Lafzullah

أحكام القرآن — الأحزاب 33:4 – الفلق 113:5

المؤلف / المصدر: إلكيا الهراسي

المحتويات
  1. الأحزاب 33:4
  2. الأحزاب 33:5
  3. الأحزاب 33:6
  4. الأحزاب 33:21
  5. الأحزاب 33:28
  6. الأحزاب 33:30
  7. الأحزاب 33:32
  8. الأحزاب 33:33
  9. الأحزاب 33:36
  10. الأحزاب 33:37
  11. الأحزاب 33:42
  12. الأحزاب 33:49
  13. الأحزاب 33:50
  14. الأحزاب 33:51
  15. الأحزاب 33:52
  16. الأحزاب 33:53
  17. الأحزاب 33:55
  18. الأحزاب 33:59
  19. الأحزاب 33:60
  20. سبأ 34:13
  21. فاطر 35:12
  22. فاطر 35:37
  23. يس 36:78
  24. الصافات 37:102
  25. الصافات 37:141
  26. ص 38:18
  27. ص 38:21
  28. ص 38:24
  29. ص 38:26
  30. ص 38:44
  31. فصلت 41:34
  32. فصلت 41:44
  33. الشورى 42:20
  34. الشورى 42:23
  35. الشورى 42:39
  36. الزخرف 43:18
  37. الزخرف 43:22
  38. الزخرف 43:86
  39. الجاثية 45:14
  40. الأحقاف 46:4
  41. محمد 47:4
  42. محمد 47:33
  43. محمد 47:35
  44. الفتح 48:16
  45. الفتح 48:25
  46. الحجرات 49:1
  47. الحجرات 49:6
  48. الحجرات 49:9
  49. الحجرات 49:10
  50. الحجرات 49:11
  51. الحجرات 49:12
  52. ق 50:39
  53. ق 50:40
  54. الذاريات 51:17
  55. الذاريات 51:18
  56. الذاريات 51:19
  57. الطور 52:48
  58. النجم 53:3
  59. النجم 53:32
  60. النجم 53:38
  61. القمر 54:28
  62. الرحمن 55:68
  63. الواقعة 56:77
  64. الحديد 57:10
  65. المجادلة 58:1
  66. المجادلة 58:2
  67. المجادلة 58:3
  68. الحشر 59:2
  69. الحشر 59:5
  70. الحشر 59:6
  71. الحشر 59:9
  72. الممتحنة 60:1
  73. الممتحنة 60:8
  74. الممتحنة 60:10
  75. الممتحنة 60:12
  76. الصف 61:2
  77. الجمعة 62:9
  78. الجمعة 62:10
  79. الجمعة 62:11
  80. المنافقون 63:1
  81. المنافقون 63:10
  82. الطلاق 65:1
  83. الطلاق 65:2
  84. الطلاق 65:4
  85. الطلاق 65:6
  86. الطلاق 65:7
  87. التحريم 66:1
  88. التحريم 66:6
  89. التحريم 66:9
  90. المزمل 73:2
  91. المزمل 73:20
  92. المدثر 74:4
  93. المدثر 74:6
  94. القيامة 75:14
  95. الإنسان 76:8
  96. المرسلات 77:25
  97. الانشقاق 84:16
  98. الانشقاق 84:21
  99. الأعلى 87:14
  100. الضحى 93:9
  101. الشرح 94:7
  102. القدر 97:3
  103. البينة 98:5
  104. الماعون 107:5
  105. الكوثر 108:2
  106. النصر 110:3
  107. الفلق 113:4
  108. الفلق 113:5

الأحزاب 33:4

(p-٣٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأحْزابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ الآيَةَ: أبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّها لا تَصِيرُ أُمَّهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وألْزَمَهُ تَحْرِيمًا غايَتُهُ الكَفّارَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وكانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ تَبَنّاهُ، فَكانَ يُقالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى نَسْخِ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ، لِأنَّ الحُكْمَ الأوَّلَ ثابِتٌ بِغَيْرِ القُرْآنِ ونَسَخَهُ بِالقُرْآنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ الآيَةَ. يَعْنِي أنَّهُ لا حُكْمَ لَهُ، وإنَّما هو قَوْلٌ لا مَعْنى لَهُ ولا حَقِيقَةَ.

الأحزاب 33:5

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ الآيَةَ. فِيهِ إباحَةُ إطْلاقِ الأُخُوَّةِ، وحَظْرُ إطْلاقِ اسْمِ الأُبُوَّةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ النَّسَبِ. (p-٣٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ: قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ أنَّكَ لَوْ دَعَيْتَ رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ، وأنْتَ تَرى أنَّهُ أبُوهُ، لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ. وسَمِعَ عُمَرُ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطايايَ، فَقالَ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ في العَمْدِ، فَأمّا في الخَطَأِ فَقَدْ تَجَوَّزَ عَنْكَ. وكانَ يَقُولُ: ما أخافُ عَلَيْكُمُ الخَطَأ، وإنَّما أخافُ عَلَيْكُمُ العَمْدَ.

الأحزاب 33:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ. مَعْناهُ ما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنا أوْلى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن نَفْسِهِ، وأيُّما رَجُلٍ ماتَ وتَرَكَ دَيْنًا فَإلَيَّ، وإنْ تَرَكَ مالًا فَهو لِوَرَثَتِهِ». وقِيلَ في مَعْنى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾، أنَّهُ أحَقُّ أنْ يَخْتارَ ما دَعاهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ مِن غَيْرِهِ، وما تَدْعُوهُ أنْفُسُهم إلَيْهِ، وهو أحَقُّ بِأنْ يَحْكُمَ عَلى الإنْسانِ في نَفْسِهِ، لِوُجُوبِ طاعَتِهِ المَقْرُونَةِ بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ الآيَةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، والثّانِي: في تَحْرِيمِهِ نِكاحَهُنَّ. ولَيْسَ لِأنَّهُنَّ كالأُمَّهاتِ في القَضايا كُلِّها، ولا يُجْعَلْنَ أخَواتٍ لِلنِّساءِ، ولا إرْثَ لَهُنَّ مَنًّا ولا مَحْرَمِيَّةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ الآيَةَ. (p-٣٤٥)أُنْزِلَتْ في جَوازِ وصِيَّةِ المُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ. وعَنِ الحَسَنِ قالَ: أنْ تَصِلُوا أرْحامَكم.

الأحزاب 33:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ. يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُ النّاسِ في وُجُوبِ التَّأسِّي بِأفْعالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

الأحزاب 33:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ الآيَةَ. ظاهِرُ الآيَةِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ واللَّهِ ورَسُولِهِ، ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الطَّلاقِ. وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ التَّخْيِيرِ لِلطَّلاقِ عَلى شَرائِطِهِ، ولِذَلِكَ «قالَتْ عائِشَةُ لَمّا سُئِلَتْ عَنِ الرَّجُلِ يُخَيِّرُ امْرَأتَهُ قالَتْ: خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ وكانَ طَلاقًا. وفِي بَعْضِ الأخْبارِ: ما خَيَّرْناهُ فَلَمْ يَعُدْ طَلاقًا». ولَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا التَّخْيِيرُ المَأْمُورُ بِهِ، وقَدْ «قالَ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنا ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، فَقالَتْ: إنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ». ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَرِدِ الِاسْتِئْمارُ في اخْتِيارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِئْمارَ إنَّما وقَعَ في الفُرْقَةِ وفي النِّكاحِ. واعْلَمْ أنَّ اخْتِيارَهُنَّ لِلدُّنْيا وزِينَتِها وإرادَتَهُنَّ الطَّلاقَ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَرِيحًا في الطَّلاقِ، ولا كِنايَةَ، وإنَّما ذَلِكَ إرادَةُ المُفارَقَةِ، فَكانَ القِياسُ أنَّ الزَّوْجَ يُطَلِّقُها إنْ شاءَ، غَيْرَ أنَّ الطَّلاقَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا واجِبًا، (p-٣٤٦)إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا واجِبًا ما كانَ لِلتَّخَيُّرِ مَعْنًى، فَإذا تَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ طَرِيقُ خَلاصِهِنَّ، فَوُجُوبُ الفِراقِ لا مَحالَةَ يُقْتَضى بِتَخْيِيرِهِ، فَإنَّ النِّكاحَ صارَ مُسْتَحَقَّ الرَّفْعِ وهَذا بَيِّنٌ.

الأحزاب 33:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآيَةَ. فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّ تَضْعِيفَ عَذابِهِنَّ لِتَضاعُفِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] الآيَةَ. وهَذا لا نَقْطَعُ بِهِ، فَإنَّ مُصاحَبَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ سَبَبًا في تَخْفِيفِ العُقُوبَةِ عَنْهُنَّ والتَّجاوُزِ عَنْ سَيِّئاتِهِنَّ، فالحَقُّ هو الوَجْهُ الثّانِي، وهو عِظَمُ الضَّرَرِ في جُرْأتِهِنَّ بِإيذاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَتِ العُقُوبَةُ عَلى قَدْرِ عِظَمِ الجَرِيمَةِ في إيذاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] .

الأحزاب 33:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ﴾ الآيَةَ. يُرِيدُ تَلْيِينًا لِلْقَوْلِ يُطْمِعُ أهْلَ الرَّيْبِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأحْسَنَ بِالمَرْأةِ أنْ لا تَرْفَعَ صَوْتَها بِحَيْثُ يَسْمَعُها الرِّجالُ.

الأحزاب 33:33

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ الآيَةَ. (p-٣٤٧)قِيلَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: لِمَ لا تَخْرُجِينَ كَما تَخْرُجُ أخَواتُكِ؟ فَقالَتْ: واللَّهِ لَقَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ، ثُمَّ أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى أنْ أقَرَّ في بَيْتِي، فَواللَّهِ ما أخْرُجُ مِن بَيْتِي، فَما خَرَجَتْ حَتّى أخْرَجُوا جِنازَتَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ الآيَةَ. أيِ المَشْيُ عَلى تَكَسُّرٍ وتَغَنُّجِ وإظْهارِ المَحاسِنِ لِلرِّجالِ.

الأحزاب 33:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ الآيَةَ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أوامِرَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلى الوُجُوبِ. وقالَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ ما تَقَدَّمَ.

الأحزاب 33:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الآيَةَ. دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أحْكامٍ عِدَّةٍ مِنها: الإبانَةُ عَنْ عِلَّةِ الحُكْمِ في إباحَةِ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ ذَلِكَ قَدِ اقْتَضى إباحَتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى إثْباتِ القِياسِ في الأحْكامِ، واعْتِبارِ المَعانِي في إيجابِها. والثّانِي: أنَّ النُّبُوَّةَ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا تَمْنَعُ جَوازَ النِّكاحِ. والثّالِثُ: أنَّ الأُمَّةَ مُساوِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحُكْمِ، إلّا ما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى، أخْبَرَ أنَّهُ أجازَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ لِيَكُونَ المُؤْمِنُونَ مُساوِينَ لَهُ فِيهِ.

الأحزاب 33:42

(p-٣٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ الآيَةَ: يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ والعَصْرِ.

الأحزاب 33:49

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآيَةَ: يَدُلُّ عَلى أنْ لا طَلاقَ قَبْلَ النِّكاحِ، فَإنَّهُ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ ثُمَّ.

الأحزاب 33:50

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى إباحَةِ الأزْواجِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُطْلَقًا، وتَخْصِيصُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلا مَهْرٍ أوْ بِلَفْظِ الهِبَةِ، إلّا أنَّ التَّعَرِّيَ عَنِ المَهْرِ أظْهَرُ مِن لَفْظِ الهِبَةِ، لِأنَّهُ فُسُوقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، وذَلِكَ المَهْرُ، ثُمَّ قالَ: ﴿اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ .

الأحزاب 33:51

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو رَزِينٍ: في هَذِهِ الآيَةِ المُرْجِئاتُ: مَيْمُونَةُ، وصَفِيَّةُ وسَوْدَةُ، وجُوَيْرِيَّةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ. وكانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ وزَيْنَبُ سَواءٌ في القَسْمِ. وكانَ ﷺ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ. وقَدْ قِيلَ: ما أرْجَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واحِدَةً مِنهُنَّ، ولَكِنْ وهَبَ نِسْوَةً مِنهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِصَصَهُنَّ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَخْيِيرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إرْجاءِ مَن شاءَ مِنهُنَّ وإيواءِ مَن شاءَ مِنهُنَّ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَخْتارَ إيواءَ الجَمِيعِ إلّا سَوْدَةَ، فَإنَّها رَضِيَتْ بِأنْ تَجْعَلَ يَوْمَها لِعائِشَةَ. (p-٣٤٩)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ. يَعْنِي إيواءَ مَن أرْجَأ مِنهُنَّ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَسْمَ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ كانَ مُخَيَّرًا في القَسْمِ لِمَن شاءَ مِنهُنَّ وتَرْكِ مَن شاءَ.

الأحزاب 33:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ الآيَةَ. قالَ مُجاهِدٌ، مِن بَعْدِ ما سَمّى لَهُ مِن مُسْلِمَةٍ ولا يَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ ولا كافِرَةٍ. وقالَ ناسٌ: لَهُ أنْ يَشْتَرِيَ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ . ولا شَكَّ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ سائِرِ النِّساءِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سِوى مَن كُنَّ عِنْدَهُ حَتّى حَلَّ لَهُ النِّساءُ، وهَذا يُوجِبُ نَسْخَ الآيَةِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يُوجِبُ نَسْخَها فَهي مَنسُوخَةٌ بِالسُّنَّةِوَيُحْتَجُّ بِهِ عَلى جَوازِ نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ.

الأحزاب 33:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ﴾ الآيَةَ: كانَ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ الحِجابِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ .

الأحزاب 33:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ﴾ الآيَةَ: فِيهِ بَيانُ زَوالِ حُكْمِ الحِجابِ في حَقِّ ذَوِي الأرْحامِ، وعَنى بِما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ الإماءَ.

الأحزاب 33:59

(p-٣٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ الآيَةَ: الجِلْبابُ: الرِّداءُ، فَأمَرَهُنَّ بِتَغْطِيَةِ وُجُوهِهِنَّ ورُؤُوسِهِنَّ، ولَمْ يُوجِبْ عَلى الإماءِ ذَلِكَ.

الأحزاب 33:60

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ الإيذاءِ بِالإرْجافِ.

سبأ 34:13

(p-٣٥١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ سَبَأٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ الآيَةَ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ثَلاثٌ مَن أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ أهْلُ داوُدَ، قِيلَ: وما هُنَّ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: العَدْلُ في الغَضَبِ والرِّضا، والقَصْدُ في الغِنا والفَقْرِ، وخَشْيَةُ اللَّهِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ». قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى جَوازِ اتِّخاذِ الصُّوَرِ في ذَلِكَ، وأنَّهُ نُسِخَ في دِينِنا.

فاطر 35:12

(p-٣٥٢)(p-٣٥٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ فاطِرٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ لا يَلْبَسُ الحُلِيَّ، حَنِثَ بِلُبْسِ اللُّؤْلُؤِ.

فاطر 35:37

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ الآيَةَ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو النَّبِيُّ ﷺ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدَّلائِلُ عَلى التَّوْحِيدِ، وصِفاتُ اللَّهِ تَعالى وصِدْقُ الرُّسُلِ.

يس 36:78

(p-٣٥٤)(p-٣٥٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ يس قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِعْمالِ القِياسِ والِاعْتِبارِ والتَّعَلُّقِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَإنَّ الِابْتِداءَ أصْعَبُ مِنَ الإعادَةِ، والإعادَةَ أيْسَرُ مِنَ الِابْتِداءِ، والقادِرَ عَلى الأعْظَمِ قادِرٌ عَلى الأهْوَنِ الأدْوَنِ لا مَحالَةَ. فاسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ العِظامَ فِيها حَياةٌ، وقَدْ بَيَّنّا ضَعْفَ ذَلِكَ في الفِقْهِ، وبَيَّنا أنَّ الحَياةَ تُطْلَقُ بِمَعْنى حَياةِ النُّمُوِّ وذَلِكَ حَقِيقَةً في العَظْمِ والشَّعْرِ، والأُخْرى الحِسُّ ولا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ في العِظامِ.

الصافات 37:102

(p-٣٥٦)(p-٣٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الصّافّاتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ الآيَةَ، ظاهِرُهُ أنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِذَبْحِ الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ في المَأْمُورِ بِهِ سِوى التَّلِّ لِلْجَبِينِ، ولَكِنْ ظَنَّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يَتَعَقَّبَهُ الأمْرُ بِالذَّبْحِ فَقالَ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ . أيْ ما يَدُلُّ عَلى أنِّي أذْبَحُكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أمَرَ بِذَبْحِهِ حَقِيقَةً، ولَكِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ، فَلا يَصِحُّ نَسْخُهُ عِنْدَ مَن لا يُجَوِّزُ النَّسْخَ، قَبْلَ إمْكانِ الأمْرِ، لِأنَّ الذَّبْحَ مَتى كانَ حَسَنًا في وقْتٍ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَصِيرَ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَبِيحًا عِنْدَهُمْ، فَيَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ عِنْدَ ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ ذَبَحَ ولَكِنَّهُ كانَ يَلْتَئِمُ ويَبْرَأُ، وهَذا أبْعَدُ الِاحْتِمالاتِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ جَرى ذَلِكَ، لَكانَ قَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لِرُتْبَةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِما، وكانَ أوْلى بِالشَّأْنِ مِن هَذا، ولَوْ حَصَلَ الفَراغُ مِنِ امْتِثالِ الأمْرِ الأوَّلِ ما تَحَقَّقَ الفِداءُ. (p-٣٥٨)إذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدِ احْتَجَّ قَوْمٌ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَصِيرِهِمْ، إلى مَن نَذَرَ ذَبْحَ ولَدِهِ لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ عِنْدَهُمْ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الأمْرَ بِذَبْحِ الوَلَدِ في حالَةِ حَرَّمَ ذَبْحَ الوَلَدِ سَبَبًا لِوُجُوبِ ذَبْحِ شاةٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إيجابُ الواحِدِ مِنّا ذَبْحَ ولَدِهِ عَلى نَفْسِهِ سَبَبًا لِذَبْحِ شاةٍ، ويُجْعَلُ اللَّفْظُ عِبارَةً عَنْ ذَبْحِ شاةٍ. وهَذا إغْفالٌ مِنهُمْ، فَإنَّهُ إنْ ثَبَتَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ مَأْمُورًا بِذَبْحِ الوَلَدِ، فَقَدِ ارْتَفَعَ الأمْرُ إلى بَدَلِ جَعْلِ فِداءٍ، فَكانَ الأمْرُ مُتَقَرِّرًا في الأصْلِ، ثُمَّ أُزِيلَ ونُسِخَ إلى بَدَلٍ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ لا أمْرَ بِذَبْحِ الوَلَدِ، بَلْ هو مَعْصِيَةٌ قَطْعًا، فَلَمْ يَكُنْ لِلْأمْرِ تَعَلُّقٌ بِذَبْحِ الوَلَدِ بِحالٍ، فَإذا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِحالٍ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ لَهُ فَداءً وخَلَفًا، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذا في كُتُبِ الفِقْهِ وهو مَقْطُوعٌ بِهِ.

الصافات 37:141

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ الآيَةَ. يَحْتَجُّ بِهِ مَن يَرى لِلْقُرْعَةِ أثَرًا في تَعْيِينِ المُسْتَحَقِّ بَعْدَ تَرَدُّدِ الحَقِّ في أعْيانٍ لا سَبِيلَ إلى نَفْيِهِ عَنْها، ولا إثْباتِهِ في جَمِيعِها، فَتَدْعُو الحاجَةُ إلى القُرْعَةِ، وهَذا بَيِّنٌ. نَعَمْ في مِثْلِ واقِعَةِ يُونُسَ لا تُجْرى القُرْعَةُ، لِأنَّ إلْقاءَ مُسْلِمٍ في البَحْرِ لا يَجُوزُ، وفي ذَلِكَ الزَّمانِ جازَ، فَرَجَعَ الِاخْتِلافُ إلى نَفْسِ الحَقِّ. وأمّا قَوْلُنا: الحَقُّ تَرَدَّدَ في مَحالَّ وأعْيانٍ فَلا يَجُوزُ إخْراجُهُ مِنها، فَذَلِكَ شَيْءٌ ثابِتٌ، وهو مَوْضِعُ احْتِجاجِنا.

ص 38:18

(p-٣٥٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ ص قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ الآيَةَ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى شَيْءٌ حَتّى قَرَأْتُ: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ . وعَلى صَلاةِ الضُّحى تَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [النور: ٣٦] .

ص 38:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ الآيَةَ. ذَكَرَ المُحَقِّقُونَ الَّذِينَ يَرَوْنَ تَنْزِيهَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنِ الكَبائِرِ، أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أقْدَمَ عَلى خِطْبَةِ امْرَأةٍ كانَ قَدْ خَطَبَها غَيْرُهُ، ويُقالُ: هي أُورِيّا، فَمالَ القَوْمُ إلى تَزْوِيجِها مِن داوُدَ راغِبِينَ فِيهِ، (p-٣٦٠)وزاهِدِينَ في الخاطِبِ الأوَّلِ، ولَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ عارِفًا، وقَدْ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْرِفَ فَيَعْدِلَ عَنْ هَذِهِ الرَّغْبَةِ وعَنِ الخِطْبَةِ لَها، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِن حَيْثُ أُعْجِبَ بِها. إمّا وصْفًا أوْ مُشاهَدَةً عَلى غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وقَدْ كانَ لِداوُدَ مِنَ النِّساءِ العَدَدُ الكَثِيرُ، وذَلِكَ الخاطِبُ لا امْرَأةَ لَهُ، فَنَبَّهَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما فَعَلَ، بِما كانَ مِن تَسَوُّرِ المَلَكَيْنِ، وما أوْرَداهُ مِنَ التَّمْثِيلِ عَلى وجْهِ التَّعْرِيضِ، لِكَيْ يُفْهَمَ مِن ذَلِكَ مَوْضِعُ العَتْبِ، فَيَعْدِلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، ويَسْتَغْفِرَ رَبَّهُ مِن هَذِهِ الصَّغِيرَةِ. ومَتى قِيلَ: فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ المَلَكانِ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، وهو كَذِبٌ، والمَلائِكَةُ لا تَكْذِبُ وهي مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ؟ فالجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ لا بُدَّ في الكَلامِ مِن مُقَدِّمَةٍ، فَكَأنَّهُما قالا: قَدَرْنا كَأنّا خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ قَوْلُهُما: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، [ص: ٢٣] لِأنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ بِصُورَةِ الخَبَرِ، فالمُرادُ بِهِ إيرادُهُ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ لِيُنَبِّهَ داوُدَ عَلى ما فَعَلَ. والقَوْلُ في هَذا مُسْتَقْصًى في تَبْرِئَةِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

ص 38:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ الآيَةَ: لا يَرى فِيهِ الشّافِعِيُّ سَجْدَةً لَها، لِأنَّهُ لا يَرى التَّعَلُّقَ بِشَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا، ولِأنَّها تَوْبَةٌ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الأمْرِ بِالسُّجُودِ لَنا، وإنَّما يُعْلَمُ السُّجُودُ عِنْدَ ذَلِكَ تَوْقِيفًا.

ص 38:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ الآيَةَ. (p-٣٦١)فِيهِ بَيانُ وُجُوبِ الحُكْمِ بِالحَقِّ، وأنْ لا يَمِيلَ إلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ، لِقَرابَةٍ أوْ لِجاهِهٍ، أوْ سَبَبٍ يَقْتَضِي المَيْلَ.

ص 38:44

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ الآيَةَ. فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ امْرَأةَ أيُّوبَ قالَ لَها إبْلِيسُ: إذا داوَيْتُهُ وشَفَيْتُهُ تَقُولِينَ لِي: أنْتَ داوَيْتَهُ، فَأخْبَرَتْ بِذَلِكَ أيُّوبَ، فَغَضِبَ وقالَ: ذَلِكَ الشَّيْطانُ، وحَلَفَ أنَّهُ إنْ شَفانِي اللَّهُ تَعالى لَأضْرِبَنَّكِ مِائَةَ سَوْطٍ، فَأخَذَ شَمارِيخَ فِيها قَدْرُ مِائَةٍ، فَضَرَبَها ضَرْبَةً واحِدَةً. وذَلِكَ خِلافُ قِياسِ الأُصُولِ، والضِّغْثُ هو مِلْءُ الكَفِّ مِنَ الخَشَبِ والعُودِ والشَّمارِيخِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ بَرَّ في يَمِينِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ . وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ وقالَ مالِكٌ: لا يَبَرُّ. ورَأى أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِأيُّوبَ، وقالَ لا يَحْنَثُ. وإذا قالَ افْعَلْ ذَلِكَ، ولا تَحْنَثْ، عُلِمَ أنَّهُ جَعَلَهُ بارًّا إذْ لا واسِطَةَ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ أنْ يَضْرِبَ زَوْجَتَهُ، وأنَّ لِلرَّجُلِ أنْ يَحْلِفَ ولا يَسْتَثْنِيَ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في المَعْنى.

فصلت 41:34

(p-٣٦٢)(p-٣٦٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ حم السَّجْدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ الآيَةَ. كانَ ذَلِكَ قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ.

فصلت 41:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ بِلُغَةِ العَرَبِ، وأنَّهُ لَيْسَ أعْجَمِيًّا وإذا نُقِلَ عَنِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ إلى غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا.

الشورى 42:20

(p-٣٦٤)(p-٣٦٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ حم عسق قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ الآيَةَ، هو مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ». فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، لا يَقَعُ الحَجُّ عَنِ الحاجِّ، ومَن تَوَضَّأ لِلتَّبَرُّدِ والتَّنْظِيفِ لا يَكُونُ مُتَوَضِّئًا لِلصَّلاةِ، ولا يَصِحُّ وُضُوءُهُ عَنْ جِهَةِ القُرْبَةِ شَرْعًا.

الشورى 42:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ الآيَةَ. قالَ قائِلُونَ في مَعْناهُ: مَحَبَّةُ الأقارِبِ. وقالَ قائِلُونَ: مَعْناهُ إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى إلى اللَّهِ تَعالى، أيِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَوَدَّةِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ . (p-٣٦٦)وقَدْ قِيلَ في مَعْناهُ: قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّوهُ مَعَ القَرابَةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهُ، وخاطَبَ بِذَلِكَ قُرَيْشًا، لِأنَّ كُلَّ قُرَيْشٍ كانَتْ بَيْنَها وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحِمٌ ماسَّةٌ وقَرابَةٌ.

الشورى 42:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ في مَعْنى الآيَةِ: يُكْرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم يَنْتَصِرُونَ مِمَّنْ بَغى عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدُوا. وقَدْ نَدَبَنا اللَّهُ تَعالى في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ إلى العَفْوِ عَنْ حُقُوقِنا قَبْلَ النّاسِ، فَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] . وقَوْلُهُ في شَأْنِ القِصاصِ: ﴿ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] . وأحْكامُ هَذِهِ الآيِ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾: يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ الِانْتِصارَ في هَذِهِ المَواضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ تَعالى، وإقامِ الصَّلاةِ، وهو مَحْمُولٌ عَلى ما ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، أنَّهم كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، وهَذا فِيمَن تَعَدّى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ. والمَوْضِعُ المَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا. (p-٣٦٧)وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] الآيَةَ. يَقْتَضِي ذَلِكَ إباحَةَ الِانْتِصارِ لا الأمْرَ بِهِ، وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، الآيَةَ ٤٣: وذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى الغُفْرانِ عَنْ غَيْرِ المُصِرِّ، فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ والظُّلْمِ فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ.

الزخرف 43:18

(p-٣٦٨)(p-٣٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الزُّخْرُفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ الآيَةَ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلى إباحَةِ الحُلِيِّ لِلنِّساءِ والإجْماعُ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ، والأخْبارُ في ذَلِكَ لا تُحْصى.

الزخرف 43:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ- ﴿أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] الآيَةَ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى إبْطالِ التَّقْلِيدِ، لِذَمِّهِ إيّاهم عَلى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، وتَرْكِهِمُ النَّظَرَ فِيما دَعاهُمُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ.

الزخرف 43:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ الآيَةَ: يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّهادَةَ بِالحَقِّ غَيْرُ نافِعَةٍ إلّا مَعَ العِلْمِ، فَإنَّ التَّقْلِيدَ لا يُغْنِي مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِصِحَّةِ المَقالَةِ. والثّانِي: أنَّ شَرْطَ سائِرِ الشَّهاداتِ في الحُقُوقِ وغَيْرِها، أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ عالِمًا بِها، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: «إذا رَأيْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ وإلّا فَدَعْ».

الجاثية 45:14

(p-٣٧٠)(p-٣٧١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الجاثِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .

الأحقاف 46:4

ومِن سُورَةِ الأحْقافِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾: فِيهِ بَيانُ مَسالِكِ الأدِلَّةِ بِأسْرِها: فَأوَّلُها: المَعْقُولُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ . وهُوَ احْتِجاجٌ بِدَلِيلِ العَقْلِ أنَّ الجَمادَ لا يَجُوزُ أنْ يُدْعى مِن دُونِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ . فِيهِ بَيانُ أدِلَّةِ السَّمْعِ، أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ.

محمد 47:4

(p-٣٧٢)(p-٣٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ مُحَمَّدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ - إلى قَوْلِهِ- ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ الآيَةَ. فِيهِ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الجِهادِ، وما يَجِبُ التَّمَسُّكُ بِهِ في مُحارَبَتِهِمْ، فَبَيَّنَ أوَّلًا ما يَجِبُ عِنْدَ لِقاءِ الكُفّارِ، والمَنَعَةُ قائِمَةٌ، وهو ضَرْبُ الرِّقابِ، لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَجِبُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ الحُكْمَ إذا نَحْنُ أثْخَنّاهم وبَدَّدْنا امْتِناعَهُمْ، فَأمَرَ أنْ نَشُدَّهم في الوَثاقِ فَإمّا أنْ نَمُنَّ أوْ نُفادِيَ، وهَذا لِأنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ حَرَّمَ الأسْرَ بِقَوْلِهِ:﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]: فَأباحَ بِهَذِهِ الآيَةِ أسْرَهم إذا أثْخَنّاهم بِالجِراحِ وغَيْرِهِ، وبَيَّنَ أنَّ أمْرَهم إلى الإمامِ، فَإنْ شاءَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِإطْلاقٍ مِن غَيْرِ فِداءٍ، وإنْ شاءَ فادى، وإنْ شاءَ قَتَلَ، عَلى ما يُرادُ الأصْلَحُ لِلْإسْلامِ والمُسْلِمِينَ. ودَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾: أنَّ ذَلِكَ غايَةٌ فِيما (p-٣٧٤)تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غايَةً في حُكْمِ الأسْرى، فَإذًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ غايَةً في حُكْمِ ما كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غايَةً في المُقاتِلَةِ، فَكَأنَّهُ بَيَّنَ أنَّ أثْقالَ الحَرْبِ مِن قِبَلِهِمْ إذا زالَتْ، فَلِلْمُؤْمِنِينَ مُفارَقَةُ السِّلاحِ، ويَدَعُوا الحَرْبَ إلى حالٍ أُخْرى. قالَ الحَسَنُ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: فَضَرْبُ الرِّقابِ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، ثُمَّ قالَ: حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ. وزَعَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لِلْإمامِ إذا حَصَلَ الأسِيرُ في يَدِهِ أنْ يَقْتُلَهُ بَلْ هو بِالخِيارِ في ثَلاثَةِ مَراتِبَ: إمّا أنْ يَمُنَّ أوْ يُفادِيَ أوْ يَسْتَرِقَّ. وقالَ السُّدِّيُّ فِيما رَواهُ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وقالَ قَتادَةُ مِثْلَهُ، وجَعَلَ ناسِخَهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] . وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ: المَنُّ والفِداءُ حَقُّهُ في الأسِيرِ إذا تَمَكَّنَ مِنهُ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنَ القَتْلِ الَّذِي سَنَّهُ اللَّهُ تَعالى في الكُفّارِ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ المَنَّ والفِداءَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، وأذِنَ فِيهِما بَعْدَ التَّمَكُّنِ، والقَتْلُ في الحالَتَيْنِ مِن حَيْثُ الكُفْرُ سائِغٌ. ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أقْوالٌ: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: حَتّى يُعْبَدَ اللَّهُ ولا يُشْرَكَ بِهِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا الإسْلامَ. (p-٣٧٥)وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ في رِوايَةٍ أُخْرى: حَتّى يَخْرُجَ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ فَيُسْلِمَ كُلُّ يَهُودِيٍّ ونَصْرانِيٍّ وصاحِبِ مِلَّةٍ، وتَأْمَنُ الشّاةُ مِنَ الذِّئْبِ.

محمد 47:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ الآيَةَ. احْتَجَّ بِهِ قَوْمٌ في أنَّ التَّحَلُّلَ مِنَ التَّطَوُّعِ صَلاةً كانَ أوْ صَوْمًا بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ لا يَجُوزُ، لِأنَّ فِيهِ إبْطالَ العَمَلِ، وقَدْ نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ إبْطالُ ثَوابِ العَمَلِ المَفْرُوضِ، وذَلِكَ العَمَلُ المَفْرُوضُ يَنْهى الرَّجُلَ عَنْ إحْباطِ ثَوابِهِ، فَأمّا ما كانَ فِعْلًا فَلا، فَإنَّهُ لَيْسَ واجِبًا عَلَيْهِ. فَإنْ زَعَمُوا أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ. قُلْنا: العامُّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ ووَجْهُ تَخْصِيصِهِ أنَّ الفِعْلَ تَطَوُّعٌ والتَّطَوُّرَ يَقْتَضِي تَخَيُّرًا، وهَذا مُسْتَقْصًى في كُتُبِ الفِقْهِ.

محمد 47:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى مَنعِ مُهادَنَةِ الكُفّارِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وتَحْرِيمُ تَرْكِ الجِهادِ إلّا عِنْدَ العَجْزِ عَنْ مُقابَلَتِهِمْ، لِضَعْفٍ يَكُونُ بِالمُسْلِمِينَ والعِياذُ بِاللَّهِ. وهَذا إتْمامُ ما أرَدْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ.

الفتح 48:16

(p-٣٧٦)(p-٣٧٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَتْحِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآيَةَ. المُرادُ بِهِ: فارِسُ والرُّومُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ بَنِي حَنِيفَةَ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، لِأنَّ أبا بَكْرٍ دَعاهم إلى قِتالِ فارِسَ والرُّومِ، ولَزِمَهم بِذَلِكَ اتِّباعُ طاعَةِ مَن يَدْعُوهم إلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ الآيَةَ. أوْعَدَهم عَلى التَّخَلُّفِ عَنْ دُعاءِ مَن دَعاهم إلى قِتالِ هَؤُلاءِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِما، إذْ كانَ المُتَوَلّى عَنْ طاعَتِهِما مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهم هَوازِنَ وثَقِيفَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهُمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] (p-٣٧٨)فَدَلَّ أنَّ المُرادَ بِالدُّعاءِ غَيْرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَدَعْ هَؤُلاءِ القَوْمَ بَعْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

الفتح 48:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ الآيَةَ. ولَوْ كانَ بَلَغَ الحَرَمَ وذَبَحَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا عَنْ بُلُوغِ الحَرَمِ، ثُمَّ لَمّا وقَعَ الصُّلْحُ زالَ المَنعُ، فَبَلَغَ مَحَلَّهُ في الحَرَمِ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا حَصَلَ المَنعُ في أدْنى وقْتٍ، فَجائِزٌ أنْ يُقالَ قَدْ مُنِعَ كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ [يوسف: ٦٣] . وإنَّما مُنِعَ في وقْتٍ وأُطْلِقَ في وقْتٍ آخَرَفالأوَّلُ احْتِجاجُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، والثّانِي تَأْوِيلُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، فَإنَّهُ لَوْ ذَبَحَ في الحَرَمِ لَمْ يُطْلَقْ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ أنَّهُ مُنِعَ عَنْ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ، وقَدْ وصَلَ مَحِلَّهُ، ولَيْسَ كَما احْتَجُّوا بِهِ في الآيَةِ، فَإنَّ الكَيْلَ مُنِعَ في وقْتٍ وقِيلَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٦٠] مُطْلَقًا، وإنْ أحْضَرْتُمُوهُ فَلَكُمُ الكَيْلُ، وهاهُنا بِخِلافِهِ، فَإنَّ الهَدْيَ بَعْدَ الصُّلْحِ إنْ بَلَغَ مَحِلَّهُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ إنَّهُ بِعَيْنِهِ مُنِعَ عَنْ مَحِلِّهِ، وهَذا ظاهِرٌ بَيِّنٌ. وأصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَحَلَّ هو الحَرَمُوَقالَ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى (p-٣٧٩)يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهو الحَرَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلالَةٌ عَلى ما قالَهُ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ، إنَّهُ لا يُحْرَقُ سَفِينَةُ الكُفّارِ إذا كانَ فِيها أُسارى المُسْلِمِينَ، ولَوْ تَزَيَّلَ المُؤْمِنُونَ لَعَذَّبَ الكُفّارَوَكَذَلِكَ في إحْراقِ الحُصُونِ إذا كانَ فِيها أُسارى المُسْلِمِينَ. وأبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ والثَّوْرِيُّ جَوَّزُوا رَمْيَ حُصُونِ الكافِرِينَ، وإنِ اشْتَمَلَتْ عَلى الأُسارى والأطْفالِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وزادُوا فَقالُوا: لَوْ تَتَرَّسَ الكَفّارُ بِأطْفالِ المُسْلِمِينَ رُمِيَ المُشْرِكُونَ، وإنْ أصابُوا أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ فَلا دِيَةَ ولا كَفّارَةَوَقالَ الثَّوْرِيُّ: فِيهِ الكَفّارَةُ ولا دِيَةَ فِيهِ. نَعَمْ، لا يُمْنَعُ نَصْبُ المَجانِقِ عَلى الحُصُونِ مَعَ اشْتِمالِها عَلى أطْفالِ المُشْرِكِينَ مَعَ أنَّهُ لا عِصْمَةَ لِلْأطْفالِ تَحْقِيقًا لِلْحُكْمِ بِكُفْرِهِمْ، ولِأطْفالِ المُسْلِمِينَ عِصْمَةٌ وحُرْمَةٌ. ويَحْتَجُّ الشّافِعِيُّ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ الآيَةَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى مَنعِ رَمْيِ الكُفّارِ لِأجَلِ (p-٣٨٠)مَن فِيهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، وتَمامُ الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآيَةَ. فَلَوْلا الحَظْرُ ما أصابَتْهم مَعَرَّةٌ مِن قَتْلِهِمْ بِإصابَتِهِمْ إيّاهم.

الحجرات 49:1

(p-٣٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحُجُراتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ: قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ذُبِحُوا قَبْلَ النَّبِيِّ، فَأمَرَهم أنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ. وعُمُومُ الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ التَّعْجِيلِ في الأمْرِ والنَّهْيِ دُونَهُ. ويُحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في اتِّباعِ الشَّرْعِ في كُلِّ وِرْدٍ وصَدْرٍ. ورُبَّما احْتَجَّ بِهِ نُفاةُ القِياسِ، وهو باطِلٌ مِنهُمْ، فَإنَّ ما قامَتْ دَلالَتُهُ فَلَيْسَ في فِعْلِهِ تَقَدُّمٌ بَيْنَ يَدَيْهِوَقَدْ قامَتْ دَلالَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى وُجُوبِ القَوْلِ بِالقِياسِ في فُرُوعِ الشَّرْعِ، فَلَيْسَ إذا تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ.

الحجرات 49:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ الآيَةَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خَبَرَ الفاسِقِ لا يَعْمَلُ بِهِ. قِيلَ: وقَدِ اسْتَثْنى الإجْماعَ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما لا يَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوى والجُحُودِ، وإثْباتُ حَقٍّ مَقْصُودٍ عَلى الغَيْرِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: هَذا عَبْدِي، فَإنَّهُ (p-٣٨٢)يَقْبَلُ قَوْلَهُوَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وقَدْ أنْفَذَ فُلانٌ هَذا إلَيْكَ هَدِيَّةً، فَإنَّهُ يُقْبَلُ ذَلِكَكَذَلِكَ يُقْبَلُ خَبَرُ الكافِرِ في مِثْلِهِ.

الحجرات 49:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ قِتالِ البُغاةِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومِنهُ أخَذَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قِتالَ الفِئَةِ الباغِيَةِ بِالسَّيْفِ، وكانَ مَعَهُ كِبارُ الصَّحابَةِ: «وقالَ ﷺ لِعَمّارٍ: ”سَتَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ“». والَّذِي ورَدَ في الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ القائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي والقاعِدُ خَيْرٌ مِنَ القائِمِ». وإنَّما أرادَ بِهِ الفِئَةَ الَّتِي يُقْتَلُ النّاسُ فِيها مِن جِهَةِ الدُّنْيا والعَصَبِيَّةِ والحَمِيَّةِ، مِن غَيْرِ إمامٍ تَجِبُ طاعَتُهُ.

الحجرات 49:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. يَعْنِي أنَّهم إخْوَةٌ في الدِّينِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأصْلِحُوا﴾: يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الإصْلاحِ عِنْدَ التَّنازُعِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.

الحجرات 49:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ﴾ الآيَةَ. نَهى اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْ عَيْبِ مَن لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعابَ تَحْقِيرًا لَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ هو مَعْنى السُّخْرِيَةِ بِهِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ وإنْ كانَ أرْفَعَ حالًا مِنهُ في الدُّنْيا، فَعَسى أنْ يَكُونَ المَسْخُورُ مِنهُ خَيْرًا في الآخِرَةِ، وخَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. (p-٣٨٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أيْ لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا ولا يَلْمِزُ بَعْضُكم بَعْضًا لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ فَكَأنَّهُ بِقَتْلِهِ أخِيهِ قاتِلُ نَفْسِهِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أيْ يُسَلِّمُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ. واللَّمْزُ: العَيْبُ، يُقالُ لَمَزَهُ إذا عابَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] . فَأمّا مَن كانَ مَعْنِيًّا بِالفُجُورِ فَتَعَيُّنُهُ بِما فِيهِ جائِزٌ، قالَ الحَسَنُ في الحَجّاجِ: اللَّهُمَّ إنَّكَ أنْتَ أمَتْهُ فاقْطَعْ عَنّا سُنَّتَهُ، وفي رِوايَةٍ: شَيْنَهُ، فَإنَّهُ أتانا أخْفَشَ أُعَيْمَشَ يَمُدُّ بِيَدٍ قَصِيرَةِ البَنانِ، واللَّهِ ما عَرِقَ فِيها عِنانٌ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بِرِجْلِ جَمْثِهِ، ويَخْطُرُ في مِشْيَتِهِ، ويَصْعَدُ المِنبَرَ فَيَهْذِرُ حَتّى تَفُوتَ الصَّلاةُ، لا مِنَ اللَّهِ يَتَّقِي، ولا مِنَ النّاسِ يَسْتَحِي، فَرَقَهُ اللَّهُ تَعالى وتَحْتَهُ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، لا يَقُولُ لَهُ قائِلٌ: الصَّلاةَ أيُّها الرَّجُلُثُمَّ قالَ الحَسَنُ: هَيْهاتَ واللَّهِ، حالَ دُونَ ذَلِكَ السَّوْطُ والسَّيْفُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ الآيَةَ. ذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ «أنَّهُ كانَ أبُو ذَرٍّ عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مُنازَعَةٌ، فَقالَ لَهُ أبُو ذَرٍّ: ”يا ابْنَ اليَهُودِيَّةِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أما تَرى هاهُنا بَيْنَ أحْمَرَ وأسْوَدَ ما أنْتَ (p-٣٨٤)أفْضَلُ مِنهُ إلّا بِالتَّقْوى “، قالَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾» . قالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ لِأنْ لا تَقُولَ لِأخِيكَ المُسْلِمِ يا فاسِقُ يا مُنافِقُ. والنَّهْيُ يَخْتَصُّ بِما يَكْرَهُهُ الإنْسانُ، فَأمّا الأوْصافُ الجارِيَةُ غَيْرَ هَذا المَجْرى فَغَيْرُ مَكْرُوهَةٍ، وقَدْ «سَمّى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلِيًّا أبا تُرابٍ» «وقالَ لِأنَسٍ: يا أبا الأُذُنَيْنِ،» وغَيَّرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أسْماءَ قَوْمٍ فَسَمّى العاصَ عَبْدَ اللَّهِ، وسَمّى شِهابًا هِشامًا، وسَمّى حَزْنًا سَهْلًا.

الحجرات 49:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنْ جَمِيعِهِ. فَفِي الظُّنُونِ ما هو مَحْظُورٌ، مِثْلَ سُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعالى، وسُوءُ الظَّنِّ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ ظاهِرُهُمُ العَدالَةُ. وكُلُّ ظَنٍّ اسْتَنَدَ العِلْمُ بِهِ إلى دَلِيلٍ يَقِينِيٍّ، فالعَمَلُ بِهِ واجِبٌ، كالشَّهاداتِ وقَبُولِها وقِيَمِ المُتْلَفاتِ والأقْيِسَةِ. وقَدْ يَكُونُ الظَّنُّ مُباحًا، كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ألْقى في رُوعِي أنَّ ذا بَطْنٍ خارِجَةٍ جارِيَةٍ، فاسْتَجازَ هَذا الظَّنَّ لِما وقَعَ في قَلْبِهِ. وأمّا الظَّنُّ المَندُوبُ إلَيْهِ، فَهو حُسْنُ الظَّنِّ بِالأخِ المُسْلِمِ. ويَجُوزُ أنْ لا يَظُنَّ الخَيْرَ ولا الشَّرَّ. * * (p-٣٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ الآيَةَ. رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الغِيبَةِ فَقالَ: هي ذِكْرُكَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ. قالَ: أرَأيْتَ إنْ كانَ في أخِي ما أقُولُ؟ فَقالَ: إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ». ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ الأسْلَمِيَّ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وشَهِدَ عَلى نَفْسِهِ بِالزِّنا، فَرَجَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَسَمِعَ ﷺ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِهِ يَقُولُ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أنْظُرُ إلى هَذا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَدَعْ نَفْسَهُ حَتّى رُجِمَ رَجْمَ الكِلابِ، فَسَكَتَ عَنْهُما ثُمَّ سارَ ساعَةً حَتّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمارٍ شارٍ شائِلٍ بِرِجْلِهِ فَقالَ: أيْنَ فُلانٌ وفُلانٌ؟ فَقالا: نَحْنُ ذا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: انْزِلا وكُلا مِن جِيفَةِ هَذا الحِمارِ. فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن يَأْكُلُ مِن هَذا؟ فَقالَ: ما نِلْتُما مِن عِرْضِ أخِيكُما أشَدَّ مِنَ الأكْلِ مِنهُ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ الآنَ في أنْهارِ الجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيها».

ق 50:39

(p-٣٨٦)(p-٣٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ ق قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ الآيَةَ. اخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقالَ قائِلُونَ: عَنى بِهِ صَلاةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾». وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: المُرادُ بِهِ صَلاةُ العَصْرِ.

ق 50:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ الآيَةَ. قالَ مُجاهِدٌ: هي صَلاةُ اللَّيْلِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعَتَمَةِ. وأدْبارُ السُّجُودِ عَلى قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وأدْبارُ النُّجُومِ رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلُهُ. وعَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وأدْبارُ السُّجُودِ: إذا وضَعْتَ جَبْهَتَكَ عَلى الأرْضِ فَسَبِّحْ ثَلاثًا.

الذاريات 51:17

(p-٣٨٨)(p-٣٨٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الذّارِياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ الآيَةَ. ورَدَ في صَلاةِ اللَّيْلِ، وأنَّهم كانُوا لا يَزُورُونَ.

الذاريات 51:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ: مَدُّوا الصَّلاةَ إلى السَّحَرِ، ثُمَّ جَلَسُوا في الدُّعاءِ والِاسْتِكانَةِ والِاسْتِغْفارِ.

الذاريات 51:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ الآيَةَ. هُوَ الزَّكاةُ، إذْ لا فَرْضَ في المالِ سِواها، ووَراءَ ذَلِكَ رُبَّما وجَبَتْ حُقُوقٌ مِثْلُ النَّفَقاتِ وضُرُوبُ المُواساةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾: الَّذِي يَطْلُبُ فَلا يُرْزَقُ، ويَكُونُ مُجازِفًا.

الطور 52:48

(p-٣٩٠)(p-٣٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الطُّورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ الآيَةَ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَكانٍ تَقُولُ: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ“. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ حِينَ تَقُومُ، لا يَدُلُّ عَلى التَّسْبِيحِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، فَإنَّ التَّكْبِيرَ هو الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ القِيامِ، والتَّسْبِيحُ يَكُونُ وراءَ ذَلِكَ، فَدَلَّ أنَّ المُرادَ بِهِ حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَكانٍ فَتَقُولُ: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ“.

النجم 53:3

(p-٣٩٢)(p-٣٩٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّجْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾، ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] الآيَةَ: يُحْتَجُّ بِهِ مَن لا يُجَوِّزُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الِاجْتِهادَ في الحَوادِثِ.

النجم 53:32

قَوْلُهُ: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾ الآيَةَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الصَّغائِرُ المَغْفُورَةُ عِنْدَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ. وقِيلَ: هو أنْ يُصِيبَ الذَّنْبَ ثُمَّ يَتُوبُ. وقِيلَ: اللَّمَمُ مُقارَفَةُ الشَّيْءِ، مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ.

النجم 53:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ الآيَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١]، وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] الآيَةَ.

القمر 54:28

(p-٣٩٤)(p-٣٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَمَرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى جَوازِ المُهايَأةِ عَلى الماءِ.

الرحمن 55:68

(p-٣٩٦)(p-٣٩٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الرَّحْمَنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ الآيَةَ. يَحْتَجُّ بِهِ مَن يُخْرِجُ الرُّمّانَ والنَّخْلَ مِن مُطْلَقِ اسْمِ الفاكِهَةِ، لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ، وإنَّما يُعْطَفُ عَلى غَيْرِهِ، هَذا ظاهِرُ الكَلامِ. والشّافِعِيُّ يَقُولُ: هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] .

الواقعة 56:77

(p-٣٩٨)(p-٣٩٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الواقِعَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾، [الواقعة: ٧٨] ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] الآيَةَ- ٧٩. يَدُلُّ عَلى مَنعِ مَسَّ المُصْحَفِ مِن غَيْرِ وُضُوءٍ.

الحديد 57:10

(p-٤٠٠)(p-٤٠١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَدِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مَن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ الآيَةَ. عَنى بِهِ فَتْحَ الحُدَيْبِيَةِ، ودَلَّ بِهِ عَلى أنَّ فَضِيلَةَ العَمَلِ عَلى قَدْرِ رُجُوعِ مَنفَعَتِهِ إلى الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ، أوْ لِكَثْرَةِ المِحْنَةِ بِهِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةِ الكُفّارِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] .

المجادلة 58:1

(p-٤٠٢)(p-٤٠٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُجادَلَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ الآيَةَ. وهِيَ مُفْتَتَحَةٌ بِذِكْرِ الظِّهارِ، وكانَ طَلاقًا جاهِلِيًّا، فَجَعَلَهُ الشَّرْعُ عَلى حُكْمٍ آخَرَ. ورَوى أصْحابُ الأخْبارِ: «جاءَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ إلى النَّبِيِّ وزَوْجُها أوْسُ بْنُ الصّامِتِ فَقالَتْ: إنَّ زَوْجَها جَعَلَها عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أراكَ إلّا حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وهو حِينَئِذٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ فَقالَتْ: انْظُرْ جَعَلَنِي اللَّهُ فَداكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: ما أراكِ إلّا حُرِّمْتِ عَلَيْهِ، فَكَرَّرَ ذَلِكَ مِرارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾». وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”حُرِّمْتِ عَلَيْهِ “،» ظاهِرُهُ يَعْنِي بِهِ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ، وإلّا فَحُكْمُ الظِّهارِ بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِن بَعْدُ، وهَذا يَحْتَجُّ بِهِ مَن يُجَوِّزُ (p-٤٠٤)رَفْعَ الحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ في الشَّيْءِ الواحِدِ في الوَقْتِ الواحِدِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَها: «حُرِّمْتِ عَلَيْهِ»، ثُمَّ حَكَمَ فِيها بِعَيْنِها بِالظِّهارِ بَعْدَ حُكْمِهِ بِالطَّلاقِ، وذَلِكَ القَوْلُ بِعَيْنِهِ في شَخْصٍ واحِدٍ بِعَيْنِهِ، والنَّسْخُ عِنْدَ مَن يُخالِفُ هَؤُلاءِ، يُوجِبُ الحُكْمَ في المُسْتَقْبَلِ بِخِلافِ الأوَّلِ في الماضِي. وغايَةُ جَوابِ المُخالِفِ، أنَّ مِنَ المُمْكِنِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ رَسُولَهُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَحْكم بِالطَّلاقِ جَزْمًا، وإنَّما ذَكَرَهُ مُعَلَّقًا.

المجادلة 58:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُنْكَرًا لِأنَّهُ كَذِبٌ.

المجادلة 58:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ الآيَةَ. اعْتُبِرَ العُودُ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ، وأبُو حَنِيفَةَ، يَقُولُ: هو اسْتِباحَةُ الوَطْءِ، فَعَلَيْهِ الكَفّارَةُ قَبْلَ الِاسْتِباحَةِ، ومَعْنى الِاسْتِباحَةِ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ. والشّافِعِيُّ يَقُولُ: هو أنْ يُمْسِكَها بَعْدَ الظِّهارِ مُدَّةً يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَها فِيهِ فَلا تُطَلَّقُ. ورَأى الشّافِعِيُّ أنَّ ذَلِكَ أشْبَهُ بِالعُودِ، لِأنَّهُ إذا رَآها، كالأُمِّ فَلَمْ يُمْسِكْها، فَإنَّ الأُمَّ لا تُمْسِكُ بِالنِّكاحِ، وأمّا العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، فَهو عَزْمٌ عَلى مُحَرَّمٍ، فَلا أثَرَ لَهُ قَبْلَ مُواقَعَةِ المُحَرَّمِ.

الحشر 59:2

(p-٤٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ﴾ الآيَةَ. وعَنى بِهِ جَلاءَ بَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ، فَمِنهم مَن خَرَجَ إلى خَيْبَرَ، ومِنهم مَن خَرَجَ إلى الشّامِ. ومُصالَحَةُ أهْلِ الحَرْبِ عَلى الجَلاءِ مِن دِيارِهِمْ مِن غَيْرِ سَبْيٍ لا تَجُوزُ الآنَ، وإنَّما جازَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ، والآنَ فَلا بُدَّ مِن قِتالِهِمْ أوْ سَبْيِهِمْ أوْ ضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ.

الحشر 59:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ الآيَةَ. قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ نَخْلَةٍ لِينَةٌ. وقِيلَ: اللِّينَةُ كِرامُ النَّخِيلِ. وقِيلَ: إنَّهُ نَهى بَعْضَ المُهاجِرِينَ عَنِ القَطْعِ، وقالَ: إنَّما هي مَغانِمُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَن نَهى وتَحْلِيلِ مَن قَطَعَها عَنِ الإثْمِ، (p-٤٠٦)وهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وإنْ كانَ الِاجْتِهادُ يَبْعُدُ في مِثْلِهِ مَعَ وُجُودِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ. ولا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى ذَلِكَ فَسَكَتَ، فَيُؤْخَذُ الحُكْمُ مِن تَقْرِيرِهِ فَقَطْ، ويَجُوزُ لَنا إحْراقُ زَرْعِهِمْ إذا لَمْ يُمْكِنّا نَقْلُهُ، والمَواشِي تُذْبَحُ وتُحَرَّقُ عَلى هَذا الوَجْهِ.

الحشر 59:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ الآيَةَ. كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً، وكانَ يُنْفِقُ عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وما بَقِيَ يَجْعَلُهُ في الكُراعِ والسِّلاحِ عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ حَقٌّ إلّا لِمَن جَعَلَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. * * ولَمّا ذَكَرَ ما لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بَخَيْلٍ ولا رِكابٍ، ذَكَرَ ما أوْجَفَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ. فَقالَ تَعالى: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] الآيَةَ. وذَلِكَ يُمْنَعُ تَنْزِيهًا لِلْغانِمِينَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] . ولَمّا فَتَحَ عُمَرُ العِراقَ، سَألَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحابَةِ قِسْمَتَها بَيْنَهُمْ، فَقالَ: إنْ قَسَمْتُها بَيْنَهم بَقِيَ آخِرُ النّاسِ لا شَيْءَ لَهُمْ، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ (p-٤٠٧)إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] الآيَةَ، وشاوَرَ عَلِيًّا في ذَلِكَ، فَأشارَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ القِسْمَةِ، وأنْ يَقَرَّ أهْلُها عَلَيْها، وأنْ يَضَعَ الخَراجَ عَلَيْها، فَفَعَلَ، فَقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: فالآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ إذًا، فَإنَّها غَيْرُ مَضْمُومَةٍ إلى آيَةِ الغَنِيمَةِ في الأراضِي المُفْتَتَحَةِ، فَإنْ رَأى قِسْمَتَها أصْلَحَ وأعْوَدَ عَلى المُسْلِمِينَ فَعَلَ، ثُمَّ قالَ: وتَقْدِيرُ الآيَتَيْنِ: واعْلَمُوا أنَما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ في الأمْوالِ سِوى الأرْضِينَ، وفي الأرَضِينَ إذا اخْتارَ الإمامُ ذَلِكَ. والَّذِي ذَكَرُوهُ بَعِيدٌ جِدًّا، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، لَيْسَ لَهم حَقًّا في الغَنِيمَةِ، وأنَّ غَيْرَ مَن شَهِدَ الوَقْعَةَ يَسْتَحِقُّ، والعَجَبُ أنَّ الَّذِينَ هم في الحَياةِ لا يَسْتَحِقُّونَ إذا لَمْ يَشْهَدُوا الوَقْعَةَ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ مَن جاءَ بَعْدَهُمْ، فَدَلَّ أنَّ مَعْنى الآيَةِ ظاهِرُها وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [الحشر: ١٠] الآيَةَ، وهو نَدْبُ الآخَرِينَ إلى الثَّناءِ عَلى الأوَّلِينَ، فَدَلَّ أنَّ الحَقَّ ما قالَهُ الشّافِعِيُّ، إنَّ ما كانَ غَنِمُوهُ مِنَ الأراضِي وغَيْرِها فَخُمْسُها لِأهْلِهِ وأرْبَعَةُ أخْماسِها لِلْغانِمِينَ، فَمَن طابَتْ نَفْسُهُ عَنْ حَقِّهِ فَلِلْإمامِ أنْ يَجْعَلَها وقْفًا عَلَيْهِمْ، ومَن لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ فَهو أحَقُّ بِما لَهُ، وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَطابَ نُفُوسَ الغانِمِينَ واشْتَراها مِنهم.

الحشر 59:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ (p-٤٠٨)خَصاصَةٌ﴾ . الآيَةَ. والخَصاصَةُ الحاجَةُ، فَأثْنى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِإيثارِهِمُ المُهاجِرِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ فِيما يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا هم مُحْتاجِينَ إلَيْهِ، ووَرَدَتْ أخْبارٌ صَحِيحَةٌ في النَّهْيِ عَنِ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ ما يَمْلِكُهُ الإنْسانُ، ولَكِنْ إنَّما كُرِهُ ذَلِكَ في حَقِّ مَن لا يُوثَقُ مِنهُ بِالصَّبْرِ عَلى الفَقْرِ، وخافَ أنْ يَتَعَرَّضَ لِلْمَسْألَةِ إذا فَقَدَ ما يُنْفِقُهُ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: يَأْتِينِي أحَدُكم بِجَمِيعِ ما يَمْلِكُهُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ وُجُوهَ النّاسِ، فَإنَّما كُرِهَ الإيثارُ لِمَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ، فَأمّا الأنْصارُ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُونُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ كانُوا كَما قالَ تَعالى: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] . فَكانَ الإيثارُ مِنهم أفْضَلَ مِنَ الإمْساكِ، والإمْساكُ لِمَن لا يَصْبِرُ ويَتَعَرَّضُ لِلْمَسْألَةِ أوْلى مِنَ الإيثارِ.

الممتحنة 60:1

(p-٤٠٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ خَوْفَ الجائِحَةِ عَلى المالِ والوَلَدِ لا يُبِيحُ التَّقِيَّةَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ العُذْرَ الَّذِي أبْرَزَهُ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ لا أثَرَ لَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إكْرامًا، وإنَّما كانَ تَوَدُّدًا إلَيْهِمْ، لِما كانَ يَأْمُلُ مِن نَفْعٍ مِن جِهَتِهِمْ.

الممتحنة 60:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّصَدُّقِ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ دُونَ أهْلِ الحَرْبِ، ووُجُوبُ النَّفَقَةِ لِلْأبِ الكافِرِ الذِّمِّيِّ، وأمّا الحَرْبِيُّ فَيَجِبُ قَتْلُهُ.

الممتحنة 60:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ الآيَةَ. كانَ الشَّرْطُ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يُرَدَّ عَلى المُشْرِكِينَ مَن هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، مِمَّنْ كانَ مُسْلِمًا، ونَزَلَتْ سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ عَنِ الصُّلْحِ فَكانَ مَن (p-٤١٠)أسْلَمَ مِن نِسائِهِنَّ تُسْألُ: ما أخْرَجَكِ؟ فَإنْ كانَتْ خَرَجَتْ هَرَبًا مِن زَوْجِها رُدَّتْ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ خَرَجَتْ رَغْبَةً في الإسْلامِ أُمْسِكَتْ ورَدَّتْ عَلى زَوْجِها ما أنْفَقَ عَلَيْها. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ الآيَةَ، أوْ بِظاهِرِ قَوْلِها. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى ارْتِفاعِ النِّكاحِ، فَإنَّهُ تَعالى مَنَعَ رَدَّها إلى زَوْجِها، وأوْجَبَ عَلَيْها رَدَّ ما أنْفَقَ عَلَيْها. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَنعَ مِنَ الرَّدِّ لِمَكانِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾، فَلَمْ يَجْعَلِ الفُرْقَةَ لِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ عَلى ما قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ، وإنَّما جُعِلَ لِلْإسْلامِ.

الممتحنة 60:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يُلْحِقْنَ بِأزْواجِهِنَّ غَيْرَ أوْلادِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ الآيَةَ. هُوَ عُمُومٌ في جَمِيعِ طاعاتِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَأْمُرُ إلّا بِمَعْرُوفٍ، إلّا أنَّهُ شَرْطٌ في النَّهْيِ عَنْ عِصْيانِهِ إذا أمَرَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ، لِئَلّا يَتَرَخَّصَ أحَدٌ في طاعَةِ السَّلاطِينِ إذا لَمْ تَكُنْ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى، إذْ شَرَطَ في طاعَةِ خَيْرِ العالَمِينَ أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ». (p-٤١١)وكَذَلِكَ لا يَجِبُ طاعَةُ أئِمَّةِ العِلْمِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأغْراضِ المُتَأوَّلَةِ، ولا يُسَوَّغُ لِمُسْلِمٍ اتِّباعُهم. وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَنِ اتَّبَعَ مَخْلُوقًا في مَعْصِيَةِ الخالِقِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ المَخْلُوقَ ”». وفي لَفْظٍ آخَرَ: «“ عادَ حامِدُهُ مِنَ النّاسِ ذامًّا».

الصف 61:2

(p-٤١٢)(p-٤١٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الصَّفِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ الآيَةَ. يُحْتَجُّ بِهِ في وُجُوبِ الوَفاءِ بِالنَّذْرِ، في نَذْرِ اللَّجاجِ، عَلى أحَدِ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ.

الجمعة 62:9

(p-٤١٤)(p-٤١٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الجُمُعَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ الآيَةَ: ولَيْسَ في الآيَةِ تَعْيِينُ الصَّلاةِ، إلّا أنَّ الِاتِّفاقَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الجُمْعَةُ، والمُرادَ بِالنِّداءِ الأذانُ. قالَ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. قَرَأ عَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ: فامْضُوا، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ قَرَأْتُ فاسْعَوْا لَسَعَيْتُ حَتّى يَسْقُطَ رِدائِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا كَما قالَ: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] . وقِيلَ: السَّعْيُ بِمَعْنى العَمَلِ، كَما قِيلَ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَّلاةَ، ويُحْتَمَلُ الخُطْبَةَ، وهو عُمُومٌ فِيهِما، وإنَّما ثَبَتَ وُجُوبُهُما بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذا اللَّفْظِ. (p-٤١٦)نَعَمْ في هَذا اللَّفْظِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هُناكَ ذِكْرًا يَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهِ، فَأمّا عَيْنُ الذِّكْرِ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ. قالَ مالِكٌ، قَوْلُهُ: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾: يَدُلُّ عَلى فَسادِ البَيْعِ، ورَآهُ أخَصَّ مِنَ العُمُوماتِ الوارِدَةِ في البَيْعِ، ورَأى أنَّ البَيْعَ لَمّا حُرِّمَ دَلَّ عَلى فَسادِهِ، وهَذا مِمّا بَيَّنّا فَسادَهُ في أُصُولِ الفِقْهِ.

الجمعة 62:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾، الآيَةَ ١٠. بِالتَّصَرُّفِ في التِّجارَةِ وغَيْرِها، فَهو إباحَةٌ.

الجمعة 62:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ الآيَةَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ الإمامَ يَخْطُبُ قائِمًا، فَإنَّهم كانُوا انْفَضُّوا مِنَ الخُطْبَةِ.

المنافقون 63:1

(p-٤١٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُنافِقُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ - إلى قَوْلِهِ- ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] الآيَةَ. فَمِنهُ قالَ الشّافِعِيُّ: إذا قالَ أشْهَدُ بِاللَّهِ ونَوى بِهِ اليَمِينَ كانَ يَمِينًا. وأبُو حَنِيفَةَ يَجْعَلُها دُونَ اللَّهِ يَمِينًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يَقُولُونَ نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ولَمْ يَقُولُوا: نَشْهَدُ بِاللَّهِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] . والشّافِعِيُّ يَقُولُ: أشْهَدُ، يُنْبِئُ عَنْ مُبالَغَةٍ ما، ولَكِنْ إذا لَمْ يُقْرِنْهُ بِذِكْرِ اللَّهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى مَعْنى اليَمِينِ، فَإنَّ خاصِّيَّةَ اليَمِينِ في ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ.

المنافقون 63:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلُ الزَّكاةِ، ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُها أصْلًا.

الطلاق 65:1

(p-٤١٨)(p-٤١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الطَّلاقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآيَةَ. شَرَحْنا مَعْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وزَمانُ الطَّلاقِ المَشْرُوعُ المَعْلُومُ مِن هَذِهِ الآيَةِ زَمانَ الطُّهْرِ لا غَيْرَ، لا جَرَمَ قالَ الشَّعْبِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُطْلِقَها في طُهْرِ مَسَّها فِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ . يَدُلُّ عَلى أنَّ الطُّهْرَ إنْ جُعِلَ وقْتَ الطَّلاقِ، فالثّانِي والأوَّلُ والثّالِثُ سَواءٌ، وأنَّ اللَّفْظَ عُمُومٌ فِيهِ. وقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾، فَيَنْبَغِي أنْ يَنْتَظِمَ الكَلامُ عَلى العِدَّةِ. وهَذا باطِلٌ، فَإنَّ فِعْلَ الطَّلاقِ مِنَ الزَّوْجِ، إنَّما يُتَصَوَّرُ في سَماعِهِ، وإنَّما الشّامِلُ الحاوِي وقْتَ العُدَّةِ والعُدَّةُ وقْتَ الطَّلاقِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ السُّكْنى لَها ما دامَتْ في العُدَّةِ، فَإنَّ بُيُوتَهُنَّ الَّتِي نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ إخْراجِهِنَّ مِنها، هي البُيُوتُ الَّتِي كانَتْ تَسْكُنُها قَبْلَ (p-٤٢٠)الطَّلاقِ، فَأمَرَهُ بِإقْرارِها في بَيْتِها، ونَسَبَهُ إلَيْها بِالسُّكْنى كَما قالَ: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآيَةَ. فالفاحِشَةُ تَحْتَمِلُ البِذاءَ، وتَحْتَمِلُ الزِّنا وتَحْتَمِلُ النُّشُوزَ.

الطلاق 65:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى الإشْهادِ، إلّا أنَّ الإشْهادَ لا يَظْهَرُ انْصِرافُهُ إلى الطَّلاقِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الزَّوْجَ بِهِ أبَدًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى فَتْرَةٍ، والرَّجْعَةُ هي الَّتِي إذا تَأخَّرَتْ إلى انْقِضاءِ العُدَّةُ امْتَنَعَتْ. فالظّاهِرُ رُجُوعُ قَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا﴾ إلى الرَّجْعَةِ لا إلى الطَّلاقِ.

الطلاق 65:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ الآيَةَ. فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى إثْباتِ الإياسِ بَعْدَ ارْتِيابٍ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ إثْباتَ حُكْمِ الإياسِ في أوَّلِ الآيَةِ، فَلا جَرَمَ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الرِّيبَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، فَرُوِيَ «أنَّ أُبَيَّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَدَدًا مِن عِدَدِ النِّساءِ لَمْ يَذْكُرْ في الكِتابِ الصِّغارَ والكِبارِ وذَواتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ». وأبانَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كانَ ارْتِيابُهُنَّ في عَدَدِهِنَّ، صَغِيرٌ أوْ (p-٤٢١)كَبِيرٌ مِنَ الصَّغارِ والكِبارِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ؛ ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ الآيَةَ. واخْتَلَفَ السَّلَفُ في الَّتِي تَرْتَفِعُ حَيْضَتُها، فَرَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: أيُّما امْرَأةٍ طُلِّقَتْ فَحاضَتْ حَيْضَةً أوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَتْها حَيْضَتُها، فَإنَّهُ يُنْتَظَرُ بِها تِسْعَةَ أشْهُرٍ، فَإنِ اسْتَبانَ بِها حَمْلٌ فَذاكَ، وإلّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ. وأمَرَ ابْنُ عَبّاسٍ بِالتَّرَبُّصِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ وقالَ: تِلْكَ الرِّيبَةُ. وقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: الَّتِي تَرْتَفِعُ حَيْضَتُها تَبْقى إلى سِنِّ اليَأْسِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وهو الحَقُّ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ عِدَّةَ الآيِسَةِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، والمُرْتابَةُ لَيْسَتْ بِآيِسَةٍ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ الآيَةَ. ولَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ والخَلَفُ في أنَّ عِدَّةَ المُطَلَّقَةِ الحامِلِ في أنْ تَضَعَ حَمْلَها.واخْتَلَفَ السَّلَفُ في عِدَّةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وأنَّها تَعْتَدُّ بِأقْصى الأجَلَيْنِ أوْ بِوَضْعِ الحَمْلِ: فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأقْصى الأجَلَيْنِ. وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في نَفَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ: إنَّها تَعْتَدُّ بِوَضْعِ الحَمْلِ. (p-٤٢٢)ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى ذِكْرِ المُطَلَّقاتِ، غَيْرَ أنَّهُ عُمُومٌ، وقَدْ نَزَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَلى ما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَّهُ قالَ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ، ما نَزَلَتْ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾، إلّا بَعْدَ آيَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُهافَكانَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عامًّا في كُلِّ مَن يَتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وقَوْلُهُ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾، عُمُومٌ ورَدَ بَعْدَهُوَلا دَلِيلَ مِنَ الأوَّلِ عَلى تَخْصِيصِ الثّانِي، فَوَجَبَ اعْتِبارُ المُتَأخِّرِ.

الطلاق 65:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا نَفَقَةَ لِلْحامِلِ. نَعَمْ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾، وإنْ عَمَّ الرَّجْعِيَّةَ والبائِنَةَ، ولِلرَّجْعِيَّةِ النَّفَقَةُ في عُمُومِ الأحْوالِ، فَذَلِكَ خَرَجَ بِدَلِيلِ الإجْماعِ، وبَقِيَ ما عَداهُ عَلى مُوجَبِ المَفْهُومِ مِنَ الآيَةِ، ويَزِيدُهُ تَأْكِيدًا أنَّهُ أطْلَقَ السُّكْنى، وقَيَّدَ النَّفَقَةَ، فَلَوْ كانَ الحُكْمُ فِيها سَواءً لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ مَعْنًى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآيَةَ. دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أحْكامٍ: مِنها إذا أرْضَعَتْ بِأنْ تُرْضِعَهُ بِأجْرِ مِثْلِها، لَمْ يَكُنْ لِلْأبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ غَيْرَها بِمِثْلِ ذَلِكَ الأجْرِ. (p-٤٢٣)ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأُمَّ أحَقُّ بِحَضانَةِ الوَلَدِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأُجْرَةَ إنَّما تُسْتَحَقُّ بِالفَراغِ مِنَ العَمَلِ، وإنِ احْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفَقَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ الزَّوْجِ في يَسارِهِ وإعْسارِهِ، وأنَّ نَفَقَةَ المُعْسِرِ أقَلُّ مِن نَفَقَةِ المُوسِرِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّهُ اعْتَبَرَ كِفايَتَها.

الطلاق 65:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ الآيَةَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجِ والمَرْأةِ، لِعَجْزِهِ عَنْ نَفَقَتِها، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُوجِبِ النَّفَقَةَ في هَذِهِ الحالَةِ. والَّذِي يُخالِفُ هَذا مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ يَقُولُ: إنَّما فَرَّقْنا بَيْنَهُما لا لِأنَّهُ تَرَكَ واجِبًا عَلَيْهِ في هَذِهِ الحالَةِ مِنَ النَّفَقَةِ، ولَكِنَّهُ عَجَزَ عَنِ الإمْساكِ بِالمَعْرُوفِ، فَعَلَيْهِ التَّسْرِيحُ بِالإحْسانِ، فَإنَّهُ إذا صارَ لا بُدَّ مِن أحَدِهِما فَمَتى فاتَ أحَدُهُما تَعَيَّنَ الثّانِي، ولا شَكَّ أنَّ العاجِزَ عَنْ نَفَقَةِ عَبْدِهِ أوْ أمَتِهِ أوْ بَهِيمَتِهِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُها، لَكِنْ يُجْبَرُ عَلى بَيْعِ المَمْلُوكِ، كَذَلِكَ هاهُنا. ولِأجْلِهِ ارْتَفَعَ الحَبْسُ عَنْها في الدّارِ، وإنْ لَمْ تَجِبِ النَّفَقَةُ عَلى ما ذَكَرُوهُ.

التحريم 66:1

(p-٤٢٤)(p-٤٢٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التَّحْرِيمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيَةَ. قِيلَ: إنَّ الآيَةَ ورَدَتْ في تَحْرِيمِ العَسَلِ. وقِيلَ: ورَدَتْ في تَحْرِيمِ مارِيَةَ لِما أصابَها في بَيْتِ حَفْصَةَ، فَعَلِمَتْ بِهِ، فَخَرَجَتْ مِنهُ فَقالَ: ألا تَرْضَيْنَ أنْ أُحَرِّمَها فَلا أقْرَبَها؟ فَقالَتْ: بَلى. فَحَرَّمَها فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والأشْبَهُ هَذا، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ ؟ وفي حَدِيثِ العَسَلِ، رُوِيَ أنَّهُ حَلَفَ، ورُوِيَ أنَّهُ حَلَفَ في الجارِيَةِ أيْضًا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] الآيَةَ. ولا أيْمانَ في مُجَرَّدِ التَّحْرِيمِ.

التحريم 66:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في تَفْسِيرِهِ: عَلِّمُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمُ الخَيْرَ. (p-٤٢٦)وقالَ الحَسَنُ: نُعَلِّمُهم ونَأْمُرُهم ونَنْهاهم. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلَيْنا تَعْلِيمَ أوْلادِنا وأهْلِينا الدِّينَ والخَيْرَ، وما لا يُسْتَغْنى عَنْهُ مِنَ الأدَبِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢]، ونَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . وفِي الحَدِيثِ «مُرُوهم بِالصَّلاةِ وهم أبْناءُ سَبْعٍ واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرٍ».

التحريم 66:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ الآيَةَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى التَّشَدُّدِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى.

المزمل 73:2

(p-٤٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُزَّمِّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ الآيَةَ. رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قامَ هو وأصْحابُهُ حَتّى انْتَفَخَتْ أقْدامُهُمْ،» وأمْسَكَ اللَّهُ خاتِمَتَها اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى التَّخْفِيفَ في آخِرِ السُّورَةِ، فَكانَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ كَوْنِهِ فَرِيضَةً.

المزمل 73:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ الآيَةَ. فَنُسِخَ بِهِ قِيامُ اللَّيْلِ المَفْرُوضُ فَكانَ نَدْبًا. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى لُزُومِ فَرْضِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ .

المدثر 74:4

ومِن سُورَةِ المُدَّثِّرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ تَطْهِيرِ الثِّيابِ مِنَ النَّجاساتِ لِلصَّلاةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أمَرَهُ أنْ لا يَلْبَسَ ثِيابَهُ عَلى عَذِرَةٍ، وذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.

المدثر 74:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ الآيَةَ. (p-٤٢٨)أيْ لا تَمْنُنْ حَسَناتِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَكْثِرًا، فَيُنْقِصُكَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

القيامة 75:14

ومِن سُورَةِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى قَبُولِ شَهادَةِ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ.

الإنسان 76:8

ومِن سُورَةِ الإنْسانِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأسِيرًا﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ إطْعامَ المُشْرِكِ يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، غَيْرَ أنَّهُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وأمّا المَفْرُوضُ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

المرسلات 77:25

ومِن سُورَةِ المُرْسَلاتِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾، ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] الآيَةَ. وعَنى بِالكِفاتِ الضِّمامَ، فَأرادَ بِهِ تَعالى أنَّها تَضُمُّهم في الحالَتَيْنِ جَمِيعًا. وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ مُواراةِ المَيِّتِ ودَفْنِهِ ودَفْنِ شَعْرِهِ وسائِرِ ما يُزايِلُهُ.

الانشقاق 84:16

ومِن سُورَةِ الِانْشِقاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ الآيَةَ. قالَ مُجاهِدٌ: الشَّفَقُ النَّهارُ، ألا تَراهُ قالَ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] الآيَةَ. وقالَ قائِلُونَ: الشَّفَقُ البَياضُ. وقالَ آخَرُونَ: الحُمْرَةُ، وعَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ أماراتٌ، واللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُما جَمِيعًا.

الانشقاق 84:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ الآيَةَ: لا يَظْهَرُ في سُجُودِ التِّلاوَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مُرادًا مِن بَيْنِ الواجِباتِ كُلِّها، فَدَلَّ أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّهم لا يُذْعِنُونَ ولا يُطِيعُونَ في العَمَلِ بِمُوجِباتِهِ.

الأعلى 87:14

ومِن سُورَةِ الأعْلى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾، ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى زَكاةِ الفِطْرِ وزَكاةِ المالِ. (p-٤٢٩)وذِكْرُ اسْمِ رَبِّهِ يَدُلُّ عَلى ذِكْرٍ يُناسِبُ الزَّكاةَ، وذَلِكَ تَكْبِيراتُ العِيدِ.

الضحى 93:9

ومِن سُورَةِ الضُّحى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ الآيَةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ قَهْرِهِ وظُلْمِهِ وأخْذِ مالِهِ، وخُصَّ اليَتِيمُ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهُ إلّا اللَّهُ، فَغَلَّظَ في أمْرِهِ بِتَغْلِيظِ العُقُوبَةِ عَلى ظالِمِهِ. * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] الآيَةَ. (p-٤٣٠)فِيهِ نَهْيٌ عَنْ إغْلاظِ القَوْلِ لَهُ، لِأنَّ الِانْتِهارَ هو الزَّجْرُ وإغْلاظُ القَوْلِ.

الشرح 94:7

ومِن سُورَةِ الشَّرْحِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾، ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] الآيَةَ: في العِبادَةِ والدُّعاءِ.

القدر 97:3

(p-٤٣١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَدْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ الآيَةَ: لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ، وإنَّما فَضِيلَةُ الزَّمانِ بِكَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الفَضائِلِ، وفي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يُقَسَّمُ الخَيْرُ الكَثِيرُ الَّذِي لا يُوجَدُ مِثْلُهُ في ألْفِ شَهْرٍ. واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في لَيْلَةِ القَدْرِ، ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى التَّعْيِينِ، ولَيْسَ في الشَّرْعِ قاطِعٌ عَلى التَّعْيِينِ، ولِذَلِكَ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ أنْتِ طالِقٌ لَيْلَةَ القَدْرِ لا تُطَلَّقُ حَتّى يَمْضِيَ حَوْلٌ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إيقاعُ الطَّلاقِ بِالشَّكِّ، ولَمْ يَثْبُتِ اخْتِصاصُها بِوَقْتٍ، فَلا يَتَيَقَّنُ وُقُوعُ الطَّلاقِ إلّا بِمُضِيِّ حَوْلٍ.

البينة 98:5

ومِن سُورَةِ البَيِّنَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآيَةَ: يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ النِّيَّةِ في العِباداتِ، لِأنَّ الإخْلاصَ عَمَلُ القَلْبِ، وهو أنْ يُرِيدَ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِالعَمَلِ، ولا يُرادُ غَيْرُهُ بِهِ أصْلًا.

الماعون 107:5

ومِن سُورَةِ الماعُونِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ الآيَةَ. أيْ مُؤَخِّرُونَ لَها عَنْ مِيقاتِها. (p-٤٣٢)قَوْلُهُ: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] الآيَةَ: كُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ.

الكوثر 108:2

ومِن سُورَةِ الكَوْثَرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ الآيَةَ. قالَ الحَسَنُ: صَلاةُ يَوْمِ النَّحْرِ والبُدْنِ. قالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ: صَلِّ الصُّبْحَ بِجَمْعٍ، وانْحَرِ البُدْنَ بِمِنًى.

النصر 110:3

ومِن سُورَةِ النَّصْرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ. عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يَكْثُرُ أنْ يَقُولَ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ».

الفلق 113:4

(p-٤٣٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَلَقِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «بَيْنَما أنا أسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الجُحْفَةِ والأبْواءِ، إذْ غَشِيَتْنا رِيحٌ شَدِيدَةٌ مُظْلِمَةٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَعَوَّذُ بِأعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وأعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ ويَقُولُ: ”يا عُقْبَةَ، تَعَوَّذْ بِهِما فَما تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمَثَلِهِما“». و﴿النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] الآيَةَ: السَّواحِرُ يَنْفُثْنَ عَلى العَلِيلِ، ويُرْقُونَهُ بِكَلامٍ هو كُفْرٌ وتَعْظِيمٌ لِلْكَوْكَبِ، ويُطْعِمْنَ العَلِيلَ الأدْوِيَةَ الحارَّةَ الضّارَّةَ والسُّمُومَ القاتِلَةَ، ويَحْتَلْنَ في التَّوَصُّلِ إلى ذَلِكَ، ويَزْعُمْنَ أنَّ ذَلِكَ مِن رُقاهِنَّ، ومَن أرَدْنَ نَفْعَهُ نَفَثْنَ عَلَيْهِ، وأوْهَمْنَ أنَّهُنَّ نَفَعْنَهُ بِذَلِكَ، ورُبَّما أضَفْنَ إلى ذَلِكَ بَعْضَ الأدْوِيَةِ النّافِعَةِ. ورَوَتْ عائِشَةُ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”العَيْنُ حَقٌّ ولَوْ كانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ، فَإذا اسْتَعَنْتُمْ فاغْتَسِلُوا“» . (p-٤٣٤)وقالَ قَوْمٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ: إنَّ ضَرَرَ العَيْنِ، إنَّما هو مِن جِهَةِ شَيْءٍ يَنْفَصِلُ مِنَ العَيْنِ ويَتَّصِلُ بِالمُعايَنِ. والحُقُّ في ذَلِكَ إذا اتَّفَقَ ضَرَرٌ فَهو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما يُفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ إعْجابِ الإنْسانِ بِما يَراهُ، تَذْكِيرًا لَهُ لِأنْ لا يَرْكَنَ إلى الدُّنْيا ولا يَعْجَبَ بِشَيْءٍ مِنها. وعَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَن رَأى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ». * * تَمَّ الكِتابُ بِحَمْدِ اللَّهِ ومَنِّهِ، وقَدْ أتَيْنا عَلى جُمَلِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أحْكامِ الفِقْهِ اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلَيْها، وأوْضَحْنا قَدْرَ مَقْصُودِنا مِنِ اخْتِلافِ العُلَماءِ، وبَيانِ أقْرَبِ الأقْوالِ إلى مَعانِي القُرْآنِ، ولَمْ نُغادِرْ جُهْدًا في تَلْخِيصِ ما أرَدْناهُ وحَذْفِ الحَشْوِ المُسْتَغْنى عَنْهُ. ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ سَعْيَنا مَصْرُوفًا إلى ابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، وابْتِغاءِ الزُّلْفى لَدَيْهِ، فَإنَّهُ رُءُوفٌ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وسَلِّمْ تَسْلِيمًا.

الفلق 113:5

(p-٤٣٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَلَقِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «بَيْنَما أنا أسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الجُحْفَةِ والأبْواءِ، إذْ غَشِيَتْنا رِيحٌ شَدِيدَةٌ مُظْلِمَةٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَعَوَّذُ بِأعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وأعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ ويَقُولُ: ”يا عُقْبَةَ، تَعَوَّذْ بِهِما فَما تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمَثَلِهِما“». و﴿النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] الآيَةَ: السَّواحِرُ يَنْفُثْنَ عَلى العَلِيلِ، ويُرْقُونَهُ بِكَلامٍ هو كُفْرٌ وتَعْظِيمٌ لِلْكَوْكَبِ، ويُطْعِمْنَ العَلِيلَ الأدْوِيَةَ الحارَّةَ الضّارَّةَ والسُّمُومَ القاتِلَةَ، ويَحْتَلْنَ في التَّوَصُّلِ إلى ذَلِكَ، ويَزْعُمْنَ أنَّ ذَلِكَ مِن رُقاهِنَّ، ومَن أرَدْنَ نَفْعَهُ نَفَثْنَ عَلَيْهِ، وأوْهَمْنَ أنَّهُنَّ نَفَعْنَهُ بِذَلِكَ، ورُبَّما أضَفْنَ إلى ذَلِكَ بَعْضَ الأدْوِيَةِ النّافِعَةِ. ورَوَتْ عائِشَةُ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”العَيْنُ حَقٌّ ولَوْ كانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ، فَإذا اسْتَعَنْتُمْ فاغْتَسِلُوا“» . (p-٤٣٤)وقالَ قَوْمٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ: إنَّ ضَرَرَ العَيْنِ، إنَّما هو مِن جِهَةِ شَيْءٍ يَنْفَصِلُ مِنَ العَيْنِ ويَتَّصِلُ بِالمُعايَنِ. والحُقُّ في ذَلِكَ إذا اتَّفَقَ ضَرَرٌ فَهو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما يُفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ إعْجابِ الإنْسانِ بِما يَراهُ، تَذْكِيرًا لَهُ لِأنْ لا يَرْكَنَ إلى الدُّنْيا ولا يَعْجَبَ بِشَيْءٍ مِنها. وعَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَن رَأى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ». * * تَمَّ الكِتابُ بِحَمْدِ اللَّهِ ومَنِّهِ، وقَدْ أتَيْنا عَلى جُمَلِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أحْكامِ الفِقْهِ اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلَيْها، وأوْضَحْنا قَدْرَ مَقْصُودِنا مِنِ اخْتِلافِ العُلَماءِ، وبَيانِ أقْرَبِ الأقْوالِ إلى مَعانِي القُرْآنِ، ولَمْ نُغادِرْ جُهْدًا في تَلْخِيصِ ما أرَدْناهُ وحَذْفِ الحَشْوِ المُسْتَغْنى عَنْهُ. ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ سَعْيَنا مَصْرُوفًا إلى ابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، وابْتِغاءِ الزُّلْفى لَدَيْهِ، فَإنَّهُ رُءُوفٌ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وسَلِّمْ تَسْلِيمًا.