أحكام القرآن — النور 24:6 – الفرقان 25:74
المحتويات
- النور 24:6
- النور 24:7
- النور 24:11
- النور 24:12
- النور 24:13
- النور 24:15
- النور 24:16
- النور 24:17
- النور 24:19
- النور 24:22
- النور 24:26
- النور 24:27
- النور 24:28
- النور 24:29
- النور 24:30
- النور 24:31
- النور 24:32
- النور 24:33
- النور 24:35
- النور 24:36
- النور 24:37
- النور 24:41
- النور 24:43
- النور 24:45
- النور 24:48
- النور 24:51
- النور 24:53
- النور 24:58
- النور 24:59
- النور 24:60
- النور 24:61
- النور 24:62
- النور 24:63
- الفرقان 25:48
- الفرقان 25:54
- الفرقان 25:62
- الفرقان 25:63
- الفرقان 25:64
- الفرقان 25:65
- الفرقان 25:72
- الفرقان 25:74
النور 24:6
بابُ اللِّعانِ
قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: كانَ حَدُّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ والزَّوْجاتِ الجَلْدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ: «ائْتِنِي بِأرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ»، وقالَ الأنْصارُ: أيُجْلَدُ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ وتَبْطُلُ شَهادَتُهُ في المُسْلِمِينَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجاتِ كانَ كَحَدِّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ وأنَّهُ نُسِخَ عَنِ الأزْواجِ الجَلْدُ بِاللِّعانِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعانِ: «ائْتِنِي بِصاحِبَتِكَ فَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وفِيها قُرْآنًا» ولاعَنَ بَيْنَهُما، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في الرَّجُلِ الَّذِي قالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَإنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ وإنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ فَدَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجَةِ كانَ الجَلْدَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَهُ بِاللِّعانِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ الزَّوْجَ (p-١٣٤)إذا كانَ عَبْدًا أوْ مَحْدُودًا في قَذْفٍ فَلَمْ يَجِبِ اللِّعانُ بَيْنَهُما أنَّ عَلَيْهِ الحَدَّ، كَما أنَّهُ إذا أكْذَبَ نَفْسَهُ فَسَقَطَ اللِّعانُ مِن قِبَلِهِ كانَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وقالُوا: لَوْ كانَتِ المَرْأةُ هي المَحْدُودَةُ في القَذْفِ أوْ كانَتْ أمَةً أوْ ذِمِّيَّةً أنَّهُ لا حَدَّ عَلى الزَّوْجِ؛ لِأنَّهُ قَدْ سَقَطَ اللِّعانُ مِن قِبَلِها فَكانَ بِمَنزِلَةِ تَصْدِيقِها الزَّوْجَ بِالقَذْفِ لَمّا سَقَطَ اللِّعانُ مِن جِهَتِها لَمْ يَجِبْ عَلى الزَّوْجِ الحَدُّ.
واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن يَجِبُ بَيْنَهُما اللِّعانُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: ( يَسْقُطُ اللِّعانُ بِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ أيُّهُما وُجِدَ لَمْ يَجِبْ مَعَهُ اللِّعانُ، وهو أنْ يَكُونَ الزَّوْجَةُ مِمَّنْ لا يَجِبُ عَلى قاذِفِها الحَدُّ إذا كانَ أجْنَبِيًّا نَحْوُ أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مَمْلُوكَةً أوْ ذِمِّيَّةً أوْ قَدْ وُطِئَتْ وطْئًا حَرامًا في غَيْرِ مِلْكٍ، والثّانِي أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِن غَيْرِ أهْلِ الشَّهادَةِ بِأنْ يَكُونَ مَحْدُودًا في قَذْفٍ أوْ كافِرًا أوْ عَبْدًا، فَأمّا إذا كانَ أحَدُهُما أعْمى أوْ فاسِقًا فَإنَّهُ يَجِبُ اللِّعانُ ) . وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: ( يُلاعِنُ المُسْلِمُ زَوْجَتَهُ اليَهُودِيَّةَ إذا قَذَفَها ) .
وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: ( الأمَةُ المُسْلِمَةُ والحُرَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ واليَهُودِيَّةُ تُلاعِنُ الحُرَّ المُسْلِمَ، وكَذَلِكَ العَبْدُ يُلاعِنُ زَوْجَتَهُ اليَهُودِيَّةَ ) . وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: ( لَيْسَ بَيْنَ المُسْلِمِ والكافِرِ لِعانٌ إذا قَذَفَها إلّا أنْ يَقُولَ رَأيْتُها تَزْنِي فَتُلاعَنُ سَواءٌ ظَهَرَ الحَمْلُ أوْ لَمْ يَظْهَرْ لِأنَّهُ يَقُولُ أخافُ أنْ أمُوتَ فَيَلْحَقَ نَسَبُ ولَدِها بِي، وإنَّما يُلاعِنُ المُسْلِمُ الكافِرَ في دَفْعِ الحَمْلِ ولا يُلاعِنُها فِيما سِوى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ لا يُلاعِنُ زَوْجَتَهُ الأمَةَ إلّا في نَفْيِ الحَمْلِ ) قالَ: ( والمَحْدُودُ في القَذْفِ يُلاعِنُ، وإنْ كانَ الزَّوْجانِ جَمِيعًا كافِرَيْنِ فَلا لِعانَ بَيْنَهُما، والمَمْلُوكانِ المُسْلِمانِ بَيْنَهُما لِعانٌ إذا أرادَ أنْ يَنْفِيَ الوَلَدَ ) .
وقالَ الثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: ( لا يَجِبُ اللِّعانُ إذا كانَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَمْلُوكًا أوْ كافِرًا ويَجِبُ إذا كانَ مَحْدُودًا في قَذْفٍ ) . وقالَ الأوْزاعِيُّ: ( لا لِعانَ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ ولا بَيْنَ المَحْدُودِ في القَذْفِ وامْرَأتِهِ ) .
وقالَ اللَّيْثُ في العَبْدِ إذا قَذَفَ امْرَأتَهُ الحُرَّةَ وادَّعى أنَّهُ رَأى عَلَيْها رَجُلًا: ( يُلاعِنُها؛ لِأنَّهُ يُحَدُّ لَها إذا كانَ أجْنَبِيًّا؛ فَإنْ كانَتْ أمَةً أوْ نَصْرانِيَّةً لاعَنَها في نَفْيِ الوَلَدِ إذا ظَهَرَ بِها حَمْلٌ ولا يُلاعِنُها في الرُّؤْيَةِ لِأنَّهُ لا يُحَدُّ لَها، والمَحْدُودُ في القَذْفِ يُلاعِنُ امْرَأتَهُ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: ( كُلُّ زَوْجٍ جازَ طَلاقُهُ ولَزِمَهُ الفَرْضُ يُلاعِنُ إذا كانَتْ مِمَّنْ يَلْزَمُها الفَرْضُ )
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ يُسْقِطانِ اللِّعانَ فَإنَّما وجَبَ ذَلِكَ بِهِ مِن قِبَلِ أنَّ اللِّعانَ في الأزْواجِ أُقِيمَ مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ، وقَدْ كانَ الواجِبُ عَلى قاذِفِ الزَّوْجَةِ والأجْنَبِيَّةِ جَمِيعًا الجَلْدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا (p-١٣٥)بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ عَنِ الأزْواجِ وأُقِيمَ اللِّعانُ مَقامَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ: «ائْتِنِي بِأرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ» وقَوْلُ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ وإنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَنْ غَيْظٍ فَأُنْزِلَتْ آيَةُ اللِّعانِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ: «قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وفي صاحِبَتِكَ قُرْآنًا فَأْتِنِي بِها» فَلَمّا كانَ اللِّعانُ في الأزْواجِ قائِمًا مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ لَمْ يَجِبِ اللِّعانُ عَلى قاذِفِ مَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ لَوْ قَذَفَها أجْنَبِيٌّ. وأيْضًا فَقَدْ سَمّى النَّبِيُّ ﷺ اللِّعانَ حَدًّا؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ نَصْرِ الخُراسانِيِّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا رَوْحُ بْنُ دَرّاجٍ عَنْ ابْنِ أبِي لَيْلى عَنْ الحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا لاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المَرْأةِ وزَوْجِها فَرَّقَ بَيْنَهُما وقالَ: «إنْ جاءَتْ بِهِ أرَحَّ القَدَمَيْنِ يُشْبِهُ فُلانًا فَهو مِنهُ قالَ: فَجاءَتْ بِهِ يُشْبِهُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْلا ما مَضى مِنَ الحَدِّ لَرَجَمْتُها»، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ اللِّعانَ حَدٌّ، ولَمّا كانَ حَدًّا لَمْ يَجُزْ إيجابُهُ عَلى الزَّوْجِ إذا كانَتِ المَرْأةُ مَمْلُوكَةً؛ إذْ كانَ حَدًّا مِثْلَ حَدِّ الجَلْدِ، ولَمّا كانَ حَدًّا لَمْ يَجِبْ عَلى قاذِفِ المَمْلُوكِ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ حَدًّا لَما وجَبَ عَلى الزَّوْجِ إذا قَذَفَ امْرَأتَهُ الحُرَّةَ الجَلْدُ إذا أكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعانِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَجْتَمِعَ حَدّانِ بِقَذْفٍ واحِدٍ، وفي إيجابِ حَدِّ القَذْفِ عَلَيْهِ عِنْدَ إكْذابِهِ نَفْسَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللِّعانَ لَيْسَ بِحَدٍّ.
قِيلَ لَهُ: قَدْ سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَدًّا، وغَيْرُ جائِزٍ اسْتِعْمالُ النَّظَرِ في دَفْعِ الأثَرِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّما يَمْتَنِعُ اجْتِماعُ الحَدَّيْنِ عَلَيْهِ إذا كانَ جَلْدًا فَأمّا إذا كانَ أحَدُهُما جَلْدًا والآخَرُ لِعانًا فَإنّا لَمْ نَجِدْ في الأُصُولِ خِلافَهُ؛ وأيْضًا فَإنَّ اللِّعانَ إنَّما هو حَدٌّ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ، فَمَتى أكْذَبَ نَفْسَهُ وجُلِدَ الحَدَّ خَرَجَ اللِّعانُ مِن أنْ يَكُونَ حَدًّا؛ إذْ كانَ ما يَصِيرُ حَدًّا مِن طَرِيقِ الحُكْمِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ تارَةً حَدًّا وتارَةً لَيْسَ بِحَدٍّ، فَكَذَلِكَ كُلُّ ما تَعَلَّقَ بِالشَّيْءِ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ تارَةً عَلى وصْفٍ وأُخْرى عَلى وصْفٍ آخَرَ. وإنَّما قُلْنا إنَّ مِن شَرْطِ اللِّعانِ أنْ يَكُونَ الزَّوْجانِ جَمِيعًا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ؛ فَلَمّا سَمّى اللَّهُ لِعانَهُما شَهادَةً ثُمَّ قالَ في المَحْدُودِ في القَذْفِ: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤] وجَبَ بِمَضْمُونِ الآيَتَيْنِ انْتِفاءُ اللِّعانِ عَنِ المَحْدُودِ في القَذْفِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في المَحْدُودِ ثَبَتَ في سائِرِ (p-١٣٦)مَن خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ مِثْلُ العَبْدِ والكافِرِ ونَحْوِهِما، ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ إذا ثَبَتَ أنَّ المَحْدُودَ في القَذْفِ لا يُلاعِنُ وجَبَ مِثْلُهُ في سائِرِ مَن لَيْسَ هو مِن أهْلِ الشَّهادَةِ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ أحَدٌ بَيْنَهُما لِأنَّ كُلَّ مَن لا يُوجِبُ اللِّعانَ عَلى المَحْدُودِ لا يُوجِبُهُ عَلى مَن ذَكَرْنا.
ووَجْهٌ آخَرُ مِن دَلالَةِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ﴾ فَلا يَخْلُو المُرادُ بِهِ مِن أنْ يَكُونَ الأيْمانُ فَحَسْبُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مَعْنى الشَّهادَةِ فِيهِ أوْ أنْ يَكُونَ أيْمانًا لَيُعْتَبَرَ فِيها مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى ما نَقُولُهُ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ﴾ عَلِمْنا أنَّهُ أرادَ أنْ يَكُونَ المُلاعِنُ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ ولَمْ يَكُنْ لَهم حالِفُونَ إلّا أنْفُسُهم؛ إذْ كُلُّ أحَدٍ لا يَحْلِفُ إلّا عَنْ نَفْسِهِ ولا يَجُوزُ إحْلافُ الإنْسانِ عَنْ غَيْرِهِ، ولَوْ كانَ المَعْنى ولَمْ يَكُنْ لَهم حالِفُونَ إلّا أنْفُسُهم لاسْتَحالَ وزالَتْ فائِدَتُهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ في ذَلِكَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ وإنْ كانَ ذَلِكَ يَمِينًا. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ فَلَمْ يَخْلُ المُرادُ مِن أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ في هَذِهِ الأيْمانِ أوِ الحَلِفُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَواءٌ كانَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ أوْ بِغَيْرِها بَعْدَ أنْ يَكُونَ حَلِفًا، فَلَمّا كانَ قَوْلُ القائِلِ بِجَوازِ قَبُولِ اليَمِينِ مِنهُما عَلى أيِّ وجْهٍ كانَتْ كانَ مُخالِفًا لِلْآيَةِ ولِلسُّنَّةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ولَمْ يَجُزِ الِاقْتِصارُ عَلى الإخْبارِ دُونَ إيرادِهِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ لاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أمَرَهُما بِاللِّعانِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى لَفْظِ اليَمِينِ دُونَها، ولَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ شَرْطَ هَذِهِ الأيْمانِ أنْ يَكُونَ الحالِفُ بِها مِن أهْلِ الشَّهادَةِ ويُلاعِنانِ.
فَإنْ قِيلَ: الفاسِقُ والأعْمى لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ ويُلاعِنانِ قِيلَ لَهُ: الفاسِقُ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الفِسْقَ المُوجِبَ لِرَدِّ الشَّهادَةِ قَدْ يَكُونُ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ في الرَّدِّ والقَبُولِ.
والثّانِي: أنَّهُ غَيْرُ مَحْكُومٍ بِبُطْلانِ شَهادَتِهِ؛ إذِ الفِسْقُ لا يَجُوزُ أنْ يَحْكُمَ بِهِ الحاكِمُ، فَلَمّا لَمْ تَبْطُلْ شَهادَتُهُ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ لَمْ يَخْرُجْ مِن أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ. والثّالِثُ: أنَّ فِسْقَهُ في حالِ لِعانِهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ تائِبًا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونَ عَدْلًا مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ، ولَيْسَ هَذِهِ الشَّهادَةُ يَسْتَحِقُّ بِها عَلى الغَيْرِ فَتُرَدُّ مِن أجْلِ ما عُلِمَ مِن ظُهُورِ فِسْقِهِ بَدِيًّا، فَلَمْ يَمْنَعْ فِسْقُهُ مِن قَبُولِ لِعانِهِ وإنْ كانَ مِن شَرْطِهِ كَوْنُهُ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ (p-١٣٧)الكُفْرُ لِأنَّ الكافِرَ لَوِ اعْتَقَدَ الإسْلامَ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا إلّا بِإظْهارِهِ إذا أمْكَنَهُ ذَلِكَ فَكانَ حُكْمُ كُفْرِهِ باقِيًا مَعَ اعْتِقادِهِ لِغَيْرِهِ ما لَمْ يُظْهِرِ الإسْلامَ؛ وأيْضًا فَإنَّ العَدالَةَ إنَّما تُعْتَبَرُ في الشَّهادَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها عَلى الغَيْرِ فَلا يُحْكَمُ بِها لِلتُّهْمَةِ.
والفاسِقُ إنَّما رُدَّتْ شَهادَتُهُ في الحُقُوقِ لِلتُّهْمَةِ، واللِّعانُ لا تُبْطِلُهُ التُّهْمَةُ، فَلَمْ يَجِبِ اعْتِبارُ الفِسْقِ في سُقُوطِهِ؛ وأمّا الأعْمى فَإنَّهُ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ كالبَصِيرِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، إلّا أنَّ شَهادَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ في الحُقُوقِ لِأنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ حائِلًا، ولَيْسَ شَرْطُ شَهادَةِ اللِّعانِ أنْ يَقُولَ: ( رَأيْتُها تَزْنِي )؛ إذْ لَوْ قالَ: ( هي زانِيَةٌ ولَمْ أرَ ذَلِكَ ) لاعَنَ، فَلَمّا لَمْ يَحْتَجْ إلى الإخْبارِ عَنْ مُعايَنَةِ المَشْهُودِ بِهِ لَمْ يَبْطُلْ لِعانُهُ لِأجْلِ عَماهُ.
وقَدْ رُوِيَ في مَعْنى مَذْهَبِ أصْحابِنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ، مِنها ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ داوُدَ السَّرّاجُ قالَ: حَدَّثَنا الحَكَمُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا عَتّابُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أرْبَعٌ مِنَ النِّساءِ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ مُلاعَنَةٌ: اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ»
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَمَوَيْهِ بْنِ سَيّارٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو سَيّارٍ التُّسْتَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ إسْماعِيلَ عَنْ مُجالِدِ المِصِّيصِيِّ قالَ: أخْبَرَنا حَمّادُ بْنُ خالِدٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ صَدَقَةَ أبِي تَوْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أرْبَعٌ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ مُلاعَنَةٌ: اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ» .
فَإنْ قِيلَ: اللِّعانُ إنَّما يَجِبُ في نَفْيِ الوَلَدِ لِئَلّا يَلْحَقَ بِهِ نَسَبٌ لَيْسَ مِنهُ وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الأمَةِ وفي الحُرَّةِ قِيلَ لَهُ: لَمّا دَخَلَ في نِكاحِ الأمَةِ لَزِمَهُ حُكْمُهُ، ومِن حُكْمِهِ أنْ لا يَنْتَفِيَ مِنهُ نَسَبُ ولَدِها كَما لَزِمَهُ حُكْمُهُ في رِقِّ ولَدِهِ
* *
بابُ كَيْفِيَّةِ اللِّعانِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في صِفَةِ اللِّعانِ إذا لَمْ يَكُنْ ولَدٌ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والثَّوْرِيُّ: ( يَشْهَدُ الزَّوْجُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لِمَنِ الصّادِقِينَ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا، وتَشْهَدُ هي أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لِمَنِ الكاذِبِينَ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا، فَإنْ كانَ هُناكَ ولَدٌ نَفاهُ يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَصادِقٌ فِيما رَماها بِهِ مِن نَفْيِ هَذا الوَلَدِ ) . وذَكَرَ أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ أنَّ الحاكِمَ يَأْمُرُ الزَّوْجَ أنْ يَقُولَ: ( أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُكِ بِهِ مِن نَفْيِ ولَدِكِ هَذا ) فَيَقُولُ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ في الخامِسَةِ: ( لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ مِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَمَيْتُكِ بِهِ مِن نَفْيِ ولَدِكِ هَذا ) ثُمَّ يَأْمُرُها القاضِي فَتَقُولُ: ( أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَمَيْتَنِي بِهِ مِن نَفْيِ ولَدِي هَذا ) فَتَقُولُ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ تَقُولُ في الخامِسَةِ: ( وغَضَبُ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتَنِي بِهِ مِن نَفْيِ ولَدِي هَذا ) .
ورَوى حَيّانُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ أبِي (p-١٣٩)يُوسُفَ قالَ: ( إذا كانَ اللِّعانُ بِوَلَدٍ فُرِّقَ بَيْنَهُما فَقالَ قَدْ ألْزَمْتُهُ أُمَّهُ وأخْرَجْتُهُ مِن نَسَبِ الأبِ ) . قالَ أبُو الحَسَنِ: ولَمْ أجِدْ ذِكْرَ نَفْيِ الحاكِمِ الوَلَدَ بِالقَوْلِ فِيما قَرَأْتُهُ إلّا في رِوايَةِ حَيّانَ بْنِ بِشْرٍ، قالَ أبُو الحَسَنِ: وهو الوَجْهُ عِنْدِي.
ورَوى الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ في سِياقِ رِوايَتِهِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ قالَ: ( لا يَضُرُّهُ أنْ يُلاعِنَ بَيْنَهُما وهُما قائِمانِ أوْ جالِسانِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُكِ بِهِ مِنَ الزِّنا، يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ عَلَيْها فَيُواجِهُها في ذَلِكَ كُلِّهِ وتُواجِهُهُ أيْضًا هي ) . ورُوِيَ عَنْ زُفَرَ مِثْلُ ذَلِكَ في المُواجِهَةِ.
وقالَ مالِكٌ فِيما ذَكَرَهُ ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ: ( أنَّهُ يَحْلِفُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ يَقُولُ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُها تَزْنِي، والخامِسَةَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ مِنَ الكاذِبِينَ؛ وتَقُولُ هي: أشْهَدُ بِاللَّهِ ما رَآنِي أزْنِي، فَتَقُولُ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ ) . وقالَ اللَّيْثُ: ( يَشْهَدُ الرَّجُلُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ، وتَشْهَدُ المَرْأةُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ )، وقالَ الشّافِعِيُّ: ( يَقُولُ أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي فُلانَةَ بِنْتَ فُلانٍ، ويُشِيرُ إلَيْها إنْ كانَتْ حاضِرَةً، يَقُولُ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ يُقْعِدُهُ الإمامُ يُذَكِّرُهُ اللَّهَ ويَقُولُ إنِّي أخافُ إنْ لَمْ تَكُنْ صَدَقْتَ أنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ، فَإنْ رَآهُ يُرِيدُ أنْ يُمْضِيَ أمْرَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلى فِيهِ ويَقُولُ: إنَّ قَوْلَكَ عَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كُنْتُ مِنَ الكاذِبِينَ مُوجِبَةٌ إنْ كُنْتَ كاذِبًا، فَإنْ أبى تَرَكَهُ فَيَقُولُ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ مِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي فُلانَةَ مِنَ الزِّنا، فَإنْ قَذَفَها بِأحَدٍ يُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ واحِدًا كانَ أوِ اثْنَيْنِ، وقالَ مَعَ كُلِّ شَهادَةٍ: إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا بِفُلانٍ وفُلانٍ؛ وإنْ نَفى ولَدَها قالَ مَعَ كُلِّ شَهادَةٍ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا وإنَّ هَذا الوَلَدَ ولَدُ زِنًا ما هو مِنِّي، فَإذا قالَ هَذا فَقَدْ فَرَغَ مِنَ الِالتِعانِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ جَوازَ الِاقْتِصارِ عَلَيْهِ مِن شَهاداتِ اللِّعانِ؛ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْلُومًا مِن دَلالَةِ الحالِ أنَّ التَّلاعُنَ واقِعٌ عَلى قَذْفِهِ إيّاها بِالزِّنا عَلِمْنا أنَّ المُرادَ: فَشَهادَةُ أحَدِهِما بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا، وكَذَلِكَ شَهادَةُ المَرْأةِ واقِعَةٌ في نَفْيِ ما رَماها بِهِ، وكَذَلِكَ اللَّعْنُ والغَضَبُ والصِّدْقُ والكَذِبُ راجِعٌ إلى إخْبارِ الزَّوْجِ عَنْها بِالزِّنا، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ وُقُوعُ الِالتِعانِ والشَّهاداتِ عَلى ما وقَعَ بِهِ رَمْيُ الزَّوْجِ، فاكْتَفى بِدَلالَةِ (p-١٤٠)الحالِ عَلى المُرادِ عَنْ قَوْلِهِ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا واقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ( إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ ) وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] والمُرادُ: والحافِظاتِ فُرُوجَهُنَّ والذّاكِراتِ اللَّهَ؛ ولَكِنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ. وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ في قِصَّةِ المُتَلاعِنَيْنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ: فَشَهِدَ الرَّجُلُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، ولَمْ يَذْكُرا فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا.
وأمّا قَوْلُ مالِكٍ: ( إنَّهُ يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ أنَّهُ رَآها تَزْنِي ) فَمُخالِفٌ لِظاهِرِ لَفْظِ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ لِأنَّ في الكِتابِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ وكَذَلِكَ لاعَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. وأمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ: ( إنَّهُ يَذْكُرُها بِاسْمِها ونَسَبِها ويُشِيرُ إلَيْها بِعَيْنِها ) فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ الإشارَةَ تُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الِاسْمِ والنَّسَبِ، فَذِكْرُ الِاسْمِ والنَّسَبِ لَغْوٌ في هَذا المَوْضِعِ، ألا تَرى أنَّ الشُّهُودَ لَوْ شَهِدُوا عَلى رَجُلٍ بِحَقٍّ وهو حاضِرٌ كانَتْ شَهادَتُهم أنّا نَشْهَدُ أنَّ لِهَذا الرَّجُلِ عَلى هَذا الرَّجُلِ ألْفَ دِرْهَمٍ ولا يَحْتاجُونَ إلى اسْمِهِ ونَسَبِهِ ؟
* *
نَفْيُ الوَلَدِ
قالَ أبُو حَنِيفَةَ: ( إذا ولَدَتِ المَرْأةُ فَنَفى ولَدَها حِينَ يُولَدُ أوْ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ لاعَنَ وانْتَفى الوَلَدُ، وإنْ لَمْ يَنْفِهِ حِينَ يُولَدُ حَتّى مَضَتْ سَنَةٌ أوْ سَنَتانِ ثُمَّ نَفاهُ لاعَنَ ولَزِمَهُ الوَلَدُ )، ولَمْ يُوَقِّتْ أبُو حَنِيفَةَ لِذَلِكَ وقْتًا، ووَقَّتَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ مِقْدارَ النِّفاسِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ: ( إنْ كانَ غائِبًا فَقَدِمَ فَلَهُ أنْ يَنْفِيَهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ مِقْدارِ النِّفاسِ مُنْذُ قَدِمَ ما كانَ في الحَوْلَيْنِ، فَإنْ قَدِمَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الحَوْلَيْنِ لَمْ يَنْتَفِ أبَدًا ) .
وقالَ هِشامٌ: سَألْتُ مُحَمَّدًا عَنْ أُمِّ ولَدٍ لِرَجُلٍ جاءَتْ بِوَلَدٍ والمَوْلى شاهِدٌ فَلَمْ يَدَّعِهِ ولَمْ يُنْكِرْهُ، فَقالَ: ( إذا مَضى أرْبَعُونَ يَوْمًا مِن يَوْمِ ولَدَتْهُ فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ وهي بِمَنزِلَةِ الحُرَّةِ )، قالَ: قُلْتُ: فَإنْ كانَ المَوْلى غائِبًا فَقَدِمَ وقَدْ أتَتْ لَهُ سُنُونَ ؟ فَقالَ مُحَمَّدٌ: ( إنْ كانَ الِابْنُ نُسِبَ إلَيْهِ حَتّى عُرِفَ بِهِ فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ ) وقالَ مُحَمَّدٌ: ( وإنْ لَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ وقالَ هَذا لَمْ أعْلَمْ بِوِلادَتِهِ فَإنْ سَكَتَ أرْبَعِينَ يَوْمًا مِن يَوْمِ قَدِمَ لَزِمَهُ الوَلَدُ ) . وقالَ مالِكٌ: ( إذا رَأى الحَمْلَ فَلَمْ يَنْفِهِ حِينَ وضَعَتْهُ لَمْ يَنْتَفِ بَعْدَ ذَلِكَ وإنْ نَفاهُ حُرَّةً كانَتْ أوْ أمَةً، فَإنِ انْتَفى مِنهُ حِينَ ولَدَتْهُ وقَدْ رَآها حامِلًا فَلَمْ يَنْتَفِ مِنهُ فَإنَّهُ يُجْلَدُ الحَدَّ لِأنَّها حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ فَصارَ قاذِفًا لَها، وإنْ كانَ غائِبًا عَنِ الحَمْلِ وقَدِمَ ثُمَّ ولَدَتْهُ فَلَهُ أنْ يَنْفِيَهُ ) .
وقالَ اللَّيْثُ فِيمَن أقَرَّ بِحَمْلِ امْرَأتِهِ ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ رَأيْتُها تَزْنِي: ( لاعَنَ في الرُّؤْيَةِ ويَلْزَمُهُ الحَمْلُ ) . وقالَ (p-١٤١)الشّافِعِيُّ: ( إذا عَلِمَ الزَّوْجُ بِالوَلَدِ فَأمْكَنَهُ الحاكِمُ إمْكانًا بَيِّنًا فَتَرَكَ اللِّعانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَنْفِيَهُ كالشُّفْعَةِ )، وقالَ في القَدِيمِ: ( إنْ لَمْ يَنْفِهِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَنْفِيَهُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ذِكْرُ نَفْيِ الوَلَدِ، إلّا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَفْيُ الوَلَدِ بِاللِّعانِ إذا قَذَفَها بِنَفْيِ الوَلَدِ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَجُلًا لاعَنَ امْرَأتَهُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وانْتَفى مِن ولَدِها، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما وألْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأةِ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ قالَ: أخْبَرَنا عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ مِن أرْضِهِ عَشِيًّا، فَوَجَدَ عِنْدَ أهْلِهِ رَجُلًا، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِ ذِكْرِ اللِّعانِ، قالَ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما وقَضى أنْ لا يُدْعى ولَدُها لِأبٍ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ إذا نَفى ولَدَها أنَّهُ يُلاعِنُ ويَلْزَمُ الوَلَدُ أُمَّهُ ويَنْتَفِي نَسَبُهُ مِن أبِيهِ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَوْا في وقْتِ نَفْيِ الوَلَدِ عَلى ما ذَكَرْنا، وفي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنا في أنَّ رَجُلًا انْتَفى مِن ولَدِها فَلاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما وألْحَقَ الوَلَدَ بِالأُمِّ دَلِيلٌ عَلى أنَّ نَفْيَ ولَدِ زَوْجَتِهِ مِن قَذْفٍ لَها لَوْلا ذَلِكَ لَما لاعَنَ بَيْنَهُما؛ إذْ كانَ اللِّعانُ لا يَجِبُ إلّا بِالقَذْفِ، وأمّا تَوْقِيتُ نَفْيِ الوَلَدِ فَإنَّ طَرِيقَهُ الِاجْتِهادُ وغالِبُ الظَّنِّ فَإذا مَضَتْ مُدَّةٌ قَدْ كانَ يُمْكِنُهُ فِيها نَفْيُ الوَلَدِ وكانَ مِنهُ قَبُولٌ لِلتَّهْنِئَةِ أوْ ظَهَرَ مِنهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ نافٍ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَنْفِيَهُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وتَحْدِيدُ الوَقْتِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلالَةٌ فَلَمْ يَثْبُتْ، واعْتُبِرَ ما ذَكَرْنا مِن ظُهُورِ الرِّضا بِالوَلَدِ ونَحْوِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ في سائِرِ الحُقُوقِ رِضًا بِإسْقاطِها كانَ كَذَلِكَ نَفْيُ الوَلَدِ.
قِيلَ لَهُ: قَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ السُّكُوتَ في ذَلِكَ إذا مَضَتْ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ بِمَنزِلَةِ الرِّضا بِالقَوْلِ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيها، وأكْثَرُ مَن وقَّتَ فِيها أرْبَعِينَ يَوْمًا، وذَلِكَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ولَيْسَ اعْتِبارُ هَذِهِ المُدَّةِ بِأوْلى مِنِ اعْتِبارِ ما هو أقَلُّ مِنها. وذَهَبَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ إلى أنَّ الأرْبَعِينَ هي مُدَّةُ أكْثَرِ النِّفاسِ، وحالُ النِّفاسِ هي حالُ الوِلادَةِ، فَما دامَتْ عَلى حالِ الوِلادَةِ قَبْلَ نَفْيِهِ.
وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الوَلَدِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالنِّفاسِ. وأمّا قَوْلُ مالِكٍ: ( إنَّهُ إذا رَآها حامِلًا فَلَمْ يَنْتَفِ مِنهُ ثُمَّ نَفاهُ بَعْدَ الوِلادَةِ فَإنَّهُ يُجْلَدُ الحَدَّ ) فَإنَّهُ قَوْلٌ واهٍ لا وجْهَ لَهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الحَمْلَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ فَيُعْتَبَرُ نَفْيُهُ، والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِآكَدَ مِمَّنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ ولَمْ يَعْلَمْ بِالحَمْلِ فَعَلِمَ بِهِ وسَكَتَ زَمانًا يَلْزَمُهُ الوَلَدُ، وإنْ نَفاهُ بَعْدَ ذَلِكَ (p-١٤٢)لاعَنَ ولَمْ يَنْتَفِ نَسَبُ الوَلَدِ مِنهُ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ صِحَّةُ اللِّعانِ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْيِ الوَلَدِ ولَمْ يَكُنْ مِنهُ إكْذابٌ لِنَفْسِهِ بَعْدَ النَّفْيِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُجْلَدَ وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ الآيَةُ، فَأوْجَبَ اللِّعانَ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى سائِرِ الأزْواجِ فَلا يُخَصُّ مِنهُ شَيْءٌ إلّا بِدَلِيلٍ، ولَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ فِيما اخْتَلَفْنا فِيهِ مِن ذَلِكَ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ وسُقُوطِ اللِّعانِ
* *
بابُ الفُرْقَةِ بِاللِّعانِ
قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: ( لا تَقَعُ الفُرْقَةُ بَعْدَ فَراغِهِما مِنَ اللِّعانِ حَتّى يُفَرِّقَ الحاكِمُ ) .
وقالَ مالِكٌ وزُفَرُ بْنُ الهُذَيْلِ واللَّيْثُ: ( إذا فَرَغا مِنَ اللِّعانِ وقَعَتِ الفُرْقَةُ وإنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما الحاكِمُ ) . وعَنِ الثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ: ( لا تَقَعُ الفُرْقَةُ بِلِعانِ الزَّوْجِ وحْدَهُ ) .
وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: ( لا أرى مُلاعَنَةَ الزَّوْجِ امْرَأتَهُ تَنْقُصُ شَيْئًا، وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يُطَلِّقَ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: ( إذا أكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهادَةَ والِالتِعانَ فَقَدْ زالَ فِراشُ امْرَأتِهِ ولا تَحِلُّ لَهُ أبَدًا التَعَنَتْ أوْ لَمْ تَلْتَعِنْ )
قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا قَوْلُ عُثْمانَ البَتِّيِّ في أنَّهُ لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما فَإنَّهُ قَوْلٌ تَفَرَّدَ بِهِ ولا نَعْلَمُ أحَدًا قالَ بِهِ غَيْرَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ في إيقاعِهِ الفُرْقَةَ بِلِعانِ الزَّوْجِ خارِجٌ عَنْ أقاوِيلِ سائِرِ الفُقَهاءِ ولَيْسَ لَهُ فِيهِ سَلَفٌ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ فُرْقَةَ اللِّعانِ لا تَقَعُ إلّا بِتَفْرِيقِ الحاكِمِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السّاعِدِيَّ أخْبَرَهُ: «أنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وفي صاحِبَتِكَ قُرْآنًا فاذْهَبْ فَأْتِ بِها قالَ سَهْلٌ: فَتَلاعَنا وأنا مَعَ النّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا فَرَغْنا قالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها فَهي طالِقٌ ثَلاثًا؛ فَطَلَّقَها عُوَيْمِرٌ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ ﷺ»؛ قالَ ابْنُ شِهابٍ: فَكانَتْ سُنَّةُ المُتَلاعِنَيْنِ. وفي هَذا الخَبَرِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللِّعانَ لَمْ يُوجِبِ الفُرْقَةَ لِقَوْلِهِ: ( كَذَبْتُ عَلَيْها إنْ أمْسَكْتُها ) وذَلِكَ لِأنَّ (p-١٥١)فِيهِ إخْبارًا مِنهُ بِأنَّهُ مُمْسِكٌ لَها بَعْدَ اللِّعانِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ النِّكاحِ؛ إذْ لَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ قَدْ وقَعَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لاسْتَحالَ قَوْلُهُ: ( كَذَبْتُ عَلَيْها إنْ أمْسَكْتُها ) وهو غَيْرُ مُمْسِكٍ لَها، فَلَمّا أُخْبِرَ بَعْدَ اللِّعانِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ مُمْسِكٌ لَها ولَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِنَفْسِ اللِّعانِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُقارَّ النَّبِيُّ ﷺ أحَدًا عَلى الكَذِبِ ولا عَلى اسْتِباحَةِ نِكاحٍ قَدْ بَطَلَ، فَثَبَتَ أنَّ الفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِنَفْسِ اللِّعانِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنُ مِلْحانِ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِكِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ أنَّ ابْنَ شِهابٍ كَتَبَ يَذْكُرُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ أخْبَرَهُ «أنَّ عُوَيْمِرًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ إنْ وجَدْتُ عِنْدَ أهْلِي رَجُلًا أأقْتُلُهُ ؟ قالَ: ائْتِ بِامْرَأتِكَ فَإنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيكُما فَجاءَ بِها فَلاعَنَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي قَدِ افْتَرَيْتُ عَلَيْها إنْ لَمْ أُفارِقْها». فَأخْبَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فارَقَها بِاللِّعانِ وأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ولَمّا طَلَّقَها ثَلاثًا بَعْدَ اللِّعانِ ولَمْ يُنْكِرْهُ ﷺ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الطَّلاقَ قَدْ وقَعَ مَوْقِعَهُ؛ وعَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ أنَّها قَدْ بانَتْ مِنهُ بِلِعانِ الزَّوْجِ ولا يَلْحَقُها طَلاقُهُ بَعْدَ البَيْنُونَةِ فَقَدْ خالَفَ الخَبَرَ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا.
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ السَّرْحِ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ عَنْ عِياضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الفِهْرِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في هَذا الخَبَرِ أعْنِي «قِصَّةَ عُوَيْمِرٍ قالَ: فَطَلَّقَها ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكانَ ما صَنَعَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قالَ سَهْلٌ: حَضَرْتُ هَذا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا» . فَأخْبَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أنْفَذَ طَلاقَ العَجْلانِيِّ بَعْدَ اللِّعانِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ ابْنِ شِهابٍ: ( فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ) ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ واقِعَةً بِاللِّعانِ لاسْتَحالَ التَّفْرِيقُ بَعْدَها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ ووَهْبُ بْنُ بَيانٍ وغَيْرُهُما قالُوا: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: مُسَدَّدٌ قالَ: «شَهِدْتُ المُتَلاعِنَيْنِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما حِينَ تَلاعَنا، فَقالَ الرَّجُلُ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها» فَأخْبَرَ في هَذا الحَدِيثِ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُما بَعْدَ اللِّعانِ.
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنا أيُّوبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأتَهُ ؟ قالَ: «فَرَّقَ رَسُولُ (p-١٥٢)اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أخَوَيْ بَنِي العَجْلانِ فَقالَ: واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ ؟ يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَأبَيا فَفَرَّقَ بَيْنَهُما». فَنَصَّ في هَذا الحَدِيثِ أيْضًا عَلى أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُما بَعْدَ اللِّعانِ.
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَجُلًا لاعَنَ امْرَأتَهُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وانْتَفى مِن ولَدِها، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما وألْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأةِ» . وهَذا أيْضًا فِيهِ نَصٌّ عَلى أنَّ التَّفْرِيقَ كانَ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأيْضًا لَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ واقِعَةً بِلِعانِ الزَّوْجِ لَبَيَّنَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِما وقَعَ بِها مِنَ التَّحْرِيمِ وتَعَلَّقَ بِها مِنَ الأحْكامِ، فَلَمّا لَمْ يُخْبِرْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ بِلِعانِ الزَّوْجِ ثَبَتَ أنَّها لَمْ تَقَعْ.
وأيْضًا قَوْلُ الشّافِعِيِّ خِلافُ الآيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ [النور: ٨] وهو يَعْنِي الزَّوْجَةَ، فَلَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِلِعانِ الزَّوْجِ لَلاعَنَتْ وهي أجْنَبِيَّةٌ، وذَلِكَ خِلافُ ظاهِرِ الآيَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْجَبَ اللِّعانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. وأيْضًا لا خِلافَ أنَّ الزَّوْجَ إذا قَذَفَ امْرَأتَهُ بِغَيْرِ ولَدٍ بَعْدَ البَيْنُونَةِ أوْ قَذَفَها ثُمَّ أبانَها أنَّهُ لا يُلاعِنُ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يُلاعِنَ وهو أجْنَبِيٌّ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يُلاعِنَ وهي أجْنَبِيَّةٌ؛ لِأنَّ اللِّعانَ في هَذِهِ الحالِ إنَّما هو لِقَطْعِ الفِراشِ ولا فِراشَ بَعْدَ البَيْنُونَةِ، فامْتَنَعَ لِعانُها وهي غَيْرُ زَوْجَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: في الأخْبارِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ تَفْرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ إنَّما مَعْناهُ أنَّ الفُرْقَةَ وقَعَتْ بِاللِّعانِ، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّها لا تَحِلُّ لَهُ بِقَوْلِهِ: «لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها» قِيلَ لَهُ: هَذا صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ ومَعْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: «لا تَحِلُّ لَكَ لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها» إنْ لَمْ تَقَعْ بِهِ فُرْقَةٌ فَلَيْسَ بِتَفْرِيقٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَهُما، وإنَّما هو إخْبارٌ بِالحُكْمِ، والمُخْبِرُ بِالحُكْمِ لا يَكُونُ مُفَرِّقًا بَيْنَهُما.
فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا»، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنهُ بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ؛ لِأنَّ النِّكاحَ لَوْ كانَ باقِيًا إلى أنْ يُفَرَّقَ لَكانا مُجْتَمِعَيْنِ. قِيلَ لَهُ: هَذا لا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما رُوِيَ عَنْ عَمْرٍو وعَلِيٍّ قالَ: ( يُفَرَّقُ بَيْنَهُما ولا يَجْتَمِعانِ ) فَإنَّما مُرادُهُ أنَّهُما إذا فُرِّقَ بَيْنَهُما لا يَجْتَمِعانِ ما داما عَلى حالِ التَّلاعُنِ، فَيَنْبَغِي أنْ تَثْبُتَ الفُرْقَةُ حَتّى يَحْكُمَ بِأنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ، ولَوْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ مَعْناهُ ما وصَفْنا.
وأيْضًا يُضَمُّ إلَيْهِ ما قَدَّمْنا مِنَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى بَقاءِ النِّكاحِ بَعْدَ اللِّعانِ وأنَّ الفُرْقَةَ إنَّما تَقَعُ بِتَفْرِيقِ الحاكِمِ، فَإذا جَمَعْنا بَيْنَهُما وبَيْنَ الخَبَرِ تَضَمَّنَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ بَعْدَ التَّفْرِيقِ.
ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لا يَثْبُتُ حُكْمُها إلّا عِنْدَ الحاكِمِ، فَأشْبَهَ (p-١٥٣)الشَّهادَةَ الَّتِي لا يَثْبُتُ حُكْمُها إلّا عِنْدَ الحاكِمِ، فَواجِبٌ عَلى هَذا أنْ لا تَقَعَ مُوجِبَةً لِلْفُرْقَةِ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ.
فَإنْ قِيلَ: الأيْمانُ عَلى الدَّعاوى لا يَثْبُتُ بِها حُكْمٌ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ، ومَتى اسْتَحْلَفَ الحاكِمُ رَجُلًا بَرِئَ مِنَ الخُصُومَةِ ولا يَحْتاجُ إلى اسْتِئْنافِ حُكْمٍ آخَرَ في بَراءَتِهِ مِنها، وهَذا يُوجِبُ انْتِقاضَ اعْتِلالِكَ بِما ذَكَرْتَ قِيلَ لَهُ: هَذا لا يَلْزَمُ عَلى ما ذَكَرْنا وذَلِكَ لِأنّا قُلْنا إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ تَتَعَلَّقُ صِحَّتُها بِالحاكِمِ كالشَّهاداتِ عَلى الحُقُوقِ، ولَيْسَتِ الأيْمانُ عَلى الحُقُوقِ شَهاداتٍ بِذَلِكَ عَلى هَذا أنَّ اللِّعانَ لا يَصِحُّ إلّا بِلَفْظِ الشَّهادَةِ كالشَّهاداتِ عَلى الحُقُوقِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الِاسْتِحْلافُ عَلى الدَّعاوى.
وأيْضًا فَإنَّ اللِّعانَ تَسْتَحِقُّ بِهِ المَرْأةُ نَفْسَها كَما يَسْتَحِقُّ المُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَسْتَحِقَّ المُدَّعِي ما ادَّعاهُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ وجَبَ حُكْمُهُ في اسْتِحْقاقِ المَرْأةِ نَفْسَها بِاللِّعانِ. وأمّا الِاسْتِحْلافُ عَلى الحُقُوقِ فَإنَّهُ لا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ وإنَّما تُقْطَعُ الخُصُومَةُ في الحالِ ويَبْقى المُدَّعى عَلَيْهِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن بَراءَةِ الذِّمَّةِ، فَكانَتْ فُرْقَةُ اللِّعانِ بِالشَّهاداتِ عَلى الحُقُوقِ أشْبَهَ مِنها بِالِاسْتِحْلافِ عَلَيْها.
وأيْضًا لَمّا كانَ اللِّعانُ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ مُتَعَلِّقًا بِحُكْمِ الحاكِمِ أشْبَهَ تَأْجِيلَ العِنِّينِ في كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ في تَعَلُّقِهِ بِحُكْمِ الحاكِمِ، فَلَمّا لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ بَعْدَ التَّأْجِيلِ بِمُضِيِّ المُدَّةِ دُونَ تَفْرِيقِ الحاكِمِ وجَبَ مِثْلُهُ في فُرْقَةِ اللِّعانِ لِما وصَفْنا. وأيْضًا لَمّا لَمْ يَكُنِ اللِّعانُ كِنايَةً عَنِ الفُرْقَةِ ولا تَصْرِيحًا بِها وجَبَ أنْ لا تَقَعَ بِهِ الفُرْقَةُ، كَسائِرِ الألْفاظِ الَّتِي لَيْسَتْ كِنايَةً عَنِ الفُرْقَةِ ولا تَصْرِيحًا بِها.
فَإنْ قِيلَ: الإيلاءُ لَيْسَ بِكِنايَةٍ عَنِ الطَّلاقِ ولا صَرِيحٍ، وقَدْ أُوقِعَتْ بِهِ الفُرْقَةُ عِنْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ قِيلَ لَهُ: إنَّ الإيلاءَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الطَّلاقِ، إلّا أنَّهُ أضْعَفُ مِن سائِرِ الكِناياتِ فَلا تَقَعُ الفُرْقَةُ فِيهِ بِنَفْسِ الإيلاءِ إلّا بِانْضِمامِ مَعْنًى آخَرَ إلَيْهِ وهو تَرْكُ الجِماعِ في المُدَّةِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ( واللَّهِ لا أقْرَبُكِ ) قَدْ يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ؛ إذْ كانَ التَّحْرِيمُ يَمْنَعُ القُرْبَ ؟ وأمّا اللِّعانُ فَلَيْسَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دالًّا عَلى التَّحْرِيمِ بِحالٍ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صادِقًا في قَذْفِهِ فَلا يُوجِبُ ذَلِكَ تَحْرِيمًا؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلَيْها بِالزِّنا لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَحْرِيمًا، وإنْ كانَ كاذِبًا والمَرْأةُ صادِقَةً فَذَلِكَ أبْعَدُ ؟ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى التَّحْرِيمِ؛ قالَ: فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ وُقُوعُ الفُرْقَةِ دُونَ إحْداثِ تَفْرِيقٍ إمّا مِن قِبَلِ الزَّوْجِ أوْ مِن قِبَلِ الحاكِمِ.
وأيْضًا أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصِحَّ ابْتِداءُ اللِّعانِ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ كانَ كَذَلِكَ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ الفُرْقَةِ، ولَمّا صَحَّ ابْتِداءُ الإيلاءِ مِن غَيْرِ حاكِمٍ لَمْ يُحْتَجْ في وُقُوعِ الفُرْقَةِ إلى حُكْمِ الحاكِمِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُما لَوْ تَراضَيا (p-١٥٤)عَلى البَقاءِ عَلى النِّكاحِ لَمْ يُخَلِّيا وذَلِكَ وفُرِّقَ بَيْنَهُما، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللِّعانَ قَدْ أوْجَبَ الفُرْقَةَ، فَواجِبٌ أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ فِيهِ بِنَفْسِ اللَّعّانِ دُونَ سَبَبٍ آخَرَ غَيْرِهِ.
قِيلَ لَهُ: هَذا مُنْتَقَضٌ عَلى أصْلِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّ ارْتِدادَ المَرْأةِ لا يُوجِبُ الفُرْقَةَ إلّا بِحُدُوثِ سَبَبٍ آخَرَ وهو مُضِيُّ ثَلاثِ حِيَضٍ، فَإذا مَضَتْ ثَلاثُ حِيَضٍ وقَعَتِ الفُرْقَةُ، ولَوْ تَراضَيا عَلى البَقاءِ عَلى النِّكاحِ لَمْ يُخَلَّيا وذَلِكَ ولَمْ تُوجِبِ الرِّدَّةُ بِنَفْسِها الفُرْقَةَ دُونَ حُدُوثِ مَعْنًى آخَرَ، وعِنْدَنا لَوْ تَزَوَّجَتِ امْرَأةٌ زَوْجًا غَيْرَ كُفْءٍ وطالَبَ الأوْلِياءُ بِالفُرْقَةِ لَمْ يُعْمَلْ تَراضِي الزَّوْجَيْنِ في تَبْقِيَةِ النِّكاحِ ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وُقُوعَ الفُرْقَةِ بِخُصُومَةِ الأوْلِياءِ حَتّى يُفَرِّقَ الحاكِمُ؛ فَهَذا الِاسْتِدْلال فاسِدٌ عَلى أصْلِ الجَمِيعِ. وأيْضًا فَإنَّكَ لَمْ تَرُدَّهُ إلى أصْلٍ، وإنَّما حَصَلْتَ عَلى دَعْوى عارِيَّةٍ مِنَ البُرْهانِ.
وأيْضًا جائِزٌ عِنْدَنا البَقاءُ عَلى النِّكاحِ بَعْدَ اللِّعانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أكْذَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ الفُرْقَةِ لَجُلِدَ الحَدَّ ولَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُما.
فَإنْ قِيلَ: هو مِثْلُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ والرَّضاعِ ونَحْوِهِما مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْفُرْقَةِ بِأنْفُسِها لا يُحْتاجُ في صِحَّةِ وُقُوعِها إلى حُكْمِ الحاكِمِ، واللِّعانُ لَيْسَ بِسَبَبٍ مُوجِبٍ لِلْفُرْقَةِ بِنَفْسِهِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ تَقَعَ بِهِ الفُرْقَةُ إذا تَلاعَنا عِنْدَ غَيْرِ الحاكِمِ، وأيْضًا لَيْسَ كُلُّ سَبَبٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَسْخٌ يُوجِبُهُ بِنَفْسِهِ، ومِنَ الأسْبابِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ومِنها ما لا يُوجِبُهُ إلّا بِحُدُوثِ مَعْنًى آخَرَ، ألا تَرى أنَّ بَيْعَ نَصِيبٍ مِنَ الدّارِ يُوجِبُ الشُّفْعَةَ لِلشَّرِيكِ ولا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِنَفْسِ الطَّلَبِ والخُصُومَةِ دُونَ أنْ يَحْكُمَ بِها الحاكِمُ ؟ وكَذَلِكَ الرَّدُّ بِالعَيْبِ بَعْدَ القَبْضِ وخِيارُ الصَّغِيرِ إذا بَلَغَ ونَحْوُ ذَلِكَ هَذِهِ كُلُّها أسْبابٌ يَتَعَلَّقُ بِها فَسْخُ العُقُودِ ثُمَّ لا يَقَعُ الفَسْخُ بِوُجُودِها حَسْبَ دُونَ حُكْمِ الحاكِمِ بِهِ، فَهو عَلى مَن يُوجِبُ الفُرْقَةَ بِاللِّعانِ دُونَ تَفْرِيقِ الحاكِمِ.
وأمّا عُثْمانُ البَتِّيُّ فَإنَّهُ ذَهَبَ في قَوْلِهِ إنَّ اللِّعانَ لا يُوجِبُ الفُرْقَةَ بِحالٍ؛ لِأنَّ اللِّعانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ ولا كِنايَةٍ عَنِ الفُرْقَةِ، ولَوْ تَلاعَنا في بَيْتِهِما لَمْ يُوجِبْ فُرْقَةً، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الحاكِمِ؛ ولِأنَّ اللِّعانَ في الأزْواجِ قائِمٌ مَقامَ الحَدِّ عَلى قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ، ولَوْ حُدَّ الزَّوْجُ في قَذْفِهِ إيّاها بِأنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ أوْ كانَ عَبْدًا لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فُرْقَةً، وكَذَلِكَ إذا لاعَنَ. وذَهَبَ في تَفْرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ وكانَ طَلَّقَها ثَلاثًا بَعْدَ اللِّعانِ، فَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُما.
ورَوى ابْنُ شِهابٍ أنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ قالَ: ( فَطَلَّقَها العَجْلانِيُّ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ بَعْدَ فَراغِهِما مِنَ اللِّعانِ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ )، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا إنَّما هو في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: في (p-١٥٥)حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ إنَّهُ قالَ: ( فَحَضَرْتُ هَذا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي قِصَّةَ العَجْلانِيِّ فَمَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا )، فَأخْبَرَ سَهْلٌ وهو راوِي هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ بِالتَّفْرِيقِ وإنْ لَمْ يُطَلِّقِ الزَّوْجُ؛ وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في قِصَّةِ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُما.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهِلالٌ لَمْ يُطَلِّقِ امْرَأتَهُ، فَثَبَتَ أنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُما بَعْدَ اللِّعانِ واجِبٌ. وأيْضًا في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُما، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ طَلَّقَها هو ثَلاثًا فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفِيهِ أنَّهُ قالَ: «لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها»
النور 24:7
بابُ اللِّعانِ
قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: كانَ حَدُّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ والزَّوْجاتِ الجَلْدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ: «ائْتِنِي بِأرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ»، وقالَ الأنْصارُ: أيُجْلَدُ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ وتَبْطُلُ شَهادَتُهُ في المُسْلِمِينَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجاتِ كانَ كَحَدِّ قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ وأنَّهُ نُسِخَ عَنِ الأزْواجِ الجَلْدُ بِاللِّعانِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعانِ: «ائْتِنِي بِصاحِبَتِكَ فَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وفِيها قُرْآنًا» ولاعَنَ بَيْنَهُما، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في الرَّجُلِ الَّذِي قالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَإنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ وإنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ فَدَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى أنَّ حَدَّ قاذِفِ الزَّوْجَةِ كانَ الجَلْدَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَهُ بِاللِّعانِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ الزَّوْجَ (p-١٣٤)إذا كانَ عَبْدًا أوْ مَحْدُودًا في قَذْفٍ فَلَمْ يَجِبِ اللِّعانُ بَيْنَهُما أنَّ عَلَيْهِ الحَدَّ، كَما أنَّهُ إذا أكْذَبَ نَفْسَهُ فَسَقَطَ اللِّعانُ مِن قِبَلِهِ كانَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وقالُوا: لَوْ كانَتِ المَرْأةُ هي المَحْدُودَةُ في القَذْفِ أوْ كانَتْ أمَةً أوْ ذِمِّيَّةً أنَّهُ لا حَدَّ عَلى الزَّوْجِ؛ لِأنَّهُ قَدْ سَقَطَ اللِّعانُ مِن قِبَلِها فَكانَ بِمَنزِلَةِ تَصْدِيقِها الزَّوْجَ بِالقَذْفِ لَمّا سَقَطَ اللِّعانُ مِن جِهَتِها لَمْ يَجِبْ عَلى الزَّوْجِ الحَدُّ.
واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن يَجِبُ بَيْنَهُما اللِّعانُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: ( يَسْقُطُ اللِّعانُ بِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ أيُّهُما وُجِدَ لَمْ يَجِبْ مَعَهُ اللِّعانُ، وهو أنْ يَكُونَ الزَّوْجَةُ مِمَّنْ لا يَجِبُ عَلى قاذِفِها الحَدُّ إذا كانَ أجْنَبِيًّا نَحْوُ أنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مَمْلُوكَةً أوْ ذِمِّيَّةً أوْ قَدْ وُطِئَتْ وطْئًا حَرامًا في غَيْرِ مِلْكٍ، والثّانِي أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِن غَيْرِ أهْلِ الشَّهادَةِ بِأنْ يَكُونَ مَحْدُودًا في قَذْفٍ أوْ كافِرًا أوْ عَبْدًا، فَأمّا إذا كانَ أحَدُهُما أعْمى أوْ فاسِقًا فَإنَّهُ يَجِبُ اللِّعانُ ) . وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: ( يُلاعِنُ المُسْلِمُ زَوْجَتَهُ اليَهُودِيَّةَ إذا قَذَفَها ) .
وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: ( الأمَةُ المُسْلِمَةُ والحُرَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ واليَهُودِيَّةُ تُلاعِنُ الحُرَّ المُسْلِمَ، وكَذَلِكَ العَبْدُ يُلاعِنُ زَوْجَتَهُ اليَهُودِيَّةَ ) . وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: ( لَيْسَ بَيْنَ المُسْلِمِ والكافِرِ لِعانٌ إذا قَذَفَها إلّا أنْ يَقُولَ رَأيْتُها تَزْنِي فَتُلاعَنُ سَواءٌ ظَهَرَ الحَمْلُ أوْ لَمْ يَظْهَرْ لِأنَّهُ يَقُولُ أخافُ أنْ أمُوتَ فَيَلْحَقَ نَسَبُ ولَدِها بِي، وإنَّما يُلاعِنُ المُسْلِمُ الكافِرَ في دَفْعِ الحَمْلِ ولا يُلاعِنُها فِيما سِوى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ لا يُلاعِنُ زَوْجَتَهُ الأمَةَ إلّا في نَفْيِ الحَمْلِ ) قالَ: ( والمَحْدُودُ في القَذْفِ يُلاعِنُ، وإنْ كانَ الزَّوْجانِ جَمِيعًا كافِرَيْنِ فَلا لِعانَ بَيْنَهُما، والمَمْلُوكانِ المُسْلِمانِ بَيْنَهُما لِعانٌ إذا أرادَ أنْ يَنْفِيَ الوَلَدَ ) .
وقالَ الثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: ( لا يَجِبُ اللِّعانُ إذا كانَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَمْلُوكًا أوْ كافِرًا ويَجِبُ إذا كانَ مَحْدُودًا في قَذْفٍ ) . وقالَ الأوْزاعِيُّ: ( لا لِعانَ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ ولا بَيْنَ المَحْدُودِ في القَذْفِ وامْرَأتِهِ ) .
وقالَ اللَّيْثُ في العَبْدِ إذا قَذَفَ امْرَأتَهُ الحُرَّةَ وادَّعى أنَّهُ رَأى عَلَيْها رَجُلًا: ( يُلاعِنُها؛ لِأنَّهُ يُحَدُّ لَها إذا كانَ أجْنَبِيًّا؛ فَإنْ كانَتْ أمَةً أوْ نَصْرانِيَّةً لاعَنَها في نَفْيِ الوَلَدِ إذا ظَهَرَ بِها حَمْلٌ ولا يُلاعِنُها في الرُّؤْيَةِ لِأنَّهُ لا يُحَدُّ لَها، والمَحْدُودُ في القَذْفِ يُلاعِنُ امْرَأتَهُ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: ( كُلُّ زَوْجٍ جازَ طَلاقُهُ ولَزِمَهُ الفَرْضُ يُلاعِنُ إذا كانَتْ مِمَّنْ يَلْزَمُها الفَرْضُ )
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ يُسْقِطانِ اللِّعانَ فَإنَّما وجَبَ ذَلِكَ بِهِ مِن قِبَلِ أنَّ اللِّعانَ في الأزْواجِ أُقِيمَ مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ، وقَدْ كانَ الواجِبُ عَلى قاذِفِ الزَّوْجَةِ والأجْنَبِيَّةِ جَمِيعًا الجَلْدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا (p-١٣٥)بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ عَنِ الأزْواجِ وأُقِيمَ اللِّعانُ مَقامَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ: «ائْتِنِي بِأرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ» وقَوْلُ الرَّجُلِ الَّذِي قالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ وإنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَنْ غَيْظٍ فَأُنْزِلَتْ آيَةُ اللِّعانِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ: «قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وفي صاحِبَتِكَ قُرْآنًا فَأْتِنِي بِها» فَلَمّا كانَ اللِّعانُ في الأزْواجِ قائِمًا مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ لَمْ يَجِبِ اللِّعانُ عَلى قاذِفِ مَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ لَوْ قَذَفَها أجْنَبِيٌّ. وأيْضًا فَقَدْ سَمّى النَّبِيُّ ﷺ اللِّعانَ حَدًّا؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ نَصْرِ الخُراسانِيِّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا رَوْحُ بْنُ دَرّاجٍ عَنْ ابْنِ أبِي لَيْلى عَنْ الحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا لاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المَرْأةِ وزَوْجِها فَرَّقَ بَيْنَهُما وقالَ: «إنْ جاءَتْ بِهِ أرَحَّ القَدَمَيْنِ يُشْبِهُ فُلانًا فَهو مِنهُ قالَ: فَجاءَتْ بِهِ يُشْبِهُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْلا ما مَضى مِنَ الحَدِّ لَرَجَمْتُها»، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ اللِّعانَ حَدٌّ، ولَمّا كانَ حَدًّا لَمْ يَجُزْ إيجابُهُ عَلى الزَّوْجِ إذا كانَتِ المَرْأةُ مَمْلُوكَةً؛ إذْ كانَ حَدًّا مِثْلَ حَدِّ الجَلْدِ، ولَمّا كانَ حَدًّا لَمْ يَجِبْ عَلى قاذِفِ المَمْلُوكِ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ حَدًّا لَما وجَبَ عَلى الزَّوْجِ إذا قَذَفَ امْرَأتَهُ الحُرَّةَ الجَلْدُ إذا أكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِّعانِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَجْتَمِعَ حَدّانِ بِقَذْفٍ واحِدٍ، وفي إيجابِ حَدِّ القَذْفِ عَلَيْهِ عِنْدَ إكْذابِهِ نَفْسَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللِّعانَ لَيْسَ بِحَدٍّ.
قِيلَ لَهُ: قَدْ سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَدًّا، وغَيْرُ جائِزٍ اسْتِعْمالُ النَّظَرِ في دَفْعِ الأثَرِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّما يَمْتَنِعُ اجْتِماعُ الحَدَّيْنِ عَلَيْهِ إذا كانَ جَلْدًا فَأمّا إذا كانَ أحَدُهُما جَلْدًا والآخَرُ لِعانًا فَإنّا لَمْ نَجِدْ في الأُصُولِ خِلافَهُ؛ وأيْضًا فَإنَّ اللِّعانَ إنَّما هو حَدٌّ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ، فَمَتى أكْذَبَ نَفْسَهُ وجُلِدَ الحَدَّ خَرَجَ اللِّعانُ مِن أنْ يَكُونَ حَدًّا؛ إذْ كانَ ما يَصِيرُ حَدًّا مِن طَرِيقِ الحُكْمِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ تارَةً حَدًّا وتارَةً لَيْسَ بِحَدٍّ، فَكَذَلِكَ كُلُّ ما تَعَلَّقَ بِالشَّيْءِ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ تارَةً عَلى وصْفٍ وأُخْرى عَلى وصْفٍ آخَرَ. وإنَّما قُلْنا إنَّ مِن شَرْطِ اللِّعانِ أنْ يَكُونَ الزَّوْجانِ جَمِيعًا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ؛ فَلَمّا سَمّى اللَّهُ لِعانَهُما شَهادَةً ثُمَّ قالَ في المَحْدُودِ في القَذْفِ: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤] وجَبَ بِمَضْمُونِ الآيَتَيْنِ انْتِفاءُ اللِّعانِ عَنِ المَحْدُودِ في القَذْفِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في المَحْدُودِ ثَبَتَ في سائِرِ (p-١٣٦)مَن خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ مِثْلُ العَبْدِ والكافِرِ ونَحْوِهِما، ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ إذا ثَبَتَ أنَّ المَحْدُودَ في القَذْفِ لا يُلاعِنُ وجَبَ مِثْلُهُ في سائِرِ مَن لَيْسَ هو مِن أهْلِ الشَّهادَةِ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ أحَدٌ بَيْنَهُما لِأنَّ كُلَّ مَن لا يُوجِبُ اللِّعانَ عَلى المَحْدُودِ لا يُوجِبُهُ عَلى مَن ذَكَرْنا.
ووَجْهٌ آخَرُ مِن دَلالَةِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ﴾ فَلا يَخْلُو المُرادُ بِهِ مِن أنْ يَكُونَ الأيْمانُ فَحَسْبُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مَعْنى الشَّهادَةِ فِيهِ أوْ أنْ يَكُونَ أيْمانًا لَيُعْتَبَرَ فِيها مَعْنى الشَّهادَةِ عَلى ما نَقُولُهُ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ﴾ عَلِمْنا أنَّهُ أرادَ أنْ يَكُونَ المُلاعِنُ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ ولَمْ يَكُنْ لَهم حالِفُونَ إلّا أنْفُسُهم؛ إذْ كُلُّ أحَدٍ لا يَحْلِفُ إلّا عَنْ نَفْسِهِ ولا يَجُوزُ إحْلافُ الإنْسانِ عَنْ غَيْرِهِ، ولَوْ كانَ المَعْنى ولَمْ يَكُنْ لَهم حالِفُونَ إلّا أنْفُسُهم لاسْتَحالَ وزالَتْ فائِدَتُهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ في ذَلِكَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ وإنْ كانَ ذَلِكَ يَمِينًا. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ فَلَمْ يَخْلُ المُرادُ مِن أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ في هَذِهِ الأيْمانِ أوِ الحَلِفُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَواءٌ كانَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ أوْ بِغَيْرِها بَعْدَ أنْ يَكُونَ حَلِفًا، فَلَمّا كانَ قَوْلُ القائِلِ بِجَوازِ قَبُولِ اليَمِينِ مِنهُما عَلى أيِّ وجْهٍ كانَتْ كانَ مُخالِفًا لِلْآيَةِ ولِلسُّنَّةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ولَمْ يَجُزِ الِاقْتِصارُ عَلى الإخْبارِ دُونَ إيرادِهِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ لاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أمَرَهُما بِاللِّعانِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى لَفْظِ اليَمِينِ دُونَها، ولَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ شَرْطَ هَذِهِ الأيْمانِ أنْ يَكُونَ الحالِفُ بِها مِن أهْلِ الشَّهادَةِ ويُلاعِنانِ.
فَإنْ قِيلَ: الفاسِقُ والأعْمى لَيْسا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ ويُلاعِنانِ قِيلَ لَهُ: الفاسِقُ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الفِسْقَ المُوجِبَ لِرَدِّ الشَّهادَةِ قَدْ يَكُونُ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ في الرَّدِّ والقَبُولِ.
والثّانِي: أنَّهُ غَيْرُ مَحْكُومٍ بِبُطْلانِ شَهادَتِهِ؛ إذِ الفِسْقُ لا يَجُوزُ أنْ يَحْكُمَ بِهِ الحاكِمُ، فَلَمّا لَمْ تَبْطُلْ شَهادَتُهُ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ لَمْ يَخْرُجْ مِن أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ. والثّالِثُ: أنَّ فِسْقَهُ في حالِ لِعانِهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ تائِبًا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونَ عَدْلًا مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ، ولَيْسَ هَذِهِ الشَّهادَةُ يَسْتَحِقُّ بِها عَلى الغَيْرِ فَتُرَدُّ مِن أجْلِ ما عُلِمَ مِن ظُهُورِ فِسْقِهِ بَدِيًّا، فَلَمْ يَمْنَعْ فِسْقُهُ مِن قَبُولِ لِعانِهِ وإنْ كانَ مِن شَرْطِهِ كَوْنُهُ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ (p-١٣٧)الكُفْرُ لِأنَّ الكافِرَ لَوِ اعْتَقَدَ الإسْلامَ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا إلّا بِإظْهارِهِ إذا أمْكَنَهُ ذَلِكَ فَكانَ حُكْمُ كُفْرِهِ باقِيًا مَعَ اعْتِقادِهِ لِغَيْرِهِ ما لَمْ يُظْهِرِ الإسْلامَ؛ وأيْضًا فَإنَّ العَدالَةَ إنَّما تُعْتَبَرُ في الشَّهادَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها عَلى الغَيْرِ فَلا يُحْكَمُ بِها لِلتُّهْمَةِ.
والفاسِقُ إنَّما رُدَّتْ شَهادَتُهُ في الحُقُوقِ لِلتُّهْمَةِ، واللِّعانُ لا تُبْطِلُهُ التُّهْمَةُ، فَلَمْ يَجِبِ اعْتِبارُ الفِسْقِ في سُقُوطِهِ؛ وأمّا الأعْمى فَإنَّهُ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ كالبَصِيرِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، إلّا أنَّ شَهادَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ في الحُقُوقِ لِأنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ حائِلًا، ولَيْسَ شَرْطُ شَهادَةِ اللِّعانِ أنْ يَقُولَ: ( رَأيْتُها تَزْنِي )؛ إذْ لَوْ قالَ: ( هي زانِيَةٌ ولَمْ أرَ ذَلِكَ ) لاعَنَ، فَلَمّا لَمْ يَحْتَجْ إلى الإخْبارِ عَنْ مُعايَنَةِ المَشْهُودِ بِهِ لَمْ يَبْطُلْ لِعانُهُ لِأجْلِ عَماهُ.
وقَدْ رُوِيَ في مَعْنى مَذْهَبِ أصْحابِنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ، مِنها ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ داوُدَ السَّرّاجُ قالَ: حَدَّثَنا الحَكَمُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا عَتّابُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أرْبَعٌ مِنَ النِّساءِ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ مُلاعَنَةٌ: اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ»
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَمَوَيْهِ بْنِ سَيّارٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو سَيّارٍ التُّسْتَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ إسْماعِيلَ عَنْ مُجالِدِ المِصِّيصِيِّ قالَ: أخْبَرَنا حَمّادُ بْنُ خالِدٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ صَدَقَةَ أبِي تَوْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أرْبَعٌ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ مُلاعَنَةٌ: اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ» .
فَإنْ قِيلَ: اللِّعانُ إنَّما يَجِبُ في نَفْيِ الوَلَدِ لِئَلّا يَلْحَقَ بِهِ نَسَبٌ لَيْسَ مِنهُ وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الأمَةِ وفي الحُرَّةِ قِيلَ لَهُ: لَمّا دَخَلَ في نِكاحِ الأمَةِ لَزِمَهُ حُكْمُهُ، ومِن حُكْمِهِ أنْ لا يَنْتَفِيَ مِنهُ نَسَبُ ولَدِها كَما لَزِمَهُ حُكْمُهُ في رِقِّ ولَدِهِ
* *
بابُ كَيْفِيَّةِ اللِّعانِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في صِفَةِ اللِّعانِ إذا لَمْ يَكُنْ ولَدٌ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والثَّوْرِيُّ: ( يَشْهَدُ الزَّوْجُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لِمَنِ الصّادِقِينَ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا، وتَشْهَدُ هي أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لِمَنِ الكاذِبِينَ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا، فَإنْ كانَ هُناكَ ولَدٌ نَفاهُ يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَصادِقٌ فِيما رَماها بِهِ مِن نَفْيِ هَذا الوَلَدِ ) . وذَكَرَ أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ أنَّ الحاكِمَ يَأْمُرُ الزَّوْجَ أنْ يَقُولَ: ( أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُكِ بِهِ مِن نَفْيِ ولَدِكِ هَذا ) فَيَقُولُ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ في الخامِسَةِ: ( لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ مِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَمَيْتُكِ بِهِ مِن نَفْيِ ولَدِكِ هَذا ) ثُمَّ يَأْمُرُها القاضِي فَتَقُولُ: ( أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَمَيْتَنِي بِهِ مِن نَفْيِ ولَدِي هَذا ) فَتَقُولُ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ تَقُولُ في الخامِسَةِ: ( وغَضَبُ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتَنِي بِهِ مِن نَفْيِ ولَدِي هَذا ) .
ورَوى حَيّانُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ أبِي (p-١٣٩)يُوسُفَ قالَ: ( إذا كانَ اللِّعانُ بِوَلَدٍ فُرِّقَ بَيْنَهُما فَقالَ قَدْ ألْزَمْتُهُ أُمَّهُ وأخْرَجْتُهُ مِن نَسَبِ الأبِ ) . قالَ أبُو الحَسَنِ: ولَمْ أجِدْ ذِكْرَ نَفْيِ الحاكِمِ الوَلَدَ بِالقَوْلِ فِيما قَرَأْتُهُ إلّا في رِوايَةِ حَيّانَ بْنِ بِشْرٍ، قالَ أبُو الحَسَنِ: وهو الوَجْهُ عِنْدِي.
ورَوى الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ في سِياقِ رِوايَتِهِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ قالَ: ( لا يَضُرُّهُ أنْ يُلاعِنَ بَيْنَهُما وهُما قائِمانِ أوْ جالِسانِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُكِ بِهِ مِنَ الزِّنا، يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ عَلَيْها فَيُواجِهُها في ذَلِكَ كُلِّهِ وتُواجِهُهُ أيْضًا هي ) . ورُوِيَ عَنْ زُفَرَ مِثْلُ ذَلِكَ في المُواجِهَةِ.
وقالَ مالِكٌ فِيما ذَكَرَهُ ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ: ( أنَّهُ يَحْلِفُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ يَقُولُ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي رَأيْتُها تَزْنِي، والخامِسَةَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ مِنَ الكاذِبِينَ؛ وتَقُولُ هي: أشْهَدُ بِاللَّهِ ما رَآنِي أزْنِي، فَتَقُولُ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ ) . وقالَ اللَّيْثُ: ( يَشْهَدُ الرَّجُلُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ، وتَشْهَدُ المَرْأةُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ )، وقالَ الشّافِعِيُّ: ( يَقُولُ أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي فُلانَةَ بِنْتَ فُلانٍ، ويُشِيرُ إلَيْها إنْ كانَتْ حاضِرَةً، يَقُولُ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ يُقْعِدُهُ الإمامُ يُذَكِّرُهُ اللَّهَ ويَقُولُ إنِّي أخافُ إنْ لَمْ تَكُنْ صَدَقْتَ أنْ تَبُوءَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ، فَإنْ رَآهُ يُرِيدُ أنْ يُمْضِيَ أمْرَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلى فِيهِ ويَقُولُ: إنَّ قَوْلَكَ عَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كُنْتُ مِنَ الكاذِبِينَ مُوجِبَةٌ إنْ كُنْتَ كاذِبًا، فَإنْ أبى تَرَكَهُ فَيَقُولُ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ مِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي فُلانَةَ مِنَ الزِّنا، فَإنْ قَذَفَها بِأحَدٍ يُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ واحِدًا كانَ أوِ اثْنَيْنِ، وقالَ مَعَ كُلِّ شَهادَةٍ: إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا بِفُلانٍ وفُلانٍ؛ وإنْ نَفى ولَدَها قالَ مَعَ كُلِّ شَهادَةٍ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا وإنَّ هَذا الوَلَدَ ولَدُ زِنًا ما هو مِنِّي، فَإذا قالَ هَذا فَقَدْ فَرَغَ مِنَ الِالتِعانِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ جَوازَ الِاقْتِصارِ عَلَيْهِ مِن شَهاداتِ اللِّعانِ؛ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْلُومًا مِن دَلالَةِ الحالِ أنَّ التَّلاعُنَ واقِعٌ عَلى قَذْفِهِ إيّاها بِالزِّنا عَلِمْنا أنَّ المُرادَ: فَشَهادَةُ أحَدِهِما بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا، وكَذَلِكَ شَهادَةُ المَرْأةِ واقِعَةٌ في نَفْيِ ما رَماها بِهِ، وكَذَلِكَ اللَّعْنُ والغَضَبُ والصِّدْقُ والكَذِبُ راجِعٌ إلى إخْبارِ الزَّوْجِ عَنْها بِالزِّنا، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ وُقُوعُ الِالتِعانِ والشَّهاداتِ عَلى ما وقَعَ بِهِ رَمْيُ الزَّوْجِ، فاكْتَفى بِدَلالَةِ (p-١٤٠)الحالِ عَلى المُرادِ عَنْ قَوْلِهِ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا واقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ( إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ ) وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] والمُرادُ: والحافِظاتِ فُرُوجَهُنَّ والذّاكِراتِ اللَّهَ؛ ولَكِنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ. وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ في قِصَّةِ المُتَلاعِنَيْنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ: فَشَهِدَ الرَّجُلُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، ولَمْ يَذْكُرا فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا.
وأمّا قَوْلُ مالِكٍ: ( إنَّهُ يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ أنَّهُ رَآها تَزْنِي ) فَمُخالِفٌ لِظاهِرِ لَفْظِ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ لِأنَّ في الكِتابِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ وكَذَلِكَ لاعَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. وأمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ: ( إنَّهُ يَذْكُرُها بِاسْمِها ونَسَبِها ويُشِيرُ إلَيْها بِعَيْنِها ) فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ الإشارَةَ تُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الِاسْمِ والنَّسَبِ، فَذِكْرُ الِاسْمِ والنَّسَبِ لَغْوٌ في هَذا المَوْضِعِ، ألا تَرى أنَّ الشُّهُودَ لَوْ شَهِدُوا عَلى رَجُلٍ بِحَقٍّ وهو حاضِرٌ كانَتْ شَهادَتُهم أنّا نَشْهَدُ أنَّ لِهَذا الرَّجُلِ عَلى هَذا الرَّجُلِ ألْفَ دِرْهَمٍ ولا يَحْتاجُونَ إلى اسْمِهِ ونَسَبِهِ ؟
* *
نَفْيُ الوَلَدِ
قالَ أبُو حَنِيفَةَ: ( إذا ولَدَتِ المَرْأةُ فَنَفى ولَدَها حِينَ يُولَدُ أوْ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ لاعَنَ وانْتَفى الوَلَدُ، وإنْ لَمْ يَنْفِهِ حِينَ يُولَدُ حَتّى مَضَتْ سَنَةٌ أوْ سَنَتانِ ثُمَّ نَفاهُ لاعَنَ ولَزِمَهُ الوَلَدُ )، ولَمْ يُوَقِّتْ أبُو حَنِيفَةَ لِذَلِكَ وقْتًا، ووَقَّتَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ مِقْدارَ النِّفاسِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ: ( إنْ كانَ غائِبًا فَقَدِمَ فَلَهُ أنْ يَنْفِيَهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ مِقْدارِ النِّفاسِ مُنْذُ قَدِمَ ما كانَ في الحَوْلَيْنِ، فَإنْ قَدِمَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الحَوْلَيْنِ لَمْ يَنْتَفِ أبَدًا ) .
وقالَ هِشامٌ: سَألْتُ مُحَمَّدًا عَنْ أُمِّ ولَدٍ لِرَجُلٍ جاءَتْ بِوَلَدٍ والمَوْلى شاهِدٌ فَلَمْ يَدَّعِهِ ولَمْ يُنْكِرْهُ، فَقالَ: ( إذا مَضى أرْبَعُونَ يَوْمًا مِن يَوْمِ ولَدَتْهُ فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ وهي بِمَنزِلَةِ الحُرَّةِ )، قالَ: قُلْتُ: فَإنْ كانَ المَوْلى غائِبًا فَقَدِمَ وقَدْ أتَتْ لَهُ سُنُونَ ؟ فَقالَ مُحَمَّدٌ: ( إنْ كانَ الِابْنُ نُسِبَ إلَيْهِ حَتّى عُرِفَ بِهِ فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ ) وقالَ مُحَمَّدٌ: ( وإنْ لَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ وقالَ هَذا لَمْ أعْلَمْ بِوِلادَتِهِ فَإنْ سَكَتَ أرْبَعِينَ يَوْمًا مِن يَوْمِ قَدِمَ لَزِمَهُ الوَلَدُ ) . وقالَ مالِكٌ: ( إذا رَأى الحَمْلَ فَلَمْ يَنْفِهِ حِينَ وضَعَتْهُ لَمْ يَنْتَفِ بَعْدَ ذَلِكَ وإنْ نَفاهُ حُرَّةً كانَتْ أوْ أمَةً، فَإنِ انْتَفى مِنهُ حِينَ ولَدَتْهُ وقَدْ رَآها حامِلًا فَلَمْ يَنْتَفِ مِنهُ فَإنَّهُ يُجْلَدُ الحَدَّ لِأنَّها حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ فَصارَ قاذِفًا لَها، وإنْ كانَ غائِبًا عَنِ الحَمْلِ وقَدِمَ ثُمَّ ولَدَتْهُ فَلَهُ أنْ يَنْفِيَهُ ) .
وقالَ اللَّيْثُ فِيمَن أقَرَّ بِحَمْلِ امْرَأتِهِ ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ رَأيْتُها تَزْنِي: ( لاعَنَ في الرُّؤْيَةِ ويَلْزَمُهُ الحَمْلُ ) . وقالَ (p-١٤١)الشّافِعِيُّ: ( إذا عَلِمَ الزَّوْجُ بِالوَلَدِ فَأمْكَنَهُ الحاكِمُ إمْكانًا بَيِّنًا فَتَرَكَ اللِّعانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَنْفِيَهُ كالشُّفْعَةِ )، وقالَ في القَدِيمِ: ( إنْ لَمْ يَنْفِهِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَنْفِيَهُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ذِكْرُ نَفْيِ الوَلَدِ، إلّا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَفْيُ الوَلَدِ بِاللِّعانِ إذا قَذَفَها بِنَفْيِ الوَلَدِ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَجُلًا لاعَنَ امْرَأتَهُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وانْتَفى مِن ولَدِها، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما وألْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأةِ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ قالَ: أخْبَرَنا عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ مِن أرْضِهِ عَشِيًّا، فَوَجَدَ عِنْدَ أهْلِهِ رَجُلًا، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِ ذِكْرِ اللِّعانِ، قالَ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما وقَضى أنْ لا يُدْعى ولَدُها لِأبٍ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ إذا نَفى ولَدَها أنَّهُ يُلاعِنُ ويَلْزَمُ الوَلَدُ أُمَّهُ ويَنْتَفِي نَسَبُهُ مِن أبِيهِ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَوْا في وقْتِ نَفْيِ الوَلَدِ عَلى ما ذَكَرْنا، وفي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنا في أنَّ رَجُلًا انْتَفى مِن ولَدِها فَلاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما وألْحَقَ الوَلَدَ بِالأُمِّ دَلِيلٌ عَلى أنَّ نَفْيَ ولَدِ زَوْجَتِهِ مِن قَذْفٍ لَها لَوْلا ذَلِكَ لَما لاعَنَ بَيْنَهُما؛ إذْ كانَ اللِّعانُ لا يَجِبُ إلّا بِالقَذْفِ، وأمّا تَوْقِيتُ نَفْيِ الوَلَدِ فَإنَّ طَرِيقَهُ الِاجْتِهادُ وغالِبُ الظَّنِّ فَإذا مَضَتْ مُدَّةٌ قَدْ كانَ يُمْكِنُهُ فِيها نَفْيُ الوَلَدِ وكانَ مِنهُ قَبُولٌ لِلتَّهْنِئَةِ أوْ ظَهَرَ مِنهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ نافٍ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَنْفِيَهُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وتَحْدِيدُ الوَقْتِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلالَةٌ فَلَمْ يَثْبُتْ، واعْتُبِرَ ما ذَكَرْنا مِن ظُهُورِ الرِّضا بِالوَلَدِ ونَحْوِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ في سائِرِ الحُقُوقِ رِضًا بِإسْقاطِها كانَ كَذَلِكَ نَفْيُ الوَلَدِ.
قِيلَ لَهُ: قَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ السُّكُوتَ في ذَلِكَ إذا مَضَتْ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ بِمَنزِلَةِ الرِّضا بِالقَوْلِ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيها، وأكْثَرُ مَن وقَّتَ فِيها أرْبَعِينَ يَوْمًا، وذَلِكَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ولَيْسَ اعْتِبارُ هَذِهِ المُدَّةِ بِأوْلى مِنِ اعْتِبارِ ما هو أقَلُّ مِنها. وذَهَبَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ إلى أنَّ الأرْبَعِينَ هي مُدَّةُ أكْثَرِ النِّفاسِ، وحالُ النِّفاسِ هي حالُ الوِلادَةِ، فَما دامَتْ عَلى حالِ الوِلادَةِ قَبْلَ نَفْيِهِ.
وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ الوَلَدِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالنِّفاسِ. وأمّا قَوْلُ مالِكٍ: ( إنَّهُ إذا رَآها حامِلًا فَلَمْ يَنْتَفِ مِنهُ ثُمَّ نَفاهُ بَعْدَ الوِلادَةِ فَإنَّهُ يُجْلَدُ الحَدَّ ) فَإنَّهُ قَوْلٌ واهٍ لا وجْهَ لَهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الحَمْلَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ فَيُعْتَبَرُ نَفْيُهُ، والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِآكَدَ مِمَّنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ ولَمْ يَعْلَمْ بِالحَمْلِ فَعَلِمَ بِهِ وسَكَتَ زَمانًا يَلْزَمُهُ الوَلَدُ، وإنْ نَفاهُ بَعْدَ ذَلِكَ (p-١٤٢)لاعَنَ ولَمْ يَنْتَفِ نَسَبُ الوَلَدِ مِنهُ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ صِحَّةُ اللِّعانِ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْيِ الوَلَدِ ولَمْ يَكُنْ مِنهُ إكْذابٌ لِنَفْسِهِ بَعْدَ النَّفْيِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُجْلَدَ وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ الآيَةُ، فَأوْجَبَ اللِّعانَ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى سائِرِ الأزْواجِ فَلا يُخَصُّ مِنهُ شَيْءٌ إلّا بِدَلِيلٍ، ولَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ فِيما اخْتَلَفْنا فِيهِ مِن ذَلِكَ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ وسُقُوطِ اللِّعانِ
* *
بابُ الفُرْقَةِ بِاللِّعانِ
قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: ( لا تَقَعُ الفُرْقَةُ بَعْدَ فَراغِهِما مِنَ اللِّعانِ حَتّى يُفَرِّقَ الحاكِمُ ) .
وقالَ مالِكٌ وزُفَرُ بْنُ الهُذَيْلِ واللَّيْثُ: ( إذا فَرَغا مِنَ اللِّعانِ وقَعَتِ الفُرْقَةُ وإنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما الحاكِمُ ) . وعَنِ الثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ: ( لا تَقَعُ الفُرْقَةُ بِلِعانِ الزَّوْجِ وحْدَهُ ) .
وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: ( لا أرى مُلاعَنَةَ الزَّوْجِ امْرَأتَهُ تَنْقُصُ شَيْئًا، وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يُطَلِّقَ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: ( إذا أكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهادَةَ والِالتِعانَ فَقَدْ زالَ فِراشُ امْرَأتِهِ ولا تَحِلُّ لَهُ أبَدًا التَعَنَتْ أوْ لَمْ تَلْتَعِنْ )
قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا قَوْلُ عُثْمانَ البَتِّيِّ في أنَّهُ لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما فَإنَّهُ قَوْلٌ تَفَرَّدَ بِهِ ولا نَعْلَمُ أحَدًا قالَ بِهِ غَيْرَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ في إيقاعِهِ الفُرْقَةَ بِلِعانِ الزَّوْجِ خارِجٌ عَنْ أقاوِيلِ سائِرِ الفُقَهاءِ ولَيْسَ لَهُ فِيهِ سَلَفٌ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ فُرْقَةَ اللِّعانِ لا تَقَعُ إلّا بِتَفْرِيقِ الحاكِمِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السّاعِدِيَّ أخْبَرَهُ: «أنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وفي صاحِبَتِكَ قُرْآنًا فاذْهَبْ فَأْتِ بِها قالَ سَهْلٌ: فَتَلاعَنا وأنا مَعَ النّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا فَرَغْنا قالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها فَهي طالِقٌ ثَلاثًا؛ فَطَلَّقَها عُوَيْمِرٌ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ ﷺ»؛ قالَ ابْنُ شِهابٍ: فَكانَتْ سُنَّةُ المُتَلاعِنَيْنِ. وفي هَذا الخَبَرِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللِّعانَ لَمْ يُوجِبِ الفُرْقَةَ لِقَوْلِهِ: ( كَذَبْتُ عَلَيْها إنْ أمْسَكْتُها ) وذَلِكَ لِأنَّ (p-١٥١)فِيهِ إخْبارًا مِنهُ بِأنَّهُ مُمْسِكٌ لَها بَعْدَ اللِّعانِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ النِّكاحِ؛ إذْ لَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ قَدْ وقَعَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لاسْتَحالَ قَوْلُهُ: ( كَذَبْتُ عَلَيْها إنْ أمْسَكْتُها ) وهو غَيْرُ مُمْسِكٍ لَها، فَلَمّا أُخْبِرَ بَعْدَ اللِّعانِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ مُمْسِكٌ لَها ولَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِنَفْسِ اللِّعانِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُقارَّ النَّبِيُّ ﷺ أحَدًا عَلى الكَذِبِ ولا عَلى اسْتِباحَةِ نِكاحٍ قَدْ بَطَلَ، فَثَبَتَ أنَّ الفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِنَفْسِ اللِّعانِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنُ مِلْحانِ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِكِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ أنَّ ابْنَ شِهابٍ كَتَبَ يَذْكُرُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ أخْبَرَهُ «أنَّ عُوَيْمِرًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ إنْ وجَدْتُ عِنْدَ أهْلِي رَجُلًا أأقْتُلُهُ ؟ قالَ: ائْتِ بِامْرَأتِكَ فَإنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيكُما فَجاءَ بِها فَلاعَنَها، ثُمَّ قالَ: إنِّي قَدِ افْتَرَيْتُ عَلَيْها إنْ لَمْ أُفارِقْها». فَأخْبَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فارَقَها بِاللِّعانِ وأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ولَمّا طَلَّقَها ثَلاثًا بَعْدَ اللِّعانِ ولَمْ يُنْكِرْهُ ﷺ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الطَّلاقَ قَدْ وقَعَ مَوْقِعَهُ؛ وعَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ أنَّها قَدْ بانَتْ مِنهُ بِلِعانِ الزَّوْجِ ولا يَلْحَقُها طَلاقُهُ بَعْدَ البَيْنُونَةِ فَقَدْ خالَفَ الخَبَرَ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا.
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ السَّرْحِ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ عَنْ عِياضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الفِهْرِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ في هَذا الخَبَرِ أعْنِي «قِصَّةَ عُوَيْمِرٍ قالَ: فَطَلَّقَها ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكانَ ما صَنَعَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قالَ سَهْلٌ: حَضَرْتُ هَذا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا» . فَأخْبَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أنْفَذَ طَلاقَ العَجْلانِيِّ بَعْدَ اللِّعانِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ ابْنِ شِهابٍ: ( فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ) ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ واقِعَةً بِاللِّعانِ لاسْتَحالَ التَّفْرِيقُ بَعْدَها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ ووَهْبُ بْنُ بَيانٍ وغَيْرُهُما قالُوا: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: مُسَدَّدٌ قالَ: «شَهِدْتُ المُتَلاعِنَيْنِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما حِينَ تَلاعَنا، فَقالَ الرَّجُلُ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها» فَأخْبَرَ في هَذا الحَدِيثِ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُما بَعْدَ اللِّعانِ.
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنا أيُّوبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأتَهُ ؟ قالَ: «فَرَّقَ رَسُولُ (p-١٥٢)اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أخَوَيْ بَنِي العَجْلانِ فَقالَ: واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ ؟ يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَأبَيا فَفَرَّقَ بَيْنَهُما». فَنَصَّ في هَذا الحَدِيثِ أيْضًا عَلى أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُما بَعْدَ اللِّعانِ.
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَجُلًا لاعَنَ امْرَأتَهُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وانْتَفى مِن ولَدِها، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما وألْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأةِ» . وهَذا أيْضًا فِيهِ نَصٌّ عَلى أنَّ التَّفْرِيقَ كانَ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأيْضًا لَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ واقِعَةً بِلِعانِ الزَّوْجِ لَبَيَّنَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِما وقَعَ بِها مِنَ التَّحْرِيمِ وتَعَلَّقَ بِها مِنَ الأحْكامِ، فَلَمّا لَمْ يُخْبِرْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ بِلِعانِ الزَّوْجِ ثَبَتَ أنَّها لَمْ تَقَعْ.
وأيْضًا قَوْلُ الشّافِعِيِّ خِلافُ الآيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ [النور: ٨] وهو يَعْنِي الزَّوْجَةَ، فَلَوْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِلِعانِ الزَّوْجِ لَلاعَنَتْ وهي أجْنَبِيَّةٌ، وذَلِكَ خِلافُ ظاهِرِ الآيَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْجَبَ اللِّعانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. وأيْضًا لا خِلافَ أنَّ الزَّوْجَ إذا قَذَفَ امْرَأتَهُ بِغَيْرِ ولَدٍ بَعْدَ البَيْنُونَةِ أوْ قَذَفَها ثُمَّ أبانَها أنَّهُ لا يُلاعِنُ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يُلاعِنَ وهو أجْنَبِيٌّ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يُلاعِنَ وهي أجْنَبِيَّةٌ؛ لِأنَّ اللِّعانَ في هَذِهِ الحالِ إنَّما هو لِقَطْعِ الفِراشِ ولا فِراشَ بَعْدَ البَيْنُونَةِ، فامْتَنَعَ لِعانُها وهي غَيْرُ زَوْجَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: في الأخْبارِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ تَفْرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ إنَّما مَعْناهُ أنَّ الفُرْقَةَ وقَعَتْ بِاللِّعانِ، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّها لا تَحِلُّ لَهُ بِقَوْلِهِ: «لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها» قِيلَ لَهُ: هَذا صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ ومَعْناهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: «لا تَحِلُّ لَكَ لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها» إنْ لَمْ تَقَعْ بِهِ فُرْقَةٌ فَلَيْسَ بِتَفْرِيقٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَهُما، وإنَّما هو إخْبارٌ بِالحُكْمِ، والمُخْبِرُ بِالحُكْمِ لا يَكُونُ مُفَرِّقًا بَيْنَهُما.
فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا»، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنهُ بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ؛ لِأنَّ النِّكاحَ لَوْ كانَ باقِيًا إلى أنْ يُفَرَّقَ لَكانا مُجْتَمِعَيْنِ. قِيلَ لَهُ: هَذا لا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما رُوِيَ عَنْ عَمْرٍو وعَلِيٍّ قالَ: ( يُفَرَّقُ بَيْنَهُما ولا يَجْتَمِعانِ ) فَإنَّما مُرادُهُ أنَّهُما إذا فُرِّقَ بَيْنَهُما لا يَجْتَمِعانِ ما داما عَلى حالِ التَّلاعُنِ، فَيَنْبَغِي أنْ تَثْبُتَ الفُرْقَةُ حَتّى يَحْكُمَ بِأنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ، ولَوْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ مَعْناهُ ما وصَفْنا.
وأيْضًا يُضَمُّ إلَيْهِ ما قَدَّمْنا مِنَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى بَقاءِ النِّكاحِ بَعْدَ اللِّعانِ وأنَّ الفُرْقَةَ إنَّما تَقَعُ بِتَفْرِيقِ الحاكِمِ، فَإذا جَمَعْنا بَيْنَهُما وبَيْنَ الخَبَرِ تَضَمَّنَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ بَعْدَ التَّفْرِيقِ.
ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ لا يَثْبُتُ حُكْمُها إلّا عِنْدَ الحاكِمِ، فَأشْبَهَ (p-١٥٣)الشَّهادَةَ الَّتِي لا يَثْبُتُ حُكْمُها إلّا عِنْدَ الحاكِمِ، فَواجِبٌ عَلى هَذا أنْ لا تَقَعَ مُوجِبَةً لِلْفُرْقَةِ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ.
فَإنْ قِيلَ: الأيْمانُ عَلى الدَّعاوى لا يَثْبُتُ بِها حُكْمٌ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ، ومَتى اسْتَحْلَفَ الحاكِمُ رَجُلًا بَرِئَ مِنَ الخُصُومَةِ ولا يَحْتاجُ إلى اسْتِئْنافِ حُكْمٍ آخَرَ في بَراءَتِهِ مِنها، وهَذا يُوجِبُ انْتِقاضَ اعْتِلالِكَ بِما ذَكَرْتَ قِيلَ لَهُ: هَذا لا يَلْزَمُ عَلى ما ذَكَرْنا وذَلِكَ لِأنّا قُلْنا إنَّ اللِّعانَ شَهادَةٌ تَتَعَلَّقُ صِحَّتُها بِالحاكِمِ كالشَّهاداتِ عَلى الحُقُوقِ، ولَيْسَتِ الأيْمانُ عَلى الحُقُوقِ شَهاداتٍ بِذَلِكَ عَلى هَذا أنَّ اللِّعانَ لا يَصِحُّ إلّا بِلَفْظِ الشَّهادَةِ كالشَّهاداتِ عَلى الحُقُوقِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الِاسْتِحْلافُ عَلى الدَّعاوى.
وأيْضًا فَإنَّ اللِّعانَ تَسْتَحِقُّ بِهِ المَرْأةُ نَفْسَها كَما يَسْتَحِقُّ المُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَسْتَحِقَّ المُدَّعِي ما ادَّعاهُ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ وجَبَ حُكْمُهُ في اسْتِحْقاقِ المَرْأةِ نَفْسَها بِاللِّعانِ. وأمّا الِاسْتِحْلافُ عَلى الحُقُوقِ فَإنَّهُ لا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ وإنَّما تُقْطَعُ الخُصُومَةُ في الحالِ ويَبْقى المُدَّعى عَلَيْهِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن بَراءَةِ الذِّمَّةِ، فَكانَتْ فُرْقَةُ اللِّعانِ بِالشَّهاداتِ عَلى الحُقُوقِ أشْبَهَ مِنها بِالِاسْتِحْلافِ عَلَيْها.
وأيْضًا لَمّا كانَ اللِّعانُ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ مُتَعَلِّقًا بِحُكْمِ الحاكِمِ أشْبَهَ تَأْجِيلَ العِنِّينِ في كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ في تَعَلُّقِهِ بِحُكْمِ الحاكِمِ، فَلَمّا لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ بَعْدَ التَّأْجِيلِ بِمُضِيِّ المُدَّةِ دُونَ تَفْرِيقِ الحاكِمِ وجَبَ مِثْلُهُ في فُرْقَةِ اللِّعانِ لِما وصَفْنا. وأيْضًا لَمّا لَمْ يَكُنِ اللِّعانُ كِنايَةً عَنِ الفُرْقَةِ ولا تَصْرِيحًا بِها وجَبَ أنْ لا تَقَعَ بِهِ الفُرْقَةُ، كَسائِرِ الألْفاظِ الَّتِي لَيْسَتْ كِنايَةً عَنِ الفُرْقَةِ ولا تَصْرِيحًا بِها.
فَإنْ قِيلَ: الإيلاءُ لَيْسَ بِكِنايَةٍ عَنِ الطَّلاقِ ولا صَرِيحٍ، وقَدْ أُوقِعَتْ بِهِ الفُرْقَةُ عِنْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ قِيلَ لَهُ: إنَّ الإيلاءَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الطَّلاقِ، إلّا أنَّهُ أضْعَفُ مِن سائِرِ الكِناياتِ فَلا تَقَعُ الفُرْقَةُ فِيهِ بِنَفْسِ الإيلاءِ إلّا بِانْضِمامِ مَعْنًى آخَرَ إلَيْهِ وهو تَرْكُ الجِماعِ في المُدَّةِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ( واللَّهِ لا أقْرَبُكِ ) قَدْ يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ؛ إذْ كانَ التَّحْرِيمُ يَمْنَعُ القُرْبَ ؟ وأمّا اللِّعانُ فَلَيْسَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دالًّا عَلى التَّحْرِيمِ بِحالٍ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صادِقًا في قَذْفِهِ فَلا يُوجِبُ ذَلِكَ تَحْرِيمًا؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قامَتِ البَيِّنَةُ عَلَيْها بِالزِّنا لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَحْرِيمًا، وإنْ كانَ كاذِبًا والمَرْأةُ صادِقَةً فَذَلِكَ أبْعَدُ ؟ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى التَّحْرِيمِ؛ قالَ: فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ وُقُوعُ الفُرْقَةِ دُونَ إحْداثِ تَفْرِيقٍ إمّا مِن قِبَلِ الزَّوْجِ أوْ مِن قِبَلِ الحاكِمِ.
وأيْضًا أنَّهُ لَمّا لَمْ يَصِحَّ ابْتِداءُ اللِّعانِ إلّا بِحُكْمِ الحاكِمِ كانَ كَذَلِكَ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ الفُرْقَةِ، ولَمّا صَحَّ ابْتِداءُ الإيلاءِ مِن غَيْرِ حاكِمٍ لَمْ يُحْتَجْ في وُقُوعِ الفُرْقَةِ إلى حُكْمِ الحاكِمِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُما لَوْ تَراضَيا (p-١٥٤)عَلى البَقاءِ عَلى النِّكاحِ لَمْ يُخَلِّيا وذَلِكَ وفُرِّقَ بَيْنَهُما، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اللِّعانَ قَدْ أوْجَبَ الفُرْقَةَ، فَواجِبٌ أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ فِيهِ بِنَفْسِ اللَّعّانِ دُونَ سَبَبٍ آخَرَ غَيْرِهِ.
قِيلَ لَهُ: هَذا مُنْتَقَضٌ عَلى أصْلِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّ ارْتِدادَ المَرْأةِ لا يُوجِبُ الفُرْقَةَ إلّا بِحُدُوثِ سَبَبٍ آخَرَ وهو مُضِيُّ ثَلاثِ حِيَضٍ، فَإذا مَضَتْ ثَلاثُ حِيَضٍ وقَعَتِ الفُرْقَةُ، ولَوْ تَراضَيا عَلى البَقاءِ عَلى النِّكاحِ لَمْ يُخَلَّيا وذَلِكَ ولَمْ تُوجِبِ الرِّدَّةُ بِنَفْسِها الفُرْقَةَ دُونَ حُدُوثِ مَعْنًى آخَرَ، وعِنْدَنا لَوْ تَزَوَّجَتِ امْرَأةٌ زَوْجًا غَيْرَ كُفْءٍ وطالَبَ الأوْلِياءُ بِالفُرْقَةِ لَمْ يُعْمَلْ تَراضِي الزَّوْجَيْنِ في تَبْقِيَةِ النِّكاحِ ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وُقُوعَ الفُرْقَةِ بِخُصُومَةِ الأوْلِياءِ حَتّى يُفَرِّقَ الحاكِمُ؛ فَهَذا الِاسْتِدْلال فاسِدٌ عَلى أصْلِ الجَمِيعِ. وأيْضًا فَإنَّكَ لَمْ تَرُدَّهُ إلى أصْلٍ، وإنَّما حَصَلْتَ عَلى دَعْوى عارِيَّةٍ مِنَ البُرْهانِ.
وأيْضًا جائِزٌ عِنْدَنا البَقاءُ عَلى النِّكاحِ بَعْدَ اللِّعانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أكْذَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ الفُرْقَةِ لَجُلِدَ الحَدَّ ولَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُما.
فَإنْ قِيلَ: هو مِثْلُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ والرَّضاعِ ونَحْوِهِما مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْفُرْقَةِ بِأنْفُسِها لا يُحْتاجُ في صِحَّةِ وُقُوعِها إلى حُكْمِ الحاكِمِ، واللِّعانُ لَيْسَ بِسَبَبٍ مُوجِبٍ لِلْفُرْقَةِ بِنَفْسِهِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ تَقَعَ بِهِ الفُرْقَةُ إذا تَلاعَنا عِنْدَ غَيْرِ الحاكِمِ، وأيْضًا لَيْسَ كُلُّ سَبَبٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَسْخٌ يُوجِبُهُ بِنَفْسِهِ، ومِنَ الأسْبابِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ومِنها ما لا يُوجِبُهُ إلّا بِحُدُوثِ مَعْنًى آخَرَ، ألا تَرى أنَّ بَيْعَ نَصِيبٍ مِنَ الدّارِ يُوجِبُ الشُّفْعَةَ لِلشَّرِيكِ ولا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِنَفْسِ الطَّلَبِ والخُصُومَةِ دُونَ أنْ يَحْكُمَ بِها الحاكِمُ ؟ وكَذَلِكَ الرَّدُّ بِالعَيْبِ بَعْدَ القَبْضِ وخِيارُ الصَّغِيرِ إذا بَلَغَ ونَحْوُ ذَلِكَ هَذِهِ كُلُّها أسْبابٌ يَتَعَلَّقُ بِها فَسْخُ العُقُودِ ثُمَّ لا يَقَعُ الفَسْخُ بِوُجُودِها حَسْبَ دُونَ حُكْمِ الحاكِمِ بِهِ، فَهو عَلى مَن يُوجِبُ الفُرْقَةَ بِاللِّعانِ دُونَ تَفْرِيقِ الحاكِمِ.
وأمّا عُثْمانُ البَتِّيُّ فَإنَّهُ ذَهَبَ في قَوْلِهِ إنَّ اللِّعانَ لا يُوجِبُ الفُرْقَةَ بِحالٍ؛ لِأنَّ اللِّعانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ ولا كِنايَةٍ عَنِ الفُرْقَةِ، ولَوْ تَلاعَنا في بَيْتِهِما لَمْ يُوجِبْ فُرْقَةً، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الحاكِمِ؛ ولِأنَّ اللِّعانَ في الأزْواجِ قائِمٌ مَقامَ الحَدِّ عَلى قاذِفِ الأجْنَبِيّاتِ، ولَوْ حُدَّ الزَّوْجُ في قَذْفِهِ إيّاها بِأنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ أوْ كانَ عَبْدًا لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فُرْقَةً، وكَذَلِكَ إذا لاعَنَ. وذَهَبَ في تَفْرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ وكانَ طَلَّقَها ثَلاثًا بَعْدَ اللِّعانِ، فَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُما.
ورَوى ابْنُ شِهابٍ أنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ قالَ: ( فَطَلَّقَها العَجْلانِيُّ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ بَعْدَ فَراغِهِما مِنَ اللِّعانِ فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ )، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا إنَّما هو في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: في (p-١٥٥)حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ إنَّهُ قالَ: ( فَحَضَرْتُ هَذا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي قِصَّةَ العَجْلانِيِّ فَمَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَيْنِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا )، فَأخْبَرَ سَهْلٌ وهو راوِي هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ بِالتَّفْرِيقِ وإنْ لَمْ يُطَلِّقِ الزَّوْجُ؛ وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في قِصَّةِ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُما.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهِلالٌ لَمْ يُطَلِّقِ امْرَأتَهُ، فَثَبَتَ أنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُما بَعْدَ اللِّعانِ واجِبٌ. وأيْضًا في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِ في قِصَّةِ العَجْلانِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُما، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُما ثُمَّ طَلَّقَها هو ثَلاثًا فَأنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفِيهِ أنَّهُ قالَ: «لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها»
النور 24:11
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكم لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ نَزَلَتْ في الَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ، والإفْكُ هو الكَذِبُ ونالَ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ وجَماعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ غَمٌّ شَدِيدٌ وأذًى وحُزْنٌ، فَصَبَرُوا عَلى ذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهم، ولَمْ يَكُنْ صَبْرُهم واغْتِمامُهم بِذَلِكَ شَرًّا لَهم بَلْ كانَ خَيْرًا لَهم لِما نالُوا بِهِ مِنَ الثَّوابِ ولِما لَحِقَهم أيْضًا مِنَ (p-١٦١)السُّرُورِ بِبَيانِ اللَّهِ بَراءَةَ عائِشَةَ وطَهارَتَها ولِما عَرَفُوا مِنَ الحُكْمِ في القاذِفِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ عِقابَ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ عَلى قَدْرِ ما اكْتَسَبَهُ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ﴾، رُوِيَ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ السَّلُولِ وكانَ مُنافِقًا، وكِبْرُهُ هو عِظَمَهُ وإنَّ عِظَمَ ما كانَ فِيهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ وبِرَأْيِهِ وأمْرِهِ كانُوا يُشِيعُونَ ذَلِكَ ويُظْهِرُونَهُ، وكانَ هو يَقْصِدُ بِذَلِكَ أذى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأذى أبِي بَكْرٍ والطَّعْنَ عَلَيْهِما.
النور 24:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ هو أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَظُنُّوا خَيْرًا بِمَن كانَ ظاهِرُهُ العَدالَةَ وبَراءَةَ السّاحَةِ وأنْ لا يَقْضُوا عَلَيْهِمْ بِالظَّنِّ وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ لَمْ يُخْبِرُوا عَنْ مُعايَنَةٍ وإنَّما قَذَفُوها.
تَظَنُّنًا وحُسْبانًا لِما رَأوْها مُتَخَلِّفَةً عَنِ الجَيْشِ قَدْ رَكِبَتْ جَمَلَ صَفْوانَ بْنِ المُعَطِّلِ يَقُودُهُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ لِمَن كانَ ظاهِرُهُ العَدالَةَ أنْ يُظَنَّ بِهِ خَيْرًا ولا يُظَنَّ بِهِ شَرًّا، وهو يُوجِبُ أنْ يَكُونَ أُمُورُ المُسْلِمِينَ في عُقُودِهِمْ وأفْعالِهِمْ وسائِرِ تَصَرُّفِهِمْ مَحْمُولَةً عَلى الصِّحَّةِ والجَوازِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ حَمْلُها عَلى الفَسادِ وعَلى ما لا يَجُوزُ فِعْلُهُ بِالظَّنِّ والحُسْبانِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن وجَدَ مَعَ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ رَجُلًا فاعْتَرَفا بِالتَّزْوِيجِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَكْذِيبُهُما بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُما؛ وزَعَمَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ أنَّهُ يَحُدُّهُما إنْ لَمْ يُقِيما بَيِّنَةً عَلى النِّكاحِ.
ومِن ذَلِكَ أيْضًا ما قالَ أصْحابُنا فِيمَن باعَ دِرْهَمًا ودِينارًا بِدِرْهَمَيْنِ ودِينارَيْنِ: إنّا نُخالِفُ بَيْنَهُما لِأنّا قَدْ أُمِرْنا بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالمُؤْمِنِينَ وحَمْلِ أُمُورِهِمْ عَلى ما يَجُوزُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يَجُوزُ وهو المُخالَفَةُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ إذا باعَهُ سَيْفًا مُحَلًّى فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ أنّا نَجْعَلُ المِائَةَ بِالمِائَةِ والفَضْلَ بِالسَّيْفِ، فَنَحْمِلُ أمْرَهُما عَلى أنَّهُما تَعاقَدا عَقْدًا جائِزًا ولا نَحْمِلُهُ عَلى الفَسادِ وما لا يَجُوزُ. وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في أنَّ المُسْلِمِينَ عُدُولٌ ما لَمْ تَظْهَرْ مِنهم رِيبَةٌ؛ لِأنّا إذا كُنّا مَأْمُورِينَ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالمُسْلِمِينَ وتَكْذِيبِ مَن قَذَفَهم عَلى جِهَةِ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ بِما يُسْقِطُ العَدالَةَ فَقَدْ أُمِرْنا بِمُوالاتِهِمْ والحُكْمِ لَهم بِالعَدالَةِ بِظاهِرِ حالِهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ الرَّوِيَّةَ وقَبُولَ الشَّهادَةِ ما لَمْ تَظْهَرْ مِنهم رِيبَةٌ تُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَنْها أوْ رَدَّها؛ وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّهُ أكْذَبُ الحَدِيثِ» .
وقَوْلُهُ ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَظُنَّ بَعْضُهم بِبَعْضٍ خَيْرًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] والمَعْنى: (p-١٦٢)فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] يَعْنِي: لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا.
والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ المُؤْمِنِينَ كُلَّهم كالنَّفْسِ الواحِدَةِ فِيما يَجْرِي عَلَيْها مِنَ الأُمُورِ، فَإذا جَرى عَلى أحَدِهِمْ مَكْرُوهٌ فَكَأنَّهُ قَدْ جَرى عَلى جَمِيعِهِمْ، كَما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنِ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ أحْمَدُ بْنُ دَوَّسَتْ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ أبِي ثَوْرٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَثَلُ المُسْلِمِينَ في تَواصُلِهِمْ وتَراحُمِهِمْ واَلَّذِي جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهم كَمَثَلِ الجَسَدِ إذا وجِعَ بَعْضُهُ وجِعَ كُلُّهُ بِالسَّهَرِ والحُمّى» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ناجِيَةَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زَنْجُوَيْهِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ناصِحٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُسْلِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مالِكَ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ أبِي بُرْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُؤْمِنُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»
النور 24:13
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ قَدْ أبانَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَنْ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الحَدَّ واجِبٌ عَلى القاذِفِ ما لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، والثّانِي: أنَّهُ لا يُقْبَلُ في إثْباتِ الزِّنا أقَلُّ مِن أرْبَعَةِ شُهَداءَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ حَوى ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهم مَتى لَمْ يُقِيمُوا أرْبَعَةً مِنَ الشُّهَداءِ فَهم مَحْكُومُونَ بِكَذِبِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ في إيجابِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: فَأُولَئِكَ في حُكْمِ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ؛ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ الأمْرُ بِالحُكْمِ بِكَذِبِهِمْ، فَإنْ كانَ جائِزًا أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ في المُغَيَّبِ عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ جائِزٌ سائِغٌ، كَما قَدْ تَعَبَّدَنا بِأنْ نَحْكُمَ لِمَن ظَهَرَ مِنهُ عَمَلُ الخَيْراتِ وتَجَنُّبُ السَّيِّئاتِ بِالعَدالَةِ وإنْ كانَ جائِزًا أنْ يَكُونَ فاسِقًا في المُغَيَّبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وفي قَذَفَتِها، فَأخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ بِمُغَيَّبِ خَبَرِهِمْ وأنَّهُ كَذِبٌ في الحَقِيقَةِ لَمْ يَرْجِعُوا فِيهِ إلى صِحَّةٍ، فَمَن جَوَّزَ صِدْقَ هَؤُلاءِ فَهو رادٌّ لِخَبَرِ اللَّهِ.
النور 24:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ . قُرِئَ: ( تَلَقَّوْنَهُ ) بِالتَّشْدِيدِ. قالَ مُجاهِدٌ: ( يَرْوِيهِ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ لِيُشِيعَهُ ) .
وعَنْ عائِشَةَ: ( تَلِقُونَهُ ) مِن ولِقِ الكَذِبِ، وهو الِاسْتِمْرارُ عَلَيْهِ؛ ومِنهُ: ولَقَ فُلانٌ في السَّيْرِ إذا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ. فَذَمَّهم تَعالى عَلى الإقْدامِ عَلى القَوْلِ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ وهو نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] فَأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ (p-١٦٣)وإنْ كانَ يَقِينًا في ظَنِّهِمْ وحُسْبانِهِمْ فَهو عَظِيمُ الإثْمِ عِنْدَهُ لِيَرْتَدِعُوا عَنْ مِثْلِهِ عِنْدَ عِلْمِهِمْ بِمَوْقِعِ المَأْثَمِ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] تَعْلِيمًا لَنا بِما نَقُولُهُ عِنْدَ سَماعِ مِثْلِهِ فِيمَن كانَ ظاهِرُ حالِهِ العَدالَةَ وبَراءَةَ السّاحَةِ.
النور 24:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ مِن أنْ نُغْضِبَكَ بِسَماعِ مِثْلِ هَذا القَوْلِ في تَصْدِيقِ قائِلِهِ، وهو كَذِبٌ وبُهْتانٌ في ظاهِرِ الحُكْمِ.
النور 24:17
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾؛ فَإنَّهُ تَعالى يَعِظُنا ويَزْجُرُنا بِهَذِهِ الزَّواجِرِ وعِقابِ الدُّنْيا بِالحَدِّ مَعَ ما نَسْتَحِقُّ مِن عِقابِ الآخِرَةِ لِئَلّا نَعُودَ إلى مِثْلِ هَذا الفِعْلِ أبَدًا ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِاللَّهِ مُصَدِّقِينَ لِرَسُولِهِ.
النور 24:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أبانَ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ وُجُوبَ حُسْنِ الِاعْتِقادِ في المُؤْمِنِينَ ومَحَبَّةِ الخَيْرِ والصَّلاحِ لَهم، فَأخْبَرَ فِيها بِوَعِيدِ مَن أحَبَّ إظْهارَ الفاحِشَةِ والقَذْفِ والقَوْلِ القَبِيحِ لِلْمُؤْمِنِينَ وجَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الكَبائِرِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْها العِقابَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَلامَةِ القَلْبِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَوُجُوبِ كَفِّ الجَوارِحِ والقَوْلِ عَمّا يَضُرُّ بِهِمْ.
ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «المُؤْمِنُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ»، وقالَ: «لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ العَبّاسِ الرّازِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ قالَ: حَدَّثَنا زِيادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن سَرَّهُ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويُدْخَلَ الجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وهو يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ويُحِبُّ أنْ يَأْتِيَ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يَأْتُوا إلَيْهِ» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ هاشِمٍ قالَ: حَدَّثَنا هُدْبَةُ قالَ: حَدَّثَنا هَمّامٌ قالَ: حَدَّثَنا قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يُؤْمِنُ العَبْدُ حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ» .
النور 24:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى﴾
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ويَتِيمَيْنِ كانا في حِجْرِهِ يُنْفِقُ عَلَيْهِما، أحَدُهُما مِسْطَحُ بْنُ أثاثَةَ، وكانا مِمَّنْ خاضا في أمْرِ عائِشَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَتُها حَلَفَ أبُو بَكْرٍ أنْ لا يَنْفَعَهُما بِنَفْعٍ أبَدًا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عادَ لَهُ وقالَ: بَلى واللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، واللَّهِ لا أنْزِعُها عَنْهُما أبَدًا وكانَ مِسْطَحٌ ابْنَ خالَةِ أبِي بَكْرٍ مِسْكِينًا ومُهاجِرًا مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ مِنَ البَدْرِيِّينَ. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها أنَّهُ يَنْبَغِي (p-١٦٤)لَهُ أنْ يَأْتِيَ الَّذِي هو خَيْرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» .
ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّهُ يَأْتِي الَّذِي هو خَيْرٌ وذَلِكَ كَفّارَتُهُ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا في حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ويَحْتَجُّ مَن يَقُولُ ذَلِكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ وأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ أبا بَكْرٍ بِالحِنْثِ ولَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ كَفّارَةً.
ولَيْسَ فِيما ذَكَرُوا دَلالَةٌ عَلى سُقُوطِ الكَفّارَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ إيجابَ الكَفّارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وذَلِكَ عُمُومٌ فِيمَن حَنِثَ فِيما هو خَيْرٌ وفي غَيْرِهِ. وقالَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِ أيُّوبَ حِينَ حَلَفَ عَلى امْرَأتِهِ أنْ يَضْرِبَها: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] وقَدْ عَلِمْنا أنَّ الحِنْثَ كانَ خَيْرًا مِن تَرْكِهِ وأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِضَرْبٍ لا يَبْلُغُ مِنها، ولَوْ كانَ الحِنْثُ فِيها كَفّارَتَها لَما أُمِرَ بِضَرْبِها بَلْ كانَ يَحْنَثُ بِلا كَفّارَةٍ.
وأمّا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ وذَلِكَ كَفّارَتُهُ» فَإنَّ مَعْناهُ تَكْفِيرُ الذَّنْبِ لا الكَفّارَةُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْ أنْ يَحْلِفَ عَلى تَرْكِ طاعَةِ اللَّهِ، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالحِنْثِ والتَّوْبَةِ وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ يُكَفِّرُ ذَنْبَهُ الَّذِي اقْتَرَفَهُ بِالحَلِفِ.
النور 24:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ﴾ .
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ قالُوا: ( الخَبِيثاتُ مِنَ الكَلامِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ ) . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: ( الخَبِيثاتُ مِنَ السَّيِّئاتِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ )، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]
وقِيلَ: الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] وأنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِما ثَبَتَ في مَوْضِعِهِ.
النور 24:27
بابُ الِاسْتِئْذانِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمَ وقَتادَةَ قالُوا: ( الِاسْتِئْناسُ الِاسْتِئْذانُ ) فَيَكُونُ مَعْناهُ: حَتّى تَسْتَأْنِسُوا بِالإذْنِ.
ورَوى شُعْبَةُ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا وقالَ " غَلِطَ الكاتِبُ " .
ورَوى القاسِمُ بْنُ نافِعٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قالَ: ( هو التَّنَحْنُحُ والتَّنَخُّعُ ) . وفي نَسَقِ التِّلاوَةِ ما دَلَّ (p-١٦٥)عَلى أنَّهُ أرادَ الِاسْتِئْذانَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]
والِاسْتِئْناسُ قَدْ يَكُونُ لِلْحَدِيثِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وكَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ في حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْفَرَدَ في مَشْرَبَةٍ لَهُ حِينَ هَجَرَ نِساءَهُ، فاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَقالَ الآذِنُ: قَدْ سَمِعَ كَلامَكَ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ؛ فَذَكَرَ أشْياءَ وفِيهِ قالَ: فَقُلْتَ: أسْتَأْنِسُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ( نَعَمْ ) . وإنَّما أرادَ بِهِ الِاسْتِئْناسَ لِلْحَدِيثِ، وذَلِكَ كانَ بَعْدَ الدُّخُولِ.
والِاسْتِئْناسُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الحَدِيثَ؛ لِأنَّهُ لا يَصِلُ إلى الحَدِيثِ إلّا بَعْدَ الإذْنِ، وإنَّما المُرادُ الِاسْتِئْذانُ لِلدُّخُولِ، وإنَّما سُمِّيَ الِاسْتِئْذانُ اسْتِئْناسًا لِأنَّهم إذا اسْتَأْذَنُوا أوْ سَلَّمُوا أنِسَ أهْلُ البُيُوتِ بِذَلِكَ، ولَوْ دَخَلُوا عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إذْنٍ لاسْتَوْحَشُوا وشَقَّ عَلَيْهِمْ. وأمَرَ مَعَ الِاسْتِئْذانِ بِالسَّلامِ؛ إذْ هو مِن سُنَّةِ المُسْلِمِينَ الَّتِي أُمِرُوا بِها، ولِأنَّ السَّلامَ أمانٌ مِنهُ لَهم وهو تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ ومَجْلَبَةٌ لِلْمَوَدَّةِ ونافٍ لِلْحِقْدِ والضَّغِينَةِ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا صَفْوانُ بْنُ عِيسى قالَ: حَدَّثَنا الحارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي رِئابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ فَقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإذْنِ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ رَبُّهُ: رَحِمَكَ رَبُّكَ يا آدَمَ اذْهَبْ إلى هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ ومَلَأٌ مِنهم جُلُوسٌ فَقُلِ السَّلامُ عَلَيْكم فَقالَ سَلامٌ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى رَبِّهِ فَقالَ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ بَيْنَهم» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ إسْحاقَ بْنِ رائِطَةَ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ نَصْرِ بْنِ حاجِبٍ قالَ: حَدَّثَنا هِلالُ بْنُ حَمّادٍ عَنْ زاذانَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «حَقُّ المُسْلِمِ عَلى المُسْلِمِ سِتٌّ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذا لَقِيَهُ ويُجِيبُهُ إذا دَعاهُ ويَنْصَحُ لَهُ بِالغَيْبِ ويُشَمِّتُهُ إذا عَطَسَ ويَعُودُهُ إذا مَرِضَ ويَشْهَدُ جِنازَتَهُ إذا ماتَ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ إسْحاقَ الحَرْبِيِّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو غَسّانَ النَّهْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرٌ قالَ: حَدَّثَنا الأعْمَشُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُونَ حَتّى تَحابُّوا، أفَلا أدُلُّكم عَلى أمْرٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكم» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَلّى قالَ: حَدَّثَنا زِيادُ بْنُ خَيْثَمَةَ عَنْ أبِي يَحْيى القَتّاتِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: (p-١٦٦)«إنْ سَرَّكم أنْ يَخْرُجَ الغِلُّ مِن صُدُورِكم فَأفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكم» .
* *
فِي عَدَدِ الِاسْتِئْذانِ وكَيْفِيَّتِهِ رَوى دُهَيْمُ بْنُ قِرانٍ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الِاسْتِئْذانُ ثَلاثٌ: فالأُولى يَسْتَنْصِتُونَ، والثّانِيَةُ يَسْتَصْلِحُونَ، والثّالِثَةُ يَأْذَنُونَ أوْ يَرُدُّونَ» .
ورَوى يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ جُنْدُبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قالَ أخْبَرَنا سُفْيانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كُنْتُ جالِسًا في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الأنْصارِ، فَجاءَ أبُو مُوسى فَزِعًا، فَقُلْنا لَهُ: ما أفْزَعَكَ ؟ قالَ: أمَرَنِي عُمَرُ أنْ آتِيَهُ فَأتَيْتُهُ فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟ قُلْتُ: قَدْ جِئْتُ فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ قالَ: لَتَأْتِيَنَّ عَلى هَذا بِالبَيِّنَةِ قالَ: فَقالَ أبُو سَعِيدٍ: لا يَقُومُ مَعَكَ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ، قالَ: فَقامَ أبُو سَعِيدٍ مَعَهُ فَشَهِدَ لَهُ» .
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِأبِي مُوسى: ( إنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ ولَكِنَّ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَدِيدٌ )، وفي بَعْضِها: " ولَكِنِّي خَشِيتُ أنْ يَتَقَوَّلَ النّاسُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما لَمْ يَقْبَلْ عُمَرُ خَبَرَهُ حَتّى اسْتَفاضَ عِنْدَهُ لِأنَّ أمْرَ الِاسْتِئْذانِ مِمّا بِالنّاسِ إلَيْهِ حاجَةٌ عامَّةٌ، فاسْتَنْكَرَ أنْ تَكُونَ سُنَّةُ الِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا مَعَ عُمُومِ الحاجَةِ إلَيْها ثُمَّ لا يَنْقُلُها إلّا الأفْرادُ؛ وهَذا أصْلٌ في أنَّ ما بِالنّاسِ إلَيْهِ حاجَةٌ عامَّةٌ لا يُقْبَلُ فِيهِ إلّا خَبَرُ الِاسْتِفاضَةِ وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ الحَفْرِيِّ عَنْ سُفْيانَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَعْدٍ قالَ «وقَفَ رَجُلٌ عَلى بابِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُ فَقامَ مُسْتَقْبِلَ البابِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هَكَذا عَنْكَ أوْ هَكَذا فَإنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِنَ النَّظَرِ» .
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ بَشّارٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عاصِمٍ قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أبِي سُفْيانَ أنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوانَ أخْبَرَهُ عَنْ كَلْدَةَ: «أنَّ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَبَنٍ وجَدايَةٍ وضَغابِيسَ والنَّبِيُّ ﷺ بِأعْلى مَكَّةَ، فَدَخَلْتُ ولَمْ أُسَلِّمْ، فَقالَ: ارْجِعْ فَقُلِ السَّلامُ عَلَيْكم» وذاكَ بَعْدَما أسْلَمَ صَفْوانُ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ (p-١٦٧)بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ رِبْعِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا رَجُلٌ مِن بَنِي عامِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو في بَيْتٍ فَقالَ: ألِجُ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِخادِمِهِ: «اُخْرُجْ إلى هَذا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذانَ فَقُلْ لَهُ: قُلِ السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟ فَأذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ» .
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُؤَمَّلُ بْنُ فَضْلٍ الحَرّانِيِّ في آخَرَيْنِ قالُوا: حَدَّثَنا بَقِيَّةُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أتى بابَ قَوْمٍ لا يَسْتَقْبِلُ البابَ مِن تِلْقاءِ وجْهِهِ ولَكِنْ مِن رُكْنِهِ الأيْمَنِ أوِ الأيْسَرِ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم وذَلِكَ أنَّ الدُّورَ لَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها سُتُورٌ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ يَقْتَضِي جَوازَ الدُّخُولِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن صاحِبِ البَيْتِ إذْنٌ، ولِذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: ( الِاسْتِئْناسُ التَّنَحْنُحُ والتَّنَخُّعُ ) فَكَأنَّهُ إنَّما أرادَ أنْ يُعْلِمَهم بِدُخُولِهِ؛ وهَذا الحُكْمُ ثابِتٌ فِيمَن جَرَتْ عادَتُهُ بِالدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ، إلّا أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِ الإذْنُ في الدُّخُولِ فَحَذَفَهُ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِالمُرادِ.
وقَدْ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ حَبِيبٍ وهِشامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «رَسُولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُهُ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ مُعاذٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الأعْلى قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبِي رافِعٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا دُعِيَ أحَدُكم إلى طَعامٍ فَجاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإنَّ ذَلِكَ لَهُ إذْنٌ» .
فَدَلَّ هَذا الخَبَرُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الإذْنَ مَحْذُوفٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ وهو مُرادٌ بِهِ، والثّانِي: أنَّ الدُّعاءَ إذْنٌ إذا جاءَ مَعَ الرَّسُولِ وأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى اسْتِئْذانٍ ثانٍ. وهو يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ مَن قَدْ جَرَتِ العادَةُ لَهُ بِإباحَةِ الدُّخُولِ أنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الِاسْتِئْذانِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَوى أبُو نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ زِرٍّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يَقُولُ: واللَّهِ إنِّي كُنْتُ لِأعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلى الأرْضِ مِنَ الجُوعِ، إنِّي كُنْتُ لَأشُدُّ الحَجَرَ عَلى بَطْنِي مِنَ الجُوعِ ولَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنهُ فَمَرَّ أبُو بَكْرٍ فَسَألْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ما سَألْتُهُ إلّا لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ ولَمْ يَفْعَلْ، فَمَرَّ بِي عُمَرُ فَفَعَلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَمَرَّ ولَمْ يَفْعَلْ، فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وعَرَفَ ما في نَفْسِي ثُمَّ قالَ: ( يا أبا هِرٍّ ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: ( الحَقْ ) " ومَضى واتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ واسْتَأْذَنْتُ فَأذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ فَوَجَدْتُ لَبَنًا في قَدَحٍ فَقالَ: ( مِن أيْنَ هَذا ؟ ) قالُوا: أهْدى (p-١٦٨)لَكَ فُلانٌ أوْ فُلانَةُ، قالَ: ( يا أبا هِرٍّ ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: ( الحَقْ أهْلَ الصُّفَّةِ فادْعُهم لِي ) قالَ: وأهْلُ الصُّفَّةِ أضْيافُ أهْلِ الإسْلامِ لا يَلْوُونَ عَلى أهْلٍ ولا مالٍ، إذا أتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِها إلَيْهِمْ لَمْ يَتَناوَلْ مِنها شَيْئًا وإذا أتَتْهُ هَدِيَّةٌ أرْسَلَ إلَيْهِمْ فَأصابَ مِنها وأشْرَكَهم فِيها؛ فَساءَنِي ذَلِكَ فَقُلْتُ: وما هَذا اللَّبَنُ في أهْلِ الصُّفَّةِ ؟ كُنْتَ أرْجُو أنْ أُصِيبَ مِن هَذا شَرْبَةً أتَقَوّى بِها فَأبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإذا جاءُوا فَأمَرَنِي فَكُنْتُ أنا أُعْطِيهِمْ، فَما عَسى أنْ يَبْلُغَ مِن هَذا اللَّبَنِ ؟ فَأتَيْتُهم فَدَعَوْتُهم فَأقْبَلُوا حَتّى اسْتَأْذَنُوا، فَأذِنَ لَهم، فَأخَذُوا مَجالِسَهم مِنَ البَيْتِ فَقالَ: ( يا أبا هِرٍّ ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: ( خُذْ فَأعْطِهِمْ ) فَأخَذْتُ القَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِي الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتّى يَرْوى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ فَأُعْطِيهِ آخَرَ فَيَشْرَبُ حَتّى يَرْوى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ حَتّى انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهم، فَأخَذَ القَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ ونَظَرَ إلَيَّ فَتَبَسَّمَ وقالَ: ( يا أبا هِرٍّ ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: ( بِقِيتُ أنا وأنْتَ ) قُلْتُ: صَدَقْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ( فاقْعُدْ واشْرَبْ ) فَشَرِبْتُ، فَما زالَ يَقُولُ اشْرَبْ فَأشْرَبُ حَتّى قُلْتُ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أجِدُ لَهُ مَسْلَكًا قالَ: ( فَأرِنِي ) فَأعْطَيْتُهُ القَدَحَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وشَرِبَ الفَضْلَ.
فَقالَ فَقَدِ اسْتَأْذَنَ أهْلُ الصُّفَّةِ وقَدْ جاءُوا مَعَ الرَّسُولِ ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وهَذا مُخالِفٌ لِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ «رَسُولَ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُهُ» . قِيلَ لَهُ: لَيْسا مُخْتَلِفَيْنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ إباحَةٌ لِلدُّخُولِ مَعَ الرَّسُولِ ولَيْسَ فِيهِ كَراهِيَةُ الِاسْتِئْذانِ بَلْ هو مُخَيَّرٌ حِينَئِذٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ مَعَ الرَّسُولِ وجَبَ حِينَئِذٍ الِاسْتِئْذانُ؛ واَلَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الإذْنَ مَشْرُوطٌ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قَوْلُهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] فَحَظَرَ الدُّخُولَ إلّا بِالإذْنِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الإذْنَ مَشْرُوطٌ في إباحَةِ الدُّخُولِ في الآيَةِ الأُولى. وأيْضًا فَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الأخْبارِ الَّتِي قَدَّمْناها:
«إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ النَّظَرِ»، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ النَّظَرُ في دارِ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ. وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ ضُرُوبٌ مِنَ التَّغْلِيظِ، وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِن بَعْضِ حُجَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ أوْ بِمَشاقِصَ، قالَ: فَكَأنِّي أنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمانَ المُؤَذِّنُ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ عَنْ كَثِيرٍ عَنِ الوَلِيدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا دَخَلَ البَصَرُ (p-١٦٩)فَلا إذْنَ» .
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اطَّلَعَ في دارِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَقَدْ هُدِرَتْ عَيْنُهُ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: والفُقَهاءُ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ ضامِنٌ إذا فَعَلَ ذَلِكَ، وهَذا مِن أحادِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي تُرَدُّ لِمُخالَفَتِها الأُصُولَ، مِثْلُ ما رُوِيَ أنَّ ولَدَ الزِّنا شَرُّ الثَّلاثَةِ، وأنَّ ولَدَ الزِّنا لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ، ولا وُضُوءَ لِمَن لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، ومَن غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ ومَن حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ؛ هَذِهِ كُلُّها أخْبارٌ شاذَّةٌ قَدِ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى خِلافِ ظَواهِرِها.
وزَعَمَ الشّافِعِيُّ أنَّ مَنِ اطَّلَعَ في دارِ غَيْرِهِ فَفَقَأ عَيْنَهُ كانَ ضامِنًا وكانَ عَلَيْهِ القِصاصُ إنْ كانَ عامِدًا والأرْشُ إنْ كانَ مُخْطِئًا، ومَعْلُومٌ أنَّ الدّاخِلَ قَدِ اطَّلَعَ وزادَ عَلى الِاطِّلاعِ الدُّخُولَ؛ وظاهِرُ الحَدِيثِ مُخالِفٌ لِما حَصَلَ عَلَيْهِ الِاتِّفاقُ، فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ فَمَعْناهُ عِنْدَنا فَيَمَنِ اطَّلَعَ في دارِ قَوْمٍ ناظِرًا إلى حُرَمِهِمْ ونِسائِهِمْ فَمُونِعَ فَلَمْ يَمْتَنِعْ فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ في حالِ المُمانَعَةِ، فَهَذا هَدَرٌ؛ وكَذَلِكَ مَن دَخَلَ دارَ قَوْمٍ أوْ أرادَ دُخُولَها فَمانَعُوهُ فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ أوْ شَيْءٌ مِن أعْضائِهِ فَهو هَدَرٌ، ولا يَخْتَلِفُ فِيهِ حُكْمُ الدّاخِلِ والمُطَّلِعِ فِيها مِن غَيْرِ دُخُولٍ. فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ إلّا النَّظَرُ ولَمْ تَقَعْ فِيهِ مُمانَعَةٌ ولا نَهْيٌ ثُمَّ جاءَ إنْسانٌ فَفَقَأ عَيْنَهُ فَهَذا جانٍ يَلْزَمُهُ حُكْمُ جِنايَتِهِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]
النور 24:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا نَدْخُلُ بُيُوتَ غَيْرِنا إلّا بِإذْنِهِ، والثّانِي: أنَّهُ إذا أُذِنَ لَنا جازَ لَنا الدُّخُولُ، واقْتَضى ذَلِكَ جَوازُ قَبُولِ الإذْنِ مِمَّنْ أذِنَ صَبِيًّا كانَ أوِ امْرَأةً أوْ عَبْدًا أوْ ذِمِّيًّا؛ إذْ لَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ بَيْنَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وهَذا أصْلٌ في قَبُولِ أخْبارِ المُعامَلاتِ مِن هَؤُلاءِ وأنَّهُ لا تُعْتَبَرُ فِيها العَدالَةُ ولا تُسْتَوْفى فِيها صِفاتُ الشَّهادَةِ، ولِذَلِكَ قَبِلُوا أخْبارَ هَؤُلاءِ في الهَدايا والوَكالاتِ ونَحْوِها.
النور 24:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ قالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: ( هي بُيُوتُ الخاناتِ الَّتِي تَكُونُ في الطُّرُقِ وبُيُوتُ الأسْواقِ )، وعَنِ الضَّحّاكِ مِثْلُهُ.
وقالَ الحَسَنُ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( كانُوا يَأْتُونَ حَوانِيتَ السُّوقِ لا يَسْتَأْذِنُونَ ) .
وقالَ مُجاهِدٌ: ( كانَتْ بُيُوتًا يَضَعُونَ فِيها أمْتِعَتَهم فَأُمِرُوا أنْ يَدْخُلُوها بِغَيْرِ إذْنٍ )، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: " هي البُيُوتُ الَّتِي تَنْزِلُها السَّفْرُ " .
ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ المُحارِبِيُّ قالَ: ( رَأيْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أصابَتْهُ السَّماءُ وهو في السُّوقِ، فاسْتَظَلَّ بِخَيْمَةِ فارِسِيٍّ فَجَعَلَ الفارِسِيُّ يَدْفَعُهُ عَنْ خَيْمَتِهِ وعَلِيٌّ يَقُولُ: إنَّما أسْتَظِلُّ مِنَ المَطَرِ، فَجَعَلَ الفارِسِيُّ يَدْفَعُهُ، ثُمَّ أُخْبِرَ الفارِسِيُّ أنَّهُ عَلِيٌّ فَضَرَبَ بِصَدْرِهِ ) .
وقالَ عِكْرِمَةُ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ ( هي البُيُوتُ الخَرِبَةُ لَكم فِيها حاجَةٌ ) وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ: ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ ( الخَلاءُ والبَوْلُ ) .
وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ ذَلِكَ؛ إذْ كانَ الِاسْتِئْذانُ في البُيُوتِ المَسْكُونَةِ لِئَلّا يُهْجَمَ عَلى ما لا يُحَبُّ مِنَ العَوْرَةِ، ولِأنَّ العادَةَ قَدْ جَرَتْ في مِثْلِهِ (p-١٧١)بِإطْلاقِ الدُّخُولِ، فَصارَ المُعْتادُ المُتَعارَفُ كالمَنطُوقِ بِهِ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ مَعْنى إطْلاقِ ذَلِكَ لِجَرَيانِ العادَةِ في الإذْنِ أنَّ أصْحابَها لَوْ مَنَعُوا النّاسَ مِن دُخُولِ هَذِهِ البُيُوتِ كانَ لَهم ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ أنْ يَدْخُلَها بِغَيْرِ إذْنٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ فِيما جَرَتِ العادَةُ بِإباحَتِهِ وقامَ ذَلِكَ مَقامَ الإذْنِ فِيهِ ما يَطْرَحُهُ النّاسُ مِنَ النَّوى وقُماماتِ البُيُوتِ والخِرَقِ في الطُّرُقِ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ ويَنْتَفِعَ بِهِ.
وهُوَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ اعْتِبارِ أصْحابِنا هَذا المَعْنى في سائِرِ ما يَكُونُ في مَعْناهُ مِمّا قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِهِ وتَعارَفُوا أنَّهُ بِمَنزِلَةِ النُّطْقِ، كَنَحْوِ قَوْلِهِمْ فِيما يُلْحِقُونَهُ بِرَأْسِ المالِ مِن طَعامِ الرَّقِيقِ وكُسْوَتِهِمْ وفي حُمُولَةِ المَتاعِ أنَّهُ يُلْحِقُهُ بِرَأْسِ المالِ ويَبِيعُهُ مُرابَحَةً، فَيَقُولُ: قامَ عَلَيَّ بِكَذا؛ وما لَمْ تَجْرِ العادَةُ بِهِ لا يُلْحِقُهُ بِرَأْسِ المالِ، فَقامَتِ العادَةُ في ذَلِكَ مَقامَ النُّطْقِ؛ وفي نَحْوِهِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِيمَن أسْلَمَ إلى خَيّاطٍ أوْ قَصّارٍ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ أوْ يُقَصِّرَهُ ولَمْ يَشْرِطْ لَهُ أجْرًا: ( إنَّ الأجْرَ قَدْ وجَبَ لَهُ إذا كانَ قَدْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِذَلِكَ وقامَتِ العادَةُ في مِثْلِهِ مَقامَ النُّطْقِ في أنَّهُ فَعَلَهُ عَلى وجْهِ الإجارَةِ ) .
وقَدْ رَوى سُفْيانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ قالَ: ( كانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَأْذِنُ في حَوانِيتِ السُّوقِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعِكْرِمَةَ فَقالَ: ومَن يُطِيقُ ما كانَ ابْنُ عُمَرَ يُطِيقُ ؟ ) ولَيْسَ في فِعْلِهِ ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ رَأى دُخُولَها بِغَيْرِ إذْنٍ مَحْظُورًا، ولَكِنَّهُ احْتاطَ لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُباحٌ لِكُلِّ أحَدٍ
النور 24:30
بابُ ما يَجِبُ مِن غَضِّ البَصَرِ عَنِ المُحَرَّماتِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: مَعْقُولٌ مِن ظاهِرِهِ أنَّهُ أمْرٌ بِغَضِّ البَصَرِ عَمّا حَرُمَ عَلَيْنا النَّظَرُ إلَيْهِ، فَحُذِفَ ذِكْرُ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِالمُرادِ؛ وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ أبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا عَلِيُّ إنَّ لَكَ كَنْزًا في الجَنَّةِ وإنَّكَ ذُو وفْرٍ مِنها فَلا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإنَّ لَكَ الأُولى ولَيْسَتْ لَكَ الثّانِيَةَ» ورَوى الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ابْنَ آدَمَ لَكَ أوَّلُ نَظْرَةٍ وإيّاكَ والثّانِيَةَ». ورَوى أبُو زُرْعَةَ عَنْ جَرِيرٍ: أنَّهُ «سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظْرَةِ الفُجاءَةِ فَأمَرَنِي أنْ أصْرِفَ بَصَرِي» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما أرادَ ﷺ بِقَوْلِهِ: «لَكَ النَّظْرَةُ الأُولى» إذا لَمْ تَكُنْ عَنْ قَصْدٍ، فَأمّا إذا كانَتْ عَنْ قَصْدٍ فَهي والثّانِيَةُ سَواءٌ، وهو عَلى ما سَألَ عَنْهُ جَرِيرٌ مِن نَظْرَةِ الفُجاءَةِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]
وقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ (p-١٧٢)يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] هو عَلى مَعْنى ما نُهِيَ الرَّجُلُ عَنْهُ مِن النَّظَرِ إلى ما حَرُمَ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ آيَةٍ في القُرْآنِ: ( يَحْفَظُوا فُرُوجَهم ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) مِنَ الزِّنا، إلّا الَّتِي في النُّورِ: ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ﴿ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] أنْ لا يَنْظُرَ إلَيْها أحَدٌ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا تَخْصِيصٌ بِلا دَلالَةٍ، واَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ المَعْنى حِفْظَها عَنْ سائِرِ ما حَرُمَ عَلَيْهِ مِنَ الزِّنا واللَّمْسِ والنَّظَرِ، وكَذَلِكَ سائِرُ الآيِ المَذْكُورَةِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ في حِفْظِ الفُرُوجِ هي عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ ما لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُرادَ بَعْضُ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ؛ وعَسى أنْ يَكُونَ أبُو العالِيَةِ ذَهَبَ في إيجابِ التَّخْصِيصِ في النَّظَرِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِغَضِّ البَصَرِ، وما ذَكَرَهُ لا يُوجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِغَضِّ البَصَرِ وحِفْظِ الفَرْجِ مِنَ النَّظَرِ ومِنَ الزِّنا وغَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ المَحْظُورَةِ؛ وعَلى أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ حَظْرَ النَّظَرِ فَلا مَحالَةَ أنَّ اللَّمْسَ والوَطْءَ مُرادانِ بِالآيَةِ؛ إذْ هُما أغْلَظُ مِنَ النَّظَرِ، فَلَوْ نَصَّ اللَّهُ عَلى النَّظَرِ لَكانَ في مَفْهُومِ الخِطابِ ما يُوجِبُ حَظْرَ الوَطْءِ واللَّمْسِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما﴾ [الإسراء: ٢٣] قَدِ اقْتَضى حَظْرَ ما فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ السَّبِّ والضَّرْبِ.
النور 24:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: ( ما كانَ في الوَجْهِ والكَفِّ، الخِضابُ والكُحْلُ ) وعَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ، وكَذَلِكَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: ( أنَّها الكَفُّ والوَجْهُ والخاتَمُ ) وقالَتْ عائِشَةُ: ( الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: القُلْبُ والفَتْخَةُ ) وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( الفَتْخَةُ، الخاتَمُ ) . وقالَ الحَسَنُ: ( وجْهُها وما ظَهَرَ مِن ثِيابِها ) . وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: ( وجْهُها مِمّا ظَهَرَ مِنها ) .
ورَوى أبُو الأحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ( الزِّينَةُ زِينَتانِ: زِينَةٌ باطِنَةٌ لا يَراها إلّا الزَّوْجُ الإكْلِيلُ والسِّوارُ والخاتَمُ، وأمّا الظّاهِرَةُ فالثِّيابُ ) وقالَ إبْراهِيمُ: ( الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ الثِّيابُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ إنَّما أرادَ بِهِ الأجْنَبِيِّينَ دُونَ الزَّوْجِ وذَوِي المَحارِمِ؛ لِأنَّهُ قَدْ بَيَّنَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ حُكْمَ ذَوِي المَحارِمِ في ذَلِكَ.
وقالَ أصْحابُنا: المُرادُ الوَجْهُ والكَفّانِ؛ لِأنَّ الكُحْلَ زِينَةُ الوَجْهِ والخِضابَ والخاتَمَ زِينَةُ الكَفِّ، فَإذْ قَدْ أباحَ النَّظَرَ إلى زِينَةِ الوَجْهِ والكَفِّ فَقَدِ اقْتَضى ذَلِكَ لا مَحالَةَ إباحَةَ النَّظَرِ إلى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الوَجْهَ والكَفَّيْنِ مِنَ المَرْأةِ لَيْسا بِعَوْرَةٍ أيْضًا أنَّها تُصَلِّي مَكْشُوفَةَ الوَجْهِ واليَدَيْنِ، فَلَوْ كانا عَوْرَةً لَكانَ عَلَيْها سَتْرُهُما كَما عَلَيْها سَتْرُ ما هو عَوْرَةٌ؛ وإذا كانَ (p-١٧٣)كَذَلِكَ جازَ لِلْأجْنَبِيِّ أنْ يَنْظُرَ مِنَ المَرْأةِ إلى وجْهِها ويَدَيْها بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَإنْ كانَ يَشْتَهِيها إذا نَظَرَ إلَيْها جازَ أنْ يَنْظُرَ لِعُذْرٍ مِثْلَ أنْ يُرِيدَ تَزْوِيجَها أوِ الشَّهادَةَ عَلَيْها أوْ حاكِمٌ يُرِيدُ أنْ يَسْمَعَ إقْرارَها.
ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلى الوَجْهِ لِشَهْوَةٍ قَوْلُهُ ﷺ لِعَلِيٍّ: «لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإنَّ لَكَ الأُولى ولَيْسَ لَكَ الآخِرَةَ»، وسَألَ جَرِيرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظْرَةِ الفُجاءَةِ فَقالَ: ( اصْرِفْ بَصَرَكَ ) ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الوَجْهِ وغَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ النَّظْرَةَ بِشَهْوَةٍ؛ وإنَّما قالَ: ( لَكَ الأُولى )؛ لِأنَّها ضَرُورَةٌ: ( ولَيْسَ لَكَ الآخِرَةُ )؛ لِأنَّها اخْتِيارٌ.
وإنَّما أباحُوا النَّظَرَ إلى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ وإنْ خافَ أنْ يَشْتَهِيَ لِما ذَكَرْنا مِنَ الأعْذارِ لِلْآثارِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ، مِنها: ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اُنْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا يَعْنِي الصِّغَرَ» .
ورَوى جابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا خَطَبَ أحَدُكم فَقَدَرَ عَلى أنْ يَرى مِنها ما يُعْجِبُهُ ويَدْعُوهُ إلَيْها فَلْيَفْعَلْ». ورَوى مُوسى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أبِي حُمَيْدٍ وقَدْ رَأى النَّبِيَّ ﷺ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا خَطَبَ أحَدُكُمُ المَرْأةَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَنْظُرَ إلَيْها إذا كانَ إنَّما يَنْظُرُ إلَيْها لِلْخِطْبَةِ». ورَوى سُلَيْمانُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
ورَوى عاصِمٌ الأحْوَلُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «خَطَبْنا امْرَأةً فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: نَظَرْتَ إلَيْها ؟ فَقُلْتُ: لا، فَقالَ: اُنْظُرْ فَإنَّهُ لَأجْدَرُ أنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُما» .
فَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى جَوازِ النَّظَرِ إلى وجْهِها وكَفِّيها بِشَهْوَةٍ إذا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] ولا يُعْجِبُهُ حُسْنُهُنَّ إلّا بَعْدَ رُؤْيَةِ وُجُوهِهِنَّ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ إلى وجْهِها بِشَهْوَةٍ مَحْظُورٌ قَوْلُهُ ﷺ: ( العَيْنانِ تَزْنِيانِ واليَدانِ تَزْنِيانِ والرِّجْلانِ تَزْنِيانِ ويُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ الفَرْجُ أوْ يُكَذِّبُهُ ) .
وقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ في أنَّ ما ظَهَرَ مِنها هو الثِّيابُ لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ ذَكَرَ الزِّينَةَ والمُرادُ العُضْوُ الَّذِي عَلَيْهِ الزِّينَةُ، ألا تَرى أنَّ سائِرَ ما تَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ الحُلِيِّ والقُلْبِ والخَلْخالِ والقِلادَةِ يَجُوزُ أنْ تُظْهِرَها لِلرِّجالِ إذا لَمْ تَكُنْ هي لابِسَتَها ؟ فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ مَوْضِعُ الزِّينَةِ كَما قالَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ بَعْدَ هَذا: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ والمُرادُ مَوْضِعُ الزِّينَةِ، فَتَأْوِيلُها عَلى الثِّيابِ لا مَعْنى لَهُ؛ إذْ كانَ ما يَرى الثِّيابَ عَلَيْها دُونَ شَيْءٍ مِن بَدَنِها كَما يَراها إذا لَمْ تَكُنْ لابِسَتَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ رَوَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ( نِعْمَ النِّساءُ نِساءُ الأنْصارِ، لَمْ يَكُنْ (p-١٧٤)يَمْنَعُهُنَّ الحَياءُ أنْ يَتَفَقَّهْنَ في الدِّينِ وأنْ يَسْألْنَ عَنْهُ؛ لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ النُّورِ عَمَدْنَ إلى حُجُوزِ مَناطِقِهِنَّ فَشَقَقْنَهُ فاخْتَمَرْنَ بِهِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ قِيلَ: إنَّهُ أرادَ جَيْبَ الدُّرُوعِ؛ لِأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَلْبَسْنَ الدُّرُوعَ ولَها جَيْبٌ مِثْلُ جَيْبِ الدُّرّاعَةِ فَتَكُونُ المَرْأةُ مَكْشُوفَةَ الصَّدْرِ والنَّحْرِ إذا لَبِسَتْها، فَأمَرَهُنَّ اللَّهُ بِسَتْرِ ذَلِكَ المَوْضِعِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ صَدْرَ المَرْأةِ ونَحْرَها عَوْرَةٌ لا يَجُوزُ لِلْأجْنَبِيِّ النَّظَرُ إلَيْها مِنها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآيَةَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُهُ يَقْتَضِي إباحَةَ إبْداءِ الزِّينَةِ لِلزَّوْجِ ولِمَن ذُكِرَ مَعَهُ مِنَ الآباءِ وغَيْرِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ مَوْضِعُ الزِّينَةِ وهو الوَجْهُ واليَدُ والذِّراعُ؛ لِأنَّ فِيها السِّوارَ والقُلْبَ، والعَضُدُ وهو مَوْضِعُ الدُّمْلُجِ، والنَّحْرُ والصَّدْرُ مَوْضِعُ القِلادَةِ، والسّاقُ مَوْضِعُ الخَلْخالِ، فاقْتَضى ذَلِكَ إباحَةَ النَّظَرِ لِلْمَذْكُورِينَ في الآيَةِ إلى هَذِهِ المَواضِعِ وهي مَواضِعُ الزِّينَةِ الباطِنَةِ؛ لِأنَّهُ خَصَّ في أوَّلِ الآيَةِ إباحَةَ الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ لِلْأجْنَبِيَّيْنِ وأباحَ لِلزَّوْجِ وذَوِي المَحارِمِ النَّظَرَ إلى الزِّينَةِ الباطِنَةِ. ورُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ والزُّبَيْرِ: ( القُرْطُ والقِلادَةُ والسِّوارُ والخَلْخالُ ) . ورَوى سُفْيانُ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ إبْراهِيمَ ﴿أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ قالَ: ( يَنْظُرُ إلى ما فَوْقِ الذِّراعِ مِنَ الأُذُنِ والرَّأْسِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ لا مَعْنى لِتَخْصِيصِ الأُذُنِ والرَّأْسِ بِذَلِكَ؛ إذْ لَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ شَيْئًا مِن مَواضِعِ الزِّينَةِ دُونَ شَيْءٍ، وقَدْ سَوّى في ذَلِكَ بَيْنَ الزَّوْجِ وبَيْنَ مَن ذُكِرَ مَعَهُ، فاقْتَضى عُمُومُهُ إباحَةَ النَّظَرِ إلى مَواضِعِ الزِّينَةِ لِهَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ كَما اقْتَضى إباحَتَها لِلزَّوْجِ.
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَعَ الآباءِ ذَوِي المَحارِمِ الَّذِينَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نِكاحُهُنَّ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن كانَ في التَّحْرِيمِ بِمَثابَتِهِمْ فَحُكْمُهُ حُكْمُهم، مِثْلُ زَوْجِ الِابْنَةِ وأُمِّ المَرْأةِ والمُحَرَّماتِ مِنَ الرَّضاعِ ونَحْوِهِنَّ. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إلى شَعْرِ أجْنَبِيَّةٍ، فَكَرِهَهُ وقالَ: لَيْسَ في الآيَةِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ فَهو في مَعْنى ما ذُكِرَ فِيها مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا، وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن تَحْرِيمِ النَّظَرِ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا ما خُصَّ مِنهُ إنَّما هو مَقْصُورٌ عَلى الحَرائِرِ دُونَ الإماءِ وذَلِكَ لِأنَّ الإماءَ لِسائِرِ الأجْنَبِيِّينَ بِمَنزِلَةِ الحَرائِرِ لِذَوِي مَحارِمِهِنَّ فِيما يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، فَيَجُوزُ لِلْأجْنَبِيِّ النَّظَرُ إلى شَعْرِ الأمَةِ وذِراعِها وساقِها وصَدْرِها وثَدْيِها كَما يَجُوزُ لِذَوِي المَحْرَمِ النَّظَرُ إلى ذاتِ مَحْرَمِهِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ لِلْأجْنَبِيِّ النَّظَرَ إلى شَعْرِ الأمَةِ. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ يَضْرِبُ الإماءَ ويَقُولُ: ( اكْشِفْنَ رُءُوسَكُنَّ ولا تَتَشَبَّهْنَ بِالحَرائِرِ ) (p-١٧٥)فَدَلَّ عَلى أنَّهُنَّ بِمَنزِلَةِ ذَواتِ المَحارِمِ.
ولا خِلافَ أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأمَةِ أنْ تُسافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ فَكانَ سائِرُ النّاسِ لَها كَذَوِي المَحارِمِ لِلْحَرائِرِ حِينَ جازَ لَهُمُ السَّفَرُ بِهِنَّ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﷺ: «لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ أوْ زَوْجٍ» فَلَمّا جازَ لِلْأمَةِ أنْ تُسافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ عَلِمْنا أنَّها بِمَنزِلَةِ الحُرَّةِ لِذَوِي مَحْرَمِها فِيما يُسْتَباحُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنها.
وقَوْلُهُ: «لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ أوْ زَوْجٍ» دالٌّ عَلى اخْتِصاصِ ذِي المَحْرَمِ بِاسْتِباحَةِ النَّظَرِ مِنها إلى كُلِّ ما لا يَحِلُّ لِلْأجْنَبِيِّ، وهو ما وصَفْنا بَدِيًّا ورَوى مُنْذَرٌ الثَّوْرِيُّ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الحَنَفِيَّةِ كانَ يُمَشِّطُ أُمَّهُ، ورَوى أبُو البُخْتُرِيِّ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ كانا يَدْخُلانِ عَلى أُخْتِهِما أُمِّ كُلْثُومٍ وهي تَمْتَشِطُ، وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُهُ في ذاتِ مَحْرَمٍ مِنهُ. ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ: أنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلى شَعْرِ أُمِّهِ وأُخْتِهِ وخالَتِهِ وعَمَّتِهِ، وكَرِهَ السّاقَيْنِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا فَرْقَ بَيْنَهُما في مُقْتَضى الآيَةِ.
ورَوى هِشامٌ عَنِ الحَسَنِ في المَرْأةِ تَضَعُ خِمارَها عِنْدَ أخِيها قالَ: ( واللَّهِ ما لَها ذَلِكَ ) .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طاوُسٍ: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَنْظُرَ إلى شَعْرِ ابْنَتِهِ وأُخْتِهِ ورَوى جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّهُ كَرِهَ أنْ يُسَدِّدَ الرَّجُلُ النَّظَرَ إلى شَعْرِ ابْنَتِهِ وأُخْتِهِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا عِنْدَنا مَحْمُولٌ عَلى الحالِ الَّتِي يَخافُ فِيها أنْ تُشْتَهى؛ لِأنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلى الحالِ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها الشَّهْوَةُ لَكانَ خِلافَ الآيَةِ والسُّنَّةِ ولَكانَ ذُو مَحْرَمِها والأجْنَبِيُّونَ سَواءً. والآيَةُ أيْضًا مَخْصُوصَةٌ في نَظَرِ الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ يَجُوزُ لَها أنْ تَنْظُرَ مِنَ المَرْأةِ إلى ما يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَنْظُرَ مِنَ الرَّجُلِ وهو السُّرَّةُ فَما فَوْقَها وما تَحْتَ الرُّكْبَةِ، والمَحْظُورُ عَلَيْهِنَّ مِن بَعْضِهِنَّ لِبَعْضٍ ما تَحْتَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ رُوِيَ أنَّهُ أرادَ نِساءَ المُؤْمِناتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ تَأوَّلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأُمُّ سَلَمَةِ وعائِشَةُ أنَّ لِلْعَبْدِ أنْ يَنْظُرَ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ، قالَتْ عائِشَةُ: وإلى شَعْرِ غَيْرِ مَوْلاتِهِ؛ رُوِيَ أنَّها كانَتْ تَمْتَشِطُ والعَبْدُ يَنْظُرُ إلَيْها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ وابْنُ المُسَيِّبِ: ( إنَّ العَبْدَ لا يَنْظُرُ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ )، وهو مَذْهَبُ أصْحابِنا، إلّا أنْ يَكُونَ ذا مَحْرَمٍ، وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ عَلى الإماءِ؛ لِأنَّ العَبْدَ والحُرَّ في التَّحْرِيمِ سَواءٌ، فَهي وإنْ لَمْ يَجُزْ لَها أنْ تَتَزَوَّجَهُ وهو عَبْدُها فَإنَّ ذَلِكَ تَحْرِيمٌ عارِضٌ كَمَن تَحْتَهُ امْرَأةٌ أُخْتُها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ولا يُبِيحُ لَهُ ذَلِكَ النَّظَرَ إلى شَعْرِ أُخْتِها، وكَمَن عِنْدَهُ أرْبَعُ (p-١٧٦)نِسْوَةٍ سائِرُ النِّساءِ مُحَرَّماتٌ عَلَيْهِ في الحالِ ولا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْتَبِيحَ النَّظَرَ إلى شُعُورِهِنَّ؛ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُها عَلى عَبْدِها في الحالِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا كانَ العَبْدُ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الأجْنَبِيِّينَ وأيْضًا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» والعَبْدُ لَيْسَ بِذِي مَحْرَمٍ مِنها فَلا يَجُوزُ أنْ يُسافِرَ بِها، وإذا لَمْ يَجُزْ لَهُ السَّفَرُ بِها لَمْ يَجُزْ لَهُ النَّظَرُ إلى شَعْرِها كالحُرِّ الأجْنَبِيِّ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا يُؤَدِّي إلى إبْطالِ فائِدَةِ ذِكْرِ مِلْكِ اليَمِينِ في هَذا المَوْضِعِ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ النِّساءَ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ وأرادَ بِهِنَّ الحَرائِرَ المُسْلِماتِ، فَجازَ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ الإماءَ لا يَجُوزُ لَهُنَّ النَّظَرُ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِنَّ وإلى ما يَجُوزُ لِلْحُرَّةِ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنها، فَأبانَ تَعالى أنَّ الأمَةَ والحُرَّةَ في ذَلِكَ سَواءٌ، وإنَّما خَصَّ نِساءَهُنَّ بِالذِّكْرِ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ مَن ذُكِرَ قَبْلَهُنَّ هُمُ الرِّجالُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى آخِرِ ما ذُكِرَ، فَكانَ جائِزًا أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ الرِّجالَ مَخْصُوصُونَ بِذَلِكَ إذا كانُوا ذَوِي مَحارِمَ، فَأبانَ تَعالى إباحَةَ النَّظَرِ إلى هَذِهِ المَواضِعِ مِن نِسائِهِنَّ سَواءٌ كُنَّ ذَواتَ مَحارِمَ أوْ غَيْرَ ذَواتِ مَحارِمَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ الإماءَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ لِئَلّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ الإباحَةَ مَقْصُورَةٌ عَلى الحَرائِرِ مِنَ النِّساءِ؛ إذْ كانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ يَقْتَضِي الحَرائِرَ دُونَ الإماءِ، كَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] عَلى الحَرائِرِ دُونَ المَمالِيكِ، وقَوْلُهُ: ﴿شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الأحْرارُ لِإضافَتِهِمْ إلَيْنا؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ عَلى الحَرائِرِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِنَّ الإماءَ فَأباحَ لَهُنَّ مِثْلَ ما أباحَ في الحَرائِرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ قالُوا: ( الَّذِي يَتْبَعُكَ لِيُصِيبَ مِن طَعامِكَ ولا حاجَةَ لَهُ في النِّساءِ ) . وقالَ عِكْرِمَةُ: ( هو العِنِّينُ ) . وقالَ مُجاهِدٌ وطاوُسٌ وعَطاءٌ والحَسَنُ: ( هو الأبْلَهُ ) . وقالَ بَعْضُهم: ( هو الأحْمَقُ الَّذِي لا أرَبَ لَهُ في النِّساءِ ) .
ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ يَدْخُلُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ فَكانُوا يُعِدُّونَهُ مِن غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ، قالَتْ: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ وهو يَنْعِتُ امْرَأةً فَقالَ: ( لا أرى هَذا يَعْلَمُ ما هَهُنا، لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ )، فَحَجَبُوهُ.
ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها وعِنْدَها مُخَنَّثٌ، فَأقْبَلَ عَلى أخِي أُمِّ سَلَمَةَ فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ لَوْ فَتَحَ اللَّهُ لَكم غَدًا الطّائِفَ دَلَلْتُكَ عَلى بِنْتِ غَيْلانَ فَإنَّها تُقْبِلُ بِأرْبَعٍ وتُدْبِرُ بِثَمانٍ، (p-١٧٧)فَقالَ: لا أرى هَذا يَعْرِفُ ما هَهُنا لا يَدْخُلُ عَلَيْكم». فَأباحَ النَّبِيُّ دُخُولَ المُخَنَّثِ عَلَيْهِنَّ حِينَ ظَنَّ أنَّهُ مِن غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ، فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ يَعْرِفُ أحْوالَ النِّساءِ وأوْصافَهُنَّ عَلِمَ أنَّهُ مِن أُولِي الإرْبَةِ فَحَجَبَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ قالَ ( مُجاهِدٌ هُمُ الَّذِينَ لا يَدْرُونَ ما هُنَّ مِنَ الصِّغَرِ ) . وقالَ قَتادَةَ: ( الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُ مُجاهِدٍ أظْهَرُ؛ لِأنَّ مَعْنى أنَّهم لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ أنَّهم لا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ عَوْراتِ النِّساءِ والرِّجالِ لِصِغَرِهِمْ وقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِذَلِكَ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى الطِّفْلَ الَّذِي قَدْ عَرَفَ عَوْراتِ النِّساءِ بِالِاسْتِئْذانِ في الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وأرادَ بِهِ الَّذِي عَرَفَ ذَلِكَ واطَّلَعَ عَلى عَوْراتِ النِّساءِ، واَلَّذِي لا يُؤْمَرُ بِالِاسْتِئْذانِ أصْغَرُ مِن ذَلِكَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مُرُوهم بِالصَّلاةِ لِسَبْعٍ واضْرِبُوهم عَلَيْها لِعَشْرٍ وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ»، فَلَمْ يَأْمُرْ بِالتَّفْرِقَةِ قَبْلَ العَشْرِ وأمَرَ بِها في العَشْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَ ذَلِكَ في الأكْثَرِ الأعَمِّ ولا يَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ في الأغْلَبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ رَوى أبُو الأحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ( هو الخَلْخالُ )، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: ( إنَّما نُهِيَتْ أنْ تَضْرِبَ بِرِجْلَيْها لِيُسْمَعَ صَوْتُ الخَلْخالِ ) وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ عُقِلَ مِن مَعْنى اللَّفْظِ النَّهْيُ عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ وإظْهارِها لِوُرُودِ النَّصِّ في النَّهْيِ عَنْ إسْماعِ صَوْتِها؛ إذْ كانَ إظْهارُ الزِّينَةِ أوْلى بِالنَّهْيِ مِمّا يُعْلَمُ بِهِ الزِّينَةُ، فَإذا لَمْ يَجُزْ بِأخْفى الوَجْهَيْنِ لَمْ يَجُزْ بِأظْهَرِهِما؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالقِياسِ عَلى المَعانِي الَّتِي قَدْ عَلَّقَ الأحْكامَ بِها، وقَدْ تَكُونُ تِلْكَ المَعانِي تارَةً جَلِيَّةً بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ عَلَيْها وتارَةً خَفِيَّةً يُحْتاجُ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلَيْها بِأُصُولٍ أُخَرَ سِواها.
وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَرْأةَ مَنهِيَّةٌ عَنْ رَفْعِ صَوْتِها بِالكَلامِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ ذَلِكَ الأجانِبُ؛ إذْ كانَ صَوْتُها أقْرَبَ إلى الفِتْنَةِ مِن صَوْتِ خَلْخالِها؛ ولِذَلِكَ كَرِهَ أصْحابُنا أذانَ النِّساءِ؛ لِأنَّهُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى رَفْعِ الصَّوْتِ والمَرْأةُ مَنهِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ، وهو يَدُلُّ أيْضًا عَلى حَظْرِ النَّظَرِ إلى وجْهِها لِلشَّهْوَةِ؛ إذْ كانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى الرِّيبَةِ وأوْلى بِالفِتْنَةِ
النور 24:32
بابُ التَّرْغِيبِ في النِّكاحِ
قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ (p-١٧٨)أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُهُ يَقْتَضِي الإيجابَ، إلّا أنَّهُ قَدْ قامَتِ الدَّلالَةُ مِن إجْماعِ السَّلَفِ وفُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِها الإيجابَ وإنَّما هو اسْتِحْبابٌ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا لِوُرُودِ النَّقْلِ بِفِعْلِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ومِنَ السَّلَفِ مُسْتَفِيضًا شائِعًا لِعُمُومِ الحاجَةِ إلَيْهِ، فَلَمّا وجَدْنا عَصْرَ النَّبِيِّ ﷺ وسائِرَ الأعْصارِ بَعْدَهُ قَدْ كانَ النّاسُ أيامى مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ فَلَمْ يُنْكَرْ واتُّرِكَ تَزْوِيجُهم ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإيجابُ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإيجابُ أنَّ الأيِّمَ الثَّيِّبَ لَوْ أبَتِ التَّزْوِيجَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ إجْبارُها عَلَيْهِ ولا تَزْوِيجُها بِغَيْرِ أمْرِها. وأيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلى النَّدْبِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ لا يُجْبَرُ عَلى تَزْوِيجِ عَبْدِهِ وأمَتِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الأيامى، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مَندُوبٌ في الجَمِيعِ؛ ولَكِنَّ دَلالَةَ الآيَةِ واضِحَةٌ في وُقُوعِ العَقْدِ المَوْقُوفِ؛ إذْ لَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ الأوْلِياءَ دُونَ غَيْرِهِمْ وكُلُّ أحَدٍ مِنَ النّاسِ مَندُوبٌ إلى تَزْوِيجِ الأيامى المُحْتاجِينَ إلى النِّكاحِ، فَإنْ تَقَدَّمَ مِنَ المَعْقُودِ عَلَيْهِمْ أمْرٌ فَهو نافِذٌ، وكَذَلِكَ إنْ كانُوا مِمَّنْ يَجُوزُ عَقْدُهم عَلَيْهِمْ مِثْلُ المَجْنُونِ والصَّغِيرِ فَهو نافِذٌ أيْضًا وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم وِلايَةٌ ولا أمْرٌ فَعَقْدُهم مَوْقُوفٌ عَلى إجازَةِ مَن يَمْلِكُ ذَلِكَ العَقْدَ فَقَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ جَوازَ النِّكاحِ عَلى إجازَةِ مَن يَمْلِكُها.
فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَقْدَ النِّكاحِ إنَّما يَلِيهِ الأوْلِياءُ دُونَ النِّساءِ وأنَّ عُقُودَهُنَّ عَلى أنْفُسِهِنَّ غَيْرُ جائِزَةٍ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تَخُصَّ الأوْلِياءَ بِهَذا الأمْرِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وعُمُومُهُ يَقْتَضِي تَرْغِيبَ سائِرِ النّاسِ في العَقْدِ عَلى الأيامى، ألا تَرى أنَّ اسْمَ الأيامى يَنْتَظِمُ الرِّجالَ والنِّساءَ ؟ وهو في الرِّجالِ لَمْ يُرِدْ بِهِ الأوْلِياءَ دُونَ غَيْرِهِمْ، كَذَلِكَ في النِّساءِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في التَّرْغِيبِ في النِّكاحِ، مِنها ما رَواهُ ابْنُ عَجْلانَ عَنْ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ عَوْنُهم: المُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُكاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأداءَ والنّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ العَفافَ». ورَوى إبْراهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا مَعْشَرَ الشَّبابِ مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ». وقالَ: «إذا جاءَكم مَن تَرْضَوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إلّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ». وعَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ أنَّهُ قالَ لِأهْلِهِ: زَوِّجُونِي فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوْصانِي أنْ لا ألْقى اللَّهَ أعْزَبَ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا خَلّادٌ عَنْ سُفْيانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدُّنْيا مَتاعٌ وخَيْرُ مَتاعِها المَرْأةُ الصّالِحَةُ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا بِشْرٌ قالَ: حَدَّثَنا (p-١٧٩)سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي ومِن سُنَّتِي النِّكاحُ» . قالَ إبْراهِيمُ بْنُ مُيَسَّرَةَ: ولا أقُولُ لَكَ إلّا ما قالَ عُمَرُ لِأبِي الزَّوائِدِ: ما يَمْنَعُكَ مِنَ النِّكاحِ إلّا عَجْزٌ أوْ فُجُورٌ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ عُمُومُهُ يَقْتَضِي تَزْوِيجَ الأبِ ابْنَتَهُ البِكْرَ الكَبِيرَةَ، ولَوْلا قِيامُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يُزَوِّجُ البِنْتَ الكَبِيرَةَ بِغَيْرِ رِضاها لَكانَ جائِزًا لَهُ تَزْوِيجُها بِغَيْرِ رِضاها بِعُمُومِ الآيَةِ قِيلَ لَهُ: مَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ لا يَخْتَصُّ بِالنِّساءِ دُونَ الرِّجالِ؛؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُقالُ لَهُ أيِّمٌ والمَرْأةُ يُقالُ لَها أيِّمَةٌ، وهو اسْمٌ لِلْمَرْأةِ الَّتِي لا زَوْجَ لَها والرَّجُلِ الَّذِي لا امْرَأةَ لَهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎فَإنْ تَنْكِحِي أنْكِحْ وإنْ تَتَأيَّمِي وإنْ كُنْتُ أفْتى مِنكم أتَأيَّمِ
وقالَ آخَرُ:
؎ذَرِينِي عَلى أيِّمٍ مِنكم وناكِحٍ
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ( ما رَأيْتُ مِثْلَ مَن يَجْلِسُ أيِّمًا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ التَمِسُوا الغِنى في الباهِ ) .
فَلَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ شامِلًا لِلرِّجالِ والنِّساءِ وقَدْ أُضْمِرَ في الرِّجالِ تَزْوِيجُهم بِإذْنِهِمْ فَوَجَبَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ في النِّساءِ أيْضًا، وأيْضًا فَقَدْ «أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاسْتِئْمارِ البِكْرِ بِقَوْلِهِ: البِكْرُ تُسْتَأْمَرُ في نَفْسِها وإذْنُها صُماتُها»، وذَلِكَ أمْرٌ وإنْ كانَ في صُورَةِ الخَبَرِ، وذَلِكَ عَلى الوُجُوبِ فَلا يَجُوزُ تَزْوِيجُها إلّا بِإذْنِها.
وأيْضًا فَإنَّ حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُنْكَحُ اليَتِيمَةُ إلّا بِإذْنِها فَإنْ سَكَتَتْ فَهو إذْنُها وإنْ أبَتْ فَلا جَوازَ عَلَيْها»، وإنَّما أرادَ بِهِ البِكْرَ؛ لِأنَّ البِكْرَ هي الَّتِي يَكُونُ سُكُوتُها رِضًا. وحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ في فَتاةٍ بِكْرٍ زَوَّجَها أبُوها بِغَيْرِ أمْرِها، فاخْتَصَمُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أجِيزِي ما صَنَعَ أبُوكِ؛» وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ المَسْألَةَ فِيما سَلَفَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لِلْمَوْلى أنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ وأمَتَهُ بِغَيْرِ رِضاهُما؛ وأيْضًا لا خِلافَ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِلْعَبْدِ والأمَةِ أنْ يَتَزَوَّجا بِغَيْرِ إذْنٍ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوالِيهِ فَهو عاهِرٌ» فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ والأمَةَ لا يَمْلِكانِ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَمْلِكَ المَوْلى مِنهُما ذَلِكَ كَسائِرِ العُقُودِ الَّتِي لا يَمْلِكانِها ويَمْلِكُها المَوْلى عَلَيْهِما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ خَبَرٌ، والمُخْبِرُ اللَّهُ تَعالى ولا مَحالَةَ عَلى ما يُخْبِرُ بِهِ، فَلا يَخْلُو ذَلِكَ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ:
إمّا أنْ يَكُونَ خاصًّا في بَعْضِ المَذْكُورِينَ دُونَ بَعْضٍ؛ إذْ قَدْ وجَدْنا مَن (p-١٨٠)يَتَزَوَّجُ ولا يَسْتَغْنِي بِالمالِ. وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ الغِنى بِالعَفافِ.
فَإنْ كانَ المُرادُ خاصًّا فَهو في الأيامى الأحْرارِ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ فَيَسْتَغْنُونَ بِما يَمْلِكُونَ، أوْ يَكُونُ عامًّا فَيَكُونُ المَعْنى وُقُوعَ الغِنى بِمِلْكِ البُضْعِ والِاسْتِغْناءِ بِهِ عَنْ تَعَدِّيهِ إلى المَحْظُورِ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ إذًا عَلى أنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ؛ وقَدْ بَيَّنّا مَسْألَةَ مِلْكِ العَبْدِ في سُورَةِ النَّحْلِ
النور 24:33
بابُ المُكاتَبَةِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ( ما أراهُ إلّا واجِبًا )، وهو قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ: ( أنَّهُ أمَرَ أنَسًا بِأنْ يُكاتِبَ سِيرِينَ أبا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَأبى فَرَفَعَ عَلَيْهِ الدِّرَّةَ وضَرَبَهُ وقالَ: فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا، وحَلَفَ عَلَيْهِ لِيُكاتِبَنَّهُ ) . وقالَ الضَّحّاكُ: ( إنْ كانَ لِلْمَمْلُوكِ مالٌ فَعَزِيمَةٌ عَلى مَوْلاهُ أنْ يُكاتِبَهُ ) .
ورَوى الحَجّاجُ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ( إنْ شاءَ كاتَبَ وإنْ شاءَ لَمْ يُكاتِبْ إنَّما هو تَعْلِيمٌ )، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشُّعَبِيِّ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا تَرْغِيبٌ عِنْدَ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ ولَيْسَ بِإيجابٍ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ»، وما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ في قِصَّةِ سِيرِينَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ واجِبَةً لَحَكَمَ بِها عُمَرُ عَلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ يَحْتاجُ أنْ يَحْلِفَ عَلى أنَسٍ لِمُكاتَبَتِهِ ولَمْ يَكُنْ أنَسٌ أيْضًا يَمْتَنِعُ مِن شَيْءٍ واجِبٍ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ يَراها واجِبَةً لَما رَفَعَ عَلَيْهِ الدِّرَّةَ ولَمْ يَضْرِبْهُ. قِيلَ: لِأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ كالوالِدِ المُشْفِقِ لِلرَّعِيَّةِ، فَكانَ يَأْمُرُهم بِما لَهم فِيهِ الحَظُّ في الدِّينِ وإنْ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلى وجْهِ التَّأْدِيبِ والمَصْلَحَةِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عَلى الوُجُوبِ أنَّهُ مَوْكُولٌ إلى غالِبِ ظَنِّ المَوْلى أنَّ فِيهِمْ خَيْرًا، فَلَمّا كانَ المَرْجِعُ فِيهِ لِلْمَوْلى لَمْ يَلْزَمْهُ الإجْبارُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ رَوى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ إنْ عَلِمْتُمْ لَهم حِرْفَةً ولا تَدَعُوهم كَلًّا عَلى النّاسِ». وذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ: ( ما نَراهُ إلّا المالَ ) ثُمَّ تَلا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] قالَ: ( الخَيْرُ المالُ فِيما نَرى )، قالَ: وبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَعْنِي بِالخَيْرِ المالَ.
ورَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ: ( إذا صَلّى ) . وعَنْ إبْراهِيمَ ( وفاءً وصِدْقًا ) . وقالَ مُجاهِدٌ ( مالًا ) . وقالَ الحَسَنُ: ( صَلاحًا في الدِّينِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: الأظْهَرُ أنَّهُ أرادَ الصَّلاحَ، فَيَنْتَظِمُ ذَلِكَ الوَفاءَ والصِّدْقَ وأداءَ الأمانَةِ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ مِن كَلامِ النّاسِ إذا قالُوا: فُلانٌ فِيهِ خَيْرٌ، إنَّما يُرِيدُونَ بِهِ الصَّلاحَ في (p-١٨١)الدِّينِ، ولَوْ أرادَ المالَ لَقالَ: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم خَيْرًا؛ لِأنَّهُ إنَّما يُقالُ لِفُلانٍ مالٌ ولا يُقالُ فِيهِ مالٌ؛ وأيْضًا فَإنَّ العَبْدَ لا مالَ لَهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَتَأوَّلَ عَلَيْهِ. وما رُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ ( إذا صَلّى ) فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ مُكاتَبَةُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ بِالآيَةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ لَهم صَلاةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المُكاتَبِ هَلْ يَسْتَحِقُّ عَلى مَوْلاهُ أنْ يَضَعَ عَنْهُ شَيْئًا مِن كِتابَتِهِ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ: ( إنْ وضَعَ عَنْهُ شَيْئًا فَهو حَسَنٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: ( هو عَلى الوُجُوبِ ) . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ قالَ: ( كانَ يُعْجِبُهم أنْ يَدَعُوا لَهُ طائِفَةً مِن مُكاتَبَتِهِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ( كانَ يُعْجِبُهم ) أنَّهُ أرادَ بِهِ الصَّحابَةَ، وكَذَلِكَ قَوْلُ إبْراهِيمَ: ( كانُوا يَكْرَهُونَ )، وكانُوا يَقُولُونَ: الظّاهِرُ مِن قَوْلِ التّابِعِيِّ إذا قالَ ذَلِكَ أنَّهُ أرادَ بِهِ الصَّحابَةَ؛ فَقَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ عِنْدَ الصَّحابَةِ عَلى النَّدْبِ لا عَلى الإيجابِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ في الإيجابِ: ( كانَ يُعْجِبُهم ) .
ورَوى يُونُسُ عَنِ الحَسَنِ وإبْراهِيمَ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ قالَ: ( حَثَّ عَلَيْهِ مَوْلاهُ وغَيْرَهُ ) .
ورَوى مُسْلِمُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ عَنْ غُلامِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قالَ: ( كاتَبَنِي عُثْمانُ ولَمْ يَحُطَّ عَنِّي شَيْئًا ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ ما ذَكَرَهُ في آيَةِ الصَّدَقاتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ [التوبة: ٦٠] وقَدْ رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ قالَ: «أعْتِقِ النَّسَمَةَ وفُكَّ الرَّقَبَةَ قالَ: ألَيْسا واحِدًا ؟ قالَ: عِتْقُ النَّسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها وفَكُّ الرَّقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها»، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ [التوبة: ٦٠] قَدِ اقْتَضى إعْطاءَ المُكاتَبِ، فاحْتَمِلَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ دَفْعَ الصَّدَقاتِ الواجِباتِ، وأفادَ بِذَلِكَ جَوازَ دَفْعِ الصَّدَقَةِ إلى المُكاتَبِ وإنْ كانَ مَوْلاهُ غَنِيًّا.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ أُمِرَ بِإعْطائِهِ مِن مالِ اللَّهِ، وما أُطْلِقَ عَلَيْهِ هَذِهِ الإضافَةُ فَهو ما كانَ سَبِيلُهُ الصَّدَقَةَ وصَرْفَهُ في وُجُوهِ القُرَبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ مالًا هو مِلْكٌ لِمَن أمَرَ بِإيتائِهِ وأنَّ سَبِيلَهُ الصَّدَقَةُ وذَلِكَ الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ في الأمْوالِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ وهو الَّذِي قَدْ صَحَّ مِلْكُهُ لِلْمالِكِ وأُمِرَ بِإخْراجِ بَعْضِهِ، ومالُ الكِتابَةِ لَيْسَ بِدَيْنٍ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ عَلى عَبْدِهِ والمَوْلى لا يَثْبُتُ لَهُ عَلى عَبْدِهِ دَيْنٌ صَحِيحٌ. وعَلى قَوْلِ مَن يُوجِبُ حَطَّ بَعْضِ الكِتابَةِ يَنْبَغِي أنْ يَسْقُطَ بَعْدَ عَقْدِ الكِتابَةِ، وذَلِكَ خِلافُ مُوجِبِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا سَقَطَ لَمْ يُحَصِّلْ مالًا لِلَّهِ قَدْ آتاهُ المَوْلى.
(p-١٨٢)والثّانِي: أنَّ ما آتاهُ فَهو الَّذِي يُحَصَّلُ في يَدِهِ ويُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وما سَقَطَ عَقِيبَ العَقْدِ لا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ولَمْ يُحَصَّلْ لَهُ عَلَيْهِ بَلْ لا يَسْتَحِقَّ الصِّفَةَ بِأنَّهُ مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاهُ إيّاهُ.
وأيْضًا لَوْ كانَ الإيتاءُ واجِبًا لَكانَ وُجُوبُهُ مُتَعَلِّقًا بِالعَقْدِ فَيَكُونُ العَقْدُ هو المُوجِبُ لَهُ وهو المُسْقِطُ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ العَقْدُ يُوجِبُهُ وهو بِعَيْنِهِ مُسْقِطٌ اسْتَحالَ وُجُوبُهُ لِتَنافِي الإيجابِ والإسْقاطِ.
فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ في الأُصُولِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا زَوَّجَ أمَتَهُ مِن عَبْدِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ المَهْرُ بِالعَقْدِ ثُمَّ يَسْقُطُ في الثّانِي. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المُوجِبُ لَهُ هو المُسْقِطُ لَهُ؛ إذْ كانَ الَّذِي يُوجِبُهُ هو العَقْدُ واَلَّذِي يُسْقِطُهُ هو حُصُولُ مِلْكِهِ لِلْمَوْلى في الثّانِي فالمُوجِبُ لَهُ غَيْرُ المُسْقِطِ، وكَذَلِكَ مَنِ اشْتَرى أباهُ فَعَتَقَ عَلَيْهِ فالمُوجِبُ لِلْمِلْكِ هو الشِّرى والمُوجِبُ لِلْعَتاقِ حُصُولُ المِلْكِ مَعَ النَّسَبِ ولَمْ يَكُنِ المُوجِبُ لَهُ هو المُسْقِطُ. وقَدْ حُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الكِتابَةَ لَيْسَتْ بِواجِبَةٍ وأنْ يَضَعَ عَنْهُ بَعْدَ الكِتابِ واجِبٌ أقَلَّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ، ولَوْ ماتَ المَوْلى قَبْلَ أنْ يَضَعَ عَنْهُ وضَعَ الحاكِمُ عَنْهُ أقَلَّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَلَوْ كانَ الحَطُّ واجِبًا لَما احْتاجَ أنْ يَضَعَ عَنْهُ بَلْ يَسْقُطُ القَدْرُ المُسْتَحَقُّ، كَمَن لَهُ عَلى إنْسانٍ دَيْنٌ ثُمَّ صارَ لِلْمَدِينِ عَلَيْهِ مِثْلُهُ أنَّهُ يَصِيرُ قِصاصًا، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَحَصَلَتِ الكِتابَةُ مَجْهُولَةً؛ لِأنَّ الباقِيَ بَعْدَ الحَطِّ مَجْهُولٌ، فَيَصِيرُ بِمَنزِلَةِ مَن كاتَبَ عَبْدَهُ عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ إلّا شَيْءٌ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.
وجُمْلَةُ ذَلِكَ أنَّ الإيتاءَ لَوْ كانَ فَرْضًا لَسَقَطَ؛ ثُمَّ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَدْرُ مَعْلُومًا أوْ مَجْهُولًا، فَإنْ كانَ مَعْلُومًا فالواجِبُ أنْ تَكُونَ الكِتابَةُ بِما بَقِيَ فَيُعْتَقُ إذا أدّى ثَلاثَةَ آلافِ دِرْهَمٍ والكِتابَةُ أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ؛ وذَلِكَ فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَصِحُّ الإشْهادُ عَلى الكِتابَةِ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا مَعْنى لِذِكْرِ شَيْءٍ لا يَثْبُتُ. وأيْضًا فَإنَّهُ يُعْتَقُ بِأقَلَّ مِمّا شُرِطَ، وهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّ أداءَ جَمِيعِها مَشْرُوطٌ، فَلا يُعْتَقُ بِأداءِ بَعْضِها. وأيْضًا فَإنّالشّافِعِيَّ قالَ: ( المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ ) فالواجِبُ إذًا أنْ لا يَسْقُطَ شَيْءٌ، ولَوْ كانَ الإيتاءُ مُسْتَحَقًّا لَسَقَطَ، وإنْ كانَ الإيتاءُ مَجْهُولًا فالواجِبُ أنْ يَسْقُطَ ذَلِكَ القَدْرُ فَتَبْقى الكِتابَةُ عَلى مالٍ مَجْهُولٍ.
فَإنْ قِيلَ: رَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ كاتَبَ غُلامًا لَهُ فَتَرَكَ لَهُ رُبُعَ مُكاتَبَتِهِ وقالَ: إنَّ عَلِيًّا كانَ يَأْمُرُنا بِذَلِكَ، ويَقُولُ: هو قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ( تُعْطِيهِ رُبُعًا مِن جَمِيعِ مُكاتَبَتِهِ تُعَجِّلُهُ مِن مالِكَ ) . قِيلَ لَهُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَرَوْا ذَلِكَ (p-١٨٣)واجِبًا وأنَّهُ عَلى وجْهِ النَّدْبِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا عِنْدَهم لَسَقَطَ بَعْدَ عَقْدِ الكِتابَةِ هَذا القَدْرُ؛ إذْ كانَ المُكاتَبُ مُسْتَحِقًّا لَهُ ولَمْ يَكُنِ المَوْلى يَحْتاجُ إلى أنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَجُوزُ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مالُ الكِتابَةِ مُؤَجَّلًا ويَسْتَحِقُّ هو عَلى المَوْلى أنْ يُعْطِيَهُ مِن مالِهِ مِقْدارَ الرُّبُعِ فَلا يَصِيرُ قِصاصًا بَلْ يَسْتَحِقُّ عَلى المَوْلى تَعْجِيلَهُ فَيَكُونُ مالُ الكِتابَةِ إلى أجَلِهِ، كَمَن لَهُ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ فَيَصِيرُ لِلْمَدِينِ عَلى الطّالِبِ دَيْنٌ حالٌّ فَلا يَصِيرُ قِصاصًا لَهُ. قِيلَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الكِتابَةِ الحالَّةِ والمُؤَجَّلَةِ، وكَذَلِكَ مَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ السَّلَفِ الحَطُّ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الحالَّةِ والمُؤَجَّلَةِ، ولَمْ يُفَرِّقْ أيْضًا بَيْنَ أنْ يَحِلَّ مالُ الكِتابَةِ المُؤَجَّلُ وبَيْنَ أنْ لا يَحِلَّ فِيما ذَكَرُوا مِنَ الحَطِّ والإيتاءِ؛ فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الإيجابُ؛ إذْ لَمْ يَجْعَلْهُ قِصاصًا إذا كانَتْ حالَّةً وكانَتْ مُؤَجَّلَةً فَحَلَّتْ، وأوْجَبَ الإيتاءَ في الحالِّينَ، والإيتاءُ هو الإعْطاءُ، وما يَصِيرُ قِصاصًا لا يُطْلَقُ فِيهِ الإعْطاءُ.
ومِمّا يَدُلُّ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ عَلى ما وصَفْنا ما رَوى يُونُسُ واللَّيْثُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: جاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقالَتْ: يا عائِشَةُ إنِّي قَدْ كاتَبْتُ أهْلِي عَلى تِسْعِ أواقٍ في كُلِّ عامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأعِينِينِي ولَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِن كِتابَتِها شَيْئًا، فَقالَتْ لَها عائِشَةُ: ارْجِعِي إلى أهْلِكَ فَإنْ أحَبُّوا أنْ أُعْطِيَهم ذَلِكَ جَمِيعًا ويَكُونُ ولاؤُكَ لِي فَعَلْتُ.
فَأبَوْا وقالُوا: إنْ شاءَتْ أنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ ويَكُونُ ولاؤُكَ لَنا؛ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «لا يَمْنَعُكِ مِنها ابْتاعِي وأعْتِقِي فَإنَّما الوَلاءُ لِمَن أعْتَقَ»، وذَكَرَ الحَدِيثَ.
ورَوى مالِكٌ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ بِنَحْوِهِ؛ فَلَمّا لَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِن كِتابَتِها شَيْئًا وأرادَتْ عائِشَةُ أنْ تُؤَدِّيَ عَنْها كِتابَتَها كُلَّها وذَكَرَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّكِيرَ عَلَيْها ولَمْ يَقُلْ: إنَّها يُسْتَحَقُّ أنْ يُحَطَّ عَنْها بَعْضُ كِتابَتِها أوْ أنْ يُعْطِيَها المَوْلى شَيْئًا مِن مالِهِ، ثَبَتَ أنَّ الحَطَّ مِنَ الكِتابَةِ عَلى النَّدْبِ لا عَلى الإيجابِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا لَأنْكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ولَقالَ لَها: ولِمَ تَدْفَعِي إلَيْهِمْ ما لا يَجِبُ لَهم عَلَيْها.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ جُوَيْرِيَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: إنِّي وقَعْتُ في سَهْمِ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، أوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَكاتَبْتُهُ فَجِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أسْتَعِينُهُ عَلى كِتابَتِي، فَقالَ: فَهَلْ لَكَ في خَيْرٍ مِن ذَلِكَ ؟ فَقالَتْ: وما هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: أقْضِي عَنْكِ كِتابَتَكَ وأتَزَوَّجُكِ قالَتْ: نَعَمْ؛ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ» . فَفي هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ بَذَلَ لِجُوَيْرِيَةَ أداءَ جَمِيعِ كِتابَتِها عَنْها إلى مَوْلاها، ولَوْ كانَ الحَطُّ واجِبًا لَكانَ الَّذِي يَقْصِدُ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالأداءِ (p-١٨٤)عَنْها باقِيَ كِتابَتِها.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعُثْمانَ والزُّبَيْرِ ومَن قَدَّمْنا قَوْلَهم مِنَ السَّلَفِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ الحَطَّ واجِبًا، ولا يُرْوى عَنْ نُظَرائِهِمْ خِلافُهُ؛ وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِيهِ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَآهُ نَدْبًا لا إيجابًا.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قالَ: حَدَّثَنا هَمّامٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبّاسٌ الجَرِيرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما عَبْدٍ كاتَبَ عَلى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَأدّاها إلّا عَشْرَ أواقٍ فَهو عَبْدٌ، وأيُّما عَبْدٍ كاتَبَ عَلى مِائَةِ دِينارٍ فَأدّاها إلّا عَشْرَةَ دَنانِيرَ فَهو عَبْدٌ»، فَلَوْ كانَ الحَطُّ واجِبًا لَأُسْقِطَ عَنْهُ بِقَدْرِهِ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ؛ واللَّهُ أعْلَمُ
* *
بابُ الكِتابَةِ الحالَّةِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فاقْتَضى ذَلِكَ جَوازَها حالَّةً ومُؤَجَّلَةً لِإطْلاقِهِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ شَرْطِ الأجَلِ، والِاسْمُ يَتَناوَلُها في حالِ التَّعْجِيلِ والتَّأْجِيلِ كالبَيْعِ والإجارَةِ وسائِرِ العُقُودِ، فَواجِبٌ جَوازُها حالَّةً لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: ( تَجُوزُ الكِتابَةُ الحالَّةُ فَإنْ أدّاها حِينَ طَلَبَها المَوْلى مِنهُ وإلّا رُدَّ في الرِّقِّ ) . وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ في رَجُلٍ قالَ: كاتِبُوا عَبْدِي عَلى ألْفٍ ولَمْ يَضْرِبْ لَها أجَلًا: ( إنَّها تُنَجَّمُ عَلى المُكاتَبِ عَلى قَدْرِ ما يَرى مِن كِتابَةِ مِثْلِهِ وقَدْرِ قُوَّتِهِ ) قالَ: ( فالكِتابَةُ عِنْدَ النّاسِ مُنَجَّمَةٌ ولا تَكُونُ حالَّةً إنْ أبى ذَلِكَ السَّيِّدُ ) . وقالَ اللَّيْثُ: ( إنَّما جُعِلَ التَّنْجِيمُ عَلى المُكاتَبِ رِفْقًا بِالمُكاتَبِ ولَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ رِفْقًا بِالسَّيِّدِ ) .
وقالَ المُزَنِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ: ( لا تَجُوزُ الكِتابَةُ عَلى أقَلَّ مِن نَجْمَيْنِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنا دَلالَةَ الآيَةِ عَلى جَوازِها حالَّةً، وأيْضًا لَمّا كانَ مالُ الكِتابَةِ بَدَلًا عَنِ الرَّقَبَةِ كانَ بِمَنزِلَةِ أثْمانِ الأعْيانِ المَبِيعَةِ فَتَجُوزُ عاجِلَةً وآجِلَةً.
وأيْضًا لا يَخْتَلِفُونَ في جَوازِ العِتْقِ عَلى مالٍ حالٍّ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الكِتابَةُ مِثْلَهُ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ العِتْقِ في الحالِّينَ، إلّا أنَّ في أحَدِهِما العِتْقَ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطِ الأداءِ وفي الآخَرِ مُعَجَّلٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُما في جَوازِهِما عَلى بَدَلٍ عاجِلٍ.
فَإنْ قِيلَ: العَبْدُ لا يَمْلِكُ فَيَحْتاجُ بَعْدَ الكِتابَةِ إلى مُدَّةٍ يُمْكِنُهُ الكَسْبُ فِيها، فَوَجَبَ أنْ لا تَجُوزَ إلّا مُؤَجَّلَةً؛ إذْ كانَتْ تَقْتَضِي الأداءَ ومَتى امْتَنَعَ الأداءُ لَمْ تَصِحَّ الكِتابَةُ.
قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ عَقْدَ الكِتابَةِ يُوجِبُ ثُبُوتَ المالِ في ذِمَّتِهِ لِلْمَوْلى ويَصِيرُ بِها المُكاتَبُ في يَدِ نَفْسِهِ ويَمْلِكُ أكْسابَهُ وتَصَرُّفَهُ، وهو بِمَنزِلَةِ سائِرِ الدُّيُونِ الثّابِتَةِ في الذِّمَمِ الَّتِي يَجُوزُ العَقْدُ (p-١٨٥)عَلَيْها، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ عِلَّةً صَحِيحَةً لَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ العِتْقُ عَلى مالٍ حالٍّ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مالِكًا لِشَيْءٍ قَبْلَ العَقْدِ وإنْ جازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَمْلِكُ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ العِتْقِ، فَكَذَلِكَ المُكاتَبُ يَمْلِكُ أكْسابَهُ بِعَقْدِ الكِتابَةِ؛ ولَوَجَبَ أيْضًا أنْ لا يَجُوزَ شِرى الفَقِيرِ لِابْنِهِ بِثَمَنٍ حالٍّ؛ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا، وأنْ يُعْتَقَ عَلَيْهِ إذا مَلَكَهُ فَلا يَقْدِرُ عَلى الأداءِ.
فَإنْ قُلْتَ إنَّهُ يَمْلِكُ أنْ يَسْتَقْرِضَ، قُلْنا في المُكاتَبِ مِثْلُهُ
* *
بابُ الكِتابَةِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الحُرِّيَّةِ
قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: ( إذا كاتَبَهُ عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ ولَمْ يَقُلْ: إنْ أدَّيْتَ فَأنْتَ حُرٌّ فَهو جائِزٌ ومُعْتَقٌ بِالأداءِ ) وقالَ المَزْنِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ: ( إذا كاتَبَهُ عَلى مِائَةِ دِينارٍ إلى عَشْرِ سِنِينَ كَذا كَذا نَجْمًا فَهو جائِزٌ ولا يُعْتَقُ حَتّى يَقُولَ في الكِتابَةِ إذا أدَّيْتَ هَذا فَأنْتَ حُرٌّ، ويَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ قَوْلِي قَدْ كاتَبْتُكَ كانَ مَعْقُودًا عَلى أنَّكَ إذا أدَّيْتَ فَأنْتَ حُرٌّ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ يَقْتَضِي جَوازَها مِن غَيْرِ شَرْطِ الحُرِّيَّةِ ويَتَضَمَّنُ الحُرِّيَّةَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ فَكاتِبُوهم عَلى شَرْطِ الحُرِّيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللَّفْظَ يَتَضَمَّنُها كَلَفْظِ الخُلْعِ في تَضَمُّنِهِ لِلطَّلاقِ ولَفْظِ البَيْعِ فِيما يَتَضَمَّنُ مِنَ التَّمْلِيكِ والإجارَةِ فِيما يَقْتَضِيهِ مِن تَمْلِيكِ المَنافِعِ والنِّكاحِ في اقْتِضائِهِ تَمْلِيكَ مَنافِعِ البُضْعِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «قالَ: أيُّما عَبْدٍ كاتَبَ عَلى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَأدّاها إلّا عَشْرَ أواقٍ فَهو رَقِيقٌ»، فَأجازَ الكِتابَةَ مُطْلَقَةً عَلى هَذا الوَجْهِ مِن غَيْرِ شَرْطِ حُرِّيَّةٍ فِيها، وإذا صَحَّتِ الكِتابَةُ مُطْلَقَةً مِن غَيْرِ شَرْطِ حُرِّيَّةٍ وجَبَ أنْ يُعْتَقَ بِالأداءِ؛ لِأنَّ صِحَّةَ الكِتابَةِ تَقْتَضِي وُقُوعَ العِتْقِ بِالأداءِ
* *
بابُ المُكاتَبُ مَتى يُعْتَقُ
قالَ أبُو بَكْرٍ: حَكى أبُو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( أنَّ المُكاتَبَ يُعْتَقُ بِعَقْدِ الكِتابَةِ وتَكُونُ الكِتابَةُ دَيْنًا عَلَيْهِ )؛ قالَ أبُو جَعْفَرٍ: لَمْ نَجِدْ لِذَلِكَ إسْنادًا ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ نَعْلَمُهُ.
قالَ: وقَدْ رَوى أيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قالَ: يُؤَدِّي المُكاتَبُ بِحِصَّةِ ما أدّى دِيَةَ حُرٍّ وما بَقِيَ عَلَيْهِ دِيَةُ عَبْدٍ»، ورَواهُ أيْضًا يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وعائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ (p-١٨٦)وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عُمَرَ: ( إنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ ) . ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ: ( أنَّهُ إذا أدّى النِّصْفَ فَهو غَرِيمٌ ولا رِقَّ عَلَيْهِ ) . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ( إذا أدّى ثُلُثًا أوْ رُبُعًا فَهو غَرِيمٌ ) وهو قَوْلُ شُرَيْحٍ.
ورَوى إبْراهِيمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ( أنَّهُ إذا أدّى قِيمَةَ رَقَبَتِهِ فَهو غَرِيمٌ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَدْرٍ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ مِن مُكاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ» . ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ الأداءَ لَمّا كانَ مَشْرُوطًا في العِتْقِ وجَبَ أنْ لا يُعْتَقَ إلّا بِأداءِ الجَمِيعِ، كالعِتْقِ المُعَلَّقِ عَلى شَرْطٍ لا يَقَعُ إلّا بِوُجُودِ كَمالِ الشَّرْطِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا قالَ: ( إذا كَلَّمْتَ فُلانًا وفُلانًا فَأنْتَ حُرٌّ ) أنَّ العِتْقَ لا يَقَعُ إلّا بِكَلامِهِما ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا كانَ مالُ الكِتابَةِ بَدَلًا مِنَ العِتْقِ لَمْ يَخْلُ ذَلِكَ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُوقِعَ العِتْقَ بِنَفْسِ العَقْدِ، وذَلِكَ خِلافُ السُّنَّةِ والنَّظَرِ عَلى ما بَيَّنّا، أوْ أنْ يُوقِعَهُ بَعْدَ الأداءِ فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ البِياعاتِ الَّتِي لا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُها إلّا بِأداءِ جَمِيعِ الثَّمَنِ؛ فَثَبَتَ حِينَ لَمْ يَقَعْ بِالعَقْدِ أنَّهُ لا يَقَعُ إلّا بِأداءِ الجَمِيعِ.
* *
واخْتَلَفُوا في المُكاتَبِ إذا ماتَ وتَرَكَ وفاءً، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ: ( تُؤَدّى كِتابَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ويُعْتِقُ )، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وزُفَرَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وابْنِ أبِي لَيْلى وابْنِ شُبْرُمَةَ وعُثْمانَ البَتِّيِّ والثَّوْرِيِّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ؛ وقالُوا: ( إنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهو مِيراثٌ لِوَرَثَتِهِ فَإنْ لَمْ يَتْرُكْ وفاءً وتَرَكَ ولَدًا وُلِدُوا في كِتابَتِهِ سَعَوْا فِيما عَلى أبِيهِمْ مِنَ النُّجُومِ ) .
وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: ( إنْ تَرَكَ ولَدًا قَدْ دَخَلُوا في كِتابَتِهِ سَعَوْا فِيها عَلى النُّجُومِ وعَتَقَ المُكاتَبُ ووَلَدُهُ، وإنْ لَمْ يَتْرُكْ مَن دَخَلَ في كِتابَتِهِ فَقَدْ ماتَ عَبْدًا لا تُؤَدّى كِتابَتُهُ مِن مالِهِ وجَمِيعُ مالِهِ لِلْمَوْلى ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: ( إذا ماتَ وقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ فَقَدْ ماتَ عَبْدًا لا يَلْحَقُهُ عِتْقٌ بَعْدَ ذَلِكَ ) . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ( أنَّ جَمِيعَ مالِهِ لِسَيِّدِهِ ولا تُؤَدّى مِنهُ كِتابَتُهُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا تَخْلُو الكِتابَةُ مِن أنْ تَكُونَ في مَعْنى الأيْمانِ المَعْقُودَةِ عَلى شُرُوطٍ يُبْطِلُها مَوْتُ المَوْلى أوِ العَبْدِ أيُّهُما كانَ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ: ( إنْ دَخَلْتَ الدّارَ فَأنْتَ حُرٌّ ) ثُمَّ يَمُوتُ المَوْلى أوِ العَبْدُ فَيَبْطُلُ اليَمِينُ ولا يُعْتَقُ بِالشَّرْطِ، أوْ أنْ تَكُونَ في مَعْنى عُقُودِ البِياعاتِ الَّتِي لا تُبْطِلُها الشُّرُوطُ؛ فَلَمّا كانَ مَوْتُ المَوْلى لا يُبْطِلُ الكِتابَةَ ويُعْتَقُ بِالأداءِ إلى الوَرَثَةِ وجَبَ أنْ لا يُبْطِلَهُ مَوْتُ العَبْدِ أيْضًا ما دامَ الأداءُ مُمْكِنًا، وهو أنْ يَتْرُكَ وفاءً فَتُؤَدّى كِتابَتُهُ مِن مالِهِ ويُحْكَمَ بِعِتْقِهِ قَبْلَ المَوْتِ بِلا فَصْلٍ.
فَإنْ قِيلَ: لا يَصِحُّ (p-١٨٧)عِتْقُ المَيِّتِ وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ ماتَ عَبْدًا؛ لِأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، قِيلَ لَهُ: إذا ماتَ وتَرَكَ وفاءً فَحُكْمُهُ مَوْقُوفٌ مُراعًى، فَإنْ أُدِّيَتْ كِتابَتُهُ حَكَمْنا بِأنَّهُ كانَ حُرًّا قَبْلَ المَوْتِ بِلا فَصْلٍ، كَما أنَّ المَيِّتَ لا يَصِحُّ مِنهُ إيقاعُ عِتْقٍ بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ إذا ماتَ المَوْلى فَأدّى المُكاتَبُ الكِتابَةَ حَكَمْنا بِعِتْقٍ مُوقَعٍ مِن جِهَةِ المَيِّتِ ويَكُونُ الوَلاءُ لَهُ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ في الأُصُولِ نَظائِرُ ذَلِكَ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ مُراعًى عَلى مَعْنى مَتى وُجِدَ حُكِمَ بِوُقُوعِهِ بِحالٍ مُتَقَدِّمَةٍ مِثْلُ مَن جَرَحَ رَجُلًا فَيَكُونُ حُكْمُ جِراحَتِهِ مُراعًى، فَلَوْ ماتَ الجارِحُ ثُمَّ ماتَ المَجْرُوحُ مِنَ الجِراحَةِ حَكَمْنا بِأنَّهُ كانَ قاتِلًا يَوْمَ الجِراحَةِ مَعَ اسْتِحالَةِ وُقُوعِ القَتْلِ مِنهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وكَما أأنَّ رَجُلًا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا في طَرِيقِ المُسْلِمِينَ ثُمَّ ماتَ فَوَقَعَتْ فِيها دابَّةٌ لِإنْسانٍ لَحِقَهُ ضَمانُها وصارَ بِمَنزِلَةِ جِنايَتِهِ قَبْلَ المَوْتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ فَلَوْ كانَ تَرَكَ عَبْدًا فَأعْتَقَهُ الوارِثُ ثُمَّ وقَعَتْ فِيها دابَّةٌ ضَمِنَ الوارِثُ قِيمَةَ العَبْدِ وحَكَمْنا في بابِ الضَّمانِ بِأنَّ الجِنايَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً يَوْمَ المَوْتِ.
ولَوْ أنَّ رَجُلًا ماتَ وتَرَكَ حَمْلًا فَوَضَعَتْهُ لِأقَلَّ مِن سَنَتَيْنِ بِيَوْمٍ ورِثَهُ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا أنَّهُ كانَ نُطْفَةً وقْتَ مَوْتِهِ ولَمْ يَكُنْ ولَدًا ثُمَّ قَدْ حَكَمْنا لَهُ بِحُكْمِ الوَلَدِ حِينَ وضَعَتْهُ. ولَوْ أنَّ رَجُلًا ماتَ وتَرَكَ ابْنَيْنِ وألْفَ دِرْهَمٍ وعَلَيْهِ دَيْنٌ ألْفُ دِرْهَمٍ أنَّهُما لا يَرِثانِهِ، فَإنْ ماتَ أحَدُ الِابْنَيْنِ عَنِ ابْنٍ ثُمَّ أبْرَأ الغَرِيمَ مِنَ الدَّيْنِ أخَذَ ابْنُ المَيِّتِ مِنها حِصَّتَهُ مِيراثًا عَنْ أبِيهِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ الِابْنَ لَمْ يَكُنْ مالِكًا لَهُ يَوْمَ المَوْتِ ولَكِنَّهُ جُعِلَ في حُكْمِ المالِكِ لِتَقَدُّمِ سَبَبِهِ، كَذَلِكَ المُكاتَبُ يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ عِنْدَ الأداءِ قَبْلَ المَوْتِ بِلا فَصْلٍ، ألا تَرى أنَّ المَقْتُولَ خَطَأً لا تَجِبُ دِيَتُهُ إلّا بَعْدَ المَوْتِ وهو لا يَمْلِكُ بَعْدَ المَوْتِ شَيْئًا ؟ فَجُعِلَتِ الدِّيَةُ في حُكْمِ ما هو مالِكُهُ في بابِ كَوْنِها مِيراثًا لِوَرَثَتِهِ وأنَّهُ يُقْضى مِنها دِيَتُهُ وتُنَفَّذُ مِنها وصاياهُ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ رَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ قالَ: ( كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَقُولُ لِجارِيَتِهِ: اذْهَبِي فابْغِينا شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ الآيَةَ ) .
ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ومَن يُكْرِهُّنَّ﴾ الآيَةَ، قالَ: ( لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: أخْبَرَ تَعالى أنَّ المُكْرَهَةَ عَلى الزِّنا مَغْفُورٌ لَها ما فَعَلَتْهُ عَلى وجْهِ الإكْراهِ، كَما بَيَّنَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى أنَّ الإكْراهَ عَلى الكُفْرِ يُزِيلُ حُكْمَهُ إذا أظْهَرَهُ المُكْرَهُ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ؛ وإنَّما قالَ: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لِأنَّها لَوْ أرادَتِ الزِّنا ولَمْ تُرِدِ التَّحَصُّنَ ثُمَّ فَعَلَتْهُ عَلى ما ظَهَرَ مِنَ الإكْراهِ وهي مُرِيدَةٌ لَهُ، كانَتْ آثِمَةً بِهَذِهِ الإرادَةِ وكانَ حُكْمُ الإكْراهِ زائِلًا عَنْها في (p-١٨٨)الباطِنِ وإنْ كانَ ثابِتًا في الظّاهِرِ؛ وكَذَلِكَ مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ وهو يَأْباهُ في الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ فَعَلَهُ مُرِيدًا لَهُ لا عَلى وجْهِ الإكْراهِ كانَ كافِرًا، وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَقُولَ: ( اللَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) أوْ عَلى أنْ يَشْتُمَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَطَرَ بِبالِهِ أنْ يَقُولَ عَلى وجْهِ الحِكايَةِ عَنِ الكُفّارِ أوْ أنْ يَعْتَقِدَ شَتْمَ مُحَمَّدٍ آخَرَ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَصْرِفْ قَصْدَهُ ونِيَّتَهُ إلى ذَلِكَ واعْتَقَدَ أنْ يَقُولَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ، كانَ كافِرًا.
النور 24:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ وعَنْ أنَسٍ: ٠( هادِي أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ )، وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وأبِي العالِيَةِ والحَسَنِ: ( مُنَوِّرُ السَّمَواتِ والأرْضِ بِنُجُومِها وشَمْسِها وقَمَرِها ) .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والضَّحّاكُ: ( الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ: ﴿نُورِهِ﴾ بِمَعْنى: مَثَلُ النُّورِ الَّذِي في قَلْبِهِ بِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى ) .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( عائِدٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ، بِمَعْنى: مَثَلُ نُورِ اللَّهِ الَّذِي هَدى بِهِ المُؤْمِنَ )؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: ( مَثَلُ نُورِهِ وهو طاعَتُهُ ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ: ( المِشْكاةُ الكُوَّةُ الَّتِي لا مَنفَذَ لَها )، وقِيلَ: إنَّ المِشْكاةَ عَمُودُ القِنْدِيلِ الَّذِي فِيهِ الفَتِيلَةُ وهو مِثْلُ الكُوَّةِ.
وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِقَلْبِ المُؤْمِنِ، فالمِشْكاةُ صَدْرُهُ والمِصْباحُ القُرْآنُ والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ ) قالَ: ( فَهو بَيْنَ أرْبَعِ خِلالٍ إنْ أُعْطِيَ شَكَرَ وإنِ ابْتُلِيَ صَبَرَ وإنْ حَكَمَ عَدَلَ وإنْ قالَ صَدَقَ ) .
وقالَ: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ ( فَهو يَنْقَلِبُ عَلى خَمْسَةِ أنْوارٍ: فَكَلامُهُ نُورٌ وعَمَلُهُ نُورٌ ومَدْخَلُهُ نُورٌ ومَخْرَجُهُ نُورٌ ومَصِيرُهُ إلى النُّورِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ ) .
وقِيلَ: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أيْ نُورُ الهُدى إلى تَوْحِيدِهِ عَلى نُورِ الهُدى بِالقُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ مِن عِنْدِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ ( يُضِيءُ بَعْضُهُ بَعْضًا ) .
النور 24:36
فَصْلٌ
نَفْيُ القَطْعِ في جَمِيعِ ما ائْتُمِنَ الإنْسانُ فِيهِ وأمّا اعْتِبارُ الحِرْزِ فالأصْلُ فِيهِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا قَطْعَ عَلى خائِنٍ» رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ. وهو مُشْتَمِلٌ عَلى نَفْيِ القَطْعِ في جَمِيعِ ما ائْتُمِنَ الإنْسانُ فِيهِ، فَمِنها أنَّ الرَّجُلَ إذا ائْتَمَنَ غَيْرَهُ عَلى دُخُولِ بَيْتِهِ ولَمْ يُحْرِزْ مِنهُ مالَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ القَطْعُ إذا خانَهُ لِعُمُومِ لَفْظِ الخَبَرِ ويَصِيرُ حِينَئِذٍ بِمَنزِلَةِ المُودَعِ والمُضارِبِ وقَدْ نَفى النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «لا قَطْعَ عَلى خائِنٍ» وُجُوبَ القَطْعِ عَلى جاحِدِ الوَدِيعَةِ والمُضارَبَةِ وسائِرِ الأماناتِ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى نَفْيِ القَطْعِ عَنِ المُسْتَعِيرِ إذا جَحَدَ العارِيَّةَ وما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَطَعَ المَرْأةَ الَّتِي كانَتْ تَسْتَعِيرُ المَتاعَ وتَجْحَدُهُ» فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى وُجُوبِ القَطْعِ عَلى المُسْتَعِيرِ إذا خانَ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ أنَّهُ قَطَعَها لِأجْلِ جُحُودِها لِلْعارِيَّةِ وإنَّما ذُكِرَ جُحُودُ العارِيَّةِ تَعْرِيفًا لَها إذا كانَ ذَلِكَ مُعْتادًا مِنها حَتّى عُرِفَتْ بِهِ فَذُكِرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّعْرِيفِ وهَذا مِثْلُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِلرَّجُلَيْنِ أحَدُهُما يُحْجِمُ الآخَرَ في رَمَضانَ: «أفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ» فَذَكَرَ الحِجامَةَ تَعْرِيفًا لَهُما والإفْطارُ واقِعٌ بِغَيْرِها وقَدْ رُوِيَ في أخْبارٍ صَحِيحَةٍ أنَّ قُرَيْشًا أهَمَّهم شَأْنُ المَرْأةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ وهي هَذِهِ المَرْأةُ الَّتِي ذُكِرَ في الخَبَرِ أنَّها كانَتْ تَسْتَعِيرُ المَتاعَ وتَجْحَدُهُ فَبَيَّنَ في هَذِهِ الأخْبارِ أنَّهُ قَطَعَها لِسَرِقَتِها ويَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ الحِرْزِ أيْضًا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَرِيسَةِ الجَبَلِ فَقالَ: «فِيها غَرامَةُ مِثْلِها وجَلَداتٌ نَكالٌ فَإذا أواها المُراحُ وبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ فَفِيهِ القَطْعُ» .
وقالَ: «لَيْسَ في الثَّمَرِ المُعَلَّقِ قَطْعٌ حَتّى يَأْوِيَهُ الجَرِينُ فَإذا أواهُ الجَرِينُ فَفِيهِ القَطْعُ إذا بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ» ودَلالَةُ هَذا الخَبَرِ عَلى وُجُوبِ اعْتِبارِ الحِرْزِ أظْهَرُ مِن دَلالَةِ الخَبَرِ الأوَّلِ وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ في وُجُوبِ اعْتِبارِهِ ولا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ في أنَّ الحِرْزَ شَرْطٌ في القَطْعِ وأصْلُهُ في السُّنَّةِ ما وصَفْنا والحِرْزُ عِنْدَ أصْحابِنا ما بُنِيَ لِلسُّكْنى وحِفْظِ الأمْوالِ مِنَ الأمْتِعَةِ (p-٦٧)وما في مَعْناها وكَذَلِكَ الفَساطِيطُ والمَضارِبُ والخِيَمُ الَّتِي يَسْكُنُ النّاسُ فِيها ويَحْفَظُونَ أمْتِعَتَهم بِها كُلُّ ذَلِكَ حِرْزٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حافِظٌ ولا عِنْدَهُ وسَواءٌ سَرَقَ مِن ذَلِكَ وهو مَفْتُوحُ البابِ أوْ لا بابَ لَهُ إلّا أنَّهُ مَحْجَرٌ بِالبِناءِ وما كانَ في غَيْرِ بِناءٍ ولا خَيْمَةٍ ولا فُسْطاطٍ ولا مَضْرِبٍ فَإنَّهُ لا يَكُونُ حِرْزًا إلّا أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَن يَحْفَظُهُ وهو قَرِيبٌ مِنهُ بِحَيْثُ يَكُونُ حافِظًا لَهُ وسَواءٌ كانَ الحافِظُ نائِمًا في ذَلِكَ المَوْضِعِ أوْ مُسْتَيْقِظًا والأصْلُ في كَوْنِ الحافِظِ حِرْزًا لَهُ وإنْ كانَ في مَسْجِدٍ أوْ صَحْراءَ حَدِيثُ «صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ كانَ نائِمًا في المَسْجِدِ ورِداؤُهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَسَرَقَهُ سارِقٌ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِهِ»؛ ولا خِلافَ أنَّ المَسْجِدَ لَيْسَ بِحِرْزٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ كانَ مُحْرَزًا لِكَوْنِ صَفْوانَ عِنْدَهُ.
ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: " لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الحافِظُ لَهُ نائِمًا أوْ مُسْتَيْقِظًا " لِأنَّ صَفْوانَ كانَ نائِمًا، ولَيْسَ المَسْجِدُ عِنْدَهم في ذَلِكَ كالحَمّامِ، فَمَن سَرَقَ مِنَ الحَمّامِ لَمْ يُقْطَعْ، وكَذَلِكَ الخانُ والحَوانِيتُ المَأْذُونُ في دُخُولِها وإنْ كانَ هُناكَ حافِظٌ، مِن قِبَلِ أنَّ الإذْنَ مَوْجُودٌ في الدُّخُولِ مِن جِهَةِ مالِكِ الحَمّامِ والدّارِ فَخَرَجَ الشَّيْءُ مِن أنْ يَكُونَ مُحْرَزًا مِنَ المَأْذُونِ لَهُ في الدُّخُولِ، ألا تَرى أنَّ مَن أذِنَ لِرَجُلٍ في دُخُولِ دارِهِ أنَّ الدّارَ لَمْ تَخْرُجْ مِن أنْ تَكُونَ حِرْزًا في نَفْسِها ولا يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ المَأْذُونُ لَهُ في الدُّخُولِ ؟ لِأنَّهُ حِينَ أذِنَ لَهُ في الدُّخُولِ فَقَدِ ائْتَمَنَهُ ولَمْ يُحْرِزْ مالَهُ عَنْهُ، كَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ يُسْتَباحُ دُخُولُهُ بِإذْنِ المالِكِ فَهو غَيْرُ حِرْزٍ مِنَ المَأْذُونِ لَهُ في الدُّخُولِ وأمّا المَسْجِدُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ إباحَةُ دُخُولِهِ بِإذْنِ آدَمِيٍّ فَصارَ كالمَفازَةِ والصَّحْراءِ، فَإذا سَرَقَ مِنهُ وهُناكَ حافِظٌ لَهُ قُطِعَ. وحُكِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ السّارِقَ مِنَ الحَمّامِ يُقْطَعُ إنْ كانَ هُناكَ حافِظٌ لَهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَوْ وجَبَ قَطْعُهُ لَوَجَبَ قَطْعُ السّارِقِ مِنَ الحانُوتِ المَأْذُونِ لَهُ في الدُّخُولِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ صاحِبَ الحانُوتِ حافِظٌ لَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ إذْنَهُ لَهُ في دُخُولِهِ قَدْ أخْرَجَهُ مِن أنْ يَكُونَ مالُهُ فِيهِ مُحْرَزًا مِنهُ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ المُؤْتَمَنِ؛ ولا فَرْقَ بَيْنَ الحَمّامِ والحانُوتِ المَأْذُونِ في دُخُولِهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: يُقْطَعُ السّارِقُ مِنَ الحانُوتِ والخانِ المَأْذُونِ لَهُ. قِيلَ لَهُ: هو كالخائِنِ لِلْوَدائِعِ والعَوارِيِّ والمُضارَباتِ وغَيْرِها؛ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ ما ذَكَرْنا وبَيْنَها، وقَدِ ائْتَمَنَهُ صاحِبُهُ بِأنْ لَمْ يُحْرِزْهُ كَما ائْتَمَنَهُ في إيداعِهِ؛ وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: " إذا سَرَقَ مِنَ الحَمّامِ قُطِعَ " . واخْتُلِفَ في قَطْعِ النَّبّاشِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ ومُحَمَّدٌ والأوْزاعِيُّ: " لا قَطْعَ عَلى النَّبّاشِ " وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَكْحُولٍ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: " اجْتَمَعَ رَأْيُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في زَمَنٍ كانَ مَرْوانُ أمِيرًا (p-٦٨)عَلى المَدِينَةِ أنَّ النَّبّاشَ لا يُقْطَعُ ويُعَزَّرُ، وكانَ الصَّحابَةُ مُتَوافِرِينَ يَوْمَئِذٍ " . وقالَ أبُو يُوسُفَ وابْنُ أبِي لَيْلى وأبُو الزِّنادِ ورَبِيعَةُ: " يُقْطَعُ " ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ والشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ ومَسْرُوقٍ والحَسَنِ والنَّخَعِيِّ وعَطاءٍ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ القَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ هُناكَ دَراهِمُ مَدْفُونَةٌ فَسَرَقَها لَمْ يُقْطَعْ لِعَدَمِ الحِرْزِ، والكَفَنُ كَذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ الأحْرازَ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنها شَرِيجَةُ البَقّالِ حِرْزٌ لِما في الحانُوتِ، والإصْطَبْلُ حِرْزٌ لِلدَّوابِّ، والدُّورُ لِلْأمْوالِ، ويَكُونُ الرَّجُلُ حِرْزًا لِما هو حافِظٌ لَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ حِرْزٌ لِما يُحْفَظُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ في العادَةِ ولا يَكُونُ حِرْزًا لِغَيْرِهِ، فَلَوْ سَرَقَ دَراهِمَ مِن إصْطَبْلٍ لَمْ يُقْطَعْ، ولَوْ سَرَقَ مِنهُ دابَّةً قُطِعَ؛ كَذَلِكَ القَبْرُ هو حِرْزٌ لِلْكَفَنِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لِلدَّراهِمِ. قِيلَ لَهُ: هَذا كَلامٌ فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأحْرازَ عَلى اخْتِلافِها في أنْفُسِها لَيْسَتْ مُخْتَلِفَةً في كَوْنِها حِرْزًا لِجَمِيعِ ما يُجْعَلُ فِيها؛ لِأنَّ الإصْطَبْلَ لَمّا كانَ حِرْزًا لِلدَّوابِّ فَهو حِرْزٌ لِلدَّراهِمِ والثِّيابِ ويُقْطَعُ فِيما يَسْرِقُهُ مِنهُ، وكَذَلِكَ حانُوتُ البَقّالِ هو حِرْزٌ لِجَمِيعِ ما فِيهِ مِن ثِيابٍ ودَراهِمَ وغَيْرِها؛ فَقَوْلُ القائِلِ " الإصْطَبْلُ حِرْزٌ لِلدَّوابِّ ولا يُقْطَعُ مَن سَرَقَ مِنهُ دَراهِمَ غَلَطٌ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ قَضِيَّتَكَ هَذِهِ لَوْ كانَتْ صَحِيحَةً لَكانَتْ مانِعَةً مِن إيجابِ قَطْعِ النَّبّاشِ؛ لِأنَّ القَبْرَ لَمْ يُحْفَرْ لِيَكُونَ حِرْزًا لِلْكَفَنِ فَيُحْفَظُ بِهِ، وإنَّما يُحْفَرُ لِدَفْنِ المَيِّتِ وسَتْرِهِ عَنْ عُيُونِ النّاسِ؛ وأمّا الكَفَنُ فَإنَّما هو لِلْبِلى والهَلاكِ. ودَلِيلٌ آخَرُ، وهو أنَّ الكَفَنَ لا مالِكَ لَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن جَمِيعِ المالِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في مِلْكِ أحَدٍ ولا مَوْقُوفٌ عَلى أحَدٍ؛ فَلَمّا صَحَّ أنَّهُ مِن جَمِيعِ المالِ وجَبَ أنْ لا يَمْلِكَهُ الوارِثُ كَما لا يَمْلِكُونَ ما صُرِفَ في الدَّيْنِ الَّذِي هو مِن جَمِيعِ المالِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الكَفَنَ يُبْدَأُ بِهِ عَلى الدُّيُونِ، فَإذا لَمْ يَمْلِكِ الوارِثُ ما يَقْضِي بِهِ الدُّيُونَ فَهو أنْ لا يَمْلِكَ الكَفَنَ أوْلى، وإذا لَمْ يَمْلِكْهُ الوارِثُ واسْتَحالَ أنْ يَكُونَ المَيِّتُ مالِكًا وجَبَ أنْ لا يُقْطَعَ سارِقُهُ كَما لا يُقْطَعُ سارِقُ بَيْتِ المالِ وآخِذُ الأشْياءِ المُباحَةِ الَّتِي لا مالِكَ لَها.
فَإنْ قالَ قائِلٌ جَوازُ خُصُومَةِ الوارِثِ في المُطالَبَةِ بِالكَفَنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِلْكُهُ. قِيلَ لَهُ: الإمامُ يُطالِبُ بِما يُسْرَقُ مِن بَيْتِ المالِ ولا يَمْلِكُهُ. ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الكَفَنَ يُجْعَلُ هُناكَ لِلْبِلى والتَّلَفِ لا لِلْقِنْيَةِ والتَّبْقِيَةِ، فَصارَ بِمَنزِلَةِ الخُبْزِ واللَّحْمِ والماءِ الَّذِي هو لِلْإتْلافِ لا لِلتَّبْقِيَةِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: القَبْرُ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، لِما رَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ (p-٦٩)اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ أنْتَ إذا أصابَ النّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ البَيْتُ فِيهِ بِالوَصِيفِ ؟ يَعْنِي القَبْرَ. قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ» . فَسَمّى القَبْرَ بَيْتًا. وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: " يُقْطَعُ النَّبّاشُ لِأنَّهُ دَخَلَ عَلى المَيِّتِ بَيْتَهُ " .
ورَوى مالِكٌ عَنْ أبِي الرِّحالِ عَنْ أُمِّ عَمْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ المُخْتَفِيَ والمُخْتَفِيَةَ» . ورَوَتْ عائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَنِ اخْتَفى مَيْتًا فَكَأنَّما قَتَلَهُ» . وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: المُخْتَفِي النَّبّاشُ. قِيلَ لَهُ: إنَّما سَمّاهُ بَيْتًا عَلى وجْهِ المَجازِ؛ لِأنَّ البَيْتَ مَوْضُوعٌ في لُغَةِ العَرَبِ لِما كانَ مَبْنِيًّا ظاهِرًا عَلى وجْهِ الأرْضِ، وإنَّما سُمِّيَ القَبْرُ بَيْتًا تَشْبِيهًا بِالبَيْتِ المَبْنِيِّ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ قَطْعَ السّارِقِ لَيْسَ مُعَلَّقًا بِكَوْنِهِ سارِقًا مِن بَيْتٍ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ البَيْتُ مَبْنِيًّا لِيُحْرَزَ بِهِ ما يُجْعَلُ فِيهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ القَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ؛ ألا تَرى أنَّ المَسْجِدَ يُسَمّى بَيْتًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ ولَوْ سَرَقَ مِنَ المَسْجِدِ لَمْ يُقْطَعْ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ حافِظٌ ؟ وأيْضًا فَلا خِلافَ أنَّهُ لَوْ كانَ في القَبْرِ دَراهِمُ مَدْفُونَةٌ فَسَرَقَها لَمْ يُقْطَعْ وإنْ كانَ بَيْتًا، فَعَلِمْنا أنَّ قَطْعَ السَّرِقَةِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِكَوْنِهِ بَيْتًا. وأمّا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ المُخْتَفِيَ» وما رُوِيَ أنَّهُ قالَ: «مَنِ اخْتَفى مَيْتًا فَكَأنَّما قَتَلَهُ» فَإنَّ هَذا إنَّما هو لَعْنٌ لَهُ، واسْتِحْقاقُ اللَّعْنِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلى وُجُوبِ القَطْعِ؛ لِأنَّ الغاصِبَ والكاذِبَ والظّالِمَ، كُلُّ هَؤُلاءِ يَسْتَحِقُّونَ اللَّعْنَ ولا يَجِبُ قَطْعُهم؛ وقَوْلُهُ: «مَنِ اخْتَفى مَيْتًا فَكَأنَّما قَتَلَهُ» فَإنَّهُ لَمْ يُوجِبْ بِهِ قَطْعًا وإنَّما جَعَلَهُ كالقاتِلِ؛ وإنْ كانَ مَعْناهُ مَحْمُولًا عَلى حَقِيقَةِ لَفْظِهِ فَواجِبٌ أنْ نَقْتُلَهُ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ، ولا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ بِالقَطْعِ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها﴾ الآيَةَ. قِيلَ إنَّ مَعْناهُ أنَّ المَصابِيحَ المُقَدَّمَ ذِكْرُها في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ. وقِيلَ: ( تُوقَدُ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( هَذِهِ البُيُوتُ هي المَساجِدُ )، وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: " أنْ تُرْفَعَ مَعْناهُ تُرْفَعُ بِالبِناءِ، كَما قالَ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] " وقالَ: ( أنْ تُرْفَعَ أنْ تُعَظَّمَ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّها مَواضِعُ الصَّلَواتِ والذِّكْرِ ) .
ورَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَلاةِ الضُّحى فَقالَ: ( إنَّها لَفي كِتابِ اللَّهِ وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ ) ثُمَّ قَرَأ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا مِن رَفْعِها بِالبِناءِ ومِن تَعْظِيمِها جَمِيعًا؛ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ لِذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ، وهَذا (p-١٨٩)يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُها مِنَ القُعُودِ فِيها لِأُمُورِ الدُّنْيا مِثْلُ البَيْعِ والشِّراءِ وعَمَلِ الصِّناعاتِ ولَغْوِ الحَدِيثِ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ والسَّفَهِ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ. وقَدْ ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكم ورَفْعَ أصْواتِكم وبَيْعَكم وشِراكم وإقامَةَ حُدُودِكم وجَمِّرُوها في جُمَعِكم وضَعُوا عَلى أبْوابِها المَطاهِرَ» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ( يُصَلّى لَهُ فِيها بِالغَداةِ والعَشِيِّ ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ صَلاةٌ ) .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾
رُوِيَ عَنْ الحَسَنِ في هَذِهِ الآيَةِ: ( واللَّهِ كانُوا يَتَبايَعُونَ في الأسْواقِ، فَإذا حَضَرَ حَقٌّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ بَدَءُوا بِحَقِّ اللَّهِ حَتّى يَقْضُوهُ ثُمَّ عادُوا إلى تِجارَتِهِمْ ) . وعَنْ عَطاءٍ قالَ: ( شُهُودُ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ ) . وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: ( عَنْ مَواقِيتِ الصَّلاةِ ) . ورَأى ابْنُ مَسْعُودٍ أقْوامًا يَتَّجِرُونَ، فَلَمّا حَضَرَتِ الصَّلاةُ قامُوا إلَيْها، قالَ: " هَذا مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾
النور 24:37
فَصْلٌ
نَفْيُ القَطْعِ في جَمِيعِ ما ائْتُمِنَ الإنْسانُ فِيهِ وأمّا اعْتِبارُ الحِرْزِ فالأصْلُ فِيهِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا قَطْعَ عَلى خائِنٍ» رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ. وهو مُشْتَمِلٌ عَلى نَفْيِ القَطْعِ في جَمِيعِ ما ائْتُمِنَ الإنْسانُ فِيهِ، فَمِنها أنَّ الرَّجُلَ إذا ائْتَمَنَ غَيْرَهُ عَلى دُخُولِ بَيْتِهِ ولَمْ يُحْرِزْ مِنهُ مالَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ القَطْعُ إذا خانَهُ لِعُمُومِ لَفْظِ الخَبَرِ ويَصِيرُ حِينَئِذٍ بِمَنزِلَةِ المُودَعِ والمُضارِبِ وقَدْ نَفى النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «لا قَطْعَ عَلى خائِنٍ» وُجُوبَ القَطْعِ عَلى جاحِدِ الوَدِيعَةِ والمُضارَبَةِ وسائِرِ الأماناتِ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى نَفْيِ القَطْعِ عَنِ المُسْتَعِيرِ إذا جَحَدَ العارِيَّةَ وما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قَطَعَ المَرْأةَ الَّتِي كانَتْ تَسْتَعِيرُ المَتاعَ وتَجْحَدُهُ» فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى وُجُوبِ القَطْعِ عَلى المُسْتَعِيرِ إذا خانَ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ أنَّهُ قَطَعَها لِأجْلِ جُحُودِها لِلْعارِيَّةِ وإنَّما ذُكِرَ جُحُودُ العارِيَّةِ تَعْرِيفًا لَها إذا كانَ ذَلِكَ مُعْتادًا مِنها حَتّى عُرِفَتْ بِهِ فَذُكِرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّعْرِيفِ وهَذا مِثْلُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِلرَّجُلَيْنِ أحَدُهُما يُحْجِمُ الآخَرَ في رَمَضانَ: «أفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ» فَذَكَرَ الحِجامَةَ تَعْرِيفًا لَهُما والإفْطارُ واقِعٌ بِغَيْرِها وقَدْ رُوِيَ في أخْبارٍ صَحِيحَةٍ أنَّ قُرَيْشًا أهَمَّهم شَأْنُ المَرْأةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ وهي هَذِهِ المَرْأةُ الَّتِي ذُكِرَ في الخَبَرِ أنَّها كانَتْ تَسْتَعِيرُ المَتاعَ وتَجْحَدُهُ فَبَيَّنَ في هَذِهِ الأخْبارِ أنَّهُ قَطَعَها لِسَرِقَتِها ويَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ الحِرْزِ أيْضًا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَرِيسَةِ الجَبَلِ فَقالَ: «فِيها غَرامَةُ مِثْلِها وجَلَداتٌ نَكالٌ فَإذا أواها المُراحُ وبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ فَفِيهِ القَطْعُ» .
وقالَ: «لَيْسَ في الثَّمَرِ المُعَلَّقِ قَطْعٌ حَتّى يَأْوِيَهُ الجَرِينُ فَإذا أواهُ الجَرِينُ فَفِيهِ القَطْعُ إذا بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ» ودَلالَةُ هَذا الخَبَرِ عَلى وُجُوبِ اعْتِبارِ الحِرْزِ أظْهَرُ مِن دَلالَةِ الخَبَرِ الأوَّلِ وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ في وُجُوبِ اعْتِبارِهِ ولا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ في أنَّ الحِرْزَ شَرْطٌ في القَطْعِ وأصْلُهُ في السُّنَّةِ ما وصَفْنا والحِرْزُ عِنْدَ أصْحابِنا ما بُنِيَ لِلسُّكْنى وحِفْظِ الأمْوالِ مِنَ الأمْتِعَةِ (p-٦٧)وما في مَعْناها وكَذَلِكَ الفَساطِيطُ والمَضارِبُ والخِيَمُ الَّتِي يَسْكُنُ النّاسُ فِيها ويَحْفَظُونَ أمْتِعَتَهم بِها كُلُّ ذَلِكَ حِرْزٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حافِظٌ ولا عِنْدَهُ وسَواءٌ سَرَقَ مِن ذَلِكَ وهو مَفْتُوحُ البابِ أوْ لا بابَ لَهُ إلّا أنَّهُ مَحْجَرٌ بِالبِناءِ وما كانَ في غَيْرِ بِناءٍ ولا خَيْمَةٍ ولا فُسْطاطٍ ولا مَضْرِبٍ فَإنَّهُ لا يَكُونُ حِرْزًا إلّا أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَن يَحْفَظُهُ وهو قَرِيبٌ مِنهُ بِحَيْثُ يَكُونُ حافِظًا لَهُ وسَواءٌ كانَ الحافِظُ نائِمًا في ذَلِكَ المَوْضِعِ أوْ مُسْتَيْقِظًا والأصْلُ في كَوْنِ الحافِظِ حِرْزًا لَهُ وإنْ كانَ في مَسْجِدٍ أوْ صَحْراءَ حَدِيثُ «صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ كانَ نائِمًا في المَسْجِدِ ورِداؤُهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَسَرَقَهُ سارِقٌ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِهِ»؛ ولا خِلافَ أنَّ المَسْجِدَ لَيْسَ بِحِرْزٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ كانَ مُحْرَزًا لِكَوْنِ صَفْوانَ عِنْدَهُ.
ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: " لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الحافِظُ لَهُ نائِمًا أوْ مُسْتَيْقِظًا " لِأنَّ صَفْوانَ كانَ نائِمًا، ولَيْسَ المَسْجِدُ عِنْدَهم في ذَلِكَ كالحَمّامِ، فَمَن سَرَقَ مِنَ الحَمّامِ لَمْ يُقْطَعْ، وكَذَلِكَ الخانُ والحَوانِيتُ المَأْذُونُ في دُخُولِها وإنْ كانَ هُناكَ حافِظٌ، مِن قِبَلِ أنَّ الإذْنَ مَوْجُودٌ في الدُّخُولِ مِن جِهَةِ مالِكِ الحَمّامِ والدّارِ فَخَرَجَ الشَّيْءُ مِن أنْ يَكُونَ مُحْرَزًا مِنَ المَأْذُونِ لَهُ في الدُّخُولِ، ألا تَرى أنَّ مَن أذِنَ لِرَجُلٍ في دُخُولِ دارِهِ أنَّ الدّارَ لَمْ تَخْرُجْ مِن أنْ تَكُونَ حِرْزًا في نَفْسِها ولا يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ المَأْذُونُ لَهُ في الدُّخُولِ ؟ لِأنَّهُ حِينَ أذِنَ لَهُ في الدُّخُولِ فَقَدِ ائْتَمَنَهُ ولَمْ يُحْرِزْ مالَهُ عَنْهُ، كَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ يُسْتَباحُ دُخُولُهُ بِإذْنِ المالِكِ فَهو غَيْرُ حِرْزٍ مِنَ المَأْذُونِ لَهُ في الدُّخُولِ وأمّا المَسْجِدُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ إباحَةُ دُخُولِهِ بِإذْنِ آدَمِيٍّ فَصارَ كالمَفازَةِ والصَّحْراءِ، فَإذا سَرَقَ مِنهُ وهُناكَ حافِظٌ لَهُ قُطِعَ. وحُكِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ السّارِقَ مِنَ الحَمّامِ يُقْطَعُ إنْ كانَ هُناكَ حافِظٌ لَهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَوْ وجَبَ قَطْعُهُ لَوَجَبَ قَطْعُ السّارِقِ مِنَ الحانُوتِ المَأْذُونِ لَهُ في الدُّخُولِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ صاحِبَ الحانُوتِ حافِظٌ لَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ إذْنَهُ لَهُ في دُخُولِهِ قَدْ أخْرَجَهُ مِن أنْ يَكُونَ مالُهُ فِيهِ مُحْرَزًا مِنهُ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ المُؤْتَمَنِ؛ ولا فَرْقَ بَيْنَ الحَمّامِ والحانُوتِ المَأْذُونِ في دُخُولِهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: يُقْطَعُ السّارِقُ مِنَ الحانُوتِ والخانِ المَأْذُونِ لَهُ. قِيلَ لَهُ: هو كالخائِنِ لِلْوَدائِعِ والعَوارِيِّ والمُضارَباتِ وغَيْرِها؛ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ ما ذَكَرْنا وبَيْنَها، وقَدِ ائْتَمَنَهُ صاحِبُهُ بِأنْ لَمْ يُحْرِزْهُ كَما ائْتَمَنَهُ في إيداعِهِ؛ وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: " إذا سَرَقَ مِنَ الحَمّامِ قُطِعَ " . واخْتُلِفَ في قَطْعِ النَّبّاشِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ ومُحَمَّدٌ والأوْزاعِيُّ: " لا قَطْعَ عَلى النَّبّاشِ " وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَكْحُولٍ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: " اجْتَمَعَ رَأْيُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في زَمَنٍ كانَ مَرْوانُ أمِيرًا (p-٦٨)عَلى المَدِينَةِ أنَّ النَّبّاشَ لا يُقْطَعُ ويُعَزَّرُ، وكانَ الصَّحابَةُ مُتَوافِرِينَ يَوْمَئِذٍ " . وقالَ أبُو يُوسُفَ وابْنُ أبِي لَيْلى وأبُو الزِّنادِ ورَبِيعَةُ: " يُقْطَعُ " ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ والشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ ومَسْرُوقٍ والحَسَنِ والنَّخَعِيِّ وعَطاءٍ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ القَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ هُناكَ دَراهِمُ مَدْفُونَةٌ فَسَرَقَها لَمْ يُقْطَعْ لِعَدَمِ الحِرْزِ، والكَفَنُ كَذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ الأحْرازَ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنها شَرِيجَةُ البَقّالِ حِرْزٌ لِما في الحانُوتِ، والإصْطَبْلُ حِرْزٌ لِلدَّوابِّ، والدُّورُ لِلْأمْوالِ، ويَكُونُ الرَّجُلُ حِرْزًا لِما هو حافِظٌ لَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ حِرْزٌ لِما يُحْفَظُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ في العادَةِ ولا يَكُونُ حِرْزًا لِغَيْرِهِ، فَلَوْ سَرَقَ دَراهِمَ مِن إصْطَبْلٍ لَمْ يُقْطَعْ، ولَوْ سَرَقَ مِنهُ دابَّةً قُطِعَ؛ كَذَلِكَ القَبْرُ هو حِرْزٌ لِلْكَفَنِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لِلدَّراهِمِ. قِيلَ لَهُ: هَذا كَلامٌ فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأحْرازَ عَلى اخْتِلافِها في أنْفُسِها لَيْسَتْ مُخْتَلِفَةً في كَوْنِها حِرْزًا لِجَمِيعِ ما يُجْعَلُ فِيها؛ لِأنَّ الإصْطَبْلَ لَمّا كانَ حِرْزًا لِلدَّوابِّ فَهو حِرْزٌ لِلدَّراهِمِ والثِّيابِ ويُقْطَعُ فِيما يَسْرِقُهُ مِنهُ، وكَذَلِكَ حانُوتُ البَقّالِ هو حِرْزٌ لِجَمِيعِ ما فِيهِ مِن ثِيابٍ ودَراهِمَ وغَيْرِها؛ فَقَوْلُ القائِلِ " الإصْطَبْلُ حِرْزٌ لِلدَّوابِّ ولا يُقْطَعُ مَن سَرَقَ مِنهُ دَراهِمَ غَلَطٌ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ قَضِيَّتَكَ هَذِهِ لَوْ كانَتْ صَحِيحَةً لَكانَتْ مانِعَةً مِن إيجابِ قَطْعِ النَّبّاشِ؛ لِأنَّ القَبْرَ لَمْ يُحْفَرْ لِيَكُونَ حِرْزًا لِلْكَفَنِ فَيُحْفَظُ بِهِ، وإنَّما يُحْفَرُ لِدَفْنِ المَيِّتِ وسَتْرِهِ عَنْ عُيُونِ النّاسِ؛ وأمّا الكَفَنُ فَإنَّما هو لِلْبِلى والهَلاكِ. ودَلِيلٌ آخَرُ، وهو أنَّ الكَفَنَ لا مالِكَ لَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن جَمِيعِ المالِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في مِلْكِ أحَدٍ ولا مَوْقُوفٌ عَلى أحَدٍ؛ فَلَمّا صَحَّ أنَّهُ مِن جَمِيعِ المالِ وجَبَ أنْ لا يَمْلِكَهُ الوارِثُ كَما لا يَمْلِكُونَ ما صُرِفَ في الدَّيْنِ الَّذِي هو مِن جَمِيعِ المالِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الكَفَنَ يُبْدَأُ بِهِ عَلى الدُّيُونِ، فَإذا لَمْ يَمْلِكِ الوارِثُ ما يَقْضِي بِهِ الدُّيُونَ فَهو أنْ لا يَمْلِكَ الكَفَنَ أوْلى، وإذا لَمْ يَمْلِكْهُ الوارِثُ واسْتَحالَ أنْ يَكُونَ المَيِّتُ مالِكًا وجَبَ أنْ لا يُقْطَعَ سارِقُهُ كَما لا يُقْطَعُ سارِقُ بَيْتِ المالِ وآخِذُ الأشْياءِ المُباحَةِ الَّتِي لا مالِكَ لَها.
فَإنْ قالَ قائِلٌ جَوازُ خُصُومَةِ الوارِثِ في المُطالَبَةِ بِالكَفَنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِلْكُهُ. قِيلَ لَهُ: الإمامُ يُطالِبُ بِما يُسْرَقُ مِن بَيْتِ المالِ ولا يَمْلِكُهُ. ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الكَفَنَ يُجْعَلُ هُناكَ لِلْبِلى والتَّلَفِ لا لِلْقِنْيَةِ والتَّبْقِيَةِ، فَصارَ بِمَنزِلَةِ الخُبْزِ واللَّحْمِ والماءِ الَّذِي هو لِلْإتْلافِ لا لِلتَّبْقِيَةِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: القَبْرُ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، لِما رَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ (p-٦٩)اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ أنْتَ إذا أصابَ النّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ البَيْتُ فِيهِ بِالوَصِيفِ ؟ يَعْنِي القَبْرَ. قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ» . فَسَمّى القَبْرَ بَيْتًا. وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: " يُقْطَعُ النَّبّاشُ لِأنَّهُ دَخَلَ عَلى المَيِّتِ بَيْتَهُ " .
ورَوى مالِكٌ عَنْ أبِي الرِّحالِ عَنْ أُمِّ عَمْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ المُخْتَفِيَ والمُخْتَفِيَةَ» . ورَوَتْ عائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَنِ اخْتَفى مَيْتًا فَكَأنَّما قَتَلَهُ» . وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: المُخْتَفِي النَّبّاشُ. قِيلَ لَهُ: إنَّما سَمّاهُ بَيْتًا عَلى وجْهِ المَجازِ؛ لِأنَّ البَيْتَ مَوْضُوعٌ في لُغَةِ العَرَبِ لِما كانَ مَبْنِيًّا ظاهِرًا عَلى وجْهِ الأرْضِ، وإنَّما سُمِّيَ القَبْرُ بَيْتًا تَشْبِيهًا بِالبَيْتِ المَبْنِيِّ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ قَطْعَ السّارِقِ لَيْسَ مُعَلَّقًا بِكَوْنِهِ سارِقًا مِن بَيْتٍ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ البَيْتُ مَبْنِيًّا لِيُحْرَزَ بِهِ ما يُجْعَلُ فِيهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ القَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ؛ ألا تَرى أنَّ المَسْجِدَ يُسَمّى بَيْتًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ ولَوْ سَرَقَ مِنَ المَسْجِدِ لَمْ يُقْطَعْ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ حافِظٌ ؟ وأيْضًا فَلا خِلافَ أنَّهُ لَوْ كانَ في القَبْرِ دَراهِمُ مَدْفُونَةٌ فَسَرَقَها لَمْ يُقْطَعْ وإنْ كانَ بَيْتًا، فَعَلِمْنا أنَّ قَطْعَ السَّرِقَةِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِكَوْنِهِ بَيْتًا. وأمّا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ المُخْتَفِيَ» وما رُوِيَ أنَّهُ قالَ: «مَنِ اخْتَفى مَيْتًا فَكَأنَّما قَتَلَهُ» فَإنَّ هَذا إنَّما هو لَعْنٌ لَهُ، واسْتِحْقاقُ اللَّعْنِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلى وُجُوبِ القَطْعِ؛ لِأنَّ الغاصِبَ والكاذِبَ والظّالِمَ، كُلُّ هَؤُلاءِ يَسْتَحِقُّونَ اللَّعْنَ ولا يَجِبُ قَطْعُهم؛ وقَوْلُهُ: «مَنِ اخْتَفى مَيْتًا فَكَأنَّما قَتَلَهُ» فَإنَّهُ لَمْ يُوجِبْ بِهِ قَطْعًا وإنَّما جَعَلَهُ كالقاتِلِ؛ وإنْ كانَ مَعْناهُ مَحْمُولًا عَلى حَقِيقَةِ لَفْظِهِ فَواجِبٌ أنْ نَقْتُلَهُ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ، ولا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ بِالقَطْعِ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها﴾ الآيَةَ. قِيلَ إنَّ مَعْناهُ أنَّ المَصابِيحَ المُقَدَّمَ ذِكْرُها في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ. وقِيلَ: ( تُوقَدُ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( هَذِهِ البُيُوتُ هي المَساجِدُ )، وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: " أنْ تُرْفَعَ مَعْناهُ تُرْفَعُ بِالبِناءِ، كَما قالَ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] " وقالَ: ( أنْ تُرْفَعَ أنْ تُعَظَّمَ بِذِكْرِهِ؛ لِأنَّها مَواضِعُ الصَّلَواتِ والذِّكْرِ ) .
ورَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَلاةِ الضُّحى فَقالَ: ( إنَّها لَفي كِتابِ اللَّهِ وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ ) ثُمَّ قَرَأ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا مِن رَفْعِها بِالبِناءِ ومِن تَعْظِيمِها جَمِيعًا؛ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ لِذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ، وهَذا (p-١٨٩)يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُها مِنَ القُعُودِ فِيها لِأُمُورِ الدُّنْيا مِثْلُ البَيْعِ والشِّراءِ وعَمَلِ الصِّناعاتِ ولَغْوِ الحَدِيثِ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ والسَّفَهِ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ. وقَدْ ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكم ورَفْعَ أصْواتِكم وبَيْعَكم وشِراكم وإقامَةَ حُدُودِكم وجَمِّرُوها في جُمَعِكم وضَعُوا عَلى أبْوابِها المَطاهِرَ» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ( يُصَلّى لَهُ فِيها بِالغَداةِ والعَشِيِّ ) . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ صَلاةٌ ) .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾
رُوِيَ عَنْ الحَسَنِ في هَذِهِ الآيَةِ: ( واللَّهِ كانُوا يَتَبايَعُونَ في الأسْواقِ، فَإذا حَضَرَ حَقٌّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ بَدَءُوا بِحَقِّ اللَّهِ حَتّى يَقْضُوهُ ثُمَّ عادُوا إلى تِجارَتِهِمْ ) . وعَنْ عَطاءٍ قالَ: ( شُهُودُ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ ) . وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: ( عَنْ مَواقِيتِ الصَّلاةِ ) . ورَأى ابْنُ مَسْعُودٍ أقْوامًا يَتَّجِرُونَ، فَلَمّا حَضَرَتِ الصَّلاةُ قامُوا إلَيْها، قالَ: " هَذا مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾
النور 24:41
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ التَّسْبِيحَ هو التَّنْزِيهُ لِلَّهِ تَعالى عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ، فَجَمِيعُ ما خَلَقَهُ اللَّهُ مُنَزَّهٌ لَهُ مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، والعُقَلاءُ المُطِيعُونَ يُنَزِّهُونَهُ مِن جِهَةِ الِاعْتِقادِ والوَصْفِ لَهُ بِما يَلِيقُ بِهِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ يَعْنِي: صَلاةَ مَن يُصَلِّي مِنهم فاللَّهُ يَعْلَمُها. وقالَ مُجاهِدٌ: ( الصَّلاةُ لِلْإنْسانِ والتَّسْبِيحُ لِكُلِّ شَيْءٍ ) .
النور 24:43
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ قِيلَ: إنَّ " مِن " الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ لِأنَّ ابْتِداءَ الإنْزالِ مِنَ السَّماءِ، والثّانِيَةِ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ البَرَدَ بَعْضُ الجِبالِ الَّتِي في السَّماءِ، والثّالِثَةِ لِتَبْيِينِ الجِنْسِ؛ إذْ كانَ جِنْسُ تِلْكَ الجِبالِ جِنْسَ البَرَدِ.
النور 24:45
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ قِيلَ: إنَّ أصْلَ الخَلْقِ مِن ماءٍ، ثُمَّ قُلِبَ إلى النّارِ فَخُلِقَ مِنهُ الجِنُّ، ثُمَّ إلى الرِّيحِ فَخُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِنها، ثُمَّ إلى الطِّينِ فَخُلِقَ آدَمُ مِنهُ، وذَكَرَ الَّذِي يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ واَلَّذِي يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ ولَمْ يَذْكُرْ ما يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ؛ لِأنَّهُ كاَلَّذِي يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ في رَأْيِ العَيْنِ، فَتَرَكَ ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ تَكْفِي بِذِكْرِ الأرْبَعِ.
النور 24:48
بابُ لُزُومِ الإجابَةِ لِمَن دُعِيَ إلى الحاكِمِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى عَلى غَيْرِهِ حَقًّا ودَعاهُ إلى الحاكِمِ فَعَلَيْهِ إجابَتُهُ والمَصِيرُ مَعَهُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (p-١٩٠)تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ﴾ مَعْناهُ: إلى حُكْمِ اللَّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أتى الحاكِمَ فادَّعى عَلى غَيْرِهِ حَقًّا أنَّ عَلى الحاكِمِ أنْ يُعَدِّيهِ ويُحْضِرُهُ ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ تَصَرُّفِهِ وأشْغالِهِ.
وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا فُلَيْحٌ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدِ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ الأغَرَّ الجُهَنِيَّ قالَ: «جِئْتَ أسْتَعْدِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى رَجُلٍ لِي عَلَيْهِ شَطْرُ تَمْرٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ: اذْهَبْ مَعَهُ فَخُذْ لَهُ حَقَّهُ» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ التُّسْتَرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا رَجاءٌ الحافِظُ قالَ: حَدَّثَنا شاهِينُ قالَ: حَدَّثَنا رَوْحُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ الحَسَنِ عَنْ سُمْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن دُعِيَ إلى سُلْطانٍ فَلَمْ يُجِبْ فَهو ظالِمٌ لا حَقَّ لَهُ» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسِ بْنِ كامِلٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى عَنْ أبِي الأشْهَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن دُعِيَ إلى حاكِمٍ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهو ظالِمٌ لا حَقَّ لَهُ» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ أخُو خَطّابٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبّادٍ قالَ: حَدَّثَنا حاتِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِجِلٍّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي حَدْرَدٍ قالَ: «كانَ لَيَهُودِيٍّ عَلَيَّ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، فاسْتَعْدى عَلَيَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ لِي عَلى هَذا أرْبَعَةَ دَراهِمَ وقَدْ غَلَبَنِي عَلَيْها، فَقالَ: أعْطِهِ حَقَّهُ قُلْتُ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا ما أصْبَحْتُ أقْدِرُ عَلَيْها قالَ: أعْطِهِ حَقَّهُ فَأعَدْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: أعْطِهِ حَقَّهُ فَخَرَجْتُ مَعَهُ إلى السُّوقِ فَكانَتْ عَلى رَأْسِي عِمامَةٌ وعَلَيَّ بُرْدَةٌ مُتَّزِرٌ بِها، فاتَّزَرْتُ بِالعِمامَةِ وقُلْتُ: اشْتَرِ البُرْدَ فاشْتَراهُ بِأرْبَعَةِ دَراهِمَ» . فَهَذِهِ الأخْبارُ مُواطِئَةٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ.
النور 24:51
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ تَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وُجُوبِ الإجابَةِ إلى الحَكَمِ إذا دُعُوا إلَيْهِ، وجُعِلَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ، ودَلَّ عَلى أنَّ مَن دُعِيَ إلى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الإجابَةُ بِالقَوْلِ بَدِيًّا بِأنْ يَقُولَ سَمِعْنا وأطَعْنا، ثُمَّ يَصِيرُ مَعَهُ إلى الحاكِمِ.
النور 24:53
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ .
رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ( هَذِهِ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنكم بِالقَوْلِ لا بِالِاعْتِقادِ، يُخْبِرُ عَنْ كَذِبِهِمْ فِيما أقْسَمُوا عَلَيْهِ ) . وقِيلَ: ( إنَّ المَعْنى طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمْثَلُ مِن هَذا القَسَمِ ) .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ قَصَرَ ذَلِكَ عَلى قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا (p-١٩١)مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] فَوُجِدَ مُخْبِرَهُ عَلى ما أُخْبِرَ بِهِ فِيهِمْ.
وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَفَهم في الأرْضِ ومَكَّنَ لَهم كَما جاءَ الوَعْدُ، ولا يَدْخُلُ فِيهِمْ مُعاوِيَةُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.
النور 24:58
في الِاسْتِئْذانِ عَلى المَحارِمِ رَوى شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: ( سَألَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ: أأسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي ؟ قالَ: إنْ لَمْ تَسْتَأْذِنْ عَلَيْها رَأيْتَ ما يَسُوءُكَ ) .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطاءٍ قالَ: ( سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ: أأسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ قُلْتَ: إنَّها مَعِي في البَيْتِ وأنا أُنْفِقُ عَلَيْها، (p-١٧٠)قالَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْها ) .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ مُخارَقَ عَنْ طارِقٍ قالَ: ( قالَ رَجُلٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ أأسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي ؟ قالَ: نَعَمْ ) .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: أأسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي ؟ قالَ: نَعَمْ، أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً ؟» .
وقالَ عَمْرٌو عَنْ عَطاءٍ: " سَألْتَ ابْنَ عَبّاسٍ: أأسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي وأنا أُنْفِقُ عَلَيْها ؟ قالَ: نَعَمْ أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً ؟ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ " . فَلَمْ يُؤْمَرْ هَؤُلاءِ بِالِاسْتِئْذانِ إلّا في العَوْراتِ الثَّلاثِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن كانَ مِنهم أجْنَبِيًّا أوْ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إلّا أنَّ أمْرَ ذَوِي المَحارِمِ أيْسَرُ لِجَوازِ النَّظَرِ إلى شَعْرِها وصَدْرِها وساقِها ونَحْوِها مِنَ الأعْضاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلرَّجُلِ أنْ يَنْهى مَن لا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ دارِهِ عَنِ الوُقُوفِ عَلى بابِ دارِهِ أوِ القُعُودِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ حَظْرَ الدُّخُولِ إلّا بَعْدَ الإذْنِ؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُصَرَّحًا بِهِ في الآيَةِ، فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨] فائِدَةٌ مُجَدِّدَةٌ، وهو أنَّهُ مَتى أمَرَهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ بابِ دارِهِ فَواجِبٌ عَلَيْهِ التَّنَحِّي عَنْهُ لِئَلّا يَتَأذّى بِهِ صاحِبُ الدّارِ في دُخُولِ حَرَمِهِ وخُرُوجِهِمْ وفِيما يَنْصَرِفُ عَلَيْهِ أُمُورُهُ في دارِهِ مِمّا لا يُحِبُّ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
* *
بابُ اسْتِئْذانِ المَمالِيكِ والصِّبْيانِ اسْتِئْذانُ المَمالِيكِ والصِّبْيانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ.
رَوى لَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ عَنْ نافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وسُفْيانَ عَنْ أبِي حُصَيْنٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالا: ( هو في النِّساءِ خاصَّةً والرِّجالُ يَسْتَأْذِنُونَ عَلى كُلِّ حالٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: أنْكَرَ بَعْضُهم هَذا التَّأْوِيلَ، قالَ: لِأنَّ النِّساءَ لا يُطْلَقُ فِيهِنَّ ( الَّذِينَ ) إذا انْفَرَدْنَ، وإنَّما يُقالُ: ( اللّائِي ) كَما قالَ تَعالى: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا يَجُوزُ إذا عُبِّرَ بِلَفْظِ المَمالِيكِ، كَما أنَّ النِّساءَ إذا عُبِّرَ عَنْهُنَّ بِالأشْخاصِ؛ وكَذَلِكَ جائِزٌ أنْ تُذْكَرَ الإناثُ إذا عُبِّرَ عَنْهُنَّ بِلَفْظِ المَمالِيكِ دُونَ النِّساءِ ودُونَ الإماءِ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ والتَّأْنِيثَ يَتْبَعانِ اللَّفْظِ كَما تَقُولُ: ( ثَلاثُ مَلاحِفَ ) فَإذا عَبَّرْتَ بِالأُزُرِ ذَكَّرْتَ فَقُلْتَ: ( ثَلاثَةُ أُزُرٍ ) فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الذُّكُورُ والإناثُ مِنَ المَمالِيكِ ولَيْسَ العَبِيدَ؛ لِأنَّ العَبِيدَ مَأْمُورُونَ بِالِاسْتِئْذانِ في كُلِّ وقْتٍ ما يُوجِبُ الِاقْتِصارَ بِالأمْرِ في العَوْراتِ الثَّلاثِ عَلى الإماءِ دُونَهم؛ إذْ كانُوا مَأْمُورِينَ في سائِرِ الأوْقاتِ، فَفي هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ أوْلى أنْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِهِ.
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ السَّرْحِ والصَّبّاحُ بْنُ سُفْيانَ وابْنُ عَبْدَةَ وهَذا حَدِيثُهُ قالَ: أخْبَرَنا سُفْيانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ( لَمْ يُؤْمَرْ بِها أكْثَرُ النّاسِ آيَةُ الإذْنِ، وإنِّي لَآمُرُ جارِيَتِي هَذِهِ تَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ ) .
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ نَفَرًا مِن أهْلِ العِراقِ قالُوا: يا ابْنَ عَبّاسٍ كَيْفَ تَرى هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي أُمِرْنا فِيها بِما أُمِرْنا ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ، قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسِ: ( إنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ رَحِيمٌ بِالمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السِّتْرَ، وكانَ النّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سِتْرٌ ولا حِجابٌ فَرُبَّما دَخَلَ الخادِمُ أوِ الوَلَدُ أوْ يَتِيمَةُ الرَّجُلِ والرَّجُلُ عَلى أهْلِهِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ العَوْراتِ، فَجاءَهم (p-١٩٢)اللَّهُ بِالسُّتُورِ والخَيْرِ فَلَمْ أرَ أحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بَعْدُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وفي بَعْضِ ألْفاظِ حَدِيثِ عَبّاسٍ هَذا، وهو حَدِيثُ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو: " فَلَمّا أتى اللَّهُ بِالخَيْرِ واِتَّخَذُوا السُّتُورَ والحِجابَ رَأى النّاسُ أنَّ ذَلِكَ قَدْ كَفاهم مِنَ الِاسْتِئْذانِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ " فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِئْذانِ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ مُتَعَلِّقًا بِسَبَبٍ، فَلَمّا زالَ السَّبَبُ زالَ الحُكْمُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَ الآيَةَ مَنسُوخَةً، وأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ السَّبَبِ لَوْ عادَ لَعادَ الحُكْمُ وقالَ الشُّعَبِيُّ أيْضًا إنَّها لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ.
وهَذا نَحْوُ ما فَرَضَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المِيراثِ بِالمُوالاةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] فَكانُوا يَتَوارَثُونَ بِذَلِكَ، فَلَمّا أوْجَبَ التَّوارُثَ بِالنَّسَبِ جَعَلَ ذَوِي الأنْسابِ أوْلى مِن مَوْلى المُوالاةِ، ومَتى فُقِدَ النَّسَبُ عادَ مِيراثُ المُعاقَدَةِ والوَلاءِ.
وقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ ( أبْناؤُهُمُ الَّذِينَ عَقَلُوا ولَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنَ الغِلْمانِ والجَوارِي يَسْتَأْذِنُونَ عَلى آبائِهِمْ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ يَقِيلُونَ ويَخْلُونَ وبَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ وهي العَتَمَةُ فَإذا بَلَغُوا الحُلُمَ اسْتَأْذَنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، إخْوانُهم إذا كانُوا رِجالًا ونِساءً لا يَدْخُلُونَ عَلى آبائِهِمْ إلّا بِإذْنٍ ساعَةَ يَدْخُلُونَ أيَّ ساعَةٍ كانَتْ ) .
ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: ( عَبِيدُكم ) ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ قالَ: ( مِن أحْرارِكم )؛ ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ مِثْلُهُ.
وأنْكَرَ بَعْضُهم هَذا التَّأْوِيلَ؛ لِأنَّ العَبْدَ البالِغَ بِمَنزِلَةِ الحُرِّ البالِغِ في تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلى مَوْلاتِهِ، فَكَيْفَ يُجْمَعُ إلى الصِّبْيانِ الَّذِينَ هم غَيْرُ مُكَلَّفِينَ قالَ: فالأظْهَرُ أنْ يَكُونَ المُرادُ العَبِيدَ الصِّغارَ والإماءَ وصِغارَنا الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم ) . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والشُّعَبِيُّ: ( هَذا مِمّا تَهاوَنَ بِهِ النّاسُ وما نُسِخَتْ ) . وقالَ أبُو قِلابَةَ: " لَيْسَ بِواجِبٍ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] " . وقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: ( يَسْتَأْذِنُ عِنْدَ كُلِّ عَوْرَةٍ، ثُمَّ هو طَوّافٌ بَعْدَها )؛ يَعْنِي أنَّهُ يَسْتَأْذِنُ عِنْدَ أوْقاتِ الخَلْوَةِ والتَّفَضُّلِ في الثِّيابِ وطَرْحِها وهو طَوّافٌ بَعْدَها؛ لِأنَّها أوْقاتُ السِّتْرِ، ولا يَسْتَطِيعُ الخادِمُ والغُلامُ والصَّبِيُّ الِامْتِناعَ مِنَ الدُّخُولِ كَما قالَ ﷺ في الهِرَّةِ: «إنَّها مِنَ الطَّوّافِينَ عَلَيْكم والطَّوّافاتِ» يَعْنِي أنَّهُ لا يُسْتَطاعُ الِامْتِناعُ مِنها. ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعُمَرَ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي ؟ قالَ: نَعَمْ؛ وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ
(p-١٩٣)
* *
فَصْلٌ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن جَعَلَ حَدَّ البُلُوغِ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً؛ إذْ لَمْ يَحْتَلِمْ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن بَلَغَها وبَيْنَ مَن قَصُرَ عَنْها بَعْدَ أنْ لا يَكُونَ قَدْ بَلَغَ الحُلُمَ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ وعَنِ المَجْنُونِ حَتّى يُفِيقَ وعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ» . ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن بَلَغَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً وبَيْنَ مَن لَمْ يَبْلُغْها. وأمّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّهُ عُرِضَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ولَهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجَزْ وعُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ ولَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأجازَهُ»، فَإنَّهُ مُضْطَرِبٌ؛ لِأنَّ الخَنْدَقَ كانَ في سَنَةِ خَمْسٍ، وأُحُدٌ في سَنَةِ ثَلاثٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُما سَنَةٌ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الإجازَةَ في القِتالِ لا تَعَلُّقَ لَها بِالبُلُوغِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُرَدُّ البالِغُ لِضَعْفِهِ ويُجازُ غَيْرُ البالِغِ لِقُوَّتِهِ عَلى القِتالِ وطاقَتِهِ لِحَمْلِ السِّلاحِ، كَما أجازَ رافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ورَدَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَصْرَعُهُ أمْرَهُما فَتَصارَعا، فَصَرَعَهُ سَمُرَةَ فَأجازَهُ ولَمْ يَسْألْهُ عَنْ سِنِّهِ. وأيْضًا فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْألِ ابْنَ عُمَرَ عَنْ مَبْلَغِ سِنِّهِ في الأوَّلِ ولا في الثّانِي وإنَّما اعْتَبَرَ في قُوَّتِهِ وضَعْفِهِ؛ فاعْتِبارُ السِّنِّ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أجازَهُ في وقْتٍ ورَدَّهُ في وقْتٍ ساقِطٌ.
وقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ الِاحْتِلامَ بُلُوغٌ، واخْتَلَفُوا إذا بَلَغَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً ولَمْ يَحْتَلِمْ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ( لا يَكُونُ الغُلامُ بالِغًا حَتّى يَبْلُغَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ويَسْتَكْمِلَها، وفي الجارِيَةِ سَبْعَ عَشَرَةَ سَنَةً وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والشّافِعِيُّ في الغُلامِ والجارِيَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ) وذَهَبُوا فِيها إلى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وقَدْ بَيَّنّا أنْ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّها حَدُّ البُلُوغِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَسْألْهُ عَنِ الِاحْتِلامِ ولا عَنِ السِّنِّ.
ولَمّا ثَبَتَ بِما وصَفْنا أنَّ الخَمْسَ عَشَرَةَ لَيْسَتْ بِبُلُوغٍ وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ يَنْفِي أيْضًا أنْ تَكُونَ الخَمْسَ عَشَرَةَ بُلُوغًا عَلى الحَدِّ الَّذِي بَيَّنّا، صارَ طَرِيقُ إثْباتِ حَدِّ البُلُوغِ بَعْدَ ذَلِكَ الِاجْتِهادَ؛ لِأنَّهُ حَدٌّ بَيْنَ الصِّغَرِ والكِبَرِ الَّذِينَ قَدْ عَرَفْنا طَرِيقَهُما وهو واسِطَةٌ بَيْنَهُما، فَكانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ.
ولَيْسَ يَتَوَجَّهُ عَلى القائِلِ بِما وصَفْنا سُؤالٌ، كالمُجْتَهِدِ في تَقْوِيمِ المُسْتَهْلَكاتِ وأُرُوشِ الجِناياتِ الَّتِي لا تَوْقِيفَ في مَقادِيرِها ومُهُورِ الأمْثالِ ونَحْوِها.
فَإنْ قِيلَ: فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ اعْتِبارُهُ لِهَذا المِقْدارِ دُونَ غَيْرِهِ لِضَرْبٍ مِنَ التَّرْجِيحِ عَلى غَيْرِهِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ ذَلِكَ في رَأْيِهِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ المَقادِيرِ.
قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلِمْنا أنَّ العادَةَ في البُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وكُلُّ ما كانَ طَرِيقُهُ العاداتِ فَقَدْ تَجُوزُ الزِّيادَةُ فِيهِ والنُّقْصانُ مِنهُ، وقَدْ وجَدْنا مَن بَلَغَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقَدْ بَيَّنّا (p-١٩٤)أنَّ الزِّيادَةَ عَلى المُعْتادِ مِنَ الخَمْسَ عَشْرَةَ جائِزَةٌ كالنُّقْصانِ عَنْهُ فَجَعَلَ أبُو حَنِيفَةَ الزِّيادَةَ عَلى المُعْتادِ كالنُّقْصانِ عَنْهُ وهي ثَلاثُ سِنِينَ؛ كَما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا جَعَلَ المُعْتادَ مِن حَيْضِ النِّساءِ سِتًّا أوْ سَبْعًا بِقَوْلِهِ لِحِمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ: «تَحِيضِينَ في عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أوْ سَبْعًا كَما تَحِيضُ النِّساءُ في كُلِّ شَهْرٍ» اقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ العادَةُ سِتًّا ونِصْفًا؛ لِأنَّهُ جَعَلَ السّابِعَ مَشْكُوكًا فِيهِ بِقَوْلِهِ: ( سِتًّا أوْ سَبْعًا ) .
ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنا أنَّ النُّقْصانَ عَنِ المُعْتادِ ثَلاثٌ ونِصْفٌ؛ لِأنَّ أقَلَّ الحَيْضِ عِنْدَنا ثَلاثٌ وأكْثَرَهُ عَشْرَةٌ، فَكانَتِ الزِّيادَةُ عَلى المُعْتادِ بِإزاءِ النُّقْصانِ مِنهُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ اعْتِبارُ الزِّيادَةِ عَلى المُعْتادِ فِيما وصَفْنا.
وقَدْ حُكِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً لِلْغُلامِ؛ وهو مَحْمُولٌ عَلى اسْتِكْمالِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ والدُّخُولِ في التّاسِعَ عَشْرَةَ.
واخْتُلِفَ في الإثْباتِ هَلْ يَكُونُ بُلُوغًا، فَلَمْ يَجْعَلْهُ أصْحابُنا بُلُوغًا، والشّافِعِيُّ يَجْعَلُهُ بُلُوغًا، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ يَنْفِي أنْ يَكُونَ الإثْباتُ بُلُوغًا إذا لَمْ يَحْتَلِمْ، كَما نَفى كَوْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ بُلُوغًا. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «وعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ» وهَذا خَبَرٌ مَنقُولٌ مِن طَرِيقِ الِاسْتِفاضَةِ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ السَّلَفُ والخَلَفُ في رَفْعِ حُكْمِ القَلَمِ عَنِ المَجْنُونِ والنّائِمِ والصَّبِيِّ. واحْتَجَّ مَن جَعَلَهُ بُلُوغًا بِحَدِيثِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ مَن أنْبَتَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ واسْتَحْيا مَن لَمْ يُنْبِتْ، قالَ: فَنَظَرُوا إلَيَّ فَلَمْ أكُنْ أنْبَتُّ فاسْتَبْقانِي» . وهَذا حَدِيثٌ لا يَجُوزُ إثْباتُ الشَّرْعِ بِمِثْلِهِ؛ إذْ كانَ عَطِيَّةُ هَذا مَجْهُولًا لا يُعْرَفُ إلّا مِن هَذا الخَبَرِ، لا سِيَّما مَعَ اعْتِراضِهِ عَلى الآيَةِ والخَبَرِ في نَفْيِ البُلُوغِ إلّا بِالِاحْتِلامِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَهو مُخْتَلِفُ الألْفاظِ، فَفي بَعْضِها أنَّهُ أمَرَ بِقَتْلِ مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المَواسِي، وفي بَعْضِها مَنِ اخْضَرَّ إزارُهُ؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَبْلُغُ هَذِهِ الحالَ إلّا وقَدْ تَقَدَّمَ في بُلُوغِهِ، ولا يَكُونُ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهِ المَواسِي إلّا وهو رَجُلٌ كَبِيرٌ؛ فَجَعَلَ الإثْباتَ وجَرْيَ المَواسِيِ عَلَيْهِ كِنايَةً عَنْ بُلُوغِ القَدْرِ الَّذِي ذَكَرْنا في السِّنِّ وهي ثَمانِيَ عَشْرَةَ وأكْثَرُ.
ورُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ وأبِي بَصْرَةَ الغِفارِيِّ أنَّهُما قَسَما في الغَنِيمَةِ لِمَن أنْبَتَ. وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُما رَأيا الإنْباتَ بُلُوغًا؛ لِأنَّ القِسْمَةَ جائِزَةٌ لِلصِّبْيانِ عَلى وجْهِ الرَّضْخِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ السَّلَفِ شَيْءٌ في اعْتِبارِ طُولِ الإنْسانِ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الفُقَهاءِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أنَسٍ قالَ: ( أتى أبُو بَكْرٍ بِغُلامٍ قَدْ سَرَقَ، فَأمَرَهُ فَشُبِرَ فَنَقَصَ أُنْمُلَةً فَخَلّى عَنْهُ ) .
ورَوى قَتادَةَ عَنْ خِلاسٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ( إذا بَلَغَ الغُلامُ خَمْسَةَ أشْبارٍ فَقَدْ وقَعَتْ عَلَيْهِ الحُدُودُ ويُقْتَصُّ لَهُ ويُقْتَصُّ مِنهُ، وإذا اسْتَعانَهُ رِجْلٌ بِغَيْرِ إذْنِ أهْلِهِ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أشْبارٍ (p-١٩٥)فَهُوَ ضامِنٌ ) .
ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ: ( أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أتى بِوَصِيفٍ لِعُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ قَدْ سَرَقَ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ حَدَثَ أنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَيْهِ في غُلامٍ مِن أهْلِ العِراقِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنِ اشْبِرْهُ فَشَبَرَهُ فَنَقَصَ أُنْمُلَةً فَسُمِّيَ نُمَيْلَةُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذِهِ أقاوِيلُ شاذَّةٌ بِأسانِيدَ ضَعِيفَةٍ تَبْعُدُ أنْ تَكُونَ مِن أقاوِيلِ السَّلَفِ،؛ إذِ الطُّولُ والقِصَرُ لا يَدُلّانِ عَلى بُلُوغٍ ولا نَفْيِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَصِيرًا ولَهُ عِشْرُونَ سَنَةً وقَدْ يَكُونُ طَوِيلًا ولا يَبْلُغُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ولَمْ يَحْتَلِمْ؛ وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ وقَدْ عَقَلَ يُؤْمَرُ بِفِعْلِ الشَّرائِعِ ويُنْهى عَنِ ارْتِكابِ القَبائِحِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ، عَلى جِهَةِ التَّعْلِيمِ؛ كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالِاسْتِئْذانِ في هَذِهِ الأوْقاتِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الجُهَنِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا بَلَغَ الغُلامُ سَبْعَ سِنِينَ فَمُرُوهُ بِالصَّلاةِ، وإذا بَلَغَ عَشْرًا فاضْرِبُوهُ عَلَيْها». ورَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُرُوا صِبْيانَكم بِالصَّلاةِ إذا بَلَغُوا سَبْعًا واضْرِبُوهم عَلَيْها إذا بَلَغُوا عَشْرًا وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ». وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( حافِظُوا عَلى أبْنائِكم في الصَّلاةِ ) .
ورَوى نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ( يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ الصَّلاةَ إذا عَرَفَ يَمِينَهُ مِن شِمالِهِ ) .
ورَوى حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: ( كانَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ يَأْمُرُ الصِّبْيانَ أنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا والمَغْرِبَ والعِشاءَ جَمِيعًا، فَيُقالُ لَهُ: يُصَلُّونَ الصَّلاةَ لِغَيْرِ وقْتِها فَيَقُولُ: هَذا خَيْرٌ مِن أنْ يَتَناهَوْا عَنْها ) . ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ: ( أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بَنِيهِ بِالصَّلاةِ إذا عَقَلُوها وبِالصَّوْمِ إذا أطاقُوهُ ) . ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ( إذا بَلَغَ الصَّبِيُّ عَشْرَ سِنِينَ كُتِبَتْ لَهُ الحَسَناتُ ولا تُكْتَبُ عَلَيْهِ السَّيِّئاتُ حَتّى يَحْتَلِمَ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما يُؤْمَرُ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّعْلِيمِ ولِيَعْتادَهُ ويَتَمَرَّنَ عَلَيْهِ فَيَكُونَ أسْهَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ وأقَلَّ نُفُورًا مِنهُ، وكَذَلِكَ يُجَنَّبُ شُرْبَ الخَمْرِ وأكْلَ لَحْمِ الخِنْزِيرِ ويُنْهى عَنْ سائِرِ المَحْظُوراتِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ في الصِّغَرِ وخُلِّيَ وسائِرَ شَهَواتِهِ وما يُؤْثِرُهُ ويَخْتارُهُ يَصْعُبُ عَلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ الإقْلاعُ عَنْهُ؛ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] رُوِيَ في التَّفْسِيرِ: أدِّبُوهم وعَلِّمُوهم. وكَما يُنْهى عَنِ اعْتِقادِ الكُفْرِ والشِّرْكِ وإظْهارِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا، كَذَلِكَ حُكْمُ الشَّرائِعِ.
* *
فِي اسْمِ صَلاةِ العِشاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ رَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ( لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأعْرابُ عَلى اسْمِ صَلاتِكم فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ وإنَّ الأعْرابَ يُسَمُّونَها العَتَمَةَ، وإنَّما العَتَمَةُ عَتَمَةُ الإبِلِ لِلْحِلابِ ) .
النور 24:59
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ الآيَةَ. يَعْنِي أنَّ الأطْفالَ إذا بَلَغُوا الحُلُمَ فَعَلَيْهِمُ الِاسْتِئْذانُ في سائِرَ الأوْقاتِ كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور: ٢٧] وفِيهِ (p-١٩٦)دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِاحْتِلامَ بُلُوغٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨] يَعْنِي بَعْدَ هَذِهِ العَوْراتِ الثَّلاثِ جائِزٌ لِلْإماءِ واَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ أنْ يَدْخُلُوا بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ؛ إذْ كانَتِ الأوْقاتُ الثَّلاثُ هو حالُ التَّكَشُّفِ والخَلْوَةِ وما بَعْدَها حالُ السِّتْرِ والتَّأهُّبِ لِدُخُولِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الِاسْتِئْذانُ في كُلِّ وقْتٍ لِكَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وخُرُوجِهِمْ وهو مَعْنى ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]
النور 24:60
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ الآيَةَ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ: ( والقَواعِدُ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا هُنَّ اللّاتِي لا يُرِدْنَهُ، وثِيابُهُنَّ جَلابِيبُهُنَّ ) . وقالَ إبْراهِيمُ وابْنُ جُبَيْرٍ: ( الرِّداءُ ) . وقالَ الحَسَنُ: ( الجِلْبابُ والمِنطَقُ ) . وعَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ: ( يَضَعْنَ الخِمارَ والرِّداءَ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا خِلافَ في أنَّ شَعْرَ العَجُوزِ عَوْرَةٌ لا يَجُوزُ لِلْأجْنَبِيِّ النَّظَرُ إلَيْهِ كَشَعْرِ الشّابَّةِ، وأنَّها إنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ كانَتْ كالشّابَّةِ في فَسادِ صَلاتِها، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ وضْعَ الخِمارِ بِحَضْرَةِ الأجْنَبِيِّ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما أباحَ اللَّهُ تَعالى لَها بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ تَضَعَ خِمارَها في الخَلْوَةِ بِحَيْثُ لا يَراها أحَدٌ. قِيلَ لَهُ: فَإذًا لا مَعْنى لِتَخْصِيصِ القَواعِدِ بِذَلِكَ؛ إذْ كانَ لِلشّابَّةِ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ في خَلْوَةٍ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ إنَّما أباحَ لِلْعَجُوزِ وضْعَ رِدائِها بَيْنَ يَدَيِ الرِّجالِ بَعْدَ أنْ تَكُونَ مُغَطّاةَ الرَّأْسِ، وأباحَ لَها بِذَلِكَ كَشْفَ وجْهِها ويَدِها؛ لِأنَّها لا تُشْتَهى؛ وقالَ تَعالى: ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فَأباحَ لَها وضْعَ الجِلْبابِ، وأخْبَرَ أنَّ الِاسْتِعْفافَ بِأنْ لا تَضَعَ ثِيابَها أيْضًا بَيْنَ يَدَيِ الرِّجالِ خَيْرٌ لَها.
النور 24:61
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ الآيَةَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِهِ وسَبَبِ نُزُولِهِ، فَحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَكَمِ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ قالَ: ( لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] قالَ المُسْلِمُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَهانا أنْ نَأْكُلَ أمْوالَنا بَيْنَنا بِالباطِلِ (p-١٩٧)وإنَّ الطَّعامَ مِن أفْضَلِ أمْوالِنا ولا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أحَدٍ؛ فَكَفَّ النّاسَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ الآيَةَ ) . فَهَذا أحَدُ التَّأْوِيلاتِ.
وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ ( بْنِ الحَكَمِ ) قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ ( بْنِ اليَمانِ ) قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ( كانَ رِجالٌ زَمْنى وعُمْيانٌ وعُرْجانٌ وأُولُو حاجَةٍ يَسْتَتْبِعُهم رِجالٌ إلى بُيُوتِهِمْ فَإنْ لَمْ يَجِدُوا لَهم طَعامًا ذَهَبُوا بِهِمْ إلى بُيُوتِ آبائِهِمْ ومَن مَعَهم، فَكَرِهَ المُسْتَتْبِعُونَ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ الآيَةَ، وأُحِلَّ لَهُمُ الطَّعامُ حَيْثُ وجَدُوهُ مِن ذَلِكَ ) .
فَهَذا تَأْوِيلٌ ثانِي. وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ ( بْنِ الحَكَمِ ) قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ ابْنِ المُبارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: قُلْتَ لِلزُّهْرِيِّ: ما بالُ الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ ذُكِرُوا هَهُنا ؟ فَقالَ: أخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: ( أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا غَزَوْا خَلَّفُوا زَمْناهم في بُيُوتِهِمْ وسَلَّمُوا إلَيْهِمُ المَفاتِيحَ وقالُوا: قَدْ أحْلَلْنا لَكم أنْ تَأْكُلُوا مِنها، فَكانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ ويَقُولُونَ: لا نَدْخُلُها وهم غُيَّبٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رُخْصَةً لَهم ) .
فَهَذا تَأْوِيلٌ ثالِثٌ.
ورُوِيَ فِيهِ تَأْوِيلٌ رابِعٌ، وهو ما رَوى سُفْيانُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مِقْسَمٍ قالَ: ( كانُوا يَمْتَنِعُونَ أنْ يَأْكُلُوا مَعَ الأعْمى والمَرِيضِ والأعْرَجِ؛ لِأنَّهُ لا يَنالُ ما يَنالُ الصَّحِيحُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ) وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ هَذا التَّأْوِيلَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: لَيْسَ عَلَيْكم حَرَجٌ في مُؤاكَلَةِ الأعْمى وإنَّما أزالَ الحَرَجَ عَنِ الأعْمى ومَن ذُكِرَ مَعَهُ في الأكْلِ، فَهَذا في الأعْمى إذا أكَلَ مِن مالِ غَيْرِهِ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ عَنِ السَّلَفِ، وإنْ كانَ تَأْوِيلُ مِقْسَمٍ مُحْتَمَلًا عَلى بُعْدٍ في الكَلامِ، وتَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ولَمْ يَكُنْ هَذا تِجارَةً وامْتَنَعُوا مِنَ الأكْلِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ إباحَةَ ذَلِكَ.
وأمّا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ فَهو سائِغٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ كانَتِ العادَةُ عِنْدَهم بَذْلَ الطَّعامِ لِأقْرِبائِهِمْ ومَن مَعَهم، فَكانَ جَرَيانُ العادَةِ بِهِ كالنُّطْقِ بِهِ، فَأباحَ اللَّهُ لِلْأعْمى ومَن ذُكِرَ مَعَهُ إذا اسْتَتْبَعُوا أنْ يَأْكُلُوا مِن بُيُوتِ مَنِ اتَّبَعُوهم وبُيُوتِ آبائِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ فِيمَن كانَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلى الطَّعامِ، وقَدْ كانَتِ الضِّيافَةُ واجِبَةً في ذَلِكَ الزَّمانِ لِأمْثالِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ القَدْرُ مُسْتَحَقًّا مِن مالِهِمْ لِهَؤُلاءِ؛ فَلِذَلِكَ أُبِيحَ لَهم أنْ يَأْكُلُوا مِنهُ مِقْدارَ الحاجَةِ بِغَيْرِ إذْنٍ. وقالَ قَتادَةُ: " إنْ أكَلْتَ مِن بَيْتِ صَدِيقِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلا بَأْسَ "، لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ .
ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ عَلى الحَسَنِ، فَرَأى سُفْرَةً مُعَلَّقَةً فَأخَذَها وجَعَلَ يَأْكُلُ مِنها، فَبَكى (p-١٩٨)الحَسَنُ، فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ ؟ فَقالَ: ذَكَرْتُ بِما صَنَعَ هَذا إخْوانًا لِي مَضَوْا؛ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَنْبَسِطُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ ولا يَسْتَأْذِنُونَ. وهَذا أيْضًا عَلى ما كانَتِ العادَةُ قَدْ جَرَتْ بِهِ مِنهم في مِثْلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ: مِنَ البُيُوتِ الَّتِي هم سُكّانُها وهم عِيالُ غَيْرِهِمْ فِيها، مِثْلُ أهْلِ الرَّجُلِ ووَلَدِهِ وخادِمِهِ ومَن يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مَنزِلُهُ فَيَأْكُلُ مِن بَيْتِهِ؛ ونَسَبَها إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم سُكّانُها وإنْ كانُوا في عِيالِ غَيْرِهِمْ وهو صاحِبُ المَنزِلِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الإباحَةَ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ نَفْسِهِ؛ إذْ كانَ ظاهِرُ الخِطابِ وابْتِداؤُهُ في إباحَةِ الأكْلِ لِلْإنْسانِ مِن مالِ غَيْرِهِ؛ وقالَ اللَّهُ: ﴿أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكُمْ﴾ فَأباحَ الأكْلَ مِن بُيُوتِ هَؤُلاءِ الأقْرِباءِ ذَوِي المَحارِمِ بِجَرَيانِ العادَةِ بِبَذْلِ الطَّعامِ لِأمْثالِهِمْ وفَقْدِ التَّمانُعِ في أمْثالِهِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأكْلَ في بُيُوتِ الأوْلادِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ قَدْ أفادَهُ؛ لِأنَّ مالَ الرَّجُلِ مَنسُوبٌ إلى أبِيهِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ» وقالَ: «إنَّ أطْيَبَ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ فَكُلُوا مِن كَسْبِ أوْلادِكم»، فاكْتَفى بِذِكْرِ بُيُوتِ أنْفُسِكم عَنْ ذِكْرِ بُيُوتِ الأوْلادِ؛ إذْ كانَتْ مَنسُوبَةً إلى الآباءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ قالَ: ( هو الرَّجُلُ يُؤاكِلُ الرَّجُلَ بِصَنْعَتِهِ، يُرَخِّصُ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِن ذَلِكَ الطَّعامِ والثَّمَرِ ويَشْرَبَ مِن ذَلِكَ اللَّبَنِ ) .
وعَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ قالَ: ( إذا مَلَكَ المِفْتاحَ فَهو جائِزٌ ولا بَأْسَ أنْ يَطْعَمَ الشَّيْءَ اليَسِيرَ ) .
ورَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ لا يُضَيِّفُ أحَدًا ولا يَأْكُلُ مِن بَيْتِ غَيْرِهِ تَأثُّمًا مِن ذَلِكَ، وكانَ أوَّلُ مَن رَخَّصَ اللَّهُ لَهُ في ذَلِكَ ثُمَّ رَخَّصَ لِلنّاسِ عامَّةً، فَقالَ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ مِمّا عِنْدَكَ يا ابْنَ آدَمَ، أوْ صَدِيقِكم، ولَوْ دَخَلْتَ عَلى صَدِيقٍ فَأكَلْتَ مِن طَعامِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ كانَ ذَلِكَ حَلالًا.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا أيْضًا مَبْنِيٌّ عَلى ما جَرَتِ العادَةُ بِالإذْنِ فِيهِ فَيَكُونُ المُعْتادُ مِن ذَلِكَ كالمَنطُوقِ بِهِ، وهو مِثْلُ ما تَتَصَدَّقُ بِهِ المَرْأةُ مِن بَيْتِ زَوْجِها بِالكِسْرَةِ ونَحْوِها مِن غَيْرِ اسْتِئْذانِها إيّاهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعارَفٌ أنَّهم لا يُمْنَعُونَ مِن مِثْلِهِ، كالعَبْدِ المَأْذُونِ والمُكاتَبِ يَدْعُوانِ إلى طَعامِهِما ويَتَصَدَّقانِ بِاليَسِيرِ مِمّا في أيْدِيهِما فَيَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِ المَوْلى.
وقَوْلُهُ: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (p-١٩٩)رَوى الأعْمَشُ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ( لَقَدْ رَأيْتُنِي وما الرَّجُلُ المُسْلِمُ بِأحَقَّ بِدِينارِهِ ودِرْهَمِهِ مِن أخِيهِ المُسْلِمِ ) . ورَوى عَبْدُ اللَّهِ الرَّصافِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: " كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يَرى أحَدَهم أنَّهُ أحَقُّ بِالدِّينارِ والدِّرْهَمِ مِن أخِيهِ " ورَوى إسْحاقُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا الرَّصافِيُّ قالَ: " كُنّا عِنْدَ أبِي جَعْفَرٍ يَوْمًا فَقالَ: هَلْ يُدْخِلُ أحَدُكم يَدَهُ في كُمِّ أخِيهِ فَيَأْخُذُ مالَهُ ؟ قُلْنا: لا، قالَ: ما أنْتُمْ بِإخْوانٍ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن سَرَقَ مِن ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ أنَّهُ لا يُقْطَعُ لِإباحَةِ اللَّهِ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ الأكْلَ مِن بُيُوتِهِمْ ودُخُولِها مِن غَيْرِ إذْنِهِمْ فَلا يَكُونُ مالُهُ مُحَرَّزًا مِنهم.
فَإنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي أنْ لا يُقْطَعَ إذا سَرَقَ مِن صَدِيقِهِ؛ لِأنَّ فَفي الآيَةِ إباحَةَ الأكْلِ مِن طَعامِهِ قِيلَ لَهُ: مَن أرادَ سَرِقَةَ مالِهِ لا يَكُونُ صَدِيقًا لَهُ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] وبِقَوْلِهِ ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ في ذَلِكَ ما يُوجِبُ نَسْخَهُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيمَن ذُكِرَ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] في سائِرِ النّاسِ غَيْرِهِمْ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ رَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: " كانَ هَذا الحَيُّ مِن كِنانَةَ بَنِي خُزَيْمَةَ يَرى أحَدُهم أنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أنْ يَأْكُلَ، وحْدَهُ في الجاهِلِيَّةِ حَتّى أنَّ الرَّجُلَ لَيَسُوقُ الذَّوْدَ الحُفَّلَ وهو جائِعٌ حَتّى يَجِدَ مَن يُؤاكِلُهُ ويُشارِبُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ .
ورَوى الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنا وحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وحْشِيٍّ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: إنّا نَأْكُلُ ولا نَشْبَعُ، قالَ: «فَلَعَلَّكم تَفْتَرِقُونَ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فاجْتَمِعُوا عَلى طَعامِكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبارِكْ لَكم فِيهِ» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ " المَعْنى: يَأْكُلُ مَعَ الفَقِيرِ في بَيْتِهِ " . وقالَ أبُو صالِحٍ: ( كانَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ تَحَرَّجُوا أنْ يَأْكُلُوا إلّا مَعَهُ ) . وقِيلَ: ( إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَخافُ إنْ أكَلَ مَعَ غَيْرِهِ أنْ يَزِيدَ أكْلُهُ عَلى أكْلِ صاحِبِهِ، فامْتَنَعُوا لِأجْلِ ذَلِكَ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى الطَّعامِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا تَأْوِيلٌ مُحْتَمَلٌ، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فَأباحَ لَهم أنْ يَخْلِطُوا طَعامَ اليَتِيمِ بِطَعامِهِمْ فَيَأْكُلُوهُ جَمِيعًا، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ﴾ [الكهف: ١٩] فَكانَ الوَرِقُ لَهم جَمِيعًا والطَّعامُ بَيْنَهم فاسْتَجازُوا أكْلَهُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-٢٠٠)مُرادُهُ أنْ يَأْكُلُوا جَمِيعًا طَعامًا بَيْنَهم وهي المُناهَدَةُ الَّتِي يَفْعَلُها النّاسُ في الأسْفارِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً﴾ رَوى مَعْمَرٌ عَنِ الحَسَنِ: " فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم، يُسَلِّمُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] " .
ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ( هو المَسْجِدُ إذا دَخَلْتَهُ فَقُلِ السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ ) . وقالَ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ( أنَّهُ كانَ إذا دَخَلَ بَيْتًا لَيْسَ فِيهِ أحَدٌ قالَ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، وإذا كانَ فِيهِ أحَدٌ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم، وإذا دَخَلَ المَسْجِدَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ) . وقالَ الزُّهْرِيُّ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ( إذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ عَلى أهْلِكَ فَهم أحَقُّ مَن سَلَّمْتَ عَلَيْهِ، وإذا دَخَلْتَ بَيْتًا لا أحَدَ فِيهِ فَقُلِ السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَإنَّهُ كانَ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ حَدَّثَنا أنَّ المَلائِكَةَ تَرُدُّ عَلَيْهِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِسائِرِ الوُجُوهِ الَّتِي تَأوَّلَهُ السَّلَفُ عَلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ مُرادًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ يَعْنِي أنَّ السَّلامَ تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ، وهي مُبارَكَةٌ طَيِّبَةٌ؛ لِأنَّهُ دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ فَيَبْقى أثَرُهُ ومَنفَعَتُهُ.
وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦] قَدْ أُرِيدَ بِهِ السَّلامُ.
النور 24:62
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ قالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( في الجِهادِ ) . وقالَ عَطاءٌ: ( في كُلِّ أمْرٍ جامِعٍ ) . وقالَ مَكْحُولٌ: ( في الجُمُعَةِ والقِتالِ ) . وقالَ الزُّهْرِيُّ: ( الجُمُعَةُ )، وقالَ قَتادَةُ: ( كُلُّ أمْرٍ هو طاعَةٌ لِلَّهِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو في جَمِيعِ ذَلِكَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ. وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: ( كانَ اللَّهُ أنْزَلَ قَبْلَ ذَلِكَ في سُورَةِ بَراءَةٍ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فَرَخَّصَ لَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ فَنُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ بَراءَةٍ ) . وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لا مَعْنى لِلِاسْتِئْذانِ لِلْمُحْدِثِ في الجُمُعَةِ؛ لِأنَّهُ لا وجْهَ لِمُقامِهِ ولا يَجُوزُ لِلْإمامِ مَنعُهُ، فَلا مَعْنى لِلِاسْتِئْذانِ فِيهِ؛ وإنَّما هو فِيما يَحْتاجُ الإمامُ فِيهِ إلى مَعُونَتِهِمْ في القِتالِ أوِ الرَّأْيِ.
النور 24:63
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ( يَعْنِي احْذَرُوا إذا أسْخَطْتُمُوهُ دُعاءَهُ عَلَيْكم فَإنَّ دُعاءَهُ مُجابٌ لَيْسَ كَدُعاءِ غَيْرِهِ ) . وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: ( اُدْعُوهُ بِالخُضُوعِ والتَّعْظِيمِ نَحْوُ يا رَسُولَ اللَّهِ يا نَبِيَّ اللَّهِ، ولا تَقُولُوا: يا مُحَمَّدُ كَما يَقُولُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ )
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُما.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ يَعْنِي بِهِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا (p-٢٠١)يَنْصَرِفُونَ عَنْ أمْرٍ جامِعٍ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ يَلُوذُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ويَسْتَتِرُ بِهِ لِئَلّا يَراهُ النَّبِيُّ ﷺ مُنْصَرِفًا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مَعْناهُ: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ أمْرَهُ. ودَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الجَرِّ لِجَوازِ ذَلِكَ في اللُّغَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] مَعْناهُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم. و( الهاءُ ) في ( أمْرِهِ ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا لِلَّهِ تَعالى؛ والأظْهَرُ أنَّها لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ يَلِيهِ، وحُكْمُ الكِنايَةِ رُجُوعُها إلى ما يَلِيها دُونَ ما تَقَدَّمَها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أوامِرَ اللَّهِ عَلى الوُجُوبِ؛ لِأنَّهُ ألْزَمَ اللَّوْمَ والعِقابَ لِمُخالَفَةِ الأمْرِ، وذَلِكَ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يَقْبَلَهُ فَيُخالِفَهُ بِالرَّدِّ لَهُ.
والثّانِي: أنْ لا يَفْعَلَ المَأْمُورَ بِهِ وإنْ كانَ مُقِرًّا بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ ومُعْتَقِدًا لِلُزُومِهِ؛ فَهو عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا ومَن قَصَرَهُ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ دُونَ الآخَرِ خَصَّهُ بِغَيْرِ دَلالَةٍ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهِ في أنَّ أفْعالَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى الوُجُوبِ، وذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ الضَّمِيرَ في ( أمْرِهِ ) لِلنَّبِيِّ ﷺ وفِعْلُهُ يُسَمّى أمْرُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] يَعْنِي أفْعالَهُ وأقْوالَهُ.
وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى فِيهِ بَعْدَ اسْمِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ وهو الَّذِي تَلِيهِ الكِنايَةُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ. آخِرُ سُورَةِ النُّورِ.
الفرقان 25:48
ومِن سُورَةِ الفُرْقانِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ الطَّهُورُ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ لَهُ بِالطَّهارَةِ وتَطْهِيرِ غَيْرِهِ، فَهو طاهِرٌ مُطَهِّرٌ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ ضَرُوبٌ وقَتُولٌ أيْ يَضْرِبُ ويَقْتُلُ وهو مُبالَغَةٌ في الوَصْفِ لَهُ بِذَلِكَ. والوَضُوءُ يُسَمّى طَهُورًا؛ لِأنَّهُ يُطَهِّرُ مِنَ الحَدَثِ المانِعِ مِنَ الصَّلاةِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» أيْ بِما يُطَهِّرُ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «جُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» فَسَمّاهُ طَهُورًا مِن حَيْثُ اسْتَباحَ بِهِ الصَّلاةَ وقامَ مَقامَ الماءِ فِيهِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في حُكْمِ الماءِ عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ:
أحَدُها: إذا خالَطَ الماءَ غَيْرُهُ مِنَ الأشْياءِ، الطّاهِرَةِ.
والثّانِي: إذا خالَطَهُ نَجاسَةٌ.
والثّالِثُ: الماءُ المُسْتَعْمَلُ؛ فَقالَ أصْحابُنا: ( إذا لَمْ تُخالِطْهُ نَجاسَةٌ ولَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى يُزِيلَ عَنْهُ اسْمَ الماءِ لِأجْلِ الغَلَبَةِ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ لِطَهارَةِ البَدَنِ فالوُضُوءُ بِهِ جائِزٌ فَإنْ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى يُزِيلَ عَنْهُ اسْمَ الماءِ مِثْلُ المَرَقِ وماءِ الباقِلّاءِ والخَلِّ ونَحْوِهِ، فَإنَّ الوُضُوءَ بِهِ غَيْرُ جائِزٍ، وما طُبِخَ بِالماءِ لِيَكُونَ أنْقى لَهُ نَحْوُ الأُشْنانِ والصّابُونِ فالوُضُوءُ بِهِ (p-٢٠٢)جائِزٌ إلّا أنْ يَكُونَ مِثْلَ السَّوِيقِ المَخْلُوطِ فَلا يُجْزِي، وكَذَلِكَ إنْ وقَعَ فِيهِ زَعْفَرانٌ أوْ شَيْءٌ مِمّا يُصْبَغُ بِصَبْغِهِ وغَيَّرَ لَوْنَهُ فالوُضُوءُ بِهِ جائِزٌ لِأجْلِ غَلَبَةِ الماءِ ) . وقالَ مالِكٌ، ( لا يَتَوَضَّأُ بِالماءِ الَّذِي يُبَلُّ فِيهِ الخُبْزُ ) . وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: ( إذا تَوَضَّأ بِزَرْدَجٍ أوْ نَشاسْبِتَجٍ أوْ بِخَلٍّ أجْزَأْهُ، وكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ غَيَّرَ لَوْنَهُ ) .
وقالَ الشّافِعِيُّ: ( إذا بَلَّ فِيهِ خُبْزًا وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ ماءٍ مُطْلَقٍ حَتّى يُضافَ إلى ما خالَطَهُ وخَرَجَ مِنهُ فَلا يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ وكَذَلِكَ الماءُ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ الزَّعْفَرانُ أوِ الأُشْنانُ )؛ وكَثِيرٌ مِن أصْحابِهِ يَشْرُطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الغُسْلِ بِغَيْرِ الماءِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: الأصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ [المائدة: ٦] فِيهِ الدَّلالَةُ مِن وجْهَيْنِ عَلى قَوْلِنا:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] عُمُومٌ في سائِرِ المائِعاتِ بِجَوازِ إطْلاقِ اسْمِ الغُسْلِ فِيها.
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ [المائدة: ٦] ولا يَمْتَنِعُ أحَدٌ مِن إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ هَذا فِيهِ ماءٌ وإنْ خالَطَهُ غَيْرُهُ، وإنَّما أباحَ اللَّهُ تَعالى التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ جُزْءٍ مِن ماءٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ " ماءٌ " اسْمٌ مَنكُورٌ يَتَناوَلُ كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «فِي البَحْرِ: هو الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ»، وظاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوازَ الطَّهارَةِ بِهِ وإنْ خالَطَهُ غَيْرُهُ لِإطْلاقِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ فِيهِ، وأباحَ الوُضُوءَ بِسُؤْرِ الهِرَّةِ وسُؤْرِ الحائِضِ وإنْ خالَطَهُما شَيْءٌ مِن لُعابِهِما وأيْضًا لا خِلافَ في جَوازِ الوُضُوءِ بِماءِ المَدِّ والسَّيْلِ مَعَ تَغَيُّرِ لَوْنِهِ بِمُخالَطَةِ الطِّينِ لَهُ وما يَكُونُ في الصَّحارى مِنَ الحَشِيشِ والنَّباتِ، ومِن أجْلِ مُخالَطَةِ ذَلِكَ لَهُ يُرى مُتَغَيِّرًا إلى السَّوادِ تارَةً وإلى الحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ أُخْرى، فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في جَمِيعِ ما خالَطَهُ الماءُ إذا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ فَيَسْلُبُهُ اسْمَ الماءِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الماءُ المُنْفَرِدُ عَنْ غَيْرِهِ لَوِ اسْتَعْمَلَهُ لِلطَّهارَةِ ولَمْ يَكْفِهِ ثُمَّ اخْتَلَطَ بِهِ غَيْرُهُ فَكَفاهُ بِاَلَّذِي خالَطَهُ نَحْوُ ماءِ الوَرْدِ والزَّعْفَرانِ فَقَدْ حَصَلَ بَعْضُ وُضُوئِهِ بِما لا تَجُوزُ الطَّهارَةُ بِهِ مِمّا لَوْ أفْرَدَهُ لَمْ يَطْهُرْ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ اخْتِلاطِهِ بِالماءِ وبَيْنَ إفْرادِهِ بِالغُسْلِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ ما خالَطَهُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الطّاهِرَةِ الَّتِي يَجُوزُ اسْتِعْمالُها لِغَيْرِ الطَّهارَةِ إذا كانَ قَلِيلًا سَقَطَ حُكْمُهُ وكانَ الحُكْمُ لِما غَلَبَ، ألا تَرى أنَّ اللَّبَنَ الَّذِي خالَطَهُ ماءٌ يَسِيرٌ لا يَزُولُ عَنْهُ اسْمُ اللَّبَنِ وأنَّ مَن شَرِبَ مِن جُبٍّ قَدْ وقَعَتْ فِيهِ قَطْرَةٌ مِن خَمْرٍ لا يُقالُ لَهُ: شارِبُ خَمْرٍ، ولَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الحَدُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجُزْءَ قَدْ صارَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ فَسَقَطَ حُكْمُهُ ؟ كَذَلِكَ الماءُ إذا كانَ هو الغالِبُ والجُزْءُ الَّذِي خالَطَهُ إذا كانَ يَسِيرًا سَقَطَ حُكْمُهُ.
ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ إنْ كانَتِ العِلَّةُ ما ذَكَرْتَ فَيَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ (p-٢٠٣)إذا كانَ الماءُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ لَوِ انْفَرَدَ عَمّا خالَطَهُ كانَ كافِيًا لِطَهارَتِهِ؛ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ انْفِرادِ الماءِ في الِاسْتِعْمالِ وبَيْنَ اخْتِلاطِهِ بِما لا يُوجِبُ تَنْجِيسَهُ، فَإذا كانَ لَوِ اسْتَعْمَلَ الماءَ مُنْفَرِدًا عَمّا خالَطَهُ مِنَ اللَّبَنِ وماءِ الوَلَدِ ونَحْوِهِ وكانَ طَهُورًا، وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمُهُ إذا خالَطَهُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ مُخالَطَةَ غَيْرِهِ لَهُ لا تُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا لِلْماءِ المَفْرُوضِ بِهِ الطَّهارَةُ؛ فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِكَ وهَدْمِ أصْلِكَ. وأيْضًا فَيَنْبَغِي أنْ تُجِيزَهُ؛ إذْ أكْثَرُ غَسْلِ أعْضائِهِ بِذَلِكَ الماءِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَعْمَلَ مِنَ الماءِ في أعْضاءِ الوُضُوءِ ما لَوِ انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ كانَ كافِيًا.
فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ فَجَعَلَ الماءَ المُنْزَلَ مِنَ السَّماءِ طَهُورًا. فَإذا خالَطَهُ غَيْرُهُ فَلَيْسَ هو المُنْزَلُ مِنَ السَّماءِ بِعَيْنِهِ فَلا يَكُونُ طَهُورًا، قِيلَ لَهُ: مُخالَطَةُ غَيْرِهِ لَهُ لا تُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ الماءُ هو المُنَزَّلُ مِنَ السَّماءِ ألا تَرى أنَّ اخْتِلاطَ الطِّينِ بِماءِ السَّيْلِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِن أنْ يَكُونَ الماءُ الَّذِي فِيهِ هو المُنَزَّلُ بِعَيْنِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ وقْتَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ مُخالِطًا لِلطِّينِ ؟ وكَذَلِكَ ماءُ البَحْرِ لَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّماءِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ والوُضُوءُ بِهِ جائِزٌ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ هو الماءُ المُنْزَلُ مِنَ السَّماءِ، فَهو إذًا مَعَ اخْتِلاطِ غَيْرِهِ بِهِ مُتَطَهِّرٌ بِالماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ وسَمّاهُ طَهُورًا.
فَإنْ قِيلَ: فَيَجِبُ عَلى هَذا جَوازُ الوُضُوءِ بِالماءِ الَّذِي خالَطَتْهُ نَجاسَةٌ يَسِيرَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ بِمُخالَطَتِهِ النَّجاسَةَ إيّاهُ مِن أنْ يَكُونَ هَذا الماءُ هو المُنْزَلُ مِنَ السَّماءِ.
قِيلَ لَهُ: الماءُ المُخالِطُ لِلنَّجاسَةِ هو باقٍ بِحالِهِ لَمْ يَصِرْ نَجِسَ العَيْنِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ إلّا مُخالَطَةُ غَيْرِهِ لَهُ لَما مَنَعْنا الوُضُوءَ بِهِ ولَكِنّا مَنَعْنا الطَّهارَةَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ ماءً مُنْزَلًا مِنَ السَّماءِ مِن قِبَلِ أنَّهُ لا نَصِلُ إلى اسْتِعْمالِهِ إلّا بِاسْتِعْمالِ جُزْءٍ مِنَ النَّجاسَةِ، واسْتِعْمالُ النَّجاسَةِ مَحْظُورٌ، فَإنَّما مَنَعْنا اسْتِعْمالَ النَّجاسَةِ ولَيْسَ بِمَحْظُورٍ عَلَيْنا اسْتِعْمالُ الأشْياءِ الطّاهِرَةِ وإنْ خالَطَتِ الماءَ، فَإذا حَصَلَ مَعَهُ اسْتِعْمالُ الماءِ لِلطَّهارَةِ جازَ، كَمَن تَوَضَّأ بِماءِ القِراحِ ثُمَّ مَسَحَ وجْهَهُ بِماءِ الوَرْدِ أوْ بِماءِ الزَّعْفَرانِ فَلا يُبْطِلُ ذَلِكَ طَهارَتَهُ.
وقَدْ أجازَ الشّافِعِيُّ الوُضُوءَ بِما أُلْقِيَ فِيهِ كافُورٌ أوْ عَنْبَرٌ وهو يُوجَدُ مِنهُ رِيحُهُ وبِما خالَطَهُ ورْدٌ يَسِيرٌ، وإنْ وقَعَ مِثْلُهُ مِنَ النَّجاسَةِ في أقَلَّ مِن قُلَّتَيْنِ لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُهُ فَلَيْسَ قِياسُ النَّجاسَةِ قِياسَ الأشْياءِ الطّاهِرَةِ إذا خالَطَتِ الماءَ.
فَإنْ قِيلَ: يَلْزَمُكَ أنْ تُجِيزَ الوُضُوءَ بِالماءِ الَّذِي يُخالِطُهُ ما يَغْلِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ الطّاهِرَةِ إذا كانَ الماءُ لَوِ انْفَرَدَ كِفاءً لِوُضُوئِهِ؛ لِأنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ جازَ ولِأنَّهُ هو المُنْزَلُ مِنَ السَّماءِ في حالِ المُخالَطَةِ وإنْ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى سَلَبَهُ إطْلاقَ اسْمِ الماءِ. قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنَّ (p-٢٠٤)غَلَبَةَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ يَنْقُلُهُ إلى حُكْمِهِ ويَسْقُطُ حُكْمُ القَلِيلِ مَعَهُ، بِدَلالَةِ أنَّ قَطْرَةً مِن خَمْرٍ لَوْ وقَعَتْ في جُبِّ ماءٍ فَشَرِبَ مِنهُ إنْسانٌ لَمْ يُقَلْ: إنَّهُ شارِبُ خَمْرٍ ولا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ، ولَوْ أنَّ خَمْرًا صُبَّ فِيهِ ماءٌ فَمُزِجَتْ بِهِ فَكانَ الخَمْرُ هو الغالِبَ لَأطْلَقَ النّاسُ عَلَيْهِ أنَّهُ شارِبُ خَمْرٍ وكانَ حُكْمُهُ في وُجُوبِ الحَدِّ عَلَيْهِ حُكْمَ شارِبِها صَرْفًا غَيْرَ مَمْزُوجَةٍ.
وأمّا ماءُ الوَرْدِ وماءُ الزَّعْفَرانِ وعُصارَةُ الرَّيْحانِ والشَّجَرِ فَلَمْ يُمْنَعِ الوُضُوءُ بِهِ مِن أجْلِ مُخالَطَةِ غَيْرِهِ ولَكِنْ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِالماءِ المَفْرُوضِ بِهِ الطَّهارَةُ ولا يَتَناوَلُهُ الِاسْمُ إلّا بِتَقْيِيدٍ، كَما سَمّى اللَّهُ تَعالى المَنِيَّ ماءً بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] وقالَ: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ [النور: ٤٥] ولَيْسَ هو مِنَ الماءِ المَفْرُوضِ بِهِ الطَّهارَةُ في شَيْءٍ.
وأمّا مَذْهَبُ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ في إجازَتِهِ الوُضُوءَ بِالخَلِّ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ إجازَتُهُ بِالمَرَقِ وبِعَصِيرِ العِنَبِ لَوْ خالَطَهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِن ماءٍ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ الوُضُوءُ بِسائِرِ المائِعاتِ مِنَ الأدْهانِ وغَيْرِها، وهَذا خِلافُ الإجْماعِ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ التَّيَمُّمُ بِالدَّقِيقِ والأُشْنانِ قِياسًا عَلى التُّرابِ
* *
فَصْلٌ
وأمّا الماءُ المُسْتَعْمَلُ فَإنَّ أصْحابَنا والشّافِعِيَّ لا يُجِيزُونَ الوُضُوءَ بِهِ عَلى اخْتِلافٍ مِنهم في الماءِ المُسْتَعْمَلِ ما هو. وقالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ: ( يَجُوزُ الوُضُوءُ بِهِ ) عَلى كَراهَةٍ مِن مالِكٍ لَهُ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ ما رَوى أبُو عَوانَةَ عَنْ داوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأوْدِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «نَهانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وضُوءِ المَرْأةِ وتَغْتَسِلَ المَرْأةُ بِفَضْلِ وضُوءِ الرَّجُلِ ولْيَفْتَرِقا» .
وفَضْلُ الطَّهُورِ يَتَناوَلُ شَيْئَيْنِ: ما يَسِيلُ مِن أعْضاءِ المُغْتَسِلِ، والآخَرُ ما يَبْقى في الإناءِ بَعْدَ الغُسْلِ؛ وعُمُومُهُ يَنْتَظِمُها فاقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الوُضُوءِ بِالماءِ المُسْتَعْمَلِ؛ لِأنَّهُ فَضْلُ طَهُورٍ؛ وأيْضًا قَوْلُهُ ﷺ «لا يَبُولَنَّ أحَدُكم في الماءِ الدّائِمِ ولا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِن جَنابَةٍ» .
ورَوى بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأشَجِّ عَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى هِشامِ بْنِ زَهْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَغْتَسِلْ أحَدُكم في الماءِ الدّائِمِ وهو جُنُبٌ» . ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكم غُسالَةَ أيْدِي النّاسِ» . وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ لِأسْلَمَ حِينَ أكَلَ مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ ( أرَأيْتَ (p-٢١١)لَوْ تَوَضَّأ إنْسانٌ بِماءٍ أكُنْتَ شارِبَهُ ؟ ) فَدَلَّ تَشْبِيهُ الصَّدَقَةِ حِينَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ بِغُسالَةِ أيْدِي النّاسِ أنَّ غُسالَةَ أيْدِي النّاسِ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُها.
ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ الماءَ إذا أُزِيلَ بِهِ الحَدَثُ مُشْبِهٌ لِلْماءِ الَّذِي أُزِيلَ بِهِ النَّجاسَةُ مِن حَيْثُ اسْتَباحَ الصَّلاةَ بِهِما فَلَمّا لَمْ تَجُزِ الطَّهارَةُ بِالماءِ الَّذِي أُزِيلَ بِهِ النَّجاسَةُ كَذَلِكَ ما أُزِيلَ بِهِ الحَدَثُ.
ومِن جِهَةٍ أُخْرى وهي أنَّ الِاسْتِعْمالَ قَدْ أكْسَبَهُ إضافَةً سَلَبَهُ بِها إطْلاقَ الِاسْمِ، فَصارَ بِمَنزِلَةِ الماءِ الَّذِي امْتَنَعَ فِيهِ إطْلاقُ اسْمِ الماءِ بِمُخالَطَةِ غَيْرِهِ لَهُ، والمُسْتَعْمَلُ أوْلى بِذَلِكَ مِن جِهَةِ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ الحُكْمِ في زَوالِ الحَدَثِ أوْ حُصُولِ قُرْبَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: فَلَوِ اسْتَعْمَلَهُ لِلتَّبَرُّدِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ جَوازَ اسْتِعْمالِهِ لِلطَّهارَةِ، كَذَلِكَ إذا اسْتَعْمَلَهُ لِلطَّهارَةِ. قِيلَ لَهُ: اسْتِعْمالُهُ لِلتَّبَرُّدِ لَمْ يَمْنَعْ إطْلاقَ الِاسْمِ فِيهِ؛ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ، فَهو كاسْتِعْمالِهِ في غَسْلِ ثَوْبٍ طاهِرٍ.
واحْتَجَّ مَن أجازَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ وقَوْلِهِ ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] قالَ: فَذَلِكَ يَقْتَضِي جَوازَ الوُضُوءِ بِهِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا ولَمْ تُجاوِرْهُ نَجاسَةٌ وجَبَ بَقاؤُهُ عَلى الحالِ الأُولى.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿طَهُورًا﴾ يَقْتَضِي جَوازَ التَّطْهِيرِ بِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى. فَيُقالُ لَهُ: إنَّ بَقاءَهُ عَلى الحالَةِ الأُولى بَعْدَ الطَّهارَةِ هو مَوْضِعُ الخِلافِ، وما ذَكَرْتَ مِنَ العُمُومِ فَإنَّما هو فِيما لَمْ يُسْتَعْمَلْ فَيَبْقى عَلى إطْلاقِهِ، فَأمّا ما يَتَناوَلُهُ الِاسْمُ مُقَيَّدًا فَلَمْ يَتَناوَلْهُ العُمُومُ.
وأمّا قَوْلُكَ: ( إنَّ كَوْنَهُ طَهُورًا يَقْتَضِي جَوازَ الطَّهارَةِ بِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ) فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يُذْكَرُ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ لَهُ بِالطَّهارَةِ أوِ التَّطْهِيرِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى التَّكْرارِ، كَما يُقالُ: " رَجُلٌ ضَرُوبٌ بِالسَّيْفِ " ويُرادُ المُبالَغَةُ في الوَصْفِ بِالضَّرْبِ ولَيْسَ المُقْتَضى فِيهِ تَكْرارَ الفِعْلِ، ويُقالُ: " رَجُلٌ أكُولٌ " إذا كانَ يَأْكُلُ كَثِيرًا وإنْ كانَ كُلُّهُ في مَجْلِسٍ واحِدٍ ولا يُرادُ بِهِ تَكْرارُ الأكْلِ؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في مَواضِعَ أيْضًا.
الفرقان 25:54
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الماءَ الَّذِي خَلَقَ مِنهُ أصْلَ الحَيَوانِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ [النور: ٤٥] ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ النُّطْفَةَ الَّتِي خَلَقَ مِنها ولَدَ آدَمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ قالَ طاوُسٌ: " الرَّضاعَةُ مِنَ الصِّهْرِ " وقالَ الضَّحّاكُ رِوايَةً: ( النَّسَبُ الرَّضاعُ والصِّهْرُ الخُتُونَةُ ) وقالَ الفَرّاءُ: ( النَّسَبُ الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ والصِّهْرُ النَّسَبُ الَّذِي يَحِلُّ نِكاحُهُ كَبَناتِ العَمِّ ) . وقِيلَ: ( إنَّ النَّسَبَ ما رَجَعَ إلى وِلادَةٍ قَرِيبَةٍ والصِّهْرَ خَلْطَةٌ تُشْبِهُ القَرابَةَ ) . وقالَ الضَّحّاكُ: " النَّسَبُ (p-٢١٢)سَبْعَةُ أصْنافٍ " ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وبَناتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] والصِّهْرُ خَمْسَةُ أصْنافٍ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]
قالَ أبُو بَكْرٍ: والتَعارَفُ في الأصْهارِ أنَّهم كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِن نِساءِ مَن أُضِيفَ إلَيْهِ ذَلِكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن أوْصى لِأصْهارِ فُلانٍ أنَّهُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِنِساءِ فُلانٍ، وهو المُتَعارَفُ مِن مَفْهُومِ كَلامِ النّاسِ، قالَ: والأخْتانُ أزْواجُ البَناتِ وكُلُّ ذاتِ مَحْرَمٍ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ الخَتْنُ، وكُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ الأزْواجِ أيْضًا؛ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الصِّهْرُ في مَوْضِعِ الخَتْنِ فَيُسَمُّونَ الخَتْنَ صِهْرًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎سَمَّيْتُها إذْ وُلِدَتْ تَمُوتُ والقَبْرُ صِهْرٌ ضامِنٌ زَمِيتُ
فَأقامَ الصِّهْرَ مَقامَ الخَتْنِ، وهو مَحْمُولٌ عَلى المُتَعارَفِ مِن ذَلِكَ.
الفرقان 25:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ الآيَةَ. رَوى شَمِرُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ سَلَمَةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فاتَتْنِي الصَّلاةُ ؟ فَقالَ: ( أبْدِلْ ما فاتَكَ مِن لَيْلِكَ في نَهارِكَ فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا ) .
ورَوى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أنَّهُما أخْبَرا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ القارِي قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن نامَ عَنْ جُزْئِهِ أوْ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ فَقَرَأهُ فِيما بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأنَّما قَرَأهُ مِنَ اللَّيْلِ» .
وقالَ الحَسَنُ: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ ( جَعَلَ أحَدَهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ إنْ فاتَ مِنَ النَّهارِ شَيْءٌ أدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ وكَذَلِكَ لَوْ فاتَ مِنَ اللَّيْلِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وقَوْلِهِ ﷺ: «مَن نامَ عَلى صَلاةٍ أوْ نَسِيَها لِيُصَلِّها إذا ذَكَرَها فَإنَّ ذَلِكَ وقْتَها» . وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿خِلْفَةً﴾ أحَدُهُما أسْوَدُ والآخَرُ أبْيَضُ. وقِيلَ: يَذْهَبُ أحَدُهُما ويَجِيءُ الآخَرُ.
الفرقان 25:63
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: ( بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ ) ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: ( سِدادًا ) . وعَنْ الحَسَنِ أيْضًا: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ ( حُلَماءَ لا يَجْهَلُونَ عَلى أحَدٍ، وإنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ، حَلَمُوا قَدْ بَراهُمُ الخَوْفُ كَأنَّهُمُ القِداحُ، هَذا نَهارُهم يَنْتَشِرُونَ بِهِ في النّاسِ ) ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ قالَ: ( هَذا لَيْلُهم إذا دَخَلَ يُراوِحُونَ بَيْنَ أطْرافِهِمْ فَهم بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ ) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: ( بِالتَّواضُعِ لا يَتَكَبَّرُونَ ) .
وقَوْلُهُ (p-٢١٣)تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] قالَ: ( مَن أنْفَقَ دِرْهَمًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهو مُسْرِفٌ ) ﴿ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ( البُخْلُ، مَنعُ حَقِّ اللَّهِ ) ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] قالَ: ( القَصْدُ والإنْفاقُ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ) . وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: ( السَّرَفُ إنْفاقُهُ في غَيْرِ حَقٍّ ) .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآيَةَ. رَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي وائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ؛ قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتابِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]» .
الفرقان 25:64
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: ( بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ ) ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: ( سِدادًا ) . وعَنْ الحَسَنِ أيْضًا: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ ( حُلَماءَ لا يَجْهَلُونَ عَلى أحَدٍ، وإنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ، حَلَمُوا قَدْ بَراهُمُ الخَوْفُ كَأنَّهُمُ القِداحُ، هَذا نَهارُهم يَنْتَشِرُونَ بِهِ في النّاسِ ) ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ قالَ: ( هَذا لَيْلُهم إذا دَخَلَ يُراوِحُونَ بَيْنَ أطْرافِهِمْ فَهم بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ ) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: ( بِالتَّواضُعِ لا يَتَكَبَّرُونَ ) .
وقَوْلُهُ (p-٢١٣)تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] قالَ: ( مَن أنْفَقَ دِرْهَمًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهو مُسْرِفٌ ) ﴿ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ( البُخْلُ، مَنعُ حَقِّ اللَّهِ ) ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] قالَ: ( القَصْدُ والإنْفاقُ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ) . وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: ( السَّرَفُ إنْفاقُهُ في غَيْرِ حَقٍّ ) .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآيَةَ. رَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي وائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ؛ قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتابِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]» .
الفرقان 25:65
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قِيلَ: ( لازِمًا مُلِحًّا دائِمًا )، ومِنهُ الغَرِيمُ لِمُلازَمَتِهِ وإلْحاحِهِ، وإنَّهُ لَمُغْرَمٌ بِالنِّساءِ أيْ مُلازِمٌ لَهُنَّ لا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ؛ وقالَ الأعْشى:
؎إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْطِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي
وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: (p-٢١٤)
؎يَوْمَ النِّسارِ ويَوْمَ الجِفا ∗∗∗ رِ كانا عَذابًا وكانا غَراما
قالَ لَنا أبُو عُمَرَ غُلامُ ثَعْلَبٍ: أصْلُ الغُرْمِ اللُّزُومُ في اللُّغَةِ؛ وذَكَرَ نَحْوًا مِمّا قَدَّمْنا.
ويُسَمّى الدَّيْنُ غُرْمًا ومَغْرَمًا؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي اللُّزُومَ والمُطالَبَةَ، فَيُقالُ لِلطّالِبِ الغَرِيمُ؛ لِأنَّ لَهُ اللُّزُومَ ولِلْمَطْلُوبِ غَرِيمٌ؛ لِأنَّهُ يَثْبُتُ عَلَيْهِ اللُّزُومُ؛ وعَلى هَذا قَوْلُهُ ﷺ: «لا يُغْلِقُ الرَّهْنُ لِصاحِبِهِ غُنْمَهُ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ» يَعْنِي دَيْنَهُ الَّذِي هو مَرْهُونٌ بِهِ.
وزَعَمَ الشّافِعِيُّ أنَّ الغُرْمَ الهَلاكُ؛ قالَ أبُو عُمَرَ: وهَذا خَطَأٌ في اللُّغَةِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ( لَيْسَ غَرِيمٌ إلّا مُفارِقًا غَرِيمَهُ غَيْرَ جَهَنَّمَ فَإنَّها لا تُفارِقُ غَرِيمَها ) .
الفرقان 25:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ: ( الزُّورُ الغِناءُ ) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] قالَ: ( يَشْتَرِي المُغَنِّيَةَ ) . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ. وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] قالَ: ( الغِناءُ وكُلُّ لَعِبٍ ولَهْوٍ ) . ورَوى ابْنُ أبِي لَيْلى عَنْ عَطاءٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فاجِرَيْنِ صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشِ وُجُوهٍ وشَقِّ جُيُوبٍ ورَنَّةِ شَيْطانٍ. وصَوْتٍ عِنْدَ نَغْمَةِ لَهْوٍ ولَعِبٍ ومَزامِيرِ شَيْطانٍ» ورَوى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوادَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيَّ الخَمْرَ والكُوبَةَ والغِناءَ». قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ( أنْ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الغِناءَ عَلى ما تَأوَّلُوهُ عَلَيْهِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا القَوْلَ بِما لا عِلْمَ لِلْقائِلِ بِهِ؛ وهو عَلى الأمْرَيْنِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: ( إذا أُوذُوا مَرُّوا كِرامًا صَفَحُوا ) .
ورَوى أبُو مَخْزُومٍ عَنْ سِنانٍ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: ( إذا مَرُّوا بِالرَّفَثِ كَنَوْا ) . وقالَ الحَسَنُ: ( اللَّغْوُ كُلُّ المَعاصِي ) . قالَ السُّدِّيُّ: هي مَكِّيَّةٌ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَبْلَ الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ.
الفرقان 25:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ الحَسَنُ: ( قُرَّةُ الأعْيُنِ في الدُّنْيا وهو أنْ يَرى العَبْدُ مِن زَوْجَتِهِ ومِن أخِيهِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى ) وقالَ: ( واللَّهِ ما شَيْءٌ أقَرُّ لِعَيْنِ المُسْلِمِ مِن أنْ يَرى ولَدَهُ أوْ والِدَهُ أوْ ولَدَ ولَدِهِ أوْ أخاهُ أوْ حَمِيمًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى ) . وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ: ( أقَرَّ بِهِمْ عَيْنًا أنْ يُطِيعُوكَ ) .
ورَوى أبُو أُسامَةَ عَنِ الأحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن رُزِقَ إيمانًا وحُسْنَ خُلُقٍ فَذاكَ إمامُ المُتَّقِينَ» . وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ ( نَأْتَمُّ بِمَن قَبْلَنا حَتّى يَأْتَمَّ بِنا مَن بَعْدَنا ) .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] قالَ مُجاهِدٌ: ما يَصْنَعُ بِكم رَبِّي وهو لا يَحْتاجُ إلَيْكم لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم إلى طاعَتِهِ لِتَنْتَفِعُوا أنْتُمْ بِذَلِكَ.
آخِرُ سُورَةِ الفُرْقانِ.