ في الحُدُودِ، وإنْ ظَهَرَ عِنْدَ القاضِي بِالقَرائِنِ صِدْقُهُ، ولا يَجُوزُ إقامَةُ الحَدِّ عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِ بِشَهادَتِهِمْ، وهَذا مِمّا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَجِبُ الحَدُّ عَلى الشُّهُودِ وعَلى القاذِفِ جَمِيعًا. ومِن أعْجَبِ الأُمُورِ أنَّهم قالُوا: العُدُولُ إذا شَهِدُوا عَلى الزِّنا مُتَفَرِّقِينَ. فَقَدْ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ يُحَدُّونَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يُحَدُّونَ وتُقْبَلُ شَهادَتُهُمْ، مَعَ أنَّهُ جاءَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ.

النور 24:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ الآيَةَ. دَلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأوَّلَ لَمْ يَتَناوَلِ الزَّوْجاتِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] . ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَناوَلَ، ولَكِنْ جُعِلَ هَذا مُحَلَّفًا، وأُقِيمَ لِعانُهُ مَقامَ الشَّهادَةِ، فَإنَّهُ تَعالى اسْتَثْناهُ عَنِ الشَّهادَةِ. (p-٣٠٣)قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾: وتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ اللِّعانُ مَتى كانَ حُجَّةً دامِغَةً، فَمَتى لَمْ يَدْفَعِ الزَّوْجُ بِلِعانِهِ، كانَ بِمَثابَةِ الأجْنَبِيِّ الَّذِي لا يَدْفَعُ الحَدَّ بِالشَّهادَةِ، وإذا لَمْ يَجْعَلِ الشَّرْعُ اللِّعانَ حُجَّةً، فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَقْذِفَ حُرَّةً أوْ أمَةً، أوْ يَكُونُ القاذِفُ حُرًّا أوْ عَبْدًا، فَإنَّهُ حُجَّةٌ خاصَّةٌ لِمَكانِ حاجَةِ الزَّوْجِيَّةِ. وأبُو حَنِيفَةَ يَرى اللِّعانَ شَهادَةً مِن وجْهٍ، حَتّى لا يَصِحَّ مِنَ العَبْدِ، مَعَ أنَّ حَقِيقَةَ الشَّهادَةِ لا تُعْتَبَرُ، فَإنَّ الشَّهادَةَ في الأصْلِ تَصْدِيقُ الغَيْرِ، والمُلاعَنُ يُصَدِّقُ نَفْسَهُ، فَحَيْثُ لا تُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الشَّهادَةِ ومَعْناها، كَيْفَ تُعْتَبَرُ صِفَتُها الزّائِدَةُ عَلى مَعْناها، فَإنَّ الشَّرائِطَ تابِعَةٌ لِلْحَقِيقَةِ، وهَذا لا مُخَلِّصَ مِنهُ. ورُبَّما قالَ: إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ في هَذا المَعْنى، ثُمَّ لَمْ يُوَفَّرْ عَلَيْها مُقْتَضاها، فَإنَّ شَهادَةَ الحُرِّ عَلى الأمَةِ الكافِرَةِ مَقْبُولَةٌ، ثُمَّ لا يُلاعِنُ المُسْلِمُ والحُرُّ زَوْجَتَهُ الكافِرَةَ والأمَةَ، وعِنْدَ ذَلِكَ نَرْجِعُ إلى أصْلٍ آخَرَ فَنَقُولُ: في اللِّعانِ مَعْنى العُقُوبَةِ، فاللِّعانُ شُرِعَ قائِمًا مَقامَ الحَدِّ، ولا حَدَّ عَلى الرَّجُلِ المُسْلِمِ يَقْذِفُ زَوْجَةً، الأمَةَ والكافِرَةَ، ومِن قَبْلُ كانَ يُرى اللِّعانُ شَهادَةً، والشَّهادَةُ تَمْتَنِعُ مِنَ الرَّقِيقِ تَعْظِيمًا لِرُتْبَةِ الشَّهادَةِ، فَإذا جَعَلَهُما حَدًّا، كانَ شَرْعُها بِاعْتِبارِ تَحْقِيقِ مَن يُلاعِنُ، فَمَن عُدَّ بِزِنًا مِمَّنْ يَجْمَعُ بَيْنَ المُتَناقِضَيْنِ فَنَقُولُ: اللِّعانُ شَهادَةٌ، فَلا يَصِحُّ مِمَّنْ لا يُدْلِي بِمَنصِبِ الحُرِّيَّةِ، ثُمَّ يَحُطُّ اللِّعانَ إلى رُتْبَةِ الحَدِّ المَشْرُوعِ إهانَةً لِلْحُدُودِ، ويُقالُ سُبْحانَ اللَّهِ، عُدَّ اللِّعانُ مُخَلِّصًا وتَخْفِيفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يُعَدُّ إهانَةً، وقَدْ شُرِعَ إكْرامًا وإعْظامًا؟ فَهَذِهِ المُناقَضاتُ كَيْفَ يُمْكِنُ تَلْفِيقُها، ثُمَّ يُرى اللِّعانُ شَهادَةً ويَقُولُ: إنَّهُ إذا لاعَنَ فَلا حَدَّ عَلَيْها، فَإنَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لا يُمْكِنُ إثْباتُ حَدٍّ عَلى المَرْأةِ، ثُمَّ يَقُولُ: إذا لاعَنَ الزَّوْجُ فَقَدْ حُدَّ، فَإذا أكْذَبَ نَفْسَهُ كَيْفَ (p-٣٠٤)يَرْجِعُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى إيجابِ الحَدِّ عَلَيْهِ ثانِيًا، أفَتَرى أنّا نُوجِبُ الحَدَّ مَرَّةً ومَرَّةً أُخْرى؟ فَكَيْفَ يَطْمَعُ الفَقِيهُ في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ؟ ومِمّا قالَهُ: إنَّ اللِّعانَ حَدٌّ، وإذا قَذَفَ الزَّوْجُ وامْتَنَعَ مِنَ اللِّعانِ لا يُحَدُّ، بَلْ يُحْبَسُ حَتّى يُلاعِنَ، وإذا لاعَنَ حُبِسَتِ المَرْأةُ، ولا حَدَّ عَلَيْها، فَإنَّهُ لَوْ لَزِمَها الحَدُّ كانَ ذَلِكَ إيجابَ الحَدِّ عَلَيْها بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، ثُمَّ قالَ: واللِّعانُ حَدٌّ، وقَدْ وجَبَ اللِّعانُ عَلَيْها بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، فَسُبْحانَ اللَّهِ، كَيْفَ تَلَفَّقَتْ لَهم هَذِهِ الخُرافاتُ والمُتَناقِضاتُ؟

النور 24:8

ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ: فَجَعَلَ لِعانَها دارِئًا لِلْعَذابِ عَنْها. وعِنْدَهم أنَّ اللِّعانَ حَدٌّ، والحَدُّ يَدْرَأُ العَذابَ، وهي لا عَذابَ عَلَيْها، وهي لا تُحْبَسُ لِعَيْنِ الحَبْسِ، وإنَّما تُحْبَسُ لِلِّعانِ، فَلِعانُها يَدْرَأُ لِعانَها عَلى هَذا التَّقْدِيرِ. فانْظُرْ كَيْفَ تَوالَتْ غَلَطاتُ الخَصْمِ في فَهْمِ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ: لَوْ أتى بِمُعْظَمِ كَلِماتِ اللِّعانِ، قامَ مَقامَ الكُلِّ، وهو خِلافُ القُرْآنِ، وخِلافُ قِياسِ الحَدِّ أيْضًا، فَإنَّهُ لا يَكْتَفِي فِيهِ بِالأكْثَرِ، وإذا ثَبَتَ فَسادٌ نَظَرَ مَن يُخالِفُ، فَنَذْكُرُ ما رَآهُ الشّافِعِيُّ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَعَ اللِّعانَ، وعَلَّمَنا يَقِينًا أنَّ شَرْعَ اللِّعانِ رُخْصَةٌ لِمَكانِ الحاجَةِ، فَلَمّا تَأمَّلْنا الحاجَةَ، قُلْنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ في تِلْكَ الحاجَةِ هي والنَّسَبُ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لِلثُّبُوتِ، ولا طَرِيقَ إلى نَفْيِهِ إلّا بِاللِّعانِ، فَكانَ اللِّعانُ مَوْضُوعًا أصْلِيًّا لِهَذا المَعْنى، وإنَّما جُوِّزَ اللِّعانُ في النِّكاحِ، مَعَ إمْكانِ (p-٣٠٥)قَطْعِ النِّكاحِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، لِأنَّ الزَّوْجَ لَمّا أرادَ أنْ يُعَيِّرَها ويَفْضَحَها بِما صَدَرَ مِنها. فَجَعَلَ الشَّرْعُ اللِّعانَ مَشْرُوعًا في النِّكاحِ دُونَ النَّسَبِ، وهَذا المَقْصُودُ قَرِيبٌ، بِالإضافَةِ إلى مَقْصُودِ رَفْعِ النَّسَبِ. وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ شَرْعُ اللِّعانِ دُونَ النِّكاحِ لِأجْلِ الوَلَدِ، حَتّى إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا وادَّعَتْ حَمْلًا، فَلِلزَّوْجِ أنْ يُلاعِنَ، وعَلى هَذا اللِّعانِ في النِّكاحِ والوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ، فَإنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهِمَ أمْرًا آخَرَ فَقالَ: إذا قَذَفَ امْرَأتَهُ بِأجْنَبِيٍّ وسَمّاهُ في اللِّعانِ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ لِلْأجْنَبِيِّ، فَإنَّهُ صارَ مُصَدَّقًا شَرْعًا في تِلْكَ الواقِعَةِ، فَصارَ ذَلِكَ شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ عَنْهُ، فَهَذا نَوْعٌ مِنَ القِياسِ فَهِمَهُ في مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ لِفَهْمِ خُصُوصِ الحاجَةِ. وأبُو حَنِيفَةَ رَأى أنَّ اللِّعانَ حُجَّةً خاصَّةً شُرِعَتْ في النِّكاحِ، فَلا يَثْبُتُ إلّا في النِّكاحِ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي قالَهُ إعْراضٌ عَنِ المَعْنى الخاصِّ المَفْهُومِ مِن وضْعِ اللِّعانِ، عَلى أنَّهُ ناقِصٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] . وقالَ: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١] . فَحَكَمَ بِطَلاقِ النِّساءِ، ثُمَّ إنَّهُ صارَ إلى طَلاقِ البائِنَةِ المُخْتَلِفَةِ مِن غَيْرِ نِكاحٍ، مَعَ أنَّ الطَّلاقَ مِن خاصَّةِ النِّكاحِ، فَهَلّا كانَ كَذَلِكَ، بَلْ هَذا إلى تَرْجِيحٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في إيقاعِ الطَّلاقِ عَلى المُخْتَلِفَةِ حاجَةٌ مَعْقُولَةٌ شُرِعَ الطَّلاقُ لِأجْلِها في الأصْلِ، بَلِ الحاجَةُ الَّتِي شُرِعَ الطَّلاقُ لِأجْلِها مَعْدُومَةٌ في (p-٣٠٦)حَقِّ المُخْتَلِفَةِ، فَأمّا هاهُنا، فالحاجَةُ الَّتِي شُرِعَ اللِّعانُ لِأجَلِّها الَّتِي لا تُدْفَعُ لَها إلّا بِاللِّعانِ مُتَحَقِّقَةٌ في النِّكاحِ الفاسِدِ وبَعْدَ الطَّلاقِ، فَأوْلى بِصِحَّةِ اللِّعانِ. والوَجْهُ الآخَرُ في التَّرْجِيحِ، هو أنّا إذا شَرَعْنا اللِّعانَ في حَقِّ المُطَلَّقَةِ، لَمْ يُخَصَّصْ ولَمْ يُناقَضْ، وقُلْنا الوَلَدُ بِنَفْيِ اللِّعانِ دُونَ النِّكاحِ مُطْلَقًا. وأبُو حَنِيفَةَ إذا أوْقَعَ الطَّلاقَ بَعْدَ البَيْنُونَةِ، لَمْ يُمْكِنْهُ إخْراجُ الطَّلاقِ عَنْ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِالنِّكاحِ، فَإنَّهُ لا يَقَعُ الطَّلاقُ في النِّكاحِ الفاسِدِ خِلافًا لِأحْمَدَ، ولا بَعْدَ البَيْنُونَةِ وانْقِضاءِ العِدَّةِ، وإنْ بَقِيَتْ لَهُ طَلْقَتانِ عَلَيْها، واعْتَقَدَ في ذَلِكَ أنّا لَوْ نَفَّذْنا الطَّلاقَ عَلَيْها، صارَ المَحَلُّ يَنْقادُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ مُبْتَذَلًا مِن غَيْرِ وِلايَةٍ لَهُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ، إذا لَمْ يَكُنِ المَحَلُّ بِالتَّصَرُّفِ مُتَأثِّرًا، ولا يَزُولُ بِالتَّصَرُّفِ عَنِ المَحَلِّ حُكْمُ وصْفِهِ، وإذا جَوَّزُوا تَصَرُّفَ الأجْنَبِيِّ مَوْقُوفًا مِن حَيْثُ إنَّ المَحَلَّ لا يَتَأثَّرُ بِهِ، والطَّلاقُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ ظاهِرٌ في المَحَلِّ، فَيَجِبُ أنْ يَقَعَ عَلى الأجْنَبِيَّةِ، وإنْ هم زَعَمُوا أنَّهُ يَفُوتُ حَلَّ المَحَلُّ، وذَلِكَ تَأْثِيرًا يَظْهَرُ في المَحَلِّ، فَيَقْتَضِي هَذا أنْ يَكُونَ حُكْمُ الطَّلاقِ الَّذِي هو خاصِّيَّةُ النِّكاحِ تَفْوِيتُ ما يُسْتَفادُ بِأصْلِ الوِلادَةِ، غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالنِّكاحِ، وذَلِكَ جَهْلٌ مُفْرِطٌوَعَلى أنَّ الَّذِي ذُكِرَ مِن جَوازِ الِابْتِذالِ في مُدَّةِ العِدَّةِ، إنَّما يُفْعَلُ إذا كانَ جِنْسُ العِدَّةِ مُقْتَضًى ونِيَّةً، فَأمّا إذا كانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا يَثْبُتُ حَيْثُ لا نِكاحَ كالنِّكاحِ الفاسِدِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ بِهِ الطَّلاقُ أصْلًا، وهَذا كَلامٌ مُعْتَرِضٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِمَقْصُودِنا ولا مَحِيصَ لَهم عَنْهُ. وناقَضُوا أيْضًا وقالُوا: لَوْ قَذَفَ امْرَأتَهُ وماتَتْ بَعْدَ القَذْفِ بِطَلاقٍ أوْ غَيْرِهِ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ ولا لِعانَ، وقالُوا: لا يَنْتَفِي الحَمْلُ بِاللِّعانِ، مَعَ أنَّ الخَبَرَ إنَّما ورَدَ في الحَمْلِ وحْدَهُ. (p-٣٠٧)ولَمّا رَأى الشّافِعِيُّ اللِّعانَ حُجَّةً خاصَّةً قالَ: قَذْفُ الزَّوْجَةِ مِثْلُ قَذْفِ الأجْنَبِيَّةِ، لِأنَّها مُحْصَنَةٌ عَفِيفَةٌ مِثْلُ الأجْنَبِيَّةِ، ويَجِبُ عَلى غَيْرِهِ الحَدُّ بِقَذْفِها، ويَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ بِقَذْفِ مِثْلِها، إلّا أنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ اللِّعانَ مُخَلِّصًا، فَإذا امْتَنَعَ مِنَ اللِّعانِ، كانَ عَلى قِياسِ الأجْنَبِيِّ يَقْذِفُ الأجْنَبِيَّةَ، وهَذا بَيِّنٌ مَعْلُومٌ مِنَ القُرْآنِ. وإذا كانَ اللِّعانُ خاصًّا في حَقِّ الأزْواجِ، فالشّافِعِيُّ يَقُولُ: جَعَلَهُ الشَّرْعُ حُجَّةً وصَدَّقَهُ فِيها، وجَعَلَ لَها طَرِيقًا إلى مُدافَعَةِ حُجَّتِهِ فَقالَ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ﴾، فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ عَذابٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَذابُ سَجْنًا، فَإنَّ الحَبْسَ لا يُرادُ لِعَيْنِهِ، وإنَّما يُرادُ لِغَيْرِهِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الحَبْسُ لِطَلَبِ أمْرٍ وراءَ الحَبْسِ يُحْبَسُ لِأجْلِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هو اللِّعانَ، فَإنَّها رُبَّما كانَتْ كاذِبَةً في لِعانِها، فَكَيْفَ يَجُوزُ إجْبارُها عَلى اللِّعانِ، وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ العَذابَ في عُرْفِ الشَّرْعِ عِبارَةٍ عَنِ الحَدِّ، سِيَّما إذا عُرِّفَ بِالألِفِ واللّامِ، وذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلى المَعْهُودِ، وهَذا لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِأنَّ العَذابَ قَدْ لا يَخْتَصُّ بِالحَدِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] ولَمْ يُرَدَّ الحَدُّ. وقالَ تَعالى: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١]، ولَمْ يُرَدَّ بِهِ الحَدُّ. ويَهُونُ الجَوابُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، ولَيْسَ في التَّقَصِّي عَنْهُ كَبِيرُ فائِدَةٍ، فَإنَّ الغَرَضَ يَحْصُلُ دُونَهُ. (p-٣٠٨)إذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدْ قالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: لا أرى مُلاعَبَةَ الزَّوْجِ امْرَأتَهُ يُنْقِصُ شَيْئًا، وأُحِبُّ أنْ يُطَلِّقَ. والَّذِي ذَكَرَهُ قَوِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى والتَّوْقِيفِ، إذْ لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ أنَّهُ إذا لاعَنَ ولاعَنَتْ يَجِبُ وُقُوعُ الفُرْقَةِ، ووَرَدَ في الأخْبارِ الصِّحاحِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ، وألْحَقَ الوَلَدَ بِالِابْنِوَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ». ” ولَوْ بَقِيَ النِّكاحُ إلى وقْتِ التَّفْرِيقِ فَهُما مُجْتَمِعانِ “.

النور 24:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ الآيَةَ. أيْ بِإخْوانِهِمْ خَيْرًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُحْكَمُ بِالظَّنِّ في مِثْلِ ذَلِكَ، وأنَّ مَن عُرِفَ بِطَرِيقَةِ الصَّلاحِ لا يَعْدِلُ عَنْ هَذا الظَّنِّ فِيهِ الخَبَرُ مُحْتَمَلٌ.

النور 24:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ الآيَةَ: دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْبَعَ حَدٌّ في هَذا البابِ، لا يَجُوزُ أنْ يَنْقَضِيَ مِنهُ شَيْءٌ. ودَلِيلٌ عَلى أنَّ القاذِفَ مُكَذَّبٌ شَرْعًا، إذا لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَإنْ كانَ في أمْرِ عائِشَةَ يُقْطَعُ بِتَكْذِيبِهِمْ في الغَيْبِ، وقالَ عُلَماؤُنا: مَن صَدَّقَ قَذَفَةَ عائِشَةَ فَهو كافِرٌ، لِأنَّهُ رادٌّ لِخَبَرِ اللَّهِ تَعالى الدّالِّ عَلى كَذِبِهِمْ. وعَلى هَذا قالَ أصْحابُنا فِيمَن وجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأةٍ فاعْتَرَفا بِالنِّكاحِ، أنَّهُ لا يَجِبُ تَكْذِيبُهُما، بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُما. (p-٣٠٩)وقالَ مالِكٌ: إنَّهُما يُحَدّانِ ما لَمْ يُقِيما بَيِّنَةً عَلى النِّكاحِ، وهَذا يُخالِفُ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى هَذا بَنى أبُو حَنِيفَةَ جَوازَ بَيْعِ دِرْهَمٍ ودِينارٍ بِدِرْهَمَيْنِ ودِينارَيْنِ إنْ تَخالَفَ بَيْنَهُما تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالمُؤْمِنِينَ. وقالَ الشّافِعِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا فِيمَن وصّى بِطَبْلٍ ولَهُ طَبْلانِ: طَبْلُ لَهْوٍ، وطَبْلُ حَرْبٍ، أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى طَبْلِ الحَرْبِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالمُؤْمِنِينَ وحَمْلِ أُمُورِهِمْ عَلى ما يَجُوزُ. إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ كَدَّرَ صَفْوِ هَذا المَعْنى بِإيجابِ الحَدِّ عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِ بِشَهادَةِ شُهُودِ الزَّوايا، بِناءً عَلى بُعْدٍ في إثْباتِ الزِّنا. وهَذِهِ الآياتُ إلى خاتِمَةِ الآياتِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ١٩]: تَدَلُّ عَلى وُجُوبِ حُسْنِ الِاعْتِقادِ في المُؤْمِنِينَ، ومَحَبَّةِ الخَيْرِ والصَّلاحِ، والزَّجْرِ عَنْ إشْهارِ الفاحِشَةِ واسْتِنْباطِها بِدَقائِقِ الحِيَلِ والحِكَمِ بِالظَّنِّ والحُسْبانِ. وعَلى قَرِيبٍ مِنهُ يَدُلُّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ». وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ” «مَن سَرَّهُ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وهو يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ “. ”ويُحِبُّ أنْ يَأْتِيَ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يَأْتُوا إلَيْهِ “» . رَواهُ ابْنُ عُمَرَ. وعَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (p-٣١٠)”لا يُؤْمِنُ العَبْدُ حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ» “.

النور 24:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ الآيَةَ. نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ، فَإنَّهُ حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ الَّذِي تَكَلَّمَ في إفْكِ عائِشَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوْلى بِالإنْسانِ إذا حَلَفَ عَلى أمْرٍ فَرَأى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنهُ، أنْ يَحْنَثَ ولا يَسْتَمِرَّ عَلى اليَمِينِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في أنَّ الأيْمانَ تَحْرُمُ، وأنَّ الكَفّارَةَ وجَبَتْ لِكَوْنِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ مُحَرَّمًا بِحُكْمِ يَمِينِهِ، وهَذا أمْرٌ لَيْسَ في هَذا المَعْنى، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إذا حَنِثَ فَلا كَفّارَةَ، وكَفّارَتُهُ أنْ يَفْعَلَ ما هو خَيْرٌ، وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّ صَحِيحَ الخَبَرِ يُخالِفُهُ، فَإنَّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ».

النور 24:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ الآيَةَ. نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ غَلَطٌ مِنَ الكاتِبِ. ولا يَنْبَغِي أنَّ يَصِحَّ هَذا عَنْهُ، فَإنَّ القُرْآنَ ثَبَتَ جَمِيعُهُ بِحُرُوفِهِ (p-٣١١)وكَلِماتِهِ بِطَرِيقِ اليَقِينِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَضِيعَ مِنهُ شَيْءٌ بِأمْثالِ هَذِهِ الأسْبابِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ضَمِنَ حِفْظَهُ. إذا ثَبَتَ ذَلِكَ، قالَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ، «قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَرِّفْنا السَّلامَ في الِاسْتِئْناسِ. قالَ: يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِتَسْبِيحٍ أوْ تَكْبِيرٍ ويَتَنَحْنَحُ، يُؤْذِنُ بِهِ أهْلُ البَيْتِ». وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”حَتّى تَسْتَأْذِنُوا“. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّكَ وعَلى أُخْتِكَ، وكُلِّ مَن لا يَجُوزُ أنْ تَرى مِنها عَوْرَةً. وما نَرى الأمْرَ في السَّلامِ يَبْلُغُ مَبْلَغَ الوُجُوبِ، إلّا أنَّ الِاسْتِئْذانَ لا بُدَّ مِنهُ، وهَذا الِاسْتِئْذانُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ عُرْفًا، ولَكِنْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الِاسْتِئْذانَ ثَلاثٌ، فَإنْ أذِنُوا وإلّا فارْجِعْ. رَواهُ أبُو مُوسى وأبُو سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وفِيهِ قِصَّةٌ مَعَ عُمَرَ ذَكَرْناها في أُصُولِ الفِقْهِ.

النور 24:28

قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ لَيْسَ فِيها أحَدٌ يُمْنَعُ، فالدُّخُولُ مُباحٌ، بَلِ الحَظْرُ أصْلٌ، إلى أنْ يَرِدَ الإذْنُ، لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الغَيْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، أيْ حَتّى تَجِدُوا مَن يَأْذَنُ لَكُمْ، وإنْ كانَ الآذِنُ صَبِيًّا أوْ رَسُولًا فَيَجُوزُ الدُّخُولُ.

النور 24:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ الآيَةَ. فَلَمْ يَذْكُرْ تَعالى ما يَغُضُّ البَصَرَ مِنهُ ويَحْفَظُ الفَرْجَ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالعادَةِ، أنَّ المُرادَ بِهِ المُحَرَّمُ غَيْرُ المُحَلِّ: (p-٣١٢)فَإنْ قِيلَ: فَهَذا الخِطابُ خاصَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ يُدْخَلُ مَعَهم سائِرُ المُكَلَّفِينَ؟ فالجَوابُ أنَّ ظاهِرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّ المُرادَ بِهِ كُلُّ النّاسِ، مِن حَيْثُ عُلِمَ أنَّ ما يَحِلُّ مِن ذَلِكَ وما يَحْرُمُ لا تَخْتَلِفُ أحْوالُهم فِيهِ، وغَضُّ البَصَرِ قَدْ يَجِبُ عَلى كُلِّ حالٍ في أُمُورٍ، وقَدْ يَجِبُ في حالٍ دُونَ حالٍ في غَيْرِها، فَما ثَبَتَ أنَّهُ عَوْرَةٌ، فَغَضُّ البَصَرِ عَنْهُ واجِبٌ، وما لَيْسَ بِعَوْرَةٍ فَيَجِبُ أيْضًا كَذَلِكَ، إلّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، فَإنَّهُ يُباحُ عِنْدَ ذَلِكَ.

النور 24:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ الآيَةَ. يَعْنِي إلّا ما لا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ، مِثْلَ ما يَظْهَرُ مِنَ الثِّيابِ والدُّمْلُجِ والخَلْخالِ والخاتَمِ، والَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالمَناظِرِ، وما يُباحُ مِنها وما لا يُباحُ مِنها، يُسْتَقْصى في كُتُبِ الفِقْهِ. والمُرادُ بِما مَلَكَتْ أيْمانُكم عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ الأطْفالُ. فَأمّا الرِّجالُ فَلا، إلّا أنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا، والظّاهِرُ يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ، ولَكِنَّ قِياسَ الشَّرْعِ يَأْبى مُقْتَضى ذَلِكَ الظّاهِرِ. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ الإماءُ. حَتّى لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُنَّ لَسْنَ مِن نِسائِهِنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾: واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾، فَقالَ قَوْمٌ: هو العِنِّينُ، وقالَ آخَرُونَ: هو الأبْلَهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو الأحْمَقُ الَّذِي لا إرْبَ لَهُ.

النور 24:32

(p-٣١٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ﴾ الآيَةَ. ظاهِرُهُ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالنِّكاحِ الأيامى. واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَمِنهم مَن قالَ: المَأْمُورُونَ هُمُ الأوْلِياءُ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ اسْتِقْلالِهِمْ. ومِنهم مَن قالَ: كُلُّ أحَدٍ إذا كانَ ولِيًّا أوْ مَأْذُونًا لَهُ. والمَقْصُودُ أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الرَّغْبَةُ مِنها وجَبَ الإنْكاحُ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ العَضْلُ والمَنعُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ بِالأوْلِياءِ والحاكِمِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّزْوِيجُ دُونَ الأجانِبِ. واسْتَدَلَّ أصْحابُ الشّافِعِيِّ بِما تَعَقَّبَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾، وأنَّ ذَلِكَ لَمّا دَلَّ عَلى سَبَبِ وِلايَتِها، فَكَذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِها، وهَذا تَلَقِّي الظّاهِرِ مِنِ اقْتِرانِ المُسْلِمِينَ ذِكْرًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَساوِيهِما حُكْمًا مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ الإنْكاحَ قَدْ يَجِبُ في حَقِّ الأيِّمِ والبِكْرِ البالِغَةِ، إذا طَلَبَ، ولَيْسَ يَجِبُ في حَقِّ العَبْدِ والأمَةِ. فَلَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْكِحُوا﴾، مِمّا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ في الجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، لِأنَّ مِنهُ ما يَجِبُ ومِنهُ ما لا يَجِبُ، وهَذا مِمّا لا خَفاءَ بِهِ، فاعْلَمْهُ.

النور 24:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ. أمَرَهم بِالتَّعَفُّفِ- عِنْدَ تَعَذُّرِ النِّكاحِ- عَمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ عَلى الوُجُوبِ. (p-٣١٤)وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إباحَةَ الِاسْتِمْتاعِ مَوْقُوفَةٌ عَلى النِّكاحِ. ولِذَلِكَ يَحْرُمُ ما عَداهُ، ولا يُفْهَمُ مِنهُ التَّحْرِيمُ بِمِلْكِ اليَمِينِ، لِأنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى النِّكاحِ لِعَدَمِ المالِ لا يَقْدِرُ عَلى شِراءِ الحارِيَةِ غالِبًا. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ نِكاحِ المُتْعَةِ، ودَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْناءِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: ما أراهُ إلّا واجِبًا، وهو قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ. واعْلَمْ أنَّ إيجابَ ذَلِكَ لا مَحْمَلَ لَهُ إلّا التَّوْقِيفُ، وإلّا فَإجْبارُ المالِكِ عَلى إزالَةِ مِلْكِهِ لا وجْهَ لَهُ، ولا يَقْتَضِيهِ أصْلُ الشَّرْعِ وقِياسُهُ، لِأنَّ الكِتابَةَ بَعِيدَةٌ عَنْ قِياسِ الأُصُولِ، وتَقْتَضِي الأُصُولُ بُطْلانَها، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، رُخْصَةً في الكِتابَةِ رَفْعًا لِلْحَرَجِ المُتَوَهَّمِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] . ومِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] . وكُلُّ ذَلِكَ رَفْعٌ لِلْحَرَجِ. وكَذَلِكَ، إذا قُلْنا الأصْلُ امْتِناعُ الكِتابَةِ، إلّا أنَّ الشَّرْعَ أرْخَصُ فِيها وجَوَّزَها بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ، فَمُطْلَقُ الأمْرِ فِيهِ لا يَظْهَرُ مِنهُ الوُجُوبُ. (p-٣١٥)ولِأنَّ تَعْلِيقَها بِابْتِغاءِ العَبْدِ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ، ولَوْ وجَبَتْ لَوَجَبَتْ حَقًّا لِلشَّرْعِ، غَيْرَ مُتَعَلِّقَةٍ بِابْتِغاءِ العَبْدِ. والَّذِي يُخالِفُ في ذَلِكَ ويَنْصُرُ مَذْهَبَ عَطاءٍ يَقُولُ: إنَّما احْتَمَلَ الشَّرْعُ مُخالَفَةَ قِياسِ القَواعِدِ ابْتِغاءَ تَحْصِيلِ العِتْقِ الَّذِي هو حَقُّ اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ بِهِ تَفْرِيغُ العَبْدِ بَحْرِيَّتِهِ لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، بَعْدَ أنْ كانَ كَثِيرًا مِن أوْقاتِهِ لِغَيْرِ حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وإذا ثَبَتَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ تَعالى ذَرِيعَةً لِتَحْصِيلِ هَذِهِ المَكْرُمَةِ شَرْعًا بِلَفْظِ الوُجُوبِ. فَمُخالَفَةُ قِياسِ الأُصُولِ كانَتْ لِتَعْظِيمِ أمْرِ الحُرِّيَّةِ، فَمِن أيْنَ مَبْعَثُ الوُجُوبِ؟ نَعَمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، و﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] . كُلُّ ذَلِكَ لِغَرَضٍ غَيْرِ غَرَضِ الشَّهادَةِ وغَيْرِ مَقْصُودِ الشَّرْعِ، وهاهُنا هَذا فِيهِ تَحْصِيلُ الحُرِّيَّةِ، فاحْتَمَلَ فِيهِ ما احْتَمَلَ مِن مُخالَفَةِ قِياسِ الأُصُولِ لِهَذا المَعْنى، حَتّى جُعِلَ لَهُ في الزَّكاةِ قِسْطٌ، ولَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى الحُرِّيَّةِ، وأوْجَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ فِيهِ التَّأْجِيلَ إرْفاقًا بِالعَبْدِ، فَكانَ هَذا الإرْفاقُ مَقْصُودَ الشَّرْعِ بِلَفْظِ الأمْرِ الدّالِّ عَلى الوُجُوبِ، فَما الَّذِي مَنَعَ مِن وُجُوبِهِ؟ يَبْقى أنْ يُقالَ: ولَوْ كانَ واجِبًا لَما تَوَقَّفَ عَلى ابْتِغاءِ العَبْدِ. قالُوا: إذا لَمْ يَتَمَكَّنِ العَبْدُ، فَإجْبارُهُ عَلى الإضْرارِ بِنَفْسِهِ لا وجْهَ لَهُ، وإنْ كانَ العَبْدُ قادِرًا عَلى الِاكْتِسابِ فَلا شَكَّ في أنَّهُ لا يُقَصِّرُ في حَقِّ نَفْسِهِ في سَعْيِ الكِتابَةِ، فَبَنى الشَّرْعُ عَلى الغالِبِ ونَظِيرُهُ أنَّ الشَّرْعَ أوْجَبَ الطَّهارَةَ (p-٣١٦)لِدُخُولِها في مَحاسِنِ الأخْلاقِ، وتَحْقِيقًا لِمَقْصُودِ النَّظافَةِ والوَضاءَةِ وإحْياءً لِمَراسِمِ العِبادَةِ، وعَلِمَ الشَّرْعُ أنَّ إيجابَها عِنْدَ تَغْيِيرِ الأكْوانِ يَجُرُّ حَرَجًا، فَوَضَعَ مَراسِمَ تَفِي بِالمَقْصُودِكَذَلِكَ هاهُنا. وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ لا وجْهَ لَهُ، فَإنَّ التَّرْغِيبَ فِيهِ لِيُزِيلَ عَنِ القُلُوبِ ما فِيها مِن مُنافاةِ قِياسِ الأُصُولِ، ولَوْ وجَبَتِ الكِتابَةُ لَوَجَبَتْ لِمَقْصُودِها، وهو العِتْقُ، كالطِّهارَةِ لَمّا وجَبَتْ وجَبَتْ لِلصَّلاةِ، والعِتْقُ لا يَجِبُ بِالإجْماعِ، ولا يَتَحَتَّمُ بِالِاتِّفاقِ. وقَوْلُهم إنَّها أوْجَبَتْ ذَرِيعَةً فَضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ. فَإنَّ السَّيِّدَ قادِرٌ عَلى اسْتِكْسابِ العَبْدِ دُونَ الكِتابَةِ، فَلَيْسَ يَتَجَدَّدُ لَهُ بِالكِتابَةِ حَقٌّ. وفِيهِ إزالَةُ مِلْكِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَحْصُلَ عَلى مُقابِلٍ لَهُ، فَهَذا تَمامُ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى نَفْسِ الوُجُوبِ. * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ الشّافِعِيُّ: ثُمَّ أُمِرَ مَن يُكاتِبُ بِالإيتاءِ، ولا يُتَصَوَّرُ هَذا الإيتاءُ إلّا مِن جِهَةِ حَطِّ شَيْءٍ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الزَّكاةِ فَإنَّ السَّيِّدَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُفَرِّقَ الزَّكاةَ إلى عَبْدِهِ إجْماعًا. ولا شَكَّ أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ لا يَقْتَضِي الحَطَّ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِإيتاءٍ لِلْمالِ، وإنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾، لا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مِلْكٍ تَجَدَّدَ بَعْدَ الكِتابَةِ، وصارَ مالًا مُسْتَحَقًّا لِلسَّيِّدِ، فَمِن هَذا الوَجْهِ حَسُنَ إطْلاقُ هَذا اللَّفْظِ عَلَيْهِ. (p-٣١٧)وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ في الرَّدِّ عَلى الشّافِعِيِّ: كَيْفَ تَكُونُ الكِتابَةُ نَدْبًا والإيتاءُ واجِبًا؟ وإذا تَبَرَّعَ بِهِ لَزِمَهُ أحْكامُهُ وتَوابِعُهُ والقَضايا المُتَعَلِّقَةُ بِهِ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ النِّكاحَ غَيْرُ واجِبٍ، وإذا نَكَحَ وجَبَ فِيهِ أحْكامٌ لَها، وإذا طَلَّقَ فَلَها المُتْعَةُ واجِبَةً عَلى الزَّوْجِ. ومِمّا ذُكِرَ أنَّ إطْلاقَ مالِ اللَّهِ تَعالى لا يَقْتَضِي إلّا الزَّكاةَ، ومالُ اللَّهِ تَعالى في عُرْفِ الشَّرْعِ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الزَّكاةُ، وما عَداهُ لا يُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى بِحُكْمِ الإطْلاقِ، وقَدْ قَسَّمَ اللَّهُ تَعالى الحُقُوقَ إلى ما يُضافُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإلى ما يُضافُ إلى الآدَمِيِّ، وإنْ كانَ الكُلُّ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى. والجَوابُ أنَّ هَذا لَمّا وجَبَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولِغَرَضِ الحُرِّيَّةِ، حَسُنَ أنْ يُقالَ: مالُ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ قُصِدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَحْصِيلُ ثَوابِهِ. ورُبَّما قالُوا: إنَّ السَّيِّدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى المُكاتَبِ مالًا، حَتّى يَصِحَّ أنْ يُقالَ في الحَطِّ، إنَّهُ مالٌ آتاهُ السَّيِّدُ، إنَّما كانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ، فَأمّا ما لَيْسَ مُسْتَحِقًّا لَهُ فَلا يُقالُ فِيهِ تَوَهَّمَ ما يَمْلِكُهُ ويَسْتَحِقُّهُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ دَيْنُ المُكاتَبِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ، فَمِن أيِّ وجْهٍ يُوصَفُ السَّيِّدُ بِأنَّهُ آتاهُ مالًا، وما آتاهُ شَيْئًا مَلَكَهُ، ولا شَيْئًا اسْتَحَقَّهُ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ، إذا كانَ المالُ يَنْساقُ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ آتاهُ مالَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَنْساقُ إلَيْهِ. وبِالجُمْلَةِ، قَوْلُهُ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾، مَجازٌ في الحَطِّ مِن وُجُوهٍ بَيِّنَةٍ وحَقِيقَةٍ في الزَّكاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهُمْ﴾، حَقِيقَةُ أنَّهُ خِطابٌ لِلسّادَةِ الَّذِينَ يُكاتِبُونَ، مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى وجْهٍ آخَرَ بِطَرِيقِ المَجازِ، فَلَمْ يُسَلَّمْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَحْمِلَيْنِ عَلى مَجازٍ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ، فَلا يَظْهَرُ مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ مِن حَيْثُ التَّعَلُّقُ بِالظّاهِرِ، ويَتَّجِهُ لِلشّافِعِيِّ أنْ يَقُولَ: إيتاءُ المُكاتَبِ (p-٣١٨)الصَّدَقاتِ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ [التوبة: ٦٠]، فَهَذا لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهُ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، تَشْهَدُ لَهُ أنَّ ما آتاهُ الواحِدُ مِنّا، يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهٍ إذا حَصَلَ عِنْدَ المُعْطى يَتَصَرَّفُ فِيهِ، ولَمْ يَحْصُلْ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ بَدَلًا يَسْتَحِقُّ الصِّفَةَ بِأنَّهُ مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاهُ إيّاهُ، ولَوْ كانَ الإيتاءُ واجِبًا، لَكانَ وُجُوبُهُ مُتَعَلِّقًا بِالعَبْدِ، ويَكُونُ العَبْدُ هو المُوجِبَ وهو المُسْقِطَ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ، لِأنَّهُ إذا كانَ العَبْدُ يُوجِبُهُ وهو بِعَيْنِهِ يُسْقِطُهُ، اسْتَحالَ وُجُوبُهُ، لِتَنافِي الإيجابِ والإسْقاطِ. وبِالجُمْلَةِ، ما صارَ مُسْتَحِقَّ الإسْقاطِ فَحُكْمُهُ أنْ يَسْقُطَ، ولا نَعْرِفُ في مَسائِلِ الشَّرْعِ مَسْألَةً أعْوَصَ عَلى أصْحابِ الشّافِعِيِّ مِن مَسْألَةِ الإيتاءِ، ولا مُعْتَمَدَ لَهم فِيها إلّا آثارُ الصَّحابَةِ، وهي مُعْتَمَدَةٌ قَوِيَّةٌ ذَكَرْناها في كِتابِ المُصَنَّفِ في الرِّواياتِ. واعْلَمْ أنَّ الكِتابَةَ مِنَ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّها عَلى الوَجْهِ الَّذِي ثَبَتَ في الشَّرِيعَةِ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً، فَحَلَّ ذَلِكَ مَحَلَّ الصَّلاةِ والصِّيامِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمِنهم مَن قالَ: يُعْقَلُ مِن ظاهِرِها التَّأْجِيلُ: إذا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيها لَمْ تَكُنْ كِتابَةً. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ لا يُعْقَلُ ذَلِكَ مِنَ الظّاهِرِ، وهَذا أظْهَرُ، فَإنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُكْتَبُ ولا تَأْجِيلَ فِيهِ، كَما قَدْ يُكْتَبُ وهُناكَ تَأْجِيلٌ، فالظّاهِرُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّها تَجُوزُ حالَّةً، وقَوْلُ مَن يَقُولُ لا تَجُوزُ إلّا مُؤَجَّلَةً أوْ مُنَجَّمَةً مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ، لِأنَّ الظّاهِرَ لا يَشْهَدُ بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ. (p-٣١٩)واخْتَلَفُوا في صُورَةِ الكِتابَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: يَكْفِي أنْ يُكاتِبَهُ عَلى دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ فَيُعْتَقُ بِالأداءِ في وقْتِهِ. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ لا بُدَّ أنْ يَقُولَ: فَإذا أدَّيْتَهُ إلَيَّ فَأنْتَ حُرٌّ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ العَقْدِ وبَيْنَ تَعْلِيقِ الحُرِّيَّةِ بِالصِّفَةِ، لِأنَّ عِنْدَهُ أنَّ العَقْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّيِّدِ لا يَصِحُّ، فَتَحْرِيرُهُ لَهُ تَعَلَّقَ بِصِفَةٍ تَصِحُّ، فَلا بُدَّ مِن ضَمِّ ذَلِكَ إلَيْهِ. ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ، لِأنّا لَوْ خَلَّيْنا العَقْلَ، لَكانَ يَبْطُلُ، لِأنَّهُ أزالَ مِلْكَهُ بِمَلْكِهِ، إذِ الَّذِي تَحَصَّلَ في يَدِهِ مِلْكٌ لِلْمَوْلى، لَكِنَّهُ بِعَقْدِ الكِتابَةِ جُعِلَ لِما يَحْتَوِي عَلَيْهِ حُكْمٌ مَخْصُوصٌ، لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ المِلْكِ، ولا وقَفَ عَلى الحَدِّ الَّذِي كانَ وهو رَقِيقٌ خالِصٌ. وأحْكامُ الكِتابَةِ مُبَيَّنَةٌ في مَسائِلِ الفِقْهِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ الآيَةَ. رُوِيَ عَنْ جابِرٍ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ يُكْرِهُها عَلى الزِّنا. والعِبْرَةُ بِمُطْلَقِ اللَّفْظِ، فَتَدُلُّ الآيَةُ بِمُطْلَقِها عَلى تَحْرِيمِ الإكْراهِ عَلى الزِّنا، وعَلى تَحْرِيمِ أخْذِ البَدَلِ، وهو المُرادُ بِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الإكْراهَ يَصِحُّ في الزِّنا فِيما يُحْصِنُها، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ فِيها، فَعَلى كُلِّ الأقاوِيلِ يَجُوزُ أنْ تُكْرَهَ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّها إذا أُكْرِهَتْ فَلا إثْمَ عَلَيْها، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآيَةَ. (p-٣٢٠)فَإنْ قِيلَ: فَإذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْها إثْمٌ لِمَكانِ الإكْراهِ، فَما الَّذِي يُغْفَرُ؟ فَجَوابُها أنْ يَقُولَ: لَمّا كانَ لَوْلا الإكْراهُ لَكانَ عَلَيْها إثْمٌ في ذَلِكَ، زالَ الإثْمُ لِمَكانِ الإكْراهِ، وبَيَّنَ أنَّ دُخُولَ الإكْراهِ فِيهِ هو الَّذِي أزالَ عِقابَهُ، ولِذَلِكَ ألْحَقَهُ بِبابِ ما يُغْفَرُ، وهَذا كَما قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في تَناوُلِ المَيْتَةِ بِلا إثْمٍ لِلْمُضْطَرِّ: ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾: إنَّما ذَكَرَ تَصْوِيرَ الإكْراهِ، لِأنَّ الإكْراهَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا مَعَ بَذْلِها نَفْسَها، فَذِكْرُ إرادَةِ التَّحَصُّنِ تَصْوِيرُ الإكْراهِ.

النور 24:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى عَلى غَيْرِهِ حَقًّا ودَعاهُ إلى الحاكِمِ، وجَبَتْ عَلَيْهِ إجابَتُهُ والمَسِيرُ مَعَهُ إلَيْهِ، وعَلى الحاكِمِ أنْ يَعِدَ بِهِ عَلَيْهِ.

النور 24:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا في الإماءِ، فَأمّا في العَبِيدِ فَلا، لِأنَّهُ ذُكِرَ بِلَفْظٍ مُذَكَّرٍ، بِناءً عَلى لَفْظِ المَمالِيكِ المُتَناوَلِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى العَبْدِ البالِغِ، اسْتَوى في وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ هَذِهِ الأوْقاتُ وغَيْرُها، مِن حَيْثُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَةِ سَيِّدِهِ وبَدَنِ سَيِّدَتِهِ، ولَوْ حُمِلَ عَلى ما دُونَ البُلُوغِ، حَصَلَتْ فائِدَتُهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾، إلّا أنَّهُ يُقالُ بَيْنَ اتِّفاقِ حالِ الفَرِيقَيْنِ في ذَلِكَ، ودَلَّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (p-٣٢١)﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] الآيَةَ. ذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقُولُ: ”لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ“، وذَلِكَ يُوافِقُ ما قُلْناهُ. ورُوِيَ أنَّ نَفَرًا سَألُوا ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، رَفِيقٌ بِالمُؤْمِنِينَ، يُحِبُّ السُّتْرَةَ، وكانَ النّاسُ لا سُتْرَةَ لِبُيُوتِهِمْ، فَرُبَّما دَخَلَ الخادِمُ أوِ اليَتِيمَةُ، والرَّجُلُ مَعَ أهْلِهِ في الخَلْوَةِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ العَوْراتِ. وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأوْقاتَ، لِأنَّها في الغالِبِ يَخْلُو فِيها المَرْءُ بِأهْلِهِ. ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾، فَنَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّها أوْقاتٌ تُكْشَفُ العَوْرَةُ فِيها وفي مِثْلِها لا يَجُوزُ لِمَن لَيْسَ بِبالِغٍ أنْ يَدْخُلَ ويَهْجُمَ. فَأمّا في سائِرِ الأوْقاتِ، فالعادَةُ أنْ يَكُونَ المَرْءُ مُسْتَتِرًا عادِلًا عَنِ التَّكَشُّفِ، فَجائِزٌ لِلْخَدَمِ والصِّغارِ أنْ يَدْخُلُوا بِلا إذْنٍ، لِأنَّهُ كالمُحْتاجِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَسْتَغْنِي عَنْهم في خِدْمَةِ الدّارِ، ولِذَلِكَ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾، كَما «قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الهِرَّةِ: ”إنَّها مِنَ الطَّوّافِينَ عَلَيْكم» “ لِما صَعُبَ التَّحَرُّزُ مِنها. ولَوْ جَرَتْ عادَةُ قَوْمٍ بِالتَّكَشُّفِ في غَيْرِها مِنَ الأوْقاتِ، فَذَلِكَ الوَقْتُ كَهَذِهِ الأوْقاتِ في مَنعِ مَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ مِنَ الدُّخُولِ بِلا إذْنٍ، ولَوْ جَرَتْ عادَةُ قَوْمٍ في الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ بِالتَّسَتُّرِ، فالأوْقاتُ الثَّلاثَةُ كَغَيْرِها.

النور 24:60

(p-٣٢٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ الآيَةَ. وعَنى بِهِ الكَبِيرَةَ السِّنِّ، وجَوَّزَ لَها أنْ تَضَعَ الرِّداءَ أوِ اللِّحافَ أوِ الخِمارَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِهِ الجِلْبابُ مِن فَوْقِ الخِمارِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ غَيْرُ مُجَوَّزٍ لَها أنْ تَكْشِفَ مِن بَدَنِها عَوْرَةً، لِأنَّهُ إنْ كانَ حالَةَ الخَلْوَةِ بِنَفْسِها فالعَجُوزُ والشّابَّةُ سَواءٌ، وإنْ كانَ بَيْنَ النّاسِ، فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلى الجِلْبابِ وما فَوْقَ الخِمارِ لا نَفْسَ الخِمارِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ الجِلْبابِ أنْ يَبْلُغَ مَعَ السِّتْرِ النِّهايَةَ، ومَعَ الخِمارِ قَدْ يَنْكَشِفُ مِن رُؤُوسِهِنَّ وأعْناقِهِنَّ بَعْضَ التَّكَشُّفِ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا التَّحَرُّزَ لَيْسَ وُجُوبُهُ عَلَيْهِنَّ كَوُجُوبِهِ عَلى الشّابّاتِ، لِأنَّهُ لَيْسَ في النَّظَرِ إلَيْهِنَّ مِن خَوْفِ الِافْتِتانِ كَما في النَّظَرِ إلى الشّابَّةِ، فَلِذَلِكَ قالَ في آخِرِهِ: ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ .

النور 24:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ الآيَةَ. رَوى إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا إذا خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وضَعُوا مَفاتِيحَهم مَعَ الأعْمى والأعْرَجِ وعِنْدَ الأقارِبِ، وكانُوا يَأْمُرُونَهم بِأنْ يَأْكُلُوا مِن بُيُوتِهِمْ إذا احْتاجُوا إلى ذَلِكَ، وكانُوا يَتَّقُونَ الأكْلَ خَشْيَةَ أنْ لا تَكُونَ أنْفُسُهم بِذَلِكَ طَيِّبَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. (p-٣٢٣)ورَوى أيْضًا أنَّهم كانُوا إذا اجْتَمَعُوا لِلْأكْلِ، عَزَلُوا الأعْمى والأعْرَجَ والمَرِيضَ كَراهَةَ أنْ يُصِيبُوا مِنَ الطَّعامِ ما يُصِيبُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وذَكَرَ الحَسَنُ أنَّ المُرادَ بِهِ رَفْعُ الحَرَجِ عَنِ الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ في بابِ الجِهادِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ الآيَةَ. كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَقَدْ كانَ أحَدُهم لا يَحْلِبُ ناقَةً إلّا أنْ يَجِدَ مَن يَشْرَبُ مِن لَبَنِها، ولا يَأْكُلَ في بَيْتِ أحَدٍ تَكَرُّمًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الأكْثَرُونَ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ رُخْصَةً في الأوَّلِ، وأباحَ تَعالى الأكْلَ مِن مالِ مَن ذَكَرَهُ، وأباحَ أنْ يَأْكُلُوا مِنَ البُيُوتِ الَّتِي مَفاتِيحُها في أيْدِيهِمْ، وبُيُوتِ أصْدِقائِهِمْ دُونَ إذْنٍ، حَضَرُوا أمْ غابُوا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِما ظَهَرَ في الشَّرْعِ، مِن أنَّهُ لا يَحِلُّ مالُ أحَدٍ إلّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنهُ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقَدْ كانَ في أزْواجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن كانَ لَهُنَّ الآباءُ والإخْوانُ، فَلَمّا عَمَّ بِالنَّهْيِ عُلِمَ بِهِ النَّسَخُ. فَإنْ قِيلَ: فَما الَّذِي يَلِيقُ بِالظّاهِرِ؟ فَجَوابُنا أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ: لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ، إلّا ما يَتَّصِلُ بِالأداءِ، لِأنَّهُ رُفِعَ الحَرَجُ والجُناحُ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا مَخْصُوصًا، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ الأمْرِ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن (p-٣٢٤)بُيُوتِكُمْ﴾، فَلَعَلَّ الأوْلى مِنَ الأقْوالِ أنَّهُ ورَدَ فِيمَن كانَ يَأْذَنُ ويَشِحُّ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ، وكانَ القَوْمُ يَتُوقُونَ لِبَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي رَوَيْناها، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ إباحَةَ ذَلِكَ إنْ كانَ وارِدًا مَعَ طِيبَةِ النَّفْسِ، لا وجْهَ لِلنَّسْخِ فِيهِ. فَإذا قِيلَ: فَإنْ كانَ كَذَلِكَ، فَلِمَ إذا خَصَّصَهم بِالذِّكْرِ، وعِنْدَ الإذْنِ وطِيبِ النَّفْسِ الكُلُّ سَواءٌ؟ فالجَوابُ أنَّهم خُصُّوا بِالذِّكْرِ، لِأنَّهم كانُوا يَتَقَدَّمُونَ عِنْدَ السَّفَرِ والغَزَواتِ إلى أقْرِبائِهِمْ، وإلى مَن خَلَّفُوهم مِنَ الزَّمْنى والعَرْجى والعُمْيانِ، أنَّ يَأْكُلُوا مِن مَنازِلِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عَلى هَذا السَّبَبِ. فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِالذِّكْرِفَأمّا حَمْلُهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَحِلُّ بِلا إذْنٍ فَبَعِيدٌ. ودَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ عَلى أُمُورٍ: مِنها أنَّهُ يَحِلُّ لِلْجَماعَةِ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى طَعامِها، وإنْ كانَ أكْلُها مِن ذَلِكَ الطَّعامِ يَتَفاضَلُ، وقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ أنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، مِن حَيْثُ إنَّهم لا يَسْتَوُونَ في قَدْرِ ما ظَهَرَ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ يَتَفاضَلُونَ في الأكْلِ، فَأباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ. ومِنها: أنَّ مُؤاكَلَةَ مَن يَقْصُرُ أكْلُهُ عَنْ أكْلِ الباقِينَ، لِأنَّ الأعْمى إذا لَمْ يُبْصِرْ، فَلا يُمْكِنُهُ أنْ يَأْكُلَ أكْلَ البَصِيرِ، فَأباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، وأباحَ انْفِرادَ المَرْءِ عَنِ الجَماعَةِ في الأكْلِ، ويَجُوزُ أنْ يُظَنَّ ذَلِكَ مُسْتَقْبَحًا في الشَّرْعِ كَما يَسْتَقْبِحُهُ أهْلُ المُرُوءَةِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ. (p-٣٢٥)حَمَلَهُ الحَسَنُ عَلى سَلامِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، لِما فِيهِ مِنَ البَرَكَةِ والدُّعاءِ التَّصالُحِ وتَآلُفِ القُلُوبِ. وذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ جَماعَةٍ، أنَّ المُرادَ بِهِ أنْ يُسَلِّمَ المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ غَيْرُهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، ومِنَ السُّنَّةِ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، وهَذا ألْيَقُ بِالظّاهِرِ. ولا خِلافَ في أنَّهُ لَوْ كانَ في الدّارِ غَيْرُهُ، صَرَفَ السَّلامَ إلَيْهِ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ تَخْصِيصٌ، وذَلِكَ يُقَوِّي قَوْلَ الحَسَنِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ السَّلامَ بِالشَّرْعِ صارَ كالمُخاطَبَةِ. وقالَ الفُقَهاءُ في تَسْلِيمِ الرَّجُلِ في الصَّلاةِ: أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَنْوِيَ مَن خَلْفَهُ إنْ كانَ إمامًا أوْ يَنْوِيَ المَلائِكَةَ أوِ الحَفَظَةَ، ومَعْلُومٌ أنَّ المَرْءَ قَبْلَ دُخُولِ البَيْتِ هو مَندُوبٌ إلى أنْ يُسَلِّمَ عَلى نَفْسِهِ فَيَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، لِأنَّهُ كالدُّعاءِ، مِمّا يُجْرى فِيهِ الخِطابُ.

النور 24:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ- ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنَ الإيمانِ أنْ يَسْتَأْذِنُوا الرَّسُولَ في الِانْصِرافِ عَنْهُ في كُلِّ أمْرٍ يَجْتَمِعُونَ مَعَهُ فِيهِ، وقَدْ رَوى مُجاهِدٌ، أنَّ المُرادَ بِهِ الجُمْعَةَ والغَزْوَ. وقالَ الحَسَنُ: الجُمْعَةُ والأعْيادُ وكُلُّ ما فِيهِ خُطْبَةٌ. ثُمَّ خَيَّرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ في اخْتِيارِ مَن يَغْزُو مَعَهُ، وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي يَنْعَتُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَهُ أنْ يَتَخَلَّفَ ويُحِيلَ عَلى غَيْرِهِ. والَّذِي يَشْهَدُ بِهِ الظّاهِرُ أنَّ كُلَّ أمْرٍ جامِعٍ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ غَرَضٌ، فَلَيْسَ لَهم أنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ ما دامَ الغَرَضُ قائِمًا، ويَدْخُلُ فِيهِ (p-٣٢٦)الغَزْوُ والجَماعاتُ، ولَكِنَّ هَذا الأمْرَ هو أخَصُّ بِالغَزْوِ، فَإنَّهم قَدْ كانُوا يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ مِن غَيْرِ إذْنِهِ، فَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ في الغَرَضِ المَطْلُوبِ، فَمَنَعَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ الأمْرَ في انْصِرافِهِ مَوْقُوفٌ عَلى إذْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾، عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهم أنْ يَسْتَأْذِنُوا، إلّا إذا عَرَضَتْ لَهم حاجَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهم حاجَةٌ، فَمُلازَمَةُ الرَّسُولِ أوْلى. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى ما يَلْزَمُ مِن أدَبِ الدِّينِ، وأدَبِ النَّفْسِ، فَمِن هَذا الوَجْهِ قالَ الحَسَنُ: لا فَرْقَ بَيْنَ الرَّسُولِ والإمامِ فِيما يَلْزَمُهم مِن ذَلِكَ، ولا يَمْنَعُ مِن حَيْثُ تَضَمَّنَ هَذا الظّاهِرُ أدَبَ النَّفْسِ أنْ يَكُونَ الأوْلى بِالمُرادِ: إذا اجْتَمَعَ جَمْعٌ لِخَيْرِ أنْ لا يَتَفَرَّقَ عَنْهم إلّا بِإذْنٍ، لِما في تَفْرِقَتِهِ مِنِ اخْتِلالِ ذَلِكَ الأمْرِ المَطْلُوبِ، والِاجْتِماعُ عَلَيْهِ أقْرَبُ إلى التَّعاوُنِ عَلى التَّقْوى.وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ إلّا لِمَن تَكامَلَ إيمانُهُ، لِأنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ تَقَدَّمَ فِيما ذَكَرْناهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ مَن أُذِنَ لَهُ في مُفارَقَةِ الجِهادِ لِبَعْضِ شَأْنِهِ، يَكُونُ في الظّاهِرِ مُقَصِّرًا أوْ مُتَأخِّرًا في الفَضْلِ عَنْ غَيْرِهِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، لِيَكُونَ اسْتِغْفارُهُ جَبْرًا لِهَذا النَّقْصِ، فَلا يَنْكَسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ قَلْبُ هَذا المُتَأخِّرِ عَنِ الجَمْعِ.

النور 24:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ الآيَةَ. فالمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: (p-٣٢٧)يا مُحَمَّدُ، يا أبا القاسِمِ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وقالَ: قُولُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، يا رَسُولَ اللَّهِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ، وحَمَلَهُ مُجاهِدٌ عَلى خَفْضِ الصَّوْتِ والتَّواضُعِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٣] .* * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ الآيَةَ: أرادَ بِهِ ذِكْرَ ما تَقَدَّمَ مِن تَسَلُّلِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ امْتِثالِ مُطْلَقِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما بَيَّناهُ في أُصُولِ الفِقْهِ.

الفرقان 25:48

(p-٣٢٨)(p-٣٢٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفُرْقانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ الآيَةَ. قالَ قائِلُونَ: وصْفُ الماءِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، يُفِيدُ أنَّهُ يَصْلُحُ لِلتَّطْهِيرِ، وأنَّهُ يَقَعُ بِهِ هَذا الحُكْمُ، كَقَوْلِهِمْ فُطُورُ وسُحُورٌ إذا صَلُحَ لِذَلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في التَّطْهِيرِ، والمَعْنى بَيِّنٌ. ولا اخْتِلافَ أنَّ لِلْماءِ هَذا الحُكْمَ، إذا كانَ عَلى خِلْقَتِهِ وهو يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَما دامَ عَلى نَعْتِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ وفي قَرارِ الأرْضِ، فَهو طَهُورٌ ومُطْلَقٌ. وإذا خالَفَهُ غَيْرُهُ، انْقَسَمَ المَخالِطُ أقْسامًا: فَمِنهُ ما يَكُونُ نَجِسًا، ومِنهُ ما يَكُونُ طاهِرًا. وإذا كانَ المُخالِطُ نَجِسًا، فَمالِكٌ لا يَحْكُمُ بِنَجاسَةِ الماءِ، ويُبْقِيهِ عَلى حُكْمِ وصْفِهِ الأصْلِيِّ. وأبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: ما دامَ يُتَوَهَّمُ خُلُوصُ النَّجاسَةِ إلى الماءِ الَّذِي يَغْتَرِفُ مِنهُ، فَلا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ. (p-٣٣٠)والشّافِعِيُّ يَقُولُ: يُعَوَّلُ عَلى القُلَّتَيْنِ، وبَعْدَ ذَلِكَ لا يُؤْخَذُ مِنَ الظّاهِرِ، وإنَّما يُؤْخَذُ مِنَ المَعْنىوَبَعْضُهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الظّاهِرِ. والماءُ المُسْتَعْمَلُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ العُلَماءِ، فالظّاهِرُ يَقْتَضِي جَوازَ التَّوَضُّؤِ بِهِ، والقَلِيلُ مِنَ النَّجاسَةِ لا يَمْنَعُ مِن إطْلاقِ اسْمِ الماءِ عَلَيْهِ لُغَةً، ولَكِنَّ امْتِناعَ التَّوَضُّؤِ بِهِ لِدَلِيلٍ آخَرَ. ومَتى قِيلَ: فالماءُ إذا جُعِلَ طَهُورًا، فَهو يُطَهِّرُ ماذا؟ قِيلَ: إنَّهُ يُطَهِّرُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: طَهارَةُ الأحْداثِ. والثّانِيَةُ: الجُنُبُ. فَأمّا طَهارَةُ الحَدَثِ، فَصَرَيانُ غُسْلٍ ووُضُوءٍ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَبَبٌ، فَسَبَبُ الغُسْلِ الجَنابَةُ والحَيْضُ والنِّفاسُ، ويَتْبَعُ الجَنابَةَ التِقاءُ الخِتانَيْنِ وإنْ لَمْ يُنْزِلْ. وأسْبابُ الوُضُوءِ مُسْتَقْصاةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ مَعَ ما فِيها مِنِ اخْتِلافِ العُلَماءِ. واخْتَلَفَ النّاسُ في الماءِ، هَلْ خُصَّ بِالتَّطْهِيرِ في الأنْجاسِ كُلِّها؟ فَمِنهم مَن قالَ ذَلِكَ. ومِنهم مَن قالَ غَيْرَ قَوْلِهِوَشُرِحَ ذَلِكَ في كُتُبِ الفِقْهِ. والَّذِي يُجَوِّزُ إزالَةَ النَّجاسَةِ بِغَيْرِ الماءِ، لَيْسَ يُجَوِّزُهُ بِطَرِيقِ القِياسِ عَلى الماءِ فَقَطْ، فَإنَّ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يُقالَ إنَّ التَّعَبُّدَ بِإزالَةِ النَّجاسَةِ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ (p-٣٣١)نَجاسَةٌ زالَ مَحَلُّ التَّعَبُّدِ، ولِأجْلِ ذَلِكَ صارَ داوُدُ مَعَ نَفْيِ القِياسِ إلى إزالَةِ النَّجاسَةِ بِغَيْرِ الماءِ، لا قِياسًا لِغَيْرٍ عَلى الماءِ، لَكِنْ لِزَوالِ مَحَلِّ التَّعَبُّدِ، فَهَذا تَمامُ هَذا الفَنِّ.

الفرقان 25:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ الماءَ سَبَبَ الِاجْتِماعِ والتَّآلُفِ والرِّضاعِ والخُقُونَةِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى المُحَرَّماتِ بِالسَّبَبِ والنَّسَبِ، وأنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَوَلَّدَ مِنَ الماءِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ تَثْبُتُ بِطَرِيقِ الكَرامَةِ لا بِطَرِيقِ النِّقْمَةِ والعُقُوبَةِ، ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ: لا يَتَعَلَّقُ بِالزِّنا وتَحْرِيمِ المُصاهَرَةِ.

الشعراء 26:84

(p-٣٣٢)(p-٣٣٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشُّعَراءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ الآيَةَ. فَنَبَّهَ عَلى اسْتِحْبابِ اكْتِسابِ ما يُورِثُ الذِّكْرَ الجَمِيلَ.

الشعراء 26:224

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ في حَقِّ الشُّعَراءِ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى كَراهَةِ اللَّهَجِ بِالشِّعْرِ في مَدْحٍ أوْ قَدْحٍ، مِن غَيْرِ أنْ يُحَقِّقَ مَعْناهُ لِاكْتِسابِ مالٍ.

القصص 28:27

(p-٣٣٤)(p-٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَصَصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ جَعْلِ مَنافِعِ الحُرِّ صَداقًا شَرْعًا.

القصص 28:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ - إلى قَوْلِهِ- ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. هُوَ سَلامُ مُتارَكَةٍ، ولَيْسَ بِتَحِيَّةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] . قالَ إبْراهِيمُ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] . (p-٣٣٦)ومِنَ النّاسِ مَنِ اقْتَبَسَ مِنهُ جَوازَ مُفاتَحَةِ الكَفّارِ بِالسَّلامِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، لِما وصَفْنا مِن أنَّ السَّلامَ يَتَصَرَّفُ إلى مَعْنَيَيْنِ. والمُرادُ بِهِ هاهُنا، مَعْنى المُتارَكَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في الكُفّارِ: «لا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ، فَإنْ بَدَءُوكم فابْدَءُوهُمْ، وأنَّهُ إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ كِتابٍ فَقُولُوا: وعَلَيْكم».

العنكبوت 29:8

(p-٣٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ العَنْكَبُوتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ الآيَةَ. قَدْ ذَكَرْنا مِن قَبْلُ ما يَتَعَلَّقُ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ.

العنكبوت 29:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾: الآيَةَ. رَوى ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الصَّلاةُ لا تَنْفَعُ إلّا مَن أطاعَها. وإنَّما قِيلَ: تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، لِاشْتِمالِها عَلى أفْعالٍ وأذْكارٍ لا يَتَخَلَّلُها شَيْءٌ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، ولا فَرْضَ هو بِهَذِهِ المَنزِلَةِ، فَهي تَنْهى عَنِ المُنْكَرِ وتَدْعُو إلى المَعْرُوفِ، بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ مُقْتَضاها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ الآيَةَ. قالَ مُجاهِدٌ: لَذِكْرُ اللَّهِ لَكم بِرَحْمَتِهِ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم لَهُ بِطاعَتِهِ.

العنكبوت 29:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ الآيَةَ. (p-٣٣٨)قالَ قَتادَةُ: نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ: يَعْنِي إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوكم في جِدالِهِمْ أوْ غَيْرِهِ مِمّا يَقْتَضِي الإغْلاظَ لَهُمْ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] . وقالَ مُجاهِدٌ: إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم: مانِعِي الجِزْيَةِ. وقِيلَ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم: بِالثَّباتِ عَلى كُفْرِهِمْ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ.

الروم 30:39

(p-٣٣٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الرُّومِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾: الآيَةَ. فِي مَعْناهُ: أنْ تَهَبَ الشَّيْءَ تُرِيدُ أنْ تُثابَ عَلَيْهِ بِما هو أفْضَلُ مِنهُ، فَذَلِكَ الَّذِي لا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْجَرُ صاحِبُهُ عَلَيْهِ ولا إثْمَ فِيهِ. ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾، وهو الرَّجُلُ يُعْطِي لِيُثابَ عَلَيْهِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ . الرِّبا رِبَوانِ: رِبًا حَلالٌ ورِبًا حَرامٌ، فَأمّا الرِّبا الحَلالُ: فَهو أنْ تَهْدِيَ هَدِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها ما هو خَيْرٌ مِنها. ورَوى زَكَرِيّا عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٤٠)﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾، قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُسافِرُ مَعَ الرَّجُلِ، فَيَجْعَلُ لَهُ مِن رِبْحِ مالِهِ لِيَتَّجِرَ لَهُ بِذَلِكَ. وعَنِ الضَّحّاكِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الرِّبا الحَلالَ كالرَّجُلِ، يَهْدِي لِيُثابَ بِأفْضَلَ مِنهُ، فَذَلِكَ لا لَهُ ولا عَلَيْهِ، لَيْسَ فِيهِ أجْرٌ ولا عَلَيْهِ فِيهِ إثْمٌ. ورَوى مَنصُورٌ عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، قالَ: لا تُعْطِ لِتَزْدادَ.

لقمان 31:14

(p-٣٤١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ لُقْمانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ الآيَةَ. وفِي آيَةٍ أُخْرى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] . فَنَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ أنَّ الحَمْلَ أقَلُّهُ سِتَّةُ أشْهُرٍ. فاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى مُدَّةِ الحَمْلِ، واتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ، واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] الآيَةَ، مِنَ النّاسِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّبْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] الآيَةَ، نَهْيٌ عَنِ التَّكَبُّرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ الآيَةَ. بَيَّنّاهُ في مَواضِعَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] الآيَةَ. مِثْلُ (p-٣٤٢)قَوْلِهِ: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] . إلّا أنَّ دَلالَةَ هَذا عَلى الإجْماعِ أبْعَدُ لِأنَّ وصِيَّةَ لُقْمانَ لِابْنِهِ لا تَقْتَضِي الِاحْتِجاجَ بِالإجْماعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الغِناءُ، واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو يُرَدِّدُها ثَلاثًا، ومِثْلُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وزادَ فِيهِ: هو الغِناءُ والِاسْتِماعُ إلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الكُفْرُ والشِّرْكُ، وأنَّهم يُضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وتَأوَّلَهُ قَوْمٌ عَلى الأحادِيثِ الَّتِي يَتَلَهّى بِها أهْلُ الباطِلِ واللَّعِبُ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنِيَّ بِذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، الَّذِي قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ يَشْتَرِي كُتُبًا فِيها أحادِيثُ الفُرْسِ، فَكانَ يَتَلَهّى بِها في مَجالِسِهِمْ ويَجْعَلُها كالمُعارِضَةِ لِلْقُرْآنِ. وهَذِهِ الأقْوالُ ألْيَقُ بِالظّاهِرِ، لِأنَّ الغِناءَ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِأنَّهُ حَدِيثٌ ولا إضْلالٌ، وإنَّما يُطْلَقُ ذَلِكَ عَلى الأحادِيثِ الكاذِبَةِ الجارِيَةِ مَجْرى القَدْحِ في القُرْآنِ، عَلى ما رُوِيَ فِيما كانَ يَتَعاطاهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإقْدامَ عَلى كُلِّ قَوْمٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ لا يَحْسُنُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَبَّحَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ كانَ إقْدامًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.