أحكام القرآن — الشعراء 26:84 – ص 38:44
المحتويات
- الشعراء 26:84
- الشعراء 26:89
- الشعراء 26:192
- الشعراء 26:214
- الشعراء 26:224
- الشعراء 26:225
- النمل 27:30
- القصص 28:15
- القصص 28:16
- القصص 28:27
- القصص 28:29
- القصص 28:55
- العنكبوت 29:8
- العنكبوت 29:45
- العنكبوت 29:46
- الروم 30:18
- الروم 30:39
- الروم 30:54
- لقمان 31:14
- لقمان 31:15
- لقمان 31:17
- لقمان 31:18
- لقمان 31:19
- لقمان 31:33
- لقمان 31:34
- السجدة 32:16
- السجدة 32:17
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:21
- الأحزاب 33:22
- الأحزاب 33:23
- الأحزاب 33:26
- الأحزاب 33:27
- الأحزاب 33:28
- الأحزاب 33:29
- الأحزاب 33:30
- الأحزاب 33:31
- الأحزاب 33:32
- الأحزاب 33:33
- الأحزاب 33:34
- الأحزاب 33:36
- الأحزاب 33:37
- الأحزاب 33:43
- الأحزاب 33:44
- الأحزاب 33:46
- الأحزاب 33:49
- الأحزاب 33:50
- الأحزاب 33:51
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:53
- الأحزاب 33:56
- الأحزاب 33:57
- الأحزاب 33:58
- الأحزاب 33:59
- الأحزاب 33:60
- سبأ 34:13
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:34
- فاطر 35:37
- يس 36:38
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:42
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:78
- يس 36:79
- الصافات 37:102
- الصافات 37:141
- الصافات 37:147
- ص 38:18
- ص 38:20
- ص 38:21
- ص 38:22
- ص 38:26
- ص 38:31
- ص 38:32
- ص 38:33
- ص 38:44
الشعراء 26:84
ومِن سُورَةِ الشُّعَراءِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: ( الثَّناءُ الحَسَنُ ) فاليَهُودُ تُقِرُّ بِنُبُوَّتِهِ وكَذَلِكَ النَّصارى وأكْثَرُ الأُمَمِ. وقِيلَ: اجْعَلْ مِن ولَدِي مَن يَقُومُ بِالحَقِّ ويَدْعُو إلَيْهِ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ والمُؤْمِنُونَ بِهِ.
الشعراء 26:89
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قِيلَ: إنَّما سَألَ سَلامَةَ القَلْبِ؛ لِأنَّهُ إذا سَلِمَ القَلْبُ سَلِمَ سائِرُ الجَوارِحِ مِنَ الفَسادِ، إذِ الفَسادُ بِالجَوارِحِ لا يَكُونُ إلّا عَنْ قَصْدٍ فاسِدٍ بِالقَلْبِ فَإنِ اجْتَمَعَ مَعَ ذاكَ جَهْلٌ فَقَدْ عَدِمَ السَّلامَةَ مِن وجْهَيْنِ.
ورَوى النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنِّي لَأعْلَمُ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ البَدَنُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألّا وهي القَلْبُ» .
الشعراء 26:192
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] أخْبَرَ عَنِ القُرْآنِ بِأنَّهُ تَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ في زُبُرِ الأوَّلِينَ؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زُبُرِ الأوَّلِينَ بِهَذِهِ اللُّغَةِ فَهَذا مِمّا يُحْتَجُّ بِهِ في أنَّ نَقْلَهُ (p-٢١٥)إلى لُغَةٍ أُخْرى لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ قُرْآنًا لِإطْلاقِ اللَّهِ اللَّفْظَ بِأنَّهُ في زُبُرِ الأوَّلِينَ مَعَ كَوْنِهِ فِيها بِغَيْرِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
الشعراء 26:214
وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَوِي القُرْبى مَن هم، فَقالَ أصْحابُنا قَرابَةُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ هم ذَوُ قَراباتِهِ وآلُهُ وهم آلُ جَعْفَرٍ وآلُ عَقِيلٍ ووَلَدُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ. وقالَ آخَرُونَ: { بَنُو المُطَّلِبِ داخِلُونَ فِيهِمْ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطاهم مِنَ الخُمُسِ } . وقالَ بَعْضُهم { قُرَيْشٌ كُلُّها مِن أقْرِباءِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ لَهم سَهْمٌ مِنَ الخُمُسِ إلّا أنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يُعْطِيَهُ مَن رَأى مِنهم } .
قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا مَن ذَكَرْناهم فَلا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّهم ذَوُوا قَراباتِهِ، وأمّا بَنُو المُطَّلِبِ فَهم وبَنُو عَبْدِ شَمْسٍ في القُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ سَواءٌ، فَإنْ وجَبَ أنْ يَدْخُلُوا في القَرابَةِ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ مِثْلَهم لِمُساواتِهِمْ إيّاهم في الدَّرَجَةِ، فَأمّا إعْطاؤُهُمُ الخُمُسَ فَإنَّما خُصَّ هَؤُلاءِ بِهِ دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ بِالنُّصْرَةِ لِأنَّهُ قالَ: «لَمْ يُفارِقُونِي في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ» وأمّا الصَّدَقَةُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ تَحْرِيمُها بِالنُّصْرَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الفُقَهاءِ، فَثَبَتَ أنَّ بَنِي المُطَّلِبِ لَيْسُوا مِن آلِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ كَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، ومَوالِي بَنِي هاشِمٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ ولا قَرابَةَ لَهم ولا يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الخُمُسِ شَيْئًا بِالقَرابَةِ «؛ وقَدْ سَألَتْهُ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها خادِمًا مِنَ الخُمُسِ فَوَكَّلَها إلى التَّكْبِيرِ والتَّحْمِيدِ ولَمْ يُعْطِها» .
فَإنْ قِيلَ: إنَّما لَمْ يُعْطِها لِأنَّها لَيْسَتْ مِن ذَوِي قُرْباهُ لِأنَّها أقْرَبُ إلَيْهِ مِن ذَوِي قُرْباهُ. قِيلَ لَهُ فَقَدْ خاطَبَ عَلِيًّا بِمِثْلِ ذَلِكَ وهو مِن ذَوِي القُرْبى، وقالَ لِبَعْضِ بَناتِ عَمِّهِ حِينَ ذَهَبَتْ مَعَ فاطِمَةَ (p-٢٤٩)إلَيْهِ تَسْتَخْدِمُهُ: «سَبَقَكُنَّ يَتامى بَدْرٍ» وفي يَتامى بَدْرٍ مَن لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي هاشِمٍ لِأنَّ أكْثَرَهم مِنَ الأنْصارِ، ولَوِ اسْتَحَقَّتا بِالقَرابَةِ شَيْئًا لا يَجُوزُ مَنعُهُما إيّاهُ لَما مَنَعَهُما حَقَّهُما ولا عَدَلَ بِهِما إلى غَيْرِهِما؛ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ سَهْمَهم مِنَ الخُمُسِ أمْرُهُ كانَ مَوْكُولًا إلى رَأْيِ النَّبِيِّ ﷺ في أنْ يُعْطِيَهُ مَن شاءَ مِنهم، والثّانِي: أنَّ إعْطاءَهم مِنَ الخُمُسِ أوْ مَنعَهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ.
وأمّا مَن قالَ إنَّ قَرابَةَ النَّبِيِّ ﷺ قُرَيْشٌ كُلُّها فَإنَّهُ يَحْتَجُّ لِذَلِكَ بِأنَّهُ نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ «قالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا بَنِي فِهْرٍ يا بَنِي عَدِيٍّ يا بَنِي فُلانٍ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «يا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ وأنَّهُ قالَ: يا بَنِي هاشِمٍ يا بَنِي قُصِيٍّ يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِعَلِيٍّ: «اجْمَعْ لِي بَنِي هاشِمٍ وهم أرْبَعُونَ رَجُلًا» . قالُوا: فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ قُرَيْشًا كُلَّها مِن أقْرِبائِهِ وكانَ إعْطاءُ السَّهْمِ مِنَ الخُمُسِ مَوْكُولًا إلى رَأْيِ النَّبِيِّ ﷺ أعْطاهُ مَن كانَ لَهُ مِنهم نُصْرَةٌ دُونَ غَيْرِهِمْ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: اسْمُ القَرابَةِ واقِعٌ عَلى هَؤُلاءِ كُلِّهِمْ لِدُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُ الجَمِيعَ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِذَوِي قُرْبى النَّبِيِّ ﷺ أحْكامٌ ثَلاثَةٌ:
أحَدُها: اسْتِحْقاقُ سَهْمٍ مِنَ الخُمُسِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ [الأنفال: ٤١] وهُمُ الفُقَراءُ مِنهم عَلى الشَّرائِطِ الَّتِي قَدَّمْنا ذِكْرَها عَنِ المُخْتَلِفِينَ فِيها، والثّانِي: تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ وهم آلُ عَلِيٍّ وآلُ العَبّاسِ وآلُ عَقِيلٍ وآلُ جَعْفَرٍ ووَلَدُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهَؤُلاءِ هم أهْلُ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ولا حَظَّ لِبَنِي المُطَّلِبِ في هَذا الحُكْمِ لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلَ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ولَوْ كانُوا مِن أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لَكانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ مِن أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ومِن آلِهِ، ولا خِلافَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ بَنُو المُطَّلِبِ لِمُساواتِهِمْ إيّاهُ في نَسَبِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ والثّالِثُ: تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ؛ فانْتَظَمَ ذَلِكَ بُطُونَ قُرَيْشٍ كُلَّها عَلى ما ورَدَ بِهِ الأثَرُ في إنْذارِهِ إيّاهم عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وإنَّما خَصَّ عَشِيرَتَهُ الأقْرَبِينَ بِالإنْذارِ لِأنَّهُ أبْلَغُ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ في الدُّعاءِ إلى الدِّينِ وأقْرَبُ إلى نَفْيِ المُحاباةِ والمُداهَنَةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّ سائِرَ النّاسِ إذا عَلِمُوا أنَّهُ لَمْ يَحْتَمِلْ عَشِيرَتَهُ عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وأنْذَرَهم ونَهاهم أنَّهُ أوْلى بِذَلِكَ مِنهم؛ إذْ لَوْ جازَتِ المُحاباةُ في ذَلِكَ لِأحَدٍ لَكانَتْ أقْرِباؤُهُ أوْلى النّاسِ بِها.
الشعراء 26:224
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ رَوى سُفْيانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ قالَ: ( عُصاةُ الجِنِّ ) .
ورَوى خُصَيْفٌ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ قالَ: ( الشّاعِرانِ يَتَهاجَيانِ فَيَكُونُ لِهَذا أتْباعٌ ولِهَذا أتْباعٌ مِنَ الغُواةِ، فَذَمَّ اللَّهُ الشُّعَراءَ الَّذِينَ صِفَتُهم ما ذُكِرَ وهُمُ الَّذِينَ في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ويَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ وشَبَّهَهُ بِالهائِمِ عَلى وجْهِهِ في كُلِّ وادٍ يَعِنُّ لَهُ لَما يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنَ الهَوى غَيْرَ مُفَكِّرٍ في صِحَّةِ ما يَقُولُ ولا فَسادِهِ ولا في عاقِبَةِ أمْرِهِ ) .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: ﴿فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ( في كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ، يَمْدَحُونَ ويَذُمُّونَ، يَعْنُونَ الأباطِيلَ ) .
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «لَأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أحَدِكم قَيْحًا حَتّى يَرِيَهِ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ومَعْناهُ الشِّعْرُ المَذْمُومُ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ قائِلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَثْنى المُؤْمِنِينَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِحَسّانٍ: ( اُهْجُهم ومَعَكَ رُوحُ القُدُسِ )، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» آخِرُ سُورَةِ الشُّعَراءِ.
الشعراء 26:225
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ رَوى سُفْيانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ قالَ: ( عُصاةُ الجِنِّ ) .
ورَوى خُصَيْفٌ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ قالَ: ( الشّاعِرانِ يَتَهاجَيانِ فَيَكُونُ لِهَذا أتْباعٌ ولِهَذا أتْباعٌ مِنَ الغُواةِ، فَذَمَّ اللَّهُ الشُّعَراءَ الَّذِينَ صِفَتُهم ما ذُكِرَ وهُمُ الَّذِينَ في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ويَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ وشَبَّهَهُ بِالهائِمِ عَلى وجْهِهِ في كُلِّ وادٍ يَعِنُّ لَهُ لَما يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنَ الهَوى غَيْرَ مُفَكِّرٍ في صِحَّةِ ما يَقُولُ ولا فَسادِهِ ولا في عاقِبَةِ أمْرِهِ ) .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: ﴿فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ( في كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ، يَمْدَحُونَ ويَذُمُّونَ، يَعْنُونَ الأباطِيلَ ) .
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «لَأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أحَدِكم قَيْحًا حَتّى يَرِيَهِ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ومَعْناهُ الشِّعْرُ المَذْمُومُ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ قائِلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَثْنى المُؤْمِنِينَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِحَسّانٍ: ( اُهْجُهم ومَعَكَ رُوحُ القُدُسِ )، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] وقَوْلِهِ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» آخِرُ سُورَةِ الشُّعَراءِ.
النمل 27:30
بابٌ القَوْلُ في أنَّ البَسْمَلَةَ مِنَ القُرْآنِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِنَ القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
ورُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ ما أتى النَّبِيَّ ﷺ بِالقُرْآنِ قالَ لَهُ: اقْرَأْ قالَ: ما أنا بِقارِئٍ قالَ لَهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]» .
ورَوى أبُو قَطَنَ عَنِ المَسْعُودِيِّ عَنِ الحارِثِ العُكْلِيِّ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَتَبَ في أوائِلِ الكُتُبِ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، حَتّى نَزَلَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] فَكَتَبَ فَوْقَهُ: الرَّحْمَنَ، فَنَزَلَتْ قِصَّةُ سُلَيْمانَ فَكَتَبَها حِينَئِذٍ.
ومِمّا سَمِعْنا في سُنَنِ أبِي داوُدَ، قالَ: قالَ الشَّعْبِيُّ ومالِكٌ وقَتادَةُ وثابِتٌ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكْتُبْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] حَتّى (p-٨)نَزَلَتْ سُورَةُ النَّمْلِ». «وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ أرادَ أنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وبَيْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو كِتابَ الهُدْنَةِ بِالحُدَيْبِيَةِ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اُكْتُبْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] فَقالَ لَهُ سُهَيْلٌ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَإنّا لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلى أنْ سُمِحَ بِها بَعْدُ» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] لَمْ يَكُنْ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النَّمْلِ.
* *
القَوْلُ في أنَّ البَسْمَلَةَ مِن فاتِحَةِ الكِتابِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: ثُمَّ اخْتُلِفَ في أنَّها مِن فاتِحَةِ الكِتابِ أمْ لا؛ فَعَدَّها قُرّاءُ الكُوفِيِّينَ آيَةً مِنها ولَمْ يَعُدَّها قُرّاءُ البَصْرِيِّينَ ولَيْسَ عَنْ أصْحابِنا رِوايَةٌ مَنصُوصَةٌ في أنَّها آيَةٌ مِنها، إلّا أنَّ شَيْخَنا أبا الحَسَنِ الكَرْخِيِّ حَكى مَذْهَبَهم في تَرْكِ الجَهْرِ بِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنها عِنْدَهم لِأنَّها لَوْ كانَتْ آيَةً مِنها عِنْدَهم لَجُهِرَ بِها كَما جُهِرَ بِسائِرِ آيِ السُّوَرِ قالَ الشّافِعِيُّ: هي آيَةٌ مِنها، وإنْ تَرَكَها أعادَ الصَّلاةَ، وتَصْحِيحُ أحَدِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مَوْقُوفٌ عَلى الجَهْلِ والإخْفاءِ، عَلى ما سَنَذْكُرُهُ فِيما بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
* *
فَصْلٌ
وأمّا القَوْلُ في أنَّها آيَةٌ أوْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ، فَإنَّهُ لا خِلافَ أنَّها لَيْسَتْ بِآيَةٍ تامَّةٍ في سُورَةِ النَّمْلِ، وأنَّها هُناكَ بَعْضُ آيَةٍ، وأنَّ ابْتِداءَ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾
ومَعَ ذَلِكَ فَكَوْنُها لَيْسَتْ آيَةً تامَّةً في سُورَةِ النَّمْلِ لا يَمْنَعُ أنْ تَكُونَ آيَةً في غَيْرِها لِوُجُودِنا مِثْلَها في القُرْآنِ ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] في أضْعافِ الفاتِحَةِ هو آيَةٌ تامَّةٌ، ولَيْسَتْ بِآيَةٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] عِنْدَ الجَمِيعِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] هو آيَةٌ تامَّةٌ في الفاتِحَةِ، وهي بَعْضُ آيَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]
وإذا كانَ كَذَلِكَ احْتُمِلَ أنْ تَكُونَ بَعْضَ آيَةٍ في فُصُولِ السُّوَرِ واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ آيَةً عَلى حَسَبِ ما ذَكَرْنا، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الفاتِحَةِ، فالأوْلى أنْ تَكُونَ آيَةً تامَّةً مِنَ القُرْآنِ مِن غَيْرِ سُورَةِ النَّمْلِ؛ لِأنَّ الَّتِي في سُورَةِ النَّمْلِ لَيْسَتْ بِآيَةٍ تامَّةٍ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّها آيَةٌ تامَّةٌ حَدِيثُ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في الصَّلاةِ فَعَدَّها آيَةً وفي لَفْظٍ آخَرَ أنَّ «النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعُدُّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] آيَةً فاصِلَةً» رَواهُ الهَيْثَمُ بْنُ خالِدٍ عَنْ أبِي عِكْرِمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ هارُونَ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ورَوى أيْضًا أسْباطٌ عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ يَعُدُّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] آيَةً وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
ورَوى عَبْدُ الكَرِيمِ عَنْ أبِي أُمَيَّةَ البَصْرِيِّ عَنْ ابْنِ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا أخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ حَتّى أُخْبِرَكَ بِآيَةٍ أوْ سُورَةٍ لَمْ تَنْزِلْ عَلى نَبِيٍّ بَعْدَ سُلَيْمانَ ﷺ غَيْرِي فَمَشى واتَّبَعْتُهُ حَتّى انْتَهى إلى بابِ المَسْجِدِ، وأخْرَجَ إحْدى رِجْلَيْهِ مِن أُسْكُفَّةِ البابِ وبَقِيَتِ الرِّجْلُ الأُخْرى، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ، فَقالَ: بِأيِّ شَيْءٍ تَفْتَتِحُ القُرْآنَ (p-١٣)إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاةَ ؟ فَقُلْتُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] قالَ: ثُمَّ خَرَجَ»
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّها آيَةٌ؛ إذْ لَمْ تُعارِضْ هَذِهِ الأخْبارَ أخْبارٌ غَيْرُها في نَفْيِ كَوْنِها آيَةً، فَإنْ قالَ قائِلٌ: يَلْزَمُكَ عَلى ما أصَّلْتَ أنْ لا تُثْبِتَها آيَةً بِأخْبارِ الآحادِ حَسَبَ ما قُلْتَهُ في نَفْيِ كَوْنِها آيَةً مِن أوائِلِ السُّوَرِ، قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنَّهُ لَيْسَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ تَوْقِيفُ الأُمَّةِ عَلى مَقاطِعِ الآيِ ومَقادِيرِها، ولَمْ يُتَعَبَّدْ بِمَعْرِفَتِها فَجائِزٌ إثْباتُها آيَةً بِخَبَرِ الواحِدِ.
وأمّا مَوْضِعُها مِنَ السُّوَرِ فَهو كَإثْباتِها مِنَ القُرْآنِ، سَبِيلُهُ النَّقْلُ المُتَواتِرُ، ولا يَجُوزُ إثْباتُها بِأخْبارِ الآحادِ ولا بِالنَّظَرِ والمَقايِيسِ كَسائِرِ السُّوَرِ وكَمَوْضِعِها مِن سُورَةِ النَّمْلِ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ كانَ يَكُونُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ الآيِ عَلى ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ عُثْمانَ، وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، ولَمْ يُوجَدْ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ تَوْقِيفٌ في سائِرِ الآيِ عَلى مَبادِئِها ومَقاطِعِها فَثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ مَفْرُوضٍ عَلَيْنا مَقادِيرُ الآيِ، فَإذْ قَدْ ثَبَتَ أنَّها آيَةٌ فَلَيْسَتْ تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ آيَةً في كُلِّ مَوْضِعٍ هي مَكْتُوبَةٌ فِيهِ مِنَ القُرْآنِ.
وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، أوْ أنْ تَكُونَ آيَةً مُنْفَرِدَةً كُرِّرَتْ في هَذِهِ المَواضِعِ عَلى حَسَبِ ما يُكْتَبُ في أوائِلِ الكُتُبِ عَلى جِهَةِ التَّبَرُّكِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى فالأوْلى أنْ تَكُونَ آيَةً في كُلِّ مَوْضِعٍ هي مَكْتُوبَةٌ فِيهِ، لِنَقْلِ الأُمَّةِ أنَّ جَمِيعَ ما في المُصْحَفِ مِنَ القُرْآنِ، ولَمْ يَخُصُّوا شَيْئًا مِنهُ مِن غَيْرِهِ.
ولَيْسَ وُجُودُها مُكَرَّرَةً في هَذِهِ المَواضِعِ مُخْرِجَها مِن أنْ تَكُونَ مِنَ القُرْآنِ لِوُجُودِنا كَثِيرًا مِنهُ مَذْكُورًا عَلى وجْهِ التَّكْرارِ، ولا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِن أنْ تَكُونَ كُلُّ آيَةٍ مِنها، وكُلُّ لَفْظَةٍ مِنَ القُرْآنِ في المَوْضِعِ المَذْكُورِ فِيهِ نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِثْلُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، ونَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] كُلُّ آيَةٍ مِنها مُفْرَدَةٌ في مَوْضِعِها مِنَ القُرْآنِ لا عَلى مَعْنى تَكْرارِ آيَةٍ واحِدَةٍ وكَذَلِكَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] وقَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّها آيَةٌ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ آيَةً في كُلِّ مَوْضِعٍ ذُكِرَتْ فِيهِ.
القصص 28:15
قَوْلُهُ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] فَأخْبَرَ أنَّهُ قَتَلَهُ بِوَكْزِهِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَتْلَ بِاللَّطْمَةِ عَمْدٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي عَلى الإطْلاقِ. وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: ظَلَمْتُ نَفْسِي بِإقْدامِي عَلى الوَكْزِ مِن غَيْرِ تَوْقِيفٍ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ القَتْلَ عَمْدٌ؛ إذِ الظُّلْمُ لا يَخْتَصُّ بِالقَتْلِ دُونَ الظُّلْمِ، وكانَ صَغِيرَةً.
القصص 28:16
قَوْلُهُ: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿قَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [القصص: ١٩] فَأخْبَرَ أنَّهُ قَتَلَهُ بِوَكْزِهِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَتْلَ بِاللَّطْمَةِ عَمْدٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي عَلى الإطْلاقِ. وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: ظَلَمْتُ نَفْسِي بِإقْدامِي عَلى الوَكْزِ مِن غَيْرِ تَوْقِيفٍ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ القَتْلَ عَمْدٌ؛ إذِ الظُّلْمُ لا يَخْتَصُّ بِالقَتْلِ دُونَ الظُّلْمِ، وكانَ صَغِيرَةً.
القصص 28:27
ومِن سُورَةِ القَصَصِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾
مِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِذَلِكَ في جَوازِ عَقْدِ النِّكاحِ عَلى مَنافِعِ الحُرِّ؛ ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى ما ذَكَرُوا؛ لِأنَّهُ شَرَطَ مَنافِعَهُ لَشُعَيْبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَشْرُطْ لَها مَهْرًا، فَهو بِمَنزِلَةِ مَن تَزَوَّجَ امْرَأةً بِغَيْرِ مَهْرٍ مُسَمًّى وشَرَطَ لِوَلِيِّها مَنافِعَ الزَّوْجِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَهَذا إنَّما يَدُلُّ عَلى جَوازِ عَقْدِ النِّكاحِ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ، وشَرْطُهُ لِلْمَوْلى ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَقْدَ النِّكاحِ لا تُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ الَّتِي لا يُوجِبُها العَقْدُ.
وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ النِّكاحُ جائِزًا في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِغَيْرِ بَدَلٍ تَسْتَحِقُّهُ المَرْأةُ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَهَذا مَنسُوخٌ بِشَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ جائِزًا في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أنْ يَشْرُطَ لِلْوَلِيِّ مَنفَعَةً.
ويُحْتَجُّ بِهِ في جَوازِ الزِّيادَةِ في العُقُودِ لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢١٦)﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( قَضى مُوسى أتَمَّ الأجَلَيْنِ وأوْفاهُما ) .
القصص 28:29
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ﴾ يَسْتَدِلُّ بِهِ بَعْضُهم عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ أنْ يُسافِرَ بِامْرَأتِهِ ويَنْقُلَها إلى بَلَدٍ آخَرَ ويُفَرِّقَ بَيْنَها وبَيْنَ أبَوَيْها؛ ولا دَلالَةَ فِيهِ عِنْدِي عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ فَعَلَ بِرِضاها.
آخِرُ سُورَةِ القَصَصِ.
القصص 28:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ الآيَةَ. قالَ مُجاهِدٌ: ( كانَ ناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ أسْلَمُوا، فَآذاهُمُ المُشْرِكُونَ فَصَفَحُوا عَنْهم، يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا سَلامُ مُتارَكَةٍ ولَيْسَ بِتَحِيَّةٍ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] وقالَ: إبْراهِيمُ ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]
ومِنَ النّاسِ مَن يَظُنُّ أنَّ هَذا يَجُوزُ عَلى جَوازِ ابْتِداءِ الكافِرِ بِالسَّلامِ. ولَيْسَ كَذَلِكَ، لِما وصَفْنا مِن أنَّ السَّلامَ يَنْصَرِفُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدِهِما: المُسالَمَةُ الَّتِي هي المُتارَكَةُ، والثّانِي: التَّحِيَّةُ الَّتِي هي دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ والأمْنِ، نَحْوُ تَسْلِيمِ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وقَوْلِهِ ﷺ: «لِلْمُؤْمِنِ عَلى المُؤْمِنِ سِتٌّ أحَدُها أنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إذا لَقِيَهُ»، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦] وقَوْلِهِ: ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الكُفّارِ: «لا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ وإنَّهُ إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا وعَلَيْكم» .
العنكبوت 29:8
ومِن سُورَةِ العَنْكَبُوتِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ رَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ «أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ قالَ: الصَّلَواتُ لِوَقْتِهِنَّ. قُلْتَ: ثُمَّ مَهْ ؟ قالَ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. قُلْتَ: ثُمَّ مَهْ ؟ قالَ: بِرُّ الوالِدَيْنِ» .
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ» والآيَةُ والخَبَرُ يَدُلّانِ مَعًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَقْتُلَ أباهُ وإنْ كانَ مُشْرِكًا «ونَهى النَّبِيُّ ﷺ حَنْظَلَةَ بْنَ أبِي عامِرٍ عَنْ قَتْلِ أبِيهِ وكانَ مُشْرِكًا» ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ (p-٢١٧)لا يُقْتَصُّ لِلْوَلَدِ مِنَ الوالِدِ
العنكبوت 29:45
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الصَّلاةُ لا تَنْفَعُ إلّا مَن أطاعَها.
قالَ أبُو بَكْرٍ يَعْنِي القِيامَ بِمُوجِباتِ الصَّلاةِ مِنَ الإقْبالِ عَلَيْها بِالقَلْبِ والجَوارِحِ وإنَّما قِيلَ: تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ؛ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى أفْعالٍ وأذْكارٍ لا يَتَخَلَّلُها غَيْرُها مِن أُمُورِ الدُّنْيا ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الفُرُوضِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَهي تَنْهى عَنِ المُنْكَرِ وتَدْعُو إلى المَعْرُوفِ بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ مُقْتَضاها ومُوجَبُها لِمَن قامَ بِحَقِّها. وعَنِ الحَسَنِ قالَ: مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا وقِيلَ: إنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إنَّ فُلانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ويَسْرِقُ بِالنَّهارِ؛ فَقالَ: لَعَلَّ صَلاتَهُ تَنْهاهُ» . ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ النِّساءُ والطِّيبُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» . ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ قالَ: لَمْ تَكُنِ الصَّلاةُ قُرَّةَ عَيْنِهِ ولَكِنَّهُ كانَ إذا دَخَلَ الصَّلاةَ يَرى فِيها ما تَقَرُّ عَيْنُهُ
* *
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وسَلْمانُ ومُجاهِدٌ: ذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم بِرَحْمَتِهِ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ بِطاعَتِهِ ورُوِيَ عَنْ سَلْمانَ أيْضًا وأُمِّ الدَّرْداءِ وقَتادَةَ ذِكْرُ العَبْدِ لِرَبِّهِ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ عَمَلِهِ وقالَ السُّدِّيُّ: ذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِنَ الصَّلاةِ
العنكبوت 29:46
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] ولا مُجادَلَةَ أشَدُّ مِنَ السَّيْفِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوكم في جِدالِهِمْ أوْ غَيْرِهِ مِمّا يَقْتَضِي الإغْلاظَ لَهم وهو نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وقالَ مُجاهِدٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم بِمَنعِ الجِزْيَةِ وقِيلَ: إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم بِالإقامَةِ عَلى كُفْرِهِمْ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. آخِرُ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ
الروم 30:18
وقْتُ الظُّهْرِ وأمّا أوَّلُ وقْتِ الظُّهْرِ فَهو مِن حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ فِيهِ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ وقالَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَدْ بَيَّنّا أنَّ دُلُوكَ الشَّمْسِ تَحْتَمِلُ الزَّوالَ والغُرُوبَ جَمِيعًا وهو عَلَيْهِما، فَتَنْتَظِمُ الآيَةُ الأمْرَ بِصَلاةِ الظُّهْرِ والمَغْرِبِ وبَيانَ أوَّلِ وقْتَيْهِما.
ومِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي سَعِيدٍ وجابِرٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وبُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذِكْرِ المَواقِيتِ حِينَ أمَّهُ جِبْرِيلُ، وأنَّهُ صَلّى الظُّهْرَ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ؛ وفي بَعْضِها ابْتِداءُ اللَّفْظِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أوَّلُ وقْتِ الظُّهْرِ إذا زالَتِ الشَّمْسُ» وهي أحادِيثُ مَشْهُورَةٌ كَرِهْتُ الإطالَةَ بِذِكْرِ أسانِيدِها وسِياقَةِ ألْفاظِها؛ فَصارَ أوَّلُ وقْتِ الظُّهْرِ مَعْلُومًا مِن جِهَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ واتِّفاقِ الأُمَّةِ وأمّا آخِرُ وقْتِها فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الفُقَهاءُ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ فِيهِ ثَلاثُ رِواياتٍ:
إحْداهُنَّ: أنْ يَصِيرَ الظِّلُّ أقَلَّ مِن قامَتَيْنِ.
والأُخْرى، وهي رِوايَةُ الحَسَنِ بْنِ زِيادٍ: أنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ.
والثّالِثَةُ: أنْ يَصِيرَ الظِّلُّ قامَتَيْنِ، وهي رِوايَةُ الأصْلِ. وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ: " هو أنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ " . وحُكِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ وقْتَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إلى (p-٢٥٢)غُرُوبِ الشَّمْسِ.
ويُحْتَجُّ لِقَوْلِ مَن قالَ بِالمِثْلَيْنِ في آخِرِ وقْتِ الظُّهْرِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] وذَلِكَ يَقْتَضِي فِعْلَ العَصْرِ بَعْدَ المِثْلَيْنِ؛ لِأنَّهُ كُلَّما كانَ أقْرَبَ إلى وقْتِ الغُرُوبِ فَهو أوْلى بِاسْمِ الطَّرَفِ، وإذا كانَ وقْتُ العَصْرِ مِنَ المِثْلَيْنِ فَما قَبْلَهُ مِن وقْتِ الظُّهْرِ، لِحَدِيثِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ وقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وآخِرَ وقْتِها حِينَ يَدْخُلُ وقْتُ العَصْرِ» . ويُحْتَجُّ أيْضًا لِهَذا القَوْلِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الدُّلُوكَ يَحْتَمِلُ الزَّوالَ، فَإذا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ اقْتَضى ظاهِرُهُ امْتِدادَ الوَقْتِ إلى الغُرُوبِ، إلّا أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ ما بَعْدَ المِثْلَيْنِ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلظُّهْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَثْبُتَ إلى المِثْلَيْنِ بِالظّاهِرِ. ويُحْتَجُّ فِيهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أجَلُكم في أجَلِ مَن مَضى قَبْلَكم كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، ومَثَلُكم ومَثَلُ أهْلِ الكِتابَيْنِ قَبْلَكم كَرَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَراءَ فَقالَ مَن يَعْمَلُ لِي ما بَيْنَ غُدْوَةٍ إلى نِصْفِ النَّهارِ عَلى قِيراطٍ ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ ثُمَّ قالَ مَن يَعْمَلُ لِما بَيْنَ نِصْفِ النَّهارِ إلى العَصْرِ عَلى قِيراطٍ ؟ فَعَمِلَتِ النَّصارى، ثُمَّ قالَ مَن يَعْمَلُ لِما بَيْنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ عَلى قِيراطَيْنِ ؟ فَعَمِلْتُمْ أنْتُمْ فَغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصارى فَقالُوا: كُنّا أكْثَرَ عَمَلًا وأقَلَّ عَطاءً قالَ هَلْ نُقِصْتُمْ مِن جُعْلِكم شَيْئًا ؟ قالُوا: لا، قالَ فَإنَّما هو فَضْلِي أُوتِيَهُ مَن أشاءُ» . ودَلالَةُ هَذا الخَبَرِ عَلى ما ذَكَرْنا مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: «أجَلُكم في أجَلِ مَن مَضى قَبْلَكم كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ» وإنَّما أرادَ بِذَلِكَ الإخْبارَ عَنْ قِصَرِ الوَقْتِ؛ وقالَ ﷺ «بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ وجَمَعَ بَيْنَ السَّبّابَةِ والوُسْطى، وفي خَبَرٍ آخَرَ: كَما بَيْنَ هَذِهِ وهَذِهِ»، فَأخْبَرَ فِيهِ أنَّ الَّذِي بَقِيَ مِن مُدَّةِ الدُّنْيا كَنُقْصانِ السَّبّابَةِ عَنِ الوُسْطى، وقَدْ قُدِّرَ ذَلِكَ بِنِصْفِ السَّبْعِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ حِينَ شَبَّهَ عَلَيْهِ السَّلامُ أجَلَنا في أجَلِ مَن مَضى قَبْلَنا بِوَقْتِ العَصْرِ في قِصَرِ مُدَّتِهِ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِنَ المِثْلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ وقْتَ العَصْرِ بَعْدَ المِثْلَيْنِ.
والوَجْهُ الآخَرُ مِن دَلالَةِ الخَبَرِ: المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَنا ولِأهْلِ الكِتابَيْنِ بِالعَمَلِ في الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، وأنَّهم غَضِبُوا فَقالُوا: كُنّا أكْثَرَ عَمَلًا وأقَلَّ عَطاءً؛ فَلَوْ كانَ وقْتُ العَصْرِ في المِثْلِ لَما كانَتِ النَّصارى أكْثَرَ عَمَلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، بَلْ كانَ يَكُونُ المُسْلِمُونَ أكْثَرَ عَمَلًا؛ لِأنَّ ما بَيْنَ المِثْلِ إلى الغُرُوبِ أكْثَرُ مِمّا بَيْنَ الزَّوالِ إلى المِثْلِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ وقْتَ العَصْرِ أقْصَرُ مِن وقْتِ الظُّهْرِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما (p-٢٥٣)أرادَ أنَّ وقْتَيِ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا أطْوَلُ مِن وقْتِ المُسْلِمِينَ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِذَلِكَ عَلى حِيالِهِ دُونَ الإخْبارِ عَنْهُما مَجْمُوعَيْنِ ألا تَرى أنَّهم قالُوا: كُنّا أكْثَرَ عَمَلًا وأقَلَّ عَطاءً ؟ ولَيْسا بِمَجْمُوعِهِما أقَلَّ عَطاءً؛ لِأنَّ عَطاءَهُما جَمِيعًا هو مِثْلُ عَطاءِ المُسْلِمِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُرْوَةَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ أبِي مَسْعُودٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ جِبْرِيلَ أتاهُ في اليَوْمِ الثّانِي حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، فَقالَ: قُمْ فَصَلِّ الظُّهْرَ» فَأخْبَرَ أنَّ جِبْرِيلَ أتاهُ بَعْدَ المِثْلِ فَأمْرَهُ بِفِعْلِ الظُّهْرِ؛ فَلَوْ كانَ ما بَعْدَ المِثْلِ مِن وقْتِ العَصْرِ لَكانَ قَدْ أخَّرَ الظُّهْرَ عَنْ وقْتِها.
فَإنْ قِيلَ: في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرٍ وأبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ صَلّى العَصْرَ في اليَوْمِ الأوَّلِ حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ وقْتُ العَصْرِ بَعْدَ المِثْلِ. قِيلَ لَهُ: أمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّهُ أخْبَرَ فِيهِ عَنْ إمامَةِ جِبْرِيلَ عِنْدَ بابِ البَيْتِ وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وفِيهِ أنَّهُ صَلّى الظُّهْرَ مِنَ اليَوْمِ الثّانِي لِوَقْتِ العَصْرِ بِالأمْسِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ وقْتُ الظُّهْرِ ووَقْتُ العَصْرِ واحِدًا فِيما صَلّاهُما في اليَوْمَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما أرادَ أنَّهُ ابْتَدَأ العَصْرَ في وقْتِ فَراغِهِ مِنَ الظُّهْرِ مِنَ الأمْسِ. قِيلَ لَهُ: في حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ جِبْرِيلَ أتاهُ حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ في اليَوْمِ الأوَّلِ فَقالَ: قُمْ فَصَلِّ العَصْرَ، وأنَّهُ أتاهُ في اليَوْمِ الثّانِي حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَقالَ: قُمْ فَصَلِّ الظُّهْرَ؛ فَأخْبَرَ أنَّ مَجِيئَهُ إلَيْهِ وأمْرَهُ إيّاهُ بِالصَّلاةِ كانَ بَعْدَ المِثْلِ، وهَذا يُسْقِطُ تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَهُ. وإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «وقْتُ الظُّهْرِ ما لَمْ يَحْضُرْ وقْتُ العَصْرِ» وفي حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «التَّفْرِيطُ عَلى مَن لَمْ يُصَلِّ الصَّلاةَ حَتّى يَدْخُلَ وقْتُ الأُخْرى»، ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ما في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ عَلى النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرْنا مَنسُوخٌ، وأنَّهُ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وعَلى أنَّهُ لَوْ كانَ ثابِتَ الحُكْمِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ الآخَرُ ناسِخًا لِلْأوَّلِ، وأنْ يَكُونَ الآخَرُ مِنهُما ثابِتًا؛ والآخَرُ مِنَ الفِعْلَيْنِ أنَّهُ فَعَلَ الظُّهْرَ في اليَوْمِ الثّانِي بَعْدَ المِثْلِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ المِثْلِ مِن وقْتِ الظُّهْرِ.
وفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ سَألَهُ السّائِلُ عَنْ مَواقِيتِ الصَّلاةِ: «أنَّهُ صَلّى العَصْرَ في اليَوْمِ الأوَّلِ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ قَبْلَ أنْ تَدْخُلَها الصُّفْرَةُ»، وكَذَلِكَ في حَدِيثِ سُلَيْمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ «صَلّى العَصْرَ في اليَوْمِ الأوَّلِ والشَّمْسُ بَيْضاءُ مُرْتَفِعَةٌ»؛ ولا يُقالُ هَذا فِيمَن صَلّاها حِينَ يَصِيرُ الظِّلُّ مِثْلَهُ. وقَدْ ذَكَرَ أيْضًا في حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ «صَلّى العَصْرَ في اليَوْمِ الأوَّلِ والشَّمْسُ بَيْضاءُ مُرْتَفِعَةٌ» . رَواهُ جَماعَةٌ مِن كِبارِ أصْحابِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، مِنهم (p-٢٥٤)مالِكٌ واللَّيْثُ وشُعَيْبٌ ومَعْمَرٌ وغَيْرُهم، ورَواهُ أيُّوبُ عَنْ عُتْبَةَ عَنْ أبِي بَكْرٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ، فَذَكَرَ فِيهِ مَقادِيرَ الفَيْءِ عَلى نَحْوِ ما قَدَّمْنا. فَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يُرْوى عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَذَكَرَ في أحَدِهِما أنَّهُ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَقالَ: قُمْ فَصَلِّ الظُّهْرَ، وفي اليَوْمِ الثّانِي جاءَهُ حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَقالَ: قُمْ فَصَلِّ العَصْرَ.
وحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مِقْدارَ الفَيْءِ وذَكَرَ أنَّهُ صَلّى العَصْرَ في اليَوْمِ الأوَّلِ والشَّمْسُ بَيْضاءُ مُرْتَفِعَةٌ لَمْ تَدْخُلْها صُفْرَةٌ. وقَدْ رُوِيَتْ أخْبارٌ في تَعْجِيلِ العَصْرِ قَدْ يَحْتَجُّ بِها مَن يَقُولُ بِالمِثْلِ، وفِيها احْتِمالٌ لِما قالُوهُ ولِغَيْرِهِ، فَلا تَثْبُتُ بِمِثْلِها حُجَّةٌ في إثْباتِ المِثْلِ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ لا حُجَّةَ في المُحْتَمَلِ؛ مِنها حَدِيثُ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذّاهِبُ إلى العَوالِي فَيَجِدُهم لَمْ يُصَلُّوا العَصْرَ»، قالَ الزُّهْرِيُّ: والعَوالِي عَلى المِيلَيْنِ والثَّلاثَةِ.
ورَوى أبُو واقَدٍ اللَّيْثِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو أرْوى قالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَصْرَ بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ أمْشِي إلى ذِي الحُلَيْفَةِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ» . وفي حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ أبِي مَسْعُودٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ والشَّمْسُ بَيْضاءُ مُرْتَفِعَةٌ يَسِيرُ الرَّجُلُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنها إلى ذِي الحُلَيْفَةِ سِتَّةَ أمْيالٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» .
ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يُصَلِّي العَصْرَ والشَّمْسُ في حُجْرَتِها قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ الفَيْءُ وفي لَفْظٍ آخَرَ: لَمْ يَفِئِ الفَيْءُ بَعْدُ» . لَيْسَ في هَذِهِ الأخْبارِ ذِكْرُ تَحْدِيدِ الوَقْتِ، وما ذُكِرَ مِنَ المُضِيِّ إلى العَوالِي وذِي الحُلَيْفَةِ فَلَيْسَ يُمْكِنُ الوُقُوفُ مِنهُ عَلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ مِنَ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ عَلى قَدْرِ الإبْطاءِ والسُّرْعَةِ في المَشْيِ. وقَدْ كانَ شَيْخُنا أبُو الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ ﷺ:
«أبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ» عَلى أنَّ ما بَعْدَ المِثْلِ وقْتٌ لِلظُّهْرِ؛ لِأنَّ الإبْرادَ لا يَكُونُ عِنْدَ المِثْلِ بَلْ أشَدُّ ما يَكُونُ الحَرُّ في الصَّيْفِ عِنْدَما يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ. ومَن قالَ بِالمِثْلِ يُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِالهَجِيرِ عِنْدَ الزَّوالِ والفَيْءُ قَلِيلٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَكانَ مِنهم مَن يُصَلِّي في الشَّمْسِ أوْ بِالقُرْبِ مِنها؛ وكَذَلِكَ قالَ خَبّابٌ: «شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ حَرَّ الرَّمْضاءِ فَلَمْ يُشْكِنا، ثُمَّ قالَ: أبْرِدُوا بِالظُّهْرِ» فَأمَرَهم أنْ يُصَلُّوها بَعْدَما يَفِيءُ الفَيْءُ، فَهَذا هو الإبْرادُ المَأْمُورُ بِهِ عِنْدَ مَن قالَ بِالمِثْلِ. وأمّا ما حُكِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ وقْتَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإنَّهُ قَوْلٌ تَرُدُّهُ الأخْبارُ المَرْوِيَّةُ في المَواقِيتِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى في (p-٢٥٥)اليَوْمَيْنِ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ وأبِي سَعِيدٍ وأبِي مُوسى وغَيْرِهِمْ في أوَّلِ الوَقْتِ وآخِرِهِ، ثُمَّ قالَ: «ما بَيْنَ هَذَيْنِ وقْتٌ»، وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «وقْتُ الظُّهْرِ ما لَمْ يَحْضُرْ وقْتُ العَصْرِ»، وفي بَعْضِ ألْفاظِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «وآخِرُ وقْتِ الظُّهْرِ حِينَ يَدْخُلُ وقْتُ العَصْرِ»، فَغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ أنْ يَجْعَلَ وقْتَ العَصْرِ وقْتًا لِلظُّهْرِ مَعَ إخْبارِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ آخِرَ وقْتِ الظُّهْرِ حِينَ يَدْخُلُ وقْتُ العَصْرِ.
وقَدْ نَقَلَ النّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الأوْقاتِ عَمَلًا وقَوْلًا، كَما نَقَلُوا وقْتَ الفَجْرِ ووَقْتَ العِشاءِ والمَغْرِبِ، وعَقَلُوا بِتَوْقِيفِهِ ﷺ أنَّ كُلَّ صَلاةٍ مِنها مَخْصُوصَةٌ بِوَقْتٍ غَيْرِ وقْتِ الأُخْرى. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ: «التَّفْرِيطُ عَلى مَن لَمْ يُصَلِّ الصَّلاةَ حَتّى يَجِيءَ وقْتُ الأُخْرى» .
ولا خِلافَ أنَّ تارِكَ الظُّهْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتّى يَدْخُلَ وقْتُ العَصْرِ مُفَرِّطٌ؛ فَثَبَتَ أنَّ لِلظُّهْرِ وقْتًا مَخْصُوصًا، وكَذَلِكَ العَصْرُ، وأنَّ وقْتَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما غَيْرُ وقْتِ الأُخْرى، ولَوْ كانَ الوَقْتانِ جَمِيعًا وقْتًا لِلصَّلاتَيْنِ لَجازَ أنْ يُصَلّى العَصْرُ في وقْتِ الظُّهْرِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ ولَمّا كانَ لِلْجَمْعِ بِعَرَفَةَ خُصُوصِيَّةٌ؛ وفي امْتِناعِ جَوازِ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ عِنْدَ الجَمِيعِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الصَّلاتَيْنِ مُنْفَرِدَةٌ بِوَقْتِها.
فَإنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وأنَّ الدُّلُوكَ هو الزَّوالُ، وجُعِلَ ذَلِكَ كُلُّهُ وقْتًا لِلظُّهْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ في غَسَقِ اللَّيْلِ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ الغُرُوبُ. قِيلَ لَهُ: ظاهِرُهُ يَقْتَضِي إباحَةَ فِعْلِ هَذِهِ الصَّلاةِ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ، وقَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُرادٍ وأنَّهُ غَيْرُ مُخَيَّرٍ في فِعْلِ الظُّهْرِ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى اللَّيْلِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ صَلاةٌ أُخْرى يَفْعَلُها وهي إمّا العَصْرُ وإمّا المَغْرِبُ، والمَغْرِبُ أشْبَهُ بِمَعْنى الآيَةِ لِاتِّصالِ وقْتِها بِغَسَقِ اللَّيْلِ الَّذِي هو اجْتِماعُ الظُّلْمَةِ؛ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: أقِمُ الصَّلاةَ لِزَوالِ الشَّمْسِ، وأقِمْها أيْضًا إلى غَسَقِ اللَّيْلِ؛ وهي صَلاةٌ أُخْرى غَيْرُ الأُولى، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّ وقْتَ الظُّهْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ وقَدْ وافَقَ الشّافِعِيُّ مالِكًا في هَذا المَعْنى أيْضًا مِن وجْهٍ، وذَلِكَ أنَّهُ يَقُولُ: " مَن أسْلَمَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَزِمَتْهُ الظُّهْرُ والعَصْرُ جَمِيعًا، وكَذَلِكَ الحائِضُ إذا طَهُرَتْ والصَّبِيُّ إذا بَلَغَ "؛ وذَهَبَ إلى أنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ وقْتَ اخْتِيارٍ فَهو وقْتُ الضَّرُورَةِ والعُذْرِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ عَلى أصْلِهِ الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ في السَّفَرِ والمَرَضِ ونَحْوِهِ بِأنْ يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إلى وقْتِ العَصْرِ أوْ يُعَجِّلَ العَصْرَ فَيُصَلِّيَها في وقْتِ الظُّهْرِ مَعَها، فَجَعَلَ مِن أجْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ (p-٢٥٦)وقْتًا لَهُما في حالِ العُذْرِ والضَّرُورَةِ.
فَإنْ كانَ هَذا اعْتِبارًا صَحِيحًا فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ في المَرْأةِ إذا حاضَتْ في أوَّلِ وقْتِ الظُّهْرِ أنْ تَلْزَمَها صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ جَمِيعًا، كَما أنَّها إذا طَهُرَتْ في آخِرِ وقْتِ العَصْرِ لَزِمَتْها صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ جَمِيعًا، وقَدْ أدْرَكَتْ هَذِهِ الَّتِي حاضَتْ في وقْتِ الظُّهْرِ مِنَ الوَقْتِ ما يَجُوزُ لَها فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ لِلْعُذْرِ؛ وهَذا لا يَقُولُهُ أحَدٌ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ وقْتَ العَصْرِ غَيْرُ وقْتِ الظُّهْرِ في سائِرِ الأحْوالِ وأنَّهُ لا تَلْزَمُ أحَدًا صَلاةُ الظُّهْرِ بِإدْراكِهِ وقْتَ العَصْرِ دُونَ وقْتِ الظُّهْرِ.
* *
وقْتُ العَصْرِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا أوَّلُ وقْتِ العَصْرِ فَهو عَلى ما ذَكَرْنا مِن خُرُوجِ وقْتِ الظُّهْرِ عَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ، والصَّحِيحُ مِن قَوْلِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ وقْتِ الظُّهْرِ ووَقْتِ العَصْرِ واسِطَةُ وقْتٍ مِن غَيْرِهِما؛ وما رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِن أنَّ آخِرَ وقْتِ الظُّهْرِ أنْ يَصِيرَ الظِّلُّ أقَلَّ مِن قامَتَيْنِ وأوَّلُ وقْتِ العَصْرِ إذا صارَ الظِّلُّ قامَتَيْنِ، فَهو رِوايَةٌ شاذَّةٌ، وهي أيْضًا مُخالِفَةٌ لِلْآثارِ الوارِدَةِ في أنَّ وقْتَ الظُّهْرِ ما لَمْ يَحْضُرْ وقْتُ العَصْرِ؛ وفي بَعْضِ ألْفاظِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «وآخِرُ وقْتِ الظُّهْرِ حِينَ يَدْخُلُ وقْتُ العَصْرِ» وفي حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ: «التَّفْرِيطُ في الصَّلاةِ أنْ يَتْرُكَها حَتّى يَدْخُلَ وقْتُ الأُخْرى» .
والصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ أحَدُ قَوْلَيْنِ:
إمّا المِثْلانِ وإمّا المِثْلُ، وأنَّ بِخُرُوجِ وقْتِ الظُّهْرِ يَدْخُلُ وقْتُ العَصْرِ. واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ أنَّ آخِرَ وقْتِ العَصْرِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ، ويَحْتَجُّ فِيهِ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ آخِرَ وقْتِها الغُرُوبُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن فاتَهُ العَصْرُ حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ»، فَجَعَلَ فَواتَها بِالغُرُوبِ ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ»، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ وقْتَها إلى الغُرُوبِ.
فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «آخِرُ وقْتِ العَصْرِ حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ»، فَإنَّ هَذا عِنْدَنا عَلى كَراهَةِ التَّأْخِيرِ وبَيانِ الوَقْتِ المُسْتَحَبِّ، كَما رُوِيَ في حَدِيثِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «آخِرُ وقْتِ العِشاءِ الآخِرَةِ نِصْفُ اللَّيْلِ» ومُرادُهُ الوَقْتُ المُسْتَحَبُّ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ ما بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ مِن وقْتِ العِشاءِ الآخِرَةِ، وأنَّ مُدْرِكَهُ بِالِاحْتِلامِ أوِ الإسْلامِ (p-٢٥٧)يَلْزَمُهُ فَرْضُها.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ ولَما فاتَهُ مِن وقْتِها خَيْرٌ لَهُ مِن أهْلِهِ ومالِهِ» . فَقَدْ يَكُونُ وقْتٌ يَلْزَمُ بِهِ مُدْرِكُهُ الفَرْضَ ويُكْرَهُ لَهُ تَأْخِيرُها إلَيْهِ ألا تَرى أنَّهُ يُكْرَهُ الإسْفارُ بِصَلاةِ الفَجْرِ بِمُزْدَلِفَةَ ولَمْ تُخْرِجْهُ كَراهَةُ التَّأْخِيرِ إلَيْهِ مِن أنْ يَكُونَ وقْتًا لَها ؟ فَكَذَلِكَ الأخْبارُ الَّتِي فِيها تَقْدِيرُ آخِرِ الوَقْتِ بِاصْفِرارِ الشَّمْسِ وارِدَةٌ عَلى فَواتِ فَضِيلَةِ الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَها النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا لَهُ مِن أهْلِهِ ومالِهِ.
الروم 30:39
ومِن سُورَةِ الرُّومِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ هو الرَّجُلُ يَهَبُ الشَّيْءَ يُرِيدُ أنْ يُثابَ أفْضَلَ مِنهُ فَذَلِكَ الَّذِي لا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ولا يُؤْجَرُ صاحِبُهُ فِيهِ ولا إثْمَ عَلَيْهِ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هو الرَّجُلُ يُعْطِي (p-٢١٨)لِيُثابَ عَلَيْهِ ورَوى عَبْدُ الوَهّابِ عَنْ خالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ قالَ: الرِّبا رِبَوانِ فَرِبًا حَلالٌ ورِبًا حَرامٌ فَأمّا الرِّبا الحَلالُ فَهو الَّذِي يُهْدى يُلْتَمَسُ بِهِ ما هو أفْضَلُ مِنهُ ورَوى زَكَرِيّا عَنِ الشَّعْبِيِّ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ قالَ كانَ الرَّجُلُ يُسافِرُ مَعَ الرَّجُلِ فَيَخِفُّ لَهُ ويَخْدِمُهُ فَيَجْعَلُ لَهُ مِن رِبْحِ مالِهِ لِيَجْزِيَهُ بِذَلِكَ.
ورَوى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي رُوادٍ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ﴾ قالَ هو الرِّبا الحَلالُ الرَّجُلُ يُهْدِي لِيُثابَ أفْضَلَ مِنهُ فَذَلِكَ لا لَهُ ولا عَلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ أجْرٌ ولَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ إثْمٌ ورَوى مَنصُورٌ عَنْ إبْراهِيمَ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] قالَ لا تُعْطِ لِتَزْدادَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خاصًّا لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ كانَ في أعْلى مَراتِبِ مَكارِمِ الأخْلاقِ كَما حَرَّمَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] لا تَسْتَكْثِرْ عَمَلَكَ فَتَمُنَّ بِهِ عَلى رَبِّكَ
الروم 30:54
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ خَلَقَكم ضُعَفاءَ حَمْلًا في بُطُونِ الأُمَّهاتِ ثُمَّ أطْفالًا لا تَمْلِكُونَ لِأنْفُسِكم نَفْعًا ولا ضَرًّا ثُمَّ جَعَلَكم أقْوِياءَ ثُمَّ أعْطاكم مِنَ الِاسْتِطاعَةِ والعَقْلِ والدِّرايَةِ لِلتَّصَرُّفِ في اخْتِلافِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ ثُمَّ جَعَلَكم ضُعَفاءَ في حالِ الشَّيْخُوخَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] وقَوْلِهِ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠] فَيَبْقى مَسْلُوبَ القُوى والفَهْمِ كالصَّبِيِّ بَلْ حالُهُ دُونَ حالِ الصَّبِيِّ؛ لِأنَّ الصَّبِيَّ في زِيادَةٍ مِنَ القُوى والفَهْمِ مِن حِينِ البُلُوغِ وكَمالِ حالِ الإنْسانِيَّةِ وهَذا يَزْدادُ عَلى البَقاءِ ضَعْفًا وجَهْلًا ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى أرْذَلَ العُمُرِ وجَعَلَ الشَّيْبَ قَرِينًا لِلضَّعْفِ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنْ نَبِيِّهِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]
آخِرُ سُورَةِ الرُّومِ
لقمان 31:14
بابُ قَتْلِ الوالِدِ بِوَلَدِهِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في قَتْلِ الوالِدِ بِوَلَدِهِ، فَقالَ عامَّتُهم: " لا يُقْتَلُ، وعَلَيْهِ الدِّيَةُ في مالِهِ " قالَ بِذَلِكَ أصْحابُنا والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ، وسَوَّوْا بَيْنَ الأبِ والجَدِّ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحِ بْنِ حَيٍّ: " يُقادُ الجَدُّ بِابْنِ الِابْنِ "، وكانَ يُجِيزُ شَهادَةَ الجَدِّ لِابْنِ ابْنِهِ، ولا يُجِيزُ شَهادَةَ الأبِ لِابْنِهِ. وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: " إذا قَتَلَ ابْنَهُ عَمْدًا قُتِلَ بِهِ "، وقالَ مالِكٌ: " يُقْتَلُ بِهِ " وقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ إذا ذَبَحَهُ قُتِلَ بِهِ، وإنْ حَذَفَهُ بِالسَّيْفِ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ. والحُجَّةُ لِمَن أبى قَتْلَهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا يُقْتَلُ والِدٌ بِوَلَدِهِ» .
وهَذا خَبَرٌ مُسْتَفِيضٌ مَشْهُورٌ، وقَدْ حَكَمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِحَضْرَةِ الصَّحابَةِ مِن غَيْرِ خِلافٍ مِن واحِدٍ مِنهم عَلَيْهِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»، ونَحْوِهِ في لُزُومِ الحُكْمِ بِهِ، وكانَ في حَيَّزِ المُسْتَفِيضِ المُتَواتِرِ.
وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ هاشِمِ بْنِ الحُسَيْنِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنانٍ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ، عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا يُقادُ الأبُ بِابْنِهِ» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا خَلّادُ بْنُ يَحْيى قالَ: (p-١٧٩)حَدَّثَنا قَيْسٌ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ طاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُقادُ الوالِدُ بِوَلَدِهِ» .
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ: «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ» فَأضافَ نَفْسَهُ إلَيْهِ كَإضافَةِ مالِهِ، وإطْلاقُ هَذِهِ الإضافَةِ يَنْفِي القَوَدَ كَما يَنْفِي أنْ يُقادَ المَوْلى بِعَبْدِهِ لِإطْلاقِ إضافَتِهِ إلَيْهِ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي المِلْكَ في الظّاهِرِ، والأبُ وإنَّ كانَ غَيْرَ مالِكٍ لِابْنِهِ في الحَقِيقَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْقِطُ اسْتِدْلالَنا بِإطْلاقِ الإضافَةِ؛ لِأنَّ القَوَدَ يُسْقِطُهُ الشُّبْهَةُ، وصِحَّةُ هَذِهِ الإضافَةِ شُبْهَةٌ في سُقُوطِهِ.
ويَدُلَّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ أطْيَبَ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ، وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ»، وقالَ ﷺ: «إنَّ أوْلادَكم مِن كَسْبِكم؛ فَكُلُوا مِن كَسْبِ أوْلادِكم» فَسَمّى ولَدَهُ كَسْبًا لَهُ كَما أنَّ عَبْدَهُ كَسْبُهُ، فَصارَ ذَلِكَ شُبْهَةً في سُقُوطِ القَوَدِ بِهِ. وأيْضًا فَلَوْ قَتَلَ عَبْدَ ابْنِهِ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ؛ لِأنَّهُ ﷺ سَمّاهُ كَسْبًا لَهُ، كَذَلِكَ إذا قَتَلَ نَفْسَهُ.
وأيْضًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ﴾ [لقمان: ١٥] الآيَةَ، فَأمَرَ بِمُصاحَبَةِ الوالِدَيْنِ الكافِرَيْنِ بِالمَعْرُوفِ، وأمَرَهُ بِالشُّكْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ وقَرَنَ شُكْرَهُما بِشُكْرِهِ. وذَلِكَ يَنْفِي جَوازَ قَتْلِهِ إذا قَتَلَ ولِيًّا لِابْنِهِ، فَكَذَلِكَ إذا قَتَلَ ابْنَهُ؛ لِأنَّ مَن يَسْتَحِقُّ القَوَدَ بِقَتْلِ الِابْنِ إنَّما يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ الِابْنِ المَقْتُولِ، فَإذا لَمْ يَسْتَحِقَّ ذَلِكَ المَقْتُولُ لَمْ يَسْتَحِقَّ ذَلِكَ عَنْهُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] ولَمْ يُخَصِّصْ حالًا دُونَ حالٍ، بَلْ أمَرَهُ بِذَلِكَ أمْرًا مُطْلَقًا عامًّا. فَغَيْرُ جائِزٍ ثُبُوتُ حَقِّ القَوَدِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ قَتْلَهُ لَهُ يُضادُّهُ هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِها في مُعامَلَةِ والِدِهِ.
وأيْضًا «نَهى النَّبِيُّ ﷺ حَنْظَلَةَ بْنَ أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ عَنْ قَتْلِ أبِيهِ، وكانَ مُشْرِكًا مُحارِبًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وكانَ مَعَ قُرَيْشٍ يُقاتِلُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ»، فَلَوْ جازَ لِلِابْنِ قَتْلُ أبِيهِ في حالٍ لَكانَ أوْلى الأحْوالِ بِذَلِكَ حالَ مَن قاتَلَ النَّبِيَّ ﷺ وهو مُشْرِكٌ، إذْ لَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أوْلى بِاسْتِحْقاقِ العُقُوبَةِ والذَّمِّ والقَتْلِ مِمَّنْ هَذِهِ حالُهُ، فَلَمّا نَهاهُ ﷺ عَنْ قَتْلِهِ في هَذِهِ الحالِ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ قَتْلَهُ بِحالٍ.
وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ لَوْ قَذَفَهُ لَمْ يُحَدَّ لَهُ، ولَوْ قَطَعَ يَدَهُ لَمْ يُقْتَصُّ مِنهُ، ولَوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَهُ لَمْ يُحْبَسْ بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُضادُّ مُوجِبَ الآيِ الَّتِي ذَكَرْنا. ومِنَ الفُقَهاءِ (p-١٨٠)مَن يَجْعَلُ مالَ الِابْنِ لِأبِيهِ في الحَقِيقَةِ كَما يُجْعَلُ مالُ العَبْدِ، ومَتى أخَذَ مِنهُ لَمْ يُحْكَمْ بِرَدِّهِ عَلَيْهِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ في سُقُوطِ القَوَدِ بِهِ إلّا اخْتِلافُ الفُقَهاءِ في حُكْمِ مالِهِ عَلى ما وصَفْنا لَكانَ كافِيًا في كَوْنِهِ شُبْهَةً في سُقُوطِ القَوَدِ بِهِ. وجَمِيعُ ما ذَكَرْنا مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ يَخُصَّ آيَ القِصاصِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الوالِدَ غَيْرُ مُرادٍ بِها، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
ومِن سُورَةِ لُقْمانَ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ، يَعْنِي ضَعْفَ الوَلَدِ عَلى ضَعْفِ الأُمِّ وقِيلَ: بَلِ المَعْنى فِيهِ شِدَّةُ الجَهْدِ ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ يَعْنِي في انْقِضاءِ عامَيْنِ، وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ (p-٢١٩)الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ وبِهِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى مُدَّةِ أقَلِّ الحَمْلِ واتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلَيْهِ
* *
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] أبانَ تَعالى بِذَلِكَ أنَّ أمْرَهُ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ عامٌّ في الوالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ والكُفّارِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لقمان: ١٥] وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ القَوَدَ عَلى أبِيهِ وأنَّهُ لا يُحَدُّ لَهُ إذا قَذَفَهُ ولا يُحْبَسُ لَهُ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ وأنَّ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُما إذا احْتاجا إلَيْهِ؛ إذْ كانَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنَ الصُّحْبَةِ بِالمَعْرُوفِ، وفِعْلُ ضِدِّهِ يُنافِي مُصاحَبَتَهُما بِالمَعْرُوفِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ الأبَ لا يُحْبَسُ بِدَيْنِ ابْنِهِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّهُ يَحْبِسُهُ إذا كانَ مُتَمَرِّدًا.
لقمان 31:15
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ إجْماعِ المُسْلِمِينَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى إيّانا بِاتِّباعِهِمْ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]
لقمان 31:17
بابُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: أكَّدَ اللَّهُ تَعالى فَرْضَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، وبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أخْبارٍ مُتَواتِرَةٍ عَنْهُ فِيهِ، وأجْمَعَ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى وُجُوبِهِ، وإنْ كانَ قَدْ تَعْرِضُ أحْوالٌ مِنَ التَّقِيَّةِ يَسَعُ مَعَها السُّكُوتُ. فَمِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى حاكِيًا عَنْ لُقْمانَ: ﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي واَللَّهُ أعْلَمُ: واصْبِرْ عَلى ما ساءَكَ مِنَ المَكْرُوهِ عِنْدَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
وإنَّما حَكى اللَّهُ تَعالى لَنا ذَلِكَ عَنْ عَبْدِهِ لِنَقْتَدِيَ بِهِ ونَنْتَهِيَ إلَيْهِ. وقالَ تَعالى فِيما مَدَحَ بِهِ سالِفَ الصّالِحِينَ مِنَ الصَّحابَةِ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢] وقالَ تَعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ قالا: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ (p-١٥٥)عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ رَجاءٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، وعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن رَأى مُنْكَرًا فاسْتَطاعَ أنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وذاكَ أضْعَفُ الإيمانِ» .
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو إسْحاقَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْ جَرِيرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «ما مِن رَجُلٍ يَكُونُ في قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعاصِي يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ فَلا يُغَيِّرُوا إلّا أصابَهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن قَبْلِ أنْ يَمُوتُوا» . فَأحْكَمَ اللَّهُ تَعالى فَرْضَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ رَسُولِهِ. ورُبَّما ظَنَّ مَن لا فِقْهَ لَهُ أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ أوْ مَقْصُورُ الحُكْمِ عَلى حالٍ دُونَ حالٍ، وتَأوَّلَ فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ولَيْسَ التَّأْوِيلُ عَلى ما يَظُنُّ هَذا الظّانُّ لَوْ تَجَرَّدَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَنْ قَرِينَةٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] يَعْنِي: احْفَظُوها لا يَضُرُّ كم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ؛ ومِنَ الِاهْتِداءِ اتِّباعُ أمْرِ اللَّهِ في أنْفُسِنا وفي غَيْرِنا، فَلا دَلالَةَ فِيها إذًا عَلى سُقُوطِ فَرْضِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في تَأْوِيلِ الآيَةِ أحادِيثُ مُخْتَلِفَةُ الظّاهِرِ وهي مُتَّفِقَةٌ في المَعْنى، فَمِنها ما حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِي قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الواسِطِي عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ عَلى المِنبَرِ يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ إنِّي أراكم تَتَأوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ النّاسَ إذا عُمِلَ فِيهِمْ بِالمَعاصِي ولَمْ يُغَيِّرُوا أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابِهِ»؛ فَأخْبَرَ أبُو بَكْرٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا رُخْصَةَ فِيها في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وأنَّهُ لا يَضُرُّهُ ضَلالُ مَن ضَلَّ إذا اهْتَدى هو بِالقِيامِ بِفَرْضِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] قالَ: ( يَعْنِي مِن أهْلِ الكِتابِ )، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وحَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ( مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ومَن ضَلَّ مِن غَيْرِهِمْ ) .
فَكَأنَّهُما ذَهَبا إلى أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ أقَرُّوا بِالجِزْيَةِ عَلى كُفْرِهِمْ فَلا يَضُرُّنا (p-١٥٦)كُفْرُهم؛ لِأنّا أعْطَيْناهُمُ العَهْدَ عَلى أنْ نُخَلِّيهِمْ وما يَعْتَقِدُونَ ولا يَجُوزُ لَنا نَقْضُ عَهْدِهِمْ بِإجْبارِهِمْ عَلى الإسْلامِ، فَهَذا لا يَضُرُّنا الإمْساكُ عَنْهُ. وأمّا ما لا يَجُوزُ الإقْرارُ عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي والفُسُوقِ والظُّلْمِ والجَوْرِ، فَهَذا عَلى كُلِّ المُسْلِمِينَ تَغْيِيرُهُ والإنْكارُ عَلى فاعِلِهِ عَلى ما شَرَطَهُ النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الَّذِي قَدَّمْنا. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ العَتَكِيُّ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ قالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ جارِيَةَ اللَّخْمِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبانِيُّ قالَ: سَألْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: يا أبا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ؟ فَقالَ: أما واَللَّهِ لَقَدْ سَألْتُ عَنْها خَبِيرًا، سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا ودُنْيا مُؤْثَرَةً وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ ودَعْ عَنْكَ العَوامَّ فَإنَّ مِن ورائِكم أيّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ كَقَبْضٍ عَلى الجَمْرِ لِلْعامِلِ فِيها مِثْلُ أجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ قالَ: وزادَنِي غَيْرُهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أجْرُ خَمْسِينَ مِنهم ؟ قالَ: أجْرُ خَمْسِينَ مِنكم» وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى سُقُوطِ فَرْضِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ إذا كانَتِ الحالُ ما ذَكَرَ؛ لِأنَّ ذِكْرَ تِلْكَ الحالِ تُنَبِّئُ عَنْ تَعَذُّرِ تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِاليَدِ واللِّسانِ لِشُيُوعِ الفَسادِ وغَلَبَتِهِ عَلى العامَّةِ، وفَرْضُ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في مِثْلِ هَذِهِ الحالِ إنْكارُهُ بِالقَلْبِ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» فَكَذَلِكَ إذا صارَتِ الحالُ إلى ما ذَكَرَ كانَ فَرْضُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِالقَلْبِ لِلتَّقِيَّةِ ولِتَعَذُّرِ تَغْيِيرِهِ.
وقَدْ يَجُوزُ إخْفاءُ الإيمانِ وتَرْكُ إظْهارِهِ تَقِيَّةً بَعْدَ أنْ يَكُونَ مُطْمَئِنَّ القَلْبِ بِالإيمانِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فَهَذِهِ مَنزِلَةُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. وقَدْ رُوِيَ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو ما حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُسْهِرٍ عَنْ عَبّادِ الخَواصِّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي عَمْرِو الشَّيْبانِيِّ، أنَّ أبا الدَّرْداءِ وكَعْبًا كانا جالِسَيْنِ بِالجابِيَةِ، فَأتاهُما آتٍ فَقالَ: لَقَدْ رَأيْتُ اليَوْمَ أمْرًا كانَ حَقًّا عَلى مَن يَراهُ أنْ يُغَيِّرَهُ فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَقالَ كَعْبُ: إنَّ هَذا لا يَقُولُ شَيْئًا، ذُبَّ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى كَما تَذُبُّ عَنْ عائِلَتِكَ حَتّى يَأْتِيَ تَأْوِيلُها. فانْتَبَهَ لَها أبُو الدَّرْداءِ فَقالَ: مَتى يَأْتِي تَأْوِيلُها ؟ فَقالَ: إذا هُدِمَتْ كَنِيسَةُ دِمَشْقَ وبُنِيَ (p-١٥٧)مَكانَها مَسْجِدٌ فَذَلِكَ مِن تَأْوِيلِها، وإذا رَأيْتَ الكاسِياتِ العارِياتِ فَذَلِكَ مِن تَأْوِيلِها؛ وذَكَرَ خَصْلَةً ثالِثَةً لا أحْفَظُها، فَذَلِكَ مِن تَأْوِيلِها. قالَ أبُو مُسْهِرٍ: وكانَ هَدْمُ الكَنِيسَةِ بِعَهْدِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ؛ أدْخَلَها في مَسْجِدِ دِمَشْقَ وزادَ في سَعَتِهِ بِها.
وهَذا أيْضًا عَلى مَعْنى الحَدِيثِ الأوَّلِ في الِاقْتِصارِ عَلى إنْكارِ المُنْكَرِ بِالقَلْبِ دُونَ اليَدِ واللِّسانِ لِلتَّقِيَّةِ والخَوْفِ عَلى النَّفْسِ ولَعَمْرِي إنَّ أيّامَ عَبْدِ المَلِكِ والحَجّاجِ والوَلِيدِ وأضْرابِهِمْ كانَتْ مِنَ الأيّامِ الَّتِي سَقَطَ فِيها فَرْضُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ بِالقَوْلِ واليَدِ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ والخَوْفِ عَلى النَّفْسِ.
وقَدْ حُكِيَ أنَّ الحَجّاجَ لَمّا ماتَ قالَ الحَسَنُ: ( اللَّهُمَّ أنْتَ أمَتَّهُ فاقْطَعْ سُنَّتَهُ فَإنَّهُ أتانا أُخَيْفِشَ أُعَيْمِشَ يَمُدُّ بِيَدٍ قَصِيرَةِ البَنانِ واَللَّهِ ما عَرَقَ فِيها عِنانٌ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يُرَجِّلُ جَمَّتَهُ ويَخْطُرُ في مِشْيَتِهِ ويَصْعَدُ المِنبَرَ فَيَهْذِرُ حَتّى تَفُوتَهُ الصَّلاةُ، لا مِنَ اللَّهِ يَتَّقِي ولا مِنَ النّاسِ يَسْتَحِي، فَوْقَهُ اللَّهُ وتَحْتَهُ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ لا يَقُولُ لَهُ قائِلٌ الصَّلاةَ أيُّها الرَّجُلُ ) ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: ( هَيْهاتَ واَللَّهُ حالٌ دُونَ ذَلِكَ السَّيْفِ والسَّوْطِ ) وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ: ( خَرَجَ الحَجّاجُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالهاجِرَةِ فَما زالَ يَعْبُرُ مَرَّةً عَنْ أهْلِ الشّامِ يَمْدَحُهم ومَرَّةً عَنْ أهْلِ العِراقِ يَذُمُّهم حَتّى لَمْ نَرَ مِنَ الشَّمْسِ إلّا حُمْرَةً عَلى شُرَفِ المَسْجِدِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤَذِّنَ فَأذَّنَ فَصَلّى بِنا الجُمُعَةَ، ثُمَّ أذَّنَ فَصَلّى بِنا العَصْرَ، ثُمَّ أذَّنَ فَصَلّى بِنا المَغْرِبَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَواتِ يَوْمَئِذٍ ) .
فَهَؤُلاءِ السَّلَفُ كانُوا مَعْذُورِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ في تَرْكِ النَّكِيرِ بِاليَدِ واللِّسانِ.
وقَدْ كانَ فُقَهاءُ التّابِعِينَ وقُرّاؤُهم خَرَجُوا عَلَيْهِ مَعَ ابْنِ الأشْعَثِ إنْكارًا مِنهم لَكُفْرِهِ وظُلْمِهِ وجَوْرِهِ، فَجَرَتْ بَيْنَهم تِلْكَ الحُرُوبُ المَشْهُورَةُ وقُتِلَ مِنهم مَن قُتِلَ ووَطِئَهم بِأهْلِ الشّامِ حَتّى لَمْ يَبْقَ أحَدٌ يُنْكِرُ عَلَيْهِ شَيْئًا يَأْتِيهِ إلّا بِقَلْبِهِ.
وقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ في ذَلِكَ ما حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الرّازِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ ذَكَرَ عِنْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَقالَ: لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُها بَعْدُ، إنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ حِينَ أُنْزِلَ ومِنهُ آيٌ قَدْ مَضى تَأْوِيلُهُنَّ قَبْلَ أنْ يَنْزِلْنَ، وكانَ مِنهُ آيٌ وقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ومِنهُ آيٌ وقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِيَسِيرٍ، ومِنهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ اليَوْمِ، ومِنهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ عِنْدَ السّاعَةِ، ومِنهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ يَوْمَ الحِسابِ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ، قالَ: فَما دامَتْ قُلُوبُكم واحِدَةً وأهْواؤُكم واحِدَةً ولَمْ تَلْبِسُوا شِيَعًا ولَمْ يَذُقْ بَعْضُكم بَأْسَ بَعْضٍ (p-١٥٨)فَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، فَإذا اخْتَلَفَتِ القُلُوبُ والأهْواءُ ولُبِّسْتُمْ شِيَعًا وذاقَ بَعْضُكم بَأْسَ بَعْضٍ فامْرُأً ونَفْسَهُ عِنْدَ ذَلِكَ جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ( لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُها بَعْدُ ) أنَّ النّاسَ في عَصْرِهِ كانُوا مُمَكَّنِينَ مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ لِصَلاحِ السُّلْطانِ والعامَّةِ وغَلَبَةِ الأبْرارِ لِلْفُجّارِ، فَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنهم مَعْذُورًا في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِاليَدِ واللِّسانِ، ثُمَّ إذا جاءَ حالُ التَّقِيَّةِ وتَرْكُ القَبُولِ وغَلَبَتِ الفُجّارُ سُوِّغَ السُّكُوتُ في تِلْكَ الحالِ مَعَ الإنْكارِ بِالقَلْبِ؛ وقَدْ يَسَعُ السُّكُوتُ أيْضًا في الحالِ الَّتِي قَدْ عَلِمَ فاعِلُ المُنْكَرِ أنَّهُ يَفْعَلُ مَحْظُورًا ولا يُمْكِنُ الإنْكارُ بِاليَدِ ويُغَلَّبُ في الظَّنِّ بِأنَّهُ لا يَقْبَلُ إذا قُتِلَ، فَحِينَئِذٍ يَسَعُ السُّكُوتُ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في تَأْوِيلِ الآيَةِ. وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ قالَ: أخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ الحَسَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] قالَ: قُولُوها ما قُبِلَتْ مِنكم، فَإذا رُدَّتْ عَلَيْكم فَعَلَيْكم أنْفُسَكم. فَأخْبَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ في سَعَةٍ مِنَ السُّكُوتِ إذا رُدَّتْ ولَمْ تُقْبَلْ، وذَلِكَ إذا لَمْ يُمْكِنْهُ تَغْيِيرُهُ بِيَدِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إباحَتُهُ تَرْكَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَعَ إمْكانِ تَغْيِيرِهِ.
حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأشْهَلِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَيَعُمَّكُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ مِن عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكم» . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وحَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنْ حَمْزَةَ الزَّيّاتِ عَنْ أبِي سُفْيانَ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقالَ: إنِّي أعْمَلُ بِأعْمالِ الخَيْرِ كُلِّها إلّا خَصْلَتَيْنِ، قالَ: وما هُما ؟ قالَ: لا آمُرُ بِالمَعْرُوفِ ولا أنْهى عَنِ المُنْكَرِ، قالَ: لَقَدْ طَمَسْتَ سَهْمَيْنِ مِن سِهامِ الإسْلامِ، إنْ شاءَ اللَّهُ غَفَرَ لَكَ وإنْ شاءَ عَذَّبَكَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَرِيضَتانِ مِن فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى كَتَبَهُما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: أخْبَرُونِي عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: حَدَّثْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( مَن فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ مَرَّ، ومَن فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ لَمْ يَفِرَّ ) فَقالَ: أمّا أنا فَأرى الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلَ هَذا، لا يَعْجِزُ الرَّجُلُ عَنِ اثْنَيْنِ أنْ يَأْمُرَهُما أوْ يَنْهاهُما.
وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ في ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ (p-١٥٩)يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أصْلًا فِيما يَلْزَمُ مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ. وقالَ مَكْحُولٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] إذا هابَ الواعِظُ وأنْكَرَ المَوْعُوظُ فَعَلَيْكَ حِينَئِذٍ نَفْسَكَ لا يَضُرُّكَ مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتَ، واَللَّهُ المُوَفِّقُ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ اصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِنَ النّاسِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّبْرِ وإنْ خافَ عَلى النَّفْسِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أباحَ إعْطاءَ التَّقِيَّةِ في حالِ الخَوْفِ في آيٍ غَيْرِها قَدْ بَيَّنّاها، وقَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ وُجُوبَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
لقمان 31:18
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ لا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا وقالَ إبْراهِيمُ هو التَّشَدُّقُ ومَعْناهُ يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ المُتَشادِقَ في الكَلامِ مُتَكَبِّرٌ، وقِيلَ: إنَّ أصْلَ الصَّعَرِ داءٌ يَأْخُذُ الإبِلَ في أعْناقِها ورُءُوسِها حَتّى يَلْوِيَ وُجُوهَها وأعْناقَها فَيُشَبَّهُ بِها الرَّجُلَ الَّذِي يَلْوِي عُنُقَهُ عَنِ النّاسِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ المَرَحُ البَطَرُ وإعْجابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ وازْدِراءُ النّاسِ والِاسْتِهانَةُ بِهِمْ، فَنَهى اللَّهُ عَنْهُ؛ إذْ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا جاهِلٌ بِنَفْسِهِ وأحْوالِهِ وابْتِداءِ أمْرِهِ ومُنْتَهاهُ؛ قالَ الحَسَنُ: أنّى لِابْنِ آدَمَ الكِبْرُ وقَدْ خَرَجَ مِن سَبِيلِ البَوْلِ مَرَّتَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هو المُتَكَبِّرُ والفَخُورُ الَّذِي يَفْتَخِرُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى النّاسِ اسْتِصْغارًا لَهم، وذَلِكَ مَذْمُومٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الشُّكْرَ لِلَّهِ عَلى نِعَمِهِ لا التَّوَصُّلَ بِها إلى مَعاصِيهِ. «وقالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ ذَكَرَ نِعَمَ اللَّهِ أنَّهُ سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا (p-٢٢٠)فَخْرَ»، فَأخْبَرَ أنَّهُ إنَّما ذَكَرَها شُكْرًا لا افْتِخارًا، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]
لقمان 31:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ قالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: ( هو السُّرْعَةُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأوَّلَهُ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُخْتالَ في مِشْيَتِهِ لا يُسْرِعُ فِيها فَسُرْعَةُ المَشْيِ تُنافِي الخُيَلاءَ والتَّكَبُّرَ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ فِيهِ أمْرٌ بِخَفْضِ الصَّوْتِ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّواضُعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٣] ورَفْعُ الصَّوْتِ عَلى وجْهِ ابْتِهارِ النّاسِ وإظْهارِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ مَذْمُومٌ، فَأبانَ عَنْ قُبْحِ هَذا الفِعْلِ وأنَّهُ لا فَضِيلَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ الحَمِيرَ تَرْفَعُ أصْواتَها وهو أنْكَرُ الأصْواتِ؛ قالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ أقْبَحُها، كَما يُقالُ: هَذا وجْهٌ مُنْكَرٌ؛ فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وأدَّبَ العِبادَ تَزْهِيدًا لَهم في رَفْعِ الصَّوْتِ.
لقمان 31:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ عِنْدَ اللَّهِ فَضِيلَةً بِشَرَفِ أبِيهِ ولا بِنَسَبِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَخْصُصْ أحَدًا بِذَلِكَ دُونَ أحَدٍ، وبِذَلِكَ ورَدَ الأثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: «مَن أبْطَأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ وقالَ: يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لا يَأْتِينِي النّاسُ بِأعْمالِهِمْ وتَأْتُونِي بِأنْسابِكم فَأقُولُ إنِّي لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا». وقَوْلُهُ: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ مَعْناهُ لا يُغْنِي، يُقالُ: جَزَيْتُ عَنْكَ إذا أغْنَيْتُ عَنْكَ.
آخِرُ سُورَةِ لُقْمانَ.
لقمان 31:34
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ مَفْهُومُ هَذا الخِطابِ الإخْبارُ بِما يَعْلَمُهُ هو دُونَ خَلْقِهِ وأنَّ أحَدًا لا يَعْلَمُهُ إلّا بِإعْلامِهِ إيّاهُ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ وُجُودِ الحَمْلِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ عِنْدَنا وإنْ كانَتْ قَدْ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ وُجُودَهُ، وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ نافِي حَمْلِ امْرَأتِهِ مِن نَفْسِهِ غَيْرَ قاذِفٍ لَها، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما سَلَفَ.
السجدة 32:16
ومِن سُورَةِ السَّجْدَةِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾
حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي وائِلٍ «عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فَأصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنهُ ونَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي مِنَ النّارِ قالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ (p-٢٢١)عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ ولا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وتُقِيمُ الصَّلاةَ وتُؤْتِي الزَّكاةَ وتَصُومُ رَمَضانَ وتَحُجُّ البَيْتَ ثُمَّ قالَ: ألا أدُلُّكَ عَلى أبْوابٍ مِنَ الخَيْرِ ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ وصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ألا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأمْرِ وعَمُودِهِ وذِرْوَةِ سَنامِهِ ؟ قُلْتَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: رَأْسُهُ الإسْلامُ وعَمُودُهُ الصَّلاةُ وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ فَأخَذَ بِلِسانِهِ فَقالَ: اُكْفُفْ عَلَيْكَ هَذا قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا لَمُؤاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ قالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا مُعاذُ وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ عَلى وُجُوهِهِمْ أوْ عَلى مَناخِرِهِمْ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ ؟» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: تَلا قَتادَةُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ قالَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ( لِلَّذِينَ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ )، ثُمَّ تَلا: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ قالا: ( العِشاءُ الآخِرَةُ ) . وقالَ الحَسَنُ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ ( كانُوا يَنْتَفِلُونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ ) . وقالَ الضَّحّاكُ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ ( إنَّهم يَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالدُّعاءِ والتَّعْظِيمِ ) . وقالَ قَتادَةُ: ( خَوْفًا مِن عَذابِ اللَّهِ وطَمَعًا في رَحْمَةِ اللَّهِ ) ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ( في طاعَةِ اللَّهِ ) .
آخِرُ سُورَةِ السَّجْدَةِ.
السجدة 32:17
ومِن سُورَةِ السَّجْدَةِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾
حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي وائِلٍ «عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فَأصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنهُ ونَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي مِنَ النّارِ قالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ (p-٢٢١)عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ ولا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وتُقِيمُ الصَّلاةَ وتُؤْتِي الزَّكاةَ وتَصُومُ رَمَضانَ وتَحُجُّ البَيْتَ ثُمَّ قالَ: ألا أدُلُّكَ عَلى أبْوابٍ مِنَ الخَيْرِ ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ وصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ألا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأمْرِ وعَمُودِهِ وذِرْوَةِ سَنامِهِ ؟ قُلْتَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: رَأْسُهُ الإسْلامُ وعَمُودُهُ الصَّلاةُ وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ فَأخَذَ بِلِسانِهِ فَقالَ: اُكْفُفْ عَلَيْكَ هَذا قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا لَمُؤاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ قالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا مُعاذُ وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ عَلى وُجُوهِهِمْ أوْ عَلى مَناخِرِهِمْ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ ؟» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: تَلا قَتادَةُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ قالَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» ورَوى أبُو إسْحاقَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ( لِلَّذِينَ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ )، ثُمَّ تَلا: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ قالا: ( العِشاءُ الآخِرَةُ ) . وقالَ الحَسَنُ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ ( كانُوا يَنْتَفِلُونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ ) . وقالَ الضَّحّاكُ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ ( إنَّهم يَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالدُّعاءِ والتَّعْظِيمِ ) . وقالَ قَتادَةُ: ( خَوْفًا مِن عَذابِ اللَّهِ وطَمَعًا في رَحْمَةِ اللَّهِ ) ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ( في طاعَةِ اللَّهِ ) .
آخِرُ سُورَةِ السَّجْدَةِ.
الأحزاب 33:4
ومِن سُورَةِ الأحْزابِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً: ( أنَّهُ كانَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُدْعى ذا القَلْبَيْنِ مِن دَهائِهِ )؛ وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ مِثْلُهُ. وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: ( كانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ قَلْبانِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى ) . وقالَ الحَسَنُ: ( كانَ رَجُلٌ يَقُولُ: لِي نَفْسٌ تَأْمُرُنِي ونَفْسٌ تَنْهانِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذا ) . ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: ( أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي فِهْرٍ قالَ: في جَوْفِي قَلْبانِ أعْقِلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أفْضَلُ مِن عَقْلِ مُحَمَّدٍ، فَكَذَّبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ) . وذَكَرَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ أنَّهُ لَمْ يُرْوَ في تَفْسِيرِها غَيْرُ ما ذَكَرْنا، قالَ: وحَكى (p-٢٢٢)الشّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ التَّفْسِيرِ مِمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ في احْتِجاجِهِ عَلى مُحَمَّدٍ في نَفْيِ أنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِن رَجُلَيْنِ أنَّهُ أُرِيدَ بِها: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن أبَوَيْنِ في الإسْلامِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: اللَّفْظُ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِما ذُكِرَ؛ لِأنَّ القَلْبَ لا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الأبِ لا مَجازًا ولا حَقِيقَةً، ولا ذَلِكَ اسْمٌ لَهُ في الشَّرِيعَةِ، فَتَأْوِيلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى خَطَأٌ مِن وُجُوهٍ.
وقَدْ رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «رَأى جارِيَةً مُجِحًّا فَقالَ: لِمَن هَذِهِ الجارِيَةُ ؟ فَقالُوا: لِفُلانٍ، فَقالَ: أيَطَؤُها ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ ألْعَنَهُ لَعْنَةَ رَجُلٍ يَدْخُلُ مَعَهُ في قَبْرِهِ، كَيْفَ يُورِثُهُ وهو لا يَحِلُّ لَهُ أمْ كَيْفَ يَسْتَرِقُّهُ وقَدْ غَذاهُ في سَمْعِهِ وبَصَرِهِ» فَقَوْلُهُ: ( قَدْ غَذاهُ في سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ) يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلَدَ يَكُونُ مِن ماءِ رَجُلَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ إثْباتُ نَسَبِ الوَلَدِ مِن رَجُلَيْنِ، ولا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ خِلافُهُ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: كانُوا يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ فَيَقُولُونَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّها لا تَصِيرُ بِمَنزِلَةِ أُمِّهِ في التَّحْرِيمِ، وجَعَلَ هَذا القَوْلَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] وألْزَمَهُ بِذَلِكَ تَحْرِيمًا تَرْفَعُهُ الكَفّارَةُ وأبْطَلَ ما أوْجَبَهُ المُظاهِرُ مِن جَعْلِهِ إيّاها كالأُمِّ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَها تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ قِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ تَبَنّاهُ، فَكانَ يُقالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا يُوجِبُ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ الأوَّلَ كانَ ثابِتًا بِغَيْرِ القُرْآنِ ونَسَخَهُ بِالقُرْآنِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لا حُكْمَ لَهُ وإنَّما هو قَوْلٌ لا مَعْنى لَهُ ولا حَقِيقَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فِيهِ إباحَةُ إطْلاقِ اسْمِ الأُخُوَّةِ وحَظْرُ إطْلاقِ اسْمِ الأُبُوَّةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ النَّسَبِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ لِعَبْدِهِ: هو أخِي: لَمْ يُعْتَقْ إذا قالَ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الأُخُوَّةَ مِنَ النَّسَبِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُطْلَقُ في الدِّينِ، ولَوْ قالَ: هو ابْنِي عُتِقَ؛ لِأنَّ إطْلاقَهُ مَمْنُوعٌ إلّا مِن جِهَةِ النَّسَبِ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أبِيهِ فالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرامٌ».
الأحزاب 33:5
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قالَ: ( قِيلَ: هَذا النَّهْيُ في هَذا أوْ في غَيْرِهِ ) ﴿ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ( والعَمْدُ ما آثَرْتَهُ بَعْدَ البَيانِ في النَّهْيِ في هَذا أوْ في غَيْرِهِ ) وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ (p-٢٢٣)قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قالَ قَتادَةُ: ( لَوْ دَعَوْتَ رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ وأنْتَ تَرى أنَّهُ أبُوهُ لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ ) وسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَجُلًا وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطايايَ، فَقالَ: ( اسْتَغْفِرِ اللَّهَ في العَمْدِ فَأمّا الخَطَأُ فَقَدْ تَجَوَّزَ عَنْكَ )؛ قالَ: وكانَ يَقُولُ: ( ما أخافُ عَلَيْكُمُ الخَطَأ ولَكِنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ العَمْدَ، وما أخافُ عَلَيْكُمُ المُقاتَلَةَ ولَكِنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ التَّكاثُرَ، وما أخافُ عَلَيْكم أنْ تَزْدَرُوا أعْمالَكم ولَكِنِّي أخافُ عَلَيْكم أنْ تَسْتَكْثِرُوها )
الأحزاب 33:6
ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ
اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في عَقْدِ المَرْأةِ عَلى نَفْسِها بِغَيْرِ ولِيٍّ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لَها أنْ تُزَوِّجَ نَفْسَها كُفُؤًا؛ وتَسْتَوْفِيَ المَهْرَ؛ ولا اعْتِراضَ لِلْوَلِيِّ عَلَيْها؛ وهو قَوْلُ زُفَرَ؛ وإنْ زَوَّجَتْ نَفْسَها غَيْرَ كُفُؤٍ فالنِّكاحُ جائِزٌ أيْضًا؛ ولِلْأوْلِياءِ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُما؛ ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ مِنَ المُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ غائِبٌ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن مَذْهَبِهِما جَوازُ النِّكاحِ بِغَيْرِ ولِيٍّ؛ وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ؛ والشَّعْبِيِّ؛ والزُّهْرِيِّ؛ وقَتادَةَ؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ: لا يَجُوزُ النِّكاحُ بِغَيْرِ ولِيٍّ؛ فَإنْ سَلَّمَ الوَلِيُّ جازَ؛ وإنْ أبى أنْ يُسَلِّمَ؛ والزَّوْجُ كُفُؤٌ؛ أجازَهُ القاضِي؛ وإنَّما يَتِمُّ النِّكاحُ عِنْدَهُ حِينَ يُجِيزُهُ القاضِي؛ وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ والمَشْهُورُ عَنْهُ ما ذَكَرْناهُ؛ قالَ الأوْزاعِيُّ: إذا ولَّتْ أمْرَها رَجُلًا فَزَوَّجَها كُفُؤًا فالنِّكاحُ جائِزٌ؛ ولَيْسَ لِلْوَلِيِّ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُما.
وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى؛ والثَّوْرِيُّ؛ والحَسَنُ بْنُ (p-١٠٢)صالِحٍ؛ والشّافِعِيُّ: «لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ»؛ وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لا يَجُوزُ النِّكاحُ إلّا بِوَلِيٍّ؛ ولَيْسَ الوالِدَةُ بِوَلِيٍّ؛ ولا أنْ تَجْعَلَ المَرْأةُ ولِيَّها رَجُلًا إلّا قاضٍ مِن قُضاةِ المُسْلِمِينَ؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ: إذا كانَتِ امْرَأةً مُعْتَقَةً؛ أوْ مِسْكِينَةً؛ أوْ دَنِيَّةً؛ لا خَطَرَ لَها؛ فَلا بَأْسَ أنْ تَسْتَخْلِفَ رَجُلًا ويُزَوِّجَها؛ ويَجُوزُ؛ وقالَ مالِكٌ: وكُلُّ امْرَأةٍ لَها مالٌ؛ وغِنًى؛ وقَدْرٌ؛ فَإنَّ تِلْكَ لا يَنْبَغِي أنْ يُزَوِّجَها إلّا الأوْلِياءُ؛ أوِ السُّلْطانُ؛ قالَ: وأجازَ مالِكٌ لِلرَّجُلِ أنْ يُزَوِّجَ المَرْأةَ؛ وهو مِن فَخِذِها؛ وإنْ كانَ غَيْرُهُ أقْرَبَ مِنهُ إلَيْها؛ وقالَ اللَّيْثُ في المَرْأةِ تُزَوَّجُ بِغَيْرِ ولِيٍّ: إنْ غَيْرُهُ أحْسَنُ مِنهُ يُرْفَعْ أمْرُها إلى السُّلْطانِ؛ فَإنْ كانَ كُفُؤًا أجازَهُ؛ ولَمْ يَفْسَخْهُ؛ وذَلِكَ في الثَّيِّبِ؛ وقالَ في السَّوْداءِ تُزَوَّجُ بِغَيْرِ ولِيٍّ: إنَّهُ جائِزٌ؛ قالَ: والبِكْرُ إذا زَوَّجَها غَيْرُ ولِيٍّ؛ والوَلِيُّ قَرِيبٌ؛ حاضِرٌ؛ فَهَذا الَّذِي أمْرُهُ إلى الوَلِيِّ؛ يَفْسَخُهُ لَهُ السُّلْطانُ إنْ رَأى لِذَلِكَ وجْهًا؛ والوَلِيُّ مِن قِبَلِ هَذا أوْلى مِنَ الَّذِي أنْكَحَها.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وجَمِيعُ ما قَدَّمْنا مِن دَلائِلِ الآيِ المُوجِبَةِ لِجَوازِ عَقْدِها تَقْضِي بِصِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ ومِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: حَدَّثَنا مَعْمَرٌ؛ عَنْ صالِحِ بْنِ كَيْسانَ؛ عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أمْرٌ"؛» قالَ أبُو داوُدَ: وحَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ؛ قالا: حَدَّثَنا مالِكٌ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الفَضْلِ؛ عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"اَلْأيِّمُ أحَقُّ بِنَفْسِها مِن ولِيِّها"؛» فَقَوْلُهُ: «"لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أمْرٌ"؛» يُسْقِطُ اعْتِبارَ الوَلِيِّ في العَقْدِ؛ وقَوْلُهُ: «"اَلْأيِّمُ أحَقُّ بِنَفْسِها مِن ولِيِّها"؛» يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ في مَنعِها العَقْدَ عَلى نَفْسِها؛ كَقَوْلِهِ ﷺ: «"اَلْجارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ"؛» «وقَوْلِهِ لِأُمِّ الصَّغِيرِ: "أنْتِ أحَقُّ بِهِ ما لَمْ تَنْكِحِي"؛» فَنَفى بِذَلِكَ كُلِّهِ أنْ يَكُونَ لَهُ مَعَها حَقٌّ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ؛ «عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ في المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ فَقالَ ﷺ: ما لِي في النِّساءِ مِن أرَبٍ"؛ فَقامَ رَجُلٌ فَسَألَهُ أنْ يُزَوِّجَها لَهُ؛ فَزَوَّجَها لَهُ؛» ولَمْ يَسْألْها هَلْ لَها ولِيٌّ؛ أمْ لا؛ ولَمْ يَشْتَرِطِ الوَلِيَّ في جَوازِ عَقْدِها؛ «وخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ فَقالَتْ: ما أحَدٌ مِن أوْلِيائِي شاهِدٌ؛ فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: "ما أحَدٌ مِن أوْلِيائِكِ؛ شاهِدٌ ولا غائِبٌ؛ يَكْرَهُنِي"؛ فَقالَتْ لِابْنِها - وهو غُلامٌ صَغِيرٌ -: قُمْ فَزَوِّجْ أُمَّكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» -؛ فَتَزَوَّجَها ﷺ بِغَيْرِ ولِيٍّ؛ فَإنْ قِيلَ: لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ ولِيَّها؛ ووَلِيَّ المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾؛ قِيلَ لَهُ: هو أوْلى بِهِمْ فِيما يَلْزَمُهُ مِنَ اتِّباعِهِ؛ وطاعَتِهِ فِيما يَأْمُرُهم بِهِ؛ فَأمّا أنْ يَتَصَرَّفَ عَلَيْهِمْ في (p-١٠٣)أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَلا؛ ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَها - حِينَ قالَتْ لَهُ: لَيْسَ أحَدٌ مِن أوْلِيائِي شاهِدٌ -: "وما عَلَيْكِ مِن أوْلِيائِكِ؟ وأنا أوْلى بِكِ مِنهُمْ"؛ بَلْ قالَ: "ما أحَدٌ مِنهم يَكْرَهُنِي"؟ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ولِيًّا لَهُنَّ في النِّكاحِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ؛ مِن جِهَةِ النَّظَرِ؛ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى جَوازِ نِكاحِ الرَّجُلِ إذا كانَ جائِزَ التَّصَرُّفِ في مالِهِ؛ كَذَلِكَ المَرْأةُ؛ لَمّا كانَتْ جائِزَةَ التَّصَرُّفِ في مالِها وجَبَ جَوازُ عَقْدِ نِكاحِها؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ العِلَّةَ في جَوازِ نِكاحِ الرَّجُلِ ما وصَفْنا؛ أنَّ الرَّجُلَ إذا كانَ مَجْنُونًا؛ غَيْرَ جائِزِ التَّصَرُّفِ في مالِهِ؛ لَمْ يَجُزْ نِكاحُهُ؛ فَدَلَّ عَلى صِحَّةِ ما وصَفْنا.
واحْتَجَّ مَن خالَفَ في ذَلِكَ بِحَدِيثِ شَرِيكٍ؛ عَنْ سِماكٍ؛ عَنْ أُبَيٍّ؛ أخِي مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ؛ عَنْ مَعْقِلٍ؛ «أنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ كانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ؛ فَطَلَّقَها؛ ثُمَّ أرادَ أنْ يُراجِعَها؛ فَأبى عَلَيْها مَعْقِلٌ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]»؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا هَذِهِ القِصَّةُ؛ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيها؛ وأنَّهُ ﷺ دَعا مَعْقِلًا؛ وأمَرَهُ بِتَزْوِيجِها؛ وهَذا الحَدِيثُ غَيْرُ ثابِتٍ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ النَّقْلِ؛ لِما في سَنَدِهِ مِنَ الرَّجُلِ المَجْهُولِ؛ الَّذِي رَوى عَنْهُ سِماكٌ؛ وحَدِيثُ الحَسَنِ مُرْسَلٌ؛ ولَوْ ثَبَتَ لَمْ يَنْفِ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى جَوازِ عَقْدِها مِن قِبَلِ أنَّ مَعْقِلًا فَعَلَ ذَلِكَ؛ فَنَهاهُ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ؛ فَبَطَلَ حَقُّهُ في العَضْلِ؛ فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْأزْواجِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]؛ إنَّما هو خِطابٌ لِمَن طَلَّقَ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ مَعْناهُ عَضْلَها عَنِ الأزْواجِ بِتَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْها؛ كَما قالَ: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]؛ خِطابًا لِلْأوْلِياءِ؛ ولِلْأزْواجِ؛ ولِسائِرِ النّاسِ؛ والعُمُومُ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"أيُّما امْرَأةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ ولِيِّها فَنِكاحُها باطِلٌ"؛» وبِما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ: «"لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ"؛» وبِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا تُزَوِّجُ المَرْأةُ المَرْأةَ؛ ولا تُزَوِّجُ المَرْأةُ نَفْسَها؛ فَإنَّ الزّانِيَةَ هي الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَها"؛» فَأمّا الحَدِيثُ الأوَّلُ فَغَيْرُ ثابِتٍ؛ وقَدْ بَيَّنّا عِلَلَهُ في شَرْحِ الطَّحاوِيِّ؛ وقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ الألْفاظِ: «"أيُّما امْرَأةٍ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوالِيها"؛» وهَذا عِنْدَنا عَلى الأمَةِ؛ تُزَوِّجُ نَفْسَها بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاها؛ وقَوْلُهُ: «"لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ"؛» لا يَعْتَرِضُ عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ؛ لِأنَّ هَذا عِنْدَنا نِكاحٌ بِوَلِيٍّ؛ لِأنَّ المَرْأةَ ولِيُّ نَفْسِها؛ كَما أنَّ الرَّجُلَ ولِيُّ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ الوِلايَةَ عَلى مَن يَلِي عَلَيْهِ؛ والمَرْأةُ تَسْتَحِقُّ الوِلايَةَ؛ والتَّصَرُّفَ عَلى نَفْسِها في مالِها؛ فَكَذَلِكَ في بُضْعِها؛ وأمّا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ فَمَحْمُولٌ عَلى وجْهِ الكَراهَةِ لِحُضُورِ المَرْأةِ مَجْلِسَ الإمْلاكِ؛ لِأنَّهُ (p-١٠٤)مَأْمُورٌ بِإعْلانِ النِّكاحِ؛ ولِذَلِكَ يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ؛ فَكُرِهَ لِلْمَرْأةِ حُضُورُ ذَلِكَ المَجْمَعِ؛ وقَدْ ذُكِرَ أنَّ قَوْلَهُ: «"اَلزّانِيَةُ هي الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَها"؛» مِن قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ وقَدْ رُوِيَ في حَدِيثٍ آخَرَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ هَذا الحَدِيثُ؛ وذُكِرَ فِيهِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ يُقالُ: "اَلزّانِيَةُ هي الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَها"؛ وعَلى أنَّ هَذا اللَّفْظَ خَطَأٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ تَزْوِيجَها نَفْسَها لَيْسَ بِزِنًا عِنْدَ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ والوَطْءُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ؛ فَإنْ حَمَلْتَهُ عَلى أنَّها زَوَّجَتْ نَفْسَها؛ ووَطِئَها الزَّوْجُ؛ فَهَذا أيْضًا لا خِلافَ فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا؛ لِأنَّ مَن لا يُجِيزُهُ إنَّما يَجْعَلُهُ نِكاحًا فاسِدًا؛ يُوجِبُ المَهْرَ؛ والعِدَّةَ؛ ويَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ إذا وطِئَ؛ وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ في شَرْحِ الطَّحاوِيِّ.
وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكم أزْكى لَكم وأطْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٣٢]؛ يَعْنِي: إذا لَمْ تَعْضُلُوهُنَّ؛ لِأنَّ العَضْلَ رُبَّما أدّى إلى ارْتِكابِ المَحْظُورِ مِنهُما عَلى غَيْرِ وجْهِ العَقْدِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «"إذا أتاكم مَن تَرْضَوْنَ دِينَهُ؛ وخُلُقَهُ؛ فَزَوِّجُوهُ؛ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ"؛» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شاذانَ قالَ: حَدَّثَنا مُعَلّى قالَ: حَدَّثَنا حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هُرْمُزٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"إذا جاءَكم مَن تَرْضَوْنَ دِينَهُ؛ وخُلُقَهُ؛ فَأنْكِحُوهُ؛ إلّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ عَرِيضٌ"».
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ المَرْوَزِيِّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أنا أوْلى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن نَفْسِهِ فَأيُّما رَجُلٍ ماتَ وتَرَكَ دَيْنًا فَإلَيَّ وإنْ تَرَكَ مالًا فَهو لِوَرَثَتِهِ». وقِيلَ في مَعْنى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ إنَّهُ أحَقُّ بِأنْ يَخْتارَ ما دَعا إلَيْهِ مِن غَيْرِهِ ومِمّا تَدْعُوهُ إلَيْهِ أنْفُسُهم. وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أحَقُّ أنْ يَحْكُمَ في الإنْسانِ بِما لا يَحْكُمُ بِهِ في نَفْسِهِ لِوُجُوبِ طاعَتِهِ؛ لِأنَّها مَقْرُونَةٌ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ أبُو بَكْرٍ: الخَبَرُ الَّذِي قَدَّمْنا لا يُنافِي ما عَقَّبْناهُ بِهِ مِنَ المَعْنى ولا يُوجِبُ الِاقْتِصارَ بِمَعْناهُ عَلى قَضاءِ الدَّيْنِ المَذْكُورِ فِيهِ وذَلِكَ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّهُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ في أنْ يَخْتارُوا ما أدْعُوهم إلَيْهِ دُونَ ما تَدْعُوهم أنْفُسُهم إلَيْهِ وأوْلى بِهِمْ في الحُكْمِ عَلَيْهِمْ ولُزُومِهِمُ اتِّباعَهُ وطاعَتَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَضاءِ دُيُونِهِمْ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُنَّ كَأُمَّهاتِهِمْ في وُجُوبِ الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ.
والثّانِي: تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ
ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُنَّ كالأُمَّهاتِ في كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما جازَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ أنْ يَتَزَوَّجَ بَناتِهِنَّ؛ لِأنَّهُنَّ يَكُنَّ أخَواتٍ لِلنّاسِ، وقَدْ زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ بَناتِهِ، ولَوْ كُنَّ أُمَّهاتٍ في الحَقِيقَةِ ورِثْنَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ رُوِيَ في حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وهو أبٌ لَهم ) ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ كالأبِ لَهم في الإشْفاقِ عَلَيْهِمْ وتَحَرِّي مَصالِحِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّها نَزَلَتْ في جَوازِ وصِيَّةِ المُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ. وعَنِ الحَسَنِ: ( أنْ تَصِلُوا أرْحامَكم ) . وقالَ عَطاءٌ: ( هو المُؤْمِنُ والكافِرُ بَيْنَهُما قَرابَةٌ إعْطاؤُهُ لَهُ (p-٢٢٤)أيّامَ حَياتِهِ ووَصِيَّتُهُ لَهُ ) . وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ قالَ: ( إلّا أنْ يَكُونَ لَكَ ذُو قَرابَةٍ لَيْسَ عَلى دِينِكَ فَتُوصِي لَهُ بِشَيْءٍ هو ولِيُّكَ في النَّسَبِ ولَيْسَ ولِيَّكَ في الدِّينِ ) .
الأحزاب 33:21
بابٌ ذِكْرُ صِفَةِ الطَّوافِ قالَ أبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: كُلُّ طَوافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ فَفِيهِ رَمَلٌ في الثَّلاثَةِ الأشْواطِ الأُوَلِ، وكُلُّ طَوافٍ لَيْسَ بَعْدَهُ سَعْيٌ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ فَلا رَمَلَ فِيهِ، فالأوَّلُ مِثْلُ طَوافِ القُدُومِ إذا أرادَ السَّعْيَ بَعْدَهُ، وطَوافِ الزِّيارَةِ إذا لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ حِينَ قَدِمَ، فَإنْ كانَ قَدْ سَعى حِينَ قَدِمَ عَقِيبَ طَوافِ القُدُومِ فَلا رَمَلَ فِيهِ وطَوافُ العُمْرَةِ فِيهِ رَمَلٌ؛ لِأنَّ بَعْدَهُ سَعْيًا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ وقَدْ رَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ حاجًّا.
رَواهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وكَذَلِكَ رَوى ابْنُ عُمَرَ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ رَمَلَ في الثَّلاثَةِ الأشْواطِ مِنَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ» . ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ، ورَوى أبُو الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ رَمَلَ مِنَ الرُّكْنِ اليَمانِيِّ ثُمَّ مَشى إلى الرُّكْنِ الأسْوَدِ» .
وكَذَلِكَ رَواهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . والنَّظَرُ يَدُلُّ عَلى ما رَواهُ الأوَّلُونَ مِن قِبَلِ اتِّفاقِ الأوَّلِينَ جَمِيعًا عَلى تَساوِي الأرْبَعِ الأواخِرِ في المَشْيِ فِيهِنَّ، كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَسْتَوِيَ الثَّلاثُ الأُوَلُ في الرَّمَلِ فِيهِنَّ في جَمِيعِ الجَوانِبِ؛ إذْ لَيْسَ في الأُصُولِ اخْتِلافُ حُكْمِ جَوانِبِهِ في المَشْيِ ولا الرَّمَلِ في سائِرِ أحْكامِ الطَّوافِ وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في بَقاءِ سُنَّةِ الرَّمَلِ، فَقالَ قائِلُونَ: إنَّما كانَ ذَلِكَ سُنَّةً حِينَ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مُرائِيًا بِهِ لِلْمُشْرِكِينَ إظْهارًا لِلتَّجَلُّدِ والقُوَّةِ في عُمْرَةِ القَضاءِ؛ لِأنَّهم قالُوا: قَدْ أوْهَنَتْهم حُمّى يَثْرِبَ؛ فَأمَرَهم بِإظْهارِ الجَلَدِ لِئَلّا يَطْمَعَ فِيهِمْ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَقُولُ: " فِيمَ الرَّمَلانُ الآنَ والكَشْفُ عَنِ المَناكِبِ وقَدْ أظْهَرَ اللَّهُ الإسْلامَ (p-٩٧)ونَفى الكُفْرَ وأهْلَهُ ؟ ومَعَ ذَلِكَ لا نَدَعُ شَيْئًا كُنّا نَفْعَلُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " .
وقالَ أبُو الطُّفَيْلِ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ بِالبَيْتِ» وأنَّهُ سُنَّةٌ، قالَ: " صَدَقُوا وكَذَبُوا، قَدْ رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ بِسُنَّةٍ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّهُ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ لا يَنْبَغِي تَرْكُها، وإنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ أمَرَ بِهِ بَدِيًّا لِإظْهارِ الجَلَدِ والقُوَّةِ مُراءاةً لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ رَمَلَ في حَجَّةِ الوَداعِ ولَمْ يَكُنْ هُناكَ مُشْرِكُونَ»؛ وقَدْ فَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهم؛ فَثَبَتَ بَقاءُ حُكْمِهِ ولَيْسَ تَعَلُّقُهُ بَدِيًّا بِالسَّبَبِ المَذْكُورِ مِمّا يُوجِبُ زَوالَ حُكْمِهِ حَيْثُ زالَ السَّبَبُ.
ألا تَرى أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ رَمْيِ الجِمارِ أنَّ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ عَرَضَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَوْضِعِ الجِمارِ فَرَماهُ، ثُمَّ صارَ الرَّمْيُ سُنَّةً باقِيَةً مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ السَّبَبِ ؟ ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ أنَّ أُمَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَعِدَتِ الصَّفا تَطْلُبُ الماءَ ثُمَّ نَزَلَتْ فَأسْرَعَتِ المَشْيَ في بَطْنِ الوادِي لِغَيْبَةِ الصَّبِيِّ عَنْ عَيْنِها، ثُمَّ لَمّا صَعِدَتْ مِنَ الوادِي رَأتِ الصَّبِيَّ فَمَشَتْ عَلى هِينَتِها وصَعِدَتِ المَرْوَةَ تَطْلُبُ الماءَ، فَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَصارَ السَّعْيُ بَيْنَهُما سُنَّةً، وإسْراعُ المَشْيِ في الوادِي سُنَّةٌ مَعَ زَوالِ السَّبَبِ الَّذِي فُعِلَ مِن أجْلِهِ، فَكَذَلِكَ الرَّمَلُ في الطَّوافِ.
وقالَ أصْحابُنا: يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الأسْوَدَ واليَمانِيَ دُونَ غَيْرِهِما. وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ حِينَ أُخْبِرَ بِقَوْلِ عائِشَةَ إنَّ الحَجَرَ بَعْضُهُ مِنَ البَيْتِ: " إنِّي لَأظُنُّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتْرُكِ اسْتِلامَهُما إلّا أنَّهُما لَيْسا عَلى قَواعِدِ البَيْتِ ولا طافَ النّاسُ مِن وراءِ الحَجَرِ إلّا لِذَلِكَ " . وقالَ يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ: طُفْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَلَمّا كُنْتُ عِنْدَ الرُّكْنِ الَّذِي يَلِي الحَجَرَ أخَذْتُ أسْتَلِمُهُ فَقالَ: ما طُفْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: بَلى قالَ فَرَأيْتَهُ يَسْتَلِمُهُ ؟ قُلْتُ: لا قالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ مِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهِ في وُجُوبِ أفْعالِ النَّبِيِّ ﷺ ولُزُومِ التَّأسِّي بِهِ فِيها، ومُخالِفُو هَذِهِ الفِرْقَةِ يَحْتَجُّونَ بِهِ أيْضًا في نَفْيِ إيجابِ أفْعالِهِ. فَأمّا الأوَّلُونَ فَإنَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ التَّأسِّي بِهِ هو الِاقْتِداءُ بِهِ، وذَلِكَ عُمُومٌ في القَوْلِ والفِعْلِ جَمِيعًا، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ واجِبٌ؛ إذْ جَعَلَهُ شَرْطًا لِلْإيمانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] ونَحْوَهُ مِنَ الألْفاظِ المَقْرُونَةِ إلى الإيمانِ، فَيَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، واحْتَجَّ الآخَرُونَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ النَّدْبَ دُونَ الإيجابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكُمْ﴾ مِثْلَ قَوْلِ القائِلِ: ( لَكَ أنْ تُصَلِّيَ ولَكَ أنْ تَتَصَدَّقَ ) لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الوُجُوبِ بَلْ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ لَهُ فِعْلَهُ وتَرْكَهُ، وإنَّما كانَ يَدُلُّ عَلى الإيجابِ لَوْ قالَ: عَلَيْكُمُ التَّأسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ .
قالَ أبُو بَكْرٍ: والصَّحِيحُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الوُجُوبِ، بَلْ دَلالَتُهُ عَلى النَّدْبِ أظْهَرُ مِنها عَلى الإيجابِ لِما ذَكَرْنا، ومَعَ ذَلِكَ لَوْ ورَدَ بِصِيغَةِ الأمْرِ لَما دَلَّ عَلى الوُجُوبِ في أفْعالِهِ ﷺ؛ لِأنَّ التَّأسِّي بِهِ هو أنْ نَفْعَلَ مِثْلَ ما فَعَلَ، ومَتى خالَفْناهُ في اعْتِقادِ الفِعْلِ أوْ في مَعْناهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَأسِّيًا بِهِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا فَعَلَهُ عَلى النَّدْبِ وفَعَلْناهُ عَلى الوُجُوبِ كُنّا غَيْرَ مُتَأسِّينَ بِهِ، وإذا فَعَلَ ﷺ فِعْلًا لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَفْعَلَهُ عَلى اعْتِقادِ الوُجُوبِ فِيهِ حَتّى نَعْلَمَ أنَّهُ فَعَلَهُ عَلى ذَلِكَ ؟ فَإذا عَلِمْنا أنَّهُ فَعَلَهُ عَلى الوُجُوبِ لَزِمَنا فِعْلُهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ لا مِن جِهَةِ هَذِهِ الآيَةِ إذْ لَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى الوُجُوبِ لَكِنْ مِن جِهَةِ ما أمَرَنا اللَّهُ تَعالى بِاتِّباعِهِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
الأحزاب 33:22
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ قِيلَ إنَّهُ وعَدَهم أنَّهم إذا لَقُوا المُشْرِكِينَ ظَفِرُوا بِهِمْ واسْتَعْلَوْا عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وقالَ قَتادَةُ: الَّذِي وعَدَهم في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ إخْبارٌ عَنْ صِفَتِهِمْ في حالِ المِحْنَةِ وأنَّهُمُ ازْدادُوا عِنْدَها يَقِينًا وبَصِيرَةً، وذَلِكَ صِفَةُ أهْلِ البَصائِرِ في الإيمانِ بِاللَّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ قِيلَ: إنَّ النَّحْبَ النَّذْرُ، أيْ قَضى نَذْرَهُ (p-٢٢٥)الَّذِي نَذَرَهُ فِيما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: ( قَضى نَحْبَهُ: ماتَ عَلى ما عاهَدَ عَلَيْهِ ) . ويُقالُ: إنَّ النَّحْبَ المَوْتُ، والنَّحْبُ المَدُّ في السَّيْرِ يَوْمًا ولَيْلَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: ( قَضى نَحْبَهُ: عَهْدَهُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ النَّحْبُ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَهْدَ والنَّذْرَ وقَدْ مَدَحَهُمُ اللَّهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ بِعَيْنِهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ قُرْبَةً فَعَلَيْهِ الوَفاءُ بِهِ بِعَيْنِهِ دُونَ كَفّارَةِ اليَمِينِ.
الأحزاب 33:23
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ قِيلَ إنَّهُ وعَدَهم أنَّهم إذا لَقُوا المُشْرِكِينَ ظَفِرُوا بِهِمْ واسْتَعْلَوْا عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وقالَ قَتادَةُ: الَّذِي وعَدَهم في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ إخْبارٌ عَنْ صِفَتِهِمْ في حالِ المِحْنَةِ وأنَّهُمُ ازْدادُوا عِنْدَها يَقِينًا وبَصِيرَةً، وذَلِكَ صِفَةُ أهْلِ البَصائِرِ في الإيمانِ بِاللَّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ قِيلَ: إنَّ النَّحْبَ النَّذْرُ، أيْ قَضى نَذْرَهُ (p-٢٢٥)الَّذِي نَذَرَهُ فِيما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: ( قَضى نَحْبَهُ: ماتَ عَلى ما عاهَدَ عَلَيْهِ ) . ويُقالُ: إنَّ النَّحْبَ المَوْتُ، والنَّحْبُ المَدُّ في السَّيْرِ يَوْمًا ولَيْلَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: ( قَضى نَحْبَهُ: عَهْدَهُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ النَّحْبُ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَهْدَ والنَّذْرَ وقَدْ مَدَحَهُمُ اللَّهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ بِعَيْنِهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ قُرْبَةً فَعَلَيْهِ الوَفاءُ بِهِ بِعَيْنِهِ دُونَ كَفّارَةِ اليَمِينِ.
الأحزاب 33:26
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ﴾ قِيلَ في الصَّياصِي: إنَّها الحُصُونُ الَّتِي كانُوا يَمْتَنِعُونَ بِها. وأصْلُ الصِّيصَةِ قَرْنُ البَقَرَةِ وبِها تَمْتَنِعُ، وتُسَمّى بِها شَوْكَةُ الدِّيكِ؛ لِأنَّهُ بِها يَمْتَنِعُ؛ فَسُمِّيَتِ الحُصُونُ صَياصِيَ عَلى هَذا المَعْنى. ورُوِيَ أنَّ المُرادَ بِها بَنُو قُرَيْظَةَ، كانُوا نَقَضُوا العَهْدَ وعاوَنُوا الأحْزابَ؛ وقالَ الحَسَنُ: هم بَنُو النَّضِيرِ. وسائِرُ الرُّواةِ عَلى أنَّهم بَنُو قُرَيْظَةَ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ولَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ ولا أسَرَهم وإنَّما أجَلاهم عَنْ بِلادِهِمْ.
الأحزاب 33:27
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ يَعْنِي بِهِ أرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ. وعَلى تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَهُ عَلى بَنِي النَّضِيرِ فالمُرادُ أرْضُ بَنِي النَّضِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ قالَ الحَسَنُ: ( أرْضُ فارِسٍ والرُّومِ ) . وقالَ قَتادَةُ: ( مَكَّةُ ) . وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ: ( خَيْبَرُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: مِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهِ في أنَّ الأرَضِينَ العَنَوِيَّةَ الَّتِي يَظْهَرُ عَلَيْها الإمامُ يَمْلِكُها الغانِمُونَ ولا يَجُوزُ لِلْإمامِ أنْ يُقِرَّ أهْلَها عَلَيْها عَلى أنَّها مِلْكٌ لَهم، لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي إيجابَ المِلْكِ لَهم. ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَكُمْ﴾ لا يَخْتَصُّ بِإيجابِ المِلْكِ دُونَ الظُّهُورِ والغَلَبَةِ وثُبُوتِ اليَدِ ومَتى وجَدَ أحَدٌ هَذِهِ الأشْياءَ فَقَدْ صَحَّ مَعْنى اللَّفْظِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] ولَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ المُلْكَ.
وأيْضًا فَلَوْ صَحَّ أنَّ المُرادَ المُلْكُ كانَ ذَلِكَ في أرْضِ بَنِي قُرَيْظَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهُمْ﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أرْضًا واحِدَةً لا جَمِيعَ الأرَضِينَ؛ فَإنْ كانَ المُرادُ خَيْبَرَ فَقَدْ مَلَكَها المُسْلِمُونَ، وإنْ كانَ المُرادُ أرْضَ فارِسٍ والرُّومِ لَقَدْ مَلَكَ المُسْلِمُونَ بَعْضَ أرْضِ فارِسٍ والرُّومِ فَقَدْ وُجِدَ مُقْتَضى الآيَةِ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ سَبِيلَهم أنْ يَمْلِكُوا جَمِيعَها؛ إذْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ لَمْ يَتَناوَلْ إلّا أرْضًا واحِدَةً، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى قَوْلِ المُخالِفِ.
الأحزاب 33:28
وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٢٦)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ الآيَةَ. حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَبَدَأ بِي فَقالَ: يا عائِشَةُ إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ قالَتْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِنِي بِفِراقِهِ، قالَتْ: فَقَرَأ عَلَيَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، فَقُلْتَ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ» .
ورَوى غَيْرُ الجُرْجانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ، قالَ مَعْمَرٌ: فَأخْبَرَنِي أيُّوبُ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ «لا تُخْبِرْ أزْواجَكَ أنِّي أخْتارُكَ قالَ: إنَّما بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ولَمْ أُبْعَثْ مُتَعَنِّتًا» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ النّاسُ في مَعْنى تَخْيِيرِ الآيَةِ، فَقالَ قائِلُونَ وهُمُ الحَسَنُ وقَتادَةُ: " إنَّما خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ " .
وقالَ آخَرُونَ: ( بَلْ كانَ تَخْيِيرًا لِلطَّلاقِ عَلى شَرِيطَةِ أنَّهُنَّ إذا اخْتَرْنَ الدُّنْيا وزِينَتَها كُنَّ مُخْتاراتٍ لِلطَّلاقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ فَجَعَلَ اخْتِيارَهُنَّ لِلدُّنْيا اخْتِيارًا لِلطَّلاقِ ) . ويَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ أيْضًا بِما رَوى مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ أنَّها «سُئِلَتْ عَنِ الرَّجُلِ يُخَيِّرُ امْرَأتَهُ فَقالَتْ: قَدْ خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أفَكانَ طَلاقًا ؟ وفي بَعْضِ الأخْبارِ: فاخْتَرْناهُ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا» .
قالُوا: ولَمْ يَثْبُتْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَهُنَّ إلّا الخِيارَ المَأْمُورَ بِهِ في الآيَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْناهُ مِن حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ «أنَّها لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي ذاكِرٌ لَكَ أمْرًا فَلا عَلَيْكَ أنْ لا تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكَ قالَتْ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِنِي بِفِراقِهِ، ثُمَّ تَلا عَلَيْها الآيَةَ، قالَتْ: إنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ» .
فَقالُوا: هَذا الخَبَرُ أيْضًا قَدْ حَوى الدَّلالَةَ مِن وُجُوهٍ عَلى أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ وبَيْنَ اخْتِيارِهِنَّ الطَّلاقَ أوِ البَقاءَ عَلى النِّكاحِ؛ لِأنَّهُ قالَ لَها: «لا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ» ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِئْمارَ لا يَقَعُ في اخْتِيارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِئْمارَ إنَّما أُرِيدَ بِهِ في الفُرْقَةِ أوِ الطَّلاقِ أوِ النِّكاحِ.
وقَوْلُها: ( إنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِنِي بِفِراقِهِ ) وقَوْلُها: ( إنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ ) فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ قَدِ اقْتَضَتْ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الطَّلاقِ والنِّكاحِ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: لَمْ يَكُنْ تَخْيِيرَ طَلاقٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُنَّ (p-٢٢٧)تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ فَإنَّما أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُطَلِّقَهُنَّ إذا اخْتَرْنَ الدُّنْيا ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وُقُوعَ طَلاقٍ بِاخْتِيارِهِنَّ، كَما يَقُولُ القائِلُ لِامْرَأتِهِ: ( إنِ اخْتَرْتِ كَذا طَلَّقْتُكِ ) يُرِيدُ بِهِ اسْتِئْنافَ إيقاعٍ بَعْدَ اخْتِيارِها لِما ذَكَرَهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ لا مَحالَةَ تَخْيِيرَهُنَّ بَيْنَ الفِراقِ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ قَدْ دَلَّ عَلى إضْمارِ اخْتِيارِهِنَّ فِراقَ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إذْ كانَ النَّسَقُ الآخَرُ مِنَ الِاخْتِيارِ هو اخْتِيارُ النَّبِيِّ ﷺ والدّارِ الآخِرَةِ؛ فَثَبَتَ أنَّ الِاخْتِيارَ الآخَرَ إنَّما هو اخْتِيارُ فِراقِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ والمُتْعَةُ إنَّما هي بَعْدَ اخْتِيارِهِنَّ لِلطَّلاقِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ إنَّما المُرادُ إخْراجُهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ بَعْدَ الطَّلاقِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَذَكَرَ المُتْعَةَ بَعْدَ الطَّلاقِ، وأرادَ بِالتَّسْرِيحِ إخْراجَها مِن بَيْتِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَن خَيَّرَ امْرَأتَهُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ( إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ ) وذَلِكَ في رِوايَةِ زاذانَ عَنْهُ، ورَوى أبُو جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيٍّ: ( أنَّها إذا اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ ) . وقالَ عُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللًّهُ عَنْهُما في الخِيارِ وأمْرُكِ بِيَدِكِ: ( إنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وإنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ ) . وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ في الخِيارِ: ( إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَثَلاثٌ )، وقالَ في أمْرُكِ بِيَدِكِ: ( إنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ ) .
واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في ذَلِكَ أيْضًا، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ: ( إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ إذا أرادَ الزَّوْجُ الطَّلاقَ، ولا يَكُونُ ثَلاثًا وإنْ نَوى ) وقالُوا في أمْرُكِ بِيَدِكِ مِثْلُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَنْوِيَ ثَلاثًا فَيَكُونُ ثَلاثًا.
وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ في الخِيارِ: ( إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ يَمْلِكُ بِها الرَّجْعَةَ ) .
وقالَ مالِكٌ في الخِيارِ: ( إنَّهُ ثَلاثٌ إذا اخْتارَتْ نَفْسَها وإنْ طَلَّقَتْ نَفْسَها واحِدَةً لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ )، وقالَ في أمْرُكِ بِيَدِكِ: ( إذا قالَتْ: أرَدْتُ واحِدَةً فَهي واحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ ولا يُصَدَّقُ في الخِيارِ أنَّهُ أرادَ واحِدَةً، ولَوْ قالَ اخْتارِي تَطْلِيقَةً فَطَلَّقَتْ نَفْسَها فَهي واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ ) . وقالَ اللَّيْثُ في الخِيارِ: ( إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَهي بائِنَةٌ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ في اخْتارِي وأمْرُكِ بِيَدِكِ: ( لَيْسَ بِطَلاقٍ إلّا أنْ (p-٢٢٨)يُرِيدَ الزَّوْجُ، ولَوْ أرادَ طَلاقَها فَقالَتْ: قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي فَإنْ أرادَتْ طَلاقًا فَهو طَلاقٌ وإنْ لَمْ تُرِدْهُ فَلَيْسَ بِطَلاقٍ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: التَّخْيِيرُ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِطَلاقٍ لا صَرِيحٍ ولا كِنايَةٍ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ لا يَكُونُ ثَلاثًا وإنْ أرادَهُنَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ نِساءَهُ فاخْتَرْنَهُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاقًا ولِأنَّ الخِيارَ لا يَخْتَصُّ بِالطَّلاقِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ هو عِنْدَكم كَقَوْلِهِ: ( اعْتَدِّي ) أنَّهُ يَكُونُ طَلاقًا إذا نَوى؛ لِأنَّ العِدَّةَ مِن مُوجِبِ الطَّلاقِ، فالطَّلاقُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ؛ وإنَّما جَعَلُوا الخِيارَ طَلاقًا إذا اخْتارَتْ نَفْسَها بِالِاتِّفاقِ وبِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ تَخْيِيرَ النَّبِيِّ ﷺ نِساءَهُ لَمّا كانَ بَيْنَ الفِراقِ والبَقاءِ عَلى النِّكاحِ أنَّهُنَّ لَوِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ لَوَقَعَتِ الفُرْقَةُ لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخَيُّرِ مَعْنًى، وتَشْبِيهًا لَهُ أيْضًا بِسائِرِ الخِياراتِ الَّتِي تَحْدُثُ في النِّكاحِ كَخِيارِ امْرَأةِ العِنِّينِ والمَجْبُوبِ فَيَقَعُ بِهِ الطَّلاقُ إذا اخْتارَتِ الفُرْقَةَ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلُوهُ ثَلاثًا؛ لِأنَّ الخِياراتِ الحادِثَةَ في الأُصُولِ لا تَقَعُ بِها ثَلاثٌ.
* *
فَصْلٌ
قالَ أبُو بَكْرٍ: ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إيجابِ الخِيارِ وفي التَّفْرِيقِ لِامْرَأةِ العاجِزِ عَنِ النَّفَقَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ فاخْتارَ الفَقْرَ والآخِرَةَ أمَرَهُ اللَّهُ بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ الآيَةَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا دَلالَةَ فِيها عَلى ما ذَكَرُوا وذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَلَّقَ اخْتِيارَ النَّبِيِّ ﷺ لِفِراقِهِنَّ بِإرادَتِهِنَّ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن أرادَ مِن نِسائِنا الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَفْرِيقًا بَيْنَها وبَيْنَ زَوْجِها، فَلَمّا كانَ السَّبَبُ الَّذِي مِن أجْلِهِ أوْجَبَ اللَّهُ التَّخْيِيرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلتَّخْيِيرِ في نِساءِ غَيْرِهِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى التَّفْرِيقِ بَيْنَ امْرَأةِ العاجِزِ عَنِ النَّفَقَةِ وبَيْنَهُ.
وأيْضًا فَإنَّ اخْتِيارَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيا وإيثارَهُ لِلْفَقْرِ دُونَ الغِنى لَمْ يُوجِبْ أنْ يَكُونَ عاجِزًا عَنْ نَفَقَةِ نِسائِهِ؛ لِأنَّ الفَقِيرَ قَدْ يَقْدِرُ عَلى نَفَقَةِ نِسائِهِ مَعَ كَوْنِهِ فَقِيرًا، ولَمْ يَدَّعِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ ولا رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عاجِزًا عَنْ نَفَقَةِ نِسائِهِ بَلْ كانَ يَدَّخِرُ لِنِسائِهِ قُوتَ سَنَةٍ، فالمُسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَ مُغْفِلٌ لِحُكْمِها.
الأحزاب 33:29
وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٢٦)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ الآيَةَ. حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَبَدَأ بِي فَقالَ: يا عائِشَةُ إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ قالَتْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِنِي بِفِراقِهِ، قالَتْ: فَقَرَأ عَلَيَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، فَقُلْتَ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ» .
ورَوى غَيْرُ الجُرْجانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ، قالَ مَعْمَرٌ: فَأخْبَرَنِي أيُّوبُ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ «لا تُخْبِرْ أزْواجَكَ أنِّي أخْتارُكَ قالَ: إنَّما بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ولَمْ أُبْعَثْ مُتَعَنِّتًا» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ النّاسُ في مَعْنى تَخْيِيرِ الآيَةِ، فَقالَ قائِلُونَ وهُمُ الحَسَنُ وقَتادَةُ: " إنَّما خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ " .
وقالَ آخَرُونَ: ( بَلْ كانَ تَخْيِيرًا لِلطَّلاقِ عَلى شَرِيطَةِ أنَّهُنَّ إذا اخْتَرْنَ الدُّنْيا وزِينَتَها كُنَّ مُخْتاراتٍ لِلطَّلاقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ فَجَعَلَ اخْتِيارَهُنَّ لِلدُّنْيا اخْتِيارًا لِلطَّلاقِ ) . ويَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ أيْضًا بِما رَوى مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ أنَّها «سُئِلَتْ عَنِ الرَّجُلِ يُخَيِّرُ امْرَأتَهُ فَقالَتْ: قَدْ خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أفَكانَ طَلاقًا ؟ وفي بَعْضِ الأخْبارِ: فاخْتَرْناهُ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا» .
قالُوا: ولَمْ يَثْبُتْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَهُنَّ إلّا الخِيارَ المَأْمُورَ بِهِ في الآيَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْناهُ مِن حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ «أنَّها لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي ذاكِرٌ لَكَ أمْرًا فَلا عَلَيْكَ أنْ لا تُعَجِّلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكَ قالَتْ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِنِي بِفِراقِهِ، ثُمَّ تَلا عَلَيْها الآيَةَ، قالَتْ: إنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ» .
فَقالُوا: هَذا الخَبَرُ أيْضًا قَدْ حَوى الدَّلالَةَ مِن وُجُوهٍ عَلى أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ وبَيْنَ اخْتِيارِهِنَّ الطَّلاقَ أوِ البَقاءَ عَلى النِّكاحِ؛ لِأنَّهُ قالَ لَها: «لا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ» ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِئْمارَ لا يَقَعُ في اخْتِيارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِئْمارَ إنَّما أُرِيدَ بِهِ في الفُرْقَةِ أوِ الطَّلاقِ أوِ النِّكاحِ.
وقَوْلُها: ( إنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِنِي بِفِراقِهِ ) وقَوْلُها: ( إنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ ) فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ قَدِ اقْتَضَتْ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الطَّلاقِ والنِّكاحِ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: لَمْ يَكُنْ تَخْيِيرَ طَلاقٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُنَّ (p-٢٢٧)تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ فَإنَّما أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُطَلِّقَهُنَّ إذا اخْتَرْنَ الدُّنْيا ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وُقُوعَ طَلاقٍ بِاخْتِيارِهِنَّ، كَما يَقُولُ القائِلُ لِامْرَأتِهِ: ( إنِ اخْتَرْتِ كَذا طَلَّقْتُكِ ) يُرِيدُ بِهِ اسْتِئْنافَ إيقاعٍ بَعْدَ اخْتِيارِها لِما ذَكَرَهُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ لا مَحالَةَ تَخْيِيرَهُنَّ بَيْنَ الفِراقِ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ﴾ قَدْ دَلَّ عَلى إضْمارِ اخْتِيارِهِنَّ فِراقَ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إذْ كانَ النَّسَقُ الآخَرُ مِنَ الِاخْتِيارِ هو اخْتِيارُ النَّبِيِّ ﷺ والدّارِ الآخِرَةِ؛ فَثَبَتَ أنَّ الِاخْتِيارَ الآخَرَ إنَّما هو اخْتِيارُ فِراقِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ والمُتْعَةُ إنَّما هي بَعْدَ اخْتِيارِهِنَّ لِلطَّلاقِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ إنَّما المُرادُ إخْراجُهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ بَعْدَ الطَّلاقِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَذَكَرَ المُتْعَةَ بَعْدَ الطَّلاقِ، وأرادَ بِالتَّسْرِيحِ إخْراجَها مِن بَيْتِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَن خَيَّرَ امْرَأتَهُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ( إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ ) وذَلِكَ في رِوايَةِ زاذانَ عَنْهُ، ورَوى أبُو جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيٍّ: ( أنَّها إذا اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ ) . وقالَ عُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللًّهُ عَنْهُما في الخِيارِ وأمْرُكِ بِيَدِكِ: ( إنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وإنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ ) . وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ في الخِيارِ: ( إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَثَلاثٌ )، وقالَ في أمْرُكِ بِيَدِكِ: ( إنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ ) .
واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في ذَلِكَ أيْضًا، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ: ( إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ إذا أرادَ الزَّوْجُ الطَّلاقَ، ولا يَكُونُ ثَلاثًا وإنْ نَوى ) وقالُوا في أمْرُكِ بِيَدِكِ مِثْلُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَنْوِيَ ثَلاثًا فَيَكُونُ ثَلاثًا.
وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ في الخِيارِ: ( إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَواحِدَةٌ يَمْلِكُ بِها الرَّجْعَةَ ) .
وقالَ مالِكٌ في الخِيارِ: ( إنَّهُ ثَلاثٌ إذا اخْتارَتْ نَفْسَها وإنْ طَلَّقَتْ نَفْسَها واحِدَةً لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ )، وقالَ في أمْرُكِ بِيَدِكِ: ( إذا قالَتْ: أرَدْتُ واحِدَةً فَهي واحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ ولا يُصَدَّقُ في الخِيارِ أنَّهُ أرادَ واحِدَةً، ولَوْ قالَ اخْتارِي تَطْلِيقَةً فَطَلَّقَتْ نَفْسَها فَهي واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ ) . وقالَ اللَّيْثُ في الخِيارِ: ( إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَلا شَيْءَ وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فَهي بائِنَةٌ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ في اخْتارِي وأمْرُكِ بِيَدِكِ: ( لَيْسَ بِطَلاقٍ إلّا أنْ (p-٢٢٨)يُرِيدَ الزَّوْجُ، ولَوْ أرادَ طَلاقَها فَقالَتْ: قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي فَإنْ أرادَتْ طَلاقًا فَهو طَلاقٌ وإنْ لَمْ تُرِدْهُ فَلَيْسَ بِطَلاقٍ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: التَّخْيِيرُ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِطَلاقٍ لا صَرِيحٍ ولا كِنايَةٍ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ لا يَكُونُ ثَلاثًا وإنْ أرادَهُنَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ نِساءَهُ فاخْتَرْنَهُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاقًا ولِأنَّ الخِيارَ لا يَخْتَصُّ بِالطَّلاقِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ هو عِنْدَكم كَقَوْلِهِ: ( اعْتَدِّي ) أنَّهُ يَكُونُ طَلاقًا إذا نَوى؛ لِأنَّ العِدَّةَ مِن مُوجِبِ الطَّلاقِ، فالطَّلاقُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ؛ وإنَّما جَعَلُوا الخِيارَ طَلاقًا إذا اخْتارَتْ نَفْسَها بِالِاتِّفاقِ وبِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ تَخْيِيرَ النَّبِيِّ ﷺ نِساءَهُ لَمّا كانَ بَيْنَ الفِراقِ والبَقاءِ عَلى النِّكاحِ أنَّهُنَّ لَوِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ لَوَقَعَتِ الفُرْقَةُ لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخَيُّرِ مَعْنًى، وتَشْبِيهًا لَهُ أيْضًا بِسائِرِ الخِياراتِ الَّتِي تَحْدُثُ في النِّكاحِ كَخِيارِ امْرَأةِ العِنِّينِ والمَجْبُوبِ فَيَقَعُ بِهِ الطَّلاقُ إذا اخْتارَتِ الفُرْقَةَ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلُوهُ ثَلاثًا؛ لِأنَّ الخِياراتِ الحادِثَةَ في الأُصُولِ لا تَقَعُ بِها ثَلاثٌ.
* *
فَصْلٌ
قالَ أبُو بَكْرٍ: ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إيجابِ الخِيارِ وفي التَّفْرِيقِ لِامْرَأةِ العاجِزِ عَنِ النَّفَقَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ فاخْتارَ الفَقْرَ والآخِرَةَ أمَرَهُ اللَّهُ بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ الآيَةَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا دَلالَةَ فِيها عَلى ما ذَكَرُوا وذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَلَّقَ اخْتِيارَ النَّبِيِّ ﷺ لِفِراقِهِنَّ بِإرادَتِهِنَّ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن أرادَ مِن نِسائِنا الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَفْرِيقًا بَيْنَها وبَيْنَ زَوْجِها، فَلَمّا كانَ السَّبَبُ الَّذِي مِن أجْلِهِ أوْجَبَ اللَّهُ التَّخْيِيرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلتَّخْيِيرِ في نِساءِ غَيْرِهِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى التَّفْرِيقِ بَيْنَ امْرَأةِ العاجِزِ عَنِ النَّفَقَةِ وبَيْنَهُ.
وأيْضًا فَإنَّ اخْتِيارَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيا وإيثارَهُ لِلْفَقْرِ دُونَ الغِنى لَمْ يُوجِبْ أنْ يَكُونَ عاجِزًا عَنْ نَفَقَةِ نِسائِهِ؛ لِأنَّ الفَقِيرَ قَدْ يَقْدِرُ عَلى نَفَقَةِ نِسائِهِ مَعَ كَوْنِهِ فَقِيرًا، ولَمْ يَدَّعِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ ولا رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عاجِزًا عَنْ نَفَقَةِ نِسائِهِ بَلْ كانَ يَدَّخِرُ لِنِسائِهِ قُوتَ سَنَةٍ، فالمُسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَ مُغْفِلٌ لِحُكْمِها.
الأحزاب 33:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . قِيلَ في تَضْعِيفِ عَذابِهِنَّ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِنَّ أكْثَرَ مِنها عَلى غَيْرِهِنَّ بِكَوْنِهِنَّ أزْواجًا لِلنَّبِيِّ ﷺ ونُزُولِ الوَحْيِ في بُيُوتِهِنَّ وتَشْرِيفِهِنَّ بِذَلِكَ، كانَ (p-٢٢٩)كُفْرانُها مِنهُنَّ أعْظَمَ وأجْدَرَ بِعِظَمِ العِقابِ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ كُلَّما عَظُمَتْ كانَ كُفْرانُها أعْظَمَ فِيما يُسْتَحَقُّ بِهِ مِنَ العِقابِ؛ إذْ كانَ اسْتِحْقاقُ العِقابِ عَلى حَسَبِ كُفْرانِ النِّعْمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن لَطَمَ أباهُ اسْتَحَقَّ مِنَ العُقُوبَةِ أكْثَرَ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ مَن لَطَمَ أجْنَبِيًّا لِعِظَمِ نِعْمَةِ أبِيهِ عَلَيْهِ وكُفْرانِهِ لَها بِلَطْمَتِهِ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فَدَلَّ عَلى أنَّ تَضْعِيفَ العَذابِ عَلَيْهِنَّ بِالمَعْصِيَةِ لِأجْلِ عِظَمِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِنَّ بِتِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ في بُيُوتِهِنَّ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ عَظُمَتْ طاعاتُهُنَّ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ لِأنَّ الطّاعَةَ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ بِها بِإزاءِ المَعْصِيَةِ في اسْتِحْقاقِ العِقابِ بِها.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ في إتْيانِهِنَّ المَعاصِيَ أذًى لِلنَّبِيِّ ﷺ لِما يَلْحَقُ مِنَ العارِ والغَمِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن آذى النَّبِيَّ ﷺ فَهو أعْظَمُ جُرْمًا مِمَّنْ آذى غَيْرَهُ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]
ولَمّا عَظَّمَ اللَّهُ تَعالى طاعاتِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وأوْجَبَ بِها الأجْرَ مَرَّتَيْنِ دَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ أجْرَ العامِلِ العالِمِ أفْضَلُ وثَوابُهُ أعْظَمُ مِنَ العامِلِ غَيْرِ العالِمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] قَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ.
الأحزاب 33:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . قِيلَ في تَضْعِيفِ عَذابِهِنَّ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِنَّ أكْثَرَ مِنها عَلى غَيْرِهِنَّ بِكَوْنِهِنَّ أزْواجًا لِلنَّبِيِّ ﷺ ونُزُولِ الوَحْيِ في بُيُوتِهِنَّ وتَشْرِيفِهِنَّ بِذَلِكَ، كانَ (p-٢٢٩)كُفْرانُها مِنهُنَّ أعْظَمَ وأجْدَرَ بِعِظَمِ العِقابِ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ كُلَّما عَظُمَتْ كانَ كُفْرانُها أعْظَمَ فِيما يُسْتَحَقُّ بِهِ مِنَ العِقابِ؛ إذْ كانَ اسْتِحْقاقُ العِقابِ عَلى حَسَبِ كُفْرانِ النِّعْمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن لَطَمَ أباهُ اسْتَحَقَّ مِنَ العُقُوبَةِ أكْثَرَ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ مَن لَطَمَ أجْنَبِيًّا لِعِظَمِ نِعْمَةِ أبِيهِ عَلَيْهِ وكُفْرانِهِ لَها بِلَطْمَتِهِ ؟ ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فَدَلَّ عَلى أنَّ تَضْعِيفَ العَذابِ عَلَيْهِنَّ بِالمَعْصِيَةِ لِأجْلِ عِظَمِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِنَّ بِتِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ في بُيُوتِهِنَّ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ عَظُمَتْ طاعاتُهُنَّ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ لِأنَّ الطّاعَةَ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ بِها بِإزاءِ المَعْصِيَةِ في اسْتِحْقاقِ العِقابِ بِها.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ في إتْيانِهِنَّ المَعاصِيَ أذًى لِلنَّبِيِّ ﷺ لِما يَلْحَقُ مِنَ العارِ والغَمِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن آذى النَّبِيَّ ﷺ فَهو أعْظَمُ جُرْمًا مِمَّنْ آذى غَيْرَهُ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]
ولَمّا عَظَّمَ اللَّهُ تَعالى طاعاتِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وأوْجَبَ بِها الأجْرَ مَرَّتَيْنِ دَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ أجْرَ العامِلِ العالِمِ أفْضَلُ وثَوابُهُ أعْظَمُ مِنَ العامِلِ غَيْرِ العالِمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] قَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ.
الأحزاب 33:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ قِيلَ فِيهِ أنْ لا تُلِينَ القَوْلَ لِلرِّجالِ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الطَّمَعَ فِيهِنَّ مِن أهْلِ الرِّيبَةِ. وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ حُكْمُ سائِرِ النِّساءِ في نَهْيِهِنَّ عَنْ إلانَةِ القَوْلِ لِلرِّجالِ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الطَّمَعَ فِيهِنَّ ويُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى رَغْبَتِهِنَّ فِيهِمْ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ الأحْسَنَ بِالمَرْأةِ أنْ لا تَرْفَعَ صَوْتَها بِحَيْثُ يَسْمَعُها الرِّجالُ. وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المَرْأةَ مَنهِيَّةٌ عَنِ الأذانِ، وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا وقالَ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فَإذا كانَتْ مَنهِيَّةً عَنْ إسْماعِ صَوْتِ خَلْخالِها فَكَلامُها إذا كانَتْ شابَّةً تُخْشى مِن قِبَلِها الفِتْنَةُ أوْلى بِالنَّهْيِ عَنْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] رَوى هِشامٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: قِيلَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: ألا تَخْرُجِينَ كَما تَخْرُجُ أخَواتُكِ ؟ قالَتْ: واللَّهِ لَقَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ ثُمَّ أمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقَرَّ في بَيْتِي، فَواللَّهِ لا أخْرُجُ فَما خَرَجَتْ حَتّى أخْرَجُوا جِنازَتَها وقِيلَ إنَّ مَعْنى: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] كُنَّ أهْلَ وقارٍ وهُدُوءٍ وسَكِينَةٍ، يُقالُ: وقَرَ فُلانٌ في مَنزِلِهِ يَقِرُ وُقُورًا إذا هَدَأ فِيهِ واطْمَأنَّ بِهِ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ النِّساءَ مَأْمُوراتٌ بِلُزُومِ (p-٢٣٠)البُيُوتِ مَنهِيّاتٌ عَنِ الخُرُوجِ.
الأحزاب 33:33
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ قالَ: ( كانَتِ المَرْأةُ تَتَمَشّى بَيْنَ أيْدِي القَوْمِ فَذَلِكَ تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ ) وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ ( يَعْنِي إذا خَرَجْتُنَّ مِن بُيُوتِكُنَّ ) قالَ: ( كانَتْ لَهُنَّ مِشْيَةٌ وتَكَسُّرٌ وتَغَنُّجٌ فَنَهاهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ) وقِيلَ: ( هو إظْهارُ المَحاسِنِ لِلرِّجالِ ) وقِيلَ: ( في الجاهِلِيَّةِ الأُولى ما قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةِ الثّانِيَةِ حالُ مَن عَمِلَ في الإسْلامِ بِعَمَلِ أُولَئِكَ ) فَهَذِهِ الأُمُورُ كُلُّها مِمّا أدَّبَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ صِيانَةً لَهُنَّ، وسائِرُ نِساءِ المُؤْمِنِينَ مُراداتٌ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ رُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ( في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً ) ومَن قالَ بِذَلِكَ يَحْتَجُّ بِأنَّ ابْتِداءَ الآيَةِ ونَسَقَها في ذِكْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ ؟ وقالَ بَعْضُهم: ( في أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وفي أزْواجِهِ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لِلْجَمِيعِ )
الأحزاب 33:34
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ رَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ قالَ: ( كانَتِ المَرْأةُ تَتَمَشّى بَيْنَ أيْدِي القَوْمِ فَذَلِكَ تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ ) وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ ( يَعْنِي إذا خَرَجْتُنَّ مِن بُيُوتِكُنَّ ) قالَ: ( كانَتْ لَهُنَّ مِشْيَةٌ وتَكَسُّرٌ وتَغَنُّجٌ فَنَهاهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ) وقِيلَ: ( هو إظْهارُ المَحاسِنِ لِلرِّجالِ ) وقِيلَ: ( في الجاهِلِيَّةِ الأُولى ما قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةِ الثّانِيَةِ حالُ مَن عَمِلَ في الإسْلامِ بِعَمَلِ أُولَئِكَ ) فَهَذِهِ الأُمُورُ كُلُّها مِمّا أدَّبَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ صِيانَةً لَهُنَّ، وسائِرُ نِساءِ المُؤْمِنِينَ مُراداتٌ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ رُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ( في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً ) ومَن قالَ بِذَلِكَ يَحْتَجُّ بِأنَّ ابْتِداءَ الآيَةِ ونَسَقَها في ذِكْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ ؟ وقالَ بَعْضُهم: ( في أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وفي أزْواجِهِ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لِلْجَمِيعِ )
الأحزاب 33:36
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ أوامِرَ اللَّهِ تَعالى وأوامِرَ رَسُولِهِ عَلى الوُجُوبِ؛ لِأنَّهُ قَدْ نَفى بِالآيَةِ أنْ تَكُونَ لَنا الخِيَرَةُ في تَرْكِ أوامِرِ اللَّهِ وأوامِرِ الرَّسُولِ ﷺ ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَلى الوُجُوبِ لَكُنّا مُخَيَّرِينَ بَيْنَ التَّرْكِ والفِعْلِ، وقَدْ نَفَتِ الآيَةُ التَّخْيِيرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في نَسَقِ ذِكْرِ الأوامِرِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا وأنَّ تارِكَ الأمْرِ عاصٍ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ فَقَدِ انْتَظَمَتِ الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى وُجُوبِ أوامِرِ اللَّهِ وأوامِرِ الرَّسُولِ ﷺ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّها نَفَتِ التَّخْيِيرَ مَعَهُما.
والثّانِي: أنَّ تارِكَ الأمْرِ عاصٍ لِلَّهِ ورَسُولِهِ.
الأحزاب 33:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. رَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ما كانَ الحُسَيْنُ يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ؟ قالَ: قُلْتُ: كانَ يَقُولُ: إنَّها كانَتْ تُعْجِبُهُ، وإنَّهُ قالَ لِزَيْدٍ: اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ. قالَ: لا، ولَكِنَّ اللَّهَ أعْلَمَ نَبِيَّهُ أنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِن أزْواجِهِ، فَلَمّا جاءَهُ زَيْدٌ يَشْكُو مِنها قالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ قالَ اللَّهُ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وقِيلَ: إنَّ زَيْدًا قَدْ كانَ يُخاصِمُ امْرَأتَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ودامَ الشَّرُّ بَيْنَهُما حَتّى ظَنَّ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُما لا يَتَّفِقانِ وأنَّهُ سَيُفارِقُها، فَأضْمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ إنْ طَلَّقَها زَيْدٌ تَزَوَّجَها، وهي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وكانَتْ بِنْتَ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ (p-٢٣١)فَأرادَ أنْ يَضُمَّها إلَيْهِ صِلَةً لِرَحِمِها وإشْفاقًا عَلَيْها، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى إضْمارِ ذَلِكَ وإخْفائِهِ وقَوْلِهِ لِزَيْدٍ: اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وأرادَ أنْ يَكُونَ باطِنُهُ وظاهِرُهُ عِنْدَ النّاسِ سَواءً» كَما قالَ في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ حِينَ قِيلَ لَهُ: «هَلّا أوْمَأْتَ إلَيْنا بِقَتْلِهِ فَقالَ: ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ بِأنْ تَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ» .
وأيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِمّا يَجِبُ إخْفاؤُهُ؛ لِأنَّهُ مُباحٌ جائِزٌ، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهِ وهو أحَقُّ بِأنْ يُخْشى مِنَ النّاسِ، وقَدْ أباحَهُ اللَّهُ تَعالى فالنّاسُ أوْلى بِأنْ لا يَخْشَوْا في إظْهارِهِ وإعْلانِهِ. وهَذِهِ القِصَّةُ نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وكانَ مِمَّنْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ وأنْعَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ بِالعِتْقِ، ولِذَلِكَ قِيلِ لِلْمُعْتَقِ مَوْلى نِعْمَةٍ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ الآيَةَ. قَدْ حَوَتْ هَذِهِ الآيَةُ أحْكامًا:
أحَدُها: الإبانَةُ عَنْ عِلَّةِ الحُكْمِ في إباحَةِ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأنَّ ذَلِكَ قَدِ اقْتَضى إباحَتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَدَلَّ عَلى إثْباتِ القِياسِ في الأحْكامِ واعْتِبارِ المَعانِي في إيجابِها.
والثّانِي: أنَّ البُنُوَّةَ مِن جِهَةِ التَّبَنِّي لا تَمْنَعُ جَوازَ النِّكاحِ.
والثّالِثُ: أنَّ الأُمَّةَ مُساوِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في الحُكْمِ إلّا ما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ أحَلَّ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِيَكُونَ المُؤْمِنُونَ مُساوِينَ لَهُ.
الأحزاب 33:43
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ فَإنَّ الصَّلاةَ مِنَ اللَّهِ هي الرَّحْمَةُ ومِنَ العِبادِ الدُّعاءُ، قالَ الأعْشى:
؎عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي نَوْمًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَّجَعا
ورَوى مَعْمَرٌ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ قالَ: ( إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ يُصَلِّي رَبُّكَ ؟ فَكَأنَّ ذَلِكَ كَبُرَ في صَدْرِهِ، فَسَألَهُ فَأوْحى اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ أخْبِرْهم أنِّي أُصَلِّي وأنَّ صَلاتِي: رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ) .
فَإنْ قِيلَ: مِن أصْلِكم أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاللَّفْظِ الواحِدِ مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ اشْتِمالُ لَفْظِ الصَّلاةِ عَلى مَعْنى الرَّحْمَةِ والدُّعاءِ جَمِيعًا. قِيلَ لَهُ: هَذا يَجُوزُ عِنْدَنا في الألْفاظِ المُجْمَلَةِ، والصَّلاةُ اسْمٌ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ، فَلا يَمْتَنِعُ إرادَةُ المَعانِي المُخْتَلِفَةِ فِيما كانَ هَذا سَبِيلُهُ، قالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٢] صَلاةُ الضُّحى وصَلاةُ العَصْرِ.
الأحزاب 33:44
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ قالَ قَتادَةُ " تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ السَّلامُ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]
الأحزاب 33:46
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ سُمِّيَ النَّبِيُّ ﷺ سِراجًا مُنِيرًا تَشْبِيهًا لَهُ بِالسِّراجِ الَّذِي بِهِ يُسْتَنارُ الأشْياءُ في الظُّلْمَةِ؛ لِأنَّهُ بُعِثَ ﷺ وقَدْ طَبَّقَتِ الأرْضَ ظُلْمَةُ الشِّرْكِ. فَكانَ كالسِّراجِ الَّذِي يَظْهَرُ في الظُّلْمَةِ، وكَما سُمِّيَ القُرْآنُ نُورًا وهُدًى ورُوحًا وسُمِّيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُوحًا؛ لِأنَّ (p-٢٣٢)الرُّوحَ بِها يَحْيى الحَيَوانُ، وذَلِكَ كُلُّهُ مَجازٌ واسْتِعارَةٌ وتَشْبِيهٌ.
الأحزاب 33:49
بابُ الطَّلاقِ قَبْلَ النِّكاحِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ تَنازَعَ أهْلُ العِلْمِ في دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ في صِحَّةِ إيقاعِ طَلاقِ المَرْأةِ بِشَرْطِ التَّزْوِيجِ وهو أنْ يَقُولَ: ( إنْ تَزَوَّجْتَ امْرَأةً فَهي طالِقٌ )، فَقالَ قائِلُونَ: ( قَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ إلْغاءَ هَذا القَوْلِ وإسْقاطَ حُكْمِهِ؛ إذْ كانَتْ مُوجِبَةً لِصِحَّةِ الطَّلاقِ بَعْدَ النِّكاحِ، وهَذا القائِلُ مُطَلِّقٌ قَبْلَ النِّكاحِ ) . وقالَ آخَرُونَ: ( دَلالَتُها ظاهِرَةٌ في صِحَّةِ هَذا القَوْلِ مِن قائِلِهِ ولُزُومِ حُكْمِهِ عِنْدَ وُجُودِ النِّكاحِ؛ لِأنَّها حَكَمَتْ بِصِحَّةِ وُقُوعِ الطَّلاقِ بَعْدَ النِّكاحِ، ومَن قالَ لِأجْنَبِيَّةٍ: إذا تَزَوَّجْتُكَ فَأنْتِ طالِقٌ، فَهو مُطَلِّقٌ بَعْدَ النِّكاحِ؛ فَوَجَبَ بِظاهِرِ الآيَةِ إيقاعُ طَلاقِهِ وإثْباتُ حُكْمِ لَفْظِهِ ) . وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَخْلُو العاقِدُ لِهَذا القَوْلِ مِن أنْ يَكُونَ مُطَلِّقًا في حالِ العَقْدِ أوْ في حالِ الإضافَةِ ووُجُودِ الشَّرْطِ، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ مَن قالَ لِامْرَأتِهِ: ( إذا بِنْتِ مِنِّي وصِرْتَ أجْنَبِيَّةً فَأنْتِ طالِقٌ ) أنَّهُ مَوْقِعٌ لِلطَّلاقِ في حالِ الإضافَةِ لا في حالِ القَوْلِ، وأنَّهُ بِمَنزِلَةِ مَن أبانَ امْرَأتَهُ ثُمَّ قالَ لَها: ( أنْتِ طالِقٌ ) فَسَقَطَ حُكْمُ لَفْظِهِ ولَمْ يُعْتَبَرْ حالُ العَقْدِ مَعَ وُجُودِ النِّكاحِ فِيها، صَحَّ أنَّ الِاعْتِبارَ بِحالِ الإضافَةِ دُونَ حالِ العَقْدِ، فَإنَّ القائِلَ لِلْأجْنَبِيَّةِ ( إذا تَزَوَّجْتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ ) مُوقِعٌ لِلطَّلاقِ بَعْدَ المِلْكِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ إيقاعَ الطَّلاقِ لِمَن طَلَّقَ بَعْدَ المِلْكِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ عَلى ضُرُوبٍ مِنَ الأقاوِيلِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ: ( إذا قالَ كُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ، أوْ قالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أمْلِكُهُ فَهو حُرٌّ، أنَّ مَن تَزَوَّجَ تُطَلَّقُ ومَن مَلَكَ مِنَ المَمالِيكِ يُعْتَقُ )، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَن عَمَّ أوْ خَصَّ.
وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: ( إذا عَمَّ لَمْ يَقَعْ وإنْ سَمّى شَيْئًا بِعَيْنِهِ أوْ جَماعَةً إلى أجَلٍ وقَعَ )، وكَذَلِكَ قَوْلُ مالِكٍ؛ وذُكِرَ عَنْ مالِكٍ أيْضًا: ( أنَّهُ إذا ضَرَبَ لِذَلِكَ أجَلًا يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَبْلُغُهُ فَقالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ امْرَأةً إلى كَذا وكَذا سَنَةً، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ) . ثُمَّ قالَ مالِكٌ: ( ولَوْ قالَ كُلُّ عَبْدٍ أشْتَرِيهِ فَهو حُرٌّ، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ ) . وقالَ الثَّوْرِيُّ: ( إذا قالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً فَهي طالِقٌ لَزِمَهُ ما قالَ )، وهو (p-٢٣٣)قَوْلُ عُثْمانَ البَتِّيِّ. وقالَ الأوْزاعِيُّ فِيمَن قالَ لِامْرَأتِهِ: كُلُّ جارِيَةٍ أتَسَرّى بِها عَلَيْكِ فَهي حُرَّةٌ فَتَسَرّى عَلَيْها جارِيَةً فَإنَّها تُعْتَقُ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: ( إذا قالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أمْلِكُهُ فَهو حُرٌّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَوْ قالَ أشْتَرِيهِ أوْ أرِثُهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ عَتَقَ إذا مَلَكَ بِذَلِكَ الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ خَصَّ، ولَوْ قالَ: كُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَوْ قالَ: مِن بَنِي فُلانٍ أوْ مِن أهْلِ الكُوفَةِ أوْ آلِ كَذا لَزِمَهُ ) .
قالَ الحَسَنُ: لا نَعْلَمُ أحَدًا مُنْذُ وُضِعَتْ الكُوفَةُ أفْتى بِغَيْرِ هَذا. وقالَ اللَّيْثُ فِيما خَصَّ: ( إنَّهُ يَلْزَمُهُ في الطَّلاقِ والعِتْقِ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: ( لا يَلْزَمُهُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ لا إذا خَصَّ ولا إذا عَمَّ ) .
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ أيْضًا في ذَلِكَ، رُوِيَ عَنْ ياسِينَ الزَّيّاتِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ في رَجُلٍ قالَ: كُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ، قالَ: ( هو كَما قالَ ) .
ورَوى مالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أنَّهُ سَألَ القاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها، فَقالَ القاسِمُ: ( إنَّ رَجُلًا خَطَبَ امْرَأةً فَقالَ هي عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ تَزَوَّجْتُها، فَأمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أنْ يَتَزَوَّجَها ولا يَقْرَبَها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ ) .
ورَوى الثَّوْرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ إبْراهِيمَ: ( عَنْ الأسْوَدِ أنَّهُ قالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ فَهي طالِقٌ، فَتَزَوَّجَها ناسِيًا، فَأتى ابْنَ مَسْعُودٍ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَألْزَمَهُ الطَّلاقَ )، وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ؛ وقالَ الشَّعْبِيُّ: ( إذا سَمّى امْرَأةً بِعَيْنِها أوْ قالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ مِن بَنِي فُلانٍ فَهو كَما قالَ، وإذا قالَ: كُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ) .
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: ( إذا قالَ إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً فَهي طالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ) . وقالَ القاسِمُ وسالِمٌ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ( هو جائِزٌ عَلَيْهِ ) . ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في رَجُلٍ قالَ: إنْ تَزَوَّجْتَ فُلانَةَ فَهي طالِقٌ أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وجابِرٍ في آخَرِينَ مِنَ التّابِعِينَ قالُوا: ( لا طَلاقَ قَبْلَ نِكاحٍ ) . ولا دَلالَةَ في هَذا اللَّفْظِ عَلى مُخالَفَةِ قَوْلِ أصْحابِنا؛ لِأنَّ عِنْدَنا أنَّ مَن قالَ: ( إنْ تَزَوَّجْتَ امْرَأةً فَهي طالِقٌ ) أنَّهُ مُطَلِّقٌ بَعْدَ النِّكاحِ، وما قَدَّمْنا مِن دَلالَةِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا كافٍ في الِاحْتِجاجِ عَلى المُخالِفِ وتَصْحِيحِ المَقالَةِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] اقْتَضى ظاهِرُهُ إلْزامَ كُلِّ عاقِدٍ مُوجِبَ عَقْدِهِ ومُقْتَضاهُ، فَلَمّا كانَ هَذا القائِلُ عاقِدًا عَلى نَفْسِهِ إيقاعَ طَلاقٍ بَعْدَ النِّكاحِ وجَبَ أنْ يَلْزَمَهُ حُكْمُهُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»، أوْجَبَ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن شَرَطَ عَلى نَفْسِهِ شَرْطًا أُلْزِمَ حُكْمَهُ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ النَّذْرَ لا يَصِحُّ إلّا في مِلْكٍ، وأنَّ مَن قالَ: ( إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ ألْفَ دِرْهَمٍ فَلِلَّهِ عَلَيَّ (p-٢٣٤)أنْ أتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ مِنها ) . أنَّهُ ناذِرٌ في مِلْكِهِ مِن حَيْثُ أضافَهُ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مالِكًا في الحالِ، فَكَذَلِكَ الطَّلاقُ والعِتْقُ إذا أضافَهُما إلى المِلْكِ كانَ مُطَلِّقًا ومُعْتِقًا في المِلْكِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ مَن قالَ لِجارِيَتِهِ: ( إنْ ولَدْتِ ولَدًا فَهو حُرٌّ ) فَحَمَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ووَلَدَتْ أنَّهُ يُعْتَقُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مالِكًا في حالِ القَوْلِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ مُضافٌ إلى الأُمِّ الَّتِي هو مالِكُها، كَذَلِكَ إذا أضافَ العِتْقَ إلى المِلْكِ فَهو مُعْتَقٌ في المِلْكِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكٌ مَوْجُودٌ في الحالِ.
وأيْضًا قَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: ( إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ ) فَدَخَلَتْها مَعَ بَقاءِ النِّكاحِ أنَّها تُطَّلَقُ، ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قالَ لَها في تِلْكَ الحالِ: ( أنْتِ طالِقٌ )، ولَوْ أبانَها ثُمَّ دَخَلَها كانَ بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قالَ لَها في تِلْكَ الحالِ: ( أنْتِ طالِقٌ ) فَلا تُطَلَّقُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الحالِفَ يَصِيرُ كالمُتَكَلِّمِ بِالجَوابِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القائِلُ: ( كُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ ) فَتَزَوَّجَ، بِمَنزِلَةِ مَن تَزَوَّجَ ثُمَّ قالَ لَها: ( أنْتِ طالِقٌ ) .
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ هَذا صَحِيحًا لَوَجَبَ أنَّهُ لَوْ حَلَفَ ثُمَّ جُنَّ فَوُجِدَ شَرْطُ اليَمِينِ أنْ لا يَحْنَثَ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المُتَكَلِّمِ بِالجَوابِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَجْنُونَ لا قَوْلَ لَهُ وقَوْلُهُ وسُكُوتُهُ بِمَنزِلَةٍ، فَلَمّا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ إيقاعُهُ ابْتِداءً، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ قَبْلَ الجُنُونِ صَحِيحًا لَزِمَهُ حُكْمُهُ في حالِ الجُنُونِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ المَجْنُونَ قَدْ يَصِحُّ طَلاقُ امْرَأتِهِ وعِتْقُ عَبْدِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَجْنُونًا أوْ عِنِّينًا لَفُرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَها وكانَ طَلاقًا، ولَوْ ورِثَ أباهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، كالنّائِمِ لا يَصِحُّ مِنهُ ابْتِداءً الإيقاعُ ويَلْزَمُهُ حُكْمُهُ بِسَبَبٍ يُوجِبُهُ، مِثْلَ أنْ يَكُونَ قَدْ وكَّلَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ أوْ طَلاقِ امْرَأتِهِ فَطَلَّقَ وهو نائِمٌ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا طَلاقَ قَبْلَ نِكاحٍ». قِيلَ لَهُ: أسانِيدُها مُضْطَرِبَةٌ لا يَصِحُّ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، ولَوْ صَحَّ مِن جِهَةِ النَّقْلِ لَمْ يَدُلَّ عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ؛ لِأنَّ مَن ذَكَرْنا مُطَلِّقٌ بَعْدَ النِّكاحِ.
وأيْضًا فَإنَّهُ نَفى بِذَلِكَ إيقاعَ طَلاقٍ قَبْلَ النِّكاحِ ولَمْ يَنْفِ العَقْدَ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: «لا طَلاقَ قَبْلَ نِكاحٍ» حَقِيقَتُهُ نَفْيُ الإيقاعِ، والعَقْدُ عَلى الطَّلاقِ لَيْسَ بِطَلاقٍ، لَمْ يَتَناوَلِ اللَّفْظَ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ في العَقْدِ مَجازٌ لا حَقِيقَةٌ؛؛ لِأنَّ مَن عَقَدَ يَمِينًا عَلى طَلاقٍ لا يُقالُ: إنَّهُ قَدْ طَلَّقَ ما لَمْ يَقَعْ، وحُكْمُ اللَّفْظِ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ حَتّى تَقُومَ دَلالَةُ المَجازِ.
والثّانِي: أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في الحَقِيقَةِ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُرادَ بِهِ المَجازُ؛ لِأنَّ لَفْظًا واحِدًا لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الحَقِيقَةُ والمَجازُ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ ﷺ: «لا طَلاقَ قَبْلَ نِكاحٍ» إنَّما هو أنْ يُذْكَرَ لِلرَّجُلِ المَرْأةُ فَيُقالُ لَهُ: تَزَوَّجْها، فَيَقُولُ: هي طالِقٌ ألْبَتَّةَ، فَهَذا لَيْسَ (p-٢٣٥)بِشَيْءٍ؛ فَأمّا مَن قالَ: ( إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً فَهي طالِقٌ ألْبَتَّةَ ) فَإنَّما طَلَّقَها حِينَ تَزَوَّجَها، وكَذَلِكَ في الحُرِّيَّةِ. وقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ إنْ أرادَ العَقْدَ فَهو الرَّجُلُ يَقُولُ لِأجْنَبِيَّةٍ: ( إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ ) ثُمَّ يَتَزَوَّجُها فَتَدْخُلُ الدّارَ فَلا تُطَلَّقُ وإنْ كانَ الدُّخُولُ في حالِ النِّكاحِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا فَرْقَ بَيْنَ مَن خَصَّ أوْ عَمَّ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ إذا خَصَّ فَهو مُطَلِّقٌ في المِلْكِ وكَذَلِكَ حُكْمُهُ إذا عَمَّ، وإنْ كانَ إذا عَمَّ غَيْرَ مُطَلِّقٍ في مِلْكٍ فَكَذَلِكَ في حالِ الخُصُوصِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا عَمَّ فَقَدْ حَرَّمَ جَمِيعَ النِّساءِ عَلى نَفْسِهِ، كالمُظاهِرِ لَمّا حَرَّمَ امْرَأتَهُ تَحْرِيمًا مُبْهَمًا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ.
قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُظاهِرَ إنَّما قَصَدَ تَحْرِيمَ امْرَأةٍ بِعَيْنِها، ومِن أصْلِ المُخالِفِ أنَّهُ إذا عَيَّنَ وخَصَّ وقَعَ طَلاقُهُ، وإنَّما لا يُوقِعُهُ إذا عَمَّ فَواجِبٌ عَلى أصْلِهِ أنْ لا يَقَعَ طَلاقُهُ وإنْ خَصَّ كَما لَمْ تُحَرَّمِ المُظاهِرَ مِنها تَحْرِيمًا مُبْهَمًا وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُبْطِلْ حُكْمَ ظِهارِهِ وتَحْرِيمِهِ بَلْ حَرَّمَها عَلَيْهِ بِهَذا القَوْلِ وأثْبَتَ حُكْمَ ظِهارِهِ.
وأيْضًا إنَّ الحالِفَ بِطَلاقِ مَن يَتَزَوَّجُ مِنَ النِّساءِ غَيْرُ مُحَرِّمٍ لِلنِّساءِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوجِبْ بِذَلِكَ تَحْرِيمَ النِّكاحِ وإنَّما أوْجَبَ طَلاقًا بَعْدَ صِحَّةِ النِّكاحِ ووُقُوعِ اسْتِباحَةِ البُضْعِ.
وأيْضًا فَإنَّهُ إذا قالَ: ( كُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ ) مَتى ألْزَمْناهُ ما عَقَدَ عَلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُ المَرْأةِ مُبْهَمًا بَلْ إنَّما تُطَلَّقُ واحِدَةً ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها ثانِيًا ولا يَقَعُ شَيْءٌ. فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تُنْبِئُ عَنْ إغْفالِ هَذا السّائِلِ في سُؤالِهِ ذَلِكَ وأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَسْألَةِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إذا قالَ: ( إنْ تَزَوَّجْتُها فَهي طالِقٌ وإنِ اشْتَرَيْتُهُ فَهو حُرٌّ ) أنَّهُ لا يَقَعُ إلّا أنْ يَقُولَ: ( إذا صَحَّ نِكاحِي لَكِ فَأنْتِ طالِقٌ بَعْدَ ذَلِكَ وإذا مَلَكْتُكَ بِالشِّرى فَأنْتَ حُرٌّ )؛ وذَهَبَ إلى أنَّهُ إذا جَعَلَ النِّكاحَ والشِّرى شَرْطًا لِلطَّلاقِ والعَتاقِ فَسَبِيلُ ذَلِكَ البُضْعِ ومَلْكِ الرَّقَبَةِ أنْ يَقَعا بَعْدَ العَقْدِ، وهَذِهِ هي حالُ إيقاعِ الطَّلاقِ والعِتْقِ، فَيُرَدُّ المِلْكُ والطَّلاقُ والعَتاقُ مَعًا فَلا يَقَعانِ؛ لِأنَّ الطَّلاقَ والعَتاقَ لا يَقَعانِ إلّا في مِلْكٍ مُسْتَقِرٍّ قَبْلَ ذَلِكَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ القائِلَ: ( إذا تَزَوَّجْتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ وإذا اشْتَرَيْتُكَ فَأنْتَ حُرٌّ ) مَعْلُومٌ مِن فَحَوى كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ بِهِ إيقاعَ الطَّلاقِ بَعْدَ صِحَّةِ النِّكاحِ وإيقاعِ العَتاقِ بَعْدَ صِحَّةِ المِلْكِ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ القائِلِ: ( إذا مَلَكْتُكِ بِالنِّكاحِ أوْ مَلَكْتُكَ بِالشِّرى ) فَلَمّا كانَ المِلْكُ بِالنِّكاحِ والشِّرى في مَضْمُونِ اللَّفْظِ صارَ ذَلِكَ كالنُّطْقِ بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القائِلُ: ( إنِ اشْتَرَيْتُ عَبْدًا فامْرَأتِي طالِقٌ ) فاشْتَرى عَبْدًا لِغَيْرِهِ أنْ لا تُطَلَّقَ امْرَأتُهُ؛ لِأنَّ في مَضْمُونِ لَفْظِهِ المِلْكَ، كَأنَّهُ قالَ: ( إنْ مَلَكْتُ بِالشِّرى ) . قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ (p-٢٣٦)إنَّما المِلْكَ يَتَضَمَّنُ فِيما يُوقِعُ طَلاقَهُ أوْ عِتْقَهُ، فَأمّا في غَيْرِهِما فَهو مَحْمُولٌ عَلى حُكْمِ اللَّفْظِ مِن غَيْرِ تَضْمِينٍ لَهُ بِوُقُوعِ مِلْكٍ ولا غَيْرِهِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ الخَلْوَةَ مُرادَةٌ بِالمَسِيسِ وأنَّ نَفْيَ العِدَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْيِ الخَلْوَةِ والجِماعِ جَمِيعًا، وفِيما قَدَّمْنا ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ إنْ كانَ المُرادُ مَن لَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا فَهو عَلى الوُجُوبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وإنْ كانَ المُرادُ المَدْخُولَ بِها فَهو نَدْبٌ غَيْرُ واجِبٍ.
وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ الآيَةَ، قالَ: ( الَّتِي نُكِحَتْ ولَمْ يُبَيَّنْ لَها ولَمْ يُفْرَضْ لَها فَلَيْسَ لَها صَداقٌ ولَيْسَ عَلَيْها عِدَّةٌ ) .
وقالَ قَتادَةُ عَنْ سَعِيدٍ: " هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ في البَقَرَةِ: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] " .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَرِّحُوهُنَّ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ إخْراجَها مِن بَيْتِهِ أوْ مِن حِبالِهِ؛ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ بَعْدَ الطَّلاقِ، فالأظْهَرُ أنَّ هَذا التَّسْرِيحَ لَيْسَ بِطَلاقٍ ولَكِنَّهُ بَيانُ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها وأنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيَتَها مِن يَدِهِ وحِبالِهِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الأحزاب 33:50
بابُ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ مِنَ النِّساءِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ الآيَةَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ انْتَظَمَتِ الآيَةُ ضُرُوبَ النِّكاحِ الَّذِي أباحَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ، فَمِنها قَوْلُهُ: ﴿اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ يَعْنِي: مَن تَزَوَّجَ مِنهُنَّ بِمَهْرٍ مُسَمًّى وأعْطاهُنَّ.
ومِنها: ما مَلَكَتِ اليَمِينُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ مِثْلُ رَيْحانَةَ وصَفِيَّةَ وجُوَيْرِيَةَ ثُمَّ أعْتَقَهُما وتَزَوَّجَهُما، وذَلِكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَنِيمَةِ. وذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ ما أحَلَّ لَهُ مِن أقارِبِهِ فَقالَ: ﴿وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ما أحَلَّ لَهُ مِنَ النِّساءِ بِغَيْرِ مَهْرٍ فَقالَ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ وأخْبَرَ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ وأنَّهُ وأُمَّتَهُ سَواءٌ فِيمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُنَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قالَ أبُو يُوسُفَ: لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ اللّاتِي لَمْ يُهاجِرْنَ كُنَّ مُحَرَّماتٍ عَلَيْهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرى أنَّ المَخْصُوصَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَداهُ بِخِلافِهِ.
ورَوى داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي مُوسى عَنْ زِيادٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قُلْتَ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ هَلَكَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أكانَ لَهُ أنْ يَنْكِحَ ؟ قالَ: ( وما (p-٢٣٧)يَمْنَعُهُ ؟ أحَلَّ اللَّهُ لَهُ ضُرُوبًا مِنَ النِّساءِ فَكانَ يَتَزَوَّجُ مِنهُنَّ ما شاءَ ) ثُمَّ تَلا: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ الآيَةَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعالى لِلْمَذْكُوراتِ بِالإباحَةِ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ حَظْرَ مَن سِواهُنَّ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُنَّ لَوْ هَلَكْنَ لَكانَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ هانِئٍ خِلافُ ذَلِكَ، رَوى إسْرائِيلُ عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: «خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاعْتَذَرْتُ إلَيْهِ بِعُذْرٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قالَتْ: فَلَمْ أكُنْ أحِلُّ لَهُ؛ لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ، كُنْتُ مَعَ الطُّلَقاءِ» .
فَإنْ صَحَّ هَذا الحَدِيثُ فَإنَّ مَذْهَبَ أُمِّ هانِئٍ أنَّ تَخْصِيصَهُ لِلْمُهاجِراتِ مِنهُنَّ قَدْ أوْجَبَ حَظْرَ مَن لَمْ تُهاجِرْ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ قَدْ عَلِمَتْ حَظْرَهُنَّ بِغَيْرِ دَلالَةِ الآيَةِ وأنَّ الآيَةَ إنَّما فِيها إباحَةُ مَن هاجَرَتْ مِنهُنَّ ولَمْ تَعْرِضْ لِمَن لَمْ تُهاجِرْ بِحَظْرٍ ولا إباحَةٍ إلّا أنَّها قَدْ عَلِمَتْ مِن جِهَةٍ أُخْرى حَظْرَهُنَّ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ؛ فِيها نَصٌّ عَلى إباحَةِ عَقْدِ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ . واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في عَقْدِ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: ( يَصِحُّ النِّكاحُ بِلَفْظِ الهِبَةِ ولَها ما سَمّى لَها، وإنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَلَها مَهْرُ مِثْلِها ) . وذَكَرَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ قالَ: ( الهِبَةُ لا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وإنْ كانَتْ هِبَتُهُ إيّاها لَيْسَتْ عَلى نِكاحٍ، وإنَّما وهَبَها لَهُ لِيُحْصِنَها أوْ لَيَكْفِيَها، فَلا أرى بِذَلِكَ بَأْسًا ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: ( لا يَصِحُّ النِّكاحُ بِلَفْظِ الهِبَةِ ) .
وقَدْ تَنازَعَ أهْلُ العِلْمِ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قائِلُونَ: " كانَ عَقْدُ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ مَخْصُوصًا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعالى في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ " وقالَ آخَرُونَ: ( بَلْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ وأُمَّتُهُ في عَقْدِ النِّكاحِ بِلَفْظِ الهِبَةِ سَواءً، وإنَّما خُصُوصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ كانَتْ في جَوازِ اسْتِباحَةِ البُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ )؛ وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وهَذا هو الصَّحِيحُ لِدَلالَةِ الآيَةِ والأُصُولِ عَلَيْهِ.
فَأمّا دَلالَةُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَلَمّا أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ كانَ خالِصًا لَهُ دُونَ المُؤْمِنِينَ مَعَ إضافَةِ لَفْظِ الهِبَةِ إلى المَرْأةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ما خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِن ذَلِكَ إنَّما هو اسْتِباحَةُ البُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ اللَّفْظَ لَما شارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ ما كانَ مَخْصُوصًا بِهِ وخالِصًا لَهُ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ تَقَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ (p-٢٣٨)غَيْرِهِ فِيهِ شَرِكَةٌ حَتّى يُساوِيَهُ فِيهِ؛ إذْ كانَتْ مُساواتُهُما في الشَّرِكَةِ تُزِيلُ مَعْنى الخُلُوصِ والتَّخْصِيصِ، فَلَمّا أضافَ لَفْظَ الهِبَةِ إلى المَرْأةِ فَقالَ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ فَأجازَ العَقْدَ مِنها بِلَفْظِ الهِبَةِ عَلِمْنا أنَّ التَّخْصِيصَ لَمْ يَقَعْ في اللَّفْظِ وإنَّما كانَ في المَهْرِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ شارَكَهُ في جَوازِ تَمْلِيكِ البُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ خُلُوصَها لَهُ، فَكَذَلِكَ في لَفْظِ العَقْدِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ أنَّها خالِصَةٌ لَهُ، وإنَّما جُعِلَ الخُلُوصُ فِيما هو لَهُ، وإسْقاطُ المَرْأةِ المَهْرَ في العَقْدِ لَيْسَ هو لَها ولَكِنَّهُ عَلَيْها، فَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ ما جُعِلَ لَهُ خالِصًا لَمْ تُشْرِكْهُ فِيهِ المَرْأةُ ولا غَيْرَهُ.
والوَجْهُ الثّانِي مِن دَلالَةِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ فَسَمّى العَقْدَ بِلَفْظِ الهِبَةِ نِكاحًا، فَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ لِكُلِّ أحَدٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] وأيْضًا لَمّا جازَ هَذا العَقْدُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وقَدْ أُمِرْنا بِاتِّباعِهِ والِاقْتِداءِ بِهِ، وجَبَ أنْ يَجُوزَ لَنا فِعْلُ مِثْلِهِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ كانَ مَخْصُوصًا بِاللَّفْظِ دُونَ أُمَّتِهِ، وقَدْ حَصَلَ لَهُ مَعْنى الخُلُوصِ المَذْكُورِ في الآيَةِ مِن جِهَةِ إسْقاطِ المَهْرِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ وما عَداهُ فَغَيْرُ مَحْمُولٍ عَلى حُكْمِهِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ خُصُوصِيَّةَ النَّبِيِّ ﷺ كانَتْ في الصَّداقِ ما حَدَّثَنا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ: " أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ النِّساءَ اللّاتِي وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَتْ: ألا تَسْتَحْيِي أنْ تَعْرِضَ نَفْسَها بِغَيْرِ صَداقٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أرى رَبَّكَ يُسارِعُ في هَواكَ. " ويَدُلُّ عَلى جَوازِهِ بِلَفْظِ الهِبَةِ ما حُدِّثْنا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصّائِغِ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ امْرَأةً جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتَ لِأهَبَ نَفْسِي لَكَ فَنَظَرَ إلَيْها فَصَعَّدَ البَصَرَ وصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأ رَأْسَهُ، فَقامَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحابَةِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ لَمْ تَكُ لَكَ بِها حاجَةٌ فَزَوِّجْنِيها وذَكَرَ الحَدِيثَ، إلى قَوْلِهِ: فَقالَ: مَعِي سُورَةُ كَذا وسُورَةُ كَذا، فَقالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» . فَفي هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ عَقَدَ لَهُ النِّكاحَ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، والهِبَةُ مِن ألْفاظِ التَّمْلِيكِ، فَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ بِها عَقْدُ النِّكاحِ؛ ولِأنَّهُ إذا ثَبَتَ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ بِالسُّنَّةِ ثَبَتَ بِلَفْظِ الهِبَةِ؛ إذْ لَمْ (p-٢٣٩)يُفَرِّقْ أحَدٌ بَيْنَهُما.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: ( قَدْ زَوَّجْتُكَ بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ ) . قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَكَرَ مَرَّةً التَّزْوِيجَ ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَ التَّمْلِيكِ لِيُبَيِّنَ أنَّهُما سَواءٌ في جَوازِ عَقْدِ النِّكاحِ بِهِما. وأيْضًا لَمّا أشْبَهَ عَقْدُ النِّكاحِ عُقُودَ التَّمْلِيكاتِ في إطْلاقِهِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الوَقْتِ وكانَ التَّوْقِيتُ يُفْسِدُهُ، وجَبَ أنْ يَجُوزَ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ والهِبَةِ كَجَوازِ سائِرِ الأشْياءِ المَمْلُوكَةِ؛ وهَذا أصْلٌ في جَوازِ سائِرِ ألْفاظِ التَّمْلِيكِ. ولا يَجُوزُ بِلَفْظِ الإباحَةِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ أصْلًا آخَرَ يَمْنَعُ جَوازَهُ وهو المُتْعَةُ الَّتِي حَرَّمَها النَّبِيُّ ﷺ ومَعْنى المُتْعَةِ إباحَةُ التَّمَتُّعِ بِها، فَكُلُّ ما كانَ مِن ألْفاظِ الإباحَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ عَقْدُ النِّكاحِ قِياسًا عَلى المُتْعَةِ، وكُلُّ ما كانَ مِن ألْفاظِ التَّمْلِيكِ يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكاحُ قِياسًا عَلى سائِرِ عُقُودِ التَّمْلِيكاتِ لِشَبَهِهِ بِها مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ وعِكْرِمَةَ: ( أنَّها مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ ) . وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ: ( هي أُمُّ شَرِيكٍ الدَّوْسِيَّةُ ) . وعَنِ الشَّعْبِيِّ: ( أنَّها امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ ) . وقِيلَ: ( إنَّها زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيَّةُ ) .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: " فَرَضَ أنْ لا يَنْكِحَ امْرَأةً إلّا بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْنِ وصَداقٍ، ولا يَنْكِحُ الرَّجُلُ إلّا أرْبَعًا. " وقالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( أرْبَعٌ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَوْلُهُ: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ يَعْنِي ما أباحَ لَهم بِمَلْكِ اليَمِينِ كَما أباحَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وقَوْلُهُ: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ يَرْجِعُ واللَّهُ أعْلَمُ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ وما ذَكَرَهُ بَعْدَهُ فِيما أباحَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِئَلّا يُضَيِّقَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الحَرَجَ الضِّيقُ، فَأخْبَرَ تَعالى بِتَوْسِعَتِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فِيما أباحَهُ لَهُ وعَلى المُؤْمِنِينَ فِيما أطْلَقَهُ لَهم.
الأحزاب 33:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ أبِي رَزِينٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ المُرْجاتُ مَيْمُونَةُ وسَوْدَةُ وصَفِيَّةُ وجُوَيْرِيَةُ وأُمُّ حَبِيبَةَ وكانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ وزَيْنَبُ سَواءً في القَسْمِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُساوِي بَيْنَهُنَّ.
وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ قالَ: ( كانَ ذَلِكَ حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَهُنَّ )، قالَ الزُّهْرِيُّ: ( وما عَلِمْنا رَسُولَ اللَّهِ أرْجى مِنهُنَّ أحَدًا، ولَقَدْ آواهُنَّ كُلَّهُنَّ حَتّى ماتَ ﷺ ) . قالَ مَعْمَرٌ: وقالَ قَتادَةُ: ( جَعَلَهُ اللَّهُ في حِلٍّ أنْ يَدَعَ مَن شاءَ مِنهُنَّ ويُؤْوِيَ إلَيْهِ مَن شاءَ، يَعْنِي قَسْمًا؛ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ )، (p-٢٤٠)قالَ مَعْمَرُ: وأخْبَرَنا مَن سَمِعَ الحَسَنَ يَقُولُ: " كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا خَطَبَ امْرَأةً فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخْطُبَها حَتّى يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ يَدَعَها، فَفي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ورَوى زَكَرِيّا عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ قالَ " نِساءٌ كُنَّ وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرْجى بَعْضَهُنَّ ودَخَلَ بِبَعْضٍ مِنهُنَّ أُمُّ شَرِيكٍ لَمْ يَتَزَوَّجْ بَعْدَهُ " . وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ قالَ: ( تُرْجِيهِنَّ مِن غَيْرِ طَلاقٍ ولا تَأْتِيهِنَّ ) .
ورَوى عاصِمٌ الأحْوَلُ عَنْ مُعاذَةَ العَدَوِيَّةِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَأْذِنُنا في يَوْمِ إحْدانا بَعْدَما أُنْزِلَ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ فَقالَتْ لَها مُعاذَةُ: فَما كُنْتَ تَقُولِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا اسْتَأْذَنَ ؟ قالَتْ: كُنْتَ أقُولُ: إنْ كانَ ذَلِكَ إلَيَّ لَمْ أُوثِرْ عَلى نَفْسِي أحَدًا» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَخْصِيصَ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بِإخْراجِها مِنَ القَسْمِ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الخِطْمِيِّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ»؛ قالَ أبُو داوُدَ: يَعْنِي القَلْبَ.
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ أبِي الزِّنادِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قالَتْ عائِشَةُ: يا ابْنَ أُخْتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُفَضِّلُ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ في القَسْمِ مِن مُكْثِهِ عِنْدَها، وكانَ قَلَّ يَوْمٌ إلّا وهو يَطُوفُ عَلَيْنا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِن كُلِّ امْرَأةٍ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ حَتّى يَبْلُغَ إلى الَّتِي هو يَوْمُها فَيَبِيتُ عِنْدَها؛ ولَقَدْ قالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أسَنَّتْ وفَرِقَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمِي لِعائِشَةَ فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها» قالَتْ: نَقُولُ في ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وفي أشْباهِها، أراهُ قالَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨] ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَأْذَنَ نِساءَهُ في مَرَضِهِ أنْ يَكُونَ عِنْدَ عائِشَةَ، فَأذِنَّ لَهُ» . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ يَقْسِمُ لِجَمِيعِهِنَّ، وهو أصَحُّ مِن حَدِيثِ أبِي رَزِينٍ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ أنَّهُ أرْجى جَماعَةً مِن نِسائِهِ ثُمَّ لَمْ يَقْسِمْ لَهُنَّ وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَخْيِيرَ النَّبِيِّ ﷺ في إرْجاءِ مَن شاءَ مِنهُنَّ وإيواءِ مَن شاءَ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَخْتارَ إيواءَ الجَمِيعِ إلّا سَوْدَةَ فَإنَّها رَضِيَتْ بِأنْ تَجْعَلَ يَوْمَها لِعائِشَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ: في إيواءِ مَن أرْجى مِنهُنَّ، أباحَ لَهُ بِذَلِكَ أنْ يَعْتَزِلَ مَن شاءَ مِنهُنَّ ويُؤْوِيَ مَن شاءَ، وأنْ يُؤْوِيَ مِنهُنَّ مَن شاءَ بَعْدَ الِاعْتِزالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٤١)﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ: إذا عَلِمْنَ بَعْدَ الإرْجاءِ أنَّ لَكَ أنْ تُؤْوِيَ وتَرُدَّ إلى القَسْمِ. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَسْمَ بَيْنَهُنَّ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأنَّهُ كانَ مُخَيَّرًا في القَسْمِ لِمَن شاءَ مِنهُنَّ وتَرْكِ مَن شاءَ مِنهُنَّ.
الأحزاب 33:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ رَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ( يَعْنِي مِن بَعْدِ ما سُمِّيَ لَكَ مِن مُسْلِمَةٍ ولا يَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ ولا كافِرَةٍ ) . وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ قالَ: ( لا بَأْسَ أنْ تَتَسَرّى اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ ) .
ورَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ قالَ: ( لَمّا خَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ قَصَرَهُ عَلَيْهِنَّ، وهُنَّ التِّسْعُ اللّاتِي اخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ )؛ وهو قَوْلُ الحَسَنِ. ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهو ما رَوى إسْرائِيلُ عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ قالَ: ( ذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهُنَّ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَسْتَبْدِلَ ) قالَ: ( وكانَ يَنْكِحُ ما شاءَ بَعْدَ ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ) . قالَ: ( فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وعِنْدَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ وجُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الحارِثِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ ظاهِرُ الآيَةِ يُفِيدُ تَحْرِيمَ سائِرِ النِّساءِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ سِوى مَن كُنَّ تَحْتَهُ وقْتَ نُزُولِها؛ وقَدْ رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى حَلَّ لَهُ النِّساءُ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَنسُوخَةً، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يُوجِبُ نَسْخَها، فَهي إذًا مَنسُوخَةٌ بِالسُّنَّةِ؛ ويُحْتَجُّ بِهِ في جَوازِ نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ خَبَرٌ والخَبَرُ لا يَجُوزُ النَّسْخُ في مُخْبِرِهِ. قِيلَ لَهُ: إنَّهُ وإنْ كانَ في صُورَةِ الخَبَرِ فَهو نَهْيٌ يَجُوزُ وُرُودُ النَّسْخِ عَلَيْهِ، وهو بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قالَ: لا تَتَزَوَّجْ بَعْدَهُنَّ النِّساءَ، فَيَجُوزُ نَسْخُهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ يَدُلُّ عَلى جَوازِ النَّظَرِ إلى وجْهِ المَرْأةِ الأجْنَبِيَّةِ، إذْ لا يُعْجِبُهُ حُسْنُها إلّا وقَدْ نَظَرَ إلَيْها
الأحزاب 33:53
بابُ ذِكْرِ حِجابِ النِّساءِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ . حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أبِي عُثْمانَ واسْمُهُ الجَعْدُ بْنُ دِينارٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ أهْدَتْ إلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا في تَوْرٍ مِن حِجارَةٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اذْهَبْ فادْعُ مَن (p-٢٤٢)لَقِيتَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَدَعَوْتُ لَهُ مَن لَقِيتُ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ فَيَأْكُلُونَ ويَخْرُجُونَ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلى الطَّعامِ فَدَعا فِيهِ وقالَ فِيهِ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ، ولَمْ أدَعْ أحَدًا لَقِيتُهُ إلّا دَعَوْتُهُ، فَأكَلُوا حَتّى شَبِعُوا وخَرَجُوا، وبَقِيَ طائِفَةٌ مِنهم فَأطالُوا عَلَيْهِ الحَدِيثَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقُلُوبِهِنَّ﴾» .
ورَوى بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أنَسٍ، ذَكَرَ حَدِيثَ «بِناءِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبِ ووَلِيمَتَهُ: فَلَمّا طَعِمَ القَوْمُ، وكانَ مِمّا يَفْعَلُ إذا أصْبَحَ لَيْلَةَ بِنائِهِ دَنا مِن حُجَرِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ وسَلَّمْنَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُنَّ ودَعَوْنَ لَهُ، فَلَمّا انْصَرَفَ وأنا مَعَهُ إلى بَيْتِهِ بَصُرَ بِرَجُلَيْنِ قَدْ جَرى بَيْنَهُما الحَدِيثُ مِن ناحِيَةِ البَيْتِ، فانْصَرَفَ عَنْ بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأى الرَّجُلانِ انْصِرافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْتِهِ وثَبا خارِجَيْنِ، فَأُخْبِرَ أنَّهُما قَدْ خَرَجا، فَرَجَعَ حَتّى دَخَلَ بَيْتَهُ فَأرْخى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ وأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجابِ». ورَوى حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أسْلَمَ العَلَوِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ جِئْتُ لِأدْخُلَ كَما كُنْتُ أدْخُلُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وراءَكَ يا أنَسُ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: فانْتَظَمَتِ الآيَةُ أحْكامًا، مِنها النَّهْيُ عَنْ دُخُولِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا بِإذْنٍ وأنَّهم إذا أُذِنَ لَهم لا يَقْعُدُونَ انْتِظارًا لِبُلُوغِ الطَّعامِ ونُضْجِهِ، وإذا أكَلُوا لا يَقْعُدُونَ لِلْحَدِيثِ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ قالَ: ( مُتَحَيِّنِينَ حِينَ نُضْجِهِ ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ بَعْدَ أنْ يَأْكُلُوا ) . وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ قالَ: ( نُضْجَهُ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ حَظْرَ رُؤْيَةِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيَّنَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ أطْهَرُ لِقُلُوبِهِمْ وقُلُوبِهِنَّ؛ لِأنَّ نَظَرَ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ رُبَّما حَدَثَ عَنْهُ المَيْلُ والشَّهْوَةُ، فَقَطَعَ اللَّهُ بِالحِجابِ الَّذِي أوْجَبَهُ هَذا السَّبَبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي بِما بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن إيجابِ الِاسْتِئْذانِ وتَرْكِ الإطالَةِ لِلْحَدِيثِ عِنْدَهُ والحِجابِ بَيْنَهم وبَيْنَ نِسائِهِ. وهَذا الحُكْمُ وإنْ نَزَلَ خاصًّا في النَّبِيِّ ﷺ وأزْواجِهِ فالمَعْنى عامٌّ فِيهِ وفي غَيْرِهِ؛ إذْ كُنّا مَأْمُورِينَ بِاتِّباعِهِ والِاقْتِداءِ بِهِ إلّا ما خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ أُمَّتِهِ. وقَدْ رَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ: لَوْ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ لَتَزَوَّجْتُ عائِشَةَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: ما ذَكَرَهُ قَتادَةُ هو أحَدُ ما انْتَظَمَتْهُ الآيَةُ؛ ورَوى عِيسى بْنُ يُونُسَ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ لِامْرَأتِهِ: إنْ سَرَّكِ أنْ تَكُونِي زَوْجَتِي في الجَنَّةِ إنْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَنا فِيها فَلا تَزَوَّجِي بَعْدِي فَإنَّ (p-٢٤٣)المَرْأةَ لِآخِرِ أزْواجِها؛ ولِذَلِكَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَهُ.
ورَوى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سَألَتَ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ: المَرْأةُ مِنّا يَكُونُ لَها زَوْجانِ فَتَمُوتُ فَتَدْخُلُ الجَنَّةَ هي وزَوْجُها لِأيِّهِما تَكُونُ ؟ قالَ: يا أُمَّ حَبِيبَةَ لِأحْسَنِهِما خُلُقًا كانَ مَعَها في الدُّنْيا فَتَكُونُ زَوْجَتَهُ في الجَنَّةِ. يا أُمَّ حَبِيبَةَ ذَهَبَ حُسْنُ الخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] الآيَةَ. قالَ قَتادَةُ " رَخَّصَ لِهَؤُلاءِ أنْ لا يَجْتَنِبْنَ مِنهم " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ذَكَرَ ذَوِي المَحارِمِ مِنهُنَّ وذَكَرَ نِساءَهُنَّ، والمَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ: الحَرائِرُ، ﴿ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] يَعْنِي الإماءَ؛ لِأنَّ العَبْدَ والحُرَّ لا يَخْتَلِفانِ فِيما يُباحُ لَهم مِنَ النَّظَرِ إلى النِّساءِ.
الأحزاب 33:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ هي الرَّحْمَةُ ومِنَ العِبادِ الدُّعاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ورُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ قالَ: ( صَلاةُ اللَّهِ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلائِكَةِ وصَلاةُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ بِالدُّعاءِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ إخْبارَ اللَّهِ المَلائِكَةَ بِرَحْمَتِهِ لَنَبِيِّهِ ﷺ وتَمامِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ صَلاتُهُ عِنْدَ المَلائِكَةِ.
ورُوِيَ عَنْ الحَسَنِ: هو الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ، أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلْ يُصَلِّي رَبُّكَ ؟ فَكَأنَّ ذَلِكَ كَبُرَ في صَدْرِهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ أخْبِرْهم أنِّي أُصَلِّي وأنَّ صَلاتِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي.
وقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ الأمْرَ بِالصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، وهو فَرْضٌ عِنْدَنا فَمَتى فَعَلَها الإنْسانُ مَرَّةً واحِدَةً في صَلاةٍ أوْ غَيْرِ صَلاةٍ فَقَدْ أدّى فَرْضَهُ، وهو مِثْلُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ والتَّصْدِيقِ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَتى فَعَلَهُ الإنْسانُ مَرَّةً واحِدَةً في عُمْرِهِ فَقَدْ أدّى فَرْضَهُ. وزَعَمَ الشّافِعِيُّ أنَّ الصَّلاةَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَرْضٌ في الصَّلاةِ؛ وهَذا قَوْلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ فِيما نَعْلَمُهُ، وهو خِلافُ الآثارِ الوارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِفَرْضِها في الصَّلاةِ، مِنها حَدِيثُ «ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فَقالَ: إذا فَعَلْتَ هَذا أوْ قُلْتَ هَذا فَقَدْ تَمَّتْ صَلاتُكَ فَإنْ شِئْتَ أنْ تَقُومَ فَقُمْ وقَوْلُهُ: ثُمَّ اخْتَرْ مِن أطْيَبِ الكَلامِ ما شِئْتَ» وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ مِن آخِرِ سَجْدَةٍ وقَعَدَ فَأحْدَثَ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلاتُهُ؛» وحَدِيثُ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ صَلاتَنا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيها شَيْءٌ مِن كَلامِ النّاسِ إنَّما هي التَّسْبِيحُ والتَّهْلِيلُ وقِراءَةُ القُرْآنِ»، ولَمْ يَذْكُرِ الصَّلاةَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ . وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحاوِيِّ.
* *
(p-٢٤٤)وقَوْلُهُ: ﴿وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ يَحْتَجُّ بِهِ أصْحابُ الشّافِعِيِّ في إيجابِ فَرْضِ السَّلامِ في آخِرِ الصَّلاةِ. ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرُوا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الصَّلاةَ، فَهو عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا في الصَّلاةِ عَلَيْهِ. ويَحْتَجُّونَ بِهِ أيْضًا في فَرْضِ التَّشَهُّدِ؛ لِأنَّ فِيهِ السَّلامَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ . ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ،؛ إذْ لَمْ يَذْكُرِ السَّلامَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ تَأْكِيدَ الفَرْضِ في الصَّلاةِ عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِهِمْ لِأمْرِ اللَّهِ إيّاهم بِها كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ اسْمَهُ وذَكَرَ نَبِيَّهُ ﷺ فَأفْرَدَ نَفْسَهُ بِالذِّكْرِ ولَمْ يَجْمَعِ الِاسْمَيْنِ تَحْتَ كِنايَةٍ واحِدَةٍ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] ولَمْ يَقُلْ تُرْضُوهُما؛ لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ واسْمَ غَيْرِهِ لا يَجْتَمِعانِ في كِنايَةٍ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ خَطَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: قُمْ فَبِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْتَ» لِقَوْلِهِ: ومَن يَعْصِهِما.
فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ فَجَمَعَ اسْمَهُ واسْمَ مَلائِكَتِهِ في الضَّمِيرِ. قِيلَ لَهُ: إنَّما أنْكَرْنا جَمْعَهُما في كِنايَةٍ يَكُونُ اسْمًا لَهُما نَحْوُ الهاءِ الَّتِي هي كِنايَةٌ عَنِ الِاسْمِ، فَأمّا الفِعْلُ الَّذِي لَيْسَ بِاسْمٍ ولا كِنايَةٍ عَنْهُ وإنَّما فِيهِ الضَّمِيرُ فَلا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِيهِ؛ وقَدْ قِيلَ أيْضًا في هَذا المَوْضِعِ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُصَلُّونَ﴾ ضَمِيرُ المَلائِكَةِ دُونَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وصَلاةُ اللَّهِ عَلى النَّبِيِّ مَفْهُومَةٌ مِنَ الآيَةِ مِن جِهَةِ المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] رَدَّ الكِنايَةَ إلى التِّجارَةِ دُونَ اللَّهْوِ؛ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] المَذْكُورُ في ضَمِيرِ النَّفَقَةِ هو الفِضَّةُ والذَّهَبُ مَفْهُومٌ مِن جِهَةِ المَعْنى
الأحزاب 33:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي: يُؤْذُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ لا يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُ الأذى، فَأطْلَقَ ذَلِكَ مَجازًا؛ لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ كَما قالَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] والمَعْنى: أهْلَ القَرْيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ أرادَ مَن أضْمَرَ ذِكْرَهُ في الآيَةِ الأُولى مِن أوْلِياءِ اللَّهِ، فَأظْهَرَ ذِكْرَهم بَعْدَ الضَّمِيرِ وبَيَّنَ أنَّهُمُ المُرادُونَ بِالضَّمِيرِ وأخْبَرَ عَنِ احْتِمالِهِمُ البُهْتانَ والإثْمَ اللَّذَيْنِ بِهِما يَسْتَحِقُّونَ ما ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى مِنَ اللَّعْنِ والعَذابِ.
الأحزاب 33:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي: يُؤْذُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ لا يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُ الأذى، فَأطْلَقَ ذَلِكَ مَجازًا؛ لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ كَما قالَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] والمَعْنى: أهْلَ القَرْيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ أرادَ مَن أضْمَرَ ذِكْرَهُ في الآيَةِ الأُولى مِن أوْلِياءِ اللَّهِ، فَأظْهَرَ ذِكْرَهم بَعْدَ الضَّمِيرِ وبَيَّنَ أنَّهُمُ المُرادُونَ بِالضَّمِيرِ وأخْبَرَ عَنِ احْتِمالِهِمُ البُهْتانَ والإثْمَ اللَّذَيْنِ بِهِما يَسْتَحِقُّونَ ما ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى مِنَ اللَّعْنِ والعَذابِ.
الأحزاب 33:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ . رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ( الجِلْبابُ الرِّداءُ ) . وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ ( يَتَجَلْبَبْنَ لِيُعْلَمَ أنَّهُنَّ حَرائِرُ ولا يَعْرِضُ لَهُنَّ فاسِقٌ ) .
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ (p-٢٤٥)﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ قالَ: تَقَنَّعَ عُبَيْدَةَ وأخْرَجَ إحْدى عَيْنَيْهِ، وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ الحَسَنِ قالَ: ( كُنَّ إماءً بِالمَدِينَةِ يُقالُ لَهُنَّ: كَذا وكَذا يَخْرُجْنَ فَيَتَعَرَّضُ لَهُنَّ السُّفَهاءُ فَيُؤْذُوهُنَّ، وكانَتِ المَرْأةُ الحُرَّةُ تَخْرُجُ فَيَحْسِبُونَ أنَّها أمَةٌ فَيَتَعَرَّضُونَ لَها فَيُؤْذُونَها، فَأمَرَ اللَّهُ المُؤْمِناتِ أنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ أنَّهُنَّ حَرائِرُ فَلا يُؤْذَيْنَ )
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ( تُغَطِّي الحُرَّةُ إذا خَرَجَتْ جَبِينَها ورَأْسَها خِلافَ حالِ الإماءِ ) وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أبِي خَيْثَمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: ( لَما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ خَرَجَ نِساءٌ مِنَ الأنْصارِ كَأنَّ عَلى رُءُوسِهِنَّ الغِرْبانُ مِن أكْسِيَةٍ سُودٍ يَلْبَسْنَها )
قالَ أبُو بَكْرٍ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَرْأةَ الشّابَّةَ مَأْمُورَةٌ بِسَتْرِ وجْهِها عَنِ الأجْنَبِيِّينَ وإظْهارِ السِّتْرِ والعَفافِ عِنْدَ الخُرُوجِ لِئَلّا يَطْمَعَ أهْلُ الرِّيَبِ فِيهِنَّ.
وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأمَةَ لَيْسَ عَلَيْها سَتْرُ وجْهِها وشَعْرِها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونِساءِ المُؤْمِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ أرادَ الحَرائِرَ، وكَذا رُوِيَ في التَّفْسِيرِ، لِئَلّا يَكُنَّ مِثْلَ الإماءِ اللّاتِي هُنَّ غَيْرُ مَأْمُوراتٍ بِسَتْرِ الرَّأْسِ والوَجْهِ، فَجَعَلَ السِّتْرَ فَرْقًا يُعْرَفُ بِهِ الحَرائِرُ مِنَ الإماءِ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ الإماءَ ويَقُولُ: اكْشِفْنَ رُءُوسَكُنَّ ولا تَشَبَّهْنَ بِالحَرائِرِ
الأحزاب 33:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾ الآيَةَ. حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ: ( أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ أرادُوا أنْ يُظْهِرُوا نِفاقَهم، فَنَزَلَتْ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ لَنُحَرِّشَنَّكَ ) وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ: لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لا يُجاوِرْنَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا، بِالنَّفْيِ عَنْها ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإرْجافَ بِالمُؤْمِنِينَ والإشاعَةَ بِما يَغُمُّهم ويُؤْذِيهِمْ يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّعْزِيرَ والنَّفْيَ إذا أصَرَّ عَلَيْهِ ولَمْ يَنْتَهِ عَنْهُ، وكانَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ وآخَرُونَ مِمَّنْ لا بَصِيرَةَ لَهُ في الدِّينِ وهُمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهو ضَعْفُ اليَقِينِ يُرْجِفُونَ بِاجْتِماعِ الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ وتَعاضُدِهِمْ ومَسِيرِهِمْ إلى المُؤْمِنِينَ فَيُعَظِّمُونَ شَأْنَ الكُفّارِ بِذَلِكَ عِنْدَهم ويُخَوِّفُونَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فِيهِمْ، وأخْبَرَ تَعالى بِاسْتِحْقاقِهِمُ النَّفْيَ والقَتْلَ إذا لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ وهو الطَّرِيقَةُ المَأْمُورُ بِلُزُومِها واتِّباعِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٤٦)﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٢] يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى تَغْيِيرِ سُنَّةِ اللَّهِ وإبْطالِها. آخِرُ سُورَةِ الأحْزابِ.
سبأ 34:13
ومِن سُورَةِ سَبَأٍ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾
رُوِيَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المِنبَرِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ ثُمَّ قالَ: ثَلاثٌ ومَن أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ آلُ داوُدَ: العَدْلُ في الغَضَبِ والرِّضا، والقَصْدُ في الغِنى والفَقْرِ وخَشْيَةُ اللَّهِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَمَلَ التَّصاوِيرِ كانَ مُباحًا، وهو مَحْظُورٌ في شَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِما رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لا يَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» وقالَ: «مَن صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُحْيِيَها وإلّا فالنّارُ» وقالَ: «لَعَنَ اللَّهُ المُصَوِّرِينَ». وقَدْ قِيلَ فِيهِ إنَّ المُرادَ مَن شَبَّهَ اللَّهَ تَعالى بِخَلْقِهِ.
آخِرُ سُورَةِ سَبَأٍ
فاطر 35:10
ومِن سُورَةِ فاطِرٍ
﷽
رَوى عِكْرِمَةُ قالَ: ( ذُكِرَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ يَقْطَعُ الصَّلاةَ الكَلْبُ والحِمارُ، فَقَرَأ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فَما الَّذِي يَقْطَعُ هَذا. ) ورَوى سالِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ( الكَلِمُ الطَّيِّبُ يَرْفَعُهُ العَمَلُ الصّالِحُ )
فاطر 35:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ﴾ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ قالا: ( ما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ مُعَمَّرٍ آخَرَ ) . وقالَ الشَّعْبِيُّ: ﴿ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ لا يَنْقَضِي ما يَنْقَصُ مِنهُ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ وساعَةً بَعْدَ ساعَةٍ )، والعُمُرُ هو مُدَّةُ الأجَلِ الَّتِي كَتَبَها اللَّهُ لِخَلْقِهِ فَهو عالِمٌ بِما يَنْقُصُ مِنها بِمُضِيِّ الأوْقاتِ والأزْمانِ.
فاطر 35:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ الحِلْيَةُ هَهُنا اللُّؤْلُؤُ وما يُتَحَلّى بِهِ مِمّا يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ.
واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في المَرْأةِ تَحْلِفُ أنْ لا تَلْبَسَ حُلِيًّا، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ( اللُّؤْلُؤُ وحْدَهُ لَيْسَ بِحُلِيٍّ إلّا أنْ يَكُونَ مَعَهُ ذَهَبٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ﴾ [الرعد: ١٧] وهَذا في الذَّهَبِ دُونَ اللُّؤْلُؤِ؛ إذْ لا تُوقَدُ عَلَيْهِ ) .
وقَوْلُهُ ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ إنَّما سَمّاهُ حِلْيَةً في حالِ اللُّبْسِ، وهو لا يُلْبَسُ وحْدَهُ في العادَةِ إنَّما يُلْبَسُ مَعَ الذَّهَبِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الحِلْيَةِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ لا يُوجِبُ حَمْلَ اليَمِينِ عَلَيْهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وأرادَ بِهِ السَّمَكَ؛ ولَوْ حَلَفَ أنْ لا يَأْكُلَ لَحْمًا فَأكَلَ سَمَكًا لَمْ يَحْنَثْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] ومَن حَلَفَ لا يَقْعُدُ في سِراجٍ وقَعَدَ في الشَّمْسِ لا يَحْنَثُ.
فاطر 35:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ فِيهِ الإبانَةُ عَنْ فَضِيلَةِ العِلْمِ وأنَّ بِهِ يُتَوَصَّلُ إلى خَشْيَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ؛ لِأنَّ (p-٢٤٧)مَن عَرَفَ تَوْحِيدَ اللَّهِ وعَدْلَهُ بِدَلائِلِهِ أوْصَلَهُ ذَلِكَ إلى خَشْيَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ؛ إذْ كانَ مَن لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يَعْرِفُ عَدْلَهُ وما قَصَدَ لَهُ بِخَلْقِهِ لا يَخْشى عِقابَهُ ولا يَتَّقِيهِ؛ وقَوْلُهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] فَأخْبَرَ أنَّ خَيْرَ البَرِّيَّةِ مَن خَشِيَ رَبَّهُ، وأخْبَرَ في الآيَةِ أنَّ العُلَماءَ بِاللَّهِ هُمُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَهُ، فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ أنَّ أهْلَ العِلْمِ بِاللَّهِ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ وإنْ كانُوا عَلى طَبَقاتٍ في ذَلِكَ.
ثُمَّ وصَفَ أهْلَ العِلْمِ بِاللَّهِ المَوْصُوفِينَ بِالخَشْيَةِ مِنهُ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ في صِفَةِ الخاشِعِينَ لِلَّهِ العامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ؛ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى المُعْرِضَ عَنْ مُوجِبِ عِلْمِهِ فَقالَ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] إلى آخِرِ القِصَّةِ؛ فَهَذِهِ صِفَةُ العالِمِ غَيْرِ العامِلِ، والأوَّلُ صِفَةُ العالِمِ المُتَّقِي لِلَّهِ.
وأخْبَرَ عَنِ الأوَّلِينَ بِأنَّهم واثِقُونَ بِوَعْدِ اللَّهِ وثَوابِهِ عَلى أعْمالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾
فاطر 35:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ فِيهِ الإبانَةُ عَنْ فَضِيلَةِ العِلْمِ وأنَّ بِهِ يُتَوَصَّلُ إلى خَشْيَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ؛ لِأنَّ (p-٢٤٧)مَن عَرَفَ تَوْحِيدَ اللَّهِ وعَدْلَهُ بِدَلائِلِهِ أوْصَلَهُ ذَلِكَ إلى خَشْيَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ؛ إذْ كانَ مَن لا يَعْرِفُ اللَّهَ ولا يَعْرِفُ عَدْلَهُ وما قَصَدَ لَهُ بِخَلْقِهِ لا يَخْشى عِقابَهُ ولا يَتَّقِيهِ؛ وقَوْلُهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] فَأخْبَرَ أنَّ خَيْرَ البَرِّيَّةِ مَن خَشِيَ رَبَّهُ، وأخْبَرَ في الآيَةِ أنَّ العُلَماءَ بِاللَّهِ هُمُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَهُ، فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ أنَّ أهْلَ العِلْمِ بِاللَّهِ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ وإنْ كانُوا عَلى طَبَقاتٍ في ذَلِكَ.
ثُمَّ وصَفَ أهْلَ العِلْمِ بِاللَّهِ المَوْصُوفِينَ بِالخَشْيَةِ مِنهُ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ في صِفَةِ الخاشِعِينَ لِلَّهِ العامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ؛ وقَدْ ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى المُعْرِضَ عَنْ مُوجِبِ عِلْمِهِ فَقالَ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] إلى آخِرِ القِصَّةِ؛ فَهَذِهِ صِفَةُ العالِمِ غَيْرِ العامِلِ، والأوَّلُ صِفَةُ العالِمِ المُتَّقِي لِلَّهِ.
وأخْبَرَ عَنِ الأوَّلِينَ بِأنَّهم واثِقُونَ بِوَعْدِ اللَّهِ وثَوابِهِ عَلى أعْمالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾
فاطر 35:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ رَوى بَعْضُ السَّلَفِ قالَ: مِن شَأْنِ المُؤْمِنِ الحُزْنُ في الدُّنْيا ألا تَراهم حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يَقُولُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ؟ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ»؛ قِيلَ لِبَعْضِ النُّسّاكِ: ما بالُ أكْثَرِ النُّسّاكِ مُحْتاجِينَ إلى ما في يَدِ غَيْرِهِمْ ؟ قالَ: لِأنَّ الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وهَلْ يَأْكُلُ المَسْجُونُ إلّا مِن يَدِ المُطْلَقِ.
فاطر 35:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٍ أنَّ العُمُرَ الَّذِي ذَكَّرَ اللَّهُ بِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةً وعَنْ عَلِيٍّ: ( سِتُّونَ سَنَةً ) . وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: أخْبَرَنِي رَجُلٌ مِن غِفارٍ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ عَبْدًا أحْياهُ حَتّى بَلَغَ سِتِّينَ أوْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَقَدْ أعْذَرَ (p-٢٤٨)اللَّهُ إلَيْهِ لَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِ». وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أبِي خَيْثَمٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ( العُمُرُ الَّذِي أعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إلى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً ) . وبِإسْنادِهِ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ مِن قَوْلِهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ النَّذِيرَ مُحَمَّدٌ ﷺ ورُوِيَ أنَّهُ الشَّيْبُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ النَّبِيَّ ﷺ وسائِرَ ما أقامَ اللَّهُ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى تَوْحِيدِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ وما يَحْدُثُ في الإنْسانِ مِن حِينِ بُلُوغِهِ إلى آخِرِ عُمُرِهِ مِنَ التَّغَيُّرِ والِانْتِقالِ مِن حالٍ إلى حالٍ مِن غَيْرِ صُنْعٍ لَهُ فِيهِ ولا اخْتِيارٍ مِنهُ لَهُ، فَيَكُونُ حَدَثًا شابًّا ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا، وما يَنْقَلِبُ فِيهِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ مِن مَرَضٍ وصِحَّةٍ وفَقْرٍ وغِناءٍ وفَرَحٍ وحُزْنٍ، ثُمَّ ما يَراهُ في غَيْرِهِ وفي سائِرِ الأشْياءِ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ الَّتِي لا صُنْعَ لِلْمَخْلُوقِينَ فِيها؛ وكُلُّ ذَلِكَ داعٍ لَهُ إلى اللَّهِ ونَذِيرٌ لَهُ إلَيْهِ كَما قالَ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] فَأخْبَرَ أنَّ في جَمِيعِ ما خَلَقَ دَلالَةً عَلَيْهِ ورادًّا لِلْعِبادِ إلَيْهِ. آخِرُ سُورَةِ فاطِرٍ.
يس 36:38
ومِن سُورَةِ يَس
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ وهْبِ بْنِ جابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: ( الشَّمْسُ تَطْلُعُ فَيَراها بَنُو آدَمَ حَتّى إذا كانَ يَوْمُ غَرَبَتْ فَتُحْبَسُ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقالُ: اُطْلُعِي مِن حَيْثُ غَرَبْتِ، فَهو يَوْمُ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها. الآيَةَ ) .
قالَ مَعْمَرٌ: وبَلَغَنِي عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: ( إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي تَطْلُعُ فِيها الشَّمْسُ مِن حَيْثُ تَغْرُبُ قامَ المُتَهَجِّدُونَ لِصَلاتِهِمْ فَصَلَّوْا حَتّى يَمَلُّوا ثُمَّ يَعُودُونَ إلى مَضاجِعِهِمْ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، واللَّيْلُ كَما هو والنُّجُومُ واقِفَةٌ لا تَسْرِي حَتّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ إلى أخِيهِ ويَخْرُجُ النّاسُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَكانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ وُقُوفَها عَنِ السَّيْرِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلى أنْ تَطْلُعَ مِن مَغْرِبِها.
قالَ مَعْمَرٌ: وبَلَغَنِي أنَّ بَيْنَ أوَّلِ الآياتِ وآخِرِها سِتَّةُ أشْهُرٍ، قِيلَ لَهُ: وما الآياتُ ؟ قالَ: زَعَمَ قَتادَةُ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بادِرُوا بِالأعْمالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها والدَّجّالَ والدُّخانَ ودابَّةَ الأرْضِ وخُوَيْصَةَ أحَدِكم وأمْرَ العامَّةِ»؛ قِيلَ لَهُ: هَلْ بَلَغَكَ أيُّ الآياتِ أوَّلُ ؟ قالَ: (p-٢٤٩)طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقَدْ بَلَغَنِي أنَّ رِجالًا يَقُولُونَ: الدَّجّالُ.
وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ عَلى أحَدٍ يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ». ورَوى قَتادَةُ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قالَ: ( لِوَقْتٍ واحِدٍ لَها لا تَعْدُوهُ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أنَّها اسْتَقَرَّتْ عَلى سَيْرٍ واحِدٍ وعَلى مِقْدارٍ واحِدٍ لا تَخْتَلِفُ. وقِيلَ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ لِأبْعَدِ مَنازِلِها في الغُرُوبِ.
يس 36:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ . حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ قالَ: ( ذاكَ لَيْلَةُ الهِلالِ ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ أنَّها لا تُدْرِكُهُ فَتَسْتُرُهُ بِشُعاعِها حَتّى تَمْنَعَ مِن رُؤْيَتِهِ؛ لِأنَّهُما مُسَخَّرانِ مَقْسُورانِ عَلى ما رَتَّبَهُما اللَّهُ عَلَيْهِ لا يُمْكِنُ واحِدًا مِنهُما أنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ ذَلِكَ.
وقالَ أبُو صالِحٍ: ( لا يُدْرِكُ أحَدُهُما ضَوْءَ الآخَرِ ) وقِيلَ: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ حَتّى يَكُونَ نُقْصانُ ضَوْئِها كَنُقْصانِهِ وقِيلَ: ( لا تُدْرِكُهُ في سُرْعَةِ السَّيْرِ ) . وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: وبَلَغَنِي أنَّ عِكْرِمَةَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: وبَلَغَنِي أنَّ عِكْرِمَةَ قالَ: ( لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما سُلْطانٌ، لِلْقَمَرِ سُلْطانُ اللَّيْلِ ولِلشَّمْسِ النَّهارُ، فَلا يَنْبَغِي لِلشَّمْسِ أنْ تَطْلُعَ بِاللَّيْلِ ) ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ يَقُولُ: " لا يَنْبَغِي إذا كانَ اللَّيْلُ أنْ يَكُونَ لَيْلٌ آخَرُ حَتّى يَكُونَ نَهارًا " .
فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ابْتِداءَ الشَّهْرِ نَهارٌ لا لَيْلٌ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ فَإذا لَمْ يَسْبِقِ اللَّيْلُ النَّهارَ واسْتَحالَ اجْتِماعُهُما مَعًا وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهارُ سابِقًا لِلَّيْلِ فَيَكُونُ ابْتِداءً الشُّهُورِ مِنَ النَّهارِ لا مِنَ اللَّيْلِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ تَأْوِيلُ الآيَةِ ما ذَهَبْتَ إلَيْهِ، وإنَّما مَعْناها أحَدُ الوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها عَنِ السَّلَفِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهم: إنَّ مَعْناها أنَّ ابْتِداءَ الشُّهُورِ مِنَ النَّهارِ؛ فَهَذا تَأْوِيلٌ ساقِطٌ بِالإجْماعِ.
وأيْضًا فَلَمّا كانَتْ الشُّهُورُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها أحْكامُ الشَّرْعِ هي شُهُورُ الأهِلَّةِ والهِلالُ أوَّلُ ما يَظْهَرُ فَإنَّما يَظْهَرُ لَيْلًا ولا يَظْهَرُ ابْتِداءَ النَّهارِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ ابْتِداؤُها مِنَ اللَّيْلِ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ هي مِن رَمَضانَ وأنَّ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن شَوّالٍ هي مِن شَوّالٍ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ابْتِداءَ الشُّهُورِ مِنَ اللَّيْلِ ألا تَرى أنَّهم يَبْتَدِءُونَ بِصَلاةِ التَّراوِيحِ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنهُ ؟ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا كانَ أوَّلُ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ صُفِّدَتْ فِيهِ الشَّياطِينُ»، وجَمِيعُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ابْتِداءَ الشُّهُورِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ. وقَدْ قالَ أصْحابُنا (p-٢٥٠)فِيمَن قالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكافُ شَهْرٍ أنَّهُ يَبْتَدِئُ بِهِ مِنَ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ ابْتِداءَ الشُّهُورِ مِنَ اللَّيْلِ.
يس 36:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ . رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ أنَّهُ أرادَ سَفِينَةَ نُوحٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَنَسَبَ الذُّرِّيَّةَ إلى المُخاطَبِينَ؛ لِأنَّهم مِن جِنْسِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ذُرِّيَّةُ النّاسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( السُّفُنُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ ) ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى وعَنْ مُجاهِدٍ: ( أنَّ الإبِلَ سُفُنُ البَرِّ ) .
يس 36:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ . رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ أنَّهُ أرادَ سَفِينَةَ نُوحٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَنَسَبَ الذُّرِّيَّةَ إلى المُخاطَبِينَ؛ لِأنَّهم مِن جِنْسِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ذُرِّيَّةُ النّاسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ( السُّفُنُ بَعْدَ سَفِينَةِ نُوحٍ ) ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى وعَنْ مُجاهِدٍ: ( أنَّ الإبِلَ سُفُنُ البَرِّ ) .
يس 36:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ . قالَ قَتادَةُ: ( نُصَيِّرُهُ إلى حالِ الهَرَمِ الَّتِي تُشْبِهُ حالَ الصَّبِيِّ في غُرُوبِ العِلْمِ وضَعْفِ القُوى ) . وقالَ غَيْرُهُ: ( نُصَيِّرُهُ بَعْدَ القُوَّةِ إلى الضَّعْفِ وبَعْدَ زِيادَةِ الجِسْمِ إلى النُّقْصانِ وبَعْدَ الحِدَّةِ والطَّراوَةِ إلى البِلى ) .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [الحج: ٥] وسَمّاهُ أرْذَلَ العُمُرِ؛ لِأنَّهُ لا يُرْجى لَهُ بَعْدَهُ عَوْدٌ مِنَ النُّقْصانِ إلى الزِّيادَةِ ومِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ كَما يُرْجى مَصِيرُ الصَّبِيِّ مِنَ الضَّعْفِ إلى القُوَّةِ ومِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]
يس 36:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ عائِشَةَ سُئِلَتْ: هَلْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ ؟ فَقالَتْ: لا، إلّا بِبَيْتِ أخِي بَنِي قَيْسِ بْنِ طَرَفَةَ:
؎سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ويَأْتِيكَ بِالأخْبارِ مَن لَمْ تُزَوَّدْ
قالَ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «يَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ هَكَذا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: إنِّي لَسْتُ بِشاعِرٍ ولا يَنْبَغِي لِي» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يُعْطِ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ العِلْمَ بِإنْشاءِ الشِّعْرِ، لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلَّمَهُ الشِّعْرَ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُعْطِي فِطْنَةَ ذَلِكَ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وإنَّما لَمْ يُعْطَ ذَلِكَ لِئَلّا تَدْخُلَ بِهِ الشُّبْهَةُ عَلى قَوْمٍ فِيما أتى بِهِ مِنَ القُرْآنِ أنَّهُ قَوِيٌّ عَلى ذَلِكَ بِما في طَبْعِهِ مِنَ الفِطْنَةِ لِلشَّعْرِ؛ وإذا كانَ التَّأْوِيلُ أنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ الفِطْنَةَ لِقَوْلِ الشِّعْرِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلى ذَلِكَ أنْ يُنْشِدَ شِعْرًا لِغَيْرِهِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِن وجْهٍ صَحِيحٍ أنَّهُ تَمَثَّلَ بِشَعْرٍ لِغَيْرِهِ، وإنْ كانَ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ:
؎هَلْ أنْتِ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
وقَدْ رُوِيَ أنَّ القائِلَ لِذَلِكَ بَعْضُ الصَّحابَةِ.
وأيْضًا فَإنَّ مَن أنْشَدَ شِعْرًا لِغَيْرِهِ أوْ قالَ بَيْتًا أوْ بَيْتَيْنِ لَمْ يُسَمَّ شاعِرًا ولا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ الشِّعْرَ أوْ قَدْ تَعَلَّمَهُ، ألا تَرى أنَّ مَن (p-٢٥١)لا يُحْسِنُ الرَّمْيَ قَدْ يُصِيبُ في بَعْضِ الأوْقاتِ بِرَمْيَتِهِ ولا يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ أنْ يُسَمّى رامِيًا ولا أنَّهُ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ؟ فَكَذَلِكَ مَن أنْشَدَ شَعْرًا لِغَيْرِهِ وأنْشَأ بَيْتًا ونَحْوَهُ لَمْ يُسَمَّ شاعِرًا.
يس 36:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِيهِ مِن أوْضَحِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ كانَ أقْدَرَ عَلى الإعادَةِ؛ إذْ كانَ في ظاهِرِ الأمْرِ أنَّ إعادَةَ الشَّيْءِ أيْسَرُ مِنَ ابْتِدائِهِ، فَمَن قَدَرَ عَلى الإنْشاءِ ابْتِداءً فَهو عَلى الإعادَةِ أقْدَرُ فِيما يَجُوزُ عَلَيْهِ البَقاءُ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى وُجُوبِ القِياسِ والِاعْتِبارِ؛ لِأنَّهُ ألْزَمَهم قِياسَ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى.
ورُبَّما احْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ عَلى أنَّ العَظْمَ فِيهِ حَياةٌ فَيَجْعَلُهُ حُكْمَ المَوْتَ بِمَوْتِ الأصْلِ ويَكُونُ مَيْتَةً.
ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنَّما سَمّاهُ حَيًّا مَجازًا؛ إذْ كانَ عُضْوًا يَحْيى كَما قالَ تَعالى: ﴿يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا حَياةَ فِيها.
آخِرُ سُورَةِ يَس
يس 36:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِيهِ مِن أوْضَحِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ كانَ أقْدَرَ عَلى الإعادَةِ؛ إذْ كانَ في ظاهِرِ الأمْرِ أنَّ إعادَةَ الشَّيْءِ أيْسَرُ مِنَ ابْتِدائِهِ، فَمَن قَدَرَ عَلى الإنْشاءِ ابْتِداءً فَهو عَلى الإعادَةِ أقْدَرُ فِيما يَجُوزُ عَلَيْهِ البَقاءُ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى وُجُوبِ القِياسِ والِاعْتِبارِ؛ لِأنَّهُ ألْزَمَهم قِياسَ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى.
ورُبَّما احْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ عَلى أنَّ العَظْمَ فِيهِ حَياةٌ فَيَجْعَلُهُ حُكْمَ المَوْتَ بِمَوْتِ الأصْلِ ويَكُونُ مَيْتَةً.
ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إنَّما سَمّاهُ حَيًّا مَجازًا؛ إذْ كانَ عُضْوًا يَحْيى كَما قالَ تَعالى: ﴿يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا حَياةَ فِيها.
آخِرُ سُورَةِ يَس
الصافات 37:102
ومِن سُورَةِ والصّافّاتِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِذَبْحِهِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الأمْرُ إنَّما تَضَمَّنَ مُعالَجَةَ الذَّبْحِ لا ذَبْحًا يُوجِبُ المَوْتَ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الأمْرُ حَصَلَ عَلى شَرِيطَةِ التَّخْلِيَةِ والتَّمْكِينِ مِنهُ وعَلى أنْ لا يَفْدِيَهُ بِشَيْءٍ وأنَّهُ إنْ فَدى مِنهُ بِشَيْءٍ قائِمًا مَقامَهُ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ظاهِرَهُ قَدِ اقْتَضى الأمْرَ قَوْلُهُ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرُهُ قَدِ اقْتَضى الأمْرَ بِالذَّبْحِ لَما قالَ: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ولَمْ يَكُنِ الذَّبْحُ فِداءً عَنْ ذَبْحٍ مُتَوَقَّعٍ. ورُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ نَذَرَ إنْ رَزَقَهُ اللَّهُ ولَدًا ذَكَرًا أنْ يَجْعَلَهُ ذَبِيحًا لِلَّهِ، فَأُمِرَ بِالوَفاءِ بِهِ. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ بِالأمْرِ بِالذَّبْحِ عَلى نَحْوِ ما قَدَّمْنا وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الأمْرُ ورَدَ بِذَبْحِ ابْنِهِ وذَبَحَهُ فَوَصَلَ اللَّهُ أوْداجَهُ قَبْلَ خُرُوجِ الرُّوحِ وكانَتِ الفِدْيَةُ لِبَقاءِ حَياتِهِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وعَلى أيِّ وجْهٍ تَصَرَّفَ تَأْوِيلُ الآيَةِ قَدْ تَضَمَّنَ الأمْرُ بِذَبْحِ الوَلَدِ إيجابَ شاةٍ في العاقِبَةِ، فَلَمّا صارَ مُوجِبُ هَذا اللَّفْظِ إيجابَ شاةٍ في المُتَعَقِّبِ في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وجَبَ عَلى مَن نَذَرَ ذَبْحَ ولَدِهِ شاةٌ وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ بَعْدَهم في ذَلِكَ (p-٢٥٢)فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الرَّجُلِ يَقُولُ: هو نَحَرَ ابْنَهُ، قالَ: " كَبْشٌ كَما فَدى إبْراهِيمُ إسْحاقَ " .
ورَوى سُفْيانُ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ الحَكَمِ عَنْ عَلِيٍّ في رَجُلٍ نَذَرَ أنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ قالَ: " يُهْدِي بَدَنَةً أوْ دِيَتَهُ شَكَّ الرّاوِي. وعَنْ مَسْرُوقٍ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى شُعْبَةُ عَنْ الحَكَمِ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: " يَحُجُّ ويَهْدِي بَدَنَةَ " .
ورَوى داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ عَنْ عامِرٍ في رَجُلٍ حَلَفَ أنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ قالَ: " قالَ بَعْضُهم مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، وقالَ بَعْضُهم: كَبْشٌ كَما فُدِيَ إسْحاقُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ: " عَلَيْهِ ذَبْحُ شاةٍ " وقالَ أبُو يُوسُفَ: " لا شَيْءَ عَلَيْهِ " وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: " لَوْ نَذَرَ ذَبْحَ عَبْدِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ " وقالَ مُحَمَّدٌ: " عَلَيْهِ ذَبْحُ شاةٍ " . وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في ذَبْحِ الوَلَدِ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ قَدْ صارَ عِبارَةً عَنْ إيجابِ شاةٍ في شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَجَبَ بَقاءُ حُكْمِهِ ما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ.
وذَهَبَ أبُو يُوسُفَ إلى حَدِيثِ أبِي قِلاَبَةَ عَنْ أبِي المُهَلَّبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا وفاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ولا فِيما لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». ورَوى الحَسَنُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَلْزَمُ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: " عَلَيَّ ذَبْحُ ولَدِي " لَمّا صارَ عِبارَةً عَنْ إيجابِ ذَبْحِ شاةٍ صارَ بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قالَ: " عَلَيَّ ذَبْحُ شاةٍ " ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْصِيَةً، وإنَّما لَمْ يُوجِبُ أبُو حَنِيفَةَ عَلى النّاذِرِ ذَبْحَ عَبْدِهِ شَيْئًا؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ ظاهِرُهُ مَعْصِيَةٌ ولَمْ يَثْبُتْ في الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَنْ ذَبْحِ شاةٍ فَكانَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ. وقَدْ قالُوا جَمِيعًا فِيمَن قالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أقْتُلَ ولَدِي: إنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ ظاهِرُهُ مَعْصِيَةٌ، ولَمْ يَثْبُتْ في الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَنْ ذَبْحِ شاةٍ وقَدْ رَوى يَزِيدُ بْنُ هارُونَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: كُنْتَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ: إنِّي نَذَرْتَ أنْ أنْحَرَ ابْنِي قالَ: لا تَنْحَرِي ابْنَكَ وكَفِّرِي عَنْ يَمِينِكَ " فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ لا وفاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " مَهْ قالَ اللَّهُ تَعالى في الظِّهارِ ما سَمِعْتَ وأوْجَبَ فِيهِ ما ذَكَرَهُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُخالِفٍ لِما قَدَّمْنا مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في إيجابِهِ كَبْشًا؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن مَذْهَبِهِ إيجابُهُما جَمِيعًا إذا أرادَ بِالنَّذْرِ اليَمِينَ، كَما قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ فِيمَن قالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أصُومَ غَدًا " فَلَمْ يَفْعَلْ وأرادَ اليَمِينَ أنَّ عَلَيْهِ كَفّارَةَ اليَمِينِ والقَضاءَ جَمِيعًا.
وقَدِ اخْتُلِفَ في الذَّبِيحِ مِن ولَدَيْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وكَعْبٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّهُ إسْحاقُ، وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ إسْماعِيلُ.
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (p-٢٥٣)ﷺ القَوْلانِ جَمِيعًا. ومَن قالَ: هو إسْماعِيلُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ عَقِيبَ ذِكْرِ الذَّبْحِ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢] فَلَمّا كانَتِ البِشارَةُ بَعْدَ الذَّبْحِ دَلَّ عَلى أنَّهُ إسْماعِيلُ واحْتَجَّ الآخَرُونَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِبِشارَةٍ بِوِلادَتِهِ وإنَّما هي بِشارَةٌ بِنُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢]
الصافات 37:141
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الأغْمارِ في إيجابِ القُرْعَةِ في العَبِيدِ يُعْتِقُهُمُ المَرِيضُ. وذَلِكَ إغْفالٌ مِنهُ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ساهَمَ في طَرْحِهِ في البَحْرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الفُقَهاءِ كَما لا تَجُوزُ القُرْعَةُ في قَتْلِ مَن خَرَجَتْ عَلَيْهِ وفي أخْذِ مالِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ خاصٌّ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ غَيْرِهِ.
الصافات 37:147
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلْ يَزِيدُونَ. قِيلَ: إنَّ مَعْنى " أوْ " هَهُنا الإبْهامُ، كَأنَّهُ قالَ: أرْسَلْناهُ إلى أحَدِ العَدَدَيْنِ، وقِيلَ: هو عَلى شَكِّ المُخاطَبِينَ؛ إذْ كانَ اللَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ عَلَيْكَ الشَّكُّ.
آخِرُ سُورَةِ الصّافّاتِ.
ص 38:18
ومِن سُورَةِ ص
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ رَوى مَعْمَرٌ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى قَرَأْتُ: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ ورَوى القاسِمُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ قَبا وهم يُصَلُّونَ الضُّحى، فَقالَ: إنَّ صَلاةَ الأوّابِينَ إذا رَمَضَتِ الفِصالُ مِنَ الضُّحى» .
ورَوى شَرِيكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي زِيادٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أوْصانِي خَلِيلِي بِثَلاثٍ ونَهانِي عَنْ ثَلاثٍ أوْصانِي بِصَلاةِ الضُّحى والوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ وصِيامِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، ونَهانِي عَنْ نَقْرٍ كَنَقْرِ الدِّيكِ والتِفاتٍ كالتِفاتِ الثَّعْلَبِ وإقْعاءٍ كَإقْعاءِ الكَلْبِ». ورَوى عَطِيَّةُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحى حَتّى نَقُولَ: لا يَدَعُها، ويَدَعُها حَتّى نَقُولَ: لا يُصَلِّيها». ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وأُمِّ هانِئٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى الضُّحى». وعَنْ ابْنِ عُمَرَ: " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّها وقالَ ابْنُ عُمَرَ: " هي مِن أحَبِّ ما أحْدَثَ النّاسُ إلَيَّ " .
ورَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَلاةِ الضُّحى فَقالَ: " إنَّها لَفي كِتابِ اللَّهِ وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ " ثُمَّ قَرَأ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [النور: ٣٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ﴾ قِيلَ: إنَّهُ سَخَّرَها مَعَهُ فَكانَتْ تَسِيرُ مَعَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا (p-٢٥٤)مِنها لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ لِلَّهِ هو تَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ فَلَمّا كانَ سَيْرُها دَلالَةً عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ جَعَلَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا مِنها لَهُ.
ص 38:20
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ رَوى أشْعَثُ عَنِ الحَسَنِ قالَ " العِلْمُ بِالقَضاءِ " وعَنْ شُرَيْحٍ قالَ " الشُّهُودُ والإيمانُ " وعَنْ أبِي حُصَيْنٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: " فَصْلُ الخِطابِ " قالَ الخُصُومُ.
قالَ أبُو بَكْرٍ الفَصْلُ بَيْنَ الخُصُومِ بِالحَقِّ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فَصْلَ القَضاءِ واجِبٌ عَلى الحاكِمِ إذا خُوصِمَ إلَيْهِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ إهْمالُ الحُكْمِ وهو يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ النّاكِلَ عَنِ اليَمِينِ يُحْبَسُ حَتّى يُقِرَّ أوْ يَحْلِفَ؛ لِأنَّ فِيهِ إهْمالَ الحُكْمِ وتَرْكَ الفَصْلِ، ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ زِيادٍ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ " أمّا بَعْدُ " ولَيْسَ زِيادٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ في الأقاوِيلِ ولَكِنَّهُ قَدْ رُوِيَ وعَسى أنْ يَكُونَ ذَهَبَ إلى أنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ الدُّعاءِ في صَدْرِ الكِتابِ وبَيْنَ الخِطابِ المَقْصُودِ بِهِ الكِتابُ.
ص 38:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ قالَ: " جَزَّأ داوُدُ الدَّهْرَ أرْبَعَةَ أيّامٍ: يَوْمًا لِنِسائِهِ، ويَوْمًا لِقَضائِهِ، ويَوْمًا يَخْلُو فِيهِ لِعِبادَةِ رَبِّهِ، ويَوْمًا لِبَنِي إسْرائِيلَ يَسْألُونَهُ " وذَكَرَ الحَدِيثَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القاضِيَ لا يَلْزَمُهُ الجُلُوسُ لِلْقَضاءِ في كُلِّ يَوْمٍ وأنَّهُ جائِزٌ لَهُ الِاقْتِصارُ عَلى يَوْمٍ مِن أرْبَعَةِ أيّامٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى الزَّوْجِ الكَوْنُ عِنْدَ امْرَأتِهِ في كُلِّ يَوْمٍ وأنَّهُ جائِزٌ لَهُ أنْ يَقْسِمَ لَها يَوْمًا مِن أرْبَعَةِ أيّامٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المِحْرابُ صَدْرُ المَجْلِسِ، ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ، وقِيلَ: إنَّ المِحْرابَ الغُرْفَةُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
والخَصْمُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ وإنَّما فَزِعَ مِنهم داوُدُ؛ لِأنَّهم دَخَلُوا عَلَيْهِ في مَوْضِعِ صَلاتِهِ عَلى صُورَةِ الآدَمِيِّينَ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَقالُوا: ﴿لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ ومَعْناهُ: أرَأيْتَ إنْ جاءَكَ خَصْمانِ فَقالا: بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ؟ وإنَّما كانَ فِيهِ هَذا الضَّمِيرُ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُما كانا مِنَ المَلائِكَةِ ولَمْ يَكُنْ مِن بَعْضِهِمْ بَغْيٌ عَلى بَعْضٍ والمَلائِكَةُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ، فَعَلَمِنا أنَّهُما كَلَّماهُ بِالمَعارِيضِ الَّتِي تُخْرِجُهُما مِنَ الكَذِبِ مَعَ تَقْرِيبِ المَعْنى بِالمَثَلِ الَّذِي ضَرَباهُ. وقَوْلُهُما: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] هو عَلى مَعْنى ما قَدَّمْنا مِن ضَمِيرِ: أرَأيْتَ إنْ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ؟ وأرادَ بِالنِّعاجِ النِّساءَ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ داوُدَ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وأنَّ أُورِيا بْنَ حَنانٍ لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأةٌ، وقَدْ خَطَبَ امْرَأةً، فَخَطَبَها داوُدُ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ أُورِيا خَطَبَها، وتَزَوَّجَها. وكانَ فِيهِ شَيْئانِ مِمّا سَبِيلُ الأنْبِياءِ التَّنَزُّهُ عَنْهُ:
أحَدُهُما: خِطْبَتُهُ عَلى خِطْبَةِ غَيْرِهِ، والثّانِي: إظْهارُ الحِرْصِ عَلى التَّزْوِيجِ مَعَ كَثْرَةِ مَن عِنْدَهُ مِنَ النِّساءِ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، فَعاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها وكانَتْ صَغِيرَةً، وفَطِنَ حِينَ خاطَبَهُ المَلَكانِ بِأنَّ الأوْلى كانَ بِهِ أنْ لا يَخْطُبَ المَرْأةَ الَّتِي خَطَبَها غَيْرُهُ، وقَوْلُهُ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] يَعْنِي: خَطَبْتَ امْرَأةً واحِدَةً قَدْ كانَ التَّراضِي مِنّا وقَعَ بِتَزْوِيجِها.
وما رُوِيَ في أخْبارِ القُصّاصِ مِن أنَّهُ نَظَرَ إلى المَرْأةِ فَرَآها مُتَجَرِّدَةً فَهَوِيَها وقَدَّمَ زَوْجَها لِلْقَتْلِ، فَإنَّهُ وجْهٌ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَأْتُونَ المَعاصِيَ مَعَ العِلْمِ بِأنَّها مَعاصٍ؛ إذْ لا يَدْرُونَ لَعَلَّها كَبِيرَةٌ تَقْطَعُهم عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ (p-٢٥٥)تَعالى وتَدُلُّ عَلى صِحَّةِ التَّأْوِيلِ الأوَّلُ أنَّهُ قالَ: ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكَلامَ إنَّما كانَ بَيْنَهُما في الخِطْبَةِ ولَمْ يَكُنْ قَدْ تَقَدَّمَ تَزْوِيجُ الآخَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْخَصْمِ أنْ يُخاطِبَ الحاكِمَ بِمِثْلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] مِن غَيْرِ أنْ يَسْألَ الخَصْمَ عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أخْرَجَ الكَلامَ مَخْرَجَ الحِكايَةِ والمَثَلِ عَلى ما بَيَّنّا، وأنَّ داوُدَ قَدْ كانَ عَرَفَ ذَلِكَ مِن فَحَوى كَلامِهِ، لَوْلا ذَلِكَ لَما حَكَمَ بِظُلْمِهِ قَبْلَ أنْ يَسْألَ فَيَقَرُّ عِنْدَهُ أوْ تَقُومُ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤] وهو يَعْنِي الشُّرَكاءَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العادَةَ في أكْثَرِ الشُّرَكاءِ الظُّلْمُ والبَغْيُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ [ص: ٢٤] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقْصِدِ المَعْصِيَةَ بَدِيًّا وأنَّ كَلامَ المَلَكَيْنِ أوْقَعَ لَهُ الظَّنَّ بِأنَّهُ قَدْ أتى مَعْصِيَةً وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِ المِحْنَةَ بِها؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ في هَذا المَوْضِعِ تَشْدِيدُ التَّعَبُّدِ والمِحْنَةِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَ أنَّ ما أتاهُ كانَ مَعْصِيَةً واسْتَغْفَرَ مِنها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] رَوى أيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ في ص ولَيْسَتْ مِنَ العَزائِمِ» .
ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ قالَ في سَجْدَةِ ص: سَجَدَها داوُدُ تَوْبَةً ونَحْنُ نَسْجُدُها شُكْرًا» .
ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أنَّهُ رَأى عُمَرَ سَجَدَ في " ص " .
ورَوى عُثْمانُ وابْنُ عُمَرَ مِثْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ أخَذْتَ سَجْدَةَ " ص " ؟ قالَ: فَتَلا عَلَيَّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَكانَ داوُدُ سَجَدَ فِيها فَلِذَلِكَ سَجَدَ فِيها النَّبِيُّ ﷺ، ورَوى مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ لا يَسْجُدُ فِيها ويَقُولُ: " هي تَوْبَةُ نَبِيٍّ " .
وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَها اقْتِداءً بِداوُدَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى فِعْلَها واجِبًا؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ، وهو خِلافُ رِوايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أنَّها لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ. ولَمّا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ فِيها كَما سَجَدَ في غَيْرِها مِن مَواضِعِ السُّجُودِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ مَواضِعِ السُّجُودِ.
وأمّا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ " إنَّها لَيْسَتْ بِسَجْدَةٍ؛ لِأنَّها تَوْبَةُ نَبِيٍّ " فَإنَّ كَثِيرًا مِن مَواضِعِ السُّجُودِ إنَّما هو حِكاياتٌ عَنْ قَوْمٍ مُدِحُوا بِالسُّجُودِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وهو مَوْضِعُ السُّجُودِ لِلنّاسِ بِالِاتِّفاقِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى (p-٢٥٦)عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ونَحْوُها مِنَ الآيِ الَّتِي فِيها حِكايَةُ سُجُودِ قَوْمٍ فَكانَتْ مَواضِعُ السُّجُودِ، وقَوْلُهُ ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] يَقْتَضِي لُزُومَ فِعْلِهِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ فَلَوْ خَلَّيْنا والظّاهِرَ أوْجَبْناهُ في سائِرِ القُرْآنِ فَمَتى اخْتَلَفْنا في مَوْضِعٍ مِنهُ فَإنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي وُجُوبَ فِعْلِهِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى غَيْرِهِ وأجازَ أصْحابُنا الرُّكُوعَ عَنْ سُجُودِ التِّلاوَةِ وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ [ص: ٢٤] أنَّ مَعْناهُ خَرَّ ساجِدًا فَعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ فَجازَ أنْ يَنُوبَ عَنْهُ؛ إذْ صارَ عِبارَةً عَنْهُ.
ص 38:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ قالَ: " جَزَّأ داوُدُ الدَّهْرَ أرْبَعَةَ أيّامٍ: يَوْمًا لِنِسائِهِ، ويَوْمًا لِقَضائِهِ، ويَوْمًا يَخْلُو فِيهِ لِعِبادَةِ رَبِّهِ، ويَوْمًا لِبَنِي إسْرائِيلَ يَسْألُونَهُ " وذَكَرَ الحَدِيثَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القاضِيَ لا يَلْزَمُهُ الجُلُوسُ لِلْقَضاءِ في كُلِّ يَوْمٍ وأنَّهُ جائِزٌ لَهُ الِاقْتِصارُ عَلى يَوْمٍ مِن أرْبَعَةِ أيّامٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى الزَّوْجِ الكَوْنُ عِنْدَ امْرَأتِهِ في كُلِّ يَوْمٍ وأنَّهُ جائِزٌ لَهُ أنْ يَقْسِمَ لَها يَوْمًا مِن أرْبَعَةِ أيّامٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المِحْرابُ صَدْرُ المَجْلِسِ، ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ، وقِيلَ: إنَّ المِحْرابَ الغُرْفَةُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
والخَصْمُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ وإنَّما فَزِعَ مِنهم داوُدُ؛ لِأنَّهم دَخَلُوا عَلَيْهِ في مَوْضِعِ صَلاتِهِ عَلى صُورَةِ الآدَمِيِّينَ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَقالُوا: ﴿لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ ومَعْناهُ: أرَأيْتَ إنْ جاءَكَ خَصْمانِ فَقالا: بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ؟ وإنَّما كانَ فِيهِ هَذا الضَّمِيرُ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُما كانا مِنَ المَلائِكَةِ ولَمْ يَكُنْ مِن بَعْضِهِمْ بَغْيٌ عَلى بَعْضٍ والمَلائِكَةُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ، فَعَلَمِنا أنَّهُما كَلَّماهُ بِالمَعارِيضِ الَّتِي تُخْرِجُهُما مِنَ الكَذِبِ مَعَ تَقْرِيبِ المَعْنى بِالمَثَلِ الَّذِي ضَرَباهُ. وقَوْلُهُما: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] هو عَلى مَعْنى ما قَدَّمْنا مِن ضَمِيرِ: أرَأيْتَ إنْ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ؟ وأرادَ بِالنِّعاجِ النِّساءَ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ داوُدَ كانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، وأنَّ أُورِيا بْنَ حَنانٍ لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأةٌ، وقَدْ خَطَبَ امْرَأةً، فَخَطَبَها داوُدُ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ أُورِيا خَطَبَها، وتَزَوَّجَها. وكانَ فِيهِ شَيْئانِ مِمّا سَبِيلُ الأنْبِياءِ التَّنَزُّهُ عَنْهُ:
أحَدُهُما: خِطْبَتُهُ عَلى خِطْبَةِ غَيْرِهِ، والثّانِي: إظْهارُ الحِرْصِ عَلى التَّزْوِيجِ مَعَ كَثْرَةِ مَن عِنْدَهُ مِنَ النِّساءِ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، فَعاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها وكانَتْ صَغِيرَةً، وفَطِنَ حِينَ خاطَبَهُ المَلَكانِ بِأنَّ الأوْلى كانَ بِهِ أنْ لا يَخْطُبَ المَرْأةَ الَّتِي خَطَبَها غَيْرُهُ، وقَوْلُهُ ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] يَعْنِي: خَطَبْتَ امْرَأةً واحِدَةً قَدْ كانَ التَّراضِي مِنّا وقَعَ بِتَزْوِيجِها.
وما رُوِيَ في أخْبارِ القُصّاصِ مِن أنَّهُ نَظَرَ إلى المَرْأةِ فَرَآها مُتَجَرِّدَةً فَهَوِيَها وقَدَّمَ زَوْجَها لِلْقَتْلِ، فَإنَّهُ وجْهٌ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَأْتُونَ المَعاصِيَ مَعَ العِلْمِ بِأنَّها مَعاصٍ؛ إذْ لا يَدْرُونَ لَعَلَّها كَبِيرَةٌ تَقْطَعُهم عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ (p-٢٥٥)تَعالى وتَدُلُّ عَلى صِحَّةِ التَّأْوِيلِ الأوَّلُ أنَّهُ قالَ: ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكَلامَ إنَّما كانَ بَيْنَهُما في الخِطْبَةِ ولَمْ يَكُنْ قَدْ تَقَدَّمَ تَزْوِيجُ الآخَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْخَصْمِ أنْ يُخاطِبَ الحاكِمَ بِمِثْلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] مِن غَيْرِ أنْ يَسْألَ الخَصْمَ عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أخْرَجَ الكَلامَ مَخْرَجَ الحِكايَةِ والمَثَلِ عَلى ما بَيَّنّا، وأنَّ داوُدَ قَدْ كانَ عَرَفَ ذَلِكَ مِن فَحَوى كَلامِهِ، لَوْلا ذَلِكَ لَما حَكَمَ بِظُلْمِهِ قَبْلَ أنْ يَسْألَ فَيَقَرُّ عِنْدَهُ أوْ تَقُومُ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤] وهو يَعْنِي الشُّرَكاءَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العادَةَ في أكْثَرِ الشُّرَكاءِ الظُّلْمُ والبَغْيُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ [ص: ٢٤] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقْصِدِ المَعْصِيَةَ بَدِيًّا وأنَّ كَلامَ المَلَكَيْنِ أوْقَعَ لَهُ الظَّنَّ بِأنَّهُ قَدْ أتى مَعْصِيَةً وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِ المِحْنَةَ بِها؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ في هَذا المَوْضِعِ تَشْدِيدُ التَّعَبُّدِ والمِحْنَةِ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَ أنَّ ما أتاهُ كانَ مَعْصِيَةً واسْتَغْفَرَ مِنها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] رَوى أيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ في ص ولَيْسَتْ مِنَ العَزائِمِ» .
ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ قالَ في سَجْدَةِ ص: سَجَدَها داوُدُ تَوْبَةً ونَحْنُ نَسْجُدُها شُكْرًا» .
ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أنَّهُ رَأى عُمَرَ سَجَدَ في " ص " .
ورَوى عُثْمانُ وابْنُ عُمَرَ مِثْلَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ أخَذْتَ سَجْدَةَ " ص " ؟ قالَ: فَتَلا عَلَيَّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَكانَ داوُدُ سَجَدَ فِيها فَلِذَلِكَ سَجَدَ فِيها النَّبِيُّ ﷺ، ورَوى مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ لا يَسْجُدُ فِيها ويَقُولُ: " هي تَوْبَةُ نَبِيٍّ " .
وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَها اقْتِداءً بِداوُدَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَأى فِعْلَها واجِبًا؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ، وهو خِلافُ رِوايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أنَّها لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ. ولَمّا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ فِيها كَما سَجَدَ في غَيْرِها مِن مَواضِعِ السُّجُودِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ مَواضِعِ السُّجُودِ.
وأمّا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ " إنَّها لَيْسَتْ بِسَجْدَةٍ؛ لِأنَّها تَوْبَةُ نَبِيٍّ " فَإنَّ كَثِيرًا مِن مَواضِعِ السُّجُودِ إنَّما هو حِكاياتٌ عَنْ قَوْمٍ مُدِحُوا بِالسُّجُودِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وهو مَوْضِعُ السُّجُودِ لِلنّاسِ بِالِاتِّفاقِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى (p-٢٥٦)عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ونَحْوُها مِنَ الآيِ الَّتِي فِيها حِكايَةُ سُجُودِ قَوْمٍ فَكانَتْ مَواضِعُ السُّجُودِ، وقَوْلُهُ ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] يَقْتَضِي لُزُومَ فِعْلِهِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ فَلَوْ خَلَّيْنا والظّاهِرَ أوْجَبْناهُ في سائِرِ القُرْآنِ فَمَتى اخْتَلَفْنا في مَوْضِعٍ مِنهُ فَإنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي وُجُوبَ فِعْلِهِ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى غَيْرِهِ وأجازَ أصْحابُنا الرُّكُوعَ عَنْ سُجُودِ التِّلاوَةِ وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ [ص: ٢٤] أنَّ مَعْناهُ خَرَّ ساجِدًا فَعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ فَجازَ أنْ يَنُوبَ عَنْهُ؛ إذْ صارَ عِبارَةً عَنْهُ.
ص 38:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ قالَ حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الحَسَنِ قالَ " إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى الحُكّامِ ثَلاثًا: أنْ لا يَتْبَعُوا الهَوى وأنْ يَخْشَوْهُ ولا يَخْشَوُا النّاسَ، وأنْ لا يَشْتَرُوا بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا " ثُمَّ قَرَأ: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ الآيَةَ، وقَرَأ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] .
ورَوى سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمّادِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ قالَ: لَمّا اسْتُقْضِيَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ أتاهُ الحَسَنُ، فَبَكى إياسُ فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: ما يُبْكِيكَ يا أبا وائِلَةَ ؟ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ القُضاةَ ثَلاثَةٌ اثْنانِ في النّارِ وواحِدٌ في الجَنَّةِ رَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَهو في النّارِ ورَجُلٌ مالَ بِهِ الهَوى فَهو في النّارِ ورَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأصابَ فَهو في الجَنَّةِ. قالَ الحَسَنُ: إنَّ فِيما قَصَّ اللَّهُ مِن نَبَأِ داوُدَ وسُلَيْمانَ: ﴿إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] فَأثْنى عَلى سُلَيْمانَ ولَمْ يَذُمَّ داوُدَ ثُمَّ قالَ (p-٢٥٧)الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى الحُكّامِ ثَلاثًا، وذَكَرَ نَحْوَ الحَدِيثِ الأوَّلِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ بُيِّنَ في حَدِيثِ أبِي بُرَيْدَةَ مَعْنى ما ذُكِرَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ أنَّ القاضِيَ إذا أخْطَأ فَهو في النّارِ، وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البَصْرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ السِّجِسْتانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَسّانَ السَّمْنِيُّ قالَ حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ أبِي هاشِمٍ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «القُضاةُ ثَلاثَةٌ: واحِدٌ في الجَنَّةِ، واثْنانِ في النّارِ فَأمّا الَّذِي في الجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضى بِهِ، ورَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَجارَ في الحُكْمِ فَهو في النّارِ، ورَجُلٌ قَضى لِلنّاسِ عَلى جَهْلٍ فَهو في النّارِ» فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِي في النّارِ مِنَ المُخْطِئِينَ هو الَّذِي تَقَدَّمَ عَلى القَضاءِ بِجَهْلٍ.
ص 38:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ [ص: ٣٣] قالَ مُجاهِدٌ: صُفُوانُ الفَرَسِ رَفْعُ إحْدى يَدَيْهِ حَتّى تَكُونَ عَلى طَرَفِ الحافِرِ وذاكَ مِن عادَةِ الخَيْلِ والجِيادُ السِّراعُ مِنَ الخَيْلِ، يُقالُ فَرَسٌ جَوادٌ، إذا جادَ بِالرَّكْضِ.
ص 38:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ الَّذِي يُنالُ بِهَذا الخَيْلِ فَشُغِلْتَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، وهو الصَّلاةُ الَّتِي كانَ يَفْعَلُها في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَحْتَمِلُ: إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ، وهو يُرِيدُ بِهِ الخَيْلَ نَفْسَها فَسَماها خَيْرًا لِما يُنالُ بِها مِنَ الخَيْرِ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ وقِتالِ أعْدائِهِ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ مِن ذِكْرِي لِرَبِّي وقِيامِي بِحَقِّهِ في اتِّخاذِ هَذا الخَيْلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ " حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ " قالَ أبُو بَكْرٍ وهو كَقَوْلِ لَبِيدٍ:
؎حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها
وكَقَوْلِ حاتِمٍ
؎أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
فَأضْمَرَ النَّفْسَ في قَوْلِهِ: " حَشْرَجَتْ " وقالَ غَيْرُ ابْنِ مَسْعُودٍ: " حَتّى تَوارَتِ الخَيْلُ بِالحِجابِ " .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ جَعَلَ يَمْسَحُ أعْرافَ الخَيْلِ وعَراقِيبَها حُبًّا لَها وهَذا كَما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ سَعِيدٍ الطّالِقانِيُّ قالَ أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُهاجِرِ قالَ حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ شَبِيبٍ عَنْ أبِي وهْبٍ الجُشَمِيُّ وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ارْتَبِطُوا الخَيْلَ وامْسَحُوا بِنَواصِيها وأعْجازِها أوْ قالَ أكْفالِها وقَلِّدُوها ولا (p-٢٥٨)تُقَلِّدُوها الأوْتارَ» .
فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ سُلَيْمانُ إنَّما مَسَحَ أعْرافَها وعَراقِيبَها عَلى نَحْوِ ما نَدَبَ إلَيْهِ نَبِيُّنا ﷺ وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كَشَفَ عَراقِيبَها وضَرَبَ أعْناقَها وقالَ " لا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبادَةِ رَبِّي مَرَّةً أُخْرى " .
والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أصَحُّ والثّانِي جائِزٌ ومَن تَأوَّلَهُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى إباحَةِ لُحُومِ الخَيْلِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لِيُتْلِفَها بِلا نَفْعٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ مُحَرَّمَ الأكْلِ وتَعَبَّدَ اللَّهَ بِإتْلافِهِ، ويَكُونُ المَنفَعَةُ في تَنْفِيذِ الأمْرِ دُونَ غَيْرِهِ.
ألا تَرى أنَّهُ كانَ جائِزًا أنْ يُمِيتَهُ اللَّهُ تَعالى ويَمْنَعَ النّاسَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِأكْلِهِ فَكانَ جائِزًا أنْ يُتَعَبَّدَ بِإتْلافِهِ ويُحْظَرَ الِانْتِفاعُ بِأكْلِهِ بَعْدَهُ.
ص 38:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ الَّذِي يُنالُ بِهَذا الخَيْلِ فَشُغِلْتَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، وهو الصَّلاةُ الَّتِي كانَ يَفْعَلُها في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَحْتَمِلُ: إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ، وهو يُرِيدُ بِهِ الخَيْلَ نَفْسَها فَسَماها خَيْرًا لِما يُنالُ بِها مِنَ الخَيْرِ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ وقِتالِ أعْدائِهِ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ مِن ذِكْرِي لِرَبِّي وقِيامِي بِحَقِّهِ في اتِّخاذِ هَذا الخَيْلِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ " حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ " قالَ أبُو بَكْرٍ وهو كَقَوْلِ لَبِيدٍ:
؎حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها
وكَقَوْلِ حاتِمٍ
؎أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
فَأضْمَرَ النَّفْسَ في قَوْلِهِ: " حَشْرَجَتْ " وقالَ غَيْرُ ابْنِ مَسْعُودٍ: " حَتّى تَوارَتِ الخَيْلُ بِالحِجابِ " .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ جَعَلَ يَمْسَحُ أعْرافَ الخَيْلِ وعَراقِيبَها حُبًّا لَها وهَذا كَما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ سَعِيدٍ الطّالِقانِيُّ قالَ أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُهاجِرِ قالَ حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ شَبِيبٍ عَنْ أبِي وهْبٍ الجُشَمِيُّ وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ارْتَبِطُوا الخَيْلَ وامْسَحُوا بِنَواصِيها وأعْجازِها أوْ قالَ أكْفالِها وقَلِّدُوها ولا (p-٢٥٨)تُقَلِّدُوها الأوْتارَ» .
فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ سُلَيْمانُ إنَّما مَسَحَ أعْرافَها وعَراقِيبَها عَلى نَحْوِ ما نَدَبَ إلَيْهِ نَبِيُّنا ﷺ وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كَشَفَ عَراقِيبَها وضَرَبَ أعْناقَها وقالَ " لا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبادَةِ رَبِّي مَرَّةً أُخْرى " .
والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أصَحُّ والثّانِي جائِزٌ ومَن تَأوَّلَهُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى إباحَةِ لُحُومِ الخَيْلِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لِيُتْلِفَها بِلا نَفْعٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ مُحَرَّمَ الأكْلِ وتَعَبَّدَ اللَّهَ بِإتْلافِهِ، ويَكُونُ المَنفَعَةُ في تَنْفِيذِ الأمْرِ دُونَ غَيْرِهِ.
ألا تَرى أنَّهُ كانَ جائِزًا أنْ يُمِيتَهُ اللَّهُ تَعالى ويَمْنَعَ النّاسَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِأكْلِهِ فَكانَ جائِزًا أنْ يُتَعَبَّدَ بِإتْلافِهِ ويُحْظَرَ الِانْتِفاعُ بِأكْلِهِ بَعْدَهُ.
ص 38:44
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ امْرَأةَ أيُّوبَ قالَ لَها إبْلِيسُ إنْ شَفَيْتُهُ تَقُولِينَ لِي أنْتَ شَفَيْتَهُ فَأخْبَرَتْ بِذَلِكَ أيُّوبَ فَقالَ " إنْ شَفانِي اللَّهُ ضَرَبْتُكِ مِائَةَ سَوْطٍ فَأخَذَ شَمارِيخَ قَدْرَ مِائَةٍ فَضَرَبَها ضَرْبَةً واحِدَةً. قالَ عَطاءٌ وهي لِلنّاسِ عامَّةٌ.
وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ فَأخَذَ عُودًا فِيهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ عُودًا والأصْلُ تَمامُ المِائَةِ فَضَرَبَ بِهِ امْرَأتَهُ وذَلِكَ أنَّ امْرَأتَهُ أرادَها الشَّيْطانُ عَلى بَعْضِ الأمْرِ فَقالَ لَها: قَوْلِي لِزَوْجِكَ يَقُولُ كَذا وكَذا فَقالَتْ لَهُ قُلْ كَذا وكَذا فَحَلَفَ حِينَئِذٍ أنْ يَضْرِبَها فَضَرَبَها تَحِلَّةً لَيَمِينِهِ وتَخْفِيفًا عَلى امْرَأتِهِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ أنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ عَشْرَةَ أسْواطٍ فَجَمَعَها كُلَّها وضَرَبَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً أنَّهُ يَبَرُّ في يَمِينِهِ إذا أصابَ جَمِيعُها؛ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ والضِّغْثُ هو مِلْءُ الكَفِّ مِنَ الخَشَبِ أوِ السِّياطِ أوِ الشَّمارِيخِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَرَّ في يَمِينِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿ولا تَحْنَثْ﴾
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ " إذا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بَعْدَ أنْ يُصِيبَهُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُ فَقَدْ بَرَّ في يَمِينِهِ " وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ لا يَبَرُّ وهَذا القَوْلُ خِلافُ الكِتابِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ لا يَحْنَثُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ هي لِأيُّوبَ خاصَّةً وقالَ عَطاءٌ لِلنّاسِ عامَّةٌ.
قالَ أبُو بَكْرٍ دَلالَةُ الآيَةِ ظاهِرَةٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ يُسَمّى ضارِبًا لِما شَرَطَ مِنَ العَدَدِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي البِرَّ في يَمِينِهِ. والثّانِي أنَّهُ لا يَحْنَثُ؛ لِقَوْلِهِ ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ وزَعَمَ بَعْضُ مِن يَحْتَجُّ لِمَذْهَبِ مالِكٍ أنَّ ذَلِكَ لِأيُّوبَ خاصَّةً؛ لِأنَّهُ قالَ ﴿فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ (p-٢٥٩)فَلَمّا أسْقَطَ عَنْهُ الحِنْثَ كانَ بِمَنزِلَةِ مَن جُعِلَتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ فَأدّاها أوْ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَحْلِفْ عَلى شَيْءٍ وهَذا حِجاجٌ ظاهِرُ السُّقُوطِ لا يَحْتَجُّ بِمِثْلِهِ مَن يَعْقِلُ ذَلِكَ؛ لِتَناقُضِهِ واسْتِحالَتِهِ ومُخالِفَتِهِ لِظاهِرِ الكِتابِ.
وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ واليَمِينُ تَتَضَمَّنْ شَيْئَيْنِ حِنْثًا أوْ بِرًّا فَإذا أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ لا يَحْنَثُ فَقَدْ أخْبَرَ بِوُجُودِ البِرِّ؛ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُما واسِطَةٌ فَتَناقُضُهُ واسْتِحالَتُهُ مِن جِهَةِ أنَّ قَوْلَهُ هَذا يُوجِبُ أنَّ كُلَّ مَن بَرَّ في يَمِينِهِ بِأنْ يَفْعَلَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ كانَ بِمَنزِلَةِ مَن جُعِلَتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ عَلى قَضِيَّتِهِ لِسُقُوطِ الحِنْثِ، ولَوْ كانَ لِأيُّوبَ خاصَّةً وكانَ عِبادَةً تَعَبَّدَ بِها دُونَ غَيْرِهِ كانَ لِلَّهِ أنْ يُسْقِطَ عَنْهُ الحِنْثَ ولا يُلْزِمَهُ شَيْئًا، وإنْ لَمْ يَضْرِبْها بِالضِّغْثِ فَلا مَعْنى عَلى قَوْلِهِ لَضَرْبِها بِالضِّغْثِ؛ إذْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ بِرٌّ في اليَمِينِ.
وزَعَمَ هَذا القائِلُ أنَّ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَتَعَبَّدَ بِما شاءَ في الأوْقاتِ وفِيما تَعَبَّدَنا بِهِ ضَرْبُ الزّانِي قالَ: ولَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِشَمارِيخَ لَمْ يَكُنْ حَدًّا
قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا ضَرْبُ الزّانِي بِشَمارِيخَ فَلا يَجُوزُ إذا كانَ صَحِيحًا سَلِيمًا، وقَدْ يَجُوزُ إذا كانَ عَلِيلًا يُخافُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أفْرَدَ كُلَّ ضَرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ إذا كانَ صَحِيحًا، ولَوْ جَمَعَ أسْواطًا فَضَرَبَهُ بِها وأصابَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنها أُعِيدَ عَلَيْهِ ما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الأسْواطِ، وإنْ كانَتْ مُجْتَمَعَةً فَلا فَرْقَ بَيْنَ حالِ الجَمْعِ والتَّفْرِيقِ.
وأمّا في المَرَضِ فَجائِزٌ أنْ يَقْتَصِرَ مِنَ الضَّرْبِ عَلى شَمارِيخَ أوْ دِرَّةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ أنْ يَجْمَعَهُ أيْضًا فَيَضْرِبَهُ بِهِ ضَرْبَةً.
وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الهَمَدانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أنَّهُ أخْبَرَهُ بَعْضُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأنْصارِ: «أنَّهُ اشْتَكى رَجُلٌ مِنهم حَتّى أضْنى فَعادَ جِلْدَةً عَلى عَظْمٍ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ فَهَشَّ لَها فَوَقَعَ عَلَيْها، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ رِجالُ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ أخْبَرَهم بِذَلِكَ وقالَ: اسْتَفْتُوا لِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَإنِّي قَدْ وقَعْتُ عَلى جارِيَةٍ دَخَلَتْ عَلَيَّ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: ما رَأيْنا أحَدًا بِهِ مِنَ الضُّرِّ مِثْلَ الَّذِي هو بِهِ لَوْ حَمَلْناهُ إلَيْكَ لَتَفَسَّخَتْ عِظامُهُ ما هو إلّا جِلْدٌ عَلى عَظْمٍ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْخُذُوا لَهُ شَمارِيخَ مِائَةَ شِمْراخٍ فَيَضْرِبُوهُ بِها ضَرْبَةً واحِدَةً» .
ورَواهُ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأشَجِّ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدٍ، وقالَ فِيهِ: «فَخُذُوا عُثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِها ضَرْبَةً واحِدَةً»، فَفَعَلُوا وهو سَعِيدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، وقَدْ أدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وأبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ هَذا وُلِدَ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(p-٢٦٠)فَصْلٌ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ أنْ يَضْرِبَ امْرَأتَهُ تَأْدِيبًا، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أيُّوبُ لِيَحْلِفَ عَلَيْهِ ويَضْرِبَها، ولَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِضَرْبِها بَعْدَ حَلِفِهِ.
واَلَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ وأباحَهُ مِن ضَرْبِ النِّساءِ إذا كانَتْ ناشِزًا بِقَوْلِهِ: ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وقَدْ دَلَّتْ قِصَّةُ أيُّوبَ عَلى أنَّ لَهُ ضَرْبَها تَأْدِيبًا لِغَيْرِ نُشُوزٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [النساء: ٣٤] فَما رُوِيَ مِنَ القِصَّةِ فِيهِ يَدُلُّ عَلى مِثْلِ دَلالَةِ قِصَّةِ أيُّوبَ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أهْلُها القِصاصَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلرَّجُلِ أنْ يَحْلِفَ ولا يَسْتَثْنِيَ؛ لِأنَّ أيُّوبَ حَلَفَ ولَمْ يَسْتَثْنِ.
ونَظِيرُهُ مِن سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ في قِصَّةِ الأشْعَرِيِّينَ حِينَ اسْتَحْمَلُوهُ فَقالَ: " واللَّهِ لا أحْمِلُكم " ولَمْ يَسْتَثْنِ، ثُمَّ حَمَلَهم وقالَ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» .
وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها ثُمَّ فَعَلَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ أنَّ عَلَيْهِ الكَفّارَةَ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ تَجِبْ كَفّارَةٌ لَتَرَكَ أيُّوبُ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يَضْرِبَها بِالضِّغْثِ وهو خِلافُ قَوْلِ مَن قالَ: " لا كَفّارَةَ عَلَيْهِ إذا فَعَلَ ما هو خَيْرٌ " .
وقَدْ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلِيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ وذَلِكَ كَفّارَتُهُ " . وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّعْزِيرَ يُجاوَزُ بِهِ الحَدُّ؛ لِأنَّ في الخَبَرِ أنَّهُ حَلَفَ أنْ يَضْرِبَها مِائَةً فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالوَفاءِ بِهِ.
إلّا أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " مَن بَلَغَ حَدًّا في غَيْرِ حَدٍّ فَهو مِنَ المُعْتَدِينَ " . وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ اليَمِينَ إذا كانَتْ مُطْلَقَةً فَهي عَلى المُهْلَةِ ولَيْسَتْ عَلى الفَوْرِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ أيُّوبَ لَمْ يَضْرِبِ امْرَأتَهُ في فَوْرِ صِحَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ عَلى ضَرْبِ عَبْدِهِ أنَّهُ لا يَبَرُّ إلّا أنْ يَضْرِبَهُ بِيَدِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ إلّا أنَّ أصْحابَنا قالُوا فِيمَن لا يَتَوَلّى الضَّرْبَ بِيَدِهِ: " إنْ أمَرَ غَيْرَهُ بِضَرْبِهِ لا يَحْنَثُ لِلْعُرْفِ " .
وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَصِحُّ إلّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِاليَمِينِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مُتَراخِيًا عَنْها لَأُمِرَ بِالِاسْتِثْناءِ ولَمْ يُؤْمَرْ بِالضَّرْبِ.
وفِيها دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الحِيلَةِ في التَّوَصُّلِ إلى ما يَجُوزُ فِعْلُهُ ودَفْعِ المَكْرُوهِ بِها عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِضَرْبِها بِالضِّغْثِ؛ لِيَخْرُجَ بِهِ مِنَ اليَمِينِ ولا يَصِلَ إلَيْها كَثِيرُ ضَرَرٍ. آخِرُ سُورَةِ ص.
(p-٢٦١)