أحكام القرآن — الأنعام 6:68 – الأنفال 8:75
المحتويات
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:103
- الأنعام 6:107
- الأنعام 6:108
- الأنعام 6:118
- الأنعام 6:119
- الأنعام 6:120
- الأنعام 6:121
- الأنعام 6:136
- الأنعام 6:138
- الأنعام 6:139
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:142
- الأنعام 6:143
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:150
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:155
- الأنعام 6:156
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:160
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:162
- الأنعام 6:163
- الأنعام 6:164
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:3
- الأعراف 7:11
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:16
- الأعراف 7:17
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:27
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:142
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:200
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:202
- الأعراف 7:204
- الأعراف 7:205
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:57
- الأنفال 8:58
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:63
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:66
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:73
- الأنفال 8:75
الأنعام 6:68
سُورَةُ اَلْأنْعامِ
﷽
بابُ النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَةِ الظّالِمِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآيَةُ، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالإعْراضِ عَنِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِ اللَّهِ، وهي القُرْآنُ، بِالتَّكْذِيبِ وإظْهارِ الِاسْتِخْفافِ إعْراضًا يَقْتَضِي الإنْكارَ عَلَيْهِمْ وإظْهارَ الكَراهَةِ لِما يَكُونُ مِنهم إلّا أنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ ويَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلَيْنا تَرْكَ مُجالَسَةِ المُلْحِدِينَ وسائِرِ الكُفّارِ عِنْدَ إظْهارِهِمُ الكُفْرَ والشِّرْكَ وما لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى إذا لَمْ يُمْكِنّا إنْكارَهُ وكُنّا في تَقِيَّةٍ مِن تَغْيِيرِهِ بِاليَدِ أوِ اللِّسانِ؛ لِأنَّ عَلَيْنا اتِّباعَ النَّبِيِّ ﷺ فِيما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِشَيْءٍ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ المُرادُ: إنْ أنْساكَ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ الشُّغْلِ فَقَعَدْتَ مَعَهم وأنْتَ ناسٍ لِلنَّهْيِ فَلا شَيْءَ عَلَيْكَ في تِلْكَ الحالِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: بَعْدَما تَذْكُرُ نَهْيَ اللَّهِ تَعالى لا تَقْعُدْ مَعَ الظّالِمِينَ.
وذَلِكَ عُمُومٌ في النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَةِ سائِرِ الظّالِمِينَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ (p-١٦٧)وأهْلِ المِلَّةِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وذَلِكَ إذا كانَ في ثِقَةٍ مِن تَغْيِيرِهِ بِيَدِهِ أوْ بِلِسانِهِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلى الظّالِمِينَ بِقُبْحِ ما هم عَلَيْهِ، فَغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ مُجالَسَتُهم مَعَ تَرْكِ النَّكِيرِ سَواءٌ كانُوا مُظْهِرِينَ في تِلْكَ الحالِ لِلظُّلْمِ والقَبائِحِ أوْ غَيْرِ مُظْهِرِينَ لَهُ؛ لِأنَّ النَّهْيَ عامٌّ عَنْ مُجالَسَةِ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّ في مُجالَسَتِهِمْ مُخْتارًا مَعَ تَرْكِ النَّكِيرِ دَلالَةً عَلى الرِّضا بِفِعْلِهِمْ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨] الآياتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما رُوِيَ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ [هود: ١١٣] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠] قالَ قَتادَةُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، لَكِنَّهُ عَلى جِهَةِ التَّهَدُّدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وقَوْلُهُ تُبْسَلَ قالَ الفَرّاءُ: تُرْتَهَنُ وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: تُسْلَمُ. وقالَ قَتادَةُ: تُحْبَسُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تُفْضَحُ.
وقِيلَ: أصْلُهُ الِارْتِهانُ، وقِيلَ: التَّحْرِيمُ، ويُقالُ أسَدٌ باسِلٌ؛ لِأنَّ فَرِيسَتَهُ مُرْتَهَنَةٌ بِهِ لا تَفْلِتُ مِنهُ، وهَذا بَسْلٌ عَلَيْكَ أيْ حَرامٌ عَلَيْكَ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُرْتَهَنُ بِهِ، ويُقالُ: أُعْطِيَ الرّاقِي بَسْلَتَهُ أيْ أُجْرَتَهُ؛ لِأنَّ العَمَلَ مُرْتَهَنٌ بِالأُجْرَةِ، والمُسْتَبْسَلُ المُسْتَسْلَمُ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المُرْتَهَنِ بِما أسْلَمَ فِيهِ
الأنعام 6:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ قِيلَ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ في أوَّلِ حالِ نَظَرِهِ واسْتِدْلالِهِ عَلى ما سَبَقَ إلى وهْمِهِ وغَلَبَ في ظَنِّهِ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ قَدْ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ عَلى أسْماءِ الكَواكِبِ فَيَقُولُونَ هَذا صَنَمُ زُحَلَ وصَنَمُ الشَّمْسِ وصَنَمُ المُشْتَرِي، ونَحْوُ ذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ قَبْلَ بُلُوغِهِ وقَبْلَ، إكْمالِ اللَّهِ تَعالى عَقْلُهُ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ، فَقالَ ذَلِكَ وقَدْ خَطَرَتْ بِقَلْبِهِ الأُمُورُ وحَرَّكَتْهُ الخَواطِرُ والدَّواعِي عَلى الفِكْرِ فِيما شاهَدَهُ مِنَ الحَوادِثِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ورُوِيَ في الخَبَرِ أنَّ أُمَّهُ كانَتْ ولَدَتْهُ في مَغارٍ خَوْفًا مِن نُمْرُودٍ؛ لِأنَّهُ كانَ يَقْتُلُ الأطْفالَ المَوْلُودِينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، فَلَمّا خَرَجَ مِنَ المَغارِ قالَ هَذا القَوْلَ حِينَ شاهَدَ الكَواكِبَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإنْكارِ عَلى قَوْمِهِ، وحَذَفَ الألِفَ وأرادَ: أهَذا رَبِّي قالَ الشّاعِرُ:
؎كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطٍ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالا
ومَعْناهُ: أكْذَبَتْكَ. وقالَ آخَرُ:
؎رَقَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لا تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هم هُمْ
(p-١٦٨)مَعْناهُ: أهم هم ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ إخْبارٌ بِأنَّهُ لَيْسَ بِرَبٍّ ولَوْ كانَ رَبًّا لَأحْبَبْتُهُ وعَظَّمْتُهُ تَعْظِيمَ الرَّبِّ وهَذا الِاسْتِدْلالُ الَّذِي سَلَكَ إبْراهِيمُ طَرِيقَهُ مِن أصَحِّ ما يَكُونُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ وأوْضَحِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى الكَوْكَبَ في عُلُوِّهِ وضِيائِهِ قَرَّرَ نَفْسَهُ عَلى ما يَنْقَسِمُ إلَيْهِ حُكْمُهُ مِن كَوْنِهِ رَبًّا خالِقًا أوْ مَخْلُوقًا مَرْبُوبًا، فَلَمّا رَآهُ طالِعًا آفِلًا ومُتَحَرِّكا زائِلًا قَضى بِأنَّهُ مُحْدَثٌ لِمُقارَنَتِهِ لِدَلالاتِ الحَدَثِ وأنَّهُ لَيْسَ بِرَبٍّ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ المُحْدَثَ غَيْرُ قادِرٍ عَلى إحْداثِ الأجْسامِ وأنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ فِيهِ كَما اسْتَحالَ ذَلِكَ مِنهُ إذْ كانَ مُحْدَثًا، فَحَكَمَ بِمُساواتِهِ لَهُ في جِهَةِ الحُدُوثِ وامْتِناعِ كَوْنِهِ خالِقًا رَبًّا ثُمَّ لَمّا طَلَعَ القَمَرُ فَوَجَدَهُ مِنَ العِظَمِ والإشْراقِ وانْبِساطِ النُّورِ عَلى خِلافِ الكَوْكَبِ قَرَّرَ أيْضًا نَفْسَهُ عَلى حُكْمِهِ فَقالَ: هَذا رَبِّي، فَلَمّا رَعاهُ وتَأمَّلَ وجَدَهُ في مَعْناهُ في بابِ مُقارَنَتِهِ لِلْحَوادِثِ مِنَ الطُّلُوعِ والأُفُولِ والِانْتِقالِ والزَّوالِ حَكَمَ لَهُ بِحُكْمِهِ وإنْ كانَ أكْبَرَ وأضْوَأ مِنهُ، ولَمْ يَمْنَعْهُ ما شاهَدَ مِنَ اخْتِلافِهِما مِنَ العِظَمِ والضِّياءِ مِن أنْ يَقْضِيَ بِهِ بِالحُدُوثِ لِوُجُودِ دَلالاتِ الحَدَثِ فِيهِ ثُمَّ لَمّا أصْبَحَ رَأى الشَّمْسَ طالِعَةً في عِظَمِها وإشْراقِها وتَكامُلِ ضِيائِها قالَ: هَذا رَبِّي؛ لِأنَّها بِخِلافِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ في هَذِهِ الأوْصافِ، ثُمَّ لَمّا رَآها آفِلَةً مُنْتَقِلَةً حَكَمَ لَها بِالحُدُوثِ أيْضًا وأنَّها في حُكْمِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ لِشُمُولِ دَلالَةِ الحَدَثِ لِلْجَمِيعِ.
وفِيما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْلُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] أوْضَحُ دَلالَةً عَلى وُجُوبِ الِاسْتِدْلالِ عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى بُطْلانِ قَوْلِ الحَشْوِ القائِلِينَ بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ لَوْ جازَ لِأحَدٍ أنْ يَكْتَفِيَ بِالتَّقْلِيدِ لَكانَ أوْلاهم بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا اسْتَدَلَّ إبْراهِيمُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ واحْتَجَّ بِهِ عَلى قَوْمِهِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ عَلَيْنا مِثْلَهُ؛ وقَدْ قالَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ عِنْدَ ذِكْرِهِ إيّاهُ مَعَ سائِرِ الأنْبِياءِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَأمَرَنا اللَّهُ تَعالى بِالِاقْتِداءِ بِهِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى التَّوْحِيدِ والِاحْتِجاجِ بِهِ عَلى الكُفّارِ ومِن حَيْثُ دَلَّتْ أحْوالُ هَذِهِ الكَواكِبِ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ خالِقَةٍ ومَرْبُوبَةٌ غَيْرُ رَبٍّ فَهي دالَّةٌ أيْضًا عَلى أنَّ مَن كانَ في مِثْلِ حالِها في الِانْتِقالِ والزَّوالِ والمَجِيءِ والذَّهابِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَبًّا خالِقًا وأنَّهُ يَكُونُ مَرْبُوبًا، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِقالُ ولا الزَّوالُ ولا المَجِيءُ ولا الذَّهابُ، لِقَضِيَّةِ اسْتِدْلالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهو مُحْدَثٌ، وثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مَن عَبَدَ ما هَذِهِ صِفَتُهُ فَهو غَيْرُ عالِمٍ بِاَللَّهِ (p-١٦٩)تَعالى وأنَّهُ بِمَنزِلَةِ مَن عَبَدَ كَوْكَبًا أوْ بَعْضَ الأشْياءِ المَخْلُوقَةِ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى تَجِبُ بِكَمالِ العَقْلِ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَدَلَّ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ بِحُجَجِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى حُدُوثِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ، وأنَّ مَن كانَ في مِثْلِ حالِها مِن مُقارَنَةِ الحَوادِثِ لَهُ لا يَكُونُ إلَهًا. ولَمّا قُرِّرَ ذَلِكَ عِنْدَهم قالَ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١] أمَّنْ يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا أحَقُّ أمْ مَن يَعْبُدُ آلِهَةً شَتّى ؟ قالُوا: مَن يَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا، فَأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَصارُوا مَحْجُوجِينَ.
وقِيلَ إنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ أما تَخافُ أنْ يَخْبِلَكَ آلِهَتُنا ؟ قالَ لَهم: أما تَخافُونَ أنْ تَخْبِلَكم بِجَمْعِكُمُ الصَّغِيرِ مَعَ الكَبِيرِ في العِبادَةِ ؟ فَأبْطَلَ ذَلِكَ حِجاجُهم عَلَيْهِ مِن حَيْثُ رَجَعَ عَلَيْهِمْ ما أرادُوا إلْزامَهُ إيّاهُ فَألْزَمَهم مِثْلَهُ عَلى أصْلِهِمْ وأبْطَلَ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] أمْرٌ لَنا بِالِاقْتِداءِ بِمَن ذَكَرَ مِنَ الأنْبِياءِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا مِنَ اسْتِدْلالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُحْتَجُّ بِعُمُومِهِ في لُزُومِ شَرائِعِ مَن كانَ قَبْلَنا مِنَ الأنْبِياءِ بِأنَّهُ لَمْ يُخَصَّصْ بِذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ عَلى التَّوْحِيدِ مِنَ الشَّرائِعِ السَّمْعِيَّةِ وهو عَلى الجَمِيعِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أُصُولِ الفِقْهِ.
الأنعام 6:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ يُقالُ إنَّ الإدْراكَ أصْلُهُ اللُّحُوقُ، نَحْوُ قَوْلِكَ: أدْرَكَ زَمانَ المَنصُورِ، وأدْرَكَ أبا حَنِيفَةَ، وأدْرَكَ الطَّعامَ أيْ لَحِقَ حالَ النُّضْجِ، وأدْرَكَ الزَّرْعَ والثَّمَرَةَ، وأدْرَكَ الغُلامَ إذا لَحِقَ حالَ الرِّجالِ وإدْراكُ البَصَرِ لِلشَّيْءِ لُحُوقُهُ لَهُ بِرُؤْيَتِهِ إيّاهُ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: أدْرَكْتُ بِبَصَرِي شَخْصًا مَعْناهُ رَأيْتُهُ بِبَصَرِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإدْراكُ الإحاطَةَ؛ لِأنَّ البَيْتَ مُحِيطٌ بِما فِيهِ ولَيْسَ مُدْرِكًا لَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ مَعْناهُ: لا تَراهُ الأبْصارُ، وهَذا تَمَدُّحٌ بِنَفْيِ رُؤْيَةِ الأبْصارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وما تَمَدَّحَ اللَّهُ بِنَفْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَإنَّ إثْباتَ ضِدِّهِ ذَمٌّ ونَقْصٌ، فَغَيْرُ جائِزٍ إثْباتُ نَقِيضِهِ بِحالٍ، كَما لَوْ بَطَلَ اسْتِحْقاقُ الصِّفَةِ بِ ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لَمْ يَبْطُلْ إلّا إلى صِفَةِ نَقْصٍ، فَلَمّا تَمَدَّحَ بِنَفْيِ رُؤْيَةِ البَصَرِ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ إثْباتُ ضِدِّهِ ونَقِيضِهِ بِحالٍ؛ إذْ كانَ فِيهِ إثْباتُ صِفَةِ نَقْصٍ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] لِأنَّ النَّظَرَ مُحْتَمِلٌ لِمَعانٍ، مِنهُ انْتِظارُ الثَّوابِ كَما رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ لَمْ يَجُزِ الِاعْتِراضُ (p-١٧٠)عَلَيْهِ بِما لا مَساغَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ.
والأخْبارُ المَرْوِيَّةُ في الرُّؤْيَةِ إنَّما المُرادُ بِها العِلْمُ لَوْ صَحَّتْ، وهو عِلْمُ الضَّرُورَةِ الَّذِي لا تَشُوبُهُ شُبْهَةٌ ولا تَعْرِضُ فِيهِ الشُّكُوكُ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بِمَعْنى العِلْمِ مَشْهُورَةٌ في اللُّغَةِ.
الأنعام 6:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ مَعْناهُ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونُوا عَلى ضِدِّ الشِّرْكِ مِنَ الإيمانِ قَسْرًا ما أشْرَكُوا؛ لِأنَّ المَشِيئَةَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ أنْ يَكُونَ لا بِأنْ لا يَكُونَ، فَمُتَعَلِّقُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ؛ وإنَّما المُرادُ بِهَذِهِ المَشِيئَةِ الحالُ الَّتِي تُنافِي الشِّرْكَ قَسْرًا بِالِانْقِطاعِ عَنِ الشِّرْكِ عَجْزًا ومَنعًا وإلْجاءً، فَهَذِهِ الحالُ لا يَشاؤُها اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ المَنعَ مِنَ المَعْصِيَةِ بِهَذِهِ الوُجُوهِ مَنعٌ مِنَ الطّاعَةِ وإبْطالٌ لِلثَّوابِ والعِقابِ في الآخِرَةِ.
الأنعام 6:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: لا تَسُبُّوا الأصْنامَ فَيَسُبُّوا مِن أمْرِكم بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عَيْبِها. وقِيلَ: { لا تَسُبُّوا الأصْنامَ فَيَحْمِلُهُمُ الغَيْظُ والجَهْلُ عَلى أنْ يَسُبُّوا مَن تَعْبُدُونَ كَما سَبَبْتُمْ مَن يَعْبُدُونَ } . وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُحِقَّ عَلَيْهِ أنْ يَكُفَّ عَنْ سَبِّ السُّفَهاءِ الَّذِينَ يَتَسَرَّعُونَ إلى سَبِّهِ عَلى وجْهِ المُقابَلَةِ لَهُ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ البَعْثِ عَلى المَعْصِيَةِ.
الأنعام 6:118
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ أمْرٌ ومَعْناهُ الإباحَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] هَذا إذا أرادَ بِأكْلِهِ التَّلَذُّذَ فَهو إباحَةٌ ويَحْتَمِلُ التَّرْغِيبَ في اعْتِقادِ صِحَّةِ الإذْنِ في أكْلِهِ لِلِاسْتِعانَةِ بِهِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ آكِلُهُ في هَذِهِ الحالِ مَأْجُورًا ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى حَظْرِ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِاقْتِضائِهِ مُخالَفَةَ المُشْرِكِينَ في أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ ﴿مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ عُمُومٌ في سائِرِ الأذْكارِ، ويُحْتَجُّ بِهِ عَلى جَوازِ أكْلِ ذَبْحِ الغاصِبِ لِلشّاةِ المَغْصُوبَةِ وفي الذَّبْحِ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبَةٍ أنَّ المالِكَ لِلشّاةِ لَهُ أكْلُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إذْ كانَ ذَلِكَ مِمّا قَدْ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
الأنعام 6:119
بابُ المُضْطَرِّ إلى شُرْبِ الخَمْرِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ اخْتُلِفَ في المُضْطَرِّ إلى شُرْبِ الخَمْرِ، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " المُطِيعُ المُضْطَرُّ إلى شُرَبِ الخَمْرِ يَشْرَبُها " وهو قَوْلُ أصْحابِنا جَمِيعًا. وإنَّما يَشْرَبُ مِنها مِقْدارَ ما يُمْسِكُ بِهِ رَمَقَهُ؛ إذْ كانَ يَرُدُّ عَطَشَهُ. وقالَ الحارِثُ العُكْلِيُّ ومَكْحُولٌ: " لا يَشْرَبُ؛ لِأنَّها لا تَزِيدُهُ إلّا عَطَشًا " . وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " لا يَشْرَبُ؛ لِأنَّها لا تَزِيدُهُ إلّا عَطَشًا وجُوعًا " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " ولِأنَّها تَذْهَبُ بِالعَقْلِ " .
قالَ مالِكٌ: " إنَّما ذُكِرَتِ الضَّرُورَةُ في المَيْتَةِ ولَمْ تُذْكَرْ في الخَمْرِ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: في قَوْلِ مَن قالَ إنَّها لا تُزِيلُ ضَرُورَةَ العَطَشِ والجُوعِ لا مَعْنى لَهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَعْلُومٌ مِن حالِها أنَّها تُمْسِكُ الرَّمَقَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وتُزِيلُ العَطَشَ، ومِن أهْلِ الذِّمَّةِ فِيما بَلَغَنا مَن لا يَشْرَبُ الماءَ دَهْرًا اكْتِفاءً بِشُرْبِ الخَمْرِ عَنْهُ، فَقَوْلُهم في ذَلِكَ غَيْرُ المَعْقُولِ (p-١٦٠)المَعْلُومِ مِن حالِ شارِبِها.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ إنْ كانَ كَذَلِكَ كانَ الواجِبُ أنْ نُحِيلَ مَسْألَةَ السّائِلِ عَنْها ونَقُولَ: إنَّ الضَّرُورَةَ لا تَقَعُ إلى شُرْبِ الخَمْرِ.
وأمّا قَوْلُ الشّافِعِيَّ في ذَهابِ العَقْلِ فَلَيْسَ مِن مَسْألَتِنا في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ سُئِلَ عَنِ القَلِيلِ الَّذِي لا يُذْهِبُ العَقْلَ إذا اضْطُرَّ إلَيْهِ وأمّا قَوْلُ مالِكٍ " إنَّ الضَّرُورَةَ إنَّما ذُكِرَتْ في المَيْتَةِ ولَمْ تُذْكَرْ في الخَمْرِ " فَإنَّها في بَعْضِها مَذْكُورَةٌ في المَيْتَةِ وما ذُكِرَ مَعَها، وفي بَعْضِها مَذْكُورَةٌ في سائِرِ المُحَرَّماتِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ وقَدْ فَصَّلَ لَنا تَحْرِيمَ الخَمْرِ في مَواضِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقالَ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. والضَّرُورَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ مُنْتَظِمَةٌ لِسائِرِ المُحَرَّماتِ، وذِكْرُهُ لَها في المَيْتَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها غَيْرُ مانِعٍ مِنِ اعْتِبارِ عُمُومِ الآيَةِ الأُخْرى في سائِرِ المُحَرَّماتِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ إذا كانَ المَعْنى في إباحَةِ المَيْتَةِ إحْياءَ نَفْسِهِ بِأكْلِها وخَوْفِ التَّلَفِ في تَرْكِها وذَلِكَ مَوْجُودٌ في سائِرِ المُحَرَّماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُها حُكْمَها لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
بابٌ في مِقْدارِ ما يَأْكُلُ المُضْطَرُّ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والشّافِعِيُّ فِيما رَواهُ عَنْهُ المُزَنِيُّ: " لا يَأْكُلُ المُضْطَرُّ مِنَ المَيْتَةِ إلّا مِقْدارَ ما يُمْسِكُ بِهِ رَمَقَهُ " ورَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: " يَأْكُلُ مِنها حَتّى يَشْبَعَ ويَتَزَوَّدُ مِنها، فَإنْ وجَدَ عَنْها غِنًى طَرَحَها " . وقالَ عُبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ: " يَأْكُلُ مِنها ما يَسُدُّ بِهِ جُوعَهُ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ وقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] فَعَلَّقَ الإباحَةَ بِوُجُودِ الضَّرُورَةِ، والضَّرُورَةُ هي خَوْفُ الضَّرَرِ بِتَرْكِ الأكْلِ إمّا عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، فَمَتى أكَلَ بِمِقْدارِ ما يَزُولُ عَنْهُ الخَوْفُ مِنَ الضَّرَرِ في الحالِ فَقَدْ زالَتِ الضَّرُورَةُ، ولا اعْتِبارَ في ذَلِكَ بِسَدِّ الجَوْعَةِ؛ لِأنَّ الجُوعَ في الِابْتِداءِ لا يُبِيحُ أكْلَ المَيْتَةِ إذا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِتَرْكِهِ.
وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنهُ: غَيْرُ باغٍ ولا عادٍ في الأكْلِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الأكْلَ مِنها فَوْقَ الشِّبَعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ في المَيْتَةِ وغَيْرِها مِنَ المُباحاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: غَيْرَ باغٍ في الأكْلِ مِنها مِقْدارَ الشِّبَعِ، فَيَكُونُ البَغْيُ والتَّعَدِّي واقِعَيْنِ في أكْلِهِ مِنها مِقْدارَ (p-١٦١)الشِّبَعِ حَتّى يَكُونَ لِاخْتِصاصِهِ المَيْتَةَ بِهَذا الوَصْفِ وعَقْدِهِ الإباحَةَ بِهَذِهِ الشَّرِيطَةِ فائِدَةٌ، وهو أنْ لا يَتَناوَلَ مِنها إلّا مِقْدارَ زَوالِ خَوْفِ الضَّرُورَةِ.
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّهُ لَوْ كانَ مَعَهُ مِنَ الطَّعامِ مِقْدارُ ما إذا أكَلَهُ أمْسَكَ رَمَقَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَناوَلَ المَيْتَةَ. ثُمَّ إذا أكَلَ ذَلِكَ الطَّعامَ وزالَ خَوْفُ التَّلَفِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَأْكُلَ المَيْتَةَ. وكَذَلِكَ إذا أكَلَ مِنَ المَيْتَةِ ما زالَ مَعَهُ خَوْفُ الضَّرَرِ حَرُمَ عَلَيْهِ أكْلُها؛ إذْ لَيْسَ أكْلُ المَيْتَةِ بِأوْلى بِإباحَةِ الأكْلِ بَعْدَ زَوالِ الضَّرُورَةِ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي هو مُباحٌ في الأصْلِ.
وقَدْ رَوى الأوْزاعِيُّ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ المَيْثِيِّ «، أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنّا نَكُونُ بِالأرْضِ تُصِيبُنا المَخْمَصَةُ فَمَتى تَحِلُّ لَنا المَيْتَةُ ؟ قالَ: مَتى ما لَمْ تَصْطَبِحُوا أوْ تَغْتَبِقُوا أوْ تَجِدُوا بِها بَقْلًا فَشَأْنُكم بِها» فَلَمْ يُبِحْ لَهُمُ المَيْتَةَ إلّا إذا لَمْ يَجِدُوا صَبُوحًا وهو شُرْبُ الغَداءِ أوْ غَبُوقًا وهو شُرْبُ العَشاءِ أوْ يَجِدُوا بَقْلًا يَأْكُلُونَهُ؛ لِأنَّ مَن وجَدَ غَداءً أوْ عَشاءً أوْ بَقْلًا فَلَيْسَ بِمُضْطَرٍّ. وهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الضَّرُورَةَ هي المُبِيحَةُ لِلْمَيْتَةِ دُونَ حالِ المُضْطَرِّ في كَوْنِهِ مُطِيعًا أوْ عاصِيًا؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقِ النَّبِيُّ ﷺ لِلسّائِلِ بَيْنَ حالِ المُطِيعِ والعاصِي في إباحَتِهِ بَلْ سَوّى بَيْنَهُما. والثّانِي: أنَّ إباحَةَ المَيْتَةِ مَقْصُورَةٌ عَلى حالِ خَوْفِ الضَّرَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:120
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ إعْلانَ الزِّنا إثْمًا والِاسْتِسْرارُ بِهِ غَيْرُ إثْمٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ وهو عُمُومٌ في سائِرِ ما يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ أنَّ عَلَيْهِ تَرْكَهُ سِرًّا وعَلانِيَةً، فَهو يُوجِبُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظاهِرُ الإثْمِ ما يَفْعَلُهُ بِالجَوارِحِ، وباطِنُهُ ما يَفْعَلُهُ بِقَلْبِهِ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والفُصُولِ ونَحْوِها مِمّا حُظِرَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ مِنها.
الأنعام 6:121
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ (p-١٧١)عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ، فَقالَ أصْحابُنا ومالِكٌ { والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: إنْ تَرَكَ المُسْلِمُ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ يُؤْكَلْ وإنْ تَرَكَها ناسِيًا أُكِلَ } .
وقالَ الشّافِعِيُّ: { يُؤْكَلُ في الوَجْهَيْنِ }، وذَكَرَ مِثْلَهُ عَنْ الأوْزاعِيِّ وقَدِ اخْتُلِفَ أيْضًا في تارِكِ التَّسْمِيَةِ ناسِيًا، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وابْنِ شِهابٍ وطاوُسٍ قالُوا: لا بَأْسَ بِأكْلِ ما ذُبِحَ ونَسِيَ التَّسْمِيَةَ عَلَيْهِ. وقالَ عَلِيٌّ: { إنَّما هي عَلى المِلَّةِ } .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسْلِمُ ذِكْرُ اللَّهَ في قَلْبِهِ وقالَ: كَما لا يَنْفَعُ الِاسْمُ في الشِّرْكِ لا يَضُرُّ النِّسْيانُ في المِلَّةِ. وقالَ عَطاءٌ: المُسْلِمُ تَسْمِيَةُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى؛ المُسْلِمُ هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، والمُؤْمِنُ هو اسْمٌ مِن أسْمائِهِ، والمُؤْمِنُ تَسْمِيَةٌ لَلذّابِحِ.
ورَوى أبُو خالِدٍ الأصَمُّ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ عَنْ نافِعٍ: { أنَّ غُلامًا لِابْنِ عُمَرَ قالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللَّهِ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ قالَ: قَدْ قُلْتُ، قالَ: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ قالَ: قَدْ قُلْتُ، قالَ: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ قالَ: قَدْ قُلْتُ، قالَ: فَذَبَحَ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنهُ } وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: إذا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ ناسِيًا لَمْ يُؤْكَلْ.
ورَوى يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ عَنْ أبِيهِ: { أنَّهُ أتى عَلى غُلامٍ لِابْنِ عُمَرَ قائِمًا عِنْدَ قَصّابٍ ذَبَحَ شاةً ونَسِيَ أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها، فَأمَرَهُ ابْنُ عُمَرَ أنْ يَقُومَ عِنْدَهُ فَإذا جاءَ إنْسانٌ يَشْتَرِي قالَ: ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إنَّ هَذِهِ لَمْ يُذَكِّها فَلا تَشْتَرِ } .
ورَوى شُعْبَةُ عَنْ حَمّادٍ عَنْ إبْراهِيمَ في الرَّجُلِ يَذْبَحُ فَيَنْسى أنْ يُسَمِّيَ قالَ: { أحَبُّ إلَيَّ أنْ لا يَأْكُلَ } . وظاهِرُ الآيَةِ مُوجِبٌ لِتَحْرِيمِ ما تَرَكَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ناسِيًا كانَ ذَلِكَ أوْ عامِدًا، إلّا أنَّ الدَّلالَةَ قَدْ قامَتْ عِنْدَنا عَلى أنَّ النِّسْيانَ غَيْرُ مُرادٍ بِهِ؛ فَأمّا مَن أباحَ أكْلَهُ مَعَ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا فَقَوْلُهُ مُخالِفٌ لِلْآيَةِ غَيْرُ مُسْتَعْمِلٍ لَحُكْمِها بِحالٍ، هَذا مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْآثارِ المَرْوِيَّةِ في إيجابِ التَّسْمِيَةِ عَلى الصَّيْدِ والذَّبِيحَةِ فَإنْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالنَّهْيِ الذَّبائِحُ الَّتِي ذَبَحَها المُشْرِكُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى شَرِيكُ عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: أمّا ما قَتَلَ رَبُّكم فَماتَ فَلا تَأْكُلُونَهُ وأمّا ما قَتَلْتُمْ أنْتُمْ وذَبَحْتُمْ فَتَأْكُلُونَهُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قالَ: { المَيْتَةَ } . ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ فَإذا كانَتِ الآيَةُ في المَيْتَةِ وفي ذَبائِحِ المُشْرِكِينَ فَهي مَقْصُورَةُ الحُكْمِ ولَمْ يَدْخُلْ فِيها ذَبائِحُ المُسْلِمِينَ.
قِيلَ لَهُ: نُزُولُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ لا يُوجِبُ الِاقْتِصارَ بِحُكْمِها عَلَيْهِ بَلِ الحُكْمُ لِلْعُمُومِ إذا كانَ أعُمَّ مِنَ السَّبَبِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ ذَبائِحَ المُشْرِكِينَ لَذَكَرَها ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ المُشْرِكِينَ وإنْ سَمُّوا (p-١٧٢)عَلى ذَبائِحِهِمْ لَمْ تُؤْكَلْ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَبائِحَ المُشْرِكِينَ؛ إذْ كانَتْ ذَبائِحُهم غَيْرَ مَأْكُولَةٍ سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْها أوْ لَمْ يُسَمُّوا، وقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى تَحْرِيمِ ذَبائِحِ المُشْرِكِينَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] وأيْضًا فَلَوْ أرادَ ذَبائِحَ المُشْرِكِينَ أوِ المَيْتَةَ لَكانَتْ دَلالَةُ الآيَةِ قائِمَةً عَلى فَسادِ التَّذْكِيَةِ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ؛ إذْ جَعَلَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عَلَمًا لِكَوْنِهِ مَيْتَةً، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ ما تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ فَهو مَيْتَةٌ. وعَلى أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ التَّسْمِيَةُ دُونَ ذَبِيحَةِ الكافِرِ. وهو ما رَواهُ إسْرائِيلُ عَنْ سِماكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَلا تَأْكُلُوهُ وما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ المُجادَلَةَ مِنهم كانَتْ في تَرْكِ التَّسْمِيَةِ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في إيجابِها لا مِن طَرِيقِ ذَبائِحِ المُشْرِكِينَ ولا المَيْتَةِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عامِدًا يُفْسِدُ الزَّكاةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ يَقْتَضِي الإيجابَ وأنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ عَلى الآكِلِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِهِ حالَ الِاصْطِيادِ، والسّائِلُونَ قَدْ كانُوا مُسْلِمِينَ فَلَمْ يُبَحْ لَهُمُ الأكْلُ إلّا بِشَرِيطَةِ التَّسْمِيَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] يَعْنِي في حالِ النَّحْرِ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ [الحج: ٣٦] والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ حِينَ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَيْدِ الكَلْبِ، فَقالَ: «إذا أرْسَلَتْ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ إذا أمْسَكَ عَلَيْكَ، وإنْ وجَدَتْ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ وقَدْ قَتَلَهُ فَلا تَأْكُلْهُ» فَإنَّما ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلى كَلْبِكَ ولَمْ تَذْكُرْهُ عَلى غَيْرِهِ وقَدْ كانَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ مُسْلِمًا، فَأمَرَهُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلى إرْسالِ الكَلْبِ ومَنَعَهُ الأكْلَ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ بِقَوْلِهِ: { فَلا تَأْكُلُهُ فَإنَّما ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلى كَلْبِكَ } .
وقَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ النَّهْيَ عَنْ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ والنَّهْيُ عَنْ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ أيْضًا. ويَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وهو راجِعٌ إلى الأمْرَيْنِ مِن تَرْكِ التَّسْمِيَةِ ومِنَ الأكْلِ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ المُرادَ حالُ تَرْكِها عامِدًا؛ إذْ كانَ النّاسِي لا يَجُوزُ أنْ تَلْحَقُهُ سِمَةُ الفِسْقِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى عَبْدُ العَزِيزِ الدَّراوَرْدِيُّ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ «النّاسَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ (p-١٧٣)إنَّ الأعْرابَ يَأْتُونَ بِاللَّحْمِ فَبِتْنا عِنْدَهم وهم حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ لا نَدْرِي ذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أمْ لا ؟ فَقالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ اللَّهَ وكُلُوا»، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ التَّسْمِيَةُ مِن شَرْطِ الذَّكاةِ لَقالَ: وما عَلَيْكم مِن تَرْكِ التَّسْمِيَةِ، ولَكِنَّهُ قالَ: { كُلُوا }؛ لِأنَّ الأصْلَ أنَّ أُمُورَ المُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلى الجَوازِ والصِّحَّةِ فَلا تُحْمَلُ عَلى الفَسادِ وما لا يَجُوزُ إلّا بِدَلالَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ المُرادُ تَرْكَ المُسْلِمِ التَّسْمِيَةَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَنِ اسْتَباحَ أكْلَهُ فاسِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ المُسْلِمَ التّارِكَ لِلتَّسْمِيَةِ عامِدًا غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ بِسِمَةِ الفِسْقِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ المَيْتَةُ أوْ ذَبائِحُ المُشْرِكِينَ قِيلَ لَهُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ وقِيامُ الدَّلالَةِ عَلى خُصُوصِ بَعْضِهِمْ غَيْرُ مانِعٍ بَقاءَ حُكْمِ الآيَةِ في إيجابِ التَّسْمِيَةِ عَلى المُسْلِمِ في الذَّبِيحَةِ. وأيْضًا فَإنّا نَقُولُ: مَن تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عامِدًا مَعَ اعْتِقادِهِ لِوُجُوبِها هو فاسِقٌ.
وكَذَلِكَ مَن أكَلَ ما هَذا سَبِيلُهُ مَعَ الِاعْتِقادِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن شَرْطِها فَقَدْ لَحِقَتْهُ سِمَةُ الفِسْقِ، وأمّا مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ في المَيْتَةِ أوْ ذَبائِحِ أهْلِ الشِّرْكِ دُونَ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُ لا يَكُونُ فاسِقًا لِزَوالِهِ عِنْدَ حُكْمِ الآيَةِ بِالتَّأْوِيلِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا كانَتِ التَّسْمِيَةُ ذِكْرًا لَيْسَ بِواجِبٍ في اسْتِدامَتِهِ ولا في انْتِهائِهِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ واجِبًا في ابْتِدائِهِ، ولَوْ كانَ واجِبًا لاسْتَوى فِيهِ العامِدُ والنّاسِي. قِيلَ لَهُ: أمّا القِياسُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَهو دَعْوى مَحْضٌ لَمْ يَرُدَّهُ عَلى أصْلٍ فَلا يَسْتَحِقُّ الجَوابَ، عَلى أنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِالإيمانِ والشَّهادَتَيْنِ وكَذَلِكَ في التَّلْبِيَةِ والِاسْتِئْذانِ وما شاكَلَ هَذا؛ لِأنَّ هَذِهِ إذا كانَتْ لَيْسَتْ بِواجِبَةٍ في اسْتِدامَتِها وانْتِهائِها ومَعَ ذَلِكَ فَهي واجِبَةٌ في الِابْتِداءِ.
وإنَّما قُلْنا إنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ ناسِيًا لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الذَّكاةِ، مِن قِبَلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ خِطابٌ لِلْعامِدِ دُونَ النّاسِي؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ صِفَةٌ لِلنّاسِي؛ ولِأنَّ النّاسِيَ في حالِ نِسْيانِهِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ لِلتَّسْمِيَةِ، ورَوى الأوْزاعِيُّ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتَيِ الخَطَأ والنِّسْيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، وإذا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا لِلتَّسْمِيَةِ فَقَدْ أوْقَعَ الذَّكاةَ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ فَلا يُفْسِدُهُ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ، وغَيْرُ جائِزٍ إلْزامُهُ ذَكاةً أُخْرى لِفَواتِ ذَلِكَ مِنهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ نِسْيانِ تَكْبِيرَةِ الصَّلاةِ أوْ نِسْيانِ الطَّهارَةِ ونَحْوِها؛ لِأنَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ بَعْدَ الذِّكْرِ هو فَرْضٌ آخَرُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَلْزَمَهُ فَرْضٌ آخَرُ في الذَّكاةِ لِفَواتِ مَحَلِّها.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتِ التَّسْمِيَةُ مِن شَرائِطِ الذَّكاةِ (p-١٧٤)لَما أسْقَطَها النِّسْيانُ، كَتَرْكِ قَطْعِ الأوْداجِ. وهَذا السُّؤالُ لِلْفَرِيقَيْنِ: مَن أسْقَطَ التَّسْمِيَةَ رَأْسًا، ومَن أوْجَبَها في حالِ النِّسْيانِ؛ فَأمّا مَن أسْقَطَها فَإنَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلَيْنا بِاتِّفاقِنا عَلى سُقُوطِها في حالِ النِّسْيانِ، وشَرائِطُ الذَّكاةِ لا يُسْقِطُها النِّسْيانُ كَتَرْكِ قَطْعِ الأوْداجِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيها، ومَن أوْجَبَها في حالِ النِّسْيانِ يُشَبِّهُها بِتَرْكِ قَطْعِ الحُلْقُومِ والأوْداجِ ناسِيًا أوْ عامِدًا أنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الذَّكاةِ. فَأمّا مَن أسْقَطَ فَرَضَ التَّسْمِيَةِ رَأْسًا فَإنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَصِحُّ لَهُ؛ لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّ تَرْكَ الكَلامِ مِن فُرُوضِ الصَّلاةِ وكَذَلِكَ فِعْلُ الطَّهارَةِ وهُما جَمِيعًا مِن شُرُوطِها، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ تارِكِ الطَّهارَةِ ناسِيًا وبَيْنَ المُتَكَلِّمِ في الصَّلاةِ ناسِيًا؛ وكَذَلِكَ النِّيَّةُ شَرْطٌ في صِحَّةِ الصَّوْمِ وتَرْكُ الأكْلِ أيْضًا شَرْطٌ في صِحَّتِهِ، ولَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ ناسِيًا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ولَوْ أكَلَ ناسِيًا لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، فَهَذا سُؤالٌ يَنْتَقِضُ عَلى أصْلِ هَذا السّائِلِ. وأمّا مَن أوْجَبَها في حالِ النِّسْيانِ واسْتَدَلَّ بِقَطْعِ الأوْداجِ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ لَهُ ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ قَطْعَ الأوْداجِ هو نَفْسُ الذَّبْحِ الَّذِي يُنافِي مَوْتَهُ حَتْفَ أنْفِهِ ويَنْفَصِلُ بِهِ مِنَ المَيْتَةِ، والتَّسْمِيَةُ مَشْرُوطَةٌ لِذَلِكَ لا عَلى أنَّها نَفْسُ الذَّبْحِ بَلْ هي مَأْمُورٌ بِها عِنْدَهُ في حالِ الذِّكْرِ دُونَ حالِ النِّسْيانِ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ عَدَمُ التَّسْمِيَةِ عَلى وجْهِ السَّهْوِ مِن وُجُودِ الذَّبْحِ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفا.
الأنعام 6:136
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ الآيَةُ الحَرْثُ الزَّرْعُ، والحَرْثُ الأرْضُ الَّتِي تُثارُ لِلزَّرْعِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ عَمَدَ أُناسٌ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ فَجَزَّءُوا مِن حُرُوثِهِمْ ومَواشِيهِمْ جُزْءًا لِلَّهِ تَعالى وجُزْءًا لِشُرَكائِهِمْ، فَكانُوا إذا خالَطَ شَيْءٌ مِمّا جَزَّءُوا لِشُرَكائِهِمْ ما جَزَّءُوا لِلَّهِ تَعالى رَدُّوهُ عَلى شُرَكائِهِمْ، وكانُوا إذا أصابَتْهُمُ السَّنَةُ اسْتَعانُوا بِما جَزَّءُوا لِلَّهِ تَعالى ووَفَّرُوا ما جَزَّءُوا لِشُرَكائِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّهم كانُوا إذا هَلَكَ الَّذِي لِأوْثانِهِمْ أخَذُوا بَدَلَهُ مِمّا لِلَّهِ تَعالى ولا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيما لِلَّهِ تَعالى، قالَ ذَلِكَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: { إنَّهم كانُوا يَصْرِفُونَ بَعْضَ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في النَّفَقَةِ عَلى أوْثانِهِمْ ولا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيما جَعَلُوهُ لِلْأوْثانِ } . وإنَّما جَعَلَ الأوْثانَ شُرَكاءَهم؛ لِأنَّهم جَعَلُوا لَها نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ يُنْفِقُونَها عَلَيْها فَشارَكُوها في نِعَمِهِمْ.
الأنعام 6:138
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: الحَرْثُ الزَّرْعُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ، وأمّا الأنْعامُ الَّتِي ذَكَرَها أوَّلًا فَهو ما جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ كَما جَعَلُوا الحَرْثَ لِلنَّفَقَةِ عَلَيْها في سَدَنَتِها وما يَنُوبُ مِن أمْرِها.
وقِيلَ: { ما جُعِلَ مِنها قُرْبانًا لِلْأوْثانِ }، وأمّا الأنْعامُ الَّتِي ذُكِرَتْ ثانِيًا فَإنَّ الحَسَنَ ومُجاهِدًا قالا: هي السّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي، وأمّا الَّتِي ذُكِرَتْ ثالِثًا فَإنَّ (p-١٧٥)السُّدِّيَّ وغَيْرَهُ قالُوا: { هي الَّتِي إذا ولَّدُوها أوْ ذَبَحُوها أوْ رَكِبُوها لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها }، وقالَ أبُو وائِلٍ: { هي الَّتِي لا يَحُجُّونَ عَلَيْها } .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِجْرٌ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي حَرامٌ، وأصْلُهُ المَنعُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] أيْ حَرامًا مُحَرَّمًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: { يَعْنُونَ اللَّبَنَ } . وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ: { ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا: البَحائِرُ كانَتْ لِلذُّكُورِ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ مَيْتَةً اشْتَرَكَ فِيها ذُكُورُهم وإناثُهم } . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٠] قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامِي، تَحْرِيمًا مِنَ الشَّيْطانِ في أمْوالِهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ يَعْنِي بِها الأجِنَّةَ وقالَ غَيْرُهم: { أرادَ بِها الألْبانَ والأجِنَّةَ جَمِيعًا } والخالِصُ هو الَّذِي يَكُونُ عَلى مَعْنًى واحِدٍ لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِن غَيْرِهِ كالذَّهَبِ الخالِصِ، ومِنهُ إخْلاصُ التَّوْحِيدِ وإخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى وإنَّما أنَّثَ خالِصَةً عَلى المُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، كالعَلامَةِ والرّاوِيَةِ، وقِيلَ: عَلى تَأْنِيثِ المَصْدَرِ، نَحْوُ العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ومِنهُ: ﴿بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ [ص: ٤٦] وقِيلَ: لِتَأْنِيثِ ما في بُطُونِها مِنَ الأنْعامِ، ويُقالُ: فُلانٌ خالِصَةٌ فُلانٌ وخُلْصانُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ يَعْنِي أجِنَّةَ الأنْعامِ إذا كانَتْ مَيْتَةً اسْتَوى ذَكَرُهم وأُنْثاهم فِيها فَأكَلُوها جَمِيعًا
قالَ أبُو بَكْرٍ: ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا أرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَّلاثِينَ والمِائَةِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]
الأنعام 6:139
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: الحَرْثُ الزَّرْعُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ، وأمّا الأنْعامُ الَّتِي ذَكَرَها أوَّلًا فَهو ما جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ كَما جَعَلُوا الحَرْثَ لِلنَّفَقَةِ عَلَيْها في سَدَنَتِها وما يَنُوبُ مِن أمْرِها.
وقِيلَ: { ما جُعِلَ مِنها قُرْبانًا لِلْأوْثانِ }، وأمّا الأنْعامُ الَّتِي ذُكِرَتْ ثانِيًا فَإنَّ الحَسَنَ ومُجاهِدًا قالا: هي السّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي، وأمّا الَّتِي ذُكِرَتْ ثالِثًا فَإنَّ (p-١٧٥)السُّدِّيَّ وغَيْرَهُ قالُوا: { هي الَّتِي إذا ولَّدُوها أوْ ذَبَحُوها أوْ رَكِبُوها لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها }، وقالَ أبُو وائِلٍ: { هي الَّتِي لا يَحُجُّونَ عَلَيْها } .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِجْرٌ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي حَرامٌ، وأصْلُهُ المَنعُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] أيْ حَرامًا مُحَرَّمًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: { يَعْنُونَ اللَّبَنَ } . وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ: { ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا: البَحائِرُ كانَتْ لِلذُّكُورِ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ مَيْتَةً اشْتَرَكَ فِيها ذُكُورُهم وإناثُهم } . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٠] قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامِي، تَحْرِيمًا مِنَ الشَّيْطانِ في أمْوالِهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ يَعْنِي بِها الأجِنَّةَ وقالَ غَيْرُهم: { أرادَ بِها الألْبانَ والأجِنَّةَ جَمِيعًا } والخالِصُ هو الَّذِي يَكُونُ عَلى مَعْنًى واحِدٍ لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِن غَيْرِهِ كالذَّهَبِ الخالِصِ، ومِنهُ إخْلاصُ التَّوْحِيدِ وإخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى وإنَّما أنَّثَ خالِصَةً عَلى المُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، كالعَلامَةِ والرّاوِيَةِ، وقِيلَ: عَلى تَأْنِيثِ المَصْدَرِ، نَحْوُ العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ومِنهُ: ﴿بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ [ص: ٤٦] وقِيلَ: لِتَأْنِيثِ ما في بُطُونِها مِنَ الأنْعامِ، ويُقالُ: فُلانٌ خالِصَةٌ فُلانٌ وخُلْصانُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾ يَعْنِي أجِنَّةَ الأنْعامِ إذا كانَتْ مَيْتَةً اسْتَوى ذَكَرُهم وأُنْثاهم فِيها فَأكَلُوها جَمِيعًا
قالَ أبُو بَكْرٍ: ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا أرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَّلاثِينَ والمِائَةِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]
الأنعام 6:141
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ ما عَرَشَ النّاسُ مِنَ الكُرُومِ ونَحْوِها، وهو رَفْعُ بَعْضِ أغْصانِها عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ إنَّ تَعْرِيشَهُ أنْ يُحْظَرَ عَلَيْهِ بِحائِطٍ، وأصْلُهُ الرَّفْعُ، ومِنهُ: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [البقرة: ٢٥٩] أيْ عَلى أعالِيها وما ارْتَفَعَ مِنها، والعَرْشُ السَّرِيرُ لِارْتِفاعِهِ، ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الزَّرْعَ والنَّخْلَ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ ثُمَّ قالَ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى جَمِيعِ المَذْكُورِ، فاقْتَضى ذَلِكَ إيجابَ الحَقِّ في سائِرِ الزُّرُوعِ والثِّمارِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ ومُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وطاوُسٍ وزَيْدِ بْنِ (p-١٧٦)أسْلَمَ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ: أنَّهُ العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى ومُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ والسُّدِّيِّ وإبْراهِيمَ: نَسَخَها العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ. وعَنِ الحَسَنِ قالَ: نَسَخَتْها الزَّكاةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: نَسَخَتِ الزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ: أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ عِنْدَ الصِّرامِ غَيْرُ الزَّكاةِ.
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ نَهى عَنْ جِدادِ اللَّيْلِ وعَنْ صِرامِ اللَّيْلِ» قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: هَذا لِأجْلِ المَساكِينِ كَيْ يَحْضُرُوا قالَ مُجاهِدٌ: إذا حَصَدْتَ طَرَحْتَ لِلْمَساكِينِ مِنهُ، وكَذَلِكَ إذا نَقَّيْتَ وإذا كَدَّسْتَ، ويُتْرَكُونَ يَتَّبِعُونَ آثارَ الحَصّادِينَ، وإذا أخَذْتُ في كَيْلِهِ حَثَوْتُ لَهم مِنهُ، وإذا عَلِمْتُ كَيْلَهُ عَزَلْتُ زَكاتَهُ، وإذا أخَذَتْ في جِدَدِ النَّخْلِ طَرَحْتُ لَهم مِنهُ، وكَذَلِكَ إذا أخَذْتُ في كَيْلِهِ، وإذا عَلِمْتُ كَيْلَهُ عَزَلْتُ زَكاتَهُ وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ وإبْراهِيمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ مَنسُوخٌ بِالعُشْرِ ونِصْفِ العُشْرِ، يُبَيِّنُ أنَّ مَذْهَبَهم تَجْوِيزُ نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ.
* *
ذِكْرُ الخِلافِ في المُوجَبِ فِيهِ
قالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ: { في جَمِيعِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ العُشْرُ إلّا الحَطَبَ والقَصَبَ والحَشِيشَ } . وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: { لا شَيْءَ فِيما تُخْرِجُهُ الأرْضُ إلّا ما كانَ لَهُ ثَمَرَةٌ باقِيَةٌ } .
وقالَ مالِكٌ: { الحُبُوبُ الَّتِي تَجِبُ فِيها الزَّكاةُ الحِنْطَةُ والشَّعِيرُ والسُّلْتُ والذُّرَةُ والدُّخْنُ والأُرْزُ والحِمَّصُ والعَدَسُ والجُلْبانُ واللُّوبْياءُ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الحُبُوبِ وفي الزَّيْتُونِ } . وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى والثَّوْرِيُّ: { لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الزَّرْعِ زَكاةٌ إلّا التَّمْرَ والزَّبِيبَ والحِنْطَةَ والشَّعِيرَ }، وهو قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وقالَ الشّافِعِيُّ: { إنَّما تَجِبُ فِيما يَيْبَسُ ويُقْتاتُ ويُدَّخَرُ مَأْكُولًا، ولا شَيْءَ في الزَّيْتُونِ لِأنَّهُ إدامٌ } .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعُمَرَ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ: أنَّهُ لَيْسَ في الخُضَرِ صَدَقَةٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَأْخُذُ مِن دَساتِجِ الكُرّاثِ العُشْرَ بِالبَصْرَةِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ السَّلَفِ في مَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وفي بَقاءِ حُكْمِهِ أوْ نَسْخِهِ، والكَلامُ بَيْنَ السَّلَفِ في ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: هَلِ المُرادُ زَكاةُ الزَّرْعِ والثِّمارِ وهو العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ أوْ حَقٌّ آخِرُ غَيْرُهُ ؟ وهَلْ هو مَنسُوخٌ أوْ غَيْرُ مَنسُوخٍ ؟ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَنسُوخٍ اتِّفاقُ الأُمَّةِ (p-١٧٧)عَلى وُجُوبِ الحَقِّ في كَثِيرٍ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ وهو العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ، ومَتى وجَدْنا حُكْمًا قَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ الأُمَّةُ ولَفْظُ الكِتابِ يَنْتَظِمُهُ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْهُ، فَواجِبٌ أنْ يُحْكَمَ أنَّ الِاتِّفاقَ إنَّما صَدَرَ عَنِ الكِتابِ وأنَّ ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ هو الحُكْمُ المُرادُ بِالآيَةِ، وغَيْرُ جائِزٍ إثْباتُهُ حَقًّا غَيْرَهُ ثُمَّ إثْباتُ نَسْخِهِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ»؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحَقُّ هو العُشْرُ الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ» بَيانًا لِلْمُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ كَما أنَّ قَوْلَهُ: «فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَراهِمَ» بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ مَنسُوخًا بِالعُشْرِ ونِصْفِ العُشْرِ؛ لِأنَّ النَّسْخَ إنَّما يَقَعُ بِما لا يَصِحُّ اجْتِماعُهُما، فَأمّا ما يَصِحُّ اجْتِماعُهُما مَعًا فَغَيْرُ جائِزٍ وُقُوعُ النَّسْخِ بِهِ، ألا تَرى أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَقُولَ: وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وهو العُشْرُ ؟ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا بِهِ وأمّا مَن جَعَلَ هَذا الحَقَّ ثابِتَ الحُكْمِ غَيْرَ مَنسُوخٍ وزَعَمَ أنَّهُ حَقٌّ آخَرُ غَيْرُ العُشْرِ يَجِبُ عِنْدَ الحَصادِ وعِنْدَ الدِّياسِ وعِنْدَ الكَيْلِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو قَوْلُهُ هَذا مِن أحَدِ مَعْنَيَيْنِ:
إمّا أنْ يَكُونَ مُرادُهُ عِنْدَهُ الوُجُوبَ، أوِ النَّدْبَ؛ فَإنْ كانَ نَدْبًا عِنْدَهُ لَمْ يَسُغْ لَهُ ذَلِكَ إلّا بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، إذْ غَيْرُ جائِزٍ صَرْفُ الأمْرِ عَنِ الإيجابِ إلى النَّدْبِ إلّا بِدَلالَةٍ، وإنَّ رَآهُ واجِبًا، فَلَوْ كانَ كَما زَعَمَ لَوَجَبَ أنْ يَرِدَ النَّقْلُ بِهِ مُتَواتِرًا لِعُمُومِ الحاجَةِ إلَيْهِ، ولَكانَ لا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ نَقْلُهُ في نَقْلِ وُجُوبِ العُشْرِ ونِصْفِ العُشْرِ، فَلَمّا لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ عامَّةُ السَّلَفِ والفُقَهاءِ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الحَقَّ هو العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ الَّذِي بَيَّنَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
فَإنْ قِيلَ: الزَّكاةُ لا تُخْرَجُ يَوْمَ الحَصادِ وإنَّما تُخْرَجُ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الزَّكاةَ قِيلَ لَهُ: الحَصادُ اسْمٌ لِلْقَطْعِ، فَمَتى قَطَعَهُ فَعَلَيْهِ إخْراجُ عُشْرِ ما صارَ في يَدِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فالخُضَرُ كُلُّها إنَّما يَخْرُجُ الحَقُّ مِنها يَوْمَ الحَصادِ غَيْرَ مُنْتَظَرٍ بِهِ شَيْءٌ غَيْرُهُ وقِيلَ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ لَمْ يَجْعَلِ { اليَوْمَ } ظَرْفًا لِلْإيتاءِ المَأْمُورِ بِهِ وإنَّما هو ظَرْفٌ لَحِقَهُ، كَأنَّهُ قالَ: وآتُوا الحَقَّ الَّذِي وجَبَ يَوْمَ حَصادِهِ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ هو العُشْرُ، دَلَّ عَلى وُجُوبِ العُشْرِ في جَمِيعِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ ذَكَرَ الزَّرْعَ بِلَفْظِ عُمُومٍ يَنْتَظِمُ لِسائِرِ أصْنافِهِ، وذَكَرَ (p-١٧٨)النَّخْلَ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وهو عائِدٌ إلى جَمِيعِ المَذْكُورِ، فَمَنِ ادَّعى خُصُوصَ شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ إيجابُ الحَقِّ في الخُضَرِ وغَيْرِها وفي الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى هَذا الحَقَّ فِيما ذَكَرَ يَوْمَ حَصادِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ اسْتِحْكامِهِ ومَصِيرِهِ إلى حالٍ تَبْقى ثَمَرَتُهُ، فَأمّا ما أُخِذَ مِنهُ قَبْلَ بُلُوغِ وقْتِ الحَصادِ مِنَ الفَواكِهِ الرَّطْبَةِ فَلَمْ يَتَناوَلْهُ اللَّفْظُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الزَّيْتُونَ والرُّمّانَ لا يُحْصَدانِ فَلَمْ يَدْخُلا في عُمُومِ اللَّفْظِ قِيلَ لَهُ: الحَصادُ اسْمٌ لِلْقَطْعِ والِاسْتِيصالِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «تَرَوْنَ أوْباشَ قُرَيْشٍ احْصُدُوهم حَصْدًا»، فَيَوْمَ حَصادِهِ هو يَوْمُ قَطْعِهِ، فَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ في الخُضَرِ وفي كُلِّ ما يُقْطَعُ مِنَ الثِّمارِ عَنْ شَجَرَةٍ سَواءٌ كانَ بالِغًا أوْ أخْضَرَ رَطْبًا وأيْضًا قَدْ أوْجَبَ الآيَةُ العُشْرَ في ثَمَرِ النَّخْلِ عِنْدَ جَمِيعِ الفُقَهاءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ يَوْمُ قَطْعِهِ لِشُمُولِ اسْمِ الحَصادِ لِقَطْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ الحَصادِ هاهُنا أنَّ الحَقَّ غَيْرُ واجِبٍ إخْراجُهُ بِنَفْسِ خُرُوجِهِ وبُلُوغِهِ حَتّى يَحْصُلَ في يَدِ صاحِبِهِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ إخْراجُهُ، وقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ الحَقَّ قَدْ لَزِمَهُ بِخُرُوجِهِ قَبْلَ قَطْعِهِ وأخْذِهِ، فَأفادَ بِذَلِكَ أنَّ عَلَيْهِ زَكاةَ ما حَصَلَ في يَدِهِ دُونَ ما تَلِفَ مِنهُ ولَمْ يَحْصُلْ مِنهُ في يَدِهِ ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ العُشْرِ في جَمِيعِ الخارِجِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وذَلِكَ عُمُومٌ في جَمِيعِ الخارِجِ.
فَإنْ قِيلَ: النَّفَقَةُ لا تُعْقَلُ مِنها الصَّدَقَةُ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها أنَّ النَّفَقَةَ لا يُعْقَلُ مِنها غَيْرُ الصَّدَقَةِ، وبِهَذا ورَدَ الكِتابُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] الآيَةُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآيِ المُوجِبَةِ لِما ذَكَرْنا.
وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أمْرٌ، وهو يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولَيْسَ هاهُنا نَفَقَةٌ واجِبَةٌ غَيْرُ الزَّكاةِ والعُشْرِ؛ إذِ النَّفَقَةُ عَلى عِيالِهِ واجِبَةٌ وأيْضًا فَإنَّ النَّفَقَةَ عَلى نَفْسِهِ وأوْلادِهِ مَعْقُولَةٌ غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إلى الأمْرِ، فَلا مَعْنى لِحَمْلِ الآيَةِ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: المُرادُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ فَلا يُصْرَفُ إلى النَّدْبِ إلّا بِدَلِيلٍ، والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ (p-١٧٩)تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] قَدْ دَلَّ عَلى الوُجُوبِ؛ لِأنَّ الإغْماضَ إنَّما يَكُونُ في اقْتِضاءِ الدَّيْنِ الواجِبِ، فَأمّا ما لَيْسَ بِواجِبٍ فَكُلُّ ما أخَذَهُ مِنهُ فَهو فَضْلٌ ورِبْحٌ فَلا إغْماضَ فِيهِ؛ ومِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ مُعاذٍ وابْنِ عُمَرَ وجابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما سَقَتِ السَّماءُ فَفِيهِ العُشْرُ وما سُقِيَ بِالسّاقيَةِ فَنِصْفُ العُشْرِ»، وهَذا خَبَرٌ قَدْ تَلْقّاهُ النّاسُ بِالقَبُولِ واسْتَعْمَلُوهُ، فَهو في حَيِّزِ التَّواتُرِ وعُمُومُهُ يُوجِبُ الحَقَّ في جَمِيعِ أصْنافِ الخارِجِ. فَإنَّ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو كامِلٍ الجَحْدَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحارِثُ بْنُ شِهابٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَيْسَ في الخُضْراواتِ صَدَقَةٌ» قِيلَ لَهُ: قَدْ قالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ إنَّ هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وكانَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ يَقُولُ: حَدِيثُ الحارِثِ بْنِ شِهابٍ ضَعِيفٌ، قالَ يَحْيى: وقَدْ رَوى عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبٍ هَذا الحَدِيثَ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ مُرْسَلًا، وعَبْدُ السَّلامِ ثِقَةٌ؛ وإنَّما أصْلُ حَدِيثِ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ ما رَواهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ بْنِ مُوهَبٍ عَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ أنَّ بَعْضَ الأُمَراءِ بَعَثَ إلَيْهِ في صَدَقَةِ أرْضِهِ فَقالَ: لَيْسَ عَلَيْها صَدَقَةٌ وإنَّما هي أرْضُ خُضَرٍ ورِطابٍ، إنَّ مُعاذًا إنَّما أمَرَ أنْ يَأْخُذَ مِنَ النَّخْلِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والعِنَبِ. فَهَذا أصْلُ حَدِيثِ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ، وهو تَأْوِيلٌ لِحَدِيثِ مُعاذٍ أنَّهُ أمَرَ بِالأخْذِ مِنَ الأصْنافِ الَّتِي ذَكَرَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ دَلالَةٌ عَلى نَفْيِ الحَقِّ عَمّا سِواها؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُعاذٌ إنَّما اسْتَعْمَلَ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ دُونَ غَيْرِها وأيْضًا فَلَوِ اسْتَقامَ سَنَدُ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ وصَحَّتْ طَرِيقَتُهُ لَمْ يَجُزِ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى خَبَرِ مُعاذٍ في العُشْرِ ونِصْفِ العُشْرِ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ تَلَقّاهُ النّاسُ بِالقَبُولِ واسْتَعْمَلُوهُ وهم مُخْتَلِفُونَ في اسْتِعْمالِ حَدِيثِ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ، ومَتى ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرانِ فاتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى اسْتِعْمالِ أحَدِهِما واخْتَلَفُوا في اسْتِعْمالِ الآخَرِ كانَ المُتَّفَقُ عَلى اسْتِعْمالِهِ قاضِيًا عَلى المُخْتَلَفِ فِيهِ مِنهُما خاصًّا كانَ ذَلِكَ أوْ عامًّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ» قاضِيًا عَلى خَبَرِ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ: «لَيْسَ في الخُضْراواتِ صَدَقَةٌ» وأيْضًا يُمْكِنُ اسْتِعْمالُ هَذا الخَبَرِ فِيما يَمُرُّ بِهِ عَلى العُشْرِ عَلى ما يَقُولُ أبُو حَنِيفَةَ؛ لِأنَّهُ لا يَأْخُذُ مِنهُ العُشْرَ، ويَكُونُ خَبَرُ مُعاذٍ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ» مُسْتَعْمَلًا في الجَمِيعِ ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ الأرْضَ يُقْصَدُ طَلَبُ نَمائِها بِزِراعَتِها الخَضْراواتِ كَما يُطْلَبُ نَماؤُها بِزِراعَتِها الحَبَّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فِيها العُشْرُ كالحُبُوبِ، ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الحَطَبُ (p-١٨٠)والقَصَبُ والحَشِيشُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَنْبُتُ في العادَةِ إذا صادَفَهُ الماءُ مِن غَيْرِ زِراعَةٍ ولَيْسَ يَكادُ يُقْصَدُ بِها الأرْضُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ فِيها شَيْءٌ، ولا خِلافَ في نَفْيِ وُجُوبِ الحَقِّ عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ فِيما يَأْكُلُهُ رَبُّ النَّخْلِ مِنَ التَّمْرِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ: { يُحْسَبُ عَلَيْهِ ما أكَلَهُ صاحِبُ الأرْضِ } .
وقالَ أبُو يُوسُفَ: { إذا أكَلَ صاحِبُ الأرْضِ وأطْعَمَ جارَهُ وصَدِيقَهُ أُخِذَ مِنهُ عُشْرُ ما بَقِيَ مِن ثَلاثِمِائَةٍ الصّاعُ الَّتِي تَجِبُ فِيها الزَّكاةُ ولا يُؤْخَذُ مِنهُ مِمّا أكَلَ أوْ أطْعَمَ، ولَوْ أكَلَ الثَّلاثَمِائَةِ صاعٍ وأطْعَمَها لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عُشْرٌ، فَإنْ بَقِيَ مِنها قَلِيلٌ أوْ كَثِيرٌ فَعَلَيْهِ عُشْرُ ما بَقِيَ أوْ نِصْفُ العُشْرِ } .
وقالَ اللَّيْثُ في زَكاةِ الحُبُوبِ: { يُبْدَأُ بِها قَبْلَ النَّفَقَةِ، وما أكَلَ مِن فَرِيكٍ هو وأهْلُهُ فَإنَّهُ لا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ، بِمَنزِلَةِ الرُّطَبِ الَّذِي يُتْرَكُ لِأهْلِ الحائِطِ ما يَأْكُلُهُ هو وأهْلُهُ لا يُخْرَصُ عَلَيْهِ } . وقالَ الشّافِعِيُّ: { يُتْرَكُ الخارِصُ لِرَبِّ الحائِطِ ما يَأْكُلُهُ هو وأهْلُهُ لا يَخْرُصُهُ عَلَيْهِ، ومَن أكَلَ مِن نَخْلِهِ وهو رُطَبٌ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ } .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ الحَقِّ في جَمِيعِ المَأْخُوذِ، ولَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ تَعالى ما أكَلَهُ هو وأهْلُهُ، فَهو عَلى الجَمِيعِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما أُمِرَ بِإيتاءِ الحَقِّ يَوْمَ الحَصادِ، فَلا يَجِبُ الحَقُّ فِيما أُخِذَ مِنهُ قَبْلَ الحَصادِ قِيلَ لَهُ: الحَصادُ اسْمٌ لِلْقَطْعِ، فَكُلَّما قَطَعَ مِنهُ شَيْئا لَزِمَهُ إخْراجُ عُشْرِهِ؛ وأيْضًا فَلَيْسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الوُجُوبِ عَمّا أُخِذَ قَبْلَ الحَصادِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يُرِيدَ: وآتُوا حَقَّ الجَمِيعِ يَوْمَ حَصادِهِ المَأْكُولِ مِنهُ والباقِي واحْتَجَّ مَن لَمْ يَحْتَسِبْ بِالمَأْكُولِ بِما رَوى شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: جاءَ سَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ إلى مَجْلِسِنا، فَحَدَّثَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا ودَعُوا الثُّلُثَ فَإنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فالرُّبْعَ»، وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ما رَوى سَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا حَثْمَةَ خارِصًا، فَجاءَهُ رِجْلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أبا حَثْمَةَ قَدْ زادَ عَلَيَّ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ ابْنَ عَمِّكَ يَزْعُمُ أنَّكَ قَدْ زِدْتَ عَلَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُ لَهُ قَدْرَ عَرِيَّةِ أهْلِهِ وما يُطْعِمُ المَساكِينَ وما يُصِيبُ الرِّيحُ، فَقالَ: قَدْ زادَكَ ابْنُ عَمِّكَ وأنْصَفَكَ»، والعَرايا هي الصَّدَقَةُ؛ فَإنَّما أمَرَ بِذَلِكَ الثُّلُثَ صَدَقَةً ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَرِيرِ بْنِ حازِمٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ مَكْحُولٍ الشّامِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «خَفِّفُوا في الخَرْصِ فَإنَّ في المالِ العَرِيَّةَ والوَصِيَّةَ» فَجَمَعَ بَيْنَ العَرِيَّةِ والوَصِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ الصَّدَقَةَ.
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: (p-١٨١)«لَيْسَ في العَرايا صَدَقَةٌ»، فَلَمْ يُوجِبْ فِيها صَدَقَةً لِأنَّ العَرِيَّةَ نَفْسَها صَدَقَةٌ، وإنَّما فائِدَةُ الخَبَرِ أنَّ ما تَصَدَّقَ بِهِ صاحِبُ العُشْرِ يُحْتَسَبُ لَهُ ولا تَجِبُ فِيها صَدَقَةٌ ولا يَضْمَنُها.
* *
ذِكْرُ الخِلافِ في اعْتِبارِ ما يَجِبُ فِيهِ الحَقُّ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ: يَجِبُ العُشْرُ في قَلِيلِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ وكَثِيرِهِ إلّا ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ. وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ ومالِكٌ وابْنُ أبِي لَيْلى واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: { لا يَجِبُ حَتّى يَبْلُغَ ما يَجِبُ فِيهِ الحَقُّ خَمْسَةَ أوْسُقٍ } وذَلِكَ إذا كانَ ما يَجِبُ فِيهِ الحَقُّ مَكِيلًا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا فَإنَّ أبا يُوسُفَ اعْتَبَرَ أنْ يَكُونَ فِيهِ خَمْسَةُ أوْسُقٍ مِن أدْنى الأشْياءِ الَّتِي تَدْخُلُ في الوَسْقِ مِمّا يَجِبُ فِيهِ العُشْرُ إلّا في العَسَلِ، فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ اعْتَبَرَ عَشْرَةَ أرْطالٍ، ورُوِيَ أنَّهُ اعْتَبَرَ عَشْرَ قِرَبٍ، ورُوِيَ أنَّهُ اعْتَبَرَ قِيمَةَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ مِن أدْنى ما يَدْخُلُ في الوَسْقِ.
وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ يُنْظَرُ إلى أعْلى ما يُقَدَّرُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَيُعْتَبَرُ مِنهُ أنْ يَبْلُغَ خَمْسَةَ أمْثالٍ، وذَلِكَ نَحْوُ الزَّعْفَرانِ، فَإنَّ أعْلى مَقادِيرِهِ مَنًّا فَيُعْتَبَرُ بُلُوغُهُ خَمْسَةَ أمْناءٍ؛ لِأنَّ ما زادَ عَلى المَنِّ فَإنَّهُ يُضاعَفُ أوْ يُنْسَبُ إلَيْهِ فَيُقالُ مَنَوانِ وثَلاثَةٌ ونِصْفُ مَنٍّ ورُبْعُ مَنٍّ، ويُعْتَبَرُ في القُطْنِ خَمْسَةُ أحْمالٍ؛ لِأنَّ الحِمْلَ أعْلى مَقادِيرِهِ وما زادَ فَتَضْعِيفٌ لَهُ، وفي العَسَلِ خَمْسَةُ أفِراقَ لِأنَّ الفِرَقَ أعْلى ما يُقَدَّرُ بِهِ ويُحْتَجُّ لِأبِي حَنِيفَةَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وذَلِكَ عائِدٌ إلى جَمِيعِ المَذْكُورِ، فَهو عُمُومٌ فِيهِ وإنْ كانَ مُجْمَلًا في المِقْدارِ الواجِبِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَقَّهُ﴾ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ، وقَدْ ورَدَ البَيانُ في مِقْدارِ الواجِبِ وهو العُشْرُ أوْ نِصْفُ العُشْرِ ويُحْتَجُّ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الخارِجِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ» ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ ومِن جِهَةِ النَّظَرِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى سُقُوطِ اعْتِبارِ الحَوْلِ فِيهِ، فَوَجَبَ أنْ يَسْقُطَ اعْتِبارُ المِقْدارِ كالرِّكازِ والغَنائِمِ واحْتَجَّ مُعْتَبِرُو المِقْدارِ بِما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطّائِفِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا صَدَقَةَ في شَيْءٍ مِنَ الزَّرْعِ أوِ الكَرْمِ أوِ النَّخْلِ حَتّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ» .
ورَوى لَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» ورَواهُ أيُّوبُ بْنُ مُوسى عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ورَوى ابْنُ المُبارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ. والجَوابُ عَنْ هَذا لِأبِي حَنِيفَةَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: (p-١٨٢)أنَّهُ إذا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرانِ أحَدُهُما عامٌّ والآخَرُ خاصٌّ واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى اسْتِعْمالِ أحَدِهِما واخْتُلِفَ في اسْتِعْمالِ الآخَرِ، فالمُتَّفَقُ عَلى اسْتِعْمالِهِ قاضٍ عَلى المُخْتَلَفِ فِيهِ، فَلَمّا كانَ خَبَرُ العُشْرِ مُتَّفَقًا عَلى اسْتِعْمالِهِ واخْتَلَفُوا في خَبَرِ المِقْدارِ كانَ اسْتِعْمالُ خَبَرِ العُشْرِ عَلى عُمُومِهِ أوْلى وكانَ قاضِيًا عَلى المُخْتَلَفِ فِيهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ الآخَرُ مَنسُوخًا أوْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ مَحْمُولًا عَلى مَعْنى لا يُنافِي شَيْئا مِن خَبَرِ العُشْرِ وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ» عامٌّ في إيجابِهِ في المَوْسُوقِ وغَيْرِهِ، وخَبَرُ الخَمْسَةِ أوْسُقٍ خاصٌّ في المَوْسُوقِ دُونَ غَيْرِهِ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِمِقْدارِ ما يَجِبُ فِيهِ العُشْرُ؛ لِأنَّ حُكْمَ البَيانِ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِجَمِيعِ ما اقْتَضى البَيانُ، فَلَمّا كانَ خَبَرُ الأوْساقِ مَقْصُورًا عَلى ذِكْرِ مِقْدارِ الوَسْقِ دُونَ غَيْرِهِ وكانَ خَبَرُ العُشْرِ عُمُومًا في المَوْسُوقِ وغَيْرِهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَرِدْ مَوْرِدَ البَيانِ لِمِقْدارِ ما يَجِبُ فِيهِ العُشْرُ وأيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ما يُوسَقُ يُعْتَبَرُ في إيجابِ الحَقِّ بُلُوغُ مِقْدارِهِ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، وما لَيْسَ بِمَوْسُوقٍ يَجِبُ في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ» .
وفَقْدُ ما يُوجِبُ تَخْصِيصَ مِقْدارِ ما لا يَدْخُلُ في الأوْساقِ، وهَذا قَوْلٌ مَطْرُوحٌ والقائِلُ بِهِ ساقِطٌ مَرْذُولٌ لِاتِّفاقِ السَّلَفِ والخَلَفِ عَلى خِلافِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فِي الرِّقَةِ رُبْعُ العَشْرِ» وقَوْلُهُ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسِ أواقٍ زَكاةٌ» وذَلِكَ لِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ الرِّقَةِ إلّا وهو داخِلٌ في الوَزْنِ، والأواقِي مَذْكُورَةٌ لِلْوَزْنِ، فَجازَ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِمِقْدارِ جَمِيعِ الرِّقَةِ المَذْكُورَةِ في الخَبَرِ الآخَرِ وأيْضًا فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ لِلَّهِ حُقُوقًا واجِبَةً في المالِ غَيْرَ الزَّكاةِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالزَّكاةِ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ والضَّحّاكِ قالا: { نَسَخَتِ الزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ }، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا التَّقْدِيرُ مُعْتَبَرًا في الحُقُوقِ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً فَنُسِخَتْ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ [النساء: ٨] ونَحْوُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: إذا حَصَدْتَ طَرَحْتَ لِلْمَساكِينِ وإذا كَدَّسْتَ وإذا نَقَّيْتَ، وإذا عَلِمْتَ كَيْلَهُ عَزَلْتَ زَكاتَهُ، وهَذِهِ الحُقُوقُ غَيْرُ واجِبَةٍ اليَوْمَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ ما رُوِيَ مِن تَقْدِيرِ الخَمْسَةِ الأوْسُقِ كانَ مُعْتَبَرًا في تِلْكَ الحُقُوقِ، وإذا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُ الآيَةِ والأثَرِ المُتَّفَقِ عَلى نَقْلِهِ بِهِ وأيْضًا فَقَدْ رُوِيَ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ زَكاةٌ»، فَجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ زَكاةَ التِّجارَةِ بِأنْ يَكُونَ سَألَ سائِلٌ عَنْ أقَلِّ مِن خَمْسَةِ أوْسُقِ طَعامٍ أوْ تَمْرٍ لِلتِّجارَةِ، فَأخْبَرَ أنْ لا زَكاةَ فِيهِ لِقُصُورِ قِيمَتِهِ عَنِ النِّصابِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَنَقَلَ الرّاوِي كَلامَ النَّبِيِّ ﷺ وتَرَكَ ذِكْرَ السَّبَبِ (p-١٨٣)كَما يُوجَدُ ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ الأخْبارِ.
* *
ذِكْرُ الخِلافِ في اجْتِماعِ العُشْرِ والخَراجِ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: { لا يَجْتَمِعانِ } . وقالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وشَرِيكٌ والشّافِعِيُّ: { إذا كانَتْ أرْضُ خَراجٍ فَعَلَيْهِ العُشْرُ في الخارِجِ والخَراجُ في الأرْضِ } . والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا فَتَحَ السَّوادَ وضَعَ عَلى الأرْضِ الخَراجَ ولَمْ يَأْخُذِ العُشْرَ مِنَ الخارِجِ وذَلِكَ بِمُشاوَرَةِ الصَّحابَةِ ومُوافَقَتِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ، فَصارَ ذَلِكَ إجْماعًا مِنَ السَّلَفِ وعَلَيْهِ مَضى الخَلَفُ، ولَوْ جازَ اجْتِماعُهُما لَجَمَعَهُما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ وفِيما سُقِيَ بِالنّاضِحِ نِصْفُ العُشْرِ» وذَلِكَ إخْبارٌ بِجَمِيعِ الواجِبِ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَلَوْ وجَبَ الخَراجُ مَعَهُ لَكانَ ذَلِكَ بَعْضَ الواجِبِ لِأنَّ الخَراجَ قَدْ يَكُونُ الثُّلُثَ أوِ الرُّبْعَ وقَدْ يَكُونُ قَفِيزًا ودِرْهَمًا وأيْضًا فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّرَ العُشْرَ إلى النِّصْفِ لِأجْلِ المُؤْنَةِ الَّتِي لَزِمَتْ صاحِبَها، فَلَوْ لَزِمَ الخَراجُ في الأرْضِ لَزِمَ سُقُوطُ نِصْفِ العُشْرِ الباقِي لِلُزُومِ مُؤْنَةِ الخَراجِ، ولَكانَ يَجِبُ أنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُ ما تَغْلُظُ فِيهِ المُؤْنَةُ وما تَخْلُفُ فِيهِ كَما خالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ ما سَقَتْهُ السَّماءُ وبَيْنَ ما سُقِيَ بِالنّاضِحِ لِأجْلِ المُؤْنَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَنَعَتِ العِراقُ قَفِيزَها ودِرْهَمَها» ومَعْناهُ: سَتَمْنَعُ؛ ولَوْ كانَ العُشْرُ واجِبًا لاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ الخَراجُ مَمْنُوعًا مِنهُ والعُشْرُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ؛ لِأنَّ مَن مَنَعَ الخَراجَ كانَ لِلْعُشْرِ أمْنَعَ، وفي تَرْكِهِ ذِكْرَ العُشْرِ دَلالَةٌ عَلى أنْ لا عُشْرَ في أرْضِ الخَراجِ ورُوِيَ أنَّ دِهْقانَةَ نَهْرِ المُلْكِ أسْلَمَتْ، فَكَتَبَ عُمَرُ أنْ يُؤْخَذَ مِنها الخَراجُ إنِ اخْتارَتْ أرْضَها ورُوِيَ أيْضًا أنَّ رَفِيلًا أسْلَمَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: { إنْ أقَمْتُ عَلى أرْضِكَ أخَذْنا مِنكَ الخَراجَ }؛ ولَوْ كانَ العُشْرُ واجِبًا مَعَ ذَلِكَ لَأخْبَرَ بِوُجُوبِهِ ولَمْ يُخالِفْهُما في ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ وأيْضًا لَمّا كانَ العُشْرُ والخَراجُ حَقَّيْنِ لِلَّهِ تَعالى لَمْ يَجُزِ اجْتِماعُهُما عَلَيْهِ في وقْتٍ واحِدٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى امْتِناعِ وُجُوبِ زَكاةِ السّائِمَةِ وزَكاةِ التِّجارَةِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ الخَراجَ بِمَنزِلَةِ الأُجْرَةِ، والعُشْرُ صَدَقَةٌ، فَكَما جازَ اجْتِماعُ أجْرِ الأرْضِ والعُشْرِ في الخارِجِ كَذَلِكَ يَجُوزُ اجْتِماعُ الخَراجِ والعُشْرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أرْضَ الخَراجِ مُبْقاةٌ عَلى حُكْمِ الفَيْءِ، وإنَّما أُبِيحَ لِزارِعِها الِانْتِفاعُ بِها بِالخَراجِ وهو أُجْرَةُ الأرْضِ، فَلا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ العُشْرِ مَعَ الخَراجِ. قِيلَ (p-١٨٤)لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لا يَجْتَمِعُ العُشْرُ والأُجْرَةُ عَلى المُسْتَأْجِرِ، ومَتى لَزِمَتْهُ الأُجْرَةُ سَقَطَ عَنْهُ العُشْرُ فَكانَ العُشْرُ عَلى رَبِّ الأرْضِ الآخِذِ لِلْأُجْرَةِ؛ فَهَذا الإلْزامُ ساقِطٌ عَنْهُ وقَوْلُ القائِلِ إنَّ أرْضَ الخَراجِ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِأهْلِها وإنَّها مُبْقاةٌ عَلى حُكْمِ الفَيْءِ خَطَأٌ؛ لِأنَّها عِنْدَنا مَمْلُوكَةٌ لِأهْلِها، والكَلامُ فِيها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ وقَوْلُهُ: { إنَّ الخَراجَ أُجْرَةٌ } خَطَأٌ أيْضًا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ النَّخْلِ والشَّجَرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الخَراجَ يُؤَدّى عَنْهُما، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ وأيْضًا فَإنَّ الإجارَةَ لا تَصِحُّ إلّا عَلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، ولَمْ يَعْتَقِدْ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ عَلى أرْبابِ أراضِي الخَراجَ مُدَّةً مَعْلُومَةً وأيْضًا فَإنْ كانَتْ أرْضَ الخَراجِ وأهْلُها مُقِرُّونَ عَلى حُكْمِ الفَيْءِ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُؤْخَذَ مِنهم جِزْيَةُ رُءُوسِهِمْ لِأنَّ العَبْدَ لا جِزْيَةَ عَلَيْهِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ اجْتِماعِ الخَراجِ والعُشْرِ تَنافِي سَبَبَيْهِما؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَراجَ سَبَبُهُ الكُفْرُ؛ لِأنَّهُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الجِزْيَةِ، وسائِرُ أمْوالِ الفَيْءِ والعُشْرِ سَبَبُهُ الإسْلامُ، فَلَمّا تَنافى سَبَبُهُما تَنافى مُسَبِّباهُما.
الأنعام 6:142
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ والحَسَنِ وابْنِ مَسْعُودٍ رِوايَةٌ أُخْرى ومُجاهِدٍ قالُوا: الحَمُولَةُ كِبارُ الإبِلِ، والفَرْشُ الصِّغارُ. وقالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ والحَسَنُ رِوايَةً: الحَمُولَةُ ما حَمَلَ مِنَ الإبِلِ، والفَرْشُ الغَنَمُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً أُخْرى قالَ: الحَمُولَةُ كُلُّ ما حَمَلَ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، والفَرْشُ الغَنَمُ، فَأدْخَلَ في الأنْعامِ الحافِرَ عَلى الِاتِّباعِ؛ لِأنَّ اسْمَ الأنْعامِ لا يَقَعُ عَلى الحافِرِ، وكانَ قَوْلُ السَّلَفِ في الفَرْشِ أحَدَ مَعْنَيَيْنِ: إمّا صِغارُ الإبِلِ وإمّا الغَنَمُ وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أرادَ بِالفَرْشِ ما خَلَقَ لَهم مِن أصْوافِها وجُلُودِها الَّتِي يَفْتَرِشُونَها ويَجْلِسُونَ عَلَيْها ولَوْلا قَوْلُ السَّلَفِ عَلى ما ذَكَرْنا لَكانَ هَذا الظّاهِرُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِأصْوافِ الأنْعامِ وأوْبارِها في سائِرِ الأحْوالِ سَواءٌ أُخِذَتْ مِنها بَعْدَ المَوْتِ أوْ في حالِ الحَياةِ؛ ويُسْتَدَلُّ بِهِ أيْضًا عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِجُلُودِها بَعْدَ المَوْتِ لِاقْتِضاءِ العُمُومِ لَهُ، إلّا أنَّهم قَدِ اتَّفَقُوا أنَّهُ لا يُنْتَفَعُ بِالجُلُودِ قَبْلَ الدِّباغِ، فَهو مَخْصُوصٌ وحُكْمُ الآيَةِ ثابِتٌ في الِانْتِفاعِ بِها بَعْدَ الدِّباغِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ فِيهِ إضْمارٌ: وهو الَّذِي أنْشَأ لَكم مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ إلى ﴿الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] قَوْلُهُ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ لِدُخُولِهِ في الإنْشاءِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْشَأ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ (p-١٨٥)الأصْنافِ الأرْبَعَةِ مِن ذُكُورِها وإناثِها يُسَمّى زَوْجًا، ويُقالُ لِلِاثْنَيْنِ زَوْجٌ أيْضًا كَما يُقالُ لِلْواحِدِ خَصْمٌ ولِلِاثْنَيْنِ خَصْمٌ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أحَلَّ لِعِبادِهِ هَذِهِ الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ وأنَّ المُشْرِكِينَ حَرَّمُوا مِنها ما حَرَّمُوا مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي وما جَعَلُوهُ لِشُرَكائِهِمْ عَلى ما بَيَّنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ لِيُضِلُّوا النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَقالَ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤] لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا المُشاهَدَةُ أوِ الدَّلِيلُ الَّذِي يَشْتَرِكَ العُقَلاءُ في إدْراكِ الحَقِّ بِهِ، فَبانَ بِعَجْزِهِمْ عَنْ إقامَةِ الدَّلالَةِ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ في تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا مِن ذَلِكَ.
الأنعام 6:143
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ والحَسَنِ وابْنِ مَسْعُودٍ رِوايَةٌ أُخْرى ومُجاهِدٍ قالُوا: الحَمُولَةُ كِبارُ الإبِلِ، والفَرْشُ الصِّغارُ. وقالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ والحَسَنُ رِوايَةً: الحَمُولَةُ ما حَمَلَ مِنَ الإبِلِ، والفَرْشُ الغَنَمُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً أُخْرى قالَ: الحَمُولَةُ كُلُّ ما حَمَلَ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، والفَرْشُ الغَنَمُ، فَأدْخَلَ في الأنْعامِ الحافِرَ عَلى الِاتِّباعِ؛ لِأنَّ اسْمَ الأنْعامِ لا يَقَعُ عَلى الحافِرِ، وكانَ قَوْلُ السَّلَفِ في الفَرْشِ أحَدَ مَعْنَيَيْنِ: إمّا صِغارُ الإبِلِ وإمّا الغَنَمُ وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أرادَ بِالفَرْشِ ما خَلَقَ لَهم مِن أصْوافِها وجُلُودِها الَّتِي يَفْتَرِشُونَها ويَجْلِسُونَ عَلَيْها ولَوْلا قَوْلُ السَّلَفِ عَلى ما ذَكَرْنا لَكانَ هَذا الظّاهِرُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِأصْوافِ الأنْعامِ وأوْبارِها في سائِرِ الأحْوالِ سَواءٌ أُخِذَتْ مِنها بَعْدَ المَوْتِ أوْ في حالِ الحَياةِ؛ ويُسْتَدَلُّ بِهِ أيْضًا عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِجُلُودِها بَعْدَ المَوْتِ لِاقْتِضاءِ العُمُومِ لَهُ، إلّا أنَّهم قَدِ اتَّفَقُوا أنَّهُ لا يُنْتَفَعُ بِالجُلُودِ قَبْلَ الدِّباغِ، فَهو مَخْصُوصٌ وحُكْمُ الآيَةِ ثابِتٌ في الِانْتِفاعِ بِها بَعْدَ الدِّباغِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ فِيهِ إضْمارٌ: وهو الَّذِي أنْشَأ لَكم مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ إلى ﴿الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] قَوْلُهُ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ لِدُخُولِهِ في الإنْشاءِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْشَأ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ (p-١٨٥)الأصْنافِ الأرْبَعَةِ مِن ذُكُورِها وإناثِها يُسَمّى زَوْجًا، ويُقالُ لِلِاثْنَيْنِ زَوْجٌ أيْضًا كَما يُقالُ لِلْواحِدِ خَصْمٌ ولِلِاثْنَيْنِ خَصْمٌ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أحَلَّ لِعِبادِهِ هَذِهِ الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ وأنَّ المُشْرِكِينَ حَرَّمُوا مِنها ما حَرَّمُوا مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي وما جَعَلُوهُ لِشُرَكائِهِمْ عَلى ما بَيَّنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ لِيُضِلُّوا النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَقالَ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤] لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ إمّا المُشاهَدَةُ أوِ الدَّلِيلُ الَّذِي يَشْتَرِكَ العُقَلاءُ في إدْراكِ الحَقِّ بِهِ، فَبانَ بِعَجْزِهِمْ عَنْ إقامَةِ الدَّلالَةِ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ في تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوا مِن ذَلِكَ.
الأنعام 6:145
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآيَةُ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَسْتَحِلُّونَ أشْياءَ ويُحَرِّمُونَ أشْياءَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ مِمّا تَسْتَحِلُّونَ ﴿إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآيَةُ وسِياقُةُ المُخاطَبَةِ تَدُلُّ عَلى ما قالَ طاوُسٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّمَ ذِكْرَ ما كانُوا يُحَرِّمُونَ مِنَ الأنْعامِ وذَمَّهم عَلى تَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ وعَنَّفَهم وأبانَ بِهِ عَنْ جَهْلِهِمْ لِأنَّهم حَرَّمُوا بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ يَعْنِي تُحَرِّمُونَهُ إلّا ما ذُكِرَ وإذا كانَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ الآيَةِ لَمْ يَجُزِ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى إباحَةِ ما خَرَجَ عَنِ الآيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ ذُكِرَ في أوَّلِ المائِدَةِ تَحْرِيمُ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ وما ذُكِرَ مَعَهُما، وهي خارِجَةٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ لَهُ: في ذَلِكَ جَوابانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُنْخَنِقَةَ وما ذُكِرَ مَعَها قَدْ دَخَلَتْ في المَيْتَةِ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ المَيْتَةِ في قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ثُمَّ فَسَّرَ وُجُوهَها والأسْبابَ المُوجِبَةَ لِكَوْنِها مَيْتَةً فَقَدِ اشْتَمَلَ اسْمُ المَيْتَةِ عَلى المُنْخَنِقَةِ ونَظائِرِها.
والثّانِي: أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ مَكِّيَّةٌ، وجائِزٌ أنْ لا يَكُونَ قَدْ حَرَّمَ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا ما قَدْ ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، والمائِدَةُ مَدَنِيَّةٌ وهي مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ( أوْ ) إذا دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ ثَبَتَ كُلُّ واحِدٍ مِمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَلى حِيالِهِ وأنَّها لا تَقْتَضِي تَخْيِيرًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ قَدْ أوْجَبَ تَحْرِيمَ كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ عَلى حِيالِهِ.
وقَدِ احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ في إباحَةِ ما عَدا المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ بِها، فَمِنها لُحُومُ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: إنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ قالَ: قَدْ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الغِفارِيُّ عِنْدَنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ»، (p-١٨٦)ولَكِنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ وقَرَأ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآيَةُ ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ القاسِمِ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها كانَتْ لا تَرى بِلُحُومِ السِّباعِ والدَّمِ الَّذِي يَكُونُ في أعْلى العُرُوقِ بَأْسًا، وقَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآيَةُ فَأمّا لُحُومُ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ فَإنَّ أصْحابَنا ومالِكًا والثَّوْرِيَّ والشّافِعِيَّ يَنْهَوْنَ عَنْهُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما ذَكَرْنا مِن إباحَتِهِ، وتابَعَهُ عَلى ذَلِكَ قَوْمٌ، وقَدْ ورَدَتْ أخْبارٌ مُسْتَفِيضَةٌ في النَّهْيِ عَنْ أكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، مِنها حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنِ الحَسَنِ وعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ عَنْ أبِيهِما أنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ لِابْنِ عَبّاسٍ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ وعَنْ مُتْعَةِ النِّساءِ يَوْمَ خَيْبَرَ» . وقَدْ رَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سالِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ المَخْزُومِيِّ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ»، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ عَلِيًّا يَرْوِي النَّهْيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَجَعَ عَمّا كانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ مِنَ الإباحَةِ.
ورَوى أبُو حَنِيفَةَ وعَبْدُ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ» .
ورَوى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جابِرٍ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ» ورَواهُ حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جابِرٍ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ لُحُومِ الأهْلِيَّةِ». ورَوى شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ سَمِعَهُ مِنهُ قالَ: «أصَبْنا حُمُرًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَطَبَخْناها، فَنادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ أكْفِئُوا القُدُورَ» . ورَوى النَّهْيَ عَنْها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُ أبِي أوْفى وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ وأبُو هُرَيْرَةَ وأبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ في آخَرِينَ، في بَعْضِها ابْتِداءُ نَهْيٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وبَعْضُها ذِكْرُ قِصَّةِ خَيْبَرَ والسَّبَبُ الَّذِي مِن أجْلِهِ نَهى عَنْها، فَقالَ قائِلُونَ: { إنَّما نَهى عَنْها لِأنَّها كانَتْ نُهْبَةً انْتَهَبُوها } . وقالَ آخَرُونَ: { لِأنَّهُ قِيلَ لَهُ إنَّ الحُمُرَ قَدْ قَلَّتْ } . وقالَ آخَرُونَ: { لِأنَّها كانَتْ جَلّالَةً } . فَتَأوَّلَ مَن أباحَها نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ، ومَن حَظَرَها أبْطَلَ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ بِأشْياءَ:
أحَدُها ما رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يَحِلُّ الحِمارُ الأهْلِيُّ» مِنهُمُ المِقْدادُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ وأبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ وغَيْرُهُما؛ والثّانِي ما رَواهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أيُّوبَ السِّخْتِيانِيِّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ أصابُوا حُمُرًا فَطَبَخُوها مِنها، فَنادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ألا إنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ (p-١٨٧)يَنْهاكم عَنْها، فَإنَّها نَجَسٌ فاكْفِئُوا القُدُورَ» ورَوى عَبْدُ الوَهّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أيُّوبَ بِإسْنادِ مِثْلِهِ، قالَ: «فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنادِيًا فَنادى: إنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَنْهاكم عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ فَإنَّها رِجْسٌ، قالَ: فَأُكْفِئَتِ القُدُورُ وإنَّها لَتَفُورُ» . وهَذا يُبْطِلُ تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَ النَّهْيَ عَلى النُّهْبَةِ وتَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى خَوْفِ فَناءِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ بِالذَّبْحِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّها نَجَسٌ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ عَيْنِها لا لَسَبَبِ غَيْرِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ بِالقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ولَوْ كانَ النَّهْيُ لِأجْلِ ما ذَكَرُوا لَأمَرَ بِأنْ يُطْعَمَ المَساكِينُ كَما أمَرَ بِذَلِكَ في الشّاةِ المَذْبُوحَةِ بِغَيْرِ أمْرِ أصْحابِها بِأنْ يُطْعَمَ الأسْرى.
وفِي حَدِيثِ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ أنَّهُ «سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، فَقالَ: لا تَأْكُلُ الحِمارَ الأهْلِيَّ ولا كُلَّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ»، فَبِهَذا أيْضًا يَبْطُلُ سائِرُ التَّأْوِيلاتِ الَّتِي ذَكَرْناها عَنْ مُبِيحِها وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ لِأنَّها كانَتْ تَأْكُلُ العَذِرَةَ» فَإنْ صَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ لِلنَّهْيِ الَّذِي كانَ مِنهُ يَوْمَ خَيْبَرَ فَإنَّ خَبَرَ أبِي ثَعْلَبَةَ وغَيْرِهِ في سُؤالِهِمْ عَنْها في غَيْرِ يَوْمِ خَيْبَرَ يُوجِبُ إيهامَ تَحْرِيمِها لا لِعِلَّةٍ غَيْرِ أعْيانِها وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثٍ يُرْوى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنْ رَجُلٍ مِن مُزَيْنَةَ فَقالَ بَعْضُهم: غالِبُ بْنُ الأبْجَرِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الحُرُّ بْنُ غالِبٍ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن مالِي شَيْءٌ أسْتَطِيعُ أنْ أُطْعِمَ فِيهِ أهْلِي غَيْرَ حُمُراتٍ لِي، قالَ: فَأطْعِمْ أهْلَكَ مِن سَمِينِ مالِكَ فَإنَّما كَرِهْتُ لَكم جَوّالَ القَرْيَةِ»؛ فاحْتَجَّ مَن أباحَ الحُمُرَ الأهْلِيَّةَ بِهَذا الخَبَرِ وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْها؛ لِأنَّهُ قالَ: «كَرِهْتُ لَكم جَوّالَ القَرْيَةِ» والحُمُرُ الأهْلِيَّةُ كُلُّها جَوّالُ القُرى، والإباحَةُ عِنْدَنا في هَذا الحَدِيثِ إنَّما انْصَرَفَتْ إلى الحُمُرِ الوَحْشِيَّةِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في الحِمارِ الوَحْشِيِّ إذا دُجِّنَ فَقالَ أصْحابُنا والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والشّافِعِيُّ في الحِمارِ الوَحْشِيِّ إذا دُجِّنَ وأُلِفَ: { إنَّهُ جائِزٌ أكْلُهُ }، وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: { إذا دُجِّنَ وصارَ يُعْمَلُ عَلَيْهِ كَما يُعْمَلُ عَلى الأهْلِيِّ فَإنَّهُ لا يُؤْكَلُ } . وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الوَحْشَ الأهْلِيَّ لا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ جِنْسِهِ في تَحْرِيمِ الأكْلِ كَذَلِكَ ما أُنِسَ مِنَ الوَحْشِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ اخْتُلِفَ في ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ وذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ: { لا يَحِلُّ أكْلُ ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ وذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ } . وقالَ مالِكٌ: { لا يُؤْكَلُ سِباعُ الوَحْشِ ولا الهِرُّ الوَحْشِيُّ ولا الأهْلِيُّ ولا الثَّعْلَبُ ولا الضَّبُعُ ولا شَيْءٌ مِنَ السِّباعِ، ولا بَأْسَ بِأكْلِ سِباعِ الطَّيْرِ الرُّخْمِ والعُقْبانِ والنُّسُورِ وغَيْرِها ما أكَلَ الجِيَفَ مِنها وما لا يَأْكُلُ } . وقالَ (p-١٨٨)الأوْزاعِيُّ: { الطَّيْرُ كُلُّهُ حَلالٌ إلّا أنَّهم يَكْرَهُونَ الرَّخْمَ } .
وقالَ اللَّيْثُ: { لا بَأْسَ بِأكْلِ الهِرِّ وأكْرَهُ الضَّبُعَ } . وقالَ الشّافِعِيُّ: { لا يُؤْكَلُ ذُو النّابِ مِنَ السِّباعِ الَّتِي تَعْدُو عَلى النّاسِ الأسَدُ والنَّمِرُ والذِّئْبُ، ويُؤْكَلُ الضَّبُعُ والثَّعْلَبُ، ولا يُؤْكَلُ النِّسْرُ والبازِيُّ ونَحْوُهُ لِأنَّها تَعْدُو عَلى طُيُورِ النّاسِ } . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادٌ قالَ: حَدَّثَنا عِمْرانُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ عِكْرِمَةَ سُئِلَ عَنِ الغُرابِ قالَ: دَجاجَةٌ سَمِينَةٌ، وسُئِلَ عَنِ الضَّبُعِ فَقالَ: نَعْجَةٌ سَمِينَةٌ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ» .
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدِّدٌ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ»، ورَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ والمِقْدامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ وأبُو هُرَيْرَةَ وغَيْرُهُما.
فَهَذِهِ آثارٌ مُسْتَفِيضَةٌ في تَحْرِيمِ ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ وذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ، والثَّعْلَبِ والهِرِّ والنِّسْرِ والرَّخْمُ داخِلَةٌ في ذَلِكَ، فَلا مَعْنى لِاسْتِثْناءِ شَيْءٍ مِنها إلّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ، ولَيْسَ في قَبُولِها ما يُوجِبُ نَسْخَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ لِأنَّهُ إنَّما فِيهِ إخْبارٌ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنِ المُحَرَّمُ غَيْرَ المَذْكُورِ وأنَّ ما عَداهُ كانَ باقِيًا عَلى أصْلِ الإباحَةِ، وكَذَلِكَ الأخْبارُ الوارِدَةُ في لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ هَذا حُكْمُها، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِاتِّفاقِ أهْلِ العِلْمِ عَلى تَحْرِيمِ أشْياءَ كَثِيرَةٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ فَجازَ قَبُولُ الأخْبارِ الآحادِ في تَخْصِيصِها وكَرِهَ أصْحابُنا الغُرابَ الأبْقَعَ لِأنَّهُ يَأْكُلُ الجِيَفَ، ولَمْ يَكْرَهُوا الغُرابَ الزَّرْعِيَّ لِما رَوى قَتادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «خَمْسُ فَواسِقَ يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ في الحِلِّ والحَرَمِ» وذَكَرَ أحَدُها الغُرابُ الأبْقَعُ، فَخَصَّ الأبْقَعَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ الجِيَفَ، فَصارَ أصْلًا في كَراهَةِ أشْباهِهِ مِمّا يَأْكُلُ الجِيَفَ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الَسَلّامَ «خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ» يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ أكْلِ هَذِهِ الخَمْسِ وأنَّها لا تَكُونُ إلّا مَقْتُولَةً غَيْرَ مُذْكاةٍ، ولَوْ كانَتْ مِمّا يُؤْكَلُ لَأمَرَ بِذَبْحِها وذَكاتِها لِئَلّا تَحْرُمَ بِالقَتْلِ.
فَإنْ قِيلَ بِما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حاتِمٍ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنِي إسْماعِيلُ (p-١٨٩)بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ قالَ «سَألْتُ جابِرًا: هَلْ يُؤْكَلُ الضَّبُعُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أصَيْدٌ هي ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أسَمِعْتَ هَذا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قالَ: نَعَمْ» . قِيلَ لَهُ: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن نَهْيِهِ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ قاضٍ عَلى ذَلِكَ لِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ عَلى اسْتِعْمالِهِ واخْتِلافِهِمْ في اسْتِعْمالِ ذَلِكَ.
واخْتُلِفَ في أكْلِ الضَّبِّ، فَكَرِهَهُ أصْحابُنا، وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: { لا بَأْسَ بِهِ } .
والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا ما رَوى الأعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبِ الجُهَنِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ قالَ: «نَزَلْنا أرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبابِ، فَأصابَتْنا مَجاعَةٌ فَطَبَخْنا مِنها، فَإنَّ القُدُورَ لَتَغْلِي بِها، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ما هَذا ؟ فَقُلْنا ضِبابٌ أصَبْناها، فَقالَ: إنَّ أُمَّةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ مُسِخَتْ دَوابَّ الأرْضِ وإنِّي أخْشى أنْ تَكُونَ هَذِهِ فَأكْفِئُوها» وهَذا يَقْتَضِي حَظْرَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُباحَ الأكْلِ لَما أمَرَ بِإكْفاءِ القُدُورِ؛ لِأنَّهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَهى عَنْ إضاعَةِ المالِ وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ الطّائِيُّ أنَّ الحَكَمَ بْنَ نافِعٍ حَدَّثَهم قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ عَيّاشٍ عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أبِي راشِدٍ الحُبْرانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ أكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ» ورَوى أبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمّادٍ عَنْ إبْراهِيمَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ أُهْدِيَ لَها ضَبٌّ، فَدَخَلَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَألَتْهُ عَنْ أكْلِهِ فَنَهاها عَنْهُ، فَجاءَ سائِلٌ فَقامَتْ لِتُناوِلَهُ إيّاهُ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أتُطْعِمِينَهُ ما لا تَأْكُلِينَ». فَهَذِهِ الأخْبارُ تُوجِبُ النَّهْيَ عَنْ أكْلِ الضَّبِّ وقَدْ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْكُلْ مِنَ الضَّبِّ وأُكِلَ عَلى مائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» ولَوْ كانَ حَرامًا ما أُكِلَ عَلى مائِدَتِهِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّما تَرَكَ أكْلَهُ تَقَذُّرًا.
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ قالَ: «لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أعافُهُ»، وأنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ أكَلَهُ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَهُ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ سَهْلٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ عُمَرُ: إنَّ هَذِهِ الضِّبابَ طَعامُ عامَّةِ هَذِهِ الرِّعاءِ وإنَّ اللَّهَ لَيَمْنَعُ غَيْرَ واحِدٍ ولَوْ كانَ عِنْدِي مِنها شَيْءٌ لَأكَلْتُهُ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُحَرِّمْهُ ولَكِنَّهُ قَذِرَهُ.
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ سَهْلٍ قالَ: حَدَّثَنا بَحْرُ عَنْ أبِي هارُونَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: { إنْ كانَ أحَدُنا لَتُهْدى إلَيْهِ الضِّبَّةُ المَكْنُونَةُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الدَّجاجَةِ السَّمِينَةِ } فاحْتَجَّ مُبِيحُوهُ بِهَذِهِ الأخْبارِ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى حَظْرِهِ؛ لِأنَّ فِيها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَهُ تَقَذُّرًا وأنَّهُ قَذِرَهُ، وما قَذِرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهو نَجِسٌ ولا يَكُونُ نَجِسًا إلّا وهو (p-١٩٠)مُحَرَّمُ الأكْلِ.
ولَوْ ثَبَتَتِ الإباحَةُ بِهَذِهِ الأخْبارِ لَعارَضَتْها أخْبارٌ ومَتى ورَدَ الخَبَرانِ في شَيْءٍ وأحَدُهُما مُبِيحٌ والآخَرُ حاظِرٌ فَخَبَرُ الحَظْرِ أوْلى؛ وذَلِكَ لِأنَّ الحَظْرَ وارِدٌ لا مَحالَةَ بَعْدَ الإباحَةِ؛ لِأنَّ الأصْلَ كانَ الإباحَةُ والحَظْرُ طارِئٌ عَلَيْها ولَمْ يَثْبُتُ وُرُودُ الإباحَةِ عَلى الحَظْرِ فَحُكْمُ الحَظْرِ ثابِتٌ لا مَحالَةَ.
واخْتُلِفَ في هَوامِّ الأرْضِ، فَكَرِهَ أصْحابُنا أكْلَ هَوامِّ الأرْضِ اليَرْبُوعِ والقُنْفُذِ والفَأْرِ والعَقارِبِ وجَمِيعِ هَوامِّ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: لا بَأْسَ بِأكْلِ الحَيَّةِ إذا ذُكِّيَتْ، وهو قَوْلُ مالِكٍ والأوْزاعِيِّ إلّا أنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ مِنهُ الذَّكاةَ وقالَ اللَّيْثُ: لا بَأْسَ بِأكْلِ القُنْفُذِ وفِراخِ النَّحْلِ ودُودِ الجُبْنِ والتَّمْرِ ونَحْوِهِ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: { لا بَأْسَ بِأكْلِ الضِّفْدَعِ }، قالَ ابْنُ القاسِمِ: وقِياسُ قَوْلِ مالِكٍ أنَّهُ لا بَأْسَ بِأكْلِ خُشاشِ الأرْضِ وعَقارِبِها ودُودِها؛ لِأنَّهُ قالَ: مَوْتُهُ في الماءِ لا يُفْسِدُهُ وقالَ الشّافِعِيُّ: { كُلُّ ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَقْذِرُهُ فَهو مِنَ الخَبائِثِ، كالذِّئْبِ والأسَدِ والغُرابِ والحَيَّةِ والحِدَأةِ والعَقْرَبِ والفَأْرَةِ لِأنَّها تَقْصِدُ بِالأذى فَهي مُحَرَّمَةٌ مِنَ الخَبائِثِ، وكانَتْ تَأْكُلُ الضَّبُعَ والثَّعْلَبَ لِأنَّهُما لا يَعْدُوانِ عَلى النّاسِ بِأنْيابِهِما فَهُما حَلالٌ } .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ خالِدٍ أبُو ثَوْرٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عِيسى بْنِ نُمَيْلَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عَنْ أكْلِ القُنْفُذِ، فَتَلا: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآيَةُ، فَقالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «خَبِيثَةٌ مِنَ الخَبائِثِ» فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كانَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذا فَهو كَما قالَ فَسَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ خَبِيثَةً مِنَ الخَبائِثِ فَشَمِلَهُ حُكْمُ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والقُنْفُذُ مِن حَشَراتِ الأرْضِ، فَكُلُّ ما كانَ مِن حَشَراتِها فَهو مُحَرَّمٌ قِياسًا عَلى القُنْفُذِ.
ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي ابْنُ أبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: «ذُكِرَ طَبِيبُ الدَّواءِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذُكِرَ الضِّفْدَعُ يَكُونُ في الدَّواءِ، فَنَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهِ»، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِهِ؛ لِأنَّهُ نَهاهُ أنْ يَقْتُلَهُ فَيَجْعَلَهُ في الدَّواءِ، ولَوْ جازَ الِانْتِفاعُ بِهِ لَما كانَ مَنهِيًّا عَنْ قَتْلِهِ لِلِانْتِفاعِ بِهِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ مُسْتَفِيضَةٌ رَواها ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وأبُو سَعِيدٍ وعائِشَةُ وغَيْرُهم «أنَّهُ قالَ: يَقْتُلُ المُحْرِمُ في الحِلِّ والحَرَمِ الحِدَأةَ والغُرابَ والفَأْرَةَ والعَقْرَبَ» وفي بَعْضِ الأخْبارِ: { والحَيَّةَ }، فَفي أمْرِهِ بِقَتْلِهِنَّ (p-١٩١)دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ أكْلِهِنَّ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِمّا تُؤْكَلُ لَأمَرَ بِالتَّوَصُّلِ إلى ذَكاتِها فِيما تَتَأتّى فِيهِ الذَّكاةُ مِنها، فَلَمّا أمَرَ بِقَتْلِها والقَتْلُ إنَّما يَكُونُ لا عَلى وجْهِ الذَّكاةِ ثَبَتَ أنَّها غَيْرُ مَأْكُولَةٍ، ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ في الغُرابِ والحِدَأةِ كانَ سائِرُ ما يَأْكُلُ الجِيَفَ مِثْلَها، ودَلَّ عَلى أنَّ ما كانَ مِن حَشَراتِ الأرْضِ فَهو مُحَرَّمٌ كالعَقْرَبِ والحَيَّةِ، وكَذَلِكَ اليَرْبُوعُ لِأنَّهُ جِنْسٌ مِنَ الفَأْرِ. وأمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ في اعْتِبارِهِ ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَقْذِرُهُ وأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مِنَ الخَبائِثِ، فَلا مَعْنى لَهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ قاضٍ بِتَحْرِيمِ جَمِيعِهِ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَزِيدَ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ ولا يَخْرُجُ مِنهُ ما قَدْ تَناوَلَهُ العُمُومُ، ولَمْ يَعْتَبِرِ النَّبِيُّ ﷺ ما ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ وإنَّما جَعَلَ كَوْنَهُ ذا نابٍ مِنَ السِّباعِ وذا مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ عِلْمًا لِلتَّحْرِيمِ، فَلا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِما لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الدَّلالَةُ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ خِطابَ اللَّهِ تَعالى لِلنّاسِ بِتَحْرِيمِ الخَبائِثِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَخْتَصَّ بِالعَرَبِ دُونَ العَجَمِ، بَلِ النّاسُ كُلُّهم مَن كانَ مِنهم مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ داخِلُونَ في الخِطابِ، فاعْتِبارُ ما يَسْتَقْذِرُهُ العَرَبُ دُونَ غَيْرِهِمْ قَوْلٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ خارِجٌ عَنْ مُقْتَضى الآيَةِ. ومَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ يَخْلُو مِن أنْ يُعْتَبَرَ ما كانَتِ العَرَبُ يَسْتَقْذِرُهُ جَمِيعُهم أوْ بَعْضُهم، فَإنْ كانَ اعْتُبِرَ الجَمِيعُ فَإنَّ جَمِيعَ العَرَبِ لَمْ يَكُنْ يَسْتَقْذِرُ الحَيّاتِ والعَقارِبَ ولا الأسَدَ والذِّئابَ والفَأْرَ وسائِرَ ما ذُكِرَ، بَلْ عامَّةُ الأعْرابِ تَسْتَطِيبُ أكْلَ هَذِهِ الأشْياءِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما كانَ جَمِيعُ العَرَبِ يَسْتَقْذِرُونَهُ. وإنْ أرادَ ما كانَ بَعْضُ العَرَبِ يَسْتَقْذِرُهُ فَهو فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الخِطابَ إذا كانَ لِجَمِيعِ العَرَبِ فَكَيْفَ يَجُوزُ اعْتِبارُ بَعْضِهِمْ عِنْ بَعْضٍ ؟ والثّانِي: أنَّهُ لَمّا صارَ البَعْضُ المُسْتَقْذَرُ كَذَلِكَ كانَ أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِنَ البَعْضِ الَّذِي يَسْتَطِيبُهُ. فَهَذا قَوْلٌ مُنْتَقِضٌ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ. وزَعَمَ أنَّهُ أباحَ الضَّبُعَ والثَّعْلَبَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَأْكُلُهُ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَأْكُلُ الغُرابَ والحِدَأةَ والأسَدَ لَمْ يَكُنْ مِنهم مَن لَمْ يَمْتَنِعْ مِن أكْلِ ذَلِكَ. وأمّا اعْتِبارُهُ ما يَعْدُو عَلى النّاسِ، فَإنْ أرادَ بِهِ يَعْدُو عَلى النّاسِ في سائِرِ الأحْوالِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُوجَدُ في الحِدَأةِ والحَيَّةِ والغُرابِ وقَدْ حَرَّمَها، وإنْ أرادَ بِهِ العَدْوَ عَلَيْهِمْ في حالِ إذا لَمْ يَكُنْ جائِعًا والجَمَلُ الهائِجُ قَدْ يَعْدُو عَلى الإنْسانِ وكَذَلِكَ الثَّوْرُ في بَعْضِ الأحْوالِ، ولَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ هو ولا غَيْرُهُ في هَذِهِ الأشْياءِ في تَحْرِيمِ الأكْلِ وإباحَتِهِ، والكَلْبُ والسِّنَّوْرُ لا يَعْدُوانِ عَلى النّاسِ وهُما مُحَرَّمانِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في لُحُومِ الإبِلِ الجَلّالَةِ، (p-١٩٢)فَكَرِهَها أصْحابُنا والشّافِعِيُّ إذا لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ غَيْرَ العَذِرَةِ. وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: { لا بَأْسَ بِلُحُومِ الجَلّالَةِ كالدَّجاجِ }؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِ الجَلّالَةِ وألْبانِها» .
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا أبُو عامِرٍ قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ لَبَنِ الجَلّالَةِ».
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَكُلُّ مَن خالَفَ في هَذِهِ المَسائِلِ الَّتِي ذَكَرْنا مِنَ ابْتِدائِنا بِأحْكامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ وأباحَ أكْلَ ما ذَهَبَ أصْحابُنا فِيهِ إلى حَظْرِهِ، فَإنَّهم يَحْتَجُّونَ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةُ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلى سَبَبٍ فِيما كانَ يُحَرِّمُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِمّا حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِمّا كانُوا يُحَرِّمُونَهُ مِنَ الأنْعامِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ نُزُولُهُ عَلى السَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْنا وكانَ خَبَرًا مُبْتَدَأً لَمْ يَمْتَنِعْ بِذَلِكَ قَبُولُ أخْبارِ الآحادِ في تَحْرِيمِ أشْياءَ لَمْ تَنْتَظِمْها الآيَةُ ولا اسْتِعْمالُ القِياسِ في حَظْرِ كَثِيرٍ مِنهُ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ الإخْبارُ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنِ المُحَرَّمُ مِن طَرِيقِ الشَّرْعِ إلّا المَذْكُورَ في الآيَةِ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ قَدْ كانَتْ مُباحَةً قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ، وقَدْ كانَ قَبُولُ أخْبارِ الآحادِ جائِزًا واسْتِعْمالُ القِياسِ سائِغًا في تَحْرِيمِ ما هَذا وصْفُهُ، وكَذَلِكَ إخْبارُ اللَّهِ بِأنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ بِالشَّرْعِ إلّا المَذْكُورُ في الآيَةِ غَيْرَ مانِعٍ تَحْرِيمَ غَيْرِهِ مِن طَرِيقِ خَبَرِ الواحِدِ والقِياسِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُحَرَّمَ مِنَ المَيْتَةِ ما يَتَأتّى فِيهِ الأكْلُ مِنها، فَلَمْ يَتَناوَلِ الجِلْدَ المَدْبُوغَ ولا القَرْنَ والعَظْمَ والظِّلْفَ والرِّيشَ ونَحْوَها، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «فِي شاةِ مَيْمُونَةَ: إنَّما حُرِّمَ أكْلُها» وفي بَعْضِ الألْفاظِ: «إنَّما حُرِّمَ لَحْمُها» .
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُحَرَّمَ مِنَ الدَّمِ ما كانَ مَسْفُوحًا وأنَّ ما يَبْقى في العُرُوقِ مِن أجْزاءِ الدَّمِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وغَيْرِها في الدَّمِ الَّذِي في المَذْبَحِ أوْ في أعْلى القِدْرِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَسْفُوحٍ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ دَمَ البَقِّ والبَراغِيثِ والذُّبابِ لَيْسَ بِنَجِسٍ؛ إذْ لَيْسَ بِمَسْفُوحٍ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ وإنْ كانَ إخْبارًا بِأنَّهُ لَيْسَ المُحَرَّمُ في شَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المَأْكُولاتِ غَيْرَ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ نَسَخَ بِهِ كَثِيرًا مِنَ المَحْظُوراتِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَلا يَكُونُ سَبِيلُهُ سَبِيلَ بَقاءِ الشَّيْءِ عَلى (p-١٩٣)حُكْمِ الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ بَلْ يَكُونُ في حُكْمِ ما قَدْ نَصَّ عَلى إباحَتِهِ شَرْعًا، فَلا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الواحِدِ ولا بِالقِياسِ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ قَدْ نَسَخَ بِذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ المَحْظُوراتِ عَلى لِسانِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] وشُحُومُهُما مُباحَةٌ لَنا، وكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الحَيَواناتِ ذَواتِ الأظْفارِ. قِيلَ لَهُ: ما ذَكَرْتَ لا يُخْرِجُ ما عَدا المَذْكُورَ في الآيَةِ مِن أنْ يَكُونَ في حُكْمِ المُباحِ عَلى الأصْلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما حُرِّمَ عَلى أُولَئِكَ مِن ذَلِكَ وأُبِيحَ لَنا لَمْ يَصِرْ شَرِيعَةً لِنَبِيِّنا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ حُكْمَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ، إنَّما كانَ مُوَقَّتًا إلى هَذا الوَقْتِ وأنَّ مُضِيَّ الوَقْتِ أعادَهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن حُكْمِ الإباحَةِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ في هَذا الوَجْهِ وبَيْنَ ما لَمْ يُحْظَرْ قَطُّ.
وأيْضًا فَلَوْ سَلَّمْنا لَكَ ما ادَّعَيْتَ كانَ ما ذَكَرْنا مِن قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ واسْتِعْمالِ القِياسِ فِيما وصَفْنا سائِغًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالِاتِّفاقِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ لاتِّفاقِ الجَمِيعِ مِنَ الفُقَهاءِ عَلى تَحْرِيمِ أشْياءَ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ كالخَمْرِ ولَحْمِ القِرَدَةِ والنَّجاساتِ وغَيْرِها، فَلَمّا ثَبَتَ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفاقِ ساغَ قَبُولُ خَبَرِ الواحِدِ واسْتِعْمالُ القِياسِ فِيهِ.
الأنعام 6:146
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: هو كُلُّ ما لَيْسَ بِمَفْتُوحِ الأصابِعِ كالإبِلِ والنَّعامِ والإوَزِّ والبَطِّ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: { يَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ أنْواعِ السِّباعِ والكِلابِ والسَّنانِيرِ وسائِرُ ما يُصْطادُ بِظُفُرِهِ مِنَ الطَّيْرِ } .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلى لِسانِ بَعْضِ الأنْبِياءِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عِنْدَنا ثابِتٌ بِأنْ يَكُونَ شَرِيعَةً لِنَبِيِّنا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا أنْ يَثْبُتَ نَسْخُهُ، ولَمْ يَثْبُتْ نَسْخُ تَحْرِيمِ الكِلابِ والسِّباعِ ونَحْوِها فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً بِتَحْرِيمِ اللَّهِ بَدِيًّا وكَوْنِهِ شَرِيعَةً لِنَبِيِّنا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَوْلُهُ تَعالى.: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ يَسْتَدِلَّ بِهِ مَن أحْنَثَ الحالِفَ أنْ لا يَأْكُلَ شَحْمًا فَأكَلَ مِن شَحْمِ الطَّيْرِ لاسْتِثْناءِ اللَّهِ ما عَلى ظُهُورِهِما مِن جُمْلَةِ التَّحْرِيمِ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ما عَلى الظَّهْرِ إنَّما يُسَمّى لَحْمًا سَمِينًا في العادَةِ ولا يَتَناوَلُهُ اسْمُ الشَّحْمِ عَلى الإطْلاقِ؛ وتَسْمِيَةُ اللَّهِ إيّاهُ شَحْمًا لا تُوجِبُ دُخُولَهُ في اليَمِينِ؛ إذْ لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ لَهُ مُتَعارَفًا ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ سَمّى السَّمَكَ لَحْمًا والشَّمْسَ سِراجًا ولا يَدْخُلُ في اليَمِينِ ؟ والحَوايا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ (p-١٩٤)أنَّها المَباعِرُ، وقالَ غَيْرُهم: هي بَناتُ اللَّبَنِ، ويُقالُ: إنَّها الأمْعاءُ الَّتِي عَلَيْها الشَّحْمُ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ شَحْمُ الجَنْبِ والألْيَةِ لِأنَّهُما عَلى عَظْمٍ وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ دُخُولَ ( أوْ ) عَلى النَّفْيِ يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ واحِدٍ مِمّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَلى حِيالِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ تَحْرِيمٌ لِلْجَمِيعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] نَهْيٌ عَنْ طاعَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ واَللَّهِ لا أُكَلِّمُ فُلانًا أوْ فُلانًا أنَّهُ أيُّهُما كَلَّمَ حَنِثَ لِأنَّهُ نَفى كَلامَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ.
الأنعام 6:148
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فِيهِ إكْذابٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ومَن كَذَّبَ بِالحَقِّ فَهو كاذِبٌ في تَكْذِيبِهِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ كَذِبِ الكُفّارِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ ولَوْ كانَ اللَّهُ قَدْ شاءَ الشِّرْكَ لَما كانُوا كاذِبِينَ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ وفِيهِ بَيانٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَشاءُ الشِّرْكَ وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ يَعْنِي: تَكْذِبُونَ؛ فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ شاءٍ لِشِرْكِهِمْ وأنَّهُ قَدْ شاءَ مِنهُمُ الإيمانَ اخْتِيارًا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ الإيمانَ مِنهم قَسْرًا لَكانَ عَلَيْهِ قادِرًا، ولَكِنَّهم كانُوا لا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الثَّوابَ والمَدْحَ. وقَدْ دَلَّتِ العُقُولُ عَلى مِثْلِ ما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ في القُرْآنِ أنَّ مُرِيدَ الشِّرْكِ والقَبائِحِ سَفِيهٌ كَما أنَّ الآمِرَ بِهِ سَفِيهٌ وذَلِكَ لِأنَّ الإرادَةَ لِلشِّرْكِ اسْتِدْعاءٌ إلَيْهِ كَما أنَّ الأمْرَ بِهِ اسْتِدْعاءٌ إلَيْهِ، فَكُلُّ ما شاءَ اللَّهُ مِنَ العِبادِ فَقَدْ دَعاهم إلَيْهِ ورَغَّبَهم فِيهِ ولِذَلِكَ كانَ طاعَةً، كَما أنَّ كُلَّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَقَدْ دَعاهم إلَيْهِ ويَكُونُ طاعَةً مِنهم إذا فَعَلُوهُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ العِلْمُ بِالشِّرْكِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ العالِمُ بِهِ مُسْتَدْعِيًا إلَيْهِ ولا أنْ يَكُونَ المَعْلُومُ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ طاعَةً إذا لَمْ يَرُدَّهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما أنْكَرَ اللَّهُ عَلى المُشْرِكِينَ بِاحْتِجاجِهِمْ لِشِرْكِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ شاءَهُ ولَيْسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ، ولَوْ كانَ مُرادُهُ تَكْذِيبَهم في قَوْلِهِمْ لَقالَ: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، بِالتَّخْفِيفِ. قِيلَ لَهُ: لَوْ كانَ اللَّهُ قَدْ شاءَ الكُفْرَ مِنهم لَكانَ احْتِجاجُهم صَحِيحًا ولَكانَ فِعْلُهم طاعَةً لِلَّهِ، فَلَمّا أبْطَلَ اللَّهُ احْتِجاجَهم بِذَلِكَ عُلِمَ أنَّهُ إنَّما كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَشَأْ. وأيْضًا فَقَدْ أكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذا القَوْلِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أخْبَرَ بِتَكْذِيبِهِمْ بِالحَقِّ والمُكَذِّبُ بِالحَقِّ لا يَكُونُ إلّا كاذِبًا.
والثّانِي: قَوْلُهُ: (p-١٩٥)﴿وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ يَعْنِي: تَكْذِبُونَ.
الأنعام 6:150
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ الآيَةُ. يَعْنِي أبْطَلَ لِعَجْزِهِمْ إقامَةَ الدَّلالَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا؛ إذْ لَمْ يُمْكِنْهم إثْباتُ ما ادَّعَوْهُ مِن جِهَةِ عَقْلٍ ولا سَمْعٍ، وما لَمْ يَثْبُتْ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ولَيْسَ بِمَحْسُوسٍ مُشاهَدٍ فَطَرِيقُ العِلْمِ بِهِ مُنْسَدٌّ والحُكْمُ بِبُطْلانِهِ واجِبٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ دُعُوا لِلشَّهادَةِ حَتّى إذا شَهِدُوا لَمْ تُقْبَلْ مِنهم ؟ قِيلَ: لِأنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي يَرْجِعُ مِن قَوْلِهِمْ فِيهِ إلى ثِقَةٍ، وقِيلَ إنَّهم كَلَّفُوا شُهَداءَ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَثْبُتُ بِشَهادَتِهِ صِحَّةٌ. ونَهى عَنِ اتِّباعِ الأهْواءِ المُضِلَّةِ. واعْتِقادُ المَذاهِبِ بِالهَوى يَكُونُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: هَوى مَن سِيقَ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ لِشُبْهَةٍ حَلَّتْ في نَفْسِهِ مَعَ زَواجِرِ عَقْلِهِ عَنْها، ومِنها هَوى تَرْكِ الِاسْتِقْصاءِ لِلْمَشَقَّةِ، ومِنها هَوى ما جَرَتْ بِهِ عادَةٌ لِأُلْفَةٍ لَهُ؛ وكُلُّ ذَلِكَ مُتَمَيِّزٌ مِمّا اسْتَحْسَنَهُ بِعَقْلِهِ.
الأنعام 6:151
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ كانَتِ العَرَبُ تَدْفِنُ أوْلادَها أحْياءً البَناتِ مِنهُنَّ خَوْفَ الإمْلاقِ، وهو الإفْلاسُ؛ ومِنهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ «أعْظَمُ الذُّنُوبِ أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، وأنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ.» وهي المَوْءُودَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩] فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي كانُوا مِن أجْلِهِ يَقْتُلُونَهم، وأخْبَرَ أنَّهُ رازِقُهم ورازِقُ أوْلادِهِمْ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما ظَهَرَ مِنها نِكاحُ حَلائِلِ الأبْناءِ والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وما بَطَنَ الزِّنا
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» . ولَمّا أرادَ أبُو بَكْرٍ قِتالَ مانِعِي الزَّكاةِ قالُوا لَهُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا مِن حَقِّها، لَوْ مَنَعُونِي عِقالًا مِمّا كانُوا يُؤَدُّونَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقاتَلْتُهم عَلَيْهِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ زِنًا بَعْدَ إحْصانٍ وكُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ وقَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» وهَذا عِنْدَنا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ القَتْلَ ويَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ وقَدْ يَجِبُ قَتْلُ غَيْرِ هَؤُلاءِ عَلى وجْهِ الدَّفْعِ، مِثْلُ قَتْلِ الخَوارِجِ ومَن قَصَدَ قَتْلَ رَجُلٍ وأخْذَ مالِهِ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ عَلى جِهَةِ المَنعِ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كَفَّ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ.
الأنعام 6:152
قَوْلُهُ (p-١٩٦)تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ إنَّما خَصَّ اليَتِيمَ بِالذِّكْرِ فِيما أمَرَنا بِهِ مِن ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنِ الِانْتِصارِ لِنَفْسِهِ ومَنعِ غَيْرِهِ عَنْ مالِهِ، ولَمّا كانَتِ الأطْماعُ تَقْوى في أخْذِ مالِهِ أكَّدَ النَّهْيَ عَنْ أخْذِ مالِهِ بِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَهُ وِلايَةٌ عَلى اليَتِيمِ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ مالِ اليَتِيمِ مُضارَبَةً، وأنْ يَعْمَلَ بِهِ هو مُضارَبَةً فَيَسْتَحِقُّ رِبْحَهُ؛ إذْ رَأى ذَلِكَ أحْسَنَ، وأنْ يُبْضِعَ ويَسْتَأْجِرَ مَن يَتَصَرَّفُ ويَتَّجِرُ في مالِهِ، وأنْ يَشْتَرِيَ مالَهُ مِن نَفْسِهِ إذا كانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ، وهو أنْ يَكُونَ ما يُعْطِي اليَتِيمُ أكْثَرَ قِيمَةً مِمّا يَأْخُذُهُ مِنهُ وأجازَ أبُو حَنِيفَةَ شِراهُ مالَ اليَتِيمِ لِنَفْسِهِ إذا كانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وقالَ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ ولَمْ يَشْرِطِ البُلُوغَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ بَعْدَ البُلُوغِ يَجُوزُ أنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِ مالَهُ إذا لَمْ يَكُنْ مَأْنُوسَ الرُّشْدِ ولا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا بَلَغَ أشُدَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَفُوتَ مالَهُ سَواءٌ آنَسَ مِنهُ الرُّشْدَ أوْ لَمْ يُؤْنِسْ رُشْدَهُ بَعْدَ أنْ يَكُونَ عاقِلًا؛ لِأنَّهُ جَعَلَ بُلُوغَ الأشُدِّ نِهايَةً لِإباحَةِ قُرْبِ مالِهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصِيَّ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ اليَتِيمِ فَقِيرًا كانَ أوْ غَنِيًّا ولا يَسْتَقْرِضُ مِنهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأحْسَنَ ولا خَيْرًا لِلْيَتِيمِ. وجَعَلَ أبُو حَنِيفَةَ بُلُوغَ الأشُدِّ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً فَإذا بَلَغَها دُفِعَ إلَيْهِ مالُهُ ما لَمْ يَكُنْ مَعْتُوهًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ اجْتِهادُ الرَّأْيِ وغالِبُ الظَّنِّ، فَكانَ عِنْدَهُ أنَّ هَذِهِ السِّنَّ مَتى بَلَغَها كانَ بالِغًا أشُدَّهُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في بُلُوغِ الأشُدِّ، فَقالَ عامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: { هو بُلُوغُ الحُلُمِ } .
وقالَ السُّدِّيُّ: { هو ثَلاثُونَ سَنَةً } . وقِيلَ: { ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً } . وجَعَلَهُ أبُو حَنِيفَةَ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً عَلى النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرْنا. وقِيلَ: إنَّ الأشُدَّ واحِدُها شَدٌّ وهو قُوَّةُ الشَّبابِ عِنْدَ ارْتِفاعِهِ، وأصْلُهُ مِن شَدِّ النَّهارِ وهو قُوَّةُ الضِّياءِ عِنْدَ ارْتِفاعِهِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎تُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهارِ ظَعِينَةٌ طَوِيلَةُ أنْقاءِ اليَدَيْنِ سَحُوقُ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ فِيهِ أمَرَ بِإيفاءِ الحُقُوقِ عَلى الكَمالِ؛ ولَمّا كانَ الكَيْلُ والوَزْنُ يَتَعَذَّرُ فِيهِما التَّحْدِيدُ بِأقَلِّ القَلِيلِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْنا ذَلِكَ وإنَّما كَلَّفَنا الِاجْتِهادَ في التَّحَرِّي دُونَ حَقِيقَةِ الكَيْلِ والوَزْنِ، وهَذا أصْلٌ في جَوازِ الِاجْتِهادِ في الأحْكامِ وأنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وإنْ كانَتِ الحَقِيقَةُ المَطْلُوبَةُ بِالِاجْتِهادِ واحِدَةً؛ لِأنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ لِلْمِقْدارِ المَطْلُوبِ مِنَ الكَيْلِ حَقِيقَةً مَعْلُومَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى قَدْ أمَرَنا بِتَحَرِّيها والِاجْتِهادِ فِيها ولَمْ يُكَلِّفْنا إصابَتَها؛ إذْ لَمْ يَجْعَلْ لَنا دَلِيلًا عَلَيْها، فَكانَ كُلُّ (p-١٩٧)ما أدّانا إلَيْهِ اجْتِهادُنا مِن ذَلِكَ فَهو الحُكْمُ الَّذِي تَعَبَّدْنا بِهِ. وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قاصِرًا عَنْ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أوْ زائِدًا عَلَيْها، ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَجْعَلْ لَنا سَبِيلًا إلَيْها أسْقَطَ حُكْمَها عَنّا. ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ تِلْكَ الحَقِيقَةَ المَطْلُوبَةَ غَيْرُ مُدْرَكَةٍ يَقِينًا أنَّهُ قَدْ يُكالُ أوْ يُوزَنُ ثُمَّ يُعادُ عَلَيْهِ الكَيْلُ أوِ الوَزْنُ فَيَزِيدُ أوْ يَنْقُصُ لا سِيَّما فِيما كَثُرَ مِقْدارُهُ؛ ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] في هَذا المَوْضِعِ، يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِمّا يَتَحَرّاهُ بِاجْتِهادِهِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ عِيسى بْنُ أبانَ بِأمْرِ الكَيْلِ والوَزْنِ عَلى حُكْمِ المُجْتَهِدِينَ في الأحْكامِ وشَبَّهَهُ بِهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ قَدِ انْتَظَمَ ذَلِكَ تَحَرِّي الصِّدْقِ وعَدْلَ القَوْلِ في الشَّهاداتِ والأخْبارِ والحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ فِيهِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥] وقَدْ بَيَّنّا حُكْمَ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ في مَوْضِعِهِ. وقَدِ انْتَظَمَ قَوْلُهُ: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ مَصالِحَ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّ مَن تَحَرّى صِدْقَ القَوْلِ في العَدْلِ فَهو أنْ يَتَحَرّى العَدْلَ في الفِعْلِ أحْرى، ومَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ حازَ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ نَسْألُ اللَّهَ حُسْنَ التَّوْفِيقِ لِذَلِكَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ عَهْدُ اللَّهِ يَشْتَمِلُ عَلى أوامِرِهِ وزَواجِرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠] وقَدْ يَتَناوَلُ المَنذُورَ وما يُوجِبُهُ العَبْدُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ القُرَبِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١]
الأنعام 6:153
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ الآيَةُ؛ فَإنَّ المُرادَ بِالصِّراطِ الشَّرِيعَةُ الَّتِي تَعَبَّدَ اللَّهُ بِها عِبادَهُ؛ والصِّراطُ هو الطَّرِيقُ، وإنَّما قِيلَ لِلشَّرْعِ الطَّرِيقُ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الثَّوابِ في الجَنَّةِ فَهو طَرِيقٌ إلَيْها وإلى النَّعِيمِ، وأمّا سَبِيلُ الشَّيْطانِ فَطَرِيقٌ إلى النّارِ أعاذَنا اللَّهُ مِنها. وإنَّما جازَ الأمْرُ بِاتِّباعِ الشَّرْعِ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الوُجُوبِ والنَّفَلِ والمُباحِ كَما جازَ الأمْرُ بِاتِّباعِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ وذَلِكَ اتِّباعُهُ إنَّما هو اعْتِقادُ صِحَّتِهِ عَلى تَرْتِيبِهِ مِن قُبْحِ المَحْظُورِ ووُجُوبِ الفَرْضِ والرَّغْبَةِ في النَّفْلِ واسْتِباحَةِ المُباحِ والعَمَلِ بِكُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى حَسَبِ مُقْتَضى الشَّرْعِ لَهُ مِن إيجابٍ أوْ نَفْلٍ أوْ إباحَةٍ.
الأنعام 6:154
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ . قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ إنَّ مَعْناهُ: ثُمَّ قُلْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا؛ لِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقِيلَ مَعْناهُ: وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس: ٤٦] (p-١٩٨)ومَعْناهُ: واَللَّهُ شَهِيدٌ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] ومَعْناهُ: وكانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِلْكَلامِ ويَكُونُ مَعْناهُ: ثُمَّ بَعْدَ ما ذَكَرْتُ لَكم أخْبَرْتُكم أنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ، ونَحْوُهُ مِنَ الكَلامِ.
الأنعام 6:155
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا﴾ هو أمْرٌ بِاتِّباعِ الكِتابِ عَلى حَسَبِ ما تَضْمَنَّهُ مِن فَرْضٍ أوْ نَفْلٍ أوْ إباحَةٍ واعْتِقادِ كُلٍّ مِنهُ عَلى مُقْتَضاهُ.
والبَرَكَةُ ثُبُوتُ الخَيْرِ ونُمُوُّهُ، وتَبارَكَ اللَّهُ صِفَةُ ثَباتٍ لا أوَّلَ لَهُ ولا آخِرَ، هَذا تَعْظِيمٌ لا يَسْتَحِقُّهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
الأنعام 6:156
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: { أرادَ بِهِما اليَهُودَ والنَّصارى }، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى وأنَّ المَجُوسَ لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا أهْلَ كِتابٍ لَكانُوا ثَلاثَ طَوائِفَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم طائِفَتانِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما حَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنِ المُشْرِكِينَ، قِيلَ لَهُ: هَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلَيْكم لِئَلّا تَقُولُوا ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ فَقَطَعَ اللَّهُ عُذْرَهم بِإنْزالِ القُرْآنِ وأبْطَلَ أنْ يَحْتَجُّوا بِأنَّ الكِتابَ إنَّما أُنْزِلَ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْنا.
الأنعام 6:158
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ بِالعَذابِ، ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وحُذِفَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ومَعْناهُ أوْلِياءُ اللَّهِ وقِيلَ: أوْ يَأْتِي رَبُّكَ بِجَلائِلِ آياتِهِ وقِيلَ: تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ: أمْرُ رَبِّكَ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.
الأنعام 6:159
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا﴾ . قالَ مُجاهِدٌ هُمُ اليَهُودُ لِأنَّهم كانُوا يُمالِئُونَ عَبَدَةَ الأوْثانِ عَلى المُسْلِمِينَ وقالَ قَتادَةُ: اليَهُودُ والنَّصارى لِأنَّ بَعْضَ النَّصارى يُكَفِّرُ بَعْضًا وكَذَلِكَ اليَهُودُ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: { أهْلُ الضَّلالِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، فَهو تَحْذِيرٌ مِن تَفَرُّقِ الكَلِمَةِ ودُعاءٌ إلى الِاجْتِماعِ والأُلْفَةِ عَلى الدِّينِ وقالَ الحَسَنُ هم جَمِيعُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم كُلَّهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ } .
وأمّا دِينُهم فَقَدْ قِيلَ: الَّذِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ وجَعَلَهُ دِينًا لَهم، وقِيلَ: الدِّينُ الَّذِي هم عَلَيْهِ لِإكْفارِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِجَهالَةٍ فِيهِ. والشِّيَعُ الفِرَقُ الَّذِينَ يُمالِئُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى أمْرٍ واحِدٍ مَعَ اخْتِلافِهِمْ في غَيْرِهِ. وقِيلَ: أصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ: شاعَ الخَبَرُ، إذا ظَهَرَ، وقِيلَ: أصْلُهُ الِاتِّباعُ، مِن قَوْلِكَ: شايَعَهُ عَلى المُرادِ، إذا اتَّبَعَهُ. وقَوْلُهُ: (p-١٩٩)﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ المُباعَدَةُ التّامَّةُ مِن أنْ يَجْتَمِعَ مَعَهم في مَعْنًى مِن مَذاهِبِهِمُ الفاسِدَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ؛ لِأنَّهم يَجْتَمِعُونَ في مَعْنًى مِنَ الباطِلِ وإنِ افْتَرَقُوا في غَيْرِهِ فَلَيْسَ مِنهم في شَيْءٍ لِأنَّهُ بَرِيءٌ مِن جَمِيعِهِ
الأنعام 6:160
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ الحَسَنَةُ اسْمٌ لِلْأعْلى في الحُسْنِ؛ لِأنَّ { الهاءَ } دَخَلَتْ لِلْمُبالَغَةِ فَتَدْخُلُ فِيها الفُرُوضُ والنَّوافِلُ، ولا يَدْخُلُ المُباحُ وإنْ كانَ حَسَنًا؛ لِأنَّ المُباحَ لا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ حَمْدٌ ولا ثَوابٌ، ولِذَلِكَ رَغَّبَ اللَّهُ في الحَسَنَةِ وكانَتْ طاعَةً، وكَذَلِكَ الإحْسانُ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الحَمْدُ. فَأمّا الحَسَنُ فَإنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ المُباحُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُباحٍ حَسَنٌ، ولَكِنَّهُ لا ثَوابَ فِيهِ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهاءُ صارَتِ اسْمًا لا عَلى الحُسْنِ وهي الطّاعاتُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ مَعْناهُ: في النَّعِيمِ واللَّذَّةِ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ أمْثالَها في عِظَمِ المَنزِلَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَنزِلَةَ التَّعْظِيمِ لا يَجُوزُ أنْ يَبْلُغَها إلّا بِالطّاعَةِ، وهَذِهِ المُضاعَفَةُ إنَّما هي بِفَضْلِ اللَّهِ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ عَلَيْها كَما قالَ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠] وغَيْرُ جائِزٍ أنْ تُساوَيْ مَنزِلَةُ التَّفْضِيلِ مَنزِلَةَ الثَّوابِ في التَّعْظِيمِ؛ لِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَبْتَدِئَهم بِها في الجَنَّةِ مِن غَيْرِ عَمَلٍ، ولَجازَ أنْ يُساوِيَ بَيْنَ المُنْعِمِ بِأعْظَمِ النِّعَمِ وبَيْنَ مَن لَمْ يُنْعِمْ.
الأنعام 6:161
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ قَوْلُهُ: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ يَعْنِي مُسْتَقِيمًا؛ ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ، والحَنِيفُ المُخْلِصُ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، يُرْوى ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وقِيلَ: أصْلُهُ المَيْلُ، مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ أحْنَفُ إذا كانَ مائِلَ القَدَمِ بِإقْبالِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما عَلى الأُخْرى خِلْقَةً لا مِن عارِضٍ، فَسُمِّيَ المائِلُ إلى الإسْلامِ حَنِيفًا؛ لِأنَّهُ لا رُجُوعَ مَعَهُ. وقِيلَ: أصْلُهُ الِاسْتِقامَةُ، وإنَّما جاءَ أحْنَفُ لِلْمائِلِ القَدَمِ عَلى التَّفاؤُلِ كَما قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما لَمْ يُنْسَخْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ صارَتْ شَرِيعَةً لِنَبِيِّنا ﷺ لِإخْبارِهِ بِأنَّ دِينَهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ.
الأنعام 6:162
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: نُسُكِي: دِينِي في الحَجِّ والعُمْرَةِ وقالَ الحَسَنُ: نُسُكِي: دِينِي. وقالَ غَيْرُهم: { عِبادَتِي } . إلّا أنَّ الأغْلَبَ عَلَيْهِ هو الذَّبْحُ الَّذِي يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهم: فُلانٌ ناسِكٌ، مَعْناهُ عابِدٌ لِلَّهِ. وقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رافِعٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ قالَ: وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَواتِ والأرْضِ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ، قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ إلى قَوْلِهِ: مِنَ المُسْلِمِينَ» .
ورَوى أبُو سَعِيدٍ (p-٢٠٠)الخُدْرِيِّ وعائِشَةُ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ والأوَّلُ كانَ يَقُولُهُ عِنْدَنا قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]» فَلَمّا نَزَلَ ذَلِكَ وأُمِرَ بِالتَّسْبِيحِ عِنْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ تَرَكَ الأوَّلَ؛ وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ. وقالَ أبُو يُوسُفَ: { يَجْمَعُ بَيْنَهُما لِأنَّهُما قَدْ رُوِيَ جَمِيعًا } . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ صَلاتِي﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِها صَلاةَ العَبْدِ ونُسُكِي الأُضْحِيَّةَ؛ لِأنَّها تُسَمّى نُسُكًا، وكَذَلِكَ كُلُّ ذَبِيحَةٍ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى فَهي نُسُكٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «النُّسُكُ شاةٌ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في يَوْمِ النَّحْرِ: إنَّ أوَّلَ نُسُكِنا في يَوْمِنا هَذا الصَّلاةُ ثُمَّ الذَّبْحُ» فَسَمّى الصَّلاةَ والذَّبْحَ جَمِيعًا نُسُكًا، ولَمّا قَرَنَ النُّسُكَ إلى الصَّلاةِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ صَلاةُ العِيدِ والأُضْحِيَّةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الأُضْحِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: { أوَّلُ المُسْلِمِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ } .
الأنعام 6:163
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: نُسُكِي: دِينِي في الحَجِّ والعُمْرَةِ وقالَ الحَسَنُ: نُسُكِي: دِينِي. وقالَ غَيْرُهم: { عِبادَتِي } . إلّا أنَّ الأغْلَبَ عَلَيْهِ هو الذَّبْحُ الَّذِي يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهم: فُلانٌ ناسِكٌ، مَعْناهُ عابِدٌ لِلَّهِ. وقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رافِعٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ قالَ: وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَواتِ والأرْضِ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ، قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ إلى قَوْلِهِ: مِنَ المُسْلِمِينَ» .
ورَوى أبُو سَعِيدٍ (p-٢٠٠)الخُدْرِيِّ وعائِشَةُ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ والأوَّلُ كانَ يَقُولُهُ عِنْدَنا قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]» فَلَمّا نَزَلَ ذَلِكَ وأُمِرَ بِالتَّسْبِيحِ عِنْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ تَرَكَ الأوَّلَ؛ وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ. وقالَ أبُو يُوسُفَ: { يَجْمَعُ بَيْنَهُما لِأنَّهُما قَدْ رُوِيَ جَمِيعًا } . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ صَلاتِي﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِها صَلاةَ العَبْدِ ونُسُكِي الأُضْحِيَّةَ؛ لِأنَّها تُسَمّى نُسُكًا، وكَذَلِكَ كُلُّ ذَبِيحَةٍ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى فَهي نُسُكٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «النُّسُكُ شاةٌ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في يَوْمِ النَّحْرِ: إنَّ أوَّلَ نُسُكِنا في يَوْمِنا هَذا الصَّلاةُ ثُمَّ الذَّبْحُ» فَسَمّى الصَّلاةَ والذَّبْحَ جَمِيعًا نُسُكًا، ولَمّا قَرَنَ النُّسُكَ إلى الصَّلاةِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ صَلاةُ العِيدِ والأُضْحِيَّةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الأُضْحِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: { أوَّلُ المُسْلِمِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ } .
الأنعام 6:164
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ يُحْتَجُّ بِهِ في امْتِناعِ جَوازِ تَصَرُّفِ أحَدٍ عَلى غَيْرِهِ إلّا ما قامَتْ دَلالَتُهُ، لِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى أنَّ أحْكامَ أفْعالِ كُلِّ نَفْسٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِها دُونَ غَيْرِها؛ فَيُحْتَجُّ بِعُمُومِهِ في امْتِناعِ جَوازِ تَزْوِيجِ البِكْرِ الكَبِيرَةِ بِغَيْرِ إذْنِها وفي بُطْلانِ الحَجْرِ عَلى امْتِناعِ جَوازِ بَيْعِ أمْلاكِهِ عَلَيْهِ وفي جَوازِ تَصَرُّفِ البالِغِ العاقِلِ عَلى نَفْسِهِ وإنْ كانَ سَفِيهًا، لِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى بِاكْتِسابِ كُلِّ نَفْسٍ عَلى نَفْسِهِ وفي نَظائِرِ ذَلِكَ مِنَ المَسائِلِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُؤاخِذُ أحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ وأنَّهُ لا يُعَذِّبُ الأبْناءَ بِذَنْبِ الآباءِ. وقَدِ احْتَجَّتْ عائِشَةُ في رَدِّ قَوْلِ مَن تَأوَّلَ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ فَقالَتْ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وإنَّما مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ يُبْكى عَلَيْهِ فَقالَ: إنَّهُ لَيُعَذَّبُ وهم يَبْكُونَ عَلَيْهِ» وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. وقِيلَ: إنَّ أصْلَهُ الوِزْرُ والمَلْجَأُ، مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ولَكِنَّهُ جَرى في الأغْلَبِ عَلى الإثْمِ وشُبِّهَ بِمَنِ التَجَأ إلى غَيْرِ مَلْجَأٍ، ويُقالُ { وزَرَ يَزِرُ ووَزِرَ يَوْزَرُ ووُزِرَ يُوزَرُ فَهو مَوْزُورٌ }، وكُلُّهُ بِمَعْنى الإثْمِ؛ والوَزِيرُ بِمَعْنى المَلْجَأِ؛ لِأنَّ المَلِكَ يَلْجَأُ إلَيْهِ في الأُمُورِ. واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
الأعراف 7:2
(p-٢٠١)سُورَةُ اَلْأعْرافِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ النَّهْيِ ومَعْناهُ نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْحَرَجِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في الحَرَجِ أنَّهُ الضِّيقُ، وذَلِكَ أصْلُهُ، ومَعْناهُ: فَلا يَضِقْ صَدْرُكَ خَوْفًا أنْ لا تَقُومَ بِحَقِّهِ، فَإنَّما عَلَيْكَ الإنْذارُ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: { الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، يَعْنِي لا تَشُكَّ في لُزُومِ الإنْذارِ بِهِ } . وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَضِيقْ صَدْرُكَ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]
الأعراف 7:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ هو أنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ مَقْصُورًا عَلى مُرادِ أمْرِهِ؛ وهو نَظِيرُ الِائْتِمامِ، وهو أنْ يَأْتَمَّ بِهِ في اتِّباعِ مُرادِهِ وفي فِعْلِهِ غَيْرُ خارِجٍ عَنْ تَدْبِيرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَكُونُ فاعِلُ المُباحِ مُتَّبِعًا لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ يَكُونُ مُتَّبِعًا إذا قَصَدَ بِهِ اتِّباعَ أمْرِهِ في اعْتِقادِ إباحَتِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ وُقُوعُ الفِعْلِ مُرادًا مِنهُ، وأمّا فاعِلُ الواجِبِ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ الِاتِّباعُ في وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: اعْتِقادُ وُجُوبِهِ، والثّانِي: إيقاعُ فِعْلِهِ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ، فَلَمّا ضارَعَ المُباحَ الواجِبَ في الِاعْتِقادِ؛ إذْ كانَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وُجُوبُ الِاعْتِقادِ بِحُكْمِ الشَّيْءِ عَلى تَرْتِيبِهِ ونِظامِهِ في إباحَةٍ أوْ إيجابٍ جازَ أنْ يَشْتَمِلَ قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ عَلى المُباحِ والواجِبِ وقَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ القُرْآنِ في كُلِّ حالٍ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ الِاعْتِراضُ عَلى حُكْمِهِ بِأخْبارِ الآحادِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِاتِّباعِهِ قَدْ ثَبَتَ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ، وقَبُولُ خَبَرِ الواحِدِ غَيْرُ ثابِتٍ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ، فَغَيْرُ جائِزٍ تَرْكُهُ؛ لِأنَّ لُزُومَ اتِّباعِ القُرْآنِ قَدْ ثَبَتَ مِن طَرِيقٍ يُوجِبُ العِلْمَ وخَبَرُ الواحِدِ يُوجِبُ العَمَلَ فَلا يَجُوزُ تَرْكُهُ ولا الِاعْتِراضَ بِهِ عَلَيْهِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا في أنَّ قَوْلَ مَن خالَفَ القُرْآنَ في أخْبارِ الآحادِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما جاءَكم مِنِّي فاعْرِضُوهُ عَلى كِتابِ اللَّهِ، فَما وافَقَ كِتابَ اللَّهِ فَهو عَنِّي وما خالَفَ كِتابَ اللَّهِ فَلَيْسَ عَنِّي» .
فَهَذا عِنْدَنا فِيما كانَ وُرُودُهُ مِن طَرِيقِ الآحادِ، فَأمّا ما ثَبَتَ مِن طَرِيقِ التَّواتُرِ فَجائِزٌ تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِهِ وكَذَلِكَ نَسَخَهُ قَوْلُهُ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فَما تَيَقَّنّا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَهُ فَإنَّهُ في إيجابِ الحُكْمِ بِمَنزِلَةِ القُرْآنِ، فَجائِزٌ تَخْصِيصُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وكَذَلِكَ نَسْخُهُ.
الأعراف 7:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ . (p-٢٠٢)رُوِيَ عَنْ الحَسَنِ: ﴿خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ وإنَّما قالَ ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ وتَصْوِيرِهِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣] أيْ مِيثاقَ آبائِكم ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] والمُخاطَبُونَ بِذَلِكَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقْتُلُوا الأنْبِياءَ وقِيلَ: " ثُمَّ " راجِعٌ إلى صِلَةِ المُخاطَبَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ إنّا نُخْبِرُكم أنّا قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ.
وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ: " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] ومَعْناهُ: واَللَّهُ شَهِيدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ بِنَفْسِ وُرُودِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى قَرِينَةٍ في إيجابِهِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ الذَّمَّ بِتَرْكِهِ الأمْرَ المُطْلَقَ. وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا تَسْجُدَ﴾ إنَّ " لا " هاهُنا صِلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.
وقِيلَ إنَّ مَعْناهُ: ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ وما أحْوَجَكَ ؟ وقِيلَ في السُّجُودِ لِآدَمَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: التَّكْرُمَةُ لِأنَّ اللَّهَ قَدِ امْتَنَّ بِهِ عَلى عِبادِهِ وذَكَّرَهُ بِالنِّعْمَةِ فِيهِ، والثّانِي: أنَّهُ كانَ قِبْلَةً لَهم كالكَعْبَةِ.
الأعراف 7:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ . (p-٢٠٢)رُوِيَ عَنْ الحَسَنِ: ﴿خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ وإنَّما قالَ ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ وتَصْوِيرِهِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣] أيْ مِيثاقَ آبائِكم ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] والمُخاطَبُونَ بِذَلِكَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقْتُلُوا الأنْبِياءَ وقِيلَ: " ثُمَّ " راجِعٌ إلى صِلَةِ المُخاطَبَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ إنّا نُخْبِرُكم أنّا قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ.
وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ: " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] ومَعْناهُ: واَللَّهُ شَهِيدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ بِنَفْسِ وُرُودِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى قَرِينَةٍ في إيجابِهِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ الذَّمَّ بِتَرْكِهِ الأمْرَ المُطْلَقَ. وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا تَسْجُدَ﴾ إنَّ " لا " هاهُنا صِلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.
وقِيلَ إنَّ مَعْناهُ: ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ وما أحْوَجَكَ ؟ وقِيلَ في السُّجُودِ لِآدَمَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: التَّكْرُمَةُ لِأنَّ اللَّهَ قَدِ امْتَنَّ بِهِ عَلى عِبادِهِ وذَكَّرَهُ بِالنِّعْمَةِ فِيهِ، والثّانِي: أنَّهُ كانَ قِبْلَةً لَهم كالكَعْبَةِ.
الأعراف 7:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ قِيلَ فِيهِ: خَيَّبَتْنِي، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما
يَعْنِي: مِن يُحِبُّ. وحَكى لَنا أبُو عُمَرَ غُلامُ ثَعْلَبٍ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: يُقالُ غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو في نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] أيْ فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ؛ قالَ: ويُقالُ غَوى الفَصِيلُ إذا لَمْ يَرْوَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ. وقِيلَ في ﴿أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ حَكَمْتُ بِغَوايَتِي، كَقَوْلِكَ أضْلَلْتَنِي أيْ حَكَمْتُ بِضَلالَتِي. وقِيلَ: ﴿أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ أهْلَكْتَنِي. فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مُحْتَمَلَةٌ في إبْلِيسَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] ويَحْتَمِلُ فَسادَ أمْرِهِ في الجَنَّةِ، وهو يَرْجِعُ إلى مَعْنى الخَيْبَةِ، ولا يَحْتَمِلُ الهَلاكَ ولا الحُكْمَ بِالغَوايَةِ الَّتِي هي ضَلالٌ؛ لِأنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ وقَتادَةَ والحَكَمِ والسُّدِّيِّ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ دُنْياهم وآخِرَتِهِمْ، مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وسَيِّئاتِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وقِيلَ: { مِن كُلِّ جِهَةٍ يُمْكِنُ الِاحْتِيالُ عَلَيْهِمْ } . ولَمْ يَقُلْ مِن فَوْقِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ، ولَمْ يَقُلْ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ لِأنَّ الإتْيانَ مِنهُ مُمْتَنِعٌ إذا أُرِيدَ بِهِ (p-٢٠٣)الحَقِيقَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩] قَرَنَ قُرْبَهُما الشَّجَرَةَ، إلّا أنَّهُ مَعْلُومٌ شَرْطُ الذِّكْرِ فِيهِ وتَعَمُّدُ الأكْلِ مَعَ العِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِالنِّسْيانِ والخَطَإ فِيما لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قاطِعٌ. ولَمْ يَكُنْ أكْلُهُما لِلشَّجَرَةِ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً بَلْ كانَتْ صَغِيرَةً مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما نَسِيا الوَعِيدَ وظَنّا أنَّهُ نَهْيُ اسْتِحْبابٍ لا إيجابٍ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]
والثّانِي: أنَّهُ أُشِيرَ لَهُما إلى شَجَرَةٍ بِعَيْنِها وظَنّا المُرادَ العَيْنَ وكانَ المُرادُ الجِنْسُ، كَقَوْلِهِ ﷺ حِينَ «أخَذَ ذَهَبًا وحَرِيرًا فَقالَ: هَذانِ مُهْلِكا أُمَّتِي» وإنَّما أرادَ الجِنْسَ لا العَيْنَ دُونَ غَيْرِها.
الأعراف 7:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ قِيلَ فِيهِ: خَيَّبَتْنِي، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما
يَعْنِي: مِن يُحِبُّ. وحَكى لَنا أبُو عُمَرَ غُلامُ ثَعْلَبٍ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: يُقالُ غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو في نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] أيْ فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ؛ قالَ: ويُقالُ غَوى الفَصِيلُ إذا لَمْ يَرْوَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ. وقِيلَ في ﴿أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ حَكَمْتُ بِغَوايَتِي، كَقَوْلِكَ أضْلَلْتَنِي أيْ حَكَمْتُ بِضَلالَتِي. وقِيلَ: ﴿أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ أهْلَكْتَنِي. فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مُحْتَمَلَةٌ في إبْلِيسَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] ويَحْتَمِلُ فَسادَ أمْرِهِ في الجَنَّةِ، وهو يَرْجِعُ إلى مَعْنى الخَيْبَةِ، ولا يَحْتَمِلُ الهَلاكَ ولا الحُكْمَ بِالغَوايَةِ الَّتِي هي ضَلالٌ؛ لِأنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ وقَتادَةَ والحَكَمِ والسُّدِّيِّ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مِن قِبَلِ دُنْياهم وآخِرَتِهِمْ، مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وسَيِّئاتِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وقِيلَ: { مِن كُلِّ جِهَةٍ يُمْكِنُ الِاحْتِيالُ عَلَيْهِمْ } . ولَمْ يَقُلْ مِن فَوْقِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ، ولَمْ يَقُلْ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ لِأنَّ الإتْيانَ مِنهُ مُمْتَنِعٌ إذا أُرِيدَ بِهِ (p-٢٠٣)الحَقِيقَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩] قَرَنَ قُرْبَهُما الشَّجَرَةَ، إلّا أنَّهُ مَعْلُومٌ شَرْطُ الذِّكْرِ فِيهِ وتَعَمُّدُ الأكْلِ مَعَ العِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِالنِّسْيانِ والخَطَإ فِيما لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قاطِعٌ. ولَمْ يَكُنْ أكْلُهُما لِلشَّجَرَةِ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً بَلْ كانَتْ صَغِيرَةً مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما نَسِيا الوَعِيدَ وظَنّا أنَّهُ نَهْيُ اسْتِحْبابٍ لا إيجابٍ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]
والثّانِي: أنَّهُ أُشِيرَ لَهُما إلى شَجَرَةٍ بِعَيْنِها وظَنّا المُرادَ العَيْنَ وكانَ المُرادُ الجِنْسُ، كَقَوْلِهِ ﷺ حِينَ «أخَذَ ذَهَبًا وحَرِيرًا فَقالَ: هَذانِ مُهْلِكا أُمَّتِي» وإنَّما أرادَ الجِنْسَ لا العَيْنَ دُونَ غَيْرِها.
الأعراف 7:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى﴾ هَذا خِطابٌ عامٌّ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ مِنَ الآدَمِيِّينَ كَما كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] خِطابًا لِمَن كانَ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ ومَن جاءَ بَعْدَهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ مِن أهْلِ سائِرِ الأعْصارِ، إلّا أنَّهُ لِمَن كانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ عَلى شَرْطِ الوُجُودِ وبُلُوغِ كَمالِ العَقْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] يَدُلُّ عَلى فَرْضِ سِتْرِ العَوْرَةِ، لِإخْبارِهِ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْنا لِباسًا لِنُوارِيَ سَوْآتِنا بِهِ. وإنَّما قالَ: ﴿أنْزَلْنا﴾ لِأنَّ اللِّباسَ إنَّما يَكُونُ مِن نَباتِ الأرْضِ أوْ مِن جُلُودِ الحَيَوانِ وأصْوافِها، وقِوامُ جَمِيعِها بِالمَطَرِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ. وقِيلَ إنَّهُ وصَفَهُ بِالإنْزالِ لِأنَّ البَرَكاتِ تُنْسَبُ إلى أنَّها تَأْتِي مِنَ السَّماءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿ورِيشًا﴾ قِيلَ إنَّهُ الأثاثُ مِن مَتاعِ البَيْتِ نَحْوُ الفُرُشِ والدِّثارِ. وقِيلَ: الرِّيشُ ما فِيهِ الجَمالُ، ومِنهُ رِيشُ الطّائِرِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ قِيلَ فِيهِ إنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وسَمّاهُ لِباسًا لِأنَّهُ يَقِي العِقابَ كَما يَقِي اللِّباسُ مِنَ الثِّيابِ الحَرَّ والبَرْدَ. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: هو الإيمانُ. وقالَ الحَسَنُ: هو الحَياءُ الَّذِي يُكْسِبُهُمُ التَّقْوى.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: { هو لِباسُ الصُّوفِ والخَشِنِ مِنَ الثِّيابِ الَّتِي تُلْبَسُ لِلتَّواضُعِ والنُّسُكِ في العِبادَةِ } . وقَدِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى مَعْنى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِن لُزُومِ فَرْضِ سَتْرِ العَوْرَةِ، ووَرَدَتْ بِهِ الآثارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنها حَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَتُنا ما نَأْتِي مِنها وما نَذَرُ ؟ قالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلّا مِن زَوْجَتِكَ أوْ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَإذا كانَ أحَدُنا خالِيًا ؟ قالَ: فَإنَّ اللَّهَ أحَقُّ أنْ يُسْتَحْيا مِنهُ» .
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: «لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلى عَوْرَةِ الرَّجُلِ ولا المَرْأةُ إلى عَوْرَةِ المَرْأةِ». وقَدْ رُوِيَ (p-٢٠٤)عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَلْعُونٌ مَن نَظَرَ إلى سَوْأةِ أخِيهِ» قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] يَعْنِي عَنِ العَوْراتِ؛ إذْ لا خِلافَ في جَوازِ النَّظَرِ إلى غَيْرِ العَوْرَةِ.
الأعراف 7:27
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ قِيلَ في الفِتْنَةِ إنَّها المِحْنَةُ بِالدُّعاءِ إلى المَعْصِيَةِ مِن جِهَةِ الشَّهْوَةِ أوِ الشُّبْهَةِ، والخِطابُ تَوَجَّهَ إلى الإنْسانِ بِالنَّهْيِ عَنْ فِتْنَةِ الشَّيْطانِ وإنَّما مَعْناهُ التَّحْذِيرُ مِن فِتْنَةِ الشَّيْطانِ وإلْزامِ التَّحَرُّزِ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ فَأضافَ إخْراجَهُما مِنَ الجَنَّةِ إلى الشَّيْطانِ فَإنَّهُ أغْواهُما حَتّى فَعَلا ما اسْتَحَقّا بِهِ الإخْراجَ مِنها، كَقَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] وإنَّما أمَرَ بِهِ ولَمْ يَتَوَلَّهُ بِنَفْسِهِ. وعَلى هَذا المَعْنى أضافَ نَزْعَ لِباسِهِما إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ وهَذا يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَن حَلَفَ لا يَخِيطُ قَمِيصَهُ أوْ لا يَضْرِبُ عَبْدَهُ وهو مِمَّنْ لا يَتَوَلّى الضَّرْبَ بِنَفْسِهِ أنَّهُ إنْ أمَرَ بِهِ غَيْرَهُ فَفَعَلَهُ حَنِثَ، وكَذَلِكَ إذا حَلَفَ لا يَبْنِي دارَهُ فَأمَرَ غَيْرَهُ فَبَناها. وقِيلَ في اللِّباسِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِما إنَّهُ كانَ ثِيابًا مِن ثِيابِ الجَنَّةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ لِباسَهُما الظُّفُرُ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ لِباسُهُما نُورًا.
الأعراف 7:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: تَوَجَّهُوا إلى قِبْلَةِ كُلِّ مَسْجِدٍ في الصَّلاةِ عَلى اسْتِقامَةٍ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: تَوَجَّهُوا بِالإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى لا لِوَثَنٍ ولا غَيْرِهِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ حَوى ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: التَّوَجُّهُ إلى القِبْلَةِ المَأْمُورِ بِها عَلى اسْتِقامَةٍ غَيْرَ عادِلٍ عَنْها، والثّانِي: فِعْلُ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ فِعْلِ المَكْتُوباتِ في جَماعَةٍ لِأنَّ المَساجِدَ مَبْنِيَّةٌ لِلْجَماعاتِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أخْبارٌ في وعِيدِ تارِكِ الصَّلاةِ في جَماعَةٍ وأخْبارٌ أُخَرُ في التَّرْغِيبِ فِيها، فَمِمّا رُوِيَ ما يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ تَرْكِها قَوْلُهُ ﷺ: «مَن سَمِعَ النِّداءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلا صَلاةَ لَهُ»، «وقَوْلُهُ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ حِينَ قالَ لَهُ إنَّ مَنزِلِي شاسِعٌ فَقالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّداءَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَقالَ: لا أجِدُ لَكَ عُذْرًا». وقَوْلُهُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنّاسِ ثُمَّ آمُرُ بِحَطَبٍ فَيُحْرَقَ عَلى المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجَماعَةِ بُيُوتَهم» في أخْبارٍ نَحْوِها.
ومِمّا رُوِيَ مِنَ التَّرْغِيبِ أنَّ صَلاةَ الجَماعَةِ تَفْضُلُ عَلى صَلاةِ الفَذِّ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً، وأنَّ المَلائِكَةَ لَيُصَلُّونَ عَلى الَّذِينَ يُصَلُّونَ في الصَّفِّ المُقَدَّمِ، وقَوْلُهُ: «بَشِّرِ المَشّائِينَ في ظَلامِ اللَّيْلِ إلى المَساجِدِ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وكانَ شَيْخُنا أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ يَقُولُ: هو عِنْدِي فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ كَغَسْلِ المَوْتى ودَفْنِهِمْ والصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، مَتى (p-٢٠٥)قامَ بِها بَعْضُهم سَقَطَ عَنِ الباقِينَ.
الأعراف 7:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَرْضِ سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: { هي فَرْضٌ في الصَّلاةِ إنْ تَرَكَهُ مَعَ الإمْكانِ فَسَدَتْ صَلاتُهُ }، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: " الصَّلاةُ مُجْزِيَةٌ مَعَ كَشْفِ العَوْرَةِ ويُوجِبانِ الإعادَةَ في الوَقْتِ والإعادَةُ في الوَقْتِ عِنْدَهُما اسْتِحْبابٌ. ودَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى فَرْضِ سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فَعَلَّقَ الأمْرَ بِالمَسْجِدِ، عَلِمْنا أنَّ المُرادَ السَّتْرُ لِلصَّلاةِ لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ المَسْجِدِ فائِدَةٌ، فَصارَ تَقْدِيرُها: خُذُوا زِينَتَكم في الصَّلاةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ سَتْرَها عَنِ النّاسِ لَما خَصَّ المَسْجِدَ بِالذِّكْرِ؛ إذْ كانَ النّاسُ في الأسْواقِ أكْثَرَ مِنهم في المَساجِدِ، فَأفادَ بِذِكْرِ المَسْجِدِ وُجُوبَهُ في الصَّلاةِ إذْ كانَتِ المَساجِدُ مَخْصُوصَةً بِالصَّلاةِ. وأيْضًا لَمّا أوْجَبَهُ في المَسْجِدِ وجَبَ بِظاهِرِ الآيَةِ فَرْضُ السَّتْرِ في الصَّلاةِ إذا فَعَلَها في المَسْجِدِ، وإذا وجَبَ في الصَّلاةِ المَفْعُولَةِ في المَسْجِدِ وجَبَ في غَيْرِها مِنَ الصَّلَواتِ حَيْثُ فُعِلَتْ؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما.
وأيْضًا فَإنَّ المَسْجِدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ السُّجُودِ نَفْسِهِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] والمُرادُ السُّجُودُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اقْتَضَتِ الآيَةُ لُزُومَ السَّتْرِ عِنْدَ السُّجُودِ، وإذا لَزِمَ ذَلِكَ في السُّجُودِ لَزِمَ في سائِرِ أفْعالِ الصَّلاةِ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ أحَدٌ بَيْنَهُما؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ ومُجاهِدٍ وطاوُسٍ والزُّهْرِيِّ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقِيلَ إنَّهم إنَّما كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً؛ لِأنَّ الثِّيابَ قَدْ دَنَّسَتْها المَعاصِي في زَعْمِهِمْ فَيَتَجَرَّدُونَ مِنها. وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تَفاؤُلًا بِالتَّعَرِّي مِنَ الذُّنُوبِ. وقالَ بَعْضُ مَن يَحْتَجُّ لِمالِكِ ابْنِ أنَسٍ: إنَّ هَؤُلاءِ السَّلَفَ لَمّا ذَكَرُوا سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ وهو طَوافُ العُرْيانِ وجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُها مَقْصُورًا عَلَيْهِ.
ولَيْسَ هَذا عِنْدَنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ عِنْدَنا عَلى سَبَبٍ لا يُوجِبُ الِاقْتِصارَ بِحُكْمِها عَلَيْهِ لِأنَّ الحُكْمَ عِنْدَنا لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِلسَّبَبِ. وعَلى أنَّهُ لَوْ كانَ كَما ذُكِرَ لا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَهُ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ إذا وجَبَ السَّتْرُ في الطَّوافِ فَهو في الصَّلاةِ أوَجَبُ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ أحَدٌ بَيْنَهُما.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَيَنْبَغِي أنْ لا يَمْنَعَ تَرْكُ السَّتْرِ صِحَّةَ الصَّلاةِ كَما لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الطَّوافِ الَّذِي فِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ وإنْ وقَعَ ناقِصًا. قِيلَ لَهُ: ظاهِرُهُ يَقْتَضِي بُطْلانَ (p-٢٠٦)الجَمِيعِ عِنْدَ عَدَمِ السَّتْرِ، ولَكِنَّ الدَّلالَةَ قَدْ قامَتْ عَلى جَوازِ الطَّوافِ مَعَ النَّهْيِ كَما يَجُوزُ الإحْرامُ مَعَ السَّتْرِ وإنْ كانَ مَنهِيًّا عَنْهُ، ولَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ الصَّلاةِ عُرْيانًا؛ ولِأنَّ تَرْكَ بَعْضِ فُرُوضِ الصَّلاةِ يُفْسِدُها مِثْلُ الطَّهارَةِ واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، وتَرْكُ بَعْضِ فُرُوضِ الإحْرامِ لا يُفْسِدُهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَرَكَ الإحْرامَ في الوَقْتِ ثُمَّ أحْرَمَ صَحَّ إحْرامُهُ، وكَذَلِكَ لَوْ أحْرَمَ وهو مُجامِعٌ لِامْرَأتِهِ وقَعَ إحْرامُهُ، فَصارَ الإحْرامُ آكِدًا في بَقائِهِ مِنَ الصَّلاةِ والطَّوافِ مِن مُوجِباتِ الإحْرامِ فَوَجَبَ أنْ لا يُفْسِدَهُ تَرْكُ السَّتْرِ ولا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ الآيَةِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى الطَّوافِ وأنَّ المُرادَ بِها الصَّلاةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ والطَّوافُ مَخْصُوصٌ بِمَسْجِدٍ واحِدٍ ولا يُفْعَلُ في غَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مُرادَهُ الصَّلاةُ الَّتِي تَصِحُّ في كُلِّ مَسْجِدٍ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ أبِي الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يُصَلِّ أحَدُكم في ثَوْبٍ واحِدٍ لَيْسَ عَلى فَرْجِهِ مِنهُ شَيْءٌ» .
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ الحارِثِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ حائِضٍ إلّا بِخِمارٍ» فَنَفى قَبُولَها لِمَن بَلَغَتِ الحَيْضَ فَصَلَّتْها مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، كَما نَفى قَبُولَها مَعَ عَدَمِ الطَّهارَةِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ مِن فَرَوْضِها. وأيْضًا قَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِسَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ؛ ولِذَلِكَ يَأْمُرُهُ مُخالِفُنا بِإعادَتِها في الوَقْتِ، فَإذا كانَ مَأْمُورًا بِالسَّتْرِ ومَنهِيًّا عَنْ تَرْكِهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مِن فُرُوضِ الصَّلاةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذا الحُكْمَ مَأْخُوذٌ عَنِ الآيَةِ وأنَّ الآيَةَ قَدْ أُرِيدَ بِها السَّتْرُ في الصَّلاةِ، والثّانِي: أنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسادَ الفِعْلِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى الجَوازِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَوْ كانَ السَّتْرُ مِن فُرُوضِ الصَّلاةِ لَما جازَتِ الصَّلاةُ مَعَ عَدَمِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلّا بِبَدَلٍ يَقُومُ مَقامَهُ مِثْلُ الطَّهارَةِ، فَلَمّا جازَتْ صَلاةُ العُرْيانِ إذا لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا مِن غَيْرِ بَدَلٍ عَلى السَّتْرِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن فَرْضِهِ.
قِيلَ لَهُ: هَذا سُؤالٌ ساقِطٌ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى جَوازِ صَلاةِ الأُمِّيِّ والأخْرَسِ مَعَ عَدَمِ القِراءَةِ مِن غَيْرِ بَدَلٍ عَنْها، ولَمْ يُخْرِجْها ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ فَرْضًا. وزَعَمَ بَعْضُ مَن يَحْتَجُّ لِمالِكٍ أنَّهُ لَوْ كانَ الثَّوْبُ مِن عَمَلِ الصَّلاةِ ومِن فَرْضِها لَوَجَبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَنْوِيَ بِلُبْسِ الثَّوْبِ أنَّهُ لِلصَّلاةِ كَما يَنْوِي بِالِافْتِتاحِ أنَّهُ لِتِلْكَ الصَّلاةِ. وهَذا كَلامٌ واهٍ جِدًّا فاسِدُ العِبارَةِ مَعَ ضَعْفِ المَعْنى وذَلِكَ لِأنَّ الثَّوْبَ لا يَكُونُ مِن عَمَلِ الصَّلاةِ ولا مِن فُرُوضِها ولَكِنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ مِن شُرُوطِها الَّتِي (p-٢٠٧)لا تَصِحُّ إلّا بِهِ كالطَّهارَةِ، كَما أنَّ اسْتِقْبالَ القِبْلَةِ مِن شُرُوطِها، ولا يَحْتاجُ الِاسْتِقْبالُ إلى نِيَّةٍ، والطَّهارَةُ مِن شُرُوطِها ولا تَحْتاجُ عِنْدَنا إلى نِيَّةٍ، والقِيامُ في حالِ الِافْتِتاحِ مِن فُرُوضِها لِمَن قَدَرَ عَلَيْهِ ولا يَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، والقِيامُ والقِراءَةُ والرُّكُوعُ والسُّجُودُ بَعْدَ الِافْتِتاحِ مِن فُرُوضِها ولا يَحْتاجُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلى نِيَّةٍ.
فَإنْ قِيلَ: لِأنَّ نِيَّةَ الصَّلاةِ قَدْ أغْنَتْ عَنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِهَذِهِ الأفْعالِ. قِيلَ لَهُ: وكَذَلِكَ نِيَّةُ الصَّلاةِ قَدْ أغْنَتْ عَنْ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ لِلسَّتْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَندُوبٌ في حُضُورِ المَسْجِدِ إلى أخْذِ ثَوْبٍ نَظِيفٍ مِمّا يَتَزَيَّنُ بِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «نُدِبَ إلى ذَلِكَ في الجُمَعِ والأعْيادِ»، كَما «أمَرَ بِالِاغْتِسالِ لِلْعِيدَيْنِ والجُمُعَةِ وأنْ يَمَسَّ مِن طِيبِ أهْلِهِ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ الآيَةُ ظاهِرُهُ يُوجِبُ الأكْلَ والشُّرْبَ مِن غَيْرِ إسْرافٍ؛ وقَدْ أُرِيدَ بِهِ الإباحَةُ في بَعْضِ الأحْوالِ والإيجابُ في بَعْضِها، فالحالُ الَّتِي يَجِبُ فِيها الأكْلُ والشُّرْبُ هي الحالُ الَّتِي يَخافُ أنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ يَكُونُ تَرْكُ الأكْلِ والشُّرْبِ يُتْلِفُ نَفْسَهُ أوْ بَعْضَ أعْضائِهِ أوْ يُضْعِفُهُ عَنْ أداءِ الواجِباتِ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ في هَذِهِ الحالِ أنْ يَأْكُلَ ما يَزُولُ مَعَهُ خَوْفُ الضَّرَرِ؛ والحالُ الَّتِي هُما مُباحانِ فِيها هي الحالُ الَّتِي لا يَخافُ فِيها ضَرَرًا بِتَرْكِها. وظاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوازَ أكْلِ سائِرِ المَأْكُولاتِ وشُرْبِ سائِرِ الأشْرِبَةِ مِمّا لا يَحْظُرُهُ دَلِيلٌ بَعْدَ أنْ لا يَكُونَ مُسْرِفًا فِيما يَأْتِيهِ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أطْلَقَ الأكْلَ والشُّرْبَ عَلى شَرِيطَةِ أنْ لا يَكُونَ مُسْرِفًا فِيهِما. والإسْرافُ هو مُجاوَزَةُ حَدِّ الِاسْتِواءِ، فَتارَةً يَكُونُ بِمُجاوَزَةِ الحَلالِ إلى الحَرامِ وتارَةً يَكُونُ بِمُجاوَزَةِ الحَدِّ في الإنْفاقِ فَيَكُونُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] والإسْرافُ وضِدُّهُ مِنَ الإقْتارِ مَذْمُومانِ، والِاسْتِواءُ هو التَّوَسُّطُ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ دَيْنُ اللَّهِ بَيْنَ المَقْصُورِ والغالِي، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وقالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] وقَدْ يَكُونُ الإسْرافُ في الأكْلِ أنْ يَأْكُلَ فَوْقَ الشِّبَعِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ إلى الضَّرَرِ، فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ أيْضًا.
الأعراف 7:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ: { إنَّ العَرَبَ كانَتْ تُحَرِّمُ السَّوائِبَ والبَحائِرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ } . وقالَ السُّدِّيُّ: { كانُوا يُحَرِّمُونَ في الإحْرامِ أكْلَ السَّمْنِ والأدْهانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ }، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما قَدَّمَ إباحَتَهُ في قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] الآيَةُ (p-٢٠٨)﴿والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ما اسْتَطابَهُ الإنْسانُ واسْتَلَذَّهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وهو يَقْتَضِي إباحَةَ سائِرِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ إلّا ما قامَتْ دَلالَةُ تَحْرِيمِهِ والثّانِي: الحَلالُ مِنَ الرِّزْقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أباحَها وهي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لَهم مِن شَوائِبِ التَّنْغِيصِ والتَّكْدِيرِ وقِيلَ: هي خالِصَةٌ لَهم دُونَ المُشْرِكِينَ.
الأعراف 7:33
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: { الفَواحِشُ الزِّنا وهو الَّذِي بَطَنَ، والتَّعَرِّي في الطَّوافِ وهو الَّذِي ظَهَرَ } . وقِيلَ: القَبائِحُ كُلُّها فَواحِشُ، أجْمَلَ ذِكْرَها بَدِيًّا ثُمَّ فَصَّلَ وُجُوهَها فَذَكَرَ أنَّ مِنها الإثْمَ والبَغْيَ والإشْراكَ بِاَللَّهِ، والبَغْيُ هو طَلَبُ التَّرَأُسِ عَلى النّاسِ بِالقَهْرِ والِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلُهُ: ﴿والإثْمَ﴾ مَعَ وصْفِهِ الخَمْرَ والمَيْسَرَ بِأنَّ فِيهِما إثْمٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ أيْضًا.
الأعراف 7:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ فِيهِ الأمْرُ بِالإخْفاءِ لِلدُّعاءِ. قالَ الحَسَنُ في هَذِهِ الآيَةِ: عَلَّمَكم كَيْفَ تَدْعُونَ رَبَّكم، وقالَ لِعَبْدٍ صالِحٍ رَضِيَ دُعاءَهُ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ورَوى مُبارَكٌ عَنِ الحَسَنِ قالَ: { كانُوا يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ ولا يُسْمَعُ إلّا هَمْسًا } ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَهم يَرْفَعُونَ أصْواتَهم فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا» ورَوى سَعْدُ بْنُ مالِكٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ وخَيْرُ الرِّزْقِ ما يَكْفِي» ورَوى بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ عَنْ ضِرارٍ عَنْ أنَسٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَمَلُ البِرِّ كُلُّهُ نِصْفُ العِبادَةِ والدُّعاءُ نِصْفُ العِبادَةِ» ورَوى سالِمٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا رَفَعَ يَدَيْهِ في الدُّعاءِ لا يَرُدُّهُما حَتّى يَمْسَحَ بِهِما وجْهَهُ»
قالَ أبُو بَكْرٍ: في هَذِهِ الآيَةِ وما ذَكَرْنا مِنَ الآثارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إخْفاءَ الدُّعاءِ أفْضَلُ مِن إظْهارِهِ؛ لِأنَّ الخُفْيَةَ هي السِّرُّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ { وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إخْفاءَ آمِينَ } بَعْدَ قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ في الصَّلاةِ أفْضَلُ مِن إظْهارِهِ لِأنَّهُ دُعاءٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ [يونس: ٨٩] قالَ: كانَ مُوسى يَدْعُو وهارُونُ يُؤَمِّنُ، فَسَمّاهُما اللَّهُ داعِيَيْنِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّما كانَ إخْفاءُ الدُّعاءِ أفْضَلُ لِأنَّهُ لا يَشُوبُهُ رِياءٌ، وأمّا التَّضَرُّعُ فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّهُ المَيْلُ في الجِهاتِ، يُقالُ يَضْرَعُ الرَّجُلُ ضَرْعًا إذا مالَ بِأُصْبُعَيْهِ يَمِينًا وشِمالًا خَوْفًا وذُلًّا، قالَ: ومِنهُ ضَرْعُ الشّاةِ لِأنَّ اللَّبَنَ يَمِيلُ إلَيْهِ، (p-٢٠٩)والمُضارَعَةُ المُشابَهَةُ لِأنَّها تَمِيلُ إلى شَبَهِهِ نَحْوُ المُقارَبَةِ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ «كانَ يَدْعُو ويُشِيرُ بِالسَّبّابَةِ» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَقَدْ رُئِيَ النَّبِيُّ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ رافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو حَتّى إنَّهُ لَيُرى ما تَحْتَ إبْطَيْهِ» وقالَ أنَسٌ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقى فَمَدَّ يَدَيْهِ حَتّى رَأيْتُ بَياضَ إبْطَيْهِ» وفِيما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن رَفْعِ اليَدَيْنِ في الدُّعاءِ والإشارَةِ بِالسَّبّابَةِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَ التَّضَرُّعَ عَلى تَحْوِيلِ الأُصْبُعِ يَمِينًا وشِمالًا
الأعراف 7:142
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما قالَ تَعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ جازَ أنْ يَسْبِقَ إلى وهْمِ بَعْضِ السّامِعِينَ أنَّهُ كانَ عِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ أتَمَّها بِعَشْرٍ فَصارَ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَأزالَ هَذا التَّوَهُّمَ والتَّجَوُّزَ وأخْبَرَ أنَّهُ أتَمَّ الثَّلاثِينَ بِعَشْرٍ غَيْرِها زِيادَةً عَلَيْها.
الأعراف 7:143
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ قِيلَ إنَّهُ سَألَ الرُّؤْيَةَ عَلى جِهَةِ اسْتِخْراجِ الجَوابِ لِقَوْمِهِ لَمّا قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وقِيلَ: إنَّهُ سَألَهُ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي عِلْمُ الضَّرُورَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ في الدُّنْيا.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ جازَ أنْ يَسْألَ الرُّؤْيَةَ وهي غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ وهَلْ يَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَسْألَهُ ما لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ ؟ قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ في فِعْلِ الظُّلْمِ أنَّهُ صِفَةُ نَقْصٍ وذَمٍّ فَلا يَجُوزُ سُؤالُ مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ ما فِيهِ شُبْهَةٌ ولا يَظْهَرُ حُكْمُهُ إلّا بِالدَّلالَةِ، وهَذا إنْ كانَ سَألَ الرُّؤْيَةَ مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ والسُّدِّيِّ وإنْ كانَ إنَّما سَألَ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي عِلْمُ الضَّرُورَةِ أوِ اسْتِخْراجُ الجَوابِ لِقَوْمِهِ، فَهَذا السُّؤالُ ساقِطٌ وقِيلَ إنَّ تَوْبَةَ مُوسى إنَّما كانَتْ مِنَ التَّقَدُّمِ بِالمَسْألَةِ قَبْلَ الإذْنِ فِيها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ التَّوْبَةَ عَلى وجْهِ التَّسْبِيحِ عَلى ما جَرَتْ عادَةُ المُسْلِمِينَ بِمِثْلِهِ عِنْدَ ظُهُورِ دَلائِلِ الآياتِ الدّاعِيَةِ إلى التَّعْظِيمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فَإنَّ التَّجَلِّيَ عَلى وجْهَيْنِ: ظُهُورٌ بِالرُّؤْيَةِ أوِ الدَّلالَةِ؛ والرُّؤْيَةُ مُسْتَحِيلَةٌ في اللَّهِ تَعالى فَهو ظُهُورُ آياتِهِ الَّتِي أحْدَثَها لِحاضِرِي الجَبَلِ. وقِيلَ: إنَّهُ أبْرَزُ مِن مَلَكُوتِهِ لِلْجَبَلِ ما يُدَكْدَكُ بِهِ؛ لِأنَّ في حُكْمِهِ تَعالى أنَّ الدُّنْيا لا تَقُومُ لِما يَبْرُزُ مِنَ المَلَكُوتِ الَّذِي في السَّماءِ، كَما رُوِيَ أنَّهُ أبْرَزَ قَدْرَ الخِنْصَرِ مِنَ العَرْشِ.
الأعراف 7:145
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ قِيلَ: بِأحْسَنِ ما كُتِبَ فِيهِ، وهو الفَرائِضُ والنَّوافِلُ دُونَ المُباحِ الَّذِي لا حَمْدَ فِيهِ ولا ثَوابَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ [الزمر: ١٧] (p-٢١٠)﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أحْسَنُها النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ المَنهِيِّ عَنْهُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِعْلَ المَنسُوخِ المَنهِيِّ عَنْهُ قَبِيحٌ، فَلا يُقالُ الحَسَنُ أحْسَنُ مِنَ القَبِيحِ.
الأعراف 7:146
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ قِيلَ إنَّ مَعْناهُ: عَنْ آياتِي مِنَ العِزِّ والكَرامَةِ بِالدَّلالَةِ الَّتِي تُكْسِبُ الرِّفْعَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ويَحْتَمِلُ: صَرْفُهم عَنِ الِاعْتِراضِ عَلى آياتِي بِالإبْطالِ أوْ بِالمَنعِ مِنَ الإظْهارِ لِلنّاسِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: سَأصْرِفُ عَنِ الإيمانِ بِآياتِي؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ بِالإيمانِ ثُمَّ يَمْنَعَ مِنهُ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ سَفَهًا وعَبَثًا.
الأعراف 7:150
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ قَدْ قِيلَ إنَّ العَجَلَةَ التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، والسُّرْعَةُ عَمَلُهُ في أوَّلِ أوْقاتِهِ؛ ولِذَلِكَ صارَتِ العَجَلَةُ مَذْمُومَةً وقَدْ يَكُونُ تَعْجِيلُ الشَّيْءِ في وقْتِهِ، كَما رُوِيَ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُعَجِّلُ الظُّهْرَ في الشِّتاءِ ويُبْرِدُ بِها في الصَّيْفِ» .
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ كانَ عَلى وجْهِ المُعاتَبَةِ لا عَلى وجْهِ الإهانَةِ؛ ولِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ تَخْتَلِفُ أحْكامُها بِالعادَةِ، فَلَمْ تَكُنْ لِلْعادَةِ حِينَئِذٍ فِعْلُهُ عَلى وجْهِ الإهانَةِ. وقِيلَ: إنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَبْضِ الرَّجُلِ مِنّا عِنْدَ غَضَبِهِ عَلى لِحْيَتِهِ وعَضِّهِ عَلى شَفَتِهِ بِإبْهامِهِ.
الأعراف 7:157
فَصْلٌ
وأمّا الماءُ الَّذِي خالَطَتْهُ نَجاسَةٌ فَإنَّ مَذْهَبَ أصْحابِنا فِيهِ أنَّ كُلَّ ما تَيَقَّنّا فِيهِ جُزْءًا مِنَ النَّجاسَةِ أوْ غَلَبَ في الظَّنِّ ذَلِكَ لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُهُ، ولا يَخْتَلِفُ عَلى هَذا الحَدِّ ماءُ البَحْرِ وماءُ البِئْرِ والغَدِيرِ والماءُ الرّاكِدُ والجارِي؛ لِأنَّ ماءَ البَحْرِ لَوْ وقَعَتْ فِيهِ نَجاسَةٌ لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُ الماءِ الَّذِي فِيهِ النَّجاسَةُ، وكَذَلِكَ الماءُ الجارِي. وأمّا اعْتِبارُ أصْحابِنا لِلْغَدِيرِ الَّذِي إذا حُرِّكَ أحَدُ طَرَفَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّكِ الطَّرَفُ الآخَرُ، فَإنَّما هو كَلامٌ في جِهَةِ تَغْلِيبِ الظَّنِّ في بُلُوغِ النَّجاسَةِ الواقِعَةِ في أحَدِ طَرَفَيْهِ إلى الطَّرَفِ الآخَرِ، ولَيْسَ هَذا كَلامًا في أنَّ بَعْضَ المِياهِ الَّذِي فِيهِ النَّجاسَةُ قَدْ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ وبَعْضَها لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ؛ ولِذَلِكَ قالُوا: لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ الماءِ الَّذِي في النّاحِيَةِ الَّتِي فِيها النَّجاسَةُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ في الماءِ الَّذِي حَلَّتْهُ نَجاسَةٌ، فَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ غَدِيرٍ يُطْرَحُ فِيهِ المَيْتَةُ والحَيْضُ فَقالَ: ( تَوَضَّئُوا فَإنَّ الماءَ لا يَخْبُثُ ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الجُنُبِ يَدْخُلُ الحَمّامَ: ( إنَّ الماءَ لا يُجْنِبُ ) . وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رِوايَةً في الماءِ تَرِدُهُ السِّباعُ والكِلابُ فَقالَ: ( الماءُ لا يَتَنَجَّسُ ) . وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: ( أنْزَلَ اللَّهُ الماءَ طَهُورًا لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ) . وقالَ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ في البَوْلِ في الماءِ: ( لا يُنَجَّسُ ما لَمْ يُغَيِّرْهُ بِرِيحٍ أوْ لَوْنٍ أوْ طَعْمٍ ) . وقالَ عَطاءٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي لَيْلى: ( الماءُ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ )، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ القاسِمِ وسالِمٍ وأبِي العالِيَةِ، وهو قَوْلُ رَبِيعَةَ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رِوايَةً: ( لا يُخْبِثُ (p-٢٠٥)أرْبَعِينَ دَلْوًا شَيْءٌ )، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ( إذا كانَ الماءُ أرْبَعِينَ قُلَّةً لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ ) .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ( الحَوْضُ لا يَغْتَسِلُ فِيهِ جُنُبٌ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ أرْبَعُونَ غَرْبًا )، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ. وقالَ مَسْرُوقٌ والنَّخَعِيُّ وابْنُ سِيرِينَ: ( إذا كانَ الماءُ كَرًّا لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ ) . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( الماءُ الرّاكِدُ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إذا كانَ قَدْرَ ثَلاثِ قِلالٍ ) . وقالَ مُجاهِدٌ: ( إذا كانَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ ) . وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ( لَوْ أنَّ قَطْرَةً مِن مُسْكِرٍ قُطِرَتْ في قِرْبَةٍ مِنَ الماءِ لَحُرِّمَ ذَلِكَ الماءُ عَلى أهْلِهِ ) . وقالَ مالِكٌ والأوْزاعِيِّ: ( لا يَفْسُدُ الماءُ بِالنَّجاسَةِ إلّا أنْ يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أوْ رِيحُهُ )
وقَدْ ذُكِرَ عَنْ مالِكٍ مَسائِلُ في مَوْتِ الدَّجاجَةِ في البِئْرِ: ( أنَّها تُنْزَفُ إلّا أنْ تَغْلِبَهم، ويُعِيدُ الصَّلاةَ مَن تَوَضَّأ بِهِ ما دامَ في الوَقْتِ ) وهَذا عِنْدَهُ اسْتِحْبابٌ، وكَذَلِكَ يَقُولُ أصْحابُهُ: إنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يَقُولُ فِيهِ مالِكٌ: إنَّهُ يُعِيدُ في الوَقْتِ هو اسْتِحْبابٌ لَيْسَ بِإيجابٍ.
وقالَ في الحَوْضِ إذا اغْتَسَلَ فِيهِ جُنُبٌ: ( أفْسَدَهُ )، وهَذا أيْضًا عِنْدَهُ اسْتِحْبابٌ لِتَرْكِ اسْتِعْمالِهِ، وإنْ تَوَضَّأ بِهِ أجْزَأهُ. وكَرِهَ اللَّيْثُ لِلْجُنُبِ أنْ يَغْتَسِلَ في البِئْرِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: ( لا بَأْسَ أنْ يَغْتَسِلَ الجُنُبُ في الماءِ الرّاكِدِ الكَثِيرِ القائِمِ في النَّهْرِ والسَّبْخَةِ ) وكَرِهَ الوُضُوءَ بِالماءِ بِالفَلاةِ إذا كانَ أقَلَّ مِن قَدْرِ الكُرِّ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلْقَمَةَ وابْنِ سِيرِينَ؛ والكُرُّ عِنْدَهم ثَلاثَةُ آلافِ رِطْلٍ ومِائَتا رِطْلٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: ( إذا كانَ الماءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلالِ هَجَرَ لَمْ يُنَجِّسْهُ إلّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أوْ لَوْنَهُ، وإنْ كانَ أقَلَّ يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجاسَةِ اليَسِيرَةِ ) .
واَلَّذِي يُحْتَجُّ بِهِ لِقَوْلِ أصْحابِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ والنَّجاساتُ لا مَحالَةَ مِنَ الخَبائِثِ، وقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣] وقالَ في الخَمْرِ ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] «ومَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقالَ: إنَّهُما لَيُعَذَّبانِ وما يُعَذَّبانِ في كَبِيرٍ، أمّا أحَدُهُما كانَ لا يَسْتَبْرِئُ مِنَ البَوْلِ والآخَرُ كانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»، فَحَرَّمَ اللَّهُ هَذِهِ الأشْياءَ تَحْرِيمًا مُبْهَمًا ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حالِ انْفِرادِها واخْتِلاطِها بِالماءِ، فَوَجَبَ تَحْرِيمُ اسْتِعْمالِ كُلِّ ما تَيَقَّنّا فِيهِ جُزْءًا مِنَ النَّجاسَةِ، ويَكُونُ جِهَةَ الحَظْرِ مِن طَرِيقِ النَّجاسَةِ أوْلى مِن جِهَةِ الإباحَةِ مِن طَرِيقِ الماءِ المُباحِ في الأصْلِ؛ لِأنَّهُ مَتى اجْتَمَعَ في شَيْءٍ جِهَةُ الحَظْرِ وجِهَةُ الإباحَةِ فَجِهَةُ الحَظْرِ أوْلى، ألا تَرى أنَّ الجارِيَةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ لَوْ كانَ لِأحَدِهِما فِيها مِائَةُ جُزْءٍ ولِلْآخَرِ جُزْءٌ واحِدٌ أنَّ جِهَةَ الحَظْرِ فِيها أوْلى مِن جِهَةِ الإباحَةِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِواحِدٍ مِنهُما وطْؤُها ؟
فَإنْ قِيلَ: لِمَ غُلِّبَتْ جِهَةُ الحَظْرِ في النَّجاسَةِ عَلى جِهَةِ الإيجابِ في اسْتِعْمالِ الماءِ الَّذِي قَدْ حَلَّتْهُ نَجاسَةٌ إذا لَمْ تَجِدْ (p-٢٠٦)ماءً غَيْرَهُ ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ اسْتِعْمالَهُ في هَذِهِ الحالِ واجِبٌ إذا لَزِمَهُ فَرْضُ أداءِ الصَّلاةِ، وإنَّما اجْتَمَعَ هَهُنا جِهَةُ الحَظْرِ وجِهَةُ الإيجابِ. قِيلَ لَهُ: قَوْلُكَ: إنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ جِهَةُ الحَظْرِ وجِهَةُ الإيجابِ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَجِبُ اسْتِعْمالُ الماءِ الَّذِي لا نَجاسَةَ فِيهِ، فَأمّا ما فِيهِ نَجاسَةٌ فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِعْمالُهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما يَلْزَمُهُ اجْتِنابُ النَّجاسَةِ إذا كانَتْ مُتَجَرِّدَةً بِنَفْسِها، فَأمّا إذا كانَتْ مُخالِطَةً لِلْماءِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ اجْتِنابُها. قِيلَ لَهُ: عُمُومُ ما ذَكَرْنا مِنَ الآيِ والسُّنَنِ قاضٍ بِلُزُومِ اجْتِنابِها في حالَةِ الِانْفِرادِ والِاخْتِلاطِ، ومَنِ ادَّعى تَخْصِيصَ شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ إلّا بِدَلالَةٍ.
وأيْضًا فَإذا كانَ واجِدًا لِماءٍ غَيْرِهِ لَمْ تُخالِطْهُ نَجاسَةٌ فَلَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ اسْتِعْمالُ الماءِ الَّذِي فِيهِ النَّجاسَةُ، وأكْثَرُ ما فِيهِ عِنْدَ مُخالِفِنا جَوازُ اسْتِعْمالِهِ عَلى وجْهِ الإباحَةِ، وما ذَكَرْناهُ مِن لُزُومِ اجْتِنابِ النَّجاسَةِ يُوجِبُ الحَظْرَ، والإباحَةُ والحَظْرُ مَتى اجْتَمَعا فالحُكْمُ لِلْحَظْرِ عَلى ما بَيَّنّا، وإذا صَحَّ ذَلِكَ وكانَ واجِدًا لِماءٍ غَيْرِهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمُهُ إذا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لُزُومُ اسْتِعْمالِ الآيِ الحاظِرَةِ لِاسْتِعْمالِ النَّجاساتِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الحَظْرَ قَدْ تَناوَلَها في حالِ اخْتِلاطِها بِهِ كَهو في حالِ انْفِرادِها.
والثّانِي: أنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حالِ وُجُودِ ماءٍ غَيْرِهِ وبَيْنَهُ إذا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، فَإذا صَحَّ لَها ذَلِكَ في حالِ وُجُودِ ماءٍ غَيْرِهِ كانَتِ الحالُ الأُخْرى مِثْلَهُ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى امْتِناعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما ووَجْهٌ آخَرُ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ لُزُومُ اجْتِنابِ النَّجاسَةِ أوْلى مِن وُجُوبِ اسْتِعْمالِ الماءِ الَّذِي هي فِيهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] إذا لَمْ يَجِدْ ماءً غَيْرَهُ؛ وهو أنَّ تَحْرِيمَ اسْتِعْمالِ النَّجاسَةِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِها، ألا تَرى أنَّهُ ما مِن نَجاسَةٍ إلّا وعَلَيْنا اجْتِنابُها وتَرْكُ اسْتِعْمالِها إذا كانَتْ مُنْفَرِدَةً، والماءُ الَّذِي لا نَجِدُ غَيْرَهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهِ لُزُومُ الِاسْتِعْمالِ ؟ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ أعْطاهُ إنْسانٌ ماءً غَيْرَهُ أوْ غَصَبَهُ فَتَوَضَّأ بِهِ كانَتْ طَهارَتُهُ صَحِيحَةً ؟ فَلَمّا لَمْ يَتَعَيَّنْ فَرْضُ طَهارَتِهِ بِذَلِكَ وتَعَيَّنَ عَلَيْهِ حَظْرُ اسْتِعْمالِ النَّجاسَةِ صارَ لِلُزُومِ اجْتِنابِ النَّجاسَةِ مَزِيَّةٌ عَلى وُجُوبِ اسْتِعْمالِ الماءِ الَّذِي لا يَجِدُ غَيْرَهُ إذا كانَتْ فِيهِ نَجاسَةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العُمُومُ المُوجِبُ لاجْتِنابِها أوْلى.
وأيْضًا لا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ الفُقَهاءِ في سائِرِ المائِعاتِ إذا خالَطَهُ اليَسِيرُ مِنَ النَّجاسَةِ، كاللَّبَنِ والأدْهانِ والخَلِّ ونَحْوِهِ، وإنَّ حُكْمَ اليَسِيرِ في ذَلِكَ كَحُكْمِ الكَثِيرِ وأنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ أكْلُ ذَلِكَ وشُرْبُهُ، والدَّلالَةُ مِن هَذا الأصْلِ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لُزُومُ اجْتِنابِ النَّجاساتِ بِالعُمُومِ الَّذِي قَدَّمْنا في حالِيِّ المُخالَطَةِ والِانْفِرادِ.
والآخَرُ: أنَّ حُكْمَ الحَظْرِ وهو النَّجاسَةُ كانَ أغْلَبَ في حُكْمِ الإباحَةِ وهو الَّذِي خالَطَهُ مِنَ الأشْياءِ (p-٢٠٧)الطّاهِرَةِ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الَّذِي خالَطَهُ مِن ذَلِكَ ماءٌ أوْ غَيْرُهُ،؛ إذْ كانَ عُمُومُ الآيِ والسُّنَنِ شامِلَةً لَهُ، وإذا كانَ المَعْنى وُجُودَ النَّجاسَةِ فِيهِ حُظِرَ اسْتِعْمالُهُ.
ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا مِن جِهَةِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ «لا يَبُولَنَّ أحَدُكم في الماءِ الدّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ مِن جَنابَةٍ وفي لَفْظٍ آخَرَ: ولا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِن جَنابَةٍ» ومَعْلُومٌ أنَّ البَوْلَ القَلِيلَ في الماءِ الكَثِيرِ لا يُغَيِّرُ طَعْمَهُ ولا لَوْنَهُ ولا رائِحَتَهُ، ومَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما مَنَعَ البَوْلَ القَلِيلَ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لِكُلِّ أحَدٍ لَكَثُرَ حَتّى يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أوْ لَوْنُهُ أوْ رائِحَتُهُ فَيَفْسُدُ. قِيلَ لَهُ: ظاهِرُ نَهْيِهِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ القَلِيلُ مَنهِيًّا عَنْهُ لِنَفْسِهِ لا لِغَيْرِهِ، وفي حَمْلِهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَنهِيٍّ عَنْهُ لِنَفْسِهِ وأنَّهُ إنَّما مُنِعَ لِئَلّا يُفْسِدَ لِغَيْرِهِ إثْباتُ مَعْنًى غَيْرِ مَذْكُورٍ في اللَّفْظِ ولا دَلالَةَ عَلَيْهِ وإسْقاطُ حُكْمِ المَذْكُورِ في نَفْسِهِ.
وعَلى أنَّهُ مَتى حُمِلَ عَلى ذَلِكَ زالَتْ فائِدَتُهُ وسَقَطَ حُكْمُهُ لَعَلِمْنا بِأنَّ ما غَيَّرَ مِنَ النَّجاساتِ طَعْمَ الماءِ أوْ لَوْنَهُ أوْ رائِحَتَهُ مَحْظُورٌ اسْتِعْمالُهُ بِغَيْرِ هَذا الخَبَرِ مِنَ النُّصُوصِ والإجْماعِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى إسْقاطِ حُكْمِهِ رَأْسًا؛ وقَدْ قالَ ﷺ: «لا يَبُولَنَّ أحَدُكم في الماءِ الدّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلْ فِيهِ مِن جَنابَةٍ» فَمُنِعَ البائِلُ الِاغْتِسالَ فِيهِ بَعْدَ البَوْلِ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ إلى حالِ التَّغَيُّرِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «إذا اسْتَيْقَظَ أحَدُكم مِن مَنامِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يُدْخِلَها الإناءَ فَإنَّهُ لا يَدْرِي أيْنَ باتَتْ يَدُهُ» فَأمَرَ بِغَسْلِ اليَدِ احْتِياطًا مِن نَجاسَةٍ أصابَتْهُ مِن مَوْضِعِ الِاسْتِنْجاءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مِثْلَها إذا حَلَّتِ الماءَ لَمْ يُغَيِّرْهُ، ولَوْلا أنَّها تُفْسِدُهُ لَما كانَ لِلْأمْرِ بِالِاحْتِياطِ مِنها مَعْنًى، وحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَجاسَةِ وُلُوغِ الكَلْبِ بِقَوْلِهِ «طَهُورُ إناءِ أحَدِكم إذا ولَغَ فِيهِ الكَلْبُ أنْ يَغْسِلَ سَبْعًا» وهو لا يُغَيِّرُهُ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ [المائدة: ٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] يَدُلُّ مِن وجْهَيْنِ عَلى جَوازِ اسْتِعْمالِهِ وإنْ كانَتْ فِيهِ نَجاسَةٌ:
أحَدُهُما: عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي جَوازَهُ بِماءٍ حَلَّتْهُ النَّجاسَةُ وبِما لَمْ تَحِلَّهُ والوَجْهُ الآخَرُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ [المائدة: ٦] ولا يَمْتَنِعُ أحَدٌ مِن إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ هَذا ماءٌ إذا كانَتْ فِيهِ نَجاسَةٌ يَسِيرَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ؛ وهَذا يُعارِضُ ما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ مِن عُمُومِ الآيِ والأخْبارِ في حَظْرِ اسْتِعْمالِهِ ماءً خالَطَتْهُ نَجاسَةٌ قِيلَ لَهُ: لَوْ تَعارَضَ العُمُومانِ لَكانَ ما ذَكَرْنا أوْلى مِن تَضَمُّنِهِ مِنَ الحَظْرِ، والإباحَةُ والحَظْرُ مَتى اجْتَمَعا كانَ الحُكْمُ لِلْحَظْرِ. وعَلى أنَّ ما ذَكَرْنا مِن حَظْرِ اسْتِعْمالِ النَّجاسَةِ قاضٍ عَلى ما ذَكَرْتَ مِنَ العُمُومِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الغُسْلُ مَأْمُورًا بِماءٍ لا نَجاسَةَ فِيهِ.
ألا تَرى أنَّهُ إذا غَيَّرَتْهُ كانَ مَحْظُورًا وعُمُومُ إيجابِ الحَظْرِ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ (p-٢٠٨)دُونَ عُمُومِ الأمْرِ بِالغُسْلِ ؟ وكَما قَضى حَظْرَهُ لِاسْتِعْمالِ النَّجاساتِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] فَإنْ كانَ ما حَلَّهُ مِنها يَسِيرًا كَذَلِكَ واجِبٌ أنْ يُقْضى عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ [المائدة: ٦]
واحْتَجَّ مَن أباحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقَوْلِهِ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وقَوْلِهِ ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ والحِلُّ مَيْتَتُهُ» وصْفُهُ إيّاهُ بِالتَّطْهِيرِ يَقْتَضِي تَطْهِيرَ ما لاقاهُ. فَيُقالُ لَهُ: مَعْنى قَوْلِهِ: " طَهُورًا " يَعْتَوِرُهُ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: رَفْعُ الحَدَثِ وإباحَةُ الصَّلاةِ بِهِ.
والآخَرُ إزالَةُ الإنْجاسِ.
فَأمّا نَجاسَةٌ مَوْجُودَةٌ فِيهِ لَمْ تُزِلْها عَنْ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُطَهِّرًا لَها وعَلى هَذا القَوْلِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ( طَهُورًا ) أنَّهُ يَجْعَلُ النَّجاسَةَ غَيْرَ نَجاسَةٍ، وهَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ما حَلَّهُ مِن أجْزاءِ الدَّمِ والخَمْرِ وسائِرِ الخَبائِثِ لا يَخْرُجُ مِن أنْ يَكُونَ إنْجاسًا، كَما أنَّها إذا ظَهَرَتْ فِيهِ لَمْ يَخْرُجْ مِن أنْ يَكُونَ أعْيانُها نَجِسَةً ولَمْ يَكُنْ لِمُجاوَرَةِ الماءِ إيّاها حُكْمٌ في تَطْهِيرِها.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الماءُ غالِبًا فَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ فالحُكْمُ لِلْماءِ، كَما لَوْ وقَعَتْ فِيهِ قَطْرَةٌ مِن لَبَنٍ أوْ غَيْرِهِ مِنَ المائِعاتِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ حُكْمُ الماءِ لِوُجُودِ الغَلَبَةِ، ولِأنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ مَغْمُورَةٌ مُسْتَهْلَكَةٌ، فَحُكْمُ النَّجاسَةِ إذا حَلَّتِ الماءَ حُكْمُ سائِرِ المائِعاتِ إذا خالَطَتْهُ. قِيلَ لَهُ: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ المائِعاتِ كُلَّها لا يَخْتَلِفُ حُكْمُها فِيما تُخالِطُها مِنَ الأشْياءِ الطّاهِرَةِ وأنَّ الحُكْمَ لِلْغالِبِ مِنها دُونَ المُسْتَهْلَكاتِ المَغْمُورَةِ مِمّا خالَطَها، وقَدِ اتَّفَقْنا عَلى أنَّ مُخالَطَةَ النَّجاسَةِ اليَسِيرَةِ لِسائِرِ المائِعاتِ غَيْرِ الماءِ تُفْسِدُها ولَمْ يَكُنْ لِلْغَلَبَةِ مَعَها حُكْمٌ بَلْ كانَ الحُكْمُ لَها دُونَ الغالِبِ عَلَيْها مِن غَيْرِها، فَكَذَلِكَ الماءُ، فَإنْ كانَ الماءُ إنَّما يَكُونُ مُطَهِّرًا لِلنَّجاسَةِ لِمُجاوَرَتِهِ لَها فَواجِبٌ أنْ يُطَهِّرَها بِالمُجاوَرَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ غامِرًا لَها، وإنْ كانَ إنَّما يَصِيرُ مُطَهِّرًا لَها مِن أجْلِ غُمُورِهِ لَها وغَلَبَتِهِ عَلَيْها فَقَدْ يَكُونُ سائِرُ المائِعاتِ إذا خالَطَتْها نَجاسَةٌ غامِرَةٌ لَها وغالِبَةٌ عَلَيْها وكانَ الحُكْمُ مَعَ ذَلِكَ لِلنَّجاسَةِ دُونَ ما غَمَرَها.
ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ اسْتِعْمالِهِ عِنْدَ ظُهُورِ النَّجاسَةِ فِيهِ، فالمَعْنى أنَّهُ لا نَصِلُ إلى اسْتِعْمالِهِ إلّا بِاسْتِعْمالِ جُزْءٍ مِنَ النَّجاسَةِ وأيْضًا العِلْمُ بِوُجُودِ النَّجاسَةِ فِيهِ كَمُشاهَدَتِنا لَها، كَما أنَّ عِلْمَنا بِوُجُودِها في سائِرِ المائِعاتِ كَمُشاهَدَتِنا لَها بِظُهُورِها وكالنَّجاسَةِ في الثَّوْبِ والبَدَنِ العِلْمُ بِوُجُودِها كَمُشاهَدَتِها.
واحْتَجَّ مَن خالَفَ في ذَلِكَ بِحَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضاعَةَ وهي بِئْرٌ تُطْرَحُ فِيهِ عَذِرَةُ النّاسِ ومَحائِضُ النِّساءِ ولُحُومُ الكِلابِ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، وبِحَدِيثِ أبِي بُصْرَةَ عَنْ جابِرٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالا: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ، فانْتَهَيْنا إلى غَدِيرٍ فِيهِ (p-٢٠٩)جِيفَةٌ، فَكَفَفْنا وكَفَّ النّاسُ حَتّى أتى النَّبِيُّ ﷺ فَأخْبَرْناهُ فَقالَ: «اسْتَقُوا فَإنَّ الماءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» فاسْتَقَيْنا وارْتَوَيْنا؛ وبِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الماءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» .
والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنِ الواقِدِيِّ أنَّ بِئْرَ بُضاعَةَ كانَتْ طَرِيقًا لِلْماءِ إلى البَساتِينِ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ جارِيًا حامِلًا لِما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأنْجاسِ ويَنْقُلُهُ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ سُئِلَ عَنْها بَعْدَما نُظِّفَتْ مِنَ الأخْباثِ، فَأخْبَرَ بِطَهارَتِها بَعْدَ النَّزْحِ.
وأمّا قِصَّةُ الغَدِيرِ فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ الجِيفَةُ كانَتْ في جانِبٍ مِنهُ، فَأباحَ ﷺ الوُضُوءَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أصْحابِنا في اعْتِبارِ الغَدِيرِ وأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّ أصْلَهُ ما رَواهُ سِماكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ في جَفْنَةٍ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأ مِنها أوْ يَغْتَسِلَ، فَقالَتْ لَهُ: إنِّي كُنْتَ جُنُبًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ الماءَ لا يُجْنِبُ» والمُرادُ أنَّ إدْخالَ الجُنُبِ يَدَهُ فِيهِ لا يُنَجِّسُهُ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الرّاوِي سَمِعَ ذَلِكَ فَنَقَلَ المَعْنى عِنْدَهُ دُونَ اللَّفْظِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْناهُ ما وصَفْنا أنَّ مِن مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ الحُكْمَ بِتَنْجِيسِ الماءِ بِوُقُوعِ النَّجاسَةِ فِيهِ وإنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ. وقَدْ رَوى عَطاءٌ وابْنُ سِيرِينَ أنَّ زِنْجِيًّا ماتَ في بِئْرِ زَمْزَمَ، فَأمَرَ ابْنُ عَبّاسٍ بِنَزْحِها.
ورَوى حَمّادٌ عَنْ إبْراهِيمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ( إنَّما يُنَجِّسُ الحَوْضَ أنْ تَقَعَ فِيهِ فَتَغْتَسِلُ وأنْتَ جُنُبٌ، فَأمّا إذا أخَذْتَ بِيَدِكَ تَغْتَسِلُ فَلا بَأْسَ ) .
ولَوْ صَحَّ أيْضًا هَذا اللَّفْظُ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في قِصَّةِ بِئْرِ بُضاعَةَ، فَحُذِفَ ذِكْرُ السَّبَبِ ونُقِلَ لَفْظُ النَّبِيِّ ﷺ .
وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: «الماءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى جَوازِ اسْتِعْمالِهِ، وإنَّما كَلامُنا في جَوازِ اسْتِعْمالِهِ بَعْدَ حُلُولِ النَّجاسَةِ فِيهِ، فَلَيْسَ يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ إذا حَلَّتْهُ نَجاسَةٌ، ولَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ الماءَ إذا وقَعَتْ فِيهِ نَجاسَةٌ فاسْتَعْمَلُوهُ حَتّى تَحْتَجَّ بِهِ لِقَوْلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتَ يُؤَدِّي إلى إبْطالِ فائِدَتِهِ. قِيلَ لَهُ: قَدْ سَقَطَ اسْتِدْلالُكَ بِالظّاهِرِ إذًا وصِرْتَ إلى أنْ تَسْتَدِلَّ بِغَيْرِهِ، وهو أنَّ حَمْلَهُ عَلى غَيْرِ مَذْهَبِكَ تَخْلِيَةٌ مِنَ الفائِدَةِ، ونَحْنُ نُبَيِّنُ أنَّ فِيهِ ضُرُوبًا مِنَ الفَوائِدِ غَيْرَ ما ادَّعَيْتَ مِن جَوازِ اسْتِعْمالِهِ بَعْدَ حُلُولِ النَّجاسَةِ فِيهِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ أفادَ أنَّ الماءَ لا يُنَجَّسُ بِمُجاوَرَتِهِ لِلنَّجاسَةِ ولا يَصِيرُ في حُكْمِ أعْيانِ النَّجاساتِ، واسْتَفَدْنا بِهِ أنَّ الثَّوْبَ والبَدَنَ إذا أصابَتْهُما نَجاسَةٌ فَأُزِيلَتْ بِمُوالاةِ صَبِّ الماءِ عَلَيْها أنَّ الباقِيَ مِنَ الماءِ الَّذِي في الثَّوْبِ لَيْسَ هو في حُكْمِ الماءِ الَّذِي جاوَرَهُ عَيْنُ النَّجاسَةِ فَيَلْحَقُهُ حُكْمُها؛ لِأنَّهُ إنَّما جاوَرَ ما لَيْسَ (p-٢١٠)يُنَجَّسُ في نَفْسِهِ، وإنَّما يَلْحَقُهُ حُكْمُ النَّجاسَةِ بِمُجاوَرَتِهِ لَها؛ ولَوْلا قَوْلُهُ ﷺ لَكانَ جائِزًا أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ الماءَ المُجاوِرَ لِلنَّجاسَةِ قَدْ صارَ في حُكْمِ عَيْنِ النَّجاسَةِ فَيُنَجِّسُ ما جاوَرَهُ، فَلا يَخْتَلِفُ حِينَئِذٍ حُكْمُ الماءِ الثّانِي والثّالِثِ إلى العاشِرِ وأكْثَرُ مِن ذَلِكَ في كَوْنِ جَمِيعِهِ نَجِسًا، فَأبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا الظَّنَّ وأفادَ أنَّ الماءَ الَّذِي لَحِقَهُ حُكْمُ النَّجاسَةِ مِن جِهَةِ المُجاوَرَةِ لا يَكُونُ في مَعْنى أعْيانِ النَّجاساتِ، وأفادَنا أيْضًا أنَّ البِئْرَ إذا ماتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ فَأُخْرِجَتْ أنَّ حُكْمَ النَّجاسَةِ إنَّما لَحِقَ ما جاوَرَ الفَأْرَةَ دُونَ ما جاوَرَ هَذا الماءَ وأنَّ الفَأْرَةَ لَمْ تَجْعَلْهُ بِمَنزِلَةِ أعْيانِ النَّجاساتِ؛ فَلِذَلِكَ حَكَمْنا بِتَطْهِيرِ بَعْضِ ما بِها.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الماءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أوْ لَوْنَهُ» مَعْنًى؛ لِأنَّ الماءَ المُجاوِرَ لِلنَّجاسَةِ لَيْسَ بِنَجِسٍ في نَفْسِهِ مَعَ ظُهُورِ النَّجاسَةِ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: هَذا أيْضًا مَعْنًى صَحِيحٌ غَيْرُ ما ادَّعَيْتَ واسْتَفَدْنا بِهِ فائِدَةً أُخْرى غَيْرَ ما اسْتَفَدْناهُ بِالخَبَرِ الَّذِي اقْتَصَرَ فِيهِ عَلى قَوْلِهِ: «الماءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» عارِيًا مِن ذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ وذَلِكَ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ حالِ غَلَبَةِ النَّجاسَةِ وسُقُوطِ حُكْمِ الماءِ مَعَها فَيَصِيرُ الجَمِيعُ في حُكْمِ أعْيانِ النَّجاساتِ، وأفادَ بِذَلِكَ أنَّ الحُكْمَ لِلْغالِبِ، كَما تَقُولُ في الماءِ إذا مازَجَهُ اللَّبَنُ أوِ الخَلُّ: إنَّ الحُكْمَ لِلْأغْلَبِ؛ وقَدْ تَكَلَّمْنا في هَذِهِ المَسْألَةِ وفي مَسْألَةِ القُلَّتَيْنِ في مَواضِعَ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هَهُنا.
الأعراف 7:169
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ قِيلَ إنَّ الأغْلَبَ في { خَلْفٌ } بِتَسْكِينِ العَيْنِ أنَّهُ لِلذَّمِّ؛ وقالَ لَبِيدُ:
؎وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
وقَدْ جاءَ بِالتَّسْكِينِ في المَدْحِ أيْضًا، قالَ حَسّانُ:
؎لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ قِيلَ إنَّ العَرَضَ ما يَقِلُّ لُبْثُهُ، يُقالُ عَرَضَ هَذا الأمْرُ فَهو عارِضٌ خِلافُ اللّازِمِ، قالَ تَعالى: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤] يَعْنِي السَّحابَ لِقِلَّةِ لُبْثِهِ ورُوِيَ في قَوْلِهِ ﴿عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أنَّ مَعْناهُ الرِّشْوَةُ عَلى الحُكْمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ { أهْلُ إصْرارٍ عَلى الذُّنُوبِ } . وقالَ الحَسَنُ: { مَعْناهُ أنَّهُ لا يُشْبِعُهم شَيْءٌ } .
الأعراف 7:172
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قِيلَ إنَّهُ أخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما جَعَلَ في عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ مِنَ المُنازَعَةِ لِكَيْ تَقْتَضِيَ الإقْرارَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، حَتّى صارُوا بِمَنزِلَةِ مَن قِيلَ لَهم: ألَسْتُ بِرَبِّكم ؟ قالُوا: بَلى. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ لَهم ألَسْتُ بِرَبِّكم عَلى لِسانِ بَعْضِ (p-٢١١)أنْبِيائِهِ.
الأعراف 7:179
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ هَذِهِ لامُ العاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم ذَلِكَ في التِقاطِهِ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ عاقِبَةَ أمْرِهِ أُطْلِقَ ذَلِكَ فِيهِمْ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ
وقالَ أيْضًا:
؎وأُمُّ سِماكٍ فَلا تَجْزَعِي فَلِلْمَوْتِ ما غَذَتِ الوالِدَةُ
الأعراف 7:185
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ فِيهِ حَثٌّ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ والتَّفَكُّرِ في خَلْقِ اللَّهِ وصُنْعِهِ وتَدْبِيرِهِ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وعَلى حِكْمَتِهِ وُجُودِهِ وعَدْلِهِ، وأخْبَرَ أنَّ في جَمِيعِ ما خَلَقَهُ دَلِيلًا عَلَيْهِ وداعٍ إلَيْهِ، وحَذَّرَهُمُ التَّفْرِيطَ بِتَرْكِ النَّظَرِ إلى وقْتِ حُلُولِ المَوْتِ وفَواتِ ما كانَ يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
الأعراف 7:187
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ الآيَةَ. قَوْلُهُ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: { قِيامُها } . وأيّانَ بِمَعْنى مَتى؛ وهو سُؤالٌ عَنِ الزَّمانِ عَلى جِهَةِ الظَّرْفِ لِلْفِعْلِ، فَلَمْ يُخْبِرْهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ وقْتِها لِيَكُونَ العِبادُ عَلى حَذَرٍ مِنهُ فَيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى الطّاعَةِ وأزْجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ. والمَرْسى مُسْتَقَرُّ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ، ومِنهُ الجِبالُ الرّاسِياتُ يَعْنِي الثّابِتاتُ، ورَسِيَتِ السَّفِينَةُ إذا ثَبَتَتْ في مُسْتَقَرِّها، وأرْساها غَيْرُها أثْبَتَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: { كانَ السّائِلُونَ عَنِ السّاعَةِ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ } .
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: { سَألَتْ عَنْها قُرَيْشٌ } . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ قالَ قَتادَةُ غَفْلَةً، وذَلِكَ أشَدُّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: { ثَقُلَ عِلْمُها عَلى أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ فَلَمْ يُطِيقُوهُ إدْراكًا لَهُ }، وقالَ الحَسَنُ { عَظُمَ وصْفُها عَلى أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِنَ انْتِثارِ النُّجُومِ وتَكْوِيرِ السَّمَواتِ وتَسْيِيرِ الجِبالِ } . وقالَ قَتادَةُ: { ثَقُلَتْ عَلى السَّمَواتِ فَلا تُطِيقُها لِعِظَمِها } . وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ ومَعْمَرٌ: { كَأنَّكَ عالِمٌ بِها } وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ كَأنَّكَ لَطِيفٌ بِبِرِّكَ إيّاهم، مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] ويُقالُ إنَّ أصْلَ الحَفا الإلْحاحُ في الأمْرِ، يُقالُ: أحْفى فُلانٌ فُلانًا إذا ألَحَّ في الطَّلَبِ مِنهُ، وأحْفى (p-٢١٢)السُّؤالَ إذا ألَحَّ فِيهِ، ومِنهُ أحْفى الشّارِبَ إذا اسْتَأْصَلَهُ واسْتَقْصى في أخْذِهِ.
ومِنهُ الحَفا وهو أنْ يَتَسَحَّجَ قَدَمُهُ لِإلْحاحِ المَشْيِ بِغَيْرِ نَعْلٍ، والحَفِيُّ اللَّطِيفُ بِبِرِّكَ لِإلْحاحِهِ بِالبِرِّ لَكَ، وحَفِيٌّ عَنْها بِمَعْنى عالِمٍ بِها لِإلْحاحِهِ بِطَلَبِ عِلْمِها وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَدَّعِي العِلْمَ بِبَقاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا، ويَسْتَدِلُّ بِما رُوِيَ أنَّ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّ الباقِيَ مِنها مِن وقْتِ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ مَعْلُومًا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ عِلْمَها عِنْدَهُ وأنَّهُ لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو، وأنَّها تَأْتِي بَغْتَةً لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم عِلْمٌ بِها قَبْلَ كَوْنِها لِأنَّ ذَلِكَ مَعْنى البَغْتَةِ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ في بَقاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا ولَيْسَ فِيها تَحْدِيدٌ لِلْوَقْتِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: «بُعِثْتُ والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» وأشارَ بِالسَّبّابَةِ والوُسْطى، ونَحْوُ قَوْلِهِ فِيما رَواهُ شُعْبَةُ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً بَعْدَ العَصْرِ إلى مَغِيبِ الشَّمْسِ قالَ: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا فِيما مَضى إلّا كَما بَقِيَ مِن هَذِهِ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ» وما رَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أجَلُكم في أجَلِ مَن مَضى قَبْلَكم كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ» ونَحْوُها مِنَ الأخْبارِ لَيْسَ فِيها تَحْدِيدُ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وإنَّما فِيهِ تَقْرِيبُ الوَقْتِ وقَدْ رُوِيَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ [محمد: ١٨] أنَّ مَبْعَثَ النَّبِيِّ ﷺ مِن أشْراطِها.
وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ قِيلَ إنَّهُ بِالأوَّلِ عِلْمُ وقْتِها وبِالآخِرِ عِلْمُ كُنْهِها.
الأعراف 7:189
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ قِيلَ فِيهِ: جَعَلَ مِن كُلِّ نَفْسٍ زَوْجَها، كَأنَّهُ قالَ: جَعَلَ مِنَ النَّفْسِ زَوْجَها ويُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ وأضْمَرَ ذَلِكَ، وقِيلَ: مِن آدَمَ وحَوّاءَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ قالَ الحَسَنُ: غُلامًا سَوِيًّا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَشَرًا سَوِيًّا لِأنَّهُما يُشْفِقانِ أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في جَعَلا عائِدٌ إلى النَّفْسِ وزَوْجِهِ مِن ولَدِ آدَمَ لا إلى آدَمَ وحَوّاءَ. وقالَ غَيْرُهُما: راجِعٌ إلى الوَلَدِ الصّالِحِ، بِمَعْنى أنَّهُ كانَ مُعافًى في بَدَنِهِ وذَلِكَ صَلاحٌ في خَلْقِهِ لا في دِينِهِ ورَدَّ الضَّمِيرَ إلى اثْنَيْنِ لِأنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في بَطْنٍ واحِدٍ ذَكَرًا وأُنْثى.
الأعراف 7:190
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ قِيلَ فِيهِ: جَعَلَ مِن كُلِّ نَفْسٍ زَوْجَها، كَأنَّهُ قالَ: جَعَلَ مِنَ النَّفْسِ زَوْجَها ويُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ وأضْمَرَ ذَلِكَ، وقِيلَ: مِن آدَمَ وحَوّاءَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ قالَ الحَسَنُ: غُلامًا سَوِيًّا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَشَرًا سَوِيًّا لِأنَّهُما يُشْفِقانِ أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الضَّمِيرُ في جَعَلا عائِدٌ إلى النَّفْسِ وزَوْجِهِ مِن ولَدِ آدَمَ لا إلى آدَمَ وحَوّاءَ. وقالَ غَيْرُهُما: راجِعٌ إلى الوَلَدِ الصّالِحِ، بِمَعْنى أنَّهُ كانَ مُعافًى في بَدَنِهِ وذَلِكَ صَلاحٌ في خَلْقِهِ لا في دِينِهِ ورَدَّ الضَّمِيرَ إلى اثْنَيْنِ لِأنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في بَطْنٍ واحِدٍ ذَكَرًا وأُنْثى.
الأعراف 7:194
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهُمْ﴾ عَنى بِالدُّعاءِ الأوَّلِ تَسْمِيَتَهُمُ الأصْنامَ آلِهَةً، والدُّعاءُ الثّانِي طَلَبُ المَنافِعِ وكَشْفُ المَضارِّ مِن جِهَتِهِمُ، وذَلِكَ مَيْئُوسٌ مِنهم. وقَوْلُهُ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ قِيلَ: إنَّما سَمّاها عِبادًا لِأنَّها (p-٢١٣)مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، فَأخْبَرَ أنَّهُ لَيْسَ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ حُكْمِ العِبادِ المَخْلُوقِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: { إنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ هَذِهِ الأوْثانَ مَخْلُوقَةٌ أمْثالُكم } . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ تَقْرِيعٌ لَهم عَلى عِبادَتِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ؛ إذْ لا شُبْهَةَ عَلى أحَدٍ في النّاسِ أنَّ مَن تَبِعَ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ فَهو ألْوَمُ مِمَّنْ عَبَدَ مَن لَهُ جارِحَةٌ يُمْكِنُ أنْ يَنْفَعَ بِها أوْ يَضُرَّ وقِيلَ: إنَّهُ قَدَّرَهم أنَّهم أفْضَلُ مِنها؛ لِأنَّ لَهم جَوارِحَ يَتَصَرَّفُونَ بِها والأصْنامُ لا تَصَرُّفَ لَها، فَكَيْفَ يَعْبُدُونَ مَن هم أفْضَلُ مِنهُ والعَجَبُ مِن أنَفَتِهِمْ مِنَ اتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ ما أيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ والدَّلائِلِ الباهِرَةِ لِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم، ولَمْ يَأْنَفُوا مِن عِبادَةِ حَجَرٍ لا قُدْرَةَ لَهُ ولا تَصَرُّفَ وهم أفْضَلُ مِنهُ في القُدْرَةِ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ والحَياةِ والعِلْمِ.
فِي العَفْوِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ.
الأعراف 7:195
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهُمْ﴾ عَنى بِالدُّعاءِ الأوَّلِ تَسْمِيَتَهُمُ الأصْنامَ آلِهَةً، والدُّعاءُ الثّانِي طَلَبُ المَنافِعِ وكَشْفُ المَضارِّ مِن جِهَتِهِمُ، وذَلِكَ مَيْئُوسٌ مِنهم. وقَوْلُهُ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ قِيلَ: إنَّما سَمّاها عِبادًا لِأنَّها (p-٢١٣)مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، فَأخْبَرَ أنَّهُ لَيْسَ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ حُكْمِ العِبادِ المَخْلُوقِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: { إنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ هَذِهِ الأوْثانَ مَخْلُوقَةٌ أمْثالُكم } . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ تَقْرِيعٌ لَهم عَلى عِبادَتِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ؛ إذْ لا شُبْهَةَ عَلى أحَدٍ في النّاسِ أنَّ مَن تَبِعَ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ فَهو ألْوَمُ مِمَّنْ عَبَدَ مَن لَهُ جارِحَةٌ يُمْكِنُ أنْ يَنْفَعَ بِها أوْ يَضُرَّ وقِيلَ: إنَّهُ قَدَّرَهم أنَّهم أفْضَلُ مِنها؛ لِأنَّ لَهم جَوارِحَ يَتَصَرَّفُونَ بِها والأصْنامُ لا تَصَرُّفَ لَها، فَكَيْفَ يَعْبُدُونَ مَن هم أفْضَلُ مِنهُ والعَجَبُ مِن أنَفَتِهِمْ مِنَ اتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ ما أيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ والدَّلائِلِ الباهِرَةِ لِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم، ولَمْ يَأْنَفُوا مِن عِبادَةِ حَجَرٍ لا قُدْرَةَ لَهُ ولا تَصَرُّفَ وهم أفْضَلُ مِنهُ في القُدْرَةِ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ والحَياةِ والعِلْمِ.
فِي العَفْوِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ.
الأعراف 7:199
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قالَ: واَللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إلّا في أخْلاقِ النّاسِ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أثْقَلُ شَيْءٍ في مِيزانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيامَةِ الخُلُقُ الحَسَنُ» .
ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: «سَألَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ: أيُّ المُؤْمِنِينَ أفْضَلُ ؟ قالَ: أحْسَنُهم خُلُقًا». وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى وسَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأعْرابِيُّ قالا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّكم لا تَسَعُونَ النّاسَ بِأمْوالِكم ولَكِنْ يَسَعُهم مِنكم بَسْطُ الوَجْهِ وحُسْنُ الخُلُقِ» ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ قالا { أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ يُقْبَلَ العَفْوُ مِن أخْلاقِ النّاسَ } .
والعَفْوُ هو التَّسْهِيلُ والتَّيْسِيرُ، فالمَعْنى اسْتِعْمالُ العَفْوِ وقَبُولِ ما سَهُلَ مِن أخْلاقِ النّاسِ وتَرْكِ الِاسْتِقْصاءِ عَلَيْهِمْ في المُعامَلاتِ وقَبُولِ العُذْرِ ونَحْوِهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ قالَ: { هو العَفْوُ مِنَ الأمْوالِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ فَرْضُ الزَّكاةِ }، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وقِيلَ: إنَّ أصْلَ العَفْوِ التَّرْكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] يَعْنِي: تُرِكَ لَهُ؛ والعَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ تَرْكُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ قالَ قَتادَةُ وعُرْوَةُ: { العُرْفُ المَعْرُوفُ } .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ بَكّارٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ الخَلِيلِ عَنْ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيِّ قالَ: قالَ أبُو جُرَيٍّ جابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ: «رَكِبْتُ قَعُودِي ثُمَّ انْطَلَقْتُ إلى مَكَّةَ فَطَلَبْتُهُ، فَأنَخْتُ قَعُودِي بِبابِ المَسْجِدِ، فَإذا هو (p-٢١٤)جالِسٌ عَلَيْهِ بُرْدٌ مِن صُوفٍ فِيهِ طَرائِقُ حُمْرٌ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ قُلْتُ: إنّا مَعْشَرَ أهْلِ البادِيَةِ قَوْمٌ فِينا الجَفاءُ فَعَلِّمْنِي كَلِماتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِها قالَ: أُدْنُ ثَلاثًا. فَدَنَوْتُ، فَقالَ: أعِدْ عَلَيَّ فَأعَدْتُ، قالَ: اتَّقِ اللَّهَ ولا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئا، وأنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ، وأنْ تُفْرِغَ مِن فَضْلِ دَلْوِكَ في إناءِ المُسْتَسْقِي، وإنِ امْرُؤٌ سَبَّكَ بِما يَعْلَمُ مِنكَ فَلا تَسُبَّهُ بِما تَعْلَمُ مِنهُ فَإنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لَكَ أجْرًا وعَلَيْهِ وِزْرًا، ولا تَسُبَّنَّ شَيْئًا مِمّا خَوَّلَكَ اللَّهُ تَعالى» قالَ أبُو جُرَيٍّ: فَواَلَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ ما سَبَبْتُ بَعْدَهُ شَيْئا لا شاةً ولا بَعِيرًا. والمَعْرُوفُ هو ما حَسُنَ في العَقْلِ فِعْلُهُ ولَمْ يَكُنْ مُنْكَرًا عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ الصَّحِيحَةِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أمْرٌ بِتَرْكِ مُقابَلَةِ الجُهّالِ والسُّفَهاءِ عَلى سَفَهِهِمْ وصِيانَةِ النَّفْسِ عَنْهم وهَذا واَللَّهُ أعْلَمُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ؛ لِأنَّ الفَرْضَ كانَ حِينَئِذٍ عَلى الرَّسُولِ إبْلاغُهم وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: " فَأعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا " وأمّا بَعْدَ الأمْرِ بِالقِتالِ فَقَدْ تَقَرَّرَ أمْرُ المُبْطِلِينَ والمُفْسِدِينَ عَلى وُجُوهٍ مَعْلُومَةٍ مِن إنْكارِ فِعْلِهِمْ تارَةً بِالسَّيْفِ وتارَةً بِالسَّوْطِ وتارَةً بِالإهانَةِ والحَبْسِ.
الأعراف 7:200
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قِيلَ في نَزْغِ الشَّيْطانِ إنَّهُ الإغْواءُ بِالوَسْوَسَةِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ عِنْدَ الغَضَبِ وقِيلَ إنَّ أصْلَهُ الإزْعاجُ بِالحَرَكَةِ إلى الشَّرِّ، ويُقالُ: هَذِهِ نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، لِلْخَصْلَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ. فَلَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى نَزْغَ الشَّيْطانِ إيّانا إلى الشَّرِّ عَلِمْنا كَيْفَ الخَلاصُ مِن كَيْدِهِ وشَرِّهِ بِالفَزَعِ إلَيْهِ والِاسْتِعاذَةِ بِهِ مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ وكَيْدِهِ، وبَيَّنَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مَتى لَجَأ العَبْدُ إلى اللَّهِ واسْتَعاذَ مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ حَرَسَهُ مِنهُ وقَوّى بَصِيرَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطَّيْفُ هو النَّزْغُ. وقالَ غَيْرُهُ: { الوَسْوَسَةُ } . وهُما مُتَقارِبانِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ مَتى اسْتَعاذَ بِاَللَّهِ مِن شَرِّ الشَّيْطانِ أعاذَهُ مِنهُ وازْدادَ بَصِيرَةً في رَدِّ وسْواسِهِ والتَّباعُدِ مِمّا دَعاهُ إلَيْهِ، ورَآهُ في أخَسِّ مَنزِلَةٍ وأقْبَحِ صُورَةٍ لِما يَعْلَمُ مِن سُوءِ عاقِبَتِهِ إنْ وافَقَهُ وهَوَّنَ عِنْدَهُ دَواعِيَ شَهْوَتِهِ.
الأعراف 7:201
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قِيلَ في نَزْغِ الشَّيْطانِ إنَّهُ الإغْواءُ بِالوَسْوَسَةِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ عِنْدَ الغَضَبِ وقِيلَ إنَّ أصْلَهُ الإزْعاجُ بِالحَرَكَةِ إلى الشَّرِّ، ويُقالُ: هَذِهِ نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، لِلْخَصْلَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ. فَلَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى نَزْغَ الشَّيْطانِ إيّانا إلى الشَّرِّ عَلِمْنا كَيْفَ الخَلاصُ مِن كَيْدِهِ وشَرِّهِ بِالفَزَعِ إلَيْهِ والِاسْتِعاذَةِ بِهِ مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ وكَيْدِهِ، وبَيَّنَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَها أنَّهُ مَتى لَجَأ العَبْدُ إلى اللَّهِ واسْتَعاذَ مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ حَرَسَهُ مِنهُ وقَوّى بَصِيرَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطَّيْفُ هو النَّزْغُ. وقالَ غَيْرُهُ: { الوَسْوَسَةُ } . وهُما مُتَقارِبانِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ مَتى اسْتَعاذَ بِاَللَّهِ مِن شَرِّ الشَّيْطانِ أعاذَهُ مِنهُ وازْدادَ بَصِيرَةً في رَدِّ وسْواسِهِ والتَّباعُدِ مِمّا دَعاهُ إلَيْهِ، ورَآهُ في أخَسِّ مَنزِلَةٍ وأقْبَحِ صُورَةٍ لِما يَعْلَمُ مِن سُوءِ عاقِبَتِهِ إنْ وافَقَهُ وهَوَّنَ عِنْدَهُ دَواعِيَ شَهْوَتِهِ.
الأعراف 7:202
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: إخْوانُ الشَّياطِينِ في الضَّلالِ يَمُدُّهُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ مُجاهِدٌ: إخْوانُ المُشْرِكِينَ مِنَ الشَّيْطانِ. وسَمّاهم إخْوانًا لِاجْتِماعِهِمْ عَلى الضَّلالَةِ، كالإخْوَةِ مِنَ النَّسَبِ في التَّعاطُفِ بِهِ وحَنِينِ بَعْضِهِمْ إلى (p-٢١٥)بَعْضٍ لِأجْلِهِ، كَما سَمّى المُؤْمِنِينَ إخْوانًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] لِتَعاطُفِهِمْ وتَواصُلِهِمْ بِالدِّينِ؛ فَأخْبَرَ عَنْ حالِ مَنِ اسْتَعاذَ بِاَللَّهِ مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ ووَساوِسِهِ في بَصِيرَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِقُبْحِ ما يَدْعُوهُ إلَيْهِ وتَباعُدِهِ مِنهُ ومِن دَواعِي شَهَواتِهِ بِرُجُوعِهِ إلى اللَّهِ وإلى ذِكْرِهِ. وهَذِهِ الِاسْتِعاذَةُ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِقَوْلِهِ: أعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وجائِزٌ أنْ تَكُونَ بِالفِكْرِ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وفي أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وما يَؤُولُ بِهِ إلَيْهِ الحالُ مِن دَوامِ النَّعِيمِ فَيَهُونُ عِنْدَهُ دَواعِي هَواهُ وحَوادِثُ شَهَواتِهِ ونَزَغاتِ الشَّيْطانِ بِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ والِاسْتِعاذَةِ بِهِ فَقالَ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ فَكُلَّما تَباعَدُوا عَنِ الذِّكْرِ مَضَوْا مَعَ وساوِسِ الشَّيْطانِ وغَيِّهِ غَيْرَ مُقْصِرِينَ عَنْهُ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الأعراف 7:204
بابُ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في الصَّلاةِ وقَرَأ مَعَهُ أصْحابُهُ فَخَلَطُوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾» ورَوى ثابِتُ بْنُ عَجْلانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ قالَ: المُؤْمِنُ في سَعَةٍ مِنَ الِاسْتِماعِ إلَيْهِ إلّا في صَلاةٍ مَفْرُوضَةٍ أوْ يَوْمَ جُمُعَةٍ أوْ فِطْرٍ أوْ أضْحى. ورَوى المُهاجِرُ أبُو مَخْلَدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «كانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إذا صَلّى قَرَأ أصْحابُهُ أجْمَعُونَ خَلْفَهُ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ فَسَكَتَ القَوْمُ وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». ورَوى الشَّعْبِيُّ وعَطاءٌ قالا: في الصَّلاةِ. ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ أبِي حُرَّةَ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
ورَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ قِراءَةَ فَتًى مِنَ الأنْصارِ وهو في الصَّلاةِ يَقْرَأُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ». ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قَرَأ في الصَّلاةِ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ في الصَّلاةِ والخُطْبَةِ. والخُطْبَةُ لا مَعْنى لَها في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ القُرْآنِ في الخُطْبَةِ كَغَيْرِهِ في وُجُوبِ الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وهَذا أيْضًا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لا يُلائِمُ مَعْنى الآيَةِ؛ لِأنَّ الَّذِي في الآيَةِ إنَّما هو أمْرٌ بِالِاسْتِماعِ والإنْصاتِ لِقِراءَةِ غَيْرِهِ، لِاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالِاسْتِماعِ (p-٢١٦)والإنْصاتِ لِقِراءَةِ نَفْسِهِ، إلّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الحَدِيثِ أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّلاةِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَهو في مَعْنى تَأْوِيلِ الآخَرِينَ لَهُ عَلى تَرْكِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ فَقَدْ حَصَلَ مِنَ اتِّفاقِ الجَمِيعِ أنَّهُ قَدْ أُرِيدَ تَرْكُ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ والِاسْتِماعُ والإنْصاتُ لِقِراءَتِهِ. ولَوْ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ السَّلَفِ اتِّفاقُهم عَلى نُزُولِها في وُجُوبِ تَرْكِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ لَكانَتِ الآيَةُ كافِيَةً في ظُهُورِ مَعْناها وعُمُومِ لَفْظِها ووُضُوحِ دَلالَتِها عَلى وُجُوبِ الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ لِقِراءَةِ الإمامِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ وفي غَيْرِها، فَإنْ قامَتْ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ تَرْكِ الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ في غَيْرِها لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ دَلالَتِهِ في إيجابِهِ ذَلِكَ فِيها. وكَما دَلَّتِ الآيَةُ عَلى النَّهْيِ عَنِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ فِيما يَجْهَرُ بِهِ فَهي دالَّةٌ عَلى النَّهْيِ فِيما يُخْفِي؛ لِأنَّهُ أوْجَبَ الِاسْتِماعَ والإنْصاتَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ ولَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ حالَ الجَهْرِ مِنَ الإخْفاءِ، فَإذا جَهَرَ فَعَلَيْنا الِاسْتِماعُ والإنْصاتُ وإذا أخْفى فَعَلَيْنا الإنْصاتُ بِحُكْمِ اللَّفْظِ لِعِلْمِنا بِأنَّهُ قارِئٌ لِلْقُرْآنِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ، فَقالَ أصْحابُنا وابْنُ سِيرِينَ وابْنُ أبِي لَيْلى والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: { لا يَقْرَأُ فِيما جَهَرَ } . وقالَ الشّافِعِيُّ: { يَقْرَأُ فِيما جَهَرَ وفِيما أسَرَّ } . وقالَ مالِكٌ: { يَقْرَأُ فِيما أسَرَّ ولا يَقْرَأُ فِيما جَهَرَ } . وقالَ الشّافِعِيُّ: { يَقْرَأُ فِيما جَهَرَ وفِيما أسَرَّ } في رِوايَةِ المُزَنِيِّ، وفي البُوَيْطِيِّ: { أنَّهُ يَقْرَأُ فِيما أسَرَّ بِأُمِّ القُرْآنِ وسُورَةٍ في الأُولَيَيْنِ وأُمِّ القُرْآنِ في الأُخْرَيَيْنِ وفِيما جَهَرَ فِيهِ الإمامُ لا يَقْرَأُ مَن خَلْفَهُ إلّا بِأُمِّ القُرْآنِ }، قالَ البُوَيْطِيُّ: وكَذَلِكَ يَقُولُ اللَّيْثُ والأوْزاعِيُّ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنّا دَلالَةَ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الإنْصاتِ عِنْدَ قِراءَةِ الإمامِ في حالِ الجَهْرِ والإخْفاءِ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الإنْصاتُ الإمْساكُ عَنِ الكَلامِ والسُّكُوتِ لِاسْتِماعِ القِراءَةِ، ولا يَكُونُ القارِئُ مُنْصِتًا ولا ساكِتًا بِحالٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السُّكُوتَ ضِدُّ الكَلامِ، وهو تَسْكِينُ الآلَةِ عَنِ التَّحْرِيكِ بِالكَلامِ الَّذِي هو حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ مَنظُومَةٌ ضَرْبًا مِنَ النِّظامِ، فَهُما يَتَضادّانِ عَلى المُتَكَلِّمِ بَآلَةِ اللِّسانِ وتَحْرِيكِ الشَّفَةِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُقالُ ساكِتٌ مُتَكَلِّمٌ كَما لا يُقالُ ساكِنٌ مُتَحَرِّكٌ ؟ فَمَن سَكَتَ فَهو غَيْرُ مُتَكَلِّمٍ ومَن تَكَلَّمَ فَهو غَيْرُ ساكِتٍ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ يُسَمّى مُخْفِي القِراءَةِ ساكِتًا إذا لَمْ تَكُنْ قِراءَتُهُ مَسْمُوعَةً؛ كَما رَوى عُمارَةُ عَنْ أبِي زُرْعَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كَبَّرَ سَكَتَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والقِراءَةِ فَقُلْتُ لَهُ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي أرَأيْتُ (p-٢١٧)سَكَتاتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والقِراءَةِ أخْبِرْنِي ما تَقُولُ ؟ قالَ: أقُولُ اللَّهُمَّ باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطايايَ كَما باعَدْتُ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» وذَكَرَ الحَدِيثَ، فَسَمّاهُ ساكِتًا وهو يَدْعُو خَفِيًّا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ السُّكُوتَ إنَّما هو إخْفاءُ القَوْلِ ولَيْسَ يَتْرُكُهُ رَأْسًا. قِيلَ لَهُ: إنَّما سَمَّيْناهُ ساكِتًا مَجازًا؛ لِأنَّ مَن لا يَسْمَعُهُ يَظُنُّهُ ساكِتًا، فَلَمّا أشْبَهَ السّاكِتَ في هَذا الوَجْهِ سَمّاهُ بِاسْمِهِ لِقُرْبِ حالِهِ مِن حالِ السّاكِتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] تَشْبِيهًا بِمَن هَذِهِ حالُهُ، وكَما قالَ في الأصْنامِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] تَشْبِيهًا لَهم بِمَن يَنْظُرُ ولَيْسَ هو بِناظِرٍ في الحَقِيقَةِ.
فَإنْ قِيلَ: لا يَقْرَؤُهُ المَأْمُومُ في حالِ قِراءَةِ الإمامِ وإنَّما يَقْرَأُ في حالِ سُكُوتِهِ، وذَلِكَ لِما رَوى الحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: «كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَكْتَتانِ في صَلاتِهِ إحْداهُما قَبْلَ القِراءَةِ والأُخْرى بَعْدَها»، فَيَنْبَغِي لِلْإمامِ أنْ تَكُونَ لَهُ سَكْتَةٌ قَبْلَ القِراءَةِ لِيَقْرَأ الَّذِينَ أدْرَكُوا أوَّلَ الصَّلاةِ فاتِحَةَ الكِتابِ ثُمَّ يُنْصِتُ لِقِراءَةِ الإمامِ، فَإذا فَرَغَ سَكَتَ سَكْتَةً أُخْرى لِيَقْرَأ مَن لَمْ يُدْرِكْ أوَّلَ الصَّلاةِ فاتِحَةَ الكِتابِ. قِيلَ لَهُ: أمّا حَدِيثُ السَّكْتَتَيْنِ فَهو غَيْرُ ثابِتٍ ولَوْ ثَبَتَ لَمْ يَدُلَّ عَلى ما ذَكَرْتَ؛ لِأنَّ السَّكْتَةَ الأُولى إنَّما هي لِذِكْرِ الِاسْتِفْتاحِ، والثّانِيَةُ إنْ ثَبَتَتْ فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى أنَّها بِمِقْدارِ ما يَقْرَأُ فاتِحَةَ الكِتابِ وإنَّما هي فَصْلٌ بَيْنَ القِراءَةِ وبَيْنَ تَكْبِيرِ الرُّكُوعِ لِئَلّا يَظُنَّ مَن لا يَعْلَمُ أنَّ التَّكْبِيرَ مِنَ القِراءَةِ إذا كانَ مَوْصُولًا بِها، ولَوْ كانَتِ السَّكْتَتانِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما بِمِقْدارِ قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ لَكانَ ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا ونَقْلُهُ شائِعًا ظاهِرًا، فَلَمّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ الِاسْتِفاضَةِ مَعَ عُمُومِ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ إذْ كانَتْ مَفْعُولَةً لِأداءِ فَرْضِ القِراءَةِ مِنَ المَأْمُومِ ثَبَتَ أنَّهُما غَيْرُ ثابِتَتَيْنِ. وأيْضًا فَإنَّ سَبِيلَ المَأْمُومِ أنْ يَتْبَعَ الإمامَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإمامُ تابِعًا لِلْمَأْمُومِ، فَعَلى قَوْلِ هَذا القائِلِ يَسْكُتُ الإمامُ بَعْدَ القِراءَةِ حَتّى يَقْرَأ المَأْمُومُ، وهَذا خِلافُ قَوْلِهِ ﷺ: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَكُونُ الأمْرُ عَلى عَكْسِ ما أمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِن قَوْلِهِ: «وإذا قَرَأ فَأنْصِتُوا» فَأمَرَ المَأْمُومَ بِالإنْصاتِ لِلْإمامِ، وهو يَأْمُرُ الإمامَ بِالإنْصاتِ لِلْمَأْمُومِ ويَجْعَلُهُ تابِعًا لَهُ، وذَلِكَ خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ؛ ألا تَرى أنَّ الإمامَ لَوْ قامَ في الثِّنْتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ ساهِيًا لَكانَ عَلى المَأْمُومِ اتِّباعُهُ، ولَوْ قامَ المَأْمُومُ ساهِيًا لَمْ يَكُنْ عَلى الإمامِ اتِّباعُهُ، ولَوْ سَها المَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدْ هو ولا إمامُهُ لِلسَّهْوِ، ولَوْ سَها الإمامُ ولَمْ يَسْهُ المَأْمُومُ لَكانَ عَلى المَأْمُومِ اتِّباعُهُ ؟ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإمامُ مَأْمُورًا بِالقِيامِ ساكِتًا لِيَقْرَأ المَأْمُومُ.
وقَدْ رُوِيَ في النَّهْيِ عَنِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ آثارٌ مُسْتَفِيضَةٌ عَنِ (p-٢١٨)النَّبِيِّ ﷺ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَمِنها حَدِيثُ قَتادَةَ عَنْ أبِي غَلّابٍ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ حِطّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا قَرَأ الإمامُ فَأنْصِتُوا» وحَدِيثُ ابْنِ عِجْلانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإذا قَرَأ فَأنْصِتُوا». فَهَذانِ الخَبَرانِ يُوجِبانِ الإنْصاتَ عِنْدَ قِراءَةِ الإمامِ. وقَوْلُهُ: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإذا قَرَأ فَأنْصِتُوا» إخْبارٌ مِنهُ أنَّ مِنَ الِائْتِمامِ بِالإمامِ الإنْصاتُ لِقِراءَتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُنْصِتَ الإمامُ لِقِراءَةِ المَأْمُومِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَأْمُورًا بِالإنْصاتِ لَهُ لَكانَ مَأْمُورًا بِالِائْتِمامِ بِهِ، فَيَصِيرُ الإمامُ مَأْمُومًا والمَأْمُومُ إمامًا في حالَةٍ واحِدَةٍ، وهَذا فاسِدٌ.
ومِنها حَدِيثُ جابِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن كانَ لَهُ إمامٌ فَقِراءَةُ الإمامِ لَهُ قِراءَةٌ» رَواهُ جَماعَةٌ عَنْ جابِرٍ، وفي بَعْضِ الألْفاظِ: { إذا كانَ لَكَ إمامٌ فَقِراءَتُهُ لَكَ قِراءَةٌ } . ومِنها حَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ» رَواهُ الحَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى عَنْ عِمْرانَ بْنِ حَصِينٍ. وقَدْ ذَكَرْنا أسانِيدَ هَذِهِ الأخْبارِ في شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحاوِيِّ. ومِنها حَدِيثُ مالِكٍ عَنْ أبِي نُعَيْمٍ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيها بِأُمِّ القُرْآنِ فَهي خِداجٌ وفي بَعْضِها: لَمْ يُصَلِّ إلّا وراءَ الإمامِ» فَأخْبَرَ أنَّ تَرْكَ قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ خَلْفَ الإمامِ لا يُوجِبُ نُقْصانًا في الصَّلاةِ، ولَوْ جازَ أنْ يَقْرَأ لَكانَ تَرْكُها يُوجِبُ نَقْصًا فِيها كالمُنْفَرِدِ.
ورَوى مالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِن صَلاةٍ جَهَرَ فِيها بِالقِراءَةِ، فَقالَ: هَلْ قَرَأ مَعِي أحَدٌ مِنكم آنِفًا ؟ قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: إنِّي أقُولُ ما لِي أُنازَعُ القُرْآنَ قالَ: فانْتَهى النّاسُ عَنِ القِراءَةِ فِيما جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» هَلْ قَرَأ مَعِي أحَدٌ مِنكم؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القارِئَ خَلْفَهُ أخْفى قِراءَتَهُ ولَمْ يَجْهَرْ بِها؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ جَهَرَ بِها لَما قالَ: «هَلْ قَرَأ مَعِي أحَدٌ مِنكم» ثُمَّ قالَ: «إنِّي أقُولُ ما لِي أُنازَعُ القُرْآنَ»، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى اسْتِواءِ حُكْمِ الصَّلاةِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيها واَلَّتِي تُخافِتُ لِإخْبارِهِ أنَّ قِراءَةَ المَأْمُومِ هي المُوجِبَةُ لِمُنازَعَةِ القُرْآنِ.
وأمّا قَوْلُهُ: { فانْتَهى النّاسُ عَنِ القِراءَةِ فِيما جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ } فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِمَن أجازَ القِراءَةَ خَلْفَ الإمامِ فِيما يُسَرُّ فِيهِ، مِن قِبَلِ أنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الرّاوِي وتَأْوِيلٌ مِنهُ، ولَيْسَ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ حالِ الجَهْرِ والإخْفاءِ. ومِنها حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ أبِي إسْحاقَ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ أبِي الأحْوَصَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا نَقْرَأُ (p-٢١٩)خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: خَلَطْتُمْ عَلَيَّ القُرْآنَ». وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ حالِ الجَهْرِ والإخْفاءِ؛ إذْ لَمْ يَذْكُرْ فَرْقًا بَيْنَهُما.
ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وكانَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: هَلْ قَرَأ مَعِي أحَدٌ آنِفًا في الصَّلاةِ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فَإنِّي أقُولُ ما لِي أُنازَعُ القُرْآنَ»، قالَ: فانْتَهى النّاسُ عَنِ القِراءَةِ مَعَهُ مُنْذُ قالَ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ في هَذا الحَدِيثِ عَنْ تَرْكِهِمُ القِراءَةَ خَلْفَهُ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الجَهْرِ والإخْفاءِ؛ فَهَذِهِ الأخْبارُ كُلُّها تُوجِبُ النَّهْيَ عَنِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ فِيما يَجْهَرُ فِيهِ أوْ يُسِرُّ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ جُلَّةِ الصَّحابَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ وإظْهارِ النَّكِيرِ عَلى فاعِلِهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ شائِعًا لَما خَفِيَ أمْرُهُ عَلى الصَّحابَةِ لِعُمُومِ الحاجَةِ إلَيْهِ، ولَكانَ مِنَ الشّارِعِ تَوْقِيفٌ لِلْجَماعَةِ عَلَيْهِ ولَعَرَفُوهُ كَما عَرَفُوا القِراءَةَ في الصَّلاةِ، إذْ كانَتِ الحاجَةُ إلى مَعْرِفَةِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ كَهي إلى القِراءَةِ في الصَّلاةِ لِلْمُنْفَرِدِ أوِ الإمامِ، فَلَمّا رُوِيَ عَنْ جُلَّةِ الصَّحابَةِ إنْكارُ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ ثَبَتَ أنَّها غَيْرُ جائِزَةٍ. فَمِمَّنْ نَهى عَنِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وسَعْدٌ وجابِرٌ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو الدَّرْداءِ وأبُو سَعِيدٍ وابْنُ عُمَرَ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأنَسٌ. رَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى عَنْ عَلِيٍّ قالَ: مَن قَرَأ خَلْفَ الإمامِ فَقَدْ أخْطَأ الفِطْرَةَ. ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: مَن قَرَأ خَلْفَ الإمامِ مُلِئَ فُوهُ تُرابًا. ورَوى وكِيعٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُوسى بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: مَن قَرَأ خَلْفَ الإمامِ فَلا صَلاةَ لَهُ. وقالَ أبُو حَمْزَةَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أقْرَأُ خَلْفَ الإمامِ ؟ قالَ: لا. وقالَ أبُو سَعِيدٍ: يَكْفِيكَ قِراءَةُ الإمامِ. قالَ أنَسٌ: القِراءَةُ خَلْفَ الإمامِ التَّسْبِيحُ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: التَّسْبِيحُ في الرُّكُوعِ وذِكْرُ الِاسْتِفْتاحِ. وقالَ مَنصُورٌ عَنْ إبْراهِيمَ: ما سَمِعْنا بِالقِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ حَتّى كانَ المُخْتارُ الكَذّابُ فاتَّهَمُوهُ فَقَرَءُوا خَلْفَهُ. وقالَ سَعْدٌ: ودِدْتُ أنَّ الَّذِي يَقْرَأُ خَلْفَ الإمامِ في فِيهِ جَمْرَةٌ. واحْتَجَّ مُوجِبُو القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الفَجْرِ فَتَعامى عَلَيْهِ القِراءَةُ، فَلَمّا سَلَّمَ قالَ: أتَقْرَءُونَ خَلْفِي ؟ قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لا تَفْعَلُوا إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَإنَّهُ لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ بِها». وهَذا حَدِيثٌ مُضْطَرِبُ السَّنَدِ مُخْتَلَفٌ في رَفْعِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ رَواهُ صَدَقَةُ بْنُ خالِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ واقِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ نافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُبادَةَ، ونافِعُ بْنُ مَحْمُودٍ هَذا مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ. وقَدْ (p-٢٢٠)رَوى هَذا الحَدِيثَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ مَوْقُوفًا عَلى عُبادَةَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ . وقَدْ رَوى أيُّوبٌ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ أنَسٍ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقالَ: أتَقْرَءُونَ والإمامُ يَقْرَأُ ؟ فَسَكَتُوا، فَسَألَهم ثَلاثًا فَقالُوا: إنّا لَنَفْعَلُ، فَقالَ: لا تَفْعَلُوا» فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اسْتِثْناءَ فاتِحَةِ الكِتابِ. وإنَّما أصْلُ حَدِيثِ عُبادَةَ ما رَواهُ يُونُسُ عَنِ ابْنِ هِشامٍ قالَ: أخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأِ القُرْآنَ» . فَلَمّا اضْطَرَبَ حَدِيثُ عُبادَةَ هَذا الِاضْطِرابَ في السَّنَدِ والرَّفْعِ والمُعارَضَةِ لَمْ يَجُزِ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ والآثارِ الصِّحاحِ النّافِيَةِ لِلْقِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: «لا صَلاةَ إلّا بِأُمِّ القُرْآنِ» فَلَيْسَ فِيهِ إيجابُ قِراءَتِها خَلْفَ الإمامِ؛ لِأنَّ هَذِهِ صَلاةٌ بِأُمِّ القُرْآنِ؛ إذْ كانَتْ قِراءَةُ الإمامِ لَهُ قِراءَةٌ، وكَذَلِكَ حَدِيثُ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى هِشامِ بْنِ زُهْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن صَلّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيها بِأُمِّ القُرْآنِ فَهي خِداجٌ غَيْرُ تَمامٍ فَقُلْتُ: يا أبا هُرَيْرَةَ إنِّي أكُونُ أحْيانًا خَلْفَ الإمامِ ؟ فَغَمَزَ ذِراعِي وقالَ: اقْرَأْ بِها يا فارِسِيُّ في نَفْسِكَ» . فَلا حُجَّةَ لَهم فِيهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنَّها خِداجٌ والخِداجُ إنَّما هو النُّقْصانُ، ويَدُلُّ عَلى الجَوازِ لِوُقُوعِ اسْمِ الصَّلاةِ عَلَيْها، وأيْضًا فَإنَّهُ في المُنْفَرِدِ لِيَجْمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الآيَةِ، والأخْبارُ الَّتِي قَدَّمْناها في نَفْيِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ.
وأمّا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ: اقْرَأْ بِها في نَفْسِكَ فَإنَّهُ لَمْ يَعْزُ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقَوْلُهُ لا تَثْبُتُ بِهِ حُجَّةٌ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ أخْبارَنا أوْلى اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى اسْتِعْمالِها في النَّهْيِ عَنِ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ في حالِ جَهْرِ الإمامِ، وخَبَرُهم مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَكانَ ما اتَّفَقُوا عَلى اسْتِعْمالِهِ في حالٍ أوْلى مِمّا اخْتُلِفَ فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: تُسْتَعْمَلُ الأخْبارُ كُلُّها، فَيَكُونُ أخْبارُ النَّهْيِ فِيما عَدا فاتِحَةَ الكِتابِ وأخْبارُ الأمْرِ بِالقِراءَةِ في فاتِحَةِ الكِتابِ. قِيلَ لَهُ: هَذا يَبْطُلُ بِما ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن قَوْلِهِ: «عَلِمْتُ أنَّ بَعْضَكم خالَجَنِيها» وقَوْلُهُ: «ما لِي أُنازَعُ القُرْآنَ» والقُرْآنُ لا يَخْتَصُّ بِفاتِحَةِ الكِتابِ دُونَ غَيْرِها، فَعَلِمْنا أنَّهُ أرادَ الجَمِيعَ. وقالَ في حَدِيثِ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «كُلُّ صَلاةٍ لا يُقْرَأُ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَهي خِداجٌ إلّا وراءَ الإمامِ» فَنَصَّ عَلى تَرْكِها خَلْفَ الإمامِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ تَأْوِيلَكَ وقَوْلَكَ بِاسْتِعْمالِ الأخْبارِ بَلْ أنْتَ رادُّها غَيْرُ مُسْتَعْمِلٍ لَها.
فَإنْ قِيلَ: ما اسْتَدْلَلْتُ بِهِ مِن قَوْلِ الصَّحابَةِ لا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأنَّهم قَدْ خالَفَهم نُظَراؤُهم، فَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ الشَّيْبانِيُّ عَنْ جَوابٍ (p-٢٢١)عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أوَسَمِعْتُ رَجُلًا قالَ لَهُ اقْرَأْ خَلْفَ الإمامِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قُلْتُ: وإنْ قَرَأ ؟ قالَ: وإنْ قَرَأ.
ورَوى شُعْبَةُ عَنْ أبِي الفَيْضِ عَنْ أبِي شَيْبَةَ، قالَ مُعاذٌ: إذا كُنْتَ تَسْمَعُ قِراءَةَ الإمامِ فاقْرَأْ بِقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ونَحْوِها، وإذا لَمْ تَسْمَعْ قِراءَتَهُ فَفي نَفْسِكَ. ورَوى أشْعَثُ عَنِ الحَكَمِ وحَمّادٌ: أنَّ عَلِيًّا كانَ يَأْمُرُ بِالقِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ.
ورَوى لَيْثٌ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا تَدَعْ أنْ تَقْرَأ بِفاتِحَةِ الكِتابِ جَهَرَ الإمامُ أوْ لَمْ يَجْهَرْ. فَإذا كانَ هَؤُلاءِ الصَّحابَةُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُمُ القِراءَةُ خَلْفَ الإمامِ ورُوِيَ عَنْهم تَرْكُها فَكَيْفَ تَثْبُتُ بِهِ حُجَّةٌ ؟ قِيلَ لَهُ: أمّا حَدِيثُ عُمَرَ ومُعاذٍ فَمَجْهُولُ السَّنَدِ لا تَثْبُتُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ، وحَدِيثُ عَلِيٍّ إنَّما هو عَنِ الحَكَمِ وحَمّادٍ ومُخالِفُنا لا يَقْبَلُ مِثْلَهُ لِإرْسالِهِ، وحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا رَواهُ لَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ وهو ضَعِيفٌ، وقَدْ رَوى عَنْهُ أبُو حَمْزَةَ النَّهْيَ.
ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنِ احْتِجاجُنا مِن جِهَةِ قَوْلِ الصَّحابَةِ فَحَسْبُ وإنَّما قُلْنا إنَّ ما كانَ هَذا سَبِيلُهُ مِنَ الفُرُوضِ الَّتِي عَمَّتِ الحاجَةُ إلَيْهِ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يُخَلِّيهِمْ مِن تَوْقِيفٍ لَهم عَلى إيجابِهِ، فَلَمّا وجَدْناهم قائِلِينَ بِالنَّهْيِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ تَوْقِيفٌ لِلْكافَّةِ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ. ولا يَصِيرُ قَوْلُ مَن قالَ مِنهم بِإيجابِهِ قادِحًا فِيما ذَكَرْنا، مِن قَبْلُ أنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَوْقِيفٌ عَلَيْهِ لِلْكافَّةِ، فَذَهَبَ مِنهم ذاهِبُونَ إلى إيجابِ قِراءَتِها بِتَأْوِيلٍ أوْ قِياسٍ، ومِثْلُ ذَلِكَ طَرِيقَةُ تَوْقِيفِ الكافَّةِ ونَقْلُ الأُمَّةِ. ويَدُلُّ عَلى نَفْيِ وُجُوبِها اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ مُدْرِكَ الإمامِ في الرُّكُوعِ يُتابِعُهُ مَعَ تَرْكِ القِراءَةِ، فَلَوْ كانَتْ فَرْضًا لَما جازَ تَرْكُها بِحالٍ، كالطَّهارَةِ وسائِرِ أفْعالِ الصَّلاةِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما جازَ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ وهو خَوْفُ فَواتِ الرَّكْعَةِ. قِيلَ لَهُ خَوْفُ فَواتِ الرَّكْعَةِ لَيْسَ بِضَرُورَةٍ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ فِعْلَ الصَّلاةِ خَلْفَ الإمامِ لَيْسَ بِفَرْضٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَلّاها مُنْفَرِدًا أجْزَأْهُ، وإنَّما هو فَضِيلَةٌ، فَإذًا خَوْفُ فَواتِها لَيْسَ بِضَرُورَةٍ في تَرْكِها. وأيْضًا فَإنَّهُ لَوْ كانَ مُحْدِثًا لَمْ يَكُنْ خَوْفُ فَواتِ الجَماعَةِ مُبِيحًا لِتَرْكِ الطَّهارَةِ، وكَذَلِكَ لَوْ أدْرَكَهُ في السُّجُودِ لَمْ تَكُنْ لَهُ ضَرُورَةٌ في جَوازِ سُقُوطِ الرُّكُوعِ، فَلَمّا جازَ تَرْكُ القِراءَةِ في هَذِهِ الحالِ دُونَ سائِرِ الفُرُوضِ دَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِفَرْضٍ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِفَرْضٍ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ مَن كانَ خَلْفَ الإمامِ في الصَّلاةِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيها لا يَقْرَأُ السُّورَةَ مَعَ الفاتِحَةِ، فَلَوْ كانَتِ القِراءَةُ فَرْضًا لَكانَ مِن سُنَنِها قِراءَةُ السُّورَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ المَأْمُومَ لا يَجْهَرُ بِها في الصَّلَواتِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيها بِالقِراءَةِ، ولَوْ كانَتْ فَرْضًا لَجَهَرَ بِها كالإمامِ؛ (p-٢٢٢)وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِفَرْضٍ؛ إذْ كانَتْ صَلاةُ جَماعَةٍ مِنَ الصَّلَواتِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيها بِالقِراءَةِ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُ الإمامِ والمَأْمُومِ في الجَهْرِ والإخْفاءِ لَوْ كانَتْ فَرْضًا عَلَيْهِ كَهي عَلى الإمامِ
الأعراف 7:205
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: الذِّكْرُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: الفِكْرُ في عَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ ودَلائِلِ قُدْرَتِهِ وآياتِهِ، وهَذا أفْضَلُ الأذْكارِ؛ إذْ بِهِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلى سائِرِ الأذْكارِ سِواهُ، وبِهِ يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ. والذِّكْرُ الآخَرُ: القَوْلُ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الذِّكْرُ دُعاءً وقَدْ يَكُونُ ثَناءً عَلى اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ قِراءَةً لِلْقُرْآنِ ويَكُونُ دُعاءً لِلنّاسِ إلى اللَّهِ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ الذِّكْرَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الفِكْرِ والقَوْلِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ هو الفِكْرُ في دَلائِلِ اللَّهِ وآياتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ فِيهِ نَصَّ عَلى الذِّكْرِ بِاللِّسانِ، وهَذا الذِّكْرُ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قِراءَةُ القُرْآنِ وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ الدُّعاءَ، فَيَكُونَ الأفْضَلُ في الدُّعاءِ الإخْفاءَ، عَلى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وإنْ أرادَ بِهِ قِراءَةَ القُرْآنِ كانَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠] وقِيلَ: إنَّما كانَ إخْفاءُ الدُّعاءِ أفْضَلَ؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الرِّياءِ وأقْرَبُ مِنَ الإخْلاصِ وأجْدَرُ بِالِاسْتِجابَةِ؛ إذْ كانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُسْتَمِعِ لِلْقُرْآنِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمَعْنى عامٌّ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] وقالَ قَتادَةُ: الآصالُ العَشِيّاتُ.
الأنفال 8:16
الكَلامُ في الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ رَوى أبُو نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ أبُو نَضْرَةَ: { لِأنَّهم لَوِ انْحازُوا يَوْمَئِذٍ لانْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمٌ غَيْرُهم } . وهَذا الَّذِي قالَهُ أبُو نَضْرَةَ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ بِالمَدِينَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الأنْصارِ ولَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالخُرُوجِ ولَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ أنَّهُ يَكُونُ قِتالٌ، وإنَّما ظَنُّوا أنَّها العِيرُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَن خَفَّ مَعَهُ. فَقَوْلُ أبِي نَضْرَةَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مُسْلِمٌ غَيْرَهم وإنَّهم لَوِ انْحازُوا انْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ غَلَطٌ لِما وصَفْنا. وقَدْ قِيلَ إنَّهم لَمْ يَكُنْ جائِزًا لَهُمُ الِانْحِيازُ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهم كانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَكُنِ الِانْحِيازُ جائِزًا لَهم عَنْهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لَهم أنْ يَخْذُلُوا نَبِيَّهم ﷺ ويَنْصَرِفُوا عَنْهُ ويُسْلِمُوهُ، وإنْ كانَ اللَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِهِ وعَصَمَهُ مِنَ النّاسِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وكانَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ قَلَّتْ أعْداؤُهم أوْ كَثُرُوا.
وأيْضًا فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ فِئَةَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، ومَن كانَ بِمُنْحازٍ عَنِ القِتالِ فَإنَّما كانَ يَجُوزُ لَهُ الِانْحِيازُ عَلى شَرْطِ أنْ يَكُونَ انْحِيازُهُ إلى فِئَةٍ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ فِئَتَهم يَوْمَئِذٍ ولَمْ تَكُنْ لَهم فِئَةٌ غَيْرَهُ. «قالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ في جَيْشٍ فَحاصَ النّاسُ حَيْصَةً واحِدَةً، ورَجَعْنا إلى المَدِينَةِ فَقُلْنا: نَحْنُ الفَرّارُونَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أنا فِئَتُكم». فَمَن كانَ بِالبُعْدِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إذا انْحازَ عَنِ الكُفّارِ فَإنَّما كانَ يَجُوزُ لَهُ الِانْحِيازُ إلى فِئَةٍ وهو النَّبِيُّ ﷺ وإذا كانَ مَعَهم في القِتالِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ فِئَةٌ غَيْرَهُ يَنْحازُونَ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لَهُمُ الفِرارُ.
وقالَ الحَسَنُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قالَ: { شَدَدْتُ عَلى أهْلِ بَدْرٍ }، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] وذَلِكَ لِأنَّهم فَرُّوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وكَذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَرُّوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ عَلى (p-٢٢٧)ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] فَهَذا كانَ حُكْمُهم؛ إذْ كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَلَّ عَدَدُ العَدُوِّ أوْ كَثُرَ؛ إذْ لَمْ يَحُدَّ اللَّهُ فِيهِ شَيْئًا، وقالَ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٦٥] هَذا واَللَّهُ أعْلَمُ في الحالِ الَّتِي لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ حاضِرًا مَعَهم، فَكانَ عَلى العِشْرِينَ أنْ يُقاتِلُوا المِائَتَيْنِ ولا يَهْرُبُوا عَنْهم، فَإذا كانَ عَدَدُ العَدُوِّ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ أباحَ لَهُمُ التَّحَيُّزَ إلى فِئَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ نُصْرَةٌ لِمُعاوَدَةِ القِتالِ.
ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٦] فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كَتَبَ عَلَيْكم أنْ لا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] الآيَةَ، فَكَتَبَ عَلَيْكم أنْ لا يَفِرَّ مِائَةٌ مِن مِائَتَيْنِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ فَرَّ رَجُلٌ مِن رَجُلَيْنِ فَقَدْ فَرَّ وإنَّ فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ قالَ الشَّيْخُ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ فَقَدْ فَرَّ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ المُرادُ بِالآيَةِ، واَلَّذِي في الآيَةِ إيجابُ فَرْضِ القِتالِ عَلى الواحِدِ لِرَجُلَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، فَإنْ زادَ عَدَدُ الكُفّارِ عَلى اثْنَيْنِ فَجائِزٌ حِينَئِذٍ لِلْواحِدِ التَّحَيُّزُ إلى فِئَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيها نُصْرَةٌ، فَأمّا إنْ أرادَ الفِرارَ لِيَلْحَقَ بِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لا نُصْرَةَ مَعَهم فَهو مِن أهْلِ الوَعِيدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ» .
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ أبا عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ اسْتَقْتَلَ يَوْمَ الجَيْشِ حَتّى قُتِلَ ولَمْ يَنْهَزِمْ رَحِمَ اللَّهُ أبا عُبَيْدٍ لَوِ انْحازَ إلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةً فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ أصْحابُ أبِي عُبَيْدٍ قالَ: أنا فِئَةٌ لَكم، ولَمْ يُعَنِّفْهم. وهَذا الحُكْمُ عِنْدَنا ثابِتٌ ما لَمْ يَبْلُغْ عَدَدُ جَيْشِ المُسْلِمِينَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا لا يَجُوزُ لَهم أنْ يَنْهَزِمُوا عَنْ مِثْلَيْهِمْ إلّا مُتَحَرِّفِينَ لِقِتالٍ، وهو أنْ يَصِيرُوا مِن مَوْضِعٍ إلى غَيْرِهِ مُكايِدِينَ لِعَدُوِّهِمْ مِن نَحْوِ خُرُوجٍ مِن مَضِيقٍ إلى فُسْحَةٍ أوْ مِن سَعَةٍ إلى مَضِيقٍ أوْ يَكْمُنُوا لِعَدُوِّهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ فِيهِ انْصِرافٌ عَنِ الحَرْبِ، أوْ مُتَحَيِّزِينَ إلى فِئَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يُقاتِلُونَهم مَعَهم. فَإذا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فَإنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ ذَكَرَ أنَّ الجَيْشَ إذا بَلَغُوا كَذَلِكَ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَفِرُّوا مِن عَدُوِّهِمْ وإنْ كَثُرَ عَدَدُهم، ولَمْ يَذْكُرْ خِلافًا بَيْنَ أصْحابِنا فِيهِ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ (p-٢٢٨)عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ الأصْحابِ أرْبَعَةٌ وخَيْرُ السَّرايا أرْبَعُ مِائَةٍ وخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ، ولَنْ يُؤْتى اثْنا عَشَرَ ألْفًا مِن قِلَّةٍ ولَنْ يُغْلَبَ، وفي بَعْضِها: ما غُلِبَ قَوْمٌ يَبْلُغُونَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا إذا اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم». وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ أنَّ مالِكًا سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: أيَسَعُنا التَّخَلُّفُ عَنْ قِتالِ مَن خَرَجَ عَنْ أحْكامِ اللَّهِ وحَكَمَ بِغَيْرِها ؟ فَقالَ لَهُ مالِكٌ: إنْ كانَ مَعَكَ اثْنا عَشَرَ ألْفًا مِثْلَكَ لَمْ يَسَعْكَ التَّخَلُّفُ وإلّا فَأنْتَ في سَعَةٍ مِنَ التَّخَلُّفِ؛ وكانَ السّائِلُ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. وهَذا المَذْهَبُ مُوافِقٌ لِما ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ. واَلَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فَهو أصْلٌ في هَذا البابِ وإنْ كَثُرَ عَدَدُ المُشْرِكِينَ، فَغَيْرُ جائِزٍ لَهم أنْ يَفِرُّوا مِنهم وإنْ كانُوا أضْعافَهم، لِقَوْلِهِ ﷺ: { إذا اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم } وقَدْ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ جَمْعَ كَلِمَتِهِمْ.
الأنفال 8:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ قِيلَ في الفِتْنَةِ وُجُوهٌ:
فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] وقالَ الحَسَنُ: { الفِتْنَةُ البَلِيَّةُ } . وقِيلَ: هي العَذابُ. وقِيلَ: هي الفَرَحُ الَّذِي يَرْكَبُ النّاسَ فِيهِ بِالظُّلْمِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. ونَحْوُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ «أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ» . ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعاصِي وهم أكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُ فَلَمْ يُنْكِرُوا إلّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ» فَحَذَّرَنا اللَّهُ مِن عَذابٍ يَعُمُّ الجَمِيعَ مِنَ العاصِينَ ومَن لَمْ يَعْصِ إذا لَمْ يُنْكِرْهُ. وقِيلَ إنَّما يَعُمُّ مِن قِبَلِ أنَّ الفَرَحَ والفِتْنَةَ إذا وقَعا دَخَلَ ضَرَرُهُما عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم.
الأنفال 8:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يَعْنِي ما كانَ لِيُعَذِّبَهم عَذابَ الِاسْتِيصالِ وأنْتَ فِيهِمْ؛ لِأنَّهُ ﷺ بُعِثَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ولا يُعَذَّبُونَ وهو فِيهِمْ حَتّى يَسْتَحِقُّوا سَلْبَ النِّعْمَةِ فَيَعُمَّهم بِالعَذابِ بَعْدَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَيْنِهِمْ، ألا تَرى أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ لَمّا اسْتَحَقُّوا الِاسْتِيصالَ أمَرَ اللَّهُ أنْبِياءَهُ بِالخُرُوجِ مِن بَيْنِهِمْ نَحْوَ لُوطٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: { لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ بَقِيَتْ فِيها بَقِيَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ } وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: { أنْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ يُعَذِّبْهم } . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الأنفال: ٣٤] وهَذا العَذابُ غَيْرُ العَذابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّ هَذا عَذابُ الآخِرَةِ (p-٢٢٩)والأوَّلَ عَذابُ الِاسْتِيصالِ في الدُّنْيا.
الأنفال 8:34
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ما قالَ الحَسَنُ إنَّهم قالُوا نَحْنُ أوْلِياءُ المَسْجِدِ الحَرامِ فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ والوَجْهُ الآخَرُ: ما كانُوا أوْلِياءَ اللَّهِ إنْ أوْلِياءُ اللَّهِ إلّا المُتَّقُونَ فَإذا أُرِيدَ بِهِ أوْلِياءُ المَسْجِدِ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مَمْنُوعُونَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ والقِيامِ بِعِمارَتِهِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧]
الأنفال 8:35
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ قِيلَ: المُكاءُ الصَّفِيرُ والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ التَّصْدِيَةَ صَدُّهم عَنِ البَيْتِ الحَرامِ. وسُمِّيَ المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ صَلاةً لِأنَّهم كانُوا يُقِيمُونَ الصَّفِيرَ والتَّصْفِيقَ مَقامَ الدُّعاءِ والتَّسْبِيحِ. وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ في صَلاتِهِمْ.
الأنفال 8:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: { حَتّى لا يَكُونَ شِرْكٌ } . وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: { حَتّى لا يُفْتَتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ } . والفِتْنَةُ هاهُنا جائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِها الكُفْرَ وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِها البَغْيَ والفَسادَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ إنَّما سُمِّيَ فِتْنَةً لِما فِيهِ مِنَ الفَسادِ، فَتَنْتَظِمُ الآيَةُ قِتالَ الكُفّارِ وأهْلِ البَغْيِ وأهْلِ العَبَثِ والفَسادِ، وهي تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ قِتالِ الفِئَةِ الباغِيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ قِتالِ سائِرِ أصْنافِ أهْلِ الكُفْرِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وهم أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ، فَإنَّهم يُقِرُّونَ بِالجِزْيَةِ. ويَحْتَجُّ بِهِ مَن يَقُولُ لا يُقَرُّ سائِرُ الكُفّارِ عَلى دِينِهِمْ بِالذِّمَّةِ إلّا هَؤُلاءِ الأصْنافُ الثَّلاثَةُ، لِقِيامِ الدَّلالَةِ عَلى جَوازِ إقْرارِها بِالجِزْيَةِ.
الأنفال 8:41
سُورَةُ اَلْأنْفالِ
﷽
قالَ أبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ: الأنْفالُ الغَنائِمُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى عَنْ عَطاءٍ أنَّ الأنْفالَ ما يَصِلُ إلى المُسْلِمِينَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِغَيْرِ قِتالٍ مِن دابَّةٍ أوْ عَبْدٍ أوْ مَتاعٍ، فَذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَضُعُهُ حَيْثُ يَشاءُ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: إنَّ الأنْفالَ الخُمُسُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الخُمُسِ.
وقالَ الحَسَنُ: كانَتِ الأنْفالُ مِنَ السَّرايا الَّتِي تَتَقَدَّمُ أمامَ الجَيْشِ الأعْظَمِ.
والنَّفَلُ في اللُّغَةِ الزِّيادَةُ عَلى المُسْتَحَقِّ، ومِنهُ النّافِلَةُ وهي التَّطَوُّعُ؛ وهو عِنْدَنا إنَّما يَكُونُ قَبْلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ فَأمّا بَعْدَهُ فَلا يَجُوزُ إلّا مِنَ الخُمُسِ، وذَلِكَ بِأنْ يَقُولَ لِلسَّرِيَّةِ: لَكُمُ الرُّبُعُ بَعْدَ الخُمُسِ أوِ الرُّبُعُ حِيزَ مِنَ الجَمِيعِ قَبْلَ (p-٢٢٣)الخُمُسِ، أوْ يَقُولَ: مَن أصابَ شَيْئًا فَهو لَهُ، عَلى وجْهِ التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ والتَّضْرِيَةِ عَلى العَدُوِّ؛ أوْ يَقُولَ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وأمّا بَعْدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُنَفِّلَ مِن نَصِيبِ الجَيْشِ، ويَجُوزُ لَهُ أنْ يُنَفِّلَ مِنَ الخُمُسِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، فَرُوِيَ عَنْ «سَعْدٍ قالَ: أصَبْتُ يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفًا، فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: نَفِّلْنِيهِ فَقالَ: ضَعْهُ مِن حَيْثُ أخَذْتَ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] قالَ: فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اذْهَبْ وخُذْ سَيْفَكَ». ورَوى مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] قالَ: { الأنْفالُ الغَنائِمُ الَّتِي كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً لَيْسَ لِأحَدٍ فِيها شَيْءٌ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ الآيَةُ }؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أخْبَرَنِي بِذَلِكَ سُلَيْمانُ عَنْ مُجاهِدٍ.
ورَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ يَوْمَ بَدْرٍ أنْفالًا مُخْتَلِفَةً وقالَ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ» فاخْتَلَفَ الصَّحابَةُ فَقالَ بَعْضُهم نَحْوَ ما قُلْنا، وقالَ آخَرُونَ: نَحْنُ حَمَيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وكُنّا رِدْءًا لَكم، قالَ: فَلَمّا اخْتَلَفْنا وساءَتْ أخْلاقُنا انْتَزَعَهُ اللَّهُ مِن أيْدِينا فَجَعَلَهُ إلى رَسُولِهِ فَقَسَمَهُ عَنِ الخُمُسِ، وكانَ في ذَلِكَ تَقْوى وطاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصَلاحُ ذاتِ البَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] قالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِيَرُدَّ قَوِيُّ المُسْلِمِينَ عَلى ضَعِيفِهِمْ» .
ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمْ تَحِلَّ الغَنِيمَةُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ قَبْلَكم، كانَتْ تَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُها فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ أسْرَعَ النّاسُ في الغَنائِمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]» قَدْ ذُكِرَ في حَدِيثِ عُبادَةَ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ: «مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ ومَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا» ويُقالُ إنَّ هَذا غَلَطٌ، وإنَّما قالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَمْ تَحِلَّ الغَنائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ غَيْرِكم» وأنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] نَزَلَتْ بَعْدَ حِيازَةِ غَنائِمِ بَدْرٍ، فَعَلِمْنا أنَّ رِوايَةَ مَن رَوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَلَهم ما أصابُوا قَبْلَ القِتالِ غَلَطٌ؛ إذْ كانَتْ إباحَتُها إنَّما كانَتْ بَعْدَ القِتالِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى غَلَطِهِ أنَّهُ قالَ: «مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ ومَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا ثُمَّ قَسَمَها بَيْنَهم بِالسَّواءِ»؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ خَلْفُ الوَعْدِ ولا اسْتِرْجاعُ ما جَعَلَهُ لِإنْسانٍ وأخْذُهُ مِنهُ وإعْطاؤُهُ غَيْرَهُ؛ والصَّحِيحُ (p-٢٢٤)أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلٌ في الغَنائِمِ قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنَ القِتالِ تَنازَعُوا في الغَنائِمِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] فَجَعَلَ أمْرَها إلى النَّبِيِّ ﷺ في أنْ يَجْعَلَها لِمَن شاءَ، فَيَقْسِمَها بَيْنَهم بِالسَّواءِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، فَجَعَلَ الخُمُسَ لِأهْلِهِ المُسْلِمِينَ في الكِتابِ، والأرْبَعَةَ الأخْماسَ لِلْغانِمِينَ، وبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ سَهْمَ الفارِسِ والرّاجِلِ، وبَقِيَ حُكْمُ النَّفْلِ قَبْلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ بِأنْ يَقُولَ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ومَن أصابَ شَيْئا فَهو لَهُ» ومِنَ الخُمُسِ وما شَذَّ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن غَيْرِ قِتالٍ فَكُلُّ ذَلِكَ كانَ نَفْلًا لِلنَّبِيِّ ﷺ يَجْعَلُهُ لِمَن يَشاءُ؛ وإنَّما وقَعَ النَّسْخُ في النَّفْلِ بَعْدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ مِن غَيْرِ الخُمُسِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ قِسْمَةَ غَنائِمِ بَدْرٍ إنَّما كانَتْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ قِسْمَتَها لا عَلى قِسْمَتِها الآنَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَها بَيْنَهم بِالسَّواءِ ولَمْ يُخْرِجْ مِنها الخُمُسَ، ولَوْ كانَتْ مَقْسُومَةً قِسْمَةَ الغَنائِمِ الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْها الحُكْمُ لِعَزْلِ الخُمُسِ لِأهْلِهِ ولِفَضْلِ الفارِسِ عَلى الرّاجِلِ؛ وقَدْ كانَ في الجَيْشِ فَرَسانِ أحَدُهُما لِلنَّبِيِّ ﷺ والآخَرُ لِلْمِقْدادِ قَسَما الجَمِيعَ بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ عَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] قَدِ اقْتَضى تَفْوِيضَ أمْرِها إلَيْهِ لَيُعْطِيَها مَن يَرى، ثُمَّ نُسِخَ النَّفَلُ بَعْدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ وبَقِيَ حُكْمُهُ قَبْلَ إحْرازِها عَلى جِهَةِ تَحْرِيضِ الجَيْشِ والتَّضْرِيَةِ عَلى العَدُوِّ وما لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ وما لا يَحْتَمِلُ القَسْمَ ومِنَ الخُمُسِ عَلى ما شاءَ ويَدُلُّ عَلى أنَّ غَلَطَ الرِّوايَةِ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: «مَن أصابَ شَيْئًا فَهو لَهُ» وأنَّهُ نَفَلَ القاتِلَ وغَيْرَهُ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «جِئْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفٍ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ شَفى صَدْرِي اليَوْمَ مِنَ العَدُوِّ فَهَبْ لِي هَذا السَّيْفَ فَقالَ: إنَّ هَذا السَّيْفَ لَيْسَ لِي ولا لَكَ، فَذَهَبْتُ وأنا أقُولُ يُعْطاهُ اليَوْمَ مَن لَمْ يُبْلِ بَلائِي؛ فَبَيْنا أنا؛ إذْ جاءَنِي الرَّسُولُ فَقالَ: أجِبْ فَظَنَنْتُ أنَّهُ نَزَلَ في شَيْءٍ بِكَلامِي، فَجِئْتُ فَقالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّكَ سَألْتَنِي هَذا السَّيْفَ ولَيْسَ هو لِي ولا لَكَ وإنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُ لِي فَهو لَكَ ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولا لِسَعْدٍ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ الأنْفالِ، وأخْبَرَ أنَّهُ لَمّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ آثَرَهُ بِهِ؛» وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ رِوايَةِ مَن رَوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَهم قَبْلَ القِتالِ وقالَ مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] (p-٢٢٥)فِي هَذِهِ القِصَّةِ ضُرُوبٌ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، أحَدُها: إخْبارُهُ إيّاهم بِأنَّ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ لَهم، وهي عِيرُ قُرَيْشٍ الَّتِي كانَتْ فِيها أمْوالُهم وجَيْشُهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا لِحِمايَتِها، فَكانَ وعْدُهُ عَلى ما وعَدَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] يَعْنِي أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَوَدُّونَ الظَّفَرَ لِما فِيها مِنَ الأمْوالِ وقِلَّةِ المُقاتَلَةِ وذَلِكَ لِأنَّهم خَرَجُوا مُسْتَخْفِينَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لِلْحَرْبِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَظُنُّوا أنَّ قُرَيْشًا تَخْرُجُ لِقِتالِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] وهو إنْجازُ مَوْعِدِهِ لَهم في قَطْعِ دابِرِ الكافِرِينَ وقَتْلِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠] فَوُجِدَ مُخْبِرُ هَذِهِ الأخْبارِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَكانَ مِن طُمَأْنِينَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ما أخْبَرَ بِهِ. وقالَ تَعالى: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنفال: ١١] فَألْقى عَلَيْهِمُ النُّعاسَ في الوَقْتِ الَّذِي يَطِيرُ فِيهِ النُّعاسُ بِإظْلالِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ بِالعِدَّةِ والسِّلاحِ وهم أضْعافُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] يَعْنِي مِنَ الجَنابَةِ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن كانَ احْتَلَمَ وهو رِجْزُ الشَّيْطانِ لِأنَّهُ مِن وسْوَسَتِهِ في المَنامِ ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: ١١] بِما صارَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الأمَنَةِ والثِّقَةِ بِمَوْعُودِ اللَّهِ ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ [الأنفال: ١١] يَحْتَمِلُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: صِحَّةُ البَصِيرَةِ والأمْنِ والثِّقَةِ المُوجِبَةِ لِثَباتِ الأقْدامِ، والثّانِي: أنَّ مَوْضِعَهم كانَ رَمْلًا دَهْسًا لا تَثْبُتُ فِيهِ الأقْدامُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَطَرِ ما لَبَّدَ الرَّمْلَ وثَبَّتَ عَلَيْهِ الأقْدامَ؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في التَّفْسِيرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢] أيْ أنْصُرُكم ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إلْقاؤُهم إلى المُؤْمِنِينَ بِالخاطِرِ والتَّنْبِيهِ أنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُهم عَلى الكافِرِينَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ وتَحَزُّبِهِمْ عَلى الكُفّارِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَّثْبِيتُ إخْبارَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُهُ والمُؤْمِنِينَ فَيُخْبِرُ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ المُؤْمِنِينَ فَيَدْعُوهم ذَلِكَ إلى الثَّباتِ ثُمَّ قالَ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ كَفًّا مِن تُرابٍ ورَمى بِهِ وُجُوهَهم فانْهَزَمُوا ولَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ إلّا دَخَلَ مِن ذَلِكَ التُّرابِ في عَيْنَيْهِ. وعَنى بِذَلكَ أنَّ اللَّهَ بَلَغَ بِذَلكَ التُّرابِ وُجُوهَهم وعُيُونَهم؛ إذْ لَمْ يَكُنْ في وُسْعِ أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ التُّرابُ عُيُونَهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ . وهَذِهِ كُلُّها مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ ومِنها وُجُودُ مُخْبِراتِ هَذِهِ الأخْبارِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُتَّفَقَ مِثْلُها تَخَرُّصًا وتَخْمِينًا. ومِنها ما أنْزَلَ مِنَ المَطَرِ الَّذِي لَبَّدَ الرَّمْلَ حَتّى (p-٢٢٦)ثَبَتَتْ أقْدامُهم عَلَيْهِ وصارُوا وبالًا عَلى عَدُوِّهِمْ؛ لِأنَّ في الخَبَرِ أنَّ أرْضَهم صارَتْ وحْلًا حَتّى مَنَعَهم مِنَ المَسِيرِ. ومِنها الطُّمَأْنِينَةُ الَّتِي صارَتْ في قُلُوبِهِمْ بَعْدَ كَراهَتِهِمْ لِلِقاءِ الجَيْشِ. ومِنها النُّعاسُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِمْ في الحالِ الَّتِي يَطِيرُ فِيها النُّعاسُ. ومِنها رَمْيُهُ لِلتُّرابِ وهَزِيمَةُ الكُفّارِ بِهِ.
* *
الكَلامُ في قِسْمَةِ الغَنائِمِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ كانَ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَفِّلُ ما أحْرَزَهُ بِالقِتالِ لِمَن شاءَ مِنَ النّاسِ لا حَقَّ لِأحَدٍ فِيهِ إلّا مَن جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ وقَدْ ذَكَرْنا حَدِيثَ «سَعْدٍ في قِصَّةِ السَّيْفِ الَّذِي اسْتَوْهَبَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذا السَّيْفُ لَيْسَ لِي ولا لَكَ»، ثُمَّ لَمّا نَزَلَ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] دَعاهُ وقالَ: «إنَّكَ سَألْتَنِي هَذا السَّيْفَ ولَيْسَ هو لِي ولا لَكَ وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِي وجَعَلْتُهُ لَكَ»، وحَدِيثَ أبِي (p-٢٣٠)هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهو ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَعَجَّلَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأصابُوا مِنَ الغَنائِمِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ تَحِلَّ الغَنائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ قَبْلَكم، كانَ النَّبِيُّ إذا غَنِمَ هو وأصْحابُهُ جَمَعُوا غَنائِمَهم فَتَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ نارٌ فَتَأْكُلُها»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] وقالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ قالَ: أخْبَرَنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ قالَ: حَدَّثَنا سِماكٌ الحَنَفِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ فَأخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الفِداءَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] مِنَ الفِداءِ، ثُمَّ أحَلَّ لَهُمُ الغَنائِمَ» . فَأخْبَرَ في هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ أنَّ الغَنائِمَ إنَّما أُحِلَّتْ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، وهَذا مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وأنَّها كانَتْ مَوْكُولَةً إلى رَأْيِ النَّبِيِّ ﷺ .
فَهَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ آيَةٍ أُبِيحَتْ بِها الغَنائِمُ عَلى جِهَةِ تَخْيِيرِ النَّبِيِّ ﷺ في إعْطائِها مَن رَأى، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] وأنَّ فِداءَ الأُسارى كانَ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وإنَّما كانَ النَّكِيرُ عَلَيْهِمْ في أخْذِ الفِداءِ مِنَ الأسْرى بَدِيًّا، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُحِلَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي جُعِلَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ تَكُونَ الغَنائِمُ مُباحَةً وفِداءُ الأسْرى مَحْظُورًا، وكَذَلِكَ يَقُولُ أبُو حَنِيفَةَ إنَّهُ لا تَجُوزُ مُفاداةُ أسْرى المُشْرِكِينَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الجَيْشَ لَمْ يَكُونُوا اسْتَحَقُّوا قِسْمَةَ الغَنِيمَةِ بَيْنَهم يَوْمَ بَدْرٍ إلّا بِجَعْلِ النَّبِيِّ ذَلِكَ لَهم أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُخَمِّسْ غَنائِمَ بَدْرٍ ولَمْ يُبَيِّنْ سِهامَ الفارِسِ والرّاجِلِ إلى أنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فَجَعَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ لِلْغانِمِينَ والخُمُسَ لِلْوُجُوهِ المَذْكُورَةِ ونَسَخَ بِهِ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الأنْفالِ إلّا ما كانَ شَرَطَهُ قَبْلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، نَحْوَ أنْ يَقُولَ: مَن أصابَ شَيْئا فَهو لَهُ، ومَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَنْتَظِمْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ إذْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ غَنِيمَةً لِغَيْرِ آخِذِهِ أوْ قاتِلِهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في النَّفَلِ بَعْدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ.
(p-٢٣١)ذِكْرُ الخِلافِ فِيهِ
قالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ: { لا نَفَلَ بَعْدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ إنَّما النَّفَلُ أنْ يَقُولَ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ومَن أصابَ شَيْئا فَهو لَهُ } . وقالَ الأوْزاعِيُّ: { في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، كانَ يُنَفِّلُ في البَدْأةِ الرُّبُعَ وفي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ } . وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: { يَجُوزُ أنْ يُنَفِّلَ بَعْدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ عَلى وجْهِ الِاجْتِهادِ } . قالَ الشَّيْخُ: ولا خِلافَ في جَوازِ النَّفَلِ قَبْلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، نَحْوُ أنْ يَقُولَ: مَن أخَذَ شَيْئا فَهو لَهُ ومَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وقَدْ رَوى حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَّلَ في بَدْأتِهِ الرُّبُعَ وفي رَجْعَتِهِ الثُّلُثَ بَعْدَ الخُمُسِ. فَأمّا التَّنْفِيلُ في البَدْأةِ فَقَدْ ذَكَرْنا اتِّفاقَ الفُقَهاءِ عَلَيْهِ، وأمّا قَوْلُهُ: في الرَّجْعَةِ الثُّلُثُ، فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما يُصِيبُ السَّرِيَّةَ في الرَّجْعَةِ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ما أصَبْتُمْ مِن شَيْءٍ فَلَكُمُ الثُّلُثُ بَعْدَ الخُمُسِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَفْظِ عُمُومٍ في سائِرِ الغَنائِمِ وإنَّما هي حِكايَةُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ في شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ مِن قَوْلِهِ لِلسَّرِيَّةِ في الرَّجْعَةِ وجَعَلَ لَهم في الرَّجْعَةِ أكْثَرَ مِمّا جَعَلَهُ في البَدْأةِ؛ لِأنَّ في الرَّجْعَةِ يَحْتاجُ إلى حِفْظِ الغَنائِمِ وإحْرازِها ويَكُونُ مِن حَوالَيْهِمُ الكُفّارُ مُتَأهِّبِينَ مُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتالِ لِانْتِشارِ الخَبَرِ بِوُقُوعِ الجَيْشِ إلى أرْضِهِمْ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، وكانَ ذَلِكَ في الوَقْتِ الَّذِي كانَتِ الغَنِيمَةُ كُلُّها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَها لِمَن شاءَ مِنهم، وذَلِكَ مَنسُوخٌ بِما ذَكَرْنا.
فَإنْ قِيلَ: ذُكِرَ في حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الثُّلُثُ بَعْدَ الخُمُسِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قِيلَ لَهُ: لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرْتُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ الخُمُسُ المُسْتَحِقُّ لِأهْلِهِ مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى خُمُسٍ مِنَ الغَنِيمَةِ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثُّلُثِ والنِّصْفِ ولَمّا احْتَمَلَ حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ ما وصَفْنا لَمْ يَجُزِ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إذْ كانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ يَقْتَضِي إيجابَ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ لِلْغانِمِينَ اقْتِضاءَهُ إيجابَ الخُمُسِ لِأهْلِهِ المَذْكُورِينَ، فَمَتى أُحْرِزَتِ الغَنِيمَةُ فَقَدْ ثَبَتَ حَقُّ الجَمِيعِ فِيها بِظاهِرِ الآيَةِ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِنها لِغَيْرِهِ عَلى غَيْرِ مُقْتَضى الآيَةِ إلّا بِما يَجُوزُ بِمِثْلِهِ تَخْصِيصُ الآيَةِ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي نافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ فَبَلَغَتْ سِهامُنا اثْنَيْ (p-٢٣٢)عَشَرَ بَعِيرًا ونَفَّلَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا»، فَبَيَّنَ في هَذا الحَدِيثِ سُهْمانَ الجَيْشِ وأخْبَرَ أنَّ النَّفَلَ لَمْ يَكُنْ مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ وإنَّما كانَ بَعْدَ السُّهْمانِ وذَلِكَ مِنَ الخُمُسِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفَلَ بَعْدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ لا يَجُوزُ إلّا مِنَ الخُمُسِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ العَلاءِ أنَّهُ سَمِعَ أبا سَلّامِ بْنِ الأسْوَدِ يَقُولُ، قالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ إلى بَعِيرٍ مِنَ المَغْنَمِ، فَلَمّا سَلَّمَ أخَذَ وبَرَةً مِن جَنْبِ البَعِيرِ ثُمَّ قالَ: ولا يَحِلُّ لِي مِن غَنائِمِكم مِثْلُ هَذا إلّا الخُمُسُ والخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكم»، فَأخْبَرَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ جائِزَ التَّصَرُّفِ إلّا في الخُمُسِ مِنَ الغَنائِمِ وأنَّ الأرْبَعَةَ الأخْماسَ لِلْغانِمِينَ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما أُحْرِزَ مِنَ الغَنِيمَةِ فَهو لِأهْلِها ولا يَجُوزُ التَّنْفِيلُ مِنهُ.
وفِي هَذا الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما لا قِيمَةَ لَهُ ولا يَتَمانَعُهُ النّاسُ مِن نَحْوِ النَّواةِ والتَّبِنَةِ والخِرَقِ الَّتِي يُرْمى بِها يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَأْخُذَهُ ويُنَفِّلَهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ وبَرَةً مِن جَنْبِ بَعِيرٍ مِنَ المَغْنَمِ وقالَ: { لا يَحِلُّ لِي مِن غَنائِمِكم مِثْلُ هَذا } يَعْنِي في أنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ ويَنْتَفِعَ بِهِ أوْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِهِ دُونَ جَماعَتِهِمْ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ لِتِلْكَ الوَبَرَةِ قِيمَةٌ.
فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ: «لا يَحِلُّ لِي مِثْلُ هَذا» قِيلَ لَهُ: إنَّما أرادَ: مِثْلُ هَذا فِيما يَتَمانَعُهُ النّاسُ لا ذاكَ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخَذَهُ. ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا ما رَواهُ ابْنُ المُبارَكِ قالَ: حَدَّثَنا خالِدٌ الحَذّاءُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ رَجُلٍ مِن بُلْقِينَ ذَكَرَ قِصَّةً قالَ: «قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما تَقُولُ في هَذا المالِ ؟ قالَ: خُمُسُهُ لِلَّهِ وأرْبَعَةُ أخْماسِهِ لِلْجَيْشِ قالَ: قُلْتُ: هَلْ أحَقُّ أحَدٍ بِهِ مِن أحَدٍ ؟ قالَ: لَوِ انْتَزَعْتُ سَهْمَكَ مِن جَنْبِكَ لَمْ تَكُنْ بِأحَقَّ بِهِ مِن أخِيكَ المُسْلِمِ» ورَوى أبُو عاصِمٍ النَّبِيلُ عَنْ وهْبٍ أبِي خالِدٍ الحِمْصِيِّ قالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَبِيبَةَ عَنْ أبِيها العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ وبَرَةً فَقالَ: ما لِي فِيكم هَذِهِ ما لِي فِيهِ إلّا الخُمُسُ، فَأدُّوا الخَيْطَ والمَخِيطَ فَإنَّهُ عارٌ ونارٌ وشَنارٌ عَلى صاحِبِهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، ذَكَرَ غَنائِمَ هَوازِنَ وقالَ: «ثُمَّ دَنا النَّبِيُّ ﷺ مِن بَعِيرٍ فَأخَذَ وبَرَةً مِن سَنامِهِ ثُمَّ قالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّهُ لَيْسَ لِي مِن هَذا الفَيْءِ شَيْءٌ ولا هَذا ورَفَعَ أُصْبُعَيْهِ: إلّا الخُمُسُ والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم، فَأدُّوا الخَيْطَ والمَخِيطَ، فَقامَ رَجُلٌ في يَدِهِ كُبَّةٌ مِن شَعَرٍ فَقالَ: أخَذْتُ هَذِهِ لِأُصْلِحَ بِها بُرْدَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أمّا ما كانَ لِي ولِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَهو لَكَ فَقالَ: أمّا إذْ بَلَغَتْ ما أرى فَلا أرَبَ لِي فِيها، ونَبَذَها». (p-٢٣٣)فَهَذِهِ الأخْبارُ مُوافِقَةٌ لِظاهِرِ الكِتابِ، فَهو أوْلى مِمّا يُخالِفُهُ مِن حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ مَعَ احْتِمالِ حَدِيثِهِ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي وصَفْناهُ، وجَمْعُنا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ في الأرْبَعَةِ الأخْماسِ حَقٌّ لِغَيْرِ الغانِمِينَ ويُخْبِرُ النَّبِيُّ ﷺ فِيها أنَّهُ لا حَقَّ لَهُ فِيها.
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ كانَ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرَةَ في غَزاةٍ فَأصابُوا سَبْيًا، فَأرادَ عُبَيْدُ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَ أنَسًا مِنَ السَّبْيِ قَبْلَ أنْ يُقَسِّمَ، فَقالَ أنَسٌ: لا، ولَكِنِ اقْسِمْ ثُمَّ أعْطِنِي مِنَ الخُمُسِ فَقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: لا، إلّا مِن جَمِيعِ الغَنائِمِ فَأبى أنَسٌ أنْ يَقْبَلَ وأبى عُبَيْدُ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ مِنَ الخُمُسِ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ: حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: { لا نَفَلَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ } قالَ الشَّيْخُ أيَّدَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَتْ لَهُ الأنْفالُ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ القِسْمَةِ وهَذا مِمّا يُحْتَجُّ بِهِ لِصِحَّةِ مَذْهَبِنا لِأنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ لِأحَدٍ نَفَلٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ في عُمُومِ الأحْوالِ، إلّا أنَّهُ قَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ في أنَّ الإمامَ إذا قالَ مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ أنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ لَهُ بِالِاتِّفاقِ، فَخَصَّصْناهُ وبَقِيَ الباقِي عَلى مُقْتَضاهُ في أنَّهُ إذا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الإمامُ فَلا شَيْءَ لَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كانَ النّاسُ يُعْطَوْنَ النَّفَلَ مِنَ الخُمُسِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ أعْطى النَّبِيُّ ﷺ مِن غَنائِمِ حُنَيْنٍ صَنادِيدَ العَرَبِ عَطايا نَحْوَ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ وعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ والزِّبْرِقانِ بْنِ بَدْرٍ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُعْطِهِمْ ذَلِكَ مِن سَهْمِهِ مِنَ الغَنِيمَةِ وسَهْمِهِ مِنَ الخُمُسِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ يَتَّسِعُ لِهَذِهِ العَطايا لِأنَّهُ أعْطى كُلَّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ وغَيْرِهِمْ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، ولَمْ يَكُنْ لِيُعْطِيَهم مِن بَقِيَّةِ سِهامِ الخُمُسِ سِوى سَهْمِهِ لِأنَّها لِلْفُقَراءِ ولَمْ يَكُونُوا هَؤُلاءِ فُقَراءَ، فَثَبَتَ أنَّهُ أعْطاهم مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ، ولَمّا لَمْ يَسْتَأْذِنْهم فِيهِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ أعْطاهم عَلى وجْهِ النَّفَلِ وأنَّهُ قَدْ كانَ لَهُ أنْ يُنَفِّلَ قِيلَ لَهُ: إنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم سَهْمًا مِنَ الصَّدَقاتِ، وسَبِيلُ الخُمُسِ سَبِيلُ الصَّدَقَةِ لِأنَّهُ مَصْرُوفٌ إلى الفُقَراءِ كالصَّدَقاتِ المَصْرُوفَةِ إلَيْهِمْ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أعْطاهم مِن جُمْلَةِ الخُمُسِ كَما يُعْطِيهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في سَلَبِ القَتِيلِ، فَقالَ أصْحابُنا ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ: { السَّلَبُ مِن غَنِيمَةِ الجَيْشِ إلّا أنْ يَكُونَ الأمِيرُ قالَ مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ } وقالَ الأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: { السَّلَبُ لِلْقاتِلِ وإنْ لَمْ يَقُلِ الأمِيرُ } قالَ الشَّيْخُ أيَّدَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ (p-٢٣٤)يَقْتَضِي وُجُوبَ الغَنِيمَةِ لِجَماعَةِ الغانِمِينَ، فَغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ مِنهُمُ الِاخْتِصاصُ بِشَيْءٍ مِنها دُونَ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ السَّلَبَ غَنِيمَةٌ قِيلَ لَهُ: " غَنِمْتُمْ " هي الَّتِي جازُوها بِاجْتِماعِهِمْ وتَوازُرِهِمْ عَلى القِتالِ وأخْذِ الغَنِيمَةِ، فَلَمّا كانَ قَتْلُهُ لِهَذا القَتِيلِ وأخْذُهُ سَلَبَهُ بِتَظافُرِ الجَماعَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ غَنِيمَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ أخَذَ سَلَبَهُ مِن غَيْرِ قَتْلٍ لَكانَ غَنِيمَةً؛ إذْ لَمْ يَصِلْ إلى أخْذِهِ إلّا بِقُوَّتِهِمْ، وكَذَلِكَ مَن لَمْ يُقاتِلْ وكانَ قائِمًا في الصَّفِّ رِدْءًا لَهم مُسْتَحِقُّ الغَنِيمَةِ ويَصِيرُ غانِمًا؛ لِأنَّ بِظَهْرِهِ ومُعاضَدَتِهِ حَصَلَتْ وأُخِذَتْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ السَّلَبُ غَنِيمَةً فَيَكُونَ كَسائِرِ الغَنائِمِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] والسَّلَبُ مِمّا غَنِمَهُ الجَماعَةُ فَهو لَهم ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ ما حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ خالِدٍ الجَزُورِيُّ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُبارَكِ وهِشامُ بْنُ عَمّارٍ قالا: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ واقِدٍ عَنْ مُوسى بْنِ يَسارٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ قَتادَةَ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ قالَ: نَزَلْنا دابِقَ وعَلَيْنا أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، فَبَلَغَ حَبِيبَ بْنَ مُسْلِمٍ أنَّ صاحِبَ قُبْرُصَ قد خَرَجَ يُرِيدُ طَرِيقَ أذْرَبِيجانَ مَعَهُ زَبَرْجَدُ وياقُوتٌ ولُؤْلُؤٌ ودِيباجٌ، فَخَرَجَ في جَبَلٍ حَتّى قَتَلَهُ في الدَّرْبِ وجاءَ بِما كانَ مَعَهُ إلى عُبَيْدَةَ، فَأرادَ أنْ يُخَمِّسَهُ فَقالَ حَبِيبٌ: يا أبا عُبَيْدَةَ لا تَحْرِمْنِي رِزْقًا رَزَقَنِيهِ اللَّهُ فَإنَّ رَسُولَ ﷺ اللَّهُ جَعَلَ السَّلَبَ لِلْقاتِلِ، فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: مَهْلًا يا حَبِيبُ إنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إنَّما لِلْمَرْءِ ما طابَتْ بِهِ نَفْسُ إمامِهِ». فَقَوْلُهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّما لِلْمَرْءِ ما طابَتْ بِهِ نَفْسُ إمامِهِ» يَقْتَضِي حَظْرَ ما لَمْ تَطِبْ نَفْسُ إمامِهِ، فَمَن لَمْ تَطِبْ نَفْسُ إمامِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ السَّلَبُ، لا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ مُعاذٌ أنَّ ذَلِكَ في شَأْنِ السَّلَبِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَماعَةٌ مِنهم أبُو قَتادَةَ وطَلْحَةُ وسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ وغَيْرُهم أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» .
ورَوى سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ وابْنُ عَبّاسٍ وعَوْفُ بْنُ مالِكٍ وخالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: أنَّ «النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَعَلَ السَّلَبَ لِلْقاتِلِ» وهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَسْتَحِقَّ القاتِلُ السَّلَبَ، والثّانِي: أنَّهُ فَسَّرَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ في حَدِيثِ مُعاذٍ: «إنَّما لِلْمَرْءِ ما طابَتْ بِهِ نَفْسُ إمامِهِ» أنَّ نَفْسَهُ قَدْ طابَتْ لَلْقاتِلِ بِذَلِكَ وهو إمامُ الأئِمَّةِ. قِيلَ لَهُ: قَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إلّا ما طابَتْ بِهِ نَفْسُ إمامِهِ» المَفْهُومُ مِنهُ أمِيرُهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ طاعَتُهُ، وكَذَلِكَ عَقَلَ مُعاذٌ وهو راوِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَوْ أرادَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ لَقالَ إنَّما لِلْمَرْءِ ما طابَتْ بِهِ نَفْسِي، فَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هَذا السّائِلُ تَأْوِيلٌ ساقِطٌ لا مَعْنى لَهُ.
وأمّا الأخْبارُ المَرْوِيَّةُ في أنَّ السَّلَبَ لَلْقاتِل فَإنَّما (p-٢٣٥)ذَلِكَ كَلامٌ خَرَجَ عَلى الحالِ الَّتِي حَضَّ فِيها لِلْقِتالِ، وكانَ يَقُولُ ذَلِكَ تَحْرِيضًا لَهم وتَضْرِيَةً عَلى العَدُوِّ، كَما رُوِيَ أنَّهُ قالَ: «مَن أصابَ شَيْئا فَهو لَهُ»، وكَما حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ خالِدٍ الجَزُورِيِّ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى الدَّهّانِيُّ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ: حَدَّثَنا غالِبُ بْنُ حُجْرَةَ قالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ وهي ابْنَةُ المِلْقامِ بْنِ التَّلِبِّ عَنْ أبِيها عَنْ أبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن أتى بِمُوَلٍّ فَلَهُ سَلَبُهُ؛» ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مَقْصُورٌ عَلى الحالِ في تِلْكَ الحَرْبِ خاصَّةً؛ إذْ لا خِلافَ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِأخْذِهِ مُوَلِّيًا، كَقَوْلِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ ومَن دَخَلَ المَسْجِدَ فَهو آمِنٌ ومَن دَخَلَ بَيْتَهُ فَهو آمِنٌ ومَن ألْقى سِلاحَهُ فَهو آمِنٌ» . ويَدُلُّ عَلى أنَّ السَّلَبَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقاتِلِ إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ الأمِيرُ مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي صَفْوانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ ورافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِن أهْلِ اليَمَنِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ، فَنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ جَزُورًا، فَسَألَهُ المَدَدِيُّ طائِفَةً مِن جِلْدِهِ، فَأعْطاهُ إيّاهُ، فاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرَقِ، ومَضَيْنا فَلَقِينا جُمُوعَ الرُّومِ وفِيهِمْ رَجُلٌ عَلى فَرَسٍ لَهُ أشْقَرَ عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ وسِلاحٌ مُذَهَّبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يُغْرِي بِالمُسْلِمِينَ وقَعَدَ لَهُ المَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ وخَرَّ وعَلاهُ فَقَتَلَهُ وحازَ فَرَسَهُ وسِلاحَهُ، فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إلَيْهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ فَأخَذَ مِنهُ السَّلَبَ؛ قالَ عَوْفٌ: فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يا خالِدُ أما عَلِمْتَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى بِالسَّلَبِ لِلْقاتِلِ» ؟ فَقالَ: بَلى ولَكِنِ اسْتَكْثَرْتُهُ، فَقُلْتُ: لَتَرُدَّنَّهُ إلَيْهِ أوْ لِأُعَرِّفَنَّكَها عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأبى أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؛ قالَ عَوْفٌ: «فاجْتَمَعْنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ المَدَدِيِّ وما فَعَلَ خالِدٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا خالِدُ ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَكْثَرْتُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا خالِدُ رُدَّ عَلَيْهِ ما أخَذْتُ مِنهُ قالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ: دُونَكَ يا خالِدُ ألَمْ أفِ لَكَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وما ذاكَ ؟ فَأخْبَرْتُهُ، قالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا خالِدُ لا تَرُدَّ عَلَيْهِ هَلْ أنْتُمْ تارِكُو أُمَرائِي لَكم صَفْوَةُ أمْرِهِمْ وعَلَيْهِمْ كَدِرِهِ» . حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ قالَ: سَألْتُ ثَوْرًا عَنْ هَذا الحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِي عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ نَحْوَهُ. فَلَمّا «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يا خالِدُ لا تَرُدَّ عَلَيْهِ» دَلَّ ذَلِكَ عَلى (p-٢٣٦)أنَّ السَّلَبَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْقاتِلِ؛ لِأنَّهُ لَوِ اسْتَحَقَّهُ لَما جازَ أنْ يَمْنَعَهُ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ بَدِيًّا ادْفَعْهُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلى جِهَةِ الإيجابِ وإنَّما كانَ عَلى وجْهِ النَّفَلِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الخُمُسِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى يُوسُفُ الماجِشُونُ قالَ: حَدَّثَنِي صالِحُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أنَّ مُعاذَ بْنَ عَفْراءَ ومُعاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ قَتَلا أبا جَهْلٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: كِلاكُما قَتَلَهُ» وقَضى بِسَلَبِهِ لِمُعاذِ بْنِ عَمْرٍو. فَلَمّا قَضى بِهِ لِأحَدِهِما مَعَ إخْبارِهِ أنَّهُما قَتَلاهُ دَلَّ عَلى أنَّهُما لَمْ يَسْتَحِقّاهُ بِالقَتْلِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ثُمَّ قَتَلَهُ رَجُلانِ اسْتَحَقّا السَّلَبَ نِصْفَيْنِ ؟ فَلَوْ كانَ القاتِلُ مُسْتَحِقًّا لِلسَّلَبِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ لا يُعْرَفُ قاتِلُهُ أنْ لا يَكُونَ سَلَبُهُ مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ بَلْ يَكُونُ لُقَطَةً لِأنَّ لَهُ مُسْتَحِقًّا بِعَيْنِهِ، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ سَلَبَ مَن لَمْ يُعْرَفُ قاتِلُهُ في المَعْرَكَةِ مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ دَلَّ عَلى أنَّ القاتِلَ لا يَسْتَحِقُّهُ. وقَدْ قالَ الشّافِعِيُّ: { إنَّ القاتِلَ لا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ في الإدْبارِ وإنَّما يَسْتَحِقُّهُ في الإقْبالِ }، فالأثَرُ الوارِدُ في السَّلَبِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حالِ الإقْبالِ والإدْبارِ. فَإنِ احْتُجَّ بِالخَبَرِ فَقَدْ خالَفَهُ، وإنِ احْتُجَّ بِالنَّظَرِ فالنَّظَرُ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ غَنِيمَةً لِلْجَمِيعِ لاتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّهُ إذا قَتَلَهُ في حالَ الإدْبارِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ وكانَ غَنِيمَةً، والمَعْنى الجامِعُ بَيْنَهُما أنَّهُ قَتَلَهُ بِمُعاوَنَةِ الجَمِيعِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ مِنَ الأمِيرِ قَوْلٌ في اسْتِحْقاقِهِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ القاتِلَ إنَّما يَسْتَحِقُّهُ إذا تَقَدَّمَ مِنَ الأمِيرِ قَوْلٌ قَبْلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ أنَّهُ لَوْ قالَ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ مُقْبِلًا أوْ مُدْبِرًا اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ ولَمْ يَخْتَلِفْ حالُ الإقْبالِ والإدْبارِ، فَلَوْ كانَ السَّلَبُ مُسْتَحِقًّا بِنَفْسِ القَتْلِ لَما اخْتَلَفَ حُكْمُهُ في حالِ الإدْبارِ والإقْبالِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ في قَتِيلِ البَراءِ بْنِ مالِكٍ أنّا كُنّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ وأنَّ سَلَبَ البَراءِ قَدْ بَلَغَ مالًا ولا أُرانا إلّا خامِسِيهِ.
واخْتُلِفَ في الأمِيرِ إذا قالَ: مَن أصابَ شَيْئا فَهو لَهُ، فَقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ: { هو كَما قالَ ولا خُمُسَ فِيهِ }، وكَرِهَ مالِكٌ أنْ يَقُولَ مَن أصابَ شَيْئا فَهو لَهُ لِأنَّهُ قِتالٌ بِجُعْلٍ وقالَ الشّافِعِيُّ: { يُخَمِّسُ ما أصابَهُ إلّا سَلَبَ المَقْتُولِ } .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ أنْ يَقُولَ: مَن أصابَ شَيْئا فَهو لَهُ، وأنَّهُ يَسْتَحِقُّ وجَبَ أنْ لا خُمُسَ فِيهِ وأنْ لا يَجُوزَ قَطْعُ حُقُوقِ أهْلِ الخُمُسِ عَنْهُ كَما جازَ قَطْعُ حُقُوقِ سائِرِ الغانِمِينَ عَنْهُ. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: مَن أصابَ شَيْئا فَهو لَهُ بِمَنزِلَةِ مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَلَمّا لَمْ يَجِبْ في السَّلَبِ الخُمُسُ إذا قالَ الأمِيرُ ذَلِكَ كَذَلِكَ سائِرُ الغَنِيمَةِ. وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْجَبَ الخُمُسَ فِيما صارَ غَنِيمَةً لَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٣٧)﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وهَذا لَمْ يَصِرْ غَنِيمَةً لَهم لِأنَّ قَوْلَ الأمِيرِ في ذَلِكَ جائِزٌ عَلى الجَيْشِ، فَلَمّا لَمْ يَصِرْ غَنِيمَةً لَهم وجَبَ أنْ لا خُمُسَ فِيهِ.
* *
واخْتُلِفَ في الرَّجُلِ يَدْخُلُ دارَ الحَرْبِ وحْدَهُ مُغِيرًا بِغَيْرِ إذْنِ الإمامِ فَقالَ أصْحابُنا: { ما غَنِمَهُ فَهو لَهُ خاصَّةً ولا خُمُسَ فِيهِ حَتّى تَكُونَ لَهم مَنَعَةٌ } . ولَمْ يَحُدَّ مُحَمَّدٌ في المَنَعَةِ شَيْئا. وقالَ أبُو يُوسُفَ: { إذا كانُوا تِسْعَةً فَفِيهِ الخُمُسُ } . وقالَ الثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ: { يُخَمِّسُ ما أخَذَهُ والباقِي لَهُ } . وقالَ الأوْزاعِيُّ: { إنْ شاءَ الإمامُ عاقَبَهُ وحَرَمَهُ وإنْ شاءَ خَمَّسَ ما أصابَ والباقِي لَهُ } .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الغانِمُونَ جَماعَةً؛ لِأنَّ حُصُولَ الغَنِيمَةِ مِنهم شَرْطٌ في الِاسْتِحْقاقِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] و﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] في لُزُومِ قَتْلِ الواحِدِ عَلى حِيالِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ جَماعَةٌ إذا كانَ مُشْتَرِكًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ بِقَتْلِ الجَماعَةِ والأمْرُ بِقَتْلِ الجَماعَةِ لا يُوجِبُ اعْتِبارَ الجَمِيعِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، وهو حُصُولُ الغَنِيمَةِ لَهم وبِقِتالِهِمْ، فَهو كَقَوْلِ القائِلِ: إنْ كَلَّمْتُ هَؤُلاءِ الجَماعَةَ فَعَبْدِي حُرٌّ، أنَّ شَرْطَ الحِنْثِ وُجُودُ الكَلامِ لِلْجَماعَةِ ولا يَحْنَثُ بِكَلامِ بَعْضِها. وأيْضًا لَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الجَيْشَ إذا غَنِمُوا لَمْ يُشارِكْهم سائِرُ المُسْلِمِينَ في الأرْبَعَةِ الأخْماسِ لِأنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا القِتالَ ولَمْ تَكُنْ مِنهم حِيازَةُ الغَنِيمَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا المُغِيرُ وحْدَهُ اسْتَحَقَّ ما غَنِمَهُ، وأمّا الخُمُسُ فَإنَّما يُسْتَحَقُّ مِنَ الغَنِيمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِظَهْرِ المُسْلِمِينَ ونُصْرَتِهِمْ وهو أنْ يَكُونُوا فِئَةً لِلْغانِمِينَ، ومَن دَخَلَ دارَ الحَرْبِ وحْدَهُ مُغِيرًا فَقَدْ تَبَرَّأ مِن نُصْرَةِ الإمامِ لِأنَّهُ عاصٍ لَهُ داخِلٌ بِغَيْرِ أمْرِهِ فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ مِنهُ الخُمُسَ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا في الرِّكازِ المَوْجُودِ في دارِ الإسْلامِ: لَمّا كانَ المَوْضِعُ مَظْهُورًا عَلَيْهِ بِالإسْلامِ وجَبَ فِيهِ الخُمُسُ ولَوْ وجَدَهُ في دارِ الحَرْبِ لَمْ يَجِبْ فِيهِ الخُمُسُ.
وإذا دَخَلَ الرَّجُلُ وحْدَهُ بِإذْنِ الإمامِ خُمِّسَ ما غَنِمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا أذِنَ لَهُ في الدُّخُولِ فَقَدْ تَضَمَّنَ نُصْرَتَهُ وحِياطَتَهُ، والإمامُ قائِمٌ مَقامَ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ فاسْتَحَقَّ لَهُمُ الخُمُسُ.
وأمّا إذا كانَ المُغِيرُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الإمامِ جَماعَةً لَهم مَنَعَةٌ فَإنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الخُمُسُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فَهم في هَذِهِ الحالِ بِمَنزِلَةِ السَّرِيَّةِ والجَيْشِ، لِحُصُولِ المَنَعَةِ لَهم ولِتَوَجُّهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ بِإخْراجِ الخُمُسِ مِن غَنائِمِهِمْ.
* *
واخْتُلِفَ في المَدَدِ يَلْحَقُ الجَيْشَ في دارِ الحَرْبِ قَبْلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، (p-٢٣٨)فَقالَ أصْحابُنا: { إذا غَنِمُوا في دارِ الحَرْبِ ثُمَّ لَحِقَهم جَيْشٌ آخَرُ قَبْلَ إخْراجِها إلى دارِ الإسْلامِ فَهم شُرَكاءُ فِيها } . وقالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ واللَّيْثُ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: { لا يُشارِكُونَهم } .
قالَ أبُو بَكْرٍ: الأصْلُ في ذَلِكَ عِنْدَ أصْحابِنا أنَّ الغَنِيمَةَ إنَّما يَثْبُتُ فِيها الحَقُّ بِالإحْرازِ في دارِ الإسْلامِ ولا يُمْلَكُ إلّا بِالقِسْمَةِ، وحُصُولُها في أيْدِيهِمْ في دارِ الحَرْبِ لا يُثْبِتُ لَهم فِيها حَقًّا؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ المَوْضِعَ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الجَيْشُ مِن دارِ الحَرْبِ لا يَصِيرُ مَغْنُومًا إذا لَمْ يَفْتَتِحُوها ألا تَرى أنَّهم لَوْ خَرَجُوا ثُمَّ دَخَلَ جَيْشٌ آخَرُ فَفَتَحُوها لَمْ يَصِرِ المَوْضِعُ الَّذِي صارَ فِيهِ الأوَّلُونَ مِلْكًا لَهم وكانَ حُكْمُهُ حُكْمَ غَيْرِهِ مِن بِقاعِ أرْضِ الحَرْبِ ؟ واِلْمَعْنى فِيهِ أنَّهم لَمْ يُحْرِزُوهُ في دارِ الإسْلامِ، فَكَذَلِكَ سائِرُ ما يَحْصُلُ في أيْدِيهِمْ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلى دارِ الإسْلامِ لَمْ يَثْبُتْ لَهم فِيهِ حَقٌّ إلّا بِالحِيازَةِ في دارِنا، فَإذا لَحِقَهم جَيْشٌ آخَرُ قَبْلَ الإحْرازِ في دارِ الإسْلامِ كانَ حُكْمُ ما أخَذُوهُ حُكْمَ ما في أيْدِي أهْلِ الحَرْبِ فَيَشْتَرِكُ الجَمِيعُ فِيهِ.
وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ غَنِيمَةً لِجَمِيعِهِمْ؛ إذْ بِهِمْ صارَ مُحْرَزًا في دارِ الإسْلامِ ألا تَرى أنَّهم ما دامُوا في دارِ الحَرْبِ فَإنَّهم يَحْتاجُونَ إلى مَعُونَةِ هَؤُلاءِ في إحْرازِها كَما لَوْ لَحِقُوهم قَبْلَ أخْذِها شارَكُوهم ؟ ولَوْ كانَ حُصُولُها في أيْدِيهِمْ يُثْبِتُ لَهم فِيها حَقًّا قَبْلَ إحْرازِها في دارِ الإسْلامِ لَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ المَوْضِعُ الَّذِي وطِئَهُ الجَيْشُ مِن دارِ الإسْلامِ، كَما لَوِ افْتَتَحُوها لَصارَتْ دارًا لِلْإسْلامِ، وفي اتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ وطْءَ الجَيْشِ لِمَوْضِعٍ في دارِ الحَرْبِ لا يَجْعَلُهُ مِن دارِ الإسْلامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَقَّ لا يَثْبُتُ فِيهِ إلّا بِالحِيازَةِ.
واحْتَجَّ مَن لَمْ يَقْسِمْ لِلْمَدَدِ بِما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبانَ بْنَ سَعِيدٍ عَلى سَرِيَّةٍ قِبَلَ نَجْدٍ، فَقَدِمَ أبانُ وأصْحابُهُ بِخَيْبَرَ بَعْدَما فُتِحَتْ وإنَّ حُزُمَ خَيْلِهِمُ اللِّيفُ، قالَ أبانُ: اقْسِمْ لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: لا تَقْسِمْ لَهم شَيْئًا يا نَبِيَّ اللَّهِ قالَ: قالَ أبانُ: أنْتَ بِهَذا يا وتَرَ نَجْدٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: اجْلِسْ يا أبانُ فَلَمْ يَقْسِمْ لَهم» .
وهَذا لا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأنَّ خَيْبَرَ صارَتْ دارَ الإسْلامِ بِظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْها، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ. وقَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو ما رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «ما شَهِدْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ مَغْنَمًا إلّا قَسَمَ لِي إلّا خَيْبَرَ فَإنَّها كانَتْ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ خاصَّةً» .
فَأخْبَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ خَيْبَرَ كانَتْ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ خاصَّةً شَهِدُوها أوْ لَمْ يَشْهَدُوها دُونَ مَن سِواهم؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ وعَدَهم إيّاها بِقَوْلِهِ: (p-٢٣٩)﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفتح: ٢١] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] وقَدْ رَوى أبُو بُرْدَةَ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: «قَدِمْنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ بِثَلاثٍ، فَقَسَمَ لَنا ولَمْ يَقْسِمْ لِأحَدٍ لَمْ يَشْهَدِ الفَتْحَ غَيْرِنا» .
فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَ لِأبِي مُوسى وأصْحابِهِ مِن غَنائِمِ خَيْبَرَ ولَمْ يَشْهَدُوا الوَقْعَةَ ولَمْ يَقْسِمْ فِيها لِأحَدٍ لَمْ يَشْهَدِ الوَقْعَةَ وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِأنَّهم كانُوا مِن أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِطِيبَةِ أنْفُسِ أهْلِ الغَنِيمَةِ، كَما رَوى خُثَيْمُ بْنُ عِراكٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ نَفَرٍ مِن قَوْمِهِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قَدِمَ المَدِينَةَ هو ونَفَرٌ مِن قَوْمِهِ، قالَ: فَقَدِمْنا وقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجْنا مِنَ المَدِينَةِ حَتّى قَدِمْنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدِ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَكَلَّمَ النّاسَ فَأشْرَكُونا في سِهامِهِمْ فَلَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَدَدَ إذا لَحِقَ بِالجَيْشِ وهم في دارِ الحَرْبِ أنَّهم لا يُشْرِكُونَهم في الغَنِيمَةِ.
وقَدْ رَوى قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ أنَّ أهْلَ البَصْرَةِ غَزَوْا نَهاوَنْدَ فَأمَدَّهم أهْلُ الكُوفَةِ وظَهَرُوا، فَأرادَ أهْلُ البَصْرَةِ أنْ لا يَقْسِمُوا لِأهْلِ الكُوفَةِ، وكانَ عَمّارٌ عَلى أهْلِ الكُوفَةِ، فَقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي عُطارِدَ: أيُّها الأجْدَعُ تُرِيدُ أنْ تُشارِكَنا في غَنائِمِنا فَقالَ: جَيْرِ إذْ بِي سَبَيْتُ؛ فَكَتَبَ في ذَلِكَ إلى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ في ذَلِكَ: إنَّ الغَنِيمَةَ لِمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ وهَذا أيْضًا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى خِلافِ قَوْلِنا؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ ظَهَرُوا عَلى نَهاوَنْدَ وصارَتْ دارَ الإسْلامِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ لِلْكُفّارِ هُناكَ فِئَةٌ، فَإنَّما قالَ: إنَّ الغَنِيمَةَ لِمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ مِنهم لِأنَّهم لَحِقُوهم بَعْدَ ما صارَتْ دارَ الإسْلامِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ رَأى عَمّارٌ ومَن مَعَهُ أنْ يُشْرِكُوهم، ورَأى عُمَرُ أنْ لا يُشْرِكُوهم لِأنَّهم لَحِقُوهُ بَعْدَ حِيازَةِ الغَنِيمَةِ في دارِ الإسْلامِ لِأنَّ الأرْضَ صارَتْ مِن دارِ الإسْلامِ.
* *
بابُ سُهْمانِ الخَيْلِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُهُ يَقْتَضِي المُساواةَ بَيْنَ الفارِسِ والرّاجِلِ، وهو خِطابٌ لِجَمِيعِ الغانِمِينَ وقَدْ شَمِلَهم هَذا الِاسْمُ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] قَدْ عُقِلَ مِن ظاهِرِهِ اسْتِحْقاقُهُنَّ لِلثُّلُثَيْنِ عَلى المُساواةِ ؟ وكَذَلِكَ مَن قالَ: هَذا العَبْدُ لِهَؤُلاءِ أنَّهُ لَهم بِالمُساواةِ ما لَمْ يَذْكُرِ التَّفْضِيلَ، كَذَلِكَ مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا مُتَساوِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مِلْكِهِمْ لَهُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في سَهْمِ الفارِسِ.
(p-٢٤٠)ذِكْرُ الخِلافِ في ذَلِكَ
قالَ أبُو حَنِيفَةَ: { لِلْفارِسِ سَهْمانِ ولِلرّاجِلِ سَهْمٌ } . وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وابْنُ أبِي لَيْلى ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ واللَّيْثُ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: { لِلْفارِسِ ثَلاثَةُ أسْهُمٍ ولِلرّاجِلِ سَهْمٌ } .
ورُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ عَنِ المُنْذِرِ بْنِ أبِي حِمَّصَةَ عامِلِ عُمَرَ أنَّهُ جَعَلَ لِلْفارِسِ سَهْمَيْنِ ولِلرّاجِلِ سَهْمًا فَرَضِيَهُ عُمَرُ ومِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
ورَوى شَرِيكٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: قَدِمَ قُثَمُ بْنُ العَبّاسِ عَلى سَعِيدِ بْنِ عُثْمانَ بِخُراسانَ وقَدْ غَنِمُوا، فَقالَ: اجْعَلُ جائِزَتِكَ أنْ أضْرِبَ لَكَ بِألْفِ سَهْمٍ، فَقالَ: اضْرِبْ لِي بِسَهْمٍ ولِفَرَسِي بِسَهْمٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي المُساواةَ بَيْنَ الفارِسِ والرّاجِلِ، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى تَفْضِيلِ الفارِسِ بِسَهْمٍ فَضَّلْناهُ وخَصَّصْنا بِهِ لِلظّاهِرِ وبَقِيَ حُكْمُ اللَّفْظِ فِيما عَداهُ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ غَيْلانَ العُمانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبّاحِ الجَرْجَرائِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاءٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ لِلْفارِسِ سَهْمَيْنِ ولِلرّاجِلِ سَهْمًا؛» قالَ عَبْدُ الباقِي: لَمْ يَجِئْ بِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبّاحِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا الحُمَيْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو أُسامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِلْفارِسِ ثَلاثَةُ أسْهُمٍ سَهْمٌ لَهُ وسَهْمانِ لِفَرَسِهِ» .
واخْتَلَفَ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونا صَحِيحَيْنِ بِأنْ يَكُونَ أعْطاهُ بَدِيًّا سَهْمَيْنِ وهو المُسْتَحِقُّ ثُمَّ أعْطاهُ في غَنِيمَةٍ أُخْرى ثَلاثَةَ أسْهُمٍ وكانَ السَّهْمُ الزّائِدُ عَلى وجْهِ النَّفَلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَمْنَعُ المُسْتَحِقَّ، وجائِزٌ أنْ يَتَبَرَّعَ بِما لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ عَلى وجْهِ النَّفَلِ كَما ذَكَرَ ابْنُ عُمَرَ في حَدِيثٍ قَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ سَنَدِهِ أنَّهُ كانَ في سَرِيَّةٍ قالَ: فَبَلَغَتْ سُهْمانُنا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ونَفَّلَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ الكُمَيْتِ المَوْصِلِيُّ قالَ: حَدَّثَنا صُبَيْحُ بْنُ دِينارٍ قالَ: حَدَّثَنا عَفِيفُ بْنُ سالِمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أسْهَمَ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْفارِسِ سَهْمَيْنِ ولِلرّاجِلِ سَهْمًا» وهَذا إنْ ثَبَتَ فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِأبِي حَنِيفَةَ؛ لِأنَّ قِسْمَةَ يَوْمِ بَدْرٍ لَمْ تَكُنْ مُسْتَحِقَّةً لِلْجَيْشِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الأنْفالَ لِلرَّسُولِ ﷺ وخَيَّرَهُ في إعْطائِهِ مَن رَأى، ولَوْ لَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئا لَكانَ جائِزًا فَلَمْ تَكُنْ قِسْمَةُ الغَنِيمَةِ مُسْتَحِقَّةً يَوْمَئِذٍ وإنَّما وجَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ (p-٢٤١)فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ونَسَخَ بِهَذا الأنْفالَ الَّتِي جَعَلَها لِلرَّسُولِ في جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ وقَدْ رَوى مُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَ غَنائِمَ خَيْبَرَ فَجَعَلَ لِلْفارِسِ سَهْمَيْنِ ولِلرّاجِلِ سَهْمًا»، ورَوى ابْنُ الفُضَيْلِ عَنِ الحَجّاجِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ «لِلْفارِسِ ثَلاثَةَ أسْهُمٍ ولِلرّاجِلِ سَهْمًا». وهَذا خِلافُ رِوايَةِ مُجَمِّعِ بْنِ جارِيَةَ، وقَدْ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما بِأنْ يَكُونَ قَسَمَ لِبَعْضِ الفُرْسانِ سَهْمَيْنِ وهو المُسْتَحِقُّ وقَسَمَ لِبَعْضِهِمْ ثَلاثَةَ أسْهُمٍ وكانَ السَّهْمُ الزّائِدُ عَلى وجْهِ النَّفَلِ، كَما رَوى سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أعْطاهُ في غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ سَهْمَيْنِ سَهْمِ الفارِسِ والرّاجِلِ وكانَ راجِلًا يَوْمَئِذٍ» وكَما رُوِيَ أنَّهُ أعْطى الزُّبَيْرَ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةَ أسْهُمٍ. ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ الزُّبَيْرَ كانَ يَضْرِبُ لَهُ في المَغْنَمِ بِأرْبَعَةِ أسْهُمٍ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ كانَتْ عَلى وجْهِ النَّفَلِ تَحْرِيضًا لَهم عَلى إيجافِ الخَيْلِ، كَما كانَ يُنَفِّلُ سَلَبَ القَتِيلِ ويَقُولُ: «مَن أصابَ شَيْئًا فَهو لَهُ» تَحْرِيضًا عَلى القِتالِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا اخْتَلَفَتِ الأخْبارُ كانَ خَبَرُ الزّائِدِ أوْلى: قِيلَ لَهُ: هَذا إذا ثَبَتَتِ الزِّيادَةُ كانَتْ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْقاقِ، فَأمّا إذا احْتَمَلَ أنْ تَكُونَ عَلى وجْهِ النَّفَلِ فَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ مُسْتَحِقَّةً. وأيْضًا فَإنَّ في خَبَرِنا إثْباتَ زِيادَةٍ لِسَهْمِ الرّاجِلِ لِأنَّهُ كُلَّما نَقَصَ نَصِيبُ الفارِسِ زادَ نَصِيبُ الرّاجِلِ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِن طَرِيقِ النَّظَرِ أنَّ الفَرَسَ لَمّا كانَ آلَةً كانَ القِياسُ أنْ لا يُسْهَمَ لَهُ كَسائِرِ الآلاتِ، فَتَرَكْنا القِياسَ في السَّهْمِ الواحِدِ والباقِي مَحْمُولٌ عَلى القِياسِ؛ وعَلى هَذا لَوْ حَضَرَ الفَرَسُ دُونَ الرَّجُلِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ولَوْ حَضَرَ الرَّجُلُ دُونَ الفَرَسِ اسْتَحَقَّ، فَلَمّا لَمْ يُجاوِزْ بِالرَّجُلِ سَهْمًا واحِدًا كانَ الفَرَسُ بِهِ أوْلى. وأيْضًا الرَّجُلُ آكَدُ أمْرًا في اسْتِحْقاقِ السَّهْمِ مِنَ الفَرَسِ، بِدَلالَةِ أنَّ الرِّجالَ وإنْ كَثُرُوا اسْتَحَقُّوا سِهامَهم، ولَوْ حَضَرَتْ جَماعَةُ أفْراسٍ لِرَجُلٍ واحِدٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ إلّا لِفَرَسٍ واحِدٍ، فَلَمّا كانَ الرَّجُلُ آكَدَ أمْرًا مِنَ الفَرَسِ ولَمْ يَسْتَحِقَّ أكْثَرَ مِن سَهْمٍ فالفَرَسُ أحْرى بِذَلِكَ.
* *
بابُ قِسْمَةِ الخُمُسِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ واخْتَلَفَ السَّلَفُ في كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الخُمُسِ في الأصْلِ، فَرَوى مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الغَنِيمَةُ تُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أخْماسٍ؛ فَأرْبَعَةٌ مِنها لِمَن قاتَلَ عَلَيْها، وخُمُسٌ واحِدٌ يُقَسَّمُ عَلى أرْبَعَةٍ، فَرُبُعٌ لِلَّهِ واِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى يَعْنِي قَرابَةَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الخُمُسِ شَيْئًا، والرُّبُعُ الثّانِي لِلْيَتامى، والرُّبُعُ الثّالِثُ لِلْمَساكِينِ، والرُّبُعُ الرّابِعُ لِابْنِ السَّبِيلِ وهو الضَّيْفُ الفَقِيرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ.
ورَوى قَتادَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ. وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قالَ: { يُقَسَّمُ الخُمُسُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ خُمُسٌ، ولِقَرابَةِ النَّبِيِّ ﷺ خُمُسٌ، ولِلْيَتامى خُمُسٌ، ولِلْمَساكِينِ خُمُسٌ، ولِابْنِ السَّبِيلِ خُمُسٌ } . وقالَ عَطاءٌ والشَّعْبِيُّ خُمُسُ اللَّهِ وخُمُسُ الرَّسُولِ واحِدٌ، قالَ الشَّعْبِيُّ: هو مِفْتاحُ الكَلامِ.
ورَوى سُفْيانُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قالَ: { هَذا مِفْتاحُ كَلامٍ، لَيْسَ لِلَّهِ نَصِيبٌ، لِلَّهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ } . وقالَ يَحْيى بْنُ الجَزّارِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قالَ: { لِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ وإنَّما النَّبِيُّ ﷺ خُمُسُ الخُمُسِ } .
ورَوى أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتى بِالغَنِيمَةِ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فَما وقَعَ فِيها مِن شَيْءٍ جَعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ وهو سَهْمُ بَيْتِ اللَّهِ؛ ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةٍ، فَيَكُونُ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَهْمٌ ولِذَوِي القُرْبى سَهْمٌ ولِلْيَتامى سَهْمٌ ولِلْمَساكِينِ سَهْمٌ ولِابْنِ السَّبِيلِ سَهْمٌ، واَلَّذِي جَعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ هو السَّهْمُ الَّذِي لِلَّهِ تَعالى» .
ورَوى أبُو يُوسُفَ عَنْ أشْعَثَ بْنِ سَوّارٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ يَحْمِلُ الخُمُسَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ويُعْطِي مِنهُ نائِبَةَ القَوْمِ، فَلَمّا كَثُرَ المالُ جَعَلَهُ في غَيْرِ ذَلِكَ» .
ورَوى أبُو يُوسُفَ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: { أنَّ الخُمُسَ الَّذِي كانَ يُقَسَّمُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ سَهْمٌ، ولِذَوِي القُرْبى سَهْمٌ، ولِلْيَتامى سَهْمٌ، ولِلْمَساكِينِ سَهْمٌ، ولِابْنِ السَّبِيلِ سَهْمٌ، ثُمَّ قَسَمَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ عَلى ثَلاثَةِ أسْهُمٍ: (p-٢٤٤)لِلْيَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ } .
قالَ أبُو بَكْرٍ: فاخْتَلَفَ السَّلَفُ في قِسْمَةِ الخُمُسِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ: «إنَّ القِسْمَةَ كانَتْ عَلى أرْبَعَةٍ سَهْمُ اللَّهِ وسَهْمُ الرَّسُولِ وسَهْمُ ذِي القُرْبى كانَ واحِدًا، وإنَّهُ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ مِنَ الخُمُسِ شَيْئًا» .
وقالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ ﴿لِلَّهِ﴾ افْتِتاحُ كَلامٍ وهو مَقْسُومٌ عَلى خَمْسَةٍ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: كانَ مَقْسُومًا عَلى سِتَّةِ أسْهُمٍ لِلَّهِ سَهْمٌ يُجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُسَمَّيْنَ في الآيَةِ سَهْمٌ. وأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في حَدِيثِ الكَلْبِيِّ أنَّ الخُلَفاءَ الأرْبَعَةَ قَسَمُوهُ عَلى ثَلاثَةٍ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كانَ يَحْمِلُ مِنَ الخُمُسِ في سَبِيلِ اللَّهِ ويُعْطِي مِنهُ نائِبَةَ القَوْمِ ثُمَّ جُعِلَ في غَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وهو مِنَ المُتَأخِّرِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ: جَعَلَ اللَّهُ الرَّأْيَ في الخُمُسِ إلى نَبِيِّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما كانَتِ الأنْفالُ لَهُ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، فَنَسَخَتِ الأنْفالَ في الأرْبَعَةِ الأخْماسِ وتُرِكَ الخُمُسُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مَوْكُولًا إلى رَأْيِ النَّبِيِّ ﷺ، وكَما قالَ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧] ثُمَّ قالَ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فَذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ ثُمَّ قالَ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فَبَيَّنَ في آخِرِهِ أنَّهُ مَوْكُولٌ إلى رَأْيِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وكَذَلِكَ الخُمُسُ قالَ فِيهِ إنَّهُ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ يَعْنِي قِسْمَتُهُ مَوْكُولَةٌ إلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ الوُجُوهَ الَّتِي يُقَسِّمُ عَلَيْها عَلى ما يَرى ويَخْتارُ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ الواحِدِ بْنِ زِيادٍ عَنِ الحَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ سُئِلَ: «كَيْفَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ بِالخُمُسِ ؟ قالَ: كانَ يَحْمِلُ مِنهُ في سَبِيلِ اللَّهِ الرَّجُلَ ثُمَّ الرَّجُلَ ثُمَّ الرَّجُلَ» .
والمَعْنى في ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُعْطِي مِنهُ المُسْتَحِقِّينَ ولَمْ يَكُنْ يُقَسِّمُهُ أخْماسًا وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: { إنَّ القِسْمَةَ كانَتْ في الأصْلِ عَلى سِتَّةٍ وإنَّ سَهْمَ اللَّهِ كانَ مَصْرُوفًا إلى الكَعْبَةِ } فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ ثابِتًا لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهِ مُتَواتِرًا ولَكانَتِ الخُلَفاءُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْلى النّاسِ بِاسْتِعْمالِ ذَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْهم عُلِمَ أنَّهُ غَيْرُ ثابِتٍ. وأيْضًا فَإنَّ سَهْمَ الكَعْبَةِ لَيْسَ بِأوْلى بِأنْ يَكُونَ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى مِن سائِرِ السِّهامِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ إذْ كُلُّها مَصْرُوفٌ في وُجُوهِ القُرَبِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِسَهْمِ الكَعْبَةِ، فَلَمّا بَطَلَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ المُرادُ بِذَلِكَ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ مِفْتاحًا لِلْكَلامِ عَلى ما حَكَيْناهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وعَلى وجْهِ تَعْلِيمِنا التَّبَرُّكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وافْتِتاحِ الأُمُورِ بِاسْمِهِ، أوْ أنْ (p-٢٤٥)يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ الخُمُسَ مَصْرُوفٌ في وُجُوهِ القُرَبِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الوُجُوهَ فَقالَ: ﴿ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ الآيَةَ، فَأجْمَلَ بَدِيًّا حُكْمَ الخُمُسِ ثُمَّ فَسَّرَ الوُجُوهَ الَّتِي أجْمَلَها.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ أرادَ ما قُلْتَ لَقالَ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ ولَمْ يَكُنْ يُدْخِلُ الواوَ بَيْنَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى واسْمِ رَسُولِ اللَّهِ.
قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ، مِن قِبَلِ أنَّهُ جائِزٌ في اللُّغَةِ إدْخالُ الواوِ والمُرادُ إلْغاؤُها كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] والواوُ مُلْغاةٌ والفُرْقانُ ضِياءٌ، وقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] مَعْناهُ: لَمّا أسْلَما تَلَّهُ لِلْجَبِينِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ [الصافات: ١٠٣] يَقْتَضِي جَوابًا وجَوابُهُ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ؛ وكَما قالَ الشّاعِرُ:
؎بَلَ شَيْءٌ يُوافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ وأحْيانًا وباطِلُهُ كَثِيرُ
ومَعْناهُ: يُوافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ أحْيانًا، والواوُ مُلْغاةٌ؛ وكَما قالَ الآخَرُ:
؎فَإنَّ رَشِيدًا وابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لِيَفْعَلَ حَتّى يُصْدِرَ الأمْرَ مَصْدَرا
ومَعْناهُ: فَإنَّ رَشِيدَ بْنَ مَرْوانَ؛ وقالَ الآخَرُ:
؎إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ
والواوُ في هَذِهِ المَواضِعِ دُخُولُها وخُرُوجُها سَواءٌ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنا؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونا جَمِيعًا مُرادَيْنِ لاحْتِمالِ الآيَةِ لَهُما، فَيَنْتَظِمُ تَعْلِيمُنا افْتِتاحَ الأُمُورِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ الخُمُسَ مَصْرُوفٌ في وُجُوهِ القُرَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَهْمٌ مِنَ الخُمُسِ وكانَ لَهُ الصَّفِيُّ وسَهْمٌ مِنَ الغَنِيمَةِ كَسَهْمِ رَجُلٍ مِنَ الجُنْدِ إذا شَهِدَ القِتالَ.
ورَوى أبُو حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «قالَ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ: آمُرُكم بِأرْبَعٍ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وتُقِيمُوا الصَّلاةَ وتُعْطُوا سَهْمَ اللَّهِ مِنَ الغَنائِمِ والصَّفِيِّ».
* *
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَرَوى سُفْيانُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ: { اخْتَلَفَ النّاسُ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَهْمِ الرَّسُولِ وسَهْمِ ذِي القُرْبى، فَقالَتْ طائِفَةٌ سَهْمُ الرَّسُولِ لِلْخَلِيفَةِ مِن بَعْدِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ سَهْمُ ذِي القُرْبى لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ، وأجْمَعُوا عَلى أنْ جَعَلُوا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ في الكُراعِ والعِدَّةِ في سَبِيلِ اللَّهِ } قالَ أبُو بَكْرٍ سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ إنَّما كانَ لَهُ ما دامَ حَيًّا، فَلَمّا تُوُفِّيَ سَقَطَ سَهْمُهُ كَما سَقَطَ الصَّفِيُّ بِمَوْتِهِ، فَرَجَعَ سَهْمُهُ إلى جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ كَما رَجَعَ إلَيْها ولَمْ يَعُدْ لِلنَّوائِبِ.
* *
واخْتُلِفَ في سَهْمِ ذَوِي القُرْبى، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ في الجامِعِ الصَّغِيرِ: { يُقَسَّمُ الخُمُسُ عَلى ثَلاثَةِ أسْهُمٍ: لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ (p-٢٤٦)وابْنِ السَّبِيلِ } .
ورَوى بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ قالَ { خُمُسُ اللَّهِ والرَّسُولِ واحِدٌ، وخُمُسُ ذَوِي القُرْبى لِكُلِّ صِنْفٍ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ خُمُسَ الخُمُسِ } . وقالَ الثَّوْرِيُّ { سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الخُمُسِ هو خُمُسُ الخُمُسِ وما بَقِيَ فَلِلطَّبَقاتِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ تَعالى } . وقالَمالِكٌ: { يُعْطِي مِنَ الخُمُسِ أقْرِباءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما يَرى ويَجْتَهِدُ } . وقالَ { الأوْزاعِيُّ خُمُسُ الغَنِيمَةِ لِمَن سُمِّيَ في الآيَةِ } . وقالَ الشّافِعِيُّ: { يُقَسَّمُ سَهْمُ ذَوِي القُرْبى بَيْنَ غَنِيِّهِمْ وفَقِيرِهِمْ } .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ لَفْظٌ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ ولَيْسَ بِعُمُومٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ذا القُرْبى لا يَخْتَصُّ بِقَرابَةِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِها أقْرِباءَ سائِرِ النّاسِ، فَصارَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا مُفْتَقِرًا إلى البَيانِ.
وقَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى أنَّهُ قَدْ أُرِيدَ أقْرِباءُ النَّبِيِّ ﷺ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ المُسْتَحِقِّينَ لِسَهْمِ الخُمُسِ مِنَ الأقْرِباءِ هُمُ الَّذِينَ كانَتُ لَهم نُصْرَةٌ وإنَّ السَّهْمَ كانَ مُسْتَحِقًّا بِالأمْرَيْنِ مِنَ القَرابَةِ والنُّصْرَةِ وإنَّ مَن لَيْسَ لَهُ نُصْرَةٌ مِمَّنْ حَدَثَ بَعْدُ فَإنَّما يَسْتَحِقُّهُ بِالفَقْرِ كَما يَسْتَحِقُّهُ سائِرُ الفُقَراءِ؛ ويَسْتَدِلُّونَ عَلى ذَلِكَ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: «لَمّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى بَيْنَ بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ أتَيْتُهُ أنا وعُثْمانُ فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلاءِ بَنُو هاشِمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم بِمَكانِكَ الَّذِي وضَعَكَ اللَّهُ فِيهِمْ، أرَأيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم ومَنَعْتَنا وإنَّما هم ونَحْنُ مِنكَ بِمَنزِلَةٍ ؟ فَقالَ ﷺ: إنَّهم لَمْ يُفارِقُونِي في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ وإنَّما بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ». فَهَذا يَدُلُّ مِن وجْهَيْنِ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ بِالقَرابَةِ فَحَسْبُ:
أحَدُهُما: أنَّ بَنِي المُطَّلِبِ وبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ في القُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ سَواءٌ، فَأعْطى بَنِي المُطَّلِبِ ولَمْ يُعْطِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، ولَوْ كانَ مُسْتَحِقًّا بِالقَرابَةِ لَساوى بَيْنَهم.
والثّانِي: أنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ البَيانِ لِما أُجْمِلَ في الكِتابِ مِن ذِكْرِ ذِي القُرْبى، وفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ إذا ورَدَ عَلى وجْهِ البَيانِ فَهو عَلى الوُجُوبِ، فَلَمّا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ النُّصْرَةَ مَعَ القَرابَةِ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى، فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنهم نُصْرَةٌ فَإنَّما يَسْتَحِقُّهُ بِالفَقْرِ. وأيْضًا فَإنَّ الخُلَفاءَ الأرْبَعَةَ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ إلّا بِالفَقْرِ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: سَألْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ فَقُلْتُ: ما فَعَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَهْمِ ذَوِي القُرْبى حِينَ وُلِّيَ ؟ فَقالَ: سَلَكَ بِهِ سَبِيلَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وكَرِهَ أنْ يُدَّعى عَلَيْهِ خِلافُهُما.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا رَأْيَهُ لَما قَضى بِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ خالَفَهُما في أشْياءَ مِثْلِ الجَدِّ والتَّسْوِيَةِ في العَطايا وأشْياءَ أُخَرَ، فَثَبَتَ أنَّ رَأْيَهُ ورَأْيَهُما كانَ سَواءً في (p-٢٤٧)أنَّ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى إنَّما يَسْتَحِقُّهُ الفُقَراءُ مِنهم.
ولَمّا أجْمَعَ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ عَلَيْهِ ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ بِإجْماعِهِمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «عَلَيْكم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِي» .
وفِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما كَتَبَ بِهِ إلى نَجْدَةَ الحَرُورِيِّ حِينَ سَألَهُ عَنْ سَهْمِ ذِي القُرْبى فَقالَ: كُنّا نَرى أنَّهُ لَنا فَدَعانا عُمَرُ إلى أنْ نُزَوِّجَ مِنهُ أيِّمَنا ونَقْضِيَ مِنهُ عَنْ مَغْرَمِنا فَأبَيْنا أنْ لا يُسَلِّمَهُ لَنا وأبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا " وفي بَعْضِ الألْفاظِ: " فَأبى ذَلِكَ عَلَيْنا بَنُو عَمِّنا " . فَأخْبَرَ أنَّ قَوْمَهُ وهم أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ رَأوْهُ لِفُقَرائِهِمْ دُونَ أغْنِيائِهِمْ، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: " كُنّا نَرى أنَّهُ لَنا إخْبارٌ أنَّهُ قالَهُ مِن طَرِيقِ الرَّأْيِ ولا حَظَّ لِلرَّأْيِ مَعَ السُّنَّةِ واتِّفاقِ جُلِّ الصَّحابَةِ مِنَ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ.
ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ عُمَرَ فِيما حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْهُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ أنَّهُ والفَضْلَ بْنَ عَبّاسٍ قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغْنا النِّكاحَ فَجِئْناكَ لِتُؤَمِّرَنا عَلى هَذِهِ الصَّدَقاتِ فَنُؤَدِّيَ إلَيْكَ ما يُؤَدِّي العُمّالُ ونُصِيبَ ما يُصِيبُونَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إنَّما هي أوْساخُ النّاسِ» ثُمَّ أمَرَ مَحْمِيَّةَ أنْ يُصَدِّقَهُما مِنَ الخُمُسِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِقٌّ بِالفَقْرِ، إذْ كانَ إنَّما اقْتَضى لَهُما عَلى مِقْدارِ الصَّداقِ الَّذِي احْتاجا إلَيْهِ لِلتَّزَوُّجِ ولَمْ يَأْمُرْ لَهُما بِما فَضَلَ عَنِ الحاجَةِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ الخُمُسَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ قِسْمَتُهُ عَلى السُّهْمانِ وأنَّهُ مَوْكُولٌ إلى رَأْيِ الإمامِ قَوْلُهُ ﷺ: «ما لِي مِن هَذا المالِ إلّا الخُمُسُ والخُمُسُ مَرْدُودٌ إلَيْكم» ولَمْ يُخَصِّصِ القَرابَةَ بِشَيْءٍ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم فِيهِ كَسائِرِ الفُقَراءِ يَسْتَحِقُّونَ مِنهُ مِقْدارَ الكِفايَةِ وسَدِّ الخُلَّةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «يَذْهَبُ كِسْرى فَلا كِسْرى بَعْدَهُ أبَدًا ويَذْهَبُ قَيْصَرُ فَلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ أبَدًا واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقُنَّ كُنُوزُهُما في سَبِيلِ اللَّهِ» فَأخْبَرَ أنَّهُ يُنْفَقُ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يُخَصِّصْ بِهِ قَوْمًا مِن قَوْمٍ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مَوْكُولًا إلى رَأْيِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أعْطى المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهم ولَيْسَ لَهم ذِكْرٌ في آيَةِ الخُمُسِ، فَدَلَّ عَلى ما ذَكَرْنا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ كُلَّ مَن سُمِّيَ في آيَةِ الخُمُسِ لا يَسْتَحِقُّ إلّا بِالفَقْرِ وهُمُ اليَتامى وابْنُ السَّبِيلِ، فَكَذَلِكَ ذُو القُرْبى؛ لِأنَّهُ سَهْمٌ مِنَ الخُمُسِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ أُقِيمَ ذَلِكَ لَهم مَقامَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنها، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّهُ مِنهم إلّا فَقِيرٌ كَما أنَّ الأصْلَ الَّذِي أُقِيمَ هَذا مَقامَهُ لا يَسْتَحِقُّهُ إلّا فَقِيرٌ.
فَإنْ قِيلَ: مَوالِي بَنِي هاشِمٍ لا تَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ ولَمْ يَدْخُلُوا في اسْتِحْقاقِ السَّهْمِ مِنَ الخُمُسِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ مَوالِيَ بَنِي هاشِمٍ لَهم سَهْمٌ مِنَ الخُمُسِ إذَ (p-٢٤٨)كانُوا فُقَراءَ عَلى حَسَبِ ما هو لِبَنِي هاشِمٍ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتْ قَرابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحِقُّونَ سَهْمَهم بِالفَقْرِ والحاجَةِ فَما وجْهُ تَخْصِيصِهِ إيّاهم بِالذِّكْرِ وقَدْ دَخَلُوا في جُمْلَةِ المَساكِينِ ؟ قِيلَ لَهُ: كَما خَصَّ اليَتامى وابْنَ السَّبِيلِ بِالذِّكْرِ ولا يَسْتَحِقُّونَهُ إلّا بِالفَقْرِ، وأيْضًا لَمّا سَمّى اللَّهُ الخُمُسَ لِلْيَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَما قالَ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيَةَ، ثُمَّ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ» فَلَوْ لَمْ يُسَمِّهِمْ في الخُمُسِ جازَ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْطاؤُهم مِنهُ كَما لا يَجُوزُ أنْ يُعْطَوْا مِنَ الصَّدَقاتِ، فَسَمّاهم إعْلامًا مِنهُ لَنا أنَّ سَبِيلَهم فِيهِ بِخِلافِ سَبِيلِهِمْ في الصَّدَقاتِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ أعْطى النَّبِيُّ ﷺ العَبّاسَ مِنَ الخُمُسِ وكانَ ذا يَسارٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لِلْأغْنِياءِ والفُقَراءِ مِنهم.
قِيلَ لَهُ: الجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ أعْطاهم بِالنُّصْرَةِ والقَرابَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّهم لَمْ يُفارِقُونِي في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ» فاسْتَوى فِيهِ الفَقِيرُ والغَنِيُّ لِتَساوِيهِمْ في النُّصْرَةِ والقَرابَةِ. والثّانِي: أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّما أعْطى العَبّاسَ لَيُفَرِّقَهُ في فُقَراءِ بَنِي هاشِمٍ ولَمْ يُعْطِهِ لِنَفْسِهِ
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واليَتامى﴾ فَإنَّ حَقِيقَةَ اليُتْمِ هو الِانْفِرادُ، ومِنهُ الرّابِيَةُ المُنْفَرِدَةُ تُسَمّى يَتِيمَةً والمَرْأةُ المُنْفَرِدَةُ عَنِ الأزْواجِ تُسَمّى يَتِيمَةً، إلّا أنَّهُ قَدِ اخْتُصَّ في النّاسِ (p-٢٥٠)بِالصَّغِيرِ الَّذِي قَدْ ماتَ أبُوهُ، وهو يُفِيدُ الفَقْرَ مَعَ ذَلِكَ أيْضًا عِنْدَ الإطْلاقِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن أوْصى لِيَتامى بَنِي فُلانٍ وهم لا يُحْصَوْنَ أنَّ الوَصِيَّةَ جائِزَةٌ؛ لِأنَّها لِلْفُقَراءِ مِنهم.
ولا خِلافَ أنَّهُ قَدْ أُرِيدَ مَعَ اليُتْمِ الفَقْرُ في هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ الأغْنِياءَ مِنَ الأيْتامِ لا حَظَّ لَهم فِيهِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ اليَتِيمَ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الصَّغِيرِ الَّذِي قَدْ ماتَ أبُوهُ دُونَ الكَبِيرِ قَوْلُهُ ﷺ: «لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ»، وقَدْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ ولَدٍ يَتِيمٍ مِن قِبَلِ أُمِّهِ إلّا الإنْسانَ فَإنَّ يُتْمَهُ مِن قِبَلِ أبِيهِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فَإنَّهُ المُسافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ المُحْتاجُ إلى ما يُتَحَمَّلُ بِهِ إلى بَلَدِهِ وإنْ كانَ لَهُ مالٌ في بَلَدِهِ، فَهو بِمَنزِلَةِ الفَقِيرِ الَّذِي لا مالَ لَهُ؛ لِأنَّ المَعْنى في وُجُوبِ إعْطائِهِ حاجَتَهُ إلَيْهِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ مَن لَهُ مالٌ يَصِلُ إلَيْهِ وبَيْنَ مَن لا مالَ لَهُ
وأمّا المِسْكِينُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ مِن آيَةِ الصَّدَقاتِ وفي اتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ ابْنَ السَّبِيلِ واليَتِيمَ إنَّما يَسْتَحِقّانِ حَقَّهُما مِنَ الخُمُسِ بِالحاجَةِ دُونَ الِاسْمِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَقْصِدَ بِالخُمُسِ صَرْفُهُ إلى المَساكِينِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ المَعْنى هو الفَقْرَ فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِ ذَوِي القُرْبى قِيلَ لَهُ: فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ، وهو أنَّ آلَ النَّبِيِّ ﷺ لَمّا حَرُمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ كانَ جائِزًا أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ الخُمُسَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ كَتَحْرِيمِها؛ إذْ كانَ سَبِيلُهُ صَرْفَهُ إلى الفُقَراءِ، فَأبانَ اللَّهُ تَعالى بِتَسْمِيَتِهِمْ في الآيَةِ عَنْ جَوازِ إعْطائِهِمْ مِنَ الخُمُسِ بِالفَقْرِ، ويَلْزَمُ هَذا السّائِلَ أنْ يُعْطِيَ اليَتامى وابْنَ السَّبِيلِ بِالِاسْمِ دُونَ الحاجَةِ عَنْ قَضِيَّتِهِ بِأنْ لَوْ كانَ مُسْتَحِقًّا بِالفَقْرِ ما كانَ لِتَسْمِيَتِهِ ابْنَ السَّبِيلِ واليَتِيمَ مَعْنًى وهُما إنَّما يَسْتَحِقّانِهِ بِالفَقْرِ.
* *
والغَنِيمَةُ اسْمٌ لِما أُخِذَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ بِقِتالٍ فَيَكُونُ خُمُسُهُ لِلَّهِ تَعالى، وأرْبَعَةُ أخْماسِهِ لِلْغانِمِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وأمّا الفَيْءُ فَهو كُلُّ ما صارَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِتالٍ.
رُوِيَ هَذا الفَرْقُ بَيْنَهُما عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، وعَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أيْضًا
قالَ أبُو بَكْرٍ: الفَيْءُ كُلُّ ما صارَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ بِقِتالٍ أوْ بِغَيْرِ قِتالٍ؛ إذْ كانَ سَبَبُ أخْذِهِ الكُفْرَ قالَ أصْحابُنا الجِزْيَةُ فَيْءٌ والخَراجُ وما يَأْخُذُهُ الإمامُ مِنَ العَدُوِّ عَلى وجْهِ الهُدْنَةِ والمُوادَعَةِ فَهو فَيْءٌ أيْضًا.
وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] الآيَةَ فَقِيلَ: إنَّ هَذا فِيما لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِثْلَ فَدَكَ، وما أُخِذَ مِن أهْلِ نَجْرانَ فَكانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ صَرْفُهُ في هَذِهِ الوُجُوهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ كانَتْ في الغَنائِمِ فَنُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾
وجائِزٌ عِنْدَنا أنْ لا تَكُونَ مَنسُوخَةً، وأنْ تَكُونَ آيَةُ الغَنِيمَةِ فِيما أوْجَفَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ أوْ رِكابٍ، وظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِالقِتالِ، وآيَةُ الفَيْءِ الَّتِي في الحَشْرِ فِيما لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ، وأُخِذَ مِنهم عَلى وجْهِ المُوادَعَةِ، والهُدْنَةِ كَما فَعَلَ النَّبِيُّ بِأهْلِ نَجْرانَ، وفَدَكَ، وسائِرِ ما أخَذَهُ مِنهم بِغَيْرِ قِتالٍ، واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
الأنفال 8:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قِيلَ إنَّ الفِئَةَ هي الجَماعَةُ المُنْقَطِعَةُ عَنْ غَيْرِها، وأصْلُهُ مِن فَأوَتْ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ إذا قَطَعْتَهُ، والمُرادُ بِالفِئَةِ هاهُنا جَماعَةٌ مِنَ الكُفّارِ، فَأمَرَهم بِالثَّباتِ لَهم وقِتالِهِمْ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] الآيَةَ، ومَعْناهُ مُرَتَّبٌ عَلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ مِن جَوازِ التَّحَرُّفِ لِلْقِتالِ أوِ الِانْحِيازِ إلى فِئَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لِيُقاتِلَ مَعَهم، ومُرَتَّبٌ أيْضًا عَلى ما ذُكِرَ بَعْدَ هَذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٦] فَإنَّما هم مَأْمُورُونَ بِالثَّباتِ لَهم إذا كانَ العَدُوُّ مِثْلَيْهِمْ، فَإنْ كانُوا ثَلاثَةَ أضْعافِهِمْ فَجائِزٌ لَهُمُ الِانْحِيازُ إلى فِئَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يُقاتِلُونَ مَعَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى بِاللِّسانِ والآخَرُ: الذِّكْرُ بِالقَلْبِ، وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ذِكْرُ (p-٢٥١)ثَوابِ الصَّبْرِ عَلى الثَّباتِ لِجِهادِ أعْداءِ اللَّهِ المُشْرِكِينَ وذِكْرُ عِقابِ الفِرارِ
والثّانِي: ذِكْرُ دَلائِلِهِ ونِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ وما يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ القِيامِ بِفَرْضِهِ في جِهادِ أعْدائِهِ، وضُرُوبُ هَذِهِ الأذْكارِ كُلِّها تُعِينُ عَلى الصَّبْرِ والثَّباتِ ويُسْتَدْعى بِها النَّصْرُ مِنَ اللَّهِ والجُرْأةُ عَلى العَدُوِّ والِاسْتِهانَةُ بِهِمْ.
وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالآيَةِ جَمِيعَ الأذْكارِ لِشُمُولِ الِاسْمِ لِجَمِيعِها، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ما يُوافِقُ مَعْنى الآيَةِ، ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا خَلّادُ بْنُ يَحْيى قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ فَإذا لَقِيتُمُوهم فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وإنْ أجْلَبُوا أوْ ضَجُّوا فَعَلَيْكم بِالصَّمْتِ».
الأنفال 8:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أمَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ ونَهى بِها عَنِ الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ وأخْبَرَ أنَّ الِاخْتِلافَ والتَّنازُعَ يُؤَدِّي إلى الفَشَلِ وهو ضَعْفُ القَلْبِ مِن فَزَعٍ يَلْحَقُهُ، وأمَرَ في آيَةٍ أُخْرى بِطاعَةِ وُلاةِ الأمْرِ لِنَفْيِ الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ المُؤَدِّيَيْنِ إلى الفَشَلِ في قَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ [الأنفال: ٤٣] فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ أراهم في مَنامِهِمْ قَلِيلًا لِئَلّا يَتَنازَعُوا إذا رَأوْهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُوا.
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ولَنْ يُغْلَبَ اثْنا عَشَرَ ألْفًا مِن قِلَّةٍ إذا اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم». فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها النَّهْيَ عَنِ الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ، وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى الفَشَلِ وإلى ذَهابِ الدَّوْلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وقِيلَ إنَّ المَعْنى رِيحُ النَّصْرِ الَّتِي يَبْعَثُها اللَّهُ مَعَ مَن يَنْصُرُهُ عَلى مَن يَخْذُلُهُ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: { تَذْهَبَ دَوْلَتُكم، مِن قَوْلِهِمْ: ذَهَبَتْ رِيحُهُ أيْ ذَهَبَتْ دَوْلَتُهُ } .
الأنفال 8:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ تَثْقَفَنَّهم: مَعْناهُ تُصادِفُهم. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ { إذا أسَرْتَهم فَنَكِّلْ بِهِمْ تَنْكِيلًا تُشَرِّدُ غَيْرَهم مِن ناقِضِي العَهْدِ خَوْفًا مِنكَ } . وقالَ غَيْرُهُمُ: { افْعَلْ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ ما تُفَرِّقُ بِهِ مَن خَلْفَهم عَنِ التَّعاوُنِ عَلى قِتالِكَ } . ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ما أمَرَ بِهِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ التَّنْكِيلِ بِأهْلِ الرِّدَّةِ وإحْراقِهِمْ بِالنِّيرانِ ورَمْيِهِمْ مِن رُءُوسِ الجِبالِ وطَرْحِهِمْ في الآبارِ ذَهَبَ فِيهِ إلى أنَّ تَأْوِيلَ الآيَةِ في تَشْرِيدِ سائِرِ المُرْتَدِّينَ (p-٢٥٢)عَنِ التَّعاوُنِ والِاجْتِماعِ عَلى قِتالِ المُسْلِمِينَ.
الأنفال 8:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ الآيَةَ. يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: إذا خِفْتَ غَدْرَهم وخَدْعَتَهم وإيقاعَهم بِالمُسْلِمِينَ وفَعَلُوا ذَلِكَ خُفْيًا ولَمْ يُظْهِرُوا نَقْضَ العَهْدِ فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، يَعْنِي ألْقِ إلَيْهِمْ فَسْخَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم مِنَ العَهْدِ والهُدْنَةِ حَتّى يَسْتَوِيَ الجَمِيعُ في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عَلى سَواءٍ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمُوا أنَّكَ نَقَضْتَ العَهْدَ بِنَصْبِ الحَرْبِ. وقِيلَ: ﴿عَلى سَواءٍ﴾ عَلى عَدْلٍ، مِن قَوْلِ الرّاجِزِ:
؎فاضْرِبْ وُجُوهَ الغَدْرِ لِلْأعْداءِ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى السَّواءِ
ومِنهُ قِيلَ لِلْوَسَطِ سَواءٌ لِاعْتِدالِهِ، كَما قالَ حَسّانُ:
؎يا ويْحَ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المَلْحَدِ
أيْ في وسَطِهِ. «وقَدْ غَزا النَّبِيُّ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ بَعْدَ الهُدْنَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم قَدْ كانُوا نَقَضُوا العَهْدَ بِمُعاوَنَتِهِمْ بَنِي كِنانَةَ عَلى قَتْلِ خُزاعَةَ وكانَتْ حُلَفاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ»، ولِذَلِكَ جاءَ أبُو سُفْيانَ إلى المَدِينَةِ يَسْألُ النَّبِيَّ ﷺ تَجْدِيدَ العَهْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُرَيْشٍ فَلَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ ﷺ إلى ذَلِكَ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى النَّبْذِ إلَيْهِمْ؛ إذْ كانُوا قَدْ أظْهَرُوا نَقْضَ العَهْدِ بِنَصْبِ الحَرْبِ لِحُلَفاءِ النَّبِيِّ ﷺ .
ورُوِيَ نَحْوُ مَعْنى الآيَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ عَنْ أبِي الفَيْضِ عَنْ سُلَيْمٍ وقالَ غَيْرُهُ سُلَيْمُ بْنُ عامِرٍ رَجُلٌ مِن حِمْيَرَ قالَ: كانَ بَيْنَ مُعاوِيَةَ وبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ، وكانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلادِهِمْ، حَتّى إذا انْقَضى العَهْدُ غَزاهم، فَجاءَ رَجُلٌ عَلى فَرَسٍ أوْ بِرْذَوْنٍ وهو يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ وفاءٌ لا غَدْرٌ فَنَظَرُوا فَإذا عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ مُعاوِيَةُ فَسَألَهُ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلا يَشُدُّ عُقْدَةً ولا يَحُلُّها حَتّى يَنْقَضِيَ أمَدُها أوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ» فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ.
الأنفال 8:60
واخْتُلِفَ في البَراذِينِ، فَقالَ أصْحابُنا ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ: { البِرْذَوْنُ والفَرَسُ سَواءٌ } . وقالَ الأوْزاعِيُّ: { كانَتْ أئِمَّةُ المُسْلِمِينَ فِيما سَلَفَ لا يُسْهِمُونَ لِلْبَراذِينِ حَتّى هاجَتِ الفِتْنَةُ مِن بَعْدِ قَتْلِ الوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ } . وقالَ اللَّيْثُ: { لِلْهَجِينِ والبِرْذَوْنِ سَهْمٌ واحِدٌ ولا يُلْحَقانِ بِالعِرابِ } .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ وقالَ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ [الحشر: ٦] وقالَ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] فَعُقِلَ بِاسْمِ (p-٢٤٢)الخَيْلِ في هَذِهِ الآياتِ البَراذِينُ كَما عُقِلَ مِنها العِرابُ، فَلَمّا شَمِلَها اسْمُ الخَيْلِ وجَبَ أنْ يَسْتَوِيا في السُّهْمانِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ راكِبَ البِرْذَوْنِ يُسَمّى فارِسًا كَما يُسَمّى بِهِ راكِبُ الفَرَسِ العَرَبِيِّ، فَلَمّا أُجْرِيَ عَلَيْهِما اسْمُ الفارِسِ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِلْفارِسِ سَهْمانِ ولِلرّاجِلِ سَهْمٌ» عَمَّ ذَلِكَ فارِسَ البِرْذَوْنِ كَما عَمَّ فارِسَ العِرابِ وأيْضًا إنْ كانَ مِنَ الخَيْلِ فَواجِبٌ أنْ لا يَخْتَلِفَ سَهْمُهُ وسَهْمُ العَرَبِيِّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الخَيْلِ فَواجِبٌ أنْ لا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، فَلَمّا وافَقَنا اللَّيْثُ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ إنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ مِنَ الخَيْلِ وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ العَرَبِيِّ. وأيْضًا لا يَخْتَلِفُ الفُقَهاءُ في أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الفَرَسِ العَرَبِيِّ في جَوازِ أكْلِهِ وحَظْرِهِ عَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُما جِنْسٌ واحِدٌ، فَصارَ فَرْقُ ما بَيْنَهُما كَفَرْقِ ما بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى والهَزِيلِ والسَّمِينِ والجَوادِ وما دُونَهُ، وأنَّ اخْتِلافَهُما في هَذِهِ الوُجُوهِ لَمْ يُوجِبِ اخْتِلافَ سِهامِهِما. وأيْضًا فَإنَّ الفَرَسَ العَرَبِيَّ وإنْ كانَ أجْرى مِنَ البِرْذَوْنِ فَإنَّ البِرْذَوْنَ أقْوى مِنهُ عَلى حَمْلِ السِّلاحِ. وأيْضًا فَإنَّ الرَّجُلَ العَرَبِيَّ والعَجَمِيَّ لا يَخْتَلِفانِ في حُكْمِ السِّهامِ كَذَلِكَ الخَيْلُ العَرَبِيُّ والعَجَمِيُّ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينارٍ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ عَنْ صَدَقَةِ البَراذِينِ فَقالَ سَعِيدٌ: وهَلْ في الخَيْلِ مِن صَدَقَةٍ ؟ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: البَراذِينُ بِمَنزِلَةِ الخَيْلِ. وقالَ مَكْحُولٌ: أوَّلُ مَن قَسَمَ لِلْبَراذِينِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ يَوْمَ دِمَشْقَ، قَسَمَ لِلْبَراذِينِ نِصْفَ سُهْمانِ الخَيْلِ لِما رَأى مِن جَرْيِها وقُوَّتِها، فَكانَ يُعْطِي البَراذِينَ سَهْمًا سَهْمًا، وهَذا حَدِيثٌ مَقْطُوعٌ وقَدْ أخْبَرَ فِيهِ أنَّهُ فَعَلَهُ مِن طَرِيقِ الرَّأْيِ والِاجْتِهادِ لِما رَأى مِن قُوَّتِها، فَإذًا لَيْسَ بِتَوْقِيفٍ وقَدْ رَوى إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ عَنْ أبِيهِ قالَ: أغارَتِ الخَيْلُ بِالشّامِ وعَلى النّاسِ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ يُقالُ لَهُ المُنْذِرُ بْنُ أبِي حِمَّصَةَ الوادِعِيُّ، فَأدْرَكَتِ الخَيْلُ العِرابُ مِن يَوْمِها وأدْرَكَتِ الكَوادِنُ مِنَ الغَدِ، فَقالَ: لا أجْعَلُ ما أدْرَكَ كَما لَمْ يُدْرِكْ، فَكَتَبَ إلى عُمَرَ فِيهِ، فَكَتَبَ عُمَرُ: هَبِلَتِ الوادِعِيَّ أُمُّهُ لَقَدِ اذَّكَّرَتْ بِهِ، أمْضُوها عَلى ما قالَ فاحْتَجَّ مَن لَمْ يُسْهِمْ لِلْبَراذِينِ بِذَلِكَ. ولا دَلالَةَ في هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ رَأْيَ عُمَرَ، وإنَّما أجازَهُ لِأنَّهُ مِمّا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهادُ، وقَدْ حَكَمَ بِهِ أمِيرُ الجَيْشِ فَأنْفَذَهُ.
* *
واخْتُلِفَ فِيمَن يَغْزُو بِأفْراسٍ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: { لا يُسْهَمُ إلّا لِفَرَسٍ واحِدٍ } .
وقالَ أبُو يُوسُفَ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ: { يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ } . واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ الجَيْشَ قَدْ كانُوا يَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَما ظَهَرَ الإسْلامُ بِفَتْحِ خَيْبَرَ ومَكَّةَ وحُنَيْنٍ وغَيْرِها مِنَ (p-٢٤٣)المَغازِي، ولَمْ يَكُنْ يَخْلُو الجَماعَةُ مِنهم مِن أنْ يَكُونَ مَعَهُ فَرَسانِ أوْ أكْثَرُ، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ لِأكْثَرَ مِن فَرَسٍ واحِدٍ. وأيْضًا فَإنَّ الفَرَسَ آلَةٌ وكانَ القِياسُ أنْ لا يُضْرَبَ لَهُ بِسَهْمٍ كَسائِرِ الآلاتِ، فَلَمّا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ والِاتِّفاقِ سَهْمُ الفَرَسِ الواحِدِ أثْبَتْناهُ ولَمْ نُثْبِتِ الزِّيادَةَ إلّا بِتَوْقِيفٍ؛ إذْ كانَ القِياسُ يَمْنَعُهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِإعْدادِ السِّلاحِ والكُراعِ قَبْلَ وقْتِ القِتالِ إرْهابًا لِلْعَدُوِّ والتَّقَدُّمِ في ارْتِباطِ الخَيْلِ اسْتِعْدادًا لِقِتالِ المُشْرِكِينَ. وقَدْ رُوِيَ في القُوَّةِ أنَّها الرَّمْيُ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحارِثِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ ثُمامَةَ بْنِ شُفَيٍّ الهَمْدانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ الجُهَنِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى المِنبَرِ (p-٢٥٣)يَقُولُ: «﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا فَضْلُ بْنُ سَحْتَبٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ارْمُوا وارْكَبُوا، وأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ تَرْكَبُوا، وكُلُّ لَهْوِ المُؤْمِنِ باطِلٌ إلّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ أوْ تَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ أوْ مُلاعَبَتَهُ امْرَأتَهُ فَإنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ». وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو سَلّامٍ عَنْ خالِدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الواحِدِ ثَلاثَةَ نَفَرٍ الجَنَّةَ صانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، والرّامِيَ بِهِ، ومُنْبِلَهُ؛ وارْمُوا وارْكَبُوا وأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ تَرْكَبُوا، لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ ثَلاثَةٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ ومُلاعَبَتُهُ أهْلَهُ ورَمْيُهُ بِقَوْسِهِ ونَبْلِهِ، ومَن تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَما عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإنَّها نِعْمَةٌ تَرَكَها أوْ قالَ: كَفَرَها». .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: حَدَّثَنا الجَرّاحُ بْنُ مِنهالٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ أبِي سُلَيْمانَ مَوْلى أبِي رافِعٍ عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِن حَقِّ الوَلَدِ عَلى الوالِدِ أنْ يُعَلِّمَهُ كِتابَ اللَّهِ والسِّباحَةَ والرَّمْيَ» . ومَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» أنَّهُ مِن مُعْظَمِ ما يَجِبُ إعْدادُهُ مِنَ القُوَّةِ عَلى قِتالِ العَدُوِّ، ولَمْ يَنْفِ بِهِ أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ القُوَّةِ، بَلْ عُمُومُ اللَّفْظِ شامِلٌ لِجَمِيعِ ما يُسْتَعانُ بِهِ عَلى العَدُوِّ مِن سائِرِ أنْواعِ السِّلاحِ وآلاتِ الحَرْبِ. وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ أبِي القَتِيلِ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ جَعْفَرٍ قالَ: حَدَّثَنا كَثِيرُ بْنُ هِشامٍ قالَ: حَدَّثَنا عِيسى بْنُ إبْراهِيمَ الثُّمالِيُّ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا نُحْفِيَ الأظْفارَ في الجِهادِ وقالَ: إنَّ القُوَّةَ في الأظْفارِ» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما يُقَوِّي عَلى العَدُوِّ فَهو مَأْمُورٌ بِاسْتِعْدادِهِ.
وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦] فَذَمَّهم عَلى تَرْكِ الِاسْتِعْدادِ والتَّقَدُّمِ قَبْلَ لِقاءِ العَدُوِّ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ارْتِباطِ الخَيْلِ ما يُواطِئُ مَعْنى الآيَةِ، وهو ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ التُّسْتَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أبِي حَكِيمٍ الأزْدِيِّ عَنِ الحُصَيْنِ بْنِ حَرْمَلَةَ البَرِيِّ عَنْ أبِي المُصَبِّحِ قالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قالَ (p-٢٥٤)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ والنَّيْلُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وأصْحابُها مُعانُونَ، قَلِّدُوها ولا تُقَلِّدُوها الأوْتارَ».
قالَ أبُو بَكْرٍ: بَيَّنَ في الخَبَرِ الأوَّلِ أنَّ الخَيْرَ هو الأجْرُ والغَنِيمَةُ، وفي ذَلِكَ ما يُوجِبُ أنَّ ارْتِباطَها قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا أُرِيدَ بِهِ الجِهادُ؛ وهو يَدُلُّ أيْضًا عَلى بَقاءِ الجِهادِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ إذْ كانَ الأجْرُ مُسْتَحِقًّا بِارْتِباطِها لِلْجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَوْلُهُ ﷺ: «ولا تُقَلِّدُوها الأوْتارَ» قِيلَ فِيهِ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: خَشْيَةُ اخْتِناقِها بِالوَتَرِ، والثّانِي: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا طَلَبُوا بِالأوْتارِ الدُّخُولَ قَلَّدُوا خَيْلَهُمُ الأوْتارَ يَدُلُّونَ بِها عَلى أنَّهم طالِبُونَ بِالأوْتارِ مُجْتَهِدُونَ في قَتْلِ مَن يَطْلُبُونَهم بِها، فَأبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ الطَّلَبَ بِدُخُولِ الجاهِلِيَّةِ؛ ولِذَلِكَ «قالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ألا إنَّ كُلَّ دَمٍ ومَأْثَرَةٍ فَهو مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ وأوَّلُ دَمٍ أضَعُهُ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ».
الأنفال 8:61
بابُ الهُدْنَةِ والمُوادَعَةِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ والجُنُوحُ المَيْلُ، ومِنهُ يُقالُ: جَنَحَتِ السَّفِينَةُ إذا مالَتْ، والسَّلْمُ المُسالَمَةُ. ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم إنْ مالُوا إلى المُسالَمَةِ، وهي طَلَبُ السَّلامَةِ مِنَ الحَرْبِ، فَسالِمْهم واقْبَلْ ذَلِكَ مِنهم. وإنَّما قالَ: ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ المُسالَمَةِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في بَقاءِ هَذا الحُكْمِ، فَرَوى سَعِيدٌ ومَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ.
ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ وعُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ قالَ: نَسَخَتْها ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وقالَ آخَرُونَ: { لا نَسْخَ فِيها لِأنَّها في مُوادَعَةِ أهْلِ الكِتابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] في عَبَدَةِ الأوْثانِ } .
قالَ أبُو بَكْرٍ: «قَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ أصْنافًا مِنَ المُشْرِكِينَ، مِنهُمُ النَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ وقُرَيْظَةُ، وعاهَدَ قَبائِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُرَيْشٍ هُدْنَةُ الحُدَيْبِيَةِ إلى أنْ نَقَضَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ العَهْدَ بِقِتالِها خُزاعَةَ خُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ؛» ولَمْ يَخْتَلِفْ نَقَلَةُ السِّيَرِ والمَغازِي في ذَلِكَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَكْثُرَ أهْلُ الإسْلامِ ويَقْوى أهْلُهُ، فَلَمّا كَثُرَ المُسْلِمُونَ وقَوِيَ الدِّينُ أمَرَ بِقَتْلِ مُشْرِكِي العَرَبِ ولَمْ يَقْبَلْ مِنهم إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وأمَرَ بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ (p-٢٥٥)﴿وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ولَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّ سُورَةَ بَراءَةَ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ نُزُولُها حِينَ «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ عَلى الحَجِّ في السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ»، وسُورَةُ الأنْفالِ نَزَلَتْ عَقِيبَ يَوْمِ بَدْرٍ بَيَّنَ فِيها حُكْمَ الأنْفالِ والغَنائِمِ والعُهُودِ والمُوادَعاتِ، فَحُكْمُ سُورَةِ بَراءَةَ مُسْتَعْمَلٌ عَلى ما ورَدَ وما ذُكِرَ مِنَ الأمْرِ بِالمُسالَمَةِ إذا مالَ المُشْرِكُونَ إلَيْها حُكْمٌ ثابِتٌ أيْضًا.
وإنَّما اخْتَلَفَ حُكْمُ الآيَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الحالَيْنِ، فالحالُ الَّتِي أمَرَ فِيها بِالمُسالَمَةِ هي حالُ قِلَّةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، والحالُ الَّتِي أمَرَ فِيها بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ وبِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ هي حالُ كَثْرَةِ المُسْلِمِينَ وقُوَّتِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] فَنَهى عَنِ المُسالَمَةِ عِنْدَ القُوَّةِ عَلى قَهْرِ العَدُوِّ وقَتْلِهِمْ؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إذا قَدَرَ بَعْضُ أهْلِ الثُّغُورِ عَلى قِتالِ العَدُوِّ ومُقاوَمَتِهِمْ لَمْ تَجُزْ لَهم مُسالَمَتُهم ولا يَجُوزُ لَهم إقْرارُهم عَلى الكُفْرِ إلّا بِالجِزْيَةِ، وإنْ ضَعُفُوا عَنْ قِتالِهِمْ جازَ لَهم مُسالَمَتُهم كَما سالَمَ النَّبِيُّ ﷺ كَثِيرًا مِن أصْنافِ الكُفّارِ وهادَنَهم عَلى وضْعِ الحَرْبِ بَيْنَهم مِن غَيْرِ جِزْيَةٍ أخَذَها مِنهم؛ قالُوا:
فَإنْ قَوُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى قِتالِهِمْ نَبَذُوا إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ثُمَّ قاتَلُوهم؛ قالُوا: وإنْ لَمْ يُمْكِنْهم دَفْعُ العَدُوِّ عَنْ أنْفُسِهِمْ إلّا بِمالٍ يَبْذُلُونَهُ لَهم جازَ لَهم ذَلِكَ؛ «لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَ صالَحَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وغَيْرَهُ يَوْمَ الأحْزابِ عَلى نِصْفِ ثِمارِ المَدِينَةِ، حَتّى لَمّا شاوَرَ الأنْصارَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أهُوَ أمْرٌ أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ أمُ الرَّأْيُ والمَكِيدَةُ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا بَلْ هو رَأْيٌ لِأنِّي رَأيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكم عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ فَأرَدْتُ أنْ أدْفَعَهم عَنْكم إلى يَوْمٍ ما فَقالَ السَّعْدانِ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: واَللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَطْمَعُونَ فِيها مِنّا إلّا قِرًى وشِرًى ونَحْنُ كُفّارٌ، فَكَيْفَ وقَدْ أعَزَّنا اللَّهُ بِالإسْلامِ ؟ لا نُعْطِيهِمْ إلّا السَّيْفَ وشَقاءَ الصَّحِيفَةِ» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم إذا خافُوا المُشْرِكِينَ جازَ لَهم أنْ يَدْفَعُوهم عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالمالِ.
فَهَذِهِ أحْكامٌ بَعْضُها ثابِتٌ بِالقُرْآنِ وبَعْضُها بِالسُّنَّةِ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في الأحْوالِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِها، واسْتَعْمَلَها النَّبِيُّ ﷺ فِيها، وهَذا نَظِيرُ ما ذَكَرْنا في مِيراثِ الحَلِيفِ أنَّهُ حُكْمٌ ثابِتٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] في حالِ عَدَمِ ذَوِي الأنْسابِ ووَلاءِ العَتاقِ، فَإذا كانَ هُناكَ ذُو نَسَبٍ أوْ ولاءِ عَتاقَةٍ فَهم أوْلى مِنَ الحَلِيفِ كَما أنَّ الِابْنَ أوْلى مِنَ الأخِ ولَمْ يَخْرُجْ مِن أنْ يَكُونُ مِن أهْلِ المِيراثِ.
الأنفال 8:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ، رُوِيَ أنَّهُ أرادَ بِهِ (p-٢٥٦)الأوْسَ والخَزْرَجَ، وكانُوا عَلى غايَةِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإسْلامِ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ وابْنِ إسْحاقَ والسُّدِّيِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو في كُلِّ مُتَحابَّيْنِ في اللَّهِ.
الأنفال 8:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ. حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ صالِحٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قالَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى الرَّجُلَ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يُقاتِلَ عَشَرَةً مِنَ الكُفّارِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَرَحِمَهم فَقالَ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " أيُّما رِجْلٍ فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ ومَن فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ. وإنَّما عَنى ابْنُ عَبّاسٍ ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، وكانَ الفَرْضُ في أوَّلِ الإسْلامِ عَلى الواحِدِ قِتالُ العَشَرَةِ مِنَ الكُفّارِ لِصِحَّةِ بَصائِرِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وصِدْقِ يَقِينِهِمْ، ثُمَّ لَمّا أسْلَمَ قَوْمٌ آخَرُونَ خالَطَهم مَن لَمْ يَكُنْ لَهم بَصائِرُهم ونِيّاتُهم خَفَّفَ عَنِ الجَمِيعِ وأجْراهم مَجْرًى واحِدًا فَفَرَضَ عَلى الواحِدِ مُقاوَمَةَ الِاثْنَيْنِ.
الأنفال 8:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ ضَعْفَ القُوى والأبْدانِ وإنَّما المُرادُ ضَعْفُ النِّيَّةِ لِمُحارَبَةِ المُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ فَرْضَ الجَمِيعِ فَرْضَ ضُعَفائِهِمْ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يُرِيدُ بِقِتالِهِ غَيْرَ اللَّهِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فَكانَ الأوَّلُونَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ النِّيّاتِ فَلَمّا خالَطَهم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا بِقِتالِهِ سَوّى بَيْنَ الجَمِيعِ في الفَرْضِ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ مَن أبى وُجُودَ النَّسْخِ في شَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ وإنْ لَمْ يَكُنْ قائِلُهُ مُعْتَدًّا بِقَوْلِهِ لِأنَّهُ قالَ تَعالى ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ والتَّخْفِيفُ لا يَكُونُ إلّا بِزَوالِ بَعْضِ الفَرْضِ الأوَّلِ أوِ النَّقْلِ عَنْهُ إلى ما هو أخَفُّ مِنهُ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ ناسِخَةٌ لِلْفَرْضِ الأوَّلِ وزَعَمَ القائِلُ بِما ذَكَرْنا مِن إنْكارِ النَّسْخِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أمْرٌ وإنَّما فِيهِ الوَعْدُ بِشَرِيطَةٍ فَمَتى وفّى بِالشَّرْطِ أنْجَزَ الوَعْدَ وإنَّما كَلَّفَ كُلَّ قَوْمٍ مِنَ الصَّبْرِ عَلى قَدْرِ اسْتِطاعَتِهِمْ فَكانَ عَلى الأوَّلِينَ ما ذَكَرَ مِن مُقاوَمَةِ العِشْرِينَ لِلْمِائَتَيْنِ والآخَرُونَ لَمْ يَكُنْ لَهم مِن نَفاذِ البَصِيرَةِ مِثْلُ ما لِلْأوَّلِينَ فَكُلِّفُوا مُقاوَمَةَ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ (p-٢٥٧)والمِائَةِ لِلْمِائَتَيْنِ قالَ ومُقاوَمَةُ العِشْرِينَ لِلْمِائَتَيْنِ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ وكَذَلِكَ المِائَةُ لِلْمِائَتَيْنِ وإنَّما الصَّبْرُ مَفْرُوضٌ عَلى قَدْرِ الإمْكانِ والنّاسُ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ عَلى مَقادِيرِ اسْتِطاعاتِهِمْ فَلَيْسَ في الآيَةِ نَسْخٌ كَما زُعِمَ. قالَ أبُو بَكْرٍ هَذا كَلامٌ شَدِيدُ الِاخْتِلالِ والتَّناقُضِ خارِجٌ عَنْ قَوْلِ الأُمَّةِ سَلَفِها وخَلَفِها؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ أهْلُ النَّقْلِ والمُفَسِّرُونَ في أنَّ الفَرْضَ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ مُقاوَمَةُ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ ومَعْلُومٌ أيْضًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الخَبَرِ فَمَعْناهُ الأمْرُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولَيْسَ هو إخْبارًا بِوُقُوعِ ذَلِكَ وإنَّما هو أمْرٌ بِأنْ لا يَفِرَّ الواحِدُ مِنَ العَشَرَةِ ولَوْ كانَ هَذا خَبَرًا لَما كانَ لِقَوْلِهِ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ مَعْنًى لِأنَّ التَّخْفِيفَ إنَّما يَكُونُ في المَأْمُورِ بِهِ لا في المُخْبَرِ عَنْهُ ومَعْلُومٌ أيْضًا أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا مَأْمُورِينَ بِأنْ يُقاوِمَ الواحِدُ مِنهُمُ العَشَرَةَ مِنَ المُشْرِكِينَ داخِلُونَ في قَوْلِهِ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ فَلا مَحالَةَ قَدْ وقَعَ النَّسْخُ عَنْهم فِيما كانُوا تَعَبَّدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ أُولَئِكَ القَوْمُ قَدْ نَقَصَتْ بَصائِرُهم ولَقَلَّ صَبْرُهم وإنَّما خالَطَهم قَوْمٌ لَمْ يَكُنْ لَهم مِثْلُ بَصائِرِهِمْ ونِيّاتِهِمْ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ هَذا القائِلِ بِما وصَفْنا وقَدْ أقَرَّ هَذا القائِلُ أنَّ بَعْضَ التَّكْلِيفِ قَدْ زالَ مِنهم بِالآيَةِ الثّانِيَةِ وهَذا هو مَعْنى النَّسْخِ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
الأنفال 8:67
بابُ الأُسارى
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ قالَ أخْبَرَنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ قالَ حَدَّثَنا سِماكٌ الحَنَفِيُّ قالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ قالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ فَأخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الفِداءَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ ثُمَّ أحَلَّ اللَّهُ الغَنائِمَ.
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ قالَ حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ «كانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَعَجَّلَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأصابُوا مِنَ الغَنائِمِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ تَحِلَّ الغَنائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ قَبْلَكم كانَ النَّبِيُّ (p-٢٥٨)إذا غَنِمَ هو وأصْحابُهُ جَمَعُوا غَنائِمَهم فَتَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ نارٌ فَتَأْكُلُها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]» .
ورُوِيَ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو ما رَواهُ الأعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ شاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ في أسارى بَدْرٍ فَأشارَ أبُو بَكْرٍ بِالِاسْتِبْقاءِ وأشارَ عُمَرُ بِالقَتْلِ وأشارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ بِالإحْراقِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ حِينَ قالَ ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومَثَلُ عِيسى؛ إذْ قالَ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] الآيَةَ ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ؛ إذْ قالَ ﴿لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ومَثَلُ مُوسى؛ إذْ قالَ ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ «أنْتُمْ عالَةٌ فَلا يَنْفَلِتَنَّ مِنهم أحَدٌ إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ» .
فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ فَإنَّهُ ذَكَرَ الإسْلامَ فَسَكَتَ ثُمَّ قالَ " إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ " فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا في أسارى بَدْرٍ فَأشارَ أبُو بَكْرٍ بِالفِداءِ وأشارَ عُمَرُ بِالقَتْلِ فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَهْوَ ما قالَ عُمَرُ فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو وأبُو بَكْرٍ قاعِدانِ يَبْكِيانِ فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي مِن أيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أنْتَ وصاحِبُكَ فَقالَ: " أبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أصْحابُكَ مِن أخْذِهِمُ الفِداءَ لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُكم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ " شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ فَذَكَرَ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ في البابِ وحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ إنَّما نَزَلَ في أخْذِهِمُ الغَنائِمَ.
وذَكَرَ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ الآخَرِ أنَّ الوَعِيدَ إنَّما كانَ في عَرْضِهِمُ الفِداءَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإشارَتِهِمْ عَلَيْهِ بِهِ والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ فِيما عَرَضْتُمْ وأشَرْتُمْ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الوَعِيدُ في قَوْلٍ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى ومِنَ النّاسِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ اجْتِهادِ الرَّأْيِ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أباحَ لَهم أخْذَ الفِداءِ وكانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً فَعاتَبَهُ اللَّهُ والمُسْلِمِينَ عَلَيْها وقَدْ ذُكِرَ في الحَدِيثِ الَّذِي في صَدْرِ البابِ أنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَحِلَّ قَبْلَ نَبِيِّنا لِأحَدٍ وفي الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ (p-٢٥٩)وهُوَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ فَكانَ في شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ تَحْرِيمُ الغَنائِمِ عَلَيْهِمْ وفي شَرِيعَةِ نَبِيِّنا تَحْرِيمُها حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ واقْتَضى ظاهِرُهُ إباحَةَ الغَنائِمِ والأسْرى بَعْدَ الإثْخانِ وقَدْ كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ مَأْمُورِينَ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] وقالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ [محمد: ٤] وكانَ الفَرْضُ في ذَلِكَ الوَقْتِ القَتْلَ حَتّى إذا أُثْخِنَ المُشْرِكُونَ فَحِينَئِذٍ إباحَةُ الفِداءِ وكانَ أخْذُ الفِداءِ قَبْلَ الإثْخانِ مَحْظُورًا وقَدْ كانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ حازُوا الغَنائِمَ يَوْمَ بَدْرٍ وأخَذُوا الأسْرى وطَلَبُوا مِنهُمُ الفِداءَ وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ غَيْرَ مُوافِقٍ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ في ذَلِكَ ولِذَلِكَ عاتَبَهم عَلَيْهِ ولَمْ يَخْتَلِفْ نَقَلَةُ السِّيَرِ ورُواةُ المَغازِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ مِنهُمُ الفِداءَ بَعْدَ ذَلِكَ وأنَّهُ قالَ لا يَنْفَلِتْ مِنهم أحَدٌ إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونُ حَظَرَ أخْذَ الأسْرى ومُفاداتِهِمُ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَأخَذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنهُمُ الفِداءَ.
فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنسُوخًا وهو بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَتِ المُعاتَبَةُ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ ومُمْتَنِعٌ وُقُوعُ الإباحَةِ والحَظْرِ في شَيْءٍ واحِدٍ قِيلَ لَهُ إنَّ أخْذَ الغَنائِمِ والأسْرى وقَعَ بَدِيًّا عَلى وجْهِ الحَظْرِ فَلَمْ يَمْلِكُوا ما أخَذُوا ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أباحَها لَهم، ومَلَّكَهم إيّاها فالأخْذُ المُباحُ ثانِيًا هو غَيْرُ المَحْظُورِ أوَّلًا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَرَوى أبُو زُمَيْلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ سَبَقْتُ لَهُمُ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوا المَعْصِيَةَ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ رِوايَةً، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما رَأيا ذَلِكَ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ غُفْرانَها بِاجْتِنابِهِمُ الكَبائِرَ، وكَتَبَ لَهم ذَلِكَ قَبْلَ عَمَلِهِمْ لِلْمَعْصِيَةِ الصَّغِيرَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا ومُجاهِدٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ مُطْعِمًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ الغَنِيمَةَ فَفَعَلُوا الَّذِي فَعَلُوا قَبْلَ أنْ تَحِلَّ لَهُمُ الغَنِيمَةُ قالَ أبُو بَكْرٍ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ سَتَحِلُّ لَهُمُ الغَنِيمَةُ في المُسْتَقْبَلِ لا يُزِيلُ عَنْهم حُكْمَ الحَظْرِ قَبْلَ إحْلالِها، ولا يُخَفِّفُ مِن عِقابِهِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ أنَّ إزالَةَ العِقابِ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ في مَعْلُومِهِ إباحَةُ الغَنائِمِ لَهم بَعْدَهُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، وعَنْ مُجاهِدٍ قالا سَبَقَ مِنَ اللَّهِ أنْ لا يُعَذِّبَ قَوْمًا إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِهِ، ولَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ فِيها، وهَذا وجْهٌ صَحِيحٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا (p-٢٦٠)بِتَحْرِيمِ الغَنائِمِ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، وبَقاءُ هَذا الحُكْمِ عَلَيْهِمْ مِن شَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ فاسْتَباحُوها عَلى ظَنٍّ مِنهم أنَّها مُباحَةٌ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ تَقَدَّمَ لَهم مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلٌ في تَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ، ولا إخْبارٌ مِنهُ إيّاهم بِتَحْرِيمِها عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ فَلَمْ يَكُنْ خَطَؤُهم في ذَلِكَ مَعْصِيَةً يُسْتَحَقُّ عَلَيْها العِقابُ.
الأنفال 8:68
بابُ الأُسارى
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ قالَ أخْبَرَنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ قالَ حَدَّثَنا سِماكٌ الحَنَفِيُّ قالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ قالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ فَأخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الفِداءَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ ثُمَّ أحَلَّ اللَّهُ الغَنائِمَ.
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ قالَ حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ «كانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَعَجَّلَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأصابُوا مِنَ الغَنائِمِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ تَحِلَّ الغَنائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ قَبْلَكم كانَ النَّبِيُّ (p-٢٥٨)إذا غَنِمَ هو وأصْحابُهُ جَمَعُوا غَنائِمَهم فَتَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ نارٌ فَتَأْكُلُها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]» .
ورُوِيَ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو ما رَواهُ الأعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ شاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ في أسارى بَدْرٍ فَأشارَ أبُو بَكْرٍ بِالِاسْتِبْقاءِ وأشارَ عُمَرُ بِالقَتْلِ وأشارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ بِالإحْراقِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ حِينَ قالَ ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومَثَلُ عِيسى؛ إذْ قالَ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] الآيَةَ ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ؛ إذْ قالَ ﴿لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ومَثَلُ مُوسى؛ إذْ قالَ ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ «أنْتُمْ عالَةٌ فَلا يَنْفَلِتَنَّ مِنهم أحَدٌ إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ» .
فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ فَإنَّهُ ذَكَرَ الإسْلامَ فَسَكَتَ ثُمَّ قالَ " إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ " فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا في أسارى بَدْرٍ فَأشارَ أبُو بَكْرٍ بِالفِداءِ وأشارَ عُمَرُ بِالقَتْلِ فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَهْوَ ما قالَ عُمَرُ فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو وأبُو بَكْرٍ قاعِدانِ يَبْكِيانِ فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي مِن أيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أنْتَ وصاحِبُكَ فَقالَ: " أبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أصْحابُكَ مِن أخْذِهِمُ الفِداءَ لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُكم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ " شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ فَذَكَرَ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ في البابِ وحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ إنَّما نَزَلَ في أخْذِهِمُ الغَنائِمَ.
وذَكَرَ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ الآخَرِ أنَّ الوَعِيدَ إنَّما كانَ في عَرْضِهِمُ الفِداءَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإشارَتِهِمْ عَلَيْهِ بِهِ والأوَّلُ أوْلى بِمَعْنى الآيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ فِيما عَرَضْتُمْ وأشَرْتُمْ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الوَعِيدُ في قَوْلٍ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى ومِنَ النّاسِ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ اجْتِهادِ الرَّأْيِ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أباحَ لَهم أخْذَ الفِداءِ وكانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً فَعاتَبَهُ اللَّهُ والمُسْلِمِينَ عَلَيْها وقَدْ ذُكِرَ في الحَدِيثِ الَّذِي في صَدْرِ البابِ أنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَحِلَّ قَبْلَ نَبِيِّنا لِأحَدٍ وفي الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ (p-٢٥٩)وهُوَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ فَكانَ في شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ تَحْرِيمُ الغَنائِمِ عَلَيْهِمْ وفي شَرِيعَةِ نَبِيِّنا تَحْرِيمُها حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ واقْتَضى ظاهِرُهُ إباحَةَ الغَنائِمِ والأسْرى بَعْدَ الإثْخانِ وقَدْ كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ مَأْمُورِينَ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] وقالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ [محمد: ٤] وكانَ الفَرْضُ في ذَلِكَ الوَقْتِ القَتْلَ حَتّى إذا أُثْخِنَ المُشْرِكُونَ فَحِينَئِذٍ إباحَةُ الفِداءِ وكانَ أخْذُ الفِداءِ قَبْلَ الإثْخانِ مَحْظُورًا وقَدْ كانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ حازُوا الغَنائِمَ يَوْمَ بَدْرٍ وأخَذُوا الأسْرى وطَلَبُوا مِنهُمُ الفِداءَ وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ غَيْرَ مُوافِقٍ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ في ذَلِكَ ولِذَلِكَ عاتَبَهم عَلَيْهِ ولَمْ يَخْتَلِفْ نَقَلَةُ السِّيَرِ ورُواةُ المَغازِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ مِنهُمُ الفِداءَ بَعْدَ ذَلِكَ وأنَّهُ قالَ لا يَنْفَلِتْ مِنهم أحَدٌ إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونُ حَظَرَ أخْذَ الأسْرى ومُفاداتِهِمُ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَأخَذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنهُمُ الفِداءَ.
فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنسُوخًا وهو بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَتِ المُعاتَبَةُ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ ومُمْتَنِعٌ وُقُوعُ الإباحَةِ والحَظْرِ في شَيْءٍ واحِدٍ قِيلَ لَهُ إنَّ أخْذَ الغَنائِمِ والأسْرى وقَعَ بَدِيًّا عَلى وجْهِ الحَظْرِ فَلَمْ يَمْلِكُوا ما أخَذُوا ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أباحَها لَهم، ومَلَّكَهم إيّاها فالأخْذُ المُباحُ ثانِيًا هو غَيْرُ المَحْظُورِ أوَّلًا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَرَوى أبُو زُمَيْلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ سَبَقْتُ لَهُمُ الرَّحْمَةُ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوا المَعْصِيَةَ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ رِوايَةً، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما رَأيا ذَلِكَ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ غُفْرانَها بِاجْتِنابِهِمُ الكَبائِرَ، وكَتَبَ لَهم ذَلِكَ قَبْلَ عَمَلِهِمْ لِلْمَعْصِيَةِ الصَّغِيرَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا ومُجاهِدٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ مُطْعِمًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ الغَنِيمَةَ فَفَعَلُوا الَّذِي فَعَلُوا قَبْلَ أنْ تَحِلَّ لَهُمُ الغَنِيمَةُ قالَ أبُو بَكْرٍ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ سَتَحِلُّ لَهُمُ الغَنِيمَةُ في المُسْتَقْبَلِ لا يُزِيلُ عَنْهم حُكْمَ الحَظْرِ قَبْلَ إحْلالِها، ولا يُخَفِّفُ مِن عِقابِهِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ أنَّ إزالَةَ العِقابِ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ في مَعْلُومِهِ إباحَةُ الغَنائِمِ لَهم بَعْدَهُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، وعَنْ مُجاهِدٍ قالا سَبَقَ مِنَ اللَّهِ أنْ لا يُعَذِّبَ قَوْمًا إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِهِ، ولَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ فِيها، وهَذا وجْهٌ صَحِيحٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا (p-٢٦٠)بِتَحْرِيمِ الغَنائِمِ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، وبَقاءُ هَذا الحُكْمِ عَلَيْهِمْ مِن شَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ فاسْتَباحُوها عَلى ظَنٍّ مِنهم أنَّها مُباحَةٌ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ تَقَدَّمَ لَهم مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلٌ في تَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ، ولا إخْبارٌ مِنهُ إيّاهم بِتَحْرِيمِها عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ فَلَمْ يَكُنْ خَطَؤُهم في ذَلِكَ مَعْصِيَةً يُسْتَحَقُّ عَلَيْها العِقابُ.
الأنفال 8:69
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ فِيهِ إباحَةُ الغَنائِمِ، وقَدْ كانَتْ مَحْظُورَةً قَبْلَ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرْنا حَدِيثَ الأعْمَشِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «لَمْ تَحِلَّ الغَنائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ قَبْلَكم» .
ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، وأُرْسِلْتُ إلى الأحْمَرِ والأبْيَضِ، وأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ» فَأخْبَرَ ﷺ في هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ أنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، وأُمَمِها قَبْلَهُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ قَدِ اقْتَضى وُقُوعَ مِلْكِ الغَنائِمِ لَهم إذا أخَذُوا، وإنْ كانَ المَذْكُورُ في لَفْظِ الآيَةِ هو الأكْلُ، وإنَّما خَصَّ الأكْلَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ مَنافِعِ الأمْلاكِ؛ إذْ بِهِ قِوامُ الأبْدانِ، وبَقاءُ الحَياةِ، وأرادَ بِذَلِكَ تَمْلِيكَ سائِرِ وُجُوهِ مَنافِعِها، وهو كَما قالَ تَعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فَخَصَّ اللَّحْمَ بِذَلِكَ، والمُرادُ جَمِيعُ أجْزائِهِ؛ لِأنَّهُ مُبْتَغى مَنافِعِهِ، ومُعْظَمُها في لُحُومِهِ، وكَما قالَ تَعالى ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فَخَصَّ البَيْعَ بِالحَظْرِ في تِلْكَ الحالِ.
والمُرادُ سائِرُ ما يَشْغَلُ عَنِ الصَّلاةِ، وكانَ وجْهُ تَخْصِيصِهِ أنَّهُ مُعْظَمُ مَنافِعِ التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَإذا كانَ مُعْظَمُهُ مَحْظُورًا فَما دُونَهُ أوْلى بِذَلِكَ، وذَلِكَ في مَفْهُومِ اللَّفْظِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] فَخَصَّ الأكْلَ بِالذِّكْرِ، ودَلَّ بِهِ عَلى حَظْرِ الأخْذِ والإتْلافِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الأكْلِ فَهَذا حُكْمُ اللَّفْظِ إذا ورَدَ في مِثْلِهِ، ولَوْلا قِيامُ الدَّلالَةِ، وكَوْنُ المَعْنى مَعْقُولًا مِنَ اللَّفْظِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا لَما كانَتْ إباحَةُ الأكْلِ مُوجِبَةً لِلتَّمْلِيكِ، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن أباحَ لِرَجُلٍ أكْلَ طَعامَهُ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَتَمَلَّكَهُ ولا يَأْخُذَهُ، وإنَّما لَهُ الأكْلُ فَحَسْبُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في مَفْهُومِ خِطابِ الآيَةِ التَّمْلِيكُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا أوْجَبَ التَّمْلِيكَ.
وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فَجَعَلَ الأرْبَعَةَ الأخْماسِ غَنِيمَةً لَهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وكَذَلِكَ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ لَمّا أضافَ الغَنِيمَةَ إلَيْهِمْ فَقَدْ أفادَ تَمْلِيكَها إيّاهم (p-٢٦١)بِإطْلاقِهِ لَفْظَ الغَنِيمَةِ فِيهِ ثُمَّ عَطْفِهِ الأكْلَ عَلَيْها لَمْ يَنْفِ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّمْلِيكِ كَما لَوْ قالَ كُلُوا مِمّا مَلَكْتُمْ لَمْ يَكُنْ إطْلاقُ لَفْظِ الأكْلِ مانِعًا مِن صِحَّةِ المِلْكِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دُخُولُ الفاءِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قالَ قَدْ مَلَّكْتُكم ذَلِكَ فَكُلُوا.
الأنفال 8:72
بابُ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ الآيَةَ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وعُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ قالَ كانَ المُهاجِرُ لا يَتَوَلّى الأعْرابِيَّ، ولا يَرِثُهُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ فَنَسَخَتْها ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] .
ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَسْعُودِيُّ عَنِ القاسِمِ قالَ «آخى رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ، وآخى بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ أُخُوَّةً يَتَوارَثُونَ بِها؛ (p-٢٦٢)لِأنَّهم هاجَرُوا وتَرَكُوا أقْرِباءَهم حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ المَوارِيثِ» قالَ أبُو بَكْرٍ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في أنَّ التَّوارُثَ كانَ ثابِتًا بَيْنَهم بِالهِجْرَةِ والأُخُوَّةِ الَّتِي آخى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم دُونَ الأرْحامِ، وأنَّ ذَلِكَ مُرادُ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قَدْ أُرِيدَ بِهِ إيجابُ التَّوارُثِ بَيْنَهم، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ قَدْ نَفى إثْباتَ التَّوارُثِ بَيْنَهم بِنَفْيِهِ المُوالاةَ بَيْنَهم.
وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المُوالاةِ يُوجِبُ التَّوارُثَ، وإنْ كانَ قَدْ يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهم دُونَ جَمِيعِهِمْ عَلى حَسَبِ وُجُودِ الأسْبابِ المُؤَكِّدَةِ لَهُ كَما أنَّ النَّسَبَ سَبَبٌ يُسْتَحَقُّ بِهِ المِيراثُ، وإنْ كانَ بَعْضُ ذَوِي الأنْسابِ أوْلى بِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِتَأكُّدِ سَبَبِهِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] مُوجِبٌ لِإثْباتِ القَوَدِ لِسائِرِ ورَثَتِهِ، وأنَّ النِّساءَ والرِّجالَ في ذَلِكَ سَواءٌ لِتَساوِيهِمْ في كَوْنِهِمْ مِن مُسْتَحِقِّي مِيراثِهِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الوِلايَةَ في النِّكاحِ مُسْتَحَقَّةٌ بِالمِيراثِ، وأنَّ قَوْلَهُ ﷺ «لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» مُثْبِتٌ لِلْوِلايَةِ لِجَمِيعِ مَن كانَ مِن أهْلِ المِيراثِ عَلى حَسَبِ القُرْبِ، وتَأْكِيدِ السَّبَبِ، وأنَّهُ جائِزٌ لِلْأُمِّ تَزْوِيجُ أوْلادِها الصِّغارِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهم أبٌ عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ أبُو حَنِيفَةَ؛ إذْ كانَتْ مِن أهْلِ الوِلايَةِ في المِيراثِ، وقَدْ كانَتِ الهِجْرَةُ فَرْضًا حِينَ هاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى أنْ فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَقالَ «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ» فَنُسِخَ التَّوارُثُ بِالهِجْرَةِ بِسُقُوطِ فَرْضِ الهِجْرَةِ، وأُثْبِتَ التَّوارُثُ بِالأنْسابِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] قالَ الحَسَنُ كانَ المُسْلِمُونَ يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ حَتّى كَثُرَ المُسْلِمُونَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] فَتَوارَثُوا بِالأرْحامِ، ورَوى الأوْزاعِيُّ عَنْ عَبْدَةَ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ بَعْدَ الفَتْحِ.
ورَوى الأوْزاعِيُّ أيْضًا عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ، وزادَ فِيهِ: ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ، وإنَّما كانَتِ الهِجْرَةُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، والمُؤْمِنُونَ يَفِرُّونَ بِدِينِهِمْ مِن أنْ يُفْتَنُوا عَنْهُ، وقَدْ أذاعَ اللَّهُ الإسْلامَ وأفْشاهُ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ إيجابَ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ، والمُؤاخاةَ دُونَ الأنْسابِ، وقَطْعَ المِيراثِ بَيْنَ المُهاجِرِ وبَيْنَ مَن لَمْ يُهاجِرْ، واقْتَضى أيْضًا إيجابَ نُصْرَةِ المُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُهاجِرْ إذا اسْتَنْصَرَ المُهاجِرَ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَهْدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ وقَدْ رُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ (p-٢٦٣)مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ ما قَدْ بَيَّنّا ذِكْرَهُ في نَفْيِ المِيراثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ في آخَرِينَ.
وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ نَفْيَ إيجابِ النُّصْرَةِ فَلَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ عَلى المُهاجِرِ نُصْرَةٌ ومَن لَمْ يُهاجِرْ إلّا أنْ يَسْتَنْصِرَ فَتَكُونَ عَلَيْهِ نُصْرَتُهُ إلّا عَلى مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ عَهْدٌ فَلا يَنْقُضْ عَهْدَهُ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الوِلايَةِ مُقْتَضِيًا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا مِن نَفْيِ التَّوارُثِ والنُّصْرَةِ ثُمَّ نُسِخَ نَفْيُ المِيراثِ بِإيجابِ التَّوارُثِ بِالأرْحامِ مُهاجِرًا كانَ أوْ غَيْرَ مُهاجِرٍ، وإسْقاطِهِ بِالهِجْرَةِ فَحَسْبُ، ونُسِخَ نَفْيُ إيجابِ النُّصْرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ يَعْنِي في المِيراثِ، وقالَ قَتادَةُ في النُّصْرَةِ والمُعاوَنَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ قالَ أبُو بَكْرٍ لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ مُوجِبًا لِإثْباتِ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ، وكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ نافِيًا لِلْمِيراثِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ مُوجِبًا لِإثْباتِ التَّوارُثِ بَيْنَهم؛ لِأنَّ الوَلايَةَ قَدْ صارَتْ عِبارَةً عَنْ إثْباتِ التَّوارُثِ بَيْنَهم فاقْتَضى عُمُومُهُ إثْباتَ التَّوارُثِ بَيْنَ سائِرِ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ مَعَ اخْتِلافِ مِلَلِهِمْ؛ لِأنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُهم ويَقَعُ عَلَيْهِمْ.
ولَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ بَيْنَ أهْلِ المِلَلِ بَعْدَ أنْ يَكُونُوا كُفّارًا، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى إثْباتِ وِلايَةِ الكُفّارِ عَلى أوْلادِهِمُ الصِّغارِ لِاقْتِضاءِ اللَّفْظِ لَهُ في جَوازِ النِّكاحِ والتَّصَرُّفِ في المالِ في حالِ الصِّغَرِ والجُنُونِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: إنْ لا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن إيجابِ المُوالاةِ والتَّناصُرِ والتَّوارُثِ بِالأُخُوَّةِ والهِجْرَةِ ومِن قَطْعِها بِتَرْكِ الهِجْرَةِ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ، وهَذا مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَتَوَلَّ المُؤْمِنَ الفاضِلَ عَلى ظاهِرِ حالِهِ مِنَ الإيمانِ والفَضْلِ بِما يَدْعُو إلى مِثْلِ حالِهِ، ولَمْ يَبْرَأْ مِنَ الفاجِرِ والضّالِّ بِما يَصْرِفُهُ عَنْ ضَلالِهِ وفُجُورِهِ أدّى ذَلِكَ إلى الفَسادِ والفِتْنَةِ.
الأنفال 8:73
بابُ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ الآيَةَ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وعُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ قالَ كانَ المُهاجِرُ لا يَتَوَلّى الأعْرابِيَّ، ولا يَرِثُهُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ فَنَسَخَتْها ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] .
ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَسْعُودِيُّ عَنِ القاسِمِ قالَ «آخى رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ، وآخى بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ أُخُوَّةً يَتَوارَثُونَ بِها؛ (p-٢٦٢)لِأنَّهم هاجَرُوا وتَرَكُوا أقْرِباءَهم حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ المَوارِيثِ» قالَ أبُو بَكْرٍ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في أنَّ التَّوارُثَ كانَ ثابِتًا بَيْنَهم بِالهِجْرَةِ والأُخُوَّةِ الَّتِي آخى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم دُونَ الأرْحامِ، وأنَّ ذَلِكَ مُرادُ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قَدْ أُرِيدَ بِهِ إيجابُ التَّوارُثِ بَيْنَهم، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ قَدْ نَفى إثْباتَ التَّوارُثِ بَيْنَهم بِنَفْيِهِ المُوالاةَ بَيْنَهم.
وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المُوالاةِ يُوجِبُ التَّوارُثَ، وإنْ كانَ قَدْ يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهم دُونَ جَمِيعِهِمْ عَلى حَسَبِ وُجُودِ الأسْبابِ المُؤَكِّدَةِ لَهُ كَما أنَّ النَّسَبَ سَبَبٌ يُسْتَحَقُّ بِهِ المِيراثُ، وإنْ كانَ بَعْضُ ذَوِي الأنْسابِ أوْلى بِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ لِتَأكُّدِ سَبَبِهِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] مُوجِبٌ لِإثْباتِ القَوَدِ لِسائِرِ ورَثَتِهِ، وأنَّ النِّساءَ والرِّجالَ في ذَلِكَ سَواءٌ لِتَساوِيهِمْ في كَوْنِهِمْ مِن مُسْتَحِقِّي مِيراثِهِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الوِلايَةَ في النِّكاحِ مُسْتَحَقَّةٌ بِالمِيراثِ، وأنَّ قَوْلَهُ ﷺ «لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» مُثْبِتٌ لِلْوِلايَةِ لِجَمِيعِ مَن كانَ مِن أهْلِ المِيراثِ عَلى حَسَبِ القُرْبِ، وتَأْكِيدِ السَّبَبِ، وأنَّهُ جائِزٌ لِلْأُمِّ تَزْوِيجُ أوْلادِها الصِّغارِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهم أبٌ عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ أبُو حَنِيفَةَ؛ إذْ كانَتْ مِن أهْلِ الوِلايَةِ في المِيراثِ، وقَدْ كانَتِ الهِجْرَةُ فَرْضًا حِينَ هاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى أنْ فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَقالَ «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ» فَنُسِخَ التَّوارُثُ بِالهِجْرَةِ بِسُقُوطِ فَرْضِ الهِجْرَةِ، وأُثْبِتَ التَّوارُثُ بِالأنْسابِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] قالَ الحَسَنُ كانَ المُسْلِمُونَ يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ حَتّى كَثُرَ المُسْلِمُونَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] فَتَوارَثُوا بِالأرْحامِ، ورَوى الأوْزاعِيُّ عَنْ عَبْدَةَ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ بَعْدَ الفَتْحِ.
ورَوى الأوْزاعِيُّ أيْضًا عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ، وزادَ فِيهِ: ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ، وإنَّما كانَتِ الهِجْرَةُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، والمُؤْمِنُونَ يَفِرُّونَ بِدِينِهِمْ مِن أنْ يُفْتَنُوا عَنْهُ، وقَدْ أذاعَ اللَّهُ الإسْلامَ وأفْشاهُ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ إيجابَ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ، والمُؤاخاةَ دُونَ الأنْسابِ، وقَطْعَ المِيراثِ بَيْنَ المُهاجِرِ وبَيْنَ مَن لَمْ يُهاجِرْ، واقْتَضى أيْضًا إيجابَ نُصْرَةِ المُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يُهاجِرْ إذا اسْتَنْصَرَ المُهاجِرَ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَهْدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ وقَدْ رُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ (p-٢٦٣)مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ ما قَدْ بَيَّنّا ذِكْرَهُ في نَفْيِ المِيراثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ في آخَرِينَ.
وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ نَفْيَ إيجابِ النُّصْرَةِ فَلَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ عَلى المُهاجِرِ نُصْرَةٌ ومَن لَمْ يُهاجِرْ إلّا أنْ يَسْتَنْصِرَ فَتَكُونَ عَلَيْهِ نُصْرَتُهُ إلّا عَلى مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ عَهْدٌ فَلا يَنْقُضْ عَهْدَهُ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الوِلايَةِ مُقْتَضِيًا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا مِن نَفْيِ التَّوارُثِ والنُّصْرَةِ ثُمَّ نُسِخَ نَفْيُ المِيراثِ بِإيجابِ التَّوارُثِ بِالأرْحامِ مُهاجِرًا كانَ أوْ غَيْرَ مُهاجِرٍ، وإسْقاطِهِ بِالهِجْرَةِ فَحَسْبُ، ونُسِخَ نَفْيُ إيجابِ النُّصْرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ يَعْنِي في المِيراثِ، وقالَ قَتادَةُ في النُّصْرَةِ والمُعاوَنَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ قالَ أبُو بَكْرٍ لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ مُوجِبًا لِإثْباتِ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ، وكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ نافِيًا لِلْمِيراثِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ مُوجِبًا لِإثْباتِ التَّوارُثِ بَيْنَهم؛ لِأنَّ الوَلايَةَ قَدْ صارَتْ عِبارَةً عَنْ إثْباتِ التَّوارُثِ بَيْنَهم فاقْتَضى عُمُومُهُ إثْباتَ التَّوارُثِ بَيْنَ سائِرِ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ مَعَ اخْتِلافِ مِلَلِهِمْ؛ لِأنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُهم ويَقَعُ عَلَيْهِمْ.
ولَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ بَيْنَ أهْلِ المِلَلِ بَعْدَ أنْ يَكُونُوا كُفّارًا، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى إثْباتِ وِلايَةِ الكُفّارِ عَلى أوْلادِهِمُ الصِّغارِ لِاقْتِضاءِ اللَّفْظِ لَهُ في جَوازِ النِّكاحِ والتَّصَرُّفِ في المالِ في حالِ الصِّغَرِ والجُنُونِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: إنْ لا تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن إيجابِ المُوالاةِ والتَّناصُرِ والتَّوارُثِ بِالأُخُوَّةِ والهِجْرَةِ ومِن قَطْعِها بِتَرْكِ الهِجْرَةِ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ، وهَذا مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَتَوَلَّ المُؤْمِنَ الفاضِلَ عَلى ظاهِرِ حالِهِ مِنَ الإيمانِ والفَضْلِ بِما يَدْعُو إلى مِثْلِ حالِهِ، ولَمْ يَبْرَأْ مِنَ الفاجِرِ والضّالِّ بِما يَصْرِفُهُ عَنْ ضَلالِهِ وفُجُورِهِ أدّى ذَلِكَ إلى الفَسادِ والفِتْنَةِ.
الأنفال 8:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ نَسَخَ بِهِ إيجابَ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والحِلْفِ والمُوالاةِ، ولَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ العَصَباتِ وغَيْرِهِمْ، فَهو حُجَّةٌ في إثْباتِ مِيراثِ ذَوِي الأرْحامِ الَّذِينَ لا تَسْمِيَةَ لَهم ولا تَعْصِيبَ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما سَلَفَ في سُورَةِ النِّساءِ، وذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إلى أنَّ ذَوِي الأرْحامِ أوْلى مِن مَوْلى (p-٢٦٤)العَتاقَةِ، واحْتَجَّ فِيهِ بِظاهِرِ الآيَةِ؛ ولَيْسَ هو كَذَلِكَ عِنْدَ سائِرِ الصَّحابَةِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ ابْنَةَ حَمْزَةَ أعْتَقَتْ عَبْدًا، وماتَ وتَرَكَ بِنْتًا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ نِصْفَ مِيراثِهِ لِابْنَتِهِ، ونِصْفَهُ لِابْنَةِ حَمْزَةَ بِالوِلايَةِ فَجَعَلَها عَصَبَةً، والعَصَبَةُ أوْلى بِالمِيراثِ مِن ذَوِي الأرْحامِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لا يُباعُ ولا يُوهَبُ» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، كَما قالَ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] والثّانِي: في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى.