أحكام القرآن — الفاتحة 1:1 – البقرة 2:156
المحتويات
- الفاتحة 1:1
- الفاتحة 1:2
- البقرة 2:3
- البقرة 2:8
- البقرة 2:9
- البقرة 2:22
- البقرة 2:23
- البقرة 2:24
- البقرة 2:25
- البقرة 2:31
- البقرة 2:34
- البقرة 2:41
- البقرة 2:43
- البقرة 2:45
- البقرة 2:59
- البقرة 2:67
- البقرة 2:68
- البقرة 2:72
- البقرة 2:75
- البقرة 2:80
- البقرة 2:81
- البقرة 2:83
- البقرة 2:84
- البقرة 2:85
- البقرة 2:94
- البقرة 2:95
- البقرة 2:102
- البقرة 2:103
- البقرة 2:104
- البقرة 2:106
- البقرة 2:109
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:116
- البقرة 2:124
- البقرة 2:125
- البقرة 2:126
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:137
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:148
- البقرة 2:150
- البقرة 2:152
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:156
الفاتحة 1:1
بابٌ القَوْلُ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: الكَلامُ فِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: مَعْنى الضَّمِيرِ الَّذِي فِيها.
والثّانِي: هَلْ هي مِنَ القُرْآنِ في افْتِتاحِهِ ؟
والثّالِثُ: هَلْ هي مِنَ الفاتِحَةِ أمْ لا ؟
والرّابِعُ: هَلْ هي مِن أوائِلِ السُّوَرِ ؟
والخامِسُ: هَلْ هي آيَةٌ تامَّةٌ أمْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ تامَّةٍ ؟
والسّادِسُ: قِراءَتُها في الصَّلاةِ.
والسّابِعُ: تَكْرارُها في أوائِلِ السُّوَرِ في الصَّلاةِ.
والثّامِنُ: الجَهْرُ بِها.
والتّاسِعُ: ذِكْرُ ما في مُضْمَرِها مِنَ الفَوائِدِ وكَثْرَةِ المَعانِي فَنَقُولُ: إنَّ فِيها ضَمِيرَ فِعْلٍ لا يَسْتَغْنِي الكَلامُ عَنْهُ؛ لِأنَّ الباءَ مَعَ سائِرِ حُرُوفِ الجَرِّ لا بُدَّ أنْ يَتَّصِلَ بِفِعْلٍ إمّا مُظْهَرٍ مَذْكُورٍ، وإمّا مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ، والضَّمِيرُ في هَذا المَوْضِعِ يَنْقَسِمُ إلى مَعْنَيَيْنِ: خَبَرٍ وأمْرٍ، فَإذا كانَ الضَّمِيرُ خَبَرًا كانَ مَعْناهُ: أبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ، فَحُذِفَ هَذا الخَبَرُ وأُضْمِرَ؛ لِأنَّ القارِئَ مُبْتَدِئٌ، فالحالُ المُشاهَدَةُ مُنْبِئَةٌ عَنْهُ، مُغْنِيَةٌ عَنْ ذِكْرِهِ، وإذا كانَ أمْرًا كانَ مَعْناهُ: ابْدَءُوا بِسْمِ اللَّهِ، واحْتِمالُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ عَلى وجْهٍ واحِدٍ.
وفِي نَسَقِ تِلاوَةِ السُّورَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ أمْرٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]
ومَعْناهُ: قُولُوا إيّاكَ، كَذَلِكَ ابْتِداءُ الخِطابِ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وقَدْ ورَدَ الأمْرُ بِذَلِكَ في مَواضِعَ (p-٦)مِنَ القُرْآنِ مُصَرَّحًا وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فَأُمِرَ في افْتِتاحِ القِراءَةِ بِالتَّسْمِيَةِ كَما أُمِرَ أمامَ القِراءَةِ بِتَقْدِيمِ الِاسْتِعاذَةِ، وهو إذا كانَ خَبَرًا فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الأمْرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ يَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ فَفِيهِ أمْرٌ لَنا بِالِابْتِداءِ بِهِ والتَّبَرُّكِ بِافْتِتاحِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما أخْبَرَنا بِهِ لِنَفْعَلَ مِثْلَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُما جَمِيعًا، فَيَكُونَ الخَبَرُ والأمْرُ جَمِيعًا مُرادَيْنِ، لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُما فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَوْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الخَبَرِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الأمْرِ والخَبَرِ، كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ الضَّمِيرِ في انْتِفاءِ إرادَةِ الأمْرَيْنِ، قِيلَ لَهُ:
إذا أظْهَرَ صِيغَةَ الخَبَرِ امْتَنَعَ أنْ يُرِيدَهُما لِاسْتِحالَةِ كَوْنِ لَفْظٍ واحِدٍ أمْرًا وخَبَرًا في حالٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ مَتى أرادَ بِالخَبَرِ الأمْرَ كانَ اللَّفْظُ مَجازًا، وإذا أرادَ بِهِ حَقِيقَةَ الخَبَرِ كانَ حَقِيقَةً، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الواحِدُ مَجازًا حَقِيقَةً، لِأنَّ الحَقِيقَةَ هي اللَّفْظُ المُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعِهِ، والمَجازُ ما عُدِلَ بِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ إلى غَيْرِهِ، ويَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ مُسْتَعْمَلًا في مَوْضِعِهِ ومَعْدُولًا بِهِ عَنْهُ في حالٍ واحِدٍ؛ فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ إرادَةُ الخَبَرِ والأمْرِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وأمّا الضَّمِيرُ فَغَيْرُ مَذْكُورٍ، وإنَّما هو مُتَعَلِّقٌ بِالإرادَةِ ولا يَسْتَحِيلُ إرادَتُهُما مَعًا عِنْدَ احْتِمالِ اللَّفْظِ لِإضْمارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَيَكُونُ مَعْناهُ حِينَئِذٍ: أبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ، وابْدَءُوا أنْتُمْ أيْضًا بِهِ اقْتِداءً بِفِعْلِي وتَبَرُّكًا بِهِ غَيْرَ أنَّ جَوازَ إرادَتِهِما لا يُوجِبُ عِنْدَ الإطْلاقِ إثْباتَهُما إلّا بِدَلالَةٍ؛ إذْ لَيْسَ هو عُمُومَ لَفْظٍ مُسْتَعْمَلٍ عَلى مُقْتَضاهُ ومُوجَبِهِ.
وإنَّما الَّذِي يَلْزَمُ حُكْمَ اللَّفْظِ إثْباتُ ضَمِيرٍ مُحْتَمَلٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَجْهَيْنِ.
وتَعْيِينُهُ في أحَدِهِما مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلالَةِ كَذَلِكَ قَوْلُنا في نَظائِرِهِ نَحْوُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «رُفِعَ عَنِ اُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» لِأنَّ الحُكْمَ لَمّا تَعَلَّقَ بِضَمِيرٍ يَحْتَمِلُ رَفْعَ الحُكْمِ رَأْسًا ويَحْتَمِلُ المَأْثَمَ لَمْ يَمْتَنِعْ إرادَةُ الأمْرَيْنِ بِأنْ لا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، ولا مَأْثَمَ عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُما وجَوازِ إرادَتِهِما، إلّا أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ بِعُمُومِ لَفْظٍ فَيَنْتَظِمُهُما، فاحْتَجْنا في إثْباتِ المُرادِ إلى دَلالَةٍ مِن غَيْرِهِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ قِيامُ الدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ أحَدِهِما بِعَيْنِهِ أوْ إرادَتِهِما جَمِيعًا.
وقَدْ يَجِيءُ مِنَ الضَّمِيرِ المُحْتَمِلِ لِأمْرَيْنِ ما لا يَصِحُّ إرادَتُهُما مَعًا، نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» . مَعْلُومٌ أنَّ حُكْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِضَمِيرٍ يَحْتَمِلُ جَوازَ العَمَلِ ويَحْتَمِلُ أفْضَلِيَّتَهُ فَمَتى أرادَ الجَوازَ امْتَنَعَتْ (p-٧)إرادَةُ الأفْضَلِيَّةِ؛ لِأنَّ إرادَةَ الجَوازِ تَنْفِي ثُبُوتَ حُكْمِهِ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ، وإرادَةَ الأفْضَلِيَّةِ تَقْتَضِي إثْباتَ حُكْمِ شَيْءٍ مِنهُ لا مَحالَةَ مَعَ إثْباتِ النُّقْصانِ فِيهِ ونَفْيِ الأفْضَلِيَّةِ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يُرِيدَ نَفْيَ الأصْلِ ونَفْيَ الكَمالِ المُوجِبِ لِلنُّقْصانِ في حالٍ واحِدٍ.
وهَذا مِمّا لا يَصِحُّ فِيهِ إرادَةُ المَعْنَيَيْنِ مِن نَفْيِ الأصْلِ وإثْباتِ النَّقْصِ، ولا يَصِحُّ قِيامُ الدَّلالَةِ عَلى إرادَتِهِما
قالَ أبُو بَكْرٍ: وإذا ثَبَتَ اقْتِضاؤُهُ لِمَعْنى الأمْرِ انْقَسَمَ ذَلِكَ إلى فَرْضٍ ونَفْلٍ فالفَرْضُ هو ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ افْتِتاحِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] فَجَعَلَهُ مُصَلِّيًا عَقِيبَ الذِّكْرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ ذِكْرَ التَّحْرِيمَةِ وقالَ تَعالى: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] قِيلَ إنَّ المُرادَ بِهِ ذِكْرُ الِافْتِتاحِ.
رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦] قالَ: هي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ وكَذَلِكَ هو في الذَّبِيحَةِ فَرْضٌ، وقَدْ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]
وهُوَ في الطَّهارَةِ والأكْلِ والشُّرْبِ وابْتِداءِ الأُمُورِ نَفْلٌ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ هَلّا أوْجَبْتُمُ التَّسْمِيَةَ عَلى الوُضُوءِ بِمُقْتَضى الظّاهِرِ لِعَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى خُصُوصِهِ مَعَ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا وُضُوءَ لِمَن لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» قِيلَ لَهُ: الضَّمِيرُ لَيْسَ بِظاهِرٍ، فَيُعْتَبَرُ عُمُومُهُ، وإنَّما ثَبَتَ مِنهُ ما قامَتِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ؛ وقَوْلُهُ " لا وُضُوءَ لِمَن لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ " عَلى جِهَةِ نَفْيِ الفَضِيلَةِ لِدَلائِلَ قامَتْ عَلَيْهِ.
* *
فَصْلٌ
وأمّا قِراءَتُها في الصَّلاةِ فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ وابْنَ أبِي لَيْلى والثَّوْرِيَّ والحَسَنَ بْنَ صالِحٍ وأبا يُوسُفَ ومُحَمَّدًا وزُفَرَ والشّافِعِيَّ كانُوا يَقُولُونَ بِقِراءَتِها في الصَّلاةِ بَعْدَ الِاسْتِعاذَةِ قَبْلَ فاتِحَةِ الكِتابِ، واخْتَلَفُوا في تَكْرارِها في كُلِّ رَكْعَةٍ وعِنْدَ افْتِتاحِ السُّورَةِ؛ فَرَوى أبُو يُوسُفَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَقْرَؤُها في كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّةً واحِدَةً عِنْدَ ابْتِداءِ قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ، ولا يُعِيدُها مَعَ السُّورَةِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ.
وقالَ مُحَمَّدٌ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ (p-١٤)عَنْ أبِي حَنِيفَةَ: إذا قَرَأها في أوَّلِ رَكْعَةٍ عِنْدَ ابْتِداءِ القِراءَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأها في تِلْكَ الصَّلاةِ حَتّى يُسَلِّمَ، وإنْ قَرَأها مَعَ كُلِّ سُورَةٍ فَحَسَنٌ قالَ الحَسَنُ: وإنْ كانَ مَسْبُوقًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يَقْرَأها فِيما يَقْضِي؛ لِأنَّ الإمامَ قَدْ قَرَأها في أوَّلِ صَلاتِهِ، وقِراءَةُ الإمامَ لَهُ قِراءَةٌ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يَدُلُّ مِن قَوْلِهِ عَلى أنَّهُ كانَ يَرى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِنَ القُرْآنِ في ابْتِداءِ القِراءَةِ، وأنَّها لَيْسَتْ مُفْرَدَةً عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ فَقَطْ حَسَبَ إثْباتِها في ابْتِداءِ الأُمُورِ والكُتُبِ، ولا مَنقُولَةً عَنْ مَواضِعِها مِنَ القُرْآنِ.
ورَوى هِشامٌ عَنْ أبِي يُوسُفَ قالَ: سَألْتُ أبا حَنِيفَةَ عَنْ قِراءَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَبْلَ فاتِحَةِ الكِتابِ وتَجْدِيدِها قَبْلَ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ فاتِحَةِ الكِتابِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجْزِيهِ قِراءَتُها قَبْلَ الحَمْدِ وقالَ أبُو يُوسُفَ: يَقْرَأُها في كُلِّ رَكْعَةٍ قَبْلَ القِراءَةِ مَرَّةً واحِدَةً ويُعِيدُها في الأُخْرى أيْضًا قَبْلَ فاتِحَةِ الكِتابِ وبَعْدَها إذا أرادَ أنْ يَقْرَأ سُورَةً قالَ مُحَمَّدٌ: فَإنْ قَرَأ سُوَرًا كَثِيرَةً وكانَتْ قِراءَتُهُ يُخْفِيها قَرَأها عِنْدَ افْتِتاحِ كُلِّ سُورَةٍ، وإنْ كانَ يَجْهَرُ بِها لَمْ يَقْرَأْها؛ لِأنَّهُ في الجَهْرِ يَفْصِلُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ بِسَكْتَةٍ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَةَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إنَّما هي لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ أوْ لِابْتِداءِ القِراءَةِ، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ السُّوَرِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ كانَ لا يَراها آيَةً وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: هي مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ فَيَقْرَأُها عِنْدَ ابْتِداءِ كُلِّ سُورَةٍ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّها تُقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وعَنْ إبْراهِيمَ قالَ: إذا قَرَأْتَها في أوَّلِ كُلِّ رَكْعَةٍ أجْزَأكَ فِيما بَقِيَ.
وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: لا يَقْرَؤُها في المَكْتُوبَةِ سِرًّا ولا جَهْرًا، وفي النّافِلَةِ إنْ شاءَ قَرَأ وإنْ شاءَ تَرَكَ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّها تُقْرَأُ في سائِرِ الصَّلَواتِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وأبِي هُرَيْرَةَ أنَّ «النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ في الصَّلاةِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]» .
ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ فَكانُوا يُسِرُّونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾»، وقالَ في بَعْضِها: يُخْفُونَ، وفي بَعْضِها: كانُوا لا يَجْهَرُونَ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ كانَ في الفَرْضِ؛ لِأنَّهم إنَّما كانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَهُ في الفَرائِضِ لا في التَّطَوُّعِ؛ إذْ لَيْسَ مِن سُنَّةِ التَّطَوُّعِ فِعْلُها في جَماعَةٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغَفَّلِ وأنْسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَفْتَتِحُ القِراءَةَ بِالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ» .
وهَذا إنَّما يَدُلُّ عَلى تَرْكِ الجَهْرِ بِها ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَرْكِها رَأْسًا فَإنْ قالَ قائِلٌ: رَوى أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: (p-١٥)«كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَهَضَ في الثّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ بِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ولَمْ يَسْكُتْ» .
قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لِمالِكٍ فِيهِ دَلِيلٌ مِن قِبَلِ أنَّهُ إنْ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْها في الثّانِيَةِ فَإنَّما ذَلِكَ حُجَّةٌ لِمَن يَقْتَصِرُ عَلَيْها في أوَّلِ رَكْعَةٍ، فَأمّا أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى تَرْكِها رَأْسًا فَلا.
وقَدْ رُوِيَ قِراءَتُها في أوَّلِ الصَّلاةِ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ لَهم مِنَ الصَّحابَةِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ قِراءَتُها في الفَرْضِ والنَّفَلِ لِما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنِ الصَّحابَةِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ لَهم، وعَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الفَرْضِ والنَّفَلِ لا في الإثْباتِ ولا في النَّفْيِ كَما لا يَخْتَلِفانِ في سائِرِ سُنَنِ الصَّلاةِ.
وأمّا وجْهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ في اقْتِصارِهِ عَلى قِراءَتِها في أوَّلِ رَكْعَةٍ دُونَ سائِرِ الرَّكَعاتِ وسُوَرِها فَهو لِما ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ مِن أوائِلِ السُّوَرِ؛ وإنْ كانَتْ آيَةً في مَوْضِعِها عَلى وجْهِ الفَصْلِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ أمَرَنا بِالِابْتِداءِ بِها تَبَرُّكًا ثَمَّ ثَبَتَ أنَّها مَقْرُوءَةٌ في أوَّلِ الصَّلاةِ بِما قَدَّمْناهُ، وكانَتْ حُرْمَةُ الصَّلاةِ حُرْمَةً واحِدَةً وجَمِيعُ أفْعالِها مَبْنِيَّةً عَلى التَّحْرِيمَةِ، صارَ جَمِيعُ الصَّلاةِ كالفِعْلِ الواحِدِ الَّذِي يُكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى في ابْتِدائِهِ ولا يُحْتاجُ إلى إعادَتِهِ وإنْ طالَ، كالِابْتِداءِ بِها في أوائِلِ الكُتُبِ، وكَما لَمْ تُعَدْ عِنْدَ ابْتِداءِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والتَّشَهُّدِ وسائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ، كَذَلِكَ حُكْمُها مَعَ ابْتِداءِ السُّورَةِ والرَّكَعاتِ ويَدُلُّ عَلى أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْفَصْلِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتّى يَنْزِلَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» .
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَوْضُوعَها لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ السُّوَرِ، ولا يُحْتاجُ إلى تَكْرارِها عِنْدَ كُلَّ سُورَةٍ فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا كانَتْ مَوْضُوعَةً لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فَيَنْبَغِي أنْ يُفْصَلَ بَيْنَهُما بِقِراءَتِها عَلى حَسَبِ مَوْضُوعِها قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفَصْلَ قَدْ عُرِفَ بِنُزُولِها.
وإنَّما يُحْتاجُ في الِابْتِداءِ بِها تَبَرُّكًا؛ وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ في ابْتِداءِ الصَّلاةِ، ولا صَلاةَ هُناكَ مُبْتَدَأةٌ فَيُقْرَأُ مِن أجْلِها، فَلِذَلِكَ جازَ الِاقْتِصارُ بِها عَلى أوَّلِها.
وأمّا مَن قَرَأها في كُلِّ رَكْعَةٍ فَوَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ لَها قِراءَةٌ مُبْتَدَأةٌ لا يَنُوبُ عَنْها القِراءَةُ في الَّتِي قَبْلَها فَمِن حَيْثُ اِحْتِيجَ إلى اسْتِئْنافِ القِراءَةِ فِيها صارَتْ كالرَّكْعَةِ الأُولى، فَلَمّا كانَ المَسْنُونُ فِيها قِراءَتَها في الرَّكْعَةِ الأُولى؛ كانَ كَذَلِكَ حُكْمُ الثّانِيَةِ؛ إذْ كانَ فِيها ابْتِداءُ قِراءَةٍ، ولا يُحْتاجُ إلى إعادَتِها عِنْدَ كُلِّ سُورَةٍ لِأنَّها فَرْضٌ واحِدٌ، وكانَ حُكْمُ السُّورَةِ في الرَّكْعَةِ الواحِدَةِ حُكْمَ (p-١٦)ما قَبْلَها لِأنَّها دَوامٌ عَلى فِعْلٍ قَدِ ابْتَدَأهُ، وحُكْمُ الدَّوامِ حُكْمُ الِابْتِداءِ كالرُّكُوعِ إذا أطالَهُ، وكَذَلِكَ السُّجُودُ وسائِرُ أفْعالِ الصَّلاةِ الدَّوامُ عَلى الفِعْلِ الواحِدِ مِنها حُكْمُهُ حُكْمُ الِابْتِداءِ، حَتّى إذا كانَ الِابْتِداءُ فَرْضًا كانَ ما بَعْدَهُ في حُكْمِهِ وأمّا مَن رَأى إعادَتَها عِنْدَ كُلِّ سُورَةٍ فَإنَّهم فَرِيقانِ:
أحَدُهُما: مَن لَمْ يَجْعَلْها مِنَ السُّورَةِ، والآخَرُ مَن جَعَلَها مِن أوائِلِها فَأمّا مَن جَعَلَها مِن أوائِلِها فَإنَّهُ رَأى إعادَتَها كَما يَقْرَأ سائِرَ آيِ السُّورَةِ.
وأمّا مَن لَمْ يَرَها مِنَ السُّورَةِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ كُلَّ سُورَةٍ كالصَّلاةِ المُبْتَدَأةِ فَيَبْتَدِئُ فِيها بِقِراءَتِها كَما فَعَلَها في أوَّلِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّها كَذَلِكَ في المُصْحَفِ، كَما لَوِ ابْتَدَأ قِراءَةَ السُّورَةِ في غَيْرِ الصَّلاةِ بَدَأ بِها، فَلذَلِكَ إذا قَرَأ قَبْلَها سُورَةً غَيْرَها.
وقَدْ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ آنِفًا ثُمَّ قَرَأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] إلى آخِرِها حَتّى خَتَمَها» ورَوى أبُو بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ كانَ يَبْتَدِئُ قِراءَةَ السُّورَةِ في غَيْرِ الصَّلاةِ بِها، وكانَ سَبِيلُها أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُها في الصَّلاةِ.
وقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَفْتَتِحُ أُمَّ القُرْآنِ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ويَفْتَتِحُ السُّورَةَ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
ورَوى جَرِيرٌ عَنِ المُغِيرَةِ، قالَ: أمّا إبْراهِيمُ فَقَرَأ في صَلاةِ المَغْرِبِ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفيل: ١] حَتّى إذا خَتَمَها وصَلَ بِخاتِمَتِها ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
* *
فَصْلٌ
وأمّا الجَهْرُ بِها فَإنَّ أصْحابَنا والثَّوْرِيَّ قالُوا: يُخْفِيها.
وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: إنْ شاءَ جَهَرَ وإنْ شاءَ أخْفى.
وقالَ الشّافِعِيُّ: يَجْهَرُ بِها.
وهَذا الِاخْتِلافُ إنَّما هو في الإمامِ إذا صَلّى صَلاةً يُجْهَرُ فِيها بِالقِراءَةِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ فِيها اخْتِلافٌ كَثِيرٌ؛ فَرَوى عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ عَنْ أبِيهِ، قالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ فَجَهَرَ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ورَوى حَمّادٌ عَنْ إبْراهِيمَ، قالَ: كانَ عُمَرُ يُخْفِيها ثُمَّ يَجْهَرُ بِفاتِحَةِ الكِتابِ ورَوى عَنْهُ أنَسٌ مِثْلَ ذَلِكَ قالَ إبْراهِيمُ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ يُسِرُّونَ قِراءَةَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لا يَجْهَرُونَ بِها ورَوى أنَسٌ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا يُسِرّانِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وكَذَلِكَ رَوى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُغَفَّلِ.
ورَوى المُغِيرَةُ عَنْ إبْراهِيمَ، قالَ: جَهْرُ الإمامِ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصَّلاةِ بِدْعَةٌ.
ورَوى جَرِيرٌ عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ، قالَ: ذُكِرَ لِعِكْرِمَةَ الجَهْرُ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في (p-١٧)الصَّلاةِ، فَقالَ: أنا إذًا أعْرابِيٌّ ورَوى أبُو يُوسُفَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، قالَ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: الجَهْرُ في الصَّلاةِ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أعْرابِيَّةٌ.
ورَوى حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ كَثِيرٍ، قالَ: سُئِلَ الحَسَنُ عَنِ الجَهْرِ بِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الصَّلاةِ، فَقالَ: إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ الأعْرابُ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَرَوى شَرِيكٌ عَنْ عاصِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ جَهَرَ بِها؛ وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في غَيْرِ الصَّلاةِ.
ورَوى عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي حُسَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الجَهْرِ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ: ذَلِكَ فِعْلُ الأعْرابِ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ عَدَّها آيَةً، وأنَّهُ قالَ: هي تَمامُ السَّبْعِ المَثانِي، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ الجَهْرُ بِها في الصَّلاةِ.
وقَدْ رَوى أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِي وائِلٍ، قالَ: كانَ عُمَرُ وعَلِيٌّ لا يَجْهَرانِ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولا بِالتَّعَوُّذِ ولا بِآمِينَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ جَهَرَ بِها في الصَّلاةِ فَهَؤُلاءِ الصَّحابَةُ مُخْتَلِفُونَ فِيها عَلى ما بَيَّنّا.
ورَوى أنَسٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُغَفَّلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ كانُوا يُسِرُّونَ، وفي بَعْضِها: كانُوا يُخْفُونَ؛ وجَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُغَفَّلِ حَدَثًا في الإسْلامِ ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ والقِراءَةِ بِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ويَخْتِمُها بِالتَّسْلِيمِ» حَدَّثَنا أبُو الحَسَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحُسَيْنِ الكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ:
حَدَّثَنا الحَضْرَمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنا مُعاوِيَةُ بْنُ هِشامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جابِرٍ عَنْ حَمّادٍ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ:
ما جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا كانَ عِنْدَكَ أنَّها آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ في مَوْضِعِها فالواجِبُ الجَهْرُ بِها كالجَهْرِ بِالقِراءَةِ في الصَّلَواتِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيها بِالقُرْآنِ؛ إذْ لَيْسَ في الأُصُولِ الجَهْرُ بِبَعْضِ القِراءَةِ دُونَ بَعْضٍ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ.
قِيلَ لَهُ: إذا لَمْ تَكُنْ مِن فاتِحَةِ الكِتابِ عَلى ما بَيَّنّا، وإنَّما هي عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ بِها تَبَرُّكًا، جازَ أنْ لا يَجْهَرَ بِها ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] الآيَةَ هو مِنَ القُرْآنِ، ومَنِ اسْتَفْتَحَ بِهِ الصَّلاةَ لا يَجْهَرُ بِهِ، مَعَ الجَهْرِ بِسائِرِ القِراءَةِ، كَذَلِكَ ما وصَفْنا
قالَ أبُو بَكْرٍ: وما ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن إخْفائِها يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الفاتِحَةِ؛ إذْ لَوْ كانَتْ مِنها لَجَهَرَ بِها كَجَهْرِهِ بِسائِرِها فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِما رَوى نُعَيْمٌ المُجَمِّرُ أنَّهُ صَلّى وراءَ أبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ لَمّا سَلَّمَ قالَ: إنِّي لَأشْبَهُكم صَلاةً بِرَسُولِ (p-١٨)اللَّهِ ﷺ وبِما رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي في بَيْتِها فَيَقْرَأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]»، وبِما رَوى جابِرٌ الجُعْفِيُّ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ وعَمّارٍ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَجْهَرُ بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» .
قِيلَ لَهُ: أمّا حَدِيثُ نُعَيْمٍ المُجَمِّرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الجَهْرِ بِها؛ لِأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ أنَّهُ قَرَأها، ولَمْ يَقُلْ إنَّهُ جَهَرَ بِها وجائِزٌ أنْ لا يَكُونَ جَهَرَ بِها وإنْ قَرَأها، وكانَ عِلْمُ الرّاوِي بِقِراءَتِها إمّا مِن جِهَةِ أبِي هُرَيْرَةَ بِإخْبارِهِ إيّاهُ بِذَلِكَ أوْ مِن جِهَةِ أنَّهُ سَمِعَها لِقُرْبِهِ مِنهُ وإنْ لَمْ يَجْهَرْ بِها كَما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ يَقْرَأُ في الظُّهْرِ والعَصْرِ ويُسْمِعُنا الآيَةَ أحْيانًا»، ولا خِلافَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِها.
وقَدْ رَوى عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ، قالَ: حَدَّثَنا عُمارَةُ بْنُ القَعْقاعِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو هُرَيْرَةَ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا نَهَضَ في الثّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ بِالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ولَمْ يَسْكُتْ» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أنَّها مِن فاتِحَةِ الكِتابِ؛ وإذا لَمْ يَكُنْ مِنها لَمْ يُجْهَرْ بِها؛ لِأنَّ كُلَّ مَن لا يَعُدُّها آيَةً مِنها لا يَجْهَرُ بِها.
وأمّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَرَوى اللَّيْثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ مُعَلّى أنَّهُ سَألَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَعَتَتْ قِراءَتَهُ مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا فَفي هَذا الخَبَرِ أنَّها نَعَتَتْ قِراءَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ قِراءَتِها في الصَّلاةِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى جَهْرٍ ولا إخْفاءٍ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنَّهُ قَرَأها؛ ونَحْنُ كَذَلِكَ نَقُولُ أيْضًا، ولَكِنَّهُ لا يَجْهَرُ بِها وجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أخْبَرَها بِكَيْفِيَّةِ قِراءَتِهِ فَأخْبَرَتْ بِذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ سَمِعَتْهُ يَقْرَأُ غَيْرَ جاهِرٍ بِها، فَسَمِعَتْهُ لِقُرْبِها مِنهُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّها ذَكَرَتْ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي في بَيْتِها، وهَذِهِ لَمْ تَكُنْ صَلاةَ فَرْضٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يُصَلِّي الفَرْضَ مُنْفَرِدًا بَلْ كانَ يُصَلِّيها في جَماعَةٍ وجائِزٌ عِنْدَنا لِلْمُنْفَرِدِ والمُتَنَفِّلِ أنْ يَقْرَأ كَيْفَ شاءَ مِن جَهْرٍ أوْ إخْفاءٍ.
وأمّا حَدِيثُ جابِرٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ فَإنَّ جابِرًا مِمَّنْ لا تَثْبُتُ بِهِ حُجَّةٌ لِأُمُورٍ حُكِيَتْ عَنْهُ تُسْقِطُ رِوايَتَهُ، مِنها أنَّهُ كانَ يَقُولُ بِالرَّجْعَةِ عَلى ما حُكِيَ، وكانَ يَكْذِبُ في كَثِيرٍ مِمّا يَرْوِيهِ؛ وقَدْ كَذَّبَهُ قَوْمٌ مِن أئِمَّةِ السَّلَفِ، وقَدْ رَوى أبُو وائِلٍ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ لا يَجْهَرُ بِها؛ ولَوْ كانَ الجَهْرُ ثابِتًا عِنْدَهُ لَما خالَفَهُ إلى غَيْرِهِ، وعَلى أنَّهُ لَوْ تَساوَتِ الأخْبارُ في الجَهْرِ والإخْفاءِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ الإخْفاءُ أوْلى مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ظُهُورُ عَمَلِ السَّلَفِ بِالإخْفاءِ دُونَ (p-١٩)الجَهْرِ، مِنهم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ المُغَفَّلِ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَوْلُ إبْراهِيمَ: الجَهْرُ بِها بِدْعَةٌ؛ إذْ كانَ مَتى رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ خَبَرانِ مُتَضادّانِ وظَهَرَ عَمَلُ السَّلَفِ بِأحَدِهِما كانَ الَّذِي ظَهَرَ عَمَلُ السَّلَفِ بِهِ أوْلى بِالإثْباتِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ الجَهْرَ بِها لَوْ كانَ ثابِتًا لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهِ مُسْتَفِيضًا مُتَواتِرًا كَوُرُودِهِ في سائِرِ القِراءَةِ؛ فَلَمّا لَمْ يَرِدِ النَّقْلُ بِهِ مِن جِهَةِ التَّواتُرِ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ ثابِتٍ؛ إذِ الحاجَةُ إلى مَعْرِفَةِ مَسْنُونِ الجَهْرِ بِها كَهي إلى مَعْرِفَةِ مَسْنُونِ الجَهْرِ في سائِرِ فاتِحَةِ الكِتابِ فَإنِ اُحْتُجَّ بِما حَدَّثَنا أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأصَمُّ، قالَ: حَدَّثَنا رَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا الشّافِعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمانَ بْنِ خَيْثَمَ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ مُعاوِيَةَ قَدِمَ المَدِينَةَ فَصَلّى بِهِمْ ولَمْ يَقْرَأْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولَمْ يُكَبِّرْ إذا خَفَضَ وإذا رَفَعَ، فَناداهُ المُهاجِرُونَ حِينَ سَلَّمَ والأنْصارُ: أيْ مُعاوِيَةُ سَرَقْتَ الصَّلاةَ، أيْنَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأيْنَ التَّكْبِيرُ إذا خَفَضْتَ وإذا رَفَعْتَ ؟ فَصَلّى بِهِمْ صَلاةً أُخْرى فَقالَ فِيها ذَلِكَ الَّذِي عابُوا عَلَيْهِ؛ قالَ فَقَدْ عَرَفَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ الجَهْرَ بِها قِيلَ لَهُ: لَوْ كانَ ذَلِكَ كَما ذَكَرْتَ لَعَرَفَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ المُغَفَّلِ وابْنُ عَبّاسٍ ومَن رَوَيْنا عَنْهُمُ الإخْفاءَ دُونَ الجَهْرِ، ولَكانَ هَؤُلاءِ أوْلى بِعِلْمِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لِيَلِنِي مِنكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهى» .
وكانَ هَؤُلاءِ أقْرَبَ إلَيْهِ في حالَ الصَّلاةِ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ القَوْمِ المَجْهُولِينَ الَّذِينَ ذَكَرْتَ، وعَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاسْتِفاضَةٍ لِأنَّ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن قَوْلِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إنَّما رَوَيْتَهُ مِن طَرِيقِ الآحادِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الجَهْرِ، وإنَّما فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ونَحْنُ أيْضًا نُنْكِرُ تَرْكَ قِراءَتِها، وإنَّما كَلامُنا في الجَهْرِ والإخْفاءِ أيُّهُما أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
فَصْلٌ
والأحْكامُ الَّتِي يَتَضَمَّنُها قَوْلُهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: الأمْرُ بِاسْتِفْتاحِ الأُمُورِ لِلتَّبَرُّكِ بِذَلِكَ، والتَّعْظِيمُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِهِ، وذِكْرُها عَلى الذَّبِيحَةِ وشِعارٌ وعَلَمٌ مِن أعْلامِ الدِّينِ، وطَرْدُ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا سَمّى اللَّهَ العَبْدُ عَلى طَعامِهِ لَمْ يَنَلْ مِنهُ الشَّيْطانُ مَعَهُ وإذا لَمْ يُسَمِّهِ نالَ مِنهُ مَعَهُ» وفِيهِ إظْهارُ مُخالَفَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَفْتَتِحُونَ أُمُورَهم بِذِكْرِ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها مِنَ المَخْلُوقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَهم، وهو مَفْزَعٌ لِلْخائِفِ، ودَلالَةٌ مِن قائِلِهِ عَلى انْقِطاعِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ولُجُوئِهِ إلَيْهِ، وأُنْسٌ لِلسّامِعِ، (p-٢٠)وإقْرارٌ بِالأُلُوهِيَّةِ، واعْتِرافٌ بِالنِّعْمَةِ، واسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ تَعالى، وعِياذَةٌ بِهِ، وفِيهِ اسْمانِ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى المَخْصُوصَةِ بِهِ لا يُسَمّى بِهِما غَيْرُهُ، وهُما اللَّهُ والرَّحْمَنُ.
القَوْلُ في اْلَبَسْمَلَةِ هَلْ هي مِن أوائِلِ السُّوَرِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: ثَمَّ اخْتُلِفَ في أنَّها آيَةٌ مِن أوائِلِ السُّوَرِ أوْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنها، عَلى ما ذَكَرْنا مِن مَذْهَبِ أصْحابِنا أنَّها لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِن أوائِلِ السُّوَرِ لِتَرْكِ الجَهْرِ بِها ولِأنَّها إذا لَمْ تَكُنْ مِن فاتِحَةِ الكِتابِ فَكَذَلِكَ حُكْمُها في غَيْرِها؛ إذْ لَيْسَ مِن قَوْلِ أحَدٍ أنَّها لَيْسَتْ مِن فاتِحَةِ الكِتابِ وأنَّها مِن أوائِلِ السُّوَرِ وزَعَمَ الشّافِعِيُّ أنَّها آيَةٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ، وما سَبَقَهُ إلى هَذا القَوْلِ أحَدٌ لِأنَّ الخِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ إنَّما هو في أنَّها آيَةٌ مِن فاتِحَةِ الكِتابِ أوْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنها، ولَمْ يَعُدَّها أحَدٌ آيَةً مِن سائِرِ السُّوَرِ.
ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِن فاتِحَةِ الكِتابِ حَدِيثُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُها لِي، ونِصْفُها لِعَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ فَإذا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي أوْ أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قالَ: فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قالَ: هَذِهِ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَيَقُولُ عَبْدِي: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخِرِها، قالَ: لِعَبْدِي ما سَألَ» فَلَوْ كانَتْ مِن فاتِحَةِ (p-٩)الكِتابِ لَذَكَرَها فِيما ذَكَرَ مِنَ ايِ السُّورَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنها.
ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما عَبَّرَ بِالصَّلاةِ عَنْ قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ وجَعَلَها نِصْفَيْنِ، فانْتَفى بِذَلِكَ أنْ تَكُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةً مِنها مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْها في القِسْمَةِ؛ الثّانِي أنَّها لَوْ صارَتْ في القِسْمَةِ لَما كانَتْ نِصْفَيْنِ، بَلْ كانَ يَكُونُ ما لِلَّهِ فِيها أكْثَرَ مِمّا لِلْعَبْدِ لِأنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى لا شَيْءَ لِلْعَبْدِ فِيهِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما لَمْ يَذْكُرْها لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ في أضْعافِ السُّورَةِ، قِيلَ لَهُ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا كانَتْ آيَةً غَيْرَها فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِها، ولَوْ جازَ ما ذَكَرْتَ لَجازَ الِاقْتِصارُ بِالقُرْآنِ عَلى ما في السُّورَةِ مِنها دُونَها.
ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ بِسْمِ اللَّهِ فِيهِ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ اسْمٌ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعالى لا يُسَمّى بِهِ غَيْرُهُ، فالواجِبُ لا مَحالَةَ أنْ يَكُونَ مَذْكُورًا في القِسْمَةِ؛ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِيما قَسَمَ مِنَ ايِ السُّورَةِ وقَدْ رُوِيَ هَذا الخَبَرُ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ، وهو ما حَدَّثَنا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ، قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ سَمِعَ أبا السّائِبِ مَوْلى هِشامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قالَ اللَّهُ: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُها لِي، ونِصْفُها لِعَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ يَقُولُ العَبْدُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فَيَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، فَيَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] يَقُولُ اللَّهُ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ العَبْدُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وهَذِهِ الآيَةُ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، يَقُولُ العَبْدُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَهَذِهِ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ» فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ في ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] أنَّهُ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ هَذا غَلَطٌ مِن راوِيهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ثَناءٌ خالِصٌ لِلَّهِ تَعالى لا شَيْءَ لِلْعَبْدِ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
وإنَّما جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] بَيْنَهُ وبَيْنَ العَبْدِ لِما انْتَظَمَ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى ومِن مَسْألَةِ العَبْدِ ألا تَرى أنَّ سائِرَ الآيِ بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] جَعَلَها لِلْعَبْدِ خاصَّةً؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ، وإنَّما هو مَسْألَةٌ مِنَ العَبْدِ لِما ذُكِرَ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] لَوْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ العَبْدِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] لَمّا كانَ نِصْفَيْنِ عَلى قَوْلِ مَن يَعُدُّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةً بَلْ كانَ يَكُونُ لِلَّهِ تَعالى أرْبَعٌ ولِلْعَبْدِ ثَلاثٌ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ البَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِن أوائِلِ السُّوَرِ وإنَّما هي لِلْفَصْلِ بَيْنَها ما حَدَّثَنا (p-١٠)مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ، قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قالَ: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ عَنْ عَوْفٍ الأعْرابِيِّ عَنْ يَزِيدَ القارِي، قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللًّهُ عَنْهُما قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما حَمَلَكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى بَراءَةٍ وهي مِنَ المِئِينِ، وإلى الأنْفالِ وهي مِنَ المَثانِي، فَجَعَلْتُمُوهُما في السَّبْعِ الطِّوالِ، ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ قالَ عُثْمانُ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآياتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَن كانَ يَكْتُبُ لَهُ فَيَقُولُ: ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا ويَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والآيَتانِ فَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، وكانَتِ الأنْفالُ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ بِالمَدِينَةِ، وكانَتْ بَراءَةٌ مِنَ اخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها، فَظَنَنْتُ أنَّها مِنها، فَمِن هُناكَ وضَعْتُهُما في السَّبْعِ الطِّوالِ ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» فَأخْبَرَ عُثْمانُ أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لَمْ يَكُنْ مِنَ السُّورَةِ، وأنَّهُ إنَّما كانَ يَكْتُبُها في فَصْلِ السُّورَةِ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها لا غَيْرُ.
وأيْضًا فَلَوْ كانَتْ مِنَ السُّوَرِ ومِن فاتِحَةِ الكِتابِ لَعَرَفَتْهُ الكافَّةُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها مِنها كَما عَرَفَتْ مَواضِعَ سائِرِ الآيِ مِن سُورِها ولَمْ يُخْتَلَفْ فِيها، وذَلِكَ أنَّ سَبِيلَ العِلْمِ بِمَواضِعِ الآيِ كَهو بِالآيِ نَفْسِها، فَلَمّا كانَ طَرِيقُ إثْباتِ القُرْآنِ نَقْلَ الكافَّةِ دُونَ نَقْلِ الآحادِ وجَبَ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ مَواضِعِهِ وتَرْتِيبِهِ.
ألا تَرى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ إزالَةُ تَرْتِيبِ آيِ القُرْآنِ ولا نَقْلُ شَيْءِ مِنهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إلى غَيْرِهِ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مَن رامَ إزالَتَهُ ورَفْعَهُ فَلَوْ كانَتْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن أوائِلِ السُّوَرِ لَعَرَفَتِ الكافَّةُ مَوْضِعَها مِنها كَسائِرِ الآيِ وكَمَوْضِعِها مِن سُورَةِ النَّمْلِ فَلَمّا لَمْ نَرَهم نَقَلُوا ذَلِكَ إلَيْنا مِن طَرِيقِ التَّواتُرِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ لَمْ يَجُزْ لَنا إثْباتُها في أوائِلِ السُّوَرِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ نَقَلُوا إلَيْنا جَمِيعَ ما في المُصْحَفِ عَلى أنَّهُ القُرْآنُ، وذَلِكَ كافٍ في إثْباتِها مِنَ السُّوَرِ في مَواضِعَها المَذْكُورَةِ في المُصْحَفِ، قِيلَ لَهُ: إنَّما نَقَلُوا إلَيْنا كَتْبَها في أوائِلِها ولَمْ يَنْقُلُوا إلَيْنا أنَّها مِنها؛ وإنَّما الكَلامُ بَيْنَنا وبَيْنَكم في أنَّها مِن هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي هي مَكْتُوبَةٌ في أوائِلَها، ونَحْنُ نَقُولُ بِأنَّها مِنَ القُرْآنِ أُثْبِتَتْ في هَذِهِ المَواضِعِ لا عَلى أنَّها مِنَ السُّوَرِ.
ولَيْسَ إيصالُها بِالسُّورَةِ في المُصْحَفِ وقِراءَتُها مَعَها مُوجِبَيْنِ أنْ يَكُونَ مِنها؛ لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ بَعْضُهُ مُتَّصِلٌ بِبَعْضٍ، وما قَبْلَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَّصِلٌ بِها، ولا يَجِبُ مِن أجْلِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ سُورَةً واحِدَةً فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا نُقِلَ إلَيْنا المُصْحَفُ وذَكَرُوا أنَّ ما فِيهِ هو القُرْآنُ عَلى نِظامِهِ وتَرْتِيبِهِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مِنَ أوائِلِ السُّوَرِ مَعَ النَّقْلِ المُسْتَفِيضِ لَبَيَّنُوا ذَلِكَ (p-١١)وذَكَرُوا أنَّها لَيْسَتْ مِن أوائِلِها لِئَلّا تَشْتَبِهَ.
قِيلِ لَهُ: هَذا يَلْزَمُ مَن يَقُولُ إنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ، فَأمّا مَن أعْطى القَوْلَ بِأنَّها مِنهُ فَهَذا السُّؤالُ ساقِطٌ عَنْهُ.
فَإنْ قِيلَ: ولَوْ لَمْ تَكُنْ مِنها لَعَرَفَتْهُ الكافَّةُ حَسَبَ ما ألْزَمْتَ مَن يَقُولُ: إنَّها مِنها.
قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ نَقْلُ كُلِّ ما لَيْسَ مِنَ السُّورَةِ أنَّهُ لَيْسَ مِنها، كَما لَيْسَ عَلَيْهِمْ نَقْلُ ما لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ.
وإنَّما عَلَيْهِمْ نَقْلُ ما هو مِنَ السُّورَةِ أنَّهُ مِنها، كَما عَلَيْهِمْ نَقْلُ ما هو مِنَ القُرْآنِ أنَّهُ مِنهُ فَإذا لَمْ يَرِدِ النَّقْلُ المُسْتَفِيضُ بِكَوْنِها مِنَ السُّوَرِ واخْتُلِفَ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لَنا إثْباتُها كَإثْباتِ القُرْآنِ نَفْسِهِ.
ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِن أوائِلِ السُّوَرِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أبانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أيُّوبَ، قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ عَبّاسٍ الجُشَمِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «سُورَةٌ في القُرْآنِ ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِصاحِبِها حَتّى غُفِرَ لَهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]» واتَّفَقَ القُرّاءُ وغَيْرُهم أنَّها ثَلاثُونَ آيَةً سِوى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَلَوْ كانَتْ مِنها كانَتْ إحْدى وثَلاثِينَ آيَةً، وذَلِكَ خِلافُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ .
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا اتِّفاقُ جَمِيعِ قُرّاءِ الأمْصارِ وفُقَهائِهِمْ عَلى أنَّ سُورَةَ الكَوْثَرِ ثَلاثُ آياتٍ، وسُورَةَ الإخْلاصِ أرْبَعُ آياتٍ؛ فَلَوْ كانَتْ مِنها لَكانَتْ أكْثَرَ مِمّا عَدُّوا فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما عَدُّوا سِواها؛ لِأنَّهُ لا إشْكالَ فِيها عِنْدَهم، قِيلَ لَهُ: فَكانَ لا يَجُوزُ لَهم أنْ يَقُولُوا سُورَةُ الإخْلاصِ أرْبَعُ آياتٍ وسُورَةُ الكَوْثَرِ ثَلاثُ آياتٍ.
والثَّلاثُ والأرْبَعُ إنَّما هي بَعْضُ السُّورَةِ؛ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَقُولُوا في الفاتِحَةِ إنَّها سِتُّ آياتٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ رَوى عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نُوحِ بْنِ أبِي بِلالٍ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] سَبْعُ آياتٍ إحْداهُنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» وشَكَّ بَعْضُهم في ذِكْرِ أبِي هُرَيْرَةَ في الإسْنادِ، وذَكَرَ أبُو بَكْرٍ الحَنَفِيُّ عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ نُوحِ بْنِ أبِي جَلالٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «إذا قَرَأْتُمْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فاقْرَءُوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَإنَّها إحْدى آياتِها» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ثُمَّ لَقِيتُ نُوحًا فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ، ولَمْ يَرْفَعْهُ.
ومِثْلُ هَذا الِاخْتِلافِ في السَّنَدِ والرَّفْعِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ في الأصْلِ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ تَوْقِيفٌ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعَ ذَلِكَ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: " فَإنَّها إحْدى آياتِها " مِن قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ لِأنَّ الرّاوِيَ قَدْ يُدْرِجُ كَلامَهُ في (p-١٢)الحَدِيثِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُما لِعِلْمِ السّامِعِ الَّذِي حَضَرَهُ بِمَعْناهُ، وقَدْ وُجِدَ مِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرًا في الأخْبارِ، فَغَيْرُ جائِزٍ فِيما كانَ هَذا وصْفَهُ أنْ يُعْزى إلى النَّبِيِّ ﷺ بِالِاحْتِمالِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أبُو هُرَيْرَةَ قالَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجْهَرُ بِها، وظَنَّها مِنَ السُّورَةِ؛ لِأنَّ أبا هُرَيْرَةَ قَدْ رَوى الجَهْرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأيْضًا لَوْ ثَبَتَ هَذا الحَدِيثُ عارِيًّا مِنَ الِاضْطِرابِ في السَّنَدِ والِاخْتِلافِ في الرَّفْعِ وزَوالِ الِاحْتِمالِ في كَوْنِهِ مِن قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ لَما جازَ لَنا إثْباتُها مِنَ السُّورَةِ؛ إذْ كانَ طَرِيقُ إثْباتِها نَقْلَ الأُمَّةِ عَلى ما بُيِّنَ آنِفًا.
الفاتحة 1:2
فَصْلٌ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقِراءَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ مَعَ ما ذَكَرْنا مِن حُكْمِها تَقْتَضِي أمْرَ اللَّهِ تَعالى إيّانا بِفِعْلِ الحَمْدِ، وتَعْلِيمٌ لَنا كَيْفَ نَحْمَدُهُ وكَيْفَ الثَّناءُ عَلَيْهِ وكَيْفَ الدُّعاءُ لَهُ ؟ ودَلالَةٌ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الحَمْدِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى الدُّعاءِ أوْلى وأحْرى بِالإجابَةِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مُفْتَتَحَةٌ بِذِكْرِ الحَمْدِ ثُمَّ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ثُمَّ الِاعْتِرافِ بِالعِبادَةِ لَهُ وإفْرادِها لَهُ دُونَ غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ثُمَّ الِاسْتِعانَةِ بِهِ في القِيامِ بِعِبادَتِهِ في سائِرِ ما بِنا الحاجَةُ إلَيْهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا والدِّينِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ثُمَّ الدُّعاءِ بِالتَّثْبِيتِ عَلى الهِدايَةِ الَّتِي هَدانا لَها مِن وُجُوبِ الحَمْدِ لَهُ واسْتِحْقاقِ الثَّناءِ والعِبادَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] هو دُعاءٌ لِلْهِدايَةِ والتَّثْبِيتِ عَلَيْها في المُسْتَقْبَلِ، إذْ غَيْرُ جائِزٍ ذَلِكَ في الماضِي؛ وهو التَّوْفِيقُ عَمّا ضَلَّ عَنْهُ الكُفّارُ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ وحَمْدِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، فاسْتَحَقُّوا لِذَلِكَ غَضَبَهُ وعِقابَهُ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ مَعَ أنَّهُ تَعْلِيمٌ لَنا الحَمْدَ، هو أمْرٌ لَنا بِهِ، قَوْلُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فاعْلَمْ أنَّ الأمْرَ بِقَوْلِ الحَمْدِ مُضْمَرٌ في ابْتِداءِ السُّورَةِ، وهو مَعَ ما ذَكَرْنا رُقْيَةٌ وعَوْذَةٌ وشِفاءٌ، لِما حَدَّثَنا بِهِ عَبْدُ الباقِي، قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ المُعَلّى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إياسٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، قالَ: كُنّا في سَرِيَّةٍ فَمَرَرْنا بِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ فَقالُوا: سَيِّدٌ لَنا لَدَغَتْهُ العَقْرَبُ، فَهَلْ فِيكم راقٍ ؟ قالَ: قُلْتُ: أنا، ولَمْ أفْعَلْ حَتّى جَعَلُوا لَنا جُعْلًا، جَعَلُوا لَنا شاةً قالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فاتِحَةَ الكِتابِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَبَرَأ؛ فَأخَذْتُ الشّاةَ، ثُمَّ قُلْتُ: حَتّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأتَيْناهُ فَأخْبَرْناهُ، فَقالَ: «عَلِمْتَ أنَّها رُقْيَةُ حَقٍّ اضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ» .
ولِهَذِهِ السُّورَةِ أسْماءٌ مِنها أُمُّ الكِتابِ؛ لِأنَّها ابْتِداؤُهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎الأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا
فَسَمّى الأرْضَ أُمًّا لَنا؛ لِأنَّهُ مِنها ابْتَدَأنا اللَّهُ تَعالى، وهي أُمُّ القُرْآنِ، وإحْدى العِبارَتَيْنِ تُغْنِي عَنِ الأُخْرى؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: أُمُّ الكِتابِ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو القُرْآنُ؛ فَقِيلَ تارَةً أُمُّ القُرْآنِ وتارَةً أُمُّ الكِتابِ، وقَدْ رُوِيَتِ العِبارَةُ بِاللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذَلِكَ فاتِحَةُ الكِتابِ وهي السَّبْعُ (p-٢٨)المَثانِي، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ السَّبْعِ المَثانِي، فَقالَ: السَّبْعُ المَثانِي هي أُمُّ القُرْآنِ وإنَّما أرادَ بِالسَّبْعِ أنَّها سَبْعُ آياتٍ، ومَعْنى المَثانِي أنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وذَلِكَ مِن سُنَنِها، ولَيْسَ مِن سُنَّةِ القُرْآنِ إعادَتُهُ في كُلِّ رَكْعَةٍ.
البقرة 2:3
أحْكامُ سُورَةِ اَلْبَقَرَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَهُما مِن صِفاتِ المُتَّقِينَ ومِن شَرائِطِ التَّقْوى؛ كَما جَعَلَ الإيمانَ بِالغَيْبِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ والنُّشُورِ وسائِرِ ما لَزِمَنا اعْتِقادُهُ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ، مِن شَرائِطِ التَّقْوى فاقْتَضى ذَلِكَ إيجابَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ المَذْكُورَتَيْنِ في الآيَةِ.
وقَدْ قِيلَ في إقامَةِ الصَّلاةِ وُجُوهٌ: مِنها إتْمامُها مِن تَقْوِيمِ الشَّيْءِ وتَحْقِيقِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩]
وقِيلَ يُؤَدُّونَها عَلى ما فِيها مِن قِيامٍ وغَيْرِهِ، فَعَبَّرَ عَنْها بِالقِيامِ؛ لِأنَّ القِيامَ مِن فُرُوضِها، وإنْ كانَتْ تَشْتَمِلُ عَلى فُرُوضٍ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] والمُرادُ الصَّلاةُ الَّتِي فِيها القِراءَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] المُرادُ القِراءَةُ في صَلاةِ الفَجْرِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَذَكَرَ رُكْنًا مِن أرْكانِها الَّذِي هو مِن فُرُوضِها، ودَلَّ بِهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ فِيها وعَلى إيجابِ ما هو مِن فُرُوضِها، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة: ٥٥] مُوجِبًا لِلْقِيامِ فِيها ومُخْبِرًا بِهِ عَنْ فَرْضِ الصَّلاةِ ويُحْتَمَلُ ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ يُدِيمُونَ فُرُوضَها في أوْقاتِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أيْ فَرْضًا في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ لَها، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] يَعْنِي يُقِيمُ القِسْطَ ولا يَفْعَلُ غَيْرَهُ والعَرَبُ تَقُولُ في الشَّيْءِ الرّاتِبِ الدّائِمِ: قائِمٌ، وفي فاعِلِهِ: مُقِيمٌ يُقالُ: فُلانٌ يُقِيمُ أرْزاقَ الجُنْدِ.
وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ القائِلِ: قامَتِ السُّوقُ، إذا حَضَرَ أهْلُها؛ فَيَكُونُ مَعْناهُ الِاشْتِغالَ بِها عَنْ غَيْرِها ومِنهُ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، وهَذِهِ الوُجُوهُ عَلى اخْتِلافِها تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُرادَةً بِالآيَةِ وقَوْلُهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ في فَحْوى الخِطابِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ المَفْرُوضُ مِنَ النَّفَقَةِ، وهي الحُقُوقُ الواجِبَةُ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الزَّكاةِ وغَيْرِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]
والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ المَفْرُوضُ مِنها أنَّهُ قَرَنَها (p-٢٩)إلى الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ وإلى الإيمانِ بِاللَّهِ وكِتابِهِ، وجَعَلَ هَذا الإنْفاقَ مِن شَرائِطِ التَّقْوى ومِن أوْصافِها.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ المَفْرُوضُ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ أنَّ لَفْظَ الصَّلاةِ إذا أُطْلِقَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَصْفٍ أوْ شَرْطٍ يَقْتَضِي الصَّلَواتِ المَعْهُودَةَ المَفْرُوضَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] و﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ونَحْوِ ذَلِكَ فَلَمّا أرادَ بِإطْلاقِ اللَّفْظِ الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ كانَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ ما فُرِضَ عَلَيْهِ مِنهُ ولَمّا مَدَحَ هَؤُلاءِ بِالإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ إطْلاقَ اسْمِ الرِّزْقِ إنَّما يَتَناوَلُ المُباحَ مِنهُ دُونَ المَحْظُورِ، وأنَّ ما اغْتَصَبَهُ وظَلَمَ فِيهِ غَيْرَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ رِزْقًا لَهُ لَجازَ إنْفاقُهُ وإخْراجُهُ إلى غَيْرِهِ عَلى وجْهِ الصَّدَقَةِ والتَّقَرُّبِ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ الغاصِبَ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ بِما اغْتَصَبَهُ، وكَذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ مِن غُلُولٍ» .
والرِّزْقُ الحَظُّ في اللُّغَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ حَظَّكم مِن هَذا الأمْرِ التَّكْذِيبَ بِهِ، وحَظُّ الرَّجُلِ هو نَصِيبُهُ، وما هو خالِصٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ ولَكِنَّهُ في هَذا المَوْضِعِ هو ما مَنَحَهُ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ، وهو المُباحُ الطَّيِّبُ ولِلرِّزْقِ وجْهٌ آخَرُ، وهو ما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أقْواتِ الحَيَوانِ؛ فَجائِزٌ إضافَةُ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَهُ قُوتًا وغِذاءً.
البقرة 2:8
وقَوْلُهُ تَعالى في شَأْنِ المُنافِقِينَ وإخْبارُهُ عَنْهم بِإظْهارِ الإيمانِ لِلْمُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ عَقِيدَةٍ وإظْهارِ الكُفْرِ لِإخْوانِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ﴾ [البقرة: ٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] يُحْتَجُّ بِهِ في اسْتِتابَةِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي اطُّلِعَ مِنهُ عَلى إسْرارِ الكُفْرِ مَتى أظْهَرَ الإيمانَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ، ولَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهِمْ، وأمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَبُولِ ظاهِرِهِمْ دُونِ ما عَلِمَهُ هو تَعالى مِن حالِهِمْ وفَسادِ اعْتِقادِهِمْ وضَمائِرِهِمْ.
ومَعْلُومٌ أنَّ نُزُولُ هَذِهِ الآياتِ بَعْدَ فَرْضِ القِتالِ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ تَعالى فَرَضَ قِتالَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِرُ في سُورَةِ بَراءَةٍ وسُورَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِما في ذِكْرِ المُنافِقِينَ وقَبُولِ ظاهِرِهِمْ دُونَ حَمْلِهِمْ عَلى أحْكامِ سائِرِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِقِتالِهِمْ وإذا انْتَهَيْنا إلى مَواضِعِها ذَكَرْنا أحْكامَها واخْتِلافَ النّاسِ في الزِّنْدِيقِ واحْتِجاجَ مَن يَحْتَجُّ بِها في ذَلِكَ، وهو يَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أُمِرْتُ أنْ (p-٣٠)أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها، وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» وأنْكَرَ عَلى أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ حِينَ قَتَلَ في بَعْضِ السَّرايا رَجُلًا قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، حِينَ حَمَلَ عَلَيْهِ لِيَطْعَنَهُ، فَقالَ: «هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» يَعْنِي أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى حُكْمِ الظّاهِرِ دُونَ عَقْدِ الضَّمِيرِ، ولا سَبِيلَ لَنا إلى العِلْمِ بِهِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ لَيْسَ هو الإقْرارَ دُونَ الِاعْتِقادِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْ إقْرارِهِمْ بِالإيمانِ ونَفى عَنْهم سَمْتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ ويُرْوى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: في أوَّلِ البَقَرَةِ أرْبَعُ آياتٍ في نَعْتِ المُؤْمِنِينَ، وآيَتانِ في نَعْتِ الكافِرِينَ، وثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً في نَعْتِ المُنافِقِينَ.
والنِّفاقُ اسْمٌ شَرْعِيُّ جَعَلَهُ سِمَةً لِمَن يُظْهِرُ الإيمانَ ويُسِرُّ الكُفْرَ، خُصُّوا بِهَذا الِاسْمِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْناهُ وحُكْمِهِ، وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ إذْ كانُوا مُخالِفِينَ لِسائِرِ المُبادِينَ بِالشِّرْكِ في أحْكامِهِمْ. وأصْلُهُ في اللُّغَةِ مِن نافِقاءِ اليَرْبُوعِ، وهو الجُحْرُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ إذا طُلِبَ؛ لِأنَّ لَهُ أجْحِرَةٌ يَدْخُلُ بَعْضُها عِنْدَ الطَّلَبِ ثُمَّ يُراوِغُ الَّذِي يُرِيدُ صَيْدَهُ فَيَخْرُجُ مِن جُحْرٍ آخَرَ قَدْ أعَدَّهُ.
البقرة 2:9
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ هو مَجازٌ في اللُّغَةِ؛ لِأنَّ الخَدِيعَةَ في الأصْلِ هي الإخْفاءُ؛ وكَأنَّ المُنافِقَ أخْفى الإشْراكَ وأظْهَرَ الإيمانَ عَلى وجْهِ الخِداعِ والتَّمْوِيهِ والغُرُورِ لِمَن يُخادِعُهُ واللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَصِحُّ أنْ يُخادَعَ في الحَقِيقَةِ.
ولَيْسَ يَخْلُو هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ تَعالى، قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا يُخادَعُ بِتَساتُرِ شَيْءٍ، أوْ غَيْرَ عارِفِينَ، فَذَلِكَ أبْعَدُ؛ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يَقْصِدَهُ لِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم عَمِلُوا عَمَلَ المُخادِعِ، ووَبالُ الخِداعِ راجِعٌ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم إنَّما يُخادِعُونَ أنْفُسَهم وقِيلِ: إنَّ المُرادَ: يُخادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحُذِفَ ذِكْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] والمُرادُ يُؤْذُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ وأيَّ الوَجْهَيْنِ كانَ فَهو مَجازٌ ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، ولا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ إلّا في مَوْضِعٍ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ.
وإنَّما خادَعُوا رَسُولَ اللَّهِ تَقِيَّةً لِتَزُولَ عَنْهم أحْكامُ سائِرِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنُونَ بِقَتْلِهِمْ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا أظْهَرُوا الإيمانَ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيُوالُوهم كَما يُوالِي المُؤْمِنُونَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَواصَلُونَ فِيما بَيْنَهم؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا يُظْهِرُونَ لَهُمُ الإيمانَ لِيُفْشُوا إلَيْهِمْ أسْرارَهم (p-٣١)فَيَنْقُلُوا ذَلِكَ إلى أعْدائِهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] مَجازٌ؛ وقَدْ قِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: عَلى جِهَةِ مُقابَلَةِ الكَلامِ بِمِثْلِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في مَعْناهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]
والثّانِيَةُ: لَيْسَتْ بِسَيِّئَةٍ بَلْ حَسَنَةٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا قابَلَ بِها السَّيِّئَةَ أجْرى عَلَيْها اسْمَها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]
والثّانِي لَيْسَ بِاعْتِداءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] والأوَّلُ لَيْسَ بِعِقابٍ، وإنَّما هو عَلى مُقابَلَةِ اللَّفْظِ بِمِثْلِهِ ومُزاوَجَتِهِ وتَقُولُ العَرَبُ: الجَزاءُ بِالجَزاءِ، والأوَّلُ لَيْسَ بِجَزاءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُمْتَدَحْ بِالجَهْلِ، ولَكِنَّهُ جَرى عَلى عادَتِهِمْ في ازْدِواجِ الكَلامِ ومُقابَلَتِهِ.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ أطْلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ؛ وهو أنَّهُ لَمّا كانَ وبالُ الِاسْتِهْزاءِ راجِعًا عَلَيْهِمْ ولاحِقًا لَهم كانَ كَأنَّهُ اسْتَهْزَأ بِهِمْ.
وقِيلَ: لَمّا كانُوا قَدْ أُمْهِلُوا في الدُّنْيا ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ والقَتْلِ كَسائِرِ المُشْرِكِينَ وأخَّرَ عِقابَهم فاغْتَرُّوا بِالإمْهالِ كانُوا كالمُسْتَهْزَإ بِهِمْ.
ولَمّا كانَتْ أجْرامُ المُنافِقِينَ أعْظَمَ مِن أجْرامِ سائِرِ الكُفّارِ المُبادِينَ بِالكُفْرِ؛ لِأنَّهم جَمَعُوا الِاسْتِهْزاءَ والمُخادَعَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ وقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وذَلِكَ زِيادَةٌ في الكُفْرِ، وكَذَلِكَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ومَعَ ما أخْبَرَ بِذَلِكَ مِن عِقابِهِمْ وما يَسْتَحِقُّونَهُ في الآخِرَةِ، خالَفَ بَيْنَ أحْكامِهِمْ في الدُّنْيا وأحْكامِ سائِرِ المُظْهِرِينَ لِلشِّرْكِ في رَفْعِ القَتْلِ عَنْهم بِإظْهارِهِمُ الإيمانَ وأجْراهم مَجْرى المُسْلِمِينَ في التَّوارُثِ وغَيْرِهِ.
ثَبَتَ أنَّ عُقُوباتِ الدُّنْيا لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً عَلى مَقادِيرِ الأجْرامِ، وإنَّما هي عَلى ما يَعْلَمُ اللَّهُ مِنَ المَصالِحِ فِيها وعَلى هَذا أجْرى اللَّهُ تَعالى أحْكامَهُ فَأوْجَبَ رَجْمَ الزّانِي المُحْصَنِ ولَمْ يُزِلْ عَنْهُ الرَّجْمَ بِالتَّوْبَةِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ماعِزٍ بَعْدَ رَجْمِهِ وفي الغامِدِيَّةِ بَعْدَ رَجْمِها: «لَقَدْ تابَ تَوْبَةً لَوْ تابَها صاحِبُ مُكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ» .
والكُفْرُ أعْظَمُ مِنَ الزِّنا، ولَوْ كَفَرَ رَجُلٌ ثُمَّ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وحَكَمَ في القاذِفِ بِالزِّنا بِجَلْدِ ثَمانِينَ ولَمْ يُوجِبْ عَلى القاذِفِ بِالكُفْرِ الحَدَّ، وهو أعْظَمُ مِنَ الزِّنا، وأوْجَبَ عَلى شارِبِ الخَمْرِ الحَدَّ، ولَمْ يُوجِبْ عَلى شارِبِ الدَّمِ وآكِلِ المَيْتَةِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ عُقُوباتِ الدُّنْيا غَيْرُ مَوْضُوعَةِ عَلى مَقادِيرِ الأجْرامِ، ولِأنَّهُ لَمّا كانَ جائِزًا (p-٣٢)فِي العَقْلِ أنْ لا يُوجِبَ في الزِّنا والقَذْفِ والسَّرِقَةِ حَدًّا رَأْسًا ويَكِلَ أمْرَهم إلى عُقُوباتِ الآخِرَةِ، جازَ أنْ يُخالِفَ بَيْنَها فَيُوجِبَ في بَعْضِها أغْلَظَ مِمّا يُوجِبُ في بَعْضٍ، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: لا يَجُوزُ إثْباتُ الحُدُودِ مِن طَرِيقِ المَقايِيسِ.
وإنَّما طَرِيقُ إثْباتِها التَّوْقِيفُ أوِ الِاتِّفاقُ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أمْرِ المُنافِقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وإقْرارِهِمْ مِن غَيْرِ أمْرٍ لَنا بِقِتالِهِمْ أصْلٌ فِيما ذَكَرْنا ولِأنَّ الحُدُودَ والعُقُوباتِ الَّتِي أوْجَبَها مِن فِعْلِ الإمامِ ومَن قامَ بِأُمُورِ الشَّرِيعَةِ جارِيَةٌ مَجْرى ما يَفْعَلُهُ هو تَعالى مِنَ الآلامِ عَلى وجْهِ العُقُوبَةِ فَلَمّا جازَ أنْ لا يُعاقِبَ المُنافِقَ في الدُّنْيا بِالآلامِ مِن جِهَةِ الأمْراضِ والأسْقامِ والفَقْرِ والفاقَةِ، بَلْ يَفْعَلُ بِهِ أضْدادَ ذَلِكَ، ويَكُونُ عِقابُهُ المُسْتَحَقُّ بِكُفْرِهِ ونِفاقِهِ مُؤَجَّلًا إلى الآخِرَةِ، جازَ أنْ لا يَتَعَبَّدَنا بِقَتْلِهِ في الدُّنْيا وتَعْجِيلِ عُقُوبَةِ كُفْرِهِ ونِفاقِهِ وقَدْ غَبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَكَّةَ بَعْدَ ما بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يَدْعُو المُشْرِكِينَ إلى اللَّهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ غَيْرَ مُتَعَبِّدٍ بِقِتالِهِمْ، بَلْ كانَ مَأْمُورًا بِدُعائِهِمْ في ذَلِكَ بِلْيَنِ القَوْلِ وألْطَفِهِ.
فَقالَ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وقالَ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ﴿وما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] في نَظائِرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي فِيها الأمْرُ بِالدُّعاءِ إلى الدِّينِ بِأحْسَنِ الوُجُوهِ.
ثُمَّ فَرَضَ القِتالَ بَعْدَ الهِجْرَةِ لِعِلْمِهِ تَعالى بِالمَصْلَحَةِ مِن كِلا الحالَيْنِ بِما تَعَبَّدَ بِهِ، فَجازَ مِن أصْلِ ما وصَفْنا أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالقَتْلِ والقِتالِ خاصًّا في بَعْضِ الكُفّارِ وهُمُ المُجاهِرُونَ بِالكُفْرِ دُونَ مِن يُظْهِرُ الإيمانَ ويُسِرُّ الكُفْرَ، وإنْ كانَ المُنافِقُ أعْظَمَ جُرْمًا مِن غَيْرِهِ.
البقرة 2:22
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ قَرارًا، والإطْلاقُ لا يَتَناوَلُها، وإنَّما يُسَمّى بِهِ مُقَيَّدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٧] وإطْلاقُ اسْمِ الأوْتادِ لا يُفِيدُ الجِبالَ، وقَوْلُهُ: ﴿الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] ولِذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: إنَّ مَن حَلَفَ لا يَنامُ عَلى فِراشٍ فَنامَ عَلى الأرْضِ لا يَحْنَثُ، وكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لا يَقْعُدُ في سِراجٍ فَقَعَدَ في الشَّمْسِ؛ لِأنَّ الأيْمانَ مَحْمُولَةٌ عَلى المُعْتادِ المُتَعارَفِ مِنَ الأسْماءِ.
ولَيْسَ في العادَةِ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ لِلْأرْضِ والشَّمْسِ.
وهَذا كَما سَمّى اللَّهُ تَعالى الجاحِدُ لَهُ كافِرًا، وسَمّى الزّارِعَ كافِرًا، والشّاكِ السِّلاحَ كافِرًا، ولا يَتَناوَلُهُما هَذا الِاسْمُ في الإطْلاقِ، وإنَّما يَتَناوَلُ الكافِرَ بِاللَّهِ تَعالى، ونَظائِرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ المُطْلَقَةِ والمُقَيَّدَةِ كَثِيرَةٌ، ويَجِبُ اعْتِبارُها في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، فَما (p-٣٣)كانَ في العادَةِ مُطْلَقًا فُهِمَ عَلى إطْلاقِهِ، والمُقَيَّدُ فِيها عَلى تَقْيِيدِهِ، ولا يَتَجاوَزُ بِهِ مَوْضِعَهُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وإثْباتِ الصّانِعِ الَّذِي لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، القادِرِ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وهو ارْتِفاعُ السَّماءِ ووُقُوفُها بِغَيْرِ عَمَدٍ، ثُمَّ دَوامُها عَلى طُولِ الدَّهْرِ غَيْرَ مُتَزايِلَةٍ ولا مُتَغَيِّرَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] وكَذَلِكَ ثَباتُ الأرْضِ ووُقُوفُها عَلى غَيْرِ سَنَدٍ فِيهِ أعْظَمُ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى قُدْرَةِ خالِقِها، وأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وفِيها تَنْبِيهٌ وحَثٌّ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى اللَّهِ وتَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] يُحْتَجُّ بِجَمِيعِ ذَلِكَ في أنَّ الأشْياءَ عَلى الإباحَةِ مِمّا لا يَحْظُرُهُ العَقْلُ، فَلا يَحْرُمُ مِنهُ شَيْءٌ إلّا ما قامَ دَلِيلُهُ.
البقرة 2:23
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيهِ أكْبَرُ دَلالَةٍ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَحَدّاهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وقَرَعَهم بِالعَجْزِ عَنْهُ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأنَفَةِ والحَمِيَّةِ، وأنَّهُ كَلامٌ مَوْصُوفٌ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنهم تَعَلَّمَ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ، وعَنْهم أخَذَ، فَلَمْ يُعارِضْهُ مِنهم خَطِيبٌ، ولا تَكَلَّفَهُ شاعِرٌ، مَعَ بَذْلِهِمُ الأمْوالَ والأنْفُسَ في تَوْهِينِ أمْرِهِ، وإبْطالِ حُجَجِهِ، وكانَتْ مُعارَضَتُهُ لَوْ قَدَرُوا عَلَيْها أبْلَغَ الأشْياءِ في إبْطالِ دَعْواهُ وتَفْرِيقِ أصْحابِهِ عَنْهُ؛ فَلَمّا ظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ مُعارَضَتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وأنَّهُ لَيْسَ في مَقْدُورِ العِبادِ مِثْلُهُ، وإنَّما أكْبَرُ ما اعْتَذَرُوا بِهِ أنَّهُ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، وأنَّهُ سِحْرٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] وقالَ: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود: ١٣] فَتَحَدّاهم بِالنَّظْمِ دُونَ المَعْنى في هَذِهِ الصُّورَةِ، وأظْهَرَ عَجْزَهم عَنْهُ فَكانَتْ هَذِهِ مُعْجِزَةً باقِيَةً لِنَبِيِّنا ﷺ إلى قِيامِ السّاعَةِ، أبانَ اللَّهُ تَعالى بِها نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ وفَضَّلَهُ بِها؛ لِأنَّ سائِرَ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ نُقِضَتْ بِانْقِضائِهِمْ، وإنَّما يُعْلَمُ كَوْنُها مُعْجِزَةً مِن طَرِيقِ الأخْبارِ.
وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ بَعْدَهُ، كُلُّ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْها بَعْدُ قَرَّعْناهُ بِالعَجْزِ عَنْهُ، فَتَبَيَّنَ لَهُ حِينَئِذٍ مَوْضِعُ الدَّلالَةِ عَلى تَثْبِيتِ النُّبُوَّةِ، كَما كانَ حُكْمُ مَن كانَ في عَصْرِهِ مِن لُزُومِ الحُجَّةِ بِهِ وقِيامِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ والوَجْهُ الآخَرُ مِنَ الدَّلالَةِ أنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعِنْدَ الجاحِدِينَ لِنُبُوَّتِهِ أنَّهُ كانَ مِن أتَمِّ النّاسِ عَقْلًا، (p-٣٤)وأكْمَلِهِمْ خُلُقًا، وأفْضَلِهِمْ رَأْيًا، فَما طَعَنَ عَلَيْهِ أحَدٌ في كَمالِ عَقْلِهِ ووُفُورِ حِلْمِهِ وصِحَّةِ فَهْمِهِ وجَوْدَةِ رَأْيِهِ، وغَيْرُ جائِزٍ عَلى مَن كانَ هَذا وصْفَهُ أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ قَدْ أرْسَلَهُ إلى خَلْقِهِ كافَّةً، ثُمَّ جَعَلَ عَلامَةَ نُبُوَّتِهِ ودَلالَةَ صِدْقِهِ كَلامًا يُظْهِرُهُ ويَقْرَعُهم بِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ، فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ كَذِبُهُ وبُطْلانُ دَعْواهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَحَدّاهم بِذَلِكَ ولَمْ يُقَرِّعْهم بِالعَجْزِ عَنْهُ إلّا وهو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا يَقْدِرُ العِبادُ عَلى مِثْلِهِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ فَأخْبَرَ أنَّهم لا يُعارِضُونَهُ ولا يَقَعُ ذَلِكَ مِنهم، وذَلِكَ إخْبارٌ بِالغَيْبِ ووُجِدَ مُخْبِرُهُ عَلى ما هو بِهِ ولا تَتَعَلَّقُ هَذِهِ بِإعْجازِ النَّظْمِ، بَلْ هي قائِمَةٌ بِنَفْسِها في تَصْحِيحِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، كَما لَوْ قالَ لَهم: " الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِي أنَّكم مَعَ صِحَّةِ أعْضائِكم وسَلامَةِ جَوارِحُكم لا يَقَعُ مِن أحَدٍ مِنكم أنْ يَمَسَّ رَأْسَهُ وأنْ يَقُومَ مِن مَوْضِعِهِ " فَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنهم، مَعَ سَلامَةِ أعْضائِهِمْ وجَوارِحِهِمْ، وتَقْرِيعِهِمْ بِهِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ، كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ إذْ كانَ مِثْلُ ذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا كَوْنُهُ مِن قِبَلِ القادِرِ الحَكِيمِ الَّذِي صَرَفَهم عَنْ ذَلِكَ في تِلْكَ الحالِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ تَحَدّى اللَّهُ الخَلْقَ كُلَّهم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ بِالعَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فَلَمّا ظَهَرَ عَجْزُهم قالَ: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود: ١٣] فَلَمّا عَجَزُوا قالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] فَتَحَدّاهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَمّا ظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ وقامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ وأعْرَضُوا عَنْ طَرِيقِ المُحاجَّةِ وصَمَّمُوا عَلى القِتالِ والمُغالَبَةِ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِقِتالِهِمْ وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أنَّهُ أرادَ بِهِ أصْنامَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقِيلَ إنَّهُ أرادَ جَمِيعَ مِن يُصَدِّقُكم ويُوافِقُكم عَلى قَوْلِكم، وأفادَ بِذَلِكَ عَجْزَ الجَمِيعِ عَنْهُ في حالِ الِاجْتِماعِ والِانْفِرادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فَقَدِ انْتَظَمَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ مِنِ ابْتِدائِها إلى حَيْثُ انْتَهَيْنا إلَيْهِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ الأمْرَ والتَّبْدِئَةَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى، وتَعْلِيمَنا حَمْدَهُ والثَّناءَ عَلَيْهِ، والدُّعاءَ لَهُ، والرَّغْبَةَ إلَيْهِ في الهِدايَةِ إلى الطَّرِيقِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَتِهِ إلى جَنَّتِهِ ورِضْوانِهِ دُونَ طَرِيقِ المُسْتَحَقِّينَ لِغَضَبِهِ والضّالِّينَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وشُكْرِهِ عَلى نِعْمَتِهِ، ثُمَّ ابْتَدَأ في سُورَةِ (p-٣٥)البَقَرَةِ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ووَصْفِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الكافِرِينَ وصِفَتَهم، ثُمَّ ذَكَرَ المُنافِقِينَ ونَعْتَهم وتَقْرِيبَ أمْرِهِمْ إلى قُلُوبِنا بِالمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ بِالَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا وبِالبَرْقِ الَّذِي يُضِيءُ في الظُّلُماتِ مِن غَيْرِ بَقاءٍ ولا ثَباتٍ، وجَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ، وأنَّ الأصْلَ الَّذِي يَرْجِعُونَ إلَيْهِ وهم ثابِتُونَ عَلَيْهِ هو الكُفْرُ، كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ والمَطَرِ اللَّذَيْنِ يَعْرِضُ في خِلالِهِما بَرْقٌ يُضِيءُ لَهم ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَبْقَوْنَ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ثُمَّ ابْتَدَأ بَعْدَ انْقِضاءِ ذِكْرِ هَؤُلاءِ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ بِما لا يُمْكِنُ أحَدٌ دَفْعَهُ:
مِن بَسْطِهِ الأرْضَ وجَعْلِها قَرارًا يَنْتَفِعُونَ بِها، وجَعْلِ مَعايِشِهِمْ وسائِرِ مَنافِعِهِمْ وأقْواتِهِمْ مِنها، وإقامَتِها عَلى غَيْرِ سَنَدٍ؛ إذْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَها نِهايَةٌ لِما ثَبَتَ مِن حُدُوثِها، وأنَّ مُمْسِكَها ومُقِيمَها كَذَلِكَ هو اللَّهُ خالِقُها وخالِقُكُمُ المُنْعِمُ عَلَيْكم بِما جَعَلَ لَكم فِيها مِن أقْواتِكم وسائِرِ ما أخْرَجَ مِن ثِمارِها لَكم؛ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَقْدِرَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ إلّا القادِرُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، فَحَثَّهم عَلى الِاسْتِدْلالِ بِدَلائِلِهِ، ونَبَّهَهم عَلى نِعَمِهِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالدَّلالَةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أظْهَرَ مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، ودَعاهم في ذَلِكَ كُلِّهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ المُنْعِمِ عَلَيْنا بِهَذِهِ النِّعَمِ، فَقالَ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ تَعْلَمُونَ أنَّ ما تَدْعُونَهُ آلِهَةً لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأنَّ اللَّهَ هو المُنْعِمُ عَلَيْكم بِهِ دُونَها، وهو الخالِقُ لَها وقِيلَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] إنَّكم تَعْلَمُونَ الفَصْلَ بَيْنَ الواجِبِ وغَيْرِ الواجِبِ.
ويَكُونُ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ لَكم مِنَ العَقْلِ ما يُمْكِنُكم بِهِ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَوَجَبَ تَكْلِيفُكم ذَلِكَ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ في العَقْلِ إباحَةُ الجَهْلِ بِاللَّهِ تَعالى مَعَ إزاحَةِ العِلَّةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ المَعْرِفَةِ فَلَمّا قَرَّرَ جَمِيعَ ذَلِكَ عِنْدَهم بِدَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ عَطَفَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ثُمَّ عَقَّبَ بِذِكْرِ ما وعَدَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٥] إلى آخَرِ ما ذَكَرَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما ذَكَرْنا مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ الأمْرَ بِاسْتِعْمالِ حُجَجِ العُقُولِ والِاسْتِدْلالِ بِدَلائِلِها، وذَلِكَ مُبْطِلٌ لِمَذْهَبِ مَن نَفى الِاسْتِدْلالَ بِدَلائِلِ اللَّهِ تَعالى واقْتَصَرَ عَلى الخَبَرِ بِزَعْمِهِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ والعِلْمِ بِصِدْقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْتَصِرْ فِيما دَعا النّاسَ إلَيْهِ مِن مَعْرِفَةِ تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ (p-٣٦)عَلى الخَبَرِ دُونَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّتِهِ مِن جِهَةِ عُقُولِنا.
البقرة 2:24
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيهِ أكْبَرُ دَلالَةٍ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَحَدّاهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وقَرَعَهم بِالعَجْزِ عَنْهُ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأنَفَةِ والحَمِيَّةِ، وأنَّهُ كَلامٌ مَوْصُوفٌ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنهم تَعَلَّمَ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ، وعَنْهم أخَذَ، فَلَمْ يُعارِضْهُ مِنهم خَطِيبٌ، ولا تَكَلَّفَهُ شاعِرٌ، مَعَ بَذْلِهِمُ الأمْوالَ والأنْفُسَ في تَوْهِينِ أمْرِهِ، وإبْطالِ حُجَجِهِ، وكانَتْ مُعارَضَتُهُ لَوْ قَدَرُوا عَلَيْها أبْلَغَ الأشْياءِ في إبْطالِ دَعْواهُ وتَفْرِيقِ أصْحابِهِ عَنْهُ؛ فَلَمّا ظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ مُعارَضَتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وأنَّهُ لَيْسَ في مَقْدُورِ العِبادِ مِثْلُهُ، وإنَّما أكْبَرُ ما اعْتَذَرُوا بِهِ أنَّهُ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، وأنَّهُ سِحْرٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] وقالَ: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود: ١٣] فَتَحَدّاهم بِالنَّظْمِ دُونَ المَعْنى في هَذِهِ الصُّورَةِ، وأظْهَرَ عَجْزَهم عَنْهُ فَكانَتْ هَذِهِ مُعْجِزَةً باقِيَةً لِنَبِيِّنا ﷺ إلى قِيامِ السّاعَةِ، أبانَ اللَّهُ تَعالى بِها نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ وفَضَّلَهُ بِها؛ لِأنَّ سائِرَ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ نُقِضَتْ بِانْقِضائِهِمْ، وإنَّما يُعْلَمُ كَوْنُها مُعْجِزَةً مِن طَرِيقِ الأخْبارِ.
وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ بَعْدَهُ، كُلُّ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْها بَعْدُ قَرَّعْناهُ بِالعَجْزِ عَنْهُ، فَتَبَيَّنَ لَهُ حِينَئِذٍ مَوْضِعُ الدَّلالَةِ عَلى تَثْبِيتِ النُّبُوَّةِ، كَما كانَ حُكْمُ مَن كانَ في عَصْرِهِ مِن لُزُومِ الحُجَّةِ بِهِ وقِيامِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ والوَجْهُ الآخَرُ مِنَ الدَّلالَةِ أنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعِنْدَ الجاحِدِينَ لِنُبُوَّتِهِ أنَّهُ كانَ مِن أتَمِّ النّاسِ عَقْلًا، (p-٣٤)وأكْمَلِهِمْ خُلُقًا، وأفْضَلِهِمْ رَأْيًا، فَما طَعَنَ عَلَيْهِ أحَدٌ في كَمالِ عَقْلِهِ ووُفُورِ حِلْمِهِ وصِحَّةِ فَهْمِهِ وجَوْدَةِ رَأْيِهِ، وغَيْرُ جائِزٍ عَلى مَن كانَ هَذا وصْفَهُ أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ قَدْ أرْسَلَهُ إلى خَلْقِهِ كافَّةً، ثُمَّ جَعَلَ عَلامَةَ نُبُوَّتِهِ ودَلالَةَ صِدْقِهِ كَلامًا يُظْهِرُهُ ويَقْرَعُهم بِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ، فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ كَذِبُهُ وبُطْلانُ دَعْواهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَحَدّاهم بِذَلِكَ ولَمْ يُقَرِّعْهم بِالعَجْزِ عَنْهُ إلّا وهو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا يَقْدِرُ العِبادُ عَلى مِثْلِهِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ فَأخْبَرَ أنَّهم لا يُعارِضُونَهُ ولا يَقَعُ ذَلِكَ مِنهم، وذَلِكَ إخْبارٌ بِالغَيْبِ ووُجِدَ مُخْبِرُهُ عَلى ما هو بِهِ ولا تَتَعَلَّقُ هَذِهِ بِإعْجازِ النَّظْمِ، بَلْ هي قائِمَةٌ بِنَفْسِها في تَصْحِيحِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، كَما لَوْ قالَ لَهم: " الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِي أنَّكم مَعَ صِحَّةِ أعْضائِكم وسَلامَةِ جَوارِحُكم لا يَقَعُ مِن أحَدٍ مِنكم أنْ يَمَسَّ رَأْسَهُ وأنْ يَقُومَ مِن مَوْضِعِهِ " فَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنهم، مَعَ سَلامَةِ أعْضائِهِمْ وجَوارِحِهِمْ، وتَقْرِيعِهِمْ بِهِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ، كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ إذْ كانَ مِثْلُ ذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا كَوْنُهُ مِن قِبَلِ القادِرِ الحَكِيمِ الَّذِي صَرَفَهم عَنْ ذَلِكَ في تِلْكَ الحالِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ تَحَدّى اللَّهُ الخَلْقَ كُلَّهم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ بِالعَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فَلَمّا ظَهَرَ عَجْزُهم قالَ: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود: ١٣] فَلَمّا عَجَزُوا قالَ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] فَتَحَدّاهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ، فَلَمّا ظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ وقامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ وأعْرَضُوا عَنْ طَرِيقِ المُحاجَّةِ وصَمَّمُوا عَلى القِتالِ والمُغالَبَةِ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِقِتالِهِمْ وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أنَّهُ أرادَ بِهِ أصْنامَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
وقِيلَ إنَّهُ أرادَ جَمِيعَ مِن يُصَدِّقُكم ويُوافِقُكم عَلى قَوْلِكم، وأفادَ بِذَلِكَ عَجْزَ الجَمِيعِ عَنْهُ في حالِ الِاجْتِماعِ والِانْفِرادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فَقَدِ انْتَظَمَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ مِنِ ابْتِدائِها إلى حَيْثُ انْتَهَيْنا إلَيْهِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ الأمْرَ والتَّبْدِئَةَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى، وتَعْلِيمَنا حَمْدَهُ والثَّناءَ عَلَيْهِ، والدُّعاءَ لَهُ، والرَّغْبَةَ إلَيْهِ في الهِدايَةِ إلى الطَّرِيقِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَتِهِ إلى جَنَّتِهِ ورِضْوانِهِ دُونَ طَرِيقِ المُسْتَحَقِّينَ لِغَضَبِهِ والضّالِّينَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وشُكْرِهِ عَلى نِعْمَتِهِ، ثُمَّ ابْتَدَأ في سُورَةِ (p-٣٥)البَقَرَةِ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ووَصْفِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الكافِرِينَ وصِفَتَهم، ثُمَّ ذَكَرَ المُنافِقِينَ ونَعْتَهم وتَقْرِيبَ أمْرِهِمْ إلى قُلُوبِنا بِالمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ بِالَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا وبِالبَرْقِ الَّذِي يُضِيءُ في الظُّلُماتِ مِن غَيْرِ بَقاءٍ ولا ثَباتٍ، وجَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ، وأنَّ الأصْلَ الَّذِي يَرْجِعُونَ إلَيْهِ وهم ثابِتُونَ عَلَيْهِ هو الكُفْرُ، كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ والمَطَرِ اللَّذَيْنِ يَعْرِضُ في خِلالِهِما بَرْقٌ يُضِيءُ لَهم ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَبْقَوْنَ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ثُمَّ ابْتَدَأ بَعْدَ انْقِضاءِ ذِكْرِ هَؤُلاءِ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ بِما لا يُمْكِنُ أحَدٌ دَفْعَهُ:
مِن بَسْطِهِ الأرْضَ وجَعْلِها قَرارًا يَنْتَفِعُونَ بِها، وجَعْلِ مَعايِشِهِمْ وسائِرِ مَنافِعِهِمْ وأقْواتِهِمْ مِنها، وإقامَتِها عَلى غَيْرِ سَنَدٍ؛ إذْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَها نِهايَةٌ لِما ثَبَتَ مِن حُدُوثِها، وأنَّ مُمْسِكَها ومُقِيمَها كَذَلِكَ هو اللَّهُ خالِقُها وخالِقُكُمُ المُنْعِمُ عَلَيْكم بِما جَعَلَ لَكم فِيها مِن أقْواتِكم وسائِرِ ما أخْرَجَ مِن ثِمارِها لَكم؛ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَقْدِرَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ إلّا القادِرُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، فَحَثَّهم عَلى الِاسْتِدْلالِ بِدَلائِلِهِ، ونَبَّهَهم عَلى نِعَمِهِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالدَّلالَةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أظْهَرَ مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، ودَعاهم في ذَلِكَ كُلِّهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ المُنْعِمِ عَلَيْنا بِهَذِهِ النِّعَمِ، فَقالَ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ تَعْلَمُونَ أنَّ ما تَدْعُونَهُ آلِهَةً لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأنَّ اللَّهَ هو المُنْعِمُ عَلَيْكم بِهِ دُونَها، وهو الخالِقُ لَها وقِيلَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] إنَّكم تَعْلَمُونَ الفَصْلَ بَيْنَ الواجِبِ وغَيْرِ الواجِبِ.
ويَكُونُ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ لَكم مِنَ العَقْلِ ما يُمْكِنُكم بِهِ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَوَجَبَ تَكْلِيفُكم ذَلِكَ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ في العَقْلِ إباحَةُ الجَهْلِ بِاللَّهِ تَعالى مَعَ إزاحَةِ العِلَّةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ المَعْرِفَةِ فَلَمّا قَرَّرَ جَمِيعَ ذَلِكَ عِنْدَهم بِدَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ عَطَفَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ثُمَّ عَقَّبَ بِذِكْرِ ما وعَدَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٥] إلى آخَرِ ما ذَكَرَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما ذَكَرْنا مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ الأمْرَ بِاسْتِعْمالِ حُجَجِ العُقُولِ والِاسْتِدْلالِ بِدَلائِلِها، وذَلِكَ مُبْطِلٌ لِمَذْهَبِ مَن نَفى الِاسْتِدْلالَ بِدَلائِلِ اللَّهِ تَعالى واقْتَصَرَ عَلى الخَبَرِ بِزَعْمِهِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ والعِلْمِ بِصِدْقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْتَصِرْ فِيما دَعا النّاسَ إلَيْهِ مِن مَعْرِفَةِ تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ (p-٣٦)عَلى الخَبَرِ دُونَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّتِهِ مِن جِهَةِ عُقُولِنا.
البقرة 2:25
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ البِشارَةَ هي الخَبَرُ السّارُّ، والأظْهَرُ والأغْلَبُ أنَّ إطْلاقَهُ يَتَناوَلُ مِنَ الأخْبارِ ما يَحْدُثُ عِنْدَهُ الِاسْتِبْشارُ والسُّرُورُ وإنْ كانَ قَدْ يَجْرِي عَلى غَيْرِهِ مُقَيَّدًا كَقَوْلِهِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ: " أيُّ عَبْدٍ بَشَّرَنِي بِوِلادَةِ فُلانَةٍ فَهو حُرٌّ " فَبَشَّرُوهُ جَماعَةً واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ؛ أنَّ الأوَّلَ يُعْتَقُ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ حَصَلَتْ بِخَبَرِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
ولَمْ يَكُنْ هَذا عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قالَ: " أيُّ عَبْدِ أخْبَرَنِي بِوِلادَتِها "؛ فَأخْبَرُوهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ أنَّهم يُعْتَقُونَ جَمِيعًا؛ لِأنَّهُ عَقَدَ اليَمِينَ عَلى خَبَرٍ مُطْلَقٍ فَيَتَناوَلُ سائِرَ المُخْبِرِينَ، وفي البِشارَةِ عَقَدَها عَلى خَبَرٍ مَخْصُوصٍ بِصِفَةٍ وهو ما يُحْدِثُ عِنْدَهُ السُّرُورَ والِاسْتِبْشارَ ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَوْضُوعَ هَذا الخَبَرِ ما وصَفْنا.
قَوْلُهم: رَأيْتُ البِشْرَ في وجْهِهِ؛ يَعْنِي الفَرَحَ والسُّرُورَ قالَ اللَّهُ في صِفَةِ وُجُوهِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] فَأخْبَرَ عَمّا ظَهَرَ في وُجُوهِهِمْ مِن آثارِ السُّرُورِ والفَرَحِ بِذِكْرِ الِاسْتِبْشارِ، ومِنهُ سَمَّوُا الرَّجُلَ بَشِيرًا تَفاؤُلًا مِنهم إلى الإخْبارِ بِالخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ وسَمَّوْا ما يُعْطى البَشِيرُ عَلى هَذا الخَبَرِ بُشْرى، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإطْلاقَ يَتَناوَلُ الخَبَرَ المُفِيدَ سُرُورًا فَلا يَنْصَرِفُ إلى غَيْرِهِ إلّا بِدَلالَةٍ، وأنَّهُ مَتى أُطْلِقَ في الشَّرِّ فَإنَّما يُرادُ بِهِ الخَبَرُ فَحَسْبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] مَعْناهُ أخْبِرْهم ويَدُلُّ عَلى ما وصَفْنا مِن أنَّ البَشِيرَ هو المُخْبِرُ الأوَّلُ فِيما ذَكَرْنا مِن حُكْمِ اليَمِينِ قَوْلُهم: " ظَهَرَتْ لَنا تَباشِيرُ هَذا الأمْرِ " يَعْنُونَ أوَّلَهُ، ولا يَقُولُونَ ذَلِكَ في الشَّرِّ وفِيما يَغُمُّ.
وإنَّما يَقُولُونَهُ فِيما يَسُرُّ ويُفْرِحُ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّ أصْلَهُ فِيما يَسُرُّ ويَغُمُّ؛ لِأنَّ مَعْناهُ ما يَظْهَرُ أوَّلًا في بَشَرَةِ الوَجْهِ مِن سُرُورٍ أوْ غَمٍّ، إلّا أنَّهُ كَثُرَ فِيما يَسُرُّ فَصارَ الإطْلاقُ أخَصَّ بِهِ مِنهُ بِالشَّرِّ.
البقرة 2:31
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَّمَ الأسْماءَ كُلَّها لِآدَمَ، أعْنِي الأجْناسَ بِمَعانِيها لِعُمُومِ اللَّفْظِ في ذِكْرِ الأسْماءِ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ أرادَ أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، إلّا أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُ عَلَّمَهُ أسْماءَ جَمِيعِ الأشْياءِ وظاهِرُ اللَّفْظِ يُوجِبُ ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ ﴿عَرَضَهُمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ أسْماءُ مَن يَعْقِلُ؛ لِأنَّ " هم " إنَّما يُطْلَقُ فِيما يَعْقِلُ دُونَ ما لا يَعْقِلُ.
قِيلَ لَهُ: لَمّا أرادَ ما يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ جازَ تَغْلِيبُ اسْمِ ما يَعْقِلُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٧)﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] لَمّا دَخَلَ في الجُمْلَةِ مَن يَعْقِلُ أجْرى الجَمِيعَ مَجْرًى واحِدًا.
وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أُصُولَ اللُّغاتِ كُلِّها تَوْقِيفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْها عَلى اخْتِلافِها، وأنَّهُ عَلَّمَهُ إيّاها بِمَعانِيها إذْ لا فَضِيلَةَ في مَعْرِفَةِ الأسْماءِ دُونَ المَعانِي.
وهِيَ دَلالَةٌ عَلى شَرَفِ العِلْمِ وفَضِيلَتِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ إعْلامَ المَلائِكَةِ فَضِيلَةَ آدَمَ عَلَّمَهُ الأسْماءَ بِمَعانِيها حَتّى أخْبَرَ المَلائِكَةَ بِها ولَمْ تَكُنِ المَلائِكَةُ عَلِمَتْ مِنها ما عَلِمَهُ آدَمُ فاعْتَرَفَتْ لَهُ بِالفَضْلِ في ذَلِكَ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّ لُغَةَ آدَمَ ووَلَدِهِ كانَتْ واحِدَةً إلى زَمانِ الطُّوفانِ، فَلَمّا أغْرَقَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الأرْضِ وبَقِيَ مِن نَسْلِ نُوحٍ مَن بَقِيَ وتُوُفِّيَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَوالَدُوا وكَثُرُوا، أرادُوا بِناءَ صَرْحٍ بِبابِلَ يَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنَ الطُّوفانِ؛ أنْ كانَ بَلْبَلَ اللَّهُ ألْسِنَتَهم فَنَسِيَ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهُمُ اللِّسانَ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ، وعَلَّمَها اللَّهُ الألْسِنَةَ الَّتِي تَوارَثَها بَعْدَ ذَلِكَ ذُرِّيَّتُهم عَنْهم، وتَفَرَّقُوا في البُلْدانِ وانْتَشَرُوا في الأرْضِ ومِنَ النّاسِ مَن يَأْبى ذَلِكَ ويَقُولُ: لا يَجُوزُ أنْ يَنْسى إنْسانٌ كامِلُ العَقْلِ جَمِيعَ لُغَتِهِ الَّتِي كانَ يَتَكَلَّمُ بِها بِالأمْسِ، وإنَّهم قَدْ كانُوا عارِفِينَ بِجَمِيعِ اللُّغاتِ إلى أنْ تَفَرَّقُوا، فاقْتَصَرَ كُلُّ أُمَّةٍ مِنهم عَلى اللِّسانِ الَّذِي هم عَلَيْهِ اليَوْمَ وتَرَكُوا سائِرَ الألْسِنَةِ الَّتِي كانُوا عَرَفُوها ولَمْ تَأْخُذْها عَنْهم أوْلادُهم ونَسْلُهم، فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ مِن نَشَأ بَعْدَهم سائِرَ اللُّغاتِ.
البقرة 2:34
بابٌ السُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا﴾، رَوى شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ: " أنَّ الطّاعَةَ كانَتْ لِلَّهِ تَعالى في السُّجُودِ لِآدَمَ، أكْرَمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ "، ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] قالَ: " كانَتْ تَحِيَّتُهُمُ السُّجُودَ " ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ السُّجُودُ عِبادَةً لِلَّهِ تَعالى وتَكْرِمَةً وتَحِيَّةً لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذَلِكَ سُجُودُ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأهْلِهِ لَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ العِبادَةَ لا تَجُوزُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والتَّحِيَّةُ والتَّكْرِمَةِ جائِزانِ لِمَن يَسْتَحِقُّ ضَرْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ السُّجُودَ كانَ لِلَّهِ، وآدَمُ كانَ بِمَنزِلَةِ القِبْلَةِ لَهم ولَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يَكُونَ لِآدَمَ في ذَلِكَ حَظٌّ مِنَ التَّفْضِيلِ والتَّكْرِمَةِ.
وظاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ آدَمُ مُفَضَّلًا مُكَرَّمًا؛ فَذَلِكَ كَظاهِرِ الحَمْدِ إذا وقَعَ لِمَن يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلى الحَقِيقَةِ ولا يُحْمَلُ عَلى ما يُطْلَقُ مِن ذَلِكَ مَجازًا، كَما يُقالُ: أخْلاقُ فُلانٍ مَحْمُودَةٌ (p-٣٨)ومَذْمُومَةٌ؛ لِأنَّ حُكْمَ اللَّفْظِ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى بابِهِ وحَقِيقَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَظ الأمْرَ بِالسُّجُودِ قَدْ كانَ أرادَ بِهِ تَكْرِمَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَفْضِيلَهُ عَلى قَوْلِ إبْلِيسَ فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهُ: ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] فَأخْبَرَ إبْلِيسُ أنَّ امْتِناعَهُ كانَ مِنَ السُّجُودِ لِأجْلِ ما كانَ مِن تَفْضِيلِ اللَّهِ وتَكْرِمَتِهِ بِأمْرِهِ إيّاهُ بِالسُّجُودِ لَهُ، ولَوْ كانَ الأمْرُ بِالسُّجُودِ لَهُ عَلى أنَّهُ نُصِبَ قِبْلَةً لِلسّاجِدِينَ مِن غَيْرِ تَكْرِمَةٍ لَهُ ولا فَضِيلَةٍ لَما كانَ لِآدَمَ في ذَلِكَ حَظٌّ ولا فَضِيلَةٌ تُحْسَدُ، كالكَعْبَةِ المَنصُوبَةِ لِلْقِبْلَةِ وقَدْ كانَ السُّجُودُ جائِزًا في شَرِيعَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمَخْلُوقِينَ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ باقِيًا إلى زَمانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ فِيما بَيْنَهم لِمَن يَسْتَحِقُّ ضَرْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ ويُرادُ إكْرامُهُ وتَبْجِيلُهُ بِمَنزِلَةِ المُصافَحَةِ والمُعانَقَةِ فِيما بَيْنَنا وبِمَنزِلَةِ تَقْبِيلِ اليَدِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ في إباحَةِ تَقْبِيلِ اليَدِ أخْبارٌ، وقَدْ رُوِيَ الكَراهَةُ؛ إلّا أنَّ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ والتَّحِيَّةِ مَنسُوخٌ بِما رَوَتْ عائِشَةُ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأنَسٌ، أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «ما يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، ولَوْ صَلُحَ لِبَشَرٍ أنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها مِن عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْها» لَفْظُ حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ.
البقرة 2:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ قِيلَ إنَّ فائِدَةَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ وإنْ كانَ الكُفْرُ قَبِيحًا مِنَ الأوَّلِ والآخِرِ مَنهِيًّا عَنْهُ الجَمِيعُ أنَّ السّابِقَ إلى الكُفْرِ يَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ فَيَكُونُ أعْظَمَ لِمَأْثَمِهِ وجُرْمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ عَلى ابْنِ آدَمَ القاتِلِ كِفْلًا مِنَ الإثْمِ في كُلِّ قَتِيلٍ ظُلْمًا؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ»، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
البقرة 2:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى صَلاةٍ مَعْهُودَةٍ وزَكاةٍ مَعْلُومَةٍ وقَدْ عَرَفَها، أوْ أنْ يَكُونَ مُتَناوِلًا صَلاةً مُجْمَلَةً وزَكاةً مُجْمَلَةً مَوْقُوفَةً عَلى البَيانِ، إلّا أنّا قَدْ عَلِمْنا الآنَ أنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِما فِيما خُوطِبْنا بِهِ مِن هَذِهِ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ والزَّكَواتِ الواجِبَةِ، إمّا لِأنَّهُ كانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ في حالِ وُرُودِ الخِطابِ، أوْ أنْ يَكُونَ كانَ ذَلِكَ مُجْمَلًا ورَدَ بَعْدَهُ بَيانُ المُرادِ فَحَصَلَ ذَلِكَ مَعْلُومًا.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (p-٣٩)فَإنَّهُ يُفِيدُ إثْباتَ فَرْضِ الرُّكُوعِ في الصَّلاةِ، وقِيلَ إنَّهُ إنَّما خَصَّ الرُّكُوعَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَكُنْ لَهم رُكُوعٌ في صَلاتِهِمْ فَنَصَّ عَلى الرُّكُوعِ فِيها ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وارْكَعُوا﴾ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ نَفْسِها كَما عَبَّرَ عَنْها بِالقِراءَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]
وقَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] والمَعْنى صَلاةُ الفَجْرِ؛ فَيَنْتَظِمُ وجْهَيْنِ مِنَ الفائِدَةِ:
أحَدُهُما: إيجابُ الرُّكُوعِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُعَبِّرُ عَنْها بِالرُّكُوعِ إلّا وهو مِن فَرْضِها، والثّانِي: الأمْرُ بِالصَّلاةِ مَعَ المُصَلِّينَ
فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُرِيدَ بِعِطْفِ الرُّكُوعِ عَلَيْها الصَّلاةَ بِعَيْنِها قِيلَ لَهُ: هَذا جائِزٌ إذا أُرِيدَ بِالصَّلاةِ المَبْدُوءِ بِذِكْرِها الإجْمالُ دُونَ صَلاةٍ مَعْهُودَةٍ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ إحالَةً لَهم عَلى الصَّلاةِ الَّتِي بَيَّنَها بِرُكُوعِها وسائِرِ فُرُوضِها وأيْضًا لَمّا كانَتْ صَلاةُ أهْلِ الكِتابِ بِغَيْرِ رُكُوعٍ وكانَ في اللَّفْظِ احْتِمالُ رُجُوعِهِ إلى تِلْكَ الصَّلاةِ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الصَّلاةَ الَّتِي يَتَعَبَّدُ بِها أهْلُ الكِتابِ بَلِ الَّتِي فِيها الرُّكُوعُ.
البقرة 2:45
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ يَنْصَرِفُ الأمْرُ بِالصَّبْرِ عَلى أداءِ الفَرائِضِ الَّتِي فَرَضَها اللَّهُ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ وفِعْلِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ، وقَدْ رَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ " أنَّهُما مَعُونَتانِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى " وفِعْلُ الصَّلاةِ لُطْفٌ في اجْتِنابِ مَعاصِيهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَّبْرَ والصَّلاةَ المَندُوبَ إلَيْهِما لا المَفْرُوضَيْنِ، وذَلِكَ نَحْوُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وصَلاةِ النَّفْلِ؛ إلّا أنَّ الأظْهَرَ أنَّ المُرادَ المَفْرُوضُ مِنهُما؛ لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ بِالإيجابِ ولا يُصْرَفُ إلى غَيْرِهِ إلّا بِدَلالَةٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ فِيهِ رَدُّ الضَّمِيرِ عَلى واحِدٍ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وقالَ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
البقرة 2:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ يُحْتَجُّ بِها فِيما ورَدَ مِنَ التَّوْقِيفِ في الأذْكارِ والأقْوالِ بِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ تَغْيِيرُها ولا تَبْدِيلُها إلى غَيْرِها ورُبَّما احْتَجَّ بِهِ عَلَيْنا المُخالِفُ في تَجْوِيزِنا تَحْرِيمَةَ الصَّلاةَ بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ والتَّسْبِيحِ، وفي تَجْوِيزِ القِراءَةِ بِالفارِسِيَّةِ عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، وفي تَجْوِيزِ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ، والبَيْعِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ وهَذا لا يَلْزَمُنا فِيما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إنَّما هو في القَوْمِ (p-٤٠)الَّذِينَ قِيلَ لَهم: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] يَعْنِي حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا " .
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا: هَذا الأمْرُ حَقٌّ، كَما قِيلَ لَكم وقالَ عِكْرِمَةُ: " أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا لا إلَهِ إلّا اللَّهُ فَقالُوا بَدَلَ هَذا حِنْطَةٌ حَمْراءُ تَجاهُلًا واسْتِهْزاءً " ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ وعَنِ الحَسَنِ: " إنَّما اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ لَتَبْدِيلِهِمُ القَوْلَ إلى لَفْظٍ في ضِدِّ المَعْنى الَّذِي أُمِرُوا بِهِ "؛ إذْ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ فَصارُوا إلى الإصْرارِ والِاسْتِهْزاءِ.
فَأمّا مَن غَيَّرَ اللَّفْظَ مَعَ اتِّفاقِ المَعْنى فَلَمْ تَتَناوَلْهُ الآيَةُ؛ إذْ كانَتِ الآيَةُ إنَّما تَضَمَّنَتِ الحِكايَةَ عَنْ فِعْلِ قَوْمٍ غَيَّرُوا اللَّفْظَ والمَعْنى جَمِيعًا فَألْحَقَ بِهِمُ الذَّمَّ بِهَذا القَوْلِ وإنَّما يُشارِكُهم في الذَّمِّ مَن يُشارِكُهم في الفِعْلِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَأمّا مَن غَيَّرَ اللَّفْظَ وأتى بِالمَعْنى فَلَمْ تَتَضَمَّنَهُ الآيَةُ، وإنَّما نَظِيرُ فِعْلِ القَوْمِ إجازَةُ مَن يُجِيزُ المُتْعَةَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] فَقَصَرَ اسْتِباحَةَ البُضْعِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَمَنِ اسْتَباحَهُ بِلَفْظِ المُتْعَةِ مَعَ مُخالَفَةِ النِّكاحِ ومِلْكِ اليَمِينِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى فَهَذا الَّذِي يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُ الذَّمُّ بِحُكْمِ الآيَةِ.
البقرة 2:67
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ [البقرة: ٧٣] إلى آخَرِ الآيَةِ،
قالَ أبُو بَكْرٍ: في هَذِهِ الآياتِ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن قِصَّةِ المَقْتُولِ وذَبْحِ البَقَرَةِ ضُرُوبٌ مِنَ الأحْكامِ والدَّلائِلِ عَلى المَعانِي الشَّرِيفَةِ:
فَأوَّلُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] وإنْ كانَ مُؤَخَّرًا في التِّلاوَةِ فَهو مُقَدَّمٌ في المَعْنى عَلى جَمِيعِ ما ابْتَدَأ بِهِ مِن شَأْنِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذَبْحِ البَقَرَةِ إنَّما كانَ سَبَبُهُ قَتْلَ النَّفْسِ وقَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ القَتْلِ وإنْ كانَ مُؤَخَّرًا في التِّلاوَةِ فَهو مُقَدَّمٌ في النُّزُولِ، والآخَرُ: أنَّ تَرْتِيبَ نُزُولِها عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ تِلاوَتِها ونِظامِها وإنْ كانَ مُقَدَّمًا في المَعْنى؛ لِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، كَقَوْلِ القائِلِ: " اُذْكُرْ؛ إذْ أعْطَيْتَ ألْفَ دِرْهَمٍ زَيْدًا؛ إذْ بَنى دارِي " والبِناءُ مُقَدَّمٌ عَلى العَطِيَّةِ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذِكْرَ البَقَرَةِ مُقَدَّمٌ في النُّزُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ [البقرة: ٧٣]
فَدَلَّ عَلى أنَّ البَقَرَةَ قَدْ ذُكِرَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ولِذَلِكَ أُضْمِرَتْ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذِكْرِ الطُّوفانِ وانْقِضائِهِ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]
ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ هَلاكِهِمْ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ الكَلامِ وتَأْخِيرَهُ إذا (p-٤١)كانَ بَعْضُهُ مَعْطُوفًا عَلى بَعْضٍ بِالواوِ غَيْرُ مُوجِبٍ تَرْتِيبَ المَعْنى عَلى تَرْتِيبِ اللَّفْظِ.
* *
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قَدْ دَلَّ عَلى جَوازِ وُرُودِ الأمْرِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ بَقَرَةً مَجْهُولَةً غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ ولا مَوْصُوفَةٍ ويَكُونُ المَأْمُورُ مُخَيَّرًا في ذَبْحِ أدْنى ما يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ وقَدْ تَنازَعَ مَعْناهُ الفَرِيقانِ مِن نُفاةِ العُمُومِ ومِن مُثْبِتِيهِ، واحْتَجَّ بِهِ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لِمَذْهَبِهِ، فَأمّا القائِلُونَ بِالعُمُومِ فاحْتَجُّوا بِهِ مِن جِهَةِ وُرُودِهِ مُطْلَقًا فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا لازِمًا في كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ ما تَناوَلَهُ العُمُومُ، وأنَّهم لَمّا تَعَنَّتُوا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في المُراجَعَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى شَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ التَّكْلِيفَ وذَمَّهم عَلى مُراجَعَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]
ورَوى الحَسَنُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوِ اعْتَرَضُوا أدْنى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوها لَأجْزَتْ عَنْهم ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُبَيْدَةَ وأبِي العالِيَةِ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ واحْتَجَّ مَن أبى القَوْلَ بِالعُمُومِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَنِّفْهم عَلى المُراجَعَةِ بَدْءًا، ولَوْ كانَ قَدْ لَزِمَهم تَنْفِيذُ ذَلِكَ عَلى ما ادَّعَيْتُمُوهُ مِنِ اقْتِضاءِ عُمُومِ اللَّفْظِ لَوَرَدَ النَّكِيرُ في بَدْءِ المُراجَعَةِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ النَّكِيرَ ظاهِرٌ عَلَيْهِمْ في اللَّفْظِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: تَغْلِيظُ المِحْنَةِ عَلَيْهِمْ وهَذا ضَرْبٌ مِنَ النَّكِيرِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا تارِكِينَ لِلْأمْرِ بَدْءًا وأنَّهُ قَدْ كانَ عَلَيْهِمُ المُسارَعَةُ إلى فِعْلِهِ فَقَدْ حَصَلَتِ الآيَةُ عَلى مَعانٍ:
أحَدُها: وُجُوبُ اعْتِبارِ عُمُومِ اللَّفْظِ فِيما يُمْكِنِ اسْتِعْمالُهُ والثّانِي: أنَّ الأمْرَ عَلى الفَوْرِ وأنَّ عَلى المَأْمُورِ المُسارَعَةَ إلى فِعْلِهِ عَلى حَسَبِ الإمْكانِ حَتّى تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ التَّأْخِيرِ
والثّالِثُ: جَوازُ وُرُودِ الأمْرِ بِشَيْءِ مَجْهُولِ الصِّفَةِ مَعَ تَخْيِيرِ المَأْمُورِ في فِعْلِ ما يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ مِنهُ.
والرّابِعُ: وُجُوبُ الأمْرِ وأنَّهُ لا يُصارُ إلى النَّدْبِ إلّا بِدَلالَةٍ؛ إذْ لَمْ يَلْحَقْهُمُ الذَّمُّ إلّا بِتَرْكِ الأمْرِ المُطْلَقِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ وعِيدٍ والخامِسُ: جَوازُ النَّسْخِ قَبْلَ وُقُوعِ الفِعْلِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنهُ؛ ذَلِكَ أنَّ زِيادَةَ هَذِهِ الصِّفاتِ في البَقَرَةِ كُلٌّ مِنها قَدْ نَسَخَ ما قَبْلَها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ اقْتَضى ذَبْحَ بَقَرَةٍ أيَّها كانَتْ وعَلى أيِّ وجْهٍ شاءُوا، وقَدْ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن ذَلِكَ.
فَلَمّا قالُوا: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ فَقالَ: ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ نَسَخَ التَّخْيِيرَ الَّذِي أوْجَبَهُ الأمْرُ الأوَّلُ في ذَبْحِ البَقَرَةِ المَوْصُوفَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةُ وذَبْحِ غَيْرِها، وقَصَرُوا عَلى ما كانَ مِنها بِهَذِهِ الصِّفَةِ وقِيلَ (p-٤٢)لَهم ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ فَأبانَ أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَذْبَحُوا مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ أيَّ لَوْنٍ كانَتْ وعَلى أيِّ حالِ كانَتْ مِن ذَلُولٍ أوْ غَيْرِها، فَلَمّا قالُوا: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] نَسَخَ التَّخْيِيرَ الَّذِي كانَ في ذَبْحِ أيِّ لَوْنٍ شاءُوا مِنها وبَقِيَ التَّخْيِيرُ في الصِّفَةِ الأُخْرى مِن أمْرِها، فَلَمّا راجَعُوا نُسِخَ ذَلِكَ أيْضًا وأُمِرُوا بِذَبْحِها عَلى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ واسْتَقَرَّ الفَرْضُ عَلَيْها بَعْدَ تَغْلِيظِ المِحْنَةِ وتَشْدِيدِ التَّكْلِيفِ وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا في أمْرِ النَّسْخِ دَلَّ أنَّ الزِّيادَةَ في النَّصِّ بَعْدَ اسْتِقْرارِ حُكْمِهِ يُوجِبُ نَسْخَهُ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرْنا مِنَ الأوامِرِ الوارِدَةِ بَعْدَ مُراجَعَةِ القَوْمِ إنَّما كانَ زِيادَةً في نَصٍّ كانَ قَدِ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ فَأوْجَبَ نَسْخَهُ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذِهِ القِصَّةِ في جَوازِ نَسْخِ الفَرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ وقْتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ مَعْلُومًا أنَّ الفَرْضَ عَلَيْهِمْ بَدْءًا قَدْ كانَ بَقَرَةً مُعَيَّنَةً فَنُسِخَ ذَلِكَ عَنْهم قَبْلَ مَجِيءِ وقْتِ الفِعْلِ وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ كُلَّ فَرْضٍ مِن ذَلِكَ قَدْ كانَ وقْتُ فِعْلِهِ عَقِيبَ وُرُودِ الأمْرِ في أوَّلِ أحْوالِ الإمْكانِ واسْتَقَرَّ الفَرْضُ عَلَيْهِمْ وثَبَتَ ثُمَّ نُسِخَ قَبْلَ الفِعْلِ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ إذًا عَلى جَوازِ النَّسْخِ قَبْلَ مَجِيءِ وقْتِ الفِعْلِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أُصُولِ الفِقْهِ.
والسّادِسُ: دَلالَةُ قَوْلِهِ: ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ واسْتِعْمالِ غالِبِ الظَّنِّ في الأحْكامِ؛ إذْ لا يُعْلَمُ أنَّها بَيْنَ البِكْرِ والفارِضِ إلّا مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ.
والسّابِعُ اسْتِعْمالُ الظّاهِرِ مَعَ تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ في الباطِنِ خِلافُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾ [البقرة: ٧١] يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ بَرِيئَةٌ مِنها، وذَلِكَ لا نَعْلَمُهُ مِن طَرِيقِ الحَقِيقَةِ وإنَّما نَعْلَمُهُ مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ مَعَ تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ بِها عَيْبٌ باطِنٌ.
والثّامِنُ: ما حَكى اللَّهُ عَنْهم في المُراجَعَةِ الأخِيرَةِ: ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] لَمّا قَرَنُوا الخَبَرَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وُفِّقُوا لِتَرْكِ المُراجَعَةِ بَعْدَها ولِوُجُودِ ما أُمِرُوا بِهِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَوْ لَمْ يَقُولُوا " إنْ شاءَ اللَّهُ " لَما اهْتَدَوْا لَها أبَدًا ولَدامَ الشَّرُّ بَيْنَهم، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] فَأعْلَمَنا اللَّهُ ذَلِكَ لِنَطْلُبَ نَجاحَ الأُمُورِ عِنْدَ الإخْبارِ عَنْها في المُسْتَقْبِلِ بِذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي هو مَشِيئَةُ اللَّهِ، وقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ عَلى الأمْرِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] فَفِيهِ اسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ والِاعْتِرافُ بِقُدْرَتِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وأنَّهُ مالِكُهُ والمُدَبِّرُ لَهُ.
والتّاسِعُ: دَلالَةُ قَوْلِهِ: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ عَلى أنَّ المُسْتَهْزِئَ يَسْتَحِقُّ سِمَةَ الجَهْلِ، لِانْتِفاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الجَهْلِ بِنَفْيِهِ الِاسْتِهْزاءَ عَنْ نَفْسِهِ.
(p-٤٣)ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِأمْرِ الدِّينِ مِن كَبائِرِ الذُّنُوبِ وعَظائِمِها، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْ مَأْثَمُهُ النِّسْبَةَ إلى الجَهْلِ وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مِسْعَرٍ أنَّهُ تَقَدَّمَ إلى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ العَنْبَرِيِّ القاضِي قالَ: وعَلَيَّ جُبَّةُ صُوفٍ وكانَ عُبَيْدُ اللَّهِ كَثِيرَ المَزْحِ، قالَ: فَقالَ لَهُ: أصُوفُ نَعْجَةٍ جُبَّتُكَ أمْ صُوفُ كَبْشٍ ؟
فَقُلْتُ لَهُ: لا تَجْهَلْ أبْقاكَ اللَّهُ قالَ: وأنّى وجَدْتَ المِزاحَ جَهْلًا ؟ فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ قالَ: فَأعْرَضَ واشْتَغَلَ بِكَلامٍ آخَرَ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِقَتْلِ مَن ظَهَرَ مِنهُ الكُفْرُ، وإنَّما كانَ مَأْمُورًا بِالنَّظَرِ بِالقَوْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم لِنَبِيِّ اللَّهِ ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ كُفْرٌ وهو كَقَوْلِهِمْ لِمُوسى ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ كُفْرَهم هَذا لَمْ يُوجِبْ فُرْقَةً بَيْنَ نِسائِهِمْ وبَيْنَهم؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِفِراقِهِنَّ ولا تَقْرِيرِ نِكاحٍ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ.
البقرة 2:68
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ [البقرة: ٧٣] إلى آخَرِ الآيَةِ،
قالَ أبُو بَكْرٍ: في هَذِهِ الآياتِ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن قِصَّةِ المَقْتُولِ وذَبْحِ البَقَرَةِ ضُرُوبٌ مِنَ الأحْكامِ والدَّلائِلِ عَلى المَعانِي الشَّرِيفَةِ:
فَأوَّلُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] وإنْ كانَ مُؤَخَّرًا في التِّلاوَةِ فَهو مُقَدَّمٌ في المَعْنى عَلى جَمِيعِ ما ابْتَدَأ بِهِ مِن شَأْنِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذَبْحِ البَقَرَةِ إنَّما كانَ سَبَبُهُ قَتْلَ النَّفْسِ وقَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ القَتْلِ وإنْ كانَ مُؤَخَّرًا في التِّلاوَةِ فَهو مُقَدَّمٌ في النُّزُولِ، والآخَرُ: أنَّ تَرْتِيبَ نُزُولِها عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ تِلاوَتِها ونِظامِها وإنْ كانَ مُقَدَّمًا في المَعْنى؛ لِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، كَقَوْلِ القائِلِ: " اُذْكُرْ؛ إذْ أعْطَيْتَ ألْفَ دِرْهَمٍ زَيْدًا؛ إذْ بَنى دارِي " والبِناءُ مُقَدَّمٌ عَلى العَطِيَّةِ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذِكْرَ البَقَرَةِ مُقَدَّمٌ في النُّزُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ [البقرة: ٧٣]
فَدَلَّ عَلى أنَّ البَقَرَةَ قَدْ ذُكِرَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ولِذَلِكَ أُضْمِرَتْ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذِكْرِ الطُّوفانِ وانْقِضائِهِ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]
ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ هَلاكِهِمْ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ الكَلامِ وتَأْخِيرَهُ إذا (p-٤١)كانَ بَعْضُهُ مَعْطُوفًا عَلى بَعْضٍ بِالواوِ غَيْرُ مُوجِبٍ تَرْتِيبَ المَعْنى عَلى تَرْتِيبِ اللَّفْظِ.
* *
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قَدْ دَلَّ عَلى جَوازِ وُرُودِ الأمْرِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ بَقَرَةً مَجْهُولَةً غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ ولا مَوْصُوفَةٍ ويَكُونُ المَأْمُورُ مُخَيَّرًا في ذَبْحِ أدْنى ما يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ وقَدْ تَنازَعَ مَعْناهُ الفَرِيقانِ مِن نُفاةِ العُمُومِ ومِن مُثْبِتِيهِ، واحْتَجَّ بِهِ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لِمَذْهَبِهِ، فَأمّا القائِلُونَ بِالعُمُومِ فاحْتَجُّوا بِهِ مِن جِهَةِ وُرُودِهِ مُطْلَقًا فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا لازِمًا في كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ ما تَناوَلَهُ العُمُومُ، وأنَّهم لَمّا تَعَنَّتُوا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في المُراجَعَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى شَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ التَّكْلِيفَ وذَمَّهم عَلى مُراجَعَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]
ورَوى الحَسَنُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوِ اعْتَرَضُوا أدْنى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوها لَأجْزَتْ عَنْهم ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُبَيْدَةَ وأبِي العالِيَةِ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ واحْتَجَّ مَن أبى القَوْلَ بِالعُمُومِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعَنِّفْهم عَلى المُراجَعَةِ بَدْءًا، ولَوْ كانَ قَدْ لَزِمَهم تَنْفِيذُ ذَلِكَ عَلى ما ادَّعَيْتُمُوهُ مِنِ اقْتِضاءِ عُمُومِ اللَّفْظِ لَوَرَدَ النَّكِيرُ في بَدْءِ المُراجَعَةِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ النَّكِيرَ ظاهِرٌ عَلَيْهِمْ في اللَّفْظِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: تَغْلِيظُ المِحْنَةِ عَلَيْهِمْ وهَذا ضَرْبٌ مِنَ النَّكِيرِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا تارِكِينَ لِلْأمْرِ بَدْءًا وأنَّهُ قَدْ كانَ عَلَيْهِمُ المُسارَعَةُ إلى فِعْلِهِ فَقَدْ حَصَلَتِ الآيَةُ عَلى مَعانٍ:
أحَدُها: وُجُوبُ اعْتِبارِ عُمُومِ اللَّفْظِ فِيما يُمْكِنِ اسْتِعْمالُهُ والثّانِي: أنَّ الأمْرَ عَلى الفَوْرِ وأنَّ عَلى المَأْمُورِ المُسارَعَةَ إلى فِعْلِهِ عَلى حَسَبِ الإمْكانِ حَتّى تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ التَّأْخِيرِ
والثّالِثُ: جَوازُ وُرُودِ الأمْرِ بِشَيْءِ مَجْهُولِ الصِّفَةِ مَعَ تَخْيِيرِ المَأْمُورِ في فِعْلِ ما يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ مِنهُ.
والرّابِعُ: وُجُوبُ الأمْرِ وأنَّهُ لا يُصارُ إلى النَّدْبِ إلّا بِدَلالَةٍ؛ إذْ لَمْ يَلْحَقْهُمُ الذَّمُّ إلّا بِتَرْكِ الأمْرِ المُطْلَقِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ وعِيدٍ والخامِسُ: جَوازُ النَّسْخِ قَبْلَ وُقُوعِ الفِعْلِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنهُ؛ ذَلِكَ أنَّ زِيادَةَ هَذِهِ الصِّفاتِ في البَقَرَةِ كُلٌّ مِنها قَدْ نَسَخَ ما قَبْلَها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ اقْتَضى ذَبْحَ بَقَرَةٍ أيَّها كانَتْ وعَلى أيِّ وجْهٍ شاءُوا، وقَدْ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن ذَلِكَ.
فَلَمّا قالُوا: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ فَقالَ: ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ نَسَخَ التَّخْيِيرَ الَّذِي أوْجَبَهُ الأمْرُ الأوَّلُ في ذَبْحِ البَقَرَةِ المَوْصُوفَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةُ وذَبْحِ غَيْرِها، وقَصَرُوا عَلى ما كانَ مِنها بِهَذِهِ الصِّفَةِ وقِيلَ (p-٤٢)لَهم ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ فَأبانَ أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَذْبَحُوا مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ أيَّ لَوْنٍ كانَتْ وعَلى أيِّ حالِ كانَتْ مِن ذَلُولٍ أوْ غَيْرِها، فَلَمّا قالُوا: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] نَسَخَ التَّخْيِيرَ الَّذِي كانَ في ذَبْحِ أيِّ لَوْنٍ شاءُوا مِنها وبَقِيَ التَّخْيِيرُ في الصِّفَةِ الأُخْرى مِن أمْرِها، فَلَمّا راجَعُوا نُسِخَ ذَلِكَ أيْضًا وأُمِرُوا بِذَبْحِها عَلى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ واسْتَقَرَّ الفَرْضُ عَلَيْها بَعْدَ تَغْلِيظِ المِحْنَةِ وتَشْدِيدِ التَّكْلِيفِ وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا في أمْرِ النَّسْخِ دَلَّ أنَّ الزِّيادَةَ في النَّصِّ بَعْدَ اسْتِقْرارِ حُكْمِهِ يُوجِبُ نَسْخَهُ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرْنا مِنَ الأوامِرِ الوارِدَةِ بَعْدَ مُراجَعَةِ القَوْمِ إنَّما كانَ زِيادَةً في نَصٍّ كانَ قَدِ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ فَأوْجَبَ نَسْخَهُ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذِهِ القِصَّةِ في جَوازِ نَسْخِ الفَرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ وقْتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ مَعْلُومًا أنَّ الفَرْضَ عَلَيْهِمْ بَدْءًا قَدْ كانَ بَقَرَةً مُعَيَّنَةً فَنُسِخَ ذَلِكَ عَنْهم قَبْلَ مَجِيءِ وقْتِ الفِعْلِ وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ كُلَّ فَرْضٍ مِن ذَلِكَ قَدْ كانَ وقْتُ فِعْلِهِ عَقِيبَ وُرُودِ الأمْرِ في أوَّلِ أحْوالِ الإمْكانِ واسْتَقَرَّ الفَرْضُ عَلَيْهِمْ وثَبَتَ ثُمَّ نُسِخَ قَبْلَ الفِعْلِ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ إذًا عَلى جَوازِ النَّسْخِ قَبْلَ مَجِيءِ وقْتِ الفِعْلِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أُصُولِ الفِقْهِ.
والسّادِسُ: دَلالَةُ قَوْلِهِ: ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ واسْتِعْمالِ غالِبِ الظَّنِّ في الأحْكامِ؛ إذْ لا يُعْلَمُ أنَّها بَيْنَ البِكْرِ والفارِضِ إلّا مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ.
والسّابِعُ اسْتِعْمالُ الظّاهِرِ مَعَ تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ في الباطِنِ خِلافُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾ [البقرة: ٧١] يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ بَرِيئَةٌ مِنها، وذَلِكَ لا نَعْلَمُهُ مِن طَرِيقِ الحَقِيقَةِ وإنَّما نَعْلَمُهُ مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ مَعَ تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ بِها عَيْبٌ باطِنٌ.
والثّامِنُ: ما حَكى اللَّهُ عَنْهم في المُراجَعَةِ الأخِيرَةِ: ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] لَمّا قَرَنُوا الخَبَرَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وُفِّقُوا لِتَرْكِ المُراجَعَةِ بَعْدَها ولِوُجُودِ ما أُمِرُوا بِهِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَوْ لَمْ يَقُولُوا " إنْ شاءَ اللَّهُ " لَما اهْتَدَوْا لَها أبَدًا ولَدامَ الشَّرُّ بَيْنَهم، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] فَأعْلَمَنا اللَّهُ ذَلِكَ لِنَطْلُبَ نَجاحَ الأُمُورِ عِنْدَ الإخْبارِ عَنْها في المُسْتَقْبِلِ بِذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي هو مَشِيئَةُ اللَّهِ، وقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ عَلى الأمْرِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] فَفِيهِ اسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ والِاعْتِرافُ بِقُدْرَتِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وأنَّهُ مالِكُهُ والمُدَبِّرُ لَهُ.
والتّاسِعُ: دَلالَةُ قَوْلِهِ: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ عَلى أنَّ المُسْتَهْزِئَ يَسْتَحِقُّ سِمَةَ الجَهْلِ، لِانْتِفاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الجَهْلِ بِنَفْيِهِ الِاسْتِهْزاءَ عَنْ نَفْسِهِ.
(p-٤٣)ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِأمْرِ الدِّينِ مِن كَبائِرِ الذُّنُوبِ وعَظائِمِها، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْ مَأْثَمُهُ النِّسْبَةَ إلى الجَهْلِ وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مِسْعَرٍ أنَّهُ تَقَدَّمَ إلى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ العَنْبَرِيِّ القاضِي قالَ: وعَلَيَّ جُبَّةُ صُوفٍ وكانَ عُبَيْدُ اللَّهِ كَثِيرَ المَزْحِ، قالَ: فَقالَ لَهُ: أصُوفُ نَعْجَةٍ جُبَّتُكَ أمْ صُوفُ كَبْشٍ ؟
فَقُلْتُ لَهُ: لا تَجْهَلْ أبْقاكَ اللَّهُ قالَ: وأنّى وجَدْتَ المِزاحَ جَهْلًا ؟ فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ قالَ: فَأعْرَضَ واشْتَغَلَ بِكَلامٍ آخَرَ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِقَتْلِ مَن ظَهَرَ مِنهُ الكُفْرُ، وإنَّما كانَ مَأْمُورًا بِالنَّظَرِ بِالقَوْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم لِنَبِيِّ اللَّهِ ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ كُفْرٌ وهو كَقَوْلِهِمْ لِمُوسى ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ كُفْرَهم هَذا لَمْ يُوجِبْ فُرْقَةً بَيْنَ نِسائِهِمْ وبَيْنَهم؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِفِراقِهِنَّ ولا تَقْرِيرِ نِكاحٍ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ.
البقرة 2:72
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما يُسِرُّهُ العَبْدُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ودامَ ذَلِكَ مِنهُ أنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُهُ، وهو كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ عَبْدًا لَوْ أطاعَ اللَّهَ مِن وراءِ سَبْعِينَ حِجابًا لَأظْهَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ وكَذَلِكَ المَعْصِيَةُ» .
ورُوِيَ أنَّ اللَّهُ تَعالى أوْحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ يُخْفُوا لِي أعْمالَهم وعَلَيَّ أنْ أُظْهِرَها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ عامٌّ والمُرادُ خاصٌّ؛ لِأنَّ كُلَّهم ما عَلِمُوا بِالقاتِلِ بِعَيْنِهِ ولِذَلِكَ اخْتَلَفُوا وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ عامًّا في سائِرِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وهو عامٌّ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ.
وفِي هَذِهِ القِصَّةِ سِوى ما ذَكَرْنا حِرْمانُ مِيراثِ المَقْتُولِ، رَوى أبُو أيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ: أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ لَهُ ذُو قَرابَةٍ وهو وارِثُهُ، فَقَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ فَألْقاهُ عَلى بابِ قَوْمٍ آخَرِينَ وذَكَرَ قِصَّةَ البَقَرَةِ وذَكَرَ بَعْدَها: فَلَمْ يُوَرَّثْ بَعْدَها قاتِلٌ وقَدِ اخْتُلِفَ في مِيراثِ القاتِلِ.
ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ لا مِيراثَ لَهُ سَواءٌ كانَ القَتْلُ عَمْدًا أوْ خَطَأً، وأنَّهُ لا يَرِثُ مِن دِيَتِهِ ولا مِن سائِرِ مالِهِ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والثَّوْرِيِّ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ إلّا أنَّ أصْحابَنا قالُوا: إنْ كانَ القاتِلُ صَبِيًّا أوْ مَجْنُونًا ورِثَ وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: قاتِلُ الخَطَأِ يَرِثُ دُونَ قاتِلِ العَمْدِ وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لا يَرِثُ قاتِلُ الخَطَأِ وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: لا يَرِثُ القاتِلُ عَمْدًا مِن دِيَةِ مَن قَتَلَ شَيْئًا ولا مِن مالِهِ، وإنْ قَتَلَهُ خَطَأً ورِثَ مِن مالِهِ ولَمْ يَرِثْ مِن دِيَتِهِ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ وقالَ المُزَنِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ: إذا قَتَلَ الباغِي العادِلَ (p-٤٤)أوِ العادِلُ الباغِيَ لا يَتَوارَثانِ لِأنَّهُما قاتِلانِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفِ الفُقَهاءُ في أنَّ قاتِلِ العَمْدِ لا يَرِثُ المَقْتُولَ إذا كانَ بالِغًا عاقِلًا بِغَيْرِ حَقٍّ، واخْتُلِفَ في قاتِلِ الخَطَأِ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَنْبَسَةَ بْنِ لَقِيطٍ الضَّبِّيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والمُثَنّى ويَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ لِلْقاتِلِ مِنَ المِيراثِ شَيْءٌ» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ زَكَرِيّا التُّسْتَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ غِياثٍ عَنِ الحَجّاجِ عَنْ عَمْرِو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لَيْسَ لِلْقاتِلِ شَيْءٌ» ورَوى اللَّيْثُ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «القاتِلُ لا يَرِثُ» .
ورَوى يَزِيدُ بْنُ هارُونَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ راشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «القاتِلُ عَمْدًا لا يَرِثُ مِن أخِيهِ ولا مِن ذِي قَرابَتِهِ شَيْئًا ويَرِثُ أقْرَبُ النّاسِ إلَيْهِ نَسَبًا بَعْدَ القاتِلِ»، ورَوى حِصْنُ بْنُ مَيْسَرَةَ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ «عَدِيٍّ الجُذامِيِّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كانَتْ لِيَ امْرَأتانِ فاقْتَتَلَتا فَرَمَيْتُ إحْداهُما ؟ فَقالَ: اعْقِلْها ولا تَرِثْها»، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الأخْبارِ حِرْمانُ القاتِلِ مِيراثَهُ مِن سائِرِ مالِ المَقْتُولِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ العامِدِ والمُخْطِئِ لِعُمُومِ لَفْظِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ.
وقَدِ اسْتَعْمَلَ الفُقَهاءُ هَذا الخَبَرَ وتَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ فَجَرى مَجْرى التَّواتُرِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» وقَوْلِهِ: «لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها» «وإذا اخْتَلَفَ البَيِّعانِ فالقَوْلُ ما قالَهُ البائِعُ أوْ يَتَرادّانِ» وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي مَخْرَجُها مِن جِهَةِ الإفْرادِ وصارَتْ في حَيِّزِ التَّواتُرِ لِتَلَقِّي الفُقَهاءِ لَها بِالقَبُولِ مِنِ اسْتِعْمالِهِمْ إيّاها فَجازَ تَخْصِيصُ آيَةِ المَوارِيثِ بِها ويَدُلُّ عَلى تَسْوِيَةِ حُكْمِ العامِدِ والمُخْطِئِ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ مِن غَيْرِ خِلافٍ مِن أحَدٍ مِن نُظَرائِهِمْ عَلَيْهِمْ وغَيْرُ جائِزِ فِيما كانَ هَذا وصْفَهُ مِن قَوْلِ الصَّحابَةِ في شُيُوعِهِ واسْتِفاضَتِهِ أنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ التّابِعِينَ ولَمّا وافَقَ مالِكٌ عَلى أنَّهُ لا يَرِثُ مِن دِيَتِهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ سائِرِ مالِهِ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ دِيَتَهُ مالُهُ ومِيراثٌ عَنْهُ بِدَلِيلِ أنَّهُ تُقْضى مِنها دُيُونُهُ وتُنَفَّذُ مِنها وصاياهُ ويَرِثُها سائِرُ ورَثَتِهِ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى كَما يَرِثُونَ سائِرَ أمْوالِهِ، فَلَمّا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَرِثُ مِن دِيَتِهِ كانَ ذَلِكَ (p-٤٥)حُكْمَ سائِرِ مالِهِ في الحِرْمانِ كَما أنَّهُ إذا ورِثَ مِن سائِرِ مالِهِ ورِثَ مِن دِيَتِهِ، فَمِن حَيْثُ كانَ حُكْمُ سائِرِ مالِهِ حُكْمَ دِيَتِهِ في الِاسْتِحْقاقِ وجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُ سائِرِ مالِهِ حُكْمَ دِيَتِهِ في الحِرْمانِ؛ إذْ كانَ الجَمِيعُ مُسْتَحَقًّا عَلى سِهامِ ورَثَتِهِ وأنَّهُ مَبْدُوءٌ بِهِ في الدَّيْنِ عَلى المِيراثِ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَرِثُ مِن دِيَتِهِ لِما اقْتَضاهُ الأثَرُ وجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُ سائِرِ مالِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأثَرَ لَمْ يَفْصِلْ في وُرُودِهِ بَيْنَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وقالَ مالِكٌ: إنَّما ورِثَ قاتِلُ الخَطَأِ مِن سائِرِ مالِهِ سِوى الدِّيَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُتَّهَمُ أنْ يَكُونَ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ وهَذِهِ العِلَّةُ مَوْجُودَةٌ في دِيَتِهِ؛ لِأنَّها مِنَ التُّهْمَةِ أبْعَدُ.
فَواجِبٌ عَلى مُقْتَضى عِلَّتِهِ أنْ يَرِثَ مِن دِيَتِهِ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ في قاتِلِ العَمْدِ وشِبْهِ العَمْدِ أنَّهُ لا يَرِثُ سائِرَ مالِهِ كَما لا يَرِثُ مِن دِيَتِهِ إذا وجَبَتْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ قاتِلِ الخَطَأِ؛ لِاتِّفاقِهِما في حِرْمانِ المِيراثِ مِن دِيَتِهِ وأيْضًا إذا كانَ قَتْلُ العَمْدِ وشِبْهِ العَمْدِ إنَّما حَرَّما المِيراثَ لِلتُّهْمَةِ في إحْرازِ المِيراثِ بِقَتْلِهِ فَهَذا المَعْنى مَوْجُودٌ في قَتْلِ الخَطَأِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما أظْهَرَ رَمْيَ غَيْرِهِ وهو قاصِدٌ بِهِ قَتْلَهُ لِئَلّا يُقادَ مِنهُ ولا يُحْرَمَ المِيراثَ، فَلَمّا كانَتِ التُّهْمَةُ مَوْجُودَةً مِن هَذا الوَجْهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ في مَعْنى العَمْدِ وشِبْهِهِ وأيْضًا تَوْرِيثُهُ بَعْضَ المِيراثِ دُونَ بَعْضٍ خارِجٌ مِنَ الأُصُولِ؛ لِأنَّ فِيها أنَّ مَن ورِثَ بَعْضَ تَرِكَةٍ ورِثَ جَمِيعَها ومَن حُرِمَ بَعْضَها حُرِمَ جَمِيعَها.
وإنَّما قالَ أصْحابُنا: إنَّ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ لا يُحْرَمانِ المِيراثَ بِالقَتْلِ مِن قِبَلِ أنَّهُما غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ، وحِرْمانُ المِيراثِ عَلى وجْهِ العُقُوبَةِ في الأُصُولِ فَأُجْرِيَ قاتِلُ الخَطَإ مَجْراهُ وإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ العِقابَ بِقَتْلِ الخَطَأِ تَغْلِيظًا لِأمْرِ الدَّمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ قَصَدَ القَتْلَ بِرَمْيِهِ أوْ بِضَرْبِهِ وأنَّهُ أوْهَمَ أنَّهُ قاصِدٌ لِغَيْرِهِ فَأُجْرِيَ في ذَلِكَ مَجْرى مَن عَلِمَ مِنهُ ذَلِكَ، والصَّبِيُّ والمَجْنُونُ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مِنهُما ذَلِكَ لا يَسْتَحِقّانِ الدَّمَ، قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنِ النّائِمِ حَتّى يَنْتَبِهَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتّى يُفِيقَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَظاهِرُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي سُقُوطَ حُكْمِ قَتْلِهِ رَأْسًا مِن سائِرِ الوُجُوهِ، ولَوْلا قِيامُ الدَّلالَةِ لَما وجَبَتِ الدِّيَةُ أيْضًا.
فَإنْ قِيلَ: فَإنَّهُ يُحْرَمُ النّائِمُ المِيراثَ إذا انْقَلَبَ عَلى صَبِيِّ فَقَتَلَهُ ؟ قِيلَ لَهُ: هو مِثْلُ قاتِلِ الخَطَأِ يَجُوزَ أنْ يَكُونَ أظْهَرَ أنَّهُ نائِمٌ ولَمْ يَكُنْ نائِمًا في الحَقِيقَةِ وأمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ في العادِلِ إذا قَتَلَ الباغِيَ حُرِمَ المِيراثَ، فَلا وجْهَ لَهُ؛ لِأنَّهُ قَتَلَهُ بِحَقٍّ وقَدْ كانَ الباغِي مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُحْرَمَ المِيراثَ ولا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ مَن وجَبَ لَهُ القَوَدُ عَلى (p-٤٦)إنْسانٍ فَقَتَلَهُ قَوَدًا أنَّهُ لا يُحْرَمُ المِيراثَ وأيْضًا فَلَوْ كانَ قَتْلُ العادِلِ الباغِيَ يَحْرِمُهُ المِيراثَ لَوَجَبَ أنَّهُ إذا كانَ مُحارِبًا فاسْتَحَقَّ القَتْلَ حَدًّا أنْ لا يَكُونَ مِيراثُهُ لِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ الإمامَ قامَ مَقامَ الجَماعَةِ في إجْراءِ الحُكْمِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ، فَلَمّا كانَ المُسْلِمُونَ هُمُ المُسْتَحِقِّينَ لِمِيراثِ مَن ذَكَرْنا أمْرَهُ وإنْ كانَ الإمامُ قامَ مَقامَهم في قَتْلِهِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مَن قُتِلَ بِحَقِّ لا يُحْرَمُ قاتِلُهُ مِيراثَهُ، وقالَ أصْحابُنا في حافِرِ البِئْرِ وواضِعِ الحَجَرِ في الطَّرِيقِ إذا عَطِبَ بِهِ إنْسانٌ: إنَّهُ لا يُحْرَمُ المِيراثَ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ قاتِلٍ في الحَقِيقَةِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ فاعِلًا لِلْقَتْلِ ولا لِسَبَبٍ اتَّصَلَ بِالمَقْتُولِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ القَتْلَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: عَمْدٍ، وخَطَأٍ، وشِبْهِ العَمْدِ، وحافِرُ البِئْرِ وواضِعُ الحَجَرِ خارِجٌ عَنْ ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: حَفْرُ البِئْرِ ووَضْعُ الحَجَرِ سَبَبٌ لِلْقَتْلِ كالرّامِي والجارِحِ أنَّهُما قاتِلانِ لِفِعْلِهِما السَّبَبَ قِيلَ لَهُ: الرَّمْيُ وما تَوَلَّدَ مِنهُ مِن مُرُورِ السَّهْمِ هو فِعْلُهُ وبِهِ حَصَلَ القَتْلُ، وكَذَلِكَ الجُرْحُ فِعْلُهُ فَصارَ قاتِلًا بِهِ؛ لِاتِّصالِ فِعْلِهِ بِالمَقْتُولِ؛ وعِثارُ الرَّجُلِ بِالحَجَرِ ووُقُوعُهُ في البِئْرِ لَيْسَ مِن فِعْلِهِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِهِ قاتِلًا.
البقرة 2:75
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العالِمَ بِالحَقِّ المُعانِدَ فِيهِ أبْعَدُ مِنَ الرُّشْدِ وأقْرَبُ إلى اليَأْسِ مِنَ الصَّلاحِ مِنَ الجاهِلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ يُفِيدُ زَوالَ الطَّمَعِ في رُشْدِهِمْ لِمُكابَرَتِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ العِلْمِ بِهِ.
البقرة 2:80
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ قِيلَ في مَعْنى مَعْدُودَةً: إنَّها قَلِيلَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أيْ قَلِيلَةٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ في قَوْلِهِ ﴿أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ إنَّها أرْبَعُونَ يَوْمًا مِقْدارُ ما عَبَدُوا العِجْلَ، وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: سَبْعَةُ أيّامٍ وقالَ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَسَمّى أيّامَ الصَّوْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْدُوداتٍ وأيّامُ الشَّهْرِ كُلُّهُ، وقَدِ احْتَجَّ شُيُوخُنا لِأقَلِّ مُدَّةِ الحَيْضِ وأكْثَرِهِ أنَّها ثَلاثَةٌ وعَشْرَةٌ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «المُسْتَحاضَةُ تَدَعُ الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِها» .
وفِي بَعْضِ الألْفاظِ: «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ حَيْضِكِ» واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ مُدَّةَ الحَيْضِ تُسَمّى أيّامًا وأقَلُّها ثَلاثَةٌ وأكْثَرُها عَشَرَةٌ؛ لِأنَّ ما دُونَ الثَّلاثَةِ يُقالُ يَوْمٌ أوْ يَوْمانِ وما زادَ عَلى العَشَرَةِ يُقالُ فِيهِ أحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وإنَّما يَتَناوَلُ هَذا الِاسْمَ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مِقْدارِ أقَلِّهِ وأكْثَرِهِ فَمِنَ النّاسِ مَن يَعْتَرِضُ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وهي أيّامُ الشَّهْرِ، وقَوْلِهِ: ﴿إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ وقَدْ قِيلَ (p-٤٧)فِيهِ أرْبَعُونَ يَوْمًا وهَذا عِنْدَنا لا يَقْدَحُ في اسْتِدْلالِهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] جائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ أيّامًا قَلِيلَةً كَقَوْلِهِ: ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] يَعْنِي قَلِيلَةً، ولَمْ يُرِدْ بِهِ تَحْدِيدَ العَدَدِ وتَوْقِيتَ مِقْدارِهِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ أنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّوْمِ ما يَشْتَدُّ ويَصْعُبُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وقْتًا مُبْهَمًا كَقَوْلِهِمْ: أيّامُ بَنِي أُمَيَّةَ، وأيّامُ الحَجّاجِ، ولا يُرادُ بِهِ تَحْدِيدُ الأيّامِ وإنَّما المُرادُ بِهِ زَمانُ مُلْكِهِمْ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» قَدْ أُرِيدَ بِهِ لا مَحالَةَ تَحْدِيدُ الأيّامِ، إذْ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لِلْحَيْضِ وقْتٌ مُعَيَّنٌ مَخْصُوصٌ لا يَتَجاوَزُهُ ولا يُقَصِّرُ عَنْهُ، فَمَتى أُضِيفَ ذِكْرُ الأيّامِ إلى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ يَتَناوَلُ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ.
البقرة 2:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ قَدْ عُقِلَ مِنهُ اسْتِحْقاقُ النّارِ بِما يَكْسِبُ مِنَ السَّيِّئَةِ وإحاطَتِها فَكانَ الجَزاءُ مُسْتَحَقًّا بِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ بِوُجُودِ أحَدِهِما، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن عَقَدَ اليَمِينَ عَلى شَرْطَيْنِ في عِتاقٍ أوْ طَلاقٍ أوْ غَيْرِهِما أنَّهُ يَحْنَثُ بِوُجُودِ أحَدِهِما دُونَ وُجُودِ الآخَرِ.
البقرة 2:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ حَقِّ الوالِدَيْنِ ووُجُوبِ الإحْسانِ إلَيْهِما كافِرَيْنِ كانا أوْ مُؤْمِنَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَهُ إلى الأمْرِ بِعِبادَتِهِ تَعالى وقَوْلُهُ: ﴿وذِي القُرْبى﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ صِلَةِ الرَّحِمِ والإحْسانِ إلى اليَتامى والمَساكِينِ. ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: " وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا كُلُّهم "،
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِذَلِكَ في المُسْلِمِ والكافِرِ وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] والإحْسانُ المَذْكُورُ في الآيَةِ إنَّما هو الدُّعاءُ إلَيْهِ والنُّصْحُ فِيهِ لِكُلِّ أحَدٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِالأمْرِ بِالقِتالِ.
وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِلَعْنِ الكُفّارِ والبَراءَةِ مِنهم والإنْكارِ عَلى أهْلِ المَعاصِي، وهَذا مِمّا لا يَخْتَلِفُ فِيهِ شَرائِعُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ أحَدُ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ خاصًّا في المُسْلِمِينَ ومَن لا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ والنَّكِيرَ، وإنْ كانَ عامًّا فَهو الدُّعاءُ إلى اللَّهِ تَعالى والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ حَسَنٌ وأخْبَرَنا اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كانَ أخَذَ المِيثاقَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما ذُكِرَ، والمِيثاقُ هو العَقْدُ المُؤَكَّدُ إمّا بِوَعِيدٍ أوْ بِيَمِينٍ، وهو نَحْوُ أمْرِ اللَّهِ الصَّحابَةَ بِمُبايَعَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى (p-٤٨)شَرائِطِها المَذْكُورَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُكم بَعْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وكَذَلِكَ إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٩٥]
والآخَرُ: أنْ لا يَقْتُلَ كُلُّ واحِدٍ نَفْسَهُ، إمّا بِأنْ يُباشِرَ ذَلِكَ كَما يَفْعَلُهُ الهِنْدُ وكَثِيرٌ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ اليَأْسُ مِنَ الخَلاصِ مِن شِدَّةٍ هو فِيها، أوْ بِأنْ يَقْتُلَ غَيْرَهُ فَيُقْتَلَ بِهِ فَيَكُونَ في مَعْنى قَتْلِ نَفْسِهِ واحْتِمالُ اللَّفْظَيْنِ المَعْنَيَيْنِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِما جَمِيعًا وهَذا الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِن حُكْمِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ مِمّا كانَ يَكْتُمُهُ اليَهُودُ لِما عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَكْسِ ويَلْزَمُهم في ذَلِكَ مِنَ الذَّمِّ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ دَلالَةً وحُجَّةً عَلَيْهِمْ في جَحْدِهِمْ نُبُوَّتَهُ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمَّنْ قَرَأ الكُتُبَ ولا عَرَفَ ما فِيها إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، وكَذَلِكَ جَمِيعُ ما حَكى اللَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَنْهم مِن قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] وسائِرُ ما ذَمَّهم هو تَوْقِيفٌ مِنهُ لَهُ عَلى ما كانُوا يَكْتُمُونَ وتَقْرِيعٌ لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ وإظْهارِ قَبائِحِهِمْ، وجَمِيعُهُ دَلالَةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
البقرة 2:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ حَقِّ الوالِدَيْنِ ووُجُوبِ الإحْسانِ إلَيْهِما كافِرَيْنِ كانا أوْ مُؤْمِنَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَرَنَهُ إلى الأمْرِ بِعِبادَتِهِ تَعالى وقَوْلُهُ: ﴿وذِي القُرْبى﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ صِلَةِ الرَّحِمِ والإحْسانِ إلى اليَتامى والمَساكِينِ. ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: " وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا كُلُّهم "،
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِذَلِكَ في المُسْلِمِ والكافِرِ وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] والإحْسانُ المَذْكُورُ في الآيَةِ إنَّما هو الدُّعاءُ إلَيْهِ والنُّصْحُ فِيهِ لِكُلِّ أحَدٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِالأمْرِ بِالقِتالِ.
وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِلَعْنِ الكُفّارِ والبَراءَةِ مِنهم والإنْكارِ عَلى أهْلِ المَعاصِي، وهَذا مِمّا لا يَخْتَلِفُ فِيهِ شَرائِعُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ أحَدُ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ خاصًّا في المُسْلِمِينَ ومَن لا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ والنَّكِيرَ، وإنْ كانَ عامًّا فَهو الدُّعاءُ إلى اللَّهِ تَعالى والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ حَسَنٌ وأخْبَرَنا اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كانَ أخَذَ المِيثاقَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما ذُكِرَ، والمِيثاقُ هو العَقْدُ المُؤَكَّدُ إمّا بِوَعِيدٍ أوْ بِيَمِينٍ، وهو نَحْوُ أمْرِ اللَّهِ الصَّحابَةَ بِمُبايَعَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى (p-٤٨)شَرائِطِها المَذْكُورَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُكم بَعْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وكَذَلِكَ إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٩٥]
والآخَرُ: أنْ لا يَقْتُلَ كُلُّ واحِدٍ نَفْسَهُ، إمّا بِأنْ يُباشِرَ ذَلِكَ كَما يَفْعَلُهُ الهِنْدُ وكَثِيرٌ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ اليَأْسُ مِنَ الخَلاصِ مِن شِدَّةٍ هو فِيها، أوْ بِأنْ يَقْتُلَ غَيْرَهُ فَيُقْتَلَ بِهِ فَيَكُونَ في مَعْنى قَتْلِ نَفْسِهِ واحْتِمالُ اللَّفْظَيْنِ المَعْنَيَيْنِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِما جَمِيعًا وهَذا الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِن حُكْمِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ مِمّا كانَ يَكْتُمُهُ اليَهُودُ لِما عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَكْسِ ويَلْزَمُهم في ذَلِكَ مِنَ الذَّمِّ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ دَلالَةً وحُجَّةً عَلَيْهِمْ في جَحْدِهِمْ نُبُوَّتَهُ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمَّنْ قَرَأ الكُتُبَ ولا عَرَفَ ما فِيها إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، وكَذَلِكَ جَمِيعُ ما حَكى اللَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَنْهم مِن قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] وسائِرُ ما ذَمَّهم هو تَوْقِيفٌ مِنهُ لَهُ عَلى ما كانُوا يَكْتُمُونَ وتَقْرِيعٌ لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ وإظْهارِ قَبائِحِهِمْ، وجَمِيعُهُ دَلالَةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
البقرة 2:85
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ دالٌّ عَلى أنَّ فِداءَ أُساراهم كانَ واجِبًا عَلَيْهِمْ، وكانَ إخْراجُ فَرِيقٍ مِنهم مِن دِيارِهِمْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ، فَإذا أسَرَ بَعْضَهم عَدُوُّهم كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يُفادُوهم، فَكانُوا في إخْراجِهِمْ كافِرِينَ بِبَعْضِ الكِتابِ لِفِعْلِهِمْ ما حَظَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي مُفاداتِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِبَعْضِ الكِتابِ بِقِيامِهِمْ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وهَذا الحُكْمُ مِن وُجُوبِ مُفاداةِ الأُسارى ثابِتٌ عَلَيْنا؛ رَوى الحَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ عَنْ الحَكَمِ عَنْ جَدِّهِ: أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ كِتابًا بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أنْ يَعْقِلُوا مَعاقِلَهم ويَفْدُوا عانِيَهم بِالمَعْرُوفِ والإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ» .
ورَوى مَنصُورٌ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أطْعِمُوا الطَّعامَ وأفْشُوا السَّلامَ وعُودُوا المَرِيضَ وفُكُّوا العانِيَ» فَهَذانِ الخَبَرانِ يَدُلّانِ عَلى فِكاكِ الأسِيرِ؛ لِأنَّ العانِيَ هو الأسِيرُ وقَدْ رَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ: أنَّ «النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَدى أُسارى مِنَ المُسْلِمِينَ بِالمُشْرِكِينَ» ورَوى الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ غالِبٍ قالَ: سُئِلَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ: عَلى مَن فَدْيُ الأسِيرِ ؟ قالَ: عَلى الأرْضِ الَّتِي يُقاتِلُ عَنْها.
البقرة 2:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ (p-٤٩)قالَ: «لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا أوْ لَرَأوْا مَقاعِدَهم مِنَ النّارِ، ولَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُباهِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ أهْلًا ولا مالًا» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَشَرِقُوا بِهِ ولَماتُوا "، وقِيلَ: في تَمَنِّي المَوْتِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهم تُحُدُّوا بِأنْ يَدْعُوا بِالمَوْتِ عَلى أيِّ الفَرِيقَيْنِ كانَ كاذِبًا وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَمّا قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى، وقالُوا نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، قِيلَ لَهم: فَتَمَنَّوُا المَوْتَ فَمَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فالمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الحَياةِ في الدُّنْيا فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: إظْهارُ كَذِبِهِمْ وتَبْكِيتُهم بِهِ، والثّانِي: الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَحَدّاهم بِذَلِكَ كَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى تَحَدّى النَّصارى بِالمُباهَلَةِ، فَلَوْلا عِلْمُهم بِصِدْقِهِ ﷺ وكَذِبُهم لَسارَعُوا إلى تَمَنِّي المَوْتِ ولَسارَعَ النَّصارى إلى المُباهَلَةِ، لا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ الفَرِيقَيْنِ أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَنَزَلَ المَوْتُ والعَذابُ بِهِمْ، وكانَ يَكُونُ في إظْهارِهِمُ التَّمَنِّيَ والمُباهَلَةَ تَكْذِيبٌ لَهُ ودَحْضٌ لِحُجَّتِهِ إذا لَمْ يَنْزِلْ بِهِمْ ما أوْعَدَهم، فَلَمّا أحْجَمُوا عَنْ ذَلِكَ مَعَ التَّحَدِّي والوَعِيدِ مَعَ سُهُولَةِ هَذا القَوْلِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى عِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بِما عَرَفُوهُ مِن كُتُبِهِمْ مِن نَعْتِهِ وصِفَتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ وفِيهِ دَلالَةٌ أُخْرى عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وهو إخْبارُهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ مَعَ خِفَّةِ التَّمَنِّي وسُهُولَتِهِ عَلى المُتَلَفِّظِ وسَلامَةِ ألْسِنَتِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ لَوْ قالَ لَهم: الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي أنَّ أحَدًا مِنكم لا يَمَسُّ رَأْسَهُ مَعَ صِحَّةِ جَوارِحِهِ، وأنَّهُ إنْ مَسَّ أحَدٌ مِنكم رَأْسَهُ فَأنا مُبْطِلٌ فَلا يَمَسُّ أحَدٌ مِنهم رَأْسَهُ مَعَ شِدَّةِ عَداوَتِهِمْ لَهُ وحِرْصِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ ومَعَ سَلامَةِ أعْضائِهِمْ وصِحَّةِ جَوارِحِهِمْ؛ فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ عاقِلًا لا يَتَحَدّى أعْداءَهُ بِمِثْلِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِجَوازِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم والثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ؛ إذْ لَمْ يَتَمَنَّ واحِدٌ مِنهُمُ المَوْتَ، وكَوْنُ مُخْبِرِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ.
وهَذا كَقَوْلِهِ حِينَ تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ وقَرَّعَهم بِالإتْيانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وإخْبارِهِ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّهم لَمْ يَتَمَنَّوْا لِأنَّهم لَوْ تَمَنَّوْا لَكانَ ذَلِكَ ضَمِيرًا مُغَيَّبًا عِلْمُهُ عَنِ النّاسِ وكانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّكم قَدْ تَمَنَّيْتُمْ بِقُلُوبِكم ؟ قِيلَ لَهُ: هَذا يَبْطُلُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ لِلتَّمَنِّي صِيغَةً مَعْرُوفَةً عِنْدَ العَرَبِ وهو قَوْلُ القائِلِ: لَيْتَ اللَّهَ غَفَرَ لِي، ولَيْتَ زَيْدًا قَدِمَ؛ وما جَرى هَذا المَجْرى، وهو أحَدُ أقْسامِ الكَلامِ ومَتى قالَ ذَلِكَ قائِلٌ كانَ ذَلِكَ عِنْدَهم مُتَمَنِّيًا مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِضَمِيرِهِ واعْتِقادِهِ، كَقَوْلِهِمْ في الخَبَرِ والِاسْتِخْبارِ والنِّداءِ (p-٥٠)ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أقْسامِ الكَلامِ والتَّحَدِّي بِتَمَنِّي المَوْتَ إنَّما تَوَجَّهَ إلى العِبارَةِ الَّتِي في لُغَتِهِمْ أنَّها تَمَنٍّ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَحَدّاهم عِنْدَ الحاجَةِ والتَّكْذِيبِ والتَّوْقِيفِ عَلى عِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وبَهْتِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ في أمْرِهِ فَيَتَحَدّاهم بِأنْ يَتَمَنَّوْا ذَلِكَ بِقُلُوبِهِمْ مَعَ عِلْمِ الجَمِيعِ بِأنَّ التَّحَدِّيَ بِالضَّمِيرِ لا يَعْجِزُ عَنْهُ أحَدٌ فَلا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَقالِهِ ولا فَسادِها، وأنَّ المُتَحَدّى بِذَلِكَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ قَدْ تَمَنَّيْتُ بِقَلْبِي ذَلِكَ ولا يُمْكِنُ لِخَصْمِهِ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى كَذِبِهِ وأيْضًا فَلَوِ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلى التَّمَنِّي بِالقَلْبِ دُونَ العِبارَةِ بِاللِّسانِ لَقالُوا: قَدْ تَمَنَّيْنا ذَلِكَ بِقُلُوبِنا؛ فَكانُوا مُساوِينَ لَهُ فِيهِ ويَسْقُطُ بِذَلِكَ دَلالَتُهُ عَلى كَذِبِهِمْ وعَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَلَمّا لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَوْ قالُوهُ لَنُقِلَ كَما لَوْ عارَضُوا القُرْآنَ بِأيِّ كَلامٍ كانَ لَنُقِلَ، فَعُلِمَ أنَّ التَّحَدِّيَ وقَعَ بِالتَّمَنِّي بِاللَّفْظِ والعِبارَةِ دُونَ الضَّمِيرِ والِاعْتِقادِ.
البقرة 2:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ (p-٤٩)قالَ: «لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا أوْ لَرَأوْا مَقاعِدَهم مِنَ النّارِ، ولَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُباهِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ أهْلًا ولا مالًا» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَشَرِقُوا بِهِ ولَماتُوا "، وقِيلَ: في تَمَنِّي المَوْتِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهم تُحُدُّوا بِأنْ يَدْعُوا بِالمَوْتِ عَلى أيِّ الفَرِيقَيْنِ كانَ كاذِبًا وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: لَمّا قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى، وقالُوا نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، قِيلَ لَهم: فَتَمَنَّوُا المَوْتَ فَمَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فالمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الحَياةِ في الدُّنْيا فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: إظْهارُ كَذِبِهِمْ وتَبْكِيتُهم بِهِ، والثّانِي: الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَحَدّاهم بِذَلِكَ كَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى تَحَدّى النَّصارى بِالمُباهَلَةِ، فَلَوْلا عِلْمُهم بِصِدْقِهِ ﷺ وكَذِبُهم لَسارَعُوا إلى تَمَنِّي المَوْتِ ولَسارَعَ النَّصارى إلى المُباهَلَةِ، لا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ الفَرِيقَيْنِ أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَنَزَلَ المَوْتُ والعَذابُ بِهِمْ، وكانَ يَكُونُ في إظْهارِهِمُ التَّمَنِّيَ والمُباهَلَةَ تَكْذِيبٌ لَهُ ودَحْضٌ لِحُجَّتِهِ إذا لَمْ يَنْزِلْ بِهِمْ ما أوْعَدَهم، فَلَمّا أحْجَمُوا عَنْ ذَلِكَ مَعَ التَّحَدِّي والوَعِيدِ مَعَ سُهُولَةِ هَذا القَوْلِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى عِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بِما عَرَفُوهُ مِن كُتُبِهِمْ مِن نَعْتِهِ وصِفَتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ وفِيهِ دَلالَةٌ أُخْرى عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وهو إخْبارُهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ مَعَ خِفَّةِ التَّمَنِّي وسُهُولَتِهِ عَلى المُتَلَفِّظِ وسَلامَةِ ألْسِنَتِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ لَوْ قالَ لَهم: الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي أنَّ أحَدًا مِنكم لا يَمَسُّ رَأْسَهُ مَعَ صِحَّةِ جَوارِحِهِ، وأنَّهُ إنْ مَسَّ أحَدٌ مِنكم رَأْسَهُ فَأنا مُبْطِلٌ فَلا يَمَسُّ أحَدٌ مِنهم رَأْسَهُ مَعَ شِدَّةِ عَداوَتِهِمْ لَهُ وحِرْصِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ ومَعَ سَلامَةِ أعْضائِهِمْ وصِحَّةِ جَوارِحِهِمْ؛ فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ عاقِلًا لا يَتَحَدّى أعْداءَهُ بِمِثْلِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِجَوازِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم والثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ؛ إذْ لَمْ يَتَمَنَّ واحِدٌ مِنهُمُ المَوْتَ، وكَوْنُ مُخْبِرِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ.
وهَذا كَقَوْلِهِ حِينَ تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ وقَرَّعَهم بِالإتْيانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وإخْبارِهِ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّهم لَمْ يَتَمَنَّوْا لِأنَّهم لَوْ تَمَنَّوْا لَكانَ ذَلِكَ ضَمِيرًا مُغَيَّبًا عِلْمُهُ عَنِ النّاسِ وكانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّكم قَدْ تَمَنَّيْتُمْ بِقُلُوبِكم ؟ قِيلَ لَهُ: هَذا يَبْطُلُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ لِلتَّمَنِّي صِيغَةً مَعْرُوفَةً عِنْدَ العَرَبِ وهو قَوْلُ القائِلِ: لَيْتَ اللَّهَ غَفَرَ لِي، ولَيْتَ زَيْدًا قَدِمَ؛ وما جَرى هَذا المَجْرى، وهو أحَدُ أقْسامِ الكَلامِ ومَتى قالَ ذَلِكَ قائِلٌ كانَ ذَلِكَ عِنْدَهم مُتَمَنِّيًا مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِضَمِيرِهِ واعْتِقادِهِ، كَقَوْلِهِمْ في الخَبَرِ والِاسْتِخْبارِ والنِّداءِ (p-٥٠)ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أقْسامِ الكَلامِ والتَّحَدِّي بِتَمَنِّي المَوْتَ إنَّما تَوَجَّهَ إلى العِبارَةِ الَّتِي في لُغَتِهِمْ أنَّها تَمَنٍّ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَحَدّاهم عِنْدَ الحاجَةِ والتَّكْذِيبِ والتَّوْقِيفِ عَلى عِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وبَهْتِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ في أمْرِهِ فَيَتَحَدّاهم بِأنْ يَتَمَنَّوْا ذَلِكَ بِقُلُوبِهِمْ مَعَ عِلْمِ الجَمِيعِ بِأنَّ التَّحَدِّيَ بِالضَّمِيرِ لا يَعْجِزُ عَنْهُ أحَدٌ فَلا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَقالِهِ ولا فَسادِها، وأنَّ المُتَحَدّى بِذَلِكَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ قَدْ تَمَنَّيْتُ بِقَلْبِي ذَلِكَ ولا يُمْكِنُ لِخَصْمِهِ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى كَذِبِهِ وأيْضًا فَلَوِ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلى التَّمَنِّي بِالقَلْبِ دُونَ العِبارَةِ بِاللِّسانِ لَقالُوا: قَدْ تَمَنَّيْنا ذَلِكَ بِقُلُوبِنا؛ فَكانُوا مُساوِينَ لَهُ فِيهِ ويَسْقُطُ بِذَلِكَ دَلالَتُهُ عَلى كَذِبِهِمْ وعَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَلَمّا لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَوْ قالُوهُ لَنُقِلَ كَما لَوْ عارَضُوا القُرْآنَ بِأيِّ كَلامٍ كانَ لَنُقِلَ، فَعُلِمَ أنَّ التَّحَدِّيَ وقَعَ بِالتَّمَنِّي بِاللَّفْظِ والعِبارَةِ دُونَ الضَّمِيرِ والِاعْتِقادِ.
البقرة 2:102
بابُ السِّحْرِ وحُكْمُ السّاحِرِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ إلى آخَرِ القِصَّةِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: الواجِبُ أنْ نُقَدِّمَ القَوْلَ في السِّحْرِ لِخَفائِهِ عَلى كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ فَضْلًا عَنِ العامَّةِ، ثُمَّ نُعَقِّبُهُ بِالكَلامِ في حُكْمِهِ في مُقْتَضى الآيَةِ في المَعانِي والأحْكامِ، فَنَقُولُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ يَذْكُرُونَ أنَّ أصْلَهُ في اللُّغَةِ لِما لَطُفَ وخَفِيَ سَبَبُهُ، والسَّحْرُ عِنْدَهم بِالفَتْحِ وهو الغِذاءِ لِخَفائِهِ ولُطْفِ مَجارِيهِ. قالَ لَبِيدٌ:
؎أرانا مَوْضِعَيْنِ لِأمْرِ غَيْبٍ ونُسْحِرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
قِيلِ: فِيهِ وجْهانِ: نُعَلَّلُ ونُخْدَعُ كالمَسْحُورِ والمَخْدُوعِ، والآخَرُ: نُغَذّى، وأيَّ الوَجْهَيْنِ كانَ فَمَعْناهُ الخَفاءُ وقالَ آخَرُ:
؎فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
وهَذا البَيْتُ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى ما احْتَمَلَهُ الأوَّلُ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّهُ أرادَ بِالمُسَحَّرِ أنَّهُ ذُو سِحْرٍ والسَّحْرُ الرِّئَةُ وما يَتَعَلَّقُ بِالحُلْقُومِ، وهَذا يَرْجِعُ إلى مَعْنى الخَفاءِ، ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ: " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي "، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] يَعْنِي مِنَ المَخْلُوقِ الَّذِي يُطْعَمُ ويُسْقى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [الشعراء: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] ويُحْتَمَلُ أنَّهُ ذُو سِحْرٍ مِثْلُنا وإنَّما يُذْكَرُ السِّحْرُ في مِثْلِ هَذِهِ المَواضِعِ لِضَعْفِ هَذِهِ الأجْسادِ ولَطافَتِها ورِقَّتِها وبِها مَعَ ذَلِكَ قَوامُ (p-٥١)الإنْسانِ، فَمَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهو ضَعِيفٌ مُحْتاجٌ. وهَذا هو مَعْنى السِّحْرِ في اللُّغَةِ، ثُمَّ نُقِلَ هَذا الِاسْمُ إلى كُلِّ أمْرٍ خَفِيَ سَبَبُهُ وتُخُيِّلَ عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ ويَجْرِي مَجْرى التَّمْوِيهِ والخِداعِ،
ومَتى أُطْلِقَ ولَمْ يُقَيَّدْ أفادَ ذَمَّ فاعِلِهِ وقَدْ أُجْرِيَ مُقَيَّدًا فِيما يُمْتَدَحُ ويُحْمَدُ كَما رُوِيَ: «إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا» .
حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ الحَرّانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الزِّبْرِقانُ بْنُ بَدْرٍ وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ وقَيْسُ بْنُ عاصِمٍ، فَقالَ لِعَمْرٍو: خَبِّرْنِي عَنِ الزِّبْرِقانَ فَقالَ: مُطاعٌ في نادِيهِ، شَدِيدُ العارِضَةِ مانِعٌ لِما وراءَ ظَهْرِهِ فَقالَ الزِّبْرِقانُ: هو واللَّهِ يَعْلَمْ أنِّي أفْضَلُ مِنهُ فَقالَ عَمْرٌو: إنَّهُ زَمِرُ المُرُوءَةِ ضَيِّقُ العَطَنِ أحْمَقُ الأبِ لَئِيمُ الخالِ يا رَسُولَ اللَّهِ صَدَقْتَ فِيهِ لَمّا أرْضانِي فَقُلْتُ أحْسَنَ ما عَلِمْتُ، وأسْخَطَنِي فَقُلْتُ أسْوَأُ ما عَلِمْتُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا» .
وحَدَّثَنا إبْراهِيمُ الحَرّانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قَدِمَ رَجُلانِ فَخَطَبَ أحَدُهُما فَعَجِبَ النّاسُ لِذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا» .
قالَ: وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ فارِسٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو تُمَيْلَةَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثابِتٍ قالَ: حَدَّثَنِي صَخْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا، وإنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلًا، وإنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا، وإنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالًا» .
قالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحانَ: صَدَقَ نَبِيُّ اللَّهِ أمّا قَوْلُهُ: " إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا " فالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الحَقُّ وهو ألْحَنُ بِالحُجَجِ مِن صاحِبِ الحَقِّ فَيَسْحَرُ القَوْمَ بِبَيانِهِ فَيَذْهَبُ بِالحَقِّ.
وأمّا قَوْلُهُ: " مِنَ العِلْمِ جَهْلًا " فَيَتَكَلَّفُ العالِمُ إلى عِلْمِهِ ما لا يَعْلَمُ فَيُجَهِّلُهُ ذَلِكَ وأمّا قَوْلُهُ: " إنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا " فَهي هَذِهِ الأمْثالُ والمَواعِظُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِها النّاسُ وأمّا قَوْلُهُ: " إنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالًا " فَعَرْضُكَ كَلامَكَ وحَدِيثَكَ عَلى مَن لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ولا يُرِيدُهُ فَسَمّى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْضَ البَيانِ سِحْرًا؛ لِأنَّ صاحِبَهُ بَيْنَ أنْ يُنْبِئَ عَنْ حَقٍّ فَيُوضِحَهُ ويُجَلِّيَهِ بِحُسْنِ بَيانِهِ بَعْدَ أنْ كانَ خَفِيّا؛ فَهَذا مِنَ السِّحْرِ الحَلالِ الَّذِي أقَرَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمْرَو بْنَ الأهْتَمِ عَلَيْهِ ولَمْ يُسْخِطْهُ مِنهُ.
ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا تَكَلَّمَ بِكَلامٍ بَلِيغٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فَقالَ عُمَرُ: " هَذا واللَّهِ السِّحْرُ الحَلالُ " وبَيْنَ أنْ يُصَوِّرَ الباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ بِبَيانِهِ ويَخْدَعَ السّامِعِينَ بِتَمْوِيهِهِ ومَتى أُطْلِقَ فَهو اسْمٌ لِكُلِّ أمْرٍ مُمَوَّهٍ باطِلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ ولا ثَباتَ، (p-٥٢)قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] يَعْنِي مَوَّهُوا عَلَيْهِمْ حَتّى ظَنُّوا أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم تَسْعى وقالَ: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] فَأخْبَرَ أنَّ ما ظَنُّوهُ سَعْيًا مِنها لَمْ يَكُنْ سَعْيًا وإنَّما كانَ تَخْيِيلًا وقَدْ قِيلَ: إنَّها كانَتْ عِصِيًّا مُجَوَّفَةً قَدْ مُلِئَتْ زِئْبَقًا، وكَذَلِكَ الحِبالُ كانَتْ مَعْمُولَةً مِن أدَمٍ مَحْشُوَّةً زِئْبَقًا، وقَدْ حَفَرُوا قَبْلَ ذَلِكَ تَحْتَ المَواضِعِ أسْرابًا وجَعَلُوا آزاجًا ومَلَئُوها نارًا، فَلَمّا طُرِحَتْ عَلَيْهِ وحَمِيَ الزِّئْبَقُ حَرَّكَها؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ الزِّئْبَقِ إذا أصابَتْهُ النّارُ أنْ يَطِيرَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُمَوَّهًا عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ والعَرَبُ تَقُولُ لِضَرْبٍ مِنَ الحُلِيِّ " مَسْحُورٌ " أيْ مُمَوَّهٌ عَلى مَن رَآهُ مَسْحُورٌ بِهِ عَيْنُهُ فَما كانَ مِنَ البَيانِ عَلى حَقٍّ ويُوَضِّحُهُ فَهو مِنَ السِّحْرِ الحَلالِ، وما كانَ مِنهُ مَقْصُودًا بِهِ إلى تَمْوِيهٍ وخَدِيعَةٍ وتَصْوِيرِ باطِلٍ في صُورَةِ الحَقِّ فَهو مِنَ السِّحْرِ المَذْمُومِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ مَوْضُوعُ السِّحْرِ التَّمْوِيهَ والإخْفاءَ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى ما يُوَضِّحُ الحَقَّ ويُنْبِئُ عَنْهُ سِحْرًا، وهو إنَّما أظْهَرَ بِذَلِكَ ما خَفِيَ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ إلى إخْفاءِ ما ظَهَرَ وإظْهارُهُ غَيْرُ حَقِيقَةٍ ؟
قِيلَ لَهُ: سُمِّيَ ذَلِكَ سِحْرًا مِن حَيْثُ كانَ الأغْلَبُ في ظَنِّ السّامِعِ أنَّهُ لَوْ ورَدَ عَلَيْهِ المَعْنى بِلَفْظٍ مُسْتَنْكَرٍ غَيْرِ مُبَيَّنٍ لَما صادَفَ مِنهُ قَبُولًا ولا أصْغى إلَيْهِ، ومَتى سَمِعَ المَعْنى بِعِبارَةٍ مَقْبُولَةٍ عَذْبَةٍ لا فَسادَ فِيها ولا اسْتِنْكارَ وقَدْ تَأتّى لَها بِلَفْظِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ بِما لا يَتَأتّى لَهُ الغَبِيُّ الَّذِي لا بَيانَ لَهُ أصْغى إلَيْهِ وسَمِعَهُ وقَبِلَهُ، فَسَمّى اسْتِمالَتَهُ لِلْقُلُوبِ بِهَذا الضَّرْبِ مِنَ البَيانِ سِحْرًا كَما يَسْتَمِيلُ السّاحِرُ قُلُوبَ الحاضِرِينَ إلى ما مَوَّهَ بِهِ ولَبَّسَهُ، فَمِن هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ البَيانُ سِحْرًا لا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْتَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما سَمّى البَيانَ سِحْرًا؛ لِأنَّ المُقْتَدِرَ عَلى البَيانِ رُبَّما قَبَّحَ بَيانُهُ بَعْضَ ما هو حَسَنٌ وحَسَّنَ عِنْدَهُ بَعْضَ ما هو قَبِيحٌ فَسَمّاهُ لِذَلِكَ سِحْرًا، كَما سَمّى ما مَوَّهَ بِهِ صاحِبُهُ وأُظْهِرَ عَلى غَيْرِ حَقِيقَةٍ سِحْرًا.
قالَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: واسْمُ السِّحْرِ إنَّما أُطْلِقَ عَلى البَيانِ مَجازًا لا حَقِيقَةً والحَقِيقَةُ ما وصَفْنا، ولِذَلِكَ صارَ عِنْدَ الإطْلاقِ إنَّما يَتَناوَلُ كُلَّ أمْرٍ مُمَوَّهٍ قَدْ قُصِدَ بِهِ الخَدِيعَةُ والتَّلْبِيسُ وإظْهارُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ ولا ثَباتَ وإذْ قَدْ بَيَّنّا أصْلَ السِّحْرِ في اللُّغَةِ وحُكْمَهُ عِنْدَ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ فَلْنَقُلْ في مَعْناهُ في التَّعارُفِ والضُّرُوبِ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها هَذا الِاسْمُ وما يَقْصِدُ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِن مُنْتَحِلِيهِ والغَرَضِ الَّذِي يَجْرِي إلَيْهِ مُدَّعُوهُ، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ: فَمِنها سِحْرُ أهْلِ بابِلِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ وكانُوا قَوْمًا صابِئِينَ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ (p-٥٣)السَّبْعَةَ ويُسَمُّونَها آلِهَةً ويَعْتَقِدُونَ أنَّ حَوادِثَ العالَمِ كُلَّها مِن أفْعالِها وهم مُعَطِّلَةٌ لا يَعْتَرِفُونَ بِالصّانِعِ الواحِدِ المُبْدِعِ لِلْكَواكِبِ وجَمِيعِ أجْرامِ العالَمِ وهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَدَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى وحاجَّهم بِالحِجاجِ الَّذِي بَهَرَهم بِهِ وأقامَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ مِن حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهم دَفْعُهُ ثُمَّ ألْقَوْهُ في النّارِ فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى بَرْدًا وسَلامًا، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالهِجْرَةِ إلى الشّامِ.
وكانَ أهْلُ بابِلَ وإقْلِيمِ العِراقِ والشّامِ ومِصْرَ والرُّومِ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ إلى أيّامِ بُيُوراسِبَ الَّذِي تُسَمِّيهِ العَرَبُ " الضَّحّاكَ " وإنَّ أفْرِيدُونَ وكانَ مِن أهْلِ دِنَباوِنْدَ اسْتَجاشَ عَلَيْهِ بِلادَهُ وكاتَبَ سائِرَ مَن يُطِيعُهُ ولَهُ قِصَصٌ طَوِيلَةٌ حَتّى أزالَ مُلْكَهُ وأسَرَهُ، وجُهّالُ العامَّةِ والنِّساءِ عِنْدَنا يَزْعُمُونَ أنَّ أفْرِيدُونَ حَبَسَ بُيُوراسِبَ في جَبَلِ دِنْباوِنْدَ العالِي عَلى الجِبالِ، وأنَّهُ حَيٌّ هُناكَ مُقَيَّدٌ، وأنَّ السَّحَرَةَ يَأْتُونَهُ هُناكَ فَيَأْخُذُونَ عَنْهُ السِّحْرَ، وأنَّهُ سَيَخْرُجُ فَيَغْلِبُ عَلى الأرْضِ، وأنَّهُ هو الدَّجّالُ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَذَّرَناهُ، وأحْسَبُهم أخَذُوا ذَلِكَ عَنِ المَجُوسِ وصارَتْ مَمْلَكَةُ إقْلِيمِ بابِلَ لِلْفُرْسِ فانْتَقَلَ بَعْضُ مُلُوكِهِمْ إلَيْها في بَعْضِ الأزْمانِ فاسْتَوْطَنُوها.
ولَمْ يَكُونُوا عَبَدَةَ أوْثانٍ بَلْ كانُوا مُوَحِّدِينَ مُقِرِّينَ بِاللَّهِ وحْدَهُ، إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ يُعَظِّمُونَ العَناصِرَ الأرْبَعَةَ: الماءَ، والنّارَ، والأرْضَ، والهَواءَ؛ لِما فِيها مِن مَنافِعِ الخَلْقِ وأنَّ بِها قِوامَ الحَيَوانِ وإنَّما حَدَثَتِ المَجُوسِيَّةُ فِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ في زَمانِ ( كَشْتاسِبَ ) حِينَ دَعاهُ ( زَرادُشْتُ ) فاسْتَجابَ لَهُ عَلى شَرائِطَ وأُمُورٍ يَطُولُ شَرْحُها، وإنَّما غَرَضُنا في هَذا المَوْضِعِ الإبانَةُ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ سَحَرَةُ بابِلَ.
ولَمّا ظَهَرَتِ الفُرْسُ عَلى هَذا الإقْلِيمِ كانَتْ تَتَدَيَّنُ بِقَتْلِ السَّحَرَةِ وإبادَتِها، ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ فِيهِمْ ومِن دِينِهِمْ بَعْدَ حُدُوثِ المَجُوسِيَّةِ فِيهِمْ وقَبْلَهُ إلى أنْ زالَ عَنْهُمُ المُلْكُ وكانَتْ عُلُومُ أهْلِ بابِلَ قَبْلَ ظُهُورِ الفُرْسِ عَلَيْهِمُ الحِيَلَ والنَّيْرَنْجِياتِ وأحْكامِ النُّجُومِ، وكانُوا يَعْبُدُونَ أوْثانًا قَدْ عَمِلُوها عَلى أسْماءِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ وجَعَلُوا لِكُلِّ واحِدٍ مِنها هَيْكَلًا فِيهِ صَنَمُهُ ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْها بِضُرُوبٍ مِنَ الأفْعالِ عَلى حَسَبِ اعْتِقاداتِهِمْ مِن مُوافَقَةِ ذَلِكَ لِلْكَوْكَبِ الَّذِي يَطْلُبُونَ مِنهُ بِزَعْمِهِمْ فِعْلَ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَمَن أرادَ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ والصَّلاحِ بِزَعْمِهِ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِما يُوافِقُ المُشْتَرى مِنَ الدَّخَنِ والرُّقى والعَقْدِ والنَّفْثِ عَلَيْها، ومَن طَلَبَ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ والحَرْبِ والمَوْتِ والبَوارِ لِغَيْرِهِ تَقَرَّبَ بِزَعْمِهِ إلى زُحَلَ بِما يُوافِقُهُ مِن ذَلِكَ، ومَن أرادَ البَرْقَ والحَرْقَ والطّاعُونَ تَقَرَّبَ بِزَعْمِهِ إلى المِرِّيخِ بِما يُوافِقُهُ مِن ذَلِكَ مِن ذَبْحِ (p-٥٤)بَعْضِ الحَيَواناتِ وجَمِيعُ تِلْكَ الرُّقى بِالنَّبَطِيَّةِ تَشْتَمِلُ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ الكَواكِبِ إلى ما يُرِيدُونَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ومَحَبَّةٍ وبُغْضٍ، فَيُعْطِيهِمْ ما شاءُوا مِن ذَلِكَ، فَيَزْعُمُونَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ يَفْعَلُونَ ما شاءُوا في غَيْرِهِمْ مِن غَيْرِ مُماسَّةٍ ولا مُلامَسَةٍ سِوى ما قَدَّمُوهُ مِنَ القُرُباتِ لِلْكَوْكَبِ الَّذِي طَلَبُوا ذَلِكَ مِنهُ؛ فَمِنَ العامَّةِ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ يَقْلِبُ الإنْسانَ حِمارًا أوْ كَلْبًا ثُمَّ إذا شاءَ أعادَهُ، ويَرْكَبُ البَيْضَةَ والمِكْنَسَةَ والخابِيَةَ، ويَطِيرُ في الهَواءِ فَيَمْضِي مِنَ العِراقِ إلى الهِنْدِ وإلى ما شاءَ مِنَ البُلْدانِ ثُمَّ يَرْجِعُ مِن لَيْلَتِهِ.
وكانَتْ عَوامُّهم تَعْتَقِدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، وكُلُّ ما دَعا إلى تَعْظِيمِها اعْتَقَدُوهُ وكانَتِ السَّحَرَةُ تَحْتالُ في خِلالِ ذَلِكَ بِحِيَلٍ تُمَوِّهُ بِها عَلى العامَّةِ إلى اعْتِقادِ صِحَّتِهِ بِأنْ يَزْعُمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَنْفُذُ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ أحَدٌ ولا يَبْلُغُ ما يُرِيدُ إلّا مَنِ اعْتَقَدَ صِحَّةَ قَوْلِهِمْ وتَصْدِيقَهم فِيما يَقُولُونَ ولَمْ تَكُنْ مُلُوكُهم تَعْتَرِضُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، بَلْ كانَتِ السَّحَرَةُ عِنْدَها بِالمَحَلِّ الأجَلِّ؛ لِما كانَ لَها في نُفُوسِ العامَّةِ مِن مَحَلِّ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، ولِأنَّ المُلُوكَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَتْ تَعْتَقِدُ ما تَدَّعِيهِ السَّحَرَةُ لِلْكَواكِبِ، إلى أنْ زالَتْ تِلْكَ المَمالِكُ ألا تَرى أنَّ النّاسَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ كانُوا يَتَبارَوْنَ بِالعِلْمِ والسِّحْرِ والحِيَلِ والمَخارِيقِ ولِذَلِكَ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَصا والآياتِ الَّتِي عَلِمَتِ السَّحَرَةُ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ السِّحْرِ في شَيْءٍ وأنَّها لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُ اللَّهِ تَعالى ؟ فَلَمّا زالَتْ تِلْكَ المَمالِكُ وكانَ مَن مُلْكِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المُوَحِّدِينَ يَطْلُبُونَهم ويَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَتْلِهِمْ، وكانُوا يَدْعُونَ عَوامَّ النّاسِ وجُهّالَهم سِرًّا كَما يَفْعَلُهُ السّاعَةَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعِي ذَلِكَ مَعَ النِّساءِ والأحْداثِ والأغْمارِ والجُهّالِ الحَشْوِ وكانُوا يَدْعُونَ مَن يَعْمَلُونَ لَهُ ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ قَوْلِهِمْ والِاعْتِرافِ بِصِحَّتِهِ والمُصَدِّقُ لَهم بِذَلِكَ يَكْفُرُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: التَّصْدِيقُ بِوُجُوبِ تَعْظِيمِهِ الكَواكِبَ وتَسْمِيَتِها آلِهَةً.
والثّانِي: اعْتِرافُهُ بِأنَّ الكَواكِبَ تَقْدِرُ عَلى ضَرِّهِ ونَفْعِهِ.
والثّالِثُ: أنَّ السَّحَرَةَ تَقْدِرُ عَلى مِثْلِ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مَلَكَيْنِ يُبَيِّنانِ لِلنّاسِ حَقِيقَةَ ما يَدَّعُونَ وبُطْلانَ ما يَذْكُرُونَ، ويَكْشِفانِ لَهم ما بِهِ يُمَوِّهُونَ، ويُخْبِرانِهِمْ بِمَعانِي تِلْكَ الرُّقى وأنَّها شِرْكٌ وكُفْرٌ وبِحِيَلِهِمُ الَّتِي كانُوا يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى التَّمْوِيهِ عَلى العامَّةِ ويُظْهِرُونَ لَهم حَقائِقَها ويَنْهَوْنَهم عَنْ قَبُولِها والعَمَلِ بِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ فَهَذا أصْلُ سِحْرِ بابِلَ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كانُوا يَسْتَعْمِلُونَ سائِرَ وُجُوهِ السِّحْرِ والحِيَلِ الَّتِي نَذْكُرُها ويُمَوِّهُونَ بِها عَلى العامَّةِ ويَعْزُونَها إلى فِعْلِ الكَواكِبِ لِئَلّا يَبْحَثَ (p-٥٥)عَنْها ويُسَلِّمَها لَهم فَمِن ضُرُوبِ السِّحْرِ كَثِيرٌ مِنَ التَّخْيِيلاتِ الَّتِي مَظْهَرُها عَلى خِلافِ حَقائِقِها فَمِنها ما يَعْرِفُهُ النّاسُ بِجَرَيانِ العادَةِ بِها وظُهُورِها ومِنها ما يَخْفى ويَلْطُفُ ولا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ ومَعْنى باطِنِهِ إلّا مَن تَعاطى مَعْرِفَةَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ عِلْمٍ لا بُدَّ أنْ يَشْتَمِلَ عَلى جَلِيٍّ وخَفِيٍّ وظاهِرٍ وغامِضٍ.
فالجَلِيُّ مِنهُ يَعْرِفُهُ كُلُّ مَن رَآهُ وسَمِعَهُ مِنَ العُقَلاءِ، والغامِضُ الخَفِيُّ لا يَعْرِفُهُ إلّا أهْلُهُ ومَن تَعاطى مَعْرِفَتَهُ وتَكَلَّفْ فِعْلَهُ والبَحْثَ عَنْهُ، وذَلِكَ نَحْوُ ما يَتَخَيَّلُ راكِبُ السَّفِينَةِ إذا سارَتْ في النَّهْرِ فَيَرى أنَّ الشَّطَّ بِما عَلَيْهِ مِنَ النَّخْلِ والبُنْيانِ سائِرٌ مَعَهُ، وكَما يَرى القَمَرَ في مَهَبِّ الشَّمالِ يَسِيرُ لِلْغَيْمِ في مَهَبِّ الجَنُوبِ، وكَدَوَرانِ الدَّوّامَةِ فِيها الشّامَةُ فَيَراها كالطَّوْقِ المُسْتَدِيرِ في أرْجائِها، وكَذَلِكَ يَرى هَذا في الرَّحى إذا كانَتْ سَرِيعَةَ الدَّوْرانِ، وكالعُودِ في طَرَفِهِ الجَمْرَةُ إذا أدارَهُ مُدِيرُهُ رَأى إذًا تِلْكَ النّارَ الَّتِي في طَرَفِهِ كالطَّوْقِ المُسْتَدِيرِ، وكالعِنَبَةِ الَّتِي يَراها في قَدَحٍ فِيهِ ماءٌ كالخَوْخَةِ والإجّاصَةِ عِظَمًا، وكالشَّخْصِ الصَّغِيرِ يَراهُ في الضَّبابِ عَظِيمًا جَسِيمًا، وكَبُخارِ الأرْضِ الَّذِي يُرِيكَ قُرْصَ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِها عَظِيمًا فَإذا فارَقَتْهُ وارْتَفَعَتْ صَغُرَتْ، وكَما يُرى المُرَدّى في الماءِ مُنْكَسِرًا أوْ مُعْوَجًّا، وكَما يُرى الخاتَمُ إذا قَرَّبْتَهُ مِن عَيْنِكَ في سَعَةِ حَلْقَةِ السِّوارِ، ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُتَخَيَّلُ عَلى غَيْرِ حَقائِقِها فَيَعْرِفُها عامَّةُ النّاسِ ومِنها ما يَلْطُفُ فَلا يَعْرِفُهُ إلّا مَن تَعاطاهُ وتَأمَّلَهُ كَخَيْطِ السَّحّارَةِ الَّذِي يَخْرُجُ مَرَّةً أحْمَرَ ومَرَّةً أصْفَرَ ومَرَّةً أسْوَدَ، ومِن لَطِيفِ ذَلِكَ ودَقِيقِهِ ما يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ مِن جِهَةِ الحَرَكاتِ وإظْهارِ التَّخْيِيلاتِ الَّتِي تَخْرُجُ عَلى غَيْرِ حَقائِقِها حَتّى يُرِيَكَ عُصْفُورًا مَعَهُ أنَّهُ قَدْ ذَبَحَهُ ثُمَّ يُرِيكَهُ وقَدْ طارَ بَعْدَ ذَبْحِهِ وإبانَةِ رَأْسِهِ، وذَلِكَ لِخِفَّةِ حَرَكَتِهِ، والمَذْبُوحُ غَيْرُ الَّذِي طارَ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مَعَهُ اثْنانِ قَدْ خَبَّأ أحَدَهُما وأظْهَرَ الآخَرَ، ويُخَبِّئُ لِخِفَّةِ الحَرَكَةِ المَذْبُوحَ ويُظْهِرُ الَّذِي نَظِيرُهُ.
ويُظْهِرُ أنَّهُ قَدْ ذَبَحَ إنْسانًا وأنَّهُ قَدْ بَلَعَ سَيْفًا وأدْخَلَهُ في جَوْفِهِ، ولَيْسَ لِشَيْءٍ مِنهُ حَقِيقَةٌ ومِن نَحْوِ ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ أصْحابُ الحَرَكاتِ لِلصُّوَرِ المَعْمُولَةِ مِن صُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ فَيَرى فارِسَيْنِ يَقْتَتِلانِ فَيَقْتُلُ أحَدُهُما الآخَرَ، ويَنْصَرِفُ بِحِيَلٍ قَدْ أُعِدَّتْ لِذَلِكَ وكَفارِسٍ مِن صُفْرٍ عَلى فَرَسٍ في يَدِهِ بُوقٌ كُلَّما مَضَتْ ساعَةٌ مِنَ النَّهارِ ضَرَبَ بِالبُوقِ مِن غَيْرِ أنْ يَمَسَّهُ أحَدٌ ولا يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ وقَدْ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّ رَجُلًا مِنَ الجُنْدِ خَرَجَ بِبَعْضِ نَواحِي الشّامِ مُتَصَيِّدًا ومَعَهُ كَلْبٌ لَهُ وغُلامٌ فَرَأى ثَعْلَبًا فَأغْرى بِهِ الكَلْبَ فَدَخَلَ الثَّعْلَبُ ثُقْبًا في تَلٍّ هُناكَ ودَخَلَ الكَلْبُ خَلْفَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَأمَرَ الغُلامَ أنْ يَدْخُلَ فَدَخَلَ وانْتَظَرَهُ (p-٥٦)صاحِبُهُ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَوَقَفَ مُتَهَيِّئًا لِلدُّخُولِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَأخْبَرَهُ بِشَأْنِ الثَّعْلَبِ والكَلْبِ والغُلامِ وأنَّ واحِدًا مِنهم لَمْ يَخْرُجْ وأنَّهُ مُتَأهِّبٌ لِلدُّخُولِ، فَأخَذَ الرَّجُلُ بِيَدِهِ فَأدْخَلَهُ إلى هُناكَ، فَمَضَيا إلى سِرْبٍ طَوِيلٍ حَتّى أفْضى بِهِما إلى بَيْتٍ قَدْ فُتِحَ لَهُ ضَوْءٌ مِن مَوْضِعٍ يُنْزَلُ إلَيْهِ بِمِرْقاتَيْنِ، فَوَقَفَ بِهِ عَلى المِرْقاةِ الأُولى حَتّى أضاءَ البَيْتَ حِينًا ثُمَّ قالَ لَهُ: اُنْظُرْ فَنَظَرَ فَإذا الكَلْبُ والرَّجُلُ والثَّعْلَبُ قَتْلى، وإذا في صَدْرِ البَيْتِ رَجُلٌ واقِفٌ مُقَنَّعٌ في الحَدِيدِ وفي يَدِهِ سَيْفٌ، فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: أتَرى هَذا لَوْ دَخَلَ إلَيْهِ هَذا المَدْخَلَ ألْفُ رِجْلٍ لَقَتَلَهم كُلَّهم فَقالَ: وكَيْفَ ؟ قالَ: لِأنَّهُ قَدْ رُتِّبَ وهُنْدِمَ عَلى هَيْئَةٍ مَتى وضَعَ الإنْسانُ رِجْلَهُ عَلى المِرْقاةِ الثّانِيَةِ لِلنُّزُولِ تَقَدَّمَ الرَّجُلُ المَعْمُولُ في الصَّدْرِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ الَّذِي في يَدِهِ، فَإيّاكَ أنْ تَنْزِلْ إلَيْهِ فَقالَ: فَكَيْفَ الحِيلَةُ في هَذا ؟
قالَ: يَنْبَغِي أنْ تَحْفِرْ مِن خَلْفِهِ سَرَبًا يُفْضِي بِكَ إلَيْهِ، فَإنْ وصَلْتَ إلَيْهِ مِن تِلْكَ النّاحِيَةِ لَمْ يَتَحَرَّكْ فاسْتَأْجَرَ الجُنْدِيُّ أُجَراءَ وصُنّاعًا حَتّى حَفَرُوا سَرَبًا مِن خَلْفِ التَّلِّ فَأفْضَوْا إلَيْهِ، فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، وإذا رَجُلٌ مَعْمُولٌ مِن صُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ قَدْ أُلْبِسَ السِّلاحَ وأُعْطِيَ السَّيْفَ فَقَلَعَهُ، ورَأى بابًا آخَرَ في ذَلِكَ البَيْتِ فَفَتَحَهُ فَإذا هو قَبْرٌ لِبَعْضِ المُلُوكِ مَيِّتٍ عَلى سَرِيرِ هُناكَ وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا ومِنها الصُّوَرُ الَّتِي يُصَوِّرُها مُصَوِّرُو الرُّومِ والهِنْدِ حَتّى لا يُفَرِّقَ النّاظِرُ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَها، ومَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ أنَّها صُورَةٌ لا يَشُكُّ في أنَّها إنْسانٌ، وحَتّى تَصَوُّرُها ضاحِكَةً أوْ باكِيَةً، وحَتّى يُفَرَّقَ فِيها بَيْنَ الضَّحِكِ مِنَ الخَجَلِ والسُّرُورِ وضَحِكِ الشّامِتِ فَهَذِهِ الوُجُوهُ مِن لَطِيفِ أُمُورِ التَّخايِيلِ وخَفِيِّها وما ذَكَرْناهُ قَبْلُ مِن جَلِيِّها وكانَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِن هَذا الضَّرْبِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنّا مِن حِيَلِهِمْ في العِصِيِّ والحِبالِ والَّذِي ذَكَرْناهُ مِن مَذاهِبِ أهْلِ بابِلَ في القَدِيمِ وسِحْرِهِمْ ووُجُوهِ حِيَلِهِمْ بَعْضُهُ سَمِعْناهُ مِن أهْلِ المَعْرِفَةِ بِذَلِكَ وبَعْضُهُ وجَدْناهُ في الكُتُبِ قَدْ نُقِلَتْ حَدِيثًا مِنَ النَّبَطِيَّةِ إلى العَرَبِيَّةِ، مِنها كِتابٌ في ذِكْرِ سِحْرِهِمْ وأصْنافِهِ ووُجُوهِهِ، وكُلُّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الأصْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن قُرْباناتِ الكَواكِبِ وتَعْظِيمِها وخُرافاتٍ مَعَها لا تُساوِي ذِكْرَها ولا فائِدَةَ فِيها وضَرْبٌ آخَرُ مِنَ السِّحْرِ: وهو ما يَدَّعُونَهُ مِن حَدِيثِ الجِنِّ والشَّياطِينِ وطاعاتِهِمْ لَهم بِالرُّقى والعَزائِمِ.
ويَتَوَصَّلُونَ إلى ما يُرِيدُونَ مِن ذَلِكَ بِتَقْدِمَةِ أُمُورٍ ومُواطَأةِ قَوْمٍ قَدْ أعَدُّوهم لِذَلِكَ، وعَلى ذَلِكَ كانَ يَجْرِي أمْرُ الكُهّانِ مِنَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَتْ أكْثَرُ مَخارِيقِ الحَلّاجِ مِن بابِ المُواطَآتِ ولَوْلا أنَّ هَذا الكِتابَ لا يَحْتَمِلُ اسْتِقْصاءَ ذَلِكَ لَذَكَرْتُ مِنها (p-٥٧)ما يُوقِفُ عَلى كَثِيرٍ مِن مَخارِيقِهِ ومَخارِيقِ أمْثالِهِ.
وضَرَرُ أصْحابِ العَزائِمِ وفِتْنَتُهم عَلى النّاسِ غَيْرُ يَسِيرٍ، وذَلِكَ أنَّهم يَدْخُلُونَ عَلى النّاسِ مِن بابِ أنَّ الجِنَّ إنَّما تُطِيعُهم بِالرُّقى الَّتِي هي أسْماءُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهم يُجِيبُونَ بِذَلِكَ مَن شاءُوا ويُخْرِجُونَ الجِنَّ لِمَن شاءُوا فَتُصَدِّقُهُمُ العامَّةُ عَلى اغْتِرارٍ بِما يُظْهِرُونَ مِنِ انْقِيادِ الجِنِّ لَهم بِأسْماءِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي كانَتْ تُطِيعُ بِها سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهم يُخْبِرُونَهم بِالخَبايا وبِالسُّرُقِ وقَدْ كانَ المُعْتَضِدُ بِاللَّهِ مَعَ جَلالَتِهِ وشَهامَتِهِ ووُفُورِ عَقْلِهِ اغْتَرَّ بِقَوْلِ هَؤُلاءِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أصْحابُ التَّوارِيخِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَظْهَرُ في دارِهِ الَّتِي كانَ يَخْلُو فِيها بِنِسائِهِ وأهْلِهِ شَخْصٌ في يَدِهِ سَيْفٌ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأكْثَرُهُ وقْتُ الظُّهْرِ، فَإذا طُلِبَ لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ ولَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلى أثَرٍ مَعَ كَثْرَةِ التَّفْتِيشِ وقَدْ رَآهُ هو بِعَيْنِهِ مِرارًا، فَأهَمَّتْهُ نَفْسُهُ ودَعا بِالمُعَزِّمِينَ فَحَضَرُوا وأحْضَرُوا مَعَهم رِجالًا ونِساءً وزَعَمُوا أنَّ فِيهِمْ مَجانِينَ وأصِحّاءَ، فَأمَرَ بَعْضَ رُؤَسائِهِمْ بِالعَزِيمَةِ، فَعَزَّمَ عَلى رَجُلٍ مِنهم زَعَمَ أنَّهُ كانَ صَحِيحًا فَجُنَّ وتَخَبَّطَ وهو يَنْظُرُ إلَيْهِ.
وذَكَرُوا لَهُ أنَّ هَذا غايَةُ الحِذْقِ بِهَذِهِ الصِّناعَةِ؛ إذْ أطاعَتْهُ الجِنُّ في تَخْبِيطِ الصَّحِيحِ وإنَّما كانَ ذَلِكَ مِنَ المُعَزِّمِ بِمُواطَأةٍ مِنهُ لِذَلِكَ الصَّحِيحِ عَلى أنَّهُ مَتى عَزَّمَ عَلَيْهِ جَنَّنَ نَفْسَهُ وخَبَّطَ فَجازَ ذَلِكَ عَلى المُعْتَضِدِ، فَقامَتْ نَفْسُهُ مِنهُ وكَرِهَهُ، إلّا أنَّهُ سَألَهم عَنْ أمْرِ الشَّخْصِ الَّذِي يَظْهَرُ في دارِهِ، فَخَرَقُوا عَلَيْهِ بِأشْياءَ عَلَّقُوا قَلْبَهُ بِها مِن غَيْرِ تَحْصِيلٍ لِشَيْءِ مِن أمْرِ ما سَألَهم عَنْهُ، فَأمَرَهم بِالِانْصِرافِ وأمَرَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِمَّنْ حَضَرَ بِخَمْسَةِ دَراهِمَ ثُمَّ تَحَرَّزَ المُعْتَضِدُ بِغايَةِ ما أمْكَنَهُ وأمَرَ بِالِاسْتِيثاقِ مِن سُورِ الدّارِ حَيْثُ لا يُمْكِنُ فِيهِ حِيلَةٌ مِن تَسَلُّقٍ ونَحْوِهِ، وبُطِحَتْ في أعْلى السُّورِ خَوابٍ لِئَلّا يَحْتالَ بِإلْقاءِ المَعالِيقِ الَّتِي يَحْتالُ بِها اللُّصُوصُ؛ ثُمَّ لَمْ يُوقَفْ لِذَلِكَ الشَّخْصِ عَلى خَبَرٍ إلّا ظُهُورُهُ لَهُ الوَقْتَ بَعْدَ الوَقْتَ، إلى أنْ تُوُفِّيَ المُعْتَضِدُ وهَذِهِ الخَوابِي المَبْطُوحَةُ عَلى السُّورِ وقَدْ رَأيْتُها عَلى سُوَرِ الثُّرَيّا الَّتِي بَناها المُعْتَضِدُ فَسَألْتُ صَدِيقًا لِي كانَ قَدْ حَجَبَ لِلْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ عَنْ أمْرِ هَذا الشَّخْصِ، وهَلْ تَبَيَّنَ أمْرُهُ ؟ فَذَكَرَ لِي أنَّهُ لَمْ يُوقَفْ عَلى حَقِيقَةِ هَذا الأمْرِ إلّا في أيّامِ المُقْتَدِرِ، وأنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ كانَ خادِمًا أبْيَضَ يُسَمّى يَقَقَ، وكانَ يَمِيلُ إلى بَعْضِ الجَوارِي اللّاتِي في داخِلِ دُورِ الحَرَمِ، وكانَ قَدِ اتَّخَذَ لِحًى عَلى ألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وكانَ إذا لَبِسَ بَعْضَ تِلْكَ اللِّحى لا يَشُكُّ مَن رَآهُ أنَّها لِحْيَتُهُ، وكانَ يَلْبَسُ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ لِحْيَةً مِنها ويَظْهَرُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ وفي يَدِهِ سَيْفٌ أوْ غَيْرُهُ مِنَ السِّلاحِ حَيْثُ يَقَعُ نَظَرُ المُعْتَضِدِ.
فَإذا طُلِبَ دَخَلَ بَيْنَ (p-٥٨)الشَّجَرِ الَّذِي في البُسْتانِ أوْ في بَعْضِ تِلْكَ المَمَرّاتِ أوِ العَطَفاتِ، فَإذا غابَ عَنْ أبْصارِ طالِبِيهِ نَزَعَ اللِّحْيَةَ وجَعَلَها في كُمِّهِ أوْ حَزَّتِهِ ويَبْقى السِّلاحُ مَعَهُ كَأنَّهُ بَعْضُ الخَدَمِ الطّالِبِينَ لِلشَّخْصِ، ولا يَرْتابُونَ بِهِ ويَسْألُونَهُ هَلْ رَأيْتَ في هَذِهِ النّاحِيَةِ أحَدًا فَإنّا قَدْ رَأيْناهُ صارَ إلَيْها ؟ فَيَقُولُ: ما رَأيْتُ أحَدًا وكانَ إذا وقَعَ مِثْلُ هَذا الفَزَعِ في الدّارِ خَرَجَتِ الجَوارِي مِن داخِلِ الدُّورِ إلى هَذا المَوْضِعِ فَيَرى هو تِلْكَ الجارِيَةَ ويُخاطِبُها بِما يُرِيدُ، وإنَّما كانَ غَرَضُهُ مُشاهَدَةَ الجارِيةِ، وكَلامَها، فَلَمْ يَزَلْ دَأْبَهُ إلى أيّامِ المُقْتَدِرِ ثُمَّ خَرَجَ إلى البُلْدانِ وصارَ إلى طَرَسُوسَ وأقامَ بِها إلى أنْ ماتَ، وتَحَدَّثَتِ الجارِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَدِيثِهِ ووُقِفَ عَلى احْتِيالِهِ فَهَذا خادِمٌ قَدِ احْتالَ بِمِثْلِ هَذِهِ الحِيلَةِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَهْتَدِ لَها أحَدٌ مَعَ شِدَّةِ عِنايَةِ المُعْتَضِدِ، وأعْياهُ مَعْرِفَتُها والوُقُوفُ عَلَيْها ولَمْ تَكُنْ صِناعَتُهُ الحِيَلَ والمَخارِيقَ، فَما ظَنُّكَ بِمَن قَدْ جَعَلَ هَذا صِناعَةً ومَعاشًا ؟ وضَرْبٌ آخَرُ مِنَ السِّحْرِ وهو السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ والوِشايَةِ بِها والبَلاغاتِ، والإفْسادِ والتَّضْرِيبِ مِن وُجُوهٍ خَفِيَّةٍ لَطِيفَةٍ، وذَلِكَ عامٌّ شائِعٌ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ.
وقَدْ حُكِيَ أنَّ امْرَأةً أرادَتْ إفْسادَ ما بَيْنَ زَوْجَيْنِ فَصارَتْ إلى الزَّوْجَةِ فَقالَتْ لَها: إنَّ زَوْجَكِ مُعْرِضٌ وقَدْ سُحِرَ وهو مَأْخُوذٌ عَنْكِ وسَأسْحَرُهُ لَكِ حَتّى لا يُرِيدَ غَيْرَكِ ولا يَنْظُرَ إلى سِواكِ، ولَكِنْ لا بُدَّ أنْ تَأْخُذِي مِن شَعْرٍ حَلَقَهُ بِالمُوسى ثَلاثَ شَعَراتٍ إذا نامَ وتُعْطِينِيها، فَإنَّ بِها يَتِمُّ الأمْرُ فاغْتَرَّتِ المَرْأةُ بِقَوْلِها وصَدَّقَتْها ثُمَّ ذَهَبَتْ إلى الرَّجُلِ وقالَتْ لَهُ: إنَّ امْرَأتَكَ قَدْ عَلِقَتْ رَجُلًا وقَدْ عَزَمَتْ عَلى قَتْلِكَ وقَدْ وقَفْتُ عَلى ذَلِكَ مِن أمْرِها فَأشْفَقْتُ عَلَيْكَ ولَزِمَنِي نُصْحُكَ، فَتَيَقَّظْ ولا تَغْتَرَّ فَإنَّها عَزَمَتْ عَلى ذَلِكَ بِالمُوسى، وسَتَعْرِفُ ذَلِكَ مِنها، فَما في أمْرِها شَكٌّ فَتَناوَمَ الرَّجُلُ في بَيْتِهِ، فَلَمّا ظَنَّتِ امْرَأتُهُ أنَّهُ قَدْ نامَ عَمَدَتْ إلى مُوسى حادٍّ وهَوَتْ بِهِ لِتَحْلِقَ مِن حَلْقِهِ ثَلاثَ شَعَراتٍ، فَفَتَحَ الرَّجُلُ عَيْنَهُ فَرَآها وقَدْ أهْوَتْ بِالمُوسى إلى حَلْقِهِ فَلَمْ يَشُكَّ في أنَّها أرادَتْ قَتْلَهُ، فَقامَ إلَيْها فَقَتَلَها وقُتِلَ وهَذا كَثِيرٌ لا يُحْصى وضَرْبٌ آخَرُ مِنَ السِّحْرِ، وهو الِاحْتِيالُ في إطْعامِهِ بَعْضَ الأدْوِيَةِ المُبَلِّدَةِ المُؤَثِّرَةِ في العَقْلِ والدَّخَنِ المُسَدِّرَةِ المُسْكِرَةِ، نَحْوُ دِماغِ الحِمارِ إذا طَعِمَهُ إنْسانٌ تَبَلَّدَ عَقْلُهُ وقَلَّتْ فِطْنَتُهُ مَعَ أدْوِيَةٍ كَثِيرَةٍ هي مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الطِّبِّ، ويَتَوَصَّلُونَ إلى أنْ يَجْعَلُوهُ في طَعامٍ حَتّى يَأْكُلَهُ فَتَذْهَبَ فِطْنَتُهُ ويَجُوزَ عَلَيْهِ أشْياءُ مِمّا لَوْ كانَ تامَّ الفِطْنَةِ لَأنْكَرَها، فَيَقُولُ النّاسُ: إنَّهُ مَسْحُورٌ.
وحِكْمَةٌ كافِيَةٌ تُبَيِّنُ لَكَ أنَّ هَذا كُلَّهُ مَخارِيقُ وحِيَلٌ لا حَقِيقَةَ لِما يَدَّعُونَ لَها أنَّ (p-٥٩)السّاحِرَ والمُعَزِّمَ لَوْ قَدَرا عَلى ما ادَّعَيانِهِ مِنَ النَّفْعِ والضَّرَرِ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يَدَّعُونَ وأمْكَنَهُما الطَّيَرانُ والعِلْمُ بِالغُيُوبِ وأخْبارِ البُلْدانِ النّائِيَةِ والخَبِيئاتِ والسُّرُقِ والإضْرارِ بِالنّاسِ مِن غَيْرِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا، لَقَدَرُوا عَلى إزالَةِ المَمالِكِ واسْتِخْراجِ الكُنُوزِ والغَلَبَةِ عَلى البُلْدانِ بِقَتْلِ المُلُوكِ بِحَيْثُ لا يَبْدَأُهم مَكْرُوهٌ، ولَما مَسَّهُمُ السُّوءُ ولا امْتَنَعُوا عَمَّنْ قَصَدَهم بِمَكْرُوهٍ، ولاسْتَغْنَوْا عَنِ الطَّلَبِ لِما في أيْدِي النّاسِ فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وكانَ المُدَّعُونَ لِذَلِكَ أسْوَأ النّاسِ حالًا وأكْثَرَهم طَمَعًا واحْتِيالًا وتَوَصُّلًا لِأخْذِ دَراهِمِ النّاسِ وأظْهَرَهم فَقْرًا وإمْلاقًا عَلِمْتَ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ورُؤَساءُ الحَشْوِنِ والجُهّالُ مِنَ العامَّةِ مِن أسْرَعِ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِدَعاوى السَّحَرَةِ والمُعَزِّمِينَ وأشَدِّهِمْ نَكِيرًا عَلى مَن جَحَدَها، ويَرْوُونَ في ذَلِكَ أخْبارًا مُفْتَعَلَةً مُتَخَرِّصَةً يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَها، كالحَدِيثِ الَّذِي يَرْوُونَ أنَّ امْرَأةً أتَتْ عائِشَةَ فَقالَتْ: إنِّي ساحِرَةٌ فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ ؟ فَقالَتْ: وما سِحْرُكِ ؟ قالَتْ: سِرْتُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ هارُوتُ ومارُوتُ بِبابِلَ لِطَلَبِ عِلْمِ السِّحْرِ فَقالا لِي: يا أمَةَ اللَّهِ لا تَخْتارِي عَذابَ الآخِرَةِ بِأمْرِ الدُّنْيا فَأبَيْتُ، فَقالا لِي: اذْهَبِي فَبُولِي عَلى ذَلِكَ الرَّمادِ فَذَهَبْتُ لِأبُولَ عَلَيْهِ فَفَكَّرْتُ في نَفْسِي فَقُلْتُ لا فَعَلْتُ وجِئْتُ إلَيْهِما فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقالا: ما رَأيْتِ ؟ فَقُلْتُ: ما رَأيْتُ شَيْئًا؛ فَقالا: اذْهَبِي فَبُولِي عَلَيْهِ فَذَهَبْتُ وفَعَلْتُ فَرَأيْتُ كَأنَّ فارِسًا قَدْ خَرَجَ مِن فَرْجِي مُقَنَّعًا بِالحَدِيدِ حَتّى صَعِدَ إلى السَّماءِ، فَجِئْتُهُما فَأخْبَرْتُهُما فَقالا: ذَلِكَ إيمانُكِ خَرَجَ عَنْكِ وقَدْ أحْسَنْتِ السِّحْرَ فَقُلْتُ: وما هو ؟ فَقالا: لا تُرِيدِينَ شَيْئًا فَتُصَوِّرِينَهُ في وهْمِكِ إلّا كانَ فَصَوَّرْتُ في نَفْسِي حَبًّا مِن حِنْطَةٍ، فَإذا أنا بِالحَبِّ.
فَقُلْتُ لَهُ: انْزَرِعْ فانْزَرَعَ وخَرَجَ مِن ساعَتِهِ سُنْبُلًا، فَقُلْتُ لَهُ: انْطَحِنْ وانْخَبِزْ إلى آخَرِ الأمْرِ حَتّى صارَ خُبْزًا وإنِّي كُنْتُ لا أُصَوِّرُ في نَفْسِي شَيْئًا إلّا كانَ فَقالَتْ لَها عائِشَةُ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ فَيَرْوِي القُصّاصُ والمُحَدِّثُونَ الجُهّالُ مِثْلَ هَذا لِلْعامَّةِ، فَتُصَدِّقُهُ وتَسْتَعِيدُهُ وتَسْألُهُ أنْ يُحَدِّثَها بِحَدِيثِ ساحِرَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَيَقُولُ لَها: إنَّ ابْنَ هُبَيْرَةَ أخَذَ ساحِرَةً فَأقَرَّتْ لَهُ بِالسِّحْرِ، فَدَعا الفُقَهاءَ فَسَألَهم عَنْ حُكْمِها، فَقالُوا: القَتْلُ فَقالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: لَسْتُ أقْتُلُها إلّا تَغْرِيقًا قالَ: فَأخَذَ رَحى البَذْرِ فَشَدَّها في رِجْلِها وقَذَفَها في الفُراتِ، فَقامَتْ فَوْقَ الماءِ مَعَ الحَجَرِ، فَجَعَلَتْ تَنْحَدِرُ مَعَ الماءِ، فَخافُوا أنْ تَفُوتَهم، فَقالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: مَن يُمْسِكُها ولَهُ كَذا وكَذا ؟ فَرَغِبَ رَجُلٌ مِنَ السَّحَرَةِ كانَ حاضِرًا فِيما بَذَلَهُ فَقالَ: أعْطَوْنِي قَدَحَ زُجاجٍ فِيهِ ماءٌ فَجاءُوهُ بِهِ، فَقَعَدَ عَلى القَدَحِ ومَضى إلى الحَجَرِ فَشَقَّ الحَجَرَ (p-٦٠)بِالقَدَحِ فَتَقَطَّعَ الحَجَرُ قِطْعَةً قِطْعَةً، فَغَرِقَتِ السّاحِرَةُ فَيُصَدِّقُونَهُ ومَن صَدَّقَ هَذا فَلَيْسَ يَعْرِفُ النُّبُوَّةَ ولا يُؤْمِنُ أنْ تَكُونَ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن هَذا النَّوْعِ وأنَّهم كانُوا سَحَرَةً.
وقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] وقَدْ أجازُوا مِن فِعْلِ السّاحِرِ ما هو أطَمُّ مِن هَذا وأفْظَعُ، وذَلِكَ أنَّهم زَعَمُوا أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ سُحِرَ، وأنَّ السِّحْرَ عَمِلَ فِيهِ حَتّى قالَ فِيهِ: «إنَّهُ يُتَخَيَّلُ لِي أنِّي أقُولُ الشَّيْءَ وأفْعَلُهُ ولَمْ أقُلْهُ ولَمْ أفْعَلْهُ» وأنَّ امْرَأةً يَهُودِيَّةً سَحَرَتْهُ في جُفِّ طَلْعَةٍ ومُشْطٍ ومُشاقَةٍ، حَتّى أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ أنَّها سَحَرَتْهُ في جُفِّ طَلْعَةٍ وهو تَحْتَ راعُوفَةِ البِئْرِ، فاسْتُخْرِجَ وزالَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ العارِضُ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى مُكَذِّبًا لِلْكُفّارِ فِيما ادَّعَوْهُ مِن ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ جَلَّ مِن قائِلٍ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨] ومِثْلُ هَذِهِ الأخْبارِ مِن وضْعِ المُلْحِدِينَ تَلَعُّبًا بِالحَشْوِ الطِّغامِ واسْتِجْرارًا لَهم إلى القَوْلِ بِإبْطالِ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والقَدْحِ فِيها، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ وفِعْلِ السَّحَرَةِ، وأنَّ جَمِيعَهُ مِن نَوْعٍ واحِدٍ والعَجَبُ مِمَّنْ يَجْمَعُ بَيْنَ تَصْدِيقِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإثْباتِ مُعْجِزاتِهِمْ وبَيْنَ التَّصْدِيقِ بِمِثْلِ هَذا مِن فِعْلِ السَّحَرَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] فَصَدَّقَ هَؤُلاءِ مَن كَذَّبَهُ اللَّهُ وأخْبَرَ بِبُطْلانِ دَعْواهُ وانْتِحالِهِ وجائِزٌ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ اليَهُودِيَّةُ بِجَهْلِها فَعَلَتْ ذَلِكَ ظَنًّا مِنها بِأنَّ ذَلِكَ يَعْمَلُ في الأجْسادِ.
وقَصَدَتْ بِهِ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى مَوْضِعِ سِرِّها وأظْهَرَ جَهْلَها فِيما ارْتَكَبَتْ وظَنَّتْ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ضَرَّهُ وخَلَطَ عَلَيْهِ أمْرَهُ ولَمْ يَقُلْ كُلُّ الرُّواةِ إنَّهُ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ أمْرُهُ، وإنَّما هَذا اللَّفْظُ زِيدَ في الحَدِيثِ ولا أصْلَ لَهُ والفَرْقُ بَيْنَ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ وبَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن وُجُوهِ التَّخْيِيلاتِ، أنَّ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هي عَلى حَقائِقِها، وبَواطِنُها كَظَواهِرِها، وكُلَّما تَأمَّلْتَها ازْدَدْتَ بَصِيرَةً في صِحَّتِها، ولَوْ جَهَدَ الخَلْقُ كُلُّهم عَلى مُضاهاتِها ومُقابَلَتِها بِأمْثالِها ظَهَرَ عَجْزُهم عَنْها؛ ومَخارِيقُ السَّحَرَةِ وتَخْيِيلاتُهم إنَّما هي ضَرْبٌ مِنَ الحِيلَةِ والتَّلَطُّفِ لِإظْهارِ أُمُورٍ لا حَقِيقَةَ لَها، وما يَظْهَرُ مِنها عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِها، يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّأمُّلِ والبَحْثِ ومَتى شاءَ أنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ بَلَغَ فِيهِ مَبْلَغَ غَيْرِهِ ويَأْتِي بِمِثْلِ ما أظْهَرَهُ سِواهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنا في مَعْنى السِّحْرِ وحَقِيقَتِهِ ما يَقِفُ النّاظِرُ عَلى جُمْلَتِهِ وطَرِيقَتِهِ، ولَوِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ لَطالَ واحْتَجْنا إلى اسْتِئْنافِ كِتابٍ لِذَلِكَ، وإنَّما الغَرَضُ (p-٦١)فِي هَذا المَوْضِعِ بَيانُ مَعْنى السِّحْرِ وحُكْمِهِ والآنَ حَيْثُ انْتَهى بِنا القَوْلُ إلى ذِكْرِ قَوْلِ الفُقَهاءِ فِيهِ وما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِن حُكْمِهِ وما يَجْرِي عَلى مُدَّعِي ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ عَلى حَسَبِ مَنازِلِهِمْ في عِظَمِ المَأْثَمِ وكَثْرَةِ الفَسادِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
* *
بابٌ اخْتِلافُ الفُقَهاءِ في حُكْمِ السّاحِرِ وقَوْلُ السَّلَفِ فِيهِ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي، حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَجاءٍ قالَ: أخْبَرَنا إسْرائِيلُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ هُبَيْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " مَن أتى كاهِنًا أوْ عَرّافًا أوْ ساحِرًا فَصَدَّقَهُ بِما يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ " .
ورَوى عَبْدُ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ جارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْها فَوَجَدُوا سِحْرَها واعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، فَأمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمانَ فَأنْكَرَهُ، فَأتاهُ ابْنُ عُمَرَ فَأخْبَرَهُ أمْرَها؛ وكانَ عُثْمانُ إنَّما أنْكَرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها قُتِلَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، أنَّهُ سَمِعَ بَجالَةَ يَقُولُ: كُنْتُ كاتِبًا لِجُزَيِّ بْنِ مُعاوِيَةَ فَأتى كِتابُ عُمَرَ أنِ: اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ وساحِرَةٍ فَقَتَلْنا ثَلاثَ سَواحِرَ.
ورَوى أبُو عاصِمٍ عَنِ الأشْعَثِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " يُقْتَلُ السّاحِرُ ولا يُسْتَتابُ " ورَوى المُثَنّى بْنُ الصَّبّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أخَذَ ساحِرًا فَدَفَنَهُ إلى صَدْرِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى ماتَ " .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: كانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ أمِيرًا عَلى مِصْرَ فَجَعَلَ يَفْشُو سِرُّهُ، فَقالَ: مَن هَذا الَّذِي يُفْشِي سِرِّي ؟ فَقالُوا: ساحِرٌ هَهُنا فَدَعاهُ، فَقالَ لَهُ: إذا نَشَرْتَ الكِتابَ عَلِمْنا ما فِيهِ، فَأمّا ما دامَ مَخْتُومًا فَلَيْسَ نَعْلَمُهُ؛ فَأمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ورَوى أبُو إسْحاقَ الشَّيْبانِيُّ عَنْ جامِعِ بْنِ شَدّادٍ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ هِلالٍ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: " إنَّ هَؤُلاءِ العَرّافِينَ كُهّانُ العَجَمِ، فَمَن أتى كاهِنًا يُؤْمِنُ لَهُ بِما يَقُولُ فَهو بَرِيءٌ مِمّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ " .
ورَوى مُبارَكٌ عَنِ الحَسَنِ أنَّ جُنْدُبًا قَتَلَ ساحِرًا ورَوى يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قالَ: " يُقْتَلُ ساحِرُ المُسْلِمِينَ ولا يُقْتَلُ ساحِرُ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَحَرَهُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ ابْنُ أعْصَمَ وامْرَأةٌ مِن يَهُودِ خَيْبَرَ يُقالُ لَها زَيْنَبُ فَلَمْ يَقْتُلْهُما " . وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: " يُقْتَلُ السّاحِرُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ هَؤُلاءِ السَّلَفُ عَلى وُجُوبِ قَتْلِ السّاحِرِ، ونَصَّ بَعْضُهم عَلى كُفْرِهِ واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في حُكْمِهِ عَلى ما نَذْكُرُهُ؛ فَرَوى ابْنُ شُجاعٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ زِيادٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ في السّاحِرِ: " يُقْتَلُ إذا عُلِمَ أنَّهُ ساحِرٌ ولا يُسْتَتابُ ولا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنِّي أتْرُكُ السِّحْرَ وأتُوبُ مِنهُ، (p-٦٢)فَإذا أقَرَّ أنَّهُ ساحِرٌ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ، وإنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شاهِدانِ أنَّهُ ساحِرٌ فَوَصَفُوا ذَلِكَ بِصِفَةٍ يُعْلَمُ أنَّهُ سِحْرٌ قُتِلَ ولا يُسْتَتابُ.
وإنَّ أقَرَّ فَقالَ: كُنْتَ أسْحَرُ وقَدْ تَرَكْتُ مُنْذُ زَمانٍ قُبِلَ مِنهُ ولَمْ يُقْتَلْ، وكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ مَرَّةً ساحِرًا وأنَّهُ تَرَكَ مُنْذُ زَمانٍ لَمْ يُقْتَلْ إلّا أنْ يَشْهَدُوا أنَّهُ السّاعَةَ ساحِرٌ وأقَرَّ بِذَلِكَ فَيُقْتَلُ، وكَذَلِكَ العَبْدُ المُسْلِمُ والذِّمِّيُّ والحُرُّ الذِّمِّيُّ مَن أقَرَّ مِنهم أنَّهُ ساحِرٌ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ فَيُقْتَلُ ولا يُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وكَذَلِكَ لَوْ شُهِدَ عَلى عَبْدٍ أوْ ذِمِّيٍّ أنَّهُ ساحِرٌ ووَصَفُوا ذَلِكَ بِصِفَةٍ يُعْلَمُ أنَّهُ سَحَرَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ ويُقْتَلُ، وإنْ أقَرَّ العَبْدُ أوِ الذِّمِّيُّ أنَّهُ كانَ ساحِرًا وتَرَكَ ذَلِكَ مُنْذُ زَمانٍ قُبِلَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ مَرَّةً ساحِرًا ولَمْ يَشْهَدُوا أنَّهُ السّاعَةَ ساحِرٌ لَمْ يُقْتَلْ، وأمّا المَرْأةُ فَإذا شَهِدُوا عَلَيْها أنَّها ساحِرَةٌ أوْ أقَرَّتْ بِذَلِكَ لَمْ تُقْتَلْ وحُبِسَتْ وضُرِبَتْ حَتّى يَسْتَيْقِنَ لَهم تَرْكُها لِلسِّحْرِ، وكَذَلِكَ الأمَةُ والذِّمِّيَّةُ إذا شَهِدُوا أنَّها ساحِرَةٌ أوْ أقَرَّتْ بِذَلِكَ لَمْ تُقْتَلْ وحُبِسَتْ حَتّى يُعْلَمَ مِنها تَرْكُ ذَلِكَ كُلِّهِ " وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ قالَ ابْنُ شُجاعٍ: فَحَكَمَ في السّاحِرِ والسّاحِرَةِ حُكْمَ المُرْتَدِّ والمُرْتَدَّةِ؛ إلّا أنْ يَجِيءَ فَيُقِرَّ بِالسِّحْرِ أوْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أنَّهُ عَمِلَهُ، فَإنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الثَّباتِ عَلى الرِّدَّةِ وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ شُجاعٍ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الرّازِيِّ قالَ: سَألْتُ أبا يُوسُفَ عَنْ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في السّاحِرِ " يُقْتَلُ ولا يُسْتَتابُ " لِمَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ المُرْتَدِّ ؟ فَقالَ: السّاحِرُ قَدْ جَمَعَ مَعَ كُفْرِهِ السَّعْيَ في الأرْضِ بِالفَسادِ.
والسّاعِي بِالفَسادِ إذا قَتَلَ قُتِلَ. قالَ: فَقُلْتُ لِأبِي يُوسُفَ: ما السّاحِرُ ؟ قالَ: الَّذِي يُقْتَصُّ لَهُ مِنَ العَمَلِ مِثْلُ ما فَعَلَتِ اليَهُودُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِما جاءَتْ بِهِ الأخْبارُ إذا أصابَ بِهِ قَتْلًا، فَإذا لَمْ يُصِبْ بِهِ قَتْلًا لَمْ يُقْتَلْ؛ لِأنَّ لَبِيدَ بْنَ الأعْصَمِ سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقْتُلْهُ؛ إذْ كانَ لَمْ يُصِبْ بِهِ قَتْلًا
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ فِيما ذَكَرَ بَيانُ مَعْنى السِّحْرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ القَتْلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ بِأبِي يُوسُفَ أنَّهُ اعْتَقَدَ في السِّحْرِ ما يَعْتَقِدُهُ الحَشْوُ مِن إيصالِهِمُ الضَّرَرَ إلى المَسْحُورِ مِن غَيْرِ مُماسَّةٍ ولا سَقْيِ دَواءٍ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ سِحْرُ اليَهُودِ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى جِهَةِ إرادَتِهِمُ التَّوَصُّلَ إلى قَتْلِهِ بِإطْعامِهِ، وأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى ما أرادُوا، كَما سَمَّتْهُ زَيْنَبُ اليَهُودِيَّةُ في الشّاةِ المَسْمُومَةِ فَأخْبَرَتْهُ الشّاةُ بِذَلِكَ، فَقالَ: «إنَّ هَذِهِ الشّاةَ لَتُخْبِرُنِي أنَّها مَسْمُومَةٌ». قالَ أبُو مُصْعَبٍ عَنْ مالِكٍ في المُسْلِمِ إذا تَوَلّى عَمَلَ السِّحْرِ قُتِلَ ولا يُسْتَتابُ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا ارْتَدَّ باطِنًا لَمْ تُعْرَفْ تَوْبَتُهُ بِإظْهارِهِ الإسْلامَ قالَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ: فَأمّا ساحِرُ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّهُ لا يُقْتَلُ عِنْدَ مالِكٍ، إلّا أنْ يَضُرَّ المُسْلِمِينَ فَيُقْتَلُ (p-٦٣)لِنَقْضِ العَهْدِ وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا قالَ السّاحِرُ: أنا أعْمَلُ عَمَلًا لِأقْتُلَ فَأُخْطِئُ وأُصِيبُ وقَدْ ماتَ هَذا الرَّجُلُ مِن عَمَلِي؛ فَفِيهِ الدِّيَةُ وإنْ قالَ: عَمَلِي يَقْتُلُ المَعْمُولَ بِهِ وقَدْ تَعَمَّدْتُ قَتْلَهُ؛ قُتِلَ بِهِ قَوَدًا، وإنْ قالَ: مَرِضَ مِنهُ ولَمْ يَمُتْ أقْسَمَ أوْلِياؤُهُ لَماتَ مِنهُ ثُمَّ تَكُونُ الدِّيَةُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَلَمْ يَجْعَلِ الشّافِعِيُّ السّاحِرَ كافِرًا بِسِحْرِهِ وإنَّما جَعَلَهُ جانِيًا كَسائِرِ الجُناةِ وما قَدَّمْنا مِن قَوْلِ السَّلَفِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ بِاسْتِحْقاقِ سِمَةِ السِّحْرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم رَأوْهُ كافِرًا، وقَوْلُ الشّافِعِيِّ في ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِهِمْ؛ يَعْتَبِرُ أحَدٌ مِنهم قَتْلَهُ لِغَيْرِهِ بِعَمَلِهِ السِّحْرَ في إيجابِ قَتْلِهِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ بَيَّنّا فِيما سَلَفَ مَعانِيَ السِّحْرِ وضُرُوبَهُ؛ وأمّا الضَّرْبُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرْنا مِن سِحْرِ أهْلِ بابِلَ في القَدِيمِ ومَذاهِبِ الصّابِئِينَ فِيهِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ فِيما يُرى واللَّهُ أعْلَمُ، فَإنَّ القائِلَ بِهِ والمُصَدِّقَ بِهِ والعامِلَ بِهِ كافِرٌ؛ وهو الَّذِي قالَ أصْحابُنا فِيهِ عِنْدِي إنَّهُ لا يُسْتَتابُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ هَذا الضَّرْبُ مِنَ السِّحْرِ، ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا نُطَيْرٌ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأخْنَسِ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ» .
وهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ هو السِّحْرُ الَّذِي نَسَبَهُ عامِلُوهُ إلى النُّجُومِ، وهو الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن سِحْرِ أهْلِ بابِلَ والصّابِئِينَ؛ لِأنَّ سائِرَ ضُرُوبِ السِّحْرِ الَّذِي ذَكَرْنا لَيْسَ لَها تَعَلُّقٌ بِالنُّجُومِ عِنْدَ أصْحابِها. والثّانِي: أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ السِّحْرِ المَذْمُومِ يَتَناوَلُ هَذا الضَّرْبَ مِنهُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَعارَفَ عِنْدَ السَّلَفِ مِنَ السِّحْرِ هو هَذا الضَّرْبُ مِنهُ ومِمّا يَدَّعِي فِيهِ أصْحابُها المُعْجِزاتِ، وإنْ لَمْ يُعَلِّقُوا ذَلِكَ بِفِعْلِ النُّجُومِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ وأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِقَتْلِ فاعِلِهِ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهِ بَيْنَ عامِلِ السِّحْرِ بِالأدْوِيَةِ والنَّمِيمَةِ والسِّعايَةِ والشَّعْوَذَةِ وبَيْنَ غَيْرِهِ ومَعْلُومٌ عِنْدَ الجَمِيعِ أنَّ هَذِهِ الضُّرُوبَ مِنَ السَّحَرِ لا تُوجِبُ قَتْلَ فاعِلَها إذا لَمْ يَدَّعِ فِيهِ مُعْجِزَةً لا يُمْكِنُ العِبادَ فِعْلُها؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ إيجابَهم قَتْلَ السّاحِرِ إنَّما كانَ لِمَنِ ادَّعى بِسِحْرِهِ مُعْجِزاتٍ لا يَجُوزُ وُجُودُ مِثْلِها إلّا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ دَلالَةً عَلى صِدْقِهِمْ وذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: ما بَدَأْنا بِذِكْرِهِ مِن سِحْرِ أهْلِ بابِلَ؛ والآخَرُ: ما يَدَّعِيهِ المُعَزِّمُونَ وأصْحابُ النَّيْرَنْجِيّاتِ مِن خِدْمَةِ الشَّياطِينِ لَهم والفَرِيقانِ جَمِيعًا كافِرانِ؛ أمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ فَلِأنَّ في (p-٦٤)سِحْرِهِ تَعْظِيمَ الكَواكِبِ واعْتِقادَها آلِهَةً، وأمّا الفَرِيقُ الثّانِي فَلِأنَّها وإنْ كانَتْ مُعْتَرِفَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ فَإنَّها حَيْثُ أجازَتْ أنْ تُخْبِرَها الجِنُّ بِالغُيُوبِ وتَقْدِرُ عَلى تَغْيِيرِ فُنُونِ الحَيَوانِ والطَّيَرانِ في الهَواءِ والمَشْيِ عَلى الماءِ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ فَقَدْ جَوَّزَتْ وُجُودَ مِثْلِ أعْلامِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعَ الكَذّابِينَ المُتَخَرِّصَيْنِ.
ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ صِدْقَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِتَجْوِيزِهِ كَوْنَ مِثْلِ هَذِهِ الأعْلامِ مَعَ غَيْرِهِمْ، فَلا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَن ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ مُتَخَرِّصًا كَذّابًا فَإنَّما كُفْرُ هَذِهِ الطّائِفَةِ مِن هَذا الوَجْهِ، وهو جَهْلُهُ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأظْهَرُ مِن أمْرِ السّاحِرِ الَّذِي رَأتِ الصَّحابَةُ قَتْلَهُ مِن غَيْرِ بَحْثٍ مِنهم عَنْ حالِهِ ولا بَيانٍ لِمَعانِي سِحْرِهِ أنَّهُ السّاحِرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ وهو السّاحِرُ الَّذِي بَدَأْنا بِذِكْرِهِ عِنْدَ ذِكْرِنا ضُرُوبَ السِّحْرِ، وهو سِحْرُ أهْلِ بابِلَ في القَدِيمِ، وعَسى أنْ يَكُونَ هو الأغْلَبَ الأعَمَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَن يَتَعاطى سائِرَ ضُرُوبِ السِّحْرِ الَّذِي ذَكَرْنا وكانُوا يَجْرُونَ في دَعْواهُمُ الإخْبارَ بِالغُيُوبِ وتَغْيِيرِ صُوَرِ الحَيَوانِ عَلى مِنهاجِ سَحَرَةِ بابِلَ، وكَذَلِكَ كُهّانُ العَرَبِ، يَشْمَلُ الجَمِيعَ اسْمُ الكُفْرِ لِظُهُورِ هَذِهِ الدَّعاوى مِنهم وتَجْوِيزِهِمْ مُضاهاةِ الأنْبِياءِ في مُعْجِزاتِهِمْ وعَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مَعْنى السِّحْرِ عِنْدَ السَّلَفِ فَإنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْ أحَدٍ إيجابُ قَتْلِ السّاحِرِ مِن طَرِيقِ الجِنايَةِ عَلى النُّفُوسِ، بَلْ إيجابُ قَتْلِهِ بِاعْتِقادِهِ عَمَلَ السِّحْرِ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ مِنهم لِجِنايَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَأمّا ما يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأصْحابُ الحَرَكاتِ والخِفَّةِ بِالأيْدِي، وما يَفْعَلُهُ مَن يَتَعاطى ذَلِكَ بِسَقْيِ الأدْوِيَةِ المُبَلِّدَةِ لِلْعَقْلِ أوِ السُّمُومِ القاتِلَةِ.
ومَن يَتَعاطى ذَلِكَ بِطَرِيقِ السَّعْيِ بِالنَّمائِمِ والوِشايَةِ والتَّضْرِيبِ والإفْسادِ؛ فَإنَّهم إذا اعْتَرَفُوا بِأنَّ ذَلِكَ حِيَلٌ ومَخارِيقُ، حُكْمُ مَن يَتَعاطى مِثْلَها مِنَ النّاسِ لَمْ يَكُنْ كافِرًا ويَنْبَغِي أنْ يُؤَدَّبَ ويُزْجَرَ عَنْ ذَلِكَ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ السّاحِرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ مُسْتَحِقٌّ لِاسْمِ الكُفْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ أيْ عَلى عَهْدِ سُلَيْمانَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ المُفَسِّرِينَ وقَوْلُهُ ﴿تَتْلُو﴾ مَعْناهُ تُخْبِرُ وتَقْرَأُ ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما أخْبَرَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وادَّعَتْهُ مِنَ السِّحْرِ عَلى سُلَيْمانَ كانَ كُفْرًا، فَنَفاهُ اللَّهُ عَنْ سُلَيْمانَ وحَكَمَ بِكُفْرِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ تَعاطَوْهُ وعَمِلُوهُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ (p-٦٥)ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ فَأخْبَرَ عَنِ المَلَكَيْنِ أنَّهُما يَقُولانِ لِمَن يُعَلِّمانِهِ ذَلِكَ: لا تَكْفُرْ بِعَمَلِ هَذا السِّحْرِ واعْتِقادِهِ فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ إذا عُمِلَ بِهِ واعْتُقِدَ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ يَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمْ: مِنَ اسْتَبْدَلَ السِّحْرَ بِدِينِ اللَّهِ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، يَعْنِي مِن نَصِيبٍ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فَجَعَلَ ضِدَّ هَذا الإيمانِ فِعْلَ السِّحْرِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الإيمانَ في مُقابَلَةِ فِعْلِ السِّحْرِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السّاحِرَ كافِرٌ.
وإذا ثَبَتَ كُفْرُهُ فَإنْ كانَ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ أوْ قَدْ ظَهَرَ مِنهُ الإسْلامُ في وقْتِ كُفْرِهِ بِفِعْلِ السِّحْرِ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ» وإنَّما قالَ أبُو حَنِيفَةَ ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن أصْحابِنا خالَفَهُ فِيما ذَكَرَهُ الحَسَنُ عَنْهُ: " إنَّهُ يُقْتَلُ ولا يُسْتَتابُ " فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ في فَرْقِ أبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ السّاحِرِ وبَيْنَ المُرْتَدِّينَ، فَإنَّ السّاحِرَ قَدْ جَمَعَ إلى كُفْرِهِ السَّعْيَ بِالفَسادِ في الأرْضِ فَإنْ قالَ قائِلُ: فَأنْتَ لا تَقْتُلُ الخُنّاقَ والمُحارِبِينَ إلّا إذا قَتَلُوا، فَهَلّا قُلْتَ مِثْلَهُ في السّاحِرِ قِيلَ لَهُ: يَفْتَرِقانِ مِن جِهَةِ أنَّ الخَنّاقَ والمُحارِبَ لَمْ يَكْفُرا قَبْلَ القَتْلِ ولا بَعْدَهُ فَلَمْ يَسْتَحِقّا القَتْلَ؛ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُما سَبَبٌ يَسْتَحِقّانِ بِهِ القَتْلَ، وأمّا السّاحِرُ فَقَدْ كَفَرَ بِسِحْرِهِ قَتَلَ بِهِ أوْ لَمْ يَقْتُلْ، فاسْتَحَقَّ القَتْلَ بِكُفْرِهِ ثُمَّ لَمّا كانَ مَعَ كُفْرِهِ ساعِيًا في الأرْضِ بِالفَسادِ كانَ وُجُوبُ قَتْلِهِ حَدًّا فَلَمْ يَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ كالمُحارِبِ إذا اسْتَحَقَّ القَتْلَ لَمْ يَسْقُطْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ؛ فَهو مُشْبِهٌ لِلْمُحارِبِ الَّذِي قَتَلَ في أنَّ قَتْلَهُ حَدًّا لا تُزِيلُهُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، ويُفارِقَ المُرْتَدَّ مِن جِهَةِ أنَّ المُرْتَدَّ يَسْتَحِقُّ القَتْلَ بِإقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ فَحَسْبُ فَمَتى انْتَقَلَ عَنْهُ زالَ عَنْهُ الكُفْرُ والقَتْلُ.
ولِما وصَفْنا مِن ذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ السّاحِرِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ ومِنَ المُسْلِمِينَ، كَما لا يَخْتَلِفُ حُكْمُ المُحارِبِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ والإسْلامِ فِيما يَسْتَحِقُّونَهُ بِالمُحارَبَةِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ تُقْتَلِ المَرْأةُ السّاحِرَةُ؛ لِأنَّ المَرْأةَ مِنَ المُحارِبِينَ عِنْدَهم لا تُقْتَلُ حَدًّا وإنَّما تُقْتَلُ قَوَدًا ووَجْهٌ آخَرُ لِقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في تَرْكِ اسْتِتابَةِ السّاحِرِ، وهو ما ذَكَرَهُ الطَّحاوِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي يُوسُفَ في نَوادِرَ ذَكَرَها عَنْهُ أدْخَلَها في أمالِيهِ عَلَيْهِمْ قالَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ: " اُقْتُلُوا الزِّنْدِيقَ سِرًّا فَإنَّ تَوْبَتَهُ لا تُعْرَفُ " .
ولَمْ يَحْكِ أبُو يُوسُفَ خِلافَهُ ويَصِحُّ بِناءُ مَسْألَةِ السّاحِرِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ السّاحِرَ يَكْفُرُ سِرًّا فَهو بِمَنزِلَةِ الزِّنْدِيقِ فالواجِبُ أنْ لا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ لا يُقْتَلَ (p-٦٦)السّاحِرُ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأنَّ كُفْرَهُ ظاهِرٌ وهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقَتْلِ لِأجْلِ الكُفْرِ قِيلَ لَهُ: الكُفْرُ الَّذِي أقْرَرْناهُ عَلَيْهِ هو ما أظْهَرَهُ لَنا، وأمّا الكُفْرُ الَّذِي صارَ إلَيْهِ بِسِحْرِهِ فَإنَّهُ غَيْرُ مُقَرٍّ عَلَيْهِ ولَمْ نُعْطِهِ الذِّمَّةَ عَلى إقْرارِهِ عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ سَألَنا إقْرارَهُ عَلى السِّحْرِ بِالجِزْيَةِ لَمْ نُجِبْهُ إلَيْهِ ولَمْ نُجِزْ إقْرارَهُ عَلَيْهِ ؟ ولا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السّاحِرِ مِن أهْلِ المِلَّةِ وأيْضًا، فَلَوْ أنَّ الذِّمِّيَّ السّاحِرَ لَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ بِكُفْرِهِ لاسْتَحَقَّهُ بِسَعْيِهِ في الأرْضِ بِالفَسادِ كالمُحارِبِينَ عَلى النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرْنا، وقَوْلُهم في تَرْكِ قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ، يُوجِبُ أنْ لا يُسْتَتابَ الإسْماعِيلِيَّةُ وسائِرُ المُلْحِدِينَ الَّذِينَ قَدْ عُلِمَ مِنهُمُ اعْتِقادُ الكُفْرِ كَسائِرِ الزَّنادِقَةِ وأنْ يُقْتَلُوا مَعَ إظْهارِهِمُ التَّوْبَةَ ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ قَتْلِ السّاحِرِ ما حَدَّثَنا بِهِ ابْنُ قانِعٍ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ الأصْبَهانِيِّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الحَسَنِ بْنِ جُنْدُبٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «حَدُّ السّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» . وقِصَّةُ جُنْدُبٍ في قَتْلِهِ السّاحِرَ بِالكُوفَةِ عِنْدَ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ مَشْهُورَةٌ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «حَدُّ السّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» قَدْ دَلَّ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: وُجُوبُ قَتْلِهِ؛ والثّانِي: أنَّهُ حَدٌّ لا يُزِيلُهُ التَّوْبَةُ كَسائِرِ الحُدُودِ إذا وجَبَتْ، ولَمّا ذَكَرْنا مِن قَتْلِهِ عَلى وجْهِ قَتْلِ المُحارِبِ قالُوا فِيما حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: إنَّهُ إذا قالَ " كُنْتُ ساحِرًا وقَدْ تُبْتُ " أنَّهُ لا يُقْتَلُ، كَمَن أقَرَّ أنَّهُ كانَ مُحارِبًا وجاءَ تائِبًا أنَّهُ لا يُقْتَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ المُحارِبِينَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] فاسْتَثْنى التّائِبَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ مِن جُمْلَةِ مَن أوْجَبَ عَلَيْهِ الحَدَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ ويُسْتَدَلُّ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] إلى آخِرِ الآيَةِ، عَلى وُجُوبِ قَتْلِ السّاحِرِ حَدًّا؛ لِأنَّهُ مِن أهْلِ السَّعْيِ في الأرْضِ بِالفَسادِ لِعَمَلِهِ السِّحْرَ واسْتِدْعائِهِ النّاسَ إلَيْهِ وإفْسادِهِ إيّاهم مَعَ ما صارَ إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وأمّا مالِكُ بْنُ أنَسٍ فَإنَّهُ أجْرى السّاحِرَ مَجْرى الزِّنْدِيقِ، فَلَمْ يَقْبَلْ تَوْبَتَهُ كَما لا يَقْبَلُ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ، ولَمْ يَقْتُلْ ساحِرَ أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقَتْلِ بِكُفْرِهِ وقَدْ أقْرَرْناهُ عَلَيْهِ، فَلا يُقْتَلُ إلّا أنْ يَضُرَّ بِالمُسْلِمِينَ فَيَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ.
فَيُقْتَلُ كَما يُقْتَلُ الحَرْبِيُّ وقَدْ بَيَّنّا مُوافَقَةَ السّاحِرِ الذِّمِّيِّ لِلزِّنْدِيقِ مِن قِبَلِ أنَّهُ اسْتَحْدَثَ كُفْرًا سِرًّا، لا يَجُوزُ إقْرارُهُ عَلَيْهِ بِجِزْيَةِ ولا غَيْرِها، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السّاحِرِ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ مِلَّةَ الإسْلامِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ في مَعْنى المُحارِبِ فَلا يَخْتَلِفُ حُكْمُ أهْلِ الذِّمَّةِ ومُنْتَحِلِي الذِّمَّةِ، وأمّا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ فَقَدْ (p-٦٧)بَيَّنّا خُرُوجَهُ عَنْ أقاوِيلِ السَّلَفِ؛ لِأنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يَعْتَبِرْ قَتْلَهُ بِسِحْرِهِ وأوْجَبُوا قَتْلَهُ عَلى الإطْلاقِ بِحُصُولِ الِاسْمِ لَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَخْلُو مِن أحَدِ وجْهَيْنِ في ذِكْرِهِ قَتْلَ السّاحِرِ بِغَيْرِهِ: إمّا أنْ يُجِيزَ عَلى السّاحِرِ قَتْلَ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ مُباشَرَةٍ ولا اتِّصالِ سَبَبٍ إلَيْهِ عَلى حَسَبِ ما يَدَّعِيهِ السَّحَرَةُ، وذَلِكَ فَظِيعٌ شَنِيعٌ ولا يُجِيزُهُ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مِن فِعْلِ السَّحَرَةِ لِما وصَفْنا مِن مُضاهاتِهِ أعْلامَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ أنْ يَكُونَ إنَّما أجازَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ سَقْيِ الأدْوِيَةِ ونَحْوِها، فَإنْ كانَ هَذا أرادَ فَإنَّ مِنَ احْتالَ في إيصالِ دَواءٍ إلى إنْسانٍ حَتّى شَرِبَهُ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُهُ دِيَةٌ؛ إذْ كانَ هو الشّارِبَ لَهُ والجانِيَ عَلى نَفْسِهِ، كَمَن دَفَعَ إلى إنْسانٍ سَيْفًا فَقَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ، وإنْ كانَ إنَّما أوْجَرَهُ إيّاهُ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ لِشُرْبِهِ، فَإنَّ هَذا لا يَكادُ يَقَعُ إلّا في حالِ الإكْراهِ والنَّوْمِ ونَحْوِهِ فَإنْ كانَ أرادَ ذَلِكَ فَإنَّ هَذا يَسْتَوِي فِيهِ السّاحِرُ وغَيْرُهُ ثُمَّ قَوْلُهُ: " إذا قالَ السّاحِرُ قَدْ أُخْطِئُ وأُصِيبُ وقَدْ ماتَ هَذا الرَّجُلُ مِن عَمَلِي فَفِيهِ الدِّيَةُ " فَإنَّهُ لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ رَجُلًا لَوْ جَرَحَ رَجُلًا بِحَدِيدَةِ قَدْ يَمُوتُ المَجْرُوحُ مِن مِثْلِهِ وقَدْ لا يَمُوتُ، لَكانَ عَلَيْهِ فِيهِ القِصاصُ؛ فَكانَ الواجِبُ عَلى قَوْلِهِ إيجابَ القِصاصِ كَما يَجِبُ في الحَدِيدَةِ وقَوْلُهُ: " قَدْ يَمُوتُ وقَدْ لا يَمُوتُ " لَيْسَ بِعِلَّةٍ في زَوالِ القِصاصِ لِوُجُودِها في الجارِحِ بِحَدِيدَةٍ بَعْدَ أنْ يُقِرَّ السّاحِرُ أنَّهُ قَدْ ماتَ مِن عَمَلِهِ.
فَإنْ قِيلَ فَقَدْ جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ شِبْهِ العَمْدِ والضَّرْبِ بِالعَصا واللَّطْمَةِ الَّتِي قَدْ تَقْتُلُ وقَدْ لا تَقْتُلُ قِيلَ لَهُ: ولِمَ صارَ بِالقَتْلِ بِالعَصا واللَّطْمَةِ أشْبَهَ مِنهُ بِالحَدِيدَةِ ؟ .
فَإنْ فَرَّقَ بَيْنَهُما مِن جِهَةِ أنَّ هَذا سِلاحٌ وذاكَ لَيْسَ بِسِلاحِ، لَزِمَهُ في كُلِّ ما لَيْسَ بِسِلاحِ أنْ لا يُقْتَصَّ مِنهُ، ويَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ اعْتِبارُ السِّلاحِ دُونَ غَيْرِهِ في إيجابِ القَوَدِ. وقَوْلُ الشّافِعِيِّ: " وإنْ قالَ مَرِضَ مِنهُ ولَمْ يَمُتْ أقْسَمَ أوْلِياؤُهُ لَماتَ مِنهُ " مُخالِفٌ في النَّظَرِ لِأحْكامِ الجِناياتِ؛ لِأنَّ مَن جَرَحَ رَجُلًا فَلَمْ يَزَلْ صاحِبَ فِراشٍ حَتّى ماتَ، لَزِمَهُ حُكْمُ جِنايَتِهِ وكانَ مَحْكُومًا بِحُدُوثِ المَوْتِ عِنْدَ الجِراحَةِ ولا يُحْتاجُ إلى أيْمانِ الأوْلِياءِ في مَوْتِهِ مِنها، فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ في السّاحِرِ إذا أقَرَّ أنَّ المَسْحُورَ مَرِضَ مِن سِحْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: كَذَلِكَ نَقُولُ في المَرِيضِ مِنَ الجِراحَةِ إذا لَمْ يَزَلْ صاحِبَ فِراشٍ حَتّى ماتَ أنَّهم إذا اخْتَلَفُوا لَمْ يُحْكَمْ بِالقَتْلِ حَتّى يُقْسِمَ أوْلِياءُ المَجْرُوحِ قِيلَ لَهُ: فَيَنْبَغِي أنْ تَقُولَ مِثْلَهُ لَوْ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ووالى بَيْنَ الضَّرْبِ حَتّى قَتَلَهُ مِن ساعَتِهِ، فَقالَ الجارِحُ: ماتَ مِن عِلَّةٍ كانَتْ بِهِ قَبْلَ الضَّرْبَةِ الثّانِيَةِ، أوْ قالَ: اخْتَرَمَهُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَمُتْ مِن ضَرْبَتِي؛ أنْ تُقْسِمَ الأوْلِياءُ وهَذا لا يَقُولُهُ أحَدٌ؛ وكَذَلِكَ ما وصَفْنا.
قالَ (p-٦٨)أبُو بَكْرٍ: قَدْ تَكَلَّمْنا في مَعْنى السِّحْرِ واخْتِلافِ الفُقَهاءِ بِما فِيهِ الكِفايَةُ في حُكْمِ السّاحِرِ، ونَتَكَلَّمُ الآنَ في مَعانِي الآيَةِ ومُقْتَضاها، فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ فَقَدْ رُوِيَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ وفي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ إسْحاقَ وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ والسُّدِّيُّ: " المُرادُ بِهِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ " .
وقالَ بَعْضُهم: " أرادَ الجَمِيعَ، مَن كانَ مِنهم في زَمَنِ سُلَيْمانَ ومَن كانَ مِنهم في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ مُتَّبِعِي السِّحْرِ مِن اليَهُودِ لَمْ يَزالُوا مُنْذُ عَهْدِ سُلَيْمانَ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَوَصَفَ اللَّهُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا القُرْآنَ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وهو يُرِيدُ شَياطِينَ الجِنِّ والإنْسِ " .
ومَعْنى تَتْلُو: تُخْبِرُ وتَقْرَأُ، وقِيلَ: تَتْبَعُ؛ لِأنَّ التّالِيَ تابِعٌ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ قِيلَ فِيهِ: عَلى عَهْدِهِ، وقِيلَ فِيهِ: عَلى مُلْكِهِ، وقِيلَ فِيهِ: تَكْذِبُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الخَبَرُ كَذِبًا قِيلَ تَلا عَلَيْهِ.
وإذا كانَ صِدْقًا قِيلَ: تَلا عَنْهُ، وإذا أُبْهِمَ جازَ فِيهِ الأمْرانِ جَمِيعًا؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠] وكانَتْ اليَهُودُ تُضِيفُ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ وتَزْعُمُ أنَّ مُلْكَهُ كانَ بِهِ، فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ؛ ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: قالَ بَعْضُ أحْبارِ اليَهُودِ: ألا تَعْجَبُونَ مِن مُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ نَبِيًّا ؟ واللَّهِ ما كانَ إلّا ساحِرًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾
وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ إنَّما أضافَتِ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ تَوَصُّلًا مِنهم إلى قَبُولِ النّاسِ ذَلِكَ مِنهم ولِتُجَوِّزَهُ عَلَيْهِمْ، وكَذَبُوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ وقِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ جَمَعَ كُتُبَ السِّحْرِ ودَفَنَها تَحْتَ كُرْسِيِّهِ أوْ في خِزانَتِهِ لِئَلّا يَعْمَلَ بِهِ النّاسُ، فَلَمّا ماتَ ظَهَرَ عَلَيْهِ، فَقالَتِ الشَّياطِينُ: بِهَذا كانَ يَتِمُّ مُلْكُهُ؛ وشاعَ ذَلِكَ في اليَهُودِ وقَبِلَتْهُ وأضافَتْهُ إلَيْهِ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ شَياطِينَ الإنْسِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الشَّياطِينُ دَفَنُوا السِّحْرَ تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ في حَياتِهِ مِن غَيْرِ عِلْمِهِ، فَلَمّا ماتَ وظَهَرَ نَسَبُوهُ إلى سُلَيْمانَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الفاعِلُونَ لِذَلِكَ شَياطِينَ الإنْسِ اسْتَخْرَجُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وأوْهَمُوا النّاسَ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُوهِمُوهم ويَخْدَعُوهم بِهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ قَدْ قُرِئَ بِنَصْبِ اللّامِ وخَفْضِها؛ فَمَن قَرَأها بِنَصْبِها جَعَلَهُما مِنَ المَلائِكَةِ، ومَن قَرَأها بِخَفْضِها جَعَلَهُما مِن غَيْرِ المَلائِكَةِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُما كانا عِلْجَيْنِ مِن أهْلِ بابِلَ والقِراءَتانِ (p-٦٩)صَحِيحَتانِ غَيْرُ مُتَنافِيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْزَلَ مَلَكَيْنِ في زَمَنِ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ لِاسْتِيلاءِ السِّحْرِ عَلَيْهِما واغْتِرارِهِما وسائِرِ النّاسِ بِقَوْلِهِما وقَبُولِهِمْ مِنهُما، فَإذا كانَ المَلَكانِ مَأْمُورَيْنِ بِإبْلاغِهِما وتَعْرِيفِهِما وسائِرِ النّاسِ مَعْنى السِّحْرِ ومَخارِيقِ السَّحَرَةِ وكُفْرِها جازَ أنْ نَقُولَ في إحْدى القِراءَتَيْنِ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ اللَّذَيْنِ هُما مِنَ المَلائِكَةِ، بِأنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِما ذَلِكَ.
ونَقُولُ في القِراءَةِ الأُخْرى: وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ المَلَكَيْنِ كانا مَأْمُورَيْنِ بِإبْلاغِهِما وتَعْرِيفِهِما، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى في خِطابِ رَسُولِهِ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]
وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦] فَأضافَ الإنْزالَ تارَةً إلى الرَّسُولِ ﷺ وتارَةً إلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ وإنَّما خَصَّ المَلَكَيْنِ بِالذِّكْرِ وإنْ كانا مَأْمُورَيْنِ بِتَعْرِيفِ الكافَّةِ؛ لِأنَّ العامَّةَ كانَتْ تَبَعًا لِلْمَلَكَيْنِ، فَكانَ أبْلَغُ الأشْياءِ في تَقْرِيرِ مَعانِي السِّحْرِ والدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِهِ تَخْصِيصَ المَلَكَيْنِ بِهِ لِيَتْبَعَهُما النّاسُ.
كَما قالَ لِمُوسى وهارُونَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٤٣] ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَدْ كانا عَلَيْهِما السَّلامُ رَسُولَيْنِ إلى رَعاياهُ كَما أُرْسِلا إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ خَصَّهُ بِالمُخاطَبَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ في اسْتِدْعائِهِ واسْتِدْعاءِ رَعِيَّتِهِ إلى الإسْلامِ وكَذَلِكَ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلى كِسْرى وقَيْصَرَ وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ دُونَ رَعاياهُما وإنْ كانَ رَسُولًا إلى كافَّةِ النّاسِ، لِما وصَفْناهُ مِن أنَّ الرَّعِيَّةَ تَبَعٌ لِلرّاعِي.
وكَذَلِكَ قالَ ﷺ في كِتابِهِ لِكِسْرى: «أمّا بَعْدُ فَأسْلِمْ تَسْلَمْ وإلّا فَعَلَيْكَ إثْمُ المَجُوسِ وقالَ لِقَيْصَرَ أسْلِمْ تَسْلَمْ وإلّا فَعَلَيْكَ إثْمُ الأرِيسِيِّينَ» يَعْنِي أنَّكَ إذا آمَنتَ تَبِعَتْكَ الرَّعِيَّةُ، وإنْ أبَيْتَ لَمْ تَسْتَجِبِ الرَّعِيَّةُ إلى الإسْلامِ خَوْفًا مِنكَ فَهم تَبَعٌ لَكَ في الإسْلامِ والكُفْرِ فَلِذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ خَصَّ المَلَكَيْنِ مِن أهْلِ بابِلَ بِإرْسالِ المَلَكَيْنِ إلَيْهِما كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ المَلائِكَةُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ ومُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ ؟ قِيلَ لَهُ: هَذا جائِزٌ شائِعٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُرْسِلُ المَلائِكَةَ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ كَما يُرْسِلُهم إلى الأنْبِياءِ، كَثَّفَ أجْسامَهم وجَعَلَهم كَهَيْئَةِ بَنِي آدَمَ لِئَلّا يَنْفِرُوا مِنهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ [الأنعام: ٩] يَعْنِي هَيْئَةَ الرَّجُلِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ المَلَكَيْنِ لِيُبَيِّنا لِلنّاسِ مَعانِيَ السِّحْرِ ويَعْلَمُوهم أنَّهُ كُفْرٌ وكَذِبٌ وتَمْوِيهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ حَتّى يَجْتَنِبُوهُ، كَما بَيَّنَ اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ سائِرَ المَحْظُوراتِ والمُحَرَّماتِ لِيَجْتَنِبُوهُ ولا يَأْتُوهُ؛ فَلَمّا كانَ السِّحْرُ كُفْرًا وتَمْوِيهًا وخِداعًا وكانَ أهْلُ ذَلِكَ (p-٧٠)الزَّمانِ قَدِ اغْتَرُّوا بِهِ وصَدَّقُوا السَّحَرَةَ فِيما ادَّعَوْهُ لِأنْفُسِهِمْ بِهِ، بَيَّنَ ذَلِكَ لِلنّاسِ عَلى لِسانِ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ لِيَكْشِفا عَنْهم غُمَّةَ الجَهْلِ ويَزْجُراهم عَنِ الِاغْتِرارِ بِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] يَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمُ: بَيَّنّا سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ لِيَجْتَبِيَ الخَيْرَ ويَجْتَنِبَ الشَّرَّ وكَما قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: فُلانٌ لا يَعْرِفُ الشَّرَّ. قالَ: " أجْدَرُ أنْ يَقَعَ فِيهِ " .
ولا فَرْقَ بَيْنَ بَيانِ مَعانِي السِّحْرِ والزَّجْرِ عَنْهُ، وبَيْنَ بَيانِ سائِرِ ضُرُوبِ الكُفْرِ وتَحْرِيمِ الأُمَّهاتِ والأخَواتِ وتَحْرِيمِ الزِّنا والرِّبا وشُرْبِ الخَمْرِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ لِما بَيَّنّا في اجْتِنابِ المَحْظُوراتِ والمُقَبَّحاتِ كَهو في بَيانِ الخَيْرِ؛ إذْ لا يَصِلُ إلى فِعْلِهِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِهِ؛ كَذَلِكَ اجْتِباءُ الطّاعاتِ والواجِباتِ، فَمِن حَيْثُ وجَبَتْ وجَبَ بَيانُ الشَّرِّ لِيَجْتَنِبَهُ؛ إذْ لا يَصِلُ إلى تَرْكِهِ واجْتِنابِهِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِهِ ومِنَ النّاسِ مَن يَزْعُمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ مَعْناهُ أنَّ الشَّياطِينَ كَذَبُوا عَلى ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ كَما كَذَبُوا عَلى سُلَيْمانَ، وأنَّ السِّحْرَ الَّذِي يَتْلُوهُ هَؤُلاءِ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِما.
وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾ مَعْناهُ: مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] أيْ يَتَجَنَّبُ الأشْقى الذِّكْرى قالَ: وقَوْلُهُ ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ﴾ مَعْناهُ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يُعَلِّمانِ ذَلِكَ أحَدًا ومَعَ ذَلِكَ لا يَقْتَصِرانِ عَلى أنْ لا يُعَلِّماهُ حَتّى يُبالِغا في نَهْيِهِ فَيَقُولا: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾
والَّذِي حَمَلَهُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ اسْتِنْكارُهُ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَلى المَلَكَيْنِ السِّحْرَ مَعَ ذَمِّهِ السِّحْرَ والسّاحِرَ؛ وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ لا يُوجَبُ؛ لِأنَّ المَذْمُومَ مَن يَعْمَلُ بِالسِّحْرِ لا مَن يُبَيِّنُهُ لِلنّاسِ ويَزْجُرُهم عَنْهُ، كَما أنَّ عَلى كُلِّ مَن عَلِمَ مِنَ النّاسِ مَعْنى السِّحْرِ أنْ يُبَيِّنَهُ لِمَن لا يَعْلَمُ ويَنْهاهُ عَنْهُ لِيَجْتَنِبَهُ؛ وهَذا مِنَ الفُرُوضِ الَّتِي ألْزَمَنا إيّاها اللَّهُ تَعالى إذا رَأيْنا مِنَ اخْتُدِعَ بِهِ وتَمَوَّهَ عَلَيْهِ أمْرُهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ فَإنَّ الفِتْنَةَ ما يَظْهَرُ بِهِ حالُ الشَّيْءِ في الخَيْرِ والشَّرِّ، تَقُولُ العَرَبُ: " فَتَنْتُ الذَّهَبَ " إذا عَرَضْتَهُ عَلى النّارِ لِتَعْرِفَ سَلامَتَهُ أوْ غِشَّهُ والِاخْتِبارُ كَذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ الحالَ تَظْهَرُ فَتَصِيرُ كالمُخْبِرَةِ عَنْ نَفْسِها. والفِتْنَةُ: العَذابُ، في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] فَلَمّا كانَ المَلَكانِ يُظْهِرانِ حَقِيقَةَ السِّحْرِ ومَعْناهُ قالا ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ بَلاءٌ وهَذا سائِغٌ أيْضًا؛ لِأنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلَهُ فِتْنَةٌ لِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ لِيَبْلُوهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: إنّا فِتْنَةٌ وبَلاءٌ؛ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهُما يُمْكِنُهُ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ في الشَّرِّ ولا يُؤْمَنُ (p-٧١)وُقُوعُهُ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِحْنَةً كَسائِرِ العِباداتِ، وقَوْلُهُما: ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَمَلَ السِّحْرِ كُفْرٌ؛ لِأنَّهُما يُعَلِّمانِهِ إيّاهُ لِئَلّا يَعْمَلَ بِهِ؛ لِأنَّهُما عَلَّماهُ ما السِّحْرُ وكَيْفَ الِاحْتِيالُ لِيَتَجَنَّبَهُ، ولِئَلّا يُتِمُّوهُ عَلى النّاسِ أنَّهُ مِن جِنْسِ آياتِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَيَبْطُلُ الِاسْتِدْلالُ بِها.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ يَحْتَمِلُ التَّفْرِيقَ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَعْمَلَ بِهِ السّامِعُ فَيَكْفُرُ فَيَقَعُ بِهِ الفُرْقَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ إذا كانَتْ مُسْلِمَةً بِالرِّدَّةِ، والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَسْعى بَيْنَهُما بِالنَّمِيمَةِ والوِشايَةِ والبَلاغاتِ الكاذِبَةِ والإغْراءِ والإفْسادِ وتَمْوِيهِ الباطِلِ حَتّى يَظُنَّ أنَّهُ حَقٌّ فَيُفارِقَها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ الإذْنُ هُنا العِلْمُ فَيَكُونُ اسْمًا إذا كانَ مُخَفَّفًا، وإذا كانَ مُحَرَّكًا كانَ مَصْدَرًا، كَما يَقُولُ: حَذِرَ الرَّجُلُ حَذَرًا فَهو حَذِرٌ؛ فالحَذِرُ الِاسْمُ؛ والحَذَرُ المَصْدَرُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ عَلى وجْهَيْنِ كَشَبَهٍ وشِبْهٍ ومَثَلٍ ومِثْلٍ، وقِيلَ فِيهِ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِتَخْلِيَتِهِ، وقالَ الحَسَنُ: " مَن شاءَ اللَّهُ مَنعَهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ السِّحْرُ ومَن شاءَ خَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فَضَرَّهُ " .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: مَنِ اسْتَبْدَلَ السِّحْرَ بِدِينِ اللَّهِ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، وهو النَّصِيبُ مِنَ الخَيْرِ، وقالَ الحَسَنُ: " ما لَهُ مِن دِينٍ " وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ بِالسِّحْرِ وقَبُولَهُ كُفْرٌ.
* *
وقَوْلُهُ: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ قِيلَ: باعُوا بِهِ أنْفُسَهم، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ
يَعْنِي: بِعْتُهُ، وهَذا أيْضًا يُؤَكِّدُ أنَّ قَبُولَهُ والعَمَلَ بِهِ كُفْرٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ يَقْتَضِي ذَلِكَ أيْضًا.
البقرة 2:103
بابُ السِّحْرِ وحُكْمُ السّاحِرِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ إلى آخَرِ القِصَّةِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: الواجِبُ أنْ نُقَدِّمَ القَوْلَ في السِّحْرِ لِخَفائِهِ عَلى كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ فَضْلًا عَنِ العامَّةِ، ثُمَّ نُعَقِّبُهُ بِالكَلامِ في حُكْمِهِ في مُقْتَضى الآيَةِ في المَعانِي والأحْكامِ، فَنَقُولُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ يَذْكُرُونَ أنَّ أصْلَهُ في اللُّغَةِ لِما لَطُفَ وخَفِيَ سَبَبُهُ، والسَّحْرُ عِنْدَهم بِالفَتْحِ وهو الغِذاءِ لِخَفائِهِ ولُطْفِ مَجارِيهِ. قالَ لَبِيدٌ:
؎أرانا مَوْضِعَيْنِ لِأمْرِ غَيْبٍ ونُسْحِرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
قِيلِ: فِيهِ وجْهانِ: نُعَلَّلُ ونُخْدَعُ كالمَسْحُورِ والمَخْدُوعِ، والآخَرُ: نُغَذّى، وأيَّ الوَجْهَيْنِ كانَ فَمَعْناهُ الخَفاءُ وقالَ آخَرُ:
؎فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
وهَذا البَيْتُ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى ما احْتَمَلَهُ الأوَّلُ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّهُ أرادَ بِالمُسَحَّرِ أنَّهُ ذُو سِحْرٍ والسَّحْرُ الرِّئَةُ وما يَتَعَلَّقُ بِالحُلْقُومِ، وهَذا يَرْجِعُ إلى مَعْنى الخَفاءِ، ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ: " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي "، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] يَعْنِي مِنَ المَخْلُوقِ الَّذِي يُطْعَمُ ويُسْقى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [الشعراء: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] ويُحْتَمَلُ أنَّهُ ذُو سِحْرٍ مِثْلُنا وإنَّما يُذْكَرُ السِّحْرُ في مِثْلِ هَذِهِ المَواضِعِ لِضَعْفِ هَذِهِ الأجْسادِ ولَطافَتِها ورِقَّتِها وبِها مَعَ ذَلِكَ قَوامُ (p-٥١)الإنْسانِ، فَمَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهو ضَعِيفٌ مُحْتاجٌ. وهَذا هو مَعْنى السِّحْرِ في اللُّغَةِ، ثُمَّ نُقِلَ هَذا الِاسْمُ إلى كُلِّ أمْرٍ خَفِيَ سَبَبُهُ وتُخُيِّلَ عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ ويَجْرِي مَجْرى التَّمْوِيهِ والخِداعِ،
ومَتى أُطْلِقَ ولَمْ يُقَيَّدْ أفادَ ذَمَّ فاعِلِهِ وقَدْ أُجْرِيَ مُقَيَّدًا فِيما يُمْتَدَحُ ويُحْمَدُ كَما رُوِيَ: «إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا» .
حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ الحَرّانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الزِّبْرِقانُ بْنُ بَدْرٍ وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ وقَيْسُ بْنُ عاصِمٍ، فَقالَ لِعَمْرٍو: خَبِّرْنِي عَنِ الزِّبْرِقانَ فَقالَ: مُطاعٌ في نادِيهِ، شَدِيدُ العارِضَةِ مانِعٌ لِما وراءَ ظَهْرِهِ فَقالَ الزِّبْرِقانُ: هو واللَّهِ يَعْلَمْ أنِّي أفْضَلُ مِنهُ فَقالَ عَمْرٌو: إنَّهُ زَمِرُ المُرُوءَةِ ضَيِّقُ العَطَنِ أحْمَقُ الأبِ لَئِيمُ الخالِ يا رَسُولَ اللَّهِ صَدَقْتَ فِيهِ لَمّا أرْضانِي فَقُلْتُ أحْسَنَ ما عَلِمْتُ، وأسْخَطَنِي فَقُلْتُ أسْوَأُ ما عَلِمْتُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا» .
وحَدَّثَنا إبْراهِيمُ الحَرّانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قَدِمَ رَجُلانِ فَخَطَبَ أحَدُهُما فَعَجِبَ النّاسُ لِذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا» .
قالَ: وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ فارِسٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو تُمَيْلَةَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثابِتٍ قالَ: حَدَّثَنِي صَخْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا، وإنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلًا، وإنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا، وإنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالًا» .
قالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحانَ: صَدَقَ نَبِيُّ اللَّهِ أمّا قَوْلُهُ: " إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا " فالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الحَقُّ وهو ألْحَنُ بِالحُجَجِ مِن صاحِبِ الحَقِّ فَيَسْحَرُ القَوْمَ بِبَيانِهِ فَيَذْهَبُ بِالحَقِّ.
وأمّا قَوْلُهُ: " مِنَ العِلْمِ جَهْلًا " فَيَتَكَلَّفُ العالِمُ إلى عِلْمِهِ ما لا يَعْلَمُ فَيُجَهِّلُهُ ذَلِكَ وأمّا قَوْلُهُ: " إنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا " فَهي هَذِهِ الأمْثالُ والمَواعِظُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِها النّاسُ وأمّا قَوْلُهُ: " إنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالًا " فَعَرْضُكَ كَلامَكَ وحَدِيثَكَ عَلى مَن لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ولا يُرِيدُهُ فَسَمّى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْضَ البَيانِ سِحْرًا؛ لِأنَّ صاحِبَهُ بَيْنَ أنْ يُنْبِئَ عَنْ حَقٍّ فَيُوضِحَهُ ويُجَلِّيَهِ بِحُسْنِ بَيانِهِ بَعْدَ أنْ كانَ خَفِيّا؛ فَهَذا مِنَ السِّحْرِ الحَلالِ الَّذِي أقَرَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمْرَو بْنَ الأهْتَمِ عَلَيْهِ ولَمْ يُسْخِطْهُ مِنهُ.
ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا تَكَلَّمَ بِكَلامٍ بَلِيغٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فَقالَ عُمَرُ: " هَذا واللَّهِ السِّحْرُ الحَلالُ " وبَيْنَ أنْ يُصَوِّرَ الباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ بِبَيانِهِ ويَخْدَعَ السّامِعِينَ بِتَمْوِيهِهِ ومَتى أُطْلِقَ فَهو اسْمٌ لِكُلِّ أمْرٍ مُمَوَّهٍ باطِلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ ولا ثَباتَ، (p-٥٢)قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] يَعْنِي مَوَّهُوا عَلَيْهِمْ حَتّى ظَنُّوا أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم تَسْعى وقالَ: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] فَأخْبَرَ أنَّ ما ظَنُّوهُ سَعْيًا مِنها لَمْ يَكُنْ سَعْيًا وإنَّما كانَ تَخْيِيلًا وقَدْ قِيلَ: إنَّها كانَتْ عِصِيًّا مُجَوَّفَةً قَدْ مُلِئَتْ زِئْبَقًا، وكَذَلِكَ الحِبالُ كانَتْ مَعْمُولَةً مِن أدَمٍ مَحْشُوَّةً زِئْبَقًا، وقَدْ حَفَرُوا قَبْلَ ذَلِكَ تَحْتَ المَواضِعِ أسْرابًا وجَعَلُوا آزاجًا ومَلَئُوها نارًا، فَلَمّا طُرِحَتْ عَلَيْهِ وحَمِيَ الزِّئْبَقُ حَرَّكَها؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ الزِّئْبَقِ إذا أصابَتْهُ النّارُ أنْ يَطِيرَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُمَوَّهًا عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ والعَرَبُ تَقُولُ لِضَرْبٍ مِنَ الحُلِيِّ " مَسْحُورٌ " أيْ مُمَوَّهٌ عَلى مَن رَآهُ مَسْحُورٌ بِهِ عَيْنُهُ فَما كانَ مِنَ البَيانِ عَلى حَقٍّ ويُوَضِّحُهُ فَهو مِنَ السِّحْرِ الحَلالِ، وما كانَ مِنهُ مَقْصُودًا بِهِ إلى تَمْوِيهٍ وخَدِيعَةٍ وتَصْوِيرِ باطِلٍ في صُورَةِ الحَقِّ فَهو مِنَ السِّحْرِ المَذْمُومِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ مَوْضُوعُ السِّحْرِ التَّمْوِيهَ والإخْفاءَ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى ما يُوَضِّحُ الحَقَّ ويُنْبِئُ عَنْهُ سِحْرًا، وهو إنَّما أظْهَرَ بِذَلِكَ ما خَفِيَ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ إلى إخْفاءِ ما ظَهَرَ وإظْهارُهُ غَيْرُ حَقِيقَةٍ ؟
قِيلَ لَهُ: سُمِّيَ ذَلِكَ سِحْرًا مِن حَيْثُ كانَ الأغْلَبُ في ظَنِّ السّامِعِ أنَّهُ لَوْ ورَدَ عَلَيْهِ المَعْنى بِلَفْظٍ مُسْتَنْكَرٍ غَيْرِ مُبَيَّنٍ لَما صادَفَ مِنهُ قَبُولًا ولا أصْغى إلَيْهِ، ومَتى سَمِعَ المَعْنى بِعِبارَةٍ مَقْبُولَةٍ عَذْبَةٍ لا فَسادَ فِيها ولا اسْتِنْكارَ وقَدْ تَأتّى لَها بِلَفْظِهِ وحُسْنِ بَيانِهِ بِما لا يَتَأتّى لَهُ الغَبِيُّ الَّذِي لا بَيانَ لَهُ أصْغى إلَيْهِ وسَمِعَهُ وقَبِلَهُ، فَسَمّى اسْتِمالَتَهُ لِلْقُلُوبِ بِهَذا الضَّرْبِ مِنَ البَيانِ سِحْرًا كَما يَسْتَمِيلُ السّاحِرُ قُلُوبَ الحاضِرِينَ إلى ما مَوَّهَ بِهِ ولَبَّسَهُ، فَمِن هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ البَيانُ سِحْرًا لا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْتَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما سَمّى البَيانَ سِحْرًا؛ لِأنَّ المُقْتَدِرَ عَلى البَيانِ رُبَّما قَبَّحَ بَيانُهُ بَعْضَ ما هو حَسَنٌ وحَسَّنَ عِنْدَهُ بَعْضَ ما هو قَبِيحٌ فَسَمّاهُ لِذَلِكَ سِحْرًا، كَما سَمّى ما مَوَّهَ بِهِ صاحِبُهُ وأُظْهِرَ عَلى غَيْرِ حَقِيقَةٍ سِحْرًا.
قالَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: واسْمُ السِّحْرِ إنَّما أُطْلِقَ عَلى البَيانِ مَجازًا لا حَقِيقَةً والحَقِيقَةُ ما وصَفْنا، ولِذَلِكَ صارَ عِنْدَ الإطْلاقِ إنَّما يَتَناوَلُ كُلَّ أمْرٍ مُمَوَّهٍ قَدْ قُصِدَ بِهِ الخَدِيعَةُ والتَّلْبِيسُ وإظْهارُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ ولا ثَباتَ وإذْ قَدْ بَيَّنّا أصْلَ السِّحْرِ في اللُّغَةِ وحُكْمَهُ عِنْدَ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ فَلْنَقُلْ في مَعْناهُ في التَّعارُفِ والضُّرُوبِ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها هَذا الِاسْمُ وما يَقْصِدُ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِن مُنْتَحِلِيهِ والغَرَضِ الَّذِي يَجْرِي إلَيْهِ مُدَّعُوهُ، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ: فَمِنها سِحْرُ أهْلِ بابِلِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ وكانُوا قَوْمًا صابِئِينَ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ (p-٥٣)السَّبْعَةَ ويُسَمُّونَها آلِهَةً ويَعْتَقِدُونَ أنَّ حَوادِثَ العالَمِ كُلَّها مِن أفْعالِها وهم مُعَطِّلَةٌ لا يَعْتَرِفُونَ بِالصّانِعِ الواحِدِ المُبْدِعِ لِلْكَواكِبِ وجَمِيعِ أجْرامِ العالَمِ وهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَدَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى وحاجَّهم بِالحِجاجِ الَّذِي بَهَرَهم بِهِ وأقامَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ مِن حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهم دَفْعُهُ ثُمَّ ألْقَوْهُ في النّارِ فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى بَرْدًا وسَلامًا، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالهِجْرَةِ إلى الشّامِ.
وكانَ أهْلُ بابِلَ وإقْلِيمِ العِراقِ والشّامِ ومِصْرَ والرُّومِ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ إلى أيّامِ بُيُوراسِبَ الَّذِي تُسَمِّيهِ العَرَبُ " الضَّحّاكَ " وإنَّ أفْرِيدُونَ وكانَ مِن أهْلِ دِنَباوِنْدَ اسْتَجاشَ عَلَيْهِ بِلادَهُ وكاتَبَ سائِرَ مَن يُطِيعُهُ ولَهُ قِصَصٌ طَوِيلَةٌ حَتّى أزالَ مُلْكَهُ وأسَرَهُ، وجُهّالُ العامَّةِ والنِّساءِ عِنْدَنا يَزْعُمُونَ أنَّ أفْرِيدُونَ حَبَسَ بُيُوراسِبَ في جَبَلِ دِنْباوِنْدَ العالِي عَلى الجِبالِ، وأنَّهُ حَيٌّ هُناكَ مُقَيَّدٌ، وأنَّ السَّحَرَةَ يَأْتُونَهُ هُناكَ فَيَأْخُذُونَ عَنْهُ السِّحْرَ، وأنَّهُ سَيَخْرُجُ فَيَغْلِبُ عَلى الأرْضِ، وأنَّهُ هو الدَّجّالُ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَذَّرَناهُ، وأحْسَبُهم أخَذُوا ذَلِكَ عَنِ المَجُوسِ وصارَتْ مَمْلَكَةُ إقْلِيمِ بابِلَ لِلْفُرْسِ فانْتَقَلَ بَعْضُ مُلُوكِهِمْ إلَيْها في بَعْضِ الأزْمانِ فاسْتَوْطَنُوها.
ولَمْ يَكُونُوا عَبَدَةَ أوْثانٍ بَلْ كانُوا مُوَحِّدِينَ مُقِرِّينَ بِاللَّهِ وحْدَهُ، إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ يُعَظِّمُونَ العَناصِرَ الأرْبَعَةَ: الماءَ، والنّارَ، والأرْضَ، والهَواءَ؛ لِما فِيها مِن مَنافِعِ الخَلْقِ وأنَّ بِها قِوامَ الحَيَوانِ وإنَّما حَدَثَتِ المَجُوسِيَّةُ فِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ في زَمانِ ( كَشْتاسِبَ ) حِينَ دَعاهُ ( زَرادُشْتُ ) فاسْتَجابَ لَهُ عَلى شَرائِطَ وأُمُورٍ يَطُولُ شَرْحُها، وإنَّما غَرَضُنا في هَذا المَوْضِعِ الإبانَةُ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ سَحَرَةُ بابِلَ.
ولَمّا ظَهَرَتِ الفُرْسُ عَلى هَذا الإقْلِيمِ كانَتْ تَتَدَيَّنُ بِقَتْلِ السَّحَرَةِ وإبادَتِها، ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ فِيهِمْ ومِن دِينِهِمْ بَعْدَ حُدُوثِ المَجُوسِيَّةِ فِيهِمْ وقَبْلَهُ إلى أنْ زالَ عَنْهُمُ المُلْكُ وكانَتْ عُلُومُ أهْلِ بابِلَ قَبْلَ ظُهُورِ الفُرْسِ عَلَيْهِمُ الحِيَلَ والنَّيْرَنْجِياتِ وأحْكامِ النُّجُومِ، وكانُوا يَعْبُدُونَ أوْثانًا قَدْ عَمِلُوها عَلى أسْماءِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ وجَعَلُوا لِكُلِّ واحِدٍ مِنها هَيْكَلًا فِيهِ صَنَمُهُ ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْها بِضُرُوبٍ مِنَ الأفْعالِ عَلى حَسَبِ اعْتِقاداتِهِمْ مِن مُوافَقَةِ ذَلِكَ لِلْكَوْكَبِ الَّذِي يَطْلُبُونَ مِنهُ بِزَعْمِهِمْ فِعْلَ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَمَن أرادَ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ والصَّلاحِ بِزَعْمِهِ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِما يُوافِقُ المُشْتَرى مِنَ الدَّخَنِ والرُّقى والعَقْدِ والنَّفْثِ عَلَيْها، ومَن طَلَبَ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ والحَرْبِ والمَوْتِ والبَوارِ لِغَيْرِهِ تَقَرَّبَ بِزَعْمِهِ إلى زُحَلَ بِما يُوافِقُهُ مِن ذَلِكَ، ومَن أرادَ البَرْقَ والحَرْقَ والطّاعُونَ تَقَرَّبَ بِزَعْمِهِ إلى المِرِّيخِ بِما يُوافِقُهُ مِن ذَلِكَ مِن ذَبْحِ (p-٥٤)بَعْضِ الحَيَواناتِ وجَمِيعُ تِلْكَ الرُّقى بِالنَّبَطِيَّةِ تَشْتَمِلُ عَلى تَعْظِيمِ تِلْكَ الكَواكِبِ إلى ما يُرِيدُونَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ومَحَبَّةٍ وبُغْضٍ، فَيُعْطِيهِمْ ما شاءُوا مِن ذَلِكَ، فَيَزْعُمُونَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ يَفْعَلُونَ ما شاءُوا في غَيْرِهِمْ مِن غَيْرِ مُماسَّةٍ ولا مُلامَسَةٍ سِوى ما قَدَّمُوهُ مِنَ القُرُباتِ لِلْكَوْكَبِ الَّذِي طَلَبُوا ذَلِكَ مِنهُ؛ فَمِنَ العامَّةِ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ يَقْلِبُ الإنْسانَ حِمارًا أوْ كَلْبًا ثُمَّ إذا شاءَ أعادَهُ، ويَرْكَبُ البَيْضَةَ والمِكْنَسَةَ والخابِيَةَ، ويَطِيرُ في الهَواءِ فَيَمْضِي مِنَ العِراقِ إلى الهِنْدِ وإلى ما شاءَ مِنَ البُلْدانِ ثُمَّ يَرْجِعُ مِن لَيْلَتِهِ.
وكانَتْ عَوامُّهم تَعْتَقِدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، وكُلُّ ما دَعا إلى تَعْظِيمِها اعْتَقَدُوهُ وكانَتِ السَّحَرَةُ تَحْتالُ في خِلالِ ذَلِكَ بِحِيَلٍ تُمَوِّهُ بِها عَلى العامَّةِ إلى اعْتِقادِ صِحَّتِهِ بِأنْ يَزْعُمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَنْفُذُ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ أحَدٌ ولا يَبْلُغُ ما يُرِيدُ إلّا مَنِ اعْتَقَدَ صِحَّةَ قَوْلِهِمْ وتَصْدِيقَهم فِيما يَقُولُونَ ولَمْ تَكُنْ مُلُوكُهم تَعْتَرِضُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، بَلْ كانَتِ السَّحَرَةُ عِنْدَها بِالمَحَلِّ الأجَلِّ؛ لِما كانَ لَها في نُفُوسِ العامَّةِ مِن مَحَلِّ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، ولِأنَّ المُلُوكَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَتْ تَعْتَقِدُ ما تَدَّعِيهِ السَّحَرَةُ لِلْكَواكِبِ، إلى أنْ زالَتْ تِلْكَ المَمالِكُ ألا تَرى أنَّ النّاسَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ كانُوا يَتَبارَوْنَ بِالعِلْمِ والسِّحْرِ والحِيَلِ والمَخارِيقِ ولِذَلِكَ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَصا والآياتِ الَّتِي عَلِمَتِ السَّحَرَةُ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ السِّحْرِ في شَيْءٍ وأنَّها لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُ اللَّهِ تَعالى ؟ فَلَمّا زالَتْ تِلْكَ المَمالِكُ وكانَ مَن مُلْكِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المُوَحِّدِينَ يَطْلُبُونَهم ويَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَتْلِهِمْ، وكانُوا يَدْعُونَ عَوامَّ النّاسِ وجُهّالَهم سِرًّا كَما يَفْعَلُهُ السّاعَةَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعِي ذَلِكَ مَعَ النِّساءِ والأحْداثِ والأغْمارِ والجُهّالِ الحَشْوِ وكانُوا يَدْعُونَ مَن يَعْمَلُونَ لَهُ ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ قَوْلِهِمْ والِاعْتِرافِ بِصِحَّتِهِ والمُصَدِّقُ لَهم بِذَلِكَ يَكْفُرُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: التَّصْدِيقُ بِوُجُوبِ تَعْظِيمِهِ الكَواكِبَ وتَسْمِيَتِها آلِهَةً.
والثّانِي: اعْتِرافُهُ بِأنَّ الكَواكِبَ تَقْدِرُ عَلى ضَرِّهِ ونَفْعِهِ.
والثّالِثُ: أنَّ السَّحَرَةَ تَقْدِرُ عَلى مِثْلِ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مَلَكَيْنِ يُبَيِّنانِ لِلنّاسِ حَقِيقَةَ ما يَدَّعُونَ وبُطْلانَ ما يَذْكُرُونَ، ويَكْشِفانِ لَهم ما بِهِ يُمَوِّهُونَ، ويُخْبِرانِهِمْ بِمَعانِي تِلْكَ الرُّقى وأنَّها شِرْكٌ وكُفْرٌ وبِحِيَلِهِمُ الَّتِي كانُوا يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى التَّمْوِيهِ عَلى العامَّةِ ويُظْهِرُونَ لَهم حَقائِقَها ويَنْهَوْنَهم عَنْ قَبُولِها والعَمَلِ بِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ فَهَذا أصْلُ سِحْرِ بابِلَ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كانُوا يَسْتَعْمِلُونَ سائِرَ وُجُوهِ السِّحْرِ والحِيَلِ الَّتِي نَذْكُرُها ويُمَوِّهُونَ بِها عَلى العامَّةِ ويَعْزُونَها إلى فِعْلِ الكَواكِبِ لِئَلّا يَبْحَثَ (p-٥٥)عَنْها ويُسَلِّمَها لَهم فَمِن ضُرُوبِ السِّحْرِ كَثِيرٌ مِنَ التَّخْيِيلاتِ الَّتِي مَظْهَرُها عَلى خِلافِ حَقائِقِها فَمِنها ما يَعْرِفُهُ النّاسُ بِجَرَيانِ العادَةِ بِها وظُهُورِها ومِنها ما يَخْفى ويَلْطُفُ ولا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ ومَعْنى باطِنِهِ إلّا مَن تَعاطى مَعْرِفَةَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ عِلْمٍ لا بُدَّ أنْ يَشْتَمِلَ عَلى جَلِيٍّ وخَفِيٍّ وظاهِرٍ وغامِضٍ.
فالجَلِيُّ مِنهُ يَعْرِفُهُ كُلُّ مَن رَآهُ وسَمِعَهُ مِنَ العُقَلاءِ، والغامِضُ الخَفِيُّ لا يَعْرِفُهُ إلّا أهْلُهُ ومَن تَعاطى مَعْرِفَتَهُ وتَكَلَّفْ فِعْلَهُ والبَحْثَ عَنْهُ، وذَلِكَ نَحْوُ ما يَتَخَيَّلُ راكِبُ السَّفِينَةِ إذا سارَتْ في النَّهْرِ فَيَرى أنَّ الشَّطَّ بِما عَلَيْهِ مِنَ النَّخْلِ والبُنْيانِ سائِرٌ مَعَهُ، وكَما يَرى القَمَرَ في مَهَبِّ الشَّمالِ يَسِيرُ لِلْغَيْمِ في مَهَبِّ الجَنُوبِ، وكَدَوَرانِ الدَّوّامَةِ فِيها الشّامَةُ فَيَراها كالطَّوْقِ المُسْتَدِيرِ في أرْجائِها، وكَذَلِكَ يَرى هَذا في الرَّحى إذا كانَتْ سَرِيعَةَ الدَّوْرانِ، وكالعُودِ في طَرَفِهِ الجَمْرَةُ إذا أدارَهُ مُدِيرُهُ رَأى إذًا تِلْكَ النّارَ الَّتِي في طَرَفِهِ كالطَّوْقِ المُسْتَدِيرِ، وكالعِنَبَةِ الَّتِي يَراها في قَدَحٍ فِيهِ ماءٌ كالخَوْخَةِ والإجّاصَةِ عِظَمًا، وكالشَّخْصِ الصَّغِيرِ يَراهُ في الضَّبابِ عَظِيمًا جَسِيمًا، وكَبُخارِ الأرْضِ الَّذِي يُرِيكَ قُرْصَ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِها عَظِيمًا فَإذا فارَقَتْهُ وارْتَفَعَتْ صَغُرَتْ، وكَما يُرى المُرَدّى في الماءِ مُنْكَسِرًا أوْ مُعْوَجًّا، وكَما يُرى الخاتَمُ إذا قَرَّبْتَهُ مِن عَيْنِكَ في سَعَةِ حَلْقَةِ السِّوارِ، ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُتَخَيَّلُ عَلى غَيْرِ حَقائِقِها فَيَعْرِفُها عامَّةُ النّاسِ ومِنها ما يَلْطُفُ فَلا يَعْرِفُهُ إلّا مَن تَعاطاهُ وتَأمَّلَهُ كَخَيْطِ السَّحّارَةِ الَّذِي يَخْرُجُ مَرَّةً أحْمَرَ ومَرَّةً أصْفَرَ ومَرَّةً أسْوَدَ، ومِن لَطِيفِ ذَلِكَ ودَقِيقِهِ ما يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ مِن جِهَةِ الحَرَكاتِ وإظْهارِ التَّخْيِيلاتِ الَّتِي تَخْرُجُ عَلى غَيْرِ حَقائِقِها حَتّى يُرِيَكَ عُصْفُورًا مَعَهُ أنَّهُ قَدْ ذَبَحَهُ ثُمَّ يُرِيكَهُ وقَدْ طارَ بَعْدَ ذَبْحِهِ وإبانَةِ رَأْسِهِ، وذَلِكَ لِخِفَّةِ حَرَكَتِهِ، والمَذْبُوحُ غَيْرُ الَّذِي طارَ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مَعَهُ اثْنانِ قَدْ خَبَّأ أحَدَهُما وأظْهَرَ الآخَرَ، ويُخَبِّئُ لِخِفَّةِ الحَرَكَةِ المَذْبُوحَ ويُظْهِرُ الَّذِي نَظِيرُهُ.
ويُظْهِرُ أنَّهُ قَدْ ذَبَحَ إنْسانًا وأنَّهُ قَدْ بَلَعَ سَيْفًا وأدْخَلَهُ في جَوْفِهِ، ولَيْسَ لِشَيْءٍ مِنهُ حَقِيقَةٌ ومِن نَحْوِ ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ أصْحابُ الحَرَكاتِ لِلصُّوَرِ المَعْمُولَةِ مِن صُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ فَيَرى فارِسَيْنِ يَقْتَتِلانِ فَيَقْتُلُ أحَدُهُما الآخَرَ، ويَنْصَرِفُ بِحِيَلٍ قَدْ أُعِدَّتْ لِذَلِكَ وكَفارِسٍ مِن صُفْرٍ عَلى فَرَسٍ في يَدِهِ بُوقٌ كُلَّما مَضَتْ ساعَةٌ مِنَ النَّهارِ ضَرَبَ بِالبُوقِ مِن غَيْرِ أنْ يَمَسَّهُ أحَدٌ ولا يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ وقَدْ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّ رَجُلًا مِنَ الجُنْدِ خَرَجَ بِبَعْضِ نَواحِي الشّامِ مُتَصَيِّدًا ومَعَهُ كَلْبٌ لَهُ وغُلامٌ فَرَأى ثَعْلَبًا فَأغْرى بِهِ الكَلْبَ فَدَخَلَ الثَّعْلَبُ ثُقْبًا في تَلٍّ هُناكَ ودَخَلَ الكَلْبُ خَلْفَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَأمَرَ الغُلامَ أنْ يَدْخُلَ فَدَخَلَ وانْتَظَرَهُ (p-٥٦)صاحِبُهُ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَوَقَفَ مُتَهَيِّئًا لِلدُّخُولِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَأخْبَرَهُ بِشَأْنِ الثَّعْلَبِ والكَلْبِ والغُلامِ وأنَّ واحِدًا مِنهم لَمْ يَخْرُجْ وأنَّهُ مُتَأهِّبٌ لِلدُّخُولِ، فَأخَذَ الرَّجُلُ بِيَدِهِ فَأدْخَلَهُ إلى هُناكَ، فَمَضَيا إلى سِرْبٍ طَوِيلٍ حَتّى أفْضى بِهِما إلى بَيْتٍ قَدْ فُتِحَ لَهُ ضَوْءٌ مِن مَوْضِعٍ يُنْزَلُ إلَيْهِ بِمِرْقاتَيْنِ، فَوَقَفَ بِهِ عَلى المِرْقاةِ الأُولى حَتّى أضاءَ البَيْتَ حِينًا ثُمَّ قالَ لَهُ: اُنْظُرْ فَنَظَرَ فَإذا الكَلْبُ والرَّجُلُ والثَّعْلَبُ قَتْلى، وإذا في صَدْرِ البَيْتِ رَجُلٌ واقِفٌ مُقَنَّعٌ في الحَدِيدِ وفي يَدِهِ سَيْفٌ، فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: أتَرى هَذا لَوْ دَخَلَ إلَيْهِ هَذا المَدْخَلَ ألْفُ رِجْلٍ لَقَتَلَهم كُلَّهم فَقالَ: وكَيْفَ ؟ قالَ: لِأنَّهُ قَدْ رُتِّبَ وهُنْدِمَ عَلى هَيْئَةٍ مَتى وضَعَ الإنْسانُ رِجْلَهُ عَلى المِرْقاةِ الثّانِيَةِ لِلنُّزُولِ تَقَدَّمَ الرَّجُلُ المَعْمُولُ في الصَّدْرِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ الَّذِي في يَدِهِ، فَإيّاكَ أنْ تَنْزِلْ إلَيْهِ فَقالَ: فَكَيْفَ الحِيلَةُ في هَذا ؟
قالَ: يَنْبَغِي أنْ تَحْفِرْ مِن خَلْفِهِ سَرَبًا يُفْضِي بِكَ إلَيْهِ، فَإنْ وصَلْتَ إلَيْهِ مِن تِلْكَ النّاحِيَةِ لَمْ يَتَحَرَّكْ فاسْتَأْجَرَ الجُنْدِيُّ أُجَراءَ وصُنّاعًا حَتّى حَفَرُوا سَرَبًا مِن خَلْفِ التَّلِّ فَأفْضَوْا إلَيْهِ، فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، وإذا رَجُلٌ مَعْمُولٌ مِن صُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ قَدْ أُلْبِسَ السِّلاحَ وأُعْطِيَ السَّيْفَ فَقَلَعَهُ، ورَأى بابًا آخَرَ في ذَلِكَ البَيْتِ فَفَتَحَهُ فَإذا هو قَبْرٌ لِبَعْضِ المُلُوكِ مَيِّتٍ عَلى سَرِيرِ هُناكَ وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا ومِنها الصُّوَرُ الَّتِي يُصَوِّرُها مُصَوِّرُو الرُّومِ والهِنْدِ حَتّى لا يُفَرِّقَ النّاظِرُ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَها، ومَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ أنَّها صُورَةٌ لا يَشُكُّ في أنَّها إنْسانٌ، وحَتّى تَصَوُّرُها ضاحِكَةً أوْ باكِيَةً، وحَتّى يُفَرَّقَ فِيها بَيْنَ الضَّحِكِ مِنَ الخَجَلِ والسُّرُورِ وضَحِكِ الشّامِتِ فَهَذِهِ الوُجُوهُ مِن لَطِيفِ أُمُورِ التَّخايِيلِ وخَفِيِّها وما ذَكَرْناهُ قَبْلُ مِن جَلِيِّها وكانَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِن هَذا الضَّرْبِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنّا مِن حِيَلِهِمْ في العِصِيِّ والحِبالِ والَّذِي ذَكَرْناهُ مِن مَذاهِبِ أهْلِ بابِلَ في القَدِيمِ وسِحْرِهِمْ ووُجُوهِ حِيَلِهِمْ بَعْضُهُ سَمِعْناهُ مِن أهْلِ المَعْرِفَةِ بِذَلِكَ وبَعْضُهُ وجَدْناهُ في الكُتُبِ قَدْ نُقِلَتْ حَدِيثًا مِنَ النَّبَطِيَّةِ إلى العَرَبِيَّةِ، مِنها كِتابٌ في ذِكْرِ سِحْرِهِمْ وأصْنافِهِ ووُجُوهِهِ، وكُلُّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الأصْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن قُرْباناتِ الكَواكِبِ وتَعْظِيمِها وخُرافاتٍ مَعَها لا تُساوِي ذِكْرَها ولا فائِدَةَ فِيها وضَرْبٌ آخَرُ مِنَ السِّحْرِ: وهو ما يَدَّعُونَهُ مِن حَدِيثِ الجِنِّ والشَّياطِينِ وطاعاتِهِمْ لَهم بِالرُّقى والعَزائِمِ.
ويَتَوَصَّلُونَ إلى ما يُرِيدُونَ مِن ذَلِكَ بِتَقْدِمَةِ أُمُورٍ ومُواطَأةِ قَوْمٍ قَدْ أعَدُّوهم لِذَلِكَ، وعَلى ذَلِكَ كانَ يَجْرِي أمْرُ الكُهّانِ مِنَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَتْ أكْثَرُ مَخارِيقِ الحَلّاجِ مِن بابِ المُواطَآتِ ولَوْلا أنَّ هَذا الكِتابَ لا يَحْتَمِلُ اسْتِقْصاءَ ذَلِكَ لَذَكَرْتُ مِنها (p-٥٧)ما يُوقِفُ عَلى كَثِيرٍ مِن مَخارِيقِهِ ومَخارِيقِ أمْثالِهِ.
وضَرَرُ أصْحابِ العَزائِمِ وفِتْنَتُهم عَلى النّاسِ غَيْرُ يَسِيرٍ، وذَلِكَ أنَّهم يَدْخُلُونَ عَلى النّاسِ مِن بابِ أنَّ الجِنَّ إنَّما تُطِيعُهم بِالرُّقى الَّتِي هي أسْماءُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهم يُجِيبُونَ بِذَلِكَ مَن شاءُوا ويُخْرِجُونَ الجِنَّ لِمَن شاءُوا فَتُصَدِّقُهُمُ العامَّةُ عَلى اغْتِرارٍ بِما يُظْهِرُونَ مِنِ انْقِيادِ الجِنِّ لَهم بِأسْماءِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي كانَتْ تُطِيعُ بِها سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهم يُخْبِرُونَهم بِالخَبايا وبِالسُّرُقِ وقَدْ كانَ المُعْتَضِدُ بِاللَّهِ مَعَ جَلالَتِهِ وشَهامَتِهِ ووُفُورِ عَقْلِهِ اغْتَرَّ بِقَوْلِ هَؤُلاءِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أصْحابُ التَّوارِيخِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَظْهَرُ في دارِهِ الَّتِي كانَ يَخْلُو فِيها بِنِسائِهِ وأهْلِهِ شَخْصٌ في يَدِهِ سَيْفٌ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأكْثَرُهُ وقْتُ الظُّهْرِ، فَإذا طُلِبَ لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ ولَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلى أثَرٍ مَعَ كَثْرَةِ التَّفْتِيشِ وقَدْ رَآهُ هو بِعَيْنِهِ مِرارًا، فَأهَمَّتْهُ نَفْسُهُ ودَعا بِالمُعَزِّمِينَ فَحَضَرُوا وأحْضَرُوا مَعَهم رِجالًا ونِساءً وزَعَمُوا أنَّ فِيهِمْ مَجانِينَ وأصِحّاءَ، فَأمَرَ بَعْضَ رُؤَسائِهِمْ بِالعَزِيمَةِ، فَعَزَّمَ عَلى رَجُلٍ مِنهم زَعَمَ أنَّهُ كانَ صَحِيحًا فَجُنَّ وتَخَبَّطَ وهو يَنْظُرُ إلَيْهِ.
وذَكَرُوا لَهُ أنَّ هَذا غايَةُ الحِذْقِ بِهَذِهِ الصِّناعَةِ؛ إذْ أطاعَتْهُ الجِنُّ في تَخْبِيطِ الصَّحِيحِ وإنَّما كانَ ذَلِكَ مِنَ المُعَزِّمِ بِمُواطَأةٍ مِنهُ لِذَلِكَ الصَّحِيحِ عَلى أنَّهُ مَتى عَزَّمَ عَلَيْهِ جَنَّنَ نَفْسَهُ وخَبَّطَ فَجازَ ذَلِكَ عَلى المُعْتَضِدِ، فَقامَتْ نَفْسُهُ مِنهُ وكَرِهَهُ، إلّا أنَّهُ سَألَهم عَنْ أمْرِ الشَّخْصِ الَّذِي يَظْهَرُ في دارِهِ، فَخَرَقُوا عَلَيْهِ بِأشْياءَ عَلَّقُوا قَلْبَهُ بِها مِن غَيْرِ تَحْصِيلٍ لِشَيْءِ مِن أمْرِ ما سَألَهم عَنْهُ، فَأمَرَهم بِالِانْصِرافِ وأمَرَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِمَّنْ حَضَرَ بِخَمْسَةِ دَراهِمَ ثُمَّ تَحَرَّزَ المُعْتَضِدُ بِغايَةِ ما أمْكَنَهُ وأمَرَ بِالِاسْتِيثاقِ مِن سُورِ الدّارِ حَيْثُ لا يُمْكِنُ فِيهِ حِيلَةٌ مِن تَسَلُّقٍ ونَحْوِهِ، وبُطِحَتْ في أعْلى السُّورِ خَوابٍ لِئَلّا يَحْتالَ بِإلْقاءِ المَعالِيقِ الَّتِي يَحْتالُ بِها اللُّصُوصُ؛ ثُمَّ لَمْ يُوقَفْ لِذَلِكَ الشَّخْصِ عَلى خَبَرٍ إلّا ظُهُورُهُ لَهُ الوَقْتَ بَعْدَ الوَقْتَ، إلى أنْ تُوُفِّيَ المُعْتَضِدُ وهَذِهِ الخَوابِي المَبْطُوحَةُ عَلى السُّورِ وقَدْ رَأيْتُها عَلى سُوَرِ الثُّرَيّا الَّتِي بَناها المُعْتَضِدُ فَسَألْتُ صَدِيقًا لِي كانَ قَدْ حَجَبَ لِلْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ عَنْ أمْرِ هَذا الشَّخْصِ، وهَلْ تَبَيَّنَ أمْرُهُ ؟ فَذَكَرَ لِي أنَّهُ لَمْ يُوقَفْ عَلى حَقِيقَةِ هَذا الأمْرِ إلّا في أيّامِ المُقْتَدِرِ، وأنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ كانَ خادِمًا أبْيَضَ يُسَمّى يَقَقَ، وكانَ يَمِيلُ إلى بَعْضِ الجَوارِي اللّاتِي في داخِلِ دُورِ الحَرَمِ، وكانَ قَدِ اتَّخَذَ لِحًى عَلى ألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وكانَ إذا لَبِسَ بَعْضَ تِلْكَ اللِّحى لا يَشُكُّ مَن رَآهُ أنَّها لِحْيَتُهُ، وكانَ يَلْبَسُ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ لِحْيَةً مِنها ويَظْهَرُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ وفي يَدِهِ سَيْفٌ أوْ غَيْرُهُ مِنَ السِّلاحِ حَيْثُ يَقَعُ نَظَرُ المُعْتَضِدِ.
فَإذا طُلِبَ دَخَلَ بَيْنَ (p-٥٨)الشَّجَرِ الَّذِي في البُسْتانِ أوْ في بَعْضِ تِلْكَ المَمَرّاتِ أوِ العَطَفاتِ، فَإذا غابَ عَنْ أبْصارِ طالِبِيهِ نَزَعَ اللِّحْيَةَ وجَعَلَها في كُمِّهِ أوْ حَزَّتِهِ ويَبْقى السِّلاحُ مَعَهُ كَأنَّهُ بَعْضُ الخَدَمِ الطّالِبِينَ لِلشَّخْصِ، ولا يَرْتابُونَ بِهِ ويَسْألُونَهُ هَلْ رَأيْتَ في هَذِهِ النّاحِيَةِ أحَدًا فَإنّا قَدْ رَأيْناهُ صارَ إلَيْها ؟ فَيَقُولُ: ما رَأيْتُ أحَدًا وكانَ إذا وقَعَ مِثْلُ هَذا الفَزَعِ في الدّارِ خَرَجَتِ الجَوارِي مِن داخِلِ الدُّورِ إلى هَذا المَوْضِعِ فَيَرى هو تِلْكَ الجارِيَةَ ويُخاطِبُها بِما يُرِيدُ، وإنَّما كانَ غَرَضُهُ مُشاهَدَةَ الجارِيةِ، وكَلامَها، فَلَمْ يَزَلْ دَأْبَهُ إلى أيّامِ المُقْتَدِرِ ثُمَّ خَرَجَ إلى البُلْدانِ وصارَ إلى طَرَسُوسَ وأقامَ بِها إلى أنْ ماتَ، وتَحَدَّثَتِ الجارِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَدِيثِهِ ووُقِفَ عَلى احْتِيالِهِ فَهَذا خادِمٌ قَدِ احْتالَ بِمِثْلِ هَذِهِ الحِيلَةِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَهْتَدِ لَها أحَدٌ مَعَ شِدَّةِ عِنايَةِ المُعْتَضِدِ، وأعْياهُ مَعْرِفَتُها والوُقُوفُ عَلَيْها ولَمْ تَكُنْ صِناعَتُهُ الحِيَلَ والمَخارِيقَ، فَما ظَنُّكَ بِمَن قَدْ جَعَلَ هَذا صِناعَةً ومَعاشًا ؟ وضَرْبٌ آخَرُ مِنَ السِّحْرِ وهو السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ والوِشايَةِ بِها والبَلاغاتِ، والإفْسادِ والتَّضْرِيبِ مِن وُجُوهٍ خَفِيَّةٍ لَطِيفَةٍ، وذَلِكَ عامٌّ شائِعٌ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ.
وقَدْ حُكِيَ أنَّ امْرَأةً أرادَتْ إفْسادَ ما بَيْنَ زَوْجَيْنِ فَصارَتْ إلى الزَّوْجَةِ فَقالَتْ لَها: إنَّ زَوْجَكِ مُعْرِضٌ وقَدْ سُحِرَ وهو مَأْخُوذٌ عَنْكِ وسَأسْحَرُهُ لَكِ حَتّى لا يُرِيدَ غَيْرَكِ ولا يَنْظُرَ إلى سِواكِ، ولَكِنْ لا بُدَّ أنْ تَأْخُذِي مِن شَعْرٍ حَلَقَهُ بِالمُوسى ثَلاثَ شَعَراتٍ إذا نامَ وتُعْطِينِيها، فَإنَّ بِها يَتِمُّ الأمْرُ فاغْتَرَّتِ المَرْأةُ بِقَوْلِها وصَدَّقَتْها ثُمَّ ذَهَبَتْ إلى الرَّجُلِ وقالَتْ لَهُ: إنَّ امْرَأتَكَ قَدْ عَلِقَتْ رَجُلًا وقَدْ عَزَمَتْ عَلى قَتْلِكَ وقَدْ وقَفْتُ عَلى ذَلِكَ مِن أمْرِها فَأشْفَقْتُ عَلَيْكَ ولَزِمَنِي نُصْحُكَ، فَتَيَقَّظْ ولا تَغْتَرَّ فَإنَّها عَزَمَتْ عَلى ذَلِكَ بِالمُوسى، وسَتَعْرِفُ ذَلِكَ مِنها، فَما في أمْرِها شَكٌّ فَتَناوَمَ الرَّجُلُ في بَيْتِهِ، فَلَمّا ظَنَّتِ امْرَأتُهُ أنَّهُ قَدْ نامَ عَمَدَتْ إلى مُوسى حادٍّ وهَوَتْ بِهِ لِتَحْلِقَ مِن حَلْقِهِ ثَلاثَ شَعَراتٍ، فَفَتَحَ الرَّجُلُ عَيْنَهُ فَرَآها وقَدْ أهْوَتْ بِالمُوسى إلى حَلْقِهِ فَلَمْ يَشُكَّ في أنَّها أرادَتْ قَتْلَهُ، فَقامَ إلَيْها فَقَتَلَها وقُتِلَ وهَذا كَثِيرٌ لا يُحْصى وضَرْبٌ آخَرُ مِنَ السِّحْرِ، وهو الِاحْتِيالُ في إطْعامِهِ بَعْضَ الأدْوِيَةِ المُبَلِّدَةِ المُؤَثِّرَةِ في العَقْلِ والدَّخَنِ المُسَدِّرَةِ المُسْكِرَةِ، نَحْوُ دِماغِ الحِمارِ إذا طَعِمَهُ إنْسانٌ تَبَلَّدَ عَقْلُهُ وقَلَّتْ فِطْنَتُهُ مَعَ أدْوِيَةٍ كَثِيرَةٍ هي مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الطِّبِّ، ويَتَوَصَّلُونَ إلى أنْ يَجْعَلُوهُ في طَعامٍ حَتّى يَأْكُلَهُ فَتَذْهَبَ فِطْنَتُهُ ويَجُوزَ عَلَيْهِ أشْياءُ مِمّا لَوْ كانَ تامَّ الفِطْنَةِ لَأنْكَرَها، فَيَقُولُ النّاسُ: إنَّهُ مَسْحُورٌ.
وحِكْمَةٌ كافِيَةٌ تُبَيِّنُ لَكَ أنَّ هَذا كُلَّهُ مَخارِيقُ وحِيَلٌ لا حَقِيقَةَ لِما يَدَّعُونَ لَها أنَّ (p-٥٩)السّاحِرَ والمُعَزِّمَ لَوْ قَدَرا عَلى ما ادَّعَيانِهِ مِنَ النَّفْعِ والضَّرَرِ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يَدَّعُونَ وأمْكَنَهُما الطَّيَرانُ والعِلْمُ بِالغُيُوبِ وأخْبارِ البُلْدانِ النّائِيَةِ والخَبِيئاتِ والسُّرُقِ والإضْرارِ بِالنّاسِ مِن غَيْرِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا، لَقَدَرُوا عَلى إزالَةِ المَمالِكِ واسْتِخْراجِ الكُنُوزِ والغَلَبَةِ عَلى البُلْدانِ بِقَتْلِ المُلُوكِ بِحَيْثُ لا يَبْدَأُهم مَكْرُوهٌ، ولَما مَسَّهُمُ السُّوءُ ولا امْتَنَعُوا عَمَّنْ قَصَدَهم بِمَكْرُوهٍ، ولاسْتَغْنَوْا عَنِ الطَّلَبِ لِما في أيْدِي النّاسِ فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وكانَ المُدَّعُونَ لِذَلِكَ أسْوَأ النّاسِ حالًا وأكْثَرَهم طَمَعًا واحْتِيالًا وتَوَصُّلًا لِأخْذِ دَراهِمِ النّاسِ وأظْهَرَهم فَقْرًا وإمْلاقًا عَلِمْتَ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ورُؤَساءُ الحَشْوِنِ والجُهّالُ مِنَ العامَّةِ مِن أسْرَعِ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِدَعاوى السَّحَرَةِ والمُعَزِّمِينَ وأشَدِّهِمْ نَكِيرًا عَلى مَن جَحَدَها، ويَرْوُونَ في ذَلِكَ أخْبارًا مُفْتَعَلَةً مُتَخَرِّصَةً يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَها، كالحَدِيثِ الَّذِي يَرْوُونَ أنَّ امْرَأةً أتَتْ عائِشَةَ فَقالَتْ: إنِّي ساحِرَةٌ فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ ؟ فَقالَتْ: وما سِحْرُكِ ؟ قالَتْ: سِرْتُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ هارُوتُ ومارُوتُ بِبابِلَ لِطَلَبِ عِلْمِ السِّحْرِ فَقالا لِي: يا أمَةَ اللَّهِ لا تَخْتارِي عَذابَ الآخِرَةِ بِأمْرِ الدُّنْيا فَأبَيْتُ، فَقالا لِي: اذْهَبِي فَبُولِي عَلى ذَلِكَ الرَّمادِ فَذَهَبْتُ لِأبُولَ عَلَيْهِ فَفَكَّرْتُ في نَفْسِي فَقُلْتُ لا فَعَلْتُ وجِئْتُ إلَيْهِما فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقالا: ما رَأيْتِ ؟ فَقُلْتُ: ما رَأيْتُ شَيْئًا؛ فَقالا: اذْهَبِي فَبُولِي عَلَيْهِ فَذَهَبْتُ وفَعَلْتُ فَرَأيْتُ كَأنَّ فارِسًا قَدْ خَرَجَ مِن فَرْجِي مُقَنَّعًا بِالحَدِيدِ حَتّى صَعِدَ إلى السَّماءِ، فَجِئْتُهُما فَأخْبَرْتُهُما فَقالا: ذَلِكَ إيمانُكِ خَرَجَ عَنْكِ وقَدْ أحْسَنْتِ السِّحْرَ فَقُلْتُ: وما هو ؟ فَقالا: لا تُرِيدِينَ شَيْئًا فَتُصَوِّرِينَهُ في وهْمِكِ إلّا كانَ فَصَوَّرْتُ في نَفْسِي حَبًّا مِن حِنْطَةٍ، فَإذا أنا بِالحَبِّ.
فَقُلْتُ لَهُ: انْزَرِعْ فانْزَرَعَ وخَرَجَ مِن ساعَتِهِ سُنْبُلًا، فَقُلْتُ لَهُ: انْطَحِنْ وانْخَبِزْ إلى آخَرِ الأمْرِ حَتّى صارَ خُبْزًا وإنِّي كُنْتُ لا أُصَوِّرُ في نَفْسِي شَيْئًا إلّا كانَ فَقالَتْ لَها عائِشَةُ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ فَيَرْوِي القُصّاصُ والمُحَدِّثُونَ الجُهّالُ مِثْلَ هَذا لِلْعامَّةِ، فَتُصَدِّقُهُ وتَسْتَعِيدُهُ وتَسْألُهُ أنْ يُحَدِّثَها بِحَدِيثِ ساحِرَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَيَقُولُ لَها: إنَّ ابْنَ هُبَيْرَةَ أخَذَ ساحِرَةً فَأقَرَّتْ لَهُ بِالسِّحْرِ، فَدَعا الفُقَهاءَ فَسَألَهم عَنْ حُكْمِها، فَقالُوا: القَتْلُ فَقالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: لَسْتُ أقْتُلُها إلّا تَغْرِيقًا قالَ: فَأخَذَ رَحى البَذْرِ فَشَدَّها في رِجْلِها وقَذَفَها في الفُراتِ، فَقامَتْ فَوْقَ الماءِ مَعَ الحَجَرِ، فَجَعَلَتْ تَنْحَدِرُ مَعَ الماءِ، فَخافُوا أنْ تَفُوتَهم، فَقالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: مَن يُمْسِكُها ولَهُ كَذا وكَذا ؟ فَرَغِبَ رَجُلٌ مِنَ السَّحَرَةِ كانَ حاضِرًا فِيما بَذَلَهُ فَقالَ: أعْطَوْنِي قَدَحَ زُجاجٍ فِيهِ ماءٌ فَجاءُوهُ بِهِ، فَقَعَدَ عَلى القَدَحِ ومَضى إلى الحَجَرِ فَشَقَّ الحَجَرَ (p-٦٠)بِالقَدَحِ فَتَقَطَّعَ الحَجَرُ قِطْعَةً قِطْعَةً، فَغَرِقَتِ السّاحِرَةُ فَيُصَدِّقُونَهُ ومَن صَدَّقَ هَذا فَلَيْسَ يَعْرِفُ النُّبُوَّةَ ولا يُؤْمِنُ أنْ تَكُونَ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن هَذا النَّوْعِ وأنَّهم كانُوا سَحَرَةً.
وقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] وقَدْ أجازُوا مِن فِعْلِ السّاحِرِ ما هو أطَمُّ مِن هَذا وأفْظَعُ، وذَلِكَ أنَّهم زَعَمُوا أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ سُحِرَ، وأنَّ السِّحْرَ عَمِلَ فِيهِ حَتّى قالَ فِيهِ: «إنَّهُ يُتَخَيَّلُ لِي أنِّي أقُولُ الشَّيْءَ وأفْعَلُهُ ولَمْ أقُلْهُ ولَمْ أفْعَلْهُ» وأنَّ امْرَأةً يَهُودِيَّةً سَحَرَتْهُ في جُفِّ طَلْعَةٍ ومُشْطٍ ومُشاقَةٍ، حَتّى أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ أنَّها سَحَرَتْهُ في جُفِّ طَلْعَةٍ وهو تَحْتَ راعُوفَةِ البِئْرِ، فاسْتُخْرِجَ وزالَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ العارِضُ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى مُكَذِّبًا لِلْكُفّارِ فِيما ادَّعَوْهُ مِن ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ جَلَّ مِن قائِلٍ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨] ومِثْلُ هَذِهِ الأخْبارِ مِن وضْعِ المُلْحِدِينَ تَلَعُّبًا بِالحَشْوِ الطِّغامِ واسْتِجْرارًا لَهم إلى القَوْلِ بِإبْطالِ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والقَدْحِ فِيها، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ وفِعْلِ السَّحَرَةِ، وأنَّ جَمِيعَهُ مِن نَوْعٍ واحِدٍ والعَجَبُ مِمَّنْ يَجْمَعُ بَيْنَ تَصْدِيقِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإثْباتِ مُعْجِزاتِهِمْ وبَيْنَ التَّصْدِيقِ بِمِثْلِ هَذا مِن فِعْلِ السَّحَرَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] فَصَدَّقَ هَؤُلاءِ مَن كَذَّبَهُ اللَّهُ وأخْبَرَ بِبُطْلانِ دَعْواهُ وانْتِحالِهِ وجائِزٌ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ اليَهُودِيَّةُ بِجَهْلِها فَعَلَتْ ذَلِكَ ظَنًّا مِنها بِأنَّ ذَلِكَ يَعْمَلُ في الأجْسادِ.
وقَصَدَتْ بِهِ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى مَوْضِعِ سِرِّها وأظْهَرَ جَهْلَها فِيما ارْتَكَبَتْ وظَنَّتْ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ضَرَّهُ وخَلَطَ عَلَيْهِ أمْرَهُ ولَمْ يَقُلْ كُلُّ الرُّواةِ إنَّهُ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ أمْرُهُ، وإنَّما هَذا اللَّفْظُ زِيدَ في الحَدِيثِ ولا أصْلَ لَهُ والفَرْقُ بَيْنَ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ وبَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن وُجُوهِ التَّخْيِيلاتِ، أنَّ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هي عَلى حَقائِقِها، وبَواطِنُها كَظَواهِرِها، وكُلَّما تَأمَّلْتَها ازْدَدْتَ بَصِيرَةً في صِحَّتِها، ولَوْ جَهَدَ الخَلْقُ كُلُّهم عَلى مُضاهاتِها ومُقابَلَتِها بِأمْثالِها ظَهَرَ عَجْزُهم عَنْها؛ ومَخارِيقُ السَّحَرَةِ وتَخْيِيلاتُهم إنَّما هي ضَرْبٌ مِنَ الحِيلَةِ والتَّلَطُّفِ لِإظْهارِ أُمُورٍ لا حَقِيقَةَ لَها، وما يَظْهَرُ مِنها عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِها، يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّأمُّلِ والبَحْثِ ومَتى شاءَ أنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ بَلَغَ فِيهِ مَبْلَغَ غَيْرِهِ ويَأْتِي بِمِثْلِ ما أظْهَرَهُ سِواهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنا في مَعْنى السِّحْرِ وحَقِيقَتِهِ ما يَقِفُ النّاظِرُ عَلى جُمْلَتِهِ وطَرِيقَتِهِ، ولَوِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ لَطالَ واحْتَجْنا إلى اسْتِئْنافِ كِتابٍ لِذَلِكَ، وإنَّما الغَرَضُ (p-٦١)فِي هَذا المَوْضِعِ بَيانُ مَعْنى السِّحْرِ وحُكْمِهِ والآنَ حَيْثُ انْتَهى بِنا القَوْلُ إلى ذِكْرِ قَوْلِ الفُقَهاءِ فِيهِ وما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِن حُكْمِهِ وما يَجْرِي عَلى مُدَّعِي ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ عَلى حَسَبِ مَنازِلِهِمْ في عِظَمِ المَأْثَمِ وكَثْرَةِ الفَسادِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
* *
بابٌ اخْتِلافُ الفُقَهاءِ في حُكْمِ السّاحِرِ وقَوْلُ السَّلَفِ فِيهِ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي، حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَجاءٍ قالَ: أخْبَرَنا إسْرائِيلُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ هُبَيْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: " مَن أتى كاهِنًا أوْ عَرّافًا أوْ ساحِرًا فَصَدَّقَهُ بِما يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ " .
ورَوى عَبْدُ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ جارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْها فَوَجَدُوا سِحْرَها واعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، فَأمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمانَ فَأنْكَرَهُ، فَأتاهُ ابْنُ عُمَرَ فَأخْبَرَهُ أمْرَها؛ وكانَ عُثْمانُ إنَّما أنْكَرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها قُتِلَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، أنَّهُ سَمِعَ بَجالَةَ يَقُولُ: كُنْتُ كاتِبًا لِجُزَيِّ بْنِ مُعاوِيَةَ فَأتى كِتابُ عُمَرَ أنِ: اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ وساحِرَةٍ فَقَتَلْنا ثَلاثَ سَواحِرَ.
ورَوى أبُو عاصِمٍ عَنِ الأشْعَثِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " يُقْتَلُ السّاحِرُ ولا يُسْتَتابُ " ورَوى المُثَنّى بْنُ الصَّبّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أخَذَ ساحِرًا فَدَفَنَهُ إلى صَدْرِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى ماتَ " .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: كانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ أمِيرًا عَلى مِصْرَ فَجَعَلَ يَفْشُو سِرُّهُ، فَقالَ: مَن هَذا الَّذِي يُفْشِي سِرِّي ؟ فَقالُوا: ساحِرٌ هَهُنا فَدَعاهُ، فَقالَ لَهُ: إذا نَشَرْتَ الكِتابَ عَلِمْنا ما فِيهِ، فَأمّا ما دامَ مَخْتُومًا فَلَيْسَ نَعْلَمُهُ؛ فَأمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ورَوى أبُو إسْحاقَ الشَّيْبانِيُّ عَنْ جامِعِ بْنِ شَدّادٍ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ هِلالٍ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: " إنَّ هَؤُلاءِ العَرّافِينَ كُهّانُ العَجَمِ، فَمَن أتى كاهِنًا يُؤْمِنُ لَهُ بِما يَقُولُ فَهو بَرِيءٌ مِمّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ " .
ورَوى مُبارَكٌ عَنِ الحَسَنِ أنَّ جُنْدُبًا قَتَلَ ساحِرًا ورَوى يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قالَ: " يُقْتَلُ ساحِرُ المُسْلِمِينَ ولا يُقْتَلُ ساحِرُ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَحَرَهُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ ابْنُ أعْصَمَ وامْرَأةٌ مِن يَهُودِ خَيْبَرَ يُقالُ لَها زَيْنَبُ فَلَمْ يَقْتُلْهُما " . وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: " يُقْتَلُ السّاحِرُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ هَؤُلاءِ السَّلَفُ عَلى وُجُوبِ قَتْلِ السّاحِرِ، ونَصَّ بَعْضُهم عَلى كُفْرِهِ واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في حُكْمِهِ عَلى ما نَذْكُرُهُ؛ فَرَوى ابْنُ شُجاعٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ زِيادٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ في السّاحِرِ: " يُقْتَلُ إذا عُلِمَ أنَّهُ ساحِرٌ ولا يُسْتَتابُ ولا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنِّي أتْرُكُ السِّحْرَ وأتُوبُ مِنهُ، (p-٦٢)فَإذا أقَرَّ أنَّهُ ساحِرٌ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ، وإنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شاهِدانِ أنَّهُ ساحِرٌ فَوَصَفُوا ذَلِكَ بِصِفَةٍ يُعْلَمُ أنَّهُ سِحْرٌ قُتِلَ ولا يُسْتَتابُ.
وإنَّ أقَرَّ فَقالَ: كُنْتَ أسْحَرُ وقَدْ تَرَكْتُ مُنْذُ زَمانٍ قُبِلَ مِنهُ ولَمْ يُقْتَلْ، وكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ مَرَّةً ساحِرًا وأنَّهُ تَرَكَ مُنْذُ زَمانٍ لَمْ يُقْتَلْ إلّا أنْ يَشْهَدُوا أنَّهُ السّاعَةَ ساحِرٌ وأقَرَّ بِذَلِكَ فَيُقْتَلُ، وكَذَلِكَ العَبْدُ المُسْلِمُ والذِّمِّيُّ والحُرُّ الذِّمِّيُّ مَن أقَرَّ مِنهم أنَّهُ ساحِرٌ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ فَيُقْتَلُ ولا يُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وكَذَلِكَ لَوْ شُهِدَ عَلى عَبْدٍ أوْ ذِمِّيٍّ أنَّهُ ساحِرٌ ووَصَفُوا ذَلِكَ بِصِفَةٍ يُعْلَمُ أنَّهُ سَحَرَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ ويُقْتَلُ، وإنْ أقَرَّ العَبْدُ أوِ الذِّمِّيُّ أنَّهُ كانَ ساحِرًا وتَرَكَ ذَلِكَ مُنْذُ زَمانٍ قُبِلَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ مَرَّةً ساحِرًا ولَمْ يَشْهَدُوا أنَّهُ السّاعَةَ ساحِرٌ لَمْ يُقْتَلْ، وأمّا المَرْأةُ فَإذا شَهِدُوا عَلَيْها أنَّها ساحِرَةٌ أوْ أقَرَّتْ بِذَلِكَ لَمْ تُقْتَلْ وحُبِسَتْ وضُرِبَتْ حَتّى يَسْتَيْقِنَ لَهم تَرْكُها لِلسِّحْرِ، وكَذَلِكَ الأمَةُ والذِّمِّيَّةُ إذا شَهِدُوا أنَّها ساحِرَةٌ أوْ أقَرَّتْ بِذَلِكَ لَمْ تُقْتَلْ وحُبِسَتْ حَتّى يُعْلَمَ مِنها تَرْكُ ذَلِكَ كُلِّهِ " وهَذا كُلُّهُ قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ قالَ ابْنُ شُجاعٍ: فَحَكَمَ في السّاحِرِ والسّاحِرَةِ حُكْمَ المُرْتَدِّ والمُرْتَدَّةِ؛ إلّا أنْ يَجِيءَ فَيُقِرَّ بِالسِّحْرِ أوْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أنَّهُ عَمِلَهُ، فَإنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الثَّباتِ عَلى الرِّدَّةِ وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ شُجاعٍ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الرّازِيِّ قالَ: سَألْتُ أبا يُوسُفَ عَنْ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في السّاحِرِ " يُقْتَلُ ولا يُسْتَتابُ " لِمَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ المُرْتَدِّ ؟ فَقالَ: السّاحِرُ قَدْ جَمَعَ مَعَ كُفْرِهِ السَّعْيَ في الأرْضِ بِالفَسادِ.
والسّاعِي بِالفَسادِ إذا قَتَلَ قُتِلَ. قالَ: فَقُلْتُ لِأبِي يُوسُفَ: ما السّاحِرُ ؟ قالَ: الَّذِي يُقْتَصُّ لَهُ مِنَ العَمَلِ مِثْلُ ما فَعَلَتِ اليَهُودُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِما جاءَتْ بِهِ الأخْبارُ إذا أصابَ بِهِ قَتْلًا، فَإذا لَمْ يُصِبْ بِهِ قَتْلًا لَمْ يُقْتَلْ؛ لِأنَّ لَبِيدَ بْنَ الأعْصَمِ سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقْتُلْهُ؛ إذْ كانَ لَمْ يُصِبْ بِهِ قَتْلًا
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ فِيما ذَكَرَ بَيانُ مَعْنى السِّحْرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ القَتْلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ بِأبِي يُوسُفَ أنَّهُ اعْتَقَدَ في السِّحْرِ ما يَعْتَقِدُهُ الحَشْوُ مِن إيصالِهِمُ الضَّرَرَ إلى المَسْحُورِ مِن غَيْرِ مُماسَّةٍ ولا سَقْيِ دَواءٍ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ سِحْرُ اليَهُودِ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى جِهَةِ إرادَتِهِمُ التَّوَصُّلَ إلى قَتْلِهِ بِإطْعامِهِ، وأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى ما أرادُوا، كَما سَمَّتْهُ زَيْنَبُ اليَهُودِيَّةُ في الشّاةِ المَسْمُومَةِ فَأخْبَرَتْهُ الشّاةُ بِذَلِكَ، فَقالَ: «إنَّ هَذِهِ الشّاةَ لَتُخْبِرُنِي أنَّها مَسْمُومَةٌ». قالَ أبُو مُصْعَبٍ عَنْ مالِكٍ في المُسْلِمِ إذا تَوَلّى عَمَلَ السِّحْرِ قُتِلَ ولا يُسْتَتابُ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا ارْتَدَّ باطِنًا لَمْ تُعْرَفْ تَوْبَتُهُ بِإظْهارِهِ الإسْلامَ قالَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ: فَأمّا ساحِرُ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّهُ لا يُقْتَلُ عِنْدَ مالِكٍ، إلّا أنْ يَضُرَّ المُسْلِمِينَ فَيُقْتَلُ (p-٦٣)لِنَقْضِ العَهْدِ وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا قالَ السّاحِرُ: أنا أعْمَلُ عَمَلًا لِأقْتُلَ فَأُخْطِئُ وأُصِيبُ وقَدْ ماتَ هَذا الرَّجُلُ مِن عَمَلِي؛ فَفِيهِ الدِّيَةُ وإنْ قالَ: عَمَلِي يَقْتُلُ المَعْمُولَ بِهِ وقَدْ تَعَمَّدْتُ قَتْلَهُ؛ قُتِلَ بِهِ قَوَدًا، وإنْ قالَ: مَرِضَ مِنهُ ولَمْ يَمُتْ أقْسَمَ أوْلِياؤُهُ لَماتَ مِنهُ ثُمَّ تَكُونُ الدِّيَةُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَلَمْ يَجْعَلِ الشّافِعِيُّ السّاحِرَ كافِرًا بِسِحْرِهِ وإنَّما جَعَلَهُ جانِيًا كَسائِرِ الجُناةِ وما قَدَّمْنا مِن قَوْلِ السَّلَفِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ بِاسْتِحْقاقِ سِمَةِ السِّحْرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم رَأوْهُ كافِرًا، وقَوْلُ الشّافِعِيِّ في ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِهِمْ؛ يَعْتَبِرُ أحَدٌ مِنهم قَتْلَهُ لِغَيْرِهِ بِعَمَلِهِ السِّحْرَ في إيجابِ قَتْلِهِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ بَيَّنّا فِيما سَلَفَ مَعانِيَ السِّحْرِ وضُرُوبَهُ؛ وأمّا الضَّرْبُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرْنا مِن سِحْرِ أهْلِ بابِلَ في القَدِيمِ ومَذاهِبِ الصّابِئِينَ فِيهِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ فِيما يُرى واللَّهُ أعْلَمُ، فَإنَّ القائِلَ بِهِ والمُصَدِّقَ بِهِ والعامِلَ بِهِ كافِرٌ؛ وهو الَّذِي قالَ أصْحابُنا فِيهِ عِنْدِي إنَّهُ لا يُسْتَتابُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ هَذا الضَّرْبُ مِنَ السِّحْرِ، ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا نُطَيْرٌ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأخْنَسِ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ» .
وهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ هو السِّحْرُ الَّذِي نَسَبَهُ عامِلُوهُ إلى النُّجُومِ، وهو الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن سِحْرِ أهْلِ بابِلَ والصّابِئِينَ؛ لِأنَّ سائِرَ ضُرُوبِ السِّحْرِ الَّذِي ذَكَرْنا لَيْسَ لَها تَعَلُّقٌ بِالنُّجُومِ عِنْدَ أصْحابِها. والثّانِي: أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ السِّحْرِ المَذْمُومِ يَتَناوَلُ هَذا الضَّرْبَ مِنهُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَعارَفَ عِنْدَ السَّلَفِ مِنَ السِّحْرِ هو هَذا الضَّرْبُ مِنهُ ومِمّا يَدَّعِي فِيهِ أصْحابُها المُعْجِزاتِ، وإنْ لَمْ يُعَلِّقُوا ذَلِكَ بِفِعْلِ النُّجُومِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ وأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِقَتْلِ فاعِلِهِ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهِ بَيْنَ عامِلِ السِّحْرِ بِالأدْوِيَةِ والنَّمِيمَةِ والسِّعايَةِ والشَّعْوَذَةِ وبَيْنَ غَيْرِهِ ومَعْلُومٌ عِنْدَ الجَمِيعِ أنَّ هَذِهِ الضُّرُوبَ مِنَ السَّحَرِ لا تُوجِبُ قَتْلَ فاعِلَها إذا لَمْ يَدَّعِ فِيهِ مُعْجِزَةً لا يُمْكِنُ العِبادَ فِعْلُها؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ إيجابَهم قَتْلَ السّاحِرِ إنَّما كانَ لِمَنِ ادَّعى بِسِحْرِهِ مُعْجِزاتٍ لا يَجُوزُ وُجُودُ مِثْلِها إلّا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ دَلالَةً عَلى صِدْقِهِمْ وذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: ما بَدَأْنا بِذِكْرِهِ مِن سِحْرِ أهْلِ بابِلَ؛ والآخَرُ: ما يَدَّعِيهِ المُعَزِّمُونَ وأصْحابُ النَّيْرَنْجِيّاتِ مِن خِدْمَةِ الشَّياطِينِ لَهم والفَرِيقانِ جَمِيعًا كافِرانِ؛ أمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ فَلِأنَّ في (p-٦٤)سِحْرِهِ تَعْظِيمَ الكَواكِبِ واعْتِقادَها آلِهَةً، وأمّا الفَرِيقُ الثّانِي فَلِأنَّها وإنْ كانَتْ مُعْتَرِفَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ فَإنَّها حَيْثُ أجازَتْ أنْ تُخْبِرَها الجِنُّ بِالغُيُوبِ وتَقْدِرُ عَلى تَغْيِيرِ فُنُونِ الحَيَوانِ والطَّيَرانِ في الهَواءِ والمَشْيِ عَلى الماءِ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ فَقَدْ جَوَّزَتْ وُجُودَ مِثْلِ أعْلامِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعَ الكَذّابِينَ المُتَخَرِّصَيْنِ.
ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ صِدْقَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِتَجْوِيزِهِ كَوْنَ مِثْلِ هَذِهِ الأعْلامِ مَعَ غَيْرِهِمْ، فَلا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَن ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ مُتَخَرِّصًا كَذّابًا فَإنَّما كُفْرُ هَذِهِ الطّائِفَةِ مِن هَذا الوَجْهِ، وهو جَهْلُهُ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأظْهَرُ مِن أمْرِ السّاحِرِ الَّذِي رَأتِ الصَّحابَةُ قَتْلَهُ مِن غَيْرِ بَحْثٍ مِنهم عَنْ حالِهِ ولا بَيانٍ لِمَعانِي سِحْرِهِ أنَّهُ السّاحِرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ وهو السّاحِرُ الَّذِي بَدَأْنا بِذِكْرِهِ عِنْدَ ذِكْرِنا ضُرُوبَ السِّحْرِ، وهو سِحْرُ أهْلِ بابِلَ في القَدِيمِ، وعَسى أنْ يَكُونَ هو الأغْلَبَ الأعَمَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَن يَتَعاطى سائِرَ ضُرُوبِ السِّحْرِ الَّذِي ذَكَرْنا وكانُوا يَجْرُونَ في دَعْواهُمُ الإخْبارَ بِالغُيُوبِ وتَغْيِيرِ صُوَرِ الحَيَوانِ عَلى مِنهاجِ سَحَرَةِ بابِلَ، وكَذَلِكَ كُهّانُ العَرَبِ، يَشْمَلُ الجَمِيعَ اسْمُ الكُفْرِ لِظُهُورِ هَذِهِ الدَّعاوى مِنهم وتَجْوِيزِهِمْ مُضاهاةِ الأنْبِياءِ في مُعْجِزاتِهِمْ وعَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مَعْنى السِّحْرِ عِنْدَ السَّلَفِ فَإنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْ أحَدٍ إيجابُ قَتْلِ السّاحِرِ مِن طَرِيقِ الجِنايَةِ عَلى النُّفُوسِ، بَلْ إيجابُ قَتْلِهِ بِاعْتِقادِهِ عَمَلَ السِّحْرِ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ مِنهم لِجِنايَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَأمّا ما يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأصْحابُ الحَرَكاتِ والخِفَّةِ بِالأيْدِي، وما يَفْعَلُهُ مَن يَتَعاطى ذَلِكَ بِسَقْيِ الأدْوِيَةِ المُبَلِّدَةِ لِلْعَقْلِ أوِ السُّمُومِ القاتِلَةِ.
ومَن يَتَعاطى ذَلِكَ بِطَرِيقِ السَّعْيِ بِالنَّمائِمِ والوِشايَةِ والتَّضْرِيبِ والإفْسادِ؛ فَإنَّهم إذا اعْتَرَفُوا بِأنَّ ذَلِكَ حِيَلٌ ومَخارِيقُ، حُكْمُ مَن يَتَعاطى مِثْلَها مِنَ النّاسِ لَمْ يَكُنْ كافِرًا ويَنْبَغِي أنْ يُؤَدَّبَ ويُزْجَرَ عَنْ ذَلِكَ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ السّاحِرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ مُسْتَحِقٌّ لِاسْمِ الكُفْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ أيْ عَلى عَهْدِ سُلَيْمانَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ المُفَسِّرِينَ وقَوْلُهُ ﴿تَتْلُو﴾ مَعْناهُ تُخْبِرُ وتَقْرَأُ ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما أخْبَرَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وادَّعَتْهُ مِنَ السِّحْرِ عَلى سُلَيْمانَ كانَ كُفْرًا، فَنَفاهُ اللَّهُ عَنْ سُلَيْمانَ وحَكَمَ بِكُفْرِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ تَعاطَوْهُ وعَمِلُوهُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ (p-٦٥)ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ فَأخْبَرَ عَنِ المَلَكَيْنِ أنَّهُما يَقُولانِ لِمَن يُعَلِّمانِهِ ذَلِكَ: لا تَكْفُرْ بِعَمَلِ هَذا السِّحْرِ واعْتِقادِهِ فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ إذا عُمِلَ بِهِ واعْتُقِدَ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ يَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمْ: مِنَ اسْتَبْدَلَ السِّحْرَ بِدِينِ اللَّهِ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، يَعْنِي مِن نَصِيبٍ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فَجَعَلَ ضِدَّ هَذا الإيمانِ فِعْلَ السِّحْرِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الإيمانَ في مُقابَلَةِ فِعْلِ السِّحْرِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السّاحِرَ كافِرٌ.
وإذا ثَبَتَ كُفْرُهُ فَإنْ كانَ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ أوْ قَدْ ظَهَرَ مِنهُ الإسْلامُ في وقْتِ كُفْرِهِ بِفِعْلِ السِّحْرِ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ» وإنَّما قالَ أبُو حَنِيفَةَ ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن أصْحابِنا خالَفَهُ فِيما ذَكَرَهُ الحَسَنُ عَنْهُ: " إنَّهُ يُقْتَلُ ولا يُسْتَتابُ " فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ في فَرْقِ أبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ السّاحِرِ وبَيْنَ المُرْتَدِّينَ، فَإنَّ السّاحِرَ قَدْ جَمَعَ إلى كُفْرِهِ السَّعْيَ بِالفَسادِ في الأرْضِ فَإنْ قالَ قائِلُ: فَأنْتَ لا تَقْتُلُ الخُنّاقَ والمُحارِبِينَ إلّا إذا قَتَلُوا، فَهَلّا قُلْتَ مِثْلَهُ في السّاحِرِ قِيلَ لَهُ: يَفْتَرِقانِ مِن جِهَةِ أنَّ الخَنّاقَ والمُحارِبَ لَمْ يَكْفُرا قَبْلَ القَتْلِ ولا بَعْدَهُ فَلَمْ يَسْتَحِقّا القَتْلَ؛ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُما سَبَبٌ يَسْتَحِقّانِ بِهِ القَتْلَ، وأمّا السّاحِرُ فَقَدْ كَفَرَ بِسِحْرِهِ قَتَلَ بِهِ أوْ لَمْ يَقْتُلْ، فاسْتَحَقَّ القَتْلَ بِكُفْرِهِ ثُمَّ لَمّا كانَ مَعَ كُفْرِهِ ساعِيًا في الأرْضِ بِالفَسادِ كانَ وُجُوبُ قَتْلِهِ حَدًّا فَلَمْ يَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ كالمُحارِبِ إذا اسْتَحَقَّ القَتْلَ لَمْ يَسْقُطْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ؛ فَهو مُشْبِهٌ لِلْمُحارِبِ الَّذِي قَتَلَ في أنَّ قَتْلَهُ حَدًّا لا تُزِيلُهُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، ويُفارِقَ المُرْتَدَّ مِن جِهَةِ أنَّ المُرْتَدَّ يَسْتَحِقُّ القَتْلَ بِإقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ فَحَسْبُ فَمَتى انْتَقَلَ عَنْهُ زالَ عَنْهُ الكُفْرُ والقَتْلُ.
ولِما وصَفْنا مِن ذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ السّاحِرِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ ومِنَ المُسْلِمِينَ، كَما لا يَخْتَلِفُ حُكْمُ المُحارِبِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ والإسْلامِ فِيما يَسْتَحِقُّونَهُ بِالمُحارَبَةِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ تُقْتَلِ المَرْأةُ السّاحِرَةُ؛ لِأنَّ المَرْأةَ مِنَ المُحارِبِينَ عِنْدَهم لا تُقْتَلُ حَدًّا وإنَّما تُقْتَلُ قَوَدًا ووَجْهٌ آخَرُ لِقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في تَرْكِ اسْتِتابَةِ السّاحِرِ، وهو ما ذَكَرَهُ الطَّحاوِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي يُوسُفَ في نَوادِرَ ذَكَرَها عَنْهُ أدْخَلَها في أمالِيهِ عَلَيْهِمْ قالَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ: " اُقْتُلُوا الزِّنْدِيقَ سِرًّا فَإنَّ تَوْبَتَهُ لا تُعْرَفُ " .
ولَمْ يَحْكِ أبُو يُوسُفَ خِلافَهُ ويَصِحُّ بِناءُ مَسْألَةِ السّاحِرِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ السّاحِرَ يَكْفُرُ سِرًّا فَهو بِمَنزِلَةِ الزِّنْدِيقِ فالواجِبُ أنْ لا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ لا يُقْتَلَ (p-٦٦)السّاحِرُ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأنَّ كُفْرَهُ ظاهِرٌ وهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقَتْلِ لِأجْلِ الكُفْرِ قِيلَ لَهُ: الكُفْرُ الَّذِي أقْرَرْناهُ عَلَيْهِ هو ما أظْهَرَهُ لَنا، وأمّا الكُفْرُ الَّذِي صارَ إلَيْهِ بِسِحْرِهِ فَإنَّهُ غَيْرُ مُقَرٍّ عَلَيْهِ ولَمْ نُعْطِهِ الذِّمَّةَ عَلى إقْرارِهِ عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ سَألَنا إقْرارَهُ عَلى السِّحْرِ بِالجِزْيَةِ لَمْ نُجِبْهُ إلَيْهِ ولَمْ نُجِزْ إقْرارَهُ عَلَيْهِ ؟ ولا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السّاحِرِ مِن أهْلِ المِلَّةِ وأيْضًا، فَلَوْ أنَّ الذِّمِّيَّ السّاحِرَ لَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ بِكُفْرِهِ لاسْتَحَقَّهُ بِسَعْيِهِ في الأرْضِ بِالفَسادِ كالمُحارِبِينَ عَلى النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرْنا، وقَوْلُهم في تَرْكِ قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ، يُوجِبُ أنْ لا يُسْتَتابَ الإسْماعِيلِيَّةُ وسائِرُ المُلْحِدِينَ الَّذِينَ قَدْ عُلِمَ مِنهُمُ اعْتِقادُ الكُفْرِ كَسائِرِ الزَّنادِقَةِ وأنْ يُقْتَلُوا مَعَ إظْهارِهِمُ التَّوْبَةَ ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ قَتْلِ السّاحِرِ ما حَدَّثَنا بِهِ ابْنُ قانِعٍ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ الأصْبَهانِيِّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الحَسَنِ بْنِ جُنْدُبٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «حَدُّ السّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» . وقِصَّةُ جُنْدُبٍ في قَتْلِهِ السّاحِرَ بِالكُوفَةِ عِنْدَ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ مَشْهُورَةٌ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «حَدُّ السّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» قَدْ دَلَّ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: وُجُوبُ قَتْلِهِ؛ والثّانِي: أنَّهُ حَدٌّ لا يُزِيلُهُ التَّوْبَةُ كَسائِرِ الحُدُودِ إذا وجَبَتْ، ولَمّا ذَكَرْنا مِن قَتْلِهِ عَلى وجْهِ قَتْلِ المُحارِبِ قالُوا فِيما حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: إنَّهُ إذا قالَ " كُنْتُ ساحِرًا وقَدْ تُبْتُ " أنَّهُ لا يُقْتَلُ، كَمَن أقَرَّ أنَّهُ كانَ مُحارِبًا وجاءَ تائِبًا أنَّهُ لا يُقْتَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ المُحارِبِينَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] فاسْتَثْنى التّائِبَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ مِن جُمْلَةِ مَن أوْجَبَ عَلَيْهِ الحَدَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ ويُسْتَدَلُّ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] إلى آخِرِ الآيَةِ، عَلى وُجُوبِ قَتْلِ السّاحِرِ حَدًّا؛ لِأنَّهُ مِن أهْلِ السَّعْيِ في الأرْضِ بِالفَسادِ لِعَمَلِهِ السِّحْرَ واسْتِدْعائِهِ النّاسَ إلَيْهِ وإفْسادِهِ إيّاهم مَعَ ما صارَ إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وأمّا مالِكُ بْنُ أنَسٍ فَإنَّهُ أجْرى السّاحِرَ مَجْرى الزِّنْدِيقِ، فَلَمْ يَقْبَلْ تَوْبَتَهُ كَما لا يَقْبَلُ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ، ولَمْ يَقْتُلْ ساحِرَ أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقَتْلِ بِكُفْرِهِ وقَدْ أقْرَرْناهُ عَلَيْهِ، فَلا يُقْتَلُ إلّا أنْ يَضُرَّ بِالمُسْلِمِينَ فَيَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ.
فَيُقْتَلُ كَما يُقْتَلُ الحَرْبِيُّ وقَدْ بَيَّنّا مُوافَقَةَ السّاحِرِ الذِّمِّيِّ لِلزِّنْدِيقِ مِن قِبَلِ أنَّهُ اسْتَحْدَثَ كُفْرًا سِرًّا، لا يَجُوزُ إقْرارُهُ عَلَيْهِ بِجِزْيَةِ ولا غَيْرِها، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السّاحِرِ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ مِلَّةَ الإسْلامِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ في مَعْنى المُحارِبِ فَلا يَخْتَلِفُ حُكْمُ أهْلِ الذِّمَّةِ ومُنْتَحِلِي الذِّمَّةِ، وأمّا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ فَقَدْ (p-٦٧)بَيَّنّا خُرُوجَهُ عَنْ أقاوِيلِ السَّلَفِ؛ لِأنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يَعْتَبِرْ قَتْلَهُ بِسِحْرِهِ وأوْجَبُوا قَتْلَهُ عَلى الإطْلاقِ بِحُصُولِ الِاسْمِ لَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَخْلُو مِن أحَدِ وجْهَيْنِ في ذِكْرِهِ قَتْلَ السّاحِرِ بِغَيْرِهِ: إمّا أنْ يُجِيزَ عَلى السّاحِرِ قَتْلَ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ مُباشَرَةٍ ولا اتِّصالِ سَبَبٍ إلَيْهِ عَلى حَسَبِ ما يَدَّعِيهِ السَّحَرَةُ، وذَلِكَ فَظِيعٌ شَنِيعٌ ولا يُجِيزُهُ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مِن فِعْلِ السَّحَرَةِ لِما وصَفْنا مِن مُضاهاتِهِ أعْلامَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ أنْ يَكُونَ إنَّما أجازَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ سَقْيِ الأدْوِيَةِ ونَحْوِها، فَإنْ كانَ هَذا أرادَ فَإنَّ مِنَ احْتالَ في إيصالِ دَواءٍ إلى إنْسانٍ حَتّى شَرِبَهُ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُهُ دِيَةٌ؛ إذْ كانَ هو الشّارِبَ لَهُ والجانِيَ عَلى نَفْسِهِ، كَمَن دَفَعَ إلى إنْسانٍ سَيْفًا فَقَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ، وإنْ كانَ إنَّما أوْجَرَهُ إيّاهُ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ لِشُرْبِهِ، فَإنَّ هَذا لا يَكادُ يَقَعُ إلّا في حالِ الإكْراهِ والنَّوْمِ ونَحْوِهِ فَإنْ كانَ أرادَ ذَلِكَ فَإنَّ هَذا يَسْتَوِي فِيهِ السّاحِرُ وغَيْرُهُ ثُمَّ قَوْلُهُ: " إذا قالَ السّاحِرُ قَدْ أُخْطِئُ وأُصِيبُ وقَدْ ماتَ هَذا الرَّجُلُ مِن عَمَلِي فَفِيهِ الدِّيَةُ " فَإنَّهُ لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ رَجُلًا لَوْ جَرَحَ رَجُلًا بِحَدِيدَةِ قَدْ يَمُوتُ المَجْرُوحُ مِن مِثْلِهِ وقَدْ لا يَمُوتُ، لَكانَ عَلَيْهِ فِيهِ القِصاصُ؛ فَكانَ الواجِبُ عَلى قَوْلِهِ إيجابَ القِصاصِ كَما يَجِبُ في الحَدِيدَةِ وقَوْلُهُ: " قَدْ يَمُوتُ وقَدْ لا يَمُوتُ " لَيْسَ بِعِلَّةٍ في زَوالِ القِصاصِ لِوُجُودِها في الجارِحِ بِحَدِيدَةٍ بَعْدَ أنْ يُقِرَّ السّاحِرُ أنَّهُ قَدْ ماتَ مِن عَمَلِهِ.
فَإنْ قِيلَ فَقَدْ جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ شِبْهِ العَمْدِ والضَّرْبِ بِالعَصا واللَّطْمَةِ الَّتِي قَدْ تَقْتُلُ وقَدْ لا تَقْتُلُ قِيلَ لَهُ: ولِمَ صارَ بِالقَتْلِ بِالعَصا واللَّطْمَةِ أشْبَهَ مِنهُ بِالحَدِيدَةِ ؟ .
فَإنْ فَرَّقَ بَيْنَهُما مِن جِهَةِ أنَّ هَذا سِلاحٌ وذاكَ لَيْسَ بِسِلاحِ، لَزِمَهُ في كُلِّ ما لَيْسَ بِسِلاحِ أنْ لا يُقْتَصَّ مِنهُ، ويَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ اعْتِبارُ السِّلاحِ دُونَ غَيْرِهِ في إيجابِ القَوَدِ. وقَوْلُ الشّافِعِيِّ: " وإنْ قالَ مَرِضَ مِنهُ ولَمْ يَمُتْ أقْسَمَ أوْلِياؤُهُ لَماتَ مِنهُ " مُخالِفٌ في النَّظَرِ لِأحْكامِ الجِناياتِ؛ لِأنَّ مَن جَرَحَ رَجُلًا فَلَمْ يَزَلْ صاحِبَ فِراشٍ حَتّى ماتَ، لَزِمَهُ حُكْمُ جِنايَتِهِ وكانَ مَحْكُومًا بِحُدُوثِ المَوْتِ عِنْدَ الجِراحَةِ ولا يُحْتاجُ إلى أيْمانِ الأوْلِياءِ في مَوْتِهِ مِنها، فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ في السّاحِرِ إذا أقَرَّ أنَّ المَسْحُورَ مَرِضَ مِن سِحْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: كَذَلِكَ نَقُولُ في المَرِيضِ مِنَ الجِراحَةِ إذا لَمْ يَزَلْ صاحِبَ فِراشٍ حَتّى ماتَ أنَّهم إذا اخْتَلَفُوا لَمْ يُحْكَمْ بِالقَتْلِ حَتّى يُقْسِمَ أوْلِياءُ المَجْرُوحِ قِيلَ لَهُ: فَيَنْبَغِي أنْ تَقُولَ مِثْلَهُ لَوْ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ووالى بَيْنَ الضَّرْبِ حَتّى قَتَلَهُ مِن ساعَتِهِ، فَقالَ الجارِحُ: ماتَ مِن عِلَّةٍ كانَتْ بِهِ قَبْلَ الضَّرْبَةِ الثّانِيَةِ، أوْ قالَ: اخْتَرَمَهُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَمُتْ مِن ضَرْبَتِي؛ أنْ تُقْسِمَ الأوْلِياءُ وهَذا لا يَقُولُهُ أحَدٌ؛ وكَذَلِكَ ما وصَفْنا.
قالَ (p-٦٨)أبُو بَكْرٍ: قَدْ تَكَلَّمْنا في مَعْنى السِّحْرِ واخْتِلافِ الفُقَهاءِ بِما فِيهِ الكِفايَةُ في حُكْمِ السّاحِرِ، ونَتَكَلَّمُ الآنَ في مَعانِي الآيَةِ ومُقْتَضاها، فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ فَقَدْ رُوِيَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ وفي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ إسْحاقَ وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ والسُّدِّيُّ: " المُرادُ بِهِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ " .
وقالَ بَعْضُهم: " أرادَ الجَمِيعَ، مَن كانَ مِنهم في زَمَنِ سُلَيْمانَ ومَن كانَ مِنهم في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ مُتَّبِعِي السِّحْرِ مِن اليَهُودِ لَمْ يَزالُوا مُنْذُ عَهْدِ سُلَيْمانَ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَوَصَفَ اللَّهُ هَؤُلاءِ اليَهُودَ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا القُرْآنَ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وهو يُرِيدُ شَياطِينَ الجِنِّ والإنْسِ " .
ومَعْنى تَتْلُو: تُخْبِرُ وتَقْرَأُ، وقِيلَ: تَتْبَعُ؛ لِأنَّ التّالِيَ تابِعٌ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ قِيلَ فِيهِ: عَلى عَهْدِهِ، وقِيلَ فِيهِ: عَلى مُلْكِهِ، وقِيلَ فِيهِ: تَكْذِبُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الخَبَرُ كَذِبًا قِيلَ تَلا عَلَيْهِ.
وإذا كانَ صِدْقًا قِيلَ: تَلا عَنْهُ، وإذا أُبْهِمَ جازَ فِيهِ الأمْرانِ جَمِيعًا؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠] وكانَتْ اليَهُودُ تُضِيفُ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ وتَزْعُمُ أنَّ مُلْكَهُ كانَ بِهِ، فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ؛ ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: قالَ بَعْضُ أحْبارِ اليَهُودِ: ألا تَعْجَبُونَ مِن مُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ نَبِيًّا ؟ واللَّهِ ما كانَ إلّا ساحِرًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾
وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ إنَّما أضافَتِ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ تَوَصُّلًا مِنهم إلى قَبُولِ النّاسِ ذَلِكَ مِنهم ولِتُجَوِّزَهُ عَلَيْهِمْ، وكَذَبُوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ وقِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ جَمَعَ كُتُبَ السِّحْرِ ودَفَنَها تَحْتَ كُرْسِيِّهِ أوْ في خِزانَتِهِ لِئَلّا يَعْمَلَ بِهِ النّاسُ، فَلَمّا ماتَ ظَهَرَ عَلَيْهِ، فَقالَتِ الشَّياطِينُ: بِهَذا كانَ يَتِمُّ مُلْكُهُ؛ وشاعَ ذَلِكَ في اليَهُودِ وقَبِلَتْهُ وأضافَتْهُ إلَيْهِ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ شَياطِينَ الإنْسِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الشَّياطِينُ دَفَنُوا السِّحْرَ تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ في حَياتِهِ مِن غَيْرِ عِلْمِهِ، فَلَمّا ماتَ وظَهَرَ نَسَبُوهُ إلى سُلَيْمانَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الفاعِلُونَ لِذَلِكَ شَياطِينَ الإنْسِ اسْتَخْرَجُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وأوْهَمُوا النّاسَ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُوهِمُوهم ويَخْدَعُوهم بِهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ قَدْ قُرِئَ بِنَصْبِ اللّامِ وخَفْضِها؛ فَمَن قَرَأها بِنَصْبِها جَعَلَهُما مِنَ المَلائِكَةِ، ومَن قَرَأها بِخَفْضِها جَعَلَهُما مِن غَيْرِ المَلائِكَةِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُما كانا عِلْجَيْنِ مِن أهْلِ بابِلَ والقِراءَتانِ (p-٦٩)صَحِيحَتانِ غَيْرُ مُتَنافِيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْزَلَ مَلَكَيْنِ في زَمَنِ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ لِاسْتِيلاءِ السِّحْرِ عَلَيْهِما واغْتِرارِهِما وسائِرِ النّاسِ بِقَوْلِهِما وقَبُولِهِمْ مِنهُما، فَإذا كانَ المَلَكانِ مَأْمُورَيْنِ بِإبْلاغِهِما وتَعْرِيفِهِما وسائِرِ النّاسِ مَعْنى السِّحْرِ ومَخارِيقِ السَّحَرَةِ وكُفْرِها جازَ أنْ نَقُولَ في إحْدى القِراءَتَيْنِ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ اللَّذَيْنِ هُما مِنَ المَلائِكَةِ، بِأنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِما ذَلِكَ.
ونَقُولُ في القِراءَةِ الأُخْرى: وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ المَلَكَيْنِ كانا مَأْمُورَيْنِ بِإبْلاغِهِما وتَعْرِيفِهِما، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى في خِطابِ رَسُولِهِ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]
وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦] فَأضافَ الإنْزالَ تارَةً إلى الرَّسُولِ ﷺ وتارَةً إلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ وإنَّما خَصَّ المَلَكَيْنِ بِالذِّكْرِ وإنْ كانا مَأْمُورَيْنِ بِتَعْرِيفِ الكافَّةِ؛ لِأنَّ العامَّةَ كانَتْ تَبَعًا لِلْمَلَكَيْنِ، فَكانَ أبْلَغُ الأشْياءِ في تَقْرِيرِ مَعانِي السِّحْرِ والدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِهِ تَخْصِيصَ المَلَكَيْنِ بِهِ لِيَتْبَعَهُما النّاسُ.
كَما قالَ لِمُوسى وهارُونَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٤٣] ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقَدْ كانا عَلَيْهِما السَّلامُ رَسُولَيْنِ إلى رَعاياهُ كَما أُرْسِلا إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ خَصَّهُ بِالمُخاطَبَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ في اسْتِدْعائِهِ واسْتِدْعاءِ رَعِيَّتِهِ إلى الإسْلامِ وكَذَلِكَ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلى كِسْرى وقَيْصَرَ وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ دُونَ رَعاياهُما وإنْ كانَ رَسُولًا إلى كافَّةِ النّاسِ، لِما وصَفْناهُ مِن أنَّ الرَّعِيَّةَ تَبَعٌ لِلرّاعِي.
وكَذَلِكَ قالَ ﷺ في كِتابِهِ لِكِسْرى: «أمّا بَعْدُ فَأسْلِمْ تَسْلَمْ وإلّا فَعَلَيْكَ إثْمُ المَجُوسِ وقالَ لِقَيْصَرَ أسْلِمْ تَسْلَمْ وإلّا فَعَلَيْكَ إثْمُ الأرِيسِيِّينَ» يَعْنِي أنَّكَ إذا آمَنتَ تَبِعَتْكَ الرَّعِيَّةُ، وإنْ أبَيْتَ لَمْ تَسْتَجِبِ الرَّعِيَّةُ إلى الإسْلامِ خَوْفًا مِنكَ فَهم تَبَعٌ لَكَ في الإسْلامِ والكُفْرِ فَلِذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ خَصَّ المَلَكَيْنِ مِن أهْلِ بابِلَ بِإرْسالِ المَلَكَيْنِ إلَيْهِما كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ المَلائِكَةُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ ومُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ ؟ قِيلَ لَهُ: هَذا جائِزٌ شائِعٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُرْسِلُ المَلائِكَةَ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ كَما يُرْسِلُهم إلى الأنْبِياءِ، كَثَّفَ أجْسامَهم وجَعَلَهم كَهَيْئَةِ بَنِي آدَمَ لِئَلّا يَنْفِرُوا مِنهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ [الأنعام: ٩] يَعْنِي هَيْئَةَ الرَّجُلِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ المَلَكَيْنِ لِيُبَيِّنا لِلنّاسِ مَعانِيَ السِّحْرِ ويَعْلَمُوهم أنَّهُ كُفْرٌ وكَذِبٌ وتَمْوِيهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ حَتّى يَجْتَنِبُوهُ، كَما بَيَّنَ اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ سائِرَ المَحْظُوراتِ والمُحَرَّماتِ لِيَجْتَنِبُوهُ ولا يَأْتُوهُ؛ فَلَمّا كانَ السِّحْرُ كُفْرًا وتَمْوِيهًا وخِداعًا وكانَ أهْلُ ذَلِكَ (p-٧٠)الزَّمانِ قَدِ اغْتَرُّوا بِهِ وصَدَّقُوا السَّحَرَةَ فِيما ادَّعَوْهُ لِأنْفُسِهِمْ بِهِ، بَيَّنَ ذَلِكَ لِلنّاسِ عَلى لِسانِ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ لِيَكْشِفا عَنْهم غُمَّةَ الجَهْلِ ويَزْجُراهم عَنِ الِاغْتِرارِ بِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] يَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمُ: بَيَّنّا سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ لِيَجْتَبِيَ الخَيْرَ ويَجْتَنِبَ الشَّرَّ وكَما قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: فُلانٌ لا يَعْرِفُ الشَّرَّ. قالَ: " أجْدَرُ أنْ يَقَعَ فِيهِ " .
ولا فَرْقَ بَيْنَ بَيانِ مَعانِي السِّحْرِ والزَّجْرِ عَنْهُ، وبَيْنَ بَيانِ سائِرِ ضُرُوبِ الكُفْرِ وتَحْرِيمِ الأُمَّهاتِ والأخَواتِ وتَحْرِيمِ الزِّنا والرِّبا وشُرْبِ الخَمْرِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ لِما بَيَّنّا في اجْتِنابِ المَحْظُوراتِ والمُقَبَّحاتِ كَهو في بَيانِ الخَيْرِ؛ إذْ لا يَصِلُ إلى فِعْلِهِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِهِ؛ كَذَلِكَ اجْتِباءُ الطّاعاتِ والواجِباتِ، فَمِن حَيْثُ وجَبَتْ وجَبَ بَيانُ الشَّرِّ لِيَجْتَنِبَهُ؛ إذْ لا يَصِلُ إلى تَرْكِهِ واجْتِنابِهِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِهِ ومِنَ النّاسِ مَن يَزْعُمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ مَعْناهُ أنَّ الشَّياطِينَ كَذَبُوا عَلى ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ كَما كَذَبُوا عَلى سُلَيْمانَ، وأنَّ السِّحْرَ الَّذِي يَتْلُوهُ هَؤُلاءِ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِما.
وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾ مَعْناهُ: مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ يَتَضَمَّنُ الكُفْرَ فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] أيْ يَتَجَنَّبُ الأشْقى الذِّكْرى قالَ: وقَوْلُهُ ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ﴾ مَعْناهُ أنَّ المَلَكَيْنِ لا يُعَلِّمانِ ذَلِكَ أحَدًا ومَعَ ذَلِكَ لا يَقْتَصِرانِ عَلى أنْ لا يُعَلِّماهُ حَتّى يُبالِغا في نَهْيِهِ فَيَقُولا: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾
والَّذِي حَمَلَهُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ اسْتِنْكارُهُ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَلى المَلَكَيْنِ السِّحْرَ مَعَ ذَمِّهِ السِّحْرَ والسّاحِرَ؛ وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ لا يُوجَبُ؛ لِأنَّ المَذْمُومَ مَن يَعْمَلُ بِالسِّحْرِ لا مَن يُبَيِّنُهُ لِلنّاسِ ويَزْجُرُهم عَنْهُ، كَما أنَّ عَلى كُلِّ مَن عَلِمَ مِنَ النّاسِ مَعْنى السِّحْرِ أنْ يُبَيِّنَهُ لِمَن لا يَعْلَمُ ويَنْهاهُ عَنْهُ لِيَجْتَنِبَهُ؛ وهَذا مِنَ الفُرُوضِ الَّتِي ألْزَمَنا إيّاها اللَّهُ تَعالى إذا رَأيْنا مِنَ اخْتُدِعَ بِهِ وتَمَوَّهَ عَلَيْهِ أمْرُهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ فَإنَّ الفِتْنَةَ ما يَظْهَرُ بِهِ حالُ الشَّيْءِ في الخَيْرِ والشَّرِّ، تَقُولُ العَرَبُ: " فَتَنْتُ الذَّهَبَ " إذا عَرَضْتَهُ عَلى النّارِ لِتَعْرِفَ سَلامَتَهُ أوْ غِشَّهُ والِاخْتِبارُ كَذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ الحالَ تَظْهَرُ فَتَصِيرُ كالمُخْبِرَةِ عَنْ نَفْسِها. والفِتْنَةُ: العَذابُ، في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] فَلَمّا كانَ المَلَكانِ يُظْهِرانِ حَقِيقَةَ السِّحْرِ ومَعْناهُ قالا ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ وقالَ قَتادَةُ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ بَلاءٌ وهَذا سائِغٌ أيْضًا؛ لِأنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلَهُ فِتْنَةٌ لِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ لِيَبْلُوهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: إنّا فِتْنَةٌ وبَلاءٌ؛ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهُما يُمْكِنُهُ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ في الشَّرِّ ولا يُؤْمَنُ (p-٧١)وُقُوعُهُ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِحْنَةً كَسائِرِ العِباداتِ، وقَوْلُهُما: ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَمَلَ السِّحْرِ كُفْرٌ؛ لِأنَّهُما يُعَلِّمانِهِ إيّاهُ لِئَلّا يَعْمَلَ بِهِ؛ لِأنَّهُما عَلَّماهُ ما السِّحْرُ وكَيْفَ الِاحْتِيالُ لِيَتَجَنَّبَهُ، ولِئَلّا يُتِمُّوهُ عَلى النّاسِ أنَّهُ مِن جِنْسِ آياتِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَيَبْطُلُ الِاسْتِدْلالُ بِها.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ يَحْتَمِلُ التَّفْرِيقَ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَعْمَلَ بِهِ السّامِعُ فَيَكْفُرُ فَيَقَعُ بِهِ الفُرْقَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ إذا كانَتْ مُسْلِمَةً بِالرِّدَّةِ، والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَسْعى بَيْنَهُما بِالنَّمِيمَةِ والوِشايَةِ والبَلاغاتِ الكاذِبَةِ والإغْراءِ والإفْسادِ وتَمْوِيهِ الباطِلِ حَتّى يَظُنَّ أنَّهُ حَقٌّ فَيُفارِقَها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ الإذْنُ هُنا العِلْمُ فَيَكُونُ اسْمًا إذا كانَ مُخَفَّفًا، وإذا كانَ مُحَرَّكًا كانَ مَصْدَرًا، كَما يَقُولُ: حَذِرَ الرَّجُلُ حَذَرًا فَهو حَذِرٌ؛ فالحَذِرُ الِاسْمُ؛ والحَذَرُ المَصْدَرُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ عَلى وجْهَيْنِ كَشَبَهٍ وشِبْهٍ ومَثَلٍ ومِثْلٍ، وقِيلَ فِيهِ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِتَخْلِيَتِهِ، وقالَ الحَسَنُ: " مَن شاءَ اللَّهُ مَنعَهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ السِّحْرُ ومَن شاءَ خَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فَضَرَّهُ " .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: مَنِ اسْتَبْدَلَ السِّحْرَ بِدِينِ اللَّهِ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، وهو النَّصِيبُ مِنَ الخَيْرِ، وقالَ الحَسَنُ: " ما لَهُ مِن دِينٍ " وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ بِالسِّحْرِ وقَبُولَهُ كُفْرٌ.
* *
وقَوْلُهُ: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ قِيلَ: باعُوا بِهِ أنْفُسَهم، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ
يَعْنِي: بِعْتُهُ، وهَذا أيْضًا يُؤَكِّدُ أنَّ قَبُولَهُ والعَمَلَ بِهِ كُفْرٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ يَقْتَضِي ذَلِكَ أيْضًا.
البقرة 2:104
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ قالَ قُطْرُبٌ: " هي كَلِمَةُ أهْلِ الحِجازِ عَلى وجْهِ الهُزْءِ " . وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَقُولُها كَما قالَ اللَّهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] وكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَهم يُرِيدُونَ الهُزْءَ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ " السّامُ عَلَيْكَ " يُوهِمُونَ بِذَلِكَ أنَّهم يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ مِن أمْرِهِمْ ونَهى المُسْلِمِينَ أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿راعِنا﴾ وإنْ كانَ يَحْتَمِلُ المُراعاةَ والِانْتِظارَ، فَإنَّهُ لَمّا احْتَمَلَ الهُزْءَ عَلى النَّحْوِ الَّذِي كانَتِ اليَهُودُ تُطْلِقُهُ نُهُوا عَنْ إطْلاقِهِ لِما فِيهِ مِنِ احْتِمالِ المَعْنى المَحْظُورِ إطْلاقُهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الإطْلاقُ مُقْتَضِيًا (p-٧٢)لِمَعْنى الهُزْءِ وإنِ احْتَمَلَ الِانْتِظارَ، ومِثْلُهُ مَوْجُودٌ في اللُّغَةِ، ألا تَرى أنَّ اسْمَ الوَعْدِ يُطْلَقُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ ؟ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢] وقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] ومَتى أُطْلِقَ عُقِلَ بِهِ الخَيْرُ دُونَ الشَّرِّ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿راعِنا﴾ فِيهِ احْتِمالُ الأمْرَيْنِ، وعِنْدَ الإطْلاقِ يَكُونُ بِالهُزْءِ أخُصَّ مِنهُ بِالِانْتِظارِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ لَفْظٍ احْتَمَلَ الخَيْرَ والشَّرَّ فَغَيْرُ جائِزٍ إطْلاقُهُ حَتّى يُقَيَّدَ بِما يُفِيدُ الخَيْرَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الهُزْءَ مَحْظُورٌ في الدِّينِ، وكَذَلِكَ اللَّفْظُ المُحْتَمِلُ لَهُ ولِغَيْرِهِ هو مَحْظُورٌ؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِمَعانِي كِتابِهِ.
البقرة 2:106
بابُ في نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وذِكْرُ وُجُوهِ النَّسْخِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ قالَ قائِلُونَ: " النَّسْخُ هو الإزالَةُ " وقالَ آخَرُونَ: " هو الإبْدالُ " قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ [الحج: ٥٢] أيْ يُزِيلُهُ ويُبْطِلُهُ ويُبَدِّلُ مَكانَهُ آياتٍ مُحْكَماتٍ. وقِيلَ: هو النَّقْلُ، مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]
وهَذا الِاخْتِلافُ إنَّما هو في مَوْضُوعِهِ في أصْلِ اللُّغَةِ، ومَهْما كانَ في أصْلِ اللُّغَةِ مَعْناهُ فَإنَّهُ في إطْلاقِ الشَّرْعِ إنَّما هو بَيانُ مُدَّةِ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ، والنَّسْخُ قَدْ يَكُونُ في التِّلاوَةِ مَعَ بَقاءِ الحُكْمِ ويَكُونُ في الحُكْمِ مَعَ بَقاءِ التِّلاوَةِ دُونَ غَيْرِهِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: زَعَمَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِن غَيْرِ أهْلِ الفِقْهِ أنَّهُ لا نَسْخَ في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ فِيها مِنَ النَّسْخِ فَإنَّما المُرادُ بِهِ نَسْخُ شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ كالسَّبْتِ والصَّلاةِ إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ قالَ: لِأنَّ نَبِيَّنا ﷺ آخِرُ الأنْبِياءِ وشَرِيعَتَهُ ثابِتَةٌ باقِيَةٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ.
وقَدْ كانَ هَذا الرَّجُلُ ذا حَظٍّ مِنَ البَلاغَةِ وكَثِيرٍ مِن عِلْمِ اللُّغَةِ، غَيْرَ مَحْظُوظٍ مِن عِلْمِ الفِقْهِ وأُصُولِهِ، وكانَ سَلِيمَ الِاعْتِقادِ غَيْرَ مَظْنُونٍ بِهِ غَيْرَ ظاهِرٍ أمْرُهُ؛ ولَكِنَّهُ بَعُدَ مِنَ التَّوْفِيقِ بِإظْهارِ هَذِهِ المَقالَةِ؛ إذْ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْها أحَدٌ، بَلْ قَدْ عَقَلَتِ الأُمَّةُ سَلَفُها وخَلَفُها مِن دِينِ اللَّهِ وشَرِيعَتِهِ نَسْخَ كَثِيرٍ مِن شَرائِعِهِ ونُقِلَ ذَلِكَ إلَيْنا نَقْلًا لا يَرْتابُونَ بِهِ ولا يُجِيزُونَ فِيهِ التَّأْوِيلَ كَما قَدْ عَقَلَتْ أنَّ في القُرْآنِ عامًّا وخاصًّا ومُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، فَكانَ دافِعُ وُجُودِ النَّسْخِ في القُرْآنِ والسَّنَةِ كَدافِعِ خاصِّهِ وعامِّهِ ومُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ؛ إذْ كانَ وُرُودُ الجَمِيعِ ونَقْلُهُ عَلى وجْهٍ واحِدٍ فارْتَكَبَ هَذا الرَّجُلُ في الآيِ المَنسُوخَةِ والنّاسِخَةِ وفي أحْكامِها أُمُورًا خَرَجَ بِها عَنْ أقاوِيلِ الأُمَّةِ مَعَ تَعَسُّفِ المَعانِي واسْتِكْراهِها وما أدْرِي ما الَّذِي ألْجَأهُ إلى ذَلِكَ.
وأكْثَرُ ظَنِّي فِيهِ أنَّهُ إنَّما أتى بِهِ مِن قِلَّةِ عِلْمِهِ بِنَقْلِ النّاقِلِينَ لِذَلِكَ واسْتِعْمالِ رَأْيِهِ فِيهِ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ مِنهُ بِما قَدْ قالَ السَّلَفُ (p-٧٣)فِيهِ ونَقَلَتْهُ الأُمَّةُ وكانَ مِمَّنْ رُوِيَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن قالَ في القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأصابَ فَقَدْ أخْطَأ» واللَّهُ يَغْفِرُ لَنا ولَهُ وقَدْ تَكَلَّمْنا في أُصُولِ الفِقْهِ في وُجُوهِ النَّسْخِ وما يَجُوزُ فِيهِ وما لا يَجُوزُ بِما يُغْنِي ويَكْفِي، وأمّا: ﴿أوْ نُنْسِها﴾ قِيلَ إنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ، و" نَنْسَأْها " مِنَ التَّأْخِيرِ، يُقالُ: نَسَأْتُ الشَّيْءَ: أخَّرْتُهُ، والنَّسِيئَةُ: الدَّيْنُ المُتَأخِّرُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] يَعْنِي تَأْخِيرَ الشُّهُورِ، فَإذا أُرِيدَ بِهِ النِّسْيانُ، فَإنَّما هو أنْ يُنْسِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى التِّلاوَةَ حَتّى لا يَقْرَءُوا ذَلِكَ، ويَكُونُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُؤْمَرُوا بِتَرْكِ تِلاوَتِهِ فَيُنْسَوْهُ عَلى الأيّامِ، وجائِزٌ أنْ يَنْسَوْهُ دَفْعَةً ويُرْفَعَ مِن أوْهامِهِمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ .
وأمّا مَعْنى قِراءَةِ " أوْ نَنْسَأْها " فَإنَّما هو بِأنْ يُؤَخِّرَها فَلا يُنَزِّلُها ويُنَزِّلُ بَدَلًا مِنها ما يَقُومُ مَقامَها في المَصْلَحَةِ أوْ يَكُونُ أصْلَحَ لِلْعِبادِ مِنها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَها إلى وقْتٍ يَأْتِي فَيَأْتِي بَدَلًا مِنها لَوْ أنْزَلَها في الوَقْتِ المُتَقَدِّمِ فَيَقُومَ مَقامَها في المَصْلِحَةِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: " بِخَيْرٍ مِنها " لَكم في التَّسْهِيلِ والتَّيْسِيرِ " كالأمْرِ بِأنْ لا يُوَلِّيَ واحِدٌ مِن عَشْرَةٍ في القِتالِ ثُمَّ قالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] أوْ مِثْلِها كالأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ بَعْدَما كانَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: " بِخَيْرٍ مِنها في الوَقْتِ في كَثْرَةِ الصَّلاحِ أوْ مِثْلِها " . فَحَصَلَ مِنِ اتِّفاقِ الجَمِيعِ أنَّ المُرادَ " خَيْرٌ لَكم إمّا في التَّخْفِيفِ أوْ في المَصْلَحَةِ " ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهم: خَيْرٌ مِنها في التِّلاوَةِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُقالَ إنَّ بَعْضَ القُرْآنِ خَيْرٌ مِن بَعْضٍ في مَعْنى التِّلاوَةِ والنَّظْمِ؛ إذْ جَمِيعُهُ مُعْجِزٌ كَلامُ اللَّهِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ في امْتِناعِ جَوازِ نَسْخِ القُرْآنِ بِالسَّنَةِ؛ لِأنَّ السَّنَةَ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ لا تَكُونُ خَيْرًا مِنَ القُرْآنِ وهَذا إغْفالٌ مِن قائِلِهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ: " بِخَيْرٍ مِنها في التِّلاوَةِ والنَّظْمِ "؛ لِاسْتِواءِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في إعْجازِ النَّظْمِ والآخِرُ اتِّفاقُ السَّلَفِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ النَّظْمَ؛ لِأنَّ قَوْلَهم فِيهِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ إمّا التَّخْفِيفُ أوِ المَصْلَحَةُ.
وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالسُّنَّةِ كَما يَكُونُ بِالقُرْآنِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهم إنَّهُ أرادَ التِّلاوَةَ، فَدَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ أظْهَرُ مِن دَلالَتِها عَلى امْتِناعِ جَوازِهِ بِها وأيْضًا فَإنَّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إنَّما تَقْتَضِي نَسْخَ التِّلاوَةِ، ولَيْسَ لِلْحُكْمِ في الآيَةِ ذِكْرٌ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ والآيَةُ إنَّما هي اسْمٌ لِلتِّلاوَةِ، ولَيْسَ في نَسْخِ التِّلاوَةِ ما يُوجِبُ نَسْخَ الحُكْمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: " ما نَنْسَخْ مِن تِلاوَةِ آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها لَكم مِن مُحْكَمٍ مِن طَرِيقِ السُّنَّةِ أوْ غَيْرِها " . وقَدِ (p-٧٤)اسْتَقْصَيْنا القَوْلَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في أُصُولِ الفِقْهِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ، فَمَن أرادَها فَلْيَطْلُبْها هُناكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
البقرة 2:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ رَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَسَخَتْها ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]
وحَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: قُرِئَ عَلى أبِي عُبَيْدٍ وأنا أسْمَعُ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]
قالَ: نَسَخَ هَذا كُلَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ مُتارَكَةً.
فَهَذِهِ الآياتُ كُلُّها أُنْزِلَتْ قَبْلَ لُزُومِ فَرْضِ القِتالِ، وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ وإنَّما كانَ الغَرَضُ الدُّعاءَ إلى الدِّينِ حِينَئِذٍ بِالحِجاجِ والنَّظَرِ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ وما أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى يَدِهِ، وأنَّ مِثْلَهُ لا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِ الأنْبِياءِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ [سبإ: ٤٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] ونَحْوُها مِنَ الآيِ الَّتِي فِيها الأمْرُ بِالنَّظَرِ في أمْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ والدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ ثُمَّ لَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقِتالِ بَعْدَ قَطْعِ العُذْرِ في الحِجاجِ وتَقْرِيرِهِ عِنْدَهم حِينَ اسْتَقَرَّتْ آياتُهُ ومُعْجِزاتُهُ عِنْدَ الحاضِرِ والبادِي والدّانِي والقاصِي بِالمُشاهَدَةِ والأخْبارِ المُسْتَفِيضَةِ الَّتِي لا يُكَذَّبُ مِثْلُها وسَنَذْكُرُ فَرْضَ القِتالِ عِنْدَ مَصِيرِنا إلى الآياتِ المُوجِبَةِ لَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
البقرة 2:114
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ رَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هو بُخْتَنَصَّرُ، خَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وأعانَ عَلى ذَلِكَ النَّصارى.
وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٧٥)﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ قالَ: هُمُ النَّصارى لا يَدْخُلُونَها إلّا مُسارَقَةً، فَإنْ قُدِرَ عَلَيْهِمْ عُوقِبُوا لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ، قالَ: يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، ورَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هم النَّصارى خَرَّبُوا بَيْتَ المَقْدِسِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ما رُوِيَ في خَبَرِ قَتادَةَ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ غَلَطًا مِن راوِيهِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِأخْبارِ الأوَّلِينَ أنَّ عَهْدَ بُخْتَنَصَّرَ كانَ قَبْلَ مَوْلِدِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، والنَّصارى إنَّما كانُوا بَعْدَ المَسِيحِ وإلَيْهِ يَنْتَمُونَ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَ بُخْتَنَصَّرَ في تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، والنَّصارى إنَّما اسْتَفاضَ دِينُهم في الشّامِ والرُّومِ في أيّامِ قُسْطَنْطِينَ المَلِكِ وكانَ قَبْلَ الإسْلامِ بِمِائَتِي سَنَةٍ وكُسُورٍ ؟ وإنَّما كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ صابِئِينَ عَبَدَةَ أوْثانٍ وكانَ مِن يَنْتَحِلُ النَّصْرانِيَّةَ مِنهم مَغْمُورِينَ مُسْتَخْفِينَ بِأدْيانِهِمْ فِيما بَيْنَهم.
ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ النَّصارى تَعْتَقِدُ مِن تَعْظِيمِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِثْلَ اعْتِقادِ اليَهُودِ فَكَيْفَ أعانُوا عَلى تَخْرِيبِهِ مَعَ اعْتِقادِهِمْ فِيهِ ؟ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ الآيَةَ إنَّما هي في شَأْنِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ مَنَعُوا المُسْلِمِينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وإنَّ سَعْيَهم في خَرابِهِ إنَّما هو مَنعُهم مِن عِمارَتِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى مَنعِ أهْلِ الذِّمَّةِ دُخُولَ المَساجِدِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ والمَنعُ يَكُونُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ، والآخَرُ: الِاعْتِقادُ والدِّيانَةُ والحُكْمُ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ مِن جِهَةِ الدِّيانَةِ المَنعَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ في المَساجِدِ فَجائِزٌ أنْ يُقالَ فِيهِ قَدْ مَنَعَ مَسْجِدًا أنْ يُذْكَرَ فِيهِ اسْمُهُ، فَيَكُونُ المَنعُ هاهُنا مَعْناهُ الحَظْرُ، كَما جائِزٌ أنْ يُقالَ مَنَعَ اللَّهُ الكافِرِينَ مِنَ الكُفْرِ والعُصاةَ مِنَ المَعاصِي بِأنْ حَظَرَها عَلَيْهِمْ وأوْعَدَهم عَلى فِعْلِها؛ فَلَمّا كانَ اللَّفْظُ مُنْتَظِمًا لِلْأمْرَيْنِ وجَبَ اسْتِعْمالُهُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلى المُسْلِمِينَ إخْراجَهم مِنها إذا دَخَلُوها لَوْلا ذَلِكَ ما كانُوا خائِفِينَ بِدُخُولِها، والوَجْهُ الثّانِي: قَوْلُهُ ﴿وسَعى في خَرابِها﴾ وذَلِكَ يَكُونُ أيْضًا مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُخَرِّبَها بِيَدِهِ، والثّانِي: اعْتِقادُهُ وُجُوبَ تَخْرِيبِها؛ لِأنَّ دِياناتِهِمْ تَقْتَضِي ذَلِكَ وتُوجِبُهُ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَنعِهِمْ مِنها عَلى ما بَيَّنّا، ويَدُلُّ عَلى مِثْلِ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] وعِمارَتُها تَكُونُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِناؤُها وإصْلاحُها، والثّانِي: حُضُورُها ولُزُومُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَعْمُرُ مَجْلِسَ (p-٧٦)فُلانٍ؛ يَعْنِي يَحْضُرُهُ ويَلْزَمُهُ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ»، وذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] فَجَعَلَ حُضُورَهُ المَساجِدَ عِمارَةً لَها وأصْحابُنا يُجِيزُونَ لَهم دُخُولَ المَساجِدِ، وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عامٌّ في سائِرِ المَساجِدِ وأنَّهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ خاصَّةً أوِ المَسْجِدِ الحَرامِ خاصَّةً، إطْلاقُهُ ذَلِكَ في المَساجِدِ فَلا يُخَصُّ شَيْءٌ مِنهُ إلّا بِدَلالَةٍ.
فَإنْ قِيلَ جائِزٌ أنْ يُقالَ لِكُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ المَسْجِدِ مَسْجِدٌ كَما يُقالُ لِكُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ المَجْلِسِ مَجْلِسٌ، فَيَكُونُ الِاسْمُ واقِعًا عَلى جُمْلَتِهِ تارَةً وعَلى كُلِّ مَوْضِعِ سُجُودٍ فِيهِ أُخْرى ؟ قِيلَ لَهُ: لا تَنازُعَ بَيْنَ أهْلِ اللِّسانِ أنَّهُ لا يُقالُ لِلْمَسْجِدِ الواحِدِ مَساجِدُ كَما لا يُقالُ إنَّهُ مَسْجِدانِ، وكَما لا يُقالُ لِلدّارِ الواحِدَةِ إنَّها دُورٌ؛ فَثَبَتَ أنَّ الإطْلاقَ لا يَتَناوَلُهُ وإنْ سُمِّيَ مَوْضِعُ السُّجُودِ مَسْجِدًا، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ مُقَيَّدًا غَيْرَ مُطْلَقٍ وحُكْمُ الإطْلاقِ فِيما يَقْتَضِيهِ ما وصَفْنا، وعَلى أنَّكَ لا تَمْتَنِعُ مِن إطْلاقِ ذَلِكَ في جَمِيعِ المَساجِدِ وإنَّما تُرِيدُ تَخْصِيصَهُ بِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ وذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَكَ بِغَيْرِ دَلالَةٍ.
البقرة 2:115
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ رَوى أبُو أشْعَثَ السَّمّانُ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أيْنَ القِبْلَةُ، فَصَلّى كُلُّ رِجْلٍ مِنّا عَلى حِيالِهِ، ثُمَّ أصْبَحْنا فَذَكَرْنا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾
ورَوى أيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أبِيهِ: «أنَّ قَوْمًا خَرَجُوا في سَفَرٍ فَصَلَّوْا فَتاهُوا عَنِ القِبْلَةِ، فَلَمّا فَرَغُوا تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم كانُوا عَلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: تَمَّتْ صَلاتُكم» .
ورَوى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوادَةَ، عَنْ رَجُلٍ سَألَ ابْنَ عُمَرَ عَمَّنْ يُخْطِئُ القِبْلَةَ في السَّفَرِ ويُصَلِّي، قالَ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ وحَدَّثَنا أبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الحافِظُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ، قالَ: وجَدْتُ في كِتابِ أبِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ: قالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ العَرْزَمِيُّ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً كُنْتُ فِيها، فَأصابَتْنا ظُلْمَةٌ فَلَمْ نَعْرِفِ القِبْلَةَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنّا: قَدْ عَرَفْنا القِبْلَةَ هاهُنا قِبَلَ الشَّمالِ، فَصَلَّوْا وخَطُّوا خُطُوطًا؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: القِبْلَةُ هاهُنا قِبَلَ الجَنُوبِ، وخَطُّوا خُطُوطًا؛ فَلَمّا أصْبَحْنا وطَلَعَتِ الشَّمْسُ وأصْبَحَتْ تِلْكَ الخُطُوطُ لِغَيْرِ القِبْلَةِ، فَلَمّا قَفَلْنا مِن سَفَرِنا سَألْنا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَسَكَتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: (p-٧٧)﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾» أيْ حَيْثُ كُنْتُمْ
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَفي هَذِهِ الأخْبارِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ كانَ صَلاةَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَلَّوْا لِغَيْرِ القِبْلَةِ اجْتِهادًا ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في خَبَرٍ آخَرَ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي عَلى راحِلَتِهِ وهو مُقْبِلٌ مِن مَكَّةَ نَحْوَ المَدِينَةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ» وفِيهِ أُنْزِلَتْ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾
ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ قالَ: هي القِبْلَةُ الأُولى ثُمَّ نَسَخَتْها الصَّلاةُ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وقِيلَ فِيهِ: إنَّ اليَهُودَ أنْكَرُوا تَحْوِيلَ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ بَعْدَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مُخَيَّرًا في أنْ يُصَلِّيَ إلى حَيْثُ شاءَ وإنَّما كانَ تَوَجَّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى وجْهِ الِاخْتِيارِ لا عَلى وجْهِ الإيجابِ حَتّى أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ في وقْتِ التَّخْيِيرِ قَبْلَ الأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَن صَلّى في سَفَرٍ مُجْتَهِدًا إلى جِهَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّهُ صَلّى لِغَيْرِ القِبْلَةِ؛ وقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا والثَّوْرِيُّ: إنْ وجَدَ مَن يَسْألُهُ فَيُعَرِّفُهُ جِهَةَ القِبْلَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ تَجُزْ صَلاتُهُ، وإنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُعَرِّفُهُ جِهَتَها فَصَلّاها بِاجْتِهادِهِ أجْزَأتْهُ صَلاتُهُ، سَواءٌ صَلّاها مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ أوْ مُشَرِّقًا أوْ مُغَرِّبًا عَنْها.
ورُوِيَ نَحْوُ قَوْلِنا عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وإبْراهِيمَ وعَطاءٍ والشَّعْبِيِّ. وقالَ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ ورَبِيعَةُ وابْنُ أبِي سَلَمَةَ: يُعِيدُ في الوَقْتِ، فَإذا فاتَ الوَقْتُ لَمْ يُعِدْ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْهُ ورَوى أبُو مُصْعَبٍ عَنْهُ: " إنَّما يُعِيدُ في الوَقْتِ إذا صَلّاها مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ أوْ شَرَّقَ أوْ غَرَّبَ، وإنْ تَيامَنَ قَلِيلًا أوْ تَياسَرَ قَلِيلًا فَلا إعادَةَ عَلَيْهِ " .
وقالَ الشّافِعِيُّ: " مَنِ اجْتَهَدَ فَصَلّى إلى المَشْرِقِ ثُمَّ رَأى القِبْلَةَ في المَغْرِبِ اسْتَأْنَفَ، فَإنْ كانَتْ شَرْقًا ثُمَّ رَأى أنَّهُ مُنْحَرِفٌ فَتِلْكَ جِهَةٌ واحِدَةٌ وعَلَيْهِ أنْ يَنْحَرِفَ ويَعْتَدُّ بِما مَضى " قالَ أبُو بَكْرٍ ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى جَوازِها إلى أيِّ جِهَةٍ صَلّاها وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ: فَثَمَّ رِضْوانُ اللَّهِ؛ وهو الوَجْهَ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] يَعْنِي لِرِضْوانِهِ ولِما أرادَهُ مِنّا، وقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] يَعْنِي ما كانَ لِرِضاهُ وإرادَتِهِ، وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وجابِرٍ اللَّذَيْنِ قَدَّمْنا أنَّ الآيَةَ في هَذا أُنْزِلَتْ.
فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في التَّطَوُّعِ عَلى الرّاحِلَةِ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في بَيانِ القِبْلَةِ قِيلَ لَهُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَتَّفِقَ هَذِهِ الأحْوالُ كُلُّها في وقْتٍ واحِدٍ ويُسْألُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْها فَيُنْزِلُ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ ويُرِيدُ بِها بَيانَ حُكْمِ جَمِيعِها، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ نَصَّ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ (p-٧٨)مِنها بِأنْ يَقُولَ: إذا كُنْتُمْ عالِمِينَ بِجِهَةِ القِبْلَةِ مُمَكَّنِينَ مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْها فَذَلِكَ وجْهُ اللَّهِ فَصَلُّوا إلَيْها.
وإذا كُنْتُمْ خائِفِينَ أوْ في سَفَرٍ فالوَجْهُ الَّذِي يُمْكِنُكُمُ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ فَهو وجْهُ اللَّهِ، وإذا اشْتَبَهَتْ عَلَيْكُمُ الجِهاتُ فَصَلَّيْتُمْ إلى أيِّ جِهَةٍ كانَتْ فَهي وجْهُ اللَّهِ ؟ وإذا لَمْ تَتَنافَ إرادَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مُرادُ اللَّهِ تَعالى بِها جَمِيعَ هَذِهِ المَعانِي عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا، لا سِيَّما وقَدْ نَصَّ حَدِيثُ جابِرٍ وعامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُجْتَهِدِ إذا أخْطَأ، وأخْبَرَ فِيهِ أنَّ المُسْتَدْبِرَ لِلْقِبْلَةِ والمُتَياسِرَ والمُتَيامِنَ عَنْها سَواءٌ؛ لِأنَّ فِيهِ بَعْضَهم صَلّى إلى ناحِيَةِ الشَّمالِ والآخَرَ إلى ناحِيَةِ الجَنُوبِ وهاتانِ جِهَتانِ مُتَضادَّتانِ.
ويَدُلُّ عَلى جَوازِها أيْضًا حَدِيثٌ رَواهُ جَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» .
وهَذا يَقْتَضِي إثْباتَ جَمِيعِ الجِهاتِ قِبْلَةً، إذْ كانَ قَوْلُهُ: «ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» كَقَوْلِهِ: جَمِيعُ الآفاقِ؛ ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨] أنَّهُ أرادَ بِهِ جَمِيعَ الدُّنْيا ؟ وكَذَلِكَ هو في مَعْقُولِ خِطابِ النّاسِ مَتى أُرِيدَ الإخْبارُ عَنْ جَمِيعِ الدُّنْيا ذَكَرَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ فَيَشْمَلُ اللَّفْظُ جَمِيعَها وأيْضًا ما ذَكَرْنا مِن قَوْلِ السَّلَفِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ إجْماعًا لِظُهُورِهِ واسْتِفاضَتِهِ مِن غَيْرِ خِلافٍ مِن أحَدٍ مِن نُظَرائِهِمْ عَلَيْهِمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ مَن غابَ عَنْ مَكَّةَ فَإنَّما صَلاتُهُ إلى الكَعْبَةِ لا تَكُونُ إلّا عَنِ اجْتِهادٍ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يُوقِنُ بِالجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْها في مُحاذاةِ الكَعْبَةِ غَيْرَ مُنْحَرِفٍ عَنْها، وصَلاةُ الجَمِيعِ جائِزَةٌ؛ إذْ لَمْ يُكَلَّفْ غَيْرَها، فَكَذَلِكَ المُجْتَهِدُ في السَّفَرِ قَدْ أدّى فَرْضَهُ إذْ لَمْ يُكَلَّفْ غَيْرَها ومَن أوْجَبَ الإعادَةَ فَإنَّما يُلْزِمُهُ فَرْضًا آخَرَ، وغَيْرُ جائِزٍ إلْزامَهُ فَرْضًا بِغَيْرِ دَلالَةٍ؛ فَإنْ ألْزَمُونا عَلَيْهِ بِالثَّوْبِ يُصَلّى فِيهِ ثُمَّ تُعْلَمُ نَجاسَتُهُ أوِ الماءِ يُتَطَهَّرُ بِهِ ثُمَّ يُعْلَمُ أنَّهُ نَجِسٌ.
قِيلَ لَهم: لا فَرْقَ بَيْنَهم في أنَّ كُلًّا مِنهم قَدْ أدّى فَرْضَهُ، وإنَّما ألْزَمْناهُ بَعْدَ العِلْمِ فَرْضًا آخَرَ بِدَلالَةِ قامَتْ عَلَيْهِ ولَمْ تَقُمْ دَلالَةٌ عَلى إلْزامِ المُجْتَهِدِ في جِهَةِ القِبْلَةِ فَرْضًا آخَرَ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ تَجُوزُ إلى غَيْرِ جِهَةِ القِبْلَةِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ وهي صَلاةُ النَّفْلِ عَلى الرّاحِلَةِ.
ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِعْلُها، فَلَمّا جازَتْ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإذا صَلّى الفَرْضَ إلى غَيْرِ جِهَتِها عَلى ما كُلِّفَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّبَيُّنِ غَيْرُها ولَمّا لَمْ تَجُزِ الصَّلاةُ في الثَّوْبِ النَّجِسِ إلّا لِضَرُورَةٍ ولَمْ تَجُزِ الطَّهارَةُ بِماءٍ نَجِسٍ بِحالٍ، لَزِمَتْهُ الإعادَةُ ومِن جِهَةٍ أُخْرى وهي أنَّ المُجْتَهِدَ بِمَنزِلَةِ صَلاةِ المُتَيَمِّمِ إذا عَدِمَ الماءَ، فَلا يَلْزَمُهُ (p-٧٩)الإعادَةُ؛ لِأنَّ الجِهَةَ الَّتِي تَوَجَّهَ إلَيْها قَدْ قامَتْ لَهُ مَقامَ القِبْلَةِ كالتَّيَمُّمِ قائِمٌ مَقامَ الوُضُوءِ، ولَمْ يُوجَدْ لِلْمُصَلِّي في الثَّوْبِ النَّجِسِ والمُتَطَهِّرِ بِماءٍ نَجِسٍ ما يَقُومُ مَقامَ الطَّهارَةَ فَهو بِمَنزِلَةِ المُصَلِّي بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ ولا ماءٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وهو أصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ مَسْألَتُنا صَلاةُ الخائِفِ لِغَيْرِ القِبْلَةِ، ويُبْنى عَلَيْها مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّها جِهَةٌ لَمْ يُكَلَّفْ غَيْرَها في الحالِ.
والثّانِي: قِيامُ هَذِهِ الجِهَةِ مَقامَ القِبْلَةِ فَلا إعادَةَ عَلَيْهِ كالمُتَيَمِّمِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ الصَّلاةُ لِغَيْرِ القِبْلَةِ، أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ مِقْدارَ مِساحَةِ الكَعْبَةِ لا يَتَّسِعُ لِصَلاةِ النّاسِ الغائِبِينَ عَنْها حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُصَلِّيًا لِمُحاذاتِها، ألا تَرى أنَّ الجامِعَ مِساحَتُهُ أضْعافُ مِساحَةِ الكَعْبَةِ ولَيْسَ جَمِيعُ مَن يُصَلِّي فِيهِ مُحاذِيًا لِسَمْتِها وقَدْ أُجِيزَتْ صَلاةُ الجَمِيعِ ؟
فَثَبَتَ أنَّهم إنَّما كُلِّفُوا التَّوَجُّهَ إلى الجِهَةِ الَّتِي هي في ظَنِّهِمْ أنَّها مُحاذِيَةُ الكَعْبَةِ، لا مُحاذاتُها بِعَيْنِها وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ جِهَةٍ قَدْ أُقِيمَتْ مَقامَ جِهَةِ الكَعْبَةِ في حالِ العُذْرِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما جازَتْ صَلاةُ الجَمِيعِ في الأصْلِ الَّذِي ذَكَرْتَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المُحاذِيَ لِلْكَعْبَةِ دُونَ مَن بَعُدَ مِنهُ ولَمْ يَظْهَرْ في الثّانِي تَوَجُّهُهُ إلى غَيْرِ جِهَةِ الكَعْبَةِ، فَأجْزَأتْهُ صَلاتُهُ مِن أجْلِ ذَلِكَ.
ولَيْسَتْ هَذِهِ نَظِيرَ مَسْألَتِنا، مِن قِبَلِ أنَّ المُجْتَهِدَ في مَسْألَتِنا قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهُ صَلّى إلى غَيْرِها، قِيلَ لَهُ: لَوْ كانَ هَذا الِاعْتِبارُ سائِغًا في الفَرْقِ بَيْنَهُما لَوَجَبَ أنْ لا تُجِيزَ صَلاةَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مُحاذاةُ الكَعْبَةِ مِقْدارَ عِشْرِينَ ذِراعًا إذا كانَ مُسامِتَها، ثُمَّ قَدْ رَأيْنا أهْلَ الشَّرْقِ والغَرْبِ قَدْ أجْزَأتْهم صَلاتُهم، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الَّذِينَ حاذَوْها هُمُ القَلِيلُ الَّذِينَ يَقْصُرُ عَدَدُهم عَنِ النِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ لِقِلَّتِهِمْ، وجائِزٌ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُحاذِي الكَعْبَةَ حِينَ لَمْ يُغادِرْها ثُمَّ أجْزَأتْ صَلاةُ الجَمِيعِ، ولَمْ يُعْتَبَرْ حُكْمُ الأعَمِّ الأكْثَرِ مَعَ تَعَلُّقِ الأحْكامِ في الأُصُولِ بِالأعَمِّ الأكْثَرِ؛ ألا تَرى أنَّ الحُكْمَ في كُلِّ مَن في دارِ الإسْلامِ ودارِ الحَرْبِ يَتَعَلَّقُ بِالأعَمِّ الأكْثَرِ دُونَ الأخَصِّ الأقَلِّ حَتّى صارَ مَن في دارِ الإسْلامِ مَحْظُورًا قَتْلُهُ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ فِيها مَن يَسْتَحِقُّ القَتْلَ مِن مُرْتَدٍّ ومُلْحِدٍ وحَرْبِيٍّ؛ ومَن في دارِ الحَرْبِ يُسْتَباحُ قَتْلُهُ مَعَ ما فِيها مِن مُسْلِمٍ تاجِرٍ أوْ أسِيرٍ ؟
وكَذَلِكَ سائِرُ الأُصُولِ عَلى هَذا المِنهاجِ يُجْرى حُكْمُها، ولَمْ يَكُنْ لِلْأكْثَرِ الأعَمِّ حُكْمٌ في بُطْلانِ الصَّلاةِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم عَلى غَيْرِ مُحاذاةِ الكَعْبَةِ، ثَبَتَ أنَّ الَّذِي كُلِّفَ كُلُّ واحِدٌ مِنهم في وقْتِهِ هو ما عِنْدَهُ أنَّهُ جِهَةُ الكَعْبَةِ وفي اجْتِهادِهِ في الحالِ الَّتِي يَسُوغُ الِاجْتِهادُ فِيها، وأنْ لا إعادَةَ عَلى واحِدٍ مِنهم في الثّانِي
فَإنْ قِيلَ: فَأنْتَ (p-٨٠)تُوجِبُ الإعادَةَ عَلى مِن صَلّى بِاجْتِهادِهِ مَعَ إمْكانِ المَسْألَةِ عَنْها إذا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافُها قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الِاجْتِهادِ مَعَ وُجُودِ مَن يَسْألُهُ عَنْها.
وإنَّما أجَزْنا فِيما وصَفْنا صَلاةَ مَنِ اجْتَهَدَ في الحالِ الَّتِي يَسُوغُ الِاجْتِهادُ فِيها، وإذا وجَدَ مَن يَسْألُهُ عَنْ جِهَةِ الكَعْبَةِ لَمْ يُكَلَّفْ فِعْلَ الصَّلاةِ بِاجْتِهادِهِ وإنَّما كُلِّفَ المَسْألَةَ عَنْها ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ مَن غابَ عَنْ حَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّما يُؤَدِّي فَرْضَهُ بِاجْتِهادِهِ مَعَ تَجْوِيزِهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفَرْضُ فِيهِ نَسْخٌ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ أهْلَ قُباءَ كانُوا يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَأتاهم آتٍ فَأخْبَرَهم أنَّ القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ، فاسْتَدارُوا في صَلاتِهِمْ إلى الكَعْبَةِ وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُسْتَدْبِرِينَ لَها؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَقْبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ وهو بِالمَدِينَةِ فَهو مُسْتَدْبِرٌ لِلْكَعْبَةِ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالإعادَةِ حِينَ فَعَلُوا بَعْضَ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مَعَ وُرُودِ النَّسْخِ؛ إذِ الأغْلَبُ أنَّهُمُ ابْتَدَءُوا الصَّلاةَ بَعْدَ النَّسْخِ؛ لِأنَّ النَّسْخَ نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ سارَ المُخْبِرُ إلى قُباءَ بَعْدَ النَّسْخِ وبَيْنَهُما نَحْوَ فَرْسَخٍ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ابْتِداءَ صَلاتِهِمْ كانَ بَعْدَ النَّسْخِ؛ لِامْتِناعِ أنْ يَطُولَ مُكْثُهم في الصَّلاةِ هَذِهِ المُدَّةَ، ولَوْ كانَ ابْتِداؤُها قَبْلَ النَّسْخِ كانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً؛ لِأنَّهم فَعَلُوا بَعْضَ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ النَّسْخِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما جازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُمُ ابْتَدَءُوها قَبْلَ النَّسْخِ وكانَ ذَلِكَ فَرْضَهم ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فَرْضٌ غَيْرُهُ.
قِيلَ لَهُ: وكَذَلِكَ المُجْتَهِدُ فَرْضُهُ ما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضٌ غَيْرُهُ.
فَإنْ قِيلَ: إذا تَبَيَّنَ أنَّهُ صَلّى إلى غَيْرِ الكَعْبَةِ كانَ بِمَنزِلَةِ مَنِ اجْتَهَدَ في حُكْمِ حادِثَةٍ ثُمَّ وجَدَ النَّصَّ فِيهِ، فَيَبْطُلُ اجْتِهادُهُ مَعَ النَّصِّ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذا كَما ظَنَنْتَ؛ لِأنَّ النَّصَّ في جِهَةِ الكَعْبَةِ إنَّما هو في حالِ مُعايَنَتِها أوِ العِلْمِ بِها، ولَيْسَتْ لِلصَّلاةِ جِهَةٌ واحِدَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْها المُصَلِّي، بَلْ سائِرُ الجِهاتِ لِلْمُصَلِّينَ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ، فَمَن شاهَدَ الكَعْبَةَ أوْ عَلِمَ بِها وهو غائِبٌ عَنْها فَفَرْضُهُ الجِهَةُ الَّتِي يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إلَيْها ولَيْسَتِ الكَعْبَةُ جِهَةَ فَرْضِهِ، ومَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الجِهَةُ فَفَرْضُهُ ما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ؛ فَقَوْلُكَ " إنَّهُ صارَ مِنَ الِاجْتِهادِ إلى النَّصِّ " خَطَأٌ؛ لِأنَّ جِهَةَ الكَعْبَةِ لَمْ تَكُنْ فَرْضَهُ في حالِ الِاجْتِهادِ، وإنَّما النَّصُّ في حالِ إمْكانِ التَّوَجُّهِ إلَيْها والعِلْمِ بِها وأيْضًا فَقَدْ كانَ لَهُ الِاجْتِهادُ مَعَ العِلْمِ بِالكَعْبَةِ والجَهْلِ بِجِهَتِها، فَلَوْ كانَ بِمَنزِلَةِ النَّصِّ لَما ساغَ الِاجْتِهادُ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ لِلَّهِ تَعالى نَصًّا عَلى الحُكْمِ، كَما لا يَسُوغُ الِاجْتِهادُ مَعَ العِلْمِ أنَّ لِلَّهِ تَعالى نَصًّا عَلى الحُكْمِ في حادِثَةٍ.
البقرة 2:116
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِلْكَ الإنْسانِ لا يَبْقى عَلى ولَدِهِ؛ لِأنَّهُ (p-٨١)نَفى الوَلَدَ بِإثْباتِ المِلْكِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْنِي مُلْكَهُ ولَيْسَ بِوَلَدِهِ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فاقْتَضى ذَلِكَ عِتْقَ ولَدِهِ عَلَيْهِ إذا مَلَكَهُ وقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ في الوالِدِ إذا مَلَكَهُ ولَدُهُ، فَقالَ ﷺ: «لا يَجْزِي ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى عِتْقِ الوَلَدِ إذا مَلَكَهُ أبُوهُ، واقْتَضى خَبَرُ النَّبِيِّ ﷺ عِتْقَ الوالِدِ إذا مَلَكَهُ ولَدُهُ وقالَ بَعْضُ الجُهّالِ: إذا مَلَكَ أباهُ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ حَتّى يُعْتِقَهُ لِقَوْلِهِ: " فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ " وهَذا يَقْتَضِي عِتْقًا مُسْتَأْنَفًا بَعْدَ المِلْكِ فَجَهِلَ حُكْمَ اللَّفْظِ في اللُّغَةِ والعُرْفِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ المَعْقُولَ مِنهُ فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ بِالشِّرى؛ إذْ قَدْ أفادَ أنَّ شِراهُ مُوجِبٌ لِعِتْقِهِ؛ وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «النّاسُ غادِيانِ: فَبائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُها، ومُشْتَرٍ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها» يُرِيدُ أنَّهُ مُعْتِقُها بِالشِّرى لا بِاسْتِئْنافِ عِتْقٍ بَعْدَهُ.
البقرة 2:124
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾؛ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " ابْتَلاهُ بِالمَناسِكِ " . وقالَ الحَسَنُ: " ابْتَلاهُ بِقَتْلِ ولَدِهِ والكَواكِبِ " .
ورَوى طاوُوسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ابْتَلاهُ بِالطَّهارَةِ خَمْسٌ في الرَّأْسِ وخَمْسٌ في الجَسَدِ فالخَمْسَةُ في الرَّأْسِ: قَصُّ الشّارِبِ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، والسِّواكُ، وفَرْقُ الرَّأْسِ؛ وفي الجَسَدِ: تَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبْطِ، وغَسْلُ أثَرِ الغائِطِ والبَوْلِ بِالماءِ " .
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ» وذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا أنَّهُ قالَ مَكانَ الفَرْقِ: «إعْفاءُ اللِّحْيَةِ» ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَأْوِيلَ الآيَةِ.
ورَواهُ عَمّارٌ وعائِشَةُ وأبُو هُرَيْرَةَ عَلى اخْتِلافٍ مِنهم في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، كَرِهْتُ الإطالَةَ بِذِكْرِ أسانِيدِها وسِياقَةِ ألْفاظِها؛ إذْ هي المَشْهُورَةُ، وقَدْ نَقَلَها النّاسُ قَوْلًا وعَمَلًا وعَرَفُوها مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وما ذُكِرَ فِيهِ مِن تَأْوِيلِ الآيَةِ مَعَ ما قَدَّمْنا مِنِ اخْتِلافِ السَّلَفِ فِيهِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى ابْتَلى إبْراهِيمَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، ويَكُونُ مُرادُ الآيَةِ جَمِيعَهُ، وأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتَمَّ ذَلِكَ كُلَّهُ ووَفّى بِهِ وقامَ بِهِ عَلى حَسَبِ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ؛ لِأنَّ ضِدَّ الإتْمامِ النَّقْصُ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ بِإتْمامِهِنَّ وما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ العَشْرَ الخِصالِ في الرَّأْسِ والجَسَدِ مِنَ الفِطْرَةِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ فِيها مُقْتَدِيًا بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وهَذِهِ الخِصالُ قَدْ ثَبَتَتْ مِن سُنَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُحَمَّدٍ ﷺ وهي تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّنْظِيفُ ونَفْيُ الأقْذارِ (p-٨٢)والأوْساخِ عَنِ الأبَدانِ والثِّيابِ مَأْمُورًا بِها.
ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَظَرَ إزالَةَ التَّفَثِ والشَّعْرِ في الإحْرامِ أمَرَ بِهِ عِنْدَ الإحْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ومِن نَحْوِ ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في غُسْلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ «أنْ يَسْتاكَ وأنْ يَمَسَّ مِن طِيبِ أهْلِهِ» فَهَذِهِ كُلُّها خِصالٌ مُسْتَحْسَنَةٌ في العُقُولِ مَحْمُودَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ في الأخْلاقِ والعاداتِ، وقَدْ أكَّدَها التَّوْقِيفُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ .
وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَيّانَ التَّمّارُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الوَلِيدِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبارَكِ قالا: حَدَّثَنا قُرَيْشُ بْنُ حَيّانَ العِجْلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ فَرُّوخَ أبُو واصِلٍ قالَ: أتَيْتُ أبا أيُّوبَ فَصافَحْتُهُ فَرَأى في أظْفارِي طُولًا فَقالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَسْألُهُ عَنْ خَبَرِ السَّماءِ، فَقالَ: يَجِيءُ أحَدُكم يَسْألُ عَنْ خَبَرِ السَّماءِ وأظْفارُهُ كَأنَّها أظْفارُ الطَّيْرِ يَجْتَمِعُ فِيها الخَباثَةُ والتَّفَثُ ؟» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أيُّوبَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ الحَذّاءُ قالَ: حَدَّثَنا الضَّحّاكُ بْنُ زَيْدٍ الأهْوازِيُّ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ «إنَّكَ تَهِمُ قالَ: وما لِي لا أهِمُ ورُفْغُ أحَدِكم بَيْنَ أظْفارِهِ وأنامِلِهِ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «كانَ يُقَلِّمُ أظْفارَهُ ويَقُصُّ شارِبَهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ أنْ يَرُوحَ إلى الجُمُعَةِ». وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البَصْرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ وكِيعٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ، عَنْ حَسّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «أتانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأى رَجُلًا شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ فَقالَ: أما كانَ يَجِدُ هَذا ما يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ ؟ ورَأى رَجُلًا آخَرَ عَلَيْهِ ثِيابٌ وسِخَةٌ فَقالَ: أما كانَ يَجِدُ هَذا ما يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ ؟» حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ السَّدُوسِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو أُمَيَّةَ بْنُ يَعْلى قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: «خَمْسٌ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدَعُهُنَّ في سَفَرٍ ولا حَضَرٍ: المِرْآةُ والمُكْحُلَةُ والمُشْطُ والمِدْرى والسِّواكِ» .
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ وقَّتَ في ذَلِكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ المُثَنّى عَنْ مُعاذٍ قالَ: حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إبْراهِيمَ قالَ: حَدَّثَنا صَدَقَةُ الدَّقِيقِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «وقَّتَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَلْقِ العانَةِ وقَصِّ الشّارِبِ ونَتْفِ الإبْطِ أرْبَعِينَ يَوْمًا» .
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَتَنَوَّرُ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا إدْرِيسُ الحَدّادُ قالَ: حَدَّثَنا عاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا كامِلُ بْنُ العَلاءِ قالَ: حَدَّثَنا حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا أطْلى ولِيَ مَغابِنَهُ بِيَدِهِ» .
حَدَّثَنا (p-٨٣)عَبْدُ الباقِي: حَدَّثَنا مُطَيْرٌ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنا مَعْنُ بْنُ عِيسى عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أطْلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَلاهُ رَجُلٌ فَسَتَرَ عَوْرَتَهُ بِثَوْبٍ وطَلى الرَّجُلُ سائِرَ جَسَدِهِ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: اُخْرُجْ عَنِّي ثُمَّ طَلى النَّبِيُّ ﷺ عَوْرَتَهُ بِيَدِهِ» وقَدْ رَوى حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَتَنَوَّرُ، فَإذا كَثُرَ شَعْرُهُ حَلَقَهُ» .
وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أنَّ عادَتَهُ كانَتِ الحَلْقَ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ الأكْثَرَ الأعَمَّ لِيَصِحَّ الحَدِيثانِ، وأمّا ما ذُكِرَ مِن تَوْقِيتِ الأرْبَعِينَ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ في التَّأْخِيرِ مُقَدَّرَةً بِذَلِكَ وأنَّ تَأْخِيرَها إلى ما بَعْدَ الأرْبَعِينَ مَحْظُورٌ يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ اللَّوْمَ لِمُخالَفَةِ السُّنَّةِ، لا سِيَّما في قَصِّ الشّارِبِ وقَصِّ الأظْفارِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ ذَكَرَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ وزُفَرَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ في شَعْرِ الرَّأْسِ والشّارِبِ أنَّ الإحْفاءَ أفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ عَنْهُ وإنْ كانَ مَعَهُ حَلْقُ بَعْضِ الشَّعْرِ؛ قالَ: وقالَ ابْنُ الهَيْثَمِ عَنْ مالِكٍ إحْفاءُ الشّارِبِ عِنْدِي مُثْلَةٌ قالَ مالِكٌ: وتَفْسِيرُ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ في إحْفاءِ الشّارِبِ الإطارُ، وكانَ يَكْرَهُ أنْ يُؤْخَذَ مِن أعْلاهُ، وإنَّما كانَ يُوَسِّعُ في الإطارِ مِنهُ فَقَطْ وذَكَرَ عَنْهُ أشْهَبُ قالَ: وسَألْتُ مالِكًا عَمَّنْ أحْفى شارِبِهِ قالَ: أرى أنْ يَوْجَعَ ضَرْبًا، لَيْسَ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ في الإحْفاءِ كانَ يَقُولُ لَيْسَ يُبْدِي حَرْفَ الشَّفَتَيْنِ الإطارُ ثُمَّ قالَ: لَمْ يَحْلِقْ شارِبَهُ، هَذِهِ بِدَعٌ تَظْهَرُ في النّاسِ، كانَ عُمَرَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ نَفَخَ فَجَعَلَ يَفْتِلُ شارِبَهُ.
وسُئِلَ الأوْزاعِيُّ عَنِ الرَّجُلِ يَحْلِقُ رَأْسَهُ، فَقالَ: أمّا في الحَضَرِ لا يُعْرَفُ إلّا في يَوْمِ النَّحْرِ، وهو في العُرْفِ وكانَ عَبْدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ يَذْكُرُ فِيهِ فَضْلًا عَظِيمًا.
وقالَ اللَّيْثُ: لا أُحِبُّ أنْ يَحْلِقَ أحَدٌ شارِبَهُ حَتّى يَبْدُوَ الجِلْدُ، وأكْرَهُهُ؛ ولَكِنْ يَقُصُّ الَّذِي عَلى طَرَفِ الشّارِبِ، وأكْرَهُ أنْ يَكُونَ طَوِيلَ الشّارِبِ وقالَ إسْحاقُ بْنُ أبِي إسْرائِيلَ: سَألْتُ عَبْدَ المَجِيدِ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رُوادٍ عَنْ حَلْقِ الرَّأْسِ فَقالَ: أمّا بِمَكَّةَ فَلا بَأْسَ بِهِ؛ لِأنَّهُ بَلَدُ الحَلْقِ، وأمّا في غَيْرِهِ مِنَ البُلْدانِ فَلا، قالَ أبُو جَعْفَرٍ: ولَمْ نَجِدْ في ذَلِكَ عَنِ الشّافِعِيِّ شَيْئًا مَنصُوصًا؛ وأصْحابُهُ الَّذِينَ رَأيْناهم: المُزَنِيُّ والرَّبِيعُ، كانا يُحْفِيانِ شَوارِبَهُما، فَدَلَّ عَلى أنَّهُما أخَذا ذَلِكَ عَنِ الشّافِعِيِّ، وقَدْ رَوَتْ عائِشَةُ وأبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «الفِطْرَةُ عَشْرَةٌ، مِنها قَصُّ الشّارِبِ» .
ورَوى المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ مِن شَوارِبِهِ عَلى سِواكٍ» . وهَذا جائِزٌ مُباحٌ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ أفْضَلَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ فَعَلَهُ لِعَدَمِ آلَةِ الإحْفاءِ في الوَقْتِ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجُزُّ شارِبَهُ»؛ وهَذا يَحْتَمِلُ (p-٨٤)الإحْفاءَ، ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أحْفُوا الشّارِبَ وأعْفُوا اللِّحى» .
ورَوى العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «جُزُّوا الشَّوارِبَ وأرْخُوا اللِّحى» وهَذا يَحْتَمِلُ الإحْفاءَ أيْضًا ورَوى عُمَرُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أحْفُوا الشَّوارِبَ وأعْفُوا اللِّحى» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادَهُ بِالخَبَرِ الأوَّلِ الإحْفاءُ، والإحْفاءُ يَقْتَضِي ظُهُورَ الجِلْدِ بِإزالَةِ الشَّعْرِ، كَما يُقالُ رِجْلٌ حافٍ، إذا لَمْ يَكُنْ في رِجْلِهِ شَيْءٌ ويُقالُ حَفِيَتْ رِجْلُهُ وحَفِيَتِ الدّابَّةُ؛ إذا أصابَ أسْفَلَ رِجْلِها وهْنٌ مِنَ الحَفاءِ قالَ: ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي أُسَيْدَ ورافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وأبِي هُرَيْرَةَ أنَّهم كانُوا يُحْفُونَ شَوارِبَهم وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَطّابٍ: رَأيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَحْلِقُ شارِبَهُ كَأنَّهُ يَنْتِفُهُ. وقالَ بَعْضُهم: حَتّى يُرى بَياضُ الجِلْدِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَمّا كانَ التَّقْصِيرُ مَسْنُونًا في الشّارِبِ عِنْدَ الجَمِيعِ كانَ الحَلْقُ أفْضَلَ؛ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ» ثَلاثًا؛ ودَعا لِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً، فَجَعَلَ حَلْقَ الرَّأْسِ أفْضَلَ مِنَ التَّقْصِيرِ، وما احْتَجَّ بِهِ مالِكٌ أنَّ عُمَرَ كانَ يَفْتِلُ شارِبَهُ إذا غَضِبَ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ كانَ يَتْرُكُهُ حَتّى يُمْكِنَ فَتْلُهُ ثُمَّ يَحْلِقُهُ كَما تَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَفْعَلُهُ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ فَإنَّ الإمامَ مَن يُؤْتَمُّ بِهِ في أُمُورِ الدِّينِ مِن طَرِيقِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأنْبِياءِ أئِمَّةٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِما ألْزَمَ اللَّهُ تَعالى النّاسَ مِنِ اتِّباعِهِمْ والِائْتِمامِ بِهِمْ في أُمُورِ دِينِهِمْ؛ فالخُلَفاءُ أئِمَّةٌ؛ لِأنَّهم رُتِّبُوا في المَحَلِّ الَّذِي يَلْزَمُ النّاسَ اتِّباعُهم وقَبُولُ قَوْلِهِمْ وأحْكامِهِمْ، والقُضاةُ والفُقَهاءُ أئِمَّةٌ أيْضًا، ولِهَذا المَعْنى الَّذِي يُصَلِّي بِالنّاسِ يُسَمّى إمامًا؛ لِأنَّ مَن دَخَلَ في صَلاتِهِ لَزِمَهُ الِاتِّباعُ لَهُ والِائْتِمامُ بِهِ.
وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ إمامًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإذا رَكَعَ فارْكَعُوا، وإذا سَجَدَ فاسْجُدُوا» وقالَ: «لا تَخْتَلِفُوا عَلى إمامِكم» فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ اسْمَ الإمامَةِ مُسْتَحَقٌّ لِمَن يَلْزَمُ اتِّباعُهُ والِاقْتِداءُ بِهِ في أُمُورِ الدِّينِ أوْ في شَيْءٍ مِنها وقَدْ يُسَمّى بِذَلِكَ مَن يُؤْتَمَ بِهِ في الباطِلِ، إلّا أنَّ الإطْلاقَ لا يَتَناوَلُهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١] فَسُمُّوا أئِمَّةً؛ لِأنَّهم أنْزَلُوهم بِمَنزِلَةِ مِن يُقْتَدى بِهِمْ في أُمُورِ الدِّينِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أئِمَّةً يَجِبُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ﴾ [هود: ١٠١] وقالَ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] يَعْنِي في زَعْمِكَ واعْتِقادِكَ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أخْوَفُ ما أخافُ عَلى أُمَّتِي أئِمَّةٌ مُضِلُّونَ» والإطْلاقُ إنَّما يَتَناوَلُ مَن يَجِبُ الِائْتِمامُ بِهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى وفي الحَقِّ (p-٨٥)والهُدى.
ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ قَدْ أفادَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أئِمَّةَ الضَّلالِ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١]
وإذا ثَبَتَ أنَّ اسْمَ الإمامَةِ يَتَناوَلُ ما ذَكَرْناهُ، فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أعْلى رُتْبَةِ الإمامَةِ، ثُمَّ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ العُلَماءُ والقُضاةُ العُدُولُ ومَن ألْزَمَ اللَّهُ تَعالى الِاقْتِداءَ بِهِمْ، ثُمَّ الإمامَةُ في الصَّلاةِ ونَحْوِها، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ جاعِلُهُ لِلنّاسِ إمامًا وأنَّ إبْراهِيمَ سَألَهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ولَدِهِ أئِمَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾؛ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى الأوَّلِ فَكانَ بِمَنزِلَةِ " واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي أئِمَّةً " .
ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ مَسْألَتَهُ تَعْرِيفَهُ هَلْ يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِي أئِمَّةٌ ؟ فَقالَ تَعالى في جَوابِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَحَوى ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ أنَّهُ سَيَجْعَلُ مِن ذُرِّيَّتِهِ أئِمَّةً إمّا عَلى وجْهِ تَعْرِيفِهِ ما سَألَهُ أنْ يُعَرِّفَهُ إيّاهُ، وإمّا عَلى وجْهِ إجابَتِهِ إلى ما سَألَ لِذُرِّيَّتِهِ إذا كانَ قَوْلُهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ مَسْألَتَهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أئِمَّةً، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، وهو مَسْألَتُهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ أئِمَّةً وأنْ يُعَرِّفَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ إجابَةٌ إلى مَسْألَتِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ إجابَةٌ إلى مَسْألَتِهِ لَقالَ: " لَيْسَ في ذُرِّيَّتِكَ أئِمَّةٌ " وقالَ: " لا يَنالُ عَهْدِي مِن ذُرِّيَّتِكَ أحَدٌ " فَلَمّا قالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ الإجابَةَ قَدْ وقَعَتْ لَهُ في أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ أئِمَّةً، ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّ الظّالِمِينَ مِن ذُرِّيَّتِهِ لا يَكُونُونَ أئِمَّةً ولا يَجْعَلُهم مَوْضِعَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ وقَدْ رُوِيَ عَنْ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ أنَّهُ النُّبُوَّةَ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ أرادَ أنَّ الظّالِمَ لا يَكُونُ إمامًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " لا يَلْزَمُ الوَفاءُ بِعَهْدِ الظّالِمِ، فَإذا عَقَدَ عَلَيْكَ في ظُلْمٍ فانْقُضْهُ " . وقالَ الحَسَنُ: " لَيْسَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ يُعْطِيهِمْ عَلَيْهِ خَيْرًا في الآخِرَةِ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ جَمِيعُ ما رُوِيَ مِن هَذِهِ المَعانِي يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، وهو مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ عِنْدَنا، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظّالِمُ نَبِيًّا ولا خَلِيفَةً لِنَبِيٍّ ولا قاضِيًا، ولا مَن يَلْزَمُ النّاسَ قَبُولُ قَوْلِهِ في أُمُورِ الدِّينِ مِن مُفْتٍ أوْ شاهِدٍ أوْ مُخْبِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرًا فَقَدْ أفادَتِ الآيَةُ أنَّ شَرْطَ جَمِيعِ مَن كانَ في مَحَلِّ الِائْتِمامِ بِهِ في أمْرِ الدِّينِ العَدالَةُ والصَّلاحُ، وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أئِمَّةَ الصَّلاةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا صالِحِينَ غَيْرَ فُسّاقٍ ولا ظالِمِينَ لِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى شَرْطِ العَدالَةِ لِمَن نُصِبَ مَنصِبَ الِائْتِمامِ بِهِ في أُمُورِ الدِّينِ؛ لِأنَّ عَهْدَ اللَّهِ هو أوامِرُهُ، فَلَمْ يُجْعَلْ قَبُولُهُ عَنِ الظّالِمِينَ مِنهم وهو ما أوْدَعَهم مِن أُمُورِ دِينِهِ وأجازَ قَوْلَهم فِيهِ وأمَرَ النّاسَ بِقَبُولِهِ مِنهم والِاقْتِداءِ بِهِمْ فِيهِ.
ألا تَرى إلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا (p-٨٦)الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] يَعْنِي أُقَدِّمُ إلَيْكُمُ الأمْرَ بِهِ؛ وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آل عمران: ١٨٣] ومِنهُ عَهْدُ الخُلَفاءِ إلى أُمَرائِهِمْ وقُضاتِهِمْ إنَّما هو ما يَتَقَدَّمُ بِهِ إلَيْهِمْ لِيَحْمِلُوا النّاسَ عَلَيْهِ ويَحْكُمُوا بِهِ فِيهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَهْدَ اللَّهِ إذا كانَ إنَّما هو أوامِرُهُ لَمْ يَخْلُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ مِن أنْ يُرِيدَ أنَّ الظّالِمِينَ غَيْرُ مَأْمُورِينَ أوْ أنَّ الظّالِمِينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا بِمَحَلِّ مَن يُقْبَلُ مِنهم أوامِرُ اللَّهِ تَعالى وأحْكامُهُ ولا يُؤْمَنُونَ عَلَيْها؛ فَلَمّا بَطَلَ الوَجْهُ الأوَّلُ لِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ أوامِرَ اللَّهِ تَعالى لازِمَةٌ لِلظّالِمِينَ كَلُزُومِها لِغَيْرِهِمْ وأنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا سِمَةَ الظُّلْمِ لِتَرْكِهِمْ أوامِرَ اللَّهِ، ثَبَتَ الوَجْهُ الآخَرُ وهو أنَّهم غَيْرُ مُؤْتَمَنِينَ عَلى أوامِرِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ مُقْتَدًى بِهِمْ فِيها، فَلا يَكُونُونَ أئِمَّةً في الدِّينِ، فَثَبَتَ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ بُطْلانُ إمامَةِ الفاسِقِ وأنَّهُ لا يَكُونُ خَلِيفَةً، وأنَّ مَن نَصَّبَ نَفْسَهُ في هَذا المَنصِبِ وهو فاسِقٌ لَمْ يَلْزَمِ النّاسَ اتِّباعُهُ ولا طاعَتُهُ.
وكَذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ» . ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يَكُونُ حاكِمًا، وأنَّ أحْكامَهُ لا تَنْفُذُ إذا ولِيَ الحُكْمَ، وكَذَلِكَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ ولا خَبَرُهُ إذا أخْبَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولا فُتْياهُ إذا كانَ مُفْتِيًا، وأنَّهُ لا يُقَدَّمُ لِلصَّلاةِ، وإنْ كانَ لَوْ قُدِّمَ واقْتَدى بِهِ مُقْتَدٍ كانَتْ صَلاتُهُ ماضِيَةً فَقَدْ حَوى قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ هَذِهِ المَعانِيَ كُلَّها ومِنَ النّاسِ مَن يَظُنُّ أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ تَجْوِيزُ إمامَةِ الفاسِقِ وخِلافَتِهِ وأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحاكِمِ فَلا يُجِيزُ حُكْمَهُ، وذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ وهو المُسَمّى زُرْقانَ وقَدْ كَذَبَ في ذَلِكَ وقالَ بِالباطِلِ، ولَيْسَ هو أيْضًا مِمَّنْ تُقْبَلُ حِكايَتُهُ ولا فَرْقَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ القاضِي وبَيْنَ الخَلِيفَةِ في أنَّ شَرْطَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما العَدالَةُ، وأنَّ الفاسِقَ لا يَكُونُ خَلِيفَةً ولا يَكُونُ حاكِمًا؛ كَما لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ ولا خَبَرُهُ لَوْ رَوى خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكَيْفَ يَكُونُ خَلِيفَةً ورِوايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وأحْكامُهُ غَيْرُ نافِذَةٍ وكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُدْعى ذَلِكَ عَلى أبِي حَنِيفَةَ وقَدْ أكْرَهَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ في أيّامِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى القَضاءِ وضَرَبَهُ فامْتَنَعَ مِن ذَلِكَ وحُبِسَ فَلَجَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ وجَعَلَ يَضْرِبُهُ كُلَّ يَوْمٍ أسْواطًا.
فَلَمّا خِيفَ عَلَيْهِ قالَ لَهُ الفُقَهاءُ: فَتَوَلَّ شَيْئًا مِن أعْمالِهِ أيَّ شَيْءٍ كانَ حَتّى يَزُولَ عَنْكَ هَذا الضَّرْبُ فَتَوَلّى لَهُ عَدَّ أحْمالِ التِّبْنِ الَّذِي يَدْخُلُ، فَخَلّاهُ، ثُمَّ دَعاهُ المَنصُورُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ فَأبى، فَحَبَسَهُ حَتّى عَدَّ لَهُ اللَّبِنَ الَّذِي كانَ يُضْرَبُ لِسُورِ مَدِينَةِ بَغْدادَ وكانَ مَذْهَبُهُ مَشْهُورًا في قِتالِ الظَّلَمَةِ وأئِمَّةِ الجَوْرِ، ولِذَلِكَ قالَ الأوْزاعِيُّ: " احْتَمَلْنا أبا حَنِيفَةَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَتّى جاءَنا بِالسَّيْفِ يَعْنِي قِتالَ الظَّلَمَةِ فَلَمْ نَحْتَمِلْهُ، وكانَ مِن (p-٨٧)قَوْلِهِ: وُجُوبُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَرْضٌ بِالقَوْلِ، فَإنْ لَمْ يُؤْتَمَرْ لَهُ فَبِالسَّيْفِ، عَلى ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وسَألَهُ إبْراهِيمُ الصّائِغُ وكانَ مِن فُقَهاءِ أهْلِ خُراسانَ ورُواةِ الأخْبارِ ونُسّاكِهِمْ عَنِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَقالَ: " هو فَرْضٌ " وحَدَّثَهُ بِحَدِيثٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أفْضَلُ الشُّهَداءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ورَجُلٌ قامَ إلى إمامٍ جائِرٍ فَأمَرَهُ بِالمَعْرُوفِ ونَهاهُ عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلَ» . فَرَجَعَ إبْراهِيمُ إلى مَرْوَ وقامَ إلى أبِي مُسْلِمٍ صاحِبِ الدَّوْلَةِ فَأمَرَهُ ونَهاهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ ظُلْمَهُ وسَفْكَهُ الدِّماءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، فاحْتَمَلَهُ مِرارًا ثُمَّ قَتَلَهُ.
وقَضِيَّتُهُ في أمْرِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ مَشْهُورَةٌ وفي حَمْلِهِ المالَ إلَيْهِ وفُتْياهُ النّاسَ سِرًّا في وُجُوبِ نُصْرَتِهِ والقِتالِ مَعَهُ وكَذَلِكَ أمْرُهُ مَعَ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وقالَ لِأبِي إسْحاقَ الفَزارِيِّ حِينَ قالَ لَهُ: لِمَ أشَرْتَ عَلى أخِي بِالخُرُوجِ مَعَ إبْراهِيمَ حَتّى قُتِلَ ؟ قالَ: مَخْرَجُ أخِيكَ أحَبُّ إلَيَّ مِن مَخْرَجِكَ " .
وكانَ أبُو إسْحاقَ قَدْ خَرَجَ إلى البَصْرَةِ، وهَذا إنَّما أنْكَرَهُ عَلَيْهِ أغْمارُ أصْحابِ الحَدِيثِ الَّذِينَ بِهِمْ فُقِدَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ حَتّى تَغَلَّبَ الظّالِمُونَ عَلى أُمُورِ الإسْلامِ، فَمَن كانَ هَذا مَذْهَبَهُ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كَيْفَ يَرى إمامَةَ الفاسِقِ ؟ فَإنَّما جاءَ غَلَطُ مَن غَلِطَ في ذَلِكَ، إنْ لَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَ الكَذِبَ مِن جِهَةِ قَوْلِهِ وقَوْلِ سائِرِ مَن يَعْرِفُ قَوْلَهُ مِنَ العِراقِيِّينَ، أنَّ القاضِيَ إذا كانَ عَدْلًا في نَفْسِهِ فَوَلِي القَضاءَ مِن قِبَلِ إمامٍ جائِرٍ أنَّ أحْكامَهُ نافِذَةٌ وقَضاياهُ صَحِيحَةٌ وأنَّ الصَّلاةَ خَلْفَهم جائِزَةٌ مَعَ كَوْنِهِمْ فُسّاقًا وظَلَمَةً، وهَذا مَذْهَبٌ صَحِيحٌ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ مِن مَذْهَبِهِ إمامَةَ الفاسِقِ، وذَلِكَ لِأنَّ القاضِيَ إذا كانَ عَدْلًا فَإنَّما يَكُونُ قاضِيًا بِأنْ يُمْكِنَهُ تَنْفِيذُ الأحْكامِ وكانَتْ لَهُ يَدٌ وقُدْرَةٌ عَلى مَنِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِ أحْكامِهِ حَتّى يُجْبِرَهُ عَلَيْها، ولا اعْتِبارَ في ذَلِكَ بِمَن ولّاهُ؛ لِأنَّ الَّذِي ولّاهُ إنَّما هو بِمَنزِلَةِ سائِرِ أعْوانِهِ.
ولَيْسَ شَرْطُ أعْوانِ القاضِي أنْ يَكُونُوا عُدُولًا؛ ألا تَرى أنَّ أهْلَ بَلَدٍ لا سُلْطانَ عَلَيْهِمْ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى الرِّضا بِتَوْلِيَةِ رَجُلٍ عَدْلٍ مِنهُمُ القَضاءَ حَتّى يَكُونُوا أعْوانًا لَهُ عَلى مَنِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِ أحْكامِهِ لَكانَ قَضاؤُهُ نافِذًا وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلايَةٌ مِن جِهَةِ إمامٍ ولا سُلْطانٍ ؟ وعَلى هَذا تَوَلّى شُرَيْحٌ وقُضاةُ التّابِعِينَ القَضاءَ مِن قِبَلِ بَنِي أُمَيَّةَ، وقَدْ كانَ شُرَيْحٌ قاضِيًا بِالكُوفَةِ إلى أيّامِ الحَجّاجِ، ولَمْ يَكُنْ في العَرَبِ ولا آلِ مَرْوانَ أظْلَمُ ولا أكْفَرُ ولا أفْجَرُ مِن عَبْدِ المَلِكِ، ولَمْ يَكُنْ في عُمّالِهِ أكْفَرُ ولا أظْلَمُ ولا أفْجَرُ مِن الحَجّاجِ وكانَ عَبْدُ المَلِكِ أوَّلَ مَن قَطَعَ ألْسِنَةَ النّاسِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ (p-٨٨)والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، صَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: " إنِّي واللَّهِ ما أنا بِالخَلِيفَةِ المُسْتَضْعَفِ يَعْنِي عُثْمانَ ولا بِالخَلِيفَةِ المُصانَعِ يَعْنِي مُعاوِيَةَ وإنَّكم تَأْمُرُونَنا بِأشْياءَ تَنْسَوْنَها في أنْفُسِكم؛ واللَّهِ لا يَأْمُرُنِي أحَدٌ بَعْدَ مَقامِي هَذا بِتَقْوى اللَّهِ إلّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ " وكانُوا يَأْخُذُونَ الأرْزاقَ مِن بُيُوتِ أمْوالِهِمْ وقَدْ كانَ المُخْتارُ الكَذّابُ يَبْعَثُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ وابْنِ عُمَرَ بِأمْوالٍ، فَيَقْبَلُونَها، وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلانَ عَنِ القَعْقاعِ قالَ: كَتَبَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مَرْوانَ إلى ابْنِ عُمَرَ " ارْفَعْ إلَيَّ حَوائِجَكَ " فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اليَدَ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى» وأحْسَبُ أنَّ اليَدَ العُلْيا يَدُ المُعْطِي وأنَّ اليَدَ السُّفْلى يَدُ الآخِذِ، وإنِّي لَسْتُ سائِلَكَ شَيْئًا ولا رادًّا عَلَيْكَ رِزْقًا رَزَقَنِيهِ اللَّهُ مِنكَ، والسَّلامُ وقَدْ كانَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيُّ وسائِرُ التّابِعِينَ يَأْخُذُونَ أرْزاقَهم مِن أيْدِي هَؤُلاءِ الظَّلَمَةِ، لا عَلى أنَّهم كانُوا يَتَوَلَّوْنَهم ولا يَرَوْنَ إمامَتَهم، وإنَّما كانُوا يَأْخُذُونَها عَلى أنَّها حُقُوقٌ لَهم في أيْدِي قَوْمٍ فَجَرَةٍ.
وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ مُوالاتِهِمْ وقَدْ ضَرَبُوا وجْهَ الحَجّاجِ بِالسَّيْفِ، وخَرَجَ عَلَيْهِ مِنَ القُرّاءِ أرْبَعَةُ آلافِ رَجُلٍ هم خِيارُ التّابِعِينَ وفُقَهاؤُهم فَقاتَلُوهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأشْعَثِ بِالأهْوازِ ثُمَّ بِالبَصْرَةِ ثُمَّ بِدَيْرِ الجَماجِمِ مِن ناحِيَةِ الفُراتِ بِقُرْبِ الكُوفَةِ وهم خالِعُونَ لِعَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ لاعِنُونَ لَهم مُتَبَرِّئُونَ مِنهم وكَذَلِكَ كانَ سَبِيلُ مَن قَبْلَهم مَعَ مُعاوِيَةَ حِينَ تَغَلَّبَ عَلى الأمْرِ بَعْدَ قَتْلِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ كانَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ يَأْخُذانِ العَطاءَ وكَذَلِكَ مَن كانَ في ذَلِكَ العَصْرِ مِنَ الصَّحابَةِ وهم غَيْرُ مُتَوَلِّينَ لَهُ بَلْ مُتَبَرِّئُونَ مِنهُ عَلى السَّبِيلِ الَّتِي كانَ عَلَيْها عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ تَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى إلى جَنَّتِهِ ورِضْوانِهِ.
فَلَيْسَ إذًا في وِلايَةِ القَضاءِ مِن قِبَلِهِمْ ولا أخْذِ العَطاءِ مِنهم دَلالَةٌ عَلى تَوْلِيَتِهِمْ واعْتِقادِ إمامَتِهِمْ ورُبَّما احْتَجَّ بَعْضُ أغْبِياءِ الرَّفَضَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ في رَدِّ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُما كانا ظالِمَيْنِ حِينَ كانا مُشْرِكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ وهَذا جَهْلٌ مُفْرِطٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السِّمَةَ إنَّما تَلْحَقُ مَن كانَ مُقِيمًا عَلى الظُّلْمِ، فَأمّا التّائِبُ مِنهُ فَهَذِهِ السِّمَةُ زائِلَةٌ عَنْهُ، فَلا جائِزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ؛ لِأنَّ الحُكْمَ إذا كانَ مُعَلَّقًا بِصِفَةٍ فَزالَتِ الصِّفَةُ زالَ الحُكْمُ، وصِفَةُ الظُّلْمِ صِفَةُ ذَمٍّ، فَإنَّما يَلْحَقُهُ ما دامَ مُقِيمًا عَلَيْهِ، فَإذا زالَ عَنْهُ زالَتِ الصِّفَةِ عَنْهُ؛ كَذَلِكَ يَزُولُ عَنْهُ الحُكْمُ الَّذِي عَلِقَ بِهِ مِن نَفْيِ نَيْلِ العَهْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] إنَّما هو نَهْيٌ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ ما أقامُوا عَلى الظُّلْمِ ؟
(p-٨٩)وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] إنَّما هو ما أقامُوا عَلى الإحْسانِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ لَمْ يَنْفِ بِهِ العَهْدَ عَمَّنْ تابَ عَنْ ظُلْمِهِ؛ لِأنَّهُ في هَذِهِ الحالَةِ لا يُسَمّى ظالِمًا كَما لا يُسَمّى مَوْسُومًا مَن تابَ مِنَ الكُفْرِ كافِرًا.
ومَن تابَ مِنَ الفِسْقِ فاسِقًا، وإنَّما يُقال: كانَ كافِرًا، وكانَ فاسِقًا، وكانَ ظالِمًا؛ واللَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: " لا يَنالُ عَهْدِي مَن كانَ ظالِمًا " وإنَّما نَفى ذَلِكَ عَمَّنْ كانَ مَوْسُومًا بِسِمَةِ الظّالِمِ، والِاسْمُ لازِمٌ لَهُ باقٍ عَلَيْهِ.
البقرة 2:125
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ البَيْتُ إمّا فَإنَّهُ يُرِيدُ بَيْتَ اللَّهِ الحَرامَ، واكْتَفى بِذِكْرِ البَيْتِ مُطْلَقًا لِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلَيْهِ؛ إذْ كانا يَدْخُلانِ لِتَعْرِيفِ المَعْهُودِ أوِ الجِنْسِ، وقَدْ عَلِمَ المُخاطَبُونَ أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الجِنْسَ، فانْصَرَفَ إلى المَعْهُودِ عِنْدَهم وهو الكَعْبَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ رُوِيَ عَنْ الحَسَنِ أنَّ مَعْناهُ أنَّهم يَثُوبُونَ إلَيْهِ في كُلِّ عامٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ عَنْهُ أحَدٌ وهو يَرى أنَّهُ قَدْ قَضى وطَرًا مِنهُ، فَهم يَعُودُونَ إلَيْهِ، وقِيلَ فِيهِ: إنَّهم يَحُجُّونَ إلَيْهِ فَيُثابُونَ عَلَيْهِ،
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ مِن ثابَ يَثُوبُ مَثابَةً وثَوابًا: إذا رَجَعَ؛ قالَ بَعْضُهم: إنَّما أدْخَلَ الهاءَ عَلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ لَمّا كَثُرَ مَن يَثُوبُ إلَيْهِ، كَما يُقالُ: نَسّابَةٌ وعَلّامَةٌ وسَيّارَةٌ وقالَ الفَرّاءُ: هو كَما قِيلَ المَقامَةُ والمَقامُ.
وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لَما تَأوَّلَهُ السَّلَفُ مِن رُجُوعِ النّاسِ إلَيْهِ في كُلِّ عامٍ، ومِن قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ لا يَنْصَرِفُ عَنْهُ أحَدٌ إلّا وهو يُحِبُّ العَوْدَ إلَيْهِ ومِن أنَّهم يَحُجُّونَ إلَيْهِ فَيُثابُونَ؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَلِكَ كُلَّهُ. ويَشْهَدُ لِقَوْلِ مَن قالَ إنَّهم يُحِبُّونَ العَوْدَ إلَيْهِ بَعْدَ الِانْصِرافِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقَدْ نَصَّ هَذا اللَّفْظُ عَلى فِعْلِ الطَّوافِ؛ إذْ كانَ البَيْتُ مَقْصُودًا ومَثابَةً لِلطَّوافِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى وُجُوبِهِ، وإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ بِفِعْلِهِ.
ورُبَّما احْتَجَّ مُوجِبُو العُمْرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إذا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَهُ مَثابَةً لِلنّاسِ يَعُودُونَ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فَقَدِ اقْتَضى العَوْدَ إلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ بَعْدَ الحَجِّ ولَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ دَلِيلُ الإيجابِ، وإنَّما فِيهِ أنَّهُ جَعَلَ لَهُمُ العَوْدَ إلَيْهِ ووَعَدَهُمُ الثَّوابَ عَلَيْهِ، وهَذا إنَّما يَقْتَضِي النَّدْبَ لا الإيجابَ؛ ألا تَرى أنَّ القائِلَ: لَكَ أنْ تَعْتَمِرَ ولَكَ أنْ تُصَلِّيَ، لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الوُجُوبِ وعَلى أنَّهُ لَمْ يُخَصِّصِ العَوْدَ إلَيْهِ بِالعُمْرَةِ دُونَ الحَجِّ ؟ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الحَجَّ فِيهِ طَوافُ القُدُومِ وطَوافُ الزِّيارَةِ وطَوافُ الصَّدَرِ، ويَحْصُلُ بِذَلِكَ كُلِّهِ العَوْدُ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ قَضى عُهْدَةَ اللَّفْظِ.
فَلا دَلالَةَ فِيهِ إذًا عَلى وُجُوبِ العُمْرَةِ.
* *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْنًا﴾ فَإنَّهُ وصَفَ البَيْتَ بِالأمْنِ، والمُرادُ (p-٩٠)جَمِيعُ الحَرَمِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] والمُرادُ الحَرَمُ لا الكَعْبَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّهُ لا يُذْبَحُ في الكَعْبَةِ ولا في المَسْجِدِ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ [الحج: ٢٥] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " وذَلِكَ أنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدٌ " .
وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] والمُرادُ واللَّهُ أعْلَمُ مَنعُهم مِنَ الحَجِّ وحُضُورِهِمْ مَواضِعَ النُّسُكِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﷺ حِينَ بَعَثَ بِالبَراءَةِ مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وأنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ» مُنْبِئًا عَنْ مُرادِ الآيَةِ ؟ وقَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] وقالَ حاكِيًا عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ وصْفَهُ البَيْتَ بِالأمْنِ اقْتَضى جَمِيعَ الحَرَمِ؛ ولِأنَّ حُرْمَةَ الحَرَمِ لَمّا كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالبَيْتِ جازَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ البَيْتِ لِوُقُوعِ الأمْنِ بِهِ وحَظْرِ القِتالِ والقَتْلِ فِيهِ؛ وكَذَلِكَ حُرْمَةُ الأشْهُرِ الحُرُمِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَيْتِ، فَكانَ أمْنُهم فِيها لِأجْلِ الحَجِّ وهو مَعْقُودٌ بِالبَيْتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ إنَّما هو حُكْمٌ مِنهُ بِذَلِكَ لا خَبَرٌ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] كُلُّ هَذا مِن طَرِيقِ الحُكْمِ، لا عَلى وجْهِ الإخْبارِ بِأنَّ مَن دَخَلَهُ لَمْ يَلْحَقْهُ سُوءٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لَوَجَدَ مُخْبِرُهُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ؛ لِأنَّ أخْبارَ اللَّهِ تَعالى لا بُدَّ مِن وُجُودِها عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، وقَدْ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فَأخْبَرَ بِوُقُوعِ القَتْلِ فِيهِ؛ فَدَلَّ أنَّ الأمْرَ المَذْكُورَ إنَّما هو مِن قَبْلِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِالأمْنِ فِيهِ وأنْ لا يُقْتَلَ العائِذُ بِهِ واللّاجِئُ إلَيْهِ.
وكَذَلِكَ كانَ حُكْمُ الحَرَمِ مُنْذُ عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى يَوْمِنا هَذا، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ لِلْحَرَمِ وتَسْتَعْظِمُ القَتْلَ فِيهِ عَلى ما كانَ بَقِيَ في أيْدِيهِمْ مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنا الأوْزاعِيُّ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ ثُمَّ هي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا يُعْضَدُ شَجَرُها ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها ولا تُحَلُّ لُقَطَتُها إلّا لِمُنْشِدِها فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا الإذْخِرَ فَإنَّهُ لِقُبُورِنا وبُيُوتِنا. فَقالَ ﷺ: إلّا الإذْخِرَ» .
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي (p-٩١)شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ القِصَّةِ: " ولا يُخْتَلى خَلاها " . وقالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ، لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي ولَمْ تَحِلَّ لِي إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ» .
ورَوى ابْنُ أبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الكَعْبِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَكَّةَ ولَمْ يُحَرِّمْها النّاسُ، فَلا يُسْفَكَنَّ فِيها دَمٌ وإنَّ اللَّهَ أحَلَّها لِي ساعَةً مِن نَهارٍ ولَمْ يُحِلَّها لِلنّاسِ» . وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضِ وحَظَرَ فِيها سَفْكَ الدِّماءِ، وأنَّ حُرْمَتَها باقِيَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْبَرَ أنَّ مِن تَحْرِيمِها تَحْرِيمَ صَيْدِها وقَطْعَ الشَّجَرِ والخَلا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما وجْهُ اسْتِثْنائِهِ الإذْخِرَ مِنَ الحَظْرِ عِنْدَ مَسْألَةِ العَبّاسِ وقَدْ أطْلَقَ قَبْلَ ذَلِكَ حَظْرَ الجَمِيعِ ومَعْلُومٌ أنَّ النَّسْخَ قَبْلَ التَّمْكِينِ مِنَ الفِعْلِ لا يَجُوزُ ؟ قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى خَيَّرَ نَبِيَّهُ ﷺ في إباحَةِ الإذْخِرِ وحَظْرِهِ عِنْدَ سُؤالِ مَن يَسْألُهُ إباحَتَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] فَخَيَّرَهُ في الإذْنِ عِنْدَ المَسْألَةِ ومَعَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن حُرْمَتِها بِالنَّصِّ والتَّوْقِيفِ، فَإنَّ مِن آياتِها ودَلالاتِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِ لَها ما يُوجِبُ تَعْظِيمَها ما يُشاهَدُ فِيها مِن أمْنِ الصَّيْدِ فِيها وذَلِكَ أنَّ سائِرَ بِقاعِ الحَرَمِ مُشْبِهَةٌ لِبِقاعِ الأرْضِ ويَجْتَمِعُ فِيها الظَّبْيُ والكَلْبُ فَلا يُهِيجُ الكَلْبُ الصَّيْدَ ولا يَنْفِرُ مِنهُ، حَتّى إذا خَرَجا مِنَ الحَرَمِ عَدا الكَلْبُ عَلَيْهِ وعادَ هو إلى النُّفُورِ والهَرَبِ وذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وعَلى تَفْضِيلِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ حَظْرُ صَيْدِ الحَرَمِ وشَجَرِهِ ووُجُوبُ الجَزاءِ عَلى قَتْلِهِ أوْ قَطْعِهِ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ يَدُلُّ عَلى لُزُومِ رَكْعَتَيِ الطَّوافِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ لَمّا اقْتَضى فِعْلَ الطَّوافِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وهو أمْرٌ ظاهِرُهُ الإيجابُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الطَّوافَ مُوجِبٌ لِلصَّلاةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِهِ صَلاةَ الطَّوافِ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جابِرٍ وذَكَرَ حَجَّةَ النَّبِيِّ ﷺ إلى قَوْلِهِ: «اسْتَلَمَ النَّبِيُّ ﷺ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلاثًا ومَشى أرْبَعًا ثُمَّ تَقَدَّمَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ فَقَرَأ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَجَعَلَ المَقامَ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ» .
فَلَمّا تَلا ﷺ عِنْدَ إرادَتِهِ الصَّلاةَ خَلْفَ المَقامِ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ دَلَّ ذَلَكَ عَلى أنَّ (p-٩٢)المُرادَ بِالآيَةِ فِعْلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الطَّوافِ، وظاهِرُهُ أمْرٌ فَهو عَلى الوُجُوبِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ صَلّاهُما عِنْدَ البَيْتِ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ القَوارِيرِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا السّائِبُ عَنْ مُحَمَّدٍ المَخْزُومِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ كانَ يَقُودُ ابْنَ عَبّاسٍ فَيُقِيمُهُ عِنْدَ الشُّقَّةِ الثّالِثَةِ مِمّا يَلِي الرُّكْنَ الَّذِي يَلِي الحَجَرَ مِمّا يَلِي البابَ فَيَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: " أُثْبِتُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي هاهُنا " فَيَقُومُ فَيُصَلِّي.
فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ صَلاةِ الطَّوافِ، ودَلَّ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَها تارَةً عِنْدَ المَقامِ وتارَةً عِنْدَ غَيْرِهِ عَلى أنَّ فِعْلَها عِنْدَهُ لَيْسَ بِواجِبٍ.
ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ القارِي عَنْ عُمَرَ أنَّهُ طافَ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ رَكِبَ وأناخَ بِذِي طَوًى، فَصَلّى رَكْعَتَيْ طَوافِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ صَلّاها في الحَطِيمِ، وعَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ أنَّهُ إنْ لَمْ يُصَلِّ خَلْفَ المَقامِ أجْزَأ. .
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " الحَجُّ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ " . وقالَ " عَطاءٌ: مَقامُ إبْراهِيمَ عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ " .
وقالَ مُجاهِدٌ: " الحَرَمُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ " .
وقالَ السُّدِّيُّ: مَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَجَرُ الَّذِي كانَتْ زَوْجَةُ إسْماعِيلَ وضَعَتْهُ تَحْتَ قَدَمِ إبْراهِيمَ حِينَ غَسَلَتْ رَأْسَهُ، فَوَضَعَ إبْراهِيمُ رِجْلَهُ عَلَيْهِ وهو راكِبٌ فَغَسَلَتْ شِقَّهُ ثُمَّ رَفَعَتْهُ مِن تَحْتِهِ وقَدْ غابَتْ رِجْلُهُ في الحَجَرِ، فَوَضَعَتْهُ تَحْتَ الشِّقِّ الآخَرِ فَغَسَلَتْهُ فَغابَتْ رِجْلُهُ أيْضًا فِيهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مِن شَعائِرِهِ فَقالَ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هو المُرادُ؛ لِأنَّ الحَرَمَ يُسَمّى عَلى الإطْلاقِ مَقامَ إبْراهِيمَ، وكَذَلِكَ سائِرُ المَواضِعِ الَّتِي تَأوَّلَهُ غَيْرُهم عَلَيْها مِمّا ذَكَرْناهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو المُرادُ ما رَوى حُمَيْدٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ عُمَرُ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ» مُصَلًّى فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ ثُمَّ صَلّى فَدَلَّ عَلى أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِذِكْرِ المَقامِ هو الحَجَرُ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أمْرُهُ تَعالى إيّانا بِفِعْلِ الصَّلاةِ، ولَيْسَ لِلصَّلاةِ تَعَلُّقٌ بِالحَرَمِ ولا سائِرِ المَواضِعِ الَّذِي تَأوَّلَهُ عَلَيْها مَن ذَكَرْنا قَوْلَهُ، وهَذا المَقامُ دَلالَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ونُبُوَّةِ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ لِلْحَجَرِ رُطُوبَةَ الطِّينِ حَتّى دَخَلَتْ قَدَمُهُ فِيهِ، وذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَلَّ عَلى نُبُوَّتِهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في المَعْنى المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿مُصَلًّى﴾ فَقالَ فِيهِ مُجاهِدٌ: " مُدَّعًى " وجَعَلَهُ مِنَ الصَّلاةِ؛ إذْ هي الدُّعاءُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقالَ الحَسَنُ: " أرادَ بِهِ قِبْلَةً " .
وقالَ قَتادَةُ (p-٩٣)والسُّدِّيُّ: " أُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ " . وهَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الصَّلاةِ إذا أُطْلِقَ تُعْقَلُ مِنهُ الصَّلاةُ المَفْعُولَةُ بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ، ألا تَرى أنَّ مُصَلّى المِصْرِ هو المَوْضِعُ الَّذِي يُصَلّى فِيهِ صَلاةُ العِيدِ ؟ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: «المُصَلّى أمامَكَ» يَعْنِي بِهِ مَوْضِعَ الصَّلاةِ المَفْعُولَةِ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ أيْضًا فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ تِلاوَتِهِ الآيَةَ.
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ " قِبْلَةٌ " فَذَلِكَ يَرْجِعُ إلى مَعْنى الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَجْعَلُهُ المُصَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ فَيَكُونُ قِبْلَةً لَهُ، وعَلى أنَّ الصَّلاةَ فِيها الدُّعاءُ، فَحَمْلُهُ عَلى الصَّلاةِ أوْلى؛ لِأنَّها تَنْتَظِمُ سائِرَ المَعانِي الَّتِي تَأوَّلُوا عَلَيْها الآيَةَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قالَ قَتادَةُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " طَهِّرا مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ الَّتِي كانَ عَلَيْها المُشْرِكُونَ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ في يَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ " .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «لَمّا كانَ فَتْحُ مَكَّةَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَوَجَدَهم قَدْ نَصَبُوا عَلى البَيْتِ الأوْثانَ فَأمَرَ بِكَسْرِها وجَعَلَ يَطْعَنُ فِيها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ: جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا» . وقِيلَ فِيهِ: طَهِّراهُ مِن فَرْثٍ ودَمٍ كانَ المُشْرِكُونَ يَطْرَحُونَهُ عِنْدَهُ وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ ابْنِياهُ عَلى الطَّهارَةِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ﴾ [التوبة: ١٠٩] الآيَةَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وجَمِيعُ ما ذُكِرَ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ غَيْرَ مُنافِيهِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: " ابْنِياهُ عَلى تَقْوى اللَّهِ وطَهِّراهُ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الفَرْثِ والدَّمِ ومِنَ الأوْثانِ أنْ تُجْعَلَ فِيهِ أوْ تَقْرَبَهُ " . وأمّا " الطّائِفِينَ " فَقَدِ اخْتُلِفَ في مُرادِ الآيَةِ مِنهُ، فَرَوى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: " الطّائِفِينَ " مَن جاءَ مِنَ الحُجّاجِ " والعاكِفِينَ ": أهْلُ مَكَّةَ وهُمُ القائِمُونَ.
ورَوى عَبْدُ المَلِكِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: " العاكِفُونَ ": مَنِ انْتابَهُ مِن أهْلِ الأمْصارِ والمُجاوِرِينَ " . ورَوى أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيِّ قالَ: " إذا كانَ طائِفًا فَهو مِنَ الطّائِفِينَ، وإذا كانَ جالِسًا فَهو مِنَ العاكِفِينَ، وإذا كانَ مُصَلِّيًا فَهو مِنَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ " ورَوى ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قالَ: " الطَّوافُ قَبْلَ الصَّلاةِ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُ الضَّحّاكِ: مَن جاءَ مِنَ الحُجّاجِ فَهو مِنَ الطّائِفِينَ " راجِعٌ أيْضًا إلى مَعْنى الطَّوافِ بِالبَيْتِ؛ لِأنَّ مَن يَقْصِدُ البَيْتَ فَإنَّما يَقْصِدُهُ لِلطَّوافِ بِهِ، إلّا أنَّهُ قَدْ خَصَّ بِهِ الغُرَباءَ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةُ التَّخْصِيصِ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ والغُرَباءَ في فِعْلِ الطَّوافِ سَواءٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَإنَّما تَأوَّلَهُ الضَّحّاكُ عَلى الطّائِفِ الَّذِي هو طارِئٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٩٤)﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] قِيلَ لَهُ: إنَّهُ وإنْ أرادَ ذَلِكَ فالطَّوافُ مُرادٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ الطّارِئَ إنَّما يَقْصِدُهُ لِلطَّوافِ فَجَعَلَهُ هو خاصًّا في بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وهَذا لا دَلالَةَ لَهُ فِيهِ، فالواجِبُ إذًا حَمْلُهُ عَلى فِعْلِ الطَّوافِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: والعاكِفِينَ مَن يَعْتَكِفُ فِيهِ؛ وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: الِاعْتِكافُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَخَصَّ البَيْتَ في هَذا المَوْضِعِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: المُقِيمُونَ بِمَكَّةَ اللّائِذُونَ بِهِ، إذا كانَ الِاعْتِكافُ هو اللُّبْثُ، وقِيلَ في العاكِفِينَ: المُجاوِرُونَ، وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ، وذَلِكَ كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى مَعْنى اللُّبْثِ والإقامَةِ في المَوْضِعِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهو عَلى قَوْلِ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ الطّائِفِينَ عَلى الغُرَباءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّوافَ لِلْغُرَباءِ أفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ؛ وذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ قَدْ أفادَ لا مَحالَةَ الطَّوافَ لِلْغُرَباءِ؛ إذْ كانُوا إنَّما يَقْصِدُونَهُ لِلطَّوافِ، وأفادَ جَوازَ الِاعْتِكافِ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿والعاكِفِينَ﴾ وأفادَ فِعْلَ الصَّلاةِ فِيهِ أيْضًا وبِحَضْرَتِهِ، فَخَصَّ الغُرَباءَ بِالطَّوافِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ فِعْلَ الطَّوافِ لِلْغُرَباءِ أفْضَلُ مِن فِعْلِ الصَّلاةِ والِاعْتِكافِ الَّذِي هو لُبْثٌ مِن غَيْرِ طَوافٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ: أنَّ الطَّوافَ لِأهْلِ الأمْصارِ أفْضَلُ، والصَّلاةَ لِأهْلِ مَكَّةَ أفْضَلُ؛ فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ مَعانِيَ، مِنها: فِعْلُ الطَّوافِ في البَيْتِ وهو قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ الثَّوابَ، وأنَّهُ لِلْغُرَباءِ أفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ وفِعْلُ الِاعْتِكافِ في البَيْتِ وبِحَضْرَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿والعاكِفِينَ﴾
وقَدْ دَلَّ أيْضًا عَلى جَوازِ الصَّلاةِ في البَيْتِ فَرْضًا كانَتْ أوْ نَفْلًا؛ إذْ لَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها، وهو خِلافُ قَوْلِ مالِكٍ في امْتِناعِهِ مِن جَوازِ فِعْلِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ في البَيْتِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ صَلّى في البَيْتِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ» فَتِلْكَ الصَّلاةُ لا مَحالَةَ كانَتْ تَطَوُّعًا؛ لِأنَّهُ صَلّاها حِينَ دَخَلَ ضُحًى ولَمْ يَكُنْ وقْتَ صَلاةٍ. وقَدْ دَلَّ أيْضًا عَلى جَوازِ الجِوارِ بِمَكَّةَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والعاكِفِينَ﴾ يَحْتَمِلُهُ إذا كانَ اسْمًا لِلُّبْثِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ؛ عَلى أنَّ عَطاءً وغَيْرَهُ قَدْ تَأوَّلَهُ عَلى المُجاوِرِينَ، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ الطَّوافَ قَبْلَ الصَّلاةِ لِما تَأوَّلَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى ما قَدَّمْناهُ.
فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ في تَقْدِيمِ الطَّوافِ عَلى الصَّلاةِ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى التَّرْتِيبِ؛ لِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُهُ، قِيلَ لَهُ: قَدِ اقْتَضى اللَّفْظُ فِعْلَ الطَّوافِ والصَّلاةِ جَمِيعًا، وإذا ثَبَتَ طَوافٌ مَعَ صَلاةٍ فالطَّوافُ لا مَحالَةَ مُقَدَّمٌ عَلَيْها مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ . والثّانِي: اتِّفاقُ أهْلِ العِلْمِ عَلى تَقْدِيمِهِ عَلَيْها. فَإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ عَلى ما ذَكَرْنا مِن دَلالَةِ الآيَةِ عَلى جَوازِ فِعْلِ الصَّلاةِ في البَيْتِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا دَلالَةَ (p-٩٥)فِي اللَّفْظِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ " والرُّكَّعِ السُّجُودِ في البَيْتِ " وكَما لَمْ يَدُلَّ عَلى جَوازِ فِعْلِ الطَّوافِ في جَوْفِ البَيْتِ وإنَّما دَلَّ عَلى فِعْلِهِ خارِجَ البَيْتِ كَذَلِكَ دَلالَتُهُ مَقْصُورَةٌ عَلى جَوازِ فِعْلِ الصَّلاةِ إلى البَيْتِ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِ قِيلَ لَهُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قَدِ اقْتَضى فِعْلَ ذَلِكَ في البَيْتِ كَما دَلَّ عَلى جَوازِ فِعْلِ الِاعْتِكافِ في البَيْتِ، وإنَّما خَرَجَ مِنهُ الطَّوافُ في كَوْنِهِ مَفْعُولًا خارِجَ البَيْتِ بِدَلِيلِ الِاتِّفاقِ.
ولِأنَّ الطَّوافَ بِالبَيْتِ إنَّما هو بِأنْ يَطُوفَ حَوالَيْهِ خارِجًا مِنهُ؛ ولا يُسَمّى طائِفًا بِالبَيْتِ مَن طافَ في جَوْفِهِ؛ واللَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أمَرَنا بِالطَّوافِ بِهِ لا بِالطَّوافِ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ومَن صَلّى داخِلَ البَيْتِ يَتَناوَلُهُ الإطْلاقُ بِفِعْلِ الصَّلاةِ فِيهِ وأيْضًا لَوْ كانَ المُرادُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ لَما كانَ لِذِكْرِ تَطْهِيرِ البَيْتِ لِلرُّكَّعِ والسُّجُودِ وجْهٌ؛ إذْ كانَ حاضِرُو البَيْتِ والنّاءُونَ عَنْهُ سَواءً في الأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَطْهِيرَهُ إنَّما هو لِحاضِرِيهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ دُونَ فِعْلِ الصَّلاةِ فِيهِ؛ ألا تَرى أنَّهُ أمَرَ بِتَطْهِيرِ نَفْسِ البَيْتِ لِلرُّكَّعِ السُّجُودِ وأنْتَ مَتى حَمَلْتَهُ عَلى الصَّلاةِ خارِجًا كانَ التَّطْهِيرُ لِما حَوْلَ البَيْتِ ؟ وأيْضًا إذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلْأمْرَيْنِ فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِما، فَيَكُونانِ جَمِيعًا مُرادَيْنِ، فَيَجُوزُ في البَيْتِ وخارِجَهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] كَذَلِكَ قالَ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وذَلِكَ يَقْتَضِي فِعْلَها خارِجَ البَيْتِ فَيَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى شَطْرِهِ، قِيلَ لَهُ: لَوْ حَمَلْتَ اللَّفْظَ عَلى حَقِيقَتِهِ فَعَلى قَضِيَّتِكَ أنَّهُ لا تَجُوزُ الصَّلاةُ في المَسْجِدِ الحَرامِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] ومَتى كانَ فِيهِ فَعَلى قَوْلِكَ لا يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِ فَإنْ قالَ: أرادَ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ البَيْتَ نَفْسَهُ؛ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ التَّوَجُّهَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ لا يُوجِبُ جَوازَ الصَّلاةِ إذا لَمْ يَكُنْ مُتَوَجِّهًا إلى البَيْتِ.
قِيلَ لَهُ: فَمَن كانَ في جَوْفِ البَيْتِ هو مُتَوَجِّهٌ شَطْرَ البَيْتِ؛ لِأنَّ شَطْرَهُ ناحِيَتُهُ، ولا مَحالَةَ أنَّ مَن كانَ فِيهِ فَهو مُتَوَجِّهٌ إلى ناحِيَتِهِ؛ ألا تَرى أنَّ مَن كانَ خارِجَ البَيْتِ فَتَوَجَّهَ إلَيْهِ فَإنَّما يَتَوَجَّهُ إلى ناحِيَةٍ مِنهُ دُونَ جَمِيعِهِ.
وكَذَلِكَ مَن كانَ في البَيْتِ فَهو مُتَوَجِّهٌ شَطْرَهُ، فَفِعْلُهُ مُطابِقٌ لِظاهِرِ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] إذْ مَن كانَ في البَيْتِ فَهو مُتَوَجِّهٌ إلى ناحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ ومِنَ المَسْجِدِ جَمِيعًا.
قالَ أبُو بَكْرٍ: والَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِنَ (p-٩٦)الطَّوافِ عامٌّ في سائِرِ ما يُطافُ مِنَ الفَرْضِ والواجِبِ والنَّدْبِ؛ لِأنَّ الطَّوافَ عِنْدَنا عَلى هَذِهِ الأنْحاءِ الثَّلاثَةِ، فالفَرْضُ هو طَوافُ الزِّيارَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] والواجِبُ هو طَوافُ الصَّدَرِ، ووُجُوبُهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن حَجَّ البَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ الطَّوافَ» والمَسْنُونُ والمَندُوبُ إلَيْهِ ولَيْسَ بِواجِبٍ طَوافُ القُدُومِ لِلْحَجِّ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ حاجًّا، فَأمّا طَوافُ الزِّيارَةِ فَإنَّهُ لا يَنُوبُ عَنْهُ شَيْءٌ، يَبْقى الحاجُّ مُحْرِمًا مِنَ النِّساءِ حَتّى يَطُوفَهُ، وأمّا طَوافُ الصَّدَرِ فَإنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ دَمًا إذا رَجَعَ الحاجُّ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَطُفْهُ، وأمّا طَوافُ القُدُومِ فَإنَّ تَرْكَهُ لا يُوجِبُ شَيْئًا؛ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
البقرة 2:126
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ الآيَةَ؛ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مَعْنى " مَأْمُونٍ فِيهِ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] يَعْنِي مَرْضِيَّةً. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ " أهْلَ البَلَدِ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] مَعْناهُ: أهْلَها؛ وهو مَجازٌ؛ لِأنَّ الأمْنَ والخَوْفَ لا يَلْحَقانِ البَلَدَ وإنَّما يَلْحَقانِ مَن فِيهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في الأمْنِ المَسْؤُولِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قائِلُونَ: سَألَ الأمْنَ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ؛ لِأنَّهُ أسْكَنَ أهْلَهُ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ، ولَمْ يَسْألْهُ الأمْنَ مِنَ الخَسْفِ والقَذْفِ؛ لِأنَّهُ كانَ آمِنًا مِن ذَلِكَ قَبْلُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ سَألَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو كَقَوْلِهِ (p-٩٨)تَعالى: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ والمُرادُ واللَّهِ أعْلَمُ بِذَلِكَ الأمْنُ مِنَ القَتْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ سَألَهُ مَعَ رِزْقِهِمْ مِنَ الثَّمَراتِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وقالَ عَقِيبَ مَسْألَةِ الأمْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ثُمَّ قالَ في سِياقِ القِصَّةِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] فَذَكَرَ مَعَ مَسْألَتِهِ الأمْنَ وأنْ يَرْزُقَهم مِنَ الثَّمَراتِ، فالأوْلى حَمْلُ مَعْنى مَسْألَةِ الأمْنِ عَلى فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ غَيْرِ ما ذَكَرَهُ في سِياقِ القِصَّةِ ونَصَّ عَلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بِأمْنِها مِنَ القَتْلِ قَدْ كانَ مُتَقَدِّمًا لِعَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي ولا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» يَعْنِي القِتالَ فِيها؛ فَسَألَهُ إدامَةَ هَذا الحُكْمِ فِيها وتَبْقِيَتَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ بَعْدَهُ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّها لَمْ تَكُنْ حَرَمًا ولا أمْنًا قَبْلَ مَسْألَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ» . والأخْبارُ المَرْوِيَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ وأنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي ولا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي، أقْوى وأصَحُّ مِن هَذا الخَبَرِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا دَلالَةَ فِيهِ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ حَرامًا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَرَّمَها بِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاها قَبْلَ ذَلِكَ فاتَّبَعَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى فِيها.
ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى نَفْيِ تَحْرِيمِها قَبْلَ عَهْدِ إبْراهِيمَ مِن غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي صارَتْ بِهِ حَرامًا بَعْدَ الدَّعْوَةِ، والوَجْهُ الأوَّلُ يَمْنَعُ مِنِ اصْطِلامِ أهْلِها ومِنَ الخَسْفِ بِهِمْ والقَذْفِ الَّذِي لَحِقَ غَيْرَها وبِما جَعَلَ في النُّفُوسِ مِن تَعْظِيمِها والهَيْبَةِ لَها، والوَجْهُ الثّانِي بِالحُكْمِ بِأمْنِها عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ اسْتِجابَتَهُ لِدَعْوَتِهِ وإخْبارَهُ أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ أيْضًا بِمَن كَفَرَ مِنهم في الدُّنْيا، وقَدْ كانَتْ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ خاصَّةً لِمَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَدَلَّتْ " الواوُ " الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ عَلى إجابَةِ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ وعَلى اسْتِقْبالِ الأخْبارِ بِمُتْعَةِ مَن كَفَرَ قَلِيلًا، ولَوْلا الواوُ لَكانَ كَلامًا مُنْقَطِعًا مِنَ الأوَّلِ غَيْرَ دالٍّ عَلى اسْتِجابَةِ دَعَوْتِهِ فِيما سَألَهُ، وقِيلَ في مَعْنى ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ أنَّهُ إنَّما يُمَتِّعُهُ بِالرِّزْقِ الَّذِي يَرْزُقُهُ (p-٩٩)إلى وقْتِ مَماتِهِ.
وقِيلَ: " أُمَتِّعُهُ " بِالبَقاءِ في الدُّنْيا " وقالَ الحَسَنُ: " أُمَتِّعُهُ " بِالرِّزْقِ والأمْنِ إلى خُرُوجِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَقْتُلُهُ إنْ قامَ عَلى كُفْرِهِ أوْ يُجْلِيهِ عَنْها " . فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ حَظْرَ قَتْلِ مَن لَجَأ إلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ مَعَ وُقُوعِ الِاسْتِجابَةِ لَهُ، والثّانِي: قَوْلُهُ ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾؛ لِأنَّهُ قَدْ نَفى قَتْلَهُ بِذِكْرِ المُتْعَةِ إلى وقْتِ الوَفاةِ.
البقرة 2:127
﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ الآيَةَ. قَواعِدُ البَيْتِ: أساسُهُ، وقَدِ اخْتُلِفَ في بِناءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ بَناهُ عَلى قَواعِدَ قَدِيمَةٍ أوْ أنْشَأها هو ابْتِداءً ؟ فَرَوى مَعْمَرٌ عَنْ أيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ قالَ: " القَواعِدُ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ قَواعِدُ البَيْتِ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَطاءٍ ورَوى مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: " خَلَقَ اللَّهُ البَيْتَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِ " . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ المَلائِكَةَ كانَتْ تَحُجُّ البَيْتَ قَبْلَ آدَمَ، ثُمَّ حَجَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ» .
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْشَأهُ بِأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ، وقالَ الحَسَنُ: " أوَّلُ مَن حَجَّ البَيْتَ إبْراهِيمُ " . واخْتُلِفَ في البانِي مِنهُما لِلْبَيْتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " كانَ إبْراهِيمُ يَبْنِي وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ " وهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ إضافَةِ فِعْلِ البِناءِ إلَيْهِما وإنْ كانَ أحَدُهُما مَعْنِيًّا فِيهِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ قُلْنا في قَوْلِهِ ﷺ لِعائِشَةَ: «لَوْ قَدْ مُتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ ودَفَنْتُكِ» يَعْنِي أعَنْتُ في غَسْلِكَ.
وقالَ السُّدِّيُّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: " هُما بَنَياهُ جَمِيعًا " . وقِيلَ في رِوايَةٍ شاذَّةٍ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ رَفَعَها وكانَ إسْماعِيلُ صَغِيرًا في وقْتِ رَفْعِها؛ وهو غَلَطٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أضافَ الفِعْلَ إلَيْهِما، وكَذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِما إذا رَفَعاهُ جَمِيعًا، أوْ رَفَعَ أحَدُهُما وناوَلَهُ الآخَرُ الحِجارَةَ، والوَجْهانِ الأوَّلانِ جائِزانِ، والوَجْهُ الثّالِثُ لا يَجُوزُ، ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] اقْتَضى ذَلِكَ الطَّوافَ بِجَمِيعِ البَيْتِ.
ورَوى هِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ اقْتَصَرُوا في بِناءِ الكَعْبَةِ، فادْخُلِي الحِجْرَ وصَلِّي عِنْدَهُ» .
ولِذَلِكَ طافَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ حَوْلَ الحَجَرِ لِيَحْصُلَ اليَقِينُ بِالطَّوافِ بِجَمِيعِ البَيْتِ؛ ولِذَلِكَ أدْخَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ في البَيْتِ لَمّا بَناهُ حِينَ احْتَرَقَ، ثُمَّ لَمّا جاءَ الحَجّاجُ أخْرَجَهُ مِنهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ مَعْناهُ: " يَقُولانِ رَبَّنا تَقْبَلْ " فَحُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] يَعْنِي: " يَقُولُونَ أخْرِجُوا أنْفُسَكم " . والتَّقَبُّلُ: هو إيجابُ (p-١٠٠)الثَّوابِ عَلى العَمَلِ، وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ كَوْنَ بِناءِ المَساجِدِ قُرْبَةً؛ لِأنَّهُما بَنَياهُ لِلَّهِ تَعالى فَأُخْبِرا بِاسْتِحْقاقِ الثَّوابِ بِهِ؛ وهو كَقَوْلِهِ ﷺ: «مَن بَنى مَسْجِدًا ولَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطاةٍ بَنى اللَّهُ لَهُ بِهِ بَيْتًا في الجَنَّةِ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ يُقالُ: إنَّ أصْلَ النُّسُكِ في اللُّغَةِ الغَسْلُ، يُقالُ مِنهُ: نَسَكَ ثَوْبَهُ إذا غَسَلَهُ، وقَدْ أُنْشِدَ فِيهِ بَيْتُ شِعْرٍ:
؎ولا يُنْبِتُ المَرْعى سِباخُ عَراعِرِ ولَوْ نُسِكَتْ بِالماءِ سِتَّةَ أشْهُرِ
وفِي الشَّرْعِ: اسْمٌ لِلْعِبادَةِ، يُقالُ: رَجُلٌ ناسِكٌ، أيْ: عابِدٌ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأضْحى فَقالَ «إنَّ أوَّلَ نُسُكِنا في هَذا اليَوْمِ الصَّلاةُ ثُمَّ الذَّبْحُ» .
فَسَمّى الصَّلاةَ نُسُكًا، والذَّبِيحَةُ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ تُسَمّى نُسُكًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] يَعْنِي ذَبْحَ شاةٍ، ومَناسِكُ الحَجِّ: ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الذَّبْحِ وسائِرِ أفْعالِهِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» والأظْهَرُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ سائِرُ أعْمالِ الحَجِّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُما بِبِناءِ البَيْتِ لِلْحَجِّ، وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي لَيْلى عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَراحَ بِهِ إلى مَكَّةَ ثُمَّ مِنًى» وذَكَرَ أفْعالَ الحَجِّ عَلى نَحْوِ ما فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ في حَجَّتِهِ، قالَ: ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وكَذَلِكَ أرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قَوْمٍ بِعَرَفاتٍ وُقُوفٍ خَلْفَهُ وهو واقِفٌ بِها فَقالَ: «كُونُوا عَلى مَشاعِرِكم فَإنَّكم عَلى إرْثٍ مِن إرْثِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] يَدُلُّ عَلى لُزُومِ اتِّباعِ إبْراهِيمَ في شَرائِعِهِ فِيما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ. وأفادَ بِذَلِكَ أنَّ مَن رَغِبَ عَنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهو راغِبٌ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ إذْ كانَتْ مِلَّةُ النَّبِيِّ ﷺ مُنْتَظِمَةً لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ وزائِدَةً عَلَيْها.
البقرة 2:128
﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ الآيَةَ. قَواعِدُ البَيْتِ: أساسُهُ، وقَدِ اخْتُلِفَ في بِناءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ بَناهُ عَلى قَواعِدَ قَدِيمَةٍ أوْ أنْشَأها هو ابْتِداءً ؟ فَرَوى مَعْمَرٌ عَنْ أيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ قالَ: " القَواعِدُ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ قَواعِدُ البَيْتِ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَطاءٍ ورَوى مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: " خَلَقَ اللَّهُ البَيْتَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِ " . ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ المَلائِكَةَ كانَتْ تَحُجُّ البَيْتَ قَبْلَ آدَمَ، ثُمَّ حَجَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ» .
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْشَأهُ بِأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ، وقالَ الحَسَنُ: " أوَّلُ مَن حَجَّ البَيْتَ إبْراهِيمُ " . واخْتُلِفَ في البانِي مِنهُما لِلْبَيْتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " كانَ إبْراهِيمُ يَبْنِي وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ " وهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ إضافَةِ فِعْلِ البِناءِ إلَيْهِما وإنْ كانَ أحَدُهُما مَعْنِيًّا فِيهِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ قُلْنا في قَوْلِهِ ﷺ لِعائِشَةَ: «لَوْ قَدْ مُتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ ودَفَنْتُكِ» يَعْنِي أعَنْتُ في غَسْلِكَ.
وقالَ السُّدِّيُّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: " هُما بَنَياهُ جَمِيعًا " . وقِيلَ في رِوايَةٍ شاذَّةٍ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ رَفَعَها وكانَ إسْماعِيلُ صَغِيرًا في وقْتِ رَفْعِها؛ وهو غَلَطٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أضافَ الفِعْلَ إلَيْهِما، وكَذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِما إذا رَفَعاهُ جَمِيعًا، أوْ رَفَعَ أحَدُهُما وناوَلَهُ الآخَرُ الحِجارَةَ، والوَجْهانِ الأوَّلانِ جائِزانِ، والوَجْهُ الثّالِثُ لا يَجُوزُ، ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] اقْتَضى ذَلِكَ الطَّوافَ بِجَمِيعِ البَيْتِ.
ورَوى هِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ اقْتَصَرُوا في بِناءِ الكَعْبَةِ، فادْخُلِي الحِجْرَ وصَلِّي عِنْدَهُ» .
ولِذَلِكَ طافَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ حَوْلَ الحَجَرِ لِيَحْصُلَ اليَقِينُ بِالطَّوافِ بِجَمِيعِ البَيْتِ؛ ولِذَلِكَ أدْخَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ في البَيْتِ لَمّا بَناهُ حِينَ احْتَرَقَ، ثُمَّ لَمّا جاءَ الحَجّاجُ أخْرَجَهُ مِنهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ مَعْناهُ: " يَقُولانِ رَبَّنا تَقْبَلْ " فَحُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] يَعْنِي: " يَقُولُونَ أخْرِجُوا أنْفُسَكم " . والتَّقَبُّلُ: هو إيجابُ (p-١٠٠)الثَّوابِ عَلى العَمَلِ، وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ كَوْنَ بِناءِ المَساجِدِ قُرْبَةً؛ لِأنَّهُما بَنَياهُ لِلَّهِ تَعالى فَأُخْبِرا بِاسْتِحْقاقِ الثَّوابِ بِهِ؛ وهو كَقَوْلِهِ ﷺ: «مَن بَنى مَسْجِدًا ولَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطاةٍ بَنى اللَّهُ لَهُ بِهِ بَيْتًا في الجَنَّةِ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ يُقالُ: إنَّ أصْلَ النُّسُكِ في اللُّغَةِ الغَسْلُ، يُقالُ مِنهُ: نَسَكَ ثَوْبَهُ إذا غَسَلَهُ، وقَدْ أُنْشِدَ فِيهِ بَيْتُ شِعْرٍ:
؎ولا يُنْبِتُ المَرْعى سِباخُ عَراعِرِ ولَوْ نُسِكَتْ بِالماءِ سِتَّةَ أشْهُرِ
وفِي الشَّرْعِ: اسْمٌ لِلْعِبادَةِ، يُقالُ: رَجُلٌ ناسِكٌ، أيْ: عابِدٌ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأضْحى فَقالَ «إنَّ أوَّلَ نُسُكِنا في هَذا اليَوْمِ الصَّلاةُ ثُمَّ الذَّبْحُ» .
فَسَمّى الصَّلاةَ نُسُكًا، والذَّبِيحَةُ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ تُسَمّى نُسُكًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] يَعْنِي ذَبْحَ شاةٍ، ومَناسِكُ الحَجِّ: ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الذَّبْحِ وسائِرِ أفْعالِهِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» والأظْهَرُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ سائِرُ أعْمالِ الحَجِّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُما بِبِناءِ البَيْتِ لِلْحَجِّ، وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي لَيْلى عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتى جِبْرِيلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَراحَ بِهِ إلى مَكَّةَ ثُمَّ مِنًى» وذَكَرَ أفْعالَ الحَجِّ عَلى نَحْوِ ما فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ في حَجَّتِهِ، قالَ: ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وكَذَلِكَ أرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قَوْمٍ بِعَرَفاتٍ وُقُوفٍ خَلْفَهُ وهو واقِفٌ بِها فَقالَ: «كُونُوا عَلى مَشاعِرِكم فَإنَّكم عَلى إرْثٍ مِن إرْثِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] يَدُلُّ عَلى لُزُومِ اتِّباعِ إبْراهِيمَ في شَرائِعِهِ فِيما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ. وأفادَ بِذَلِكَ أنَّ مَن رَغِبَ عَنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهو راغِبٌ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ إذْ كانَتْ مِلَّةُ النَّبِيِّ ﷺ مُنْتَظِمَةً لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ وزائِدَةً عَلَيْها.
البقرة 2:133
بابٌ مِيراثُ الجَدِّ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا﴾ فَسَمّى الجَدَّ والعَمَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أبًا، وقالَ تَعالى حاكِيًا عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] وقَدِ احْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِذَلِكَ في تَوْرِيثِ الجَدِّ دُونَ الإخْوَةِ.
ورَوى الحَجّاجُ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " مَن شاءَ لاعَنْتُهُ عِنْدَ الحَجَرِ الأسْوَدِ أنَّ الجَدَّ أبٌ واللَّهِ ما ذَكَرَ اللَّهُ جَدًّا ولا جَدَّةً إلّا أنَّهُمُ الآباءُ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]
(p-١٠١)واحْتِجاجُ ابْنِ عَبّاسٍ في تَوْرِيثِ الجَدِّ دُونَ الإخْوَةِ وإنْزالِهِ مَنزِلَةَ الأبِ في المِيراثِ عِنْدَ فَقْدِهِ يَقْتَضِي جَوازَ الِاحْتِجاجِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] في اسْتِحْقاقِهِ الثُّلُثَيْنِ دُونَ الإخْوَةِ كَما يَسْتَحِقُّ الأبُ دُونَهم إذا كانَ باقِيًا؛ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ إطْلاقَ اسْمِ الأبِ يَتَناوَلُ الجَدَّ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُ وحُكْمُ الأبِ في المِيراثِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ أبٌ؛ وهو مَذْهَبُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ في آخَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ، قالَ عُثْمانُ: قَضى أبُو بَكْرٍ أنَّ الجَدَّ أبٌ، وأطْلَقَ اسْمَ الأُبُوَّةِ عَلَيْهِ. وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ في الجَدِّ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الإخْوَةِ ما لَمْ تَنْقُصْهُ المُقاسَمَةُ مِنَ الثُّلُثِ فَيُعْطى الثُّلُثَ ولَمْ يُنْقَصْ مِنهُ شَيْئًا. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى بِقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجَدِّ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ أحَدِ الإخْوَةِ ما لَمْ تَنْقُصْهُ المُقاسَمَةُ مِنَ السُّدُسِ، فَيُعْطى السُّدُسَ ولَمْ يُنْقَصْ مِنهُ شَيْئًا، وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ الصَّحابَةِ فِيهِ في شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحاوِيِّ، والحِجاجَ لِلْفَرْقِ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ إلّا أنَّ الحِجاجَ بِالآيَةِ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ظاهِرُ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ أبًا، والثّانِي: احْتِجاجُ ابْنِ عَبّاسٍ بِذَلِكَ وإطْلاقُهُ أنَّ الجَدَّ أبٌ، وكَذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؛ لِأنَّهُما مِن أهْلِ اللِّسانِ لا يَخْفى عَلَيْهِما حُكْمُ الأسْماءِ مِن طَرِيقِ اللُّغَةِ؛ وإنْ كانا أطْلَقاهُ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ فَحُجَّتُهُ ثابِتَةٌ؛ إذْ كانَتْ أسْماءُ الشَّرْعِ طَرِيقُها التَّوْقِيفُ، ومَن يَدْفَعُ الِاحْتِجاجَ بِهَذا الظّاهِرِ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ سَمّى العَمَّ أبًا في الآيَةِ لِذِكْرِهِ إسْماعِيلَ فِيها وهو عَمُّهُ ولا يَقُومُ مَقامَ الأبِ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رُدُّوا عَلَيَّ أبِي» يَعْنِي العَبّاسَ وهو عَمُّهُ
قالَ أبُو بَكْرٍ: ويُعْتَرَضُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ أنَّ الجَدَّ إنَّما سُمِّيَ أبًا عَلى وجْهِ المَجازِ لِجَوازِ انْتِفاءِ اسْمِ الأبِ عَنْهُ؛ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ لِلْجَدِّ إنَّهُ لَيْسَ بِأبٍ لَكانَ ذَلِكَ نَفْيًا صَحِيحًا، وأسْماءُ الحَقائِقِ لا تَنْتَفِي عَنْ مُسَمَّياتِها بِحالٍ.
ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الجَدَّ إنَّما سُمِّيَ أبًا بِتَقْيِيدٍ، والإطْلاقُ لا يَتَناوَلُهُ، فَلا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ فِيهِ بِعُمُومِ لَفْظِ الأبَوَيْنِ في الآيَةِ، ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الأبَ الأدْنى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ﴾ [النساء: ١١] مُرادٌ بِالآيَةِ فَلا جائِزَ أنْ يُرادَ بِهِ الجَدُّ؛ لِأنَّهُ مَجازٌ ولا يَتَناوَلُ الإطْلاقُ لِلْحَقِيقَةِ والمَجازِ في لَفْظٍ واحِدٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا دَفْعُ الِاحْتِجاجِ بِعُمُومِ لَفْظِ الأبِ في إثْباتِ الجَدِّ أبًا مِن حَيْثُ سُمِّيَ العَمُّ أبًا في الآيَةِ مَعَ اتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ الأبِ بِحالٍ، فَإنَّهُ مِمّا لا يُعْتَمَدُ؛ لِأنَّ إطْلاقَ اسْمِ الأبِ إنْ كانَ يَتَناوَلُ الجَدَّ والعَمَّ في اللُّغَةِ والشَّرْعِ فَجائِزٌ اعْتِبارُ عُمُومِهِ في سائِرِ ما أُطْلِقَ فِيهِ، فَإنْ خُصَّ العَمُّ بِحُكْمٍ (p-١٠٢)دُونَ الجَدِّ لا يَمْنَعُ ذَلِكَ بَقاءَ حُكْمِ العُمُومِ في الجَدِّ ويَخْتَلِفانِ أيْضًا في المَعْنى مِن قِبَلِ أنَّ الأبَ إنَّما سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ الِابْنَ مَنسُوبٌ إلَيْهِ بِالوِلادَةِ، وهَذا المَعْنى مَوْجُودٌ في الجَدِّ، وإنْ كانا يَخْتَلِفانِ مِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَدِّ واسِطَةٌ وهو الأبُ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأبِ؛ والعَمُّ لَيْسَتْ لَهُ هَذِهِ المَنزِلَةُ؛ إذْ لا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مِن طَرِيقِ الوِلادِ.
ألا تَرى أنَّ الجَدَّ وإنْ بَعُدَ في المَعْنى بِمَعْنى مَن قَرُبَ في إطْلاقِ الِاسْمِ وفي الحُكْمِ جَمِيعًا؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مَن هو أقْرَبُ مِنهُ، فَكانَ لِلْجَدِّ هَذا الضَّرْبُ مِنَ الِاخْتِصاصِ، فَجائِزٌ أنْ يَتَناوَلَهُ إطْلاقُ اسْمِ الأبِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْعَمِّ هَذِهِ المَزِيَّةُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ مُطْلَقًا، ولا يُعْقَلُ مِنهُ أيْضًا إلّا بِتَقْيِيدٍ، والجَدُّ مُساوٍ لِلْأبِ في مَعْنى الوِلادِ فَجائِزٌ أنْ يَتَناوَلَهُ اسْمُ الأبِ وأنْ يَكُونَ حُكْمُهُ عِنْدَ فَقْدِهِ حُكْمَهُ، وأمّا مَن دَفَعَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ أنَّ تَسْمِيَةَ الجَدِّ بِاسْمِ الأبِ مَجازٌ، وأنَّ الأبَ الأدْنى مُرادٌ بِالآيَةِ، فَغَيْرُ جائِزٍ إرادَةُ الجَدِّ بِهِ لِانْتِفاءِ أنْ يَكُونَ اسْمٌ واحِدٌ مَجازًا حَقِيقَةً؛ فَغَيْرُ واجِبٍ مِن قِبَلِ أنَّهُ جائِزٌ أنْ يُقالَ إنَّ المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ سُمِّيَ الأبُ بِهَذا الِاسْمِ وهو النِّسْبَةُ إلَيْهِ مِن طَرِيقِ الوِلادِ مَوْجُودٌ في الجَدِّ.
ولَمْ يَخْتَلِفِ المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ قَدْ سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، فَجازَ إطْلاقُ الِاسْمِ عَلَيْهِما وإنْ كانَ أحَدُهُما أخَصَّ بِهِ مِنَ الآخَرِ كالإخْوَةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَهم هَذا الِاسْمُ لِأبٍ كانُوا أوْ لِأبٍ وأُمٍّ، ويَكُونُ الَّذِي لِلْأبِ والأُمِّ أوْلى بِالمِيراثِ وسائِرِ أحْكامِ الأُخُوَّةِ مِنَ الَّذِينَ لِلْأبِ والِاسْمُ فِيهِما جَمِيعًا حَقِيقَةٌ ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ حَقِيقَةً في مَعْنَيَيْنِ وإنْ كانَ الإطْلاقُ إنَّما يَتَناوَلُ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، ألا تَرى أنَّ اسْمَ النَّجْمِ يَقَعُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن نُجُومِ السَّماءِ حَقِيقَةً، والإطْلاقُ عِنْدَ العَرَبِ يَتَناوَلَ النَّجْمَ الَّذِي هو الثُّرَيّا ؟
يَقُولُ القائِلُ مِنهم: فَعَلْتُ كَذا وكَذا والنَّجْمُ عَلى قِمَّةِ الرَّأْسِ؛ يَعْنِي الثُّرَيّا ولا تَعْقِلُ العَرَبُ بِقَوْلِها " طَلَعَ النَّجْمُ " عِنْدَ الإطْلاقِ غَيْرَ الثُّرَيّا؛ وقَدْ سَمَّوْا هَذا الِاسْمَ لِسائِرِ نُجُومِ السَّماءِ عَلى الحَقِيقَةِ، فَكَذَلِكَ اسْمُ الأبِ لا يَمْتَنِعُ عِنْدَ المُحْتَجِّ بِما وصَفْنا أنْ يَتَناوَلَ الأبَ والجَدَّ عَلى الحَقِيقَةِ وإنِ اخْتُصَّ الأبُ بِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ، ولا يَكُونُ في اسْتِعْمالِ اسْمِ الأبِ في الأبِ الأدْنى والجَدِّ إيجابُ كَوْنِ لَفْظَةٍ واحِدَةٍ حَقِيقَةً مَجازًا.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ اسْمُ الأبِ مُخْتَصًّا بِالنِّسْبَةِ مِن طَرِيقِ الوِلادِ لَلَحِقَ الأُمَّ هَذا الِاسْمُ لِوُجُودِ الوِلادِ فِيها، فَكانَ الواجِبُ أنْ تُسَمّى الأُمُّ أبًا، وكانَتِ الأُمُّ أُولى بِذَلِكَ مِنَ الأبِ والجَدِّ لِوُجُودِ الوِلادَةِ حَقِيقَةً مِنها قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم قَدْ خَصُّوا الأُمُّ بِاسْمٍ دُونَهُ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَها وبَيْنَهُ وإنْ كانَ (p-١٠٣)الوَلَدُ مَنسُوبًا إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالوِلادِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى الأُمَّ أبًا حِينَ جَمَعَها مَعَ الأبِ فَقالَ تَعالى: ﴿ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] ومِمّا يَحْتَجُّ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ولِلْقائِلِينَ بِقَوْلِهِ إنَّ الجَدَّ يَجْتَمِعُ لَهُ الِاسْتِحْقاقُ بِالنِّسْبَةِ والتَّعْصِيبِ مَعًا.
ألا تَرى أنَّهُ لَوْ تَرَكا بِنْتًا وجَدًّا كانَ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ولِلْجَدِّ السُّدُسُ وما بَقِيَ بِالنِّسْبَةِ والتَّعْصِيبِ، كَما لَوْ تَرَكَ بِنْتًا وأبًا يَسْتَحِقُّ بِالنِّسْبَةِ والتَّعْصِيبِ مَعًا في حالٍ واحِدَةٍ ؟ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَتِهِ في اسْتِحْقاقِ المِيراثِ دُونَ الإخْوَةِ والأخَواتِ ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ الجَدَّ يَسْتَحِقُّ بِالتَّعْصِيبِ مِن طَرِيقِ الوِلادِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الأبِ في نَفْيِ مُشارَكَةِ الإخْوَةِ، إذْ كانَتِ الإخْوَةُ إنَّما تَسْتَحِقُّهُ بِالتَّعْصِيبِ مُنْفَرِدًا عَنِ الوِلادَةِ، ووَجْهٌ آخَرُ في نَفْيِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإخْوَةِ عَلى وجْهِ المُقاسَمَةِ، وهو أنَّ الجَدَّ يَسْتَحِقُّ السُّدُسَ مَعَ الِابْنِ كَما يَسْتَحِقُّهُ الأبُ مَعَهُ، فَلَمّا لَمْ يَسْتَحِقَّ الإخْوَةُ مَعَ الأبِ بِهَذِهِ العِلَّةِ وجَبَ أنْ لا يَجِبَ لَهم ذَلِكَ مَعَ الجَدَّ.
فَإنْ قِيلَ: الأُمُّ تَسْتَحِقُّ السُّدُسَ مَعَ الِابْنِ ولَمْ يَنْتِفْ بِذَلِكَ تَوْرِيثُ الإخْوَةِ مَعَها قِيلَ لَهُ: إنَّما نُصِّفَ بِهَذِهِ العِلَّةِ لِنَفْيِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإخْوَةِ عَلى وجْهِ المُقاسَمَةِ، وإذا انْتَفَتِ الشَّرِكَةُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ في المُقاسَمَةِ إذا انْفَرَدُوا مَعَهُ سَقَطَ المِيراثُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن ورِثَهم مَعَهُ يُوجِبُ القِسْمَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم إذا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهم عَلى اعْتِبارٍ مِنهم في الثُّلُثِ أوِ السُّدُسِ، وأمّا الأُمُّ فَلا تَقَعُ بَيْنَها وبَيْنَ الإخْوَةِ مُقاسَمَةٌ بِحالٍ، ونَفْيُ القِسْمَةِ لا يَنْفِي مِيراثَهم، ونَفْيُ مُقاسَمَةِ الإخْوَةِ لِلْجَدِّ إذا انْفَرَدُوا يُوجِبُ إسْقاطَ مِيراثِهِمْ مَعَهُ؛ إذْ كانَ مَن يُوَرِّثُهم مَعَهُ إنَّما يُوَرِّثُهم بِالمُقاسَمَةِ وإيجابِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ.
فَلَمّا سَقَطَتِ المُقاسَمَةُ بِما وصَفْنا سَقَطَ مِيراثُهم مَعَهُ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا قَوْلانِ: قَوْلُ مَن يُسْقِطُ مَعَهُ مِيراثَهم رَأْسًا، وقَوْلُ مَن يُوجِبُ المُقاسَمَةَ، فَلَمّا بَطَلَتِ المُقاسَمَةُ بِما وصَفْنا ثَبَتَ سُقُوطُ مِيراثِهِمْ مَعَهُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ الجَدُّ يُدْلِي بِابْنِهِ وهو أبُو المَيِّتِ، والأخُ يُدْلِي بِأبِيهِ، فَوَجَبَتِ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُما كَمَن تَرَكَ أباهُ وابْنَهُ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ صَحَّ هَذا الِاعْتِبارُ لَما وجَبَتِ المُقاسَمَةُ بَيْنَ الجَدِّ والأخِ، بَلْ كانَ الواجِبُ أنْ يَكُونَ لِلْجَدِّ السُّدُسُ ولِلْأخِ ما بَقِيَ، كَمَن تَرَكَ أبًا وابْنًا، لِلْأبِ السُّدُسُ والباقِي لِلِابْنِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَيِّتُ إذا تَرَكَ جَدَّ أبٍ وعَمًّا أنْ يُقاسِمَهُ العَمُّ؛ لِأنَّ جَدَّ الأبِ يُدْلِي بِالجَدِّ الأدْنى، والعَمُّ أيْضًا يُدْلِي بِهِ؛ لِأنَّهُ ابْنُهُ، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى سُقُوطِ مِيراثِ العَمِّ مَعَ جَدِّ الأبِ مَعَ وُجُودِ العِلَّةِ الَّتِي وُصِفَتْ دَلَّ عَلى انْتِقاضِها وفَسادِها ويَلْزَمُهُ أيْضًا عَلى هَذا الِاعْتِلالِ أنَّ ابْنَ (p-١٠٤)الأخِ يُشارِكُ الجَدَّ في المِيراثِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: أنا ابْنُ ابْنِ الأبِ، والجَدُّ أبُ الأبِ، ولَوْ تَرَكَ أبًا وابْنَ ابْنٍ كانَ لِلْأبِ السُّدُسُ وما بَقِيَ لِابْنِ الِابْنِ.
البقرة 2:134
قَوْلُهُ تَعالى ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ مَعانٍ:
أحَدُها: أنَّ الأبْناءَ لا يُثابُونَ عَلى طاعَةِ الآباءِ ولا يُعَذَّبُونَ عَلى ذُنُوبِهِمْ. وفِيهِ إبْطالُ مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْذِيبَ أوْلادِ المُشْرِكِينَ بِذُنُوبِ الآباءِ، ويُبْطِلُ مَذْهَبَ مَن يَزْعُمُ مِن اليَهُودِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لَهم ذُنُوبَهم بِصَلاحِ آبائِهِمْ.
وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في نَظائِرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤] ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤] وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قالَ لِأبِي رَمْثَةَ ورَآهُ مَعَ ابْنِهِ " أهُوَ ابْنُكَ ؟ " فَقالَ: نَعَمْ قالَ: أما إنَّهُ «لا يَجْنِي عَلَيْكَ ولا تَجْنِي عَلَيْهِ» .
وقالَ ﷺ: «يا بَنِي هاشِمٍ لا تَأْتِينِي النّاسُ بِأعْمالِهِمْ وتَأْتُونَ بِأنْسابِكم فَأقُولُ لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» وقالَ ﷺ: «مَن بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» .
البقرة 2:137
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ إخْبارٌ بِكِفايَةِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ أمْرَ أعْدائِهِ، فَكَفاهُ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وحِرْصِهِمْ، فَوَجَدَ مُخْبِرَهُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَعَصَمَهُ مِنهم وحَرَسَهُ مِن غَوائِلِهِمْ وكَيْدِهِمْ وهو دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ اتِّفاقُ وُجُودِ مُخْبِرِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وهو مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ وُجُودُ مُخْبِرِ أخْبارِ المُتَخَرِّصِينَ والكاذِبِينَ عَلى حَسَبِ ما يُخْبِرُونَ، بَلْ أكْثَرُ أخْبارِهِمْ كَذِبٌ وزُورٌ يَظْهَرُ بُطْلانُهُ لِسامِعِيهِ، وإنَّما يَتَّفِقُ لَهم ذَلِكَ في الشّاذِّ النّادِرِ إنِ اتَّفَقَ.
البقرة 2:142
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفِ المُسْلِمُونَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وبَعْدَ الهِجْرَةِ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ: " كانَ التَّحْوِيلُ إلى الكَعْبَةِ بَعْدَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ لِسَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا " .
وقالَ قَتادَةَ: " لِسِتَّةَ عَشَرَ " ورُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ تِسْعَةُ أشْهُرٍ أوْ عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ وقَدْ نَصَّ اللَّهُ في هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ كانَتْ إلى غَيْرِ الكَعْبَةِ ثُمَّ حَوَّلَها إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة: ١٤٤]
فَهَذِهِ الآياتُ كُلُّها (p-١٠٥)دالَّةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَ يُصَلِّي إلى غَيْرِ الكَعْبَةِ وبَعْدَ ذَلِكَ حَوَّلَهُ إلَيْها وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: لَيْسَ في شَرِيعَةِ النَّبِيِّ ناسِخٌ ولا مَنسُوخٌ ثُمَّ اخْتُلِفَ في تَوَجُّهِ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ هَلْ كانَ فَرْضًا لا يَجُوزُ غَيْرُهُ أوْ كانَ مُخَيَّرًا في تَوَجُّهِهِ إلَيْها وإلى غَيْرِها. فَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ " كانَ مُخَيَّرًا في ذَلِكَ " وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " كانَ الفَرْضُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ بِلا تَخْيِيرٍ " .
وأيَّ الوَجْهَيْنِ كانَ فَقَدْ كانَ التَّوَجُّهُ فَرْضًا لِمَن يَفْعَلُهُ؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ فَرْضًا كَكَفّارَةِ اليَمِينِ أيُّها كَفَّرَ بِهِ فَهو الفَرْضُ، وكَفِعْلِ الصَّلاةِ في أوَّلِ الوَقْتِ وأوْسَطِهِ وآخِرِهِ وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ شَأْنُ القِبْلَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ اليَهُودُ بِذَلِكَ، فاسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلَةَ أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى ويَنْظُرُ إلى السَّماءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيَةَ " وذَكَرَ القِصَّةَ فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ الفَرْضَ كانَ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وأنَّهُ نُسِخَ بِهَذِهِ الآيَةِ وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الفَرْضَ كانَ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ بِلا تَخْيِيرٍ؛ ولِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ كانَ الفَرْضُ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ ووَرَدَ النَّسْخُ عَلى التَّخْيِيرِ وقُصِرُوا عَلى التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ بِلا تَخْيِيرٍ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّفَرَ الَّذِينَ قَصَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ لِلْبَيْعَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ كانَ فِيهِمُ البَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ، فَتَوَجَّهَ بِصَلاتِهِ إلى الكَعْبَةِ في طَرِيقِهِ وأبى الآخَرُونَ وقالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَجَّهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمّا قَدِمُوا مَكَّةَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقالُوا لَهُ، فَقالَ: " قَدْ كُنْتُ عَلى قِبْلَةٍ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ لَوْ ثَبَتَّ عَلَيْها أجْزَكَ " ولَمْ يَأْمُرْهُ بِاسْتِئْنافِ الصَّلاةِ. فَدَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا مُخَيَّرِينَ وإنْ كانَ اخْتارَ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.
فَإنْ قِيلَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " إنَّ ذَلِكَ أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ الأمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ " . قِيلَ لَهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ القُرْآنِ المَنسُوخَ التِّلاوَةِ.
وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ وكانَ نُزُولُ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ وفِيهِ إخْبارٌ بِأنَّهم عَلى قِبْلَةٍ غَيْرِها، وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ أوَّلَ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ فَيَكُونُ مُرادُهُ النّاسِخَ مِنَ القُرْآنِ دُونَ المَنسُوخِ.
ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ شَأْنُ القِبْلَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] (p-١٠٦)ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا مُخَيَّرِينَ في التَّوَجُّهِ إلى حَيْثُ شاءُوا. والثّانِي: أنَّ المَنسُوخَ مِنَ القُرْآنِ هَذا التَّخْيِيرُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ أرادَ بِذِكْرِ السُّفَهاءِ هاهُنا اليَهُودَ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ عابُوا تَحْوِيلَ القِبْلَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ.
وأرادُوا بِهِ إنْكارَ النَّسْخِ؛ لِأنَّ قَوْمًا مِنهم لا يَرَوْنَ النَّسْخَ. وقِيلَ إنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما ولّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ؟ ارْجِعْ إلَيْها نَتَّبِعْكَ ونُؤْمِن بِكَ وإنَّما أرادُوا فِتْنَتَهُ. فَكانَ إنْكارُ اليَهُودِ لِتَحْوِيلِهِ عَنِ القِبْلَةِ الأُولى إلى الثّانِيَةِ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وقالَ الحَسَنُ: «لَمّا حَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الكَعْبَةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ قالَ مُشْرِكُو العَرَبِ: يا مُحَمَّدُ رَغِبْتَ عَنْ مِلَّةِ آبائِكَ ثُمَّ رَجَعْتَ إلَيْها آنِفًا، واللَّهِ لَتَرْجِعَنَّ إلى دِينِهِمْ» .
وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ نَقَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنِ القِبْلَةِ الأُولى إلى الثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقِيلَ: إنَّهم كانُوا أُمِرُوا بِمَكَّةَ أنْ يَتَوَجَّهُوا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِيَتَمَيَّزُوا مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَتِهِمْ يَتَوَجَّهُونَ إلى الكَعْبَةِ، فَلَمّا هاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى المَدِينَةِ كانَتْ اليَهُودُ المُجاوِرُونَ لِلْمَدِينَةِ يَتَوَجَّهُونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَنُقِلُوا إلى الكَعْبَةِ لِيَتَمَيَّزُوا مِن هَؤُلاءِ كَما تَمَيَّزُوا مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بِاخْتِلافِ القِبْلَتَيْنِ، فاحْتَجَّ تَعالى عَلى اليَهُودِ في إنْكارِها النَّسْخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وجْهُ الِاحْتِجاجِ بِهِ أنَّهُ إذا كانَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ لِلَّهِ فالتَّوَجُّهُ إلَيْهِما سَواءً لا فَرْقَ بَيْنَهُما في العُقُولِ، واللَّهُ تَعالى يَخُصُّ بِذَلِكَ أيَّ الجِهاتِ شاءَ عَلى وجْهِ المَصْلَحَةِ في الدِّينِ والهِدايَةِ إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ.
ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ اليَهُودَ زَعَمَتْ أنَّ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ أوْلى بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها؛ لِأنَّها مِن مَواطِنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَدْ شَرَّفَها تَعالى وعَظَّمَها، فَلا وجْهَ لِلتَّوَلِّي عَنْها. فَأبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَهم ذَلِكَ بِأنَّ المَواطِنَ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لِلَّهِ تَعالى يَخُصُّ مِنها ما يَشاءُ في كُلِّ زَمانٍ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُ مِنَ المَصْلَحَةِ فِيهِ لِلْعِبادِ؛ إذْ كانَتِ المَواطِنُ بِأنْفُسِها لا تَسْتَحِقُّ التَّفْضِيلَ وإنَّما تُوصَفُ بِذَلِكَ عَلى حَسَبِ ما يُوجِبُ اللَّهُ تَعالى تَعْظِيمَها لِتَفْضِيلِ الأعْمالِ فِيها.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذِهِ الآيَةُ يَحْتَجُّ بِها مَن يُجَوِّزُ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، (p-١٠٧)ولَيْسَ في القُرْآنِ ذِكْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ بِهَذِهِ الآيَةِ. ومَن يَأْبى ذَلِكَ يَقُولُ ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ نُسِخَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فَكانَ التَّوَجُّهُ إلى حَيْثُ كانَ مِنَ الجِهاتِ في مَضْمُونِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَوْلُهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] لَيْسَ بِمَنسُوخٍ عِنْدَنا، بَلْ هو مُسْتَعْمَلُ الحُكْمِ في المُجْتَهِدِ إذا صَلّى إلى غَيْرِ جِهَةِ الكَعْبَةِ وفي الخائِفِ وفي الصَّلاةِ عَلى الرّاحِلَةِ.
وقَدْ رَوى ابْنُ عُمَرَ وعامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: أنَّها نَزَلَتْ في المُجْتَهِدِ إذا تَبَيَّنَ أنَّهُ صَلّى إلى غَيْرِ جِهَةِ الكَعْبَةِ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا: أنَّهُ فِيمَن صَلّى عَلى راحِلَتِهِ. ومَتى أمْكَنَنا اسْتِعْمالُ الآيَةِ مِن غَيْرِ إيجابِ نَسْخٍ لَها لَمْ يَجُزْ لَنا الحُكْمُ بِنَسْخِها. وقَدْ تَكَلَّمْنا في هَذِهِ المَسْألَةِ في الأُصُولِ بِما يُغْنِي ويَكْفِي وفي هَذِهِ الآيَةِ حُكْمٌ آخَرُ، وهو ما رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي نَحْوَ البَيْتِ المُقَدَّسِ فَنَزَلَتْ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَنادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ أُمِرْتُمْ أنْ تُوَجِّهُوا وُجُوهَكم شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ» فَحَوَّلَتْ بَنُو سَلِمَةَ وُجُوهَها نَحْوَ البَيْتِ وهم رُكُوعٌ وقَدْ رَوى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «بَيْنَما النّاسُ في صَلاةِ الصُّبْحِ بِقُباءَ؛ إذْ جاءَهم رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وأُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، ألا فاسْتَقْبِلُوها فاسْتَدارُوا كَهَيْئَتِهِمْ إلى الكَعْبَةِ، وكانَ وجْهُ النّاسِ إلى الشّامِ» .
ورَوى إسْرائِيلُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ البَراءِ قالَ: «لَمّا صُرِفَ النَّبِيُّ ﷺ إلى الكَعْبَةِ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] مَرَّ رَجُلٌ صَلّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ وهم يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صَلّى إلى الكَعْبَةِ فانْحَرَفُوا قَبْلَ أنْ يَرْكَعُوا وهم في صَلاتِهِمْ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا خَبَرٌ صَحِيحٌ مُسْتَفِيضٌ في أيْدِي أهْلِ العِلْمِ قَدْ تَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ فَصارَ في حَيِّزِ التَّواتُرِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ، وهو أصْلٌ في المُجْتَهِدِ إذا تَبَيَّنَ لَهُ جِهَةُ القِبْلَةِ في الصَّلاةِ أنَّهُ يَتَوَجَّهُ إلَيْها ولا يَسْتَقْبِلُها، وكَذَلِكَ الأمَةُ إذا أُعْتِقَتْ في الصَّلاةِ أنَّها تَأْخُذُ قِناعَها وتَبْنِي وهو أصْلٌ في قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ في أمْرِ الدِّينِ؛ لِأنَّ الأنْصارَ قَبِلَتْ خَبَرَ الواحِدِ المُخْبِرِ لَهم بِذَلِكَ فاسْتَدارُوا إلى الكَعْبَةِ بِالنِّداءِ في تَحْوِيلِ القِبْلَةِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُنادِيَ بِالنِّداءِ وجْهٌ ولا فائِدَةٌ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: مِن أصْلِكم أنَّ ما يَثْبُتُ مِن طَرِيقٍ يُوجِبُ العِلْمَ لا يَجُوزُ قَبُولُ خَبَرِ الواحِدِ في رَفْعِهِ، وقَدْ كانَ القَوْمُ مُتَوَجِّهِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم عَلَيْهِ ثُمَّ تَرَكُوهُ إلى غَيْرِهِ بِخَبَرِ الواحِدِ قِيلَ لَهُ: لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى يَقِينٍ (p-١٠٨)مِن بَقاءِ الحُكْمِ الأوَّلِ بَعْدَ غَيْبَتِهِمْ عَنْ حَضْرَتِهِ؛ لِتَجْوِيزِهِمْ وُرُودَ النَّسْخِ، فَكانُوا في بَقاءِ الحُكْمِ الأوَّلِ عَلى غالِبِ الظَّنِّ دُونَ اليَقِينِ، فَلِذَلِكَ قَبِلُوا خَبَرَ الواحِدِ في رَفْعِهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَلّا أجَزْتُمْ لِلْمُتَيَمِّمِ البِناءَ عَلى صَلاتِهِ إذا وجَدَ الماءَ كَما بَنى هَؤُلاءِ عَلَيْها بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ قِيلَ لَهُ: هو مُفارِقٌ لِما ذَكَرْتَ، مِن قِبَلِ أنَّ تَجْوِيزَ البِناءِ لِلْمُتَيَمِّمِ لا يُوجِبُ عَلَيْهِ الوُضُوءَ ويُجِيزُ لَهُ البِناءَ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الماءِ، والقَوْمُ حِينَ بَلَغَهم تَحْوِيلُ القِبْلَةِ اسْتَدارُوا إلَيْها ولَمْ يَبْقُوا عَلى الجِهَةِ الَّتِي كانُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْها، فَنَظِيرُ القِبْلَةِ أنْ يُؤْمَرَ المُتَيَمِّمُ بِالوُضُوءِ والبِناءِ، ولا خِلافَ أنَّ المُتَيَمِّمَ إذا لَزِمَهُ الوُضُوءُ لَمْ يَجُزِ البِناءُ عَلَيْهِ.
ومِن جِهَةٍ أُخْرى إنَّ أصْلَ الفَرْضِ لِلْمُتَيَمِّمِ إنَّما هو الطَّهارَةُ بِالماءِ والتُّرابُ بَدَلٌ مِنهُ، فَإذا وجَدَ الماءَ عادَ إلى أصْلِ فَرْضِهِ، كالماسِحِ عَلى الخُفَّيْنِ إذا خَرَجَ وقْتُ مَسْحِهِ فَلا يَبْنِي، فَكَذَلِكَ المُتَيَمِّمُ. ولَمْ يَكُنْ أصْلُ فَرْضِ المُصَلِّينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ حِينَ دَخَلُوا فِيها الصَّلاةَ إلى الكَعْبَةِ، وإنَّما ذَلِكَ فَرْضٌ لَزِمَهم في الحالِ.
وكَذَلِكَ الأمَةُ إذا أُعْتِقَتْ في الصَّلاةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ فَرْضَ السِّتْرِ، وإنَّما هو فَرْضٌ لَزِمَها في الحالِ، فَأشْبَهَتِ الأنْصارَ حِينَ عَلِمَتْ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ. وكَذَلِكَ المُجْتَهِدُ فَرْضُهُ التَّوَجُّهُ إلى الجِهَةِ الَّتِي أدّاهُ إلَيْها اجْتِهادُهُ لا فَرْضَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فَإنَّما انْتَقَلَ مِن فَرْضٍ إلى فَرْضٍ ولَمْ يَنْتَقِلْ مِن بَدَلٍ إلى أصْلِ الفَرْضِ وفي الآيَةِ حُكْمٌ آخَرُ، وهو: أنَّ فِعْلَ الأنْصارِ في ذَلِكَ عَلى ما وصَفْنا أصْلٌ في أنَّ الأوامِرَ والزَّواجِرَ إنَّما يَتَعَلَّقُ أحْكامُها بِالعِلْمِ.
ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ عَلَيْهِ صَلاةً ثُمَّ خَرَجَ إلى دارِ الإسْلامِ: إنَّهُ لا قَضاءَ عَلَيْهِ فِيما تَرَكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِن طَرِيقِ السَّمْعِ، وما لَمْ يَعْلَمْهُ لا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ كَما لَمْ يَتَعَلَّقْ حُكْمُ التَّحْوِيلِ عَلى الأنْصارِ قَبْلَ بُلُوغِهِمُ الخَبَرَ، وهو أصْلٌ في أنَّ الوَكالاتِ والمُضارَباتِ ونَحْوَهُما مِن أوامِرِ العِبادِ لا يُنْسَخُ شَيْءٌ مِنها إذا فَسَخَها مَن لَهُ الفَسْخُ إلّا بَعْدَ عِلْمِ الآخَرِ بِها. وكَذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ حُكْمُ الأمْرِ بِها عَلى مَن لَمْ يَبْلُغْهُ، ولِذَلِكَ قالُوا: لا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الوَكِيلِ قَبْلَ العِلْمِ بِالوَكالَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
البقرة 2:143
بابٌ القَوْلُ في صِحَّةِ الإجْماعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الوَسَطُ: العَدْلُ، وهو الَّذِي بَيْنَ المُقَصِّرِ والغالِي. وقِيلَ: هو الخِيارُ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ العَدْلَ هو الخِيارُ،
قالَ زُهَيْرٌ: (p-١٠٩)
؎هم وسَطٌ يَرْضى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ إذا طَرَقَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعْظَمِ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ مَعْناهُ كَيْ تَكُونُوا، ولَأنْ تَكُونُوا كَذَلِكَ. وقِيلَ في الشُّهَداءِ: إنَّهم يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي خالَفُوا الحَقَّ فِيها في الدُّنْيا والآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ [الزمر: ٦٩] وقِيلَ فِيهِ: إنَّهم يَشْهَدُونَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعَلى أُمَمِهِمُ المُكَذِّبِينَ بِأنَّهم قَدْ بَلَّغُوهم لِإعْلامِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم وقِيلَ: لِتَكُونُوا حُجَّةً فِيما تَشْهَدُونَ كَما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَهِيدٌ بِمَعْنى حُجَّةٍ دُونَ كُلِّ واحِدٍ مِنها.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي يَحْتَمِلُها اللَّفْظُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ بِأجْمَعِها مُرادُ اللَّهِ تَعالى، فَيَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَشْهَدُونَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أُمَمِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ لِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِذَلِكَ وهم مَعَ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى مَن جاءَ بَعْدَهم في نَقْلِ الشَّرِيعَةِ وفِيما حَكَمُوا بِهِ واعْتَقَدُوهُ مِن أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ إجْماعِ الأُمَّةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: وصْفُهُ إيّاها بِالعَدالَةِ وأنَّها خِيارٌ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَصْدِيقَها والحُكْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِها ونافٍ لِإجْماعِها عَلى الضَّلالِ.
والوَجْهُ الآخَرُ قَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِمَعْنى الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، كَما أنَّ الرَّسُولَ لَمّا كانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وصَفَهُ بِأنَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ، ولَمّا جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى شُهَداءَ عَلى غَيْرِهِمْ فَقَدْ حَكَمَ لَهم بِالعَدالَةِ وقَبُولِ القَوْلِ؛ لِأنَّ شُهَداءَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُونَ كُفّارًا ولا ضُلّالًا، فاقْتَضَتِ الآيَةُ أنْ يَكُونُوا شُهَداءَ في الآخِرَةِ عَلى مَن شاهَدُوا في كُلِّ عَصْرٍ بِأعْمالِهِمْ دُونَ مَن ماتَ قَبْلَ زَمَنِهِمْ، كَما جُعِلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهِيدًا عَلى مَن كانَ في عَصْرِهِ.
هَذا إذا أُرِيدَ بِالشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِأعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ، فَأمّا إذا أُرِيدَ بِالشَّهادَةِ الحُجَّةُ فَذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى مَن شاهَدُوهم مِن أهْلِ العَصْرِ الثّانِي وعَلى مَن جاءَ بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، كَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ حُجَّةً عَلى جَمِيعِ الأُمَّةِ أوَّلِها وآخِرِها ولِأنَّ حُجَّةَ اللَّهِ إذا ثَبَتَتْ في وقْتٍ فَهي ثابِتَةٌ أبَدًا.
ويَدُلُّكَ عَلى فَرْقِ ما بَيْنَ الشَّهادَةِ عَلى الأعْمالِ في الآخِرَةِ والشَّهادَةِ الَّتِي هي الحُجَّةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] لَمّا أرادَ الشَّهادَةَ عَلى أعْمالِهِمْ خَصَّ أهْلَ عَصْرِهِ ومَن شاهَدَهُ بِها، وكَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْ عِيسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] فَتَبَيَّنَ أنَّ الشَّهادَةَ بِالأعْمالِ إنَّما هي مَخْصُوصَةٌ بِحالِ الشَّهادَةِ، وأمّا الشَّهادَةُ الَّتِي هي الحُجَّةُ فَلا تَخْتَصُّ بِها أوَّلُ الأُمَّةِ وآخِرُها في كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةً عَلَيْهِمْ.
كَذَلِكَ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ لَمّا كانُوا شُهَداءَ اللَّهِ مِن (p-١١٠)طَرِيقِ الحُجَّةِ وجَبَ أنْ يَكُونُوا حُجَّةً عَلى أهْلِ عَصْرِهِمُ الدّاخِلِينَ مَعَهم في إجْماعِهِمْ وعَلى مَن بَعْدَهم مِن سائِرِ أهْلِ الأعْصارِ.
فَهُوَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ عَصْرٍ إذا أجْمَعُوا عَلى شَيْءٍ ثُمَّ خَرَجَ بَعْضُهم عَنِ اجْماعِهِمْ أنَّهُ مَحْجُوجٌ بِالإجْماعِ المُتَقَدِّمِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ شَهِدَ لِهَذِهِ الجَماعَةِ بِصِحَّةِ قَوْلِها وجَعَلَها حُجَّةً ودَلِيلًا، فالخارِجُ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ تارِكٌ لِحُكْمِ دَلِيلِهِ وحُجَّتِهِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ وُجُودُ دَلِيلِ اللَّهِ تَعالى عارِيًا مِن مَدْلُولِهِ، ويَسْتَحِيلُ وُجُودُ النَّسْخِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَيُتْرَكُ حُكْمُهُ مِن طَرِيقِ النَّسْخِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإجْماعَ في أيِّ حالٍ حَصَلَ مِنَ الأُمَّةِ فَهو حُجَّةُ الِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ سائِغٍ لِأحَدٍ تَرْكُهُ ولا الخُرُوجُ عَنْهُ.
ومِن حَيْثُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى صِحَّةِ إجْماعِ الصَّدْرِ الأوَّلِ، فَهي دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ إجْماعِ أهْلِ الأعْصارِ، إذْ لَمْ يُخَصَّصْ بِذَلِكَ أهْلُ عَصْرٍ دُونَ عَصْرٍ. ولَوْ جازَ الِاقْتِصارُ بِحُكْمِ الآيَةِ عَلى إجْماعِ الصَّدْرِ الأوَّلِ دُونَ أهْلِ سائِرِ الأعْصارِ لَجازَ الِاقْتِصارُ بِهِ عَلى إجْماعِ أهْلِ سائِرِ الأعْصارِ دُونَ الصَّدْرِ الأوَّلِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ فَوَجَّهَ الخِطابَ إلى المَوْجُودِينَ في حالِ نُزُولِهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم هُمُ المَخْصُوصُونَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَلا يَدْخُلُونَ في حُكْمِهِمْ إلّا بِدَلالَةِ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ هو خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ: أوَّلِها وآخِرِها، مَن كانَ مِنهم مَوْجُودًا في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ ومَن جاءَ بَعْدَهم إلى قِيامِ السّاعَةِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآيِ خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، كَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِها: مَن كانَ مِنهم مَوْجُودًا في عَصْرِهِ ومَن جاءَ بَعْدَهُ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وما أحْسِبُ مُسْلِمًا يَسْتَجِيزُ إطْلاقَ القَوْلِ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِ الأُمَّةِ أوَّلِها وآخِرِها، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَيْها وشاهِدًا، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَحْمَةً لِكافَّتِها.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ واسْمُ الأُمَّةِ يَتَناوَلُ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ ومَن جاءَ بَعْدَهم إلى قِيامِ السّاعَةِ، فَإنَّما حُكْمُ لِجَماعَتِها بِالعَدالَةِ وقَبُولِ الشَّهادَةِ، ولَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ لِأهْلِ عَصْرٍ واحِدٍ بِالعَدالَةِ وقَبُولِ الشَّهادَةِ، فَمِن أيْنَ حَكَمْتَ لِأهْلِ كُلِّ عَصْرٍ بِالعَدالَةِ حَتّى جَعَلْتَهم حُجَّةً عَلى مَن بَعْدَهم ؟
قِيلَ لَهُ: لَمّا جُعِلَ مَن حُكِمَ لَهُ بِالعَدالَةِ حُجَّةً عَلى غَيْرِهِ فِيما يُخْبِرُ بِهِ أوْ يَعْتَقِدُهُ مِن أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ مَعْلُومًا أنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ في الدُّنْيا وأخْبَرَ (p-١١١)تَعالى بِأنَّهم شُهَداءُ عَلى النّاسِ، فَلَوِ اعْتُبِرَ أوَّلُ الأُمَّةِ وآخِرُها في كَوْنِها حُجَّةً لَهُ عَلَيْهِمْ، لَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ؛ لِأنَّ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ يَجُوزُ أنْ يُسَمَّوْا أُمَّةً؛ إذْ كانَتِ الأُمَّةُ اسْمًا لِلْجَماعَةِ الَّتِي تَؤُمُّ جِهَةً واحِدَةً، وأهْلُ كُلِّ عَصْرٍ عَلى حِيالِهِمْ يَتَناوَلُهم هَذا الِاسْمُ، ولَيْسَ يَمْنَعُ إطْلاقَ لَفْظِ الأُمَّةِ والمُرادُ أهْلُ عَصْرٍ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ أجْمَعَتِ الأُمَّةِ عَلى تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى الأُمَّهاتِ والأخَواتِ، ونَقَلَتِ الأُمَّةُ القُرْآنَ.
ويَكُونُ ذَلِكَ إطْلاقًا صَحِيحًا قَبْلَ أنْ يُوجَدَ آخِرُ القَوْمِ ؟ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ. وأيْضًا فَإنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ فَعَبَّرَ عَنْهم بِلَفْظٍ مُنَكَّرٍ حِينَ وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ وجَعْلَهم حُجَّةً، وهَذا يَقْتَضِي أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ؛ إذْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلْناكُمْ﴾ خِطابًا لِلْجَمِيعِ، والصِّفَةُ لاحِقَةٌ بِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ المُخاطَبِينَ.
ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وجَمِيعُ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ لَهُ وسَمّى بَعْضَهم عَلى الِانْفِرادِ أُمَّةً لِما وصَفَهم بِما وصَفَهم بِهِ ؟ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ جائِزٌ أنْ يُسَمَّوْا أُمَّةً وإنْ كانَ الِاسْمُ قَدْ يَلْحَقُ أوَّلَ الأُمَّةِ وآخِرَها وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن ظَهَرَ كُفْرُهُ نَحْوُ المُشَبِّهَةِ بِهِ ؟ ومَن صَرَّحَ بِالجَبْرِ وعُرِفَ ذَلِكَ مِنهُ، لا يُعْتَدُّ بِهِ في الإجْماعِ. وكَذَلِكَ مَن ظَهَرَ فِسْقُهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ في الإجْماعِ، مِن نَحْوِ الخَوارِجِ والرَّوافِضِ.
وسَواءٌ مَن فَسَقَ مِن طَرِيقِ الفِعْلِ أوْ مِن طَرِيقِ الِاعْتِقادِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ الشُّهَداءَ مَن وصَفَهم بِالعَدالَةِ والخَيْرِ، وهَذِهِ الصِّفَةُ لا تَلْحَقُ الكُفّارَ ولا الفُسّاقَ. ولا يَخْتَلِفُ في ذَلِكَ حُكْمُ مَن فَسَقَ أوْ كَفَرَ بِالتَّأْوِيلِ أوْ بِرَدِّ النَّصِّ؛ إذِ الجَمِيعُ شَمِلَهم صِفَةُ الذَّمِّ ولا يَلْحَقُهم صِفَةُ العَدالَةِ بِحالٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:144
بابُ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ قِيلَ: إنَّ التَّقَلُّبَ هو التَّحَوُّلُ، وإنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما كانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في السَّماءِ؛ لِأنَّهُ كانَ وُعِدَ بِالتَّحْوِيلِ إلى الكَعْبَةِ، فَكانَ مُنْتَظِرًا لِنُزُولِ الوَحْيِ بِهِ وكانَ يَسْألُ اللَّهَ ذَلِكَ، فَأذِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ فِيهِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا يَسْألُونَ اللَّهَ إلّا بَعْدَ الإذْنِ؛ لِأنَّهم لا يَأْمَنُونَ أنْ لا يَكُونَ فِيهِ صَلاحٌ ولا يُجِيبُهُمُ اللَّهُ فَيَكُونَ فِتْنَةً عَلى قَوْمِهِ. فَهَذا هو مَعْنى تَقَلُّبِ وجْهِهِ في السَّماءِ وقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ أنْ يُحَوِّلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الكَعْبَةِ مُخالَفَةً لِلْيَهُودِ وتَمَيُّزًا مِنهم، ويُرْوى ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " أحَبَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّها قِبْلَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ " . (p-١١٢)وقِيلَ: إنَّهُ أحَبَّ ذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِلْعَرَبِ إلى الإيمانِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَإنَّ أهْلُ اللُّغَةِ قَدْ قالُوا: إنَّ الشَّطْرَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: النِّصْفُ، يُقالُ: شَطَرْتُ الشَّيْءَ أيْ جَعَلْتَهُ نِصْفَيْنِ، ويَقُولُونَ في مَثَلٍ لَهم: " احْلِبْ حَلْبًا لَكَ شَطْرُهُ " أيْ نِصْفُهُ.
والثّانِي: نَحْوُهُ وتِلْقاؤُهُ.
ولا خِلافَ أنَّ مُرادَ الآيَةِ هو المَعْنى الثّانِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المَعْنى الأوَّلَ؛ إذْ لَيْسَ مِن قَوْلِ أحَدٍ أنَّ عَلَيْهِ اسْتِقْبالَ نِصْفِ المَسْجِدِ الحَرامِ. واتَّفَقَ المُسْلِمُونَ أنَّهُ لَوْ صَلّى إلى جانِبٍ مِنهُ أجْزَأهُ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَوْ أتى ناحِيَةً مِنَ البَيْتِ فَتَوَجَّهَ إلَيْها في صَلاتِهِ أجْزَأهُ؛ لِأنَّهُ مُتَوَجِّهٌ شَطْرَهُ ونَحْوَهُ. وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى التَّوَجُّهُ إلى ناحِيَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ ومُرادُهُ البَيْتُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ مَن كانَ بِمَكَّةَ فَتَوَجَّهَ في صَلاتِهِ نَحْوَ المَسْجِدِ أنَّهُ لا يَجْزِيهِ إذا لَمْ يَكُنْ مُحاذِيًا لِلْبَيْتِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ خِطابٌ لِمَن كانَ مُعايِنًا لِلْكَعْبَةِ ولِمَن كانَ غائِبًا عَنْها، والمُرادُ لِمَن كانَ حاضِرَها إصابَةُ عَيْنِها ولِمَن كانَ غائِبًا عَنْها النَّحْوُ الَّذِي هو عِنْدَهُ أنَّهُ نَحْوُ الكَعْبَةِ وجِهَتُها في غالِبِ ظَنِّهِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ إصابَةَ العَيْنِ؛ إذْ لا سَبِيلَ لَهُ إلَيْها، وقالَ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَمَن لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلى إصابَةِ عَيْنِ الكَعْبَةِ لَمْ يُكَلَّفْها.
فَعَلِمْنا أنَّهُ إنَّما هو مُكَلَّفٌ ما هو في غالِبِ ظَنِّهِ أنَّهُ جِهَتُها ونَحْوُها دُونَ المُغَيَّبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهَذا أحَدُ الأُصُولِ الدّالَّةِ عَلى تَجْوِيزِ الِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُجْتَهِدِينَ فَإنَّما كُلِّفَ ما يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ ويَسْتَوْلِي عَلى ظَنِّهِ.
ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ لِلْمُشْتَبَهِ مِنَ الحَوادِثِ حَقِيقَةً مَطْلُوبَةً كَما أنَّ القِبْلَةَ حَقِيقَةٌ مَطْلُوبَةٌ بِالِاجْتِهادِ والتَّحَرِّي، ولِذَلِكَ صَحَّ تَكْلِيفُ الِاجْتِهادِ في طَلَبِها كَما صَحَّ تَكْلِيفُ طَلَبِ القِبْلَةِ بِالِاجْتِهادِ؛ لِأنَّ لَها حَقِيقَةً، ولَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قِبْلَةٌ رَأْسًا لَما صَحَّ تَكْلِيفُنا طَلَبَها.
البقرة 2:148
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ الوُجْهَةُ قِيلَ فِيها قِبْلَةٌ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ الحَسَنُ: " طَرِيقَةً " وهو ما شَرَعَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الإسْلامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: " لِأهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وِجْهَةٌ " . وقالَ الحَسَنُ: " لِكُلِّ نَبِيٍّ " فالوُجْهَةُ واحِدَةٌ وهي الإسْلامُ وإنِ اخْتَلَفَتِ الأحْكامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] قالَ قَتادَةُ: " هو صَلاتُهم إلى البَيْتِ المَقْدِسِ وصَلاتُهم إلى الكَعْبَةِ " .
وقِيلَ فِيهِ: لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ سائِرِ الآفاقِ الَّتِي جِهاتُ الكَعْبَةِ وراءَها أوْ قُدّامَها أوْ عَنْ (p-١١٣)يَمِينِها أوْ عَنْ شِمالِها، كَأنَّهُ أفادَ أنَّهُ لَيْسَ جِهَةٌ مِن جِهاتِها بِأوْلى أنْ تَكُونَ قِبْلَةً مِن غَيْرِها. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كانَ جالِسًا بِإزاءِ المِيزابِ فَتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة: ١٤٤] قالَ: " هَذِهِ القِبْلَةُ " .
فَمِنَ النّاسِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ عَنى المِيزابَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنَّما أشارَ إلى الكَعْبَةِ ولَمْ يُرِدْ بِهِ تَخْصِيصَ جِهَةِ المِيزابِ دُونَ غَيْرِها، وكَيْفَ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] مَعَ اتِّفاقِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ سائِرَ جِهاتِ الكَعْبَةِ قِبْلَةٌ لِمُوَلِّيها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي كُلِّفَ بِهِ مَن غابَ عَنْ حَضْرَةِ الكَعْبَةِ إنَّما هو التَّوَجُّهُ إلى جِهَتِها في غالِبِ ظَنِّهِ لا إصابَةُ مُحاذاتِها غَيْرَ زائِلٍ عَنْها؛ إذْ لا سَبِيلَ لَهُ إلى ذَلِكَ وإذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَن غابَ عَنْ حَضْرَتِها مُحاذِيًا لَها.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ المُبادَرَةُ والمُسارَعَةُ إلى الطّاعاتِ. وهَذا يُحْتَجُّ بِهِ في أنَّ تَعْجِيلِ الطّاعاتِ أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِها ما لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلى فَضِيلَةِ التَّأْخِيرِ، نَحْوَ تَعْجِيلِ الصَّلَواتِ في أوَّلِ أوْقاتِها وتَعْجِيلِ الزَّكاةِ والحَجِّ وسائِرِ الفُرُوضِ بَعْدَ حُضُورِ وقْتِها ووُجُودِ سَبَبِها ويُحْتَجُّ بِهِ بِأنَّ الأمْرَ عَلى الفَوْرِ، وأنَّ جَوازَ التَّأْخِيرِ يَحْتاجُ إلى دَلالَةٍ، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ إذا كانَ غَيْرَ مُوَقَّتٍ فَلا مَحالَةَ عِنْدَ الجَمِيعِ أنَّ فِعْلَهُ عَلى الفَوْرِ مِنَ الخَيْراتِ فَوَجَبَ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ إيجابُ تَعْجِيلِهِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ يَقْتَضِي الوُجُوبَ.
البقرة 2:150
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ مِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهِ في الِاسْتِثْناءِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْناهُ، فَقالَ بَعْضُهم: " هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ومَعْناهُ: لَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم يَتَعَلَّقُونَ بِالشُّبْهَةِ ويَضَعُونَ مَوْضِعَ الحُجَّةِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] مَعْناهُ: لَكِنِ اتِّباعُ الظَّنِّ، قالَ النّابِغَةُ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
مَعْناهُ: لَكِنْ بِسُيُوفِهِمْ فُلُولٌ، ولَيْسَ بِعَيْبٍ " وقِيلَ فِيهِ: " إنَّهُ أرادَ بِالحُجَّةِ المُحاجَّةَ والمُجادَلَةَ، فَقالَ: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حِجاجٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَإنَّهم يُحاجُّونَكم بِالباطِلِ " . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " إلّا " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، وكَأنَّهُ قالَ: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ وإلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا.
وأنْكَرَ ذَلِكَ الفَرّاءُ وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ الفَرّاءُ: لا تَجِيءُ " إلّا " بِمَعْنى الواوِ إلّا إذا تَقَدَّمَ اسْتِثْناءٌ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: (p-١١٤)
؎ما بِالمَدِينَةِ دارٌ غَيْرُ واحِدَةٍ ∗∗∗ دارُ الخَلِيفَةِ إلّا دارُ مَرْوانَ
كَأنَّهُ قالَ: ما بِالمَدِينَةِ دارٌ إلّا دارُ الخَلِيفَةِ ودارُ مَرْوانَ. وقالَ قُطْرُبٌ: مَعْناهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا. وأنْكَرَ هَذا بَعْضُ النُّحاةِ.
البقرة 2:152
بابُ وُجُوبِ ذَكَرِ اللَّهِ تَعالى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ الأمْرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وذِكْرُنا إيّاهُ عَلى وُجُوهٍ. وقَدْ رُوِيَ فِيهِ أقاوِيلُ عَنِ السَّلَفِ، قِيلَ فِيهِ: " اُذْكُرُونِي بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِرَحْمَتِي "، وقِيلَ فِيهِ: " اُذْكُرُونِي بِالثَّناءِ بِالنِّعْمَةِ أذْكُرْكم بِالثَّناءِ بِالطّاعَةِ " وقِيلَ: " اُذْكُرُونِي بِالشُّكْرِ أذْكُرْكم بِالثَّوابِ " وقِيلَ فِيهِ: " اُذْكُرُونِي بِالدُّعاءِ أذْكُرْكم بِالإجابَةِ " . واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِهَذِهِ المَعانِي، وجَمِيعُها مُرادُ اللَّهِ تَعالى لِشُمُولِ اللَّفْظِ واحْتِمالِهِ إيّاهُ.
فَإنْ قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِلَفْظِ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ لِمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ وُجُوهِ الذِّكْرِ عَلى اخْتِلافِها راجِعَةٌ إلى مَعْنًى واحِدٍ. فَهو كاسْمِ الإنْسانِ يَتَناوَلُ الأُنْثى والذَّكَرَ، والأُخُوَّةُ تَتَناوَلُ الإخْوَةَ المُتَفَرِّقِينَ، وكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ ونَحْوُها، وإنْ وقَعَ عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ فَإنَّ الوَجْهَ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ الجَمِيعُ مَعْنًى واحِدٌ.
وكَذَلِكَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَ المَعْنى فِيهِ طاعَتَهُ، والطّاعَةُ تارَةً بِالذِّكْرِ بِاللِّسانِ، وتارَةً بِالعَمَلِ بِالجَوارِحِ، وتارَةً بِاعْتِقادِ القَلْبِ، وتارَةً بِالفِكْرِ في دَلائِلِهِ وحُجَجِهِ، وتارَةً في عَظَمَتِهِ، وتارَةً بِدُعائِهِ ومَسْألَتِهِ، جازَ إرادَةُ الجَمِيعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، كَلَفْظِ الطّاعَةِ نَفْسِها جازَ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ الطّاعاتِ عَلى اخْتِلافِها إذا ورَدَ الأمْرُ بِها مُطْلَقًا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وكالمَعْصِيَةِ يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ جَمِيعَها لَفْظُ النَّهْيِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُونِي﴾ قَدْ تَضَمَّنَ الأمْرَ بِسائِرِ وُجُوهِ الذِّكْرِ، ومِنها سائِرُ وُجُوهِ طاعَتِهِ وهو أعَمُّ الذِّكْرِ، ومِنها ذِكْرُهُ بِاللِّسانِ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ والثَّناءِ عَلَيْهِ والذِّكْرِ عَلى وجْهِ الشُّكْرِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ.
ومِنها ذِكْرُهُ بِدُعاءِ النّاسِ إلَيْهِ والتَّنْبِيهِ عَلى دَلائِلِهِ وحُجَجِهِ ووَحْدانِيِّتِهِ وحِكْمَتِهِ وذِكْرُهُ بِالفِكْرِ في دَلائِلِهِ وآياتِهِ وقُدْرَتِهِ وعَظَمَتِهِ، وهَذا أفْضَلُ الذِّكْرِ وسائِرُ وُجُوهِ الذِّكْرِ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ وتابِعَةٌ لَهُ وبِهِ يَصِحُّ مَعْناها؛ لِأنَّ اليَقِينَ والطُّمَأْنِينَةَ بِهِ تَكُونُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ ذِكْرُ القَلْبِ الَّذِي هو الفِكْرُ في دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى وحُجَجِهِ وآياتِهِ وبَيِّناتِهِ، وكُلَّما ازْدَدْتَ فِيها فِكْرًا ازْدَدْتَ طُمَأْنِينَةً وسُكُونًا.
وهَذا هو أفْضَلُ الذِّكْرِ؛ لِأنَّ سائِرَ الأذْكارِ إنَّما يَصِحُّ ويَثْبُتُ حُكْمُها بِثُبُوتِهِ. وقَدْ (p-١١٥)رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ» حَدَّثَنا ابْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ وخَيْرُ الرِّزْقِ ما يَكْفِي» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّبْرَ وفِعْلَ الصَّلاةِ لُطْفٌ في التَّمَسُّكِ بِما في العُقُولِ مِن لُزُومِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو الفِكْرُ في دَلائِلِهِ وحُجَجِهِ وقُدْرَتِهِ وعَظَمَتِهِ، وهو مِثْلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى بِقُلُوبِكم وهو التَّفَكُّرُ في دَلائِلِهِ أكْبَرُ مِن فِعْلِ الصَّلاةِ، وإنَّما هو مَعُونَةٌ ولُطْفٌ في التَّمَسُّكِ بِهَذا الذِّكْرِ وإدامَتِهِ.
البقرة 2:153
بابُ وُجُوبِ ذَكَرِ اللَّهِ تَعالى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ الأمْرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وذِكْرُنا إيّاهُ عَلى وُجُوهٍ. وقَدْ رُوِيَ فِيهِ أقاوِيلُ عَنِ السَّلَفِ، قِيلَ فِيهِ: " اُذْكُرُونِي بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِرَحْمَتِي "، وقِيلَ فِيهِ: " اُذْكُرُونِي بِالثَّناءِ بِالنِّعْمَةِ أذْكُرْكم بِالثَّناءِ بِالطّاعَةِ " وقِيلَ: " اُذْكُرُونِي بِالشُّكْرِ أذْكُرْكم بِالثَّوابِ " وقِيلَ فِيهِ: " اُذْكُرُونِي بِالدُّعاءِ أذْكُرْكم بِالإجابَةِ " . واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِهَذِهِ المَعانِي، وجَمِيعُها مُرادُ اللَّهِ تَعالى لِشُمُولِ اللَّفْظِ واحْتِمالِهِ إيّاهُ.
فَإنْ قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِلَفْظِ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ لِمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ وُجُوهِ الذِّكْرِ عَلى اخْتِلافِها راجِعَةٌ إلى مَعْنًى واحِدٍ. فَهو كاسْمِ الإنْسانِ يَتَناوَلُ الأُنْثى والذَّكَرَ، والأُخُوَّةُ تَتَناوَلُ الإخْوَةَ المُتَفَرِّقِينَ، وكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ ونَحْوُها، وإنْ وقَعَ عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ فَإنَّ الوَجْهَ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ الجَمِيعُ مَعْنًى واحِدٌ.
وكَذَلِكَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَ المَعْنى فِيهِ طاعَتَهُ، والطّاعَةُ تارَةً بِالذِّكْرِ بِاللِّسانِ، وتارَةً بِالعَمَلِ بِالجَوارِحِ، وتارَةً بِاعْتِقادِ القَلْبِ، وتارَةً بِالفِكْرِ في دَلائِلِهِ وحُجَجِهِ، وتارَةً في عَظَمَتِهِ، وتارَةً بِدُعائِهِ ومَسْألَتِهِ، جازَ إرادَةُ الجَمِيعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، كَلَفْظِ الطّاعَةِ نَفْسِها جازَ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ الطّاعاتِ عَلى اخْتِلافِها إذا ورَدَ الأمْرُ بِها مُطْلَقًا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وكالمَعْصِيَةِ يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ جَمِيعَها لَفْظُ النَّهْيِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُونِي﴾ قَدْ تَضَمَّنَ الأمْرَ بِسائِرِ وُجُوهِ الذِّكْرِ، ومِنها سائِرُ وُجُوهِ طاعَتِهِ وهو أعَمُّ الذِّكْرِ، ومِنها ذِكْرُهُ بِاللِّسانِ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ والثَّناءِ عَلَيْهِ والذِّكْرِ عَلى وجْهِ الشُّكْرِ والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ.
ومِنها ذِكْرُهُ بِدُعاءِ النّاسِ إلَيْهِ والتَّنْبِيهِ عَلى دَلائِلِهِ وحُجَجِهِ ووَحْدانِيِّتِهِ وحِكْمَتِهِ وذِكْرُهُ بِالفِكْرِ في دَلائِلِهِ وآياتِهِ وقُدْرَتِهِ وعَظَمَتِهِ، وهَذا أفْضَلُ الذِّكْرِ وسائِرُ وُجُوهِ الذِّكْرِ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ وتابِعَةٌ لَهُ وبِهِ يَصِحُّ مَعْناها؛ لِأنَّ اليَقِينَ والطُّمَأْنِينَةَ بِهِ تَكُونُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ ذِكْرُ القَلْبِ الَّذِي هو الفِكْرُ في دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى وحُجَجِهِ وآياتِهِ وبَيِّناتِهِ، وكُلَّما ازْدَدْتَ فِيها فِكْرًا ازْدَدْتَ طُمَأْنِينَةً وسُكُونًا.
وهَذا هو أفْضَلُ الذِّكْرِ؛ لِأنَّ سائِرَ الأذْكارِ إنَّما يَصِحُّ ويَثْبُتُ حُكْمُها بِثُبُوتِهِ. وقَدْ (p-١١٥)رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ» حَدَّثَنا ابْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ وخَيْرُ الرِّزْقِ ما يَكْفِي» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّبْرَ وفِعْلَ الصَّلاةِ لُطْفٌ في التَّمَسُّكِ بِما في العُقُولِ مِن لُزُومِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو الفِكْرُ في دَلائِلِهِ وحُجَجِهِ وقُدْرَتِهِ وعَظَمَتِهِ، وهو مِثْلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى بِقُلُوبِكم وهو التَّفَكُّرُ في دَلائِلِهِ أكْبَرُ مِن فِعْلِ الصَّلاةِ، وإنَّما هو مَعُونَةٌ ولُطْفٌ في التَّمَسُّكِ بِهَذا الذِّكْرِ وإدامَتِهِ.
البقرة 2:154
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ فِيهِ إخْبارٌ بِإحْياءِ اللَّهِ تَعالى الشُّهَداءَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم سَيَحْيَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا مُرادَهُ لَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ إخْبارٌ بِفَقْدِ عِلْمِنا بِحَياتِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ، ولَوْ كانَ المُرادُ الحَياةَ يَوْمَ القِيامَةِ لَكانَ المُؤْمِنُونَ قَدْ شَعَرُوا بِهِ وعَرَفُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ. فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ الحَياةُ الحادِثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ. وإذا جازَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ قَدْ أُحْيُوا في قُبُورِهِمْ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ وهم مُنَعَّمُونَ فِيها جازَ أنْ يَحْيا الكُفّارُ في قُبُورِهِمْ فَيُعَذَّبُوا، وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يُنْكِرُ عَذابَ القَبْرِ.
فَإنْ قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم مُنَعَّمِينَ بَعْدَ المَوْتِ فَكَيْفَ خَصَّ المَقْتُولِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قِيلَ لَهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ اخْتَصَّهم بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم عَلى جِهَةِ تَقْدِيمِ البِشارَةِ بِذِكْرِ حالِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَخْتَصُّونَ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أحْياءً ونَحْنُ نَراهم رَمِيمًا في القُبُورِ بَعْدَ مُرُورِ الأزْمانِ عَلَيْهِمْ ؟ قِيلَ لَهُ: النّاسُ في هَذا عَلى قَوْلَيْنِ، مِنهم مَن يَجْعَلُ الإنْسانَ هو الرُّوحُ وهو جِسْمٌ لَطِيفٌ والنَّعِيمُ والبُؤْسُ إنَّما هُما لَهُ دُونَ الجُثَّةِ. ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ هَذا الجِسْمُ الكَثِيفُ المُشاهَدُ، فَهو يَقُولُ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلَطِّفُ أجْزاءً مِنهُ بِمِقْدارِ ما تَقُومُ بِهِ البِنْيَةُ الحَيَوانِيَّةُ ويُوَصِّلُ النَّعِيمَ إلَيْهِ وتَكُونُ تِلْكَ الأجْزاءُ اللَّطِيفَةُ بِحَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى أنْ تَكُونَ تُعَذَّبُ أوْ تُنَعَّمُ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّهُ، ثُمَّ يُفْنِيهِ اللَّهُ تَعالى كَما يُفْنِي سائِرَ الخَلْقِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ يُحْيِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْحَشْرِ.
وقَدْ حَدَّثَنا أبُو القاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ (p-١١٦)بْنِ إسْحاقَ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ يَحْيى بْنِ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «نَسَمَةُ المُسْلِمِ طَيْرٌ تَعْلَقُ في شَجَرِ الجَنَّةِ حَتّى يُرْجِعَها إلى جَسَدِهِ» .
البقرة 2:155
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ والرَّبِيعِ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المُخاطَبَةِ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الهِجْرَةِ قالَ أبُو بَكْرٍ جائِزٌ واللَّهُ أعْلَمُ أنْ يَكُونَ قَدَّمَ إلَيْهِمْ ذِكْرَ ما عَلِمَ أنَّهُ يُصِيبُهم في اللَّهِ مِن هَذِهِ البَلايا والشَّدائِدِ لِمَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الصَّبْرِ عَلَيْها إذا ورَدَتْ فَيَكُونَ ذَلِكَ أبْعَدَ مِنَ الجَزَعِ وأسْهَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الوُرُودِ.
والثّانِي: ما يَتَعَجَّلُونَ بِهِ مِن ثَوابِ تَوْطِينِ النَّفْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ عَلى ما قَدَّمَ ذِكْرَهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي إقْرارَهم في تِلْكَ الحالِ بِالعُبُودِيَّةِ والمُلْكِ لَهُ وأنَّ لَهُ أنْ يَبْتَلِيَهم بِما يَشاءُ تَعْرِيضًا مِنهُ لِثَوابِ الصَّبْرِ واسْتِصْلاحًا لَهم لِما هو أعْلَمُ بِهِ، إذْ هو تَعالى غَيْرُ مُتَّهَمٍ في فِعْلِ الخَيْرِ والصَّلاحِ؛ إذْ كانَتْ أفْعالُهُ كُلُّها حِكْمَةً.
فَفِي إقْرارِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ ورِضًى بِقَضائِهِ فِيما يَبْتَلِيهِمْ بِهِ؛ إذْ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠]
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " لَأنْ أخِرَّ مِنَ السَّماءِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقُولَ لِشَيْءٍ قَضاهُ اللَّهُ تَعالى لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ " وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إقْرارٌ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ واعْتِرافٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُجازِي الصّابِرِينَ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ فَلا يَضِيعُ عِنْدَهُ أجْرُ المُحْسِنِينَ ثُمَّ أخْبَرَ بِما لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الصَّبْرِ عَلى هَذِهِ الشَّدائِدِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] يَعْنِي الثَّناءَ الجَمِيلَ والبَرَكاتِ والرَّحْمَةَ وهي النِّعْمَةُ الَّتِي لا يَعْلَمُ مَقادِيرَها إلّا اللَّهُ تَعالى، كَقَوْلِهِ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ومِنَ المَصائِبِ والشَّدائِدِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ ما هو مِن فِعْلِ المُشْرِكِينَ بِهِمْ، ومِنها ما هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى.
فَأمّا ما كانَ مِن فِعْلِ المُشْرِكِينَ فَهو أنَّ العَرَبَ كُلَّها كانَتْ قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ ما كانَ بِالمَدِينَةِ مِن المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وكانَ خَوْفُهم مِن قِبَلِ هَؤُلاءِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وكَثْرَتِهِمْ. وأمّا الجُوعُ فَلِقِلَّةِ ذاتِ اليَدِ والفَقْرِ الَّذِي نالَهم.
وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الفَقْرُ تارَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى (p-١١٧)بِأنْ يُفْقِرَهم بِتَلَفِ أمْوالِهِمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِ العَدُوِّ بِأنْ يُغْلَبُوا عَلَيْهِ فَيَتْلَفَ ﴿ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ النَّقْصَ مِنَ الأمْوالِ جائِزٌ أنْ يَكُونَ سَبَبُهُ العَدُوَّ. وكَذَلِكَ الثَّمَراتُ لِشُغْلِهِمْ إيّاهم بِقِتالِهِمْ عَنْ عِمارَةِ أراضِيهِمْ.
وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى بِالجَوائِحِ الَّتِي تُصِيبُ الأمْوالَ والثِّمارَ.
ونَقْصُ الأنْفُسِ جائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ مَن يُقْتَلُ مِنهم في الحَرْبِ، وأنْ يُرِيدَ بِهِ مَن يُمِيتُهُ اللَّهُ مِنهم مِن غَيْرِ قَتْلٍ.
فَأمّا الصَّبْرُ عَلى ما كانَ مِن فِعْلِ اللَّهِ، فَهو التَّسْلِيمُ والرِّضا بِما فَعَلَهُ والعِلْمُ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا الصَّلاحَ والحَسَنَ وما هو خَيْرٌ لَهم، وأنَّهُ ما مَنَعَهم إلّا لِيُعْطِيَهم، وأنَّ مَنعَهُ إيّاهم إعْطاءٌ مِنهُ لَهم. وأمّا ما كانَ مِن فِعْلِ العَدُوِّ فَإنَّ المُرادَ بِهِ الصَّبْرُ عَلى جِهادِهِمْ وعَلى الثَّباتِ عَلى دَيْنِ اللَّهِ تَعالى ولا يَنْكُلُونَ عَنِ الحَرْبِ ولا يَزُولُونَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ بِما يُصِيبُهم مِن ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالِابْتِلاءِ ما كانَ مِنهم مِن فِعْلِ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَبْتَلِي أحَدًا بِالظُّلْمِ والكُفْرِ ولا يُرِيدُهُ ولا يُوجِبُ الرِّضا بِهِ، ولَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى يَبْتَلِي بِالظُّلْمِ والكُفْرِ لَوَجَبَ الرِّضا بِهِ كَما رَضِيَهُ بِزَعْمِهِمْ حِينَ فَعَلَهُ واللَّهُ يَتَعالى عَنْ ذَلِكَ وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ مَدْحَ الصّابِرِينَ عَلى شَدائِدِ الدُّنْيا وعَلى مَصائِبِها عَلى الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَ.
والوَعْدُ بِالثَّوابِ والثَّناءِ الجَمِيلِ والنَّفْعِ العَظِيمِ لَهم في الدُّنْيا والدِّينِ، فَأمّا في الدُّنْيا فَما يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِنَ الثَّناءِ الجَمِيلِ والمَحَلِّ الجَلِيلِ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ لِائْتِمارِهِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ولِأنَّ في الفِكْرِ في ذَلِكَ تَسْلِيَةً عَنِ الهَمِّ ونَفْيِ الجَزَعِ الَّذِي رُبَّما أدّى إلى ضَرَرٍ في النَّفْسِ وإلى إتْلافِها في حالِ ما يَعْقُبُهُ ذَلِكَ في الدُّنْيا مِن مَحْمُودِ العاقِبَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو الثَّوابُ الجَزِيلُ الَّذِي لا يَعْلَمُ مِقْدارَهُ إلّا اللَّهُ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُكْمَيْنِ: فَرْضٌ، ونَفْلٌ.
فَأمّا الفَرْضُ فَهو التَّسْلِيمُ لِأمْرَ اللَّهِ والرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ والصَّبْرِ عَلى أداءِ فَرائِضِهِ لا يُثْنِيهِ عَنْها مَصائِبُ الدُّنْيا ولا شَدائِدُها. وأمّا النَّفَلُ فَإظْهارُ القَوْلِ ب ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فَإنَّ في إظْهارِهِ فَوائِدَ جَزِيلَةً، مِنها فِعْلُ ما نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهِ ووَعَدَهُ الثَّوابَ عَلَيْهِ، ومِنها أنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ إذا سَمِعَهُ، ومِنها غَيْظُ الكُفّارِ وعِلْمُهم بِجِدِّهِ واجْتِهادِهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى والثَّباتِ عَلى طاعَتِهِ ومُجاهَدَةِ أعْدائِهِ ويُحْكى عَنْ داوُدَ الطّائِيِّ قالَ: الزّاهِدُ في الدُّنْيا لا يُحِبُّ البَقاءَ فِيها، وأفْضَلُ الأعْمالِ الرِّضا عَنِ اللَّهِ، ولا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أنْ يَحْزَنَ لِلْمُصِيبَةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ ثَوابًا " واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
(p-١١٨)
البقرة 2:156
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ والرَّبِيعِ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المُخاطَبَةِ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الهِجْرَةِ قالَ أبُو بَكْرٍ جائِزٌ واللَّهُ أعْلَمُ أنْ يَكُونَ قَدَّمَ إلَيْهِمْ ذِكْرَ ما عَلِمَ أنَّهُ يُصِيبُهم في اللَّهِ مِن هَذِهِ البَلايا والشَّدائِدِ لِمَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الصَّبْرِ عَلَيْها إذا ورَدَتْ فَيَكُونَ ذَلِكَ أبْعَدَ مِنَ الجَزَعِ وأسْهَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الوُرُودِ.
والثّانِي: ما يَتَعَجَّلُونَ بِهِ مِن ثَوابِ تَوْطِينِ النَّفْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ عَلى ما قَدَّمَ ذِكْرَهُ مِنَ الشَّدائِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يَعْنِي إقْرارَهم في تِلْكَ الحالِ بِالعُبُودِيَّةِ والمُلْكِ لَهُ وأنَّ لَهُ أنْ يَبْتَلِيَهم بِما يَشاءُ تَعْرِيضًا مِنهُ لِثَوابِ الصَّبْرِ واسْتِصْلاحًا لَهم لِما هو أعْلَمُ بِهِ، إذْ هو تَعالى غَيْرُ مُتَّهَمٍ في فِعْلِ الخَيْرِ والصَّلاحِ؛ إذْ كانَتْ أفْعالُهُ كُلُّها حِكْمَةً.
فَفِي إقْرارِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ ورِضًى بِقَضائِهِ فِيما يَبْتَلِيهِمْ بِهِ؛ إذْ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠]
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " لَأنْ أخِرَّ مِنَ السَّماءِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقُولَ لِشَيْءٍ قَضاهُ اللَّهُ تَعالى لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ " وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إقْرارٌ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ واعْتِرافٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُجازِي الصّابِرِينَ عَلى قَدْرِ اسْتِحْقاقِهِمْ فَلا يَضِيعُ عِنْدَهُ أجْرُ المُحْسِنِينَ ثُمَّ أخْبَرَ بِما لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الصَّبْرِ عَلى هَذِهِ الشَّدائِدِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] يَعْنِي الثَّناءَ الجَمِيلَ والبَرَكاتِ والرَّحْمَةَ وهي النِّعْمَةُ الَّتِي لا يَعْلَمُ مَقادِيرَها إلّا اللَّهُ تَعالى، كَقَوْلِهِ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ومِنَ المَصائِبِ والشَّدائِدِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ ما هو مِن فِعْلِ المُشْرِكِينَ بِهِمْ، ومِنها ما هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى.
فَأمّا ما كانَ مِن فِعْلِ المُشْرِكِينَ فَهو أنَّ العَرَبَ كُلَّها كانَتْ قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ ما كانَ بِالمَدِينَةِ مِن المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وكانَ خَوْفُهم مِن قِبَلِ هَؤُلاءِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وكَثْرَتِهِمْ. وأمّا الجُوعُ فَلِقِلَّةِ ذاتِ اليَدِ والفَقْرِ الَّذِي نالَهم.
وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الفَقْرُ تارَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى (p-١١٧)بِأنْ يُفْقِرَهم بِتَلَفِ أمْوالِهِمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِ العَدُوِّ بِأنْ يُغْلَبُوا عَلَيْهِ فَيَتْلَفَ ﴿ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ النَّقْصَ مِنَ الأمْوالِ جائِزٌ أنْ يَكُونَ سَبَبُهُ العَدُوَّ. وكَذَلِكَ الثَّمَراتُ لِشُغْلِهِمْ إيّاهم بِقِتالِهِمْ عَنْ عِمارَةِ أراضِيهِمْ.
وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى بِالجَوائِحِ الَّتِي تُصِيبُ الأمْوالَ والثِّمارَ.
ونَقْصُ الأنْفُسِ جائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ مَن يُقْتَلُ مِنهم في الحَرْبِ، وأنْ يُرِيدَ بِهِ مَن يُمِيتُهُ اللَّهُ مِنهم مِن غَيْرِ قَتْلٍ.
فَأمّا الصَّبْرُ عَلى ما كانَ مِن فِعْلِ اللَّهِ، فَهو التَّسْلِيمُ والرِّضا بِما فَعَلَهُ والعِلْمُ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا الصَّلاحَ والحَسَنَ وما هو خَيْرٌ لَهم، وأنَّهُ ما مَنَعَهم إلّا لِيُعْطِيَهم، وأنَّ مَنعَهُ إيّاهم إعْطاءٌ مِنهُ لَهم. وأمّا ما كانَ مِن فِعْلِ العَدُوِّ فَإنَّ المُرادَ بِهِ الصَّبْرُ عَلى جِهادِهِمْ وعَلى الثَّباتِ عَلى دَيْنِ اللَّهِ تَعالى ولا يَنْكُلُونَ عَنِ الحَرْبِ ولا يَزُولُونَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ بِما يُصِيبُهم مِن ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالِابْتِلاءِ ما كانَ مِنهم مِن فِعْلِ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَبْتَلِي أحَدًا بِالظُّلْمِ والكُفْرِ ولا يُرِيدُهُ ولا يُوجِبُ الرِّضا بِهِ، ولَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى يَبْتَلِي بِالظُّلْمِ والكُفْرِ لَوَجَبَ الرِّضا بِهِ كَما رَضِيَهُ بِزَعْمِهِمْ حِينَ فَعَلَهُ واللَّهُ يَتَعالى عَنْ ذَلِكَ وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ مَدْحَ الصّابِرِينَ عَلى شَدائِدِ الدُّنْيا وعَلى مَصائِبِها عَلى الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَ.
والوَعْدُ بِالثَّوابِ والثَّناءِ الجَمِيلِ والنَّفْعِ العَظِيمِ لَهم في الدُّنْيا والدِّينِ، فَأمّا في الدُّنْيا فَما يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِنَ الثَّناءِ الجَمِيلِ والمَحَلِّ الجَلِيلِ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ لِائْتِمارِهِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ولِأنَّ في الفِكْرِ في ذَلِكَ تَسْلِيَةً عَنِ الهَمِّ ونَفْيِ الجَزَعِ الَّذِي رُبَّما أدّى إلى ضَرَرٍ في النَّفْسِ وإلى إتْلافِها في حالِ ما يَعْقُبُهُ ذَلِكَ في الدُّنْيا مِن مَحْمُودِ العاقِبَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو الثَّوابُ الجَزِيلُ الَّذِي لا يَعْلَمُ مِقْدارَهُ إلّا اللَّهُ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُكْمَيْنِ: فَرْضٌ، ونَفْلٌ.
فَأمّا الفَرْضُ فَهو التَّسْلِيمُ لِأمْرَ اللَّهِ والرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ والصَّبْرِ عَلى أداءِ فَرائِضِهِ لا يُثْنِيهِ عَنْها مَصائِبُ الدُّنْيا ولا شَدائِدُها. وأمّا النَّفَلُ فَإظْهارُ القَوْلِ ب ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فَإنَّ في إظْهارِهِ فَوائِدَ جَزِيلَةً، مِنها فِعْلُ ما نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهِ ووَعَدَهُ الثَّوابَ عَلَيْهِ، ومِنها أنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ إذا سَمِعَهُ، ومِنها غَيْظُ الكُفّارِ وعِلْمُهم بِجِدِّهِ واجْتِهادِهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى والثَّباتِ عَلى طاعَتِهِ ومُجاهَدَةِ أعْدائِهِ ويُحْكى عَنْ داوُدَ الطّائِيِّ قالَ: الزّاهِدُ في الدُّنْيا لا يُحِبُّ البَقاءَ فِيها، وأفْضَلُ الأعْمالِ الرِّضا عَنِ اللَّهِ، ولا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أنْ يَحْزَنَ لِلْمُصِيبَةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ ثَوابًا " واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
(p-١١٨)