أحكام القرآن — المائدة 5:42 – المائدة 5:108
المحتويات
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:45
- المائدة 5:47
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:51
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:57
- المائدة 5:58
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
- المائدة 5:75
- المائدة 5:79
- المائدة 5:80
- المائدة 5:81
- المائدة 5:82
- المائدة 5:87
- المائدة 5:88
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:91
- المائدة 5:92
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:101
- المائدة 5:102
- المائدة 5:103
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
المائدة 5:42
بابُ اَلرَّشْوَةِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قِيلَ إنَّ أصْلَ السُّحْتِ الِاسْتِئْصالُ، يُقالُ: أسْحَتَهُ إسْحاتًا: إذا اسْتَأْصَلَهُ وأذْهَبَهُ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١] أيْ يَسْتَأْصِلُكم بِهِ. ويُقالُ: أسْحَتَ مالَهُ، إذا أفْسَدَهُ وأذْهَبَهُ. فَسُمِّيَ الحَرامُ سُحْتًا؛ لِأنَّهُ لا بَرَكَةَ فِيهِ لِأهْلِهِ ويَهْلِكُ بِهِ صاحِبُهُ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ. ورَوى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ السُّحْتِ أهُوَ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ ؟ فَقالَ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ولَكِنَّ السُّحْتَ أنْ يَسْتَشْفِعَ بِكَ عَلى إمامٍ فَتُكَلِّمَهُ فَيُهْدِيَ لَكَ هَدِيَّةً فَتَقْبَلَها. ورَوى شُعْبَةُ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ سالِمِ بْنِ (p-٨٥)أبِي الجَعْدِ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَنِ الجَوْرِ في الحُكْمِ، فَقالَ: " ذَلِكَ كُفْرٌ "؛ وسَألْتُهُ عَنِ السُّحْتِ، فَقالَ: " الرُّشا " . ورَوى عَبْدُ الأعْلى بْنُ حَمّادٍ: حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ أبانَ عَنِ ابْنِ أبِي عَيّاشٍ عَنْ مُسْلِمٍ، أنَّ مَسْرُوقًا قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أرَأيْتَ الرِّشْوَةَ في الحُكْمِ مِنَ السُّحْتِ ؟ قالَ: " لا، ولَكِنْ كُفْرٌ، إنَّما السُّحْتُ أنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عِنْدَ سُلْطانٍ جاهٌ ومَنزِلَةٌ ويَكُونَ لِلْآخَرِ إلى السُّلْطانِ حاجَةٌ، فَلا يَقْضِيَ حاجَتَهُ حَتّى يُهْدِيَ إلَيْهِ " . ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: " السُّحْتُ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ ومَهْرُ البَغِيِّ وعَسْبُ الفَحْلِ وكَسْبُ الحَجّامِ وثَمَنُ الكَلْبِ وثَمَنُ الخَمْرِ وثَمَنُ المَيْتَةِ وحُلْوانُ الكاهِنِ والِاسْتِجْعالِ في القَضِيَّةِ " . فَكَأنَّهُ جَعَلَ السُّحْتَ اسْمًا لِأخْذِ ما لا يَطِيبُ أخْذُهُ. وقالَ إبْراهِيمُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: " السُّحْتُ الرُّشا " . ورَوى مَنصُورٌ عَنِ الحَكَمِ عَنْ أبِي وائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: " إنَّ القاضِيَ إذا أخَذَ الهَدِيَّةَ فَقَدْ أكَلَ السُّحْتَ، وإذا أكَلَ الرِّشْوَةَ بَلَغَتْ بِهِ الكُفْرَ " . وقالَ الأعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عُمَرَ قالَ: " بابانِ مِنَ السُّحْتِ يَأْكُلُهُما النّاسُ: الرُّشا ومَهْرُ الزّانِيَةِ " . ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ زَكَرِيّا عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَدايا الأُمَراءِ مِنَ السُّحْتِ» .
ورَوى أبُو إدْرِيسَ الخَوْلانِيُّ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ والرّائِشَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما» .
ورَوى أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ» .
ورَوى أبُو عَوانَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ في الحُكْمِ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ جَمِيعُ المُتَأوِّلِينَ لِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ قَبُولَ الرُّشا مُحَرَّمٌ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ مِنَ السُّحْتِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى. والرِّشْوَةُ تَنْقَسِمُ إلى وُجُوهٍ: مِنها الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، وذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلى الرّاشِي والمُرْتَشِي جَمِيعًا، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ» والرّائِشُ وهو الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما فَذَلِكَ لا يَخْلُو مِن أنْ يَرْشُوَهُ لِيَقْضِيَ لَهُ بِحَقِّهِ أوْ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ، فَإنْ رَشاهُ لِيَقْضِيَ لَهُ بِحَقِّهِ فَقَدْ فَسَقَ الحاكِمُ بِقَبُولِ الرِّشْوَةِ عَلى أنْ يَقْضِيَ لَهُ بِما هو فَرْضٌ عَلَيْهِ، واسْتَحَقَّ الرّاشِي الذَّمَّ حِينَ حاكَمَ إلَيْهِ ولَيْسَ بِحاكِمٍ، ولا يَنْفُذُ حُكْمُهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْعَزَلَ عَنِ الحُكْمِ بِأخْذِهِ الرِّشْوَةَ، كَمَن أخَذَ الأُجْرَةَ عَلى أداءِ الفُرُوضِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ. ولا خِلافَ في تَحْرِيمِ الرُّشا عَلى الأحْكامِ وأنَّها مِنَ السُّحْتِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما كانَ مَفْعُولًا عَلى وجْهِ الفَرْضِ والقُرْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ، كالحَجِّ (p-٨٦)وتَعْلِيمِ القُرْآنِ والإسْلامِ؛ ولَوْ كانَ أخْذُ الأبْدالِ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ جائِزًا لَجازَ أخْذُ الرُّشا عَلى إمْضاءِ الأحْكامِ، فَلَمّا حَرَّمَ اللَّهُ أخْذَ الرُّشا عَلى الأحْكامِ واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلَيْهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِجَوازِ أخْذِ الأبْدالِ عَلى الفُرُوضِ والقُرَبِ. وإنْ أعْطاهُ الرِّشْوَةَ عَلى أنْ يَقْضِيَ لَهُ بِباطِلٍ فَقَدْ فَسَقَ الحاكِمُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أخْذُ الرِّشْوَةِ، والآخَرُ: الحُكْمُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ وكَذَلِكَ الرّاشِي. وقَدْ تَأوَّلَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٌ السُّحْتَ عَلى الهَدِيَّةِ في الشَّفاعَةِ إلى السُّلْطانِ، وقالَ: " إنْ أخْذَ الرُّشا عَلى الأحْكامِ كُفْرٌ " . وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ومَن قَدَّمْنا قَوْلَهُ: " الرُّشا مِنَ السُّحْتِ " . وأمّا الرِّشْوَةُ في غَيْرِ الحُكْمِ، فَهو ما ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٌ في الهَدِيَّةِ إلى الرَّجُلِ لِيُعِينَهُ بِجاهِهِ عِنْدَ السُّلْطانِ، وذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنْهُ أيْضًا؛ لِأنَّ عَلَيْهِ مَعُونَتَهُ في دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ [المائدة: ٢] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَزالُ اللَّهُ في عَوْنِ المَرْءِ ما دامَ المَرْءُ في عَوْنِ أخِيهِ» . ووَجْهٌ آخَرُ مِنَ الرِّشْوَةِ، وهو الَّذِي يَرْشُو السُّلْطانَ لِدَفْعِ ظُلْمِهِ عَنْهُ، فَهَذِهِ الرِّشْوَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلى آخِذِها غَيْرُ مَحْظُورَةٍ عَلى مُعْطِيها. ورُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ والشَّعْبِيِّ قالا: " لا بَأْسَ بِأنْ يُصانِعَ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ ومالِهِ إذا خافَ الظُّلْمَ " وعَنْ عَطاءٍ وإبْراهِيمَ مِثْلُهُ.
ورَوى هِشامٌ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ» قالَ الحَسَنُ: " لِيُحِقَّ باطِلًا أوْ يُبْطِلَ حَقًّا، فَأمّا أنْ تَدْفَعَ عَنْ مالِكَ فَلا بَأْسَ " . وقالَ يُونُسُ عَنِ الحَسَنِ: " لا بَأْسَ أنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ مِن مالِهِ ما يَصُونُ بِهِ عِرْضَهُ " .
ورَوى عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " اجْعَلْ مالَكَ جُنَّةً دُونَ دِينِكَ ولا تَجْعَلْ دِينَكَ جُنَّةً دُونَ مالِكَ " .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ قالَ: " لَمْ نَجِدْ زَمَنَ زِيادٍ شَيْئًا أنْفَعَ لَنا مِنَ الرُّشا " . فَهَذا الَّذِي رَخَّصَ فِيهِ السَّلَفُ إنَّما هو في دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ بِما يَدْفَعُهُ إلى مَن يُرِيدُ ظُلْمَهُ أوِ انْتِهاكَ عِرْضِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَسَّمَ غَنائِمَ خَيْبَرَ وأعْطى تِلْكَ العَطايا الجَزِيلَةَ، أعْطى العَبّاسَ بْنَ مِرْداسٍ السُّلَمِيَّ شَيْئًا، فَسَخِطَهُ فَقالَ شِعْرًا، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اقْطَعُوا عَنّا لِسانَهُ فَزادُوهُ حَتّى رَضِيَ» . وأمّا الهَدايا لِلْأُمَراءِ والقُضاةِ، فَإنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ كَرِهَها وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَهْدِيِّ خَصْمٌ ولا حُكُومَةٌ عِنْدَ الحاكِمِ ذَهَبَ في ذَلِكَ إلى حَدِيثِ أبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيِّ «فِي قِصَّةِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّدَقَةِ، فَلَمّا جاءَ قالَ: هَذا لَكم وهَذا أُهْدِيَ لِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما بالُ أقْوامٍ نَسْتَعْمِلُهم عَلى ما ولّانا اللَّهُ فَيَقُولُ هَذا لَكم وهَذا أُهْدِيَ لِي فَهَلّا جَلَسَ في بَيْتِ أبِيهِ فَنَظَرَ أيُهْدى لَهُ أمْ لا» . وما رُوِيَ عَنْهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «هَدايا الأُمَراءِ غُلُولٌ وهَدايا الأُمَراءِ سُحْتٌ» . وكَرِهَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ قَبُولَ الهَدِيَّةِ، فَقِيلَ (p-٨٧)لَهُ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ ويُثِيبُ عَلَيْها»، فَقالَ: كانَتْ حِينَئِذٍ هَدِيَّةً وهي اليَوْمَ سُحْتٌ. ولَمْ يَكْرَهْ مُحَمَّدٌ لِلْقاضِي قَبُولَ الهَدِيَّةِ مِمَّنْ كانَ يُهادِيهِ قَبْلَ القَضاءِ؛ فَكَأنَّهُ إنَّما كَرِهَ مِنها ما أُهْدِيَ لَهُ لِأجْلِ أنَّهُ قاضٍ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُهْدَ لَهُ. وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «هَلّا جَلَسَ في بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ فَنَظَرَ أيُهْدى لَهُ أمْ لا» فَأخْبَرَ أنَّهُ إنَّما أُهْدِيَ لَهُ لِأنَّهُ عامِلٌ، ولَوْلا أنَّهُ عامِلٌ لَمْ يُهْدَ لَهُ، وأنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ؛ وأمّا مَن كانَ يُهادِيهِ قَبْلَ القَضاءِ وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يُهْدِهِ إلَيْهِ لِأجْلِ القَضاءِ، فَجائِزٌ لَهُ قَبُولُهُ عَلى حَسَبِ ما كانَ يَقْبَلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ بِنْتَ مَلِكِ الرُّومِ أهْدَتْ لِأُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ عَلِيٍّ امْرَأةِ عُمَرَ، فَرَدَّها عُمَرُ ومَنَعَ قَبُولَها.
* *
بابُ اَلْحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ اَلْكِتابِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ظاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: تَخْلِيَتُهم وأحْكامُهم مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ عَلَيْهِمْ، والثّانِي: التَّخْيِيرُ بَيْنَ الحُكْمِ والإعْراضِ إذا ارْتَفَعُوا إلَيْنا. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في بَقاءِ هَذا الحُكْمِ، فَقالَ قائِلُونَ مِنهم: " إذا ارْتَفَعُوا إلَيْنا فَإنْ شاءَ الحاكِمُ حَكَمَ بَيْنَهم وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْهم ورَدَّهم إلى دِينِهِمْ " . وقالَ آخَرُونَ: " التَّخْيِيرُ مَنسُوخٌ، فَمَتى ارْتَفَعُوا إلَيْنا حَكَمْنا بَيْنَهم مِن غَيْرِ تَخْيِيرٍ " . فَمِمَّنْ أخَذَ بِالتَّخْيِيرِ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ إلَيْنا الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ وإبْراهِيمُ رِوايَةً؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: " خَلُّوا بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ وبَيْنَ حاكِمِهِمْ، وإذا ارْتَفَعُوا إلَيْكم فَأقِيمُوا عَلَيْهِمْ ما في كِتابِكم " .
ورَوى سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " آيَتانِ نُسِخَتا مِن سُورَةِ المائِدَةِ: آيَةُ القَلائِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخَيَّرًا إنْ شاءَ حَكَمَ بَيْنَهم أوْ أعْرَضَ عَنْهم فَرَدَّهم إلى أحْكامِهِمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ في كِتابِهِ " .
ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قالَ: نَسَخَتْها: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ورَوى سُفْيانُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَذَكَرَ هَؤُلاءِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ناسِخٌ لِلتَّخْيِيرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ مِن طَرِيقِ الرَّأْيِ لِأنَّ العِلْمَ بِتَوارِيخِ نُزُولِ الآيِ لا يُدْرَكُ مِن طَرِيقِ الرَّأْيِ (p-٨٨)والِاجْتِهادِ، وإنَّما طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ ولَمْ يَقُلْ مَن أثْبَتَ التَّخْيِيرَ إنَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وإنَّ التَّخْيِيرَ نَسَخَهُ.
وإنَّما حُكِيَ عَنْهم مَذاهِبُهم في التَّخْيِيرِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ النَّسْخِ، فَثَبَتَ نَسْخُ التَّخْيِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] كَرِوايَةِ مَن ذَكَرَ نَسْخَ التَّخْيِيرِ. ويَدُلُّ عَلى نَسْخِ التَّخْيِيرِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] الآياتِ، ومَن أعْرَضَ عَنْهم فَلَمْ يَحْكم في تِلْكَ الحادِثَةِ الَّتِي اخْتَصَمُوا فِيها بِما أنْزَلَ اللَّهُ.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا قالَ إنَّ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٤] مَنسُوخًا إلّا ما يُرْوى عَنْ مُجاهِدٍ رَواهُ مَنصُورٌ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٤] نَسَخَها ما قَبْلَها: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وقَدْ رَوى سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قَبْلَ أنْ تُعْقَدَ لَهُمُ الذِّمَّةُ يَدْخَلُوا تَحْتَ أحْكامِ الإسْلامِ بِالجِزْيَةِ فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم وجَرَتْ عَلَيْهِمْ أحْكامُ الإسْلامِ أمَرَ بِالحُكْمِ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَيَكُونُ حُكْمُ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا ثابِتًا: التَّخْيِيرُ في أهْلِ العَهْدِ الَّذِينَ لا ذِمَّةَ لَهم ولَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ أحْكامُ المُسْلِمِينَ كَأهْلِ الحَرْبِ إذا هادَنّاهم وإيجابُ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ أحْكامُ المُسْلِمِينَ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ الَّتِي في المائِدَةِ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إنَّما نَزَلَتْ في الدِّيَةِ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي النَّضِيرِ كانَ لَهم شَرَفٌ يُدَوْنَ دِيَةً كامِلَةً، وأنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ يُودَوْنَ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ فَتَحاكَمُوا في ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَواءً. ومَعْلُومٌ أنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ لَمْ تَكُنْ لَهم ذِمَّةٌ قَطُّ، وقَدْ أجْلى النَّبِيُّ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ وقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، ولَوْ كانَ لَهم ذِمَّةٌ لَما أجْلاهم ولا قَتَلَهم، وإنَّما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ وهُدْنَةٌ فَنَقَضُوها. فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ نَزَلَتْ فِيهِمْ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ حُكْمُها باقِيًا في أهْلِ الحَرْبِ مِن أهْلِ العَهْدِ، وحُكْمُ الآيَةِ الأُخْرى في وُجُوبِ الحُكْمِ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ثابِتًا في أهْلِ الذِّمَّةِ فَلا يَكُونُ فِيها نَسْخٌ. وهَذا تَأْوِيلٌ سائِغٌ لَوْلا ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ مِن نَسْخِ التَّخْيِيرِ بِالآيَةِ الأُخْرى.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ (p-٨٩)الرَّجْمِ حِينَ تَحاكَمُوا إلَيْهِ وهَؤُلاءِ أيْضًا لَمْ يَكُونُوا أهْلَ ذِمَّةٍ، وإنَّما تَحاكَمُوا إلَيْهِ طَلَبًا لِلرُّخْصَةِ وزَوالِ الرَّجْمِ، فَصارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ ووَقَفَهم عَلى آيَةِ الرَّجْمِ وعَلى كَذِبِهِمْ وتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَمَ اليَهُودِيَّيْنِ وقالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ مَن أحْيا سُنَّةً أماتُوها» .
وقالَ أصْحابُنا أهْلُ الذِّمَّةِ مَحْمُولُونَ في البُيُوعِ والمَوارِيثِ وسائِرِ العُقُودِ عَلى أحْكامِ الإسْلامِ كالمُسْلِمِينَ، إلّا في بَيْعِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ فِيما بَيْنَهم لِأنَّهم مُقَرُّونَ عَلى أنْ تَكُونَ مالًا لَهم، ولَوْ لَمْ يَجُزْ مُبايَعَتُهم وتَصَرُّفُهم فِيها والِانْتِفاعُ بِها لَخَرَجَتْ مِن أنْ تَكُونَ مالًا لَهم ولَما وجَبَ عَلى مُسْتَهْلِكِها عَلَيْهِمْ ضَمانٌ " . ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ الفُقَهاءِ فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ لِذِمِّيٍّ خَمْرًا أنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَها. وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ الخَمْرَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ في العُشُورِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ عُمَرُ " أنْ ولُّوهم بَيْعَها وخُذُوا العُشْرَ مِن أثْمانِها " فَهَذانِ مالٌ لَهم يَجُوزُ تَصَرُّفُهم فِيهِما، وما عَدا ذَلِكَ فَهو مَحْمُولٌ عَلى أحْكامِنا لِقَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كَتَبَ إلى أهْلِ نَجْرانَ: «إمّا أنْ تَذَرُوا الرِّبا وإمّا أنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ» فَجَعَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ في حَظْرِ الرِّبا ومَنَعَهم مِنهُ كالمُسْلِمِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ [النساء: ١٦١] فَأخْبَرَ أنَّهم مَنهِيُّونَ عَنِ الرِّبا وأكْلِ المالِ بِالباطِلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَسَوّى بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ في المَنعِ مِنَ الرِّبا والعُقُودِ الفاسِدَةِ المَحْظُورَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ فَهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مَذْهَبُ أصْحابِنا في عُقُودِ المُعامَلاتِ والتِّجاراتِ وحُدُودِ أهْلُ الذِّمَّةِ والمُسْلِمُونَ فِيها سَواءٌ، إلّا أنَّهم لا يُرْجَمُونَ لِأنَّهم غَيْرُ مُحْصَنِينَ.
وقالَ مالِكٌ: " الحاكِمُ مُخَيَّرٌ إذا اخْتَصَمُوا إلَيْهِ بَيْنَ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِحُكْمِ الإسْلامِ أوْ يُعْرِضَ عَنْهم فَلا يَحْكُمَ بَيْنَهم " وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في العُقُودِ والمَوارِيثِ وغَيْرِها. واخْتَلَفَ أصْحابُنا في مُناكَحَتِهِمْ فِيما بَيْنَهم، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ هم مُقَرُّونَ عَلى أحْكامِهِمْ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ فِيها إلّا أنْ يَرْضَوْا بِأحْكامِنا، فَإنْ رَضِيَ بِها الزَّوْجانِ حُمِلا عَلى أحْكامِنا، وإنْ أبى أحَدُهُما لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِمْ، فَإذا تَراضَيا جَمِيعًا حَمَلَهُما عَلى أحْكامِ الإسْلامِ إلّا في النِّكاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ والنِّكاحِ في العِدَّةِ فَإنَّهُ لا يُفَرَّقُ بَيْنَهم، وكَذَلِكَ إنْ أسْلَمُوا " . وقالَ مُحَمَّدٌ: " إذا رَضِيَ أحَدُهُما حُمِلا جَمِيعًا عَلى أحْكامِنا وإنْ أبى الآخَرُ، إلّا في النِّكاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ خاصَّةً " . وقالَ أبُو يُوسُفَ: " يُحْمَلُونَ عَلى أحْكامِنا وإنْ أبَوْا إلّا في (p-٩٠)النِّكاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ نُجِيزُهُ إذا تَراضَوْا بِها " . فَأمّا أبُو حَنِيفَةَ فَإنَّهُ يَذْهَبُ في إقْرارِهِمْ عَلى مُناكَحاتِهِمْ، إلى أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم يَسْتَحِلُّونَ نِكاحَ ذَواتِ المَحْرَمِ ومَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما؛ وكَذَلِكَ اليَهُودُ والنَّصارى يَسْتَحِلُّونَ كَثِيرًا مِن عُقُودِ المُناكَحاتِ المُحَرَّمَةِ ولَمْ يَأْمُرْ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهم حِينَ عَقَدَ لَهُمُ الذِّمَّةَ مِن أهْلِ نَجْرانَ ووادِي القُرى وسائِرِ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ دَخَلُوا في الذِّمَّةِ ورَضُوا بِإعْطاءِ الجِزْيَةِ.
وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أقَرَّهم عَلى مُناكَحاتِهِمْ كَما أقَرَّهم عَلى مَذاهِبِهِمُ الفاسِدَةِ واعْتِقاداتِهِمُ الَّتِي هي ضَلالٌ وباطِلٌ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا عَلِمَ اسْتِحْلالَهم لِلرِّبا كَتَبَ إلى أهْلِ نَجْرانَ: «إمّا أنْ تَذَرُوا الرِّبا، وإمّا أنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ» . فَلَمْ يُقِرَّهم عَلَيْهِ حِينَ عَلِمَ تَبايُعَهم بِهِ. وأيْضًا قَدْ عَلِمْنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا فَتَحَ السَّوادَ أقَرَّ أهْلَها عَلَيْها وكانُوا مَجُوسًا، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ أمَرَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ ذَوِي المَحارِمِ مِنهم مَعَ عِلْمِهِ بِمُناكَحاتِهِمْ.
وكَذَلِكَ سائِرُ الأُمَّةِ بَعْدَهُ جَرَوْا عَلى مِنهاجِهِ في تَرْكِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِمْ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا.
فَإنْ قِيلَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كَتَبَ إلى سَعْدٍ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ ذَوِي المَحارِمِ مِنهم وأنْ يَمْنَعَهم مِنَ المُذْهَبِ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: لَوْ كانَ هَذا ثابِتًا لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهِ مُتَواتِرًا كَوُرُودِهِ في سِيرَتِهِ فِيهِمْ في أخْذِ الجِزْيَةِ ووَضْعِ الخَراجِ وسائِرِ ما عامَلَهم بِهِ، فَلَمّا لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ مِن جِهَةِ التَّواتُرِ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ ثابِتٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِتابُهُ إلى سَعْدٍ بِذَلِكَ إنَّما كانَ فِيمَن رَضِيَ مِنهم بِأحْكامِنا؛ وكَذَلِكَ نَقُولُ إذا تَراضَوْا بِأحْكامِنا. وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ناسِخٌ لِلتَّخْيِيرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ واَلَّذِي ثَبَتَ نَسْخُهُ مِن ذَلِكَ هو التَّخْيِيرُ، فَأمّا شَرْطُ المَجِيءِ مِنهم فَلَمْ تَقُمُ الدَّلالَةُ عَلى نَسْخِهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُ الشَّرْطِ باقِيًا والتَّخْيِيرُ مَنسُوخًا، فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ مَعَ الآيَةِ الأُخْرى: (فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بما أنزل) وإنَّما قالَ: " إنَّهم يُحْمَلُونَ عَلى أحْكامِنا إذا رَضُوا بِها إلّا في النِّكاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ والنِّكاحِ في العِدَّةِ " مِن قِبَلِ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ لَنا اعْتِراضٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ التَّراضِي مِنهم بِأحْكامِنا، فَمَتى تَراضَوْا بِها وارْتَفَعُوا إلَيْنا فَإنَّما الواجِبُ إجْراؤُهم عَلى أحْكامِنا في المُسْتَقْبَلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ العِدَّةَ لا تَمْنَعُ بَقاءَ النِّكاحِ في المُسْتَقْبَلِ وإنَّما تَمْنَعُ الِابْتِداءَ لِأنَّ امْرَأةً تَحْتَ زَوْجٍ لَوْ طَرَأتْ عَلَيْها عِدَّةٌ مِن وطْءٍ بِشُبْهَةٍ لَمْ يَمْنَعْ ما وجَبَ مِنَ العِدَّةِ بَقاءَ الحُكْمِ، فَثَبَتَ أنَّ العِدَّةَ إنَّما تَمْنَعُ ابْتِداءَ العَقْدِ ولا تَمْنَعُ البَقاءَ؛ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُما.
(p-٩١)ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ العِدَّةَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى وهم غَيْرُ مُؤاخَذِينَ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى في أحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَإذا لَمْ تَكُنْ عِنْدَهم عِدَّةٌ واجِبَةٌ لَمْ تَكُنْ عَلَيْها عِدَّةٌ، فَجازَ نِكاحُها الثّانِي. ولَيْسَ كَذَلِكَ نِكاحُ ذَواتِ المَحارِمِ؛ إذْ لا يَخْتَلِفُ فِيها حُكْمُ الِابْتِداءِ والبَقاءِ في بابِ بُطْلانِهِ، وأمّا النِّكاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ فَإنَّ الَّذِي هو شَرْطٌ في صِحَّةِ العَقْدِ وُجُودُ الشُّهُودِ في حالِ العَقْدِ، ولا يُحْتاجُ في بَقائِهِ إلى اسْتِصْحابِ الشُّهُودِ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ لَوِ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ أوْ ماتُوا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ في العَقْدِ؛ فَإذا كانَ إنَّما يُحْتاجُ إلى الشُّهُودِ لِلِابْتِداءِ لا لِلْبَقاءِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُمْنَعَ البَقاءُ في المُسْتَقْبَلِ لِأجْلِ عَدَمِ الشُّهُودِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ النِّكاحَ بِغَيْرِ شُهُودٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الفُقَهاءِ، فَمِنهم مَن يُجِيزُهُ، والِاجْتِهادُ سائِغٌ في جَوازِهِ، ولا يُعْتَرَضُ عَلى المُسْلِمِينَ إذا عَقَدُوهُ ما لَمْ يَخْتَصِمُوا فِيهِ، فَغَيْرُ جائِزٍ فَسْخُهُ إذا عَقَدُوهُ في حالِ الكُفْرِ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ سائِغًا جائِزًا في وقْتِ وُقُوعِهِ، لَوْ أمْضاهُ حاكِمٌ ما بَيْنَ المُسْلِمِينَ جازَ ولَمْ يَجُزْ بَعْدَ ذَلِكَ فَسْخُهُ وإنَّما اعْتَبَرَ أبُو حَنِيفَةَ تَراضِيَهُما جَمِيعًا بِأحْكامِنا مِن قِبَلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ فَشَرَطَ مَجِيئَهم، فَلَمْ يَجُزِ الحُكْمُ عَلى أحَدِهِما بِمَجِيءِ الآخَرِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا رَضِيَ أحَدُهُما بِأحْكامِنا فَقَدْ لَزِمَهُ حُكْمُ الإسْلامِ فَيَصِيرُ بِمَنزِلَتِهِ لَوْ أسْلَمَ فَيُحْمَلُ الآخَرُ مَعَهُ عَلى حُكْمِ الإسْلامِ.
قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ رِضاهُ بِأحْكامِنا لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إيجابًا، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنِ الرِّضا قَبْلَ الحُكْمِ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إيّاهُ وبَعْدَ الإسْلامِ يُمْكِنُهُ الرِّضا بِأحْكامِنا ؟ وأيْضًا إذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ إلّا بَعْدَ الرِّضا بِحُكْمِنا فَمَن لَمْ يَرْضَ بِهِ مُبْقًى عَلى حُكْمِهِ لا يَجُوزُ إلْزامُهُ حُكْمًا لِأجْلِ رِضا غَيْرِهِ. وذَهَبَ مُحَمَّدٌ إلى أنَّ رِضا أحَدِهِما يُلْزِمُ الآخَرَ حُكْمَ الإسْلامِ كَما لَوْ أسْلَمَ. وذَهَبَ أبُو يُوسُفَ إلى ظاهِرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: اللَّهُ أعْلَمُ فِيما تَحاكَمُوا إلَيْكَ فِيهِ؛ فَقِيلَ: إنَّهم تَحاكَمُوا إلَيْهِ في حَدِّ الزّانِيَيْنِ، وقِيلَ: في الدِّيَةِ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَّضِيرِ؛ فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَتَحاكَمُوا إلَيْهِ تَصْدِيقًا مِنهم بِنُبُوَّتِهِ، وإنَّما طَلَبُوا الرُّخْصَةَ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي هم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِحُكْمِكَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ جَحْدِهِمْ بِنُبُوَّتِكَ وعُدُولِهِمْ عَمّا يَعْتَقِدُونَهُ حُكْمًا لِلَّهِ مِمّا في التَّوْراةِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهم حِينَ طَلَبُوا غَيْرَ حُكْمِ اللَّهِ ولَمْ يَرْضَوْا بِهِ فَهم كافِرُونَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ فِيما اخْتَصَمُوا فِيهِ لَمْ يَكُنْ مَنسُوخًا، وأنَّهُ (p-٩٢)صارَ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ شَرِيعَةً لَنا لَمْ يُنْسَخْ؛ لِأنَّهُ لَوْ نُسِخَ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ بَعْدَ النَّسْخِ أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ، كَما لا يُطْلَقُ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَحْلِيلُ الخَمْرِ أوْ تَحْرِيمُ السَّبْتِ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ شَرائِعَ مَن قَبْلَنا مِنَ الأنْبِياءِ لازِمَةٌ لَنا ما لَمْ تُنْسَخْ، وأنَّها حُكْمُ اللَّهِ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ . وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ بِالرَّجْمِ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَصَمُوا إلَيْهِ في حَدِّ الزِّنا. وقالَ قَتادَةُ: فِيها حُكْمُ اللَّهِ بِالقَوَدِ لِأنَّهُمُ اخْتَصَمُوا في ذَلِكَ. وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا تَحاكَمُوا إلَيْهِ فِيهِما جَمِيعًا مِنَ الرَّجْمِ والقَوَدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والسُّدِّيِّ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُرادٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]
قالَ أبُو بَكْرٍ: وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ عَلى الزّانِيَيْنِ مِنهم بِالرَّجْمِ وقالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ مَن أحْيا سُنَّةً أماتُوها» وكانَ ذَلِكَ في حُكْمِ التَّوْراةِ؛ وحَكَمَ فِيهِ بِتَساوِي الدِّياتِ وكانَ ذَلِكَ أيْضًا حُكْمَ التَّوْراةِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ التَّوْراةِ لا بِحُكْمِ مُبْتَدَأِ شَرِيعَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ [المائدة: ٤٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " شُهَداءُ عَلى حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ في التَّوْراةِ " . وقالَ غَيْرُهُ: " شُهَداءُ عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ " .
وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] قالَ فِيهِ السُّدِّيُّ: لا تَخْشَوْهم في كِتْمانِ ما أنْزَلْتَ " . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلى الحُكّامِ ثَلاثًا: أنْ لا يَتَّبِعُوا الهَوى، وأنْ يَخْشَوْهُ ولا يَخْشَوُا النّاسَ، وأنْ لا يَشْتَرُوا بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلا " . ثُمَّ قالَ: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ [ص: ٢٦] الآيَةَ، وقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعانٍ: مِنها الإخْبارُ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ حَكَمَ عَلى اليَهُودِ بِحُكْمِ التَّوْراةِ.
ومِنها: أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ كانَ باقِيًا في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّ مَبْعَثَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُوجِبْ نَسْخَهُ؛ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ كانَ ثابِتًا لَمْ يُنْسَخْ بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ ﷺ . ومِنها إيجابُ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وأنْ لا يَعْدِلَ عَنْهُ ولا يُحابِي فِيهِ مَخافَةَ النّاسِ. ومِنها: تَحْرِيمُ أخْذِ الرُّشا في الأحْكامِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [المائدة: ٤٤] (p-٩٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " هو في الجاحِدِ لِحُكْمِ اللَّهِ " . وقِيلَ: " هي في اليَهُودِ خاصَّةً " . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ وإبْراهِيمُ: " هي عامَّةٌ " يَعْنِي فِيمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ وحَكَمَ بِغَيْرِهِ مُخْبِرًا أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، ومَن فَعَلَ هَذا فَقَدْ كَفَرَ فَمَن جَعَلَها في قَوْمٍ خاصَّةً وهُمُ اليَهُودُ، لَمْ يَجْعَلْ " مَن " بِمَعْنى الشَّرْطِ، وجَعَلَها بِمَعْنى الَّذِي لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ، والمُرادُ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وذَكَرَ قِصَّةَ رَجْمِ اليَهُودِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] الآياتِ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قالَ: " في اليَهُودِ خاصَّةً " وقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] و﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] " في الكُفّارِ كُلِّهِمْ " . وقالَ الحَسَنُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] نَزَلَتْ في اليَهُودِ وهي عَلَيْنا واجِبَةٌ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: " نَزَلَتْ في اليَهُودِ " . وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ ثُمَّ جَرَتْ فِينا " .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ قالَ: قِيلَ لِحُذَيْفَةَ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] نَزَلَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: " نَعَمْ، الإخْوَةُ لَكم بَنُو إسْرائِيلَ، إنْ كانَتْ لَكم كُلُّ حُلْوَةٍ ولَهم كُلُّ مُرَّةٍ، ولَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهم قَدَّ الشِّراكِ " . قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: " نَزَلَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ ورَضِيَ لَكم بِها " .
ورَوى الثَّوْرِيُّ عَنْ زَكَرِيّا عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ الأُولى لِلْمُسْلِمِينَ والثّانِيَةُ لِلْيَهُودِ والثّالِثَةُ لِلنَّصارى " . وقالَ طاوُسٌ: " لَيْسَ بِكُفْرٍ يُنْقَلُ عَنِ المِلَّةِ " ورَوى طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " لَيْسَ الكُفْرُ الَّذِي يَذْهَبُونَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] "
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ وظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ وفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ " . وقالَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ رَضِيَ اللًّهُ عَنْهُما: " لَيْسَ بِكُفْرِ شِرْكٍ ولا ظُلْمِ شِرْكٍ ولا فِسْقِ شِرْكٍ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مُرادُهُ كُفْرَ الشِّرْكِ والجُحُودِ أوْ كُفْرَ النِّعْمَةِ مِن غَيْرِ جُحُودٍ؛ فَإنْ كانَ المُرادُ جُحُودَ حُكْمِ اللَّهِ أوِ الحُكْمَ بِغَيْرِهِ مَعَ الإخْبارِ بِأنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ، فَهَذا كُفْرٌ يُخْرِجُ عَنِ المِلَّةِ وفاعِلُهُ مُرْتَدٌّ إنْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُسْلِمًا؛ وعَلى هَذا تَأوَّلَهُ مَن قالَ: " إنَّها نَزَلَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ وجَرَتْ فِينا " يَعْنُونَ أنَّ مَن جَحَدَ مِنّا حُكْمَ اللَّهِ أوْ حَكَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ ثُمَّ قالَ إنَّ هَذا حُكْمُ اللَّهِ، فَهو كافِرٌ كَما كَفَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ حِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ كُفْرَ النِّعْمَةِ فَإنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ قَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ عَلَيْها مِن غَيْرِ جُحُودٍ، فَلا يَكُونُ فاعِلُهُ خارِجًا مِنَ المِلَّةِ؛ والأظْهَرُ هو المَعْنى الأوَّلُ لِإطْلاقِهِ اسْمَ الكُفْرِ عَلى مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ. (p-٩٤)وقَدْ تَأوَّلَتِ الخَوارِجُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى تَكْفِيرِ مَن تَرَكَ الحُكْمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن غَيْرِ جُحُودٍ لَها، وأكْفَرُوا بِذَلِكَ كُلَّ مَن عَصى اللَّهَ بِكَبِيرَةٍ أوْ صَغِيرَةٍ، فَأدّاهم ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ بِتَكْفِيرِهِمُ الأنْبِياءَ بِصَغائِرِ ذُنُوبِهِمْ.
المائدة 5:43
بابُ اَلرَّشْوَةِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قِيلَ إنَّ أصْلَ السُّحْتِ الِاسْتِئْصالُ، يُقالُ: أسْحَتَهُ إسْحاتًا: إذا اسْتَأْصَلَهُ وأذْهَبَهُ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١] أيْ يَسْتَأْصِلُكم بِهِ. ويُقالُ: أسْحَتَ مالَهُ، إذا أفْسَدَهُ وأذْهَبَهُ. فَسُمِّيَ الحَرامُ سُحْتًا؛ لِأنَّهُ لا بَرَكَةَ فِيهِ لِأهْلِهِ ويَهْلِكُ بِهِ صاحِبُهُ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ. ورَوى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ السُّحْتِ أهُوَ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ ؟ فَقالَ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ولَكِنَّ السُّحْتَ أنْ يَسْتَشْفِعَ بِكَ عَلى إمامٍ فَتُكَلِّمَهُ فَيُهْدِيَ لَكَ هَدِيَّةً فَتَقْبَلَها. ورَوى شُعْبَةُ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ سالِمِ بْنِ (p-٨٥)أبِي الجَعْدِ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَنِ الجَوْرِ في الحُكْمِ، فَقالَ: " ذَلِكَ كُفْرٌ "؛ وسَألْتُهُ عَنِ السُّحْتِ، فَقالَ: " الرُّشا " . ورَوى عَبْدُ الأعْلى بْنُ حَمّادٍ: حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ أبانَ عَنِ ابْنِ أبِي عَيّاشٍ عَنْ مُسْلِمٍ، أنَّ مَسْرُوقًا قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أرَأيْتَ الرِّشْوَةَ في الحُكْمِ مِنَ السُّحْتِ ؟ قالَ: " لا، ولَكِنْ كُفْرٌ، إنَّما السُّحْتُ أنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عِنْدَ سُلْطانٍ جاهٌ ومَنزِلَةٌ ويَكُونَ لِلْآخَرِ إلى السُّلْطانِ حاجَةٌ، فَلا يَقْضِيَ حاجَتَهُ حَتّى يُهْدِيَ إلَيْهِ " . ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: " السُّحْتُ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ ومَهْرُ البَغِيِّ وعَسْبُ الفَحْلِ وكَسْبُ الحَجّامِ وثَمَنُ الكَلْبِ وثَمَنُ الخَمْرِ وثَمَنُ المَيْتَةِ وحُلْوانُ الكاهِنِ والِاسْتِجْعالِ في القَضِيَّةِ " . فَكَأنَّهُ جَعَلَ السُّحْتَ اسْمًا لِأخْذِ ما لا يَطِيبُ أخْذُهُ. وقالَ إبْراهِيمُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: " السُّحْتُ الرُّشا " . ورَوى مَنصُورٌ عَنِ الحَكَمِ عَنْ أبِي وائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: " إنَّ القاضِيَ إذا أخَذَ الهَدِيَّةَ فَقَدْ أكَلَ السُّحْتَ، وإذا أكَلَ الرِّشْوَةَ بَلَغَتْ بِهِ الكُفْرَ " . وقالَ الأعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عُمَرَ قالَ: " بابانِ مِنَ السُّحْتِ يَأْكُلُهُما النّاسُ: الرُّشا ومَهْرُ الزّانِيَةِ " . ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ زَكَرِيّا عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَدايا الأُمَراءِ مِنَ السُّحْتِ» .
ورَوى أبُو إدْرِيسَ الخَوْلانِيُّ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ والرّائِشَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما» .
ورَوى أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ» .
ورَوى أبُو عَوانَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ في الحُكْمِ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ جَمِيعُ المُتَأوِّلِينَ لِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ قَبُولَ الرُّشا مُحَرَّمٌ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ مِنَ السُّحْتِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى. والرِّشْوَةُ تَنْقَسِمُ إلى وُجُوهٍ: مِنها الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، وذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلى الرّاشِي والمُرْتَشِي جَمِيعًا، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ» والرّائِشُ وهو الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما فَذَلِكَ لا يَخْلُو مِن أنْ يَرْشُوَهُ لِيَقْضِيَ لَهُ بِحَقِّهِ أوْ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ، فَإنْ رَشاهُ لِيَقْضِيَ لَهُ بِحَقِّهِ فَقَدْ فَسَقَ الحاكِمُ بِقَبُولِ الرِّشْوَةِ عَلى أنْ يَقْضِيَ لَهُ بِما هو فَرْضٌ عَلَيْهِ، واسْتَحَقَّ الرّاشِي الذَّمَّ حِينَ حاكَمَ إلَيْهِ ولَيْسَ بِحاكِمٍ، ولا يَنْفُذُ حُكْمُهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْعَزَلَ عَنِ الحُكْمِ بِأخْذِهِ الرِّشْوَةَ، كَمَن أخَذَ الأُجْرَةَ عَلى أداءِ الفُرُوضِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ. ولا خِلافَ في تَحْرِيمِ الرُّشا عَلى الأحْكامِ وأنَّها مِنَ السُّحْتِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما كانَ مَفْعُولًا عَلى وجْهِ الفَرْضِ والقُرْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ، كالحَجِّ (p-٨٦)وتَعْلِيمِ القُرْآنِ والإسْلامِ؛ ولَوْ كانَ أخْذُ الأبْدالِ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ جائِزًا لَجازَ أخْذُ الرُّشا عَلى إمْضاءِ الأحْكامِ، فَلَمّا حَرَّمَ اللَّهُ أخْذَ الرُّشا عَلى الأحْكامِ واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلَيْهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى فَسادِ قَوْلِ القائِلِينَ بِجَوازِ أخْذِ الأبْدالِ عَلى الفُرُوضِ والقُرَبِ. وإنْ أعْطاهُ الرِّشْوَةَ عَلى أنْ يَقْضِيَ لَهُ بِباطِلٍ فَقَدْ فَسَقَ الحاكِمُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أخْذُ الرِّشْوَةِ، والآخَرُ: الحُكْمُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ وكَذَلِكَ الرّاشِي. وقَدْ تَأوَّلَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٌ السُّحْتَ عَلى الهَدِيَّةِ في الشَّفاعَةِ إلى السُّلْطانِ، وقالَ: " إنْ أخْذَ الرُّشا عَلى الأحْكامِ كُفْرٌ " . وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ومَن قَدَّمْنا قَوْلَهُ: " الرُّشا مِنَ السُّحْتِ " . وأمّا الرِّشْوَةُ في غَيْرِ الحُكْمِ، فَهو ما ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٌ في الهَدِيَّةِ إلى الرَّجُلِ لِيُعِينَهُ بِجاهِهِ عِنْدَ السُّلْطانِ، وذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنْهُ أيْضًا؛ لِأنَّ عَلَيْهِ مَعُونَتَهُ في دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ [المائدة: ٢] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَزالُ اللَّهُ في عَوْنِ المَرْءِ ما دامَ المَرْءُ في عَوْنِ أخِيهِ» . ووَجْهٌ آخَرُ مِنَ الرِّشْوَةِ، وهو الَّذِي يَرْشُو السُّلْطانَ لِدَفْعِ ظُلْمِهِ عَنْهُ، فَهَذِهِ الرِّشْوَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلى آخِذِها غَيْرُ مَحْظُورَةٍ عَلى مُعْطِيها. ورُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ والشَّعْبِيِّ قالا: " لا بَأْسَ بِأنْ يُصانِعَ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ ومالِهِ إذا خافَ الظُّلْمَ " وعَنْ عَطاءٍ وإبْراهِيمَ مِثْلُهُ.
ورَوى هِشامٌ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ» قالَ الحَسَنُ: " لِيُحِقَّ باطِلًا أوْ يُبْطِلَ حَقًّا، فَأمّا أنْ تَدْفَعَ عَنْ مالِكَ فَلا بَأْسَ " . وقالَ يُونُسُ عَنِ الحَسَنِ: " لا بَأْسَ أنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ مِن مالِهِ ما يَصُونُ بِهِ عِرْضَهُ " .
ورَوى عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " اجْعَلْ مالَكَ جُنَّةً دُونَ دِينِكَ ولا تَجْعَلْ دِينَكَ جُنَّةً دُونَ مالِكَ " .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ قالَ: " لَمْ نَجِدْ زَمَنَ زِيادٍ شَيْئًا أنْفَعَ لَنا مِنَ الرُّشا " . فَهَذا الَّذِي رَخَّصَ فِيهِ السَّلَفُ إنَّما هو في دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ بِما يَدْفَعُهُ إلى مَن يُرِيدُ ظُلْمَهُ أوِ انْتِهاكَ عِرْضِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَسَّمَ غَنائِمَ خَيْبَرَ وأعْطى تِلْكَ العَطايا الجَزِيلَةَ، أعْطى العَبّاسَ بْنَ مِرْداسٍ السُّلَمِيَّ شَيْئًا، فَسَخِطَهُ فَقالَ شِعْرًا، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اقْطَعُوا عَنّا لِسانَهُ فَزادُوهُ حَتّى رَضِيَ» . وأمّا الهَدايا لِلْأُمَراءِ والقُضاةِ، فَإنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ كَرِهَها وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَهْدِيِّ خَصْمٌ ولا حُكُومَةٌ عِنْدَ الحاكِمِ ذَهَبَ في ذَلِكَ إلى حَدِيثِ أبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيِّ «فِي قِصَّةِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّدَقَةِ، فَلَمّا جاءَ قالَ: هَذا لَكم وهَذا أُهْدِيَ لِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما بالُ أقْوامٍ نَسْتَعْمِلُهم عَلى ما ولّانا اللَّهُ فَيَقُولُ هَذا لَكم وهَذا أُهْدِيَ لِي فَهَلّا جَلَسَ في بَيْتِ أبِيهِ فَنَظَرَ أيُهْدى لَهُ أمْ لا» . وما رُوِيَ عَنْهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «هَدايا الأُمَراءِ غُلُولٌ وهَدايا الأُمَراءِ سُحْتٌ» . وكَرِهَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ قَبُولَ الهَدِيَّةِ، فَقِيلَ (p-٨٧)لَهُ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ ويُثِيبُ عَلَيْها»، فَقالَ: كانَتْ حِينَئِذٍ هَدِيَّةً وهي اليَوْمَ سُحْتٌ. ولَمْ يَكْرَهْ مُحَمَّدٌ لِلْقاضِي قَبُولَ الهَدِيَّةِ مِمَّنْ كانَ يُهادِيهِ قَبْلَ القَضاءِ؛ فَكَأنَّهُ إنَّما كَرِهَ مِنها ما أُهْدِيَ لَهُ لِأجْلِ أنَّهُ قاضٍ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُهْدَ لَهُ. وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «هَلّا جَلَسَ في بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ فَنَظَرَ أيُهْدى لَهُ أمْ لا» فَأخْبَرَ أنَّهُ إنَّما أُهْدِيَ لَهُ لِأنَّهُ عامِلٌ، ولَوْلا أنَّهُ عامِلٌ لَمْ يُهْدَ لَهُ، وأنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ؛ وأمّا مَن كانَ يُهادِيهِ قَبْلَ القَضاءِ وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يُهْدِهِ إلَيْهِ لِأجْلِ القَضاءِ، فَجائِزٌ لَهُ قَبُولُهُ عَلى حَسَبِ ما كانَ يَقْبَلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ بِنْتَ مَلِكِ الرُّومِ أهْدَتْ لِأُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ عَلِيٍّ امْرَأةِ عُمَرَ، فَرَدَّها عُمَرُ ومَنَعَ قَبُولَها.
* *
بابُ اَلْحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ اَلْكِتابِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ظاهِرُ ذَلِكَ يَقْتَضِي مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: تَخْلِيَتُهم وأحْكامُهم مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ عَلَيْهِمْ، والثّانِي: التَّخْيِيرُ بَيْنَ الحُكْمِ والإعْراضِ إذا ارْتَفَعُوا إلَيْنا. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في بَقاءِ هَذا الحُكْمِ، فَقالَ قائِلُونَ مِنهم: " إذا ارْتَفَعُوا إلَيْنا فَإنْ شاءَ الحاكِمُ حَكَمَ بَيْنَهم وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْهم ورَدَّهم إلى دِينِهِمْ " . وقالَ آخَرُونَ: " التَّخْيِيرُ مَنسُوخٌ، فَمَتى ارْتَفَعُوا إلَيْنا حَكَمْنا بَيْنَهم مِن غَيْرِ تَخْيِيرٍ " . فَمِمَّنْ أخَذَ بِالتَّخْيِيرِ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ إلَيْنا الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ وإبْراهِيمُ رِوايَةً؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: " خَلُّوا بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ وبَيْنَ حاكِمِهِمْ، وإذا ارْتَفَعُوا إلَيْكم فَأقِيمُوا عَلَيْهِمْ ما في كِتابِكم " .
ورَوى سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " آيَتانِ نُسِخَتا مِن سُورَةِ المائِدَةِ: آيَةُ القَلائِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخَيَّرًا إنْ شاءَ حَكَمَ بَيْنَهم أوْ أعْرَضَ عَنْهم فَرَدَّهم إلى أحْكامِهِمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ في كِتابِهِ " .
ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قالَ: نَسَخَتْها: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ورَوى سُفْيانُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَذَكَرَ هَؤُلاءِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ناسِخٌ لِلتَّخْيِيرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ مِن طَرِيقِ الرَّأْيِ لِأنَّ العِلْمَ بِتَوارِيخِ نُزُولِ الآيِ لا يُدْرَكُ مِن طَرِيقِ الرَّأْيِ (p-٨٨)والِاجْتِهادِ، وإنَّما طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ ولَمْ يَقُلْ مَن أثْبَتَ التَّخْيِيرَ إنَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وإنَّ التَّخْيِيرَ نَسَخَهُ.
وإنَّما حُكِيَ عَنْهم مَذاهِبُهم في التَّخْيِيرِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ النَّسْخِ، فَثَبَتَ نَسْخُ التَّخْيِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] كَرِوايَةِ مَن ذَكَرَ نَسْخَ التَّخْيِيرِ. ويَدُلُّ عَلى نَسْخِ التَّخْيِيرِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] الآياتِ، ومَن أعْرَضَ عَنْهم فَلَمْ يَحْكم في تِلْكَ الحادِثَةِ الَّتِي اخْتَصَمُوا فِيها بِما أنْزَلَ اللَّهُ.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا قالَ إنَّ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٤] مَنسُوخًا إلّا ما يُرْوى عَنْ مُجاهِدٍ رَواهُ مَنصُورٌ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٤] نَسَخَها ما قَبْلَها: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وقَدْ رَوى سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قَبْلَ أنْ تُعْقَدَ لَهُمُ الذِّمَّةُ يَدْخَلُوا تَحْتَ أحْكامِ الإسْلامِ بِالجِزْيَةِ فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم وجَرَتْ عَلَيْهِمْ أحْكامُ الإسْلامِ أمَرَ بِالحُكْمِ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَيَكُونُ حُكْمُ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا ثابِتًا: التَّخْيِيرُ في أهْلِ العَهْدِ الَّذِينَ لا ذِمَّةَ لَهم ولَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ أحْكامُ المُسْلِمِينَ كَأهْلِ الحَرْبِ إذا هادَنّاهم وإيجابُ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ أحْكامُ المُسْلِمِينَ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ الَّتِي في المائِدَةِ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إنَّما نَزَلَتْ في الدِّيَةِ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي النَّضِيرِ كانَ لَهم شَرَفٌ يُدَوْنَ دِيَةً كامِلَةً، وأنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ يُودَوْنَ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ فَتَحاكَمُوا في ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَواءً. ومَعْلُومٌ أنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ لَمْ تَكُنْ لَهم ذِمَّةٌ قَطُّ، وقَدْ أجْلى النَّبِيُّ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ وقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، ولَوْ كانَ لَهم ذِمَّةٌ لَما أجْلاهم ولا قَتَلَهم، وإنَّما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ وهُدْنَةٌ فَنَقَضُوها. فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ نَزَلَتْ فِيهِمْ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ حُكْمُها باقِيًا في أهْلِ الحَرْبِ مِن أهْلِ العَهْدِ، وحُكْمُ الآيَةِ الأُخْرى في وُجُوبِ الحُكْمِ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ثابِتًا في أهْلِ الذِّمَّةِ فَلا يَكُونُ فِيها نَسْخٌ. وهَذا تَأْوِيلٌ سائِغٌ لَوْلا ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ مِن نَسْخِ التَّخْيِيرِ بِالآيَةِ الأُخْرى.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ (p-٨٩)الرَّجْمِ حِينَ تَحاكَمُوا إلَيْهِ وهَؤُلاءِ أيْضًا لَمْ يَكُونُوا أهْلَ ذِمَّةٍ، وإنَّما تَحاكَمُوا إلَيْهِ طَلَبًا لِلرُّخْصَةِ وزَوالِ الرَّجْمِ، فَصارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ ووَقَفَهم عَلى آيَةِ الرَّجْمِ وعَلى كَذِبِهِمْ وتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَمَ اليَهُودِيَّيْنِ وقالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ مَن أحْيا سُنَّةً أماتُوها» .
وقالَ أصْحابُنا أهْلُ الذِّمَّةِ مَحْمُولُونَ في البُيُوعِ والمَوارِيثِ وسائِرِ العُقُودِ عَلى أحْكامِ الإسْلامِ كالمُسْلِمِينَ، إلّا في بَيْعِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ فِيما بَيْنَهم لِأنَّهم مُقَرُّونَ عَلى أنْ تَكُونَ مالًا لَهم، ولَوْ لَمْ يَجُزْ مُبايَعَتُهم وتَصَرُّفُهم فِيها والِانْتِفاعُ بِها لَخَرَجَتْ مِن أنْ تَكُونَ مالًا لَهم ولَما وجَبَ عَلى مُسْتَهْلِكِها عَلَيْهِمْ ضَمانٌ " . ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ الفُقَهاءِ فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ لِذِمِّيٍّ خَمْرًا أنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَها. وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ الخَمْرَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ في العُشُورِ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ عُمَرُ " أنْ ولُّوهم بَيْعَها وخُذُوا العُشْرَ مِن أثْمانِها " فَهَذانِ مالٌ لَهم يَجُوزُ تَصَرُّفُهم فِيهِما، وما عَدا ذَلِكَ فَهو مَحْمُولٌ عَلى أحْكامِنا لِقَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كَتَبَ إلى أهْلِ نَجْرانَ: «إمّا أنْ تَذَرُوا الرِّبا وإمّا أنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ» فَجَعَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ في حَظْرِ الرِّبا ومَنَعَهم مِنهُ كالمُسْلِمِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ [النساء: ١٦١] فَأخْبَرَ أنَّهم مَنهِيُّونَ عَنِ الرِّبا وأكْلِ المالِ بِالباطِلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَسَوّى بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ في المَنعِ مِنَ الرِّبا والعُقُودِ الفاسِدَةِ المَحْظُورَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ فَهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مَذْهَبُ أصْحابِنا في عُقُودِ المُعامَلاتِ والتِّجاراتِ وحُدُودِ أهْلُ الذِّمَّةِ والمُسْلِمُونَ فِيها سَواءٌ، إلّا أنَّهم لا يُرْجَمُونَ لِأنَّهم غَيْرُ مُحْصَنِينَ.
وقالَ مالِكٌ: " الحاكِمُ مُخَيَّرٌ إذا اخْتَصَمُوا إلَيْهِ بَيْنَ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِحُكْمِ الإسْلامِ أوْ يُعْرِضَ عَنْهم فَلا يَحْكُمَ بَيْنَهم " وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في العُقُودِ والمَوارِيثِ وغَيْرِها. واخْتَلَفَ أصْحابُنا في مُناكَحَتِهِمْ فِيما بَيْنَهم، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ هم مُقَرُّونَ عَلى أحْكامِهِمْ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ فِيها إلّا أنْ يَرْضَوْا بِأحْكامِنا، فَإنْ رَضِيَ بِها الزَّوْجانِ حُمِلا عَلى أحْكامِنا، وإنْ أبى أحَدُهُما لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِمْ، فَإذا تَراضَيا جَمِيعًا حَمَلَهُما عَلى أحْكامِ الإسْلامِ إلّا في النِّكاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ والنِّكاحِ في العِدَّةِ فَإنَّهُ لا يُفَرَّقُ بَيْنَهم، وكَذَلِكَ إنْ أسْلَمُوا " . وقالَ مُحَمَّدٌ: " إذا رَضِيَ أحَدُهُما حُمِلا جَمِيعًا عَلى أحْكامِنا وإنْ أبى الآخَرُ، إلّا في النِّكاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ خاصَّةً " . وقالَ أبُو يُوسُفَ: " يُحْمَلُونَ عَلى أحْكامِنا وإنْ أبَوْا إلّا في (p-٩٠)النِّكاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ نُجِيزُهُ إذا تَراضَوْا بِها " . فَأمّا أبُو حَنِيفَةَ فَإنَّهُ يَذْهَبُ في إقْرارِهِمْ عَلى مُناكَحاتِهِمْ، إلى أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم يَسْتَحِلُّونَ نِكاحَ ذَواتِ المَحْرَمِ ومَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما؛ وكَذَلِكَ اليَهُودُ والنَّصارى يَسْتَحِلُّونَ كَثِيرًا مِن عُقُودِ المُناكَحاتِ المُحَرَّمَةِ ولَمْ يَأْمُرْ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهم حِينَ عَقَدَ لَهُمُ الذِّمَّةَ مِن أهْلِ نَجْرانَ ووادِي القُرى وسائِرِ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ دَخَلُوا في الذِّمَّةِ ورَضُوا بِإعْطاءِ الجِزْيَةِ.
وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أقَرَّهم عَلى مُناكَحاتِهِمْ كَما أقَرَّهم عَلى مَذاهِبِهِمُ الفاسِدَةِ واعْتِقاداتِهِمُ الَّتِي هي ضَلالٌ وباطِلٌ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا عَلِمَ اسْتِحْلالَهم لِلرِّبا كَتَبَ إلى أهْلِ نَجْرانَ: «إمّا أنْ تَذَرُوا الرِّبا، وإمّا أنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ» . فَلَمْ يُقِرَّهم عَلَيْهِ حِينَ عَلِمَ تَبايُعَهم بِهِ. وأيْضًا قَدْ عَلِمْنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمّا فَتَحَ السَّوادَ أقَرَّ أهْلَها عَلَيْها وكانُوا مَجُوسًا، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ أمَرَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ ذَوِي المَحارِمِ مِنهم مَعَ عِلْمِهِ بِمُناكَحاتِهِمْ.
وكَذَلِكَ سائِرُ الأُمَّةِ بَعْدَهُ جَرَوْا عَلى مِنهاجِهِ في تَرْكِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِمْ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا.
فَإنْ قِيلَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كَتَبَ إلى سَعْدٍ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ ذَوِي المَحارِمِ مِنهم وأنْ يَمْنَعَهم مِنَ المُذْهَبِ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: لَوْ كانَ هَذا ثابِتًا لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهِ مُتَواتِرًا كَوُرُودِهِ في سِيرَتِهِ فِيهِمْ في أخْذِ الجِزْيَةِ ووَضْعِ الخَراجِ وسائِرِ ما عامَلَهم بِهِ، فَلَمّا لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ مِن جِهَةِ التَّواتُرِ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ ثابِتٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِتابُهُ إلى سَعْدٍ بِذَلِكَ إنَّما كانَ فِيمَن رَضِيَ مِنهم بِأحْكامِنا؛ وكَذَلِكَ نَقُولُ إذا تَراضَوْا بِأحْكامِنا. وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ناسِخٌ لِلتَّخْيِيرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ واَلَّذِي ثَبَتَ نَسْخُهُ مِن ذَلِكَ هو التَّخْيِيرُ، فَأمّا شَرْطُ المَجِيءِ مِنهم فَلَمْ تَقُمُ الدَّلالَةُ عَلى نَسْخِهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُ الشَّرْطِ باقِيًا والتَّخْيِيرُ مَنسُوخًا، فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ مَعَ الآيَةِ الأُخْرى: (فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بما أنزل) وإنَّما قالَ: " إنَّهم يُحْمَلُونَ عَلى أحْكامِنا إذا رَضُوا بِها إلّا في النِّكاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ والنِّكاحِ في العِدَّةِ " مِن قِبَلِ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ لَنا اعْتِراضٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ التَّراضِي مِنهم بِأحْكامِنا، فَمَتى تَراضَوْا بِها وارْتَفَعُوا إلَيْنا فَإنَّما الواجِبُ إجْراؤُهم عَلى أحْكامِنا في المُسْتَقْبَلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ العِدَّةَ لا تَمْنَعُ بَقاءَ النِّكاحِ في المُسْتَقْبَلِ وإنَّما تَمْنَعُ الِابْتِداءَ لِأنَّ امْرَأةً تَحْتَ زَوْجٍ لَوْ طَرَأتْ عَلَيْها عِدَّةٌ مِن وطْءٍ بِشُبْهَةٍ لَمْ يَمْنَعْ ما وجَبَ مِنَ العِدَّةِ بَقاءَ الحُكْمِ، فَثَبَتَ أنَّ العِدَّةَ إنَّما تَمْنَعُ ابْتِداءَ العَقْدِ ولا تَمْنَعُ البَقاءَ؛ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُما.
(p-٩١)ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ العِدَّةَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى وهم غَيْرُ مُؤاخَذِينَ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى في أحْكامِ الشَّرِيعَةِ، فَإذا لَمْ تَكُنْ عِنْدَهم عِدَّةٌ واجِبَةٌ لَمْ تَكُنْ عَلَيْها عِدَّةٌ، فَجازَ نِكاحُها الثّانِي. ولَيْسَ كَذَلِكَ نِكاحُ ذَواتِ المَحارِمِ؛ إذْ لا يَخْتَلِفُ فِيها حُكْمُ الِابْتِداءِ والبَقاءِ في بابِ بُطْلانِهِ، وأمّا النِّكاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ فَإنَّ الَّذِي هو شَرْطٌ في صِحَّةِ العَقْدِ وُجُودُ الشُّهُودِ في حالِ العَقْدِ، ولا يُحْتاجُ في بَقائِهِ إلى اسْتِصْحابِ الشُّهُودِ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ لَوِ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ أوْ ماتُوا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ في العَقْدِ؛ فَإذا كانَ إنَّما يُحْتاجُ إلى الشُّهُودِ لِلِابْتِداءِ لا لِلْبَقاءِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُمْنَعَ البَقاءُ في المُسْتَقْبَلِ لِأجْلِ عَدَمِ الشُّهُودِ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ النِّكاحَ بِغَيْرِ شُهُودٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الفُقَهاءِ، فَمِنهم مَن يُجِيزُهُ، والِاجْتِهادُ سائِغٌ في جَوازِهِ، ولا يُعْتَرَضُ عَلى المُسْلِمِينَ إذا عَقَدُوهُ ما لَمْ يَخْتَصِمُوا فِيهِ، فَغَيْرُ جائِزٍ فَسْخُهُ إذا عَقَدُوهُ في حالِ الكُفْرِ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ سائِغًا جائِزًا في وقْتِ وُقُوعِهِ، لَوْ أمْضاهُ حاكِمٌ ما بَيْنَ المُسْلِمِينَ جازَ ولَمْ يَجُزْ بَعْدَ ذَلِكَ فَسْخُهُ وإنَّما اعْتَبَرَ أبُو حَنِيفَةَ تَراضِيَهُما جَمِيعًا بِأحْكامِنا مِن قِبَلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ فَشَرَطَ مَجِيئَهم، فَلَمْ يَجُزِ الحُكْمُ عَلى أحَدِهِما بِمَجِيءِ الآخَرِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا رَضِيَ أحَدُهُما بِأحْكامِنا فَقَدْ لَزِمَهُ حُكْمُ الإسْلامِ فَيَصِيرُ بِمَنزِلَتِهِ لَوْ أسْلَمَ فَيُحْمَلُ الآخَرُ مَعَهُ عَلى حُكْمِ الإسْلامِ.
قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ رِضاهُ بِأحْكامِنا لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إيجابًا، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنِ الرِّضا قَبْلَ الحُكْمِ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إيّاهُ وبَعْدَ الإسْلامِ يُمْكِنُهُ الرِّضا بِأحْكامِنا ؟ وأيْضًا إذا لَمْ يَجُزْ أنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ إلّا بَعْدَ الرِّضا بِحُكْمِنا فَمَن لَمْ يَرْضَ بِهِ مُبْقًى عَلى حُكْمِهِ لا يَجُوزُ إلْزامُهُ حُكْمًا لِأجْلِ رِضا غَيْرِهِ. وذَهَبَ مُحَمَّدٌ إلى أنَّ رِضا أحَدِهِما يُلْزِمُ الآخَرَ حُكْمَ الإسْلامِ كَما لَوْ أسْلَمَ. وذَهَبَ أبُو يُوسُفَ إلى ظاهِرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: اللَّهُ أعْلَمُ فِيما تَحاكَمُوا إلَيْكَ فِيهِ؛ فَقِيلَ: إنَّهم تَحاكَمُوا إلَيْهِ في حَدِّ الزّانِيَيْنِ، وقِيلَ: في الدِّيَةِ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَّضِيرِ؛ فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَتَحاكَمُوا إلَيْهِ تَصْدِيقًا مِنهم بِنُبُوَّتِهِ، وإنَّما طَلَبُوا الرُّخْصَةَ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي هم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِحُكْمِكَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ جَحْدِهِمْ بِنُبُوَّتِكَ وعُدُولِهِمْ عَمّا يَعْتَقِدُونَهُ حُكْمًا لِلَّهِ مِمّا في التَّوْراةِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهم حِينَ طَلَبُوا غَيْرَ حُكْمِ اللَّهِ ولَمْ يَرْضَوْا بِهِ فَهم كافِرُونَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ فِيما اخْتَصَمُوا فِيهِ لَمْ يَكُنْ مَنسُوخًا، وأنَّهُ (p-٩٢)صارَ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ شَرِيعَةً لَنا لَمْ يُنْسَخْ؛ لِأنَّهُ لَوْ نُسِخَ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ بَعْدَ النَّسْخِ أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ، كَما لا يُطْلَقُ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَحْلِيلُ الخَمْرِ أوْ تَحْرِيمُ السَّبْتِ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ شَرائِعَ مَن قَبْلَنا مِنَ الأنْبِياءِ لازِمَةٌ لَنا ما لَمْ تُنْسَخْ، وأنَّها حُكْمُ اللَّهِ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ . وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ بِالرَّجْمِ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَصَمُوا إلَيْهِ في حَدِّ الزِّنا. وقالَ قَتادَةُ: فِيها حُكْمُ اللَّهِ بِالقَوَدِ لِأنَّهُمُ اخْتَصَمُوا في ذَلِكَ. وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا تَحاكَمُوا إلَيْهِ فِيهِما جَمِيعًا مِنَ الرَّجْمِ والقَوَدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والسُّدِّيِّ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُرادٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]
قالَ أبُو بَكْرٍ: وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ عَلى الزّانِيَيْنِ مِنهم بِالرَّجْمِ وقالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ مَن أحْيا سُنَّةً أماتُوها» وكانَ ذَلِكَ في حُكْمِ التَّوْراةِ؛ وحَكَمَ فِيهِ بِتَساوِي الدِّياتِ وكانَ ذَلِكَ أيْضًا حُكْمَ التَّوْراةِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ التَّوْراةِ لا بِحُكْمِ مُبْتَدَأِ شَرِيعَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ [المائدة: ٤٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " شُهَداءُ عَلى حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ في التَّوْراةِ " . وقالَ غَيْرُهُ: " شُهَداءُ عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ " .
وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] قالَ فِيهِ السُّدِّيُّ: لا تَخْشَوْهم في كِتْمانِ ما أنْزَلْتَ " . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلى الحُكّامِ ثَلاثًا: أنْ لا يَتَّبِعُوا الهَوى، وأنْ يَخْشَوْهُ ولا يَخْشَوُا النّاسَ، وأنْ لا يَشْتَرُوا بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلا " . ثُمَّ قالَ: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ [ص: ٢٦] الآيَةَ، وقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعانٍ: مِنها الإخْبارُ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ حَكَمَ عَلى اليَهُودِ بِحُكْمِ التَّوْراةِ.
ومِنها: أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ كانَ باقِيًا في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّ مَبْعَثَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُوجِبْ نَسْخَهُ؛ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ كانَ ثابِتًا لَمْ يُنْسَخْ بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ ﷺ . ومِنها إيجابُ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وأنْ لا يَعْدِلَ عَنْهُ ولا يُحابِي فِيهِ مَخافَةَ النّاسِ. ومِنها: تَحْرِيمُ أخْذِ الرُّشا في الأحْكامِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [المائدة: ٤٤] (p-٩٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " هو في الجاحِدِ لِحُكْمِ اللَّهِ " . وقِيلَ: " هي في اليَهُودِ خاصَّةً " . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ وإبْراهِيمُ: " هي عامَّةٌ " يَعْنِي فِيمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ وحَكَمَ بِغَيْرِهِ مُخْبِرًا أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، ومَن فَعَلَ هَذا فَقَدْ كَفَرَ فَمَن جَعَلَها في قَوْمٍ خاصَّةً وهُمُ اليَهُودُ، لَمْ يَجْعَلْ " مَن " بِمَعْنى الشَّرْطِ، وجَعَلَها بِمَعْنى الَّذِي لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ، والمُرادُ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وذَكَرَ قِصَّةَ رَجْمِ اليَهُودِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] الآياتِ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قالَ: " في اليَهُودِ خاصَّةً " وقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] و﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] " في الكُفّارِ كُلِّهِمْ " . وقالَ الحَسَنُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] نَزَلَتْ في اليَهُودِ وهي عَلَيْنا واجِبَةٌ. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: " نَزَلَتْ في اليَهُودِ " . وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ ثُمَّ جَرَتْ فِينا " .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ قالَ: قِيلَ لِحُذَيْفَةَ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] نَزَلَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: " نَعَمْ، الإخْوَةُ لَكم بَنُو إسْرائِيلَ، إنْ كانَتْ لَكم كُلُّ حُلْوَةٍ ولَهم كُلُّ مُرَّةٍ، ولَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهم قَدَّ الشِّراكِ " . قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: " نَزَلَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ ورَضِيَ لَكم بِها " .
ورَوى الثَّوْرِيُّ عَنْ زَكَرِيّا عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ الأُولى لِلْمُسْلِمِينَ والثّانِيَةُ لِلْيَهُودِ والثّالِثَةُ لِلنَّصارى " . وقالَ طاوُسٌ: " لَيْسَ بِكُفْرٍ يُنْقَلُ عَنِ المِلَّةِ " ورَوى طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " لَيْسَ الكُفْرُ الَّذِي يَذْهَبُونَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] "
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ وظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ وفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ " . وقالَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ رَضِيَ اللًّهُ عَنْهُما: " لَيْسَ بِكُفْرِ شِرْكٍ ولا ظُلْمِ شِرْكٍ ولا فِسْقِ شِرْكٍ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مُرادُهُ كُفْرَ الشِّرْكِ والجُحُودِ أوْ كُفْرَ النِّعْمَةِ مِن غَيْرِ جُحُودٍ؛ فَإنْ كانَ المُرادُ جُحُودَ حُكْمِ اللَّهِ أوِ الحُكْمَ بِغَيْرِهِ مَعَ الإخْبارِ بِأنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ، فَهَذا كُفْرٌ يُخْرِجُ عَنِ المِلَّةِ وفاعِلُهُ مُرْتَدٌّ إنْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُسْلِمًا؛ وعَلى هَذا تَأوَّلَهُ مَن قالَ: " إنَّها نَزَلَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ وجَرَتْ فِينا " يَعْنُونَ أنَّ مَن جَحَدَ مِنّا حُكْمَ اللَّهِ أوْ حَكَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ ثُمَّ قالَ إنَّ هَذا حُكْمُ اللَّهِ، فَهو كافِرٌ كَما كَفَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ حِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ كُفْرَ النِّعْمَةِ فَإنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ قَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ عَلَيْها مِن غَيْرِ جُحُودٍ، فَلا يَكُونُ فاعِلُهُ خارِجًا مِنَ المِلَّةِ؛ والأظْهَرُ هو المَعْنى الأوَّلُ لِإطْلاقِهِ اسْمَ الكُفْرِ عَلى مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ. (p-٩٤)وقَدْ تَأوَّلَتِ الخَوارِجُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى تَكْفِيرِ مَن تَرَكَ الحُكْمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن غَيْرِ جُحُودٍ لَها، وأكْفَرُوا بِذَلِكَ كُلَّ مَن عَصى اللَّهَ بِكَبِيرَةٍ أوْ صَغِيرَةٍ، فَأدّاهم ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ بِتَكْفِيرِهِمُ الأنْبِياءَ بِصَغائِرِ ذُنُوبِهِمْ.
المائدة 5:45
فَصْلٌ
وأمّا ما دُونَ النَّفْسِ فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شِبْهُ العَمْدِ مِن جِهَةِ الآلَةِ، ويَجِبُ فِيهِ القِصاصُ بِحَجَرٍ شَجَّهُ أوْ بِحَدِيدٍ، وفِيهِ شِبْهُ العَمْدِ مِن جِهَةِ التَّغْلِيظِ إذا تَعَذَّرَ فِيهِ القِصاصُ؛ وإنَّما لَمْ يَثْبُتْ فِيما دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ العَمْدِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وقالَ: ﴿والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ وُقُوعِها بِحَدِيدٍ أوْ غَيْرِهِ. والأثَرُ إنَّما ورَدَ في إثْباتِ خَطَإ العَمْدِ في القَتْلِ، وذَلِكَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ لا يَجُوزُ إثْباتُهُ إلّا مِن طَرِيقِ التَّوْقِيفِ، ولَمْ يَرِدْ فِيما دُونَ النَّفْسِ تَوْقِيفٌ في شِبْهِ العَمْدِ فِيهِ، وأثْبَتُوا فِيهِ التَّغْلِيظَ إذا لَمْ يُمْكِنْ فِيهِ القِصاصُ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ شِبْهِ العَمْدِ حِينَ كانَ عَمْدًا في الفِعْلِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ نَضَّرَ اللَّهُ وجْهَهُ " أنَّهُ قَضى عَلى قَتادَةَ المُدْلِجِيِّ حِينَ حَذَفَ ابْنَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ مُغَلَّظَةً "؛ حِينَ كانَ عَمْدًا سَقَطَ فِيهِ القِصاصُ، (p-٢٠٥)كَذَلِكَ فِيما دُونَ النَّفْسِ إذا كانَ عَمْدًا قَدْ سَقَطَ فِيهِ القِصاصُ إيجابُ قِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ مُغَلَّظًا؛ ومَعَ ذَلِكَ فَلا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ الفُقَهاءِ في إيجابِ القِصاصِ في الجِراحاتِ الَّتِي يُمْكِنُ القِصاصُ فِيها بِأيِّ شَيْءٍ جَرَحَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنا الخَطَأ وشِبْهَ العَمْدِ وبَيَّنّا العَمْدَ في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ واَللَّهُ أعْلَمُ.
* *
بابُ مَبْلَغِ الدِّيَةِ مِنَ الإبِلِ قَدْ تَواتَرَتِ الآثارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِقْدارِ الدِّيَةِ وأنَّها مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، فَمِنها حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ في القَتِيلِ المَوْجُودِ بِخَيْبَرَ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ وداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ.
ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَقالَ: ألا إنَّ قَتِيلَ خَطَإ العَمْدِ بِالسَّوْطِ والعَصا فِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ أرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِها أوْلادُها» .
وفِي كِتابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وفِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ» .
ورَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ طاوُسٍ قالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ دِيَةَ الخَطَإ مِائَةً مِنَ الإبِلِ» وذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ مُوسى القُمِّيُّ قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قالَ: حَدَّثَنا الفَضْلُ بْنُ سُلَيْمانَ النُّمَيْرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا غالِبُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ قَيْسٍ النُّمَيْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي قُرَّةُ بْنُ دَعْمُوصٍ النُّمَيْرِيُّ قالَ: «أتَيْتُ أنا وعَمِّي النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي عِنْدَ هَذا دِيَةَ أبِي فَمُرْهُ أنْ يُعْطِيَنِيها قالَ: أعْطِهِ دِيَةَ أبِيهِ وكانَ قُتِلَ في الجاهِلِيَّةِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِأُمِّي فِيها حَقٌّ ؟ قالَ: نَعَمْ وكانَتْ دِيَتُهُ مِائَةً مِنَ الإبِلِ» فَقَدْ حَوى هَذا الخَبَرُ أحْكامًا: مِنها أنَّ المُسْلِمَ والكافِرَ في الدِّيَةِ سَواءٌ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ قُتِلَ في الجاهِلِيَّةِ. ومِنها أنَّ المَرْأةَ تَرِثُ مِن دِيَةِ زَوْجِها. ومِنها أنَّ الدِّيَةَ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ السَّلَفِ وفُقَهاءِ الأمْصارِ في ذَلِكَ، واَللَّهُ أعْلَمُ.
* *
بابُ أسْنانِ الإبِلِ في دِيَةِ الخَطَإ
قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، فَرَوى عَلْقَمَةُ والأسْوَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في دِيَةِ الخَطَإ أخْماسًا: " عِشْرُونَ حِقَّةً وعِشْرُونَ جَذَعَةً وعِشْرُونَ بَناتُ مَخاضٍ وعِشْرُونَ بَنُو مَخاضٍ وعِشْرُونَ بَناتُ لَبُونٍ " . وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أخْماسًا أيْضًا.
ورَوى عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ وإبْراهِيمُ عَنْ عَلِيٍّ في دِيَةِ الخَطَإ أرْباعًا خَمْسٌ وعِشْرُونَ حُقَّةً وخَمْسٌ وعِشْرُونَ جَذْعَةً وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بَناتُ مَخاضٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بَناتُ لَبُونٍ أرْبَعَةُ (p-٢٠٦)أسْنانٍ مِثْلُ أسْنانِ الزَّكاةِ " . وقالَ عُثْمانُ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: " في الخَطَإ ثَلاثُونَ بَناتُ لَبُونٍ وثَلاثُونَ جَذَعَةً وعِشْرُونَ بَنُو لَبُونٍ وعِشْرُونَ بَناتُ مَخاضٍ " ورُوِيَ عَنْهُما مَكانُ الجِذاعِ الحِقاقُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ أصْحابُنا ومالِكٌ والشّافِعِيُّ أنَّ دِيَةَ الخَطَإ أخْماسٌ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الأسْنانِ مِن كُلِّ صِنْفٍ، فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا: عِشْرُونَ بَناتُ مَخاضٍ وعِشْرُونَ بَنُو مَخاضٍ وعِشْرُونَ بَناتُ لَبُونٍ وعِشْرُونَ حُقَّةٌ وعِشْرُونَ جَذَعَةٌ " وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " عِشْرُونَ بَناتُ مَخاضٍ وعِشْرُونَ بَنُو لَبُونٍ وعِشْرُونَ بَناتُ لَبُونٍ وعِشْرُونَ حُقَّةٌ وعِشْرُونَ جَذَعَةٌ " .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ داوُدَ بْنِ تَوْبَةَ التَّمّارُ قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النّاقِدُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ بْنُ أرْطاةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ خِشْفِ بْنِ مالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الدِّيَةَ في الخَطَإ أخْماسًا» . واتِّفاقُ الفُقَهاءِ عَلى اسْتِعْمالِ هَذا الخَبَرِ في الأخْماسِ يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ؛ ولَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ كَيْفِيَّةَ الأسْنانِ، فَرَوى مَنصُورٌ عَنْ إبْراهِيمِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ في دِيَةِ الخَطَإ أخْماسًا وذَكَرَ الأسْنانَ مِثْلَ قَوْلِ أصْحابِنا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأخْماسَ الَّتِي رَواها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كانَتْ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَرْوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا ثُمَّ يُخالِفَهُ إلى غَيْرِهِ. فَإنْ قِيلَ: خِشْفُ بْنُ مالِكٍ مَجْهُولٌ. قِيلَ لَهُ اسْتِعْمالُ الفُقَهاءِ لِخَبَرِهِ في إثْباتِ الأخْماسِ يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ واسْتِقامَتِهِ.
وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَ مَن جَعَلَ في الخَطَإ مَكانَ بَنِي لَبُونٍ بَنِي مَخاضٍ أوْلى؛ لِأنَّ بَنِي لَبُونٍ بِمَنزِلَةِ بَناتِ مَخاضٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «فَإنْ لَمْ تُوجَدِ ابْنَةُ مَخاضٍ فابْنُ لَبُونٍ» فَيَصِيرُ بِمَنزِلَةِ مَن أوْجَبَ أرْبَعِينَ بَناتِ مَخاضٍ إذا أوْجَبَ عِشْرِينَ بَنِي لَبُونٍ وعِشْرِينَ بَناتِ مَخاضٍ. وأيْضًا فَإنَّ بَنِي لَبُونٍ فَوْقَ بَنِي مَخاضٍ، ولا يَجُوزُ إثْباتُ زِيادَةِ ما بَيْنَ بَنِي لَبُونٍ وبَناتِ مَخاضٍ إلّا بِتَوْقِيفٍ.
وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ» يَقْتَضِي جَوازَ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَلا تَثْبُتُ الزِّيادَةُ إلّا بِدَلالَةٍ، ومَذْهَبُ أصْحابِنا أقَلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَهو ثابِتٌ. وما زادَ فَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ دَلالَةٌ فَلا يَثْبُتُ. وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ مِثْلُ قَوْلِ أصْحابِنا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في كَيْفِيَّةِ الأسْنانِ ولَمْ يَرْوِ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِمَّنْ قالَ بِالأخْماسِ خِلافَهُ؛ وقَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ لا يُرْوى عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ وإنَّما يُرْوى عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، فَكانَ قَوْلُ أصْحابِنا أوْلى لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى إثْباتِ الأخْماسِ وثُبُوتِ كَيْفِيَّتِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ أصْحابُنا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
فَإنْ قِيلَ إيجابُ (p-٢٠٧)بَنِي لَبُونٍ أوْلى مِن بَنِي مَخاضٍ لِأنَّها تُؤْخَذُ في الزَّكاةِ ولا تُؤْخَذُ بَنُو مَخاضٍ. قِيلَ لَهُ: ابْنُ اللَّبُونِ يُؤْخَذُ في الزَّكاةِ عَلى وجْهِ البَدَلِ، وكَذَلِكَ ابْنُ مَخاضٍ يُؤْخَذُ عِنْدَنا عَلى وجْهِ البَدَلِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُما. وأيْضًا فَإنَّ الدِّياتِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِالزَّكاةِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجِبُ عِنْدَ المُخالِفِ أرْبَعُونَ خَلِفَةً في شِبْهِ العَمْدِ ولا يَجِبُ مِثْلُها في الزَّكاةِ ؟ واَللَّهُ أعْلَمُ.
* *
بابُ أسْنانِ الإبِلِ في شِبْهِ العَمْدِ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في شِبْهِ العَمْدِ أرْباعًا خَمْسٌ وعِشْرُونَ بَناتُ مَخاضٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بَناتُ لَبُونٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ حُقَّةٌ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ جَذَعَةٌ، وهي مِثْلُ أسْنانِ الإبِلِ في الزَّكاةِ " .
ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وأبِي مُوسى والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: " في شِبْهِ العَمْدِ ثَلاثُونَ حُقَّةً وثَلاثُونَ جَذَعَةً وأرْبَعُونَ ما بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إلى بازِلٍ عامُها كُلُّها خَلِفَةٌ " . وعَنْ عُثْمانَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: " ثَلاثُونَ بَناتُ لَبُونٍ وثَلاثُونَ حُقَّةً وأرْبَعُونَ جَذَعَةً خِلْفَةً " .
ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ: " في شِبْهِ العَمْدِ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ حِقَّةً وثَلاثٌ وثَلاثُونَ جَذَعَةً وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ ثَنِيَّةٌ إلى بازِلِ عامِها، كُلُّها خَلِفَةٌ " . واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: " دِيَةُ شِبْهِ العَمْدِ أرْباعٌ " عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وقالَ مُحَمَّدٌ دِيَةُ شِبْهِ العَمْدِ أثْلاثٌ: ثَلاثُونَ حُقَّةً وثَلاثُونَ جَذَعَةً وأرْبَعُونَ ما بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إلى بازِلٍ عامُّها كُلُّها خَلِفَةٌ، والخَلِفَةُ هي الحَوامِلُ " وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ ومَن قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنَ السَّلَفِ.
ورَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: " أنَّ الدِّيَةَ المُغَلَّظَةَ في الرَّجُلِ يَحْذِفُ ابْنَهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْتُلَهُ فَتَكُونُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً ثَلاثُونَ حُقَّةً وثَلاثُونَ جَذَعَةً وأرْبَعُونَ خَلِفَةً وهي حالَّةٌ " قالَ: " والجَدُّ إذا قَتَلَ ولَدَ ولَدِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ فَهو مِثْلُ الأبِ، فَإنْ قَطَعَ يَدَ الوَلَدِ وعاشَ فَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظَةً "؛ وقالَ مالِكٌ: " تُغَلَّظُ عَلى أهْلِ الوَرِقِ والذَّهَبِ أيْضًا، وهو أنْ يَنْظُرَ إلى قِيمَةِ الثَّلاثِينَ مِنَ الحُقَّةِ والثَّلاثِينَ مِنَ الجَذَعَةِ والأرْبَعِينَ مِنَ الخَلِفَةِ فَيَعْرِفُ كَمْ قِيمَتُهُنَّ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلى دِيَةِ الخَطَإ أخْماسًا مِنَ الأسْنانِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخاضٍ وعِشْرِينَ ابْنَ لَبُونٍ وعِشْرِينَ بَناتِ لَبُونٍ وعِشْرِينَ حُقَّةً وعِشْرِينَ جَذَعَةً، ثُمَّ يَنْظُرُ كَمْ فَضَلَ ما بَيْنَ دِيَةِ الخَطَإ والدِّيَةِ المُغَلَّظَةِ فَيُزادُ في الرِّقَّةِ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ " قالَ: " وهو عَلى قَدْرِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في سائِرِ الأزْمانِ، وإنْ صارَتْ دِيَةُ التَّغْلِيظِ ضِعْفَيْ دِيَةِ الخَطَإ زِيدَ عَلَيْهِ مِنَ الوَرِقِ بِقَدْرِ ذَلِكَ " .
وقالَ الثَّوْرِيُّ في دِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ (p-٢٠٨)مِنَ الوَرِقِ: " يُزادُ عَلَيْها بِقَدْرِ ما بَيْنَ دِيَةِ الخَطَإ إلى دِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ في أسْنانِ الإبِلِ " نَحْوُ ما قالَ مالِكٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ دِيَةَ الخَطَإ أخْماسٌ بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وبِما قَدَّمْنا مِنَ الحِجاجِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في شِبْهِ العَمْدِ فَجَعَلَهُ بَعْضُهم أرْباعًا وبَعْضُهم أثْلاثًا، كانَ قَوْلُ مَن قالَ بِالأرْباعِ أوْلى؛ لِأنَّ في الأثْلاثِ زِيادَةَ تَغْلِيظٍ لَمْ تَقُمْ عَلَيْها دَلالَةٌ، وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ» يُوجِبُ جَوازَ الكُلِّ، والتَّغْلِيظُ بِالأرْباعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والزِّيادَةُ عَلَيْها غَيْرُ ثابِتَةٍ، فَظاهِرُ الخَبَرِ يَنْفِيها فَلَمْ نُثْبِتْها.
وأيْضًا فَإنَّ في إثْباتِ الخَلِفاتِ وهي الحَوامِلُ إثْباتَ زِيادَةِ عَدَدٍ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّها تَصِيرُ أكْثَرَ مِن مِائَةٍ لِأجْلِ الأوْلادِ.
فَإنْ قِيلَ: في حَدِيثِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «فِي قَتِيلِ خَطَإ العَمْدِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ أرْبَعُونَ مِنها خَلِفَةٌ في بُطُونِها أوْلادُها» وقَدِ احْتَجَجْتُمْ بِهِ في إثْباتِ شِبْهِ العَمْدِ، فَهَلّا أثْبَتُّمُ الأسْنانَ قِيلَ لَهُ: أثْبَتْنا بِهِ شِبْهَ العَمْدِ لِاسْتِعْمالِ الصَّحابَةِ إيّاهُ في إثْباتِ شِبْهِ العَمْدِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ ثابِتًا لَكانَ مَشْهُورًا، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما اخْتَلَفُوا فِيهِ كَما لَمْ يَخْتَلِفُوا في إثْباتِ شِبْهِ العَمْدِ؛ ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَشْتَمِلَ خَبَرٌ عَلى مَعانِيَ فَيَثْبُتُ بَعْضُها ولا يَثْبُتُ بَعْضٌ إمّا لِأنَّهُ غَيْرُ ثابِتٍ في الأصْلِ أوْ لِأنَّهُ مَنسُوخٌ، وأمّا التَّغْلِيظُ في الوَرِقِ والذَّهَبِ فَإنَّهُ لا يَخْلُو أصْلُ الدِّيَةِ مِن أنْ يَكُونَ واجِبًا مِنَ الإبِلِ وأنَّ الوَرِقَ والذَّهَبَ مَأْخُوذانِ عَنْها عَلى أنَّهُما قِيمَةٌ لَها، أوْ أنْ تَكُونَ الدِّيَةُ في الأصْلِ واجِبَةً في أحَدِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ والإبِلِ، لا عَلى أنَّ بَعْضَها بَدَلٌ مِن بَعْضٍ، فَإنْ كانَتِ الإبِلُ هي الدِّيَةَ وإنَّما تُؤْخَذُ الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ بَدَلًا مِنها؛ فَلا اعْتِبارَ بِما ذَكَرَهُ مالِكٌ مِن إيجابِ فَضْلِ ما بَيْنَ دِيَةِ الخَطَإ إلى الدِّيَةِ المُغَلَّظَةِ، وإنَّما الواجِبُ أنْ يُقالَ إنَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ الإبِلِ عَلى أسْنانِ التَّغْلِيظِ، وكَذَلِكَ دِيَةُ الخَطَإ يَنْبَغِي أنْ تُعْتَبَرَ فِيها قِيمَةُ الإبِلِ عَلى أسْنانِ الخَطَإ وأنْ لا تُعْتَبَرَ الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ في الدِّياتِ مِقْدارًا مَحْدُودًا، فَلا يُقالُ إنَّ الدِّيَةَ مِنَ الدَّراهِمِ عَشَرَةُ آلافٍ ولا اثْنا عَشَرَ ألْفًا ولا مِنَ الذَّهَبِ ألْفُ دِينارٍ، بَلْ يُنْظَرُ في سائِرِ الأزْمانِ إلى قِيمَةِ الإبِلِ فَإنْ كانَتْ سِتَّةَ آلافٍ أوْجَبَ ذَلِكَ مِنَ الدَّراهِمِ بِغَيْرِ زِيادَةٍ، وإنْ كانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا أوْجَبَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ قِيمَتُها مِنَ الدَّنانِيرِ.
فَلَمّا قالَ السَّلَفُ في الدِّيَةِ أحَدُ قَوْلَيْنِ إمّا عَشَرَةُ آلافٍ وإمّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا وقالُوا إنَّها مِنَ الدَّنانِيرِ ألْفُ دِينارٍ، حَصَلَ الِاتِّفاقُ مِنَ الجَمِيعِ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ عَلى هَذِهِ المَقادِيرِ والنُّقْصانَ مِنها غَيْرُ سائِغٍ، وفي ذَلِكَ (p-٢٠٩)دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ هي دِياتٌ بِأنْفُسِها لا بَدَلًا مِن غَيْرِها؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزِ التَّغْلِيظُ فِيها مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ إثْباتَ التَّغْلِيظِ طَرِيقُهُ التَّوْقِيفِ أوِ الِاتِّفاقِ، ولا تَوْقِيفَ في إثْباتِ التَّغْلِيظِ في الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ ولا اتِّفاقَ.
والثّانِي: أنَّ التَّغْلِيظَ في الإبِلِ إنَّما هو مِن جِهَةِ الأسْنانِ لا مِن جِهَةِ زِيادَةِ العَدَدِ؛ وفي إثْباتِ التَّغْلِيظِ مِن جِهَةِ زِيادَةِ الوَزْنِ في الوَرِقِ والذَّهَبِ خُرُوجٌ عَنِ الأُصُولِ.
ووَجْهٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ لَيْسَتْ عَلى وجْهِ القِيمَةِ عَنِ الإبِلِ، وهو أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ القاضِيَ يَقْضِي عَلى العاقِلَةِ إذا كانَتْ مِن أهْلِ الوَرِقِ بِالوَرِقِ، وإذا كانَتْ مِن أهْلِ الذَّهَبِ بِالدَّنانِيرِ؛ فَلَوْ كانَتِ الإبِلُ هي الواجِبَةُ والدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ بَدَلٌ مِنها لَما جازَ أنْ يَقْضِيَ القاضِي فِيها بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ عَلى أنْ تُؤَدِّيَها في ثَلاثِ سِنِينَ؛ لِأنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ، فَلَمّا جازَ ذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّها دِياتٌ بِأنْفُسِها لَيْسَتْ أبْدالًا عَنْ غَيْرِها.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ التَّغْلِيظَ غَيْرُ جائِزٍ في الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ الدِّيَةَ مِنَ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ مِنَ الوَرِقِ ما اخْتَلَفَ عَنْهُ فِيهِ، فَرَوى عَنْهُ أهْلُ المَدِينَةِ: " اثْنا عَشَرَ ألْفًا " ورَوى عَنْهُ أهْلُ العِراقِ " عَشَرَةُ آلافٍ " ولَمْ يُفَرِّقْ في ذَلِكَ في دِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ والخَطَإ وذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِن غَيْرِ خِلافٍ مِن أحَدٍ مِنهم عَلَيْهِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ اعْتِبارَ التَّغْلِيظِ فِيها ساقِطٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الصَّحابَةَ قَدِ اخْتَلَفَتْ في كَيْفِيَّةِ التَّغْلِيظِ في أسْنانِ الإبِلِ لَمّا كانَ التَّغْلِيظُ فِيها واجِبًا، ولَوْ كانَ التَّغْلِيظُ في الوَرِقِ والذَّهَبِ واجِبًا لاخْتَلَفُوا فِيهِ حَسَبَ اخْتِلافِهِمْ في الإبِلِ؛ فَلَمّا لَمْ يُذْكَرْ عَنْهم خِلافٌ في ذَلِكَ وإنَّما رُوِيَ عَنْهم في الذَّهَبِ ألْفُ دِينارٍ وفي الدَّراهِمِ عَشَرَةُ آلافٍ أوِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، ثَبَتَ بِإجْماعِهِمْ عَلى ذَلِكَ نَفْيُ التَّغْلِيظِ في غَيْرِ الإبِلِ.
فَإنْ قِيلَ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الأُصُولِ لَوْ كانَ مِنَ الإبِلِ لَكانَ قَضاءُ القاضِي عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ مِنَ الدَّراهِمِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ دَيْنًا بِدَيْنٍ: إنَّ هَذا كَما يَقُولُونَ فِيمَن تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلى عَبْدٍ وسَطٍ " إنَّهُ إنْ جاءَ بِالقِيمَةِ دَراهِمَ قُبِلَتْ مِنهُ " ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. قِيلَ لَهُ: القاضِي عِنْدَنا لا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالدَّراهِمِ إذا تَزَوَّجَها عَلى عَبْدٍ ولَكِنَّهُ يَقُولُ لَهُ: " إنْ شِئْتَ فَأعْطِها عَبْدًا وسَطًا وإنْ شِئْتَ قِيمَتَهُ دَراهِمَ " فَلَيْسَ فِيما قُلْنا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، والدِّيَةُ يَقْضِي بِها القاضِي عَلى العاقِلَةِ دَراهِمَ ولا يَقْبَلُ مِنهُمُ الإبِلَ إذا قَضى بِذَلِكَ؛ وعَلى أنَّهُ إنَّما تُعْتَبَرُ قِيمَةُ العَبْدِ في وقْتِ ما يُعْطِي قِيمَتَهُ دَراهِمَ، والإبِلُ لا تُعْتَبَرُ قِيمَتُها إذا أرادَ القَضاءَ بِالدَّراهِمِ سَواءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُها أوْ زادَتْ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ الآيَةَ فِيهِ إخْبارٌ عَمّا كَتَبَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ مِنَ القِصاصَ في النَّفْسِ وفي الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ أبُو يُوسُفَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى إيجابِ القِصاصِ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ في النَّفْسِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ شَرائِعَ مَن كانَ قَبْلَنا حُكْمُها ثابِتٌ إلى أنْ يَرِدَ نَسْخُها عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ بِنَصِّ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ في نَسَقِ الآيَةِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ هَذا الحُكْمِ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنَ الأزْمانِ، فَهو ثابِتٌ في كُلِّ الأزْمانِ إلى أنْ يَرِدَ نَسْخُهُ.
والثّانِي: مَعْلُومٌ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا سِمَةَ الظُّلْمِ والفِسْقِ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ لِتَرْكِهِمُ الحُكْمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، إمّا جُحُودًا لَهُ أوْ تَرْكًا لِفِعْلِ ما أوْجَبَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وهَذا يَقْتَضِي وُجُوبَ القِصاصِ في سائِرِ النُّفُوسِ ما لَمْ تَقُمْ دَلالَةُ نَسْخِهِ أوْ تَخْصِيصِهِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ أصْحابِنا في العَيْنِ إذا ضُرِبَتْ فَذَهَبَ ضَوْءُها، ولَيْسَ هو عَلى أنْ تُقْلَعَ عَيْنُهُ؛ هَذا عِنْدَهم لا قِصاصَ فِيهِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفاءِ القِصاصِ في مِثْلِهِ، ألا تَرى أنّا لا نَقِفُ عَلى الحَدِّ الَّذِي يَجِبُ قَلْعُهُ مِنها ؟ فَهو كَمَن قَطَعَ قِطْعَةَ لَحْمٍ مِن فَخِذِ رَجُلٍ أوْ ذِراعِهِ أوْ قَطَعَ بَعْضَ فَخِذِهِ، فَلا يَجِبُ فِيهِ القِصاصُ؛ وإنَّما القِصاصُ عِنْدَهم فِيما قَدْ ذَهَبَ ضَوْءُها وهي قائِمَةٌ أنْ تُشَدَّ عَيْنُهُ الأُخْرى وتُحْمى لَهُ مِرْآةٌ فَتُقَدَّمَ إلى العَيْنِ الَّتِي فِيها القِصاصُ حَتّى يَذْهَبَ ضَوْءُها.
* *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْفَ بِالأنْفِ﴾ فَإنَّ أصْحابَنا قالُوا: إذا قَطَعَهُ مِن أصْلِهِ فَلا قِصاصَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ عَظْمٌ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ القِصاصِ فِيهِ، كَما لَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِن نِصْفِ السّاعِدِ وكَما لَوْ قَطَعَ رِجْلَهُ مِن نِصْفِ الفَخِذِ لا خِلافَ في سُقُوطِ القِصاصِ فِيهِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفاءِ المِثْلِ؛ والقِصاصُ هو أخْذُ المِثْلِ، فَمَتى لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قِصاصًا. وقالُوا: إنَّما يَجِبُ القِصاصُ في الأنْفِ إذا قَطَعَ المارِنَ، وهو ما لانَ مِنهُ ونَزَلَ عَنْ قَصَبَةِ الأنْفِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّ في الأنْفِ إذا اسْتُوعِبَ القِصاصَ، وكَذَلِكَ الذَّكَرُ واللِّسانُ. وقالَ مُحَمَّدٌ: " لا قِصاصَ في الأنْفِ واللِّسانِ والذَّكَرِ إذا اسْتُوعِبَ " .
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ (p-٩٥)فَإنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ القِصاصِ فِيها إذا اسْتُوعِبَتْ لِإمْكانِ اسْتِيفائِهِ، وإذا قَطَعَ بَعْضَها فَإنَّ أصْحابَنا قالُوا: " فِيهِ القِصاصُ إذا كانَ يُسْتَطاعُ ويُعْرَفُ قَدْرُهُ " .
* *
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ فَإنَّ أصْحابَنا قالُوا: لا قِصاصٌ في عَظْمٍ إلّا السِّنَّ، فَإنْ قُلِعَتْ أوْ كُسِرَ بَعْضُها فَفِيها القِصاصُ، لِإمْكانِ اسْتِيفائِهِ، إنْ كانَ الجَمِيعَ فَبِالقَلْعِ كَما يُقْتَصُّ مِنَ اليَدِ مِنَ المَفْصِلِ، وإنْ كانَ البَعْضَ فَإنَّهُ يُبْرَدُ بِمِقْدارِهِ بِالمِبْرَدِ، فَيُمْكِنُ اسْتِيفاءُ القِصاصِ فِيهِ. وأمّا سائِرُ العِظامِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ اسْتِيفاءُ القِصاصِ فِيها لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلى حَدِّهِ؛ وقَدِ اقْتَضى ما نَصَّ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الأعْضاءِ أنْ يُؤْخَذَ الكَبِيرُ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ بِصَغِيرِها، والصَّغِيرُ بِالكَبِيرِ، بَعْدَ أنْ يَكُونَ المَأْخُوذُ مِنهُ مُقابِلًا لِما جُنِيَ عَلَيْهِ لا غَيْرِهِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ يَعْنِي إيجابَ القِصاصِ في سائِرِ الجِراحاتِ الَّتِي يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المِثْلِ فِيها. ودَلَّ بِهِ عَلى نَفْيِ القِصاصِ فِيما لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المِثْلِ فِيهِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ يَقْتَضِي أخْذَ المِثْلِ سَواءً، ومَتى لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ فَلَيْسَ بِقِصاصٍ.
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في أشْياءَ مِن ذَلِكَ، مِنها القِصاصُ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ فِيما دُونَ النَّفْسِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذَلِكَ بَيْنَ العَبِيدِ والأحْرارِ.
ذِكْرُ الخِلافِ في ذَلِكَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: " لا تُؤْخَذُ اليُمْنى بِاليُسْرى لا في العَيْنِ ولا في اليَدِ، ولا تُؤْخَذُ السِّنُّ إلّا بِمِثْلِها مِنَ الجانِي " .
وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ " تُفْقَأُ العَيْنُ اليُمْنى بِاليُسْرى واليُسْرى بِاليُمْنى وكَذَلِكَ اليَدانِ، وتُؤْخَذُ الثَّنِيَّةُ بِالضِّرْسِ والضِّرْسُ بِالثَّنِيَّةِ " . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إذا قَطَعَ أُصْبُعًا مِن كَفٍّ فَلَمْ يَكُنْ لِلْقاطِعِ مِن تِلْكَ الكَفِّ أُصْبُعٌ مِثْلُها قُطِعَ مِمّا يَلِي تِلْكَ الأُصْبُعَ، ولا يُقْطَعُ أُصْبُعُ كَفٍّ بِأُصْبُعِ كَفٍّ أُخْرى، وكَذَلِكَ تُقْلَعُ السِّنُّ الَّتِي تَلِيها إذا لَمْ تَكُنْ لِلْقاطِعِ سِنٌّ مِثْلُها وإنْ بَلَغَ ذَلِكَ الأضْراسَ، وتُفْقَأُ العَيْنُ اليُمْنى بِاليُسْرى إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ يُمْنى، ولا تُقْطَعُ اليَدُ اليُمْنى بِاليُسْرى ولا اليُسْرى بِاليُمْنى " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا خِلافَ أنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ العُضْوُ مِنَ الجانِي باقِيًا، لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ اسْتِيفاءُ القِصاصِ مِن غَيْرِهِ ولا يَعْدُو ما قابَلَهُ مِن عُضْوِ الجانِي إلى غَيْرِهِ مِمّا بِإزائِهِ وإنْ تَراضَيا بِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ اسْتِيفاءُ مِثْلِهِ مِمّا يُقابِلُهُ مِنَ الجانِي، فَغَيْرُ جائِزٍ إذا كانَ كَذَلِكَ أنْ يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ، سَواءٌ كانَ مِثْلُهُ مَوْجُودًا مِنَ الجانِي أوْ مَعْدُومًا، ألا تَرى أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَعْدُوَ اليَدَ إلى الرِّجْلِ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ أنْ تَكُونَ (p-٩٦)يَدُ الجانِي مَوْجُودَةً أوْ مَعْدُومَةً في امْتِناعِ تَعَدِّيهِ إلى الرِّجْلِ ؟ وأيْضًا فَإنَّ القِصاصَ اسْتِيفاءُ المِثْلِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الأعْضاءُ مُماثَلَةً، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَسْتَوْعِبَها ولَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّ اليَدَ الصَّحِيحَةَ لا تُؤْخَذُ بِالشَّلّاءِ وأنَّ الشَّلّاءَ تُؤْخَذُ بِالصَّحِيحَةِ، وذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وفي أخْذِ الصَّحِيحَةِ بِالشَّلّاءِ اسْتِيفاءٌ أكْثَرُ مِمّا قَطَعَ؛ وأمّا أخْذُ الشَّلّاءِ بِالصَّحِيحَةِ فَهو جائِزٌ لِأنَّهُ رَضِيَ بِدُونِ حَقِّهِ.
واخْتُلِفَ في القِصاصِ في العَظْمِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " لا قِصاصَ في عَظْمٍ ما خَلا السِّنَّ " . وقالَ اللَّيْثُ والشّافِعِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ، ولَمْ يَسْتَثْنِيا السِّنَّ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: عِظامُ الجَسَدِ كُلُّها فِيها القَوَدُ إلّا ما كانَ مِنها مُجَوَّفًا مِثْلَ الفَخِذِ وما أشْبَهَهُ فَلا قَوَدَ فِيهِ، ولَيْسَ في الهاشِمَةِ قَوَدٌ وكَذَلِكَ المُنَقِّلَةُ، وفي الذِّراعَيْنِ والعَضُدِ والسّاقَيْنِ والقَدَمَيْنِ والكَعْبَيْنِ والأصابِعِ إذا كُسِرَتْ فَفِيها القِصاصُ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " لَيْسَ في المَأْمُومَةِ قِصاصٌ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا اتَّفَقُوا عَلى نَفْيِ القِصاصِ في عَظْمِ الرَّأْسِ كَذَلِكَ سائِرُ العِظامِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ في العِظامِ. ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: أنَّهُ اقْتَصَّ مِن مَأْمُومَةٍ، فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ المُنْكِرِينَ كانُوا الصَّحابَةَ ولا خِلافَ أيْضًا أنَّهُ لَوْ ضَرَبَ أُذُنَهُ فَيَبِسَتْ أنَّهُ لا يَضْرِبُ أُذُنَهُ حَتّى تَيْبَسَ؛ لِأنَّهُ لا يُوقَفُ عَلى مِقْدارِ جِنايَتِهِ؛ فَكَذَلِكَ العِظامُ. وقَدْ بَيَّنّا وُجُوبَ القِصاصِ في السِّنِّ فِيما تَقَدَّمَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ والحَسَنِ وقَتادَةَ وإبْراهِيمَ رِوايَةً والشَّعْبِيِّ رِوايَةً: " أنَّها كَفّارَةٌ لِوَلِيِّ القَتِيلِ ولِلْمَجْرُوحِ إذا عَفَوا " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ رِوايَةً والشَّعْبِيُّ رِوايَةً: " هو كَفّارَةٌ لِلْجانِي " كَأنَّهم جَعَلُوهُ بِمَنزِلَةِ المُسْتَوْفِي لِحَقِّهِ، ويَكُونُ الجانِي كَأنَّهُ لَمْ يَجْنِ. وهَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ الجانِيَ تابَ مِن جِنايَتِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُصِرًّا عَلَيْهِ فَعُقُوبَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ فِيما ارْتَكَبَ مِن نَهْيِهِ قائِمَةٌ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى راجِعٌ إلى المَذْكُورِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ﴾ فالكَفّارَةُ واقِعَةٌ لِمَن تَصَدَّقَ، ومَعْناهُ كَفّارَةٌ لِذُنُوبِهِ.
المائدة 5:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما لَمْ يُنْسَخْ مِن شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ فَهو ثابِتٌ، عَلى مَعْنى أنَّهُ صارَ شَرِيعَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ: ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ أمْرُهم بِاتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في الإنْجِيلِ إلّا عَلى أنَّهم يَتَّبِعُونَ النَّبِيَّ ﷺ لِأنَّهُ صارَ شَرِيعَةً لَهُ؛ لِأنَّهم لَوِ اسْتَعْمَلُوا ما في الإنْجِيلِ مُخالِفِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ مُتَّبِعِينَ لَهُ لَكانُوا (p-٩٧)كُفّارًا، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِاسْتِعْمالِ أحْكامِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ عَلى مَعْنى أنَّها قَدْ صارَتْ شَرِيعَةً لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: " مُهَيْمِنًا يَعْنِي أمِينًا " وقِيلَ: شاهِدًا، وقِيلَ: حَفِيظًا، وقِيلَ: مُؤْتَمَنًا والمَعْنى فِيهِ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِ، يَنْقُلُ إلَيْنا ما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ؛ لِأنَّ الأمِينَ عَلى الشَّيْءِ مُصَدَّقٌ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ الشّاهِدُ. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ مُؤْتَمَنًا عَلى شَيْءٍ فَهو مَقْبُولُ القَوْلِ فِيهِ، مِن نَحْوِ الوَدائِعِ والعَوارِيِّ والمُضارَباتِ ونَحْوِها؛ لِأنَّهُ حِينَ أنْبَأ عَنْ وُجُوبِ التَّصْدِيقِ بِما أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ عَنِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ سَمّاهُ أمِينًا عَلَيْها، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ الأمِينَ مَقْبُولُ القَوْلِ فِيما اؤْتُمِنَ فِيهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقالَ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَلَمّا جَعَلَهُ أمِينًا فِيهِ وعَظَهُ بِتَرْكِ البَخْسِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومُهَيْمِنًا﴾ [المائدة: ٤٨] فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " هو الكِتابُ، وفِيهِ إخْبارٌ بِأنَّ القُرْآنَ مُهَيْمِنٌ عَلى الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ شاهِدٌ عَلَيْها " . وقالَ مُجاهِدٌ: " أرادَ بِهِ النَّبِيَّ " ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] يَدُلُّ عَلى نَسْخِ التَّخْيِيرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن بَيانِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَرُدُّهم إلى الكَنِيسَةِ أوِ البِيعَةِ لِلِاسْتِحْلافِ، لِما فِيهِ مِن تَعْظِيمِ المَوْضِعِ وهم يَهْوَوْنَ ذَلِكَ؛ وقَدْ نَهى اللَّهُ تَعالى عَنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ. ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَرُدُّهم إلى دِينِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ والِاعْتِدادِ بِأحْكامِهِمْ، ولِأنَّ رَدَّهم إلى أهْلِ دِينِهِمْ إنَّما هو رَدٌّ لَهم لِيَحْكُمُوا فِيهِمْ بِما هو كُفْرٌ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ إذْ كانَ حُكْمُهم بِما يَحْكُمُونَ بِهِ كُفْرًا بِاَللَّهِ وإنْ كانَ مُوافِقًا لَما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِتَرْكِهِ واتِّباعِ شَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] الشِّرْعَةُ والشَّرِيعَةُ واحِدٌ، ومَعْناها الطَّرِيقُ إلى الماءِ الَّذِي فِيهِ الحَياةُ، فَسَمّى الأُمُورَ الَّتِي تُعُبِّدَ اللَّهُ بِها مِن جِهَةِ السَّمْعِ شَرِيعَةً وشِرْعَةً لِإيصالِها العامِلِينَ بِها إلى الحَياةِ الدّائِمَةِ في النَّعِيمِ الباقِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: " سُنَّةً وسَبِيلًا " .
ويُقالُ طَرِيقٌ نَهْجٌ إذا كانَ واضِحًا. قالَ مُجاهِدٌ: " وأرادَ بِقَوْلِهِ: "شِرْعَةً" القُرْآنَ؛ لِأنَّهُ لِجَمِيعِ النّاسِ " وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ شَرِيعَةُ التَّوْراةِ وشَرِيعَةُ الإنْجِيلِ وشَرِيعَةُ القُرْآنِ " . وهَذا يَحْتَجُّ بِهِ مَن نَفى لُزُومَ شَرائِعِ مَن قَبْلَنا إيّانا وإنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُها لِإخْبارِهِ بِأنَّهُ (p-٩٨)جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ شِرْعَةً ومِنهاجًا. ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى ما قالُوا؛ لِأنَّ ما كانَ شَرِيعَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يُنْسَخْ إلى أنْ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ صارَتْ شَرِيعَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وكانَ فِيما سَلَفَ شَرِيعَةً لِغَيْرِهِ؛ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى اخْتِلافِ أحْكامِ الشَّرائِعِ. وأيْضًا فَلا يَخْتَلِفُ أحَدٌ في تَجْوِيزِ أنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِشَرِيعَةٍ مُوافِقَةٍ لِشَرائِعِ مَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلَمْ يَنْفِ قَوْلَهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] أنْ تَكُونَ شَرِيعَةُ النَّبِيِّ ﷺ مُوافِقَةً لِكَثِيرٍ مِن شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ.
وإذا كانَ كَذَلِكَ، فالمُرادُ فِيما نُسِخَ مِن شَرائِعِ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ الأنْبِياءِ وتَعَبَّدَ النَّبِيُّ ﷺ بِغَيْرِها، فَكانَ لِكُلٍّ مِنكم شِرْعَةٌ غَيْرُ شِرْعَةِ الآخَرِ. قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨] قالَ الحَسَنُ: " لَجَعَلَكم عَلى الحَقِّ "، وهَذِهِ مَشِيئَةُ القُدْرَةِ عَلى إجْبارِهِمْ عَلى القَوْلِ بِالحَقِّ، ولَكِنَّهُ لَوْ فَعَلَ لَمْ يَسْتَحِقُّوا ثَوابًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] وقالَ قائِلُونَ: " مَعْناهُ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوَةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ " .
المائدة 5:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ مَعْناهُ الأمْرُ بِالمُبادَرَةِ بِالخَيْراتِ الَّتِي تَعَبَّدْنا بِها قَبْلَ الفَواتِ بِالمَوْتِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الواجِباتِ أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِها، نَحْوُ قَضاءِ رَمَضانَ والحَجِّ والزَّكاةِ وسائِرِ الواجِباتِ لِأنَّها مِنَ الخَيْراتِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ الصَّلاةِ في أوَّلِ الوَقْتِ أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِها؛ لِأنَّها مِنَ الواجِباتِ في أوَّلِ الوَقْتِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَتْ مِنَ الواجِباتِ في أوَّلِ الوَقْتِ، والآيَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلْوُجُوبِ، فَهي فِيما قَدْ وجَبَ وأُلْزِمَ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّوْمَ في السَّفَرِ أفْضَلُ مِنَ الإفْطارِ لِأنَّهُ مِنَ الخَيْراتِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِالمُبادَرَةِ بِالخَيْراتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ لَيْسَ بِتَكْرارٍ لِما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِهِ لِأنَّهُما نَزَلا في شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ:
أحَدُهُما: في شَأْنِ الرَّجْمِ، والآخَرُ: في التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الدِّياتِ حِينَ تَحاكَمُوا إلَيْهِ في الأمْرَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " أرادَ أنَّهم يَفْتِنُونَهُ بِإضْلالِهِمْ إيّاهُ عَمّا أنْزَلَ اللَّهُ إلى ما يَهْوَوْنَ مِنَ الأحْكامِ، إطْماعًا مِنهم لَهُ في الدُّخُولِ في الإسْلامِ " . وقالَ غَيْرُهُ: " إضْلالُهم بِالكَذِبِ عَلى التَّوْراةِ بِما لَيْسَ فِيها فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَهُ " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ ذَكَرَ البَعْضَ والمُرادُ الجَمِيعُ، كَما يَذْكُرُ لَفْظَ العُمُومِ والمُرادُ الخُصُوصُ، وكَما قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ [الطلاق: ١] والمُرادُ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] وفِيهِ أنَّ المُرادَ الإخْبارُ (p-٩٩)عَنْ تَغْلِيظِ العِقابِ في أنَّ بَعْضَ ما يَسْتَحِقُّونَهُ بِهِ يُهْلِكُهم. وقِيلَ: " أرادَ تَعْجِيلَ البَعْضِ بِتَمَرُّدِهِمْ وعُتُوِّهِمْ " . وقالَ الحَسَنُ: " أرادَ ما عَجَّلَهُ مِن إجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ وقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ لِأنَّهم كانُوا إذا وجَبَ الحُكْمُ عَلى ضُعَفائِهِمْ ألْزَمُوهم إيّاهُ، وإذا وجَبَ عَلى أغْنِيائِهِمْ لَمْ يَأْخُذُوهم بِهِ؛ فَقِيلَ لَهم: أفَحُكْمُ عَبَدَةِ الأوْثانِ تَبْغُونَ وأنْتُمْ أهْلُ الكِتابِ وقِيلَ: إنَّهُ أُرِيدَ بِهِ كُلُّ مَن خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ إلى حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ، وهو ما يُقْدِمُ عَلَيْهِ فاعِلُهُ بِجَهالَةٍ مِن غَيْرِ عِلْمٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠] إخْبارٌ عَنْ حُكْمِهِ بِالعَدْلِ والحَقِّ مِن غَيْرِ مُحاباةٍ؛ وجائِزٌ أنْ يُقالَ إنَّ حُكْمًا أحْسَنُ مَن حُكْمٍ كَما لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ نَصًّا وعَرَفَ أنَّ أحَدَهُما أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ كانَ الأفْضَلُ أحْسَنَ. وكَذَلِكَ قَدْ يَحْكُمُ المُجْتَهِدُ بِما غَيْرُهُ أوْلى مِنهُ، لِتَقْصِيرٍ مِنهُ في النَّظَرِ أوْ لِتَقْلِيدِهِ مَن قَصَّرَ فِيهِ.
المائدة 5:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ مَعْناهُ الأمْرُ بِالمُبادَرَةِ بِالخَيْراتِ الَّتِي تَعَبَّدْنا بِها قَبْلَ الفَواتِ بِالمَوْتِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الواجِباتِ أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِها، نَحْوُ قَضاءِ رَمَضانَ والحَجِّ والزَّكاةِ وسائِرِ الواجِباتِ لِأنَّها مِنَ الخَيْراتِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ الصَّلاةِ في أوَّلِ الوَقْتِ أفْضَلُ مِن تَأْخِيرِها؛ لِأنَّها مِنَ الواجِباتِ في أوَّلِ الوَقْتِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَتْ مِنَ الواجِباتِ في أوَّلِ الوَقْتِ، والآيَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلْوُجُوبِ، فَهي فِيما قَدْ وجَبَ وأُلْزِمَ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّوْمَ في السَّفَرِ أفْضَلُ مِنَ الإفْطارِ لِأنَّهُ مِنَ الخَيْراتِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِالمُبادَرَةِ بِالخَيْراتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ لَيْسَ بِتَكْرارٍ لِما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِهِ لِأنَّهُما نَزَلا في شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ:
أحَدُهُما: في شَأْنِ الرَّجْمِ، والآخَرُ: في التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الدِّياتِ حِينَ تَحاكَمُوا إلَيْهِ في الأمْرَيْنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " أرادَ أنَّهم يَفْتِنُونَهُ بِإضْلالِهِمْ إيّاهُ عَمّا أنْزَلَ اللَّهُ إلى ما يَهْوَوْنَ مِنَ الأحْكامِ، إطْماعًا مِنهم لَهُ في الدُّخُولِ في الإسْلامِ " . وقالَ غَيْرُهُ: " إضْلالُهم بِالكَذِبِ عَلى التَّوْراةِ بِما لَيْسَ فِيها فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَهُ " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ ذَكَرَ البَعْضَ والمُرادُ الجَمِيعُ، كَما يَذْكُرُ لَفْظَ العُمُومِ والمُرادُ الخُصُوصُ، وكَما قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ [الطلاق: ١] والمُرادُ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] وفِيهِ أنَّ المُرادَ الإخْبارُ (p-٩٩)عَنْ تَغْلِيظِ العِقابِ في أنَّ بَعْضَ ما يَسْتَحِقُّونَهُ بِهِ يُهْلِكُهم. وقِيلَ: " أرادَ تَعْجِيلَ البَعْضِ بِتَمَرُّدِهِمْ وعُتُوِّهِمْ " . وقالَ الحَسَنُ: " أرادَ ما عَجَّلَهُ مِن إجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ وقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ " . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ لِأنَّهم كانُوا إذا وجَبَ الحُكْمُ عَلى ضُعَفائِهِمْ ألْزَمُوهم إيّاهُ، وإذا وجَبَ عَلى أغْنِيائِهِمْ لَمْ يَأْخُذُوهم بِهِ؛ فَقِيلَ لَهم: أفَحُكْمُ عَبَدَةِ الأوْثانِ تَبْغُونَ وأنْتُمْ أهْلُ الكِتابِ وقِيلَ: إنَّهُ أُرِيدَ بِهِ كُلُّ مَن خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ إلى حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ، وهو ما يُقْدِمُ عَلَيْهِ فاعِلُهُ بِجَهالَةٍ مِن غَيْرِ عِلْمٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠] إخْبارٌ عَنْ حُكْمِهِ بِالعَدْلِ والحَقِّ مِن غَيْرِ مُحاباةٍ؛ وجائِزٌ أنْ يُقالَ إنَّ حُكْمًا أحْسَنُ مَن حُكْمٍ كَما لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ نَصًّا وعَرَفَ أنَّ أحَدَهُما أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ كانَ الأفْضَلُ أحْسَنَ. وكَذَلِكَ قَدْ يَحْكُمُ المُجْتَهِدُ بِما غَيْرُهُ أوْلى مِنهُ، لِتَقْصِيرٍ مِنهُ في النَّظَرِ أوْ لِتَقْلِيدِهِ مَن قَصَّرَ فِيهِ.
المائدة 5:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ لَمّا تَنَصَّحَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ وأشارَ إلَيْهِمْ بِأنَّهُ الذَّبْحُ. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا كانَ بَعْدَ أُحُدٍ خافَ قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، حَتّى قالَ رَجُلٌ: أوْ إلى اليَهُودِ، وقالَ آخَرُ: أوْ إلى النَّصارى؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ عَطِيَّةُ بْنُ سَعْدٍ: " نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، لَمّا تَبَرَّأ عُبادَةُ مِن مُوالاةِ اليَهُودِ وتَمَسَّكَ بِها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وقالَ أخافُ الدَّوائِرَ " . والوَلِيُّ هو النّاصِرُ؛ لِأنَّهُ يَلِي صاحِبَهُ بِالنُّصْرَةِ، ووَلِيُّ الصَّغِيرِ لِأنَّهُ يَتَوَلّى التَّصَرُّفَ عَلَيْهِ بِالحِياطَةِ، ووَلِيُّ المَرْأةِ عَصَبَتُها لِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ عَلَيْها عَقْدَ النِّكاحِ. . وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكافِرَ لا يَكُونُ ولِيًّا لِلْمُسْلِمِ لا في التَّصَرُّفِ ولا في النُّصْرَةِ؛ ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ البَراءَةِ مِنَ الكُفّارِ والعَداوَةِ لَهم؛ لِأنَّ الوِلايَةَ ضِدُّ العَداوَةِ، فَإذا أُمِرْنا بِمُعاداةِ اليَهُودِ والنَّصارى لِكُفْرِهِمْ فَغَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ بِمَنزِلَتِهِمْ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ يَسْتَحِقُّ الوِلايَةَ عَلى النَّصْرانِيِّ في الحالِ الَّتِي كانَ يَسْتَحِقُّها لَوْ كانَ المُوَلّى عَلَيْهِ يَهُودِيًّا، وهو أنْ يَكُونَ صَغِيرًا أوْ مَجْنُونًا وكَذَلِكَ الوِلايَةُ بَيْنَهُما في النِّكاحِ هو عَلى هَذا السَّبِيلِ. ومِن حَيْثُ دَلَّتْ عَلى كَوْنِ بَعْضِهِمْ أوْلِياءَ بَعْضٍ فَهو يَدُلُّ عَلى إيجابِ التَّوارُثِ بَيْنَهُما، وعَلى ما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ الكُفْرِ كُلِّهِ مِلَّةً واحِدَةً وإنِ اخْتَلَفَتْ مَذاهِبُهُ وطُرُقُهُ. وقَدْ دَلَّ عَلى جَوازِ مُناكَحَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، اليَهُودِيِّ لِلنَّصْرانِيَّةِ والنَّصْرانِيِّ لِلْيَهُودِيَّةِ. وهَذا الَّذِي (p-١٠٠)ذَكَرْنا إنَّما هو في أحْكامِهِمْ فِيما بَيْنَهم، وأمّا فِيما بَيْنَهم لا بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُ الكِتابِيِّ وغَيْرِ الكِتابِيِّ في جَوازِ المُناكَحَةِ وأكْلِ الذَّبِيحَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ حُكْمُ نَصارى بَنِي إسْرائِيلَ في أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَوْلُهُ: ﴿مِنكُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ العَرَبَ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ المُسْلِمِينَ لَكانُوا إذا تَوَلَّوُا الكُفّارَ صارُوا مُرْتَدِّينَ، والمُرْتَدُّ إلى النَّصْرانِيَّةِ واليَهُودِيَّةِ لا يَكُونُ مِنهم في شَيْءٍ مِن أحْكامِهِمْ، ألا تَرى أنَّهُ لا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وإنْ كانَتِ امْرَأةً لَمْ يَجُزْ نِكاحُها ولا يَرِثُهم ولا يَرِثُونَهُ ولا يَثْبُتُ بَيْنَهُما شَيْءٌ مِن حُقُوقِ الوِلايَةِ ؟ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يَرِثُ المُرْتَدَّ لِإخْبارِ اللَّهِ أنَّهُ مِمَّنْ تَوَلّاهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ومَعْلُومٌ أنَّ المُسْلِمَ لا يَرِثُ اليَهُودِيَّ ولا النَّصْرانِيَّ، فَكَذَلِكَ لا يَرِثُ المُرْتَدُّ
قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ المُرْتَدَّ إلى اليَهُودِيَّةِ لا يَكُونُ يَهُودِيًّا والمُرْتَدَّ إلى النَّصْرانِيَّةِ لا يَكُونُ نَصْرانِيًّا، ألا تَرى أنَّهُ لا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ ولا يَجُوزُ تَزْوِيجُها إنْ كانَتِ امْرَأةً وأنَّهُ لا يَرِثُ اليَهُودِيُّ ولا يَرِثُهُ ؟ فَكَما لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى إيجابِ التَّوارُثِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ، كَذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يَرِثُهُ، وإنَّما المُرادُ أحَدُ وجْهَيْنِ: إنْ كانَ الخِطابُ لِكُفّارِ العَرَبِ فَهو دالٌّ عَلى أنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ إذا تَهَوَّدُوا أوْ تَنَصَّرُوا كانَ حُكْمُهم حُكْمَهم في جَوازِ المُناكَحَةِ وأكْلِ الذَّبِيحَةِ والإقْرارِ عَلى الكُفْرِ بِالجِزْيَةِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهو إخْبارٌ بِأنَّهُ كافِرٌ مِثْلُهم بِمُوالاتِهِ إيّاهم، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى حُكْمِ المِيراثِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا كانَ ابْتِداءُ الخِطابِ في المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ لَمْ يُحْتَمَلْ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكُمْ﴾ مُشْرِكِي العَرَبِ. قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَ المُخاطَبُونَ بِأوَّلِ الآيَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ هُمُ العَرَبُ، جازَ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكُمْ﴾ العَرَبَ، فَيُفِيدَ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ إذا تَوَلَّوُا اليَهُودَ أوِ النَّصارى بِالدِّيانَةِ والِانْتِسابِ إلى المِلَّةِ يَكُونُونَ في حُكْمِهِمْ وإنْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِجَمِيعِ شَرائِعِ دِينِهِمْ. ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ فِيمَنِ اعْتَقَدَ مِن أهْلِ مِلَّتِنا بَعْضَ المَذاهِبِ المُوجِبَةِ لِإكْفارِ مُعْتَقِدِيها: إنَّ الحُكْمَ بِإكْفارِهِ لا يَمْنَعُ أكْلَ ذَبِيحَتِهِ ومُناكَحَةَ المَرْأةِ مِنهم إذا كانُوا مُنْتَسِبِينَ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ، وإنْ كَفَرُوا بِاعْتِقادِهِمْ لِما يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ المَقالَةِ الفاسِدَةِ؛ إذْ كانُوا في الجُمْلَةِ مُتَوَلِّينَ لِأهْلِ الإسْلامِ مُنْتَسِبِينَ إلى حُكْمِ القُرْآنِ، كَما أنَّ (p-١٠١)مَنِ انْتَحَلَ النَّصْرانِيَّةَ أوِ اليَهُودِيَّةَ كانَ حُكْمُهُ حُكْمَهم وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَسِّكًا بِجَمِيعِ شَرائِعِهِمْ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ وكانَ أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ مِمَّنْ يَذْهَبُ إلى ذَلِكَ.
المائدة 5:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ: " نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَن قاتَلَ مَعَهُ أهْلَ الرِّدَّةِ " . وقالَ السُّدِّيُّ: " هي في الأنْصارِ " . وقالَ مُجاهِدٌ: " في أهْلِ اليَمَنِ " .
ورَوى شُعْبَةُ عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِياضٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ أوْمَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ مَعَهُ إلى أبِي مُوسى، فَقالَ هم قَوْمُ هَذا» . في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنَ العَرَبِ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّما قاتَلَهم أبُو بَكْرٍ وهَؤُلاءِ الصَّحابَةُ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ وأنَّهم يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَهو ولِيُّ اللَّهِ. ولَمْ يُقاتِلِ المُرْتَدِّينَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وأتْباعِهِمْ؛ ولا يَتَهَيَّأُ لِأحَدٍ أنْ يَجْعَلَ الآيَةَ في غَيْرِ المُرْتَدِّينَ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ العَرَبِ ولا في غَيْرِ هَؤُلاءِ الأئِمَّةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَأْتِ بِقَوْمٍ يُقاتِلُونَ المُرْتَدِّينَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ غَيْرِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قاتَلُوا مَعَ أبِي بَكْرٍ. ونَظِيرُ ذَلِكَ أيْضًا في دَلالَتِهِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ [الفتح: ١٦] لِأنَّهُ كانَ الدّاعِي لَهم إلى قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، وأخْبَرَ تَعالى بِوُجُوبِ طاعَتِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفتح: ١٦]
فَإنْ قالَ قائِلٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ هو الَّذِي دَعاهم. قِيلَ لَهُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] فَأخْبَرَ أنَّهم لا يَخْرُجُونَ مَعَهُ أبَدًا ولا يُقاتِلُونَ مَعَهُ عَدُوًّا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ جائِزٌ أنْ يَكُونَ عُمَرُ هو الَّذِي دَعاهم. قِيلَ لَهُ: إنْ كانَ كَذَلِكَ فَإمامَةُ عُمَرَ ثابِتَةٌ بِدَلِيلِ الآيَةِ، وإذا صَحَّتْ إمامَتُهُ صَحَّتْ إمامَةُ أبِي بَكْرٍ لِأنَّهُ هو المُسْتَخْلِفُ لَهُ. .
فَإنْ قِيلَ جائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ هو الَّذِي دَعاهم إلى مُحارَبَةِ مَن حارَبَ. قِيلَ لَهُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّما قاتَلَ أهْلَ البَغْيِ وحارَبَ أهْلَ الكِتابِ عَلى أنْ يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، ولَمْ يُحارِبْ أحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أنْ يُسْلِمُوا غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِ.
المائدة 5:55
(p-١٠٢)بابُ اَلْعَمَلِ اَلْيَسِيرِ في اَلصَّلاةِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وأبِي جَعْفَرٍ وعُتْبَةَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ وهو راكِعٌ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: " هَذِهِ الآيَةُ صِفَةُ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْجَماعَةِ ولَيْسَتْ لِلْواحِدِ " . وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وهم راكِعُونَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنَّهم كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، مِنهم مَن قَدْ أتَمَّ الصَّلاةَ ومِنهم مَن هو راكِعٌ في الصَّلاةِ. وقالَ آخَرُونَ: " مَعْنى ﴿وهم راكِعُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِمْ، وأُفْرِدَ الرُّكُوعُ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ " . وقالَ آخَرُونَ: " مَعْناهُ أنَّهم يُصَلُّونَ بِالنَّوافِلِ كَما يُقالُ فُلانٌ يَرْكَعُ أيْ يَتَنَفَّلُ " . فَإنْ كانَ المُرادُ فِعْلَ الصَّدَقَةِ في حالِ الرُّكُوعِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى إباحَةِ العَمَلِ اليَسِيرِ في الصَّلاةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ في إباحَةِ العَمَلِ اليَسِيرِ فِيها، فَمِنها أنَّهُ خَلَعَ نَعْلَيْهِ في الصَّلاةِ، ومِنها أنَّهُ مَسَّ لِحْيَتَهُ وأنَّهُ أشارَ بِيَدِهِ، ومِنها حَدِيثُ «ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قامَ عَلى يَسارِ النَّبِيِّ ﷺ فَأخَذَ بِذُؤابَتِهِ وأدارَهُ إلى يَمِينِهِ»، ومِنها «أنَّهُ كانَ يُصَلِّي وهو حامِلٌ أُمامَةَ بِنْتَ أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإذا سَجَدَ وضَعَها وإذا رَفَعَ رَأْسَهُ حَمَلَها» . فَدَلالَةُ الآيَةِ ظاهِرَةٌ في إباحَةِ الصَّدَقَةِ في الصَّلاةِ لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ الرُّكُوعَ فَكانَ تَقْدِيرُهُ: " الَّذِينَ يَتَصَدَّقُونَ في حالِ الرُّكُوعِ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى إباحَةِ الصَّدَقَةِ في هَذِهِ الحالِ، وإنْ كانَ المُرادُ وهم يُصَلُّونَ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى إباحَتِها في سائِرِ أحْوالِ الصَّلاةِ؛ فَكَيْفَما تَصَرَّفَتِ الحالُ فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى إباحَةِ الصَّدَقَةِ في الصَّلاةِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فالمُرادُ أنَّهم يَتَصَدَّقُونَ ويُصَلُّونَ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ فِعْلَ الصَّدَقَةِ في الصَّلاةِ. قِيلَ لَهُ: هَذا تَأْوِيلٌ ساقِطٌ، مِن قِبَلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وهم راكِعُونَ﴾ إخْبارٌ عَنِ الحالِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الصَّدَقَةُ، كَقَوْلِكَ: تَكَلَّمَ فُلانٌ وهو قائِمٌ، وأعْطى فُلانًا وهو قاعِدٌ، إنَّما هو إخْبارٌ عَنْ حالِ الفِعْلِ وأيْضًا لَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرْتُ، كانَ تَكْرارًا لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في أوَّلِ الخِطابِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ ويَكُونُ تَقْدِيرُهُ: " الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُصَلُّونَ " وهَذا لا يَجُوزُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَثَبَتَ أنَّ المَعْنى ما ذَكَرْنا مِن مَدْحِ الصَّدَقَةِ في حالِ الرُّكُوعِ أوْ في حالِ الصَّلاةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ تُسَمّى زَكاةً لِأنَّ عَلِيًّا تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ تَطَوُّعًا وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ (p-١٠٣)وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] انْتَظَمَ صَدَقَةَ الفَرْضِ والنَّفَلِ فَصارَ اسْمُ الزَّكاةِ يَتَناوَلُ الفَرْضَ والنَّفَلَ كاسْمِ الصَّدَقَةِ وكاسْمِ الصَّلاةِ يَنْتَظِمُ الأمْرَيْنِ.
المائدة 5:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ (p-١٠٤)آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ الِاسْتِنْصارِ بِالمُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ الأوْلِياءَ هُمُ الأنْصارُ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ حِينَ أرادَ الخُرُوجَ إلى أُحُدٍ جاءَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ وقالُوا: نَحْنُ نَخْرُجُ مَعَكَ، فَقالَ: إنّا لا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ»، وقَدْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ يُقاتِلُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المُشْرِكِينَ. وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُسْلِمٍ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ: حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ: «أنَّ ناسًا مِنَ اليَهُودِ غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَسَمَ لَهم كَما قَسَمَ لِلْمُسْلِمِينَ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أيْضًا ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُد قالَ: حَدَّثَنا مُسَدِّدٌ ويَحْيى بْنُ مَعِينٍ قالا: حَدَّثَنا يَحْيى عَنْ مالِكٍ عَنْ الفَضْلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن نِيارٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَ يَحْيى: «إنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِيُقاتِلَ مَعَهُ فَقالَ: ارْجِعْ ثُمَّ اتَّفَقا فَقالَ: إنّا لا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ» . وقالَ أصْحابُنا: لا بَأْسَ بِالِاسْتِعانَةِ بِالمُشْرِكِينَ عَلى قِتالِ غَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ إذا كانُوا مَتى ظَهَرُوا كانَ حُكْمُ الإسْلامِ هو الظّاهِرُ، فَأمّا إذا كانُوا لَوْ ظَهَرُوا كانَ حُكْمُ الشِّرْكِ هو الغالِبُ فَلا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يُقاتِلُوا مَعَهم. ومُسْتَفِيضٌ في أخْبارِ أهْلِ السِّيَرِ ونَقَلَةِ المَغازِي: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَ يَغْزُو ومَعَهُ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ في بَعْضِ الأوْقاتِ وفي بَعْضِها قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ» . وأمّا وجْهُ الحَدِيثِ الَّذِي قالَ فِيهِ: «إنّا لا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ» فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَثِقْ بِالرَّجُلِ وظَنَّ أنَّهُ عَيْنٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فَرَدَّهُ وقالَ: " إنّا لا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ " يَعْنِي بِهِ مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِ.
المائدة 5:58
بابُ اَلْأذانِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلصَّلاةِ أذانًا يُدْعى بِهِ النّاسُ إلَيْها؛ ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى عَنْ مُعاذٍ قالَ: كانُوا يَجْتَمِعُونَ لِلصَّلاةِ لِوَقْتٍ يَعْرِفُونَهُ ويُؤْذِنُ بَعْضُهم بَعْضًا، حَتّى نَقَسُوا أوْ كادُوا أنْ يَنْقُسُوا، فَجاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ وذَكَرَ الأذانَ، فَقالَ عُمَرُ: قَدْ طافَ بِي الَّذِي طافَ بِهِ ولَكِنَّهُ سَبَقَنِي.
ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ عَلى ما يَجْمَعُهم في الصَّلاةِ، فَقالُوا البُوقُ؛ فَكَرِهَهُ مِن أجْلِ اليَهُودِ وذَكَرَ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وأنَّ عُمَرَ رَأى مِثْلَ ذَلِكَ» . فَلَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّ الأذانَ لَمْ يَكُنْ مَسْنُونًا قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأنَّهُ إنَّما سُنَّ بَعْدَها.
وقَدْ رَوى أبُو يُوسُفَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الهَمْدانِيِّ قالَ: سَألْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ عَنِ الأذانِ كَيْفَ كانَ أوَّلُهُ وما كانَ ؟ فَقالَ: شَأْنُ الأذانِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أُسْرِيَ بِهِ جُمِعَ النَّبِيُّونَ ثُمَّ نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ لَمْ يَنْزِلْ قَبْلَ لَيْلَتِهِ فَأذَّنَ كَأذانِكم وأقامَ كَإقامَتِكم ثُمَّ صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّبِيِّينَ» . قالَ أبُو بَكْرٍ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ كانَ بِمَكَّةَ، وقَدْ صَلّى بِالمَدِينَةِ بِغَيْرِ أذانٍ واسْتَشارَ أصْحابَهُ فِيما يَجْمَعُهم بِهِ لِلصَّلاةِ، ولَوْ كانَتْ تَبْدِئَةُ الأذانِ قَدْ تَقَدَّمَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ لَما اسْتَشارَ فِيهِ وقَدْ ذَكَرَ مُعاذٌ وابْنُ عُمَرَ في قِصَّةِ الأذانِ ما ذَكَرْنا.
* *
والأذانُ مَسْنُونٌ لِكُلِّ صَلاةٍ مَفْرُوضَةٍ مُنْفَرِدًا كانَ المُصَلِّي أوْ في جَماعَةٍ، إلّا أنَّ أصْحابَنا قالُوا جائِزٌ لِلْمُقِيمِ المُنْفَرِدِ أنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ أذانٍ؛ لِأنَّ أذانَ النّاسِ دُعاءٌ لَهُ، فَيَكْتَفِي بِهِ؛ والمُسافِرُ يُؤَذِّنُ ويُقِيمُ، وإنِ اقْتَصَرَ عَلى الإقامَةِ دُونَ الأذانِ أجْزَأهُ، ويُكْرَهُ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ أذانٌ يَكُونُ دُعاءً لَهُ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «مَن صَلّى في أرْضٍ بِأذانٍ وإقامَةٍ صَلّى خَلْفَهُ صَفٌّ مِنَ المَلائِكَةِ لا يُرى طَرَفاهُ» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن سُنَّةِ صَلاةِ المُنْفَرِدِ الأذانَ. وقالَ في خَبَرٍ آخَرَ: «إذا سافَرْتُما فَأذِّنا وأقِيما» وقَدْ ذَكَرْنا الأذانَ والإقامَةَ والِاخْتِلافَ فِيهِما في غَيْرِ هَذا الكِتابِ.
المائدة 5:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ﴾ قِيلَ فِيهِ: إنَّ مَعْناهُ " هَلّا " وهي تَدْخُلُ لِلْماضِي والمُسْتَقْبَلِ، فَإذا كانَتْ لِلْمُسْتَقْبَلِ فَهي في مَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ: " لِمَ لا تَفْعَلُ " وهي هاهُنا لِلْمُسْتَقْبَلِ، يَقُولُ: هَلّا يَنْهاهم ولِمَ لا يَنْهاهم وإذا كانَتْ لِلْماضِي فَهو لِلتَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ١٣] ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] وقِيلَ في الرَّبّانِيِّ: إنَّهُ العالِمُ بِدِينِ الرَّبِّ، فَنُسِبَ إلى الرَّبِّ، كَقَوْلِهِمْ: " رُوحانِيٌّ " في النِّسْبَةِ إلى الرُّوحِ، " وبَحْرانِيٌّ " في النِّسْبَةِ إلى البَحْرِ. وقالَ الحَسَنُ: " الرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ أهْلِ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ عُلَماءُ أهْلِ التَّوْراةِ " . وقالَ غَيْرُهُ: " هو كُلُّهُ في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِهِمْ " . وذَكَرَ لَنا أبُو عُمَرَ غُلامُ ثَعْلَبٍ عَنْ ثَعْلَبٍ قالَ: " الرَّبّانِيُّ العالِمُ العامِلُ " . وقَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ وُجُوبَ إنْكارِ المُنْكَرِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ والِاجْتِهادِ في إزالَتِهِ، لِذَمِّهِ مَن تَرَكَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ أنَّهم (p-١٠٥)وصَفُوهُ بِالبُخْلِ وقالُوا: هو مَقْبُوضُ العَطاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] وقالَ الحَسَنُ: " قالُوا هي مَقْبُوضَةٌ عَنْ عِقابِنا " .
واليَدُ في اللُّغَةِ تَنْصَرِفُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها الجارِحَةُ وهي مَعْرُوفَةٌ. ومِنها النِّعْمَةُ، تَقُولُ: لِفُلانٍ عِنْدِي يَدٌ أشْكُرُهُ عَلَيْها، أيْ نِعْمَةٌ ومِنها القُوَّةُ. فَقَوْلُهُ ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ [ص: ٤٥] فَسَّرُوهُ بِأُولِي القُوى؛ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَحَمَّلْتُ مِن ذَلْفاءَ ما لَيْسَ لِي بِهِ ولا لِلْجِبالِ الرّاسِياتِ يَدانِ
ومِنها المِلْكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَعْنِي يَمْلِكُها. ومِنها الِاخْتِصاصُ بِالفِعْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] أيْ تَوَلَّيْتُ خَلْقَهُ. ومِنها التَّصَرُّفُ، كَقَوْلِكَ: " هَذِهِ الدّارُ في يَدِ فُلانٍ " يَعْنِي التَّصَرُّفَ فِيها بِالسُّكْنى أوِ الإسْكانِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ يَداهُ﴾ [المائدة: ٦٤] عَلى وجْهِ التَّثْنِيَةِ؛ لِأنَّهُ أرادَ نِعْمَتَيْنِ: إحْداهُما نِعْمَةُ الدُّنْيا، والأُخْرى نِعْمَةُ الدِّينِ.
والثّانِي: قُوَّتاهُ بِالثَّوابِ والعِقابِ، عَلى خِلافِ قَوْلِ اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى عِقابِنا. وقِيلَ: إنَّ التَّثْنِيَةَ لِلْمُبالَغَةِ في صِفَةِ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِكَ: " لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ " . وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] يَعْنِي في جَهَنَّمَ؛ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ
المائدة 5:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ فِيهِ إخْبارٌ بِغَلَبَةِ المُسْلِمِينَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِهِ عَنِ الغَيْبِ مَعَ كَثْرَةِ اليَهُودِ وشِدَّةِ شَوْكَتِهِمْ؛ وقَدْ كانَ مَن حَوْلَ المَدِينَةِ مِنهم تُقاوِمُ العَرَبَ في الحُرُوبِ الَّتِي كانَتْ تَكُونُ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِظُهُورِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مُخْبَرُهُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَأجْلى النَّبِيُّ ﷺ بَنِي قَيْنُقاعَ وبَنِي النَّضِيرِ وقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ وفَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً وانْقادَتْ لَهُ سائِرُ اليَهُودِ صاغِرِينَ حَتّى لَمْ تَبْقَ مِنهم فِئَةٌ تُقاتِلُ المُسْلِمِينَ.
وإنَّما ذِكْرُ النّارِ هاهُنا عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِلْحَرْبِ والتَّأهُّبِ لَها، عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ في إطْلاقِ اسْمِ النّارِ في هَذا المَوْضِعِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ قِيلَ: لِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: لا تَراءى ناراهُما»؛ وإنَّما عَنى بِها نارَ الحَرْبِ، يَعْنِي أنَّ حَرْبَ المُشْرِكِينَ لِلشَّيْطانِ وحَرْبَ المُسْلِمِينَ لِلَّهِ تَعالى فَلا يَتَّفِقانِ. وقِيلَ: إنَّ الأصْلَ في العِبارَةِ بِاسْمِ النّارِ عَنِ الحَرْبِ، أنَّ القَبِيلَةَ الكَبِيرَةَ مِنَ العَرَبِ كانَتْ إذا أرادَتْ حَرْبَ أُخْرى مِنها أوْقَدَتِ النِّيرانَ عَلى رُءُوسِ الجِبالِ والمَواضِعِ المُرْتَفِعَةِ الَّتِي تَعُمُّ القَبِيلَةَ رُؤْيَتُها، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم قَدْ نُدِبُوا إلى (p-١٠٦)الِاسْتِعْدادِ لِلْحَرْبِ والتَّأهُّبِ لَها فاسْتَعَدُّوا وتَأهَّبُوا، فَصارَ اسْمُ النّارِ في هَذا المَوْضِعِ مُفِيدًا لِلتَّأهُّبِ لِلْحَرْبِ. وقَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ القَبائِلَ كانَتْ إذا رَأتِ التَّحالُفَ عَلى التَّناصُرِ عَلى غَيْرِهِمْ والجِدَّ في حَرْبِهِمْ وقِتالِهِمْ، أوْقَدُوا نارًا عَظِيمَةً ثُمَّ قَرُبُوا مِنها وتَحالَفُوا بِحِرْمانِ مَنافِعِها إنْ هم غَدَرُوا أوْ نَكَلُوا عَنِ الحَرْبِ؛ وقالالأعْشى:
؎وأوْقَدْتُ لِلْحَرْبِ نارًا
المائدة 5:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ فِيهِ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِتَبْلِيغِ النّاسِ جَمِيعًا ما أرْسَلَهُ بِهِ إلَيْهِمْ مِن كِتابِهِ وأحْكامِهِ، وأنْ لا يَكْتُمَ مِنهُ شَيْئًا خَوْفًا مِن أحَدٍ ولا مُداراةً لَهُ، وأُخْبِرَ أنَّهُ إنْ تَرَكَ تَبْلِيغَ شَيْءٍ مِنهُ فَهو كَمَن لَمْ يُبَلِّغْ شَيْئًا، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ فَلا يَسْتَحِقُّ مَنزِلَةَ الأنْبِياءِ القائِمِينَ بِأداءِ الرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ الأحْكامِ.
وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنَ النّاسِ حَتّى لا يَصِلُوا إلى قَتْلِهِ ولا قَهْرِهِ ولا أسْرِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وفي ذَلِكَ إخْبارُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَقِيَّةً مِن إبْلاغِ جَمِيعِ ما أُرْسِلَ بِهِ إلى جَمِيعِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الرّافِضَةِ في دَعْواهم أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَمَ بَعْضَ المَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ الخَوْفِ والتَّقِيَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهُ بِالتَّبْلِيغِ، وأخْبَرَ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ تَقِيَّةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما كانَ مِنَ الأحْكامِ بِالنّاسِ إلَيْهِ حاجَةٌ عامَّةٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بَلَّغَهُ الكافَّةَ وأنَّ وُرُودَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن طَرِيقِ التَّواتُرِ، نَحْوُ الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ ومِن مَسِّ المَرْأةِ ومِمّا مَسَّتْهُ النّارُ ونَحْوُها، لِعُمُومِ البَلْوى بِها؛ فَإذا لَمْ نَجِدْ ما كانَ مِنها بِهَذِهِ المَنزِلَةِ وارِدًا مِن طَرِيقِ التَّواتُرِ عَلِمْنا أنَّ الخَبَرَ غَيْرُ ثابِتٍ في الأصْلِ، أوْ تَأْوِيلُهُ ومَعْناهُ غَيْرُ ما اقْتَضاهُ ظاهِرُهُ مِن نَحْوِ الوُضُوءِ الَّذِي هو غَسْلُ اليَدِ دُونَ وُضُوءِ الحَدَثِ.
وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ إذْ كانَ مِن أخْبارِ الغُيُوبِ الَّتِي وُجِدَ مُخْبَرُها عَلى ما أخْبَرَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ أحَدٌ بِقَتْلٍ ولا قَهْرٍ ولا أسْرٍ مَعَ كَثْرَةِ أعْدائِهِ المُحارَبِينَ لَهُ مُصالَتَةً والقَصْدِ لِاغْتِيالِهِ مُخادَعَةً، نَحْوُ ما فَعَلَهُ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وأرْبِدُ فَلَمْ يَصِلا إلَيْهِ؛ ونَحْوُ ما قَصَدَهُ بِهِ عُمَيْرُ بْنُ وهْبٍ الجُمَحِيُّ بِمُواطَأةٍ مِن صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَيْرَ بْنَ وهْبٍ بِما تَواطَأ هو وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ عَلَيْهِ وهُما في الحَجَرِ مِنَ اغْتِيالِهِ، فَأسْلَمَ عُمَيْرٌ وعَلِمَ أنَّ مِثْلَهُ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ (p-١٠٧)لَما أخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ النّاسَ ولا ادَّعى أنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ القَتْلِ والقَهْرِ مِن أعْدائِهِ وهو لا يَأْمَنُ أنْ يُوجَدَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ ما أخْبَرَ بِهِ فَيَظْهَرَ كَذِبُهُ مَعَ غِناهُ عَنِ الإخْبارِ بِمِثْلِهِ.
وأيْضًا لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَما اتَّفَقَ في جَمِيعِها وُجُودُ مُخْبَراتِها عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، إذْ لا يَتَّفِقُ مِثْلُها في أخْبارِ النّاسِ إذا أُخْبِرُوا عَمّا يَكُونُ عَلى جِهَةِ الحَدْسِ والتَّخْمِينِ وتَعاطِي عِلْمِ النُّجُومِ والرِّزْقِ والفَأْلِ ونَحْوِها، فَلَمّا اتَّفَقَ جَمِيعُ ما أخْبَرَ بِهِ عَنْهُ مِنَ الكائِناتِ في المُسْتَأْنَفِ عَلى ما أُخْبِرَ بِهِ ولا تَخَلَّفَ شَيْءٌ مِنها، عَلِمْنا أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ العالِمِ بِما كانَ وما يَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ.
المائدة 5:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ أمْرٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِالعَمَلِ بِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ إقامَتَهُما هو العَمَلُ بِهِما وبِما في القُرْآنِ أيْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ حَقِيقَتُهُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، فَكانَ خِطابًا لَهم، وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا لَأنْ يَكُونَ المُرادُ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى آبائِهِمْ في زَمانِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ مُقْتَضاهُ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ حَتّى تَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ. وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ شَرائِعَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ ما لَمْ يُنْسَخْ مِنها قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ فَهو ثابِتُ الحُكْمِ مَأْمُورٌ بِهِ وأنَّهُ قَدْ صارَ شَرِيعَةً لِنَبِيِّنا ﷺ لَوْلا ذَلِكَ لَما أُمِرُوا بِالثَّباتِ عَلَيْهِ والعَمَلِ بِهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: مَعْلُومٌ نَسْخُ كَثِيرٍ مِن شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلى لِسانٍ نَبِيِّنا ﷺ فَجائِزٌ إذا كانَ هَذا هَكَذا أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ نَسْخِ كَثِيرٍ مِنها، ويَكُونَ مَعْناها الأمْرُ بِالإيمانِ عَلى ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ومَبْعَثِهِ وبِما في القُرْآنِ مِنَ الدَّلالَةِ المُعْجِزَةِ المُوجِبَةِ لِصِدْقِهِ، وإذا احْتَمَلَتِ الآيَةُ ذَلِكَ لَمْ تَدُلَّ عَلى بَقاءِ شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ. قِيلَ لَهُ: لا تَخْلُو هَذِهِ الآيَةُ مِن أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ قَبْلَ نَسْخِ شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ فَيَكُونَ فِيها أمْرٌ بِاسْتِعْمالِها وإخْبارٌ بِبَقاءِ حُكْمِها، أوْ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ بَعْدَ نَسْخِ كَثِيرٍ مِنها؛ فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَإنَّ حُكْمَها ثابِتٌ فِيما لَمْ يُنْسَخْ مِنها، كاسْتِعْمالِ حُكْمِ العُمُومِ فِيما لَمْ تَقُمْ دَلالَةُ خُصُوصِهِ واسْتِعْمالِها فِيما لا يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ مَن وصْفِ النَّبِيِّ ﷺ ومُوجِباتِ أحْكامِ العُقُولِ فَلَمْ تَخْلُ الآيَةُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بَقاءِ حُكْمِ ما لَمْ يُنْسَخْ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَنا وأنَّهُ قَدْ صارَ شَرِيعَةً لِنَبِيِّنا ﷺ .
المائدة 5:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ فِيهِ أوْضَحُ الدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّصارى (p-١٠٨)فِي أنَّ المَسِيحَ إلَهٌ؛ لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى الطَّعامِ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ سائِرِ العِبادِ في الحاجَةِ إلى الصّانِعِ المُدَبِّرِ؛ إذْ كانَ مَن فِيهِ سِمَةُ الحَدَثِ لا يَكُونُ قَدِيمًا، ومَن يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ لا يَكُونُ قادِرًا لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقَدْ قِيلَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن يَأْكُلُ الطَّعامَ فَهو مُحْتاجٌ إلى الحَدَثِ لا مَحالَةَ.
وهَذا وإنْ كانَ كَذَلِكَ في العادَةِ فَإنَّ الحاجَةَ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ وما يَحْتاجُ المُحْتاجُ إلَيْهِما مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى حَدَثِ المُحْتاجِ إلَيْهِما وعَلى أنَّ الحَوادِثَ تَتَعاقَبُ عَلَيْهِ، وأنَّ ذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَهُ إلَهًا وقَدِيمًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ: " لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ فَصارُوا قِرَدَةً وعَلى لِسانِ عِيسى فَصارُوا خَنازِيرَ " . وقِيلَ: إنَّ فائِدَةَ لَعْنِهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ إعْلامُهُمُ الإياسَ مِنَ المَغْفِرَةِ مَعَ الإقامَةِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي؛ لِأنَّ دُعاءَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِاللَّعْنِ والعُقُوبَةِ مُسْتَجابٌ. وقِيلَ: إنَّما ظَهَرَ لَعْنُهم عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ لِئَلّا يُوهِمُوا النّاسَ أنَّ لَهم مَنزِلَةً بِوِلادَةِ الأنْبِياءِ تُنَجِّيهِمْ مِن عِقابِ المَعاصِي.
المائدة 5:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ مَعْناهُ لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ المُنْكَرِ؛ وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيُّ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ راشِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِ، ثُمَّ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ فاسِقُونَ ثُمَّ قالَ: كَلًّا واَللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدَيِ الظّالِمِ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا ولَتَقْصُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ قَصْرًا» .
وقالَ أبُو داوُدَ: وحَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ هِشامٍ: حَدَّثَنا أبُو شِهابٍ الحَنّاطِ، عَنِ العَلاءِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، زادَ: «ولَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكم كَما لَعَنَهم» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ ما ذَكَرْنا مِنَ الخَبَرِ في تَأْوِيلِها دَلالَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَةِ المُظْهِرِينَ لِلْمُنْكَرِ، وأنَّهُ لا يُكْتَفى مِنهم بِالنَّهْيِ دُونَ الهِجْرانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ أنَّ الضَّمِيرَ في " مِنهم " راجِعٌ إلى اليَهُودِ؛ وقالَ آخَرُونَ: هو راجِعٌ (p-١٠٩)إلى أهْلِ الكِتابِ، واَلَّذِينَ كَفَرُوا هم عَبَدَةُ الأوْثانِ تَوَلّاهم أهْلُ الكِتابِ عَلى مُعاداةِ النَّبِيِّ ﷺ ومُحارَبَتِهِ.
المائدة 5:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ مَعْناهُ لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ المُنْكَرِ؛ وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيُّ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ راشِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِ، ثُمَّ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ فاسِقُونَ ثُمَّ قالَ: كَلًّا واَللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدَيِ الظّالِمِ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا ولَتَقْصُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ قَصْرًا» .
وقالَ أبُو داوُدَ: وحَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ هِشامٍ: حَدَّثَنا أبُو شِهابٍ الحَنّاطِ، عَنِ العَلاءِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، زادَ: «ولَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكم كَما لَعَنَهم» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ ما ذَكَرْنا مِنَ الخَبَرِ في تَأْوِيلِها دَلالَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَةِ المُظْهِرِينَ لِلْمُنْكَرِ، وأنَّهُ لا يُكْتَفى مِنهم بِالنَّهْيِ دُونَ الهِجْرانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ أنَّ الضَّمِيرَ في " مِنهم " راجِعٌ إلى اليَهُودِ؛ وقالَ آخَرُونَ: هو راجِعٌ (p-١٠٩)إلى أهْلِ الكِتابِ، واَلَّذِينَ كَفَرُوا هم عَبَدَةُ الأوْثانِ تَوَلّاهم أهْلُ الكِتابِ عَلى مُعاداةِ النَّبِيِّ ﷺ ومُحارَبَتِهِ.
المائدة 5:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ في المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، أخْبَرَ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وبِالنَّبِيِّ وإنْ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ. وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالنَّبِيِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِهِ؛ إذْ كانُوا يَتَوَلَّوْنَ المُشْرِكِينَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ والسُّدِّيُّ: " نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ لَمّا أسْلَمُوا " . وقالَ قَتادَةُ: " قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى الحَقِّ مُتَمَسِّكِينَ بِشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ آمَنُوا بِهِ " . ومِنَ الجُهّالِ مَن يَظُنُّ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَدْحًا لِلنَّصارى وإخْبارًا بِأنَّهم خَيْرٌ مِنَ اليَهُودِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاَللَّهِ وبِالرَّسُولِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ مِن إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ بِاَللَّهِ وبِالرَّسُولِ.
ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي فِطْنَةٍ صَحِيحَةٍ أمْعَنَ النَّظَرَ في مَقالَتَيْ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ أنَّ مَقالَةَ النَّصارى أقْبَحُ وأشَدُّ اسْتِحالَةً وأظْهَرُ فَسادًا مِن مَقالَةِ اليَهُودِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ تُقِرُّ بِالتَّوْحِيدِ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ فِيها مُشَبِّهَةٌ تُنْقِصُ ما أعْطَتْهُ في الجُمْلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِالتَّشْبِيهِ.
المائدة 5:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ في المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، أخْبَرَ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وبِالنَّبِيِّ وإنْ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ. وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالنَّبِيِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِهِ؛ إذْ كانُوا يَتَوَلَّوْنَ المُشْرِكِينَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ والسُّدِّيُّ: " نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ لَمّا أسْلَمُوا " . وقالَ قَتادَةُ: " قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى الحَقِّ مُتَمَسِّكِينَ بِشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ آمَنُوا بِهِ " . ومِنَ الجُهّالِ مَن يَظُنُّ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَدْحًا لِلنَّصارى وإخْبارًا بِأنَّهم خَيْرٌ مِنَ اليَهُودِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ إنَّما هو صِفَةُ قَوْمٍ قَدْ آمَنُوا بِاَللَّهِ وبِالرَّسُولِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ مِن إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ بِاَللَّهِ وبِالرَّسُولِ.
ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي فِطْنَةٍ صَحِيحَةٍ أمْعَنَ النَّظَرَ في مَقالَتَيْ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ أنَّ مَقالَةَ النَّصارى أقْبَحُ وأشَدُّ اسْتِحالَةً وأظْهَرُ فَسادًا مِن مَقالَةِ اليَهُودِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ تُقِرُّ بِالتَّوْحِيدِ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ فِيها مُشَبِّهَةٌ تُنْقِصُ ما أعْطَتْهُ في الجُمْلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِالتَّشْبِيهِ.
المائدة 5:87
بابُ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ والطَّيِّباتُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى ما يُسْتَلَذُّ ويُشْتَهى ويَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ، ويَقَعُ عَلى الحَلالِ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مُرادُ الآيَةِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِما، فَيَكُونَ تَحْرِيمُ الحَلالِ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ: " قَدْ حَرَّمْتُ هَذا الطَّعامَ عَلى نَفْسِي " فَلا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ إنْ أكَلَ مِنهُ.
والثّانِي: أنْ يَغْصِبَ طَعامَ غَيْرِهِ فَيَخْلِطَهُ بِطَعامِهِ فَيُحَرِّمَهُ عَلى نَفْسِهِ حَتّى يَغْرَمَ لِصاحِبِهِ مِثْلَهُ.
رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إذا أكَلْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ فَحَرَّمْتُهُ عَلى نَفْسِي فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾» الآيَةَ.
ورَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَمُّوا بِتَرْكِ اللَّحْمِ والنِّساءِ والِاخْتِصاءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «لَيْسَ في دِينِي تَرْكُ (p-١١٠)النِّساءِ ولا اللَّحْمِ ولا اتِّخاذُ الصَّوامِعِ» .
ورَوى مَسْرُوقٌ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، فَأُتِيَ بِضَرْعٍ، فَتَنَحّى رَجُلٌ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُهْ فَكُلْ فَقالَ: إنِّي كُنْتُ حَرَّمْتُ الضَّرْعَ؛ فَتَلا عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كُلْ وكَفِّرْ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ مارِيَةَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ حَرَّمَ العَسَلَ عَلى نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ. وكَذَلِكَ قالَ أكْثَرُ أهْلِ العَلَمِ فِيمَن حَرَّمَ طَعامًا أوْ جارِيَةً عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ إنْ أكَلَ مِنَ الطَّعامِ حَنِثَ، وكَذَلِكَ إنْ وطِئَ الجارِيَةَ لَزِمَتْهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ.
وفَرَّقَ أصْحابُنا بَيْنَ مَن قالَ: " واَللَّهِ لا آكُلُ هَذا الطَّعامَ " وبَيْنَ قَوْلِهِ: " حَرَّمْتُهُ عَلى نَفْسِي " فَقالُوا في التَّحْرِيمِ: إنْ أكَلَ الجُزْءَ مِنهُ حَنِثَ، وفي اليَمِينِ لا يَحْنَثُ إلّا بِأكْلِ الجَمِيعِ؛ وجَعَلُوا تَحْرِيمَهُ إيّاهُ عَلى نَفْسِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: " واَللَّهِ لا أكَلْتُ مِنهُ شَيْئًا "؛ إذْ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضى لَفْظِ التَّحْرِيمِ في سائِرِ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] اقْتَضى اللَّفْظُ تَحْرِيمَ كُلِّ جُزْءٍ مِنهُ، فَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الإنْسانِ طَعامًا يَقْتَضِي إيجابَ اليَمِينِ في أكْلِ الجُزْءِ مِنهُ. وأمّا اليَمِينُ بِاَللَّهِ في نَفْيِ أكْلِ هَذا الطَّعامِ فَإنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى الأيْمانِ المُنْتَظِمَةِ لِلشُّرُوطِ والجَوابِ، كَقَوْلِ القائِلِ: " إنْ أكَلْتَ هَذا الطَّعامَ فَعَبْدِي حَرٌّ " فَلا يَحْنَثُ بِأكْلِ البَعْضِ مِنهُ حَتّى يَسْتَوْفِيَ أكْلَ الجَمِيعِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] فَرُوِيَ أنَّ إسْرائِيلَ أخَذَهُ عِرْقُ النَّسا، فَحَرَّمَ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْهِ وهو لُحُومُ الإبِلِ إنْ عافاهُ اللَّهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَحْرِيمًا صَحِيحًا حاظِرًا لِما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ. قِيلَ لَهُ: هو مَنسُوخٌ بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُمْتَنِعِينَ مِن أكْلِ اللُّحُومِ والأطْعِمَةِ اللَّذِيذَةِ تَزَهُّدًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَهى عَنْ تَحْرِيمِها وأخْبَرَ بِإباحَتِها في قَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا فَضِيلَةَ في الِامْتِناعِ مِن أكْلِها. وقَدْ رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ أنَّهُ «رَأى النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ لَحْمَ الدَّجاجِ» . ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ والبِطِّيخَ. ورَوى غالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أرادَ أنْ يَأْكُلَ الدَّجاجَةَ حَبَسَها ثَلاثَةَ أيّامٍ فَعَلَفَها ثُمَّ أكَلَها» .
ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ طاوُسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: " كُلْ ما شِئْتَ واكْتَسِ ما أخْطَأْتَ اثْنَتَيْنِ سَرَفًا أوْ مَخِيلَةً " . وقَدْ رُوِيَ أنَّ عُثْمانَ وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ والحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أوْفى وعِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ وأنَسَ (p-١١١)بْنَ مالِكٍ وأبا هُرَيْرَةَ وشُرَيْحًا كانُوا يَلْبَسُونَ الخَزَّ. ويَدُلُّ عَلى نَحْوِ دَلالَةِ الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في أكْلِ إباحَةِ الطَّيِّباتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وقَوْلُهُ عَقِيبَ ذِكْرِهِ لِما خَلَقَ مِنَ الفَواكِهِ: ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]
* *
ويُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في تَحْرِيمِ إيقاعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ لِما فِيهِ مِن تَحْرِيمِ المُباحِ مِنَ المَرْأةِ.
المائدة 5:88
بابُ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ والطَّيِّباتُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى ما يُسْتَلَذُّ ويُشْتَهى ويَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ، ويَقَعُ عَلى الحَلالِ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مُرادُ الآيَةِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِما، فَيَكُونَ تَحْرِيمُ الحَلالِ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ: " قَدْ حَرَّمْتُ هَذا الطَّعامَ عَلى نَفْسِي " فَلا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ إنْ أكَلَ مِنهُ.
والثّانِي: أنْ يَغْصِبَ طَعامَ غَيْرِهِ فَيَخْلِطَهُ بِطَعامِهِ فَيُحَرِّمَهُ عَلى نَفْسِهِ حَتّى يَغْرَمَ لِصاحِبِهِ مِثْلَهُ.
رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إذا أكَلْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ فَحَرَّمْتُهُ عَلى نَفْسِي فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾» الآيَةَ.
ورَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَمُّوا بِتَرْكِ اللَّحْمِ والنِّساءِ والِاخْتِصاءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «لَيْسَ في دِينِي تَرْكُ (p-١١٠)النِّساءِ ولا اللَّحْمِ ولا اتِّخاذُ الصَّوامِعِ» .
ورَوى مَسْرُوقٌ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، فَأُتِيَ بِضَرْعٍ، فَتَنَحّى رَجُلٌ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُهْ فَكُلْ فَقالَ: إنِّي كُنْتُ حَرَّمْتُ الضَّرْعَ؛ فَتَلا عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كُلْ وكَفِّرْ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ مارِيَةَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ حَرَّمَ العَسَلَ عَلى نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وأمَرَهُ بِالكَفّارَةِ. وكَذَلِكَ قالَ أكْثَرُ أهْلِ العَلَمِ فِيمَن حَرَّمَ طَعامًا أوْ جارِيَةً عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ إنْ أكَلَ مِنَ الطَّعامِ حَنِثَ، وكَذَلِكَ إنْ وطِئَ الجارِيَةَ لَزِمَتْهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ.
وفَرَّقَ أصْحابُنا بَيْنَ مَن قالَ: " واَللَّهِ لا آكُلُ هَذا الطَّعامَ " وبَيْنَ قَوْلِهِ: " حَرَّمْتُهُ عَلى نَفْسِي " فَقالُوا في التَّحْرِيمِ: إنْ أكَلَ الجُزْءَ مِنهُ حَنِثَ، وفي اليَمِينِ لا يَحْنَثُ إلّا بِأكْلِ الجَمِيعِ؛ وجَعَلُوا تَحْرِيمَهُ إيّاهُ عَلى نَفْسِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: " واَللَّهِ لا أكَلْتُ مِنهُ شَيْئًا "؛ إذْ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضى لَفْظِ التَّحْرِيمِ في سائِرِ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] اقْتَضى اللَّفْظُ تَحْرِيمَ كُلِّ جُزْءٍ مِنهُ، فَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الإنْسانِ طَعامًا يَقْتَضِي إيجابَ اليَمِينِ في أكْلِ الجُزْءِ مِنهُ. وأمّا اليَمِينُ بِاَللَّهِ في نَفْيِ أكْلِ هَذا الطَّعامِ فَإنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى الأيْمانِ المُنْتَظِمَةِ لِلشُّرُوطِ والجَوابِ، كَقَوْلِ القائِلِ: " إنْ أكَلْتَ هَذا الطَّعامَ فَعَبْدِي حَرٌّ " فَلا يَحْنَثُ بِأكْلِ البَعْضِ مِنهُ حَتّى يَسْتَوْفِيَ أكْلَ الجَمِيعِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] فَرُوِيَ أنَّ إسْرائِيلَ أخَذَهُ عِرْقُ النَّسا، فَحَرَّمَ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْهِ وهو لُحُومُ الإبِلِ إنْ عافاهُ اللَّهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَحْرِيمًا صَحِيحًا حاظِرًا لِما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ. قِيلَ لَهُ: هو مَنسُوخٌ بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُمْتَنِعِينَ مِن أكْلِ اللُّحُومِ والأطْعِمَةِ اللَّذِيذَةِ تَزَهُّدًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَهى عَنْ تَحْرِيمِها وأخْبَرَ بِإباحَتِها في قَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا فَضِيلَةَ في الِامْتِناعِ مِن أكْلِها. وقَدْ رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ أنَّهُ «رَأى النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ لَحْمَ الدَّجاجِ» . ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ والبِطِّيخَ. ورَوى غالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أرادَ أنْ يَأْكُلَ الدَّجاجَةَ حَبَسَها ثَلاثَةَ أيّامٍ فَعَلَفَها ثُمَّ أكَلَها» .
ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ طاوُسٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: " كُلْ ما شِئْتَ واكْتَسِ ما أخْطَأْتَ اثْنَتَيْنِ سَرَفًا أوْ مَخِيلَةً " . وقَدْ رُوِيَ أنَّ عُثْمانَ وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ والحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أوْفى وعِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ وأنَسَ (p-١١١)بْنَ مالِكٍ وأبا هُرَيْرَةَ وشُرَيْحًا كانُوا يَلْبَسُونَ الخَزَّ. ويَدُلُّ عَلى نَحْوِ دَلالَةِ الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في أكْلِ إباحَةِ الطَّيِّباتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وقَوْلُهُ عَقِيبَ ذِكْرِهِ لِما خَلَقَ مِنَ الفَواكِهِ: ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]
* *
ويُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في تَحْرِيمِ إيقاعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ لِما فِيهِ مِن تَحْرِيمِ المُباحِ مِنَ المَرْأةِ.
المائدة 5:89
بابُ اَلْأيْمانِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ عَقِيبَ نَهْيِهِ عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لَمّا حَرَّمُوا الطَّيِّباتِ مِنَ المَآكِلِ والمَناكِحِ والمَلابِسِ حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ "
وأمّا اللَّغْوُ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ إنَّهُ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أوْ مِائَةٌ تَجْعَلُ أوْلادَها لَغْوًا وعَرَضُ المِائَةِ الجَلْمَدُ
يَعْنِي نُوقًا لا تَعْتَدُّ بِأوْلادِها. فَعَلى هَذا لَغْوُ اليَمِينِ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ ولا حُكْمَ لَهُ. ورَوى إبْراهِيمُ الصّائِغُ عَنْ عَطاءٍ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ سُفْيانَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ عَبْدُوسَ قالا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكّارٍ: حَدَّثَنا حَسّانُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ إبْراهِيمَ الصّائِغِ عَنْ عَطاءٍ، وسُئِلَ عَنِ اللَّغْوِ في اليَمِينِ فَقالَ: قالَتْ عائِشَةُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «هُوَ كَلامُ الرَّجُلِ في بَيْتِهِ لا واَللَّهِ وبَلى واَللَّهِ» . ورَوى إبْراهِيمُ عَنِ الأسْوَدِ وهِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ لَغْوُ اليَمِينِ لا واَللَّهِ وبَلى واَللَّهِ مَوْقُوفًا عَلَيْها. ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في لَغْوِ اليَمِينِ: " أنْ يَحْلِفَ عَلى الأمْرِ يَراهُ كَذَلِكَ ولَيْسَ كَذَلِكَ " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا " أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ أنْ تَحْلِفَ وأنْتَ غَضْبانُ " . ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ وإبْراهِيمَ مِثْلُ قَوْلِ عائِشَةَ وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: " اللَّغْوُ في اليَمِينِ هو الغَلَطُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ عَلى نَحْوِ قَوْلِ القائِلِ لا واَللَّهِ وبَلى واَللَّهِ عَلى سَبْقِ اللِّسانِ " . وقالَ بَعْضُهم: " اللَّغْوُ في اليَمِينِ أنْ تَحْلِفَ عَلى مَعْصِيَةٍ أنْ تَفْعَلَها فَيَنْبَغِي أنْ لا تَفْعَلَها ولا كَفّارَةَ فِيهِ "؛ ورُوِيَ فِيهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَتْرُكْها فَإنَّ تَرْكَها كَفّارَتُها» . وقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في ذَلِكَ أيْضًا، فَقالَ أصْحابُنا: اللَّغْوُ هو قَوْلُهُ: " لا واَللَّهِ وبَلى واَللَّهِ " فِيما يَظُنُّ أنَّهُ صادِقٌ فِيهِ عَلى الماضِي. وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ نَحْوَ ذَلِكَ؛ وهو قَوْلُ (p-١١٢)الأوْزاعِيِّ. وقالَ الشّافِعِيُّ: " اللَّغْوُ هو المَعْقُودُ عَلَيْهِ " .
وقالَ الرَّبِيعُ عَنْهُ: " مَن حَلَفَ عَلى شَيْءٍ يَرى أنَّهُ كَذَلِكَ ثُمَّ وجَدَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ كَفّارَةٌ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ أبانَ بِذَلِكَ أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ غَيْرُ مَعْقُودٍ مِنها لِأنَّهُ لَوْ كانَ المَعْقُودُ هو اللَّغْوُ لَما عَطَفَهُ عَلَيْهِ ولَما فَرَّقَ بَيْنَهُما في الحُكْمِ في نَفْيِهِ المُؤاخَذَةَ بِلَغْوِ اليَمِينِ وإثْباتِ الكَفّارَةِ في المَعْقُودَةِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ اللَّغْوَ لَمّا كانَ هو الَّذِي لا حُكْمَ لَهُ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ هو اليَمِينُ المَعْقُودَةُ؛ لِأنَّ المُؤاخَذَةَ قائِمَةٌ في المَعْقُودَةِ وحُكْمُها ثابِتٌ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ إنَّ اللَّغْوَ هو اليَمِينُ المَعْقُودَةُ وإنَّ فِيها الكَفّارَةَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مَعْناهُ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وأنَّها اليَمِينُ عَلى الماضِي فِيما يَظُنُّ الحالِفُ أنَّهُ كَما قالَ.
* *
والأيْمانُ عَلى ضَرْبَيْنِ: ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ؛ والماضِي يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ لَغْوٍ وغَمُوسٍ، ولا كَفّارَةَ في واحِدٍ مِنهُما. والمُسْتَقْبَلُ ضَرْبٌ واحِدٌ، وهو اليَمِينُ المَعْقُودَةُ، وفِيها الكَفّارَةُ إذا حَنِثَ. وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ مِثْلَ قَوْلِنا في الغَمُوسِ أنَّهُ لا كَفّارَةَ فِيها. وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " في الغَمُوسِ الكَفّارَةُ " . وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأيْمانَ الثَّلاثَ في الكِتابِ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ اليَمِينَ اللَّغْوَ والمَعْقُودَةَ جَمِيعًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ وقالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] والمُرادُ بِهِ واَللَّهُ أعْلَمُ الغَمُوسُ لِأنَّها هي الَّتِي تَتَعَلَّقُ المُؤاخَذَةُ فِيها بِكَسْبِ القَلْبِ وهو المَأْثَمُ وعِقابُ الآخِرَةِ دُونَ الكَفّارَةِ؛ إذْ لَمْ تَكُنِ الكَفّارَةُ مُتَعَلِّقَةً بِكَسْبِ القَلْبِ، ألا تَرى أنَّ مَن حَلَفَ عَلى مَعْصِيَةٍ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَحْنَثَ فِيها وتَلْزَمَهُ الكَفّارَةُ مَعَ ذَلِكَ ؟ فَدَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] المُرادُ بِهِ اليَمِينُ الغَمُوسُ الَّتِي يَقْصِدُ بِها إلى الكَذِبِ، وأنَّ المُؤاخَذَةَ بِها هي عِقابُ الآخِرَةِ وذِكْرُهُ لِلْمُؤاخَذَةِ بِكَسْبِ القَلْبِ في هَذِهِ الآيَةِ عَقِيبَ ذِكْرِهِ اللَّغْوَ في اليَمِينِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّغْوَ هو الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ فِيهِ إلى الكَذِبِ وأنَّهُ يَنْفَصِلُ مِنَ الغَمُوسِ بِهَذا المَعْنى
* *
فَصَلٌ: في اَلْكَفّارَةِ قَبْلَ اَلْحِنْثِ
ومَن يُجِيزُ الكَفّارَةَ قَبْلَ الحِنْثِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ﴾ فَجَعَلَ ذَلِكَ كَفّارَةً عَقِيبَ عَقْدِ اليَمِينِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الحِنْثِ؛ لِأنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ. والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ﴾ فَإنَّهُ لا خِلافَ أنَّ فِيهِ ضَمِيرًا مَتى أرادَ إيجابَها، وقَدْ عَلِمْنا لا مَحالَةَ أنَّ الآيَةَ قَدْ تَضَمَّنَتْ إيجابَ الكَفّارَةِ عِنْدَ الحِنْثِ وأنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ قَبْلَ (p-١١٥)الحِنْثِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ: بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ وحَنِثْتُمْ فِيها فَكَفّارَتُهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] والمَعْنى: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَمَعْناهُ: فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ﴾ مَعْناهُ: فَحَنِثْتُمْ فَكَفّارَتُهُ؛ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ قَبْلَ الحِنْثِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ لا مَحالَةَ إيجابَ الكَفّارَةِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِنْثِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ ضَمِيرُ الحِنْثِ فِيهِ. وأيْضًا لَمّا سَمّاهُ كَفّارَةً عَلِمْنا أنَّهُ أرادَ التَّكْفِيرَ بِها في حالِ وُجُوبِها؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِواجِبٍ فَلَيْسَ بِكَفّارَةٍ عَلى الحَقِيقَةِ ولا يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ: إذا حَنِثْتُمْ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ مَعْناهُ: إذا حَلَفْتُمْ وحَنِثْتُمْ؛ لِما بَيَّنّاهُ آنِفًا. فَإنْ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ تُسَمّى كَفّارَةً قَبْلَ وُجُوبِها كَما يُسَمّى ما يُعَجِّلُهُ مِنَ الزَّكاةِ قَبْلَ الحَوْلِ زَكاةً لِوُجُوبِ السَّبَبِ الَّذِي هو النِّصابُ، وكَما يُسَمّى ما يُعَجِّلُهُ بَعْدَ الجِراحَةِ كَفّارَةً قَبْلَ وُجُودِ القَتْلِ وإنْ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً في هَذِهِ الحالِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما يُعَجِّلُهُ الحالِفُ كَفّارَةً قَبْلَ الحِنْثِ ولا يُحْتاجُ إلى إثْباتِ إضْمارِ الحِنْثِ في جَوازِها قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الكَفّارَةَ الواجِبَةَ بَعْدَ الحِنْثِ مُرادَةٌ بِالآيَةِ، وإذا أُرِيدَ بِها الكَفّارَةُ الواجِبَةُ امْتَنَعَ أنْ يَنْتَظِمَ ما لَيْسَ مِنها لِاسْتِحالَةِ كَوْنِ لَفْظٍ واحِدٍ مُقْتَضِيًا لِلْإيجابِ ولِما لَيْسَ بِواجِبٍ، فَمِن حَيْثُ أُرِيدَ بِها الواجِبُ انْتَفى ما لَيْسَ مِنها بِواجِبٍ. وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ المُتَبَرِّعَ بِالطَّعامِ ونَحْوِهِ لا يَكُونُ مُكَفِّرًا بِما يَتَبَرَّعُ بِهِ إذا لَمْ يَحْلِفْ، فَلَمّا كانَ المُكَفِّرُ قَبْلَ الحِنْثِ مُتَبَرِّعًا بِما أعْطى، ثَبَتَ أنَّ ما أخْرَجَ لَيْسَ بِكَفّارَةٍ ومَتى فَعَلَهُ لَمْ يَكُنْ فاعِلًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وأمّا إعْطاءُ كَفّارَةِ القَتْلِ قَبْلَ المَوْتِ بَعْدَ الجِراحَةِ وتَعْجِيلِ الزَّكاةِ قَبْلَ الحَوْلِ، فَإنَّ جَمِيعَ ما أخْرَجَ هَؤُلاءِ تَطَوُّعٌ ولَيْسَ بِكَفّارَةٍ ولا زَكاةٍ، وإنَّما أجَزْناهُ لَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ أنَّ إخْراجَ هَذا التَّطَوُّعِ يَمْنَعُ لُزُومَ الفَرْضِ بِوُجُودِ المَوْتِ وحُئُولُ الحَوْلِ.
* *
فَصْلٌ
: في اَلْحِنْثِ في اَلْيَمِينِ
ويَحْتَجُّ مَن يُوجِبُ عَلى مَن عَقَدَ نَذْرَهُ بِشَرْطِ كَفّارَةِ يَمِينٍ دُونَ المَنذُورِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: " إنْ دَخَلْتُ الدّارَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ أوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ " أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَحَنِثَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ﴾ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ قالَ: فَلَمّا كانَ هَذا حالِفًا وجَبَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ عَلَيْهِ بِالحِنْثِ كَفّارَةَ اليَمِينِ دُونَ (p-١١٦)المَنذُورِ بِعَيْنِهِ. ولَيْسَ هَذا كَما ظَنَّ هَذا القائِلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النَّذْرَ يُوجِبُ الوَفاءَ بِالمَنذُورِ بِعَيْنِهِ ولَهُ أصْلٌ غَيْرُ اليَمِينِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] وقالَ تَعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦] فَذَمَّهم تَعالى عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِنَفْسِ المَنذُورِ.
وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ ومَن نَذَرَ نَذْرًا سَمّاهُ فَعَلَيْهِ الوَفاءُ بِهِ» وكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾ في اليَمِينِ المَعْقُودَةِ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكانَتِ النُّذُورُ مَحْمُولَةً عَلى الأُصُولِ الأُخَرِ الَّتِي ذَكَرْنا في لُزُومِ الوَفاءِ بِها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ فَقالَ قائِلُونَ: مَعْناهُ احْفَظُوا أنْفُسَكم مِنَ الحِنْثِ فِيها واحْذَرُوا الحِنْثَ فِيها وإنْ لَمْ يَكُنِ الحِنْثُ مَعْصِيَةً. وقالَ آخَرُونَ: أقَلُّوا مِنَ الأيْمانِ، عَلى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] واسْتَشْهَدَ مَن قالَ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ إذا بَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتْ
وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ راعُوها لِكَيْ تُؤَدُّوا الكَفّارَةَ عِنْدَ الحِنْثِ فِيها؛ لِأنَّ حِفْظَ الشَّيْءِ هو مُراعاتُهُ؛ وهَذا هو الصَّحِيحُ، فَأمّا الأوَّلُ فَلا مَعْنى لَهُ لِأنَّهُ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنِ الحِنْثِ إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الفِعْلُ مَعْصِيَةً، وقَدْ قالَ ﷺ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» فَأمَرَهُ بِالحِنْثِ فِيها؛ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢] الآيَةَ؛ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ حِينَ حَلَفَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ لا يُنْفِقَ عَلَيْهِ لِما كانَ مِنهُ مِنَ الخَوْضِ في أمْرِ عائِشَةَ، وقَدْ كانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وكانَ ذا قَرابَةٍ مِنهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالحِنْثِ في يَمِينِهِ والرُّجُوعِ إلى الإنْفاقِ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ.
وأُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] بِالكَفّارَةِ والرُّجُوعِ عَمّا حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنِ الحِنْثِ في اليَمِينِ إذا لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ مَعْصِيَةً، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ نَهْيًا عَنِ الحِنْثِ. وأمّا مَن قالَ: إنَّ مَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ الحَلِفِ واسْتَشْهَدَ بِالبَيْتِ؛ فَقَوْلُهُ مَرْذُولٌ ساقِطٌ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِحِفْظِ اليَمِينِ نَهْيًا عَنِ اليَمِينِ، كَما لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: " احْفَظْ مالَكَ " بِمَعْنى أنْ لا تَكْسِبَهُ؛ ومَعْنى البَيْتِ هو عَلى ما نَقُولُهُ مُراعاةُ (p-١١٧)الحِنْثِ لِأداءِ الكَفّارَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ
؎" قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ
" فَأخْبَرَ بَدِيًّا بِقِلَّةِ أيْمانِهِ، ثُمَّ قالَ: " حافِظٌ لِيَمِينِهِ " ومَعْناهُ أنَّهُ مُراعٍ لَها لِيُؤَدِّيَ كَفّارَتَها عِنْدَ الحِنْثِ؛ ولَوْ كانَ عَلى ما قالَ المُخالِفُ لَكانَ تَكْرارًا لِما قَدْ ذَكَرَ، فَصَحَّ أنَّ مَعْناهُ الأمْرُ بِمُراعاتِها لِأداءِ كَفّارَتِها عِنْدَ الحِنْثِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وعائِشَةَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وإبْراهِيمَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ: " كُلُّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ "؛ وقالَ عُمَرُ وعائِشَةُ: " أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ " وهو قَوْلُ أصْحابِنا إذا أعْطاهُمُ الطَّعامَ تَمْلِيكًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وعَطاءٌ في آخَرِينَ: مُدٌّ مِن بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ " وهو قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ.
فِي الإطْعامِ مِن غَيْرِ تَمْلِيكٍ واخْتُلِفَ في الإطْعامِ مِن غَيْرِ تَمْلِيكٍ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ والقاسِمِ وسالِمٍ والشَّعْبِيِّ وإبْراهِيمَ وقَتادَةَ: " يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهِمْ " وهو قَوْلُ أصْحابِنا ومالِكِ بْنِ أنَسٍ والثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: وحَبَّةٌ واحِدَةٌ تُجْزِي " . وقالَ الحَكَمُ: " لا يُجْزِي الإطْعامُ حَتّى يُعْطِيَهم " . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " مُدَّيْنِ مِن طَعامٍ ومُدٌّ لِإدامِهِ، ولا يَجْمَعُهم فَيُطْعِمُهم ولَكِنْ يُعْطِيهِمْ " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ ومَكْحُولٍ وطاوُسٍ والشَّعْبِيِّ: " يُطْعِمُهم أكْلَةً واحِدَةً "، ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا يُعْطِيهِمْ جُمْلَةً ولَكِنْ يُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ فاقْتَضى ظاهِرُهُ جَوازَ الإطْعامِ بِالأكْلِ مِن غَيْرِ إعْطاءٍ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: ٨] قَدْ عُقِلَ مِنهُ إطْعامُهم بِالإباحَةِ لَهم مِن غَيْرِ تَمْلِيكٍ ؟ ويُقالُ: فُلانٌ يُطْعِمُ الطَّعامَ، وإنَّما مُرادُهم دُعاؤُهُ إيّاهم إلى أكْلِ طَعامِهِ، فَلَمّا كانَ الِاسْمُ يَتَناوَلُ الإباحَةَ وجَبَ جَوازُهُ، وإذا جازَ إطْعامُهم عَلى وجْهِ الإباحَةِ مِن غَيْرِ تَمْلِيكٍ، فالتَّمْلِيكُ أحْرى بِالجَوازِ لِأنَّهُ أكْثَرُ مِنَ الإباحَةِ؛ ولا خِلافَ في جَوازِ التَّمْلِيكِ، وإنَّما قالُوا: " يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهِمْ " لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ وهو مَرَّتانِ في اليَوْمِ غَداءٌ وعَشاءٌ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ في العادَةِ ثَلاثُ مَرّاتٍ والأقَلُّ واحِدَةٌ والأوْسَطُ مَرَّتانِ. وقَدْ رَوى لَيْثٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا كانَ خُبْزًا يابِسًا فَهو غَداؤُهُ وعَشاؤُهُ» .
وإنَّما قالَ أصْحابُنا: إذا أعْطاهم كانَ مِنَ البُرِّ نِصْفَ صاعٍ ومِنَ الشَّعِيرِ والتَّمْرِ صاعًا، لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ في فِدْيَةِ الأذى: «أوْ أطْعِمْ ثَلاثَةَ آصُعٍ مِن طَعامٍ سِتَّةَ مَساكِينَ» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «أطْعِمْ سِتَّةَ آصُعٍ مِن تَمْرٍ سِتَّةَ (p-١١٨)مَساكِينَ» فَجَعَلَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صاعًا مِن تَمْرٍ أوْ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ تَقْدِيرِ الطَّعامِ في فِدْيَةِ الأذى وكَفّارَةِ اليَمِينِ، فَثَبَتَ أنَّ كَفّارَةَ اليَمِينِ مِثْلُها. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في كَفّارَةِ الظِّهارِ: «وسْقًا مِن تَمْرٍ لِسِتِّينَ مِسْكِينًا» والوَسْقُ سِتُّونَ صاعًا. ولَمّا ثَبَتَ في كَفّارَةِ الظِّهارِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صاعٌ مِن تَمْرٍ كانَتْ كَفّارَةُ اليَمِينِ مِثْلَها لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى تَساوِيهِما في مِقْدارِ ما يَجِبُ فِيهِما مِنَ الطَّعامِ، وإذا ثَبَتَ مِنَ التَّمْرِ صاعٌ وجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ البُرِّ نِصْفَ صاعٍ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أوْجَبَ فِيها صاعًا مِنَ التَّمْرِ أوْجَبَ مِنَ البُرِّ نِصْفَ صاعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ قُوتٌ وكانَ لِلْكَبِيرِ أكْثَرُ مِمّا لِلصَّغِيرِ ولِلْحُرِّ أكْثَرُ مِمّا لِلْمَمْلُوكِ، فَنَزَلَتْ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ لَيْسَ بِأفْضَلِهِ ولا بِأخَسِّهِ " ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلُهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: بَيَّنَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ الأوْسَطُ في المِقْدارِ، لا بِأنْ يَكُونَ مَأْدُومًا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " أوْسَطُهُ الخُبْزُ والتَّمْرُ والخُبْزُ والزَّيْتُ، وخَيْرُ ما نُطْعِمُ أهْلَنا الخُبْزُ واللَّحْمُ " وعَنْ عُبَيْدَةَ: " الخُبْزُ والسَّمْنُ " . وقالَ أبُو رَزِينٍ: " الخُبْزُ والتَّمْرُ والخَلُّ " . وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: " أفْضَلُهُ اللَّحْمُ وأوْسَطُهُ السَّمْنُ وأحْسَنُهُ التَّمْرُ مَعَ الخُبْزِ " رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ «أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ أنْ يُكَفِّرَ عَنِ الظِّهارِ بِإعْطاءِ كُلِّ مِسْكِينٍ صاعًا مِن تَمْرٍ، ولَمْ يَأْمُرْهُ مَعَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ غَيْرِهِ مِنَ الإدامِ؛ وأمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أنْ يَتَصَدَّقَ بِثَلاثَةِ آصُعٍ مِن طَعامٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ، ولَمْ يَأْمُرْهُ بِالإدامِ» ولا فَرْقَ عِنْدَ أحَدٍ بَيْنَ كَفّارَةِ الظِّهارِ وكَفّارَةِ اليَمِينِ في مِقْدارِ الطَّعامِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الإدامَ غَيْرُ واجِبٍ مَعَ الطَّعامِ وأنَّ الأوْسَطَ المُرادَ بِالآيَةِ الأوْسَطُ في مِقْدارِ الطَّعامِ لا في ضَمِّ الإدامِ إلَيْهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ عُمُومٌ في جَمِيعِ مَن يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنهم، فَيَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ في جَوازِ إعْطاءِ مِسْكِينٍ واحِدٍ جَمِيعَ الطَّعامِ في عَشَرَةِ أيّامٍ كُلَّ يَوْمٍ نِصْفَ صاعٍ؛ لِأنّا لَوْ مَنَعْناهُ في اليَوْمِ الثّانِي كُنّا قَدْ خَصَّصْنا الحُكْمَ في بَعْضِ ما انْتَظَمَهُ الِاسْمُ دُونَ بَعْضٍ، لا سِيَّما فِيمَن قَدْ دَخَلَ في حُكْمِ الآيَةِ بِالِاتِّفاقِ، وهو قَوْلُ أصْحابِنا.
وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: لا يُجْزِي. فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا ذَكَرَ عَشَرَةَ مَساكِينَ لَمْ يَجُزِ الِاقْتِصارُ عَلى مَن دُونَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وسائِرُ الأعْدادِ المَذْكُورَةِ لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى ما دُونَها، كَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ الِاقْتِصارُ عَلى الأقَلِّ مِنَ العَدَدِ المَذْكُورِ. قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَ القَصْدُ في (p-١١٩)ذَلِكَ سَدَّ جَوْعَةِ المَساكِينِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ حُكْمُ الواحِدِ والجَماعَةِ بَعْدَ أنْ يَتَكَرَّرَ عَلَيْهِمُ الإطْعامُ أوْ عَلى واحِدٍ مِنهم في عَشَرَةِ أيّامٍ عَلى حَسَبِ ما يَحْصُلُ بِهِ سَدُّ الجَوْعَةِ، فَكانَ المَعْنى المَقْصُودِ بِإعْطاءِ العَشَرَةِ مَوْجُودًا في الواحِدِ عِنْدَ تَكْرارِ الدَّفْعِ والإطْعامِ في عَدَدِ الأيّامِ.
ولَيْسَ يَمْتَنِعُ إطْلاقُ اسْمِ إطْعامِ العَشَرَةِ عَلى واحِدٍ بِتَكْرارِ الدَّفْعِ؛ إذْ كانَ المَقْصِدُ فِيهِ تَكْرارَ الدَّفْعِ لا تَكْرارَ المَساكِينِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] وهو هِلالٌ واحِدٌ، فَأطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الجَمْعِ لِتَكْرارِ الرُّؤْيَةِ في الشُّهُورِ. وأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاسْتِنْجاءِ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ، ولَوِ اسْتَنْجى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ أجْزَأهُ. وكَذَلِكَ أمَرَ بِرَمْيِ الجِمارِ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، ولَوْ رَمى بِحَصاةٍ واحِدَةٍ سَبْعَ مَرّاتٍ أجْزَأهُ؛ لِأنَّ المَقْصِدَ فِيهِ حُصُولُ الرَّمْيِ سَبْعَ مَرّاتٍ، والمَقْصِدَ في الِاسْتِنْجاءِ حُصُولُ المَسَحاتِ دُونَ عَدَدِ الأحْجارِ.
فَكَذَلِكَ لَمّا كانَ المَقْصِدُ في إخْراجِ الكَفّارَةِ سَدُّ جَوْعَةِ المَساكِينِ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ الواحِدِ إذا تَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ في الأيّامِ وبَيْنَ الجَماعَةِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ كِسْوَتَهم عَشَرَةُ أثْوابٍ، فَصارَ تَقْدِيرُهُ: " أوْ عَشَرَةُ أثْوابٍ " ثُمَّ لَمْ يُخَصِّصْها بِمِسْكِينٍ واحِدٍ ولا بِجَماعَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يُجْزِيَ إعْطاؤُها لِواحِدٍ مِنهم، ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ أعْطَيْتُ كِسْوَةَ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِسْكِينًا واحِدًا ؟ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ يَدُلُّ مِن هَذا الوَجْهِ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى أعْدادِ المَساكِينِ عَشَرَةٌ، ويَدُلُّ أيْضًا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الطَّعامِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا، ولا تُجْزِي الكِسْوَةُ عِنْدَهم إذا أعْطاها مِسْكِينًا واحِدًا إلّا أنْ يُعْطِيَهُ كُلَّ يَوْمٍ ثَوْبًا؛ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ ما وصَفْنا في الطَّعامِ مِن تَفْرِيقِهِ في الأيّامِ، وجَبَ مِثْلُهُ في الكِسْوَةِ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ واحِدٌ بَيْنَهُما.
وأجازَ أصْحابُنا إعْطاءَ قِيمَةِ الطَّعامِ والكُسْوَةِ لِما ثَبَتَ أنَّ المَقْصِدَ فِيهِ حُصُولُ النَّفْعِ لِلْمَساكِينِ بِهَذا القَدْرِ مِنَ المالِ ويَحْصُلُ لَهم مِنَ النَّفْعِ بِالقِيمَةِ مِثْلَ حُصُولِهِ بِالطَّعامِ والكُسْوَةِ. ولَمّا صَحَّ إعْطاءُ القِيمَةِ في الزَّكَواتِ مِن جِهَةِ الآثارِ والنَّظَرِ، وجَبَ مِثْلُهُ في الكَفّارَةِ؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما، ومَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ إطْلاقُ الِاسْمِ عَلى مَن أعْطى غَيْرَهُ دَراهِمَ يَشْتَرِي بِها ما يَأْكُلُهُ ويَلْبَسُهُ بِأنْ يُقالَ: قَدْ أطْعَمَهُ وكَساهُ؛ وإذا كانَ إطْلاقُ ذَلِكَ سائِغًا انْتَظَمَهُ لَفْظُ الآيَةِ، ألا تَرى أنَّ حَقِيقَةَ الإطْعامِ أنْ يُطْعِمَهُ إيّاهُ بِأنْ يُبِيحَهُ لَهُ فَيَأْكُلَهُ ؟ ومَعَ ذَلِكَ فَلَوْ مَلَّكَهُ إيّاهُ ولَمْ يَأْكُلْهُ المِسْكِينُ وباعَهُ أجْزَأهُ، وإنْ لَمْ يَتَناوَلْهُ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ بِحُصُولِ المَقْصِدِ في وُصُولِ هَذا القَدْرِ مِنَ المالِ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يُطْعِمْهُ ولَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِن جِهَةِ الأكْلِ. (p-١٢٠)وكَذَلِكَ لَوْ أعْطاهُ كُسْوَةً فَلَمْ يَكْتَسِ بِها وباعَها، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كاسِيًا بِإعْطائِهِ؛ إذْ كانَ مُوَصِّلًا إلَيْهِ هَذا القَدْرَ مِنَ المالِ بِإعْطائِهِ إيّاهُ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصِدُ حُصُولَ المَطْعَمِ والِاكْتِساءِ، وأنَّ المَقْصِدَ وُصُولُهُ إلى هَذا القَدْرِ مِنَ المالِ، فَلا يَخْتَلِفُ حِينَئِذٍ حُكْمُ الدَّراهِمِ والثِّيابِ والطَّعامِ، ألا تَرى أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَدَّرَ في صَدَقَةِ الفِطْرِ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ أوْ شَعِيرٍ» ثُمَّ قالَ: «أغْنُوهم عَنِ المَسْألَةِ في هَذا اليَوْمِ» ؟ فَأخْبَرَ أنَّ المَقْصُودَ حُصُولُ الغِنى لَهم عَنِ المَسْألَةِ لا مِقْدارُ الطَّعامِ بِعَيْنِهِ؛ إذْ كانَ الغِنى عَنِ المَسْألَةِ يَحْصُلُ بِالقِيمَةِ كَحُصُولِهِ بِالطَّعامِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَوْ جازَتِ القِيمَةُ وكانَ المَقْصِدُ فِيهِ حُصُولُ هَذا القَدْرِ مِنَ المالِ لِلْمَساكِينِ لَمّا كانَ لِذِكْرِ الإطْعامِ والكِسْوَةِ فائِدَةٌ مَعَ تَفاوُتِ قِيمَتِها في أكْثَرِ الأحْوالِ، وفي ذِكْرِهِ الطَّعامَ أوِ الكِسْوَةَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَتَعَدّاهُما إلى القِيمَةِ، وأنَّهُ لَيْسَ المَقْصَدُ حُصُولَ النَّفْعِ بِهَذا القَدْرِ مِنَ المالِ دُونَ عَيْنِ الطَّعامِ والكِسْوَةِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما ظَنَنْتَ؛ وفي ذِكْرِهِ الطَّعامَ والكِسْوَةَ أعْظَمُ الفَوائِدِ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَهُما ودَلَّلَنا بِما ذُكِرَ عَلى جَوازِ إعْطاءِ قِيمَتِهِما لِيَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أنْ يُعْطِيَ حِنْطَةً أوْ يُطْعِمَ أوْ يَكْسُوَ أوْ يُعْطِيَ دَراهِمَ قِيمَةٍ عَنِ الحِنْطَةِ أوْ عَنِ الثِّيابِ، فَيَكُونُ مُوسَعًا في العُدُولِ عَنِ الأرْفَعِ إلى الأوْكَسِ إنْ تَفاوَتَتِ القِيمَتانِ، أوْ عَنِ الأوْكَسِ إلى الأرْفَعِ، أوْ يُعْطى أيَّ المَذْكُورِينَ بِأعْيانِهِما كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ومَن وجَبَتْ في إبِلِهِ بِنْتُ لَبُونٍ فَلَمْ تُوجَدْ أُخِذَ مِنهُ بِنْتُ مَخاضٍ وشاتانِ أوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا» فَخَيَّرَهُ في ذَلِكَ، وهو يَقْدِرُ عَلى أنْ يَشْتَرِيَ بِنْتُ لَبُونٍ وهي الفَرْضُ المَذْكُورُ؛ وكَما جَعَلَ الدِّيَةَ مِائَةً مِنَ الإبِلِ واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّها مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ أيْضًا قِيمَةً لِلْإبِلِ عَلى اخْتِلافِهِمْ فِيها، وكَمَن تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلى عَبْدٍ وسَطٍ فَإنْ جاءَ بِهِ بِعَيْنِهِ قُبِلَ مِنهُ وإنْ جاءَ بِقِيمَتِهِ قُبِلَتْ مِنهُ أيْضًا. ولَمْ يُبْطِلْ جَوازُ أخْذِ القِيمَةِ في هَذِهِ المَواضِعِ حُكْمَ التَّسْمِيَةِ لِغَيْرِها، فَكَذَلِكَ ما وصَفْنا.
ألا تَرى أنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ الكِسْوَةِ والطَّعامِ والعِتْقِ ؟ فالقِيمَةُ مِثْلُ أحَدِ هَذِهِ الأشْياءِ وهو مُخَيَّرٌ بَيْنَها وبَيْنَ المَذْكُورِ وإنْ كانَتْ قَدْ تَخْتَلِفُ في الطَّعامِ والكِسْوَةِ لِأنَّ في عُدُولِهِ إلى الأرْفَعِ زِيادَةُ فَضِيلَةٍ وفي اقْتِصارِهِ عَلى الأوْكَسِ رُخْصَةٌ وأيُّهُما فَعَلَ فَهو المَفْرُوضُ، وهَذا مِثْلُ ما نَقُولُ في القِراءَةِ في الصَّلاةِ إنَّ المَفْرُوضَ مِنها مِقْدارُ آيَةٍ، فَإنْ أطالَ القِراءَةَ كانَ الجَمِيعُ هو المَفْرُوضُ والمَفْرُوضُ مِنَ الرُّكُوعِ هو الجُزْءُ الَّذِي يُسَمّى بِهِ راكِعًا، فَإنْ أطالَ كانَ الفَرْضُ جَمِيعُ المَفْعُولِ مِنهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ أطالَ الرُّكُوعَ كانَ (p-١٢١)مُدْرِكَهُ في آخِرِ الرُّكُوعِ مُدْرِكًا لِرَكْعَتِهِ ؟ وكَذَلِكَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المَفْرُوضُ مِنَ الكَفّارَةِ قِيمَةَ الأوْكَسِ مِنَ الطَّعامِ أوِ الكِسْوَةِ، فَإنْ عَدَلَ إلى قِيمَةِ الأرْفَعِ كانَ هو المَفْرُوضُ أيْضًا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في مِقْدارِ الكِسْوَةِ، فَقالَ أصْحابُنا: " الكِسْوَةُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ثَوْبٌ إزارٌ أوْ رِداءٌ أوْ قَمِيصٌ أوْ قَباءٌ أوْ كِساءٌ " . ورَوى ابْنُ سِماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أنَّ السَّراوِيلَ تُجْزِي، وأنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يَشْتَرِي ثَوْبًا فاشْتَرى سَراوِيلَ حَنِثَ إذا كانَ سَراوِيلَ الرِّجالِ.
ورَوى هِشامُ عَنْ مُحَمَّدٍ أنَّهُ لا يُجْزِي السَّراوِيلُ ولا العِمامَةُ؛ وكَذَلِكَ رَوى بِشْرٌ عَنْ أبِي يُوسُفَ.
وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: " إنْ كَسا الرَّجُلُ كَسا ثَوْبًا ولِلْمَرْأةِ ثَوْبَيْنِ دِرْعًا وخِمارًا، وذَلِكَ أدْنى ما تُجْزِي فِيهِ الصَّلاةُ، ولا يُجْزِي ثَوْبٌ واحِدٌ لِلْمَرْأةِ ولا تُجْزِي العِمامَةُ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " تُجْزِي العِمامَةُ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " تُجْزِي العِمامَةُ والسَّراوِيلُ والمُقَنِّعَةُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وإبْراهِيمَ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وطاوُسٍ والزُّهْرِيِّ ثَوْبٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُهُ يَقْتَضِي ما يُسَمّى بِهِ الإنْسانُ مُكْتَسِيًا إذا لَبِسَهُ، ولابِسُ السَّراوِيلِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أوِ العِمامَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُها لا يُسَمّى مُكْتَسِيًا كَلابِسِ القَلَنْسُوَةِ، فالواجِبُ أنْ لا يُجْزِيَ السَّراوِيلُ والعِمامَةُ ولا الخِمارُ؛ لِأنَّهُ مَعَ لُبْسِهِ لِأحَدِ هَذِهِ الأشْياءِ يَكُونُ عُرْيانًا غَيْرَ مُكْتَسٍ، وأمّا الإزارُ والقَمِيصُ ونَحْوُهُ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ يَعُمُّ بَدَنَهُ حَتّى يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ المُكْتَسِي، فَلِذَلِكَ أجْزَأهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يَعْنِي عِتْقَ رَقَبَةٍ، وتَحْرِيرُها إيقاعُ الحُرِّيَّةِ عَلَيْها. وذَكَرَ الرَّقَبَةَ وأرادَ بِهِ جُمْلَةَ الشَّخْصِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالأسِيرِ الَّذِي تُفَكُّ رَقَبَتُهُ ويُطْلَقُ، فَصارَتِ الرَّقَبَةُ عِبارَةً عَنِ الشَّخْصِ؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا إذا قالَ: " رَقَبَتُكَ حُرَّةٌ " إنَّهُ يُعْتَقُ، كَقَوْلِهِ " أنْتَ حُرٌّ " . واقْتَضى اللَّفْظُ رَقَبَةً سَلِيمَةً مِنَ العاهاتِ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ لِلشَّخْصِ بِكَمالِهِ، إلّا أنَّ الفُقَهاءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ النَّقْصَ اليَسِيرَ لا يَمْنَعُ جَوازَها، فاعْتَبَرَ أصْحابُنا بَقاءَ مَنفَعَةِ الجِنْسِ في جَوازِها وجَعَلُوا فَواتَ مَنفَعَةِ الجِنْسِ مِن تِلْكَ الأعْضاءِ مانِعًا لِجَوازِها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ رَوى مُجاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبُو العالِيَةِ عَنْ أُبَيٍّ: " فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ " . وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: في قِراءَتِنا: " فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ "
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ وقَتادَةُ وطاوُسٌ: " هُنَّ مُتَتابِعاتٌ لا يُجْزِي فِيها التَّفْرِيقُ " . فَثَبَتَ التَّتابُعُ بِقَوْلِ هَؤُلاءِ. ولَمْ تَثْبُتِ التِّلاوَةُ لِجَوازِ كَوْنِ التِّلاوَةِ مَنسُوخَةً والحُكْمُ ثابِتًا، وهو قَوْلُ أصْحابِنا. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " يُجْزِي فِيهِ التَّفْرِيقُ " . وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أُصُولِ الفِقْهِ. وقَوْلُهُ (p-١٢٢)تَعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ يَقْتَضِي إيجابُ التَّكْفِيرِ مَعَ القُدْرَةِ مَعَ بَقاءِ الخِطابِ بِالكَفّارَةِ، وإنَّما يَجُوزُ الصَّوْمُ مَعَ عَدَمِ المَذْكُورِ بَدِيًّا لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ فَنَقَلَهُ عَنْ أحَدِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ إلى الصَّوْمِ عِنْدَ عَدَمِها، فَما دامَ الخِطابُ بِالكَفّارَةِ قائِمًا عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ مَعَ وُجُودِ الأصْلِ، ودُخُولُهُ في الصَّوْمِ لَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ الخِطابَ بِأحَدِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ دَخَلَ في صَوْمِ اليَوْمِ الأوَّلِ ثُمَّ أفْسَدَهُ وهو واجِدٌ لِلرَّقَبَةِ لَمْ يُجْزِ الصَّوْمُ مَعَ وُجُودِها، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ دُخُولَهُ في الصَّوْمِ لَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ فَرْضَ الأصْلِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِ الرَّقَبَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ في الصَّوْمِ وبَعْدَهُ؛ إذْ كانَ الخِطابُ بِالتَّكْفِيرِ قائِمًا عَلَيْهِ في الحالَيْنِ.
المائدة 5:90
بابُ تَحْرِيمِ اَلْخَمْرِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ اقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿رِجْسٌ﴾ لِأنَّ الرِّجْسَ اسْمٌ في الشَّرْعِ لِما يَلْزَمُ اجْتِنابُهُ؛ ويَقَعُ اسْمُ الرِّجْسِ عَلى الشَّيْءِ المُسْتَقْذَرِ النَّجِسِ، وهَذا أيْضًا يَلْزَمُ اجْتِنابُهُ فَأوْجَبَ وصْفُهُ إيّاها بِأنَّها رِجْسٌ لُزُومَ اجْتِنابِها.
والوَجْهُ الآخَرُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ وذَلِكَ أمْرٌ والأمْرُ يَقْتَضِي الإيجابَ، فانْتَظَمَتِ الآيَةُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. والخَمْرُ هي عَصِيرُ العِنَبِ النِّيِّ المُشْتَدِّ، وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أنَّهُ خَمْرٌ. وقَدْ سُمِّيَ بَعْضُ الأشْرِبَةِ المُحَرَّمَةِ بِاسْمِ الخَمْرِ تَشْبِيهًا بِها مِثْلُ الفَضِيخِ وهو نَقِيعُ البُسْرِ ونَقِيعُ التَّمْرِ وإنْ لَمْ يَتَناوَلْهُما اسْمُ الإطْلاقِ. وقَدْ رُوِيَ في مَعْنى الخَمْرِ آثارٌ مُخْتَلِفَةٌ، مِنها ما رَوى مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " لَقَدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ وما بِالمَدِينَةِ مِنها شَيْءٌ " وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ نَقِيعُ التَّمْرِ والبُسْرِ وسائِرُ ما يُتَّخَذُ مِنهُما مِنَ الأشْرِبَةِ، ولَمْ يَكُنِ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ يَخْفى عَلَيْهِ الأسْماءُ اللُّغَوِيَّةُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أشْرِبَةَ النَّخْلِ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ تُسَمّى خَمْرًا.
ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وهو الفَضِيخُ "، فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ الفَضِيخَ خَمْرٌ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ سَمّاهُ خَمْرًا مِن حَيْثُ كانَ شَرابًا مُحَرَّمًا.
ورَوى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أنَسٍ قالَ: " كُنْتُ أسْقِي أبا عُبَيْدَةَ وأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وسُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ في نَفَرٍ في بَيْتِ أبِي طَلْحَةَ، فَمَرَّ بِنا رِجْلٌ فَقالَ: إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَواَللَّهِ ما قالُوا حَتّى نَتَبَيَّنَ حَتّى قالُوا: أهْرِقْ ما في إنائِكَ يا أنَسُ ثُمَّ ما عادُوا فِيها حَتّى لَقُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّهُ البُسْرُ والتَّمْرُ وهو خَمْرُنا يَوْمَئِذٍ " . فَأخْبَرَ أنَسٌ (p-١٢٣)أنَّ الخَمْرَ يَوْمَ حُرِّمَتِ البُسْرُ والتَّمْرُ، وهَذا جائِزٌ أنْ يَكُونَ لَمّا كانَ مُحَرَّمًا سَمّاهُ خَمْرًا، وأنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم كانُوا يُجْرُونَهُ مَجْرى الخَمْرِ ويُقِيمُونَهُ مَقامَها، لا أنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ قَتادَةَ رَوى عَنْ أنَسٍ هَذا الحَدِيثَ، وقالَ: " إنَّما نَعُدُّها يَوْمَئِذٍ خَمْرًا " فَأخْبَرَ أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَها خَمْرًا عَلى مَعْنى أنَّهم يُجْرُونَها مَجْرى الخَمْرِ.
ورَوى ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: " حُرِّمَتْ عَلَيْنا الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وما نَجِدُ خُمُورَ الأعْنابِ إلّا القَلِيلَ وعامَّةُ خُمُورِنا البُسْرُ والتَّمْرُ " ومَعَ هَذا أيْضًا مَعْناهُ أنَّهم كانُوا يُجْرُونَهُ مَجْرى الخَمْرِ في الشُّرْبِ وطَلَبِ الإسْكارِ وطَيِّبَةِ النَّفَسِ، وإنَّما كانَ شَرابُ البُسْرِ والتَّمْرِ.
ورَوى المُخْتارُ بْنُ فُلْفُلٍ قالَ: سَألْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ عَنِ الأشْرِبَةِ فَقالَ: " حُرِّمَتِ الخَمْرُ وهي مِنَ العِنَبِ والتَّمْرِ والعَسَلِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ، وما خُمِّرَتْ مِن ذَلِكَ فَهو خَمْرٌ " فَذَكَرَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ أنَّهُ مِنَ البُسْرِ والتَّمْرِ، وذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّها مِن سِتَّةِ أشْياءَ؛ فَكانَ عِنْدَهُ أنَّ ما أسْكَرَ مِن هَذِهِ الأشْرِبَةِ فَهو خَمْرٌ، ثُمَّ قالَ: " وما خُمِّرَتْ مِن ذَلِكَ فَهو خَمْرٌ " وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما سَمّى ذَلِكَ خَمْرًا في حالِ الإسْكارِ، وأنَّ ما لا يُسْكِرُ مِنهُ فَلَيْسَ بِخَمْرٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: " إنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ وهي مِن خَمْسَةِ أشْياءَ: مِنَ العِنَبِ والتَّمْرِ والعَسَلِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ " وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما سَمّاهُ خَمْرًا في حالِ ما أسْكَرَ إذا أكْثَرَ مِنهُ، لِقَوْلِهِ: " والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ " . وقَدْ رُوِيَ عَنِ السِّرِّيِّ بْنِ إسْماعِيلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ حَدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْرًا، وإنَّ مِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا وإنَّ مِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا وإنَّ مِنَ التَّمْرِ خَمْرًا وإنَّ مِنَ العَسَلِ خَمْرًا» ولَمْ يَقُلْ إنَّ جَمِيعَ ما يَكُونُ مِن هَذِهِ الأصْنافِ خَمْرٌ، وإنَّما أخْبَرَ أنَّ مِنها خَمْرًا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ ما يُسْكِرُ مِنهُ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا في تِلْكَ الحالِ، لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لِهَذِهِ الأشْرِبَةِ المُتَّخَذَةِ مِن هَذِهِ الأصْنافِ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ بِأسانِيدَ أصَحَّ مِن إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ ما يَنْفِي أنْ يَكُونَ الخَمْرُ مِن هَذِهِ الأصْنافِ، وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا أبانُ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبِي كَثِيرٍ العَنْبَرِيِّ وهو يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ والعِنَبِ» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ حاتِمٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ عَمّارٍ المُوصِلِيِّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمّارٍ عَنْ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (p-١٢٤)قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلِ والعِنَبِ» . وهَذا الخَبَرُ يَقْضِي عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذا الكِتابِ بِصِحَّةِ سَنَدِهِ، وقَدْ تَضَمَّنَ نَفِيَ اسْمِ الخَمْرِ عَنِ الخارِجِ مِن غَيْرِ هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " الخَمْرُ " اسْمٌ لِلْجِنْسِ، فاسْتَوْعَبَ بِذَلِكَ جَمِيعَ ما يُسَمّى خَمْرًا، فانْتَفى بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ الخارِجُ مِن غَيْرِهِما مُسَمًّى بِاسْمِ الخَمْرِ.
واقْتَضى هَذا الخَبَرُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ مِنَ الخارِجِ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، وهو عَلى أوَّلِ الخارِجِ مِنهُما مِمّا يُسْكِرُ مِنهُ، وذَلِكَ هو العَصِيرُ النِّيُّ المُشْتَدُّ ونَقِيعُ التَّمْرِ والبُسْرِ قَبْلَ أنْ تُغَيِّرَهُ النّارُ لِأنَّ قَوْلَهُ: " مِنهُما " يَقْتَضِي أوَّلَ خارِجٍ مِنهُما مِمّا يُسْكِرُ. واَلَّذِي حَصَلَ عَلَيْهِ الِاتِّفاقُ مِنَ الخَمْرِ هو ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِن عَصِيرِ العِنَبِ النِّيِّ المُشْتَدِّ إذا غَلا وقَذَفَ بِالزَّبَدِ، فَيَحْتَمِلُ عَلى هَذا إذا كانَ الخَمْرُ ما وصَفْنا أنْ يَكُونَ مَعْنى حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «الخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ» أنَّ مُرادَهُ أنَّها مِن إحْداهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وإنَّما الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ، وقالَ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الخَمْرَ هو ما ذَكَرْنا وأنَّ ما عَداها لَيْسَ بِخَمْرٍ عَلى الحَقِيقَةِ اتِّفاقُ المُسْلِمِينَ عَلى تَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّ الخَمْرِ في غَيْرِ حالِ الضَّرُورَةِ واتِّفاقُهم عَلى أنَّ مُسْتَحِلَّ ما سِواها مِن هَذِهِ الأشْرِبَةِ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِسِمَةِ الكُفْرِ، فَلَوْ كانَتْ خَمْرًا لَكانَ مُسْتَحِلُّها كافِرًا خارِجًا عَنِ المِلَّةِ كَمُسْتَحِلِّ النِّيِّ المُشْتَدِّ مِن عَصِيرِ العِنَبِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ في الحَقِيقَةِ إنَّما يَتَناوَلُ ما وصَفْنا. وزَعَمَ بَعْضُ مَن لَيْسَ مَعَهُ مِنَ الوَرَعِ إلّا تَشَدُّدَهُ في تَحْرِيمِ النَّبِيذِ دُونَ التَّوَرُّعِ عَنْ أمْوالِ الأيْتامِ وأكْلِ السُّحْتِ أنَّ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والأحادِيثَ الصِّحاحَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وما جاءَ في الحَدِيثِ مِن تَفْسِيرِ الخَمْرِ ما هي واللُّغَةُ القائِمَةُ المَشْهُورَةُ والنَّظَرُ وما يَعْرِفُهُ ذَوُو الألْبابِ بِعُقُولِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ أسْكَرَ فَهو خَمْرٌ فَأمّا كِتابُ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] فَعُلِمَ أنَّ السُّكْرَ مِنَ العِنَبِ مِثْلُ السُّكْرِ مِنَ النَّخْلِ. فادَّعى هَذا القائِلُ أنَّ كِتابَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما أسْكَرَ فَهو خَمْرٌ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّ السُّكْرَ ما هو ولا أنَّ السُّكْرَ خَمْرٌ؛ فَإنْ كانَ السُّكْرُ خَمْرًا عَلى الحَقِيقَةِ فَإنَّما هو الخَمْرُ المُسْتَحِيلَةُ مِن عَصِيرِ العِنَبِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ [النحل: ٦٧] ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الآيَةَ مُقْتَضِيَةٌ لِإباحَةِ السُّكْرِ المَذْكُورِ فِيها لِأنَّهُ تَعالى اعْتَدَّ عَلَيْنا فِيها بِمَنافِعِ النَّخِيلِ والأعْنابِ كَما اعْتَدَّ بِمَنافِعِ الأنْعامِ وما خَلَقَ فِيها مِنَ اللَّبَنِ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ إذًا عَلى تَحْرِيمِ (p-١٢٥)السُّكْرِ ولا عَلى أنَّ السُّكْرَ خَمْرٌ، ولَوْ دَلَّتْ عَلى أنَّ السُّكْرَ خَمْرٌ لَما دَلَّتْ عَلى أنَّ الخَمْرَ تَكُونُ مِن كُلِّ ما يُسْكِرُ؛ إذْ فِيها ذِكْرُ الأعْنابِ الَّتِي مِنها تَكُونُ الخَمْرُ المُسْتَحِيلَةُ مِن عَصِيرِها، فَكانَتْ دَعْواهُ عَلى الكِتابِ غَيْرَ صَحِيحَةٍ. وذَكَرَ مِنَ الأحادِيثِ في ذَلِكَ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنِ السَّلَفِ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَهُ، وذَكَرْنا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» و«كُلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فَهو حَرامٌ» و«ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ» ونَحْوُها مِنَ الأخْبارِ.
والمَعْنى في هَذِهِ الأخْبارِ حالَ وُجُودِ الإسْكارِ دُونَ غَيْرِها المُوافِقِ لِما ذَكَرْنا مِنَ الأخْبارِ النّافِيَةِ لِكَوْنِها خَمْرًا وما ذَكَرْنا مِن دَلالَةِ الإجْماعِ. وقَدْ تَواتَرَتِ الآثارُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ شُرْبُ النَّبِيذِ الشَّدِيدِ، مِنهم عُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ وأبُو الدَّرْداءِ وبُرَيْدَةُ، في آخَرِينَ قَدْ ذَكَرْناهم في كِتابِنا في الأشْرِبَةِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ شُرْبٌ مِنَ النَّبِيذِ الشَّدِيدِ، في أخْبارٍ أُخَرَ، فَيَنْبَغِي عَلى قَوْلِ هَذا القائِلِ أنْ يَكُونُوا قَدْ شَرِبُوا خَمْرًا. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مَطِينٌ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ» فَقُلْنا: يا ابْنَ عَبّاسٍ إنَّ هَذا النَّبِيذَ الَّذِي نَشْرَبُ يُسْكِرُنا قالَ: لَيْسَ هَكَذا، إنْ شَرِبَ أحَدُكم تِسْعَةَ أقْداحٍ لَمْ يُسْكِرْ فَهو حَلالٌ، فَإنْ شَرِبَ العاشِرَ فَأسْكَرَهُ فَهو حَرامٌ.
حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا هَوْذَةُ قالَ: حَدَّثَنا عَوْفُ بْنُ سِنانٍ عَنْ أبِي الحَكَمِ عَنْ بَعْضِ الأشْعَرِيِّينَ عَنِ الأشْعَرِيِّ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومُعاذًا إلى اليَمَنِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تَبْعَثُنا إلى أرْضٍ بِها أشْرِبَةٌ مِنها البِتْعُ مِنَ العَسَلِ والمَزْرُ مِنَ الشَّعِيرِ والذُّرَةِ يَشْتَدُّ حَتّى يُسْكِرَ؛ قالَ: وأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَوامِعَ الكَلِمِ فَقالَ: إنَّما حُرِّمَ المُسْكِرُ الَّذِي يُسْكِرُ عَنِ الصَّلاةِ» .
فَأخْبَرَ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ المُحَرَّمَ مِنهُ ما يُوجِبُ السُّكْرَ دُونَ غَيْرِهِ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيّا العَلائِيُّ قالَ: حَدَّثَنا العَبّاسُ بْنُ بِكارٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ الغَطَفانِيُّ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الأشْرِبَةِ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَقالَ «حُرِّمَ الخَمْرُ بِعَيْنِها والسُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ» .
وفِي هَذا الحَدِيثِ أيْضًا بَيانُ ما حُرِّمَ مِنَ الأشْرِبَةِ سِوى الخَمْرِ وهو ما يُوجِبُ السُّكْرَ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ قالَ: حَدَّثَنا سِماكُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيارٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-١٢٧)يَقُولُ: «اشْرَبُوا في الظُّرُوفِ ولا تَسْكَرُوا»، فَقَوْلُهُ: ( اشْرَبُوا في الظُّرُوفِ ) مُنْصَرِفٌ إلى ما كانَ حَظَرَهُ مِنَ الشُّرْبِ في الأوْعِيَةِ، فَأباحَ الشُّرْبَ مِنها بِهَذا الخَبَرِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ مُرادَهُ ما يُسْكِرُ كَثِيرُهُ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( اشْرَبُوا الماءَ ولا تَسْكَرُوا )؛ إذْ كانَ الماءُ لا يُسْكِرُ بِوَجْهٍ ما ؟ فَثَبَتَ أنَّ مُرادَهُ إباحَةٌ شُرْبِ قَلِيلِ ما يُسْكِرُ كَثِيرُهُ. وأمّا ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ مِن شُرْبِ النَّبِيذِ الشَّدِيدِ فَقَدْ ذَكَرْنا مِنهُ طَرَفًا في كِتابِ الأشْرِبَةِ، ونَذْكُرُ هاهُنا بَعْضَ ما رُوِيَ فِيهِ، حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ القَتّاتُ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ مِهْرانَ الخَبّازُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ أبِي حُصَيْنٍ والأعْمَشِ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ والأسْوَدُ قالَ: ( كُنّا نَدْخُلُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَسْقِيَنا النَّبِيذَ الشَّدِيدَ ) .
وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحُسَيْنِ الكَرْخِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَوْنٍ الفَرْضِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مَنصُورٍ الرَّمادِيُّ قالَ: حَدَّثَنا نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ القِطّانِ بِالكُوفَةِ وهو يُحَدِّثُنا في تَحْرِيمِ النَّبِيذِ، فَجاءَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ حَتّى وقَفَ عَلَيْهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: اسْكُتْ يا صَبِيُّ حَدَّثَنا الأعْمَشُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: شَرِبْنا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ نَبِيذًا صُلْبًا آخِرُهُ يُسْكِرُ؛ وحَدَّثَنا أبُو إسْحاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ حِينَ طُعِنَ وقَدْ أُتِيَ بِالنَّبِيذِ فَشَرِبَهُ، قالَ: عَجِبْنا مِن قَوْلِ أبِي بَكْرٍ لِيَحْيى: ( اسْكُتْ يا صَبِيُّ ) .
ورَوى إسْرائِيلُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وعَلْقَمَةَ أنَّ أعْرابِيًّا شَرِبَ مِن شَرابِ عُمَرَ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ الحَدَّ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: إنَّما شَرِبْتُ مِن شَرابِكَ فَدَعا عُمَرُ شَرابَهُ فَكَسَّرَهُ بِالماءِ ثُمَّ شَرِبَ مِنهُ وقالَ: ( مَن رابَهُ مِن شَرابِهِ شَيْءٌ فَلِيُكَسِّرْهُ بِالماءِ )، ورَواهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ، وقالَ فِيهِ: إنَّهُ شَرِبَ مِنهُ بَعْدَما ضَرَبَ الأعْرابِيَّ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا المَعْمَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي الشَّوارِبِ قالَ: حَدَّثَنا مَعْمَرُ قالَ: حَدَّثَنِي عَطاءُ بْنُ أبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ «أُمِّ سُلَيْمٍ وأبِي طَلْحَةَ: أنَّهُما كانا يَشْرَبانِ نَبِيذَ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ يَخْلِطانِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يا أبا طَلْحَةَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ هَذا فَقالَ: إنَّما نَهى عَنْهُ لِلْعَوَزِ في ذَلِكَ الزَّمانِ كَما نَهى عَنِ الإقْرانِ» .
وما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا البابِ كَثِيرٌ، وقَدْ ذَكَرْنا مِنهُ طَرَفًا في كِتابِنا ( الأشْرِبَةِ ) وكَرِهْتُ التَّطْوِيلَ بِإعادَتِهِ هُنا. وما رُوِيَ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَحْرِيمُهُ الأشْرِبَةَ الَّتِي يُبِيحُها أصْحابُنا فِيما نَعْلَمُهُ، وإنَّما رُوِيَ عَنْهم تَحْرِيمُ نَقِيعِ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ وما لَمْ يُرَدَّ مِنَ العَصِيرِ إلى الثُّلُثِ؛ إلى أنْ نَشَأ (p-١٢٧)قَوْمٌ مِنَ الحَشْوِ تَصَنَّعُوا عِنْدَ العامَّةِ بِالتَّشْدِيدِ في تَحْرِيمِهِ ولَوْ كانَ النَّبِيذُ مُحَرَّمًا لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهِ مُسْتَفِيضًا لِعُمُومِ البَلْوى كانَتْ بِهِ؛ إذْ كانَتْ عامَّةُ أشْرِبَتِهِمْ نَبِيذَ التَّمْرِ والبُسْرِ، كَما ورَدَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وقَدْ كانَتْ بَلْواهم بِشُرْبِ النَّبِيذِ أعَمَّ مِنها بِشُرْبِ الخَمْرِ لِقِلَّتِها كانَتْ عِنْدَهم، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مُوجِبِي تَحْرِيمَهُ. وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في ذَلِكَ مِن سائِرِ وُجُوهِهِ في ( الأشْرِبَةِ ) .
وأمّا المَيْسِرُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ( الشَّطْرَنْجُ مِنَ المَيْسِرِ ) وقالَ عُثْمانُ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: ( النَّرْدُ ) . وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: ( القِمارُ كُلُّهُ مِنَ المَيْسِرِ ) .
وأصْلُهُ مِن تَيْسِيرِ أمْرِ الجَزُورِ بِالِاجْتِماعِ عَلى القِمارِ فِيهِ، وهو السِّهامُ الَّتِي يُجِيلُونَها، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ اسْتَحَقَّ مِنهُ ما تُوجِبُهُ عَلامَةُ السَّهْمِ، فَرُبَّما أخْفَقَ بَعْضُهم حَتّى لا يَحْظى بِشَيْءٍ ويَنْجَحَ البَعْضُ فَيَحْظى بِالسَّهْمِ الوافِرِ؛ وحَقِيقَتُهُ تَمْلِيكُ المالِ عَلى المُخاطَرَةِ. وهو أصْلٌ في بُطْلانِ عُقُودِ التَّمْلِيكاتِ الواقِعَةِ عَلى الأخْطارِ، كالهِباتِ والصَّدَقاتِ وعُقُودِ البِياعاتِ ونَحْوِها، إذا عُلِّقَتْ عَلى الأخْطارِ، بِأنْ يَقُولَ: ( قَدْ بِعْتُكَ إذا قَدِمَ زَيْدٌ ) و( وهَبْتُهُ لَكَ إذا خَرَجَ عَمْرٌو ) لِأنَّ مَعْنى إيسارِ الجَزُورِ أنْ يَقُولَ: مَن خَرَجَ سَهْمُهُ اسْتَحَقَّ مِنَ الجَزُورِ كَذا، فَكانَ اسْتِحْقاقُهُ لِذَلِكَ السَّهْمِ مِنهُ مُعَلَّقًا عَلى الخَطَرِ. والقُرْعَةُ في الحُقُوقِ تَنْقَسِمُ إلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: تَطْيِيبُ النُّفُوسِ مِن غَيْرِ إحْقاقِ واحِدٍ مِنَ المُقْتَرِعِينَ ولا بَخْسِ حَظٍّ مِمّا اقْتَرَعُوا عَلَيْهِ، مِثْلُ القُرْعَةِ في القِسْمَةِ وفي قَسْمِ النِّساءِ وفي تَقْدِيمِ الخُصُومِ إلى القاضِي.
والثّانِي: مِمّا ادَّعاهُ مُخالِفُونا في القُرْعَةِ بَيْنَ عَبِيدٍ أعْتَقَهُمُ المَرِيضُ ولا مالَ لَهُ غَيْرُهم، فَقَوْلُ مُخالِفِينا هُنا مِن جِنْسِ المَيْسِرِ المَحْظُورِ بِنَصِّ الكِتابِ لِما فِيهِ مِن نَقْلِ الحُرِّيَّةِ عَمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ إلى غَيْرِهِ بِالقُرْعَةِ، ولِما فِيهِ أيْضًا مِن إحْقاقِ بَعْضِهِمْ وبَخْسِ حَقِّهِ حَتّى لا يَحْظى مِنهُ بِشَيْءٍ واسْتِيفاءِ بَعْضِهِمْ حَقَّهُ وحَقَّ غَيْرِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَيْسِرِ في المَعْنى. وأمّا الأنْصابُ فَهي ما نُصِبَ لِلْعِبادَةِ مِن صَنَمٍ أوْ حَجَرٍ غَيْرِ مُصَوَّرٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن سائِرِ ما يُنْصَبُ لِلْعِبادَةِ. وأمّا الأزْلامُ فَهي القِداحُ، وهي سِهامٌ كانُوا يَجْعَلُونَ عَلَيْها عَلاماتِ ( افْعَلْ ) و( لا تَفْعَلْ ) ونَحْوِ ذَلِكَ، فَيَعْمَلُونَ في سائِرِ ما يَهْتَمُّونَ بِهِ مِن أعْمالِهِمْ عَلى ما تُخْرِجُهُ تِلْكَ السِّهامُ مِن أمْرٍ أوْ نَهْيٍ أوْ إثْباتٍ أوْ نَفْيٍ، ويَسْتَعْمِلُونَها في الأنْسابِ أيْضًا إذا شَكُّوا فِيها، فَإنْ خَرَجَ ( لا ) نَفَوْهُ، وإنْ خَرَجَ ( نَعَمْ ) أثْبَتُوهُ؛ وهي سِهامُ المَيْسِرِ أيْضًا. وأمّا قَوْلُهُ ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ فَإنَّ الرِّجْسَ هو الَّذِي يَلْزَمُ اجْتِنابُهُ إمّا لِنَجاسَتِهِ وإمّا لِقُبْحِ ما يُفْعَلُ بِهِ مِن عِبادَةٍ أوْ تَعْظِيمٍ؛ لِأنَّهُ يُقالُ ( رِجْسٌ نَجِسٌ ) فَيُرادُ (p-١٢٨)بِالرِّجْسِ النَّجِسُ، ويَتْبَعُ أحَدُهُما الآخَرَ، كَقَوْلِهِمْ: ( حَسَنٌ بَسَنٌ ) و( عَطْشانُ نَطْشانُ ) وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ. والرِّجْزُ قَدْ قِيلَ فِيهِ إنَّهُ العَذابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] أيِ العَذابَ. وقَدْ يَكُونُ في مَعْنى الرِّجْسِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ [الأنفال: ١١] وإنَّما قالَ تَعالى: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ لِأنَّهُ يَدْعُو إلَيْهِ ويَأْمُرُ بِهِ، فَأكَّدَ بِذَلِكَ أيْضًا حُكْمَ تَحْرِيمِها؛ إذْ كانَ الشَّيْطانُ لا يَأْمُرُ إلّا بِالمَعاصِي والقَبائِحِ والمُحَرَّماتِ، وجازَتْ نِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ عَلى وجْهِ المَجازِ؛ إذْ كانَ هو الدّاعِيَ إلَيْهِ والمُزَيِّنَ لَهُ، ألا تَرى أنَّ رَجُلًا لَوْ أغْرى غَيْرَهُ بِضَرْبِ غَيْرِهِ أوْ بِسَبِّهِ وزَيَّنَهُ لَهُ جازَ أنْ يُقالَ لَهُ هَذا مِن عَمَلِكَ ؟
المائدة 5:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ الآيَةُ؛ فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ ما يَدْعُو الشَّيْطانُ إلَيْهِ ويُزَيِّنُهُ مِن شُرْبِ الخَمْرِ حَتّى يَسْكَرَ مِنها شارِبُها فَيُقْدِمُ عَلى القَبائِحِ ويُعَرْبِدُ عَلى جُلَسائِهِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى العَداوَةِ والبَغْضاءِ؛ وكَذَلِكَ القِمارُ يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: ( كانَ الرَّجُلُ يُقامِرُ في مالِهِ وأهْلِهِ فَيُقْمَرُ ويَبْقى حَزِينًا سَلِيبًا فَيُكْسِبُهُ ذَلِكَ العَداوَةَ والبَغْضاءَ ) . ومِنَ النّاسِ مَن يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى تَحْرِيمِ النَّبِيذِ إذْ كانَ السُّكْرُ مِنهُ يُوجِبُ مِنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ مِثْلُ ما يُوجِبُهُ السُّكْرُ في الخَمْرِ؛ وهَذا المَعْنى لَعَمْرِي مَوْجُودٌ فِيما يُوجِبُ السُّكْرَ مِنهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيما لا يُوجِبُهُ، ولا خِلافَ في تَحْرِيمِ ما يُوجِبُ السُّكْرَ مِنهُ، وأمّا قَلِيلُ الخَمْرِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ العِلَّةُ مَوْجُودَةً فِيهِ فَهو مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ، ولَيْسَ فِيهِ عِلَّةٌ تَقْتَضِي تَحْرِيمَ قَلِيلِ النَّبِيذِ.
المائدة 5:92
بابُ وُجُوبِ طاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] وقالَ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقالَ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَأكَّدَ جَلَّ وعَلا بِهَذِهِ الآياتِ وُجُوبَ طاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبانَ أنَّ طاعَتَهُ طاعَةُ اللَّهِ، وأفادَ بِذَلِكَ أنَّ مَعْصِيَتَهُ مَعْصِيَةُ اللَّهِ؛ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] فَأوْعَدَ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ الرَّسُولِ، وجَعَلَ مُخالِفَ أمْرِ الرَّسُولِ والمُمْتَنِعَ مِن تَسْلِيمِ ما جاءَ بِهِ والشّاكَّ فِيهِ خارِجًا مِنَ الإيمانِ (p-١٨١)بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] قِيلَ في الحَرَجِ هَهُنا إنَّهُ الشَّكُّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وأصْلُ الحَرَجِ الضِّيقُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّسْلِيمَ مِن غَيْرِ شَكٍّ في وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ ولا ضِيقِ صَدْرٍ بِهِ بَلْ بِانْشِراحِ صَدْرٍ وبَصِيرَةٍ ويَقِينٍ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن رَدَّ شَيْئًا مِن أوامِرِ اللَّهِ تَعالى أوْ أوامِرِ رَسُولِهِ ﷺ فَهو خارِجٌ مِنَ الإسْلامِ سَواءٌ رَدَّهُ مِن جِهَةِ الشَّكِّ فِيهِ أوْ مِن جِهَةِ تَرْكِ القَبُولِ والِامْتِناعِ مِنَ التَّسْلِيمِ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الصَّحابَةُ في حُكْمِهِمْ بِارْتِدادِ مَنِ امْتَنَعَ مِن أداءِ الزَّكاةِ وقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ مَن لَمْ يُسَلِّمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَضاءَهُ وحُكْمَهُ فَلَيْسَ مِن أهْلِ الإيمانِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ ﷺ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى فَهَلّا كانَ أمْرُ الرَّسُولِ أمْرَ اللَّهِ تَعالى قِيلَ لَهُ: إنَّما كانَتْ طاعَتُهُ طاعَةَ اللَّهِ بِمُوافَقَتِها إرادَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أوامِرَهُ، وأمّا الأمْرُ فَهو قَوْلُ القائِلِ " افْعَلْ " ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا واحِدًا لِآمِرَيْنِ كَما لا يَكُونُ فِيهِ قَوْلُ واحِدٍ مِن قائِلَيْنِ ولا فِعْلُ واحِدٍ مِن فاعِلَيْنِ.
المائدة 5:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: ( لَمّا حَرُمَ الخَمْرُ كانَ قَدْ ماتَ رِجالٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ، فَقالَتِ الصَّحابَةُ: كَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهم يَشْرَبُونَها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ) . ورُوِيَ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّ قَوْمًا شَرِبُوا بِالشّامِّ وقالُوا هي لَنا حَلالٌ وتَأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ، فَأجْمَعَ عُمَرُ وعَلِيٌّ عَلى أنْ يُسْتَتابُوا فَإنْ تابُوا وإلّا قُتِلُوا.
ورَوى الزُّهْرِيُّ قالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أنَّ الجارُودَ سَيِّدَ بَنِي عَبْدِ القَيْسِ وأبا هُرَيْرَةَ شَهِدا عَلى قَدّامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ أنَّهُ شَرِبَ الخَمْرَ وأرادَ عُمَرُ أنْ يَجْلِدَهُ، فَقالَ قُدامَةُ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةُ فَقالَ عُمَرُ: إنَّكَ قَدْ أخْطَأْتَ التَّأْوِيلَ يا قُدامَةُ، إذا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ فَلَمْ يَحْكُمُوا عَلى قُدامَةَ بِحُكْمِهِمْ (p-١٢٩)عَلى الَّذِينَ شَرِبُوها بِالشّامِ، ولَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ حُكْمَهم؛ لِأنَّ أُولَئِكَ شَرِبُوها مُسْتَحِلِّينَ لَها، ومُسْتَحِلُّ ما حَرَّمَ اللَّهُ كافِرٌ، فَلِذَلِكَ اسْتَتابُوهم.
وأمّا قُدامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ فَلَمْ يَشْرَبْها مُسْتَحِلًّا لِشُرْبِها، وإنَّما تَأوَّلَ الآيَةَ عَلى أنَّ الحالَ الَّتِي هو عَلَيْها ووُجُودُ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ فِيهِ مُكَفِّرَةٌ لِذُنُوبِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فَكانَ عِنْدَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ وأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ عَلى شُرْبِها مَعَ اعْتِقادِهِ لِتَحْرِيمِها ولِتَكْفِيرِ إحْسانِهِ إساءَتَهُ. وأعادَ ذِكْرَ الِاتِّقاءِ في الآيَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ والمُرادُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها غَيْرُ المُرادِ بِالأُخْرى، فَأمّا الأوَّلُ: فَمَنِ اتَّقى فِيما سَلَفَ، والثّانِي: الِاتِّقاءُ مِنهم في مُسْتَقْبَلِ الأوْقاتِ، والثّالِثُ: اتِّقاءُ ظُلْمِ العِبادِ والإحْسانُ إلَيْهِمْ.
المائدة 5:94
بابُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ قِيلَ في مَوْضِعِ ( مِن ) هاهُنا إنَّها لِلتَّبْعِيضِ، بِأنْ يَكُونَ المُرادُ صَيْدَ البَرِّ دُونَ صَيْدِ البَحْرِ وصَيْدَ الإحْرامِ دُونَ صَيْدِ الإحْلالِ. وقِيلَ إنَّها لِلتَّمْيِيزِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وقَوْلُكَ " بابٌ مِن حَدِيدٍ " و" ثَوْبٌ مِن قُطْنٍ " . وجائِزٌ أنْ يُرِيدَ ما يَكُونُ مِن أجْزاءِ الصَّيْدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ صَيْدًا، كالبَيْضِ والفَرْخِ؛ لِأنَّ البَيْضَ مِنَ الصَّيْدِ، وكَذَلِكَ الفَرْخُ والرِّيشُ وسائِرُ أجْزائِهِ؛ فَتَكُونُ الآيَةُ شامِلَةً لِجَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي، ويَكُونُ المُحَرَّمُ بَعْضُ الصَّيْدِ في بَعْضِ الأحْوالِ وهو صَيْدُ البَرِّ في حالِ الإحْرامِ، ويُفِيدُ أيْضًا تَحْرِيمَ ما كانَ مِن أجْزاءِ الصَّيْدِ ونَما عَنْهُ كالبِيضِ والفَرْخِ والوَبَرِ وغَيْرِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكُمْ﴾ قالَ: ( فِراخُ الطَّيْرِ وصِغارُ الوَحْشِ ) . وقالَ مُجاهِدٌ: ( الفِراخُ والبَيْضُ ) .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتاهُ أعْرابِيٌّ بِخَمْسِ بَيْضاتٍ فَقالَ: إنّا مُحْرِمُونَ وإنّا لا نَأْكُلُ؛ فَلَمْ يَقْبَلْها» .
ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى في بَيْضِ نَعامٍ أصابَهُ المُحْرِمُ بِقِيمَتِهِ» . ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مُوسى في بَيْضِ النَّعامَةِ يُصِيبُهُ المُحْرِمُ: ( أنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ ) . ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورِماحُكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( كِبارُ الصَّيْدِ ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] (p-١٣٠)قِيلَ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ كُلُّها مُحْتَمَلٌ:
أحَدُها: مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ. والثّانِي دُخُولُ الحَرَمِ، يُقالُ أحْرَمَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ الحَرَمَ، كَما يُقالُ أنْجَدَ إذا أتى نَجْدًا، وأعْرَقَ إذا أتى العِراقَ، وأتْهَمَ إذا أتى تِهامَةَ. والثّالِثُ: الدُّخُولُ في الشَّهْرِ الحَرامِ، كَما قالَ الشّاعِرُ
؎قُتِلَ الخَلِيفَةُ مُحْرِمًا
يَعْنِي في الشَّهْرِ الحَرامِ، وهو يُرِيدُ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ولا خِلافَ أنَّ الوَجْهَ الثّالِثَ غَيْرُ مُرادٍ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ الشَّهْرَ الحَرامَ لا يَحْظُرُ الصَّيْدَ، والوَجْهانِ الأوَّلانِ مُرادانِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ صَيْدِ الحَرَمِ لِلْحَلالِ والمُحْرِمِ، فَدَلَّ أنَّهُ مُرادٌ بِالآيَةِ؛ لِأنَّهُ مَتى ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حُكْمٌ يَنْتَظِمُهُ لَفْظُ القُرْآنِ فالواجِبُ أنْ يُحْكَمَ بِأنَّهُ صَدَرَ عَنِ الكِتابِ غَيْرُ مُبْتَدَأٍ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] يَقْتَضِي عُمُومُهُ صَيْدَ البَرِّ والبَحْرِ لَوْلا ما خَصَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] صَيْدُ البَرِّ خاصَّةً دُونَ صَيْدِ البَحْرِ. وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] أنَّ كُلَّ ما يَقْتُلُهُ المُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ فَهو غَيْرُ ذَكِيٍّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ قَتْلًا، والمَقْتُولُ لا يَجُوزُ أكْلُهُ وإنَّما يَجُوزُ أكْلُ المَذْبُوحِ عَلى شَرائِطِ الذَّكاةِ، وما ذُكِّيَ مِنَ الحَيَوانِ لا يُسَمّى مَقْتُولًا؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مَقْتُولًا يُفِيدُ أنَّهُ غَيْرُ مُذَكًّى. وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ في الحِلِّ والحَرَمِ» قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الخَمْسَةَ لَيْسَتْ مِمّا يُؤْكَلُ لِأنَّهُ مَقْتُولٌ غَيْرُ مُذَكًّى، ولَوْ كانَ مُذَكًّى كانَتْ إفاتَةُ رُوحِهِ لا تَكُونُ قَتْلًا ولَمْ يَكُنْ يُسَمّى بِذَلِكَ. وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ: ( لِلَّهِ عَلَيَّ ذَبْحُ شاةٍ ) إنَّ عَلَيْهِ أنْ يَذْبَحَ، ولَوْ قالَ: ( لِلَّهِ عَلَيَّ قَتْلُ شاةٍ ) لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ: ( لِلَّهِ عَلَيَّ ذَبْحُ ولَدِي أوْ نَحْرُهُ ) فَعَلَيْهِ شاةٌ، ولَوْ قالَ: ( لِلَّهِ عَلَيَّ قَتْلُ ولَدِي ) لَمْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ اسْمَ الذَّبْحِ مُتَعَلِّقٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ في الإباحَةِ والقُرْبَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ القَتْلُ. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] قالَ: ( قَتْلُهُ حَرامٌ في هَذِهِ الآيَةِ وأكْلُهُ حَرامٌ في هَذِهِ الآيَةِ ) يَعْنِي أكْلَ ما قَتَلَهُ المُحْرِمُ مِنهُ.
ورَوى أشْعَثُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ( كُلُّ صَيْدٍ يَجِبُ فِيهِ الجَزاءُ فَذَلِكَ الصَّيْدُ مَيْتَةٌ لا يَحِلُّ أكْلُهُ )؛ ورَوى عَنْهُ يُونُسُ أيْضًا أنَّهُ لا يُؤْكَلُ.
ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الحَسَنِ في الصَّيْدِ يَذْبَحُهُ المُحْرِمُ قالَ: ( يَأْكُلُهُ الحَلالُ ) . وعَنْ عَطاءٍ: ( إذا أصابَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ لا يَأْكُلُهُ الحَلالُ ) . وقالَ الحَكَمُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ( يَأْكُلُهُ الحَلالُ ) . وهو قَوْلُ سُفْيانَ. وقَدْ ذَكَرْنا (p-١٣١)دَلالَةَ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ ما أصابَهُ المُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ وأنَّهُ لا يَكُونُ مُذَكًّى؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِ مِن طَرِيقِ الدِّينِ عَلى أنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى فَأشْبَهَ صَيْدَ المَجُوسِيِّ والوَثَنِيِّ وما تُرِكَ فِيهِ التَّسْمِيَةُ أوْ شَيْءٌ مِن شَرائِطِ الذَّكاةِ، لَيْسَ بِمَنزِلَةِ الذَّبْحِ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبٍ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَهُ تَعَلَّقَ بِحَقِّ آدَمِيٍّ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ أباحَهُ جازَ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الذَّكاةِ ؟ إذْ كانَتِ الذَّكاةُ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى، فَشُرُوطُها ما كانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى.
المائدة 5:95
بابُ ما يَقْتُلُهُ المُحْرِمُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ لَمّا كانَ خاصًّا في صَيْدِ البَرِّ دُونَ صَيْدِ البَحْرِ لِما ذَكَرْنا في سِياقِ الآيَةِ مِنَ التَّخْصِيصِ، اقْتَضى عُمُومُهُ تَحْرِيمَ سائِرِ صَيْدِ البَرِّ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. وقَدْ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وأبُو سَعِيدٍ وعائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ في الحِلِّ والحَرَمِ: الحَيَّةُ والعَقْرَبُ والغُرابُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ» عَلى اخْتِلافٍ مِنهم في بَعْضِها، وفي بَعْضِها: ( هُنَّ فَواسِقُ ) . ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ( الكَلْبُ العَقُورُ الأسَدُ ) . ورَوى حَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ عَنْ وبَرَةَ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ «أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الذِّئْبِ والفَأْرَةِ والغُرابِ والحِدَأةِ» . فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ الذِّئْبَ. وذَكَرَ القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ قالَ: ( الكَلْبُ العَقُورُ الَّذِي أُمِرَ المُحْرِمُ بِقَتْلِهِ ما قَتَلَ النّاسَ وعَدا عَلَيْهِمْ، مِثْلُ الأسَدِ والنَّمِرِ والذِّئْبِ وهو الكَلْبُ العَقُورُ، وأمّا ما كانَ مِنَ السِّباعِ لا يَعْدُو مِثْلُ الضَّبُعِ والثَّعْلَبِ والهِرَّةِ وما أشْبَهَهُنَّ مِنَ السِّباعِ فَلا يَقْتُلْهُنَّ المُحْرِمُ، فَإنْ قَتَلَ مِنهُنَّ شَيْئًا فَداهُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ تَلَقّى الفُقَهاءُ هَذا الخَبَرَ بِالقَبُولِ واسْتَعْمَلُوهُ في إباحَةِ قَتْلِ الأشْياءِ الخَمْسَةِ لِلْمُحْرِمِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في الكَلْبِ العَقُورِ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَلى ما قَدَّمْنا الرِّوايَةَ فِيهِ: ( إنَّهُ الأسَدُ ) ويَشْهَدُ لِهَذا التَّأْوِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا عَلى عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ فَقالَ: «أكَلَكَ كَلْبُ اللَّهِ» فَأكَلَهُ الأسَدُ. قِيلَ لَهُ: إنَّ الكَلْبَ العَقُورَ هو الذِّئْبُ. ورُوِيَ في بَعْضِ أخْبارِ ابْنِ عُمَرَ في مَوْضِعٍ ( الكَلْبُ ) ( الذِّئْبُ )، ولَمّا ذَكَرَ الكَلْبَ العَقُورَ أفادَ بِذَلِكَ كَلْبًا مِن شَأْنِهِ العَدْوَ عَلى النّاسِ وعَقْرِهِمْ، وهَذِهِ صِفَةُ الذِّئْبِ، فَأوْلى الأشْياءِ بِالكَلْبِ هاهُنا الذِّئْبُ. وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ ما عَدا عَلى المُحْرِمِ وابْتَدَأهُ بِالأذى فَجائِزٌ لَهُ قَتْلُهُ مِن غَيْرِ فَدِيَةٍ لِأنَّ فَحْوى ذِكْرِهِ الكَلْبَ العَقُورَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَنِ ابْتَدَأهُ السَّبْعُ فَقَتَلَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ هو الَّذِي ابْتَدَأ السَّبْعَ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾
واسْمُ الصَّيْدِ واقِعٌ عَلى كُلِّ مُمْتَنِعِ الأصْلِ مُتَوَحِّشٍ، (p-١٣٢)ولا يَخْتَصُّ بِالمَأْكُولِ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] فَعَلَّقَ الحُكْمَ مِنهُ بِما تَنالُهُ أيْدِينا ورِماحُنا، ولَمْ يُخَصِّصِ المُباحَ مِنهُ دُونَ المَحْظُورِ الأكْلِ. ثُمَّ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ في الخَبَرِ وذَكَرَ مَعَها الكَلْبَ العَقُورَ، فَكانَ تَخْصِيصُهُ لِهَذِهِ الأشْياءِ وذِكْرُهُ لِلْكَلْبِ العَقُورِ دَلِيلًا عَلى أنَّ كُلَّ ما ابْتَدَأ الإنْسانَ بِالأذى مِنَ الصَّيْدِ فَمُباحٌ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ؛ لِأنَّ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ مِن شَأْنِها أنْ تَبْتَدِئَ بِالأذى، فَجَعَلَ حُكْمَها حُكْمَ حالِها في الأغْلَبِ وإنْ كانَتْ قَدْ لا تَبْتَدِئُ في حالٍ؛ لِأنَّ الأحْكامَ إنَّما تَتَعَلَّقُ في الأشْياءِ بِالأعَمِّ الأكْثَرِ، ولا حُكْمَ لِلشّاذِّ النّادِرِ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ الكَلْبَ العَقُورَ وقِيلَ هو الأسَدُ فَإنَّما أباحَ قَتْلَهُ إذا قَصَدَ بِالعَقْرِ والأذى، وإنْ كانَ الذِّئْبُ فَذَلِكَ مِن شَأْنِهِ في الأغْلَبِ؛ فَما خَصَّهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن ذَلِكَ بِالخَبَرِ وقامَتْ دَلالَتُهُ فَهو مَخْصُوصٌ مِن عُمُومِ الآيَةِ، وما لَمْ يَخُصَّهُ ولَمْ تَقُمْ دَلالَةُ تَخْصِيصِهِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جابِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الضَّبُعُ صَيْدٌ وفِيهِ كَبْشٌ إذا قَتَلَهُ المُحْرِمُ» .
وقَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، والضَّبُعُ مِن ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ وجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِيها كَبْشًا.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِسْتَ عَلى الخَمْسِ ما كانَ في مَعْناها وهو ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ قِيلَ لَهُ: إنَّما خَصَّ هَذِهِ الأشْياءَ الخَمْسَةَ مِن عُمُومِ الآيَةِ، وغَيْرُ جائِزٍ عِنْدَنا القِياسُ عَلى المَخْصُوصِ إلّا أنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ مَذْكُورَةً فِيهِ أوْ دَلالَةً قائِمَةً فِيما خَصَّ، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ لِلْخَمْسِ عِلَّةٌ مَذْكُورَةٌ فِيها لَمْ يَجُزِ القِياسُ عَلَيْها في تَخْصِيصِ عُمُومِ الأصْلِ. وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ دَلالَتِهِ عَلى ما يَبْتَدِئُ الإنْسانَ بِالأذى مِنَ السِّباعِ، وكَوْنُهُ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ دَلالَةٌ مِن فَحْوى الخَبَرِ ولا عِلَّتُهُ مَذْكُورَةٌ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزِ اعْتِبارُهُ. وأيْضًا فَإنَّهُ لا خِلافَ فِيما ابْتَدَأ المُحْرِمَ في سُقُوطِ الجَزاءِ، فَجازَ تَخْصِيصُهُ بِالإجْماعِ وبَقِيَ حُكْمُ عُمُومِ الآيَةِ فِيما لَمْ يَخُصَّهُ الخَبَرُ ولا الإجْماعُ. ومِن أصْحابِنا مَن يَأْبى القِياسَ في مِثْلِهِ؛ لِأنَّهُ حَصَرَهُ بِعَدَدٍ فَقالَ «خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ» وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما عَداهُ مَحْظُورٌ، فَغَيْرُ جائِزٍ اسْتِعْمالُ القِياسِ في إسْقاطِ دَلالَةِ اللَّفْظِ. ومِنهم مَن يَأْبى صِحَّةَ الِاعْتِلالِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْكُولٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَفْيٌ والنَّفْيُ لا يَكُونُ عِلَّةً، وإنَّما العِلَلُ أوْصافٌ ثابِتَةٌ في الأصْلِ المَعْلُولِ، وأمّا نَفْيُ الصِّفَةِ فَلَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً. فَإنْ غُيِّرَ الحُكْمُ بِإثْباتِ وصْفٍ وجَعَلَ العِلَّةَ أنَّهُ مُحَرَّمُ الأكْلِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ التَّحْرِيمَ هو الحُكْمُ بِنَفْيِ الأكْلِ، فَلَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ نافِيًا لِلصِّفَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ الِاعْتِلالُ بِها. (p-١٣٣)وزَعَمَ الشّافِعِيُّ أنَّ ما لا يُؤْكَلُ مِنَ الصَّيْدِ فَلا جَزاءَ عَلى المُحْرِمِ فِيهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ النّاسُ في ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: فَقالَ قائِلُونَ وهُمُ الجُمْهُورُ: ( سَواءٌ قَتَلَهُ عَمْدًا أوْ خَطَأً فَعَلَيْهِ الجَزاءُ ) وجَعَلُوا فائِدَةَ تَخْصِيصِهِ العَمْدَ بِالذِّكْرِ في نَسَقِ التِّلاوَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ وذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالعَمْدِ دُونَ الخَطَإ؛ لِأنَّ المُخْطِئَ لا يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُ الوَعِيدُ، فَخَصَّ العَمْدَ بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ الخَطَأُ والنِّسْيانُ مِثْلَهُ لِيَصِحَّ رُجُوعُ الوَعِيدِ إلَيْهِ؛ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعُثْمانَ والحَسَنِ رِوايَةً وإبْراهِيمَ وفُقَهاءَ الأمْصارِ. والقَوْلُ الثّانِي: ما رَوى مَنصُورٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمّاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( أنَّهُ كانَ لا يَرى في الخَطَإ شَيْئًا ) وهو قَوْلُ طاوُسٍ وعَطاءٍ وسالِمٍ والقاسِمِ وأحَدِ قَوْلَيْ مُجاهِدٍ في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ عَنْهُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: ما رَوى سُفْيانُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: ( إذا كانَ عامِدًا لِقَتْلِهِ ناسِيًا لِإحْرامِهِ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ، وإنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ عامِدًا لِقَتْلِهِ فَلا جَزاءَ عَلَيْهِ ) وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: ( قَدْ فَسَدَ حَجُّهُ وعَلَيْهِ الهَدْيُ ) . وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوُ قَوْلِ مُجاهِدٍ في أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَجِبُ إذا كانَ عامِدًا لِقَتْلِهِ ناسِيًا لِإحْرامِهِ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ جِناياتِ الإحْرامِ لا يَخْتَلِفُ فِيها المَعْذُورُ وغَيْرُ المَعْذُورِ في بابِ وُجُوبِ الفِدْيَةِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَذَرَ المَرِيضَ ومَن بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ ولَمْ يُخْلِهِما مِن إيجابِ الكَفّارَةِ ؟ وكَذَلِكَ لا خِلافَ في فَواتِ الحَجِّ لِعُذْرٍ أوْ غَيْرِهِ أنَّهُ غَيْرُ مُخْتَلِفِ الحُكْمِ؛ ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ في جِناياتِ الإحْرامِ وكانَ الخَطَأُ عُذْرًا؛ لَمْ يَكُنْ مُسْقِطًا لِلْجَزاءِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لا يَجُوزُ عِنْدَكم إثْباتُ الكَفّاراتِ قِياسًا، ولَيْسَ في المُخْطِئِ نَصٌّ في إيجابِ الجَزاءِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذا عِنْدَنا قِياسًا؛ لِأنَّ النَّصَّ قَدْ ورَدَ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وذَلِكَ عِنْدَنا يَقْتَضِي إيجابَ البَدَلِ عَلى مُتْلِفِهِ، كالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ صَيْدِ الآدَمِيِّ أوْ إتْلافِ مالِهِ يَقْتَضِي إيجابَ البَدَلِ عَلى مُتْلِفِهِ؛ فَلَمّا جَرى الجَزاءُ في هَذا الوَجْهِ مَجْرى البَدَلِ وجَعَلَهُ اللَّهُ مِثْلًا لِلصَّيْدِ؛ اقْتَضى النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِ إيجابَ بَدَلِهِ عَلى مُتْلِفِهِ، ثُمَّ ذَلِكَ البَدَلُ يَكُونُ الجَزاءُ بِالِاتِّفاقِ.
وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ اسْتِواءُ حالِ المَعْذُورِ وغَيْرِ المَعْذُورِ في سائِرِ جِناياتِ الإحْرامِ كانَ مَفْهُومًا مِن ظاهِرِ النَّهْيِ تَساوِي حالِ العامِدِ والمُخْطِئِ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنا قِياسًا، كَما أنَّ حُكْمَنا في غَيْرِ بَرِيرَةَ بِما حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ في بَرِيرَةَ لَيْسَ بِقِياسٍ، وكَذَلِكَ حُكْمُنا في العُصْفُورِ بِحُكْمِ الفَأْرَةِ وحُكْمُنا في الزَّيْتِ بِحُكْمِ السَّمْنِ إذا ماتَ فِيهِ لَيْسَ (p-١٣٤)هُوَ قِياسًا عَلى الفَأْرَةِ وعَلى السَّمْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ تَساوِي ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الحُكْمِ بِما وصَفْنا، فَإذا ورَدَ في شَيْءٍ مِنهُ كانَ حُكْمًا في جَمِيعِهِ، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ بِبَقاءِ صَوْمِ الآكِلِ ناسِيًا هو حُكْمُ فِيهِ بِبَقاءِ صَوْمِ المُجامَعِ ناسِيًا؛ لِأنَّهُما غَيْرُ مُخْتَلِفَيْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِنَ الأحْكامِ في حالِ الصَّوْمِ وكَذَلِكَ قالُوا فِيمَن سَبَقَهُ الحَدَثُ في الصَّلاةِ مِن بَوْلٍ أوْ غائِطٍ إنَّهُ بِمَنزِلَةِ الرُّعافِ والقَيْءِ اللَّذَيْنِ جاءَ فِيهِما الأثَرُ في جَوازِ البِناءِ عَلَيْهِما؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِن أحْكامِ الطَّهارَةِ والصَّلاةِ، فَلَمّا ورَدَ الأثَرُ في بَعْضِ ذَلِكَ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا في جَمِيعِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِقِياسٍ.
كَذَلِكَ حُكْمُ قاتِلِ الصَّيْدِ خَطَأً. وأمّا مُجاهِدٌ فَإنَّهُ تارِكٌ لِظاهِرِ الآيَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فَمَن كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ عامِدًا لِقَتْلِ الصَّيْدِ فَقَدْ شَمِلَهُ الِاسْمُ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ الجَزاءُ، ولا مَعْنى لِاعْتِبارِ كَوْنِهِ ناسِيًا لِإحْرامِهِ عامِدًا لِقَتْلِهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى كَفّارَةِ قاتِلِ الخَطَإ فَلَمْ تَرُدُّوا عَلَيْهِ قاتِلَ العَمْدِ، كَذَلِكَ لَمّا نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى قاتِلِ العَمْدِ بِإيجابِ الجَزاءِ لَمْ يَجُزْ إيجابُها عَلى قاتِلِ الخَطَإ. قِيلَ لَهُ: الجَوابُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَصَّ عَلى حُكْمِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَتْلَيْنِ وجَبَ اسْتِعْمالُهُما ولَمْ يَجُزْ قِياسُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَنا قِياسَ المَنصُوصاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ. ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ قَتْلَ العَمْدِ لَمْ يَخْلُ مِن إيجابِ القَوَدِ الَّذِي هو أعْظَمُ مِنَ الكَفّارَةِ والدِّيَةِ، ومَتى أخْلَيْنا قاتِلَ الصَّيْدِ خَطَأً مِن إيجابِ الجَزاءِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ فَيَكُونُ لَغْوًا عارِيًّا مِن حُكْمٍ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. وأيْضًا فَإنَّ أحْكامَ القَتْلِ في الأُصُولِ مُخْتَلِفَةٌ في العَمْدِ والخَطَإ والمُباحِ والمَحْظُورِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ في الصَّيْدِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى حُكْمُ العَمْدِ والخَطَإ فِيهِ واخْتُلِفَ في قَتْلِ الآدَمِيِّ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالمِثْلِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( أنَّ المِثْلَ نَظِيرُهُ؛ في الأرْوى بَقَرَةٌ وفي الظَّبْيَةِ شاةٌ وفي النَّعامَةِ بَعِيرٌ ) وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ في آخَرِينَ مِنَ التّابِعِينَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ والشّافِعِيِّ وذَلِكَ فِيما لَهُ نَظِيرٌ مِنَ النَّعَمِ، فَأمّا ما لا نَظِيرَ لَهُ مِنهُ كالعُصْفُورِ ونَحْوِهِ فَفِيهِ القِيمَةُ.
ورَوى الحَجّاجُ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ وإبْراهِيمَ في المِثْلِ أنَّهُ القِيمَةُ دَراهِمَ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّهُ الهَدْيُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: ( المِثْلُ هو القِيمَةُ، ويَشْتَرِي بِالقِيمَةِ هَدْيًا إنْ شاءَ، وإنْ شاءَ اشْتَرى طَعامًا وأعْطى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ، وإنْ شاءَ صامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: (p-١٣٥)المِثْلُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى القِيمَةِ وعَلى النَّظِيرِ مِن جِنْسِهِ وعَلى نَظِيرِهِ مِنَ النَّعَمِ، ووَجَدْنا المِثْلَ الَّذِي يَجِبُ في الأُصُولِ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ:
إمّا مِن جِنْسِهِ كَمَنِ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ حِنْطَةً فَيَلْزَمُهُ مِثْلُها، وإمّا مِن قِيمَتِهِ كَمَنِ اسْتَهْلَكَ ثَوْبًا أوْ عَبْدًا؛ والمِثْلُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ ولا قِيمَتِهِ خارِجٌ عَنِ الأُصُولِ. واتَّفَقُوا أنَّ المِثْلَ مِن جِنْسِهِ غَيْرُ واجِبٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المِثْلُ المُرادُ بِالآيَةِ هو القِيمَةُ. وأيْضًا لَمّا كانَ ذَلِكَ مُتَشابِهًا مُحْتَمِلًا لِلْمَعانِي وجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما اتَّفَقُوا عَلى مَعْناهُ مِنَ المِثْلِ المَذْكُورِ في القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَلَمّا كانَ المِثْلُ في هَذا المَوْضِعِ فِيما لا مِثْلَ لَهُ مِن جِنْسِهِ هو القِيمَةُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ المِثْلُ المَذْكُورُ لِلصَّيْدِ مَحْمُولًا عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المِثْلَ في آيَةِ الِاعْتِداءِ مُحْكَمٌ مُتَّفَقٌ عَلى مَعْناهُ بَيْنَ الفُقَهاءِ وهَذا مُتَشابِهٌ يَجِبُ رَدُّهُ إلى غَيْرِهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَرْدُودًا عَلى ما اتَّفَقَ عَلى مَعْناهُ مِنهُ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ المِثْلَ اسْمٌ لِلْقِيمَةِ في الشَّرْعِ ولَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ اسْمٌ لِلنَّظِيرِ مِنَ النَّعَمِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما قَدْ ثَبَتَ اسْمًا لَهُ ولَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلى ما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ اسْمٌ لَهُ. وأيْضًا قَدِ اتَّفَقُوا أنَّ القِيمَةَ مُرادَةٌ بِهَذا المِثْلِ فِيما لا نَظِيرَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هي المُرادَةُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ القِيمَةَ مُرادَةٌ فَهو بِمَنزِلَتِهِ لَوْ نَصَّ عَلَيْها فَلا يَنْتَظِمُ النَّظِيرُ مِنَ النَّعَمِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ القِيمَةَ مُرادَةٌ انْتَفى النَّظِيرُ مِنَ النَّعَمِ لِاسْتِحالَةِ إرادَتِهِما جَمِيعًا في لَفْظٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما مِن قِيمَةٍ أوْ نَظِيرٍ مِنَ النَّعَمِ، ومَتى ثَبَتَ أنَّ القِيمَةَ مُرادَةٌ انْتَفى غَيْرُها.
ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ لَمّا كانَ عامًّا فِيما لَهُ نَظِيرٌ وفِيما لا نَظِيرَ لَهُ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المِثْلُ عامًّا في جَمِيعِ المَذْكُورِ والقِيمَةُ بِذَلِكَ أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا حُمِلَ عَلى القِيمَةِ كانَ المِثْلُ عامًّا في جَمِيعِ المَذْكُورِ، وإذا حُمِلَ عَلى النَّظِيرِ كانَ خاصًّا في بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ؛ وحُكْمُ اللَّفْظِ اسْتِعْمالُهُ عَلى عُمُومِهِ ما أمْكَنَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ اعْتِبارُ القِيمَةِ أوْلى، ومَنِ اعْتَبَرَ النَّظِيرَ جَعَلَ اللَّفْظَ خاصًّا في بَعْضِ المَذْكُورِ دُونَ البَعْضِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ اسْمُ المِثْلِ يَقَعُ عَلى القِيمَةِ تارَةً وعَلى النَّظِيرِ أُخْرى، فَمَنِ اسْتَعْمَلَهُما فِيما لَهُ نَظِيرٌ عَلى النَّظِيرِ وفِيما لا نَظِيرَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ عَلى القِيمَةِ، فَلَمْ يَخْلُ مِنَ اسْتِعْمالِ لَفْظِ المِثْلِ عَلى عُمُومِهِ إمّا في القِيمَةِ أوِ المِثْلِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مُسْتَعْمَلٌ في القِيمَةِ عَلى الخُصُوصِ وفي النَّظِيرِ عَلى (p-١٣٦)الخُصُوصِ أيْضًا واسْتِعْمالُهُ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ ما انْتَظَمَهُ الِاسْمُ بِاعْتِبارِ القِيمَةِ أوْلى مِنَ اسْتِعْمالِهِ عَلى الخُصُوصِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: المِثْلُ اسْمٌ لِلنَّظِيرِ ولَيْسَ بِاسْمٍ لِلْقِيمَةِ، وإنَّما أُوجِبَتِ القِيمَةُ فِيما لا نَظِيرَ لَهُ مِنَ الصَّيْدِ بِالإجْماعِ لا بِالآيَةِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ سَمّى القِيمَةَ مِثْلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ عَبْدًا أنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ، وحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى مُعْتِقِ عَبْدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ إذا كانَ مُوسِرًا، فَبانَ بِذَلِكَ غَلَطُ هَذا القائِلِ في نَفْيِهِ اسْمَ المِثْلِ عَنِ القِيمَةِ. ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ قَوْلَكَ ( إنَّ الآيَةَ لَمْ تَقْتَضِ إيجابَ الجَزاءِ فِيما لا نَظِيرَ لَهُ ) تَخْصِيصٌ لَها بِغَيْرِ دَلِيلٍ، مَعَ دُخُولِ ذَلِكَ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ والهاءُ في: ﴿قَتَلَهُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ المَذْكُورِ مِنَ الصَّيْدِ، فَإذا أخْرَجْتَ مِنهُ بَعْضَهُ فَقَدْ خَصَّصْتَهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وذَلِكَ غَيْرُ سائِغٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المِثْلَ القِيمَةُ دُونَ النَّظِيرِ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ قَدْ رُوِيَ عَنْهم: ( في الحَمامَةِ شاةٌ ) ولا تَشابُهَ بَيْنَ الحَمامَةِ والشّاةِ في المَنظَرِ، فَعَلِمْنا أنَّهم أوْجَبُوها عَلى وجْهِ القِيمَةِ.
فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ جَعَلَ في الضَّبُعِ كَبْشًا. قِيلَ لَهُ: لِأنَّ تِلْكَ كانَتْ قِيمَتُهُ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ أوْجَبَهُ مِن حَيْثُ كانَ نَظِيرًا لَهُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما كانَ يَسُوغُ هَذا التَّأْوِيلَ وحَمْلَ الآيَةِ عَلى القِيمَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ بَيانُ المُرادِ بِالمِثْلِ، وقَدْ فُسِّرَ في نَسَقِ الآيَةِ مَعْنى المِثْلِ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فَأخْبَرَ أنَّ المِثْلَ مِنَ النَّعَمِ ولا مَساغَ لِلتَّأْوِيلِ مَعَ النَّصِّ. قِيلَ لَهُ: إنَّما كانَ يَكُونُ عَلى ما ادَّعَيْتُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَصِلْهُ بِما أسْقَطَ دَعْواكَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ فَلَمّا وصَلَهُ بِما ذَكَرَ وأدْخَلَ عَلَيْهِ حَرْفَ التَّخْيِيرِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ذِكْرَ النَّعَمِ لَيْسَ عَلى وجْهِ التَّفْسِيرِ لِلْمِثْلِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الطَّعامَ والصِّيامَ جَمِيعًا ولَيْسا مِثْلًا وأدْخَلَ ( أوْ ) بَيْنَهُما وبَيْنَ النِّعَمِ ؟ ولا فَرْقَ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ تَرْتِيبُ الآيَةِ بَيْنَ أنْ يَقُولَ فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ طَعامًا أوْ صِيامًا أوْ مِنَ النَّعَمِ هَدْيًا؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ النَّعَمِ في التِّلاوَةِ لا يُوجِبُ تَقْدِيمَهُ في المَعْنى، بَلِ الجَمِيعُ كَأنَّهُ مَذْكُورٌ مَعًا.
ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] لَمْ يَقْتَضِ كَوْنَ الطَّعامِ مُقَدَّمًا عَلى الكِسْوَةِ ولا الكِسْوَةِ مُقَدَّمَةً عَلى العِتْقِ في المَعْنى، بَلِ الكُلُّ كَأنَّهُ (p-١٣٧)مَذْكُورٌ بِلَفْظٍ واحِدٍ مَعًا ؟ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ مَوْصُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ النَّعَمِ تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ كَلامٌ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى تَضْمِينِهِ بِغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ يُمْكِنُ اسْتِعْمالُهُ عَلى غَيْرِ وجْهِ التَّفْسِيرِ لِلْمِثْلِ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُجْعَلَ المِثْلُ مُضَمَّنًا بِالنَّعَمِ مَعَ اسْتِغْناءِ الكَلامِ عَنْهُ لِأنَّ كُلَّ كَلامٍ فَلَهُ حُكْمٌ غَيْرُ جائِزٍ تَضْمِينُهُ بِغَيْرِهِ إلّا بِدَلالَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ سِواهُ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ مَعْلُومٌ أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ إرادَةِ المُحْرِمِ، فَمَعْناهُ: ( مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا ) إنْ أرادَ الهَدْيَ، والطَّعامَ إنْ أرادَ الطَّعامَ، فَلَيْسَ هو إذًا تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ، كَما أنَّ الطَّعامَ والصِّيامَ لَيْسا تَفْسِيرًا لِلْمِثْلِ المَذْكُورِ.
فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم حَكَمُوا في النَّعامَةِ بِبَدَنَةٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ القِيَمَ تَخْتَلِفُ، وقَدْ أطْلَقُوا القَوْلَ في ذَلِكَ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الصَّيْدِ في زِيادَةِ القِيمَةِ ونُقْصانِها. قِيلَ لَهُ: فَما تَقُولُ أنْتَ، هَلْ تُوجِبُ في كُلِّ نَعامَةٍ بَدَنَةً مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الصَّيْدِ في ارْتِفاعِ قِيمَتِهِ وانْخِفاضِها فَتُوجِبُ في أدْنى النَّعامِ بَدَنَةً رَفِيعَةً وتُوجِبُ في أرْفَعِ النَّعامِ بَدَنَةً وضِيعَةً ؟
فَإنْ قِيلَ: لا، وإنَّما أُوجِبُ بَدَنَةً عَلى قَدْرِ النَّعامَةِ، فَإنْ كانَتْ رَفِيعَةً فَبَدَنَةٌ رَفِيعَةٌ وإنْ كانَتْ وضِيعَةً فَبَدَنَةٌ عَلى قَدْرِها؛ قِيلَ لَهُ فَقَدْ خالَفْتَ الصَّحابَةَ لِأنَّهم لَمْ يَسْألُوا عَنْ حالِ الصَّيْدِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الرَّفِيعَةِ مِنها والدَّنِيَّةِ فاعْتَبَرْتَ خِلافَ ما اعْتَبَرُوا.
فَإنْ قِيلَ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم حَكَمُوا بِالبَدَنَةِ عَلى حَسَبِ حالِ النَّعامَةِ وإنْ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ ولَمْ يَنْقُلْهُ الرّاوِي. قِيلَ لَهُ: فَكَذَلِكَ يَقُولُ لَكَ القائِلُونَ بِالقِيمَةِ إنَّهم حَكَمُوا بِالبَدَنَةِ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قِيمَتَها في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنْ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنا أنَّهم حَكَمُوا بِالبَدَنَةِ عَلى أنَّ قِيمَتَها كانَتْ قِيمَةَ النَّعامَةِ. ويُقال لَهم: هَلْ يَدُلُّ حُكْمُهم في النَّعامَةِ بِبَدَنَةٍ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ غَيْرُها مِنَ الطَّعامِ والصِّيامِ ؟ فَإنْ قالُوا: لا، قِيلَ لَهم: فَكَذَلِكَ حُكْمُهم فِيها بِالبَدَنَةِ غَيْرُ دالٍّ عَلى نَفْيِ جَوازِ القِيمَةِ.
فَصْلٌ
وقُرِئَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ﴾ بِرَفْعِ المِثْلِ، وقُرِئَ بِخَفْضِهِ وإضافَةِ الجَزاءِ إلَيْهِ. والجَزاءُ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِلْواجِبِ بِالفِعْلِ ويَكُونُ مَصْدَرًا فَيَكُونُ فِعْلًا لِلْمَجازِيِّ، فَمَن قَرَأهُ بِالتَّنْوِينِ جَعَلَ المِثْلَ صِفَةً لِلْجَزاءِ المُسْتَحَقِّ بِالفِعْلِ وهو القِيمَةُ أوِ النَّظِيرُ مِنَ النَّعَمِ عَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ؛ ومَن أضافَهُ جَعَلَهُ مَصْدَرًا وأضافَهُ إلى المِثْلِ، فَكانَ ما يُخْرِجُهُ مِنَ (p-١٣٨)الواجِبِ مُضافًا إلى المِثْلِ المَذْكُورِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ الَّذِي هو الواجِبُ مُضافًا إلى المِثْلِ، والمِثْلُ يَكُونُ مِثْلًا لِلصَّيْدِ، فَيُفِيدُ أنَّ الصَّيْدَ مَيْتَةٌ مُحَرَّمٌ لا قِيمَةَ لَهُ، وأنَّ الواجِبَ اعْتِبارُ مِثْلِ الصَّيْدِ حَيًّا في إيجابِ القِيمَةِ، فالإضافَةُ صَحِيحَةُ المَعْنى في الحالَيْنِ سَواءٌ كانَ الجَزاءُ اسْمًا أوْ مَصْدَرًا؛ والنَّعَمِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ القَوْلَيْنِ جَمِيعًا مِنَ القِيمَةِ أوِ النَّظِيرِ مِنَ النَّعَمِ؛ لِأنَّ القِيَمَ تَخْتَلِفُ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِ الصَّيْدِ، فَيَحْتاجُ في كُلِّ حِينٍ وفي كُلِّ صَيْدٍ إلى اسْتِئْنافِ حُكْمِ الحَكَمَيْنِ في تَقْوِيمِهِ. ومَن قالَ بِالنَّظَرِ فَرَجَعَ إلى قَوْلِ الحَكَمَيْنِ، لِاخْتِلافِ الصَّيْدِ في نَفْسِهِ مِنَ ارْتِفاعٍ أوِ انْخِفاضٍ حَتّى يُوجِبا في الرَّفِيعِ مِنهُ الرَّفِيعَ مِنَ النَّظِيرِ وفي الوَسَطِ الوَسَطَ وفي الدَّنِيِّ الدَّنِيَّ، وذَلِكَ يُحْتاجُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ الحَكَمَيْنِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، قالا في مُحْرِمٍ قَتَلَ قَطاةً: ( فِيهِ ثُلُثا مُدٍّ وثُلُثا مُدٍّ خَيْرٌ مِن قَطاةٍ في بَطْنِ مِسْكِينٍ ) .
ورَوى مَعْمَرُ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسارٍ قالَ: سَألْتُ القاسِمَ وسالِمًا عَنْ حَجَلَةٍ ذَبَحَها وهو مُحْرِمٌ ناسِيًا، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أحَجَلَةٌ في بَطْنِ رِجْلٍ خَيْرٌ أوْ ثُلُثا مُدٍّ ؟ فَقالَ: بَلْ ثُلُثا مُدٍّ، فَقالَ: هي خَيْرٌ أوْ نِصْفُ مُدٍّ ؟ قالَ: بَلْ نِصْفُ مُدٍّ، قالَ: هي خَيْرٌ أوْ ثُلُثُ مُدٍّ ؟ قالَ: قُلْتُ: أتُجْزِي عَنِّي شاةٌ ؟ قالا: أوَتَفْعَلُ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالا: فاذْهَبْ.
ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ وضَعَ رِداءَهُ عَلى عُودٍ في دارِ النَّدْوَةِ، فَأطارَ حَمامًا فَقَتَلَهُ حَرامٌ، فَقالَ لِعُثْمانَ ونافِعِ بْنِ عَبْدِ الحارِثِ: احْكُما عَلَيَّ فَحَكَما بِعَناقٍ بُنَيَّةَ عَفْراءَ، فَأمَرَ بِها عُمَرُ.
ورَوى عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جابِرٍ: " أنَّ مُحْرِمًا قَتَلَ ظَبْيًا، فَسَألَ عُمَرُ رَجُلًا إلى جَنْبِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِذَبْحِ شاةٍ وأنْ يَتَصَدَّقَ بِلَحْمِها؛ قالَ قَبِيصَةُ: فَلَمّا قُمْنا مِن عِنْدِهِ قُلْتُ لَهُ: أيُّها المُسْتَفْتِي ابْنَ الخَطّابِ إنَّ فُتْيا ابْنِ الخَطّابِ لَمْ تُغْنِ عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فانْحَرْ ناقَتَكَ وعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَواَللَّهِ ما عَلِمَ ابْنُ الخَطّابِ ما يَقُولُ حَتّى سَألَ الرَّجُلَ الَّذِي إلى جَنْبِهِ، فَقُمْتُ إلى عُمَرَ وإذا عُمَرُ قَدْ أقْبَلَ ومَعَهُ الدُّرَّةُ عَلى صاحِبِي صَفْعًا وهو يَقُولُ: قاتَلَكَ اللَّهُ أتَقْتُلُ الحَرامَ وتُعَدِّي الفَتَيا وتَقُولُ ما عَلِمَ عُمَرُ حَتّى سَألَ مَن إلى جَنْبِهِ أما تَقْرَأُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ الحَكَمَيْنِ في ذَلِكَ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ، ألا تَرى أنَّ عُمَرَ وابْنَ عَبّاسٍ وابْنَ عُمَرَ والقاسِمَ وسالِمًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم سَألَ صاحِبَهُ عَنِ اجْتِهادِهِ في المِقْدارِ الواجِبِ، فَلَمّا اتَّفَقَ رَأْيُهُما عَلى شَيْءٍ حَكَما بِهِ ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ لِإباحَةِ اللَّهِ تَعالى الِاجْتِهادَ في تَقْوِيمِ الصَّيْدِ وما يَجِبُ فِيهِ. ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ تَقْوِيمَ المُسْتَهْلَكاتِ (p-١٣٩)مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ عَدْلَيْنِ يَحْكُمانِ بِهِ عَلى المُسْتَهْلِكِ، كَما أوْجَبَ الرُّجُوعَ إلى قَوْلِ الحَكَمَيْنِ في تَقْوِيمِ الصَّيْدِ. والحَكَمانِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَحْكُمانِ عَلَيْهِ بِالقِيمَةِ ثُمَّ يَخْتارُ المُحْرِمُ ما شاءَ مِن هَدْيٍ أوْ طَعامٍ أوْ صِيامٍ. وقالَ مُحَمَّدٌ: ( الحَكَمانِ يَحْكُمانِ بِما يَرَيانِ مِن هَدْيٍ أوْ طَعامٍ أوْ صِيامٍ، فَإنْ حَكَما بِالهَدْيِ كانَ عَلَيْهِ أنْ يُهْدِيَ ) .
* *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ فَإنَّ الهَدْيَ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولا خِلافَ أنَّ لَهُ أنْ يُهْدِيَ مِن أحَدِ هَذِهِ الأصْنافِ أيُّها شاءَ مِنها. هَذا في الإحْصارِ، فَأمّا في جَزاءِ الصَّيْدِ فَإنَّ مَن يَجْعَلُ الواجِبَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الصَّيْدِ فَإنَّهُ يُخَيِّرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنِ اخْتارَ الهَدْيَ وبَلَغَتْ قِيمَتُهُ بَدَنَةً نَحَرَها، وإنْ لَمْ تَبْلُغْ بَدَنَةً وبَلَغَ بَقَرَةً ذَبَحَها، فَإنْ لَمْ تَبْلُغْ وبَلَغَ شاةً ذَبَحَها، وإنِ اشْتَرى بِالقِيمَةِ جَماعَةٌ شاءً أجْزَأهُ. ومَن يُوجِبُ النَّظِيرَ مِنَ النَّعَمِ، فَإنَّهُ إنْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالهَدْيِ أهْدى بِما حَكَمَ بِهِ مِن بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في السِّنِّ الَّذِي يَجُوزُ في جَزاءِ الصَّيْدِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ( لا يَجُوزُ أنْ يُهْدِيَ إلّا ما يُجْزِي في الأُضْحِيَةِ وفي الإحْصارِ والقِرانِ ) . وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: ( يُجْزِي الجَفْرَةَ والعَناقَ عَلى قَدْرِ الصَّيْدِ ) . والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ ذَلِكَ هَدْيٌ تَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِالإحْرامِ، وقَدِ اتَّفَقُوا في سائِرِ الهَدايا الَّتِي تَعَلَّقَ وُجُوبُها بِالإحْرامِ أنَّها لا يُجْزِي مِنها إلّا ما يُجْزِي في الأضاحِي، وهو الجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ أوِ الثَّنِيُّ مِنَ المَعْزِ والإبِلِ والبَقَرِ فَصاعِدًا، فَكَذَلِكَ هَدْيُ جَزاءِ الصَّيْدِ. وأيْضًا لَمّا سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى هَدْيًا عَلى الإطْلاقِ كانَ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الهَدايا المُطْلَقَةِ في القُرْآنِ، فَلا يُجْزِي دُونَ السِّنِّ الَّذِي ذَكَرْنا. وذَهَبَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ إلى ما رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ في اليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ وفي الأرْنَبِ عَناقٌ، وعَلى أنَّهُ لَوْ أهْدى شاةً فَوَلَدَتْ ذُبِحَ ولَدُها مَعَها.
فَأمّا ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ القِيمَةِ، وأمّا ولَدُ الهَدْيِ فَإنَّهُ تَبَعٌ لَها، فَيَسْرِي الحَقُّ الَّذِي في الأُمِّ مِن جِهَةِ التَّبَعِ، ولَيْسَ يَجُوزُ اعْتِبارُ ما كانَ أصْلًا في نَفْسِهِ بِالِاتِّباعِ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْنُ أُمِّ الوَلَدِ بِمَنزِلَةِ أُمِّهِ في كَوْنِهِ غَيْرَ مالٍ وعِتْقُهُ بِمَوْتِ المَوْلى مِن غَيْرِ سِعايَةٍ ولا يَصِحُّ ابْتِداءُ إيجابِ هَذا الحُكْمِ لَهُ عَلى غَيْرِ وجْهِ التَّبَعِ والدُّخُولِ في حُكْمِ الأُمِّ ؟ وكَذَلِكَ ولَدُ المُكاتَبَةِ هو مُكاتَبٌ وهو عُلُوقٌ ولَوِ ابْتَدَأ كِتابَةَ العُلُوقِ لَمْ يَصِحَّ؛ ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِلْهَدْيِ، وبُلُوغُهُ الكَعْبَةَ ذَبْحُهُ في الحَرَمِ لا خِلافَ في ذَلِكَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَمَ كُلُّهُ بِمَنزِلَةِ الكَعْبَةِ في الحُرْمَةِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُ رِباعُها؛ لِأنَّهُ (p-١٤٠)عَبَّرَ بِالكَعْبَةِ عَنِ الحَرَمِ، وهو كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدٌ»؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [التوبة: ٢٨] المُرادُ بِهِ الحَرَمُ كُلُّهُ ومَعالِمُ الحَجِّ؛ لِأنَّهم مُنِعُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ الحَجِّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَواضِعِ تَقْوِيمِ الصَّيْدِ، فَقالَ إبْراهِيمُ: ( يُقَوَّمُ في المَكانِ الَّذِي أصابَهُ، فَإنْ كانَ في فَلاةٍ فَفي أقْرَبِ الأماكِنِ مِنَ العُمْرانِ إلَيْها )، وهو قَوْلُ أصْحابِنا. وقالَ الشَّعْبِيُّ: ( يُقَوَّمُ بِمَكَّةَ أوْ بِمِنًى ) . والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّهُ كَتَقْوِيمِ المُسْتَهْلَكاتِ، فَيُعْتَبَرُ المَوْضِعُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الِاسْتِهْلاكُ لا في المَوْضِعِ الَّذِي يُؤَدّى فِيهِ القِيمَةُ؛ ولِأنَّ تَخْصِيصَ مَكَّةَ ومِنًى مِن بَيْنِ سائِرِ البِقاعِ تَخْصِيصُ الآيَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلا يَجُوزُ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّهُما حَكَما في الظَّبْيِ بِشاةٍ ولَمْ يَسْألا السّائِلَ عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونُ السّائِلُ سَألَ عَنْ قَتْلِهِ في مَوْضِعٍ عَلِمَ أنَّ قِيمَتَهُ فِيهِ شاةٌ.
* *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ فَإنَّهُ قُرِئَ " كَفّارَةُ " بِالإضافَةِ، وقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ بِلا إضافَةٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِ الطَّعامِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِوايَةً وإبْراهِيمُ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ ومِقْسَمٌ: ( يُقَوِّمُ الصَّيْدَ دَراهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّراهِمِ طَعامًا، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ ) . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً: ( يُقَوَّمُ الهَدْيُ ثُمَّ يَشْتَرِي بِقِيمَةِ الهَدْيِ طَعامًا )، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. والأوَّلُ قَوْلُ أصْحابِنا، والثّانِي قَوْلُ الشّافِعِيِّ؛ والأوَّلُ أصَحُّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ جَزاءُ الصَّيْدِ، فَلَمّا كانَ الهَدْيُ مِن حَيْثُ كانَ جَزاءً مُعْتَبَرًا بِالصَّيْدِ إمّا في قِيمَتِهِ أوْ في نَظِيرِهِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ مِثْلَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ فَجَعَلَ الطَّعامَ جَزاءً وكَفّارَةً كالقِيمَةِ؛ فاعْتِبارُهُ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ أوْلى مِنَ اعْتِبارِهِ بِالهَدْيِ، إذْ هو بَدَلٌ مِنَ الصَّيْدِ وجَزاءٌ عَنْهُ لا مِنَ الهَدْيِ. وأيْضًا قَدِ اتَّفَقُوا فِيما لا نَظِيرَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ أنَّ اعْتِبارَ الطَّعامِ إنَّما هو بِقِيمَةِ الصَّيْدِ، فَكَذَلِكَ فِيما لَهُ نَظِيرٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ مُنْتَظِمَةٌ لِلْأمْرَيْنِ، فَلَمّا اتَّفَقُوا في أحَدِهِما أنَّ المُرادَ اعْتِبارُ الطَّعامِ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ كانَ الآخَرُ مِثْلَهُ. وقالَ أصْحابُنا: إذا أرادَ الإطْعامَ اشْتَرى بِقِيمَةِ الصَّيْدِ طَعامًا فَأطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ ولا يُجْزِيهِ أقَلُّ مِن ذَلِكَ، كَكَفّارَةِ اليَمِينِ وفِدْيَةُ الأذى؛ وقَدْ بَيَّنّاهُ فِيما سَلَفِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ ومِقْسَمٍ وقَتادَةَ أنَّهم قالُوا: ( لِكُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا )، وهو قَوْلُ أصْحابِنا. ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: ( لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ) . وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الهَدْيِ والإطْعامِ والصِّيامِ فَهو (p-١٤١)عَلى التَّخْيِيرِ لِأنَّ ( أوْ ) يَقْتَضِي ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى في كَفّارَةِ اليَمِينِ: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ رِوايَةً؛ وهو قَوْلُ أصْحابِنا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً أُخْرى أنَّها عَلى التَّرْتِيبِ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ والسُّدِّيِّ مِثْلُهُ؛ وعَنْ إبْراهِيمَ رِوايَةً أُخْرى أنَّها عَلى التَّرْتِيبِ. والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، ومَن حَمَلَهُ عَلى التَّرْتِيبِ زادَ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، ولا يَجُوزُ إلّا بِدَلالَةٍ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وشُرَيْحٍ: ( إنْ عادَ عَمْدًا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ واَللَّهُ تَعالى يَنْتَقِمُ مِنهُ ) . وقالَ إبْراهِيمُ: ( كانُوا يَسْألُونَ هَلْ أصَبْتُ شَيْئًا قَبْلَهُ ؟ فَإنْ قالَ نَعَمْ لَمْ يَحْكُمُوا عَلَيْهِ، وإنْ قالَ لا حُكِمَ عَلَيْهِ ) . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ: ( يُحْكَمُ عَلَيْهِ أبَدًا ) . وسَألَ عُمَرُ قَبِيصَةَ بْنَ جابِرٍ عَنْ صَيْدٍ أصابَهُ وهو مُحْرِمٌ، فَسَألَ عُمَرُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَسْألْهُ هَلْ أصَبْتُ قَبْلَهُ شَيْئًا. وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، وهو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ﴾ يُوجِبُ الجَزاءَ في كُلِّ مَرَّةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وذِكْرُهُ الوَعِيدَ لِلْعائِدِ لا يُنافِي وُجُوبَ الجَزاءِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ حَدَّ المُحارِبِ جَزاءً لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] ؟ فَلَيْسَ إذًا في ذِكْرِ الِانْتِقامِ مِنَ العائِدِ نَفْيٌ لِإيجابِ الجَزاءِ. وعَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ المُرادَ العائِدُ إلى قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ قَتْلِهِ لِصَيْدٍ آخَرَ قَبْلَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: ( عَفا اللَّهُ عَمّا قَبْلَ التَّحْرِيمِ ومَن عادَ يَعْنِي بَعْدَ التَّحْرِيمِ ) وإنْ كانَ أوَّلُ صَيْدٍ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ؛ وإذا كانَ فِيهِ احْتِمالُ ذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّ العائِدَ في قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ قَتْلِهِ مَرَّةً أُخْرى لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا الِانْتِقامُ.
* *
فَصَلٌ: في اَلْجَمْعِ بَيْنَ اَلصِّيامِ والطَّعامِ في كَفّارَةِ اَلْيَمِينِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ يُحْتَجُّ بِهِ لِأبِي حَنِيفَةَ في المُحْرِمِ إذا أكَلَ مِنَ الصَّيْدِ الَّذِي لَزِمَهُ جَزاؤُهُ أنَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ ما أكَلَ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِ الغُرْمَ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ بِإخْراجِ هَذا القَدْرِ مِن مالِهِ، فَإذا أكَلَ مِنهُ فَقَدْ رَجَعَ مِنَ الغُرْمِ في مِقْدارِ ما أكَلَ مِنهُ، فَهو غَيْرُ ذائِقٍ بِذَلِكَ وبالَ أمْرِهِ؛ لِأنَّ مَن غَرِمَ شَيْئًا وأخَذَ (p-١٤٢)مِثْلَهُ لا يَكُونُ ذائِقًا وبالَ أمْرِهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ. وقالَ أصْحابُنا: ( إنْ شاءَ المُحْرِمُ صامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صاعٍ مِنَ الطَّعامِ يَوْمًا، وإنْ شاءَ صامَ عَنْ بَعْضٍ وأطْعَمَ بَعْضًا ) فَأجازُوا الجَمْعَ بَيْنَ الصِّيامِ والطَّعامِ، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الصِّيامِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ مَعَ الإطْعامِ فَلَمْ يُجِيزُوا الجَمْعَ بَيْنَهُما، وفَرَّقُوا أيْضًا بَيْنَهُ وبَيْنَ العِتْقِ والطَّعامِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ بِأنْ يَعْتِقَ نِصْفَ عَبْدٍ ويُطْعِمَ خَمْسَةَ مَساكِينَ. فَأمّا الصَّوْمُ في جَزاءِ الصَّيْدِ فَإنَّما أجازُوا الجَمْعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الطَّعامِ مِن قِبَلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الصِّيامَ عَدْلًا لِلطَّعامِ ومِثْلًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ ﴿عَدْلُ ذَلِكَ﴾ أنْ يَكُونَ مِثْلًا لَهُ في حَقِيقَةِ مَعْناهُ؛ إذْ لا تَشابُهَ بَيْنَ الصِّيامِ وبَيْنَ الطَّعامِ، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ المُماثَلَةُ بَيْنَهُما في قِيامِهِ مَقامَ الطَّعامِ ونِيابَتِهِ عَنْهُ لِمَن صامَ بَعْضًا، فَكَأنَّهُ قَدْ أطْعَمَ بِقَدْرِ ذَلِكَ فَجازَ ضَمُّهُ إلى الطَّعامِ فَكانَ الجَمِيعُ طَعامًا.
وأمّا الصِّيامُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ فَإنَّما يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الطَّعامِ وهو بَدَلٌ مِنهُ، فَغَيْرُ جائِزٍ الجَمْعُ بَيْنَهُما؛ إذْ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ واجِدًا أوْ غَيْرَ واجِدٍ، فَإنْ كانَ واجِدًا لِلطَّعامِ لَمْ يُجْزِهِ الصِّيامُ، وإنْ كانَ غَيْرَ واجِدٍ فالصَّوْمُ فَرْضُهُ بَدَلًا مِنهُ، وغَيْرُ جائِزٍ الجَمْعُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، كالمَسْحِ عَلى أحَدِ الخُفَّيْنِ وغَسْلِ الرِّجْلِ الأُخْرى وكالتَّيَمُّمِ والوُضُوءِ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في امْتِناعِ جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الصِّيامِ والطَّعامِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ، وأمّا العِتْقُ والطَّعامُ فَإنَّما لَمْ يَجُزِ الجَمْعُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ كَفّارَةَ اليَمِينِ أحَدَ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ فَإذا أعْتَقَ النِّصْفَ وأطْعَمَ النِّصْفَ فَهو غَيْرُ فاعِلٍ لِأحَدِهِما فَلَمْ يُجْزِهِ، والعِتْقُ لا يَتَقَوَّمُ فَيُجْزِي عَنِ الجَمِيعِ بِالقِيمَةِ، ولَيْسَ هو مِثْلُ أنْ يَكْسُوَ خَمْسَةً ويُطْعِمُ خَمْسَةً فَيُجْزِي بِالقِيمَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ مُتَقَوِّمٌ فَيُجْزِي عَنْ أحَدِهِما بِالقِيمَةِ.
* *
(فَصْلٌ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ يَنْتَظِمُ الواحِدَ والجَماعَةَ إذا قَتَلُوا في إيجابِ جَزاءٍ تامٍّ عَلى كُلِّ واحِدٍ؛ لِأنَّ ( مَن ) يَتَناوَلُ كُلَّ واحِدٍ عَلى حِيالِهِ في إيجابِ جَمِيعِ الجَزاءِ عَلَيْهِ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] قَدِ اقْتَضى إيجابَ الرَّقَبَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ القاتِلِينَ إذا قَتَلُوا نَفْسًا واحِدَةً؛ وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩] وعِيدٌ لِكُلِّ واحِدٍ عَلى حِيالِهِ.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] وعِيدٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القاتِلِينَ؛ وهَذا مَعْلُومٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ لا يَتَدافَعُونَهُ، وإنَّما يَجْهَلُهُ مَن لا حَظَّ لَهُ فِيها.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَلَوْ قَتَلَ جَماعَةٌ رَجُلًا كانَتْ عَلى جَمِيعِهِمْ دِيَةٌ (p-١٤٣)واحِدَةٌ، والدِّيَةُ إنَّما دَخَلَتْ في اللَّفْظِ حَسَبَ دُخُولِ الرَّقَبَةِ.
قِيلَ لَهُ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وعُمُومُهُ إيجابُ دِياتٍ بِعَدَدِ القاتِلِينَ، وإنَّما اقْتَصَرَ فِيهِ عَلى دِيَةٍ واحِدَةٍ بِالإجْماعِ، وإلّا فالظّاهِرُ يَقْتَضِيهِ.
ألا تَرى أنَّهُما لَوْ قَتَلاهُ عَمْدًا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما كَأنَّهُ قاتِلٌ لَهُ عَلى حِيالِهِ ويُقْتَلانِ جَمِيعًا بِهِ ؟ ألا تَرى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ القاتِلِينَ لا يَرِثُ وأنَّهُ لَوْ كانَ بِمَنزِلَةِ مَن قَتَلَ بَعْضَهُ لَوَجَبَ أنْ لا يُحْرَمَ المِيراثَ مِمّا قَتَلَهُ مِنهُ غَيْرُهُ ؟ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُما جَمِيعًا لا يَرِثانِ وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كَأنَّهُ قاتِلٌ لَهُ وحْدَهُ، كَذَلِكَ في إيجابِ الكَفّارَةِ؛ إذْ كانَتِ النَّفْسُ لا تَتَبَعَّضُ، وكَذَلِكَ قاتِلُو الصَّيْدِ كُلُّ واحِدٍ كَأنَّهُ مُتْلِفٌ لِلصَّيْدِ عَلى حِيالِهِ؛ فَتَجِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ كَفّارَةٌ تامَّةٌ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى ذَلِكَ كَفّارَةً بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ وجَعَلَ فِيها صَوْمًا، فَأشْبَهَتْ كَفّارَةُ القَتْلِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ الجَزاءَ إنَّما هو جَزاءٌ واحِدٌ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أنْ يَكُونُوا جَماعَةً أوْ واحِدًا، وأنْتَ تَقُولُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ جَزاءانِ وثَلاثَةٌ وأكْثَرُ مِن ذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: هَذا الجَزاءُ يَنْصَرِفُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم، ونَحْنُ لا نَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءانِ وثَلاثَةٌ وإنَّما يَجِبُ عَلَيْهِ جَزاءٌ واحِدٌ؛ واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُنْصَرِفٌ إلى كُلِّ واحِدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ( قَتَلُوا ) فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ واحِدًا؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في كِتابِ ( شَرْحِ المَناسِكِ ) .
والخَصْمُ يَحْتَجُّ عَلَيْنا بِهَذِهِ الآيَةِ في القارِنِ، فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ إلّا جَزاءٌ واحِدٌ بِظاهِرِ الكِتابِ. والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّهُ مُحْرِمٌ عِنْدَنا بِإحْرامَيْنِ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ، وإذا صَحَّ لَنا ذَلِكَ ثُمَّ أُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَيْهِما وجَبَ أنْ يَجْبُرَهُما بِدَمَيْنِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّ الهَدْيَ لا يُجْزِي إلّا بِمَكَّةَ، وأنَّ بُلُوغَهُ الكَعْبَةَ أنْ يَذْبَحَهُ هُناكَ في الحَرَمِ، وأنَّهُ لَوْ هَلَكَ بَعْدَ دُخُولِهِ الحَرَمَ قَبْلَ أنْ يَذْبَحَهُ أنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا آخَرَ غَيْرَهُ. وقالَ أصْحابُنا: إذا ذَبَحَهُ في الحَرَمِ بَعْدَ بُلُوغِ الكَعْبَةِ فَإنْ سُرِقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ تَعَيَّنَتْ فِيهِ بِالذَّبْحِ، فَصارَ كَمَن قالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أتَصَدَّقَ بِهَذا اللَّحْمِ، فَسُرِقَ فَلا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
واتَّفَقَ الفُقَهاءُ أيْضًا عَلى جَوازِ الصَّوْمِ في غَيْرِ مَكَّةَ، واخْتَلَفُوا في الطَّعامِ، فَقالَ أصْحابُنا: ( يَجُوزُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شاءَ )؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: ( لا يُجْزِي إلّا أنْ يُعْطِيَ مَساكِينَ مَكَّةَ ) . والدَّلِيلُ عَلى جَوازِهِ حَيْثُ شاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ وذَلِكَ عُمُومٌ في سائِرِهِمْ، وغَيْرُ جائِزٍ تَخْصِيصُهُ بِمَكانٍ إلّا بِدَلالَةٍ، ومَن قَصَرَهُ عَلى مَساكِينِ مَكَّةَ فَقَدْ خَصَّ (p-١٤٤)الآيَةَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وأيْضًا لَيْسَ في الأُصُولِ صَدَقَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِمَكانٍ لا يَجُوزُ أداؤُها في غَيْرِهِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ صَدَقَةً وجَبَ جَوازُها في سائِرِ المَواضِعِ قِياسًا عَلى نَظائِرِها مِنَ الصَّدَقاتِ؛ ولِأنَّ تَخْصِيصَهُ بِمَكانٍ خارِجٍ عَنِ الأُصُولِ، وما خَرَجَ عَنِ الأُصُولِ وظاهِرِ الكِتابِ مِنَ الأقاوِيلِ فَهو ساقِطٌ مَرْذُولٌ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فالهَدْيُ سَبِيلُهُ الصَّدَقَةُ وهو مَخْصُوصٌ بِالحَرَمِ قِيلَ لَهُ: ذَبْحُهُ مَخْصُوصٌ بِالحَرَمِ، فَأمّا الصَّدَقَةُ فَحَيْثُ شاءَ؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا أنَّهُ لَوْ ذَبَحَهُ في الحَرَمِ ثُمَّ أخْرَجَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ في غَيْرِهِ أجْزَأهُ وأيْضًا لَمّا اتَّفَقُوا عَلى جَوازِ الصِّيامِ في غَيْرِ مَكَّةَ وهو جَزاءٌ لِلصَّيْدِ ولَيْسَ بِذَبْحٍ، وجَبَ مِثْلُهُ في الطَّعامِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
* *
واخْتَلَفَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ " لِلَّهِ عَلَيَّ بَدَنَةٌ " هَلْ يَجُوزُ لَهُ نَحْرُها بِغَيْرِ مَكَّةَ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ: " يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ " وقالَ أبُو يُوسُفَ: " لا يَجُوزُ لَهُ نَحْرُهُ إلّا بِمَكَّةَ " . ولَمْ يَخْتَلِفُوا فِيمَن نَذَرَ هَدْيًا أنَّ عَلَيْهِ ذَبْحَهُ بِمَكَّةَ وأنَّ مَن قالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ جَزُورٌ " أنَّهُ يَذْبَحُهُ حَيْثُ شاءَ. ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: " مَن نَذَرَ جَزُورًا نَحَرَها حَيْثُ شاءَ، وإذا نَذَرَ بَدَنَةً نَحَرَها بِمَكَّةَ "، وكَذا رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ، وكَذا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وسالِمٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالا: " إذا جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ هَدْيًا فَبِمَكَّةَ وإذا قالَ بَدَنَةٌ فَحَيْثُ نَوى " . وقالَ مُجاهِدٌ: " لَيْسَتِ البُدْنُ إلّا بِمَكَّةَ " . وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ البَدَنَةَ بِمَنزِلَةِ الجَزُورِ ولا يَقْتَضِي إهْداءَها إلى مَوْضِعٍ فَكانَ بِمَنزِلَةِ ناذِرِ الجَزُورِ والشّاةِ ونَحْوِها، وأمّا الهَدْيُ فَإنَّهُ يَقْتَضِي إهْداءَهُ إلى مَوْضِعٍ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ فَجَعَلَ بُلُوغَ الكَعْبَةِ مِن صِفَةِ الهَدْيِ. ويُحْتَجُّ لِأبِي يُوسُفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] فَكانَ اسْمُ البَدَنَةِ مُفِيدًا لِكَوْنِها قُرْبَةً كالهَدْيِ؛ إذْ كانَ اسْمُ الهَدْيِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ قُرْبَةً مَجْعُولًا لِلَّهِ، فَلَمّا لَمْ يَجُزِ الهَدْيُ إلّا بِمَكَّةَ كانَ كَذَلِكَ حُكْمُ البَدَنَةِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا لا يَلْزَمُ مِن قِبَلِ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ ذَبْحُهُ قُرْبَةً فَهو مُخْتَصٌّ بِالحَرَمِ؛ لِأنَّ الأُضْحِيَّةَ قُرْبَةٌ، وهي جائِزَةٌ في سائِرِ الأماكِنِ، فَوَصْفُهُ لِلْبُدْنِ بِأنَّها مِن شَعائِرِ اللَّهِ لا يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِالحَرَمِ.
المائدة 5:96
بابُ صَيْدِ اَلْبَحْرِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ قالُوا: ( صَيْدُهُ ما صِيدَ طَرِيًّا بِالشِّباكِ ونَحْوِها ) . فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وطَعامُهُ﴾ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالُوا: ( ما قَذَفَهُ مَيِّتًا ) . رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ قالُوا: ( المَمْلُوحُ مِنهُ ) . والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ يَنْتَظِمُ إباحَةَ الصِّنْفَيْنِ مِمّا صِيدَ مِنهُ وما لَمْ يُصَدْ، وأمّا المَمْلُوحُ فَقَدْ تَناوَلَهُ قَوْلُهُ ﴿صَيْدُ البَحْرِ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وطَعامُهُ﴾ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَكْرارًا لِما انْتَظَمَهُ اللَّفْظُ الأوَّلُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَذا يَدُلُّ عَلى إباحَةِ الطّافِي لِأنَّهُ قَدِ انْتَظَمَ ما صِيدَ مِنهُ وما لَمْ يُصَدْ والطّافِي لَمْ يُصَدْ. قِيلَ لَهُ: إنَّما تَأوَّلَ السَّلَفُ قَوْلَهُ: ﴿وطَعامُهُ﴾ عَلى ما قَذَفَهُ البَحْرُ، وعِنْدَنا أنَّ ما قَذَفَهُ البَحْرُ مَيِّتًا فَلَيْسَ بِطافٍ وإنَّما الطّافِي ما يَمُوتُ في البَحْرِ حَتْفَ أنْفِهِ.
فَإنْ قِيلَ: قالُوا ما قَذَفَهُ البَحْرُ مَيِّتًا، وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ قَدْ ماتَ فِيهِ ثُمَّ قَذَفَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ أرادُوا بِهِ الطّافِيَ. قِيلَ لَهُ: ولَيْسَ كُلُّ ما قَذَفَهُ البَحْرُ مَيِّتًا يَكُونُ طافِيًا؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَمُوتَ في البَحْرِ بِسَبَبٍ طَرَأ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ مِن بَرْدٍ أوْ حَرٍّ أوْ غَيْرِهِ فَلا يَكُونُ طافِيًا؛ وقَدْ بَيَّنّا الكَلامَ في الطّافِي فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذا الكِتابِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وطَعامُهُ﴾ قالَ: ما وراءَ بَحْرِكم هَذا كُلُّهُ البَحْرُ وطَعامُهُ البُرُّ والشَّعِيرُ والحُبُوبُ
رَواهُ أشْعَثُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ عَنِ الحَسَنِ؛ فَلَمْ يَجْعَلِ البَحْرَ في هَذا المَوْضِعِ بُحُورَ المِياهِ وجَعَلَهُ عَلى ما اتَّسَعَ مِنَ الأرْضِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي ما اتَّسَعَ بَحْرًا، ومِنهُ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْفَرَسِ الَّذِي رَكِبَهُ لِأبِي طَلْحَةَ: وجَدْناهُ بَحْرًا» أيْ واسِعَ الخَطْوِ. وقَدْ رَوى حَبِيبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ (p-١٤٥)عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] أنَّهُ أرادَ بِالبَحْرِ الأمْصارَ، لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الأمْصارَ البَحْرَ.
ورَوى سُفْيانُ عَنْ بَعْضِهِمْ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] قالَ: ( البَرُّ الفَيافِيُ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَيْءٌ، والبَحْرُ القُرى ) . والتَّأْوِيلُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ أنَّ المُرادَ بِهِ بَحْرُ الماءِ وأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ البَرَّ ولا الأمْصارَ؛ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ قالُوا مَنفَعَةٌ لِلْمُقِيمِ والمُسافِرِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَلِ اقْتَضى قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ إباحَةَ صَيْدِ الأنْهارِ ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي النَّهْرَ بَحْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] وقَدْ قِيلَ إنَّ الأغْلَبَ عَلى البَحْرِ هو الَّذِي يَكُونُ ماؤُهُ مِلْحًا، إلّا أنَّهُ إذا جَرى ذِكْرُهُ عَلى طَرِيقِ الجُمْلَةِ انْتَظَمَ الأنْهارَ أيْضًا.
وأيْضًا فالمَقْصَدُ فِيهِ صَيْدُ الماءِ، فَسائِرُ حَيَوانِ الماءِ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ اصْطِيادُهُ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ بَيْنَ الفُقَهاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ يَحْتَجُّ بِهِ مِن يُبِيحُ أكَلَ جَمِيعِ حَيَوانِ البَحْرِ؛ وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيهِ، واَللَّهُ أعْلَمُ.
ذِكْرُ الخِلافِ في ذَلِكَ: قالَ أصْحابُنا: ( لا يُؤْكَلُ مِن حَيَوانِ الماءِ إلّا السَّمَكُ )، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيُّ رَواهُ عَنْهُ أبُو إسْحاقَ الفَزارِيُّ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: ( لا بَأْسَ بِأكْلِ كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ في البَحْرِ مِنَ الضُّفْدَعِ وحَيَّةِ الماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ )، وهو قَوْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ؛ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ، قالَ الثَّوْرِيُّ: ( ويُذْبَحُ ) . وقالَ الأوْزاعِيُّ ( صَيْدُ البَحْرِ كُلُّهُ حَلالٌ )، ورَواهُ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: ( لَيْسَ بِمَيْتَةِ البَحْرِ بَأْسٌ وكَلْبُ الماءِ واَلَّذِي يُقالُ لَهُ فَرَسُ الماءِ، ولا يُؤْكَلُ إنْسانُ الماءِ ولا خِنْزِيرُ الماءِ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: " ما يَعِيشُ في الماءِ حِلٌّ كُلُّهُ وأخْذُهُ ذَكاتُهُ، ولا بَأْسَ بِخِنْزِيرِ الماءِ " .
واحْتَجَّ مَن أباحَ حَيَوانَ الماءِ كُلَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ وهو عَلى جَمِيعِهِ؛ إذْ لَمْ يُخَصِّصْ شَيْئًا مِنهُ. ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ إنَّما هو عَلى إباحَةِ اصْطِيادِ ما فِيهِ لِلْمُحْرِمِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أكْلِهِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ بَيانِ اخْتِلافِ حُكْمِ صَيْدِ البَرِّ (p-١٤٦)والبَحْرِ عَلى المُحْرِمِ. وأيْضًا فَإنَّ الصَّيْدَ اسْمُ مَصْدَرٍ، وهو اسْمٌ لِلِاصْطِيادِ وإنْ كانَ قَدْ يَقَعُ عَلى المَصِيدِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: ( صِدْتُ صَيْدًا ) ؟ وإذا كانَ ذَلِكَ مَصْدَرًا كانَ اسْمًا لِلِاصْطِيادِ الَّذِي هو فِعْلُ الصّائِدِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ إذا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ عَلى إباحَةِ الأكْلِ وإنْ كانَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ المَصِيدِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ؛ لِأنَّهُ تَسْمِيَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الفِعْلِ، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَيْرِهِ إنَّما هو اسْتِعارَةٌ.
ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن أباحَ جَمِيعَ حَيَوانِ الماءِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ: السَّمَكُ والجَرادُ»، فَخَصَّ مِنَ المَيْتاتِ هَذَيْنِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَخْصُوصَ مِن جُمْلَةِ المَيْتاتِ المُحَرَّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] هو هَذانِ دُونَ غَيْرِهِما لِأنَّ ما عَداهُما قَدْ شَمِلَهُ عُمُومُ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] وذَلِكَ عُمُومٌ في مَيْتَةِ البَرِّ والبَحْرِ. ومِن أصْحابِنا مَن يَجْعَلُ حَصْرَهُ المُباحَ بِالعَدَدِ المَذْكُورِ دَلالَةً عَلى حَظْرِهِ ما عَداهُ. وأيْضًا لَمّا خَصَّهُما بِالذِّكْرِ وفَرَّقَ بَيْنَهُما وبَيْنَ غَيْرِهِما مِنَ المَيْتاتِ دَلَّ تَفَرُّقُهُ عَلى اخْتِلافِ حالِهِما؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وذَلِكَ عُمُومٌ في خِنْزِيرِ الماءِ كَهو في خِنْزِيرِ البَرِّ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ خِنْزِيرَ الماءِ إنَّما يُسَمّى حِمارُ الماءِ. قِيلَ لَهُ: إنْ سَمّاهُ إنْسانٌ حِمارًا لَمْ يَسْلُبْهُ ذَلِكَ اسْمَ الخِنْزِيرِ المَعْهُودِ لَهُ في اللُّغَةِ، فَيَنْتَظِمُهُ عُمُومُ التَّحْرِيمِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمانَ قالَ: «ذَكَرَ طَبِيبٌ الدَّواءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وذَكَرَ الضُّفْدَعَ يَكُونُ في الدَّواءِ، فَنَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهِ» والضُّفْدَعُ مِن حَيَوانِ الماءِ، ولَوْ كانَ أكْلُهُ جائِزًا والِانْتِفاعُ بِهِ سائِغًا لَما نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهِ، ولَمّا ثَبَتَ تَحْرِيمُ الضُّفْدَعِ بِالأثَرِ، كانَ سائِرُ حَيَوانِ الماءِ سِوى السَّمَكِ بِمَثابَتِهِ، لِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا فَرَّقَ بَيْنَهُما.
واحْتَجَّ الَّذِينَ أباحُوهُ بِما رَوى مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلِمَةَ الزُّرَقِيِّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وسَعِيدُ بْنُ سَلِمَةَ مَجْهُولٌ لا يُقْطَعُ بِرِوايَتِهِ، وقَدْ خُولِفَ في هَذا الإسْنادِ، فَرَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصارِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وهو ابْنُ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ورَواهُ يَحْيى بْنُ أيُّوبَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ وعَمْرِو بْنِ الحارِثِ عَنْ بَكْرِ بْنِ سِوَدَةَ عَنْ أبِي مُعاوِيَةَ العَلَوِيِّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِيٍّ المُدْلِجِيِّ عَنِ الفَرّاسِي، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ في البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ قالا: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو (p-١٤٧)القاسِمِ بْنُ أبِي الزِّنادِ قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ يَعْنِي ابْنَ حازِمٍ عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ يَعْنِي عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ البَحْرِ فَقالَ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» وهَذِهِ الأخْبارُ لا يَحْتَجُّ بِها مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالحَدِيثِ، ولَوْ ثَبَتَ كانَ مَحْمُولًا عَلى ما بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ: «أُحِلَّتْ لَنا مِيتَتانِ» . ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ حَيَوانَ الماءِ دُونَ غَيْرِهِ، وإنَّما ذَكَرَ ما يَمُوتُ فِيهِ، وذَلِكَ يَعُمُّ ظاهِرُهُ حَيَوانَ الماءِ والبَرِّ جَمِيعًا إذا ماتا فِيهِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّهُ أرادَ السَّمَكَ خاصَّةً ما سِواهُ؛ إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ العُمُومَ ولا يَصِحُّ اعْتِقادُهُ فِيهِ. واحْتَجَّ المُبِيحُونَ لَهُ بِحَدِيثِ جابِرٍ في جَيْشِ الخَبَطِ وأنَّ البَحْرَ ألْقى لَهم دابَّةً يُقالُ لَها العَنْبَرُ، فَأكَلُوا مِنها ثُمَّ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «هَلْ مَعَكم مِنهُ شَيْءٌ تُطْعِمُونِيهِ ؟» وهَذا لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى ما قالُوا؛ لِأنَّ جَماعَةً قَدْ رَوَوْا هَذا الحَدِيثَ وذَكَرُوا فِيهِ أنَّ البَحْرَ ألْقى حُوتًا يُقالُ لَهُ العَنْبَرُ، فَأخْبَرُوا أنَّها كانَتْ حُوتًا وهو السَّمَكُ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ ولا دَلالَةَ عَلى إباحَةِ ما سِواهُ.
* *
بابُ أكْلُ اَلْمُحْرِمِ لَحْمُ صَيْدِ اَلْحَلالِ
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ( أنَّهُما كَرِها لِلْمُحْرِمِ أكَلَ صَيْدٍ اصْطادَهُ حَلالٌ ) إلّا أنَّ إسْنادَ حَدِيثِ عَلِيٍّ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، يَرْوِيهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وبَعْضُهم يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ويَقِفُهُ بَعْضُهم.
ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وأبِي قَتادَةَ وجابِرٍ وغَيْرِهِمْ إباحَتُهُ. ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ عَنْ أبِي قَتادَةَ قالَ: «أصَبْتُ حِمارَ وحْشٍ، فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنِّي أصَبْتُ حِمارَ وحْشٍ وعِنْدِي مِنهُ فَضْلَةٌ، فَقالَ لِقَوْمٍ: كُلُوا وهم مُحْرِمُونَ» .
ورَوى أبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ قالَ «عَقَرَ أبُو قَتادَةَ حِمارَ وحْشٍ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ وهو حَلالٌ، فَأكَلْنا مِنهُ ومَعَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» .
ورَوى المُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَحْمُ صَيْدِ البَرِّ حَلالٌ لَكم وأنْتُمْ حُرُمٌ ما لَمْ تَصِيدُوهُ أوْ يُصْطادُ لَكم» .
وقَدْ رُوِيَ في إباحَتِهِ أخْبارٌ أُخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ كَرِهْتُ الإطالَةَ بِذِكْرِها لِاتِّفاقِ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلَيْهِ. واحْتَجَّ مَن حَظَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وعُمُومُهُ يَتَناوَلُ الِاصْطِيادَ والمَصِيدَ نَفْسَهُ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِما، ومَن أباحَهُ ذَهَبَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ إذْ كانَ يَتَناوَلُ الِاصْطِيادَ وتَحْرِيمَ المَصِيدِ نَفْسِهِ، فَإنَّ هَذا الحَيَوانَ إنَّما يُسَمّى صَيْدًا ما دامَ حَيًّا وأمّا اللَّحْمُ (p-١٤٨)فَغَيْرُ مُسَمًّى بِهَذا الِاسْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ، فَإنْ سُمِّيَ بِذَلِكَ فَإنَّما يُسَمّى بِهِ عَلى أنَّهُ كانَ صَيْدًا، فَأمّا اسْمُ الصَّيْدِ فَلَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ عَلى اللَّحْمِ حَقِيقَةً. ويَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لَمْ يَنْتَظِمِ اللَّحْمَ أنَّهُ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ التَّصَرُّفَ في اللَّحْمِ بِالإتْلافِ والشِّرى والبَيْعِ وسائِرِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ سِوى الأكْلِ عِنْدَ القائِلِينَ بِتَحْرِيمِ أكْلِهِ، ولَوْ كانَ عُمُومُ الآيَةِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ لَما جازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ الأكْلِ كَهو إذا كانَ حَيًّا ولَوْ كانَ عَلى مُتْلِفِهِ إذا كانَ مُحْرِمًا ضَمانُهُ كَما يَلْزَمُ ضَمانَ إتْلافِ الصَّيْدِ الحَيِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ يَتَناوَلُ تَحْرِيمَ سائِرِ أفْعالِنا في الصَّيْدِ في حالِ الإحْرامِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ بَيْضُ الصَّيْدِ مُحَرَّمٌ عَلى المُحْرِمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا ولا مُسَمًّى صَيْدًا، فَكَذَلِكَ لَحْمُهُ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ المُحْرِمَ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْ إتْلافِ لَحْمِ الصَّيْدِ ولَوْ أتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنهُ، وهو مَنهِيٌّ عَنْ إتْلافِ البَيْضِ والفَرْخِ ويَلْزَمُهُ ضَمانُهُ. وأيْضًا فَإنَّ البَيْضَ والفَرْخَ قَدْ يَصِيرانِ صَيْدًا مُمْتَنِعًا فَحَكَمَ لَهُما بِحُكْمِ الصَّيْدِ، ولَحْمُ الصَّيْدِ لا يَصِيرُ صَيْدًا بِحالٍ فَكانَ بِمَنزِلَةِ لُحُومِ سائِرِ الحَيَواناتِ؛ إذْ لَيْسَ بِصَيْدٍ في الحالِ ولا يَجِيءُ مِنهُ صَيْدٌ. وأيْضًا فَإنّا لَمْ نُحَرِّمِ الفَرْخَ والبَيْضَ بِعُمُومِ الآيَةِ وإنَّما حَرَّمْناهُما بِالِاتِّفاقِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ أنَّهُ أهْدى إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِالأبْواءِ أوْ غَيْرِها لَحْمَ حِمارِ وحْشٍ وهو مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ، فَرَأى في وجْهِهِ الكَراهَةَ، فَقالَ: «لَيْسَ بِنا رَدٌّ عَلَيْكَ ولَكِنّا حُرُمٌ»، وخالَفَهُ مالِكٌ، فَرَواهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ، أنَّهُ أهْدى إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِالأبْواءِ أوْ بِوَدّانَ حِمارَ وحْشٍ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: «إنّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلّا أنّا حُرُمٌ» . قالَ ابْنُ إدْرِيسَ: فَقِيلَ لِمالِكٍ: إنَّ سُفْيانَ يَقُولُ رَجُلٌ حِمارَ وحْشٍ ؟ فَقالَ: ذاكَ غُلامٌ ذاكَ غُلامٌ. ورَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإسْنادٍ كَرِوايَةِ مالِكٍ، وقالَ فِيهِ: إنَّهُ أهْدى لَهُ حِمارَ وحْشٍ. ورَوى الأعْمَشُ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ مُصْعَبَ بْنَ جَثّامَةَ أهْدى إلى النَّبِيِّ ﷺ حِمارَ وحْشٍ وهو مُحْرِمٌ، فَرَدَّهُ وقالَ: «لَوْلا أنّا حُرُمٌ لَقَبِلْناهُ مِنكَ»، فَهَذا يَدُلُّ عَلى وهاءِ حَدِيثِ سُفْيانَ، وأنَّ الصَّحِيحَ ما رَواهُ مالِكٌ لِاتِّفاقِ هَؤُلاءِ الرُّواةِ عَلَيْهِ. وقَدْ رُوِيَ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو ما رَوى أبُو مُعاوَمَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أبِي الشَّعْثاءَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مُحْرِمٍ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ يَأْكُلُ مِنهُ، فَقالَ: احْسِبُوا لَهُ» قالَ أبُو مُعاوِيَةَ: يَعْنِي إنْ كانَ صِيدَ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ فَيَأْكُلُ وإلّا فَلا. وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ (p-١٤٩)إذا صِيدَ مِن أجْلِهِ أوْ أمَرَ بِهِ أوْ أعانَهُ أوْ دَلَّ عَلَيْهِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المَحْظُورَةِ.
المائدة 5:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ الآيَةُ. قِيلَ إنَّهُ أرادَ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ قِوامًا لِمَعايِشِهِمْ وعِمادًا لَهم، مِن قَوْلِهِمْ: ( هو قِوامُ الأمْرِ ومَلاكُهُ ) وهو ما يَسْتَقِيمُ بِهِ أمْرُهُ، فَهو قِوامُ دِينِهِمْ ودُنْياهم.
ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلُهُ: ( قِوامًا لِلنّاسِ صَلاحًا لَهم ) وقِيلَ: ( قِيامًا لِلنّاسِ ) أيْ تَقُومُ بِهِ أبْدانُهم لَأمْنِهِمْ بِهِ في التَّصَرُّفِ لِمَعايِشِهِمْ، فَهو قِوامُ دِينِهِمْ لِما في المَناسِكِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ القَبِيحِ والدُّعاءِ إلى الحَسَنِ، ولِما في الحَرَمِ والأشْهُرِ الحُرُمِ مِنَ الأمْنِ، ولِما في الحَجِّ والمَواسِمِ واجْتِماعِ النّاسِ مِنَ الآفاقِ فِيها مِن صَلاحِ المَعاشِ، وفي الهَدْيِ والقَلائِدِ أنَّ الرَّجُلَ إذا كانَ مَعَهُ الهَدْيُ مُقَلَّدًا كانُوا لا يَعْرِضُونَ لَهُ؛ وقِيلَ: إنَّ مَن أرادَ الإحْرامَ مِنهم كانَ يَتَقَلَّدُ مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ فَيَأْمَنُ. وقالَ الحَسَنُ: ( القَلائِدُ مِن تَقْلِيدِ الإبِلِ والبَقَرِ بِالنِّعالِ والخِفافِ ) فَهَذا عَلى صَلاحِ التَّعَبُّدِ بِهِ في الدِّينِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْلِيدَ البَدَنِ قِرْبَةٌ وكَذَلِكَ سَوْقُ الهَدْيِ. والكَعْبَةُ اسْمٌ لِلْبَيْتِ الحَرامِ قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: ( إنَّما سُمِّيَتْ كَعْبَةً لَتَرْبِيعِها )، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: إنَّما قِيلَ كَعْبَةُ البَيْتِ فَأُضِيفَتْ لِأنَّ كَعْبَتَهُ تَرَبُّعُ أعْلاهُ. وأصْلُ ذَلِكَ مِنَ الكُعُوبَةِ وهو النُّتُوُّ، فَقِيلَ لِلتَّرْبِيعِ كَعْبَةٌ لِنُتُوِّ زَوايا المُرَبَّعِ، ومِنهُ كَعَبُ ثَدْيِ الجارِيَةِ إذا نَتَأ، ومِنهُ كَعْبُ الإنْسانِ لِنُتَوِّهْ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَعْبَيْنِ اللَّذَيْنِ يَنْتَهِي إلَيْهِما الغَسْلُ في الوُضُوءِ هُما النّاتِئانِ عَنْ جَنْبَيْ أصْلِ السّاقِ.
وسَمّى اللَّهُ تَعالى البَيْتَ حَرامًا؛ لِأنَّهُ أرادَ الحَرَمَ كُلَّهُ لِتَحْرِيمِ صَيْدِهِ وخَلاهُ وتَحْرِيمُ قَتْلِ مَن لَجَأ إلَيْهِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] والمُرادُ الحَرَمُ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ( هو الأشْهُرُ الحُرُمُ ) فَأخْرَجَهُ مَخْرَجَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ أرادَ الجِنْسَ، وهو أرْبَعَةُ أشْهُرٍ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ وهي ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، وواحِدٌ فَرْدٌ وهو رَجَبُ؛ فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ لِأنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ فِيها ويَتَصَرَّفُونَ فِيها في مَعايِشِهِمْ، فَكانَ فِيهِ قِوامُهم.
وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِوامِ النّاسِ بِمَناسِكِ الحَجِّ والحَرَمِ والأشْهُرِ الحُرُمِ والهَدْيِ والقَلائِدِ ومَعْلُومٌ مُشاهَدٌ مِنَ ابْتِداءِ وقْتِ الحَجِّ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ وإلى آخِرِ الدَّهْرِ، فَلا تَرى شَيْئًا مِن أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا تَعَلَّقَ بِهِ مِن صَلاحِ المَعاشِ والمَعادِ بَعْدَ الإيمانِ ما تَعَلَّقَ بِالحَجِّ، ألا تَرى إلى كَثْرَةِ مَنافِعِ الحاجِّ في المَواسِمِ الَّتِي يَرِدُونَ عَلَيْها مِن سائِرِ البُلْدانِ الَّتِي يَجْتازُونَ بِمِنًى وبِمَكَّةَ إلى أنْ يَرْجِعُوا إلى أهالِيِهِمْ وانْتِفاعِ النّاسِ بِهِمْ وكَثْرَةِ مَعايِشِهِمْ (p-١٥٠)وتِجاراتِهِمْ مَعَهم، ثُمَّ ما فِيهِ مِن مَنافِعِ الدِّينِ مِنَ التَّأهُّبِ لِلْخُرُوجِ إلى الحَجِّ وإحْداثِ التَّوْبَةِ والتَّحَرِّي لَأنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ مِن أحَلِّ مالِهِ، ثُمَّ احْتِمالِ المَشاقِّ في السَّفَرِ إلَيْهِ وقَطْعِ المَخاوِفِ ومُقاساةِ اللُّصُوصِ والمُحْتالِينَ في مَسِيرِهِمْ إلى أنْ يَبْلُغُوا مَكَّةَ، ثُمَّ الإحْرامِ والتَّجَرُّدِ لِلَّهِ تَعالى والتَّشَبُّهِ بِالخارِجِينَ يَوْمَ النُّشُورِ مِن قُبُورِهِمْ إلى عَرْصَةِ القِيامَةِ، ثُمَّ كَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّلْبِيَةِ واللَّجَأِ إلى اللَّهِ تَعالى وإخْلاصِ النِّيَّةِ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ البَيْتِ والتَّعَلُّقِ بِأسْتارِهِ مُوقِنًا بِأنَّهُ لا مَلْجَأ لَهُ غَيْرُهُ، كالغَرِيقِ المُتَعَلِّقِ بِما يَرْجُو بِهِ النَّجاةَ وأنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ إلّا بِالتَّمَسُّكِ بِهِ، ثُمَّ إظْهارِ التَّمَسُّكِ بِحَبْلِ اللَّهِ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ نَجا ومَن حادَ عَنْهُ هَلَكَ، ثُمَّ حُضُورِ المَوْقِفِ والقِيامِ عَلى الأقْدامِ داعِينَ راجِينَ لِلَّهِ تَعالى مُتَخَلِّفِينَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا تارِكِينَ لِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ وأهالِيِهِمْ عَلى نَحْوِ وُقُوفِهِمْ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، وما في سائِرِ مَناسِكِ الحَجِّ مِنَ الذِّكْرِ والخُشُوعِ والِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الحَجُّ مِن سائِرِ القُرَبِ الَّتِي هي مَعْرُوفَةٌ في غَيْرِهِ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ والصَّدَقَةِ والقُرُباتِ والذِّكْرِ بِالقَلْبِ واللِّسانِ والطَّوافِ بِالبَيْتِ، وما لَوِ اسْتَقْصَيْنا ذِكْرَهُ لَطالَ بِهِ القَوْلُ؛ فَهَذِهِ كُلُّها مِن مَنافِعِ الدِّينِ والدُّنْيا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إخْبارٌ عَنْ عِلْمِهِ بِما يُؤَدِّي إلَيْهِ شَرِيعَةُ الحَجِّ مِن مَنافِعِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَدَبَّرَهُ هَذا التَّدْبِيرَ العَجِيبَ وانْتَظَمَ بِهِ صَلاحُ الخَلْقِ مِن أوَّلِ الأُمَّةِ وآخِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ. فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ عالِمًا بِالغَيْبِ وبِالأشْياءِ كُلِّها قَبْلَ كَوْنِها لَما كانَ تَدْبِيرُهُ لِهَذِهِ الأُمُورِ مُؤَدِّيًا إلى ما ذُكِرَ مِن صَلاحِ عِبادِهِ في دِينِهِمْ ودُنْياهم؛ لِأنَّ مَن لا يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ لا يَتَأتّى مِنهُ فِعْلُ المُحْكَمِ المُتْقَنِ عَلى نِظامٍ وتَرْتِيبٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الأُمَّةِ نَفْعُهُ في الدِّينِ والدُّنْيا.
المائدة 5:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ رَوى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أبِي حُصَيْنٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضْبانَ قَدِ احْمَرَّ وجْهُهُ، فَجَلَسَ عَلى المِنبَرِ فَقالَ: لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أجَبْتُكم فَقامَ إلَيْهِ رِجْلٌ فَقالَ: أيْنَ أنا ؟ فَقالَ: في النّارِ فَقامَ إلَيْهِ آخَرُ فَقالَ: مَن أبِي ؟ فَقالَ: أبُوكَ حُذافَةُ فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: رَضِينا بِاَللَّهِ رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا وبِالقُرْآنِ إمامًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا يا رَسُولَ اللَّهِ كُنّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ وشِرْكٍ واَللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ مَن آباؤُنا؛ فَسَكَنَ غَضَبُهُ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾» .
ورَوى إبْراهِيمُ الهِجْرِيُّ عَنْ أبِي عِياضٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّها نَزَلَتْ حِينَ سُئِلَ عَنِ الحَجِّ (p-١٥١)أفِي كُلِّ عامٍ ؟ وعَنْ أبِي أُمامَةَ نَحْوَ ذَلِكَ.
ورَوى عِكْرِمَةُ أنَّها نَزَلَتْ في الرَّجُلِ الَّذِي قالَ مَن أبِي. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: في الَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ. وقالَ مِقْسَمٌ: فِيما سَألَتِ الأُمَمُ أنْبِياءَهم مِنَ الآياتِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ يَمْتَنِعُ تَصْحِيحُ هَذِهِ الرِّواياتِ كُلِّها في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، فَيَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قالَ: لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أجَبْتُكم سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ عَنْ أبِيهِ مَن هو؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ يَتَكَلَّمُ في نَسَبِهِ، وسَألَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الَّذِينَ ذُكِرَ عَنْهم هَذِهِ المَسائِلُ عَلى اخْتِلافِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ يَعْنِي عَنْ مِثْلِها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ حاجَةٌ إلَيْها؛ فَأمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ فَقَدْ كانَ نَسَبُهُ مِن حُذافَةَ ثابِتًا بِالفِراشِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ كَوْنِهِ مِن ماءِ مَن هو مِنهُ، ولِأنَّهُ كانَ لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ مِن ماءِ غَيْرِهِ فَيَكْشِفُ عَنْ أمْرٍ قَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ تَعالى ويَهْتِكُ أُمَّهُ ويَشِينُ نَفْسَهُ بِلا طائِلٍ ولا فائِدَةٍ لَهُ فِيهِ؛ لِأنَّ نَسَبَهُ حِينَئِذٍ مَعَ كَوْنِهِ مِن ماءِ غَيْرِهِ ثابِتٌ مِن حُذافَةَ لِأنَّهُ صاحِبُ الفِراشِ، فَلِذَلِكَ قالَتْ لَهُ: لَقَدْ عَقَقْتَنِي بِسُؤالِكَ، فَقالَ: لَمْ تَسْكُنْ نَفْسِي إلّا بِإخْبارِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ. فَهَذا مِنَ الأسْئِلَةِ الَّتِي كانَ ضَرَرُ الجَوابِ عَنْها عَلَيْهِ كانَ كَثِيرًا لَوْ صادَفَ غَيْرَ الظّاهِرِ، فَكانَ مَنهِيًّا عَنْهُ.
ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن أتى شَيْئًا مِن هَذِهِ القاذُوراتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإنَّ مَن أبْدى لَنا صَفْحَةً أقَمْنا عَلَيْهِ كِتابَ اللَّهِ» «وقالَ لِهُزالٍ وكانَ أشارَ عَلى ماعِزٍ بِالإقْرارِ بِالزِّنا: لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كانَ خَيْرًا لَكَ» وكَذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ أنا ؟ قَدْ كانَ غَنِيًّا عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ والسِّتْرُ عَلى نَفْسِهِ في الدُّنْيا فَهَتَكَ سِتْرَهُ وقَدْ كانَ السِّتْرُ أوْلى بِهِ. وكَذَلِكَ المَسْألَةُ عَنِ الآياتِ مَعَ ظُهُورِ ما ظَهَرَ مِنَ المُعْجِزاتِ مَنهِيٌّ غَيْرُ سائِغٍ لِأحَدٍ؛ لِأنَّ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبَعًا لِأهْواءِ الكُفّارِ وشَهَواتِهِمْ. فَهَذا النَّحْوُ مِنَ المَسائِلِ مُسْتَقْبَحَةٌ مَكْرُوهَةٌ، وأمّا سُؤالُ الحَجِّ في كُلِّ عامٍ فَقَدْ كانَ عَلى سامِعِ آيَةِ الحَجِّ الِاكْتِفاءُ بِمُوجِبِ حُكْمِها مِن إيجابِها حَجَّةً واحِدَةً، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّها حَجَّةٌ واحِدَةٌ ولَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ» فَأخْبَرَ أنَّهُ لَوْ قالَ نَعَمْ لَوَجَبَتْ بِقَوْلِهِ دُونَ الآيَةِ، فَلَمْ يَكُنْ بِهِ حاجَةٌ إلى المَسْألَةِ مَعَ إمْكانِ الِاجْتِزاءِ بِحُكْمِ الآيَةِ. وأبْعَدُ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ قَوْلُ مَن ذَكَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ البُحَيْرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ سُؤالُهُ عَنْ مَعْنى البُحَيْرَةِ ما هو أوْ عَنْ جَوازِها.
وقَدْ كانَتِ البُحَيْرَةُ وما ذُكِرَ مَعَها أسْماءٌ لِأشْياءَ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهم في الجاهِلِيَّةِ ولَمْ يَكُونُوا يَحْتاجُونَ إلى المَسْألَةِ عَنْها؛ ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ السُّؤالُ وقَعَ عَنْ إباحَتِها (p-١٥٢)وجَوازِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ كُفْرًا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى أوْثانِهِمْ، فَمَنِ اعْتَقَدَ الإسْلامَ فَقَدْ عَلِمَ بُطْلانَهُ. وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ قَوْمٌ في حَظْرِ المَسْألَةِ عَنْ أحْكامِ الحَوادِثِ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِما رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ حَرامًا فَحَرُمَ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى حَظْرِ المَسْألَةِ عَنْ أحْكامِ الحَوادِثِ؛ لِأنَّهُ إنَّما قَصَدَ بِها إلى النَّهْيِ عَنِ المَسْألَةِ عَنْ أشْياءَ أخْفاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم واسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها وهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلَيْها بَلْ عَلَيْهِمْ فِيها ضَرَرٌ إنْ أُبْدِيَتْ لَهم، كَحَقائِقِ الأنْسابِ؛ لِأنَّهُ قالَ: «الوَلَدُ لِلْفِراشِ» فَلَمّا سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ عَنْ حَقِيقَةِ خَلْقِهِ مِن ماءِ مَن هو دُونَ ما حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن نِسْبَتِهِ إلى الفِراشِ، نَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي قالَ: أيْنَ أنا ؟ لَمْ يَكُنْ بِهِ حاجَةٌ إلى كَشْفِ عَيْبِهِ في كَوْنِهِ مِن أهْلِ النّارِ، وكَسُؤالِ آياتِ الأنْبِياءِ. وفي فَحْوى الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الحَظْرَ تَعَلَّقَ بِما وصَفْنا.
المائدة 5:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ يَعْنِي الآيَةَ سَألُوها الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَأعْطاهُمُ اللَّهُ إيّاها. وهَذا تَصْدِيقُ تَأْوِيلِ مِقْسَمٍ. فَأمّا السُّؤالُ عَنْ أحْكامٍ غَيْرِ مَنصُوصَةٍ فَلَمْ يَدْخُلْ في حَظْرِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ ناجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ لَمّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهُ البُدْنَ لِيَنْحَرَها بِمَكَّةَ قالَ: كَيْفَ أصْنَعُ بِما عَطِبَ مِنها ؟ فَقالَ: «انْحَرْها واصْبُغْ نَعْلَها بِدَمِها واضْرِبْ بِها صَفْحَتَها وخَلِّ بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ ولا تَأْكُلْ أنْتَ ولا أحَدٌ مِن أهْلِ رُفْقَتِكَ شَيْئًا» ولَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ سُؤالَهُ. وفي حَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ: إنّا لاقُو العَدُوِّ غَدًا ولَيْسَ مَعَنا مُدًى، فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ. وحَدِيثُ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ في الرَّجُلِ الَّذِي سَألَهُ عَمّا يَصْنَعُ في عُمْرَتِهِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ. وأحادِيثُ كَثِيرَةٌ في سُؤالِ قَوْمٍ سَألُوهُ عَنْ أحْكامِ شَرائِعِ الدِّينِ فِيما لَيْسَ بِمَنصُوصٍ عَلَيْهِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلى أحَدٍ.
ورَوى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ «إنِّي أُرِيدُ أنْ أسْألَكَ عَنْ أمْرٍ ويَمْنَعُنِي مَكانُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة: ١٠١] فَقالَ: ما هو ؟ قُلْتُ: العَمَلُ الَّذِي يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ؟ قالَ: قَدْ سَألْتَ عَظِيمًا وإنَّهُ لَيَسِيرٌ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ وإقامُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ وحَجُّ البَيْتِ وصَوْمُ رَمَضانَ» فَلَمْ يَمْنَعْهُ السُّؤالَ ولَمْ يُنْكِرْهُ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنِ الأحْنَفِ عَنْ عُمَرَ قالَ: ( تَفَقَّهُوا قَبْلَ أنْ تَسَوَّدُوا)، وكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْتَمِعُونَ في المَسْجِدِ يَتَذاكَرُونَ حَوادِثَ المَسائِلِ (p-١٥٣)فِي الأحْكامِ، وعَلى هَذا المِنهاجِ جَرى أمْرُ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم مِنَ الفُقَهاءِ إلى يَوْمِنا هَذا. وإنَّما أنْكَرَ هَذا قَوْمٌ حَشْوٌ جُهّالٌ قَدْ حَمَلُوا أشْياءَ مِنَ الأخْبارِ لا عِلْمَ لَهم بِمَعانِيها وأحْكامِها فَعَجَزُوا عَنِ الكَلامِ فِيها واسْتِنْباطِ فِقْهِها، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ ورُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ مِنهُ» وهَذِهِ الطّائِفَةُ المُنْكِرَةُ لِذَلِكَ كَمَن قالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] مَعْناهُ: إنْ تَظْهَرْ لَكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادَهُ فِيمَن سَألَ مِثْلَ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ والرَّجُلِ الَّذِي قالَ أيْنَ أنا؛ لِأنَّ إظْهارَ أحْكامِ الحَوادِثِ لا يَسُوءُ السّائِلِينَ؛ لِأنَّهم إنَّما يَسْألُونَ عَنْها لِيَعْلَمُوا أحْكامَ اللَّهِ تَعالى فِيها. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] يَعْنِي: في حالِ نُزُولِ المَلَكِ وتِلاوَتِهِ القُرْآنَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُها لَكم وذَلِكَ مِمّا يَسُوءُكم ويَضُرُّكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ [المائدة: ١٠١] يَعْنِي هَذا الضَّرْبَ مِنَ المَسائِلِ لَمْ يُؤاخِذْكُمُ اللَّهُ بِها بِالبَحْثِ عَنْها والكَشْفِ عَنْ حَقائِقِها. والعَفْوُ في هَذا المَوْضِعِ التَّسْهِيلُ والتَّوْسِعَةُ في إباحَةِ تَرْكِ السُّؤالِ عَنْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومَعْناهُ: سَهَّلَ عَلَيْكم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( الحَلالُ ما أحَلَّ اللَّهُ، والحَرامُ ما حَرَّمَ اللَّهُ، وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو عَفْوٌ ) يَعْنِي تَسْهِيلٌ وتَوْسِعَةٌ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( قَوْمُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألُوا المائِدَةَ ثُمَّ كَفَرُوا بِها ) . وقالَ غَيْرُهُ: ( قَوْمُ صالِحٍ سَألُوا النّاقَةَ ثُمَّ عَقَرُوها وكَفَرُوا بِها ) . وقالَ السُّدِّيُّ: ( هَذا حِينَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُحَوِّلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا ) .
وقِيلَ إنَّ قَوْمًا سَألُوا نَبِيَّهم عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي سَألَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ ومَن قالَ أيْنَ أنا فَلَمّا أخْبَرَهم بِهِ نَبِيُّهم ساءَهم فَكَذَّبُوا بِهِ وكَفَرُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: ( البُحَيْرَةُ مِنَ الإبِلِ يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ، والسّائِبَةُ مِنَ الإبِلِ كانُوا يُسَيِّبُونَها لَطَواغِيتِهِمْ، والوَصِيلَةُ كانَتِ النّاقَةُ تُبَكِّرُ بِالأُنْثى ثُمَّ تُثْنِي بِالأُنْثى فَيُسَمُّونَها الوَصِيلَةَ يَقُولُونَ وصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ، فَكانُوا يَذْبَحُونَها لَطَواغِيتِهِمْ، والحامِي الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ كانَ يَضْرِبُ الضِّرابَ المَعْدُودَ فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ يُقالُ حَمى ظَهْرَهُ فَيُتْرَكُ فَيُسَمُّونَهُ الحامِيَ ) . وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: البُحَيْرَةُ النّاقَةُ الَّتِي تُشَقُّ أُذُنُها، يُقالُ: بَحَرْتُ أُذُنَ النّاقَةِ أبَحَرُها بَحْرًا، والنّاقَةُ مَبْحُورَةٌ وبُحَيْرَةٌ، إذا شَقَقْتَها واسِعًا؛ ومِنهُ البَحْرُ لَسَعَتِهِ؛ قالَ: وكانَ (p-١٥٤)أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ البَحِيرَةَ، وهي أنْ تُنْتَجَ خَمْسَةَ أبْطُنٍ يَكُونُ آخِرُها ذَكَرًا بَحَرُوا أُذُنَها وحَرَّمُوها وامْتَنَعُوا مِن رُكُوبِها ونَحْرِها ولَمْ تُطْرَدْ عَنْ ماءٍ ولَمْ تُمْنَعْ عَنْ مَرْعًى، وإذا لَقِيَها المَعْيِيُّ لَمْ يَرْكَبْها؛ قالَ: والسّائِبَةُ المِخْلاةُ وهي المُسَيِّبَةُ، وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا نَذَرَ الرَّجُلُ لِقُدُومٍ مِن سَفَرٍ أوْ بُرْءٍ مِن مَرَضٍ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ قالَ: ( ناقَتِي سائِبَةٌ ) فَكانَتْ كالبُحَيْرَةِ في التَّحْرِيمِ والتَّخْلِيَةِ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أعْتَقَ عَبْدًا فَقالَ: ( هو سائِبَةٌ ) لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما عَقْلٌ ولا ولاءٌ ولا مِيراثٌ. فَأمّا الوَصِيلَةُ فَإنَّ بَعْضَ أهْلِ اللُّغَةِ ذَكَرَ أنَّها الأُنْثى مِنَ الغَنَمِ إذا ولَدَتْ مَعَ ذَكَرٍ قالُوا: ( وصَلَتْ أخاها ) فَلَمْ يَذْبَحُوهُ. وقالَ بَعْضُهم: كانَتِ الشّاةُ إذا ولَدَتْ أُنْثى فَهي لَهم، وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ لَآلِهَتِهِمْ في زَعْمِهِمْ، وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: ( وصَلَتْ أخاها ) فَلَمْ يَذْبَحُوهُ لَآلِهَتِهِمْ؛ وقالُوا: الحامِي الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا نَتَجَتْ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةَ أبْطُنٍ قالُوا: " حَمى ظَهْرَهُ " فَلا يُحْتَمَلُ عَلَيْهِ ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى.
وإخْبارُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ ما اعْتَقَدَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ في البُحَيْرَةِ والسّائِبَةِ وما ذُكِرَ في الآيَةِ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ عِتْقِ السّائِبَةِ عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ القائِلُونَ بِأنَّ مَن أعْتَقَ عَبْدَهُ سائِبَةٌ فَلا ولاءَ لَهُ مِنهُ ووَلاؤُهُ لِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ؛ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ قَدْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ فَأبْطَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا سائِبَةٍ﴾ وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «الوَلاءُ لِمَن أعْتَقَ» يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أيْضًا ويُبَيِّنُهُ.
المائدة 5:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ يَعْنِي الآيَةَ سَألُوها الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَأعْطاهُمُ اللَّهُ إيّاها. وهَذا تَصْدِيقُ تَأْوِيلِ مِقْسَمٍ. فَأمّا السُّؤالُ عَنْ أحْكامٍ غَيْرِ مَنصُوصَةٍ فَلَمْ يَدْخُلْ في حَظْرِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ ناجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ لَمّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهُ البُدْنَ لِيَنْحَرَها بِمَكَّةَ قالَ: كَيْفَ أصْنَعُ بِما عَطِبَ مِنها ؟ فَقالَ: «انْحَرْها واصْبُغْ نَعْلَها بِدَمِها واضْرِبْ بِها صَفْحَتَها وخَلِّ بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ ولا تَأْكُلْ أنْتَ ولا أحَدٌ مِن أهْلِ رُفْقَتِكَ شَيْئًا» ولَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ سُؤالَهُ. وفي حَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ: إنّا لاقُو العَدُوِّ غَدًا ولَيْسَ مَعَنا مُدًى، فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ. وحَدِيثُ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ في الرَّجُلِ الَّذِي سَألَهُ عَمّا يَصْنَعُ في عُمْرَتِهِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ. وأحادِيثُ كَثِيرَةٌ في سُؤالِ قَوْمٍ سَألُوهُ عَنْ أحْكامِ شَرائِعِ الدِّينِ فِيما لَيْسَ بِمَنصُوصٍ عَلَيْهِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلى أحَدٍ.
ورَوى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ «إنِّي أُرِيدُ أنْ أسْألَكَ عَنْ أمْرٍ ويَمْنَعُنِي مَكانُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة: ١٠١] فَقالَ: ما هو ؟ قُلْتُ: العَمَلُ الَّذِي يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ؟ قالَ: قَدْ سَألْتَ عَظِيمًا وإنَّهُ لَيَسِيرٌ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ وإقامُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ وحَجُّ البَيْتِ وصَوْمُ رَمَضانَ» فَلَمْ يَمْنَعْهُ السُّؤالَ ولَمْ يُنْكِرْهُ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنِ الأحْنَفِ عَنْ عُمَرَ قالَ: ( تَفَقَّهُوا قَبْلَ أنْ تَسَوَّدُوا)، وكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْتَمِعُونَ في المَسْجِدِ يَتَذاكَرُونَ حَوادِثَ المَسائِلِ (p-١٥٣)فِي الأحْكامِ، وعَلى هَذا المِنهاجِ جَرى أمْرُ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم مِنَ الفُقَهاءِ إلى يَوْمِنا هَذا. وإنَّما أنْكَرَ هَذا قَوْمٌ حَشْوٌ جُهّالٌ قَدْ حَمَلُوا أشْياءَ مِنَ الأخْبارِ لا عِلْمَ لَهم بِمَعانِيها وأحْكامِها فَعَجَزُوا عَنِ الكَلامِ فِيها واسْتِنْباطِ فِقْهِها، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ ورُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ مِنهُ» وهَذِهِ الطّائِفَةُ المُنْكِرَةُ لِذَلِكَ كَمَن قالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] مَعْناهُ: إنْ تَظْهَرْ لَكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادَهُ فِيمَن سَألَ مِثْلَ سُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ والرَّجُلِ الَّذِي قالَ أيْنَ أنا؛ لِأنَّ إظْهارَ أحْكامِ الحَوادِثِ لا يَسُوءُ السّائِلِينَ؛ لِأنَّهم إنَّما يَسْألُونَ عَنْها لِيَعْلَمُوا أحْكامَ اللَّهِ تَعالى فِيها. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] يَعْنِي: في حالِ نُزُولِ المَلَكِ وتِلاوَتِهِ القُرْآنَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُها لَكم وذَلِكَ مِمّا يَسُوءُكم ويَضُرُّكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ [المائدة: ١٠١] يَعْنِي هَذا الضَّرْبَ مِنَ المَسائِلِ لَمْ يُؤاخِذْكُمُ اللَّهُ بِها بِالبَحْثِ عَنْها والكَشْفِ عَنْ حَقائِقِها. والعَفْوُ في هَذا المَوْضِعِ التَّسْهِيلُ والتَّوْسِعَةُ في إباحَةِ تَرْكِ السُّؤالِ عَنْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومَعْناهُ: سَهَّلَ عَلَيْكم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( الحَلالُ ما أحَلَّ اللَّهُ، والحَرامُ ما حَرَّمَ اللَّهُ، وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو عَفْوٌ ) يَعْنِي تَسْهِيلٌ وتَوْسِعَةٌ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( قَوْمُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألُوا المائِدَةَ ثُمَّ كَفَرُوا بِها ) . وقالَ غَيْرُهُ: ( قَوْمُ صالِحٍ سَألُوا النّاقَةَ ثُمَّ عَقَرُوها وكَفَرُوا بِها ) . وقالَ السُّدِّيُّ: ( هَذا حِينَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُحَوِّلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا ) .
وقِيلَ إنَّ قَوْمًا سَألُوا نَبِيَّهم عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي سَألَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ ومَن قالَ أيْنَ أنا فَلَمّا أخْبَرَهم بِهِ نَبِيُّهم ساءَهم فَكَذَّبُوا بِهِ وكَفَرُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: ( البُحَيْرَةُ مِنَ الإبِلِ يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ، والسّائِبَةُ مِنَ الإبِلِ كانُوا يُسَيِّبُونَها لَطَواغِيتِهِمْ، والوَصِيلَةُ كانَتِ النّاقَةُ تُبَكِّرُ بِالأُنْثى ثُمَّ تُثْنِي بِالأُنْثى فَيُسَمُّونَها الوَصِيلَةَ يَقُولُونَ وصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ، فَكانُوا يَذْبَحُونَها لَطَواغِيتِهِمْ، والحامِي الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ كانَ يَضْرِبُ الضِّرابَ المَعْدُودَ فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ يُقالُ حَمى ظَهْرَهُ فَيُتْرَكُ فَيُسَمُّونَهُ الحامِيَ ) . وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: البُحَيْرَةُ النّاقَةُ الَّتِي تُشَقُّ أُذُنُها، يُقالُ: بَحَرْتُ أُذُنَ النّاقَةِ أبَحَرُها بَحْرًا، والنّاقَةُ مَبْحُورَةٌ وبُحَيْرَةٌ، إذا شَقَقْتَها واسِعًا؛ ومِنهُ البَحْرُ لَسَعَتِهِ؛ قالَ: وكانَ (p-١٥٤)أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ البَحِيرَةَ، وهي أنْ تُنْتَجَ خَمْسَةَ أبْطُنٍ يَكُونُ آخِرُها ذَكَرًا بَحَرُوا أُذُنَها وحَرَّمُوها وامْتَنَعُوا مِن رُكُوبِها ونَحْرِها ولَمْ تُطْرَدْ عَنْ ماءٍ ولَمْ تُمْنَعْ عَنْ مَرْعًى، وإذا لَقِيَها المَعْيِيُّ لَمْ يَرْكَبْها؛ قالَ: والسّائِبَةُ المِخْلاةُ وهي المُسَيِّبَةُ، وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا نَذَرَ الرَّجُلُ لِقُدُومٍ مِن سَفَرٍ أوْ بُرْءٍ مِن مَرَضٍ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ قالَ: ( ناقَتِي سائِبَةٌ ) فَكانَتْ كالبُحَيْرَةِ في التَّحْرِيمِ والتَّخْلِيَةِ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أعْتَقَ عَبْدًا فَقالَ: ( هو سائِبَةٌ ) لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما عَقْلٌ ولا ولاءٌ ولا مِيراثٌ. فَأمّا الوَصِيلَةُ فَإنَّ بَعْضَ أهْلِ اللُّغَةِ ذَكَرَ أنَّها الأُنْثى مِنَ الغَنَمِ إذا ولَدَتْ مَعَ ذَكَرٍ قالُوا: ( وصَلَتْ أخاها ) فَلَمْ يَذْبَحُوهُ. وقالَ بَعْضُهم: كانَتِ الشّاةُ إذا ولَدَتْ أُنْثى فَهي لَهم، وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ لَآلِهَتِهِمْ في زَعْمِهِمْ، وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: ( وصَلَتْ أخاها ) فَلَمْ يَذْبَحُوهُ لَآلِهَتِهِمْ؛ وقالُوا: الحامِي الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا نَتَجَتْ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةَ أبْطُنٍ قالُوا: " حَمى ظَهْرَهُ " فَلا يُحْتَمَلُ عَلَيْهِ ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى.
وإخْبارُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ ما اعْتَقَدَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ في البُحَيْرَةِ والسّائِبَةِ وما ذُكِرَ في الآيَةِ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ عِتْقِ السّائِبَةِ عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ القائِلُونَ بِأنَّ مَن أعْتَقَ عَبْدَهُ سائِبَةٌ فَلا ولاءَ لَهُ مِنهُ ووَلاؤُهُ لِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ؛ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ قَدْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ فَأبْطَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا سائِبَةٍ﴾ وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «الوَلاءُ لِمَن أعْتَقَ» يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أيْضًا ويُبَيِّنُهُ.
المائدة 5:106
بابُ الشَّهادَةِ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ قَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى الشَّهادَةِ هاهُنا، فَقالَ قائِلُونَ: ( هي الشَّهادَةُ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ ) وأجازُوا بِها شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ.
ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا تُوفِيَ بِدُقُوقا ولَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ، فَأشْهَدْ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَأحْلَفَهُما أبُو مُوسى بَعْدَ العَصْرِ بِاَللَّهِ ما خانا ولا كَذَبا ولا بَدَّلا ولا كَتَما ولا غَيَّرا، وإنَّها لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وتِرْكَتُهُ؛ فَأمْضى أبُو مُوسى شَهادَتَهُما وقالَ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وقالَ آخَرُونَ: ( مَعْنى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ حُضُورُ الوَصِيَّيْنِ، مِن قَوْلِكَ شَهِدْتَهُ إذا حَضَرْتَهُ ) .
وقالَ آخَرُونَ: ( إنَّما الشَّهادَةُ هُنا أيْمانُ الوَصِيَّةِ بِاَللَّهِ إذا ارْتابَ الوَرَثَةُ بِهِما )، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. فَذَهَبَ أبُو مُوسى إلى أنَّها الشَّهادَةُ عَلى الوَصِيَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِها عِنْدَ الحُكّامِ، وأنَّ هَذا حُكْمٌ ثابِتٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ شُرَيْحٍ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى والأوْزاعِيِّ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ سِيرِينَ وعُبَيْدَةَ وشُرَيْحٍ والشَّعْبِيِّ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ ( مِن غَيْرِ مِلَّتِكم ) . ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والزُّهْرِيِّ: ( مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم ) فَأمّا تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَها عَلى اليَمِينِ دُونَ الشَّهادَةِ الَّتِي تُقامُ عِنْدَ الحُكّامِ، فَقَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، وإنْ كانَتِ اليَمِينُ قَدْ تُسَمّى شَهادَةً في نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] لِأنَّ الشَّهادَةَ إذا أُطْلِقَتْ فَهي الشَّهادَةُ المُتَعارَفَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] كُلُّ ذَلِكَ قَدْ عُقِلَ بِهِ الشَّهاداتُ عَلى الحُقُوقِ لا الأيْمانُ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ المَفْهُومُ فِيهِ الشَّهادَةُ المُتَعارَفَةُ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أيْمانَ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ؛ لِأنَّ حالَ المَوْتِ لَيْسَ حالًا لِلْأيْمانِ. ثُمَّ زادَ بِذَلِكَ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: إنْ (p-١٦٠)لَمْ يُوجَدْ ذَوا عَدْلٍ مِنكم؛ ولا يَخْتَلِفُ في حُكْمِ اليَمِينِ وُجُودُ ذَوِي العَدْلِ وعَدَمُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْجُودَةٌ ظاهِرَةٌ غَيْرُ مَكْتُومَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ يَمِينَ الوَرَثَةِ بَعْدَ اخْتِلافِ الوَصِيَّيْنِ عَلى مالِ المَيِّتِ، وإنَّما الشَّهادَةُ الَّتِي هي اليَمِينُ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ [المائدة: ١٠٨] يَعْنِي بِهِ الشَّهادَةَ عَلى الوَصِيَّةِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَقُولَ: ( أنْ تَأْتُوا بِاليَمِينِ عَلى وجْهِها ) .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الأوَّلَ شَهادَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الشَّهادَةَ واليَمِينَ كُلَّ واحِدَةٍ بِحَقِيقَةِ لَفْظِها. فَأمّا تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم؛ فَلا مَعْنى لَهُ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى خِلافِهِ؛ لِأنَّ الخِطابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِلَفْظِ الإيمانِ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِلْقَبِيلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَجْرِ لِلْقَبِيلَةِ ذِكْرٌ حَتّى تَرْجِعَ إلَيْهِ الكِنايَةُ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الكِنايَةَ إنَّما تَرْجِعُ إمّا إلى مَظْهَرٍ مَذْكُورٍ في الخِطابِ أوْ مَعْلُومٍ بِدَلالَةِ الحالِ، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ هُنا دَلالَةٌ عَلى الحالِ تَرْجِعُ الكِنايَةُ إلَيْها يَثْبُتُ أنَّها راجِعَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الخِطابِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وصَحَّ أنَّ المُرادَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فاقْتَضَتِ الآيَةُ جَوازَ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ.
وقَدْ رُوِيَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مُوسى وشُرَيْحٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ وُجُوهٌ مُخْتَلِفَةٌ، وأشْبَهَها بِمَعْنى الآيَةِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ آدَمَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي زائِدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي القاسِمِ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رِجْلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَداءٍ، فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ بِها مُسْلِمٌ، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جامَ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بِمَكَّةَ فَقالُوا: اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ، فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وأنَّ الجامَ لَصاحِبِهِمْ، قالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدِيًّا» لِأنَّ الوَرَثَةَ اتَّهَمُوهُما بِأخْذِهِ، ثُمَّ لَمّا ادَّعَيا أنَّهُما اشْتَرَيا الجامَ مِنَ المَيِّتِ اسْتَحْلَفَ الوَرَثَةَ وجَعَلَ القَوْلَ قَوْلَهم في أنَّهُ لَمْ يَبِعْ وأخَذُوا الجامَ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ما قالَ أبُو مُوسى في قَبُولِ شَهادَةِ الذِّمِّيِّينَ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُنْذُ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الآنَ، هو هَذِهِ القِصَّةُ الَّتِي في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ (p-١٦١)وقَدْ رَوى عِكْرِمَةُ في قِصَّةِ تَمِيمٍ الدّارِيِّ نَحْوَ رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ.
* *
واخْتُلِفَ في بَقاءِ حُكْمِ جَوازِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ، فَقالَ أبُو مُوسى وشُرَيْحٌ: ( هي ثابِتَةٌ ) وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ إنَّهُ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَأوَّلُوا الآيَةَ عَلى جَوازِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ، ولا يُحْفَظُ عَنْهم بَقاءُ هَذا الحُكْمِ أوْ نَسْخُهُ ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ قالَ: ( كانَ ذَلِكَ في رِجْلٍ تُوُفِّيَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ والأرْضُ حَرْبٌ والنّاسُ كُفّارٌ، إلّا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ؛ فَكانَ النّاسُ يَتَوارَثُونَ بِالمَدِينَةِ بِالوَصِيَّةِ ثُمَّ نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ وفُرِضَتِ الفَرائِضُ وعَمِلَ المُسْلِمُونَ بِها ) .
ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: هي مَنسُوخَةٌ، نَسَخَتْها: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]
ورَوى ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ وعَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ قالا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» . قالَ جُبَيْرُ بْنُ نَفِيرٍ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: ( المائِدَةُ مِن آخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ فَما وجَدْتُمْ فِيها مِن حَلالٍ فاسْتَحِلُّوهُ وما وجَدْتُمْ مِن حَرامٍ فاسْتَحْرِمُوهُ ) .
ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: ( في المائِدَةِ ثَمانِي عَشْرَةَ فَرِيضَةً ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ ) .
وقالَ الحَسَنُ: ( لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ شَيْءٌ ) . فَهَؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ شَيْءٌ مَنسُوخٌ. واَلَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ جَوازَ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ، سَواءٌ كانَ في الوَصِيَّةِ بَيْعٌ أوْ إقْرارٌ بِدَيْنٍ أوْ وصِيَّةٍ بِشَيْءٍ أوْ هِبَةٍ أوْ صَدَقَةٍ، هَذا كُلُّهُ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ اسْمُ الوَصِيَّةِ إذا عَقَدَهُ في مَرَضِهِ؛ وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أجازَ شَهادَتَهُما عَلَيْهِ حِينَ الوَصِيَّةِ لَمْ يُخَصِّصْ بِها الوَصِيَّةَ دُونَ غَيْرِها، وحِينَ الوَصِيَّةِ قَدْ يَكُونُ إقْرارٌ بِدَيْنٍ أوْ بِمالِ عَيْنٍ وغَيْرِهِ لَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنهُ.
ثُمَّ قَدْ رُوِيَ أنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ وإنْ كانَ قَوْمٌ قَدْ ذَكَرُوا أنَّ المائِدَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ: ( مِن آخِرِ ما نَزَلَ ): مِن آخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ في الجُمْلَةِ، لا عَلى أنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنها مِن آخِرِ ما نَزَلَ.
وإنْ كانَ كَذَلِكَ فَآيَةُ الدَّيْنِ لا مَحالَةَ ناسِخَةٌ لِجَوازِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهُمُ المُسْلِمُونَ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ الخِطابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِاسْمِ الإيمانِ، ولَمْ يُخَصِّصْ بِها حالَ الوَصِيَّةِ دُونَ غَيْرِها، فَهي عامَّةٌ في الجَمِيعِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولَيْسَ الكُفّارُ بِمَرْضِيِّينَ في الشَّهادَةِ عَلى المُسْلِمِينَ، فَتَضَمَّنَتْ آيَةُ الدَّيْنِ (p-١٦٢)نَسْخَ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ وفي الحَضَرِ وفي الوَصِيَّةِ وغَيْرِها؛ فانْتَظَمَتِ الآيَةُ جَوازَ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ، ومِن حَيْثُ دَلَّتْ عَلى جَوازِها عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ فَهي دالَّةٌ أيْضًا عَلى وصِيَّةِ الذِّمِّيِّ، ثُمَّ نُسِخَ فِيها جَوازُها عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ بِآيَةِ الدَّيْنِ وبَقِيَ حُكْمُها عَلى الذِّمِّيِّ في السَّفَرِ وغَيْرِهِ؛ إذْ كانَتْ حالَةُ السَّفَرِ والحَضَرِ سَواءٌ في حُكْمِ الشَّهاداتِ وعَلى جَوازِ شَهادَةِ الوَصِيَّيْنِ عَلى وصِيَّةِ المَيِّتِ؛ لِأنَّ في التَّفْسِيرِ أنَّ المَيِّتَ أوْصى إلَيْهِما وأنَّهُما شَهِدا عَلى وصِيتِهِ؛ ودَلَّتْ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُ الوَصِيِّ فِيما في يَدِهِ لِلْمَيِّتِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأنَّهُما عَلى ذَلِكَ اسْتُحْلِفا، ودَلَّتْ عَلى أنَّ دَعْواهُما شَرى شَيْءٍ مِنَ المَيِّتِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ إلّا بِبَيِّنَةٍ وأنَّ القَوْلَ قَوْلُ الوَرَثَةِ أنَّ المَيِّتَ لَمْ يَبِعْ ذَلِكَ مِنهُما مَعَ أيْمانِهِمْ.
المائدة 5:107
بابُ الشَّهادَةِ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ قَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى الشَّهادَةِ هاهُنا، فَقالَ قائِلُونَ: ( هي الشَّهادَةُ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ ) وأجازُوا بِها شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ.
ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا تُوفِيَ بِدُقُوقا ولَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ، فَأشْهَدْ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَأحْلَفَهُما أبُو مُوسى بَعْدَ العَصْرِ بِاَللَّهِ ما خانا ولا كَذَبا ولا بَدَّلا ولا كَتَما ولا غَيَّرا، وإنَّها لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وتِرْكَتُهُ؛ فَأمْضى أبُو مُوسى شَهادَتَهُما وقالَ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وقالَ آخَرُونَ: ( مَعْنى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ حُضُورُ الوَصِيَّيْنِ، مِن قَوْلِكَ شَهِدْتَهُ إذا حَضَرْتَهُ ) .
وقالَ آخَرُونَ: ( إنَّما الشَّهادَةُ هُنا أيْمانُ الوَصِيَّةِ بِاَللَّهِ إذا ارْتابَ الوَرَثَةُ بِهِما )، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. فَذَهَبَ أبُو مُوسى إلى أنَّها الشَّهادَةُ عَلى الوَصِيَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِها عِنْدَ الحُكّامِ، وأنَّ هَذا حُكْمٌ ثابِتٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ شُرَيْحٍ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى والأوْزاعِيِّ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ سِيرِينَ وعُبَيْدَةَ وشُرَيْحٍ والشَّعْبِيِّ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ ( مِن غَيْرِ مِلَّتِكم ) . ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والزُّهْرِيِّ: ( مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم ) فَأمّا تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَها عَلى اليَمِينِ دُونَ الشَّهادَةِ الَّتِي تُقامُ عِنْدَ الحُكّامِ، فَقَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، وإنْ كانَتِ اليَمِينُ قَدْ تُسَمّى شَهادَةً في نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] لِأنَّ الشَّهادَةَ إذا أُطْلِقَتْ فَهي الشَّهادَةُ المُتَعارَفَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] كُلُّ ذَلِكَ قَدْ عُقِلَ بِهِ الشَّهاداتُ عَلى الحُقُوقِ لا الأيْمانُ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ المَفْهُومُ فِيهِ الشَّهادَةُ المُتَعارَفَةُ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أيْمانَ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ؛ لِأنَّ حالَ المَوْتِ لَيْسَ حالًا لِلْأيْمانِ. ثُمَّ زادَ بِذَلِكَ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: إنْ (p-١٦٠)لَمْ يُوجَدْ ذَوا عَدْلٍ مِنكم؛ ولا يَخْتَلِفُ في حُكْمِ اليَمِينِ وُجُودُ ذَوِي العَدْلِ وعَدَمُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ اليَمِينَ مَوْجُودَةٌ ظاهِرَةٌ غَيْرُ مَكْتُومَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ يَمِينَ الوَرَثَةِ بَعْدَ اخْتِلافِ الوَصِيَّيْنِ عَلى مالِ المَيِّتِ، وإنَّما الشَّهادَةُ الَّتِي هي اليَمِينُ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ [المائدة: ١٠٨] يَعْنِي بِهِ الشَّهادَةَ عَلى الوَصِيَّةِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَقُولَ: ( أنْ تَأْتُوا بِاليَمِينِ عَلى وجْهِها ) .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الأوَّلَ شَهادَةٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الشَّهادَةَ واليَمِينَ كُلَّ واحِدَةٍ بِحَقِيقَةِ لَفْظِها. فَأمّا تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم؛ فَلا مَعْنى لَهُ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى خِلافِهِ؛ لِأنَّ الخِطابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِلَفْظِ الإيمانِ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِلْقَبِيلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَجْرِ لِلْقَبِيلَةِ ذِكْرٌ حَتّى تَرْجِعَ إلَيْهِ الكِنايَةُ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الكِنايَةَ إنَّما تَرْجِعُ إمّا إلى مَظْهَرٍ مَذْكُورٍ في الخِطابِ أوْ مَعْلُومٍ بِدَلالَةِ الحالِ، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ هُنا دَلالَةٌ عَلى الحالِ تَرْجِعُ الكِنايَةُ إلَيْها يَثْبُتُ أنَّها راجِعَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الخِطابِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وصَحَّ أنَّ المُرادَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فاقْتَضَتِ الآيَةُ جَوازَ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ.
وقَدْ رُوِيَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مُوسى وشُرَيْحٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ وُجُوهٌ مُخْتَلِفَةٌ، وأشْبَهَها بِمَعْنى الآيَةِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ آدَمَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي زائِدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي القاسِمِ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رِجْلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَداءٍ، فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ بِها مُسْلِمٌ، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جامَ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بِمَكَّةَ فَقالُوا: اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ، فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وأنَّ الجامَ لَصاحِبِهِمْ، قالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدِيًّا» لِأنَّ الوَرَثَةَ اتَّهَمُوهُما بِأخْذِهِ، ثُمَّ لَمّا ادَّعَيا أنَّهُما اشْتَرَيا الجامَ مِنَ المَيِّتِ اسْتَحْلَفَ الوَرَثَةَ وجَعَلَ القَوْلَ قَوْلَهم في أنَّهُ لَمْ يَبِعْ وأخَذُوا الجامَ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ما قالَ أبُو مُوسى في قَبُولِ شَهادَةِ الذِّمِّيِّينَ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُنْذُ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الآنَ، هو هَذِهِ القِصَّةُ الَّتِي في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ (p-١٦١)وقَدْ رَوى عِكْرِمَةُ في قِصَّةِ تَمِيمٍ الدّارِيِّ نَحْوَ رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ.
* *
واخْتُلِفَ في بَقاءِ حُكْمِ جَوازِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ، فَقالَ أبُو مُوسى وشُرَيْحٌ: ( هي ثابِتَةٌ ) وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ إنَّهُ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَأوَّلُوا الآيَةَ عَلى جَوازِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ، ولا يُحْفَظُ عَنْهم بَقاءُ هَذا الحُكْمِ أوْ نَسْخُهُ ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ قالَ: ( كانَ ذَلِكَ في رِجْلٍ تُوُفِّيَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ والأرْضُ حَرْبٌ والنّاسُ كُفّارٌ، إلّا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ؛ فَكانَ النّاسُ يَتَوارَثُونَ بِالمَدِينَةِ بِالوَصِيَّةِ ثُمَّ نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ وفُرِضَتِ الفَرائِضُ وعَمِلَ المُسْلِمُونَ بِها ) .
ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: هي مَنسُوخَةٌ، نَسَخَتْها: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]
ورَوى ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ وعَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ قالا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» . قالَ جُبَيْرُ بْنُ نَفِيرٍ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: ( المائِدَةُ مِن آخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ فَما وجَدْتُمْ فِيها مِن حَلالٍ فاسْتَحِلُّوهُ وما وجَدْتُمْ مِن حَرامٍ فاسْتَحْرِمُوهُ ) .
ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: ( في المائِدَةِ ثَمانِي عَشْرَةَ فَرِيضَةً ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ ) .
وقالَ الحَسَنُ: ( لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ شَيْءٌ ) . فَهَؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ شَيْءٌ مَنسُوخٌ. واَلَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ جَوازَ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ، سَواءٌ كانَ في الوَصِيَّةِ بَيْعٌ أوْ إقْرارٌ بِدَيْنٍ أوْ وصِيَّةٍ بِشَيْءٍ أوْ هِبَةٍ أوْ صَدَقَةٍ، هَذا كُلُّهُ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ اسْمُ الوَصِيَّةِ إذا عَقَدَهُ في مَرَضِهِ؛ وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أجازَ شَهادَتَهُما عَلَيْهِ حِينَ الوَصِيَّةِ لَمْ يُخَصِّصْ بِها الوَصِيَّةَ دُونَ غَيْرِها، وحِينَ الوَصِيَّةِ قَدْ يَكُونُ إقْرارٌ بِدَيْنٍ أوْ بِمالِ عَيْنٍ وغَيْرِهِ لَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنهُ.
ثُمَّ قَدْ رُوِيَ أنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ وإنْ كانَ قَوْمٌ قَدْ ذَكَرُوا أنَّ المائِدَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ: ( مِن آخِرِ ما نَزَلَ ): مِن آخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ في الجُمْلَةِ، لا عَلى أنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنها مِن آخِرِ ما نَزَلَ.
وإنْ كانَ كَذَلِكَ فَآيَةُ الدَّيْنِ لا مَحالَةَ ناسِخَةٌ لِجَوازِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهُمُ المُسْلِمُونَ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ الخِطابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِاسْمِ الإيمانِ، ولَمْ يُخَصِّصْ بِها حالَ الوَصِيَّةِ دُونَ غَيْرِها، فَهي عامَّةٌ في الجَمِيعِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولَيْسَ الكُفّارُ بِمَرْضِيِّينَ في الشَّهادَةِ عَلى المُسْلِمِينَ، فَتَضَمَّنَتْ آيَةُ الدَّيْنِ (p-١٦٢)نَسْخَ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ وفي الحَضَرِ وفي الوَصِيَّةِ وغَيْرِها؛ فانْتَظَمَتِ الآيَةُ جَوازَ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ، ومِن حَيْثُ دَلَّتْ عَلى جَوازِها عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ فَهي دالَّةٌ أيْضًا عَلى وصِيَّةِ الذِّمِّيِّ، ثُمَّ نُسِخَ فِيها جَوازُها عَلى وصِيَّةِ المُسْلِمِ بِآيَةِ الدَّيْنِ وبَقِيَ حُكْمُها عَلى الذِّمِّيِّ في السَّفَرِ وغَيْرِهِ؛ إذْ كانَتْ حالَةُ السَّفَرِ والحَضَرِ سَواءٌ في حُكْمِ الشَّهاداتِ وعَلى جَوازِ شَهادَةِ الوَصِيَّيْنِ عَلى وصِيَّةِ المَيِّتِ؛ لِأنَّ في التَّفْسِيرِ أنَّ المَيِّتَ أوْصى إلَيْهِما وأنَّهُما شَهِدا عَلى وصِيتِهِ؛ ودَلَّتْ عَلى أنَّ القَوْلَ قَوْلُ الوَصِيِّ فِيما في يَدِهِ لِلْمَيِّتِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأنَّهُما عَلى ذَلِكَ اسْتُحْلِفا، ودَلَّتْ عَلى أنَّ دَعْواهُما شَرى شَيْءٍ مِنَ المَيِّتِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ إلّا بِبَيِّنَةٍ وأنَّ القَوْلَ قَوْلُ الوَرَثَةِ أنَّ المَيِّتَ لَمْ يَبِعْ ذَلِكَ مِنهُما مَعَ أيْمانِهِمْ.
المائدة 5:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: أقْرَبُ أنْ لا يَكْتُمُوا ولا يُبَدِّلُوا، ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ يَعْنِي: إذا حَلَفا ما غَيَّرا ولا كَتَما ثُمَّ عُثِرَ عَلى شَيْءٍ مِن مالِ المَيِّتِ عِنْدَهُما، أنْ تُجْعَلَ أيْمانُ الوَرَثَةِ أوْلى مِن أيْمانِهِمْ بَدِيًّا أنَّهُما ما غَيَّرا ولا كَتَما، عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قِصَّةِ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَداءٍ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وقَتادَةَ: اسْتُحْلِفا بَعْدَ العَصْرِ؛ وإنَّما اسْتُحْلِفا بَعْدَ العَصْرِ تَغْلِيظًا لِلْيَمِينِ في الوَقْتِ المُعَظَّمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] قِيلَ صَلاةُ العَصْرِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى أنَّهُ اسْتَحْلَفَ بَعْدَ العَصْرِ في هَذِهِ القِصَّةِ. وقَدْ رُوِيَ تَغْلِيظُ اليَمِينِ بِالِاسْتِحْلافِ في البُقْعَةِ المُعَظَّمَةِ.
ورَوى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن حَلَفَ عِنْدَ هَذا المِنبَرِ عَلى يَمِينٍ آثِمَةٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ ولَوْ عَلى سِواكٍ أخْضَرَ»؛ فَأخْبَرَ أنَّ اليَمِينَ الفاجِرَةَ عِنْدَ المِنبَرِ أعْظَمُ مَأْثَمًا، وكَذَلِكَ سائِرُ المَواضِعِ المَوْسُومَةِ لِلْعِباداتِ ولِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرِهِ فِيها تَكُونُ المَعاصِي فِيها أعْظَمَ إثْمًا، ألا تَرى أنَّ شُرْبَ الخَمْرِ والزِّنا في المَسْجِدِ الحَرامِ وفي الكَعْبَةِ أعْظَمُ مَأْثَمًا مِنهُ في غَيْرِهِ ؟ ولَيْسَتِ اليَمِينُ عِنْدَ المِنبَرِ وفي المَسْجِدِ في الدَّعاوى بِواجِبَةٍ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّرْهِيبِ وتَخْوِيفِ العِقابِ. وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يَسْتَحْلِفُ بِالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنبَرِ؛ واحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ بِحَدِيثِ جابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنا، وبِحَدِيثِ وائِلِ بْنِ حُجْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِلْحَضْرَمِيِّ: لَكَ يَمِينُهُ قالَ: إنَّهُ رِجْلٌ فاجِرٌ لا يُبالِي، قالَ: لَيْسَ لَكَ مِنهُ إلّا ذَلِكَ فانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَلَمّا أدْبَرَ لِيَحْلِفَ قالَ: مَن حَلَفَ عَلى مالٍ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَقِيَ اللَّهَ وهو عَنْهُ مُعْرِضٌ» وبِحَدِيثِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وفِيهِ: فانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ. (p-١٦٣)فَقالُوا: قَوْلُهُ: «مَن حَلَفَ عِنْدَ هَذا المِنبَرِ عَلى يَمِينٍ آثِمَةٍ» يَدُلُّ عَلى أنَّ الأيْمانَ قَدْ كانَتْ تَكُونُ عِنْدَهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَسْنُونٌ.
وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَ يَجْلِسُ هُناكَ، فَلِذَلِكَ كانَ يَقَعُ الِاسْتِحْلافُ عِنْدَ المِنبَرِ، واليَمِينُ عِنْدَ المِنبَرِ أعْظَمُ مَأْثَمًا إذا كانَتْ كاذِبَةً لِحُرْمَةِ المَوْضِعِ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ عِنْدَ المِنبَرِ؛ والشّافِعِيُّ لا يَسْتَحْلِفُ في الشَّيْءِ التّافِهِ عِنْدَ المِنبَرِ، وقَدْ ذُكِرَ في الحَدِيثِ: «ولَوْ عَلى سِواكٍ أخْضَرَ» فَقَدْ خالَفَ الخَبَرَ عَلى أصْلِهِ. وأمّا قَوْلُهُ: ( انْطَلَقَ لِيَحْلِفَ ) وأنَّهُ لَمّا أدْبَرَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ ما قالَ، فَإنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ ذَهَبَ إلى المَوْضِعِ وإنَّما المُرادُ بِذَلِكَ العَزِيمَةُ والتَّصْمِيمُ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] لَمْ يُرِدْ بِهِ الذَّهابَ إلى المَوْضِعِ، وإنَّما أرادَ التَّوَلِّي عَنِ الحَقِّ والإصْرارَ عَلَيْهِ. وما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ في الحَلِفِ عِنْدَ المِنبَرِ وبَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ فَإنَّما كانَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ يُنْفِقُ الحُكُومَةَ هُناكَ ولا يُنْكَرُ أنْ تَكُونَ اليَمِينُ هُناكَ أغْلَظُ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ لِقَوْلِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اليَمِينُ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ» ولَمْ يُخَصِّصْها بِمَكانٍ؛ ولَكِنَّ الحاكِمَ إنْ رَأى تَغْلِيظَ اليَمِينِ بِاسْتِحْلافِهِ عِنْدَ المِنبَرِ إنْ كانَ بِالمَدِينَةِ، وفي المَسْجِدِ الحَرامِ إنْ كانَ بِمَكَّةَ، جازَ لَهُ ذَلِكَ كَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِاسْتِحْلافِ هَذَيْنِ الوَصِيَّيْنِ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الكُفّارِ يُعَظِّمُونَهُ، ووَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ.