Lafzullah

أحكام القرآن — الحشر 59:2 – المسد 111:3

المؤلف / المصدر: أبو بكر الجصاص

المحتويات
  1. الحشر 59:2
  2. الحشر 59:5
  3. الحشر 59:6
  4. الحشر 59:7
  5. الحشر 59:9
  6. الممتحنة 60:1
  7. الممتحنة 60:8
  8. الممتحنة 60:9
  9. الممتحنة 60:10
  10. الممتحنة 60:11
  11. الممتحنة 60:12
  12. الصف 61:2
  13. الصف 61:3
  14. الجمعة 62:2
  15. الجمعة 62:5
  16. الجمعة 62:6
  17. الجمعة 62:9
  18. الجمعة 62:10
  19. الجمعة 62:11
  20. المنافقون 63:1
  21. المنافقون 63:10
  22. الطلاق 65:1
  23. الطلاق 65:2
  24. الطلاق 65:4
  25. الطلاق 65:6
  26. الطلاق 65:7
  27. التحريم 66:1
  28. التحريم 66:2
  29. التحريم 66:6
  30. التحريم 66:9
  31. التحريم 66:10
  32. الملك 67:15
  33. القلم 68:10
  34. القلم 68:11
  35. القلم 68:13
  36. المعارج 70:23
  37. المعارج 70:25
  38. المزمل 73:1
  39. المزمل 73:2
  40. المزمل 73:6
  41. المزمل 73:7
  42. المزمل 73:20
  43. المدثر 74:4
  44. المدثر 74:5
  45. المدثر 74:6
  46. القيامة 75:14
  47. القيامة 75:15
  48. الإنسان 76:8
  49. المرسلات 77:25
  50. المرسلات 77:26
  51. الانشقاق 84:16
  52. الانشقاق 84:17
  53. الانشقاق 84:21
  54. الأعلى 87:14
  55. الأعلى 87:15
  56. البلد 90:13
  57. البلد 90:14
  58. الضحى 93:9
  59. الضحى 93:10
  60. الشرح 94:5
  61. الشرح 94:6
  62. الشرح 94:7
  63. القدر 97:1
  64. البينة 98:5
  65. الماعون 107:2
  66. الماعون 107:5
  67. الكوثر 108:2
  68. الكافرون 109:6
  69. النصر 110:1
  70. المسد 111:2
  71. المسد 111:3

الحشر 59:2

ومِن سُورَةِ الحَشْرِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: " أوَّلُ الحَشْرِ جَلاءُ بَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ، فَمِنهم مَن خَرَجَ إلى خَيْبَرَ ومِنهم مَن خَرَجَ إلى الشّامِ " وقالَ الزُّهْرِيُّ: «قاتَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى صالَحَهم عَلى الجَلاءِ فَأجْلاهم إلى الشّامِ، وعَلى أنَّ لَهم ما أقَلَّتِ الإبِلُ مِن شَيْءٍ إلّا الحَلْقَةَ، والحَلْقَةُ السِّلاحُ». قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ انْتَظَمَ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما مُصالَحَةُ أهْلِ الحَرْبِ عَلى الجَلاءِ عَنْ دِيارِهِمْ مِن غَيْرِ سَبْيٍ ولا اسْتِرْقاقٍ ولا دُخُولٍ في الذِّمَّةِ ولا أخْذِ جِزْيَةٍ، وهَذا الحُكْمُ مَنسُوخٌ عِنْدَنا إذا كانَ بِالمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلى قِتالِهِمْ عَلى الإسْلامِ؛ أوْ أداءِ الجِزْيَةِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَ بِقِتالِ الكُفّارِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وقالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]؛ فَغَيْرُ جائِزٍ إذا كانَ بِالمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلى قِتالِهِمْ، وإدْخالِهِمْ في الذِّمَّةِ أوْ في الإسْلامِ أنْ يُجْلُوهم، ولَكِنَّهُ لَوْ عَجَزَ (p-٣١٧)المُسْلِمُونَ عَنْ مُقاوِمَتِهِمْ في إدْخالِهِمْ في الإسْلامِ أوِ الذِّمَّةِ جازَ لَهم مُصالَحَتُهم عَلى الجَلاءِ عَنْ بِلادِهِمْ والمَعْنى الثّانِي: جَوازُ مُصالَحَةِ أهْلِ الحَرْبِ عَلى مَجْهُولٍ مِنَ المالِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صالَحَهم عَلى أراضِيِهِمْ وعَلى الحَلْقَةِ وتَرَكَ لَهم ما أقَلَّتِ الإبِلُ، وذَلِكَ مَجْهُولٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ فِيهِ أمْرٌ بِالِاعْتِبارِ والقِياسُ في أحْكامِ الحَوادِثِ ضَرْبٌ مِنَ الِاعْتِبارِ، فَوَجَبَ اسْتِعْمالُهُ بِظاهِرِ الآيَةِ.

الحشر 59:5

وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: " كُلُّ نَخْلَةٍ لِينَةٌ سِوى العَجْوَةِ " وقالَ مُجاهِدٌ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: " كُلُّ نَخْلَةٍ لِينَةٌ "، وقِيلَ: " اللِّينَةُ كِرامُ النَّخْلِ " ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ النَّخْلَةِ، نَهى بَعْضُ المُهاجِرِينَ عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ وقالَ: إنَّما هي مَغانِمُ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مِن نَهى وبِتَحْلِيلِ مَن قَطَعَها مِنَ الإثْمِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: صَوَّبَ اللَّهُ الَّذِينَ قَطَعُوا واَلَّذِينَ أبَوْا وكانُوا فَعَلُوا ذَلِكَ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ: أغِرْ عَلى أُبْنى صَباحًا وحَرِّقْ» . ورَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ قالَ: " لَمّا قاتَلَ أبُو بَكْرٍ أهْلَ الرِّدَّةِ قَتَلَ وسَبى وحَرَّقَ " ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قالَ: «لَمّا تَحَصَّنَ بَنُو النَّضِيرِ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ نَخْلِهِ وتَحْرِيقِهِ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ ما كُنْتَ تَرْضى بِالفَسادِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ الآيَةَ» . ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: " لَمّا وجَّهَ أبُو بَكْرٍ الجَيْشَ إلى الشّامِ كانَ فِيما أوْصاهم بِهِ ولا تُقْطَعُ شَجَرَةٌ مُثْمِرَةٌ " قالَ أبُو بَكْرٍ: تَأوَّلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ عَلى أنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ سَيُغْنِمُهم إيّاها وتَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ إذا غَزَوْا أرْضَ الحَرْبِ، وأرادُوا الخُرُوجَ فَإنَّ الأوْلى أنْ يُحَرِّقُوا شَجَرَهم وزُرُوعَهم ودِيارَهم. وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا في مَواشِيهِمْ: " إذا لَمْ يُمْكِنْهم إخْراجُها ذُبِحَتْ ثُمَّ أُحْرِقَتْ " . وأمّا ما رَجَوْا أنْ يَصِيرَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ فَإنَّهم إنْ تَرَكُوهُ لِيَصِيرَ لِلْمُسْلِمِينَ جازَ، وإنْ أحْرَقُوهُ غَيْظًا لِلْمُشْرِكِينَ جازَ، اسْتِدْلالًا بِالآيَةِ وبِما فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ في أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ.

الحشر 59:6

وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ﴾ الآيَةَ الفَيْءُ الرُّجُوعُ، ومِنهُ الفَيْءُ في الإيلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] وأفاءَهُ عَلَيْهِ إذا رَدَّهُ عَلَيْهِ والفَيْءُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ ما صارَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن أمْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ، فالغَنِيمَةُ فَيْءٌ والجِزْيَةُ فَيْءٌ والخَراجُ فَيْءٌ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمّا مَلَّكَهُ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن أمْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ. والغَنِيمَةُ، وإنْ كانَتْ فَيْئًا فَإنَّها تَخْتَصُّ بِمَعْنًى لا يُشارِكُها فِيهِ (p-٣١٨)سائِرُ وُجُوهِ الفَيْءِ؛ لِأنَّها ما أُخِذَ مِن أمْوالِ أهْلِ الحَرْبِ عَنْوَةً بِالقِتالِ، فَمِنها ما يَجْرِي فِيهِ سِهامُ الغانِمِينَ بَعْدَ إخْراجِ الخُمُسِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - . ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ مالِكَ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ فَيْئًا مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِمّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً، وكانَ يُنْفِقُ مِنها عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ وما بَقِيَ جَعَلَهُ في الكُراعِ والسِّلاحِ عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ». قالَ أبُو بَكْرٍ: فَهَذا مِنَ الفَيْءِ الَّذِي جُعِلَ الأمْرُ فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ حَقٌّ إلّا مَن جَعَلَهُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنْفِقُ مِنها عَلى أهْلِهِ ويَجْعَلُ الباقِيَ في الكُراعِ والسِّلاحِ؛ وذَلِكَ لِما بَيَّنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، وهو أنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، ولَمْ يَأْخُذُوهُ عَنْوَةً، وإنَّما أخَذُوهُ صُلْحًا، وكَذَلِكَ كانَ حُكْمُ فَدَكَ وقُرى عُرَيْنَةَ فِيما ذَكَرَهُ الزُّهْرِيُّ وقَدْ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الغَنِيمَةِ الصَّفِيُّ وهو ما كانَ يَصْطَفِيهِ مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ قَبْلَ أنْ يَقْسِمَ المالَ. وكانَ لَهُ أيْضًا سَهْمٌ مِنَ الخُمُسِ، فَكانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الفَيْءِ هَذِهِ الحُقُوقُ يَصْرِفُها في نَفَقَةِ عِيالِهِ والباقِي في نَوائِبِ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيها حَقٌّ إلّا مَن يَخْتارُ هو ﷺ أنْ يُعْطِيَهُ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مالٍ مِن أمْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ عَنْوَةً، وإنَّما أُخِذَ صُلْحًا أنَّهُ لا يُوضَعُ في بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ ويُصْرَفُ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ فِيها الخَراجُ والجِزْيَةُ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ما صارَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ حِينَ لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ.

الحشر 59:7

وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَ ما لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِنَ الفَيْءِ فَجَعَلَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى ما قَدَّمْنا مِن بَيانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الفَيْءِ الَّذِي أوْجَفَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَجَعَلَهُ لِهَؤُلاءِ الأصْنافِ، وهُمُ الأصْنافُ الخَمْسُ المَذْكُورُونَ في غَيْرِها، وظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ لِلْغانِمَيْنِ شَيْءٌ مِنهُ إلّا مَن كانَ مِنهم مِن هَذِهِ الأصْنافِ، وقالَ قَتادَةُ: " كانَتِ الغَنائِمُ في صَدْرِ الإسْلامِ لِهَؤُلاءِ الأصْنافِ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] " قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا فَتَحَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ العِراقَ سَألَهُ قَوْمٌ مِنَ الصَّحابَةِ قِسْمَتَهُ بَيْنَ الغانِمِينَ، مِنهم الزُّبَيْرُ وبِلالٌ وغَيْرُهُما، فَقالَ: إنْ قَسَمْتُها بَيْنَهم بَقِيَ آخِرُ النّاسِ لا شَيْءَ لَهم؛ واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، وشاوَرَ عَلِيًّا وجَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ، فَأشارُوا عَلَيْهِ بِتَرْكِ القِسْمَةِ، وأنْ يُقِرَّ أهْلَها عَلَيْها ويَضَعَ عَلَيْها الخَراجَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، ووافَقَتْهُ الجَماعَةُ عِنْدَ احْتِجاجِهِ بِالآيَةِ، وهَذا (p-٣١٩)يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ وأنَّها مَضْمُومَةٌ إلى آيَةِ الغَنِيمَةِ في الأرَضِينَ المُفْتَتَحَةِ، فَإنْ رَأى قِسْمَتَها أصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ وأرَدَّ عَلَيْهِمْ قَسَمَ، وإنْ رَأى إقْرارَ أهْلِها عَلَيْها، وأخْذَ الخَراجِ مِنهم فِيها فَعَلَ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الآيَةُ ثابِتَةَ الحُكْمِ في جَوازِ أخْذِ الخَراجِ مِنها حَتّى يَسْتَوِيَ الآخَرُ والأوَّلُ فِيها لَذَكَرُوهُ لَهُ وأخْبَرُوهُ بِنَسْخِها، فَلَمّا لَمْ يُحاجُّوهُ بِالنَّسْخِ دَلَّ عَلى ثُبُوتِ حُكْمِها عِنْدَهم وصِحَّةِ دَلالَتِها لَدَيْهِمْ عَلى ما اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الآيَتَيْنِ بِمَجْمُوعِهِما: واعْلَمُوا أنَّ ما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ في الأمْوالِ سِوى الأرَضِينَ وفي الأرَضِينَ إذا اخْتارَ الإمامُ ذَلِكَ، وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الأرَضِينَ فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إنِ اخْتارَ تَرْكَها عَلى مِلْكِ أهْلِها، ويَكُونُ ذِكْرُ الرَّسُولِ هَهُنا لِتَفْوِيضِ الأمْرِ عَلَيْهِ في صَرْفِهِ إلى مَن رَأى؛ فاسْتَدَلَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] وقالَ: لَوْ قَسَمْتَها بَيْنَهم لَصارَتْ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكم، ولَمْ يَكُنْ لِمَن جاءَ بَعْدَهم مِنَ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ، وقَدْ جَعَلَ لَهم فِيها الحَقَّ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] فَلَمّا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ حُكْمُ دَلالَةِ الآيَةِ ومُوافَقَةُ كُلِّ الصَّحابَةِ عَلى إقْرارِ أهْلِها عَلَيْها ووَضْعِ الخَراجِ بَعَثَ عُثْمانَ بْنَ حُنَيْفٍ وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ فَمَسَحا الأرَضِينَ ووَضَعا الخَراجَ عَلى الأوْضاعِ المَعْلُومَةِ ووَضَعا الجِزْيَةَ عَلى الرِّقابِ وجَعَلاهم ثَلاثَ طَبَقاتٍ: اثْنِي عَشَرَ وأرْبَعَةً وعِشْرِينَ وثَمانِيَةً وأرْبَعِينَ، ثُمَّ لَمْ يَتَعَقَّبْ فِعْلَهُ هَذا أحَدٌ مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهُ مِنَ الأئِمَّةِ بِالفَسْخِ فَصارَ ذَلِكَ اتِّفاقًا. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أحْكامِ الأرَضِينَ المُفْتَتَحَةِ عَنْوَةً، فَقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ: " إذا افْتَتَحَها الإمامُ عَنْوَةً فَهو بِالخِيارِ إنْ شاءَ قَسَمَها وأهْلَها وأمْوالَهم بَيْنَ الغانِمِينَ بَعْدَ إخْراجِ الخُمُسِ، وإنْ شاءَ أقَرَّ أهْلَها عَلَيْها وجَعَلَ عَلَيْها وعَلَيْهِمُ الخَراجُ ويَكُونُ مِلْكًا لَهم ويَجُوزُ بَيْعُهم وشِراؤُهم لَها " وقالَ مالِكٌ: " ما باعَ أهْلُ الصُّلْحِ مِن أرْضِهِمْ فَهو جائِزٌ وما افْتُتِحَ عَنْوَةً فَإنَّهُ لا يَشْتَرِي مِنهم أحَدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ الصُّلْحِ مَن أسْلَمَ مِنهم كانَ أحَقَّ بِأرْضِهِ ومالِهِ، وأمّا أهْلُ العَنْوَةِ الَّذِينَ أُخِذُوا عَنْوَةً فَمَن أسْلَمَ مِنهم أحْرَزَ لَهُ إسْلامُهُ نَفْسَهُ وأرْضَهُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ بِلادَهم قَدْ صارَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ " وقالَ الشّافِعِيُّ: " ما كانَ عَنْوَةً فَخُمُسُها لِأهْلِهِ وأرْبَعَةُ أخْماسِها لِلْغانِمَيْنِ، فَمَن طابَ نَفْسًا عَنْ حَقِّهِ لِلْإمامِ أنْ يَجْعَلَها وقْفًا عَلَيْهِمْ، ومَن لَمْ يَطِبْ نَفْسًا فَهو أحَقُّ بِمالِهِ " قالَ أبُو بَكْرٍ: لا تَخْلُو الأرْضُ المُفْتَتَحَةُ عَنْوَةً مِن أنْ تَكُونَ لِلْغانِمَيْنِ لا يَجُوزُ لِلْإمامِ صَرْفُها عَنْهم بِحالٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن أنْفُسِهِمْ، أوْ أنْ (p-٣٢٠)يَكُونَ الإمامُ مُخَيَّرًا بَيْنَ إقْرارِ أهْلِها عَلى أمْلاكِهِمْ فِيها ووَضْعِ الخَراجِ عَلَيْها وعَلى رِقابِ أهْلِها عَلى ما فَعَلَهُ عُمَرُ في أرْضِ السَّوادِ، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى تَصْوِيبِ عُمَرَ فِيما فَعَلَهُ في أرْضِ السَّوادِ بَعْدَ خِلافٍ مِن بَعْضِهِمْ عَلَيْهِ عَلى إسْقاطِ حَقِّ الغانِمِينَ عَنْ رِقابِها دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الغانِمِينَ لا يَسْتَحِقُّونَ مِلْكَ الأرَضِينَ، ولا رِقابَ أهْلِها إلّا بِأنْ يَخْتارَ الإمامُ ذَلِكَ لَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ مِلْكًا لَهم لَما عَدَلَ عَنْهم بِها إلى غَيْرِهِمْ ولَنازَعُوهُ في احْتِجاجِهِ بِالآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] فَلَمّا سَلَّمَ لَهُ الجَمِيعُ رَأْيَهُ عِنْدَ احْتِجاجِهِ بِالآيَةِ دَلَّ عَلى أنَّ الغانِمِينَ لا يَسْتَحِقُّونَ مِلْكَ الأرَضِينَ إلّا بِاخْتِيارِ الإمامِ ذَلِكَ لَهم. وأيْضًا لا يَخْتَلِفُونَ أنَّ لِلْإمامِ أنْ يَقْتُلَ الأسْرى مِنَ المُشْرِكِينَ ولا يَسْتَبْقِيَهم، ولَوْ كانَ مِلْكُ الغانِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِيهِمْ لَما كانَ لَهُ إتْلافُهُ عَلَيْهِمْ كَما لا يُتْلِفُ عَلَيْهِمْ سائِرَ أمْوالِهِمْ، فَلَمّا كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَ الأسْرى ولَهُ أنْ يَسْتَبْقِيَهم فَيَقْسِمَهم بَيْنَهم ثَبَتَ أنَّ المِلْكَ لا يَحْصُلُ لِلْغانِمَيْنِ بِإحْرازِ الغَنِيمَةِ في الرِّقابِ والأرَضِينَ إلّا أنْ يَجْعَلَها الإمامُ لَهم ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا ما رَوى الثَّوْرِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ قالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ نِصْفًا لِنَوائِبِهِ وحاجَتِهِ ونِصْفًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، قَسَمَها بَيْنَهم عَلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا؛» فَلَوْ كانَ الجَمِيعُ مِلْكًا لِلْغانِمَيْنِ لَما جَعَلَ نِصْفَهُ لِنَوائِبِهِ وحاجَتِهِ وقَدْ فَتَحَها عَنْوَةً؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً ومَنَّ عَلى أهْلِها فَأقَرَّهم عَلى أمْلاكِهِمْ فَقَدْ حَصَلَ بِدَلالَةِ الآيَةِ، وإجْماعِ السَّلَفِ والسُّنَّةِ تَخْيِيرُ الإمامِ في قِسْمَةِ الأرَضِينَ أوْ تَرْكِها مِلْكًا لِأهْلِها، ووَضَعَ الخَراجَ عَلَيْها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنَعَتِ العِراقُ قَفِيزَها ودِرْهَمَها، ومَنَعَتِ الشّامُ مُدَّها ودِينارَها، ومَنَعَتْ مِصْرُ أرْدَبَّها ودِينارَها، وعُدْتُمْ كَما بَدَأْتُمْ» شَهِدَ عَلى ذَلِكَ لَحْمُ أبِي هُرَيْرَةَ ودَمُهُ فَأخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ مَنعِ النّاسِ لَهَذِهِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ لِلَّهِ - تَعالى - في الأرَضِينَ وأنَّهم يَعُودُونَ إلى حالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في مَنعِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ عُمَرَ في السَّوادِ وأنَّ ما وضَعَهُ هو مِن حُقُوقِ اللَّهِ - تَعالى - الَّتِي يَجِبُ أداؤُها فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ فِيما ذَكَرْتَ مِن فِعْلِ عُمَرَ في السَّوادِ إجْماعٌ؛ لِأنَّ حَبِيبَ بْنَ أبِي ثابِتٍ وغَيْرَهُ قَدْ رَوَوْا عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنَ يَزِيدَ الحِمّانِيِّ قالَ: دَخَلْنا عَلى عَلِيٍّ بِالرَّحْبَةِ فَقالَ: لَوْلا أنْ يَضْرِبَ بَعْضُكم وُجُوهَ بَعْضٍ لَقَسَمْتُ السَّوادَ بَيْنَكم قِيلَ لَهُ الصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ أشارَ عَلى عُمَرَ (p-٣٢١)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِتَرْكِ قِسْمَةِ السَّوادِ، وإقْرارِ أهْلِهِ عَلَيْهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَصِحَّ عَنْ عَلِيٍّ ما ذَكَرْتَ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو مَن خاطَبَهم عَلِيٌّ بِذَلِكَ مِن أنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ فَتَحُوا السَّوادَ فاسْتَحَقُّوا مِلْكَهُ وقِسْمَتَهُ بَيْنَهم مِن غَيْرِ خِيارٍ لِلْإمامِ فِيهِ، أوْ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُونَ بِهِ غَيْرَ الَّذِينَ فَتَحُوهُ، أوْ خاطَبَ بِهِ الجَيْشَ وهم أخْلاطٌ مِنهم مَن شَهِدَ فَتْحَ السَّوادِ ومِنهم مَن لَمْ يَشْهَدْهُ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِمَن لَمْ يَشْهَدْ فَتْحَهُ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَقُولُ إنَّ الغَنِيمَةَ تُصْرَفُ إلى غَيْرِ الغانِمِينَ ويَخْرُجُ مِنها الغانِمُونَ، وأنْ يَكُونُوا أخْلاطًا فِيهِمْ مَن شَهِدَ الفَتْحَ واسْتَحَقَّ الغَنِيمَةَ وفِيهِمْ مَن لَمْ يَشْهَدْهُ، وهَذا مِثْلُ الأوَّلِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَشْهَدِ الفَتْحَ لا يَجُوزُ أنْ يُسْهَمَ لَهُ وتُقْسَمُ الغَنِيمَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ شَهِدُوهُ أوْ أنْ يَكُونَ خاطَبَ بِهِ مَن شَهِدَ الفَتْحَ دُونَ غَيْرِهِ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ وكانُوا هُمُ المُسْتَحَقِّينَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ مِن غَيْرِ خِيارٍ لِلْإمامِ فِيهِ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَجْعَلَ حَقَّهم لِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ بَعْضَهم يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ.؛ إذْ كانَ أتْقى لِلَّهِ مِن أنْ يَتْرُكَ حَقًّا يَجِبُ عَلَيْهِ القِيامُ بِهِ إلى غَيْرِهِ؛ لِما وصَفْتَ وعَلى أنَّهُ لَمْ يُخَصِّصْ بِهَذا الخِطابِ الَّذِينَ فَتَحُوهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ هَذِهِ الرِّوايَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذا الأصْلِ الَّذِي ذَكَرْنا وصِحَّةِ الرِّوايَةِ عَنْ عُمَرَ في كافَّةِ الصَّحابَةِ عَلى تَرْكِ قِسْمَةِ السَّوادِ، وإقْرارِ أهْلِهِ عَلَيْهِ، فَقالَ قائِلُونَ: " أقَرَّهم عَلى أمْلاكِهِمْ وتَرْكِ أمْوالِهِمْ في أيْدِيهِمْ ولَمْ يَسْتَرِقَّهم "، وهو الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن مَذْهَبِ أصْحابِنا وقالَ آخَرُونَ: " إنَّما أقَرَّهم عَلى أرْضِهِمْ عَلى أنَّهم وأرْضُهم فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأنَّهم غَيْرُ مُلّاكٍ لَها " وقالَ آخَرُونَ: " أقَرَّهم عَلى أنَّهم أحْرارٌ والأرَضُونَ مَوْقُوفَةٌ عَلى مَصالِحِ المُسْلِمِينَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّ مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ السَّوادِ كانَ حُرًّا وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَسْتَرِقَّهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ دِهْقانًا أسْلَمَ عَلى عَهْدِهِ فَقالَ لَهُ: " إنْ أقَمْتَ في أرْضِكَ رَفَعْنا الجِزْيَةَ عَنْ رَأْسِكَ وأخَذْناها مِن أرْضِكَ، وإنْ تَحَوَّلْتَ عَنْها فَنَحْنُ أحَقُّ بِها "، . وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في دِهْقانَةِ نَهْرِ المُلْكِ حِينَ أسْلَمَتْ؛ فَلَوْ كانُوا عَبِيدًا لَما زالَ عَنْهُمُ الرِّقُّ بِالإسْلامِ فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالا: إنْ تَحَوَّلْتَ عَنْها فَنَحْنُ أحَقُّ بِها قِيلَ لَهُ: إنَّما أرادا بِذَلِكَ أنَّكَ إنْ عَجَزْتَ عَنْ عِمارَتِها عَمَّرْناها نَحْنُ وزَرَعْناها لِئَلّا تَبْطُلَ الحُقُوقُ الَّتِي قَدْ وجَبَتْ لِلْمُسْلِمِينَ في رِقابِها وهو الخَراجُ؛ وكَذَلِكَ يَفْعَلُ الإمامُ عِنْدَنا بِأراضِي العاجِزِينَ عَنْ عِمارَتِها ولَمّا ثَبَتَ بِما وصَفْنا أنَّ مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ السَّوادِ فَهو حُرٌّ، ثَبَتَ أنَّ أراضِيَهم عَلى أمْلاكِهِمْ كَما كانَتْ رِقابُهم مُبَقّاةً عَلى أصْلِ الحُرِّيَّةِ، ومِن حَيْثُ جازَ لِلْإمامِ عِنْدَ مُخالِفَيْنا أنْ يَقْطَعَ حَقَّ (p-٣٢٢)الغانِمِينَ عَنْ رِقابِها ويَجْعَلَها مَوْقُوفَةً عَلى المُسْلِمِينَ بِصَرْفِ خَراجِها إلَيْهِمْ جازَ إقْرارُها عَلى أمْلاكِ أهْلِها ويُصْرَفُ خَراجُها إلى المُسْلِمِينَ؛ إذْ لا حَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ في نَفْيِ مِلْكِ مُلّاكِها عَنْها بَعْدَ أنْ لا يَحْصُلَ لِلْمُسْلِمِينَ مِلْكُها، وإنَّما حَقُّهم في الحالَيْنِ في خَراجِها لا في رِقابِها بِأنْ يَتَمَلَّكُوها وذَكَرَ يَحْيى بْنُ آدَمَ عَنْ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ قالَ: سَمِعْنا أنَّ الغَنِيمَةَ ما غَلَبَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ حَتّى يَأْخُذُوهُ عَنْوَةً بِالقِتالِ وأنَّ الفَيْءَ ما صُولِحُوا عَلَيْهِ "؛ قالَ الحَسَنُ: " فَأمّا سَوادُنا هَذا فَإنّا سَمِعْنا أنَّهُ كانَ في أيْدِي النِّبْطِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ أهْلُ فارِسَ، فَكانُوا يُؤَدُّونَ إلَيْهِمُ الخَراجَ، فَلَمّا ظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى أهْلِ فارِسَ تَرَكُوا السَّوادَ، ومَن لَمْ يُقاتِلْهم مِنَ الدَّهاقِينِ عَلى حالِهِمْ ووَضَعُوا الجِزْيَةَ عَلى رُءُوسِ الرِّجالِ ومَسَحُوا ما كانَ في أيْدِيِهِمْ مِنَ الأرَضِينَ، ووَضَعُوا عَلَيْهِمُ الخَراجَ، وقَبَضُوا عَلى كُلِّ أرْضٍ لَيْسَتْ في يَدِ أحَدٍ فَكانَتْ صَوافِيَ لِلْإمامِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ النِّبْطَ لَمّا كانُوا أحْرارًا في مَمْلَكَةِ أهْلِ فارِسَ فَكانَتْ أمْلاكُهم ثابِتَةً في أراضِيِهِمْ، ثُمَّ ظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى أهْلِ فارِسَ وهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا المُسْلِمِينَ ولَمْ يُقاتِلْهُمُ النِّبْطُ كانَتْ أراضِيُهم ورِقابُهم عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ في أيّامِ الفُرْسِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقاتِلُوا المُسْلِمِينَ، فَكانَتْ أرَضُوهم ورِقابُهم في مَعْنى ما صُولِحَ عَلَيْهِ وأنَّهم إنَّما كانُوا يَمْلِكُونَ أراضِيَهم ورِقابَهم لَوْ قاتَلُوهم. وهَذا وجْهٌ كانَ يَحْتَمِلُهُ الحالُ لَوْلا أنَّ مُحاجَّةَ عُمَرَ لِأصْحابِهِ الَّذِينَ سَألُوهُ قِسْمَةَ السَّوادِ كانَتْ مِن غَيْرِ هَذا الوَجْهِ، وإنَّما احْتَجَّ بِدَلالَةِ الكِتابِ دُونَ ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ فَإنْ قِيلَ: إنَّما دَفَعَ عُمَرُ السَّوادَ إلى أهْلِهِ بِطِيبَةٍ مِن نُفُوسِ الغانِمِينَ عَلى وجْهِ الإجارَةِ، والأُجْرَةُ تُسَمّى خَراجًا، قالَ النَّبِيُّ ﷺ «الخَراجُ بِالضَّمانِ» ومُرادُهُ أُجْرَةُ العَبْدِ المُشْتَرى إذا رُدَّ بِالعَيْبِ قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّ عُمَرَ لَمْ يَسْتَطِبْ نُفُوسَ القَوْمِ في وضْعِ الخَراجِ وتَرْكِ القِسْمَةِ، وإنَّما شاوَرَ الصَّحابَةَ وحاجَّ مَن طَلَبَ القِسْمَةَ بِما أوْضَحَ بِهِ قَوْلَهُ، ولَوْ كانَ قَدِ اسْتَطابَ نُفُوسَهم لَنُقِلَ كَما نُقِلَ ما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ المُراجَعَةِ والمُحاجَّةِ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ نُقِلَ ذَلِكَ، وذَكَرَ ما رَواهُ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: كُنّا رُبُعَ النّاسِ فَأعْطانا عُمَرُ رُبُعَ السَّوادِ فَأخَذْناهُ ثَلاثَ سِنِينَ. ثُمَّ وفَدَ جَرِيرٌ إلى عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ عُمَرُ: واللَّهِ لَوْلا أنِّي قاسِمٌ مَسْؤُولٌ لَكُنْتُمْ عَلى ما قُسِمَ لَكم، فَأرى أنْ تَرُدُّوهُ عَلى المُسْلِمِينَ فَفَعَلَ، فَأجازَهُ عُمَرُ بِثَمانِينَ دِينارًا، فَأتَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ قَوْمِي صالَحُوكَ عَلى أمْرٍ ولَسْتُ أرْضى حَتّى تَمْلَأ كَفي ذَهَبًا وتَحْمِلَنِي عَلى جَمَلٍ ذَلُولٍ وتُعْطِيَنِي قَطِيفَةً حَمْراءَ، قالَ: فَفَعَلَ قالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى (p-٣٢٣)أنَّهُ كانَ مَلَّكَهم رِقابَ الأرَضِينَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أعْطاهم رُبُعَ الخَراجِ ثُمَّ رَأى بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقْتَصِرَ بِهِمْ عَلى أُعْطِيّاتِهِمْ دُونَ الخَراجِ؛ لِيَكُونُوا أُسْوَةً لِسائِرِ النّاسِ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ بِاسْتِطابَةٍ مِنهُ لِنُفُوسِهِمْ وقَدْ أخْبَرَ عُمَرُ أنَّهُ رَأى رَدَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ وأظْهَرَ أنَّهُ لا يَسَعُهُ غَيْرُهُ لَمّا كانَ عِنْدَهُ أنَّهُ الأصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ. وأمّا أمْرُ المَرْأةِ فَإنَّهُ أعْطاها مِن بَيْتِ المالِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ جائِزًا لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ مِن غَيْرِ أخْذِ ما كانَ في أيْدِيهِمْ مِنَ السَّوادِ، وأمّا قَوْلُهُ: " إنَّ الخَراجَ أُجْرَةٌ " فَفاسِدٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ الإجاراتِ لا تَجُوزُ إلّا عَلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ إذا وقَعَتْ عَلى المُدَّةِ، وأيْضًا فَإنَّ أهْلَها لَمْ يَخْلُوا مِن أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا أوْ أحْرارًا، فَإنْ كانُوا عَبِيدًا فَإنَّ إجارَةَ المَوْلى مِن عَبْدِهِ لا تَجُوزُ، وإنْ كانُوا أحْرارًا فَكَيْفَ جازَ أنْ تُتْرَكَ رِقابُهم عَلى أصْلِ الحُرِّيَّةِ ولا تُتْرَكَ أراضِيهِمْ عَلى أمْلاكِهِمْ، وأيْضًا لَوْ كانُوا عَبِيدًا لَمْ يَجُزْ أخْذُ الجِزْيَةِ مِن رِقابِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ العَبِيدَ لا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، وأيْضًا لا خِلافَ أنَّ إجارَةَ النَّخْلِ والشَّجَرِ غَيْرُ جائِزَةٍ، وقَدْ أخَذَ عُمَرُ الخَراجَ مِنَ النَّخْلِ والشَّجَرِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في شِرى أرْضِ الخَراجِ واسْتِئْجارِها، فَقالَ أصْحابُنا: " لا بَأْسَ بِذَلِكَ "، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ وقالَ مالِكٌ: " أكْرَهُ اسْتِئْجارَ أرْضِ الخَراجِ " وكَرِهَ شَرِيكٌ شِرى أرْضِ الخَراجِ وقالَ: لا تَجْعَلْ في عُنُقِكَ صَغارًا وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي عِمْرانَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بِكارٍ قالَ: سَألَ رِجْلٌ المُعافى بْنَ عِمْرانَ عَنِ الزَّرْعِ في أرْضِ الخَراجِ، فَنَهاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ قائِلٌ: فَإنَّكَ تَزْرَعُ أنْتَ فِيها فَقالَ: يا ابْنَ أخِي لَيْسَ في الشَّرِّ قُدْوَةٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا بَأْسَ بِأنْ يَكْتَرِيَ المُسْلِمُ أرْضَ خَراجٍ كَما يَكْتَرِيَ دَوابَّهم " قالَ: والحَدِيثُ الَّذِي جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أنْ يُؤَدِّيَ الخَراجَ ولا لِمُشْرِكٍ أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ» إنَّما هو خَراجُ الجِزْيَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ اشْتَرى أرْضَ خَراجٍ، ورُوِيَ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا في الدُّنْيا» قالَ عَبْدُ اللَّهِ: وبِراذانَ ما بِراذانَ وبِالمَدِينَةِ ما بِالمَدِينَةِ وذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ لَهُ ضَيْعَةُ بِراذانَ وراذانُ مِن أرْضِ الخَراجِ. ورُوِيَ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ ابْنَيْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ اشْتَرَوْا مِن أرْضِ السَّوادِ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّها أمْلاكٌ لِأهْلِها. والثّانِي: أنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِلْمُسْلِمِ شِراها. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الخَراجِ: " أنَّهُ إنْ أقامَ عَلى أرْضِهِ أُخِذَ مِنهُ الخَراجُ " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كَرِهَ شِرى أرْضِ أهْلِ الذِّمَّةِ، وقالَ: " لا تَجْعَلْ ما جَعَلَ اللَّهُ في عُنُقِ هَذا الكافِرِ في عُنُقِكَ "؛ وقالَ ابْنُ عُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ، (p-٣٢٤)وقالَ: " لا تَجْعَلْ في عُنُقِكَ الصَّغارَ " قالَ أبُو بَكْرٍ: وخَراجُ الأرْضِ لَيْسَ بِصَغارٍ؛ لِأنَّهُ لا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ السَّلَفِ أنَّ الذِّمِّيَّ إذا كانَتْ لَهُ أرْضُ خَراجٍ فَأسْلَمَ أنَّهُ يُؤْخَذُ الخَراجُ مِن أرْضِهِ ويَسْقُطُ عَنْ رَأْسِهِ، فَلَوْ كانَ صَغارًا لَسَقَطَ بِالإسْلامِ. وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنَعَتِ العِراقُ قَفِيزَها ودِرْهَمَها» يَدُلُّ عَلى أنَّهُ واجِبٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَمّا يَمْنَعُ المُسْلِمُونَ مِن حَقِّ اللَّهِ في المُسْتَقْبَلِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: «وعُدْتُمْ كَما بَدَأْتُمْ» ؟ والصَّغارُ لا يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ، وإنَّما يَجِبُ عَلى الكُفّارِ لِلْمُسْلِمِينَ.

الحشر 59:9

وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: أنَّ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ، يَعْنِي الأنْصارَ، وقَدْ كانَ إسْلامُ المُهاجِرِينَ قَبْلَ إسْلامِ الأنْصارِ، ولَكِنَّهُ أرادَ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِ هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ. * * وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ . قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي أنَّهم لا يَحْسُدُونَ المُهاجِرِينَ عَلى فَضْلٍ آتاهُمُ اللَّهُ - تَعالى - وقِيلَ: لا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ ضِيقًا لِما يُنْفِقُونَهُ عَلَيْهِمْ. * * وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ الخَصاصَةُ الحاجَةُ؛ فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإيثارِهِمُ المُهاجِرِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ فِيما يُنْفِقُونَهُ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا هم مُحْتاجِينَ إلَيْهِ فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: مَعِي دِينارٌ فَقالَ: «أنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ فَقالَ: مَعِي دِينارٌ آخَرُ فَقالَ: أنْفِقْهُ عَلى عِيالِكَ فَقالَ: مَعِي دِينارٌ آخَرُ قالَ: تَصَدَّقْ بِهِ»، وأنَّ رَجُلًا جاءَ بِبَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ تَصَدَّقْ بِهَذِهِ فَإنِّي ما أمْلِكُ غَيْرَها فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ فَأعْرَضَ عَنْهُ، إلى أنْ أعادَ القَوْلَ، فَأخَذَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَماهُ بِها فَلَوْ أصابَتْهُ لَعَقَرَتْهُ، ثُمَّ قالَ: «يَأْتِينِي أحَدُكم بِجَمِيعِ ما يَمْلِكُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ إنَّما الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»، وأنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ والرَّجُلُ بِحالِ بَذاذَةٍ، فَحَثَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّدَقَةِ، فَطَرَحَ قَوْمٌ ثِيابًا أوْ دَراهِمَ، فَأعْطاهُ ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ حَثَّهم عَلى الصَّدَقَةِ، فَطَرَحَ الرَّجُلُ أحَدَ ثَوْبَيْهِ، فَأنْكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ . فَفِي هَذِهِ الأخْبارِ كَراهَةُ الإيثارِ عَلى النَّفْسِ والأمْرُ بِالإنْفاقِ عَلى النَّفْسِ ثُمَّ الصَّدَقَةُ بِالفَضْلِ قِيلَ لَهُ: إنَّما كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثِقْ مِنهُ بِالصَّبْرِ عَلى الفَقْرِ وخَشِيَ أنْ يَتَعَرَّضَ لِلْمَسْألَةِ إذا فَقَدَ ما يُنْفِقُهُ. ألا تَرى أنَّهُ قالَ: «يَأْتِينِي أحَدُهم بِجَمِيعِ ما يَمْلِكُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ» ؟ فَإنَّما كَرِهَ الإيثارَ لِمَن كانَتْ هَذِهِ حالُهُ، فَأمّا الأنْصارُ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإيثارِ عَلى النَّفْسِ فَلَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ (p-٣٢٥)الصِّفَةِ بَلْ كانُوا كَما قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] فَكانَ الإيثارُ مِنهم أفْضَلَ مِنَ الإمْساكِ، والإمْساكُ مِمَّنْ لا يَصْبِرُ ويَتَعَرَّضُ لِلْمَسْألَةِ أوْلى مِنَ الإيثارِ. وقَدْ رَوى مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أُهْدِيَ لِرَجُلٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأْسُ شاةٍ، فَقالَ: إنَّ فُلانًا وعِيالَهُ أحْوَجُ إلى هَذا مِنّا فَبَعَثَ بِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ واحِدٌ إلى آخَرَ حَتّى تَداوَلَها تِسْعَةُ أهْلِ أبْياتٍ حَتّى رَجَعَتْ إلى الأوَّلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ الآيَةَ. ورَوى الأعْمَشُ عَنْ جامِعِ بْنِ شَدّادٍ عَنْ الأسْوَدِ بْنِ هِلالٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ فَقالَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ خِفْتُ أنْ تُصِيبَنِي هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ فَواللَّهِ ما أقْدِرُ عَلى أنْ أُعْطِيَ شَيْئًا أُطِيقُ مَنعَهُ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذا البُخْلُ وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ، ولَكِنَّ الشُّحَّ أنْ تَأْخُذَ مالَ أخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ قالَ ادِّخارُ الحَرامِ ومَنعُ الزَّكاةِ " . آخِرُ سُورَةِ الحَشْرِ.

الممتحنة 60:1

ومِن سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾؛ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ حِينَ كَتَبَ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ يَنْتَصِحُ لَهم فِيهِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَدَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: «أنْتَ كَتَبْتَ هَذا الكِتابَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وما حَمَلَكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ: أما واللَّهِ ما ارْتَبْتُ في اللَّهِ مُنْذُ أسْلَمْتُ ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً غَرِيبًا في قُرَيْشٍ وكانَ لِي بِمَكَّةَ مالٌ وبَنُونَ فَأرَدْتُ أنْ أُدافِعَ بِذَلِكَ عَنْهم، فَقالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ فَأضْرِبَ عُنُقَهُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَهْلًا يا ابْنَ الخَطّابِ إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَإنِّي غافِرٌ لَكم» . حَدَّثَنا بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَعْنى ما قَدَّمْنا. قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ ما فَعَلَهُ حاطِبٌ لا يُوجِبُ الرِّدَّةَ وذَلِكَ لِأنَّهُ ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ لَهُ؛ لِيَدْفَعَ بِهِ عَنْ ولَدِهِ ومالِهِ كَما يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِهِ عِنْدَ التَّقِيَّةِ ويَسْتَبِيحُ إظْهارَ كَلِمَةِ الكُفْرِ، ومِثْلُ هَذا الظَّنِّ إذا صَدَرَ عَنْهُ الكِتابُ الَّذِي كَتَبَهُ فَإنَّهُ لا يُوجِبُ الإكْفارَ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ يُوجِبُ الإكْفارَ لاسْتَتابَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمّا لَمْ يَسْتَتِبْهُ وصَدَّقَهُ عَلى ما قالَ عُلِمَ أنَّهُ ما كانَ مُرْتَدًّا. (p-٣٢٦)وإنَّما قالَ عُمَرُ ائْذَنْ لِي فَأضْرِبَ عُنُقَهُ؛ لِأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ فَعَلَهُ عَنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَإنْ قِيلَ: قَدْ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ إنَّما مَنَعَ عُمَرَ مِن قَتْلِهِ؛ لِأنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وقالَ: " ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم " فَجَعَلَ العِلَّةَ المانِعَةَ مِن قَتْلِهِ كَوْنَهُ مِن أهْلِ بَدْرٍ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَما ظَنَنْتَ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مِن أهْلِ بَدْرٍ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ كافِرًا مُسْتَحِقًّا لِلنّارِ إذا كَفَرَ، وإنَّما مَعْناهُ: ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ أنَّ أهْلَ بَدْرٍ، وإنْ أذْنَبُوا لا يَمُوتُونَ إلّا عَلى التَّوْبَةِ؛ ومَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ وُجُودَ التَّوْبَةِ إذا أمْهَلَهُ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِهِ أوْ يَفْعَلَ ما يَقْتَطِعُهُ بِهِ عَنِ التَّوْبَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّ أهْلَ بَدْرٍ، وإنْ أذْنَبُوا فَإنَّ مَصِيرَهم إلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ عَلى المالِ والوَلَدِ لا يُبِيحُ التَّقِيَّةَ في إظْهارِ الكُفْرِ، وأنَّهُ لا يَكُونُ بِمَنزِلَةِ الخَوْفِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ نَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ مِثْلِ ما فَعَلَ حاطِبٌ مَعَ خَوْفِهِ عَلى أهْلِهِ ومالِهِ، وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا أنَّهُ لَوْ قالَ لِرَجُلٍ: " لَأقْتُلَنَّ ولَدَكَ أوْ لَتَكْفُرَنَّ " أنَّهُ لا يَسَعُهُ إظْهارُ الكُفْرِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ فِيمَن لَهُ عَلى رِجْلٍ مالٌ فَقالَ: " لا أقِرُّ لَكَ حَتّى تَحُطَّ عَنِّي بَعْضَهُ " فَحَطَّ عَنْهُ بَعْضَهُ أنَّهُ لا يَصِحُّ الحَطُّ عَنْهُ وجُعِلَ خَوْفُهُ عَلى ذَهابِ مالِهِ بِمَنزِلَةِ الإكْراهِ عَلى الحَطِّ، وهو فِيما أظُنُّ مَذْهَبُ ابْنِ أبِي لَيْلى وما ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الخَوْفَ عَلى المالِ والأهْلِ لا يُبِيحُ التَّقِيَّةَ أنَّ اللَّهَ فَرَضَ الهِجْرَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَعْذُرْهم في التَّخَلُّفِ لِأجْلِ أمْوالِهِمْ وأهْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] الآيَةَ. وقالَ: ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] الآيَةَ؛ وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٦٤] قِيلَ فِيهِ: الأنْبِياءُ، وقِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ؛ فَأمَرَ اللَّهُ النّاسَ بِالتَّأسِّي بِهِمْ في إظْهارِ مُعاداةِ الكُفّارِ وقَطْعِ المُوالاةِ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا﴾ [الممتحنة: ٤] فَهَذا حُكْمٌ قَدْ تَعَبَّدَ المُؤْمِنُونَ بِهِ وقَوْلُهُ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ﴾ [الممتحنة: ٤] يَعْنِي في أنْ لا يَتَأسَّوْا بِهِ في الدُّعاءِ لِلْأبِ الكافِرِ، وإنَّما فَعَلَ إبْراهِيمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أظْهَرَ لَهُ الإيمانَ ووَعَدَهُ إظْهارَهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ - تَعالى - أنَّهُ مُنافِقٌ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ؛ فَأمَرَ اللَّهُ - تَعالى - بِالتَّأسِّي بِإبْراهِيمَ في كُلِّ أُمُورِهِ إلّا في اسْتِغْفارٍ لِلْأبِ الكافِرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥]؛ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي بِإظْهارِهِمْ عَلَيْنا فَيَرَوْا أنَّهم عَلى حَقٍّ، (p-٣٢٧)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُسَلِّطُهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونَنا.

الممتحنة 60:8

بابُ صِلَةِ الرَّحِمِ المُشْرِكِ قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ الآيَةَ. رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ أسْماءَ سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أُمٍّ لَها مُشْرِكَةٍ جاءَتْنِي أأصِلُها ؟ قالَ: نَعَمْ صِلِيها» قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ عُمُومٌ في جَوازِ دَفْعِ الصَّدَقاتِ إلى أهْلِ الذِّمَّةِ إذْ لَيْسَ هم مِن أهْلِ قِتالِنا، وفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الصَّدَقَةِ عَلى أهْلِ الحَرْبِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ﴾ وقَدْ رُوِيَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآيَةَ. رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: «كانَ مِمّا شَرَطَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ لا يَأْتِيكَ مِنّا أحَدٌ، وإنْ كانَ عَلى دِينِكَ إلّا رَدَدْتَهُ عَلَيْنا فَرَدَّ أبا جَنْدَلٍ عَلى أبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، ولَمْ يَأْتِهِ أحَدٌ مِنَ الرِّجالِ إلّا رَدَّهُ في تِلْكَ المُدَّةِ، وإنْ كانَ مُسْلِمًا وجاءَ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، وكانَتْ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وهي عاتِقٌ، فَجاءَ أهْلُها يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرْجِعَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]» الآيَةَ. قالَ عُرْوَةُ: فَأخْبَرَتْنِي عائِشَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] قالَتْ: فَمَن أقَرَّ بِهَذا الشَّرْطِ مِنهُنَّ قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ بايَعْتُكِ كَلامًا يُكَلِّمُها بِهِ واللَّهِ ما مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأةٍ مِن أهْلِ المُبايَعَةِ» ورَوى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ عَنْ أبِي زُمَيْلٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لَقَدْ «صالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وجَعَلَ لَهم أنَّ مَن لَحِقَ بِالكُفّارِ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ، ومَن لَحِقَ بِالمُسْلِمِينَ مِنَ الكُفّارِ يَرُدُّونَهُ» . ورَوى الحُكْمُ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كانَ في الصُّلْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أنَّ مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَهو رَدٌّ إلَيْهِمْ، ونَزَلَتْ سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ بَعْدَ الصُّلْحِ فَكانَ مَن أسْلَمَ مِن نِسائِهِمْ تُسْألُ ما أخْرَجَكِ ؟ فَإنْ كانَتْ خَرَجَتْ هَرَبًا مِن زَوْجِها ورَغْبَةً عَنْهُ رُدَّتْ، وإنْ كانَتْ خَرَجَتْ رَغْبَةً في الإسْلامِ أُمْسِكَتْ ورُدَّ عَلى زَوْجِها ما أنْفَقَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَخْلُو (p-٣٢٨)الصُّلْحُ مِن أنْ يَكُونَ كانَ خاصًّا في الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن رَدِّ مَن جاءَ مِنهم مُسْلِمًا إلَيْهِمْ، أوْ أنْ يَكُونَ وقَعَ بَدِيًّا عامًّا ثُمَّ نُسِخَ عَنِ النِّساءِ، وهَذا أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَنا، وإنْ لَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ أحَدًا مِنَ النِّساءِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ النَّسْخَ جائِزٌ بَعْدَ التَّمْكِينِ مِنَ الفِعْلِ، وإنْ لَمْ يَقَعِ الفِعْلُ. وقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُرادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إذا هاجَرْنَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى امْتِحانَهُنَّ دُونَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ أُرِيدَ بِهِ سائِرُ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ غَيْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ حَضْرَتِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] المُرادُ بِهِ العِلْمُ الظّاهِرُ لا حَقِيقَةُ اليَقِينِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا سَبِيلَ لَنا إلَيْهِ، وهو مِثْلُ قَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾ [يوسف: ٨١] يَعْنُونَ العِلْمَ الظّاهِرَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] ؟، وإنَّما حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ مِن جِهَةِ الظّاهِرِ لَمّا وجَدُوا الصُّواعَ في رَحْلِهِ؛ وهو مِثْلُ شَهادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ ظاهِرُهُمُ العَدالَةُ قَدْ تَعَبَّدَنا اللَّهُ بِالحُكْمِ بِها مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ وحَمْلِ شَهادَتِهِما عَلى الصِّحَّةِ، وكَذَلِكَ قَبُولُ أخْبارِ الآحادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن هَذا الطَّرِيقِ وقَدْ ألْزَمَنا اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ قَبُولَ قَوْلِ مَن أظْهَرَ لَنا الإيمانَ والحُكْمَ بِصِحَّةِ ما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَهُ. وهَذا أصْلٌ في تَصْدِيقِ كُلِّ مَن أخْبَرَ عَمّا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن حالِهِ، مِثْلُ المَرْأةِ إذا أخْبَرَتْ عَنْ حَيْضِها وطُهْرِها وحَبَلِها، ومِثْلُ الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ: " أنْتِ طالِقٌ إذا حِضْتِ " أوْ قالَ: " إذا طَهُرْتِ " فَيَكُونُ قَوْلُها مَقْبُولًا فِيهِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَقالَ عَطاءٌ: ما عَلِمْنا إيمانَهُنَّ إلّا بِما ظَهَرَ مِن قَوْلِهِنَّ؛ وقالَ قَتادَةُ: امْتِحانُهُنَّ ما خَرَجْنَ إلّا لِلدِّينِ والرَّغْبَةِ في الإسْلامِ وحُبِّ اللَّهِ - تَعالى - ورَسُولِهِ.

الممتحنة 60:9

بابُ صِلَةِ الرَّحِمِ المُشْرِكِ قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ الآيَةَ. رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ أسْماءَ سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أُمٍّ لَها مُشْرِكَةٍ جاءَتْنِي أأصِلُها ؟ قالَ: نَعَمْ صِلِيها» قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ عُمُومٌ في جَوازِ دَفْعِ الصَّدَقاتِ إلى أهْلِ الذِّمَّةِ إذْ لَيْسَ هم مِن أهْلِ قِتالِنا، وفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الصَّدَقَةِ عَلى أهْلِ الحَرْبِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ﴾ وقَدْ رُوِيَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآيَةَ. رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: «كانَ مِمّا شَرَطَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ لا يَأْتِيكَ مِنّا أحَدٌ، وإنْ كانَ عَلى دِينِكَ إلّا رَدَدْتَهُ عَلَيْنا فَرَدَّ أبا جَنْدَلٍ عَلى أبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، ولَمْ يَأْتِهِ أحَدٌ مِنَ الرِّجالِ إلّا رَدَّهُ في تِلْكَ المُدَّةِ، وإنْ كانَ مُسْلِمًا وجاءَ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، وكانَتْ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وهي عاتِقٌ، فَجاءَ أهْلُها يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُرْجِعَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]» الآيَةَ. قالَ عُرْوَةُ: فَأخْبَرَتْنِي عائِشَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] قالَتْ: فَمَن أقَرَّ بِهَذا الشَّرْطِ مِنهُنَّ قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ بايَعْتُكِ كَلامًا يُكَلِّمُها بِهِ واللَّهِ ما مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأةٍ مِن أهْلِ المُبايَعَةِ» ورَوى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ عَنْ أبِي زُمَيْلٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لَقَدْ «صالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَكَّةَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وجَعَلَ لَهم أنَّ مَن لَحِقَ بِالكُفّارِ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ، ومَن لَحِقَ بِالمُسْلِمِينَ مِنَ الكُفّارِ يَرُدُّونَهُ» . ورَوى الحُكْمُ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كانَ في الصُّلْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أنَّ مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَهو رَدٌّ إلَيْهِمْ، ونَزَلَتْ سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ بَعْدَ الصُّلْحِ فَكانَ مَن أسْلَمَ مِن نِسائِهِمْ تُسْألُ ما أخْرَجَكِ ؟ فَإنْ كانَتْ خَرَجَتْ هَرَبًا مِن زَوْجِها ورَغْبَةً عَنْهُ رُدَّتْ، وإنْ كانَتْ خَرَجَتْ رَغْبَةً في الإسْلامِ أُمْسِكَتْ ورُدَّ عَلى زَوْجِها ما أنْفَقَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَخْلُو (p-٣٢٨)الصُّلْحُ مِن أنْ يَكُونَ كانَ خاصًّا في الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن رَدِّ مَن جاءَ مِنهم مُسْلِمًا إلَيْهِمْ، أوْ أنْ يَكُونَ وقَعَ بَدِيًّا عامًّا ثُمَّ نُسِخَ عَنِ النِّساءِ، وهَذا أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَنا، وإنْ لَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ أحَدًا مِنَ النِّساءِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ النَّسْخَ جائِزٌ بَعْدَ التَّمْكِينِ مِنَ الفِعْلِ، وإنْ لَمْ يَقَعِ الفِعْلُ. وقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُرادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إذا هاجَرْنَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى امْتِحانَهُنَّ دُونَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ أُرِيدَ بِهِ سائِرُ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ غَيْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ حَضْرَتِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] المُرادُ بِهِ العِلْمُ الظّاهِرُ لا حَقِيقَةُ اليَقِينِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا سَبِيلَ لَنا إلَيْهِ، وهو مِثْلُ قَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾ [يوسف: ٨١] يَعْنُونَ العِلْمَ الظّاهِرَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] ؟، وإنَّما حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ مِن جِهَةِ الظّاهِرِ لَمّا وجَدُوا الصُّواعَ في رَحْلِهِ؛ وهو مِثْلُ شَهادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ ظاهِرُهُمُ العَدالَةُ قَدْ تَعَبَّدَنا اللَّهُ بِالحُكْمِ بِها مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ وحَمْلِ شَهادَتِهِما عَلى الصِّحَّةِ، وكَذَلِكَ قَبُولُ أخْبارِ الآحادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن هَذا الطَّرِيقِ وقَدْ ألْزَمَنا اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ قَبُولَ قَوْلِ مَن أظْهَرَ لَنا الإيمانَ والحُكْمَ بِصِحَّةِ ما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَهُ. وهَذا أصْلٌ في تَصْدِيقِ كُلِّ مَن أخْبَرَ عَمّا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن حالِهِ، مِثْلُ المَرْأةِ إذا أخْبَرَتْ عَنْ حَيْضِها وطُهْرِها وحَبَلِها، ومِثْلُ الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ: " أنْتِ طالِقٌ إذا حِضْتِ " أوْ قالَ: " إذا طَهُرْتِ " فَيَكُونُ قَوْلُها مَقْبُولًا فِيهِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَقالَ عَطاءٌ: ما عَلِمْنا إيمانَهُنَّ إلّا بِما ظَهَرَ مِن قَوْلِهِنَّ؛ وقالَ قَتادَةُ: امْتِحانُهُنَّ ما خَرَجْنَ إلّا لِلدِّينِ والرَّغْبَةِ في الإسْلامِ وحُبِّ اللَّهِ - تَعالى - ورَسُولِهِ.

الممتحنة 60:10

بابُ وُقُوعِ الفُرْقَةِ بِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: في هَذِهِ الآيَةِ ضُرُوبٌ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُقُوعِ الفُرْقَةِ بِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. واخْتِلافُ الدّارَيْنِ أنْ يَكُونَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِن أهْلِ دارِ الحَرْبِ والآخَرُ مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ المُهاجِرَةَ إلى دارِ الإسْلامِ قَدْ صارَتْ مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ وزَوْجُها باقٍ عَلى كُفْرِهِ مِن أهْلِ دارِ الحَرْبِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ بِهِما الدّارانِ، وحَكَمَ اللَّهُ بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ (p-٣٢٩)ولَوْ كانَتِ الزَّوْجِيَّةُ باقِيَةً لَكانَ الزَّوْجُ أوْلى بِها بِأنْ تَكُونَ مَعَهُ حَيْثُ أرادَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾؛ وقَوْلُهُ: ﴿وآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ أمَرَ بِرَدِّ مَهْرِها عَلى الزَّوْجِ، ولَوْ كانَتِ الزَّوْجِيَّةُ باقِيَةً لَما اسْتَحَقَّ الزَّوْجُ رَدَّ المَهْرِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَسْتَحِقَّ البُضْعَ وبَدَلَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ولَوْ كانَ النِّكاحُ الأوَّلُ باقِيًا لَما جازَ لَها أنْ تَتَزَوَّجَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ والعِصْمَةُ المَنعُ، فَنَهانا أنْ نَمْتَنِعَ مِن تَزْوِيجِها لِأجْلِ زَوْجِها الحَرْبِيِّ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الحَرْبِيَّةِ تَخْرُجُ إلَيْنا مُسْلِمَةً، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ في الحَرْبِيَّةِ تَخْرُجُ إلَيْنا مُسْلِمَةً ولَها زَوْجٌ كافِرٌ في دارِ الحَرْبِ: " قَدْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ فِيما بَيْنَهم ولا عِدَّةَ عَلَيْها " وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " عَلَيْها العِدَّةُ، وإنْ أسْلَمَ الزَّوْجُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلّا بِنِكاحٍ مُسْتَقْبَلٍ "، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وقالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: " إنْ أسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ أنْ تَحِيضَ ثَلاثَ حِيَضٍ فَقَدْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ " . ولا فَرْقَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ بَيْنَ دارِ الحَرْبِ وبَيْنَ دارِ الإسْلامِ، لا حُكْمَ لِلدّارِ عِنْدَهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: رَوى قَتادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: " إذا أسْلَمَتِ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِها فَهو أحَقُّ بِها ما دامُوا في دارِ الهِجْرَةِ " . ورَوى الشَّيْبانِيُّ عَنِ السَّفّاحِ بْنِ مَطَرٍ عَنْ داوُدَ بْنِ كُرْدُوسٍ قالَ: " كانَ رَجُلٌ مِن بَنِي تَغْلِبَ نَصْرانِيٌّ عِنْدَهُ امْرَأةٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ نَصْرانِيَّةٌ فَأسْلَمَتِ المَرْأةُ وأبى الزَّوْجُ أنْ يُسْلِمَ، فَفَرَّقَ عُمَرُ بَيْنَهُما " ورَوى لَيْثٌ عَنْ عَطاءٍ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ في النَّصْرانِيِّ تُسْلِمُ امْرَأتُهُ قالُوا: " إنْ أسْلَمَ مَعَها فَهي امْرَأتُهُ، وإنْ لَمْ يُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُما " . ورَوى قَتادَةُ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " إذا أسْلَمَ وهي في عِدَّتِها فَهي امْرَأتُهُ، وإنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُما "، ورَوى حَجّاجٌ عَنْ عَطاءٍ مِثْلَهُ، وعَنْ الحَسَنِ وابْنِ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ وقالَ إبْراهِيمُ: " إنْ أبى أنْ يُسْلِمَ فُرِّقَ بَيْنَهُما " ورَوى عَبّادُ بْنُ العَوّامِ عَنْ خالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " إذا أسْلَمَتِ النَّصْرانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِها فَهي أمْلَكُ لِنَفْسِها " قالَ أبُو بَكْرٍ: حَصَلَ اخْتِلافُ السَّلَفِ في ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ؛ فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " هو أحَقُّ بِها ما دامُوا في دارِ الهِجْرَةِ "، وهَذا مَعْناهُ عِنْدَنا إذا كانا في دارٍ واحِدَةٍ، ومَتى اخْتَلَفَتْ بِهِما الدّارُ فَصارَ أحَدُهُما في دارِ الحَرْبِ والآخَرُ في دارِ الإسْلامِ بانَتْ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " إذا أسْلَمَتْ وأبى الزَّوْجُ الإسْلامَ فُرِّقَ بَيْنَهُما " . وهَذا أيْضًا عَلى أنَّهُما في دارِ الإسْلامِ وقالَ آخَرُونَ مِمَّنْ ذَكَرْنا قَوْلَهُ: " هي امْرَأتُهُ ما دامَتْ في العِدَّةِ فَإذا انْقَضَتِ العِدَّةُ وقَعَتِ الفُرْقَةُ "، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " تَقَعِ الفُرْقَةُ بِإسْلامِها " واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى أنَّها لا تَبِينُ (p-٣٣٠)مِنهُ بِإسْلامِها إذا كانا في دارٍ واحِدَةٍ واخْتَلَفُوا في وقْتِ وُقُوعِ الفُرْقَةِ إذا أسْلَمَتْ ولَمْ يُسْلِمِ الزَّوْجُ، فَقالَ أصْحابُنا: " إنْ كانا ذِمِّيَّيْنِ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ حَتّى يَعْرِضَ الإسْلامَ عَلَيْهِ، فَإنْ أسْلَمَ، وإلّا فُرِّقَ بَيْنَهُما "، وهو مَعْنى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ، وقالُوا: " إنْ كانا حَرْبِيَّيْنِ في دارِ الحَرْبِ فَأسْلَمَتْ فَهي امْرَأتُهُ ما لَمْ تَحِضْ ثَلاثَ حِيَضٍ، فَإذا حاضَتْ ثَلاثَ حِيَضٍ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ فُرِّقَ بَيْنَهُما " ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ السَّلَفِ اعْتِبارُ الحَيْضِ إنَّما أرادُوا بِهِ الحَرْبِيِّينَ في دارِ الحَرْبِ وقالَ أصْحابُنا: " إذا أسْلَمَ أحَدُ الحَرْبِيِّينَ، وخَرَجَ إلَيْنا أيُّهُما كانَ وبَقِيَ الآخَرُ في دارِ الحَرْبِ فَقَدْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ " وقَدْ ذَكَرْنا وُجُوهَ دَلائِلِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: " نَزَلَتْ في سَبايا أوْطاسٍ كانَ لَهُنَّ أزْواجٌ في الشِّرْكِ وأباحَهُنَّ لَهم بِالسَّبْيِ " ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] قالَ: " كُلُّ ذاتِ زَوْجٍ فَإتْيانُها زِنًا إلّا ما سُبِيَتْ " وقالَ النَّبِيُّ ﷺ في السَّبايا: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ ولا حائِلٌ حَتّى تُسْتَبْرَأ بِحَيْضَةٍ» . واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى جَوازِ وطْءِ المَسْبِيَّةِ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ، وإنْ كانَ لَها زَوْجٌ في دارِ الحَرْبِ إذا لَمْ يُسْبَ زَوْجُها مَعَها، فَلا يَخْلُو وُقُوعُ الفُرْقَةِ مِن أنْ يَتَعَلَّقَ بِإسْلامِها أوْ بِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ عَلى الحَدِّ الَّذِي بَيَّنّا أوْ بِحُدُوثِ المِلْكِ عَلَيْها، وقَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ إسْلامَها لا يُوجِبُ الفُرْقَةَ في الحالِ؛ وثَبَتَ أيْضًا أنَّ حُدُوثَ المِلْكِ لا يَرْفَعُ النِّكاحَ بِدَلالَةِ أنَّ الأمَةَ الَّتِي لَها زَوْجٌ إذا بِيعَتْ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ. وكَذَلِكَ إذا ماتَ رَجُلٌ عَنْ أمَةٍ لَها زَوْجٌ لَمْ يَكُنِ انْتِقالُ المِلْكِ إلى الوارِثِ رافِعًا لِلنِّكاحِ، فَلَمْ يَبْقَ وجْهٌ لِإيقاعِ الفُرْقَةِ إلّا اخْتِلافَ الدّارَيْنِ فَإنْ قِيلَ: اخْتِلافُ الدّارَيْنِ لا يُوجِبُ الفُرْقَةَ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا دَخَلَ دارَ الحَرْبِ بِأمانٍ لَمْ يَبْطُلْ نِكاحُ امْرَأتِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ إلَيْنا بِأمانٍ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ أسْلَمَ الزَّوْجانِ في دارِ الحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ أحَدُهُما إلى دارِ الإسْلامِ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ، فَسَلَّمْنا أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ في إيجابِ الفُرْقَةِ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ مَعْنى اخْتِلافِ الدّارَيْنِ ما ذَهَبْتَ إلَيْهِ، وإنَّما مَعْناهُ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ إمّا بِالإسْلامِ أوْ بِالذِّمَّةِ والآخَرُ مِن أهْلِ دارِ الحَرْبِ فَيَكُونُ حَرْبِيًّا كافِرًا، فَأمّا إذا كانا مُسْلِمَيْنِ فَهُما مِن أهْلِ دارٍ واحِدَةٍ، وإنْ كانَ أحَدُهُما مُقِيمًا في دارِ الحَرْبِ والآخَرُ في دارِ الإسْلامِ فَإنِ احْتَجَّ المُخالِفُ لَنا بِما رَوى يُونُسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٣٣١)قالَ: «رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلى أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِالنِّكاحِ الأوَّلِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ»، وقَدْ كانَتْ زَيْنَبُ هاجَرَتْ إلى المَدِينَةِ وبَقِيَ زَوْجُها بِمَكَّةَ مُشْرِكًا ثُمَّ رَدَّها عَلَيْهِ بِالنِّكاحِ الأوَّلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ في إيقاعِ الفُرْقَةِ فَيُقالُ: لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ لِلْمُخالِفِ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّهُ قالَ: " رَدَّها بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكاحِ الأوَّلِ "؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّها لا تُرَدُّ إلَيْهِ بِالعَقْدِ الأوَّلِ بَعْدَ انْقِضاءِ ثَلاثِ حِيَضٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ في العادَةِ أنَّها لا تَحِيضُ ثَلاثَ حِيَضٍ في سِتِّ سِنِينَ، فَسَقَطَ احْتِجاجُ المُخالِفِ بِهِ مِن هَذا الوَجْهِ. ووَجْهٌ آخَرُ: وهو ما رَوى خالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في اليَهُودِيَّةِ تُسْلِمُ قَبْلَ زَوْجِها أنَّها أمْلَكُ لِنَفْسِها؛ فَكانَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ الفُرْقَةَ قَدْ وقَعَتْ بِإسْلامِها، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُخالِفَ النَّبِيَّ ﷺ فِيما قَدْ رَواهُ عَنْهُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ رَوى عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلى أبِي العاصِ بِنِكاحٍ ثانٍ» فَهَذا يُعارِضُ حَدِيثَ داوُدَ بْنَ الحُصَيْنِ، وهو مَعَ ذَلِكَ أوْلى؛ لِأنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ إنْ صَحَّ فَإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ كَوْنِها زَوْجَةً لَهُ بَعْدَما أسْلَمَ، ولَمْ يَعْلَمْ حُدُوثَ عَقْدٍ ثانٍ، وفي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الإخْبارُ عَنْ حُدُوثِ عَقْدٍ ثانٍ بَعْدَ إسْلامِهِ، فَهو أوْلى؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ عَنْ ظاهِرِ الحالِ، والثّانِيَ إخْبارٌ عَنْ مَعْنًى حادِثٍ قَدْ عَلِمَهُ، وهَذا مِثْلُ ما تَقُولُهُ في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ»، وحَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ أنَّهُ تَزَوَّجَها وهو حالٌّ. فَقُلْنا: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ حالٍ حادِثَةٍ وأخْبَرَ الآخَرُ عَنْ ظاهِرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وكَحَدِيثِ زَوْجِ بَرِيرَةَ أنَّهُ كانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ ورِوايَةُ مَن رَوى أنَّهُ كانَ عَبْدًا، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى لِإخْبارِهِ عَنْ حالٍ حادِثَةٍ عَلِمَها، وأخْبَرَ الآخَرُ عَنْ ظاهِرِ الأمْرِ الأوَّلِ ولَمْ يَعْلَمْ حُدُوثَ حالٍ أُخْرى. * * فَصْلٌ وإنَّما قالَ أبُو حَنِيفَةَ في المُهاجِرَةِ أنَّهُ لا عِدَّةَ عَلَيْها مِنَ الزَّوْجِ الحَرْبِيِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى -: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فَأباحَ نِكاحَها مِن غَيْرِ ذِكْرِ عِدَّةٍ، وقالَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ والعِصْمَةُ المَنعُ، فَحَظَرَ الِامْتِناعَ مِن نِكاحِها؛ لِأجْلِ زَوْجِها الحَرْبِيِّ. والكَوافِرُ يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ الرِّجالَ، وظاهِرُهُ في هَذا المَوْضِعِ الرِّجالُ؛ لِأنَّهُ في ذِكْرِ المُهاجِراتِ. وأيْضًا أباحَ النَّبِيُّ ﷺ وطْءَ المَسْبِيَّةِ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ بِحَيْضَةٍ، والِاسْتِبْراءُ لَيْسَ بِعِدَّةٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «عِدَّةُ الأمَةِ حَيْضَتانِ» والمَعْنى فِيها وُقُوعُ الفُرْقَةِ بِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾؛ قالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: يَعْنِي رَدَّ الصَّداقِ، واسْألُوا أهْلَ (p-٣٣٢)الحَرْبِ مَهْرَ المَرْأةِ المُسْلِمَةِ إذا صارَتْ إلَيْهِمْ، ولْيَسْألُوا هم أيْضًا مَهْرَ مَن صارَتْ إلَيْنا مُسْلِمَةً مِنهم "؛ وقالَ الزُّهْرِيُّ: " فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَأقَرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ فَأُمِرَ المُسْلِمُونَ أنْ يَرُدُّوا الصَّداقَ إذا ذَهَبَتِ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ولَها زَوْجٌ مُسْلِمٌ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ صَداقَ امْرَأتِهِ إنْ كانَ في أيْدِيهِمْ مِمّا يَرُدُّونَ، وأنْ يَرُدُّوا إلى المُشْرِكِينَ " . ورَوى خُصَيْفٌ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ " مِنَ الغَنِيمَةِ أنْ يُعَوَّضَ مِنها " . ورَوى زَكَرِيّا بْنُ أبِي زائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: " كانَتْ زَيْنَبُ امْرَأةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِمَّنْ ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ خَرَجَتْ إلى المُؤْمِنِينَ " ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ قالَ: " لَيْسَ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ " ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ " وأصَبْتُمْ غَنِيمَةً " ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ قالَ: " عَوِّضُوا زَوْجَها مِثْلَ الَّذِي ذَهَبَ مِنهُ " . ورَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وزادَ: " يُعْطى مِن جَمِيعِ الغَنِيمَةِ ثُمَّ يَقْسِمُونَ غَنِيمَتَهم " وقالَ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ: " إنْ فاتَ أحَدُكم أهْلَهُ إلى الكُفّارِ ولَمْ يَأْتِ مِنَ الكُفّارِ مَن تَأْخُذُونَ مِنهُ مِثْلَ ما أخَذَ مِنكم فَعَوِّضُوهم مِن فَيْءٍ إنْ أصَبْتُمُوهُ " وجائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوايَةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ مُخالِفَةٍ لِما قَدَّمْنا مِن أنَّهم يُعَوَّضُونَ مِن صَداقٍ إنْ وجَبَ عَلَيْهِمْ رَدُّهُ إلى الكُفّارِ، وأنَّهُ إنَّما يَجِبُ رَدُّهُ مِن صَداقٍ وجَبَ لِلْكُفّارِ إذا كانَ هُناكَ صَداقٌ قَدْ وجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ، وإذا لَمْ يَكُنْ صَداقٌ رُدَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الغَنِيمَةِ وهَذِهِ الأحْكامُ في رَدِّ المَهْرِ وأخْذِهِ مِنَ الكُفّارِ وتَعْوِيضِ الزَّوْجِ مِنَ الغَنِيمَةِ أوْ مِن صَداقٍ قَدْ وجَبَ رَدُّهُ عَلى أهْلِ الحَرْبِ مَنسُوخٌ عِنْدَ جَماعَةِ أهْلِ العِلْمِ غَيْرُ ثابِتِ الحُكْمِ إلّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ. " فَإنَّ عَبْدَ الرَّزّاقِ رَوى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أرَأيْتَ لَوْ أنَّ امْرَأةً مِن أهْلِ الشِّرْكِ جاءَتِ المُسْلِمِينَ فَأسْلَمَتْ أيُعَوَّضُ زَوْجُها مِنها شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعالى - في المُمْتَحَنَةِ: ﴿وآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ ؟ قالَ: إنَّما كانَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ أهْلِ عَهْدِهِ، قُلْتُ: فَجاءَتِ امْرَأةٌ الآنَ مِن أهْلِ عَهْدٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، يُعاضُ فَهَذا مَذْهَبُ عَطاءٍ في ذَلِكَ " وهو خِلافُ الإجْماعِ فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ في القُرْآنِ ولا في السُّنَّةِ ما يُوجِبُ نَسْخَ هَذِهِ الأحْكامِ، فَمِن أيْنَ وجَبَ نَسْخُها ؟ قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وبِقَوْلِ (p-٣٣٣)النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ».

الممتحنة 60:11

بابُ وُقُوعِ الفُرْقَةِ بِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: في هَذِهِ الآيَةِ ضُرُوبٌ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُقُوعِ الفُرْقَةِ بِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. واخْتِلافُ الدّارَيْنِ أنْ يَكُونَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِن أهْلِ دارِ الحَرْبِ والآخَرُ مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ المُهاجِرَةَ إلى دارِ الإسْلامِ قَدْ صارَتْ مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ وزَوْجُها باقٍ عَلى كُفْرِهِ مِن أهْلِ دارِ الحَرْبِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ بِهِما الدّارانِ، وحَكَمَ اللَّهُ بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ (p-٣٢٩)ولَوْ كانَتِ الزَّوْجِيَّةُ باقِيَةً لَكانَ الزَّوْجُ أوْلى بِها بِأنْ تَكُونَ مَعَهُ حَيْثُ أرادَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾؛ وقَوْلُهُ: ﴿وآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ أمَرَ بِرَدِّ مَهْرِها عَلى الزَّوْجِ، ولَوْ كانَتِ الزَّوْجِيَّةُ باقِيَةً لَما اسْتَحَقَّ الزَّوْجُ رَدَّ المَهْرِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَسْتَحِقَّ البُضْعَ وبَدَلَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ولَوْ كانَ النِّكاحُ الأوَّلُ باقِيًا لَما جازَ لَها أنْ تَتَزَوَّجَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ والعِصْمَةُ المَنعُ، فَنَهانا أنْ نَمْتَنِعَ مِن تَزْوِيجِها لِأجْلِ زَوْجِها الحَرْبِيِّ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الحَرْبِيَّةِ تَخْرُجُ إلَيْنا مُسْلِمَةً، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ في الحَرْبِيَّةِ تَخْرُجُ إلَيْنا مُسْلِمَةً ولَها زَوْجٌ كافِرٌ في دارِ الحَرْبِ: " قَدْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ فِيما بَيْنَهم ولا عِدَّةَ عَلَيْها " وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " عَلَيْها العِدَّةُ، وإنْ أسْلَمَ الزَّوْجُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلّا بِنِكاحٍ مُسْتَقْبَلٍ "، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وقالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: " إنْ أسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ أنْ تَحِيضَ ثَلاثَ حِيَضٍ فَقَدْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ " . ولا فَرْقَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ بَيْنَ دارِ الحَرْبِ وبَيْنَ دارِ الإسْلامِ، لا حُكْمَ لِلدّارِ عِنْدَهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: رَوى قَتادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: " إذا أسْلَمَتِ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِها فَهو أحَقُّ بِها ما دامُوا في دارِ الهِجْرَةِ " . ورَوى الشَّيْبانِيُّ عَنِ السَّفّاحِ بْنِ مَطَرٍ عَنْ داوُدَ بْنِ كُرْدُوسٍ قالَ: " كانَ رَجُلٌ مِن بَنِي تَغْلِبَ نَصْرانِيٌّ عِنْدَهُ امْرَأةٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ نَصْرانِيَّةٌ فَأسْلَمَتِ المَرْأةُ وأبى الزَّوْجُ أنْ يُسْلِمَ، فَفَرَّقَ عُمَرُ بَيْنَهُما " ورَوى لَيْثٌ عَنْ عَطاءٍ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ في النَّصْرانِيِّ تُسْلِمُ امْرَأتُهُ قالُوا: " إنْ أسْلَمَ مَعَها فَهي امْرَأتُهُ، وإنْ لَمْ يُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُما " . ورَوى قَتادَةُ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " إذا أسْلَمَ وهي في عِدَّتِها فَهي امْرَأتُهُ، وإنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُما "، ورَوى حَجّاجٌ عَنْ عَطاءٍ مِثْلَهُ، وعَنْ الحَسَنِ وابْنِ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ وقالَ إبْراهِيمُ: " إنْ أبى أنْ يُسْلِمَ فُرِّقَ بَيْنَهُما " ورَوى عَبّادُ بْنُ العَوّامِ عَنْ خالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " إذا أسْلَمَتِ النَّصْرانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِها فَهي أمْلَكُ لِنَفْسِها " قالَ أبُو بَكْرٍ: حَصَلَ اخْتِلافُ السَّلَفِ في ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ؛ فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " هو أحَقُّ بِها ما دامُوا في دارِ الهِجْرَةِ "، وهَذا مَعْناهُ عِنْدَنا إذا كانا في دارٍ واحِدَةٍ، ومَتى اخْتَلَفَتْ بِهِما الدّارُ فَصارَ أحَدُهُما في دارِ الحَرْبِ والآخَرُ في دارِ الإسْلامِ بانَتْ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " إذا أسْلَمَتْ وأبى الزَّوْجُ الإسْلامَ فُرِّقَ بَيْنَهُما " . وهَذا أيْضًا عَلى أنَّهُما في دارِ الإسْلامِ وقالَ آخَرُونَ مِمَّنْ ذَكَرْنا قَوْلَهُ: " هي امْرَأتُهُ ما دامَتْ في العِدَّةِ فَإذا انْقَضَتِ العِدَّةُ وقَعَتِ الفُرْقَةُ "، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " تَقَعِ الفُرْقَةُ بِإسْلامِها " واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى أنَّها لا تَبِينُ (p-٣٣٠)مِنهُ بِإسْلامِها إذا كانا في دارٍ واحِدَةٍ واخْتَلَفُوا في وقْتِ وُقُوعِ الفُرْقَةِ إذا أسْلَمَتْ ولَمْ يُسْلِمِ الزَّوْجُ، فَقالَ أصْحابُنا: " إنْ كانا ذِمِّيَّيْنِ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ حَتّى يَعْرِضَ الإسْلامَ عَلَيْهِ، فَإنْ أسْلَمَ، وإلّا فُرِّقَ بَيْنَهُما "، وهو مَعْنى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ، وقالُوا: " إنْ كانا حَرْبِيَّيْنِ في دارِ الحَرْبِ فَأسْلَمَتْ فَهي امْرَأتُهُ ما لَمْ تَحِضْ ثَلاثَ حِيَضٍ، فَإذا حاضَتْ ثَلاثَ حِيَضٍ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ فُرِّقَ بَيْنَهُما " ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ السَّلَفِ اعْتِبارُ الحَيْضِ إنَّما أرادُوا بِهِ الحَرْبِيِّينَ في دارِ الحَرْبِ وقالَ أصْحابُنا: " إذا أسْلَمَ أحَدُ الحَرْبِيِّينَ، وخَرَجَ إلَيْنا أيُّهُما كانَ وبَقِيَ الآخَرُ في دارِ الحَرْبِ فَقَدْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ " وقَدْ ذَكَرْنا وُجُوهَ دَلائِلِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: " نَزَلَتْ في سَبايا أوْطاسٍ كانَ لَهُنَّ أزْواجٌ في الشِّرْكِ وأباحَهُنَّ لَهم بِالسَّبْيِ " ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] قالَ: " كُلُّ ذاتِ زَوْجٍ فَإتْيانُها زِنًا إلّا ما سُبِيَتْ " وقالَ النَّبِيُّ ﷺ في السَّبايا: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ ولا حائِلٌ حَتّى تُسْتَبْرَأ بِحَيْضَةٍ» . واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى جَوازِ وطْءِ المَسْبِيَّةِ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ، وإنْ كانَ لَها زَوْجٌ في دارِ الحَرْبِ إذا لَمْ يُسْبَ زَوْجُها مَعَها، فَلا يَخْلُو وُقُوعُ الفُرْقَةِ مِن أنْ يَتَعَلَّقَ بِإسْلامِها أوْ بِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ عَلى الحَدِّ الَّذِي بَيَّنّا أوْ بِحُدُوثِ المِلْكِ عَلَيْها، وقَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ إسْلامَها لا يُوجِبُ الفُرْقَةَ في الحالِ؛ وثَبَتَ أيْضًا أنَّ حُدُوثَ المِلْكِ لا يَرْفَعُ النِّكاحَ بِدَلالَةِ أنَّ الأمَةَ الَّتِي لَها زَوْجٌ إذا بِيعَتْ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ. وكَذَلِكَ إذا ماتَ رَجُلٌ عَنْ أمَةٍ لَها زَوْجٌ لَمْ يَكُنِ انْتِقالُ المِلْكِ إلى الوارِثِ رافِعًا لِلنِّكاحِ، فَلَمْ يَبْقَ وجْهٌ لِإيقاعِ الفُرْقَةِ إلّا اخْتِلافَ الدّارَيْنِ فَإنْ قِيلَ: اخْتِلافُ الدّارَيْنِ لا يُوجِبُ الفُرْقَةَ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا دَخَلَ دارَ الحَرْبِ بِأمانٍ لَمْ يَبْطُلْ نِكاحُ امْرَأتِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ إلَيْنا بِأمانٍ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ أسْلَمَ الزَّوْجانِ في دارِ الحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ أحَدُهُما إلى دارِ الإسْلامِ لَمْ تَقَعِ الفُرْقَةُ، فَسَلَّمْنا أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ في إيجابِ الفُرْقَةِ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ مَعْنى اخْتِلافِ الدّارَيْنِ ما ذَهَبْتَ إلَيْهِ، وإنَّما مَعْناهُ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ إمّا بِالإسْلامِ أوْ بِالذِّمَّةِ والآخَرُ مِن أهْلِ دارِ الحَرْبِ فَيَكُونُ حَرْبِيًّا كافِرًا، فَأمّا إذا كانا مُسْلِمَيْنِ فَهُما مِن أهْلِ دارٍ واحِدَةٍ، وإنْ كانَ أحَدُهُما مُقِيمًا في دارِ الحَرْبِ والآخَرُ في دارِ الإسْلامِ فَإنِ احْتَجَّ المُخالِفُ لَنا بِما رَوى يُونُسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٣٣١)قالَ: «رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلى أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِالنِّكاحِ الأوَّلِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ»، وقَدْ كانَتْ زَيْنَبُ هاجَرَتْ إلى المَدِينَةِ وبَقِيَ زَوْجُها بِمَكَّةَ مُشْرِكًا ثُمَّ رَدَّها عَلَيْهِ بِالنِّكاحِ الأوَّلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ في إيقاعِ الفُرْقَةِ فَيُقالُ: لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ لِلْمُخالِفِ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّهُ قالَ: " رَدَّها بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكاحِ الأوَّلِ "؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّها لا تُرَدُّ إلَيْهِ بِالعَقْدِ الأوَّلِ بَعْدَ انْقِضاءِ ثَلاثِ حِيَضٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ في العادَةِ أنَّها لا تَحِيضُ ثَلاثَ حِيَضٍ في سِتِّ سِنِينَ، فَسَقَطَ احْتِجاجُ المُخالِفِ بِهِ مِن هَذا الوَجْهِ. ووَجْهٌ آخَرُ: وهو ما رَوى خالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في اليَهُودِيَّةِ تُسْلِمُ قَبْلَ زَوْجِها أنَّها أمْلَكُ لِنَفْسِها؛ فَكانَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ الفُرْقَةَ قَدْ وقَعَتْ بِإسْلامِها، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُخالِفَ النَّبِيَّ ﷺ فِيما قَدْ رَواهُ عَنْهُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ رَوى عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلى أبِي العاصِ بِنِكاحٍ ثانٍ» فَهَذا يُعارِضُ حَدِيثَ داوُدَ بْنَ الحُصَيْنِ، وهو مَعَ ذَلِكَ أوْلى؛ لِأنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ إنْ صَحَّ فَإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ كَوْنِها زَوْجَةً لَهُ بَعْدَما أسْلَمَ، ولَمْ يَعْلَمْ حُدُوثَ عَقْدٍ ثانٍ، وفي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الإخْبارُ عَنْ حُدُوثِ عَقْدٍ ثانٍ بَعْدَ إسْلامِهِ، فَهو أوْلى؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ عَنْ ظاهِرِ الحالِ، والثّانِيَ إخْبارٌ عَنْ مَعْنًى حادِثٍ قَدْ عَلِمَهُ، وهَذا مِثْلُ ما تَقُولُهُ في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ»، وحَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ أنَّهُ تَزَوَّجَها وهو حالٌّ. فَقُلْنا: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ حالٍ حادِثَةٍ وأخْبَرَ الآخَرُ عَنْ ظاهِرِ الأمْرِ الأوَّلِ، وكَحَدِيثِ زَوْجِ بَرِيرَةَ أنَّهُ كانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ ورِوايَةُ مَن رَوى أنَّهُ كانَ عَبْدًا، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى لِإخْبارِهِ عَنْ حالٍ حادِثَةٍ عَلِمَها، وأخْبَرَ الآخَرُ عَنْ ظاهِرِ الأمْرِ الأوَّلِ ولَمْ يَعْلَمْ حُدُوثَ حالٍ أُخْرى. * * فَصْلٌ وإنَّما قالَ أبُو حَنِيفَةَ في المُهاجِرَةِ أنَّهُ لا عِدَّةَ عَلَيْها مِنَ الزَّوْجِ الحَرْبِيِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى -: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فَأباحَ نِكاحَها مِن غَيْرِ ذِكْرِ عِدَّةٍ، وقالَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ والعِصْمَةُ المَنعُ، فَحَظَرَ الِامْتِناعَ مِن نِكاحِها؛ لِأجْلِ زَوْجِها الحَرْبِيِّ. والكَوافِرُ يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ الرِّجالَ، وظاهِرُهُ في هَذا المَوْضِعِ الرِّجالُ؛ لِأنَّهُ في ذِكْرِ المُهاجِراتِ. وأيْضًا أباحَ النَّبِيُّ ﷺ وطْءَ المَسْبِيَّةِ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ بِحَيْضَةٍ، والِاسْتِبْراءُ لَيْسَ بِعِدَّةٍ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «عِدَّةُ الأمَةِ حَيْضَتانِ» والمَعْنى فِيها وُقُوعُ الفُرْقَةِ بِاخْتِلافِ الدّارَيْنِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾؛ قالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: يَعْنِي رَدَّ الصَّداقِ، واسْألُوا أهْلَ (p-٣٣٢)الحَرْبِ مَهْرَ المَرْأةِ المُسْلِمَةِ إذا صارَتْ إلَيْهِمْ، ولْيَسْألُوا هم أيْضًا مَهْرَ مَن صارَتْ إلَيْنا مُسْلِمَةً مِنهم "؛ وقالَ الزُّهْرِيُّ: " فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَأقَرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ فَأُمِرَ المُسْلِمُونَ أنْ يَرُدُّوا الصَّداقَ إذا ذَهَبَتِ امْرَأةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ولَها زَوْجٌ مُسْلِمٌ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ صَداقَ امْرَأتِهِ إنْ كانَ في أيْدِيهِمْ مِمّا يَرُدُّونَ، وأنْ يَرُدُّوا إلى المُشْرِكِينَ " . ورَوى خُصَيْفٌ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ " مِنَ الغَنِيمَةِ أنْ يُعَوَّضَ مِنها " . ورَوى زَكَرِيّا بْنُ أبِي زائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: " كانَتْ زَيْنَبُ امْرَأةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِمَّنْ ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ خَرَجَتْ إلى المُؤْمِنِينَ " ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ قالَ: " لَيْسَ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ " ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ " وأصَبْتُمْ غَنِيمَةً " ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ قالَ: " عَوِّضُوا زَوْجَها مِثْلَ الَّذِي ذَهَبَ مِنهُ " . ورَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ، وزادَ: " يُعْطى مِن جَمِيعِ الغَنِيمَةِ ثُمَّ يَقْسِمُونَ غَنِيمَتَهم " وقالَ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ: " إنْ فاتَ أحَدُكم أهْلَهُ إلى الكُفّارِ ولَمْ يَأْتِ مِنَ الكُفّارِ مَن تَأْخُذُونَ مِنهُ مِثْلَ ما أخَذَ مِنكم فَعَوِّضُوهم مِن فَيْءٍ إنْ أصَبْتُمُوهُ " وجائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوايَةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ مُخالِفَةٍ لِما قَدَّمْنا مِن أنَّهم يُعَوَّضُونَ مِن صَداقٍ إنْ وجَبَ عَلَيْهِمْ رَدُّهُ إلى الكُفّارِ، وأنَّهُ إنَّما يَجِبُ رَدُّهُ مِن صَداقٍ وجَبَ لِلْكُفّارِ إذا كانَ هُناكَ صَداقٌ قَدْ وجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ، وإذا لَمْ يَكُنْ صَداقٌ رُدَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الغَنِيمَةِ وهَذِهِ الأحْكامُ في رَدِّ المَهْرِ وأخْذِهِ مِنَ الكُفّارِ وتَعْوِيضِ الزَّوْجِ مِنَ الغَنِيمَةِ أوْ مِن صَداقٍ قَدْ وجَبَ رَدُّهُ عَلى أهْلِ الحَرْبِ مَنسُوخٌ عِنْدَ جَماعَةِ أهْلِ العِلْمِ غَيْرُ ثابِتِ الحُكْمِ إلّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ. " فَإنَّ عَبْدَ الرَّزّاقِ رَوى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أرَأيْتَ لَوْ أنَّ امْرَأةً مِن أهْلِ الشِّرْكِ جاءَتِ المُسْلِمِينَ فَأسْلَمَتْ أيُعَوَّضُ زَوْجُها مِنها شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعالى - في المُمْتَحَنَةِ: ﴿وآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ ؟ قالَ: إنَّما كانَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ أهْلِ عَهْدِهِ، قُلْتُ: فَجاءَتِ امْرَأةٌ الآنَ مِن أهْلِ عَهْدٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، يُعاضُ فَهَذا مَذْهَبُ عَطاءٍ في ذَلِكَ " وهو خِلافُ الإجْماعِ فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ في القُرْآنِ ولا في السُّنَّةِ ما يُوجِبُ نَسْخَ هَذِهِ الأحْكامِ، فَمِن أيْنَ وجَبَ نَسْخُها ؟ قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وبِقَوْلِ (p-٣٣٣)النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ».

الممتحنة 60:12

وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لا يُلْحِقْنَ بِأزْواجِهِنَّ غَيْرَ أوْلادِهِنَّ " وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِيهِ قَذْفُ أهْلِ الإحْصانِ، والكَذِبُ عَلى النّاسِ، وقَذْفُهم بِالباطِلِ وما لَيْسَ فِيهِمْ وسائِرُ ضُرُوبِ الكَذِبِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي جَمِيعَ ذَلِكَ. * * وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ رَوى مَعْمَرٌ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أخَذَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى النِّساءِ حِينَ بايَعَهُنَّ أنْ لا يَنُحْنَ فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ نِساءً أسْعَدْنَنا في الجاهِلِيَّةِ فَنُسْعِدُهُنَّ في الإسْلامِ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا إسْعادَ في الإسْلامِ ولا شِغارَ في الإسْلامِ ولا جَلَبَ في الإسْلامِ ولا جَنَبَ في الإسْلامِ ومَنِ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنّا» ورُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: النَّوْحُ. ورَوى هِشامٌ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ: أخَذَ عَلَيْنا في البَيْعَةِ أنْ لا نَنُوحَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ ورَوى عَطاءٌ عَنْ جابِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ صَوْتِ لَعِبٍ ولَهْوٍ ومَزامِيرِ شَيْطانٍ عِنْدَ نَغْمَةٍ، وصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشِ وُجُوهٍ وشَقِّ جُيُوبٍ ورَنَّةِ شَيْطانٍ». قالَ أبُو بَكْرٍ: هو عُمُومٌ في جَمِيعِ طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّها كُلَّها مَعْرُوفٌ، وتَرْكُكَ النُّوحَ أحَدُ ما أُرِيدَ بِالآيَةِ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ نَبِيَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِمَعْرُوفٍ إلّا أنَّهُ شَرَطَ في النَّهْيِ عَنْ عِصْيانِهِ إذا أمَرَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ لِئَلّا يَتَرَخَّصَ أحَدٌ في طاعَةِ السَّلاطِينِ إذا لَمْ تَكُنْ طاعَةً لِلَّهِ - تَعالى -؛ إذْ كانَ اللَّهُ - تَعالى - قَدْ شَرَطَ في طاعَةِ أفْضَلِ البَشَرِ فِعْلَ المَعْرُوفِ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «لا طاعَةَ لَمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ» . وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن أطاعَ مَخْلُوقًا في مَعْصِيَةِ الخالِقِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ المَخْلُوقَ» وفي لَفْظٍ آخَرَ: «عادَ حامِدُهُ مِنَ النّاسِ ذامًّا»، وإنَّما خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالمُخاطَبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾؛ لِأنَّ بَيْعَةَ مَن أسْلَمَ كانَ مَخْصُوصًا بِها النَّبِيُّ ﷺ وعَمَّ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ المِحْنَةِ في قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْتَصُّ بِها النَّبِيُّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ، ألا تَرى أنّا نَمْتَحِنُ المُهاجِرَةَ الآنَ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. آخِرُ سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ.

الصف 61:2

ومِن سُورَةِ الصَّفِّ ﷽ قالَ اللَّهُ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا (p-٣٣٤)ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: يُحْتَجُّ بِهِ في أنَّ كُلَّ مَن ألْزَمَ نَفْسَهُ عِبادَةً أوْ قُرْبَةً وأوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ عَقْدًا لَزِمَهُ الوَفاءُ بِهِ؛ إذْ تَرْكُ الوَفاءِ بِهِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ قائِلًا ما لا يَفْعَلُ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ فاعِلَ ذَلِكَ، وهَذا فِيما لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً، فَأمّا المَعْصِيَةُ فَإنَّ إيجابَها في القَوْلِ لا يُلْزِمُهُ الوَفاءَ بِها. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ»، وإنَّما يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ مِمّا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِثْلُ النُّذُورِ وفي حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ العُقُودُ الَّتِي يَتَعاقَدُونَها، وكَذَلِكَ الوَعْدُ بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ في المُسْتَقْبَلِ، وهو مُباحٌ، فَإنَّ الأوْلى الوَفاءُ بِهِ مَعَ الإمْكانِ فَأمّا قَوْلُ القائِلِ: " إنِّي سَأفْعَلُ كَذا " فَإنَّ ذَلِكَ مُباحٌ لَهُ عَلى شَرِيطَةِ اسْتِثْناءِ مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعالى - وأنْ يَكُونَ في عَقْدِ ضَمِيرِهِ الوَفاءُ بِهِ، ولا جائِزَ لَهُ أنْ يَعِدَ وفي ضَمِيرِهِ أنْ لا يَفِيَ بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَحْظُورُ الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنْهُ ومَقَتَ فاعِلَهُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ في عَقْدِ ضَمِيرِهِ الوَفاءُ بِهِ ولَمْ يَقْرِنْهُ بِالِاسْتِثْناءِ فَإنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأنَّهُ لا يَدْرِي هَلْ يَقَعُ مِنهُ الوَفاءُ بِهِ أمْ لا. فَغَيْرُ جائِزٍ لَهُ إطْلاقُ القَوْلِ في مِثْلِهِ مَعَ خَوْفِ إخْلافِ الوَعْدِ فِيهِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن قالَ: " إنْ فَعَلْتُ كَذا فَأنا أحُجُّ أوْ أُهْدِي أوْ أصُومُ " فَإنَّ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الإيجابِ بِالنَّذْرِ؛ لِأنَّ تَرْكَ فِعْلِهِ يُؤَدِّيهِ إلى أنْ يَكُونَ قائِلًا ما لَمْ يَفْعَلْ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: " أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قالُوا: لَوْ عَلِمْنا أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ - تَعالى - لَسارَعْنا إلَيْهِ، فَلَمّا نَزَلَ فَرْضُ الجِهادِ تَثاقَلُوا عَنْهُ " وقالَ قَتادَةُ: " نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يَقُولُونَ: جاهَدْنا وأبْلَيْنا، ولَمْ يَفْعَلُوا " وقالَ الحَسَنُ: " نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وسَمّاهم بِالإيمانِ لِإظْهارِهِمْ لَهُ " وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِذَلِكَ والمُسْلِمُونَ في ضَعْفٍ وقِلَّةٍ وحالِ خَوْفٍ مُسْتَذَلُّونَ مَقْهُورُونَ فَكانَ مُخْبِرُهُ عَلى ما أخْبَرَهُ بِهِ؛ لِأنَّ الأدْيانَ الَّتِي كانَتْ في تِلْكَ الزَّمانِ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ والمَجُوسِيَّةُ والصّابِئَةُ وعُبّادُ الأصْنامِ مِنَ السِّنْدِ وغَيْرِهِمْ فَلَمْ تَبْقَ مِن أهْلِ هَذِهِ الأدْيانِ أُمَّةٌ إلّا وقَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ فَقَهَرُوهم وغَلَبُوهم عَلى جَمِيعِ بِلادِهِمْ أوْ بَعْضِها وشَرَّدُوهم إلى أقاصِي بِلادِهِمْ فَهَذا هو مِصْداقُ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ - تَعالى - رَسُولَهُ فِيها إظْهارَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ وقَدْ عَلِمْنا أنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ولا يُوحِي بِهِ إلّا إلى رُسُلِهِ فَهَذِهِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ إظْهارًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، وإنَّما حَدَثَ بَعْدَ مَوْتِهِ ؟ قِيلَ لَهُ إنَّما وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُظْهِرَ دِينَهُ عَلى سائِرِ الأدْيانِ؛ لِأنَّهُ قالَ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] يَعْنِي دِينَ (p-٣٣٥)الحَقِّ وعَلى أنَّهُ لَوْ أرادَ رَسُولَهُ لَكانَ مُسْتَقِيمًا؛ لِأنَّهُ إذا أظْهَرَ دِينَهُ ومَن آمَنَ بِهِ عَلى سائِرِ الأدْيانِ فَجائِزٌ أنْ يُقالَ قَدْ أظْهَرَ نَبِيَّهُ ﷺ . كَما أنَّ جَيْشًا لَوْ فَتَحُوا بَلَدًا عَنْوَةً جازَ أنْ يُقالَ إنَّ الخَلِيفَةَ فَتَحَهُ، وإنْ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ إذْ كانَ بِأمْرِهِ وتَجْهِيزِهِ لِلْجَيْشِ فَعَلُوا وقَوْلُهُ تَعالى - ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] وهَذا أيْضًا مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِوَعْدِهِ مِن أمْرٍ بِالنَّصْرِ والفَتْحِ وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ لِمَن آمَنَ مِنهم، واللَّهُ المُوَفِّقُ. آخِرُ سُورَةِ الصَّفِّ.

الصف 61:3

ومِن سُورَةِ الصَّفِّ ﷽ قالَ اللَّهُ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا (p-٣٣٤)ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: يُحْتَجُّ بِهِ في أنَّ كُلَّ مَن ألْزَمَ نَفْسَهُ عِبادَةً أوْ قُرْبَةً وأوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ عَقْدًا لَزِمَهُ الوَفاءُ بِهِ؛ إذْ تَرْكُ الوَفاءِ بِهِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ قائِلًا ما لا يَفْعَلُ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ فاعِلَ ذَلِكَ، وهَذا فِيما لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً، فَأمّا المَعْصِيَةُ فَإنَّ إيجابَها في القَوْلِ لا يُلْزِمُهُ الوَفاءَ بِها. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ»، وإنَّما يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيما عَقَدَهُ عَلى نَفْسِهِ مِمّا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِثْلُ النُّذُورِ وفي حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ العُقُودُ الَّتِي يَتَعاقَدُونَها، وكَذَلِكَ الوَعْدُ بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ في المُسْتَقْبَلِ، وهو مُباحٌ، فَإنَّ الأوْلى الوَفاءُ بِهِ مَعَ الإمْكانِ فَأمّا قَوْلُ القائِلِ: " إنِّي سَأفْعَلُ كَذا " فَإنَّ ذَلِكَ مُباحٌ لَهُ عَلى شَرِيطَةِ اسْتِثْناءِ مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعالى - وأنْ يَكُونَ في عَقْدِ ضَمِيرِهِ الوَفاءُ بِهِ، ولا جائِزَ لَهُ أنْ يَعِدَ وفي ضَمِيرِهِ أنْ لا يَفِيَ بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَحْظُورُ الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنْهُ ومَقَتَ فاعِلَهُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ في عَقْدِ ضَمِيرِهِ الوَفاءُ بِهِ ولَمْ يَقْرِنْهُ بِالِاسْتِثْناءِ فَإنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأنَّهُ لا يَدْرِي هَلْ يَقَعُ مِنهُ الوَفاءُ بِهِ أمْ لا. فَغَيْرُ جائِزٍ لَهُ إطْلاقُ القَوْلِ في مِثْلِهِ مَعَ خَوْفِ إخْلافِ الوَعْدِ فِيهِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن قالَ: " إنْ فَعَلْتُ كَذا فَأنا أحُجُّ أوْ أُهْدِي أوْ أصُومُ " فَإنَّ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الإيجابِ بِالنَّذْرِ؛ لِأنَّ تَرْكَ فِعْلِهِ يُؤَدِّيهِ إلى أنْ يَكُونَ قائِلًا ما لَمْ يَفْعَلْ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: " أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قالُوا: لَوْ عَلِمْنا أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ - تَعالى - لَسارَعْنا إلَيْهِ، فَلَمّا نَزَلَ فَرْضُ الجِهادِ تَثاقَلُوا عَنْهُ " وقالَ قَتادَةُ: " نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يَقُولُونَ: جاهَدْنا وأبْلَيْنا، ولَمْ يَفْعَلُوا " وقالَ الحَسَنُ: " نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وسَمّاهم بِالإيمانِ لِإظْهارِهِمْ لَهُ " وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِذَلِكَ والمُسْلِمُونَ في ضَعْفٍ وقِلَّةٍ وحالِ خَوْفٍ مُسْتَذَلُّونَ مَقْهُورُونَ فَكانَ مُخْبِرُهُ عَلى ما أخْبَرَهُ بِهِ؛ لِأنَّ الأدْيانَ الَّتِي كانَتْ في تِلْكَ الزَّمانِ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ والمَجُوسِيَّةُ والصّابِئَةُ وعُبّادُ الأصْنامِ مِنَ السِّنْدِ وغَيْرِهِمْ فَلَمْ تَبْقَ مِن أهْلِ هَذِهِ الأدْيانِ أُمَّةٌ إلّا وقَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ فَقَهَرُوهم وغَلَبُوهم عَلى جَمِيعِ بِلادِهِمْ أوْ بَعْضِها وشَرَّدُوهم إلى أقاصِي بِلادِهِمْ فَهَذا هو مِصْداقُ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ - تَعالى - رَسُولَهُ فِيها إظْهارَهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ وقَدْ عَلِمْنا أنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ولا يُوحِي بِهِ إلّا إلى رُسُلِهِ فَهَذِهِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ إظْهارًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، وإنَّما حَدَثَ بَعْدَ مَوْتِهِ ؟ قِيلَ لَهُ إنَّما وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُظْهِرَ دِينَهُ عَلى سائِرِ الأدْيانِ؛ لِأنَّهُ قالَ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] يَعْنِي دِينَ (p-٣٣٥)الحَقِّ وعَلى أنَّهُ لَوْ أرادَ رَسُولَهُ لَكانَ مُسْتَقِيمًا؛ لِأنَّهُ إذا أظْهَرَ دِينَهُ ومَن آمَنَ بِهِ عَلى سائِرِ الأدْيانِ فَجائِزٌ أنْ يُقالَ قَدْ أظْهَرَ نَبِيَّهُ ﷺ . كَما أنَّ جَيْشًا لَوْ فَتَحُوا بَلَدًا عَنْوَةً جازَ أنْ يُقالَ إنَّ الخَلِيفَةَ فَتَحَهُ، وإنْ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ إذْ كانَ بِأمْرِهِ وتَجْهِيزِهِ لِلْجَيْشِ فَعَلُوا وقَوْلُهُ تَعالى - ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] وهَذا أيْضًا مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِوَعْدِهِ مِن أمْرٍ بِالنَّصْرِ والفَتْحِ وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ لِمَن آمَنَ مِنهم، واللَّهُ المُوَفِّقُ. آخِرُ سُورَةِ الصَّفِّ.

الجمعة 62:2

ومِن سُورَةِ الجُمُعَةِ ﷽ قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ قِيلَ: إنَّما سُمُّوا أُمِّيِّينَ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يَكْتُبُونَ ولا يَقْرَءُونَ الكِتابَةَ، وأرادَ الأكْثَرَ الأعَمَّ، وإنْ كانَ فِيهِمُ القَلِيلُ مِمَّنْ يَكْتُبُ ويَقْرَأُ؛ وقالَ النَّبِيُّ: «الشَّهْرُ هَكَذا وهَكَذا وأشارَ بِأصابِعِهِ، وقالَ: إنّا نَحْنُ أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ» . وقالَ - تَعالى -: ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]؛ لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا، وقالَ - تَعالى -: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقِيلَ إنَّما سُمِّيَ مَن لا يَكْتُبُ أُمِّيًّا؛ لِأنَّهُ نُسِبَ إلى حالِ وِلادَتِهِ مِنَ الأُمِّ؛ لِأنَّ الكِتابَةَ إنَّما تَكُونُ بِالِاسْتِفادَةِ والتَّعَلُّمِ دُونَ الحالِ الَّتِي يَجْرِي عَلَيْها المَوْلُودُ. وأمّا وجْهُ الحِكْمَةِ في جَعْلِ النُّبُوَّةِ في أُمِّيٍّ فَإنَّهُ لِيُوافِقَ ما تَقَدَّمَتْ بِهِ بِالبِشارَةِ في كُتُبِ الأنْبِياءِ السّالِفَةِ؛ ولِأنَّهُ أبْعَدُ مِن تَوَهُّمِ الِاسْتِعانَةِ عَلى ما أتى بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ بِالكِتابَةِ؛ فَهَذانِ وجْهانِ مِنَ الدَّلالَةِ في كَوْنِهِ أُمِّيًّا عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ ومَعَ أنَّ مُشاكِلَةٌ لِحالِ الأُمَّةِ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ وذَلِكَ أقْرَبُ إلى مُساواتِهِ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِيهِ، فَدَلَّ عَجْزُهم عَمّا أتى بِهِ عَلى مُساواتِهِ لَهم في هَذا الوَجْهِ عَلى أنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .

الجمعة 62:5

وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ الآيَةَ. رُوِيَ أنَّهُ أرادَ اليَهُودَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِتَعَلُّمِ التَّوْراةِ والعَمَلِ بِها فَتَعَلَّمُوها ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِها، فَشَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِالحِمارِ الَّذِي يَحْمِلُ الكُتُبَ وهي الأسْفارُ؛ إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما حَمَلُوهُ كَما لا يَنْتَفِعُ الحِمارُ بِالكُتُبِ الَّتِي حَمَلَها؛ وهو نَحْوُ قَوْلِهِ:﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٤٤] وقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ [الأعراف: ١٧٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]

الجمعة 62:6

وقَوْلُهُ تَعالى - ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ زَعَمُوا أنَّهم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ (p-٣٣٦)وأخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهم إنْ تَمَنَّوْهُ ماتُوا فَقامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِها مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ فِيما ادَّعَوْهُ مِنَ المَنزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ لَتَمَنَّوُا المَوْتَ؛ لِأنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مَعَ المَوْتِ خَيْرٌ مِنَ البَقاءِ في الدُّنْيا. والثّانِي: أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ فَوُجِدَ مَخْبَرُهُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ فَهَذا واضِحٌ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ.

الجمعة 62:9

وقَوْلُهُ تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ يُفْعَلُ في يَوْمِ الجُمُعَةِ جَماعَةً صَلَواتٌ كَما يُفْعَلُ في سائِرِ الأفْعالِ ولَمْ يُبَيِّنْ في الآيَةِ أنَّها هي واتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُرادَ الصَّلاةُ الَّتِي إذا فَعَلَها مَعَ الإمامِ جُمُعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ فِعْلُ الظُّهْرِ مَعَها وهي رَكْعَتانِ بَعْدَ الزَّوالِ عَلى شَرائِطِ الجُمُعَةِ واتَّفَقَ الجَمِيعُ أيْضًا عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا النِّداءِ هو الأذانُ، ولَمْ يُبَيِّنْ في الآيَةِ كَيْفِيَّتَهُ وبَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي رَأى في المَنامِ الأذانَ ورَآهُ عُمَرُ أيْضًا كَما رَآهُ ابْنُ زَيْدٍ وعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ أبا مَحْذُورَةَ وذَكَرَ فِيهِ التَّرْجِيعَ وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ في قَوْلِهِ ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ قالَ " إذا خَرَجَ الإمامُ وأذَّنَ المُؤَذِّنُ فَقَدْ نُودِيَ لِلصَّلاةِ " . ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قالَ " ما كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا مُؤَذِّنٌ واحِدٌ يُؤَذِّنُ إذا قَعَدَ عَلى المِنبَرِ ثُمَّ يُقِيمُ إذا نَزَلَ ثُمَّ أبُو بَكْرٍ كَذَلِكَ ثُمَّ عُمَرُ كَذَلِكَ فَلَمّا كانَ عُثْمانُ وفَشا النّاسُ وكَثُرُوا زادَ النِّداءَ الثّالِثَ " وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ إنْكارَ الأذانِ الأوَّلِ قَبْلَ خُرُوجِ الإمامِ. رَوى وكِيعٌ قالَ حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ الغازِ قالَ سَألْتُ نافِعًا عَنِ الأذانِ الأوَّلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قالَ قالَ ابْنُ عُمَرَ بِدْعَةٌ وكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وإنْ رَآهُ النّاسُ حَسَنًا " . ورَوى مَنصُورٌ عَنِ الحَسَنِ قالَ " النِّداءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِ الإمامِ واَلَّذِي قَبْلُ مُحْدَثٌ " . ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ " إنَّما كانَ الأذانُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِيما مَضى واحِدًا ثُمَّ الإقامَةُ وأمّا الأذانُ الأوَّلُ الَّذِي يُؤَذَّنُ بِهِ الآنَ قَبْلَ خُرُوجِ الإمامِ وجُلُوسِهِ عَلى المِنبَرِ فَهو باطِلٌ أوَّلُ مَن أحْدَثَهُ الحَجّاجُ. " وأمّا أصْحابُنا فَإنَّهم إنَّما ذَكَرُوا أذانًا واحِدًا إذا قَعَدَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ فَإذا نَزَلَ أقامَ عَلى ما كانَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما * * وأمّا وقْتُ الجُمُعَةِ فَإنَّهُ بَعْدَ الزَّوالِ، ورَوى أنَسٌ وجابِرٌ وسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ إذا زالَتِ الشَّمْسُ» . ورَوى شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قالَ: صَلّى بِنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ الجُمُعَةَ ضُحًى ثُمَّ قالَ: إنَّما فَعَلْتُ ذَلِكَ مَخافَةَ الحَرِّ عَلَيْكم " (p-٣٣٧)ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ أنَّهُما رَضِيَ اللًّهُ عَنْهُما صَلَّياها بَعْدَ الزَّوالِ ولَمّا قالَ عَبْدُ اللَّهِ: إنِّي قَدَّمْتُ مَخافَةَ الحَرِّ عَلَيْكم " عَلِمْنا أنَّهُ فَعَلَها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المُعْتادِ المُتَعارَفِ بَيْنَهم. ومَعْلُومٌ أنَّ فِعْلَ الفُرُوضِ قَبْلَ أوْقاتِها لا يَجُوزُ لِحَرٍّ ولا لِبَرْدٍ إذا لَمْ يُوجَدْ أسْبابُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعَلَها في أوَّلِ وقْتِ الظُّهْرِ الَّذِي هو أقْرَبُ أوْقاتِ الظُّهْرِ إلى الضُّحى، فَسَمّاهُ الرّاوِي ضُحًى؛ لِقُرْبِهِ مِنهُ، كَما «قالَ النَّبِيُّ ﷺ وهو يَتَسَحَّرُ: تَعالَ إلى الغَداءِ المُبارَكِ» فَسَمّاهُ غَداءً لِقُرْبِهِ مِنَ الغَداءِ، وكَما قالَ حُذَيْفَةُ: «تَسَحَّرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ نَهارًا» والمَعْنى قَرِيبٌ مِنَ النَّهارِ ولَمّا اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الَّذِي يَلْزَمُ مِنَ الفَرْضِ بِدُخُولِ الوَقْتِ، فَقالَ قائِلُونَ: " فَرْضُ الوَقْتِ الجُمُعَةُ والظُّهْرُ بَدَلٌ مِنها " وقالَ آخَرُونَ: " فَرْضُ الوَقْتِ الظُّهْرُ والجُمُعَةُ بَدَلٌ مِنهُ "، اسْتَحالَ أنْ يَفْعَلَ البَدَلَ إلّا في وقْتٍ يَصِحُّ فِيهِ فِعْلُ المُبْدَلِ عَنْهُ وهو الظُّهْرُ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ وقْتَها بَعْدَ الزَّوالِ ثَبَتَ أنَّ وقْتَ النِّداءِ لَها بَعْدَ الزَّوالِ كَسائِرِ الصَّلَواتِ. * * وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قَرَأ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: " فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ "؛ قالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ قَرَأْتُ: " فاسْعَوْا " لَسَعَيْتُ حَتّى يَسْقُطَ رِدائِي قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ التَّفْسِيرَ لا نَصَّ القِراءَةِ، كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِلْأعْجَمِيِّ الَّذِي كانَ يُلَقِّنُهُ: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] فَكانَ يَقُولُ طَعامُ اليَتِيمِ "، فَلَمّا أعْياهُ قالَ لَهُ طَعامُ الفاجِرِ "، وإنَّما أرادَ إفْهامَهُ المَعْنى وقالَ الحَسَنُ: " لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ العَدْوَ، وإنَّما السَّعْيُ بِقَلْبِكَ ونِيَّتِكَ " . وقالَ عَطاءٌ: " السَّعْيُ الذَّهابُ " وقالَ عِكْرِمَةُ: " السَّعْيُ العَمَلُ " . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فاسْعَوْا أجِيبُوا، ولَيْسَ مِنَ العَدْوِ قالَ أبُو بَكْرٍ الأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّعْيِ هَهُنا إخْلاصُ النِّيَّةِ والعَمَلِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ السَّعْيَ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ ولَمْ يَكُنْ مُرادُهُ سُرْعَةَ المَشْيِ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩] ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وإنَّما أرادَ العَمَلَ ورَوى العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ فَلا تَأْتُوها وأنْتُمْ تَسْعَوْنَ ولَكِنِ ائْتُوها وعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ والوَقارُ فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وما فاتَكم فَأتِمُّوا»، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الجُمُعَةِ وغَيْرِها واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى أنَّهُ يَمْشِي إلى الجُمُعَةِ عَلى هِينَتِهِ. * * فَصْلٌ واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى أنَّ الجُمُعَةَ مَخْصُوصَةٌ بِمَوْضِعٍ لا يَجُوزُ فِعْلُها في غَيْرِهِ؛ لِأنَّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ الجُمُعَةَ لا تَجُوزُ في البَوادِي ومَناهِلِ الأعْرابِ، فَقالَ أصْحابُنا: " هي مَخْصُوصَةٌ بِالأمْصارِ ولا تَصِحُّ في السَّوادِ "، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ (p-٣٣٨)وقالَ مالِكٌ: " تَصِحُّ الجُمُعَةُ في كُلِّ قَرْيَةٍ فِيها بُيُوتٌ مُتَّصِلَةٌ وأسْواقٌ مُتَّصِلَةٌ، يُقَدِّمُونَ رَجُلًا يَخْطُبُ ويُصَلِّي بِهِمُ الجُمُعَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهم إمامٌ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " لا جُمُعَةَ إلّا في مَسْجِدِ جَماعَةٍ مَعَ الإمامِ " وقالَ الشّافِعِيُّ: " إذا كانَتْ قَرْيَةٌ مُجْتَمِعَةَ البِناءِ والمَنازِلِ وكانَ أهْلُها لا يَظْعَنُونَ عَنْها إلّا ظَعْنَ حاجَةٍ وهم أرْبَعُونَ رَجُلًا حُرًّا بالِغًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَلى عَقْلِهِ وجَبَتْ عَلَيْهِمُ الجُمُعَةُ " قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا جُمُعَةَ ولا تَشْرِيقَ إلّا في مِصْرٍ جامِعٍ»، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ وأيْضًا لَوْ كانَتِ الجُمُعَةُ جائِزَةً في القُرى لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهِ مُتَواتِرًا كَوُرُودِهِ في فِعْلِها في الأمْصارِ؛ لِعُمُومِ الحاجَةِ إلَيْهِ. وأيْضًا لَما اتَّفَقُوا عَلى امْتِناعِ جَوازِها في البَوادِي؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِمِصْرٍ وجَبَ مِثْلُهُ في السَّوادِ ورُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِلْحَسَنِ: إنَّ الحَجّاجَ أقامَ الجُمُعَةَ بِالأهْوازِ فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ الحَجّاجَ يَتْرُكُ الجُمُعَةَ في الأمْصارِ ويُقِيمُها في حَلاقِيمِ البِلادِ فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الجُمُعَةَ تَجِبُ عَلى مَن آواهُ اللَّيْلُ، وأنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ كانَ بِالطَّفِّ فَرُبَّما جَمَعَ ورُبَّما لَمْ يُجْمِعْ؛ وقِيلَ مِنَ الطَّفِّ إلى البَصْرَةِ أقَلُّ مِن أرْبَعِ فَراسِخَ وأقَلُّ مِن مَسِيرَةِ نِصْفِ يَوْمٍ. قِيلَ لَهُ: إنَّما هَذا كَلامٌ فِيما حُكْمُهُ حُكْمُ المِصْرِ، فَرَأى ابْنُ عُمَرَ أنَّ ما قَرُبَ مِنَ المِصْرِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ وتَجِبُ عَلى أهْلِهِ الجُمُعَةُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ الجُمُعَةَ إلّا في الأمْصارِ أوْ ما حُكْمُهُ حُكْمُ الأمْصارِ. * * والجُمُعَةُ رَكْعَتانِ نَقَلَتْها الأُمَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا وعَمَلًا؛ وقالَ عُمَرُ: «صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ وصَلاةُ الفَجْرِ رَكْعَتانِ وصَلاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ؛ وإنَّما قَصُرَتِ الجُمُعَةُ لِأجْلِ الخُطْبَةِ» . * * بابُ وُجُوبِ خُطْبَةِ الجُمُعَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ فاقْتَضى ذَلِكَ وُجُوبَ السَّعْيِ إلى الذِّكْرِ، ودَلَّ عَلى أنَّ هُناكَ ذِكْرًا واجِبًا يَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهِ وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ مَوْعِظَةَ الإمامِ " وقالَ عُمَرُ في الحَدِيثِ الَّذِي قَدَّمْنا: " إنَّما قَصُرَتِ الجُمُعَةُ لِأجْلِ الخُطْبَةِ " ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ كانَ عَلى كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ المَسْجِدِ مَلائِكَةٌ يَكْتُبُونَ النّاسَ الأوَّلَ فالأوَّلَ فَإذا خَرَجَ الإمامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ واسْتَمَعُوا الخُطْبَةَ، فالمُهَجِّرُ إلى الجُمُعَةِ كاَلَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي بَقَرَةً ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي شاةً ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي دَجاجَةً ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي بَيْضَةً» ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ هَهُنا هو الخُطْبَةُ؛ لِأنَّ الخُطْبَةَ هي الَّتِي (p-٣٣٩)تَلِي النِّداءَ، وقَدْ أمَرَ بِالسَّعْيِ إلَيْهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الخُطْبَةُ وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ إذا لَمْ يَخْطُبْ صَلّى أرْبَعًا، مِنهُمُ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ وطاوُسٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم، وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَن لَمْ يُدْرِكِ الخُطْبَةَ وأدْرَكَ الصَّلاةَ أوْ بَعْضَها، فَرُوِيَ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في الرَّجُلِ تَفُوتُهُ الخُطْبَةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ أرْبَعًا " ورَوى سُفْيانُ عَنْ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وطاوُسٍ قالُوا: مَن لَمْ يُدْرِكِ الخُطْبَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى أرْبَعًا " وقالَ ابْنُ عَوْنٍ: ذُكِرَ لَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ إذا لَمْ يُدْرِكِ الخُطْبَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى أرْبَعًا، قالَ: لَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ولا خِلافَ بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ والسَّلَفِ ما خَلا عَطاءً ومَن ذَكَرْنا قَوْلَهُ أنَّ مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ أضافَ إلَيْها أُخْرى، ولَمْ يُخالِفْهم عَطاءٌ وغَيْرُهُ أنَّهُ لَوْ شَهِدَ الخُطْبَةَ فَذَهَبَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ جاءَ فَأدْرَكَ مَعَ الإمامِ رَكْعَةً أنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا لَمْ يَمْنَعْهُ فَواتُ الرَّكْعَةِ مِن فِعْلِ الجُمُعَةِ كانَتِ الخُطْبَةُ أوْلى وأحْرى بِذَلِكَ. ورَوى الأوْزاعِيُّ عَنْ عَطاءٍ أنَّ مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ أضافَ إلَيْها ثَلاثًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فاتَتْهُ الخُطْبَةُ ورَكْعَةٌ مِنها ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ وأنَسٍ والحَسَنِ وابْنِ المُسَيِّبِ والنَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ: " إذا أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ أضافَ إلَيْها أُخْرى " ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ إلَيْها أُخْرى، ومَن فاتَتْهُ الرَّكْعَتانِ يُصَلِّي أرْبَعًا» واخْتَلَفَ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ فِيمَن أدْرَكَ الإمامَ في التَّشَهُّدِ، فَرَوى أبُو وائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " مَن أدْرَكَ التَّشَهُّدَ فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلاةَ " ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: " إذا دَخَلَ في صَلاةِ الجُمُعَةِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وهو جالِسٌ فَقَدْ أدْرَكَ الجُمُعَةَ " ورُوِيَ عَنْ الحَسَنِ وإبْراهِيمَ والشَّعْبِيِّ قالُوا: " مَن لَمْ يُدْرِكِ الرُّكُوعَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى أرْبَعًا " وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: " إذا أدْرَكَهم في التَّشَهُّدِ صَلّى رَكْعَتَيْنِ " وقالَ زُفَرُ ومُحَمَّدٌ: " يُصَلِّي أرْبَعًا " وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي عِمْرانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قالَ: " يُصَلِّي أرْبَعًا، يَقْعُدُ في الثِّنْتَيْنِ الأُولَيَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَإنْ لَمْ يَقْعُدْ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أمَرْتُهُ أنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ أرْبَعًا " . وقالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والشّافِعِيُّ: " يُصَلِّي أرْبَعًا "، إلّا أنَّ مالِكًا قالَ: " إذا قامَ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً أُخْرى " وقالَ الثَّوْرِيُّ: " إذا أدْرَكَ الإمامَ جالِسًا لَمْ يُسَلِّمْ صَلّى أرْبَعًا يَنْوِي الظُّهْرَ، وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يَسْتَفْتِحَ الصَّلاةَ " وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ: " إذا أدْرَكَ الإمامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ في التَّشَهُّدِ قَعَدَ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ، فَإذا سَلَّمَ الإمامُ قامَ فَكَبَّرَ ودَخَلَ في الصَّلاةِ نَفْسِهِ، (p-٣٤٠)وإنْ قَعَدَ مَعَ الإمامِ بِتَكْبِيرٍ سَلَّمَ إذا فَرَغَ الإمامُ ثُمَّ قامَ فَكَبَّرَ لِلظُّهْرِ " وقالَ اللَّيْثُ: " إذا أدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الإمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وعِنْدَهُ أنَّ الإمامَ قَدْ خَطَبَ فَإنَّما يُصَلِّي إلَيْها رَكْعَةً أُخْرى ثُمَّ يُسَلِّمُ، فَإنْ أخْبَرَهُ النّاسُ أنَّ الإمامَ لَمْ يَخْطُبْ وأنَّهُ صَلّى أرْبَعًا صَلّى رَكْعَتَيْنِ وسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وما فاتَكم فاقْضُوا» وجَبَ عَلى مُدْرِكِ الإمامِ في تَشَهُّدِ الجُمُعَةِ اتِّباعُهُ فِيهِ والقُعُودُ مَعَهُ، ولَمّا كانَ مُدْرِكًا لِهَذا الجُزْءِ مِنَ الصَّلاةِ وجَبَ عَلَيْهِ قَضاءُ الفائِتِ مِنها بِظاهِرِ قَوْلِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما فاتَكم فاقْضُوا "، والفائِتُ مِنها هي الجُمُعَةُ، فَوَجَبَ أنْ يَقْضِيَ رَكْعَتَيْنِ وأيْضًا لَمّا كانَ مُدْرِكُ المُقِيمِ في التَّشَهُّدِ لَزِمَهُ الإتْمامُ إذا كانَ مُسافِرًا وكانَ بِمَنزِلَةِ مُدْرِكِهِ في التَّحْرِيمَةِ وجَبَ مِثْلُهُ في الجُمُعَةِ؛ إذِ الدُّخُولُ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الصَّلاتَيْنِ بِغَيْرِ الفَرْضِ. فَإنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ إلَيْها أُخْرى» وفي بَعْضِ الأخْبارِ: «وإنْ أدْرَكَهم جُلُوسًا صَلّى أرْبَعًا» قِيلَ لَهُ: أصْلُ الحَدِيثِ: «مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ فَقَدْ أدْرَكَ»، فَقالَ الزُّهْرِيُّ وهو راوِي الحَدِيثِ: ما أرى الجُمُعَةَ إلّا مِنَ الصَّلاةِ؛ فَذِكْرُ الجُمُعَةِ إنَّما هو مِن كَلامِ الزُّهْرِيِّ؛ والحَدِيثُ إنَّما يَدُورُ عَلى الزُّهْرِيِّ، مَرَّةً يَرْوِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ومَرَّةً عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ قالَ حِينَ رَوى الحَدِيثَ في صَلاةٍ مُطْلَقَةٍ: أرى الجُمُعَةَ مِنَ الصَّلاةِ؛ فَلَوْ كانَ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَصٌّ في الجُمُعَةِ لَما قالَ: ما أرى الجُمُعَةَ إلّا مِنَ الصَّلاةِ وعَلى أنَّ قَوْلَهُ: «مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ فَقَدْ أدْرَكَ» لا دَلالَةَ فِيهِ أنَّهُ إذا لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً صَلّى أرْبَعًا، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: «مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ فَلْيُضِفْ إلَيْها رَكْعَةً أُخْرى» وأمّا ما رُوِيَ: " وإنْ أدْرَكَهم جُلُوسًا صَلّى أرْبَعًا " فَإنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ بَعْضِ الرُّواةِ أدْرَجَهُ في الحَدِيثِ، ولَوْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ مَعْناهُ: وإنْ أدْرَكَهم جُلُوسًا وقَدْ سَلَّمَ الإمامُ. ولَمْ يَخْتَلِفِ الفُقَهاءُ أنَّ وُجُوبَ الجُمُعَةِ مَخْصُوصٌ بِالأحْرارِ البالِغِينَ المُقِيمِينَ دُونَ النِّساءِ والعَبِيدِ والمُسافِرِينَ والعاجِزِينَ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أرْبَعَةٌ لا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ: العَبْدُ والمَرْأةُ والمَرِيضُ والمُسافِرُ» وأمّا الأعْمى فَإنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: " لا جُمُعَةَ عَلَيْهِ " وجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ المُقْعَدِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الحُضُورِ بِنَفْسِهِ إلّا بِغَيْرِهِ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " عَلَيْهِ الجُمُعَةُ " وفَرْقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ المُقْعَدِ؛ لِأنَّ الأعْمى بِمَنزِلَةِ مَن لا يَهْتَدِي الطَّرِيقَ فَإذا هُدِيَ سَعى بِنَفْسِهِ، والمُقْعَدُ لا يُمْكِنُهُ السَّعْيُ بِنَفْسِهِ ويَحْتاجُ إلى مَن يَحْمِلُهُ وفَرَّقَ أبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الأعْمى وبَيْنَ مَن لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ؛ لِأنَّ الَّذِي لا يَعْرِفُ وهو بَصِيرٌ إذا أُرْشِدَ اهْتَدى بِنَفْسِهِ والأعْمى لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ ولا يَعْرِفُهُ (p-٣٤١)بِالإرْشادِ والدَّلالَةِ، ويُحْتَجُّ لِأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ بِحَدِيثِ أبِي رَزِينٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنِّي ضَرِيرٌ شاسِعُ الدّارِ ولَيْسَ لِي قائِدٌ يُلازِمُنِي أفَلِي رُخْصَةٌ أنْ لا آتِيَ المَسْجِدَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا» وفي خَبَرِ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ نَحْوُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أتَسْمَعُ الإقامَةَ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأْتِها» . * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ في وقْتِ النَّهْيِ عَنِ البَيْعِ، فَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ والضَّحّاكِ ومُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ: " أنَّ البَيْعَ يَحْرُمُ بِزَوالِ الشَّمْسِ " وقالَ مُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ: " يَحْرُمُ بِالنِّداءِ " وقَدْ قِيلَ: إنَّ اعْتِبارَ الوَقْتِ في ذَلِكَ أوْلى،؛ إذْ كانَ عَلَيْهِمُ الحُضُورُ عِنْدَ دُخُولِ الوَقْتِ، فَلا يُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهم تَأْخِيرَ النِّداءِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلنِّداءِ قَبْلَ الزَّوالِ مَعْنًى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النِّداءَ الَّذِي بَعْدَ الزَّوالِ إنَّما هو بَعْدَما قَدْ وجَبَ إتْيانُ الصَّلاةِ واخْتَلَفُوا في جَوازِ البَيْعِ عِنْدَ نِداءِ الصَّلاةِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ والشّافِعِيُّ: " البَيْعُ يَقَعُ مَعَ النَّهْيِ "، وقالَ مالِكٌ: " البَيْعُ باطِلٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» وظاهِرُهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ المِلْكِ لِلْمُشْتَرِي في سائِرِ الأوْقاتِ لِوُقُوعِهِ عَنْ تَراضٍ. فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ قِيلَ لَهُ: نَسْتَعْمِلُهُما فَنَقُولُ: يَقَعُ مَحْظُورًا عَلَيْهِ عَقْدُ البَيْعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِقَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ ويَقَعُ المِلْكُ بِحُكْمِ (p-٣٤٢)الآيَةِ الأُخْرى والخَبَرُ الَّذِي رَوَيْناهُ؛ وأيْضًا لَمّا لَمْ يَتَعَلَّقِ النَّهْيُ بِمَعْنًى في نَفْسِ العَقْدِ وإنَّما تَعَلَّقَ بِمَعْنًى في غَيْرِهِ وهو الِاشْتِغالُ عَنِ الصَّلاةِ وجَبَ أنْ لا يَمْنَعَ وُقُوعَهُ وصِحَّتَهُ، كالبَيْعِ في آخِرِ وقْتِ صَلاةٍ يُخافُ فَوْتَها إنِ اشْتَغَلَ بِهِ وهو مَنهِيٌّ عَنْهُ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّتَهُ؛ لِأنَّ النَّهْيَ تَعَلَّقَ بِاشْتِغالِهِ عَنِ الصَّلاةِ وأيْضًا هو مِثْلُ تَلَقِّي الجَلَبِ وبَيْعِ حاضِرٍ لِبادٍ والبَيْعُ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ ونَحْوِها كَوْنُهُ مَنهِيًّا عَنْهُ لا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ. وقَدْ رَوى عَبْدُ العَزِيزِ الدَّراوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا رَأيْتُمْ مَن يَبِيعُ في المَسْجِدِ فَقُولُوا: لا أرْبَحَ اللَّهُ تِجارَتَكَ، وإذا رَأيْتُمْ مَن يَنْشُدُ ضالَّةً في المَسْجِدِ فَقُولُوا: لا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ» ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: " أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهى أنْ يُباعَ في المَسْجِدِ وأنْ يُشْتَرى فِيهِ وأنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضالَّةٌ أوْ تُنْشَدَ فِيهِ الأشْعارُ، ونَهى عَنِ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ» ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جَنِّبُوا مَساجِدَكم مَجانِينَكم وصِبْيانَكم ورَفْعَ أصْواتِكم وسَلَّ سُيُوفِكم وبَيْعَكم وشِراكم وإقامَةَ حُدُودِكم وخُصُومَتَكم وجَمِّرُوها يَوْمَ جُمَعِكم واجْعَلُوا مَطاهِرَكم عَلى أبْوابِها»، فَنَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ البَيْعِ في المَسْجِدِ، ولَوْ باعَ فِيهِ جازَ؛ لِأنَّ النَّهْيَ تَعَلَّقَ بِمَعْنًى في غَيْرِ العَقْدِ.

الجمعة 62:10

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾؛ قالَ الحَسَنُ والضَّحّاكُ: هو إذْنٌ ورُخْصَةٌ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا ذُكِرَ بَعْدَ الحَظْرِ كانَ الظّاهِرُ أنَّهُ إباحَةٌ وإطْلاقٌ مِن حَظْرٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقِيلَ: وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ بِعَمَلِ الطّاعَةِ والدُّعاءِ لِلَّهِ، وقِيلَ: وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في التِّجارَةِ ونَحْوِها؛ وهو إباحَةٌ أيْضًا وهو أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ لِأنَّهُ قَدْ حَظَرَ البَيْعَ في صَدْرِ الآيَةِ كَما أمَرَ بِالسَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ إباحَةٌ لِلْبَيْعِ الَّذِي حُظِرَ بَدِيًّا، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] فَكانَ المَعْنى: يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ بِالتِّجارَةِ والتَّصَرُّفِ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما أرادَ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥] وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى إباحَةِ السَّفَرِ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾

الجمعة 62:11

واخْتَلَفُوا في عَدَدِ مَن تَصِحُّ بِهِ الجُمُعَةُ مِنَ المَأْمُومِينَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ واللَّيْثُ: " ثَلاثَةٌ سِوى الإمامِ " ورُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ: " اثْنانِ سِوى الإمامِ " وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إنْ لَمْ يَحْضُرِ الإمامَ إلّا رِجْلٌ واحِدٌ فَخَطَبَ عَلَيْهِ وصَلّى بِهِ أجْزَأهُما " وأمّا مالِكٌ فَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ شَيْئًا، واعْتَبَرَ الشّافِعِيُّ أرْبَعِينَ رَجُلًا. قالَ أبُو بَكْرٍ: رَوى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَدِمَ عِيرٌ فَنَفَرَ النّاسُ إلَيْهِ وبَقِيَ مَعَهُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾»، ومَعْلُومٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتْرُكِ الجُمُعَةَ مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ ولَمْ يَذْكُرْ رُجُوعَ القَوْمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَدْ صَلّى بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، ونَقَلَ أهْلُ السِّيَرِ أنَّ أوَّلَ جُمُعَةٍ كانَتْ بِالمَدِينَةِ صَلّاها مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ اعْتِبارُ الأرْبَعِينَ وأيْضًا الثَّلاثَةُ جَمْعٌ صَحِيحٌ فَهي كالأرْبَعِينَ لاتِّفاقِهِما في كَوْنِهِما جَمْعًا صَحِيحًا. وما دُونَ الثَّلاثَةِ مُخْتَلَفٌ في كَوْنِهِ جَمْعًا صَحِيحًا، فَوَجَبَ الِاقْتِصارُ عَلى الثَّلاثَةِ وإسْقاطُ اعْتِبارِ ما زادَ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ قالا: " رَأوْا عِيرَ طَعامٍ قَدِمَتِ المَدِينَةَ وقَدْ أصابَتْهم مَجاعَةٌ "، وقالَ جابِرٌ: " اللَّهْوُ المَزامِيرُ " وقالَ مُجاهِدٌ: " الطَّبْلُ " ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ " مِنَ الثَّوابِ عَلى سَماعِ الخُطْبَةِ وحُضُورِ المَوْعِظَةِ " ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾ (p-٣٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخُطْبَةَ قائِمَةٌ؛ رَوى الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ أنَّ رَجُلًا سَألَ عَلْقَمَةَ أكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قائِمًا أوْ قاعِدًا ؟ فَقالَ: ألَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ ؟ . ورَوى حُصَيْنٌ عَنْ سالِمٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَدِمَتْ عِيرٌ مِنَ الشّامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ورَسُولُ اللَّهِ يَخْطُبُ، فانْصَرَفَ النّاسُ يَنْظُرُونَ وبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾» ورَوى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جابِرٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ يَخْطُبُ، فَجاءَتْ عِيرٌ فَخَرَجَ النّاسُ إلَيْها حَتّى بَقِيَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتِ الآيَةُ» قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ ابْنُ فَضِيلٍ وابْنُ إدْرِيسَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ عَنْ حُصَيْنٍ، فَذَكَرَ ابْنُ فَضِيلٍ أنَّهُ قالَ: " كُنّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ " وذَكَرَ ابْنُ إدْرِيسَ أنَّهُ قالَ: " كانَ النَّبِيُّ يَخْطُبُ "، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: " نُصَلِّي " أنَّهم قَدْ حَضَرُوا لِلصَّلاةِ مُنْتَظِرِينَ لَها؛ لِأنَّ مَن يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ فَهو في الصَّلاةِ وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ قالَ: إنَّ أهْلَ المَدِينَةِ أصابَهم جُوعٌ وغَلاءُ سِعْرٍ، فَقَدِمَتْ عِيرٌ والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَسَمِعُوا بِها فَخَرَجُوا إلَيْها والنَّبِيُّ ﷺ قائِمٌ كَما هو، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوِ اتَّبَعَ آخِرُهم أوَّلَهم لالتَهَبَ الوادِي عَلَيْهِمْ نارًا» آخِرُ سُورَةِ الجُمُعَةِ.

المنافقون 63:1

ومِن سُورَةِ المُنافِقِينَ ﷽ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٦] قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: " أشْهَدُ " يَمِينٌ؛ لِأنَّ القَوْمَ قالُوا: " نَشْهَدُ " فَجَعَلَهُ اللَّهُ يَمِينًا بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ، فَقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ: " أشْهَدُ وأُقْسِمُ وأعْزِمُ وأحْلِفُ كُلُّها أيْمانٌ " وقالَ زُفَرُ: " إذا قالَ: أُقْسِمُ لَأفْعَلَنَّ، فَهو يَمِينٌ، ولَوْ قالَ: أشْهَدُ لَأفْعَلَنَّ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا " وقالَ مالِكٌ: " إنْ أرادَ بِقَوْلِهِ أُقْسِمُ أيْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ فَهو يَمِينٌ وإلّا فَلا شَيْءَ وكَذَلِكَ أحْلِفُ " قالَ: " ولَوْ قالَ: أعْزِمُ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا إلّا أنْ يَقُولَ: أعْزِمُ بِاللَّهِ، ولَوْ قالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ أوْ قالَ: نَذْرٌ لِلَّهِ، فَهو عَلى ما نَوى، وإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ فَكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ " وقالَ الشّافِعِيُّ: " أُقْسِمُ لَيْسَ بِيَمِينٍ وأُقْسِمُ بِاللَّهِ يَمِينٌ إنْ أرادَها، وإنْ أرادَ المَوْعِدَ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وأشْهَدُ بِاللَّهِ إنْ نَوى اليَمِينَ فَيَمِينٌ، وإنْ لَمْ يَنْوِ يَمِينًا فَلَيْسَتْ (p-٣٤٥)بِيَمِينٍ، وأعْزِمُ بِاللَّهِ إنْ أرادَ يَمِينًا فَهو يَمِينٌ " وذَكَرَ الرَّبِيعُ عَنِ الشّافِعِيِّ: " إذا قالَ: أُقْسِمُ أوْ أشْهَدُ أوْ أعْزِمُ ولَمْ يَقُلْ: بِاللَّهِ فَهو كَقَوْلِهِ: واللَّهِ، وإنْ قالَ: أحْلِفُ بِاللَّهِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ إلّا أنْ يَنْوِيَ اليَمِينَ " قالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَخْتَلِفُونَ أنَّ " أشْهَدُ بِاللَّهِ " يَمِينٌ فَكَذَلِكَ " أشْهَدُ " مِن وجْهَيْنِ: أحَدِهِما: أنَّ اللَّهَ حَكى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم قالُوا: " نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ " ثُمَّ جَعَلَ هَذا الإطْلاقَ يَمِينًا مِن غَيْرِ أنْ يَقْرِنَهُ بِاسْمِ اللَّهِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] فَعَبَّرَ عَنِ اليَمِينِ بِالشَّهادَةِ عَلى الإطْلاقِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا أخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ القَسَمِ وجَبَ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُ في حَذْفِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى وفي إظْهارِهِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى القَسَمَ في كِتابِهِ فَأظْهَرَ تارَةً الِاسْمَ وحَذَفَهُ أُخْرى والمَفْهُومُ بِاللَّفْظِ في الحالَيْنِ واحِدٌ بِقَوْلِهِ:﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] فَحَذَفَهُ تارَةً اكْتِفاءً بِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِإضْمارِهِ وأظْهَرَهُ أُخْرى، ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ عَبَرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رُؤْيا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «أصَبْتَ بَعْضًا وأخْطَأْتَ بَعْضًا فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تُقْسِمْ» ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «واللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي» فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ: " أقْسَمْتُ عَلَيْكَ " يَمِينًا؛ فَمِنَ النّاسِ مَن يَكْرَهُ القَسَمَ لِقَوْلِهِ: " لا تُقْسِمْ " ومِنهم مَن لا يَرى بِهِ بَأْسًا وأنَّهُ إنَّما قالَ: " لا تُقْسِمْ "؛ لِأنَّ عِبارَةَ الرُّؤْيا ظَنٌّ قَدْ يَقَعُ فِيها الخَطَأُ، وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى مَن أقْسَمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أنْ يَبَرَّ قَسَمَهُ؛ لِأنَّهُ ﷺ لَمْ يُخْبِرْهُ لَمّا أقْسَمَ عَلَيْهِ لِيُخْبِرَهُ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ مَن عَلِمَ تَأْوِيلَ رُؤْيا فَلَيْسَ عَلَيْهِ الإخْبارُ بِها؛ لِأنَّهُ ﷺ لَمْ يُخْبِرْ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيا ورَوى هِشامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ قَدِ اسْتَعْمَلَ عُمَرَ عَلى الشّامِ، فَلَقَدْ رَأيْتُنِي وأنا أشُدُّ الإبِلَ بِأقْتابِها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَرْتَحِلَ قالَ لَهُ النّاسُ: تَدَعُ عُمَرَ يَنْطَلِقُ إلى الشّامِ ؟ واللَّهِ إنَّ عُمَرَ لَيَكْفِيكَ الشّامَ وهو هَهُنا قالَ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا أقَمْتَ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لِلْعَبّاسِ فِيما خاصَمَ فِيهِ عَلِيًّا مِن أشْياءَ تَرَكَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإيثارِهِ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمّا سَلَّمْتَهُ لِعَلِيٍّ. وقَدْ رَوى البَراءُ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإبْرارِ القَسَمِ»، وهَذا يَدُلُّ عَلى إباحَةِ القَسَمِ وأنَّهُ يَمِينٌ، وهَذا عَلى وجْهِ النَّدْبِ؛ «لِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَ أبِي بَكْرٍ لَمّا قالَ: " أقْسَمْتُ عَلَيْكَ "» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعَلْقَمَةَ وإبْراهِيمَ وأبِي العالِيَةِ والحَسَنِ: القَسَمُ يَمِينٌ وقالَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ: أقْسَمْتُ وأقْسَمْتُ بِاللَّهِ سَواءٌ. (p-٣٤٦)

المنافقون 63:10

بابُ مَن فَرَّطَ في زَكاةِ مالِهِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ الآيَةَ رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ أبِي حَبّابٍ عَنْ أبِي الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن كانَ لَهُ مالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ ومالٌ يُبْلِغُهُ بَيْتَ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ ولَمْ يُزَكِّ سَألَ الرَّجْعَةَ، وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾» الآيَةَ؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ إلّا أنَّ دَلالَةَ الآيَةِ ظاهِرَةٌ عَلى حُصُولِ التَّفْرِيطِ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا ووَجَبَ أداؤُها مِن مالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَكانَتْ قَدْ تَحَوَّلَتْ إلى المالِ فَلَزِمَ الوَرَثَةَ إخْراجُها، فَلَمّا سَألَ الرَّجْعَةَ عَلِمْنا أنَّ الأداءَ فائِتٌ وأنَّهُ لا يَتَحَوَّلُ إلى المالِ ولا يُؤْخَذُ مِن تَرِكَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ إلّا أنْ يَتَبَرَّعَ بِهِ الوَرَثَةُ. آخِرُ سُورَةِ المُنافِقِينَ.

الطلاق 65:1

ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في خُرُوجِ المُعْتَدَّةِ مِن بَيْتِها قالَ أصْحابُنا: لا تَنْتَقِلُ المَبْتُوتَةُ؛ ولا المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ عَنْ بَيْتِها الَّذِي كانَتْ تَسْكُنُهُ؛ وتَخْرُجُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها بِالنَّهارِ؛ ولا تَبِيتُ في غَيْرِ مَنزِلِها؛ ولا تَخْرُجُ المُطَلَّقَةُ لَيْلًا؛ ولا نَهارًا؛ إلّا مِن عُذْرٍ؛ وهو قَوْلُ الحَسَنِ؛ وقالَ مالِكٌ: لا تَنْتَقِلُ المُطَلَّقَةُ المَبْتُوتَةُ؛ ولا الرَّجْعِيَّةُ؛ ولا المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ ولا يَخْرُجْنَ بِالنَّهارِ؛ ولا يَبِتْنَ عَنْ بُيُوتِهِنَّ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: ولَمْ يَكُنِ الإحْدادُ في سُكْنى البُيُوتِ؛ فَتَسْكُنُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها أيَّ بَيْتٍ كانَتْ فِيهِ؛ جَيِّدًا؛ أوْ رَدِيًّا؛ وإنَّما الإحْدادُ في الزِّينَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا المُطَلَّقَةُ؛ فَلِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾؛ فَحَظَرَ خُرُوجَها؛ وإخْراجَها؛ في العِدَّةِ؛ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ؛ وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ العُذْرِ؛ فَأباحَ خُرُوجَها لِعُذْرٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في الفاحِشَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وسَنَذْكُرُها في مَوْضِعِها إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ وأمّا المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) قالَ - في العِدَّةِ الأُولى -: (p-١٢٤)﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ ثُمَّ نَسَخَ مِنها ما زادَ عَلى الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ؛ والعَشْرِ؛ فَبَقِيَ حُكْمُ هَذِهِ العِدَّةِ الثّانِيَةِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ الخُرُوجِ؛ إذْ لَمْ يَرِدْ لَها نَسْخٌ؛ وإنَّما النَّسْخُ فِيما زادَ؛ وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِمِثْلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ؛ عَنْ مالِكٍ؛ عَنْ سَعْدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ «أنَّ الفُرَيْعَةَ بِنْتَ مالِكِ بْنِ سِنانٍ؛ وهي أُخْتُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ أخْبَرَتْها أنَّها جاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَسْألُهُ أنْ تَرْجِعَ إلى أهْلِها في بَنِي خُدْرَةَ؛ فَإنَّ زَوْجَها قَتَلَهُ عَبْدٌ لَهُ: فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ أرْجِعَ إلى أهْلِي؛ فَإنَّهُ لَمْ يَتْرُكْنِي في مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ؛ ولا نَفَقَةٍ؛ قالَتْ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ"؛ قالَتْ: فَخَرَجْتُ؛ حَتّى إذا كُنْتُ في الحُجْرَةِ؛ أوْ في المَسْجِدِ؛ دَعانِي؛ فَقالَ: "كَيْفَ قُلْتِ؟"؛ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ مِن شَأْنٍ زَوْجِي؛ قالَتْ: فَقالَ: "اُمْكُثِي في بَيْتِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ"؛ قالَتْ: فاعْتَدَدْتُ فِيهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ؛ وعَشْرًا؛ قالَتْ: فَلَمّا كانَ عُثْمانُ أرْسَلَ إلَيَّ؛ وسَألَنِي عَنْ ذَلِكَ؛ فَأخْبَرْتُهُ؛ فاتَّبَعَهُ؛ وقَضى بِهِ»؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خِلافُ ذَلِكَ؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ مَسْعُودٍ قالَ: حَدَّثَنا شِبْلٌ؛ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ قالَ: قالَ عَطاءٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها عِنْدَ أهْلِهِ؛ فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شاءَتْ؛ وهو قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ قالَ عَطاءٌ: إنْ شاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أهْلِها؛ وسَكَنَتْ في مَنزِلِها؛ وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ قالَ عَطاءٌ: ثُمَّ جاءَ المِيراثُ؛ فَنَسَخَ السُّكْنى؛ فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شاءَتْ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ في إيجابِ المِيراثِ ما يُوجِبُ نَسْخَ الكَوْنِ في المَنزِلِ؛ وقَدْ يَجُوزُ اجْتِماعُهُما؛ فَلَيْسَ في ثُبُوتِ أحَدِهِما نَفْيُ الآخَرِ؛ وقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ أيْضًا بِسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ نَسْخِ الحَوْلِ؛ وإيجابِ المِيراثِ؛ لِأنَّ عِدَّةَ "اَلْفُرَيْعَةَ" كانَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا؛ وقَدْ نَهاها النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّقْلَةِ؛ وما رَوَيْنا مِن قِصَّةِ "اَلْفُرَيْعَةَ" قَدْ دَلَّ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما لُزُومُ السُّكُونِ في المَنزِلِ الَّذِي كانَتْ تَسْكُنُهُ يَوْمَ الوَفاةِ؛ والنَّهْيُ عَنِ النَّقْلَةِ؛ والثّانِي جَوازُ الخُرُوجِ؛ إذْ لَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ الخُرُوجَ؛ ولَوْ كانَ الخُرُوجُ مَحْظُورًا لَنَهاها عَنْهُ. وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ؛ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ؛ وعُمَرُ؛ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ؛ وأُمُّ سَلَمَةَ؛ وعُثْمانُ؛ أنَّهم قالُوا: اَلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها تَخْرُجُ بِالنَّهارِ؛ ولا تَبِيتُ عَنْ بَيْتِها؛ ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ؛ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «اُسْتُشْهِدَ رِجالٌ يَوْمَ أُحُدٍ؛ فَآمَتْ نِساؤُهُمْ؛ وكُنَّ مُتَجاوِراتٍ في دارٍ؛ (p-١٢٥)فَأتَيْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَ: نَبِيتُ عِنْدَ إحْدانا؛ فَقالَ: "تَزاوَرْنَ بِالنَّهارِ؛ فَإذا كانَ اللَّيْلُ فَلْتَأْوِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ إلى بَيْتِها"؛» ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها تَعْتَدُّ حَيْثُ شاءَتْ؛ مِنهم عَلِيٌّ؛ وابْنُ عَبّاسٍ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ وعائِشَةُ. وما قَدَّمْنا مِن دَلِيلِ الكِتابِ؛ والسُّنَّةِ؛ يُوجِبُ صِحَّةَ القَوْلِ الأوَّلِ؛ فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَها أنْ تَنْتَقِلَ؛ قِيلَ لَهُ: اَلْمَعْنى: فَإذا خَرَجْنَ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا أنَّها لَوْ خَرَجَتْ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ لَمْ يَكُنْ لَها أنْ تَتَزَوَّجَ بِالِاتِّفاقِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ: فَإذا خَرَجْنَ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ؛ وإذا كانَ ذَلِكَ عَلى ما وصَفْنا كانَ حَظْرُ الِانْتِقالِ باقِيًا عَلى المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها؛ وإنَّما قالُوا: إنَّ المُطَلَّقَةَ لا تَخْرُجُ لَيْلًا؛ ولا نَهارًا؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ﴾؛ وذَلِكَ عُمُومٌ في جَمِيعِهِنَّ؛ وحَظْرٌ عَنْ خُرُوجِهِنَّ في سائِرِ الأوْقاتِ؛ وخالَفَتِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها مِن جِهَةِ أنَّ نَفَقَةَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها عَلى نَفْسِها؛ ونَفَقَةَ المُطَلَّقَةِ عَلى زَوْجِها؛ فَهي مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ الخُرُوجِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * ومِن سُورَةِ الطَّلاقِ ﷽ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: يَحْتَمِلُ تَخْصِيصُ النَّبِيِّ بِالخِطابِ وُجُوهًا: أحَدُها: اكْتِفاءٌ بِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِأنَّ ما خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ خِطابٌ لَهم، إذْ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالِاقْتِداءِ بِهِ إلّا ما خُصَّ بِهِ دُونَهم، فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ ثُمَّ عَدَلَ بِالخِطابِ إلى الجَماعَةِ؛ إذْ كانَ خِطابُهُ خِطابًا لِلْجَماعَةِ. والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَهُ: يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأُمَّتِكَ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ. والثّالِثُ: عَلى العادَةِ في خِطابِ الرَّئِيسِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الأتْباعُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ في الحَيْضِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ولْيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ مِن حَيْضَتِها ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرى فَإذا طَهُرَتْ فَلْيُفارِقْها قَبْلَ أنْ يُجامِعَها أوْ يُمْسِكْها، فَإنَّها العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ» رَواهُ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: «قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ: فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ قالَ: طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ» ورَوى وكِيعٌ عَنْ سُفْيانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى أبِي طَلْحَةَ عَنْ سالِمٍ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ في الحَيْضِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ يُطَلِّقْها وهي حامِلٌ أوْ غَيْرُ حامِلٍ وفي لَفْظٍ آخَرَ: فَلْيُطَلِّقْها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ أوْ حامِلًا قَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها» . قالَ أبُو بَكْرٍ: بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ مُرادَ اللَّهِ في قَوْلِهِ (p-٣٤٧)تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وأنَّ وقْتَ الطَّلاقِ المَأْمُورَ بِهِ أنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ أوْ حامِلًا قَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها، وبَيَّنَ أيْضًا أنَّ السُّنَّةَ في الإيقاعِ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنْ يَفْصِلَ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ بِحَيْضَةٍ بِقَوْلِهِ: " يُراجِعُها ثُمَّ يَدَعُها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرى ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ يُطَلِّقُها إنْ شاءَ " فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ في طُهْرٍ واحِدٍ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ، وما نَعْلَمُ أحَدًا أباحَ طَلاقَها في الطُّهْرِ بَعْدَ الجِماعِ إلّا شَيْئًا رَواهُ وكِيعٌ عَنِ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ عَنْ بَيانٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قالَ: " إذا طَلَّقَها وهي طاهِرٌ فَقَدْ طَلَّقَها لِلسُّنَّةِ وإنْ كانَ قَدْ جامَعَها "، وهَذا القَوْلُ خِلافُ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وخِلافُ إجْماعِ الأُمَّةِ؛ إلّا أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ الحامِلَ، وهو ما رَواهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ عَنْ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ عَنْ بَيانٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: " إذا طَلَّقَها حامِلًا فَقَدْ طَلَّقَها لِلسُّنَّةِ وإنْ كانَ قَدْ جامَعَها "، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا أصْلَ الحَدِيثِ وأغْفَلَ بَعْضُ الرُّواةِ ذِكْرَ الحامِلِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ مُنْتَظِمٌ لِلْواحِدَةِ ولِلثَّلاثِ مُفَرَّقَةً في الأطْهارِ؛ لِأنَّ إدْخالَ " اللّامِ " يَقْتَضِي ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قَدِ انْتَظَمَ فِعْلَها مُكَرَّرًا عِنْدَ الدُّلُوكِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما إباحَةُ الثَّلاثِ مُفَرَّقَةً في الأطْهارِ، وإبْطالُ قَوْلِ مَن قالَ: " إيقاعُ الثَّلاثِ في الأطْهارِ المُتَفَرِّقَةِ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ " وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والأوْزاعِيُّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ واللَّيْثِ والثّانِي: تَفْرِيقُها في الأطْهارِ وحَظْرِ جَمْعِها في طُهْرٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يَقْتَضِي ذَلِكَ لا فِعْلَ الجَمِيعِ في طُهْرٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] لَمْ يَقْتَضِ فِعْلَ صَلاتَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ وإنَّما اقْتَضى فِعْلَ الصَّلاةِ مُكَرَّرَةً في الأوْقاتِ وقَوْلُ أصْحابِنا: إنَّ طَلاقَ السُّنَّةِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في الوَقْتِ، وهو أنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ أوْ حامِلًا قَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها. والآخَرُ: مِن جِهَةِ العَدَدِ، وهو أنْ لا يَزِيدَ في الطُّهْرِ الواحِدِ عَلى تَطْلِيقَةٍ واحِدَةٍ والوَقْتُ مَشْرُوطٌ لِمَن يُطَلِّقُ في العِدَّةِ؛ لِأنَّ مَن لا عِدَّةَ عَلَيْها بِأنْ كانَ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ فَطَلاقُها مُباحٌ في الحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] فَأباحَ طَلاقَها في كُلِّ حالٍ مِن طُهْرٍ أوْ حَيْضٍ، وقَدْ بَيَّنّا بُطْلانَ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ في طُهْرٍ واحِدٍ مِنَ السُّنَّةِ ومِن مَنعِ إيقاعِ الثَّلاثِ في الأطْهارِ المُتَفَرِّقَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَإنْ قِيلَ: لَمّا جازَ طَلاقُ الحامِلِ بَعْدَ الجِماعِ كَذَلِكَ الحائِلُ يَجُوزُ طَلاقُها في الطُّهْرِ بَعْدَ الجِماعِ، قِيلَ لَهُ: لا حَظَّ لِلنَّظَرِ مَعَ الأثَرِ واتِّفاقِ السَّلَفِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما واضِحٌ وهو أنَّهُ إذا طَهُرَتْ (p-٣٤٨)مِن حَيْضَتِها ثُمَّ جامَعَها لا نَدْرِي لَعَلَّها قَدْ حَمَلَتْ مِنَ الوَطْءِ وعَسى أنْ لا يُرِيدَ طَلاقَها إنْ كانَتْ حامِلًا فَيَلْحَقُهُ النَّدَمُ، وإذا لَمْ يُجامِعْها بَعْدَ الطُّهْرِ فَإنَّ وُجُودَ الحَيْضِ عَلَمُ بَراءَةِ الرَّحِمِ فَيُطَلِّقُها وهو عَلى بَصِيرَةٍ مِن طَلاقِها. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ العِدَّةُ الَّتِي أوْجَبَها اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وبِقَوْلِهِ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿واللائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ عَدَدٌ لِلْمُطْلَقاتِ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ لَهُنَّ؛ فَيَكُونُ إحْصاؤُها لِمَعانٍ، أحَدُها: لِما يُرِيدُ مِن رَجْعَةٍ وإمْساكٍ أوْ تَسْرِيحٍ وفِراقٍ. والثّانِي: مُراعاةُ حالِها في بَقائِها عَلى الحالِ الَّتِي طُلِّقَتْ عَلَيْها مِن غَيْرِ حُدُوثِ حالٍ يُوجِبُ انْتِقالَ عِدَّتِها إلَيْها. والثّالِثُ: لِكَيْ إذا بانَتْ يُشْهِدَ عَلى فِراقِها ويَتَزَوَّجَ مِنَ النِّساءِ غَيْرَها مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لَهُ جَمْعُها إلَيْها ولِئَلّا يُخْرِجَها مِن بَيْتِها قَبْلَ انْقِضائِها وذَكَرَ بَعْضُ مَن صَنَّفَ في أحْكامِ القُرْآنِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ وأصْحابَهُ يَقُولُونَ: " إنَّ طَلاقَ السُّنَّةِ واحِدَةٌ، وأنَّ مِن طَلاقِ السُّنَّةِ أيْضًا إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا طَلَّقَها عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً؛ فَذَكَرُوا أنَّ الأوَّلَ هو السُّنَّةُ والثّانِيَ أيْضًا سُنَّةٌ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ شَيْءٌ وخِلافُهُ سُنَّةً ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَكُونَ حَرامًا حَلالًا، ولَوْ قالَ: إنَّ الثّانِيَ رُخْصَةٌ كانَ أشْبَهَ " قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا كَلامُ مَن لا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَعْرِفَةِ أُصُولِ العِباداتِ وما يَجُوزُ وُرُودُهُ مِنها مِمّا لا يَجُوزُ، ولا يَمْنَعُ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ جَوازَ وُرُودِ العِبادَةِ بِمِثْلِهِ؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ السُّنَّةُ في الطَّلاقِ أنْ يُخَيَّرَ بَيْنَ إيقاعِ الواحِدَةِ في طُهْرٍ والِاقْتِصارِ عَلَيْها وبَيْنَ أنْ يُطَلِّقَ بَعْدَها في الطُّهْرِ الثّانِي والثّالِثِ، وجَمِيعُ ذَلِكَ مَندُوبٌ إلَيْهِ، ويَكُونُ مَعَ ذَلِكَ أحَدُ الوَجْهَيْنِ أحْسَنَ مِنَ الآخِرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] وخَيَّرَ اللَّهُ الحانِثَ في يَمِينِهِ بَيْنَ أحَدِ أشْياءَ ثَلاثَةٍ وأيَّها فَعَلَ كانَ فَرْضَهُ وقَوْلُهُ: " ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَكُونَ حَلالًا حَرامًا " يُوجِبُ نَفْيَ التَّخْيِيرِ في شَيْءٍ مِنَ السُّنَنِ والفُرُوضِ كَما امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ واحِدٌ حَرامًا حَلالًا؛ وعَوارُ هَذا القَوْلِ وفَسادُهُ أظْهَرُ مِن أنْ يَحْتاجَ إلى الإطْنابِ في الرَّدِّ عَلى قائِلِهِ ورُوِيَ نَحْوُ قَوْلِنا بِعَيْنِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ﴾ فِيهِ نَهْيٌ لِلزَّوْجِ عَنْ إخْراجِها ونَهْيٌ لَها عَنِ الخُرُوجِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ السُّكْنى لَها ما دامَتْ في العِدَّةِ؛ لِأنَّ بُيُوتَهُنَّ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْ إخْراجِها مِنها هي (p-٣٤٩)البُيُوتُ الَّتِي كانَتْ تَسْكُنُها قَبْلَ الطَّلاقِ، فَأمَرَ بِتَبْقِيَتِها في بَيْتِها ونَسَبِها إلَيْها بِالسُّكْنى كَما قالَ: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وإنَّما البُيُوتُ كانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِهَذِهِ الآيَةِ قالَ أصْحابُنا: " لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يُسافِرَ بِها حَتّى يُشْهِدَ عَلى رَجْعَتِها " ومَنَعُوها مِنَ السَّفَرِ في العِدَّةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ولا خِلافَ نَعْلَمُهُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في أنَّ عَلى الزَّوْجِ إسْكانَها ونَفَقَتَها في الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ إخْراجُها مِن بَيْتِها. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " خُرُوجُها قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ فاحِشَةٌ "، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " إلّا أنْ تَبْذُوَ عَلى أهْلِهِ فَإذا فَعَلَتْ ذَلِكَ حَلَّ لَهم أنْ يُخْرِجُوها " وقالَ الضَّحّاكُ: " الفاحِشَةُ المُبَيِّنَةُ عِصْيانُ الزَّوْجِ " وقالَ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: " أنْ تَزْنِيَ فَتُخْرَجَ لِلْحَدِّ " وقالَ قَتادَةُ: " إلّا أنْ تَنْشُزَ فَإذا فَعَلَتْ حَلَّ إخْراجُها " قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذِهِ المَعانِي كُلُّها يَحْتَمِلُها اللَّفْظُ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ جَمِيعُها مُرادًا فَيَكُونَ خُرُوجُها فاحِشَةً وإذا زَنَتْ أُخْرِجَتْ لِلْحَدِّ وإذا بَذَتْ عَلى أهْلِهِ أُخْرِجَتْ أيْضًا؛ وقَدْ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ بِالِانْتِقالِ حِينَ بَذَتْ عَلى أحْمائِها، فَأمّا عِصْيانُ الزَّوْجِ والنُّشُوزُ فَإنْ كانَ في البَذاءِ وسُوءِ الخُلُقِ اللَّذَيْنِ يَتَعَذَّرُ المُقامُ مَعَها فِيهِ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مُرادًا، وإنْ كانَتْ إنَّما عَصَتْ زَوْجَها في شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعُذْرٍ في إخْراجِها وما ذَكَرْنا مِنَ التَّأْوِيلِ المُرادِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ انْتِقالِها لِلْعُذْرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أباحَ لَها الخُرُوجَ لِلْأعْذارِ الَّتِي وصَفْنا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا طَلَّقَ لِغَيْرِ السُّنَّةِ وقَعَ طَلاقُهُ وكانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ بِتَعَدِّيهِ حُدُودَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَقِيبَ طَلاقِ العِدَّةِ فَأبانَ أنَّ مَن طَلَّقَ لِغَيْرِ العِدَّةِ فَطَلاقُهُ واقِعٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ طَلاقُهُ لَمْ يَكُنْ ظالِمًا لِنَفْسِهِ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ وُقُوعَ طَلاقِهِ مَعَ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ، قَوْلُهُ تَعالى عَقِيبَهُ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ يَعْنِي أنْ يَحْدُثَ لَهُ نَدَمٌ فَلا يَنْفَعُهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ طَلَّقَ ثَلاثًا وهو يَدُلُّ أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ في أنَّ إيقاعَ الثَّلاثِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ مِنَ السُّنَّةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ ظالِمًا لِنَفْسِهِ حِينَ طَلَّقَ ثَلاثًا وتَرَكَ اعْتِبارَ ما عَسى أنْ يَلْحَقَهُ مِنَ النَّدَمِ بِإبانَتِها؛ وحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ابْنِ عُمَرَ بِطَلاقِهِ إيّاها في الحَيْضِ وأمَرَهُ بِمُراجَعَتِها؛ لِأنَّ الطَّلاقَ الأوَّلَ كانَ خَطَأً فَأمَرَهُ بِالرَّجْعَةِ لِيَقْطَعَ أسْبابَ الخَطَإ ويَبْتَدِئَهُ عَلى السُّنَّةِ وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ الطَّلاقَ في حالِ الحَيْضِ لا يَقَعُ. وقَدْ بَيَّنّا بُطْلانَ هَذا القَوْلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن جِهَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وسُؤالَ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ لِابْنِ عُمَرَ عَنِ الطَّلاقِ في الحَيْضِ وذِكْرَهُ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهُ بِالمُراجَعَةِ قالَ: قُلْتُ: فَيُعْتَدُّ بِها ؟ قالَ: فَمَهْ ؟ أرَأيْتَ إنْ عَجَزَ (p-٣٥٠)واسْتَحْمَقَ ؟ " فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أيْمَنَ مَوْلى عُرْوَةَ يَسْألُ ابْنَ عُمَرَ وأبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ فَقالَ: كَيْفَ تَرى في رِجْلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ حائِضًا ؟ قالَ «طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ؛ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَدَّها عَلَيَّ ولَمْ يَرَها شَيْئًا وقالَ: إذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أوْ لِيُمْسِكْ قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقَرَأ النَّبِيُّ ﷺ: "يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ"» فَقالَ المُحْتَجُّ: فَأخْبَرَ أنَّهُ رَدَّها عَلَيْهِ ولَمْ يَرَها شَيْئًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّلاقَ لَمْ يَقَعْ فَيُقَلْ لَهُ: لَيْسَ فِيما ذَكَرْتَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْكم بِالطَّلاقِ، بَلْ دَلالَتُهُ ظاهِرَةٌ عَلى وُقُوعِهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: " ورَدَّها عَلَيَّ " وهو يَعْنِي الرَّجْعَةَ. وقَوْلُهُ: " ولَمْ يَرَها شَيْئًا " يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يُبِنْها مِنهُ وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ عَنْ أنَسِ بْنِ سِيرِينَ وابْنِ جُبَيْرٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومَنصُورٍ عَنْ أبِي وائِلٍ عَنْهُ، كُلُّهم يَقُولُ فِيهِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يُراجِعَها حَتّى تَطْهُرَ.

الطلاق 65:2

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يَعْنِي بِهِ مُقارَبَةَ بُلُوغِ الأجَلِ لا حَقِيقَتَهُ؛ لِأنَّهُ لا رَجْعَةَ بَعْدَ بُلُوغِ الأجَلِ الَّذِي هو انْقِضاءُ العِدَّةِ ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى طَلاقَ المَدْخُولِ بِها ابْتِداءً إلّا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] يَعْنِي أنْ يَبْدُوَ لَهُ فَيُراجِعَها؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] * * بابُ الإشْهادُ عَلى الرَّجْعَةِ أوِ الفُرْقَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ فَأمَرَ بِالإشْهادِ عَلى الرَّجْعَةِ والفُرْقَةِ أيَّتَهُما اخْتارَ الزَّوْجُ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وطاوُسٍ وإبْراهِيمَ وأبُو قِلابَةَ أنَّهُ إذا رَجَعَ ولَمْ يُشْهِدْ فالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ ويُشْهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا جُعِلَ لَهُ الإمْساكُ أوِ الفِراقُ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ الإشْهادِ كانَ مَعْلُومًا وُقُوعُ الرَّجْعَةِ إذا رَجَعَ وجَوازُ الإشْهادِ بَعْدَها إذْ لَمْ يَجْعَلِ الإشْهادَ شَرْطًا في الرَّجْعَةِ ولَمْ يَخْتَلِفِ الفُقَهاءُ في أنَّ المُرادَ بِالفِراقِ المَذْكُورِ في الآيَةِ إنَّما هو تَرْكُها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها وأنَّ الفُرْقَةَ تَصِحُّ وإنْ لَمْ يَقَعِ الإشْهادُ عَلَيْها ويُشْهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ الإشْهادَ عَقِيبَ الفُرْقَةِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا في صِحَّتِها، كَذَلِكَ الرَّجْعَةُ وأيْضًا لَمّا كانَتِ الفُرْقَةُ حَقًّا (p-٣٥١)لَهُ وجازَتْ بِغَيْرِ إشْهادٍ إذْ لا يُحْتاجُ فِيها إلى رِضا غَيْرِهِ وكانَتِ الرَّجْعَةُ أيْضًا حَقًّا لَهُ، وجَبَ أنْ تَجُوزَ بِغَيْرِ إشْهادٍ وأيْضًا لَمّا أمَرَ اللَّهُ بِالإشْهادِ عَلى الإمْساكِ أوِ الفُرْقَةِ احْتِياطًا لَهُما ونَفْيًا لِلتُّهْمَةِ عَنْهُما إذا عُلِمَ الطَّلاقُ ولَمْ يُعْلَمِ الرَّجْعَةُ أوْ لَمْ يُعْلَمِ الطَّلاقُ والفِراقُ، فَلا يُؤْمَنُ التَّجاحُدُ بَيْنَهُما، ولَمْ يَكُنْ مَعْنى الِاحْتِياطِ فِيهِما مَقْصُورًا عَلى الإشْهادِ في حالِ الرَّجْعَةِ أوِ الفُرْقَةِ بَلْ يَكُونُ الِاحْتِياطُ باقِيًا، وإنْ أشْهَدَ بَعْدَهُما وجَبَ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُما إذا أشْهَدَ بَعْدَ الرَّجْعَةِ بِساعَةٍ أوْ ساعَتَيْنِ؛ ولا نَعْلَمُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا في صِحَّةِ وُقُوعِ الرَّجْعَةِ بِغَيْرِ شُهُودٍ إلّا شَيْئًا يُرْوى عَنْ عَطاءٍ، فَإنَّ سُفْيانَ رَوى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: " الطَّلاقُ والنِّكاحُ والرَّجْعَةُ بِالبَيِّنَةِ "، وهَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالإشْهادِ عَلى ذَلِكَ احْتِياطًا مِنَ التَّجاحُدِ لا عَلى أنَّ الرَّجْعَةَ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ شُهُودٍ، ألا تَرى أنَّهُ ذَكَرَ الطَّلاقَ مَعَها ولا يَشُكُّ أحَدٌ في وُقُوعِ الطَّلاقِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ؟ وقَدْ رَوى شُعْبَةُ عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ عَنْ عَطاءٍ والحَكَمِ قالا: " إذا غَشِيَها في العِدَّةِ فَغَشَيانُهُ رَجْعَةٌ " . * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ فِيهِ أمْرٌ بِإقامَةِ الشَّهاداتِ عِنْدَ الحُكّامِ عَلى الحُقُوقِ كُلِّها؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ هُنا اسْمٌ لِلْجِنْسِ وإنْ كانَ مَذْكُورًا بَعْدَ الأمْرِ بِإشْهادِ ذَوَيْ عَدْلٍ عَلى الرَّجْعَةِ؛ لِأنَّ ذِكْرَها بَعْدَهُ لا يَمْنَعُ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ عَلى عُمُومِهِ، فانْتَظَمَ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: الأمْرُ بِإقامَةِ الشَّهادَةِ، والآخَرُ: أنَّ إقامَةَ الشَّهادَةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى، وأفادَ بِذَلِكَ تَأْكِيدَهُ والقِيامَ بِهِ.

الطلاق 65:4

بابُ عِدَّةِ الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ إثْباتَ الإياسِ لِمَن ذُكِرَتْ في الآيَةِ مِنَ النِّساءِ بِلا ارْتِيابٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الِارْتِيابَ في الإياسِ؛ لِأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ حُكْمَ مَن ثَبَتَ إياسُها في أوَّلِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الِارْتِيابَ في غَيْرِ الإياسِ واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الرِّيبَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، فَرَوى مُطَرِّفٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ سالِمٍ قالَ " قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عِدَدًا مِن عِدَدِ النِّساءِ لَمْ تُذْكَرْ في الكِتابِ الصِّغارُ والكِبارُ وأُولاتُ الأحْمالِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾» فَأخْبَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ كانَ ارْتِيابَهم في عَدَدِ مَن ذُكِرَ مِنَ (p-٣٥٢)الصِّغارِ والكِبارِ وأُولاتِ الأحْمالِ، وأنَّ ذِكْرَ الِارْتِيابِ في الآيَةِ إنَّما هو عَلى وجْهِ ذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ الحُكْمُ فَكانَ بِمَعْنى: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ واخْتَلَفَ السَّلَفُ ومَن بَعْدَهم مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ في الَّتِي يَرْتَفِعُ حَيْضُها، فَرَوى ابْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أيُّما امْرَأةٍ طُلِّقَتْ فَحاضَتْ حَيْضَةً أوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رُفِعَتْ حَيْضَتُها فَإنَّهُ يَنْتَظِرُ بِها تِسْعَةَ أشْهُرٍ فَإنِ اسْتَبانَ بِها حَمْلٌ فَذاكَ وإلّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ الأشْهُرِ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ ثُمَّ حَلَّتْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُها سَنَةً قالَ: تِلْكَ الرِّيبَةُ ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ في الَّتِي تَحِيضُ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً قالَ هَذِهِ رِيبَةٌ عِدَّتُها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ ورَوى سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍو وعَنْ طاوُسٍ مِثْلَهُ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُثْمانَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّ عِدَّتَها ثَلاثُ حِيَضٍ ورَوى مالِكٌ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ أنَّهُ قالَ: وكانَ عِنْدَ جَدِّهِ حِبّانَ امْرَأتانِ هاشِمِيَّةٌ وأنْصارِيَّةٌ فَطَلَّقَ الأنْصارِيَّةَ وهي تُرْضِعُ فَمَرَّتْ بِهِ سَنَةٌ ثُمَّ هَلَكَ ولَمْ تَحِضْ، فَقالَتْ: أنا أرِثُهُ ولَمْ أحِضْ، فاخْتَصَما إلى عُثْمانَ فَقَضى لَها بِالمِيراثِ فَلامَتِ الهاشِمِيَّةُ عُثْمانَ، فَقالَ هَذا عَمَلُ ابْنِ عَمِّكَ هو أشارَ عَلَيْنا بِذَلِكَ، يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ بِهَذِهِ القِصَّةِ قالَ: وبَقِيَتْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ لا تَحِيضُ، وذَكَرَ القِصَّةَ فَشاوَرَ عُثْمانُ عَلِيًّا وزَيْدًا فَقالا: تَرِثُهُ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِنَ القَواعِدِ اللّائِي قَدْ يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ ولا مِنَ الأبْكارِ اللّائِي لَمْ يَحِضْنَ، وهي عِنْدَهُ عَلى حَيْضَتِها ما كانَتْ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ وهَذا يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِما: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] لَيْسَ عَلى ارْتِيابِ المَرْأةِ ولَكِنَّهُ عَلى ارْتِيابِ الشّاكِّينَ في حُكْمِ عَدَدِهِنَّ، وأنَّها لا تَكُونُ آيِسَةً حَتّى تَكُونَ مِنَ القَواعِدِ اللّاتِي لا يُرْجى حَيْضُهُنَّ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُ ذَلِكَ. واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في ذَلِكَ أيْضًا، فَقالَ أصْحابُنا في الَّتِي يَرْتَفِعُ حَيْضُها لا لِإياسٍ مِنهُ في المُسْتَأْنَفِ: " إنَّ عِدَّتَها الحَيْضُ حَتّى تَدْخُلَ في السِّنِّ الَّتِي لا تَحِيضُ أهْلُها مِنَ النِّساءِ فَتَسْتَأْنِفَ عِدَّةَ الآيِسَةِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ " وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ واللَّيْثِ والشّافِعِيِّ وقالَ مالِكٌ: " تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ فَإنْ لَمْ تَحِضْ فِيهِنَّ اعْتَدَّتْ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، فَإنْ حاضَتْ قَبْلَ أنْ تَسْتَكْمِلَ الثَّلاثَةَ أشْهُرٍ اسْتَقْبَلَتِ الحَيْضَ، فَإنْ مَضَتْ بِها تِسْعَةُ أشْهُرٍ قَبْلَ أنْ تَحِيضَ اعْتَدَّتْ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ " وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: " إذا حاضَتِ المُطَلَّقَةُ ثُمَّ ارْتابَتْ فَإنَّما تَعْتَدُّ بِالتِّسْعَةِ الأشْهُرِ مِن يَوْمِ رُفِعَتْ حَيْضَتُها لا مِن يَوْمِ طُلِّقَتْ "، قالَ مالِكٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] " مَعْناهُ إنْ لَمْ تَدْرُوا ما تَصْنَعُونَ (p-٣٥٣)فِي أمْرِها " وقالَ الأوْزاعِيُّ في رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي شابَّةٌ فارْتَفَعَتْ حَيْضَتُها فَلَمْ تَرَ شَيْئًا ثَلاثَةَ أشْهُرٍ: " فَإنَّها تَعْتَدُّ سَنَةً " . قالَ أبُو بَكْرٍ: أوْجَبَ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عِدَّةَ الآيِسَةِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، واقْتَضى ظاهِرُ اللَّفْظِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ العِدَّةُ لِمَن قَدْ ثَبَتَ إياسُها مِنَ الحَيْضِ مِن غَيْرِ ارْتِيابٍ، كَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ لِمَن ثَبَتَ أنَّها لَمْ تَحِضْ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾ لِمَن قَدْ ثَبَتَ حَمْلُها، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ﴾ لِمَن قَدْ ثَبَتَ إياسُها وتُيُقِّنَ ذَلِكَ مِنها دُونَ مَن يَشُكُّ في إياسِها ثُمَّ لا يَخْلُو قَوْلُهُ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] مِن أحَدِ وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ الِارْتِيابَ في أنَّها آيِسَةٌ ولَيْسَتْ بِآيِسَةٍ، أوِ الِارْتِيابَ في أنَّها حامِلٌ أوْ غَيْرُ حامِلٍ، أوِ ارْتِيابَ المُخاطَبِينَ في عِدَّةِ الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِارْتِيابَ في أنَّها آيِسَةٌ أوْ غَيْرُ آيِسَةٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أثْبَتَ مَن جَعَلَ الشُّهُورَ عِدَّتَها أنَّها آيِسَةٌ، والمَشْكُوكُ فِيها لا تَكُونُ آيِسَةً لِاسْتِحالَةِ مُجامَعَةِ اليَأْسِ لِلرَّجاءِ؛ إذْ هُما ضِدّانِ لا يَجُوزُ اجْتِماعُهُما حَتّى تَكُونَ آيِسَةً مِنَ المَحِيضِ مَرْجُوًّا ذَلِكَ مِنها، فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ المَعْنى الِارْتِيابَ في اليَأْسِ ومِن جِهَةٍ أُخْرى اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُسِنَّةَ الَّتِي قَدْ تُيُقِّنَ إياسُها مِنَ الحَيْضِ مُرادَةٌ بِالآيَةِ، والِارْتِيابُ المَذْكُورُ راجِعٌ إلى جَمِيعِ المُخاطَبِينَ وهو في الَّتِي قَدْ تُيُقِّنَ إياسُها ارْتِيابُ المُخاطَبِينَ في العِدَّةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في المَشْكُوكِ في إياسِها مِثْلُهُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ في الجَمِيعِ. وأيْضًا فَإذا كانَتْ عادَتُها وهي شابَّةٌ أنَّها تَحِيضُ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَهَذِهِ غَيْرُ مُرْتابٍ في إياسِها بَلْ قَدْ تُيُقِّنَ أنَّها مِن ذَواتِ الحَيْضِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِدَّتُها سَنَةً مَعَ العِلْمِ بِأنَّها غَيْرُ آيِسَةٍ، وأنَّها مِن ذَواتِ الحَيْضِ وتَراخِي ما بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ مِنَ المُدَّةِ لا يُخْرِجُها مِن أنْ تَكُونَ مِن ذَواتِ الحَيْضِ فالمُوجِبُ عَلَيْها عِدَّةَ الشُّهُورِ مُخالِفٌ لِلْكِتابِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ عِدَّةَ ذَواتِ الأقْراءِ الحَيْضَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَن طالَتْ مُدَّةُ حَيْضَتِها أوْ قَصُرَتْ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أيْضًا المُرادُ الِارْتِيابَ في الإياسِ مِنَ الحَمْلِ؛ لِأنَّ اليَأْسَ مِنَ الحَيْضِ هو الإياسُ مِنَ الحَبَلِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن رَدَّ الِارْتِيابَ إلى الحَيْضِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الوَجْهُ الثّالِثُ، وهو ارْتِيابُ المُخاطَبِينَ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ حِينَ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ شَكَّ في عِدَّةِ الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ. وأيْضًا لَوْ كانَ المُرادُ الِارْتِيابَ في الإياسِ لَكانَ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِنَّ أوْلى مِن تَوْجِيهِهِ إلى الرِّجالِ؛ لِأنَّ الحَيْضَ إنَّما يُتَوَصَّلُ إلى مَعْرِفَتِهِ مِن جِهَتِها ولِذَلِكَ كانَتْ مُصَدَّقَةً فِيهِ فَكانَ يَقُولُ: إنِ ارْتَبْتُنَّ أوِ ارْتَبْنَ (p-٣٥٤)فَلَمّا خاطَبَ الرِّجالَ بِذَلِكَ دُونَهُنَّ عُلِمَ أنَّهُ أرادَ ارْتِيابَ المُخاطَبِينَ في العِدَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يَعْنِي: واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّهُ كَلامٌ لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَلا بُدَّ لَهُ مِن ضَمِيرٍ، وضَمِيرُهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُظْهَرًا وهو العِدَّةُ بِالشُّهُورِ. * * بابُ عِدَّةُ الحامِلِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ السَّلَفُ والخَلَفُ بَعْدَهم أنَّ عِدَّةَ المُطَلَّقَةِ الحامِلِ أنْ تَضَعَ حَمْلَها، واخْتَلَفَ السَّلَفُ في عِدَّةِ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، فَقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: تَعْتَدُّ الحامِلُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها آخِرَ الأجَلَيْنِ وقالَ عَمْرٌو وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ وأبُو مَسْعُودٍ البَدْرِيُّ وأبُو هُرَيْرَةَ: عِدَّتُها الحَمْلُ فَإذا وضَعَتْ حَلَّتْ لِلْأزْواجِ وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: رَوى إبْراهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ ما نَزَلَتْ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾ إلّا بَعْدَ آيَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذا مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: إثْباتُ تارِيخِ نُزُولِ الآيَةِ وأنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ ذِكْرِ الشُّهُورِ لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، والثّانِي: أنَّ الآيَةَ مُكْتَفِيَةٌ بِنَفْسِها في إفادَةِ الحُكْمِ عَلى عُمُومِها غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ بِما قَبْلَها مِن ذِكْرِ المُطَلَّقَةِ، فَوَجَبَ اعْتِبارُ الحَمْلِ في الجَمِيعِ مِنَ المُطَلَّقاتِ والمُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ وأنْ لا يُجْعَلَ الحُكْمُ مَقْصُورًا عَلى المُطَلَّقاتِ؛ لِأنَّهُ تَخْصِيصُ عُمُومٍ بِلا دَلالَةٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها داخِلَةٌ في الآيَةِ مُرادَةٌ بِها اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ مُضِيَّ شُهُورِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها لا يُوجِبُ انْقِضاءَ عِدَّتِها دُونَ وضْعِ الحَمْلِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها مُرادَةٌ بِها، فَوَجَبَ اعْتِبارُ الحَمْلِ فِيها دُونَ غَيْرِهِ، ولَوْ جازَ اعْتِبارُ الشُّهُورِ؛ لِأنَّها مَذْكُورَةٌ في آيَةٍ أُخْرى لَجازَ اعْتِبارُ الحَيْضِ مَعَ الحَمْلِ في المُطَلَّقَةِ؛ لِأنَّها مَذْكُورَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وفي سُقُوطِ اعْتِبارِ الحَيْضِ مَعَ الحَمْلِ دَلِيلٌ عَلى سُقُوطِ اعْتِبارِ الشُّهُورِ مَعَ الحَمْلِ. وقَدْ رَوى مَنصُورٌ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ الأسْوَدِ عَنْ أبِي السَّنابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ: «أنَّ سَبِيعَةَ بِنْتَ الحارِثِ وضَعَتْ بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِثَلاثَةٍ وعِشْرِينَ، فَتَشَوَّقَتْ لِلنِّكاحِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنْ تَفْعَلْ فَقَدْ خَلا أجَلُها» . ورَوى يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ في ذَلِكَ، فَأرْسَلَ ابْنُ عَبّاسٍ كُرَيْبًا إلى أُمِّ سَلَمَةَ فَقالَتْ: «إنَّ سَبِيعَةَ وضَعَتْ بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِأيّامٍ، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ تَتَزَوَّجَ» ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ «عَنْ (p-٣٥٥)سَبِيعَةَ أنَّها وضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِها بِشَهْرَيْنِ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَزَوَّجِي» وجَعَلَ أصْحابُنا عِدَّةَ امْرَأةِ الصَّغِيرِ مِنَ الوَفاةِ الحَمْلَ إذا تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها وهي حامِلٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ امْرَأةِ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ ولا بَيْنَ مَن يَلْحَقُهُ بِالنَّسَبِ أوْ لا يَلْحَقُهُ.

الطلاق 65:6

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الرَّجُلِ يَنْفِي حَمْلَ امْرَأتِهِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ( إذا قالَ لَيْسَ هَذا الحَمْلُ مِنِّي لَمْ يَكُنْ قاذِفًا لَها، فَإنْ ولَدَتْ بَعْدَ يَوْمٍ لَمْ يُلاعِنْ حَتّى يَنْفِيَهُ بَعْدَ الوِلادَةِ )، وهو قَوْلُ زُفَرَ. وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: ( إنْ جاءَتْ بِهِ بَعْدَ هَذا (p-١٤٥)القَوْلِ لِأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ لاعَنَ ) . وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي يُوسُفَ: ( أنَّهُ يُلاعِنُها قَبْلَ الوِلادَةِ ) . وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: ( يُلاعِنُ بِالحَمْلِ )، وذَكَرَ عَنْهُ الرَّبِيعُ: ( أنَّهُ لا يُلاعِنُ حَتّى تَلِدَ ) . وإنَّما يُوجِبُ أبُو حَنِيفَةَ اللِّعانَ بِنَفْيِ الحَمْلِ لِأنَّ الحَمْلَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وجائِزٌ أنْ يَكُونُ رِيحًا أوْ داءً، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ نَجْعَلَهُ قَذْفًا لِأنَّ القَذْفَ لا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمالِ، ألا تَرى أنَّ التَّعْرِيضَ المُحْتَمَلَ لِلْقَذْفِ ولِغَيْرِهِ لا يَجُوزُ إيجابُ اللِّعانِ ولا الحَدِّ بِهِ ؟ فَلَمّا كانَ مُحْتَمِلًا أنْ يَكُونَ ما نَفاهُ ولَدًا واحْتَمَلَ غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُوجِبَ اللِّعانَ بِهِ قَبْلَ الوَضْعِ، ثُمَّ إذا وضَعَتْ لِأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ تَيَقُّنًا أنَّهُ كانَ حَمْلًا في وقْتِ النَّفْيِ لَمْ يَجِبِ اللِّعانُ أيْضًا لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ القَذْفُ مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ والقَذْفُ لا يَجُوزُ أنْ يُعَلَّقَ عَلى شَرْطٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: ( إذا ولَدْتِ فَأنْتِ زانِيَةٌ ) لَمْ يَكُنْ قاذِفًا لَها بِالوِلادَةِ ؟ واحْتَجَّ مَن لاعَنَ بِالحَمْلِ بِما رَوى الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لاعَنَ بِالحَمْلِ»؛ وإنَّما أصْلُ هَذا الحَدِيثِ ما رَواهُ عِيسى بْنُ يُونُسَ وجَرِيرُ جَمِيعًا عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ رَجُلًا قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ وجَدَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَإنْ هو قَتَلَهُ قَتَلْتُمُوهُ وإنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ فَأُنْزِلَتْ آيَةُ اللِّعانِ فابْتُلِيَ بِهِ، فَجاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَلاعَنَ امْرَأتَهُ»؛ فَلَمْ يَذْكُرْ في هَذا الحَدِيثِ الحَمْلَ ولا أنَّهُ لاعَنَ بِالحَمْلِ. ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَجُلًا جاءَ وقالَ: وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا، ثُمَّ لاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما وقالَ: إنْ جاءَتْ بِهِ كَذا» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عَدِيٍّ قالَ: أنْبَأنا هِشامُ بْنُ حَسّانٍ قالَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: البَيِّنَةُ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى قَوْلِهِ: أبْصِرُوها فَإنْ جاءَتْ بِهِ كَذا فَهو لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ»، وكَذَلِكَ رَواهُ عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَذَكَرَ في هَذِهِ الأخْبارِ أنَّهُ قَذَفَها، وأبُو حَنِيفَةَ يُوجِبُ اللِّعانَ بِالقَذْفِ وإنْ كانَتْ حامِلًا، وإنَّما لا يُوجِبُهُ إذا نَفى الحَمْلَ مِن غَيْرِ قَذْفٍ. فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وقَدْ تُرَدُّ الجارِيَةُ بِعَيْبِ الحَمْلِ إذا قالَ النِّساءُ هي حُبْلى؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ في دِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ: «مِنها أرْبَعُونَ خِلْفَةً في بُطُونِها أوْلادُها» قِيلَ لَهُ: أمّا نَفَقَةُ الحامِلِ فَلا تَجِبُ لِأجْلِ الحَمْلِ وإنَّما وجَبَتْ لِلْعِدَّةِ، فَما لَمْ تُنْقَضْ عِدَّتُها فَنَفَقَتُها واجِبَةٌ، ألا تَرى أنَّ غَيْرَ الحامِلِ نَفَقَتُها واجِبَةٌ ؟ وإنَّما ذَكَرَ الحَمْلَ (p-١٤٦)لِأنَّ وضْعَهُ تَنْقَضِي بِهِ العِدَّةُ وتَنْقَطِعُ بِهِ النَّفَقَةُ، وأمّا الرَّدُّ بِالعَيْبِ فَإنَّهُ جائِزٌ كَوْنُهُ مَعَ الشُّبْهَةِ كَسائِرِ الحُقُوقِ الَّتِي لا تُسْقِطُها الشُّبْهَةُ والحَدُّ لا يَجُوزُ إثْباتُهُ بِالشُّبْهَةِ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفا. وكَذَلِكَ مَن يُوجِبُ في الدِّيَةِ أرْبَعِينَ خَلِفَةً في بُطُونِها أوْلادُها فَإنَّهُ يُوجِبُها عَلى غالِبِ الظَّنِّ، ومِثْلُهُ لا يَجُوزُ إيجابُ الحَدِّ بِهِ، وهَذا كَما يُحْكَمُ بِظاهِرِ وُجُودِ الدَّمِ أنَّهُ حَيْضَةٌ ولا يَجُوزُ القَطْعُ بِهِ حَتّى يَتِمَّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وكَذَلِكَ مَن كانَ ظاهِرُ أمْرِها الحَبَلَ لا تَكُونُ رُؤْيَتُها الدَّمَ حَيْضًا، فَإنْ تَبَيَّنَ بَعْدُ أنَّها لَمْ تَكُنْ حامِلًا كانَ ذَلِكَ الدَّمُ حَيْضًا؛ وقَوْلُهُ ﷺ في قِصَّةِ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ: «إنْ جاءَتْ بِهِ عَلى صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ فَهو لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ» فَإنَّهُ فِيما أضافَهُ إلى هِلالٍ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَةِ إثْباتِ النَّسَبِ مِنهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْفِ الوَلَدَ مِنهُ بِلِعانِهِ إيّاها في حالِ حَمْلِها، وقَوْلُهُ: ( فَهو لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ ) لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ إلْحاقَ النَّسَبِ بِهِ وإنَّما أرادَ أنَّهُ مِن مائِهِ في غالِبِ الرَّأْيِ؛ لِأنَّ الزّانِيَ لا يُلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» . فَإنْ قِيلَ: في حَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى في امْرَأةٍ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ لاعَنَ بَيْنَهُما أنْ لا يُدْعى ولَدُها لِأبٍ. قِيلَ لَهُ: هَذا إنَّما ذَكَرَهُ عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، وهو ضَعِيفٌ واهٍ لا يَشُكُّ أهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ أنَّ في حَدِيثِ عَبّادِ بْنِ مَنصُورٍ هَذا أشْياءُ لَيْسَتْ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ مُدْرَجَةٌ فِيهِ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ غَيْرُ عَبّادِ بْنِ مَنصُورٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ نَفْيُ النَّسَبِ ولا إثْباتُ القَذْفِ بِالشُّبْهَةِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «إنَّ أعْرابِيًّا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّ امْرَأتِي ولَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ وإنِّي أنْكَرْتُهُ، فَقالَ لَهُ: هَلْ لَكَ مِن إبِلٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ما ألْوانُها ؟ قالَ: حُمْرٌ، قالَ: هَلْ فِيها مِن أوْرَقَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأنّى تَرى ذَلِكَ جاءَها ؟ قالَ عِرْقٌ نَزَعَها، قالَ: فَلَعَلَّ هَذا عِرْقٌ نَزَعَهُ»، فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْيَهُ عَنْهُ لِبُعْدِ شَبَهِهِ مِنهُ. ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ نَفْيُ النَّسَبِ بِالشُّبْهَةِ. فَصْلٌ وقالَ أصْحابُنا: ( إذا نَفى نَسَبَ ولَدِ زَوْجَتِهِ فَعَلَيْهِ اللِّعانُ ) . وقالَ الشّافِعِيُّ: ( لا يَجِبُ اللِّعانُ حَتّى يَقُولَ إنَّها جاءَتْ بِهِ مِنَ الزِّنا ) . قالَ أبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَجُلًا لاعَنَ امْرَأتَهُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وانْتَفى مِن ولَدِها، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما وألْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأةِ» فَأخْبَرَ أنَّهُ لاعَنَ بَيْنَهُما لِنَفْيِهِ الوَلَدَ، فَثَبَتَ أنَّ نَفْيَ ولَدِها قَذْفٌ يُوجِبُ اللِّعانَ. (p-١٤٧) * * بابُ السُّكْنى لِلْمُطَلَّقَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ الجَمِيعُ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ وأهْلِ العِراقِ ومالِكٍ والشّافِعِيِّ عَلى وُجُوبِ السُّكْنى لِلْمَبْتُوتَةِ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: " لا سُكْنى لِلْمَبْتُوتَةِ إنَّما هي لِلرَّجْعِيَّةِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قَدِ انْتَظَمَ الرَّجْعِيَّةَ والمَبْتُوتَةَ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَن بَقِيَ مِن طَلاقِها واحِدَةٌ فَعَلَيْهِ أنْ يُطَلِّقَها لِلْعِدَّةِ إذا أرادَ طَلاقَها بِالآيَةِ، وكَذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يُطَلِّقُها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ أوْ حامِلًا قَدِ اسْتَبانَ حَمْلُها»، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّطْلِيقَةِ الأُولى وبَيْنَ الثّالِثَةِ فَإذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قَدْ تَضَمَّنَ البائِنَ، ثُمَّ قالَ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ وجَبَ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ مِنَ البائِنِ والرَّجْعِيِّ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وقالَ: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أرادَ الرَّجْعِيَّ قِيلَ لَهُ: هَذا أحَدُ ما انْتَظَمَتْهُ الآيَةُ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ أوَّلَ الخِطابِ في الرَّجْعِيِّ دُونَ البائِنِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهو عُمُومٌ في البائِنِ والرَّجْعِيِّ. ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إنَّما هو حُكْمٌ خاصٌّ في الرَّجْعِيِّ، ولَمْ يَمْنَعْ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] عامًّا في الجَمِيعِ. واحْتَجَّ ابْنُ أبِي لَيْلى بِحَدِيثِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وسَنَتَكَلَّمُ فِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ نَفَقَةِ المَبْتُوتَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في نَفَقَةِ المَبْتُوتَةِ، فَقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ السُّكْنى والنَّفَقَةُ ما دامَتْ في العِدَّةِ حامِلًا كانَتْ أوْ غَيْرَ حامِلٍ " ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: " لا سُكْنى لِلْمَبْتُوتَةِ ولا نَفَقَةَ "، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ لَها السُّكْنى ولا نَفَقَةَ لَها وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: " لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ السُّكْنى والنَّفَقَةُ وإنْ كانَتْ غَيْرَ حامِلٍ " وكانَ يُرى أنَّها تَنْتَقِلُ إنْ شاءَتْ، وقالَ مالِكٌ: " لِلْمَبْتُوتَةِ السُّكْنى ولا نَفَقَةَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ حامِلًا "، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّ عَلَيْهِ نَفَقَةَ الحامِلِ المَبْتُوتَةِ إنْ (p-٣٥٦)كانَ مُوسِرًا وإنْ كانَ مُعْسِرًا فَلا نَفَقَةَ لَها عَلَيْهِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: " لِلْمَبْتُوتَةِ السُّكْنى ولا نَفَقَةَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ حامِلًا " قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾؛ وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الدَّلالَةَ عَلى وُجُوبِ نَفَقَةِ المَبْتُوتَةِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ السُّكْنى لَمّا كانَتْ حَقًّا في مالٍ وقَدْ أوْجَبَها اللَّهُ لَها بِنَصِّ الكِتابِ؛ إذْ كانَتِ الآيَةُ قَدْ تَناوَلَتِ المَبْتُوتَةَ والرَّجْعِيَّةَ فَقَدِ اقْتَضى ذَلِكَ وُجُوبَ النَّفَقَةِ؛ إذْ كانَتِ السُّكْنى حَقًّا في مالٍ وهي بَعْضُ النَّفَقَةِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ والمُضارَّةُ تَقَعُ في النَّفَقَةِ كَهي في السُّكْنى والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ والتَّضْيِيقُ قَدْ يَكُونُ في النَّفَقَةِ أيْضًا، فَعَلَيْهِ أنْ يُنْفِقَ عَلَيْها ولا يُضَيِّقَ عَلَيْها فِيها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ قَدِ انْتَظَمَ المَبْتُوتَةَ والرَّجْعِيَّةَ؛ ثُمَّ لا تَخْلُو هَذِهِ النَّفَقَةُ مِن أنْ يَكُونَ وُجُوبُها لِأجْلِ الحَمْلِ أوْ؛ لِأنَّها مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ في بَيْتِهَ، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ النَّفَقَةَ واجِبَةٌ لِلرَّجْعِيَّةِ بِالآيَةِ لا لِلْحَمْلِ بَلْ؛ لِأنَّها مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ في بَيْتِهِ وجَبَ أنْ تَسْتَحِقَّ المَبْتُوتَةُ النَّفَقَةَ لَهَذِهِ العِلَّةِ؛ إذْ قَدْ عُلِمَ ضَمِيرُ الآيَةِ في عِلِّيَّةِ اسْتِحْقاقِ النَّفَقَةِ لِلرَّجْعِيَّةِ، فَصارَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ لِعِلَّةِ أنَّها مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ في بَيْتِهِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي تَقُومُ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ بِمَنزِلَةِ المَنطُوقِ بِهِ ومِن جِهَةٍ أُخْرى وهي أنَّ نَفَقَةَ الحامِلِ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً لِلْحَمْلِ أوْ لِأنَّها مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ في بَيْتِهِ، فَلَوْ كانَتْ مُسْتَحَقَّةً لِلْحَمْلِ لَوَجَبَ أنَّ الحَمْلَ لَوْ كانَ لَهُ مالٌ أنْ يُنْفَقَ عَلَيْها مِن مالِهِ كَما أنَّ نَفَقَةَ الصَّغِيرِ في مالِ نَفْسِهِ، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الحَمْلَ إذا كانَ لَهُ مالٌ كانَتْ نَفَقَةُ أُمِّهِ عَلى الزَّوْجِ لا في مالِ الحَمْلِ دَلَّ عَلى أنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِها مَحْبُوسَةً في بَيْتِهِ. وأيْضًا كانَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ في الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ نَفَقَةُ الحامِلِ في مالِ الحَمْلِ إذا كانَ لَهُ مالٌ، كَما أنَّ نَفَقَتَهُ بَعْدَ الوِلادَةِ مِن مالِهِ، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ نَفَقَتَها في الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ لَمْ تَجِبْ في مالِ الحَمْلِ وجَبَ مِثْلُهُ في البائِنِ، وكانَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ نَفَقَةُ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها في نَصِيبِ الحَمْلِ مِنَ المِيراثِ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ تَخْصِيصِ الحامِلِ بِالذِّكْرِ في إيجابِ النَّفَقَةِ ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ دَخَلَتْ فِيهِ المُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ ولَمْ يَمْنَعْ نَفْيَ النَّفَقَةِ لِغَيْرِ الحامِلِ، فَكَذَلِكَ في المَبْتُوتَةِ؛ وإنَّما ذَكَرَ الحَمْلَ؛ لِأنَّ مُدَّتَهُ قَدْ تَطُولُ وتَقْصُرُ، فَأرادَ إعْلامَنا وُجُوبَ النَّفَقَةِ مَعَ طُولِ مُدَّةِ الحَمْلِ الَّتِي هي في العِدَّةِ أطْوَلُ مِن مُدَّةِ الحَيْضِ ومِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ النّاشِزَةَ إذا خَرَجَتْ مِن بَيْتِ زَوْجِها لا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مَعَ بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ، لِعَدَمِ تَسْلِيمِ نَفْسِها (p-٣٥٧)فِي بَيْتِ الزَّوْجِ، ومَتى عادَتْ إلى بَيْتِهِ اسْتَحَقَّتِ النَّفَقَةَ، فَثَبَتَ أنَّ المَعْنى الَّذِي تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ هو تَسْلِيمُ نَفْسِها في بَيْتِ الزَّوْجِ، فَلَمّا اتَّفَقْنا ومَن أوْجَبَ السُّكْنى عَلى وُجُوبِ السُّكْنى وصارَتْ بِها مُسَلِّمَةً لِنَفْسِها في بَيْتِ زَوْجِها وجَبَ أنْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ وأيْضًا لَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ المُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ في العِدَّةِ وجَبَ أنْ تَسْتَحِقَّها المَبْتُوتَةُ، والمَعْنى فِيها أنَّها مُعْتَدَّةٌ مِن طَلاقٍ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّها مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ صَحِيحٍ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّها مُسْتَحِقَّةٌ لِلسُّكْنى، فَأيُّ هَذِهِ المَعانِي اعْتَلَلْتَ بِهِ صَحَّ القِياسُ عَلَيْها. ومِن جِهَةِ السُّنَّةِ ما رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: «أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ طَلَّقَها زَوْجُها طَلاقًا بائِنًا، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لا نَفَقَةَ لَكِ ولا سُكْنى، قالَ: فَأخْبَرْتُ بِذَلِكَ النَّخَعِيَّ فَقالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ فَقالَ: لَسْنا بِتارِكِي آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ وقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِ امْرَأةٍ لَعَلَّها أُوهِمَتْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ» ورَوى سُفْيانُ عَنْ سَلَمَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فاطِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَها حِينَ طَلَّقَها زَوْجُها ثَلاثًا سُكْنى ولا نَفَقَةَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ فَقالَ: قَدْ رُفِعَ ذَلِكَ إلى عُمَرَ فَقالَ: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا ولا سُنَّةَ نَبِيِّنا لِقَوْلِ امْرَأةٍ: لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ» فَقَدْ نَصَّ هَذانِ الخَبَرانِ عَلى إيجابِ النَّفَقَةِ والسُّكْنى، وفي الأوَّلِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ " ولَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: " لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا وسُنَّةَ نَبِيِّنا " يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصًّا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ في إيجابِهِما واحْتَجَّ المُبْطِلُونَ لِلسُّكْنى والنَّفَقَةِ ومَن نَفى النَّفَقَةَ دُونَ السُّكْنى بِحَدِيثِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ هَذا، وهَذا حَدِيثٌ قَدْ ظَهَرَ مِنَ السَّلَفِ النَّكِيرُ عَلى راوِيهِ، ومِن شَرْطِ قَبُولِ أخْبارِ الآحادِ تَعَرِّيها مِن نَكِيرِ السَّلَفِ أنْكَرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَلى فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ في الحَدِيثِ الأوَّلِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. ورَوى القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أنَّ مَرْوانَ ذَكَرَ لِعائِشَةَ حَدِيثَ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقالَتْ: لا يَضُرُّكَ أنْ لا تَذْكُرَ حَدِيثَ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وقالَتْ في بَعْضِهِ: ما لِفاطِمَةَ خَيْرٌ في أنْ تَذْكُرَ هَذا الحَدِيثَ يَعْنِي قَوْلَها: " لا سُكْنى لَكَ ولا نَفَقَةَ " وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: تِلْكَ امْرَأةٌ فَتَنَتِ النّاسَ، اسْتَطالَتْ عَلى أحْمائِها بِلِسانِها، فَأُمِرَتْ بِالِانْتِقالِ. وقالَ أبُو سَلَمَةَ: أنْكَرَ النّاسُ عَلَيْها ما كانَتْ تُحَدِّثُ بِهِ. ورَوى الأعْرَجُ عَنْ أبِي سَلَمَةَ أنَّ فاطِمَةَ كانَتْ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ لَها: " اعْتَدِّي في بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ "؛ قالَ: وكانَ مُحَمَّدُ بْنُ أُسامَةَ يَقُولُ: كانَ أُسامَةُ إذا ذَكَرَتْ فاطِمَةُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا رَماها بِما كانَ في يَدِهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ يُنْكِرُ عَلَيْها هَذا النَّكِيرَ إلّا وقَدْ عَلِمَ بُطْلانَ ما رَوَتْهُ ورَوى (p-٣٥٨)عَمّارُ بْنُ رُزَيْقٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ في المَسْجِدِ فَقالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَتْنِي فاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ أنَّ النَّبِيَّ قالَ لَها: " لا سُكْنى لَكَ ولا نَفَقَةَ " قالَ: فَرَماهُ الأسْوَدُ بِحَصًى ثُمَّ قالَ: ويْلَكَ أتُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذا ؟ قَدْ رُفِعَ ذَلِكَ إلى عُمَرَ فَقالَ: لَسْنا بِتارِكِي كِتابِ رَبِّنا وسُنَّةِ نَبِيِّنا لِقَوْلِ امْرَأةٍ لا تَدْرِي لَعَلَّها كَذَبَتْ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ورَوى الزُّهْرِيُّ قالَ: أخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: " أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أفْتَتْ بِنْتَ أخِيها وقَدْ طَلَّقَها زَوْجُها بِالِانْتِقالِ مِن بَيْتِ زَوْجِها، فَأنْكَرَ ذَلِكَ مَرْوانُ، فَأرْسَلَ إلى فاطِمَةَ يَسْألُها عَلى ذَلِكَ، فَذَكَرَتْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أفْتاها بِذَلِكَ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ مَرْوانُ وقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] قالَتْ فاطِمَةُ: إنَّما هَذا في الرَّجْعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] فَقالَ مَرْوانُ: لَمْ أسْمَعْ بِهَذا الحَدِيثِ مِن أحَدٍ قَبْلَكَ وسَآخُذُ بِالعِصْمَةِ الَّتِي وجَدْتُ النّاسَ عَلَيْها، فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ السَّلَفِ النَّكِيرُ عَلى فاطِمَةَ في رِوايَتِها لِهَذا الحَدِيثِ، ومَعْلُومٌ أنَّهم كانُوا لا يُنْكِرُونَ رِواياتِ الأفْرادِ بِالنَّظَرِ والمُقايَسَةِ، فَلَوْلا أنَّهم قَدْ عَلِمُوا خِلافَهُ مِنَ السُّنَّةِ ومِن ظاهِرِ الكِتابِ لَما أنْكَرُوهُ عَلَيْها وقَدِ اسْتَفاضَ خَبَرُ فاطِمَةَ في الصَّحابَةِ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ مِنهم أحَدٌ إلّا شَيْئًا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَواهُ الحَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ عَنْ عَطاءٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ في المُطَلَّقَةِ ثَلاثًا والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها: " لا نَفَقَةَ لَهُما وتَعْتَدّانِ حَيْثُ شاءَتا " . فَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا في رَدِّ خَبَرِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مِن جِهَةِ ظُهُورِ النَّكِيرِ مِنَ السَّلَفِ عَلَيْها وفي رِوايَتِها ومُعارَضَةِ حَدِيثِ عُمَرَ إيّاهُ يُلْزِمُ الفَرِيقَيْنِ مِن نُفاةِ السُّكْنى والنَّفَقَةِ ومِمَّنْ نَفى النَّفَقَةَ وأثْبَتَ السُّكْنى، وهو لِمَن نَفى النَّفَقَةَ دُونَ السُّكْنى ألْزَمُ؛ لِأنَّهم قَدْ تَرَكُوا حَدِيثَها في نَفْيِ السُّكْنى لِعِلَّةٍ أوْجَبَتْ ذَلِكَ، فَتِلْكَ العِلَّةُ بِعَيْنِها هي المُوجِبَةُ لِتَرْكِ حَدِيثِها في نَفْيِ النَّفَقَةِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما لَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُها في نَفْيِ السُّكْنى لِمُخالَفَتِهِ لِظاهِرِ الكِتابِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ قِيلَ لَهُ: قَدِ احْتَجَّتْ هي في أنَّ ذَلِكَ في المُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنْ جازَ عَلَيْها الوَهْمُ والغَلَطُ في رِوايَتِها حَدِيثًا مُخالِفًا لِلْكِتابِ فَكَذَلِكَ سَبِيلُها في النَّفَقَةِ. ولِلْحَدِيثِ عِنْدَنا وجْهٌ صَحِيحٌ يَسْتَقِيمُ عَلى مَذْهَبِنا فِيما رَوَتْهُ مِن نَفْيِ السُّكْنى والنَّفَقَةِ وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّها اسْتَطالَتْ بِلِسانِها عَلى أحْمائِها فَأمَرُوها بِالِانْتِقالِ وكانَتْ سَبَبَ النَّقْلَةِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] وقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في تَأْوِيلِهِ: (p-٣٥٩)" أنْ تَسْتَطِيلَ عَلى أهْلِهِ فَيُخْرِجُوها " فَلَمّا كانَ سَبَبُ النَّقْلَةِ مِن جِهَتِها كانَتْ بِمَنزِلَةِ النّاشِزَةِ، فَسَقَطَتْ نَفَقَتُها وسُكْناها جَمِيعًا، فَكانَتِ العِلَّةُ المُوجِبَةُ لِإسْقاطِ النَّفَقَةِ هي المُوجِبَةُ لِإسْقاطِ السُّكْنى؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ أصْلِنا الَّذِي قَدَّمْنا في أنَّ اسْتِحْقاقَ النَّفَقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِحْقاقِ السُّكْنى. فَإنْ قِيلَ: لَيْسَتِ النَّفَقَةُ كالسُّكْنى؛ لِأنَّ السُّكْنى حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ تَراضِيهِما عَلى إسْقاطِها، والنَّفَقَةُ حَقٌّ لَها لَوْ رَضِيَتْ بِإسْقاطِها لَسَقَطَتْ قِيلَ لَهُ: لا فَرْقَ بَيْنَهُما مِنَ الوَجْهِ الَّذِي وجَبَ قِياسُها عَلَيْها؛ وذَلِكَ لِأنَّ السُّكْنى فِيها مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى وهو كَوْنُها في بَيْتِ الزَّوْجِ. والآخَرُ: حَقٌّ لَها وهو ما يَلْزَمُ في المالِ مِن أُجْرَةِ البَيْتِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ، ولَوْ رَضِيَتْ بِأنْ تُعْطى هي الأُجْرَةُ وتُسْقِطَها عَنِ الزَّوْجِ جازَ، فَمِن حَيْثُ هي حَقٌّ في المالِ قَدِ اسْتَوَيا واخْتَلَفُوا في نَفَقَةِ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ وشُرَيْحٌ وأبُو العالِيَةِ والشَّعْبِيُّ وإبْراهِيمُ: " نَفَقَتُها مِن جَمِيعِ المالِ " وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وابْنُ المُسَيِّبِ وعَطاءٌ " لا نَفَقَةَ لَها في مالِ الزَّوْجِ بَلْ هي عَلى نَفْسِها " واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ أيْضًا في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ: " لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ في مالِ المَيِّتِ حامِلًا كانَتْ أوْ غَيْرَ حامِلٍ " وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: " نَفَقَتُها في مالِ الزَّوْجِ بِمَنزِلَةِ الدَّيْنِ عَلى المَيِّتِ إذا كانَتْ حامِلًا " وقالَ مالِكٌ: " نَفَقَتُها عَلى نَفْسِها وإنْ كانَتْ حامِلًا ولَها السُّكْنى إنْ كانَتِ الدّارُ لِلزَّوْجِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فالمَرْأةُ أحَقُّ بِسُكْناها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، وإنْ كانَتْ في بَيْتٍ بِكِراءٍ فَأخْرَجُوها لَمْ يَكُنْ لَها سُكْنى في مالِ الزَّوْجِ "، هَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ وهْبٍ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: " لا نَفَقَةَ لَها في مالِ الزَّوْجِ المَيِّتِ ولَها السُّكْنى إنْ كانَ الدّارُ لِلْمَيِّتِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهي أحَقُّ بِالسُّكْنى مِنَ الغُرَماءِ وتُباعُ لِلْغُرَماءِ ويُشْتَرَطُ السُّكْنى عَلى المُشْتَرِي " وقالَ الأشْجَعِيُّ عَنْ الثَّوْرِيِّ: " إذا كانَتْ حامِلًا أنْفَقَ عَلَيْها مِن جَمِيعِ المالِ حَتّى تَضَعَ، فَإذا وضَعَتْ أنْفَقَ عَلى الصَّبِيِّ مِن نَصِيبِهِ " . ورَوى المُعافى عَنْهُ أنَّ نَفَقَتَها مِن حِصَّتِها وقالَ الأوْزاعِيُّ في المَرْأةِ يَمُوتُ زَوْجُها وهي حامِلٌ: " فَلا نَفَقَةَ لَها، وإنْ كانَتْ أُمَّ ولَدٍ فَلَها النَّفَقَةُ مِن جَمِيعِ المالِ حَتّى تَضَعَ " وقالَ اللَّيْثُ في أُمِّ الوَلَدِ إذا كانَتْ حامِلًا مِنهُ: " فَإنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْها مِن جَمِيعِ المالِ، فَإنْ ولَدَتْ كانَ ذَلِكَ في حَظِّ ولَدِها، وإنْ لَمْ تَلِدْ كانَ ذَلِكَ دَيْنًا يُتْبَعُ بِهِ " وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها النَّفَقَةُ مِن جَمِيعِ المالِ " وقالَ الشّافِعِيُّ في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: " لَها السُّكْنى والنَّفَقَةُ " . والآخَرُ: " لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنْ لا نَفَقَةَ لِلْمُتَوَفّى (p-٣٦٠)عَنْها زَوْجُها غَيْرِ الحامِلِ ولا سُكْنى، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الحامِلُ مِثْلَها لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ لِلْحَمْلِ، ألا تَرى أنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يُوجِبْها في نَصِيبِ الحَمْلِ مِنَ المِيراثِ وإنَّما قالُوا فِيهِ قَوْلَيْنِ، قائِلٌ يَجْعَلُ نَفَقَتَها مِن نَصِيبِها، وقائِلٌ يَجْعَلُ النَّفَقَةَ مِن جَمِيعِ مالِ المَيِّتِ، ولَمْ يُوجِبْها أحَدٌ في حِصَّةِ الحَمْلِ ؟ فَلَمّا لَمْ تَجِبِ النَّفَقَةُ لِأجْلِ الحَمْلِ ولَمْ يَجُزْ أنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً لِأجْلِ كَوْنِها في العِدَّةِ؛ لِأنَّها لَوْ وجَبَتْ لِلْعِدَّةِ لَوَجَبَتْ لِغَيْرِ الحامِلِ، فَلَمْ يَبْقَ وجْهٌ تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ وأيْضًا لَمّا لَمْ تَسْتَحِقَّ السُّكْنى في مالِ الزَّوْجِ بِدَلائِلَ قَدْ قامَتْ عَلَيْهِ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ وأيْضًا فَإنَّ النَّفَقَةَ إذا وجَبَتْ فَإنَّما تَجِبُ حالًّا فَحالًّا، فَلَمّا ماتَ الزَّوْجُ انْتَقَلَ مِيراثُهُ إلى الوَرَثَةِ، ولَيْسَ لِلزَّوْجِ مالٌ في هَذِهِ الحالِ وإنَّما هو مالُ الوارِثِ، فَلا يَجُوزُ إيجابُها عَلَيْهِمْ. فَإنْ قِيلَ: تَصِيرُ بِمَنزِلَةِ الدَّيْنِ، قِيلَ لَهُ: الدَّيْنُ الَّذِي يَثْبُتُ في مِيراثِ المُتَوَفّى إنَّما يَثْبُتُ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ ثابِتًا عَلى المَيِّتِ في حَياتِهِ، أوْ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهُ بِسَبَبٍ كانَ مِنَ المَيِّتِ قَبْلَ مَوْتِهِ مِثْلَ الجِناياتِ وحَفْرِ البِئْرِ إذا وقَعَ فِيها إنْسانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ والنَّفَقَةُ خارِجَةٌ عَنِ الوَجْهَيْنِ، فَلا يَجُوزُ إيجابُها في مالِهِ لِعَدَمِ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ تَعَلُّقُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وعَدَمُ مالِهِ بِزَوالِهِ إلى الوَرَثَةِ، ألا تَرى أنَّ النِّكاحَ قَدْ بَطَلَ بِالمَوْتِ وأنَّ مِلْكَ المَيِّتِ قَدْ زالَ إلى الوَرَثَةِ ؟ فَلَمْ يَبْقَ لِإيجابِ النَّفَقَةِ وجْهٌ؛ ألا تَرى أنَّ غَيْرَ الحامِلِ لا نَفَقَةَ لَها بِهَذِهِ العِلَّةِ ؟ فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وهو عُمُومٌ في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها والمُطَلَّقَةِ، كَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عُمُومًا في الصِّنْفَيْنِ؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ، مِن قِبَلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْأزْواجِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ خِطابٌ لَهم، وقَدْ زالَ عَنْهُمُ الخِطابُ بِالمَوْتِ، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِغَيْرِ الأزْواجِ، فَلَمْ تَقْتَضِ الآيَةُ إيجابَ نَفَقَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها بِحالٍ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ قَدِ انْتَظَمَ الدَّلالَةَ عَلى أحْكامٍ: مِنها أنَّهُ إذا رَضِيَتْ بِأنْ تُرْضِعَهُ بِأجْرِ مِثْلِها لَمْ يَكُنْ لِلْأبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ غَيْرَها، لِأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِإعْطاءِ الأجْرِ إذا أرْضَعَتْ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأُمَّ أوْلى بِحَضانَةِ الوَلَدِ مِن كُلِّ أحَدٍ ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأُجْرَةَ إنَّما تُسْتَحَقُّ بِالفَراغِ مِنَ العَمَلِ ولا تُسْتَحَقُّ بِالعَقْدِ؛ لِأنَّهُ أوْجَبَها بَعْدَ الرَّضاعِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ لَبَنَ المَرْأةِ وإنْ كانَ عَيْنًا فَقَدْ أُجْرِيَ مَجْرى المَنافِعِ الَّتِي تُسْتَحَقُّ بِعُقُودِ الإجاراتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجِزْ أصْحابُنا بَيْعَ لَبَنِ المَرْأةِ (p-٣٦١)كَما لا يَجُوزُ عَقْدُ البَيْعِ عَلى المَنافِعِ، وفارَقَ لَبَنُ المَرْأةِ بِذَلِكَ لَبَنَ سائِرِ الحَيَوانِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ شاةٍ لِرَضاعِ صَبِيٍّ؛ لِأنَّ الأعْيانَ لا تُسْتَحَقُّ بِعُقُودِ الإجاراتِ كاسْتِئْجارِ النَّخْلِ والشَّجَرِ ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ: لا تَشْتَرِطُ المَرْأةُ عَلى الزَّوْجِ فِيما تَطْلُبُهُ مِنَ الأُجْرَةِ ولا يُقَصِّرُ الزَّوْجُ لَها عَنِ المِقْدارِ المُسْتَحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ قِيلَ: إنَّهُ إذا طَلَبَتِ المَرْأةُ أكْثَرَ مِن أجْرِ مِثْلِها ورَضِيَتْ غَيْرُها بِأنْ تَأْخُذَهُ بِأجْرِ مِثْلِها فَلِلزَّوْجِ أنْ يَسْتَرْضِعَ الأجْنَبِيَّةَ ويَكُونُ ذَلِكَ في بَيْتِ الأُمِّ؛ لِأنَّها أحَقُّ بِإمْساكِهِ والكَوْنِ عِنْدَهُ.

الطلاق 65:7

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفَقَةَ تُفْرَضُ عَلَيْهِ عَلى قِدْرِ إمْكانِهِ وسَعَتِهِ، وأنَّ نَفَقَةَ المُعْسِرِ أقَلُّ مِن نَفَقَةِ المُوسِرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: مَن ضُيِّقَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلِيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ، يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لا يُكَلَّفُ نَفَقَةَ المُوسِرِ في هَذِهِ الحالِ بَلْ عَلى قِدْرِ إمْكانِهِ يُنْفِقُ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ فِيهِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُ أحَدًا ما لا يُطِيقُ؛ وهَذا وإنْ كانَ قَدْ عُلِمَ بِالعَقْلِ؛ إذْ كانَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ قَبِيحًا وسَفَهًا فَإنَّ اللَّهَ ذَكَرَهُ في الكِتابِ تَأْكِيدًا لِحُكْمِهِ في العَقْلِ، وقَدْ تَضَمَّنَ مَعْنًى آخَرَ مِن جِهَةِ الحُكْمِ وهو الإخْبارُ بِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى النَّفَقَةِ لَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ الإنْفاقَ في هَذِهِ الحالِ، وإذا لَمْ يُكَلَّفِ الإنْفاقَ في هَذِهِ الحالِ لَمْ يَجُزِ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ نَفَقَتِها؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ العاجِزِ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأتِهِ وبَيْنَها. فَإنْ قِيلَ فَقَدْ آتاهُ الطَّلاقَ فَعَلَيْهِ أنْ يُطَلِّقَ قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنَ بِهِ أنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهُ النَّفَقَةَ في هَذِهِ الحالِ فَلا يَجُوزُ إجْبارُهُ عَلى الطَّلاقِ مِن أجْلِها؛ لِأنَّ فِيهِ إيجابَ التَّفْرِيقِ بِشَيْءٍ لَمْ يَجِبْ وأيْضًا فَإنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهُ مِنَ الإنْفاقِ إلّا ما آتاهُ، والطَّلاقُ لَيْسَ مِنَ الإنْفاقِ، فَلَمْ يَدْخُلْ في اللَّفْظِ وأيْضًا إنَّما أرادَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُهُ ما لا يُطِيقُ ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ يُكَلِّفُهُ كُلَّ ما يُطِيقُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِن خِطابِ الآيَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُما مِن أجْلِ عَجْزِهِ عَنِ النَّفَقَةِ؛ لِأنَّ العُسْرَ يُرْجى لَهُ اليُسْرُ. آخِرُ سُورَةِ الطَّلاقِ.

التحريم 66:1

ومِن سُورَةِ التَّحْرِيمِ ﷽ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ (p-٣٦٢)وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَشْرَبُ ويَأْكُلُ عِنْدَ زَيْنَبَ، فَتَواطَأتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ عَلى أنْ تَقُولا لَهُ: نَجِدُ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، قالَ: " بَلْ شَرِبْتُ عِنْدَها عَسَلًا ولَنْ أعُودَ لَهُ "، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ شَرِبَ عِنْدَ حَفْصَةَ، وقِيلَ: عِنْدَ سَوْدَةَ، وأنَّهُ حَرَّمَ العَسَلَ؛ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: " واللَّهِ لا أذُوقُهُ " وقِيلَ: إنَّهُ أصابَ مارِيَّةَ القِبْطِيَّةَ في بَيْتِ حَفْصَةَ، فَعَلِمَتْ بِهِ فَجَزِعَتْ مِنهُ، فَقالَ لَها: " ألا تَرْضَيْنَ أنْ أُحَرِّمَها فَلا أقْرَبُها ؟ " قالَتْ: بَلى؛ فَحَرَّمَها وقالَ: " لا تَذْكُرِي ذَلِكَ لِأحَدٍ "، فَذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ، فَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيَةَ رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الأمْرانِ جَمِيعًا قَدْ كانا مِن تَحْرِيمِ مارِيَّةَ وتَحْرِيمِ العَسَلِ، إلّا أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ حَرَّمَ مارِيَّةَ وأنَّ الآيَةَ فِيها نَزَلَتْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ ولَيْسَ في تَرْكِ شُرْبِ العَسَلِ رِضا أزْواجِهِ، وفي تَرْكِ قُرْبِ مارِيَّةَ رِضاهُنَّ فَرُوِيَ في العَسَلِ أنَّهُ حَرَّمَهُ، ورُوِيَ أنَّهُ حَلَفَ أنْ لا يَشْرَبَهُ وأمّا مارِيَّةُ فَكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: حَرَّمَها؛ ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آلى وحَرَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: الحَرامُ حَلالٌ وأمّا اليَمِينُ فَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم، وقالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ: " حَرَّمَ جارِيَتَهُ "، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ حَرَّمَ وحَلَفَ أيْضًا، فَإنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ وإنَّما فِيها التَّحْرِيمُ فَقَطْ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُلْحَقَ بِالآيَةِ ما لَيْسَ فِيها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ يَمِينًا لِإيجابِ اللَّهِ تَعالى فِيها كَفّارَةَ يَمِينٍ بِإطْلاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: لا فَرْقَ بَيْنَ التَّحْرِيمِ واليَمِينِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ تَحْرِيمٌ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ والتَّحْرِيمَ أيْضًا يَمِينٌ؛ وهَذا عِنْدَ أصْحابِنا يَخْتَلِفُ في وجْهٍ ويَتَّفِقُ في وجْهٍ آخَرَ، فالوَجْهُ الَّذِي يُوافِقُ اليَمِينُ فِيهِ التَّحْرِيمَ أنَّ الحِنْثَ فِيهِما يُوجِبُ كَفّارَةَ اليَمِينِ، والوَجْهُ الَّذِي يَخْتَلِفانِ فِيهِ أنَّهُ لَوْ حَلَفَ أنَّهُ لا يَأْكُلُ هَذا الرَّغِيفَ فَأكَلَ بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ، ولَوْ قالَ: " قَدْ حَرَّمْتُ هَذا الرَّغِيفَ عَلى نَفْسِي " فَأكَلَ مِنهُ اليَسِيرَ حَنِثَ ولَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ؛ لِأنَّهم شَبَّهُوا تَحْرِيمَهُ الرَّغِيفَ عَلى نَفْسِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ واللَّهِ لا أكَلْتُ مِن هَذا الرَّغِيفِ شَيْئًا، تَشْبِيهًا لَهُ بِسائِرِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ أنَّهُ اقْتَضى تَحْرِيمَ القَلِيلِ مِنهُ والكَثِيرِ. واخْتَلَفَ السَّلَفُ في الرَّجُلِ يُحَرِّمُ امْرَأتَهُ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ عُمَرَ: " أنَّ الحَرامَ يَمِينٌ "، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ المُسَيِّبِ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وعَطاءٍ وطاوُسٍ (p-٣٦٣)ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ مِثْلُهُ، ورُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رِوايَةٌ وابْنِ عُمَرَ رِوايَةً وأبِي هُرَيْرَةَ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ قالُوا: " هي ثَلاثٌ " ورَوى خُصَيْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ في الحَرامِ بِمَنزِلَةِ الظِّهارِ ورَوى مَنصُورٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " النَّذْرُ والحَرامُ إذا لَمْ يُسَمَّ مُغَلَّظَةٌ، فَتَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ أوْ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ أوْ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا " . ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: " إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ فَهي يَمِينٌ يُكَفِّرُها، أما لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ " وهَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهو بِمَنزِلَةِ يَمِينٍ، وأنَّهُ إنْ أرادَ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا. وقالَ مَسْرُوقٌ " ما أُبالِي إيّاها حَرَّمْتَ أوْ قَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ " وعَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: " ما أُبالِي حَرَّمْتَ امْرَأتِي أوْ ماءً فُراتًا " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَرَوْهُ يَمِينًا؛ لِأنَّهُ لا جائِزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُما في تَحْرِيمِ الثَّرِيدِ والماءِ أنَّهُ يَمِينٌ، فَكَأنَّهُما لَمْ يَرَيا ذَلِكَ طَلاقًا؛ وكَذَلِكَ نَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ بِطَلاقٍ إلّا أنْ يَنْوِيَهُ، فَلَمْ تَظْهَرْ مُخالَفَةُ هَذَيْنِ لِمَن ذَكَرْنا قَوْلَهم مِنَ الصَّحابَةِ واتِّفاقَهم عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ بِلَغْوٍ وأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ يَمِينًا أوْ طَلاقًا أوْ ظِهارًا واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في الحَرامِ، فَقالَ أصْحابُنا: " إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ إلّا أنْ يَنْوِيَ ثَلاثًا، وإنْ لَمْ يَنْوِ طَلاقًا فَهو يَمِينٌ وهو مُولٍ " وذَكَرَ ابْنُ سِماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: " أنَّهُ إنْ نَوى ظِهارًا لَمْ يَكُنْ ظِهارًا؛ لِأنَّ الظِّهارَ أصْلُهُ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ " ورَوى ابْنُ شُجاعٍ عَنْ أبِي يُوسُفَ في اخْتِلافِ زُفَرَ وأبِي يُوسُفَ: " أنَّهُ إنْ نَوى ظِهارًا كانَ ظِهارًا " وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: " هي ثَلاثٌ ولا أسْألُهُ عَنْ نِيَّتِهِ " وقالَ مالِكٌ فِيما ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ: " الحَرامُ لا يَكُونُ يَمِينًا في شَيْءٍ إلّا أنْ يُحَرِّمَ امْرَأتَهُ فَيَلْزَمُهُ الطَّلاقُ، وهو ثَلاثٌ، إلّا أنْ يَنْوِيَ واحِدَةً أوْ ثِنْتَيْنِ فَيَكُونَ عَلى ما نَوى " وقالَ الثَّوْرِيُّ: " إنْ نَوى ثَلاثًا فَثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدَةً فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وإنْ نَوى يَمِينًا فَهي يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وإنْ لَمْ يَنْوِ فُرْقَةً ولا يَمِينًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ هي كِذْبَةٌ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " هو عَلى ما نَوى، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهو يَمِينٌ " وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ " هو بِمَنزِلَةِ الظِّهارِ " وقالَ الشّافِعِيُّ: " لَيْسَ بِطَلاقٍ حَتّى يَنْوِيَ فَإذا نَوى فَهو طَلاقٌ عَلى ما أرادَ مِن عَدَدِهِ، وإنْ أرادَ تَحْرِيمَها بِلا طَلاقٍ فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِمُولٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ جَعَلَ أصْحابُنا التَّحْرِيمَ يَمِينًا إذا لَمْ تُقارِنْهُ نِيَّةُ الطَّلاقِ إذا حَرَّمَ امْرَأتَهُ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ لَها: " واللَّهِ لا أقْرَبُكِ " فَيَكُونُ مُولِيًا، وأمّا إذا حَرَّمَ غَيْرَ امْرَأتِهِ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ وغَيْرِهِما فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: " واللَّهِ (p-٣٦٤)لا آكُلُ مِنهُ واللَّهِ لا أشْرَبُ مِنهُ " ونَحْوَ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ فَجَعَلَ التَّحْرِيمَ يَمِينًا، فَصارَتِ اليَمِينُ في مَضْمُونِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ ومُقْتَضاهُ في حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإذا أطْلَقَ كانَ مَحْمُولًا عَلى اليَمِينِ إلّا أنْ يَنْوِيَ غَيْرَها فَيَكُونُ ما نَوى، فَإذا حَرَّمَ امْرَأتَهُ وأرادَ الطَّلاقَ كانَ طَلاقًا لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُ؛ وكُلُّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الطَّلاقَ ويَحْتَمِلُ غَيْرَهُ فَإنَّهُ مَتى أرادَ بِهِ الطَّلاقَ كانَ طَلاقًا، والأصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِرُكانَةَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ألْبَتَّةَ: «بِاللَّهِ ما أرَدْتَ إلّا واحِدَةً» فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الثَّلاثَ ويَحْتَمِلُ غَيْرَها فَإنَّهُ مَتى أرادَ الثَّلاثَ كانَ ثَلاثًا، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحْلِفْهُ عَلَيْها. والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الثَّلاثُ بِوُجُودِ اللَّفْظِ وجَعْلِ القَوْلِ قَوْلَهُ لِلِاحْتِمالِ فِيهِ، فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في أنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الطَّلاقَ وغَيْرَهُ أنّا لا نَجْعَلُهُ طَلاقًا إلّا بِمُقارَنَةِ الدَّلالَةِ لِإرادَةِ الطَّلاقِ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّفْظَ المُحْتَمِلَ لِلطَّلاقِ يَجُوزُ إيقاعُ الطَّلاقُ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ طَلاقًا في نَفْسِهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِسَوْدَةِ: " اعْتَدِّي " ثُمَّ راجَعَها فَأوْقَعَ الطَّلاقَ بِقَوْلِهِ: " اعْتَدِّي " لاحْتِمالِهِ لَهُ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ السَّلَفِ مَنَعَ إيقاعَ الطَّلاقِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ، ومَن قالَ مِنهم: هو يَمِينٌ فَإنَّما أرادَ بِهِ عِنْدَنا إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةُ الطَّلاقِ ولَمْ تُقارِنْهُ دَلالَةُ الحالِ. وزَعَمَ مالِكٌ أنَّ مَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ امْرَأتِهِ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وقَدِ اقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ مِن كَوْنِهِ يَمِينًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ وأنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ مُوجِبِ هَذا اللَّفْظِ مِن كَوْنِ الحَرامِ يَمِينًا بِرِوايَةِ مَن رَوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ أنْ لا يَشْرَبَ العَسَلَ، إذْ غَيْرُ جائِزٍ الِاعْتِراضُ عَلى حُكْمِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ؛ ولِأنَّ مَن رَوى اليَمِينَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما عَنى بِهِ التَّحْرِيمَ وحْدَهُ؛ إذْ كانَ التَّحْرِيمُ يَمِينًا ويَدُلُّ مِن جِهَةِ النَّظَرِ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ أنَّ المُحَرِّمَ لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ قَدِ اقْتَضى لَفْظُهُ إيجابَ الِامْتِناعِ مِنهُ كالأشْياءِ المُحَرَّمَةِ، وذَلِكَ في مَعْنى النَّذْرِ وقَوْلُ القائِلِ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ لا أفْعَلَ ذَلِكَ "، فَلَمّا كانَ النَّذْرُ يَمِينًا بِالسُّنَّةِ واتِّفاقِ الفُقَهاءِ وجَبَ أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الشَّيْءِ بِمَنزِلَةِ النَّذْرِ فَتَجِبُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ إذا حَنِثَ كَما تَجِبُ في النَّذْرِ.

التحريم 66:2

ومِن سُورَةِ التَّحْرِيمِ ﷽ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ (p-٣٦٢)وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَشْرَبُ ويَأْكُلُ عِنْدَ زَيْنَبَ، فَتَواطَأتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ عَلى أنْ تَقُولا لَهُ: نَجِدُ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، قالَ: " بَلْ شَرِبْتُ عِنْدَها عَسَلًا ولَنْ أعُودَ لَهُ "، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ شَرِبَ عِنْدَ حَفْصَةَ، وقِيلَ: عِنْدَ سَوْدَةَ، وأنَّهُ حَرَّمَ العَسَلَ؛ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: " واللَّهِ لا أذُوقُهُ " وقِيلَ: إنَّهُ أصابَ مارِيَّةَ القِبْطِيَّةَ في بَيْتِ حَفْصَةَ، فَعَلِمَتْ بِهِ فَجَزِعَتْ مِنهُ، فَقالَ لَها: " ألا تَرْضَيْنَ أنْ أُحَرِّمَها فَلا أقْرَبُها ؟ " قالَتْ: بَلى؛ فَحَرَّمَها وقالَ: " لا تَذْكُرِي ذَلِكَ لِأحَدٍ "، فَذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ، فَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيَةَ رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الأمْرانِ جَمِيعًا قَدْ كانا مِن تَحْرِيمِ مارِيَّةَ وتَحْرِيمِ العَسَلِ، إلّا أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ حَرَّمَ مارِيَّةَ وأنَّ الآيَةَ فِيها نَزَلَتْ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ ولَيْسَ في تَرْكِ شُرْبِ العَسَلِ رِضا أزْواجِهِ، وفي تَرْكِ قُرْبِ مارِيَّةَ رِضاهُنَّ فَرُوِيَ في العَسَلِ أنَّهُ حَرَّمَهُ، ورُوِيَ أنَّهُ حَلَفَ أنْ لا يَشْرَبَهُ وأمّا مارِيَّةُ فَكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: حَرَّمَها؛ ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آلى وحَرَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: الحَرامُ حَلالٌ وأمّا اليَمِينُ فَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم، وقالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ: " حَرَّمَ جارِيَتَهُ "، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ حَرَّمَ وحَلَفَ أيْضًا، فَإنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ وإنَّما فِيها التَّحْرِيمُ فَقَطْ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُلْحَقَ بِالآيَةِ ما لَيْسَ فِيها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ يَمِينًا لِإيجابِ اللَّهِ تَعالى فِيها كَفّارَةَ يَمِينٍ بِإطْلاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: لا فَرْقَ بَيْنَ التَّحْرِيمِ واليَمِينِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ تَحْرِيمٌ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ والتَّحْرِيمَ أيْضًا يَمِينٌ؛ وهَذا عِنْدَ أصْحابِنا يَخْتَلِفُ في وجْهٍ ويَتَّفِقُ في وجْهٍ آخَرَ، فالوَجْهُ الَّذِي يُوافِقُ اليَمِينُ فِيهِ التَّحْرِيمَ أنَّ الحِنْثَ فِيهِما يُوجِبُ كَفّارَةَ اليَمِينِ، والوَجْهُ الَّذِي يَخْتَلِفانِ فِيهِ أنَّهُ لَوْ حَلَفَ أنَّهُ لا يَأْكُلُ هَذا الرَّغِيفَ فَأكَلَ بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ، ولَوْ قالَ: " قَدْ حَرَّمْتُ هَذا الرَّغِيفَ عَلى نَفْسِي " فَأكَلَ مِنهُ اليَسِيرَ حَنِثَ ولَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ؛ لِأنَّهم شَبَّهُوا تَحْرِيمَهُ الرَّغِيفَ عَلى نَفْسِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ واللَّهِ لا أكَلْتُ مِن هَذا الرَّغِيفِ شَيْئًا، تَشْبِيهًا لَهُ بِسائِرِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ أنَّهُ اقْتَضى تَحْرِيمَ القَلِيلِ مِنهُ والكَثِيرِ. واخْتَلَفَ السَّلَفُ في الرَّجُلِ يُحَرِّمُ امْرَأتَهُ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ عُمَرَ: " أنَّ الحَرامَ يَمِينٌ "، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ المُسَيِّبِ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وعَطاءٍ وطاوُسٍ (p-٣٦٣)ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ مِثْلُهُ، ورُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رِوايَةٌ وابْنِ عُمَرَ رِوايَةً وأبِي هُرَيْرَةَ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ قالُوا: " هي ثَلاثٌ " ورَوى خُصَيْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ في الحَرامِ بِمَنزِلَةِ الظِّهارِ ورَوى مَنصُورٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " النَّذْرُ والحَرامُ إذا لَمْ يُسَمَّ مُغَلَّظَةٌ، فَتَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ أوْ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ أوْ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا " . ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: " إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ فَهي يَمِينٌ يُكَفِّرُها، أما لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ " وهَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهو بِمَنزِلَةِ يَمِينٍ، وأنَّهُ إنْ أرادَ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا. وقالَ مَسْرُوقٌ " ما أُبالِي إيّاها حَرَّمْتَ أوْ قَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ " وعَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: " ما أُبالِي حَرَّمْتَ امْرَأتِي أوْ ماءً فُراتًا " . قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَرَوْهُ يَمِينًا؛ لِأنَّهُ لا جائِزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُما في تَحْرِيمِ الثَّرِيدِ والماءِ أنَّهُ يَمِينٌ، فَكَأنَّهُما لَمْ يَرَيا ذَلِكَ طَلاقًا؛ وكَذَلِكَ نَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ بِطَلاقٍ إلّا أنْ يَنْوِيَهُ، فَلَمْ تَظْهَرْ مُخالَفَةُ هَذَيْنِ لِمَن ذَكَرْنا قَوْلَهم مِنَ الصَّحابَةِ واتِّفاقَهم عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ بِلَغْوٍ وأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ يَمِينًا أوْ طَلاقًا أوْ ظِهارًا واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في الحَرامِ، فَقالَ أصْحابُنا: " إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ إلّا أنْ يَنْوِيَ ثَلاثًا، وإنْ لَمْ يَنْوِ طَلاقًا فَهو يَمِينٌ وهو مُولٍ " وذَكَرَ ابْنُ سِماعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: " أنَّهُ إنْ نَوى ظِهارًا لَمْ يَكُنْ ظِهارًا؛ لِأنَّ الظِّهارَ أصْلُهُ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ " ورَوى ابْنُ شُجاعٍ عَنْ أبِي يُوسُفَ في اخْتِلافِ زُفَرَ وأبِي يُوسُفَ: " أنَّهُ إنْ نَوى ظِهارًا كانَ ظِهارًا " وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: " هي ثَلاثٌ ولا أسْألُهُ عَنْ نِيَّتِهِ " وقالَ مالِكٌ فِيما ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ: " الحَرامُ لا يَكُونُ يَمِينًا في شَيْءٍ إلّا أنْ يُحَرِّمَ امْرَأتَهُ فَيَلْزَمُهُ الطَّلاقُ، وهو ثَلاثٌ، إلّا أنْ يَنْوِيَ واحِدَةً أوْ ثِنْتَيْنِ فَيَكُونَ عَلى ما نَوى " وقالَ الثَّوْرِيُّ: " إنْ نَوى ثَلاثًا فَثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدَةً فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ، وإنْ نَوى يَمِينًا فَهي يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وإنْ لَمْ يَنْوِ فُرْقَةً ولا يَمِينًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ هي كِذْبَةٌ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " هو عَلى ما نَوى، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهو يَمِينٌ " وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ " هو بِمَنزِلَةِ الظِّهارِ " وقالَ الشّافِعِيُّ: " لَيْسَ بِطَلاقٍ حَتّى يَنْوِيَ فَإذا نَوى فَهو طَلاقٌ عَلى ما أرادَ مِن عَدَدِهِ، وإنْ أرادَ تَحْرِيمَها بِلا طَلاقٍ فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِمُولٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ جَعَلَ أصْحابُنا التَّحْرِيمَ يَمِينًا إذا لَمْ تُقارِنْهُ نِيَّةُ الطَّلاقِ إذا حَرَّمَ امْرَأتَهُ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ لَها: " واللَّهِ لا أقْرَبُكِ " فَيَكُونُ مُولِيًا، وأمّا إذا حَرَّمَ غَيْرَ امْرَأتِهِ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ وغَيْرِهِما فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: " واللَّهِ (p-٣٦٤)لا آكُلُ مِنهُ واللَّهِ لا أشْرَبُ مِنهُ " ونَحْوَ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ فَجَعَلَ التَّحْرِيمَ يَمِينًا، فَصارَتِ اليَمِينُ في مَضْمُونِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ ومُقْتَضاهُ في حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإذا أطْلَقَ كانَ مَحْمُولًا عَلى اليَمِينِ إلّا أنْ يَنْوِيَ غَيْرَها فَيَكُونُ ما نَوى، فَإذا حَرَّمَ امْرَأتَهُ وأرادَ الطَّلاقَ كانَ طَلاقًا لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَهُ؛ وكُلُّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الطَّلاقَ ويَحْتَمِلُ غَيْرَهُ فَإنَّهُ مَتى أرادَ بِهِ الطَّلاقَ كانَ طَلاقًا، والأصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِرُكانَةَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ألْبَتَّةَ: «بِاللَّهِ ما أرَدْتَ إلّا واحِدَةً» فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الثَّلاثَ ويَحْتَمِلُ غَيْرَها فَإنَّهُ مَتى أرادَ الثَّلاثَ كانَ ثَلاثًا، لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحْلِفْهُ عَلَيْها. والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الثَّلاثُ بِوُجُودِ اللَّفْظِ وجَعْلِ القَوْلِ قَوْلَهُ لِلِاحْتِمالِ فِيهِ، فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في أنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ الطَّلاقَ وغَيْرَهُ أنّا لا نَجْعَلُهُ طَلاقًا إلّا بِمُقارَنَةِ الدَّلالَةِ لِإرادَةِ الطَّلاقِ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّفْظَ المُحْتَمِلَ لِلطَّلاقِ يَجُوزُ إيقاعُ الطَّلاقُ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ طَلاقًا في نَفْسِهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِسَوْدَةِ: " اعْتَدِّي " ثُمَّ راجَعَها فَأوْقَعَ الطَّلاقَ بِقَوْلِهِ: " اعْتَدِّي " لاحْتِمالِهِ لَهُ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ السَّلَفِ مَنَعَ إيقاعَ الطَّلاقِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ، ومَن قالَ مِنهم: هو يَمِينٌ فَإنَّما أرادَ بِهِ عِنْدَنا إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةُ الطَّلاقِ ولَمْ تُقارِنْهُ دَلالَةُ الحالِ. وزَعَمَ مالِكٌ أنَّ مَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ امْرَأتِهِ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وقَدِ اقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ مِن كَوْنِهِ يَمِينًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ وأنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ مُوجِبِ هَذا اللَّفْظِ مِن كَوْنِ الحَرامِ يَمِينًا بِرِوايَةِ مَن رَوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ أنْ لا يَشْرَبَ العَسَلَ، إذْ غَيْرُ جائِزٍ الِاعْتِراضُ عَلى حُكْمِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ؛ ولِأنَّ مَن رَوى اليَمِينَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما عَنى بِهِ التَّحْرِيمَ وحْدَهُ؛ إذْ كانَ التَّحْرِيمُ يَمِينًا ويَدُلُّ مِن جِهَةِ النَّظَرِ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ أنَّ المُحَرِّمَ لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ قَدِ اقْتَضى لَفْظُهُ إيجابَ الِامْتِناعِ مِنهُ كالأشْياءِ المُحَرَّمَةِ، وذَلِكَ في مَعْنى النَّذْرِ وقَوْلُ القائِلِ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ لا أفْعَلَ ذَلِكَ "، فَلَمّا كانَ النَّذْرُ يَمِينًا بِالسُّنَّةِ واتِّفاقِ الفُقَهاءِ وجَبَ أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الشَّيْءِ بِمَنزِلَةِ النَّذْرِ فَتَجِبُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ إذا حَنِثَ كَما تَجِبُ في النَّذْرِ.

التحريم 66:6

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمْ﴾ قالَ: " عَلِّمُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمُ الخَيْرَ " وقالَ الحَسَنُ: " تُعَلِّمُهم وتَأْمُرُهم وتَنْهاهم " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَلَيْنا تَعْلِيمَ أوْلادِنا وأهْلِينا الدِّينَ (p-٣٦٥)والخَيْرَ وما لا يُسْتَغْنى عَنْهُ مِنَ الآدابِ، وهو مِثْلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ويَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِنّا مَزِيَّةٌ بِهِ في لُزُومِنا تَعْلِيمَهم وأمْرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ومَعْلُومٌ أنَّ الرّاعِيَ كَما عَلَيْهِ حِفْظُ مَنِ اسْتُرْعِيَ وحِمايَتُهُ والتِماسُ مَصالِحِهِ فَكَذَلِكَ عَلَيْهِ تَأْدِيبُهُ وتَعْلِيمُهُ؛ وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فالرَّجُلُ راعٍ عَلى أهْلِهِ وهو مَسْؤُولٌ عَنْهم والأمِيرُ راعٍ عَلى رَعِيَّتِهِ وهو مَسْؤُولٌ عَنْهم» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى السَّعْدِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قَهْرَمانِ آلِ الزُّبَيْرِ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما نَحَلَ والِدٌ ولَدًا خَيْرًا مِن أدَبٍ حَسَنٍ» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا الحَضْرَمِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جُبارَةُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَطاءٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ «حَقُّ الوَلَدِ عَلى والِدِهِ أنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ ويُحْسِنَ أدَبَهُ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى بْنِ أبِي عُثْمانَ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مَعِينٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا بَلَغَ أوْلادُكم سَبْعَ سِنِينَ فَعَلِّمُوهُمُ الصَّلاةَ، وإذا بَلَغُوا عَشْرَ سِنِينَ فاضْرِبُوهم عَلَيْها، وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ» .

التحريم 66:9

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ قالَ الحَسَنُ: " أكْثَرُ مَن كانَ يُصِيبُ الحُدُودَ في ذَلِكَ الزَّمانِ المُنافِقُونَ، فَأُمِرَ أنْ يَغْلُظَ عَلَيْهِمْ في إقامَةِ الحَدِّ " وقِيلَ: جِهادُ المُنافِقِينَ بِالقَوْلِ وجِهادُ الكُفّارِ بِالحَرْبِ " . وقالَ أبُو بَكْرٍ: فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى وُجُوبِ الغِلْظَةِ عَلى الفَرِيقَيْنِ مِنَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ ونَهْيٌ عَنْ مُقارَنَتِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ، ورُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إذا لَمْ تَقْدِرُوا أنْ تُنْكِرُوا عَلى الفاجِرِ فالقَوْهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ " وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخانَتاهُما﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " كانَتا مُنافِقَتَيْنِ ما زَنَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ "؛ وكانَتْ خِيانَتُهُما أنَّ امْرَأةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ تَقُولُ لِلنّاسِ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، وكانَتِ امْرَأةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ تَدُلُّ عَلى الضَّيْفِ. آخِرُ سُورَةِ التَّحْرِيمِ.

التحريم 66:10

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ قالَ الحَسَنُ: " أكْثَرُ مَن كانَ يُصِيبُ الحُدُودَ في ذَلِكَ الزَّمانِ المُنافِقُونَ، فَأُمِرَ أنْ يَغْلُظَ عَلَيْهِمْ في إقامَةِ الحَدِّ " وقِيلَ: جِهادُ المُنافِقِينَ بِالقَوْلِ وجِهادُ الكُفّارِ بِالحَرْبِ " . وقالَ أبُو بَكْرٍ: فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى وُجُوبِ الغِلْظَةِ عَلى الفَرِيقَيْنِ مِنَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ ونَهْيٌ عَنْ مُقارَنَتِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ، ورُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " إذا لَمْ تَقْدِرُوا أنْ تُنْكِرُوا عَلى الفاجِرِ فالقَوْهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ " وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخانَتاهُما﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " كانَتا مُنافِقَتَيْنِ ما زَنَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ "؛ وكانَتْ خِيانَتُهُما أنَّ امْرَأةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ تَقُولُ لِلنّاسِ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، وكانَتِ امْرَأةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ تَدُلُّ عَلى الضَّيْفِ. آخِرُ سُورَةِ التَّحْرِيمِ.

الملك 67:15

بابُ السَّفَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قالَ أصْحابُنا: " لا بَأْسَ بِهِ قَبْلَ الزَّوالِ وبَعْدَهُ إذا كانَ يَخْرُجُ مِن مِصْرِهِ قَبْلَ خُرُوجِ وقْتِ الظُّهْرِ " حَكاهُ مُحَمَّدٌ في السِّيَرِ بِلا خِلافٍ، وقالَ مالِكٌ: " لا أُحِبُّ لَهُ أنْ يَخْرُجَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ولَيْسَ بِحَرامٍ، وبَعْدَ الزَّوالِ لا يَنْبَغِي أنْ يُسافِرَ حَتّى يُصَلِّيَ الجُمُعَةَ " وكانَ الأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والشّافِعِيُّ يَكْرَهُونَ السَّفَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَتّى يُصَلِّيَ. ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ الحَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ «وجَّهَ ابْنَ رَواحَةَ وجَعْفَرًا وزَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، فَتَخَلَّفَ ابْنُ رَواحَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما خَلَّفَكَ ؟ قالَ: الجُمُعَةُ يا رَسُولَ اللَّهِ أُجَمِّعُ ثُمَّ أرُوحُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَغَدْوَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها»، قالَ: فَراحَ مُنْطَلِقًا ورَوى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: " لا تُحْبَسُ الجُمُعَةُ عَنْ سَفَرٍ "، ولا نَعْرِفُ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ خالَفَهُ، ورَوى يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ نافِعٍ أنَّ ابْنًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كانَ بِالعَقِيقِ عَلى رَأْسِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ، (p-٣٤٣)فَأتى ابْنُ عُمَرَ غَداةَ الجُمُعَةِ فَأُخْبِرَ بِشَكْواهُ، فانْطَلَقَ إلَيْهِ وتَرَكَ الجُمُعَةَ وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: خَرَجَ سالِمٌ مِن مَكَّةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُما كَرِها أنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ في صَدْرِ النَّهارِ وعَنْ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ قالا: " لا بَأْسَ بِالسَّفَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ما لَمْ تَحْضُرِ الجُمُعَةُ " ورَوى إسْرائِيلُ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُهاجِرٍ عَنِ النَّخَعِيِّ قالَ: " إذا أرادَ الرَّجُلُ السَّفَرَ يَوْمَ الخَمِيسِ فَلْيُسافِرْ غَدْوَةً إلى أنْ يَرْتَفِعَ النَّهارُ فَإنْ أقامَ إلى العَشِيِّ فَلا يَخْرُجُ حَتّى يُصَلِّيَ الجُمُعَةَ " ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: " إذا أدْرَكَتْكَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ فَلا تَخْرُجْ حَتّى تُجَمِّعَ " فَهَذا مَذْهَبُ عائِشَةَ وإبْراهِيمَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ فَأباحَ السَّفَرَ في سائِرِ الأوْقاتِ ولَمْ يُخَصِّصْهُ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ. فَإنْ قِيلَ: هَذا واضِحٌ في لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، ويَوْمِ الجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوالِ وإباحَةِ السَّفَرِ فِيهِما، والواجِبُ أنْ يَكُونَ مَنهِيًّا عَنْهُ بَعْدَ الزَّوالِ؛ لِأنَّهُ قَدْ صارَ مِن أهْلِ الخِطابِ بِحُضُورِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] قِيلَ لَهُ: لا خِلافَ أنَّ الخِطابَ بِذَلِكَ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلى المُسافِرِينَ، وفَرْضُ الصَّلاةِ عِنْدَنا يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الوَقْتِ، فَإذا خَرَجَ وصارَ مُسافِرًا في آخِرِ الوَقْتِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الخِطابِ بِفِعْلِ الجُمُعَةِ.

القلم 68:10

ومِن سُورَةِ نُونٍ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ قِيلَ: " مَن يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا "، وسَمّاهُ مَهِينًا (p-٣٦٦)لِاسْتِجازَتِهِ الكَذِبَ والحَلِفَ عَلَيْهِ، والحَلّافُ اسْمٌ لِمَن أكْثَرَ الحَلِفَ بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]

القلم 68:11

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، يَعْنِي: وقّاعًا في النّاسِ عائِبًا لَهم بِما لَيْسَ فِيهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ يَعْنِي يَنْقُلُ الكَلامَ مِن بَعْضٍ إلى بَعْضٍ عَلى وجْهِ التَّضْرِيبِ بَيْنَهم وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتّاتٌ» يَعْنِي النَّمّامَ.

القلم 68:13

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قِيلَ في العُتُلِّ: إنَّهُ الفَظُّ الغَلِيظُ، والزَّنِيمُ الدَّعِيُّ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ التُّسْتُرِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو شَيْبَةَ إبْراهِيمُ بْنُ عُثْمانَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عُمَيْرٍ البَجَلِيِّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوّاظٌ ولا جَعْظَرِيٌّ ولا عُتُلٌّ زَنِيمٌ»، قُلْتَ: وما الجَوّاظُ ؟ قالَ: " كُلُّ جَمّاعٍ "، قُلْتُ: وما الجَعْظَرِيُّ ؟ قالَ: " الفَظُّ الغَلِيظُ "، قُلْتُ: وما العُتُلُّ الزَّنِيمُ ؟ قالَ: " رَحِبُ الجَوْفِ " . آخِرُ سُورَةِ نُونٍ.

المعارج 70:23

ومِن سُورَةِ سَألَ سائِلٌ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ رَوى أبُو سَلَمَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ أحَبُّ الصَّلاةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما دِيمَ عَلَيْهِ» وقَرَأتْ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: " دائِمُونَ عَلى مَواقِيتِها " وعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في الآيَةِ قالَ: " الَّذِي لا يَلْتَفِتُ في صَلاتِهِ " .

المعارج 70:25

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " الَّذِي يَسْألُ، والمَحْرُومُ الَّذِي لا يَسْتَقِيمُ لَهُ تِجارَةٌ " وقالَ أبُو قِلابَةَ: " المَحْرُومُ مَن ذَهَبَ مالُهُ " وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً فَغَنِمَتْ، فَجاءَ آخَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾» وعَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ المَحْرُومَ مَن حُرِمَ وصِيَّتَهُ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ مَعْنى المَحْرُومِ واخْتِلافَهم فِيهِ آخِرُ سُورَةِ سَألَ سائِلٌ.

المزمل 73:1

ومِن سُورَةِ المُزَّمِّلِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ رَوى زُرارَةُ بْنُ أوْفى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ: قُلْتُ لِعائِشَةَ: أنْبِئِينِي عَنْ قِيامِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَتْ: أما تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ: (p-٣٦٧)﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ قُلْتَ: بَلى قالَتْ: " فَإنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ القِيامَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ حَتّى انْتَفَخَتْ أقْدامُهم، وأمْسَكَ اللَّهُ تَعالى خاتِمَتَها اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ أنْزَلَ التَّخْفِيفَ في آخِرِ السُّورَةِ، فَصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ " وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لَمّا نَزَلَتْ أوَّلُ المُزَّمِّلِ كانُوا يَقُومُونَ نَحْوَ قِيامِهِمْ في شَهْرِ رَمَضانَ حَتّى نَزَلَ آخِرُها، وكانَ بَيْنَ نُزُولِ أوَّلِها وآخِرِها نَحْوَ سَنَةٍ " وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " بَيِّنْهُ تَبْيِينًا " وقالَ طاوُسٌ: " بَيِّنْهُ حَتّى تَفْهَمَهُ " وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] قالَ: " والِ بَعْضَهُ عَلى إثْرِ بَعْضٍ عَلى تُؤَدَةٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في نَسْخِ فَرْضِ قِيامِ اللَّيْلِ وأنَّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ مُرَغَّبٌ فِيهِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ آثارٌ كَثِيرَةٌ في الحَثِّ عَلَيْهِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، رَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أحَبُّ الصَّلاةِ إلى اللَّهِ صَلاةُ داوُدَ كانَ يَنامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ ويَنامُ سُدُسَهُ، وأحَبُّ الصِّيامِ إلى اللَّهِ صِيامُ داوُدَ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا» ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَمانِيَ رَكَعاتٍ، حَتّى إذا انْفَجَرَ عَمُودُ الصُّبْحِ أوْتَرَ بِثَلاثِ رَكَعاتٍ ثُمَّ سَبَّحَ وكَبَّرَ، حَتّى إذا انْفَجَرَ الفَجْرُ صَلّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ» وعَنْ عائِشَةَ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً»

المزمل 73:2

ومِن سُورَةِ المُزَّمِّلِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ رَوى زُرارَةُ بْنُ أوْفى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ: قُلْتُ لِعائِشَةَ: أنْبِئِينِي عَنْ قِيامِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَتْ: أما تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ: (p-٣٦٧)﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ قُلْتَ: بَلى قالَتْ: " فَإنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ القِيامَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ حَتّى انْتَفَخَتْ أقْدامُهم، وأمْسَكَ اللَّهُ تَعالى خاتِمَتَها اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ أنْزَلَ التَّخْفِيفَ في آخِرِ السُّورَةِ، فَصارَ قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ " وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لَمّا نَزَلَتْ أوَّلُ المُزَّمِّلِ كانُوا يَقُومُونَ نَحْوَ قِيامِهِمْ في شَهْرِ رَمَضانَ حَتّى نَزَلَ آخِرُها، وكانَ بَيْنَ نُزُولِ أوَّلِها وآخِرِها نَحْوَ سَنَةٍ " وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " بَيِّنْهُ تَبْيِينًا " وقالَ طاوُسٌ: " بَيِّنْهُ حَتّى تَفْهَمَهُ " وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] قالَ: " والِ بَعْضَهُ عَلى إثْرِ بَعْضٍ عَلى تُؤَدَةٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في نَسْخِ فَرْضِ قِيامِ اللَّيْلِ وأنَّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ مُرَغَّبٌ فِيهِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ آثارٌ كَثِيرَةٌ في الحَثِّ عَلَيْهِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، رَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أحَبُّ الصَّلاةِ إلى اللَّهِ صَلاةُ داوُدَ كانَ يَنامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ ويَنامُ سُدُسَهُ، وأحَبُّ الصِّيامِ إلى اللَّهِ صِيامُ داوُدَ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا» ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَمانِيَ رَكَعاتٍ، حَتّى إذا انْفَجَرَ عَمُودُ الصُّبْحِ أوْتَرَ بِثَلاثِ رَكَعاتٍ ثُمَّ سَبَّحَ وكَبَّرَ، حَتّى إذا انْفَجَرَ الفَجْرُ صَلّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ» وعَنْ عائِشَةَ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً»

المزمل 73:6

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ: " إذا نَشَأْتَ قائِمًا فَهي ناشِئَةُ اللَّيْلِ كُلِّهِ " وقالَ مُجاهِدٌ: " اللَّيْلُ كُلُّهُ إذا قامَ يُصَلِّي فَهو ناشِئَةٌ وما كانَ بَعْدَ العِشاءِ فَهو ناشِئَةٌ "؛ وعَنْ الحَسَنِ مِثْلُهُ، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ قالَ: " أجَهْدُ لِلْبَدَنِ وأثْبَتُ في الخَيْرِ " وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وأقْوَمُ قِيلا﴾ قالَ: " أثْبَتُ قِراءَةً " . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] قالَ مُجاهِدٌ: " أخْلِصْ إلَيْهِ إخْلاصًا " وقالَ قَتادَةُ: " أخْلِصْ إلَيْهِ الدُّعاءَ والعِبادَةَ " وقِيلَ: " الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ وتَأْمِيلُ الخَيْرِ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ " ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهِ في تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ؛ لِأنَّهُ ذُكِرَ في بَيانِ الصَّلاةِ، فَيَدُلُّ عَلى جَوازِ الِافْتِتاحِ بِسائِرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبْحًا طَوِيلا﴾ قالَ قَتادَةُ: " فَراغًا طَوِيلًا " . وقَوْلُهُ تَعالى: " هي أشَدُّ وِطاءً " قالَ مُجاهِدٌ: واطَأ اللِّسانُ القَلْبَ مُواطَأةً ووِطاءً " ومَن قَرَأ " وطْئًا " قالَ: مَعْناهُ هي أشَدُّ مِن عَمَلِ النَّهارِ.

المزمل 73:7

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ: " إذا نَشَأْتَ قائِمًا فَهي ناشِئَةُ اللَّيْلِ كُلِّهِ " وقالَ مُجاهِدٌ: " اللَّيْلُ كُلُّهُ إذا قامَ يُصَلِّي فَهو ناشِئَةٌ وما كانَ بَعْدَ العِشاءِ فَهو ناشِئَةٌ "؛ وعَنْ الحَسَنِ مِثْلُهُ، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ قالَ: " أجَهْدُ لِلْبَدَنِ وأثْبَتُ في الخَيْرِ " وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿وأقْوَمُ قِيلا﴾ قالَ: " أثْبَتُ قِراءَةً " . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] قالَ مُجاهِدٌ: " أخْلِصْ إلَيْهِ إخْلاصًا " وقالَ قَتادَةُ: " أخْلِصْ إلَيْهِ الدُّعاءَ والعِبادَةَ " وقِيلَ: " الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ وتَأْمِيلُ الخَيْرِ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ " ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهِ في تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ؛ لِأنَّهُ ذُكِرَ في بَيانِ الصَّلاةِ، فَيَدُلُّ عَلى جَوازِ الِافْتِتاحِ بِسائِرِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبْحًا طَوِيلا﴾ قالَ قَتادَةُ: " فَراغًا طَوِيلًا " . وقَوْلُهُ تَعالى: " هي أشَدُّ وِطاءً " قالَ مُجاهِدٌ: واطَأ اللِّسانُ القَلْبَ مُواطَأةً ووِطاءً " ومَن قَرَأ " وطْئًا " قالَ: مَعْناهُ هي أشَدُّ مِن عَمَلِ النَّهارِ.

المزمل 73:20

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ انْتَظَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعانِيَ: أحَدُها: أنَّهُ نَسَخَ بِهِ قِيامَ اللَّيْلِ المَفْرُوضَ كانَ بَدِيًّا. والثّانِي: دَلالَتُها عَلى لُزُومِ فَرْضِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ والثّالِثُ: دَلالَتُها عَلى جَوازِ (p-٣٦٨)الصَّلاةِ بِقَلِيلِ القِراءَةِ. والرّابِعُ أنَّهُ مَن تَرَكَ قِراءَةَ فاتِحَةِ الكِتابِ وقَرَأ غَيْرَها أجْزَأهُ؛ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما سَلَفَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما نَزَلَ ذَلِكَ في صَلاةِ اللَّيْلِ وهي مَنسُوخَةٌ؛ قِيلَ لَهُ: إنَّما نَسَخَ فَرْضَها ولَمْ يَنْسَخْ شَرائِطَها وسائِرَ أحْكامِها وأيْضًا فَقَدْ أمَرَنا بِالقِراءَةِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّسْبِيحِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَإنَّما أمَرَ بِذَلِكَ في التَّطَوُّعِ فَلا يَجُوزُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى وُجُوبِها في الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ؛ قِيلَ لَهُ: إذا ثَبَتَ وُجُوبُها في التَّطَوُّعِ فالفَرْضُ مِثْلُهُ؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ يَقْتَضِي الوُجُوبَ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ والأمْرُ عَلى الوُجُوبِ، ولا مَوْضِعَ يُلْزِمُ قِراءَةَ القُرْآنِ إلّا في الصَّلاةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ القِراءَةَ في الصَّلاةِ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ المُرادُ بِهِ القِراءَةَ في صَلاةِ التَّطَوُّعِ والصَّلاةُ نَفْسُها لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَكَيْفَ يَدُلُّ عَلى فَرْضِ القِراءَةِ ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّ صَلاةَ التَّطَوُّعِ وإنْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا فَإنَّ عَلَيْهِ إذا صَلّاها أنْ لا يُصَلِّيَها إلّا بِقِراءَةٍ، ومَتى دَخَلَ فِيها صارَتِ القِراءَةُ فَرْضًا، كَما أنَّ عَلَيْهِ اسْتِيفاءَ شَرائِطِها مِنَ الطَّهارَةِ وسَتْرِ العَوْرَةِ، وكَما أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدُ السَّلَمِ وسائِرُ عُقُودِ البِياعاتِ ومَتى ما قَصَدَ إلى عَقْدِها فَعَلَيْهِ أنْ لا يَعْقِدَها إلّا عَلى ما أباحَتْهُ الشَّرِيعَةُ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» ولَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدُ السَّلَمِ ؟ ولَكِنَّهُ مَتى قَصَدَ إلى عَقْدِهِ فَعَلَيْهِ أنْ يَعْقِدَهُ بِهَذِهِ الشَّرائِطِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ الصَّلاةُ نَفْسُها، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ فِيها؛ قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ فِيهِ صَرْفَ الكَلامِ عَنْ حَقِيقَةِ مَعْناهُ إلى المَجازِ، وهَذا لا يَجُوزُ إلّا بِدَلالَةٍ؛ وعَلى أنَّهُ لَوْ سَلَّمَ لَكَ ما ادَّعَيْتَ كانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى فَرْضِ القِراءَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ عَنِ الصَّلاةِ بِالقِراءَةِ إلّا وهي مِن أرْكانِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] قالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِهِ الصَّلاةَ؛ وقالَ: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] والمُرادُ بِهِ الصَّلاةُ، فَعَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالرُّكُوعِ؛ لِأنَّهُ مِن أرْكانِها. آخِرُ سُورَةِ المُزَّمِّلِ.

المدثر 74:4

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ تَطْهِيرِ الثِّيابِ مِنَ النَّجاساتِ لِلصَّلاةِ، وأنَّهُ لا تَجُوزُ الصَّلاةُ في الثَّوْبِ النَّجِسِ؛ لِأنَّ تَطْهِيرَها لا يَجِبُ إلّا لِلصَّلاةِ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ رَأى عَمّارًا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ، فَقالَ: مِمَّ تَغْسِلُ ثَوْبَكَ ؟ فَقالَ: مِن نُخامَةٍ فَقالَ: إنَّما يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنَ الدَّمِ والبَوْلِ والمَنِيِّ» . وقالَتْ عائِشَةُ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَسْلِ المَنِيِّ مِنَ الثَّوْبِ إذا كانَ رَطْبًا» . وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: " عَمَلَكَ أصْلِحْهُ " . وقالَ إبْراهِيمُ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ مِنَ الإثْمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أمَرَهُ أنْ لا يَلْبَسَ ثِيابَهُ عَلى عَذِرَةٍ، وهَذا كُلُّهُ مَجازٌ لا يَجُوزُ صَرْفُ الكَلامِ إلَيْهِ إلّا بِدَلالَةٍ؛ واحْتَجَّ هَذا الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُؤْمَرَ بِغَسْلِ ثِيابِهِ مِنَ البَوْلِ وما أشْبَهَهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا كَلامٌ شَدِيدُ الِاخْتِلالِ والفَسادِ والتَّناقُضِ؛ لِأنَّ في الآيَةِ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَجْرِ الأوْثانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ كانَ هاجِرًا لِلْأوْثانِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها وكانَ مُجْتَنِبًا لِلْآثامِ والعَذِراتِ في الحالَيْنِ، فَإذا جازَ خِطابُهُ بِتَرْكِ هَذِهِ الأشْياءِ وإنْ كانَ النَّبِيُّ قَبْلَ ذَلِكَ تارِكًا لَها فَتَطْهِيرُ الثِّيابِ لِأجْلِ الصَّلاةِ مِثْلُهُ؛ وقالَ اللَّهُ تَعالى مُخاطِبًا لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا قَطُّ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَناقُضِ قَوْلِ هَذا الرَّجُلِ وفَسادِهِ. وزَعَمَ أنَّهُ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ مِن وُضُوءٍ أوْ صَلاةٍ أوْ غَيْرِها، وإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّها الطَّهارَةُ مِن أوْثانِ الجاهِلِيَّةِ وشِرْكِها والأعْمالِ الخَبِيثَةِ، وقَدْ نَقَضَ بِهَذا ما ذَكَرَهُ بَدِيًّا مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْتاجُ إلى أنْ يُؤْمَرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيابِ مِنَ النَّجاسَةِ، أفَتَراهُ ظَنَّ أنَّهُ كانَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُوصى بِتَرْكِ الأوْثانِ فَإذا لَمْ يَكُنْ يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ تارِكًا لَها وقَدْ أجازَ أنْ يُخاطَبَ بِتَرْكِها، فَكَذَلِكَ طَهارَةُ الثَّوْبِ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ، فَما في ذَلِكَ مِمّا يَمْنَعُ أمْرَهُ بِتَطْهِيرِ الثِّيابِ لَصَلاةٍ يَفْرِضُها عَلَيْهِ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] . آخِرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ. (p-٣٧٠)

المدثر 74:5

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ تَطْهِيرِ الثِّيابِ مِنَ النَّجاساتِ لِلصَّلاةِ، وأنَّهُ لا تَجُوزُ الصَّلاةُ في الثَّوْبِ النَّجِسِ؛ لِأنَّ تَطْهِيرَها لا يَجِبُ إلّا لِلصَّلاةِ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ رَأى عَمّارًا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ، فَقالَ: مِمَّ تَغْسِلُ ثَوْبَكَ ؟ فَقالَ: مِن نُخامَةٍ فَقالَ: إنَّما يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنَ الدَّمِ والبَوْلِ والمَنِيِّ» . وقالَتْ عائِشَةُ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَسْلِ المَنِيِّ مِنَ الثَّوْبِ إذا كانَ رَطْبًا» . وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: " عَمَلَكَ أصْلِحْهُ " . وقالَ إبْراهِيمُ: ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ مِنَ الإثْمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أمَرَهُ أنْ لا يَلْبَسَ ثِيابَهُ عَلى عَذِرَةٍ، وهَذا كُلُّهُ مَجازٌ لا يَجُوزُ صَرْفُ الكَلامِ إلَيْهِ إلّا بِدَلالَةٍ؛ واحْتَجَّ هَذا الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُؤْمَرَ بِغَسْلِ ثِيابِهِ مِنَ البَوْلِ وما أشْبَهَهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا كَلامٌ شَدِيدُ الِاخْتِلالِ والفَسادِ والتَّناقُضِ؛ لِأنَّ في الآيَةِ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَجْرِ الأوْثانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ كانَ هاجِرًا لِلْأوْثانِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها وكانَ مُجْتَنِبًا لِلْآثامِ والعَذِراتِ في الحالَيْنِ، فَإذا جازَ خِطابُهُ بِتَرْكِ هَذِهِ الأشْياءِ وإنْ كانَ النَّبِيُّ قَبْلَ ذَلِكَ تارِكًا لَها فَتَطْهِيرُ الثِّيابِ لِأجْلِ الصَّلاةِ مِثْلُهُ؛ وقالَ اللَّهُ تَعالى مُخاطِبًا لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا قَطُّ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَناقُضِ قَوْلِ هَذا الرَّجُلِ وفَسادِهِ. وزَعَمَ أنَّهُ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ مِن وُضُوءٍ أوْ صَلاةٍ أوْ غَيْرِها، وإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّها الطَّهارَةُ مِن أوْثانِ الجاهِلِيَّةِ وشِرْكِها والأعْمالِ الخَبِيثَةِ، وقَدْ نَقَضَ بِهَذا ما ذَكَرَهُ بَدِيًّا مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْتاجُ إلى أنْ يُؤْمَرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيابِ مِنَ النَّجاسَةِ، أفَتَراهُ ظَنَّ أنَّهُ كانَ يَحْتاجُ إلى أنْ يُوصى بِتَرْكِ الأوْثانِ فَإذا لَمْ يَكُنْ يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ تارِكًا لَها وقَدْ أجازَ أنْ يُخاطَبَ بِتَرْكِها، فَكَذَلِكَ طَهارَةُ الثَّوْبِ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ، فَما في ذَلِكَ مِمّا يَمْنَعُ أمْرَهُ بِتَطْهِيرِ الثِّيابِ لَصَلاةٍ يَفْرِضُها عَلَيْهِ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] . آخِرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ. (p-٣٧٠)

المدثر 74:6

ومِن سُورَةِ المُدَّثِّرِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وإبْراهِيمُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: " لا تُعْطِ عَطِيَّةً لِتُعْطى أكْثَرَ مِنها " . وقالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: " لا تَمْنُنْ حَسَناتِكَ عَلى اللَّهِ مُسْتَكْثِرًا لَها فَيُنْقِصَكَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ " . وقالَ آخَرُونَ: " لا تَمْنُنْ بِما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والقُرْآنِ (p-٣٦٩)مُسْتَكْثِرًا بِهِ الأجْرَ مِنَ النّاسِ " . وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: " لا تَضْعُفْ في عَمَلِكَ مُسْتَكْثِرًا لِطاعَتِكَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذِهِ المَعانِي كُلُّها يَحْتَمِلُها اللَّفْظُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ جَمِيعُها مُرادًا بِهِ، فالوَجْهُ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ في سائِرِ وُجُوهِ الِاحْتِمالِ.

القيامة 75:14

ومِن سُورَةِ القِيامَةِ ﷽ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ "، وقِيلَ: " مَعْناهُ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مِن نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ جَوارِحُهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ " .

القيامة 75:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لَوِ اعْتَذَرَ وقَبِلَ شَهادَةَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ أوْلى مِنَ اعْتِذارِهِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا احْتَمَلَ اللَّفْظُ هَذِهِ المَعانِيَ وجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْها؛ إذْ لا تَنافِيَ في هَذا، ويَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ عَلى نَفْسِهِ؛ إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ حُجَّةً عَلى نَفْسِهِ وشاهِدًا عَلَيْها، ولَمّا عَبَّرَ عَنْ كَوْنِهِ شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلى تَأْكِيدِ أمْرِ شَهادَتِهِ عَلى نَفْسِهِ وثُبُوتِها، فَيُوجِبُ ذَلِكَ جَوازَ عُقُودِهِ وإقْرارَهُ وجَمِيعَ ما اعْتَرَفَ بِلُزُومِ نَفْسِهِ. آخِرُ سُورَةِ القِيامَةِ.

الإنسان 76:8

ومِن سُورَةِ الإنْسانِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسِيرًا﴾ عَنْ أبِي وائِلٍ: " أنَّهُ أمَرَ بِأسْرى مِنَ المُشْرِكِينَ فَأمَرَ مَن يُطْعِمُهم، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ الآيَةَ وقالَ قَتادَةُ: " كانَ أسِيرُهم يَوْمَئِذٍ المُشْرِكَ، فَأخُوكَ المُسْلِمُ أحَقُّ أنْ تُطْعِمَهُ " . وعَنْ الحَسَنِ: ﴿وأسِيرًا﴾ قالَ: " كانُوا مُشْرِكِينَ " وقالَ مُجاهِدٌ: " الأسِيرُ المَسْجُونُ " وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ قالا: هم أهْلُ القِبْلَةِ وغَيْرُهم " . قالَ أبُو بَكْرٍ: الأظْهَرُ الأسِيرُ المُشْرِكُ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ المَسْجُونَ لا يُسَمّى أسِيرًا عَلى الإطْلاقِ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ في إطْعامِ الأسِيرِ قُرْبَةً، ويَقْتَضِي ظاهِرُهُ جَوازَ إعْطائِهِ مِن سائِرِ الصَّدَقاتِ؛ إلّا أنَّ أصْحابَنا لا يُجِيزُونَ إعْطاءَهُ مِنَ الزَّكَواتِ وصَدَقاتِ المَواشِي وما كانَ أخَذَهُ مِنها إلى الإمامِ، ويُجِيزُ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ جَوازَ إعْطائِهِ مِنَ الكَفّاراتِ ونَحْوِها، وأبُو يُوسُفَ لا يُجِيزُ دَفْعَ الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ إلّا إلى المُسْلِمِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ فِيما سَلَفَ. آخِرُ سُورَةِ الإنْسانِ.

المرسلات 77:25

ومِن سُورَةِ المُرْسَلاتِ ﷽ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ جَعَلَ (p-٣٧١)ظَهْرَها لِلْأحْياءِ وبَطْنَها لِلْأمْواتِ، والكِفاتُ الضِّمامُ، فَأرادَ أنَّها تَضُمُّهم في الحالَيْنِ. ورَوى إسْرائِيلُ عَنْ أبِي يَحْيى عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ قالَ: " تَكْفِتُ المَيِّتَ فَلا يُرى مِنهُ شَيْءٌ "؛ وأحْياءً قالَ: " الرَّجُلُ في بَيْتِهِ لا يُرى مِن عَمَلِهِ شَيْءٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ مُواراةِ المَيِّتِ ودَفْنِهِ ودَفْنِ شَعْرِهِ وسائِرِ ما يُزايِلُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ شَعْرَهُ وشَيْئًا مِن بَدَنِهِ لا يَجُوزُ بَيْعُهُ ولا التَّصَرُّفُ فِيهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أوْجَبَ دَفْنَهُ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَعَنَ اللَّهُ الواصِلَةَ " وهي الَّتِي تَصِلُ شَعْرَ غَيْرِها بِشَعْرِها، فَمَنَعَ الِانْتِفاعَ بِهِ، وهو مَعْنى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] يَعْنِي أنَّهُ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا " . ورُوِيَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ غَيْرُ ذَلِكَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " أنَّهُ أخَذَ قَمْلَةً فَدَفَنَها في المَسْجِدِ في الحَصى، ثُمَّ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وعَنْ أبِي أُمامَةَ مِثْلُهُ. وأخَذَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ قَمْلَةً عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَطَرَحَها في المَسْجِدِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا التَّأْوِيلُ لا يَنْفِي الأوَّلَ وعُمُومُهُ يَقْتَضِي الجَمِيعَ. آخِرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ.

المرسلات 77:26

ومِن سُورَةِ المُرْسَلاتِ ﷽ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ جَعَلَ (p-٣٧١)ظَهْرَها لِلْأحْياءِ وبَطْنَها لِلْأمْواتِ، والكِفاتُ الضِّمامُ، فَأرادَ أنَّها تَضُمُّهم في الحالَيْنِ. ورَوى إسْرائِيلُ عَنْ أبِي يَحْيى عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ قالَ: " تَكْفِتُ المَيِّتَ فَلا يُرى مِنهُ شَيْءٌ "؛ وأحْياءً قالَ: " الرَّجُلُ في بَيْتِهِ لا يُرى مِن عَمَلِهِ شَيْءٌ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ مُواراةِ المَيِّتِ ودَفْنِهِ ودَفْنِ شَعْرِهِ وسائِرِ ما يُزايِلُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ شَعْرَهُ وشَيْئًا مِن بَدَنِهِ لا يَجُوزُ بَيْعُهُ ولا التَّصَرُّفُ فِيهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أوْجَبَ دَفْنَهُ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَعَنَ اللَّهُ الواصِلَةَ " وهي الَّتِي تَصِلُ شَعْرَ غَيْرِها بِشَعْرِها، فَمَنَعَ الِانْتِفاعَ بِهِ، وهو مَعْنى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] يَعْنِي أنَّهُ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا " . ورُوِيَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ غَيْرُ ذَلِكَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " أنَّهُ أخَذَ قَمْلَةً فَدَفَنَها في المَسْجِدِ في الحَصى، ثُمَّ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ وعَنْ أبِي أُمامَةَ مِثْلُهُ. وأخَذَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ قَمْلَةً عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَطَرَحَها في المَسْجِدِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا التَّأْوِيلُ لا يَنْفِي الأوَّلَ وعُمُومُهُ يَقْتَضِي الجَمِيعَ. آخِرُ سُورَةِ المُرْسَلاتِ.

الانشقاق 84:16

ومِن سُورَةِ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الشَّفَقُ النَّهارُ، ألا تَراهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾، وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: " الشَّفَقُ البَياضُ " وقالَ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: " الشَّفَقُ السَّوادُ الَّذِي يَكُونُ إذا ذَهَبَ البَياضُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: الشَّفَقُ في الأصْلِ الرِّقَّةُ، ومِنهُ ثَوْبٌ شَفَقٌ إذا كانَ رَقِيقًا، ومِنهُ الشَّفَقَةُ وهو رِقَّةُ القَلْبِ. وإذا كانَ هَذا أصْلَهُ فَهو بِالبَياضِ أوْلى مِنهُ بِالحُمْرَةِ؛ لِأنَّ أجْزاءَ الضِّياءِ رَقِيقَةٌ في هَذِهِ الحالِ وفي وقْتِ الحُمْرَةِ أكْثَفُ.

الانشقاق 84:17

ومِن سُورَةِ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: الشَّفَقُ النَّهارُ، ألا تَراهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾، وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: " الشَّفَقُ البَياضُ " وقالَ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: " الشَّفَقُ السَّوادُ الَّذِي يَكُونُ إذا ذَهَبَ البَياضُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: الشَّفَقُ في الأصْلِ الرِّقَّةُ، ومِنهُ ثَوْبٌ شَفَقٌ إذا كانَ رَقِيقًا، ومِنهُ الشَّفَقَةُ وهو رِقَّةُ القَلْبِ. وإذا كانَ هَذا أصْلَهُ فَهو بِالبَياضِ أوْلى مِنهُ بِالحُمْرَةِ؛ لِأنَّ أجْزاءَ الضِّياءِ رَقِيقَةٌ في هَذِهِ الحالِ وفي وقْتِ الحُمْرَةِ أكْثَفُ.

الانشقاق 84:21

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلاوَةِ لِذَمِّهِ لِتارِكِ السُّجُودِ عِنْدَ سَماعِ التِّلاوَةِ؛ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي إيجابَ السُّجُودِ عِنْدَ سَماعِ سائِرِ القُرْآنِ، إلّا أنّا خَصَصْنا مِنهُ ما عَدا مَواضِعَ السُّجُودِ واسْتَعْمَلْناهُ في مَواضِعِ السُّجُودِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ ولِأنّا لَوْ لَمْ نَسْتَعْمِلْهُ عَلى ذَلِكَ كُنّا قَدْ ألْغَيْنا حُكْمَهُ رَأْسًا. فَإنْ قِيلَ: إنَّما أرادَ بِهِ الخُضُوعَ؛ لِأنَّ اسْمَ السُّجُودِ يَقَعُ عَلى الخُضُوعِ؛ قِيلَ لَهُ: هو كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خُضُوعٌ عَلى وصْفٍ، وهو وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، كَما أنَّ الرُّكُوعَ والقِيامَ والصِّيامَ والحَجَّ وسائِرَ العِباداتِ خُضُوعٌ ولا يُسَمّى سُجُودًا؛ لِأنَّهُ خُضُوعٌ عَلى صِفَةٍ إذا خَرَجَ عَنْها لَمْ يُسَمَّ بِهِ. آخِرُ سُورَةِ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ. (p-٣٧٢)

الأعلى 87:14

ومِن سُورَةِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥]؛ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وأبِي العالِيَةِ قالا: " أدّى زَكاةَ الفِطْرِ ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ " . ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ أمَرَ بِإخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ الخُرُوجِ إلى المُصَلّى» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «السُّنَّةُ أنْ تُخْرِجَ صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاةِ» .

الأعلى 87:15

قالَ أبُو بَكْرٍ: ويُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ عَلى جَوازِ افْتِتاحِ الصَّلاةِ بِسائِرِ الأذْكارِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ عَقِيبَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ الصَّلاةَ مُتَّصِلًا بِهِ؛ إذْ كانَتِ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ بِلا تَراخٍ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ افْتِتاحُ الصَّلاةِ. آخِرُ سُورَةِ سَبِّحْ.

البلد 90:13

ومِن سُورَةِ البَلَدِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قالَ لَهُ رَجُلٌ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ؛ قالَ: أعْتِقِ النَّسَمَةَ وفُكَّ الرَّقَبَةَ قالَ: ألَيْسا سَواءً يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: لا، عِتْقُ النَّسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها وفَكُّ الرَّقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها» . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اقْتَضى ذَلِكَ جَوازَ إعْطاءِ المُكاتَبِ مِنَ الصَّدَقاتِ؛ لِأنَّهُ مَعُونَةٌ في ثَمَنِهِ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ في شَأْنِ الصَّدَقاتِ ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ذِي مَجاعَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " المَتْرَبَةُ بُقْعَةُ التُّرابِ، أيْ هو مَطْرُوحٌ في التُّرابِ لا يُوارِيهِ عَنِ الأرْضِ شَيْءٌ "، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا رِوايَةٌ: " المَتْرَبَةُ شِدَّةُ الحاجَةِ، مِن قَوْلِهِمْ تَرِبَ الرَّجُلُ إذا افْتَقَرَ " . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] مَعْناهُ: وكانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَصارَتْ " ثُمَّ " هَهُنا بِمَعْنى " الواوِ " . آخِرُ سُورَةِ البَلَدِ.

البلد 90:14

ومِن سُورَةِ البَلَدِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قالَ لَهُ رَجُلٌ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ؛ قالَ: أعْتِقِ النَّسَمَةَ وفُكَّ الرَّقَبَةَ قالَ: ألَيْسا سَواءً يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: لا، عِتْقُ النَّسَمَةِ أنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِها وفَكُّ الرَّقَبَةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها» . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اقْتَضى ذَلِكَ جَوازَ إعْطاءِ المُكاتَبِ مِنَ الصَّدَقاتِ؛ لِأنَّهُ مَعُونَةٌ في ثَمَنِهِ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ في شَأْنِ الصَّدَقاتِ ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ذِي مَجاعَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " المَتْرَبَةُ بُقْعَةُ التُّرابِ، أيْ هو مَطْرُوحٌ في التُّرابِ لا يُوارِيهِ عَنِ الأرْضِ شَيْءٌ "، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا رِوايَةٌ: " المَتْرَبَةُ شِدَّةُ الحاجَةِ، مِن قَوْلِهِمْ تَرِبَ الرَّجُلُ إذا افْتَقَرَ " . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] مَعْناهُ: وكانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَصارَتْ " ثُمَّ " هَهُنا بِمَعْنى " الواوِ " . آخِرُ سُورَةِ البَلَدِ.

الضحى 93:9

ومِن سُورَةِ الضُّحى ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ قِيلَ: لا تَقْهَرْهُ بِظُلْمِهِ وأخْذِ مالِهِ. وخَصَّ اليَتِيمَ؛ لِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهُ غَيْرُ اللَّهِ، فَغَلَّظَ في أمْرِهِ لِتَغْلِيظِ العُقُوبَةِ عَلى ظالِمِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اتَّقُوا ظُلْمَ مَن لا ناصِرَ لَهُ غَيْرُ اللَّهِ» .

الضحى 93:10

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ إغْلاظِ القَوْلِ لَهُ؛ لِأنَّ الِانْتِهارَ هو الزَّجْرُ وإغْلاظُ القَوْلِ؛ وقَدْ أمَرَ في آيَةٍ أُخْرى بِحُسْنِ (p-٣٧٣)القَوْلِ لَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ. آخِرُ السُّورَةِ.

الشرح 94:5

ومِن سُورَةِ ألَمْ نَشْرَحْ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الحَسَنِ «فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ قالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وهو مَسْرُورٌ يَضْحَكُ وهو يَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» . قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أنَّ العُسْرَ المَذْكُورَ بَدِيًّا هو المُثَنّى بِهِ آخِرًا؛ لِأنَّهُ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّامِ فَيَرْجِعُ إلى العَهْدِ المَذْكُورِ، واليُسْرُ الثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ مَنكُورٌ، ولَوْ أرادَ الأوَّلَ لَعَرَّفَهُ بِالألِفِ واللّامِ.

الشرح 94:6

ومِن سُورَةِ ألَمْ نَشْرَحْ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الحَسَنِ «فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ قالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وهو مَسْرُورٌ يَضْحَكُ وهو يَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» . قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أنَّ العُسْرَ المَذْكُورَ بَدِيًّا هو المُثَنّى بِهِ آخِرًا؛ لِأنَّهُ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّامِ فَيَرْجِعُ إلى العَهْدِ المَذْكُورِ، واليُسْرُ الثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ مَنكُورٌ، ولَوْ أرادَ الأوَّلَ لَعَرَّفَهُ بِالألِفِ واللّامِ.

الشرح 94:7

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " إذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ إلى ما رَغَّبَكَ تَعالى فِيهِ مِنَ العَمَلِ " وقالَ الحَسَنُ: " فَإذا فَرَغْتَ مِن جِهادِ أعْدائِكَ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ في العِبادَةِ " وقالَ قَتادَةُ: " فَإذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ فانْصَبْ إلى رَبِّكَ في الدُّعاءِ " . وقالَ مُجاهِدٌ: " فَإذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ دُنْياكَ فانْصَبْ إلى عِبادَةِ رَبِّكَ " . وهَذِهِ المَعانِي كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ، والوَجْهُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْها كُلِّها فَيَكُونُ جَمِيعُها مُرادًا، وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ المُرادَ بِهِ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ. آخِرُ السُّورَةِ.

القدر 97:1

ومِن سُورَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] قِيلَ: إنَّما هي خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ، وذَلِكَ لِما يُقْسَمُ فِيها مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ الَّذِي لا يَكُونُ مِثْلُهُ في ألْفِ شَهْرٍ، فَكانَتْ أفْضَلَ مِن ألْفِ شَهْرٍ لِهَذا المَعْنى. وإنَّما وجْهُ تَفْضِيلِ الأوْقاتِ والأماكِنِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ لِما يَكُونُ فِيها مِنَ الخَيْرِ الجَزِيلِ والنَّفْعِ الكَثِيرِ. واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في لَيْلَةِ القَدْرِ مَتى تَكُونُ، واخْتَلَفَتِ الصَّحابَةُ فِيها، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّها لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ» رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخِرِ واطْلُبُوها في كُلِّ وتْرٍ» . وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: (p-٣٧٤)قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْلَةُ تِسْعَ عَشَرَةَ مِن رَمَضانَ ولَيْلَةُ إحْدى وعِشْرِينَ ولَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ» . وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَحَرُّوا لَيْلَةَ القَدْرِ في السَّبْعِ الأواخِرِ. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: في سَبْعٍ وعِشْرِينَ» . حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البَصْرِيُّ قالَ: أخْبَرَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْنُ زِنْجَوَيْهِ النَّسائِيُّ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: أخْبَرَنا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ وأنا أسْمَعُ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ، فَقالَ: هي في كُلِّ رَمَضانَ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ ومُسَدَّدٌ قالا: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ عَنْ زِرٍّ قالَ: " قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ يا أبا المُنْذِرِ فَإنَّ صاحِبَنا - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - سُئِلَ عَنْها فَقالَ: مَن يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْها؛ فَقالَ رَحِمَ اللَّهُ أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، واللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أنَّها في رَمَضانَ ولَكِنْ كَرِهَ أنْ يَتَّكِلُوا، واللَّهِ إنَّها في رَمَضانَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذِهِ الأخْبارُ كُلُّها جائِزٌ أنْ تَكُونَ صَحِيحَةً، فَتَكُونُ في سَنَةٍ في بَعْضِ اللَّيالِي وفي سَنَةٍ أُخْرى في غَيْرِها وفي سَنَةٍ أُخْرى في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ وفي سَنَةٍ في العَشْرِ الأوْسَطِ وفي سَنَةٍ في العَشْرِ الأوَّلِ وفي سَنَةٍ في غَيْرِ رَمَضانَ، ولَمْ يَقُلِ ابْنُ مَسْعُودٍ: " مَن يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْها " إلّا مِن طَرِيقِ التَّوْقِيفِ؛ إذْ لا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى نَبِيِّهِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِشَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ وأنَّها قَدْ تَكُونُ في سائِرِ السَّنَةِ، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ في لَيْلَةِ القَدْرِ: إنَّها لا تُطَّلَقُ حَتّى يَمْضِيَ حَوْلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إيقاعُ الطَّلاقِ بِالشَّكِّ، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّها مَخْصُوصَةٌ بِوَقْتٍ فَلا يَحْصُلُ اليَقِينُ بِوُقُوعِ الطَّلاقِ بِمُضِيِّ حَوْلٍ. آخِرُ السُّورَةِ.

البينة 98:5

ومِن سُورَةِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ فِيهِ أمْرٌ بِإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، وهو أنْ لا يُشْرَكَ فِيها غَيْرُهُ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ ضِدَّ الإشْراكِ ولَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالنِّيَّةِ لا في وُجُودِها ولا في فَقْدِها فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلال بِهِ في إيجابِ النِّيَّةِ؛ لِأنَّهُ مَتى اعْتَقَدَ الإيمانَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الإخْلاصُ في العِبادَةِ ونَفْيُ الإشْراكِ فِيها. آخِرُ السُّورَةِ. (p-٣٧٥)

الماعون 107:2

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: " يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ " . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٧] قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رِوايَةً وابْنُ عُمَرَ وابْنُ المُسَيِّبِ: " الماعُونُ الزَّكاةُ " . ورَوى الحارِثُ عَنْ عَلِيٍّ: " الماعُونُ مَنعُ الفَأْسِ والقِدْرِ والدَّلْوِ "، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَةٌ أُخْرى: " العارِيَّةُ " . وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: " الماعُونُ المالُ " . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " كُلُّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ فَهو الماعُونُ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ ما رُوِيَ فِيهِ مُرادًا؛ لِأنَّ عارِيَّةَ هَذِهِ الآلاتِ قَدْ تَكُونُ واجِبَةً في حالِ الضَّرُورَةِ إلَيْها ومانِعُها مَذْمُومٌ مُسْتَحَقٌّ لِلذَّمِّ، وقَدْ يَمْنَعُها المانِعُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَيُنْبِئُ ذَلِكَ عَنْ لُؤْمِ ومُجانَبَةِ أخْلاقِ المُسْلِمِينَ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بُعِثْتَ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» . آخِرُ السُّورَةِ.

الماعون 107:5

ومِن سُورَةِ أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها "، وكَذَلِكَ قالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ ورَوى مالِكُ بْنُ دِينارٍ عَنْ الحَسَنِ قالَ: " يَسْهُونَ عَنْ مِيقاتِها حَتّى يَفُوتَ " . ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها يُراءُونَ بِصَلاتِهِمْ إذا صَلَّوْا " . وقالَ أبُو العالِيَةِ: " هو الَّذِي لا يَدْرِي أعَلى شَفْعٍ انْصَرَفَ أوْ عَلى وتْرٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: يَشْهَدُ لِهَذا التَّأْوِيلِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيانَ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْجَعِيِّ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا غِرارَ في الصَّلاةِ ولا تَسْلِيمَ»، ومَعْناهُ أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ مِنها عَلى غِرارٍ وهو شاكٌّ فِيها. ونَظِيرُهُ ما رَوى أبُو سَعِيدٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن شَكَّ في صَلاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أثْلاثًا صَلّى أمْ أرْبَعًا فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً أُخْرى، وإنْ كانَ قَدْ تَمَّتْ صَلاتُهُ فالرَّكْعَةُ والسَّجْدَتانِ لَهُ نافِلَةٌ» . ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: ساهُونَ قالَ: " لاهُونَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: كَأنَّهُ أرادَ أنَّهم يَسْهُونَ لِلَهْوِهِمْ عَنْها، فَإنَّما اسْتَحَقُّوا اللَّوْمَ لِتَعَرُّضِهِمْ لِلسَّهْوِ لِقِلَّةِ فِكْرِهِمْ فِيها؛ إذْ كانُوا مُرائِينَ في صَلاتِهِمْ؛ لِأنَّ السَّهْوَ الَّذِي لَيْسَ مَن فَعَلَهُ لا يَسْتَحِقُّ العِقابَ عَلَيْهِ.

الكوثر 108:2

ومِن سُورَةِ الكَوْثَرِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾؛ قالَ الحَسَنُ: " صَلاةُ يَوْمِ النَّحْرِ ونَحْرُ البُدْنِ " (p-٣٧٦)وقالَ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ: " صَلِّ الصُّبْحَ بِجَمْعٍ وانْحَرِ البُدْنَ بِمِنًى " . قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذا التَّأْوِيلُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: إيجابُ صَلاةِ الأضْحى، والثّانِي: وُجُوبُ الأُضْحِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ فِيما سَلَفَ. ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ قالَ: وضْعُ اليَدِ اليُمْنى عَلى السّاعِدِ الأيْسَرِ ثُمَّ وضْعُهُ عَلى صَدْرِهِ " . ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ قالَ: " وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ عِنْدَ النَّحْرِ في الصَّلاةِ " . ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ رَفَعُ اليَدَيْنِ في الصَّلاةِ. وقالَ الفَرّاءُ: " يُقالُ: اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ بِنَحْرِكَ " . فَإنْ قِيلَ: يُبْطِلُ التَّأْوِيلَ الأوَّلَ حَدِيثُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأضْحى إلى البَقِيعِ، فَبَدَأ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ وقالَ: إنَّ أوَّلَ نُسُكِنا في يَوْمِنا هَذا أنْ نَبْدَأ بِالصَّلاةِ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وافَقَ سُنَّتَنا، ومَن ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّما هو لَحْمٌ عَجَّلَهُ لِأهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ في شَيْءٍ»، فَسَمّى صَلاةَ العِيدِ والنَّحْرَ سُنَّةً، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِما في الكِتابِ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَما ظَنَنْتَ؛ لِأنَّ ما سَنَّهُ اللَّهُ وفَرَضَهُ فَجائِزٌ أنْ نَقُولَ: هَذا سُنَّتُنا وهَذا فَرْضُنا كَما نَقُولُ: هَذا دِينُنا، وإنْ كانَ اللَّهُ فَرَضَهُ عَلَيْنا، وتَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَهُ عَلى حَقِيقَةِ نَحْرِ البُدْنَ أوْلى؛ لِأنَّهُ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ ولِأنَّهُ لا يُعْقَلُ بِإطْلاقِ اللَّفْظِ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ مَن قالَ: نَحَرَ فُلانٌ اليَوْمَ؛ عُقِلَ مِنهُ نَحْرُ البُدْنَ ولَمْ يُعْقَلْ مِنهُ وضْعُ اليَمِينِ عَلى اليَسارِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الأوَّلُ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّهُ لا يَضَعُ يَدَهُ عِنْدَ النَّحْرِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وأبِي هُرَيْرَةَ وضْعُ اليَمِينِ عَلى اليَسارِ أسْفَلَ السُّرَّةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَضَعُ يَمِينَهُ عَلى شِمالِهِ في الصَّلاةِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. آخِرُ السُّورَةِ.

الكافرون 109:6

ومِن سُورَةِ الكافِرِينَ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ . قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ خاصَّةً في بَعْضِ الكُفّارِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنهم قَدْ أسْلَمُوا، وقَدْ قالَ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] فَإنَّها قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِنهم مَعَ اخْتِلافِ مَذاهِبِهِمْ مُرادُونَ بِالآيَةِ، ثُمَّ جَعَلَ دِينَهم دِينًا واحِدًا ودِينَ الإسْلامِ دِينًا واحِدًا فَدَلَّ عَلى أنَّ الكُفْرَ مَعَ اخْتِلافِ مَذاهِبِهِ مِلَّةٌ واحِدَةٌ. آخِرُ السُّورَةِ. (p-٣٧٧)

النصر 110:1

ومِن سُورَةِ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾؛ رُوِيَ أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً؛ لِأنَّ إطْلاقَ اللَّفْظِ يَقْتَضِيهِ ولا يَنْصَرِفُ إلى الصُّلْحِ إلّا بِتَقْيِيدٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]؛ رَوى أبُو الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأوَّلُ القُرْآنَ» . ورَوى الأعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ " قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذِهِ الكَلِماتُ الَّتِي أراكَ قَدْ أحْدَثْتَها ؟ قالَ: «جُعِلَتْ لِي عَلامَةٌ في أُمَّتِي إذا رَأيْتُها قُلْتُها إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ إلى آخِرِها» . آخِرُ السُّورَةِ.

المسد 111:2

ومِن سُورَةِ تَبَّتْ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " وما كَسَبَ يَعْنِي ولَدَهُ " وسَمّاهم ابْنُ عَبّاسٍ الكَسْبَ الخَبِيثَ. ورَوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ أفْضَلَ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ» . قالَ أبُو بَكْرٍ: هو كَقَوْلِهِ: «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ» وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ اسْتِيلادِ الأبِ لِجارِيَةِ ابْنِهِ وأنَّهُ مُصَدَّقٌ عَلَيْهِ وتَصِيرُ أُمَّ ولَدِهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الوالِدَ لا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ؛ لِأنَّهُ سَمّاهُ كَسْبًا لَهُ كَما لا يُقادُ لِعَبْدِهِ الَّذِي هو كَسْبُهُ.

المسد 111:3

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ إحْدى الدَّلالاتِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِأنَّهُ وامْرَأتَهُ سَيَمُوتانِ عَلى الكُفْرِ ولا يُسْلِمانِ، فَوُجِدَ مُخْبَرُهُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، وقَدْ كانَ هو وامْرَأتُهُ سَمِعا بِهَذِهِ السُّورَةِ ولِذَلِكَ قالَتِ امْرَأتُهُ: إنَّ مُحَمَّدًا هَجانا، فَلَوْ أنَّهُما قالا: قَدْ أسْلَمْنا وأظْهَرا ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَعْتَقِداهُ لَكانا قَدْ رَدّا هَذا القَوْلَ ولَكانَ المُشْرِكُونَ يَجِدُونَ مُتَعَلَّقًا، ولَكِنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهُما لا يُسْلِمانِ لا بِإظْهارِهِ ولا بِاعْتِقادِهِ فَأخْبَرَ بِذَلِكَ وكانَ مُخْبَرُهُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ لَوْ قالَ: إنَّكُما لا تَتَكَلَّمانِ اليَوْمَ، فَلَمْ يَتَكَلَّما مَعَ ارْتِفاعِ المَوانِعِ وصِحَّةِ الآلَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن أظْهَرِ الدَّلالاتِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ أبا لَهَبٍ (p-٣٧٨)بِكُنْيَتِهِ وذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِاسْمِهِ، وكَذَلِكَ زَيْدٌ وكُلُّ مَن ذَكَرَهُ في الكِتابِ فَإنَّما ذَكَرَهم بِالِاسْمِ دُونَ الكُنْيَةِ؛ لِأنَّ أبا لَهَبٍ كانَ اسْمُهُ عَبْدَ العُزّى، وغَيْرُ جائِزٍ تَسْمِيَتُهُ بِهَذا الِاسْمِ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنِ اسْمِهِ إلى كُنْيَتِهِ. آخِرُ السُّورَةِ.