أحكام القرآن — الزمر 39:6 – المجادلة 58:22
المحتويات
- الزمر 39:6
- غافر 40:36
- غافر 40:46
- غافر 40:60
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:44
- الشورى 42:20
- الشورى 42:23
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:86
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:20
- محمد 47:4
- محمد 47:33
- محمد 47:35
- الفتح 48:1
- الفتح 48:16
- الفتح 48:18
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:10
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- ق 50:5
- ق 50:39
- ق 50:40
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:18
- الذاريات 51:19
- الطور 52:48
- الطور 52:49
- النجم 53:3
- النجم 53:4
- النجم 53:13
- النجم 53:14
- النجم 53:32
- النجم 53:38
- النجم 53:39
- النجم 53:45
- النجم 53:46
- القمر 54:1
- القمر 54:28
- الرحمن 55:12
- الرحمن 55:22
- الرحمن 55:37
- الرحمن 55:39
- الرحمن 55:64
- الواقعة 56:77
- الواقعة 56:78
- الحديد 57:10
- الحديد 57:16
- الحديد 57:19
- الحديد 57:27
- المجادلة 58:1
- المجادلة 58:2
- المجادلة 58:3
- المجادلة 58:8
- المجادلة 58:11
- المجادلة 58:12
- المجادلة 58:13
- المجادلة 58:22
الزمر 39:6
ومِن سُورَةِ الزُّمَرِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ " ثُمَّ " راجِعَةٌ إلى صِلَةِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قالَ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ أخْبَرَكم أنَّهُ جَعَلَ مِنها زَوْجَها؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ رُجُوعُها إلى المَخْلُوقِينَ مِنَ الأوْلادِ عَلى مَعْنى التَّرْتِيبِ؛ لِأنَّ الوالِدَيْنِ قَبْلَ الوَلَدِ.
وهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا﴾ [الأنعام: ١٥٤] ونَحْوُ ذَلِكَ آخِرُ سُورَةِ الزُّمَرِ.
غافر 40:36
ومِن سُورَةِ المُؤْمِنِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ رَوى سُفْيانُ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ قالَ: بُنِيَ بِالآجُرِّ، وكانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَبْنُوا بِالآجُرِّ ويَجْعَلُونَهُ في قُبُورِهِمْ " .
غافر 40:46
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ غُدُوًّا وعَشِيًّا قَبْلَ القِيامَةِ. آخِرُ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ.
غافر 40:60
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ رَوى الثَّوْرِيُّ عَنْ الأعْمَشِ ومَنصُورٍ عَنْ سَبِيعٍ الكِنْدِيِّ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الدُّعاءَ هو العِبادَةُ ثُمَّ قَرَأ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآيَةُ».
فصلت 41:33
ومِن سُورَةِ حم السَّجْدَةِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ . فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ قَوْلٍ ودَلَّ بِذَلِكَ عَلى لُزُومِ فَرْضِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ؛ إذْ لا جائِزَ أنْ يَكُونَ النَّفْلُ أحْسَنَ مِنَ الفَرْضِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الدُّعاءُ إلى اللَّهِ فَرْضًا، وقَدْ جَعَلَهُ مِن أحْسَنِ قَوْلٍ اقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ النَّفْلُ أحْسَنَ مِنَ الفَرْضِ، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] الآيَةَ. قِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ المَوْتِ فَيَقُولُونَ لا تَخَفْ مِمّا أنْتَ قادِمٌ عَلَيْهِ فَيُذْهِبُ اللَّهُ خَوْفَهُ، ولا تَحْزَنْ عَلى الدُّنْيا، ولا عَلى أهْلِها فَيُذْهِبُ اللَّهُ خَوْفَهُ، وأبْشِرْ بِالجَنَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما يَقُولُونَ لَهُ ذَلِكَ في القِيامِ عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ القَبْرِ فَيَرى تِلْكَ الأهْوالَ، (p-٢٦٢)فَيَقُولُ لَهُ المَلائِكَةُ: لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ فَإنَّما يُرادُ بِهَذا غَيْرُكَ، ويَقُولُونَ لَهُ: نَحْنُ أوْلِياؤُكَ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَلا يُفارِقُونَهُ تَأْنِيسًا لَهُ إلى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قالَ: " أخْلَصُوا لَهُ الدِّينَ والعَمَلَ والدَّعْوَةَ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ذَكَرَ اللَّهُ العَدُوَّ فَأخْبَرَ بِالحِيلَةِ فِيهِ حَتّى تَزُولَ عَداوَتُهُ ويَصِيرَ كَأنَّهُ ولِيٌّ، فَقالَ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ الآيَةَ. قالَ: وأنْتَ رُبَّما لَقِيتَ بَعْضَ مَن يَنْطَوِي لَكَ عَلى عَداوَةٍ وضِغْنٍ فَتَبْدَأُهُ بِالسَّلامِ أوْ تَبَسَّمُ في وجْهِهِ فَيَلِينُ لَكَ قَلْبُهُ ويَسْلَمُ لَكَ صَدْرَهُ.
قالَ: ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ الحاسِدَ فَعُلِمَ أنْ لا حِيلَةَ عِنْدَنا فِيهِ ولا في اسْتِمْلاكِ سَخِيمَتِهِ واسْتِخْراجِ ضَغِينَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥] فَأمَرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ حِينَ عَلِمَ أنْ لا حِيلَةَ عِنْدَنا في رِضاهُ.
فصلت 41:34
ومِن سُورَةِ حم السَّجْدَةِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ . فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ قَوْلٍ ودَلَّ بِذَلِكَ عَلى لُزُومِ فَرْضِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ؛ إذْ لا جائِزَ أنْ يَكُونَ النَّفْلُ أحْسَنَ مِنَ الفَرْضِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الدُّعاءُ إلى اللَّهِ فَرْضًا، وقَدْ جَعَلَهُ مِن أحْسَنِ قَوْلٍ اقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ النَّفْلُ أحْسَنَ مِنَ الفَرْضِ، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] الآيَةَ. قِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ المَوْتِ فَيَقُولُونَ لا تَخَفْ مِمّا أنْتَ قادِمٌ عَلَيْهِ فَيُذْهِبُ اللَّهُ خَوْفَهُ، ولا تَحْزَنْ عَلى الدُّنْيا، ولا عَلى أهْلِها فَيُذْهِبُ اللَّهُ خَوْفَهُ، وأبْشِرْ بِالجَنَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما يَقُولُونَ لَهُ ذَلِكَ في القِيامِ عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ القَبْرِ فَيَرى تِلْكَ الأهْوالَ، (p-٢٦٢)فَيَقُولُ لَهُ المَلائِكَةُ: لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ فَإنَّما يُرادُ بِهَذا غَيْرُكَ، ويَقُولُونَ لَهُ: نَحْنُ أوْلِياؤُكَ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَلا يُفارِقُونَهُ تَأْنِيسًا لَهُ إلى أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قالَ: " أخْلَصُوا لَهُ الدِّينَ والعَمَلَ والدَّعْوَةَ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ذَكَرَ اللَّهُ العَدُوَّ فَأخْبَرَ بِالحِيلَةِ فِيهِ حَتّى تَزُولَ عَداوَتُهُ ويَصِيرَ كَأنَّهُ ولِيٌّ، فَقالَ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ الآيَةَ. قالَ: وأنْتَ رُبَّما لَقِيتَ بَعْضَ مَن يَنْطَوِي لَكَ عَلى عَداوَةٍ وضِغْنٍ فَتَبْدَأُهُ بِالسَّلامِ أوْ تَبَسَّمُ في وجْهِهِ فَيَلِينُ لَكَ قَلْبُهُ ويَسْلَمُ لَكَ صَدْرَهُ.
قالَ: ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ الحاسِدَ فَعُلِمَ أنْ لا حِيلَةَ عِنْدَنا فِيهِ ولا في اسْتِمْلاكِ سَخِيمَتِهِ واسْتِخْراجِ ضَغِينَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥] فَأمَرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ حِينَ عَلِمَ أنْ لا حِيلَةَ عِنْدَنا في رِضاهُ.
فصلت 41:37
ومِن سُورَةِ الحَجِّ
﷽
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ في السَّجْدَةِ الأُولى مِنَ الحَجِّ أنَّها مَوْضِعُ سُجُودٍ واخْتَلَفُوا في الثّانِيَةِ مِنها وفي المُفَصَّلِ، فَقالَ أصْحابُنا: " سُجُودُ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، مِنها الأُولى مِنَ الحَجِّ وسُجُودُ المُفَصَّلِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ " وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ. وقالَ مالِكٌ: " أجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّ عَزائِمَ سُجُودِ القُرْآنِ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ في المُفَصَّلِ مِنها شَيْءٌ " . وقالَ اللَّيْثُ: " أسْتَحِبُّ أنْ يُسْجَدَ في سُجُودِ القُرْآنِ كُلِّهِ وسُجُودِ المُفَصَّلِ ومَوْضِعِ السُّجُودِ مِن حم: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وقالَ الشّافِعِيُّ: " سُجُودُ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً سِوى سَجْدَةِ ص فَإنَّها سَجْدَةُ شُكْرٍ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: فاعْتُدَّ بِآخِرِ الحَجِّ سُجُودًا. وقَدْ رُوِيَ (p-٥٦)عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سَجَدَ في ص» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في سَجْدَةِ حم: السَّجْدَةُ بِآخِرِ الآيَتَيْنِ، كَما قالَ أصْحابُنا.
ورَوى زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَمْ يَسْجُدْ في النَّجْمِ» . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ في النَّجْمِ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ فِيما رَوى زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ مِن تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ في النَّجْمِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ لا يَكُونَ سَجَدَ؛ لِأنَّهُ صادَفَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ بَعْضَ الأوْقاتِ المَنهِيِّ عَنِ السُّجُودِ فِيها فَأخَّرَهُ إلى وقْتٍ يَجُوزُ فِعْلُهُ فِيهِ، وجائِزٌ أيْضًا أنْ يَكُونَ عِنْدَ التِّلاوَةِ عَلى غَيْرِ طَهارَةٍ فَأخَّرَهُ لِيَسْجُدَ وهو طاهِرٌ.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]» واخْتَلَفَ السَّلَفُ في الثّانِيَةِ مِنَ الحَجِّ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وأبِي الدَّرْداءِ وعَمّارٍ وأبِي مُوسى أنَّهم قالُوا: " في الحَجِّ سَجْدَتانِ " وقالُوا: " إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ عَلى غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ بِسَجْدَتَيْنِ " .
ورَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أبِي حَمْزَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " في الحَجِّ سَجْدَةٌ " .
ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الأعْلى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ الأُولى عَزْمَةٌ والآخِرَةُ تَعْلِيمٌ " .
ورَوى مَنصُورٌ عَنْ الحَسَنِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " في الحَجِّ سَجْدَةٌ واحِدَةٌ " . ورُوِيَ عَنْ الحَسَنِ وإبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: " أنَّ في الحَجِّ سَجْدَةً واحِدَةً " . وقَدْ رَوَيْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ في الحَجِّ سَجْدَتَيْنِ، وبَيَّنَ في حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الأُولى عَزْمَةٌ والثّانِيَةَ تَعْلِيمٌ، والمَعْنى فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ الأُولى هي السَّجْدَةُ الَّتِي يَجِبُ فِعْلُها عِنْدَ التِّلاوَةِ وأنَّ الثّانِيَةَ كانَ فِيها ذِكْرُ السُّجُودِ فَإنَّما هو تَعْلِيمُ الصَّلاةِ الَّتِي فِيها الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، وهو مِثْلُ ما رَوى سُفْيانُ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّجْدَةُ الَّتِي في آخِرِ الحَجِّ إنَّما هي مَوْعِظَةٌ ولَيْسَتْ بِسَجْدَةٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] فَنَحْنُ نَرْكَعُ ونَسْجُدُ. فَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ هو عَلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ السَّلَفِ أنَّ في الحَجِّ سَجْدَتَيْنِ إنَّما أرادُوا أنَّ فِيهِ ذِكْرَ السُّجُودِ في مَوْضِعَيْنِ وأنَّ الواجِبَةَ هي الأُولى دُونَ الثّانِيَةِ عَلى مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ سُجُودٍ أنَّهُ ذَكَرَ مَعَهُ الرُّكُوعَ، والجَمْعُ بَيْنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ مَخْصُوصٌ بِهِ الصَّلاةُ، فَهو إذًا أمَرَ بِالصَّلاةِ والأمْرُ بِالصَّلاةِ مَعَ انْتِظامِها لِلسُّجُودِ لَيْسَ بِمَوْضِعِ سُجُودٍ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلسُّجُودِ ؟ وقالَ تَعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] ولَيْسَ ذَلِكَ سَجْدَةً ؟ وقالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ (p-٥٧)وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] ولَيْسَ بِمَوْضِعِ سُجُودٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَ بِالصَّلاةِ ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]
* *
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الآيَةَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتُلِفَ في مَوْضِعِ السُّجُودِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٍ وقَتادَةَ أنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ ورُوِيَ عَنْ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] قالَ أبُو بَكْرٍ الأوْلى أنَّها عِنْدَ آخِرِ الآيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَمامُ الكَلامِ، ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ السَّلَفَ لَمّا اخْتَلَفُوا كانَ فِعْلُهُ بِالآخِرِ مِنهُما أوْلى؛ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى جَوازِ فِعْلِها بِأُخْراهُما واخْتِلافِهِمْ في جَوازِها بِأُولاهُما.
فصلت 41:38
ومِن سُورَةِ الحَجِّ
﷽
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ في السَّجْدَةِ الأُولى مِنَ الحَجِّ أنَّها مَوْضِعُ سُجُودٍ واخْتَلَفُوا في الثّانِيَةِ مِنها وفي المُفَصَّلِ، فَقالَ أصْحابُنا: " سُجُودُ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، مِنها الأُولى مِنَ الحَجِّ وسُجُودُ المُفَصَّلِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ " وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ. وقالَ مالِكٌ: " أجْمَعَ النّاسُ عَلى أنَّ عَزائِمَ سُجُودِ القُرْآنِ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ في المُفَصَّلِ مِنها شَيْءٌ " . وقالَ اللَّيْثُ: " أسْتَحِبُّ أنْ يُسْجَدَ في سُجُودِ القُرْآنِ كُلِّهِ وسُجُودِ المُفَصَّلِ ومَوْضِعِ السُّجُودِ مِن حم: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وقالَ الشّافِعِيُّ: " سُجُودُ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً سِوى سَجْدَةِ ص فَإنَّها سَجْدَةُ شُكْرٍ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: فاعْتُدَّ بِآخِرِ الحَجِّ سُجُودًا. وقَدْ رُوِيَ (p-٥٦)عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سَجَدَ في ص» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في سَجْدَةِ حم: السَّجْدَةُ بِآخِرِ الآيَتَيْنِ، كَما قالَ أصْحابُنا.
ورَوى زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَمْ يَسْجُدْ في النَّجْمِ» . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ في النَّجْمِ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَيْسَ فِيما رَوى زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ مِن تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ في النَّجْمِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ لا يَكُونَ سَجَدَ؛ لِأنَّهُ صادَفَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ بَعْضَ الأوْقاتِ المَنهِيِّ عَنِ السُّجُودِ فِيها فَأخَّرَهُ إلى وقْتٍ يَجُوزُ فِعْلُهُ فِيهِ، وجائِزٌ أيْضًا أنْ يَكُونَ عِنْدَ التِّلاوَةِ عَلى غَيْرِ طَهارَةٍ فَأخَّرَهُ لِيَسْجُدَ وهو طاهِرٌ.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]» واخْتَلَفَ السَّلَفُ في الثّانِيَةِ مِنَ الحَجِّ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وأبِي الدَّرْداءِ وعَمّارٍ وأبِي مُوسى أنَّهم قالُوا: " في الحَجِّ سَجْدَتانِ " وقالُوا: " إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ عَلى غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ بِسَجْدَتَيْنِ " .
ورَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أبِي حَمْزَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " في الحَجِّ سَجْدَةٌ " .
ورَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الأعْلى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ الأُولى عَزْمَةٌ والآخِرَةُ تَعْلِيمٌ " .
ورَوى مَنصُورٌ عَنْ الحَسَنِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " في الحَجِّ سَجْدَةٌ واحِدَةٌ " . ورُوِيَ عَنْ الحَسَنِ وإبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: " أنَّ في الحَجِّ سَجْدَةً واحِدَةً " . وقَدْ رَوَيْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ في الحَجِّ سَجْدَتَيْنِ، وبَيَّنَ في حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الأُولى عَزْمَةٌ والثّانِيَةَ تَعْلِيمٌ، والمَعْنى فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ الأُولى هي السَّجْدَةُ الَّتِي يَجِبُ فِعْلُها عِنْدَ التِّلاوَةِ وأنَّ الثّانِيَةَ كانَ فِيها ذِكْرُ السُّجُودِ فَإنَّما هو تَعْلِيمُ الصَّلاةِ الَّتِي فِيها الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، وهو مِثْلُ ما رَوى سُفْيانُ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّجْدَةُ الَّتِي في آخِرِ الحَجِّ إنَّما هي مَوْعِظَةٌ ولَيْسَتْ بِسَجْدَةٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] فَنَحْنُ نَرْكَعُ ونَسْجُدُ. فَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ هو عَلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ السَّلَفِ أنَّ في الحَجِّ سَجْدَتَيْنِ إنَّما أرادُوا أنَّ فِيهِ ذِكْرَ السُّجُودِ في مَوْضِعَيْنِ وأنَّ الواجِبَةَ هي الأُولى دُونَ الثّانِيَةِ عَلى مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ سُجُودٍ أنَّهُ ذَكَرَ مَعَهُ الرُّكُوعَ، والجَمْعُ بَيْنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ مَخْصُوصٌ بِهِ الصَّلاةُ، فَهو إذًا أمَرَ بِالصَّلاةِ والأمْرُ بِالصَّلاةِ مَعَ انْتِظامِها لِلسُّجُودِ لَيْسَ بِمَوْضِعِ سُجُودٍ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلسُّجُودِ ؟ وقالَ تَعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] ولَيْسَ ذَلِكَ سَجْدَةً ؟ وقالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ (p-٥٧)وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] ولَيْسَ بِمَوْضِعِ سُجُودٍ؛ لِأنَّهُ أمَرَ بِالصَّلاةِ ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]
* *
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الآيَةَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتُلِفَ في مَوْضِعِ السُّجُودِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٍ وقَتادَةَ أنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ ورُوِيَ عَنْ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] قالَ أبُو بَكْرٍ الأوْلى أنَّها عِنْدَ آخِرِ الآيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَمامُ الكَلامِ، ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ السَّلَفَ لَمّا اخْتَلَفُوا كانَ فِعْلُهُ بِالآخِرِ مِنهُما أوْلى؛ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى جَوازِ فِعْلِها بِأُخْراهُما واخْتِلافِهِمْ في جَوازِها بِأُولاهُما.
فصلت 41:44
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ جَعَلَهُ أعْجَمِيًّا كانَ أعْجَمِيًّا فَكانَ يَكُونُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا، وأنَّهُ إنَّما كانَ عَرَبِيّا؛ لِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ بِلُغَةِ العَرَبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ نَقْلَهُ إلى لُغَةِ العَجَمِ لا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ قُرْآنًا. آخِرُ سُورَةِ حم السَّجْدَةِ
الشورى 42:20
ومِن سُورَةِ حم عسق قَوْلُهُ تَعالى -:
﷽
﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى بُطْلانِ الِاسْتِئْجارِ عَلى ما سَبِيلُهُ أنْ لا يُفْعَلَ إلّا عَلى وجْهِ القُرْبَةِ؛ لِإخْبارِهِ - تَعالى - بِأنَّ مَن يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا فَلا حَظَّ لَهُ في الآخِرَةِ، فَيَخْرُجُ ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ قُرْبَةً، فَلا يَقَعُ مَوْقِعَ الجَوازِ.
الشورى 42:23
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: " مَعْناهُ إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم " قالُوا: " كُلُّ (p-٢٦٣)قُرَيْشٍ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَرابَةٌ " .
وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " إلّا أنْ تَوَدُّوا قَرابَتِي " . وقالَ الحَسَنُ: ﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ إلّا التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ والتَّوَدُّدَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
الشورى 42:38
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِ المَشُورَةِ لِذِكْرِهِ لَها مَعَ الإيمانِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ، ويَدُلُّ عَلى أنّا مَأْمُورُونَ بِها.
الشورى 42:39
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في مَعْنى الآيَةِ قالَ: " كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ " . وقالَ السُّدِّيُّ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ مَعْناهُ: مِمَّنْ بَغى عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ نَدَبَنا اللَّهُ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ إلى العَفْوِ عَنْ حُقُوقِنا قِبَلَ النّاسِ، فَمِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقَوْلُهُ تَعالى في شَأْنِ القِصاصِ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] وأحْكامُ هَذِهِ الآيِ ثابِتَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ الِانْتِصارَ في هَذا المَوْضِعِ أفْضَلُ، ألا تَرى أنَّهُ قَرَنَهُ إلى ذِكْرِ الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ - تَعالى - وإقامَةِ الصَّلاةِ ؟ وهو مَحْمُولٌ عَلى ما ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ أنَّهم كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ الفُسّاقُ عَلَيْهِمْ، فَهَذا فِيمَن تَعَدّى وبَغى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ، والمَوْضِعُ المَأْمُورُ فِيهِ بِالعَفْوِ إذا كانَ الجانِي نادِمًا مُقْلِعًا.
وقَدْ قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ومُقْتَضى ذَلِكَ إباحَةُ الِانْتِصارِ لا الأمْرُ بِهِ، وقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فَهو مَحْمُولٌ عَلى الغُفْرانِ عَنْ غَيْرِ المُصِرِّ. فَأمّا المُصِرُّ عَلى البَغْيِ والظُّلْمِ فالأفْضَلُ الِانْتِصارُ مِنهُ، بِدَلالَةِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها.
وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] قالَ: هَذا فِيما يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ مِنَ القِصاصِ، فَأمّا لَوْ ظَلَمَكَ رَجُلٌ لَمْ يَحِلَّ لَكَ أنْ تَظْلِمَهُ. آخِرُ سُورَةِ حم عسق.
الزخرف 43:13
ومِن سُورَةِ الزُّخْرُفِ
﷽
فِي التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الرُّكُوبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ (p-٢٦٤)بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ: «أنَّهُ شَهِدَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - حِينَ رَكِبَ، فَلَمّا وضَعَ رِجْلَهُ في الرِّكابِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَلَمّا اسْتَوى قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ قالَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ، قالَ: ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وكَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ فَقِيلَ لَهُ: مِمَّ تَضْحَكُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتُ وقالَ مِثْلَ الَّذِي قُلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ فَقِيلَ لَهُ: مِمَّ تَضْحَكُ يا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قالَ: العَبْدُ، أوْ قالَ عَجَبٌ لِلْعَبْدِ إذا قالَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا هو» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ كانَ إذا رَكِبَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ قالَ: هَذا مَنُّكَ وفَضْلُكَ عَلَيْنا الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّنا ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ.
ورَوى حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلى ذِرْوَةِ سَنامِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطانٌ فَإذا رَكِبْتُمُوها فَقُولُوا كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ» .
ورُوِيَ عَنْ سُفْيانَ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: " إذا رَكِبَ الدّابَّةَ فَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ رَدَفَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ لَهُ: تَغَنَّ فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ قالَ لَهُ: تَمَنَّ " .
الزخرف 43:18
فَصْلٌ
في إباحَةِ لُبْسِ الحُلِيِّ لِلنِّساءٍ. قالَ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ " رُخِّصَ لِلنِّساءِ في الذَّهَبِ "، ثُمَّ قَرَأ: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ ورَوى نافِعٌ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أبِي هِنْدٍ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ «لُبْسُ الحَرِيرِ والذَّهَبِ حَرامٌ عَلى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلالٌ لِإناثِها» .
ورَوى شَرِيكٌ عَنْ العَبّاسِ بْنِ رُزَيْحٍ عَنْ البَهِيِّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ وهو يَمُصُّ الدَّمَ عَنْ شَجَّةٍ بِوَجْهِ أُسامَةَ ويَمُجُّهُ: لَوْ كانَ أُسامَةُ جارِيَةً لَحَلَّيْناهُ، لَوْ كانَ أُسامَةُ جارِيَةً لَكَسَوْناهُ لِتُنَفِّقَهُ» .
وفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ رَأى امْرَأتَيْنِ عَلَيْهِما أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ، فَقالَ: أتُحِبّانِ أنْ يُسَوِّرَكُما اللَّهُ بِأسْوِرَةٍ مِن نارٍ ؟ قالَتا: لا قالَ: فَأدِّيا حَقَّ هَذا» .
وقالَتْ عائِشَةُ: " لا بَأْسَ بِلُبْسِ الحُلِيِّ إذا أعْطى زَكاتَهُ " . وكَتَبَ عُمَرُ إلى أبِي مُوسى أنْ مُرْ مَن قِبَلَكَ مِن نِساءِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَصَّدَّقْنَ مِنَ الحُلِيِّ.
ورَوى أبُو حَنِيفَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ أنَّ عائِشَةَ حَلَّتْ أخَواتِها الذَّهَبَ، وأنَّ ابْنَ (p-٢٦٥)عُمَرَ حَلّى بَناتِهِ الذَّهَبَ.، وقَدْ رَوى خُصَيْفٌ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا نَهانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَ نَرْبِطُ المِسْكَ بِشَيْءٍ مِنَ الذَّهَبِ ؟ قالَ: أفَلا تَرْبِطُونَهُ بِالفِضَّةِ ثُمَّ تُلَطِّخُونَهُ بِشَيْءٍ مِن زَعْفَرانٍ فَيَكُونُ مِثْلَ الذَّهَبِ» .
ورَوى جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنْتُ قاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأتَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ سِوارانِ مِن ذَهَبٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: سِوارانِ مِن نارٍ فَقالَتْ: قُرْطانِ مِن ذَهَبٍ، قالَ: قُرْطانِ مِن نارٍ، قالَتْ: طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ، قالَ: طَوْقٌ مِن نارٍ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ المَرْأةَ إذا لَمْ تَتَزَيَّنْ لِزَوْجِها صَلِفَتْ عِنْدَهُ، فَقالَ: ما يَمْنَعُكُنَّ أنْ تَجْعَلْنَ قُرْطَيْنِ مِن فِضَّةٍ تُصَفِّرِينَهُ بِعَنْبَرٍ أوْ زَعْفَرانٍ فَإذا هو كالذَّهَبِ ؟» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: الأخْبارُ الوارِدَةُ في إباحَتِهِ لِلنِّساءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ أظْهَرُ وأشْهُرُ مِن أخْبارِ الحَظْرِ، ودَلالَةُ الآيَةِ أيْضًا ظاهِرَةٌ في إباحَتِهِ لِلنِّساءِ، وقَدِ اسْتَفاضَ لُبْسُ الحُلِيِّ لِلنِّساءِ مُنْذُ لَدُنِ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ إلى يَوْمِنا هَذا مِن غَيْرِ نَكِيرٍ مِن أحَدٍ عَلَيْهِنَّ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِإخْبارِ الآحادِ.
الزخرف 43:20
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ قالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا الأصْنامَ ولا المَلائِكَةَ، وإنّا إنَّما عَبَدْناهم؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ شاءَ مِنّا ذَلِكَ فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في قِيلِهِمْ هَذا وأخْبَرَ أنَّهم يَخْرُصُونَ ويَكْذِبُونَ بِهَذا القَوْلِ في أنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمْ يَشَأْ كُفْرَهم.
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] أخْبَرَ فِيهِ أنَّهم مُكَذِّبُونَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِمْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا، وأبانَ بِهِ أنَّ اللَّهَ قَدْ شاءَ أنْ لا يُشْرِكُوا. وهَذا كُلُّهُ يُبْطِلُ مَذْهَبَ الجَبْرِ والجَهْمِيَّةِ.
الزخرف 43:22
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى إبْطالِ التَّقْلِيدِ لِذَمِّهِ إيّاهم عَلى تَقْلِيدِ آبائِهِمْ وتَرْكِهِمُ النَّظَرَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ .
الزخرف 43:61
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ قالَ: " نُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمٌ لِلسّاعَةِ "، (p-٢٦٦)وناسٌ يَقُولُونَ: " القُرْآنُ عِلْمٌ لِلسّاعَةِ " . آخِرُ سُورَةِ الزُّخْرُفِ
الزخرف 43:86
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ يَنْتَظِمُ مَعْنَيَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ الشَّهادَةَ بِالحَقِّ غَيْرُ نافِعَةٍ إلّا مَعَ العِلْمِ وأنَّ التَّقْلِيدَ لا يُغْنِي مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِصِحَّةِ المَقالَةِ.
والثّانِي: أنَّ شَرْطَ سائِرِ الشَّهاداتِ في الحُقُوقِ وغَيْرِها أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ عالِمًا بِها. ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا رَأيْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ وإلّا فَدَعْ».
الجاثية 45:14
ومِن سُورَةِ الجاثِيَةِ
﷽
حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ قالَ: نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
الجاثية 45:23
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: " لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، لا يَخافُ اللَّهَ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ، وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ يَعْنِي يُطِيعُهُ كَطاعَةِ الإلَهِ.
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: " كانُوا يَعْبُدُونَ العُزّى وهو حَجَرٌ أبْيَضُ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ، فَإذا وجَدُوا ما هو أحْسَنُ مِنهُ طَرَحُوا الأوَّلَ وعَبَدُوا الآخَرَ " وقالَ الحَسَنُ: " اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ يَعْنِي لا يَعْرِفُ إلَهَهُ بِحُجَّةِ عَقْلِهِ، وإنَّما يَعْرِفُهُ بِهَواهُ " .
الجاثية 45:24
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ قِيلَ هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: نَحْيا ونَمُوتُ مِن غَيْرِ رُجُوعٍ، وقِيلَ: نَمُوتُ ويَحْيا أوْلادُنا، كَما يُقالُ: ما ماتَ مَن خَلَّفَ ابْنًا مِثْلَ فُلانٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ فَإنَّهُ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ قالَ: " قالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، قالُوا: ما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ، يَقُولُونَ: إلّا العُمُرُ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا قَوْلُ زَنادِقَةِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا يُنْكِرُونَ الصّانِعَ الحَكِيمَ، وأنَّ الزَّمانَ ومُضِيَّ الأوْقاتِ هو الَّذِي يُحْدِثُ هَذِهِ الحَوادِثَ.
والدَّهْرُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى زَمانِ العُمُرِ كَما قالَ قَتادَةُ، يُقالُ: فُلانٌ يَصُومُ الدَّهْرَ، يَعْنُونَ عُمْرَهُ كُلَّهُ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ مِن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا الدَّهْرَ أنَّهُ عَلى عُمُرِهِ كُلِّهِ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: " واللَّهِ لا أُكَلِّمُكَ الأبَدَ " وأمّا قَوْلُهُ: " لا أُكَلِّمُكَ دَهْرًا " فَإنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ عَلى سِتَّةِ أشْهُرٍ، ولَمْ يَعْرِفْ أبُو حَنِيفَةَ مَعْنى دَهْرًا فَلَمْ يُجِبْ فِيهِ بِشَيْءٍ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ في بَعْضِ ألْفاظِهِ «: لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ»، فَتَأوَّلَهُ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَنْسِبُونَ الحَوادِثَ المُجْحِفَةَ والبَلايا النّازِلَةَ والمَصائِبَ المُتْلِفَةَ إلى الدَّهْرِ، فَيَقُولُونَ فَعَلَ الدَّهْرُ بِنا وصَنَعَ بِنا، ويَسُبُّونَ الدَّهْرَ كَما (p-٢٦٧)قَدْ جَرَتْ عادَةُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ بِأنْ يَقُولُوا: أساءَ بِنا الدَّهْرُ، ونَحْوُ ذَلِكَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا تَسُبُّوا فاعِلَ هَذِهِ الأُمُورِ فَإنَّ اللَّهَ هو فاعِلُها ومُحْدِثُها.
وأصْلُ هَذا الحَدِيثِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّباحِ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ - تَعالى - يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرَ بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ» قالَ ابْنُ السَّرْحِ: عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ مَكانَ سَعِيدٍ فَقَوْلُهُ: " وأنا الدَّهْرَ " مَنصُوبٌ بِأنَّهُ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: أنا أبَدًا بِيَدِي الأمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وكَقَوْلِ القائِلِ: أنا اليَوْمَ بِيَدِي الأمْرُ أفْعَلُ كَذا وكَذا ولَوْ كانَ مَرْفُوعًا كانَ الدَّهْرُ اسْمًا لِلَّهِ - تَعالى - ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ لا يُسَمِّي اللَّهَ بِهَذا الِاسْمِ.
وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: لا يَقُولَنَّ أحَدُكم يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإنِّي أنا الدَّهْرَ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ ونَهارَهُ فَإذا شِئْتُ قَبَضْتُهُما» فَهَذانِ هُما أصْلُ الحَدِيثِ في ذَلِكَ، والمَعْنى ما ذَكَرْنا، وإنَّما غَلِطَ بَعْضُ الرُّواةِ فَنَقَلَ المَعْنى عِنْدَهُ فَقالَ: «لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرَ» وأمّا قَوْلُهُ في الحَدِيثِ الأوَّلِ: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ» فَإنَّ اللَّهَ - تَعالى - لا يَلْحَقُهُ الأذى ولا المَنافِعُ والمَضارُّ، وإنَّما هو مَجازٌ مَعْناهُ: يُؤْذِي أوْلِيائِي؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الفاعِلُ لِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي يَنْسُبُها الجُهّالُ إلى الدَّهْرِ، فَيَتَأذَّوْنَ بِذَلِكَ كَما يَتَأذَّوْنَ بِسَماعِ سائِرِ ضُرُوبِ الجَهْلِ والكُفْرِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ومَعْناهُ: يُؤْذُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ. آخِرُ سُورَةِ حم الجاثِيَةِ.
الأحقاف 46:15
ذِكْرُ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في وقْتِ الرَّضاعِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ كانَ بَيْنَ السَّلَفِ اخْتِلافٌ في رَضاعَةِ الكَبِيرِ؛ فَرُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تَرى رَضاعَ الكَبِيرِ مُوجِبًا لِلتَّحْرِيمِ؛ كَرَضاعِ الصَّغِيرِ؛ وكانَتْ تَرْوِي في ذَلِكَ حَدِيثَ سالِمٍ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِسَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ - وهي امْرَأةُ أبِي حُذَيْفَةَ -: "أرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعاتٍ؛ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْكِ"؛» وكانَتْ عائِشَةُ إذا أرادَتْ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْها رَجُلٌ أمَرَتْ أُخْتَها أُمَّ كُلْثُومٍ أنْ تُرْضِعَهُ خَمْسَ رَضَعاتٍ؛ ثُمَّ يَدْخُلَ عَلَيْها بَعْدَ ذَلِكَ؛ وأبى سائِرُ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ؛ وقُلْنَ: لَعَلَّ هَذِهِ كانَتْ رُخْصَةً مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسالِمٍ وحْدَهُ؛ وقَدْ رُوِيَ «أنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنِّي أرى في وجْهِ أبِي حُذَيْفَةَ مِن دُخُولِ سالِمٍ عَلَيَّ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أرْضِعِيهِ يَذْهَبْ ما في وجْهِ أبِي حُذَيْفَةَ "؛» فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خاصًّا لِسالِمٍ؛ كَما تَأوَّلَهُ سائِرُ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ؛ كَما خَصَّ أبا زِيادِ بْنَ دِينارٍ بِالجَذَعَةِ في الأُضْحِيَةِ؛ وأخْبَرَ أنَّها لا تُجْزِي عَنْ أحَدٍ بَعْدَهُ؛ وقَدْ رَوَتْ عائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رَضاعَ الكَبِيرِ لا يُحَرِّمُ؛ وهو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: أخْبَرَنا سُفْيانُ عَنْ أشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ مَسْرُوقٍ؛ عَنْ عائِشَةَ؛ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها وعِنْدَها رَجُلٌ؛ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّهُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ؛ فَقالَ ﷺ: "اُنْظُرْنَ مَن إخْوانُكُنَّ؛ فَإنَّما الرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ"؛» فَهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ الرَّضاعِ مَقْصُورًا عَلى حالِ الصَّغِيرِ؛ وهي الحالُ الَّتِي يَسُدُّ اللَّبَنُ فِيها جَوْعَتَهُ؛ ويَكْتَفِي في غِذائِهِ بِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى أنَّهُ كانَ يَرى رَضاعَ الكَبِيرِ؛ ورُوِيَ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى رُجُوعِهِ؛ وهو ما رَوى أبُو حُصَيْنٍ؛ عَنْ أبِي عَطِيَّةَ قالَ: قَدِمَ رَجُلٌ بِامْرَأتِهِ مِنَ المَدِينَةِ؛ فَوَضَعَتْ؛ فَتَوَرَّمَ ثَدْيُها؛ فَجَعَلَ يَمُجُّهُ ويَصُبُّهُ؛ فَدَخَلَ في بَطْنِهِ جَرْعَةٌ مِنهُ؛ فَسَألَ أبا مُوسى؛ فَقالَ: "بانَتْ مِنكَ"؛ فَأتى ابْنَ مَسْعُودٍ؛ فَأخْبَرَهُ فَفَصَلَ؛ فَأقْبَلَ بِالأعْرابِيِّ إلى الأشْعَرِيِّ؛ فَقالَ: "أرَضِيعًا تَرى هَذا الأشْمَطَ؟ إنَّما يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يُنْبِتُ اللَّحْمَ؛ والعَظْمَ"؛ فَقالَ الأشْعَرِيُّ: "لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ وهَذا الحَبْرُ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ"؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الأوَّلِ إلى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ (p-١١٤)إذْ لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: "لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ وهَذا الحَبْرُ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ"؛ وكانَ باقِيًا عَلى مُخالَفَتِهِ؛ وأنَّ ما أفْتى بِهِ حَقٌّ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ وعَبْدِ اللَّهِ؛ وأُمِّ سَلَمَةَ؛ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ وابْنِ عُمَرَ؛ أنَّ رَضاعَ الكَبِيرِ لا يُحَرِّمُ؛ ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ الفُقَهاءِ قالَ بِرَضاعِ الكَبِيرِ؛ إلّا شَيْءٌ يُرْوى عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؛ يَرْوِيهِ عَنْهُ أبُو صالِحٍ؛ أنَّ رَضاعَ الكَبِيرِ يُحَرِّمُ؛ وهو قَوْلٌ شاذٌّ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُحَرِّمُ؛ وهو ما رَوى الحَجّاجُ عَنِ الحَكَمِ؛ عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ؛ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: "يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضاعِ ما أنْبَتَ اللَّحْمَ والدَّمَ"؛ وقَدْ رَوى حَرامُ بْنُ عُثْمانَ؛ عَنِ ابْنَيْ جابِرٍ؛ عَنْ أبِيهِما قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ؛ ولا رَضاعَ بَعْدَ فِصالٍ"؛» ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ عائِشَةَ الَّذِي قَدَّمْنا: «"إنَّما الرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ"؛» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «" ما أنْبَتَ اللَّحْمَ؛ وأنْشَزَ العَظْمَ"؛» وهَذا يَنْفِي كَوْنَ الرَّضاعِ في الكَبِيرِ.
وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ عائِشَةَ؛ الَّذِي قَدَّمْناهُ في رَضاعِ الكَبِيرِ؛ عَلى وجْهٍ آخَرَ؛ وهو ما رَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القاسِمِ؛ عَنْ أبِيهِ؛ أنَّ عائِشَةَ كانَتْ تَأْمُرُ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ أنْ تُرْضِعَ الصِّبْيانَ؛ حَتّى يَدْخُلُوا عَلَيْها إذا صارُوا رِجالًا؛ فَإذًا ثَبَتَ شُذُوذُ قَوْلِ مَن أوْجَبَ رَضاعَ الكَبِيرِ؛ فَحَصَلَ الِاتِّفاقُ عَلى أنَّ رَضاعَ الكَبِيرِ غَيْرُ مُحَرِّمٍ؛ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في مُدَّةِ ذَلِكَ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ما كانَ مِن رَضاعٍ في الحَوْلَيْنِ؛ وبَعْدَهُما بِسِتَّةِ أشْهُرٍ؛ وقَدْ فُطِمَ؛ أوْ لَمْ يُفْطَمْ؛ فَهو يُحَرِّمُ؛ وبَعْدَ ذَلِكَ لا يُحَرِّمُ؛ فُطِمَ؛ أوْ لَمْ يُفْطَمْ؛ وقالَ زُفَرُ بْنُ الهُذَيْلِ: ما دامَ يَجْتَزِئُ بِاللَّبَنِ؛ ولَمْ يُفْطَمْ؛ فَهو رَضاعٌ؛ وإنْ أتى عَلَيْهِ ثَلاثُ سِنِينَ؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ والثَّوْرِيُّ؛ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ؛ والشّافِعِيُّ: "يُحَرِّمُ في الحَوْلَيْنِ؛ ولا يُحَرِّمُ بَعْدَهُما؛ ولا يُعْتَبَرُ الفِطامُ؛ وإنَّما يُعْتَبَرُ الوَقْتُ؛ وقالَ ابْنُ وهْبٍ؛ عَنْ مالِكٍ: قَلِيلُ الرَّضاعِ؛ وكَثِيرُهُ؛ مُحَرِّمٌ في الحَوْلَيْنِ؛ وما كانَ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ فَإنَّهُ لا يُحَرِّمُ قَلِيلُهُ؛ ولا كَثِيرُهُ؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ: اَلرَّضاعُ حَوْلانِ؛ وشَهْرٌ؛ أوْ شَهْرانِ؛ بَعْدَ ذَلِكَ؛ ولا يُنْظَرُ إلى إرْضاعِ أُمِّهِ إيّاهُ؛ إنَّما يُنْظَرُ إلى الحَوْلَيْنِ؛ وشَهْرٍ؛ أوْ شَهْرَيْنِ؛ قالَ: وإنْ فَصَلَتْهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ؛ وأرْضَعَتْهُ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلَيْنِ؛ فَهو فَطِيمٌ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ رَضاعًا؛ إذا كانَ قَدِ اسْتَغْنى قَبْلَ ذَلِكَ عَنِ الرَّضاعِ؛ فَلا يَكُونُ ما أُرْضِعَ بَعْدَهُ رَضاعًا؛ وقالَ الأوْزاعِيُّ: إذا فُطِمَ لِسَنَةٍ؛ واسْتَمَرَّ فِطامُهُ؛ فَلَيْسَ بَعْدَهُ رَضاعٌ؛ ولَوْ أُرْضِعَ ثَلاثَ سِنِينَ لَمْ يُفْطَمْ؛ لَمْ يَكُنْ رَضاعًا بَعْدَ الحَوْلَيْنِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ أقاوِيلُ؛ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: «لا رَضاعَ بَعْدَ فِصالٍ»؛ وعَنْ عُمَرَ؛ وابْنِ عُمَرَ: لا رَضاعَ إلّا ما كانَ في الصِّغَرِ؛ وهَذا يَدُلُّ مِن قَوْلِهِمْ عَلى (p-١١٥)تَرْكِ اعْتِبارِ الحَوْلَيْنِ؛ لِأنَّ عَلِيًّا عَلَّقَ الحُكْمَ بِالفِصالِ؛ وعُمَرَ؛ وابْنَهُ؛ بِالصِّغَرِ؛ مِن غَيْرِ تَوْقِيتٍ؛ وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: "إنَّما يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضاعِ ما كانَ في الثَّدْيِ قَبْلَ الفِطامِ"؛ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضاعِ إلّا ما فَتَقَ الأمْعاءَ؛ وكانَ في الثَّدْيِ قَبْلَ الفِطامِ؛ فَعَلَّقَ الحُكْمَ بِما كانَ قَبْلَ الفِطامِ؛ وبِما فَتَقَ الأمْعاءَ؛ وهو نَحْوُ ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: "إنَّما يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما أنْبَتَ اللَّحْمَ؛ والدَّمَ"؛ فَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن مَذْهَبِهِمُ اعْتِبارُ الحَوْلَيْنِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّهُما قالا: «لا رَضاعَ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ».
وما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"اَلرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ"؛» يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالحَوْلَيْنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الحَوْلانِ تَوْقِيتًا لَهُ لَما قالَ: «اَلرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ»؛ ولَقالَ: "اَلرَّضاعَةُ في الحَوْلَيْنِ"؛ فَلَمّا لَمْ يَذْكُرِ الحَوْلَيْنِ؛ وذَكَرَ المَجاعَةَ - ومَعْناها أنَّ اللَّبَنَ إذا كانَ يَسُدُّ جَوْعَتَهُ؛ ويَقْوى عَلَيْهِ بَدَنُهُ - فالرَّضاعَةُ في تِلْكَ الحالِ؛ وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ؛ فاقْتَضى ظاهِرُ ذَلِكَ صِحَّةَ الرَّضاعِ المُوجِبِ لِلتَّحْرِيمِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ؛ وفي حَدِيثِ جابِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"لا رَضاعَ بَعْدَ فِصالٍ"؛» وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ إذا فُصِلَ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ أنْ يَنْقَطِعَ حُكْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وكَذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"اَلرَّضاعَةُ ما أنْبَتَ اللَّحْمَ؛ وأنْشَزَ العَظْمَ"؛» دَلالَتُهُ عَلى نَفْيِ تَوْقِيتِ الحَوْلَيْنِ بِمُدَّةِ الرَّضاعِ؛ لِدَلالَةِ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ؛ وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَوْلُ: "لَسْتُ أثِقُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ فِيهِ؛ وهو أنَّهُ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾؛ فَإنْ ولَدَتِ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ؛ فَرَضاعُهُ حَوْلانِ كامِلانِ؛ وإنْ ولَدَتْ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ؛ فَأحَدٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا؛ وإنْ ولَدَتْ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ؛ فَثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا؛ يُعْتَبَرُ فِيهِ تَكْمِلَةُ ثَلاثِينَ شَهْرًا بِالحَمْلِ؛ والفِصالِ جَمِيعًا؛ ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ السَّلَفِ؛ والفُقَهاءِ بَعْدَهُمُ اعْتَبَرَ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَتْ أحْوالُ الصِّبْيانِ تَخْتَلِفُ في الحاجَةِ إلى الرَّضاعِ؛ فَمِنهم مَن يَسْتَغْنِي عَنْهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ؛ ومِنهم مَن لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ بَعْدَ كَمالِ الحَوْلَيْنِ؛ واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى نَفْيِ الرَّضاعِ لِلْكَبِيرِ؛ وثُبُوتِ الرَّضاعِ لِلصَّغِيرِ؛ عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ الرِّوايَةِ فِيهِ عَنِ السَّلَفِ؛ ولَمْ يَكُنِ الحَوْلانِ حَدًّا لِلصَّغِيرِ؛ إذْ لا يَمْتَنِعُ أحَدٌ أنْ يُسَمِّيَهُ صَغِيرًا؛ وإنْ أتى عَلَيْهِ حَوْلانِ؛ عَلِمْنا أنَّ الحَوْلَيْنِ لَيْسَ بِتَوْقِيفٍ لِمُدَّةِ الرَّضاعِ؛ ألا تَرى أنَّهُ ﷺ لَمّا قالَ: «" اَلرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ"؛» وقالَ: «"اَلرَّضاعَةُ ما أنْبَتَ اللَّحْمَ؛ وأنْشَزَ العَظْمَ"؛» فَقَدِ اعْتَبَرَ مَعْنًى تَخْتَلِفُ فِيهِ أحْوالُ الصِّغارِ؛ وإنْ كانَ الأغْلَبُ أنَّهم قَدْ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ بِمُضِيِّ الحَوْلَيْنِ؟ فَسَقَطَ اعْتِبارُ الحَوْلَيْنِ في ذَلِكَ؛ ثُمَّ مِقْدارُ الزِّيادَةِ عَلَيْهِما طَرِيقُهُ الِاجْتِهادُ؛ لِأنَّهُ تَحْدِيدٌ بَيْنَ الحالِ الَّتِي يَكْتَفِي فِيها بِاللَّبَنِ في غِذائِهِ؛ ويَنْبُتُ عَلَيْهِ (p-١١٦)لَحْمُهُ؛ وبَيْنَ الِانْتِقالِ إلى الحالِ الَّتِي يَكْتَفِي فِيها بِالطَّعامِ؛ ويَسْتَغْنِي عَنِ اللَّبَنِ؛ وكانَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ سِتَّةُ أشْهُرٍ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ؛ وذَلِكَ اجْتِهادٌ في التَّقْدِيرِ؛ والمَقادِيرِ الَّتِي طَرِيقُها الِاجْتِهادُ؛ لا يَتَوَجَّهُ عَلى القائِلِ بِها سُؤالٌ نَحْوَ: تَقْوِيمِ المُسْتَهْلَكاتِ؛ وأُرُوشِ الجِناياتِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِمَقادِيرِها تَوْقِيفٌ؛ وتَقْدِيرِ مُتْعَةِ النِّساءِ بَعْدَ الطَّلاقِ؛ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ؛ لَيْسَ لِأحَدٍ مُطالَبَةُ مَن غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ المَقادِيرِ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ؛ فَهَذا أصْلٌ صَحِيحٌ في هَذا البابِ؛ تُجْرى مَسائِلُهُ فِيهِ عَلى مِنهاجٍ واحِدٍ؛ ونَظِيرُهُ ما قالَ أبُو حَنِيفَةَ في حَدِّ البُلُوغِ: إنَّهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وإنَّ المالَ لا يُدْفَعُ إلى البالِغِ الَّذِي لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ إلّا بَعْدَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ في نَظائِرَ لِذَلِكَ مِنَ المَسائِلِ الَّتِي طَرِيقُ إثْباتِ المَقادِيرِ فِيها الِاجْتِهادُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: وإنْ كانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ فَلا بُدَّ مِن جِهَةٍ يَغْلِبُ مَعَها في النَّفْسِ اعْتِبارُ هَذا المِقْدارِ بِعَيْنِهِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ فَما المَعْنى الَّذِي أوْجَبَ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ اعْتِبارَ سِتَّةِ أشْهُرٍ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ؛ دُونَ سَنَةٍ تامَّةٍ؛ عَلى ما قالَ زُفَرُ؛ قِيلَ لَهُ: أحَدُ ما يُقالُ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمّا قالَ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]؛ فَعُقِلَ مِن مَفْهُومِ الخِطابَيْنِ كَوْنُ الحَمْلِ سِتَّةَ أشْهُرٍ؛ ثُمَّ جازَتِ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ إلى تَمامِ الحَوْلَيْنِ؛ إذْ لا خِلافَ عَلى أنَّ الحَمْلَ قَدْ يَكُونُ حَوْلَيْنِ؛ ولا يَكُونُ عِنْدَنا الحَمْلُ أكْثَرَ مِنهُما؛ فَلا يَخْرُجُ الحَمْلُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن جُمْلَةِ الحَوْلَيْنِ؛ كَذَلِكَ الفِصالُ لا يَخْرُجُ مِن جُمْلَةِ ثَلاثِينَ شَهْرًا؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا قَدِ انْتَظَمَتْهُما الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾؛ وكانَ أبُو الحَسَنِ يَقُولُ في ذَلِكَ: لَمّا كانَ الحَوْلانِ هُما الوَقْتَ المُعْتادَ لِلْفِطامِ؛ وقَدْ جازَتِ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ بِما ذَكَرْنا؛ وجَبَ أنْ تَكُونَ مُدَّةُ الِانْتِقالِ مِن غِذاءِ اللَّبَنِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ إلى غِذاءِ الطَّعامِ سِتَّةَ أشْهُرٍ؛ كَما كانَتْ مُدَّةُ انْتِقالِ الوَلَدِ في بَطْنِ الأُمِّ إلى غِذاءِ الطَّعامِ بِالوِلادَةِ سِتَّةَ أشْهُرٍ؛ وذَلِكَ أقَلُّ مُدَّةِ الحَمْلِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ نَصَّ عَلى أنَّ الحَوْلَيْنِ تَمامُ الرَّضاعِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ رَضاعٌ؛ قِيلَ لَهُ: إطْلاقُ لَفْظِ الإتْمامِ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ الزِّيادَةِ عَلَيْهِ؛ ألا تَرى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ جَعَلَ مُدَّةَ الحَمْلِ سِتَّةَ أشْهُرٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]؛ فَجَعَلَ مَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ الحَمْلَ سِتَّةَ أشْهُرٍ؛ ثُمَّ لَمْ تَمْتَنِعِ الزِّيادَةُ عَلَيْها؟ فَكَذَلِكَ ذِكْرُ الحَوْلَيْنِ لِلرَّضاعِ غَيْرُ مانِعٍ جَوازَ الزِّيادَةِ عَلَيْهِما؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «"مَن أدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ"؛» ولَمْ تَمْتَنِعْ زِيادَةُ الفَرْضِ عَلَيْها؛ وأيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ تَقْدِيرٌ لِما يَلْزَمُ الأبَ مِن (p-١١٧)أُجْرَةِ الرَّضاعِ؛ وأنَّهُ غَيْرُ مُجْبَرٍ عَلى أكْثَرَ مِنهُما لِإثْباتِهِ الرَّضاعَ بِتَراضِيهِما؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ وبِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ فَلَمّا ثَبَتَ الرَّضاعُ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّحْرِيمِ بِهِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِما.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا اعْتَبَرْتَ الفِطامَ؛ عَلى ما اعْتَبَرَهُ مالِكٌ في الحَوْلَيْنِ؛ في حالِ اسْتِغْناءِ الصَّبِيِّ عَنِ اللَّبَنِ بِالطَّعامِ؛ بِدَلالَةِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا رَضاعَ بَعْدَ فِصالٍ"؛» وبِما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ فِيهِ؛ عَلى نَحْوِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ؛ مِمّا يَدُلُّ كُلُّهُ عَلى اعْتِبارِ الفِطامِ؟ قِيلَ لَهُ: لَوْ وجَبَ ذَلِكَ لَوَجَبَ اعْتِبارُ حالِ الصَّبِيِّ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ في حاجَتِهِ إلى اللَّبَنِ؛ واسْتِغْنائِهِ عَنْهُ؛ لِأنَّ مِنَ الصِّبْيانِ مَن يَحْتاجُ إلى الرَّضاعِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ؛ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى سُقُوطِ اعْتِبارِ ذَلِكَ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ؛ دَلَّ عَلى سُقُوطِ اعْتِبارِهِ في الحَوْلَيْنِ؛ ووَجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ مُعَلَّقًا بِالوَقْتِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ جابِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"لا رَضاعَ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ"؛» قِيلَ لَهُ: اَلْمَشْهُورُ عَنْهُ: «"لا رَضاعَ بَعْدَ فِصالٍ"؛» فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا هو أصْلُ الحَدِيثِ؛ وأنَّ مَن ذَكَرَ الحَوْلَيْنِ حَمَلَهُ عَلى المَعْنى وحْدَهُ؛ وأيْضًا لَوْ ثَبَتَ هَذا اللَّفْظُ احْتَمَلَ أنْ يُرِيدَ أيْضًا: لا رَضاعَ عَلى الأبِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ؛ عَلى نَحْوِ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وأيْضًا لَوْ كانَ الحَوْلانِ هُما مُدَّةَ الرَّضاعِ؛ وبِهِما يَقَعُ الفِصالُ؛ لَما قالَ (تَعالى): ﴿فَإنْ أرادا فِصالا﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ وهَذا القَوْلُ يَدُلُّ مِن وجْهَيْنِ عَلى أنَّ الحَوْلَيْنِ لَيْسا تَوْقِيتًا لِلْفِصالِ؛ أحَدُهُما ذِكْرُهُ لِلْفِصالِ مَنكُورًا؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فِصالا﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ ولَوْ كانَ الحَوْلانِ فِصالًا لَقالَ: "اَلْفِصالَ"؛ حَتّى يَرْجِعَ ذِكْرُ الفِصالِ إلَيْهِما؛ لِأنَّهُ مَعْهُودٌ؛ مُشارٌ إلَيْهِ؛ فَلَمّا أطْلَقَ فِيهِ لَفْظَ النَّكِرَةِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الحَوْلَيْنِ؛ والوَجْهُ الآخَرُ تَعْلِيقُهُ الفِصالَ بِإرادَتِهِما؛ وما كانَ مَقْصُورًا عَلى وقْتٍ مَحْدُودٍ لا يُعَلَّقُ بِالإرادَةِ؛ والتَّراضِي؛ والتَّشاوُرِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى ما ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ لِإباحَةِ اللَّهِ (تَعالى) لِلْوالِدَيْنِ التَّشاوُرَ فِيما يُؤَدِّي إلى صَلاحِ أمْرِ الصَّغِيرِ؛ وذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى غالِبِ ظَنِّهِما؛ لا مِن جِهَةِ اليَقِينِ؛ والحَقِيقَةِ؛ وفِيهِ أيْضًا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الفِطامَ في مُدَّةِ الرَّضاعِ مَوْقُوفٌ عَلى تَراضِيهِما؛ وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدِهِما أنْ يَفْطِمَهُ دُونَ الآخَرِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ فَأجازَ ذَلِكَ بِتَراضِيهِما؛ وتَشاوُرِهِما؛ وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ نَسْخٌ في هَذِهِ الآيَةِ؛ رَوى شَيْبانُ؛ عَنْ قَتادَةَ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): (p-١١٨)﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]: أنْزَلَ التَّخْفِيفَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛
قالَ أبُو بَكْرٍ: كَأنَّهُ عِنْدَهُ كانَ رَضاعُ الحَوْلَيْنِ واجِبًا؛ ثُمَّ خُفِّفَ؛ وأُبِيحَ الرَّضاعُ أقَلَّ مِن مُدَّةِ الرَّضاعِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ ورَوى أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيُّ؛ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَ قَوْلِ قَتادَةَ؛ ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]: فَجَعَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - الرَّضاعَ حَوْلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ إنْ أرادا أنْ يَفْطِماهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ؛ أوْ بَعْدَهُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
*****
* *
ومِن سُورَةِ الأحْقافِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ رُوِيَ أنَّ عُثْمانَ أمَرَ بِرَجْمِ امْرَأةٍ قَدْ ولَدَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ وقالَ: ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] ورُوِيَ أنَّ عُثْمانَ سَألَ النّاسَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وأنَّ عُثْمانَ رَجَعَ إلى قَوْلِ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ كُلَّ ما زادَ في الحَمْلِ نَقَصَ مِنَ الرَّضاعِ، فَإذا كانَ الحَمْلُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ فالرَّضاعُ واحِدٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، وعَلى هَذا القِياسِ جَمِيعُ ذَلِكَ.
ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الرَّضاعَ حَوْلانِ في جَمِيعِ النّاسِ، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَن زادَ (p-٢٦٨)حَمْلُهُ أوْ نَقَصَ وهو مُخالِفٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ [الرعد: ٨] ما نَقَصَ عَنْ تِسْعَةِ أشْهُرٍ أوْ زادَ عَلَيْها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: " أشُدُّهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً " وقالَ الشَّعْبِيُّ: " هو بُلُوغُ الحُلُمِ " وقالَ الحَسَنُ: " أشُدُّهُ قِيامُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ " .
الأحقاف 46:20
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ رَوى الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أنْ يُوَسِّعَ عَلى أُمَّتِكَ فَقَدْ وسَّعَ عَلى فارِسَ والرُّومِ وهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فاسْتَوى جالِسًا وقالَ: «أفِي شَكٍّ أنْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهم طَيِّباتُهم في الحَياةِ الدُّنْيا» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ قالَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: " لَوْ شِئْتَ أنْ أُذْهِبَ طَيِّباتِي في حَياتِي لَأمَرْتَ بِجَدْيٍ سَمِينٍ يُطْبَخُ بِاللَّبَنِ " وقالَ مَعْمَرٌ: قالَ قَتادَةُ: قالَ عُمَرُ: " لَوْ شِئْتُ أنْ أكُونَ أطْيَبَكم طَعامًا وألْيَنَكم ثِيابًا لَفَعَلْتُ، ولَكِنِّي أسْتَبْقِي طَيِّباتِي " وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: قَدِمَ عَلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ناسٌ مِن أهْلِ العِراقِ، فَقَرَّبَ إلَيْهِمْ طَعامَهُ، فَرَآهم كَأنَّهم يَتَعَذَّرُونَ في الأكْلِ، فَقالَ: " يا أهْلَ العِراقِ لَوْ شِئْتُ أنْ يُدَهْمَقَ لِي كَما يُدَهْمَقُ لَكم لَفَعَلْتُ، ولَكِنْ نَسْتَبْقِي مِن دُنْيانا لَآخِرَتِنا، أما سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ رَأى ذَلِكَ أفْضَلَ لا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أباحَ ذَلِكَ، فَلا يَكُونُ آكِلُهُ فاعِلًا مَحْظُورًا، قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] آخِرُ سُورَةِ الأحْقافِ.
محمد 47:4
ومِن سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ
﷽
قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اقْتَضى ظاهِرُهُ وُجُوبَ القَتْلِ لا غَيْرُ إلّا بَعْدَ الإثْخانِ، وهو نَظِيرُ قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَكَمِ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] قالَ: " ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، فَلَمّا كَثُرُوا واشْتَدَّ سُلْطانُهم (p-٢٦٩)أنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - بَعْدَ هَذا في الأُسارى: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ في الأُسارى بِالخِيارِ، إنْ شاءُوا قَتَلُوهم، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم، وإنْ شاءُوا فادُوهم شَكَّ أبُو عُبَيْدٍ في "، وإنْ شاءُوا اسْتَعْبَدُوهم " .
وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مَهْدِيٍّ وحَجّاجٌ كِلاهُما عَنْ سُفْيانَ قالَ: سَمِعْتُ السُّدِّيَّ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ قالَ: هي مَنسُوخَةٌ نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]
قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾
وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] فَإنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ حُكْمًا ثابِتًا غَيْرَ مَنسُوخٍ وذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالإثْخانِ بِالقَتْلِ وحَظَرَ عَلَيْهِ الأسْرَ إلّا بَعْدَ إذْلالِ المُشْرِكِينَ وقَمْعِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ في وقْتِ قِلَّةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةِ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَمَتى أُثْخِنِ المُشْرِكُونَ وأُذِلُّوا بِالقَتْلِ والتَّشْرِيدِ جازَ الِاسْتِبْقاءُ.
فالواجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا حُكْمًا ثابِتًا إذا وُجِدَ مِثْلُ الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها المُسْلِمُونَ في أوَّلِ الإسْلامِ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أحَدَ شَيْئَيْنِ مِن مَنٍّ أوْ فِداءٍ، وذَلِكَ يَنْفِي جَوازَ القَتْلِ، وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنْ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كَرِهَ قَتَلَ الأسِيرِ وقالَ: " مُنَّ عَلَيْهِ أوْ فادِهِ " .
وحَدَّثَنا جَعْفَرٌ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرٌ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ قالَ: أخْبَرَنا أشْعَثُ قالَ: سَألْتُ عَطاءً عَنْ قَتْلِ الأسِيرِ، فَقالَ: " مُنَّ عَلَيْهِ أوْ فادِهِ " قالَ: وسَألْتُ الحَسَنَ، قالَ: " يُصْنَعُ بِهِ ما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُسارى بَدْرٍ، يُمَنُّ عَلَيْهِ أوْ يُفادى بِهِ " ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ دُفِعَ إلَيْهِ عَظِيمٌ مِن عُظَماءِ إصْطَخْرَ لِيَقْتُلَهُ، فَأبى أنْ يَقْتُلَهُ وتَلا قَوْلَهُ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ . ورُوِيَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كَراهَةَ قَتْلِ الأسِيرِ، وقَدْ رَوَيْنا عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنا جَعْفَرٌ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرٌ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: " هي مَنسُوخَةٌ " وقالَ: «قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا»
قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى جَوازِ قَتْلِ الأسِيرِ لا نَعْلَمُ بَيْنَهم خِلافًا فِيهِ، وقَدْ تَواتَرَتِ الأخْبارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَتْلِهِ الأسِيرَ، مِنها قَتْلُهُ عَقَبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ بَعْدَ الأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَتَلَ يَوْمَ أُحُدٍ أبا عَزَّةَ الشّاعِرَ بَعْدَما أُسِرَ، وقَتَلَ (p-٢٧٠)بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ نُزُولِهِمْ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ.
فَحَكَمَ فِيهِمْ بِالقَتْلِ وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ ومَنَّ عَلى الزُّبَيْرِ بْنِ باطا مِن بَيْنِهِمْ، وفَتَحَ خَيْبَرَ بَعْضَها صُلْحًا وبَعْضَها عَنْوَةً، وشَرَطَ عَلى ابْنِ أبِي الحَقِيقِ أنْ لا يَكْتُمَ شَيْئًا فَلَمّا ظَهَرَ عَلى خِيانَتِهِ وكِتْمانِهِ قَتَلَهُ، وفَتَحَ مَكَّةَ وأمَرَ بِقَتْلِ هِلالِ بْنِ خَطَلٍ ومَقِيسِ بْنِ صَبابَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وآخَرِينَ وقالَ: «اُقْتُلُوهم، وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ» ومَنَّ عَلى أهْلِ مَكَّةَ ولَمْ يَغْنَمْ أمْوالَهم.
ورُوِيَ عَنْ صالِحِ بْنِ كَيْسانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّهُ سَمِعَ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَقُولُ: " ودِدْتُ أنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالفُجاءَةِ لَمْ أكُنْ أحْرَقْتُهُ وكُنْتُ قَتَلْتُهُ صَرِيحًا أوْ أطْلَقْتُهُ نَجِيحًا " وعَنْ أبِي مُوسى أنَّهُ قَتَلَ دِهْقانَ السُّوسِ بَعْدَما أعْطاهُ الأمانَ عَلى قَوْمٍ سَمّاهم ونَسِيَ نَفْسَهُ فَلَمْ يُدْخِلْها في الأمانِ فَقَتَلَهُ فَهَذِهِ آثارٌ مُتَواتِرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعَنِ الصَّحابَةِ في جَوازِ قَتْلِ الأسِيرِ وفي اسْتِبْقائِهِ واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في فِدائِهِ، فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا: " يُفادى الأسِيرُ بِالمالِ ولا يُباعُ السَّبْيُ مِن أهْلِ الحَرْبِ فَيَرُدُّوا حَرْبًا " وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُفادُونَ بِأسْرى المُسْلِمِينَ أيْضًا ولا يُرَدُّونَ حَرْبًا أبَدًا " وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: " لا بَأْسَ أنْ يُفادى أسْرى المُسْلِمِينَ بِأسْرى المُشْرِكِينَ "، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ وقالَ الأوْزاعِيُّ: " لا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّبْيِ مِن أهْلِ الحَرْبِ ولا يُباعُ الرِّجالُ إلّا أنْ يُفادى بِهِمُ المُسْلِمُونَ " وقالَ المُزَنِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ: " لِلْإمامِ أنْ يَمُنَّ عَلى الرِّجالِ الَّذِينَ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أوْ يُفادِيَ بِهِمْ " فَأمّا المُجِيزُونَ لِلْفِداءِ بِأسْرى المُسْلِمِينَ وبِالمالِ فَإنَّهُمُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوازَهُ بِالمالِ وبِالمُسْلِمِينَ، وبِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ «فَدى أُسارى بَدْرٍ بِالمالِ» ويَحْتَجُّونَ لِلْفِداءِ بِالمُسْلِمِينَ بِما رَوى ابْنُ المُبارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ أبِي المُهَلَّبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حَصِينٍ قالَ: «أسَرَتْ ثَقِيفٌ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وأسَرَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا مِن بَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَمُرَّ بِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو مُوثَقٌ، فَأقْبَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: عَلامَ أُحْبَسُ ؟ قالَ: بِجَرِيرَةِ حُلَفائِكَ فَقالَ الأسِيرُ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ قُلْتَها وأنْتَ تَمْلِكُ أمْرَكَ لَأفْلَحَتْ كُلَّ الفَلاحِ ثُمَّ مَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَناداهُ أيْضًا، فَأقْبَلَ فَقالَ: إنِّي جائِعٌ فَأطْعِمْنِي فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذِهِ حاجَتُكَ»، ثُمَّ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَداهُ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ كانَتْ ثَقِيفٌ أسَرَتْهُما» .
ورَوى ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ أبِي المُهَلَّبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حَصِينٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَدى رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن بَنِي عَقِيلٍ» ولَمْ يَذْكُرْ (p-٢٧١)إسْلامَ الأسِيرِ، وذَكَرَهُ في الحَدِيثِ الأوَّلِ ولا خِلافَ أنَّهُ لا يُفادى الآنَ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ لا يُرَدُّ إلى أهْلِ الحَرْبِ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ شَرَطَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ لِقُرَيْشٍ أنَّ مَن جاءَ مِنهم مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ونَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الإقامَةِ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ وقالَ: «أنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ» - وقالَ: «مَن أقامَ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ الذِّمَّةُ» .
وأمّا ما في الآيَةِ مِن ذِكْرِ المَنِّ أوِ الفِداءِ وما رُوِيَ في أُسارى بَدْرٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَدْ رَوَيْنا ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَتَضَمَّنَتِ الآيَتانِ وُجُوبَ القِتالِ لِلْكُفّارِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، والفِداءُ بِالمالِ أوْ بِغَيْرِهِ يُنافِي ذَلِكَ ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَّفْسِيرِ ونَقَلَةُ الآثارِ أنَّ سُورَةَ بَراءَةٍ بَعْدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ المَذْكُورُ فِيها ناسِخًا لِلْفِداءِ المَذْكُورِ في غَيْرِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ قالَ الحَسَنُ: " حَتّى يُعْبَدَ اللَّهُ ولا يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ " وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " خُرُوجُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ ويَلْقى الذِّئْبُ الشّاةَ فَلا يَعْرِضُ لَها ولا تَكُونُ عَداوَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ " وقالَ الفَرّاءُ: " آثامُها وشِرْكُها حَتّى لا يَكُونَ إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إيجابُ القِتالِ إلى أنْ لا يَبْقى مَن يُقاتِلُ.
محمد 47:33
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ يُحْتَجُّ بِهِ في أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في قُرْبَةٍ لا يَجُوزُ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَ إتْمامِها لِما فِيهِ مِن إبْطالِ عَمَلِهِ نَحْوُ الصَّلاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ وغَيْرِهِ. آخِرُ سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
محمد 47:35
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: " لا تَضْعُفُوا عَنِ القِتالِ وتَدْعُوا إلى الصُّلْحِ " وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ قالَ: " لا تَكُونُوا أوَّلَ الطّائِفَتَيْنِ ضَرَعَتْ إلى صاحِبَتِها " ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] قالَ: " أنْتُمْ أوْلى بِاللَّهِ مِنهم "
قالَ أبُو بَكْرٍ: فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى امْتِناعِ جَوازِ طَلَبِ الصُّلْحِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وهُوَ بَيانٌ لِما أكَّدَ فَرْضَهُ مِن قِتالِ مُشْرِكِي العَرَبِ حَتّى يُسْلِمُوا وقِتالِ أهْلِ الكِتابِ ومُشْرِكِي العَجَمِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، والصُّلْحُ عَلى غَيْرِ إعْطاءِ الجِزْيَةِ خارِجٌ عَنْ مُقْتَضى الآياتِ المُوجِبَةِ لِما وصَفْنا، فَأكَّدَ النَّهْيَ عَنِ الصُّلْحِ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ صُلْحًا، وإنَّما فَتَحَها عَنْوَةً؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ نَهاهُ عَنِ الصُّلْحِ في هَذِهِ الآيَةِ وأخْبَرَ أنَّ (p-٢٧٢)المُسْلِمِينَ هُمُ الأعْلَوْنَ الغالِبُونَ، ومَتى دَخَلَها صُلْحًا بِرِضاهم فَهم مُتَساوُونَ؛ إذْ كانَ حُكْمُ ما يَقَعُ بِتَراضِي الفَرِيقَيْنِ فَهُما مُتَساوِيانِ فِيهِ لَيْسَ أحَدُهُما بِأوْلى بِأنْ يَكُونَ غالِبًا عَلى صاحِبِهِ مِنَ الآخَرِ.
الفتح 48:1
ومِن سُورَةِ الفَتْحِ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ رُوِيَ أنَّهُ أرادَ فَتْحَ مَكَّةَ، وقالَ قَتادَةُ: " قَضَيْنا لَكَ قَضاءً مُبِينًا " والأظْهَرُ أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ؛ لِأنَّ القَضاءَ لا يَتَناوَلُهُ الإطْلاقُ، وإذا كانَ المُرادُ فَتْحَ مَكَّةَ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَتَحَها عَنْوَةً؛ إذْ كانَ الصُّلْحُ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الفَتْحِ، وإنْ كانَ قَدْ يُعَبَّرُ مُقَيَّدًا؛ لِأنَّ مَن قالَ: " فَتَحَ بَلَدَ كَذا عُقِلَ بِهِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ دُونَ الصُّلْحِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣]
وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُرادَ فَتْحُ مَكَّةَ وأنَّهُ دَخَلَها عَنْوَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] لَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّ المُرادَ فَتْحُ مَكَّةَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] وذِكْرُهُ ذَلِكَ في سِياقِ القِصَّةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَعْنى: سُكُونُ النَّفْسِ إلى الإيمانِ بِالبَصائِرِ الَّتِي بِها قاتَلُوا عَنْ دَيْنِ اللَّهِ حَتّى فَتَحُوا مَكَّةَ.
الفتح 48:16
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ رُوِيَ أنَّ المُرادَ فارِسُ والرُّومُ، ورُوِيَ أنَّهم بَنُو حَنِيفَةَ فَهو دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم؛ لِأنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَعاهم إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ ودَعاهم عُمَرُ إلى قِتالِ فارِسَ والرُّومِ، وقَدْ ألْزَمَهُمُ اللَّهُ اتِّباعَ طاعَةِ مَن يَدْعُوهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ فَأوْعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى التَّخَلُّفِ عَمَّنْ دَعاهم إلى قِتالِ هَؤُلاءِ، فَدَلَّ عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِما، إذْ كانَ المُتَوَلِّي عَنْ طاعَتِهِما مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَوى قَتادَةُ أنَّهم هَوازِنُ وثَقِيفٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ قِيلَ لَهُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهُمُ النَّبِيَّ ﷺ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالدُّعاءِ لَهم غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَدْعُ (p-٢٧٣)هَؤُلاءِ القَوْمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلّا أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. رَضِيَ اللًّهُ عَنْهُما
الفتح 48:18
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ إيمانِ الَّذِينَ بايَعُوا النَّبِيَّ ﷺ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ وصِدْقِ بَصائِرِهِمْ، فَهم قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " كانُوا ألْفَيْنِ وخَمْسَمِائَةٍ "، وقالَ جابِرٌ: " ألْفًا وخَمْسَمِائَةٍ "، فَدَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ عَلى الحَقِيقَةِ أوْلِياءَ لِلَّهِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُخْبِرَ اللَّهُ بِرِضاهُ عَنْ قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ إلّا وباطِنُهم كَظاهِرِهِمْ في صِحَّةِ البَصِيرَةِ وصِدْقِ الإيمانِ، وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أخْبَرَ أنَّهُ عَلِمَ مِن قُلُوبِهِمْ صِحَّةَ البَصِيرَةِ وصِدْقَ النِّيَّةِ، وأنَّ ما أبْطَنُوهُ مِثْلُ ما أظْهَرُوهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي الصَّبْرَ بِصِدْقِ نِيّاتِهِمْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْفِيقَ يَصْحَبُ صِدْقَ النِّيَّةِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ [النساء: ٣٥]
الفتح 48:24
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهُمْ﴾ الآيَةَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ، «وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ كانُوا بَعَثُوا أرْبَعِينَ رَجُلًا لِيُصِيبُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأُتِيَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أسْرى فَخَلّى سَبِيلَهم» ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في فَتْحِ مَكَّةَ حِينَ دَخَلَها النَّبِيُّ ﷺ عَنْوَةً فَإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في فَتْحِ مَكَّةَ فَدَلالَتُها ظاهِرَةٌ عَلى أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعالى -: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ ومُصالَحَتُهم لا ظَفَرَ فِيها لِلْمُسْلِمِينَ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ فَتْحُها عَنْوَةً.
الفتح 48:25
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ يَحْتَجُّ بِهِ مَن يُجِيزُ ذَبْحَ هَدْيِ الإحْصارِ في غَيْرِ الحَرَمِ، لِإخْبارِهِ بِكَوْنِهِ مَحْبُوسًا عَنْ بُلُوغِ مَحِلِّهِ، ولَوْ كانَ قَدْ بَلَغَ الحَرَمَ وذَبَحَ فِيهِ لَما كانَ مَحْبُوسًا عَنْ بُلُوغِ المَحِلِّ.
ولَيْسَ هَذا كَما ظَنُّوا؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ مَمْنُوعًا بَدِيًّا عَنْ بُلُوغِ المَحِلِّ ثُمَّ لَمّا وقَعَ الصُّلْحُ زالَ المَنعُ فَبَلَغَ مَحِلَّهُ وذُبِحَ في الحَرَمِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ المَنعُ في أدْنى وقْتٍ فَجائِزٌ أنْ يُقالَ قَدْ مُنِعَ كَما قالَ - تَعالى -: ﴿قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ [يوسف: ٦٣] وإنَّما مُنِعَ في وقْتٍ وأُطْلِقَ في وقْتٍ آخِرَ وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَحِلَّ هو الحَرَمُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ فَلَوْ كانَ مَحِلُّهُ غَيْرَ الحَرَمِ لَما كانَ مَعْكُوفًا عَنْ بُلُوغِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَحِلُّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو الحَرَمُ.
* *
قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ وزُفَرُ ومُحَمَّدٌ والثَّوْرِيُّ: " لا بَأْسَ بِرَمْيِ حُصُونِ المُشْرِكِينَ، (p-٢٧٤)وإنْ كانَ فِيها أُسارى وأطْفالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولا بَأْسَ بِأنْ يُحَرِّقُوا الحُصُونَ ويَقْصِدُوا بِهِ المُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ إنْ تَتَرَّسَ الكُفّارُ بِأطْفالِ المُسْلِمِينَ رُمِيَ المُشْرِكُونَ، وإنْ أصابُوا أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ فَلا دِيَةَ ولا كَفّارَةَ " وقالَ الثَّوْرِيُّ: " فِيهِ الكَفّارَةُ ولا دِيَةَ فِيهِ " وقالَ مالِكٌ: " لا تُحَرَّقُ سَفِينَةُ الكُفّارِ إذا كانَ فِيها أُسارى مِنَ المُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى -: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ إنَّما صُرِفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهم لَمّا كانَ فِيهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولَوْ تَزَيَّلَ الكُفّارُ عَنِ المُسْلِمِينَ لَعَذَّبَ الكُفّارَ " .
وقالَ الأوْزاعِيُّ: " إذا تَتَرَّسَ الكُفّارُ بِأطْفالِ المُسْلِمِينَ لَمْ يُرْمَوْا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ " قالَ: " ولا يُحَرَّقُ المَرْكَبُ فِيهِ أُسارى المُسْلِمِينَ، ويُرْمى الحِصْنُ بِالمَنجَنِيقِ، وإنْ كانَ فِيهِ أُسارى مُسْلِمُونَ، فَإنْ أصابَ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَهو خَطَأٌ، وإنْ جاءُوا يَتَتَرَّسُونَ بِهِمْ رُمِيَ وقُصِدَ العَدُوُّ "، وهو قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا بَأْسَ بِأنْ يُرْمى الحِصْنُ، وفِيهِ أُسارى أوْ أطْفالٌ، ومَن أُصِيبَ فَلا شَيْءَ فِيهِ، ولَوْ تَتَرَّسُوا فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: يُرْمَوْنَ. والآخِرُ: لا يُرْمَوْنَ إلّا أنْ يَكُونُوا مُلْتَحِمِينَ، فَيُضْرَبُ المُشْرِكُ ويَتَوَقّى المُسْلِمُ جَهْدَهُ، فَإنَّ أصابَ في هَذِهِ الحالِ مُسْلِمًا فَإنْ عَلِمَهُ مُسْلِمًا فالدِّيَةُ مَعَ الرَّقَبَةِ، وإنْ لَمْ يَعْلَمْهُ مُسْلِمًا فالرَّقَبَةُ وحْدَها "
قالَ أبُو بَكْرٍ: نَقَلَ أهْلُ السِّيَرِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حاصَرَ أهْلَ الطّائِفِ ورَماهم بِالمَنجَنِيقِ مَعَ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ والوِلْدانِ»، وقَدْ عَلِمَ ﷺ أنَّهُ قَدْ يُصِيبُهم وهو لا يَجُوزُ تَعَمُّدُهم بِالقَتْلِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ كَوْنَ المُسْلِمِينَ فِيما بَيْنَ أهْلِ الحَرْبِ لا يَمْنَعُ رَمْيَهم؛ إذْ كانَ القَصْدُ فِيهِ المُشْرِكِينَ دُونَهم ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جُثامَةَ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أهْلِ الدِّيارِ مِنَ المُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصابُ مِن ذَرارِيِّهِمْ ونِسائِهِمْ، فَقالَ هم مِنهم» .
«وبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَقالَ: أغِرْ عَلى أُبْنى صَباحًا وحَرِّقْ، وكانَ يَأْمُرُ السَّرايا بِأنْ يَنْتَظِرُوا بِمَن يَغْزُو بِهِمْ، فَإنْ أذَّنُوا لِلصَّلاةِ أمْسَكُوا عَنْهم، وإنْ لَمْ يَسْمَعُوا أذانًا أغارُوا» وعَلى ذَلِكَ مَضى الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ.
ومَعْلُومٌ أنَّ مَن أغارَ عَلى هَؤُلاءِ لا يَخْلُو مِن أنْ يُصِيبَ مِن ذَرارِيِّهِمْ ونِسائِهِمُ المَحْظُورِ قَتْلُهم، فَكَذَلِكَ إذا كانَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ وجَبَ أنْ لا يَمْنَعَ ذَلِكَ مِن شَنِّ الغارَةِ عَلَيْهِمْ ورَمْيِهِمْ بِالنَّشّابِ وغَيْرِهِ، وإنْ خِيفَ عَلَيْهِ إصابَةُ المُسْلِمِ فَإنْ قِيلَ: إنَّما جاءَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَرارِيَ المُشْرِكِينَ مِنهم، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِالصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ قِيلَ لَهُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ ﷺ في ذَرارِيِّهِمْ أنَّهم مِنهم في الكُفْرِ؛ لِأنَّ الصِّغارَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا (p-٢٧٥)كُفّارًا في الحَقِيقَةِ ولا يَسْتَحِقُّونَ القَتْلَ ولا العُقُوبَةَ لِفِعْلِ آبائِهِمْ في بابِ سُقُوطِ الدِّيَةِ والكَفّارَةِ.
وأمّا احْتِجاجُ مِن يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ الآيَةَ، في مَنعِ رَمْيِ الكُفّارِ؛ لِأجْلِ مَن فِيهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى مَوْضِعِ الخِلافِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيها أنَّ اللَّهَ كَفَّ المُسْلِمِينَ عَنْهم؛ لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ لَمْ يَأْمَن أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ لَوْ دَخَلُوا مَكَّةَ بِالسَّيْفِ أنْ يُصِيبُوهم وذَلِكَ إنَّما يَدُلُّ عَلى إباحَةِ تَرْكِ رَمْيِهِمْ والإقْدامِ عَلَيْهِمْ، فَلا دَلالَةَ عَلى حَظْرِ الإقْدامِ عَلَيْهِمْ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ فِيهِمْ مُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يُبِيحَ الكَفَّ عَنْهم؛ لِأجْلِ المُسْلِمِينَ وجائِزٌ أيْضًا إباحَةُ الإقْدامِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ، فَإذًا لا دَلالَةَ فِيها عَلى حَظْرِ الإقْدامِ فَإنْ قِيلَ: في فَحَوى الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى الحَظْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فَلَوْلا الحَظْرُ ما أصابَتْهم مَعَرَّةٌ مِن قَتْلِهِمْ بِإصابَتِهِمْ إيّاهم قِيلَ لَهُ:
قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في مَعْنى المَعَرَّةِ هَهُنا. فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ غُرْمُ الدِّيَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: الكَفّارَةُ، وقالَ غَيْرُهُما: الغَمُّ بِاتِّفاقِ قَتْلِ المُسْلِمِ عَلى يَدِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ يَغْتَمُّ لِذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَقْصِدْهُ وقالَ آخَرُونَ: العَيْبُ وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: " المَعَرَّةُ الإثْمُ "، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - قَدْ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ كانَ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنّا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى -: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ولا مَأْثَمَ عَلَيْهِ فِيما لَمْ يَعْلَمْهُ، ولَمْ يَضَعِ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا، قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدِ المَأْثَمَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كانَ خاصًّا في أهْلِ مَكَّةَ لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، ألا تَرى أنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْقَتْلِ إذا لَجَأ إلَيْها لَمْ يُقْتَلْ عِنْدَنا ؟ وكَذَلِكَ الكافِرُ الحَرْبِيُّ إذا لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُقْتَلْ، وإنَّما يُقْتَلُ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ بِالجِنايَةِ فِيهِ فَمَنعُ المُسْلِمِينَ مِنَ الإقْدامِ عَلَيْهِمْ خُصُوصِيَّةٌ لِحُرْمَةِ الحَرَمِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٍ قَدْ عُلِمَ أنَّهم سَيَكُونُونَ مِن أوْلادِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ إذا لَمْ يُقْتَلُوا فَمَنَعَنا قَتْلَهم لِما في مَعْلُومِهِ مِن حُدُوثِ أوْلادِهِمْ مُسْلِمِينَ. وإذا كانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ إذا أبْقاهم كانَ لَهم أوْلادٌ مُسْلِمُونَ أبْقاهم ولَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، لَوْ كانَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ في أصْلابِهِمْ قَدْ ولَدُوهم وزايَلُوهم لَقَدْ كانَ أمَرَ بِقَتْلِهِمْ، وإذا ثَبَتَ ما ذَكَرْنا مِن جَوازِ الإقْدامِ عَلى الكُفّارِ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِ المُسْلِمِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ وجَبَ جَوازُ مِثْلِهِ إذا تَتَرَّسُوا بِالمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ القَصْدَ في الحالَيْنِ رَمْيُ المُشْرِكِينَ دُونَهم ومَن أُصِيبَ مِنهم فَلا دِيَةَ فِيهِ ولا كَفّارَةَ، كَما أنَّ مَن أُصِيبَ بِرَمْيِ حُصُونِ الكُفّارِ مِن (p-٢٧٦)المُسْلِمِينَ الَّذِينَ في الحِصْنِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ دِيَةٌ ولا كَفّارَةٌ ولِأنَّهُ قَدْ أُبِيحَ لَنا الرَّمْيُ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ الجِهَةِ، فَصارُوا في الحُكْمِ بِمَنزِلَةِ مَن أُبِيحَ قَتْلُهُ فَلا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ، ولَيْسَتِ المَعَرَّةُ المَذْكُورَةُ دِيَةً ولا كَفّارَةً؛ إذْ لا دَلالَةَ عَلَيْهِ مِن لَفْظِهِ ولا مِن غَيْرِهِ. والأظْهَرُ مِنهُ ما يُصِيبُهُ مِنَ الغَمِّ والحَرَجِ بِاتِّفاقِ قَتْلِ المُؤْمِنِ عَلى يَدِهِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِمَّنْ يَتَّفِقُ عَلى يَدِهِ ذَلِكَ وقَوْلُ مَن تَأوَّلَهُ عَلى العَيْبِ مُحْتَمَلٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يُعابُ في العادَةِ بِاتِّفاقِ قَتْلِ الخَطَإ عَلى يَدِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى وجْهِ العُقُوبَةِ.
الفتح 48:26
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ﴾ قِيلَ إنَّهُ «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَكْتُبَ صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ أمَرَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَتَبَهُ، وأمْلى عَلَيْهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذا ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَأبَتْ قُرَيْشٌ أنْ يَكْتُبُوا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ومُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وقالُوا: نَكْتُبُ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ»، ومَنَعُوهُ دُخُولَهُ مَكَّةَ فَكانَتْ أنَفَتُهم مِنَ الإقْرارِ بِذَلِكَ مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، وعَنْ قَتادَةَ مِثْلُهُ وقالَ مُجاهِدٌ: " كَلِمَةُ الإخْلاصِ " وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قالَ: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " .
الفتح 48:27
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: المَقْصِدُ إخْبارُهم بِأنَّهم يَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ آمَنِينَ مُتَقَرِّبِينَ بِالإحْرامِ، فَلَمّا ذَكَرَ مَعَهُ الحَلْقَ والتَّقْصِيرَ دَلَّ عَلى أنَّهُما قُرْبَةٌ في الإحْرامِ، وأنَّ الإحْلالَ بِهِما يَقَعُ، لَوْلا ذَلِكَ ما كانَ لِلذِّكْرِ هَهُنا وجْهٌ.
ورَوى جابِرٌ وأبُو هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاثًا ولِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً»، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما قُرْبَةٌ ونُسُكٌ عِنْدَ الإحْلالِ مِنَ الإحْرامِ. آخِرُ سُورَةِ الفَتْحِ.
الحجرات 49:1
ومِن سُورَةِ الحُجُراتِ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أنَّ ناسًا كانُوا يَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ في كَذا قالَ مَعْمَرٌ: وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ هم قَوْمٌ ذَبَحُوا قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فَأمَرَهم أنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: ورُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلى عائِشَةَ فَأمَرَتِ الجارِيَةَ أنْ تَسْقِيَهُ فَقالَ: إنِّي صائِمٌ، وهو (p-٢٧٧)اليَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقالَتْ: " قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذا " وتَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ في صِيامٍ ولا غَيْرِهِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: اعْتَبَرَتْ عُمُومَ الآيَةِ في النَّهْيِ عَنْ مُخالَفَةِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: " لا تُعَجِّلُوا بِالأمْرِ والنَّهْيِ دُونَهُ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: يُحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في امْتِناعِ جَوازِ مُخالَفَةِ النَّبِيِّ ﷺ في تَقْدِيمِ الفُرُوضِ عَلى أوْقاتِها وتَأْخِيرِها عَنْها وفي تَرْكِها، وقَدْ يَحْتَجُّ بِها مَن يُوجِبُ أفْعالَ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ في تَرْكِ ما فَعَلَهُ تَقَدُّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ، كَما أنَّ في تَرْكِ أمْرِهِ تَقَدُّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ كَما ظَنُّوا؛ لِأنَّ التَّقَدُّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّما هو فِيما أرادَ مِنّا فِعْلَهُ فَفَعَلْنا غَيْرَهُ، فَأمّا ما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مُرادٌ مِنهُ فَلَيْسَ في تَرْكِهِ تَقْدِيمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ ويَحْتَجُّ بِهِ نُفاةُ القِياسِ أيْضًا ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى جَهْلِ المُحْتَجِّ بِهِ؛ لِأنَّ ما قامَتْ دَلالَتُهُ فَلَيْسَ في فِعْلِهِ تَقَدُّمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَدْ قامَتْ دَلالَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ عَلى وُجُوبِ القَوْلِ بِالقِياسٍ في فُرُوعِ الشَّرْعِ، فَلَيْسَ فِيهِ إذًا تَقَدُّمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ.
الحجرات 49:2
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ فِيهِ أمْرٌ بِتَعْظِيمِ النَّبِيِّ ﷺ وتَوْقِيرِهِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا إذا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قالُوا فِيهِ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ وأيْضًا لَمّا كانَ في رَفْعِ الصَّوْتِ عَلى الإنْسانِ في كَلامِهِ ضَرْبٌ مِن تَرْكِ المَهابَةِ والجُرْأةِ، نَهى اللَّهُ عَنْهُ؛ إذْ كُنّا مَأْمُورِينَ بِتَعْظِيمِهِ وتَوْقِيرِهِ وتَهْيِيبِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ زِيادَةٌ عَلى رَفْعِ الصَّوْتِ، وذَلِكَ أنَّهُ نَهى عَنْ أنْ تَكُونَ مُخاطَبَتُنا لَهُ كَمُخاطَبَةِ بَعْضِنا لِبَعْضٍ، بَلْ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّعْظِيمِ تُخالِفُ بِهِ مُخاطَباتِ النّاسِ فِيما بَيْنَهم، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]
الحجرات 49:4
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَنادَوْهُ مِن خارِجِ الحُجْرَةِ وقالُوا: اُخْرُجْ إلَيْنا يا مُحَمَّدُ فَذَمَّهُمُ اللَّهُ - تَعالى - بِذَلِكَ وهَذِهِ الآياتُ، وإنْ كانَتْ نازِلَةً في تَعْظِيمِ النَّبِيِّ ﷺ وإيجابِ الفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأُمَّةِ فِيهِ، فَإنَّهُ تَأْدِيبٌ لَنا فِيمَن يَلْزَمُنا تَعْظِيمُهُ مِن والِدٍ وعالِمٍ وناسِكٍ وقائِمٍ بِأمْرِ الدِّينِ وذِي سِنٍّ وصَلاحٍ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ إذْ تَعْظِيمُهُ بِهَذا الضَّرْبِ مِنَ التَّعْظِيمِ في تَرْكِ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ وتَرْكِ الجَهْرِ عَلَيْهِ والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ في مِثْلِ حالِهِ.
وفِي النَّهْيِ عَنْ نِدائِهِ مِن وراءِ البابِ والمُخاطَبَةِ لَهُ بِلَفْظِ الأمْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ ذَمَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ بِنِدائِهِمْ إيّاهُ مِن وراءِ الحُجْرَةِ وبِمُخاطَبَتِهِ بِلَفْظِ الأمْرِ في قَوْلِهِمُ اُخْرُجْ إلَيْنا. حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ (p-٢٧٨)قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] نَهانا اللَّهُ أنْ نَرْفَعَ أصْواتَنا فَوْقَ صَوْتِكَ، وأنا امْرُؤٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، ونَهى اللَّهُ المَرْءَ أنْ يُحِبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ وأجِدُنِي أُحِبُّ الحَمْدَ ونَهانا اللَّهُ عَنِ الخُيَلاءِ وأجِدُنِي أُحِبُّ الجَمالَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا ثابِتُ أما تَرْضى أنْ تَعِيشَ حَمِيدًا وتُقْتَلَ شَهِيدًا وتَدْخُلَ الجَنَّةَ ؟» فَعاشَ حَمِيدًا وقُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ.
الحجرات 49:6
بابُ حُكْمِ خَبَرِ الفاسِقِ
قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ الآيَةَ. حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ، فَأتاهم الوَلِيدُ فَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ فَفَرِقَ ورَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ارْتَدُّوا فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَلَمّا دَنا مِنهم بَعَثَ عُيُونًا لَيْلًا فَإذا هم يُؤَذِّنُونَ ويُصَلُّونَ، فَأتاهم خالِدٌ فَلَمْ يَرَ مِنهم إلّا طاعَةً وخَيْرًا فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ» قالَ: وقالَ مَعْمَرٌ: فَتَلا قَتادَةُ: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ قالَ: فَأنْتُمْ أسْخَفُ رَأْيًا وأطِيشُ أحْلامًا، فاتَّهَمَ رَجُلٌ رَأْيَهُ وانْتَصَحَ كِتابَ اللَّهِ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " واللَّهِ لَئِنْ كانَتْ نَزَلَتْ في رِجْلٍ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إنَّها لَمُرْسَلَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما نَسَخَها شَيْءٌ " قالَ أبُو بَكْرٍ مُقْتَضى الآيَةِ إيجابُ التَّثَبُّتِ في خَبَرِ الفاسِقِ والنَّهْيُ عَنِ الإقْدامِ عَلى قَبُولِهِ، والعَمَلِ بِهِ إلّا بَعْدَ التَّبَيُّنِ والعِلْمِ بِصِحَّةِ مُخْبِرِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قِراءَةَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وجْهَيْنِ: " فَتَثَبَّتُوا " مِنَ التَّثَبُّتِ و، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] كِلْتاهُما يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ قَبُولِ خَبَرِهِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَتَثَبَّتُوا " فِيهِ أمْرٌ بِالتَّثَبُّتِ لِئَلّا يُصِيبَ قَوْمًا بِجَهالَةِ، فاقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الإقْدامِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ لِئَلّا يُصِيبَ قَوْمًا بِجَهالَةٍ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] فَإنَّ التَّبَيُّنَ هو العِلْمُ، فاقْتَضى أنْ لا يَقْدُمَ بِخَبَرِهِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ، فاقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ قَبُولِ شَهادَةِ الفاسِقِ مُطْلَقًا؛ إذْ كانَ كُلُّ شَهادَةٍ خَبَرًا، وكَذَلِكَ سائِرُ أخْبارِهِ فَلِذَلِكَ قُلْنا شَهادَةُ الفاسِقِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ في شَيْءٍ مِنَ الحُقُوقِ، وكَذَلِكَ إخْبارُهُ في الرِّوايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكُلُّ ما كانَ مِن أمْرِ الدِّينِ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن إثْباتِ شَرْعٍ أوْ حُكْمٍ أوْ إثْباتِ حَقٍّ عَلى إنْسانٍ، واتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى جَوازِ قَبُولِ خَبَرِ (p-٢٧٩)الفاسِقِ في أشْياءَ. فَمِنها: أُمُورُ المُعامَلاتِ يُقْبَلْ فِيها خَبَرُ الفاسِقِ، وذَلِكَ نَحْوُ الهَدِيَّةِ إذا قالَ: " إنَّ فُلانًا أهْدى إلَيْكَ هَذا " يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهُ وقَبْضُهُ، ونَحْوُ قَوْلِهِ: " وكَّلَنِي فُلانٌ بِبَيْعِ عَبْدِهِ هَذا " فَيَجُوزُ شِراؤُهُ مِنهُ، ونَحْوُ الإذْنِ في الدُّخُولِ إذا قالَ لَهُ قائِلٌ: " اُدْخُلْ " لا تُعْتَبَرُ فِيهِ العَدالَةُ، وكَذَلِكَ جَمِيعُ أخْبارِ المُعامَلاتِ ويُقْبَلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ خَبَرُ الصَّبِيِّ والعَبْدِ والذِّمِّيِّ، «وقَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ خَبَرَ بَرِيرَةَ فِيما أهْدَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ وكانَ يَتَصَدَّقُ عَلَيْها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هي لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ» فَقَبِلَ قَوْلَها في أنَّهُ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْها وأنَّ مِلْكَ المُتَصَدِّقِ قَدْ زالَ إلَيْها.
ويُقْبَلُ قَوْلُ الفاسِقِ وشَهادَتُهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو مَن كانَ فِسْقُهُ مِن جِهَةِ الدِّينِ بِاعْتِقادِ مَذْهَبٍ، وهم أهْلُ الأهْواءِ فُسّاقٌ وشَهادَتُهم مَقْبُولَةٌ، وعَلى ذَلِكَ جَرى أمْرُ السَّلَفِ في قَبُولِ أخْبارِ أهْلِ الأهْواءِ في رِوايَةِ الأحادِيثِ وشَهادَتِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ فِسْقُهم مِن جِهَةِ التَّدَيُّنِ مانِعًا مِن قَبُولِ شَهادَتِهِمْ، وتُقْبَلُ أيْضًا شَهادَةُ أهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ،، وقَدْ بَيَّنّاهُ فِيما سَلَفَ مِن هَذا الكِتابِ فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ يُقْبَلُ فِيها خَبَرُ الفاسِقِ، وهو مُسْتَثْنًى مِن جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ لِدَلائِلَ قَدْ قامَتْ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ مُرادَ الآيَةِ في الشَّهاداتِ، وإلْزامِ الحُقُوقِ أوْ إثْباتِ أحْكامِ الدِّينِ والفِسْقِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن جِهَةِ الدِّينِ والِاعْتِقادِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ خَبَرَ الواحِدِ لا يُوجِبُ العِلْمَ؛ إذْ لَوْ كانَ يُوجِبُ العِلْمَ بِحالٍ لَما اِحْتِيجَ فِيهِ إلى التَّثَبُّتِ، ومِنَ النّاسِ مِن يَحْتَجُّ بِهِ في جَوازِ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ العَدْلِ ويَجْعَلُ تَخْصِيصَهُ الفاسِقَ بِالتَّثَبُّتِ في خَبَرِهِ دَلِيلًا عَلى أنَّ التَّثَبُّتَ في خَبَرِ العَدْلِ غَيْرُ جائِزٍ وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَداهُ فَحُكْمُهُ بِخِلافِهِ.
الحجرات 49:7
بابُ حُكْمِ خَبَرِ الفاسِقِ
قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ الآيَةَ. حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ، فَأتاهم الوَلِيدُ فَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ فَفَرِقَ ورَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ارْتَدُّوا فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَلَمّا دَنا مِنهم بَعَثَ عُيُونًا لَيْلًا فَإذا هم يُؤَذِّنُونَ ويُصَلُّونَ، فَأتاهم خالِدٌ فَلَمْ يَرَ مِنهم إلّا طاعَةً وخَيْرًا فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ» قالَ: وقالَ مَعْمَرٌ: فَتَلا قَتادَةُ: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ قالَ: فَأنْتُمْ أسْخَفُ رَأْيًا وأطِيشُ أحْلامًا، فاتَّهَمَ رَجُلٌ رَأْيَهُ وانْتَصَحَ كِتابَ اللَّهِ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " واللَّهِ لَئِنْ كانَتْ نَزَلَتْ في رِجْلٍ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إنَّها لَمُرْسَلَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما نَسَخَها شَيْءٌ " قالَ أبُو بَكْرٍ مُقْتَضى الآيَةِ إيجابُ التَّثَبُّتِ في خَبَرِ الفاسِقِ والنَّهْيُ عَنِ الإقْدامِ عَلى قَبُولِهِ، والعَمَلِ بِهِ إلّا بَعْدَ التَّبَيُّنِ والعِلْمِ بِصِحَّةِ مُخْبِرِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قِراءَةَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وجْهَيْنِ: " فَتَثَبَّتُوا " مِنَ التَّثَبُّتِ و، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] كِلْتاهُما يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ قَبُولِ خَبَرِهِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: " فَتَثَبَّتُوا " فِيهِ أمْرٌ بِالتَّثَبُّتِ لِئَلّا يُصِيبَ قَوْمًا بِجَهالَةِ، فاقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الإقْدامِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ لِئَلّا يُصِيبَ قَوْمًا بِجَهالَةٍ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] فَإنَّ التَّبَيُّنَ هو العِلْمُ، فاقْتَضى أنْ لا يَقْدُمَ بِخَبَرِهِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ، فاقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ قَبُولِ شَهادَةِ الفاسِقِ مُطْلَقًا؛ إذْ كانَ كُلُّ شَهادَةٍ خَبَرًا، وكَذَلِكَ سائِرُ أخْبارِهِ فَلِذَلِكَ قُلْنا شَهادَةُ الفاسِقِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ في شَيْءٍ مِنَ الحُقُوقِ، وكَذَلِكَ إخْبارُهُ في الرِّوايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكُلُّ ما كانَ مِن أمْرِ الدِّينِ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن إثْباتِ شَرْعٍ أوْ حُكْمٍ أوْ إثْباتِ حَقٍّ عَلى إنْسانٍ، واتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى جَوازِ قَبُولِ خَبَرِ (p-٢٧٩)الفاسِقِ في أشْياءَ. فَمِنها: أُمُورُ المُعامَلاتِ يُقْبَلْ فِيها خَبَرُ الفاسِقِ، وذَلِكَ نَحْوُ الهَدِيَّةِ إذا قالَ: " إنَّ فُلانًا أهْدى إلَيْكَ هَذا " يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهُ وقَبْضُهُ، ونَحْوُ قَوْلِهِ: " وكَّلَنِي فُلانٌ بِبَيْعِ عَبْدِهِ هَذا " فَيَجُوزُ شِراؤُهُ مِنهُ، ونَحْوُ الإذْنِ في الدُّخُولِ إذا قالَ لَهُ قائِلٌ: " اُدْخُلْ " لا تُعْتَبَرُ فِيهِ العَدالَةُ، وكَذَلِكَ جَمِيعُ أخْبارِ المُعامَلاتِ ويُقْبَلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ خَبَرُ الصَّبِيِّ والعَبْدِ والذِّمِّيِّ، «وقَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ خَبَرَ بَرِيرَةَ فِيما أهْدَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ وكانَ يَتَصَدَّقُ عَلَيْها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هي لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ» فَقَبِلَ قَوْلَها في أنَّهُ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْها وأنَّ مِلْكَ المُتَصَدِّقِ قَدْ زالَ إلَيْها.
ويُقْبَلُ قَوْلُ الفاسِقِ وشَهادَتُهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو مَن كانَ فِسْقُهُ مِن جِهَةِ الدِّينِ بِاعْتِقادِ مَذْهَبٍ، وهم أهْلُ الأهْواءِ فُسّاقٌ وشَهادَتُهم مَقْبُولَةٌ، وعَلى ذَلِكَ جَرى أمْرُ السَّلَفِ في قَبُولِ أخْبارِ أهْلِ الأهْواءِ في رِوايَةِ الأحادِيثِ وشَهادَتِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ فِسْقُهم مِن جِهَةِ التَّدَيُّنِ مانِعًا مِن قَبُولِ شَهادَتِهِمْ، وتُقْبَلُ أيْضًا شَهادَةُ أهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ،، وقَدْ بَيَّنّاهُ فِيما سَلَفَ مِن هَذا الكِتابِ فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ يُقْبَلُ فِيها خَبَرُ الفاسِقِ، وهو مُسْتَثْنًى مِن جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ لِدَلائِلَ قَدْ قامَتْ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ مُرادَ الآيَةِ في الشَّهاداتِ، وإلْزامِ الحُقُوقِ أوْ إثْباتِ أحْكامِ الدِّينِ والفِسْقِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن جِهَةِ الدِّينِ والِاعْتِقادِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ خَبَرَ الواحِدِ لا يُوجِبُ العِلْمَ؛ إذْ لَوْ كانَ يُوجِبُ العِلْمَ بِحالٍ لَما اِحْتِيجَ فِيهِ إلى التَّثَبُّتِ، ومِنَ النّاسِ مِن يَحْتَجُّ بِهِ في جَوازِ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ العَدْلِ ويَجْعَلُ تَخْصِيصَهُ الفاسِقَ بِالتَّثَبُّتِ في خَبَرِهِ دَلِيلًا عَلى أنَّ التَّثَبُّتَ في خَبَرِ العَدْلِ غَيْرُ جائِزٍ وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَداهُ فَحُكْمُهُ بِخِلافِهِ.
الحجرات 49:9
بابُ قِتالِ أهْلِ البَغْيِ
قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الحَسَنِ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ بَيْنَهم تَنازُعٌ حَتّى اضْطَرَبُوا بِالنِّعالِ والأيْدِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾، قالَ مَعْمَرٌ: قالَ قَتادَةُ: وكانَ رَجُلانِ بَيْنَهُما حَقٌّ تَدارَآ فِيهِ، فَقالَ أحَدُهُما: لَآخُذَنَّهُ عَنْوَةً؛ لِكَثْرَةِ عَشِيرَتِهِ. وقالَ الآخَرُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَنازَعا حَتّى كانَ بَيْنَهُما ضَرْبٌ بِالنِّعالِ والأيْدِي ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيِّ قالا: كانَ قِتالُهم بِالعِصِيِّ والنِّعالِ وقالَ مُجاهِدٌ هُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ كانَ بَيْنَهم قِتالٌ (p-٢٨٠)بِالعِصِيِّ
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ الأمْرَ بِقِتالِ الفِئَةِ الباغِيَةِ حَتّى تَرْجِعَ إلى أمْرِ اللَّهِ وهو عُمُومٌ في سائِرِ ضُرُوبِ القِتالِ، فَإنْ فاءَتْ إلى الحَقِّ بِالقِتالِ بِالعِصِيِّ والنِّعالِ لَمْ يُتَجاوَزْ بِهِ إلى غَيْرِهِ، وإنْ لَمْ تَفِئْ بِذَلِكَ قُوتِلَتْ بِالسَّيْفِ عَلى ما تَضَمَّنَهُ ظاهِرُ الآيَةِ وغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأحَدٍ الِاقْتِصارُ عَلى القِتالِ بِالعِصِيِّ دُونَ السِّلاحِ مَعَ الإقامَةِ عَلى البَغْيِ وتَرْكِ الرُّجُوعِ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ أحَدُ ضُرُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وذاكَ أضْعَفُ الإيمانِ» فَأمَرَ بِإزالَةِ المُنْكَرِ بِاليَدِ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ السِّلاحِ وما دُونَهُ، فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ إزالَتِهِ بِأيِّ شَيْءٍ أمْكَنَ.
وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الحَشْوِ إلى أنَّ قِتالَ أهْلِ البَغْيِ إنَّما يَكُونُ بِالعِصِيِّ والنِّعالِ وما دُونَ السِّلاحِ وأنَّهم لا يُقاتَلُونَ بِالسَّيْفِ، واحْتَجُّوا بِما رَوَيْنا مِن سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وقِتالِ القَوْمِ الَّذِينَ تَقاتَلُوا بِالعِصِيِّ والنِّعالِ، وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرُوا؛ لِأنَّ القَوْمَ تَقاتَلُوا بِما دُونَ السِّلاحِ، فَأمَرَ اللَّهُ - تَعالى - بِقِتالِ الباغِي مِنهُما ولَمْ يُخَصِّصْ قِتالَنا إيّاهُ بِما دُونَ السِّلاحِ وكَذَلِكَ نَقُولُ مَتى ظَهَرَ لَنا قِتالٌ مِن فِئَةٍ عَلى وجْهِ البَغْيِ قابَلْناهُ بِالسِّلاحِ وبِما دُونَهُ حَتّى تَرْجِعَ إلى الحَقِّ، ولَيْسَ في نُزُولِ الآيَةِ عَلى حالِ قِتالِ الباغِي لَنا بِغَيْرِ سِلاحٍ ما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِقِتالِنا إيّاهم مَقْصُورًا عَلى ما دُونَ السِّلاحِ مَعَ اقْتِضاءِ عُمُومِ اللَّفْظِ لِلْقِتالِ بِسِلاحٍ وغَيْرِهِ.
ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: " مِن قاتَلَكم بِالعِصِيِّ فَقاتِلُوهُ بِالسِّلاحِ " لَمْ يَتَناقَضِ القَوْلُ بِهِ ؟ فَكَذَلِكَ أمْرُهُ إيّانا بِقِتالِهِمْ؛ إذْ كانَ عُمُومُهُ يَقْتَضِي القِتالَ بِسِلاحٍ وغَيْرِهِ، وجَبَ أنْ يُجْرى عَلى عُمُومِهِ وأيْضًا قاتَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الفِئَةَ الباغِيَةَ بِالسَّيْفِ ومَعَهُ مِن كُبَراءِ الصَّحابَةِ وأهْلِ بَدْرٍ مَن قَدْ عُلِمَ مَكانُهم، وكانَ مُحِقًّا في قِتالِهِ لَهم لَمْ يُخالِفْ فِيهِ أحَدٌ إلّا الفِئَةُ الباغِيَةُ الَّتِي قابَلَتْهُ وأتْباعُها وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمّارٍ: «تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ» وهَذا خَبَرٌ مَقْبُولٌ مِن طَرِيقِ التَّواتُرِ. حَتّى إنَّ مُعاوِيَةَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى جَحْدِهِ " لَمّا قالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقالَ: إنَّما قَتَلَهُ مَن جاءَ بِهِ فَطَرَحَهُ بَيْنَ أسِنَّتِنا رَواهُ أهْلُ الكُوفَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ وأهْلُ الحِجازِ وأهْلُ الشّامِ، وهو عَلَمٌ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ غَيْبٍ لا يُعْلَمُ إلّا مِن جِهَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في إيجابِ قِتالِ الخَوارِجِ وقَتْلِهِمْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ مُتَواتِرَةٌ، مِنها حَدِيثُ أنَسٍ وأبِي سَعِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «سَيَكُونُ في أُمَّتِي اخْتِلافٌ وفُرْقَةٌ قَوْمٌ يُحْسِنُونَ القَوْلَ ويُسِيئُونَ العَمَلَ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ (p-٢٨١)مِنَ الرَّمِيَّةِ لا يَرْجِعُونَ حَتّى يَرْتَدَّ عَلى فُوقِهِ هم شَرُّ الخَلْقِ والخَلِيقَةِ طُوبى لِمَن قَتَلَهم أوْ قَتَلُوهُ يَدْعُونَ إلى كِتابِ اللَّهِ ولَيْسُوا مِنهُ في شَيْءٍ مَن قَتَلَهم كانَ أوْلى بِاللَّهِ مِنهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما سِيماهم ؟ قالَ التَّحْلِيقُ» .
ورَوى الأعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قالَ: «سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: إذا حَدَّثْتُكم بِشَيْءٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَأنْ أخِرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُنِي الطَّيْرُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أكْذِبَ عَلَيْهِ، وإذا حَدَّثْتُكم فِيما بَيْنَنا فَإنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ، وإنِّي سَمِعْتُهُ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمانِ أحْداثُ الأسْنانِ سُفَهاءُ الأحْلامِ يَقُولُونَ مِن خَيْرِ قَوْلِ البَرِّيَّةِ لا يُجاوِزُ إيمانُهم حَناجِرَهم يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإنْ لَقِيتُمُوهم فاقْتُلُوهم فَإنَّ قَتْلَهم أجْرٌ لِمَن قَتَلَهم يَوْمَ القِيامَةِ» ولَمْ يَخْتَلِفْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في وُجُوبِ قِتالِ الفِئَةِ الباغِيَةِ بِالسَّيْفِ إذا لَمْ يَرْدَعْها غَيْرُهُ.
ألا تَرى أنَّهم كُلَّهم رَأوْا قِتالَ الخَوارِجِ ولَوْ لَمْ يَرَوْا قِتالَ الخَوارِجِ وقَعَدُوا عَنْهم لَقَتَلُوهم وسَبَوْا ذَرارِيَّهم ونِساءَهم واصْطَلَمُوهم ؟ فَإنْ قِيلَ: قَدْ جَلَسَ عَنْ عَلِيٍّ جَماعَةٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم سَعْدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ وابْنُ عُمَرَ قِيلَ لَهُ: لَمْ يَقْعُدُوا عَنْهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَرَوْا قِتالَ الفِئَةِ الباغِيَةِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قُعُودُهم عَنْهُ؛ لِأنَّهم رَأوْا الإمامَ مُكْتَفِيًا بِمَن مَعَهُ مُسْتَغْنِيًا عَنْهم بِأصْحابِهِ، فاسْتَجازُوا القُعُودَ عَنْهُ لِذَلِكَ ألا تَرى أنَّهم قَدْ قَعَدُوا عَنْ قِتالِ الخَوارِجِ لا عَلى أنَّهم لَمْ يَرَوْا قِتالَهم واجِبًا لَكِنَّهُ لَمّا وجَدُوا مَن كَفاهم قَتْلَ الخَوارِجِ اسْتَغْنَوْا عَنْ مُباشَرَةِ قِتالِهِمْ ؟
فَإنِ احْتَجُّوا بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ القائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي والقاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ» قِيلَ لَهُ: إنَّما أرادَ بِهِ الفِتْنَةَ الَّتِي يَقْتَتِلُ النّاسُ فِيها عَلى طَلَبِ الدُّنْيا وعَلى جِهَةِ العَصَبِيَّةِ والحَمِيَّةِ مِن غَيْرِ قِتالٍ مَعَ إمامٍ تَجِبُ طاعَتُهُ، فَأمّا إذا ثَبَتَ أنَّ إحْدى الفِئَتَيْنِ باغِيَةٌ والأُخْرى عادِلَةٌ مَعَ الإمامِ فَإنَّ قِتالَ الباغِيَةِ واجِبٌ مَعَ الإمامِ ومَعَ مَن قاتَلَهم مُحْتَسِبًا في قِتالِهِمْ فَإنْ قالُوا: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: قَتَلْتَهُ وهو قَدْ قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» إنَّما يُرَدِّدُ ذَلِكَ مِرارًا، فَوَجَبَ أنْ لا يُقاتِلَ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ولا يُقْتَلَ قِيلَ لَهُ؛ لِأنَّهم كانُوا يُقاتَلُونَ وهم مُشْرِكُونَ حَتّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَما قالَ ﷺ: «أُمِرْتَ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» .
فَكانُوا إذا أعْطَوْا كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ أجابُوا إلى ما دُعُوا إلَيْهِ مِن خَلْعِ الأصْنامِ واعْتِقادِ التَّوْحِيدِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ أنْ يَرْجِعَ البُغاةُ إلى الحَقِّ فَيَزُولَ عَنْهُمُ القِتالُ؛ لِأنَّهم إنَّما يُقاتَلُونَ عَلى إقامَتِهِمْ عَلى قِتالِ أهْلِ العَدْلِ، فَمَتى كَفُّوا عَنِ القِتالِ تُرِكَ قِتالُهم، كَما (p-٢٨٢)يُقاتَلُ المُشْرِكُونَ عَلى إظْهارِ الإسْلامِ فَمَتى أظْهَرُوهُ زالَ عَنْهم، ألا تَرى أنَّ قُطّاعَ الطَّرِيقِ والمُحارِبِينَ يُقاتَلُونَ ويُقْتَلُونَ مَعَ قَوْلِهِمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
* *
بابُ ما يُبْدَأُ بِهِ أهْلُ البَغْيِ
قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ أمَرَ اللَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ القِتالِ مِنهم بِالإصْلاحِ بَيْنَهُما، وهو أنْ يُدْعَوْا إلى الصَّلاحِ والحَقِّ وما يُوجِبُهُ الكِتابُ والسُّنَّةُ والرُّجُوعِ عَنِ البَغْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: إنْ رَجَعَتْ إحْداهُما إلى الحَقِّ وأرادَتِ الصَّلاحَ وأقامَتِ الأُخْرى عَلى بَغْيِها وامْتَنَعَتْ مِنَ الرُّجُوعِ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ فَأمَرَ - تَعالى - بِالدُّعاءِ إلى الحَقِّ قَبْلَ القِتالِ، ثُمَّ إنْ أبَتِ الرُّجُوعَ قُوتِلَتْ.
وكَذا فَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ بَدَأ بِدُعاءِ الفِئَةِ الباغِيَةِ إلى الحَقِّ واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أبَوُا القَبُولَ قاتَلَهم وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اعْتِقادَ مَذاهِبِ أهْلِ البَغْيِ لا يُوجِبُ قِتالَهم ما لَمْ يُقاتِلُوا؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ فَإنَّما أمَرَ بِقِتالِهِمْ إذا بَغَوْا عَلى غَيْرِهِمْ بِالقِتالِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مَعَ الخَوارِجِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم حِينَ اعْتَزَلُوا عَسْكَرَهُ بَعَثَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ فَدَعاهم، فَلَمّا أبَوُا الرُّجُوعَ ذَهَبَ إلَيْهِمْ فَحاجَّهم فَرَجَعَتْ مِنهم طائِفَةٌ وأقامَتْ طائِفَةٌ عَلى أمْرِها، فَلَمّا دَخَلُوا الكُوفَةَ خَطَبَ فَحَكَمَتِ الخَوارِجُ مَن نَواحِي المَسْجِدِ وقالَتْ: لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ فَقالَ عَلِيٌّ: " كَلِمَةُ حَقٍّ يُرادُ بِها باطِلٌ، أما إنَّ لَهم ثَلاثًا: أنْ لا نَمْنَعَهم مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يَذْكُرُوا فِيها اسْمَهُ، وأنْ لا نَمْنَعَهم حَقَّهم مِنَ الفَيْءِ ما دامَتْ أيْدِيهِمْ مَعَ أيْدِينا، وأنْ لا نُقاتِلَهم حَتّى يُقاتِلُونا.
* *
بابُ الأمْرِ فِيما يُؤْخَذُ مِن أمْوالِ البُغاةِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ذَلِكَ، فَقالَ مُحَمَّدٌ في الأصْلِ: " لا يَكُونُ غَنِيمَةً ويُسْتَعانُ بِكُراعِهِمْ وسِلاحِهِمْ عَلى حَرْبِهِمْ، فَإذا وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها رُدَّ المالُ عَلَيْهِمْ ويُرَدُّ الكُراعُ أيْضًا عَلَيْهِمْ إذا لَمْ يَبْقَ مِنَ البُغاةِ أحَدٌ، وما اسْتُهْلِكَ فَلا شَيْءَ فِيهِ " وذَكَرَ إبْراهِيمُ بْنُ الجَرّاحِ عَنْ أبِي يُوسُفَ قالَ: " ما وُجِدَ في أيْدِي أهْلِ البَغْيِ مِن كُراعٍ أوْ سِلاحٍ فَهو فَيْءٌ يُقْسَمُ ويُخَمَّسُ، وإذا تابُوا لَمْ يُؤْخَذُوا بِدَمٍ ولا مالٍ اسْتَهْلَكُوهُ " .
وقالَ مالِكٌ: " ما اسْتَهْلَكَهُ الخَوارِجُ (p-٢٨٣)مِن دَمٍ أوْ مالٍ ثُمَّ تابُوا لَمْ يُؤْخَذُوا بِهِ، وما كانَ قائِمًا بِعَيْنِهِ رُدَّ "، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ والشّافِعِيِّ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إذا قُوتِلَ اللُّصُوصُ المُحارِبُونَ فَقُتِلُوا وأُخِذَ ما مَعَهم فَهو غَنِيمَةٌ لِمَن قاتَلَهم بَعْدَ إخْراجِ الخُمُسِ إلّا أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يُعْلَمُ أنَّهم سَرَقُوهُ مِنَ النّاسِ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - في ذَلِكَ، فَرَوى فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلى عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةَ قالَ قَسَمَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الجَمَلِ فَيْأهم بَيْنَ أصْحابِهِ ما قُوتِلَ بِهِ مِنَ الكُراعِ والسِّلاحِ " فاحْتَجَّ مَن جَعَلَهُ غَنِيمَةً بِهَذا الحَدِيثِ، وهَذا لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ غَنِيمَةٌ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ قَسَمَ ما حَصَلَ في يَدِهِ مِن كُراعٍ أوْ سِلاحٍ لِيُقاتِلُوا بِهِ قَبْلَ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ولَمْ يُمَلِّكْهم ذَلِكَ عَلى ما قالَ مُحَمَّدٌ في الأصْلِ.
وقَدْ رَوى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ عَنْ أبِي زُمَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدُّوَلِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الخَوارِجَ نَقَمُوا عَلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يَسْبِ ولَمْ يَغْنَمْ، فَحاجَّهم بِأنْ قالَ لَهم: " أفَتَسْبُونَ أُمَّكم عائِشَةَ ثُمَّ تَسْتَحِلُّونَ مِنها ما تَسْتَحِلُّونَ مِن غَيْرِها ؟ فَلَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ كَفَرْتُمْ. "
ورَوى أبُو مُعاوِيَةَ عَنِ الصَّلْتِ بْنِ بِهْرامَ عَنْ أبِي وائِلٍ قالَ: سَألْتُهُ أخَمَّسَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أمْوالَ أهْلِ الجَمَلِ ؟ قالَ: لا وقالَ الزُّهْرِيُّ: " وقَعَتِ الفِتْنَةُ وأصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ مُتَوافِرُونَ، وأجْمَعُوا أنَّ كُلَّ دَمٍ أُرِيقَ عَلى وجْهِ التَّأْوِيلِ أوْ مالٍ اسْتُهْلِكَ عَلى وجْهِ التَّأْوِيلِ فَلا ضَمانَ فِيهِ " . ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تُغْنَمُ أمْوالُهُمُ الَّتِي لَيْسَتْ مَعَهم مِمّا تَرَكُوهُ في دِيارِهِمْ لا تُغْنَمُ، وإنْ قُتِلُوا، كَذَلِكَ ما مَعَهم مِنها، ألا تَرى أنَّ أهْلَ الحَرْبِ لا يُخْتَلَفُ فِيما يُغْنَمُ مِن أمْوالِهِمْ ما مَعَهم، وما تَرَكُوهُ مِنها في دِيارِهِمْ أنَّ ما حَصَلَ في أيْدِينا مِنها مَغْنُومٌ ؟ وأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ لا تُسْبى ذَرارِيُّهم ونِساؤُهم ولا تُمْلَكُ رِقابُهم ؟ فَكَذَلِكَ لا تُغْنَمُ أمْوالُهم.
فَإنْ قِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ لا تُمْلَكُ رِقابُهم وتُغْنَمُ أمْوالُهم قِيلَ لَهُ: لِأنَّهم يُقْتَلُونَ إذا أُسِرُوا، وإنْ لَمْ يُسْلِمُوا وتُسْبى ذَرارِيُّهم ونِساؤُهم، فَلِذَلِكَ غُنِمَتْ أمْوالُهم والخَوارِجُ إذا لَمْ تَبْقَ لَهم مَنَعَةٌ لا يُقْتَلُ أسْراهم ولا تُسْبى ذَرارِيُّهم بِحالٍ، فَكَذَلِكَ لا تُغْنَمُ أمْوالُهم.
* *
بابٌ الحُكْمُ في أسْرى أهْلِ البَغْيِ وجَرْحاهُمْ
رَوى كَوْثَرُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ فِيمَن بَغى مِن هَذِهِ الأُمَّةِ ؟ قالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: لا يُجْهَزُ عَلى جَرِيحِها ولا يُقْتَلُ أسِيرُها ولا يُطْلَبُ هارِبُها» ورَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ عَنْ أبِي البُخْتُرِيِّ وعامِرٍ قالا: لَمّا ظَهَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أهْلِ الجَمَلِ قالَ: " لا تَتْبَعُوا مُدْبِرًا ولا تُذَفِّفُوا عَلى جَرِيحٍ "، ورَوى (p-٢٨٤)شَرِيكٌ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قالَ: قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الجَمَلِ: " لا تَقْتُلُوا أسِيرًا ولا تُجْهِزُوا عَلى جَرِيحٍ ومَن ألْقى السِّلاحَ فَهو آمِنٌ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا حُكْمُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في البُغاةِ، ولا نَعْلَمُ لَهُ مُخالِفًا مِنَ السَّلَفِ.
وقالَ أصْحابُنا: " إذا لَمْ تَبْقَ لِأهْلِ البَغْيِ فِئَةٌ فَإنَّهُ لا يُجْهَزُ عَلى جَرِيحٍ ولا يُقْتَلُ أسِيرٌ ولا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، فَإذا كانَتْ لَهم فِئَةٌ فَإنَّهُ يُقْتَلُ الأسِيرُ إنْ رَأى ذَلِكَ الإمامُ ويُجْهَزُ عَلى الجَرِيحِ ويُتْبَعُ المُدْبِرُ " وقَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَمْ تَبْقَ لَهم فِئَةٌ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما كانَ مِنهُ في أهْلِ الجَمَلِ، ولَمْ تَبْقَ لَهم فِئَةٌ بَعْدَ الهَزِيمَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أسَرَ ابْنَ بِثَرِي والحَرْبُ قائِمَةٌ فَقَتَلَهُ يَوْمَ الجَمَلِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُرادَهُ في الأخْبارِ الأُوَلِ إذا لَمْ تَبْقَ لَهم فِئَةٌ.
* *
بابٌ في قَضايا البُغاةِ
قالَ أبُو يُوسُفَ في البَرْمَكِيِّ: " لا يَنْبَغِي لِقاضِي الجَماعَةِ أنْ يُجِيزَ كِتابَ قاضِي أهْلِ البَغْيِ ولا شَهادَتَهُ ولا حُكْمَهُ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: وكَذَلِكَ قالَ مُحَمَّدٌ، وقالَ: " لَوْ أنَّ الخَوارِجَ ولَّوْا قاضِيًا مِنهم فَحَكَمَ ثُمَّ رُفِعَ إلى حاكِمِ أهْلِ العَدْلِ لَمْ يُمْضِهِ إلّا أنْ يُوافِقَ رَأْيَهُ فَيَسْتَأْنِفَ القَضاءَ فِيهِ " قالَ: " ولَوْ ولَّوْا قاضِيًا مِن أهْلِ العَدْلِ فَقَضى بِقَضِيَّةٍ أنْفَذَها مَن رُفِعَتْ إلَيْهِ كَما يُمْضِي قَضاءَ أهْلِ العَدْلِ " . وقالَ مالِكٌ فِيما حَكَمَ بِهِ أهْلُ البَغْيِ: " تُكْشَفُ أحْكامُهم فَما كانَ مِنها مُسْتَقِيمًا أُمْضِيَ " وقالَ الشّافِعِيُّ: " إذا غَلَبَ الخَوارِجُ عَلى مَدِينَةٍ فَأخَذُوا صَدَقاتِ أهْلِها وأقامُوا عَلَيْهِمُ الحُدُودَ لَمْ تُعَدْ عَلَيْهِمْ ولا يُرَدُّ مِن قَضاءِ قاضِيهِمْ إلّا ما يُرَدُّ مِن قَضاءِ قاضِي غَيْرِهِمْ، وإنْ كانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ بِرَأْيِهِ عَلى اسْتِحْلالِ دَمٍ أوْ مالِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ ولَمْ يُقْبَلْ كِتابُهُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: إذا قاتَلُوا وظَهَرَ بَغْيُهم عَلى أهْلِ العَدْلِ فَقَدْ وجَبَ قَتْلُهم وقِتالُهم، فَغَيْرُ جائِزٍ قَبُولُ شَهادَةِ مَن هَذِهِ سَبِيلُهُ؛ لِأنَّ إظْهارَ البَغْيِ وقِتالَهم لِأهْلِ العَدْلِ هو فِسْقٌ مِن جِهَةِ الفِعْلِ وظُهُورُ الفِسْقِ مِن جِهَةِ الفِعْلِ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهادَةِ كَشارِبِ الخَمْرِ والزّانِي والسّارِقِ فَإنْ قِيلَ: فَأنْتَ تَقْبَلُ شَهادَتَهم فَهَلّا أمْضَيْتَ أحْكامَهم ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ إنَّهم إنَّما تُقْبَلُ شَهادَتُهم ما لَمْ يُقاتِلُوا، ولَمْ يَخْرُجُوا عَلى أهْلِ العَدْلِ فَأمّا إذا قاتَلُوا فَإنِّي لا أقْبَلُ شَهادَتَهم فَقَدْ سَوّى بَيْنَ القَضاءِ وبَيْنَ الشَّهادَةِ ولَمْ يَذْكُرْ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ أصْحابِنا، وهَذا سَدِيدٌ، والعِلَّةُ فِيهِ ما ذَكَرْنا.
فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالُوا إنَّ الخَوارِجَ إذا ظَهَرُوا وأخَذُوا صَدَقاتِ المَواشِي والثِّمارِ أنَّهُ لا يُعادُ عَلى أرْبابِها، فَجَعَلُوا أخْذَهم بِمَنزِلَةِ أخْذِ أهْلِ العَدْلِ قِيلَ لَهُ: إنَّ الزَّكاةَ لا تَسْقُطُ عَنْهم بِأخْذِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ عَلى أرْبابِ (p-٢٨٥)الأمْوالِ إعادَتَها فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وإنَّما أسْقَطُوا بِهِ حَقَّ الإمامِ في الأخْذِ؛ لِأنَّ حَقَّ الإمامِ إنَّما يَثْبُتُ في الأخْذِ؛ لِأجْلِ حِمايَتِهِ أهْلَ العَدْلِ، فَإذا لَمْ يَحْمِهِمْ مِنَ البُغاةِ لَمْ يَثْبُتْ حَقُّهُ في الأخْذِ، وكانَ ما أخَذَهُ البُغاةُ بِمَنزِلَةِ أخْذِهِ في بابِ سُقُوطِ حَقِّهِ في الأخْذِ.
ألا تَرى أنَّ أصْحابَنا قالُوا لَوْ مَرَّ رِجْلٌ مِن أهْلِ العَدْلِ عَلى عاشِرِ أهْلِ البَغْيِ بِمالٍ فَعَشَرَهُ أنَّهُ لا يَحْتَسِبُ لَهُ الإمامُ بِذَلِكَ، ويَأْخُذُ مِنهُ العُشْرَ إذا مَرَّ بِهِ عَلى عاشِرِ أهْلِ العَدْلِ ؟ فَعَلِمْتَ أنَّ المَعْنى في سُقُوطِ حَقِّ الإمامِ في الأخْذِ لا عَلى مَعْنى أنَّهم جَعَلُوا حُكْمَهم كَأحْكامِ أهْلِ العَدْلِ.
وإنَّما أجازُوا قَضاءَ قاضِي البُغاةِ إذا كانَ القاضِي مِن أهْلِ العَدْلِ مِن قِبَلِ أنَّ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في صِحَّةِ نَفاذِ القَضاءِ هو أنْ يَكُونَ القاضِي عَدْلًا في نَفْسِهِ ويُمْكِنُهُ تَنْفِيذُ قَضائِهِ، وحَمْلُ النّاسِ عَلَيْهِ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ سَواءٌ كانَ المُوَلِّي لَهُ عَدْلًا أوْ باغِيًا.
ألا تَرى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِ سُلْطانٍ فاتَّفَقَ أهْلُهُ عَلى أنْ ولَّوْا رَجُلًا مِنهُمُ القَضاءَ كانَ جائِزًا وكانَتْ أحْكامُهُ نافِذَةً عَلَيْهِمْ ؟ فَكَذَلِكَ الَّذِي ولّاهُ البُغاةُ القَضاءَ إذا كانَ هو في نَفْسِهِ عَدْلًا نَفَذَتْ أحْكامُهُ " ويَحْتَجُّ مَن يُجِيزُ مُجاوَزَةَ الحَدِّ بِالتَّعْزِيرِ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ فَأمَرَ بِقِتالِهِمْ إلى أنْ يَرْجِعُوا إلى الحَقِّ، فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّعْزِيرَ يَجِبُ إلى أنْ يُعْلَمَ إقْلاعُهُ عَنْهُ وتَوْبَتُهُ؛ إذْ كانَ التَّعْزِيرُ لِلزَّجْرِ والرَّدْعِ ولَيْسَ لَهُ مِقْدارٌ مَعْلُومٌ في العادَةِ.
كَما أنَّ قِتالَ البُغاةِ لَمّا كانَ لِلرَّدْعِ وجَبَ فِعْلُهُ أنْ يَرْتَدِعُوا ويَنْزَجِرُوا
قالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما اقْتَصَرَ مَن لَمْ يَبْلُغْ بِالتَّعْزِيرِ الحَدَّ عَلى ذَلِكَ بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن بَلَغَ حَدًّا في غَيْرِ حَدٍّ فَهو مِنَ المُتَعَدِّينَ».
الحجرات 49:10
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهم إخْوَةٌ في الدِّينِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ إطْلاقِ لَفْظِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِن جِهَةِ الدِّينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن رَجا صَلاحَ ما بَيْنَ مُتَعادِيَيْنِ مِنَ المُومِنِينَ أنَّ عَلَيْهِ الإصْلاحَ بَيْنَهُما.
الحجرات 49:11
وقَوْلُهُ تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ﴾ نَهى اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْ عَيْبِ مَن لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعابَ عَلى وجْهِ الِاحْتِقارِ لَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو مَعْنى السُّخْرِيَةِ وأخْبَرَ أنَّهُ وإنْ كانَ أرْفَعَ حالًا مِنهُ في الدُّنْيا فَعَسى أنْ يَكُونَ المَسْخُورُ مِنهُ خَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى - ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ " لا يَطْعَنُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: هو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ فَكَأنَّهُ بِقَتْلِهِ أخاهُ قاتَلٌ نَفْسَهُ.
وكَقَوْلِهِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] (p-٢٨٦)يَعْنِي يُسَلِّمُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ واللَّمْزُ العَيْبُ يُقالُ: لَمَزَهُ إذا عابَهُ وطَعَنَ عَلَيْهِ قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] قالَ زِيادٌ الأعْجَمُ:
؎إذا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكاشَرَةً وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
؎ما كُنْتُ أخْشى وإنْ كانَ الزَّمانُ بِهِ ∗∗∗ حَيْفٌ عَلى النّاسِ أنْ يَغْتابَنِي عَنَزَهْ، وإنَّما نَهى بِذَلِكَ عَنْ عَيْبِ مَن لا يَسْتَحِقُّ، ولَيْسَ بِمَعِيبٍ فَإنَّ مَن كانَ مَعِيبًا فاجِرًا فَعَيْبُهُ بِما فِيهِ جائِزٌ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا ماتَ الحَجّاجُ قالَ الحَسَنُ: " اللَّهُمَّ أنْتَ أمَتَّهُ فاقْطَعْ عَنّا سُنَّتَهُ فَإنَّهُ أتانا أُخَيْفِشَ أُعَيْمِشَ يَمُدُّ بِيَدٍ قَصِيرَةِ البَنانِ واللَّهِ ما عَرِقَ فِيها عِنانٌ في سَبِيلِ اللَّهِ يُرَجِّلُ جُمَّتَهُ ويَخْطُرُ في مِشْيَتِهِ ويَصْعَدُ المِنبَرَ فَيَهْذِرُ حَتّى تَفُوتَهُ الصَّلاةُ لا مِنَ اللَّهِ يَتَّقِي، ولا مِنَ النّاسِ يَسْتَحْيِ فَوْقَهُ اللَّهُ وتَحْتَهُ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ لا يَقُولُ لَهُ قائِلٌ الصَّلاةَ أيُّها الرَّجُلُ " ثُمَّ قالَ الحَسَنُ " هَيْهاتَ واللَّهِ حالَ دُونَ ذَلِكَ السَّيْفُ والسَّوْطُ " .
* *
وقَوْلُهُ تَعالى - ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ عَنْ الحَسَنِ: «أنَّ أبا ذَرٍّ كانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رِجْلٍ مُنازَعَةٌ فَقالَ لَهُ أبُو ذَرٍّ: يا ابْنَ اليَهُودِيَّةِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ أما تَرى ما هَهُنا مِن شَيْءٍ أحْمَرَ ولا أسْوَدَ وما أنْتَ أفْضَلُ مِنهُ إلّا بِالتَّقْوى» قالَ: ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾ قالَ " لا تَقُلْ؛ لِأخِيكَ المُسْلِمِ يا فاسِقُ يا مُنافِقُ " حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " كانَ اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ يُسْلِمُ فَيُقالُ لَهُ يا يَهُودِيُّ يا نَصْرانِيُّ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ " .
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا وُهَيْبٌ عَنْ داوُدَ عَنْ عامِرٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو جَبِيرَةَ بْنُ الضَّحّاكِ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَنِي سَلَمَةَ: ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ قالَ: «قَدِمَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ مِنّا رِجْلٌ إلّا ولَهُ اسْمانِ أوْ ثَلاثَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يا فُلانُ فَيَقُولُونَ: مَهْ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ يَغْضَبُ مِن هَذا الِاسْمِ فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾» . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّقَبَ المَكْرُوهَ هو ما يَكْرَهُهُ صاحِبُهُ ويُفِيدُ ذَمًّا لِلْمَوْصُوفِ بِهِ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ السِّبابِ والشَّتِيمَةِ فَأمّا الأسْماءُ والأوْصافُ الجارِيَةُ غَيْرَ هَذا المَجْرى فَغَيْرُ مَكْرُوهَةٍ لَمْ يَتَناوَلْها النَّهْيُ؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ أسْماءِ الأشْخاصِ والأسْماءِ المُشْتَقَّةِ مِن أفْعالٍ.
وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خُثَيْمٍ المُحارِبِيُّ عَنْ (p-٢٨٧)عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: «كُنْتُ أنا وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَفِيقَيْنِ في غَزْوَةِ العَشِيرَةِ مِن بَطْنِ يَنْبُعَ، فَلَمّا نَزَلَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أقامَ بِها شَهْرًا وصالَحَ فِيها بَنِي مُدْلِجٍ وحُلَفاءَهم مِن بَنِي ضَمْرَةَ ووادَعَهم، فَقالَ لِي عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ لَكَ أنْ تَأْتِيَ هَؤُلاءِ مِن بَنِي مُدْلِجٍ يَعْمَلُونَ في عِيرٍ لَهم نَنْظُرُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ فَأتَيْناهم فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ ساعَةً ثُمَّ غَشِيَنا النَّوْمُ، فَعَمَدْنا إلى صُورٍ مِنَ النَّخْلِ في دَقْعاءَ مِنَ الأرْضِ فَنِمْنا، فَما أنْبَهَنا إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْنا، وقَدْ تَتَرَّبْنا مِن تِلْكَ الدَّقْعاءَ، فَيَوْمَئِذٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: يا أبا تُرابٍ لِما عَلَيْهِ مِنَ التُّرابِ، فَأخْبَرَناهُ بِما كانَ مِن أمْرِنا فَقالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأشْقى رَجُلَيْنِ ؟ قُلْنا: مَن هُما يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ واَلَّذِي يَضْرِبُكَ يا عَلِيُّ عَلى هَذا ووَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ حَتّى تُبَلَّ مِنهُ هَذِهِ ووَضَعَ يَدَهُ عَلى لِحْيَتِهِ» .
وقالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: " ما كانَ اسْمٌ أحَبَّ إلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُدْعى بِهِ مِن أبِي تُرابٍ " فَمِثْلُ هَذا لا يُكْرَهُ،؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ ذَمٌّ ولا يَكْرَهُهُ صاحِبُهُ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا شَرِيكٌ عَنْ عاصِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا ذا الأُذُنَيْنِ»، وقَدْ «غَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ أسْماءَ قَوْمٍ، فَسَمّى العاصَ عَبْدَ اللَّهِ وسَمّى شِهابًا هِشامًا وسَمّى حَرْبًا سِلْمًا،» وفي جَمِيعِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَنهِيَّ مِنَ الألْقابِ ما ذَكَرْنا دُونَ غَيْرِهِ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اُنْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا» يَعْنِي الصِّغَرَ
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غِيبَةً؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَمَّ المَذْكُورِ ولا غِيبَتَهُ.
الحجرات 49:12
وقَوْلُهُ تَعالى - ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ اقْتَضَتِ الآيَةُ النَّهْيَ عَنْ بَعْضِ الظَّنِّ لا عَنْ جَمِيعِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ يَقْتَضِي البَعْضَ وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ فَدَلَّ أنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ جَمْعَيْهِ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] وقالَ: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] فالظَّنُّ عَلى أرْبَعَةٍ أضْرُبٍ: مَحْظُورٍ ومَأْمُورٍ بِهِ ومَندُوبٍ إلَيْهِ ومُباحٍ فَأمّا الظَّنُّ المَحْظُورُ فَهو سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ - تَعالى - حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى ومُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيّانَ التَّمّارُ قالا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ أبِي سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ يَقُولُ: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنِ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو سَعِيدٍ يَحْيى بْنُ مَنصُورٍ الهَرَوِيُّ قالَ حَدَّثَنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ عَنْ هِشامِ بْنِ الغازِي عَنْ حِبّانَ بْنِ أبِي (p-٢٨٨)النَّصْرِ قالَ: سَمِعْتُ واثِلَةَ بْنَ الأسْقَعِ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ: «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي ما شاءَ». وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ واسِعٍ عَنْ شُتَيْرٍ يَعْنِي ابْنِ نَهارٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «حُسْنُ الظَّنِّ مِنَ العِبادَةِ» وهو مَرْفُوعٌ في حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ غَيْرُ مَرْفُوعٍ في حَدِيثِ مُوسى بْنِ إسْماعِيلَ.
فَحُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ فَرْضٌ وسُوءُ الظَّنِّ بِهِ مَحْظُورٌ مَنهِيٌّ وكَذَلِكَ سُوءُ الظَّنِّ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ ظاهِرُهُمُ العَدالَةُ مَحْظُورٌ مَزْجُورٌ عَنْهُ، وهو مِنَ الظَّنِّ المَحْظُورِ المَنهِيِّ عَنْهُ. وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ صَفِيَّةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَكِفًا فَأتَيْتُهُ أزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ وقُمْتُ فانْقَلَبْتُ فَقامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وكانَ مَسْكَنُها في دارِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ فَلَمّا رَأيا النَّبِيَّ ﷺ أسْرَعا فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى رِسْلِكُما إنَّها صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ قالا: - سُبْحانَ اللَّهِ - يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسانِ مُجْرِي الدَّمِ فَخَشِيتُ أنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُما شَيْئًا أوْ قالَ سُوءًا» .
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قالَ: حَدَّثَنا وُهَيْبٌ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» فَهَذا مِنَ الظَّنِّ المَحْظُورِ، وهو ظَنُّهُ بِالمُسْلِمِ سُوءًا مِن غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُهُ، وكُلُّ ظَنٍّ فِيما لَهُ سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَتِهِ مِمّا تُعُبِّدَ بِعِلْمِهِ فَهو مَحْظُورٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُتَعَبَّدًا تُعُبِّدَ بِعِلْمِهِ ونُصِبَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَتَّبِعِ الدَّلِيلَ وحَصَلَ عَلى الظَّنِّ كانَ تارِكًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ؛ وأمّا ما لَمْ يُنْصَبْ لَهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يُوَصِّلُهُ إلى العِلْمِ بِهِ، وقَدْ تُعُبِّدَ بِتَنْفِيذِ الحُكْمِ فِيهِ فالِاقْتِصارُ عَلى غالِبِ الظَّنِّ، وإجْراءُ الحُكْمِ عَلَيْهِ واجِبٌ.
وذَلِكَ نَحْوُ ما تَعَبَّدَنا بِهِ مِن قَبُولِ شَهادَةِ العُدُولِ وتَحَرِّي القِبْلَةِ وتَقْوِيمِ المُسْتَهْلَكاتِ وأُرُوشِ الجِناياتِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِمَقادِيرِها تَوْقِيفٌ، فَهَذِهِ وما كانَ مِن نَظائِرِها قَدْ تَعَبَّدَنا فِيها بِتَنْفِيذِ أحْكامِ غالِبِ الظَّنِّ وأمّا الظَّنُّ المُباحُ فالشَّكّاكُ في الصَّلاةِ أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّحَرِّي والعَمَلِ عَلى ما يَغْلِبُ في ظَنِّهِ، فَلَوْ غَلَبَ ظَنَّهُ كانَ مُباحًا، وإنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى البِناءِ عَلى اليَقِينِ كانَ جائِزًا، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ: إنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جِدادَ عِشْرِينَ وسْقًا بِالعالِيَةِ، وإنَّكَ لَمْ تَكُونِي حُزْتِيهِ ولا قَبَضْتِيهِ، وإنَّما هو مالُ الوارِثِ، وإنَّما هُما أخَواكَ وأُخْتاكَ، قالَ: فَقُلْتُ: إنَّما هي أسْماءُ فَقالَ: أُلْقِيَ في رُوعِي أنَّ (p-٢٨٩)ذا بَطْنِ خارِجَةَ جارِيَةٌ فاسْتَجازَ هَذا الظَّنَّ لِما وقَعَ في قَلْبِهِ.
وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عَمّارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا ظَنَنْتُمْ فَلا تُحَقِّقُوا» فَهَذا مِنَ الظَّنِّ الَّذِي يَعْرِضُ بِقَلْبِ الإنْسانِ في أخِيهِ مِمّا يُوجِبُ الرِّيبَةَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُحَقِّقَهُ، وأمّا الظَّنُّ المَندُوبُ إلَيْهِ فَهو حُسْنُ الظَّنِّ بِالأخِ المُسْلِمِ، هو مَندُوبٌ إلَيْهِ مُثابٌ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ سُوءُ الظَّنِّ مَحْظُورًا فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ حُسْنُ الظَّنِّ واجِبًا قِيلَ لَهُ: لا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ بَيْنَهُما واسِطَةً، وهو أنْ لا يُظَنَّ بِهِ شَيْئًا فَإذا أحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ فَقَدْ فَعَلَ مَندُوبًا إلَيْهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ عَنْ القَعْنَبِيِّ عَنْ مالِكٍ عَنْ أبِي الزِّنادِ عَنْ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ ولا تَجَسَّسُوا ولا تَحَسَّسُوا» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ قالَ: أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقِيلَ: هَذا فُلانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: " إنّا قَدْ نُهِينا عَنِ التَّجَسُّسِ، ولَكِنْ إنْ يَظْهَرْ لَنا شَيْءٌ نَأْخُذْ بِهِ " . وعَنْ مُجاهِدٍ: " لا تَجَسَّسُوا خُذُوا بِما ظَهَرَ لَكم ودَعُوا ما سَتَرَ اللَّهُ " .
فَنَهى اللَّهُ في هَذِهِ الآياتِ عَنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالمُسْلِمِ الَّذِي ظاهِرُهُ العَدالَةُ والسِّتْرُ، ودَلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَكْذِيبُ مَن قَذَفَهُ بِالظَّنِّ؛ وقالَ - تَعالى -: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]؛ فَإذا وجَبَ تَكْذِيبُ القاذِفِ والأمْرُ بِحُسْنِ الظَّنِّ فَقَدِ اقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ تَحْقِيقِ المَظْنُونِ، وعَنْ إظْهارِهِ.
ونَهى عَنِ التَّجَسُّسَ بَلْ أمَرَ بِالسِّتْرِ عَلى أهْلِ المَعاصِي ما لَمْ يَظْهَرْ مِنهم إصْرارٌ. حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ فارِسٍ قالَ: حَدَّثَنا الفِرْيابِيُّ عَنْ إسْرائِيلَ عَنْ الوَلِيدِ: قالَ أبُو داوُدَ: ونَسَبَهُ لَنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إسْرائِيلَ في هَذا الحَدِيثِ قالَ الوَلِيدُ بْنُ أبِي هِشامٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ زائِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُبْلِغْنِي أحَدٌ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا، فَإنِّي أُحِبُّ أنْ أخْرُجَ إلَيْكم وأنا سَلِيمُ الصَّدْرِ لَكم» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إبْراهِيمَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ نَشِيطٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن رَأْيِ عَوْرَةً فَسَتَرَها كانَ كَمَن أحْيا مَوْءُودَةً» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ عَقِيلٍ (p-٢٩٠)عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ مَن كانَ في حاجَةِ أخِيهِ فَإنَّ اللَّهَ في حاجَتِهِ ومَن فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِها كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَوْمِ القِيامَةِ ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» وجَمِيعُ ما أمَرَنا اللَّهُ بِهِ مِن ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى صَلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وفي صَلاحِ ذاتِ البَيْنِ صَلاحُ أمْرِ الدُّنْيا والدِّينِ، قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّةَ عَنْ سالِمٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ، و فَسادُ ذاتِ البَيْنِ الحالِقَةُ».
* *
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾؛ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ العَلاءِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّهُ قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ ما الغِيبَةُ ؟ قالَ: ذِكْرُكَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ، قِيلَ: أفَرَأيْتَ إنْ كانَ في أخِي ما أقُولُ ؟ قالَ: إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» .
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأقْمَرِ عَنْ أبِي حُذَيْفَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: حَسْبُكَ مِن صَفِيَّةَ كَذا وكَذا قالَ: غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِي قَصِيرَةً فَقالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِماءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ قالَتْ: وحَكَيْتُ لَهُ إنْسانًا آخَرَ فَقالَ: ما أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إنْسانًا وأنَّ لِي كَذا وكَذا» .
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو الزُّبَيْرِ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الصّامِتِ ابْنَ عَمِّ أبِي هُرَيْرَةَ أخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «جاءَ الأسْلَمِيُّ إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ أنَّهُ أصابَ امْرَأةً حَرامًا؛ وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى قَوْلِهِ: فَما تُرِيدُ بِهَذا القَوْلِ ؟ قالَ: أُرِيدُ أنْ تُطَهِّرَنِي فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ؛ فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِهِ يَقُولُ أحَدُهُما لَصاحِبِهِ: اُنْظُرْ إلى هَذا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَرْدَعْهُ نَفْسُهُ حَتّى رُجِمَ رَجْمَ الكَلْبِ فَسَكَتَ عَنْهُما، ثُمَّ سارَ ساعَةً حَتّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمارٍ شائِلٍ بِرِجْلِهِ فَقالَ: أيْنَ فُلانٌ وفُلانٌ ؟ فَقالا: نَحْنُ ذانِ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: انْزِلا فَكُلا مِن جِيفَةِ هَذا الحِمارِ فَقالا: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَن يَأْكُلُ مِن هَذا ؟ قالَ: فَما نِلْتُما مِن عِرْضِ أخِيكُما آنِفًا أشَدُّ مِنَ الأكْلِ مِنهُ، واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ الآنَ لَفي أنْهارِ الجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيها» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (p-٢٩١)قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ مُرَّةَ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ ومِائَتَيْنِ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ عَوْنٍ أنَّ ناسًا أتَوْا ابْنَ سِيرِينَ فَقالُوا: إنّا نَنالُ مِنكَ فاجْعَلْنا في حِلٍّ فَقالَ: لا أُحِلُّ لَكم ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم.
ورَوى الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ أنَّ رَجُلًا قالَ لِلْحَسَنِ: يا أبا سَعِيدٍ إنِّي أرى أمْرًا أكْرَهُهُ قالَ: وما ذاكَ يا ابْنَ أخِي ؟ قالَ: أرى أقْوامًا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَكَ يَحْفَظُونَ عَلَيْكَ سَقَطَ كَلامِكَ ثُمَّ يَحْكُونَكَ ويَعِيبُونَكَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي لا يَكْبُرَنَّ هَذا عَلَيْكَ، أُخْبِرُكَ بِما هو أعْجَبُ ؟ قالَ: وما ذاكَ يا عَمِّ ؟ قالَ: " أطْمَعْتُ نَفْسِي في جِوارِ الرَّحْمَنِ وحُلُولِ الجِنانِ والنَّجاةِ مِنَ النِّيرانِ ومُرافَقَةِ الأنْبِياءِ ولَمْ أُطْمِعْ نَفْسِي في السَّلامَةِ مِنَ النّاسِ، إنَّهُ لَوْ سَلِمَ مِنَ النّاسِ أحَدٌ لَسَلِمَ مِنهم خالِقُهُمُ الَّذِي خَلَقَهم، فَإذا لَمْ يَسْلَمْ خالِقُهم فالمَخْلُوقُ أجْدَرُ أنْ لا يَسْلَمَ " .
حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: أخْبَرَنا الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ قالَ: حَدَّثَنا داوُدُ بْنُ المُجْبِرِ قالَ: حَدَّثَنا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: حَدَّثَنِي خالِدُ بْنُ يَزِيدَ اليَمامِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَفّارَةُ الِاغْتِيابِ أنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ تَأْكِيدٌ لِتَقْبِيحِ الغِيبَةِ. والزَّجْرُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّ لَحْمَ الإنْسانِ مُحَرَّمُ الأكْلِ، فَكَذَلِكَ الغِيبَةُ.
والثّانِي: أنَّ النُّفُوسَ تَعافُ أكْلَ لَحْمِ الإنْسانِ مِن جِهَةِ الطَّبْعِ، فَلْتَكُنِ الغِيبَةُ عِنْدَكم بِمَنزِلَتِهِ في الكَراهَةِ ولُزُومِ اجْتِنابِهِ مِن جِهَةِ مُوجِبِ العَقْلِ؛ إذْ كانَتْ دَواعِي العَقْلِ أحَقَّ بِالِاتِّباعِ مِن دَواعِي الطَّبْعِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ الإنْسانِ المَيِّتِ حَتّى جَعَلَهُ أخاهُ، وهَذا أبْلَغُ ما يَكُونُ في التَّقْبِيحِ والزَّجْرِ، فَهَذا كُلُّهُ إنَّما هو في المُسْلِمِ الَّذِي ظاهِرُهُ العَدالَةُ، ولَمْ يَظْهَرْ مِنهُ ما يُوجِبُ تَفْسِيقَهُ كَما يَجِبُ عَلَيْنا تَكْذِيبُ قاذِفِهِ بِذَلِكَ، فَإنْ كانَ المَقْذُوفُ بِذَلِكَ مَهْتُوكًا فاسِقًا فَإنَّ ذِكْرَ ما فِيهِ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ غَيْرُ مَحْظُورٍ، كَما لا يَجِبُ عَلى سامِعِهِ النَّكِيرُ عَلى قائِلِهِ.
ووَصْفُهُ بِما يَكْرَهُهُ عَلى ضَرْبَيْنِ. أحَدُهُما: ذِكْرُ أفْعالِهِ القَبِيحَةِ. والآخَرُ: وصْفُ خِلْقَتِهِ، وإنْ كانَ مَشِينًا عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ لَهُ وتَصْغِيرِهِ لا عَلى جِهَةِ ذَمِّهِ بِها ولا عَيْبِ صانِعِها عَلى نَحْوِ ما رَوَيْنا عَنْ الحَسَنِ في وصْفِهِ الحَجّاجَ بِقُبْحِ الخِلْقَةِ، وقَدْ يَجُوزُ وصْفُ قَوْمٍ في الجُمْلَةِ بِبَعْضِ ما إذا وُصِفَ بِهِ إنْسانٌ بِعَيْنِهِ كانَ غِيبَةً مَحْظُورَةً، ثُمَّ لا يَكُونُ غِيبَةً إذا وُصِفَ بِهِ الجُمْلَةُ عَلى وجْهِ التَّعْرِيفِ.
كَما رَوى أبُو حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ رِجْلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي تَزَوَّجْتَ امْرَأةً قالَ: هَلْ نَظَرْتَ إلَيْها ؟ فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا»، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ غِيبَةً؛ وجَعَلَ وصْفَ عائِشَةَ الرَّجُلَ بِالقِصَرِ في الحَدِيثِ الَّذِي قَدَّمْنا غِيبَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى وجْهِ (p-٢٩٢)التَّعْرِيفِ لا عَلى جِهَةِ العَيْبِ، وهو كَما رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تُقاتِلُوا قَوْمًا عِراضَ الوُجُوهِ صِغارَ العُيُونِ فُطْسَ الأُنُوفِ كَأنَّ وُجُوهَهُمُ المِجانُّ المُطْرَقَةُ» فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غِيبَةً، وإنَّما كانَ تَعْرِيفًا لَهم صِفَةَ القَوْمِ.
الحجرات 49:13
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ: " الشُّعُوبُ: النَّسَبُ الأبْعَدُ، والقَبائِلُ الأقْرَبُ، فَيُقالُ بَنُو فُلانٍ وفُلانٍ " . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ بَدَأ بِذِكْرِ الخَلْقِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وهُما آدَمُ وحَوّاءُ، ثُمَّ جَعَلَهم شُعُوبًا يَعْنِي مُتَشَعِّبِينَ مُتَفَرِّقِينَ في الأنْسابِ كالأُمَمِ المُتَفَرِّقَةِ نَحْوُ العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ والهِنْدِ ونَحْوِهِمْ.
ثُمَّ جَعَلَهم قَبائِلَ وهم أخَصُّ مِنَ الشُّعُوبِ نَحْوُ قَبائِلِ العَرَبِ وبُيُوتاتِ العَجَمِ لِيَتَعارَفُوا بِالنِّسْبَةِ، كَما خالَفَ بَيْنَ خَلْقِهِمْ وصُوَرِهِمْ؛ لِيَعْرِفَ بَعْضُهم بَعْضًا ودَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا فَضْلَ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مِن جِهَةِ النَّسَبِ؛ إذْ كانُوا جَمِيعًا مِن أبٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ؛ ولِأنَّ الفَضْلَ لا يُسْتَحَقُّ بِعَمَلِ غَيْرِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ - تَعالى - ذَلِكَ لَنا لِئَلّا يَفْخَرَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالنَّسَبِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ فَأبانَ أنَّ الفَضِيلَةَ والرِّفْعَةَ إنَّما تُسْتَحَقُّ بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَتِهِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في خُطْبَتِهِ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أذْهَبَ نَخْوَةَ الجاهِلِيَّةِ وتَعَظُّمَها بِالآباءِ، النّاسُ مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ، أكْرَمُكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم، لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلى عَجَمِيٍّ إلّا بِالتَّقْوى» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ " إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم لا أعْظَمُكم بَيْتًا " . آخِرُ سُورَةِ الحُجُراتِ.
ق 50:5
ومِن سُورَةِ ق
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ قالَ: " مَن تَرَكَ الحَقَّ مَرَجَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ والتَبَسَ عَلَيْهِ دِينُهُ. "
ق 50:39
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ رَوى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ المُرادَ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: (p-٢٩٣)" صَلاةُ اللَّيْلِ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ صَلاةَ المَغْرِبِ والعَتَمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ قالَ عَلِيٌّ وعُمَرُ والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ البَصْرِيُّ ومُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلُهُ وعَنْ مُجاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ " إذا وضَعْتَ جَبْهَتَكَ عَلى الأرْضِ أنْ تُسَبِّحَ ثَلاثًا " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ مَن ذَكَرْنا قَوْلَهُ بَدِيًّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ أرادَ بِهِ الصَّلاةَ.
وكَذَلِكَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ هو صَلاةُ اللَّيْلِ وهي العَتَمَةُ والمَغْرِبُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ هو الصَّلاةَ؛ لِأنَّ فِيهِ ضَمِيرَ " فَسَبِّحْهُ "، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «التَّسْبِيحُ في دُبُرٍ كُلِّ صَلاةٍ»، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ تَفْسِيرُ الآيَةِ.
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ أفْلَحَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُسَبِّحَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ ونَحْمَدَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ ونُكَبِّرَ أرْبَعًا وثَلاثِينَ، فَأتى رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ في المَنامِ فَقالَ: أمَرَكم مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ تُسَبِّحُوا في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ وتَحْمَدُوا ثَلاثًا وثَلاثِينَ وتُكَبِّرُوا أرْبَعًا وثَلاثِينَ فَلَوْ جَعَلْتُمُوها خَمْسًا وعِشْرِينَ خَمْسًا وعِشْرِينَ فاجْعَلُوا فِيها التَّهْلِيلَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: افْعَلُوا» .
ورَوى سُمَيٌّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجاتِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ قالَ: كَيْفَ ذاكَ ؟ قالُوا: صَلَّوْا كَما صَلَّيْنا وجاهَدُوا كَما جاهَدْنا وأنْفَقُوا مِن فُضُولِ أمْوالِهِمْ ولَيْسَتْ لَنا أمْوالٌ، فَقالَ: أنا أُخْبِرُكم بِأمْرٍ تُدْرِكُونَ بِهِ مَن كانَ قَبْلَكم وتَسْبِقُونَ بِهِ مَن بَعْدَكم، لا يَأْتِي أحَدٌ بِمِثْلِ ما جِئْتُمْ بِهِ إلّا مَن جاءَ بِمِثْلِهِ، تُسَبِّحُونَ اللَّهَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ عَشْرًا وتَحْمَدُونَ اللَّهَ عَشْرًا وتُكَبِّرُونَ عَشْرًا» . ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا أنَّهُ قالَ: «تُسَبِّحُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ وتَحْمَدُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ وتُكَبِّرُ أرْبَعًا وثَلاثِينَ» .
ورَوى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وقالَ: «وتُكَبِّرُ أرْبَعًا وثَلاثِينَ» ورَوى أبُو هارُونَ العَبْدِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ في آخِرِ صَلاتِهِ عِنْدَ انْصِرافِهِ: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَإنْ حُمِلَ مَعْنى الآيَةِ عَلى الوُجُوبِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] عَلى صَلاةِ الفَجْرِ، ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ عَلى صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ. وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ " صَلاةُ العَتَمَةِ والمَغْرِبِ " .
فَتَكُونُ الآيَةُ مُنْتَظِمَةً لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالتَّسْبِيحِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ (p-٢٩٤)بِهِ، والصَّلاةُ تَشْتَمِلُ عَلى قِراءَةِ القُرْآنِ وأذْكارٍ هي تَنْزِيهٌ لِلَّهِ - تَعالى - . آخِرُ سُورَةِ ق.
ق 50:40
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ رَوى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ المُرادَ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: (p-٢٩٣)" صَلاةُ اللَّيْلِ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ صَلاةَ المَغْرِبِ والعَتَمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ قالَ عَلِيٌّ وعُمَرُ والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ البَصْرِيُّ ومُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلُهُ وعَنْ مُجاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ " إذا وضَعْتَ جَبْهَتَكَ عَلى الأرْضِ أنْ تُسَبِّحَ ثَلاثًا " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ مَن ذَكَرْنا قَوْلَهُ بَدِيًّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ أرادَ بِهِ الصَّلاةَ.
وكَذَلِكَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ هو صَلاةُ اللَّيْلِ وهي العَتَمَةُ والمَغْرِبُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ هو الصَّلاةَ؛ لِأنَّ فِيهِ ضَمِيرَ " فَسَبِّحْهُ "، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «التَّسْبِيحُ في دُبُرٍ كُلِّ صَلاةٍ»، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ تَفْسِيرُ الآيَةِ.
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ أفْلَحَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُسَبِّحَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ ونَحْمَدَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ ونُكَبِّرَ أرْبَعًا وثَلاثِينَ، فَأتى رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ في المَنامِ فَقالَ: أمَرَكم مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ تُسَبِّحُوا في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ وتَحْمَدُوا ثَلاثًا وثَلاثِينَ وتُكَبِّرُوا أرْبَعًا وثَلاثِينَ فَلَوْ جَعَلْتُمُوها خَمْسًا وعِشْرِينَ خَمْسًا وعِشْرِينَ فاجْعَلُوا فِيها التَّهْلِيلَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: افْعَلُوا» .
ورَوى سُمَيٌّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجاتِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ قالَ: كَيْفَ ذاكَ ؟ قالُوا: صَلَّوْا كَما صَلَّيْنا وجاهَدُوا كَما جاهَدْنا وأنْفَقُوا مِن فُضُولِ أمْوالِهِمْ ولَيْسَتْ لَنا أمْوالٌ، فَقالَ: أنا أُخْبِرُكم بِأمْرٍ تُدْرِكُونَ بِهِ مَن كانَ قَبْلَكم وتَسْبِقُونَ بِهِ مَن بَعْدَكم، لا يَأْتِي أحَدٌ بِمِثْلِ ما جِئْتُمْ بِهِ إلّا مَن جاءَ بِمِثْلِهِ، تُسَبِّحُونَ اللَّهَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ عَشْرًا وتَحْمَدُونَ اللَّهَ عَشْرًا وتُكَبِّرُونَ عَشْرًا» . ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا أنَّهُ قالَ: «تُسَبِّحُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ وتَحْمَدُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ وتُكَبِّرُ أرْبَعًا وثَلاثِينَ» .
ورَوى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وقالَ: «وتُكَبِّرُ أرْبَعًا وثَلاثِينَ» ورَوى أبُو هارُونَ العَبْدِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ في آخِرِ صَلاتِهِ عِنْدَ انْصِرافِهِ: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَإنْ حُمِلَ مَعْنى الآيَةِ عَلى الوُجُوبِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] عَلى صَلاةِ الفَجْرِ، ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ عَلى صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ. وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ " صَلاةُ العَتَمَةِ والمَغْرِبِ " .
فَتَكُونُ الآيَةُ مُنْتَظِمَةً لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالتَّسْبِيحِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ (p-٢٩٤)بِهِ، والصَّلاةُ تَشْتَمِلُ عَلى قِراءَةِ القُرْآنِ وأذْكارٍ هي تَنْزِيهٌ لِلَّهِ - تَعالى - . آخِرُ سُورَةِ ق.
الذاريات 51:17
ومِن سُورَةِ الذّارِياتِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ والضَّحّاكُ: " الهُجُوعُ النَّوْمُ " .
ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا أقَلَّ لَيْلَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهِمْ إلّا صَلَّوْا فِيها " .
وقالَ قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ: " لا يَنامُونَ فِيها إلّا قَلِيلًا " وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: " قَلَّ لَيْلَةٌ تَأْتِي عَلَيْهِمْ لا يُصَلُّونَ فِيها إمّا مِن أوَّلِها، وإمّا مِن أوْسَطِها " . وقالَ مُجاهِدٌ: " كانُوا لا يَنامُونَ كُلَّ اللَّيْلِ "، ورَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ قالَ: " كانُوا يَتَنَفَّلُونَ بَيْنَ المَغْرِبِ " والعِشاءِ " ورَوى أبُو حَيْوَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " كانُوا يُطِيلُونَ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ، وإذا سَجَدُوا اسْتَغْفِرُوا " .
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: " كانُوا لا يَنامُونَ عَنِ العَتَمَةِ يَنْتَظِرُونَها لِوَقْتِها "، كَأنَّهُ جَعَلَ هُجُوعَهم قَلِيلًا في جَنْبِ يَقَظَتِهِمْ لِصَلاةِ العَتَمَةِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ كانَتْ صَلاةُ اللَّيْلِ فَرْضًا فَنُسِخَ فَرْضُها بِما نَزَلَ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ ورَغَّبَ فِيها في هَذِهِ السُّورَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ في فَضْلِها والتَّرْغِيبِ فِيها.
ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ في اللَّيْلِ ساعَةً لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيها بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ وذَلِكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ» وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: قُلْتُ؛ لِأبِي ذَرٍّ: «أيُّ صَلاةِ اللَّيْلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ نِصْفُ اللَّيْلِ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ» .
ورَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أوْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أحَبُّ الصَّلاةِ إلى اللَّهِ - تَعالى - صَلاةُ داوُدَ كانَ يَنامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويُصَلِّي ثُلُثَ اللَّيْلِ ويَنامُ سُدُسَ اللَّيْلِ» .
ورُوِيَ عَنْ الحَسَنِ: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ قالَ: " ما يَرْقُدُونَ " ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: " مَدُّوا الصَّلاةَ إلى السَّحَرِ ثُمَّ جَلَسُوا في الدُّعاءِ والِاسْتِكانَةِ والِاسْتِغْفارِ. "
الذاريات 51:18
ومِن سُورَةِ الذّارِياتِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ والضَّحّاكُ: " الهُجُوعُ النَّوْمُ " .
ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا أقَلَّ لَيْلَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهِمْ إلّا صَلَّوْا فِيها " .
وقالَ قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ: " لا يَنامُونَ فِيها إلّا قَلِيلًا " وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: " قَلَّ لَيْلَةٌ تَأْتِي عَلَيْهِمْ لا يُصَلُّونَ فِيها إمّا مِن أوَّلِها، وإمّا مِن أوْسَطِها " . وقالَ مُجاهِدٌ: " كانُوا لا يَنامُونَ كُلَّ اللَّيْلِ "، ورَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ قالَ: " كانُوا يَتَنَفَّلُونَ بَيْنَ المَغْرِبِ " والعِشاءِ " ورَوى أبُو حَيْوَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " كانُوا يُطِيلُونَ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ، وإذا سَجَدُوا اسْتَغْفِرُوا " .
ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: " كانُوا لا يَنامُونَ عَنِ العَتَمَةِ يَنْتَظِرُونَها لِوَقْتِها "، كَأنَّهُ جَعَلَ هُجُوعَهم قَلِيلًا في جَنْبِ يَقَظَتِهِمْ لِصَلاةِ العَتَمَةِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ كانَتْ صَلاةُ اللَّيْلِ فَرْضًا فَنُسِخَ فَرْضُها بِما نَزَلَ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ ورَغَّبَ فِيها في هَذِهِ السُّورَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ في فَضْلِها والتَّرْغِيبِ فِيها.
ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ في اللَّيْلِ ساعَةً لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيها بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ وذَلِكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ» وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: قُلْتُ؛ لِأبِي ذَرٍّ: «أيُّ صَلاةِ اللَّيْلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ نِصْفُ اللَّيْلِ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ» .
ورَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أوْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أحَبُّ الصَّلاةِ إلى اللَّهِ - تَعالى - صَلاةُ داوُدَ كانَ يَنامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويُصَلِّي ثُلُثَ اللَّيْلِ ويَنامُ سُدُسَ اللَّيْلِ» .
ورُوِيَ عَنْ الحَسَنِ: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ قالَ: " ما يَرْقُدُونَ " ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قالَ: " مَدُّوا الصَّلاةَ إلى السَّحَرِ ثُمَّ جَلَسُوا في الدُّعاءِ والِاسْتِكانَةِ والِاسْتِغْفارِ. "
الذاريات 51:19
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِهِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ ومُجاهِدٌ: " هو حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ واجِبٌ في المالِ " وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَصَدَّقَ " . وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] قالَ: " الصَّدَقَةُ حَقٌّ مَعْلُومٌ " .
ورَوى حَجّاجٌ عَنِ الحَكَمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " نَسَخَتِ الزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ " . والحَجّاجُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مِثْلَهُ.
واخْتَلَفَ الرُّواةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ. فَرُوِيَ عَنْهُ ما يَحْتَجُّ بِهِ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، فَرَوى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قِصَّةَ «الرَّجُلِ الَّذِي (p-٢٩٥)سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَمّا عَلَيْهِ، فَذَكَرَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصِّيامَ، فَقالَ: هَلْ عَلَيَّ شَيْءٌ غَيْرُ هَذا ؟ قالَ: لا» .
ورَوى عَمْرُو بْنُ الحارِثِ عَنْ دَرّاجٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إذا أدَّيْتَ زَكاةَ مالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ ما عَلَيْكَ فِيهِ» .
ورَوى دَرّاجٌ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا أدَّيْتَ زَكاةَ مالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ الحَقَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْكَ» .
فَهَذِهِ الأخْبارُ يَحْتَجُّ بِها مَن تَأوَّلَ " حَقًّا مَعْلُومًا " عَلى الزَّكاةِ، وأنَّهُ لا حَقَّ عَلى صاحِبِ المالِ غَيْرُها. واحْتَجَّ ابْنُ سِيرِينَ بِأنَّ الزَّكاةَ حَقٌّ مَعْلُومٌ وسائِرُ الحُقُوقِ الَّتِي يُوجِبُها مُخالِفُوهُ لَيْسَتْ بِمَعْلُومَةٍ. واحْتَجَّ مَن أوْجَبَ فِيهِ حَقًّا سِوى الزَّكاةِ بِما رَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أفِي المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ ؟ فَتَلا: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧]» الآيَةَ. فَذَكَرَ الزَّكاةَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]
ويَحْتَجُّونَ أيْضًا بِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما مِن صاحِبِ إبِلٍ لا يُؤَدِّي حَقَّها في عُسْرِها ويُسْرِها إلّا بَرَزَ لَها بِقاعٍ قَرْقَرٍ تَطَأُهُ بِأخْفافِها، وذَكَرَ البَقَرَ والغَنَمَ، فَقالَ أعْرابِيٌّ: يا أبا هُرَيْرَةَ وما حَقُّها ؟ قالَ: تَمْنَحُ الغَزِيرَةَ وتُعْطِي الكَرِيمَةَ وتَحْمِلُ عَلى الظَّهْرِ وتَسْقِي اللَّبَنَ» .
وفِي حَدِيثِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا «يا رَسُولَ اللَّهِ وما حَقُّها ؟ قالَ: إطْراقُ فَحْلِها، وإعارَةُ دَلْوِها ومِنحَتِها وحَلْبُها عَلى الماءِ وحَمْلٌ عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ» .
ورَوى الأعْمَشُ عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «انْتَهَيْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو جالِسٌ في ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَلَمّا رَآنِي مُقْبِلًا قالَ هُمُ الأخْسَرُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هم ؟ قالَ هُمُ الأكْثَرُونَ أمْوالًا إلّا مَن قالَ هَكَذا وهَكَذا حَثا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ وبَيْنَ يَدَيْهِ ما مِن رِجْلٍ يَمُوتُ ويَتْرُكُ إبِلًا لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَها إلّا جاءَتْهُ يَوْمَ القِيامَةِ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِها وتَطَأُهُ بِأخْفافِها كُلَّما بَعُدَتْ أُخْراها أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولاها حَتّى يُقْضى بَيْنَ النّاسِ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذِهِ الأخْبارُ كُلُّها مُسْتَعْمَلَةٌ، وفي المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ، مِنهُ ما يَلْزَمُ مِنَ النَّفَقَةِ عَلى والِدَيْهِ إذا كانا فَقِيرَيْنِ وعَلى ذَوِي أرْحامِهِ، وما يَلْزَمُ مِن طَعامِ المُضْطَرِّ، وحَمْلُ المُنْقَطِعِ بِهِ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِنَ الحُقُوقِ اللّازِمَةِ عِنْدَما يَعْرِضُ مِن هَذِهِ الأحْوالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِوايَةً وعائِشَةُ وابْنُ المُسَيِّبِ ومُجاهِدٌ رِوايَةً وعَطاءٌ وأبُو العالِيَةِ والنَّخَعِيُّ وعِكْرِمَةُ " المَحْرُومُ المُحارَفُ " . وقالَ الحَسَنُ " المَحْرُومُ الَّذِي يَطْلُبُ فَلا يُرْزَقُ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِوايَةً ومُجاهِدٌ: " المَحْرُومُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ في الإسْلامِ سَهْمٌ "، وفي لَفْظٍ آخَرَ: " الَّذِي لَيْسَ لَهُ في الغَنِيمَةِ شَيْءٌ " .
وقالَ عِكْرِمَةُ " الَّذِي لا يَنْمُو (p-٢٩٦)لَهُ مالٌ "، وقالَ الزُّهْرِيُّ وقَتادَةُ: " المَحْرُومُ المِسْكِينُ المُتَعَفِّفُ "، وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: " المَحْرُومُ الكَلْبُ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: مَن تَأوَّلَهُ عَلى الكَلْبِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عِنْدَهُ بِحَقٍّ مَعْلُومٍ الزَّكاةَ؛ لِأنَّ إطْعامَ الكَلْبِ لا يُجْزِي مِنَ الزَّكاةِ.
فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرادُ عِنْدَهُ حَقًّا غَيْرَ الزَّكاةِ فَيَكُونُ في إطْعامِ الكَلْبِ قُرْبَةٌ، كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ في كُلِّ ذِي كَبِدٍ حَرّى أجْرًا، وإنَّ رَجُلًا سَقى كَلْبًا فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ» . والأظْهَرُ في قَوْلِهِ ﴿حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] أنَّهُ الزَّكاةُ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ واجِبَةٌ لا مَحالَةَ، وهي حَقٌّ مَعْلُومٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِالآيَةِ؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَنْطَوِيَ تَحْتَها ويَكُونَ اللَّفْظُ عِبارَةً عَنْها؛ ثُمَّ جائِزٌ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ ما تَأوَّلَ السَّلَفُ عَلَيْهِ المَحْرُومَ مُرادًا بِالآيَةِ في جَوازِ إعْطائِهِ الزَّكاةَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ إذا وُضِعَتْ في صِنْفٍ واحِدٍ أجْزَأ؛ لِأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى السّائِلِ والمَحْرُومِ دُونَ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ الصَّدَقاتِ.
وفَرَّقَ اللَّهُ - تَعالى - في الآيَةِ بَيْنَ السّائِلِ والمَحْرُومِ؛ لِأنَّ الفَقِيرَ قَدْ يَحْرِمُ نَفْسَهُ بِتَرْكِهِ المَسْألَةَ، وقَدْ يَحْرِمُهُ النّاسُ بِتَرْكِ إعْطائِهِ، فَإذا لَمْ يَسْألْ فَقَدْ حَرَمَ نَفْسَهُ بِتَرْكِ المَسْألَةِ، فَسُمِّيَ مَحْرُومًا مِن هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ مَحْرُومًا مِن وجْهَيْنِ: مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ومِن قِبَلِ النّاسِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما المَحْرُومُ. آخِرُ سُورَةِ الذّارِياتِ.
الطور 52:48
ومِن سُورَةِ الطُّورِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو الأحْوَصِ ومُجاهِدٌ: " حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَكانٍ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ " .
ورَوى عَلِيُّ بْنُ هاشِمٍ قالَ: سُئِلَ الأعْمَشُ أكانَ إبْراهِيمُ يَسْتَحِبُّ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ أنْ يَقُولَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ ؟ قالَ: " ما كانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً " .
وقالَ الضَّحّاكُ عَنْ عُمَرَ: " يَعْنِي بِهِ افْتِتاحَ الصَّلاةِ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَعْنِي بِهِ قَوْلَهُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ، إلى آخِرِهِ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: " حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُمُومًا في جَمِيعِ ما رُوِيَ مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ.
الطور 52:49
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أنَّهُ رَكْعَتا الفَجْرِ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، مِنها حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَكْعَتا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها» (p-٢٩٧)ورَوى عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أسْرَعَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّوافِلِ إسْراعَهُ إلى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ولا إلى غَنِيمَةٍ» .
ورَوى أيُّوبُ عَنْ عَطاءٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ واجِبَتانِ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لا تَدَعُوهُما فَإنَّ فِيهِما الرَّغائِبَ» وقالَ: «لا تَدَعُوهُما وإنْ طَرَقَتْكُمُ الخَيْلُ» . آخِرُ سُورَةِ الطُّورِ.
النجم 53:3
ومِن سُورَةِ النَّجْمِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ يَحْتَجُّ بِهِ مَن لا يُجِيزُ أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ في الحَوادِثِ مِن جِهَةِ اجْتِهادِ الرَّأْيِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ ولَيْسَ كَما ظَنُّوا؛ لِأنَّ اجْتِهادَ الرَّأْيِ إذا صَدَرَ عَنِ الوَحْيِ جازَ أنْ يُنْسَبَ مُوجِبُهُ وما أدّى إلَيْهِ أنَّهُ عَنْ وحْيٍ.
النجم 53:4
ومِن سُورَةِ النَّجْمِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ يَحْتَجُّ بِهِ مَن لا يُجِيزُ أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ في الحَوادِثِ مِن جِهَةِ اجْتِهادِ الرَّأْيِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ ولَيْسَ كَما ظَنُّوا؛ لِأنَّ اجْتِهادَ الرَّأْيِ إذا صَدَرَ عَنِ الوَحْيِ جازَ أنْ يُنْسَبَ مُوجِبُهُ وما أدّى إلَيْهِ أنَّهُ عَنْ وحْيٍ.
النجم 53:13
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعائِشَةَ ومُجاهِدٍ والرَّبِيعِ قالُوا: «رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها مَرَّتَيْنِ» ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّهُ رَأى رَبَّهُ بِقَلْبِهِ "؛ وهَذا يَرْجِعُ إلى مَعْنى العِلْمِ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والضَّحّاكِ: " سِدْرَةُ المُنْتَهى في السَّماءِ السّادِسَةِ وإلَيْها يَنْتَهِي ما يَعْرُجُ إلى السَّماءِ " وقِيلَ: " سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى؛ لِأنَّهُ يَنْتَهِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ " وقالَ الحَسَنُ: " جَنَّةُ المَأْوى هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ " .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ صَعِدَ إلى السَّماءِ وإلى الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى وإنَّ عِنْدَها جَنَّةَ المَأْوى.
النجم 53:14
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعائِشَةَ ومُجاهِدٍ والرَّبِيعِ قالُوا: «رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها مَرَّتَيْنِ» ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّهُ رَأى رَبَّهُ بِقَلْبِهِ "؛ وهَذا يَرْجِعُ إلى مَعْنى العِلْمِ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والضَّحّاكِ: " سِدْرَةُ المُنْتَهى في السَّماءِ السّادِسَةِ وإلَيْها يَنْتَهِي ما يَعْرُجُ إلى السَّماءِ " وقِيلَ: " سُمِّيَتْ سِدْرَةَ المُنْتَهى؛ لِأنَّهُ يَنْتَهِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ " وقالَ الحَسَنُ: " جَنَّةُ المَأْوى هي الَّتِي يَصِيرُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ " .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ صَعِدَ إلى السَّماءِ وإلى الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى وإنَّ عِنْدَها جَنَّةَ المَأْوى.
النجم 53:32
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِوايَةً: لَمْ أرَ أشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمّا قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ - تَعالى - كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنا العَيْنَيْنِ النَّظَرُ وزِنا اللِّسانِ المَنطِقُ، والنَّفْسُ تَمَنّى وتَشْتَهِي والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أوْ يُكَذِّبُهُ». ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ: " أنَّهُ النَّظْرَةُ والغَمْزَةُ والقُبْلَةُ والمُباشَرَةُ، فَإذا مَسَّ الخِتانُ الخِتانَ فَهو الزِّنا ووَجَبَ الغُسْلُ "، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا: " إنَّ اللَّمَمَ النِّكاحُ "، وعَنْهُ أيْضًا: " إنَّ اللَّمَّةَ مِنَ الزِّنا ثُمَّ يَتُوبُ فَلا يَعُودُ " .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِوايَةً: " اللَّمَمُ ما بَيْنَ الحَدَّيْنِ حَدِّ الدُّنْيا وحَدِّ الآخِرَةِ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا رِوايَةً " هو الَّذِي يُلِمُّ بِالمَرْأةِ " وقالَ عَطاءٌ: " اللَّمَمُ ما دُونَ الجِماعِ " وقالَ مُجاهِدٌ: " أنْ تُصِيبَ الذَّنْبَ ثُمَّ تَتُوبَ " .
ورَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ عَطاءٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ تَغْفِرْ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا» ويُقالُ: إنَّ اللَّمَمَ هو الهَمُّ بِالخَطِيئَةِ مِن جِهَةِ حَدِيثِ النَّفْسِ بِها مِن غَيْرِ عَزْمٍ عَلَيْها وقِيلَ: إنَّ اللَّمَمَ (p-٢٩٨)مُقارِبَةُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ دُخُولٍ فِيهِ، يُقالُ: ألَمَّ بِالشَّيْءِ إلْمامًا إذا قارَبَهُ وقِيلَ: إنَّ اللَّمَمَ الصَّغِيرُ مِنَ الذُّنُوبِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى -: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]
النجم 53:38
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ هو كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] وكَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ في مَعْنى ذَلِكَ ويُحْتَجُّ بِهِ في امْتِناعِ جَوازِ تَصَرُّفِ الإنْسانِ عَلى غَيْرِهِ في إبْطالِ الحَجْرِ عَلى الحُرِّ العاقِلِ البالِغِ.
النجم 53:39
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ هو كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] وكَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ في مَعْنى ذَلِكَ ويُحْتَجُّ بِهِ في امْتِناعِ جَوازِ تَصَرُّفِ الإنْسانِ عَلى غَيْرِهِ في إبْطالِ الحَجْرِ عَلى الحُرِّ العاقِلِ البالِغِ.
النجم 53:45
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ اسْمًا لِلْجِنْسَيْنِ اسْتَوْعَبَ الجَمِيعَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى، وأنَّ الخُنْثى وإنِ اشْتَبَهَ عَلَيْنا أمْرُهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما؛ وقَدْ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: إنَّ الخُنْثى المُشْكِلَ إنَّما يَكُونُ ما دامَ صَغِيرًا فَإذا بَلَغَ فَلا بُدَّ مِن أنْ تَظْهَرَ فِيهِ عَلامَةُ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ. آخِرُ سُورَةِ النَّجْمِ.
النجم 53:46
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ اسْمًا لِلْجِنْسَيْنِ اسْتَوْعَبَ الجَمِيعَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى، وأنَّ الخُنْثى وإنِ اشْتَبَهَ عَلَيْنا أمْرُهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِهِما؛ وقَدْ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: إنَّ الخُنْثى المُشْكِلَ إنَّما يَكُونُ ما دامَ صَغِيرًا فَإذا بَلَغَ فَلا بُدَّ مِن أنْ تَظْهَرَ فِيهِ عَلامَةُ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ. آخِرُ سُورَةِ النَّجْمِ.
القمر 54:1
ومِن سُورَةِ القَمَرِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ اللَّهَ لا يَقْلِبُ العاداتِ بِمِثْلِهِ إلّا لِيَجْعَلَهُ دَلالَةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ. ﷺ ورَوى انْشِقاقَ القَمَرِ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ وابْنُ عَبّاسٍ وحُذَيْفَةُ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ في آخَرِينَ كَرِهْتُ ذِكْرَ أسانِيدِها لِلْإطالَةِ فَإنْ قِيلَ: مَعْناهُ سَيَنْشَقُّ في المُسْتَقْبَلِ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ قَدِ انْشَقَّ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ لَما خَفِيَ عَلى أهْلِ الآفاقِ قِيلَ لَهُ: هَذا فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ خِلافُ ظاهِرِ اللَّفْظِ وحَقِيقَتِهِ، والآخَرُ: أنَّهُ قَدْ تَواتَرَ الخَبَرُ بِهِ عَنِ الصَّحابَةِ ولَمْ يَدْفَعْهُ مِنهم أحَدٌ وأمّا قَوْلُهُ: " إنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ لَما خَفِيَ عَلى أهْلِ الآفاقِ " فَإنَّهُ جائِزٌ أنْ يَسْتُرَهُ اللَّهُ عَنْهم بِغَيْمٍ أوْ يَشْغَلَهم عَنْ رُؤْيَتِهِ بِبَعْضِ الأُمُورِ لِضَرْبٍ مِنَ التَّدْبِيرِ ولِئَلّا يَدَّعِيَهُ بَعْضُ المُتَنَبِّئِينَ في الآفاقِ لِنَفْسِهِ، فَأظْهَرَهُ لِلْحاضِرَيْنِ عِنْدَ دُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيّاهم واحْتِجاجِهِ عَلَيْهِمْ.
القمر 54:28
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ، تَدُلُّ عَلى جَوازِ المُهايَأةِ عَلى الماءِ؛ لِأنَّهم جَعَلُوا شِرْبَ الماءِ يَوْمًا لِلنّاقَةِ ويَوْمًا لَهم ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ المُهايَأةَ قِسْمَةُ المَنافِعِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - قَدْ سَمّى ذَلِكَ قِسْمَةً وإنَّما هي مُهايَأةٌ عَلى الماءِ لا قِسْمَةُ الأصْلِ.
واحْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بِذَلِكَ في جَوازِ المُهايَأةِ عَلى الماءِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وهَذا يَدُلُّ مِن قَوْلِهِ عَلى (p-٢٩٩)أنَّهُ كانَ يَرى شَرائِعَ مَن كانَ قَبْلَنا مِنَ الأنْبِياءِ ثابِتَةً ما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُها. آخِرُ سُورَةِ القَمَرِ.
الرحمن 55:12
ومِن سُورَةِ الرَّحْمَنِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ أنَّ العَصْفَ التِّبْنُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ: " الرَّيْحانُ الوَرَقُ "، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ الرَّيْحانَ الحَبُّ وقالَ الحَسَنُ: " هو الرَّيْحانُ الَّذِي يُشَمُّ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مُرادًا؛ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ مِنَ الرَّيْحانِ أنَّهُ المَشْمُومُ، ولَمّا عَطَفَ الرَّيْحانَ عَلى الحَبِّ ذِي العَصْفِ والعَصْفُ هو ساقُهُ دَلَّ عَلى أنَّ الرَّيْحانَ ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ ولَهُ رائِحَةٌ مُسْتَلَذَّةٌ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ لَهُ ساقٌ، وذَلِكَ نَحْوُ الضَّيْمَرانِ والنَّمّامِ والآسِ الَّذِي يُخْرِجُ ورَقُهُ رَيْحانًا قَبْلَ أنْ يَصِيرَ ذا ساقٍ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
الرحمن 55:22
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ مُرادُهُ مِن أحَدِهِما؛ لِأنَّهُ إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ دُونَ العَذْبِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وإنَّما أُرْسِلَ مِنَ الإنْسِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: " المَرْجانُ صِغارُ اللُّؤْلُؤِ " وقِيلَ: " المَرْجانُ المُخْتَلِطُ مِنَ الجَواهِرِ، مِن مَرَجْتَ أيْ خَلَطْتَ " وقِيلَ: " إنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الجَواهِرِ كالقُضْبانِ يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ " .
وقِيلَ: إنَّما قالَ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما﴾ لِأنَّ العَذْبَ والمِلْحَ يَلْتَقِيانِ فَيَكُونُ العَذْبُ لِقاحًا لِلْمِلْحِ، كَما يُقالُ يَخْرُجُ الوَلَدُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى وإنَّما تَلِدُهُ الأُنْثى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا جاءَ القَطْرُ مِنَ السَّماءِ تَفَتَّحَتِ الأصْدافُ فَكانَ مِن ذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ " .
الرحمن 55:37
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ رُوِيَ أنَّها تَحْمَرُّ وتَذُوبُ كالدُّهْنِ، رُوِيَ أنَّ سَماءَ الدُّنْيا مِن حَدِيدٍ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صارَتْ مِنَ الخُضْرَةِ إلى الِاحْمِرارِ مِن حَرِّ نارِ جَهَنَّمَ كالحَدِيدِ إذا أُحْمِيَ بِالنّارِ.
الرحمن 55:39
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾؛ قِيلَ فِيهِ: لا يُسْألُ سُؤالَ اسْتِفْهامٍ لَكِنْ سُؤالَ تَقْرِيرٍ وتَوْقِيفٍ وقِيلَ فِيهِ: لا يُسْألُ في أوَّلِ أحْوالٍ حُضُورِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ لِما يَلْحَقُهم مِنَ الدَّهَشِ والذُّهُولِ ثُمَّ يُسْألُونَ في وقْتٍ آخَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] يُحْتَجُّ بِهِ لِأبِي حَنِيفَةَ في أنَّ الرُّطَبَ والرُّمّانَ لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ إنَّما يُعْطَفُ عَلى غَيْرِهِ هَذا هو ظاهِرُ الكَلامِ. ومَفْهُومُهُ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ انْفَرَدَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ مِن جِنْسِهِ لِضَرْبٍ مِنَ التَّعْظِيمِ وغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ (p-٣٠٠)- تَعالى -: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] آخِرُ سُورَةِ الرَّحْمَنِ.
الرحمن 55:64
بابٌ قِراءَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ في الصَّلاةِ قالَ أصْحابُنا جَمِيعًا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: يَقْرَأُ بِفاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَةٍ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الأُولَيَيْنِ، فَإنْ تَرَكَ قِراءَةَ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَرَأ غَيْرَها فَقَدْ أساءَ، ويُجْزِيهِ صَلاتُهُ.
وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: إذا لَمْ يَقْرَأْ أُمَّ القُرْآنِ في الرَّكْعَتَيْنِ أعادَ وقالَ الشّافِعِيُّ: أقَلُّ ما يُجْزِي فاتِحَةُ الكِتابِ، فَإنْ تَرَكَ مِنها حَرْفًا وخَرَجَ مِنَ الصَّلاةِ أعادَ
قالَ أبُو بَكْرٍ: رَوى الأعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَبّادِ بْنِ رِبْعِيٍّ، قالَ: قالَ عُمَرُ: لا تُجْزِي صَلاةٌ لا يُقْرَأُ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ وآيَتَيْنِ فَصاعِدًا.
ورَوى ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ الجَرِيرِيِّ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قالَ: لا تُجْزِي صَلاةٌ لا يُقْرَأُ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ وآيَتَيْنِ فَصاعِدًا ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي العالِيَةِ، قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ القِراءَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ، قالَ: اقْرَأْ مِنهُ ما قَلَّ أوْ كَثُرَ ولَيْسَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ قَلِيلٌ ورُوِيَ عَنْ الحَسَنِ وإبْراهِيمَ والشَّعْبِيِّ أنَّ مَن نَسِيَ قِراءَةَ فاتِحَةِ الكِتابِ وقَرَأ غَيْرَها لَمْ يَضُرَّ، وتُجْزِيهِ.
ورَوى وكِيعٌ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حازِمٍ عَنْ الوَلِيدِ بْنِ يَحْيى أنَّ جابِرَ بْنَ زَيْدٍ قامَ يُصَلِّي ذاتَ يَوْمٍ فَقَرَأ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ثُمَّ رَكَعَ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في أنَّها لا تُجْزِي إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ وآيَتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلى جَوازِ التَّمامِ لا عَلى نَفْيِ الأصْلِ؛ إذْ لا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ في جَوازِها بِقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ وحْدَها.
والدَّلِيلُ عَلى جَوازِها مَعَ تَرْكِ الفاتِحَةِ، وإنْ كانَ مُسِيئًا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ومَعْناهُ قِراءَةُ الفَجْرِ في صَلاةِ الفَجْرِ، لِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ لا فَرْضَ عَلَيْهِ في القِراءَةِ وقْتَ صَلاةِ الفَجْرِ إلّا في الصَّلاةِ؛ والأمْرُ عَلى الإيجابِ حَتّى تَقُومَ دَلالَةُ النَّدْبِ، فاقْتَضى الظّاهِرُ جَوازَها بِما قَرَأ فِيها مِن شَيْءٍ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصٌ لِشَيْءٍ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] والمُرادُ بِهِ القِراءَةُ في الصَّلاةِ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى قَوْلِهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] ولَمْ تَخْتَلِفِ الأُمَّةُ أنَّ ذَلِكَ في شَأْنِ الصَّلاةِ في اللَّيْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] عُمُومٌ عِنْدَنا في صَلاةِ اللَّيْلِ وغَيْرِها مِنَ النَّوافِلِ والفَرائِضِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ جَمِيعُ الصَّلاةِ مِن فَرْضٍ ونَفْلٍ حَدِيثُ (p-٢١)أبِي هُرَيْرَةَ ورِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ في «تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ الأعْرابِيَّ الصَّلاةَ حِينَ لَمْ يُحْسِنْها فَقالَ لَهُ: ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ» .
وأمْرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَنا إنَّما صَدَرَ عَنِ القُرْآنِ؛ لِأنّا مَتى وجَدْنا لِلنَّبِيِّ ﷺ أمْرًا يُواطِئُ حُكْمًا مَذْكُورًا في القُرْآنِ وجَبَ أنْ يُحْكَمَ بِأنَّهُ إنَّما حَكَمَ بِذَلِكَ عَنِ القُرْآنِ، كَقَطْعِهِ السّارِقَ وجَلْدِهِ الزّانِيَ ونَحْوِها ثُمَّ لَمْ يُخَصِّصْ نَفْلًا مِن فَرْضٍ فَثَبَتَ أنَّ مُرادَ الآيَةِ عامٌّ في الجَمِيعِ فَهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى جَوازِها بِغَيْرِ فاتِحَةِ الكِتابِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: دَلالَتُهُ عَلى أنَّ مُرادَ الآيَةِ عامٌّ في جَمِيعِ الصَّلَواتِ.
والثّانِي أنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ في جَوازِها بِغَيْرِها، وعَلى أنَّ نُزُولَ الآيَةِ في شَأْنِ صَلاةِ اللَّيْلِ لَوْ لَمْ يُعاضِدْهُ الخَبَرُ لَمْ يَمْنَعْ لُزُومَ حُكْمِها في غَيْرِها مِنَ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ إذا ثَبَتَ ذَلِكَ في صَلاةِ اللَّيْلِ فَسائِرُ الصَّلَواتِ مِثْلُها، بِدَلالَةِ أنَّ الفَرْضَ والنَّفَلَ لا يَخْتَلِفانِ في حُكْمِ القِراءَةِ، وأنَّ ما جازَ في النَّفْلِ جازَ في الفَرْضِ مِثْلُهُ، كَما لا يَخْتَلِفانِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ وسائِرِ أرْكانِ الصَّلاةِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: هُما مُخْتَلِفانِ عِنْدَكَ؛ لِأنَّ القِراءَةَ في الأُخْرَيَيْنِ غَيْرُ واجِبَةٍ عِنْدَكَ في الفَرْضِ، وهي واجِبَةٌ في النَّفْلِ إذا صَلّاها قِيلَ لَهُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفَلَ آكَدُ في حُكْمِ القِراءَةِ مِنَ الفَرْضِ، فَإذا جازَ النَّفَلُ مَعَ تَرْكِ فاتِحَةِ الكِتابِ فالفَرْضُ أحْرى أنْ يَجُوزَ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما، ومَن أوْجَبَ فَرْضَ قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ في أحَدِهِما أوْجَبَها في الآخَرِ، ومَن أسْقَطَ فَرْضَها في أحَدِهِما أسْقَطَهُ في الآخَرِ فَلَمّا ثَبَتَ عِنْدَنا بِظاهِرِ الآيَةِ جَوازُ النَّفْلِ بِغَيْرِها وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الفَرْضِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ تَرْكِها بِالآيَةِ ؟
قِيلَ لَهُ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: اقْرَأْ ما شِئْتَ ألا تَرى أنَّ مَن قالَ لِرَجُلِ: بِعْ عَبْدِي هَذا بِما تَيَسَّرَ، أنَّهُ مُخَيِّرٌ لَهُ في بَيْعِهِ لَهُ بِما رَأى.
وإذا ثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ لَمْ يَجُزْ لَنا إسْقاطُهُ والِاقْتِصارُ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وهو فاتِحَةُ الكِتابِ؛ لِأنَّ فِيهِ نَسْخَ ما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ مِنَ التَّخْيِيرِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ووُجُوبُ الِاقْتِصارِ بِهِ عَلى الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ مَعَ وُقُوعِ الِاسْمِ عَلى غَيْرِها مِن سائِرِ ما يُهْدى ويُتَصَدَّقُ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَسْخُ الآيَةِ.
قِيلَ لَهُ: إنَّ خِيارَهُ باقٍ في ذَبْحِهِ أيَّها شاءَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رَفْعُ حُكْمِها مِنَ التَّخْيِيرِ ولا نَسْخُهُ، وإنَّما فِيهِ التَّخْصِيصُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما لَوْ ورَدَ أثَرٌ في قِراءَةِ آيَةٍ دُونَ ما هو أقَلُّ مِنها لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ نَسْخُ الآيَةِ؛ لِأنَّ خِيارَهُ باقٍ في أنْ يَقْرَأ أيَّها شاءَ مِن آيِ (p-٢٢)القُرْآنِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] يُسْتَعْمَلُ فِيما عَدا فاتِحَةَ الكِتابِ، فَلا يَكُونُ فِيهِ نَسْخٌ لَها، قِيلَ لَهُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ الأمْرَ بِالقِراءَةِ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ فِيها، فَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِبادَةً إلّا وهي مِن أرْكانِها الَّتِي لا تَصِحُّ إلّا بِها.
الثّانِي: أنَّ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ في جَمِيعِ ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ، فَلا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ في بَعْضِ ما يُقْرَأْ فِيها دُونَ غَيْرِها.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠] أمْرٌ، وحَقِيقَتُهُ ومُقْتَضاهُ الواجِبُ، فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى النَّدْبِ مِنَ القِراءَةِ دُونَ الواجِبِ مِنها، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِن جِهَةِ الأثَرِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ، قالَ: حَدَّثَنا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ عَنْ إسْحاقَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيى بْنِ خَلّادٍ عَنْ عُمَرَ، «أنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلّى، ثُمَّ جاءَ فَسَلَّمَ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقالَ لَهُ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلّى كَما كانَ يُصَلِّي ثُمَّ جاءَ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ حَتّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ لا تَتِمُّ صَلاةُ أحَدٍ مِنَ النّاسِ حَتّى يَتَوَضَّأ فَيَضَعَ الوُضُوءَ مَواضِعَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ ويَحْمَدَ اللَّهَ تَعالى ويُثْنِيَ عَلَيْهِ، ويَقْرَأ بِما شاءَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ يَقُولَ: اللَّهُ أكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعَ حَتّى تَطْمَئِنَّ مَفاصِلُهُ» وذَكَرَ الحَدِيثَ.
وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلّى، ثُمَّ جاءَ فَسَلَّمَ»، وذَكَرَ نَحْوَهُ، ثُمَّ قالَ: «إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ» وذَكَرَ الحَدِيثَ
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ في الحَدِيثِ الأوَّلِ: " ثُمَّ اقْرَأْ ما شِئْتَ " وفي الثّانِي: " ما تَيَسَّرَ " فَخَيَّرَهُ في القِراءَةِ بِما شاءَ.
ولَوْ كانَتْ قِراءَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ فَرْضًا لَعَلَّمَهُ إيّاها مَعَ عِلْمِهِ بِجَهْرِ الرَّجُلِ بِأحْكامِ الصَّلاةِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ الِاقْتِصارُ في تَعْلِيمِ الجاهِلِ عَلى بَعْضِ فُرُوضِ الصَّلاةِ دُونَ بَعْضٍ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ قِراءَتَها لَيْسَتْ بِفَرْضٍ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الجَزّارُ، قالَ: حَدَّثَنا عامِرُ بْنُ سَيّارٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو شَيْبَةَ إبْراهِيمُ بْنُ عُثْمانَ حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا صَلاةَ إلّا بِقِراءَةٍ يُقْرَأُ فِيها فاتِحَةُ الكِتابِ أوْ غَيْرُها مِنَ القُرْآنِ» . وقَدْ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا وهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ مَخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيى بْنِ خَلّادٍ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ بِهَذِهِ القِصَّةِ، (p-٢٣)قالَ: فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إذا قُمْتَ فَتَوَجَّهْتَ إلى القِبْلَةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ وبِما شاءَ اللَّهُ أنْ تَقْرَأ» وذَكَرَ تَمامَ الحَدِيثِ، فَذَكَرَ فِيهِ قِراءَةَ أُمِّ القُرْآنِ وغَيْرَها، وهَذا غَيْرُ مُخالِفٍ لِلْأخْبارِ الأُخَرِ؛ لِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ يَقْرَأُ بِما تَيَسَّرَ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ حَمْلُهُ عَلى تَعْيِينِ الفَرْضِ فِيها لِما فِيهِ مِن نَسْخِ التَّخْيِيرِ المَذْكُورِ في غَيْرِهِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ أحَدَ الخَبَرَيْنِ غَيْرُ مَنسُوخٍ بِالآخَرِ؛ إذْ كانا في قِصَّةٍ واحِدَةٍ فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا ذَكَرَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ التَّخْيِيرَ فِيما يُقْرَأُ، وذَكَرَ في الآخَرِ الأمْرَ بِقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ مِن غَيْرِ تَخْيِيرٍ، وأثْبَتَ التَّخْيِيرَ فِيما عَداها بِقَوْلِهِ: «وبِما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقْرَأ» بَعْدَ فاتِحَةِ الكِتابِ، ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ التَّخْيِيرَ المَذْكُورَ في الأخْبارِ الأُخَرِ إنَّما هو فِيما عَدا فاتِحَةَ الكِتابِ، وأنَّ تَرْكَ ذِكْرِ فاتِحَةِ الكِتابِ إنَّما هو إغْفالٌ مِن بَعْضِ الرُّواةِ، ولِأنَّ في خَبَرِنا زِيادَةً، وهو الأمْرُ بِقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ بِلا تَخْيِيرٍ.
قِيلَ لَهُ: غَيْرُ جائِزٍ حَمْلُ الخَبَرِ الَّذِي فِيهِ التَّخْيِيرُ مُطْلَقًا عَلى الخَبَرِ المَذْكُورِ فِيهِ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى ما ادَّعَيْتَ، لِإمْكانِ اسْتِعْمالِهِما مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، بَلِ الواجِبُ أنْ نَقُولَ: التَّخْيِيرُ المَذْكُورُ في الخَبَرِ المُطْلَقِ حُكْمُهُ ثابِتٌ في الخَبَرِ المُقَيَّدِ بِذِكْرِ فاتِحَةِ الكِتابِ، فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ عامًّا في فاتِحَةِ الكِتابِ وغَيْرِها، كَأنَّهُ قالَ: اقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ إنْ شِئْتَ وبِما سِواها، فَيَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْمالُ زِيادَةِ التَّخْيِيرِ في فاتِحَةِ الكِتابِ، دُونَ تَخْصِيصِهِ في بَعْضِ القِراءَةِ دُونَ بَعْضٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مُوسى، قالَ: حَدَّثَنا عِيسى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ البَصْرِيِّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اُخْرُجْ فَنادِ في المَدِينَةِ أنَّهُ لا صَلاةَ إلّا بِقُرْآنٍ، ولَوْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَما زادَ» .
وقَوْلُهُ: «لا صَلاةَ إلّا بِالقُرْآنِ» يَقْتَضِي جَوازَها بِما قَرَأ بِهِ مِن شَيْءٍ.
وقَوْلُهُ: «ولَوْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَما زادَ» يَدُلُّ أيْضًا عَلى جَوازِها بِغَيْرِها لِأنَّهُ لَوْ كانَ فَرْضُ القِراءَةِ مُتَعَيِّنًا بِها لَما قالَ: «ولَوْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَما زادَ» ولَقالَ: بِفاتِحَةِ الكِتابِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أيُّما صَلاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَهي خِداجٌ» ورَواهُ مالِكٌ وابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ العَلاءِ عَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى هِشامِ بْنِ زُهْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ واخْتِلافُهُما في السَّنَدِ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يُوهِنُهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِن أبِيهِ ومِن أبِي السّائِبِ جَمِيعًا فَلَمّا قالَ: «فَهِيَ (p-٢٤)خِداجٌ» والخِداجُ النّاقِصَةُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى جَوازِها مَعَ النُّقْصانِ؛ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ جائِزَةً لَما أطْلَقَ عَلَيْها اسْمَ النُّقْصانِ؛ لِأنَّ إثْباتَها ناقِصَةً يَنْفِي بُطْلانَها؛ إذْ لا يَجُوزُ الوَصْفُ بِالنُّقْصانِ لِما لَمْ يَثْبُتُ مِنهُ شَيْءٌ.
ألا تَرى أنَّهُ لا يُقالُ لِلنّاقَةِ إذا حالَتْ فَلَمْ تَحْمِلْ: إنَّها قَدْ أخَدَجَتْ، وإنَّما يُقالَ: أخَدَجَتْ وخَدَجَتْ، إذا ألْقَتْ ولَدَها ناقِصَ الخِلْقَةِ أوْ وضَعَتْهُ لِغَيْرِ تَمامٍ في مُدَّةِ الحَمْلِ؛ فَأمّا ما لَمْ تَحْمِلْ فَلا تُوصَفُ بِالخِداجِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ جَوازُ الصَّلاةِ بِغَيْرِ فاتِحَةِ الكِتابِ؛ إذِ النُّقْصانُ غَيْرُ نافٍ لِلْأصْلِ، بَلْ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الأصْلِ حَتّى يَصِحَّ وصْفُها بِالنُّقْصانِ وقَدْ رَوى أيْضًا عَبّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «كُلُّ صَلاةٍ لا يُقْرَأُ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَهي خِداجٌ» فَأثْبَتَها ناقِصَةً، وإثْباتُ النُّقْصانِ يُوجِبُ ثُبُوتَ الأصْلِ عَلى ما وصَفْنا.
وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ يُكْتَبُ لَهُ نِصْفُها خُمُسُها عُشْرُها» فَلَمْ يَبْطُلْ جُزْءٌ بِنُقْصانِها فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ عِجْلانَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى هِشامِ بْنِ زُهْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى صَلاةً ولَمْ يَقْرَأْ فِيها شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ فَهي خِداجٌ فَهي خِداجٌ فَهي خِداجٌ غَيْرُ تَمامٍ» وهَذا الحَدِيثُ يُعارِضُ حَدِيثَ مالِكٍ وابْنِ عُيَيْنَةَ في ذِكْرِهِما فاتِحَةَ الكِتابِ دُونِ غَيْرِها، وإذا تَعارَضا سَقَطا، فَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُها ناقِصَةً إذا لَمْ يَقْرَأْ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ.
قِيلَ لَهُ: لا يَجُوزُ أنْ يُعارَضَ مالِكٌ وابْنُ عُيَيْنَةَ بِمُحَمَّدِ بْنِ عِجْلانَ، بَلِ السَّهْوُ والإغْفالُ أجْوَزُ عَلَيْهِ مِنهُما، فَلا يُعْتَرَضُ عَلى رِوايَتِهِما بِهِ وعَلى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعارُضٌ؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ قالَهُما جَمِيعًا، قالَ مَرَّةً: وذَكَرَ فاتِحَةَ الكِتابِ، وذَكَرَ مَرَّةً أُخْرى القِراءَةَ مُطْلَقَةً.
وأيْضًا فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذِكْرِ الإطْلاقِ ما قَيَّدَهُ في خَبَرِ هَذَيْنِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا جَوَّزْتَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قالَ الأمْرَيْنِ، فَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عِجْلانَ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الصَّلاةِ بِغَيْرِ قِراءَةٍ رَأْسًا؛ لِإثْباتِهِ إيّاها ناقِصَةً مَعَ عَدَمِ القِراءَةِ رَأْسًا.
قِيلَ لَهُ: نَحْنُ نَقْبَلُ هَذا السُّؤالَ، ونَقُولُ كَذَلِكَ: يَقْتَضِي ظاهِرُ الخَبَرَيْنِ؛ إلّا أنَّ الدَّلالَةَ قامَتْ عَلى أنَّ تَرْكَ القِراءَةِ يُفْسِدُها، فَحَمَلْناهُ عَلى مَعْنى الخَبَرِ الآخَرِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: وقَدْ رُوِيَتْ أخْبارٌ أُخَرُ في قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ يَحْتَجُّ بِها مِن يَراها فَرْضًا فَمِنها حَدِيثُ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ وعَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى هِشامِ بْنِ زُهْرَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي (p-٢٥)وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُها لِي، ونِصْفُها لِعَبْدِي فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قالَ اللَّهُ تَعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي» وذَكَرَ الحَدِيثَ قالُوا: فَلَمّا عَبَّرَ بِالصَّلاةِ عَنْ قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ دَلَّ عَلى أنَّها مِن فُرُوضَها، كَما أنَّهُ لَمّا عَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالقُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وأرادَ قِراءَةَ صَلاةِ الفَجْرِ دَلَّ عَلى أنَّها مِن فُرُوضِها، وكَما عَبَّرَ عَنْها بِالرُّكُوعِ فَقالَ: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] دَلَّ عَلى أنَّهُ مِن فُرُوضِها.
قِيلَ لَهُ: لَمْ تَكُنِ العِبارَةُ عَنْهُما لِما ذَكَرْتَ مُوجِبًا لِفَرْضِ القِراءَةِ والرُّكُوعِ فِيها دُونَ ما تَناوَلَهُ مِن لَفْظِ الأمْرِ المُقْتَضِي لِلْإيجابِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ: «قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي» أمْرٌ، وإنَّما أكْثَرُ ما فِيهِ الصَّلاةُ بِقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُقْتَضٍ لِلْإيجابِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ تَشْتَمِلُ عَلى النَّوافِلِ والفُرُوضِ.
وقَدْ أفادَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الحَدِيثِ نَفْيَ إيجابِها؛ لِأنَّهُ قالَ في آخِرِهِ: «فَمَن لَمْ يَقْرَأْ فِيها بِأُمِّ القُرْآنِ فَهي خِداجٌ» فَأثْبَتَها ناقِصَةً مَعَ عَدَمِ قِراءَتِها.
ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَسْخَ أوَّلِ كَلامِهِ بِآخِرِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى " قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ " وذِكْرُ فاتِحَةِ الكِتابِ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ قِراءَتُها فَرْضًا فِيها.
وهَذا كَما رَوى شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أنَسٍ بْنِ أبِي أنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نافِعِ ابْنِ العَمْياءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ عَنْ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وادِعَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصَّلاةُ مَثْنى مَثْنى، وتَشَهُّدٌ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وتَبَأُّسٌ وتَمَسْكُنٌ وتَقَنُّعٌ لِرَبِّكَ، وتَقُولُ اللَّهُمَّ، فَمَن لَمْ يَفْعَلْ فَهي خِداجٌ» ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ ما سَمّاهُ صَلاةً مِن هَذِهِ الأفْعالِ فَرْضًا فِيها.
ومِمّا يَحْتَجُّ بِهِ المُخالِفُونَ أيْضًا حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ» وبِما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ بَشّارٍ، قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرٌ عَنْ أبِي عُثْمانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ أُنادِيَ أنْ لا صَلاةَ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَما زادَ»
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا صَلاةَ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ» يَحْتَمِلُ نَفْيَ الأصْلِ ونَفْيَ الكَمالِ، وإنْ كانَ ظاهِرُهُ عِنْدَنا عَلى نَفْيِ الأصْلِ حَتّى تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُرادَ نَفْيُ الكَمالِ.
ومَعْلُومٌ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إرادَةُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّهُ مَتى أرادَ نَفْيَ الأصْلِ لَمْ يَثْبُتْ مِنهُ شَيْءٌ، وإذا أرادَ نَفْيَ الكَمالِ، وإثْباتَ النُّقْصانِ فَلا مَحالَةَ بَعْضُهُ ثابِتٌ، وإرادَتُهُما مَعًا مُنْتَفِيَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الأصْلِ أنَّ إثْباتَ ذَلِكَ إسْقاطُ التَّخْيِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وذَلِكَ نَسْخٌ، وغَيْرُ جائِزٍ نَسْخُ القُرْآنِ (p-٢٦)بِأخْبارِ الآحادِ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رَواهُ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو مُعاوِيَةَ وابْنُ فُضَيْلٍ وأبُو سُفْيانَ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: «لا تَجْزِي صَلاةٌ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ في كُلِّ رَكْعَةٍ بِالحَمْدُ لِلَّهِ وسُورَةٍ في الفَرِيضَةِ وغَيْرِها» إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ مَعَها غَيْرُها.
وقالَ مُعاوِيَةُ لا صَلاةَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الأصْلِ وإنَّما مُرادُهُ نَفْيُ الكَمالِ لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّها مُجْزِيَةٌ بِقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ، وإنْ لَمْ يَقْرَأْ مَعَها غَيْرَها فَثَبَتَ أنَّهُ أرادَ نَفْيَ الكَمالِ وإيجابَ النُّقْصانِ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ الأصْلِ ونَفْيَ الكَمالِ لِتَضادِّهِما واسْتِحالَةِ إرادَتِهِما جَمِيعًا بِلَفْظِ واحِدٍ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَذا حَدِيثٌ غَيْرُ حَدِيثِ عُبادَةَ وأبِي هُرَيْرَةَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ مَرَّةً «لا صَلاةَ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ» فَأوْجَبَ بِذَلِكَ قِراءَتَها وجَعْلَها فَرْضًا فِيها، وقالَ مَرَّةً أُخْرى ما ذَكَرَهُ سَعِيدٌ مِن قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ وشَيْءٍ مَعَها، وأرادَ بِهِ نَفْيَ الكَمالِ إذا لَمْ يَقْرَأْ مَعَ فاتِحَةِ الكِتابِ غَيْرَها.
قِيلَ لَهُ: لَيْسَ مَعَكَ تارِيخُ الحَدِيثَيْنِ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ذَلِكَ في حالَيْنِ، ويَحْتاجُ إلى دَلالَةٍ في إثْباتِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الخَبَرَيْنِ في الحالَيْنِ ولِمُخالِفِكَ أنْ يَقُولَ: لَمّا لَمْ يَثْبُتْ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ في وقْتَيْنِ، وقَدْ ثَبَتَ اللَّفْظانِ جَمِيعًا، جَعَلْتُهُما حَدِيثًا واحِدًا ساقَ بَعْضُ الرُّواةِ لَفْظَهُ عَلى وجْهِهِ وأغْفَلَ بَعْضُهم بَعْضَ ألْفاظِهِ، وهو ذِكْرُ السُّورَةِ، فَهُما مُتَساوِيانِ حِينَئِذٍ، ويَثْبُتُ الخَبَرُ بِزِيادَةٍ في حالَةٍ واحِدَةٍ، ويَكُونُ لِقَوْلِ خَصْمِكَ مَزِيَّةٌ عَلى قَوْلِكَ، وهو أنَّ كُلَّ ما لَمْ يُعْرَفْ تارِيخُهُ فَسَبِيلُهُ أنْ يُحْكَمَ بِوُجُودِهِما مَعًا.
وإذا ثَبَتَ أنَّهُ قالَهُما في وقْتٍ واحِدٍ بِزِيادَةِ السُّورَةِ، فَمَعْلُومٌ أنَّهُ مَعَ ذِكْرِ السُّورَةِ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الأصْلِ، وإنَّما أرادَ إثْباتَ النَّقْصِ، حَمَلْناهُ عَلى ذَلِكَ، ويَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا صَلاةَ لِجارِ المَسْجِدِ إلّا في المَسْجِدِ ومَن سَمِعَ النِّداءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلا صَلاةَ لَهُ، ولا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ» وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] فَنَفاها بَدْءًا وأثْبَتَها ثانِيًا؛ لِأنَّهُ أرادَ نَفْيَ الكَمالِ لا نَفْيَ الأصْلِ، أيْ: لا أيْمانَ لَهم وافِيَةً فَيَفُونَ بِها فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلّا اسْتَعْمَلْتَ الأخْبارَ عَلى ظَواهِرِها واسْتَعْمَلْتَ التَّخْيِيرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ فِيما عَدا فاتِحَةَ الكِتابِ قِيلَ لَهُ: لَوِ انْفَرَدَتِ الأخْبارُ عَنِ الآيَةِ، لَما كانَ فِيها ما يُوجِبُ فَرْضَ قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ، لِما بَيَّنّا مِن أنَّ فِيها ما لا يَحْتَمِلُ إلّا إثْباتَ الأصْلِ مَعَ تَرْكِها، واحْتِمالُ سائِرِ الأخْبارِ الأُخَرِ لِنَفْيِ الأصْلِ ونَفْيِ الكَمالَ.
وعَلى أنَّ هَذِهِ الأخْبارَ لَوْ كانَتْ مُوجِبَةً (p-٢٧)لِتَعْيِينِ فَرْضِ القِراءَةِ فِيها لَما جازَ الِاعْتِراضُ بِها عَلى الآيَةِ وصَرْفُها عَنِ الواجِبِ إلى النَّفْلِ فِيما عَدا الكِتابَ؛ لِما ذَكَرْناهُ في أوَّلِ المَسْألَةِ فارْجِعْ إلَيْهِ فَإنَّكَ تَجِدُهُ كافِيًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الواقعة 56:77
ومِن سُورَةِ الواقِعَةِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] رُوِيَ عَنْ سَلْمانُ أنَّهُ قالَ: " لا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا المُطَهَّرُونَ " فَقَرَأ القُرْآنَ، ولَمْ يَمَسَّ المُصْحَفَ حِينَ لَمْ يَكُنْ عَلى وُضُوءٍ. وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في حَدِيثِ إسْلامِ عُمَرَ قالَ: فَقالَ لِأُخْتِهِ: أعْطَوْنِي الكِتابَ الَّذِي كُنْتُمْ تَقْرَءُونَ فَقالَتْ: إنَّكَ رِجْسٌ، وإنَّهُ لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ فَقُمْ فاغْتَسَلَ أوْ تَوَضَّأ فَتَوَضَّأ ثُمَّ أخَذَ الكِتابَ فَقَرَأهُ؛ وذَكَرَ الحَدِيثَ.
وعَنْ سَعْدٍ أنَّهُ أمَرَ ابْنَهُ بِالوُضُوءِ لِمَسِّ المُصْحَفِ وعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ وكَرِهَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ مَسَّ المُصْحَفِ عَلى غَيْرِ وُضُوءٍ ورُوِيَ عَنْ حَمّادٍ أنَّ المُرادَ القُرْآنُ الَّذِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] يَعْنِي المَلائِكَةَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] قالَ: " هو في كِتابِ مَكْنُونٍ لَيْسَ أنْتُمْ مِن أصْحابِ الذُّنُوبِ "، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ عَبّاسٍ " المُطَهَّرُونَ المَلائِكَةُ " وقالَ قَتادَةُ: " لا يَمَسُّهُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا المُطَهَّرُونَ فَأمّا في الدُّنْيا فَإنَّهُ يَمَسُّهُ المَجُوسِيُّ والنَّجِسُ والمُنافِقُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: إنْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلى حَقِيقَةِ الخَبَرِ فالأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ القُرْآنَ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ والمُطَهَّرُونَ المَلائِكَةُ، وإنْ حُمِلَ عَلى النَّهْيِ، وإنْ كانَ في صُورَةِ الخَبَرِ كانَ عُمُومًا فِينا؛ وهَذا أوْلى؛ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أخْبارٍ مُتَظاهِرَةٍ أنَّهُ كَتَبَ في كِتابِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «ولا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا طاهِرٌ» فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ نَهْيُهُ ذَلِكَ بِالآيَةِ؛ إذْ فِيها احْتِمالٌ لَهُ. آخِرُ سُورَةِ الواقِعَةِ.
الواقعة 56:78
ومِن سُورَةِ الواقِعَةِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] رُوِيَ عَنْ سَلْمانُ أنَّهُ قالَ: " لا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا المُطَهَّرُونَ " فَقَرَأ القُرْآنَ، ولَمْ يَمَسَّ المُصْحَفَ حِينَ لَمْ يَكُنْ عَلى وُضُوءٍ. وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في حَدِيثِ إسْلامِ عُمَرَ قالَ: فَقالَ لِأُخْتِهِ: أعْطَوْنِي الكِتابَ الَّذِي كُنْتُمْ تَقْرَءُونَ فَقالَتْ: إنَّكَ رِجْسٌ، وإنَّهُ لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ فَقُمْ فاغْتَسَلَ أوْ تَوَضَّأ فَتَوَضَّأ ثُمَّ أخَذَ الكِتابَ فَقَرَأهُ؛ وذَكَرَ الحَدِيثَ.
وعَنْ سَعْدٍ أنَّهُ أمَرَ ابْنَهُ بِالوُضُوءِ لِمَسِّ المُصْحَفِ وعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ وكَرِهَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ مَسَّ المُصْحَفِ عَلى غَيْرِ وُضُوءٍ ورُوِيَ عَنْ حَمّادٍ أنَّ المُرادَ القُرْآنُ الَّذِي في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] يَعْنِي المَلائِكَةَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] قالَ: " هو في كِتابِ مَكْنُونٍ لَيْسَ أنْتُمْ مِن أصْحابِ الذُّنُوبِ "، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ عَبّاسٍ " المُطَهَّرُونَ المَلائِكَةُ " وقالَ قَتادَةُ: " لا يَمَسُّهُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا المُطَهَّرُونَ فَأمّا في الدُّنْيا فَإنَّهُ يَمَسُّهُ المَجُوسِيُّ والنَّجِسُ والمُنافِقُ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: إنْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلى حَقِيقَةِ الخَبَرِ فالأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ القُرْآنَ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ والمُطَهَّرُونَ المَلائِكَةُ، وإنْ حُمِلَ عَلى النَّهْيِ، وإنْ كانَ في صُورَةِ الخَبَرِ كانَ عُمُومًا فِينا؛ وهَذا أوْلى؛ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أخْبارٍ مُتَظاهِرَةٍ أنَّهُ كَتَبَ في كِتابِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «ولا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا طاهِرٌ» فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ نَهْيُهُ ذَلِكَ بِالآيَةِ؛ إذْ فِيها احْتِمالٌ لَهُ. آخِرُ سُورَةِ الواقِعَةِ.
الحديد 57:10
ومِن سُورَةِ الحَدِيدِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾ الآيَةَ. رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: فَصْلُ «ما بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ وفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَتْحٌ هو ؟ قالَ: نَعَمْ عَظِيمٌ». وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ: " هو فَتْحُ مَكَّةَ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: أبانَ عَنْ فَضِيلَةِ الإنْفاقِ قَبْلَ الفَتْحِ عَلى ما بَعْدَهُ لِعِظَمِ عَناءِ النَّفَقَةِ فِيهِ وكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ ولِأنَّ الإنْفاقَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ أشَدَّ عَلى النَّفْسِ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةِ الكُفّارِ مَعَ شِدَّةِ المِحْنَةِ والبَلاءِ ولِلسَّبْقِ إلى الطّاعَةِ.
(p-٣٠١)ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] وقَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] ؟ فَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تَقْتَضِي تَفْضِيلَها.
الحديد 57:16
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّ كَثْرَةَ المَعاصِي ومُساكَنَتَها وإلْفَها تُقَسِّي القَلْبَ وتُبْعِدُ مِنَ التَّوْبَةِ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]
الحديد 57:19
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ رَوى البَراءُ بْنُ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ شَهِيدٌ» لِهَذِهِ الآيَةِ وجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿والشُّهَداءِ﴾ [النساء: ٦٩] صِفَةً لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ ومُجاهِدٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ وأبُو الضُّحى والضَّحّاكُ: " هو ابْتِداءُ كَلامٍ وخَبَرُهُ: ﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾
الحديد 57:27
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: أخْبَرَ عَمّا ابْتَدَعُوهُ مِنَ القُرَبِ والرَّهْبانِيَّةِ، ثُمَّ ذَمَّهم عَلى تَرْكِ رِعايَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾
والِابْتِداعُ قَدْ يَكُونُ بِالقَوْلِ وهو ما يُنْذِرُهُ ويُوجِبُهُ عَلى نَفْسِهِ، وقَدْ يَكُونُ بِالفِعْلِ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وعُمُومُهُ يَتَضَمَّنُ الأمْرَيْنِ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَنِ ابْتَدَعَ قُرْبَةً قَوْلًا أوْ فِعْلًا فَعَلَيْهِ رِعايَتُها، وإتْمامُها، فَوَجَبَ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَن دَخَلَ في صَلاةٍ أوْ صَوْمٍ أوْ حَجٍّ أوْ غَيْرِها مِنَ القُرَبِ فَعَلَيْهِ إتْمامُها، ولا يَلْزَمُهُ إتْمامُها إلّا وهي واجِبَةٌ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ القَضاءُ إذا أفْسَدَها ورُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: " كانَ ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ابْتَدَعُوا بِدَعًا لَمْ يَكْتُبْها اللَّهُ عَلَيْهِمُ ابْتَغَوْا بِها رِضْوانَ اللَّهِ فَلَمْ يَرْعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، فَعابَهُمُ اللَّهُ بِتَرْكِها فَقالَ: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ الآيَةَ " . آخِرُ سُورَةِ الحَدِيدِ.
المجادلة 58:1
ومِن سُورَةِ المُجادَلَةِ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ رَوى سُفْيانُ عَنْ خالِدٍ عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: " كانَ طَلاقُهم في الجاهِلِيَّةِ الإيلاءَ والظِّهارَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ جَعَلَ اللَّهُ في الظِّهارِ ما جَعَلَ فِيهِ، وجَعَلَ في الإيلاءِ ما جَعَلَ فِيهِ. " وقالَ عِكْرِمَةُ: " كانَتِ النِّساءُ تُحَرَّمُ بِالظِّهارِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ الآيَةَ " .
وأمّا المُجادَلَةُ الَّتِي كانَتْ في المَرْأةِ، فَإنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنا قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ " في امْرَأةٍ يُقالُ لَها خُوَيْلَةُ " وقالَ عِكْرِمَةُ: بِنْتُ ثَعْلَبَةَ وزَوْجُها أوْسُ بْنُ (p-٣٠٢)الصّامِتِ، قالَتْ إنَّ زَوْجَها جَعَلَها عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» وهو يَوْمَئِذٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، فَقالَتْ: اُنْظُرْ جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قالَ: «ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فَأعادَتْ ذَلِكَ مِرارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قالَ قَتادَةُ: " حَرَّمَها ثُمَّ يُرِيدُ أنْ يَعُودَ لَها فَيَطَأها فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ حُكْمُ الظِّهارِ، ومُحْتَمَلٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمَ الظِّهارِ؛ والأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ لِأنَّ حُكْمَ الظِّهارِ مَأْخُوذٌ مِنَ الآيَةِ والآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذا القَوْلِ، فَثَبَتَ أنَّ مُرادَهُ تَحْرِيمُ الطَّلاقِ ورَفْعُ النِّكاحِ؛ وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا الحُكْمُ قَدْ كانَ ثابِتًا في الشَّرِيعَةِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الظِّهارِ، وإنْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِن حُكْمِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ حَكَمَ فِيها بِالطَّلاقِ بِقَوْلِهِ: «ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ» فَكَيْفَ حَكَمَ فِيها بِعَيْنِها بِالظِّهارِ بَعْدَ حُكْمِهِ بِالطَّلاقِ بِذَلِكَ القَوْلِ بِعَيْنِهِ في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ ؟
وإنَّما النَّسْخُ يُوجِبُ الحُكْمَ في المُسْتَقْبَلِ بِخِلافِ الأوَّلِ في الماضِي قِيلَ لَهُ: لَمْ يَحْكُمِ النَّبِيُّ ﷺ بِالطَّلاقِ، وإنَّما عَلَّقَ القَوْلَ فِيهِ فَقالَ: «ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ» فَلَمْ يَقْطَعْ بِالتَّحْرِيمِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - تَعالى - قَدْ أعْلَمَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أنَّهُ سَيَنْسَخُ هَذا الحُكْمَ ويَنْقُلَهُ مِنَ الطَّلاقِ إلى تَحْرِيمِ الظِّهارِ الآنَ، «فَجَوَّزَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ الآيَةَ فَلَمْ يُثْبِتِ الحُكْمَ فِيهِ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ حَكَمَ فِيها بِمُوجِبِها» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - في تَشْبِيهِها بِظَهْرِ الأُمِّ، لِأنَّ الِاسْتِمْتاعَ بِالأُمِّ مُحَرَّمٌ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، وهي لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِهَذا القَوْلِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَكانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ وذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الظِّهارَ مَخْصُوصٌ بِهِ المُؤْمِنُونَ دُونَ أهْلِ الذِّمَّةِ فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] ولَمْ يُخَصِّصِ المَذْكُورِينَ في الثّانِيَةِ قِيلَ لَهُ: المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ هُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الأُولى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خاصًّا في المُسْلِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ، فَرَوى مَعْمَرٌ عَنْ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قالَ: " الوَطْءُ، فَإذا حَنِثَ فَعَلَيْهِ الكَفّارَةُ " وهَذا تَأْوِيلٌ مُخالِفٌ لِلْآيَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] وقَدْ رَوى سُفْيانُ عَنْ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ طاوُسٍ قالَ: " إذا تَكَلَّمَ بِالظِّهارِ لَزِمَهُ " ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: (p-٣٠٣)" أنَّهُ إذا قالَ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتّى يُكَفِّرَ " ورُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ وقَتادَةَ: " إذا أرادَ جِماعَها لَمْ يَقْرَبْها حَتّى يُكَفِّرَ " . وقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في مَعْنى العَوْدِ، فَقالَ أصْحابُنا واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " الظِّهارُ يُوجِبُ تَحْرِيمًا لا يَرْفَعُهُ إلّا الكَفّارَةُ " ومَعْنى العَوْدِ عِنْدَهُمُ اسْتِباحَةُ وطْئِها فَلا يَفْعَلُهُ إلّا بِكَفّارَةٍ يُقَدِّمُها.
وذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ: " لَوْ وطِئَها ثُمَّ ماتَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفّارَةٌ " وقالَ الثَّوْرِيُّ: " إذا ظاهَرَ مِنها لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلّا بَعْدَ الكَفّارَةِ، وإنْ طَلَّقَها ثُمَّ تَزَوَّجَها لَمْ يَطَأْها حَتّى يُكَفِّرَ "، وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِ أصْحابِنا، وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: " إذا أجْمَعَ بَعْدَ الظِّهارِ عَلى إمْساكِها، وإصابَتِها فَقَدْ وجَبَتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ، فَإنْ طَلَّقَها بَعْدَ الظِّهارِ ولَمْ يُجْمِعْ عَلى إمْساكِها، وإصابَتِها فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، وإنْ تَزَوَّجَها بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَمَسَّها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ " .
وذَكَرَ ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ أنَّهُ إذا ظاهَرَ مِنها ثُمَّ وطِئَها ثُمَّ ماتَتْ فَلا بُدَّ مِنَ الكَفّارَةِ؛ لِأنَّهُ وطِئَ بَعْدَ الظِّهارِ وقالَ أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ: " إذا أجْمَعَ بَعْدَ الظِّهارِ عَلى إمْساكِها، وإصابَتِها وطَلَبَ الكَفّارَةَ فَماتَتِ امْرَأتُهُ فَعَلَيْهِ الكَفّارَةُ " وقالَ الحَسَنُ: " إذا أجْمَعَ رَأْيُ المَظاهِرِ عَلى أنْ يُجامِعَ امْرَأتَهُ فَقَدْ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ، وإنْ أرادَ تَرْكَها بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العَوْدَ هو الإجْماعُ عَلى مُجامَعَتِها " . وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ فِيمَن ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَطَأها قالَ: " أرى عَلَيْهِ الكَفّارَةَ راجَعَها أوْ لَمْ يُراجِعْها، وإنْ ماتَتْ لَمْ يَصِلْ إلى مِيراثِها حَتّى يُكَفِّرَ " .
وقالَ الشّافِعِيُّ: " إنْ أمْكَنَهُ أنْ يُطَلِّقَها بَعْدَ الظِّهارِ فَلَمْ يُطَلِّقْ فَقَدْ وجَبَتِ الكَفّارَةُ ماتَتْ أوْ عاشَتْ " . وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَن لا يُعَدُّ خِلافًا أنَّ العَوْدَ أنْ يُعِيدَ القَوْلَ مَرَّتَيْنِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: رَوَتْ عائِشَةُ وأبُو العالِيَةِ أنَّ آيَةَ الظِّهارِ نَزَلَتْ في شَأْنِ خَوْلَةَ حِينَ ظاهَرَ مِنها زَوْجُها أوْسُ بْنُ الصّامِتِ «فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ فَقالَ: لا أجِدُ، فَقالَ: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ قالَ: لَوْ لَمْ آكُلْ في اليَوْمِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كادَ أنْ يُغْشى عَلى بَصَرِي، فَأمَرَهُ بِالإطْعامِ» وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ العَزْمَ عَلى إمْساكِها ووَطْئِها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْألْهُ عَنْ ذَلِكَ، وبُطْلانِ قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ إرادَةَ الجِماعِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْألْهُ، وبُطْلانِ قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ الطَّلاقَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَلْ طَلَّقْتَها، وبُطْلانِ قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ إعادَةَ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْألْهُ هَلْ أعَدْتَ القَوْلَ مَرَّتَيْنِ؛ فَثَبَتَ قَوْلُ أصْحابِنا وهو أنَّ لَفْظَ الظِّهارِ يُوجِبُ تَحْرِيمًا تَرْفَعُهُ الكَفّارَةُ.
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: ذِكْرُ الحالِ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ الخِطابُ، وهو أنَّهُ قَدْ كانَ مِن عادَتِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ الظِّهارُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ قَبْلَ هَذِهِ الحالِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] والمَعْنى: ويَعُودُونَ (p-٣٠٤)بَعْدَ الإسْلامِ إلى ذَلِكَ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس: ٤٦] ومَعْناهُ: واللَّهُ شَهِيدٌ، فَيَكُونُ نَفْسُ القَوْلِ عَوْدًا إلى العادَةِ الَّتِي كانَتْ لَهم في ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]
والمَعْنى: حَتّى صارَ كَذَلِكَ، وكَما قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎هَذِي المَكارِمُ لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ شِيبا بِماءٍ فَعادا بَعْدُ أبْوالًا
مَعْناهُ: صارا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما في الثَّدْيِ لَمْ يَكُونا كَذَلِكَ وكَما قالَ لَبِيدٌ:
؎وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
ويَحُورُ يَرْجِعُ، وإنَّما مَعْناهُ هَهُنا يَصِيرُ رَمادًا.
كَذَلِكَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أنَّهم يَصِيرُونَ إلى حالِ الظِّهارِ الَّذِي كانَ يَكُونُ مِثْلُهُ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ في الظِّهارِ إيجابُ تَحْرِيمِ الوَطْءِ مُوَقَّتًا بِالكَفّارَةِ، فَإذا كانَ الظِّهارُ مَخْصُوصًا بِتَحْرِيمِ الوَطْءِ دُونَ غَيْرِهِ ولا تَأْثِيرَ لَهُ في رَفْعِ النِّكاحِ وجَبَ أنْ يَكُونَ العَوْدُ هو العَوْدَ إلى اسْتِباحَةِ ما حَرَّمَهُ بِالظِّهارِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: يَعُودُونَ لَلْمَقُولِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «العائِدُ في هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ»، وإنَّما هو عائِدٌ في المَوْهُوبِ، وكَقَوْلِنا: اللَّهُمَّ أنْتَ رَجاؤُنا، أيْ مَن رَجَوْنا؛ وقالَ - تَعالى -: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] يَعْنِي: المُوقَنَ بِهِ وقالَ الشّاعِرُ:
؎أخْبِرْ مَن لاقَيْتَ أنْ قَدْ وفَيْتُمْ ∗∗∗ ولَوْ شِئْتَ قالَ المُنَبِّئُونَ أساءُوا
؎، وإنِّي لَراجِيكم عَلى بُطْءِ سَعْيِكم ∗∗∗ كَما في بُطُونِ الحامِلاتِ رَجاءُ
يَعْنِي مَرْجُوًّا وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] مَعْناهُ: لِما حَرَّمُوا، فَيَسْتَبِيحُونَهُ فَعَلَيْهِمُ الكَفّارَةُ قَبْلَ الِاسْتِباحَةِ ويَبْطُلُ قَوْلُ مَنِ اعْتَبَرَ البَقاءَ عَلى النِّكاحِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الظِّهارَ لا يُوجِبُ تَحْرِيمَ العَقْدِ والإمْساكَ فَيَكُونُ العَوْدُ إمْساكَها عَلى النِّكاحِ؛ لِأنَّ العَوْدَ لا مَحالَةَ قَدِ اقْتَضى عَوْدًا إلى حُكْمِ مَعْنًى قَدْ تَقَدَّمَ إيجابُهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْإمْساكِ عَلى النِّكاحِ فِيهِ تَأْثِيرٌ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: ٣] و" ثُمَّ " يَقْتَضِي التَّراخِيَ، ومَن جَعَلَ العَوْدَ البَقاءَ عَلى النِّكاحِ فَقَدْ جَعَلَهُ عائِدًا عَقِيبَ القَوْلِ بِلا تَراخٍ، وذَلِكَ خِلافُ مُقْتَضى الآيَةِ.
وأمّا مَن جَعَلَ العَوْدَ العَزِيمَةَ عَلى الوَطْءِ فَلا مَعْنى لِقَوْلِهِ أيْضًا؛ لِأنَّ مُوجِبَ القَوْلِ هو تَحْرِيمُ الوَطْءِ لا تَحْرِيمُ العَزِيمَةِ، والعَزِيمَةُ عَلى المَحْظُورِ، وإنْ كانَتْ مَحْظُورَةً فَإنَّما تَعَلَّقَ حُكْمُها بِالوَطْءِ، فالعَزِيمَةُ عَلى الِانْفِرادِ لا حُكْمَ لَها، وأيْضًا لا حَظَّ لِلْعَزِيمَةِ في سائِرِ الأُصُولِ ولا (p-٣٠٥)تَتَعَلَّقُ بِها الأحْكامُ، ألا تَرى أنَّ سائِرَ العُقُودِ، والتَّحْرِيمَ لا يَتَعَلَّقُ بِالعَزِيمَةِ فَلا اعْتِبارَ بِها ؟ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ عَفا لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ أوْ يَعْمَلُوا بِهِ» فَإنْ قِيلَ: هَلّا كانَ العَوْدُ إعادَةَ القَوْلِ مَرَّتَيْنِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْهُ كَما قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ومَعْناهُ لَفَعَلُوا مِثْلَ ما نُهُوا عَنْهُ. قِيلَ لَهُ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ إجْماعَ السَّلَفِ والخَلَفِ جَمِيعًا قَدِ انْعَقَدَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ بِمُرادٍ، فَقائِلُهُ خارِجٌ عَنْ نِطاقِ الإجْماعِ. والثّانِي: أنَّهُ يَجْعَلُ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] تَكْرارًا لِلْقَوْلِ واللَّفْظِ مَرَّتَيْنِ، واللَّهُ - تَعالى - لَمْ يَقُلْ ثُمَّ يُكَرِّرُونَ القَوْلَ مَرَّتَيْنِ، فَفِيهِ إثْباتُ مَعْنًى لا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْهُ.
وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى أنَّهُ عائِدٌ لِمِثْلِ القَوْلِ فَفِيهِ إضْمارٌ لِمِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا بِدَلالَةٍ، فالقائِلُ بِذَلِكَ خارِجٌ عَنِ الإجْماعِ ومُخالِفٌ لِحُكْمِ الآيَةِ ومُقْتَضاها فَإنْ قِيلَ: وأنْتَ إذا حَمَلْتَهُ عَلى تَحْرِيمِ الوَطْءِ وأنَّ تَقْدِيمَ الكَفّارَةِ لِاسْتِباحَةِ الوَطْءِ فَقَدْ زُلْتَ عَنِ الظّاهِرِ قِيلَ لَهُ: إذا كانَ الظِّهارُ قَدْ أوْجَبَ تَحْرِيمَ الوَطْءِ فاَلَّذِي يَسْتَبِيحُهُ مِنهُ هو الَّذِي حَرَّمَهُ بِالقَوْلِ، فَجازَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَوْدًا لِما قالَ؛ إذْ هو مُسْتَبِيحٌ لِذَلِكَ الوَطْءِ الَّذِي حَرَّمَهُ بِعَيْنِهِ وكانَ عَوْدًا لِما قالَ مِن إيجابِ التَّحْرِيمِ.
ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الوَطْءَ إذا كانَ مُسْتَحَقًّا بِعَقْدِ النِّكاحِ، وحُكْمُ الوَطْءِ الثّانِي كالأوَّلِ في أنَّهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ واحِدٍ ثُمَّ حَرَّمَهُ بِالظِّهارِ، جازَ أنْ يَكُونَ الإقْدامُ عَلى اسْتِباحَتِهِ عَوْدًا لِما حَرَّمَ فَكانَ هَذا المَعْنى مُطابِقًا لِلَّفْظِ.
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَتِ الِاسْتِباحَةُ هي المُوجِبَةَ لِلْكَفّارَةِ فَلَيْسَ يَخْلُو ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ العَزِيمَةَ عَلى الِاسْتِباحَةِ وعَلى الإقْدامِ عَلى الوَطْءِ أوْ إيقاعِ الوَطْءِ، فَإنْ كانَ المُرادُ الأوَّلَ فَهَذا يُلْزِمُكَ إيجابَ الكَفّارَةِ بِنَفْسِ العَزِيمَةِ قَبْلَ الوَطْءِ كَما قالَ مالِكٌ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ. وإنْ كانَ المُرادُ إيقاعَ الوَطْءِ فَواجِبٌ أنْ لا تَلْزَمَهُ الكَفّارَةُ إلّا بَعْدَ الوَطْءِ، وهَذا خِلافُ الآيَةِ، ولَيْسَ هو قَوْلُكَ أيْضًا.
قِيلَ لَهُ: المَعْنى في ذَلِكَ هو ما قَدْ بَيَّنّا مِنَ الإقْدامِ عَلى اسْتِباحَةِ الوَطْءِ، فَقِيلَ لَهُ: إذا أرَدْتَ الوَطْءَ وعُدْتَ لِاسْتِباحَةِ ما حَرَّمْتَهُ فَلا تَطَأْ حَتّى تُكَفِّرَ، لا أنَّ الكَفّارَةَ واجِبَةٌ ولَكِنَّها شَرْطٌ في رَفْعِ التَّحْرِيمِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] يَعْنِي فَقَدِّمُ الِاسْتِعاذَةَ قَبْلَ القِراءَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] والمَعْنى: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ فَقَدِّمُوا الغَسْلَ. وكَقَوْلِهِ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] وكَقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (p-٣٠٦)والمَعْنى: إذا أرَدْتُمْ ذَلِكَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا أنَّ الظِّهارَ لا يُوجِبُ كَفّارَةً، وإنَّما يُوجِبُ تَحْرِيمَ الوَطْءِ، ولا يَرْتَفِعُ إلّا بِالكَفّارَةِ، فَإذا لَمْ يُرِدْ وطْأها فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، وإنْ ماتَتْ أوْ عاشَتْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ إذْ كانَ حُكْمُ الظِّهارِ إيجابَ التَّحْرِيمِ فَقَطْ مُوَقَّتًا بِأداءِ الكَفّارَةِ، وأنَّهُ مَتى لَمْ يُكَفِّرْ فالوَطْءُ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ فَإنْ وطِئَ سَقَطَ الظِّهارُ والكَفّارَةُ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَّقَ حُكْمَ الظِّهارِ وما أوْجَبَ بِهِ مِنَ الكَفّارَةِ بِأدائِها قَبْلَ الوَطْءِ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] فَمَتى وقَعَ المَسِيسُ فَقَدْ فاتَ الشَّرْطُ فَلا تَجِبُ الكَفّارَةُ بِالآيَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ فَرْضٍ مَحْصُورٍ بِوَقْتٍ أوْ مُعَلَّقٍ عَلى شَرْطٍ فَإنَّهُ مَتى فاتَ الوَقْتُ وعَدِمَ الشَّرْطُ لَمْ يَجِبْ بِاللَّفْظِ الأوَّلِ واحْتِيجَ إلى دَلالَةٍ أُخْرى في إيجابِ مِثْلِهِ في الوَقْتِ الثّانِي.
فَهَذا حُكْمُ الظِّهارِ إذا وقَعَ المَسِيسُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، إلّا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ رَجُلًا ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ فَوَطِئَها قَبْلَ التَّكْفِيرِ ثُمَّ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لَهُ: «اسْتَغْفِرِ اللَّهَ ولا تَعُدْ حَتّى تُكَفِّرَ» فَصارَ التَّحْرِيمُ الَّذِي بَعْدَ الوَطْءِ واجِبًا بِالسُّنَّةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَن وطِئَ ما الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الكَفّارَةِ بَعْدَهُ، فَقالَ الحَسَنُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وإبْراهِيمُ وابْنُ المُسَيِّبِ: " لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا كَفّارَةٌ واحِدَةٌ "، وكَذَلِكَ قَوْلُ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ وابْنِ سِيرِينَ في آخَرِينَ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ وقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ والزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ " عَلَيْهِ كَفّارَتانِ " . قالَ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ظاهَرْتُ مِنَ امْرَأتِي فَجامَعْتُها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ ؟ فَقالَ: «اسْتَغْفِرِ اللَّهَ ولا تَعُدْ حَتّى تُكَفِّرَ» فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ كَفّارَتَيْنِ بَعْدَ الوَطْءِ.
واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في تَوْقِيتِ الظِّهارِ، فَقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ: " إذا قالَ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي اليَوْمَ بَطَلَ الظِّهارُ بِمُضِيِّ اليَوْمِ "، وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى ومالِكٌ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " هو مُظاهِرٌ أبَدًا "
قالَ أبُو بَكْرٍ: تَحْرِيمُ الظِّهارِ لا يَقَعُ إلّا مُوَقَّتًا بِأداءِ الكَفّارَةِ، فَإذا وقَّتَهُ المُظاهِرُ وجَبَ تَوْقِيتُهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِمّا لا يَتَوَقَّتُ لَما انْحَلَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ بِالتَّكْفِيرِ كالطَّلاقِ، فَأشْبَهَ الظِّهارُ اليَمِينَ الَّتِي يُحِلُّها الحِنْثُ، فَوَجَبَ تَوْقِيتُهُ كَما يَتَوَقَّتُ اليَمِينُ ولَيْسَ كالطَّلاقِ؛ لِأنَّهُ لا يُحِلُّهُ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: تَحْرِيمُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ يَقَعُ مُوَقَّتًا بِالزَّوْجِ الثّانِي ولا يَتَوَقَّتُ بِتَوْقِيتِ الزَّوْجِ إذا قالَ أنْتِ طالِقٌ اليَوْمَ قِيلَ لَهُ: إنَّ الطَّلاقَ لا يَتَوَقَّتُ بِالزَّوْجِ الثّانِي، وإنَّما يَسْتَفِيدُ الزَّوْجُ الأوَّلُ بِالزَّوْجِ الثّانِي إذا تَزَوَّجَها بَعْدَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ مُسْتَقْبَلاتٍ والثَّلاثُ الأُوَلُ واقِعَةٌ عَلى ما كانَتْ.
وإنَّما اسْتَفادَ طَلاقًا غَيْرَها، فَلَيْسَ في الطَّلاقِ تَوْقِيتٌ بِحالٍ، والظِّهارُ مُوَقَّتٌ لا مَحالَةَ بِالتَّكْفِيرِ فَجازَ تَوْقِيتُهُ بِالشَّرْطِ، واخْتَلَفُوا في الظِّهارِ هَلْ يَدْخُلُ (p-٣٠٧)عَلَيْهِ إيلاءٌ ؟ فَقالَ أصْحابُنا والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والثَّوْرِيُّ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ والأوْزاعِيُّ " لا يَدْخُلُ الإيلاءُ عَلى المُظاهِرِ، وإنْ طالَ تَرْكُهُ إيّاها " ورَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ " لا يَدْخُلُ عَلى حُرٍّ إيلاءٌ في ظِهارٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُضارًّا لا يُرِيدُ أنْ يَفِيءَ مِن ظِهارِهِ. وأمّا العَبْدُ فَلا يَدْخُلُ عَلى ظِهارِهِ إيلاءٌ " .
وقالَ ابْنِ القاسِمِ عَنْهُ " يَدْخُلُ الإيلاءُ عَلى الظِّهارِ إذا كانَ مُضارًّا ومِمّا يُعْلَمُ بِهِ ضِرارُهُ أنْ يَقْدِرَ عَلى الكَفّارَةِ فَلا يُكَفِّرُ فَإنَّهُ إذا عُلِمَ ذَلِكَ وُقِفَ مِثْلُ المُولِي فَإمّا كَفَّرَ، وإمّا طُلِّقَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ " .
ورُوِيَ عَنْ الثَّوْرِيِّ أنَّ الإيلاءَ يَدْخُلُ عَلى الظِّهارِ قالَ أبُو بَكْرٍ لَيْسَ الظِّهارُ كِنايَةً عَنِ الطَّلاقِ ولا صَرِيحًا فَلا يَجُوزُ إثْباتُ الطَّلاقِ بِهِ إلّا بِتَوْقِيفٍ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَن أدْخَلَ في أمْرِنا ما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ» ومَن أدْخَلَ الإيلاءَ عَلى المُظاهِرِ فَقَدْ أدْخَلَ عَلَيْهِ ما لَيْسَ مِنهُ وأيْضًا نَصَّ اللَّهُ عَلى حُكْمِ المُولِي بِالفَيْءِ أوْ عَزِيمَةِ الطَّلاقِ. ونَصَّ عَلى حُكْمِ المُظاهِرِ بِإيجابِ كَفّارَةٍ قَبْلَ المَسِيسِ فَحُكْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَنصُوصٌ عَلَيْهِ فَغَيْرُ جائِزٍ حَمْلُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ؛ إذْ مِن حُكْمِ المَنصُوصاتِ أنْ لا يُقاسَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُجْرًى عَلى بابِهِ، ومَحْمُولٌ عَلى مَعْناهُ دُونَ غَيْرِهِ، وأيْضًا فَإنَّ مَعْنى الإيلاءِ وُقُوعُ الحِنْثِ ووُجُوبُ الكَفّارَةِ بِالوَطْءِ في المُدَّةِ ولا تَتَعَلَّقُ كَفّارَةُ الظِّهارِ بِالوَطْءِ فَلَيْسَ هو إذًا في مَعْنى الإيلاءِ ولا في حُكْمِهِ، وأيْضًا فَإنَّ المُولى سَواءٌ قَصَدَ الضِّرارَ أوْ لَمْ يَقْصِدْ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ وقَدِ اتَّفَقْنا أنَّهُ مَتى لَمْ يَقْصِدِ الضِّرارَ بِالظِّهارِ لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ الإيلاءِ بِمُضِيِّ المُدَّةِ فَوَجَبَ أنْ لا يَلْزَمَهُ، وإنْ قَصَدَ الضِّرارَ فَإنْ قِيلَ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ في الإيلاءِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الإيلاءِ يُنْبِئُ عَنْ قَصْدِ الضِّرارِ؛ إذْ هو حَلِفٌ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الوَطْءِ في المُدَّةِ.
قِيلَ لَهُ: الظِّهارُ قَصْدٌ إلى الضِّرارِ مِن حَيْثُ حَرَّمَ وطْأها إلّا بِكَفّارَةٍ يُقَدِّمُها عَلَيْهِ فَلا فَرْقَ بَيْنَهُما فِيما يَقْتَضِيانِهِ مِنَ المُضارَّةِ، واخْتَلَفَ السَّلَفُ ومَن بَعْدَهم وفُقَهاءُ الأمْصارِ في الظِّهارِ مِنَ الأمَةِ فَرَوى عَبْدُ الكَرِيمِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أمَةٍ ظِهارٌ " وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ والشَّعْبِيِّ وابْنِ المُسَيِّبِ وهو قَوْلُ أصْحابِنا والشّافِعِيِّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ والنَّخَعِيُّ وعَطاءٍ وطاوُسٍ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ قالُوا: " هو ظِهارٌ "، وهو قَوْلُ مالِكٍ والثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ واللَّيْثِ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وقالُوا: " يَكُونُ مُظاهِرًا مِن أمَتِهِ كَما هو مِن زَوْجَتِهِ " .
وقالَ الحَسَنُ: " إنْ كانَ يَطَأُها فَهو مُظاهِرٌ، وإنْ كانَ لا يَطَأُها فَلَيْسَ بِظِهارٍ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] وهَذا اللَّفْظُ يَنْصَرِفُ مِنَ الظِّهارِ إلى الحَرائِرِ دُونَ الإماءِ، والدَّلِيلُ (p-٣٠٨)عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] فَكانَ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الحَرائِرَ، لَوْلا ذَلِكَ لَما صَحَّ عَطْفُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ، وقالَ - تَعالى -: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَكانَ عَلى الزَّوْجاتِ دُونَ مِلْكِ اليَمِينِ فَلَمّا كانَ حُكْمُ الظِّهارِ مَأْخُوذًا مِنَ الآيَةِ، وكانَ مُقْتَضاها مَقْصُورًا عَلى الزَّوْجاتِ دُونَ مِلْكِ اليَمِينِ، لَمْ يَجُزْ إيجابُهُ في مِلْكِ اليَمِينِ، إذْ لا مَدْخَلَ لِلْقِياسِ في إثْباتِ ظِهارٍ في غَيْرِ ما ورَدَ فِيهِ ووَجْهٌ آخَرُ، وهو ما بَيَّنّا فِيما سَلَفَ أنَّهم قَدْ كانُوا يُطَلِّقُونَ بِلَفْظِ الظِّهارِ، فَأبْدَلَ اللَّهُ - تَعالى - بِهِ تَحْرِيمًا تَرْفَعُهُ الكَفّارَةُ، فَلَمّا لَمْ يَصِحَّ طَلاقُ الأمَةِ لَمْ يَصِحَّ الظِّهارُ مِنها.
ووَجْهٌ آخَرُ، وهو: أنَّ الظِّهارَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مِن جِهَةِ القَوْلِ يُوجِبُ الكَفّارَةَ، والأمَةُ لا يَصِحُّ تَحْرِيمُها مِن جِهَةِ القَوْلِ، فَأشْبَهَ سائِرَ المَمْلُوكاتِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ مَتى حَرَّمَها بِالقَوْلِ لَمْ تَحْرُمْ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ طَعامًا أوْ شَرابًا لَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وإنَّما يَلْزَمُهُ إذا أكَلَ أوْ شَرِبَ كَفّارَةُ يَمِينٍ ؟ فَكَذَلِكَ مِلْكُ اليَمِينِ وجَبَ أنْ لا يَصِحَّ الظِّهارُ مِنها؛ إذْ لا يَصِحُّ تَحْرِيمُها مِن جِهَةِ القَوْلِ.
المجادلة 58:2
ومِن سُورَةِ المُجادَلَةِ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ رَوى سُفْيانُ عَنْ خالِدٍ عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: " كانَ طَلاقُهم في الجاهِلِيَّةِ الإيلاءَ والظِّهارَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ جَعَلَ اللَّهُ في الظِّهارِ ما جَعَلَ فِيهِ، وجَعَلَ في الإيلاءِ ما جَعَلَ فِيهِ. " وقالَ عِكْرِمَةُ: " كانَتِ النِّساءُ تُحَرَّمُ بِالظِّهارِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ الآيَةَ " .
وأمّا المُجادَلَةُ الَّتِي كانَتْ في المَرْأةِ، فَإنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنا قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ " في امْرَأةٍ يُقالُ لَها خُوَيْلَةُ " وقالَ عِكْرِمَةُ: بِنْتُ ثَعْلَبَةَ وزَوْجُها أوْسُ بْنُ (p-٣٠٢)الصّامِتِ، قالَتْ إنَّ زَوْجَها جَعَلَها عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» وهو يَوْمَئِذٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، فَقالَتْ: اُنْظُرْ جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قالَ: «ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» فَأعادَتْ ذَلِكَ مِرارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قالَ قَتادَةُ: " حَرَّمَها ثُمَّ يُرِيدُ أنْ يَعُودَ لَها فَيَطَأها فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ حُكْمُ الظِّهارِ، ومُحْتَمَلٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمَ الظِّهارِ؛ والأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ لِأنَّ حُكْمَ الظِّهارِ مَأْخُوذٌ مِنَ الآيَةِ والآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذا القَوْلِ، فَثَبَتَ أنَّ مُرادَهُ تَحْرِيمُ الطَّلاقِ ورَفْعُ النِّكاحِ؛ وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا الحُكْمُ قَدْ كانَ ثابِتًا في الشَّرِيعَةِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الظِّهارِ، وإنْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِن حُكْمِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ حَكَمَ فِيها بِالطَّلاقِ بِقَوْلِهِ: «ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ» فَكَيْفَ حَكَمَ فِيها بِعَيْنِها بِالظِّهارِ بَعْدَ حُكْمِهِ بِالطَّلاقِ بِذَلِكَ القَوْلِ بِعَيْنِهِ في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ ؟
وإنَّما النَّسْخُ يُوجِبُ الحُكْمَ في المُسْتَقْبَلِ بِخِلافِ الأوَّلِ في الماضِي قِيلَ لَهُ: لَمْ يَحْكُمِ النَّبِيُّ ﷺ بِالطَّلاقِ، وإنَّما عَلَّقَ القَوْلَ فِيهِ فَقالَ: «ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ» فَلَمْ يَقْطَعْ بِالتَّحْرِيمِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - تَعالى - قَدْ أعْلَمَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أنَّهُ سَيَنْسَخُ هَذا الحُكْمَ ويَنْقُلَهُ مِنَ الطَّلاقِ إلى تَحْرِيمِ الظِّهارِ الآنَ، «فَجَوَّزَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ الآيَةَ فَلَمْ يُثْبِتِ الحُكْمَ فِيهِ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ حَكَمَ فِيها بِمُوجِبِها» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - في تَشْبِيهِها بِظَهْرِ الأُمِّ، لِأنَّ الِاسْتِمْتاعَ بِالأُمِّ مُحَرَّمٌ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، وهي لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِهَذا القَوْلِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَكانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ وذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الظِّهارَ مَخْصُوصٌ بِهِ المُؤْمِنُونَ دُونَ أهْلِ الذِّمَّةِ فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] ولَمْ يُخَصِّصِ المَذْكُورِينَ في الثّانِيَةِ قِيلَ لَهُ: المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ هُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الأُولى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خاصًّا في المُسْلِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ، فَرَوى مَعْمَرٌ عَنْ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قالَ: " الوَطْءُ، فَإذا حَنِثَ فَعَلَيْهِ الكَفّارَةُ " وهَذا تَأْوِيلٌ مُخالِفٌ لِلْآيَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] وقَدْ رَوى سُفْيانُ عَنْ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ طاوُسٍ قالَ: " إذا تَكَلَّمَ بِالظِّهارِ لَزِمَهُ " ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: (p-٣٠٣)" أنَّهُ إذا قالَ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتّى يُكَفِّرَ " ورُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ وقَتادَةَ: " إذا أرادَ جِماعَها لَمْ يَقْرَبْها حَتّى يُكَفِّرَ " . وقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في مَعْنى العَوْدِ، فَقالَ أصْحابُنا واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " الظِّهارُ يُوجِبُ تَحْرِيمًا لا يَرْفَعُهُ إلّا الكَفّارَةُ " ومَعْنى العَوْدِ عِنْدَهُمُ اسْتِباحَةُ وطْئِها فَلا يَفْعَلُهُ إلّا بِكَفّارَةٍ يُقَدِّمُها.
وذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ: " لَوْ وطِئَها ثُمَّ ماتَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفّارَةٌ " وقالَ الثَّوْرِيُّ: " إذا ظاهَرَ مِنها لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلّا بَعْدَ الكَفّارَةِ، وإنْ طَلَّقَها ثُمَّ تَزَوَّجَها لَمْ يَطَأْها حَتّى يُكَفِّرَ "، وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِ أصْحابِنا، وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: " إذا أجْمَعَ بَعْدَ الظِّهارِ عَلى إمْساكِها، وإصابَتِها فَقَدْ وجَبَتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ، فَإنْ طَلَّقَها بَعْدَ الظِّهارِ ولَمْ يُجْمِعْ عَلى إمْساكِها، وإصابَتِها فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، وإنْ تَزَوَّجَها بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَمَسَّها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ " .
وذَكَرَ ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ أنَّهُ إذا ظاهَرَ مِنها ثُمَّ وطِئَها ثُمَّ ماتَتْ فَلا بُدَّ مِنَ الكَفّارَةِ؛ لِأنَّهُ وطِئَ بَعْدَ الظِّهارِ وقالَ أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ: " إذا أجْمَعَ بَعْدَ الظِّهارِ عَلى إمْساكِها، وإصابَتِها وطَلَبَ الكَفّارَةَ فَماتَتِ امْرَأتُهُ فَعَلَيْهِ الكَفّارَةُ " وقالَ الحَسَنُ: " إذا أجْمَعَ رَأْيُ المَظاهِرِ عَلى أنْ يُجامِعَ امْرَأتَهُ فَقَدْ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ، وإنْ أرادَ تَرْكَها بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العَوْدَ هو الإجْماعُ عَلى مُجامَعَتِها " . وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ فِيمَن ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَطَأها قالَ: " أرى عَلَيْهِ الكَفّارَةَ راجَعَها أوْ لَمْ يُراجِعْها، وإنْ ماتَتْ لَمْ يَصِلْ إلى مِيراثِها حَتّى يُكَفِّرَ " .
وقالَ الشّافِعِيُّ: " إنْ أمْكَنَهُ أنْ يُطَلِّقَها بَعْدَ الظِّهارِ فَلَمْ يُطَلِّقْ فَقَدْ وجَبَتِ الكَفّارَةُ ماتَتْ أوْ عاشَتْ " . وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَن لا يُعَدُّ خِلافًا أنَّ العَوْدَ أنْ يُعِيدَ القَوْلَ مَرَّتَيْنِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: رَوَتْ عائِشَةُ وأبُو العالِيَةِ أنَّ آيَةَ الظِّهارِ نَزَلَتْ في شَأْنِ خَوْلَةَ حِينَ ظاهَرَ مِنها زَوْجُها أوْسُ بْنُ الصّامِتِ «فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ فَقالَ: لا أجِدُ، فَقالَ: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ قالَ: لَوْ لَمْ آكُلْ في اليَوْمِ ثَلاثَ مَرّاتٍ كادَ أنْ يُغْشى عَلى بَصَرِي، فَأمَرَهُ بِالإطْعامِ» وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ العَزْمَ عَلى إمْساكِها ووَطْئِها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْألْهُ عَنْ ذَلِكَ، وبُطْلانِ قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ إرادَةَ الجِماعِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْألْهُ، وبُطْلانِ قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ الطَّلاقَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَلْ طَلَّقْتَها، وبُطْلانِ قَوْلِ مَنِ اعْتَبَرَ إعادَةَ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْألْهُ هَلْ أعَدْتَ القَوْلَ مَرَّتَيْنِ؛ فَثَبَتَ قَوْلُ أصْحابِنا وهو أنَّ لَفْظَ الظِّهارِ يُوجِبُ تَحْرِيمًا تَرْفَعُهُ الكَفّارَةُ.
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى -: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: ذِكْرُ الحالِ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ الخِطابُ، وهو أنَّهُ قَدْ كانَ مِن عادَتِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ الظِّهارُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ قَبْلَ هَذِهِ الحالِ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] والمَعْنى: ويَعُودُونَ (p-٣٠٤)بَعْدَ الإسْلامِ إلى ذَلِكَ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس: ٤٦] ومَعْناهُ: واللَّهُ شَهِيدٌ، فَيَكُونُ نَفْسُ القَوْلِ عَوْدًا إلى العادَةِ الَّتِي كانَتْ لَهم في ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]
والمَعْنى: حَتّى صارَ كَذَلِكَ، وكَما قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎هَذِي المَكارِمُ لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ شِيبا بِماءٍ فَعادا بَعْدُ أبْوالًا
مَعْناهُ: صارا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما في الثَّدْيِ لَمْ يَكُونا كَذَلِكَ وكَما قالَ لَبِيدٌ:
؎وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
ويَحُورُ يَرْجِعُ، وإنَّما مَعْناهُ هَهُنا يَصِيرُ رَمادًا.
كَذَلِكَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أنَّهم يَصِيرُونَ إلى حالِ الظِّهارِ الَّذِي كانَ يَكُونُ مِثْلُهُ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ في الظِّهارِ إيجابُ تَحْرِيمِ الوَطْءِ مُوَقَّتًا بِالكَفّارَةِ، فَإذا كانَ الظِّهارُ مَخْصُوصًا بِتَحْرِيمِ الوَطْءِ دُونَ غَيْرِهِ ولا تَأْثِيرَ لَهُ في رَفْعِ النِّكاحِ وجَبَ أنْ يَكُونَ العَوْدُ هو العَوْدَ إلى اسْتِباحَةِ ما حَرَّمَهُ بِالظِّهارِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: يَعُودُونَ لَلْمَقُولِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «العائِدُ في هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ»، وإنَّما هو عائِدٌ في المَوْهُوبِ، وكَقَوْلِنا: اللَّهُمَّ أنْتَ رَجاؤُنا، أيْ مَن رَجَوْنا؛ وقالَ - تَعالى -: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] يَعْنِي: المُوقَنَ بِهِ وقالَ الشّاعِرُ:
؎أخْبِرْ مَن لاقَيْتَ أنْ قَدْ وفَيْتُمْ ∗∗∗ ولَوْ شِئْتَ قالَ المُنَبِّئُونَ أساءُوا
؎، وإنِّي لَراجِيكم عَلى بُطْءِ سَعْيِكم ∗∗∗ كَما في بُطُونِ الحامِلاتِ رَجاءُ
يَعْنِي مَرْجُوًّا وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] مَعْناهُ: لِما حَرَّمُوا، فَيَسْتَبِيحُونَهُ فَعَلَيْهِمُ الكَفّارَةُ قَبْلَ الِاسْتِباحَةِ ويَبْطُلُ قَوْلُ مَنِ اعْتَبَرَ البَقاءَ عَلى النِّكاحِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الظِّهارَ لا يُوجِبُ تَحْرِيمَ العَقْدِ والإمْساكَ فَيَكُونُ العَوْدُ إمْساكَها عَلى النِّكاحِ؛ لِأنَّ العَوْدَ لا مَحالَةَ قَدِ اقْتَضى عَوْدًا إلى حُكْمِ مَعْنًى قَدْ تَقَدَّمَ إيجابُهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْإمْساكِ عَلى النِّكاحِ فِيهِ تَأْثِيرٌ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة: ٣] و" ثُمَّ " يَقْتَضِي التَّراخِيَ، ومَن جَعَلَ العَوْدَ البَقاءَ عَلى النِّكاحِ فَقَدْ جَعَلَهُ عائِدًا عَقِيبَ القَوْلِ بِلا تَراخٍ، وذَلِكَ خِلافُ مُقْتَضى الآيَةِ.
وأمّا مَن جَعَلَ العَوْدَ العَزِيمَةَ عَلى الوَطْءِ فَلا مَعْنى لِقَوْلِهِ أيْضًا؛ لِأنَّ مُوجِبَ القَوْلِ هو تَحْرِيمُ الوَطْءِ لا تَحْرِيمُ العَزِيمَةِ، والعَزِيمَةُ عَلى المَحْظُورِ، وإنْ كانَتْ مَحْظُورَةً فَإنَّما تَعَلَّقَ حُكْمُها بِالوَطْءِ، فالعَزِيمَةُ عَلى الِانْفِرادِ لا حُكْمَ لَها، وأيْضًا لا حَظَّ لِلْعَزِيمَةِ في سائِرِ الأُصُولِ ولا (p-٣٠٥)تَتَعَلَّقُ بِها الأحْكامُ، ألا تَرى أنَّ سائِرَ العُقُودِ، والتَّحْرِيمَ لا يَتَعَلَّقُ بِالعَزِيمَةِ فَلا اعْتِبارَ بِها ؟ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ عَفا لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ أوْ يَعْمَلُوا بِهِ» فَإنْ قِيلَ: هَلّا كانَ العَوْدُ إعادَةَ القَوْلِ مَرَّتَيْنِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْهُ كَما قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ومَعْناهُ لَفَعَلُوا مِثْلَ ما نُهُوا عَنْهُ. قِيلَ لَهُ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ إجْماعَ السَّلَفِ والخَلَفِ جَمِيعًا قَدِ انْعَقَدَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ بِمُرادٍ، فَقائِلُهُ خارِجٌ عَنْ نِطاقِ الإجْماعِ. والثّانِي: أنَّهُ يَجْعَلُ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] تَكْرارًا لِلْقَوْلِ واللَّفْظِ مَرَّتَيْنِ، واللَّهُ - تَعالى - لَمْ يَقُلْ ثُمَّ يُكَرِّرُونَ القَوْلَ مَرَّتَيْنِ، فَفِيهِ إثْباتُ مَعْنًى لا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْهُ.
وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى أنَّهُ عائِدٌ لِمِثْلِ القَوْلِ فَفِيهِ إضْمارٌ لِمِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا بِدَلالَةٍ، فالقائِلُ بِذَلِكَ خارِجٌ عَنِ الإجْماعِ ومُخالِفٌ لِحُكْمِ الآيَةِ ومُقْتَضاها فَإنْ قِيلَ: وأنْتَ إذا حَمَلْتَهُ عَلى تَحْرِيمِ الوَطْءِ وأنَّ تَقْدِيمَ الكَفّارَةِ لِاسْتِباحَةِ الوَطْءِ فَقَدْ زُلْتَ عَنِ الظّاهِرِ قِيلَ لَهُ: إذا كانَ الظِّهارُ قَدْ أوْجَبَ تَحْرِيمَ الوَطْءِ فاَلَّذِي يَسْتَبِيحُهُ مِنهُ هو الَّذِي حَرَّمَهُ بِالقَوْلِ، فَجازَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَوْدًا لِما قالَ؛ إذْ هو مُسْتَبِيحٌ لِذَلِكَ الوَطْءِ الَّذِي حَرَّمَهُ بِعَيْنِهِ وكانَ عَوْدًا لِما قالَ مِن إيجابِ التَّحْرِيمِ.
ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الوَطْءَ إذا كانَ مُسْتَحَقًّا بِعَقْدِ النِّكاحِ، وحُكْمُ الوَطْءِ الثّانِي كالأوَّلِ في أنَّهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ واحِدٍ ثُمَّ حَرَّمَهُ بِالظِّهارِ، جازَ أنْ يَكُونَ الإقْدامُ عَلى اسْتِباحَتِهِ عَوْدًا لِما حَرَّمَ فَكانَ هَذا المَعْنى مُطابِقًا لِلَّفْظِ.
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَتِ الِاسْتِباحَةُ هي المُوجِبَةَ لِلْكَفّارَةِ فَلَيْسَ يَخْلُو ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ العَزِيمَةَ عَلى الِاسْتِباحَةِ وعَلى الإقْدامِ عَلى الوَطْءِ أوْ إيقاعِ الوَطْءِ، فَإنْ كانَ المُرادُ الأوَّلَ فَهَذا يُلْزِمُكَ إيجابَ الكَفّارَةِ بِنَفْسِ العَزِيمَةِ قَبْلَ الوَطْءِ كَما قالَ مالِكٌ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ. وإنْ كانَ المُرادُ إيقاعَ الوَطْءِ فَواجِبٌ أنْ لا تَلْزَمَهُ الكَفّارَةُ إلّا بَعْدَ الوَطْءِ، وهَذا خِلافُ الآيَةِ، ولَيْسَ هو قَوْلُكَ أيْضًا.
قِيلَ لَهُ: المَعْنى في ذَلِكَ هو ما قَدْ بَيَّنّا مِنَ الإقْدامِ عَلى اسْتِباحَةِ الوَطْءِ، فَقِيلَ لَهُ: إذا أرَدْتَ الوَطْءَ وعُدْتَ لِاسْتِباحَةِ ما حَرَّمْتَهُ فَلا تَطَأْ حَتّى تُكَفِّرَ، لا أنَّ الكَفّارَةَ واجِبَةٌ ولَكِنَّها شَرْطٌ في رَفْعِ التَّحْرِيمِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] يَعْنِي فَقَدِّمُ الِاسْتِعاذَةَ قَبْلَ القِراءَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] والمَعْنى: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ فَقَدِّمُوا الغَسْلَ. وكَقَوْلِهِ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] وكَقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (p-٣٠٦)والمَعْنى: إذا أرَدْتُمْ ذَلِكَ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا أنَّ الظِّهارَ لا يُوجِبُ كَفّارَةً، وإنَّما يُوجِبُ تَحْرِيمَ الوَطْءِ، ولا يَرْتَفِعُ إلّا بِالكَفّارَةِ، فَإذا لَمْ يُرِدْ وطْأها فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، وإنْ ماتَتْ أوْ عاشَتْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ إذْ كانَ حُكْمُ الظِّهارِ إيجابَ التَّحْرِيمِ فَقَطْ مُوَقَّتًا بِأداءِ الكَفّارَةِ، وأنَّهُ مَتى لَمْ يُكَفِّرْ فالوَطْءُ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ فَإنْ وطِئَ سَقَطَ الظِّهارُ والكَفّارَةُ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَّقَ حُكْمَ الظِّهارِ وما أوْجَبَ بِهِ مِنَ الكَفّارَةِ بِأدائِها قَبْلَ الوَطْءِ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] فَمَتى وقَعَ المَسِيسُ فَقَدْ فاتَ الشَّرْطُ فَلا تَجِبُ الكَفّارَةُ بِالآيَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ فَرْضٍ مَحْصُورٍ بِوَقْتٍ أوْ مُعَلَّقٍ عَلى شَرْطٍ فَإنَّهُ مَتى فاتَ الوَقْتُ وعَدِمَ الشَّرْطُ لَمْ يَجِبْ بِاللَّفْظِ الأوَّلِ واحْتِيجَ إلى دَلالَةٍ أُخْرى في إيجابِ مِثْلِهِ في الوَقْتِ الثّانِي.
فَهَذا حُكْمُ الظِّهارِ إذا وقَعَ المَسِيسُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، إلّا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ رَجُلًا ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ فَوَطِئَها قَبْلَ التَّكْفِيرِ ثُمَّ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لَهُ: «اسْتَغْفِرِ اللَّهَ ولا تَعُدْ حَتّى تُكَفِّرَ» فَصارَ التَّحْرِيمُ الَّذِي بَعْدَ الوَطْءِ واجِبًا بِالسُّنَّةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَن وطِئَ ما الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الكَفّارَةِ بَعْدَهُ، فَقالَ الحَسَنُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ وإبْراهِيمُ وابْنُ المُسَيِّبِ: " لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا كَفّارَةٌ واحِدَةٌ "، وكَذَلِكَ قَوْلُ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ وابْنِ سِيرِينَ في آخَرِينَ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ وقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ والزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ " عَلَيْهِ كَفّارَتانِ " . قالَ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ظاهَرْتُ مِنَ امْرَأتِي فَجامَعْتُها قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ ؟ فَقالَ: «اسْتَغْفِرِ اللَّهَ ولا تَعُدْ حَتّى تُكَفِّرَ» فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ كَفّارَتَيْنِ بَعْدَ الوَطْءِ.
واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في تَوْقِيتِ الظِّهارِ، فَقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ: " إذا قالَ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي اليَوْمَ بَطَلَ الظِّهارُ بِمُضِيِّ اليَوْمِ "، وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى ومالِكٌ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " هو مُظاهِرٌ أبَدًا "
قالَ أبُو بَكْرٍ: تَحْرِيمُ الظِّهارِ لا يَقَعُ إلّا مُوَقَّتًا بِأداءِ الكَفّارَةِ، فَإذا وقَّتَهُ المُظاهِرُ وجَبَ تَوْقِيتُهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِمّا لا يَتَوَقَّتُ لَما انْحَلَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ بِالتَّكْفِيرِ كالطَّلاقِ، فَأشْبَهَ الظِّهارُ اليَمِينَ الَّتِي يُحِلُّها الحِنْثُ، فَوَجَبَ تَوْقِيتُهُ كَما يَتَوَقَّتُ اليَمِينُ ولَيْسَ كالطَّلاقِ؛ لِأنَّهُ لا يُحِلُّهُ شَيْءٌ.
فَإنْ قِيلَ: تَحْرِيمُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ يَقَعُ مُوَقَّتًا بِالزَّوْجِ الثّانِي ولا يَتَوَقَّتُ بِتَوْقِيتِ الزَّوْجِ إذا قالَ أنْتِ طالِقٌ اليَوْمَ قِيلَ لَهُ: إنَّ الطَّلاقَ لا يَتَوَقَّتُ بِالزَّوْجِ الثّانِي، وإنَّما يَسْتَفِيدُ الزَّوْجُ الأوَّلُ بِالزَّوْجِ الثّانِي إذا تَزَوَّجَها بَعْدَ ثَلاثِ تَطْلِيقاتٍ مُسْتَقْبَلاتٍ والثَّلاثُ الأُوَلُ واقِعَةٌ عَلى ما كانَتْ.
وإنَّما اسْتَفادَ طَلاقًا غَيْرَها، فَلَيْسَ في الطَّلاقِ تَوْقِيتٌ بِحالٍ، والظِّهارُ مُوَقَّتٌ لا مَحالَةَ بِالتَّكْفِيرِ فَجازَ تَوْقِيتُهُ بِالشَّرْطِ، واخْتَلَفُوا في الظِّهارِ هَلْ يَدْخُلُ (p-٣٠٧)عَلَيْهِ إيلاءٌ ؟ فَقالَ أصْحابُنا والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ والثَّوْرِيُّ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ والأوْزاعِيُّ " لا يَدْخُلُ الإيلاءُ عَلى المُظاهِرِ، وإنْ طالَ تَرْكُهُ إيّاها " ورَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ " لا يَدْخُلُ عَلى حُرٍّ إيلاءٌ في ظِهارٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُضارًّا لا يُرِيدُ أنْ يَفِيءَ مِن ظِهارِهِ. وأمّا العَبْدُ فَلا يَدْخُلُ عَلى ظِهارِهِ إيلاءٌ " .
وقالَ ابْنِ القاسِمِ عَنْهُ " يَدْخُلُ الإيلاءُ عَلى الظِّهارِ إذا كانَ مُضارًّا ومِمّا يُعْلَمُ بِهِ ضِرارُهُ أنْ يَقْدِرَ عَلى الكَفّارَةِ فَلا يُكَفِّرُ فَإنَّهُ إذا عُلِمَ ذَلِكَ وُقِفَ مِثْلُ المُولِي فَإمّا كَفَّرَ، وإمّا طُلِّقَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ " .
ورُوِيَ عَنْ الثَّوْرِيِّ أنَّ الإيلاءَ يَدْخُلُ عَلى الظِّهارِ قالَ أبُو بَكْرٍ لَيْسَ الظِّهارُ كِنايَةً عَنِ الطَّلاقِ ولا صَرِيحًا فَلا يَجُوزُ إثْباتُ الطَّلاقِ بِهِ إلّا بِتَوْقِيفٍ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَن أدْخَلَ في أمْرِنا ما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ» ومَن أدْخَلَ الإيلاءَ عَلى المُظاهِرِ فَقَدْ أدْخَلَ عَلَيْهِ ما لَيْسَ مِنهُ وأيْضًا نَصَّ اللَّهُ عَلى حُكْمِ المُولِي بِالفَيْءِ أوْ عَزِيمَةِ الطَّلاقِ. ونَصَّ عَلى حُكْمِ المُظاهِرِ بِإيجابِ كَفّارَةٍ قَبْلَ المَسِيسِ فَحُكْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَنصُوصٌ عَلَيْهِ فَغَيْرُ جائِزٍ حَمْلُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ؛ إذْ مِن حُكْمِ المَنصُوصاتِ أنْ لا يُقاسَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُجْرًى عَلى بابِهِ، ومَحْمُولٌ عَلى مَعْناهُ دُونَ غَيْرِهِ، وأيْضًا فَإنَّ مَعْنى الإيلاءِ وُقُوعُ الحِنْثِ ووُجُوبُ الكَفّارَةِ بِالوَطْءِ في المُدَّةِ ولا تَتَعَلَّقُ كَفّارَةُ الظِّهارِ بِالوَطْءِ فَلَيْسَ هو إذًا في مَعْنى الإيلاءِ ولا في حُكْمِهِ، وأيْضًا فَإنَّ المُولى سَواءٌ قَصَدَ الضِّرارَ أوْ لَمْ يَقْصِدْ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ وقَدِ اتَّفَقْنا أنَّهُ مَتى لَمْ يَقْصِدِ الضِّرارَ بِالظِّهارِ لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ الإيلاءِ بِمُضِيِّ المُدَّةِ فَوَجَبَ أنْ لا يَلْزَمَهُ، وإنْ قَصَدَ الضِّرارَ فَإنْ قِيلَ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ في الإيلاءِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الإيلاءِ يُنْبِئُ عَنْ قَصْدِ الضِّرارِ؛ إذْ هو حَلِفٌ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الوَطْءِ في المُدَّةِ.
قِيلَ لَهُ: الظِّهارُ قَصْدٌ إلى الضِّرارِ مِن حَيْثُ حَرَّمَ وطْأها إلّا بِكَفّارَةٍ يُقَدِّمُها عَلَيْهِ فَلا فَرْقَ بَيْنَهُما فِيما يَقْتَضِيانِهِ مِنَ المُضارَّةِ، واخْتَلَفَ السَّلَفُ ومَن بَعْدَهم وفُقَهاءُ الأمْصارِ في الظِّهارِ مِنَ الأمَةِ فَرَوى عَبْدُ الكَرِيمِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ " مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أمَةٍ ظِهارٌ " وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ والشَّعْبِيِّ وابْنِ المُسَيِّبِ وهو قَوْلُ أصْحابِنا والشّافِعِيِّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ والنَّخَعِيُّ وعَطاءٍ وطاوُسٍ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ قالُوا: " هو ظِهارٌ "، وهو قَوْلُ مالِكٍ والثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ واللَّيْثِ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وقالُوا: " يَكُونُ مُظاهِرًا مِن أمَتِهِ كَما هو مِن زَوْجَتِهِ " .
وقالَ الحَسَنُ: " إنْ كانَ يَطَأُها فَهو مُظاهِرٌ، وإنْ كانَ لا يَطَأُها فَلَيْسَ بِظِهارٍ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] وهَذا اللَّفْظُ يَنْصَرِفُ مِنَ الظِّهارِ إلى الحَرائِرِ دُونَ الإماءِ، والدَّلِيلُ (p-٣٠٨)عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] فَكانَ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الحَرائِرَ، لَوْلا ذَلِكَ لَما صَحَّ عَطْفُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ، وقالَ - تَعالى -: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَكانَ عَلى الزَّوْجاتِ دُونَ مِلْكِ اليَمِينِ فَلَمّا كانَ حُكْمُ الظِّهارِ مَأْخُوذًا مِنَ الآيَةِ، وكانَ مُقْتَضاها مَقْصُورًا عَلى الزَّوْجاتِ دُونَ مِلْكِ اليَمِينِ، لَمْ يَجُزْ إيجابُهُ في مِلْكِ اليَمِينِ، إذْ لا مَدْخَلَ لِلْقِياسِ في إثْباتِ ظِهارٍ في غَيْرِ ما ورَدَ فِيهِ ووَجْهٌ آخَرُ، وهو ما بَيَّنّا فِيما سَلَفَ أنَّهم قَدْ كانُوا يُطَلِّقُونَ بِلَفْظِ الظِّهارِ، فَأبْدَلَ اللَّهُ - تَعالى - بِهِ تَحْرِيمًا تَرْفَعُهُ الكَفّارَةُ، فَلَمّا لَمْ يَصِحَّ طَلاقُ الأمَةِ لَمْ يَصِحَّ الظِّهارُ مِنها.
ووَجْهٌ آخَرُ، وهو: أنَّ الظِّهارَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مِن جِهَةِ القَوْلِ يُوجِبُ الكَفّارَةَ، والأمَةُ لا يَصِحُّ تَحْرِيمُها مِن جِهَةِ القَوْلِ، فَأشْبَهَ سائِرَ المَمْلُوكاتِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ مَتى حَرَّمَها بِالقَوْلِ لَمْ تَحْرُمْ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ طَعامًا أوْ شَرابًا لَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وإنَّما يَلْزَمُهُ إذا أكَلَ أوْ شَرِبَ كَفّارَةُ يَمِينٍ ؟ فَكَذَلِكَ مِلْكُ اليَمِينِ وجَبَ أنْ لا يَصِحَّ الظِّهارُ مِنها؛ إذْ لا يَصِحُّ تَحْرِيمُها مِن جِهَةِ القَوْلِ.
المجادلة 58:3
في الظِّهارِ بِغَيْرِ الأُمِّ واخْتَلَفُوا فِيمَن قالَ لِامْرَأتِهِ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُخْتِي أوْ ذاتِ مَحْرَمٍ مِنهُ، فَقالَ أصْحابُنا: " هو مُظاهِرٌ، وإنْ قالَ كَظَهْرِ فُلانَةٍ ولَيْسَتْ بِمَحْرَمٍ مِنهُ لَمْ يَكُنْ مُظاهِرًا "، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ والأوْزاعِيِّ وقالَ مالِكٌ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: " يَصِحُّ الظِّهارُ بِالمُحَرَّمِ والأجْنَبِيَّةِ " ولِلشّافِعِيَّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ الظِّهارَ لا يَصِحُّ إلّا بِالأُمِّ. والآخَرُ: أنَّهُ يَصِحُّ بِذَواتِ المَحارِمِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا صَحَّ الظِّهارُ بِالأُمِّ وكانَتْ ذَواتُ المَحارِمِ كالأُمِّ في التَّحْرِيمِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ الظِّهارُ بِهِنَّ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَهُنَّ في جِهَةِ التَّحْرِيمِ.
ألا تَرى أنَّ الظِّهارَ بِالأُمِّ مِنَ الرَّضاعَةِ صَحِيحٌ مَعَ عَدَمِ النَّسَبِ لِوُجُودِ التَّحْرِيمِ فَكَذَلِكَ سائِرُ ذَواتِ المَحارِمِ. ورُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ أصْحابِنا عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ وعَطاءٍ وقالَ الشَّعْبِيُّ " إنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمْ يَنْسَ أنْ يَذْكُرَ البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ إنَّما الظِّهارُ مِنَ الأُمِّ " وأيْضًا لَمّا قالَ - تَعالى - ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ اقْتَضى ظاهِرُهُ الظِّهارَ بِكُلِّ ذاتِ مَحْرَمٍ؛ إذْ لَمْ يُخَصِّصِ الأُمَّ دُونَ غَيْرِها ومَن قَصَرَهُ عَلى الأُمِّ فَقَدْ خَصَّ بِلا دَلِيلٍ فَإنْ قِيلَ لَمّا قالَ - تَعالى - ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] دَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ الظِّهارَ بِالأُمِّ قِيلَ لَهُ إنَّما ذَكَرَ الأُمَّهاتِ؛ لِأنَّهُنَّ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِنَّ حَدُّ الآيَةِ وذَلِكَ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ (p-٣٠٩)عُمُومًا في سائِرِ مَن أوْقَعَ التَّشْبِيهِ بِظَهْرِها مِن سائِرِ ذَواتِ المَحارِمِ وأيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الظِّهارِ مِن سائِرِ ذَواتِ المَحارِمِ؛ لِأنَّهُ قَدْ نَبَّهَ عَلى المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ ألْزَمَهُ حُكْمَ الظِّهارِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلا اللائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] فَأخْبَرَ أنَّهُ ألْزَمَهم هَذا الحُكْمَ؛ لِأنَّهُنَّ لَسْنَ بِأُمَّهاتِهِمْ، وأنَّ قَوْلَهم هَذا مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ فاقْتَضى ذَلِكَ إيجابَ هَذا الحُكْمِ في الظِّهارِ بِسائِرِ ذَواتِ المَحارِمِ؛ لِأنَّهُ إذْ ظاهَرَ بِأجْنَبِيَّةٍ فَلَيْسَتْ هي أُخْتَهُ ولا ذاتَ مَحْرَمٍ مِنهُ، وهَذا القَوْلُ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ؛ لِأنَّهُ يَمْلِكُ بُضْعَ امْرَأتِهِ وهي مُباحَةٌ لَهُ وذَواتُ المَحارِمِ مُحَرَّماتٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا فَإنْ قِيلَ يَلْزَمُكَ عَلى هَذا إيجابُ الظِّهارِ بِالأجْنَبِيَّةِ؛ لِعُمُومِ الآيَةِ ولِدَلالَةِ فَحْواها عَلى جَوازِ الظِّهارِ بِسائِرِ ذَواتِ المَحارِمِ، إذْ لَمْ تُفَرِّقِ الآيَةُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنهُنَّ؛ ولِأنَّ تَشْبِيهَها بِالأجْنَبِيَّةِ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ قِيلَ لَهُ لا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأجْنَبِيَّةَ لَمّا كانَتْ قَدْ تَحِلُّ لَهُ بِحالٍ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الأجْنَبِيَّةِ مُفِيدًا لِلتَّحْرِيمِ في سائِرِ الأوْقاتِ؛ لِجَوازِ أنْ يَمْلِكَ بُضْعَ الأجْنَبِيَّةِ فَتَكُونَ مِثْلَها وفي حُكْمِها.
وأيْضًا لا خِلافَ أنَّ التَّحْرِيمَ بِالأمْتِعَةِ وسائِرِ الأمْوالِ لا يَصِحُّ بِأنْ يَقُولَ أنْتِ عَلَيَّ كَمَتاعِ فُلانٍ أوْ كَمالِ فُلانٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يَمْلِكُهُ بِحالٍ فَيَسْتَبِيحُهُ.
واخْتَلَفُوا في الظِّهارِ بِغَيْرِ الظَّهْرِ فَقالَ أصْحابُنا " إذا قالَ أنْتِ عَلَيَّ كَيَدِ أُمِّيِّ أوْ كَرَأْسِها أوْ ذَكَرَ شَيْئًا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنها لَمْ يَكُنْ مُظاهِرًا، وإنْ قالَ كَبَطْنِها أوْ كَفَخِذِها ونَحْوِ ذَلِكَ كانَ مُظاهِرًا؛ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ كالظَّهْرِ " . وقالَ ابْنُ القاسِمِ " قِياسُ قَوْلِ مالِكٍ أنْ يَكُونَ مُظاهِرًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأُمِّ " وقالَ الثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ " إذا قالَ أنْتِ عَلَيَّ كَرَأْسِ أُمِّيِّ أوْ كَيَدِها فَهو مُظاهِرٌ؛ لِأنَّ التَّلَذُّذَ بِذَلِكَ مِنها مُحَرَّمٌ.
قالَ أبُو بَكْرٍ نَصَّ اللَّهُ - تَعالى - عَلى حُكْمِ الظِّهارِ، وهو أنْ يَقُولَ: " أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " والظَّهْرُ مِمّا لا يَسْتَبِيحُ النَّظَرُ إلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ سائِرُ ما لا يَسْتَبِيحُ النَّظَرَ إلَيْهِ في حُكْمِهِ، وما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْتَبِيحَ النَّظَرَ إلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِتَشْبِيهِها بِهِ؛ إذْ لَيْسَ تَحْرِيمُها مِنَ الأُمِّ مُطْلَقًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ الظِّهارُ بِهِ؛ إذْ كانَ الظِّهارُ يُوجِبُ تَحْرِيمًا، وأيْضًا لَمّا جازَ لَهُ اسْتِباحَةُ النَّظَرِ إلى هَذِهِ الأعْضاءِ أشْبَهَ سائِرَ الأشْياءِ الَّتِي يَجُوزُ أنْ يَسْتَبِيحَ النَّظَرَ إلَيْها مِثْلَ الأمْوالِ والأمْلاكِ.
واخْتَلَفُوا فِيما يُحَرِّمُهُ الظِّهارُ، فَقالَ الحَسَنُ: " لِلْمُظاهِرِ أنْ يُجامِعَ فِيما دُونَ الفَرْجِ " وقالَ عَطاءٌ: " يَجُوزُ أنْ يُقَبِّلَ أوْ يُباشِرَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ " وقالَ الزُّهْرِيُّ وقَتادَةُ: (p-٣١٠)" ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ الوُقُوعُ نَفْسُهُ " وقالَ أصْحابُنا: " لا يَقْرَبُ المُظاهِرُ ولا يَلْمِسُ ولا يُقَبِّلُ ولا يَنْظُرُ إلى فَرْجِها لِشَهْوَةٍ حَتّى يُكَفِّرَ " .
وقالَ مالِكٌ مِثْلَ ذَلِكَ، وقالَ: " لا يَنْظُرُ إلى شَعْرِها ولا صَدْرِها حَتّى يُكَفِّرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَدْعُوهُ إلى خَيْرٍ " . وقالَ الثَّوْرِيُّ: " يَأْتِيها فِيما دُونَ الفَرْجِ، وإنَّما نُهِيَ عَنِ الجِماعِ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " يَحِلُّ لَهُ فَوْقَ الإزارِ كالحائِضِ " وقالَ الشّافِعِيُّ: " يُمْنَعُ القُبْلَةَ والتَّلَذُّذَ احْتِياطًا " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا قالَ - تَعالى -: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ كانَ ذَلِكَ عُمُومًا في حَظْرِ جَمِيعِ ضُرُوبِ المَسِيسِ مِن لَمْسٍ بِيَدٍ أوْ غَيْرِها، وأيْضًا لَمّا قالَ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ فَألْزَمَهُ حُكْمَ التَّحْرِيمِ لَتَشْبِيهِهِ بِظَهْرِها، وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عامًّا في المُباشَرَةِ والجِماعِ كَما أنَّ مُباشَرَةَ ظَهْرِ الأُمِّ ومَسَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ.
وأيْضًا حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا زِيادُ بْنُ أيُّوبَ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنا الحَكَمُ بْنُ أبانَ عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ رَجُلًا ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ ثُمَّ واقَعَها قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، قالَ: فاعْتَزِلْها حَتّى تُكَفِّرَ؛» ورَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ الحَكَمِ بْنِ أبانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وقالَ: " لا تَقْرَبْها حَتّى تُكَفِّرَ "، وذَلِكَ يَمْنَعُ المَسِيسَ والقُبْلَةَ.
* *
فِي ظِهارِ المَرْأةِ مِن زَوْجِها قالَ أصْحابُنا: " لا يَصِحُّ ظِهارُ المَرْأةِ مِن زَوْجِها "، وهو قَوْلُ مالِكٍ والثَّوْرِيِّ واللَّيْثِ والشّافِعِيِّ وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي عِمْرانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صالِحٍ عَنْ الحَسَنِ بْنِ زِيادٍ أنَّها إذا قالَتْ لِزَوْجِها أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أوْ كَظَهْرِ أخِي كانَتْ مُظاهِرَةً مِن زَوْجِها، قالَ عَلِيٌّ: فَسَألْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ فَقالَ: لَيْسَ عَلَيْها شَيْءٌ، فَأتَيْتُ أبا يُوسُفَ فَذَكَرْتُ لَهُ قَوْلَيْهِما فَقالَ: هَذانِ شَيْخا الفِقْهِ أخْطَآ، هو تَحْرِيمٌ، عَلَيْها كَفّارَةُ يَمِينٍ كَقَوْلِها أنْتَ عَلَيَّ حَرامٌ.
وقالَ الأوْزاعِيُّ " هي يَمِينٌ تُكَفِّرُها " وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " تُعْتِقُ رَقَبَةً وتُكَفِّرُ بِكَفّارَةِ الظِّهارِ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ وكَفَّرَتْ يَمِينًا رَجَوْنا أنْ يُجْزِيَها " .
ورَوى مُغِيرَةٌ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: خَطَبَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ فَقالَتْ: هو عَلَيْها كَظَهْرِ أبِيها إنْ تَزَوَّجَتْهُ، فَلَمّا ولِيَ الإمارَةَ أرْسَلَ إلَيْها، فَأرْسَلَتْ تَسْألُ والفُقَهاءُ يَوْمَئِذٍ بِالمَدِينَةِ كَثِيرٌ، فَأفْتَوْها أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً وتَزَوَّجَها؛ وقالَ إبْراهِيمُ: لَوْ كانَتْ عِنْدَهُ يَعْنِي عِنْدَ زَوْجِها يَوْمَ قالَتْ ذَلِكَ ما كانَ عَلَيْها عِتْقُ رَقَبَةٍ، ولَكِنَّها كانَتْ تَمْلِكُ نَفْسَها حِينَ قالَتْ ما قالَتْ ورُوِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ أنَّها إذا قالَتْ: " إنْ تَزَوَّجْتُهُ فَهو عَلَيَّ كَظَهْرِ أبِي " كانَتْ مُظاهِرَةً، ولَوْ قالَتْ وهي تَحْتَ زَوْجٍ كانَ عَلَيْها كَفّارَةُ يَمِينٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَجُوزُ أنْ (p-٣١١)تَكُونَ عَلَيْها كَفّارَةُ يَمِينٍ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ لا تَلْزَمُهُ بِذَلِكَ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وهو الأصْلُ، فَكَيْفَ يَلْزَمُها ذَلِكَ كَما أنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ: " أنْتِ طالِقٌ " لا يَكُونُ غَيْرَ طالِقٍ، كَذَلِكَ ظِهارُها لا يَلْزَمُها بِهِ شَيْءٌ. ولا يَصِحُّ مِنها ظِهارٌ بِهَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ الظِّهارَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا بِالقَوْلِ وهي لا تَمْلِكُ ذَلِكَ كَما لا تَمْلِكُ الطَّلاقَ؛ إذْ كانَ مَوْضُوعًا لِتَحْرِيمٍ يَقَعُ بِالقَوْلِ.
واخْتَلَفُوا فِيمَن قالَ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أبِي، فَقالَ أصْحابُنا والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ: " لَيْسَ بِشَيْءٍ "، وقالَ مالِكٌ: " هو مُظاهِرٌ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما حَكَمَ اللَّهُ - تَعالى - بِالظِّهارِ فِيمَن شَبَّهَها بِظَهْرِ الأُمِّ ومَن جَرى مَجْراها مِن ذَواتِ المَحارِمِ الَّتِي لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْتَبِيحَ النَّظَرَ إلى ظَهْرِها بِحالٍ، وهو يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلى ظَهْرِ أبِيهِ والأبُ والأجْنَبِيُّ في ذَلِكَ سَواءٌ، ولَوْ قالَ: " أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الأجْنَبِيِّ " لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ ظَهْرُ الأبِ.
واخْتَلَفُوا فِيمَن ظاهَرَ مِرارًا، فَقالَ أصْحابُنا والشّافِعِيُّ: " عَلَيْهِ لِكُلِّ ظِهارٍ كَفّارَةٌ إلّا أنْ يَكُونَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ وأرادَ التَّكْرارَ فَتَكُونَ عَلَيْهِ كَفّارَةٌ واحِدَةٌ " وقالَ مالِكٌ: " مَن ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ في مَجالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا كَفّارَةٌ واحِدَةٌ، وإنْ ظاهَرَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ ظاهَرَ فَعَلَيْهِ الكَفّارَةُ أيْضًا " .
وقالَ الأوْزاعِيُّ: " عَلَيْهِ كَفّارَةٌ واحِدَةٌ، وإنْ كانَ في مَقاعِدَ شَتّى "
قالَ أبُو بَكْرٍ: الأصْلُ أنَّ الظِّهارَ لَمّا كانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمٍ تَرْفَعُهُ الكَفّارَةُ أنْ تَجِبَ بِكُلِّ ظِهارٍ كَفّارَةٌ، إلّا أنَّهم قالُوا إذا أرادَ التَّكْرارَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ فَعَلَيْهِ كَفّارَةٌ واحِدَةٌ؛ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لِما أرادَ مِنَ التَّكْرارِ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ يَقْتَضِي إيجابَ كَفّارَةٍ واحِدَةٍ، وإنْ ظاهَرَ مِرارًا؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا يَخْتَصُّ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ دُونَ المِرارِ الكَثِيرَةِ قِيلَ لَهُ: لَمّا كانَتِ الكَفّارَةُ في رَفْعِ التَّحْرِيمِ مُتَعَلِّقَةً بِحُرْمَةِ اللَّفْظِ أشْبَهَ اليَمِينَ، فَمَتى حَلَفَ مِرارًا لَزِمَتْهُ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفّارَةٌ إذا حَنِثَ، ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] مُوجِبًا لِلِاقْتِصارِ بِالأيْمانِ الكَثِيرَةِ عَلى كَفّارَةٍ واحِدَةٍ.
واخْتَلَفُوا في المُظاهِرِ هَلْ يُجْبَرُ عَلى التَّكْفِيرِ ؟ فَقالَ أصْحابُنا: " لا يَنْبَغِي لِلْمَرْأةِ أنْ تَدَعَهُ يَقْرَبُها حَتّى يُكَفِّرَ " وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ عَنْ عَبّادِ بْنِ العَوّامِ عَنْ سُفْيانَ بْنِ حُسَيْنٍ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ وابْنَ سِيرِينَ عَنْ رِجْلٍ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ فَلَمْ يُكَفِّرْ تَهاوُنًا، قالَ: تَسْتَعْدِي عَلَيْهِ؛ قالَ: وسَألْتُ أبا حَنِيفَةَ، فَقالَ: تَسْتَعْدِي عَلَيْهِ وقالَ مالِكٌ: " عَلَيْها أنْ تَمْنَعَهُ نَفْسَها ويَحُولُ الإمامُ بَيْنَهُ وبَيْنَها " وقَوْلُ الشّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالتَّكْفِيرِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ أصْحابُنا: " يُجْبَرُ عَلى جِماعِ المَرْأةِ فَإنْ أبى ضَرَبَتْهُ رَواهُ هِشامٌ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُجْبَرُ عَلى التَّكْفِيرِ لِيُوَفِّيَها حَقَّها مِنَ الجِماعِ.
واخْتَلَفُوا في الرَّقَبَةِ الكافِرَةِ عَنِ الظِّهارِ، فَقالَ (p-٣١٢)عَطاءٌ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الحَسَنِ: " يُجْزِي الكافِرُ "، وهو قَوْلُ أصْحابِنا والثَّوْرِيِّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: " أنَّهُ لا يُجْزِي في شَيْءٍ مِنَ الكَفّاراتِ إلّا الرَّقَبَةَ المُؤْمِنَةَ "، وهو قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] يَقْتَضِي جَوازَ الكافِرَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لِلْمُظاهِرِ: " أعْتِقْ رَقَبَةً " ولَمْ يَشْتَرِطِ الإيمانَ، ولا يَجُوزُ قِياسُها عَلى كَفّارَةِ القَتْلِ لِامْتِناعِ جَوازِ قِياسِ المَنصُوصِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ؛ ولِأنَّ فِيهِ إيجابَ زِيادَةٍ في النَّصِّ وذَلِكَ عِنْدَنا يُوجِبُ النَّسْخَ.
واخْتَلَفُوا في جَوازِ الصَّوْمِ مَعَ وُجُودِ رَقَبَةٍ لِلْخِدْمَةِ، فَقالَ أصْحابُنا: " إذا كانَتْ عِنْدَهُ رَقَبَةٌ لِلْخِدْمَةِ ولا شَيْءَ لَهُ غَيْرُها أوْ كانَ عِنْدَهُ دَراهِمُ ثَمَنُ رَقَبَةٍ لَيْسَ لَهُ غَيْرُها لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ "، وهو قَوْلُ مالِكٍ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ وقالَ اللَّيْثُ والشّافِعِيُّ: " مَن لَهُ خادِمٌ لا يَمْلِكُ غَيْرَهُ فَلَهُ أنْ يَصُومَ "، قالَ اللَّهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]
فَأوْجَبَ الرَّقَبَةَ بَدِيًّا عَلى واجِدِها ونَقَلَهُ إلى الصَّوْمِ عِنْدَ عَدَمِها، فَلَمّا كانَ هَذا واجِدًا لَها لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُهُ
فَإنْ قِيلَ: هو بِمَنزِلَةِ مَن مَعَهُ ماءٌ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ العَطَشَ فَيَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ قِيلَ لَهُ: لِأنَّهُ مَأْمُورٌ في هَذِهِ الحالِ بِاسْتِبْقاءِ الماءِ وهو مَحْظُورٌ عَلَيْهِ اسْتِعْمالُهُ، ولَيْسَ بِمَحْظُورٍ عَلَيْهِ عِنْدَ الجَمِيعِ عِتْقُ هَذِهِ الرَّقَبَةِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ واجِدٌ.
واخْتَلَفُوا في عِتْقِ أُمِّ الوَلَدِ والمُدَبَّرِ والمُكاتَبِ ونَحْوِهِمْ في الكَفّارَةِ، فَقالَ أصْحابُنا: " لا يَجُوزُ عِتْقُ أُمِّ الوَلَدِ والمُدَبَّرِ والمُكاتَبِ إذا كانَ قَدْ أدّى شَيْئًا عَنِ الكِتابَةِ، ولا المُدَبَّرُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ أدّى شَيْئًا أجْزَأهُ، وإنِ اشْتَرى أباهُ يَنْوِي بِهِ عَنْ كَفّارَتِهِ جازَ، وكَذَلِكَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، ولَوْ قالَ: كُلُّ عَبْدٍ أشْتَرِيهِ فَهو حُرٌّ، ثُمَّ اشْتَرى عَبْدًا يَنْوِيهِ عَنْ كَفّارَتِهِ ولَمْ يُجْزِهِ " وقالَ زُفَرُ: " لا يُجْزِي المُكاتَبُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أدّى شَيْئًا " .
وقالَ مالِكٌ: " لا يُجْزِي المُكاتَبُ ولا المُدَبَّرُ ولا أُمُّ الوَلَدِ ولا مُعْتَقٌ إلى سِنِينَ عَنِ الكَفّارَةِ ولا الوَلَدُ والوالِدُ " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " لا يُجْزِي المُكاتَبُ ولا المُدَبَّرُ ولا أُمُّ الوَلَدِ " وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: " يُجْزِي المُدَبَّرُ وأُمُّ الوَلَدِ في كَفّارَةِ الظِّهارِ واليَمِينِ " . وقالَ اللَّيْثُ: " يُجْزِي أنْ يَشْتَرِيَ أباهُ فَيُعْتِقَهُ بِالكَفّارَةِ الَّتِي عَلَيْهِ " وقالَ الشّافِعِيُّ: " لا يُجْزِي مَن إذا اشْتَراهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، " يُجْزِي المُدَبَّرُ ولا يُجْزِي المُكاتَبُ، وإنْ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا، ويُجْزِي المُعْتَقُ إلى سِنِينَ ولا تُجْزِي أُمُّ الوَلَدِ "
قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا أُمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرُ فَإنَّهُما لا يَجْزِيانِ مِن قِبَلِ أنَّهُما قَدِ اسْتَحَقّا العِتْقَ مِن غَيْرِ جِهَةِ الكَفّارَةِ.
ألا تَرى أنَّ ما ثَبَتَ لَهُما مِن حَقِّ العَتاقِ يَمْنَعُ بَيْعَهُما ولا يَصِحُّ فَسْخُ ذَلِكَ عَنْهُما ؟ فَمَتى أعْتَقَهُما فَإنَّما عَجَّلَ عِتْقًا مُسْتَحَقًّا، ولَيْسَ كَذَلِكَ مَن قالَ لَهُ المَوْلى: " أنْتَ حُرٌّ (p-٣١٣)بَعْدَ شَهْرٍ أوْ سَنَةٍ "؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ بِهَذا القَوْلِ يَمْنَعُ بَيْعَهُ. ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَبِيعَهُ ؟ وأمّا المُكاتَبُ فَإنَّهُ، وإنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فَإنَّ الكِتابَةَ يَلْحَقُها الفَسْخُ، وإنَّما لا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَما لا يَجُوزُ بَيْعُ الآبِقِ والعَبْدِ المَرْهُونِ والمُسْتَأْجَرِ فَلا يَمْنَعُ ذَلِكَ جَوازَ عِتْقِهِ عَنِ الكَفّارَةِ، فَإذا أُعْتِقَ المُكاتَبُ قَبْلَ أنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا فَقَدْ أسْقَطَ المالَ فَصارَ كَمَن أعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ مُكاتَبٍ، وإنْ كانَ قَدْ أدّى شَيْئًا لَمْ يَجُزْ مِن قِبَلِ أنَّ الأداءَ لا يَنْفَسِخُ بِعِتْقِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ عَنْ عِتْقِهِ بَدَلٌ فَلا يُجْزِي عَنِ الكَفّارَةِ، وأمّا إذا اشْتَرى أباهُ فَإنَّهُ يُجْزِي إذا نَوى؛ لِأنَّ قَبُولَهُ لِلشِّرى بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ أنْتَ حُرٌّ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَجْزِي ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» ومَعْلُومٌ أنَّ مَعْناهُ: يُعْتِقُهُ بِشِرائِهِ إيّاهُ، فَجَعَلَ شِراءَهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: " أنْتَ حُرٌّ " فَأجْزَأ، بِمَنزِلَةِ مَن قالَ لِعَبْدِهِ: أنْتَ حُرٌّ.
واخْتَلَفُوا في مِقْدارِ الطَّعامِ، فَقالَ أصْحابُنا والثَّوْرِيُّ: " لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعِ بُرٍّ أوْ صاعُ تَمْرٍ أوْ شَعِيرٍ " وقالَ مالِكٌ مُدٌّ بِمُدِّ هِشامٍ، وهو مُدّانِ إلّا ثُلُثًا بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ مِنَ الحِنْطَةِ، وأمّا الشَّعِيرُ فَإنْ كانَ طَعامَ أهْلِ بَلَدِهِ فَهو مِثْلُ الحِنْطَةِ وكَذَلِكَ التَّمْرُ، وإنْ لَمْ يَكُونا طَعامَ أهْلِ البَلَدِ أطْعَمَهم مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وسَطًا مِن شِبَعِ الشَّعِيرِ والتَّمْرِ " .
وقالَ الشّافِعِيُّ: " لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِن طَعامِ بَلَدِهِ الَّذِي يَقْتاتُ حِنْطَةٌ أوَشَعِيرٌ أوْ أُرْزٌ أوْ تَمْرٌ أوْ أقِطٌ، وذَلِكَ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ولا يُعْتَبَرُ مُدٌّ أُحْدِثَ بَعْدَهُ " . حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ ومُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ الأنْبارِيُّ قالا: حَدَّثَنا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطاءٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ قالَ: كُنْتَ امْرَأً أُصِيبُ مِنَ النِّساءِ، وذَكَرَ قِصَّةَ ظِهارِهِ مِنِ امْرَأتِهِ وأنَّهُ جامَعَ امْرَأتَهُ وسَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «حَرِّرْ رَقَبَةً، فَقُلْتُ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَها وضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي، قالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، قالَ: وهَلْ أصَبْتُ الَّذِي أصَبْتُ إلّا مِنَ الصِّيامِ ؟ قالَ فَأطْعِمْ وسْقًا مِن تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قُلْتُ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا لَقَدْ بِتْنا وحْشَيْنِ وما لَنا طَعامٌ قالَ: فانْطَلِقْ إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْها إلَيْكَ فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ وكُلْ أنْتَ وعِيالُكَ بَقِيَّتَها» .
فَإنْ قِيلَ: رَوى إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي حَرْمَلَةَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ: أنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ مالِكَ بْنِ ثَعْلَبَةَ ظاهَرَ مِنها زَوْجُها أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مُرِيهِ فَلْيَذْهَبْ إلى فُلانٍ فَإنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وسْقٍ فَلْيَأْخُذْهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا» .
ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (p-٣١٤)سَلامٍ عَنْ خَوْلَةَ: «أنَّ زَوْجَها ظاهَرَ مِنها فَذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأمَرَهُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا» قِيلَ لَهُ: قَدْ رَوَيْنا حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطاءٍ وأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يُطْعِمَ وسْقًا مِن تَمْرٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّهُ زائِدٌ عَلى خَبَرِكَ وأيْضًا فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أعانَهُ بِهَذا القَدْرِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الكَفّارَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في حَدِيثِ إسْرائِيلَ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زَيْدانَ زَوْجُ خَوْلَةَ ظاهَرَ مِنها وذَكَرَ الحَدِيثَ، فَأعانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعانَهُ بِبَعْضِ الكَفّارَةِ. وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا في حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ رَواهُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أعانَ زَوْجَها حِينَ ظاهَرَ مِنها بِعِذْقٍ مِن تَمْرٍ وأعانَتْهُ هي بِعِذْقٍ آخَرَ، وذَلِكَ سِتُّونَ صاعًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَصَدَّقْ بِهِ».
اخْتَلَفُوا في المُظاهِرِ يُجامِعُ قَبْلَ أنْ يُطْعِمَ ؟ فَقالَ أصْحابُنا ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: لا يُجامِعُ حَتّى يُطْعِمَ إذا كانَ فَرْضُهُ الطَّعامَ " ورَوى زَيْدُ بْنُ أبِي الزَّرْقاءِ عَنْ الثَّوْرِيِّ: " أنَّهُ إذا أرادَ أنْ يَطَأها قَبْلَ أنْ يُطْعِمَ لَمْ يَكُنْ آثِمًا " . ورَوى المُعافى والأشْجَعِيُّ عَنِ الثَّوْرِيِّ: " أنَّهُ لا يَقْرَبُها حَتّى يُطْعِمَ "، «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُظاهِرِ بَعْدَما ذَكَرَ عَجْزَهُ عَنِ الصِّيامِ: ثُمَّ لا يَقْرَبْها حَتّى يُكَفِّرَ» وأيْضًا لَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الجِماعَ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ قَبْلَ عِتْقِ الرَّقَبَةِ وجَبَ بَقاءُ حَظْرِهِ إذا عَجَزَ؛ إذْ جائِزٌ أنْ يَجِدَ الرَّقَبَةَ قَبْلَ الإطْعامِ فَيَكُونَ الوَطْءُ واقِعًا قَبْلَ العِتْقِ.
المجادلة 58:8
كَيْفَ يُحَيِّي أهْلَ الكِتابِ قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ رَوى سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَما هو جالِسٌ مَعَ أصْحابِهِ؛ إذْ أتى عَلَيْهِمْ يَهُودِيٌّ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ ؟ قالُوا سَلَّمَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قالَ: قالَ سامٌ عَلَيْكم أيْ تَسْأمُونَ دِينَكم وقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ فَقُولُوا عَلَيْكَ أيْ عَلَيْكَ ما قُلْتَ» وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ الحُسَيْنِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو حُذَيْفَةَ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا لَقِيتُمُ المُشْرِكِينَ في الطَّرِيقِ فَلا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ واضْطَرُّوهم إلى أضْيَقِهِ» .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ رُوِيَ في حَدِيثِ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهم يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمُ السّامُ أنَّكم تَسْأمُونَ دِينَكم، ورُوِيَ أنَّهم (p-٣١٥)يُرِيدُونَ بِهِ المَوْتَ؛ لِأنَّ السّامَ اسْمٌ مِن أسْماءِ المَوْتِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: ذَكَرَ هِشامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ قالَ: " نَرى أنْ نَرُدَّ عَلى المُشْرِكِ السَّلامَ ولا نَرى أنْ نَبْدَأ " .
وقالَ مُحَمَّدٌ: " وهو قَوْلُ العامَّةِ مِن فُقَهائِنا " وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: صَحِبْنا عَبْدَ اللَّهِ في سَفَرٍ ومَعَنا أُناسٌ مِنَ الدَّهاقِينِ، قالَ: فَأخَذُوا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِنا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ: ألَيْسَ هَذا تَكْرَهُ ؟ قالَ: إنَّهُ حَقُّ الصُّحْبَةِ
قالَ أبُو بَكْرٍ: ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بَدَأهم بِالسَّلامِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ لا يُكْرَهُ عِنْدَ أحَدٍ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إذا سَلَّمُوا عَلَيْكم فَقُولُوا وعَلَيْكم»
قالَ أبُو بَكْرٍ: وإنَّما كَرِهَ الِابْتِداءَ؛ لِأنَّ السَّلامَ مِن تَحِيَّةِ أهْلِ الجَنَّةِ، فِكَرِهِ أنْ نَبْدَأ بِهِ الكافِرَ؛ إذْ لَيْسَ مِن أهْلِها، ولا يُكْرَهُ الرَّدُّ عَلى وجْهِ المُكافَأةِ.
قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦] وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ الأعْمَشُ قالَ: قُلْتَ لِإبْراهِيمَ: أخْتَلِفُ إلى طَبِيبٍ نَصْرانِيٍّ أُسَلِّمُ عَلَيْهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، إذا كانَتْ لَكَ إلَيْهِ حاجَةٌ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ.
المجادلة 58:11
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا﴾ قالَ قَتادَةُ: " كانُوا يَتَنافَسُونَ في مَجْلِسِ النَّبِيِّ ﷺ فَقِيلَ لَهم تَفَسَّحُوا " وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " هو مَجْلِسُ القِتالِ " . قالَ قَتادَةُ: ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ قالَ: " إذا دُعِيتُمْ إلى خَيْرٍ " وقِيلَ: اُنْشُزُوا أيِ ارْتَفِعُوا في المَجْلِسِ؛ ولِهَذا ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ؛ لِأنَّهم أحَقُّ بِالرِّفْعَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَ يَرْفَعُ مَجْلِسَ أهْلِ العِلْمِ عَلى غَيْرِهِمْ لَيُبَيِّنَ لِلنّاسِ فَضْلَهم ومَنزِلَتَهم عِنْدَهُ، وكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وقالَ - تَعالى -: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ وكَذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِيَلِنِي مِنكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» فَرَتَّبَ أُولِي الأحْلامِ والنُّهى في أعْلى المَراتِبِ؛ إذْ جَعَلَهم في المَرْتَبَةِ الَّتِي تَلِي النُّبُوَّةَ.
المجادلة 58:12
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ رَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: " إنَّ في كِتابِ اللَّهِ لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي، كانَ عِنْدِي دِينارٌ فَصَرَفْتُهُ فَكُنْتُ إذا ناجَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ " .
ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " إنَّ المُسْلِمِينَ أكْثَرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَسائِلَ حَتّى شَقُّوا عَلَيْهِ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْ نَبِيِّهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ كَفَّ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْألَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ (p-٣١٦)الآيَةَ. فَوَسَّعَ لَهم " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أحْكامٍ ثَلاثَةٍ. أحَدُها: تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ أمامَ مُناجاتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِمَن يَجِدُ.
والثّانِي: الرُّخْصَةُ في المُناجاةِ لِمَن لا يَجِدُ الصَّدَقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسْألَةَ كانَتْ مُباحَةً لِمَن لَمْ يَجِدِ الصَّدَقَةَ. والثّالِثُ: وُجُوبُ الصَّدَقَةِ أمامَ المَسْألَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾
حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ الآيَةَ، قالَ عَلِيٌّ: " ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي حَتّى نُسِخَتْ وما كانَتْ إلّا ساعَةً " .
المجادلة 58:13
وقَوْلُهُ تَعالى -: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ رَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ عَلِيٌّ: " إنَّ في كِتابِ اللَّهِ لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي، كانَ عِنْدِي دِينارٌ فَصَرَفْتُهُ فَكُنْتُ إذا ناجَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ " .
ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " إنَّ المُسْلِمِينَ أكْثَرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَسائِلَ حَتّى شَقُّوا عَلَيْهِ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْ نَبِيِّهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ كَفَّ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْألَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ (p-٣١٦)الآيَةَ. فَوَسَّعَ لَهم " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أحْكامٍ ثَلاثَةٍ. أحَدُها: تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ أمامَ مُناجاتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِمَن يَجِدُ.
والثّانِي: الرُّخْصَةُ في المُناجاةِ لِمَن لا يَجِدُ الصَّدَقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسْألَةَ كانَتْ مُباحَةً لِمَن لَمْ يَجِدِ الصَّدَقَةَ. والثّالِثُ: وُجُوبُ الصَّدَقَةِ أمامَ المَسْألَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾
حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ الآيَةَ، قالَ عَلِيٌّ: " ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي حَتّى نُسِخَتْ وما كانَتْ إلّا ساعَةً " .
المجادلة 58:22
قَوْلُهُ تَعالى -: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: المُحادَّةُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في حَدٍّ وحَيِّزٍ غَيْرِ حَدِّ صاحِبِهِ وحَيِّزِهِ، فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ أهْلَ الحَرْبِ؛ لِأنَّهم في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّنا، فَهو يَدُلُّ عَلى كَراهَةِ مُناكَحَةِ أهْلِ الحَرْبِ، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ المُناكَحَةَ تُوجِبُ المَوَدَّةَ، قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] آخِرُ سُورَةِ المُجادَلَةِ