Lafzullah

أحكام القرآن — البقرة 2:158 – البقرة 2:185

المؤلف / المصدر: أبو بكر الجصاص

المحتويات
  1. البقرة 2:158
  2. البقرة 2:159
  3. البقرة 2:160
  4. البقرة 2:161
  5. البقرة 2:163
  6. البقرة 2:164
  7. البقرة 2:173
  8. البقرة 2:177
  9. البقرة 2:178
  10. البقرة 2:179
  11. البقرة 2:180
  12. البقرة 2:181
  13. البقرة 2:182
  14. البقرة 2:183
  15. البقرة 2:184
  16. البقرة 2:185

البقرة 2:158

بابُ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «قَرَأْتُ عِنْدَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ فَقُلْتُ: لا أُبالِي أنْ لا أفْعَلَ، قالَتْ: بِئْسَما قُلْتَ يا ابْنَ أُخْتِي قَدْ طافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وطافَ المُسْلِمُونَ فَكانَتْ سُنَّةً إنَّما كانَ مَن أهَلَّ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ لا يَطَّوَّفُ بِهِما، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَرِهُوا أنْ يَطُوفُوا بِهِما حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَطافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكانَتْ سُنَّةً قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأبِي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنَ، فَقالَ: إنَّ هَذا لَعِلْمٌ، ولَقَدْ كانَ رِجالٌ مِن أهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إنَّما سَألَ عَنْ هَذا الرِّجالُ الَّذِينَ كانُوا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَأحْسَبُها نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ» . ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ قالَ: كانَ عَلى الصَّفا تَماثِيلُ وأصْنامٌ وكانَ المُسْلِمُونَ لا يَطُوفُونَ عَلَيْها لِأجْلِ الأصْنامِ والتَّماثِيلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: كانَ السَّبَبُ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ عائِشَةَ سُؤالُ مَن كانَ لا يَطُوفُ بِهِما في الجاهِلِيَّةِ لِأجْلِ إهْلالِهِ لِمَناةَ، وعَلى ما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِسُؤالِ مَن كانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِما الأصْنامُ، فَتَجَنَّبَ النّاسُ الطَّوافَ بِهِما بَعْدَ الإسْلامِ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ سُؤالَ الفَرِيقَيْنِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في السَّعْيِ بَيْنَهُما، فَرَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ، وأيُّوبُ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ، جَمِيعًا عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما أتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِامْرِئِ حَجًّا ولا عُمْرَةً ما لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ» . وذَكَرَ أبُو الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُما سُنَّةٌ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ» . ورَوى عاصِمٌ الأحْوَلُ عَنْ أنَسٍ قالَ: " كُنّا نَكْرَهُ الطَّوافَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والطَّوافُ بَيْنَهُما تَطَوُّعٌ " . ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: " مَن شاءَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ " . ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ: " إنَّ مَن تَرَكَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ " وقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في ذَلِكَ، فَقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ ومالِكٌ: " إنَّهُ واجِبٌ في الحَجِّ والعُمْرَةِ وتَرْكُهُ يُجْزِي عَنْهُ الدَّمُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا يُجْزِي عَنْهُ الدَّمُ إذا تَرَكَهُ وعَلَيْهِ أنْ يَرْجِعَ فَيَطُوفَ " قالَ أبُو بَكْرٍ: هو عِنْدَ أصْحابِنا مِن تَوابِعِ الحَجِّ يُجْزِي عَنْهُ الدَّمُ لِمَن رَجَعَ إلى أهْلِهِ مِثْلُ الوُقُوفِ بِالمُزْدَلِفَةِ ورَمْيِ الجِمارِ وطَوافِ الصَّدْرِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن فُرُوضِهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ (p-١١٩)فِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطّائِيِّ قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالمُزْدَلِفَةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ مِن جَبَلِ طَيِّئٍ ما تَرَكْتُ جَبَلًا إلّا وقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِن حَجٍّ ؟ فَقالَ ﷺ: «مَن صَلّى مَعَنا هَذِهِ الصَّلاةَ ووَقَفَ مَعَنا هَذا المَوْقِفَ وقَدْ أدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أوْ نَهارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وقَضى تَفَثَهُ» . فَهَذا القَوْلُ مِنهُ ﷺ يَنْفِي كَوْنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ فَرْضًا في الحَجِّ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إخْبارُهُ بِتَمامِ حَجَّتِهِ ولَيْسَ فِيهِ السَّعْيُ بَيْنَهُما. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ مِن فُرُوضِهِ لَبَيَّنَهُ لِلسّائِلِ لِعِلْمِهِ بِجَهْلِهِ بِالحُكْمِ. فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَذْكُرْ طَوافَ الزِّيارَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فُرُوضِهِ قِيلَ لَهُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وإنَّما أثْبَتْناهُ فَرْضًا بِدَلالَةٍ. فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يُوجِبُ أنْ لا يَكُونَ مَسْنُونًا ويَكُونَ تَطَوُّعًا، كَما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ يَقْتَضِي ظاهِرُ اللَّفْظِ، وإنَّما أثْبَتْناهُ مَسْنُونًا في تَوابِعِ الحَجِّ بِدَلالَةٍ. ومِمّا يُحْتَجُّ بِهِ لِوُجُوبِهِ أنَّ فَرْضَ الحَجِّ مُجْمَلٌ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الحَجَّ في اللُّغَةِ القَصْدُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يَحُجُّ مَأْمُومَةَ في قَعْرِها لَجَفَّ يَعْنِي أنَّهُ يَقْصِدُ ثُمَّ نُقِلَ في الشَّرْعِ إلى مَعانٍ أُخَرِ لَمْ يَكُنِ اسْمًا مَوْضُوعًا لَها في اللُّغَةِ وهو مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ فَمَهْما ورَدَ مِن فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَهو بَيانٌ لِلْمُرادِ بِالجُمْلَةِ. وفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ إذا ورَدَ مَوْرِدَ البَيانِ فَهو عَلى الوُجُوبِ، فَلَمّا سَعى بَيْنَهُما النَّبِيُّ ﷺ كانَ ذَلِكَ دَلالَةَ الوُجُوبِ حَتّى تَقُومَ دَلالَةُ النَّدْبِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» وذَلِكَ أمْرٌ يَقْتَضِي إيجابَ الِاقْتِداءِ بِهِ في سائِرِ أفْعالِ المَناسِكِ، فَوَجَبَ الِاقْتِداءُ بِهِ في السَّعْيِ بَيْنَهُما. وقَدْ رَوى طارِقُ بْنُ شِهابٍ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: «قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِالبَطْحاءِ فَقالَ: بِمَ أهْلَلْتَ ؟ فَقُلْتُ: أهْلَلْتُ بِإهْلالِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أحْسَنْتَ طُفْ بِالبَيْتِ والصَّفا والمَرْوَةِ ثُمَّ أحَلَّ» فَأمَرَهُ بِالسَّعْيِ بَيْنَهُما، وهَذا أمْرٌ يَقْتَضِي الإيجابَ. وقَدْ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ مُضْطَرِبُ السَّنَدِ والمَتْنِ جَمِيعًا مَجْهُولُ الرّاوِي، وهو ما رَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ واصِلٍ مَوْلى أبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ مُوسى بْنِ أبِي عُبَيْدِ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، «عَنِ امْرَأةٍ سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ يَقُولُ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيُ فاسْعَوْا فَذَكَرَتْ في هَذا الحَدِيثِ أنَّها سَمِعَتْهُ يَقُولَ ذَلِكَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ» ولَمْ تَذْكُرِ اسْمَ الرّاوِيَةِ. وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: حَدَّثَتْنِي صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ عَنِ «امْرَأةٍ يُقالَ لَها حَبِيبَةُ بِنْتُ أبِي تُجْزَءَةَ قالَتْ: دَخَلْتُ دارَ أبِي حُسَيْنٍ ومَعِي نِسْوَةٌ مِن قُرَيْشٍ والنَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ بِالبَيْتِ حَتّى إنَّ ثَوْبَهُ لَيَدُورُ بِهِ وهو يَقُولُ لِأصْحابِهِ: اسْعَوْا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» (p-١٢٠)فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ذَلِكَ وهو في الطَّوافِ، فَظاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُرادُهُ السَّعْيَ في الطَّوافِ وهو الرَّمْيُ والطَّوافُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّ المَشْيَ يُسَمّى سَعْيًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ولَيْسَ المُرادُ إسْراعَ المَشْيِ، وإنَّما هو المَصِيرُ إلَيْهِ. والخَبَرُ الأوَّلُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ذَلِكَ وهو يَسْعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ أرادَ السَّعْيَ بَيْنَهُما؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ الطَّوافَ بِالبَيْتِ والرَّمَيَ فِيهِ، وهو سَعْيٌ لِأنَّهُ إسْراعُ المَشْيِ. وأيْضًا فَإنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي جَوازَ أيِّ سَعْيٍ كانَ، وهو إذا رَمَلَ فَقَدْ سَعى، ووُجُوبُ التَّكْرارِ لا دَلالَةَ عَلَيْهِ. فالأخْبارُ الأُوَلُ الَّتِي ذَكَرْناها دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ السَّعْيِ لِأنَّهُ سُنَّةٌ لا يَنْبَغِي تَرْكُها، ولا دَلالَةَ فِيها عَلى أنَّ مَن تَرَكَها لا يَنُوبُ عَنْهُ دَمٌ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الدَّمَ يَنُوبُ عَنْهُ لِمَن تَرَكَهُ حَتّى يَرْجِعَ إلى أهْلِهِ اتِّفاقُ السَّلَفِ عَلى جَوازِ السَّعْيِ بَعْدَ الإحْلالِ مِن جَمِيعِ الإحْرامِ كَما يَصِحُّ الرَّمْيُ وطَوافُ الصَّدْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَنُوبَ عَنْهُ الدَّمُ كَما نابَ عَنِ الرَّمْيِ وطَوافِ الصَّدْرِ. فَإنْ قِيلَ طَوافُ الزِّيارَةِ يُفْعَلُ بَعْدَ الإحْلالِ ولا يَنُوبُ عَنْهُ الدَّمُ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ بَقاءَ طَوافِ الزِّيارَةِ يُوجِبُ كَوْنَهُ مُحْرِمًا عَنِ النِّساءِ، وإذا طافَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ بِلا خِلافٍ بَيْنَ الفُقَهاءِ، ولَيْسَ لِبَقاءِ السَّعْيِ تَأْثِيرٌ في بَقاءِ شَيْءٍ مِنَ الإحْرامِ كالرَّمْيِ وطَوافِ الصَّدْرِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَإنَّ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: إذا طافَ لِلزِّيارَةِ لَمْ يَحِلَّ مِنَ النِّساءِ وكانَ حَرامًا حَتّى يَسْعى بِالصَّفا والمَرْوَةِ قِيلَ لَهُ: قَدِ اتَّفَقَ الصَّدْرُ الأوَّلُ مِنَ التّابِعِينَ والسَّلَفِ بَعْدَهم أنَّهُ يَحِلُّ بِالطَّوافِ بِالبَيْتِ؛ لِأنَّهم عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ بَعْدَ الحَلْقِ، فَقالَ قائِلُونَ: هو مُحْرِمٌ مِنَ اللِّباسِ والصَّيْدِ والطَّيِّبِ حَتّى يَطُوفَ بِالبَيْتِ وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هو مُحْرِمٌ مِنَ النِّساءِ والطِّيبِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهُ: هو مُحْرِمٌ مِنَ النِّساءِ حَتّى يَطُوفَ فَقَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى أنَّهُ يَحِلُّ مِنَ النِّساءِ بِالطَّوافِ بِالبَيْتِ دُونَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ. وأيْضًا فَإنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُما لا يُفْعَلُ إلّا تَبَعًا لِلطَّوافِ، ألا تَرى أنَّ مَن لا طَوافَ عَلَيْهِ لا سَعْيَ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لا يَتَطَوَّعُ بِالسَّعْيِ بَيْنَهُما كَما لا يَتَطَوَّعُ بِالرَّمْيِ ؟ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مِن تَوابِعِ الحَجِّ والعُمْرَةِ. فَإنْ قِيلَ: الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لا يُفْعَلُ إلّا بَعْدَ الإحْرامِ، وطَوافُ الزِّيارَةِ لا يُفْعَلُ إلّا بَعْدَ الوُقُوفِ، وهُما مِن فُرُوضِ الحَجِّ قِيلَ لَهُ: لَمْ نَقُلْ إنَّ مَن لا يُفْعَلُ إلّا بَعْدَ غَيْرِهِ فَهو تَبَعٌ فَيَلْزَمُنا ما ذَكَرْتَ، وإنَّما قُلْنا: ما لا يُفْعَلُ إلّا عَلى وجْهِ التَّبَعِ لِأفْعالِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ فَهو تابِعٌ لَيْسَ بِفَرْضٍ، فَأمّا الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَإنَّهُ غَيْرُ مَفْعُولٍ عَلى وجْهِ التَّبَعِ لِغَيْرِهِ بَلْ يُفْعَلُ مُنْفَرِدًا (p-١٢١)بِنَفْسِهِ، ولَكِنْ مِن شُرُوطِهِ شَيْئانِ: الإحْرامُ والوَقْتُ، وما كانَ شَرْطُهُ الإحْرامَ أوِ الوَقْتَ فَلا دَلالَةَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى وجْهِ التَّبَعِ، وكَذَلِكَ ما تَعَلَّقَ جَوازُهُ بِوَقْتٍ دُونَ غَيْرِهِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ تَبَعُ فَرْضٍ غَيْرِهِ. وطَوافُ الزِّيارَةِ إنَّما يَتَعَلَّقُ جَوازُهُ بِالوَقْتِ. والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إنَّما يَتَعَلَّقُ جَوازُهُ بِالإحْرامِ والوَقْتِ ولَيْسَ صِحَّتُهُ مَوْقُوفَةً عَلى وُقُوعِ فِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ الإحْرامِ، فَلَيْسَ هو إذًا تَبَعًا لِغَيْرِهِ. وأمّا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ فَإنَّهُ مَعَ حُضُورِ وقْتِهِ هو مَوْقُوفٌ عَلى فِعْلٍ آخَرَ غَيْرِهِ وهو الطَّوافُ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مِن تَوابِعِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وأنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، فَأشْبَهَ طَوافَ الصَّدْرِ لَمّا كانَتْ صِحَّتُهُ مَوْقُوفَةً عَلى طَوافِ الزِّيارَةِ كانَ تَبَعًا في الحَجِّ يَنُوبُ عَنْ تَرْكِهِ دَمٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُ قُرْبَةٌ لِأنَّ الشَّعائِرَ هي مَعالِمُ الطّاعاتِ والقُرَبِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الإشْعارِ الَّذِي هو الإعْلامُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُكَ شَعَرْتُ بِكَذا وكَذا أيْ عَلِمْتُهُ. ومِنهُ إشْعارُ البَدَنَةِ أيْ إعْلامُها لِلْقُرْبَةِ، وشِعارُ الحَرْبِ عَلاماتُها الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها فالشَّعائِرُ هي المَعالِمُ لِلْقُرَبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وشَعائِرُ الحَجِّ مَعالِمُ نُسُكِهِ، ومِنهُ المَشْعَرُ الحَرامُ فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ بِفَحْواها عَلى أنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُما قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ فَقَدْ أخْبَرَتْ عائِشَةُ وغَيْرُها أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الجَوابِ لِمَن سَألَ عَنْهُما، وأنَّ ظاهِرَ هَذا اللَّفْظِ لَمْ يَنْفِ إرادَةَ الوُجُوبِ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ وقَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ مِن غَيْرِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِهِ وهو ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في السَّعْيِ في بَطْنِ الوادِي، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ أخْبارٌ مُخْتَلِفَةٌ، ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ السَّعْيَ فِيهِ مَسْنُونٌ لا يَنْبَغِي تَرْكُهُ كالرَّمَيِ في الطَّوافِ. ورَوى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جابِرٍ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمّا تَصَوَّبَتْ قَدَماهُ في الوادِي سَعى حَتّى خَرَجَ مِنهُ» . ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ صَدَقَةَ قالَ: «سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: أرَأيْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمَلُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ؟ قالَ: كانَ في النّاسِ فَرَمَلُوا ولا أراهم فَعَلُوا إلّا بِرَمَلِهِ» وقالَ نافِعٌ: " كانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْعى في بَطْنِ الوادِي " . ورَوى مَسْرُوقٌ " أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ سَعى في بَطْنِ الوادِي " . ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " مَن شاءَ يَسْعى بِمَسِيلِ مَكَّةَ ومَن شاءَ لَمْ يَسْعَ " وإنَّما يَعْنِي الرَّمَلَ في بَطْنِ الوادِي. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: «رَأيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ وقالَ: إنْ مَشَيْتُ فَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي، وإنْ سَعَيْتُ فَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعى» . ورَوى عَمْرٌو عَنْ عَطاءٍ عَنِ (p-١٢٢)ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّما سَعى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ فَأتَيْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ سَعى النَّبِيُّ ﷺ في بَطْنِ الوادِي» وذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي مِن أجْلِهِ فَعَلَ ذَلِكَ وهو إظْهارُ الجَلَدِ والقُوَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ، وتَعَلُّقُ فِعْلِهِ بِهَذا السَّبَبِ لا يَمْنَعُ كَوْنَهُ سُنَّةً مَعَ زَوالِهِ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا في الرَّمَلِ في الطَّوافِ فِيما تَقَدَّمَ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ السَّبَبَ في رَمْيِ الجِمارِ كانَ رَمْيَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إبْلِيسَ لَمّا عَرَضَ لَهُ بِمِنًى، وصارَ سُنَّةً بَعْدَ ذَلِكَ. وكَذَلِكَ كانَ سَبَبُ الرَّمَلِ في الوادِي أنَّ هاجَرَ لَمّا طَلَبَتِ الماءَ لِابْنِها إسْماعِيلَ وجَعَلَتْ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ فَكانَتْ إذا نَزَلَتِ الوادِيَ غابَ الصَّبِيُّ عَنْ عَيْنِها، فَأسْرَعَتِ المَشْيَ. ورَوى أبُو الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ المَناسِكَ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ المَسْعى فَسَبَقَهُ إبْراهِيمُ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ سُرْعَةِ المَشْيِ هُناكَ. وهو سُنَّةٌ كَنَظائِرِهِ مِمّا وصَفْنا. والرَّمَلُ في بَطْنِ الوادِي في الطَّوافِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ مِمّا قَدْ نَقَلَتْهُ الأُمَّةُ قَوْلًا وفِعْلًا ولَمْ يُخْتَلَفْ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ، وإنَّما اخْتُلِفَ في كَوْنِهِ مَسْنُونًا بَعْدَهُ، وظُهُورُ نَقْلِهِ فِعْلًا إلى هَذِهِ الغايَةِ دَلالَةٌ عَلى بَقاءِ حُكْمِهِ عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ الدَّلالَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * بابُ طَوافِ الرّاكِبِ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اخْتُلِفَ في طَوافِ الرّاكِبِ بَيْنَهُما، فَكَرِهَ أصْحابُنا ذَلِكَ إلّا مِن عُذْرٍ، وذَكَرَ أبُو الطُّفَيْلِ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: «إنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أنَّ الطَّوافَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ عَلى الدّابَّةِ سُنَّةٌ وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقالَ: صَدَقُوا وكَذَبُوا، إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ كانَ لا يُدْفَعُ عَنْهُ أحَدٌ ولَيْسَتْ بِسُنَّةٍ» . ورَوى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «، أنَّها شَكَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أشْتَكِي فَقالَ: طُوفِي مِن وراءِ النّاسِ وأنْتِ راكِبَةٌ» وكانَ عُرْوَةُ إذا رَآهم يَطُوفُونَ عَلى الدَّوابِّ نَهاهم فَيَتَعَلَّلُونَ بِالمَرَضِ، فَيَقُولُ: " خابَ هَؤُلاءِ وخَسِرُوا " . ورَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: " ما مَنَعَنِي مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ إلّا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وإنِّي لَأكْرَهُ الرُّكُوبَ " ورُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جاءَ وقَدِ اشْتَكى فَطافَ عَلى بَعِيرٍ ومَعَهُ مِحْجَنٌ كُلَّما مَرَّ عَلى الحَجَرِ اسْتَلَمَهُ فَلَمّا فَرَغَ مِن طَوافِهِ أناخَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ» ولَمّا ثَبَتَ مِن سُنَّةِ الطَّوافِ بِهِما السَّعْيُ في بَطْنِ الوادِي عَلى ما وصَفْنا وكانَ الرّاكِبُ تارِكًا لِلسَّعْيِ كانَ فِعْلُهُ خِلافَ السُّنَّةِ إلّا أنْ يَكُونَ مَعْذُورًا عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ، فَيَجُوزُ. * * (p-١٢٣)فَصْلٌ رَوى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جابِرٍ، وذَكَرَ حَجَّ النَّبِيِّ ﷺ وطَوافَهُ بِالبَيْتِ إلى قَوْلِهِ: «فاسْتَلَمَ الحَجَرَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّفا حَتّى بَدا لَهُ البَيْتُ فَقالَ: نَبْدَأُ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ؛ إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مَعْقُولًا مِنَ الآيَةِ لَمْ يَحْتَجْ أنْ يَقُولَ: " نَبْدَأُ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ " فَإنَّما بُدِئَ بِالصَّفا قَبْلَ المَرْوَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ: " نَبْدَأُ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ " ونَفْعَلُهُ كَذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» . ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ المَسْنُونَ عَلى التَّرْتِيبِ أنْ يَبْدَأ بِالصَّفا قَبْلَ المَرْوَةِ، فَإنْ بَدَأ بِالمَرْوَةِ قَبْلَ الصَّفا لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ في الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ عَنْ أصْحابِنا. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ: " أنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُعِيدَ ذَلِكَ الشَّوْطَ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ " وجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ تَرْكِ التَّرْتِيبِ في أعْضاءِ الطَّهارَةِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ عَقِيبَ ذِكْرِ الطَّوافِ بِهِما يَحْتَجُّ بِهِ مَن يَراهُ تَطَوُّعًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ رُجُوعُ الكَلامِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الطَّوافِ بِهِما، ومَعْلُومٌ مَعَ ذَلِكَ أنَّ الطَّوافَ لا يُتَطَوَّعُ بِهِ عِنْدَ مَن يَراهُ واجِبًا في الحَجِّ والعُمْرَةِ وعِنْدَ مَن لا يَراهُ في غَيْرِهِما فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ إخْبارًا بِأنَّ مَن فَعَلَهُ في الحَجِّ والعُمْرَةِ فَإنَّما يَفْعَلُهُ تَطَوُّعًا، إذْ لَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لِفِعْلِهِ في غَيْرِهِما لا تَطَوُّعًا ولا غَيْرَهُ وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرُوا؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن تَطَوَّعَ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِما في الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ﴾

البقرة 2:159

بابٌ في النَّهْيِ عَنْ كِتْمانِ العِلْمِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ الآيَةَ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٧٤] الآيَةَ وقالَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] هَذِهِ الآيُ كُلُّها مُوجِبَةٌ لِإظْهارِ عُلُومِ الدِّينِ وتَبْيِينِهِ لِلنّاسِ زاجِرَةٌ عَنْ كِتْمانِها، ومِن حَيْثُ دَلَّتْ عَلى لُزُومِ بَيانِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ فَهي مُوجِبَةٌ أيْضًا لِبَيانِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ مِنهُ، وتَرْكِ كِتْمانِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ وذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلى سائِرِ أحْكامِ اللَّهِ في المَنصُوصِ عَلَيْهِ والمُسْتَنْبَطِ لِشُمُولِ اسْمِ الهُدى لِلْجَمِيعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٧٤] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ ما عُلِمَ مِن جِهَةِ النَّصِّ أوِ الدَّلِيلِ؛ لِأنَّ في الكِتابِ الدَّلالَةَ عَلى أحْكامِ اللَّهِ تَعالى كَما فِيهِ النَّصُّ عَلَيْها. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (p-١٢٤)عامٌّ في الجَمِيعِ. وكَذَلِكَ ما عُلِمَ مِن طُرُقِ إخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ قَدِ انْطَوَتْ تَحْتَ الآيَةِ؛ لِأنَّ في الكِتابِ الدَّلالَةَ عَلى قَبُولِ أخْبارِ الآحادِ عَنْهُ ﷺ فَكُلُّ ما اقْتَضى الكِتابُ إيجابَ حُكْمِهِ مِن جِهَةِ النَّصِّ أوِ الدَّلالَةِ فَقَدْ تَناوَلَتْهُ الآيَةُ. ولِذَلِكَ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: " لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما حَدَّثْتُكم " ثُمَّ تَلا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ فَأخْبَرَ أنَّ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى وقالَ شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآيَةَ: " فَهَذا مِيثاقٌ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ العِلْمِ، فَمَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيُعَلِّمْهُ، وإيّاكم وكِتْمانَ العِلْمِ فَإنَّ كِتْمانَهُ هَلَكَةٌ " . ونَظِيرُهُ في بَيانِ العِلْمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُ الوَعِيدِ لِكاتِمِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وقَدْ رَوى حَجّاجٌ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُلْجَمًا بِلِجامٍ مِن نارٍ» فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ اليَهُودِ حِينَ كَتَمُوا ما في كُتُبِهِمْ مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: نُزُولُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ غَيْرِ مانِعٍ مِنَ اعْتِبارِ عُمُومِها في سائِرِ ما انْتَظَمَتْهُ؛ لِأنَّ الحُكْمَ عِنْدَنا لِلَّفْظِ لا لِلسَّبَبِ، إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عِنْدَنا عَلى وُجُوبِ الِاقْتِصارِ بِهِ عَلى سَبَبِهِ. ويُحْتَجُّ بِهَذِهِ الآياتِ في قَبُولِ الأخْبارِ المُقَصِّرَةِ عَنْ مَرْتَبَةِ إيجابِ العِلْمِ العامِّ لِمَخْبَرِها في أُمُورِ الدِّينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٧٤] وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] قَدِ اقْتَضى النَّهْيَ عَنِ الكِتْمانِ ووَقَعَ البَيانُ بِالإظْهارِ، فَلَوْ لَمْ يَلْزَمِ السّامِعِينَ قَبُولُهُ لَما كانَ المُخْبَرُ عَنْهُ مُبَيِّنًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى؛ إذْ ما لا يُوجِبُ حُكْمًا فَغَيْرُ مَحْكُومٍ لَهُ بِالبَيانِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ المَنهِيِّينَ عَنِ الكِتْمانِ مَتى أظْهَرُوا ما كَتَمُوا وأخْبَرُوا بِهِ لَزِمَ العَمَلُ بِمُقْتَضى خَبَرِهِمْ ومُوجَبِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سِياقِ الخِطابِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] فَحَكَمَ بِوُقُوعِ العِلْمِ بِخَبَرِهِمْ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى لُزُومِ العَمَلِ بِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كانَ مَنهِيًّا عَنِ الكِتْمانِ ومَأْمُورًا بِالبَيانِ لِيَكْثُرَ المُخْبِرُونَ ويَتَواتَرَ الخَبَرُ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّهم ما نُهُوا عَنِ الكِتْمانِ إلّا وهم مِمَّنْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّواطُؤُ عَلَيْهِ، ومَن جازَ مِنهُمُ التَّواطُؤُ عَلى الكِتْمانِ جازَ مِنهُمُ التَّواطُؤُ عَلى التَّقَوُّلِ فَلا يَكُونُ خَبَرُهم مُوجِبًا لِلْعِلْمِ فَقَدْ دَلَّتِ الآثارُ عَلى قَبُولِ الخَبَرِ المُقَصِّرِ عَنِ المَنزِلَةِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ بِمُخْبَرِهِ، وعَلى أنَّ (p-١٢٥)ما ادَّعَيْتَهُ لا بُرْهانَ عَلَيْهِ، فَظَواهِرُ الآيِ مُقْتَضِيَةٌ لِقَبُولِ ما أُمِرُوا بِهِ لِوُقُوعِ بَيانِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِهِ. وفِي الآيَةِ حُكْمٌ آخَرُ، وهو أنَّها مِن حَيْثُ دَلَّتْ عَلى لُزُومِ إظْهارِ العِلْمِ وتَرْكِ كِتْمانِهِ فَهي دالَّةٌ عَلى امْتِناعِ جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ اسْتِحْقاقُ الأجْرِ عَلى ما عَلَيْهِ فِعْلُهُ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ اسْتِحْقاقُ الأجْرِ عَلى الإسْلامِ ؟ وقَدْ رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنِّي أعْطَيْتُ قَوْمِي مِائَةَ شاةٍ عَلى أنْ يُسْلِمُوا، فَقالَ ﷺ: المِائَةُ شاةٍ رَدٌّ عَلَيْكَ، وإنْ تَرَكُوا الإسْلامَ قاتَلْناهم» . ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن جِهَةٍ أُخْرى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٧٤] وظاهِرُ ذَلِكَ يَمْنَعُ أخْذَ الأجْرِ عَلى الإظْهارِ والكِتْمانِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٧٤] مانِعٌ أخْذَ البَدَلِ عَلَيْهِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ؛ إذْ كانَ الثَّمَنُ في اللُّغَةِ هو البَدَلُ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: ؎إنْ كُنْتَ حاوَلْتَ دُنْيا أوْ رَضِيتَ بِها فَما أصَبْتَ بِتَرْكِ الحَجِّ مِن ثَمَنِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ بُطْلانُ الإجارَةِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ وسائِرِ عُلُومِ الدِّينِ

البقرة 2:160

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الكِتْمانِ إنَّما يَكُونُ بِإظْهارِ البَيانِ وأنَّهُ لا يُكْتَفى في صِحَّةِ التَّوْبَةِ بِالنَّدَمِ عَلى الكِتْمانِ فِيما سَلَفَ دُونَ البَيانِ فِيما اسْتُقْبِلَ.

البقرة 2:161

بابُ لَعْنِ الكُفّارِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عَلى المُسْلِمِينَ لَعْنَ مَن ماتَ كافِرًا وأنَّ زَوالَ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالمَوْتِ لا يُسْقِطُ عَنْهُ لَعْنَهُ والبَراءَةَ مِنهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قَدِ اقْتَضى أمْرَنا بِلَعْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ لَوْ جُنَّ لَمْ يَكُنْ زَوالُ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالجُنُونِ مُسْقِطًا لِلَعْنِهِ والبَراءَةِ مِنهُ وكَذَلِكَ سَبِيلُ ما يُوجِبُ المَدْحَ والمُوالاةَ مِنَ الإيمانِ والصَّلاحِ أنَّ مَوْتَ مَن كانَ كَذَلِكَ أوْ جُنُونَهُ لا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُدُوثِ هَذِهِ الحادِثَةِ. فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ مُرادَ الآيَةِ أنَّ النّاسَ يَلْعَنُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] قِيلَ لَهُ هَذا تَخْصِيصٌ بِلا دَلالَةٍ ولا خِلافَ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والمَلائِكَةِ في الدُّنْيا بِالآيَةِ فَكَذَلِكَ مِنَ النّاسِ وإنَّما يَشْتَبِهُ ذَلِكَ عَلى مَن يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّ النّاسَ يَلْعَنُونَهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هو إخْبارٌ بِاسْتِحْقاقِهِ اللَّعْنَ مِنَ النّاسِ لَعَنُوهُ أوْ لَمْ يَلْعَنُوهُ.

البقرة 2:163

قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٢٦)﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وصْفُهُ تَعالى لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ واحِدٌ انْتَظَمَ مَعانِيَ كُلَّها مُرادَةٌ بِهَذا اللَّفْظِ مِنها: أنَّهُ واحِدٌ لا نَظِيرَ لَهُ ولا شَبِيهَ ولا مِثْلَ ولا مُساوِيَ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فاسْتَحَقَّ مِن أجْلِ ذَلِكَ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ واحِدٌ دُونَ غَيْرِهِ. ومِنها: أنَّهُ واحِدٌ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ والوَصْفِ لَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ لا يُشارِكُهُ فِيها سِواهُ. ومِنها: أنَّهُ واحِدٌ لَيْسَ بِذِي أبْعاضٍ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّجْزِيءُ والتَّقْسِيمُ؛ لِأنَّ مَن كانَ ذا أبْعاضٍ وجازَ عَلَيْهِ التَّجْزِيءُ والتَّقْسِيمُ فَلَيْسَ بِواحِدٍ عَلى الحَقِيقَةِ ومِنها: أنَّهُ واحِدٌ في الوُجُودِ قَدِيمًا لَمْ يَزَلْ مُنْفَرِدًا بِالقِدَمِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وُجُودٌ سِواهُ. فانْتَظَمَ وصْفُهُ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ واحِدٌ هَذِهِ المَعانِيَ كُلَّها.

البقرة 2:164

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ الآيَةُ قَدِ انْتَظَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ ضُرُوبًا مِنَ الدَّلالاتِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ ولا نَظِيرَ، وفِيها أمْرٌ لَنا بِالِاسْتِدْلالِ بِها وهو قَوْلُهُ: ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّهُ نَصَبَها لِيَسْتَدِلَّ بِها ويَتَوَصَّلَ بِها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ ونَفْيِ الأشْباهِ عَنْهُ والأمْثالِ. وفِيهِ إبْطالٌ لِقَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّهُ إنَّما يُعْرَفُ اللَّهُ تَعالى بِالخَبَرِ وأنَّهُ لا حَظَّ لِلْعُقُولِ في الوُصُولِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى. فَأمّا دَلالَةُ السَّمَواتِ والأرْضِ عَلى اللَّهِ، فَهو قِيامُ السَّماءِ فَوْقَنا عَلى غَيْرِ عَمَدٍ مَعَ عِظَمِها ساكِنَةً غَيْرَ زائِلَةٍ، وكَذَلِكَ الأرْضُ تَحْتَنا مَعَ عِظَمِها فَقَدْ عَلِمْنا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُنْتَهًى مِن حَيْثُ كانَ مَوْجُودًا في وقْتٍ واحِدٍ مُحْتَمِلًا لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وعَلِمْنا أنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ عَلى إقامَةِ حَجَرٍ في الهَواءِ مِن غَيْرِ عَلاقَةٍ ولا عَمَدٍ لَما قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَعَلِمْنا أنَّ مُقِيمًا أقامَ السَّماءَ عَلى غَيْرِ عَمَدٍ والأرْضَ عَلى غَيْرِ قَرارٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى وُجُودِ البارِي تَعالى الخالِقِ لَهُما، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّهُ لا يُشْبِهُ الأجْسامَ وأنَّهُ قادِرٌ لا يَعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ إذْ كانَتِ الأجْسامُ لا تَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ. وإذا صَحَّ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى اخْتِراعِ الأجْسامِ؛ إذْ لَيْسَ اخْتِراعُ الأجْسامِ واخْتِراعُ الأجْرامِ بِأبْعَدَ في العُقُولِ والأوْهامِ مِن إقامَتِها مَعَ عِظَمِها وكَثافَتِها عَلى غَيْرِ قَرارٍ وعَمَدٍ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى تَدُلُّ عَلى حُدُوثِ هَذِهِ الأجْسامِ وهي امْتِناعُ جَوازِ تَعَرِّيها مِنَ الأعْراضِ المُتَضادَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الأعْراضَ مُحْدَثَةٌ لِوُجُودِ كُلِّ واحِدٍ مِنها بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وما لَمْ يُوجَدْ قَبْلَ المُحْدَثِ فَهو مُحْدَثٌ، فَصَحَّ بِذَلِكَ حُدُوثُ هَذِهِ الأجْسامِ، والمُحْدَثُ يَقْتَضِي مُحْدِثًا كاقْتِضاءِ البِناءِ لِلْبانِي والكِتابَةِ لِلْكاتِبِ والتَّأْثِيرِ لِلْمُؤَثِّرِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ السَّمَواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما مِن آياتِ اللَّهِ دالَّةٌ عَلَيْهِ. وأمّا دَلالَةُ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَمِن جِهَةٍ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما حادِثٌ بَعْدَ (p-١٢٧)الآخَرِ، والمُحْدَثُ يَقْتَضِي مُحْدِثًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مُحْدِثِهِما وأنَّهُ لا يُشْبِهُهُما؛ إذْ كُلُّ فاعِلٍ فَغَيْرُ مُشْبِهٍ لِفِعْلِهِ، ألا تَرى أنَّ البانِيَ لا يُشْبِهُ بِناءَهُ والكاتِبَ لا يُشْبِهُ كِتابَتَهُ ؟ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَوْ أشْبَهَهُ لَجَرى عَلَيْهِ ما يَجْرِي عَلَيْهِ مِن دَلالَةِ الحُدُوثِ، فَكانَ لا يَكُونُ هو أُولى بِالحُدُوثِ مِن مُحْدِثِهِ. ولَمّا صَحَّ أنَّ مُحْدِثَ الأجْسامِ واللَّيْلِ والنَّهارِ قَدِيمٌ صَحَّ أنَّهُ لا يُشْبِهُها وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ مُحْدِثَها قادِرٌ لِاسْتِحالَةِ وُجُودِ الفِعْلِ إلّا مِنَ القادِرِ. ويَدُلُّ أنَّ مُحْدِثَها حَيٌّ لِاسْتِحالَةِ وُجُودِ الفِعْلِ إلّا مِن قادِرٍ حَيٍّ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّهُ عالِمٌ لِاسْتِحالَةِ الفِعْلِ المُحْكَمِ المُتْقَنِ المُتَّسِقِ إلّا مِن عالِمٍ بِهِ قَبْلَ إحْداثِهِ. ولَمّا كانَ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ جارِيًا عَلى مِنهاجٍ واحِدٍ لا يَخْتَلِفُ في كُلِّ صُقْعٍ في الطُّولِ والقِصَرِ أزْمانَ السَّنَةِ عَلى المِقْدارِ الَّذِي عُرِفَ مِنهُما الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، دَلَّ عَلى أنَّ مُخْتَرِعَهُما قادِرٌ عَلى ذَلِكَ عالِمٌ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا لَمْ يُوجَدْ مِنهُ الفِعْلُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مُتْقَنًا مُنْتَظِمًا. وأمّا دَلالَةُ الفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، فَمِن جِهَةِ أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ الأجْسامَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلى أنْ تُحْدِثَ مِثْلَ هَذا الجِسْمِ الرَّقِيقِ السَّيّالِ الحامِلِ لِلْفُلْكِ وعَلى أنْ تُجْرِيَ الرِّياحَ المُجْرِيَةَ لِلْفُلْكِ لَما قَدَرَتْ عَلى ذَلِكَ، ولَوْ سَكَنَتِ الرِّياحُ بَقِيَتْ راكِدَةً عَلى ظَهْرِ الماءِ لا سَبِيلَ لِأحَدِ مِنَ المَخْلُوقِينَ إلى إجْرائِها وإزالَتِها، كَما قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣] فَفي تَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى الماءَ لِحَمْلِ السُّفُنِ وتَسْخِيرِهِ الرِّياحَ لِإجْرائِها أعْظَمُ الدَّلائِلِ عَلى إثْباتِ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى القَدِيمِ القادِرِ العالِمِ الحَيِّ الَّذِي لا شِبْهَ لَهُ ولا نَظِيرَ؛ إذْ كانَتِ الأجْسامُ لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَسَخَّرَ اللَّهُ الماءَ لِحَمْلِ السُّفُنِ عَلى ظَهْرِهِ، وسَخَّرَ الرِّياحَ لِإجْرائِها ونَقْلِها لِمَنافِعِ خَلْقِهِ، ونَبَّهَهم عَلى تَوْحِيدِهِ وعِظَمِ نِعْمَتِهِ، واسْتَدْعى مِنهُمُ النَّظَرَ فِيها لِيَعْلَمُوا أنَّ خالِقَهم قَدْ أنْعَمَ بِها فَيَشْكُرُوهُ عَلى نِعَمِهِ ويَسْتَحِقُّوا بِهِ الثَّوابَ الدّائِمَ في دارِ السَّلامِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وأمّا دَلالَةُ إنْزالِهِ الماءَ عَلى تَوْحِيدِهِ فَمِن قِبَلِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّ مِن شَأْنِ الماءِ النُّزُولَ والسَّيَلانَ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ ارْتِفاعُ الماءِ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ إلّا بِجاعِلٍ يَجْعَلُهُ كَذَلِكَ. فَلا يَخْلُو الماءُ المَوْجُودِ في السَّحابِ مِن أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ مُحْدِثٌ أحْدَثُهُ هُناكَ في السَّحابِ، أوْ رَفَعَهُ مِن مَعادِنِهِ مِنَ الأرْضِ والبِحارِ إلى هُناكَ. وأيَّهُما كانَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى إثْباتِ الواحِدِ القَدِيمِ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ثُمَّ إمْساكُهُ في السَّحابِ غَيْرُ سائِلٍ مِنهُ حَتّى يَنْقُلَهُ إلى المَواضِعِ الَّتِي يُرِيدُها بِالرِّياحِ المُسَخَّرَةِ لِنَقْلِهِ فِيهِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى تَوْحِيدِهِ وقُدْرَتِهِ، فَجَعَلَ السَّحابَ مَرْكَبًا لِلْماءِ والرِّياحَ مَرْكَبًا لِلسَّحابِ (p-١٢٨)حَتّى تَسُوقَهُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ لِيَعُمَّ نَفْعُهُ لِسائِرِ خَلْقِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٧] ثُمَّ أنْزَلَ ذَلِكَ الماءَ قَطْرَةً قَطْرَةً لا تَلْتَقِي واحِدَةٌ مَعَ صاحِبَتِها في الجَوِّ مَعَ تَحْرِيكِ الرِّياحِ لَها حَتّى تَنْزِلَ كُلُّ قَطْرَةٍ عَلى حِيالِها إلى مَوْضِعِها مِنَ الأرْضِ، ولَوْلا أنَّ مُدَبِّرًا حَكِيمًا عالِمًا قادِرًا دَبَّرَهُ عَلى هَذا النَّحْوِ وقَدَّرَهُ بِهَذا الضَّرْبِ مِنَ التَّقْدِيرِ كَيْفَ كانَ يَجُوزُ أنْ يُوجَدَ نُزُولُ الماءِ في السَّحابِ مَعَ كَثْرَتِهِ وهو الَّذِي تَسِيلُ مِنهُ السُّيُولُ العِظامُ عَلى هَذا النِّظامِ والتَّرْتِيبِ ؟ ولَوِ اجْتَمَعَ القَطْرُ في الجَوِّ وائْتَلَفَ لَقَدْ كانَ يَكُونُ نُزُولُها مِثْلَ السُّيُولِ المُجْتَمِعَةِ مِنها بَعْدَ نُزُولِها إلى الأرْضِ فَيُؤَدِّي إلى هَلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ وإبادَةِ جَمِيعِ ما عَلى الأرْضِ مِن شَجَرٍ وحَيَوانٍ ونَباتٍ، وكانَ يَكُونُ كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ الطُّوفانِ في نُزُولِ الماءِ مِنَ السَّماءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] فَيُقالُ إنَّهُ كانَ صَبًّا كَنَحْوِ السُّيُولِ الجارِيَةِ في الأرْضِ. فَفِي إنْشاءِ اللَّهِ تَعالى السَّحابَ في الجَوِّ وخَلْقِ الماءِ فِيهِ وتَصْرِيفِهِ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى تَوْحِيدِهِ وقُدْرَتِهِ وأنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا مُشْبِهٍ الأجْسامَ؛ إذِ الأجْسامُ لا يُمْكِنُها فِعْلُ ذَلِكَ ولا تَرُومُهُ ولا تَطْمَعُ فِيهِ وأمّا دَلالَةُ إحْياءِ اللَّهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها عَلى تَوْحِيدِهِ، فَهي مِن جِهَةِ أنَّ الخَلْقَ كُلَّهم لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى إحْياءِ شَيْءٍ مِنها لَما قَدَرُوا عَلَيْهِ ولَما أمْكَنَهم إنْباتُ شَيْءٍ مِنَ النَّباتِ فِيها، فَإحْياءُ اللَّهِ تَعالى الأرْضَ بِالماءِ وإنْباتُهُ أنْواعَ النَّباتِ فِيها الَّتِي قَدْ عَلِمْنا يَقِينًا ومُشاهَدَةً أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها شَيْءٌ مِنهُ. ثُمَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ النَّباتِ لَوْ فَكَّرْتَ فِيهِ عَلى حِيالِهِ لَوَجَدْتَهُ دالًّا عَلى أنَّهُ مِن صُنْعِ صانِعٍ حَكِيمٍ قادِرٍ عالِمٍ بِما قَدَّرَهُ عَلَيْهِ مِن تَرْتِيبِ أجْزائِهِ ونَظْمِها عَلى غايَةِ الإحْكامِ مِن أدَلِّ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ خالِقَ الجَمِيعِ واحِدٌ، وأنَّهُ قادِرٌ عالِمٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن فِعْلِ الطَّبِيعَةِ عَلى ما يَدَّعِيهِ المُلْحِدُونَ في آياتِ اللَّهِ تَعالى؛ إذِ الماءُ النّازِلُ مِنَ السَّماءِ عَلى طَبِيعَةٍ واحِدَةٍ، وكَذَلِكَ أجْزاءُ الأرْضِ والهَواءِ ويَخْرُجُ مِنهُ أنْواعُ النَّباتِ والأزْهارِ والأشْجارِ المُثْمِرَةِ والفَواكِهِ المُخْتَلِفَةِ الطُّعُومِ والألْوانِ والأشْكالِ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الطَّبِيعَةِ لَوَجَبَ أنْ يَتَّفِقَ مُوجِبُها إذِ المُتَّفِقُ لا يُوجِبُ المُخْتَلِفَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِن صُنْعِ صانِعٍ حَكِيمٍ قَدْ خَلَقَهُ وقَدَّرَهُ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ وطُعُومِهِ وألْوانِهِ رِزْقًا لِلْعِبادِ ودَلالَةً لَهم عَلى صُنْعِهِ ونِعَمِهِ. وأمّا دَلالَةُ ما بَثَّ فِيها مِن دابَّةٍ عَلى تَوْحِيدِهِ، فَهي كَذَلِكَ في الدَّلالَةِ أيْضًا في اخْتِلافِ أنْواعِهِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ تَكُونَ الحَيَواناتُ هي (p-١٢٩)المُحْدِثَةَ لِأنْفُسِها؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ أحْدَثَتْها وهي مَوْجُودَةٌ أوْ مَعْدُومَةٌ، فَإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً فَوُجُودُها قَدْ أغْنى عَنْ إحْداثِها، وإنْ كانَتْ مَعْدُومَةً فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ إيجادُ الفِعْلِ مِنَ المَعْدُومِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ عَلِمْنا أنَّها بَعْدَ وُجُودِها غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى اخْتِراعِ الأجْسامِ وإنْشاءِ الأجْرامِ، فَهي في حالِ عَدَمِها أحْرى أنْ لا تَكُونَ قادِرَةً عَلَيْها. وأيْضًا فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الحَيَوانِ عَلى الزِّيادَةِ في أجْزائِهِ، فَهو بِنَفْيِ القُدْرَةِ عَلى إحْداثِ جَمِيعِهِ أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ المُحْدِثَ لَها هو القادِرُ الحَكِيمُ الَّذِي لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، ولَوْ كانَ مُحْدِثُ هَذِهِ الحَيَواناتِ مُشْبِهًا لَها مِن وجْهٍ لَكانَ حُكْمُهُ حُكْمَها في امْتِناعِ جَوازِ وُقُوعِ إحْداثِ الأجْسامِ وأمّا دَلالَةُ تَصْرِيفِ الرِّياحِ عَلى تَوْحِيدِهِ، فَهي أنَّ الخَلْقَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى تَصْرِيفِها لَما قَدَرُوا عَلَيْهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ تَصْرِيفَها تارَةً جَنُوبًا وتارَةً شَمالًا وتارَةً صَبًّا وتارَةً دَبُورًا مُحْدَثٌ، فَعَلِمْنا أنَّ المُحْدِثَ لِتَصْرِيفِها هو القادِرُ الَّذِي لا شِبْهَ لَهُ؛ إذْ كانَ مَعْلُومًا اسْتِحالَةُ إحْداثِ ذَلِكَ مِنَ المَخْلُوقِينَ. فَهَذِهِ دَلائِلُ قَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى العُقَلاءَ عَلَيْها وأمَرَهم بِالِاسْتِدْلالِ بِها. وقَدْ كانَ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى إحْداثِ النَّباتِ مِن غَيْرِ ماءٍ ولا زِراعَةٍ، وإحْداثِ الحَيَواناتِ بِلا نِتاجٍ ولا زَواجٍ، ولَكِنَّهُ تَعالى أجْرى عادَتَهُ في إنْشاءِ خَلْقِهِ عَلى هَذا تَنْبِيهًا لَهم عِنْدَ كُلِّ حادِثٍ مِن ذَلِكَ عَلى قُدْرَتِهِ والفِكْرِ في عَظَمَتِهِ، ولِيُشْعِرَهم في كُلِّ وقْتٍ ما أغْفَلُوهُ ويُزْعِجَ خَواطِرَهم لِلْفِكْرِ فِيما أهْمَلُوهُ. فَخَلَقَ تَعالى الأرْضَ والسَّماءَ ثابِتَتَيْنِ دائِمَتَيْنِ لا تَزُولانِ ولا تَتَغَيَّرانِ عَنِ الحالِ الَّتِي جَعَلَهُما وخَلَقَهُما عَلَيْها بَدْءًا إلى وقْتِ فَنائِهِما، ثُمَّ أنْشَأ الحَيَوانَ مِنَ النّاسِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ أنْشَأ لِلْجَمِيعِ رِزْقًا مِنها وأقْواتًا بِها تَبْقى حَياتُهم، ولَمْ يُعْطِهِمْ ذَلِكَ الرِّزْقَ جُمْلَةً فَيَظُنُّونَ أنَّهم مُسْتَغْنُونَ بِما أُعْطُوا بَلْ جَعَلَ لَهم قُوتًا مَعْلُومًا في كُلِّ سَنَةٍ بِمِقْدارِ الكِفايَةِ لِئَلّا يَبْطَرُوا ويَكُونُوا مُسْتَشْعِرِينَ لِلِافْتِقارِ إلَيْهِ في كُلِّ حالٍ، ووَكَلَ إلَيْهِمْ في بَعْضِ الأسْبابِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى ذَلِكَ مِنَ الحَرْثِ والزِّراعَةِ لِيُشْعِرَهم أنَّ للْأعْمالَ ثَمَراتٍ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيَكُونَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى فِعْلِ الخَيْرِ فَيَجْتَنُونَ ثَمَرَتَهُ واجْتِنابِ الشَّرِّ لِيَسْلَمُوا مِن شَرِّ مَغَبَّتِهِ ثُمَّ تَوَلّى هو لَهم مِن إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ ما لَمْ يَكُنْ في وُسْعِهِمْ وطاقَتِهِمْ أنْ يُنْزِلُوهُ لِأنْفُسِهِمْ، فَأنْشَأ سَحابًا في الجَوِّ وخَلَقَ فِيهِ الماءَ، ثُمَّ أنْزَلَهُ عَلى الأرْضِ بِمِقْدارِ الحاجَةِ، ثُمَّ أنْبَتَ لَهم بِهِ سائِرَ أقْواتِهِمْ وما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ لِمَلابِسِهِمْ. ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ فِيما أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ عَلى مَنافِعِهِ في وقْتِ مَنافِعِهِ حَتّى جَعَلَ لِذَلِكَ الماءِ مَخازِنَ ويَنابِيعَ في الأرْضِ يَجْتَمِعُ فِيهِ ذَلِكَ الماءُ فَيَجْرِي أوَّلًا فَأوَّلًا (p-١٣٠)عَلى مِقْدارِ الحاجَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] ولَوْ كانَ عَلى ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ مِن غَيْرِ حَبْسٍ لَهُ في الأرْضِ لِوَقْتِ الحاجَةِ لَسالَ كُلُّهُ وكانَ في ذَلِكَ تَلَفُ سائِرِ الحَيَوانِ الَّذِي عَلى ظَهْرِها لِعَدَمِهِ الماءَ. فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ الَّذِي جَعَلَ الأرْضَ بِمَنزِلَةِ البَيْتِ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ، وجَعَلَ السَّماءَ بِمَنزِلَةِ السَّقْفِ، وجَعَلَ سائِرَ ما يُحْدِثُهُ مِنَ المَطَرِ والنَّباتِ والحَيَوانِ بِمَنزِلَةِ ما يَنْقُلُهُ الإنْسانُ إلى بَيْتِهِ لِمَصالِحِهِ ثُمَّ سَخَّرَ هَذِهِ الأرْضَ لَنا وذَلَّلَها لِلْمَشْيِ عَلَيْها وسُلُوكِ طُرُقِها، ومَكَّنَنا مِنَ الِانْتِفاعِ بِها في بِناءِ البُيُوتِ والدُّورِ لِيسْكُنَ مِنَ المَطَرِ والحَرِّ والبَرْدِ وتَحَصُّنًا مِنَ الأعْداءِ لَمْ تُخْرِجْنا إلى غَيْرِها، فَأيُّ مَوْضِعٍ مِنها أرَدْنا الِانْتِفاعَ بِهِ في إنْشاءِ الأبْنِيَةِ مِمّا هو مَوْجُودٌ فِيها مِنَ الحِجارَةِ والجَصِّ والطِّينِ ومِمّا يَخْرُجُ مِنها مِنَ الخَشَبِ والحَطَبِ أمْكَنَنا ذَلِكَ وسَهَّلَ عَلَيْنا سِوى ما أوْدَعَها مِنَ الجَواهِرِ الَّتِي عَقَدَ بِها مَنافِعَنا مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ وغَيْرِ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ [فصلت: ١٠] فَهَذِهِ كُلُّها وما يَكْثُرُ تَعْدادُهُ ولا يُحِيطُ عِلْمُنا بِهِ مِن بَرَكاتِ الأرْضِ ومَنافِعِها. ثُمَّ لَمّا كانَتْ مُدَّةُ أعْمارِنا وسائِرِ الحَيَوانِ لا بُدَّ مِن أنْ تَكُونَ مُتَناهِيَةً جَعَلَها كِفاتًا لَنا بَعْدَ المَوْتِ كَما جَعَلَها في الحَياةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] وقالَ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [الكهف: ٧] ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ فِيما خَلَقَ مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ عَلى المُلِذِّ دُونَ المُؤْلِمِ ولا عَلى الغِذاءِ دُونَ السُّمِّ ولا عَلى الحُلْوِ دُونَ المُرِّ، بَلْ مَزَجَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِيُشْعِرَنا أنَّهُ غَيْرُ مُرِيدٍ مِنّا الرُّكُونَ إلى هَذِهِ اللَّذّاتِ ولِئَلّا تَطْمَئِنَّ نُفُوسُنا إلَيْها فَتَشْتَغِلَ بِها عَنْ دارِ الآخِرَةِ الَّتِي خُلِقْنا لَها، فَكانَ النَّفْعُ والصَّلاحُ في الدِّينِ في الذَّواتِ المُؤْلِمَةِ المُؤْذِيَةِ كَهو في المُلِذَّةِ السّارَّةِ، ولِيُشْعِرَنا في هَذِهِ الدُّنْيا كَيْفِيَّةَ الآلامِ لِيَصِحَّ الوَعِيدُ بِآلامِ الآخِرَةِ ولِنَنْزَجِرَ عَنِ القَبائِحِ فَنَسْتَحِقَّ النَّعِيمَ الَّذِي لا يَشُوبُهُ كَدَرٌ ولا تَنْغِيصٌ. فَلَوِ اقْتَصَرَ العاقِلُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الواحِدَةِ لَكانَ كافِيًا شافِيًا في إثْباتِهِ وإبْطالِ قَوْلِ سائِرِ أصْنافِ المُلْحِدِينَ مِن أصْحابِ الطَّبائِعِ ومِنَ الثَّنَوِيَّةِ ومَن يَقُولُ بِالتَّشْبِيهِ. ولَوْ بَسَطْتُ مَعْنى الآيَةِ وما تَضَمَّنَتْهُ مِن ضُرُوبِ الدَّلائِلِ لَطالَ وكَثُرَ، وفِيما ذَكَرْنا كِفايَةٌ في هَذا المَوْضِعِ؛ إذْ كانَ الغَرَضُ فِيهِ التَّنْبِيهَ عَلى مُقْتَضى دَلالَةِ الآيَةِ بِوَجِيزٍ مِنَ القَوْلِ دُونَ الِاسْتِقْصاءِ. واللَّهَ نَسْألُ حُسْنَ التَّوْفِيقِ لِلِاسْتِدْلالِ بِدَلائِلِهِ والِاهْتِداءِ بِهُداهُ وحَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. (p-١٣١) * * بابُ إباحَةِ رُكُوبِ البَحْرِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ دَلالَةٌ عَلى إباحَةِ رُكُوبِ البَحْرِ غازِيًا وتاجِرًا ومُبْتَغِيًا لِسائِرِ المَنافِعِ؛ إذْ لَمْ يَخُصَّ ضَرْبًا مِنَ المَنافِعِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [الإسراء: ٦٦] وقَوْلُهُ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤] قَدِ انْتَظَمَ التِّجارَةَ وغَيْرَها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ إباحَةُ التِّجارَةِ في البَحْرِ، وقَدْ كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مَنَعَ الغَزْوَ في البَحْرِ إشْفاقًا عَلى المُسْلِمِينَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " لا يَرْكَبُ أحَدٌ البَحْرَ إلّا غازِيًا أوْ حاجًّا أوْ مُعْتَمِرًا " وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ عَلى وجْهِ المَشُورَةِ والإشْفاقِ عَلى راكِبِهِ. وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البَصْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ زَكَرِيّا، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ بِشْرِ أبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَرْكَبُ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أوْ مُعْتَمِرٌ أوْ غازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا وتَحْتَ النّارِ بَحْرًا» وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْبابِ لِئَلّا يُغَرِّرَ بِنَفْسِهِ في طَلَبِ الدُّنْيا وأجازَ ذَلِكَ في الغَزْوِ والحَجِّ والعُمْرَةِ؛ إذْ لا غَرَرَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ إنْ ماتَ في هَذا الوَجْهِ غَرَقًا كانَ شَهِيدًا. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ العَتَكِيُّ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرامِ بِنْتُ مِلْحانَ أُخْتُ أُمِّ سُلَيْمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نامَ عِنْدَهم فاسْتَيْقَظَ وهو يَضْحَكُ، قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما أضْحَكَكَ ؟ قالَ: رَأيْتُ قَوْمًا مِمَّنْ يَرْكَبُ ظَهْرَ هَذا البَحْرِ كالمُلُوكِ عَلى الأسِرَّةِ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنهم قالَ: فَإنَّكِ مِنهم قالَتْ: ثُمَّ نامَ فاسْتَيْقَظَ وهو يَضْحَكُ، قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أضْحَكَكَ ؟ فَقالَ مِثْلَ مَقالَتِهِ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنهم قالَ: أنْتِ مِنَ الأوَّلِينَ. قالَ: فَتَزَوَّجَها عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ فَغَزا في البَحْرِ فَحَمَلَها مَعَهُ، فَلَمّا رَجَعَ قُرِّبَتْ لَها بَغْلَةٌ لِتَرْكَبَها فَصَرَعَتْها فانْدَقَّتْ عُنُقُها فَماتَتْ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ وحَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الجُوَيْرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مَرْوانُ قالَ: أخْبَرَنا هِلالُ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّمْلِيُّ، عَنْ يَعْلى بْنِ شَدّادٍ، (p-١٣٢)عَنْ أُمِّ حَرامٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «المائِدُ في البَحْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ القَيْءُ لَهُ أجْرُ شَهِيدٍ، والغَرِقُ لَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنِ» واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

البقرة 2:173

بابُ تَحْرِيمُ المَيْتَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: المَيْتَةُ في الشَّرْعِ اسْمٌ لِلْحَيَوانِ المَيِّتِ غَيْرِ المُذَكّى، وقَدْ يَكُونُ مَيْتَةً بِأنْ يَمُوتَ حَتْفَ أنْفِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ لِآدَمِيٍّ فِيهِ، وقَدْ يَكُونُ مَيْتَةً لِسَبَبِ فِعْلِ آدَمِيٍّ إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ فِيهِ عَلى وجْهِ الذَّكاةِ المُبِيحَةِ لَهُ. وسَنُبَيِّنُ شَرائِطَ الذَّكاةِ في مَوْضِعِها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والمَيْتَةُ وإنْ كانَتْ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى وقَدْ عَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِها مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ والحَظْرَ والإباحَةَ إنَّما يَتَناوَلانِ أفْعالَنا ولا يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلا فِعْلَ غَيْرِنا؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُنْهى الإنْسانُ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ ولا أنْ يُؤْمَرَ بِهِ، فَإنَّ مَعْنى ذَلِكَ لَمّا كانَ مَعْقُولًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ جازَ إطْلاقُ لَفْظِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ فِيهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً، وكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى تَأْكِيدِ حُكْمِ التَّحْرِيمِ، فَإنَّهُ يَتَناوَلُ سائِرَ وُجُوهِ المَنافِعِ، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: لا يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِالمَيْتَةِ عَلى وجْهٍ ولا يُطْعِمُها الكِلابَ والجَوارِحَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها، وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ المَيْتَةَ تَحْرِيمًا مُطْلَقًا مُعَلَّقًا بِعَيْنِها مُؤَكِّدًا بِهِ حُكْمَ الحَظْرِ فَلا يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِشَيْءٍ مِنها إلّا أنْ يُخَصَّ شَيْءٌ مِنها بِدَلِيلٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَخْصِيصُ مَيْتَةِ السَّمَكِ والجَرادِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالإباحَةِ، فَرَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، فَأمّا المَيْتَتانِ فالجَرادُ والسَّمَكُ، وأمّا الدَّمانِ فالطِّحالُ والكَبِدُ» . ورَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ جابِرٍ «فِي قِصَّةِ جَيْشِ الخَبَطِ أنَّ البَحْرَ ألْقى إلَيْهِمْ حُوتًا فَأكَلُوا مِنهُ نِصْفَ شَهْرٍ، ثُمَّ لَمّا رَجَعُوا أخْبَرُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: هَلْ عِنْدَكم مِنهُ شَيْءٌ تُطْعِمُونِي ؟» . ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في إباحَةِ السَّمَكِ غَيْرِ الطّافِي وفي الجَرادِ. ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلى تَخْصِيصِ عُمُومِ آيَةِ تَحْرِيمِ المَيْتَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] وبِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَّقِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ المُغِيرَةَ بْنِ أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وسَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ مَجْهُولٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِالثَّبْتِ، وقَدْ خالَفَهُ في سَنَدِهِ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصارِيِّ، فَرَواهُ عَنِ المُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومِثْلُ هَذا الِاخْتِلافِ (p-١٣٣)فِي السَّنَدِ يُوجِبُ اضْطِرابَ الحَدِيثِ، وغَيْرُ جائِزٍ تَخْصِيصُ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ بِهِ وقَدْ رَوى ابْنُ زِيادٍ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البُكائِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ الأعْمَشُ قالَ: حَدَّثَنا أصْحابُنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في البَحْرِ: «ذَكِيٌّ صَيْدُهُ طَهُورٌ ماؤُهُ» وهَذا أضْعَفُ عِنْدَ أهْلِ النَّقْلِ مِنَ الأوَّلِ. وقَدْ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ، وهو ما رَواهُ يَحْيى بْنُ أيُّوبَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وعَمْرِو بْنِ الحارِثِ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوادَةَ، عَنْ أبِي مُعاوِيَةَ العَلَوِيِّ، عَنْ، مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِيٍّ المُدْلَجِي، عَنْ الفَرّاسِي، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» وهَذا أيْضًا لا يُحْتَجُّ بِهِ لِجَهالَةِ رُواتِهِ، ولا يُخَصُّ بِهِ ظاهِرُ القُرْآنِ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو القاسِمِ بْنُ أبِي الزِّنادِ قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ حازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «سُئِلَ عَنِ البَحْرِ فَقالَ: هو الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ اخْتُلِفَ في السَّمَكِ الطّافِي وهو الَّذِي يَمُوتُ في الماءِ حَتْفَ أنْفِهِ فَكَرِهَهُ أصْحابُنا والحَسَنُ بْنُ حَيِّ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " لا بَأْسَ بِهِ " وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِ أيْضًا، فَرَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ عَنْ مَيْسَرَةَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: " ما طَفا مِن مَيْتَةِ البَحْرِ فَلا تَأْكُلْهُ " . ورَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّهُما كَرِها الطّافِيَ " . فَهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ مِنَ الصَّحابَةِ قَدْ رُوِيَ عَنْهم كَراهَتُهُ. ورُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وعَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وإبْراهِيمَ كَراهِيَتُهُ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وأبِي أيُّوبَ إباحَةُ أكْلِ الطّافِي مِنَ السَّمَكِ والَّذِي يَدُلُّ عَلى حَظْرِ أكْلِهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] واتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى تَخْصِيصِ غَيْرِ الطّافِي مِنَ الجُمْلَةِ فَخَصَّصْناهُ، واخْتَلَفُوا في الطّافِي فَوَجَبَ اسْتِعْمالُ حُكْمِ العُمُومِ فِيهِ. وقَدْ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سُلَيْمٍ الطّائِفِيُّ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما ألْقى البَحْرُ أوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ، وما ماتَ فِيهِ وطَفا فَلا تَأْكُلُوهُ» . ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ، ونُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُجْمِرُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما جَزَرَ عَنْهُ البَحْرُ فَلا تَأْكُلْ وما ألْقى فَكُلْ، وما وجَدْتَهُ مَيِّتًا طافِيًا فَلا تَأْكُلْهُ» . وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي ذِئْبٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى (p-١٣٤)بْنُ زَكَرِيّا قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ قالَ: حَدَّثَنا حَفْصٌ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذا وجَدْتُمُوهُ حَيًّا فَكُلُوهُ، وما ألْقى البَحْرُ حَيًّا فَماتَ فَكُلُوهُ، وما وجَدْتُمُوهُ مَيِّتًا طافِيًا فَلا تَأْكُلُوهُ» وحَدَّثَنا ابْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى بْنُ أبِي عُثْمانَ الدِّهْقانُ قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الطَّحّانُ: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، عَنِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما صِدْتُمُوهُ وهو حَيٌّ فَماتَ فَكُلُوهُ، وما ألْقى البَحْرُ مَيِّتًا طافِيًا فَلا تَأْكُلُوهُ» . فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وأيُّوبُ وحَمّادٌ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ مَوْقُوفًا عَلى جابِرٍ قِيلَ لَهُ: هَذا لا يُفْسِدُهُ عِنْدَنا، لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَرْوِيَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تارَةً ثُمَّ يُرْسِلَ عَنْهُ فَيُفْتِيَ بِهِ، وفُتْياهُ بِما رَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ مُفْسِدٍ لَهُ بَلْ يُؤَكِّدُهُ. عَلى أنَّ إسْماعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ فِيما يَرْوِيهِ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ لَيْسَ بِدُونِ مَن ذَكَرْتَ، وكَذَلِكَ ابْنُ أبِي ذِئْبٍ، فَزِيادَتُهُما في الرَّفْعِ مَقْبُولَةٌ عَلى هَؤُلاءِ. فَإنْ قِيلِ: قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ السَّمَكُ والجَرادُ» وذَلِكَ عُمُومٌ في جَمِيعِهِ قِيلَ لَهُ: يَخُصُّ ما ذَكَرْنا ورَوَيْنا في النَّهْيِ عَنِ الطّافِي، ويَلْزَمُ مُخالِفَنا عَلى أصْلِهِ في تَرْتِيبِ الأخْبارِ أنْ يَبْنِيَ العامَّ عَلى الخاصِّ فَيَسْتَعْمِلُهُما وأنْ لا يُسْقِطَ الخاصَّ بِالعامِّ، وعَلى أنَّ هَذا خَبَرٌ في رَفْعِهِ اخْتِلافٌ، فَرَواهُ مَرْحُومٌ العَطّارُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، ورَواهُ يَحْيى الحِمّانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا، فَيَلْزَمُكَ فِيهِ مِثْلُ ما رُمْتَ إلْزامَنا إيّاهُ في خَبَرِ الطّافِي فَإنِ احْتَجَّ بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» ولَمْ يُخَصِّصِ الطّافِيَ مِن غَيْرِهِ. قِيلَ لَهُ: نَسْتَعْمِلُهُما جَمِيعًا ونَجْعَلُهُما كَأنَّهُما ورَدا مَعًا، نَسْتَعْمِلُ خَبَرَ الطّافِي في النَّهْيِ ونَسْتَعْمِلُ خَبَرَ الإباحَةِ فِيما عَدا الطّافِيَ. فَإنْ قِيلَ: فَإنَّ مِن أصْلِ أبِي حَنِيفَةَ في الخاصِّ والعامِّ أنَّهُ مَتى اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى اسْتِعْمالِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ واخْتَلَفُوا في اسْتِعْمالِ الآخَرَ كانَ ما اُتُّفِقَ في اسْتِعْمالِهِ قاضِيًا عَلى ما اخْتُلِفَ فِيهِ، وقَوْلُهُ ﷺ: " هو الحِلُّ مَيْتَتُهُ " و" أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ " مُتَّفَقٌ عَلى اسْتِعْمالِهِما وخَبَرُ الطّافِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُقْضى عَلَيْهِ بِالخَبَرَيْنِ الآخَرَيْنِ قِيلَ لَهُ: إنَّما يُعْرَفُ ذَلِكَ مِن مَذْهَبِهِ وقَوْلِهِ فِيما لَمْ يُعَضِّدْهُ نَصُّ الكِتابِ، فَأمّا إذا كانَ عُمُومُ الكِتابِ مُعاضِدًا لِلْخَبَرِ المُخْتَلَفِ في اسْتِعْمالِهِ فَإنّا لا نَعْرِفُ قَوْلَهُ فِيهِ. وجائِزٌ أنْ يُقالَ إنَّهُ لا يُعْتَبَرُ وُقُوعُ الخِلافِ في اسْتِعْمالِهِ بَعْدَ أنْ يُعَضِّدَهُ عُمُومُ الكِتابِ، فَيُسْتَعْمَلَ حِينَئِذٍ مَعَ العامِّ المُتَّفَقِ عَلى اسْتِعْمالِهِ، ويَكُونَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا مِنهُ. فَإنِ (p-١٣٥)احْتَجُّوا بِحَدِيثِ جابِرٍ في قِصَّةِ جَيْشِ الخَبَطِ وإباحَةِ النَّبِيِّ ﷺ أكْلَ الحُوتِ الَّذِي ألْقاهُ البَحْرُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنا بِطافٍ وإنَّما الطّافِي ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ في الماءِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ حادِثٍ ومِنَ النّاسِ مَن يَظُنُّ أنَّ كَراهَةَ الطّافِي مِن أجْلِ بَقائِهِ في الماءِ حَتّى طَفا عَلَيْهِ فَيُلْزِمُونَنا عَلَيْهِ الحَيَوانَ المُذَكّى إذا أُلْقِيَ في الماءِ حَتّى طَفا عَلَيْهِ. وهَذا جَهْلٌ مِنهم بِمَعْنى المَقالَةِ ومَوْضِعِ الخِلافِ؛ لِأنَّ السَّمَكَ لَوْ ماتَ ثُمَّ طَفا عَلى الماءِ لَأُكِلَ، ولَوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ ولَمْ يَطْفُ عَلى الماءِ لَمْ يُؤْكَلْ، والمَعْنى فِيهِ عِنْدَنا هو مَوْتُهُ في الماءِ حَتْفَ أنْفِهِ لا غَيْرُ. وقَدْ رَوى لَنا عَبْدُ الباقِي حَدِيثًا وقالَ لَنا إنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، فَذَكَرَ أنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ البَزّازُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الجُماهِرِ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ أبانَ بْنِ أبِي عَيّاشٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كُلْ ما طَفا عَلى البَحْرِ» وأبانُ بْنُ أبِي عَيّاشٍ لَيْسَ هو مِمَّنْ يَثْبُتُ ذَلِكَ بِرِوايَتِهِ، قالَ شُعْبَةُ: لَأنْ أزْنِيَ سَبْعِينَ زَنْيَةً أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أرْوِيَ عَنْ أبانَ بْنِ أبِي عَيّاشٍ فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وأنَّهُ عُمُومٌ في الطّافِي وغَيْرِهِ، قِيلَ لَهُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدِهِما: أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِما ذَكَرْنا مِن تَحْرِيمِ المَيْتَةِ والأخْبارِ الوارِدَةِ في النَّهْيِ عَنْ أكْلِ الطّافِي. والثّانِي: أنَّهُ رُوِيَ في التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] أنَّهُ ما ألْقاهُ البَحْرُ فَماتَ، و" صَيْدُهُ " ما اصْطادُوا وهو حَيٌّ، والطّافِي خارِجٌ مِنهُما؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِمّا ألْقاهُ البَحْرُ ولا مِمّا صِيدَ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُقالَ: اصْطادَ سَمَكًا مَيِّتًا، كَما لا يُقالَ: اصْطادَ مَيِّتًا. فالآيَةُ لَمْ تَنْتَظِمِ الطّافِيَ ولَمْ تَتَناوَلْهُ، واللَّهُ أعْلَمْ. * * بابُ جُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَتْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] يَقْتَضِي تَحْرِيمَ المَيْتَةِ بِجَمِيعِ أجْزائِها، وجِلْدُها مِن أجْزائِها؛ لِأنَّهُ قَدْ حَلَّهُ المَوْتُ بَدَلًا مِنَ الحَياةِ الَّتِي كانَتْ فِيهِ. إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] قَدْ دَلَّ عَلى الِاقْتِصارِ بِالتَّحْرِيمِ عَلى ما يَتَأتّى فِيهِ الأكْلُ. وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا المَعْنى في جِلْدِ المَيْتَةِ بَعْدَ الدِّباغِ بِقَوْلِهِ: «إنَّما حُرِّمَ أكْلُها» «وإنَّما حُرِّمَ لَحْمُها» وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في حُكْمِ جِلْدِ المَيْتَةِ بَعْدَ الدِّباغِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " يَجُوزُ بَيْعُهُ بَعْدَ الدِّباغِ والِانْتِفاعُ بِهِ " قالَ الشّافِعِيُّ: إلّا جِلْدَ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ. وأصْحابُنا لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ جِلْدِ الكَلْبِ وغَيْرِهِ، وجَعَلُوهُ طاهِرًا بِالدِّباغِ إلّا جِلْدَ الخِنْزِيرِ خاصَّةً. وقالَ مالِكٌ: " يُنْتَفَعُ بِجُلُودِ المَيْتَةِ في الجُلُوسِ عَلَيْها ويُغَرْبَلُ عَلَيْها ولا تُباعُ ولا يُصَلّى عَلَيْها " . وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " لا بَأْسَ بِبَيْعِ جُلُودِ المَيْتَةِ قَبْلَ الدِّباغِ إذا بُيِّنَتْ أنَّها مَيْتَةٌ " . والحُجَّةُ لِمَن طَهَّرَها وجَعْلَها مُذَكّاةً ما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الآثارِ المُتَواتِرَةِ مِنَ الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها يُوجِبُ طَهارَتَها والحُكْمَ بِذَكاتِها، فَمِنها حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وحَدِيثُ الحَسَنِ عَنْ الجَوْنِ بْنِ قَتادَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبِّقِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتى في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلى بَيْتٍ بِفِنائِهِ قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فاسْتَسْقى فَقِيلَ: إنَّها مَيْتَةٌ، فَقالَ: ذَكاةُ الأدِيمِ دِباغَتُهُ» . ورَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «دِباغُ جُلُودِ المَيْتَةِ طَهُورُها» وسِماكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ قالَتْ: «كانَتْ لَنا شاةٌ فَماتَتْ فَطَرَحْناها، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: ما فَعَلَتْ شاتُكم ؟ فَقُلْنا: رَمَيْناها، فَتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ، أفَلا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإهابِها» فَبَعَثْنا إلَيْها فَسَلَخْناها ودَبَغْنا جِلْدَها وجَعَلْناهُ سِقاءً وشَرِبْنا فِيهِ حَتّى صارَ شَنًّا. وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشاةِ مَيْمُونَةَ فَقالَ: ما عَلى أهْلِ هَذِهِ لَوِ انْتَفَعُوا بِإهابِها» والزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قالَتْ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشاةٍ لَهم مَيِّتَةٍ فَقالَ: ألا دَبَغُوا إهابَها فانْتَفَعُوا بِهِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّها مَيْتَةٌ، فَقالَ: إنَّما حُرِّمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها» في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، كُلُّها يُوجِبُ طَهارَةَ جِلْدِ المَيْتَةِ (p-١٤٣)بَعْدَ الدِّباغِ، كَرِهْتُ الإطالَةَ بِذِكْرِها وهَذِهِ الأخْبارُ كُلُّها مُتَواتِرَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْعِلْمِ والعَمَلِ، قاضِيَةٌ عَلى الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وُرُودُها مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَمْنَعُ مِثْلُها التَّواطُؤَ والِاتِّفاقَ عَلى الوَهْمِ أوِ الغَلَطِ. والثّانِي: جِهَةُ تَلَقِّي الفُقَهاءِ إيّاها بِالقَبُولِ واسْتِعْمالِهِمْ لَها. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ مَعَ آيَةِ تَحْرِيمِ المَيْتَةِ وأنَّ المُرادَ بِالآيَةِ تَحْرِيمُها قَبْلَ الدِّباغِ، وما قَدَّمْنا مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ فِيما يَتَأتّى فِيهِ الأكْلُ، والجِلْدُ بَعْدَ الدِّباغِ خارِجٌ عَنْ حَدِّ الأكْلِ، فَلَمْ يَتَناوَلْهُ التَّحْرِيمُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ هَذِهِ الأخْبارَ لا مَحالَةَ بَعْدَ تَحْرِيمِ المَيْتَةِ، لَوْلا ذَلِكَ لَما رَمَوْا بِالشّاةِ المَيْتَةِ ولَما قالُوا: إنَّها مَيْتَةٌ، ولَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ لِيَقُولَ: «إنَّما حُرِّمَ أكْلُها» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ المَيْتَةِ مُقَدَّمٌ عَلى هَذِهِ الأخْبارِ، وأنَّ هَذِهِ الأخْبارَ مُبَيِّنَةٌ أنَّ الجِلْدَ بَعْدَ الدِّباغِ غَيْرُ مُرادٍ بِالآيَةِ، ولَمّا وافَقَنا مالِكٌ عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِهِ بَعْدَ الدِّباغِ فَقَدِ اسْتَعْمَلَ الأخْبارَ الوارِدَةَ في طَهارَتِها، ولا فَرْقَ في شَيْءٍ مِنها بَيْنَ افْتِراشِها والصَّلاةِ عَلَيْها وبَيْنَ أنْ تُباعَ أوْ يُصَلّى عَلَيْها، بَلْ في سائِرِ الأخْبارِ أنَّ دِباغَها ذَكاتُها، ودِباغَها طَهُورُها. وإذا كانَتْ مُذَكّاةً لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ الصَّلاةِ عَلَيْها وبَيْعُها وحُكْمُ افْتِراشِها والجُلُوسُ عَلَيْها كَسائِرِ جُلُودِ الحَيَوانِ المُذَكّاةِ، ألا تَرى أنَّها قَبْلَ الدِّباغِ باقِيَةٌ عَلى حُكْمِ التَّحْرِيمِ في امْتِناعِ جَوازِ الِانْتِفاعِ بِها مِن سائِرِ الوُجُوهِ كالِانْتِفاعِ بِلُحُومِها ؟ فَلَمّا اتَّفَقْنا عَلى خُرُوجِها عَنْ حُكْمِ المَيْتَةِ بَعْدَ الدِّباغِ فِيما وصَفْنا ثَبَتَ أنَّها مُذَكّاةٌ طاهِرَةٌ بِمَنزِلَةِ ذَكاةِ الأصْلِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ التَّحْرِيمَ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِها مَأْكُولَةً، وإذا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الأكْلِ صارَ بِمَنزِلَةِ الثَّوْبِ والخَشَبِ ونَحْوِ ذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مُوافَقَةُ مالِكٍ إيّانا عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِشَعْرِ المَيْتَةِ وصُوفِها لِامْتِناعِ أكْلِهِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الجِلْدِ بَعْدَ الدِّباغِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَها. فَإنْ قِيلَ: إنَّما جازَ ذَلِكَ في الشَّعْرِ والصُّوفِ؛ لِأنَّهُ يُؤْخَذُ مِنهُ في حالِ الحَياةِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرْنا عِلَّةَ الإباحَةِ، وكَذَلِكَ ما ذَكَرْتَ، فَيَكُونُ لِلْإباحَةِ عِلَّتانِ: إحْداهُما: أنَّهُ لا يَتَأتّى فِيهِ الأكْلُ، والأُخْرى: أنَّهُ يُؤْخَذُ مِنهُ في حالِ الحَياةِ فَيَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِهِ؛ لِأنَّ مُوجَبَهُما حُكْمٌ واحِدٌ. ومَتى عَلَّلْناهُ بِما وصَفْناهُ وجَبَ قِياسُ الجِلْدِ عَلَيْهِ. وإذا عَلَّلْتَهُ بِما وصَفْتَ كانَ مَقْصُورَ الحُكْمِ عَلى المَعْلُولِ، وقَدْ رَوى الحَكَمُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قالَ: «قُرِئَ عَلَيْنا كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أنْ لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإهابٍ ولا عَصَبٍ» فاحْتَجَّ بِذَلِكَ مَن حَظَرَ جِلْدَ المَيْتَةِ بَعْدَ الدِّباغِ وغَيْرُ جائِزٍ مُعارَضَةُ الأخْبارِ الوارِدَةِ في الإباحَةِ (p-١٤٤)بِهَذا الخَبَرِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الأخْبارَ الَّتِي قَدَّمْناها في حَيِّزِ التَّواتُرِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ، وحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ ورَدَ مِن طَرِيقِ الآحادِ، وقَدْ رَوى عاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قالَ: " كَتَبَ إلَيْنا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أنْ لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإهابٍ ولا عَصَبٍ " فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَلا يَجُوزُ مُعارَضَةُ الأخْبارِ الَّتِي قَدَّمْنا بِمِثْلِهِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُما لَوْ تَساوَيا في النَّقْلِ لَكانَ خَبَرُ الإباحَةِ أوْلى لِاسْتِعْمالِ النّاسِ لَهُ وتَلَقِّيهِمْ إيّاهُ بِالقَبُولِ. ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ خَبَرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ لَوِ انْفَرَدَ عَنْ مُعارَضَةِ الأخْبارِ الَّتِي قَدَّمْنا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما يُوجِبُ تَحْرِيمَ الجِلْدِ بَعْدَ الدِّباغِ؛ لِأنَّهُ قالَ: " لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإهابٍ ولا عَصَبٍ " وهو إنَّما يُسَمّى إهابًا قَبْلَ الدِّباغِ، والمَدْبُوغُ لا يُسَمّى إهابًا وإنَّما يُسَمّى أدِيمًا فَلَيْسَ إذًا في هَذا الخَبَرِ ما يُوجِبُ تَحْرِيمَهُ بَعْدَ الدِّباغِ. وأمّا قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ في إباحَةِ بَيْعِ جِلْدِ المَيْتَةِ قَبْلَ الدِّباغِ فَقَوْلٌ خارِجٌ عَنِ اتِّفاقِ الفُقَهاءِ لَمْ يُتابِعْهُ عَلَيْهِ أحَدٌ، ومَعَ ذَلِكَ هو مُخالِفٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: «لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإهابٍ ولا عَصَبٍ»؛ لِأنَّهُ قَبْلَ الدِّباغِ يُسَمّى إهابًا. والبَيْعُ مِن وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَحْظُورًا بِقَوْلِهِ: «لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإهابٍ ولا عَصَبٍ» قالَ أبُو بَكْرٍ: فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّما حُرِّمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها» يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ مَقْصُورٌ عَلى الأكْلِ دُونَ البَيْعِ قِيلَ لَهُ: فَيَنْبَغِي أنْ تُجِيزَ بَيْعَ لَحْمِها بِقَوْلِهِ: «إنَّما حُرِّمَ أكْلُها» فَإذا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ اللَّحْمِ مَعَ قَوْلِهِ: " إنَّما حُرِّمَ أكْلُها " كَذَلِكَ حُكْمُ الجِلْدِ قَبْلَ الدِّباغِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: مَنَعْتَ بَيْعَ اللَّحْمِ بِقَوْلِهِ: " إنَّما حُرِّمَ أكْلُها " قِيلَ لَهُ: وامْنَعْ بَيْعَ الجِلْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]؛ لِأنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الجِلْدِ واللَّحْمِ وإنَّما خَصَّ مِن جُمْلَتِهِ المَدْبُوغَ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ. وأيْضًا فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَباعُوها وأكَلُوا أثْمانَها» وإذا كانَ الجِلْدُ مُحَرَّمَ الأكْلِ قَبْلَ الدِّباغِ كَتَحْرِيمِ اللَّحْمِ، وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ بَيْعُهُ كَبَيْعِ اللَّحْمِ نَفْسِهِ وكَبَيْعِ سائِرِ المُحَرَّماتِ لِأعْيانِها كالخَمْرِ والدَّمِ ونَحْوِهِما. وأمّا جِلْدُ الكَلْبِ فَيَلْحَقُهُ الدِّباغُ ويَطْهُرُ إذا كانَ مَيْتَةً، لِقَوْلِهِ ﷺ: «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وقالَ: «دِباغُ الأدِيمِ ذَكاتُهُ» ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الكَلْبِ وغَيْرِهِ ولِأنَّهُ تَلْحَقُهُ الذَّكاةُ عِنْدَنا لَوْ ذُبِحَ لَكانَ طاهِرًا. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ نَجِسًا في حالِ الحَياةِ كَيْفَ يَطْهُرُ بِالدِّباغِ ؟ قِيلَ لَهُ: كَما يَكُونُ جِلْدُ المَيْتَةِ نَجِسًا ويُطَهِّرُهُ الدِّباغُ؛ لِأنَّ الدِّباغَ ذَكاتُهُ كالذَّبْحِ. وأمّا الخِنْزِيرُ فَلا تَلْحَقُهُ الذَّكاةُ؛ لِأنَّهُ مُحَرَّمُ العَيْنِ بِمَنزِلَةِ الخَمْرِ والدَّمِ (p-١٤٥)فَلا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكاةُ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِهِ في حالِ الحَياةِ والكَلْبُ يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِهِ في حالِ الحَياةِ ؟ فَلَيْسَ هو مُحَرَّمَ العَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِدُهْنِ المَيْتَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ وقالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] وهَذانِ الظّاهِرانِ يَحْظُرانِ دُهْنَ المَيْتَةِ كَما أوْجَبا حَظْرَ لَحْمِها وسائِرِ أجْزائِها. وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ عَطاءٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ أتاهُ أصْحابُ الصَّلِيبِ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ الأوْداكَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نَجْمَعُ هَذِهِ الأوْداكَ وهي مِنَ المَيْتَةِ وعَكْرِها وإنَّما هي لِلْأُدُمِ والسُّفُنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَباعُوها وأكَلُوا أثْمانَها» فَنَهاهم عَنْ ذَلِكَ. فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ تَحْرِيمَ اللَّهِ تَعالى إيّاها عَلى الإطْلاقِ قَدْ أوْجَبَ تَحْرِيمَ بَيْعِها كَما أوْجَبَ تَحْرِيمَ أكْلِها. وقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ يَدْهُنُ بِشُحُومِ المَيْتَةِ ظُهُورَ السُّفُنِ، وهو قَوْلٌ شاذٌّ وقَدْ ورَدَ الأثَرُ بِتَحْرِيمِهِ واقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ حَظْرَهُ. * * بابُ الفَأْرَةِ تَمُوتُ في السَّمْنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] لَمْ يَقْتَضِ تَحْرِيمَ ما ماتَتْ فِيهِ مِنَ المائِعاتِ، وإنَّما اقْتَضى تَحْرِيمَ عَيْنِ المَيْتَةِ، وما جاوَرَ المَيْتَةَ فَلا يُسَمّى مَيْتَةً، فَلَمْ يَنْتَظِمْهُ لَفْظُ التَّحْرِيمِ. ولَكِنَّهُ مُحَرَّمُ الأكْلِ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وهو ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الفَأْرَةِ تَقَعُ في السَّمْنِ، فَقالَ ﷺ: إنْ كانَ جامِدًا فَألْقُوها وما حَوْلَها، وإنْ كانَ مائِعًا فَلا تَقْرَبُوهُ» ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ: «أنَّ فَأْرَةً وقَعَتْ في سَمْنٍ فَماتَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ألْقُوها وما حَوْلَها ثُمَّ كُلُوهُ» . ورَوى عَبْدُ الجَبّارِ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ «أخْبَرَهُ أنَّهُ كانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ فَأْرَةٍ وقَعَتْ في ودَكٍ لَهم فَقالَ: أجامِدٌ هو ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: اطْرَحُوها واطْرَحُوا ما حَوْلَها وكُلُوا ودَكَكم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ مائِعٌ قالَ: فانْتَفِعُوا بِهِ ولا تَأْكُلُوهُ» فَأطْلَقَ النَّبِيُّ ﷺ جَوازَ الِانْتِفاعِ بِهِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الأكْلِ. وهَذا يَقْتَضِي جَوازَ (p-١٤٦)بَيْعِهِ؛ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الِانْتِفاعِ، ولَمْ يَخُصَّ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا مِنهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ والحَسَنِ في آخَرِينَ مِن السَّلَفِ جَوازُ الِانْتِفاعِ بِهِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الأكْلِ، قالَ أبُو مُوسى: " بِيعُوهُ ولا تَطْعَمُوهُ " ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ الفُقَهاءِ مَنَعَ الِانْتِفاعَ بِهِ مِن جِهَةِ الِاسْتِصْباحِ ودَبْغِ الجُلُودِ ونَحْوِهِ. ويَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ أصْحابِنا أيْضًا ويُبَيَّنُ عَيْبُهُ، وحُكِيَ عَنْ الشّافِعِيِّ أنَّ بَيْعَهُ لا يَجُوزُ ويَجُوزُ الِاسْتِصْباحُ بِهِ. وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إطْلاقُ الِانْتِفاعِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ مِنهُ لِوَجْهٍ دُونَ وجْهٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُحَرَّمَ مِنهُ الأكْلُ دُونَ غَيْرِهِ، وأنَّ بَيْعَهُ جائِزٌ كَما يَجُوزُ بَيْعُ سائِرَ الأشْياءِ الَّتِي يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِها مِن نَحْوِ الحِمارِ والبَغْلِ، إذْ لَيْسَ لِهَذِهِ الأشْياءِ حَقٌّ في مَنعِ البَيْعِ، وهو مِمّا يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِهِ وهو غَيْرُ مُحَرَّمِ العَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِأُمِّ الوَلَدِ والمُدَبَّرِ ولا يَجُوزُ بَيْعُهُما قِيلَ لَهُ: هَذا لا يَلْزَمُ عَلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنّا قَيَّدْنا المَعْنى بِأنَّهُ لا حَقَّ لِما جازَ الِانْتِفاعُ بِهِ مِن ذَلِكَ في مَنعِ بَيْعِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ تَحْرِيمُ أكْلِهِ جَوازَ بَيْعِهِ مِن حَيْثُ جازَ الِانْتِفاعُ بِهِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الأكْلِ ولا حَقَّ لَهُ في مَنعِ البَيْعِ. وأمّا المُدَبَّرُ وأُمُّ الوَلَدِ فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُما حَقُّ العَتاقِ، وفي جَوازِ بَيْعِهِما إبْطالٍ لِحَقِّهِما، فَلِذَلِكَ مُنِعَ بَيْعُهُما مَعَ إطْلاقِ سائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ فِيهِما. ولَيْسَ هَذا عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ ودَكِ المَيْتَةِ؛ لِأنَّهُ مُحَرَّمُ العَيْنِ كَلَحْمِها مَمْنُوعٌ الِانْتِفاعُ بِهِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ، ولَيْسَ ما ماتَ فِيهِ الفَأْرَةُ مِنَ المائِعاتِ بِمُحَرَّمِ العَيْنِ وإنَّما هو مُحَرَّمُ الأكْلِ لِمُجاوَرَتِهِ المَيْتَةَ، وسائِرُ وُجُوهِ المَنافِعِ مُطْلَقَةٌ فِيهِ سِوى الأكْلِ، فَكانَ بَيْعُهُ بِمَنزِلَةِ بَيْعِ الحِمارِ والبَغْلِ والكَلْبِ ونَحْوِهِ مِمّا يَجُوزُ الِانْتِفاعِ بِهِ ولا يَجُوزُ أكْلُهُ. وكَذَلِكَ الرَّقِيقُ يَجُوزُ بَيْعُهم كَسائِرِ مَنافِعِهِمْ. وقَدْ دَلَّ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في أمْرِهِ بِإلْقاءِ الفَأْرَةِ وما حَوْلَها في الجامِدِ مِنهُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ما كانَ نَجِسًا في نَفْسِهِ فَإنَّهُ يُنَجِّسُ بِالمُجاوَرَةِ لِحُكْمِهِ فِيما جاوَرَ الفَأْرَةَ مِنهُ بِالنَّجاسَةِ، وأنَّ ما يُنَجَّسُ بِالمُجاوَرَةِ لا يُنَجِّسُ ما جاوَرَهُ؛ إذْ لَمْ يَحْكم بِنَجاسَةِ السَّمْنِ المُجاوِرِ لِلسَّمْنِ النَّجِسِ؛ لِأنَّهُ لَوْ وجَبَ الحُكْمُ بِذَلِكَ لَوَجَبَ الحُكْمُ بِتَنْجِيسِ سائِرِ سَمْنِ الإناءِ بِمُجاوَرَةِ كُلِّ جُزْءٍ مِنهُ لِغَيْرِهِ. فَهَذا أصْلٌ قَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِ النَّجاسَةِ في التَّغْلِيظِ والتَّخْفِيفِ وأنَّها لَيْسَتْ مُتَساوِيَةَ المَنازِلِ، فَجازَ مِن أجْلِ ذَلِكَ أنْ يُعْتَبَرَ في بَعْضِها أكْثَرُ مِن قَدْرِ الدِّرْهَمِ وفي بَعْضِها الكَثِيرُ الفاحِشُ عَلى حَسَبِ قِيامِ دَلالَةِ التَّخْفِيفِ والتَّغْلِيظِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. (p-١٤٧) * * بابُ القِدْرِ يَقَعُ فِيها الطَّيْرُ فَيَمُوتُ ذَكَرَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ قالَ: سَمِعْتُ أبا حازِمٍ القاضِيَ يُحَدِّثُ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأتاهُ ابْنُ المُبارَكِ بِهَيْئَةِ خُراسانِيٍّ، فَسَألَهُ عَنْ رَجُلٍ نَصَبَ لَهُ قِدْرًا فِيها لَحْمٌ عَلى النّارِ فَمَرَّ طَيْرٌ فَوَقَعَ فِيها فَماتَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ لِأصْحابِهِ: ماذا تَرَوْنَ ؟ فَذَكَرُوا لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّحْمَ يُؤْكَلُ بَعْدَما يُغْسَلُ ويُهْراقُ المَرَقُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: بِهَذا نَقُولُ ولَكِنْ هو عِنْدَنا عَلى شَرِيطَةٍ، فَإنْ كانَ وقَعَ فِيها في حالِ سُكُونِها فَكَما في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وإنْ وقَعَ فِيها في حالِ غَلَيانِها لَمْ يُؤْكَلِ اللَّحْمُ ولا المَرَقُ. فَقالَ لَهُ ابْنُ المُبارَكِ: ولِمَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: لِأنَّهُ إذا سَقَطَ فِيها في حالِ غَلَيانِها فَماتَ فَقَدْ داخَلَتِ المَيْتَةُ اللَّحْمَ، وإذا وقَعَ في حالِ سُكُونِها فَماتَ فَإنَّ المَيْتَةَ وسَّخَتِ اللَّحْمَ. فَقالَ ابْنُ المُبارَكِ وعَقَدَ بِيَدِهِ ثَلاثِينَ: هَذا زِرَّيْنٌ، بِالفارِسِيَّةِ، يَعْنِي المَذْهَبَ. ورَوى ابْنُ المُبارَكِ عَنْ عَبّادِ بْنِ راشِدٍ عَنِ الحَسَنِ مِثْلَ جَوابِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَدْ ذَكَرَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِلَّةَ فَرْقِهِ بَيْنَ وُقُوعِهِ في حالِ الغَلَيانِ وحالِ السُّكُونِ، وهو فَرْقٌ ظاهِرٌ وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ في الدَّجاجَةِ تَقَعُ في قِدْرِ اللَّحْمِ وهي تُطْبَخُ فَتَمُوتُ فِيها، قالَ: " لا أرى أنْ آكُلَ تِلْكَ القِدْرَ؛ لِأنَّ المَيْتَةَ قَدِ اخْتَلَطَتْ بِما كانَ في القِدْرِ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " يُغْسَلُ اللَّحْمُ ويُؤْكَلُ " . وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " لا يُؤْكَلُ ذَلِكَ اللَّحْمُ حَتّى يُغْسَلَ مِرارًا ويُغْلى عَلى النّارِ حَتّى يَذْهَبَ كُلُّ ما كانَ فِيهِ " . وقَدْ رَوى ابْنُ المُبارَكِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الباهِلِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في طَيْرٍ وقَعَ في قِدْرٍ فَماتَ فَقالَ: " يُهْراقُ المَرَقُ ويُؤْكَلُ اللَّحْمُ " ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حالُ الغَلَيانِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْبانَ عَنِ السّائِبِ بْنِ خَبّابٍ: أنَّهُ كانَ لَهُ قِدْرٌ عَلى النّارِ فَسَقَطَتْ فِيها دَجاجَةٌ فَماتَتْ ونَضِجَتْ مَعَ اللَّحْمِ، فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: " اطْرَحِ المَيْتَةَ وأهْرِقِ المَرَقَ وكُلِ اللَّحْمَ، فَإنْ كَرِهْتَهُ فَأرْسِلْ إلَيَّ مِنهُ عُضْوًا أوْ عُضْوَيْنِ " . وهَذا أيْضًا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى حالِ الغَلَيانِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ وقَعَتْ فِيهِ بَعْدَ سُكُونِ الغَلَيانِ والمَرَقُ حارٌّ فَنَضِجَتْ فِيهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ. * * بابُ تَحْرِيمِ الدَّمِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ وقالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] فَلَوْ لَمْ يَرِدْ في تَحْرِيمِهِ غَيْرُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لاقْتَضى ذَلِكَ تَحْرِيمَ سائِرِ الدِّماءِ قَلِيلِها وكَثِيرِها، فَلَمّا قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُحَرَّمَ مِنَ الدَّمِ هو المَسْفُوحُ دُونَ غَيْرِهِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] خاصٌّ فِيما كانَ مِنهُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وقَوْلُهُ في الآيَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ عامٌّ في سائِرِ الدِّماءِ، فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى عُمُومِهِ؛ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَخُصُّهُ. قِيلَ (p-١٥٢)لَهُ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] جاءَ فِيهِ نَفْيٌ لِتَحْرِيمِ سائِرِ الدِّماءِ إلّا ما كانَ مِنهُ بِهَذا الوَصْفِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وإذْ كانَ ذَلِكَ عَلى ما وصَفْنا لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ مُتَأخِّرًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] أوْ أنْ يَكُونا نَزَلا مَعًا. فَلَمّا عَدِمْنا تارِيخَ نُزُولِ الآيَتَيْنِ وجَبَ الحُكْمُ بِنُزُولِهِما مَعًا، فَلا يَثْبُتُ حِينَئِذٍ تَحْرِيمُ الدَّمِ إلّا مَعْقُودًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وهو أنْ يَكُونَ مَسْفُوحًا. وحَدَّثَنا أبُو القاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ المَرْوَزِيِّ قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] لاتَّبَعَ المُسْلِمُونَ مِنَ العُرُوقِ ما اتَّبَعَ اليَهُودُ. وحَدَثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قالَ: " حُرِّمَ مِنَ الدَّمِ ما كانَ مَسْفُوحًا، وأمّا اللَّحْمُ يُخالِطُهُ الدَّمُ فَلا بَأْسَ بِهِ " . ورَوى القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عائِشَةَ، أنَّها سُئِلَتْ عَنِ الدَّمِ يَكُونُ في اللَّحْمِ والمَذْبَحِ قالَتْ: " إنَّما نَهى اللَّهُ عَنِ الدَّمِ المَسْفُوحِ " . ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في جَوازِ أكْلِ اللَّحْمِ مَعَ بَقاءِ أجْزاءِ الدَّمِ في العُرُوقِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَسْفُوحٍ، ألا تَرى أنَّهُ مَتى صُبَّ عَلَيْهِ الماءُ ظَهَرَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ فِيهِ ؟ ولَيْسَ هو بِمُحَرَّمٍ؛ إذْ لَيْسَ هو مَسْفُوحًا ولِما وصَفْنا قالَ أصْحابُنا: " إنَّ دَمَ البَراغِيثِ والبَقِّ والذُّبابِ لَيْسَ بِنَجَسٍ " وقالُوا أيْضًا: " إنَّ دَمَ السَّمَكِ لَيْسَ بِنَجَسِ لِأنَّهُ يُؤْكَلُ بِدَمِهِ " . وقالَ مالِكٌ في دَمِ البَراغِيثِ: " إذا تَفاحَشَ غَسَلَهُ ويَغْسِلُ دَمَ الذُّبابِ ودَمَ السَّمَكِ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا يَفْسُدُ الوُضُوءُ إلّا أنْ تَقَعَ فِيهِ نَجاسَةٌ مِن دَمٍ أوْ بَوْلٍ أوْ غَيْرِهِ " فَعَمَّ الدِّماءَ كُلَّها. فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] يُوجِبُ تَحْرِيمَ دَمِ السَّمَكِ؛ لِأنَّهُ مَسْفُوحٌ. قِيلَ لَهُ: هَذا مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: «أُحِلَّتْ لِي مَيْتَتانِ ودَمانِ: السَّمَكُ والجَرادُ» فَلَمّا أباحَ السَّمَكَ بِما فِيهِ مِنَ الدَّمِ مِن غَيْرِ إراقَةِ دَمِهِ، وقَدْ تَلَقّى المُسْلِمُونَ هَذا الخَبَرَ بِالقَبُولِ في إباحَةِ السَّمَكِ مِن غَيْرِ إراقَةِ دَمِهِ، وجَبَ تَخْصِيصُ الآيَةِ في إباحَةِ دَمِ السَّمَكِ؛ إذْ لَوْ كانَ مَحْظُورًا لَما حَلَّ دُونَ إراقَةِ دَمِهِ كالشّاةِ وسائِرِ الحَيَوانِ ذَواتِ الدِّماءِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ تَحْرِيمِ الخِنْزِيرِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ وقالَ تَعالى: (p-١٥٣)﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَنَصَّ في هَذِهِ الآياتِ عَلى تَحْرِيمِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ، والأُمَّةُ عَقَلَتْ مِن تَأْوِيلِهِ ومَعْناهُ مِثْلَ ما عَقَلَتْ مِن تَنْزِيلِهِ، واللَّحْمُ وإنْ كانَ مَخْصُوصًا بِالذِّكْرِ فَإنَّ المُرادَ جَمِيعُ أجْزائِهِ، وإنَّما خَصَّ اللَّحْمَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ مَنفَعَتِهِ وما يُبْتَغى مِنهُ، كَما نَصَّ عَلى تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ والمُرادُ حَظْرُ جَمِيعِ أفْعالِهِ في الصَّيْدِ، وخَصَّ القَتْلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ بِهِ الصَّيْدُ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فَخَصَّ البَيْعَ بِالنَّهْيِ؛ لِأنَّهُ كانَ أعْظَمَ ما يَبْتَغُونَ مِن مَنافِعِهِمْ والمَعْنِيُّ جَمِيعُ الأُمُورِ الشّاغِلَةِ عَنِ الصَّلاةِ. وإنَّما نَصَّ عَلى البَيْعِ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ عَنِ الِاشْتِغالِ عَنِ الصَّلاةِ، كَذَلِكَ خَصَّ لَحْمَ الخِنْزِيرِ بِالنَّهْيِ تَأْكِيدًا لِحُكْمِ تَحْرِيمِهِ وحَظْرًا لِسائِرِ أجْزائِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ جَمِيعُ أجْزائِهِ وإنْ كانَ النَّصُّ خاصًّا في لَحْمِهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في جَوازِ الِانْتِفاعِ بِشَعْرِ الخِنْزِيرِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ: " يَجُوزُ الِانْتِفاعُ لِلْخَرَزِ " . وقالَ أبُو يُوسُفَ: " أكْرَهُ الخَرَزَ بِهِ " ورُوِيَ عَنْهُ الإباحَةُ. وقالَ الأوْزاعِيُّ لا بَأْسَ أنْ يُخاطَ بِشَعْرِ الخِنْزِيرِ ويَجُوزُ لِلْخَرّازِ أنْ يَشْتَرِيَهُ ولا يَبِيعَهُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِشَعْرِ الخِنْزِيرِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ المَنصُوصُ عَلَيْهِ في الكِتابِ مِنَ الخِنْزِيرِ لَحْمَهُ وكانَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِحُكْمِ تَحْرِيمِهِ عَلى ما بَيَّنّا، جازَ أنْ يُقالَ إنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ يَتَناوَلُ الشَّعْرَ وغَيْرَهُ، وجائِزٌ أنْ يُقالَ إنَّ التَّحْرِيمَ مُنْصَرِفٌ إلى ما كانَ فِيهِ الحَياةُ مِنهُ مِمّا لَمْ يَأْلَمْ بِأخْذِهِ مِنهُ، فَأمّا الشَّعْرُ فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَياةٌ لَمْ يَكُنْ مِن أجْزاءِ الحَيِّ فَلَمْ يَلْحَقْهُ حُكْمُ التَّحْرِيمِ كَما بَيَّنّا في شَعْرِ المَيْتَةِ، وأنَّ حُكْمَ المُذَكّى والمَيْتَةِ في الشَّعْرِ سَواءٌ، إلّا أنَّ مَن أباحَ الِانْتِفاعَ بِهِ مِن أصْحابِنا فَذَكَرَ أنَّهُ إنَّما أجازَهُ اسْتِحْسانًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ تَناوَلَ الجَمِيعَ عِنْدَهم بِما عَلَيْهِ مِنَ الشَّعْرِ. وإنَّما اسْتَحْسَنُوا إجازَةَ الِانْتِفاعِ بِهِ لِلْخَرَزِ دُونَ جَوازِ بَيْعِهِ وشِرائِهِ لَمّا شاهَدُوا المُسْلِمِينَ وأهْلَ العِلْمِ يُقِرُّونَ الأساكِفَةَ عَلى اسْتِعْمالِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ ظَهَرَ مِنهم عَلَيْهِمْ، فَصارَ هَذا عِنْدَهم إجْماعًا مِنِ السَّلَفِ عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِهِ، وظُهُورُ العَمَلِ مِنَ العامَّةِ في شَيْءٍ مَعَ إقْرارِ السَّلَفِ إيّاهم عَلَيْهِ وتَرْكِهِمُ النَّكِيرَ عَلَيْهِمْ يُوجِبُ إباحَتَهُ عِنْدَهم. وهَذا مِثْلُ ما قالُوا في إباحَةِ دُخُولِ الحَمّامِ مِن غَيْرِ شَرْطِ أُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ ولا مِقْدارٍ مَعْلُومٍ لِما يَسْتَعْمِلُهُ مِنَ الماءِ ولا مِقْدارِ مُدَّةِ لُبْثِهِ فِيهِ؛ لِأنَّ هَذا كانَ ظاهِرًا مُسْتَفِيضًا في عَهْدِ السَّلَفِ (p-١٥٤)مِن غَيْرِ مُنْكِرٍ بِهِ عَلى فاعِلِيهِ، فَصارَ ذَلِكَ إجْماعًا مِنهم. وكَذَلِكَ قالُوا في الِاسْتِصْناعِ إنَّهم أجازُوهُ لِعَمَلِ النّاسِ، ومُرادُهم فِيهِ إقْرارُ السَّلَفِ الكافَّةَ عَلى ذَلِكَ وتَرْكُهُمُ النَّكِيرَ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْمالِهِ، فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في جَوازِهِ، ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في خِنْزِيرِ الماءِ، فَقالَ أصْحابُنا: " لا يُؤْكَلُ " . وقالَ مالِكٌ وابْنُ أبِي لَيْلى والشّافِعِيُّ والأوْزاعِيُّ: " لا بَأْسَ بِأكْلِ كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ في البَحْرِ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا بَأْسَ بِخِنْزِيرِ الماءِ " . ومِنهم مَن يُسَمِّيهِ حِمارَ الماءِ. وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " لا يُؤْكَلُ إنْسانُ الماءِ ولا خِنْزِيرُ الماءِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ مُوجِبٌ لِحَظْرِ جَمِيعِ ما يَكُونُ مِنهُ في البَرِّ وفي الماءِ لِشُمُولِ الِاسْمِ لَهُ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما يَنْصَرِفُ هَذا إلى خِنْزِيرِ البَرِّ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ عَلى الإطْلاقِ، وخِنْزِيرُ الماءِ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وإنَّما يُسَمّى بِهِ مُقَيَّدًا، واسْمُهُ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ في العادَةِ حِمارُ الماءِ. قِيلَ لَهُ: لا يَخْلُو خِنْزِيرُ الماءِ مِن أنْ يَكُونَ عَلى خِلْقَةِ خِنْزِيرِ البَرِّ وصِفَتِهِ أوْ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ عَلى هَذِهِ الخِلْقَةِ فَلا فَرْقَ بَيْنَهُما في إطْلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ أنَّ كَوْنَهُ في الماءِ لا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ إذا كانَ في مَعْناهُ وعَلى خِلْقَتِهِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى خُصُوصِهِ، وإنْ كانَ عَلى خِلْقَةٍ أُخْرى غَيْرِها ومِن أجْلِها يُسَمّى حِمارَ الماءِ فَكَأنَّهم إنَّما أجْرَوُا اسْمَ الخِنْزِيرِ عَلى ما لَيْسَ بِخِنْزِيرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ أحَدًا لَمْ يُخَطِّئْهم في التَّسْمِيَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ خِنْزِيرٌ عَلى الحَقِيقَةِ وأنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُهُ عَلى الإطْلاقِ، وتَسْمِيَتُهم إيّاهُ حِمارَ الماءِ لا يَسْلُبُهُ اسْمَ الخِنْزِيرِ؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَكُونُوا سَمَّوْهُ بِذَلِكَ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خِنْزِيرِ البَرِّ. وكَذَلِكَ كَلْبُ البَرِّ سَواءٌ لا فَرْقَ بَيْنَهُما؛ إذْ كانَ الِاسْمُ يَتَناوَلُ الجَمِيعَ وإنْ خالَفَهُ في بَعْضِ أوْصافِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ تَحْرِيمِ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ المُرادَ بِهِ الذَّبِيحَةُ إذا أُهِلَّ بِها لِغَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَزْعُمُ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ ذَبائِحُ عَبَدَةِ الأوْثانِ الَّذِينَ كانُوا يَذْبَحُونَ لِأوْثانِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] وأجازُوا ذَبِيحَةَ النَّصْرانِيِّ إذا سَمّى عَلَيْها بِاسْمِ المَسِيحِ، وهو مَذْهَبُ عَطاءٍ ومَكْحُولٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وقالُوا: " إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أباحَ أكْلَ ذَبائِحِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم يُهِلُّونَ بِاسْمِ المَسِيحِ عَلى ذَبائِحِهِمْ " . وهُوَ مَذْهَبُ الأوْزاعِيِّ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أيْضًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: " لا تُؤْكَلُ (p-١٥٥)ذَبائِحُهم إذا سَمَّوْا عَلَيْها بِاسْمِ المَسِيحِ " . وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يُوجِبُ تَحْرِيمَها إذا سُمِّيَ عَلَيْها بِاسْمٍ غَيْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الإهْلالَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ هو إظْهارُ غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، ولَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ بَيْنَ تَسْمِيَةِ المَسِيحِ وبَيْنَ تَسْمِيَةِ غَيْرِهِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ الإهْلالُ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] وعادَةُ العَرَبِ في الذَّبائِحِ لِلْأوْثانِ غَيْرُ مانِعٍ اعْتِبارَ عُمُومِ الآيَةِ فِيما اقْتَضاهُ مِن تَحْرِيمِ ما سُمِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ رَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ عَنْ زاذانَ ومَيْسَرَةَ، أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: " إذا سَمِعْتُمُ اليَهُودَ والنَّصارى يُهِلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلا تَأْكُلُوا، وإذا لَمْ تَسْمَعُوهم فَكُلُوا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ ذَبائِحَهم " وهو يَعْلَمُ ما يَقُولُونَ وأمّا ما احْتَجَّ بِهِ القائِلُونَ بِإباحَةِ ذَلِكَ لِإباحَةِ اللَّهِ طَعامَ أهْلِ الكِتابِ مَعَ عِلْمِهِ بِما يَقُولُونَ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى ما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ إباحَةَ طَعامِ أهْلِ الكِتابِ مَعْقُودَةٌ بِشَرِيطَةِ أنْ لا يُهِلُّوا لِغَيْرِ اللَّهِ؛ إذْ كانَ الواجِبُ عَلَيْنا اسْتِعْمالَ الآيَتَيْنِ بِمَجْمُوعِهِما، فَكَأنَّهُ قالَ: وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم ما لَمْ يُهِلُّوا بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ النَّصْرانِيَّ إذا سَمّى اللَّهَ فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإذا كانَ إرادَتُهُ كَذَلِكَ ولَمْ تَمْنَعْ صِحَّةَ ذَبِيحَتِهِ وهو مَعَ ذَلِكَ مُهِلٌّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ إذا أظْهَرَ ما يُضْمِرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في إرادَتِهِ المَسِيحَ. قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما كَلَّفَنا حُكْمَ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ الإهْلالَ هو إظْهارُ القَوْلِ، فَإذا أظْهَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وإذا أظْهَرَ اسْمَ اللَّهِ فَغَيْرُ جائِزٍ لَنا حَمْلُهُ عَلى اسْمِ المَسِيحِ عِنْدَهُ؛ لِأنَّ حُكْمَ الأسْماءِ أنْ تَكُونَ مَحْمُولَةً عَلى حَقائِقِها ولا تُحْمَلُ عَلى ما لا يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ عِنْدَنا ولا يَسْتَحِقُّهُ. ومَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ العِبادَةُ عَلَيْنا في اعْتِبارِ إظْهارِ الِاسْمِ دُونَ الضَّمِيرِ، ألا تَرى أنَّ مَن أظْهَرَ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ كانَ حُكْمُهُ حُكْمَ المُسْلِمِينَ مَعَ جَوازِ اعْتِقادِهِ لِلتَّشْبِيهِ المُضادِّ لِلتَّوْحِيدِ ؟ وكَذَلِكَ قالَ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» وقَدْ أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ في القَوْمِ مُنافِقِينَ يَعْتَقِدُونَ غَيْرَ ما يُظْهِرُونَ، ولَمْ يُجْرِهِمْ مَعَ ذَلِكَ مَجْرى سائِرِ المُشْرِكِينَ بَلْ حَكَمَ لَهم فِيما يُعامَلُونَ بِهِ مِن أحْكامِ الدُّنْيا بِحُكْمِ سائِرِ المُسْلِمِينَ عَلى ما ظَهَرَ مِن أُمُورِهِمْ دُونَ ما بَطَنَ مِن ضَمائِرِهِمْ. وكَذَلِكَ جائِزٌ أنْ تَكُونَ صِحَّةُ ذَكاةِ النَّصْرانِيِّ مُتَعَلِّقَةً بِإظْهارِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ مَتى أظْهَرَ اسْمَ المَسِيحِ لَمْ تَصِحَّ ذَكاتُهُ، كَسائِرِ المُشْرِكِينَ إذا أظْهَرُوا عَلى ذَبائِحِهِمْ (p-١٥٦)أسْماءَ أوْثانِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ ذِكْرِ الضَّرُورَةِ المُبِيحَةِ لِأكْلِ المَيْتَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الضَّرُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ، وأطْلَقَ الإباحَةَ في بَعْضِها بِوُجُودِ الضَّرُورَةِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ ولا صِفَةٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فاقْتَضى ذَلِكَ وُجُودَ الإباحَةِ بِوُجُودِ الضَّرُورَةِ في كُلِّ حالٍ وُجِدَتِ الضَّرُورَةَ فِيها. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومَسْرُوقٌ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ في المَيْتَةِ ﴿ولا عادٍ﴾ في الأكْلِ. وهو قَوْلُ أصْحابِنا ومالِكِ بْنِ أنَسٍ. وأباحُوا لِلْبُغاةِ الخارِجِينَ عَلى المُسْلِمِينَ أكْلَ المَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَما أباحُوهُ لِأهْلِ العَدْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ: " إذا لَمْ يَخْرُجْ باغِيًا عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ ولَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ في مَعْصِيَةٍ فَلَهُ أنْ يَأْكُلَ المَيْتَةَ إذا اضْطُرَّ إلَيْها، وإنْ كانَ سَفَرُهُ في مَعْصِيَةٍ أوْ كانَ باغِيًا عَلى الإمامِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَأْكُلَ " . وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] يُوجِبُ الإباحَةَ لِلْجَمِيعِ مِنَ المُطِيعِينَ والعُصاةِ، وقَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] لَمّا كانَ مُحْتَمِلًا أنْ يُرِيدَ بِهِ البَغْيَ والعُدْوانَ في الأكْلِ واحْتَمَلَ البَغْيَ عَلى الإمامِ أوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ لَنا تَخْصِيصُ عُمُومِ الآيَةِ الأُخْرى بِالِاحْتِمالِ، بَلِ الواجِبُ حَمْلُهُ عَلى ما يُواطِئُ مَعْنى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ. وأيْضًا فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ في مَعْصِيَةٍ بَلْ كانَ سَفَرُهُ لِحَجٍّ أوْ غَزْوٍ أوْ تِجارَةٍ وكانَ مَعَ ذَلِكَ باغِيًا عَلى رَجُلٍ في أخْذِ مالِهِ أوْ عادِيًا في تَرْكِ صَلاةٍ أوْ زَكاةٍ، لَمْ يَكُنْ ما هو عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ والعُدْوانِ مانِعًا مِنِ اسْتِباحَةِ المَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ انْتِفاءَ البَغْيِ والعُدْوانِ في سائِرِ الوُجُوهِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنهُ مَخْصُوصٍ فَيُوجِبُ ذَلِكَ كَوْنَ اللَّفْظِ مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلى البَيانِ، فَلا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الآيَةِ الأُولى بِهِ لِتَعَذُّرِ اسْتِعْمالِهِ عَلى حَقِيقَتِهِ وظاهِرِهِ. ومَتى حَمَلْنا ذَلِكَ عَلى البَغْيِ والتَّعَدِّي في الأكْلِ اسْتَعْمَلْنا اللَّفْظَ عَلى عُمُومِهِ وحَقِيقَتِهِ فِيما أُرِيدَ بِهِ ووَرَدَ فِيهِ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ أوْلى مِن وجْهَيْنِ: أحَدِهِما: أنَّهُ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا عَلى عُمُومِهِ، والآخَرِ: أنّا لا نُوجِبُ بِهِ تَخْصِيصَ قَوْلِهِ: ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] (p-١٥٧)وكَذَلِكَ: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] لا يَخْلُو مِن أنْ يُرِيدَ بِهِ مُجانَبَةَ سائِرِ الآثامِ حَتّى يَكُونَ شَرْطُ الإباحَةِ لِلْمُضْطَرِّ أنْ يَكُونَ "غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ" أصْلًا في الأكْلِ وغَيْرِهِ، حَتّى إنْ كانَ مُقِيمًا عَلى تَرْكِ رَدِّ مَظْلِمَةِ دِرْهَمٍ أوْ تَرْكِ صَلاةٍ أوْ صَوْمٍ لَمْ يَتُبْ مِنهُ لا يَحِلُّ لَهُ الأكْلُ، أوْ أنْ يَكُونَ جائِزٌ لَهُ الأكْلُ مَعَ كَوْنِهِ مُقِيمًا عَلى ضَرْبٍ مِنَ المَعاصِي بَعْدَ أنْ لا يَكُونَ سَفَرُهُ في مَعْصِيَةٍ ولا خارِجًا عَلى إمامٍ. وقَدَ ثَبَتَ عِنْدَ الجَمِيعِ أنَّ إقامَتَهُ عَلى بَعْضِ المَعاصِي لا تَمْنَعُ اسْتِباحَتَهُ لِلْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُرادٍ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُحْتاجُ في إثْباتِ المَأْثَمِ الَّذِي يَمْنَعُ الِإسْتِباحَةَ إلى دَلالَةٍ مِن غَيْرِ الآيَةِ. وهَذا يُوجِبُ إجْمالَ اللَّفْظِ وافْتِقارَهُ إلى البَيانِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى وُقُوفِ حُكْمِ الآيَةِ عَلى بَيانٍ مِن غَيْرِها، ومَتى أمْكَنَنا اسْتِعْمالُ حُكْمِ الآيَةِ وجَبَ عَلَيْنا اسْتِعْمالُها، وجِهَةُ إمْكانِ اسْتِعْمالِها ما وصَفْنا مِن إثْباتِ المُرادِ بَغْيًا وتَعَدِّيًا في الأكْلِ بِأنْ لا يَتَناوَلَ مِنها إلّا بِمِقْدارِ ما يُمْسِكُ الرَّمَقَ ويُزِيلُ خَوْفَ التَّلَفِ. وأيْضًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ومَن امْتَنَعَ مِنَ المُباحِ حَتّى ماتَ كانَ قاتِلًا نَفْسَهُ مُتْلِفًا لَها عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ العِلْمِ ولا يَخْتَلِفُ في ذَلِكَ عِنْدَهم حُكْمُ العاصِي والمُطِيعِ. بَلْ يَكُونُ امْتِناعُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الأكْلِ زِيادَةً عَلى عِصْيانِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ وحُكْمُ المُطِيعِ سَواءً في اسْتِباحَةِ الأكْلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ مِن أكْلِ المُباحِ مِنَ الطَّعامِ مَعَهُ حَتّى ماتَ كانَ عاصِيًا لِلَّهِ تَعالى وإنْ كانَ باغِيًا عَلى الإمامِ خارِجًا في سَفَرِ مَعْصِيَةٍ، والمَيْتَةُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِمَنزِلَةِ المُذَكّى في حالِ الإمْكانِ والسَّعَةِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلى اسْتِباحَةِ أكْلِ المَيْتَةِ بِالتَّوْبَةِ، فَإذا لَمْ يَتُبْ فَهو الجانِي عَلى نَفْسِهِ. قِيلَ لَهُ: أجَلْ، هو كَما قُلْتَ، إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُباحٍ لَهُ الجِنايَةُ عَلى نَفْسِهِ بِتَرْكِ الأكْلِ وإنْ لَمْ يَتُبْ؛ لِأنَّ تَرْكَ التَّوْبَةِ لا يُبِيحُ لَهُ قَتْلَ نَفْسِهِ؛ وهَذا العاصِي مَتى تَرَكَ الأكْلَ في حالِ الضَّرُورَةِ حَتّى ماتَ كانَ مُرْتَكِبًا لِضَرْبَيْنِ مِنَ المَعْصِيَةِ: أحَدُهُما: خُرُوجُهُ في مَعْصِيَةٍ، والثّانِي: جِنايَتُهُ عَلى نَفْسِهِ بِتَرْكِ الأكْلِ. وأيْضًا فالمُطِيعُ والعاصِي لا يَخْتَلِفانِ فِيما يَحِلُّ لَهُما مِنَ المَأْكُولاتِ أوْ يُحَرَّمُ، ألا تَرى أنَّ سائِرَ المَأْكُولاتِ الَّتِي هي مُباحَةٌ لِلْمُطِيعِينَ هي مُباحَةٌ لِلْعُصاةِ كَسائِرِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ المُباحَةِ ؟ وكَذَلِكَ ما حُرِّمَ مِنَ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ لا يَخْتَلِفُ في تَحْرِيمِهِ حُكْمُ المُطِيعِينَ والعُصاةِ، فَلَمّا كانَتِ المَيْتَةُ مُباحَةً لِلْمُطِيعِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ العُصاةِ فِيها كَسائِرِ الأطْعِمَةِ المُباحَةِ في غَيْرِ حالِ الضَّرُورَةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إباحَةُ المَيْتَةِ رُخْصَةٌ لِلْمُضْطَرِّ ولا رُخْصَةَ لِلْعاصِي. (p-١٥٨)قِيلَ لَهُ: قَدِ انْتَظَمَتْ هَذِهِ المُعارَضَةُ الخَطَأ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُكَ " إباحَةُ المَيْتَةِ رُخْصَةٌ لِلْمُضْطَرِّ "؛ وذَلِكَ لِأنَّ أكْلَ المَيْتَةِ فَرْضٌ عَلى المُضْطَرِّ والِاضْطِرارُ يُزِيلُ الحَظْرَ، ومَتى امْتَنَعَ المُضْطَرُّ مِن أكْلِها حَتّى ماتَ صارَ قاتِلًا لِنَفْسِهِ، بِمَنزِلَةِ مَن تَرَكَ أكْلَ الخُبْزِ وشُرْبَ الماءِ في حالِ الإمْكانِ حَتّى ماتَ كانَ عاصِيًا لِلَّهِ جانِيًا عَلى نَفْسِهِ. ولا خِلافَ في أنَّ هَذا حُكْمُ المُضْطَرِّ إلى المَيْتَةِ غَيْرِ الباغِي. فَقَوْلُ القائِلِ: " إباحَةُ المَيْتَةِ رُخْصَةٌ لِلْمُضْطَرِّ " بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ لَوْ قالَ: " إنَّ إباحَةَ أكْلِ الخُبْزِ وشُرْبِ الماءِ رَخْصَةٌ لِغَيْرِ المُضْطَرِّ " ولا يُطْلِقُ هَذا أحَدٌ يَعْقِلُ؛ لِأنَّ النّاسَ كُلَّهم يَقُولُونَ: فُرِضَ عَلى المُضْطَرِّ إلى المَيْتَةِ أكْلُها، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُما؛ ولَمّا لَمْ يَخْتَلِفِ العاصِي والمُطِيعِ في أكْلِ الخُبْزِ وشُرْبِ الماءِ كَذَلِكَ في أكْلِ المَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الخَطَأِ فَهو قَوْلُكَ: " إنَّهُ لا رُخْصَةَ لِلْعاصِي " وهَذِهِ قَضِيَّةٌ فاسِدَةٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهم رَخَّصُوا لِلْمُقِيمِ العاصِي الإفْطارَ في رَمَضانَ إذا كانَ مَرِيضًا، وكَذَلِكَ يُرَخِّصُونَ لَهُ في السَّفَرِ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، ويُرَخِّصُونَ لِلْمُقِيمِ العاصِي أنْ يَمْسَحَ يَوْمًا ولَيْلَةً. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا ولَيْلَةً ولِلْمُسافِرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَها» . ولَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ العاصِي والمُطِيعِ؛ فَبانَ بِما وصَفْنا فَسادُ هَذِهِ المَقالَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ فِيهِ ضَمِيرٌ لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الكَلامُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ وُقُوعَ الضَّرُورَةِ لَيْسَ مِن فِعْلِ المُضْطَرِّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] خَبَرًا لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن خَبَرٍ بِهِ يَتِمُّ الكَلامُ، إذْ لَمْ يَكُنِ الحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الضَّرُورَةِ، وخَبَرُهُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ الكَلامُ ضَمِيرُهُ وهو الأكْلُ، فَكَأنَّ تَقْدِيرَهُ " فَمَنِ اضْطُرَّ فَأكَلَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ " ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ في المَيْتَةِ ﴿ولا عادٍ﴾ في الأكْلِ، فَيَكُونُ البَغْيُ والعُدْوانُ حالًا لِلْأكْلِ، وتَقْدِيرُهُ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ عَلى المُسْلِمِينَ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ عَلى المُسْلِمِينَ فَأكَلَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ البَغْيُ والعُدْوانُ حالًا لَهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ قَبْلَ أنْ يَأْكُلَ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً لِلْأكْلِ، وعِنْدَ الأوَّلِينَ يَكُونُ صِفَةً لِلْأكْلِ. والحَذْفُ في هَذا المَوْضِعِ كالحَذْفِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] والمَعْنى: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ فَحَذَفَ " فَأفْطَرَ " . وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومَعْناهُ: " فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ " وإنَّما جازَ الحَذْفُ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِالمَحْذُوفِ (p-١٥٩)ودَلالَةِ الخِطابِ عَلَيْهِ. وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ حَمْلُهُ عَلى البَغْيِ والعُدْوانِ في الأكْلِ أوْلى مِنهُ عَلى المُسْلِمِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْمُسْلِمِينَ في الآيَةِ ذِكْرٌ لا مَحْذُوفًا ولا مَذْكُورًا كَحَذْفِ الأكْلِ، فَحَمْلُهُ عَلى ما في مُقْتَضى الآيَةِ بِأنْ يَكُونَ حالًا لَهُ فِيهِ وصِفَةً أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى مَعْنًى لَمْ يَتَضَمَّنْهُ اللَّفْظُ لا مَحْذُوفًا ولا مَذْكُورًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَلا ضَمِيرَ فِيهِ ولا حَذْفَ؛ لِأنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَغْنٍ بِنَفْسِهِ؛ إذْ هو اسْتِثْناءٌ مِن جُمْلَةٍ مَفْهُومَةِ المَعْنى وهو التَّحْرِيمُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَإنَّهُ مُباحٌ لَكم وهَذا اللَّفْظُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ. ومَعْنى الضَّرُورَةِ هاهُنا هو خَوْفُ الضَّرَرِ عَلى نَفْسِهِ أوْ بَعْضِ أعْضائِهِ بِتَرْكِهِ الأكْلَ. وقَدِ انْطَوى تَحْتَهُ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: أنْ يَحْصُلَ في مَوْضِعٍ لا يَجِدُ غَيْرَ المَيْتَةِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ غَيْرُها مَوْجُودًا ولَكِنَّهُ أُكْرِهَ عَلى أكْلِها بِوَعِيدٍ يَخافُ مِنهُ تَلَفَ نَفْسِهِ أوْ تَلَفَ بَعْضِ أعْضائِهِ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادٌ بِالآيَةِ عِنْدَنا لِاحْتِمالِهِما، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ تَأوَّلَها عَلى ضَرُورَةِ الإكْراهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ المَعْنى في ضَرُورَةِ المَيْتَةِ ما يَخافُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الضَّرَرِ في تَرْكِ تَناوُلِهِ وذَلِكَ مَوْجُودٌ في ضَرُورَةِ الإكْراهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن أُكْرِهَ عَلى أكْلِ المَيْتَةِ فَلَمْ يَأْكُلْها حَتّى قُتِلَ كانَ عاصِيًا لِلَّهِ، كَمَنِ اضْطُرَّ إلى مَيْتَةٍ بِأنْ عَدِمَ غَيْرَها مِنَ المَأْكُولاتِ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتّى ماتَ كانَ عاصِيًا، كَمَن تَرَكَ الطَّعامَ والشَّرابَ وهو واجِدُهُما حَتّى ماتَ فَيَمُوتُ عاصِيًا لِلَّهِ بِتَرْكِهِ الأكْلَ؛ لِأنَّ أكْلَ المَيْتَةِ مُباحٌ في حالِ الضَّرُورَةِ كَسائِرِ الأطْعِمَةِ في غَيْرِ حالِ الضَّرُورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:177

بابٌ هَلْ في المالِ حَقٌّ واجِبٌ سِوى الزَّكاةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ الآيَةَ. قِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ﴾ إنَّهُ يُرِيدُ بِهِ اليَهُودَ والنَّصارى حِينَ أنْكَرَتْ نَسْخَ القِبْلَةِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ البِرَّ إنَّما هو في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى واتِّباعِ أمْرِهِ لا في التَّوَجُّهِ إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ اتِّباعُ أمْرِهِ. وإنَّ طاعَةَ اللَّهِ الآنَ في التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، إذً كانَ التَّوَجُّهُ إلى غَيْرِها مَنسُوخًا. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ قِيلَ: إنَّ فِيهِ حَذْفًا، ومَعْناهُ: " إنَّ البِرَّ بِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ " وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِهِ أنَّ البارَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ، كَقَوْلِ الخَنْساءِ: ؎تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حَتّى إذا أدْرَكَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ يَعْنِي مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ البارَّ مَن آتى المالَ عَلى حُبِّهِ. قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ يَعْنِي حُبَّ المالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقِيلَ: إنَّهُ يَعْنِي حُبَّ الإيتاءِ، وأنْ لا يَكُونَ مُتَسَخِّطًا عِنْدَ الإعْطاءِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أرادَ عَلى حُبِّ (p-١٦٢)اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ جَمِيعَ هَذِهِ الوُجُوهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ حُبَّ المالَ، وهو ما رَواهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عَنْ عُمارَةَ بْنِ القَعْقاعِ عَنْ أبِي زُرْعَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ: أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمَلُ الغِنى، ولا تُمْهِلُ حَتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذا ولِفُلانٍ كَذا وقَدْ كانَ لِفُلانٍ» . وحَدَّثَنا أبُو القاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إسْحاقَ المَرْوَزِيِّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا الثَّوْرِيُّ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ قالَ: " أنْ تُؤْتِيَهُ وأنْتَ صَحِيحٌ تَأْمَلُ العَيْشَ وتَخْشى الفَقْرَ " . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ يَحْتَمِلُ بِهِ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَّدَقَةَ الواجِبَةَ وأنْ يُرِيدَ بِهِ التَّطَوُّعَ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها الواجِبَةُ، وإنَّما فِيها حَثٌّ عَلى الصَّدَقَةِ، ووَعْدٌ بِالثَّوابِ عَلَيْها؛ وذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيها أنَّها مِنَ البِرِّ، وهَذا لَفْظٌ يَنْطَوِي عَلى الفَرْضِ والنَّفَلِ، إلّا أنَّ في سِياقِ الآيَةِ، ونَسَقِ التِّلاوَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الزَّكاةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ فَلَمّا عَطَفَ الزَّكاةَ عَلَيْها دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الزَّكاةَ بِالصَّدَقَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَها. ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: أرادَ بِهِ حُقُوقًا واجِبَةً في المالِ سِوى الزَّكاةِ نَحْوُ وُجُوبِ صِلَةِ الرَّحِمِ إذا وجَدَهُ ذا ضُرٍّ شَدِيدٍ. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ مَن قَدْ أجْهَدَهُ الجُوعُ حَتّى يُخافَ عَلَيْهِ التَّلَفُ فَيَلْزَمَهُ أنْ يُعْطِيَهُ ما يَسُدُّ جَوْعَتَهُ. وقَدْ رَوى شَرِيكٌ عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنْ عامِرٍ، عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فِي المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ»، وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الآيَةَ. ورَوى سُفْيانُ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ ذَكَرَ الإبِلَ فَقالَ: إنَّ فِيها حَقًّا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: إطْراقُ فَحْلِها وإعارَةُ ذَلُولِها ومِنحَةُ سَمِينِها» . فَذَكَرَ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ أنَّ في المالِ حَقًّا سِوى الزَّكاةِ، وبَيَّنَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ أنَّهُ تَأْوِيلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةَ. وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: «فِي المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ» ما يَلْزَمُ مِن صِلَةِ الرَّحِمِ بِالإنْفاقِ عَلى ذَوِي المَحارِمِ الفُقَراءِ، ويَحْكُمُ بِهِ الحاكِمُ عَلَيْهِ لِوالِدَيْهِ وذَوِي مَحارِمِهِ إذا كانُوا فُقَراءَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ. وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ ما يَلْزَمُهُ مِن طَعامِ الجائِعِ المُضْطَرِّ. وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ حَقًّا مَندُوبًا إلَيْهِ لا واجِبًا؛ إذْ لَيْسَ قَوْلُهُ: " في المالِ حَقٌّ " يَقْتَضِي (p-١٦٣)الوُجُوبَ، إذْ مِنَ الحُقُوقِ ما هو نَدْبٌ، ومِنها ما هو فَرْضٌ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَمّادِ بْنِ سُفْيانَ قالَ: حَدَّثَنا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ: حَدَّثَنا بَقِيَّةُ عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ يُكَنّى أبا عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الضَّبِّيِّ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَسَخَتِ الزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ التُّسْتَرِيِّ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا المُسَيِّبُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ عُبَيْدٍ المُكْتِبِ، عَنْ عامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: " نَسَخَتِ الزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ " . فَإنْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَسائِرُ الصَّدَقاتِ الواجِبَةِ مَنسُوخَةٌ بِالزَّكاةِ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ لِجَهالَةِ راوِيهِ فَإنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَنُ السَّنَدِ، وهو يُوجِبُ أيْضًا إثْباتَ نَسْخِ الصَّدَقاتِ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً بِالزَّكاةِ، وذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا مِن طَرِيقِ التَّوْقِيفِ، فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أنَّ ما قالَهُ عَلِيٌّ هو بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهُ عَلَيْهِ. وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَنسُوخُ مِنَ الصَّدَقاتِ صَدَقاتٍ قَدْ كانَتْ واجِبَةً ابْتِداءً بِأسْبابٍ مِن قِبَلِ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْتَضِي لُزُومَ إخْراجِها ثُمَّ نُسِخَتْ بِالزَّكاةِ نَحْوُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ [النساء: ٨] ونَحْوُ ما رُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] أنَّهُ مَنسُوخٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِالعُشْرِ ونِصْفِ العُشْرِ، فَيَكُونُ المَنسُوخُ بِالزَّكاةِ مِثْلَ هَذِهِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ في المالِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةِ. وأمّا ما ذَكَرْنا مِنَ الحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُ مِن نَحْوِ الإنْفاقِ عَلى ذَوِي الأرْحامِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ التَّكَسُّبِ، وما يَلْزَمُ مِن إطْعامِ المُضْطَرِّ، فَإنَّ هَذِهِ فُرُوضٌ لازِمَةٌ ثابِتَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ بِالزَّكاةِ. وصَدَقَةُ الفِطْرِ واجِبَةٌ عِنْدَ سائِرِ الفُقَهاءِ، ولَمْ تُنْسَخْ بِالزَّكاةِ مَعَ أنَّ وُجُوبَها ابْتِداءً مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِسَبَبٍ مِن قِبَلِ العَبْدِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ لَمْ تَنْسَخْ صَدَقَةَ الفِطْرِ. وقَدْ رَوى الواقِدِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الزَّكاةُ، فَلَمّا فُرِضَتِ الزَّكاةُ لَمْ يَأْمُرْهم، ولَمْ يَنْهَهم، وكانُوا يُخْرِجُونَها» . فَهَذا الخَبَرُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَدُلَّ عَلى نَسْخِها؛ لِأنَّ وُجُوبَ الزَّكاةِ لا يَنْفِي بَقاءَ وُجُوبِ صَدَقَةِ الفِطْرِ، وعَلى أنَّ الأوْلى أنَّ فَرْضَ الزَّكاةِ مُتَقَدِّمٌ عَلى صَدَقَةِ الفِطْرِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ في أنَّ " حم السَّجْدَةَ " مَكِّيَّةٌ، وأنَّها مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وفِيها وعِيدُ تارِكِ الزَّكاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] والأمْرُ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ فَرْضَ الزَّكاةِ مُتَقَدِّمٌ لِصَدَقَةِ الفِطْرِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (p-١٦٤)ومُجاهِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّهُ حَقُّ واجِبٌ عِنْدَ القَوْمِ غَيْرَ الزَّكاةِ. وأمّا الحُقُوقُ الَّتِي تَجِبُ بِأسْبابٍ مِن قِبَلِ العَبْدِ نَحْوُ الكَفّاراتِ والنُّذُورِ، فَلا خِلافَ أنَّ الزَّكاةَ لَمْ تَنْسَخْها. واليَتامى المُرادُونَ بِالآيَةِ هُمُ الصِّغارُ الفُقَراءُ الَّذِينَ ماتَ آباؤُهم. والمَساكِينُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ في سُورَةِ بَراءَةٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وابْنُ السَّبِيلِ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ المُسافِرُ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ الضَّيْفُ. والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ ابْنَ السَّبِيلِ لِأنَّهُ عَلى الطَّرِيقِ، كَما قِيلَ لِلطَّيْرِ الإوَزِّ: ابْنُ ماءٍ لِمُلازَمَتِهِ لَهُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎ورَدْتُ اعْتِسافا والثُّرَيّا كَأنَّها ∗∗∗ عَلى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ ماءٍ مُحَلِّقُ والسّائِلِينَ يَعْنِي بِهِ الطّالِبِينَ لِلصَّدَقَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ قالَ: حَدَّثَنا مُصْعَبُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا يَعْلى بْنُ أبِي يَحْيى عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِلسّائِلِ حَقٌّ، وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ» . حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ: حَدَّثَنا أبُو الجُماهِرِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أعْطُوا السّائِلَ وإنْ أتى عَلى فَرَسٍ» واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

البقرة 2:178

بابُ القِصاصِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ هَذا كَلامٌ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى ما بَعْدَهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَوِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ لَكانَ مَعْناهُ مَفْهُومًا مِن لَفْظِهِ، واقْتَضى ظاهِرُهُ وُجُوبَ القِصاصِ عَلى المُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ القَتْلى ؟ والقِصاصُ هو أنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلُ ما فَعَلَ بِهِ، مِن قَوْلِكَ: " اقْتَصَّ أثَرَ فُلانٍ " إذا فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٣] مَعْناهُ: فُرِضَ عَلَيْكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] و﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَدْ كانَتِ الوَصِيَّةُ واجِبَةً. ومِنهُ: الصَّلَواتُ المَكْتُوباتُ، يَعْنِي بِها المَفْرُوضاتِ، فانْتَظَمَتِ الآيَةُ إيجابَ القِصاصِ عَلى المُؤْمِنِينَ إذا قَتَلُوا لِمَن قُتِلُوا مِن سائِرِ المَقْتُولِينَ لِعُمُومِ لَفْظِ المَقْتُولِينَ. والخُصُوصُ إنَّما هو في القاتِلِينَ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ (p-١٦٥)القِصاصُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِمْ إلّا وهم قاتِلُونَ، فاقْتَضى وُجُوبَ القِصاصِ عَلى كُلِّ قاتِلٍ عَمْدًا بِحَدِيدَةٍ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، سَواءٌ كانَ المَقْتُولُ عَبْدًا أوْ ذِمِّيًّا، ذَكَرًا أوْ أُنْثى؛ لِشُمُولِ لَفْظِ القَتْلى لِلْجَمِيعِ. ولَيْسَ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلى المُؤْمِنِينَ بِإيجابِ القِصاصِ عَلَيْهِمْ في القَتْلى بِمُوجِبٍ أنْ يَكُونَ القَتْلى مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ عَلَيْنا اتِّباعَ عُمُومِ اللَّفْظِ ما لَمْ تَقُمْ دَلالَةُ الخُصُوصِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُوجِبُ خُصُوصَ الحُكْمِ في بَعْضِ القَتْلى دُونَ بَعْضٍ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: يَدُلُّ عَلى خُصُوصِ الحُكْمِ في القَتْلى وجْهانِ: أحَدُهُما: في نَسَقِ الآيَةِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ والكافِرُ لا يَكُونُ أخًا لِلْمُسْلِمِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الآيَةَ خاصَّةٌ في قَتْلى المُؤْمِنِينَ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا كانَ أوَّلُ الخِطابِ قَدْ شَمِلَ الجَمِيعَ فَما عُطِفَ عَلَيْهِ بِلَفْظِ الخُصُوصِ لا يُوجِبُ تَخْصِيصَ عُمُومِ اللَّفْظِ، وذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهو عُمُومٌ في المُطَلَّقَةِ ثَلاثًا وما دُونَها، ثُمَّ عُطِفَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهَذا حُكْمٌ خاصٌّ في المُطَلِّقِ لِما دُونَ الثَّلاثِ، ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَخْصِيصَ عُمُومِ اللَّفْظِ في إيجابِ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ مِنَ العِدَّةِ عَلى جَمِيعِهِنَّ، ونَظائِرُ هَذا كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يُرِيدَ الإخْوَةَ مِن طَرِيقِ النَّسَبِ لا مِن جِهَةِ الدِّينِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [هود: ٥٠] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ فَلا يُوجِبُ تَخْصِيصَ عُمُومِ اللَّفْظِ في القَتْلى؛ لِأنَّهُ إذا كانَ أوَّلُ الخِطابِ مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إلى ما بَعْدَهُ لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَقْصُرَهُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ إنَّما هو بَيانٌ لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ وذِكْرِ الحالِ الَّتِي خَرَجَ عَلَيْها الكَلامُ، وهو ما ذَكَرَهُ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: أنَّهُ كانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ العَرَبِ قِتالٌ. وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ، فَقالُوا: لا نَرْضى إلّا أنْ نَقْتُلَ بِالعَبْدِ مِنّا الحُرَّ مِنكم، وبِالأُنْثى مِنّا الذَّكَرَ مِنكم فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ مُبْطِلًا بِذَلِكَ ما أرادُوهُ، ومُؤَكِّدًا عَلَيْهِمْ فَرْضَ القِصاصِ عَلى القاتِلِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ غَيْرَ القاتِلِ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وهو مَعْنى ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مِن أعْتى النّاسِ عَلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، ورَجُلٌ قَتَلَ في الحَرَمِ، ورَجُلٌ أخَذَ بِذُحُولِ الجاهِلِيَّةِ» . وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ تَفْسِيرٌ لِبَعْضِ ما انْتَظَمَهُ عُمُومُ اللَّفْظِ، ولا يُوجِبُ ذَلِكَ تَخْصِيصَ (p-١٦٦)اللَّفْظِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «الحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ»، وذِكْرَهُ الأصْنافَ السِّتَّةَ لَمْ يُوجِبْ أنْ يَكُونَ حُكْمُ الرِّبا مَقْصُورًا عَلَيْها، ولا نَفْيَ الرِّبا عَمّا عَداها ؟ كَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ لا يَنْفِي اعْتِبارَ عُمُومِ اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ غَيْرُ مُوجِبٍ لِتَخْصِيصِ عُمُومِ القِصاصِ، ولَمْ يَنْفِ القِصاصَ عَنْ غَيْرِ المَذْكُورِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى قَتْلِ العَبْدِ بِالحُرِّ والأُنْثى بِالذَّكَرِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ تَخْصِيصَ الحُرِّ بِالحُرِّ لَمْ يَنْفِ مُوجِبَ حُكْمِ اللَّفْظِ في جَمِيعِ القَتْلى. فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَكُونُ القِصاصُ مَفْرُوضًا، والوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ العَفْوِ وبَيْنَ القِصاصِ ؟ قِيلَ لَهُ: لَمْ يَجْعَلْهُ مَفْرُوضًا عَلى الوَلِيِّ، وإنَّما جَعَلَهُ مَفْرُوضًا عَلى القاتِلِ لِلْوَلِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ ولَيْسَ القِصاصُ عَلى الوَلِيِّ، وإنَّما هو حَقٌّ لَهُ، وهَذا لا يَنْفِي وُجُوبَهُ عَلى القاتِلِ، وإنْ كانَ الَّذِي لَهُ القِصاصُ مُخَيَّرًا فِيهِ. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ، والمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، والرَّجُلِ بِالمَرْأةِ لِما بَيَّنّا مِنِ اقْتِضاءِ أوَّلِ الخِطابِ إيجابَ عُمُومِ القِصاصِ في سائِرِ القَتْلى، وأنَّ تَخْصِيصَهُ الحُرَّ بِالحُرِّ ومَن ذَكَرَ مَعَهُ لا يُوجِبُ الِاقْتِصارِ بِحُكْمِ القِصاصِ عَلَيْهِ دُونَ اعْتِبارِ عُمُومِ ابْتِداءِ الخِطابِ في إيجابِ القِصاصِ. ونَظِيرُها مِنَ الآيِ في إيجابِ القِصاصِ عامًّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] فانْتَظَمَ ذَلِكَ جَمِيعَ المَقْتُولِينَ ظُلْمًا وجَعَلَ لِأوْلِيائِهِمْ سُلْطانًا، وهو القَوَدُ؛ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ القَوَدَ مُرادٌ بِذَلِكَ في الحُرِّ المُسْلِمِ إذا قَتَلَ حُرًّا مُسْلِمًا، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ قَوَدًا؛ لِأنَّ ما حَصَلَ الِاتِّفاقُ عَلَيْهِ مِن مَعْنى الآيَةِ مُرادٌ فَكَأنَّهُ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ فِيها، فَلَفْظُ السُّلْطانِ، وإنْ كانَ مُجْمَلًا فَقَدْ عُرِفَ مَعْنى مُرادِهِ مِن طَرِيقِ الِاتِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] هو عُمُومٌ يَصِحُّ اعْتِبارُهُ عَلى حَسَبِ ظاهِرِهِ، ومُقْتَضى لَفْظِهِ. ونَظِيرُها أيْضًا مِنَ الآيِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فَأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ مَكْتُوبًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. وهو عُمُومٌ في إيجابِ القِصاصِ في سائِرِ المَقْتُولِينَ. وقَدِ احْتَجَّ أبُو يُوسُفَ بِذَلِكَ في قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ شَرِيعَةَ مَن كانَ قَبْلَنا مِنَ الأنْبِياءِ ثابِتَةٌ عَلَيْنا ما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُها عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ ولا نَجِدُ في القُرْآنِ ولا في السُّنَّةِ ما يُوجِبُ نَسْخَ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ ثابِتًا عَلَيْنا عَلى حَسَبِ ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ لَفْظِهِ مِن إيجابِ القِصاصِ في سائِرِ الأنْفُسِ. ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]؛ (p-١٦٧)لِأنَّ مَن قُتِلَ ولِيُّهُ يَكُونُ مُعْتَدًى عَلَيْهِ، وذَلِكَ عُمُومٌ في سائِرِ القَتْلى. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] يَقْتَضِي عُمُومُهُ وُجُوبَ القِصاصِ في الحُرِّ والعَبْدِ والذَّكَرِ والأُنْثى والمُسْلِمِ والذِّمِّيِّ. * * بابُ قَتْلِ المَوْلى لِعَبْدِهِ وقَدِ اخْتُلِفَ في قَتْلِ المَوْلى لِعَبْدِهِ، فَقالَ قائِلُونَ، وهم شَواذٌّ: يُقْتَلُ بِهِ. وقالَ عامَّةُ الفُقَهاءِ: لا يُقْتَلُ بِهِ. فَمَن قَتَلَهُ احْتَجَّ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ عَلى نَحْوِ ما احْتَجَجْنا بِهِ في قَتْلِ الحُرِّ بِالحُرِّ، وقَوْلِهِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقَوْلِهِ ﷺ: «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْناهُ، ومَن جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْناهُ» . أمّا ظاهِرُ الآيِ فَلا حُجَّةَ لَهم فِيها؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ القِصاصَ فِيها لِلْمَوْلى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ووَلِيُّ العَبْدِ هو مَوْلاهُ في حَياتِهِ، وبَعْدَ وفاتِهِ؛ لِأنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ شَيْئًا، وما يَمْلِكُهُ فَهو لِمَوْلاهُ لا مِن جِهَةِ المِيراثِ لَكِنْ مِن جِهَةِ المِلْكِ، فَإذا كانَ هو الوَلِيَّ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ القِصاصُ عَلى نَفْسِهِ، ولَيْسَ هو بِمَنزِلَةِ مَن قَتَلَ وارِثَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ القِصاصُ، ولا يَرِثُهُ؛ لِأنَّ ما يَحْصُلُ لِلْوارِثِ إنَّما يَنْتَقِلُ عَنْ مِلْكِ المُوَرِّثِ إلَيْهِ، والقاتِلُ لا يَرِثُ فَوَجَبَ عَلَيْهِ القِصاصُ لِغَيْرِهِ، والعَبْدُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا فَيَنْتَقِلُ إلى مَوْلاهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قُتِلَ ابْنُ العَبْدِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ القِصاصُ عَلى قاتِلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُ ؟ فَكَذَلِكَ لا يَثْبُتُ لَهُ القِصاصُ عَلى غَيْرِهِ. ومَتى وجَبَ لَهُ القَوَدُ عَلى قاتِلِهِ فَإنَّما يَسْتَحِقُّهُ مَوْلاهُ دُونَهُ، فَلَمْ يَجُزْ مِن أجْلِ ذَلِكَ إيجابُ القِصاصِ عَلى مَوْلاهُ بِقَتْلِهِ إيّاهُ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] فَنَفى بِذَلِكَ مِلْكَ العَبْدِ نَفْيًا عامًّا عَنْ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَمْ يَجْزِ أنْ يَثْبُتَ لَهُ بِذَلِكَ عَلى أحَدٍ شَيْءٌ. وإذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَثْبُتَ لَهُ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ، والمَوْلى (p-١٧٠)إذا اسْتَحَقَّ ما يَجِبُ لَهُ فَلا يَجِبُ لَهُ القَوَدُ عَلى نَفْسِهِ، ولَيْسَ العَبْدُ في هَذا كالحُرِّ؛ لِأنَّ الحُرَّ يَثْبُتُ لَهُ القِصاصُ ثُمَّ مِن جِهَتِهِ يَنْتَقِلُ إلى وارِثِهِ، ولِذَلِكَ يَسْتَحِقُّونَهُ بَيْنَهم عَلى قَدْرِ مَوارِيثِهِمْ، فَمَن حُرِمَ مِيراثَهُ بِالقَتْلِ لَمْ يَرِثْهُ القَوَدَ فَكانَ القَوَدُ لِمَن يَرِثُهُ. فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ دَمُ العَبْدِ في هَذا الوَجْهِ كَمالِهِ؛ لِأنَّ المَوْلى لا يَمْلِكُ قَتْلَهُ، ولا الإقْرارَ عَلَيْهِ بِالقِتَلِ فَهو بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: إنْ كانَ المَوْلى لا يَمْلِكُ قَتْلَهُ، ولا الإقْرارَ عَلَيْهِ بِهِ ولَكِنَّهُ ولِيٌّ، وهو المُسْتَحِقُّ لِلْقِصاصِ عَلى قاتِلِهِ إذا كانَ أجْنَبِيًّا، مِن حَيْثُ كانَ مالِكًا لِرَقَبَتِهِ لا مِن جِهَةِ المِيراثِ، ألا تَرى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْقَوَدِ عَلى قاتِلِهِ دُونَ أقْرِبائِهِ ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَمْلِكُ القَوَدَ بِهِ كَما يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ. فَإذا كانَ هو القاتِلَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَسْتَحِقَّ القَوَدَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، فاسْتَحالَ مِن أجْلِ ذَلِكَ وُجُوبُ القَوَدِ لَهُ عَلى نَفْسِهِ. وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمَوْلى إذا كانَ هو المُعْتَدِي بِقَتْلِ عَبْدِهِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ مُعْتَدِيًا عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ عَبْدِهِ وإتْلافِ مِلْكِهِ فَغَيْرُ جائِزٍ خِطابِهِ بِاسْتِيفاءِ القَوَدِ مِن نَفْسِهِ وغَيْرُ جائِزْ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مُخاطَبًا بِاسْتِيفاءِ القَوَدِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُعْتَدٍ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى إنَّما أوْجَبَ الحَقَّ لِمَنِ اعْتُدِيَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: يُقِيدُ الإمامُ مِنهُ كَما يُقِيدُ مِمَّنْ قَتَلَ رَجُلًا لا وارِثَ لَهُ. قِيلَ لَهُ: إنَّما يَقُومُ الإمامُ بِما ثَبَتَ مِنَ القَوَدِ لِكافَّةِ المُسْلِمِينَ إذا كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِمِيراثِهِ، والعَبْدُ لا يُورَثُ فَيَثْبُتُ الحَقُّ في الِاقْتِصاصِ مِن قاتِلِهِ لِكافَّةِ المُسْلِمِينَ، ولا جائِزٌ أنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ لِلْإمامِ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قُتِلَ العَبْدُ خَطَأً كانَ المَوْلى هو المُسْتَحِقَّ لِقِيمَتِهِ عَلى قاتِلِهِ دُونَ سائِرِ المُسْلِمِينَ، ودُونَ الإمامِ، وأنَّ الحُرَّ الَّذِي لا وارِثَ لَهُ لَوْ قُتِلَ خَطَأً كانَتْ دِيَتُهُ لِبَيْتِ المالِ ؟ فَكَذَلِكَ القَوَدُ لَوْ ثَبَتَ عَلى المَوْلى لَما اسْتَحَقَّهُ الإمامُ، ولَكانَ المَوْلى هو الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، ويَسْتَحِيلُ ثُبُوتُ ذَلِكَ لَهُ عَلى نَفْسِهِ فَبَطَلَ. وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ فِيهِ فَهو مُعارَضٌ بِضِدِّهِ، وهو ما حَدَّثَنا ابْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا المَقْبُرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا خالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ صَفْوانَ النَّوْفَلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الأوْزاعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ مُتَعَمِّدًا فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ونَفاهُ سَنَةً، ومَحا سَهْمَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يُقِدْهُ بِهِ» فَنَفى هَذا الخَبَرُ ظاهِرَ ما أثْبَتَهُ خَبَرُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، مَعَ مُوافَقَتِهِ لِما ذَكَرْنا مِن ظاهِرِ الآيِ ومَعانِيها مِن إيجابِ اللَّهِ تَعالى القَوَدَ لِلْمَوْلى، ومِن نَفْيِهِ لِمِلْكِ العَبْدِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] ولَوِ انْفَرَدَ خَبَرُ سَمُرَةَ عَنْ مُعارَضَةِ الخَبَرِ الَّذِي قَدَّمْناهُ لَما جازَ القَطْعُ بِهِ لِاحْتِمالِهِ لِغَيْرِ ظاهِرِهِ، وهو (p-١٧١)أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ رَجُلٌ أعْتَقَ عَبْدَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ أوْ جَدَعَهُ أوْ لَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ هَدَّدَهُ بِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «مَن قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْناهُ» يَعْنِي عَبْدَهُ المُعْتَقَ الَّذِي كانَ عَبْدَهُ. وهَذا الإطْلاقُ شائِعٌ في اللُّغَةِ والعادَةِ فَقَدْ «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِبِلالٍ حِينَ أذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ: ألا إنَّ العَبْدَ نامَ»، وقَدْ كانَ حُرًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: " اُدْعُوا لِي هَذا العَبْدَ الأبْظَرَ " يَعْنِي شُرَيْحًا حِينَ قَضى في ابْنَيْ عَمٍّ أحَدُهُما أخٌ لِأُمٍّ بِأنَّ المِيراثَ لِلْأخِ مِنَ الأُمِّ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ جَرى عَلَيْهِ رِقٌّ في الجاهِلِيَّةِ فَسَمّاهُ بِذَلِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] والمُرادُ الَّذِينَ كانُوا يَتامى. وقالَ ﷺ: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ في نَفْسِها» يَعْنِي الَّتِي كانَتْ يَتِيمَةً. ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُرادُ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «مَن قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْناهُ» ما وصَفْناهُ فِيمَن كانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ، وزالَ بِهَذا تَوَهُّمُ مُتَوَهِّمٍ لَوْ ظَنَّ أنَّ مَوْلى النِّعْمَةِ لا يُقادُ بِمَوْلاهُ الأسْفَلِ كَما لا يُقادُ والِدٌ بِوَلَدِهِ. وقَدْ كانَ جائِزًا أنْ يَسْبِقَ إلى ظَنِّ بَعْضِ النّاسِ أنْ لا يُقادَ بِهِ ﷺ قَدْ جَعَلَ حَقَّ مَوْلى النِّعْمَةِ كَحَقِّ الوالِدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «لَنْ يَجْزِيَ ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» فَجَعَلَ عِتْقَهُ لِأبِيهِ كِفاءً لِحَقِّهِ ومُساوِيًا لِيَدِهِ عِنْدَهُ ونِعْمَتِهِ لَدَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ القِصاصِ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ وقالَ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] فَظاهِرُ ما ذُكِرَ مِن ظَواهِرِ الآيِ المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ في الأنْفُسِ بَيْنَ العَبِيدِ والأحْرارِ مُوجِبٌ لِلْقِصاصِ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ فِيها. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ، وابْنُ شُبْرُمَةَ: " لا قِصاصَ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ إلّا في الأنْفُسِ " ورُوِيَ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ رِوايَةٌ أُخْرى: أنَّ بَيْنَهم قِصاصًا فِيما دُونَ النَّفْسِ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ واللَّيْثُ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " القِصاصُ واقِعٌ فِيما بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ في الأنْفُسِ وما دُونَها " إلّا أنَّ اللَّيْثَ قالَ: " إذا جَنى الرَّجُلُ عَلى امْرَأتِهِ عَقَلَها ولَمْ يُقْتَصَّ مِنهُ " . وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: " إذا قَتَلَتِ امْرَأةٌ رَجُلًا قُتِلَتْ بِهِ، وأُخِذَ مِن مالِها نِصْفُ الدِّيَةِ، وكَذَلِكَ إنْ أصابَتْهُ بِجِراحَةٍ " قالَ: " وإنْ كانَ هو الَّذِي قَتَلَها أوْ جَرَحَها فَعَلَيْهِ القَوَدُ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ " . وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ اخْتِلافٌ في ذَلِكَ، فَرَوى قَتادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: " أنَّ عُمَرَ قَتَلَ نَفَرًا مِن أهْلِ صَنْعاءَ بِامْرَأةٍ أقادَهم بِها " . ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ والشَّعْبِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أنَّهُ يُقْتَلُ بِها. واخْتُلِفَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها، فَرَوى لَيْثٌ عَنِ الحَكَمِ عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ (p-١٧٢)قالا: " إذا قَتَلَ الرَّجُلُ المَرْأةَ مُتَعَمِّدًا فَهو بِها قَوَدٌ " . ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّ عَلِيًّا قالَ: " إنْ شاءُوا قَتَلُوهُ، وأدَّوْا نِصْفَ الدِّيَةِ، وإنْ شاءُوا أخَذُوا نِصْفَ دِيَةِ الرَّجُلِ " . ورَوى أشْعَثُ عَنِ الحَسَنِ في امْرَأةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا عَمْدًا قالَ: " تُقْتَلُ، وتَرُدُّ نِصْفَ الدِّيَةِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ في ذَلِكَ مُرْسَلٌ؛ لِأنَّ أحَدًا مِن رُواتِهِ لَمْ يَسْمَعْ مِن عَلِيٍّ شَيْئًا، ولَوْ ثَبَتَتِ الرِّوايَتانِ كانَ سَبِيلُهُما أنْ تَتَعارَضا، وتَسْقُطا فَكَأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ في ذَلِكَ شَيْءٌ. وعَلى أنَّ رِوايَةً الحَكَمِ في إيجابِ القَوَدِ دُونَ المالِ أوْلى لِمُوافَقَتِها لِظاهِرِ الكِتابِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ وسائِرُ الآيِ المُوجِبَةِ لِلْقَوَدِ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها ذِكْرُ الدِّيَةِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَزِيدَ في النَّصِّ إلّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ في النَّصِّ تُوجِبُ النَّسْخَ. حَدَّثَنا ابْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيِّ قالَ: حَدَّثَنا حُمَيْدٌ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَها فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الأرْشَ فَأبَوْا، فَأتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَهم بِالقِصاصِ فَجاءَ أخُوها أنَسُ بْنُ النَّضْرِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ تُكْسَرُ سِنُّ الرُّبَيِّعِ ؟ لا، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ فَقالَ: يا أنَسُ كِتابُ اللَّهِ القِصاصُ فَعَفا القَوْمُ، فَقالَ ﷺ: إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ مَن لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ لَأبَرَّهُ» فَأخْبَرَ ﷺ أنَّ الَّذِي في كِتابِ اللَّهِ القِصاصُ دُونَ المالِ فَلا جائِزٌ إثْباتُ المالِ مَعَ القِصاصِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ إذا لَمْ يَجِبِ القِصاصُ بِنَفْسِ القَتْلِ فَغَيْرُ جائِزٍ إيجابُهُ مَعَ إعْطاءِ المالِ؛ لِأنَّ المالَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ بَدَلًا مِنَ النَّفْسِ، وغَيْرُ جائِزٍ قَتْلُ النَّفْسِ بِالمالِ، ألا تَرى أنَّ مَن رَضِيَ أنْ يُقْتَلَ، ويُعْطى مالًا يَكُونُ لِوارِثِهِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يَسْتَحِقَّ النَّفْسَ بِالمالِ ؟ فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ القِصاصُ مَوْقُوفًا عَلى إعْطاءٍ المالِ. وأمّا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقَوْلُ عُثْمانَ البَتِّيِّ في أنَّ المَرْأةَ إذا كانَتِ القاتِلَةَ قُتِلَتْ، وأُخِذَ مِن مالِها نِصْفُ الدِّيَةِ، فَقَوْلٌ يَرُدُّهُ ظاهِرُ الآيِ المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، ويُوجِبُ زِيادَةَ حُكْمٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ فِيها. وقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ: «أنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جارِيَةً، وعَلَيْها أوْضاحٌ لَها، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَتَلَهُ بِها» . ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ» . وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قَتْلُ جَماعَةِ رِجالٍ بِالمَرْأةِ الواحِدَةِ مِن غَيْرِ خِلافٍ ظَهَرَ مِن أحَدٍ مِن نُظَرائِهِ مَعَ اسْتِفاضَةِ ذَلِكَ، وشُهْرَتِهِ عَنْهُ، ومِثْلُهُ يَكُونُ إجْماعًا. ومِمّا يَدُلُّ عَلى قَتْلِ الرَّجُلِ بِها مِن غَيْرِ بَدَلِ مالٍ، ما قَدَّمْنا مِن سُقُوطِ اعْتِبارِ، (p-١٧٣)المُساواةِ بَيْنَ الصَّحِيحَةِ، والسَّقِيمَةِ، وقَتْلِ العاقِلِ بِالمَجْنُونِ، والرَّجُلِ بِالصَّبِيِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ اعْتِبارِ المُساواةِ في النُّفُوسِ، وأمّا دُونَ النَّفْسِ فَإنَّ اعْتِبارَ المُساواةِ، واجِبٌ فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى امْتِناعِ أخْذِ اليَدِ الصَّحِيحَةِ بِالشَّلّاءِ. وكَذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ أصْحابُنا القِصاصَ بَيْنَ الرِّجالِ، والنِّساءِ فِيما دُونَ النَّفْسِ، وكَذَلِكَ بَيْنَ العَبِيدِ، والأحْرارِ؛ لِأنَّ ما دُونَ النَّفْسِ مِن أعْضائِها غَيْرُ مُتَساوِيَةٍ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَلّا قُطِعَتْ يَدُ العَبْدِ، ويَدُ المَرْأةِ بِيَدِ الرَّجُلِ كَما قُطِعَتِ اليَدُ الشَّلّاءُ بِالصَّحِيحَةِ قِيلَ لَهُ: إنَّما سَقَطَ القِصاصُ في هَذا المَوْضِعِ لِاخْتِلافِ أحْكامِها لا مِن جِهَةِ النَّقْصِ، فَصارَ كاليُسْرى لا تُؤْخَذُ بِاليُمْنى، وأوْجَبَ أصْحابُنا القِصاصَ بَيْنَ النِّساءِ فِيما دُونَ النَّفْسِ لِتَساوِي أعْضائِهِما مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ في أحْكامِهِما، ولَمْ يُوجِبُوا القِصاصَ فِيما بَيْنَ العَبِيدِ فِيما دُونَ النَّفْسِ؛ لِأنَّ تَساوِيَهُما إنَّما يُعْلَمُ مِن طَرِيقِ التَّقْوِيمِ، وغالِبِ الظَّنِّ. كَما لا تُقْطَعُ اليَدُ مِن نِصْفِ السّاعِدِ؛ لِأنَّ الوُصُولَ إلى عِلْمِهِ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ. وعِنْدَهم أنَّ أعْضاءَ العَبْدِ حُكْمُها حُكْمُ الأمْوالِ في جَمِيعِ الوُجُوهِ، فَلا يَلْزَمُ العاقِلَةَ مِنها شَيْءٌ، وإنَّما يَلْزَمُ الجانِي في مالِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ النَّفْسُ؛ لِأنَّها تَلْزَمُ العاقِلَةَ في الخَطَأِ، وتَجِبُ فِيها الكَفّارَةُ فَفارَقَ الجِناياتِ عَلى الأمْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ قَتْلِ المُؤْمِنِ بِالكافِرِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ وابْنُ أبِي لَيْلى وعُثْمانُ البَتِّيُّ " يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ " . وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " لا يُقْتَلُ " . وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " إنْ قَتَلَهُ غِيلَةً قُتِلَ بِهِ، وإلّا لَمْ يُقْتَلْ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: سائِرُ ما قَدَّمْنا مِن ظَواهِرِ الآيِ يُوجِبُ قَتْلَ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ عَلى ما بَيَّنّا؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ شَيْءٌ مِنها بَيْنَ المُسْلِمِ، والذِّمِّيِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ عامٌّ في الكُلِّ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ وقَوْلُهُ في سِياقِ الآيَةِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى خُصُوصِ أوَّلِ الآيَةِ في المُسْلِمِينَ دُونَ الكُفّارِ؛ لِاحْتِمالِ الأُخُوَّةِ مِن جِهَةِ النَّسَبِ، ولِأنَّ عَطْفَ بَعْضِ ما انْتَظَمَهُ لَفْظُ العُمُومِ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ مَخْصُوصٍ لا يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ حُكْمِ الجُمْلَةِ عَلى ما بَيَّنّاهُ فِيما سَلَفَ عِنْدَ ذِكْرِنا حُكْمَ الآيَةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] يَقْتَضِي عُمُومُهُ قَتْلَ المُؤْمِنِ بِالكافِرِ؛ لِأنَّ شَرِيعَةَ مَن قَبْلَنا مِنَ الأنْبِياءِ ثابِتَةٌ في حَقِّنا ما لَمْ يَنْسَخْها اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ وتَصِيرُ حِينَئِذٍ شَرِيعَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ (p-١٧٤)قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ويَدُلُّ عَلى أنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى آخِرِها هو شَرِيعَةٌ لِنَبِيِّنا ﷺ قَوْلُهُ ﷺ في إيجابِهِ القِصاصَ في السِّنِّ في حَدِيثِ أنَسٍ الَّذِي قَدَّمْنا حِينَ قالَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ: لا تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ: «كِتابُ اللَّهِ القِصاصُ»، ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ السِّنُّ بِالسِّنِّ إلّا في هَذِهِ الآيَةِ، فَأبانَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مُوجِبِ حُكْمِ الآيَةِ عَلَيْنا، ولَوْ لَمْ تَلْزَمْنا شَرِيعَةُ مَن قَبْلَنا مِنَ الأنْبِياءِ بِنَفْسِ وُرُودِها لَكانَ قَوْلُهُ كافِيًا في بَيانِ مُوجِبِ حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها قَدِ اقْتَضَتْ مِن حُكْمِها عَلَيْنا مِثْلَ ما كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَدْ دَلَّ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ هَذا عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: لُزُومُ حُكْمِ الآيَةِ لَنا، وثُبُوتُهُ عَلَيْنا، والثّانِي: إخْبارُهُ أنَّ ظاهِرَ الكِتابِ قَدْ ألْزَمَنا هَذا الحُكْمَ قَبْلَ إخْبارِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى ما حَكاهُ اللَّهُ في كِتابِهِ مِمّا شَرَّعَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ فَحُكْمُهُ ثابِتٌ ما لَمْ يُنْسَخْ، وإذا ثَبَتَ ما وصَفْنا، ولَيْسَ في الآيَةِ فَرْقٌ بَيْنَ المُسْلِمِ، والكافِرِ، وجَبَ إجْراءُ حُكْمِها عَلَيْهِما. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وقَدْ ثَبَتَ بِالِاتِّفاقِ أنَّ السُّلْطانَ المَذْكُورَ في هَذا المَوْضِعِ قَدِ انْتَظَمَ القَوَدَ، ولَيْسَ فِيها تَخْصِيصُ مُسْلِمٍ مِن كافِرٍ فَهو عَلَيْهِما. ومِن جِهَةِ السُّنَّةِ ما رُوِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «خَطَبَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقالَ: ألا، ومَن قَتَلَ قَتِيلًا فَوَلِيُّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقْتَصَّ أوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ» . ورَوى أبُو سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الكَعْبِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. وحَدِيثُ عُثْمانَ وابْنِ مَسْعُودٍ، وعائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَحَلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وكُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، وقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» . وحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «العَمْدُ قَوَدٌ» . وهَذِهِ الأخْبارُ يَقْتَضِي عُمُومُها قَتْلَ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ. ورَوى رَبِيعَةُ بْنُ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّلْمانِيِّ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أقادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ، وقالَ: أنا أحَقُّ مَن وفّى بِذِمَّتِهِ» . وقَدْ رَوى الطَّحاوِيُّ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ شُعَيْبٍ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي حُمَيْدٍ المَدَنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنِ النَّبِيِ٥ ﷺ مِثْلَهُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ قَتْلُ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، حَدَّثَنا ابْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الهَيْثَمِ، عَنْ عُثْمانَ الفَزارِيِّ قالَ: حَدَّثَنا مَسْعُودُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِراشٍ، عَنْ واسِطٍ، عَنْ الحَسَنِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أبِي الجَنُوبِ الأسَدِيِّ قالَ: جاءَ رَجْلٌ مِن أهْلِ الحِيرَةَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ قَتَلَ ابْنِي، ولِيَ بَيِّنَةٌ فَجاءَ الشُّهُودُ فَشَهِدُوا، وسَألَ عَنْهم (p-١٧٥)فَزُكُّوا، فَأمَرَ بِالمُسْلِمِ فَأُقْعِدَ، وأُعْطِيَ الحِيرِيُّ سَيْفًا وقالَ: " أخْرِجُوهُ مَعَهُ إلى الجَبّانَةِ فَلْيَقْتُلْهُ، وأمْكَنّاهُ مِنَ السَّيْفِ "، فَتَباطَأ الحِيرِيُّ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ أهْلِهِ: هَلْ لَكَ في الدِّيَةِ تَعِيشُ فِيها، وتَصْنَعُ عِنْدَنا يَدًا ؟ قالَ: نَعَمْ، وغَمَدَ السَّيْفَ، وأقْبَلَ إلى عَلِيٍّ فَقالَ: " لَعَلَّهم سَبُّوكَ وتَواعَدُوكَ ؟ " قالَ: لا، واللَّهِ، ولَكِنِّي اخْتَرْتُ الدِّيَةَ. فَقالَ عَلِيٌّ: " أنْتَ أعْلَمُ " قالَ: ثُمَّ أقْبَلَ عَلِيٌّ عَلى القَوْمِ فَقالَ: " أعْطَيْناهُمُ الَّذِي أعْطَيْناهم لِتَكُونَ دِماؤُنا كَدِمائِهِمْ، ودِياتُنا كَدِياتِهِمْ " . وحَدَّثَنا ابْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزّالِ بْنِ سَبْرَةَ: أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ العَبّادِيِّينَ، فَقَدِمَ أخُوهُ عَلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَكَتَبَ عُمَرُ أنْ يُقْتَلَ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا جُبَيْرُ اُقْتُلْ فَجَعَلَ يَقُولُ: حَتّى يَأْتِيَ الغَيْظُ. فَكَتَبَ عُمَرُ أنْ لا يُقْتَلَ، ويُودى. ورُوِيَ في غَيْرِ هَذا الحَدِيثِ أنَّ الكِتابَ، ورَدَ بَعْدَ أنْ قُتِلَ، وأنَّهُ إنَّما كَتَبَ أنْ يَسْألَ الصُّلْحَ عَلى الدِّيَةِ حِينَ كُتِبَ إلَيْهِ أنَّهُ مِن فُرْسانِ المُسْلِمِينَ. ورَوى أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ إدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالا: " إذا قَتَلَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا قُتِلَ بِهِ " . ورَوى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ مَيْمُونٍ عَنْ مِهْرانَ: أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أمَرَ أنْ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِيَهُودِيٍّ فَقُتِلَ. فَهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ أعْلامُ الصَّحابَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهم ذَلِكَ، وتابَعَهم عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَلَيْهِ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن نُظَرائِهِمْ خِلافَهُ. واحْتَجَّ مانِعُو قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ» رَواهُ قَيْسُ بْنُ عَبّادٍ، وحارِثَةُ بْنُ قُدامَةَ، وأبُو جُحَيْفَةَ. وقِيلَ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكم مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ سِوى القُرْآنِ ؟ فَقالَ: ما عَهْدِي إلّا كِتابٌ في قِرابِ سَيْفِي، وفِيهِ: «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم، وهم يَدٌ عَلى مَن سِواهم، ولا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ» . وحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ»، وقَدْ رَوى ابْنُ عُمَرَ أيْضًا ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الحَدّارُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبّاحِ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ الحَكَمِ: حَدَّثَنا القاسِمُ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ سِنانِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ» . ولِهَذا الخَبَرِ ضُرُوبٌ مِنَ التَّأْوِيلِ كُلُّها تُوافِقُ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنَ الآيِ والسُّنَنِ أحَدُها: أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَدْ كانَ رَجُلٌ مِن خُزاعَةَ قَتَلَ رَجُلًا مِن هُذَيْلٍ بِذَحْلِ الجاهِلِيَّةِ (p-١٧٦)فَقالَ ﷺ: «ألا إنَّ كُلَّ دَمٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَهو مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ» يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمَ بِالكافِرِ الَّذِي قَتَلَهُ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: «كُلُّ دَمٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَهو مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ»؛ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ في خِطابٍ واحِدٍ في حَدِيثٍ. وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ المَغازِي أنَّ عَهْدَ الذِّمَّةِ كانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وأنَّهُ إنَّما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ عُهُودٌ إلى مُدَدٍ لا عَلى أنَّهم داخِلُونَ في ذِمَّةِ الإسْلامِ وحُكْمِهِ. وكانَ قَوْلُهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ» مُنْصَرِفًا إلى الكُفّارِ المُعاهَدِينَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ ذِمِّيٌّ يَنْصَرِفُ الكَلامُ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ» كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] وقالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] وكانَ المُشْرِكُونَ حِينَئِذٍ ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما: أهْلُ الحَرْبِ، ومَن لا عَهْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ والآخَرُ: أهْلُ عَهْدٍ إلى مُدَّةٍ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ أهْلُ ذِمَّةٍ، فانْصَرَفَ الكَلامُ إلى الضَّرْبَيْنِ مِنَ المُشْرِكِينَ، ولَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَن لَمْ يَكُنْ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وفِي فَحْوى هَذا الخَبَرِ ومَضْمُونِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ في نَفْيِ القِصاصِ مَقْصُورٌ عَلى الحَرْبِيِّ المُعاهَدِ دُونَ الذِّمِّيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: «ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ»، ومَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ: «ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ» غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ في إيجابِ الفائِدَةِ لَوِ انْفَرَدَ عَمّا قَبْلَهُ، فَهو إذًا مُفْتَقِرٌ إلى ضَمِيرٍ، وضَمِيرُهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الكافِرَ الَّذِي لا يُقْتَلُ بِهِ ذُو العَهْدِ المُسْتَأْمَنِ هو الحَرْبِيُّ، فَثَبَتَ أنَّ مُرادَهُ مَقْصُورٌ عَلى الحَرْبِيِّ. وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ «ولا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ» مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ القَتْلُ المَبْدُوُّ قَتْلًا عَلى وجْهِ القِصاصِ، وكانَ ذَلِكَ القَتْلُ بِعَيْنِهِ سَبِيلُهُ أنْ يَكُونَ مُضْمَرًا في الثّانِي، لَمْ يَجُزْ لَنا إثْباتُ الضَّمِيرِ قَتْلًا مُطْلَقًا، إذا لَمْ يَتَقَدَّمْ في الخِطابِ ذِكْرُ قَتْلٍ مُطْلَقٍ غَيْرِ مُقَيَّدٍ بِصِفَةٍ، وهو القَتْلُ عَلى وجْهِ القَوَدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو المَنفِيَّ بِقَوْلِهِ: " ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ " فَصارَ تَقْدِيرُهُ: ولا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ، ولا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِالكافِرِ المَذْكُورِ بَدِيًّا. ولَوْ أضْمَرْنا قَتْلًا مُطْلَقًا كُنّا مُثْبِتِينَ لِضَمِيرٍ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في الخِطابِ، وهَذا لا يَجُوزُ. وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وكانَ الكافِرُ الَّذِي لا يُقْتَلُ بِهِ ذُو العَهْدِ هو الكافِرُ الحَرْبِيُّ، كانَ قَوْلُهُ: «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ» بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ حَرْبِيٍّ، فَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَفْيُ قَتْلِ المُؤْمِنِ بِالذِّمِّيِّ. والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ ذِكْرَ العَهْدِ يَحْظُرُ قَتْلَهُ ما دامَ في عَهْدِهِ، فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: " ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ " عَلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ، لَأخْلَيْنا اللَّفْظَ مِنَ الفائِدَةِ، (p-١٧٧)وحُكْمُ كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ حَمْلُهُ عَلى مُقْتَضاهُ في الفائِدَةِ، وغَيْرُ جائِزٍ إلْغاؤُهُ، ولا إسْقاطُ حُكْمِهِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ أبِي جُحَيْفَةَ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ» ولَمْ يَذْكُرِ العَهْدَ، وهَذا اللَّفْظُ يَنْفِي قَتْلَ المُؤْمِنِ بِسائِرِ الكُفّارِ. قِيلَ: هو حَدِيثٌ واحِدٌ قَدْ عَزاهُ أبُو جُحَيْفَةَ أيْضًا إلى الصَّحِيفَةِ. وكَذَلِكَ قَيْسُ بْنُ عَبّادٍ، وإنَّما حَذَفَ بَعْضُ الرُّواةِ ذِكْرَ العَهْدِ، فَأمّا أصْلُ الحَدِيثِ فَواحِدٌ. ومَعَ ذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ في الخَبَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ حَدِيثٌ واحِدٌ لَكانَ الواجِبُ حَمْلَهُما عَلى أنَّهُما ورَدا مَعًا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ذَلِكَ في وقْتَيْنِ مَرَّةً مُطْلَقًا مِن غَيْرِ ذِكْرِ ذِي العَهْدِ، وتارَةً مَعَ ذِكْرِ ذِي العَهْدِ. وأيْضًا فَقَدْ وافَقْنا الشّافِعِيَّ عَلى أنَّ ذِمِّيًّا لَوْ قَتَلَ ذِمِّيًّا ثُمَّ أسْلَمَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ القَوَدُ، فَلَوْ كانَ الإسْلامُ مانِعًا مِنَ القِصاصِ ابْتِداءً لَمَنَعَهُ إذا طُرِئَ بَعْدَ وُجُوبِهِ قَبْلَ اسْتِيفائِهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا لَمْ يَجِبِ القِصاصِ لِلِابْنِ عَلى الأبِ إذا قَتَلَهُ كانَ ذَلِكَ حُكْمَهُ إذا ورِثَ ابْنُهُ القَوَدَ مِن غَيْرِهِ ؟ فَمَنَعَ ما عَرَضَ مِن ذَلِكَ مِنِ اسْتِيفائِهِ كَما مَنَعَ ابْتِداءَ وُجُوبِهِ. وكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مُرْتَدًّا لَمْ يَجِبِ القَوَدُ، ولَوْ جَرَحَهُ، وهو مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ ماتَ مِنَ الجِراحَةِ سَقَطَ القَوَدُ، فاسْتَوى فِيهِ حُكْمُ الِابْتِداءِ والبَقاءِ. فَلَوْ لَمْ يَجِبِ القَتْلُ بَدِيًّا لَما وجَبَ إذا أسْلَمَ بَعْدَ القَتْلِ. وأيْضًا لَمّا كانَ المَعْنى في إيجابِ القِصاصِ ما أرادَ اللَّهُ تَعالى مِن بَقاءِ حَياةِ النّاسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وكانَ هَذا المَعْنى مَوْجُودًا في الذِّمِّيِّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أرادَ بَقاءَهُ حِينَ حَقَنَ دَمَهُ بِالذِّمَّةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْقِصاصِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُسْلِمِ كَما يُوجِبُهُ في قَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. فَإنْ قِيلَ: يَلْزَمُكَ عَلى هَذا قَتْلُ المُسْلِمِ بِالحَرْبِيِّ المُسْتَأْمَنِ؛ لِأنَّهُ مَحْظُورُ الدَّمِ ؟ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مُباحُ الدَّمِ إباحَةً مُؤَجَّلَةً، ألا تَرى أنّا لا نَتْرُكُهُ في دارِ الإسْلامِ، ونُلْحِقُهُ بِمَأْمَنِهِ والتَّأْجِيلُ لا يُزِيلُ عَنْهُ حُكْمَ الإباحَةِ كالثَّمَنِ المُؤَجَّلِ لا يُخْرِجُهُ التَّأْجِيلُ عَنْ وُجُوبِهِ ؟ واحْتَجَّ أيْضًا مَن مَنَعَ القِصاصَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» قالُوا: وهَذا يَمْنَعُ كَوْنَ دَمِ الكافِرِ مُكافِئًا لِدَمِ المُسْلِمِ. وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما قالُوا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» لا يَنْفِي مُكافَأةَ دِماءِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ، وفائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ، وهي إيجابُ التَّكافُؤِ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ والشَّرِيفِ والوَضِيعِ والصَّحِيحِ والسَّقِيمِ فَهَذِهِ كُلُّها فَوائِدُ هَذا الخَبَرِ وأحْكامُهُ. ومِن فَوائِدِهِ أيْضًا إيجابُ القَوَدِ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، وتَكافُؤُ دِمائِهِما، ونَفْيٌ لِأخْذِ شَيْءٍ مِن أوْلِياءِ المَرْأةِ إذا قَتَلُوا القاتِلَ أوْ إعْطاءِ نِصْفِ الدِّيَةِ مِن مالِ المَرْأةِ مَعَ قَتْلِها إذا كانَتْ هي القاتِلَةَ. فَإذا كانَ قَوْلُهُ ﷺ: (p-١٧٨)«المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» قَدْ أفادَ هَذِهِ المَعانِيَ، فَهو حُكْمٌ مَقْصُورٌ عَلى المَذْكُورِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى نَفْيِ التَّكافُؤِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الذَّمَّةِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ تَكافُؤَ دِماءِ الكُفّارِ حَتّى يُقادَ مِن بَعْضِهِمُ البَعْضِ إذا كانُوا ذِمَّةً لَنا، فَكَذَلِكَ لا يَمْنَعُ تَكافُؤَ دِماءِ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الذِّمَّةِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ يُقْطَعُ إذا سَرَقَهُ، فَوَجَبَ أنْ يُقادَ مِنهُ؛ لِأنَّ حُرْمَةَ دَمِهِ أعْظَمُ مِن حُرْمَةِ مالِهِ، ألا تَرى أنَّ العَبْدَ لا يُقْطَعُ في مال مَوْلاهُ، ويُقْتَلُ بِهِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ لا يُقْتَلُ بِالحَرْبِيِّ المُسْتَأْمَنِ كَذَلِكَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ، وهُما في تَحْرِيمِ القَتْلِ سَواءٌ. وقَدْ بَيَّنّا وُجُوهَ الفَرْقِ بَيْنَهُما. والَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ مِنَ الإجْماعِ لَيْسَ كَما ظَنَّ؛ لِأنَّ بِشْرَ بْنَ الوَلِيدِ قَدْ رَوى عَنْ أبِي يُوسُفَ: أنَّ المُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالحَرْبِيِّ المُسْتَأْمَنِ. وأمّا قَوْلُ مالِكٍ واللَّيْثِ في قَتْلِ الغِيلَةِ، فَإنَّهُما يَرَيانِ ذَلِكَ حَدًّا لا قَوَدًا، والآياتُ الَّتِي فِيها ذِكْرُ القَتْلِ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ قَتْلِ الغِيلَةِ وغَيْرِهِ. وكَذَلِكَ السُّنَنُ الَّتِي ذَكَرْنا، وعُمُومُها يُوجِبُ القَتْلَ عَلى وجْهِ القِصاصِ لا عَلى وجْهِ الحَدِّ، فَمَن خَرَجَ عَنْها بِغَيْرِ دَلالَةٍ كانَ مَحْجُوجًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ ما يَجِبُ لِوَلِيِّ قَتِيلِ العَمْدِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ وقالَ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقالَ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وقَدِ اتَّفَقُوا أنَّ القَوَدَ مُرادٌ بِهِ. وقالَ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فاقْتَضَتْ هَذِهِ الآياتُ إيجابَ القِصاصِ لا غَيْرُ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مُوجِبِ القَتْلِ العَمْدِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ والثَّوْرِيُّ وابْنُ شُبْرُمَةَ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إلّا القِصاصُ، ولا يَأْخُذُ الدِّيَةَ إلّا بِرِضى القاتِلِ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: الوَلِيُّ بِالخِيارِ بَيْنَ أخْذِ القِصاصِ والدِّيَةِ، وإنْ لَمْ يَرْضَ القاتِلُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " فَإنْ عَفا المُفْلِسُ عَنِ القِصاصِ جازَ، ولَمْ يَكُنْ لِأهْلِ الوِصايَةِ والدَّيْنِ مَنعُهُ؛ لِأنَّ المالَ لا يُمْلَكُ بِالعَمْدِ إلّا بِمَشِيئَةِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ إذا كانَ حَيًّا أوْ بِمَشِيئَةِ الوَرَثَةِ إذا كانَ مَيِّتًا " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن ظَواهِرِ آيِ القُرْآنِ بِما تَضَمَّنَهُ مِن بَيانِ المُرادِ مِن غَيْرِ اشْتِراكٍ في اللَّفْظِ يُوجِبُ القِصاصَ دُونَ المالِ، وغَيْرُ جائِزٍ إيجابُ المالِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ إلّا بِمِثْلِ ما يَجُوزُ بِهِ نَسْخُهُ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ في نَصِّ القُرْآنِ تُوجِبُ نَسْخَهُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَحَظَرَ أخْذَ مالِ كُلِّ واحِدٍ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلّا بِرِضاهُ عَلى وجْهِ التِّجارَةِ. وبِمِثْلِهِ قَدْ ورَدَ الأثَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» فَمَتى لَمْ يَرْضَ القاتِلُ بِإعْطاءِ المالِ، ولَمْ تَطِبْ بِهِ نَفْسُهُ فَمالُهُ مَحْظُورٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ. ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ ذَكَرْنا سَنَدَهُ فِيما تَقَدَّمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «العَمْدُ قَوَدٌ إلّا أنْ يَعْفُوَ ولِيُّ المَقْتُولِ» . ورَوى سُلَيْمانُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قُتِلَ في عِمِّيّا أوْ في زَحْمَةٍ لَمْ يُعْرَفْ قاتِلُهُ أوْ رِمِّيًّا تَكُونُ بَيْنَهم بِحَجَرٍ أوْ سَوْطٍ أوْ عَصًا فَعَقْلُهُ عَقْلُ خَطَأٍ، ومَن قُتِلَ عَمْدًا فَقَوَدُ يَدَيْهِ فَمَن حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» فَأخْبَرَ ﷺ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ أنَّ الواجِبَ بِالعَمْدِ هو القَوَدُ، ولَوْ كانَ لَهُ خِيارٌ في أخْذِ الدِّيَةِ لَما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ القَوَدِ دُونَها؛ لِأنَّهُ (p-١٨٦)غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ لَهُ أحَدُ شَيْئَيْنِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ، ويَقْتَصِرُ ﷺ بِالبَيانِ عَلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ نَفْيَ التَّخْيِيرِ، ومَتى ثَبَتَ فِيهِ تَخْيِيرٌ بَعْدَهُ كانَ نَسْخًا لَهُ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَوى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذا الحَدِيثَ الآخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ طاوُسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبّاسٍ، ولا رَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ قِيلَ لَهُ: كانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً هَكَذا غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى كَما حَدَّثَ سُلَيْمانُ بْنُ كَثِيرٍ، وقَدْ كانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ سَيِّئَ الحِفْظِ كَثِيرَ الخَطَأِ، ومَعَ ذَلِكَ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ طاوُسٌ رَواهُ مَرَّةً عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ومَرَّةً أفْتى بِهِ، وأخْبَرَ عَنِ اعْتِقادِهِ، فَلَيْسَ إذًا في ذَلِكَ ما يُوهِنُ الحَدِيثَ. وقَدْ تَنازَعَ أهْلُ العِلْمِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ فَقالَ قائِلُونَ: العَفْوُ ما سَهُلَ وما تَيَسَّرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ: ما سَهُلَ مِنَ الأخْلاقِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أوَّلُ الوَقْتِ رِضْوانُ اللَّهِ وآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ» يَعْنِي تَيْسِيرَ اللَّهِ وتَسْهِيلَهُ عَلى عِبادِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ يَعْنِي الوَلِيَّ إذا أُعْطِيَ شَيْئًا مِنَ المالِ فَلْيَقْبَلْهُ ولْيُتْبِعْهُ بِالمَعْرُوفِ ولْيُؤَدِّ القاتِلُ إلَيْهِ بِإحْسانٍ، فَنَدَبَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أخْذِ المالِ إذا سَهُلَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ القاتِلِ، وأخْبَرَ أنَّهُ تَخْفِيفٌ مِنهُ ورَحْمَةٌ، كَما قالَ عَقِيبَ ذِكْرِ القِصاصِ مِن سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] فَنَدَبَهُ إلى العَفْوِ والصَّدَقَةِ، وكَذَلِكَ نَدَبَهُ بِما ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى قَبُولِ الدِّيَةِ إذا بَذَلَها الجانِي؛ لِأنَّهُ بَدَأ بِذِكْرِ عَفْوِ الجانِي بِإعْطاءِ الدِّيَةِ ثُمَّ أمَرَ الوَلِيَّ بِالِإتْباعِ، وأمَرَ الجانِيَ بِالأداءِ بِالإحْسانِ، وقالَ بَعْضُهم: المَعْنى فِيهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا الحُمَيْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ دِينارٍ قالَ: سَمِعْتُ مُجاهِدًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: كانَ القِصاصُ في بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ فَقالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَفْوُ أنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ في العَمْدِ ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ فِيما كانَ كُتِبَ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ: بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ ناسِخَةً لِما كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن حَظْرِ قَبُولِ الدِّيَةِ، وأباحَتْ لِلْوَلِيِّ قَبُولَ الدِّيَةِ إذا بَذَلَها القاتِلُ تَخْفِيفًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْنا ورَحْمَةً بِنا فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ادَّعاهُ مُخالِفُنا مِن إيجابِ التَّخْيِيرِ لَما قالَ " فالعَفْوُ أنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ " لِأنَّ (p-١٨٧)القَبُولَ لا يُطْلَقُ إلّا فِيما بَذَلَهُ غَيْرُهُ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ أرادَ ذَلِكَ لَقالَ: إذا اخْتارَ الوَلِيُّ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ المَعْنى كانَ عِنْدَ جَوازِ تَراضِيهِما عَلى أخْذِ الدِّيَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ الَّذِي كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ امْتِناعِ قَبُولِ الدِّيَةِ ثابِتٌ عَلى مَن قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ، وهو ما حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ المَرْوَزِيِّ قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قالَ: " يَقُولُ مَن قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ فَعَلَيْهِ القَتْلُ لا يُقْبَلُ مِنهُ الدِّيَةُ " . وقَدْ رُوِيَ فِيهِ مَعْنًى آخَرُ، وهو ما رَوى سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ ابْنِ أشْوَعَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ العَرَبِ قِتالٌ فَقُتِلَ مِن هَؤُلاءِ ومِن هَؤُلاءِ، فَقالَ أحَدُ الحَيَّيْنِ: لا نَرْضى حَتّى نَقْتُلَ الرَّجُلَ بِالمَرْأةِ، وبِالرَّجُلِ الرَّجُلَيْنِ، وارْتَفَعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " القَتْلُ بَواءٌ " أيْ سَواءٌ فاصْطَلَحُوا عَلى الدِّياتِ، فَفَضَلَ لِأحَدِ الحَيَّيْنِ عَلى الآخَرِ، فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ قالَ سُفْيانُ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ يَعْنِي: فَمَن فَضَلَ لَهُ عَلى أخِيهِ شَيْءٌ فَلْيُؤَدِّهِ بِالمَعْرُوفِ. فَأخْبَرَ الشَّعْبِيُّ عَنِ السَّبَبِ في نُزُولِ الآيَةِ، وذَكَرَ سُفْيانُ أنَّ مَعْنى العَفْوِ هاهُنا الفَضْلُ وهو مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] يَعْنِي كَثُرُوا، وقالَ ﷺ: «أعْفُوا اللِّحى» فَتَقْدِيرُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ: فَمَن فَضَلَ لَهُ عَلى أخِيهِ شَيْءٌ مِنَ الدِّياتِ الَّتِي وقَعَ الِاصْطِلاحُ عَلَيْها فَلْيَتْبَعْهُ مُسْتَحِقٌّ بِالمَعْرُوفِ، ولْيُؤَدِّ إلَيْهِ بِإحْسانٍ وقَدْ ذُكِرَ فِيهِ مَعْنًى آخَرُ، وهو أنَّهم قالُوا: هو في الدَّمِ بَيْنَ جَماعَةٍ إذا عَفا بَعْضُهم تَحَوَّلَ نَصِيبُ الآخَرِينَ مالًا. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ ذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرُوا أنَّهُ تَأْوِيلُ الآيَةِ. وهَذا تَأْوِيلُ لَفْظِ الآيَةِ يُوافِقُهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ وهَذا يَقْتَضِي وُقُوعَ العَفْوِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الدَّمِ لا عَنْ جَمِيعِهِ، فَيَتَحَوَّلُ نَصِيبُ الشُّرَكاءِ مالًا، وعَلَيْهِمُ إتْباعُ القاتِلِ بِالمَعْرُوفِ، وعَلَيْهِ أداؤُهُ إلَيْهِمْ بِإحْسانٍ. وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم عَلى أنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أخْذُ المالِ بِغَيْرِ رِضى القاتِلِ. وهَذا تَأْوِيلٌ يَدْفَعُهُ ظاهِرُ الآيَةِ؛ لِأنَّ العَفْوَ لا يَكُونُ مَعَ أخْذِ الدِّيَةِ، ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «العَمْدُ قَوَدٌ إلّا أنْ يَعْفُوَ الأوْلِياءُ» فَأُثْبِتَ لَهُ أحَدُ الشَّيْئَيْنِ: قَتْلٌ أوْ عَفْوٌ، ولَمْ يُثْبِتْ لَهُ مالًا بِحالٍ ؟ فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا عَفا عَنِ الدَّمِ لِيَأْخُذَ المالَ كانَ عافِيًا ويَتَناوَلُهُ لَفْظُ الآيَةِ. قِيلَ لَهُ: إنْ كانَ الواجِبُ أحَدَ الشَّيْئَيْنِ فَجائِزٌ أيْضًا أنْ يَكُونَ عافِيًا بِتَرْكِ المالِ وأخْذِ القَوَدِ، فَعَلى هَذا لا يَخْلُو الوَلِيُّ مِن عَفْوِ قَتْلٍ أوْ أخْذِ مالٍ، وهَذا فاسِدٌ (p-١٨٨)لا يُطْلِقُهُ أحَدٌ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى يَنْفِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ، وهو أنَّهُ إذا كانَ الوَلِيُّ هو العافِي بِتَرْكِ القَوَدِ وأخْذِ المالِ فَإنَّهُ لا يُقالُ لَهُ: " عَفا لَهُ " وإنَّما يُقالَ لَهُ: " عَفا عَنْهُ " فَيَتَعَسَّفُ فَيُقِيمُ " اللّامَ " مَقامَ " عَنْ " أوْ يَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ " عَفا عَنِ الدَّمِ " فَيُضْمِرُ حَرْفًا غَيْرَ مَذْكُورٍ، ونَحْنُ مَتى اسْتَغْنَيْنا بِالمَذْكُورِ عَنِ المَحْذُوفِ لَمْ يَجُزْ لَنا إثْباتُ الحَذْفِ. وعَلى أنَّ تَأْوِيلَنا هو سائِغٌ مُسْتَعْمَلٌ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ إثْباتِ ضَمِيرٍ فِيهِ، وهو أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى التَّسْهِيلِ مِن جِهَةِ القاتِلِ بِإعْطائِهِ المالَ، ومِن جِهَةٍ أُخْرى يُخالِفُ ظاهِرَها، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ فَقَوْلُهُ: " مِن " تَقْتَضِي التَّبْعِيضَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حَقِيقَتُها وبابُها إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى غَيْرِهِ، فَيُوجِبُ هَذا أنْ يَكُونَ العَفْوُ عَنْ بَعْضِ دَمِ أخِيهِ، وعِنْدَ المُخالِفِ هو عَفْوٌ عَنْ جَمِيعِ الدَّمِ، وتَرْكُهُ إلى الدِّيَةِ، وفِيهِ إسْقاطُ حُكْمِ ﴿مِن﴾ ومِن وجْهٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ ﴿شَيْءٌ﴾ وهَذا أيْضًا يُوجِبُ العَفْوَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الدَّمِ لا عَنْ جَمِيعِهِ، فَمَن حَمَلَهُ عَلى الجَمِيعِ لَمْ يُوَفِّ الكَلامَ حَظَّهُ مِن مُقْتَضاهُ ومُوجِبِهِ؛ لِأنَّهُ يَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قالَ: فَمَن عُفِيَ لَهُ عَنِ الدَّمِ وطُولِبَ بِالدِّيَةِ، فَأسْقَطَ حُكْمَ قَوْلِهِ ﴿مِن﴾ وقَوْلِهِ ﴿شَيْءٌ﴾ وغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ تَأْوِيلُ الآيَةِ عَلى وجْهٍ يُؤَدِّي إلى إلْغاءِ شَيْءٍ مِن لَفْظِها ما أمْكَنَ اسْتِعْمالُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ومَتى اسْتُعْمِلَ عَلى ما ذَكَرْنا كانَ مُوافِقًا لِظاهِرِ الآيَةِ مِن غَيْرِ إسْقاطٍ مِنهُ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ التَّأْوِيلُ ما ذَكَرَهُ الشَّعْبِيُّ مِن نُزُولِها عَلى السَّبَبِ، وما فَضَلَ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مِنَ الدِّياتِ، فَهو مُوافِقٌ لِلَفْظِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ بِمَعْنى أنَّهُ فَضَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ المالِ فِيهِ التَّقاضِي، وذَلِكَ بَعْضٌ مِن جُمْلَةٍ وشَيْءٌ مِنها، فَتَناوَلَ اللَّفْظَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وإنْ كانَ التَّأْوِيلُ أنَّهُ إنْ سَهَّلَ لَهُ بِإعْطاءِ شَيْءٍ مِنَ المالِ فالوَلِيُّ مَندُوبٌ إلى قَبُولِهِ مَوْعُودٌ بِالثَّوابِ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ قَدْ يَتَناوَلُ أيْضًا لِلْبَعْضِ بِأنْ يَبْذُلَ بَعْضَ الدِّيَةِ، وذَلِكَ جُزْءٌ مِن كُلٍّ مِمّا أتْلَفَهُ. وإنْ كانَ التَّأْوِيلُ الإخْبارَ بِنَسْخِ ما كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن إيجابِ حُكْمِ القَوَدِ، ومَعَ أخْذِ البَدَلِ، فَتَأْوِيلُنا أيْضًا عَلى هَذا الوَجْهِ أشَدُّ مُلاءَمَةً لِمَعْنى الآيَةِ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الآيَةَ اقْتَضَتْ جَوازَ الصُّلْحِ مِنهُما عَلى ما يَقَعُ الِاصْطِلاحُ عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، فَذَكَرَ البَعْضَ، وأفادَ بِهِ حُكْمَ الكُلِّ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما﴾ [الإسراء: ٢٣] نَصَّ عَلَيْهِ هَذا القَوْلُ بِعَيْنِهِ، وأرادَ بِهِ ما فَوْقَهُ، في نَظائِرَ لِذَلِكَ في القُرْآنِ. وإنْ كانَ التَّأْوِيلُ عَفْوَ بَعْضِ الأوْلِياءِ عَنْ نَصِيبِهِ، فَهو أيْضًا يُواطِئُ ظاهِرَ الآيَةِ لِوُقُوعِ العَفْوِ عَنِ البَعْضِ دُونَ الجَمِيعِ. فَعَلى أيِّ وجْهٍ يُصْرَفُ تَأْوِيلُ المُتَأوِّلِينَ مِمَّنْ قَدَّمْنا قَوْلَهُ فَتَأْوِيلُهُ مُوافِقٌ لِظاهِرِ الآيَةِ غَيْرَ تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَهُ عَلى أنَّ لِلْوالِي العَفْوَ عَنِ (p-١٨٩)الجَمِيعِ، وأخْذِ المالِ. ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ المَعانِي الَّتِي قَدَّمْنا ذِكْرَها عَنْ مُتَأوِّلِيها مُرادَةً بِالآيَةِ، فَيَكُونُ نُزُولُها عَلى سَبَبِ نَسَخَ بِها ما كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأُبِيحَ لَنا بِها أخْذُ قَلِيلِ المالِ وكَثِيرِهِ، ويَكُونُ الوَلِيُّ مَندُوبًا إلى القَبُولِ إذا تَسَهَّلَ لَهُ القاتِلُ بِإعْطاءِ المالِ، ومَوْعُودًا عَلَيْهِ بِالثَّوابِ، ويَكُونُ السَّبَبُ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ حُصُولَ الفَضْلِ مِن بَعْضٍ عَلى بَعْضٍ في الدِّياتِ، فَأُمِرُوا بِهِ بِالِاتِّباعِ بِالمَعْرُوفِ، وأُمِرَ القاتِلُ بِالأداءِ إلَيْهِمْ بِإحْسانٍ، ويَكُونُ عَلى اخْتِلافٍ فِيهِ بَيانُ حُكْمِ الدَّمِ إذا عَفا عَنْهُ بَعْضُ الأوْلِياءِ. فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها عَلى اخْتِلافِ مَعانِيها تَحْتَمِلُها الآيَةُ، وهي مُرادَةٌ مِن غَيْرِ إسْقاطِ شَيْءٍ مِن لَفْظِها. فَإنْ قالَ قائِلٌ: وما تَأوَّلَهُ المُخالِفُونَ في إيجابِ الدِّيَةِ لِلْوَلِيِّ بِاخْتِيارِهِ مِن غَيْرِ رِضى القاتِلِ تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُرادًا؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ نَفْيٌ لِتَأْوِيلاتِ الآخَرِينَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ تَرَكَ لَهُ، مِن قَوْلِهِمْ: " عَفَتِ المَنازِلُ ": إذا تُرِكَتْ حَتّى دُرِسَتْ، والعَفْوُ عَنِ الذُّنُوبِ تَرْكُ العُقُوبَةِ عَلَيْها، فَيُفِيدُ ذَلِكَ تَرْكَ القَوَدِ إلى الدِّيَةِ. قِيلَ لَهُ: إنْ كانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَوْ تَرَكَ الدِّيَةَ، وأخَذَ القَوَدَ أنْ يَكُونَ عافِيًا؛ لِأنَّهُ تارِكٌ لِأخْذِ الدِّيَةِ، وقَدْ يُسَمّى تَرْكُ المالِ وإسْقاطُهُ عَفْوًا، قالَ اللَّهُ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَأطْلَقَ اسْمَ العَفْوِ عَلى الإبْراءِ مِنَ المالِ. ومَعْلُومٌ عِنْدَ الجَمِيعِ امْتِناعُ إطْلاقِ العَفْوِ عَلى مَن آثَرَ أخْذَ القَوَدِ وتَرَكَ أخْذَ الدِّيَةِ، فَكَذَلِكَ العادِلُ عَنِ القَوَدِ إلى أخْذِ الدِّيَةِ لا يَسْتَحِقُّ اسْمَ العافِي؛ إذْ كانَ إنَّما اخْتارَ أحَدَ شَيْئَيْنِ كانَ مُخَيَّرًا في اخْتِيارِ أيِّهِما شاءَ؛ لِأنَّ مَن كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أحَدِ شَيْئَيْنِ فاخْتارَ أحَدَهُما كانَ الَّذِي اخْتارَهُ هو حَقَّ الواجِبِ لَهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ عِنْدَ فِعْلِهِ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَيْرَهُ، ألا تَرى أنَّ مَنِ اخْتارَ التَّكْفِيرَ بِالعِتْقِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ كانَ العِتْقُ هو كَفّارَتَهُ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَيْرَهُ، وسَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ ما عَداهُ أنْ يَكُونَ مِن فَرْضِهِ ؟ كَذَلِكَ هَذا الوَلِيُّ لَوْ كانَ مُخَيَّرًا في أحَدِ شَيْئَيْنِ مِن قَوَدٍ أوْ مالٍ ثُمَّ اخْتارَ أحَدَهُما لَمْ يَسْتَحِقَّ اسْمَ العافِي لِتَرْكِهِ أحَدَهُما إلى الآخَرِ. فَلَمّا كانَ اسْمُ العَفْوِ مُنْتَفِيًا عَمَّنْ ذَكَرْنا لَمْ يَجُزْ تَأْوِيلُ الآيَةِ عَلَيْهِ وكانَتِ المَعانِي الَّتِي قَدَّمْنا ذِكْرَها أوْلى بِتَأْوِيلِها. ثُمَّ لَيْسَ يَخْلُو الواجِبُ لِلْوَلِيِّ بِنَفْسِ القَتْلِ أنْ يَكُونَ القَوَدَ والدِّيَةَ جَمِيعًا أوِ القَوَدَ دُونَ الدِّيَةِ أوْ أحَدَهُما عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ لا جائِزٌ أنْ يَكُونَ حَقَّ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا بِالِاتِّفاقِ، ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الواجِبُ أحَدَهُما عَلى حَسَبِ ما يَخْتارُهُ الوَلِيُّ كَما في كَفّارَةِ اليَمِينِ ونَحْوِها، لِما بَيَّنّا مِن أنَّ الَّذِي أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى في الكِتابِ (p-١٩٠)هُوَ القِصاصُ، وفي إثْباتِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ زِيادَةٌ في النَّصِّ، ونَفْيٌ لِإيجابِ القِصاصِ، ومِثْلُهُ عِنْدَنا يُوجِبُ النَّسْخَ، فَإذًا الواجِبُ هو القَوَدُ لا غَيْرُهُ، فَلا جائِزٌ لَهُ أخْذُ المالِ إلّا بِرِضى القاتِلِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن لَهُ قِبَلَ غَيْرِهِ حَقٌّ يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُهُ مِنهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ نَقْلُهُ إلى بَدَلٍ غَيْرِهِ إلّا بِرِضى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ. وعَلى أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ مُخْطِئٌ في العِبارَةِ حِينَ قالَ: " الواجِبُ هو القَوَدُ، ولَهُ أنْ يَأْخُذَ المالَ "؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِن أنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا فِيهِ؛ إذْ قَدْ جَعَلَ لَهُ أنْ يَسْتَوْفِيَ القَوَدَ إنْ شاءَ، وإنْ شاءَ المالَ، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: " الواجِبُ هو المالُ، ولَهُ نَقْلُهُ إلى القَوَدِ بَدَلًا مِنهُ " كانَ مُساوِيًا لَهُ، فَلَمّا فَسَدَ قَوْلُ هَذا القائِلِ مِن أنَّ الواجِبَ هو المالُ، ولَهُ نَقْلُهُ إلى القَوَدِ لِإيجابِهِ التَّخْيِيرَ. كَذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ " الواجِبُ هو القَوَدُ، ولَهُ نَقْلُهُ إلى المالِ "؛ إذْ لَمْ يَنْفَكَّ في الحالَيْنِ مِن إيجابِ التَّخْيِيرِ بِنَفْسِ القَتْلِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما كَتَبَ عَلى القاتِلِ القِصاصَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ ولَمْ يَقُلْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ المالُ في القَتْلى، ولا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ أوِ المالُ في القَتْلى. والقائِلُ بِأنَّ الواجِبَ هو القَوَدُ، ولَهُ نَقْلُهُ إلى المالِ إنَّما عَبَّرَ عَنِ التَّخْيِيرِ الَّذِي أوْجَبَهُ لَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، وأخْطَأ في العِبارَةِ عَنْهُ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَذا كَما تَقُولُ: إنَّ الواجِبَ هو القِصاصُ، ولَهُما جَمِيعًا نَقْلُهُ إلى المالِ بِتَراضِيهِما، ولَمْ يَكُنْ في جَوازِ تَراضِيهِما عَلى نَقْلِهِ إلى المالِ إسْقاطٌ لِمُوجِبِ حُكْمِ الآيَةِ مِنَ القِصاصِ. قِيلَ لَهُ: مِن قِبَلِ أنّا قَدْ بَيَّنّا بَدِيًّا أنَّ القِصاصَ حَقٌّ لِلْوَلِيِّ عَلى القاتِلِ مِن غَيْرِ إثْباتِ تَخْيِيرٍ لَهُ بَيْنَ القَوَدِ وغَيْرِهِ، وتَراضِيهِما عَلى نَقْلِهِ إلى البَدَلِ لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ هو الحَقَّ الواجِبَ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ ما تَعَلَّقَ حُكْمُهُ بِتَراضِيهِما لا يُؤَثِّرُ في الأصْلِ الَّذِي كانَ واجِبًا مِن غَيْرِ خِيارٍ، ألا تَرى أنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَمْلِكُ العَبْدَ والدّارَ، ولِغَيْرِهِ أنْ يَشْتَرِيَهُ مِنهُ بِرِضاهُ، ولَيْسَ في جَوازِ ذَلِكَ نَفْيٌ لِمِلْكِ الأصْلِ لِمالِكِهِ الأوَّلِ، ولا مُوجِبًا؛ لَأنْ يَكُونَ مِلْكُهُ مَوْقُوفًا عَلى الخِيارِ ؟ وكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَمْلِكُ طَلاقَ امْرَأتِهِ، ويَمْلِكُ الخُلْعَ، وأخْذَ البَدَلِ عَنِ الطَّلاقِ. ولَيْسَ في ذَلِكَ إثْباتُ مِلْكِ الطَّلاقِ لَهُ بَدِيًّا، عَلى أنَّهُ مُخَيَّرٌ في نَقْلِهِ إلى المالِ مِن غَيْرِ رِضا المَرْأةِ، وأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ أنْ يُطَلِّقَ أوْ يَأْخُذَ المالَ بَدِيًّا مِن غَيْرِ رِضاها لَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِكَوْنِهِ مالِكًا لِأحَدِ شَيْئَيْنِ مِن طَلاقٍ أوْ مالٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ بِالقَتْلِ هو القَوَدُ لا غَيْرُ حَدِيثُ أنَسٍ الَّذِي قَدَّمْنا إسْنادَهُ في قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ حِينَ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جارِيَةٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كِتابُ اللَّهِ القِصاصُ» فَأخْبَرَ أنَّ مُوجَبَ الكِتابِ هو القِصاصُ، فَغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ إثْباتُ شَيْءٍ مَعَهُ، ولا نَقْلُهُ إلى غَيْرِهِ إلّا بِمِثْلِ ما يَجُوزُ (p-١٩١)بِهِ نَسْخُ الكِتابِ. ولَوْ سَلَّمْنا احْتِمالَ الآيَةِ لِما ادَّعَوْهُ مِن تَأْوِيلِها في جَوازِ أخْذِ المالِ مِن غَيْرِ رِضى القاتِلِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ مَعَ احْتِمالِهِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا، كانَ أكْبَرُ أحْوالِهِ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا مُحْتَمِلًا لِلْمَعانِي، فَيُوجِبُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُتَشابِهًا، ومَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ مُحْكَمٌ ظاهِرُ المَعْنى بَيِّنُ المُرادِ لا اشْتِراكَ في لَفْظِهِ، ولا احْتِمالَ في تَأْوِيلِهِ. وحُكْمُ المُتَشابِهِ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى المُحْكَمِ، ويُرَدَّ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِرَدِّ المُتَشابِهِ إلى المُحْكَمِ؛ لِأنَّ وصْفَهُ لِلْمُحْكَمِ بِأنَّهُ أُمُّ الكِتابِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَحْمُولًا عَلَيْهِ، ومَعْناهُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ؛ إذْ كانَ أُمُّ الشَّيْءِ ما مِنهُ ابْتِداؤُهُ وإلَيْهِ مَرْجِعُهُ. ثُمَّ ذَمَّ مَنِ اتَّبَعَ المُتَشابِهَ، واكْتَفى بِما احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ مِن تَأْوِيلِهِ مِن غَيْرِ رَدٍّ لَهُ إلى المُحْكَمِ، وحَمْلِهِ عَلى مُوافَقَتِهِ في مَعْناهُ، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالزَّيْغِ في قُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وإذا ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ مُحْكَمٌ. وقَوْلَهُ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ مُتَشابِهٌ وجَبَ حَمْلُ مَعْناهُ عَلى مَعْنى المُحْكَمِ مِن غَيْرِ مُخالَفَةٍ لَهُ ولا إزالَةٍ لِشَيْءٍ مِن حُكْمِهِ، وهو أنْ يَكُونَ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا مِمّا لا يَنْفِي مُوجِبَ لَفْظِ الآيَةِ مِنَ القِصاصِ، مِن غَيْرِ مَعْنًى آخَرَ يُضَمُّ إلَيْهِ، ولا عُدُولَ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] إذْ كانَتِ النَّفْسُ مِثْلًا فِيما يَسْتَحِقُّهُ الوَلِيُّ وهو القَوَدُ، فَإذا كانَ المِثْلُ هو القَوَدَ، وإتْلافَ نَفْسِهِ كَما أتْلَفَ كانَ بِمَنزِلَةِ مُتْلِفِ المالِ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ، ولا يَعْدِلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ إلّا بِالتَّراضِي لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وبِدَلالَةِ الأُصُولِ عَلَيْهِ. واحْتَجَّ مَن أوْجَبَ لِلْوَلِيِّ الخِيارَ بَيْنَ القَوَدِ، وأخْذِ المالِ مِن غَيْرِ رِضا القاتِلِ بِأخْبارٍ مِنها: حَدِيثُ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ: «مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمّا أنْ يَقْتُلَ، وإمّا أنْ يُودِيَ»، وحَدِيثُ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أبِي ذِئْبٍ قالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ قالَ: سَمِعْتُ أبا شُرَيْحٍ الكَعْبِيَّ يَقُولُ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «ألا إنَّكم مَعْشَرَ خُزاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذا القَتِيلَ مِن هُذَيْلٍ، وإنِّي عاقِلُهُ، فَمَن قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ فَأهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: بَيْنَ أنْ يَأْخُذُوا العَقْلَ وبَيْنَ أنْ يَقْتُلُوا» ورَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنِ الحارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ أبِي العَرْجاءِ، عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١٩٢)ﷺ: «مَن أُصِيبَ بِدَمٍ أوْ بِخَبْلٍ يَعْنِي الجِراحَ فَوَلِيُّهُ بِالخِيارِ بَيْنَ إحْدى ثَلاثٍ: بَيْنَ العَفْوِ أوْ يَقْتَصَّ أوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ» . وهَذِهِ الأخْبارُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِما ذَكَرُوا؛ لِاحْتِمالِها أنْ يَكُونَ المُرادُ أخْذَ الدِّيَةِ بِرِضى القاتِلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤] والمَعْنى فِداءً بِرِضى الأسِيرِ. فاكْتَفى بِالمَحْذُوفِ عَنْ ذِكْرِهِ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ عِنْدَ ذِكْرِ المالِ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ إلْزامُهُ إيّاهُ بِغَيْرِ رِضاهُ. كَذَلِكَ قَوْلُهُ: «أوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ» . وقَوْلُهُ: «أوْ يُودِيَ» وكَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن لَهُ دَيْنٌ عَلى غَيْرِهِ: إنْ شِئْتَ فَخُذْ دَيْنَكَ دَراهِمَ، وإنْ شِئْتَ دَنانِيرَ. وكَما «قالَ ﷺ لِبِلالٍ حِينَ أتاهُ بِتَمْرٍ: أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذا ؟ فَقالَ: لا، ولَكِنّا نَأْخُذُ الصّاعَ مِنهُ بِالصّاعَيْنِ، والصّاعَيْنِ بِالثَّلاثَةِ، فَقالَ ﷺ: لا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ بِعْ تَمْرَكَ بِعَرْضٍ ثُمَّ خُذْ بِالعَرْضِ هَذا»، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرَدْ أنْ يَأْخُذَ التَّمْرَ بِالعَرْضِ بِغَيْرِ رِضى الآخَرِ، ويَكُونُ ذِكْرُهُ الدِّيَةَ إبانَةً عَمّا نَسَخَهُ اللَّهُ عَمّا كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ امْتِناعِ أخْذِ الدِّيَةِ بِرِضى القاتِلِ، وبِغَيْرِ رِضاهُ تَخْفِيفًا عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " أنَّ القِصاصَ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أخْذُ الدِّيَةِ فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ " . ويَدُلُّ عَلى ما وصَفْنا مِن أنَّ المُرادَ أخْذُ الدِّيَةِ بِرِضى القاتِلِ أنَّ الأوْزاعِيَّ قَدْ رَوى حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وقالَ فِيهِ: «مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمّا أنْ يَقْتُلَ، وإمّا أنْ يُفادِيَ» . والمُفاداةُ إنَّما تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ كالمُقاتَلَةِ، والمُضارَبَةِ، والمُشاتَمَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مُرادَهُ في سائِرِ الأخْبارِ أخْذُ الدِّيَةِ بِرِضى القاتِلِ. وهَذِهِ الأخْبارُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: " إنَّ الواجِبَ عَلى القاتِلِ هو القَوَدُ، ولِلْوَلِيِّ نَقْلُهُ إلى الدِّيَةِ "؛ لِأنَّ في جَمِيعِها إثْباتَ التَّخْيِيرِ لِلْوَلِيِّ بِنَفْسِ القَتْلِ بَيْنَ القَوَدِ وأخْذِ الدِّيَةِ، ولَوْ كانَ الواجِبُ هو القَوَدَ لا غَيْرُ، وإنَّما لِلْوَلِيِّ نَقْلُهُ إلى الدِّيَةِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ كَما يَنْقُلُ الدَّيْنَ إلى العَرْضِ، والعَرْضَ إلى الدَّيْنِ عَلى وجْهِ العِوَضِ عَنْهُ، ولَيْسَ هُناكَ خِيارٌ مُوجِبٌ بِنَفْسِ القَتْلِ بَلِ الواجِبُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو القَوَدُ، والقائِلُ بِإيجابِ القَوَدِ بِالقَتْلِ دُونَ غَيْرِهِ إلّا أنْ يَنْقُلَهُ الوَلِيُّ إلى الدِّيَةِ، مُخالِفٌ لِهَذِهِ الآثارِ. وقَدْ رَوى الأنْصارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كِتابُ اللَّهِ القِصاصُ»، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَ المُرادِ بِالكِتابِ المالَ أوِ القِصاصَ. وقَدْ رَوى عَلْقَمَةُ بْنُ وائِلٍ عَنْ أبِيهِ،، وثابِتٌ البُنانِيُّ عَنْ أنَسٍ: «أنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى ولِيِّ المَقْتُولِ ثُمَّ قالَ: أتَعْفُو ؟ قالَ: لا. قالَ: أفَتَأْخُذُ الدِّيَةَ ؟ قالَ: لا قالَ: أما إنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ فَمَضى الرَّجُلُ فَلَحِقَهُ النّاسُ فَقالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ (p-١٩٣)ﷺ قالَ: أما إنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ فَعَفا عَنْهُ» . فاحْتَجَّ المُوجِبُونَ لِلْخِيارِ بَيْنَ القَوَدِ والمالِ بِهَذا الحَدِيثِ. وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرُوا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ بِرِضى القاتِلِ كَما قالَ ﷺ لِامْرَأةِ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ حِينَ جاءَتْ تَشْكُوهُ: «أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قالَتْ: نَعَمْ» . ومَعْلُومٌ أنَّ رِضا ثابِتٍ قَدْ كانَ مَشْرُوطًا فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا في الخَبَرِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُلْزِمُ ثابِتًا الطَّلاقَ، ولا يُمَلِّكُهُ الحَدِيقَةَ إلّا بِرِضاهُ. وجائِزٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَصَدَ إلى أنْ يَعْقِدَ عَقْدًا عَلى مالٍ فَيَكُونَ مَوْقُوفًا عَلى رِضا القاتِلِ أوْ فَسْخِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ أنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ مِن عِنْدِهِ كَما فَعَلَ في قَتِيلِ الخُزاعِيِّ بِمَكَّةَ، وكَما تَحَمَّلَ عَنِ اليَهُودِ دِيَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ الَّذِي وُجِدَ قَتِيلًا بِخَيْبَرَ. وقَوْلُهُ ﷺ: «إنْ قَتَلْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ» يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّكَ قاتِلٌ كَما أنَّهُ قاتِلٌ، لا أنَّكَ مِثْلُهُ في المَأْثَمِ؛ لِأنَّهُ اسْتَوْفى حَقًّا لَهُ فَلا يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ عَلَيْهِ، والأوَّلُ فَعَلَ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ فَكانَ آثِمًا، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ " كُنْتَ مِثْلَهُ في المَأْثَمِ " . والآخَرُ: أنَّكَ إذا قَتَلْتَهُ فَقَدِ اسْتَوْفَيْتَ حَقَّكَ مِنهُ، ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْهِ، وقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعالى إلى الإفْضالِ بِالعَفْوِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا كانَ عَلَيْهِ إحْياءُ نَفْسِهِ وجَبَ أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إذا اخْتارَ الوَلِيُّ أخْذَ المالِ. قِيلَ لَهُ: وعَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يُحْيِيَ غَيْرَهُ إذا خافَ عَلَيْهِ التَّلَفَ، مِثْلُ أنْ يَرى إنْسانًا قَدْ قَصَدَ غَيْرَهُ بِالقَتْلِ أوْ خافَ عَلَيْهِ الغَرَقَ، وهو يُمْكِنُهُ تَخْلِيصُهُ، أوْ كانَ مَعَهُ طَعامٌ، وخافَ عَلَيْهِ أنْ يَمُوتَ مِنَ الجُوعِ، فَعَلَيْهِ إحْياؤُهُ بِإطْعامِهِ، وإنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ. وإنْ كانَ عَلى القاتِلِ إعْطاءُ المالِ لِإحْياءِ نَفْسِهِ فَعَلى الوَلِيِّ أيْضًا إحْياؤُهُ إذا أمْكَنَهُ ذَلِكَ، فَوَجَبَ عَلى هَذِهِ القَضِيَّةِ إجْبارُ الوَلِيِّ عَلى أخْذِ المالِ إذا بَذَلَهُ القاتِلُ، وهَذا يُؤَدِّي إلى بُطْلانِ القِصاصِ أصْلًا؛ لِأنَّهُ إذا كانَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إحْياءُ نَفْسِ القاتِلِ فَعَلَيْهِما التَّراضِي عَلى أخْذِ المالِ، وإسْقاطِ القَوَدِ. وأيْضًا فَيَنْبَغِي إذا طَلَبَ الوَلِيُّ دارَهُ أوْ عَبْدَهُ أوْ دِياتٍ كَثِيرَةً أنْ يُعْطِيَهُ؛ لِأنَّهُ لا يُخْتَلَفُ فِيما يَلْزَمُهُ إحْياءُ نَفْسِهِ حُكْمُ القَلِيلِ والكَثِيرِ. فَلَمّا لَمْ يَلْزَمْهُ إعْطاءُ أكْثَرَ مِنَ الدِّيَةِ عِنْدَ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ كانَ بِذَلِكَ انْتِقاضُ هَذا الِاعْتِلالِ وفَسادُهُ. واحْتَجَّ المُزَنِيُّ لِلشّافِعِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِأنَّهُ لَوْ صالَحَ مِن حَدِّ القَذْفِ عَلى مالٍ أوْ مِن كَفالَةٍ بِنَفْسٍ لَبَطَلَ الحَدُّ والكَفالَةُ، ولَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، ولَوْ صالَحَ مِن دَمٍ عَمْدٍ عَلى مالٍ بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ قُبِلَ ذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ دَمَ العَمْدِ مالٌ في الأصْلِ لَوْلا ذَلِكَ لَما صَحَّ الصُّلْحُ كَما لَمْ يَصِحَّ عَنْ حَدِّ القَذْفِ والكَفالَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ انْتَظَمَ هَذا الِاحْتِجاجُ الخَطَأ والمُناقَضَةَ، (p-١٩٤)فَأمّا الخَطَأُ فَهو أنَّ مِن أصْلِنا أنَّ الحَدَّ لا يَبْطُلُ بِالصُّلْحِ ويَبْطُلُ المالُ، والكَفالَةُ بِالنَّفْسِ فِيها رِوايَتانِ: إحْداهُما: لا تَبْطُلُ أيْضًا، والأُخْرى: أنَّها تَبْطُلُ، وأمّا المُناقَضَةُ فَهي اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى جَوازِ أخْذِ المالِ عَلى الطَّلاقِ، ولا خِلافَ أنَّ الطَّلاقَ في الأصْلِ لَيْسَ بِمالٍ، وأنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ أنْ يُلْزِمَها مالًا عَنْ طَلاقٍ بِغَيْرِ رِضاها. وعَلى أنَّ الشّافِعِيَّ قَدْ قالَ فِيما حَكاهُ المُزَنِيُّ عَنْهُ " إنَّ عَفْوَ المَحْجُورِ عَلَيْهِ عَنِ الدَّمِ جائِزٌ، ولَيْسَ لِأصْحابِ الوَصايا والدَّيْنِ مَنعُهُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ المالَ لا يُمْلَكُ في العَمْدِ إلّا بِاخْتِيارِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَ الدَّمُ مالًا في الأصْلِ لَثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الغُرَماءِ وأصْحابِ الوَصايا " وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوجِبَ العَمْدِ عِنْدَهُ هو القَوَدُ لا غَيْرُ، وأنَّهُ لَمْ يُوجِبْ لَهُ خِيارًا بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ الدِّيَةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] يُوجِبُ لِوَلِيِّهِ الخِيارَ بَيْنَ أخْذِ القَوَدِ والمالِ؛ إذْ كانَ اسْمُ السُّلْطانِ يَقَعُ عَلَيْهِما، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ بَعْضَ المَقْتُولِينَ ظُلْمًا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، نَحْوُ قَتِيلِ شِبْهِ العَمْدِ، والأبِ إذا قَتَلَ ابْنَهُ، وبَعْضُهم يَجِبُ فِيهِ القَوَدُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مُرادًا بِالآيَةِ؛ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُما. وقَدْ تَأوَّلَهُ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] " إنَّهُ إنْ شاءَ قَتَلَ، وإنْ شاءَ عَفا، وإنْ شاءَ أخَذَ الدِّيَةَ " فَلَمّا احْتَمَلَ السُّلْطانُ ما وصَفْنا وجَبَ إثْباتُ سُلْطانِهِ في أخْذِ المالِ كَهو في أخْذِ القَوَدِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِما ولِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُرادًا لِلَّهِ تَعالى في حالٍ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا في القَوَدِ والدِّيَةِ. ولَمّا حَصَلَ الِاتِّفاقُ عَلى أنَّهُما لا يَجِبانِ مُجْتَمِعَيْنِ وجَبَ أنْ يَكُونَ وُجُوبُهُما عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ، وكَما احْتَجَجْتُمْ في إيجابِ القَوَدِ بِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ القَوَدَ مُرادٌ، وصارَ كالمَنصُوصِ عَلَيْهِ فِيهِ، وجَعَلْتُمُوهُ كَعُمُومِ لَفْظِ القَوَدِ، فَيَلْزَمُكم مِثْلُهُ في إثْباتِ المالِ لِوُجُودِنا مَقْتُولِينَ ظُلْمًا يَكُونُ سُلْطانُ الوَلِيِّ هو المالُ قِيلَ لَهُ: حَمْلُهُ عَلى القَوَدِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الدِّيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ السُّلْطانُ لَفْظًا مُشْتَرَكًا مُحْتَمِلًا لِلْمَعانِي كانَ مُتَشابِهًا يَجِبُ رَدُّهُ إلى المُحْكَمِ، وحَمْلُهُ عَلى مَعْناهُ، وهي آيَةٌ مُحْكَمَةٌ في إيجابِ القِصاصِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِن حَيْثُ ثَبَتَ أنَّ القَوَدَ مُرادٌ بِالسُّلْطانِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما في الآيَةِ المُحْكَمَةِ مِن ذِكْرِ إيجابِ القِصاصِ. ولَيْسَ مَعَكَ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ في إيجابِ المالِ عَلى قاتِلِ العَمْدِ، فَيَكُونُ مَعْنى المُتَشابِهِ مَحْمُولًا عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ وجَبَ الِاقْتِصارُ (p-١٩٥)بِمَعْنى الِاسْمِ عَلى القَوَدِ دُونَ المالِ وغَيْرِهِ لِمُوافَقَتِهِ لِمَعْنى المُحْكَمِ الَّذِي لا اشْتِراكَ فِيهِ، ومَن حَمَلَهُ عَلى تَخْيِيرِهِ في أخْذِ الدِّيَةِ أوِ القَوَدِ فَلَمْ يَلْجَأْ إلى أصْلٍ لَهُ مِنَ المُحْكَمِ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إثْباتُ التَّخْيِيرِ مَعَ احْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُ. وفي فَحْوى الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ القَوَدُ دُونَ ما سِواهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] يَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمُ: السَّرَفُ في القِصاصِ بِأنْ يَقْتُلَ غَيْرَ قاتِلِهِ أوْ أنْ يُمَثِّلَ بِالقاتِلِ فَيَقْتُلَهُ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المُسْتَحِقِّ مِنَ القَتْلِ. وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: سُلْطانًا القَوَدُ. وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ أنَّ القَوَدِ مُرادٌ بِالآيَةِ انْتَفَتْ إرادَةُ المالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُرادًا مَعَ القَوَدِ لَكانَ الواجِبُ هُما جَمِيعًا في حالَةٍ واحِدَةٍ لا عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ؛ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ التَّخْيِيرِ، فَلَمّا امْتَنَعَ إرادَتُهُما جَمِيعًا، وكانَ القَوَدُ لا مَحالَةَ مُرادًا عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدِ المالَ، وأنَّ إيجابَنا لِلدِّيَةِ في بَعْضِ المَقْتُولِينَ ظُلْمًا لَيْسَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * بابُ العاقِلَةِ هَلْ تَعْقِلُ العَمْدَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ وقَدْ قَدَّمْنا تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى عَفْوِ بَعْضِ الأوْلِياءِ عَنْ نَصِيبِهِ مِنَ الدَّمِ، ووُجُوبِ الأرْشِ لِلْباقِينَ، واحْتِمالِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى القاتِلِ الَّذِي لَمْ يَعْفُ في مالِهِ، وكَذَلِكَ كُلُّ عَمْدٍ فِيهِ القَوَدُ فَهو عَلى الجانِي في مالِهِ، كالأبِ إذا قَتَلَ ابْنَهُ، وكالجِراحَةِ فِيما دُونَ النَّفْسِ، ولا يُسْتَطاعُ فِيها القِصاصُ نَحْوُ قَطْعِ اليَدِ مِن نِصْفِ السّاعِدِ، والمُنَقِّلَةِ والجائِفَةِ، فالعامِدُ والمُخْطِئُ إذا قَتَلا أنَّ عَلى العامِدِ نِصْفَ الدِّيَةِ في مالِهِ، والمُخْطِئُ عَلى عاقِلَتِهِ، وهو قَوْلُ أصْحابِنا وعُثْمانَ البَتِّيِّ والثَّوْرِيِّ والشّافِعِيِّ. وقالَ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: " هي عَلى العاقِلَةِ " وهو آخِرُ قَوْلِ مالِكٍ. قالَ ابْنُ القاسِمِ: "، ولَوْ قَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ، ولا يَمِينَ لَهُ كانَتْ دِيَةُ اليَدِ في مالِهِ، ولا تَحْمِلُها العاقِلَةُ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " هو في مالِ الجانِي فَإنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ مالُهُ حُمِلَ عَلى عاقِلَتِهِ، وكَذَلِكَ إذا قَتَلَتِ المَرْأةُ زَوْجَها مُتَعَمِّدَةً، ولَها مِنهُ أوْلادٌ فَدِيَتُهُ في مالِها خاصَّةً، فَإنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ مالُها حُمِلَ عَلى عاقِلَتِها " قالَ أبُو بَكْرٍ: دَلالَةُ الآيَةِ ظاهِرَةٌ عَلى أنَّ الصُّلْحَ عَنْ دَمِ العَمْدِ، وسُقُوطَ القَوَدِ بِعَفْوِ بَعْضِ الأوْلِياءِ يُوجِبُ الدِّيَةَ في مالِ الجانِي؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ وهو يَعْنِي القاتِلَ إذا كانَ المَعْنى عَفْوَ بَعْضِ الأوْلِياءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي اتِّباعَ الوَلِيِّ لِلْقاتِلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ يَعْنِي أداءَ القاتِلِ، (p-١٩٦)فاقْتَضى ذَلِكَ وُجُوبَهُ في مالِ القاتِلِ. وكَذَلِكَ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهَ عَلى التَّراضِي عَنِ الصُّلْحِ عَلى مالٍ فَفِيهِ وُجُوبُ الأداءِ عَلى القاتِلِ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ لَيْسَ لِلْعاقِلَةِ ذِكْرٌ في الآيَةِ، وإنَّما فِيها ذِكْرُ الوَلِيِّ والقاتِلِ. ورَوى ابْنُ أبِي الزِّنادِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَعْقِلُ العاقِلَةُ عَمْدًا ولا عَبْدًا ولا صُلْحًا ولا اعْتِرافًا. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ الفَضْلِ الخَطِيبُ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا شَرِيكٌ عَنْ جابِرِ بْنِ عامِرٍ قالَ: " اصْطَلَحَ المُسْلِمُونَ عَلى أنْ لا يَعْقِلُوا عَبْدًا ولا عَمْدًا ولا صُلْحًا ولا اعْتِرافًا " . ورَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ في قِصَّةِ قَتادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُدْلِجِيِّ الَّذِي قَتَلَ ابْنَهُ: " أنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَيْهِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وأعْطاها إخْوَتَهُ، ولَمْ يُوَرِّثْهُ مِنها شَيْئًا " فَجَعَلَ ذَلِكَ في مالِهِ لَمّا كانَ عَمْدًا، ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ في النَّفْسِ، ولَمْ يُخالِفْ عُمَرَ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحابَةِ كانَ كَذَلِكَ حُكْمُ ما دُونَها إذا سَقَطَ القِصاصُ.، ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: " لَيْسَ عَلى العاقِلَةِ عَقْلٌ في عَمْدٍ وإنَّما عَلَيْهِمُ الخَطَأُ " وقالَ عُرْوَةُ أيْضًا: " ما كانَ مِن صُلْحٍ فَلا تَعْقِلُهُ العَشِيرَةُ إلّا أنْ تَشاءَ " . وقالَ قَتادَةُ: " كُلُّ شَيْءٍ لا يُقادُ مِنهُ فَهو في مالِ الجانِي " . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمّادٍ عَنْ إبْراهِيمَ: " لا تَعْقِلُ العاقِلَةُ صُلْحًا ولا عَمْدًا ولا اعْتِرافًا " .

البقرة 2:179

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ﴾ فِيهِ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في إيجابِ القِصاصِ حَياةً لِلنّاسِ وسَبَبًا لِبَقائِهِمْ؛ لِأنَّ مَن قَصَدَ قَتْلَ إنْسانٍ رَدَّهُ عَنْ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِأنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ. ودَلَّ عَلى وُجُوبِ القِصاصِ عُمُومًا بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ والرَّجُلِ والمَرْأةِ والمُسْلِمِ والذِّمِّيِّ؛ إذْ كانَ اللَّهُ تَعالى مُرِيدًا لِتَبْقِيَةِ الجَمِيعِ، فالعِلَّةُ المُوجِبَةُ لِلْقِصاصِ بَيْنَ الحُرَّيْنِ المُسْلِمَيْنِ مَوْجُودَةٌ في هَؤُلاءِ، فَوَجَبَ اسْتِواءُ الحُكْمِ في جَمِيعِهِمْ. وتَخْصِيصُهُ لِأُولِي الألْبابِ بِالمُخاطَبَةِ غَيْرُ نافٍ مُساواةَ غَيْرِهِمْ لَهم في الحُكْمِ؛ إذْ كانَ المَعْنى الَّذِي حُكِمَ مِن أجْلِهِ في ذَوِي الألْبابِ مَوْجُودًا في غَيْرِهِمْ، وإنَّما وجْهُ تَخْصِيصِهِ لَهم أنَّ ذَوِي الألْبابِ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِما يُخاطَبُونَ بِهِ، ويَنْتَهُونَ إلى ما يُؤْمَرُونَ بِهِ، ويَزْدَجِرُونَ عَمّا يُزْجَرُونَ عَنْهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] هو مُنْذِرٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] ونَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وهو هُدًى لِلْجَمِيعِ، وخَصَّ المُتَّقِينَ لِانْتِفاعِهِمْ بِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ في آيَةٍ أُخْرى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] ؟ فَعَمَّ الجَمِيعَ بِهِ. وكَقَوْلِهِ: ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] لِأنَّ التَّقِيَّ هو الَّذِي يُعِيذُ مَنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ. وقَدْ ذُكِرَ عَنْ (p-١٩٧)بَعْضِ الحُكَماءِ أنَّهُ قالَ: " قَتْلُ البَعْضِ إحْياءُ الجَمِيعِ " . وعَنْ غَيْرِهِ: " القَتْلُ أقَلُّ لِلْقَتْلِ " و" أكْثِرُوا القَتْلَ لِيَقِلَّ القَتْلُ " وهو كَلامٌ سائِرٌ عَلى ألْسِنَةِ العُقَلاءِ، وأهْلِ المَعْرِفَةِ، وإنَّما قَصَدُوا المَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ ثُمَّ إذا مَثَّلْتَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ وجَدْتَ بَيْنَهُما تَفاوُتًا بَعِيدًا مِن جِهَةِ البَلاغَةِ، وصِحَّةِ المَعْنى. وذَلِكَ يَظْهَرُ عِنْدَ التَّأمُّلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ هو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: " قَتْلُ البَعْضِ إحْياءٌ لِلْجَمِيعِ. والقَتْلُ أقَلُّ لِلْقَتْلِ " وهو مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ حُرُوفِهِ ونُقْصانِها عَمّا حُكِيَ عَنِ الحُكَماءِ قَدْ أفادَ مِنَ المَعْنى الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الكَلامُ ما لَيْسَ في قَوْلِهِمْ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ القَتْلَ عَلى وجْهِ العَدْلِ لِذِكْرِهِ القِصاصَ، وانْتَظَمَ مَعَ ذَلِكَ الغَرَضَ الَّذِي إلَيْهِ أُجْرِيَ بِإيجابِهِ القِصاصَ، وهو الحَياةُ. وقَوْلُهم: " القَتْلُ أقَلُّ لِلْقَتْلِ " " وقَتْلُ البَعْضِ إحْياءُ الجَمِيعِ " و" القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ " إنْ حُمِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قَتْلٍ هَذِهِ صِفَتُهُ، بَلْ ما كانَ مِنهُ عَلى وجْهِ الظُّلْمِ والفَسادِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ مَنزِلَتَهُ، ولا حُكْمَهُ. فَحَقِيقَةُ هَذا الكَلامِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ، ومَجازُهُ يَحْتاجُ إلى قَرِينَةٍ وبَيانٍ في أنَّ أيَّ قَتْلٍ هو إحْياءٌ لِلْجَمِيعِ. فَهَذا كَلامٌ ناقِصُ البَيانِ مُخْتَلُّ المَعْنى غَيْرُ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ في إفادَةِ حُكْمِهِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ مُفِيدٌ لِحُكْمِهِ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن مُقْتَضى لَفْظِهِ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ أقَلُّ حُرُوفًا مِن قَوْلِهِمْ: " قَتْلُ البَعْضِ إحْياءٌ لِلْجَمِيعِ " و" القَتْلُ أقَلُّ لِلْقَتْلِ، وأنْفى لِلْقَتْلِ " ؟ ومِن جِهَةٍ أُخْرى يَظْهَرُ فَضْلُ بَيانِ قَوْلِهِ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ عَلى قَوْلِهِمْ: " القَتْلُ أقَلُّ لِلْقَتْلِ، وأنْفى لِلْقَتْلِ " أنَّ في قَوْلِهِمْ تَكْرارَ اللَّفْظِ، وتِكْرارُ المَعْنى بِلَفْظِ غَيْرِهِ أحْسَنُ في حَدِّ البَلاغَةِ، أنَّهُ يَصِحُّ تَكْرارُ المَعْنى الواحِدِ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في خِطابٍ واحِدٍ، ولا يَصِحُّ مِثْلُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] ونَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا كَرَّرَ المَعْنى الواحِدَ بِلَفْظَيْنِ، وكانَ ذَلِكَ سائِغًا، ولا يَصِحُّ مِثْلُهُ في تَكْرارِ اللَّفْظِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ لا تَكْرارَ فِيهِ مَعَ إفادَتِهِ لِلْقَتْلِ مِن جِهَةِ القاتِلِ، إذْ كانَ ذِكْرُ القِصاصِ يُفِيدُ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَكُونُ قِصاصًا إلّا وقَدْ تَقَدَّمَهُ قَتْلٌ مِنَ المُقْتَصِّ مِنهُ ؟ وفي قَوْلِهِمْ ذِكْرٌ لِلْقَتْلِ وتِكْرارٌ لَهُ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ نُقْصانٌ في البَلاغَةِ، فَهَذا وأشْباهُهُ مِمّا يَظْهَرُ بِهِ لِلْمُتَأمِّلِ إبانَةُ القُرْآنِ في جِهَةِ البَلاغَةِ والإعْجازِ مِن كَلامِ البَشَرِ؛ إذْ لَيْسَ يُوجَدُ في كَلامِ الفُصَحاءِ مَن جَمَعَ المَعانِيَ الكَثِيرَةَ في الألْفاظِ اليَسِيرَةِ مِثْلَ ما يُوجَدُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى. (p-١٩٨) * * بابُ كَيْفِيَّةِ القِصاصِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] فَأوْجَبَ بِهَذِهِ الآيِ اسْتِيفاءَ المِثْلِ لَمْ يَجْعَلْ لِأحَدٍ مِمَّنْ أوْجَبَ عَلَيْهِ أوْ عَلى ولِيِّهِ أنْ يَفْعَلَ بِالجانِي أكْثَرَ مِمّا فَعَلَ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في كَيْفِيَّةِ القِصاصِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " عَلى أيِّ وجْهٍ قَتَلَهُ لَمْ يُقْتَلْ إلّا بِالسَّيْفِ " . وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: " إنْ قَتَلَهُ بِعَصًا أوْ بِحَجَرٍ أوْ بِالنّارِ أوْ بِالتَّغْرِيقِ قَتَلَهُ بِمِثْلِهِ، فَإنْ لَمْ يَمُتْ بِمِثْلِهِ فَلا يَزالُ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ مِن جِنْسِ ما قَتَلَهُ بِهِ حَتّى يَمُوتَ، وإنْ زادَ عَلى فِعْلِ القاتِلِ الأوَّلِ " . وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: " نَضْرِبُهُ مِثْلَ ضَرْبِهِ، ولا نَضْرِبُهُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا يَكْرَهُونَ المُثْلَةَ ويَقُولُونَ: السَّيْفُ يُجْزِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإنْ غَمَسَهُ في الماءِ فَإنِّي لا أزالُ أغْمِسُهُ فِيهِ حَتّى يَمُوتَ " .، وقالَ الشّافِعِيُّ: " إنْ ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ حَتّى ماتَ فُعِلَ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وإنْ حَبَسَهُ بِلا طَعامٍ ولا شَرابٍ حَتّى ماتَ حُبِسَ، فَإنْ لَمْ يَمُتْ في مِثْلِ تِلْكَ المُدَّةِ قُتِلَ بِالسَّيْفِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ في مَفْهُومِ قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] اسْتِيفاءُ المِثْلِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ عَلَيْهِ، كانَ مَحْظُورًا عَلى الوَلِيِّ اسْتِيفاءُ زِيادَةٍ عَلى فِعْلِ الجانِي، ومَتى اسْتَوْفى عَلى مَذْهَبِ مَن ذَكَرْنا في التَّحْرِيقِ والتَّغْرِيقِ والرَّضْخِ بِالحِجارَةِ والحَبْسِ أدّى ذَلِكَ إلى أنْ يَفْعَلَ بِهِ أكْثَرَ مِمّا فَعَلَ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَمُتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ أوْ زادَ عَلى جِنْسِ فِعْلِهِ، وذَلِكَ هو الِاعْتِداءُ الَّذِي زَجَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ هو مُجاوَزَةُ القِصاصِ، والقِصاصُ أنْ يَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ سَواءً إنْ أمْكَنَ، وإنْ تَعَذَّرَ فَأنْ يَقْتُلَهُ بِأوْحى وُجُوهِ القَتْلِ فَيَكُونَ مُقْتَصًّا مِن جِهَةِ إتْلافِ نَفْسِهِ غَيْرَ مُتَعَدٍّ ما جُعِلَ لَهُ. وقَوْلُ مالِكٍ بِتِكْرارِ مِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ عَلَيْهِ حَتّى يَمُوتَ زائِدٌ عَلى فِعْلِ القاتِلِ خارِجٌ عَنْ مَعْنى القِصاصِ، وقَوْلُ الشّافِعِيِّ إنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ ما فَعَلَ ثُمَّ يَقْتُلُهُ مُخالِفٌ لِحُكْمِ الآيَةِ؛ لِأنَّ القِصاصَ إنْ كانَ مِن جِهَةِ أنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلُ ما فَعَلَ فَقَدِ اسْتَوْفى فَقَتْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَعَدٍّ، ومُجاوَزَةٌ لِحَدِّ القِصاصِ، وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وإنْ كانَ مَعْنى القِصاصِ هو إتْلافُ نَفْسٍ مِن غَيْرِ مُجاوَزَةٍ لِمِقْدارِ الفِعْلِ فَهو الَّذِي نَقُولُهُ، فَلا يَنْفَكُّ مُوجِبُ القِصاصِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مُخالِفُونا مِن مُخالَفَةِ الآيَةِ لِمُجاوَزَةِ (p-١٩٩)حَدِّ القِصاصِ؛ لِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ داخِلٌ في حَدِّ الِاعْتِداءِ الَّذِي أوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] يَمْنَعُ أنْ يُجْرَحَ أكْثَرَ مِن جِراحَتِهِ أوْ يُفْعَلَ بِهِ أكْثَرَ مِمّا فَعَلَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ مِثْلُ ما فَعَلَ لا زائِدًا عَلَيْهِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ مَن قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ مِن نِصْفِ السّاعِدِ أنَّهُ لا يُقْتَصُّ مِنهُ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِالِاقْتِصارِ عَلى مِقْدارِ حَقِّهِ، وإنْ كانَ قَدْ يَغْلِبُ في الظَّنِّ إذا اجْتَهَدَ أنَّهُ قَدْ وضَعَ السِّكِّينَ في مَوْضِعِهِ مِنَ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ لِلِاجْتِهادِ في ذَلِكَ حَظٌّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ القِصاصُ عَلى وجْهٍ نَعْلَمُ يَقِينًا أنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِأكْثَرَ مِن حَقِّهِ وجانٍ عَلَيْهِ بِأكْثَرَ مِن جِنايَتِهِ ؟ وأيْضًا لا خِلافَ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أنْ يَقْتُلَهُ ولا يَحْرِقُهُ ولا يُغْرِقُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُرادُهُ بِالآيَةِ، وإذا كانَ القَتْلُ بِالسَّيْفِ مُرادًا ثَبَتَ أنَّ القِصاصَ هو إتْلافُ نَفْسِهِ بِأيْسَرِ وُجُوهِ القَتْلِ. وإذا ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ مُرادُهُ انْتَفَتْ إرادَةُ التَّحْرِيقِ والتَّغْرِيقِ والرَّضْخِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ؛ لِأنَّ وُجُوبَ الِاقْتِصارِ عَلى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ يَنْفِي وُقُوعَ غَيْرِهِ. فَإنْ قِيلَ: اسْمُ المِثْلِ في القِصاصِ يَقَعُ عَلى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ، وعَلى أنْ يَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ، ولَهُ إنْ لَمْ يَمُتْ أنْ يَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ، ولَهُ أنْ يَقْتَصِرَ بَدِيًّا عَلى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ، فَيَكُونَ تارِكًا لِبَعْضِ حَقِّهِ، ولَهُ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ الرَّضْخُ والتَّحْرِيقُ مُسْتَحِقًّا مَعَ قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِي القِصاصَ، وفِعْلَ المِثْلِ، ومِن حَيْثُ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى القِصاصَ لا غَيْرُ فَغَيْرُ جائِزٍ حَمْلُهُ عَلى مَعْنًى يُنافِي مَضْمُونَ اللَّفْظِ وحُكْمَهُ. وعَلى أنَّ الرَّضْخَ بِالحِجارَةِ والتَّحْرِيقَ والتَّغْرِيقَ والرَّمْيَ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ القِصاصِ بِهِ؛ لِأنَّ القِصاصَ إذا كانَ هو اسْتِيفاءَ المِثْلِ فَلَيْسَ لِلرَّضْخِ حَدٌّ مَعْلُومٌ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ في مَقادِيرِ أجْزاءِ رَضْخِ القاتِلِ لِلْمَقْتُولِ، وكَذَلِكَ الرَّمْيُ والتَّحْرِيقُ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرادًا بِذِكْرِ القِصاصِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إتْلافَ نَفْسِهِ بِأوْحى الوُجُوهِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في نَفْيِ القِصاصِ في المُنَقِّلَةِ والجائِفَةِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفائِهِ عَلى مَقادِيرِ أجْزاءِ الجِنايَةِ، فَكَذَلِكَ القِصاصُ بِالرَّمْيِ والرَّضْخِ غَيْرُ مُمْكِنٍ اسْتِيفاؤُهُ في مَعْنى الإيلامِ، وإتْلافِ الأجْزاءِ الَّتِي أتْلَفَها. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ المِثْلُ يَنْتَظِمُ مَعْنَيَيْنِ، وكَذَلِكَ القِصاصُ: أحَدُهُما إتْلافُ نَفْسِهِ كَما أتْلَفَ، فَيَكُونُ القِصاصُ والمِثْلُ في هَذا الوَجْهِ إتْلافَ نَفْسٍ بِنَفْسٍ، والآخَرُ: أنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلُ ما فَعَلَ، اسْتَعْمَلْنا حُكْمَ اللَّفْظِ في الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ عُمُومَهُ يَقْتَضِيهِما، فَقُلْنا: نَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ما فَعَلَ فَإنْ ماتَ، وإلّا اسْتَوْفى المِثْلَ مِن جِهَةِ (p-٢٠٠)إتْلافِ النَّفْسِ قِيلَ لَهُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمِثْلِ والقِصاصِ جَمِيعَ الأمْرَيْنِ بِأنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلُ ما فَعَلَ بِالمَقْتُولِ ثُمَّ يُقْتَلَ، وإنْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ عَلى الِانْفِرادِ غَيْرَ مَجْمُوعٍ إلى الآخَرِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُهُ، وهو غَيْرُ مُنافٍ لِحُكْمِ الآيَةِ وأمّا إذا جَمَعَهُما فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ مُرادًا عَلى وجْهِ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ القِصاصِ والمِثْلِ بَلْ يَكُونُ زائِدًا عَلَيْهِ، وغَيْرُ جائِزٍ تَأْوِيلُ الآيَةِ عَلى مَعْنًى يُضادُّها، ويَنْفِي حُكْمَها، فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ إرادَةُ القَتْلِ بِالسَّيْفِ بَعْدَ الرَّضْخِ والتَّغْرِيقِ والحَبْسِ والإجاعَةِ. وقَدْ رَوى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جابِرٍ عَنْ أبِي عازِبٍ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا قَوَدَ إلّا بِالسَّيْفِ»، وهَذا الخَبَرُ قَدْ حَوى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بَيانُ مُرادِ الآيَةِ في ذِكْرِ القِصاصِ والمِثْلِ والآخَرُ: أنَّهُ ابْتِداءُ عُمُومٍ يُحْتَجُّ بِهِ في نَفْيِ القَوَدِ بِغَيْرِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رَوى يَحْيى بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ عَنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يُسْتَقادُ مِنَ الجِراحِ حَتّى تَبْرَأ»، وهَذا يَنْفِي قَوْلَ المُخالِفِ لَنا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الواجِبُ أنْ يُفْعَلَ بِالجانِي كَما فَعَلَ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِثْنائِهِ وجْهٌ، فَلَمّا ثَبَتَ الِاسْتِثْناءُ دَلَّ عَلى أنَّ حُكْمَ الجِراحَةِ مُعْتَبَرٌ بِما يَئُولُ إلَيْهِ حالُها. فَإنْ قِيلَ: يَحْيى بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، قِيلَ لَهُ: هَذا قَوْلُ جُهّالٍ لا يُلْتَفَتُ إلى جَرْحِهِمْ، ولا تَعْدِيلِهِمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ طَرِيقَةَ الفُقَهاءِ في قَبُولِ الأخْبارِ، وعَلى أنَّ عَلِيَّ بْنَ المَدِينِيَّ قَدْ ذَكَرَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُ قالَ: يَحْيى بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ أحَبُّ إلَيَّ في حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِن حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رَوى خالِدٌ الحَذّاءُ عَنْ أبِي قِلابَةَ، عَنْ أبِي الأشْعَثِ، عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَإذا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذَّبْحَ» فَأوْجَبَ عُمُومُ لَفْظِهِ أنَّ مَن لَهُ قَتْلُ غَيْرِهِ أنْ يَقْتُلَهُ بِأحْسَنِ وُجُوهِ القَتْلِ، وأوْحاها وأيْسَرِها، وذَلِكَ يَنْفِي تَعْذِيبَهُ، والمُثْلَةَ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ نَهى أنْ يُتَّخَذَ شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ غَرَضًا» فَمَنَعَ بِذَلِكَ أنْ يُقْتَلَ القاتِلُ رَمْيًا بِالسِّهامِ. وحُكِيَ أنَّ القَسْمَ بْنَ مَعْنٍ حَضَرَ مَعَ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ بَعْضِ السَّلاطِينِ فَقالَ: ما تَقُولُ فِيمَن رَمى رَجُلًا بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ ؟ قالَ: يُرْمى فَيُقْتَلُ، قالَ: فَإنْ لَمْ يَمُتْ بِالرَّمْيَةِ الأُولى ؟ قالَ: يُرْمى ثانِيًا. قالَ: أفَتَتَّخِذُهُ غَرَضًا، وقَدْ «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُتَّخَذَ شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ غَرَضًا» ؟ قالَ شَرِيكٌ لَمْ تَمْرُقْ. فَقالَ القَسْمُ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ هَذا مَيْدانٌ إنْ سابَقْناكَ فِيهِ سَبَقْتَنا، يَعْنِي البَذاءَ، وقامَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ وغَيْرُهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ المُثْلَةِ».، وقالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: (p-٢٠١)«ما خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً إلّا أمَرَنا فِيها بِالصَّدَقَةِ ونَهانا عَنِ المُثْلَةِ». وهَذا خَبَرٌ ثابِتٌ قَدْ تَلَقّاهُ الفُقَهاءُ بِالقَبُولِ واسْتَعْمَلُوهُ، وذَلِكَ يَمْنَعُ المُثْلَةَ بِالقاتِلِ، وقَوْلُ مُخالِفِينا فِيهِ المُثْلَةُ بِهِ، وهو يَثْنِي عَنْ مُرادِ الآيَةِ في إيجابِ القِصاصِ، واسْتِيفاءِ المِثْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القِصاصُ مَقْصُورًا عَلى وجْهِ المُثْلَةِ، ويَسْتَعْمِلُ الآيَةَ عَلى وجْهٍ لا يُخالِفُ مَعْنى الخَبَرِ. وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ مَثَّلَ بِالعُرَنِيِّينَ فَقَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وسَمَلَ أعْيُنَهم وتَرَكَهم في الحَرَّةِ حَتّى ماتُوا ثُمَّ نُسِخَ سَمْلُ الأعْيُنِ بِنَهْيِهِ عَنِ المُثْلَةِ، فَوَجَبَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مَعْنى آيَةِ القِصاصِ مَحْمُولًا عَلى ما لا مُثْلَةَ فِيهِ. واحْتَجَّ مُخالِفُونا في ذَلِكَ بِحَدِيثِ هَمّامٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ: «أنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ صَبِيٍّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُرْضَخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» . وهَذا الحَدِيثُ لَوْ ثَبَتَ كانَ مَنسُوخًا بِنَسْخِ المُثْلَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ المُثْلَةِ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ الجَمِيعِ والقَوَدُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، ومَتى ورَدَ عَنْهُ ﷺ خَبَرانِ، واتَّفَقَ النّاسُ عَلى اسْتِعْمالِ أحَدِهِما واخْتَلَفُوا في اسْتِعْمالِ الآخَرِ كانَ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنهُما قاضِيًا عَلى المُخْتَلَفِ فِيهِ خاصًّا كانَ أوْ عامًّا، ومَعَ ذَلِكَ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَتْلُ اليَهُودِيِّ عَلى وجْهِ الحَدِّ كَما رَوى شُعْبَةُ عَنْ هِشامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «عَدا يَهُودِيٌّ عَلى جارِيَةٍ فَأخَذَ أوْضاحًا كانَتْ عَلَيْها، ورَضَخَ رَأْسَها فَأتى بِها أهْلُها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي في آخِرِ رَمَقٍ، فَقالَ ﷺ: مَن قَتَلَكِ؛ فُلانٌ ؟ فَأشارَتْ بِرَأْسِها أيْ لا، ثُمَّ قالَ: فُلانٌ ؟ يَعْنِي اليَهُودِيَّ، قالَتْ: نَعَمْ، فَأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» . فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَتَلَهُ حَدًّا لَمّا أخَذَ المالَ وقَتَلَ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا عَلى وجْهِ المُثْلَةِ كَما سَمَلَ العُرَنِيِّينَ ثُمَّ نُسِخَ بِالنَّهْيِ عَنِ المُثْلَةِ. وقَدْ رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ أنَسٍ: «أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ رَضَخَ رَأْسَ جارِيَةٍ عَلى حُلِيٍّ لَها فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُرْجَمَ حَتّى قُتِلَ» فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ الرَّجْمَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِقِصاصٍ عِنْدَ الجَمِيعِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ اليَهُودِيُّ نَقَضَ العَهْدَ ولَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ لِقُرْبِ مَحالِّ اليَهُودِ كانَتْ حِينَئِذٍ مِنَ المَدِينَةِ، فَأُخِذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ عَلى أنَّهُ حَرْبِيٌّ ناقِضٌ لِلْعَهْدِ مُتَّهَمٌ بِقَتْلِ صَبِيٍّ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ قَتَلَهُ بِإيماءِ الصَّبِيَّةِ وإشارَتِها أنَّهُ قَتَلَها؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ قَتْلَ المُدَّعى عَلَيْهِ القَتْلُ عِنْدَ الجَمِيعِ، فَلا مَحالَةَ قَدْ كانَ هُناكَ سَبَبٌ آخَرُ اسْتَحَقَّ بِهِ القَتْلَ لَمْ يَنْقُلْهُ الرّاوِي عَلى جِهَتِهِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ المُرادَ بِالقِصاصِ إتْلافُ نَفْسِهِ بِأيْسَرِ الوُجُوهِ، وهو السَّيْفُ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ لَوْ أوْجَرَهُ خَمْرًا حَتّى ماتَ لَمْ يَجُزْ أنْ يُوجِرَهُ خَمْرًا، وقُتِلَ بِالسَّيْفِ. فَإنْ قِيلَ: لِأنَّ شُرْبَ (p-٢٠٢)الخَمْرِ مَعْصِيَةٌ. قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ المُثْلَةُ مَعْصِيَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ شِبْهِ العَمْدِ قالَ أبُو بَكْرٍ أصْلُ أبِي حَنِيفَةَ في ذَلِكَ أنَّ العَمْدَ ما كانَ بِسِلاحٍ أوْ ما يَجْرِي مُجْراهُ، (p-٢٠٠)مِثْلُ الذَّبْحِ بِلِيطَةِ قَصَبَةٍ أوْ شَقَّةِ العَصا أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ لَهُ حَدٌّ يَعْمَلُ عَمَلَ السِّلاحِ أوْ بِحَرْقِهِ بِالنّارِ؛ فَهَذا كُلُّهُ عِنْدَهُ عَمْدٌ مَحْضٌ فِيهِ القِصاصُ؛ ولا نَعْلَمُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ خِلافًا بَيْنَ الفُقَهاءِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: " ما سِوى ذَلِكَ مِنَ القَتْلِ بِالعَصا والحَجَرِ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا فَهو شِبْهُ العَمْدِ، وكَذَلِكَ التَّغْرِيقُ في الماءِ؛ وفِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً عَلى العاقِلَةِ وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ " ولا يَكُونُ التَّغْلِيظُ عِنْدَهُ إلّا في أسْنانِ الإبِلِ خاصَّةً دُونَ عَدَدِها. ولِي فِيما دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ بَلْ بِأيِّ شَيْءٍ ضَرَبَهُ فَعَلَيْهِ القِصاصُ إذا أمْكَنَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَيْهِ أرْشُهُ مُغَلَّظًا إذا كانَ مِنَ الإبِلِ بِقِسْطِ ما يَجِبُ. وأصْلُ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ أنَّ شِبْهَ العَمْدِ ما لا يَقْتُلُ مِثْلُهُ كاللَّطْمَةِ الواحِدَةِ والضَّرْبَةِ الواحِدَةِ بِالسَّوْطِ، ولَوْ كَرَّرَ ذَلِكَ حَتّى صارَ جُمْلَتُهُ مِمّا يَقْتُلُ كانَ عَمْدًا وفِيهِ القِصاصُ بِالسَّيْفِ، وكَذَلِكَ إذا غَرَّقَهُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ الخَلاصُ مِنهُ؛ وهو قَوْلُ عُثْمانَ البَتِّيِّ، إلّا أنَّهُ يَجْعَلُ دِيَةَ شِبْهِ العَمْدِ في مالِهِ. وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: " وما كانَ مِن شِبْهِ العَمْدِ فَهو عَلَيْهِ في مالِهِ، يَبْدَأُ بِمالِهِ فَيُؤْخَذُ حَتّى لا يُتْرَكُ لَهُ شَيْءٌ، فَإنْ لَمْ يَتِمَّ كانَ ما بَقِيَ مِنَ الدِّيَةِ عَلى عاقِلَتِهِ " . وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: " إذا ضَرَبَهُ بِعَصًا أوْ رَماهُ بِحَجَرٍ أوْ ضَرَبَهُ عَمْدًا فَهو عَمْدٌ وفِيهِ القِصاصُ، ومِنَ العَمْدِ أنْ يَضْرِبَهُ في نائِرَةٍ تَكُونُ بَيْنَهُما ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهُ وهو حَيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ، فَتَكُونُ فِيهِ القَسامَةُ " . وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: " شِبْهُ العَمْدِ باطِلٌ، إنَّما هو عَمْدٌ أوْ خَطَأٌ " . وقالَ الأشْجَعِيُّ عَنِ الثَّوْرِيِّ: " شِبْهُ العَمْدِ أنْ يَضْرِبَهُ بِعَصًا أوْ بِحَجَرٍ أوْ بِيَدِهِ فَيَمُوتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً ولا قَوَدَ فِيهِ، والعَمْدُ ما كانَ بِسِلاحٍ وفِيهِ القَوَدُ، والنَّفْسُ يَكُونُ فِيها العَمْدُ وشِبْهُ العَمْدِ والخَطَأُ، والجِراحَةُ لا يَكُونُ فِيها إلّا خَطَأٌ أوْ عَمْدٌ " . ورَوى الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ قالَ: " إذا حَدَّدَ عُودًا أوْ عَظْمًا فَجَرَحَ بِهِ بَطْنَ حَرٍّ فَهَذا شِبْهُ عَمْدٍ لَيْسَ فِيهِ قَوَدٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا قَوْلٌ شاذٌّ وأهْلُ العِلْمِ عَلى خِلافِهِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ عَنْ شِبْهِ العَمْدِ: " الدِّيَةُ في مالِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ تَمامًا فَعَلى العاقِلَةِ؛ وشِبْهُ العَمْدِ أنْ يَضْرِبَهُ بِعَصًا أوْ سَوْطٍ ضَرْبَةً واحِدَةً فَيَمُوتَ، فَإنْ ثَنّى بِالعَصا فَماتَ مَكانَهُ فَهو عَمْدٌ يُقْتَلُ بِهِ، والخَطَأُ عَلى العاقِلَةِ " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إذا ضَرَبَهُ بِعَصًا ثُمَّ عَلا فَقَتَلَهُ مَكانَهُ مِنَ الضَّرْبَةِ الثّانِيَةِ فَعَلَيْهِ القِصاصُ، وإنْ عَلا الثّانِيَةَ فَلَمْ يَمُتْ مِنها ثُمَّ ماتَ بَعْدَها فَهو شِبْهُ العَمْدِ لا قِصاصَ فِيهِ وفِيهِ الدِّيَةُ عَلى العاقِلَةِ والخَطَأُ عَلى العاقِلَةِ " . وقالَ اللَّيْثُ: " العَمْدُ ما تَعَمَّدَهُ إنْسانٌ، فَإنْ ضَرَبَهُ بِأُصْبُعِهِ فَماتَ مِن ذَلِكَ دُفِعَ إلى ولِيِّ المَقْتُولِ والخَطَأُ فِيهِ عَلى العاقِلَةِ " . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّيْثَ كانَ لا يَرى شِبْهَ العَمْدِ وإنَّما يَكُونُ (p-٢٠١)خَطَأً أوْ عَمْدًا. وقالَ المُزَنِيُّ في مُخْتَصَرِهِ عَنِ الشّافِعِيِّ: " إذا عَمِدَ رِجْلٌ بِسَيْفٍ أوْ حَجَرٍ أوْ سِنانِ رُمْحٍ أوْ ما يُشَقُّ بِحَدِّهِ فَضَرَبَ بِهِ أوْ رَمى بِهِ الجِلْدَ أوِ اللَّحْمَ فَجَرَحَهُ جُرْحًا كَبِيرًا أوْ صَغِيرًا فَماتَ فَعَلَيْهِ القَوَدُ، وإنْ شَدَخَهُ بِحَجَرٍ أوْ تابَعَ عَلَيْهِ الخَنْقَ ووالى بِالسَّوْطِ عَلَيْهِ حَتّى ماتَ أوْ طَبَقَ عَلَيْهِ مُطْبِقًا بِغَيْرِ طَعامٍ ولا شَرابٍ أوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ في شِدَّةِ حَرٍّ أوْ بَرْدٍ مِمّا الأغْلَبُ أنَّهُ يَمُوتُ مِنهُ فَماتَ فَعَلَيْهِ القَوَدُ، وإنْ ضَرَبَهُ بِعَمُودٍ أوْ بِحَجَرٍ لا يَشْدَخُ أوْ بِحَدِّ سَيْفٍ ولَمْ يَجْرَحْ أوْ ألْقاهُ في بَحْرٍ قَرِيبِ البَرِّ وهو يُحْسِنُ العَوْمَ أوْ ما الأغْلَبُ أنَّهُ لا يَمُوتُ بِمِثْلِهِ فَماتَ فَلا قَوَدَ فِيهِ وفِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً عَلى العاقِلَةِ " . والدَّلِيلُ عَلى ثُبُوتِ شِبْهِ العَمْدِ ما رَوى هُشَيْمٌ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ جَوْشَنَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أوْسٍ السَّدُوسِيِّ عَنْ رِجْلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ ﷺ خَطَبَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقالَ في خُطْبَتِهِ: ألّا إنَّ قَتِيلَ خَطَإ العَمْدِ بِالسَّوْطِ والعَصا والحَجَرِ فِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ مِنها أرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِها أوْلادُها» . ورَوى إبْراهِيمُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نَضْلَةَ الخُزاعِيِّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أنَّ امْرَأتَيْنِ ضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِعَمُودِ الفُسْطاطِ فَقَتَلْتَها، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدِّيَةِ عَلى عَصَبَةِ القاتِلَةِ وقَضى فِيما في بَطْنِها بِالغُرَّةِ» . ورَوى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ وأبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأتانِ مِن هُذَيْلٍ فَضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِحَجَرٍ فَقَتَلْتَها وما في بَطْنِها، فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى أنَّ دِيَةَ جَنِينِها عَبْدٌ أوْ ولِيدَةٌ، وقَضى بِدِيَةِ المَرْأةِ عَلى عاقِلَتِها» فَفي أحَدِ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ أنَّها ضَرَبْتَها بِعَمُودِ فُسْطاطٍ وفي الآخَرِ أنَّها ضَرَبَتْها بِحَجَرٍ. وقَدْ رَوى أبُو عاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ نَشَدَ النّاسَ قَضاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الجَنِينِ، فَقامَ حَمَلُ بْنُ مالِكِ بْنِ النّابِغَةِ فَقالَ: إنَّنِي كُنْتُ بَيْنَ امْرَأتَيْنِ لِي، وإنَّ إحْداهُما ضَرَبَتِ الأُخْرى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلْتَها وجَنِينَها، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الجَنِينِ بِغُرَّةٍ وأنْ تُقْتَلَ مَكانَها» . ورَوى الحَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ؛ فَذَكَرَ أبُو عاصِمٍ والحَجّاجُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ أمَرَ بِقَتْلِ المَرْأةِ. ورَوى هَذا الحَدِيثَ هِشامُ بْنُ سُلَيْمانَ المَخْزُومِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ دِينارٍ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ بِإسْنادِهِ، ولَمْ يَذْكُرا فِيهِ أنَّهُ أمَرَ أنْ تُقْتَلَ، وذَكَرَ أبُو عاصِمٍ والحَجّاجُ أنَّهُ أمَرَ أنْ تُقْتَلَ المَرْأةُ، فاضْطَرَبَ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ القِصَّةِ. (p-٢٠٢)ورَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبِي المَلِيحِ عَنْ حَمَلِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَرَجَمَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِحَجَرٍ فَأصابَ قَلْبَها وهي حامِلٌ فَألْقَتْ جَنِينًا فَماتَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدِّيَةِ عَلى عاقِلَةِ القاتِلَةِ وقَضى في الجَنِينِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ» . فَكانَ حَدِيثُ حَمَلِ بْنِ مالِكٍ في إيجابِ القَوَدِ عَلى المَرْأةِ مُخْتَلِفًا مُتَضادًّا؛ ورُوِيَ في بَعْضِ أخْبارِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها القِصاصُ ولَمْ يَذْكُرْهُ في بَعْضِها؛ قالَ حَمَلُ بْنُ مالِكٍ وهو صاحِبُ القِصَّةِ: " إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوْجَبَ الدِّيَةَ عَلى عاقِلَةِ القاتِلَةِ " فَتَضادَّتِ الأخْبارُ في قِصَّةِ حَمَلِ بْنِ مالِكٍ وسَقَطَتْ وبَقِيَ حَدِيثُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وأبِي هُرَيْرَةَ في نَفْيِ القِصاصِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ. وقَدْ رَوى أبُو مُعاوِيَةَ عَنْ حَجّاجٍ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصا شِبْهُ العَمْدِ» . وإثْباتُ شِبْهِ العَمْدِ ضَرْبٌ مِنَ القَتْلِ دُونَ الخَطَإ فِيهِ اتِّفاقُ السَّلَفِ عِنْدَنا لا خِلافَ بَيْنَهم فِيهِ، وإنَّما الِاخْتِلافُ بَيْنَهم في كَيْفِيَّةِ شِبْهِ العَمْدِ؛ فَأمّا أنْ يَقُولَ مالِكٌ: " لا أعْرِفُ إلّا خَطَأً أوْ عَمْدًا " فَإنَّ هَذا قَوْلٌ خارِجٌ عَنْ أقاوِيلِ السَّلَفِ كُلِّهِمْ. ورَوى شَرِيكٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: " شِبْهُ العَمْدِ بِالعَصا والحَجَرِ الثَّقِيلِ ولَيْسَ فِيهِما قَوَدٌ " . ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: " يَعْمِدُ أحَدُكم فَيَضْرِبُ أخاهُ بِمِثْلِ آكِلَةِ اللَّحْمِ وهي العَصا ثُمَّ يَقُولُ لا قَوَدَ عَلَيَّ لا أُوتى بِأحَدٍ فَعَلَ ذَلِكَ إلّا أقَدْتُهُ "، فَكانَ هَذا عِنْدَهُ مِنَ العَمْدِ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ يَقْتُلُ في الغالِبِ عَلى ما قالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ. ومِمّا يُبَيِّنُ إجْماعَ الصَّحابَةِ عَلى شِبْهِ العَمْدِ وأنَّهُ قِسْمٌ ثالِثٌ لَيْسَ بِعَمْدٍ مَحْضٍ ولا خَطَأٍ مَحْضٍ اخْتِلافُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أسْنانِ الإبِلِ في الخَطَإ، ثُمَّ اخْتِلافُهم في أسْنانِ شِبْهِ العَمْدِ وأنَّها أغْلَظُ مِنَ الخَطَإ؛ مِنهم عَلِيٌّ وعُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو مُوسى والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، كُلُّ هَؤُلاءِ أثْبَتَ أسْنانَ الإبِلِ في شِبْهِ العَمْدِ أغْلَظُ مِنها في الخَطَإ عَلى ما سَنُبَيِّنُهُ فِيما بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ شِبْهُ العَمْدِ. ولَمّا ثَبَتَ شِبْهُ العَمْدِ بِما قَدَّمْنا مِنَ الآثارِ واتِّفاقِ السَّلَفِ بَعْدَ اخْتِلافٍ مِنهم في كَيْفِيَّتِهِ، احْتَجْنا أنَّ نَعْتَبِرَ شِبْهَ العَمْدِ، فَوَجَدْنا عَلِيًّا قالَ: " شِبْهُ العَمْدِ بِالعَصا والحَجَرِ العَظِيمِ " ومَعْلُومٌ أنَّ شِبْهَ العَمْدِ اسْمٌ شَرْعِيٌّ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِهِ إلّا مِن جِهَةِ التَّوْقِيفِ؛ إذْ لَيْسَ في اللُّغَةِ هَذا الِاسْمُ لِضَرْبٍ مِنَ القَتْلِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ عَلِيًّا لَمْ يُسَمِّ القَتْلَ بِالحَجَرِ العَظِيمِ شِبْهَ العَمْدِ إلّا تَوْقِيفًا، ولَمْ يَذْكُرِ الحَجَرَ العَظِيمَ إلّا والصَّغِيرُ والكَبِيرُ مُتَساوِيانِ عِنْدَهُ في سُقُوطِ القَوَدِ بِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي (p-٢٠٣)بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا المَعْمَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقِّيُّ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ وخالِدٍ الحَذّاءِ عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أوْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «قَتِيلُ خَطَإ العَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصا فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ مِنها أرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِها أوْلادُها» فَقَدْ حَوى هَذا الخَبَرُ مَعانِيَ: مِنها إثْباتُهُ قَتِيلَ خَطَإ العَمْدِ قِسْمًا غَيْرَ العَمْدِ وغَيْرَ الخَطَإ وهو شِبْهُ العَمْدِ، ومِنها إيجابُهُ الدِّيَةَ في قَتِيلِ السَّوْطِ والعَصا مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ ما يَقْتُلُ مِثْلُهُ وبَيْنَ ما لا يَقْتُلُ مِثْلُهُ وبَيْنَ مَن يُوالِي الضَّرْبَ حَتّى يَقْتُلَهُ وبَيْنَ مَن يُقْتَلُ بِضَرْبَةٍ واحِدَةٍ، ومِنها أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ السَّوْطِ والعَصا والسَّوْطُ لا يَقْتُلُ مِثْلُهُ في الغالِبِ والعَصا يَقْتُلُ مِثْلُها في الأكْثَرِ، فَدَلَّ عَلى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ما يَقْتُلُ وبَيْنَ ما لا يَقْتُلُ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قالَ: حَدَّثَنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أبِي حُصَيْنٍ عَنْ إبْراهِيمَ ابْنِ بِنْتِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ سِوى الحَدِيدَةِ خَطَأٌ ولِكُلِّ خَطَأٍ أرْشٌ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ العَسْكَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الضُّبَعِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وشُعْبَةُ عَنْ جابِرٍ الجُعْفِيِّ عَنْ أبِي عازِبٍ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ خَطَأٌ إلّا السَّيْفَ وفي كُلِّ خَطَأٍ أرْشٌ» . وأيْضًا لَمّا اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَوْ جَرَحَهُ بِسِكِّينٍ صَغِيرَةٍ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُها وحُكْمُ الكَبِيرَةِ في وُجُوبِ القِصاصِ فَوَجَبَ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِنَ الحَجَرِ والخَشَبِ في سُقُوطِهِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ في إيجابِ القِصاصِ مُتَعَلِّقٌ بِالآلَةِ، وهي أنْ تَكُونَ سِلاحًا أوْ يَعْمَلُ عَمَلَ السِّلاحِ. فَإنْ قِيلَ: عَلى ما رَوَيْنا مِن قَوْلِهِ ﷺ: «قَتِيلُ خَطَإ العَمْدِ» أنَّ العَمْدَ لا يَكُونُ خَطَأً ولا الخَطَأُ عَمْدًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ الحَدِيثِ. قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سَمّاهُ خَطَأ العَمْدِ لِأنَّهُ خَطَأٌ في الحُكْمِ عَمْدٌ في الفِعْلِ، وذَلِكَ مَعْنًى صَحِيحٌ لِأنَّهُ دَلَّ بِهِ عَلى التَّغْلِيظِ مِن حَيْثُ هو عَمْدٌ وعَلى سُقُوطِ القَوَدِ مِن حَيْثُ هو في حُكْمِ الخَطَإ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] وقَوْلُهُ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وسائِرُ الآيِ الَّتِي فِيها إيجابُ القِصاصِ يُوجِبُهُ عَلى القاتِلِ بِالحَجَرِ العَظِيمِ. قِيلَ لَهُ: لا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما أوْجَبَتِ القِصاصَ في العَمْدِ، وهَذا لَيْسَ بِعَمْدٍ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الآيَةَ ورَدَتْ في إيجابِ القِصاصِ في الأصْلِ والآثارُ الَّتِي (p-٢٠٤)ذَكَرْنا وارِدَةٌ فِيما يَجِبُ فِيهِ القِصاصُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَعْمَلٌ فِيما ورَدَ فِيهِ لا يُعْتَرَضُ بِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ. وأيْضًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وسَمّى النَّبِيُّ ﷺ شِبْهَ العَمْدِ قَتِيلَ خَطَإ العَمْدِ، فَلَمّا أطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الخَطَإ وجَبَ أنْ تَكُونَ فِيهِ الدِّيَةُ. فَإنِ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في قِصَّةِ المَرْأتَيْنِ قَتَلَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِمِسْطَحٍ فَأوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْها القِصاصَ. قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنّا اضْطِرابَ الحَدِيثِ وما عارَضَهُ مِن رِوايَةِ حَمَلِ بْنِ مالِكٍ في إيجابِ الدِّيَةِ دُونَ القَوَدِ، ولَوْ ثَبَتَ القَوَدُ أيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ في شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَيْسَ بِعُمُومٍ في جَمِيعِ مَن قُتِلَ بِمِسْطَحٍ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ كانَ فِيهِ حَدِيدٌ وأصابَها الحَدِيدُ دُونَ الخَشَبِ، فَمِن أجْلِهِ أوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ القَوَدَ. فَإنِ احْتَجُّوا بِما رُوِيَ «أنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ جارِيَةٍ بِالحِجارَةِ فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ يُرْضَخَ رَأْسُهُ» . قِيلَ لَهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ كانَ لَها مَرْوَةٌ، وهي الَّتِي لَها حَدٌّ يَعْمَلُ عَمَلَ السِّكِّينِ، فَلِذَلِكَ أوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَهُ. وأيْضًا رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قُلابَةَ عَنْ أنَسٍ: «أنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جارِيَةً مِنَ الأنْصارِ عَلى حُلِيٍّ لَها وألْقاها في نَهْرٍ ورَضَخَ رَأْسَها بِالحِجارَةِ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأمَرَ بِهِ أنْ يُرْجَمَ حَتّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتّى ماتَ» . ولا خِلافَ أنَّ الرَّجْمَ لا يَجِبُ عَلى وجْهِ القَوَدِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ اليَهُودِيُّ مُسْتَأْمَنًا فَقَتَلَ الجارِيَةَ ولَحِقَ بِأرْضِهِ فَأُخِذَ وهو حَرْبِيٌّ لِقُرْبِ مَنازِلِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ فَقَتَلَهُ عَلى أنَّهُ مُحارَبٌ حَرْبِيٌّ ورَجَمَهُ، كَما سَمَلَ أعْيُنَ العُرَنِيِّينَ الَّذِينَ اسْتاقُوا الإبِلَ وقَتَلُوا الرّاعِيَ وقَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم وتَرَكَهم حَتّى ماتُوا، ثُمَّ نُسِخَ القَتْلُ عَلى وجْهِ المُثْلَةِ. * * مَسْألَةٌ: في قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في القِصاصِ بَيْنَ الأحْرارِ والعَبِيدِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: " لا قِصاصَ بَيْنَ الأحْرارِ والعَبِيدِ إلّا في الأنْفُسِ ويُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ والعَبْدُ بِالحُرِّ " وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: " القِصاصُ واجِبٌ بَيْنَهم في جَمِيعِ الجِراحاتِ الَّتِي نَسْتَطِيعُ فِيها القِصاصَ " . وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: " لَيْسَ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ قَوَدٌ في شَيْءٍ مِنَ الجِراحِ، والعَبْدُ يُقْتَلُ بِالحُرِّ، ولا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ " . وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " إذا كانَ العَبْدُ هو الجانِيَ اقْتُصُّ مِنهُ، ولا يُقْتَصُّ مِنَ الحُرِّ لِلْعَبْدِ " وقالَ: " إذا قَتَلَ العَبْدُ الحُرَّ فَلِوَلِيِّ المَقْتُولِ أنْ يَأْخُذُ بِها نَفْسَ العَبْدِ القاتِلِ فَيَكُونَ لَهُ، وإذا جَنى عَلى الحُرِّ فِيما دُونَ النَّفْسِ فَلِلْمَجْرُوحِ القِصاصُ إنْ شاءَ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: مَن جَرى عَلَيْهِ القِصاصُ في النَّفْسِ جَرى عَلَيْهِ في الجِراحِ، ولا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ، ولا يُقْتَصُّ لَهُ مِنهُ فِيما دُونَ النَّفْسِ، وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ في وُجُوبِ القِصاصِ بَيْنَ الأحْرارِ والعَبِيدِ في النَّفْسِ، أنَّ الآيَةَ مَقْصُورَةُ الحُكْمِ عَلى ذِكْرِ القَتْلى، ولَيْسَ فِيهِمْ ذِكْرٌ لِما دُونَ النَّفْسِ مِنَ الجِراحِ، وسائِرُ ما ذَكَرْنا مِن عُمُومِ آيِ القُرْآنِ في بَيانِ القَتْلى والعُقُوبَةِ والِاعْتِداءِ يَقْتَضِي قَتْلَ الحُرِّ بِالعَبْدِ، ومِن حَيْثُ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى قَتْلِ العَبْدِ بِالحُرِّ وجَبَ قَتْلُ الحُرِّ بِالعَبْدِ؛ لِأنَّ العَبْدَ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مُرادٌ بِالآيَةِ، والآيَةُ لَمْ يُفَرِّقْ مُقْتَضاها بَيْنَ العَبْدِ المَقْتُولِ والقاتِلِ، فَهي عُمُومٌ فِيهِما جَمِيعًا. ويَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ أوْجَبَ القِصاصَ؛ لِأنَّ فِيهِ حَياةً لَنا. وذَلِكَ خِطابٌ شامِلٌ لِلْحُرِّ والعَبْدِ؛ لِأنَّ صِفَةَ أُولِي الألْبابِ تَشْمَلُهم جَمِيعًا، فَإذا كانَتِ العِلَّةُ مَوْجُودَةً في الجَمِيعِ لَمْ يَجُزِ الِاقْتِصارُ بِحُكْمِها عَلى بَعْضِ مَن هي مَوْجُودَةٌ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» وهو عامٌّ في العَبِيدِ والأحْرارِ فَلا يُخَصُّ مِنهُ شَيْءٌ إلّا بِدَلالَةٍ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ: وهو اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا كانَ هو القاتِلَ فَهو مُرادٌ بِهِ، كَذَلِكَ إذا كانَ مَقْتُولًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُ إذا كانَ قاتِلًا أوْ مَقْتُولًا. فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ في سِياقِ الحَدِيثِ: «، ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» وهو العَبْدُ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ بِأوَّلِ الخِطابِ ؟ . قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن قِبَلِ أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ العَبْدَ إذا كانَ قاتِلًا فَهو مُرادٌ، ولَمْ يَمْنَعْ قَوْلُهُ: «ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» (p-١٦٨)أنْ يَكُونَ مُرادًا إذا كانَ قاتِلًا، كَذَلِكَ لا يَمْنَعُ إرادَتَهُ إذا كانَ مَقْتُولًا، عَلى أنَّ قَوْلَهُ: «ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصُ العَبْدِ مِن غَيْرِهِ، وإنَّما المُرادُ أدْناهم عَدَدًا، هو كَقَوْلِهِ: واحِدٌ مِنهم، فَلا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ في إيجابِ اقْتِصارِ حُكْمِ أوَّلِ اللَّفْظِ عَلى الحُرِّ دُونَ العَبْدِ. وعَلى أنَّهُ لَوْ قالَ: ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ عَبْدُهم، لَمْ يُوجِبْ تَخْصِيصَ حُكْمِهِ في مُكافَأةِ دَمِهِ لِدَمِ الحُرِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ آخَرُ اسْتَأْنَفَ لَهُ ذِكْرًا، وخَصَّ بِهِ العَبْدَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ غَيْرَ العَبْدِ أوْلى بِالسَّعْيِ بِذِمَّتِهِمْ. فَإذا كانَ تَخْصِيصُ العَبْدِ بِالذِّكْرِ في هَذا الحُكْمِ لَمْ يُوجِبْ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهِ دُونَ الآخَرِ، فَلَأنْ لا يُوجِبَ تَخْصِيصَ حُكْمِ القِصاصِ أوْلى. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» يَقْتَضِي التَّماثُلَ في الدِّماءِ، ولَيْسَ العَبْدُ مِثْلًا لِلْحُرِّ. قِيلَ لَهُ فَقَدْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلًا لَهُ في الدَّمِ؛ إذْ عَلَّقَ حُكْمَ التَّكافُؤِ مِنهم بِالإسْلامِ، ومَن قالَ لَيْسَ بِمُكافِئٍ لَهُ فَهو خارِجٌ عَلى حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ مُخالِفٌ بِغَيْرِ دَلالَةٍ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلّا في إحْدى ثَلاثٍ: التّارِكُ لِلْإسْلامِ المُفارِقُ لِلْجَماعَةِ، والثَّيِّبُ الزّانِي، والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ، وأوْجَبَ القِصاصَ في النَّفْسِ بِالنَّفْسِ» . وذَلِكَ مُوافِقٌ لِما حَكى اللَّهُ مِمّا كَتَبَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَحَوى هَذا الخَبَرُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّ ما كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن ذَلِكَ فَحُكْمُهُ باقٍ عَلَيْنا، والثّانِي: أنَّهُ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ في إيجابِ القِصاصِ عامًّا في سائِرِ النُّفُوسِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن جِهَةِ السُّنَّةِ، ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ زَكَرِيّا التُّسْتَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ العَسْكَرِيُّ أبُو مُعاوِيَةَ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «العَمْدُ قَوَدٌ إلّا أنْ يَعْفُوَ ولِيُّ المَقْتُولِ» فَقَدْ دَلَّ هَذا الخَبَرُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: إيجابُ القَوَدِ في كُلِّ عَمْدٍ، وأوْجَبَ ذَلِكَ القَوَدَ عَلى قاتِلِ العَبْدِ. والثّانِي: نَفى بِهِ وُجُوبَ المالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ وجَبَ المالُ مَعَ القَوَدِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ لَما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ القَوَدِ دُونَهُ. ويَدُلُّ أيْضًا عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ العَبْدَ مَحْقُونُ الدَّمِ حَقْنًا لا يَرْفَعُهُ مُضِيُّ الوَقْتِ، ولَيْسَ بِوَلَدٍ لِلْقاتِلِ، ولا مِلْكٍ لَهُ، فَأشْبَهَ الحُرُّ الأجْنَبِيَّ، فَوَجَبَ القِصاصُ بَيْنَهُما كَما يَجِبُ عَلى العَبْدِ إذا قَتَلَ حُرًّا بِهَذِهِ العِلَّةِ، كَذَلِكَ إذا قَتَلَهُ الحُرُّ لِوُجُودِ العِلَّةِ فِيهِ. وأيْضًا فَمَن مَنَعَ أنْ يُقادَ الحُرُّ بِالعَبْدِ، فَإنَّما مَنَعَهُ لِنُقْصانِ الرِّقِّ الَّذِي (p-١٦٩)فِيهِ، ولا اعْتِبارَ بِالمُساواةِ في الأنْفُسِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيما دُونَها، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ عَشَرَةً لَوْ قَتَلُوا واحِدًا قُتِلُوا بِهِ، ولَمْ تُعْتَبَرِ المُساواةُ، كَذَلِكَ لَوْ أنَّ رَجُلًا صَحِيحَ الجِسْمِ سَلِيمَ الأعْضاءِ قَتَلَ رَجُلًا مَفْلُوجًا مَرِيضًا مُدْنَفًا مَقْطُوعَ الأعْضاءِ قُتِلَ بِهِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ مَعَ نُقْصانِ عَقْلِها ودِينِها، ودِيَتُها ناقِصَةٌ عَنْ دِيَةِ الرَّجُلِ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنْ لا اعْتِبارَ بِالمُساواةِ في إيجابِ القِصاصِ في الأنْفُسِ، وأنَّ الكامِلَ يُقادُ مِنهُ لِلنّاقِصِ، ولَيْسَ ذَلِكَ حُكْمَ ما دُونَ النَّفْسِ؛ لِأنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ في أنَّهُ لا تُؤْخَذُ اليَدُ الصَّحِيحَةُ بِالشَّلّاءِ، وتُؤْخَذُ النَّفْسُ الصَّحِيحَةُ بِالسَّقِيمَةِ. ورَوى اللَّيْثُ عَنِ الحَكَمِ، أنَّ عَلِيًّا وابْنَ مَسْعُودٍ قالا: " مَن قَتَلَ عَبْدًا عَمْدًا فَهو قَوَدٌ " .

البقرة 2:180

بابُ القَوْلِ في وُجُوبِ الوَصِيَّةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ مِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ: " خَيْرًا " أرادَ بِهِ مالًا، واخْتَلَفُوا في المِقْدارِ المُرادِ بِالمالِ الَّذِي أوْجَبَ اللَّهُ الوَصِيَّةَ فِيهِ حِينَ كانَتِ الوَصِيَّةُ فَرْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ مَعْناهُ فُرِضَ عَلَيْكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] يَعْنِي فَرْضًا مُوَقَّتًا. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ دَخَلَ عَلى مَوْلًى لَهُ في مَرَضِهِ ولَهُ سَبْعُ مِائَةِ دِرْهَمٍ أوْ سِتُّ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَقالَ: ألا أُوصِي ؟ قالَ: لا، إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ولَيْسَ لَكَ كَثِيرُ مالٍ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: " أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، وما دُونَها نَفَقَةٌ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لا وصِيَّةَ في ثَمانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ " . وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في امْرَأةٍ أرادَتِ الوَصِيَّةَ فَمَنَعَها أهْلُها، وقالُوا: لَها ولَدٌ، ومالُها يَسِيرٌ، فَقالَتْ: كَمْ ولَدُها ؟ قالُوا: أرْبَعَةٌ، قالَتْ: فَكَمْ مالُها ؟ قالُوا: ثَلاثَةُ آلافٍ، فَكَأنَّها عَذَرَتْهم، وقالَتْ: ما في هَذا المالِ فَضْلٌ. وقالَ إبْراهِيمُ: " ألْفُ دِرْهَمٍ إلى خَمْسِ مِائَةِ دِرْهَمٍ " ورَوى هَمّامٌ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قالَ: " كانَ يُقالُ: خَيْرُ المالِ ألْفُ دِرْهَمٍ فَصاعِدًا "، وقالَ الزُّهْرِيُّ: " هي في كُلِّ ما وقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ المالِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ " . وكُلُّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ فَإنَّما تَأوَّلُوا تَقْدِيرَ المالِ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْبابِ لا عَلى وجْهِ الإيجابِ لِلْمَقادِيرِ المَذْكُورَةِ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ الِاجْتِهادِ فِيما تَلْحَقُهُ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنَ المالِ. ومَعْلُومٌ في العادَةِ أنَّ مَن تَرَكَ دِرْهَمًا لا يُقالُ تَرَكَ خَيْرًا، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ مَوْقُوفَةً عَلى العادَةِ، وكانَ طَرِيقُ التَّقْدِيرِ فِيها عَلى الِاجْتِهادِ وغالِبِ الرَّأْيِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ القَدْرَ اليَسِيرَ لا تَلْحَقُهُ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ، وأنَّ الكَثِيرَ تَلْحَقُهُ، فَكانَ طَرِيقُ الفَصْلِ فِيها الِاجْتِهادَ، وغالِبَ الرَّأْيِ مَعَ ما كانُوا عَرَفُوا مِن سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وقَوْلِهِ: «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ وأنْ تَدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ». واخْتَلَفَ النّاسُ في الوَصِيَّةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ كانَتْ واجِبَةً أمْ لا ؟ فَقالَ قائِلُونَ: " إنَّها لَمْ تَكُنْ واجِبَةً، وإنَّما كانَتْ نَدْبًا وإرْشادًا " . وقالَ آخَرُونَ: " قَدْ كانَتْ فَرْضًا ثُمَّ نُسِخَتْ " عَلى الِاخْتِلافِ مِنهم في المَنسُوخِ مِنها، واحْتَجَّ مَن قالَ: " إنَّها لَمْ تَكُنْ واجِبَةً " بِأنَّ في سِياقِ الآيَةِ وفَحْواها دَلالَةٌ عَلى نَفْيِ وُجُوبِها، وهو قَوْلُهُ: ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ﴾ فَلَمّا (p-٢٠٣)قِيلَ فِيها: " بِالمَعْرُوفِ " وإنَّها " عَلى المُتَّقِينَ " دَلَّ عَلى أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: " بِالمَعْرُوفِ " لا يَقْتَضِي الإيجابَ، والآخَرُ: قَوْلُهُ " عَلى المُتَّقِينَ " ولَيْسَ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ، الثّالِثُ: تَخْصِيصُهُ لِلْمُتَّقِينَ بِها والواجِباتُ لا يَخْتَلِفُ فِيها المُتَّقُونَ، وغَيْرُهم. قالَ أبُو بَكْرٍ: ولا دَلالَةَ فِيما ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ عَلى نَفْيِ وُجُوبِها؛ لِأنَّ إيجابَها بِالمَعْرُوفِ لا يَنْفِي وُجُوبَها؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ مَعْناهُ العَدْلُ الَّذِي لا شَطَطَ فِيهِ ولا تَقْصِيرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ولا خِلافَ في وُجُوبِ هَذا الرِّزْقِ والكِسْوَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] بَلِ المَعْرُوفُ هو الواجِبُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] وقالَ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فَذِكْرُ المَعْرُوفِ فِيما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الوَصِيَّةِ لا يَنْفِي وُجُوبَها بَلْ هو يُؤَكِّدُ وُجُوبَها؛ إذْ كانَ جَمِيعُ أوامِرِ اللَّهِ مَعْرُوفًا غَيْرَ مُنْكَرٍ. ومَعْلُومٌ أيْضًا أنَّ ضِدَّ المَعْرُوفِ هو المُنْكَرُ، وأنَّ ما لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ هو مُنْكَرٌ، والمُنْكَرُ مَذْمُومٌ مَزْجُورٌ عَنْهُ، فَإذًا المَعْرُوفُ واجِبٌ. وأمّا قَوْلُهُ: " حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ " فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِإيجابِها؛ لِأنَّ عَلى النّاسِ أنْ يَكُونُوا مُتَّقِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ تَقْوى اللَّهِ فَرْضٌ، فَلَمّا جَعَلَ تَنْفِيذَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ مِن شَرائِطِ التَّقْوى فَقَدْ أبانَ عَنْ إيجابِها. وأمّا تَخْصِيصُهُ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى نَفْيِ وُجُوبِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ أقَلَّ ما فِيهِ اقْتِضاءُ الآيَةِ وُجُوبَها عَلى المُتَّقِينَ، ولَيْسَ فِيها نَفْيُها عَنْ غَيْرِ المُتَّقِينَ، كَما أنَّهُ لَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] نَفْيُ أنْ يَكُونَ هُدًى لِغَيْرِهِمْ، وإذا وجَبَتْ عَلى المُتَّقِينَ بِمُقْتَضى الآيَةِ وجَبَ عَلى غَيْرِهِمْ، وفائِدَةُ تَخْصِيصِهِ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ مِن تَقْوى اللَّهِ، وعَلى النّاسِ أنْ يَكُونُوا كُلُّهم مُتَّقِينَ، فَإذًا عَلَيْهِمْ فِعْلُ ذَلِكَ. ودَلالَةُ الآيَةِ ظاهِرَةٌ في إيجابِها، وتَأْكِيدِ فَرْضِها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " كُتِبَ عَلَيْكم " مَعْناهُ فُرِضَ عَلَيْكم عَلى ما بَيَّنّا فِيما سَلَفَ، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ولا شَيْءَ في ألْفاظِ الوُجُوبِ آكَدُ مِن قَوْلِ القائِلِ: " هَذا حَقٌّ عَلَيْكَ " وتَخْصِيصُهُ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ كَما بَيَّنّاهُ آنِفًا، مَعَ اتِّفاقِ أهْلِ التَّفْسِيرِ مِنَ السَّلَفِ أنَّها كانَتْ واجِبَةً بِهَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ واجِبَةً، وهو ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ جِبْرِيلَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أيُّوبَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ يَبِيتُ ثَلاثًا إلّا ووَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ (p-٢٠٤)الباقِي قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا الحُمَيْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ قالَ: حَدَّثَنا أيُّوبُ قالَ: سَمِعْتُ نافِعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مالٌ يُوصِي فِيهِ تَمُرُّ عَلَيْهِ لَيْلَتانِ إلّا ووَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ» . وقَدْ رَواهُ هِشامُ بْنُ الغازِي عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إلّا ووَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ» . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ قَدْ كانَتْ واجِبَةً. ثُمَّ اخْتَلَفَ القائِلُونَ بِوُجُوبِها بَدِيًّا، فَقالَتْ مِنهم طائِفَةٌ: " جَمِيعُ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن إيجابِ الوَصِيَّةِ مَنسُوخٌ " مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، حَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ المُؤَدِّبُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدِ القاسِمِ بْنِ سَلّامٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وعُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ: " نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] . ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قالَ: " نُسِخَ مِن ذَلِكَ مَن يَرِثُ ولَمْ يُنْسَخْ مَن لا يَرِثُ " . فاخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ذَلِكَ: في أحَدَيْهِما أنَّ الجَمِيعَ مَنسُوخٌ، وفي الأُخْرى أنَّهُ مَنسُوخٌ مِمَّنْ يَرِثُ مِنَ الأقْرَبِينَ دُونَ مَن لا يَرِثُ. وحَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الفَضْلِ المُؤَدِّبُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مَهْدِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ عَنْ عُمارَةَ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ " نَسَخَتْها الفَرائِضُ " . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ: " كانَ المِيراثُ لِلْوَلَدِ والوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ فَهي مَنسُوخَةٌ " . وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: " قَدْ كانَتِ الوَصِيَّةُ واجِبَةً لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ فَنُسِخَتْ عَمَّنْ يَرِثُ وجُعِلَتْ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ " رَواهُ يُونُسُ وأشْعَثُ عَنِ الحَسَنِ. ورُوِيَ عَنْ الحَسَنِ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وعَبْدِ المَلِكِ بْنِ يَعْلى " في الرَّجُلِ يُوصِي لِغَيْرِ ذِي القَرابَةِ، ولَهُ ذُو قَرابَةٍ مِمَّنْ لا يَرِثُهُ أنَّ ثُلُثَيِ الثُّلُثِ لِذِي القَرابَةِ، وثُلُثُ الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ " وقالَ طاوُسٌ: " يُرَدُّ كُلُّهُ إلى ذَوِي القَرابَةِ " . وقالَ الضَّحّاكُ: " لا وصِيَّةَ إلّا لِذِي قَرابَةٍ إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ ذُو قَرابَةٍ " وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: " قَدْ كانَتِ الوَصِيَّةُ في الجُمْلَةِ واجِبَةً لِذِي القَرابَةِ، ولَمْ يَكُنْ عَلى المُوصِي أنْ يُوصِيَ بِها لِجَمِيعِهِمْ، بَلْ كانَ لَهُ الِاقْتِصارُ عَلى الأقْرَبِينَ مِنهم، فَلَمْ تَكُنْ واجِبَةً لِلْأبْعَدِينَ، ثُمَّ نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ لِلْأقْرَبِينَ فَبَقِيَ الأبْعَدُونَ (p-٢٠٥)عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن جَوازِ الوَصِيَّةِ لَهم أوْ تَرْكِها " . ثُمَّ اخْتَلَفَ القائِلُونَ بِنَسْخِها فِيما نُسِخَتْ بِهِ، وقَدْ رَوَيْنا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ أنَّ آيَةَ المَوارِيثِ نَسَخَتْها، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] وقالَ آخَرُونَ: نَسَخَها ما ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» رَواهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ، عَنْهُ ﷺ قالَ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» . ورَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَجُوزُ لِوارِثٍ وصِيَّةٌ»، وإسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا أُمامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ: «ألا إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» وحَجّاجَ بْنَ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَجُوزُ لِوارِثٍ وصِيَّةٌ إلّا أنْ يُجِيزَها الوَرَثَةُ» . ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَواهُ حَجّاجٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: " لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ " وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " لا يَجُوزُ لِوارِثٍ وصِيَّةٌ "، وهَذَ الخَبَرُ المَأْثُورُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ. ووُرُودُهُ مِنَ الجِهاتِ الَّتِي وصَفْنا هو عِنْدَنا في حَيِّزِ التَّواتُرِ؛ لِاسْتِقامَتِهِ وشُهْرَتِهِ في الأُمَّةِ، وتَلَقَّيِ الفُقَهاءُ إيّاهُ بِالقَبُولِ واسْتِعْمالِهِمْ لَهُ، وجائِزٌ عِنْدَنا نَسْخُ القُرْآنِ بِمِثْلِهِ، إذْ كانَ في حَيِّزِ ما يُوجِبُ العِلْمَ والعَمَلَ مِنَ الآياتِ. فَأمّا إيجابُ اللَّهِ تَعالى المِيراثَ لِلْوَرَثَةِ فَغَيْرُ مُوجِبٍ نَسْخَ الوَصِيَّةِ لِجَوازِ اجْتِماعِ المِيراثِ والوَصِيَّةِ مَعًا، ألا تَرى أنَّهُ ﷺ قَدْ أجازَها لِلْوارِثِ إذا أجازَتْها الوَرَثَةُ ؟ فَلَمْ يَكُنْ يَسْتَحِيلُ اجْتِماعُ المِيراثِ والوَصِيَّةِ لِواحِدٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا آيَةُ المِيراثِ، عَلى أنَّ اللَّهَ إنَّما جَعَلَ المِيراثَ بَعْدَ الوَصِيَّةِ، فَما الَّذِي كانَ يَمْنَعُ أنْ يُعْطى قِسْطَهُ مِنَ الوَصِيَّةِ ثُمَّ يُعْطى المِيراثَ بَعْدَها. وقالَ الشّافِعِيُّ في كِتابِ الرِّسالَةِ: " يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَوارِيثُ ناسِخَةً لِلْوَصِيَّةِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ثابِتَةٌ مَعَها، فَلَمّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، وهو مُنْقَطِعٌ أنَّهُ قالَ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» اسْتَدْلَلْنا بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن ذَلِكَ عَلى أنَّ المَوارِيثَ ناسِخَةٌ لِلْوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ مَعَ الخَبَرِ المُنْقَطِعِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ أعْطى القَوْلَ بِاحْتِمالِ اجْتِماعِ الوَصِيَّةِ والمِيراثِ فَإذًا لَيْسَ في نُزُولِ آيَةِ المِيراثِ ما يُوجِبُ نَسْخَ الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِ، فَلَمْ تَكُنِ الوَصِيَّةُ مَنسُوخَةً بِالمِيراثِ لِجَوازِ اجْتِماعِهِما، والخَبَرُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ ورَدَ مِن طَرِيقٍ مُنْقَطِعٍ، وهو لا يَقْبَلُ المُرْسَلَ، ولَوْ ورَدَ مِن جِهَةِ الِاتِّصالِ والتَّواتُرِ لَما قَضى بِهِ عَلى حُكْمِ الآيَةِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَهُ نَسْخَ (p-٢٠٦)القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، فَواجِبٌ أنْ تَكُونَ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ثابِتَةَ الحُكْمِ غَيْرَ مَنسُوخَةٍ؛ إذْ لَمْ يَرِدْ ما يُوجِبُ نَسْخَها. قالَ الشّافِعِيُّ: «وحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ في سِتِّ مَمْلُوكِينَ أعْتَقَهم رَجُلٌ لا مالَ لَهُ غَيْرُهم، فَجَزَّأهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ثَلاثَةَ أجْزاءٍ، فَأعْتَقَ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً. والَّذِي أعْتَقَهم رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ، والعَرَبُ إنَّما تَمْلِكُ مَن لا قَرابَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مِنَ العَجَمِ، فَأجازَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ الوَصِيَّةَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ لَوْ كانَتْ تَبْطُلُ لِغَيْرِ قَرابَةٍ بَطَلَتْ لِلْعَبِيدِ المُعْتَقِينَ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا بِقَرابَةٍ لِلْمَيْتِ وبَطَلَتْ وصِيَّةُ الوالِدَيْنِ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا كَلامٌ ظاهِرُ الِاخْتِلالِ مُنْتَقَضٌ عَلى أصْلِهِ، فَأمّا اخْتِلالُهُ فَقَوْلُهُ: إنَّ العَرَبَ إنَّما تَمْلِكُ مَن لا قَرابَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مِنَ العَجَمِ "، وهَذا خَطَأٌ مِن قِبَلِ أنَّهُ جائِزٌ أنْ تَكُونَ أُمُّهُ أعْجَمِيَّةً، فَيَكُونُ أقْرِباؤُهُ مِن قِبَلِ أُمِّهِ عَجَمًا، فَيَكُونُ العِتْقُ الَّذِي أوْقَعَهُ المَرِيضُ وصِيَّةً لِأقْرِبائِهِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ آيَةَ المَوارِيثِ نَسَخَتِ الوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ فَإنَّما نَسَخَتْها لِمَن كانَ مِنهم وارِثًا، فَأمّا مَن لا يَرِثُ مِنهم فَلَيْسَ في إثْباتِ المِيراثِ لِغَيْرِهِ ما يُوجِبُ نَسْخَ وصِيَّتِهِ، وأمّا انْتِقاضُهُ عَلى أصْلِهِ فَإيجابُهُ نَسْخَ الوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ بِخَبَرِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في عِتْقِ المَرِيضِ لِعَبِيدِهِ، ومِن أصْلِهِ أنَّ السُّنَّةَ لا تَنْسَخُ القُرْآنَ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّدْرِ الأوَّلِ والتّابِعِينَ تَجْوِيزُ الوَصِيَّةِ لِلْأجانِبِ، وأنَّها تَنْفُذُ عَلى ما أوْصى بِها، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ أوْصى لِأُمَّهاتِ أوْلادِهِ لِكُلِّ امْرَأةٍ مِنهُنَّ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ. وعَنْ عائِشَةَ وإبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ والزُّهْرِيِّ قالُوا: تُنَفَّذُ وصِيَّتُهُ حَيْثُ جَعَلَها " وقَدْ حَصَلَ الِاتِّفاقُ مِنَ الفُقَهاءِ بَعْدَ عَصْرِ التّابِعِينَ عَلى جَوازِ الوَصايا لِلْأجانِبِ والأقارِبِ. والَّذِي أوْجَبَ نَسْخَ الوَصِيَّةِ عِنْدَنا لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ قَوْلُهُ تَعالى في سِياقِ آيَةِ المَوارِيثِ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] فَأجازَها مُطْلَقَةً ولَمْ يَقْصُرْها عَلى الأقْرَبِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وفي ذَلِكَ إيجابُ نَسْخِها لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ؛ لِأنَّ الوَصِيَّةَ لَهم قَدْ كانَتْ فَرْضًا، وفي هَذِهِ إجازَةُ تَرْكِها لَهم، والوَصِيَّةُ لِغَيْرِهِمْ وجَعْلِ ما بَقِيَ مِيراثًا لِلْوَرَثَةِ عَلى سِهامِ مَوارِيثِهِمْ، ولَيْسَ يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا، وقَدْ نَسَخَ تِلْكَ الوَصِيَّةِ. فَإنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ المَوارِيثِ، وإيجابِ المَوارِيثِ بَعْدَها الوَصِيَّةَ الواجِبَةَ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ فَيَكُونَ حُكْمُها ثابِتًا لِمَن لا يَرِثُ مِنهم. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن قِبَلِ أنَّهُ أطْلَقَ الوَصِيَّةَ في هَذا المَوْضِعِ بِلَفْظٍ مَنكُورٍ يَقْتَضِي شُيُوعَها في الجِنْسِ، إذْ كانَ ذَلِكَ حُكْمَ النَّكِراتِ، والوَصِيَّةُ المَذْكُورَةُ (p-٢٠٧)لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ لَفْظُها لَفْظُ المَعْرِفَةِ، فَغَيْرُ جائِزٍ صَرْفُها إلَيْها؛ إذْ لَوْ أرادَها. لَقالَ: " مِن بَعْدِ الوَصِيَّةِ " حَتّى يَرْجِعَ الكَلامُ إلى المُعَرَّفِ المَعْهُودِ مِنَ الوَصِيَّةِ الَّتِي قَدْ عُلِمَتْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى لَمّا أرادَ الشُّهَداءَ المَذْكُورِينَ: ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ﴾ [النور: ١٣] فَعَرَّفَهم بِالألِفِ واللّامِ؛ إذْ كانَ المُرادُ " أُولَئِكَ الشُّهَداءَ " . فَلَمّا أطْلَقَ الوَصِيَّةَ في آيَةِ المَوارِيثِ بِلَفْظٍ مَنكُورٍ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِها الوَصِيَّةَ المَذْكُورَةَ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، وأنَّها مُطْلَقَةٌ جائِزَةٌ لِسائِرِ النّاسِ إلّا ما خَصَّتْهُ السُّنَّةُ أوِ الإجْماعُ مِنَ الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِ أوْ لِلْقاتِلِ ونَحْوِهِما، وفي ثُبُوتِ ذَلِكَ نَسْخُ الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: اسْتَدَلَّ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى أنَّ الوالِدَيْنِ لَيْسُوا مِنَ الأقْرِباءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ ولِأنَّهم لا يُدْلُونَ بِغَيْرِهِمْ ورَحِمِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، وسائِرُ الأرْحامِ سِواهُما إنَّما يُدْلُونَ بِغَيْرِهِمْ، فالأقْرَبُونَ مَن يَقْرُبُ إلَيْهِ بِغَيْرِهِ، وقالَ: " إنَّ ولَدَ الصُّلْبِ لَيْسُوا مِنَ الأقْرَبِينَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ بِنَفْسِهِ يُدْلِي بِرَحِمِهِ لا بِواسِطَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ والِدِهِ ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنِ الوالِدانِ مِنَ الأقْرَبِينَ، والوَلَدُ أقْرَبُ إلى والِدِهِ مِنَ الوالِدِ إلى ولَدِهِ، فَهو أحْرى أنْ لا يَكُونَ مِنَ الأقْرَبِينَ " ولِذَلِكَ قالَ فِيمَن أوْصى لِأقْرِباءِ بَنِي فُلانٍ: " إنَّهُ لا يَدْخُلُ فِيها ولَدُهُ ولا والِدُهُ. ويَدْخُلُ فِيها ولَدُ الوَلَدِ والجَدُّ والإخْوَةُ ومَن جَرى مَجْراهم؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهم يُدْلِي إلَيْهِ بِواسِطَةٍ غَيْرِ مُدْلٍ بِنَفْسِهِ " وفي مَعْنى الأقْرِباءِ خِلافٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِ إذا أجازَتْها الوَرَثَةُ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنّا نَسْخَ الوَصِيَّةِ لِلْوَرَثَةِ بِما قَدَّمْنا، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ إلّا أنْ يُجِيزَها الوَرَثَةُ»، وفِيهِ بَيانُ أنَّ الأخْبارَ الوارِدَةَ بِأنْ لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ مِن غَيْرِ ذِكْرِ إجازَةِ الوَرَثَةِ هي مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّ الوَرَثَةَ لَمْ يُجِيزُوها. ويَدُلَّ أيْضًا عَلى أنَّ إجازَةَ الوَرَثَةِ هي مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّ إجازَتَهم مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ المَوْتِ؛ لِأنَّهم في حالِ حَياتِهِ لَيْسُوا بِوَرَثَةٍ، وإنَّما تَحْصُلُ لَهم هَذِهِ السِّمَةُ بَعْدَ مَوْتِ المُوَرِّثِ، فَمَتى أجازَ ولَيْسَ بِوارِثٍ فَإجازَتُهُ باطِلَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» ودَلَّ عَلى أنَّ الوَرَثَةَ مَتى أجازَتِ الوَصِيَّةَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هِبَةً مُسْتَأْنَفَةً مِن جِهَتِهِمْ فَتُحْمَلُ عَلى أحْكامِ الهِباتِ في شَرْطِ القَبْضِ والتَّسْلِيمِ ونَفْيِ الشُّيُوعِ فِيما يُقَسَّمُ، والرُّجُوعِ فِيها، بَلْ تَكُونُ مَحْمُولَةً عَلى أحْكامِ الوَصايا الجائِزَةِ دُونَ الهِباتِ مِن قِبَلِ مُجِيزِيها مِنَ الوَرَثَةِ. ودَلَّ أيْضًا عَلى جَوازِ العُقُودِ المَوْقُوفَةِ الَّتِي لَها مُجِيزٌ؛ لِأنَّ المَيِّتَ عَقَدَ (p-٢٠٨)الوَصِيَّةَ عَلى مالٍ هو لِلْوارِثِ في حالِ وُقُوعِ الوَصِيَّةِ. وجَعَلَها النَّبِيُّ ﷺ مَوْقُوفَةً عَلى إجازَةِ الوارِثِ، فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا فِيمَن عَقَدَ عَقْدَ بَيْعٍ أوْ عِتْقٍ أوْ هِبَةٍ أوْ رَهْنٍ أوْ إجارَةٍ عَلى مالِ الغَيْرِ أنَّهُ يَقِفُ عَلى إجازَةِ مالِكِهِ؛ إذْ كانَ عَقَدًا لَهُ مالِكٌ يَمْلِكُ ابْتِداءَهُ وإيقاعَهُ، وقَدْ دَلَّ أيْضًا عَلى أنَّهُ؛ إذا أوْصى بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ كانَتْ مَوْقُوفَةً عَلى إجازَةِ الوَرَثَةِ، كَما وقَفَها النَّبِيُّ ﷺ عَلى إجازَتِهِمْ إذا أوْصى بِها لِوارِثٍ فَهَذِهِ المَعانِي كُلُّها في ضِمْنَ قَوْلِهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ إلّا أنْ يُجِيزَها الوَرَثَةُ» . وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن أوْصى بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ فَأجازَهُ الوَرَثَةُ قَبْلَ المَوْتِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: " إذا أجازُوهُ في حَياتِهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ حَتّى يُجِيزُوهُ بَعْدَ المَوْتِ " ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وشُرَيْحٍ وإبْراهِيمَ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعُثْمانُ البَتِّيُّ: " لَيْسَ لَهم أنْ يَرْجِعُوا فِيهِ بَعْدَ المَوْتِ، وهي جائِزَةٌ عَلَيْهِمْ " . وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: " إذا اسْتَأْذَنَهم فَكُلُّ وارِثٍ بائِنٌ عَنِ المَيِّتِ، مِثْلُ الوَلَدِ الَّذِي قَدْ بانَ عَنْ أبِيهِ والأخِ وابْنِ العَمِّ الَّذِينَ لَيْسُوا في عِيالِهِ، فَإنَّهم لَيْسَ لَهم أنْ يَرْجِعُوا، وأمّا امْرَأتُهُ وبَناتُهُ اللّاتِي لَمْ يَبِنَّ مِنهُ، وكُلُّ مَن في عِيالِهِ، وإنْ كانَ قَدِ احْتَلَمَ فَلَهم أنْ يَرْجِعُوا، وكَذَلِكَ العَمُّ وابْنُ العَمِّ، ومَن خافَ مِنهم إنْ لَمْ يُجِزْ لَحِقَهُ ضَرَرٌ مِنهُ في قَطْعِ النَّفَقَةِ إنْ صَحَّ، فَلَهم أنْ يَرْجِعُوا " . ورَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ " في المَرِيضِ يَسْتَأْذِنُ ورَثَتَهُ في الوَصِيَّةِ لِبَعْضِ ورَثَتِهِ فَأذِنُوا لَهُ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَرْجِعُوا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولَوْ كانَ اسْتَأْذَنَهم في الصِّحَّةِ فَلَهم أنْ يَرْجِعُوا إنْ شاءُوا، وإنَّما يَجُوزُ إذْنُهم في حالِ المَرَضِ؛ لِأنَّهُ يُحْجَبُ عَنْ مالِهِ بِحَقِّهِمْ فَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ " وقَوْلُ اللَّيْثِ في ذَلِكَ كَقَوْلِ مالِكٍ. ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّهم إذا أجازُوهُ بَعْدَ المَوْتِ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَرْجِعُوا فِيهِ، ورُوِيَ عَنْ طاوُسٍ وعَطاءٍ أنَّهم إذا أجازُوهُ في الحَياةِ جازَ عَلَيْهِمْ. قالَ أبُو بَكْرٍ: عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ إلّا أنْ يُجِيزَها الوَرَثَةُ» يَنْفِي جَوازَ الوَصِيَّةِ في كُلِّ حالِ، فَلَمّا خُصَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " إلّا أنْ يُجِيزَها الوَرَثَةُ " وهم إنَّما يَكُونُونَ ورَثَةً عَلى الحَقِيقَةِ بَعْدَ المَوْتِ لا قَبْلَهُ، فالمَخْصُوصُ مِنَ الجُمْلَةِ إجازَتَهم بَعْدَ المَوْتِ. وما عَدا ذَلِكَ فَهو مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِ بَقِيَّةِ الوَصِيَّةِ، والنَّظَرُ يَدُلَّ عَلى ذَلِكَ؛ إذْ لَيْسُوا مالِكِينَ لِلْمالِ في حالِ الحَياةِ فَلا تَعْمَلُ إجازَتُهم فِيهِ كَما لا تَجُوزُ هِبَتُهم ولا بَيْعُهم، وإنْ حَدَثَ المَوْتُ بَعْدَهُ فالإجازَةُ أبْعَدُ مِن ذَلِكَ، ولَمّا كانَ المُوصى لَهُ إنَّما تَقَعُ الوَصِيَّةُ لَهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَكَذَلِكَ الإجازَةُ حُكْمُها أنْ يَكُونَ في حالِ وُقُوعِ الوَصِيَّةِ، وأنْ (p-٢٠٩)لا تَعْمَلَ الإجازَةُ قَبْلَ وُقُوعِها. وأيْضًا لَمّا كانَ لِلْمَيِّتِ إبْطالُ الوَصِيَّةِ في حالِ الحَياةِ مَعَ كَوْنِهِ مالِكًا، فالوَرَثَةُ أحْرى بِجَوازِ الرُّجُوعِ عَمّا أجازُوهُ، وإذا جازَ لَهُمُ الرُّجُوعُ فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الإجازَةَ لا تَصِحُّ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ حَقُّ الوَرَثَةِ ثابِتًا في مالِهِ بِالمَرَضِ ومِن أجْلِهِ مُنِعَ ذَلِكَ في المَرَضِ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ كَما مُنِعَ بَعْدَ المَوْتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ حالُ المَرَضِ حالَ المَوْتِ في بابِ لُزُومِهِمْ حُكْمَ الإجازَةِ إذا أجازُوا. قِيلَ لَهُ: تَصَرُّفُ المَرِيضِ جائِزٌ عِنْدَنا في جَمِيعِ مالِهِ بِالهِبَةِ، والصَّدَقَةِ، والعِتْقِ، وسائِرِ مَعانِي التَّصَرُّفِ ووُجُوهِهِ، وإنَّما نُسِخَ مِنها بَعْدَ المَوْتِ ما زادَ عَلى الثُّلُثِ لِثُبُوتِ حَقِّ الوَرَثَةِ بِالمَوْتِ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا اعْتِبارَ بِقَوْلِ الوارِثِ فِيهِ، ألا تَرى أنَّ الوارِثَ لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْسَخَ عُقُودَهُ قَبْلَ المَوْتِ، وإنَّما ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ عِنْدَ ثُبُوتِ حَقِّهِ في مالِهِ ؟ فَكَذَلِكَ إجازَتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ كَلا إجازَةٍ، كَما لا يَعْمَلُ فَسْخُهُ في عُقُودِهِ. وأمّا ما فَرَّقَ بِهِ مالِكٌ بَيْنَ مَن يَخْشى ضَرَرًا مِن جِهَتِهِ في تَرْكِ الإجازَةِ وبَيْنَ مَن لا يَخْشى ذَلِكَ مِنهُ، فَلا مَعْنى لَهُ مِن قِبَلِ أنَّ خَشْيَةَ الضَّرَرِ مِن جِهَتِهِ لا تَمْنَعُ صِحَّةَ عُقُودِهِ، وقَوْلُهُ: " إذْ لَيْسَ يُكْسِبُهُ ذَلِكَ حُكْمَ المُكْرَهِ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ باعَ مِنهُ شَيْئًا طَلَبَهُ مِنهُ، وقالَ: خَشِيتُ أنْ تُقْطَعَ عَنِّي نَفَقَتُهُ، وجِرايَتُهُ بِتَرْكِ إجابَتِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُذْرًا في إبْطالِ البَيْعِ ؟ وكَذَلِكَ لَوِ اسْتَوْهَبَهُ المَرِيضُ شَيْئًا فَوَهَبَهُ لَهُ لَمْ يَكُنْ ما يَخافُهُ بِتَرْكِ إجابَتِهِ مُؤَثِّرًا في هِبَتِهِ، فَكانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مَن يَخْشى مِن قِبَلِهِ ضَرَرًا. فَإذًا لا اعْتِبارَ لِخَوْفِ الضَّرَرِ في قَطْعِ النَّفَقَةِ والجِرايَةِ في إيجابِ العِتْقِ بَيْنَ مَن هو في عِيالِهِ أوْ لَيْسَ في عِيالِهِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

البقرة 2:181

بابُ تَبْدِيلِ الوَصِيَّةِ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ قِيلَ: إنَّ الهاءَ الَّتِي في قَوْلِهِ: " فَمَن بَدَّلَهُ " عائِدَةٌ عَلى الوَصِيَّةِ، وجائِزٌ فِيها التَّذْكِيرُ؛ لِأنَّ الوَصِيَّةَ، والإيصاءَ واحِدٌ. وأمّا الهاءُ في قَوْلِهِ: " إثْمُهُ " فَإنَّما هي عائِدَةٌ عَلى التَّبْدِيلِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: " فَمَن بَدَّلَهُ " . وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الشّاهِدَ عَلى الوَصِيَّةِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ زَجْرَهُ عَنِ التَّبْدِيلِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ [المائدة: ١٠٨] ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الوَصِيَّ؛ لِأنَّهُ هو المُتَوَلِّي لِإمْضائِها، والمالِكُ لِتَنْفِيذِها، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قَدْ أمْكَنَهُ تَغْيِيرُها. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عُمُومًا في سائِرِ النّاسِ؛ إذْ لا مَدْخَلَ لَهم في ذَلِكَ، ولا تَصَرُّفَ لَهم فِيهِ، (p-٢١٠)وهُوَ عِنْدَنا عَلى المَعْنَيَيْنِ الأوَّلَيْنِ مِنَ الشّاهِدِ والوَصِيِّ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُما، والشّاهِدُ إذا اِحْتِيجَ إلَيْهِ مَأْمُورٌ بِأداءِ ما سَمِعَ عَلى وجْهِهِ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ ولا تَبْدِيلٍ، والوَصِيُّ مَأْمُورٌ بِتَنْفِيذِها عَلى حَسَبِ ما سَمِعَهُ مِمّا تَجُوزُ الوَصِيَّةُ بِهِ. ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ قالا: " هي الوَصِيَّةُ تُصِيبُ الوَلِيَّ الشّاهِدَ " .، وقالَ الحَسَنُ: " هي الوَصِيَّةُ مَن سَمِعَ الوَصِيَّةَ ثُمَّ بَدَّلَها بَعْدَما سَمِعَها فَإنَّما إثْمُها عَلى مَن بَدَّلَها " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الحاكِمُ مُرادًا بِذَلِكَ لِأنَّ لَهُ فِيهِ وِلايَةً وتَصَرُّفًا إذا رُفِعَ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِإمْضائِها إذا جازَتْ في الحُكْمِ مَنهِيًّا عَنْ تَبْدِيلِها، وفِيها الأمْرُ بِإمْضائِها وتَنْفِيذِها عَلى الحَقِّ والصِّدْقِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ قَدِ اقْتَضى جَوازَ تَنْفِيذِ الوَصِيِّ ما سَمِعَهُ مِن وصِيَّةِ المُوصِي، كانَ عَلَيْها شُهُودٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وهُوَ أصْلٌ في كُلِّ مَن سَمِعَ شَيْئًا فَجائِزٌ إمْضاؤُهُ عِنْدَ الإمْكانِ عَلى مُقْتَضاهُ ومُوجِبِهِ مِن غَيْرِ حُكْمِ حاكِمِ، ولا شَهادَةِ شُهُودٍ فَقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ المَيِّتَ مَتى أقَرَّ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الوَصِيَّةِ فَجائِزٌ لَهُ أنْ يَقْضِيَهُ مِن غَيْرِ عِلْمِ وارِثٍ ولا حاكِمٍ ولا غَيْرِهِ لِأنَّ في تَرْكِهِ ذَلِكَ بَعْدَ السَّماعِ تَبْدِيلًا لِوَصِيَّةِ المُوصِي. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ قَدْ حَوى مَعانِيَ: أحَدُها: أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى الوَصِيَّةِ المَفْرُوضَةِ كانَتْ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، وهي لا مَحالَةَ مُضْمَرَةٌ فِيهِ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمِ الكَلامُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ في إيجابِ الفائِدَةِ لِما انْتَظَمَ مِنَ الكِنايَةِ والضَّمِيرِ اللَّذَيْنِ لا بُدَّ لَهُما مِن مُظْهَرٍ مَذْكُورٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ مُظْهَرٌ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في أوَّلِها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أفادَتِ الآيَةُ سُقُوطَ الفَرْضِ عَنِ المُوصِي بِنَفْسِ الوَصِيَّةِ، وأنَّهُ لا يَلْحَقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن مَأْثَمِ التَّبْدِيلِ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن أجازَ تَعْذِيبَ الأطْفالِ بِذُنُوبِ آبائِهِمْ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّ مَن كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأوْصى بِقَضائِهِ أنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِن تَبِعَتْهُ في الآخِرَةِ، وأنَّ تَرْكَ الوَرَثَةِ قَضاءَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لا يَلْحَقُهُ تَبِعَةٌ ولا إثْمٌ، وأنَّ إثْمَهُ عَلى مَن بَدَّلَهُ دُونَ مَن أوْصى بِهِ. وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلَيْهِ زَكاةُ مالِهِ فَماتَ ولَمْ يُوصِ بِهِ أنَّهُ قَدْ صارَ مُفَرِّطًا مانِعًا مُسْتَحِقًّا لِحُكْمِ مانِعِي الزَّكاةِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ قَدْ تَحَوَّلَتْ في المالِ حَسَبَ تَحَوُّلِ الدُّيُونِ لَكانَ بِمَنزِلَةِ مَن أوْصى بِها عِنْدَ المَوْتِ فَيَنْجُو مِن مَأْثَمِها، ويَكُونُ حِينَئِذٍ المُبَدِّلُ لَها مُسْتَحِقًّا لِمَأْثَمِها. وكَذَلِكَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مانِعِ الزَّكاةِ عِنْدَ المَوْتِ سُؤالَ الرَّجْعَةِ في قَوْلِهِ: (p-٢١١)﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] فَأخْبَرَ بِحُصُولِ التَّفْرِيطِ وفَواتِ الأداءِ، إذْ لَوْ كانَ الأداءُ باقِيًا عَلى الوارِثِ أوِ الوَصِيِّ مِن مِيراثِ المَيِّتِ لَكانُوا هُمُ المُسْتَحِقِّينَ لِلَّوْمِ والتَّعْنِيفِ في تَرْكِهِ وكانَ المَيِّتُ خارِجًا عَنْ حُكْمِ التَّفْرِيطِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ ما وصَفْنا مِنِ امْتِناعِ وُجُوبِ أداءِ زَكاتِهِ مِن مِيراثِهِ مِن غَيْرِ وصِيَّةٍ مِنهُ بِهِ. فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَفْتَرِقُ حُكْمُ المُوصِي عِنْدَ اللَّهِ في حالِ تَنْفِيذِ وصِيَّتِهِ أوْ تَبْدِيلِها، وهَلْ يَكُونُ ما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ في الحالَيْنِ سَواءً ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّ وصِيَّةَ المُوصِي قَدْ تَضَمَّنَتْ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: اسْتِحْقاقُهُ الثَّوابَ عَلى اللَّهِ بِوَصِيَّتِهِ، والآخَرُ: أنَّ وُصُولَ ذَلِكَ إلى المُوصى لَهُ يَسْتَوْجِبَ مِنهُ الشُّكْرَ لِلَّهِ والدُّعاءَ لِلْمُوصِي، وذَلِكَ لا يَكُونُ ثَوابًا لِلْمُوصِي ولَكِنَّ المُوصِي يَصِلُ إلَيْهِ مِن دُعاءِ المُوصى لَهُ وشُكْرِهِ لِلَّهِ تَعالى جَزاءً لَهُ لا لِلْمُوصِي، فَيَنْتَفِعُ المُوصِي بِذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: إذا أُنْفِذَتِ الوَصِيَّةُ، ومَتى لَمْ تَنْفُذْ كانَ نَفْعُهُ مَقْصُورًا عَلى الثَّوابِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِوَصِيَّتِهِ دُونَ غَيْرِها. فَإنْ قِيلَ: فَمَن كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَمْ يُوصِ بِقَضائِهِ وقَضاهُ الوَرَثَةُ هَلْ يَبْرَأُ المَيِّتُ مِن تَبِعَتِهِ ؟ قِيلَ لَهُ: امْتِناعُهُ مِن قَضاءِ الدَّيْنِ قَدْ تَضَمَّنْ شَيْئَيْنِ. أحَدُهُما: حَقُّ اللَّهِ تَعالى، والآخَرُ: حَقُّ الآدَمِيِّ؛ فَإذا اسْتَوْفى الآدَمِيُّ حَقَّهُ فَقَدْ بَرِئَ مِن تَبِعَتِهِ وبَقِيَ مِن حَقِّ الآدَمِيِّ ما أُدْخِلَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والضَّرَرِ بِتَأْخِيرِهِ، فَإذا لَمْ يَتُبْ مِنهُ كانَ مُؤاخَذًا بِهِ في الآخِرَةِ وبَقِيَ حَقُّ اللَّهِ، وهو الظُّلْمُ الواقِعُ مِنهُ في حَياتِهِ لَمْ تَكُنْ تَوْبَةٌ مِنهُ فِيهِ، فَهو مُؤاخَذٌ بِهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى؛ ألا تَرى أنَّ مَن غَصَبَ مِن رَجُلٍ مالًا، وأصَرَّ عَلى مَنعِهِ كانَ مُكْتَسِبًا بِذَلِكَ المَأْثَمَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: حَقُّ اللَّهِ بِارْتِكابِ نَهْيِهِ، والآخَرُ: حَقُّ الآدَمِيِّ بِظُلْمِهِ لَهُ وإضْرارِهِ بِهِ ؟ فَلَوْ أنَّ الآدَمِيَّ أخَذَ حَقَّهُ مِنهُ مِن غَيْرِ إرادَةِ الغاصِبِ لِذَلِكَ لَكانَ قَدْ بَرِئَ مِن حَقِّهِ وبَقِيَ حَقُّ اللَّهِ يَحْتاجُ إلى التَّوْبَةِ مِنهُ، فَإذا ماتَ غَيْرَ تائِبٍ كانَتْ تَبِعَتُهُ باقِيَةً عَلَيْهِ لاحِقَةً بِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ إنَّما هو فِيمَن بَدَّلَ ذَلِكَ إذا وقَعَ عَلى وجْهِ الصِّحَّةِ والجَوازِ والعَدْلِ، فَأمّا إذا كانَتِ الوَصِيَّةُ جَوْرًا فالواجِبُ تَبْدِيلُها ورَدُّها إلى العَدْلِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُضارٍّ وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] فَإنَّما تُنَفَّذُ الوَصِيَّةُ إذا وقَعَتْ عادِلَةً غَيْرَ جائِرَةٍ. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في الآيَةِ الَّتِي تَلِيها.

البقرة 2:182

بابُ الشّاهِدُ والوَصِيُّ إذا عَلِما الجَوْرَ في الوَصِيَّةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ أبُو (p-٢١٢)بَكْرٍ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ قالَ: " هو الرَّجُلُ يُوصِي فَيَجْنَفُ في وصِيَّتِهِ فَيَرُدُّها الوَلِيُّ إلى العَدْلِ والحَقِّ " . ورَوى أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: " الجَنَفُ الخَطَأُ والإثْمُ العَمْدُ " . ورَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وابْنُ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ قالَ: " هو المُوصِي لِابْنِ ابْنِهِ يُرِيدُ لِبَنِيهِ " . ورَوى المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ أبِيهِ عَنِ الحَسَنِ في الرَّجُلِ يُوصِي لِلْأباعِدِ ويَتْرُكُ الأقارِبَ قالَ: " يَجْعَلُ وصِيَّتَهُ ثَلاثَةَ أثْلاثٍ: لِلْأقارِبِ الثُّلُثَيْنِ، ولِلْأباعِدِ الثُّلُثُ " . ورُوِيَ عَنْ طاوُسٍ في الرَّجُلِ يُوصِي لِلْأباعِدِ قالَ: " يُنْتَزَعُ مِنهم فَيُدْفَعُ لِلْأقارِبِ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِمْ فَقِيرٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: " الجَنَفُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، وقَدْ حَكَيْنا عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: " الجَنَفُ الخَطَأُ " ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ المَيْلَ عَنِ الحَقِّ عَلى وجْهِ الخَطَأِ، والإثْمُ مَيْلُهُ عَنْهُ عَلى وجْهِ العَمْدِ؛ وهو تَأْوِيلٌ مُسْتَقِيمٌ. وتَأوَّلَهُ الحَسَنُ عَلى الوَصِيَّةِ لِلْأجْنَبِيِّ، ولَهُ أقْرِباءُ أنَّ ذَلِكَ جَنَفٌ ومَيْلٌ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ الوَصِيَّةَ كانَتْ عِنْدَهُ لِلْأقارِبِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ. وتَأوَّلَهُ طاوُسٌ عَلى مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: الوَصِيَّةُ لِلْأباعِدِ فَتُرَدُّ إلى الأقارِبِ، والآخَرُ: أنَّ مَن يُوصِي لِابْنِ ابْنَتِهِ يُرِيدُ ابْنَتَهُ. وقَدْ نَسَخَ وُجُوبَ الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ غَيْرَ مُوجِبٍ أنْ يَكُونَ هَذا الحُكْمُ مَقْصُورًا عَلى الوَصِيَّةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَها؛ لِأنَّهُ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ يَصِحُّ ابْتِداءُ الخِطابِ بِهِ غَيْرَ مُضَمَّنٍ بِما قَبْلَهُ، فَهو عامٌّ في سائِرِ الوَصايا إذا عَدَلَ بِها عَنْ جِهَةِ العَدْلِ إلى الجَوْرِ، مُنْتَظِمَةً لِلْوَصِيَّةِ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ في حالِ بَقاءِ وُجُوبِها، وشامِلَةً لِسائِرِ الوَصايا غَيْرِها؛ فَمَن خافَ مِن سائِرِ النّاسِ مِن مُوصٍ مَيْلًا عَنِ الحَقِّ وعُدُولًا إلى الجَوْرِ فالواجِبُ عَلَيْهِ إرْشادُهُ إلى العَدْلِ والصَّلاحِ. ولا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الشّاهِدُ والوَصِيُّ والحاكِمُ دُونَ سائِرِ النّاسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ والخَوْفُ إنَّما يَخْتَصُّ بِما يُمْكِنُ وُقُوعُهُ في المُسْتَقْبَلِ، وأمّا الماضِي فَلا يَكُونُ فِيهِ خَوْفٌ ؟ قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ لَهُ مِن أحْوالِ المُوصِي ما يَغْلِبُ مَعَهُ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ يُرِيدُ الجَوْرَ وصَرْفَ المِيراثِ عَنِ الوارِثِ، فَعَلى مَن خافَ ذَلِكَ مِنهُ رَدُّهُ إلى العَدْلِ ويُخَوِّفُهُ ذَمِيمَ عاقِبَةِ الجَوْرِ أوْ يَدْخُلُ بَيْنَ المُوصى لَهُ وبَيْنَ الوَرَثَةِ عَلى وجْهِ الصَّلاحِ. وقَدْ قِيلَ إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَمَن خافَ﴾ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ (p-٢١٣)فِيها جَوْرًا فَيَرُدُّها إلى العَدْلِ. وإنَّما قالَ تَعالى: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ولَمْ يَقُلْ " فَعَلَيْهِ رَدُّها إلى العَدْلِ والصَّلاحِ " ولا ذَكَرَ لَهُ فِيهِ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ أحْوالِ الدّاخِلِينَ بَيْنَ الخُصُومِ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ أنْ يَسْألُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما تَرْكَ بَعْضِ حَقِّهِ، فَيَسْبِقُ مَعَ هَذِهِ الحالِ إلى ظَنِّ المُصْلِحِ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ سائِغٍ لَهُ؛ ولِأنَّهُ إنَّما يَعْمَلُ في كَثِيرٍ مِنهُ عَلى غالِبِ ظَنِّهِ دُونَ الحَقِيقَةِ، فَرَخَّصَ اللَّهُ تَعالى في الإصْلاحِ بَيْنَهم، وأزالَ ظَنَّ الظّانِّ لِامْتِناعِ جَوازِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] في هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ وعَدَ بِالثَّوابِ عَلى مِثْلِهِ في غَيْرِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] ورُوِيَ في تَغْلِيظِ الجَنَفِ في الوَصِيَّةِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسّانَ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الإضْرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ ثُمَّ قَرَأ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩] وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا القاسِمُ بْنُ زَكَرِيّا ومُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ المُغِيرَةِ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الإضْرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا طاهِرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسْحاقَ القاضِي: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مَعِينٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أشْعَثَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَإذا أوْصى حافَ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ النّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوارِثِ قالَ: حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الحُدّانِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي الأشْعَثُ بْنُ جابِرٍ قالَ: حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، أنَّ أبا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الرَّجُلَ والمَرْأةَ لَيَعْمَلانِ بِطاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُما المَوْتُ فَيُضارّانِ في الوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُما النّارُ ثُمَّ قَرَأ عَلَيَّ أبُو هُرَيْرَةَ مِن هاهُنا: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ﴾ [النساء: ١٢] حَتّى بَلَغَ: ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣]» فَهَذِهِ الأخْبارُ مَعَ ما قَدَّمْنا تُوجِبُ عَلى مَن عَلِمَ جَنَفًا في الوَصِيَّةِ مِن مُوصٍ أنْ يَرُدَّهُ إلى العَدْلِ إذا أمْكَنَهُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: عَلى ماذا يَعُودُ الضَّمِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ؟ قِيلَ (p-٢١٤)لَهُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ المُوصِي أفادَ بِفَحْوى الخِطابِ أنَّ هُناكَ مُوصًى لَهُ ووارِثًا تَنازَعُوا، فَعادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِفَحْوى الخِطابِ في الإصْلاحِ بَيْنَهم؛ وأنْشُدَ الفَرّاءُ: ؎وأدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيَّهُما يَلِينِي ؎الخَيْرُ الَّذِي أنا أبْتَغِيهِ ∗∗∗ أمِ الشَّرُّ الَّذِي هو يَبْتَغِينِي فَكَنّى في البَيْتِ الأوَّلِ عَنِ الشَّرِّ بَعْدَ ذِكْرِ الخَيْرِ وحْدَهُ لِما في فَحْوى اللَّفْظِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِ الخَيْرِ وغَيْرِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى المَذْكُورِينَ في ابْتِداءِ الخِطابِ، وهُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ. وقَدْ أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ عَلى الوَصِيِّ والحاكِمِ والوارِثِ وكُلِّ مَن وقَفَ عَلى جَوْرٍ في الوَصِيَّةِ مِن جِهَةِ الخَطَأِ أوِ العَمْدِ رَدَّها إلى العَدْلِ، ودَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] خاصٌّ في الوَصِيَّةِ العادِلَةِ دُونَ الجائِرَةِ. وفِيها الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ اجْتِهادِ الرَّأْيِ والعَمَلِ عَلى غالِبِ الظَّنِّ؛ لِأنَّ الخَوْفَ مِنَ المَيْلِ يَكُونُ في غالِبِ ظَنِّ الخائِفِ. وفِيها رُخْصَةٌ في الدُّخُولِ بَيْنَهم عَلى وجْهِ الإصْلاحِ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِتَراضِيهِمْ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.

البقرة 2:183

بابُ فَرْضِ الصِّيامِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ فاللَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْنا فَرْضَ الصِّيامِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ مَعْناهُ فُرِضَ عَلَيْكم، كَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] يَعْنِي فَرْضًا مُؤَقَّتًا. الصِّيامُ في اللُّغَةِ هو الإمْساكُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] يَعْنِي صَمْتًا، فَسَمّى الإمْساكَ عَنِ الكَلامِ صَوْمًا. ويُقالُ: " خَيْلٌ صِيامٌ " إذا كانَتْ مُمْسِكَةً عَنِ العَلَفِ، و" صامَتِ الشَّمْسُ نِصْفَ النَّهارِ " لِأنَّها مُمْسِكَةٌ عَنِ السَّيْرِ والحَرَكَةِ، فَهَذا حُكْمُ هَذا اللَّفْظِ في اللُّغَةِ. وهو في الشَّرْعِ: اسْمٌ لِلْكَفِّ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ وما في مَعْناهُ، وعَنِ الجِماعِ في نَهارِ الصَّوْمِ مَعَ نِيَّةِ القُرْبَةِ أوِ الفَرْضِ. وهو لَفْظٌ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ عِنْدَ وُرُودِهِ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ شَرْعِيٌّ مَوْضُوعٌ لَمَعانٍ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً في اللُّغَةِ، إلّا أنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الفَرْضِ واسْتِقْرارِ أمْرِ الشَّرِيعَةِ قَدْ عَقَلَ مَعْناهُ المَوْضُوعَ لَهُ فِيها بِتَوْقِيفِ النَّبِيِّ ﷺ الأُمَّةِ عَلَيْها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَعْتَوِرُهُ مَعانٍ ثَلاثَةٍ كُلُّ واحِدٍ مِنها مَرْوِيٌّ عَنِ السَّلَفِ؛ قالَ الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةَ: " إنَّهُ كُتِبَ عَلى (p-٢١٥)الَّذِينَ مِن قَبْلِنا وهُمُ النَّصارى شَهْرُ رَمَضانَ أوْ مِقْدارُهُ مِن عَدَدِ الأيّامِ، وإنَّما حَوَّلُوهُ وزادُوا فِيهِ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ والسُّدِّيُّ: " كانَ الصَّوْمُ مِنَ العَتَمَةِ إلى العَتَمَةِ ولا يَحِلُّ بَعْدَ النَّوْمِ مَأْكَلٌ ولا مَشْرَبٌ ولا مَنكَحٌ، ثُمَّ نُسِخَ " . وقالَ آخَرُونَ: " مَعْناهُ أنَّهُ كُتِبَ عَلَيْنا صِيامُ أيّامٍ كَما كُتِبَ عَلَيْهِمْ صِيامُ أيّامٍ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى مُساواتِهِ في المِقْدارِ بَلْ جائِزٌ فِيهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ " . ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ: " الَّذِينَ مِن قَبْلِكم " أهْلُ الكِتابِ " . ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «أُحِيلَ الصِّيامُ ثَلاثَةَ أحْوالٍ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَجَعَلَ الصَّوْمَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ ويَوْمَ عاشُوراءَ»، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ الصِّيامَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وذَكَرَ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي قَدَّمْنا. قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى المُرادِ في العَدَدِ أوْ في صِفَةِ الصِّيامِ أوْ في الوَقْتِ كانَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا، ولَوْ عَلِمْنا وقْتَ صِيامِ مَن قَبْلَنا وعَدَدَهُ كانَ جائِزًا أنْ يَكُونَ مُرادُهُ صِفَةَ الصِّيامِ وما حَظَرَ عَلى الصّائِمِ فِيهِ بَعْدَ النَّوْمِ، فَلَمْ يَكُنْ لَنا سَبِيلٌ إلى اسْتِعْمالِ ظاهِرِ اللَّفْظِ في احْتِذاءِ صَوْمِ مَن قَبْلَنا، وقَدْ عَقَّبَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وذَلِكَ جائِزٌ وُقُوعُهُ عَلى قَلِيلِ الأيّامِ وكَثِيرِها، فَلَمّا قالَ تَعالى: في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] بَيَّنْ بِذَلِكَ عَدَدَ الأيّامِ المَعْدُوداتِ ووَقْتَها وأمَرَ بِصَوْمِها. وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] صَوْمُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ رَمَضانُ، ثُمَّ نُسِخَ بِرَمَضانَ. * * بابٌ في المُسافِرِ يَصُومُ رَمَضانَ عَنْ غَيْرِهِ واخْتُلِفَ في المُسافِرِ يَصُومُ رَمَضانَ عَنْ واجِبِ غَيْرِهِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: " هو عَمّا نَوى " فَإنْ صامَهُ تَطَوُّعًا فَعَنْهُ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أنَّهُ عَنْ رَمَضانَ، والأُخْرى: أنَّهُ تَطَوُّعٌ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " هو عَنْ رَمَضانَ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا " وقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا في المُقِيمِ إذا نَوى بِصِيامِهِ واجِبًا غَيْرَهُ أوْ تَطَوُّعًا: " إنَّهُ عَنْ رَمَضانَ ويَجْزِيهِ " وقالَ الثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ في امْرَأةٍ صامَتْ رَمَضانَ تَطَوُّعًا فَإذا هو مِن شَهْرِ رَمَضانَ: " أجْزَأها " وقالا: " مَن صامَ في أرْضِ العَدُوِّ تَطَوُّعًا وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ رَمَضانُ أجْزى عَنْهُ " وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: " مَن صامَ في أوَّلِ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ رَمَضانُ لَمْ يَجْزِهِ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَصُومَ دَيْنًا ولا قَضاءً لِغَيْرِهِ في رَمَضانَ، فَإنْ فَعَلَ لَمْ يَجْزِهِ لِرَمَضانَ ولا لِغَيْرِهِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: نَبْتَدِئُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى بِالكَلامِ في المُقِيمِ يَصُومُ رَمَضانَ تَطَوُّعًا، فَنَقُولُ: الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولَمْ يُخَصِّصْ صَوْمًا، فَهو عَلى سائِرِ ما يَصُومُهُ مِن تَطَوُّعٍ أوْ فَرْضٍ في كَوْنِهِ مُجْزِيًا عَنِ الفَرْضِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو الصّائِمُ تَطَوُّعًا أوْ واجِبًا غَيْرَ أنْ يَكُونَ صَوْمًا عَمّا نَوى دُونَ رَمَضانَ، أوْ يَكُونَ مُلْغًى لا حُكْمَ لَهُ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَصُمْ، أوْ مُجْزِيًا عَنْ رَمَضانَ؛ فَلَمّا كانَ وُقُوعُهُ عَمّا نَوى وكَوْنُهُ مُلْغًى مانِعَيْنِ مِن أنْ يَكُونَ هَذا الصِّيامُ خَيْرًا لَهُ بَلْ يَكُونُ وُقُوعُهُ عَنْ رَمَضانَ خَيْرًا لَهُ، وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُلْغًى، ولا عَمّا نَوى مِن غَيْرِ رَمَضانَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ثُمَّ قالَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ومَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ فُقَهاءِ الأمْصارِ إضْمارُ الإفْطارِ فِيهِ، وأنَّ تَقْدِيرَهُ: " فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ " فَإنَّما أوْجَبَ القَضاءَ عَلى المُسافِرِ والمَرِيضِ إذا أفْطَرا فِيهِ، فَثَبَتْ بِذَلِكَ أنَّ مَن صامَ مِنَ المُقِيمِينَ ولَمْ يُفْطِرْ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ، إذْ قَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ وأنَّ صِيامَ الجَمِيعِ مِنَ المُخاطَبِينَ إلّا مَن أفْطَرَ مِنَ المَرْضى والمُسافِرِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فَعُدُّوا ثَلاثِينَ» فاقْتَضى ظاهِرُ ذَلِكَ جَوازَهُ عَلى أيِّ وجْهٍ أوْقَعَ صَوْمَهُ مِن تَطَوُّعٍ أوْ غَيْرِهِ. ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ لَمّا كانَ مُسْتَحَقَّ العَيْنِ في هَذا الوَقْتِ أشْبَهَ طَوافَ الزِّيارَةِ في يَوْمِ النَّحْرِ، فَعَلى أيِّ وجْهٍ أوْقَعَهُ أجْزَأ عَنِ الفَرْضِ، عَلى أنَّهُ لَوْ نَواهُ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ عَمّا نَواهُ فَلَوْلا أنَّهُ قَدْ أجْزى (p-٢٧١)عَنِ الفَرْضِ لَوَجَبَ أنْ يُجْزِيَهُ عَمّا نَوى كَصِيامِ سائِرِ الأيّامِ يُجْزى عَمّا نَوى. فَإنْ قِيلَ: إنَّ صَلاةَ الظُّهْرِ مُسْتَحَقَّةُ العَيْنِ لِهَذا الوَقْتِ إذا بَقِيَ مِنَ الوَقْتِ مِقْدارُ ما يُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ، ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ جَوازَها بِنِيَّةِ النَّفْلِ، قِيلَ لَهُ: وقْتُ الظُّهْرِ غَيْرُ مُسْتَحَقِّ العَيْنِ لِفِعْلِها؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ لِفِعْلِها ولِغَيْرِها، ولا فَرْقَ بَيْنَ أوَّلِ الوَقْتِ وآخِرِهِ، فَإذا كانَ فِعْلُ التَّطَوُّعِ في أوَّلِهِ لا يُجْزِي عَنِ الفَرْضِ كَذَلِكَ في آخِرِهِ، وأيْضًا فَإنَّهُ إذا نَوى بِصَلاتِهِ في آخِرِ الوَقْتِ تَطَوُّعًا أوْ فَرْضًا غَيْرَهُ كانَ كَما نَوى. وقَدِ اتَّفَقْنا عَلى أنَّ صَوْمَ عَيْنِ رَمَضانَ لا يُجْزِي عَنْ غَيْرِهِ، فَدَلَّ أنَّهُ مُسْتَحَقُّ العَيْنِ لِامْتِناعِ جَوازِ صَوْمٍ آخَرَ فِيهِ ولِأنَّهُ وقْتٌ يَسْتَغْرِقُ الفَرْضَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ ولا تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، والظُّهْرُ لَها وقْتٌ غَيْرَ أنَّهُ إذا أخَّرَهُ كانَ جائِزًا لَهُ فِعْلُها فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ: «الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» يَمْنَعُ جَوازَ صَوْمِ رَمَضانَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ، قِيلَ لَهُ: أمّا قَوْلُهُ ﷺ «الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» فَلا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ؛ لِأنَّ فِيهِ ضَمِيرًا مُحْتَمِلًا لَمَعانٍ مِن جَوازٍ وفَضِيلَةٍ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ في اللَّفْظِ، ومَتى تَنازَعْنا فِيهِ اِحْتِيجَ إلى دَلالَةٍ في إثْباتِهِ، فَسَقَطَ الِاحْتِجاجُ بِهِ، وأمّا قَوْلُهُ: «ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» فَإنَّ خَصْمَنا يُوافِقُنا في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ما نَوى مِن تَطَوُّعٍ ولا فَرْضٍ غَيْرِهِ؛ لِأنّا نَقُولُ: لا يَكُونُ تَطَوُّعًا ولا فَرْضًا غَيْرُ رَمَضانَ، وهو يَقُولُ: لا يَكُونُ عَنْ رَمَضانَ ولا عَمّا نَوى؛ فَحَصَلَ بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ أنَّ قَوْلَهُ: " ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى " غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ عَلى ظاهِرِهِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ، وأيْضًا قَوْلُهُ: «ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ عِنْدَ الجَمِيعِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ مَن نَوى الصَّوْمَ كانَ صائِمًا، ومَن نَوى الصَّلاةَ كانَ مُصَلِّيًا، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ الصَّلاةُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ دُونَ فِعْلِها، وكَذَلِكَ الصَّوْمُ وسائِرُ الفُرُوضِ والطّاعاتِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ هَذا اللَّفْظَ غَيْرُ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ في إثْباتِ حُكْمِهِ إلّا بِقَرِينَةٍ؛ فَسَقَطَ احْتِجاجُ المُخالِفِ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنًى مَحْذُوفٍ ويَحْتاجُ إلى دَلالَةٍ في إثْباتِهِ، وما كانَ هَذا وصْفَهُ فالِاحْتِجاجُ بِظاهِرِهِ ساقِطٌ، والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: " ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى " يَقْتَضِي جَوازَ صَوْمِهِ إذا نَواهُ تَطَوُّعًا، فَإذا جازَ صَوْمُهُ وقَعَ عَنِ الفَرْضِ لِاتِّفاقِنا أنَّهُ إذا لَمْ يَجُزْ عَنِ الفَرْضِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ما نَوى، فَوَجَبَ بِقَضِيَّةِ قَوْلِهِ: " ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى " إنْ يَحْصُلْ لَهُ ما نَوى وإلّا فَقَدْ ألْغَيْنا حُكْمَ اللَّفْظِ رَأْسًا، وأيْضًا مَعْلُومٌ مِن فَحْوى قَوْلِهِ " ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى " ما يَقْتَضِيهِ نِيَّتُهُ مِن ثَوابِ فَرْضٍ أوْ فَضِيلَةٍ أوْ نَحْوِها فَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ؛ ولِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ (p-٢٧٢)يَكُونَ مُرادُهُ وُقُوعَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ حاصِلٌ مَوْجُودٌ مَعَ وُجُودِ النِّيَّةِ وعَدَمِها والنِّيَّةُ هي الَّتِي تُصَرِّفُ أحْكامَهُ عَلى حَسَبِ مُقْتَضاها ومُوجِبِها مِنِ اسْتِحْقاقِ ثَوابِ الفَرْضِ أوِ الفَضِيلَةِ أوِ الحَمْدِ أوِ الذَّمِّ إنْ كانَتِ النِّيَّةُ تَقْتَضِي حَمْدَهُ أوْ ذَمَّهُ؛ وإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ يَخْلُو القَوْلُ فِيها مِن أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يَسْقُطَ اعْتِبارُ حُكْمِ اللَّفْظِ في دَلالَتِهِ عَلى جَوازِ الصَّوْمِ أوْ بُطْلانِهِ ووَجَبَ طَلَبُ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِهِ، أوْ أنْ يُسْتَعْمَلَ حُكْمُهُ فِيما يَقْتَضِيهِ مَضْمُونُهُ مِن إفادَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ حَمْدٍ أوْ ذَمٍّ؛ فَإذا وجَبَ اسْتِعْمالٌ عَلى ذَلِكَ وقَدْ تَوَجَّهَتْ نِيَّتُهُ إلى ضَرْبٍ مِنَ القُرْبِ، فَواجِبٌ أنْ يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أقَلُّ أحْوالِهِ في ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَوابُهُ مِثْلَ ثَوابِ ناوِي الفَرْضِ أنْ يَكُونَ أنْقَصَ مِنهُ، ونُقْصانُ الثَّوابِ لا يَمْنَعُ جَوازَهُ عَنِ الفَرْضِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ فَيُكْتَبُ لَهُ نِصْفُها، رُبْعُها، خُمْسُها، عُشْرُها» فَأخْبَرَ بِنُقْصانِ الثَّوابِ مَعَ الجَوازِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا مِن تَعَلُّقِ حُكْمِ اللَّفْظِ بِالثَّوابِ والعِقابِ أوِ الحَمْدِ والذَّمِّ، قَوْلُهُ ﷺ: «ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى، فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ» . وزَعَمَ الشّافِعِيُّ أنَّ مَن عَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ فَأحْرَمَ يَنْوِي تَطَوُّعًا، أنَّهُ يَجْزِيهِ مِن حَجَّةِ الإسْلامِ، فَأسْقَطَ نِيَّةَ التَّطَوُّعِ وجَعَلَها لِلْفَرْضِ مَعَ قَوْلِهِ إنَّ فَرْضَ الحَجِّ عَلى المُهْلَةِ وإنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقِّ الفِعْلِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، وذَلِكَ أبْعَدُ في الجَوازَ مِن صَوْمِ رَمَضانَ لِأنَّ صَوْمَ رَمَضانَ مُسْتَحَقُّ العَيْنِ في وقْتٍ لا يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ ولا تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، فَتَرَكَ ظاهِرَ قَوْلِهِ عَلى أصْلِهِ " الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى " ولَمْ يَلْجَأْ فِيهِ إلى نَظَرٍ صَحِيحٍ يُعَضِّدُ مَقالَتَهُ؛ وكانَ الواجِبُ عَلى أصْلِهِمُ اعْتِبارَ ما يَدْعُونَهُ ظاهِرًا مِن هَذا الخَبَرِ، وأمّا عَلى أصْلِنا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ الِاحْتِجاجَ بِهِ ساقِطٌ، وأوْضَحْنا عَنْ مَعْناهُ ومُقْتَضاهُ وأنَّهُ يُوجِبُ جَوازَهُ عَنِ الفَرْضِ؛ فَسَلِمَ لَنا ما اسْتَدْلَلْنا بِهِ مِنَ الظَّواهِرِ والنَّظَرِ ولَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ هَذا الأثَرُ. وأمّا المُسافِرُ إذا صامَ رَمَضانَ عَنْ واجِبٍ عَلَيْهِ، فَإنَّما أجازَ ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ عَمّا نَوى؛ لِأنَّ فِعْلَ الصَّوْمِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ في هَذا الحالِ وهو مُخَيَّرٌ مَعَ الإمْكانِ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ بَيْنَ فِعْلِهِ وتَرْكِهِ فَأشْبَهَ سائِرَ الأيّامِ غَيْرَ رَمَضانَ، فَلَمّا كانَ سائِرُ الأيّامِ جائِزًا لِمَن صامَهُ عَمّا نَواهُ فَكَذَلِكَ حُكْمُ رَمَضانَ لِلْمُسافِرِ، وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنَّهُ مَتى نَواهُ تَطَوُّعًا أنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي رُوِيَتْ، وهي أقْيَسُ (p-٢٧٣)الرِّوايَتَيْنِ فَإنْ قِيلِ: عَلى هَذا يَلْزَمُهُ أنْ يُجْزِيَ صَوْمُ المَرِيضِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الإفْطارُ عَنْ غَيْرِ رَمَضانَ بِأنْ نَواهُ تَطَوُّعًا أوْ عَنْ واجِبٍ عَلَيْهِ، لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْتَها في المُسافِرِ ؟ قِيلَ لَهُ: لا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِعَدَمِ العِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُها في المُسافِرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى الَّذِي وجَبَ القَوْلُ في المُسافِرِ بِما وصَفْناهُ وأنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّوْمِ وتَرْكِهِ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ وأشْبَهَ ذَلِكَ في غَيْرِ رَمَضانَ، وأمّا المَرِيضُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ الفِطْرُ إلّا مَعَ خَشْيَةِ زِيادَةِ العِلَّةِ والضَّرَرِ اللّاحِقِ بِالصَّوْمِ؛ فَهو لا يَخْلُو مِن أنْ لا يَضُرَّ بِهِ الصَّوْمُ فَعَلَيْهِ فِعْلُهُ، أوْ أنْ يَضُرَّهُ فَغَيْرُ جائِزٍ لَهُ الصَّوْمُ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ كانَ فِعْلُ الصَّوْمِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ أوْ تَرْكُهُ مِن غَيْرِ تَخْيِيرٍ، فَمَتى صامَهُ وقَعَ عَنِ الفَرْضِ؛ إذْ كانَتْ إباحَةُ الإفْطارِ مُتَعَلِّقَةً بِخَشْيَةِ الضَّرَرِ، فَمَتى فَعَلَ الصَّوْمَ فَقَدْ زالَ المَعْنى وصارَ بِمَنزِلَةِ الصَّحِيحِ فَأجْزى عَنْ صَوْمِ الشَّهْرِ عَلى أيِّ وجْهٍ صامَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:184

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوازَ الإفْطارِ لِمَن لَحِقَهُ الِاسْمُ سَواءٌ كانَ الصَّوْمُ يَضُرُّ أوْ لا؛ إلّا أنّا لا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ المَرِيضَ الَّذِي لا يَضُرُّهُ الصَّوْمُ غَيْرُ مُرَخَّصٍ لَهُ في الإفْطارِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " إذا خافَ أنْ تَزْدادَ عَيْنُهُ وجَعًا أوْ حُمّاهُ شِدَّةً أفْطَرَ " . وقالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ: " مَن أجْهَدَهُ الصَّوْمُ أفْطَرَ وقَضى ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، والَّذِي سَمِعْتُهُ أنَّ المَرِيضَ إذا أصابَهُ المَرَضُ وشُقَّ عَلَيْهِ فِيهِ الصِّيامُ فَيَبْلُغُ مِنهُ ذَلِكَ، فَلَهُ أنْ يُفْطِرَ ويَقْضِيَ " قالَ مالِكٌ: " وأهْلُ العِلْمِ يَرَوْنَ عَلى الحامِلِ إذا اشْتَدَّ عَلَيْها الصِّيامُ الفِطْرَ والقَضاءَ ويَرَوْنَ ذَلِكَ مَرَضًا مِنَ الأمْراضِ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " أيُّ مَرَضٍ إذا مَرِضَ الرَّجُلُ حَلَّ لَهُ الفِطْرُ، فَإنْ لَمْ يُطِقْ أفْطَرَ، فَأمّا إذا أطاقَ وإنْ شَقَّ عَلَيْهِ فَلا يُفْطِرُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " إذا (p-٢١٦)ازْدادَ مَرَضُ المَرِيضِ شِدَّةً زِيادَةً بَيِّنَةً أفْطَرَ، وإنْ كانَتْ زِيادَةً مُحْتَمَلَةً لَمْ يُفْطِرْ " . فَثَبَتَ بِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ أنَّ الرُّخْصَةَ في الإفْطارِ لِلْمَرِيضِ مَوْقُوفَةً عَلى زِيادَةِ المَرَضِ بِالصَّوْمِ، وأنَّهُ ما لَمْ يَخْشَ الضَّرَرَ فَعَلَيْهِ أنْ يَصُومَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّخْصَةَ في الإفْطارِ لِلْمَرِيضِ مُتَعَلِّقَةٌ بِخَوْفِ الضَّرَرِ ما رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ القُشَيْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ وضَعَ عَنِ المُسافِرِ شَطْرَ الصَّلاةِ والصَّوْمَ وعَنِ الحامِلِ والمُرْضِعِ» ومَعْلُومٌ أنَّ رُخْصَتَهُما مَوْقُوفَةٌ عَلى خَوْفِ الضَّرَرِ عَلى أنْفُسِهِما أوْ عَلى ولَدَيْهِما، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جَوازَ الإفْطارِ في مِثْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بِخَوْفِ الضَّرَرِ إذِ الحامِلُ والمُرْضِعُ صَحِيحَتانِ لا مَرَضَ بِهِما. وأُبِيحَ لَهُما الإفْطارُ لِأجْلِ الضَّرَرِ. وأباحَ اللَّهُ تَعالى لِلْمُسافِرِ الإفْطارَ، ولَيْسَ لِلسَّفَرِ حَدٌّ مَعْلُومٌ في اللُّغَةِ يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ أقَلِّهِ وبَيْنَ ما هو دُونَهُ، فَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ لِلسَّفَرِ المُبِيحِ لِلْإفْطارِ مِقْدارًا مَعْلُومًا في الشَّرْعِ واخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ أصْحابُنا: " مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ولَيالِيها " وقالَ آخَرُونَ: " مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ " وقالَ آخَرُونَ: " مَسِيرَةُ يَوْمٍ " ولَمْ يَكُنْ لِلُّغَةِ في ذَلِكَ حَظٌّ؛ إذْ لَيْسَ فِيها حَصْرُ أقَلِّهِ بِوَقْتٍ لا يَجُوزُ النُّقْصانُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ العادَةِ، وكُلُّ ما كانَ حُكْمُهُ مَأْخُوذًا مِنَ العادَةِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ تَحْدِيدُهُ بِأقَلِّ القَلِيلِ؛ وقَدْ قِيلَ إنَّ السَّفَرَ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّفَرِ الَّذِي هو الكَشْفُ مِن قَوْلِهِمْ " سَفَرَتِ المَرْأةُ عَنْ وجْهِها، وأسْفَرَ الصُّبْحُ إذا أضاءَ، وسَفَرَتِ الرِّيحُ السَّحابَ إذا قَشَعَتْهُ " والمِسْفَرَةُ المِكْنَسَةُ؛ لِأنَّها تُسْفِرُ عَنِ الأرْضِ بِكَنْسِ التُّرابِ، وأسْفَرَ وجْهُهُ إذا أضاءَ وأشْرَقَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] يَعْنِي مُشْرِقَةً مُضِيئَةً؛ فَسُمِّيَ الخُرُوجُ إلى المَوْضِعِ البَعِيدِ سَفَرًا؛ لِأنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ أخْلاقِ المُسافِرِ وأحْوالِهِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا كانَ مَعْنى السَّفَرِ ما وصَفْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَتَبَيَّنُ في الوَقْتِ اليَسِيرِ واليَوْمِ واليَوْمَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَتَصَنَّعُ في الأغْلَبِ لِمِثْلِ هَذِهِ المَسافَةِ فَلا يَظْهَرُ فِيهِ ما يَكْشِفُهُ البَعِيدُ مِن أخْلاقِهِ، فَإنِ اعْتَبَرَ بِالعادَةِ عَلِمْنا أنَّ المَسافَةَ القَرِيبَةَ لا تُسَمّى سَفَرًا والبَعِيدَةُ تُسَمّى، إلّا أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الثَّلاثَةَ سَفَرٌ صَحِيحٌ فِيما يُتَعَلَّقُ بِهِ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ. فَثَبَتَ أنَّ الثَّلاثَ سَفَرٌ وما دُونَها لَمْ يَثْبُتْ لِعَدَمِ مَعْنى الِاسْمِ فِيهِ وفَقْدِ التَّوْقِيفِ والِاتِّفاقِ بِتَحْدِيدِهِ. وأيْضًا قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ تَقْتَضِي اعْتِبارَ الثَّلاثِ في كَوْنِها سَفَرًا في أحْكامِ الشَّرْعِ، فَمِنها حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ نَهى أنْ تُسافِرَ امْرَأةٌ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» واخْتَلَفَ الرُّواةُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ بَعْضُهم: " ثَلاثَةَ أيّامٍ " وقالَ بَعْضُهم: " يَوْمَيْنِ " فَهَذِهِ الألْفاظُ (p-٢١٧)المُخْتَلِفَةُ قَدْ رُوِيَتْ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . واخْتُلِفَ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، فَرَوى سُفْيانُ عَنْ عَجْلانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا تُسافِرُ امْرَأةٌ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ إلّا ومَعَها ذُو مَحْرَمٍ» ورَوى كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا نِساءَ المُؤْمِناتِ لا تَخْرُجُ امْرَأةٌ مِن مَسِيرَةِ لَيْلَةٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» وكُلُّ واحِدٍ مِن أخْبارِ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ إنَّما هو خَبَرٌ واحِدٌ اخْتَلَفَتِ الرُّواةُ في لَفْظِهِ، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ ﷺ قالَ ذَلِكَ في أحْوالٍ، فالواجِبُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ الزّائِدِ أوْلى وهو الثَّلاثُ؛ لِأنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلى اسْتِعْمالِهِ وما دُونَها مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلا يَثْبُتُ لِاخْتِلافِ الرُّواةِ فِيهِ. وأخْبارُ ابْنِ عُمَرَ لا اخْتِلافَ فِيها، فَهي ثابِتَةٌ وفِيها ذِكْرُ الثَّلاثِ، ولَوْ أثْبَتْنا ذِكْرَ أخْبارِ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ عَلى اخْتِلافِها لَكانَ أكْثَرُ أحْوالِها أنْ تَتَضادَّ، وتَسْقُطَ كَأنَّها لَمْ تَرِدْ، وتَبْقى لَنا أخْبارُ ابْنِ عُمَرَ في اعْتِبارِ الثَّلاثِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ. فَإنْ قِيلَ: أخْبارُ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ مُتَعارِضَةٍ؛ لِأنّا نُثْبِتُ جَمِيعَ ما رُوِيَ فِيها مِنَ التَّوْقِيتِ، فَنَقُولُ: لا تُسافِرْ يَوْمًا ولا يَوْمَيْنِ ولا ثَلاثَةً. قِيلَ لَهُ: مَتى اسْتَعْمَلْتَ ما دُونَ الثَّلاثِ فَقَدْ ألْغَيْتَ الثَّلاثَ وجَعَلْتَ وُرُودَها وعَدَمَها بِمَنزِلَةٍ، فَأنْتَ غَيْرُ مُسْتَعْمِلٍ لِخَبَرِ الثَّلاثِ مَعَ اسْتِعْمالِكَ خَبَرَ ما دُونَها، وإذا لَمْ يَكُنْ إلّا اسْتِعْمالُ بَعْضِها وإلْغاءُ البَعْضِ فاسْتِعْمالُ خَبَرِ الثَّلاثِ أوْلى لِما فِيهِ مِن ذِكْرِ الزِّيادَةِ؛ وأيْضًا قَدْ يُمْكِنُ اسْتِعْمالُ الثَّلاثِ مَعَ إثْباتِ فائِدَةِ الخَبَرِ في اليَوْمِ واليَوْمَيْنِ، وهو أنَّها مَتى أرادَتْ سَفَرَ الثَّلاثِ لَمْ تَخْرُجِ اليَوْمَ ولا اليَوْمَيْنِ مِنَ الثَّلاثِ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهُ لَمّا حُدَّ الثَّلاثُ فَمُباحٌ لَها الخُرُوجُ يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ وإنْ أرادَتْ سَفَرَ الثَّلاثِ، فَأبانَ ﷺ حَظْرَ ما دُونَها مَتى أرادَتْها. وإذا ثَبَتَ تَقْدِيرُ الثَّلاثِ في حَظْرِ الخُرُوجِ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ثَبَتَ ذَلِكَ تَقْدِيرًا في إباحَةِ الإفْطارِ في رَمَضانَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَبَرَ في خُرُوجِ المَرْأةِ الثَّلاثَ اعْتَبَرَها في إباحَةِ الإفْطارِ، وكُلُّ مَن قَدَّرَهُ بِيَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ كَذَلِكَ قَدَّرَهُ في الإفْطارِ. والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ الثَّلاثَ قَدْ تَعَلَّقَ بِها حُكْمٌ وما دُونَها لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ في الشَّرْعِ، فَوَجَبَ تَقْدِيرُها في إباحَةِ الإفْطارِ؛ لِأنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالوَقْتِ المُقَدَّرِ، ولَيْسَ فِيما دُونَ الثَّلاثِ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَصارَ بِمَنزِلَةِ خُرُوجِ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ. وأيْضًا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ رَخَّصَ في المَسْحِ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا ولَيْلَةً ولِلْمُسافِرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَها»، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ ورَدَ مَوْرِدَ بَيانِ الحُكْمِ لِجَمِيعِ المُسافِرِينَ؛ لِأنَّ ما ورَدَ (p-٢١٨)مَوْرِدَ البَيانِ فَحُكْمُهُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِجَمِيعِ ما اقْتَضى البَيانُ مِنَ التَّقْدِيرِ، فَما مِن مُسافِرٍ إلّا وهو الَّذِي يَكُونُ سَفَرُهُ ثَلاثًا، ولَوْ كانَ ما دُونَ الثَّلاثِ سَفَرًا في الشَّرْعِ لَكانَ قَدْ بَقِيَ مُسافِرٌ لَمْ يَتَبَيَّنْ حُكْمُهُ ولَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ مُسْتَوْعِبًا لِجَمِيعِ ما اقْتَضى البَيانُ وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ البَيانِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ المُسافِرَ اسْمٌ لِلْجِنْسِ لِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلَيْهِ، فَما مِن مُسافِرٍ إلّا وقَدِ انْتَظَمَهُ هَذا الحُكْمُ، فَثَبَتَ أنَّ مَن خَرَجَ عَنْهُ فَلَيْسَ بِمُسافِرٍ يَتَعَلَّقُ بِسَفَرِهِ حُكْمٌ، وفي ذَلِكَ أوْضَحُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ السَّفَرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ هو سَفَرُ ثَلاثٍ وأنَّ ما دُونَهُ لا حُكْمَ لَهُ في إفْطارٍ ولا قَصْرٍ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ هَذا الضَّرْبِ مِنَ المَقادِيرِ لا يُؤْخَذُ مِن طَرِيقِ المَقايِيسِ، وإنَّما طَرِيقُ إثْباتِهِ الِاتِّفاقُ والتَّوْقِيفُ، فَلَمّا عَدِمْنا فِيما دُونَ الثَّلاثِ الِاتِّفاقَ والتَّوْقِيفَ وجَبَ الوُقُوفُ عِنْدَ الثَّلاثِ لِوُجُودِ الِاتِّفاقِ فِيهِ أنَّهُ سَفَرٌ يُبِيحُ الإفْطارَ. وأيْضًا لَمّا كانَ لُزُومُ فَرْضِ الصَّوْمِ هو الأصْلُ واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ رُخْصَةِ الإفْطارِ، لَمْ يَجُزْ لَنا عِنْدَ الِاخْتِلافِ تَرْكُ الفَرْضِ إلّا بِالإجْماعِ وهو الثَّلاثُ؛ لِأنَّ الفُرُوضَ يُحْتاطُ لَها، ولا يُحْتاطُ عَلَيْها؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وعَمّارٍ وابْنِ عُمَرَ أنَّهُ لا يُفْطِرُ في أقَلَّ مِنَ الثَّلاثِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ مِن السَّلَفِ في تَأْوِيلِهِ، فَرَوى المَسْعُودِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: " أُحِيلَ الصِّيامُ عَلى ثَلاثَةِ أحْوالٍ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ فَكانَ مَن شاءَ صامَ ومَن شاءَ أفْطَرَ وأطْعَمَ مِسْكِينًا وأجْزى عَنْهُ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ الأُخْرى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَأثْبَتَ اللَّهُ تَعالى صِيامَهُ عَلى المُقِيمِ الصَّحِيحِ، ورَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ، وثَبَتَ الإطْعامُ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الصِّيامَ. وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ وعَلْقَمَةَ والزُّهْرِيِّ وعِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ قالَ: " كانَ مَن شاءَ صامَ ومَن شاءَ أفْطَرَ وافْتَدى وأطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، حَتّى نَزَلَ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ورُوِيَ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو ما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى عَنْ إسْرائِيلَ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ قالَ: " مَن أتى عَلَيْهِ رَمَضانُ وهو مَرِيضٌ أوْ مُسافِرٌ فَلِيُفْطِرْ ولْيُطْعِمْ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا صاعًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ . ووَجْهٌ آخَرُ، وهو ما رَوى مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: " وعَلى الَّذِينَ (p-٢١٩)يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ " قالَ: " الشَّيْخُ الكَبِيرُ الَّذِي كانَ يُطِيقُ الصَّوْمَ وهو شابٌّ فَأدْرَكَهُ الكِبَرُ وهو لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَصُومَ مِن ضَعْفٍ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَتْرُكَ الطَّعامَ فَيُفْطِرَ ويُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمِ مِسْكِينًا نِصْفَ صاعٍ " . وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ مِثْلُهُ وكانَتْ عائِشَةُ تَقْرَأُ: " وعَلى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ " . ورَوى خالِدُ الحَذّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قالَ " إنَّها لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ " . ورَوى الحَجّاجُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قالَ: " الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَقالَتِ الفِرْقَةُ الأُولى مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وهُمُ الأكْثَرُونَ عَدَدًا " إنَّ فَرْضَ الصَّوْمِ بَدِيًّا نَزَلَ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ لِمَن يُطِيقُهُ بَيْنَ الصِّيامِ وبَيْنَ الفِدْيَةِ، وإنَّهُ نُسِخَ عَنِ المُطِيقِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقالَتِ الفِرْقَةُ الثّانِيَةُ: " هي غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، بَلْ هي ثابِتَةٌ عَلى المَرِيضِ والمُسافِرِ يُفْطِرانِ ويَقْضِيانِ وعَلَيْهِما الفِدْيَةُ مَعَ القَضاءِ " . وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ يَقْرَءُونَها: " وعَلى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ " فاحْتَمَلَ هَذا اللَّفْظُ مَعانِيَ، مِنها: ما بَيَّنَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ أرادَ الَّذِينَ كانُوا يُطِيقُونَهُ ثُمَّ كَبِرُوا فَعَجَزُوا عَنِ الصَّوْمِ فَعَلَيْهِمُ الإطْعامُ. والمَعْنى الآخَرُ: أنَّهم يُكَلَّفُونَهُ عَلى مَشَقَّةٍ فِيهِ، وهَمَ لا يُطِيقُونَهُ لِصُعُوبَتِهِ، فَعَلَيْهِمُ الإطْعامُ. ومَعْنًى آخَرُ؛ وهو أنَّ حُكْمَ التَّكْلِيفِ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِمْ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُطِيقِينَ لِلصَّوْمِ فَيَقُومُ لَهُمُ الفِدْيَةُ مَقامَ ما لَحِقَهم مِن حُكْمِ تَكْلِيفِ الصَّوْمِ، ألا تَرى أنَّ حُكْمَ تَكْلِيفِ الطَّهارَةِ بِالماءِ قائِمٌ عَلى المُتَيَمِّمِ، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتّى أُقِيمَ التُّرابُ مَقامَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ التَّيَمُّمُ بَدَلًا مِنهُ. وكَذَلِكَ حُكْمُ تَكْلِيفِ الصَّلاةِ قائِمٌ عَلى النّائِمِ والنّاسِي في بابِ وُجُوبِ القَضاءِ لا عَلى وجْهٍ لَزِمَهُ بِالتَّرْكِ، فَلَمّا أوْجَبَ تَعالى عَلَيْهِ الفِدْيَةَ في حالِ العَجْزِ والإياسِ عَنِ القَضاءِ أُطْلِقَ فِيهِ اسْمُ التَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ إذْ كانَتِ الفِدْيَةُ هي ما قامَ مَقامَ غَيْرِهِ. فالقِراءَتانِ عَلى هَذا الوَجْهِ مُسْتَعْمَلَتانِ إلّا أنَّ الأُولى، وهي قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ لا مَحالَةَ مَنسُوخَةٌ لِما ذَكَرَهُ مَن رَوَيْنا عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ وأخْبارِهِمْ عَنْ كَيْفِيَّةِ الفَرْضِ وصِفَتِهِ بَدِيًّا، وأنَّ المُطِيقَ لِلصَّوْمِ مِنهم كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصِّيامِ والإفْطارِ والفِدْيَةِ. ولَيْسَ هَذا مِن طَرِيقِ الرَّأْيِ؛ لِأنَّهُ حِكايَةُ حالٍ شاهَدُوها وعَلِمُوا أنَّها بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم عَلَيْها. وفِي مَضْمُونِ الخِطابِ مِن أوْضَحِ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ ما لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَنا رِوايَةٌ عَنْ السَّلَفِ في مَعْناهُ لَكانَ كافِيًا في الإبانَةِ عَنْ مُرادِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فابْتَدَأ تَعالى بِبَيانِ حُكْمِ المَرِيضِ والمُسافِرِ وأوْجَبَ عَلَيْهِما (p-٢٢٠)القَضاءَ إذا أفْطَرا، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هُمُ المَرْضى والمُسافِرِينَ؛ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حُكْمِهِما وبَيانُ فَرْضِهِما بِالِاسْمِ الخاصِّ لَهُما، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِما بِكِنايَةٍ عَنْهُما مَعَ تَقْدِيمِهِ ذِكْرِهِما مَنصُوصًا مُعَيَّنًا؛ ومَعْلُومٌ أنَّ ما عُطِفَ عَلَيْهِ فَهو غَيْرُهُ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ. ويَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ المُقِيمُونَ المُطِيقُونَ لِلصَّوْمِ، أنَّ المَرِيضَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو الَّذِي يَخافُ ضَرَرَ الصَّوْمِ، فَكَيْفَ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِإطاقَةِ الصَّوْمِ، وهو إنَّما رَخَّصَ لَهُ لِفَقْدِ الإطاقَةِ ولِلضَّرَرِ المَخُوفِ مِنهُ ؟ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ولَيْسَ الصَّوْمُ خَيْرًا لِلْمَرِيضِ الخائِفِ عَلى نَفْسِهِ، بَلْ هو في هَذِهِ الحالِ مَنهِيٌّ عَنِ الصَّوْمِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَرِيضَ والمُسافِرَ لَمْ يُرادا بِالفِدْيَةِ وأنَّهُ لا فِدْيَةَ عَلَيْهِما، أنَّ الفِدْيَةَ ما قامَ مَقامَ الشَّيْءِ، وقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى إيجابِ القَضاءِ عَلى المَرِيضِ والمُسافِرِ، والقَضاءُ قائِمٌ مَقامَ الفَرْضِ فَلا يَكُونُ الإطْعامُ حِينَئِذٍ فِدْيَةً وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالفِدْيَةِ المَرِيضَ والمُسافِرَ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ مَنسُوخٌ بِما قَدَّمْنا. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ الفَرْضِ كانَ الصَّوْمَ، وأنَّهُ جُعِلَ لَهُ العُدُولُ عَنْهُ إلى الفِدْيَةِ عَلى وجْهِ البَدَلِ عَنِ الصَّوْمِ؛ لِأنَّ الفِدْيَةَ ما يَقُومُ مَقامَ الشَّيْءِ، ولَوْ كانَ الإطْعامُ مَفْرُوضًا في نَفْسِهِ كالصَّوْمِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ لَما كانَ بَدَلًا كَما أنَّ المُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ بِما شاءَ مِنَ الثَّلاثَةِ الأشْياءِ لا يَكُونُ ما كَفَّرَ بِهِ مِنها بَدَلًا ولا فِدْيَةً عَنْ غَيْرِها. وإنْ حُمِلَ مَعْناهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: " المُرادُ بِهِ الشَّيْخُ الكَبِيرُ " لَمْ يَكُنْ مَنسُوخًا ولَكِنْ يَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ، وهو " وعَلى الَّذِينَ كانُوا يُطِيقُونَهُ ثُمَّ عَجَزُوا بِالكِبَرِ مَعَ اليَأْسِ عَنِ القَضاءِ " وغَيْرُ جائِزٍ إثْباتُ ذَلِكَ إلّا بِاتِّفاقٍ أوْ تَوْقِيفٍ. ومَعَ ذَلِكَ فِيهِ إزالَةُ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وظاهِرِهِ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وعَلى أنَّ في حَمْلِهِ عَلى ذَلِكَ إسْقاطَ فائِدَةِ قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ لِأنَّ الَّذِينَ كانُوا يُطِيقُونَهُ بَعْدَ لُزُومِ الفَرْضِ، والَّذِينَ لَحِقَهم فَرْضُ الصَّوْمِ وهم عاجِزُونَ عَنْهُ بِالكِبَرِ سَواءٌ في حُكْمِهِ، ويُحْمَلُ مَعْناهُ عَلى أنَّ الشَّيْخَ الكَبِيرَ العاجِزَ عَنِ الصَّوْمِ المَيْئُوسَ مِنَ القَضاءِ عَلَيْهِ الفِدْيَةُ، فَسَقَطَ فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقْ فِيهِ بِذِكْرِ الإطاقَةِ حُكْمٌ ولا مَعْنًى. وقِراءَةُ مَن قَرَأ: " يُطَوَّقُونَهُ " يَحْتَمِلُ الشَّيْخَ المَيْئُوسَ مِنهُ القَضاءُ مِن إيجابِ الفِدْيَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ " يُطَوَّقُونَهُ " قَدِ اقْتَضى تَكْلِيفَهم حُكْمَ الصَّوْمِ مَعَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ عَلَيْهِمْ في فِعْلِهِ وجَعَلَ لَهُمُ الفِدْيَةَ قائِمَةً مَقامَ الصَّوْمِ؛ فَهَذِهِ القِراءَةُ إذا كانَ مَعْناها ما وصَفْنا فَهي غَيْرُ (p-٢٢١)مَنسُوخَةٍ بَلْ هي ثابِتَةُ الحُكْمِ؛ إذْ كانَ المُرادُ بِها الشَّيْخَ المَيْئُوسَ مِنهُ القَضاءُ العاجِزَ عَنِ الصَّوْمِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ. * * ذِكْرُ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في الشَّيْخِ الفانِي قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " الشَّيْخُ الكَبِيرُ الَّذِي لا يُطِيقُ الصِّيامَ يُفْطِرُ ويُطْعِمُ عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ نِصْفَ صاعٍ مِن حِنْطَةٍ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " يُطْعِمُ " ولَمْ يَذْكُرْ مِقْدارَهُ. وقالَ المُزَنِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ: " يُطْعِمُ مُدًّا مِن حِنْطَةٍ كُلَّ يَوْمٍ " . وقالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: " لَيْسَ عَلَيْهِ الإطْعامُ، وإنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنا في تَأْوِيلِ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قِراءَتِهِ: " وعَلى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ " وأنَّهُ الشَّيْخُ الكَبِيرُ، فَلَوْلا أنَّ الآيَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِذَلِكَ لَما تَأوَّلَها ابْنُ عَبّاسٍ ومَن ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْهُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ اسْتِعْمالُ حُكْمِها مِن إيجابِ الفِدْيَةِ في الشَّيْخِ الكَبِيرِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا أنَّهُ تَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ عَلى الشَّيْخِ الكَبِيرِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن ماتَ وعَلَيْهِ صَوْمٌ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ ولِيُّهُ مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في المَيِّتِ الَّذِي عَلَيْهِ الصِّيامُ فالشَّيْخُ أوْلى بِذَلِكَ مِنَ المَيِّتِ لِعَجْزِ الجَمِيعِ عَنِ الصَّوْمِ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا كانَ الشَّيْخُ كالمَرِيضِ الَّذِي يُفْطِرُ في رَمَضانَ ثُمَّ لا يَبْرَأُ حَتّى يَمُوتَ ولا يَلْزَمُهُ القَضاءُ ؟ قِيلَ لَهُ: لِأنَّ المَرِيضَ مُخاطَبٌ بِقَضائِهِ في أيّامٍ أُخَرَ فَإنَّما تَعَلَّقَ الفَرْضُ عَلَيْهِ في أيّامِ القَضاءِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فَمَتى لَمْ يَلْحَقِ العِدَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَن لَمْ يَلْحَقْ رَمَضانَ وأمّا الشَّيْخُ فَلا يُرْجى لَهُ القَضاءُ في أيّامٍ أُخَرَ فَإنَّما تَعَلَّقَ عَلَيْهِ حَمْلُ الفَرْضِ في إيجابِ الفِدْيَةِ في الحالِ، فاخْتَلَفا مِن أجْلِ ذَلِكَ. وقَدْ ذَكَرْنا قَوْلَ السَّلَفِ في الشَّيْخِ الكَبِيرِ وإيجابَ الفِدْيَةِ عَلَيْهِ في الحالِ مِن غَيْرِ خِلافِ أحَدٍ مِن نُظَرائِهِمْ، فَصارَ ذَلِكَ إجْماعًا لا يَسَعُ خِلافُهُ. وأمّا الوَجْهُ في إيجابِ الفِدْيَةِ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ فَهو ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أخُو خَطّافٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ المُسْتَمْلِي قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ الأزْرَقُ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن ماتَ وعَلَيْهِ رَمَضانُ فَلَمْ يَقْضِهِ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صاعٍ لِمِسْكِينٍ» . وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في المُفْطِرِ في رَمَضانَ إذا ماتَ ثَبَتَ في الشَّيْخِ الكَبِيرِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عُمُومٌ في الشَّيْخِ الكَبِيرِ وغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الشَّيْخَ الكَبِيرَ قَدْ تَعَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمُ التَّكْلِيفِ عَلى ما وصَفْنا، فَجائِزٌ بَعْدَ مَوْتِهِ أنْ يُقالَ إنَّهُ قَدْ ماتَ وعَلَيْهِ صِيامُ رَمَضانَ فَقَدْ تَناوَلَهُ عُمُومُ اللَّفْظِ. ومِن جِهَةٍ (p-٢٢٢)أُخْرى: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالفِدْيَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ هَذا المِقْدارُ، وقَدْ أُرِيدَ بِها الشَّيْخُ الكَبِيرُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو المِقْدارُ الواجِبُ عَلَيْهِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى: أنَّهُ إذا ثَبَتَ ذَلِكَ فِيمَن ماتَ وعَلَيْهِ قَضاءُ رَمَضانَ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِقْدارَ فِدْيَةِ الشَّيْخِ الكَبِيرِ؛ لِأنَّ أحَدًا مِن مُوجِبِي الفِدْيَةِ عَلى الشَّيْخِ الكَبِيرِ لَمْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُما. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَيْسِ بْنِ السّائِبِ، الَّذِي كانَ شَرِيكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ، وعائِشَةَ وأبِي هُرَيْرَةَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في الشَّيْخِ الكَبِيرِ " أنَّهُ يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صاعِ بُرٍّ «وأوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ إطْعامَ سِتَّةِ مَساكِينَ كُلُّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعِ بُرٍّ» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْدِيرَ فِدْيَةِ الصَّوْمِ بِنِصْفِ صاعٍ أوْلى مِنهُ بِالمُدِّ لِأنَّ التَّخْيِيرَ في الأصْلِ قَدْ تَعَلَّقَ بَيْنَ الصَّوْمِ والفِدْيَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ " عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ " والأوَّلُ أوْلى لِما رَوَيْناهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولِما عَضَّدَهُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ عَدَدًا مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قَدِ اخْتُلِفَ في ضَمِيرِ كِنايَتِهِ، فَقالَ قائِلُونَ: " هو عائِدٌ عَلى الصَّوْمِ " وقالَ آخَرُونَ: " إلى الفِدْيَةِ " . والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ مُظْهَرَهُ قَدْ تَقَدَّمَ والفِدْيَةُ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، والضَّمِيرُ إنَّما يَكُونُ لِمُظْهَرٍ مُتَقَدِّمٍ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الفِدْيَةَ مُؤَنَّثَةٌ والضَّمِيرُ في الآيَةِ لِلْمُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ وقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ يُكَلِّفُ عِبادَهُ ما لا يُطِيقُونَ، وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى الفِعْلِ قَبْلَ وُقُوعِهِ ولا مُطِيقِينَ لَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَّ عَلى أنَّهُ مُطِيقٌ لَهُ قَبْلَ أنْ يَفْعَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ فَوَصَفَهُ بِالإطاقَةِ مَعَ تَرْكِهِ لِلصَّوْمِ والعُدُولِ عَنْهُ إلى الفِدْيَةِ، ودَلالَةُ اللَّفْظِ قائِمَةٌ عَلى ذَلِكَ أيْضًا إذا كانَ الضَّمِيرُ هو الفِدْيَةُ؛ لِأنَّهُ جَعَلَهُ مُطِيقًا لَها وإنْ لَمْ يَفْعَلْها وعَدَلَ إلى الصَّوْمِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُجَبِّرَةِ في قَوْلِهِمْ " إنَّ اللَّهَ لَمْ يَهْدِ الكُفّارَ "؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ القُرْآنَ هُدًى لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قائِمٌ بِنَفْسِهِ في إيجابِ الفائِدَةِ يَصِحُّ ابْتِداءُ الخِطابِ بِهِ، فَيَكُونُ حَثًّا عَلى التَّطَوُّعِ بِالطّاعاتِ. وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ التَّطَوُّعَ بِزِيادَةِ طَعامِ الفِدْيَةِ؛ لِأنَّ المِقْدارَ المَفْرُوضَ مِنهُ نِصْفُ صاعٍ، فَإنْ تَطَوَّعَ بِصاعٍ أوْ صاعَيْنِ فَهو خَيْرٌ لَهُ. (p-٢٢٣)وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ قَيْسِ بْنِ السّائِبِ، أنَّهُ كَبِرَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى الصَّوْمِ فَقالَ: " يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ إنْسانٍ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّيْنِ فَأطْعِمُوا عَنِّي ثَلاثًا " . وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ أحَدَ ما وقَعَ عَلَيْهِ التَّخْيِيرُ فِيهِ مِنَ الصِّيامِ أوِ الإطْعامِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إذا فَعَلَهُ مُنْفَرِدًا فَهو فَرْضٌ لا تَطَوُّعَ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ واحِدٌ مِنهُما مُرادَ الآيَةِ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ الجَمْعَ بَيْنَ الصِّيامِ والطَّعامِ فَيَكُونُ الفَرْضُ أحَدَهُما والآخَرُ التَّطَوُّعُ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أوَّلَ الآيَةِ فِيمَن يُطِيقُ الصَّوْمَ مِنَ الأصِحّاءِ المُقِيمِينَ غَيْرِ المَرْضى ولا المُسافِرِينَ ولا الحامِلِ والمُرْضِعِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَرِيضَ الَّذِي يُباحُ لَهُ الإفْطارُ هو الَّذِي يَخافُ ضَرَرَ الصَّوْمِ، ولَيْسَ الصَّوْمُ بِخَيْرٍ لِمَن كانَ هَذا حالَهُ؛ لِأنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْ تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلتَّلَفِ بِالصَّوْمِ؛ والحامِلُ والمُرْضِعُ لا تَخْلُوانِ مِن أنْ يَضُرَّ بِهِما الصَّوْمُ أوْ بِوَلَدَيْهِما، وأيَهُما كانَ فالإفْطارُ خَيْرٌ لَهُما والصَّوْمُ مَحْظُورٌ عَلَيْهِما. وإنْ كانَ لا يَضُرُّ بِهِما ولا بِوَلَدَيْهِما فَعَلَيْهِما الصَّوْمُ وغَيْرُ جائِزٍ لَهُما الفِطْرُ، فَعَلِمْنا أنَّهُما غَيْرُ داخِلَتَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ عائِدٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في أوَّلِ الخِطابِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ عائِدًا إلى المُسافِرِينَ أيْضًا مَعَ عَوْدِهِ عَلى المُقِيمِينَ المُخَيَّرِينَ بَيْنَ الصَّوْمِ والإطْعامِ، فَيَكُونُ الصَّوْمُ خَيْرًا لِلْجَمِيعِ، إذْ كانَ أكْثَرُ المُسافِرِينَ يُمْكِنُهُمُ الصَّوْمُ في العادَةِ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ وإنْ كانَ الأغْلَبُ فِيهِ المَشَقَّةُ؛ ودَلالَتُهُ واضِحَةٌ عَلى أنَّ الصَّوْمَ في السَّفَرِ أفْضَلُ مِنَ الإفْطارِ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ صَوْمَ يَوْمٍ تَطَوُّعًا أفْضَلُ مِن صَدَقَةِ نِصْفِ صاعٍ؛ لِأنَّهُ في الفَرْضِ كَذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَمّا خَيَّرَهُ في الفَرْضِ بَيْنَ صَوْمِ يَوْمٍ وصَدَقَةِ نِصْفِ صاعٍ جَعَلَ الصَّوْمَ أفْضَلَ مِنها ؟ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُما في التَّطَوُّعِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ. * * بابُ الحامِلِ والمُرْضِعِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: " إذا خافَتا عَلى ولَدَيْهِما أوْ عَلى أنْفُسِهِما فَإنَّهُما تُفْطِرانِ وتَقْضِيانِ ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِما " . وقالَ مالِكٌ في المُرْضِعِ إذا خافَتْ عَلى ولَدِها ولا يَقْبَلُ الصَّبِيُّ مِن غَيْرِها: " فَإنَّها تُفْطِرُ وتَقْضِي وتُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا مِسْكِينًا، والحامِلُ إذا أفْطَرَتْ لا إطْعامَ عَلَيْها "؛ وهو قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وقالَ مالِكٌ: " وإنْ خافَتا عَلى أنْفُسِهِما فَهُما مِثْلُ المَرِيضِ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " إذا خافَتا عَلى ولَدَيْهِما أفْطَرَتا وعَلَيْهِما (p-٢٢٤)القَضاءُ والكَفّارَةُ، وإنْ لَمْ تَقْدِرا عَلى الصَّوْمِ فَهُما مِثْلُ المَرِيضِ عَلَيْهِما القَضاءُ بِلا كَفّارَةٍ ورُوِيَ عَنْهُ في البُوَيْطِيِّ أنَّ الحامِلَ لا إطْعامَ عَلَيْها. واخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ فَقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: " عَلَيْهِما القَضاءُ إذا أفْطَرَتا ولا فِدْيَةَ عَلَيْهِما "، وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ والحَسَنِ وعَطاءٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " عَلَيْهِما الفِدْيَةُ بِلا قَضاءٍ " . وقالَ ابْنُ عُمَرُ ومُجاهِدٌ: " عَلَيْهِما الفِدْيَةُ والقَضاءُ " . والحُجَّةُ لِأصْحابِنا ما حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدِ القاسِمِ بْنُ سَلامٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أيُّوبَ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو قِلابَةَ هَذا الحَدِيثَ، ثُمَّ قالَ: هَلْ لَكَ في صاحِبِ الحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنِي ؟ قالَ: فَدَلَّنِي عَلَيْهِ، فَلَقِيتُهُ، فَقالَ: حَدَّثَنِي قَرِيبٌ لِي يُقالُ لَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في إبِلٍ لِجارٍ لِي أُخِذَتْ، فَوافَقْتُهُ وهو يَأْكُلُ، فَدَعانِي إلى طَعامِهِ فَقُلْتُ: إنِّي صائِمٌ، فَقالَ: إذًا أُخْبِرَكَ عَنْ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ وضَعَ عَنِ المُسافِرِ شَطْرَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ وعَنِ الحامِلِ والمُرْضِعِ» قالَ: فَكانَ يَتَلَهَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ألا أكُونُ أكَلْتُ مِن طَعامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَعانِي. قالَ أبُو بَكْرٍ: شَطْرُ الصَّلاةِ مَخْصُوصٌ بِهِ المُسافِرُ؛ إذْ لا خِلافَ أنَّ الحَمْلَ والرَّضاعَ لا يُبِيحانِ قَصْرَ الصَّلاةِ. ووَجْهُ دَلالَتِهِ عَلى ما ذَكَرْنا إخْبارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ وضْعَ الصَّوْمِ عَنِ الحامِلِ والمُرْضِعِ هو كَوَضْعِهِ عَنِ المُسافِرِ، ألا تَرى أنَّ وضْعَ الصَّوْمِ الَّذِي جَعَلَهُ مِن حُكْمِ المُسافِرِ هو بِعَيْنِهِ جَعْلُهُ مِن حُكْمِ المُرْضِعِ والحامِلِ؛ لِأنَّهُ عَطَفَهُما عَلَيْهِ مِن غَيْرِ اسْتِئْنافِ ذِكْرِ شَيْءٍ غَيْرِهِ ؟ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ حُكْمَ وضْعِ الصَّوْمِ عَنِ الحامِلِ والمُرْضِعِ هو في حُكْمِ وضْعِهِ عَنِ المُسافِرِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، ومَعْلُومٌ أنَّ وضْعَ الصَّوْمِ عَنِ المُسافِرِ إنَّما هو عَلى جِهَةِ إيجابِ قَضائِهِ بِالإفْطارِ مِن غَيْرِ فِدْيَةٍ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ الحامِلِ والمُرْضِعِ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الحامِلِ والمُرْضِعِ إذا خافَتا عَلى أنْفُسِهِما أوْ ولَدَيْهِما؛ إذْ لَمْ يَفْصِلِ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُما وأيْضًا لَمّا كانَتِ الحامِلُ والمُرْضِعُ يُرْجى لَهُما القَضاءُ وإنَّما أُبِيحَ لَهُما الإفْطارُ لِلْخَوْفِ عَلى النَّفْسِ أوِ الوَلَدِ مَعَ إمْكانِ القَضاءِ، وجَبَ أنْ تَكُونا كالمَرِيضِ والمُسافِرِ؛ فَإنَّ احْتَجَّ القائِلُونَ بِإيجابِ القَضاءِ والفِدْيَةِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ لَمْ يَصِحَّ لَهم وجْهُ الدَّلالَةِ مِنهُ عَلى ما ادَّعَوْهُ وذَلِكَ لِما رَوَيْنا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ الَّذِينَ قَدَّمْنا ذِكْرَهم أنَّ ذَلِكَ كانَ فَرْضَ المُقِيمِ الصَّحِيحِ، وأنَّهُ كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصِّيامِ والفِدْيَةِ؛ وبَيَّنّا أنَّ ما جَرى مَجْرى ذَلِكَ فَلَيْسَ القَوْلُ فِيهِ مِن طَرِيقِ الرَّأْيِ وإنَّما يَكُونُ (p-٢٢٥)تَوْقِيفًا؛ فالحامِلُ والمُرْضِعُ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ فِيما حَكَوْا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُها مَحْمُولًا عَلى ما ذَكَرْنا. وقَدْ ثَبَتَ نَسْخُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ومِن جِهَةٍ أُخْرى لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ لَهم بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى في سِياقِ الخِطابِ ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لِمَن تَضَمَّنَهُ أوَّلُ الآيَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ حُكْمَ الحامِلِ والمُرْضِعِ؛ لِأنَّهُما إذا خافَتا الضَّرَرَ لَمْ يَكُنِ الصَّوْمُ خَيْرًا لَهُما بَلْ مَحْظُورٌ عَلَيْهِما فِعْلُهُ، وإنْ لَمْ تَخْشَيا ضَرَرًا عَلى أنْفُسِهِما أوْ ولَدَيْهِما فَغَيْرُ جائِزٍ لَهُما الإفْطارُ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّهُما لَمْ تُرادا بِالآيَةِ. ودَلَّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن تَأوَّلَ الآيَةَ عَلى الحامِلِ والمُرْضِعِ مِنَ القائِلِينَ بِإيجابِ الفِدْيَةِ والقَضاءِ أنَّ اللَّهِ تَعالى سَمّى هَذا الطَّعامَ فِدْيَةً، والفِدْيَةُ ما قامَ مَقامَ الشَّيْءِ وأجْزَأ عَنْهُ فَغَيْرُ جائِزٍ عَلى هَذا الوَضْعِ اجْتِماعُ القَضاءِ والفِدْيَةِ؛ لِأنَّ القَضاءَ إذا وجَبَ فَقَدْ قامَ مَقامَ المَتْرُوكِ فَلا يَكُونُ الإطْعامُ فِدْيَةً، وإنْ كانَ فِدْيَةً صَحِيحَةً فَلا قَضاءَ؛ لِأنَّ الفِدْيَةَ أجْزَأتْ عَنْهُ، وقامَتْ مَقامَهُ. فَإنْ قِيلَ: ما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ القَضاءُ والإطْعامُ قائِمَيْنِ مَقامَ المَتْرُوكِ ؟ قِيلَ لَهُ: لَوْ كانَ مَجْمُوعُهُما قائِمَيْنِ مَقامَ المَتْرُوكِ مِنَ الصَّوْمِ لَكانَ الإطْعامُ بَعْضَ الفِدْيَةِ ولَمْ يَكُنْ جَمِيعَها، واللَّهُ تَعالى قَدْ سَمّى ذَلِكَ فِدْيَةً، وتَأْوِيلُكَ يُؤَدِّي إلى خِلافِ مُقْتَضى الآيَةِ. وأيْضًا إذا كانَ الأصْلُ المُبِيحُ لِلْحامِلِ والمُرْضِعِ الإفْطارَ والمُوجِبُ عَلَيْهِما الفِدْيَةَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ وقَدْ ذَكَرَ السَّلَفُ الَّذِينَ قَدَّمْنا قَوْلَهُما أنَّ الواجِبَ كانَ أحَدُ شَيْئَيْنِ مِن فِدْيَةٍ أوْ صِيامٍ لا عَلى وجْهِ الجَمْعِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى إيجابِ الجَمْعِ بَيْنَهُما عَلى الحامِلِ والمُرْضِعِ ؟ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ حَذْفَ الإفْطارِ، كَأنَّهُ قالَ: وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ إذا أفْطَرُوا فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى إنَّما اقْتَصَرَ بِالإيجابِ عَلى ذِكْرِ الفِدْيَةِ فَغَيْرُ جائِزٍ إيجابُ غَيْرِها مَعَها لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ في النَّصِّ، وغَيْرُ جائِزٍ الزِّيادَةُ في المَنصُوصِ إلّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ؛ ولَيْسَتا كالشَّيْخِ الكَبِيرِ الَّذِي لا يُرْجى لَهُ الصَّوْمُ لِأنَّهُ مَيْئُوسٌ مِن صَوْمِهِ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ، والإطْعامُ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِدْيَةٌ لَهُ إذْ هو بِنَفْسِهِ قائِمٌ مَقامَ المَتْرُوكِ مِن صَوْمِهِ، والحامِلُ والمُرْضِعُ يُرْجى لَهُما القَضاءُ فَهُما كالمَرِيضِ والمُسافِرِ. وإنَّما يَسُوغُ الِاحْتِجاجُ بِظاهِرِ الآيَةِ لِابْنِ عَبّاسٍ لِاقْتِصارِهِ عَلى إيجابِ الفِدْيَةِ دُونَ القَضاءِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الحامِلَ والمُرْضِعَ إذا كانَتا إنَّما تَخافانَ عَلى ولَدَيْهِما دُونَ أنْفُسِهِما فَهُما تُطِيقانِ الصَّوْمَ فَيَتَناوَلَهُما ظاهِرُ قَوْلِهِ: (p-٢٢٦)﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا أبانُ قالَ: حَدَّثَنا قَتادَةُ، أنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ، أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ حَدَّثَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ قالَ: " أُثْبِتَتْ لِلْحامِلِ والمُرْضِعِ " . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ قالَ: " كانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ والمَرْأةِ وهُما يُطِيقانِ الصِّيامَ أنْ يُفْطِرا ويُطْعِما مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، والحُبْلى والمُرْضِعُ إذا خافَتا عَلى أوْلادِهِما أفْطَرَتا وأطْعَمَتا " . فاحْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِظاهِرِ الآيَةِ وأوْجَبَ الفِدْيَةَ دُونَ القَضاءِ عِنْدَ خَوْفِهِما عَلى ولَدَيْهِما؛ إذْ هُما تُطِيقانِ الصَّوْمَ فَشَمِلَهُما حُكْمُ الآيَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ومَن أبى ذَلِكَ مِنَ الفُقَهاءِ ذَهَبَ إلى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وغَيْرَهُ ذَكَرُوا أنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمَ سائِرِ المُطِيقِينَ لِلصَّوْمِ في إيجابِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الصَّوْمِ والفِدْيَةِ، وهو لا مَحالَةَ قَدْ يَتَناوَلُ الرَّجُلَ الصَّحِيحَ المُطِيقَ لِلصَّوْمِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَتَناوَلَ الحامِلَ والمُرْضِعَ؛ لِأنَّهُما غَيْرُ مُخَيَّرَتَيْنِ؛ لِأنَّهُما إمّا أنْ تَخافا فَعَلَيْهِما الإفْطارُ بِلا تَخْيِيرٍ، أوْ لا تَخافا فَعَلَيْهِما الصِّيامُ بِلا تَخْيِيرٍ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ تَتَناوَلَ الآيَةُ فَرِيقَيْنِ بِحُكْمٍ يَقْتَضِي ظاهِرُها إيجابَ الفِدْيَةِ ويَكُونُ المُرادُ في أحَدِ الفَرِيقَيْنِ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الإطْعامِ والصِّيامِ، وفي الفَرِيقِ الآخَرِ إمّا الصِّيامُ عَلى وجْهِ الإيجابِ بِلا تَخْيِيرٍ أوِ الفِدْيَةِ بِلا تَخْيِيرٍ، وقَدْ تَناوَلَهُما لَفْظُ الآيَةِ عَلى وجْهٍ واحِدٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الآيَةَ لَمْ تَتَناوَلِ الحامِلَ والمُرْضِعَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الحامِلِ والمُرْضِعِ إذا خافَتا عَلى ولَدَيْهِما؛ لِأنَّ الصِّيامَ لا يَكُونُ خَيْرًا لَهُما. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ القُشَيْرِيِّ في تَسْوِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المَرِيضِ والمُسافِرِ وبَيْنَ الحامِلِ والمُرْضِعِ في حُكْمِ الصَّوْمِ. * * بابٌ في جَوازِ تَأْخِيرِ قَضاءِ رَمَضانَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فَأوْجَبَ العِدَّةَ في أيّامٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ في الآيَةِ، فَقالَ أصْحابُنا جائِزٌ لَهُ أنْ يَصُومَ أيَّ وقْتٍ يَشاءُ ولا يُحْفَظُ عَنْهم رِوايَةٌ في جَوازِ تَأْخِيرِهِ إلى انْقِضاءِ السَّنَةِ. والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلى أنْ يَدْخُلَ رَمَضانُ آخَرُ، وهو عِنْدِي عَلى مَذْهَبِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ عِنْدَهم إذا كانَ غَيْرَ مُوَقَّتٍ فَهو عَلى الفَوْرِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أُصُولِ الفِقْهِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَضاءُ رَمَضانَ مُوَقَّتًا بِالسَّنَةِ لَما جازَ لَهُ التَّأْخِيرُ عَنْ ثانِي يَوْمِ الفِطْرِ، إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَلْحَقَهُ التَّفْرِيطُ بِالتَّأْخِيرِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِنهُ بِآخِرِ وقْتِ وُجُوبِ الفَرْضِ الَّذِي لا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، كَما لا يَجُوزُ وُرُودُ العِبارَةِ بِفَرْضٍ مَجْهُولٍ عِنْدَ المَأْمُورِ ثُمَّ يَلْحَقُهُ التَّعْنِيفُ واللَّوْمُ بِتَرْكِهِ قَبْلَ البَيانِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما. وإذا كانَ كَذَلِكَ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ مَذْهَبَهم جَوازُ تَأْخِيرِ قَضاءِ رَمَضانِ عَنْ أوَّلِ أوْقاتِ إمْكانِ قَضائِهِ، ثَبَتَ أنَّ تَأْخِيرَهُ مُوَقَّتٌ بِمُضِيِّ السَّنَةِ، فَكانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ وقْتِ الظُّهْرِ لَمّا كانَ أوَّلُهُ وآخِرُهُ مَعْلُومَيْنِ جازَ وُرُودُ العِبادَةِ بِفِعْلِها مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ وجازَ تَأْخِيرُها إلى الوَقْتِ الَّذِي يُخافُ فَوْتُها بِتَرْكِها؛ لِأنَّ آخِرَ وقْتِها الَّذِي يَكُونُ مُفَرَّطًا بِتَأْخِيرِها مَعْلُومٌ. وقَدْ رُوِيَ جَوازُ تَأْخِيرِهِ في السَّنَةِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ؛ ورَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: (p-٢٦١)قالَتْ عائِشَةُ: " إنْ كانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِن شَهْرِ رَمَضانَ فَما أسْتَطِيعُ أنْ أقْضِيَهُ حَتّى يَأْتِيَ شَعْبانُ " . ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ قالا: " لا بَأْسَ بِقَضاءِ رَمَضانَ في العَشْرِ " وكَذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وقالَ عَطاءٌ وطاوُسٌ ومُجاهِدٌ: " اقْضِ رَمَضانَ مَتى شِئْتَ " . فَهَؤُلاءِ السَّلَفُ قَدِ اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ تَأْخِيرِهِ عَنْ أوَّلِ أوْقاتِ إمْكانِ قَضائِهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن أخَّرَ القَضاءَ حَتّى حَضَرَ رَمَضانُ آخَرُ، فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا: " يَصُومُ الثّانِي عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَقْضِي الأوَّلَ ولا فِدْيَةَ عَلَيْهِ " . وقالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إنْ فَرَّطَ في قَضاءِ الأوَّلِ أطْعَمَ مَعَ القَضاءِ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا " . وقالَ الثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: " لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفُ صاعِ بُرٍّ " . وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " كُلَّ يَوْمٍ مُدًّا، وإنْ لَمْ يُفَرِّطْ بِمَرَضٍ أوْ سَفَرٍ فَلا إطْعامَ عَلَيْهِ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إذا فَرَّطَ في قَضاءِ الأوَّلِ ومَرِضَ في الآخَرِ حَتّى انْقَضى ثُمَّ ماتَ فَإنَّهُ يُطْعِمُ عَنِ الأوَّلِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّيْنِ: مُدًّا لِتَضْيِيعِهِ ومُدًّا لِلصِّيامِ، ويُطْعِمُ عَنِ الآخَرِ مُدًّا لِكُلِّ يَوْمٍ " . واتَّفَقَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُ قَوْلِهِ قَبْلَ الأوْزاعِيُّ أنَّهُ إذا مَرِضَ في رَمَضانَ ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أنْ يَصِحَّ أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ يُطْعَمَ عَنْهُ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ إسْحاقَ الضَّبِّيُّ قالَ: حَدَّثَنا قَيْسُ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَرى بَأْسًا بِقَضاءِ رَمَضانَ في ذِي الحِجَّةِ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أبِي تَمِيمٍ الجَيَشانِيِّ قالَ: " جَمَعَنا المَجْلِسُ بَطَرابُلْسَ ومَعَنا وُهَيْبُ بْنُ مَعْقِلٍ الغِفارِيُّ وعَمْرُو بْنُ العاصِ صاحِبا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ عَمْرٌو أفْصِلُ رَمَضانَ، وقالَ الغِفارِيُّ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ رَمَضانَ، فَقالَ عَمْرٌو: نُفَرِّقُ بَيْنَ قَضاءِ رَمَضانَ إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ البَغْلانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عِيسى بْنُ أحْمَدَ العَسْقَلانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا بَقِيَّةُ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ أرْقَمَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ أيّامٌ مِن رَمَضانَ أفَأُفَرِّقُ بَيْنَهُ ؟ قالَ: نَعَمْ أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلَيْكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ مُتَفَرِّقًا أكانَ يُجْزِيكَ ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: فَإنَّ اللَّهَ أحَقُّ بِالتَّجاوُزِ والعَفْوِ» . فَهَذِهِ الأخْبارُ كُلُّها تُنْبِئُ عَنْ جَوازَ تَأْخِيرِ قَضاءِ رَمَضانَ عَنْ أوَّلِ وقْتِ إمْكانِ قَضائِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ إيجابُ الفِدْيَةِ عَلى مَن أخَّرَ قَضاءَ رَمَضانَ إلى العامِ القابِلِ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ عَنْ أبِيهِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: مَرِضْتُ رَمَضانَيْنِ، فَقالَ: (p-٢٦٢)ابْنُ عَبّاسٍ: أسْتَمَرَّ بِكَ مَرَضُكَ أوْ صَحَحْتَ فِيما بَيْنَهُما ؟ قالَ: بَلْ صَحَحْتُ فِيما بَيْنَهُما ؟ قالَ: أكانَ هَذا ؟ قالَ: لا قالَ: فَدَعْهُ حَتّى يَكُونَ فَقامَ إلى أصْحابِهِ فَأخْبَرَهم، فَقالُوا: ارْجِعْ فَأخْبِرْهُ أنَّهُ قَدْ كانَ فَرَجَعَ هو أوْ غَيْرُهُ وسَألَهُ فَقالَ: أكانَ هَذا ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: صُمْ رَمَضانَيْنِ وأطْعِمْ ثَلاثِينَ مِسْكِينًا وقَدْ رَوى رَوْحُ بْنُ عُبادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في رَجُلٍ فَرَّطَ في قَضاءِ رَمَضانَ حَتّى أدْرَكَهُ رَمَضانُ آخَرُ، قالَ: " يَصُومُ الَّذِي أدْرَكَهُ ويُطْعِمُ عَنِ الأوَّلِ كُلَّ يَوْمٍ مُدًّا مِن بُرٍّ ولا قَضاءَ عَلَيْهِ " وهَذا يُشْبِهُ مَذْهَبَهُ في الحامِلِ أنَّها تُطْعِمُ ولا قَضاءَ عَلَيْها مَعَ ذَلِكَ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في ذَلِكَ قَوْلٌ آخَرُ؛ رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أيُّوبَ وحُمَيْدٍ عَنْ أبِي يَزِيدَ المَدَنِيِّ، أنَّ رَجُلًا احْتُضِرَ فَقالَ لِأخِيهِ: إنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ دَيْنًا ولِلنّاسِ عَلَيَّ دَيْنٌ فابْدَأْ بِدَيْنِ اللَّهِ فاقْضِهِ ثُمَّ اقْضِ دَيْنَ النّاسِ، إنَّ عَلَيَّ رَمَضانَيْنِ لَمْ أصُمْهُما، فَسَألَ ابْنَ عُمَرَ فَقالَ: " بَدَنَتانِ مُقَلَّدَتانِ " فَسَألَ ابْنَ عَبّاسٍ وأخْبَرَهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَقالَ: " يَرْحَمُ اللَّهُ أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ما شَأْنُ البُدْنِ وشَأْنُ الصَّوْمِ ؟ أطْعِمْ عَنْ أخِيكَ سِتِّينَ مِسْكِينًا " قالَ أيُّوبُ: وكانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ كانَ صَحَّ بَيْنَهُما وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي عِمْرانَ قالَ: سَمِعْتُ يَحْيى بْنَ أكْثَمَ أنَّهُ يَقُولُ: " وجَدْتُهُ يَعْنِي وُجُوبَ الإطْعامِ عَنْ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ ولَمْ أجِدْ لَهم مِنَ الصَّحابَةَ مُخالِفًا " وهَذا جائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَن ماتَ قَبْلَ القَضاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ قَدْ دَلَّ عَلى جَوازِ التَّفْرِيقِ، وعَلى جَوازِ التَّأْخِيرِ وعَلى أنْ لا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ في إيجابِ الفِدْيَةِ مَعَ القَضاءِ زِيادَةً في النَّصِّ، ولا تَجُوزُ الزِّيادَةُ في النَّصِّ إلّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ تَأْخِيرَهُ إلى آخِرِ السَّنَةِ لا يُوجِبُ الفِدْيَةَ، وأنَّ الآيَةَ إنَّما أوْجَبَتْ قَضاءَ العِدَّةِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الفِدْيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ قَضاءَ العِدَّةِ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ واجِبٌ بِالآيَةِ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ في بَعْضِ ما انْتَظَمَتْهُ الآيَةُ القَضاءَ دُونَ الفِدْيَةِ وفي بَعْضِهِ القَضاءُ والفِدْيَةُ مَعَ دُخُولِهِما فِيها عَلى وجْهٍ واحِدٍ، ألا تَرى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ عَلى بَعْضِ السُّرّاقِ المُرادُ بِالآيَةِ القَطْعُ وزِيادَةُ غُرْمٍ ؟ وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم لا يُقْطَعُ إلّا في عَشَرَةٍ وبَعْضُهم يُقْطَعُ فِيما دُونَها، كَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُرادَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ مَخْصُوصًا بِإيجابِ القَضاءِ دُونَ الفِدْيَةِ وبَعْضُهم مُرادٌ بِالقَضاءِ والفِدْيَةِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى غَيْرُ جائِزٍ إثْباتُ الكَفّاراتِ إلّا مِن طَرِيقِ التَّوْقِيفِ أوِ الِاتِّفاقِ، وذَلِكَ مَعْدُومٌ فِيما وصَفْنا، فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ الفِدْيَةِ قِياسًا وأيْضًا فَإنَّ الفِدْيَةَ ما قامَ مَقامَ الشَّيْءِ وأجْزَأ عَنْهُ، (p-٢٦٣)فَإنَّما يَخْتَصُّ وُجُوبُها بِمَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ القَضاءُ كالشَّيْخِ الكَبِيرِ ومَن ماتَ مُفَرِّطًا قَبْلَ أنْ يَقْضِيَ، أمّا اجْتِماعُ الفِدْيَةِ والقَضاءِ فَمُمْتَنِعٌ عَلى ما بَيَّنّا في بابِ الحامِلِ والمُرْضِعِ، فَمَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ في هَذا أظْهَرُ في إيجابِهِ دُونَ القَضاءِ مِن مَذْهَبِ مَن جَمَعَهُما ومِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ. عَلى أنَّ تَأْخِيرَهُ لا يُوجِبُ الفِدْيَةَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الفِدْيَةَ عِنْدَ ذِكْرِ التَّفْرِيقِ، ولَوْ كانَ تَأْخِيرُهُ يُوجِبُ الفِدْيَةَ لَبَيَّنَهُ ﷺ . والثّانِي: تَشْبِيهُهُ إيّاهُ بِالدَّيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَأْخِيرَ الدَّيْنِ لا يَلْزَمُهُ شَيْئًا غَيْرَ قَضائِهِ، فَكَذَلِكَ ما شَبَّهَهُ بِهِ مِن قَضاءِ رَمَضانَ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْ تَأْخِيرِهِ إلى العامِ القابِلِ وجَبَ أنْ يُجْعَلَ مُفَرِّطًا بِذَلِكَ، فَيَلْزَمُهُ الفِدْيَةُ، كَما لَوْ ماتَ قَبْلَ أنْ يَقْضِيَهُ لَزِمَتْهُ الفِدْيَةُ بِالتَّفْرِيطِ. قِيلَ لَهُ: إنَّ التَّفْرِيطَ لا يُلْزِمُهُ الفِدْيَةَ إنَّما الَّذِي يُلْزِمُهُ الفِدْيَةَ فَواتُ القَضاءِ بَعْدَ الإمْكانِ بِالمَوْتِ؛ والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ أكَلَ في رَمَضانَ مُتَعَمِّدًا كانَ مُفَرِّطًا، وإذا قَضاهُ في تِلْكَ السَّنَةِ لَمْ تَلْزَمْهُ الفِدْيَةُ عِنْدَ الجَمِيعِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُصُولَ التَّفْرِيطِ مِنهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِإيجابِ الفِدْيَةِ. وحَكى عَلِيُّ بْنُ مُوسى القُمِّيُّ أنَّ داوُدَ الأصْفَهانِيَّ قالَ: " يَجِبُ عَلى مَن أفْطَرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ لِعُذْرٍ أنْ يَصُومَ الثّانِيَ مِن شَوّالٍ، فَإنْ تَرَكَ صِيامَهُ فَقَدْ أثِمَ وفَرَّطَ " فَخَرَجَ بِذَلِكَ عَنِ اتِّفاقِ السَّلَفِ والخَلَفِ مَعًا وعَنْ ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وخالَفَ السُّنَنَ الَّتِي رَوَيْنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ؛ قالَ عَلِيُّ بْنُ مُوسى سَألْتُهُ يَوْمًا: فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ قُلْتَ ذَلِكَ ؟ قالَ: لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَصُمِ اليَوْمَ الثّانِيَ مِن شَوّالٍ فَماتَ فَكُلُّ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ إنَّهُ آثِمٌ مُفَرِّطٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عَلَيْهِ أنْ يَصُومَ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُوَسَّعًا لَهُ أنْ يَصُومَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ما لَزِمَهُ التَّفْرِيطُ إنْ ماتَ مِن لَيْلَتِهِ. قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: ما تَقُولُ في رَجُلٍ وجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَوَجَدَ رَقَبَةً تُباعُ بِثَمَنٍ مُوافِقٍ، هَلْ لَهُ أنْ يَتَعَدّاها ويَشْتَرِيَ غَيْرَها ؟ فَقالَ: لا فَقُلْتُ: لِمَ ؟ قالَ: لِأنَّ الفَرْضَ عَلَيْهِ أنْ يُعْتِقَ أوَّلَ رَقَبَةٍ يَجِدُها، فَإذا وجَدَ رَقَبَةً لَزِمَهُ الفَرْضُ فِيها، وإذا لَزِمَهُ في أوَّلِ رَقَبَةٍ لَمْ يُجِزْهُ غَيْرُها إذا كانَ واجِدًا لَها. فَقُلْتُ: فَإنِ اشْتَرى رَقَبَةً غَيْرَها وهو واجِدٌ لِلْأُولى ؟ فَقالَ: لا يُجْزِيهِ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَإنْ كانَ عِنْدَهُ رَقَبَةٌ فَوَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ هَلْ يُجْزِيهِ أنْ يَشْتَرِيَ غَيْرَها ؟ قالَ: لا فَقُلْتُ: لِأنَّ العِتْقَ صارَ عَلَيْهِ فِيها دُونَ غَيْرِها ؟ فَقالَ: نَعَمْ فَقُلْتُ: فَما تَقُولُ إنْ ماتَتْ هَلْ يَبْطُلُ عَنْهُ العِتْقُ كَما أنَّ مَن نَذَرَ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً بِعَيْنِها فَماتَتْ يَبْطُلُ نَذْرُهُ ؟ فَقالَ: لا بَلْ عَلَيْهِ أنْ يُعْتِقَ (p-٢٦٤)غَيْرَها؛ لِأنَّ هَذا إجْماعٌ فَقُلْتُ: وكَذَلِكَ مَن وجَبَ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ بِالإجْماعِ أنَّ لَهُ أنْ يُعْتِقَ غَيْرَها. فَقالَ: عَمَّنْ تَحْكِي هَذا الإجْماعَ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: وعَمَّنْ تَحْكِي أنْتَ الإجْماعَ الأوَّلَ ؟ فَقالَ: الإجْماعُ لا يُحْكى. فَقُلْتُ: والإجْماعُ الثّانِي أيْضًا لا يُحْكى وانْقَطَعَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وجَمِيعُ ما قالَهُ داوُدَ مِن تَعْيِينِ فَرْضِ القَضاءِ بِاليَوْمِ الثّانِي مِن شَوّالٍ وأنَّ مَن وجَبَ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ فَوَجَدَها أنَّهُ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها خِلافُ إجْماعِ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ، وما ادَّعاهُ عَلى أهْلِ العِلْمِ بِأنَّهم يَجْعَلُونَهُ مُفَرِّطًا إذا ماتَ، وقَدْ أخَّرَهُ عَنِ اليَوْمِ الثّانِي فَلَيْسَ كَما ادَّعى، فَإنَّ مَن جُعِلَ لَهُ التَّأْخِيرُ إلى آخِرِ السَّنَةِ لا يَجْعَلُهُ مُفَرِّطًا بِالمَوْتِ؛ لِأنَّ السَّنَةَ كُلَّها إلى أنْ يَجِيءَ رَمَضانُ ثانٍ وقْتَ القَضاءِ مُوَسَّعٌ لَهُ في التَّأْخِيرِ كَوَقْتِ الصَّلاةِ أنَّهُ لَمّا كانَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ في التَّأْخِيرِ مِن أوَّلَهُ إلى آخِرِهِ لَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا بِتَأْخِيرِهِ إنْ ماتَ قَبْلَ مُضِيِّ الوَقْتِ، فَكَذَلِكَ يَقُولُونَ في قَضاءِ رَمَضانَ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا لَما لَزِمَتْهُ الفِدْيَةُ إذا ماتَ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ ولَمْ يَقْضِهِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لُزُومُ الفِدْيَةِ عَلَمًا لِلتَّفْرِيطِ؛ لِأنَّ الشَّيْخَ الكَبِيرَ يَلْزَمُهُ الفِدْيَةُ مَعَ عَدَمِ التَّفْرِيطِ، وقَوْلُ داوُدَ " الإجْماعُ لا يُحْكى " خَطَأٌ، فَإنَّ الإجْماعَ يُحْكى كَما تُحْكى النُّصُوصُ، وكَما يُحْكى الِاخْتِلافُ، فَإنْ أرادَ بِذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُجْمِعِينَ لا يَحْتاجُ إلى حِكايَةِ أقاوِيلِهِمْ بَعْدَ أنْ يُنْشَرَ القَوْلُ عَنْ جَماعَةٍ مِنهم وهم حُضُورٌ يَسْمَعُونَ ولا يُخالِفُونَ، فَإنَّ ذَلِكَ عَلى ما قالَ؛ ومَعَ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّ الإجْماعَ لا يُحْكى؛ لِأنَّ مِنَ الإجْماعِ ما يُحْكى فِيهِ أقاوِيلُ جَماعَتِهِمْ فَيَكُونُ ما يَحْكِيهِ مِن إجْماعِهِمْ حِكايَةً صَحِيحَةً، ومِنهُ ما يُحْكى أقاوِيلُ جَماعَةٍ مِنهم مُنْتَشِرَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ مَعَ سَماعِ الآخَرِينَ لَها وتَرْكِ إظْهارِ المُخالَفَةِ، فَهَذا أيْضًا إجْماعٌ يُحْكى؛ إذْ كانَ تَرْكُ الآخَرِينَ إظْهارَ النَّكِيرِ والمُخالَفَةِ قائِمًا مَقامَ المُوافَقَةِ؛ فَهَذانِ الضَّرْبانِ مِن إجْماعِ الخاصَّةِ والفُقَهاءِ يُحْكَيانِ جَمِيعًا. وإجْماعٌ آخَرُ، وهو ما تَشْتَرِكُ فِيهِ الخاصَّةُ والعامَّةُ كَإجْماعِهِمْ عَلى تَحْرِيمِ الزِّنا والرِّبا ووُجُوبِ الِاغْتِسالِ مِنَ الجَنابَةِ والصَّلَواتِ الخَمْسِ ونَحْوِها، فَهَذِهِ أُمُورٌ قَدْ عُلِمَ اتِّفاقُ المُسْلِمِينَ عَلَيْها وإنْ لَمْ يُحْكَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِعَيْنِهِ اعْتِقادُهُ والتَّدَيُّنِ بِهِ؛ فَإنْ عُنِيَ هَذا الضَّرْبُ مِنَ الإجْماعِ فَقَدْ يَسُوغُ أنْ يُقالَ: إنَّ مِثْلَهُ لا يُحْكى، وقَدْ يَسُوغُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الضَّرْبَ أيْضًا يُحْكى لِعِلْمِنا بِإجْماعِ أهْلِ الصَّلاةِ عَلى اعْتِقادِهِ والتَّدَيُّنِ بِهِ، فَجائِزٌ أنْ يُحْكى عَنْهُمُ اعْتِقادُهم لِذَلِكَ والتَّدَيُّنُ بِهِ وأنَّهم مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ، كَما إذا ظَهَرَ لَنا إسْلامُ رَجُلٍ وإظْهارُ اعْتِقادِهِ الإيمانَ أنْ يُحْكى عَنْهُ أنَّهُ مُسْلِمٌ؛ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ. (p-٢٦٥) * * بابٌ في عِدَدِ قَضاءِ رَمَضانَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فَذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ، وهِشامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، مِن غَيْرِ خِلافٍ مِن أحَدٍ مِن أصْحابِنا قالُوا: " إذا صامَ أهْلُ بَلَدٍ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا لِلرُّؤْيَةِ وفي البَلَدِ رَجُلٌ مَرِيضٌ لَمْ يَصُمْ فَإنَّهُ يَقْضِي تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، فَإنْ صامَ أهْلُ بَلَدٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِلرُّؤْيَةِ وصامَ أهْلُ بَلَدٍ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا لِلرُّؤْيَةِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَن صامَ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، فَإنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْضُوا يَوْمًا وعَلى المَرِيضِ المُفْطِرِ قَضاءُ ثَلاثِينَ يَوْمًا " وحَكى بَعْضُ أصْحابِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ عَنْهُ " أنَّهُ يَقْضِي رَمَضانَ بِالأهِلَّةِ " . وذَكَرَ عَنْهُ أشْهَبُ أنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ مَرِضَ سَنَتَيْنِ ثُمَّ ماتَ عَنْ غَيْرِ قَضاءٍ: " أنَّهُ يُطْعِمُ عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا " وقالَ الثَّوْرِيُّ فِيمَن مَرِضُ رَمَضانَ وكانَ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا: " إنَّهُ يَصُومُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ " وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إنْ مَرِضَ رَجُلٌ شَهْرَ رَمَضانَ فَأفْطَرَهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ ثُمَّ ابْتَدَأ شَهْرًا يَقْضِيهِ فَكانَ هَذا الشَّهْرُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا أجْزَأهُ عَنْ شَهْرِ رَمَضانَ الَّذِي أفْطَرَ وإنْ كانَ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِأنَّهُ جَزاءُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ، وإنْ كانَ ابْتِداءُ القَضاءِ عَلى غَيْرِ اسْتِقْبالِ شَهْرٍ أتَمَّ ثَلاثِينَ يَوْمًا. وإنْ كانَ شَهْرُ رَمَضانَ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا؛ لِأنَّ الشَّهْرَ لا يَكُونُ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا إلّا شَهْرًا مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ " قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا إذا كانَ الشَّهْرُ تِسْعَةً وعِشْرِينَ أوْ ثَلاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ أرادَ المَرِيضُ القَضاءَ، فَإنَّهُ يَقْضِيهِ بِعَدَدِ أيّامِ شَهْرِ الصَّوْمِ الَّذِي أفْطَرَ فِيهِ سَواءٌ ابْتَدَأ بِالهِلالِ أوْ مِن بَعْضِ (p-٢٧٤)الشَّهْرِ؛ وذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ ومَعْناهُ: فَعَدَدٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ؛ يَدُلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فَأكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثِينَ» يَعْنِي العَدَدَ. وإذا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ أوْجَبَ عَلَيْهِ قَضاءَ العَدَدِ مِن أيّامٍ أُخَرَ، لَمْ يَجُزِ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ ولا النُّقْصانُ مِنهُ، سَواءٌ كانَ الشَّهْرُ الَّذِي يَقْضِيهِ ناقِصًا أوْ تامًّا، فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ الَّذِي أفْطَرَ فِيهِ شَهْرًا، وقَدْ قالَ ﷺ: «الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ؛ الشَّهْرُ ثَلاثُونَ» فَأيُّ شَهْرٍ أتى بِهِ فَقَدْ قَضى ما عَلَيْهِ لِأنَّهُ شَهْرٌ بِشَهْرٍ، قِيلَ لَهُ: لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى: فَشَهْرٌ مِن أيّامِ أُخَرَ وإنَّما قالَ ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فَأوْجَبَ اسْتِيفاءَ عَدَدِ ما أفْطَرَ، فَوَجَبَ اتِّباعُ ظاهِرِ الآيَةِ ولَمْ يَجُزِ العُدُولُ عَنْها إلى مَعْنًى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ويَدُلَّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] يَعْنِي العَدَدَ؛ فَإذا كانَ الشَّهْرُ الَّذِي أفْطَرَ فِيهِ ثَلاثِينَ فَعَلَيْهِ إكْمالُ عَدَدِهِ مِن غَيْرِهِ، ولَوِ اقْتَصَرَ عَلى شَهْرٍ هو تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ لَما كانَ مُكْمِلًا لِلْعِدَّةِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ بُطْلانُ قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ شَهْرًا بِشَهْرٍ وأسْقَطَ اعْتِبارَ العَدَدِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ إفْطارَهُ بَعْضَ رَمَضانَ يُوجِبُ قَضاءَ ما أفْطَرَ بِعَدَدِهِ، كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ إفْطارِ جَمِيعِهِ في اعْتِبارِ عَدَدِهِ. وأمّا إذا صامَ أهْلُ مِصْرٍ لِلرُّؤْيَةِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا وأهْلُ مِصْرٍ آخَرَ لِلرُّؤْيَةِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، فَإنَّما أوْجَبَ أصْحابُنا عَلى الَّذِينَ صامُوا تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا قَضاءَ يَوْمٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَأوْجَبَ إكْمالَ عِدَّةِ الشَّهْرِ؛ وقَدْ ثَبَتَ بِرُؤْيَةِ أهْلِ بَلَدٍ أنَّ العِدَّةَ ثَلاثُونَ يَوْما، فَوَجَبَ عَلى هَؤُلاءِ إكْمالُها؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُخَصِّصْ بِإكْمالِ العِدَّةِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ فَهو عامٌّ في جَمِيعِ المُخاطَبِينَ، ويُحْتَجُّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَدْ أُرِيدَ بِشُهُودِ الشَّهْرِ العِلْمُ بِهِ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْلَمُ بِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ صَوْمُهُ؛ فَلَمّا صَحَّ لَهُ العِلْمُ بِأنَّ الشَّهْرَ ثَلاثُونَ يَوْمًا بِرُؤْيَةِ أهْلِ البَلَدِ الَّذِينَ رَأوْهُ وجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُهُ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما هو عَلى مَن عَلِمَ بِهِ في أوَّلِهِ، قِيلَ لَهُ: هو عَلى مَن عَلِمَ بِهِ في أوَّلِهِ وبَعْدَ انْقِضائِهِ، ألا تَرى أنَّ مَن كانَ في دارِ الحَرْبِ فَلَمْ يَعْلَمْ بِشَهْرِ رَمَضانَ ثُمَّ عَلِمَ بِمُضِيِّهِ أنَّ عَلَيْهِ أنْ يَقْضِيَهُ ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ تَناوَلَ الجَمِيعَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فَعُدُّوا ثَلاثِينَ»، والَّذِينَ صامُوا تِسْعَةً وعِشْرِينَ قَدْ غُمَّ عَلَيْهِمْ رُؤْيَةُ أُولَئِكَ، فَكانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الحائِلِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّؤْيَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَعُدُّوا ثَلاثِينَ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» يُوجِبُ اعْتِبارَ رُؤْيَةِ كُلِّ قَوْمٍ في بَلَدِهِمْ دُونَ اعْتِبارِ رُؤْيَةِ غَيْرِهِمْ في سائِرِ البُلْدانِ، (p-٢٧٥)وكُلُّ قَوْمٍ رَأوْا الهِلالَ فالفَرْضُ عَلَيْهِمُ العَمَلُ عَلى رُؤْيَتِهِمْ في الصِّيامِ والإفْطارِ بِقَوْلِهِ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» . ويَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِمْ وأنْ يُفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِمْ، ولَيْسَ عَلَيْهِمُ انْتِظارُ رُؤْيَةِ غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ سائِرِ الآفاقِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ كُلًّا مِنهم مُخاطَبٌ بِرُؤْيَةِ أهْلِ بَلَدِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، قِيلَ لَهُ: مَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» عامٌّ في أهْلِ سائِرِ الآفاقِ، وأنَّهُ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِأهْلِ بَلَدٍ دُونَ غَيْرِهِمْ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمِن حَيْثُ وجَبَ اعْتِبارُ رُؤْيَةِ أهْلِ بَلَدٍ في الصَّوْمِ والإفْطارِ وجَبَ اعْتِبارُ رُؤْيَةِ غَيْرِهِمْ أيْضًا، فَإذا صامُوا لِلرُّؤْيَةِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا وقَدْ صامَ غَيْرُهم أيْضًا لِلرُّؤْيَةِ ثَلاثِينَ، فَعَلى هَؤُلاءِ قَضاءُ يَوْمٍ لِوُجُودِ الرُّؤْيَةِ مِنهم بِما يُوجِبُ صَوْمَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وأمّا المُحْتَجُّ بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ عَلى كُلِّ أهْلِ بَلَدٍ مِنَ الآفاقِ اعْتِبارَ رُؤْيَتِهِمْ دُونَ انْتِظارِ رُؤْيَةِ غَيْرِهِمْ، فَإنَّما يُوجَبُ ذَلِكَ عِنْدَنا عَلى شَرِيطَةِ أنْ لا تَكُونَ رُؤْيَةُ غَيْرِهِمْ مُخالِفَةً لِرُؤْيَتِهِمْ في حُكْمِ العَدَدِ، فَكُلِّفُوا في الحالِ ما أمْكَنَهُمُ اعْتِبارُهُ ولَمْ يُكَلَّفُوا ما لا سَبِيلَ لَهم إلَيْهِ في مَعْرِفَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَمَتى يَتَبَيَّنْ لَهم غَيْرُهُ عَمِلُوا عَلَيْهِ كَما لَوْ حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ مَنظَرِهِ سَحابٌ أوْ ضَبابٌ وشَهِدَ قَوْمٌ مِن غَيْرِهِمْ أنَّهم قَدْ رَأوْهُ قَبَلَ ذَلِكَ، لَزِمَهُمُ العَمَلُ عَلى ما أخْبَرَهم بِهِ دُونَ ما كانَ عِنْدَهم مِنَ الحُكْمِ بِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ. وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ يَحْتَجُّ بِهِ المُخالِفُ في هَذِهِ المَقالَةِ، وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أبِي حَرْمَلَةَ قالَ: أخْبَرَنا كُرَيْبٌ «أنَّ أُمَّ الفَضْلِ بِنْتَ الحارِثِ بَعَثَتْهُ إلى مُعاوِيَةَ بِالشّامِ، قالَ: فَقَدِمْتُ الشّامَ فَقَضَيْتُ حاجَتَها، فاسْتَهَلَّ رَمَضانُ وأنا بِالشّامِ، فَرَأيْنا الهِلالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ فَسَألَنِي ابْنُ عَبّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَ الهِلالَ فَقالَ: مَتى رَأيْتُمُ الهِلالَ ؟ فَقُلْتُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: أنْتَ رَأيْتَهُ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، ورَآهُ النّاسُ وصامُوا وصامَ مُعاوِيَةُ، فَقالَ: لَكِنّا رَأيْناهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلا نَزالُ نَصُومُهُ حَتّى نُكْمِلَ الثَّلاثِينَ أوْ نَراهُ، فَقُلْتُ: أوَ لا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعاوِيَةَ وصِيامِهِ ؟ فَقالَ: لا، هَكَذا أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، وهَذا لا يَدُلَّ عَلى ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَحْكِ جَوابَ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ بِعَيْنِها فَأجابَ بِهِ، وإنَّما قالَ: " هَكَذا أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ تَأوَّلَ فِيهِ قَوْلَهُ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» عَلى ما قالُوا؛ بَلْ وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى ما قُلْنا ظاهِرٌ عَلى ما قَدَّمْنا فَلَمْ يَصِحَّ الِاحْتِجاجُ بِهِ فِيما اخْتَلَفْنا. وقَدْ ذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ما حَدَّثَنا (p-٢٧٦)مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعاذٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنِي الأشْعَثُ عَنِ الحَسَنِ في رَجُلٍ كانَ بِمِصْرٍ مِنَ الأمْصارِ فَصامَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وشَهِدَ رَجُلانِ أنَّهُما رَأيا الهِلالَ لَيْلَةَ الأحَدِ قالَ: " لا يَقْضِي ذَلِكَ اليَوْمَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ولا أهْلُ مِصْرِهِ، إلّا أنْ يَعْلَمُوا أنَّ أهْلَ مِصْرٍ مِنَ الأمْصارِ قَدْ صامُوا يَوْمَ الأحَدِ فَيَقْضُوهُ "، ولَيْسَ في هَذا الخَبَرِ أنَّهم صامُوا لِرُؤْيَةٍ أوْ لِغَيْرِها. ومَسْألَتُنا هي في أهْلِ بَلَدَيْنِ صامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لِرُؤْيَةٍ غَيْرِ رُؤْيَةِ الآخَرِينَ، وقَدْ يَحْتَجُّ المُخالِفُ في ذَلِكَ بِما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادٌ في حَدِيثِ أيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ قالَ: «وفِطْرُكم يَوْمَ تُفْطِرُونَ وأضْحاكم يَوْمَ تُضَحُّونَ، وكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وكُلُّ مِنًى مَنحَرٌ وكُلُّ فِجاجِ مَكَّةَ مَنحَرٌ وكُلُّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ» ورَوى أبُو خَيْثَمَةَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ المَدَنِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ والفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ والأضْحى يَوْمَ تُضَحُّونَ»، قالُوا: وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ صَوْمُ كُلِّ قَوْمٍ يَوْمَ صامُوا وفِطْرُهم يَوْمَ أفْطَرُوا. وهَذا قَدْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ ما لَمْ يُتَبَيَّنْ غَيْرُهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُخَصِّصْ بِهِ أهْلَ بَلَدٍ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَإنْ وجَبَ أنْ يُعْتَبَرَ صَوْمُ مَن صامَ الأقَلَّ فِيما لَزِمَهم فَهو مُوجِبٌ صَوْمَ مَن صامَ الأكْثَرَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صَوْمًا لِلْجَمِيعِ ويَلْزَمُ مَن صامَ الأقَلَّ قَضاءُ يَوْمٍ، وقَدِ اخْتُلِفَ مَعَ ذَلِكَ في صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ مِن طَرِيقِ النَّقْلِ، فَثَبَّتَهُ بَعْضُهم ولَمْ يُثَبِّتْهُ الآخَرُونَ. وقَدْ تُكُلِّمَ أيْضًا في مَعْناهُ، فَقالَ قائِلُونَ: " مَعْناهُ أنَّ الجَمِيعَ إذا اتَّفَقُوا عَلى صَوْمِ يَوْمٍ فَهو صَوْمُهم، وإذا اخْتَلَفُوا احْتاجُوا إلى دَلالَةٍ مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ صَوْمُكم يَوْمَ يَصُومُ بَعْضُكم وإنَّما قالَ صَوْمُكم يَوْمَ تَصُومُونَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي صَوْمَ الجَمِيعِ " وقالَ آخَرُونَ: " هَذا خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ في نَفْسِهِ وإخْبارٌ بِأنَّهُ مُتَعَبِّدٌ بِما عِنْدَهُ دُونَ ما هو عِنْدَ غَيْرِهِ، فَمَن صامَ يَوْمًا عَلى أنَّهُ مِن رَمَضانَ فَقَدْ أدّى ما كُلِّفَ ولَيْسَ عَلَيْهِ مِمّا عِنْدَ غَيْرِهِ شَيْءٌ؛ لِأنَّ اللَّهُ تَعالى إنَّما كَلَّفَهُ بِما عِنْدَهُ لا بِما عِنْدَ غَيْرِهِ ولَمْ يُكَلِّفْهُ المُغَيَّبَ عِنْدَ اللَّهِ أيْضًا " . [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:185

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ الآيَةُ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنّا فِيما سَلَفَ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الفَرْضَ الأوَّلَ كانَ صَوْمَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وأنَّهُ نُسِخَ بِقَوْلِهِ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ شَهْرَ رَمَضانَ بَيانٌ لِلْمُوجِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقَوْلِهِ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَيَصِيرُ تَقْدِيرُهُ " أيّامًا مَعْدُوداتٍ هي شَهْرُ رَمَضانَ " فَإنْ كانَ صَوْمُ الأيّامِ المَعْدُوداتِ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ إلى قَوْلِهِ: (p-٢٢٧)﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَقَدِ انْتَظَمَ قَوْلُهُ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ نَسْخَ حُكْمَيْنِ مِنَ الآيَةِ الأُولى: أحَدُهُما: الأيّامُ المَعْدُوداتِ الَّتِي هي غَيْرُ شَهْرِ رَمَضانَ. والآخَرُ: التَّخْيِيرُ بَيْنَ الصِّيامِ والإطْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] عَلى نَحْوِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ عَنِ السَّلَفِ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَقَدْ كانَ لا مَحالَةَ بَعْدَ نُزُولِ فَرْضِ رَمَضانَ التَّخْيِيرُ ثابِتًا بَيْنَ الصَّوْمِ والفِدْيَةِ في أوَّلِ أحْوالِ إيجابِهِ، فَكانَ هَذا الحُكْمُ مُسْتَقِرًّا ثابِتًا، ثُمَّ ورَدَ عَلَيْهِ النَّسْخُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ إذْ غَيْرُ جائِزٍ وُرُودُ النَّسْخِ قَبْلَ وقْتِ الفِعْلِ والتَّمَكُّنِ مِنهُ. والصَّحِيحُ هو القَوْلُ الثّانِي، لِاسْتِفاضَةِ الرِّوايَةِ عَنْ السَّلَفِ بِأنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الصَّوْمِ والفِدْيَةِ كانَ في شَهْرِ رَمَضانَ، وأنَّهُ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَإنْ قِيلَ: في فَحْوى الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] غَيْرُ شَهْرِ رَمَضانَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلّا مَقْرُونًا بِذِكْرِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِدْيَةِ، ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَرْضًا مُجْمَلًا مَوْقُوفَ الحُكْمِ عَلى البَيانِ لَما كانَ لِذِكْرِ التَّخْيِيرِ قَبْلَ ثُبُوتِ الفَرْضِ مَعْنى. قِيلَ لَهُ: لا يَمْتَنِعُ وُرُودُ فَرْضٍ مُجْمَلًا مُضَمَّنًا بِحُكْمٍ مَفْهُومِ المَعْنى مَوْقُوفٍ عَلى البَيانِ، فَمَتى ورَدَ البَيانُ بِما أُرِيدَ مِنهُ كانَ الحُكْمُ المُضَمَّنُ بِهِ ثابِتًا مَعَهُ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: " أيّامًا مَعْدُوداتٍ " حُكْمُها إذا بُيِّنَ وقْتُها ومِقْدارُها أنْ يَكُونَ المُخاطَبُونَ بِهِ مُخَيَّرِينَ بَيْنَ الصَّوْمِ والفِدْيَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فاسْمُ الأمْوالِ عُمُومٌ يَصِحُّ اعْتِبارُهُ فِيما عَلِقَ بِهِ مِنَ الحُكْمِ، والصَّدَقَةُ مُجْمَلَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى البَيانِ؛ فَإذا ورَدَ بَيانُ الصَّدَقَةِ كانَ اعْتِبارُ عُمُومِ اسْمِ الأمْوالِ سائِغًا فِيها، ولِذَلِكَ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] مُتَأخِّرًا في التَّنْزِيلِ، وإنْ كانَ مُقَدَّمًا في التِّلاوَةِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الآياتِ وتَرْتِيبُ مَعانِيها: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] هي شَهْرُ رَمَضانَ ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَيَكُونُ هَذا حُكْمًا ثابِتًا مُسْتَقِرًّا مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَنُسِخَ بِهِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الفِدْيَةِ والصَّوْمِ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] مُؤَخَّرًا في اللَّفْظِ، وكانَ ذَلِكَ يَعْتَوِرُهُ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ. وإنْ كانَ مُؤَخَّرًا في التِّلاوَةِ فَهو مُقَدَّمٌ في التَّنْزِيلِ، والثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ بِالواوِ، وهي لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَكَأنَّ الكُلَّ مَذْكُورٌ مَعًا فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] إلى قَوْلِهِ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ (p-٢٢٨)يَحْتَمِلُ ما احْتَمَلَتْهُ قِصَةُ البَقَرَةِ. * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَفِيهِ عِدَّةُ أحْكامٍ؛ مِنها: إيجابُ الصِّيامِ عَلى مَن شَهِدَ الشَّهْرَ دُونَ مَن لَمْ يَشْهَدْ، فَلَوْ كانَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ لاقْتَضى ذَلِكَ لُزُومَ الصَّوْمِ سائِرَ النّاسِ المُكَلَّفِينَ، فَلَمّا عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ بَيَّنَ أنَّ لُزُومَ صَوْمِ الشَّهْرِ مَقْصُورٌ عَلى بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وهو مَن شَهِدَ الشَّهْرَ دُونَ مَن لَمْ يَشْهَدْهُ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ يَعْتَوِرُهُ مَعانٍ، مِنها: مَن كانَ شاهِدًا يَعْنِي مُقِيمًا غَيْرَ مُسافِرٍ، كَما يُقالُ لِلشّاهِدِ، والغائِبِ المُقِيمِ والمُسافِرِ، فَكانَ لُزُومُ الصَّوْمِ مَخْصُوصًا بِهِ المُقِيمُونَ دُونَ المُسافِرِينَ. ثُمَّ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى هَذا لَكانَ المَفْهُومُ مِنهُ الِاقْتِصارَ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِمْ دُونَ المُسافِرِينَ؛ إذْ لَمْ يُذْكَرُوا، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِن صَوْمٍ ولا قَضاءٍ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ بَيَّنَ حُكْمَ المَرِيضِ والمُسافِرِ في إيجابِ القَضاءِ عَلَيْهِمْ إذا أفْطَرُوا، هَذا إذا كانَ التَّأْوِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ الإقامَةَ في الحَضَرِ. ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى شاهِدِ الشَّهْرِ أيْ عَلِمَهُ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ فَمَن شَهِدَهُ بِالتَّكْلِيفِ؛ لِأنَّ المَجْنُونَ، ومَن لَيْسَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ في حُكْمِ مَن لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في انْتِفاءِ لُزُومِ الفَرْضِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ اسْمَ شُهُودِ الشَّهْرِ عَلَيْهِمْ، وأرادَ بِهِ التَّكْلِيفَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لَمّا كانُوا في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِما سَمِعُوا بِمَنزِلَةِ الأصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ سَمّاهم بُكْمًا عُمْيًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] يَعْنِي عَقْلًا؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِعَقْلِهِ فَكَأنَّهُ لا قَلْبَ لَهُ؛ إذْ كانَ العَقْلُ بِالقَلْبِ؛ فَكَذَلِكَ جائِزٌ أنْ يَكُونَ جَعَلَ شُهُودَ الشَّهْرِ عِبارَةً عَنْ كَوْنِهِ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ؛ إذْ كانَ مَن لَيْسَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ بِمَنزِلَةِ مَن لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِيهِ في بابِ سُقُوطِ حُكْمِهِ عَنْهُ. ومِنَ الأحْكامِ المُسْتَفادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ غَيْرَ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ تَعْيِينُ فَرْضِ رَمَضانَ، فَإنَّ المُرادَ بِشُهُودِ الشَّهْرِ كَوْنُهُ فِيهِ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ، وأنَّ المَجْنُونَ ومَن لَيْسَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ غَيْرُ لازِمٍ لَهُ صَوْمُ الشَّهْرِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * بابُ ذِكْرِ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ فِيمَن جُنَّ رَمَضانَ كُلَّهُ أوْ بَعْضَهُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والثَّوْرِيُّ: " إذا كانَ مَجْنُونًا في رَمَضانَ كُلِّهِ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ، وإنْ أفاقَ في شَيْءٍ مِنهُ قَضاهُ كُلَّهُ " . وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ فِيمَن بَلَغَ، وهو مَجْنُونٌ مُطِيقٌ (p-٢٢٩)فَمَكَثَ سِنِينَ ثُمَّ أفاقَ: " فَإنَّهُ يَقْضِي صِيامَ تِلْكَ السِّنِينَ ولا يَقْضِي الصَّلاةَ " . وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ في المَعْتُوهِ يُفِيقُ وقَدْ تَرَكَ الصَّلاةَ والصَّوْمَ " فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضاءُ ذَلِكَ " وقالَ في المَجْنُونِ الَّذِي يُجَنُّ ثُمَّ يُفِيقُ أوِ الَّذِي يُصِيبُهُ المَرَّةَ ثُمَّ يُفِيقُ: " أرى عَلى هَذا أنْ يَقْضِيَ " . وقالَ الشّافِعِيُّ في البُوَيْطِيِّ: " ومَن جُنَّ في رَمَضانَ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ، وإنْ صَحَّ في يَوْمٍ مِن رَمَضانَ قَبْلَ أنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ كَذَلِكَ لا قَضاءَ عَلَيْهِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ يَمْنَعُ وُجُوبَ القَضاءِ عَلى المَجْنُونِ الَّذِي لَمْ يُفِقْ في شَيْءٍ مِنَ الشَّهْرِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ شاهِدَ الشَّهْرِ، وشُهُودُهُ الشَّهْرَ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا فِيهِ، ولَيْسَ المَجْنُونُ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنِ النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ الصَّغِيرِ حَتّى يَحْتَلِمَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتّى يُفِيقَ» . فَإنْ قِيلَ: إذا احْتَمَلَ قَوْلُهُ ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ شُهُودَهُ بِالإقامَةِ وتَرْكِ السَّفَرِ دُونَ ما ذَكَرْتَهُ مِن شُهُودِهِ بِالتَّكْلِيفِ، فَما الَّذِي أوْجَبَ حَمْلَهُ عَلى ما ادَّعَيْتَ دُونَ ما ذَكَرْنا مِن حالِ الإقامَةِ ؟ قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلْمَعْنَيَيْنِ وهُما غَيْرُ مُتَنافِيَيْنِ بَلْ جائِزٌ إرادَتُهُما مَعًا، وكَوْنُهُما شَرْطًا في لُزُومِ الصَّوْمِ، وجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِما؛ وهو كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِالصَّوْمِ غَيْرَ مُرَخَّصٍ لَهُ في تَرْكِهِ إلّا أنْ يَكُونَ مُقِيمًا مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ. ولا خِلافَ أنَّ كَوْنَهُ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ شَرْطٌ في صِحَّةِ الخِطابِ بِهِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنِ المَجْنُونُ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ في الشَّهْرِ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَيْهِ الخِطابُ بِالصَّوْمِ، ولَمْ يَلْزَمْهُ القَضاءُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتّى يُفِيقَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ» ورَفْعُ القَلَمِ هو إسْقاطُ التَّكْلِيفِ عَنْهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الجُنُونَ مَعْنًى يَسْتَحِقُّ بِهِ الوِلايَةَ عَلَيْهِ إذا دامَ بِهِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ الصَّغِيرِ إذا دامَ بِهِ الشَّهْرَ كُلَّهُ في سُقُوطِ فَرْضِ الصَّوْمِ. ويُفارِقُ الإغْماءُ هَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الوِلايَةَ بِالإغْماءِ إنْ طالَ، وفارَقَ المُغْمى عَلَيْهِ المَجْنُونَ والصَّغِيرَ وأشْبَهَ الإغْماءُ النَّوْمَ في بابِ نَفْيِ وِلايَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ مِن أجْلِهِ. فَإنْ قِيلَ: لا يَصِحُّ خِطابُ المُغْمى عَلَيْهِ كَما لا يَصِحُّ خِطابُ المَجْنُونِ والتَّكْلِيفُ زائِلٌ عَنْهُما جَمِيعًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَلْزَمَهُ القَضاءُ بِالإغْماءِ. قِيلَ لَهُ: الإغْماءُ وإنْ مَنَعَ الخِطابَ بِالصَّوْمِ في حالِ وُجُودِهِ فَإنَّ لَهُ أصْلًا آخَرَ في إيجابِ القَضاءِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ وإطْلاقُ اسْمِ المَرِيضِ عَلى المُغْمى عَلَيْهِ جائِزٌ سائِغٌ. فَوَجَبَ اعْتِبارُ عُمُومِهِ في إيجابِ القَضاءِ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُخاطَبًا بِهِ حالَ الإغْماءِ؛ وأمّا المَجْنُونُ فَلا يَتَناوَلُهُ اسْمُ المَرِيضِ (p-٢٣٠)عَلى الإطْلاقِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيمَن أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ القَضاءَ. وأمّا مَن أفاقَ مِن جُنُونِهِ في شَيْءٍ مِنَ الشَّهْرِ، فَإنَّما ألْزَمُوهُ القَضاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهَذا قَدْ شَهِدَ الشَّهْرَ؛ إذْ كانَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ في جُزْءٍ مِنهُ؛ إذْ لا يَخْلُو قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ شُهُودَ جَمِيعِ الشَّهْرِ أوْ شُهُودَ جُزْءٍ مِنهُ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ شَرْطُ لُزُومِ الصَّوْمِ شُهُودَ الشَّهْرِ جَمِيعَهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَناقُضُ اللَّفْظِ بِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَكُونُ شاهِدًا لِجَمِيعِ الشَّهْرِ إلّا بَعْدَ مُضِيِّهِ كُلِّهِ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُضِيُّهُ شَرْطًا لِلُزُومِ صَوْمِهِ كُلِّهِ؛ لِأنَّ الماضِيَ مِنَ الوَقْتِ يَسْتَحِيلُ فِعْلُ الصَّوْمِ فِيهِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ شُهُودَ الشَّهْرِ جَمِيعِهِ. والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ مَن طَرَأ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضانَ، وهو مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ أنَّ عَلَيْهِ الصَّوْمَ في أوَّلِ يَوْمٍ مِنهُ لِشُهُودِهِ جُزْءًا مِنَ الشَّهْرِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ شَرْطَ تَكْلِيفِ صَوْمِ الشَّهْرِ كَوْنُهُ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ في شَيْءٍ مِنهُ. فَإنْ قِيلَ: فَواجِبٌ إذا كانَ ذَلِكَ عَلى ما وصَفْتُ مِن أنَّ المُرادَ إدْراكُ جُزْءٍ مِنَ الشَّهْرِ أنْ لا يَلْزَمَهُ إلّا صَوْمُ الجُزْءِ الَّذِي أدْرَكَهُ دُونَ غَيْرِهِ؛ إذْ قَدْ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ شُهُودُ بَعْضِ الشَّهْرِ شَرْطًا لِلُزُومِ الصَّوْمِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: " فَمَن شَهِدَ بَعْضَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ البَعْضَ " . قِيلَ لَهُ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلى ما ظَنَنْتَ، مِن قِبَلِ أنَّهُ لَوْلا قِيامُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ شَرْطَ لُزُومِ الصَّوْمِ شُهُودُ بَعْضِ الشَّهْرِ لَكانَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ اسْتِغْراقَ الشَّهْرِ كُلِّهِ في شَرْطِ اللُّزُومِ. فَلَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُرادَ البَعْضُ دُونَ الجَمِيعِ في شَرْطِ اللُّزُومِ حَمَلْناهُ عَلَيْهِ، وبَقِيَ حُكْمُ اللَّفْظِ في إيجابِ الجَمِيعِ؛ إذْ كانَ الشَّهْرُ اسْمًا لِجَمِيعِهِ، فَكانَ تَقْدِيرُهُ: " فَمَن شَهِدَ مِنكم شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْ جَمِيعَهُ " . فَإنْ قِيلَ: فَإذا أفاقَ، وقَدْ بَقِيَتْ أيّامٌ مِنَ الشَّهْرِ، يَلْزَمُكَ أنْ لا تُوجِبَ عَلَيْهِ قَضاءَ ما مَضى لِاسْتِحالَةِ تَكْلِيفِهِ صَوْمَ الماضِي مِنَ الأيّامِ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الوُجُوبُ مُنْصَرِفًا إلى ما بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ قِيلَ لَهُ: إنَّما يَلْزَمُهُ قَضاءُ الأيّامِ الماضِيَةِ لا صَوْمُها بِعَيْنِها، وجائِزٌ لُزُومُ القَضاءِ مَعَ امْتِناعِ خِطابِهِ بِالصَّوْمِ فِيما أُمِرَ بِهِ مِنَ القَضاءِ، ألا تَرى أنَّ النّاسِيَ والمُغْمى عَلَيْهِ والنّائِمَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ يَسْتَحِيلُ خِطابُهُ بِفِعْلِ الصَّوْمِ في هَذِهِ الأحْوالِ، ولَمْ تَكُنِ اسْتِحالَةُ تَكْلِيفِهِمْ فِيها مانِعَةً مِن لُزُومِ القَضاءِ ؟ وكَذَلِكَ ناسِي الصَّلاةِ والنّائِمُ عَنْها، فَإنَّ الخِطابَ بِفِعْلِ الصَّوْمِ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فِعْلُهُ في وقْتِ التَّكْلِيفِ، والآخَرُ: قَضاؤُهُ في وقْتٍ غَيْرِهِ، وإنْ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَيْهِ الخِطابُ بِفِعْلِهِ في حالِ الإغْماءِ والنِّسْيانِ واللَّهُ أعْلَمُ. (p-٢٣١) * * بابٌ الغُلامُ يَبْلُغُ والكافِرُ يُسْلِمُ بِبَعْضِ رَمَضانَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ شُهُودُ بَعْضِهِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الصَّبِيِّ يَبْلُغُ في بَعْضِ رَمَضانَ أوِ الكافِرِ يُسْلِمُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ في المُوَطَّأِ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: " يَصُومانِ ما بَقِيَ، ولَيْسَ عَلَيْهِما قَضاءُ ما مَضى ولا قَضاءُ اليَوْمِ الَّذِي كانَ فِيهِ البُلُوغُ أوِ الإسْلامُ " . وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: " أحَبُّ إلَيَّ أنْ يَقْضِيَهُ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ في الغُلامِ إذا احْتَلَمَ في النِّصْفِ مِن رَمَضانَ: " إنَّهُ يَقْضِي ما مَضى مِنهُ، فَإنَّهُ كانَ يُطِيقُ الصَّوْمَ " وقالَ في الكافِرِ إذا أسْلَمَ: " لا قَضاءَ عَلَيْهِ فِيما مَضى " . وقالَ أصْحابُنا: " يُسْتَحَبُّ لَهُما الإمْساكُ عَمّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصّائِمُ في اليَوْمِ الَّذِي كانَ فِيهِ الِاحْتِلامُ أوِ الإسْلامُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقَدْ بَيَّنّا مَعْناهُ، وأنَّ كَوْنَهُ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ شَرْطٌ في لُزُومِهِ، والصَّبِيُّ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ البُلُوغِ، فَغَيْرُ جائِزٍ إلْزامُهُ حُكْمَهُ. وأيْضًا الصِّغَرُ يُنافِي صِحَّةَ الصَّوْمِ؛ لِأنَّ الصَّغِيرَ لا يَصِحُّ صَوْمُهُ وإنَّما يُؤْمَرُ بِهِ عَلى وجْهِ التَّعَلُّمِ، ولِيَعْتادَهُ ويُمَرَّنَ عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّهُ مَتى بَلَغَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضاءُ الصَّلاةِ المَتْرُوكَةِ ولا قَضاءُ الصِّيامِ المَتْرُوكِ في حالِ الصِّغَرِ ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إلْزامُهُ القَضاءَ فِيما تَرَكَهُ في حالِ الصِّغَرِ، ولَوْ جازَ إلْزامُهُ قَضاءَ ما مَضى مِنَ الشَّهْرِ لَجازَ إلْزامُهُ قَضاءَ الصَّوْمِ لِلْعامِ الماضِي إذا كانَ يُطِيقُهُ، فَلَمّا اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى سُقُوطِ القَضاءِ لِلسَّنَةِ الماضِيَةِ مَعَ إطاقَتِهِ لِلصَّوْمِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَهُ في الشَّهْرِ الَّذِي أدْرَكَ في بَعْضِهِ. وأمّا الكافِرُ فَهو في حُكْمِ الصَّبِيِّ مِن هَذا الوَجْهِ لِاسْتِحالَةِ تَكْلِيفِهِ لِلصَّوْمِ إلّا عَلى شَرْطِ تَقْدِيمِ الإيمانِ ومُنافاةِ الكُفْرِ لِصِحَّةِ الصَّوْمِ، فَأشْبَهَ الصَّبِيَّ؛ ولَيْسا كالمَجْنُونِ الَّذِي يُفِيقُ في بَعْضِ الشَّهْرِ في إلْزامِهِ القَضاءَ لِما مَضى مِنَ الشَّهْرِ؛ لِأنَّ الجُنُونَ لا يُنافِي صِحَّةَ الصَّوْمِ، بِدَلالَةِ أنَّ مَن جُنَّ في صِيامِهِ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ؛ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجُنُونَ لا يُنافِي صِحَّةَ صَوْمِهِ، وأنَّ الكُفْرَ يُنافِيها فَأشْبَهَ الصَّغِيرَ مِن هَذا الوَجْهِ، وإنِ اخْتَلَفا في بابِ اسْتِحْقاقِ الكافِرِ العِقابَ عَلى تَرْكِهِ، والصَّغِيرُ لا يَسْتَحِقُّهُ. ويَدُلُّ عَلى سُقُوطِ القَضاءِ لِما مَضى عَمَّنْ أسْلَمَ في بَعْضِ رَمَضانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقَوْلُهُ ﷺ: «الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ والإسْلامُ يَهْدِمُ ما قَبْلَهُ» . وإنَّما قالَ أصْحابُنا: يُمْسِكُ المُسْلِمُ في بَعْضِ رَمَضانَ والصَّبِيُّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِما عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ، مِن قِبَلِ أنَّهُ قَدْ طَرَأ عَلَيْهِما، وهُما مُفْطِرانِ (p-٢٣٢)حالَ لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً في أوَّلِ النَّهارِ كانا مَأْمُورَيْنِ بِالصِّيامِ، فَواجِبٌ أنْ يَكُونا مَأْمُورَيْنِ بِالإمْساكِ في مِثْلِهِ إذا كانا مُفْطِرِينَ؛ والأصْلُ فِيهِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ بَعَثَ إلى أهْلِ العَوالِي يَوْمَ عاشُوراءَ فَقالَ: «مَن أكَلَ فَلْيُمْسِكْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، ومَن لَمْ يَأْكُلْ فَلْيَصُمْ» ورُوِيَ أنَّهُ أمَرَ الآكِلِينَ بِالقَضاءِ وأمَرَهم بِالإمْساكِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُفْطِرِينَ؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ أكَلُوا لَأُمِرُوا بِالصِّيامِ، فاعْتَبَرْنا بِذَلِكَ كُلَّ حالٍ تَطْرَأُ عَلَيْهِ في بَعْضِ النَّهارِ، وهو مُفْطِرٌ بِما لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً في أوَّلِهِ كَيْفَ يَكُونُ حُكْمُهُ؛ فَإنْ كانَ مِمّا يَلْزَمُهُ بِها الصَّوْمُ أُمِرَ بِالإمْساكِ، وإنْ كانَ مِمّا لا يَلْزَمُهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ؛ ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالُوا في الحائِضِ إذا طَهُرَتْ في بَعْضِ النَّهارِ، والمُسافِرِ إذا قَدِمَ، وقَدْ أفْطَرَ في سَفَرِهِ، إنَّهُما مَأْمُورانِ بِالإمْساكِ؛ إذْ لَوْ كانَتْ حالَ الطُّهْرِ والإقامَةِ مَوْجُودَةً في أوَّلِ النَّهارِ كانا مَأْمُورَيْنِ بِالصِّيامِ، وقالُوا: لَوْ حاضَتْ في بَعْضِ النَّهارِ لَمْ تُؤْمَرْ بِالإمْساكِ إذِ الحَيْضُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا في أوَّلِ النَّهارِ لَمْ تُؤْمَرْ بِالصِّيامِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا أبَحْتَ لِمَن كانَ مُقِيمًا في أوَّلِ النَّهارِ ثُمَّ سافَرَ أنْ يُفْطِرَ؛ لِأنَّ حالَ السَّفَرِ لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً في أوَّلِ النَّهارِ ثُمَّ سافَرَ كانَ مُبِيحًا لِلْإفْطارِ، قِيلَ لَهُ: لَمْ نَجْعَلَ ما قَدَّمْنا عِلَّةً لِلْإفْطارِ ولا لِلصَّوْمِ، وإنَّما جَعَلْناهُ عِلَّةً لِإمْساكِ المُفْطِرِ، فَأمّا إباحَةُ الإفْطارِ وحَظْرِهِ فَلَهُ شَرْطٌ آخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا. وقَدْ حَوى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أحْكامًا أُخَرَ غَيْرَ ما ذَكَرْنا؛ مِنها: دَلالَتُهُ عَلى أنَّ مَنِ اسْتَبانَ لَهُ بَعْدَما أصْبَحَ أنَّهُ مِن رَمَضانَ فَعَلَيْهِ أنْ يَبْتَدِئَ صَوْمَهُ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تُفَرِّقَ بَيْنَ مَن عَلِمَهُ مِنَ اللَّيْلِ أوْ في بَعْضِ النَّهارِ، وهي عامَّةٌ في الحالَيْنِ جَمِيعًا، فاقْتَضى ذَلِكَ جَوازُ تَرْكِ نِيَّةِ صَوْمِ رَمَضانَ مِنَ اللَّيْلِ؛ وكَذَلِكَ المُغْمى عَلَيْهِ والمَجْنُونُ إذا أفاقا في بَعْضِ النَّهارِ ولَمْ يَتَقَدَّمَ لَهُما نِيَّةُ الصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ فَواجِبٌ عَلَيْهِما أنْ يَبْتَدِئا الصِّيامَ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُما قَدْ شَهِدا الشَّهْرَ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ شُهُودَ الشَّهْرِ شَرْطًا لِلُزُومِ الصَّوْمِ. وفِي الآيَةِ حُكْمٌ آخَرُ: تَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ مَن نَوى بِصِيامِهِ في شَهْرِ رَمَضانَ تَطَوُّعًا أوْ عَنْ فَرْضٍ آخَرَ أنَّهُ مُجْزِئٌ عَنْ رَمَضانَ لِأنَّ الأمْرَ بِفِعْلِ الصَّوْمِ فِيهِ ورَدَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَصْفٍ ولا مَخْصُوصٍ بِشَرْطِ نِيَّةِ الفَرْضِ، فَعَلى أيِّ وجْهٍ صامَ فَقَدْ قَضى عُهْدَةَ الآيَةِ ولَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وفِيها حُكْمٌ آخَرُ: تَدُلُّ أيْضًا عَلى لُزُومِ صَوْمِ أوَّلِ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ لِمَن رَأى الهِلالَ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ الإفْطارُ مَعَ كَوْنِ اليَوْمِ مَحْكُومًا عِنْدَ سائِرِ النّاسِ أنَّهُ مِن شَعْبانَ. وقَدْ رَوى رَوْحُ بْنُ عُبادَةَ عَنْ هِشامٍ، وأشْعَثُ عَنْ الحَسَنِ فِيمَن رَأى الهِلالَ (p-٢٣٣)وحْدَهُ: أنَّهُ لا يَصُومُ إلّا مَعَ الإمامِ ورَوى ابْنُ المُبارَكِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في رَجُلٍ رَأى هِلالَ شَهْرِ رَمَضانَ قَبْلَ النّاسِ بِلَيْلَةٍ: لا يَصُومُ قَبْلَ النّاسِ ولا يُفْطِرُ قَبْلَهم، أخْشى أنْ يَكُونَ شُبِّهَ لَهُ. فَأمّا الحَسَنُ فَإنَّهُ أطْلَقَ الجَوابَ في أنَّهُ لا يَصُومُ، وهَذا يَدُلَّ عَلى أنَّهُ، وإنْ تَيَقَّنَ الرُّؤْيَةَ مِن غَيْرِ شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ أنَّهُ لا يَصُومُ، وأمّا عَطاءٌ، فَإنَّهُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أباحَ لَهُ الإفْطارَ إذا جَوَّزَ عَلى نَفْسِهِ الشُّبْهَةَ في الرُّؤْيَةِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَأى حَقِيقَةً، وإنَّما تَخَيَّلَ لَهُ ما ظَنَّهُ هِلالًا. وظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ الصَّوْمَ عَلى مَن رَآهُ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن رَآهُ وحْدَهُ ومَن رَآهُ مَعَ النّاسِ. وفِيها حُكْمٌ آخَرُ: ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِدُخُولِ الشَّهْرِ لَمْ يُجْزِهِ صَوْمُهُ، ويَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قالَ: فَإنَّما ألْزَمَ الفَرْضَ عَلى مَن عَلِمَ بِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَمَن شَهِدَ﴾ بِمَعْنى شاهَدَ وعَلِمَ، فَمَن لَمْ يَعْلَمْ فَهو غَيْرُ مُؤَدٍّ لِفَرْضِهِ، وذَلِكَ كَنَحْوِ مَن يَصُومُ رَمَضانَ عَلى شَكٍّ ثُمَّ يَصِيرُ إلى اليَقِينِ ولا اشْتِباهَ، كالأسِيرِ في دارِ الحَرْبِ إذا صامَ شَهْرًا فَإذا هو شَهْرُ رَمَضانَ، فَقالُوا: لا يُجْزِئُ مَن كانَ هَذا وصْفَهُ؛ ويُحْكى هَذا القَوْلُ عَنْ جَماعَةٍ مِن السَّلَفِ. وعَنْ مالِكٍ والشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُجْزِئُ، والآخَرُ: أنَّهُ لا يُجْزِئُ. وقالَ الأوْزاعِيُّ في الأسِيرِ إذا أصابَ عَيْنَ رَمَضانَ: " أجْزَأهُ " وكَذَلِكَ إذا أصابَ شَهْرًا بَعْدَهُ. وأصْحابُنا يُجِيزُونَ صَوْمَهُ بَعْدَ أنْ يُصادِفَ عَيْنَ الشَّهْرِ أوْ بَعْدَهُ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّهُ إذا تَحَرّى شَهْرًا وغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ رَمَضانُ ثُمَّ صارَ إلى اليَقِينِ ولا اشْتِباهَ أنَّهُ رَمَضانُ أنَّهُ يُجْزِيهِ، وكَذَلِكَ إذا تَحَرّى وقْتَ صَلاةٍ في يَوْمِ غَيْمٍ وصَلّى عَلى غالِبِ الظَّنِّ ثُمَّ تَيَقَّنَ أنَّهُ الوَقْتُ يُجْزِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وإنِ احْتَمَلَ العِلْمُ بِهِ فَغَيْرُ مانِعٍ مِن جَوازِهِ، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، مِن قِبَلِ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو شَرْطٌ في لُزُومِهِ ومَنعِ تَأْخِيرِهِ، وأمّا نَفْيُ الجَوازِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالَ مِن مَنعِ جَوازِهِ لَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ عَلى مَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الشُّهُورُ، وهو في دارِ الحَرْبِ ولَمْ يَعْلَمْ بِرَمَضانَ القَضاءُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُشاهِدِ الشَّهْرَ، ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَلَمّا اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى لُزُومِ القَضاءِ عَلى مَن لَمْ يَعْلَمْ بِشَهْرِ رَمَضانَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ شَرْطُ جَوازِ صَوْمِهِ العِلْمَ بِهِ كَما لَمْ يَكُنْ شَرْطُ وُجُوبِ قَضائِهِ العِلْمَ بِهِ، ولَمّا كانَ مَن وصَفْنا مِن فَقْدِ عِلْمِهِ بِالشَّهْرِ شاهِدًا لَهُ في بابِ لُزُومِهِ قَضاءَهُ إذا لَمْ يَصُمْ، وجَبَ أنْ يَكُونَ شاهِدًا لَهُ في بابِ جَوازِ صَوْمِهِ مَتى صادَفَ عَيْنَهُ وأيْضًا إذا احْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ أنْ يَعْنِي بِهِ كَوْنَهُ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ في الشَّهْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ (p-٢٣٤)بَيانُهُ، فَواجِبٌ أنْ يُجْزِيَهُ عَلى أيِّ حالٍ شَهِدَ الشَّهْرُ، وهَذا شاهِدٌ لِلشَّهْرِ مِن حَيْثُ كانَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ، فاقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ جَوازَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِدُخُولِهِ. واحْتَجَّ أيْضًا مَن أبى جَوازَهُ عِنْدَ فَقْدِ العِلْمِ بِقَوْلِهِ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثَلاثِينَ» قالُوا: فَإذا كانَ مَأْمُورًا بِفِعْلِ الصَّوْمِ لِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، فَإنَّهُ مَتى لَمْ يَرَهُ أنْ يَحْكُمَ بِهِ أنَّهُ مِن شَعْبانَ فَغَيْرُ جائِزٍ لَهُ صَوْمُهُ مَعَ الحُكْمِ بِهِ مِن شَعْبانَ؛ إذْ كانَ صَوْمُ شَعْبانَ غَيْرُ مُجْزِئٍ عَنْ رَمَضانَ. وهَذا أيْضًا غَيْرُ مانِعٍ جَوازَهُ كَما لا يَمْنَعُ وُجُوبَ القَضاءِ إذا عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ مِن رَمَضانَ؛ وإنَّما كانَ مَحْكُومًا بِأنَّهُ مِن شَعْبانَ عَلى شَرْطِ فَقْدِ العِلْمِ، فَإذا عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ مِن رَمَضانَ فَمَتى عَلِمَ أنَّهُ مِن رَمَضانَ فَهو مَحْكُومٌ لَهُ بِهِ مِنَ الشَّهْرِ ويَنْتَقِضُ ما كُنّا حَكَمْنا بِهِ بَدِيًّا مِن أنَّهُ مِن شَعْبانَ فَكانَ حُكْمُنا بِذَلِكَ مُنْتَظَرًا مُراعًى، وكَذَلِكَ يَكُونُ صَوْمُ يَوْمِهِ ذَلِكَ مُراعًى؛ فَإنِ اسْتَبانَ أنَّهُ مِن رَمَضانَ أجْزَأهُ وإنْ لَمْ يَسْتَبِنْ لَهُ فَهو تَطَوُّعٌ. فَإنْ قِيلَ: وُجُوبُ قَضائِهِ إذا أفْطَرَ فِيهِ غَيْرُ دالٍّ عَلى جَوازِهِ إذا صامَهُ؛ لِأنَّ الحائِضَ يَلْزَمُها القَضاءُ ولَمْ يَدُلَّ وُجُوبُ القَضاءِ عَلى الجَوازِ قِيلَ لَهُ: إذا كانَ المانِعُ مِن جَوازِ صَوْمِهِ فَقْدَ العِلْمِ بِهِ، فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ هَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ مانِعًا مِن لُزُومِ قَضائِهِ إذا أفْطَرَ فِيهِ كالمَجْنُونِ والصَّبِيِّ؛ لِأنَّكَ زَعَمْتَ أنَّ المانِعَ مِن جَوازِهِ كَوْنُهُ غَيْرَ شاهِدٍ لِلشَّهْرِ وغَيْرَ عالِمٍ بِهِ، ومَن لَمْ يَشْهَدِ الشَّهْرَ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ إنْ كانَ حُكْمُ الوُجُوبِ مَقْصُورًا عَلى مَن شَهِدَهُ دُونَ مَن لَمْ يَشْهَدْهُ، ولا يَخْتَلِفُ عَلى هَذا الحَدِّ حُكْمُ الجَوازِ إذا صامَ وحُكْمُ القَضاءِ إذا أفْطَرَ. وأمّا الحائِضُ فَلا يَتَعَلَّقَ عَلَيْها حُكْمُ تَكْلِيفِ الصَّوْمِ مِن جِهَةِ شُهُودِها لِلشَّهْرِ وعِلْمِها بِهِ؛ لِأنَّها مَعَ عِلْمِها بِهِ لا يُجْزِيها صَوْمُهُ، ولَمْ يَتَعَلَّقْ مَعَ ذَلِكَ وُجُوبُ القَضاءِ بِإفْطارِها؛ إذْ لَيْسَ لَها فِعْلٌ في الإفْطارِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ سُقُوطُ القَضاءِ عَنْها مِن حَيْثُ لَمْ يُجْزِها صَوْمُها. وفِيها وجْهٌ آخَرُ مِنَ الحُكْمِ: وهو أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إذا طَرَأ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضانَ، وهو مُقِيمٌ ثُمَّ سافَرَ فَغَيْرُ جائِزٍ لَهُ الإفْطارُ؛ ويُرْوى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وعَنْ عُبَيْدَةَ وأبِي مِجْلَزٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وإبْراهِيمُ والشَّعْبِيُّ: " إنْ شاءَ أفْطَرَ إذا سافَرَ " وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ. واحْتَجَّ الفَرِيقُ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهَذا قَدْ شَهِدَ الشَّهْرَ فَعَلَيْهِ إكْمالُ صَوْمِهِ بِمُقْتَضى ظاهِرِ اللَّفْظِ، وهَذا مَعْناهُ عِنْدَ الآخَرِينَ إلْزامُ فَرْضِ الصَّوْمِ في حالِ كَوْنِهِ مُقِيمًا؛ لِأنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَ المُسافِرِ عَقِيبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (p-٢٣٥)﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن كانَ مُقِيمًا في أوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ سافَرَ وبَيْنَ مَن كانَ مُسافِرًا في ابْتِدائِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ مَقْصُورُ الحُكْمِ عَلى حالِ الإقامَةِ دُونَ حالِ السَّفَرِ بَعْدَها. وأيْضًا لَوْ كانَ المَعْنى فِيهِ ما ذَكَرُوا لَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ لِمَن كانَ مُسافِرًا في أوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ أقامَ أنْ يُفْطِرَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ وقَدْ كانَ هَذا مُسافِرًا. وكَذَلِكَ مَن كانَ مَرِيضًا في أوَّلِهِ ثُمَّ بَرِئَ وجَبَ أنْ يَجُوزَ لَهُ الإفْطارُ بِقَضِيَّةٍ ظاهِرَةٍ؛ إذْ قَدْ حَصَلَ لَهُ اسْمُ المُسافِرِ والمَرِيضِ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ مانِعًا مِن لُزُومِ صَوْمِهِ إذا أقامَ أوْ بَرِئَ في بَعْضِ الشَّهْرِ، وكانَ هَذا الحُكْمُ مَقْصُورًا عَلى حالِ بَقاءِ السَّفَرِ والمَرَضِ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ مَقْصُورٌ عَلى حالِ بَقاءِ الإقامَةِ، وقَدْ نَقَلَ أهْلُ السِّيَرِ وغَيْرُهم إنْشاءَ النَّبِيِّ ﷺ السَّفَرَ في رَمَضانَ في عامِ الفَتْحِ، وصَوْمَهُ في ذَلِكَ السَّفَرِ، وإفْطارَهُ بَعْدَ صَوْمِهِ، وأمْرَهُ النّاسَ بِالإفْطارِ، مَعَ آثارٍ مُسْتَفِيضَةٍ وهي مَشْهُورَةٌ غَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى ذِكْرِ الأسانِيدِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادَ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ مَقْصُورٌ عَلى حالِ بَقاءِ الإقامَةِ في إلْزامِ الصَّوْمِ وتَرْكِ الإفْطارِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ تَكَلَّمْنا في مَعْنى قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأحْكامِ وحَواهُ مِنَ المَعانِي بِما حَضَرَ، ونَتَكَلَّمُ الآنَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وعَوْنِهِ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ وما حَواهُ مِنَ الأحْكامِ وانْتَظَمَهُ مِنَ المَعانِي، فَنَقُولُ: إنَّ الصَّوْمَ عَلى ضَرْبَيْنِ: صَوْمٌ لُغَوِيٌّ وصَوْمٌ شَرْعِيٌّ؛ فَأمّا الصَّوْمُ اللُّغَوِيُّ فَأصْلُهُ الإمْساكُ، ولا يَخْتَصُّ بِالإمْساكِ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ دُونَ غَيْرِهِما، بَلْ كُلُّ إمْساكٍ فَهو مُسَمًّى في اللُّغَةِ صَوْمًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] والمُرادُ الإمْساكُ عَنِ الكَلامِ، يَدُلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِيبَهُ: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] وقالَ الشّاعِرُ: ؎وخَيْلٌ صِيامٌ يَلُكْنَ اللُّجُمَ وقالَ النّابِغَةُ: ؎خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ وخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُّجُما وتَقُولُ العَرَبُ: " صامَ النَّهارُ، وصامَتِ الشَّمْسُ عِنْدَ قِيامِ الظُّهْرَةِ "؛ لِأنَّها كالمُمْسِكَةِ عَنِ الحَرَكَةِ. وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: (p-٢٣٦) ؎فَدَعْها وسَلِّ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا فَهَذا مَعْنى اللَّفْظِ في اللُّغَةِ. وهو في الشَّرْعِ يَتَناوَلُ ضَرْبًا مِنَ الإمْساكِ عَلى شَرائِطَ مَعْلُومَةٍ لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ يَتَناوَلُهُ في اللُّغَةِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ هو الإمْساكُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لِاسْتِحالَةِ كَوْنِ ذَلِكَ مِنَ الإنْسانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ خُلُوَّ الإنْسانِ مِنَ المُتَضادّاتِ حَتّى لا يَكُونُ ساكِنًا ولا مُتَحَرِّكًا ولا آكِلًا ولا تارِكًا ولا قائِمًا ولا قاعِدًا ولا مُضْطَجِعًا، وهَذا مُحالٌ لا يَجُوزُ وُرُودُ العِبادَةِ بِهِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ الصَّوْمَ الشَّرْعِيَّ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِضَرْبٍ مِنَ الإمْساكِ دُونَ جَمِيعِ ضُرُوبِهِ. فالضَّرْبُ الَّذِي حَصَلَ عَلَيْهِ اتِّفاقُ المُسْلِمِينَ هو الإمْساكُ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ، وشَرَطَ فِيهِ عامَّةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ مَعَ ذَلِكَ الإمْساكَ عَنِ الحُقْنَةِ والسَّعُوطِ والِاسْتِقاءِ عَمْدًا إذا مَلَأ الفَمَ، ومِنَ النّاسِ مَن لا يُوجِبُ في الحُقْنَةِ والسَّعُوطِ قَضاءً، وهو قَوْلٌ شاذٌّ والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ، وكَذَلِكَ الِاسْتِقاءُ. ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " الفِطْرُ مِمّا دَخَلَ، ولَيْسَ مِمّا خَرَجَ " وهو قَوْلُ طاوُسٍ وعِكْرِمَةَ؛ وفُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى خِلافِهِ؛ لِأنَّهم يُوجِبُونَ عَلى مَنِ اسْتَقاءَ عَمْدًا القَضاءَ. واخْتَلَفُوا فِيما وصَلَ إلى الجَوْفِ مِن جِراحَةِ جائِفَةٍ أوْ آمَّةٍ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: والشّافِعِيُّ: " عَلَيْهِ القَضاءُ " وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " لا قَضاءَ عَلَيْهِ " وهو قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَرْكِ الحِجامَةِ هَلْ هو مِنَ الصَّوْمِ ؟ فَقالَ عامَّةُ الفُقَهاءِ: " الحِجامَةُ لا تُفْطِرُهُ " وقالَ الأوْزاعِيُّ: " تُفْطِرُهُ " . واخْتُلِفَ أيْضًا في بَلْعِ الحَصاةِ، فَقالَ أصْحابُنا ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: " تُفْطِرُهُ " وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " لا تُفْطِرُهُ " . واخْتَلَفُوا في الصّائِمِ يَكُونُ بَيْنَ أسْنانِهِ شَيْءٌ فَيَأْكُلُهُ مُتَعَمِّدًا، فَقالَ أصْحابُنا ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: " لا قَضاءَ عَلَيْهِ " ورَوى الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ عَنْ زُفَرَ أنَّهُ قالَ: " إذا كانَ بَيْنَ أسْنانِهِ شَيْءٌ مِن لَحْمٍ أوْ سَوِيقٍ أوْ خُبْزٍ فَجاءَ عَلى لِسانِهِ مِنهُ شَيْءٌ فابْتَلَعَهُ وهو ذاكِرٌ فَعَلَيْهِ القَضاءُ والكَفّارَةُ " قالَ: وقالَ أبُو يُوسُفَ: " عَلَيْهِ القَضاءُ ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ " وقالَ الثَّوْرِيُّ: " أسْتَحِبُّ لَهُ أنْ يَقْضِيَ " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إذا دَخَلَ الذُّبابُ جَوْفَهُ فَعَلَيْهِ القَضاءُ " . وقالَ أصْحابُنا ومالِكٌ: " لا قَضاءَ عَلَيْهِ ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ الحَيْضَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ؛ واخْتَلَفُوا في الجُنُبِ، فَقالَ عامَّةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ: " لا قَضاءَ عَلَيْهِ وصَوْمُهُ تامٌّ مَعَ الجَنابَةِ " وقالَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ مُسْتَحَبٌّ لَهُ أنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ اليَوْمَ " وكانَ يَقُولُ: " يَصُومَ تَطَوُّعًا، وإنْ أصْبَحَ جُنُبًا " وقالَ في الحائِضِ: " إذا طَهُرَتْ مِنَ اللَّيْلِ، ولَمْ تَغْتَسِلْ حَتّى أصْبَحَتْ فَعَلَيْها قَضاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ " . فَهَذِهِ أُمُورٌ مِنها مُتَّفَقٌ (p-٢٣٧)عَلَيْهِ في أنَّ الإمْساكَ عَنْهُ صَوْمٌ، ومِنها مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلى ما بَيَّنّا. فالمُتَّفَقُ عَلَيْهِ هو الإمْساكُ عَنِ الجِماعِ والأكْلِ والشُّرْبِ في المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، والأصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قَوْلِهِ ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَأباحَ الجِماعَ والأكْلَ والشُّرْبَ في لَيالِي الصَّوْمِ مِن أوَّلِها إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ثُمَّ أمَرَ بِإتْمامِ الصِّيامِ إلى اللَّيْلِ. وفِي فَحْوى هَذا الكَلامِ ومَضْمُونِهِ حَظْرُ ما أباحَهُ بِاللَّيْلِ مِمّا قُدِّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الجِماعِ والأكْلِ والشُّرْبِ، فَثَبَتَ بِحُكْمِ الآيَةِ أنَّ الإمْساكَ عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ هو مِنَ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ الإمْساكَ عَنْ غَيْرِها لَيْسَ مِنَ الصَّوْمِ، بَلْ هو مَوْقُوفٌ عَلى دَلالَتِهِ. وقَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ واتِّفاقِ عُلَماءِ الأُمَّةِ أنَّ الإمْساكَ عَنْ غَيْرِ هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ عَلى ما سَنُبَيِّنُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ومِمّا هو مِن شَرائِطِ لُزُومِ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ - وإنْ لَمْ يَكُنْ هو إمْساكًا ولا صَوْمًا - الإسْلامُ والبُلُوغُ؛ إذْ لا خِلافَ أنَّ الصَّغِيرَ غَيْرُ مُخاطَبٍ بِالصَّوْمِ في أحْكامِ الدُّنْيا، فَإنَّ الكافِرَ، وإنْ كانَ مُخاطَبًا بِهِ مُعاقَبًا عَلى تَرْكِهِ فَهو في حُكْمِ مَن لَمْ يُخاطَبْ بِهِ في أحْكامِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضاءُ المَتْرُوكِ مِنهُ في حالِ الكُفْرِ. وطُهْرُ المَرْأةِ عَنِ الحَيْضِ مِن شَرائِطِ تَكْلِيفِ صَوْمِ الشَّهْرِ، وكَذَلِكَ العَقْلُ والإقامَةُ والصِّحَّةُ، وإنْ وجَبَ القَضاءُ في الثّانِي. والعَقْلُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلى ما بَيَّنّا مِن أقاوِيلِ أهْلِ العِلْمِ في المَجْنُونِ في رَمَضانَ والنِّيَّةُ مِن شَرائِطِ صِحَّةِ سائِرِ ضُرُوبِ الصَّوْمِ، وهو عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ: صَوْمٌ مُسْتَحَقُّ العَيْنِ، وهو صَوْمُ رَمَضانَ ونَذْرُ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ. وصَوْمُ التَّطَوُّعِ، وصَوْمٌ في الذِّمَّةِ. فالصَّوْمُ المُسْتَحَقُّ العَيْنِ وصَوْمُ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ فِيهِما تَرْكُ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ إذا نَواهُ قَبْلَ الزَّوالِ، وما كانَ في الذِّمَّةِ فَغَيْرُ جائِزٍ إلّا بِتَقْدِمَةِ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ، وقالَ زُفَرُ: " يَجُوزُ صَوْمُ رَمَضانَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ " . وقالَ مالِكٌ: " يَكْفِي لِلشَّهْرِ كُلِّهِ نِيَّةٌ واحِدَةٌ " . وإنَّما قُلْنا إنَّ بَلْعَ الحَصاةِ ونَحْوِها يُوجِبُ الإفْطارَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا في العادَةِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِغِذاءٍ ولا دَواءٍ، مِن قِبَلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَدِ انْطَوى تَحْتَهُ الأكْلُ، فَهو عُمُومٌ في جَمِيعِ ما أُكِلَ، ولا خِلافَ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ بَلْعُ الحَصاةِ مَعَ اخْتِلافِهِمْ في إيجابِ الإفْطارِ واتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنْ بَلْعِ الحَصاةِ صَدَرَ عَنِ الآيَةِ فَيُوجِبُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِها، فاقْتَضى إطْلاقُ الأمْرِ بِالصِّيامِ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ دُخُولَ الحَصاةِ فِيهِ كَسائِرِ المَأْكُولاتِ. فَمِن حَيْثُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ القَضاءِ (p-٢٣٨)فِي سائِرِ المَأْكُولاتِ فَهي دالَّةٌ أيْضًا عَلى وُجُوبِهِ في أكْلِ الحَصاةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن أكَلَ أوْ شَرِبَ ناسِيًا فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ» . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ سائِرِ ما يَأْكُلُهُ لا يَخْتَلِفُ في وُجُوبِ القَضاءِ إذا أكَلَهُ عَمْدًا. وأمّا السَّعُوطُ والدَّواءُ الواصِلُ بِالجائِفَةِ أوِ الآمَّةِ فالأصْلُ فِيهِ حَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «بالِغْ في الِاسْتِنْشاقِ إلّا أنْ تَكُونَ صائِمًا» فَأمَرَهُ بِالمُبالَغَةِ في الِاسْتِنْشاقِ ونَهاهُ عَنْها لِأجْلِ الصَّوْمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ما وصَلَ بِالِاسْتِنْشاقِ إلى الحَلْقِ أوْ إلى الدِّماغِ أنَّهُ يُفْطِرُ، لَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ لِنَهْيِهِ عَنْها لِأجْلِ الصَّوْمِ مَعْنًى مَعَ أمْرِهِ بِها في غَيْرِ الصَّوْمِ. وصارَ ذَلِكَ أصْلًا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ في إيجابِ القَضاءِ في كُلِّ ما وصَلَ إلى الجَوْفِ واسْتَقَرَّ فِيهِ مِمّا يُسْتَطاعُ الِامْتِناعُ مِنهُ، سَواءٌ كانَ وُصُولُهُ مِن مَجْرى الطَّعامِ والشَّرابِ أوْ مِن مَخارِقِ البَدَنِ الَّتِي هي خِلْقَةٌ في بِنْيَةِ الإنْسانِ، أوْ مِن غَيْرِها؛ لِأنَّ المَعْنى في الجَمِيعِ وُصُولُهُ إلى الجَوْفِ واسْتِقْرارُهُ فِيهِ مَعَ إمْكانِ الِامْتِناعِ مِنهُ في العادَةِ، ولا يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ الذُّبابُ والدُّخانُ والغُبارُ يَدْخُلُ حَلْقَهُ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ لا يُسْتَطاعُ الِامْتِناعُ مِنهُ في العادَةِ، ولا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنهُ بِإطْباقِ الفَمِ. فَإنْ قِيلَ: فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ لا يُوجِبُ بِالإفْطارِ في الإحْلِيلِ القَضاءَ. قِيلَ لَهُ: إنَّما لَمْ يُوجِبْهُ؛ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَهُ أنَّهُ لا يَصِلُ إلى المَثانَةِ؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مَنصُوصًا، وهَذا يَدُلَّ عَلى أنَّ عِنْدَهُ إنْ وصَلَ إلى المَثانَةِ أفْطَرَ. وأمّا أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ فَإنَّهُما اعْتَبَرا وُصُولَهُ إلى الجَوْفِ مِن مَخارِقِ البَدَنِ الَّتِي هي خِلْقَةٌ في بِنِيَّةِ الإنْسانِ. وأمّا وجْهُ إيجابِ القَضاءِ عَلى مِنَ اسْتَقاءَ عَمْدًا دُونَ مَن ذَرَعَهُ القَيْءُ، فَإنَّ القِياسَ أنْ لا يُفْطِرَهُ الِاسْتِقاءُ عَمْدًا، لِأنَّ الفِطْرَ في الأصْلِ هو مِنَ الأكْلِ، وما جَرى مَجْراهُ مِنَ الجِماعِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ " إنَّهُ لا يُفْطِرُهُ الِاسْتِقاءُ عَمْدًا؛ لِأنَّ الإفْطارَ مِمّا يَدْخُلُ، ولَيْسَ مِمّا يَخْرُجُ " والوُضُوءُ مِمّا يَخْرُجُ، ولَيْسَ مِمّا يَدْخُلُ، وكَسائِرِ الأشْياءِ الخارِجَةِ مِنَ البَدَنِ لا يُوجِبُ الإفْطارَ بِالِاتِّفاقِ، فَكانَ خُرُوجُ القَيْءِ بِمَثابَتِها وإنْ كانَ مِن فِعْلِهِ، إلّا أنَّهم تَرَكُوا القِياسَ لِلْأثَرِ الثّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ ولا حَظَّ لِلنَّظَرِ مَعَ الأثَرِ والأثَرُ الثّابِتُ هو حَدِيثُ عِيسى بْنِ يُونُسَ، عَنْ هِشامِ بْنِ حَسّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَن ذَرَعَهُ القَيْءُ لَمْ يُفْطِرْ ولا قَضاءَ عَلَيْهِ، ومَنِ اسْتَقاءَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ القَضاءُ» . فَإنْ قِيلَ: خَبَرُ هِشامِ بْنِ حَسّانَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ في ذَلِكَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وإنَّما الصَّحِيحُ مِن هَذا الطَّرِيقِ في الأكْلِ ناسِيًا، قِيلَ لَهُ: قَدْ رَوى عِيسى بْنُ يُونُسَ الخَبَرَيْنِ مَعًا عَنْ هِشامِ بْنِ حَسّانَ، وعِيسى بْنُ يُونُسَ هو (p-٢٣٩)الثِّقَةُ المَأْمُونُ المُتَّفَقُ عَلى ثَبْتِهِ وصِدْقِهِ. قَدْ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: رَوى أيْضًا حَفْصُ بْنُ غَيّاثٍ عَنْ هِشامٍ مِثْلَهُ. ورَوى الأوْزاعِيُّ عَنْ يَعِيشَ بْنِ الوَلِيدِ أنَّ مَعْدانَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ حَدَّثَهُ: أنَّ أبا الدَّرْداءِ حَدَّثَهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قاءَ فَأفْطَرَ قالَ: فَلَقِيتُ ثَوْبانَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: صَدَقَ، وأنا صَبَبْتُ لَهُ وضُوءَهُ» . ورَوى وهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبِي قالَ: سَمِعْتُ يَحْيى بْنَ أيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، عَنْ أبِي مَرْزُوقٍ، عَنْ حُبَيْشٍ، عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَرِبَ ماءً، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَمْ تَكُ صائِمًا ؟ فَقالَ: بَلى ولَكِنِّي قِئْتُ» . وإنَّما تَرَكُوا القِياسَ في الِاسْتِقاءِ لِهَذِهِ الآثارِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ أنَّ القَيْءَ لا يُفْطِرُ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يُفْطِرُ مَن قاءَ ولا مَنِ احْتَلَمَ ولا مَنِ احْتَجَمَ» . قِيلَ لَهُ: ورَوى هَذا الحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ أبانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الصُّنابِحِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أصْبَحَ صائِمًا فَذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَمْ يُفْطِرْ، ومَنِ احْتَلَمَ فَلَمْ يُفْطِرْ، ومَنِ احْتَجَمَ فَلَمْ يُفْطِرْ» . فَبَيَّنَ هَذا الحَدِيثُ القَيْءَ الَّذِي لا يُوجِبُ الإفْطارَ، ولَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ عَلى هَذا البَيانِ لَكانَ الواجِبُ حَمْلَهُ عَلى مَعْناهُ، وأنْ لا يَسْقُطَ أحَدُ الحَدِيثَيْنِ بِالآخَرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَتى رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرانِ مُتَضادّانِ، وأمْكَنَ اسْتِعْمالُهُما عَلى غَيْرِ وجْهِ التَّضادِّ اسْتَعْمَلْناهُما جَمِيعًا، ولَمْ يُلْغَ أحَدُهُما. وإنَّما قالُوا: إنَّهُ إذا اسْتَقاءَ أقَلَّ مِن مِلْءِ فِيهِ لَمْ يُفْطِرْهُ، مِن قِبَلِ أنَّهُ لا يَتَناوَلُهُ اسْمُ القَيْءِ؛ ألا تَرى أنَّ مَن ظَهَرَ عَلى لِسانِهِ شَيْءٌ بِالجُشاءِ لا يُقالُ إنَّهُ قَدْ تَقَيَّأ ؟ وإنَّما يَتَناوَلُهُ هَذا الِاسْمُ عِنْدَ كَثْرَتِهِ وخُرُوجِهِ؛ وقَدْ كانَ أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ في تَقْدِيرِ مِلْءِ الفَمِ: " هو الَّذِي لا يُمْكِنُهُ إمْساكُهُ في الفَمِ لِكَثْرَتِهِ فَيُسَمّى حِينَئِذٍ قَيْئًا " . وأمّا الحِجامَةُ فَإنَّما قالُوا: إنَّها لا تُفْطِرُ الصّائِمَ؛ لِأنَّ الأصْلَ أنَّ الخارِجَ مِنَ البَدَنِ لا يُوجِبُ الإفْطارَ، كالبَوْلِ والغائِطِ والعَرَقِ واللَّبَنِ؛ ولِذَلِكَ لَوْ جُرِحَ إنْسانٌ أوِ افْتُصِدَ لَمْ يُفْطِرْهُ، فَكانَتِ الحِجامَةُ قِياسَ ذَلِكَ؛ ولِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الإمْساكَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ مِنَ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ، لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نُلْحِقَ بِهِ إلّا ما ورَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ أوِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلَيْهِ. وقَدْ ورَدَ بِإباحَةِ الحِجامَةِ لِلصّائِمِ آثارٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِن ذَلِكَ: ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ البَزّازُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الجُماهِرِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رَسُولَ (p-٢٤٠)اللَّهِ ﷺ قالَ: «ثَلاثٌ لا يُفْطِرْنَ الصّائِمَ: القَيْءُ والِاحْتِلامُ والحِجامَةُ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ صائِمًا مُحْرِمًا» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ قالَ: حَدَّثَنا عِيسى بْنُ يُونُسَ عَنْ أيُّوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ اليَمانِيِّ، عَنْ المُثَنّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبِيحَةَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن رَمَضانَ بِرَجُلٍ، وهو يَحْتَجِمُ فَقالَ ﷺ: أفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ ثُمَّ أتاهُ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَألَهُ عَنِ الحِجامَةِ في شَهْرِ رَمَضانَ فَقالَ: إذا تَبَيَّغَ بِأحَدِكُمُ الدَّمُ فَلْيَحْتَجِمْ». وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ حَبِيبٍ أبُو حِصْنٍ الكُوفِيُّ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مالِكٍ عَنْ الحَجّاجِ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو صائِمٌ فَغُشِيَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ كَرِهَهُ» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ يَعْنِي ابْنَ المُغِيرَةِ عَنْ ثابِتٍ قالَ: قالَ أنَسٌ: " ما كُنّا نَدَعُ الحِجامَةَ لِلصّائِمِ إلّا كَراهِيَةَ الجَهْدِ " . فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ رَوى مَكْحُولٌ عَنْ ثَوْبانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ» . ورَوى أبُو قِلابَةَ عَنْ أبِي الأشْعَثِ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أتى عَلى رَجُلٍ بِالبَقِيعِ وهو يَحْتَجِمُ وهو آخِذٌ بِيَدِي لِثَمانِي عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضانَ فَقالَ: أفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ» . قِيلَ لَهُ: قَدِ اخْتُلِفَ في صِحَّةَ هَذا الخَبَرِ، وهو غَيْرُ صَحِيحٍ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ النَّقْلِ؛ لِأنَّ بَعْضَهم رَواهُ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ أبِي أسْماءَ عَنْ ثَوْبانَ، وبَعْضُهم رَواهُ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ؛ ومِثْلُ هَذا الِاضْطِرابِ في السَّنَدِ يُوهِنُهُ. فَأمّا حَدِيثُ مَكْحُولٍ فَإنَّ أصْلَهُ عَنْ شَيْخِ مِنَ الحَيِّ مَجْهُولٍ عَنْ ثَوْبانَ؛ وعَلى أنَّهُ لَيْسَ في قَوْلِهِ «أفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ» إذا أشارَ بِهِ إلى عَيْنٍ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ الإفْطارِ بِالحِجامَةِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الحِجامَةِ في مِثْلِهِ تَعْرِيفٌ لَهُما، كَقَوْلِكَ: أفْطَرَ القائِمُ والقاعِدُ، وأفْطَرَ زَيْدٌ؛ إذا أشَرْتَ بِهِ إلى عَيْنٍ؛ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ القِيامَ يُفْطِرُ، وعَلى أنَّ كَوْنَهُ زَيْدًا يُفْطِرُهُ. كَذَلِكَ قَوْلُهُ: «أفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ» لَمّا أشارَ بِهِ إلى رَجُلَيْنِ بِأعْيُنِهِما فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى وُقُوعِ الفِطْرِ بِالحِجامَةِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ شاهَدَهُما عَلى حالٍ تُوجِبُ الإفْطارَ مِن أكْلٍ أوْ غَيْرِهِ فَأخْبَرَهُ بِالإفْطارِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ عِلَّتِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ شاهَدَهُما عَلى غَيْبَةٍ مِنهُما لِلنّاسِ فَقالَ: إنَّهُما أفْطَرا، كَما رَوى يَزِيدُ بْنُ أبانَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الغِيبَةُ تُفْطِرُ (p-٢٤١)الصّائِمَ» ولَيْسَ المَعْنى فِيهِ عِنْدَ الفُقَهاءِ الخُرُوجُ مِنهُ، وإنَّما المُرادُ مِنهُ إبْطالُ ثَوابِهِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ إفْطارِ الحاجِمِ والمَحْجُومِ لِهَذا المَعْنى، وعَلى أنَّ الأخْبارَ الَّتِي رَوَيْنا فِيها ذِكْرَ تارِيخِ الرُّخْصَةِ بَعْدَ النَّهْيِ. وجائِزٌ أيْضًا أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الحِجامَةِ كانَ لِما يُخافُ مِنَ الضَّعْفِ، كَما نَهى عَنِ الصَّوْمِ في السَّفَرِ حِينَ رَأى رَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ. وأمّا وجْهُ قَوْلِهِمْ فِيمَن بَلَعَ شَيْئًا بَيْنَ أسْنانِهِ لَمْ يُفْطِرْهُ، فَهو أنَّ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ أجْزاءِ الماءِ الباقِيَةِ في فَمِهِ بَعْدَ غَسْلِ فَمِهِ لِلْمَضْمَضَةِ، ومَعْلُومٌ وُصُولُها إلى جَوْفِهِ، ولا حُكْمَ لَها كَذَلِكَ والأجْزاءُ الباقِيَةُ في فَمِهِ هي بِمَنزِلَةِ ما وصَفْنا، ألا تَرى أنَّ مَن أكَلَ بِاللَّيْلِ سَوِيقًا أنَّهُ لا يَخْلُو إذا أصْبَحَ مِن بَقاءِ شَيْءٍ مِن أجْزائِهِ بَيْنَ أسْنانِهِ، ولَمْ يَأْمُرْهُ أحَدٌ بِتَقَصِّي إخْراجِها بِالأخِلَّةِ والمَضْمَضَةِ ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ لا حُكْمَ لَها. وأمّا الذُّبابُ الواصِلُ إلى جَوْفِهِ مِن غَيْرِ إرادَتِهِ، فَإنَّما لَمْ يُفْطِرْهُ مِن قِبَلِ أنَّ ذَلِكَ في العادَةِ غَيْرُ مُتَحَفَّظٍ مِنهُ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُؤْمَرُ بِإطْباقِ الفَمِ وتَرْكِ الكَلامِ خَوْفًا مِن وُصُولِهِ إلى جَوْفِهِ ؟ فَأشْبَهَ الغُبارَ والدُّخانَ يَدْخُلُ إلى حَلْقِهِ فَلا يُفْطِرُهُ. ولَيْسَ هو بِمَنزِلَةِ مَن أُوجِرَ ماءً وهو صائِمٌ مُكْرَهًا فَيُفْطِرُ، مِن قِبَلِ أنَّهُ لَيْسَ لِلْعادَةِ في هَذا تَأْثِيرٌ؛ وإنَّما بَيَّنّا حُكْمَ وُصُولِ الذُّبابِ إلى جَوْفِهِ مَعْلُومًا عَلى العادَةِ في فَتْحِ الفَمِ بِالكَلامِ، وما كانَ مَبْنِيًّا عَلى العادَةِ مِمّا يَشُقُّ الِامْتِناعُ عَنْهُ فَقَدْ خَفَّفَ اللَّهُ عَنِ العِبادِ فِيهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وأمّا الجَنابَةُ فَإنَّها غَيْرُ مانِعَةٍ مِن صِحَّةِ الصَّوْمِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَأطْلَقَ الجِماعَ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ إلى آخِرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن جامَعَ في آخِرِ اللَّيْلِ فَصادَفَ فَراغُهُ مِنَ الجِماعِ طُلُوعَ الفَجْرِ أنَّهُ يُصْبِحُ جُنُبًا، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ بِصِحَّةِ صِيامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ورَوَتْ عائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ: أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِن غَيْرِ احْتِلامٍ ثُمَّ يَصُومُ يَوْمَهُ ذَلِكَ» . ورَوى أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ثَلاثٌ لا يُفْطِرْنَ الصّائِمَ: القَيْءُ، والحِجامَةُ، والِاحْتِلامُ» وهو يُوجِبُ الجَنابَةَ، وحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ ذَلِكَ بِصِحَّةِ صَوْمِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الجَنابَةَ لا تُنافِي صِحَّةَ الصَّوْمِ. وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أصْبَحَ جُنُبًا فَلا يَصُومَنَّ يَوْمَهُ ذَلِكَ» إلّا أنَّهُ لَمّا أُخْبِرَ بِرِوايَةِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: لا عِلْمَ لِي بِهَذا أخْبَرَنِي بِهِ الفَضْلُ بْنُ العَبّاسِ، وهَذا مِمّا يُوهِنُ خَبَرَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ بَدِيًّا: ما أنا قُلْتُ ورَبِّ الكَعْبَةِ " مَن أصْبَحَ جُنُبًا فَقَدْ أفْطَرَ " مُحَمَّدٌ قالَ (p-٢٤٢)ذَلِكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ وأفْتى السّائِلَ عَنْ ذَلِكَ بِالإفْطارِ، فَلَمّا أُخْبِرَ بِرِوايَةِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ تَبَرَّأ مِن عُهْدَتِهِ وقالَ: لا عِلْمَ لِي بِهَذا إنَّما أخْبَرَنِي بِهِ الفَضْلُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ الرُّجُوعُ عَنْ فُتْياهُ بِذَلِكَ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ شَبابَةَ قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ الهَيْثَمِ قالَ: حَدَّثَنا هِشامٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَجَعَ عَنِ الَّذِي كانَ يُفْتِي مَن أصْبَحَ جُنُبًا فَلا يَصُومُ. وعَلى أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ خَبَرُ أبِي هُرَيْرَةَ احْتَمَلَ أنْ لا يَكُونَ مُعارِضًا لِرِوايَةِ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ، بِأنْ يُرِيدَ: " مَن أصْبَحَ عَلى مُوجِبِ الجَنابَةِ بِأنْ يُصْبِحَ مُخالِطًا لِامْرَأتِهِ " ومَتى أمْكَنَنا تَصْحِيحُ الخَبَرَيْنِ واسْتِعْمالِهِما مَعًا اسْتَعْمَلْناهُما عَلى ما أمْكَنَ مِن غَيْرِ تَعارُضٍ. فَإنْ قِيلَ جائِزٌ أنْ يَكُونَ رِوايَةُ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ مُسْتَعْمَلَةً فِيما ورَدَتْ بِأنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُما أضافَتا ذَلِكَ إلى فِعْلِهِ؛ وخَبَرُ أبِي هُرَيْرَةَ مُسْتَعْمَلٌ في سائِرِ النّاسِ. قِيلَ لَهُ: قَدْ عَقَلَ أبُو هُرَيْرَةَ مِن رِوايَتِهِ مُساواةَ النَّبِيِّ ﷺ لِغَيْرِهِ في هَذا الحُكْمِ؛ لِأنَّهُ قالَ حِينَ سَمِعَ رِوايَةَ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ: " لا عِلْمَ لِي بِهَذا وإنَّما أخْبَرَنِي بِهِ الفَضْلُ بْنُ العَبّاسِ ولَمْ يَقُلْ إنَّ رِوايَةَ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ غَيْرُ مُعارِضَةٍ لِرِوايَتِي؛ إذْ كانَتْ رِوايَتُهُما مَقْصُورَةً عَلى حالِ النَّبِيِّ ﷺ ورِوايَتِي إنَّما هي في غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ؛ فَهَذا يُبْطِلُ تَأْوِيلَكَ. وأيْضًا فَإنَّهُ ﷺ مُساوٍ لِلْأُمَّةِ في سائِرِ الأحْكامِ إلّا ما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وأفْرَدَهُ مِنَ الجُمْلَةِ بِتَوْقِيفٍ لِلْأُمَّةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَهَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي ذَكَرْنا مِمّا تُعُبِّدْنا فِيهِ بِالإمْساكِ عَنْهُ في نَهارِ رَمَضانَ، هي مِنَ الصَّوْمِ المُرادِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَهي إذًا مِنَ الصَّوْمِ اللُّغَوِيِّ والشَّرْعِيِّ جَمِيعًا. وأمّا ما لَيْسَ بِإمْساكٍ مِمّا وصَفْنا، فَإنَّما هو مِن شَرائِطِهِ، ولا يَكُونُ الإمْساكُ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا صَوْمًا شَرْعِيًّا إلّا بِوُجُودِ هَذِهِ الشَّرائِطِ، وذَلِكَ الإسْلامُ والبُلُوغُ والنِّيَّةُ وأنْ تَكُونَ المَرْأةُ غَيْرَ حائِضٍ، فَمَتى عُدِمَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الشَّرائِطِ خَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ صَوْمًا شَرْعِيّا. وأمّا الإقامَةُ والصِّحَّةُ فَهُما شَرْطُ صِحَّةِ لُزُومِهِ، ووُجُودُ المَرَضِ والسَّفَرِ لا يُنافِي صِحَّةَ الصَّوْمِ وإنَّما يُنافِي لُزُومَ الصَّوْمِ عَلى جِهَةِ الوُجُوبِ، ولَوْ صاما لَصَحَّ صَوْمُهُما. وإنَّما قُلْنا: البُلُوغُ شَرْطٌ في صِحَّةِ لُزُومِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتّى يُفِيقَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ» ولا خِلافَ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ سائِرُ العِباداتِ، فَكَذَلِكَ الصَّوْمُ. وقَدْ يُؤْمَرُ بِهِ المُراهِقُ عَلى (p-٢٤٣)وجْهِ التَّعْلِيمِ لِيَعْتادَهُ ولِيُمَرَّنَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] قِيلَ في التَّفْسِيرِ: أدِّبُوهم وعَلِّمُوهم؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مُرُوهم بِالصَّلاةِ لِسَبْعٍ، واضْرِبُوهم عَلَيْها لِعَشْرٍ» ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّكْلِيفِ، وإنَّما هو عَلى وجْهِ التَّعْلِيمِ والتَّأْدِيبِ. وأمّا الإسْلامُ فَإنَّما كانَ شَرْطًا في صِحَّةِ فِعْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] فَلا يَصِحُّ لَهُ قُرْبَةٌ إلّا عَلى شَرْطِ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا وأمّا العَقْلُ، فَإنْ فُقِدَتْ مَعَهُ النِّيَّةُ والإرادَةُ فَإنَّما يُنْفى عَنْهُ صِحَّةُ الصَّوْمِ لِعَدَمِ النِّيَّةِ، فَإنْ وُجِدَتْ مِنهُ النِّيَّةُ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ عَزَبَ عَقْلُهُ لَمْ يَنْفِ ذَلِكَ صِحَّةَ صَوْمِهِ. وإنَّما قُلْنا إنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الصَّوْمِ مِن قِبَلِ أنَّهُ لا يَكُونُ صَوْمًا شَرْعِيًّا إلّا بِأنْ يَكُونَ فاعِلُهُ مُتَقَرِّبًا بِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا تَصِحُّ القُرْبَةُ إلّا بِالنِّيَّةِ والقَصْدِ لَها، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] فَأخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ شَرْطَ التَّقْوى تَحَرِّي مُوافَقَةِ أمْرِهِ. ولَمّا كانَ شَرْطُ كَوْنِهِ مُتَّقِيًا فِعْلَ الصَّوْمِ مِنَ المَفْرُوضِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ إلّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأنَّ التَّقْوى لا تَحْصُلُ لَهُ إلّا بِتَحَرِّي مُوافَقَةِ أمْرِ اللَّهِ والقَصْدِ إلَيْهِ؛ وقالَ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] ولا يَكُونُ إخْلاصُ الدِّينِ لَهُ إلّا بِقَصْدِهِ بِهِ إلَيْهِ راغِبًا عَنْ أنْ يُرِيدَ بِهِ غَيْرَهُ. فَهَذِهِ أُصُولٌ في تَعَلُّقِ صِحَّةِ الفُرُوضِ بِالنِّيّاتِ. ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أنَّ مِن شَرْطِ الصَّلاةِ والزَّكاةَ والحَجِّ والكَفّاراتِ إيجادَ النِّيَّةِ لَها؛ لِأنَّها فُرُوضٌ مَقْصُودَةٌ لِأعْيانِها، فَكانَ حُكْمُ الصَّوْمِ حُكْمَها لِهَذِهِ العِلَّةِ بِعَيْنِها. فَإنْ قِيلَ: جَمِيعُ ما اسْتَدْلَلْتَ بِهِ عَلى كَوْنِ النِّيَّةِ شَرْطًا في الصَّوْمِ وفي سائِرِ الفُرُوضِ يُلْزِمُكَ شَرْطَ النِّيَّةِ في الطَّهارَةِ؛ إذْ كانَتْ فَرْضًا مِنَ الفُرُوضِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلى ما ظَنَنْتَ؛ لِأنَّ الطَّهارَةَ لَيْسَتْ فَرْضًا مَقْصُودًا لِعَيْنِها، وإنَّما المَقْصُودُ غَيْرُها وهي شَرْطٌ فِيهِ، فَقِيلَ لَنا: لا تُصَلُّوا إلّا بِطَهارَةٍ، كَما قِيلَ: لا تُصَلُّوا إلّا بِطَهارَةٍ مِن نَجاسَةٍ، ولا تُصَلُّوا إلّا بِسَتْرِ العَوْرَةِ؛ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الأشْياءُ مَفْرُوضَةً لِأنْفُسِها، فَلَمْ يَلْزَمْ إيجادُ النِّيَّةِ لَها، ألا تَرى أنَّ النِّيَّةَ نَفْسَها لَمّا كانَتْ شَرْطًا لِغَيْرِهِمْ، ولَمْ تَكُنْ مَفْرُوضَةً لِنَفْسِها صَحَّتْ بِغَيْرِ نِيَّةٍ تُوجَدُ لَها ؟ فانْفَصَلَ بِما ذَكَرْنا حُكْمُ الفُرُوضِ المَقْصُودَةِ لِأعْيانِها وحُكْمُ ما جُعِلَ مِنها شَرْطًا لِغَيْرِهِ ولَيْسَ هو بِمَفْرُوضٍ لِنَفْسِهِ، فَلَمّا كانَتِ الطَّهارَةُ بِالماءِ شَرْطًا لِغَيْرِها، ولَيْسَتْ أيْضًا بِبَدَلٍ عَنْ سِواها لَمْ يَلْزَمْ فِيها النِّيَّةُ؛ ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا إيجابُنا النِّيَّةَ في التَّيَمُّمِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ فَلا يَكُونُ طَهُورًا إلّا بِانْضِمامِ النِّيَّةِ إلَيْهِ؛ إذْ لَيْسَ هو طَهُورًا في نَفْسِهِ بَلْ هو بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ. ولَمْ يَخْتَلِفِ الأُمَّةُ في أنَّ كُلَّ صَوْمٍ واجِبٍ في الذِّمَّةِ فَشَرْطُ صِحَّتِهِ (p-١٤٤)إيجادُ النِّيَّةِ لَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ صَوْمِ رَمَضانَ في كَوْنِ النِّيَّةِ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ. وشَبَّهَ زُفَرُ صَوْمَ رَمَضانَ بِالطَّهارَةِ في إسْقاطِ النِّيَّةِ لَهُما، مِن قِبَلِ أنَّ الطَّهارَةَ مَفْرُوضَةٌ في أعْضاءٍ بِعَيْنِها فَكانَ الصَّوْمُ مُشْبِهًا لَها في كَوْنِهِ مَفْرُوضًا في وقْتٍ مُسْتَحَقِّ العَيْنِ لَهُ. وهَذا عِنْدَ سائِرِ الفُقَهاءِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ العِلَّةَ الَّتِي ذَكَرَها لِلطَّهارَةِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ في الصَّوْمِ؛ إذْ جَعَلَ عِلَّةَ الطَّهارَةِ أنَّها مَفْرُوضَةٌ في مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ، وهَذا المَعْنى غَيْرُ مَوْجُودٍ في الصَّوْمِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ في مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ، وإنَّما هو مَوْضُوعٌ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ لا في مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ. وعَلى أنَّ هَذِهِ العِلَّةَ مُنْتَقَضَةٌ بِالطَّوافِ؛ لِأنَّهُ مَفْرُوضٌ في مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، ولَوْ عَدا رَجْلٌ خَلْفَ غَرِيمٍ لَهُ يَوْمَ النَّحْرِ حَوالَيِ البَيْتِ لَمْ يَكُنْ طائِفًا طَوافَ الزِّيارَةِ، وكَذَلِكَ لَوْ كانَ يَسْقِي النّاسَ هُناكَ وبَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ لَمْ يُجْزِهِ مِنَ الواجِبِ. فَإذا كانَتْ هَذِهِ العِلَّةُ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلْحُكْمِ في مَعْلُولِها مِنَ الطَّوافِ والسَّعْيِ فَبِأنْ لا يُوجِبَ حُكْمَها فِيما لَيْسَتْ فِيهِ مَوْجُودَةً أوْلى. وعَلى أنَّ الطَّهارَةَ مُخالِفَةٌ لِلصَّوْمِ، لِما بَيَّنّا مِن أنَّها غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ لِنَفْسِها، وإنَّما هي شَرْطٌ لِغَيْرِها لا عَلى وجْهِ البَدَلِ، فَلَمْ تَجِبْ أنْ تَكُونَ النِّيَّةُ شَرْطًا فِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُصَلِّ إلّا، وأنْتَ طاهِرٌ مِنَ الحَدَثِ، ومِنَ النَّجاسَةِ، ولا تُصَلِّ إلّا مَسْتُورَ العَوْرَةِ. ولَيْسَ شَرْطُ غَسْلِ النَّجاسَةِ وسَتْرِ العَوْرَةِ النِّيَّةَ، كَذَلِكَ الطَّهارَةُ بِالماءِ؛ وأمّا الصَّوْمُ فَإنَّهُ مَفْرُوضٌ مَقْصُودٌ لِعَيْنِهِ كَسائِرِ الفُرُوضِ الَّتِي ذَكَرْنا، فَوَجْبَ أنْ يَكُونَ شَرْطُ صِحَّتِهِ إيجادَ النِّيَّةِ لَهُ. ومَعْنًى آخَرُ؛ وهو أنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ الصَّوْمَ عَلى الصَّوْمِ عَلى ضَرْبَيْنِ: مِنهُ الصَّوْمُ اللُّغَوِيُّ، ومِنهُ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ. وأنَّ أحَدَهُما إنَّما يَنْفَصِلُ مِنَ الآخَرِ بِالنِّيَّةِ مَعَ ما قَدَّمْنا مِن شَرائِطِهِ، ومَتى لَمْ تُوجَدْ لَهُ النِّيَّةُ كانَ صَوْمًا لُغَوِيًّا لا حَظَّ فِيهِ لِلشَّرَعِ، فَلِذَلِكَ وجَبَ اعْتِبارُ النِّيَّةِ في صَوْمِ رَمَضانَ، ألا تَرى أنَّ مَن أمْسَكَ في يَوْمٍ مِن غَيْرِ رَمَضانَ عَمّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصّائِمُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةُ الصَّوْمِ أنَّ صَوْمَهُ ذَلِكَ لا يَكُونُ صَوْمَ شَرْعٍ ؟ وصَوْمُ التَّطَوُّعِ مُشْبِهٌ لِصَوْمِ رَمَضانَ في جَوازِ تَرْكِ النِّيَّةِ لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ صائِمًا مُتَطَوِّعًا بِالإمْساكِ دُونَ النِّيَّةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ صَوْمُ رَمَضانَ كَذَلِكَ. ويَلْزَمُ زُفَرَ أنْ يَجْعَلَ المُغْمى عَلَيْهِ أيّامًا في رَمَضانَ إذا لَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ صائِمًا لِوُجُودِ الإمْساكِ، وهَذا إنِ التَزَمَهُ قائِلٌ كانَ قائِلًا قَوْلًا مُسْتَشْنَعًا. وإنَّما قُلْنا إنَّهُ يَحْتاجُ إلى إيجادِ النِّيَّةِ كُلَّ يَوْمٍ إمّا مِنَ اللَّيْلِ أوْ قَبْلَ الزَّوالِ، مِن قِبَلِ أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ لا يَصِحُّ إلّا بِنِيَّةٍ، ومِن حَيْثُ افْتَقَرَ إلى نِيَّةٍ في أوَّلِ الشَّهْرِ وجَبَ أنْ يَكُونَ اليَوْمُ الثّانِي مِثْلَهُ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ بِاللَّيْلِ مِنَ الصَّوْمِ، ومَتى خَرَجَ مِنهُ (p-٢٤٥)احْتاجَ في دُخُولِهِ فِيهِ إلى نِيَّةٍ. وقالَ مالِكٌ: " ما لَمْ يَكُنْ وُجُوبُهُ مُعَيَّنًا مِنَ الصِّيامِ لَمْ يَصِحَّ إلّا بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وما كانَ وُجُوبُهُ في وقْتٍ بِعَيْنِهِ كانْ يَعْلَمُهُ ذَلِكَ الوَقْتَ صائِمًا، واسْتَغْنى عَنْ نِيَّةِ الصِّيامِ بِذَلِكَ؛ فَإذا قالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أصُومَ شَهْرًا مُتَتابِعًا؛ فَصامَ أوَّلَ يَوْمٍ أنَّهُ يُجْزِيهِ باقِيَ الأيّامِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ "؛ وهو قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وقالَ الثَّوْرِيُّ في صَوْمِ التَّطَوُّعِ: " إذا نَواهُ في آخِرِ النَّهارِ أجْزَأهُ " . قالَ: وقالَ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ: " لَهُ أجْرُ ما يَسْتَقْبِلُ " وهو مَذْهَبُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: " يُحْتاجُ في صَوْمِ رَمَضانَ أنْ يَنْوِيَهُ مِنَ اللَّيْلِ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " يَجْزِيهِ نِيَّةُ صَوْمِ رَمَضانَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهارِ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا يُجْزِي كُلُّ صَوْمٍ واجِبٍ رَمَضانَ وغَيْرَهُ إلّا بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ، ويُجْزِي صَوْمَ التَّطَوُّعِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوالِ " . فَأمّا الدَّلالَةُ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَنِ اكْتَفى بِنِيَّةٍ واحِدَةٍ لِلشَّهْرِ كُلِّهِ، فَهو ما قَدَّمْنا مِنِ افْتِقارِ صَوْمِ اليَوْمِ الثّانِي إلى الدُّخُولِ فِيهِ، والدُّخُولُ في الصَّوْمِ لا يَصِحُّ إلّا بِنِيَّةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ شَرْطُ اليَوْمِ الثّانِي إيجادَ النِّيَّةِ كاليَوْمِ الأوَّلِ. فَإنْ قِيلَ: يَكْتَفِي بِالنِّيَّةِ الأُولى، وهي نِيَّةٌ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ كَما يَجْتَزِئُ في الصَّلاةِ بِنِيَّةٍ واحِدَةٍ في أوَّلِها ولا يَحْتاجُ إلى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِكُلِّ رَكْعَةٍ، والمَعْنى الجامِعُ بَيْنَهُما أنَّ الصَّلاةَ الواحِدَةَ لا تَتَخَلَّلُ رَكَعاتِها صَلاةٌ أُخْرى غَيْرَها كَما لا يَتَخَلَّلُ صِيامَ شَهْرِ رَمَضانَ صِيامٌ مِن غَيْرِهِ. قِيلَ لَهُ: لَوْ جازَ أنْ يَكْتَفِيَ بِنِيَّةٍ واحِدَةٍ لِلشَّهْرِ لَجازَ أنْ يَكْتَفِيَ بِها لِعُمْرِهِ كُلِّهِ، فَلَمّا بَطَلَ هَذا واحْتاجَ إلى نِيَّةٍ لِأوَّلِ يَوْمٍ لَمْ يَجُزْ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّيَّةُ لِسائِرِ أيّامِ الشَّهْرِ كَما لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِسائِرِ عُمُرِهِ. وأمّا تَشْبِيهُهُ بِالصَّلاةِ فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ إنَّما اكْتُفِيَ فِيها بِنِيَّةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ الجَمِيعَ مَفْعُولٌ بِتَحْرِيمَةٍ واحِدَةٍ. ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ فَكانَتِ الرَّكَعاتُ كُلُّها مَبْنِيَّةً عَلى تِلْكَ التَّحْرِيمَةِ ؟ ألا تَرى أنَّهُ مَتى تَرَكَ رَكْعَةً حَتّى خَرَجَ مِنها بَطَلَتْ صَلاتُهُ كُلُّها، وأنَّهُ لَوْ تَرَكَ صَوْمَ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ بِأنْ أفْطَرَ فِيهِ لَمْ يَبْطُلْ عَلَيْهِ صَوْمُ سائِرِ الشَّهْرِ ؟ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنَ الصَّلاةِ بِفِعْلِ الرَّكْعَةِ الأُولى فَلَمْ يَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ أُخْرى، إذِ النِّيَّةُ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْها لِلدُّخُولِ فِيها، فَأمّا الصَّوْمُ، فَإنَّهُ إذا دَخَلَ اللَّيْلُ خَرَجَ مِنَ الصَّوْمِ؛ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إذا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِن هاهُنا وغابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ» فاحْتاجَ بَعْدَ الخُرُوجِ مِن صَوْمِ اليَوْمِ الأوَّلِ إلى الدُّخُولِ في اليَوْمِ الثّانِي، فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ ذَلِكَ إلّا بِالنِّيَّةِ المُتَجَدِّدَةِ. وإنَّما أجازَ أصْحابُنا تَرْكَ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ في كُلِّ صَوْمٍ مُسْتَحَقِّ العَيْنِ إذا نَواهُ قَبْلَ الزَّوالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهَذا قَدْ شَهِدَ الشَّهْرَ، فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِصَوْمِهِ (p-٢٤٦)وواجِبٌ أنْ يَجْزِيَهُ إذا فَعَلَ، ما أُمِرَ بِهِ. ومِن جِهَةِ السُّنَّةِ، وهو ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ بَعَثَ إلى أهْلِ العَوالِي يَوْمَ عاشُوراءَ فَقالَ: «مَن أكَلَ فَلْيُمْسِكْ، ومَن لَمْ يَأْكُلْ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» . وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ أمَرَ الآكِلِينَ بِالقَضاءِ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مِنهالٍ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعٍ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَمِّهِ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ عاشُوراءَ فَقالَ: أصُمْتُمْ يَوْمَكم هَذا ؟ قالُوا: لا قالَ: فَأتِمُّوا يَوْمَكم هَذا واقْضُوا» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ صَوْمَ يَوْمِ عاشُوراءَ كانَ فَرْضًا؛ ولِذَلِكَ أمَرَ بِالقَضاءِ مَن أكَلَ، والثّانِي: أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الآكِلِينَ ومَن لَمْ يَأْكُلْ فَأمَرَ الآكِلِينَ بِالإمْساكِ والقَضاءِ والَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا بِالصَّوْمِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مِنَ الصَّوْمِ ما كانَ مَفْرُوضًا في وقْتٍ بِعَيْنِهِ فَجائِزٌ تَرْكُ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ شَرْطُ صِحَّتِهِ إيجادَ النِّيَّةِ لَهُ مِنَ اللَّيْلِ لَما أمَرَهم بِالصِّيامِ ولَكانُوا حِينَئِذٍ بِمَنزِلَةِ الآكِلِينَ في بابِ امْتِناعِ صِحَّةِ صَوْمِهِمْ ووُجُوبِ القَضاءِ عَلَيْهِمْ، فَثَبَتَ بِما وصَفْنا أنَّهُ لَيْسَ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ المُسْتَحَقِّ العَيْنِ وُجُودَ النِّيَّةِ لَهُ مِنَ اللَّيْلِ وأنَّهُ جائِزٌ لَهُ أنْ يَبْتَدِئَ النِّيَّةَ لَهُ في بَعْضِ النَّهارِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما جازَ تَرْكُ النِّيَّةِ لَهُ مِنَ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ الفَرْضَ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما هو فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ لَزِمَهم في بَعْضِ النَّهارِ؛ فَلِذَلِكَ أجْزى لَهُ مَعَ تَرْكِ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ، وأمّا بَعْدَ ثُبُوتِ فَرْضِ الصَّوْمِ فَغَيْرُ جائِزٍ إلّا أنْ يُوجَدَ لَهُ نِيَّةٌ مِنَ اللَّيْلِ. قِيلَ لَهُ: لَوْ كانَ إيجادُ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ مِن شَرائِطِ صِحَّتِهِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عَدَمُها مانِعًا صِحَّتَهُ، كَما أنَّهُ لَمّا كانَ تَرْكُ الأكْلِ مِن شَرائِطِ صِحَّةِ الصَّوْمِ كانَ وُجُودُهُ مانِعًا مِنهُ، وأنْ لا يَخْتَلِفَ في ذَلِكَ حُكْمُ الفَرْضِ المُبْتَدَأِ في بَعْضِ النَّهارَ وحُكْمُ ما تَقَدَّمَ فَرْضُهُ؛ فَلَمّا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الآكِلِينَ بِالإمْساكِ وأمَرَهم مَعَ ذَلِكَ بِالقَضاءِ؛ لِأنَّ تَرْكَ الأكْلِ مِن شَرْطِ صِحَّتِهِ، ولَمْ يَأْمُرْ تارِكِي النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ بِالقَضاءِ، وحَكَمَ لَهم بِصِحَّةِ صَوْمِهِمْ إذا ابْتَدَءُوهُ في بَعْضِ النَّهارِ، ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ إيجادَ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ في الصَّوْمِ المُسْتَحَقِّ العَيْنِ، وصارَ ذَلِكَ أصْلًا في نَظائِرِهِ مِمّا يُوجِبُهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الصَّوْمِ في وقْتٍ بِعَيْنِهِ أنَّهُ يَصِحُّ بِنِيَّةٍ يُحْدِثُها بِالنَّهارِ قَبْلَ الزَّوالِ. فَإنْ قِيلَ: فَرْضُ صَوْمِ عاشُوراءَ مَنسُوخٌ بِرَمَضانَ، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالمَنسُوخِ عَلى صَوْمٍ ثابِتِ الحُكْمِ مَفْرُوضٍ ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّهُ نُسِخَ فَرْضُهُ فَلَمْ يُنْسَخْ دَلالَتُهُ فِيما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن نَظائِرِهِ، ألا تَرى أنَّ فَرْضَ التَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قَدْ نُسِخَ ولَمْ يُنْسَخْ بِذَلِكَ سائِرُ أحْكامِ الصَّلاةِ ؟ وكَذَلِكَ قَدْ نُسِخَ فَرْضُ صَلاةِ اللَّيْلِ، ولَمْ يُنْسَخْ سائِرُ أحْكامِ (p-٢٤٧)الصَّلاةِ ؟ ولَمْ يَمْنَعْ نَسْخَها مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] في إثْباتِ التَّخْيِيرِ في إيجابِ القِراءَةِ بِما شاءَ مِنهُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ نَزَلَ في شَأْنِ صَلاةِ اللَّيْلِ، وإنَّما قالُوا: إنَّهُ يُجْزِي أنْ يَنْوِيَهُ قَبْلَ الزَّوالِ، ولا يَجُوزُ بَعْدَهُ، لِما رُوِيَ في بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إلى أهْلِ العَوالِي فَقالَ: مَن تَغَدّى مِنكم فَلْيُمْسِكْ ومَن لَمْ يَتَغَدَّ فَلْيَصُمْ» والغَداءُ عَلى ما قَبْلَ الزَّوالِ. ثُمَّ لا يَخْلُو ذِكْرُ الغَداءِ مِن وجْهَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ بِالغَداةِ قَبْلَ الزَّوالِ، أوْ بَيَّنَ لَهم أنَّ جَوازَ النِّيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِوُجُودِها قَبْلَ الزَّوالِ في وقْتٍ يُسَمّى غَداةً، وإلّا كانَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الأكْلِ دُونَ ذِكْرِ الغَداةِ لَوْ كانَ حُكْمُ ما قَبْلَ الزَّوالِ وبَعْدَهُ سَواءً، فَلَمّا أوْجَبَ أنْ يَكْسُوَ هَذا اللَّفْظُ فائِدَتَهُ لِئَلّا يَخْلُوَ كَلامُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ فائِدَةٍ، وجَبَ أنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُ نِيَّتِهِ قَبْلَ الزَّوالِ وبَعْدَهُ. وإنَّما أجازُوا تَرْكَ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ في صَوْمِ التَّطَوُّعِ بِما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ البَلْخِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ هارُونَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطاءٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصْبِحُ ولَمْ يَجْمَعْ لِلصَّوْمِ فَيَبْدُو لَهُ فَيَصُومُ» . قالَتْ عائِشَةُ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِينا فَيَقُولُ: هَلْ عِنْدَكم مِن طَعامٍ ؟ فَإنْ كانَ وإلّا قالَ: فَإنِّي إذًا صائِمٌ» . فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ يَعْزِمِ النِّيَّةَ مِنَ اللَّيْلِ حَتّى أصْبَحَ فَقَدْ وُجِدَ غَيْرَ صائِمٍ في بَعْضِ النَّهارِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ الآكِلِ، فَلا يَصِحُّ لَهُ صَوْمُ يَوْمِهِ. قِيلَ لَهُ: قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ابْتِداءَ صَوْمِ التَّطَوُّعِ في بَعْضِ النَّهارِ، واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلَيْهِ، ولَمْ يَجْعَلُوا ما مَضى مِنَ النَّهارِ عارِيًا مِن نِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مانِعًا مِن صِحَّةِ صَوْمِهِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الأكْلِ في أوَّلِ النَّهارِ في مَنعِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ؛ فَكَذَلِكَ عَدَمُ نِيَّةِ الصَّوْمِ في المُسْتَحَقِّ العَيْنِ مِنَ الصِّيامِ لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ صَوْمِهِ، ولا يَكُونُ عَدَمُ النِّيَّةِ في أوَّلِهِ بِمَنزِلَةِ وُجُودِ الأكْلِ فِيهِ كَما لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمُهُ في التَّطَوُّعِ، وأيْضًا فَلَوْ نَوى الصَّوْمَ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ عَزَبَتْ نِيَّتُهُ لَمْ يَكُنْ عُزُوبُ نِيَّتِهِ مانِعًا مِن صِحَّةِ صَوْمِهِ، ولَمْ يَكُنْ شَرْطُ بَقائِهِ اسْتِصْحابَ النِّيَّةِ لَهُ؛ فَلِذَلِكَ جازَ تَرْكُ النِّيَّةِ في أوَّلِ النَّهارِ لِبَعْضٍ مِنَ الصَّوْمِ عَلى حَسَبِ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ صَوْمِهِ. ولَوْ تَرَكَ الأكْلَ في أوَّلِ النَّهارِ ثُمَّ أكَلَ في آخِرِهِ كانَ ذَلِكَ مُبْطِلًا لِصَوْمِهِ، ولَمْ يَكُنْ وُجُودُ الأكْلِ بِمَنزِلَةِ عُزُوبِ النِّيَّةِ؛ فاسْتَوى حُكْمُ الأكْلِ في الِابْتِداءِ والبَقاءِ واخْتُلِفَ ذَلِكَ في حُكْمِ النِّيَّةِ؛ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفا. ولَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ناوٍ لِلصَّوْمِ في أوَّلِهِ ثُمَّ يَنْوِيَهُ في بَعْضِ النَّهارِ، فَيَكُونَ ما مَضى مِنَ اليَوْمِ مَحْكُومًا لَهُ بِحُكْمِ الصَّوْمِ كَما يُحْكَمُ (p-٢٤٨)لَهُ بِحُكْمِ الصَّوْمِ مَعَ عُزُوبِ النِّيَّةِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا لَمْ يَصِحَّ لَهُ الدُّخُولُ في الصَّلاةِ إلّا بِنِيَّةٍ مُقارِنَةٍ لَها، كانَ كَذَلِكَ حُكْمُ الصَّوْمِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في جَوازِ صَوْمِ مَن نَواهُ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ نامَ فَأصْبَحَ نائِمًا، وأنَّ صَوْمَهُ تامٌّ صَحِيحٌ مِن غَيْرِ مُقارَنَةِ نِيَّةِ الصَّوْمِ بِحالِ الدُّخُولِ، ولَوْ نَوى الصَّلاةَ ثُمَّ اشْتَغَلَ عَنْها ثُمَّ تَحَرَّمَ بِالصَّلاةِ لَمْ تَصِحَّ إلّا بِنِيَّةٍ يُحْدِثُها عِنْدَ إرادَتِهِ الدُّخُولَ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ شَرْطُ الدُّخُولِ في الصَّوْمِ مُقارَنَةَ النِّيَّةِ لَهُ عِنْدَ الجَمِيعِ وكانَ شَرْطُ الدُّخُولِ في الصَّلاةِ مُقارَنَةَ النِّيَّةِ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُحْكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الصَّلاةِ إلّا بَعْدَ وُجُودِ نِيَّةِ الدُّخُولِ في ابْتِدائِها، ولَمْ يَجُزِ اعْتِبارُ الصَّوْمِ بِالصَّلاةِ في حُكْمِ النِّيَّةِ. وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَبْتَدِئُ صَوْمَ التَّطَوُّعِ في بَعْضِ النَّهارِ» واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى تَلَقِّي هَذا الخَبَرِ بِالقَبُولِ واسْتِعْمالِهِمْ لَهُ، واتَّفَقُوا أيْضًا أنَّهُ لا يَصِحُّ لَهُ الدُّخُولُ في صَلاةِ التَّطَوُّعِ إلّا بِنِيَّةٍ تُقارِنُها، فَعَلِمْنا أنَّ نِيَّةَ الصَّوْمِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِنِيَّةِ الصَّلاةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُ، وأمّا ما كانَ مِنَ الصَّوْمِ الواجِبِ في الذِّمَّةِ غَيْرَ مَفْرُوضٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ تَرْكُ النِّيَّةِ فِيهِ مِنَ اللَّيْلِ، والأصْلُ فِيهِ حَدِيثُ حَفْصَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا صِيامَ لِمَن لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ» وكانَ عُمُومُ ذَلِكَ يَقْتَضِي إيجادَ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ لِسائِرِ ضُرُوبِ الصَّوْمِ، إلّا أنَّهُ لَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ في الصَّوْمِ المُسْتَحَقِّ العَيْنِ وصَوْمِ التَّطَوُّعِ سَلَّمْناهَ لِلدَّلالَةِ لَهُ وخَصَّصْناهُ مِنَ الجُمْلَةِ وبَقِيَ حُكْمُ اللَّفْظِ فِيما عَداهُ، ولا يَخْتَلِفُ عَلى ذَلِكَ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ وقَضاءُ رَمَضانَ؛ لِأنَّ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ المُتَتابِعَيْنِ غَيْرُ مُسْتَحَقِّ العَيْنِ، وأيُّ وقْتٍ ابْتَدَأ فِيهِ فَهو وقْتُ فَرْضِهِ، فَكانَ كَسائِرِ الصَّوْمِ الواجِبِ في الذِّمَّةِ. والأحْكامُ المُسْتَفادَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ إلْزامُ صَوْمِ الشَّهْرِ مَن كانَ مِنهم شاهِدًا لَهُ، وشُهُودُ الشَّهْرِ يَنْقَسِمُ إلى أنْحاءٍ ثَلاثَةٍ: العِلْمُ بِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: شاهَدْتُ كَذا وكَذا؛ والإقامَةُ في الحَضَرِ، مِن قَوْلِكَ: مُقِيمٌ ومُسافِرٌ وشاهِدٌ وغائِبٌ؛ وأنْ يَكُونَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ عَلى ما بَيَّنّا. ثُمَّ أفادَ مِن نَسْخِ فَرْضِ أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ صَوْمَ الأيّامِ المَعْدُوداتِ كانَ فَرْضًا غَيْرَ رَمَضانَ ثُمَّ نُسِخَ بِهِ، ونُسِخَ بِهِ أيْضًا التَّخْيِيرُ بَيْنَ الفِدْيَةِ والصَّوْمِ لِلصَّحِيحِ المُقِيمِ، وأفادَ أنَّ مَن رَأى الهِلالَ وحْدَهُ فَعَلَيْهِ صَوْمُهُ. وحُكْمٌ آخَرُ: وهو أنَّ مَن عَلِمَ بِالشَّهْرِ بَعْدَما أصْبَحَ، أوْ كانَ مَرِيضًا فَبَرَأ ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ، أوْ مُسافِرًا قَدِمَ؛ فَعَلَيْهِمْ صَوْمُهُ؛ إذْ هم شاهِدُونَ لِلشَّهْرِ. وأفادَ أنَّ فَرْضَ الصِّيامِ مَخْصُوصٌ بِمَن شَهِدَ الشَّهْرَ دُونَ غَيْرِهِ، وأنَّ مَن لَيْسَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ أوْ لَيْسَ بِمُقِيمٍ (p-٢٤٩)أوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَغَيْرُ لازِمٍ لَهُ. وأفادَ تَعْيِينَ الشَّهْرِ لِهَذا الفَرْضِ حَتّى لا يَجُوزَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ ولا تَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِمَن شَهِدَهُ. وأفادَ أنَّ مُرادَهُ بَعْضُ الشَّهْرِ لا جَمِيعُهُ في شَرْطِ لُزُومِ الصَّوْمِ، وأنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ في بَعْضِهِ والصَّبِيَّ إذا بَلَغَ فَعَلَيْهِما صَوْمُ بَقِيَّةِ الشَّهْرِ. وأفادَ أنَّ مَن نَوى بِصِيامِهِ تَطَوُّعًا أجْزَأهُ، لِوُرُودِ الأمْرِ مُطْلَقًا بِفِعْلِ الصَّوْمِ غَيْرَ مَخْصُوصٍ بِصِفَةٍ ولا مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ، فاقْتَصَرَ جَوازُهُ عَلى أيِّ وجْهٍ صامَهُ. ويَحْتَجُّ بِهِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ إذا صامَ وهو غَيْرُ عالِمٍ بِالشَّهْرِ لَمْ يُجْزِهِ؛ ويَحْتَجُّ بِهِ أيْضًا مَن يَقُولُ: إذا طَرَأ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضانَ، وهو مُقِيمٌ ثُمَّ سافَرَ لَمْ يُفْطِرْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَهَذا الَّذِي حَضَرَنا مِن ذِكْرِ فَوائِدِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ ولا نَدْفَعُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِدَّةُ فَوائِدَ غَيْرِها لَمْ يُحِطْ عِلْمُنا بِها، وعَسى أنْ نَقِفَ عَلَيْها في وقْتٍ غَيْرِهِ أوْ يَسَتَنْبِطَها غَيْرُنا. وأمّا ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ فَهو ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أُمِرْنا بِالإمْساكِ عَنْها في حالِ الصَّوْمِ، مِنها مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ومِنها مُخْتَلَفٌ، وما قَدَّمْناهُ مِن ذِكْرِ شَرائِطِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ صَوْمًا في نَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ حُكْمِ المَرِيضِ والمُسافِرِ بِعَوْنِ اللَّهِ وكَرَمِهِ. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]