البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الفاتحة 1:1 – البقرة 2:150
المحتويات
- الفاتحة 1:1
- الفاتحة 1:2
- الفاتحة 1:3
- الفاتحة 1:4
- الفاتحة 1:5
- الفاتحة 1:6
- الفاتحة 1:7
- البقرة 2:1
- البقرة 2:2
- البقرة 2:3
- البقرة 2:4
- البقرة 2:5
- البقرة 2:6
- البقرة 2:7
- البقرة 2:8
- البقرة 2:9
- البقرة 2:10
- البقرة 2:11
- البقرة 2:12
- البقرة 2:13
- البقرة 2:14
- البقرة 2:15
- البقرة 2:16
- البقرة 2:17
- البقرة 2:18
- البقرة 2:19
- البقرة 2:20
- البقرة 2:21
- البقرة 2:22
- البقرة 2:23
- البقرة 2:24
- البقرة 2:25
- البقرة 2:26
- البقرة 2:27
- البقرة 2:28
- البقرة 2:29
- البقرة 2:30
- البقرة 2:31
- البقرة 2:32
- البقرة 2:33
- البقرة 2:34
- البقرة 2:35
- البقرة 2:36
- البقرة 2:37
- البقرة 2:38
- البقرة 2:39
- البقرة 2:40
- البقرة 2:41
- البقرة 2:42
- البقرة 2:43
- البقرة 2:44
- البقرة 2:45
- البقرة 2:46
- البقرة 2:47
- البقرة 2:48
- البقرة 2:49
- البقرة 2:50
- البقرة 2:51
- البقرة 2:52
- البقرة 2:53
- البقرة 2:54
- البقرة 2:55
- البقرة 2:56
- البقرة 2:57
- البقرة 2:58
- البقرة 2:59
- البقرة 2:60
- البقرة 2:61
- البقرة 2:62
- البقرة 2:63
- البقرة 2:64
- البقرة 2:65
- البقرة 2:66
- البقرة 2:67
- البقرة 2:68
- البقرة 2:69
- البقرة 2:70
- البقرة 2:71
- البقرة 2:72
- البقرة 2:73
- البقرة 2:74
- البقرة 2:75
- البقرة 2:76
- البقرة 2:77
- البقرة 2:78
- البقرة 2:79
- البقرة 2:80
- البقرة 2:81
- البقرة 2:82
- البقرة 2:83
- البقرة 2:84
- البقرة 2:85
- البقرة 2:86
- البقرة 2:87
- البقرة 2:88
- البقرة 2:89
- البقرة 2:90
- البقرة 2:91
- البقرة 2:92
- البقرة 2:93
- البقرة 2:94
- البقرة 2:95
- البقرة 2:96
- البقرة 2:97
- البقرة 2:98
- البقرة 2:99
- البقرة 2:100
- البقرة 2:101
- البقرة 2:102
- البقرة 2:103
- البقرة 2:104
- البقرة 2:105
- البقرة 2:106
- البقرة 2:107
- البقرة 2:108
- البقرة 2:109
- البقرة 2:110
- البقرة 2:111
- البقرة 2:112
- البقرة 2:113
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:116
- البقرة 2:117
- البقرة 2:118
- البقرة 2:119
- البقرة 2:120
- البقرة 2:121
- البقرة 2:122
- البقرة 2:123
- البقرة 2:124
- البقرة 2:125
- البقرة 2:126
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:129
- البقرة 2:130
- البقرة 2:131
- البقرة 2:132
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:135
- البقرة 2:136
- البقرة 2:137
- البقرة 2:138
- البقرة 2:139
- البقرة 2:140
- البقرة 2:141
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:145
- البقرة 2:146
- البقرة 2:147
- البقرة 2:148
- البقرة 2:149
- البقرة 2:150
الفاتحة 1:1
قلت: { الحمد } مبتدأ، و { الله } خبر، وأصله النصب، وقرئ به، والأصل: أحمد الله حمدا، وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته، دون تجدده وحدوثه، وفيه تعليم اللفظ مع تعريض الاستغناء. أي: الحمد لله وإن لم تحمدوه. ولو قال أحمد الله لما أفاد هذا المعنى، وهو من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تذكر معها. والتعريف للجنس أي: للحقيقة من حيث هي، من غير قيد شيوعها، ومعناه: الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد أن الحمد ما هو. أو للاستغراق إذ الحمد في الحقيقة كله لله إذ ما من خير إلا وهو موليه بواسطة وبغير واسطة. كما قال:
وما بكم من نعمة فمن الله
[النحل: 53]، وقيل: للعهد، والمعهود حمده تعالى نفسه في أزله. وقرئ { الحمد لله } بإتباع الدال للام، وبالعكس، تنزيلا لهما من حيث إنهما يستعملان معا منزلة كلمة واحدة. ومعناه في اللغة: الثناء بالجميل على قصد التعظيم والتبجيل، وفي العرف: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما. والشكر في اللغة: فعل يشعر بتعظيم المنعم، فهو مرادف للحمد العرفي، وفي العرف: صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر إلى ما خلق لأجله وأعطاه إياه. وانظر شرحنا الكبير للفاتحة في النسب التي بيناها نظما ونثرا. و { الله } اسم مرتجل جامد، والألف واللام فيه لازمة لا للتعريف، قال الواحدي: اسم تفرد به الباري - سبحانه - يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يعرف له اشتقاق، وقال الأقليشي: إن هذا الاسم مهما لم يكن مشتقا كان دليلا على عين الذات، دون أن ينظر فيها إلى صفة من الصفات، وليس باسم مشتق من صفة، كالعالم والحق والخالق والرازق، فالألف واللام على هذا في الله من نفس الكلمة، كالزاي من زيد، وذهب إلى هذا جماعة، واختاره الغزالي، وقال: كل ما قيل في اشتقاقه فهو تعسف. وقيل: مشتق من التأله وهو التعبد، وقيل: من الولهان، وهو الحيرة؟ لتحير العقول في شأنه. وقيل: أصله: الإله، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى اللام، ثم وقع الإدغام وفخمت للتعظيم، إلا إذا كان قبلها كسر. و { رب } نعت { لله } ، وهو في الأصل: مصدر بمعنى التربية، وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل. وقيل: هو وصف من ربه يربه، وأصله: ربب ثم أدغم، سمي به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه، ولا يطلق على غيره تعالى إلا بقيد كقوله تعالى:
ارجع إلى ربك
[يوسف: 50]. قال ابن جزي: ومعانيه أربعة: الإله والسيد والمالك والمصلح، وكلها تصلح في رب العالمين، إلا أن الأرجح في معناه، الإله لاختصاصه بالله تعالى.
و { العالمين } جمع عالم، والعالم: اسم لما يعلم به، كالخاتم لما يختم به، والطابع لما يطبع به. غلب فيما يعلم به الصانع. وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض، فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته، تدل على وجوده، وإنما جمع ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة، وغلب العقلاء منهم فجمع بالياء والنون كسائر أوصافهم، فهو جمع، لا اسم جمع، خلافا لابن مالك. وقيل: اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع، وقيل: عني به هنا الناس، فإن كل واحد منهم عالم، حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير، ولذا سوى بين النظر فيهما فقال:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]. { قلت }: وإليه يشير قول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
و { الرحمن الرحيم } اسمان بنيا للمبالغة، من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمة في اللغة، رقة القلب، وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان، ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها. وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغايات، التي هي أفعال، دون المبادئ التي هي انفعالات، و { الرحمن } أبلغ من { الرحيم } لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كقطع وقطع، وذلك إنما يؤخذ تارة باعتبار الكمية، وأخرى باعتباره الكيفية. فعلى الأول: قيل: يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة لأنه يختص بالمؤمن، وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية كلها جسام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة. وإنما قدم { الرحمن } - والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى - لتقدم رحمة الدنيا، ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره، لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وذلك لا يصدق على غيره تعالى. انظر البيضاوي. وسيأتي الكلام عليهما في المعنى. و { ملك } نعت لما قبله، قراءة الجماعة بغير ألف من الملك بالضم، وقرأ عاصم والكسائي بالألف، من الملك بالكسر، والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين. وقراءة الجماعة أرجح، لثلاثة أوجه: الأول: أن الملك أعظم من مالك، إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله:
وله الملك يوم ينفخ فى الصور
[الأنعام: 73]، والثالث: أنها لا تقتضي حذفا، والحدف خلاف الأصل. و { يوم الدين } ظرف مضاف إلى ما قبله على طريق الاتساع، وأجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية، أي: الملك في يوم الدين، أو ملك الأمر يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان - أي: القصر والمد - عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قرئ { ملك } بوجوه كثيرة تركنا ذكرها لشذوذها.
فإن قيل: ملك ومالك نكرة لأن إضافة اسم الفاعل لا تخصص، وكيف ينعت به { الرحمان الرحيم } وهما معرفتان؟ قلت: إنما تكون إضافة اسم الفاعل لا تخصص إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال لأنها حينئذ غير محضة، وأما هذا فهو مستمر دائما، فإضافته محضة. قاله ابن جزي. يقول الحق جل جلاله معلما لعباده كيف يثنون عليه ويعظمونه ثم يسألونه: يا عبادي قولوا { الحمد لله رب العالمين } أي: الثناء الجميل إنما يستحقه العظيم الجليل، فلا يستحق الحمد سواه، إذ لا منعم علىالحقيقة إلا الله،
وما بكم من نعمة فمن الله
[النحل: 53]. أو جميع المحامد كلها لله، أو الحمد المعهود في الأذهان هو حمد الله تعالى نفسه في أزله، قبل أن يوجد خلقه، فلما أوجد خلقه قال لهم: الحمد لله، أي: احمدوني بذلك المعهود في الأزل. وإنما استحق الحمد وحده لأنه { رب العالمين } ، وكأن سائلا سأله: لم اختصصت بالحمد؟ فقال: لأني رب العالمين، أنا أوجدتهم برحمتي، وأمددتهم بنعمتي، فلا منعم غيري، فاستحققت الحمد وحدي، مني كان الإيجاد وعلي توالي الإمداد، فأنا رب العباد، فالعوالم كلها - على تعدد أجناسها واختلاف أنواعها - في قبضتي وتحت تربيتي ورعايتي. قال بعضهم: خلق الله ثمانية عشر ألف عالم، نصفها في البر ونصفها في البحر. وقال الفخر الرازي: روي أن بني آدم عشر الجن، وبنو آدم والجن عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحار، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين ببني آدم، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة سماء الدنيا، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الثانية، ثم على هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة الكرسي نزر قليل، ثم هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش، التي عددها: مائة ألف، طول كل سرادق وعرضه - إذا قوبلت به السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما - يكون شيئا يسيرا ونزرا قليلا. وما من موضع شبر، إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، وله زجل بالتسبيح والتهليل. ثم هؤلاء كلهم في مقابلة الذين يجولون حول العرش كالقطرة في البحر، ولا يعلم عددهم إلا الله تعالى:
وما يعلم جنود ربك إلا هو
[المدثر: 31]. ه. وقال وهب بن منبه: قائم العرش ثلاثمائة وست وستون قائمة، وبين كل قائمة وقائمة ستون ألف صحراء، وفي كل صحراء ستون ألف عالم، وكل عالم قدر الثقلين. فهذه العوالم كلها في قبضة الحق وتحت تربيته وحفظه، يوصل المدد إلى كل واحد وهو في مستقره ومستودعه، إما إلى روحانيته من قوة العلوم والمعارف، وإما إلى بشريته من قوة الأشباح، من العرش إلى الفرش، كلها مقدرة أرزاقها محصورة آجالها، محفوظة أشباحها، معلومات أماكنها، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
ثم هذه التربية التي ربى سبحانه بها خلقه إنما هي رحمة منه وإحسان، لا لزوم عليه وإيجاب، ولذلك وصله بقوله: { الرحمن الرحيم } ، أي: الرحمن بنعمة الإيجاد، الرحيم بنعمة الإمداد. " نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل مكون منهما: نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أنعم أولا بالإيجاد، وثنى بتوالي الإمداد ". كما في الحكم. فاسمه { الرحمن } يقتضي إيجاد الأشياء وإبرازها، واسمه { الرحيم } يقتضي تربيتها وإمدادها. ولذلك لا يجوز إطلاق اسم { الرحمان } على أحد، ولم يتسم أحد به إذ الإيجاد لا يصح من غيره تعالى، بخلاف اسمه { الرحيم } فيجوز إطلاقه على غيره تعالى لمشاركة صدور الإمداد في الظاهر من بعض المخلوقات مجازا وعارية. أو: الرحمن في الدنيا والآخرة، والرحيم في الآخرة: لأن رحمة الآخرة خاصة بالمؤمنين. أو الرحمن بجلائل النعم والرحيم بدقائقها، فجلائل النعم مثل: نعمة الإسلام والإيمان والإحسان، والمعرفة والهداية، وكشف الحجاب وفتح الباب والدخول مع الأحباب، ودقائق النعم مثل: الصحة والعافية والمال الحلال، وغير ذلك مما يأتي ذكره في المنعم عليهم. ثم من تحقق منه الإيجاد والإمداد استحق أن يكون ملكا لجميع العباد، ولذلك ذكره بأثره فقال: { ملك يوم الدين } أي: المتصرف في عباده كيف شاء، لا راد لما قضى ولا مانع لما أعطى، فهو ملك الملوك رب الأرباب في هذه الدار وفي تلك الدار.. وإنما خص يوم الدين - وهو يوم الجزاء - بالملكية لأن ذلك اليوم يظهر فيه الملك لله عيانا لجميع الخلق، فإن الله تعالى يتجلى لفصل عباده، حتى يراه المؤمنون عيانا، بخلاف الدنيا فإن تصرفه تعالى لا يفهمه إلا الكملة من المؤمنين، ولذلك ادعى كثير من الجهلة الملك ونسبوه لأنفسهم. ويوم القيامة ينفرد الملك لله عند الخاص والعام، قال تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]. الإشارة: لما تلجى الحق سبحانه من عالم الجبروت إلى عالم الملكوت، أو تقول: من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، حمد نفسه بنفسه، ومجد نفسه بنفسه، ووحد نفسه بنفسه، ولله در الهروي، حيث قال:
ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد
فقال في توحيد نفسه بنفسه مترجما عن نفسه بنفسه: { الحمد لله رب العالمين } ، فكأنه يقول في عنوان كتابه وسر خطابه: أنا الحامد والمحمود، وأنا القائم بكل موجود، أنا رب الأرباب، وأنا مسبب الأسباب لمن فهم الخطاب، أنا رب العالمين، أنا قيوم السموات والأرضين، بل أنا المتوحد في وجودي، والمتجلي لعبادي بكرمي وجودي، فالعوالم كلها ثابتة بإثباتي، ممحوة بأحدية ذاتي. قال رجل بين يدي الجنيد: { الحمد لله } ولم يقل: { رب العالمين } ، فقال له الجنيد: كملها يا أخي، فقال الرجل: وأي قدر للعالمين حتى تذكر معه؟! فقال الجنيد: قلها يا أخي فإن الحادث إذا قرن بالقديم تلاشى الحاد وبقي القديم.
يقول سبحانه:
" يا من هو مني قريب، تدبر سري فإنه غريب أنا المحب، وأنا الحبيب، وأنا القريب، وأنا المجيب، أنا الرحيم الرحمن، وأنا الملك الديان، أنا الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيم بتوالي الإمداد. مني كان الإيجاد، وعلي دوام الإمداد، وأنا رب العباد، أنا الملك الديان، وأنا المجازي بالإحسان على الإحسان، أنا الملك على الإطلاق، لولا جهالة أهل العناد والشقاق، الأمر لنا على الدوام، لمن فهم عنا من الأنام ".
قال في الرسائل الكبرى: لا عبرة بظواهر الأشياء، وإنما العبرة بالسر المكنون، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غطائه وزوال أستاره وخفائه، فإذا تحقق ذلك التجلي والظهور، واستولى على الأشياء الفناء والدثور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عين ويحق الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك في يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين، وليت شعري أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله:
الملك يومئذ لله
[الحج: 56]، وقوله:
والأمر يومئذ لله
[الانفطار: 19]؟! لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ه.
الفاتحة 1:2
قلت: { الحمد } مبتدأ، و { الله } خبر، وأصله النصب، وقرئ به، والأصل: أحمد الله حمدا، وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته، دون تجدده وحدوثه، وفيه تعليم اللفظ مع تعريض الاستغناء. أي: الحمد لله وإن لم تحمدوه. ولو قال أحمد الله لما أفاد هذا المعنى، وهو من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تذكر معها. والتعريف للجنس أي: للحقيقة من حيث هي، من غير قيد شيوعها، ومعناه: الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد أن الحمد ما هو. أو للاستغراق إذ الحمد في الحقيقة كله لله إذ ما من خير إلا وهو موليه بواسطة وبغير واسطة. كما قال:
وما بكم من نعمة فمن الله
[النحل: 53]، وقيل: للعهد، والمعهود حمده تعالى نفسه في أزله. وقرئ { الحمد لله } بإتباع الدال للام، وبالعكس، تنزيلا لهما من حيث إنهما يستعملان معا منزلة كلمة واحدة. ومعناه في اللغة: الثناء بالجميل على قصد التعظيم والتبجيل، وفي العرف: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما. والشكر في اللغة: فعل يشعر بتعظيم المنعم، فهو مرادف للحمد العرفي، وفي العرف: صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر إلى ما خلق لأجله وأعطاه إياه. وانظر شرحنا الكبير للفاتحة في النسب التي بيناها نظما ونثرا. و { الله } اسم مرتجل جامد، والألف واللام فيه لازمة لا للتعريف، قال الواحدي: اسم تفرد به الباري - سبحانه - يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يعرف له اشتقاق، وقال الأقليشي: إن هذا الاسم مهما لم يكن مشتقا كان دليلا على عين الذات، دون أن ينظر فيها إلى صفة من الصفات، وليس باسم مشتق من صفة، كالعالم والحق والخالق والرازق، فالألف واللام على هذا في الله من نفس الكلمة، كالزاي من زيد، وذهب إلى هذا جماعة، واختاره الغزالي، وقال: كل ما قيل في اشتقاقه فهو تعسف. وقيل: مشتق من التأله وهو التعبد، وقيل: من الولهان، وهو الحيرة؟ لتحير العقول في شأنه. وقيل: أصله: الإله، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى اللام، ثم وقع الإدغام وفخمت للتعظيم، إلا إذا كان قبلها كسر. و { رب } نعت { لله } ، وهو في الأصل: مصدر بمعنى التربية، وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل. وقيل: هو وصف من ربه يربه، وأصله: ربب ثم أدغم، سمي به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه، ولا يطلق على غيره تعالى إلا بقيد كقوله تعالى:
ارجع إلى ربك
[يوسف: 50]. قال ابن جزي: ومعانيه أربعة: الإله والسيد والمالك والمصلح، وكلها تصلح في رب العالمين، إلا أن الأرجح في معناه، الإله لاختصاصه بالله تعالى.
و { العالمين } جمع عالم، والعالم: اسم لما يعلم به، كالخاتم لما يختم به، والطابع لما يطبع به. غلب فيما يعلم به الصانع. وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض، فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته، تدل على وجوده، وإنما جمع ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة، وغلب العقلاء منهم فجمع بالياء والنون كسائر أوصافهم، فهو جمع، لا اسم جمع، خلافا لابن مالك. وقيل: اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع، وقيل: عني به هنا الناس، فإن كل واحد منهم عالم، حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير، ولذا سوى بين النظر فيهما فقال:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]. { قلت }: وإليه يشير قول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
و { الرحمن الرحيم } اسمان بنيا للمبالغة، من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمة في اللغة، رقة القلب، وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان، ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها. وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغايات، التي هي أفعال، دون المبادئ التي هي انفعالات، و { الرحمن } أبلغ من { الرحيم } لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كقطع وقطع، وذلك إنما يؤخذ تارة باعتبار الكمية، وأخرى باعتباره الكيفية. فعلى الأول: قيل: يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة لأنه يختص بالمؤمن، وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية كلها جسام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة. وإنما قدم { الرحمن } - والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى - لتقدم رحمة الدنيا، ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره، لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وذلك لا يصدق على غيره تعالى. انظر البيضاوي. وسيأتي الكلام عليهما في المعنى. و { ملك } نعت لما قبله، قراءة الجماعة بغير ألف من الملك بالضم، وقرأ عاصم والكسائي بالألف، من الملك بالكسر، والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين. وقراءة الجماعة أرجح، لثلاثة أوجه: الأول: أن الملك أعظم من مالك، إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله:
وله الملك يوم ينفخ فى الصور
[الأنعام: 73]، والثالث: أنها لا تقتضي حذفا، والحدف خلاف الأصل. و { يوم الدين } ظرف مضاف إلى ما قبله على طريق الاتساع، وأجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية، أي: الملك في يوم الدين، أو ملك الأمر يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان - أي: القصر والمد - عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قرئ { ملك } بوجوه كثيرة تركنا ذكرها لشذوذها.
فإن قيل: ملك ومالك نكرة لأن إضافة اسم الفاعل لا تخصص، وكيف ينعت به { الرحمان الرحيم } وهما معرفتان؟ قلت: إنما تكون إضافة اسم الفاعل لا تخصص إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال لأنها حينئذ غير محضة، وأما هذا فهو مستمر دائما، فإضافته محضة. قاله ابن جزي. يقول الحق جل جلاله معلما لعباده كيف يثنون عليه ويعظمونه ثم يسألونه: يا عبادي قولوا { الحمد لله رب العالمين } أي: الثناء الجميل إنما يستحقه العظيم الجليل، فلا يستحق الحمد سواه، إذ لا منعم علىالحقيقة إلا الله،
وما بكم من نعمة فمن الله
[النحل: 53]. أو جميع المحامد كلها لله، أو الحمد المعهود في الأذهان هو حمد الله تعالى نفسه في أزله، قبل أن يوجد خلقه، فلما أوجد خلقه قال لهم: الحمد لله، أي: احمدوني بذلك المعهود في الأزل. وإنما استحق الحمد وحده لأنه { رب العالمين } ، وكأن سائلا سأله: لم اختصصت بالحمد؟ فقال: لأني رب العالمين، أنا أوجدتهم برحمتي، وأمددتهم بنعمتي، فلا منعم غيري، فاستحققت الحمد وحدي، مني كان الإيجاد وعلي توالي الإمداد، فأنا رب العباد، فالعوالم كلها - على تعدد أجناسها واختلاف أنواعها - في قبضتي وتحت تربيتي ورعايتي. قال بعضهم: خلق الله ثمانية عشر ألف عالم، نصفها في البر ونصفها في البحر. وقال الفخر الرازي: روي أن بني آدم عشر الجن، وبنو آدم والجن عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحار، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين ببني آدم، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة سماء الدنيا، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الثانية، ثم على هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة الكرسي نزر قليل، ثم هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش، التي عددها: مائة ألف، طول كل سرادق وعرضه - إذا قوبلت به السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما - يكون شيئا يسيرا ونزرا قليلا. وما من موضع شبر، إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، وله زجل بالتسبيح والتهليل. ثم هؤلاء كلهم في مقابلة الذين يجولون حول العرش كالقطرة في البحر، ولا يعلم عددهم إلا الله تعالى:
وما يعلم جنود ربك إلا هو
[المدثر: 31]. ه. وقال وهب بن منبه: قائم العرش ثلاثمائة وست وستون قائمة، وبين كل قائمة وقائمة ستون ألف صحراء، وفي كل صحراء ستون ألف عالم، وكل عالم قدر الثقلين. فهذه العوالم كلها في قبضة الحق وتحت تربيته وحفظه، يوصل المدد إلى كل واحد وهو في مستقره ومستودعه، إما إلى روحانيته من قوة العلوم والمعارف، وإما إلى بشريته من قوة الأشباح، من العرش إلى الفرش، كلها مقدرة أرزاقها محصورة آجالها، محفوظة أشباحها، معلومات أماكنها، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
ثم هذه التربية التي ربى سبحانه بها خلقه إنما هي رحمة منه وإحسان، لا لزوم عليه وإيجاب، ولذلك وصله بقوله: { الرحمن الرحيم } ، أي: الرحمن بنعمة الإيجاد، الرحيم بنعمة الإمداد. " نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل مكون منهما: نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أنعم أولا بالإيجاد، وثنى بتوالي الإمداد ". كما في الحكم. فاسمه { الرحمن } يقتضي إيجاد الأشياء وإبرازها، واسمه { الرحيم } يقتضي تربيتها وإمدادها. ولذلك لا يجوز إطلاق اسم { الرحمان } على أحد، ولم يتسم أحد به إذ الإيجاد لا يصح من غيره تعالى، بخلاف اسمه { الرحيم } فيجوز إطلاقه على غيره تعالى لمشاركة صدور الإمداد في الظاهر من بعض المخلوقات مجازا وعارية. أو: الرحمن في الدنيا والآخرة، والرحيم في الآخرة: لأن رحمة الآخرة خاصة بالمؤمنين. أو الرحمن بجلائل النعم والرحيم بدقائقها، فجلائل النعم مثل: نعمة الإسلام والإيمان والإحسان، والمعرفة والهداية، وكشف الحجاب وفتح الباب والدخول مع الأحباب، ودقائق النعم مثل: الصحة والعافية والمال الحلال، وغير ذلك مما يأتي ذكره في المنعم عليهم. ثم من تحقق منه الإيجاد والإمداد استحق أن يكون ملكا لجميع العباد، ولذلك ذكره بأثره فقال: { ملك يوم الدين } أي: المتصرف في عباده كيف شاء، لا راد لما قضى ولا مانع لما أعطى، فهو ملك الملوك رب الأرباب في هذه الدار وفي تلك الدار.. وإنما خص يوم الدين - وهو يوم الجزاء - بالملكية لأن ذلك اليوم يظهر فيه الملك لله عيانا لجميع الخلق، فإن الله تعالى يتجلى لفصل عباده، حتى يراه المؤمنون عيانا، بخلاف الدنيا فإن تصرفه تعالى لا يفهمه إلا الكملة من المؤمنين، ولذلك ادعى كثير من الجهلة الملك ونسبوه لأنفسهم. ويوم القيامة ينفرد الملك لله عند الخاص والعام، قال تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]. الإشارة: لما تلجى الحق سبحانه من عالم الجبروت إلى عالم الملكوت، أو تقول: من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، حمد نفسه بنفسه، ومجد نفسه بنفسه، ووحد نفسه بنفسه، ولله در الهروي، حيث قال:
ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد
فقال في توحيد نفسه بنفسه مترجما عن نفسه بنفسه: { الحمد لله رب العالمين } ، فكأنه يقول في عنوان كتابه وسر خطابه: أنا الحامد والمحمود، وأنا القائم بكل موجود، أنا رب الأرباب، وأنا مسبب الأسباب لمن فهم الخطاب، أنا رب العالمين، أنا قيوم السموات والأرضين، بل أنا المتوحد في وجودي، والمتجلي لعبادي بكرمي وجودي، فالعوالم كلها ثابتة بإثباتي، ممحوة بأحدية ذاتي. قال رجل بين يدي الجنيد: { الحمد لله } ولم يقل: { رب العالمين } ، فقال له الجنيد: كملها يا أخي، فقال الرجل: وأي قدر للعالمين حتى تذكر معه؟! فقال الجنيد: قلها يا أخي فإن الحادث إذا قرن بالقديم تلاشى الحاد وبقي القديم.
يقول سبحانه:
" يا من هو مني قريب، تدبر سري فإنه غريب أنا المحب، وأنا الحبيب، وأنا القريب، وأنا المجيب، أنا الرحيم الرحمن، وأنا الملك الديان، أنا الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيم بتوالي الإمداد. مني كان الإيجاد، وعلي دوام الإمداد، وأنا رب العباد، أنا الملك الديان، وأنا المجازي بالإحسان على الإحسان، أنا الملك على الإطلاق، لولا جهالة أهل العناد والشقاق، الأمر لنا على الدوام، لمن فهم عنا من الأنام ".
قال في الرسائل الكبرى: لا عبرة بظواهر الأشياء، وإنما العبرة بالسر المكنون، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غطائه وزوال أستاره وخفائه، فإذا تحقق ذلك التجلي والظهور، واستولى على الأشياء الفناء والدثور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عين ويحق الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك في يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين، وليت شعري أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله:
الملك يومئذ لله
[الحج: 56]، وقوله:
والأمر يومئذ لله
[الانفطار: 19]؟! لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ه.
الفاتحة 1:3
قلت: { الحمد } مبتدأ، و { الله } خبر، وأصله النصب، وقرئ به، والأصل: أحمد الله حمدا، وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته، دون تجدده وحدوثه، وفيه تعليم اللفظ مع تعريض الاستغناء. أي: الحمد لله وإن لم تحمدوه. ولو قال أحمد الله لما أفاد هذا المعنى، وهو من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تذكر معها. والتعريف للجنس أي: للحقيقة من حيث هي، من غير قيد شيوعها، ومعناه: الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد أن الحمد ما هو. أو للاستغراق إذ الحمد في الحقيقة كله لله إذ ما من خير إلا وهو موليه بواسطة وبغير واسطة. كما قال:
وما بكم من نعمة فمن الله
[النحل: 53]، وقيل: للعهد، والمعهود حمده تعالى نفسه في أزله. وقرئ { الحمد لله } بإتباع الدال للام، وبالعكس، تنزيلا لهما من حيث إنهما يستعملان معا منزلة كلمة واحدة. ومعناه في اللغة: الثناء بالجميل على قصد التعظيم والتبجيل، وفي العرف: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما. والشكر في اللغة: فعل يشعر بتعظيم المنعم، فهو مرادف للحمد العرفي، وفي العرف: صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر إلى ما خلق لأجله وأعطاه إياه. وانظر شرحنا الكبير للفاتحة في النسب التي بيناها نظما ونثرا. و { الله } اسم مرتجل جامد، والألف واللام فيه لازمة لا للتعريف، قال الواحدي: اسم تفرد به الباري - سبحانه - يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يعرف له اشتقاق، وقال الأقليشي: إن هذا الاسم مهما لم يكن مشتقا كان دليلا على عين الذات، دون أن ينظر فيها إلى صفة من الصفات، وليس باسم مشتق من صفة، كالعالم والحق والخالق والرازق، فالألف واللام على هذا في الله من نفس الكلمة، كالزاي من زيد، وذهب إلى هذا جماعة، واختاره الغزالي، وقال: كل ما قيل في اشتقاقه فهو تعسف. وقيل: مشتق من التأله وهو التعبد، وقيل: من الولهان، وهو الحيرة؟ لتحير العقول في شأنه. وقيل: أصله: الإله، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى اللام، ثم وقع الإدغام وفخمت للتعظيم، إلا إذا كان قبلها كسر. و { رب } نعت { لله } ، وهو في الأصل: مصدر بمعنى التربية، وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل. وقيل: هو وصف من ربه يربه، وأصله: ربب ثم أدغم، سمي به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه، ولا يطلق على غيره تعالى إلا بقيد كقوله تعالى:
ارجع إلى ربك
[يوسف: 50]. قال ابن جزي: ومعانيه أربعة: الإله والسيد والمالك والمصلح، وكلها تصلح في رب العالمين، إلا أن الأرجح في معناه، الإله لاختصاصه بالله تعالى.
و { العالمين } جمع عالم، والعالم: اسم لما يعلم به، كالخاتم لما يختم به، والطابع لما يطبع به. غلب فيما يعلم به الصانع. وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض، فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته، تدل على وجوده، وإنما جمع ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة، وغلب العقلاء منهم فجمع بالياء والنون كسائر أوصافهم، فهو جمع، لا اسم جمع، خلافا لابن مالك. وقيل: اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع، وقيل: عني به هنا الناس، فإن كل واحد منهم عالم، حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير، ولذا سوى بين النظر فيهما فقال:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]. { قلت }: وإليه يشير قول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
و { الرحمن الرحيم } اسمان بنيا للمبالغة، من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمة في اللغة، رقة القلب، وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان، ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها. وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغايات، التي هي أفعال، دون المبادئ التي هي انفعالات، و { الرحمن } أبلغ من { الرحيم } لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كقطع وقطع، وذلك إنما يؤخذ تارة باعتبار الكمية، وأخرى باعتباره الكيفية. فعلى الأول: قيل: يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة لأنه يختص بالمؤمن، وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية كلها جسام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة. وإنما قدم { الرحمن } - والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى - لتقدم رحمة الدنيا، ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره، لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وذلك لا يصدق على غيره تعالى. انظر البيضاوي. وسيأتي الكلام عليهما في المعنى. و { ملك } نعت لما قبله، قراءة الجماعة بغير ألف من الملك بالضم، وقرأ عاصم والكسائي بالألف، من الملك بالكسر، والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين. وقراءة الجماعة أرجح، لثلاثة أوجه: الأول: أن الملك أعظم من مالك، إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله:
وله الملك يوم ينفخ فى الصور
[الأنعام: 73]، والثالث: أنها لا تقتضي حذفا، والحدف خلاف الأصل. و { يوم الدين } ظرف مضاف إلى ما قبله على طريق الاتساع، وأجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية، أي: الملك في يوم الدين، أو ملك الأمر يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان - أي: القصر والمد - عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قرئ { ملك } بوجوه كثيرة تركنا ذكرها لشذوذها.
فإن قيل: ملك ومالك نكرة لأن إضافة اسم الفاعل لا تخصص، وكيف ينعت به { الرحمان الرحيم } وهما معرفتان؟ قلت: إنما تكون إضافة اسم الفاعل لا تخصص إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال لأنها حينئذ غير محضة، وأما هذا فهو مستمر دائما، فإضافته محضة. قاله ابن جزي. يقول الحق جل جلاله معلما لعباده كيف يثنون عليه ويعظمونه ثم يسألونه: يا عبادي قولوا { الحمد لله رب العالمين } أي: الثناء الجميل إنما يستحقه العظيم الجليل، فلا يستحق الحمد سواه، إذ لا منعم علىالحقيقة إلا الله،
وما بكم من نعمة فمن الله
[النحل: 53]. أو جميع المحامد كلها لله، أو الحمد المعهود في الأذهان هو حمد الله تعالى نفسه في أزله، قبل أن يوجد خلقه، فلما أوجد خلقه قال لهم: الحمد لله، أي: احمدوني بذلك المعهود في الأزل. وإنما استحق الحمد وحده لأنه { رب العالمين } ، وكأن سائلا سأله: لم اختصصت بالحمد؟ فقال: لأني رب العالمين، أنا أوجدتهم برحمتي، وأمددتهم بنعمتي، فلا منعم غيري، فاستحققت الحمد وحدي، مني كان الإيجاد وعلي توالي الإمداد، فأنا رب العباد، فالعوالم كلها - على تعدد أجناسها واختلاف أنواعها - في قبضتي وتحت تربيتي ورعايتي. قال بعضهم: خلق الله ثمانية عشر ألف عالم، نصفها في البر ونصفها في البحر. وقال الفخر الرازي: روي أن بني آدم عشر الجن، وبنو آدم والجن عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحار، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين ببني آدم، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة سماء الدنيا، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الثانية، ثم على هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة الكرسي نزر قليل، ثم هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش، التي عددها: مائة ألف، طول كل سرادق وعرضه - إذا قوبلت به السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما - يكون شيئا يسيرا ونزرا قليلا. وما من موضع شبر، إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، وله زجل بالتسبيح والتهليل. ثم هؤلاء كلهم في مقابلة الذين يجولون حول العرش كالقطرة في البحر، ولا يعلم عددهم إلا الله تعالى:
وما يعلم جنود ربك إلا هو
[المدثر: 31]. ه. وقال وهب بن منبه: قائم العرش ثلاثمائة وست وستون قائمة، وبين كل قائمة وقائمة ستون ألف صحراء، وفي كل صحراء ستون ألف عالم، وكل عالم قدر الثقلين. فهذه العوالم كلها في قبضة الحق وتحت تربيته وحفظه، يوصل المدد إلى كل واحد وهو في مستقره ومستودعه، إما إلى روحانيته من قوة العلوم والمعارف، وإما إلى بشريته من قوة الأشباح، من العرش إلى الفرش، كلها مقدرة أرزاقها محصورة آجالها، محفوظة أشباحها، معلومات أماكنها، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
ثم هذه التربية التي ربى سبحانه بها خلقه إنما هي رحمة منه وإحسان، لا لزوم عليه وإيجاب، ولذلك وصله بقوله: { الرحمن الرحيم } ، أي: الرحمن بنعمة الإيجاد، الرحيم بنعمة الإمداد. " نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل مكون منهما: نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أنعم أولا بالإيجاد، وثنى بتوالي الإمداد ". كما في الحكم. فاسمه { الرحمن } يقتضي إيجاد الأشياء وإبرازها، واسمه { الرحيم } يقتضي تربيتها وإمدادها. ولذلك لا يجوز إطلاق اسم { الرحمان } على أحد، ولم يتسم أحد به إذ الإيجاد لا يصح من غيره تعالى، بخلاف اسمه { الرحيم } فيجوز إطلاقه على غيره تعالى لمشاركة صدور الإمداد في الظاهر من بعض المخلوقات مجازا وعارية. أو: الرحمن في الدنيا والآخرة، والرحيم في الآخرة: لأن رحمة الآخرة خاصة بالمؤمنين. أو الرحمن بجلائل النعم والرحيم بدقائقها، فجلائل النعم مثل: نعمة الإسلام والإيمان والإحسان، والمعرفة والهداية، وكشف الحجاب وفتح الباب والدخول مع الأحباب، ودقائق النعم مثل: الصحة والعافية والمال الحلال، وغير ذلك مما يأتي ذكره في المنعم عليهم. ثم من تحقق منه الإيجاد والإمداد استحق أن يكون ملكا لجميع العباد، ولذلك ذكره بأثره فقال: { ملك يوم الدين } أي: المتصرف في عباده كيف شاء، لا راد لما قضى ولا مانع لما أعطى، فهو ملك الملوك رب الأرباب في هذه الدار وفي تلك الدار.. وإنما خص يوم الدين - وهو يوم الجزاء - بالملكية لأن ذلك اليوم يظهر فيه الملك لله عيانا لجميع الخلق، فإن الله تعالى يتجلى لفصل عباده، حتى يراه المؤمنون عيانا، بخلاف الدنيا فإن تصرفه تعالى لا يفهمه إلا الكملة من المؤمنين، ولذلك ادعى كثير من الجهلة الملك ونسبوه لأنفسهم. ويوم القيامة ينفرد الملك لله عند الخاص والعام، قال تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]. الإشارة: لما تلجى الحق سبحانه من عالم الجبروت إلى عالم الملكوت، أو تقول: من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، حمد نفسه بنفسه، ومجد نفسه بنفسه، ووحد نفسه بنفسه، ولله در الهروي، حيث قال:
ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد
فقال في توحيد نفسه بنفسه مترجما عن نفسه بنفسه: { الحمد لله رب العالمين } ، فكأنه يقول في عنوان كتابه وسر خطابه: أنا الحامد والمحمود، وأنا القائم بكل موجود، أنا رب الأرباب، وأنا مسبب الأسباب لمن فهم الخطاب، أنا رب العالمين، أنا قيوم السموات والأرضين، بل أنا المتوحد في وجودي، والمتجلي لعبادي بكرمي وجودي، فالعوالم كلها ثابتة بإثباتي، ممحوة بأحدية ذاتي. قال رجل بين يدي الجنيد: { الحمد لله } ولم يقل: { رب العالمين } ، فقال له الجنيد: كملها يا أخي، فقال الرجل: وأي قدر للعالمين حتى تذكر معه؟! فقال الجنيد: قلها يا أخي فإن الحادث إذا قرن بالقديم تلاشى الحاد وبقي القديم.
يقول سبحانه:
" يا من هو مني قريب، تدبر سري فإنه غريب أنا المحب، وأنا الحبيب، وأنا القريب، وأنا المجيب، أنا الرحيم الرحمن، وأنا الملك الديان، أنا الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيم بتوالي الإمداد. مني كان الإيجاد، وعلي دوام الإمداد، وأنا رب العباد، أنا الملك الديان، وأنا المجازي بالإحسان على الإحسان، أنا الملك على الإطلاق، لولا جهالة أهل العناد والشقاق، الأمر لنا على الدوام، لمن فهم عنا من الأنام ".
قال في الرسائل الكبرى: لا عبرة بظواهر الأشياء، وإنما العبرة بالسر المكنون، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غطائه وزوال أستاره وخفائه، فإذا تحقق ذلك التجلي والظهور، واستولى على الأشياء الفناء والدثور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عين ويحق الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك في يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين، وليت شعري أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله:
الملك يومئذ لله
[الحج: 56]، وقوله:
والأمر يومئذ لله
[الانفطار: 19]؟! لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ه.
الفاتحة 1:4
قلت: { الحمد } مبتدأ، و { الله } خبر، وأصله النصب، وقرئ به، والأصل: أحمد الله حمدا، وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته، دون تجدده وحدوثه، وفيه تعليم اللفظ مع تعريض الاستغناء. أي: الحمد لله وإن لم تحمدوه. ولو قال أحمد الله لما أفاد هذا المعنى، وهو من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تذكر معها. والتعريف للجنس أي: للحقيقة من حيث هي، من غير قيد شيوعها، ومعناه: الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد أن الحمد ما هو. أو للاستغراق إذ الحمد في الحقيقة كله لله إذ ما من خير إلا وهو موليه بواسطة وبغير واسطة. كما قال:
وما بكم من نعمة فمن الله
[النحل: 53]، وقيل: للعهد، والمعهود حمده تعالى نفسه في أزله. وقرئ { الحمد لله } بإتباع الدال للام، وبالعكس، تنزيلا لهما من حيث إنهما يستعملان معا منزلة كلمة واحدة. ومعناه في اللغة: الثناء بالجميل على قصد التعظيم والتبجيل، وفي العرف: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما. والشكر في اللغة: فعل يشعر بتعظيم المنعم، فهو مرادف للحمد العرفي، وفي العرف: صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر إلى ما خلق لأجله وأعطاه إياه. وانظر شرحنا الكبير للفاتحة في النسب التي بيناها نظما ونثرا. و { الله } اسم مرتجل جامد، والألف واللام فيه لازمة لا للتعريف، قال الواحدي: اسم تفرد به الباري - سبحانه - يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يعرف له اشتقاق، وقال الأقليشي: إن هذا الاسم مهما لم يكن مشتقا كان دليلا على عين الذات، دون أن ينظر فيها إلى صفة من الصفات، وليس باسم مشتق من صفة، كالعالم والحق والخالق والرازق، فالألف واللام على هذا في الله من نفس الكلمة، كالزاي من زيد، وذهب إلى هذا جماعة، واختاره الغزالي، وقال: كل ما قيل في اشتقاقه فهو تعسف. وقيل: مشتق من التأله وهو التعبد، وقيل: من الولهان، وهو الحيرة؟ لتحير العقول في شأنه. وقيل: أصله: الإله، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى اللام، ثم وقع الإدغام وفخمت للتعظيم، إلا إذا كان قبلها كسر. و { رب } نعت { لله } ، وهو في الأصل: مصدر بمعنى التربية، وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل. وقيل: هو وصف من ربه يربه، وأصله: ربب ثم أدغم، سمي به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه، ولا يطلق على غيره تعالى إلا بقيد كقوله تعالى:
ارجع إلى ربك
[يوسف: 50]. قال ابن جزي: ومعانيه أربعة: الإله والسيد والمالك والمصلح، وكلها تصلح في رب العالمين، إلا أن الأرجح في معناه، الإله لاختصاصه بالله تعالى.
و { العالمين } جمع عالم، والعالم: اسم لما يعلم به، كالخاتم لما يختم به، والطابع لما يطبع به. غلب فيما يعلم به الصانع. وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض، فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته، تدل على وجوده، وإنما جمع ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة، وغلب العقلاء منهم فجمع بالياء والنون كسائر أوصافهم، فهو جمع، لا اسم جمع، خلافا لابن مالك. وقيل: اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع، وقيل: عني به هنا الناس، فإن كل واحد منهم عالم، حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير، ولذا سوى بين النظر فيهما فقال:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]. { قلت }: وإليه يشير قول الشاعر:
يا تائها في مهمه عن سره انظر تجد فيك الوجود بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعا سر الإله بأسره
و { الرحمن الرحيم } اسمان بنيا للمبالغة، من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمة في اللغة، رقة القلب، وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان، ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها. وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغايات، التي هي أفعال، دون المبادئ التي هي انفعالات، و { الرحمن } أبلغ من { الرحيم } لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كقطع وقطع، وذلك إنما يؤخذ تارة باعتبار الكمية، وأخرى باعتباره الكيفية. فعلى الأول: قيل: يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة لأنه يختص بالمؤمن، وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية كلها جسام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة. وإنما قدم { الرحمن } - والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى - لتقدم رحمة الدنيا، ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره، لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وذلك لا يصدق على غيره تعالى. انظر البيضاوي. وسيأتي الكلام عليهما في المعنى. و { ملك } نعت لما قبله، قراءة الجماعة بغير ألف من الملك بالضم، وقرأ عاصم والكسائي بالألف، من الملك بالكسر، والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين. وقراءة الجماعة أرجح، لثلاثة أوجه: الأول: أن الملك أعظم من مالك، إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله:
وله الملك يوم ينفخ فى الصور
[الأنعام: 73]، والثالث: أنها لا تقتضي حذفا، والحدف خلاف الأصل. و { يوم الدين } ظرف مضاف إلى ما قبله على طريق الاتساع، وأجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية، أي: الملك في يوم الدين، أو ملك الأمر يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان - أي: القصر والمد - عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قرئ { ملك } بوجوه كثيرة تركنا ذكرها لشذوذها.
فإن قيل: ملك ومالك نكرة لأن إضافة اسم الفاعل لا تخصص، وكيف ينعت به { الرحمان الرحيم } وهما معرفتان؟ قلت: إنما تكون إضافة اسم الفاعل لا تخصص إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال لأنها حينئذ غير محضة، وأما هذا فهو مستمر دائما، فإضافته محضة. قاله ابن جزي. يقول الحق جل جلاله معلما لعباده كيف يثنون عليه ويعظمونه ثم يسألونه: يا عبادي قولوا { الحمد لله رب العالمين } أي: الثناء الجميل إنما يستحقه العظيم الجليل، فلا يستحق الحمد سواه، إذ لا منعم علىالحقيقة إلا الله،
وما بكم من نعمة فمن الله
[النحل: 53]. أو جميع المحامد كلها لله، أو الحمد المعهود في الأذهان هو حمد الله تعالى نفسه في أزله، قبل أن يوجد خلقه، فلما أوجد خلقه قال لهم: الحمد لله، أي: احمدوني بذلك المعهود في الأزل. وإنما استحق الحمد وحده لأنه { رب العالمين } ، وكأن سائلا سأله: لم اختصصت بالحمد؟ فقال: لأني رب العالمين، أنا أوجدتهم برحمتي، وأمددتهم بنعمتي، فلا منعم غيري، فاستحققت الحمد وحدي، مني كان الإيجاد وعلي توالي الإمداد، فأنا رب العباد، فالعوالم كلها - على تعدد أجناسها واختلاف أنواعها - في قبضتي وتحت تربيتي ورعايتي. قال بعضهم: خلق الله ثمانية عشر ألف عالم، نصفها في البر ونصفها في البحر. وقال الفخر الرازي: روي أن بني آدم عشر الجن، وبنو آدم والجن عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحار، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين ببني آدم، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة سماء الدنيا، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الثانية، ثم على هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة الكرسي نزر قليل، ثم هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش، التي عددها: مائة ألف، طول كل سرادق وعرضه - إذا قوبلت به السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما - يكون شيئا يسيرا ونزرا قليلا. وما من موضع شبر، إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، وله زجل بالتسبيح والتهليل. ثم هؤلاء كلهم في مقابلة الذين يجولون حول العرش كالقطرة في البحر، ولا يعلم عددهم إلا الله تعالى:
وما يعلم جنود ربك إلا هو
[المدثر: 31]. ه. وقال وهب بن منبه: قائم العرش ثلاثمائة وست وستون قائمة، وبين كل قائمة وقائمة ستون ألف صحراء، وفي كل صحراء ستون ألف عالم، وكل عالم قدر الثقلين. فهذه العوالم كلها في قبضة الحق وتحت تربيته وحفظه، يوصل المدد إلى كل واحد وهو في مستقره ومستودعه، إما إلى روحانيته من قوة العلوم والمعارف، وإما إلى بشريته من قوة الأشباح، من العرش إلى الفرش، كلها مقدرة أرزاقها محصورة آجالها، محفوظة أشباحها، معلومات أماكنها، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
ثم هذه التربية التي ربى سبحانه بها خلقه إنما هي رحمة منه وإحسان، لا لزوم عليه وإيجاب، ولذلك وصله بقوله: { الرحمن الرحيم } ، أي: الرحمن بنعمة الإيجاد، الرحيم بنعمة الإمداد. " نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل مكون منهما: نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أنعم أولا بالإيجاد، وثنى بتوالي الإمداد ". كما في الحكم. فاسمه { الرحمن } يقتضي إيجاد الأشياء وإبرازها، واسمه { الرحيم } يقتضي تربيتها وإمدادها. ولذلك لا يجوز إطلاق اسم { الرحمان } على أحد، ولم يتسم أحد به إذ الإيجاد لا يصح من غيره تعالى، بخلاف اسمه { الرحيم } فيجوز إطلاقه على غيره تعالى لمشاركة صدور الإمداد في الظاهر من بعض المخلوقات مجازا وعارية. أو: الرحمن في الدنيا والآخرة، والرحيم في الآخرة: لأن رحمة الآخرة خاصة بالمؤمنين. أو الرحمن بجلائل النعم والرحيم بدقائقها، فجلائل النعم مثل: نعمة الإسلام والإيمان والإحسان، والمعرفة والهداية، وكشف الحجاب وفتح الباب والدخول مع الأحباب، ودقائق النعم مثل: الصحة والعافية والمال الحلال، وغير ذلك مما يأتي ذكره في المنعم عليهم. ثم من تحقق منه الإيجاد والإمداد استحق أن يكون ملكا لجميع العباد، ولذلك ذكره بأثره فقال: { ملك يوم الدين } أي: المتصرف في عباده كيف شاء، لا راد لما قضى ولا مانع لما أعطى، فهو ملك الملوك رب الأرباب في هذه الدار وفي تلك الدار.. وإنما خص يوم الدين - وهو يوم الجزاء - بالملكية لأن ذلك اليوم يظهر فيه الملك لله عيانا لجميع الخلق، فإن الله تعالى يتجلى لفصل عباده، حتى يراه المؤمنون عيانا، بخلاف الدنيا فإن تصرفه تعالى لا يفهمه إلا الكملة من المؤمنين، ولذلك ادعى كثير من الجهلة الملك ونسبوه لأنفسهم. ويوم القيامة ينفرد الملك لله عند الخاص والعام، قال تعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]. الإشارة: لما تلجى الحق سبحانه من عالم الجبروت إلى عالم الملكوت، أو تقول: من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، حمد نفسه بنفسه، ومجد نفسه بنفسه، ووحد نفسه بنفسه، ولله در الهروي، حيث قال:
ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد
فقال في توحيد نفسه بنفسه مترجما عن نفسه بنفسه: { الحمد لله رب العالمين } ، فكأنه يقول في عنوان كتابه وسر خطابه: أنا الحامد والمحمود، وأنا القائم بكل موجود، أنا رب الأرباب، وأنا مسبب الأسباب لمن فهم الخطاب، أنا رب العالمين، أنا قيوم السموات والأرضين، بل أنا المتوحد في وجودي، والمتجلي لعبادي بكرمي وجودي، فالعوالم كلها ثابتة بإثباتي، ممحوة بأحدية ذاتي. قال رجل بين يدي الجنيد: { الحمد لله } ولم يقل: { رب العالمين } ، فقال له الجنيد: كملها يا أخي، فقال الرجل: وأي قدر للعالمين حتى تذكر معه؟! فقال الجنيد: قلها يا أخي فإن الحادث إذا قرن بالقديم تلاشى الحاد وبقي القديم.
يقول سبحانه:
" يا من هو مني قريب، تدبر سري فإنه غريب أنا المحب، وأنا الحبيب، وأنا القريب، وأنا المجيب، أنا الرحيم الرحمن، وأنا الملك الديان، أنا الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيم بتوالي الإمداد. مني كان الإيجاد، وعلي دوام الإمداد، وأنا رب العباد، أنا الملك الديان، وأنا المجازي بالإحسان على الإحسان، أنا الملك على الإطلاق، لولا جهالة أهل العناد والشقاق، الأمر لنا على الدوام، لمن فهم عنا من الأنام ".
قال في الرسائل الكبرى: لا عبرة بظواهر الأشياء، وإنما العبرة بالسر المكنون، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غطائه وزوال أستاره وخفائه، فإذا تحقق ذلك التجلي والظهور، واستولى على الأشياء الفناء والدثور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عين ويحق الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك في يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين، وليت شعري أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد بقوله:
الملك يومئذ لله
[الحج: 56]، وقوله:
والأمر يومئذ لله
[الانفطار: 19]؟! لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. ه.
الفاتحة 1:5
قلت: { إياك } مفعول { نعبد } ، وقدم للتعظيم والاهتمام به، والدلال على الحصر، ولذلك قال ابن عباس: نعبدك ولا نعبد معك غيرك، ولتقديم ما هو مقدم في الوجود وهو الملك المعبود، وللتنبيه على أن العابد ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولا وبالذات، ومنه إلى العبادة، لا من حيث إنها عبادة صدرت عنه، بل من حيث إنها نسبة شريفة إليه، ووصلة بينه وبين الحق، فإن العارف إنما يحق وصوله إذا استغفر في ملاحظة جناب القدس، وغاب عما عداه، حتى إنه لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها إلا من حيث إنها تجل من تجلياته ومظهر لربوبيته، ولذلك فضل ما حكى الله عن حبيبه حين قال:
لا تحزن إن الله معنا
[التوبة: 40]، على ما حكاه عن كليمه حيث قال:
إن معى ربى سيهدين
[الشعراء: 62]، أي: حيث صرح بمطلوبه، و { إياك } مفعول { نستعين } وقدم أيضا للاختصاص والاهتمام، كما تقدم في { إياك نعبد }. وكرر الضمير ولم يقل: إياك نعبد ونستعين لأن إظهاره أبلغ في إظهار الاعتماد على الله، وأقطع في إحضار التعلق بالله والإقبال على الله وأمدح، ألا ترى أن قولك: بك أنتصر وبك أحتمي وبك أنال مطالبي - أبلغ وأمدح من قولك: بك أنتصر وأحتمي... الخ؟ وقدم العبادة على الاستعانة ليتوافق رؤوس الآي، وليعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، فإن من تلبس بخدمة الملك وشرع فيها بحسب وسعه، ثم طلب منه الإعانة عليها أجيب إلى مطلبه، بخلاف من كلفه الملك بخدمته، فقال: أعطني ما يعينني عليها، فهو سوء أدب، وأيضا: من استحضر الأوصاف العظام ما أمكنه إلا المسارعة إلى الخضوع والعبادة، وأيضا: لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحا واعتدادا منه بما يصدر عنه فعقبه بقوله: { وإياك نستعين } ، دفعا لذلك التوهم. والعبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلل، ومنه طريق معبد، أي: مذلل، والاستعانة، طلب المعونة، والمراد طلب المعونة في المهمات كلها، أو في أداء العبادات. والضمير المستتر في الفعلين للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة، أو له ولسائر الموجودين. أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها، ولهذا شرعت الجماعة. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله، تتميما لتعليم عباده: فإذا أثنيتم علي ومجدتموني وعظمتموني فأقروا لي بالربوبية، وأظهروا من أنفسكم العبودية، واطلبوا مني العون في كل وقت وقولوا: { إياك نعبد وإياك نستعين } ، وكأنه - جل جلاله - لما ذكر أنه مستحق للمحامد كلها قديمها وحديثها لأنه رب العوالم وقيومها، أصل الأصول وفروعها، أنعم عليها أولا بالإيجاد، وثانيا بتوالي الإمداد، فهو مالكها على الإطلاق، ذكر أنه لا يستحق أن يعبد سواه إذ لا منعم على الحقيقة إلا الله، فهو أحق أن يعبد، وأولى أن يفرد بالوجهة والقصد، لأنه مستبد وغير مستمد، والمادة من عين الجود، فإذا انقطعت المادة انعدم الوجود.
قال البيضاوي: ثم إنه لما ذكر الحقيق بالحمد، ووصف بصفات عظام تميز بها عن سائر الذوات، تعلق العلم بمعلوم معين، خوطب بذلك، أي: يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة، لكون أدل على الاختصاص، وللترقي من الغيبة إلى الشهود، وكأن المعلوم صار عيانا، والمعقول مشاهدا، والغيبة حضورا، بنى أول الكلام على ما هو مبادئ حال العارف من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه، والنظر في آلائه، والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه، ثم قفى بما هو منتهى أمره، وهو أن يخوض لجة الوصول،ويصير من أهل المشاهدة، فيراه عيانا ويناجيه شفاها، اللهم اجعلنا من الواصلين إلى العين دون التابعين للأثر. ومن عادة العرب التفنن في الكلام والعدول عن أسلوب إلى آخر، تطرية وتنشيطا للسامع، فتعدل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله:
حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح...
[يونس: 22]، ولم يقل بكم وقوله:
أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد...
[فاطر: 9]، أي: ولم يقل: فساقه... انظر تمام كلامه. والالتفات هذا في قوله: { إياك نعبد } ولم يقل: إياه نعبد لأن الظاهر من قبل الغيبة، وحسنه أن الموصوف تعين وصار حاضرا. قال الأقليشي: فهذه الآية هي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم:
" فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، يقول الله تعالى: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل "
معناه: أي عبد توجه إلي بالعبادة وسألني العون عليها فعبادته متقبلة، والعون مني له عليها حاصل حتى يوقعها على وجهها، فالعبادة وصف العبد، والعون من الله تعالى للعبد، فلهذا قال: " فهذه بيني وبين عبدي ". قال ابن جزي: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأن الحق بين ذلك. { الإشارة }: لما تجلى الحق جل جلاله من عالم الجبروت إلى عالم الملكوت، وحمد نفسه بنفسه، تجلى أيضا وتنزل من عالم الملكوت إلى عالم الملك بقدرته وحكمته لإظهار آثار أسمائه وصفاته، فأظهر العبودية وأخفى الربوبية، أظهر الحكمة وأبطن القدرة، فجعل عالم الحكمة يخاطب عالم القدرة، ويخضع له، ويتعبد ويستمد، منه الإعانة والهداية، ويتحرز من طريق الضلالة والغواية. فعالم الحكمة محل التكليف، وعالم القدرة محل التصريف، عالم الحكمة عالم الأشباح، وعالم القدرة عالم الأرواح، فإياك نعبد لأهل عالم الحكمة، وإياك نستعين لأهل عالم القدرة، ولذلك قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: { إياك نعبد } شريعة، و { إياك نستعين } حقيقة، و { إياك نعبد } إسلاما، و { إياك نستعين } إحسانا، { إياك نعبد } عبادة، و { إياك نستعين } عبودية، { إياك نعبد } فرق، { إياك نسعتين } جمع.
ه. وإن شئت قلت: { إياك نعبد } لأهل العمل لله وهم المخلصون، و { إياك نستعين } لأهل العمل بالله وهم الموحدون، العمل لله يوجب المثوبة، والعمل بالله يوجب القربة، العمل لله يوجب تحقيق العبادة، والعمل بالله يوجب تصحيح الإرادة، العمل لله نعت كل عابد، والعمل بالله نعت كل قاصد، العمل لله قيام بأحكام الظواهر، والعمل بالله قيام بإصلاح الصمائر، قاله القشيري. ثم إن الناس في شهود القدرة والحكمة على ثلاثة أقسام: قسم حجبوا بالحكمة عن شهود القدرة، وهم أهل الحجاب من أهل الغفلة، وقفوا مع قوله: { إياك نعبد } ،وقسم حجبوا بشهود القدرة عن الحكمة، وهم أهل الفناء، وقفوا مع قوله: { إياك نستعين } ، وقسم لم يحجبوا بالحكمة عن القدرة ولا بالقدرة عن الحكمة، أعطوا كل ذي حق حقه ووفوا كل ذي قسط قسطه، وهم أهل الكمال من أهل البقاء، جمعوا بين قوله: { إياك نعبد وإياك نستعين } ، وبالله التوفيق.
الفاتحة 1:6
قلت: الهداية في الأصل: الدلالة بلطف، ولذلك تستعمل في الخير، وقوله:
فاهدوهم إلى صراط الجحيم
[الصافات: 23] على التهكم، والفعل منه هدى بالفتح، وأصله أن يعدى باللام، أو " إلى " ، فعومل هنا معاملة:
واختار موسى قومه
[الأعراف: 155]. والصراط لغة: الطريق، مشتق من سرط الطعام إذا ابتعله، فكأنها تبتلع السابلة أي المارة به، وقلبت السين صادا لتطابق الطاء في الإطباق، وقد تشم زايا لقرب المخرج، و { المستقيم }: الذي لا عوج فيه، والمراد به طريق الحق الموصلة إلى الله. يقول الحق جل جلاله: معلما لعباده كيف يطلبونه، وما ينبغي لهم أن يطلبوا، أي: قولوا { اهدنا } أي: أرشدنا إلى الطريق المستقيم، الموصلة إلى حضرة النعيم، والطريق المستقيم هو السير على الشريعة المحمدية في الظاهر، والتبري من الحول والقوة في الباطن، أو تقول: هو أن يكون ظاهرك شريعة وباطنك حقيقة، ظاهرك عبودية وباطنك حرية، الفرق على ظاهرك موجود والجمع في باطنك مشهود، وفي الحكم: " متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره وفي الباطن مستسلما لقهره، فقد أعظم المنة عليك ". فالصراط المستقيم الذي أمرنا الحق بطلبه هو: الجمع بين الشريعة والحقيقة، والمفهوم من قوله: { إياك نعبد وإياك نستعين } [الفاتحة: 5]، ولذلك وصله به، فكأن الحق - سبحانه - يقول:
" يا عبادي احمدوني ومجدوني وأفردوني بالقصد وخصوني بالعبادة، وكونوا في ظاهركم مشتغلين بعبادتي، وفي باطنكم مستعينين بحولي وقوتي، أو كونوا في ظاهركم متأدبين بخدمتي، وفي باطنكم مشاهدين لقدرتي وعظمة ربوبيتي ".
وقال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: الصراط المستقيم هنا القرآن. وقال جابر رضي الله عنه: هو الإسلام يعني الحنيفية السمحاء وقال سهل بن عبد الله: هو طريق محمد صلى الله عليه وسلم. يعني اتباع ما جاء به. وحاصله ما تقدم من إصلاح الظاهر بالشريعة والباطن بالحقيقة، فهذا هو الطريق المستقيم الذي من سلطه كان من الواصلين المقربين مع النبيين والصديقين. فإن قلت: إذا كان العبد ذاهبا على هذا المنهاج المستقيم، فكيف يطلب ما هو حاصل؟ فالجواب: أنه طلب التثبيت على ما هو حاصل، والإرشاد إلى ما هو ليس بحاصل، فأهل مقام الإسلام يطلبون الثبات على الإسلام، الذي هو حاصل، والترقي إلى مقام الإيمان الذي ليس بحاصل، على طريق الصوفية، الذين يخصون العمل الظاهر بمقام الإسلام، والعمل الباطن بمقام الإيمان، وأهل الإيمان يطلبون الثبات على الإيمان الذي هو حاصل، والترقي إلى مقام الإحسان الذي ليس بحاصل، وأهل مقام الإحسان يطلبون الثبات على الإحسان، والترقي إلى ما لا نهاية له من كشوفات العرفان
وفوق كل ذى علم عليم
[يوسف: 76]. وقال الشيخ أبو العباس المرس رضي الله عنه: { اهدنا الصراط المستقيم } بالتثبيت فيما هو حاصل، والإرشاد فيما ليس بحاصل، ثم قال: عموم المؤمنين يقولون: { اهدنا الصراط المستقيم } أي: بالتثبيت فيما هو حاصل، والإرشاد لما ليس بحاصل، فإنه حصل لهم التوحيد وفاتهم درجات الصالحين، والصالحون يقولون: { اهدنا الصراط المستقيم } معناه: نسألك التثبيت فيما هو حاصل والإرشاد إلى ما ليس بحاصل، فإنهم حصل لهم الصلاح وفاتهم درجات الشهداء، والشهداء يقولون: { اهدنا الصراط المستقيم } أي بالتثبيت فيما هو حاصل والإرشاد إلى ما ليس بحاصل، فإنهم حصلت لهم الشهادة وفاتهم درجات الصديقين، والصديقون يقولون: { اهدنا الصراط المستقيم } أي: بالتثبيت فيما هو حاصل والإرشاد إلى ما ليس بحاصل، فإنهم حصل لهم درجات الصديقين وفاتهم درجات القطب، والقطب يقول: { اهدنا الصراط المستقيم } بالتثبت فيما هو حاصل والإرشاد إلى ما ليس بحاصل، فإنه حصل له رتبة القطبانية، وفاته علم ما إذا شاء الله أن يطلعه عليه أطلعه.
ه. وقال بعضهم: الهداية إما للعين وإما للأثر الدال على العين، ولا نهاية للأولى، قلت: فالأولى لأهل الشهود والعيان، والثانية لأهل الدليل والبرهان، فالهداية للعين هي الدلالة على الله. والهداية للأثر هي الدلالة على العمل، " من دلك على الله فقد نصحك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك ". وإنما كانت الأولى لا نهاية لها لأن الترقي بعد المعرفة لا نهاية له. بخلاف الدلالة على الأثر فنهايتها الوصول إلى العين، إن كان الدال عارفا بالطريق. قال البيضاوي: وهداية الله تتنوع أنواعا لا يحصيها عد
وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوهآ
[إبراهيم: 34] لكنها تنحصر في أجناس مترتبة: الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه، كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة. الثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد، وإليه الإشارة بقوله:
وهديناه النجدين
[البلد: 10]، وقال:
فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى
[فصلت: 17]. الثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياها عني بقوله:
وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا
[الأنبياء: 73]، وقوله:
إن هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم
[الإسراء: 9]. الرابع: أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة. وهذا يختص بنيله الأنبياء والأولياء، وإياه عني بقوله:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
[الأنعام: 90]،
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
[العنكبوت: 69]. فالمطلوب: إما زيادة ما منحوه من الهدى والثبات عليه، أو حصول المراتب المترتبة عليه، فإذا قال العارف الواصل عنى بقوله: أرشدنا طريق السير فيك، لتمحو عنا ظلمات أحوالنا، وتميط غواشي أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك. ه. قلت: قوله الرابع... الخ، في عبارته قلق واختصار، والصواب أن يقول: الرابع - أن يكشف عن قلوبهم الظلم والأغيار، ويشرق عليها الأنوار والأسرار، ويريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام، وباستعمال الفكرة في عظمة الملك العلام، حتى تستولي أنوار المعاني على حس الأواني، ثم يقول: وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء. وقوله: فإذا قال العارف... الخ، الصواب أن يقول: فإذا قاله المريد السائر لأن الواصل انمحت عنه الظلمات كلها والغواشي وسائر الأكدار لأن الله تعالى غطى وصفه بوصفه ونعته بنعته، فلم يبق له وصف ظلماني. وأيضا قوله: [أرشدنا إلى طريق السير] إنما يناسب السائر دون الواصل لأن الواصل ما بقي له إلا الترقي، ولا يسمى في اصطلاح الصوفية [السير] إلا قبل الوصول. والله تعالى أعلم.
الفاتحة 1:7
قلت: { صراط } بدل من الأول - بدل الكل من الكل - وهو في حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة، وفائدته: التوكيد والتنصيص على أن طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة، على آكد وجه وأبلغه لأنه جعله كالتفسير والبيان له، فكأنه من البين الذي لا خفاء فيه، وأن الصراط المستقيم ما يكون طريق المؤمنين، و { غير المغضوب عليهم } بدل من { الذين } على معنى أن المنعم عليهم هم الذي سلموا من الغضب والضلال. أو صفة له مبينة أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من الغضب والضلال، وذلك إنما يصح بأحد تأويلين: إجراء الموصول مجرى النكرة، إذ لم يقصد به معهود كالمعرف في قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
أو يجعل { غير } معرفة لأنه أضيف إلى مآله ضد واحد، وهو المنعم عليه، فيتعين تعين الحركة غير السكون، وإلا لزم عليه نعت المعرفة بالنكرة. فتأمله. والغضب: ثوران النفس إرادة الانتقام، فإذا أسند إلى الله تعالى أريد غايته وهو العقوبة، و { عليهم } نائب فاعل: و { لا } مزيدة لتأكيد ما في { غير } من معنى النفي، فكأنه قال: ولا المغضوب عليهم ولا الضالين، وقرأ عمر رضي الله عنه: { وغير الضالين } ، والضلال: والعدول عن الطريق السوي عمدا أو خطأ، وله عرض عريض والتفاوت بين أدناه وأقصاه كبير. قاله البيضاوي. وإنما أسند النعمة إلى الله والغضب إلى المجهول تعليما للأدب،
مآ أصابك من حسنة فمن الله...
[النساء: 79] الآية. يقول الحق جل جلاله في تفسير الطريق المستقيم: هو طريق الذين أنعمت عليهم بالهداية والاستقامة، والمعرفة العامة والخاصة، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والمنعم عليهم في الآية مطلق، يصدق كل منعم عليه بالمعرفة والاستقامة في دينه، كالصحابة وأضرابهم، وقيل: المراد بهم أصحاب سييدنا موسى عليه السلام قبل التحريف. وقيل: أصحاب سيدنا عيسى قبل التغيير. والتحقيق أنه عام. قال البيضاوي: ونعم الله وإن كانت لا تحصى كما قال الله:
وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوهآ
[إبراهيم: 34] تنحصر في جنسين: دنيوي وأخروي. فالأول: وهو الدنيوي - قسمان: موهبي وكسبي، والموهبي قسمان: روحاني، كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوي، كالفهم والفكر والنطق، وجسماني: كتخليق البدن بالقوة الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء. والكسبي: كتزكية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلي المستحسنة، وحصول الجاه والمال. والثاني: وهو الأخروي: أن يغفر له ما فرط منه ويرضى عنه ويبوأه في أعلى عليين، مع الملائكة المقربين أبد الآبدين، والمراد القسم الأخير، وما يكون وصلة إلى نيله من القسم الأول، وأما ما عدا ذلك فيشترك فيه المؤمن والكافر.
ه. قال ابن جزي: النعم التي يقع عليها الشكر ثلاثة أقسام، دنيوية: كالصحة والعافية والمال الحلال. ودينية: كالعلم والتقوى والمعرفة. وأخروية: كالثواب على العمل القليل بالعطاء الجزيل: وقال أيضا: والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه، الخاصة به، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم. والشكر على ثلاث درجات: فدرجة العوام، الشكر على النعم، ودرجة الخواص: الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص: أن يغيب عن رؤية النعمة بمشاهدة المنعم. قال رجل لإبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: الفقراء إذا أعطوا شكروا وإذا منعوا صببروا، فقال إبراهيم: هذه أخلاق الكلاب، ولكن القوم إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. ه. ثم احترس من الطريق غير المستقيمة، فقال: { غير المغضوب عليهم } أي: غير طريق الذين غضبت عليهم، فلا تهدنا إليها ولا تسلك بنا سبيلها، بل سلمنا من مواردها. والمراد بهم: اليهود، كذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم، ويصدق بحسب العموم على كل من غضب الله عليهم، { ولا الضالين } أي: ولا طريق الضالين، أي: التالفين عن الحق، وهم النصارى كما قال صلى الله عليه وسلم. والتفسيران مأخوذان من كتاب الله تعالى. قال تعالى في شأن اليهود:
فبآءوا بغضب على غضب
[البقرة: 90]، وقال في حق النصارى:
قد ضلوا من قبل وأضلوا عن سوآء السبيل
[المائدة: 77 }. واعلم أن الحق - سبحانه - قسم خلقه على ثلاثة أقسام: قسم أعدهم للكرم والإحسان، ليظهر فيهم اسم الكريم أو الرحيم، وهو المنعم عليه بالإيمان والاستقامة. وقسم أعدهم للانتقام والغضب، ليظهر فيهم اسمه المنتقم أو القهار، وهم المغضوب وعليهم والضالون عن طريق الحق عقلا أو عملا، وهم الكفار، وقسم أعدهم الله للحلم والعفو، ليظهر فيهم اسمه تعالى الحليم والعفو، وهم أهل العصيان من المؤمنين. فمن رام أن يكون الوجود خاليا من هذه الأقسام الثلاثة، وأن يكون الناس كلهم سواء في الهداية أو ضدها، فهو جاهل بالله وبأسمائه إذ لا بد من ظهور آثار أسمائه في هذا الآدمي، من كرم وقهرية وحلم وغير ذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: الطريق المستقيم التي أمرنا الحق بطلبها هي: طريق الوصول إلى الحضرة، التي هي العلم بالله على نعت الشهود والعيان، وهو مقام التوحيد الخاص، الذي هو أعلى درجات أهل التوحيد، وليس فوقه إلا مقام توحيد الأنبياء والرسل، ولا بد فيه من تربية على يد شيخ كامل عارف بطريق السير، قد سلك المقامات ذوقا وكشفا، وحاز مقام الفناء والبقاء، وجمع بين الجذب والسلوك لأن الطريق عويص، قليل خطاره، كثير قطاعه، وشيطان هذا الطريق فقيه بمقاماته ونوازله، فلا بد فيه من دليل، وإلا ضل سالكها عن سواء السبيل، وإلا هذا المعنى أشار ابن البنا، حيث قال:
وإنما القوم مسافرون لحضرة الحق وظاعنون فافتقروا فيه إلى دليل ذي بصر بالسير والمقيل قد سلك الطريق ثم عاد ليخبر القوم بما استفاد
وقال في لطائف المنن: من لم يكن له أستاذ يصله بسلسلة الأتباع، ويكشف له عن قلبه القناع، فهو في هذا الشأن لقيط لا أب له، دعي لا نسب له، فإن يكن له نور فالغالب غلبة الحال عليه، والغالب عليه وقوفه مع ما يرد من الله إليه، لم ترضه سياسة التأديب والتهذيب، ولم يقده زمانم التربية والتدريب، فهذا الطريق الذي ذكرنا هو الذي يستشعره القارئ للفاتحة عند قوله: { اهدنا الصراط المستقيم } مع الترقي الذي ذكره الشيخ أو العباس المرسي رضي الله عنه المتقدم، وإذا قرأ { صراط الذين أنعمت عليهم } استشعر، أي: أنعمت عليهم بالوصول والتمكين في معرفتك. وقال الورتجبي: اهدنا مرادك منا لأن الصراط المستقيم ما أراد الحق من الخلق، من الصدق والإخلاص في عبوديته وخدمته. ثم قال: وقيل: اهدنا هدى العيان بعد البيان، لتستقيم لك حسب إرادتك. وقيل: اهدنا هدى من يكون منك مبدؤه ليكون إليك منتهاه. ثم قال: وقال بعضهم: اهدنا، أي: ثبتنا على الطريق الذي لا اعوجاج فيه، منازل الذين أنعمت عليهم بالمعرفة والمحبة وحسن الأدب في الخدمة. ثم قال: وقال بعضهم: اهدنا، أي: ثبتنا على الطريق الذي لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام، وهو الطريق المستقيم والمنهاج القويم { صراط الذين أنعمت عليهم } أي: منازل الذين أنعمت عليهم بالمعرفة والمحبة وحسن الأدب في الخدمة. ثم قال: { غير المغضوب عليهم } يعني: المطرودين عن باب العبودية، { ولا الضالين } يعني المفلسين عن نفائس المعرفة. ه. قلت: والأحسن أن يقال: { غير المغضوب عليهم } هم الذين أوقفهم عن السير اتباع الحظوظ والشهوات، فأوقعهم في مهاوي العصيان والمخالفات، { ولا الضالين } هم الذين حبسهم الجهل والتقليد، فلم تنفذ بصائرهم إلى خالص التوحيد، فنكصوا عن توحيد العيان إلى توحيد والبرهان، وهو ضلال عند أهل الشهود والعيان، ولو بلغ في الصلاح غاية الإمكان. وقال في الإحياء: إذا قلت: { بسم الله الرحمن الرحيم } فافهم أن الأمور كلها بالله، وأن المراد ها هنا المسمى، وإذا كانت الأمور كلها بالله فلا جرم أن الحمد كله لله، ثم قال: وإذا قلت: { الرحمن الرحيم } فأحضر في قلبك أنواع لطفه لتتفتح لك رحمته فينبعث به رجاؤك، ثم استشعر من قلبك التعظيم والخوف من قولك: { يوم الدين }. ثم قال: ثم جدد الإخلاص بقولك: { إياك نعبد }. وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك: { وإياك نستعين } ، ثم اطلب اسم حاجتك، وقل: { اهدنا الصراط المستقيم } الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك، وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا، واستشهد بالذين أفاض عليهم نعم الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين واليهود والنصارى والصابئين. ه. ملخصا. وقال القشيري: قوله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم } الأمر في هذه الآية مضمر، أي: قولوا: اهدنا. والصراط المستقيم: طريق الحق، وهو ما عليه أهل التوحيد، أي: أرشدنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات، فيقع على وجه التوحيد غبار الظنون والحسابات لتكون دليلنا عليك، ثم قال: { صراط الذين أنعمت عليهم } أي: الواصلين بك إليك، ثم قال: { غير المغضوب عليهم } بنسيان التوفيق والتعامي عن رؤية التأييد، { ولا الضالين } عن شهود سابق الاختيار، وجريان تصاريف الأقدار. ه.
البقرة 2:1
{ الم } وقد حارت العقول في رموز الحكماء، فكيف بالأنبياء؟ فكيف بالمرسلين؟ فكيف بسيد المرسلين؟، فكيف يطمع أحد في إدراك حقائق رموز رب العالمين؟! قال الصديق رضي الله عنه: في كل كتاب سر، وسر القرآن فواتح السور. ه. فمعرفة أسرار هذه الحروف لا يقف عليها إلا الصفوة من أكابر الأولياء. وكل واحد يلمع له على قدر صفاء شربه. وأقرب ما فيها أنها أشياء أقسم الله بها لشرفها. فقيل: إنها مختصرة من أسمائه تعالى، فالألف من الله، واللام من اللطيف، والميم من مهيمن أو مجيد. وقيل: من أسماء نبيه صلى الله عليه وسلم فالميم مختصرة إما من المصطفى، ويدل عليه زيادة الصاد في
المص
[الأعراف: 1]، أو من المرسل، ويدل عليه زيادة في الراء
المر
[الرعد: 1]. و
الر
[الحجر: 1] مختصرة من الرسول. فكأن الحق تعالى يقول: يا أيها المصطفى أو يا أيها الرسول
ذلك الكتاب لا ريب فيه
[البقرة: 2] أو هذا
كتاب أنزل إليك
[الأعراف: 2] أو غير ذلك، ويدل على هذا توجيه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم بعد هذه الرموز. و
كهيعص
[مريم: 1] مختصرة من الكافي والهادي والولي والعالم والصادق، و
طه
[طه: 1] من طاهر، و
طس
[النمل: 1] من يا طاهر يا سيد، ويا محمد في
طسم
[الشعراء: 1]، إلى غير ذلك. وعند أهل الإشارة يقول الحق جل جلاله: ألف: أفرد سرك إلي، انفراد الألف عن سائر الحروف، واللام: لين جوارحك لعبادتي، والميم: أقم معي بمحو رسومك وصفاتك، أزينك بصفاء الأنس والقرب مني. قاله الثعلبي. قلت: والأظهر أنها حروف تشير للعوالم الثلاثة، فالألف لوحدة الذات في عالم الجبروت، واللام لظهور أسرارها في عالم الملكوت، والميم لسريان أمدادها في عالم الرحموت، والصاد لظهور تصرفها في عالم الملك. وكل حرف من هذه الرموز يدل على ظهور أثر الذات في عالم الشهادة، فالألف يشير إلى سريان الوحدة في مظاهر الأكوان، واللام: يشير إلى فيضان أنوار الملكوت من بحر الجبروت، والميم يشير إلى تصرف الملك في عالم الملك، وكأن الحق تعالى يقول: هذا الكتاب الذي تتلو يا محمد - هو فائض من بحر الجبروت إلى عالم الملكوت، ومن عالم الملكوت إلى الرحموت، ثم نزل به الروح الأمين إلى عالم الملك والشهادة، فلا ينبغي أن يرتاب فيه.
البقرة 2:2
{ ذلك الكتاب لا ريب فيه... } قلت: الريب: تحرك القلب واضطرابه بالشكوك والأوهام، وتقابله الطمأنينة بالسكون إلى الحق على الدوام. يقول الحق جل جلاله: يا أيها الرسول المصطفى والنبي المجتبى { ذلك الكتاب } الذي أنزلناه عليه من جبروت قدسنا وملكوت عزنا { لا ريب فيه } أنه من عندنا. فمن ارتاب فيه، أو نسبه إلى غيرنا، فقد استحق البعد من ساحة رحمتنا، وحلت عليه شدائد نقمتنا، ومن تحقق به أنه من لدنا، وآمن بمن جاء به من عندنا، فقد استحق دخول حضرة قدسنا حتى يسمع منا ويتكلم بنا، فإذا أحببته كنت له، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يتكلم... الحديث. فيكون من الصديقين المقربين مع النبيين والمرسلين، وكان في ذروة درجات المتقين، الذين يهتدون بهدي القرآن المبين، كما أشار إلى ذلك بقوله: {... هدى للمتقين } قلت: { هدى } خبر عن مبتدأ مضمر، أو مبتدأ بتقديم الخبر. أي: هو هاد للمتقين، أو فيه الهدى لهم. والهدى: هو الإرشاد والبيان، ومعناه: الدلالة الموصلة إلى الحق. والمتقي: من جعل بينه وبين مقت الله وقاية، وله ثلاث درجات: * حفظ الجوارح من المخالفات، * وحفظ القلوب من المساوئ والهفوات، * وحفظ السرائر من الوقوف مع المحسوسات، فالأولى لمقام الإسلام، وإليه توجه الخطاب بقوله:
فاتقوا الله ما استطعتم
[التغابن: 16]، والثانية لمقام الإيمان، وإليه توجه الخطاب بقوله:
فاتقوا الله يأولي الألباب
[المائدة: 100]، والثالثة لمقام الإحسان، وإليه توجه الخطاب بقوله:
اتقوا الله حق تقاته
[آل عمران: 102]. يقول الحق جل جلاله: { ذلك الكتاب } الذي لا يقرب ساحته شك ولا ارتياب، هو عين الهداية لأهل التقى من ذوي الألباب، فلا يزالون يترقون به في المقامات والأحوال حتى يسمعوه من الكبير المتعال، بلا واسطة تبليغ ولا إرسال، قد انمحت في حقهم الرسوم والأشكال، وهذه غاية الهداية، وتحقيق سابق العناية. قال جعفر الصادق: والله لقد تجلى الله تعالى لخلقه في كلامه ولكن لا يشعرون. وقال أيضا - وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشيا عليه، فلما سري عنه، قيل له في ذلك فقال: ما زلت أرددت الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته. فدرجات القراءة ثلاث: أدناها: أن يقرأ العبد كانه يقرأ على الله تعالى واقفا بين يديه، وهو ناظر له ومستمع منه، فيكون حاله السؤال والتملق والتضرع والابتهال. والثانية: أن يشهد بقلبه كأن الله تعالى يخاطبه بألفاظه، ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه الحياء والتعظيم، والإصغاء والفهم. والثالثة: أن يرى في الكلام المتكلم، فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته، بل يكون فانيا عن نفسه، غائبا في شهود ربه، لم يبق له عن نفسه إخبار ولا مع غير الله قرار. فالأولى لأهل الفناء في الأفعال، والثانية لأهل الفناء في الصفات، والثالثة لأهل الفناء في شهود الذات، رضي الله عنهم، وحشرنا على منهاجهم... آمين.
البقرة 2:3
قلت: هذه الأوصاف تتضمن ثلاثة أعمال، الأول: عمل قلبي وهو الإيمان، والثاني: عمل بدني، وهو الصلاة، والثالث: عمل مالي، وهو الإنفاق في سبيل الله، وهذه الأعمال هي أساس التقوى التي تدور عليها. أما العمل القلبي: فهو الإيمان أولا، والمعرفة ثانيا، فما دام العبد محجوبا بشهود نفسه، محصورا في الأكوان وفي هيكل ذاته فهو مؤمن بالغيب، يؤمن بوجود الحق تعالى، وبما أخبر به من أمور الغيب، يستدل بوجود أثره عليه، فإذا فني عن نفسه وتلطفت دائرة حسه، وخرجت فكرته عن دائرة الأكوان، أفضى إلى الشهود والعيان، فصار الغيب عنده شهادة، والملك ملكوتا، والمستقبل حالا، والآتي واقعا، وقد قلت ذلك:
فلا ترضى بغير الله حبا وكن أبدا بعشق واشتياق ترى الأمر المغيب ذا عيان تحظى بالوصول وبالتلاقي
وفي الحكم: " لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت بهجة الدنيا وكسوة الفناء ظاهرة عليها " وقال في التنوير: ولو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان، ولأشرق نور الإيقان فغطى وجود الأكوان. ه. وإنما اقتصر الحق تعالى على الإيمان بالغيب لأنه هو المكلف به إذ هو الذي يطيقه جل العباد، بخلاف المعرفة الخاصة فلا يطيقها إلا الخصوص، والله تعالى أعلم. وأما العمل البدني: فهو إقامة الصلاة، والمراد بإقامتها إتقان شروطها وأركانها وخشوعها، وحفظ السر فيها، قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كل موضع ذكر فيه المصلون في معرض المدح فإنما جاء لمن أقام الصلاة، إما بلفظ الإقامة، وإما بمعنى يرجع إليها، قال تعالى { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة } ، وقال تعالى:
أقم الصلاة
[الإسراء: 78]،
والمقيمى الصلاة
[الحج: 35]، ولما ذكر المصلين بالغفلة قال:
فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون
[الماعون: 4، 5] ولم يقل: فويل للمقيمين الصلاة. وأما العمل المالي فهو الإنفاق في سبيل الله واجبا أو مندوبا، وهو من أفضل القربات، يقول الله - تبارك وتعالى:
" يا ابن آدم أنفق، أنفق عليك "
، وفي حديث آخر:
" أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها "
، قيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال:
" لمن أطعم الطعام، وأفشى، السلام، وصلى بالليل والناس نيام "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" إن الله - عز وجل - ليدخل باللقمة من الخبز والقبضة من التمر ومثله مما ينتفع به المسكين ثلاثة، الجنة: رب البيت الآمر به، والزوجة تصلحه، والخادم الذي يناوله المسكين "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" إن الصدقة لتسد سبعين بابا من السوء "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر ".
الإشارة: يا من غرق في بحر الذات وتيار الصفات { ذلك الكتاب } الذي تسمع من أنوار ملكوتنا، وأسرار جبروتنا { لا ريب فيه } أنه من عندنا، فلا تسمعه من غيرها،
فإذا قرأناه فاتبع قرءانه
[القيامة: 18]، فهو هاد لشهود ذاتنا، ومرشد للوصول إلى حضرتنا، لمن اتقى شهود غيرنا، وغرق في بحر وحدتنا، الذي يؤمن بغيب غيبنا، وأسرار جبروتنا، التي لا تحيط بها العلوم، ولا تسمو إلى نهايتها الأفكار والفهوم، الذي جمع بين مشاهدة الربوبية، والقيام بوظائف العبودية، إظهارا لسر الحكمة بعد التحقق بشهود القدرة، فهو على صلاته دائم، وقلبه في غيب الملكوت هائم، ينفق مما رزقه الله من أسرار العلوم ومخازن الفهوم، فهو دائما ينفق من سعة علمه وأنوار فيضه، فلا جرم أنه على بينة من ربه. ولما ذكر الحق تعالى من آمن من العرب، ذكر من آمن من أهل الكتاب.
البقرة 2:4
قلت: الموصول مبتدأ، و { أولئك } خبره، أو عطف على { المتقين } ، وحذف المنزل عليه في جانب الكتب المتقدمة، فلم يقل: وما أنزل على من قبلك إشارة إلى أن الإيمان بالكتب المتقدمة دون معرفة أعيان المنزل عليهم كاف، إلا من ورد تعيينه في الكتاب والسنة فلا بد من الإيمان به، أما القرآن العظيم فلا بد من الإيمان أنه منزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن اعتقد أنه منزل على غيره كالروافض فإنه كافر بإجماع، ولذلك ذكر المتعلق بقوله: { بما أنزل إليك }. يقول الحق جل جلاله: { والذين } يصدقون { بما أنزل إليك } يا محمد من الأخبار الغيبية والأحكام الشرعية، والأسرار الربانية والعلوم اللدنية { وما أنزل من قبلك } من الكتب السماوية، والأخبار القدسية، وهم { يوقنون } بالبعث والحساب والرجوع إلينا والمآب، على نعت ما أخبرت به في كتابي وأخبار أنبيائي، { أولئك } راكبون على متن الهداية، مستعلون على محمل العناية، محفوفون بجيش النصر والرعاية، { وأولئك هم } الظافرون بكل مطلوب، الناجون من كل مخوف ومرهوب، دون من عداهم ممن سبق له الخذلان، فلم يكن له إيمان ولا إيقان، فلا هداية له ولا نجاح، ولا نجاة له ولا فلاح، نسأل الله العصمة بمنه وكرمه. الإشارة: قلت: كأن الآية الأولى في الواصلين، والثانية في السائرين، لأن الأولين وصفهم بالإنفاق من سعة علومهم، وهؤلاء وصفهم بالتصديق في قلوبهم، فإن داموا على السير كانوا مفلحين فائزين بما فاز به الأولون. فأهل الآية الأولى من أهل الشهود والعيان، وأهل الثانية من أهل التصديق والإيمان. أهل الأولى ذاقوا طعم الخصوصية، فقاموا بشهود الربوبية وآداب العبودية، وأهل الثانية صدقوا بنزول الخصوصية ودوامها، واستنشقوا شيئا من روائح أسرارها وعلومها، فهم يوقنون بوجود الحقيقة، عالمون برسوم الطريقة، فلا جرم أنهم على الجادة وطريق الهداية، وهم مفلحون بالوصول إلى عين العناية.دون الفرقة الثالثة التي هي الإنكار موسومة، ومن نيل العناية محرومة، التي أشار إليها الحق تعالى.
البقرة 2:5
قلت: الموصول مبتدأ، و { أولئك } خبره، أو عطف على { المتقين } ، وحذف المنزل عليه في جانب الكتب المتقدمة، فلم يقل: وما أنزل على من قبلك إشارة إلى أن الإيمان بالكتب المتقدمة دون معرفة أعيان المنزل عليهم كاف، إلا من ورد تعيينه في الكتاب والسنة فلا بد من الإيمان به، أما القرآن العظيم فلا بد من الإيمان أنه منزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن اعتقد أنه منزل على غيره كالروافض فإنه كافر بإجماع، ولذلك ذكر المتعلق بقوله: { بما أنزل إليك }. يقول الحق جل جلاله: { والذين } يصدقون { بما أنزل إليك } يا محمد من الأخبار الغيبية والأحكام الشرعية، والأسرار الربانية والعلوم اللدنية { وما أنزل من قبلك } من الكتب السماوية، والأخبار القدسية، وهم { يوقنون } بالبعث والحساب والرجوع إلينا والمآب، على نعت ما أخبرت به في كتابي وأخبار أنبيائي، { أولئك } راكبون على متن الهداية، مستعلون على محمل العناية، محفوفون بجيش النصر والرعاية، { وأولئك هم } الظافرون بكل مطلوب، الناجون من كل مخوف ومرهوب، دون من عداهم ممن سبق له الخذلان، فلم يكن له إيمان ولا إيقان، فلا هداية له ولا نجاح، ولا نجاة له ولا فلاح، نسأل الله العصمة بمنه وكرمه. الإشارة: قلت: كأن الآية الأولى في الواصلين، والثانية في السائرين، لأن الأولين وصفهم بالإنفاق من سعة علومهم، وهؤلاء وصفهم بالتصديق في قلوبهم، فإن داموا على السير كانوا مفلحين فائزين بما فاز به الأولون. فأهل الآية الأولى من أهل الشهود والعيان، وأهل الثانية من أهل التصديق والإيمان. أهل الأولى ذاقوا طعم الخصوصية، فقاموا بشهود الربوبية وآداب العبودية، وأهل الثانية صدقوا بنزول الخصوصية ودوامها، واستنشقوا شيئا من روائح أسرارها وعلومها، فهم يوقنون بوجود الحقيقة، عالمون برسوم الطريقة، فلا جرم أنهم على الجادة وطريق الهداية، وهم مفلحون بالوصول إلى عين العناية.دون الفرقة الثالثة التي هي الإنكار موسومة، ومن نيل العناية محرومة، التي أشار إليها الحق تعالى.
البقرة 2:6
قلت: { سواء } خبر مقدم، و { أنذرتهم } مبتدأ لسبك همزة التسوية، أي: الإنذار وعدمه سواء في حق هؤلاء الكفرة، والجملة خبر إن، و { غشاوة } مبتدأ، والجار قبله خبره، والغشاوة: ما يغشى الشيء ويغطيه، كنى به عن مانع قهرهم عن الإيمان. يقول الحق جل جلاله: يا محمد { إن الذين كفروا } بما أنزل إليك جهرا، وسبقت لهم مني الشقاوة سرا، لا ينفع فيهم الوعظ والإنذار، ولا البشارة والتذكار، فإنذارك وعدمه في حقهم سواء، لما سبق لهم مني الطرد والشقاء، فالتذكير في حقهم عناء، والغيبة عن أحوالهم راحة وهناء، لأني ختمت على قلوبهم بطابع الكفران، فلا يهتدون إلى إسلام ولا إيمان، ومنعت أسماعهم أن تصغي إلى الوعظ والتذكير، فلا ينجع فيهم تخويف ولا تحذير، وغشيت أبصارهم بظلمة الحجاب فلا يبصرون الحق والصواب، قد أعددتهم لعذابي ونقمتي، وطردتهم عن ساحة رحمتي ونعمتي. وإنما أمرتك بإنذارهم لإقامة الحجة عليهم، وإني وإن حكمت عليهم أنهم من أهل مخالفتي وعنادي فإني لا أظلم أحدا من خلقي وعبادي،
قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين
[الأنعام: 149]. فما ظلمتهم لأني بعثت الرسل مبشرين ومنذرين، ولكن ظلموا أنفسهم فكانوا هم الظالمين، فحكمتي اقتضيت الإنذار، وقدرتي اقتضت القهر والإجبار، فالواجب عليك أيها العبد أن تكون لك عينان: عين تنظر لحكمتي وشريعتي فتتأدب، وعين تنظر لقدرتي وحقيقتي فتسلم، وتكون بي الأمن والرهب، فلا تأمن مكري وإن أمنتك، ولا تيأس من حلمي وإن أبعدتك، فعلمي لا يحيط به محيط، إلا من هو بكل شيء محيط. الإشارة: إن الذين أنكروا وجود الخصوصية، جحدوا أهل مشاهدة الربوبية من أهل التربية النبوية، لا ينفع فيهم الوعظ والتذكير، بما سبق لهم في علم الملك القدير، فسواء عليهم أأنذرتهم وبال القطيعة والحجاب، أم لم تنذرهم لعدم فتح الباب، قد ختم الله على قلوبهم بالعوائد والشهوات، أو حلاوة الزهد والطاعات، أو تحرير المسائل والمشكلات، وعلى سمع قلوبهم بالخواطر والغفلات، وجعل على أبصارهم غشاوة الحجاب، فلا يبصرون إلا المحسوسات، غائبون عن أسرار المعاني وأنوار التجليات، بخلاف قلوب العارفين، فإنها ترى من أسرار المعاني ما لا يرى للناظرين، وفي ذلك يقول الشاعر:
قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يرى للناظرينا وألسنة بأسرار تناجي تغيب عن الكرام الكاتبينا وأجنحة تطير بغير ريش إلى ملكوت رب العالمينا
فسبحان من حجب العالمين بصلاحهم عن مصلحهم، وحجب العلماء بعلمهم عن معلومهم، واختص قوما بنفوذ عزائمهم إلى مشاهدة ذات محبوبهم، فهم في رياض ملكوته يتنزهون، وفي بحار جبروته يسبحون،
لمثل هذا فليعمل العاملون
[الصافات: 61]. ولما ذكر الحق - جل جلاله - من أعلن بالإنكار، ذكر من أسر بالجحود وأظهر الإقرار.
البقرة 2:7
قلت: { سواء } خبر مقدم، و { أنذرتهم } مبتدأ لسبك همزة التسوية، أي: الإنذار وعدمه سواء في حق هؤلاء الكفرة، والجملة خبر إن، و { غشاوة } مبتدأ، والجار قبله خبره، والغشاوة: ما يغشى الشيء ويغطيه، كنى به عن مانع قهرهم عن الإيمان. يقول الحق جل جلاله: يا محمد { إن الذين كفروا } بما أنزل إليك جهرا، وسبقت لهم مني الشقاوة سرا، لا ينفع فيهم الوعظ والإنذار، ولا البشارة والتذكار، فإنذارك وعدمه في حقهم سواء، لما سبق لهم مني الطرد والشقاء، فالتذكير في حقهم عناء، والغيبة عن أحوالهم راحة وهناء، لأني ختمت على قلوبهم بطابع الكفران، فلا يهتدون إلى إسلام ولا إيمان، ومنعت أسماعهم أن تصغي إلى الوعظ والتذكير، فلا ينجع فيهم تخويف ولا تحذير، وغشيت أبصارهم بظلمة الحجاب فلا يبصرون الحق والصواب، قد أعددتهم لعذابي ونقمتي، وطردتهم عن ساحة رحمتي ونعمتي. وإنما أمرتك بإنذارهم لإقامة الحجة عليهم، وإني وإن حكمت عليهم أنهم من أهل مخالفتي وعنادي فإني لا أظلم أحدا من خلقي وعبادي،
قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين
[الأنعام: 149]. فما ظلمتهم لأني بعثت الرسل مبشرين ومنذرين، ولكن ظلموا أنفسهم فكانوا هم الظالمين، فحكمتي اقتضيت الإنذار، وقدرتي اقتضت القهر والإجبار، فالواجب عليك أيها العبد أن تكون لك عينان: عين تنظر لحكمتي وشريعتي فتتأدب، وعين تنظر لقدرتي وحقيقتي فتسلم، وتكون بي الأمن والرهب، فلا تأمن مكري وإن أمنتك، ولا تيأس من حلمي وإن أبعدتك، فعلمي لا يحيط به محيط، إلا من هو بكل شيء محيط. الإشارة: إن الذين أنكروا وجود الخصوصية، جحدوا أهل مشاهدة الربوبية من أهل التربية النبوية، لا ينفع فيهم الوعظ والتذكير، بما سبق لهم في علم الملك القدير، فسواء عليهم أأنذرتهم وبال القطيعة والحجاب، أم لم تنذرهم لعدم فتح الباب، قد ختم الله على قلوبهم بالعوائد والشهوات، أو حلاوة الزهد والطاعات، أو تحرير المسائل والمشكلات، وعلى سمع قلوبهم بالخواطر والغفلات، وجعل على أبصارهم غشاوة الحجاب، فلا يبصرون إلا المحسوسات، غائبون عن أسرار المعاني وأنوار التجليات، بخلاف قلوب العارفين، فإنها ترى من أسرار المعاني ما لا يرى للناظرين، وفي ذلك يقول الشاعر:
قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يرى للناظرينا وألسنة بأسرار تناجي تغيب عن الكرام الكاتبينا وأجنحة تطير بغير ريش إلى ملكوت رب العالمينا
فسبحان من حجب العالمين بصلاحهم عن مصلحهم، وحجب العلماء بعلمهم عن معلومهم، واختص قوما بنفوذ عزائمهم إلى مشاهدة ذات محبوبهم، فهم في رياض ملكوته يتنزهون، وفي بحار جبروته يسبحون،
لمثل هذا فليعمل العاملون
[الصافات: 61]. ولما ذكر الحق - جل جلاله - من أعلن بالإنكار، ذكر من أسر بالجحود وأظهر الإقرار.
البقرة 2:8
قلت: { من } موصوفة مبتدأ، والخبر مقدم، أي: ومن الناس ناس يقولون كذا، والمخادعة: إظهار خلاف ما يخفي من المكروه، وأصل الخدع: الإخفاء، ومنه المخدع للبيت الذي يخبأ فيه المتاع. وقيل: الفساد لأن المنافقين يفسدون إيمانهم بما يخفون، وجملة { وما يشعرون } حالية، أي: غير شاعرين، والشعور: التفطن، وفعله من باب كرم ونصر. وليت شعري: أي: ليت فطنتي تدرك هذا، وجملة { في قلوبهم مرض } تعليلية للمخادعة، والمرض: الضعف والفتور، وهو هنا مرض القلوب بالشك والنفاق. والعياذ بالله. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس } من هم مغموص عليهم بالنفاق كبعض اليهود والمنافقين، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يقولون: { آمنا بالله وباليوم الآخر } وما هم في عداد المؤمنين، { يخادعون } بزعمهم { الله والذين آمنوا } بما يظهرون من الإيمان، { وما يخدعون } في الحقيقة { إلا أنفسهم } لأن وبال خداعهم راجع إليهم، { وما يشعرون } أن خداعهم وبال عليهم، وإنما حصلت لهم هذه المخادعة لأن { في قلوبهم } مرضا من الشك والحسد، فقلوبهم مذبذبة، وأنفسهم مغمومة، { فزادهم الله مرضا } على مرضهم بما ينزل عليهم من الآيات التي تفضحهم، { ولهم } في الآخرة - إذا قدموا على الله - { عذاب } موجع بسبب تكذيبهم رسول الله أو كذبهم على الله. هذا مضمن الآية. افتتح الحق - جل جلاله - بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالكافرين الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا، ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة لأنهم خلطوا بالكفر استهزاء وخداعا، ولذلك كانوا في الدرك الأسفل من النار. الإشارة: ومن الناس من يترامى بالدعوى على الخصوصية، ويدعي تحقيق مشاهدة الربوبية، وهو في الدرك الأسفل من العمومية، يظهر خلوص الإيمان وتحقيق العرفان، وهو في أودية الشكوك والخواطر حيران، وفي فيافي القطيعة والفرق ظمآن، لسانه منطلق بالدعوى، وقلبه خارب من الهدي، يخادع الله بالرضا عن عيوبه ومساوئه، ويخادع المسلمين بتزيين ظاهره، وباطنه معمور بحظوظه ومهاويه، يتزيى بزي العارفين ويتعامل معاملة الجاهلين، ويصدق عليه قول القائل:
أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها
وما يخادع في الحقيقة إلا نفسه، حيث حرمها الوصول، وتركها في أودية الأكوان تجول، قلبه بمرض الفرق والقطعية سقيم، وهو يظن أنه في عداد من يأتي الله بقلب سليم، فزاده الله مرضا على مرضه حيث رضي بسقمه وعيبه، وله عذاب الحرص والتعب في ضيق الحجاب والنصب بسبب كذبه على الله، وإنكاره على أولياء الله، فجزاؤه البعد والخذلان، وسوء العاقبة والحرمان، عائذا بالله من المكر والطغيان.
البقرة 2:9
قلت: { من } موصوفة مبتدأ، والخبر مقدم، أي: ومن الناس ناس يقولون كذا، والمخادعة: إظهار خلاف ما يخفي من المكروه، وأصل الخدع: الإخفاء، ومنه المخدع للبيت الذي يخبأ فيه المتاع. وقيل: الفساد لأن المنافقين يفسدون إيمانهم بما يخفون، وجملة { وما يشعرون } حالية، أي: غير شاعرين، والشعور: التفطن، وفعله من باب كرم ونصر. وليت شعري: أي: ليت فطنتي تدرك هذا، وجملة { في قلوبهم مرض } تعليلية للمخادعة، والمرض: الضعف والفتور، وهو هنا مرض القلوب بالشك والنفاق. والعياذ بالله. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس } من هم مغموص عليهم بالنفاق كبعض اليهود والمنافقين، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يقولون: { آمنا بالله وباليوم الآخر } وما هم في عداد المؤمنين، { يخادعون } بزعمهم { الله والذين آمنوا } بما يظهرون من الإيمان، { وما يخدعون } في الحقيقة { إلا أنفسهم } لأن وبال خداعهم راجع إليهم، { وما يشعرون } أن خداعهم وبال عليهم، وإنما حصلت لهم هذه المخادعة لأن { في قلوبهم } مرضا من الشك والحسد، فقلوبهم مذبذبة، وأنفسهم مغمومة، { فزادهم الله مرضا } على مرضهم بما ينزل عليهم من الآيات التي تفضحهم، { ولهم } في الآخرة - إذا قدموا على الله - { عذاب } موجع بسبب تكذيبهم رسول الله أو كذبهم على الله. هذا مضمن الآية. افتتح الحق - جل جلاله - بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالكافرين الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا، ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة لأنهم خلطوا بالكفر استهزاء وخداعا، ولذلك كانوا في الدرك الأسفل من النار. الإشارة: ومن الناس من يترامى بالدعوى على الخصوصية، ويدعي تحقيق مشاهدة الربوبية، وهو في الدرك الأسفل من العمومية، يظهر خلوص الإيمان وتحقيق العرفان، وهو في أودية الشكوك والخواطر حيران، وفي فيافي القطيعة والفرق ظمآن، لسانه منطلق بالدعوى، وقلبه خارب من الهدي، يخادع الله بالرضا عن عيوبه ومساوئه، ويخادع المسلمين بتزيين ظاهره، وباطنه معمور بحظوظه ومهاويه، يتزيى بزي العارفين ويتعامل معاملة الجاهلين، ويصدق عليه قول القائل:
أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها
وما يخادع في الحقيقة إلا نفسه، حيث حرمها الوصول، وتركها في أودية الأكوان تجول، قلبه بمرض الفرق والقطعية سقيم، وهو يظن أنه في عداد من يأتي الله بقلب سليم، فزاده الله مرضا على مرضه حيث رضي بسقمه وعيبه، وله عذاب الحرص والتعب في ضيق الحجاب والنصب بسبب كذبه على الله، وإنكاره على أولياء الله، فجزاؤه البعد والخذلان، وسوء العاقبة والحرمان، عائذا بالله من المكر والطغيان.
البقرة 2:10
قلت: { من } موصوفة مبتدأ، والخبر مقدم، أي: ومن الناس ناس يقولون كذا، والمخادعة: إظهار خلاف ما يخفي من المكروه، وأصل الخدع: الإخفاء، ومنه المخدع للبيت الذي يخبأ فيه المتاع. وقيل: الفساد لأن المنافقين يفسدون إيمانهم بما يخفون، وجملة { وما يشعرون } حالية، أي: غير شاعرين، والشعور: التفطن، وفعله من باب كرم ونصر. وليت شعري: أي: ليت فطنتي تدرك هذا، وجملة { في قلوبهم مرض } تعليلية للمخادعة، والمرض: الضعف والفتور، وهو هنا مرض القلوب بالشك والنفاق. والعياذ بالله. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس } من هم مغموص عليهم بالنفاق كبعض اليهود والمنافقين، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يقولون: { آمنا بالله وباليوم الآخر } وما هم في عداد المؤمنين، { يخادعون } بزعمهم { الله والذين آمنوا } بما يظهرون من الإيمان، { وما يخدعون } في الحقيقة { إلا أنفسهم } لأن وبال خداعهم راجع إليهم، { وما يشعرون } أن خداعهم وبال عليهم، وإنما حصلت لهم هذه المخادعة لأن { في قلوبهم } مرضا من الشك والحسد، فقلوبهم مذبذبة، وأنفسهم مغمومة، { فزادهم الله مرضا } على مرضهم بما ينزل عليهم من الآيات التي تفضحهم، { ولهم } في الآخرة - إذا قدموا على الله - { عذاب } موجع بسبب تكذيبهم رسول الله أو كذبهم على الله. هذا مضمن الآية. افتتح الحق - جل جلاله - بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالكافرين الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا، ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة لأنهم خلطوا بالكفر استهزاء وخداعا، ولذلك كانوا في الدرك الأسفل من النار. الإشارة: ومن الناس من يترامى بالدعوى على الخصوصية، ويدعي تحقيق مشاهدة الربوبية، وهو في الدرك الأسفل من العمومية، يظهر خلوص الإيمان وتحقيق العرفان، وهو في أودية الشكوك والخواطر حيران، وفي فيافي القطيعة والفرق ظمآن، لسانه منطلق بالدعوى، وقلبه خارب من الهدي، يخادع الله بالرضا عن عيوبه ومساوئه، ويخادع المسلمين بتزيين ظاهره، وباطنه معمور بحظوظه ومهاويه، يتزيى بزي العارفين ويتعامل معاملة الجاهلين، ويصدق عليه قول القائل:
أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها
وما يخادع في الحقيقة إلا نفسه، حيث حرمها الوصول، وتركها في أودية الأكوان تجول، قلبه بمرض الفرق والقطعية سقيم، وهو يظن أنه في عداد من يأتي الله بقلب سليم، فزاده الله مرضا على مرضه حيث رضي بسقمه وعيبه، وله عذاب الحرص والتعب في ضيق الحجاب والنصب بسبب كذبه على الله، وإنكاره على أولياء الله، فجزاؤه البعد والخذلان، وسوء العاقبة والحرمان، عائذا بالله من المكر والطغيان.
البقرة 2:11
قلت: { إذا } ظرف خافض لشرطه منصوب بجوابه، أي: قالوا نحن مصلحون، وقت قول القائل لهم: لا تفسدوا، والجملة بيان وتقرير لخداعهم، أو معطوفة على
من يقول ءامنا
[البقرة: 8]، أي: ومن الناس فرقة إذا قيل لهم: لا تفسدوا، قالوا: إنما نحن مصلحون. يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل } لهؤلاء المنافقين: { لا تفسدوا في الأرض } بالمعاصي والتعويق عن الإيمان، وإغراء أهل الكفر والطغيان على أهل الإسلام والإيمان، وتهييج الحروب والفتن، وإظهار الهرج والمرج والمحن، وإفشاء أسرار المسلمين إلى أعدائهم الكافرين، فإن ذلك يؤدي إلى فساد النظام، وقطع مواد الإنعام، { قالوا } في جوابهم الفاسد: { إنما نحن مصلحون } في ذلك، فلا تصح مخاطبتنا بذلك، فإن من شأننا الإصلاح والإرشاد، وحالنا خالص من شوائب الفساد، قال تعالى: { ألا إنهم هم المفسدون } هنالك، ولكن لا شعور لهم بذلك. قلت: فرد الله ما ادعوه من الانتظام في سلك المصلحين بأقبح رد وأبلغه، من وجوه الاستئناف الذي في الجملة، والاستفتاح بالتنبيه، والتأكيد بإن وضمير الفعل، وتعريف الخبر، والتعبير بنفي الشعور، إذ لو شعروا أدنى شعور لتحققوا أنهم مفسدون. وهذه الآية عامة لكل من اشتغل بما لا يعنيه، وعوق عن طريق الخصوص، ففيه شعبة من النفاق، وفي صحيح البخاري:
" ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتمن خان ".
الإشارة: وإذ قيل لمن يشتغل بالتعويق عن طريق الله والإنكار على أولياء الله: أقصر من هذا الإفساد، وارجع عن هذا الغي والعناد، فقد ظهرت معالم الإرشاد لأهل المحبة والوداد. قال: إنما أنا مصلح ناصح، وفي أحوالي كلها صالح، يقول له الحق جل جلاله: بل أفسدت قلوب عبادي، ورددتهم عن طريق محبتي وودادي، وعوقتهم عن دخول حضرتي، وحرمتهم شهود ذاتي وصفاتي، سددت بابي في وجه أحبابي، آيستهم من وجود التربية، وتحكمت على القدرة الأزلية، ولكنك لا تشعر بما أنت فيه من البلية. ولقد صدق من سبقت له العناية، وأتحف بالرعاية والهداية، حيث يقول:
فهذه طريقة الإشراق كانت وتبقى ما الوجود باق
وقال أيضا:
وأنكروه ملا عوام لم يفهموا مقصوده فهاموا
فتب أيها المذكر قبل الفوات، واطلب من يأخذ بيدك قبل الممات، لئلا تلقى الله بقلب سقيم، فتكون في الحضيض الأسفل من عذابه الأليم، فسبب العذاب وجود الحجاب، وإتمام النعيم النظر لوجهه الكريم، منحنا الله منه الحظ الأوفى في الدنيا والآخرة. آمين.
البقرة 2:12
قلت: { إذا } ظرف خافض لشرطه منصوب بجوابه، أي: قالوا نحن مصلحون، وقت قول القائل لهم: لا تفسدوا، والجملة بيان وتقرير لخداعهم، أو معطوفة على
من يقول ءامنا
[البقرة: 8]، أي: ومن الناس فرقة إذا قيل لهم: لا تفسدوا، قالوا: إنما نحن مصلحون. يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل } لهؤلاء المنافقين: { لا تفسدوا في الأرض } بالمعاصي والتعويق عن الإيمان، وإغراء أهل الكفر والطغيان على أهل الإسلام والإيمان، وتهييج الحروب والفتن، وإظهار الهرج والمرج والمحن، وإفشاء أسرار المسلمين إلى أعدائهم الكافرين، فإن ذلك يؤدي إلى فساد النظام، وقطع مواد الإنعام، { قالوا } في جوابهم الفاسد: { إنما نحن مصلحون } في ذلك، فلا تصح مخاطبتنا بذلك، فإن من شأننا الإصلاح والإرشاد، وحالنا خالص من شوائب الفساد، قال تعالى: { ألا إنهم هم المفسدون } هنالك، ولكن لا شعور لهم بذلك. قلت: فرد الله ما ادعوه من الانتظام في سلك المصلحين بأقبح رد وأبلغه، من وجوه الاستئناف الذي في الجملة، والاستفتاح بالتنبيه، والتأكيد بإن وضمير الفعل، وتعريف الخبر، والتعبير بنفي الشعور، إذ لو شعروا أدنى شعور لتحققوا أنهم مفسدون. وهذه الآية عامة لكل من اشتغل بما لا يعنيه، وعوق عن طريق الخصوص، ففيه شعبة من النفاق، وفي صحيح البخاري:
" ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتمن خان ".
الإشارة: وإذ قيل لمن يشتغل بالتعويق عن طريق الله والإنكار على أولياء الله: أقصر من هذا الإفساد، وارجع عن هذا الغي والعناد، فقد ظهرت معالم الإرشاد لأهل المحبة والوداد. قال: إنما أنا مصلح ناصح، وفي أحوالي كلها صالح، يقول له الحق جل جلاله: بل أفسدت قلوب عبادي، ورددتهم عن طريق محبتي وودادي، وعوقتهم عن دخول حضرتي، وحرمتهم شهود ذاتي وصفاتي، سددت بابي في وجه أحبابي، آيستهم من وجود التربية، وتحكمت على القدرة الأزلية، ولكنك لا تشعر بما أنت فيه من البلية. ولقد صدق من سبقت له العناية، وأتحف بالرعاية والهداية، حيث يقول:
فهذه طريقة الإشراق كانت وتبقى ما الوجود باق
وقال أيضا:
وأنكروه ملا عوام لم يفهموا مقصوده فهاموا
فتب أيها المذكر قبل الفوات، واطلب من يأخذ بيدك قبل الممات، لئلا تلقى الله بقلب سقيم، فتكون في الحضيض الأسفل من عذابه الأليم، فسبب العذاب وجود الحجاب، وإتمام النعيم النظر لوجهه الكريم، منحنا الله منه الحظ الأوفى في الدنيا والآخرة. آمين.
البقرة 2:13
قلت: الكاف من { كما آمن } صفة لمصدر محذوف، و { ما } مصدرية. أي: إذا قيل لهم آمنوا إيمانا خالصا من النفاق مثل إيمان المسلمين، أو من أسلم من جلدتهم، والسفه: خفة وطيش في العقل، يقال: ثوب سفيه، أي: خفيف. يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل } لهؤلاء المنافقين من المشركين واليهود: اتركوا ما أنتم عليه من الكفر والجحود، وراقبوا الملك المعبود، وطهروا قلوبكم من الكفر والنفاق، وأقصروا مما أنتم فيه من العباد والشقاق و { آمنوا } إيمانا خالصا مثل إيمان المسلمين، لتكونوا معهم في أعلى عليين، " من أحب قوما حشر معهم ". " المرء مع من أحب " ، { قالوا } مترجمين عما في قلوبهم من الكفر والنفاق: { أنؤمن كما آمن السفهاء } الذين لا عقل لهم، إذ جلهم فقراء وموالي. قال الحق تعالى في الرد عليهم وتقبيح رأيهم: { ألا إنهم هم السفهاء } لا غيرهم، حيث تركوا ما هو السبب في الفوز العظيم بالنعيم المقيم، وارتكبوا ما استوجبوا به الخلود في الدرك الأسفل من الجحيم { ولكن لا يعلمون } ،
وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون
[الشعراء: 227]، عبر الحق في هذه الآية ب { لا يعلمون } وفي الأولى ب
لا يشعرون
[الأعراف: 95] لأن الفساد في الأرض يدرك بأدنى شعور، بخلاف الإيمان والتمييز بين الحق والباطل فيحتاج إلى زيادة تفكر واكتساب علم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وإذا قيل لأهل الإنكار على أهل الخصوصية، القاصدين مشاهدة عظمة الربوبية، قد تجردوا عن لباس العز والاشتهار، ولبسوا أطمار الذل والافتقار، آمنوا بطريق هؤلاء المخصوصين، وادخلوا معهم كي تكونوا من المقربين. قالوا: { أنؤمن كما آمن السفهاء } ونترك ما نحن عليه من العز والكبرياء، قال الله تعالى في تسفيه رأيهم وتقبيح شأنهم: { ألا إنهم هم السفهاء } حيث تعززوا بعز يفنى، وتركوا العز الذي لا يفنى، قال الشاعر:
تذلل لمن تهوى لتكسب عزة فكم عزة قد نالها المرء بالذل إذا كان من تهوى عزيزا، ولم تكن ذليلا له، فاقر السلام على الوصل
فلو علموا ما في طي الذل من العز، وما في طي الفقر من الغنى، لجالدوا عليه بالسيوف، ولكن لا يعلمون.
البقرة 2:14
قلت: اللقاء: المصادفة بلا قصد، والخلو بالشيء أو معه: الانفراد به، ضمنه هنا معنى رجع، ولذلك تعدى بإلى، والشيطان فيعال، من شطن، إذا بعد، أو فعلان من شاط، إذا بطل، والاستهزاء بالشيء: الاستخفاف بحقه، والعمه في البصيرة كالعمى في البصر. يقول الحق جل جلاله: في وصف المنافقين تقريرا لنفاقهم: إنهم كانوا { إذا لقوا } الصحابة أظهروا الإيمان، وإذا رجعوا { إلى شياطينهم } أي: كبرائهم المتمردين في الكفر والطغيان، { قالوا إنا معكم } لم نخرج عن ديننا { إنما نحن مستهزئون } بهم، ومستسخرون بشأنهم، نزلت في عبد الله بن أبي - رأس المنافقين - كان إذا لقي سعدا قال: نعم الدين دين محمد، وإذا خلا برؤساء قومه من أهل الكفر، شدوا أيديكم على دين آبائكم. وخرج ذات يوم مع أصحابه فاستقبلهم نفر من الصحابة - رضوان الله عليهم - فقال عبد الله لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه فقال: مرحبا بالصديق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد عمر، فقال: مرحبا بسيد بني عدي بن كعب، الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبا بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، سيد بني هاشم، ما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه: يا عبد الله، اتق الله ولا تنافق، فإن المنافقين شر خليقة الله، فقال عبد الله: مهلا يا أبا الحسن، أنى تقول هذا؟ والله إن إيماننا كإيمانكم، وتصديقنا كتصديقكم، فنزلت الآية. ثم رد الله تعالى عليهم فقال: { الله يستهزئ بهم } أي: يفعل بهم فعل المستهزئ بأن يفتح لهم بابا إلى الجنة وهم في النار، ويطلع المؤمنين عليهم، فيقول لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاءوا يستبقون إليها وطمعوا في الدخول، سدت عليهم ورجعوا إلى النار،
فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون
[المطففين: 34] الآية. { ويمدهم } أي: يمهلهم { في } كفرهم، و { طغيانهم } يتحيرون إلى يوم يبعثون لأنهم { اشتروا الضلالة بالهدى } أي: استبدلوا بها رأس مالهم، فضلا عن الربح، إذ الإيمان رأس المال، وأعمال الطاعات ربح، فإذا ذهب الرأس فلا ربح ولذلك قال تعالى: { فما ربحت تجارتهم } ، بل خسرت صفقتهم، { وما كانوا مهتدين } إلى أسباب الربح أبدا، لاستبدالهم الهدى - التي هي رأس المال - بالضلالة - التي هي سبب الخسران. وبالله التوفيق. وها هنا استعارات وبلاغات يطول سردها، إذ مرادنا تربية اليقين بكلام رب العالمين. الإشارة: الناس في طريق الخصوص على أربعة أقسام: قسم: سبقت لهم من الله العناية، وهبت عليهم ريح الهداية: فصدقوا ودخلوا فيها، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فتجروا فيه وربحوا، فعوضهم الله تعالى جنة المعارف، يتبوؤون منها حيث شاءوا، فإذا قدموا عليه أدخلهم جنة الزخارف، يسرحون فيها حيث شاءوا، وأتحفهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم.
وقسم: سبقت لهم من الله الهداية، وحفتهم الرعاية، فصدقوا وأقروا، ولكنهم ضعفوا عن الدخول، ولم تتعلق همتهم بالوصول، فبقوا في ضعفاء المسلمين
ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل...
[التوبة: 91]. وقسم: أنكروا وأظهروا وجحدوا وكفروا، فتجروا وخسروا، " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ". وقسم رابع: هم مذبذبون بين ذلك إذا لقوا أهل الخصوصية قالوا: آمنا وصدقنا فأنتم على الجادة، وإذا رجعوا إلى أهل التمرد من المنكرين - طعنوا وجحدوا، وقالوا: إنما كنا بهم مستهزئين، { الله يستهزئ بهم } بما يظهر لهم من صور الكرامات والاستدراجات، ويمدهم في تعاطي العوائد والشهوات، وطلب العلو والرئاسات، متحيرين في مهامه الخواطر والغفلات، { أولئك الذي اشتروا الضلالة } عن طريق الخصوص من أهل الوصول، { بالهدى } الذي كان بيدهم، لو حصل لهم التصديق والدخول، فما ربحوا في تجارتهم، وما كانوا مهتدين إلى بلوغ المأمول. قال بعض العارفين: التصديق بطريقتنا ولاية، والدخول فيها عناية، والانتقاد عليها جناية. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:15
قلت: اللقاء: المصادفة بلا قصد، والخلو بالشيء أو معه: الانفراد به، ضمنه هنا معنى رجع، ولذلك تعدى بإلى، والشيطان فيعال، من شطن، إذا بعد، أو فعلان من شاط، إذا بطل، والاستهزاء بالشيء: الاستخفاف بحقه، والعمه في البصيرة كالعمى في البصر. يقول الحق جل جلاله: في وصف المنافقين تقريرا لنفاقهم: إنهم كانوا { إذا لقوا } الصحابة أظهروا الإيمان، وإذا رجعوا { إلى شياطينهم } أي: كبرائهم المتمردين في الكفر والطغيان، { قالوا إنا معكم } لم نخرج عن ديننا { إنما نحن مستهزئون } بهم، ومستسخرون بشأنهم، نزلت في عبد الله بن أبي - رأس المنافقين - كان إذا لقي سعدا قال: نعم الدين دين محمد، وإذا خلا برؤساء قومه من أهل الكفر، شدوا أيديكم على دين آبائكم. وخرج ذات يوم مع أصحابه فاستقبلهم نفر من الصحابة - رضوان الله عليهم - فقال عبد الله لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه فقال: مرحبا بالصديق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد عمر، فقال: مرحبا بسيد بني عدي بن كعب، الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبا بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، سيد بني هاشم، ما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه: يا عبد الله، اتق الله ولا تنافق، فإن المنافقين شر خليقة الله، فقال عبد الله: مهلا يا أبا الحسن، أنى تقول هذا؟ والله إن إيماننا كإيمانكم، وتصديقنا كتصديقكم، فنزلت الآية. ثم رد الله تعالى عليهم فقال: { الله يستهزئ بهم } أي: يفعل بهم فعل المستهزئ بأن يفتح لهم بابا إلى الجنة وهم في النار، ويطلع المؤمنين عليهم، فيقول لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاءوا يستبقون إليها وطمعوا في الدخول، سدت عليهم ورجعوا إلى النار،
فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون
[المطففين: 34] الآية. { ويمدهم } أي: يمهلهم { في } كفرهم، و { طغيانهم } يتحيرون إلى يوم يبعثون لأنهم { اشتروا الضلالة بالهدى } أي: استبدلوا بها رأس مالهم، فضلا عن الربح، إذ الإيمان رأس المال، وأعمال الطاعات ربح، فإذا ذهب الرأس فلا ربح ولذلك قال تعالى: { فما ربحت تجارتهم } ، بل خسرت صفقتهم، { وما كانوا مهتدين } إلى أسباب الربح أبدا، لاستبدالهم الهدى - التي هي رأس المال - بالضلالة - التي هي سبب الخسران. وبالله التوفيق. وها هنا استعارات وبلاغات يطول سردها، إذ مرادنا تربية اليقين بكلام رب العالمين. الإشارة: الناس في طريق الخصوص على أربعة أقسام: قسم: سبقت لهم من الله العناية، وهبت عليهم ريح الهداية: فصدقوا ودخلوا فيها، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فتجروا فيه وربحوا، فعوضهم الله تعالى جنة المعارف، يتبوؤون منها حيث شاءوا، فإذا قدموا عليه أدخلهم جنة الزخارف، يسرحون فيها حيث شاءوا، وأتحفهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم.
وقسم: سبقت لهم من الله الهداية، وحفتهم الرعاية، فصدقوا وأقروا، ولكنهم ضعفوا عن الدخول، ولم تتعلق همتهم بالوصول، فبقوا في ضعفاء المسلمين
ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل...
[التوبة: 91]. وقسم: أنكروا وأظهروا وجحدوا وكفروا، فتجروا وخسروا، " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ". وقسم رابع: هم مذبذبون بين ذلك إذا لقوا أهل الخصوصية قالوا: آمنا وصدقنا فأنتم على الجادة، وإذا رجعوا إلى أهل التمرد من المنكرين - طعنوا وجحدوا، وقالوا: إنما كنا بهم مستهزئين، { الله يستهزئ بهم } بما يظهر لهم من صور الكرامات والاستدراجات، ويمدهم في تعاطي العوائد والشهوات، وطلب العلو والرئاسات، متحيرين في مهامه الخواطر والغفلات، { أولئك الذي اشتروا الضلالة } عن طريق الخصوص من أهل الوصول، { بالهدى } الذي كان بيدهم، لو حصل لهم التصديق والدخول، فما ربحوا في تجارتهم، وما كانوا مهتدين إلى بلوغ المأمول. قال بعض العارفين: التصديق بطريقتنا ولاية، والدخول فيها عناية، والانتقاد عليها جناية. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:16
قلت: اللقاء: المصادفة بلا قصد، والخلو بالشيء أو معه: الانفراد به، ضمنه هنا معنى رجع، ولذلك تعدى بإلى، والشيطان فيعال، من شطن، إذا بعد، أو فعلان من شاط، إذا بطل، والاستهزاء بالشيء: الاستخفاف بحقه، والعمه في البصيرة كالعمى في البصر. يقول الحق جل جلاله: في وصف المنافقين تقريرا لنفاقهم: إنهم كانوا { إذا لقوا } الصحابة أظهروا الإيمان، وإذا رجعوا { إلى شياطينهم } أي: كبرائهم المتمردين في الكفر والطغيان، { قالوا إنا معكم } لم نخرج عن ديننا { إنما نحن مستهزئون } بهم، ومستسخرون بشأنهم، نزلت في عبد الله بن أبي - رأس المنافقين - كان إذا لقي سعدا قال: نعم الدين دين محمد، وإذا خلا برؤساء قومه من أهل الكفر، شدوا أيديكم على دين آبائكم. وخرج ذات يوم مع أصحابه فاستقبلهم نفر من الصحابة - رضوان الله عليهم - فقال عبد الله لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه فقال: مرحبا بالصديق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد عمر، فقال: مرحبا بسيد بني عدي بن كعب، الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبا بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، سيد بني هاشم، ما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه: يا عبد الله، اتق الله ولا تنافق، فإن المنافقين شر خليقة الله، فقال عبد الله: مهلا يا أبا الحسن، أنى تقول هذا؟ والله إن إيماننا كإيمانكم، وتصديقنا كتصديقكم، فنزلت الآية. ثم رد الله تعالى عليهم فقال: { الله يستهزئ بهم } أي: يفعل بهم فعل المستهزئ بأن يفتح لهم بابا إلى الجنة وهم في النار، ويطلع المؤمنين عليهم، فيقول لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاءوا يستبقون إليها وطمعوا في الدخول، سدت عليهم ورجعوا إلى النار،
فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون
[المطففين: 34] الآية. { ويمدهم } أي: يمهلهم { في } كفرهم، و { طغيانهم } يتحيرون إلى يوم يبعثون لأنهم { اشتروا الضلالة بالهدى } أي: استبدلوا بها رأس مالهم، فضلا عن الربح، إذ الإيمان رأس المال، وأعمال الطاعات ربح، فإذا ذهب الرأس فلا ربح ولذلك قال تعالى: { فما ربحت تجارتهم } ، بل خسرت صفقتهم، { وما كانوا مهتدين } إلى أسباب الربح أبدا، لاستبدالهم الهدى - التي هي رأس المال - بالضلالة - التي هي سبب الخسران. وبالله التوفيق. وها هنا استعارات وبلاغات يطول سردها، إذ مرادنا تربية اليقين بكلام رب العالمين. الإشارة: الناس في طريق الخصوص على أربعة أقسام: قسم: سبقت لهم من الله العناية، وهبت عليهم ريح الهداية: فصدقوا ودخلوا فيها، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فتجروا فيه وربحوا، فعوضهم الله تعالى جنة المعارف، يتبوؤون منها حيث شاءوا، فإذا قدموا عليه أدخلهم جنة الزخارف، يسرحون فيها حيث شاءوا، وأتحفهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم.
وقسم: سبقت لهم من الله الهداية، وحفتهم الرعاية، فصدقوا وأقروا، ولكنهم ضعفوا عن الدخول، ولم تتعلق همتهم بالوصول، فبقوا في ضعفاء المسلمين
ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل...
[التوبة: 91]. وقسم: أنكروا وأظهروا وجحدوا وكفروا، فتجروا وخسروا، " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ". وقسم رابع: هم مذبذبون بين ذلك إذا لقوا أهل الخصوصية قالوا: آمنا وصدقنا فأنتم على الجادة، وإذا رجعوا إلى أهل التمرد من المنكرين - طعنوا وجحدوا، وقالوا: إنما كنا بهم مستهزئين، { الله يستهزئ بهم } بما يظهر لهم من صور الكرامات والاستدراجات، ويمدهم في تعاطي العوائد والشهوات، وطلب العلو والرئاسات، متحيرين في مهامه الخواطر والغفلات، { أولئك الذي اشتروا الضلالة } عن طريق الخصوص من أهل الوصول، { بالهدى } الذي كان بيدهم، لو حصل لهم التصديق والدخول، فما ربحوا في تجارتهم، وما كانوا مهتدين إلى بلوغ المأمول. قال بعض العارفين: التصديق بطريقتنا ولاية، والدخول فيها عناية، والانتقاد عليها جناية. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:17
قلت: { استوقد } يحتمل أن تكون للطلب، أو زائدة بمعنى أوقد، و { لما } شرطية، و { ذهب } جواب، وإذا كان لفظ الموصول مفردا واقعا على جماعة، يصح في الضمير مراعاة لفظه فيفرد، ومعناه فيجمع، فأفرد في الآية أولا، وجمع ثانيا، ويقال: أضاء يضيء إضاءة، وضاء يضوء ضوءا. يقول الحق جل جلاله: مثل هؤلاء المنافقين من اليهود { كمثل } رجل في ظلمة، تائه في الطريق، فاستوقد نارا ليبصر طريق، فاستوقد نارا ليبصر طريق القصد { فلما } اشتغلت و { أضاءت ما حوله } فأبصر الطريق، وظهرت له معالم التحقيق، أطفأ الله تلك النار وأذهب نورها، ولم يبق إلا جمرها وحرها. كذلك اليهود كانوا في ظلمة الكفر والمعاصي ينتظرون ظهور نور النبي صلى الله عليه وسلم ويطلبونه، فلما قدم عليهم، وأشرقت أنواره بين أيديهم كفروا به، فأذهب الله عنهم نوره، { وتركهم في ظلمات } الكفر والشك والنفاق، { لا يبصرون } ولا يهتدون، { صم } عن سماع الحق، { بكم } عن النطق به { عمي } عن رؤية نوره، { فهم لا يرجعون } عن غيهم، ولا يقصرون عن ضلالتهم. الإشارة: مثل من كان في ظلمات الحجاب قد أحاطت به الشكوك والارتياب، وهو يطلب من يأخذ بيده ويهديه إلى طريق رشده، فلما ظهرت أنوار العارفين، وأحدقت به أسرار المقربين، حتى أشرقت من نورهم أقطار البلاد، وحيي بهم جل العباد، أنكرهم وبعد منهم، فتصامم عن سماع وعظهم، وتباكم عن تصديقهم، وعمي عن شهود خصوصيتهم، فلا رجوع له عن حظوظه وهواه، ولا انزجار له عن العكوف على متابعة دنياه، مثله كمن كان في ظلمات الليل ضالا عن الطريق، فاستوقد نارا لتظهر له الطريق، فلما اشتعلت وأضاءت ما حوله أذهب الله نورها، وبقي جمرها وحرها، وهذه سنة ماضية: لا ينتفع بالولي إلا من كان بعيدا منه. وفي الحديث:
" أزهد الناس في العالم جيرانه "
، وقد مثلوا الولي بالنهر الجاري كلما بعد جريه عم الانتفاع به، ومثلوه أيضا بالنخلة لا تظل إلا عن بعد. والله تعالى أعلم.
البقرة 2:18
قلت: { استوقد } يحتمل أن تكون للطلب، أو زائدة بمعنى أوقد، و { لما } شرطية، و { ذهب } جواب، وإذا كان لفظ الموصول مفردا واقعا على جماعة، يصح في الضمير مراعاة لفظه فيفرد، ومعناه فيجمع، فأفرد في الآية أولا، وجمع ثانيا، ويقال: أضاء يضيء إضاءة، وضاء يضوء ضوءا. يقول الحق جل جلاله: مثل هؤلاء المنافقين من اليهود { كمثل } رجل في ظلمة، تائه في الطريق، فاستوقد نارا ليبصر طريق، فاستوقد نارا ليبصر طريق القصد { فلما } اشتغلت و { أضاءت ما حوله } فأبصر الطريق، وظهرت له معالم التحقيق، أطفأ الله تلك النار وأذهب نورها، ولم يبق إلا جمرها وحرها. كذلك اليهود كانوا في ظلمة الكفر والمعاصي ينتظرون ظهور نور النبي صلى الله عليه وسلم ويطلبونه، فلما قدم عليهم، وأشرقت أنواره بين أيديهم كفروا به، فأذهب الله عنهم نوره، { وتركهم في ظلمات } الكفر والشك والنفاق، { لا يبصرون } ولا يهتدون، { صم } عن سماع الحق، { بكم } عن النطق به { عمي } عن رؤية نوره، { فهم لا يرجعون } عن غيهم، ولا يقصرون عن ضلالتهم. الإشارة: مثل من كان في ظلمات الحجاب قد أحاطت به الشكوك والارتياب، وهو يطلب من يأخذ بيده ويهديه إلى طريق رشده، فلما ظهرت أنوار العارفين، وأحدقت به أسرار المقربين، حتى أشرقت من نورهم أقطار البلاد، وحيي بهم جل العباد، أنكرهم وبعد منهم، فتصامم عن سماع وعظهم، وتباكم عن تصديقهم، وعمي عن شهود خصوصيتهم، فلا رجوع له عن حظوظه وهواه، ولا انزجار له عن العكوف على متابعة دنياه، مثله كمن كان في ظلمات الليل ضالا عن الطريق، فاستوقد نارا لتظهر له الطريق، فلما اشتعلت وأضاءت ما حوله أذهب الله نورها، وبقي جمرها وحرها، وهذه سنة ماضية: لا ينتفع بالولي إلا من كان بعيدا منه. وفي الحديث:
" أزهد الناس في العالم جيرانه "
، وقد مثلوا الولي بالنهر الجاري كلما بعد جريه عم الانتفاع به، ومثلوه أيضا بالنخلة لا تظل إلا عن بعد. والله تعالى أعلم.
البقرة 2:19
قلت: { أو } للتنويع، أو بمعنى الواو، و { الصيب }: المطر، فيعل، من صاب المطر إذا نزل، وهو على حذف مضاف، أي: أو كذي صيب، وأصله: صيوب، كسيد، قلبت الواو ياء وأدغمت، ولا يوجد هذا إلا في المعتل كميت وهين وضيق وطيب. و { الرعد }: الصوت الذي يخرج من السحاب، و { البرق }: النور الذي يخرج منه. قال ابن عزيز: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الله عز وجل ينشىء السحاب فتنطق أحسن النطق، وتضحك أحسن الضحك، فنطقها الرعد، وضحكها البرق "
وقال ابن عباس: " الرعد ملك يسوق السحاب، والبرق سوط من نور يزجر به السحاب. ه. والصواعق: قطعة من نار تسقط من المخراق الذي بيد سائق السحاب، وقيل: تسقط من نار بين السماء والأرض، والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: ومثل المنافقين أيضا كأصحاب مطر غزير { فيه ظلمات ورعد } وهدير أصابهم في ليلة مظلمة وقفراء مدلهمة. فيه { برق } يلمع، وصاعقة تقمع، إذا ضرب الرعد وعظم صوته جعلوا { أصابعهم في آذانهم } من الهول والخوف حذرا من موت أنفسهم، وقد ماتت أرواحهم وقلوبهم، وإذا ضرب البرق كاد { أن يخطف أبصارهم } ، فإذا لمع أبصروا الطريق، و { مشوا فيه، وإذا أظلم عيهم قاموا } متحيرين حائدين عن عين التحقيق،
والله من ورآئهم محيط
[البروج: 20]. { ولو شاء الله لذهب بسمعهم } بصوت ذلك الرعد، { وأبصارهم } بلمعان ذلك البرق، { إن الله على كل شيء قدير } لا يعجزه شيء. هذا مثلهم في تحيرهم واضطرابهم، فيحتمل أن يكون من التشبيه المركب، وهو تشبيه الجملة بالجملة، أو من المفصل، فيكون المطر مثالا للقرآن، وفيه ذكر الكفر والنفاق المشبهين بالظلمات، والوعد عليه والزجر المشبه بالرعد، والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا تبهرهم المشبهة بالبرق، وتخوفهم وروعهم هو جعل أصابعهم في آذانهم، لئلا يسمعون فيميلوا إلى الإيمان، وفضح نفاقهم وتكاليف الشرع التي يكرهونها هي الصواعق. والله تعالى أعلم. الإشارة: أهل الخصوصية إذا ظهروا بين العموم بأحوال غريبة وعلوم وهبية، وأسرار ربانية وأذكار نورانية، دهشوا منهم وتحيروا في أمرهم، وخافوا على أنفسهم، فإذا سمعوا منهم علوما لدنية وأسرارا ربانية فروا منها، وجعلوا أصابعهم في آذانهم، خوفا على نفسهم أن تفارق عوائدها وهواها، وإذا خاصمهم أحد من العموم ألجموه بالحجة، فتكاد تلك الحجة تخطفه إلى الحضرة، كلما لمع له شيء من الحق مشى إلى حضرته، وإذا كرت عليه الخصوم والخواطر، وأظلم عليه الحال، وقف في الباب حيران، ولو شاء الله لذهب بعقله وسمعه وبصره، فيبصر به إلى حضرته. من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية
وكان الله على كل شىء مقتدرا
[الكهف: 45]. فالصيب الذي نزل من السماء كناية عن الواردات والأحوال التي ترد على قلوب العارفين، ويظهر أثرها على جوارحهم، والظلمات التي فيها كناية عن اختفاء بعضها عن أهل الشريعة فينكرونها، والرعد كناية عن اللهج بذكر الله جهرا في المحافل والحلق، والبرق كناية عن العلوم الغريبة التي ينطقون بها والحجج التي يحتجون بها على الخصوم، فإذا سمعها العوام اشمأزت قلوبهم عن قبولها، فإذا وقع منهم إنصاف تحققوا صحتها فمالوا إلى جهتها، ومشوا إلى ناحيتها، فإذا كرت عليهم الخصوم قاموا منكرين، ولو شاء ربك لهدى الناس جميعا
ولا يزالون مختلفين
[هود: 118]. ولما ذكر الحق من تخلق بالإيمان ظاهرا وباطنا، ومن تحلى به كذلك، ومن أخفى الكفر وأظهر الإيمان، دعا الكل إلى توحيده وعبادته.
البقرة 2:20
قلت: { أو } للتنويع، أو بمعنى الواو، و { الصيب }: المطر، فيعل، من صاب المطر إذا نزل، وهو على حذف مضاف، أي: أو كذي صيب، وأصله: صيوب، كسيد، قلبت الواو ياء وأدغمت، ولا يوجد هذا إلا في المعتل كميت وهين وضيق وطيب. و { الرعد }: الصوت الذي يخرج من السحاب، و { البرق }: النور الذي يخرج منه. قال ابن عزيز: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الله عز وجل ينشىء السحاب فتنطق أحسن النطق، وتضحك أحسن الضحك، فنطقها الرعد، وضحكها البرق "
وقال ابن عباس: " الرعد ملك يسوق السحاب، والبرق سوط من نور يزجر به السحاب. ه. والصواعق: قطعة من نار تسقط من المخراق الذي بيد سائق السحاب، وقيل: تسقط من نار بين السماء والأرض، والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: ومثل المنافقين أيضا كأصحاب مطر غزير { فيه ظلمات ورعد } وهدير أصابهم في ليلة مظلمة وقفراء مدلهمة. فيه { برق } يلمع، وصاعقة تقمع، إذا ضرب الرعد وعظم صوته جعلوا { أصابعهم في آذانهم } من الهول والخوف حذرا من موت أنفسهم، وقد ماتت أرواحهم وقلوبهم، وإذا ضرب البرق كاد { أن يخطف أبصارهم } ، فإذا لمع أبصروا الطريق، و { مشوا فيه، وإذا أظلم عيهم قاموا } متحيرين حائدين عن عين التحقيق،
والله من ورآئهم محيط
[البروج: 20]. { ولو شاء الله لذهب بسمعهم } بصوت ذلك الرعد، { وأبصارهم } بلمعان ذلك البرق، { إن الله على كل شيء قدير } لا يعجزه شيء. هذا مثلهم في تحيرهم واضطرابهم، فيحتمل أن يكون من التشبيه المركب، وهو تشبيه الجملة بالجملة، أو من المفصل، فيكون المطر مثالا للقرآن، وفيه ذكر الكفر والنفاق المشبهين بالظلمات، والوعد عليه والزجر المشبه بالرعد، والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا تبهرهم المشبهة بالبرق، وتخوفهم وروعهم هو جعل أصابعهم في آذانهم، لئلا يسمعون فيميلوا إلى الإيمان، وفضح نفاقهم وتكاليف الشرع التي يكرهونها هي الصواعق. والله تعالى أعلم. الإشارة: أهل الخصوصية إذا ظهروا بين العموم بأحوال غريبة وعلوم وهبية، وأسرار ربانية وأذكار نورانية، دهشوا منهم وتحيروا في أمرهم، وخافوا على أنفسهم، فإذا سمعوا منهم علوما لدنية وأسرارا ربانية فروا منها، وجعلوا أصابعهم في آذانهم، خوفا على نفسهم أن تفارق عوائدها وهواها، وإذا خاصمهم أحد من العموم ألجموه بالحجة، فتكاد تلك الحجة تخطفه إلى الحضرة، كلما لمع له شيء من الحق مشى إلى حضرته، وإذا كرت عليه الخصوم والخواطر، وأظلم عليه الحال، وقف في الباب حيران، ولو شاء الله لذهب بعقله وسمعه وبصره، فيبصر به إلى حضرته. من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية
وكان الله على كل شىء مقتدرا
[الكهف: 45]. فالصيب الذي نزل من السماء كناية عن الواردات والأحوال التي ترد على قلوب العارفين، ويظهر أثرها على جوارحهم، والظلمات التي فيها كناية عن اختفاء بعضها عن أهل الشريعة فينكرونها، والرعد كناية عن اللهج بذكر الله جهرا في المحافل والحلق، والبرق كناية عن العلوم الغريبة التي ينطقون بها والحجج التي يحتجون بها على الخصوم، فإذا سمعها العوام اشمأزت قلوبهم عن قبولها، فإذا وقع منهم إنصاف تحققوا صحتها فمالوا إلى جهتها، ومشوا إلى ناحيتها، فإذا كرت عليهم الخصوم قاموا منكرين، ولو شاء ربك لهدى الناس جميعا
ولا يزالون مختلفين
[هود: 118]. ولما ذكر الحق من تخلق بالإيمان ظاهرا وباطنا، ومن تحلى به كذلك، ومن أخفى الكفر وأظهر الإيمان، دعا الكل إلى توحيده وعبادته.
البقرة 2:21
قلت: جملة الترجي حال من الواو في { اعبدوا } ، أي: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدي والفلاح، المستوجبين جوار الله تعالى، نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين وهو التبري من كل شيء سوى الله تعالى - إلى الله تعالى. و { الذي جعل } صفة للرب، و { فلا تجعلوا } معطوف على { اعبدوا } على أنه نهي، أو منصوب بأن، جواب له، والأنداد جمع ند، بكسر النون. وهو الشبه والمثل، و { أنتم تعلمون } حال من ضمير { فلا تجعلوا } أي: فلا تجعلوا لله أندادا والحال أنكم من أهل العلم. يقول الحق جل جلاله: يا عبادي اعبدوني بقلوبكم بالتوحيد والإيمان، وبجوارحكم بالطاعة والإذعان، وبأرواحكم بالشهود والعيان، فأنا الذي أظهرتكم من العدم - أنتم ومن كان قبلكم - وأسبلت عليهم سوابغ النعم، الأرض تقلكم والسماء تظلكم، والجهات تكتنفكم، وأنزلت من السماء ماء فأخرجت به أصنافا { من الثمرات رزقا لكم } ، فأنتم جوهرة الصدق، تنطوي عليكم أصداف مكنوناتي، وأنتم الذين أطلعتكم على أسرار مكنوناتي، فكيف يمكنكم أن تتوجهوا إلى غيري؟ وقد أغنيتكم بلطائف إحساني وبري، أنعمت عليكم أولا بالإيجاد، وثانيا بتوالي الإمداد، خصصتكم بنور العقل والفهم، وأشرقت عليكم نبذة من أنوار القدم، فبي عرفتموني، وبقدرتي عبدتموني، فلا شريك معي ولا ظهير، ولا احتياج إلى معين ولا وزير. الإشارة: توجه الخطاب إلى العارفين الكاملين في الإنسانية الذي يعبدون الله تعظيما لحق الربوبية، وقياما بوظائف العبودية، وفيهم قال صاحب العينية:
هم الناس فالزم إن عرفت جنابهم ففيهم لضر العالمين منافع
وقال قبل ذلك:
هم القصد للملهوف والكنز والرجا ومنهم ينال الصب ما هو طامع بهم يهتدي للعين من ضل في العمى بهم يجذب العشاق، والربع شاسع هم القصد والمطلوب والسؤل والمنى واسمهم للصب في الحب شافع
فعبادة العارفين: بالله ومن الله وإلى الله، وعبادة الجاهلين: بأنفسهم ومن أنفسهم ولأنفسهم، عبادة العارفين حمد وشكر، وعبادة الغافلين اقتضاء حظ وأجر، عبادة العارفين قلبية باطنية، وعبادة الغافلين حسية ظاهرية، يا أيها الناس المخصوصون بالأنس والقرب دوموا على عبادة القريب، ومشاهدة الحبيب، فقد رفعت بيني وبينكم الحجب والأستار، وأشهدتكم عجائب الألطاف والأسرار، أبرزتكم إلى الوجود، وأدخلتكم من باب الكرم والجود، ومنحتكم بفضلي غاية الشهود، لعلكم تتقون الإنكار والجحود، وتعرفونني في كل شاهد ومشهود. فقد جعلت أرض نفوسكم مهادا لعلوم الشرعية، وسماء قلوبكم سقفا لأسرار الحقيقة، وأنزلت من سماء الملوكت ماء غيبيا تحيا به أرض النفوس، وتهتز بواردات حضرة القدوس، فتخرج من ثمرات العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، والأحوال المرضية، ما تتقوت به عائلة المستمعين، وتنتعش به أسرار السائرين، فلا تشهدوا معي غيري، ولا تميلوا لغير إحساني وبري، فقد علمتم أني منفرد بالوجود، ومختص بالكرم والجود، فكيف يرجى غيري وأنا ما قطعت الإحسان؟! وكيف يلتفت إلى ما سواي وأنا بذلت عادة الأمتنان؟! مني كان الإيجاد، وعلي دوام الإمداد، فثقوا بي كفيلا، واتخذوني وكيلا، أعطكم عطاء جزيلا، وأمنحكم فخرا جليلا. ولما أمر عباده بعبادته وتوحيده، أمرهم بتصديق كلامه والإيمان برسوله.
البقرة 2:22
قلت: جملة الترجي حال من الواو في { اعبدوا } ، أي: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدي والفلاح، المستوجبين جوار الله تعالى، نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين وهو التبري من كل شيء سوى الله تعالى - إلى الله تعالى. و { الذي جعل } صفة للرب، و { فلا تجعلوا } معطوف على { اعبدوا } على أنه نهي، أو منصوب بأن، جواب له، والأنداد جمع ند، بكسر النون. وهو الشبه والمثل، و { أنتم تعلمون } حال من ضمير { فلا تجعلوا } أي: فلا تجعلوا لله أندادا والحال أنكم من أهل العلم. يقول الحق جل جلاله: يا عبادي اعبدوني بقلوبكم بالتوحيد والإيمان، وبجوارحكم بالطاعة والإذعان، وبأرواحكم بالشهود والعيان، فأنا الذي أظهرتكم من العدم - أنتم ومن كان قبلكم - وأسبلت عليهم سوابغ النعم، الأرض تقلكم والسماء تظلكم، والجهات تكتنفكم، وأنزلت من السماء ماء فأخرجت به أصنافا { من الثمرات رزقا لكم } ، فأنتم جوهرة الصدق، تنطوي عليكم أصداف مكنوناتي، وأنتم الذين أطلعتكم على أسرار مكنوناتي، فكيف يمكنكم أن تتوجهوا إلى غيري؟ وقد أغنيتكم بلطائف إحساني وبري، أنعمت عليكم أولا بالإيجاد، وثانيا بتوالي الإمداد، خصصتكم بنور العقل والفهم، وأشرقت عليكم نبذة من أنوار القدم، فبي عرفتموني، وبقدرتي عبدتموني، فلا شريك معي ولا ظهير، ولا احتياج إلى معين ولا وزير. الإشارة: توجه الخطاب إلى العارفين الكاملين في الإنسانية الذي يعبدون الله تعظيما لحق الربوبية، وقياما بوظائف العبودية، وفيهم قال صاحب العينية:
هم الناس فالزم إن عرفت جنابهم ففيهم لضر العالمين منافع
وقال قبل ذلك:
هم القصد للملهوف والكنز والرجا ومنهم ينال الصب ما هو طامع بهم يهتدي للعين من ضل في العمى بهم يجذب العشاق، والربع شاسع هم القصد والمطلوب والسؤل والمنى واسمهم للصب في الحب شافع
فعبادة العارفين: بالله ومن الله وإلى الله، وعبادة الجاهلين: بأنفسهم ومن أنفسهم ولأنفسهم، عبادة العارفين حمد وشكر، وعبادة الغافلين اقتضاء حظ وأجر، عبادة العارفين قلبية باطنية، وعبادة الغافلين حسية ظاهرية، يا أيها الناس المخصوصون بالأنس والقرب دوموا على عبادة القريب، ومشاهدة الحبيب، فقد رفعت بيني وبينكم الحجب والأستار، وأشهدتكم عجائب الألطاف والأسرار، أبرزتكم إلى الوجود، وأدخلتكم من باب الكرم والجود، ومنحتكم بفضلي غاية الشهود، لعلكم تتقون الإنكار والجحود، وتعرفونني في كل شاهد ومشهود. فقد جعلت أرض نفوسكم مهادا لعلوم الشرعية، وسماء قلوبكم سقفا لأسرار الحقيقة، وأنزلت من سماء الملوكت ماء غيبيا تحيا به أرض النفوس، وتهتز بواردات حضرة القدوس، فتخرج من ثمرات العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، والأحوال المرضية، ما تتقوت به عائلة المستمعين، وتنتعش به أسرار السائرين، فلا تشهدوا معي غيري، ولا تميلوا لغير إحساني وبري، فقد علمتم أني منفرد بالوجود، ومختص بالكرم والجود، فكيف يرجى غيري وأنا ما قطعت الإحسان؟! وكيف يلتفت إلى ما سواي وأنا بذلت عادة الأمتنان؟! مني كان الإيجاد، وعلي دوام الإمداد، فثقوا بي كفيلا، واتخذوني وكيلا، أعطكم عطاء جزيلا، وأمنحكم فخرا جليلا. ولما أمر عباده بعبادته وتوحيده، أمرهم بتصديق كلامه والإيمان برسوله.
البقرة 2:23
فإن قلت: الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعا، فكيف عبر بإن الدالة على الشك والتردد؟ قلت: { إن } جازمة للفظ الشرط أو محله، موضوعة للشك في الشرط. و " إذا " لا تجزم في اللفظ، وتدل على الجزم في المعنى، وفي ذلك يقول القائل:
إنا إن شككت وجدتموني جازما وإذا جزمت فإنني لم أجزم
فإن قلت: الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعا، فكيف عبر بإن الدالة على الشك والتردد؟ قلت: لما كان ريبهم واقعا في غير محله - إذ لو تأملوا أدنى تأمل لزال ريبهم لوضوح الأمر وسطوع البرهان - كان ريبهم كأنه مشكوك فيه ومتردد في وقوعه، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أطلق على الأصنام لأنهم يزعمون أنها تشهد لهم، ومعنى دون: أدنى مكان من الشيء، ثم استعير للرتب فقيل: زيد دون عمرو أي: في الشرف، ثم اتسع فيه فاستعير لكل تجاوز حد إلى حد، وتخطي أمر إلى آخر. يقول الحق جل جلاله: { وإن كنتم } يا معشر الكفار { في } شك { مما نزلنا على } محمد { عبدنا } ورسولنا المختار لسر وحينا، { فأتوا بسورة من } جنسه في البلاغة والفصاحة، مشتملة على علوم وأسرار ومغيبات كما اشتمل عليه كتابي، { وادعوا } من استطعتم ممن تنتصرون به على ذلك الإتيان، من آلهتكم التي تزعمون أنها تشهد لكم يوم القيامة، أو من حضركم من البلغاء والفصحاء ممن تنتصرون به { من دون الله إن كنتم صادقين } في أنها تنفعكم. { فإن لم } تقدروا أن { تفعلوا } ذلك { ولن } تقدروا ابدا فأسلموا وأقروا بالحق، و { اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة } أي: حجارة الكبريت، فهما حطبها ووقودها { أعدت للكافرين }. { وبشر } يا محمد ويا من يصلح منه التبشير { الذين آمنوا } بالله ورسوله، { وعملوا } ما كلفوا به من الأعمال { الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } أي: من تحت قصورها، وهي أنهار من ماء، وأنهار من عسل، وأنهار من لبن، وأنهار من خمر لذة للشاربين. { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا } أي: صنفا، { قالوا هذا الذين رزقنا من قبل } في دار الدنيا، فإن الطباع تميل إلى المألوف، فالصفة متفقة والطعم مختلف. أو في الجنة، قيل: هذا لما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى جوفه حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها "
، فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك، لفرط استغرابهم، وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة، { ولهم فيها أزواج } أي: حور { مطهرة } من الحيض، وسائر الأدناس، ومن الأخلاق المذمومة، والشيم الذميمة، { وهم فيها خالدون } فإن النعيم إذا كان يعقبه الفناء تنغص على صاحبه، كما قال الشاعر:
لا خير في العيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم
الإشارة: وإن كنتم يا معشر العوام في شك مما خصصنا به ولينا من الأنوار، وما أنزلنا على قلبه من المعارف والأسرار، وما ظهر عليه من البهجة والأنوار، وما اهتدى على يديه من الصالحين والأبرار، فأتوا أنتم بشيء من ذلك، وانتصروا بما قدرتم من دون الله إن كنتم صادقين في المعارضة، قال القشيري: وكما أن كيد الكافرين يضمحل في مقابلة معجزات الرسول، فكذلك دعاوى الملبسين تتلاشى عند ظهور أنوار الصديقين. ه. فإن لم تفعلوا ما ذكرنا من المعارضة، ولن تقدروا على ذلك أبدا، فأذعنوا، واخضعوا، واتقوا نار القطيعة والحظوظ، والطمع والهلع، التي مادتها النفوس والفلوس إذ بهما هلك من هلك وفاز من فاز أعدت تلك النار للمنكرين الخصوصية، الجاحدين لوجود التربية النبوية. وبشر الصديقين بوجود الخصوصية، المنقادين لأهلها، أن لهم جنات المعارف في الدنيا، وجنات الزخارف في الآخرة، تجري من تحت قلوب أهلها أنوار العلوم والمعارف، فإذا كشف لهم يوم القيامة عن أسرار ذاته، قالوا: هذا الذي عرفناه من قبل في دار الدنيا، إذ الوجود واحد والمعرفة متفاوتة، وأتوا بأرزاق المعارف متشابهة لأن من عرفه في الدنيا عرفه في الآخرة، ومن أنكره هنا أنكره يوم القيامة، إلا في وقت مخصوص على وجه مخصوص، ولهم في جنات المعارف عرائس المعارف والكشوفات، مطهرات من أدناس الحس وعبث الهوى والشهوات، وهم بعد تمكنهم من شهود الذات، خالدون في عش الحضرة، فيها يسكنون وإليها يأوون. وقال القشيري: كما أن أهل الجنة يجدد لهم النعيم في وقت، فالثاني عندهم على ما يظنون كالأول، فإذا ذاقوه وجدوه غير ما تقدم، كذلك أهل الحقائق: أحوالهم في الزيادة أبدا، فإذا رقي أحدهم عن محله، توهم أن الذي سيلقاه في هذا النفس مثل ما تقدم، فإذا ذاقه وجده فوق ذلك بأضعاف، كما قال قائلهم:
ما زلت أنزل من ودادك منزلا تتحير الألباب عند نزوله
ولما ضرب الله الأمثال في القرآن للمنافقين وغيرهم تكلم في ذلك بعض الكفار والملحدين.
البقرة 2:24
فإن قلت: الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعا، فكيف عبر بإن الدالة على الشك والتردد؟ قلت: { إن } جازمة للفظ الشرط أو محله، موضوعة للشك في الشرط. و " إذا " لا تجزم في اللفظ، وتدل على الجزم في المعنى، وفي ذلك يقول القائل:
إنا إن شككت وجدتموني جازما وإذا جزمت فإنني لم أجزم
فإن قلت: الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعا، فكيف عبر بإن الدالة على الشك والتردد؟ قلت: لما كان ريبهم واقعا في غير محله - إذ لو تأملوا أدنى تأمل لزال ريبهم لوضوح الأمر وسطوع البرهان - كان ريبهم كأنه مشكوك فيه ومتردد في وقوعه، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أطلق على الأصنام لأنهم يزعمون أنها تشهد لهم، ومعنى دون: أدنى مكان من الشيء، ثم استعير للرتب فقيل: زيد دون عمرو أي: في الشرف، ثم اتسع فيه فاستعير لكل تجاوز حد إلى حد، وتخطي أمر إلى آخر. يقول الحق جل جلاله: { وإن كنتم } يا معشر الكفار { في } شك { مما نزلنا على } محمد { عبدنا } ورسولنا المختار لسر وحينا، { فأتوا بسورة من } جنسه في البلاغة والفصاحة، مشتملة على علوم وأسرار ومغيبات كما اشتمل عليه كتابي، { وادعوا } من استطعتم ممن تنتصرون به على ذلك الإتيان، من آلهتكم التي تزعمون أنها تشهد لكم يوم القيامة، أو من حضركم من البلغاء والفصحاء ممن تنتصرون به { من دون الله إن كنتم صادقين } في أنها تنفعكم. { فإن لم } تقدروا أن { تفعلوا } ذلك { ولن } تقدروا ابدا فأسلموا وأقروا بالحق، و { اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة } أي: حجارة الكبريت، فهما حطبها ووقودها { أعدت للكافرين }. { وبشر } يا محمد ويا من يصلح منه التبشير { الذين آمنوا } بالله ورسوله، { وعملوا } ما كلفوا به من الأعمال { الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } أي: من تحت قصورها، وهي أنهار من ماء، وأنهار من عسل، وأنهار من لبن، وأنهار من خمر لذة للشاربين. { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا } أي: صنفا، { قالوا هذا الذين رزقنا من قبل } في دار الدنيا، فإن الطباع تميل إلى المألوف، فالصفة متفقة والطعم مختلف. أو في الجنة، قيل: هذا لما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى جوفه حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها "
، فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك، لفرط استغرابهم، وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة، { ولهم فيها أزواج } أي: حور { مطهرة } من الحيض، وسائر الأدناس، ومن الأخلاق المذمومة، والشيم الذميمة، { وهم فيها خالدون } فإن النعيم إذا كان يعقبه الفناء تنغص على صاحبه، كما قال الشاعر:
لا خير في العيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم
الإشارة: وإن كنتم يا معشر العوام في شك مما خصصنا به ولينا من الأنوار، وما أنزلنا على قلبه من المعارف والأسرار، وما ظهر عليه من البهجة والأنوار، وما اهتدى على يديه من الصالحين والأبرار، فأتوا أنتم بشيء من ذلك، وانتصروا بما قدرتم من دون الله إن كنتم صادقين في المعارضة، قال القشيري: وكما أن كيد الكافرين يضمحل في مقابلة معجزات الرسول، فكذلك دعاوى الملبسين تتلاشى عند ظهور أنوار الصديقين. ه. فإن لم تفعلوا ما ذكرنا من المعارضة، ولن تقدروا على ذلك أبدا، فأذعنوا، واخضعوا، واتقوا نار القطيعة والحظوظ، والطمع والهلع، التي مادتها النفوس والفلوس إذ بهما هلك من هلك وفاز من فاز أعدت تلك النار للمنكرين الخصوصية، الجاحدين لوجود التربية النبوية. وبشر الصديقين بوجود الخصوصية، المنقادين لأهلها، أن لهم جنات المعارف في الدنيا، وجنات الزخارف في الآخرة، تجري من تحت قلوب أهلها أنوار العلوم والمعارف، فإذا كشف لهم يوم القيامة عن أسرار ذاته، قالوا: هذا الذي عرفناه من قبل في دار الدنيا، إذ الوجود واحد والمعرفة متفاوتة، وأتوا بأرزاق المعارف متشابهة لأن من عرفه في الدنيا عرفه في الآخرة، ومن أنكره هنا أنكره يوم القيامة، إلا في وقت مخصوص على وجه مخصوص، ولهم في جنات المعارف عرائس المعارف والكشوفات، مطهرات من أدناس الحس وعبث الهوى والشهوات، وهم بعد تمكنهم من شهود الذات، خالدون في عش الحضرة، فيها يسكنون وإليها يأوون. وقال القشيري: كما أن أهل الجنة يجدد لهم النعيم في وقت، فالثاني عندهم على ما يظنون كالأول، فإذا ذاقوه وجدوه غير ما تقدم، كذلك أهل الحقائق: أحوالهم في الزيادة أبدا، فإذا رقي أحدهم عن محله، توهم أن الذي سيلقاه في هذا النفس مثل ما تقدم، فإذا ذاقه وجده فوق ذلك بأضعاف، كما قال قائلهم:
ما زلت أنزل من ودادك منزلا تتحير الألباب عند نزوله
ولما ضرب الله الأمثال في القرآن للمنافقين وغيرهم تكلم في ذلك بعض الكفار والملحدين.
البقرة 2:25
فإن قلت: الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعا، فكيف عبر بإن الدالة على الشك والتردد؟ قلت: { إن } جازمة للفظ الشرط أو محله، موضوعة للشك في الشرط. و " إذا " لا تجزم في اللفظ، وتدل على الجزم في المعنى، وفي ذلك يقول القائل:
إنا إن شككت وجدتموني جازما وإذا جزمت فإنني لم أجزم
فإن قلت: الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعا، فكيف عبر بإن الدالة على الشك والتردد؟ قلت: لما كان ريبهم واقعا في غير محله - إذ لو تأملوا أدنى تأمل لزال ريبهم لوضوح الأمر وسطوع البرهان - كان ريبهم كأنه مشكوك فيه ومتردد في وقوعه، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أطلق على الأصنام لأنهم يزعمون أنها تشهد لهم، ومعنى دون: أدنى مكان من الشيء، ثم استعير للرتب فقيل: زيد دون عمرو أي: في الشرف، ثم اتسع فيه فاستعير لكل تجاوز حد إلى حد، وتخطي أمر إلى آخر. يقول الحق جل جلاله: { وإن كنتم } يا معشر الكفار { في } شك { مما نزلنا على } محمد { عبدنا } ورسولنا المختار لسر وحينا، { فأتوا بسورة من } جنسه في البلاغة والفصاحة، مشتملة على علوم وأسرار ومغيبات كما اشتمل عليه كتابي، { وادعوا } من استطعتم ممن تنتصرون به على ذلك الإتيان، من آلهتكم التي تزعمون أنها تشهد لكم يوم القيامة، أو من حضركم من البلغاء والفصحاء ممن تنتصرون به { من دون الله إن كنتم صادقين } في أنها تنفعكم. { فإن لم } تقدروا أن { تفعلوا } ذلك { ولن } تقدروا ابدا فأسلموا وأقروا بالحق، و { اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة } أي: حجارة الكبريت، فهما حطبها ووقودها { أعدت للكافرين }. { وبشر } يا محمد ويا من يصلح منه التبشير { الذين آمنوا } بالله ورسوله، { وعملوا } ما كلفوا به من الأعمال { الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } أي: من تحت قصورها، وهي أنهار من ماء، وأنهار من عسل، وأنهار من لبن، وأنهار من خمر لذة للشاربين. { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا } أي: صنفا، { قالوا هذا الذين رزقنا من قبل } في دار الدنيا، فإن الطباع تميل إلى المألوف، فالصفة متفقة والطعم مختلف. أو في الجنة، قيل: هذا لما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى جوفه حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها "
، فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك، لفرط استغرابهم، وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة، { ولهم فيها أزواج } أي: حور { مطهرة } من الحيض، وسائر الأدناس، ومن الأخلاق المذمومة، والشيم الذميمة، { وهم فيها خالدون } فإن النعيم إذا كان يعقبه الفناء تنغص على صاحبه، كما قال الشاعر:
لا خير في العيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم
الإشارة: وإن كنتم يا معشر العوام في شك مما خصصنا به ولينا من الأنوار، وما أنزلنا على قلبه من المعارف والأسرار، وما ظهر عليه من البهجة والأنوار، وما اهتدى على يديه من الصالحين والأبرار، فأتوا أنتم بشيء من ذلك، وانتصروا بما قدرتم من دون الله إن كنتم صادقين في المعارضة، قال القشيري: وكما أن كيد الكافرين يضمحل في مقابلة معجزات الرسول، فكذلك دعاوى الملبسين تتلاشى عند ظهور أنوار الصديقين. ه. فإن لم تفعلوا ما ذكرنا من المعارضة، ولن تقدروا على ذلك أبدا، فأذعنوا، واخضعوا، واتقوا نار القطيعة والحظوظ، والطمع والهلع، التي مادتها النفوس والفلوس إذ بهما هلك من هلك وفاز من فاز أعدت تلك النار للمنكرين الخصوصية، الجاحدين لوجود التربية النبوية. وبشر الصديقين بوجود الخصوصية، المنقادين لأهلها، أن لهم جنات المعارف في الدنيا، وجنات الزخارف في الآخرة، تجري من تحت قلوب أهلها أنوار العلوم والمعارف، فإذا كشف لهم يوم القيامة عن أسرار ذاته، قالوا: هذا الذي عرفناه من قبل في دار الدنيا، إذ الوجود واحد والمعرفة متفاوتة، وأتوا بأرزاق المعارف متشابهة لأن من عرفه في الدنيا عرفه في الآخرة، ومن أنكره هنا أنكره يوم القيامة، إلا في وقت مخصوص على وجه مخصوص، ولهم في جنات المعارف عرائس المعارف والكشوفات، مطهرات من أدناس الحس وعبث الهوى والشهوات، وهم بعد تمكنهم من شهود الذات، خالدون في عش الحضرة، فيها يسكنون وإليها يأوون. وقال القشيري: كما أن أهل الجنة يجدد لهم النعيم في وقت، فالثاني عندهم على ما يظنون كالأول، فإذا ذاقوه وجدوه غير ما تقدم، كذلك أهل الحقائق: أحوالهم في الزيادة أبدا، فإذا رقي أحدهم عن محله، توهم أن الذي سيلقاه في هذا النفس مثل ما تقدم، فإذا ذاقه وجده فوق ذلك بأضعاف، كما قال قائلهم:
ما زلت أنزل من ودادك منزلا تتحير الألباب عند نزوله
ولما ضرب الله الأمثال في القرآن للمنافقين وغيرهم تكلم في ذلك بعض الكفار والملحدين.
البقرة 2:26
قلت: الحياء: خلق كريم يمنع صاحبه من ارتكاب ما يعاب به، وفي الحديث:
" إن الله حيي كريم "
، و { مثلا } مفعول، و { ما } نكرة، صفته، و { بعوضة } بدل، والبعوضة: الذباب. وفي الحديث:
" لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء "
، وقيل: صغار البق، أي: إن الله لا يترك أن يضرب مثلا - أي مثل كان - بعوضة فما فوقها. أو { بعوضة } مفعول أول، و { مثلا } مفعول ثان، من باب جعل، و { ماذا } إما مبتدأ وخبر، على أن { ذا } موصولة، أو مفعولة بأراد على أنها مركبة، و { مثلا } حال أو تمييز. والفسق: الخروج، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها. يقوله الحق جل جلاله: { إن الله } لا يترك ترك المستحيي { أن يضرب مثلا } بالخسيس والكبير كالذباب والعنكبوت وغير ذلك. فأما المؤمنون فيتيقنون { أنه الحق من ربهم } ، وحكمته: إبراز المعاني اللطيفة في قوالب المحسوسات ليسهل الفهم، وأما الكفار فيعترضون ويقولون: { ماذا أراد الله } بهذه الأمثال؟ فإن الله منزه عن ضرب الأمثال بهذه الأشياء الخسيسة، قال الله تعالى في الرد عليهم: أراد بهذا إضلال قوم بسبب إنكارها، وهداية آخرين بسبب الإيمان بها، { وما يضل } بذلك المثل إلا الخارجين عن طاعته، { الذين } نقضوا العهد الذي أخذ عليهم في عالم الذر، أو مطلق العهد، { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } من الأنبياء والرسل والأرحام وغيرها، { ويفسدون في الأرض } بالمعاصي والتعويق عن الإيمان، { أولئك هم الخاسرون } الكاملون في الخسران، نعوذ بالله من الخذلان. الإشارة: إن الله لا يترك أن يظهر مثلا من أنوار قدسه بارزا بقدرته، مرتديا برداء حكمته، ملتبسا بأسرار ذاته، مكسوا بأنوار صفاته من الذرة إلى ما لا نهاية له، فالمتجلي في النملة هو المتجلي في الفيلة، فأما الذين صدقوا بتجلي الذات في أنوار الصفات، فيقولون: إنه الحق فائض من نور الربوبية، محتجبا برداء الكبرياء وسبحات الألوهية. وأما الجاحدون لظهور نور ذات الربوبية فينكرونه في حال ظهوره، ويقولون: ماذا أراد الله بهذه العوالم الظاهرة؟ فيقول الحق تعالى: أردت ظهور قدرتي وعجائب حكمتي، ليظهر سر ربوبيتي في مظاهر عبوديتي. قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: " العبودية جوهرة أظهر بها الربوبية " وقيل لأبي الحسن النوري: ما هذه الأماكن والمخلوقات الظاهرة؟ فقال: عز ظاهر وملك قاهر، ومخلوقات ظاهرة به، وصادرة عنه، لا هي متصلة به ولا منفصلة عنه، فرغ من الأشياء ولم تفرغ منه، لأنها تحتاج إليه وهو لا يحتاج إليها. ه. فأراد الله بظهور هذا الكون أن يضل به قوما فيقفون مع ظاهر غرته، ويهدي به قوما فينفذون إلى باطن عبرته. وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن دائرة الشهود، المنكرين لتجليات الملك المعبود، الذين ينقضون عهد الله، وهو معرفة الروح التي حصلت لها وهي في عالم الذر، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الشيوخ العارفين، الذين أهلهم الله للتربية والترقية، وهم لا ينقطعون ما دامت الملة المحمدية، ويفسدون في الأرض بالإنكار والتعويق عن طريق الخصوص، بتضييعهم الأصول، وهي صحبة العارفين، والتأدب لهم، والتعظيم لحرمتهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:27
قلت: الحياء: خلق كريم يمنع صاحبه من ارتكاب ما يعاب به، وفي الحديث:
" إن الله حيي كريم "
، و { مثلا } مفعول، و { ما } نكرة، صفته، و { بعوضة } بدل، والبعوضة: الذباب. وفي الحديث:
" لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء "
، وقيل: صغار البق، أي: إن الله لا يترك أن يضرب مثلا - أي مثل كان - بعوضة فما فوقها. أو { بعوضة } مفعول أول، و { مثلا } مفعول ثان، من باب جعل، و { ماذا } إما مبتدأ وخبر، على أن { ذا } موصولة، أو مفعولة بأراد على أنها مركبة، و { مثلا } حال أو تمييز. والفسق: الخروج، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها. يقوله الحق جل جلاله: { إن الله } لا يترك ترك المستحيي { أن يضرب مثلا } بالخسيس والكبير كالذباب والعنكبوت وغير ذلك. فأما المؤمنون فيتيقنون { أنه الحق من ربهم } ، وحكمته: إبراز المعاني اللطيفة في قوالب المحسوسات ليسهل الفهم، وأما الكفار فيعترضون ويقولون: { ماذا أراد الله } بهذه الأمثال؟ فإن الله منزه عن ضرب الأمثال بهذه الأشياء الخسيسة، قال الله تعالى في الرد عليهم: أراد بهذا إضلال قوم بسبب إنكارها، وهداية آخرين بسبب الإيمان بها، { وما يضل } بذلك المثل إلا الخارجين عن طاعته، { الذين } نقضوا العهد الذي أخذ عليهم في عالم الذر، أو مطلق العهد، { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } من الأنبياء والرسل والأرحام وغيرها، { ويفسدون في الأرض } بالمعاصي والتعويق عن الإيمان، { أولئك هم الخاسرون } الكاملون في الخسران، نعوذ بالله من الخذلان. الإشارة: إن الله لا يترك أن يظهر مثلا من أنوار قدسه بارزا بقدرته، مرتديا برداء حكمته، ملتبسا بأسرار ذاته، مكسوا بأنوار صفاته من الذرة إلى ما لا نهاية له، فالمتجلي في النملة هو المتجلي في الفيلة، فأما الذين صدقوا بتجلي الذات في أنوار الصفات، فيقولون: إنه الحق فائض من نور الربوبية، محتجبا برداء الكبرياء وسبحات الألوهية. وأما الجاحدون لظهور نور ذات الربوبية فينكرونه في حال ظهوره، ويقولون: ماذا أراد الله بهذه العوالم الظاهرة؟ فيقول الحق تعالى: أردت ظهور قدرتي وعجائب حكمتي، ليظهر سر ربوبيتي في مظاهر عبوديتي. قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: " العبودية جوهرة أظهر بها الربوبية " وقيل لأبي الحسن النوري: ما هذه الأماكن والمخلوقات الظاهرة؟ فقال: عز ظاهر وملك قاهر، ومخلوقات ظاهرة به، وصادرة عنه، لا هي متصلة به ولا منفصلة عنه، فرغ من الأشياء ولم تفرغ منه، لأنها تحتاج إليه وهو لا يحتاج إليها. ه. فأراد الله بظهور هذا الكون أن يضل به قوما فيقفون مع ظاهر غرته، ويهدي به قوما فينفذون إلى باطن عبرته. وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن دائرة الشهود، المنكرين لتجليات الملك المعبود، الذين ينقضون عهد الله، وهو معرفة الروح التي حصلت لها وهي في عالم الذر، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الشيوخ العارفين، الذين أهلهم الله للتربية والترقية، وهم لا ينقطعون ما دامت الملة المحمدية، ويفسدون في الأرض بالإنكار والتعويق عن طريق الخصوص، بتضييعهم الأصول، وهي صحبة العارفين، والتأدب لهم، والتعظيم لحرمتهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:28
قلت: { كيف } حال لأنها وقعت قبل كلام تام. يقول الحق جل جلاله: { كيف تكفرون بالله } وتجحدون نعمه المتوالية، { و } الحالة أنكم { كنتم أمواتا } نطفا في الأرحام { فأحياكم } بنفخ الروح في أجسادكم، { ثم يميتكم } عند انقضاء آجالكم، { ثم يحييكم } عند البعث لحسابكم، ثم يسكنكم دار القرار، إما إلى الجنة وإما إلى النار. فهذه الآثار دالة على باهر قدرته وتمام حكمته، فقد وضح الحق وظهر،
فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29]. الإشارة: كيف تنكرون ظهور نور الحق في الأكوان، وتبعدون عن حضرة الشهود والعيان، وقد كنتم أمواتا بالغفلة وغم الحجاب، فأحياكم باليقظة والإياب، ثم يميتكم بالفناء عن شهود ما سواه، ثم يحييكم بالرجوع إلى شهود أثره بالله، ثم إليه ترجعون في كل شيء لشهود نوره في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وعند كل شيء " كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ".
البقرة 2:29
قلت: { جميعا } حال مؤكدة من { ما } ، و { ثم } للترتيب الذكري لا الخارجي لأن دحو الأرض مؤخر عن خلق السماء، إلا أن يكون العطف على معنى الجملة، والتقدير: هو الذي خلق لكم الأرض مشتملة على جميع منافعكم، ثم استوى إلى السماء فخلقهن سبعا، ثم دحا الأرض وبسطها. والتسوية: خلق الأشياء سالمة من العوج والخلل، و { سبع }: بدل من الضمير، أو بيان له، وجملة { وهو بكل شيء عليم } تعليل لما قبله. أي: ولكونه عالما بكنه الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع. يقول الحق جل جلاله: { هو الذي خلق } لأجلكم { ما } استقر { في الأرض جميعا } تنتفعون به في الظاهر قوتا لأشباحكم، ودواء لأبدانكم، ومتعة لنفوسكم، وتنتفعون به في الباطن بالتفكر والاعتبار، وزيادة في إيمانكم وقوة لإيقانكم، ثم قصد { إلى السماء } قصد إرادة، فخلقهن { سبع سموات } مستوية تامة، ليس فيها تفاوت ولا خلل، تظلكم بجرمها، وتضي عليكم بشمسها وقمرها وكواكبها، وقد أحاط علمه بالأشياء كلها، فلذلك خلقها على هذا النمط الغريب والإتقان العجيب. الإشارة: يا عبادي خلقت الأشياء كلها من أجلكم، الأرض تقلكم، والسماء تظلكم، والجهات تكتنفكم والحيوانات تخدمكم، والنباتات تنفعكم، وخلقتكم من أجلي، فكيف تميلون إلى غيري، وتنسون إحساني وبري؟!!! الأشياء كلها عبيدكم وأنتم عبيد الحضرة، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك ". وفي بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالى:
" يا عبدي إنما منحتك صفاتي لتعرفني بها، فإن ادعيتها لنفسك سلبتك الولاية، ولم أسلبك صفاتي، يا عبدي: أنت صفتي وأنا صفتك، فارجع إلي أرجع إليك، يا عبدي: فيك للعلوم باب مفاتحه أنا، وفيك للجهل باب مفاتحه أنت، فاقصد أي البابين شئت، يا عبدي: قربي منك بقدر بعدك عن نفسك وبعدي عنك بقدر قربك من نفسك، فقد عرفتك الطريق، فاترك نفسك تصل إلي في خطرة واحدة، يا عبدي: كل ما جمعك علي فهو مني، وكل ما فرقك عني فهو منك، فجاهد نفسك تصل إلي، وإني لغني عن العالمين، يا عبدي: إن منحتني نفسك رددتها إليك راضية مرضية، وإن تركتها عندك فهي أعظم بلية، فهي أعدى الأعادي إليك فجاهدها تعد بالفوائد إليك ".
وفي بعض الآثار المروية عن الله تعالى:
" يا عبدي: أنا بدك اللازم فالزم بدك ".
ويمكن أن يشار بالأرض إلى أرض العبودية، وبالسماء إلى سماء الحقيقة، وبالسبع سماوات إلى سبع مقامات وهي الصبر والشكر والتوكل والرضى والتسليم والمحبة والمعرفة. والله تعالى أعلم. ولما ذكر الخلق العالم العلوي والسفلي، ذكر كيفية ابتداء من عمر العالم السفلي من جنس الآدمي.
البقرة 2:30
لما أراد الله تعالى عمارة الأرض، بعد أن عمر السماوات بالملائكة، أخبر الملائكة بما هو صانع من ذلك تنويها بآدم وتشريفا لذريته، وتعيما لعباده أمر المشاورة، فقال لهم: { إني جاعل في الأرض خليفة } يخلفني في أرضي وتنفيذ أحكامي، { قالوا } على وجه الاستفهام، أو من الإدلال، إن كان من المقربين، بعد أن رأوا الجن قد أفسدوا وسفكوا الدماء: { أتجعل من يفسد فيها } ، وشأن الخليفة الإصلاح، { ونحن نسبح بحمدك } ، أي: نسبح ملتبسين بحمدك، { ونقدس لك } ، أي: نطهر أنفسنا لأجلك، أو ننزهك عما لا يليق بجلال قدسك، فنحن أحق بالخلافة منهم. قال الحق جل وعلا: { إني أعلم ما لا تعلمون } فإني أعلم أنه يكون منهم رسل وأنبياء وأولياء، ومن يكون مثلكم أو أعظم منكم، ولما ألقى الخليل في النار ضجت الملائكة وقال: " يا رب هذا خليلك يحرق بالنار ". فقال لهم: " إن استغاث بكم فأغيثوه ". فلما رفع همته عنهم قال الحق تعالى: { ألم أقل لكم إني أعلم ما لا تعلمون }. ثم وجه الحق تعالى استحقاقه للخلافة وهو تشريفه بالعلم، فقال: { وعلم آدم الأسماء كلها } ، أي مسميات الأسماء بأن ألقى في روعه ما تحتاج إليه ذريته من اللغات والحروف، وخواص الأشياء ومنافعها، ثم عرض تلك المسميات على الملائكة، إظهارا لعجزهم، وتشريفا لآدم بالعلم. { فقال }: أخبروني { بأسماء هؤلاء } المسيمات { إن كنتم صادقين } في ادعائكم استحقاق الخلافة، فلما عجزوا عن معرفة تلك الأسماء { قالوا سبحانك } أي: تنزيها لك عن العبث، { لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم } بكل شيء، { الحكيم } لإتقانك كل شيء، وهذا اعتراف منهم بالقصود والعجز، وإشعار بأن سؤالهم كان استفهاما وطلبا لتفسير ما أشكر عليهم، ولم يكن اعتراضا. يقول الحق جل جلاله: { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } ، وعين لهم اسم كل مسمى، فلما أخبرهم بذلك بحيث قال مثلا: هذا فرس وهذا جمل، وعين ذلك لهم، وظهرت ميزته عليهم بالعلم حتى استحق الخلافة، قال الحق تعالى: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض } أي: ما غاب، وأعلم ما تظهرونه من قولكم: { أتجعل فيها... } الخ، وما تكتمونه من استحقاقكم الخلافة، وقولكم: لن يخلق الله تعالى أحدا أعلم منا لتقدمنا، والفضل لمن صدق لا لمن سبق. قال البيضاوي: اعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان، ومزية العلم وفضله على العبادة، وأنه شرط في الخلافة، بل العمدة فيها، وأن التعليم يصح إطلاقه عليه تعالى، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن يحترف به، وأن اللغات توقيفية - عملها الله بالوحي -، وأن آدم عليه السلام أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم، والأعلم أفضل لقوله تعالى:
هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون
[الزمر: 9]، وأن الله يعلم الأشياء قبل حدوثها. ه. باختصار. وقال في تفسير الملائكة: إنهم أجسام لطيفة قادرة على التشكل، وهي منقسمة على قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره، - وهم العليون، والملائكة المقربون - وقسم يدبرون الأمر من السماء إلى الأرض على ما ثبت به القضاء وجرى به القلم الإلهي، وهم المدبرات أمرا، فمنهم سماوية، ومنه أرضية. ه. مختصرا. الإشارة: اعلم أن الروح القائمة بهذا الآدمي هي قطعة من الروح الأعظم التي هي المعاني القائمة بالأواني، وهي آدم الأكبر والأب الأدم، وفي ذلك يقول ابن الفارض:
وإني وإن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوتي
فلما أراد الحق تعالى أن يستخلف هذا الروح في هذه البشرية لتدبرها وتصرفها فيما أريد منها، قالت الملائكة بلسان حالها: كيف تجعل فيها من يفسد فيها بالميل إلى الحظوظ والشهوات، ويسفك الدماء بالغضب والحميات، ونحن نسبحك وننزهك عما لا يليق بك؟ رأت الملائكة ما يصدر من بعض الأرواح من الميل إلى الحضيض الأسفل، ولم تر ما يصدر في بعضها من التصفية والترقية، فقال لهم الحق تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } فإن منها من تعرج إلى عرش الحضرة، وتعبدني بالفكرة والنظرة، وتستولي على الوجود بأسره، وتنكشف لها عند ذلك أسرار الذات وأنوار الصفات وأسماء المسميات. فيقول الحق تعالى للملائكة: هل فيكم من كشف له عن هذا السر المكنون، والاسم المصون، فقالوا: { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } من علم الصفات دون أسرار الذات { إنك أنت العليم الحكيم } يقول الحق تعالى لروح العارف التي نفذت إلى بحر وحدة الذات وتيار الصفات: أنبئهم بما غاب عنهم من أسرار الجبروت، وأسماء الملكوت، فلما أعلمهم بما كوشف له من الأسرار، وانفق له من الأنوار، أقروا بشرف الآدمي، وسجدوا لطلعة آدم عليه السلام فقال الحق لهم: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض }؟ أي: ما غاب في سماء الأرواح من الأسرار وفي أرض النفوس من الأنوار، وأعلم ما تظهرونه من الانقياد، وما تكتمونه من الاعتقاد، والله تعالى أعلم. ولما تبين شرف آدم عليه السلام وبان فضله أمرهم بالسجود له.
البقرة 2:31
لما أراد الله تعالى عمارة الأرض، بعد أن عمر السماوات بالملائكة، أخبر الملائكة بما هو صانع من ذلك تنويها بآدم وتشريفا لذريته، وتعيما لعباده أمر المشاورة، فقال لهم: { إني جاعل في الأرض خليفة } يخلفني في أرضي وتنفيذ أحكامي، { قالوا } على وجه الاستفهام، أو من الإدلال، إن كان من المقربين، بعد أن رأوا الجن قد أفسدوا وسفكوا الدماء: { أتجعل من يفسد فيها } ، وشأن الخليفة الإصلاح، { ونحن نسبح بحمدك } ، أي: نسبح ملتبسين بحمدك، { ونقدس لك } ، أي: نطهر أنفسنا لأجلك، أو ننزهك عما لا يليق بجلال قدسك، فنحن أحق بالخلافة منهم. قال الحق جل وعلا: { إني أعلم ما لا تعلمون } فإني أعلم أنه يكون منهم رسل وأنبياء وأولياء، ومن يكون مثلكم أو أعظم منكم، ولما ألقى الخليل في النار ضجت الملائكة وقال: " يا رب هذا خليلك يحرق بالنار ". فقال لهم: " إن استغاث بكم فأغيثوه ". فلما رفع همته عنهم قال الحق تعالى: { ألم أقل لكم إني أعلم ما لا تعلمون }. ثم وجه الحق تعالى استحقاقه للخلافة وهو تشريفه بالعلم، فقال: { وعلم آدم الأسماء كلها } ، أي مسميات الأسماء بأن ألقى في روعه ما تحتاج إليه ذريته من اللغات والحروف، وخواص الأشياء ومنافعها، ثم عرض تلك المسميات على الملائكة، إظهارا لعجزهم، وتشريفا لآدم بالعلم. { فقال }: أخبروني { بأسماء هؤلاء } المسيمات { إن كنتم صادقين } في ادعائكم استحقاق الخلافة، فلما عجزوا عن معرفة تلك الأسماء { قالوا سبحانك } أي: تنزيها لك عن العبث، { لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم } بكل شيء، { الحكيم } لإتقانك كل شيء، وهذا اعتراف منهم بالقصود والعجز، وإشعار بأن سؤالهم كان استفهاما وطلبا لتفسير ما أشكر عليهم، ولم يكن اعتراضا. يقول الحق جل جلاله: { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } ، وعين لهم اسم كل مسمى، فلما أخبرهم بذلك بحيث قال مثلا: هذا فرس وهذا جمل، وعين ذلك لهم، وظهرت ميزته عليهم بالعلم حتى استحق الخلافة، قال الحق تعالى: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض } أي: ما غاب، وأعلم ما تظهرونه من قولكم: { أتجعل فيها... } الخ، وما تكتمونه من استحقاقكم الخلافة، وقولكم: لن يخلق الله تعالى أحدا أعلم منا لتقدمنا، والفضل لمن صدق لا لمن سبق. قال البيضاوي: اعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان، ومزية العلم وفضله على العبادة، وأنه شرط في الخلافة، بل العمدة فيها، وأن التعليم يصح إطلاقه عليه تعالى، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن يحترف به، وأن اللغات توقيفية - عملها الله بالوحي -، وأن آدم عليه السلام أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم، والأعلم أفضل لقوله تعالى:
هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون
[الزمر: 9]، وأن الله يعلم الأشياء قبل حدوثها. ه. باختصار. وقال في تفسير الملائكة: إنهم أجسام لطيفة قادرة على التشكل، وهي منقسمة على قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره، - وهم العليون، والملائكة المقربون - وقسم يدبرون الأمر من السماء إلى الأرض على ما ثبت به القضاء وجرى به القلم الإلهي، وهم المدبرات أمرا، فمنهم سماوية، ومنه أرضية. ه. مختصرا. الإشارة: اعلم أن الروح القائمة بهذا الآدمي هي قطعة من الروح الأعظم التي هي المعاني القائمة بالأواني، وهي آدم الأكبر والأب الأدم، وفي ذلك يقول ابن الفارض:
وإني وإن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوتي
فلما أراد الحق تعالى أن يستخلف هذا الروح في هذه البشرية لتدبرها وتصرفها فيما أريد منها، قالت الملائكة بلسان حالها: كيف تجعل فيها من يفسد فيها بالميل إلى الحظوظ والشهوات، ويسفك الدماء بالغضب والحميات، ونحن نسبحك وننزهك عما لا يليق بك؟ رأت الملائكة ما يصدر من بعض الأرواح من الميل إلى الحضيض الأسفل، ولم تر ما يصدر في بعضها من التصفية والترقية، فقال لهم الحق تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } فإن منها من تعرج إلى عرش الحضرة، وتعبدني بالفكرة والنظرة، وتستولي على الوجود بأسره، وتنكشف لها عند ذلك أسرار الذات وأنوار الصفات وأسماء المسميات. فيقول الحق تعالى للملائكة: هل فيكم من كشف له عن هذا السر المكنون، والاسم المصون، فقالوا: { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } من علم الصفات دون أسرار الذات { إنك أنت العليم الحكيم } يقول الحق تعالى لروح العارف التي نفذت إلى بحر وحدة الذات وتيار الصفات: أنبئهم بما غاب عنهم من أسرار الجبروت، وأسماء الملكوت، فلما أعلمهم بما كوشف له من الأسرار، وانفق له من الأنوار، أقروا بشرف الآدمي، وسجدوا لطلعة آدم عليه السلام فقال الحق لهم: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض }؟ أي: ما غاب في سماء الأرواح من الأسرار وفي أرض النفوس من الأنوار، وأعلم ما تظهرونه من الانقياد، وما تكتمونه من الاعتقاد، والله تعالى أعلم. ولما تبين شرف آدم عليه السلام وبان فضله أمرهم بالسجود له.
البقرة 2:32
لما أراد الله تعالى عمارة الأرض، بعد أن عمر السماوات بالملائكة، أخبر الملائكة بما هو صانع من ذلك تنويها بآدم وتشريفا لذريته، وتعيما لعباده أمر المشاورة، فقال لهم: { إني جاعل في الأرض خليفة } يخلفني في أرضي وتنفيذ أحكامي، { قالوا } على وجه الاستفهام، أو من الإدلال، إن كان من المقربين، بعد أن رأوا الجن قد أفسدوا وسفكوا الدماء: { أتجعل من يفسد فيها } ، وشأن الخليفة الإصلاح، { ونحن نسبح بحمدك } ، أي: نسبح ملتبسين بحمدك، { ونقدس لك } ، أي: نطهر أنفسنا لأجلك، أو ننزهك عما لا يليق بجلال قدسك، فنحن أحق بالخلافة منهم. قال الحق جل وعلا: { إني أعلم ما لا تعلمون } فإني أعلم أنه يكون منهم رسل وأنبياء وأولياء، ومن يكون مثلكم أو أعظم منكم، ولما ألقى الخليل في النار ضجت الملائكة وقال: " يا رب هذا خليلك يحرق بالنار ". فقال لهم: " إن استغاث بكم فأغيثوه ". فلما رفع همته عنهم قال الحق تعالى: { ألم أقل لكم إني أعلم ما لا تعلمون }. ثم وجه الحق تعالى استحقاقه للخلافة وهو تشريفه بالعلم، فقال: { وعلم آدم الأسماء كلها } ، أي مسميات الأسماء بأن ألقى في روعه ما تحتاج إليه ذريته من اللغات والحروف، وخواص الأشياء ومنافعها، ثم عرض تلك المسميات على الملائكة، إظهارا لعجزهم، وتشريفا لآدم بالعلم. { فقال }: أخبروني { بأسماء هؤلاء } المسيمات { إن كنتم صادقين } في ادعائكم استحقاق الخلافة، فلما عجزوا عن معرفة تلك الأسماء { قالوا سبحانك } أي: تنزيها لك عن العبث، { لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم } بكل شيء، { الحكيم } لإتقانك كل شيء، وهذا اعتراف منهم بالقصود والعجز، وإشعار بأن سؤالهم كان استفهاما وطلبا لتفسير ما أشكر عليهم، ولم يكن اعتراضا. يقول الحق جل جلاله: { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } ، وعين لهم اسم كل مسمى، فلما أخبرهم بذلك بحيث قال مثلا: هذا فرس وهذا جمل، وعين ذلك لهم، وظهرت ميزته عليهم بالعلم حتى استحق الخلافة، قال الحق تعالى: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض } أي: ما غاب، وأعلم ما تظهرونه من قولكم: { أتجعل فيها... } الخ، وما تكتمونه من استحقاقكم الخلافة، وقولكم: لن يخلق الله تعالى أحدا أعلم منا لتقدمنا، والفضل لمن صدق لا لمن سبق. قال البيضاوي: اعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان، ومزية العلم وفضله على العبادة، وأنه شرط في الخلافة، بل العمدة فيها، وأن التعليم يصح إطلاقه عليه تعالى، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن يحترف به، وأن اللغات توقيفية - عملها الله بالوحي -، وأن آدم عليه السلام أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم، والأعلم أفضل لقوله تعالى:
هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون
[الزمر: 9]، وأن الله يعلم الأشياء قبل حدوثها. ه. باختصار. وقال في تفسير الملائكة: إنهم أجسام لطيفة قادرة على التشكل، وهي منقسمة على قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره، - وهم العليون، والملائكة المقربون - وقسم يدبرون الأمر من السماء إلى الأرض على ما ثبت به القضاء وجرى به القلم الإلهي، وهم المدبرات أمرا، فمنهم سماوية، ومنه أرضية. ه. مختصرا. الإشارة: اعلم أن الروح القائمة بهذا الآدمي هي قطعة من الروح الأعظم التي هي المعاني القائمة بالأواني، وهي آدم الأكبر والأب الأدم، وفي ذلك يقول ابن الفارض:
وإني وإن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوتي
فلما أراد الحق تعالى أن يستخلف هذا الروح في هذه البشرية لتدبرها وتصرفها فيما أريد منها، قالت الملائكة بلسان حالها: كيف تجعل فيها من يفسد فيها بالميل إلى الحظوظ والشهوات، ويسفك الدماء بالغضب والحميات، ونحن نسبحك وننزهك عما لا يليق بك؟ رأت الملائكة ما يصدر من بعض الأرواح من الميل إلى الحضيض الأسفل، ولم تر ما يصدر في بعضها من التصفية والترقية، فقال لهم الحق تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } فإن منها من تعرج إلى عرش الحضرة، وتعبدني بالفكرة والنظرة، وتستولي على الوجود بأسره، وتنكشف لها عند ذلك أسرار الذات وأنوار الصفات وأسماء المسميات. فيقول الحق تعالى للملائكة: هل فيكم من كشف له عن هذا السر المكنون، والاسم المصون، فقالوا: { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } من علم الصفات دون أسرار الذات { إنك أنت العليم الحكيم } يقول الحق تعالى لروح العارف التي نفذت إلى بحر وحدة الذات وتيار الصفات: أنبئهم بما غاب عنهم من أسرار الجبروت، وأسماء الملكوت، فلما أعلمهم بما كوشف له من الأسرار، وانفق له من الأنوار، أقروا بشرف الآدمي، وسجدوا لطلعة آدم عليه السلام فقال الحق لهم: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض }؟ أي: ما غاب في سماء الأرواح من الأسرار وفي أرض النفوس من الأنوار، وأعلم ما تظهرونه من الانقياد، وما تكتمونه من الاعتقاد، والله تعالى أعلم. ولما تبين شرف آدم عليه السلام وبان فضله أمرهم بالسجود له.
البقرة 2:33
لما أراد الله تعالى عمارة الأرض، بعد أن عمر السماوات بالملائكة، أخبر الملائكة بما هو صانع من ذلك تنويها بآدم وتشريفا لذريته، وتعيما لعباده أمر المشاورة، فقال لهم: { إني جاعل في الأرض خليفة } يخلفني في أرضي وتنفيذ أحكامي، { قالوا } على وجه الاستفهام، أو من الإدلال، إن كان من المقربين، بعد أن رأوا الجن قد أفسدوا وسفكوا الدماء: { أتجعل من يفسد فيها } ، وشأن الخليفة الإصلاح، { ونحن نسبح بحمدك } ، أي: نسبح ملتبسين بحمدك، { ونقدس لك } ، أي: نطهر أنفسنا لأجلك، أو ننزهك عما لا يليق بجلال قدسك، فنحن أحق بالخلافة منهم. قال الحق جل وعلا: { إني أعلم ما لا تعلمون } فإني أعلم أنه يكون منهم رسل وأنبياء وأولياء، ومن يكون مثلكم أو أعظم منكم، ولما ألقى الخليل في النار ضجت الملائكة وقال: " يا رب هذا خليلك يحرق بالنار ". فقال لهم: " إن استغاث بكم فأغيثوه ". فلما رفع همته عنهم قال الحق تعالى: { ألم أقل لكم إني أعلم ما لا تعلمون }. ثم وجه الحق تعالى استحقاقه للخلافة وهو تشريفه بالعلم، فقال: { وعلم آدم الأسماء كلها } ، أي مسميات الأسماء بأن ألقى في روعه ما تحتاج إليه ذريته من اللغات والحروف، وخواص الأشياء ومنافعها، ثم عرض تلك المسميات على الملائكة، إظهارا لعجزهم، وتشريفا لآدم بالعلم. { فقال }: أخبروني { بأسماء هؤلاء } المسيمات { إن كنتم صادقين } في ادعائكم استحقاق الخلافة، فلما عجزوا عن معرفة تلك الأسماء { قالوا سبحانك } أي: تنزيها لك عن العبث، { لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم } بكل شيء، { الحكيم } لإتقانك كل شيء، وهذا اعتراف منهم بالقصود والعجز، وإشعار بأن سؤالهم كان استفهاما وطلبا لتفسير ما أشكر عليهم، ولم يكن اعتراضا. يقول الحق جل جلاله: { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } ، وعين لهم اسم كل مسمى، فلما أخبرهم بذلك بحيث قال مثلا: هذا فرس وهذا جمل، وعين ذلك لهم، وظهرت ميزته عليهم بالعلم حتى استحق الخلافة، قال الحق تعالى: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض } أي: ما غاب، وأعلم ما تظهرونه من قولكم: { أتجعل فيها... } الخ، وما تكتمونه من استحقاقكم الخلافة، وقولكم: لن يخلق الله تعالى أحدا أعلم منا لتقدمنا، والفضل لمن صدق لا لمن سبق. قال البيضاوي: اعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان، ومزية العلم وفضله على العبادة، وأنه شرط في الخلافة، بل العمدة فيها، وأن التعليم يصح إطلاقه عليه تعالى، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن يحترف به، وأن اللغات توقيفية - عملها الله بالوحي -، وأن آدم عليه السلام أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم، والأعلم أفضل لقوله تعالى:
هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون
[الزمر: 9]، وأن الله يعلم الأشياء قبل حدوثها. ه. باختصار. وقال في تفسير الملائكة: إنهم أجسام لطيفة قادرة على التشكل، وهي منقسمة على قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره، - وهم العليون، والملائكة المقربون - وقسم يدبرون الأمر من السماء إلى الأرض على ما ثبت به القضاء وجرى به القلم الإلهي، وهم المدبرات أمرا، فمنهم سماوية، ومنه أرضية. ه. مختصرا. الإشارة: اعلم أن الروح القائمة بهذا الآدمي هي قطعة من الروح الأعظم التي هي المعاني القائمة بالأواني، وهي آدم الأكبر والأب الأدم، وفي ذلك يقول ابن الفارض:
وإني وإن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوتي
فلما أراد الحق تعالى أن يستخلف هذا الروح في هذه البشرية لتدبرها وتصرفها فيما أريد منها، قالت الملائكة بلسان حالها: كيف تجعل فيها من يفسد فيها بالميل إلى الحظوظ والشهوات، ويسفك الدماء بالغضب والحميات، ونحن نسبحك وننزهك عما لا يليق بك؟ رأت الملائكة ما يصدر من بعض الأرواح من الميل إلى الحضيض الأسفل، ولم تر ما يصدر في بعضها من التصفية والترقية، فقال لهم الحق تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } فإن منها من تعرج إلى عرش الحضرة، وتعبدني بالفكرة والنظرة، وتستولي على الوجود بأسره، وتنكشف لها عند ذلك أسرار الذات وأنوار الصفات وأسماء المسميات. فيقول الحق تعالى للملائكة: هل فيكم من كشف له عن هذا السر المكنون، والاسم المصون، فقالوا: { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } من علم الصفات دون أسرار الذات { إنك أنت العليم الحكيم } يقول الحق تعالى لروح العارف التي نفذت إلى بحر وحدة الذات وتيار الصفات: أنبئهم بما غاب عنهم من أسرار الجبروت، وأسماء الملكوت، فلما أعلمهم بما كوشف له من الأسرار، وانفق له من الأنوار، أقروا بشرف الآدمي، وسجدوا لطلعة آدم عليه السلام فقال الحق لهم: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض }؟ أي: ما غاب في سماء الأرواح من الأسرار وفي أرض النفوس من الأنوار، وأعلم ما تظهرونه من الانقياد، وما تكتمونه من الاعتقاد، والله تعالى أعلم. ولما تبين شرف آدم عليه السلام وبان فضله أمرهم بالسجود له.
البقرة 2:34
قلت: { إذ } ظرف للماضي، ضد إذا، وهي معمولة لفعل مقدر، يفسره قوله تعالى:
واذكروا إذ كنتم
[الأعراف: 86]، فحيثما وردت في القرآن فيقدر له " اذكر " ، والاستثناء متصل إذا قلنا إبليس من الملائكة، ومنقطع إذا قلنا من الجن. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: واذكر { إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } ، لام تبينت فضيلة، آدم أمرهم بالسجود، فقال لهم: { اسجدوا لآدم } سجود انحناء، { فسجدوا } كلهم، لأنهم شهدوا الجمع ولم يشهدوا الفرق، فرأوا آدم قبلة، أو نورا من أنوار عظمته، { إلا إبليس } أي: امتنع حيث نظر الفرق بحكمة الواحد القهار، فاستبكر { وكان } من جملة { الكافرين }. وكفره باعتراضه على الله وتسفيه حكمه، لا بامتناعه إذ مجرد المعصية لا تكفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا كمل تصفية الروح، وظهر شرفها، خضع لها كل شيء، وتواضع لها كل شيء، وانقاد لأمرها من سبقت له العناية، وهبت عليه ريح الهداية، لأنها صارت آدم الأكبر، إلا من إبلسته المشيئة، وطردته القدرة، فاستبكر عن تحكيم جنسه على نفسه، وكان من الكافرين لوجود الخصوصية، جزاؤه حرمان شهود طلعة الربوبية، وهبوطه إلى حضيض العمومية.
البقرة 2:35
قلت: { رغدا }:صفة لمصدر محذوف، أي: أكلا رغدا واسعا، و { تكونا }: منصوب، جواب الأمر، أو معطوف على { تقربا } ، و { أزلهما }: أوقعهما في الزلل بسبب الأكل، أو أذهبهما عن الجنة، ويدل عليه قراءة حمزة: " فأزالهما " وجملة { بعضكم لبعض عدو }: حالية، أي: متعادين. يقول الحق جل جلاله: { وقلنا يا آدم } حين سجدت له الملائكة ودخل الجنة: { اسكن أنت وزوجك } حواء { الجنة } ، وكانت خلقت من ضلعه الأيسر، { وكلا } من ثمار الجنة { حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة }: العنب أو التين أو الحنطة { فتكونا } إن أكلتما منها { من الظالمين } لنفسيكما. فدخل إبليس خفية أو في فم الحية، فتكلم مع آدم عليه السلام فقال له آدم عليه السلام: ما أحسن هذه الحالة لو كان الخلود. فحفظها إبليس، ووجد فيها مدخلا من جهة الطمع، فقال له:
هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى
[طه: 120] فدله على أكل الشجرة، وقال:
ما نهاكما ربكما
[الأعراف: 20] عنها
إلا
[الأعراف: 20] كراهية
أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 20، 21]. وأكلت حواء أولا، ثم قالت له: قد أكلت ولم يضرني، ثم أكل آدم عليه السلام من جنس الشجرة، لا من عينها، متأولا، فطار التاج واللباس، وأخرجهما { مما كانا فيه } من رغد العيش والعناء، وأهبطهما إلى الأرض، للتعب والعناء، ليكون خليفة على ما سبق به القضاء. فقال لهم الحق تعالى: { اهبطوا } آدم وحواء وإبليس والحية، { بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض } استقرار وتمتع { إلى حين } وفاتكم، فتقدمون علي فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، { فتلقى } أي أخذ { آدم من ربه كلمات } وهي:
ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
[الأعراف: 23 } ، { فتاب } الحق تعالى عليه واجتباه لحضرته، فإنه تواب كثير التوبة على عباده، رحيم بهم، أرحم من أبيهم وأمهم، اللهم ارحمنا رحمة تعصمنا بها عن رؤية السوي، إنك على كل شيء قدير. الإشارة: يقول الحق جل جلاله للروح، إذا كمل تهذيبها، وتمت تريبتها: اسكن أنت وبشريتك التي تزوجتها - قال تعالى:
وإذا النفوس زوجت
[التكوير: 7] - جنة المعارف، وكلا من ثمار أذوابها وأنهار علومها، وتبوءا من قصور ترقياتها، أكلا واسعا ما دمتما متحليين بالأدب، ولا تقربا شجرة المعصية وسوء الأدب { فتكونا من الظالمين } ، فلما سكنت جنة الخلود، وشرهت إلى الخلود، أهبطها الله إلى أرض العبودية، وردها إلى البقاء لتستحق الخلافة، وتقوم بحقوق الربوبية، بسبب ما ارتكبه من المعصية، وهي الشره إلى دوام الحرية، " أكرم بها معصية أورثت الخلافة! " ، فكل ما ينزل بالروح إلى قهرية العبودية، فهو سبب إلى الترقي لشهود نور الربوبية، وربما قضي عليك بالذنب فكان سبب الوصول، فلام أراد الحق تعالى أن ينزلها إلى أرض العبودية بالسلوك بعد الجذب، قال لها ولمن يحاربها من الشيطان والهوى والدنيا وسائر الحظوظ: اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم - أيها العارفون بعد جهاد أعدائكم - في أرض العبودية، استقرار وتمتع بتجليات أنوار الربوبية، إلى حين الملاقاة الحقيقية. فتلقت الروح من ربها كلمات الإنابة، وهب عليها، نسيم الهداية، بما سبق لها من عين العناية، فتاب عليها، وقربها إلى حضرة الشهود، ومعاينة طلعة الملك الودود، إنه تواب رحيم جواد كريم.
البقرة 2:36
قلت: { رغدا }:صفة لمصدر محذوف، أي: أكلا رغدا واسعا، و { تكونا }: منصوب، جواب الأمر، أو معطوف على { تقربا } ، و { أزلهما }: أوقعهما في الزلل بسبب الأكل، أو أذهبهما عن الجنة، ويدل عليه قراءة حمزة: " فأزالهما " وجملة { بعضكم لبعض عدو }: حالية، أي: متعادين. يقول الحق جل جلاله: { وقلنا يا آدم } حين سجدت له الملائكة ودخل الجنة: { اسكن أنت وزوجك } حواء { الجنة } ، وكانت خلقت من ضلعه الأيسر، { وكلا } من ثمار الجنة { حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة }: العنب أو التين أو الحنطة { فتكونا } إن أكلتما منها { من الظالمين } لنفسيكما. فدخل إبليس خفية أو في فم الحية، فتكلم مع آدم عليه السلام فقال له آدم عليه السلام: ما أحسن هذه الحالة لو كان الخلود. فحفظها إبليس، ووجد فيها مدخلا من جهة الطمع، فقال له:
هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى
[طه: 120] فدله على أكل الشجرة، وقال:
ما نهاكما ربكما
[الأعراف: 20] عنها
إلا
[الأعراف: 20] كراهية
أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 20، 21]. وأكلت حواء أولا، ثم قالت له: قد أكلت ولم يضرني، ثم أكل آدم عليه السلام من جنس الشجرة، لا من عينها، متأولا، فطار التاج واللباس، وأخرجهما { مما كانا فيه } من رغد العيش والعناء، وأهبطهما إلى الأرض، للتعب والعناء، ليكون خليفة على ما سبق به القضاء. فقال لهم الحق تعالى: { اهبطوا } آدم وحواء وإبليس والحية، { بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض } استقرار وتمتع { إلى حين } وفاتكم، فتقدمون علي فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، { فتلقى } أي أخذ { آدم من ربه كلمات } وهي:
ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
[الأعراف: 23 } ، { فتاب } الحق تعالى عليه واجتباه لحضرته، فإنه تواب كثير التوبة على عباده، رحيم بهم، أرحم من أبيهم وأمهم، اللهم ارحمنا رحمة تعصمنا بها عن رؤية السوي، إنك على كل شيء قدير. الإشارة: يقول الحق جل جلاله للروح، إذا كمل تهذيبها، وتمت تريبتها: اسكن أنت وبشريتك التي تزوجتها - قال تعالى:
وإذا النفوس زوجت
[التكوير: 7] - جنة المعارف، وكلا من ثمار أذوابها وأنهار علومها، وتبوءا من قصور ترقياتها، أكلا واسعا ما دمتما متحليين بالأدب، ولا تقربا شجرة المعصية وسوء الأدب { فتكونا من الظالمين } ، فلما سكنت جنة الخلود، وشرهت إلى الخلود، أهبطها الله إلى أرض العبودية، وردها إلى البقاء لتستحق الخلافة، وتقوم بحقوق الربوبية، بسبب ما ارتكبه من المعصية، وهي الشره إلى دوام الحرية، " أكرم بها معصية أورثت الخلافة! " ، فكل ما ينزل بالروح إلى قهرية العبودية، فهو سبب إلى الترقي لشهود نور الربوبية، وربما قضي عليك بالذنب فكان سبب الوصول، فلام أراد الحق تعالى أن ينزلها إلى أرض العبودية بالسلوك بعد الجذب، قال لها ولمن يحاربها من الشيطان والهوى والدنيا وسائر الحظوظ: اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم - أيها العارفون بعد جهاد أعدائكم - في أرض العبودية، استقرار وتمتع بتجليات أنوار الربوبية، إلى حين الملاقاة الحقيقية. فتلقت الروح من ربها كلمات الإنابة، وهب عليها، نسيم الهداية، بما سبق لها من عين العناية، فتاب عليها، وقربها إلى حضرة الشهود، ومعاينة طلعة الملك الودود، إنه تواب رحيم جواد كريم.
البقرة 2:37
قلت: { رغدا }:صفة لمصدر محذوف، أي: أكلا رغدا واسعا، و { تكونا }: منصوب، جواب الأمر، أو معطوف على { تقربا } ، و { أزلهما }: أوقعهما في الزلل بسبب الأكل، أو أذهبهما عن الجنة، ويدل عليه قراءة حمزة: " فأزالهما " وجملة { بعضكم لبعض عدو }: حالية، أي: متعادين. يقول الحق جل جلاله: { وقلنا يا آدم } حين سجدت له الملائكة ودخل الجنة: { اسكن أنت وزوجك } حواء { الجنة } ، وكانت خلقت من ضلعه الأيسر، { وكلا } من ثمار الجنة { حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة }: العنب أو التين أو الحنطة { فتكونا } إن أكلتما منها { من الظالمين } لنفسيكما. فدخل إبليس خفية أو في فم الحية، فتكلم مع آدم عليه السلام فقال له آدم عليه السلام: ما أحسن هذه الحالة لو كان الخلود. فحفظها إبليس، ووجد فيها مدخلا من جهة الطمع، فقال له:
هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى
[طه: 120] فدله على أكل الشجرة، وقال:
ما نهاكما ربكما
[الأعراف: 20] عنها
إلا
[الأعراف: 20] كراهية
أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 20، 21]. وأكلت حواء أولا، ثم قالت له: قد أكلت ولم يضرني، ثم أكل آدم عليه السلام من جنس الشجرة، لا من عينها، متأولا، فطار التاج واللباس، وأخرجهما { مما كانا فيه } من رغد العيش والعناء، وأهبطهما إلى الأرض، للتعب والعناء، ليكون خليفة على ما سبق به القضاء. فقال لهم الحق تعالى: { اهبطوا } آدم وحواء وإبليس والحية، { بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض } استقرار وتمتع { إلى حين } وفاتكم، فتقدمون علي فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، { فتلقى } أي أخذ { آدم من ربه كلمات } وهي:
ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
[الأعراف: 23 } ، { فتاب } الحق تعالى عليه واجتباه لحضرته، فإنه تواب كثير التوبة على عباده، رحيم بهم، أرحم من أبيهم وأمهم، اللهم ارحمنا رحمة تعصمنا بها عن رؤية السوي، إنك على كل شيء قدير. الإشارة: يقول الحق جل جلاله للروح، إذا كمل تهذيبها، وتمت تريبتها: اسكن أنت وبشريتك التي تزوجتها - قال تعالى:
وإذا النفوس زوجت
[التكوير: 7] - جنة المعارف، وكلا من ثمار أذوابها وأنهار علومها، وتبوءا من قصور ترقياتها، أكلا واسعا ما دمتما متحليين بالأدب، ولا تقربا شجرة المعصية وسوء الأدب { فتكونا من الظالمين } ، فلما سكنت جنة الخلود، وشرهت إلى الخلود، أهبطها الله إلى أرض العبودية، وردها إلى البقاء لتستحق الخلافة، وتقوم بحقوق الربوبية، بسبب ما ارتكبه من المعصية، وهي الشره إلى دوام الحرية، " أكرم بها معصية أورثت الخلافة! " ، فكل ما ينزل بالروح إلى قهرية العبودية، فهو سبب إلى الترقي لشهود نور الربوبية، وربما قضي عليك بالذنب فكان سبب الوصول، فلام أراد الحق تعالى أن ينزلها إلى أرض العبودية بالسلوك بعد الجذب، قال لها ولمن يحاربها من الشيطان والهوى والدنيا وسائر الحظوظ: اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم - أيها العارفون بعد جهاد أعدائكم - في أرض العبودية، استقرار وتمتع بتجليات أنوار الربوبية، إلى حين الملاقاة الحقيقية. فتلقت الروح من ربها كلمات الإنابة، وهب عليها، نسيم الهداية، بما سبق لها من عين العناية، فتاب عليها، وقربها إلى حضرة الشهود، ومعاينة طلعة الملك الودود، إنه تواب رحيم جواد كريم.
البقرة 2:38
قلت: { إن }: شرط، و { ما } زيدت لتقوية الشرط، ولذلك دخلت نون التوكيد، وعبر بإن دون { إذا } ، مع تحقق مجيء الهدى لأنه غير واجب عقلا، وجملة الشرط الثاني وجوابه، الشرط الأول، و { جميعا } حال مؤكدة أي: اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يقتضي اجماعهم على الهبوط في زمان واحد. ولما أمر الحق جلا جلاله آدم أولا بالهبوط من الجنة، جعل يبكي ويتضرع ويقول: ألم تخلقني بيدك؟ ألم تسجد لي ملائكتك؟ ألم تدخلني جنتك؟ ثم ألهم الكلمات التي تلقاها من ربه، فتاب عليه ورحمه، فطمع آدم حين سمع من ربه قبول توبته في البقاء في الجنة، فقال له الحق جل جلاله: يا آدم لا يجاورني من عصاني، وقد سبقت كلمتي بهبوطك إلى الأرض لتكون خليفتي بذريتك، فكرر عليه الأمر بالهبوط ثانيا. فقال: { اهبطوا منها جميعا } أنتما بما اشتملتما عليه من ذريتكما. فمهما { يأتينكم مني هدى } أي: بيان وإرشاد إلى توحيدي ومعرفتي، على يد رسول أو نائب عنه، { فمن تبع } ذلك الإرشاد، واهتدى إلى معرفتي وتوحيدي، وعمل بطاعتي وتكاليفي، { فلا خوف عليهم } من لحوق مكروه { ولا هم يحزنون } من فوات محبوب، لأني أصرف عنهم جميع المكاره، وأجلب لهم المنافع، { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } الدالة على قدرتنا المنزلة على رسلنا،
واستكبروا
[النساء: 173] عن النظر فيها، أو عن الخضوع لمن جاء بها، { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. الإشارة: إذا سكنت الأرواح في عش الحضرة، وتمكنت من الشهود والنظرة، أمرها الحق تعالى بالنزول إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ، فتنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، لا لطلب جزاء أو لقضاء شهوة، بل تنزل بالله ومن الله وإلى الله، فمن نزل منها على هذا الهدى الحسن { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ، ومن ركب بحر التوحيد مع غير رئيس عارف، ولم يأو إلى سفينة الشريعة، واستكبر عن الخضوع إلى تكاليفها لعبت به الأمواج، فكان من المغرقين. { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } لأن من تحقق ولم يتشرع فقد تزندق، ومن تشرع ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق، جعلنا الله ممن تحقق بهما. وسلك على مهاجهما إلى الممات، آمين. ولما ذكر الحق تعالى شرف كتابه، ونفى وجد الريب عن ساحته، ثم دعا إلى توحيده، وبرهن على وجوده، بابتداء خلق العالم من عرشه إلى فرشه، وذكر كيفية ابتداء عمارته، خاطب بني إسرائيل لأنهم أهل العلم بالأخبار المتقدمة، وقد مسعوا هذه الأخبار نبي أمي لم يعهد بقراءة ولا تعلم، فقامت الحجة عليهم، وتحققوا أنه من عند الله. وما منعهم من الإسلام إلا الحسد وحب الرئاسة، فلذلك أطال الحق الكلام معهم، تارة يقرعهم على عدم الإيمان وما فعلوا مع أنبيائهم، وتارة يذكرهم النعم التي أنهم الله على أسلافهم.
البقرة 2:39
قلت: { إن }: شرط، و { ما } زيدت لتقوية الشرط، ولذلك دخلت نون التوكيد، وعبر بإن دون { إذا } ، مع تحقق مجيء الهدى لأنه غير واجب عقلا، وجملة الشرط الثاني وجوابه، الشرط الأول، و { جميعا } حال مؤكدة أي: اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يقتضي اجماعهم على الهبوط في زمان واحد. ولما أمر الحق جلا جلاله آدم أولا بالهبوط من الجنة، جعل يبكي ويتضرع ويقول: ألم تخلقني بيدك؟ ألم تسجد لي ملائكتك؟ ألم تدخلني جنتك؟ ثم ألهم الكلمات التي تلقاها من ربه، فتاب عليه ورحمه، فطمع آدم حين سمع من ربه قبول توبته في البقاء في الجنة، فقال له الحق جل جلاله: يا آدم لا يجاورني من عصاني، وقد سبقت كلمتي بهبوطك إلى الأرض لتكون خليفتي بذريتك، فكرر عليه الأمر بالهبوط ثانيا. فقال: { اهبطوا منها جميعا } أنتما بما اشتملتما عليه من ذريتكما. فمهما { يأتينكم مني هدى } أي: بيان وإرشاد إلى توحيدي ومعرفتي، على يد رسول أو نائب عنه، { فمن تبع } ذلك الإرشاد، واهتدى إلى معرفتي وتوحيدي، وعمل بطاعتي وتكاليفي، { فلا خوف عليهم } من لحوق مكروه { ولا هم يحزنون } من فوات محبوب، لأني أصرف عنهم جميع المكاره، وأجلب لهم المنافع، { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } الدالة على قدرتنا المنزلة على رسلنا،
واستكبروا
[النساء: 173] عن النظر فيها، أو عن الخضوع لمن جاء بها، { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. الإشارة: إذا سكنت الأرواح في عش الحضرة، وتمكنت من الشهود والنظرة، أمرها الحق تعالى بالنزول إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ، فتنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، لا لطلب جزاء أو لقضاء شهوة، بل تنزل بالله ومن الله وإلى الله، فمن نزل منها على هذا الهدى الحسن { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ، ومن ركب بحر التوحيد مع غير رئيس عارف، ولم يأو إلى سفينة الشريعة، واستكبر عن الخضوع إلى تكاليفها لعبت به الأمواج، فكان من المغرقين. { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } لأن من تحقق ولم يتشرع فقد تزندق، ومن تشرع ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق، جعلنا الله ممن تحقق بهما. وسلك على مهاجهما إلى الممات، آمين. ولما ذكر الحق تعالى شرف كتابه، ونفى وجد الريب عن ساحته، ثم دعا إلى توحيده، وبرهن على وجوده، بابتداء خلق العالم من عرشه إلى فرشه، وذكر كيفية ابتداء عمارته، خاطب بني إسرائيل لأنهم أهل العلم بالأخبار المتقدمة، وقد مسعوا هذه الأخبار نبي أمي لم يعهد بقراءة ولا تعلم، فقامت الحجة عليهم، وتحققوا أنه من عند الله. وما منعهم من الإسلام إلا الحسد وحب الرئاسة، فلذلك أطال الحق الكلام معهم، تارة يقرعهم على عدم الإيمان وما فعلوا مع أنبيائهم، وتارة يذكرهم النعم التي أنهم الله على أسلافهم.
البقرة 2:40
قلت: { إسرائيل }: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليهم الصلاة السلام - وهو اسم عجمي، وبنو تميم تقول: " إسرائين " بالنون، وإسرا بالعبرانية: عبد، و إيل: اسم الله تعالى، فمعناه: عبد الله، وبنو إسرائيل: هم أولاد يعقوب عليه السلام، و { بعهدي } من إضافة المصدر إلى فاعله، و { بعهدكم } إلى مفعوله، و { إياي } منصوب بفعل مضمر، يقدر مؤخرا. أي: أياي ارهبوا فارهبون. وحذف مفعول { ارهبون } لرؤوس الآي وكذا قوله: { وإياي فاتقون } ، والرهبة: خوف مع تحرز، و { تكتموا }: معطوف على { تلبسوا } ، أو منصوب بأن مضمرة بعد النهي، و { أنتم تعلمون }: جملة حالية. يقول الحق جل جلاله: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي } التي خصصتكم بها، بأن فضلتكم على أهل زمانكم، وجعلت فيكم أنبياء ورسلا، كلما انقرض نبي بعثت نبيا آخر، وجعلتكم ملوكا وحكاما على الناس، قبل أن تفسدوا في الأرض بقتل الأنبياء، فتكفروا بهذه النعم، فإن الإنسان حسود غيرو بالطبع، فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الحسد والغيرة على السخط والكفران، وإذا نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضا والشكر، فاذكروا ما أنعمت به عليكم، وقيدوه بالشكر، { وأوفوا بعهدي } الذي عهدت إليكم، وهو أنكم إن أدركتم محمدا صلى الله عليه وسلم لتؤمنن به ولتنصرنه، ولتبينن صفته التي في كتابكم، ولا تكتمونها، { أوف بعهدكم } بأن أدخلكم جنتي، وأبيح لكم النظر إلى وجهي، وأحل عليكم رضواني في جملة عبادي، ولا ترهبوا أحدا غيري، فإنه لا فاعل غيري. وبادروا إلى الإيمان { بما أنزلت } على محمد رسولي، من كتابي، الذي هو مصدق { لما معكم } من التوراة، ومهيمن عليه، { ولا تكونوا أول } فريق { كافر به } ، فتبوؤوا بإثمكم وإثم من تبعكم، ولا تستبدلوا الإيمان الذي هو سبب الفوز في الدارين، بالعرض الفاني الذي تأخذونه من سفلتكم، فإنه ثمن قليل يعقبه عذاب جليل وخزي كبير. ولا تخشوا أحدا سواي فإن النفع والضرر بيدي، ولا تخلطوا { الحق } الذي هو ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته التي في كتابكم، { بالباطل } الذي تريدونه تحريفا وتأويلا، { و } لا { تكتموا الحق } الذي عندكم، من ذكر محمد وصحة رسالته، { وأنتم تعلمون } أنكم محرفون، ولابسون عنادا وحسدا، فيحل عليكم غضبي وعقابي،
ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى
[طه: 81]. فإذا حصلتم أصول الدين، وهو الإيمان، فاشتغلوا بفروعه، وهي الصلاة والزكاة وغيرهما، فأدوهما على منهاج المسلمين. واجعلوا صلاتكم في جماعة المؤمنين فإن صلاة الجماعة تفضل غيرها بسبع وعشرين درجة، مع سريان واقتباس الأنوار من الصالحين والأبرار، وبالله التوفيق. الإشارة: إذا توجه الخطاب إلى طائفة مخصوصة، حمله أهل الفهم عن الله على عمومه لكل سامع، فإن الملك إذا عاتب قوما بمحضر آخرين، كان المراد بذلك تحذير كل من يسمع، فكأن الحق جل جلاله يقول: يا بني آدم اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وتفكروا في أصولها وفروعها، واشكروني عليها بنسبتها إلي وحدي، فإنه لا منعم غيري، فمن شكرني شكرته، ومن فيض إحساني وبري مددته، ومن كفر نعمتي سلبته، وعن بابي طردته، وأوفوا بعهدي بالقيام بوظائف العبودية، أوف بعهدكم بأن أطلعكم على أسرار الربوبية.
أو: { أوفوا بعهدي } بالقيام برسوم الشريعة، { أوف بعهدكم } بالهداية إلى منار الطريقة، أو: { أوفوا بعهدي } بسلوك منهاج الطريقة، { أوف بعهدكم } بالإيصال إلى عين الحقيقة، أو: { أوفوا بعهدي } بالاستغراق في بحر الشهود، { أوف بعهدكم } بالترقي أبدا غلى الملك الودود، وخصوني بالرهب والرغب، وتوجهوا إلي في كل سؤال وطلب، أعطف عليكم بعنايتي وودي، وأمنحكم من عظيم إحساني ورفدي، { وآمنوا بما أنزلت } على قلوب أوليائي، ومن مواهب أسراري وآلائي، تصديقا لما أتحفت به رسلي وأنبيائي، فكل ما ظهر على الأولياء فهو معجزة للأنبياء وتصديق لهم، ولا تبادروا بالإنكار على أوليائي، فتكونوا سببا في طرد عبادي عن بابي، ولا يمنعكم حب الرئاسة والجاه عن الخضوع إلى أوليائي، ولا ترقبوا أحدا غيري، فإني أمنعكم من شهود سري. { ولا تلبسوا الحق بالباطل } ، فتظهروا شعار الصالحين وتبطنوا أخلاق الفاسقين، تتزيوا بزي الأولياء، تفعلوا فعل الأغوياء، وإذا تحققتم بخصوصية أحد من عبادي، فلا تكتموها عن أهل محبتي وودادي، وأقيموا صلاة القلوب بالخضوع تحت مجاري الأقدار، وأدوا زكاة النفوس بالذل والانكسار، وكونوا مع الخاشعين، { واركعوا مع الراكعين } ، أمنحكم معونتي ونصري، وأفيض عليكم من بحر إحساني وبري، أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي.
البقرة 2:41
قلت: { إسرائيل }: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليهم الصلاة السلام - وهو اسم عجمي، وبنو تميم تقول: " إسرائين " بالنون، وإسرا بالعبرانية: عبد، و إيل: اسم الله تعالى، فمعناه: عبد الله، وبنو إسرائيل: هم أولاد يعقوب عليه السلام، و { بعهدي } من إضافة المصدر إلى فاعله، و { بعهدكم } إلى مفعوله، و { إياي } منصوب بفعل مضمر، يقدر مؤخرا. أي: أياي ارهبوا فارهبون. وحذف مفعول { ارهبون } لرؤوس الآي وكذا قوله: { وإياي فاتقون } ، والرهبة: خوف مع تحرز، و { تكتموا }: معطوف على { تلبسوا } ، أو منصوب بأن مضمرة بعد النهي، و { أنتم تعلمون }: جملة حالية. يقول الحق جل جلاله: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي } التي خصصتكم بها، بأن فضلتكم على أهل زمانكم، وجعلت فيكم أنبياء ورسلا، كلما انقرض نبي بعثت نبيا آخر، وجعلتكم ملوكا وحكاما على الناس، قبل أن تفسدوا في الأرض بقتل الأنبياء، فتكفروا بهذه النعم، فإن الإنسان حسود غيرو بالطبع، فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الحسد والغيرة على السخط والكفران، وإذا نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضا والشكر، فاذكروا ما أنعمت به عليكم، وقيدوه بالشكر، { وأوفوا بعهدي } الذي عهدت إليكم، وهو أنكم إن أدركتم محمدا صلى الله عليه وسلم لتؤمنن به ولتنصرنه، ولتبينن صفته التي في كتابكم، ولا تكتمونها، { أوف بعهدكم } بأن أدخلكم جنتي، وأبيح لكم النظر إلى وجهي، وأحل عليكم رضواني في جملة عبادي، ولا ترهبوا أحدا غيري، فإنه لا فاعل غيري. وبادروا إلى الإيمان { بما أنزلت } على محمد رسولي، من كتابي، الذي هو مصدق { لما معكم } من التوراة، ومهيمن عليه، { ولا تكونوا أول } فريق { كافر به } ، فتبوؤوا بإثمكم وإثم من تبعكم، ولا تستبدلوا الإيمان الذي هو سبب الفوز في الدارين، بالعرض الفاني الذي تأخذونه من سفلتكم، فإنه ثمن قليل يعقبه عذاب جليل وخزي كبير. ولا تخشوا أحدا سواي فإن النفع والضرر بيدي، ولا تخلطوا { الحق } الذي هو ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته التي في كتابكم، { بالباطل } الذي تريدونه تحريفا وتأويلا، { و } لا { تكتموا الحق } الذي عندكم، من ذكر محمد وصحة رسالته، { وأنتم تعلمون } أنكم محرفون، ولابسون عنادا وحسدا، فيحل عليكم غضبي وعقابي،
ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى
[طه: 81]. فإذا حصلتم أصول الدين، وهو الإيمان، فاشتغلوا بفروعه، وهي الصلاة والزكاة وغيرهما، فأدوهما على منهاج المسلمين. واجعلوا صلاتكم في جماعة المؤمنين فإن صلاة الجماعة تفضل غيرها بسبع وعشرين درجة، مع سريان واقتباس الأنوار من الصالحين والأبرار، وبالله التوفيق. الإشارة: إذا توجه الخطاب إلى طائفة مخصوصة، حمله أهل الفهم عن الله على عمومه لكل سامع، فإن الملك إذا عاتب قوما بمحضر آخرين، كان المراد بذلك تحذير كل من يسمع، فكأن الحق جل جلاله يقول: يا بني آدم اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وتفكروا في أصولها وفروعها، واشكروني عليها بنسبتها إلي وحدي، فإنه لا منعم غيري، فمن شكرني شكرته، ومن فيض إحساني وبري مددته، ومن كفر نعمتي سلبته، وعن بابي طردته، وأوفوا بعهدي بالقيام بوظائف العبودية، أوف بعهدكم بأن أطلعكم على أسرار الربوبية.
أو: { أوفوا بعهدي } بالقيام برسوم الشريعة، { أوف بعهدكم } بالهداية إلى منار الطريقة، أو: { أوفوا بعهدي } بسلوك منهاج الطريقة، { أوف بعهدكم } بالإيصال إلى عين الحقيقة، أو: { أوفوا بعهدي } بالاستغراق في بحر الشهود، { أوف بعهدكم } بالترقي أبدا غلى الملك الودود، وخصوني بالرهب والرغب، وتوجهوا إلي في كل سؤال وطلب، أعطف عليكم بعنايتي وودي، وأمنحكم من عظيم إحساني ورفدي، { وآمنوا بما أنزلت } على قلوب أوليائي، ومن مواهب أسراري وآلائي، تصديقا لما أتحفت به رسلي وأنبيائي، فكل ما ظهر على الأولياء فهو معجزة للأنبياء وتصديق لهم، ولا تبادروا بالإنكار على أوليائي، فتكونوا سببا في طرد عبادي عن بابي، ولا يمنعكم حب الرئاسة والجاه عن الخضوع إلى أوليائي، ولا ترقبوا أحدا غيري، فإني أمنعكم من شهود سري. { ولا تلبسوا الحق بالباطل } ، فتظهروا شعار الصالحين وتبطنوا أخلاق الفاسقين، تتزيوا بزي الأولياء، تفعلوا فعل الأغوياء، وإذا تحققتم بخصوصية أحد من عبادي، فلا تكتموها عن أهل محبتي وودادي، وأقيموا صلاة القلوب بالخضوع تحت مجاري الأقدار، وأدوا زكاة النفوس بالذل والانكسار، وكونوا مع الخاشعين، { واركعوا مع الراكعين } ، أمنحكم معونتي ونصري، وأفيض عليكم من بحر إحساني وبري، أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي.
البقرة 2:42
قلت: { إسرائيل }: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليهم الصلاة السلام - وهو اسم عجمي، وبنو تميم تقول: " إسرائين " بالنون، وإسرا بالعبرانية: عبد، و إيل: اسم الله تعالى، فمعناه: عبد الله، وبنو إسرائيل: هم أولاد يعقوب عليه السلام، و { بعهدي } من إضافة المصدر إلى فاعله، و { بعهدكم } إلى مفعوله، و { إياي } منصوب بفعل مضمر، يقدر مؤخرا. أي: أياي ارهبوا فارهبون. وحذف مفعول { ارهبون } لرؤوس الآي وكذا قوله: { وإياي فاتقون } ، والرهبة: خوف مع تحرز، و { تكتموا }: معطوف على { تلبسوا } ، أو منصوب بأن مضمرة بعد النهي، و { أنتم تعلمون }: جملة حالية. يقول الحق جل جلاله: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي } التي خصصتكم بها، بأن فضلتكم على أهل زمانكم، وجعلت فيكم أنبياء ورسلا، كلما انقرض نبي بعثت نبيا آخر، وجعلتكم ملوكا وحكاما على الناس، قبل أن تفسدوا في الأرض بقتل الأنبياء، فتكفروا بهذه النعم، فإن الإنسان حسود غيرو بالطبع، فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الحسد والغيرة على السخط والكفران، وإذا نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضا والشكر، فاذكروا ما أنعمت به عليكم، وقيدوه بالشكر، { وأوفوا بعهدي } الذي عهدت إليكم، وهو أنكم إن أدركتم محمدا صلى الله عليه وسلم لتؤمنن به ولتنصرنه، ولتبينن صفته التي في كتابكم، ولا تكتمونها، { أوف بعهدكم } بأن أدخلكم جنتي، وأبيح لكم النظر إلى وجهي، وأحل عليكم رضواني في جملة عبادي، ولا ترهبوا أحدا غيري، فإنه لا فاعل غيري. وبادروا إلى الإيمان { بما أنزلت } على محمد رسولي، من كتابي، الذي هو مصدق { لما معكم } من التوراة، ومهيمن عليه، { ولا تكونوا أول } فريق { كافر به } ، فتبوؤوا بإثمكم وإثم من تبعكم، ولا تستبدلوا الإيمان الذي هو سبب الفوز في الدارين، بالعرض الفاني الذي تأخذونه من سفلتكم، فإنه ثمن قليل يعقبه عذاب جليل وخزي كبير. ولا تخشوا أحدا سواي فإن النفع والضرر بيدي، ولا تخلطوا { الحق } الذي هو ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته التي في كتابكم، { بالباطل } الذي تريدونه تحريفا وتأويلا، { و } لا { تكتموا الحق } الذي عندكم، من ذكر محمد وصحة رسالته، { وأنتم تعلمون } أنكم محرفون، ولابسون عنادا وحسدا، فيحل عليكم غضبي وعقابي،
ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى
[طه: 81]. فإذا حصلتم أصول الدين، وهو الإيمان، فاشتغلوا بفروعه، وهي الصلاة والزكاة وغيرهما، فأدوهما على منهاج المسلمين. واجعلوا صلاتكم في جماعة المؤمنين فإن صلاة الجماعة تفضل غيرها بسبع وعشرين درجة، مع سريان واقتباس الأنوار من الصالحين والأبرار، وبالله التوفيق. الإشارة: إذا توجه الخطاب إلى طائفة مخصوصة، حمله أهل الفهم عن الله على عمومه لكل سامع، فإن الملك إذا عاتب قوما بمحضر آخرين، كان المراد بذلك تحذير كل من يسمع، فكأن الحق جل جلاله يقول: يا بني آدم اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وتفكروا في أصولها وفروعها، واشكروني عليها بنسبتها إلي وحدي، فإنه لا منعم غيري، فمن شكرني شكرته، ومن فيض إحساني وبري مددته، ومن كفر نعمتي سلبته، وعن بابي طردته، وأوفوا بعهدي بالقيام بوظائف العبودية، أوف بعهدكم بأن أطلعكم على أسرار الربوبية.
أو: { أوفوا بعهدي } بالقيام برسوم الشريعة، { أوف بعهدكم } بالهداية إلى منار الطريقة، أو: { أوفوا بعهدي } بسلوك منهاج الطريقة، { أوف بعهدكم } بالإيصال إلى عين الحقيقة، أو: { أوفوا بعهدي } بالاستغراق في بحر الشهود، { أوف بعهدكم } بالترقي أبدا غلى الملك الودود، وخصوني بالرهب والرغب، وتوجهوا إلي في كل سؤال وطلب، أعطف عليكم بعنايتي وودي، وأمنحكم من عظيم إحساني ورفدي، { وآمنوا بما أنزلت } على قلوب أوليائي، ومن مواهب أسراري وآلائي، تصديقا لما أتحفت به رسلي وأنبيائي، فكل ما ظهر على الأولياء فهو معجزة للأنبياء وتصديق لهم، ولا تبادروا بالإنكار على أوليائي، فتكونوا سببا في طرد عبادي عن بابي، ولا يمنعكم حب الرئاسة والجاه عن الخضوع إلى أوليائي، ولا ترقبوا أحدا غيري، فإني أمنعكم من شهود سري. { ولا تلبسوا الحق بالباطل } ، فتظهروا شعار الصالحين وتبطنوا أخلاق الفاسقين، تتزيوا بزي الأولياء، تفعلوا فعل الأغوياء، وإذا تحققتم بخصوصية أحد من عبادي، فلا تكتموها عن أهل محبتي وودادي، وأقيموا صلاة القلوب بالخضوع تحت مجاري الأقدار، وأدوا زكاة النفوس بالذل والانكسار، وكونوا مع الخاشعين، { واركعوا مع الراكعين } ، أمنحكم معونتي ونصري، وأفيض عليكم من بحر إحساني وبري، أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي.
البقرة 2:43
قلت: { إسرائيل }: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليهم الصلاة السلام - وهو اسم عجمي، وبنو تميم تقول: " إسرائين " بالنون، وإسرا بالعبرانية: عبد، و إيل: اسم الله تعالى، فمعناه: عبد الله، وبنو إسرائيل: هم أولاد يعقوب عليه السلام، و { بعهدي } من إضافة المصدر إلى فاعله، و { بعهدكم } إلى مفعوله، و { إياي } منصوب بفعل مضمر، يقدر مؤخرا. أي: أياي ارهبوا فارهبون. وحذف مفعول { ارهبون } لرؤوس الآي وكذا قوله: { وإياي فاتقون } ، والرهبة: خوف مع تحرز، و { تكتموا }: معطوف على { تلبسوا } ، أو منصوب بأن مضمرة بعد النهي، و { أنتم تعلمون }: جملة حالية. يقول الحق جل جلاله: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي } التي خصصتكم بها، بأن فضلتكم على أهل زمانكم، وجعلت فيكم أنبياء ورسلا، كلما انقرض نبي بعثت نبيا آخر، وجعلتكم ملوكا وحكاما على الناس، قبل أن تفسدوا في الأرض بقتل الأنبياء، فتكفروا بهذه النعم، فإن الإنسان حسود غيرو بالطبع، فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الحسد والغيرة على السخط والكفران، وإذا نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضا والشكر، فاذكروا ما أنعمت به عليكم، وقيدوه بالشكر، { وأوفوا بعهدي } الذي عهدت إليكم، وهو أنكم إن أدركتم محمدا صلى الله عليه وسلم لتؤمنن به ولتنصرنه، ولتبينن صفته التي في كتابكم، ولا تكتمونها، { أوف بعهدكم } بأن أدخلكم جنتي، وأبيح لكم النظر إلى وجهي، وأحل عليكم رضواني في جملة عبادي، ولا ترهبوا أحدا غيري، فإنه لا فاعل غيري. وبادروا إلى الإيمان { بما أنزلت } على محمد رسولي، من كتابي، الذي هو مصدق { لما معكم } من التوراة، ومهيمن عليه، { ولا تكونوا أول } فريق { كافر به } ، فتبوؤوا بإثمكم وإثم من تبعكم، ولا تستبدلوا الإيمان الذي هو سبب الفوز في الدارين، بالعرض الفاني الذي تأخذونه من سفلتكم، فإنه ثمن قليل يعقبه عذاب جليل وخزي كبير. ولا تخشوا أحدا سواي فإن النفع والضرر بيدي، ولا تخلطوا { الحق } الذي هو ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته التي في كتابكم، { بالباطل } الذي تريدونه تحريفا وتأويلا، { و } لا { تكتموا الحق } الذي عندكم، من ذكر محمد وصحة رسالته، { وأنتم تعلمون } أنكم محرفون، ولابسون عنادا وحسدا، فيحل عليكم غضبي وعقابي،
ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى
[طه: 81]. فإذا حصلتم أصول الدين، وهو الإيمان، فاشتغلوا بفروعه، وهي الصلاة والزكاة وغيرهما، فأدوهما على منهاج المسلمين. واجعلوا صلاتكم في جماعة المؤمنين فإن صلاة الجماعة تفضل غيرها بسبع وعشرين درجة، مع سريان واقتباس الأنوار من الصالحين والأبرار، وبالله التوفيق. الإشارة: إذا توجه الخطاب إلى طائفة مخصوصة، حمله أهل الفهم عن الله على عمومه لكل سامع، فإن الملك إذا عاتب قوما بمحضر آخرين، كان المراد بذلك تحذير كل من يسمع، فكأن الحق جل جلاله يقول: يا بني آدم اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وتفكروا في أصولها وفروعها، واشكروني عليها بنسبتها إلي وحدي، فإنه لا منعم غيري، فمن شكرني شكرته، ومن فيض إحساني وبري مددته، ومن كفر نعمتي سلبته، وعن بابي طردته، وأوفوا بعهدي بالقيام بوظائف العبودية، أوف بعهدكم بأن أطلعكم على أسرار الربوبية.
أو: { أوفوا بعهدي } بالقيام برسوم الشريعة، { أوف بعهدكم } بالهداية إلى منار الطريقة، أو: { أوفوا بعهدي } بسلوك منهاج الطريقة، { أوف بعهدكم } بالإيصال إلى عين الحقيقة، أو: { أوفوا بعهدي } بالاستغراق في بحر الشهود، { أوف بعهدكم } بالترقي أبدا غلى الملك الودود، وخصوني بالرهب والرغب، وتوجهوا إلي في كل سؤال وطلب، أعطف عليكم بعنايتي وودي، وأمنحكم من عظيم إحساني ورفدي، { وآمنوا بما أنزلت } على قلوب أوليائي، ومن مواهب أسراري وآلائي، تصديقا لما أتحفت به رسلي وأنبيائي، فكل ما ظهر على الأولياء فهو معجزة للأنبياء وتصديق لهم، ولا تبادروا بالإنكار على أوليائي، فتكونوا سببا في طرد عبادي عن بابي، ولا يمنعكم حب الرئاسة والجاه عن الخضوع إلى أوليائي، ولا ترقبوا أحدا غيري، فإني أمنعكم من شهود سري. { ولا تلبسوا الحق بالباطل } ، فتظهروا شعار الصالحين وتبطنوا أخلاق الفاسقين، تتزيوا بزي الأولياء، تفعلوا فعل الأغوياء، وإذا تحققتم بخصوصية أحد من عبادي، فلا تكتموها عن أهل محبتي وودادي، وأقيموا صلاة القلوب بالخضوع تحت مجاري الأقدار، وأدوا زكاة النفوس بالذل والانكسار، وكونوا مع الخاشعين، { واركعوا مع الراكعين } ، أمنحكم معونتي ونصري، وأفيض عليكم من بحر إحساني وبري، أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي.
البقرة 2:44
قلت: البر، بالكسر: يجمع وجوه الخير وأنواع الطاعات، والنسيان: الترك. يقول الحق جل جلاله في توبيخ أخبار اليهود: كانوا إذا استرشدهم أحد من العرب دلوه على الإسلام، وقالوا له: دين محمد حق، وهم يمتنعون منه، وقيل: كانوا يأمرون الناس بالصدقة وهم يبخلون، فقال لهم: كيف { تأمرون الناس بالبر } والإحسان، وتتركون { أنفسكم } في الكفر والعصيان، وأنتم تدرسون التوراة الصحيح، وتعلمون أن ذلك من أقبح القبيح؟، أفلا عقل لكم يزجركم عن هذه الخصلة الذميمة؟ فإن من شأن العقل التمييز بين القبيح والحسن والنافع والضار، فكل من تقدم لما فيه ضرره فلا عقل له. الإشارة: كل من أشار إلى مقام لم يبلغ قدمه إليه، فهذا التوبيخ متوجه إليه، وكل من ذكر غيره بعيب لم يتخلص منه، قيل له: أتأمر الناس بالبر وتنسى نفسك خالية منه، فلا يسلم من توبيخ هذه الآية من أهل التكذير إلا الفرد النادر من أهل الصفاء والوفاء. وقال البيضاوي: المراد بها حث الواعظ على تزيكة النفس، والإقبال عليها بالتكميل لتقوم فيقيم، لا منع الفاسق عن الوعظ، فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر. فانظره. وتأمل قول القائل:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا ومن الضنا وجواه أنت سقيم وأراك تلقح بالرشاد عقولنا نصحا، وأنت من الرشاد عديم أبدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت، ويقتدى بالقول منك، وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
لكن من حصل له بعض الصفاء ذكر غيره ونفسه معهم، وكان بعض أشياخنا يقول حين يذكر الفقراء: نحن إنما ننبح على نفوسنا.
البقرة 2:45
قلت: الصبر: هو حبس القلب على حكم الرب، فيحتمل أن يراد به ظاهره، أو يراد به هنا الصوم، لأن فيه الصبر عن الشهوات. والخشوع في الجوارع: سكونها وذلها، والخضوع في القلب: انقياده لحكم الرب. يقول الحق جل جلاله: يا من ابتلي بالرئاسة والجاه، استكبر عن الانقياد لأحكام الله التي جاءت بها الرسل من عند الله، استعن على نفسك { بالصبر } على قطع المألوفات، وترك الحظوظ والشهوات، وأصل فروعها حب الرئاسة والجاه، فمن صبر على تركهما فاز برضوان الله. وفي الحديث:
" وفي الصبر على ما تكره خير كثير ".
قال الشاعر:
والصبر كالصبر مر في مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل
أو: { واستعينوا } بالصوم { والصلاة } ، فإن في الصوم كسر الشهوة وتصفية النفس، فإذا صفت النفس من الرذائل تحلت بأنواع الفضائل، كالتواضع والإنصاف، والخشوع وسائر سني الأوصاف، وفي الصلاة أنواع من العبادات النفسية والبدنية، كالطهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتوجه إلى الكعبة، والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النبية بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الرحمن وقراءة القرآن، وكف النفس عن الأطيبين، وفي الصلاة قضاء المآرب وجبر المصائب، ولذلك كان - عليه الصلاة والسلام - إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة، { وإنها لكبيرة } أي: شاقة على النفس لتكريرها في كل يوم، ومجيئها وقت حلاوة النوم، { إلا على الخاشعين } الذين سكنت حلاوتها في قلوبهم، وتناجوا فيها مع ربهم، حتى صارت فيها قرة عينهم. الذين يتيقنون { إنهم ملاقوا ربهم } فيتنعمون بالنظر إلى وجه الكريم، ويتيقنون أيضا أنهم راجعون إلى ربهم بالبعث والحشر للثواب والعقاب، وإنما عبر الحق تعالى هنا بالظن في موضع اليقين إبقاء على المذنبين، وتوفرا على العاصين، الذين ليس لهم صفاء اليقين إذ لو ذكر اليقين صرفا لخرجوا من الجملة، فسبحانه من رب حليم، وجواد كريم. اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة واليقين، حتى لا يختلج قلوبنا وهم ولا ريب، يا رب العالمين. الإشارة: يا من رام الدخول إلى حضرة الله، تذلل وتواضع لأولياء الله، وتجرع الصبر في ذلك كي يدخلوك حضرة الله، كما قال القائل:
تذلل لمن تهوى فليس الهوى سهل إذا رضي المحبوب صح لك الوصل
فإن منعك من ذلك حب الرئاسة والجاه، فاستعن على ذلك بالصبر والصلاة، فإن الصبر عنوان الظفر، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. فأدمن قرع الباب حتى تدخل مع الأحباب، فالإدمان على عبادة الصلاة أمره كبير، إلا من خلص إلى مناجاة العلي الكبير، وتحقق بملاقاة الشهود والعيان، ورجع إلى مولاه في كل أوان، فإن الصلاة حينئذ تكون له من قرة العين. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما أمرهم بالأصول والفروع، ذكرهم بالنعم، وخوفهم بالوعيد على عدم شكرها.
البقرة 2:46
قلت: الصبر: هو حبس القلب على حكم الرب، فيحتمل أن يراد به ظاهره، أو يراد به هنا الصوم، لأن فيه الصبر عن الشهوات. والخشوع في الجوارع: سكونها وذلها، والخضوع في القلب: انقياده لحكم الرب. يقول الحق جل جلاله: يا من ابتلي بالرئاسة والجاه، استكبر عن الانقياد لأحكام الله التي جاءت بها الرسل من عند الله، استعن على نفسك { بالصبر } على قطع المألوفات، وترك الحظوظ والشهوات، وأصل فروعها حب الرئاسة والجاه، فمن صبر على تركهما فاز برضوان الله. وفي الحديث:
" وفي الصبر على ما تكره خير كثير ".
قال الشاعر:
والصبر كالصبر مر في مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل
أو: { واستعينوا } بالصوم { والصلاة } ، فإن في الصوم كسر الشهوة وتصفية النفس، فإذا صفت النفس من الرذائل تحلت بأنواع الفضائل، كالتواضع والإنصاف، والخشوع وسائر سني الأوصاف، وفي الصلاة أنواع من العبادات النفسية والبدنية، كالطهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتوجه إلى الكعبة، والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النبية بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الرحمن وقراءة القرآن، وكف النفس عن الأطيبين، وفي الصلاة قضاء المآرب وجبر المصائب، ولذلك كان - عليه الصلاة والسلام - إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة، { وإنها لكبيرة } أي: شاقة على النفس لتكريرها في كل يوم، ومجيئها وقت حلاوة النوم، { إلا على الخاشعين } الذين سكنت حلاوتها في قلوبهم، وتناجوا فيها مع ربهم، حتى صارت فيها قرة عينهم. الذين يتيقنون { إنهم ملاقوا ربهم } فيتنعمون بالنظر إلى وجه الكريم، ويتيقنون أيضا أنهم راجعون إلى ربهم بالبعث والحشر للثواب والعقاب، وإنما عبر الحق تعالى هنا بالظن في موضع اليقين إبقاء على المذنبين، وتوفرا على العاصين، الذين ليس لهم صفاء اليقين إذ لو ذكر اليقين صرفا لخرجوا من الجملة، فسبحانه من رب حليم، وجواد كريم. اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة واليقين، حتى لا يختلج قلوبنا وهم ولا ريب، يا رب العالمين. الإشارة: يا من رام الدخول إلى حضرة الله، تذلل وتواضع لأولياء الله، وتجرع الصبر في ذلك كي يدخلوك حضرة الله، كما قال القائل:
تذلل لمن تهوى فليس الهوى سهل إذا رضي المحبوب صح لك الوصل
فإن منعك من ذلك حب الرئاسة والجاه، فاستعن على ذلك بالصبر والصلاة، فإن الصبر عنوان الظفر، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. فأدمن قرع الباب حتى تدخل مع الأحباب، فالإدمان على عبادة الصلاة أمره كبير، إلا من خلص إلى مناجاة العلي الكبير، وتحقق بملاقاة الشهود والعيان، ورجع إلى مولاه في كل أوان، فإن الصلاة حينئذ تكون له من قرة العين. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما أمرهم بالأصول والفروع، ذكرهم بالنعم، وخوفهم بالوعيد على عدم شكرها.
البقرة 2:47
قلت: { العدل } بالفتح: الفداء، وبالكسر: الحمل، وجملة { لا تجزي }: صفة ليوم، والعائد محذوف، أي: لا تجزي فيه. يقول الحق جل جلاله: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت } على آبائكم بالهداية وبعث الرسل، { وأني فضلتكم على العالمين }: أهل زمانكم، فاذكروا هذه النعم واشكروني عليها بأن تتبعوا هذا النبي الجليل، الذي تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل. وخافوا { يوما } لا تقضي فيه { نفس عن نفس شيئا } بحيث لا تجلب لها نفعا، ولا تدفع عنها ضررا، ولا تقبل { منها شفاعة } إن وقعت الشفاعة فيها، ولا يؤخذ منها فداء، إن أرادت الفداء عنها، ولا تنتصر في دفع العذاب، إن أرادت الانتصار بعشيرتها. فانتفى عنها وجوه الامتناع من العذاب بأي وجه أمكن فإن الإنسان إذا أخذ للنكال احتال على نفسه إما بالشفاعة، أو بالفداء إن لم تقبل الشفاعة فيه، أو بالانتصار بأقاربه، والآية في الكفار، فلا حجة لمن ينفي الشفاعة في عصاة المؤمنين، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد يتوجه العتاب إلى أهل الرئاسة والجاه، من العلماء والصالحين، وكل من خص بشرف أو خصوصية، فيقول لهم الحق تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } بالعلم أو السيادة أو الصلاح، وبأن فضلتكم على أهل زمانكم، وخصصتكم من أبناء جنسكم فقد روي: " أن العبد يحاسب على جاهه كما يحاسب على ماله ". فمن صرفه في طاعة الله، وتواضع لعباد الله، وسعى في حوائجهم، وأبلغ الجهد في قضاء مآربهم، كان ذلك شكرا لنعمة الجاه فقد روي في الحديث:
" من سعى في حاجة أخيه المسلم، قضيت أو لم تقض، غفر له ما تقدم من ذنبه، وكتب له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق ".
ولا يأخذ على ذلك أجرا ولا جعلا فإن ذلك سحت وربا، ومن تكبر به وطغى، أو أخذ على ذلك أجرا، قيل له يوم القيامة: قد استوفيت أجرك فلا حظ لك عندنا، فلا تنفعه شفاعة، ولا يقبل منه فداء، ولا يقدر أن ينتصر من موارد الهوان والردى، ففي بعض الأخبار: يقول الله تعالى للفقراء الذين يعظمون في الدنيا لأجل فقرهم: ألم أرخص لكم الأسعار؟ ألم أوسع لكم المجالس؟ ألم أعطف عليكم عبادي؟ فقد أخذتم أجركم في الدنيا. أو كما قالك والله تعالى أعلم.
البقرة 2:48
قلت: { العدل } بالفتح: الفداء، وبالكسر: الحمل، وجملة { لا تجزي }: صفة ليوم، والعائد محذوف، أي: لا تجزي فيه. يقول الحق جل جلاله: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت } على آبائكم بالهداية وبعث الرسل، { وأني فضلتكم على العالمين }: أهل زمانكم، فاذكروا هذه النعم واشكروني عليها بأن تتبعوا هذا النبي الجليل، الذي تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل. وخافوا { يوما } لا تقضي فيه { نفس عن نفس شيئا } بحيث لا تجلب لها نفعا، ولا تدفع عنها ضررا، ولا تقبل { منها شفاعة } إن وقعت الشفاعة فيها، ولا يؤخذ منها فداء، إن أرادت الفداء عنها، ولا تنتصر في دفع العذاب، إن أرادت الانتصار بعشيرتها. فانتفى عنها وجوه الامتناع من العذاب بأي وجه أمكن فإن الإنسان إذا أخذ للنكال احتال على نفسه إما بالشفاعة، أو بالفداء إن لم تقبل الشفاعة فيه، أو بالانتصار بأقاربه، والآية في الكفار، فلا حجة لمن ينفي الشفاعة في عصاة المؤمنين، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد يتوجه العتاب إلى أهل الرئاسة والجاه، من العلماء والصالحين، وكل من خص بشرف أو خصوصية، فيقول لهم الحق تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } بالعلم أو السيادة أو الصلاح، وبأن فضلتكم على أهل زمانكم، وخصصتكم من أبناء جنسكم فقد روي: " أن العبد يحاسب على جاهه كما يحاسب على ماله ". فمن صرفه في طاعة الله، وتواضع لعباد الله، وسعى في حوائجهم، وأبلغ الجهد في قضاء مآربهم، كان ذلك شكرا لنعمة الجاه فقد روي في الحديث:
" من سعى في حاجة أخيه المسلم، قضيت أو لم تقض، غفر له ما تقدم من ذنبه، وكتب له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق ".
ولا يأخذ على ذلك أجرا ولا جعلا فإن ذلك سحت وربا، ومن تكبر به وطغى، أو أخذ على ذلك أجرا، قيل له يوم القيامة: قد استوفيت أجرك فلا حظ لك عندنا، فلا تنفعه شفاعة، ولا يقبل منه فداء، ولا يقدر أن ينتصر من موارد الهوان والردى، ففي بعض الأخبار: يقول الله تعالى للفقراء الذين يعظمون في الدنيا لأجل فقرهم: ألم أرخص لكم الأسعار؟ ألم أوسع لكم المجالس؟ ألم أعطف عليكم عبادي؟ فقد أخذتم أجركم في الدنيا. أو كما قالك والله تعالى أعلم.
البقرة 2:49
قلت: { إذ }: معمول لاذكروا، و { فرعون }: اسم لكل من ملك القبط، كما أن قيصر اسم لمن ملك الروم، وكسرى اسم لمن ملك الفرس، واسم { فرعون } الذي كان في زمن موسى عليه السلام: " مصعب بن ريان " ، وقيل: ابنه الوليد. وسام يسوم: طلب وبغى، يقال: سامه خسفا إذا أولاه ظلما، وجملة { يسومونكم }: حال من { آل فرعون } ، وجملة { يذبحون }: بيان لها. وسوء العذاب: أفظعه وأقبحه. يقول الحق جل جلاله: يا بني إسرائيل اذكروا نعمة أخرى أنعمت بها على أسلافكم، وأنتم عالمون بها، وذلك حين أنجيناكم من عذاب فرعون ورهطه، يولونكم أقبح العذاب وأشنعه، كانوا يستعبدون رجالكم ونساءكم في مشاق الخدمة والمهنة، ولما أخبره الكهان أنه سيخرج منكم ولد يخرب ملكه، جعل يذبح ذكوركم ويترك نساءكم، وفي ذلكم محنة { من ربكم } وابتلاء { عظيم } ، أو في ذلك الإنجاء اختبار من ربكم عظيم، فاذكروا هذه النعمة، وتحصنوا بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من محنة أخرى، ولا ينفع حذر من قدر،
وكان أمر الله قدرا مقدورا
[الأحزاب: 38]. وبالله التوفيق. الإشارة: لكل زمان فراعين وجبابرة يقطعون الناس عن الانقطاع إلى الله والدخول إلى حضرة الله،
ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
[الكهف: 104]، يقول الحق جل جلاله للذين تخلصوا منهم: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم بها حيث أنجيتكم من فراعين زمنكم، { يسومونكم سوء العذاب } وهو البقاء في غم الحجاب، والانقطاع عن الأحباب، يقتلون ما ربيتم من اليقين في قلوبكم والمعرفة في أسراركم، ويستحيون شهواتكم وحظوظكم، { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم }. قال تعالى:
وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن...
[الأنعام: 116]. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:50
ثم ذكرهم الحق تعالى نعمة أخرى وهي فلق البحر وإغراق العدو، فقال: يقول الحق جل جلاله: واذكروا أيضا حين { فرقنا } بسببكم { البحر } ، حين فررتم من عدوكم، فسلكتم فيه اثني عشر مسلكا يابسا، حتى خلصتم إلى الشام، فلما أدرككم عدوكم، واستتم دخوله فيه، أطبقنا عليهم البحر { فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون } وأنتم تعاينون غرقهم وهلاكهم، فاشكروا هذه النعم التي أنعمت بها على أسلافكم، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم على نبي أمي، لم يكن له علم بهذا، حتى علمه بالوحي من ربكم. الإشارة: قال بعض الحكماء: الهوى بحر لا ساحل له إلا الموت: فلا يقطع بحر الحظوظ والعوائد، إلا الخواص، الذين من الله عليهم بسلوك الطريقة، والغرق في بحر الحقيقة، على يد رجلا جمعوا بين الشريعة والحقيقة، فيقول الحق - جل جلاله - لمن تخلص من بحر هواه، وأفضى إلى مشاهدة مولاه: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم حيث خلصتكم من بحر الشهوات والعوائد، وأطلعتكم على أسرار العلوم وذخائر الفوائد، وأغرقنا فيه من تكبر وطغى، وأنتم تنظرون ما فيه الناس من غم الحجاب وسوء الحساب، في بحر لجى يغشاه موج الذنوب، من فوقه موج الحظوظ، من فوقه سحاب الأثر، إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا لما له من نور. وبالله التوفيق.
البقرة 2:51
قلت: { أربعين }: مفعول لواعدنا، لا ظرف، و { العجل }: مفعول أول، والثاني محذوف، أي: اتخذتموه إليها، و { الفرقان }: معطوف على { الكتاب }. يقول الحق جل جلاله: واذكروا أيضا حين { واعدنا موسى } أن يصوم { أربعين ليلة } بأيامها متواصلة، وذلك حين طلبتم منه أن ينزل عيه الكتاب فيه بيان الأحكام، ثم لما صامها، وهي: ذو القعدة وعشر ذي الحجة، وأتى إلى المناجاة، كفرتم، و { اتخذتم العجل } الذي صاغه السامري من الحلي، الذي أخذته نساء بني إسرائيل من القبط عارية، ففروا به ظنا منهم أنه حلال، فقال لهم هارون عليه السلام: لا يحل لكم، فطرحوه في حفرة، فصاغ منه السامري صورة العجل، وألقى في جوفه قبضة أخذها من تحت حافر فرس جبريل عليه السلام حين عبر معهم البحر، فجعل يخور، فقال السامري:
هذآ إلهكم وإله موسى
[طه: 88]، { وأنتم ظالمون } في عبادته، { ثم عفونا عنكم } بالتوبة وقتل النفس على ما يأتي، { لعلكم تشكرون } ، فلا فلا تعصون نعمة، { و } اذكروا أيضا { إذ آتينا موسى الكتاب } الذي طلبتم، وهو التوراة، وهو { الفرقان } الذي فرقنا فيه بين الحق والباطل، كي تهتدوا إلى الصواب فتنجوا من العذاب. الإشارة: ما زالت الأشياخ والأولياء الأقدمون ينتحلون طريق سيدنا موسى عليه السلام في استعمال هذه الأربعين، ينفردون فيها إلى مولاهم، مؤانسة ومناجاة، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي الله عنه:
وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي
وقال:
صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي
فيفارقون عشائرهم وأصحابهم في مناجاة الحبيب، والمؤانسة بالقريب، فمن أصحابهم من يبقى على عهده في حال غيبة شيخه، من المجاهدة والمشاهدة، ومنهم من تسرقه العاجلة فيرجع إلى عبادة عجل حظه وهواه فيظلم نفسه بمتابعة دنياه، فإن بادر بالتوبة والإقلاع، ورجع إلى حضرة شيخه بالاستماع والاتباع، وقع عنه العفو والغفران ورجا ما كان يؤمله من المشاهدة والعيان، وإلا باء بالعقوبة والخسران، وكل من اعتزل عن الأحباب والعشائر والأصحاب، طالبا جمع قلبه، ورضى ربه، فلا بد أن ترد عليه أسرار ربانية ومواهب لدنية، من لدن حكيم عليم، يظهر بها الحق، ويدفع بها الباطل، فيفرق بين الحق والباطل. والله تعالى أعلم.
البقرة 2:52
قلت: { أربعين }: مفعول لواعدنا، لا ظرف، و { العجل }: مفعول أول، والثاني محذوف، أي: اتخذتموه إليها، و { الفرقان }: معطوف على { الكتاب }. يقول الحق جل جلاله: واذكروا أيضا حين { واعدنا موسى } أن يصوم { أربعين ليلة } بأيامها متواصلة، وذلك حين طلبتم منه أن ينزل عيه الكتاب فيه بيان الأحكام، ثم لما صامها، وهي: ذو القعدة وعشر ذي الحجة، وأتى إلى المناجاة، كفرتم، و { اتخذتم العجل } الذي صاغه السامري من الحلي، الذي أخذته نساء بني إسرائيل من القبط عارية، ففروا به ظنا منهم أنه حلال، فقال لهم هارون عليه السلام: لا يحل لكم، فطرحوه في حفرة، فصاغ منه السامري صورة العجل، وألقى في جوفه قبضة أخذها من تحت حافر فرس جبريل عليه السلام حين عبر معهم البحر، فجعل يخور، فقال السامري:
هذآ إلهكم وإله موسى
[طه: 88]، { وأنتم ظالمون } في عبادته، { ثم عفونا عنكم } بالتوبة وقتل النفس على ما يأتي، { لعلكم تشكرون } ، فلا فلا تعصون نعمة، { و } اذكروا أيضا { إذ آتينا موسى الكتاب } الذي طلبتم، وهو التوراة، وهو { الفرقان } الذي فرقنا فيه بين الحق والباطل، كي تهتدوا إلى الصواب فتنجوا من العذاب. الإشارة: ما زالت الأشياخ والأولياء الأقدمون ينتحلون طريق سيدنا موسى عليه السلام في استعمال هذه الأربعين، ينفردون فيها إلى مولاهم، مؤانسة ومناجاة، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي الله عنه:
وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي
وقال:
صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي
فيفارقون عشائرهم وأصحابهم في مناجاة الحبيب، والمؤانسة بالقريب، فمن أصحابهم من يبقى على عهده في حال غيبة شيخه، من المجاهدة والمشاهدة، ومنهم من تسرقه العاجلة فيرجع إلى عبادة عجل حظه وهواه فيظلم نفسه بمتابعة دنياه، فإن بادر بالتوبة والإقلاع، ورجع إلى حضرة شيخه بالاستماع والاتباع، وقع عنه العفو والغفران ورجا ما كان يؤمله من المشاهدة والعيان، وإلا باء بالعقوبة والخسران، وكل من اعتزل عن الأحباب والعشائر والأصحاب، طالبا جمع قلبه، ورضى ربه، فلا بد أن ترد عليه أسرار ربانية ومواهب لدنية، من لدن حكيم عليم، يظهر بها الحق، ويدفع بها الباطل، فيفرق بين الحق والباطل. والله تعالى أعلم.
البقرة 2:53
قلت: { أربعين }: مفعول لواعدنا، لا ظرف، و { العجل }: مفعول أول، والثاني محذوف، أي: اتخذتموه إليها، و { الفرقان }: معطوف على { الكتاب }. يقول الحق جل جلاله: واذكروا أيضا حين { واعدنا موسى } أن يصوم { أربعين ليلة } بأيامها متواصلة، وذلك حين طلبتم منه أن ينزل عيه الكتاب فيه بيان الأحكام، ثم لما صامها، وهي: ذو القعدة وعشر ذي الحجة، وأتى إلى المناجاة، كفرتم، و { اتخذتم العجل } الذي صاغه السامري من الحلي، الذي أخذته نساء بني إسرائيل من القبط عارية، ففروا به ظنا منهم أنه حلال، فقال لهم هارون عليه السلام: لا يحل لكم، فطرحوه في حفرة، فصاغ منه السامري صورة العجل، وألقى في جوفه قبضة أخذها من تحت حافر فرس جبريل عليه السلام حين عبر معهم البحر، فجعل يخور، فقال السامري:
هذآ إلهكم وإله موسى
[طه: 88]، { وأنتم ظالمون } في عبادته، { ثم عفونا عنكم } بالتوبة وقتل النفس على ما يأتي، { لعلكم تشكرون } ، فلا فلا تعصون نعمة، { و } اذكروا أيضا { إذ آتينا موسى الكتاب } الذي طلبتم، وهو التوراة، وهو { الفرقان } الذي فرقنا فيه بين الحق والباطل، كي تهتدوا إلى الصواب فتنجوا من العذاب. الإشارة: ما زالت الأشياخ والأولياء الأقدمون ينتحلون طريق سيدنا موسى عليه السلام في استعمال هذه الأربعين، ينفردون فيها إلى مولاهم، مؤانسة ومناجاة، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي الله عنه:
وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي
وقال:
صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي
فيفارقون عشائرهم وأصحابهم في مناجاة الحبيب، والمؤانسة بالقريب، فمن أصحابهم من يبقى على عهده في حال غيبة شيخه، من المجاهدة والمشاهدة، ومنهم من تسرقه العاجلة فيرجع إلى عبادة عجل حظه وهواه فيظلم نفسه بمتابعة دنياه، فإن بادر بالتوبة والإقلاع، ورجع إلى حضرة شيخه بالاستماع والاتباع، وقع عنه العفو والغفران ورجا ما كان يؤمله من المشاهدة والعيان، وإلا باء بالعقوبة والخسران، وكل من اعتزل عن الأحباب والعشائر والأصحاب، طالبا جمع قلبه، ورضى ربه، فلا بد أن ترد عليه أسرار ربانية ومواهب لدنية، من لدن حكيم عليم، يظهر بها الحق، ويدفع بها الباطل، فيفرق بين الحق والباطل. والله تعالى أعلم.
البقرة 2:54
قلت: البارىء هو: المقدر للأشياء والمظهر لها. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين { قال } موسى { لقومه } لما رجع من الطور، ووجدهم قد عبدوا العجل: { يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم } وبخستموها { باتخاذكم العجل } إلاهكم، { فتوبوا إلى } خالقكم الذي صوركم في أحسن تقويم، { فاقتلوا أنفسكم } بهدم هذه البنية التي ركبتها في أحسن صورة، فبخستموها، ولم تعرفوا قدرها، فعبدتم أبلد الحيوان، الذي هو البقرة. من لم يعرف حق النعمة فحقيق أن تسترد منه. فذلكم القتل والمبادرة إلى التوبة { خير لكم } عند خالقكم، لأنه يفضي إلى الحياة الدائمة والبهجة السرمدية، فلما صعب عليكم القتل للشفقة على الأخ أو القريب، ألقينا عليكم ضبابة حتى أظلم المكان، فاقتتلتم من الغداة إلى العشي، فدعا موسى وهارون - عليهما السلام - بالكشف عنهم، فرفعت السحابة، وقد قتل سبعون ألفا، ففعلتم ذلك القتل، فتاب الحق تعالى عليكم، فقبل توبة من بقي منكم، وعفا عمت مات { إنه هو التواب الرحيم } أي: كثير التوفيق للتوبة، أو كثير قبولها، الرحيم بعباده المؤمنين. الإشارة: ما قاله سيدنا موسى عليه السلام لقومه، يقال مثله لمن عبد هواه، وعكف على متابعة دنياه: يا من بخس نفسه بإرخاء العنان في متابعة هواها، حتى حرمها من مشاهدة جمال مولاها، تب إلى ربك، وانتبه من غفلتك، واقتل نفسك بمخالفة هواها، فلعلها تحيا بمشاهدة مولاها، فما دامت النفس موجودة، وحظوظها لديها مشهودة، وآمالها ممدودة، كيف تطمع أن تدخل حضرة الله، وتتمتع بشهود جماله وسناه؟!
إن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله
وقال الحلاج في هذا المعنى:
لم أسلم النفس للأسقام تتلفها إلا لعلمي بأن الوصل يحييها
وقال أيضا:
أقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي وحياتي في مماتي ومماتي في حياتي أنا عندي: محو ذاتي من أجل المكرمات وبقائي في صفاتي من قبيح السيئات
وقال أيضا:
إن كان سفك دمي أقصى مرادكم فما غلت نظرة منكم بسفك دمي
وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لا يدخل على الله إلا من بابين، أحدهما: الموت الحسي، وهو الموت الطبيعي، والآخر: الموت الذي تعنيه هذه الطائفة. ه. وهو موت النفوس، فمن لم تمت نفسه لم تحيى روحه. وقال بعض العارفين: لا يحصل الدخول على الله حتى يموت أربع موتات: موت أحمر، وموت أسود، وموت أبيض، وموت أخضر. أما الموت الأحمر فهو مخالفة الهوى، وأما الموت الأسود فهو تحمل الأذى، وأما الموت الأبيض فهو الجوع - أي: المتوسط - وأما الموت الأخضر فهو لبس المرقعات، وطرح الرقاع بعضها على بعض. قلت: ورأس الهوى وعنصره هو حب الجاه وطلب الرئاسة. فمن نزل إلى أرض الخمول، وخرق عوائد نفسه فيه، انخرقت له الحجب، ولاحت له الأنوار، وأشرقت عليه الأسرار في مدة قريبة، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:55
قلت: { جهرة } مصدر نرى لأنه نوع منه، أي: نرى الله رؤية عيان، أو حال من الفاعل، أي: نراه معاينين له، أو من المفعول أي: نراه معاينة. يقول الحق جل جلاله: واذكروا أيضا، يا بني إسرائيل، حين قلتم لموسى عليه السلام لما رجع من الطور، ووجدكم قد عبدتم العجل، فأخذ منكم سبعين رجلا ممن لم يعبد العجل، وذهب يعتذر، فلما سمعتم كلامي أنكرتموه وحرفتموه، وقلتم: { لن نؤمن لك } أن هذا كلام الله { حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة } بسبب طلبكم ما لا طاقة لكم به، فغبتم عن إحساسكم، وذهبت أرواحكم، { وأنتم تنظرون } ما فعل بكم، فاستشفع فيكم موسى عليه السلام وقال: يا
رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهآء منا
[الأعراف: 155] كيف أرجع إلى قومي بغير هؤلاء؟ { ثم بعثناكم من بعد موتكم } وعشتم زمانا بعد ذلك { لعلكم تشكرون } هذه النعمة، وتقومون بحسن الخدمة، فتقروا بربوبيتي، وتصدقوا برسلي، فلم تفعلوا. الإشارة: من شأن الأرواح الطيبة التشوق إلى الحضرة، والتشوف إلى العيان والنظرة، فلا يحصل لها كمال التصديق والإيقان إلا بعد الشهود والعيان، فلما علم الحق سبحانه من بعض الأرواح صدق الطلب، رفع عنها الحجاب، وفتح لها الباب، فأخذتها صاعقة الدهشة والحيرة، ولم تطق صدمة المشاهدة والنظرة، فغابت عن الأشكال والرسوم في مشاهدة أنوار الحي القيوم، ثم من عليها بالبعث من موت الفناء إلى حياة البقاء، فأمنت من الشقاء، فحصلت لها الحياة الدائمة والسعادة السرمدية. فالصاعقة عند أهل الفن هي عبارة عن الغيبة عن النفس، وفناء دائرة الحس، وهي شهود عدمك لوجود الحق، والبعث منها هو مقام البقاء، وهو شهود الأثر بالله. وهو مقام حق اليقين. وحاصلة: شهود وجود الحق وحده، لا عدمك ولا وجودك، " كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ". وبالله التوفيق.
البقرة 2:56
قلت: { جهرة } مصدر نرى لأنه نوع منه، أي: نرى الله رؤية عيان، أو حال من الفاعل، أي: نراه معاينين له، أو من المفعول أي: نراه معاينة. يقول الحق جل جلاله: واذكروا أيضا، يا بني إسرائيل، حين قلتم لموسى عليه السلام لما رجع من الطور، ووجدكم قد عبدتم العجل، فأخذ منكم سبعين رجلا ممن لم يعبد العجل، وذهب يعتذر، فلما سمعتم كلامي أنكرتموه وحرفتموه، وقلتم: { لن نؤمن لك } أن هذا كلام الله { حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة } بسبب طلبكم ما لا طاقة لكم به، فغبتم عن إحساسكم، وذهبت أرواحكم، { وأنتم تنظرون } ما فعل بكم، فاستشفع فيكم موسى عليه السلام وقال: يا
رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهآء منا
[الأعراف: 155] كيف أرجع إلى قومي بغير هؤلاء؟ { ثم بعثناكم من بعد موتكم } وعشتم زمانا بعد ذلك { لعلكم تشكرون } هذه النعمة، وتقومون بحسن الخدمة، فتقروا بربوبيتي، وتصدقوا برسلي، فلم تفعلوا. الإشارة: من شأن الأرواح الطيبة التشوق إلى الحضرة، والتشوف إلى العيان والنظرة، فلا يحصل لها كمال التصديق والإيقان إلا بعد الشهود والعيان، فلما علم الحق سبحانه من بعض الأرواح صدق الطلب، رفع عنها الحجاب، وفتح لها الباب، فأخذتها صاعقة الدهشة والحيرة، ولم تطق صدمة المشاهدة والنظرة، فغابت عن الأشكال والرسوم في مشاهدة أنوار الحي القيوم، ثم من عليها بالبعث من موت الفناء إلى حياة البقاء، فأمنت من الشقاء، فحصلت لها الحياة الدائمة والسعادة السرمدية. فالصاعقة عند أهل الفن هي عبارة عن الغيبة عن النفس، وفناء دائرة الحس، وهي شهود عدمك لوجود الحق، والبعث منها هو مقام البقاء، وهو شهود الأثر بالله. وهو مقام حق اليقين. وحاصلة: شهود وجود الحق وحده، لا عدمك ولا وجودك، " كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ". وبالله التوفيق.
البقرة 2:57
قلت: { الغمام }: السحاب الرقيق، و { المن } هنا: العسل، و { السلوى } قيل: اللحم، والأصح: أنه اسم طائر كالسماني. يقول الحق جل جلاله: في تذكير بني إسرائيل ما أنعم به عليهم في حال التيه: { و } قد { ظللنا عليكم الغمام } يقيكم من الحر في أيام التيه، { وأنزلنا عليكم المن } وهو عسل كان ينزل على الشجر من الفجر إلى الطلوع، فيغرفون منه ما شاءوا، { و } أنزلنا عليكم { السلوى } ، وهو طير كانت تحشره الجنوب، فينزل عليهم، فياخذون منه ما شاءوا، ولا يمتنع منهم، فيذبحون ويأكلون لحما طريا، فقلنا لهم: { كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا } بمخالفتهم أمر نبيهم وسوء أدبهم معه، حيث قالوا:
فاذهب أنت وربك فقاتلآ إنا هاهنا قاعدون
[المائدة: 24]، فعاقبهم بالتيه أربعين سنة، يتيهون في مقدار خمسة فراسخ أو ستة. { ولكن } ظلموا أنفسهم حيث أوقعوها في البلاء والمحنة. روي أنهم لما أمروا بجهاد الجبارين، جبنوا وقالوا تلك المقالة، فدعا عليهم سيدنا موسى عليه السلم فوقعوا في التيه بين مصر والشام، فكانوا يمشون النهار فيبيتون حيث أصبحوا، ويمشون الليل فيصبحون حيث أمسوا، فقالوا لموسى عليه السلام: من لنا بالطعام؟ فأنزل الله عليهم المن والسلوى، قالوا: كيف بحر الشمس؟ فظلل عليهم الغمام، قالوا: بم نستصبح بالليل؟ فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم، قالوا: من لنا بالماء؟ فأمر موسى عليه السلام بضرب الحجر، فقالوا: من لنا باللباس؟ فأعطوا ألا يبلى لهم ثوب، ولا يخلق، ولا يدرن، وأن ينمو بنمو صاحبه، وقيل: كساهم مثل الظفر،
والله على كل شىء قدير
[البقرة: 284]. الإشارة: لما انفصلت الأرواح من عالم الجبروت، كانت على الطهارة الأصلية، والنزاهة الأزلية، عالمة بأسرار الربوبية وعظمة الألوهية، لكن لم يكن لها إلا جنة الحرية، دون جنة العبودية، فلما أراد الحق تعالى أن يمتعها بجنتين عن يمين وشمال، أمرها بالنزول إلى أرض العبودية، في ظلل من غمام البشرية، فمن عليها بحلاوة المشاهدات وسلوان المناجات، وقال لها: { كلوا منطيبات ما رزقناكم } من طرائف العلوم، وفواكه الفهوم، هذا لمن اعتنى بروحه فاستكمل فضيلتها، وخالف هواها، فنفذت من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، فلم تنحجب بسحب الآثار إلى نفوذ شهود الأنوار، بل غابت عن شهود الآثار بشهود الأنوار. أما من حجبت عن شهود الأنوار بالوقوف مع الآثار، ووقعت في شبكة الحظوظ والشهوات، وربطت بعقال الأسباب والعادات، فقد ظلمت نفسها، وبخست حقها من مشاهدة مولاها، حتى استعت عليها دائرة الحس، ولم تنفذ إلى المشاهدة والأنس. وأنشدوا:
كمل حقيقتك التي لم تكمل والجسم ضعه في الحضيض الأسفل أتكمل الفاني وتترك باقيا هملا، وأنت بأمره لم تحفل؟ فالجسم للنفس النفيسة آلة ما لم تحصله بها لم يحصل يفنى، وتبقى دائما في غبطة أو شقوة وندامة لا تنجلي أعطيت جسمك خادما فخدمته أتملك المفضول رق الأفضل؟ شرك كثيف أنت في أحباله ما دام يمكنك الخلاص فعجل من يستطيع بلوغ أعلى منزل ما باله يرضى بأدنى منزل!
البقرة 2:58
قلت: { حطة }: خبر مبتدأ مضمر، أي: أمرنا حطة، أي: تواضع وانحطاط، وقال هنا: فكلوا، وفي الأعراف بالواو لأن الأكل مرتب على الدخول، بخلاف السكنى، فإنها تفارق الأكل، فكأنه مأمور به. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين قلنا لأسلافكم بعد أن خرجوا من التيه: { ادخلوا هذه القرية } أعني بيت المقدس، أو أريحاء، بعد أن تجاهدوا أهلها، { فكلوا } من نعم ما فيها أكلا واسعا لأنها مخصبة، { وادخلوا } باب القرية راكعين، تواضعا وشكرا، { وقولوا } في دخولكم: شأننا { حطة } ، أي: شأننا الانحطاط والتواضع لله، فإن فعلتم ذلك { نغفر لكم خطاياكم وسنزيد } من امتثل أمرنا، وأحسن الأدب معنا، خيرا كثيرا، في الدنيا والآخرة، { فبدل الذين ظلموا } منهم قولا غير الذي أمروا به، وقالوا مكان حطة: حنطة، حبة في شعرة، { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا } عذابا { من السماء } قيل: هو الطاعون، فمات منهم سبعون ألفا في يوم واحد، بسبب فسقهم وتعديهم الحدود. الإشارة: يقول الحق سبحانه للأرواح، لما كمل تطهيرها من البقايا، وتكاملت فيها المزايا: ادخلوا هذه الحضرة المقدسة، وتنعموا فيها حيث شئتم بالمشاهدة، والمكالمة، والمواجهة، والمساورة، والمفاتحة، والمناجاة، وادخلوا بابها أذلاء صاغرين، فلا دخول للحضرة المقدسة إلا من باب الذل والافتقار، وأنشدوا:
وما رمت الدخول عليه حتى حللت محلة العبد الذليل وأغمضت الجفون على قذاها وصنت النفس عن قال وقيل
وقيل لأبي يزيد: يا أبا يزيد، خزائننا معمورة بالخدمة، ائتني من كوة الذل والافتقار. وفي رواية قيل له: يا أبا يزيد: تقرب إلينا بما ليس عندنا، فقال: يا رب وما الذي ليس عندك؟ فقال: الذل والافتقار. ه. وقال شيخ المشايخ القطب الجيلاني رضي الله عنه: أتيت الأبواب كلها، فوجدت عليها الزحام، فأتيت من باب الذل والافتقار، فوجدته خاليا، فدخلت منه، وقلت: هلموا. أو كما قال. وقال الشاعر:
تذلل لمن تهوى فليس الهوى سهل إذا رضي المحبوب صح لك الوصل
وقولوا عند دخولكم الحضرة: شأننا حطة أي: شأننا السفليات دون العلويات، فالسلوك من باب السفليات واجب، وإلا فلا وصول، فكل من سلك من باب السفليات طهر من البقايا، وتكاملت فيه المزايا، فيصلح لدخول الحضرة، وينخرط في سلك أهل الشهود والنظرة، فيكون من المحسنين المقربين، فلا جرم أن الله يزيده ترقيا في العلوم والأسرار، في هذه الدار، وفي تلك الدار، بخلاف من خالف ما أمر به من سلوك طريق السفليات، وتعاطي الأمور العلويات، قبل كمال التربية فإنه يجرع إلى غم الحجاب، وسوء الحساب بسبب خروجه عن طريق الأحباب، وسلوكه طريق أهل الغفلة والارتياب، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:59
قلت: { حطة }: خبر مبتدأ مضمر، أي: أمرنا حطة، أي: تواضع وانحطاط، وقال هنا: فكلوا، وفي الأعراف بالواو لأن الأكل مرتب على الدخول، بخلاف السكنى، فإنها تفارق الأكل، فكأنه مأمور به. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين قلنا لأسلافكم بعد أن خرجوا من التيه: { ادخلوا هذه القرية } أعني بيت المقدس، أو أريحاء، بعد أن تجاهدوا أهلها، { فكلوا } من نعم ما فيها أكلا واسعا لأنها مخصبة، { وادخلوا } باب القرية راكعين، تواضعا وشكرا، { وقولوا } في دخولكم: شأننا { حطة } ، أي: شأننا الانحطاط والتواضع لله، فإن فعلتم ذلك { نغفر لكم خطاياكم وسنزيد } من امتثل أمرنا، وأحسن الأدب معنا، خيرا كثيرا، في الدنيا والآخرة، { فبدل الذين ظلموا } منهم قولا غير الذي أمروا به، وقالوا مكان حطة: حنطة، حبة في شعرة، { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا } عذابا { من السماء } قيل: هو الطاعون، فمات منهم سبعون ألفا في يوم واحد، بسبب فسقهم وتعديهم الحدود. الإشارة: يقول الحق سبحانه للأرواح، لما كمل تطهيرها من البقايا، وتكاملت فيها المزايا: ادخلوا هذه الحضرة المقدسة، وتنعموا فيها حيث شئتم بالمشاهدة، والمكالمة، والمواجهة، والمساورة، والمفاتحة، والمناجاة، وادخلوا بابها أذلاء صاغرين، فلا دخول للحضرة المقدسة إلا من باب الذل والافتقار، وأنشدوا:
وما رمت الدخول عليه حتى حللت محلة العبد الذليل وأغمضت الجفون على قذاها وصنت النفس عن قال وقيل
وقيل لأبي يزيد: يا أبا يزيد، خزائننا معمورة بالخدمة، ائتني من كوة الذل والافتقار. وفي رواية قيل له: يا أبا يزيد: تقرب إلينا بما ليس عندنا، فقال: يا رب وما الذي ليس عندك؟ فقال: الذل والافتقار. ه. وقال شيخ المشايخ القطب الجيلاني رضي الله عنه: أتيت الأبواب كلها، فوجدت عليها الزحام، فأتيت من باب الذل والافتقار، فوجدته خاليا، فدخلت منه، وقلت: هلموا. أو كما قال. وقال الشاعر:
تذلل لمن تهوى فليس الهوى سهل إذا رضي المحبوب صح لك الوصل
وقولوا عند دخولكم الحضرة: شأننا حطة أي: شأننا السفليات دون العلويات، فالسلوك من باب السفليات واجب، وإلا فلا وصول، فكل من سلك من باب السفليات طهر من البقايا، وتكاملت فيه المزايا، فيصلح لدخول الحضرة، وينخرط في سلك أهل الشهود والنظرة، فيكون من المحسنين المقربين، فلا جرم أن الله يزيده ترقيا في العلوم والأسرار، في هذه الدار، وفي تلك الدار، بخلاف من خالف ما أمر به من سلوك طريق السفليات، وتعاطي الأمور العلويات، قبل كمال التربية فإنه يجرع إلى غم الحجاب، وسوء الحساب بسبب خروجه عن طريق الأحباب، وسلوكه طريق أهل الغفلة والارتياب، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:60
قلت: { استسقى }: طلب السقي، و " ال " في { الحجر } للعهد، وهو الحجر الذي فر بثوبه، أو حجر خفيف مربع مثل رأس الرجل، أمر أن يحمله معه، فكان يضعه في مخلاته، فإذا احتاج الماء ضربه، قيل: كان من رخام، وقيل: كان كذان، كان فيه اثنتا عشرة حفرة، تنبع من كل حفرة عين ماء عذب، على عدد الأسباط، فإذا أراد حمله ضربه فجف الماء منه، وقيل: للجنس، فكان يضرب أي حجر وجد، فتنفجر منه عيونا، ثم تسير كل عين في جدول إلى سبط، فقالوا: إن أفضينا إلى أرض لا حجارة فيها عطشنا، فأوحى إليه: أن كلمه يطعك لعلهم يعتبرون. و { فانفجرت } معطوف على محذوف أي: فضرب فانفجرت، والعثو: أشد الفساد، عثا يعثوا عثوا، وعثى يعثي عثيا، وعاث يعيث عيثا، و { مفسدين }: حال مؤكدة لعاملها، أو مقيدة، إن قلنا: إن العثو أعم من الفساد، لصدقه على القصاص، فإنه عثر غير فساد. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين عطشتم في التيه، فطلبتم من موسى السقي، فاستسقى لكم، { فقلنا } له: { اضرب بعصاك } التي أخذتها من شعيب عليه السلام، وكانت من آس الجنة، وورثت عن آدم عليه السلام، فيها عشرة أذرع، فضرب { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } على عدد أسباطكم، فكل عين تجري إلى سبط { قد علم كل أناس مشربهم } معينا، لا يعدو أحد على أحد، فقلنا لهم: { كلوا } من المن والسلوى، { واشربوا } من الماء الذي رزقناكم، ولا تطغوا بالنعم فتفسدا في الأرض بالمعاصي والذنوب، فيكون ذلك كفرا مستوجبا للسلب بعد العطاء، روي أنهم كانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلا. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الأرواح إذا تطهرت من الأكدار، وتحررت من الأغيار، وأشرقت عليها الأنوار والأسرار، وكمل تطهيرها، وتمت تصفيتها، كان صاحبها آية من آيات الله، وحجة من حجج الله، إذا ضرب بعصا همته القلوب القاسية أو الأنفس الأبية، لانت وانفجرت بالعلوم القدسية، كل واحد بما يليق به، فمنها من تنبع بالعلوم الوهبية، ومنها من تنبع بالعلوم الرسمية، ومنها من تنبع بالكرامات وخوارق العادات، ومنها من تنبع منها المكاشفات والاطلاعات، قد علم كل أناس مشربهم، على حسب ما سبق لهم، فيقول الحق تعالى لهم: كلوا من ثمرات ما اجتنيتم من العلوم والمعارف التي أوليناكم، واشربوا من مناهل المنازل التي فيها أقمناكم، أو كلوا من ثمرات المعرفة ما تتقوى به معانيكم، واشربوا من خمر الحبيب ما تغيبوا به عن وجودكم، ولا تتعدوا أطواركم من القيام بوظائف العبودية، ومعرفة عظمة الربوبية، فتكونوا لسلب ما أولاكم متعرضين، ولعقوبته مستحقين، عائذا بالله من السلب بعد العطاء. آمين.
البقرة 2:61
قلت: المراد بالطعام الواحد: هو المن والسلوى. ووحده لأنه لا يختلف ولا يتبدل، كقولهم: طعام مائدة الأمير واحد، والبقل: جميع الخضر، كالنجم والكرنب والكراث وغير ذلك. والقثاء: جمع قثاءة، وهي الخيار والفقوس والبطيخ وغير ذلك من الفواكه التي تستنبت، والفوم قيل: الحنطة، والأصح أنه الثوم. قال الشاعر:
أنتم أناس لئام الأصول طعامكم الفوم والحوقل
أراد: الثوم والبصل. والعرب تعاقب بين الفاء والثاء فتقول: معافير ومعاثير، وتقول للقبر: جدث وجدف. والعدس: معلوم، روى علي - كرم الله وجهه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" عليكم بالعدس، فإنه مبارك مقدس، وإنه يرقق القلب، ويكثر الدمعة، وإنه بارك فيه سبعون نبيا، آخرهم عيسى ابن مريم ".
يقول الحق جل جلاله: واذكروا أيضا حين { قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد } حين مللتم من العسل واللحم، وملتم إلى عكركم السوء، أي: مألوفكم وشهواتكم السيئة، لأنهم كانوا فلاحين، فقلتم: { ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض } ، أي: من جنس ما ينبت الله فيها من البل والقثاء والعدس والفوم والبصل، قال موسى عليه السلام: { أتستبدلون الذي هو أدنى } وأخس من الثوم والبصل وغيرها، { بالذي هو خير } من اللحم والعسل، { اهبطوا } إلى مصر من الأمصار، تجدوا ما تشتهون، إذ لا يوجد ذلك إلا في القرى والأمصار، أو { اهبطوا مصرا } التي كنتم فيها أذلاء مستبعدين، تجدوا حظوظكم وشهواتكم لأن الحظوظ والشهوات منوطة بالذل والهوان، { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } ، أي: ألزموها لزوم الدرهم المضروب لضربه ونقشه، فالذلة: ضرب الجزية، والمسكنة: فقر النفس وإن كان موسرا. وإنما ضربت عليهم الذلة والمسكنة لأنهم لم يرضوا بتدبير الحق، ولم يقنعوا برزقه، فكل من لم يقنع بقسمته وسئم من اتحاد رزقه، خيف عليه من ضرب الذل والمسكنة، وانقلبوا أيضا { بغضب من الله } حيث نقضوا العهود، وتعدوا الحدود، فكفروا وطغوا وقتلوا الأنبياء بغير حق، وسبب ذلك: تمردهم في العصيان، فإن المعاصي تجر بعضها إلى البعض حتى تنتهي إلى الكفر، والعياذ بالله من سخطه وعضبه. الإشارة: كل من لم يقنع بالقسمة الأزلية، ولم يقم حيث أقامته القدرة الإلهية، بل جنح إلى حظوظه وهواه، وحرص على تحصيل أغراضه ومناه، قيل له: أتستبدل تدبيرك - الذي هو أدنى - بتدبير الحق - الذي هو خير -؟ أتترك تدبير الحكيم العليم، الرؤوف الرحيم، إلى تدبير عقلك الضعيف الجاهل الخسيس اللئيم؟! فعسى أن تدبر شيئا يكون لك فإذا هو عليك. وعسى أن تأتيك المسار من حيث تعتقد المضار، وتأتيك المضار من حيث ترتجي المسار. ولله در القائل:
وكم رمت أمرا خرت لي في انصرافه، فلا زلت لي مني أبر وأرحما عزمت على ألا أحس بخاطر على القلب إلا كنت أنت المقدما وألا تراني عند ما قد نهيتني لكونك في قلبي كبيرا معظما
يا من لم يقنع بتدبير مولاه، ومال إلى نيل حظه وهواه، اهبط إلى أرض الحظوظ والشهوات تجد فيها ما ألفته نفسك من عوائدك السيئات. يا من أخلدت نفسه إلى الهوى ومتابعة الشيطان، كيف تستبدل العز الدائم بالذل والهوان؟! وأنشدوا:
لا تتبع النفس في هواها إن اتباع الهوا هوان
قال في التنوير: فائدة: اعلم أن بني إسرائل لما دخلوا التيه، ورزقوا المن والسلوى، واختار الله لهم ذلك رزقا، رزقهم إياه، يبرز عن عين المنة، من غير تعب منهم ولا نصب، فرجعت نفوسهم الكثيفة لوجود، العادة، والغيبة عن شهود تدبير الله، غلى طلب ما كانوا يعتادونه، فقالوا: { ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض } الآية. { قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضرب عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله } ، وذلك لأنهم تركوا ما اختار الله لهم، مائلين لما اختاروا لأنفسهم، فقيل لهم عن طريق التوبيخ: { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير }؟ فظاهر التفسير: أتستبدلون الفوم والعدس والبصل بالمن والسلوى؟ وليس النوعان سواء في اللذة ولا في سقط المشقة وسر الاعتبار، أتستبدلون مرادكم لأنفسكم بمراد الله تعالى لكم؟ { أتستبدلون الذي هو أدنى } وهو ما أردتموه، { بالذي خير } ، وهو ما أراده الله لكم؟ { اهبطوا مصرا } فإن ما اشتهيتموه لا يليق إلا أن يكون في الأمصار، وفي سر الخطاب: اهبطوا عن سماء التفويض وحسن التبدير منا لكم، إلى أرضي التدبير والاختيار منكم لأنفسكم، موصوفين بالذل والمسكنة لاختياركم مع اختيار الله، وتدبيركم لأنفسكم مع تدبير الله. ه المراد منه. ولما ذكرهم الحق تعالى بالنعمة، ووبخهم على ارتكاب الآثام، رغبهم في الإسلام.
البقرة 2:62
قلت: { إن }: ناصبة مؤكدة، وخبرها: جملة { من آمن } أو { فلهم أجرهم }. و { من آمن }: بدل من اسمها، أو محذوف، والموصول: مبتدأ أي: إن الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين هادوا كذلك. و { هادوا }: تهودوا، أي: دخلوا في اليهودية. وسموا يهودا إما نسبة لأبيهم الأكبر يهوذا بن يعقوب، أو من هاد، إذا تاب لأنهم تابوا من عبادة العجل. والنصارى: جمع نصران، وسموا بذلك إما لنصرهم المسيح عليه السلام، أو لسكناهم معه في قرية يقال لها: نصران، والصابئون: طائفة من أهل الكتاب، خرجوا عن دين اليهودية وعبدوا الكواكب، يقال: صبا يصبو، إذا مال وخرج من دين إلى دين. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا بموسى، والذين آمنوا بعيسى - عليهما السلام -، والذين خرجوا عن دينهم وصبوا، { من آمن بالله واليوم الآخر } وتبع محمدا صلى الله عليه وسلم وعمل بشريعته، { فلهم أجرهم عند ربهم } إذا قدموا عليه بالنعيم المقيم، والنظر إلى وجهه الكريم، { ولا خوف عليهم } حين يخاف الكفار، { ولا هم يحزنون } حين يحزن المفرطون والأشرار إذ لا يلحقهم وبال ولا يفوتهم نوال. وبالله التوفيق. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمانا لا يختلجه وهم، ولا يطرق ساحته شك ولا ريب، إما عن برهان قاطع، أو عن شهود ساطع، والذين تابوا عن هواجس الخواطر وغفلات الضمائر، والذين نصروا الدين، وشيدوا منار شريعة المسلمين، والذين صبوا إلى الحبيب، ومالوا عن كل بعيد وقريب، فهؤلاء الذين سبقت لهم من الله العناية، وهبت عليهم ريح الهداية، جمعوا بين تزيين البواطن بأنوار الإيقان، وتزيين الظواهر بأنواع الطاعة والإذعان، فلا جرم أنهم، إذا قدموا على ربهم، أجل منصبهم، وأجزل ثوابهم، وأعلى مقامهم، فأولئك اولياء الله الذين { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. فالمخصوصون بالعناية أربعة: قوم أقامهم الحق تعالى لتنمية الإيمان وتربية الإيقان، إما عن دليل وبرهان - وهم أهل النظر والاعتبار، - وإما عن شهود وعيان - وهم أهل الشهود والاستبصار -، وقوم أقامهم الحق تعالى لتصفية نفوسهم وتزكية أحوالهم بالتوبة، والإقلاع عن كل وصف مذموم، وهم السائرون والطالبون، وقوم أقامهم لنصر الدين وإظهار شريعة المسلمين، إما بتقرير قواعده أو جهاد معانده، وهم العلماء والمجاهدون، وقوم أقامهم لخدمته، وملأ قلوبهم بهيبته، وهم العباد والزهاد، مالوا عن الشهوات وتأنسوا به في الخلوات، هجرو الأوطان وفارقوا الأحباب والإخوان، صبوا إلى محبة الحبيب وتلذذوا بمناجاة القريب، فهؤلاء المخصوصون بعين العناية، المحفوظون بغاية الرعاية، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس. حققنا الله بمقام الجميع بمنه وكرمه. آمين.
البقرة 2:63
قلت: { لولا } حرف امتناع لوجود، تلزم الدخول على المبتدأ، وخبرها واجب الحذف عند سيبويه، أي: لولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان، وقال الكوفيون، فاعل بمحذوف: أي: لولا أن ثبت فضل الله عليكم ورحمته، ولكنتم: جوابها. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين { أخدنا ميثاقكم } أن تقبلوا تكاليف التوراة، وكانت شاقة عليهم، فلما أبيتم قبولها، قلعنا الطور، ورفعناه فوقكم على مقدار عسكركم، كالظلة، وقلنا لكم: { خذوا ما آتيناكم } من التوراة بجد واجتهاد، { واذكروا ما فيه } من الوعظ والتذكير { لعلكم تتقون } الله، فتفوزون بالخير الكثير، فقبلتم ذلك كرها { ثم توليتم } وأعرضتم بعد لك، فسفكتم الدماء، وقتلتم الأنبياء، { فلولا فضل الله عليكم } بتوفيقكم للتوبة، { ورحمته } بقبولها منكم، فخسرتم الدنيا والآخرة. { ولقد علمتم } ما جرى للذين { اعتدوا منكم في السبت } في زمن داود عليه السلام، وذلك في قرية يقال لها: " أيلة " ، كانت على شاطئ البحر، وقد نهوا عن الاصطياد يوم السبت، فكانت الحيتان تخرج يوم السبت شرعا، فتخرج خراطيمها للبر، فإذا كان يوم الأحد دخلت في البحر، فحفروا حياضا، وشرعوا إليها جدوال، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد، فلما لم يعاقبوا على ذلك أحلوا يوم السبت، فانقسمت القرية على ثلاث فرق: قوم نهوا، وقوم سكتوا، وقوم اصطادوا، فمسخ من اصطاد قردة وخنازير الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فبقوا ثلاثة أيام وماتوا. فجعلنا تلك الفعلة التي فعلنا بهم - { نكالا } وزجرا { لما بين يديها } في زمانها، وما خلفها من يأتي بعدها، { وموعظة }: وتذكيرا { للمتقين } من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. الإشارة: اعلم أن المريدين إذا دخلوا في يد شيخ، وأخذوا عنه العهد، حملهم من أعباء التكليف وخرق العائد ما تموت به نفسوهم، وتحيا به قلوبهم، كذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، فإذا هموا بالتقصير، ظلل عليهم جبل همته، وأدار عليهم يد حفظه ورعايته، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: والله لا يكون الشيخ شيخا حتى تكون يده مع الفقير أينما ذهب. والمراد باليد: الهمة والحفظ، ولا يزال الشيخ يراسلهم بهذه التكاليف، ويحضهم على الأخذ بها، والاجتهاد في العمل بها، حتى تموت نفوسهم وتحيا قلوبهم، وترسخ معرفتهم، وتكمل تربيتهم، فحينئذ ينتقلون إلى روح وريحان في جنات الشهود العيان. قلت: وقد كان شيخنا يرسل لنا البطاقات في حال البدايات، فما كانت أفتحها حتى ترتعد نفسي مما فيها، لأنها تعلم أنه ما يرسل لها إلا ما فيه موتها، فلولا فضل الله علينا ورحمته - حتى قوانا على العمل بما فيها - لكنا من الخاسرين، ولقد أخطأت العناية قوما، فتعدوا حدود الشيوخ، أو خرجوا عن دائرتهم قبل كمال تربيتهم، فمسخت قلوبهم، وانمحت في ديوان الولاية رسومهم، جعل الله ذلك عبرة لغيرهم، وزاجرا لمن حذا حذوهم، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، وكفران النعم وحرمان الرضى، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:64
قلت: { لولا } حرف امتناع لوجود، تلزم الدخول على المبتدأ، وخبرها واجب الحذف عند سيبويه، أي: لولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان، وقال الكوفيون، فاعل بمحذوف: أي: لولا أن ثبت فضل الله عليكم ورحمته، ولكنتم: جوابها. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين { أخدنا ميثاقكم } أن تقبلوا تكاليف التوراة، وكانت شاقة عليهم، فلما أبيتم قبولها، قلعنا الطور، ورفعناه فوقكم على مقدار عسكركم، كالظلة، وقلنا لكم: { خذوا ما آتيناكم } من التوراة بجد واجتهاد، { واذكروا ما فيه } من الوعظ والتذكير { لعلكم تتقون } الله، فتفوزون بالخير الكثير، فقبلتم ذلك كرها { ثم توليتم } وأعرضتم بعد لك، فسفكتم الدماء، وقتلتم الأنبياء، { فلولا فضل الله عليكم } بتوفيقكم للتوبة، { ورحمته } بقبولها منكم، فخسرتم الدنيا والآخرة. { ولقد علمتم } ما جرى للذين { اعتدوا منكم في السبت } في زمن داود عليه السلام، وذلك في قرية يقال لها: " أيلة " ، كانت على شاطئ البحر، وقد نهوا عن الاصطياد يوم السبت، فكانت الحيتان تخرج يوم السبت شرعا، فتخرج خراطيمها للبر، فإذا كان يوم الأحد دخلت في البحر، فحفروا حياضا، وشرعوا إليها جدوال، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد، فلما لم يعاقبوا على ذلك أحلوا يوم السبت، فانقسمت القرية على ثلاث فرق: قوم نهوا، وقوم سكتوا، وقوم اصطادوا، فمسخ من اصطاد قردة وخنازير الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فبقوا ثلاثة أيام وماتوا. فجعلنا تلك الفعلة التي فعلنا بهم - { نكالا } وزجرا { لما بين يديها } في زمانها، وما خلفها من يأتي بعدها، { وموعظة }: وتذكيرا { للمتقين } من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. الإشارة: اعلم أن المريدين إذا دخلوا في يد شيخ، وأخذوا عنه العهد، حملهم من أعباء التكليف وخرق العائد ما تموت به نفسوهم، وتحيا به قلوبهم، كذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، فإذا هموا بالتقصير، ظلل عليهم جبل همته، وأدار عليهم يد حفظه ورعايته، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: والله لا يكون الشيخ شيخا حتى تكون يده مع الفقير أينما ذهب. والمراد باليد: الهمة والحفظ، ولا يزال الشيخ يراسلهم بهذه التكاليف، ويحضهم على الأخذ بها، والاجتهاد في العمل بها، حتى تموت نفوسهم وتحيا قلوبهم، وترسخ معرفتهم، وتكمل تربيتهم، فحينئذ ينتقلون إلى روح وريحان في جنات الشهود العيان. قلت: وقد كان شيخنا يرسل لنا البطاقات في حال البدايات، فما كانت أفتحها حتى ترتعد نفسي مما فيها، لأنها تعلم أنه ما يرسل لها إلا ما فيه موتها، فلولا فضل الله علينا ورحمته - حتى قوانا على العمل بما فيها - لكنا من الخاسرين، ولقد أخطأت العناية قوما، فتعدوا حدود الشيوخ، أو خرجوا عن دائرتهم قبل كمال تربيتهم، فمسخت قلوبهم، وانمحت في ديوان الولاية رسومهم، جعل الله ذلك عبرة لغيرهم، وزاجرا لمن حذا حذوهم، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، وكفران النعم وحرمان الرضى، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:65
قلت: { لولا } حرف امتناع لوجود، تلزم الدخول على المبتدأ، وخبرها واجب الحذف عند سيبويه، أي: لولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان، وقال الكوفيون، فاعل بمحذوف: أي: لولا أن ثبت فضل الله عليكم ورحمته، ولكنتم: جوابها. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين { أخدنا ميثاقكم } أن تقبلوا تكاليف التوراة، وكانت شاقة عليهم، فلما أبيتم قبولها، قلعنا الطور، ورفعناه فوقكم على مقدار عسكركم، كالظلة، وقلنا لكم: { خذوا ما آتيناكم } من التوراة بجد واجتهاد، { واذكروا ما فيه } من الوعظ والتذكير { لعلكم تتقون } الله، فتفوزون بالخير الكثير، فقبلتم ذلك كرها { ثم توليتم } وأعرضتم بعد لك، فسفكتم الدماء، وقتلتم الأنبياء، { فلولا فضل الله عليكم } بتوفيقكم للتوبة، { ورحمته } بقبولها منكم، فخسرتم الدنيا والآخرة. { ولقد علمتم } ما جرى للذين { اعتدوا منكم في السبت } في زمن داود عليه السلام، وذلك في قرية يقال لها: " أيلة " ، كانت على شاطئ البحر، وقد نهوا عن الاصطياد يوم السبت، فكانت الحيتان تخرج يوم السبت شرعا، فتخرج خراطيمها للبر، فإذا كان يوم الأحد دخلت في البحر، فحفروا حياضا، وشرعوا إليها جدوال، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد، فلما لم يعاقبوا على ذلك أحلوا يوم السبت، فانقسمت القرية على ثلاث فرق: قوم نهوا، وقوم سكتوا، وقوم اصطادوا، فمسخ من اصطاد قردة وخنازير الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فبقوا ثلاثة أيام وماتوا. فجعلنا تلك الفعلة التي فعلنا بهم - { نكالا } وزجرا { لما بين يديها } في زمانها، وما خلفها من يأتي بعدها، { وموعظة }: وتذكيرا { للمتقين } من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. الإشارة: اعلم أن المريدين إذا دخلوا في يد شيخ، وأخذوا عنه العهد، حملهم من أعباء التكليف وخرق العائد ما تموت به نفسوهم، وتحيا به قلوبهم، كذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، فإذا هموا بالتقصير، ظلل عليهم جبل همته، وأدار عليهم يد حفظه ورعايته، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: والله لا يكون الشيخ شيخا حتى تكون يده مع الفقير أينما ذهب. والمراد باليد: الهمة والحفظ، ولا يزال الشيخ يراسلهم بهذه التكاليف، ويحضهم على الأخذ بها، والاجتهاد في العمل بها، حتى تموت نفوسهم وتحيا قلوبهم، وترسخ معرفتهم، وتكمل تربيتهم، فحينئذ ينتقلون إلى روح وريحان في جنات الشهود العيان. قلت: وقد كان شيخنا يرسل لنا البطاقات في حال البدايات، فما كانت أفتحها حتى ترتعد نفسي مما فيها، لأنها تعلم أنه ما يرسل لها إلا ما فيه موتها، فلولا فضل الله علينا ورحمته - حتى قوانا على العمل بما فيها - لكنا من الخاسرين، ولقد أخطأت العناية قوما، فتعدوا حدود الشيوخ، أو خرجوا عن دائرتهم قبل كمال تربيتهم، فمسخت قلوبهم، وانمحت في ديوان الولاية رسومهم، جعل الله ذلك عبرة لغيرهم، وزاجرا لمن حذا حذوهم، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، وكفران النعم وحرمان الرضى، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:66
قلت: { لولا } حرف امتناع لوجود، تلزم الدخول على المبتدأ، وخبرها واجب الحذف عند سيبويه، أي: لولا فضل الله عليكم ورحمته موجودان، وقال الكوفيون، فاعل بمحذوف: أي: لولا أن ثبت فضل الله عليكم ورحمته، ولكنتم: جوابها. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين { أخدنا ميثاقكم } أن تقبلوا تكاليف التوراة، وكانت شاقة عليهم، فلما أبيتم قبولها، قلعنا الطور، ورفعناه فوقكم على مقدار عسكركم، كالظلة، وقلنا لكم: { خذوا ما آتيناكم } من التوراة بجد واجتهاد، { واذكروا ما فيه } من الوعظ والتذكير { لعلكم تتقون } الله، فتفوزون بالخير الكثير، فقبلتم ذلك كرها { ثم توليتم } وأعرضتم بعد لك، فسفكتم الدماء، وقتلتم الأنبياء، { فلولا فضل الله عليكم } بتوفيقكم للتوبة، { ورحمته } بقبولها منكم، فخسرتم الدنيا والآخرة. { ولقد علمتم } ما جرى للذين { اعتدوا منكم في السبت } في زمن داود عليه السلام، وذلك في قرية يقال لها: " أيلة " ، كانت على شاطئ البحر، وقد نهوا عن الاصطياد يوم السبت، فكانت الحيتان تخرج يوم السبت شرعا، فتخرج خراطيمها للبر، فإذا كان يوم الأحد دخلت في البحر، فحفروا حياضا، وشرعوا إليها جدوال، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد، فلما لم يعاقبوا على ذلك أحلوا يوم السبت، فانقسمت القرية على ثلاث فرق: قوم نهوا، وقوم سكتوا، وقوم اصطادوا، فمسخ من اصطاد قردة وخنازير الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فبقوا ثلاثة أيام وماتوا. فجعلنا تلك الفعلة التي فعلنا بهم - { نكالا } وزجرا { لما بين يديها } في زمانها، وما خلفها من يأتي بعدها، { وموعظة }: وتذكيرا { للمتقين } من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. الإشارة: اعلم أن المريدين إذا دخلوا في يد شيخ، وأخذوا عنه العهد، حملهم من أعباء التكليف وخرق العائد ما تموت به نفسوهم، وتحيا به قلوبهم، كذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، فإذا هموا بالتقصير، ظلل عليهم جبل همته، وأدار عليهم يد حفظه ورعايته، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: والله لا يكون الشيخ شيخا حتى تكون يده مع الفقير أينما ذهب. والمراد باليد: الهمة والحفظ، ولا يزال الشيخ يراسلهم بهذه التكاليف، ويحضهم على الأخذ بها، والاجتهاد في العمل بها، حتى تموت نفوسهم وتحيا قلوبهم، وترسخ معرفتهم، وتكمل تربيتهم، فحينئذ ينتقلون إلى روح وريحان في جنات الشهود العيان. قلت: وقد كان شيخنا يرسل لنا البطاقات في حال البدايات، فما كانت أفتحها حتى ترتعد نفسي مما فيها، لأنها تعلم أنه ما يرسل لها إلا ما فيه موتها، فلولا فضل الله علينا ورحمته - حتى قوانا على العمل بما فيها - لكنا من الخاسرين، ولقد أخطأت العناية قوما، فتعدوا حدود الشيوخ، أو خرجوا عن دائرتهم قبل كمال تربيتهم، فمسخت قلوبهم، وانمحت في ديوان الولاية رسومهم، جعل الله ذلك عبرة لغيرهم، وزاجرا لمن حذا حذوهم، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، وكفران النعم وحرمان الرضى، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:67
قلت: الفارض: المسنة التي لا تلد، يقال: فرضت البقرة، تفرض فروضا، إذا أسنت. البكر: الصغير التي لم تلد، العوان: المتوسطة بين المسنة والصغيرة، والفاقع: الناصع الصفرة، يقال: أصفر فاقع، وأسود حالك، أي: شديد السواد، وأصل شية: وشية، كعدة، حذفت فاؤها وعوض عنها التاء، والوشي: الرقم. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين { قال موسى لقومه } لما تخاصموا إليه في قتيل وجد في قرية ولم يدر قاتله، وذلك أن رجلا فقيرا من بني إسرائيل قتل قريبا له كان موسرا ليرثه، ثم رماه في قرية أخرى، ثم ذهب يطلب دمه، فترافعوا إلى موسى عليه السلام فقال لهم بوحي: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ، وأبهم الأمر عليهم، { قالوا أتتخذونا هزوا } أي: مهزوءا بنا، حيث نسألك عن بيان القائل وأنت تأمرنا أن نذبح بقرة، وهذا من تعنتهم وسوء أدبهم. { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } إذ لا يستهزئ بأمر الدين إلا الجاهل. فلما رأوا جده { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، هل هي كبيرة أو صغيرة أو متوسطة؟ { قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض } أي: كبيرة، { ولا بكر } أي: ولا صغير { عوان } متوسطة بين ما ذكر من الصغر والكبر، { فافعلوا ما تؤمرون } ، فإن الله يبين لكم القاتل، { يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها } ناصع صفرتها { تسر الناظرين } لسمنها وبهجة لونها، { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، فإن البقر الصفر كثير، وقد تشابه علينا أمرها؟ { قال إنه } تعالى يقول: إنها مسلمة من العمل ليست ذلولا، أي: مذللة بالعمل لا { تثير } أي: تقلب { الأرض ولا تسقي الحرث } بالسانية. { مسلمة } من العيوب كلها، { لا شية فيها } أي: لا رقم فيها يخالف الصفرة. فلما تبين لهم الأمر { قالوا الآن جئت بالحق } الواضح، فوجدوها عند شاب كان بيد أمه، قد استودعها له أبوه في غيضة، فاشتروها منه بملء جلدها ذهبا، أو بوزنها، { فذبحوها } ، وضربوا القتيل بجزء منها، فجلس وعروقه تسيل دما، وقال: قتلني ابن عم لي، ثم رجع، { وما كادوا يفعلون } لكثرة ترددهم، أو لفحش غلوها. قال عليه الصلاة والسلام:
" لو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم لكن شددوا فشدد الله عليهم ".
البقرة 2:68
قلت: الفارض: المسنة التي لا تلد، يقال: فرضت البقرة، تفرض فروضا، إذا أسنت. البكر: الصغير التي لم تلد، العوان: المتوسطة بين المسنة والصغيرة، والفاقع: الناصع الصفرة، يقال: أصفر فاقع، وأسود حالك، أي: شديد السواد، وأصل شية: وشية، كعدة، حذفت فاؤها وعوض عنها التاء، والوشي: الرقم. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين { قال موسى لقومه } لما تخاصموا إليه في قتيل وجد في قرية ولم يدر قاتله، وذلك أن رجلا فقيرا من بني إسرائيل قتل قريبا له كان موسرا ليرثه، ثم رماه في قرية أخرى، ثم ذهب يطلب دمه، فترافعوا إلى موسى عليه السلام فقال لهم بوحي: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ، وأبهم الأمر عليهم، { قالوا أتتخذونا هزوا } أي: مهزوءا بنا، حيث نسألك عن بيان القائل وأنت تأمرنا أن نذبح بقرة، وهذا من تعنتهم وسوء أدبهم. { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } إذ لا يستهزئ بأمر الدين إلا الجاهل. فلما رأوا جده { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، هل هي كبيرة أو صغيرة أو متوسطة؟ { قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض } أي: كبيرة، { ولا بكر } أي: ولا صغير { عوان } متوسطة بين ما ذكر من الصغر والكبر، { فافعلوا ما تؤمرون } ، فإن الله يبين لكم القاتل، { يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها } ناصع صفرتها { تسر الناظرين } لسمنها وبهجة لونها، { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، فإن البقر الصفر كثير، وقد تشابه علينا أمرها؟ { قال إنه } تعالى يقول: إنها مسلمة من العمل ليست ذلولا، أي: مذللة بالعمل لا { تثير } أي: تقلب { الأرض ولا تسقي الحرث } بالسانية. { مسلمة } من العيوب كلها، { لا شية فيها } أي: لا رقم فيها يخالف الصفرة. فلما تبين لهم الأمر { قالوا الآن جئت بالحق } الواضح، فوجدوها عند شاب كان بيد أمه، قد استودعها له أبوه في غيضة، فاشتروها منه بملء جلدها ذهبا، أو بوزنها، { فذبحوها } ، وضربوا القتيل بجزء منها، فجلس وعروقه تسيل دما، وقال: قتلني ابن عم لي، ثم رجع، { وما كادوا يفعلون } لكثرة ترددهم، أو لفحش غلوها. قال عليه الصلاة والسلام:
" لو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم لكن شددوا فشدد الله عليهم ".
البقرة 2:69
قلت: الفارض: المسنة التي لا تلد، يقال: فرضت البقرة، تفرض فروضا، إذا أسنت. البكر: الصغير التي لم تلد، العوان: المتوسطة بين المسنة والصغيرة، والفاقع: الناصع الصفرة، يقال: أصفر فاقع، وأسود حالك، أي: شديد السواد، وأصل شية: وشية، كعدة، حذفت فاؤها وعوض عنها التاء، والوشي: الرقم. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين { قال موسى لقومه } لما تخاصموا إليه في قتيل وجد في قرية ولم يدر قاتله، وذلك أن رجلا فقيرا من بني إسرائيل قتل قريبا له كان موسرا ليرثه، ثم رماه في قرية أخرى، ثم ذهب يطلب دمه، فترافعوا إلى موسى عليه السلام فقال لهم بوحي: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ، وأبهم الأمر عليهم، { قالوا أتتخذونا هزوا } أي: مهزوءا بنا، حيث نسألك عن بيان القائل وأنت تأمرنا أن نذبح بقرة، وهذا من تعنتهم وسوء أدبهم. { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } إذ لا يستهزئ بأمر الدين إلا الجاهل. فلما رأوا جده { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، هل هي كبيرة أو صغيرة أو متوسطة؟ { قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض } أي: كبيرة، { ولا بكر } أي: ولا صغير { عوان } متوسطة بين ما ذكر من الصغر والكبر، { فافعلوا ما تؤمرون } ، فإن الله يبين لكم القاتل، { يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها } ناصع صفرتها { تسر الناظرين } لسمنها وبهجة لونها، { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، فإن البقر الصفر كثير، وقد تشابه علينا أمرها؟ { قال إنه } تعالى يقول: إنها مسلمة من العمل ليست ذلولا، أي: مذللة بالعمل لا { تثير } أي: تقلب { الأرض ولا تسقي الحرث } بالسانية. { مسلمة } من العيوب كلها، { لا شية فيها } أي: لا رقم فيها يخالف الصفرة. فلما تبين لهم الأمر { قالوا الآن جئت بالحق } الواضح، فوجدوها عند شاب كان بيد أمه، قد استودعها له أبوه في غيضة، فاشتروها منه بملء جلدها ذهبا، أو بوزنها، { فذبحوها } ، وضربوا القتيل بجزء منها، فجلس وعروقه تسيل دما، وقال: قتلني ابن عم لي، ثم رجع، { وما كادوا يفعلون } لكثرة ترددهم، أو لفحش غلوها. قال عليه الصلاة والسلام:
" لو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم لكن شددوا فشدد الله عليهم ".
البقرة 2:70
قلت: الفارض: المسنة التي لا تلد، يقال: فرضت البقرة، تفرض فروضا، إذا أسنت. البكر: الصغير التي لم تلد، العوان: المتوسطة بين المسنة والصغيرة، والفاقع: الناصع الصفرة، يقال: أصفر فاقع، وأسود حالك، أي: شديد السواد، وأصل شية: وشية، كعدة، حذفت فاؤها وعوض عنها التاء، والوشي: الرقم. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين { قال موسى لقومه } لما تخاصموا إليه في قتيل وجد في قرية ولم يدر قاتله، وذلك أن رجلا فقيرا من بني إسرائيل قتل قريبا له كان موسرا ليرثه، ثم رماه في قرية أخرى، ثم ذهب يطلب دمه، فترافعوا إلى موسى عليه السلام فقال لهم بوحي: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ، وأبهم الأمر عليهم، { قالوا أتتخذونا هزوا } أي: مهزوءا بنا، حيث نسألك عن بيان القائل وأنت تأمرنا أن نذبح بقرة، وهذا من تعنتهم وسوء أدبهم. { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } إذ لا يستهزئ بأمر الدين إلا الجاهل. فلما رأوا جده { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، هل هي كبيرة أو صغيرة أو متوسطة؟ { قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض } أي: كبيرة، { ولا بكر } أي: ولا صغير { عوان } متوسطة بين ما ذكر من الصغر والكبر، { فافعلوا ما تؤمرون } ، فإن الله يبين لكم القاتل، { يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها } ناصع صفرتها { تسر الناظرين } لسمنها وبهجة لونها، { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، فإن البقر الصفر كثير، وقد تشابه علينا أمرها؟ { قال إنه } تعالى يقول: إنها مسلمة من العمل ليست ذلولا، أي: مذللة بالعمل لا { تثير } أي: تقلب { الأرض ولا تسقي الحرث } بالسانية. { مسلمة } من العيوب كلها، { لا شية فيها } أي: لا رقم فيها يخالف الصفرة. فلما تبين لهم الأمر { قالوا الآن جئت بالحق } الواضح، فوجدوها عند شاب كان بيد أمه، قد استودعها له أبوه في غيضة، فاشتروها منه بملء جلدها ذهبا، أو بوزنها، { فذبحوها } ، وضربوا القتيل بجزء منها، فجلس وعروقه تسيل دما، وقال: قتلني ابن عم لي، ثم رجع، { وما كادوا يفعلون } لكثرة ترددهم، أو لفحش غلوها. قال عليه الصلاة والسلام:
" لو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم لكن شددوا فشدد الله عليهم ".
البقرة 2:71
قلت: الفارض: المسنة التي لا تلد، يقال: فرضت البقرة، تفرض فروضا، إذا أسنت. البكر: الصغير التي لم تلد، العوان: المتوسطة بين المسنة والصغيرة، والفاقع: الناصع الصفرة، يقال: أصفر فاقع، وأسود حالك، أي: شديد السواد، وأصل شية: وشية، كعدة، حذفت فاؤها وعوض عنها التاء، والوشي: الرقم. يقول الحق جل جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين { قال موسى لقومه } لما تخاصموا إليه في قتيل وجد في قرية ولم يدر قاتله، وذلك أن رجلا فقيرا من بني إسرائيل قتل قريبا له كان موسرا ليرثه، ثم رماه في قرية أخرى، ثم ذهب يطلب دمه، فترافعوا إلى موسى عليه السلام فقال لهم بوحي: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ، وأبهم الأمر عليهم، { قالوا أتتخذونا هزوا } أي: مهزوءا بنا، حيث نسألك عن بيان القائل وأنت تأمرنا أن نذبح بقرة، وهذا من تعنتهم وسوء أدبهم. { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } إذ لا يستهزئ بأمر الدين إلا الجاهل. فلما رأوا جده { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، هل هي كبيرة أو صغيرة أو متوسطة؟ { قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض } أي: كبيرة، { ولا بكر } أي: ولا صغير { عوان } متوسطة بين ما ذكر من الصغر والكبر، { فافعلوا ما تؤمرون } ، فإن الله يبين لكم القاتل، { يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها } ناصع صفرتها { تسر الناظرين } لسمنها وبهجة لونها، { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، فإن البقر الصفر كثير، وقد تشابه علينا أمرها؟ { قال إنه } تعالى يقول: إنها مسلمة من العمل ليست ذلولا، أي: مذللة بالعمل لا { تثير } أي: تقلب { الأرض ولا تسقي الحرث } بالسانية. { مسلمة } من العيوب كلها، { لا شية فيها } أي: لا رقم فيها يخالف الصفرة. فلما تبين لهم الأمر { قالوا الآن جئت بالحق } الواضح، فوجدوها عند شاب كان بيد أمه، قد استودعها له أبوه في غيضة، فاشتروها منه بملء جلدها ذهبا، أو بوزنها، { فذبحوها } ، وضربوا القتيل بجزء منها، فجلس وعروقه تسيل دما، وقال: قتلني ابن عم لي، ثم رجع، { وما كادوا يفعلون } لكثرة ترددهم، أو لفحش غلوها. قال عليه الصلاة والسلام:
" لو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم لكن شددوا فشدد الله عليهم ".
البقرة 2:72
قلت: حق هذه الآية أن تتقدم قبل قوله:
إن الله يأمركم...
[البقرة: 67] وإنما أخرها الحق تعالى ليتوجه العتاب إليهم مرتين على ترك المسارعة لامتثال أمر نبيهم، وعلى قتل النفس، ولو قدمها لكانت قصة واحدة بتوبيخ واحد. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا { إذ قتلتم نفسا } حرصا على الدنيا { فادارأتم } أي: تدافعتم في شأنها، كل قرية تدفع عنها، { والله } تعالى { مخرج } ومبين { ما كنتم تكتمون } من القتل، ومن قتله، { فقلنا }: اضربوا القتيل أو قبره { ببعضها } قيل: اللسان، وقيل القلب، وقيل: الفخد أو الذنب، فضربوه فحيى، وأخبر بقاتله كما تقدم، { كذلك } أي: كما أحيا هذا القتيل، { يحيي الله الموتى } من قبورها { ويريكم آياته } الدالة على قدرته، { لعلكم تعقلون } فتعلمون أن من قدر على إحياء نفس واحد يقدر على إحياء الأنفس كلها. واستدلت المالكية بالقصة على التدمية الحمراء، وهي قبول قول القتيل قبل موته بأن فلانا قتله، وفيه نظر لأن هذا حيى بعد موته فلا يتطرقه الكذب، واستدلت أيضا على حرمان القتل من الإرث، وفيه نظر لأن هذه شريعة من قبلنا يتطرقها النسخ، لكن ثبت في الحديث أنه لا يرث. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا أمر الشيخ المريدين بذبح نفوسهم بخرق عوائدها، فمن تردد منهم في فعل ما تموت به نفسه، كان ذلك دليلا على قلة صدقه وضعف نهايته، ومن بادر منها إلى قتلها دل على صدقه وفلاحه ونجح نهايته، فإذا ماتت النفس بالكلية حييت روحه بالمعرفة والمشاهدة الدائمة، فلا موت بعدها أبدا، قال تعالى:
لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى
[الدخان: 56]، وأما الموت الطبيعي فإنما هو انتقال من مقام إلى مقام، ومن وطن ضيق إلى وطن واسع، وأنشدوا:
لا تظنوا الموت موتا إنه لحياة، وهو غاية المنى لا ترعكم هجمة الموت فما هو إلا انتقال من هنا فاخلعوا الأجساد مشن نفسكم تبصروا الحق عيانا بينا
قلت: والسيف الذي يجهز على النفس ويسرع قتلها هو الذل والفقر، فمن ذل نفسه بين أبناء جنسه، وخرق عوائد نفسه، وزهد في الدنيا، ماتت نفسه في طرفة عين، وحييت روحه، وظفر بقرة العين، وهي معرفة مولاه، والغيبة عما سواه. وكمال الوقت في ذبح النفس أن تكون متوسطة بين الصغر والكبر، فإن الصغيرة جدا لا يؤمن عليها الرجوع، والكبيرة جدا قد يصعب عليها النزوع، كاملة الأوصاف بحسن الزهد والعفاف، تسر الناظرين لبهجة منظرها وحسن طلعتها، وكذلك من كان من أهل الشهود والنظرة، تسحر مشاهدة القلوب، ويسوقها بسرعة إلى حضرة علام الغيوب، لما أقيم به من مشاهدته الملكوت، حتى إن من لاحظه تناسى أحوال البشرية، واستولت عيله أنوار الروحانية، وغابت في ذكر الحبيب عن البعيد والقريب، كما في الحديث:
" أولياء الله من إذا رؤوا ذكر الله "
، وتكون أيضا هذه النفس غير مذللة بطلب الدنيا والحرص عليها، مسلمة لا عيب فيها، ولا رق لشيء من الأثر عليها، فحينئذ تصلح للحضرة، وتتمتع بنعيم الشهود والنظرة، لم يبق لخصم الفرق معها تدارؤ ولا نزاع، بل أقر الخصم وارتفع النزاع.
البقرة 2:73
قلت: حق هذه الآية أن تتقدم قبل قوله:
إن الله يأمركم...
[البقرة: 67] وإنما أخرها الحق تعالى ليتوجه العتاب إليهم مرتين على ترك المسارعة لامتثال أمر نبيهم، وعلى قتل النفس، ولو قدمها لكانت قصة واحدة بتوبيخ واحد. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا { إذ قتلتم نفسا } حرصا على الدنيا { فادارأتم } أي: تدافعتم في شأنها، كل قرية تدفع عنها، { والله } تعالى { مخرج } ومبين { ما كنتم تكتمون } من القتل، ومن قتله، { فقلنا }: اضربوا القتيل أو قبره { ببعضها } قيل: اللسان، وقيل القلب، وقيل: الفخد أو الذنب، فضربوه فحيى، وأخبر بقاتله كما تقدم، { كذلك } أي: كما أحيا هذا القتيل، { يحيي الله الموتى } من قبورها { ويريكم آياته } الدالة على قدرته، { لعلكم تعقلون } فتعلمون أن من قدر على إحياء نفس واحد يقدر على إحياء الأنفس كلها. واستدلت المالكية بالقصة على التدمية الحمراء، وهي قبول قول القتيل قبل موته بأن فلانا قتله، وفيه نظر لأن هذا حيى بعد موته فلا يتطرقه الكذب، واستدلت أيضا على حرمان القتل من الإرث، وفيه نظر لأن هذه شريعة من قبلنا يتطرقها النسخ، لكن ثبت في الحديث أنه لا يرث. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا أمر الشيخ المريدين بذبح نفوسهم بخرق عوائدها، فمن تردد منهم في فعل ما تموت به نفسه، كان ذلك دليلا على قلة صدقه وضعف نهايته، ومن بادر منها إلى قتلها دل على صدقه وفلاحه ونجح نهايته، فإذا ماتت النفس بالكلية حييت روحه بالمعرفة والمشاهدة الدائمة، فلا موت بعدها أبدا، قال تعالى:
لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى
[الدخان: 56]، وأما الموت الطبيعي فإنما هو انتقال من مقام إلى مقام، ومن وطن ضيق إلى وطن واسع، وأنشدوا:
لا تظنوا الموت موتا إنه لحياة، وهو غاية المنى لا ترعكم هجمة الموت فما هو إلا انتقال من هنا فاخلعوا الأجساد مشن نفسكم تبصروا الحق عيانا بينا
قلت: والسيف الذي يجهز على النفس ويسرع قتلها هو الذل والفقر، فمن ذل نفسه بين أبناء جنسه، وخرق عوائد نفسه، وزهد في الدنيا، ماتت نفسه في طرفة عين، وحييت روحه، وظفر بقرة العين، وهي معرفة مولاه، والغيبة عما سواه. وكمال الوقت في ذبح النفس أن تكون متوسطة بين الصغر والكبر، فإن الصغيرة جدا لا يؤمن عليها الرجوع، والكبيرة جدا قد يصعب عليها النزوع، كاملة الأوصاف بحسن الزهد والعفاف، تسر الناظرين لبهجة منظرها وحسن طلعتها، وكذلك من كان من أهل الشهود والنظرة، تسحر مشاهدة القلوب، ويسوقها بسرعة إلى حضرة علام الغيوب، لما أقيم به من مشاهدته الملكوت، حتى إن من لاحظه تناسى أحوال البشرية، واستولت عيله أنوار الروحانية، وغابت في ذكر الحبيب عن البعيد والقريب، كما في الحديث:
" أولياء الله من إذا رؤوا ذكر الله "
، وتكون أيضا هذه النفس غير مذللة بطلب الدنيا والحرص عليها، مسلمة لا عيب فيها، ولا رق لشيء من الأثر عليها، فحينئذ تصلح للحضرة، وتتمتع بنعيم الشهود والنظرة، لم يبق لخصم الفرق معها تدارؤ ولا نزاع، بل أقر الخصم وارتفع النزاع.
البقرة 2:74
قلت: القسوة والقساوة: هي الصلابة واليبوسة، كالشقوة والشقاوة، يقال حجر قاس، أي: يابس. قال الشاعر:
ولا أرى أثرا للذكر في جسدي والحبل في الجبل القاسي له أثر
و { أو } للإضراب، أو بمعنى الواو، أو للتنويع، فبعضها كالحجارة وبعضها أشد. يقول الحق جل جلاله: { ثم قست قلوبكم } يا معشر اليهود، ويبست فلم تلن ولم تخضع، مع ما رأت من الآيات كانفجار الحجر بالماء في التيه، وإنزال المن والسلوى، وتظليل الغمام، وإحياء الميت وغير ذلك. قال الكلبي: أنكروا بعد ما رأوا ذلك، وقالوا: ما قتلنا، فما كانوا قد أعمى قلبا، ولا أشد تكذيبا منهم لنبيهم عند ذلك فقلوبهم كالحجارة، بل أشد، أو إن شبهتم قلوبهم بالحجارة أصبتم، وبما هو أشد أصبتم، بل في الحجارة فضل عليها في اللين، فإن منها ما تتفجر { منه الأنهار } الكبار، ومنها ما تشقق { فيخرج منه } العيون الجارية، ومنها ما تهبط من رأس الجبل { من خشية الله }. وفي بعض الأخبار: " كل حجر تردى من رأس جبل فهو من خشية الله " ، وقلوبكم يا معشر اليهود لا تلين ولا تخشع ولا تأتي بخير، نسأل الله السلامة بمنه وكرمه. الإشارة: كل من أساء الأدب مع أستاذه، أو خرج عن دائرته إلى غيره، قسا قلبه، وذهب حاله ولبه، فإن رجع قريبا واستدرك ما فات، لان قلبه ونهض حاله، وإلا وقع في مهاوي القطيعة، ولم يأت منه شيء، وللقلب القاسي علامات: منها جمود العين، وطول الأمل، وعدم الحزن على ما فاته من الطاعات وما صدر منه من السيئات، وعدم الفرح بما يصدر منه من الطاعات، فإن المؤمن تسره حسناته وتسيئه سيئاته، ودواؤه: صحبة الفقراء الذاكرين الخاشعين، والجلوس بين يدي العارفين الكاملين، وتعاهد الصيام، والصلاة بالليل والناس نيام، والتضرع إلى الحي القيوم الذي لا ينام، وللشافعي رضي الله الله عنه:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
قوله تعالى:
وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار
[البقرة: 74] كذلك القلوب القاسية إذا لانت بالإنابة إلى ربها، والرجوع عن مألوفاتها، تتفجر منها أنهار العلوم، وتشقق منها أسرار الحكم، ومنها من تذوب من هيبة المتجلي لها، فتندك جبالها، وتزلزل أرض نفوسها، كما قال القائل:
لو عاينت عيناك يوم تزلزلت أرض النفوس ودكت الأجبال لرأيت شمس الحق يسطع نورها حين التزلزل، والرجال رجال
والله تعالى أعلم.
البقرة 2:75
قلت: ضمن الإيمان معنى الإذعان والإقرار ولذلك عداه باللام، وجملة { قد كان } حال من فاعل الإيمان، و { إذا لقوا } عطف على { كان } ، والتقدير: أفتطمعون في إيمانهم والحالة أن من سلف منهم كانوا يحرفون كلام الله، ومن حضر منهم الآن ينافقونكم في دين الله، فلا مطمع في إيمان من هذا وصفه. يقول الحق جل جلاله: { أفتطمعون } يا معشر المسلمين أن يذعن لكم أهل الكتاب ويصدقوكم { وقد كان فريق منهم } ، وهم السبعون الذين ذهبوا مع موسى للاعتذار، { يسمعون كلام الله } حين كلمهم وكلفهم بمشاق التوراة، فحرفوا وقالوا: قال: افعلوا ما استطعتم، فإذا لم يحصل لهم الإيمان مع سماع الكلام بلا واسطة، فكيف يؤمن لكم هؤلاء، وهم إنما يسمعونه بواسطة الرسالة؟ أو { يسمعون كلام الله } في التوراة ثم يحرفونه، محوا أو تأويلا، كصفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك، { من بعد } ما فهموه { وهم يعلمون } أنه كلام الله، أو { وهم يعلمون } أنهم محرفون ومغيرون لكلام الله. وكيف تطمعون أيضا في إيمانهم وهم منافقون؟ { إذا لقوا } المؤمنين { قالوا آمنا } ، وصفة نبيكم مذكورة في كتابنا، { وإذا خلا بعضهم إلى بعض } لامهم من لم ينافق، و { قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } من علم التوراة فتطلعونهم عليه { ليحاجوكم به } أي: يغلبوكم بالحجة { عند ربكم } في الدنيا والآخرة، فيقولون: كنتم عالمين بنبوة نبينا فجحدتم وعاندتم، { أفلا تعقلون } حتى تطلعوهم على ما فتح الله به عليكم. أو يقول الحق تعالى: { أفلا تعقلون } يا معشر المسلمين فتطمعون في إيمانهم بعد هذه الخصال التي فيهم، قال الحق جل جلاله: { أولا يعلمون أن الله } لا يخفى عيله شيء، بل { يعلم } ما يسرونه وما يعلنونه، فيجازيهم على ما أخفوا وما أعلنوا. الإشارة: من سبقت له المشيئة بالخذلان، وحكم عليه القدر والقضاء بالحرمان، يرجع إلى الدليل والبرهان، بعد الاستشراف على الشهود والعيان، فيرجع إلى مشاهدة الآثار والرسوم، وينسى ما كان يعهده من دقائق العلوم، سبب ذلك كله: الإخلال بالأدب مع المشايخ والأصحاب، أو مفارقة الإخوان، وعدم مواصلة أهل العرفان، وضم إلى ذلك الإنكار على أولياء الله، وتحريف ما سمعه منهم من مواهب الله، فلا مطمع في رجوعه وإيابه، وقد بعد من الفتح وأسبابه، لا سيما إذا اتصف بالنفاق، إذا لقي أهل النسبة أظهر الوفاق، وإذا خلا إلى العامة أظهر الشقاق، فمثل هذا لا يرجى له فلاح، ولا يسعد بصلاح ونجاح. نعوذ بالله من ذلك.
البقرة 2:76
قلت: ضمن الإيمان معنى الإذعان والإقرار ولذلك عداه باللام، وجملة { قد كان } حال من فاعل الإيمان، و { إذا لقوا } عطف على { كان } ، والتقدير: أفتطمعون في إيمانهم والحالة أن من سلف منهم كانوا يحرفون كلام الله، ومن حضر منهم الآن ينافقونكم في دين الله، فلا مطمع في إيمان من هذا وصفه. يقول الحق جل جلاله: { أفتطمعون } يا معشر المسلمين أن يذعن لكم أهل الكتاب ويصدقوكم { وقد كان فريق منهم } ، وهم السبعون الذين ذهبوا مع موسى للاعتذار، { يسمعون كلام الله } حين كلمهم وكلفهم بمشاق التوراة، فحرفوا وقالوا: قال: افعلوا ما استطعتم، فإذا لم يحصل لهم الإيمان مع سماع الكلام بلا واسطة، فكيف يؤمن لكم هؤلاء، وهم إنما يسمعونه بواسطة الرسالة؟ أو { يسمعون كلام الله } في التوراة ثم يحرفونه، محوا أو تأويلا، كصفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك، { من بعد } ما فهموه { وهم يعلمون } أنه كلام الله، أو { وهم يعلمون } أنهم محرفون ومغيرون لكلام الله. وكيف تطمعون أيضا في إيمانهم وهم منافقون؟ { إذا لقوا } المؤمنين { قالوا آمنا } ، وصفة نبيكم مذكورة في كتابنا، { وإذا خلا بعضهم إلى بعض } لامهم من لم ينافق، و { قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } من علم التوراة فتطلعونهم عليه { ليحاجوكم به } أي: يغلبوكم بالحجة { عند ربكم } في الدنيا والآخرة، فيقولون: كنتم عالمين بنبوة نبينا فجحدتم وعاندتم، { أفلا تعقلون } حتى تطلعوهم على ما فتح الله به عليكم. أو يقول الحق تعالى: { أفلا تعقلون } يا معشر المسلمين فتطمعون في إيمانهم بعد هذه الخصال التي فيهم، قال الحق جل جلاله: { أولا يعلمون أن الله } لا يخفى عيله شيء، بل { يعلم } ما يسرونه وما يعلنونه، فيجازيهم على ما أخفوا وما أعلنوا. الإشارة: من سبقت له المشيئة بالخذلان، وحكم عليه القدر والقضاء بالحرمان، يرجع إلى الدليل والبرهان، بعد الاستشراف على الشهود والعيان، فيرجع إلى مشاهدة الآثار والرسوم، وينسى ما كان يعهده من دقائق العلوم، سبب ذلك كله: الإخلال بالأدب مع المشايخ والأصحاب، أو مفارقة الإخوان، وعدم مواصلة أهل العرفان، وضم إلى ذلك الإنكار على أولياء الله، وتحريف ما سمعه منهم من مواهب الله، فلا مطمع في رجوعه وإيابه، وقد بعد من الفتح وأسبابه، لا سيما إذا اتصف بالنفاق، إذا لقي أهل النسبة أظهر الوفاق، وإذا خلا إلى العامة أظهر الشقاق، فمثل هذا لا يرجى له فلاح، ولا يسعد بصلاح ونجاح. نعوذ بالله من ذلك.
البقرة 2:77
قلت: ضمن الإيمان معنى الإذعان والإقرار ولذلك عداه باللام، وجملة { قد كان } حال من فاعل الإيمان، و { إذا لقوا } عطف على { كان } ، والتقدير: أفتطمعون في إيمانهم والحالة أن من سلف منهم كانوا يحرفون كلام الله، ومن حضر منهم الآن ينافقونكم في دين الله، فلا مطمع في إيمان من هذا وصفه. يقول الحق جل جلاله: { أفتطمعون } يا معشر المسلمين أن يذعن لكم أهل الكتاب ويصدقوكم { وقد كان فريق منهم } ، وهم السبعون الذين ذهبوا مع موسى للاعتذار، { يسمعون كلام الله } حين كلمهم وكلفهم بمشاق التوراة، فحرفوا وقالوا: قال: افعلوا ما استطعتم، فإذا لم يحصل لهم الإيمان مع سماع الكلام بلا واسطة، فكيف يؤمن لكم هؤلاء، وهم إنما يسمعونه بواسطة الرسالة؟ أو { يسمعون كلام الله } في التوراة ثم يحرفونه، محوا أو تأويلا، كصفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك، { من بعد } ما فهموه { وهم يعلمون } أنه كلام الله، أو { وهم يعلمون } أنهم محرفون ومغيرون لكلام الله. وكيف تطمعون أيضا في إيمانهم وهم منافقون؟ { إذا لقوا } المؤمنين { قالوا آمنا } ، وصفة نبيكم مذكورة في كتابنا، { وإذا خلا بعضهم إلى بعض } لامهم من لم ينافق، و { قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } من علم التوراة فتطلعونهم عليه { ليحاجوكم به } أي: يغلبوكم بالحجة { عند ربكم } في الدنيا والآخرة، فيقولون: كنتم عالمين بنبوة نبينا فجحدتم وعاندتم، { أفلا تعقلون } حتى تطلعوهم على ما فتح الله به عليكم. أو يقول الحق تعالى: { أفلا تعقلون } يا معشر المسلمين فتطمعون في إيمانهم بعد هذه الخصال التي فيهم، قال الحق جل جلاله: { أولا يعلمون أن الله } لا يخفى عيله شيء، بل { يعلم } ما يسرونه وما يعلنونه، فيجازيهم على ما أخفوا وما أعلنوا. الإشارة: من سبقت له المشيئة بالخذلان، وحكم عليه القدر والقضاء بالحرمان، يرجع إلى الدليل والبرهان، بعد الاستشراف على الشهود والعيان، فيرجع إلى مشاهدة الآثار والرسوم، وينسى ما كان يعهده من دقائق العلوم، سبب ذلك كله: الإخلال بالأدب مع المشايخ والأصحاب، أو مفارقة الإخوان، وعدم مواصلة أهل العرفان، وضم إلى ذلك الإنكار على أولياء الله، وتحريف ما سمعه منهم من مواهب الله، فلا مطمع في رجوعه وإيابه، وقد بعد من الفتح وأسبابه، لا سيما إذا اتصف بالنفاق، إذا لقي أهل النسبة أظهر الوفاق، وإذا خلا إلى العامة أظهر الشقاق، فمثل هذا لا يرجى له فلاح، ولا يسعد بصلاح ونجاح. نعوذ بالله من ذلك.
البقرة 2:78
قلت: أماني: جمع أمنية، وهي في الأصل: ما يقدره الإنسان في نفسه من منى إذا قدر، ولذلك تطلق على الكذب، وعلى ما يتمنى وما يقرأ، قاله اليضاوي. والاستثناء منقطع، أي: لكن أكاذيب، ويقال: تمنى الرجل، إذا كذب واختلق الحديث، ومنه قول عثمان رضي الله عنه: والله ما تمنيت ولا تغنيت منذ أسلمت. يقول الحق جل جلاله: { ومنهم } أي: من اليهود عوام { أميون } لا يقرؤون الكتاب ولا يفهمونه، لكن يسمعون من أحبارهم { أماني } كاذبة، وأشياء يظنونها من الكتاب، ولا علم لهم بصحتها، كتغيير صفته صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، أو مواعيد فارغة، ومطامع خاوية، سمعوها منهم، من أن الجنة لا يدخلها إلا هم، وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة، وغير ذلك من أمنيتهم الفارغة وأمانيهم الباطلة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن المنكرين على أهل الخصوصية ثلاث فرق: أهل الرئاسة المتكبرون، والفقهاء، المتجمدون، والعوام المقلدون، يصدق عليهم قوله تعالى: { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } إذ لا علم عندهم يميزون به المحق من المبطل، وإنما هم مقلدون، فوزرهم على من حرمهم بركة الاعتقاد، وأدخلهم في شؤم الانتقاد، ولقد أحسن " ابن البنا " حيث قال في شأن أهل الإنكار.
واعلم رعاك الله من صديق أن الورى حادوا عن التحقيق إذ جهلوا النفوس والقلوب وطلبوا ما لم يكن مطلوبا واشتغلوا بعالم الأبدان فالكل نساء منهم ودان وأنكروا ما جهلوا وزعموا أن ليس بعد الجسم شيء يعلم وكفروا وزندقوا وبدعوا إذا دعاهم اللبيب الأورع كل يرى أن ليس فوق فهمه فهم ولا علم وراء علمه محتجبا عن رؤية المراتب عل يسمى عالما وطالب هيهات هذا كله تقصير يأنفه الحاذق والنحرير
البقرة 2:79
قلت: { ويل }: كلمة يستعملها كل واقع في هلكة، وأصلها العذاب والهلكة، وهو في الأصل مصدر لا فعل له، وسوغ الابتداء به الدعاء، وقال أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" الويل واد في جهنم "
[لو سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت]. يقول الحق جل جلاله: { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } تحريفا لكتاب الله، { ويقولون هذا من عند الله } خوفا من أن تزول رئاستهم، وينقطع عنهم ما كانوا يأخذونه من سفلتهم، نزلت في أحبار اليهود لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، خافوا أن تزول رئاستهم، فاحتالوا في تعويق اليهود عن الإسلام، وكانت صفة النبي صلى الله عليه وسلم " حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العينين، ربعة " ، فغيروها، وكتبوا: طوالا، أزرق، سبط الشعر، { فويل لهم مما كتبت أيدهم وويل لهم مما يكسبون } ، ويأخذون من سفلتهم، فهو وإن كان كثيرا في الحسن فهو، بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب الأليم، قليل. الإشارة: ينزجر بهذه الآية صنفان: أحدهما: علماء الأحكام، إذا أفتوا بغير المشهور، رغبة فيما يقبضون على الفتوى من الحطام الفاني، وكذلك القضاة إذا حكموا بالهوى، رغبة فيما يقبضون من الرشا، أو يحصلونه من الجاه، { فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } الثاني: أهل الرئاسة والجاه من أولاد الصالحين وغيرهم، فإنهم إذا رأوا أحدا قام بولاية أو نسة خافوا على زوال رئاستهم، فيحتالون على الناس بالتعويق عن الدخول في طريقته، فيكتبون في ذلك سفسطات وترهات، ينفرون الناس عن اتباع الحق،
ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون
[التوبة: 32].
البقرة 2:80
قلت: { بلى }: حرف جواب كنعم، والفرق بينهما أن { بلى } لا يقع إلا في جواب النفي ويصير إثباتا، تقول: ألم يأت زيد؟ فتقول: بلى. أي: أتى، ومثله: { قالوا لن تمسنا النار } فقال تعالى: { بلى } أي تمسكم، بخلاف نعم فإنها لتقرير ما قبلها نفيا أو إثباتا، فإذا قيل: ألم يأت زيد؟ فقلت: نعم، أي لم يأت، وإذا قيل: هل أتى زيد فقلت: نعم، أي أتى.وقد نظم ذلك بعضهم فقال:
" نعم " لتقرير الذي قبلها إثباتا أو نفيا، كذا قرروا " بلى " جواب النفي لكنه يصير إثباتا، كذا حرروا
يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: بنو إسرائيل في أمانيهم الباطلة: { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } أربعين يوما مقدار عبادة العجل، ثم يخلفنا فيها المسلمون. قال الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { أتخذتم } بذلك عهدا عند الله { فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون } - { بلى } تمسكم النار وتخلدون فيها لأن { من كسب سيئة } أي: كفرا ومات عليه، { وأحاطت به خطيئته } أي: أحدقت به، واستولت عليه، { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } - { والذين آمنوا } بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم { وعلموا } بشريعته المطهرة الأعمال { الصالحات } { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } هذه عادته تعالى إذا ذكر فريقا شفع بضده ترغيبا وترهيبا وبالله التوفيق. الإشارة: اعلم أن كثيرا من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء، ويطلقون عنان أنفسهم في المعاصي والشهوات، ويقولون: سمعنا من سيدي فلان يقول: من رآنا لا تمسه النار. وهذا غلط وغرور، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - لابنته:
" يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا، اشتري نفسك من الله "
وقال للذي قال: ادع الله أن أكون رفيقك في الجنة فقال له:
" أعني على نفسك بكثرة السجود "
نعم، هذا المقالة: إن صدرت من ولي متمكن مع الله فهي حق، لكن بشرط العمل ممن رآه بالمأمورات وترك المحرمات، فإن المأمول من فضل الله، ببركة أوليائه، أن يتقبل الله منه أحسن ما عمل، ويتجاوز عن سيئاته، فإن الأولياء المتمكنين اتخذوا عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده وهو أن من تعلق بهم وتمسك بالشريعة شفعوا فيه. والغالب على من صحب أولياء الله المتمكنين - الحفظ وعدم الإصرار، فمن كان كذلك لا تمسه النار، وفي الحديث:
" إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب "
، يعني: يلهم التوبة سريعا، كما قيل لأهل بدر: " افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". ولا يتخذ عند الله العهد إلا أهل الفناء والبقاء، لأنهم بالله فيما يقولون، فليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار، وأما من لم يبلغ هذا المقام فلا عهد له لأنه بنفسه، فمن تعلق بمثل هذا فهو على خطر، وبالله التوفيق. قوله تعالى: { بلى من كسب سيئة } ، من اقتنى حب الدنيا أحاطت به أشغالها وعلائقها، فهو في نار القطعية مقيم، أحاط به سرادق الهموم والأكدار، تلدغه عقارب الشكوك والأغيار، بخلاف من أشرفت عليه أنوار الإيمان، وصحب أهل الشهود والعيان، فإنه في روح وريحان وجنة ورضوان، متعنا الله بذلك في الدارين. آمين.
البقرة 2:81
قلت: { بلى }: حرف جواب كنعم، والفرق بينهما أن { بلى } لا يقع إلا في جواب النفي ويصير إثباتا، تقول: ألم يأت زيد؟ فتقول: بلى. أي: أتى، ومثله: { قالوا لن تمسنا النار } فقال تعالى: { بلى } أي تمسكم، بخلاف نعم فإنها لتقرير ما قبلها نفيا أو إثباتا، فإذا قيل: ألم يأت زيد؟ فقلت: نعم، أي لم يأت، وإذا قيل: هل أتى زيد فقلت: نعم، أي أتى.وقد نظم ذلك بعضهم فقال:
" نعم " لتقرير الذي قبلها إثباتا أو نفيا، كذا قرروا " بلى " جواب النفي لكنه يصير إثباتا، كذا حرروا
يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: بنو إسرائيل في أمانيهم الباطلة: { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } أربعين يوما مقدار عبادة العجل، ثم يخلفنا فيها المسلمون. قال الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { أتخذتم } بذلك عهدا عند الله { فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون } - { بلى } تمسكم النار وتخلدون فيها لأن { من كسب سيئة } أي: كفرا ومات عليه، { وأحاطت به خطيئته } أي: أحدقت به، واستولت عليه، { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } - { والذين آمنوا } بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم { وعلموا } بشريعته المطهرة الأعمال { الصالحات } { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } هذه عادته تعالى إذا ذكر فريقا شفع بضده ترغيبا وترهيبا وبالله التوفيق. الإشارة: اعلم أن كثيرا من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء، ويطلقون عنان أنفسهم في المعاصي والشهوات، ويقولون: سمعنا من سيدي فلان يقول: من رآنا لا تمسه النار. وهذا غلط وغرور، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - لابنته:
" يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا، اشتري نفسك من الله "
وقال للذي قال: ادع الله أن أكون رفيقك في الجنة فقال له:
" أعني على نفسك بكثرة السجود "
نعم، هذا المقالة: إن صدرت من ولي متمكن مع الله فهي حق، لكن بشرط العمل ممن رآه بالمأمورات وترك المحرمات، فإن المأمول من فضل الله، ببركة أوليائه، أن يتقبل الله منه أحسن ما عمل، ويتجاوز عن سيئاته، فإن الأولياء المتمكنين اتخذوا عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده وهو أن من تعلق بهم وتمسك بالشريعة شفعوا فيه. والغالب على من صحب أولياء الله المتمكنين - الحفظ وعدم الإصرار، فمن كان كذلك لا تمسه النار، وفي الحديث:
" إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب "
، يعني: يلهم التوبة سريعا، كما قيل لأهل بدر: " افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". ولا يتخذ عند الله العهد إلا أهل الفناء والبقاء، لأنهم بالله فيما يقولون، فليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار، وأما من لم يبلغ هذا المقام فلا عهد له لأنه بنفسه، فمن تعلق بمثل هذا فهو على خطر، وبالله التوفيق. قوله تعالى: { بلى من كسب سيئة } ، من اقتنى حب الدنيا أحاطت به أشغالها وعلائقها، فهو في نار القطعية مقيم، أحاط به سرادق الهموم والأكدار، تلدغه عقارب الشكوك والأغيار، بخلاف من أشرفت عليه أنوار الإيمان، وصحب أهل الشهود والعيان، فإنه في روح وريحان وجنة ورضوان، متعنا الله بذلك في الدارين. آمين.
البقرة 2:82
قلت: { بلى }: حرف جواب كنعم، والفرق بينهما أن { بلى } لا يقع إلا في جواب النفي ويصير إثباتا، تقول: ألم يأت زيد؟ فتقول: بلى. أي: أتى، ومثله: { قالوا لن تمسنا النار } فقال تعالى: { بلى } أي تمسكم، بخلاف نعم فإنها لتقرير ما قبلها نفيا أو إثباتا، فإذا قيل: ألم يأت زيد؟ فقلت: نعم، أي لم يأت، وإذا قيل: هل أتى زيد فقلت: نعم، أي أتى.وقد نظم ذلك بعضهم فقال:
" نعم " لتقرير الذي قبلها إثباتا أو نفيا، كذا قرروا " بلى " جواب النفي لكنه يصير إثباتا، كذا حرروا
يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: بنو إسرائيل في أمانيهم الباطلة: { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } أربعين يوما مقدار عبادة العجل، ثم يخلفنا فيها المسلمون. قال الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { أتخذتم } بذلك عهدا عند الله { فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون } - { بلى } تمسكم النار وتخلدون فيها لأن { من كسب سيئة } أي: كفرا ومات عليه، { وأحاطت به خطيئته } أي: أحدقت به، واستولت عليه، { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } - { والذين آمنوا } بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم { وعلموا } بشريعته المطهرة الأعمال { الصالحات } { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } هذه عادته تعالى إذا ذكر فريقا شفع بضده ترغيبا وترهيبا وبالله التوفيق. الإشارة: اعلم أن كثيرا من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء، ويطلقون عنان أنفسهم في المعاصي والشهوات، ويقولون: سمعنا من سيدي فلان يقول: من رآنا لا تمسه النار. وهذا غلط وغرور، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - لابنته:
" يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا، اشتري نفسك من الله "
وقال للذي قال: ادع الله أن أكون رفيقك في الجنة فقال له:
" أعني على نفسك بكثرة السجود "
نعم، هذا المقالة: إن صدرت من ولي متمكن مع الله فهي حق، لكن بشرط العمل ممن رآه بالمأمورات وترك المحرمات، فإن المأمول من فضل الله، ببركة أوليائه، أن يتقبل الله منه أحسن ما عمل، ويتجاوز عن سيئاته، فإن الأولياء المتمكنين اتخذوا عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده وهو أن من تعلق بهم وتمسك بالشريعة شفعوا فيه. والغالب على من صحب أولياء الله المتمكنين - الحفظ وعدم الإصرار، فمن كان كذلك لا تمسه النار، وفي الحديث:
" إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب "
، يعني: يلهم التوبة سريعا، كما قيل لأهل بدر: " افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". ولا يتخذ عند الله العهد إلا أهل الفناء والبقاء، لأنهم بالله فيما يقولون، فليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار، وأما من لم يبلغ هذا المقام فلا عهد له لأنه بنفسه، فمن تعلق بمثل هذا فهو على خطر، وبالله التوفيق. قوله تعالى: { بلى من كسب سيئة } ، من اقتنى حب الدنيا أحاطت به أشغالها وعلائقها، فهو في نار القطعية مقيم، أحاط به سرادق الهموم والأكدار، تلدغه عقارب الشكوك والأغيار، بخلاف من أشرفت عليه أنوار الإيمان، وصحب أهل الشهود والعيان، فإنه في روح وريحان وجنة ورضوان، متعنا الله بذلك في الدارين. آمين.
البقرة 2:83
قلت: { لا تعبدون }: خبر في معنى النهي، كقوله تعالى:
ولا يضآر كاتب ولا شهيد
[البقرة: 282]، وهو أبلغ من صريح النهي، لما فيه من إيهام أو المنهي سارع إلى الانتهاء، وقيل: حذفت " أن " ، وارتفع المضارع، وهو على حذف القول، أي: وقلنا لهم: لا تعبدون، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالغيب. يقول الحق جل جلاله: واذكروا إذ أخذنا الميثاق على بني إسرائيل وقلنا لهم: لا يتصور منكم شرك معي ولا ميل إلى غيري، فلا تعبدوا إلا إياي، وأحسنوا { بالوالدين } إحسانا كاملا، وأحسنوا { وذي القربى } نسبا ودينا، وأحسنوا باليتامى { والمساكين } ، بالمواساة والملاطفة، { وقولوا للناس } قولا { حسنا } أو ذا حسن، وهو ما لا لغو فيه، ولا تأثيم بل ما فيه نصح وإرشاد، { وأقيموا الصلاة } بإتقان شروطها وكمال آدابها، وأدوا { الزكاة } لمستحقها، { ثم } بعد ذلك { توليتم } ، وأعرضتم { إلا قليلا } ممن أسلم { منكم وأنتم معرضون } عن الحق ظهوره. ذكر الحق تعالى في هذا العهد أربعة أعمال: عمل خاص بالقلب، وهو التوحيد، وعمل خاص بالبدن، وهو الصلاة، وعمل خاص بالمال، وهو الزكاة، وعمل عام وهو الإحسان، ورتبها باعتبار الأهم فالأهم، فقدم الوالدين لتأكيد حقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين لضعفهم، والله تعالى أعلم. الإشارة: كل عهد أخذ على بني إسرائيل يؤخذ مثله على الأمة المحمدية، وهذا حكمة ذكر قصصهم لنا، وسرد مساؤئهم علينا لنتحرز من الوقوع فيما وقعوا فيه، فنهلك كما هلكوا، وكل عهد أخذ على العموم باعتبار الظاهر يؤخذ مثله على الخصوص باعتبار الباطن، فقد أخذ الحق سبحانه العهد على المتوجهين إليه ألا تتوجه همتهم إلا إليه، ولا يعتمدون بقلوبهم إلا عليه، وأن يتخلقوا بالإحسان، مع الأقارب والأجانب وكافة الإخوان، وخصوصا الوالدين من قبل البشرية أو الروحانية، وهم أهل التربية النبوية، فحقوق أب الروحانية تقدم على أب البشرية، لأن أب البشرية كان سببا في خروجه إلى دار الفناء والهوان، وأب الروحانية كان سببا في دخوله إلى روح وريحان. وأخذ العهد على المتوجهين أن يكلموا الناس بالملاطفة والإحسان، ويرشدوهم إلى الكريم المنان، ويقيموا الصلاة بالجوارح والقلوب، ويؤدوا زكاة نفوسهم بتطهيرها من العيوب، فمن تولى بعد ذلك فأولئك الفاسقون، وعن دائرة الولاية خارجون.
البقرة 2:84
قلت: { ثم أنتم هؤلاء } { أنتم }: مبتدأ، و { هؤلاء }: خبر، و { تقتلون }: حال، كقولك: أنت ذلك الرجل الذي فعلت كذا وكذا، أو { هؤلاء }: بدل، و { تقتلون }: خبر أو منادي، أي: يا هؤلاء، أو منصوب على الاختصاص، والعدوان: الإفراط في الظلم، و { أسارى } حال، جميع أسير، ويجمع على أسرى، وقرئ به أي: مأسورين: و { هو } ضمير الشأن، و { محرم } خبر، و { إخراجهم } مبتدأ مؤخر، أو ضمير الإخراج فيكون مبتدأ، و { محرم } خبره، و { إخراجهم } بدل من الضمير، وهذه الجملة متصلة بقوله: { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } ، وما قبلها اعتراض. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا أيضا { إذ أخذنا ميثاقكم } وقلنا لكم: { لا تسفكون دماءكم } أي: لا يسفك بعضكم دم بعض، { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } أي: لا يخرج أحدكم أخاه من داره ويجليه عنها، وجعلهم الحق نفسا واحدة، وذلك هو في الحقيقة، وفي ذلك يقول الشاعر:
عنصر الأنفاس منا واحد وكذا الأجسام جسم عمنا
{ ثم أقررتم } بهذا العهد والتزمتموه لأنفسكم { وأنتم تشهدون } على أنفسكم بذلك، { ثم أنتم } يا { هؤلاء } اليهود { تقتلون أنفسكم } أي: يقتل بعضكم بعضا، { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } إجلاء عنها، تتغالبون { عليهم } بالظلم والطغيان، { وإن يأتوكم } مأسورين تفدوهم بمالكم، وذلك الإخراج محرم عليكم. وحاصل الآية: أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل العهد في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل أسيرا فاشتروه بما كان من ثمنه واعتقوه، فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون في الحرب فيعين بنو قريظة حلفاءهم الأوس، فيقاتلون بني النضير في قتالهم مع الخزرج، فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، فعيرتهم العرب، فقالوا: تقاتلونهم وتفدونهم؟! فيقولون: قد أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ فقالوا: إنا نستحي أن يذل حلفاؤنا، فوبخهم الله على ذلك، فقال: { أفتؤمنون ببعض الكتاب } وهو الفداء { وتكفرون ببعض } وهو القتل والإخراج؟ { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي } أي: ذل وهوان { في الحياة الدنيا } ، وهو السبي والقتل لبني قريظة، والجلاء والإخراج من الوطن لبني النضير، أو الذل والجزية للفريقين إلى يوم القيامة، { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب }. وليس ما أصابهم تكفيرا لذنوبهم، بل نقمة وغضبا عليهم، { وما الله بغافل عما تعملون }. الإشارة: الناس على قسمين: قوم ضعفاء تمسكوا بظاهر الشريعة ولم ينفذوا إلى باطنها، ولم يقدروا على قتل نفوسهم، ولا على الخروج من وطن عوائدهم، فيقول لهم الحق جل جلاله: لا تسفكوا دماءكم في محبتي لأنكم لا تقدرون على ذلك، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم في سياحة قلوبكم، فقد أقررتم بعجزكم وضعفكم، ويقول للأقوياء: ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم في طلب معرفتي، وتخرجون فريقا منكم من ديار عوائدهم في طلب مرضاتي، تتعاونوا على نفوسكم بالقهر والغلبة، وكذلك ورد في بعض الأخبار: أول ما يقول الله للعبد: اطلب العافية والجنة والأعمال وغير ذلك، فإن قال: لا، ما أريد إلا أنت، قال له: من دخل في هذا معي فإنما يدخل بإسقاط الحظوظ، ورفع الحدث، وإثبات القدم، وذلك يوجب العدم وأنشدوا:
من لم يكن فانيا عن حظه وعن الفنا والأنس بالأحباب فلأنه بين المنازل واقف لمنال حظ أو لحسن مآب
ويقول أيضا للأقوياء الذين قتلوا أنفسهم وخرجوا عن عوائدهم: وإن يأتوكم أسارة في أيدي نفوسهم وعوائدهم، أو في طلب الدنيا وشهواتها، تفدوهم من أسرهم، وتفكوهم من قيودهم، وتدخلوهم في حضرة مولاهم، وفي بعض الآثار: طالب الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير، وطالب الحق أمير ه. والأمير هو الذي يفك الأسارى من أيدي العدو، لأجل ما ملكه الله من القوة والاستعداد، فإذا انفك العبد من هواه، دخل في حضرة مولاه، فمن رام إخراجه منها بعد دخوله يقال له: وهو محرم عليكم إخراجهم، فكيف تؤمنون بظاهر الشريعة وتنكرون علم الطريقة، وأنوار الحقيقة؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا وهو الحرص والطمع، والخوف والجزع وطول الأمل، وعدم النهوض إلى العمل، { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } ، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، { وما الله بغافل عما يعملون }.
البقرة 2:85
قلت: { ثم أنتم هؤلاء } { أنتم }: مبتدأ، و { هؤلاء }: خبر، و { تقتلون }: حال، كقولك: أنت ذلك الرجل الذي فعلت كذا وكذا، أو { هؤلاء }: بدل، و { تقتلون }: خبر أو منادي، أي: يا هؤلاء، أو منصوب على الاختصاص، والعدوان: الإفراط في الظلم، و { أسارى } حال، جميع أسير، ويجمع على أسرى، وقرئ به أي: مأسورين: و { هو } ضمير الشأن، و { محرم } خبر، و { إخراجهم } مبتدأ مؤخر، أو ضمير الإخراج فيكون مبتدأ، و { محرم } خبره، و { إخراجهم } بدل من الضمير، وهذه الجملة متصلة بقوله: { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } ، وما قبلها اعتراض. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا أيضا { إذ أخذنا ميثاقكم } وقلنا لكم: { لا تسفكون دماءكم } أي: لا يسفك بعضكم دم بعض، { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } أي: لا يخرج أحدكم أخاه من داره ويجليه عنها، وجعلهم الحق نفسا واحدة، وذلك هو في الحقيقة، وفي ذلك يقول الشاعر:
عنصر الأنفاس منا واحد وكذا الأجسام جسم عمنا
{ ثم أقررتم } بهذا العهد والتزمتموه لأنفسكم { وأنتم تشهدون } على أنفسكم بذلك، { ثم أنتم } يا { هؤلاء } اليهود { تقتلون أنفسكم } أي: يقتل بعضكم بعضا، { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } إجلاء عنها، تتغالبون { عليهم } بالظلم والطغيان، { وإن يأتوكم } مأسورين تفدوهم بمالكم، وذلك الإخراج محرم عليكم. وحاصل الآية: أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل العهد في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل أسيرا فاشتروه بما كان من ثمنه واعتقوه، فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون في الحرب فيعين بنو قريظة حلفاءهم الأوس، فيقاتلون بني النضير في قتالهم مع الخزرج، فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، فعيرتهم العرب، فقالوا: تقاتلونهم وتفدونهم؟! فيقولون: قد أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ فقالوا: إنا نستحي أن يذل حلفاؤنا، فوبخهم الله على ذلك، فقال: { أفتؤمنون ببعض الكتاب } وهو الفداء { وتكفرون ببعض } وهو القتل والإخراج؟ { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي } أي: ذل وهوان { في الحياة الدنيا } ، وهو السبي والقتل لبني قريظة، والجلاء والإخراج من الوطن لبني النضير، أو الذل والجزية للفريقين إلى يوم القيامة، { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب }. وليس ما أصابهم تكفيرا لذنوبهم، بل نقمة وغضبا عليهم، { وما الله بغافل عما تعملون }. الإشارة: الناس على قسمين: قوم ضعفاء تمسكوا بظاهر الشريعة ولم ينفذوا إلى باطنها، ولم يقدروا على قتل نفوسهم، ولا على الخروج من وطن عوائدهم، فيقول لهم الحق جل جلاله: لا تسفكوا دماءكم في محبتي لأنكم لا تقدرون على ذلك، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم في سياحة قلوبكم، فقد أقررتم بعجزكم وضعفكم، ويقول للأقوياء: ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم في طلب معرفتي، وتخرجون فريقا منكم من ديار عوائدهم في طلب مرضاتي، تتعاونوا على نفوسكم بالقهر والغلبة، وكذلك ورد في بعض الأخبار: أول ما يقول الله للعبد: اطلب العافية والجنة والأعمال وغير ذلك، فإن قال: لا، ما أريد إلا أنت، قال له: من دخل في هذا معي فإنما يدخل بإسقاط الحظوظ، ورفع الحدث، وإثبات القدم، وذلك يوجب العدم وأنشدوا:
من لم يكن فانيا عن حظه وعن الفنا والأنس بالأحباب فلأنه بين المنازل واقف لمنال حظ أو لحسن مآب
ويقول أيضا للأقوياء الذين قتلوا أنفسهم وخرجوا عن عوائدهم: وإن يأتوكم أسارة في أيدي نفوسهم وعوائدهم، أو في طلب الدنيا وشهواتها، تفدوهم من أسرهم، وتفكوهم من قيودهم، وتدخلوهم في حضرة مولاهم، وفي بعض الآثار: طالب الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير، وطالب الحق أمير ه. والأمير هو الذي يفك الأسارى من أيدي العدو، لأجل ما ملكه الله من القوة والاستعداد، فإذا انفك العبد من هواه، دخل في حضرة مولاه، فمن رام إخراجه منها بعد دخوله يقال له: وهو محرم عليكم إخراجهم، فكيف تؤمنون بظاهر الشريعة وتنكرون علم الطريقة، وأنوار الحقيقة؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا وهو الحرص والطمع، والخوف والجزع وطول الأمل، وعدم النهوض إلى العمل، { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } ، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، { وما الله بغافل عما يعملون }.
البقرة 2:86
يقول الحق جل جلاله: { أولئك } الناقصون للعهود المتعدون الحدود { اشتروا الحياة الدنيا } وزخارفها الغرارة { بالآخرة } الباقية الدائمة، { فلا يخفف عنهم العذاب } ساعة الدنيا بالذل والهوان، وفي الآخرة بدخول النيران، { ولا هم ينصرون } بالامتناع منه في كل أوان. الإشارة: أولئك الذين نظروا إلى غرة ظاهرة الأكوان، ولم ينفذوا إلى عبرة باطنها، فلا ينقطع عنهم عذاب الوهم والحجاب، ولا هم ينصرون من أليم العذاب.
البقرة 2:87
قلت: { قفينا }: أتبعنا، و { عيسى } عجمي معدول عن أيشوع في لغة السريانية، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، و { مريم }: بمعنى الخادم، ووزنه: مفعل لا فعيل، و { أيدناه } أي: قويناه ونصرناه، و { روح القدس } هنا جبريل عليه السلام أي: الروح المقدسة - من إضافة الموصوف إلى الصفة، سمي به لطهارته من كدر الحس. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى } التوراة، فما قمتم بحقها ولا عملتم بما فيها، واتبعنا بعده الرسل كلما مات رسول بعثنا بعده آخر اعتنا بكم، { وآتينا عيسى ابن مريم } المعجزات الواضحات كإحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، والإخبار بالمغيبات، والإنجيل، { وأيدناه } بجبريل عليه السلام كان يسير معه حيث سار، ورفعه إلى السماء حين أردتم يا معشر اليهود قتله، { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم } من مشاق الطاعات وترك الحظوظ والشهوات، { استكبرتم } وامتنعتم من الإيمان به { ففريقا } منهم كذبتموه كعيسى وسليمان ومحمد - عليهم السلام -، { وفريقا } تقتلونه كزكريا ويحيى - عليهما السلام -؟ قال القشيري: أصغوا إلى الداعين بسمع الهوى، فصار معبودهم صفاتهم وهواهم. ه. الإشارة: كل ما قاله الحق جل جلاله لبني إسرائيل في فحوى الخطاب يقوله لهذه الأمة في سر الخطاب، فلقد آتانا الكتاب، وبين فيه الرشد والصواب، وقفى بعد إنزاله بعلماء أتقياء، وأولياء أصفياء، يحكمون بحكمه، ويهدون بهديه، فإذا أمروا بالزهد في الدنيا وترك الحظوظ والهوى رفضوهم وكذبوهم، وربما كفروهم وقتلوهم، واستكبروا عن الأذعان لهم والانقياد لقولهم، ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون. وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم:
" لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر لدخلتموه، فقالوا: من يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: نعم... ومن إذن؟ "
أي: ومن تتبعون إلا هم. فالدعاة إلى الله لا ينقطعون ما دام الدين قائما، فقوم يدعون إلى أحكام الله، وقوم يدعون إلى معرفة الله، فالأول: العلماء، والثاني: الأولياء، فإذا أمروا بالخروج عن العوائد والشهوات، رموهم بسهام العتاب والمخالفات، إذ لم يأت أحد بمثل ما جاءوا به إلا عودي، إلا من خصته سابق العناية، وهبت عليه ريح الهداية، فيتبع آثارهم، وقليل ما هم.
البقرة 2:88
قلت: { غلف }: جمع ألف، كأحمر وحمر، وأصفر وصفر، وهو الذي عليه غشاوة، أي: هي في غلاف فلا تفقه ما تقول، بمنزلة الأغلف، وهو غير المختون، وقيل: أصله { غلف } بضم اللام، وبه قرأ ابن محيصن. فيكون جمع غلاف، كحجاب وحجب، وكتاب وكتب، ومعناه، قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك وكتابك. و { قليلا } صفة لمحذوف أي: فإيمانا قليلا، أو عددا قليلا يؤمنون، أو ظرف لأنه من صفة الأحيان، والعامل فيه ما يليه، و { ما } لتأكيد القلة، أي: في قليل من الأحيان يؤمنون، أو حال من الواو في { يؤمنون } أي: فيؤمنون في حال قلتهم. يقول الحق جل جلاله: قالت اليهود استهزاء بما تدعوهم إليه: { قلوبنا } مغلفة ومغشاة فلا نفقه ما تقول، أو أوعية للعلوم فلا تحتاج إلى علمك، قال الله تعالى: { بل } لا غطاء على قلوبهم حسا، بل هي على الفطرة لكن { لعنهم الله } وطردهم وخذلهم بسبب { كفرهم } فأبطل استعدادها للعلم، { فقليلا ما يؤمنون } أي: فإيمانا قليلا يؤمنون كإيمانهم ببعض الكتاب، أو فلا يؤمن إلا قليل منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا أمر الدعاة إلى الله أهل الدنيا بذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، ليتأهلوا به لدخول حضرة القدوس، أو أمروهم بخرق العوائد، لتخرق لهم العوائد، أنفوا وعنفوا وقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، فيقال لهم: بل سبق لكم من الله البعد والحرمان، فأنكرتم أسباب الشهود والعيان، لكن من سبقت له من الله العناية، وهب عليه نسيم الهداية، فلا تضره الجناية، فقد يلتحق بالخصوص، وإن كان من أعظم اللصوص، وهو قليل بالنسبة إلى من جاهد نفسه في طلب السبيل،
وكان الله على كل شىء مقتدرا
[الكهف: 45].
البقرة 2:89
قلت: { لما } حرف وجود لوجود إذا وليها الماضي، ولها شرط وجواب، وهو هنا محذوف دل عليه جواب { لما } الثانية، أي: ولما جاءهم كتاب من عند الله كفروا به، أو { لما } الثانية تأكيد للأولى. والجواب: { كفروا به } ، أو فلما وجوابها جواب الأولى، كقوله:
فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع...
[طه: 123] الآية، و { يستفتحون } ينتصرون، وفي الحديث:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين "
، الذين لا مال لهم. يقول الحق جل جلاله: { ولما جاءهم } أي: اليهود، القرآن مصدقا { لما معهم } من التوراة، أي: موافقا له وشاهدا له بالصحة، وقد كانوا قبل ظهوره يستنصرون على أعدائهم بالنبي الذي جاء به، فيقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما ظهر وعرفوه كفروا به { فلعنة الله } عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم لعنوا لكفرهم، فاللام في { الكافرين } للعهد، وهم كفار اليهود، أو للجنس، فتكون اللعنة عامة لكل كافر، ويدخلون فيها دخولا أوليا، والله تعالى أعلم. الإشارة: ترى كثيرا من الناس إذا ذكر لهم الأولياء المتقدمون أقروهم وصدقوهم، وإذا ذكر لهم أولياء أهل زمانهم أنكروهم وجحدوهم، مع كونهم يستنصرون بأهل زمانهم في الجملة. فهذه نزعة يهودية، آمنوا ببعض وكفروا ببعض. والناس في إثبات الخصوصية ونفيها على ثلاثة أقسام: قسم أثبتوها للمتقدمين، ونفوها عن المتأخرين، وهم أقبح العوام، وقسم أقروها قديما وحديثا، وقالوا: إنهم أخفياء في زمانهم، فحرمهم الله بركتهم، وقوم أقروا الخصوصية في أهل زمانهم، وعرفوهم وظفروا بهم وعظموهم، وهم السعداء الذين أراد الله أن يوصلهم إليه ويقربهم إلى حضرته. وفي الحكم: " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه ". وبالله التوفيق.
البقرة 2:90
قلت: بئس ونعم: فعلان جامدان مختصان بالدخول على ما يدل على العموم، إما نكرة، فتنصب على التمييز المفسر للضمير الفاعل، أو معروف بأل الجنسية، فيرتفع على الفاعلية، تقول: بئس رجلا زيد، وبئس الرجل زيد، ويذكر بعد ذلك المخصوص: إما خبر عن مبتدأ مضمر، أو مبتدأ والخبر مقدم. وإنما اختصتا بالدخول على ما يدل على العموم لأن { نعم } مستوفية لجميع المدح، و { بئس } مستوفية لجميع الذم. فإذا قلت: نعم الرجل زيد، فكأنك قلت: استحق زيد المدح الذي يكون في سائر جنسه، وكذلك تقول في بئس. و { ما } المتصلة ببئس ونعم: نكرة منصوبة على التمييز، أي: بئس شيئا اشتروا به أنفسهم، وهو كفرهم، أو معرفة تامة مرفوعة على الفاعل، أي: بئس الشيء شيء اشتروا به أنفسهم. و { اشتروا } هنا بمعنى باعوا، كشروا على خلاف الأصل، وقد يمكن ان يبقى على أصله، على ما يأتي في بيان المعنى. و { بغيا } مفعول من اجله ليكفروا، و { يكفرون } حال من الفاعل في { قالوا } ، و { وراء } في الأصل: مصدر جعل ظرفا، ويضاف إلى الفاعل ويراد به ما يتوارى به وهو خلفه، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو قدامه، ولذلك عد من الأضداد، قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: في شأن اليهود: بئس شيئا باعوا به حظ أنفسهم، وهو كفرهم بما أنزر الله، أو { بئسما اشتروا به أنفسهم } بحسب ظنهم، فإنهم ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم من العذاب بما فعلوا، وهو كفرهم بما أنزل الله على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم بغيا وحسدا أن يكون النبي من غيرهم، فانقلبوا { بغضب على غضب } للكفر والحسد لمن هو أفضل الخلق، أو لكفرهم بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد عيسى عليه السلام، أو لتضييعهم التوراة، وكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، { وللكافرين عذاب مهين } أي: يذلهم ويخزيهم في الدنيا والآخرة، بخلاف عذاب العاصي فإنه كفارة لذنوبه. { وإذا قيل } لهؤلاء اليهود: { آمنوا بما أنزل الله } على محمد صلى الله عليه وسلم { قالوا نؤمن بما أنزل علينا } من التوراة، وهم { يكفرون بما وراءه } أي: بما سواه، وهو القرآن، حال كونه { مصدقا لما معهم } من التوراة ومهيمنا عليه. { قل } لهم يا محمد: { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } هذا الزمان، وهو محرم عليكم في التوراة، { إن كنتم مؤمنين } به؟ فهذا يبطل دعواكم الإيمان بالتوراة إذ الإيمان بالكتاب يقتضي العمل به، وإلا كان دعوى، وإن فعله أسلافكم فأنتم راضون به وعازمون عليه. الإشارة: اعلم أن قاعدة تفسير أهل الإشارة هي أن كل عتاب توجه لمن ترك طريق الإيمان، وأنكر على أهله يتوجه مثله لمن ترك طريق مقام الإحسان، وأنكر على أهله.
وكل وعيد توعد به أهل الكفران يتوعد به من ترك السلوك لمقام الإحسان، غير أن عذاب أهل الكفر حسي بدني، وعذاب أهل الحجاب معنوي قلبي. فنقول فيمن رضي بعيبه وأقام على مرض قلبه وأنكر الأطباء ووجود أهل التربية، بئسما اشتروا به أنفسهم، وهو كفرهم بما أنزل الله من الخصوصية على قلوب أوليائه بغيا وحسدا، أو جهلا وسوء ظن، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فباؤوا بغضب الحجاب على غضب البعد والارتياب، أو بغضب سقم القلوب على غضب الإصرار على المساوئ والعيوب. من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر كما قال الشاذلي رضي الله عنه، ولا يصح التغلغل فيه إلا بصحبة أهله. وللكافرين بالخصوصية عذاب الطمع وسجن الأكوان، وهما شجرة الذل والهوان. وإذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله من أسرار الحقيقة وأنوار الطريقة، قالوا: نؤمن بما أنزل علينا من ظواهر الشريعة، ويكفرون بما وراءه من أسرار الحقيقة، ككشف أسرار الذات وأنوار الصفات، وهو - أي: علم الحقيقة - الحق لأنه خالص لب الشريعة، ولله در صاحب المباحث الأصلية حيث قال:
هل ظاهر الشرع وعلم الباطن إلا كجسم فيه روح ساكن؟
وقال أيضا:
ما مثل المعقول والمنقول إلا كدر زاخر مجهول حتى إذا أخرجه الغواص لم يك للدر إذن خلاص وإنام خلاصه في الكشف عن الغطاء حيث لا يستخفي فالصدف الظاهر ثم الدر معقوله والجهل ذاك البحر
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: هل ثم شيء غير ما فهمناه من الكتاب والسنة؟، كان يقول ذلك إذا قيل له: إن الشيخ الشاذلي فاض اليوم بعلوم وأسرار، فلا التقى بالشيخ وأخذ بيده، قال: أي والله... ما قعد على قواعد الشريعة التي لا تنهدم إلا الصوفية. ويقال لمن ادعى التمسك بالشريعة وأنكر ما وراءها: فلم تشتغل بجمع الدنيا واحتكارها وتخاف من الفقر، وتهتم بأمر الرزق وتجزع من المصائب، والشريعة تنادي عليك بذم ذلك كله إن كنت مؤمنا؟!! وبالله التوفيق.
البقرة 2:91
قلت: بئس ونعم: فعلان جامدان مختصان بالدخول على ما يدل على العموم، إما نكرة، فتنصب على التمييز المفسر للضمير الفاعل، أو معروف بأل الجنسية، فيرتفع على الفاعلية، تقول: بئس رجلا زيد، وبئس الرجل زيد، ويذكر بعد ذلك المخصوص: إما خبر عن مبتدأ مضمر، أو مبتدأ والخبر مقدم. وإنما اختصتا بالدخول على ما يدل على العموم لأن { نعم } مستوفية لجميع المدح، و { بئس } مستوفية لجميع الذم. فإذا قلت: نعم الرجل زيد، فكأنك قلت: استحق زيد المدح الذي يكون في سائر جنسه، وكذلك تقول في بئس. و { ما } المتصلة ببئس ونعم: نكرة منصوبة على التمييز، أي: بئس شيئا اشتروا به أنفسهم، وهو كفرهم، أو معرفة تامة مرفوعة على الفاعل، أي: بئس الشيء شيء اشتروا به أنفسهم. و { اشتروا } هنا بمعنى باعوا، كشروا على خلاف الأصل، وقد يمكن ان يبقى على أصله، على ما يأتي في بيان المعنى. و { بغيا } مفعول من اجله ليكفروا، و { يكفرون } حال من الفاعل في { قالوا } ، و { وراء } في الأصل: مصدر جعل ظرفا، ويضاف إلى الفاعل ويراد به ما يتوارى به وهو خلفه، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو قدامه، ولذلك عد من الأضداد، قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: في شأن اليهود: بئس شيئا باعوا به حظ أنفسهم، وهو كفرهم بما أنزر الله، أو { بئسما اشتروا به أنفسهم } بحسب ظنهم، فإنهم ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم من العذاب بما فعلوا، وهو كفرهم بما أنزل الله على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم بغيا وحسدا أن يكون النبي من غيرهم، فانقلبوا { بغضب على غضب } للكفر والحسد لمن هو أفضل الخلق، أو لكفرهم بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد عيسى عليه السلام، أو لتضييعهم التوراة، وكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، { وللكافرين عذاب مهين } أي: يذلهم ويخزيهم في الدنيا والآخرة، بخلاف عذاب العاصي فإنه كفارة لذنوبه. { وإذا قيل } لهؤلاء اليهود: { آمنوا بما أنزل الله } على محمد صلى الله عليه وسلم { قالوا نؤمن بما أنزل علينا } من التوراة، وهم { يكفرون بما وراءه } أي: بما سواه، وهو القرآن، حال كونه { مصدقا لما معهم } من التوراة ومهيمنا عليه. { قل } لهم يا محمد: { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } هذا الزمان، وهو محرم عليكم في التوراة، { إن كنتم مؤمنين } به؟ فهذا يبطل دعواكم الإيمان بالتوراة إذ الإيمان بالكتاب يقتضي العمل به، وإلا كان دعوى، وإن فعله أسلافكم فأنتم راضون به وعازمون عليه. الإشارة: اعلم أن قاعدة تفسير أهل الإشارة هي أن كل عتاب توجه لمن ترك طريق الإيمان، وأنكر على أهله يتوجه مثله لمن ترك طريق مقام الإحسان، وأنكر على أهله.
وكل وعيد توعد به أهل الكفران يتوعد به من ترك السلوك لمقام الإحسان، غير أن عذاب أهل الكفر حسي بدني، وعذاب أهل الحجاب معنوي قلبي. فنقول فيمن رضي بعيبه وأقام على مرض قلبه وأنكر الأطباء ووجود أهل التربية، بئسما اشتروا به أنفسهم، وهو كفرهم بما أنزل الله من الخصوصية على قلوب أوليائه بغيا وحسدا، أو جهلا وسوء ظن، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فباؤوا بغضب الحجاب على غضب البعد والارتياب، أو بغضب سقم القلوب على غضب الإصرار على المساوئ والعيوب. من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر كما قال الشاذلي رضي الله عنه، ولا يصح التغلغل فيه إلا بصحبة أهله. وللكافرين بالخصوصية عذاب الطمع وسجن الأكوان، وهما شجرة الذل والهوان. وإذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله من أسرار الحقيقة وأنوار الطريقة، قالوا: نؤمن بما أنزل علينا من ظواهر الشريعة، ويكفرون بما وراءه من أسرار الحقيقة، ككشف أسرار الذات وأنوار الصفات، وهو - أي: علم الحقيقة - الحق لأنه خالص لب الشريعة، ولله در صاحب المباحث الأصلية حيث قال:
هل ظاهر الشرع وعلم الباطن إلا كجسم فيه روح ساكن؟
وقال أيضا:
ما مثل المعقول والمنقول إلا كدر زاخر مجهول حتى إذا أخرجه الغواص لم يك للدر إذن خلاص وإنام خلاصه في الكشف عن الغطاء حيث لا يستخفي فالصدف الظاهر ثم الدر معقوله والجهل ذاك البحر
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: هل ثم شيء غير ما فهمناه من الكتاب والسنة؟، كان يقول ذلك إذا قيل له: إن الشيخ الشاذلي فاض اليوم بعلوم وأسرار، فلا التقى بالشيخ وأخذ بيده، قال: أي والله... ما قعد على قواعد الشريعة التي لا تنهدم إلا الصوفية. ويقال لمن ادعى التمسك بالشريعة وأنكر ما وراءها: فلم تشتغل بجمع الدنيا واحتكارها وتخاف من الفقر، وتهتم بأمر الرزق وتجزع من المصائب، والشريعة تنادي عليك بذم ذلك كله إن كنت مؤمنا؟!! وبالله التوفيق.
البقرة 2:92
قلت: جملة: { وأنتم ظالمون } حال من { اتخذتم }. يقول الحق جل جلاله: { ولقد جاءكم موسى } بالمعجزات الواضحات: كالعصا واليد وفلق البحر، ثم لم ينجح ذلك فيكم، فاتخذتم العجل إلها تعبدونه من بعد ذهابه إلى الطور { وأنتم ظالمون } في ذلك، فأين دعواكم الإيمان بالتوراة؟ الإشارة: ويقال لمن أقام على عبيه، ورضي بمرض قلبه، حتى لقي الله بقلب سقيم: لقد جاءتكم أوليائي بالآيات الواضحات، ولو لم يكن إلا شفاء المرضى على أيديهم - أعني مرضى القلوب - لكان كافيا، ثم اتخذتم الهوى إلهكم، وعبدتم العاجلة بقلوبكم، وعزت عليكم نفوسكم وفلوسكم، وأنتم ظالمون في الإقامة على مساوئكم وعيوبكم، مع وجود الطبيب لمن طلب الشفاء، وحسن الظن وشهد الصفاء. كن طالبا تجد مرشدا وبالله التوفيق.
البقرة 2:93
قلت: { إن كنتم }: شرط حذف جوابه، أي: إن كنتم مؤمنين فبئس ما يأمركم به إيمانكم. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا أيضا { إذ أخذنا ميثاقكم } أن تعملوا بالتوراة فأبيتم { ورفعنا فوقكم } جبل { الطور } وقلنا: { خذوا ما آتيناكم بقوة } واجتهاد { واسمعوا } ما أقول لكم فيه { قالوا } بلسان حالهم: { سمعنا } قولك { وعصينا } أمرك، حيث لم يمتثلوا، أو بلسان المقال لسوء أدبهم، { وأشربوا في قلوبهم } حب { العجل } حتى صبغ فيها ورسخ رسوخ الصبغ في الثوب، لأنهم كانوا مجسمة، ولم يروا منظرا أعجب من العجل الذي صنعه السامري، { قل } لهم يا محمد: { بئسما يأمركما به إيمانكم } بالتوراة الذي ادعيتموه، { إن كنتم مؤمنين } ، لكن الإيمان لا يأمر بهذا فلستم مؤمنين. الإشارة: يقول الحق جل جلاله لمن ادعى كمال الإيمان، وهو منكر على أهل الإحسان، مع إقامته على عوائد نفسه، وكونه محجوبا بشهود حسه: وإذا أخذنا ميثاقكم، بأن تجاهدوا نفوسكم، وتخرقوا عوائدكم لتدخلوا حضرة ربكم، ورفعنا فوق رؤوسكم سيوف التخويف، أو جبال التشويق، وأوضحنا لكم سواء الطريق، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم من خرق العوائد، واكتساب الفوائد، بجد واجتهاد، فأبيتم وعزت عليكم نفوسكم، وقلتم بلسان حالكم: سمعنا وعصينا، وأشربت قلوبكم حب العاجلة، وآثرتم الدنيا على الآخرة، بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين.
البقرة 2:94
قلت: { خالصة } خبر كان، و { عند } متعلق بكان على الأصح. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لبني إسرائيل الذين ادعوا أن الجنة خاصة بهم: { إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله } أي: في غيبه، { خالصة } لكم { من دون } سائر { الناس } ، أو من دون المسلمين، { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } في اختصاصكم بهم، فإن العبد إذا تحقق أنه صائر إليها اشتاق إلى الموت الذي يوصل إليها، كما قال عمار رضي الله عنه عند موته:
الآن ألاقي الأحبه محمدا وحزبه
وقال حذيفة رضي الله عنه حين احتضر: جاء حبيب على فاقة، لا أفلح من ندم. أي: على التمني، أو على الدنيا. قال تعالى: { ولن يتمنوه أبدا } بسبب { ما قدمت أيديهم } من الكفر والعصيان، فما تمناه أحد منهم قط، قال ابن عباس: لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار. وقال في الأحياء: دعا - عليه الصلاة والسلام - اليهود إلى تمني الموت، وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه، فحيل بينهم وبين النطق بذلك. وذكر غيره: أن بعضهم تمناه، فما جاءت العشاء حتى أخذته الذبحة في حلقه فمات. { والله عليم بالظالمين } ، فيه تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم، ونفيه عمن هو لهم. الإشارة: في هذه الآية ميزان صحيح توزن به الأعمال والأحوال ويتميز به المدعون من الأبطال، فكل عمل يهدمه الموت فهو مدخول، وكل حال يهزمه الموت فهو معلول، وكل من فر من الموت، فهو في دعواه المحبة كذاب، فمن ادعى الخصوصية على الناس يختبر بهذه الآية. والناس في حب البقاء في الدنيا على أربعة أقسام: رجل أحب البقاء في الدنيا لاغتنام لذاته ونيل شهواته، قد طرح أخراه، وأكب على دنياه، واتخذ إلهه هواه، فأصمه ذلك وأعماه، إن ذكر له الموت فر عنه وشرد، وإن وعظ أنف وعند، عمره ينقص، وحرصه يزيد، وجسمه يبلى، وأمله جديد، وحتفه قريب، ومطلبه بعيد، فهذا إن لم تكن له عناية أزلية، وسابقة أولية فيمسك عليه الإيمان، ويختم له بالإسلام، وإلا فقد هلك. ورجل قد أزيل عن عينه قذاها، وأبصر نفسه وهواها، وزجرها ونهاها، قد شمر ليتلافى ما فات، ونظر فيما هو آت، وتأهب لحلول الممات، والانتقال إلى محلة الأموات، ومع هذا فإنه يكره الموت أن يشاهد وقائعه، أو يرى طلائعه، وليس يكره الموت لذاته، ولا لأنه هادم لذاته، لكنه يخاف أن يقطعه عن الاستعداد ليوم المعاد، ويكره أن تطوى صحيفة عمله قبل بلوغ أمله، وأن يبادر بأجله قبل صلاح خلله، فهو يريد البقاء في هذه الدار لقضاء هذه الأوطار، فهذا ما أفضل حياته: وأطيب مماته! لا يدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم:
" من كره لقاء الله كره الله لقاءه ".
ورجل آخر قد عرف الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وشهد ما شهد من كمال الربوبية، وجمال حضرة الألوهية، فملأت عينه وقلبه، وأطاشت عقله ولبه، فهو يحن إلى ذلك المشهد، ويستعجل إنجاز ذلك الموعد، قد علم أن الحياة الدنيوية حجاب بينه وبين محبوبة، وستر مسدل بينه وبين مطلوبه، فهذا من المحبين العشاق، قد حن إلى الوصال والتلاق، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، فما أحسن حياته ولقاءه! ورجل آخر قد شهد ما شاهد ذلك، وربما زاد على ما هنالك، لكنه فوض الأمر إلى خالقه، وسلم الأمر لبارئه، فلم يرض إلا ما رضي له، ولم يرد إلا ما أريد به، وما اختار إلا ما حكم به فيه، إن أبقاه في هذه الدار أبقاه، وإن أخذه فهو بغيته ومناه، فهذا من العارفين المقربين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. آمين.
البقرة 2:95
قلت: { خالصة } خبر كان، و { عند } متعلق بكان على الأصح. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لبني إسرائيل الذين ادعوا أن الجنة خاصة بهم: { إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله } أي: في غيبه، { خالصة } لكم { من دون } سائر { الناس } ، أو من دون المسلمين، { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } في اختصاصكم بهم، فإن العبد إذا تحقق أنه صائر إليها اشتاق إلى الموت الذي يوصل إليها، كما قال عمار رضي الله عنه عند موته:
الآن ألاقي الأحبه محمدا وحزبه
وقال حذيفة رضي الله عنه حين احتضر: جاء حبيب على فاقة، لا أفلح من ندم. أي: على التمني، أو على الدنيا. قال تعالى: { ولن يتمنوه أبدا } بسبب { ما قدمت أيديهم } من الكفر والعصيان، فما تمناه أحد منهم قط، قال ابن عباس: لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار. وقال في الأحياء: دعا - عليه الصلاة والسلام - اليهود إلى تمني الموت، وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه، فحيل بينهم وبين النطق بذلك. وذكر غيره: أن بعضهم تمناه، فما جاءت العشاء حتى أخذته الذبحة في حلقه فمات. { والله عليم بالظالمين } ، فيه تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم، ونفيه عمن هو لهم. الإشارة: في هذه الآية ميزان صحيح توزن به الأعمال والأحوال ويتميز به المدعون من الأبطال، فكل عمل يهدمه الموت فهو مدخول، وكل حال يهزمه الموت فهو معلول، وكل من فر من الموت، فهو في دعواه المحبة كذاب، فمن ادعى الخصوصية على الناس يختبر بهذه الآية. والناس في حب البقاء في الدنيا على أربعة أقسام: رجل أحب البقاء في الدنيا لاغتنام لذاته ونيل شهواته، قد طرح أخراه، وأكب على دنياه، واتخذ إلهه هواه، فأصمه ذلك وأعماه، إن ذكر له الموت فر عنه وشرد، وإن وعظ أنف وعند، عمره ينقص، وحرصه يزيد، وجسمه يبلى، وأمله جديد، وحتفه قريب، ومطلبه بعيد، فهذا إن لم تكن له عناية أزلية، وسابقة أولية فيمسك عليه الإيمان، ويختم له بالإسلام، وإلا فقد هلك. ورجل قد أزيل عن عينه قذاها، وأبصر نفسه وهواها، وزجرها ونهاها، قد شمر ليتلافى ما فات، ونظر فيما هو آت، وتأهب لحلول الممات، والانتقال إلى محلة الأموات، ومع هذا فإنه يكره الموت أن يشاهد وقائعه، أو يرى طلائعه، وليس يكره الموت لذاته، ولا لأنه هادم لذاته، لكنه يخاف أن يقطعه عن الاستعداد ليوم المعاد، ويكره أن تطوى صحيفة عمله قبل بلوغ أمله، وأن يبادر بأجله قبل صلاح خلله، فهو يريد البقاء في هذه الدار لقضاء هذه الأوطار، فهذا ما أفضل حياته: وأطيب مماته! لا يدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم:
" من كره لقاء الله كره الله لقاءه ".
ورجل آخر قد عرف الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وشهد ما شهد من كمال الربوبية، وجمال حضرة الألوهية، فملأت عينه وقلبه، وأطاشت عقله ولبه، فهو يحن إلى ذلك المشهد، ويستعجل إنجاز ذلك الموعد، قد علم أن الحياة الدنيوية حجاب بينه وبين محبوبة، وستر مسدل بينه وبين مطلوبه، فهذا من المحبين العشاق، قد حن إلى الوصال والتلاق، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، فما أحسن حياته ولقاءه! ورجل آخر قد شهد ما شاهد ذلك، وربما زاد على ما هنالك، لكنه فوض الأمر إلى خالقه، وسلم الأمر لبارئه، فلم يرض إلا ما رضي له، ولم يرد إلا ما أريد به، وما اختار إلا ما حكم به فيه، إن أبقاه في هذه الدار أبقاه، وإن أخذه فهو بغيته ومناه، فهذا من العارفين المقربين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. آمين.
البقرة 2:96
قلت: { ومن الذين أشركوا }: على حذف مضاف، أي: وأحرص من الذين أشركوا، فيوقف عليه، و { لو يعمر } مصدرية، أي: يود أحدهم تعمير ألف سنة. و { أن يعمر } فاعل لمزحزحه، أي: وما هو بمزحزحه من العذاب تعميره. يقول الحق جل جلاله: ولتجدن يا محمد اليهود { أحرص الناس } على البقاء في هذه الدار الدنية، فكيف يزعمون أنهم أولى الناس بالجنة، ولتجدنهم أيضا أحرص من المشركين على البقاء، مع كونهم لا يقرون بالجزاء، فدل ذلك على أنهم صائرون إلى النار، فلذلك كرهوا اللقاء وحرصوا على البقاء، يتمنى أحدهم لو يعيش { ألف سنة } وليس ذلك { بمزحزحه } أي: مبعده من العذاب، بل زيادة له في العقاب { والله بصير بما يعملون }: تهديد وتخويف. الإشارة: يفهم من سر الخطاب أن كل من قصر أمله، وحسن عمله، وطيب نفسه للقاء الحبيب، واشتغل في هذه اللحظة القصيرة بما يقربه من القريب، كان قربه من الله بقدر محبته للقائه، وكل من طول أمله، وحرص على البقاء في هذه الدار الفانية، كان بعده من الله بقدر محبته للبقاء، إلا من أحب البقاء لزيادة الأعمال، أو الترقي في المقامات والأحوال، فلا بأس به، ويفهم منه أيضا أن من اشتد حرصه على الحياة الفانية كانت فيه نزعة يهودية. واعلم أن الناس، في طول الأمل وقصره، على قسمين: منهم من طول في أمله فازداد في كسله، ودخله الوهن في عمله، وآخر قد قصر أمله وجعل التقوى بضاعته، والعبادة صناعته، ولم يتجاوز بأمله ساعته، ومثل هذا قد رفع التوفيق عليه لواءه، وألبسه رداءه، وأعطاه جماله وبهاءه، فانظر رحمك الله أي الرجلين تريد أن تكون، وأي العملين تريد أن تعمل، وبأي الرداءين أن تشتمل؟ فلست تلبس هناك إلا ما تلبس هنا. وبالله التوفيق.
البقرة 2:97
قلت: { من } شرطية وجوابها محذوف، أي: فليمت غيظا، أو { فإنه نزله } على معنى: من عادى منهم جبريل فقد خلع ريقة الإنصاف، أو كفر بما معه من الكتاب لأنه نزل بكتاب مصدقا لما قبله من الكتب، وجبريل فيه ثماني لغات، أربع قرئ بهن. وهي: جبرئيل كسلسبيل. وجبرئل كجحمرش، وجبريل - بفتح الجيم - بلا همز، وجبريل بكسرها، وأربع شواذ: جبرال، وجبرائيل، وجبرائل، وجبرين بالنون، ومعناه: عبد الله. وفي ميكائيل أربع لغات: مكيائيل ممدود، وميكائل مقصور، وميكئل مهموز مقصور، وميكال على وزن ميعاد. يقول الحق جل جلاله: في الرد على اليهود، كابن صوريا وغيره، حيث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: من الذي يأتيك بالوحي؟ فقال:
" جبريل "
، فقالوا: ذلك عدونا من الملائكة لأنه ينزل بالشدة والعذاب، ولو كان ميكائيل لاتبعناك لأنه ينزل بالخصب والسلم، فقال تعالى: { من كان عدوا لجبريل } فليمت غيظا، فإنه هو الذي نزل القرآن { على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه } من الكتب، وهداية { وبشرى للمؤمنين } ، فإن كان ينزل بالشدة والعذاب على الكافرين، فإنه ينزل بالهداية والبشارة على المؤمنين. ومن كان عدوا لجبريل فإنه عدو لله، إذ هو رسوله للأنبياء، وصفيه من الملائكة، وعدو أيضا لميكائيل فإنه وزيره، وللرسل أيضا فإنه سفيرهم، و { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال } فإن الله عدو له. وعطف جبريل وميكائيل من عطف الخاص على العام لزيادة شرفهما، ووضع الظاهر موضع الضمير في قوله: { عدو للكافرين } ولم يقل: لهم، تسجيلا عليهم بالكفر، وبيان أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة والرسل كفر، عصمنا الله من موارد الردى، آمين. الإشارة: إذا كانت معاداة الملائكة والرسل هي معاداة الله، فكذلك معاداة أوليائه هي معاداة الله أيضا، ولذلك قال تعالى:
" من عادى لي وليا فقد آذنني بالحرب "
فالبعض هو الكل، ويؤخذ بالمفهوم أن محبة الملائكة والرسل هي محبة الله. وكذلك محبة أولياء الله هي محبة الله، وكذلك أيضا محبة عباد الله هي محبة الله، ومعاداتهم معاداة الله. " الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله ". وكل من ادعى أنه يحب الله وفي قلبه عداوة لمسلم فهو كاذب، وكل من ادعى أنه يعرف الله وفي قلبه إنكار على مخلوق فهو في دعواه أيضا كاذب، فالواجب على العبد أن يحب جميع العباد، من كان طائعا فظاهر، ومن كان عاصيا أحب له التوبة والإنابة، ومن كان كافرا أحب له الإسلام والهداية، ولا يكره من العبد إلا فعله، ولله در القائل:
ارحم بني جميع الخلق كلهم وانظر إليهم بعين الحلم والشفقه وقر كبيرهم وارحم صغيرهم وراع في كل خلق من خلقه
وبالله التوفيق.
البقرة 2:98
قلت: { من } شرطية وجوابها محذوف، أي: فليمت غيظا، أو { فإنه نزله } على معنى: من عادى منهم جبريل فقد خلع ريقة الإنصاف، أو كفر بما معه من الكتاب لأنه نزل بكتاب مصدقا لما قبله من الكتب، وجبريل فيه ثماني لغات، أربع قرئ بهن. وهي: جبرئيل كسلسبيل. وجبرئل كجحمرش، وجبريل - بفتح الجيم - بلا همز، وجبريل بكسرها، وأربع شواذ: جبرال، وجبرائيل، وجبرائل، وجبرين بالنون، ومعناه: عبد الله. وفي ميكائيل أربع لغات: مكيائيل ممدود، وميكائل مقصور، وميكئل مهموز مقصور، وميكال على وزن ميعاد. يقول الحق جل جلاله: في الرد على اليهود، كابن صوريا وغيره، حيث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: من الذي يأتيك بالوحي؟ فقال:
" جبريل "
، فقالوا: ذلك عدونا من الملائكة لأنه ينزل بالشدة والعذاب، ولو كان ميكائيل لاتبعناك لأنه ينزل بالخصب والسلم، فقال تعالى: { من كان عدوا لجبريل } فليمت غيظا، فإنه هو الذي نزل القرآن { على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه } من الكتب، وهداية { وبشرى للمؤمنين } ، فإن كان ينزل بالشدة والعذاب على الكافرين، فإنه ينزل بالهداية والبشارة على المؤمنين. ومن كان عدوا لجبريل فإنه عدو لله، إذ هو رسوله للأنبياء، وصفيه من الملائكة، وعدو أيضا لميكائيل فإنه وزيره، وللرسل أيضا فإنه سفيرهم، و { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال } فإن الله عدو له. وعطف جبريل وميكائيل من عطف الخاص على العام لزيادة شرفهما، ووضع الظاهر موضع الضمير في قوله: { عدو للكافرين } ولم يقل: لهم، تسجيلا عليهم بالكفر، وبيان أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة والرسل كفر، عصمنا الله من موارد الردى، آمين. الإشارة: إذا كانت معاداة الملائكة والرسل هي معاداة الله، فكذلك معاداة أوليائه هي معاداة الله أيضا، ولذلك قال تعالى:
" من عادى لي وليا فقد آذنني بالحرب "
فالبعض هو الكل، ويؤخذ بالمفهوم أن محبة الملائكة والرسل هي محبة الله. وكذلك محبة أولياء الله هي محبة الله، وكذلك أيضا محبة عباد الله هي محبة الله، ومعاداتهم معاداة الله. " الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله ". وكل من ادعى أنه يحب الله وفي قلبه عداوة لمسلم فهو كاذب، وكل من ادعى أنه يعرف الله وفي قلبه إنكار على مخلوق فهو في دعواه أيضا كاذب، فالواجب على العبد أن يحب جميع العباد، من كان طائعا فظاهر، ومن كان عاصيا أحب له التوبة والإنابة، ومن كان كافرا أحب له الإسلام والهداية، ولا يكره من العبد إلا فعله، ولله در القائل:
ارحم بني جميع الخلق كلهم وانظر إليهم بعين الحلم والشفقه وقر كبيرهم وارحم صغيرهم وراع في كل خلق من خلقه
وبالله التوفيق.
البقرة 2:99
يقول الحق جل جلاله: { ولقد أنزلنا إليك } يا محمد { آيات } واضحات، مشتملة على علوم غيبية، وأخبار نبوية، وشرائع محكمة، وأنوار قدسية، وأسرار جبروتية، وما يجحدها ويكفر بها إلا المتمرد في الكفر والطغيان، الخارج عن الطاعة والإيمان، فالفسق، إذا استعمل في نوع من المعاصي، دل على أعظمه وأقبحه، وهو هنا الكفر، والعياذ بالله. الإشارة: اعلم أن العبد إذا سبقت لهم من الله العناية، ألقى الله في قلبه التصديق والهداية، من غير أن يحتاج إلى علامة ولا آية، بل يكشف له الحق تعالى عن سر الخصوصية وأنوارها، فيشهد سره لصاحبها بالتقويم، وتخضع له روحه بالتعظيم، فتدبوا له أنوار الإيمان وتشرق عليه شموس العرفان، من غير توقف على دليل ولا برهان، بخلاف من سبق له الحرمان، فلا ينجح فيه دليل ولا برهان، والعياذ بالله من الخذلان. ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في شأن العهد الذي أخذه الله عليهم فيه، قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا في محمد عهد ولا ميثاق.
البقرة 2:100
قلت: الهمزة للإنكار، والواو للعطف على محذوف تقديره: أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا عهدا، و { كلما } منصوب على الظرفية، وهي متضمنة معنى الشرط فتفتقر للجواب، وهو العامل فيها. والنبذ: الطرح، لكنه يغلب فيما ينسى، قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: في شأن اليهود والإنكار عليهم: { أو كلما } أعطوا عهدا وعقدوه على أنفسهم طرحه { فريق منهم }؟ فقد أعطوا العهد أنهم إن أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به ولينصرنه، فلما أدركوه نبذوا ذلك العهد ونسوه. وكذلك أعطوا العهد للنبي صلى الله عليه وسلم ألا يعاونوا المشركين عليه، فنبذه بنو قريظة والنضير، ولم ينقضه جميعهم بل فريق منهم، وهم الأكثر، ولذلك قال: { بل أكثرهم لا يؤمنون } ، فالأكثر هم الناقضون للعهود، المجاوزون للحدود. والله تعالى أعلم. الإشارة: نقض العهد مع الله أو مع عباده من علامة النفاق، ومن شيم أهل البعاد والشقاق، والوفاء بالعهد من علامة الإيمان، ومن شيم أهل المحبة والعرفان. قال تعالى في صفة المفلحين:
والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون
[المؤمنون: 8]، ولا سيما عهود الشيوخ أهل التمكين والرسوخ، فمن أخذ عقد الصحبة مع الشيخ الذي هو أهل للتربية فيحذر من حل العقدة بينه وبينه، فإن ذلك يقطع الإمداد، ويوجب الطرد والبعاد، والالتفات إلى غيره تسويس لبذرة الإرادة، وموجب لقطع الزيادة والإفادة، ثم إن الانجماع على الشيخ، وقطع النظر والالتفات إلى غيره هو سبب للكون - كذلك - مع الله، فبقدر الانقطاع إلى الشيخ يحصل الانقطاع إلى الله، وبقدر ترك الاختيار وسلب الإرادة مع الشيخ يحصل كذلك مع الله، وبقدر الوفاء بعهود شيوخ التربية يحصل الوفاء بعهود حقوق الربوبية. فمن كانت غيبته في الشيخ أقوى، وانحياشه أليه أكثر، وجمعه عليه أدوم، كان كذلك مع ربه، وكذلك التعظيم والأدب، والله يعامل العبد على حسب ذلك. قال الشيخ زروق رضي الله عنه: ولا تنتقل عنه، ولو رأيت من هو أعلى منه، فتحرم بركة الأول والثاني، ولذلك كان المشايخ يمنعون أصحابهم من صحبة غيرهم، بل من زيارتهم، وأنشدوا:
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
وحاصل أمر الزيارة لغير شيخه أن فيه تفصيلا: فمن كمل صدقه، وتوفر عقله، بحيث إذا زار لا يستنقص شيخه، ولا الذي زاره، جاز له أن يزور من شاء، ومن لم يكمل صدقه وعقله، بحيث إذا زار: إما يستنقص شيخه، أو الشيخ الذي زاره، فليكف عن زيارة غير شيخه. وقال محيي الدين بن العربي: ويجب على المريد أن يعتقد في شيخه أنه عالم بالله، ناصح لخلق الله، ولا ينبغي له أن يعتقد في شيخه العصمة. وقد قيل للجنيد: أيزني العارف؟ فقال:
وكان أمر الله قدرا مقدورا
[الأحزاب: 38]. وصحب تلميذ شيخا، فرآه يوما قد زنا بامرأة، فلم يتغير من خدمته، ولا أخل في شيء من مرسومات شيخه، ولا ظهر منه نقص في احترامه. وقد عرف الشيخ أنه رآه، فقال له يوما: يا بني قد عرفت أنك رأيتني حين فسقت بتلك المرأة، وكنت أنتظر فراقك عني من أجل ذلك: فقال له التلميذ: يا سيدي الإنسان معرض لمجاري أقدار الله عليه، وإني من الوقت الذي دخلت فيه إلى خدمتك ما خدمتك على أنك معصوم، وإنما خدمتك على أنك عارف بطريق الله تعالى، عارف بكيفية السلوك عليه الذي هو طلبي، وكونك تعصي أو لا تعصي شيء بينك وبين الله عز وجل، لا يرجع من ذلك شيء علي، فما وقع منك يا سيدي شيء لا يوجب نفاري وزوالي عنك، وهذا هو عقدي، فقال له الشيخ: وفقت وسعدت هكذا وإلا فلا... فربح ذلك التلميذ، وجاء منه ما تقر به العين من حسن الحال وعلو المقام. ه.
البقرة 2:101
يقول الحق جل جلاله: { ولما جاءهم } يعني اليهود { رسول مشن عند الله } محمد صلى الله عليه وسلم { مصدق لما معهم } من التوراة بموافقته له في بعض الأخبار { نبذ فريق من الذين أثوتوا الكتاب } ، وهم من كفر من أحبار يهود، { كتاب الله }: التوراة، { وراء ظهورهم } ، حيث لم يعملوا بما فيه من الأمر بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، وغيروا صفته التي فيه، وكتموها، فكأنهم طرحوه وراء ظهورهم، وكأنهم لا علم لهم بشيء من ذلك. قال البيضاوي: اعلم أن الحق تعالى دل على أن حال اليهود أربع فرق: فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب، وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله:
بل أكثرهم لا يؤمنون
[البقرة: 100]، وفرقة جاهروا بنبذ عهودها، وتخطي حدودها، تمردا وفسوقا، وهم المعنيون بقوله تعالى:
نبذه فريق منهم
[البقرة: 100]، وفرقة لم يجاهروا بنبذها، ولكن نبذوا لجهلهم بها، وهم الأكثرون، وفرقة تمسكوا بها ظاهرا، ونبذوها خفية، عالمين بالحال بغيا وعنادا، وهم المتجاهلون. ه. قلت: ولعلهم المنافقون منهم.
البقرة 2:102
قلت: { على ملك سليمان } على حذف مضاف، أي: على عهد ملك سليمان، أو { على } بمعنى { في } ، وقوله: { وما أنزل } عطف على السحر، عطف تفسير، والفتنة في الأصل: الاختبار، تقول: فتنت الذهب والفضة إذا أدخلتهما النار لتعلم جودتهما من رداءتهما، وقوله: { لمثوبة } جواب { لو } ، والأصل: لأثيبوا، ثم عدل إلى الجملة الاسمية لتدل على الثبوت. يقول الحق جل جلاله: في شأن اليهود: ولما جاءهم كتاب من عند الله نبذوه { واتبعوا } ما تقرأ { الشياطين } على الناس من السحر { على } عهد { ملك سليمان } ، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب، ويلقونها إلى الكهنة، وهم يدونونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في عهد سليمان حتى قيل: إن الجن يعلم الغيب، وإن ملك سليما إنما قام بهذا، وأنه به سخر الجن والإنس والريح، فجمع سليمان ما دون منه ودفنه، فاستخرجته الشياطين بعد موته، فرد الله تعالى قولهم بقوله: { وما كفر سليمان } باستعمال السحر لأنه تعظيم غير الله بالتقرب للشيطان، والنبي معصوم { ولكن الشياطين } هم الذين { كفروا } باستعماله { يعلمون الناس السحر } إغواء وإضلالا، ويعلمون { ما أنزل على الملكين } في بلد بابل من سواد الكوفة، وهما { هاروت وماروت }. كانا ملكين من أعبد الملائكة، ولما رأت الملائكة ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام عيروهم بذلك، وقالوا: يا ربنا هؤلاء الذين جعلهم خليفة في الأرض يعصونك؟ فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض، وركبت فيكم ما ركبت فيهم لارتكبتم ما ارتكبوا، قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك. فقال الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض. فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أعبد الملائكة، فركب الله تعالى فيهما الشهوة، وأمرهما أن يحكما في الأرض بين الناس بالحق، في الأرض بين الناس بالحق، ونهاهما في الشرك والقتل بغير الحق، والزنا وشرب الخمر، فكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء، فاختصمت إليهما ذات يوم امرأة يقال لها الزهرة: وكانت من أجمل النساء من أهل فارس، فأخذت بقلبيهما، فراوداها عن نفسها، فأبت ثم عاودت في اليوم الثاني، ففعلا مثل ذلك فأبت، وقالت: إلا أن تعبدا ما أعبد، وتصليا لهذا الصنم، وتقتلا النفس وتشربا الخمر، فأبيا هذه الأشياء، وقالا: إن الله نهاهنا عنها، فانصرفت، ثم عادت في اليوم الثالث، فراداها، فعرضت عليهما ما قالت بالأمس، فقالا: الصلاة لغير الله ذنب عظيم، وأهون الثلاث شرب الخمر، فشربا، وانتشيا، ووقعا بالمرأة، فلما فرغا رآهما إنسان فخاف أن يظهر عليهما فقتلاه. وفي رواية عن سيدنا علي - كرم الله وجهه - أنه قال: قالت لهما: لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء، فقالا: باسم الله الأعظم، فعلماها ذلك، فتكلمت به، وصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبا.
ولذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى سهيلا قال:
" لعن الله سهيلا كان عشارا باليمن، ولعن الله الزهرة، وقال: إنها فتنت ملكين ".
قلت: قصة هارون وماروت ذكرها المنذري في شرب الخمر، وقال في حديثها: رواه أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق زهير بن محمد، وقد قيل: إن الصحيح وقفه على كعب. ه. وقال ابن حجر: قصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، خلافا لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه. وتمام قصتهما: أنهما لما قارفا الذنب وجاء المساء هما بالصعود، فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حل بهما، فقصدا إدريس عليه السلام، فأخبراه، وسألاه الشفاعة إلى الله تعالى فشفع فيهما، فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لانقطاعه، فهما يعذبان في بئر ببابل، منكسان معلقان بالسلاسل من أجر لهما، مزرقة أعينهما، ليس بينهما وبين الماء إلا قدر أربعة أصابع، وهما يعذبان بالعطش. ه. فإن قلت: الملائكة معصومون فكيف يصح هذا من هاروت وماروت؟ قلنا: لما ركب الله فيهما الشهوة النسلخا من حكم الملكية إلى حكم البشرية ابتلاء من الله تعالى لهما، فلم يبق لهما حكم الملائكة من العصمة. { وما يعلمان من أحد } السحر حتى ينصحاه ويقولا: { إنما نحن فتنة } لكم، واختبار من الله تعالى لعباده، ليظهر من يصبر عنه ومن لا يصبر، وكان تعلمه في ذلك الوقت كفرا، فيقولان له: { فلا تكفر } بتعلمه، فكانوا يتعلمون { منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } وقدرته، فلا تأثير لشيء إلا بإذن الله، ويتعلمون منهما { ما يضرهم } يوم القيامة { ولا ينفعهم } ، ولقد علم بنو إسرائيل أن من اشتراه واستبدله بكتاب الله والعلم بما فيه { ما له في الآخرة من } نصيب، { ولبئس } ما باعوا به حظ أنفسهم من النعيم { لو كانوا يعلمون } ، ولكن لما لم يعملوا بعلمهم كانوا كمن لا علم عنده. { ولو أنهم آمنوا } بالله ورسوله { واتقوا } الكفر والسحر، لأثيبوا ثوابا كبيرا، وكان ذلك خيرا لهم ما استوجبوه من العقاب { لو كانوا يعلمون }. الإشارة: كل من أكب على دنياه وتتبع حظوظه وهواه، وترك العمل بما جاء من عند الله، يصدق عليه أنه نبذ كتاب الله، واشتغل بما سواه من حب الدنيا والرئاسة والجاه، فالدنيا سحارة غرارة، تسحر القلوب وتغيبها عن حضرة علام الغيوب وفي الحديث:
" اتقوا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت "
، ولا شك أنها تفرق بين الأحباب وبين العشائر والأصحاب، ولقد علم من أخذ الدنيا ونعيمها، وأكب عليها ما له في الآخرة من نصيب، فبقدر ما يأخذ من نعيم الدنيا وشهواتها ينقص له من نعيم الآخرة.
ولبئس ما شروا به أنفسهم - حيث آثروا الحياة الدنيا على الآخرة - لو كانوا يعلمون. ولو أنهم آمنوا بالله، واتقوا كل ما يشغل عن الله لكانوا من أولياء الله، وتلك المثوبة - التي صاروا إليها - خير لو كان يعلمون. قال عبد الواحد بن زيد: سمعت أن جارية مجنونة في خراب الأبلة تنطق بالحكم، فطلبتها حتى وجدتها، وهي محلوقة الرأس، وعليها جبة صوف، فلما رأتني قال: مرحبا بك يا عبد الواحد، ثم قالت: يا عبد الواحد ما جاء بك؟ فقلت: تعظينني، فقالت: واعجبا لواعظ، يوعظ، يا عبد الواحد... اعلم أن العبد إذا كان في كفاية، ومال إلى شيء من الدنيا، سلبه الله حلاوة الزهد، وظل حيرانا ولها، فإن كان له عند الله نصيب عاتبه وحيا في سره، فيقول له: عبدي أردت رفع قدرك عند ملائكتي، وأجعلك دليلا لأوليائي، ومرشدا لأهل طاعتي، فملت إلى عرض الدنيا وتركتني، فأورثك ذلك الوحشة بعد الأنس، والذل بعد العز، والفقر بعد الغنى، ارجع إلى ما كنت عليه أرجع إليك ما كنت تعرفه من نفسك. ثم انصرفت عني وتركتني وبقيت حسرتها في قلبي. ه. ولما كان المسلمون يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك، يعنون من المراعاة والأنتظار، وهي عند اليهود سب من الرعونة، ففرحت اليهود، وقالوا: كنا نسب محمدا سرا، فأعلنوا له بالشتم، فكانوا يقولون: يا محمد راعنا ويضحكون، نهى الله تعالى المسلمين عن هذه اللفظة.
البقرة 2:103
قلت: { على ملك سليمان } على حذف مضاف، أي: على عهد ملك سليمان، أو { على } بمعنى { في } ، وقوله: { وما أنزل } عطف على السحر، عطف تفسير، والفتنة في الأصل: الاختبار، تقول: فتنت الذهب والفضة إذا أدخلتهما النار لتعلم جودتهما من رداءتهما، وقوله: { لمثوبة } جواب { لو } ، والأصل: لأثيبوا، ثم عدل إلى الجملة الاسمية لتدل على الثبوت. يقول الحق جل جلاله: في شأن اليهود: ولما جاءهم كتاب من عند الله نبذوه { واتبعوا } ما تقرأ { الشياطين } على الناس من السحر { على } عهد { ملك سليمان } ، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب، ويلقونها إلى الكهنة، وهم يدونونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في عهد سليمان حتى قيل: إن الجن يعلم الغيب، وإن ملك سليما إنما قام بهذا، وأنه به سخر الجن والإنس والريح، فجمع سليمان ما دون منه ودفنه، فاستخرجته الشياطين بعد موته، فرد الله تعالى قولهم بقوله: { وما كفر سليمان } باستعمال السحر لأنه تعظيم غير الله بالتقرب للشيطان، والنبي معصوم { ولكن الشياطين } هم الذين { كفروا } باستعماله { يعلمون الناس السحر } إغواء وإضلالا، ويعلمون { ما أنزل على الملكين } في بلد بابل من سواد الكوفة، وهما { هاروت وماروت }. كانا ملكين من أعبد الملائكة، ولما رأت الملائكة ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام عيروهم بذلك، وقالوا: يا ربنا هؤلاء الذين جعلهم خليفة في الأرض يعصونك؟ فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض، وركبت فيكم ما ركبت فيهم لارتكبتم ما ارتكبوا، قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك. فقال الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض. فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أعبد الملائكة، فركب الله تعالى فيهما الشهوة، وأمرهما أن يحكما في الأرض بين الناس بالحق، في الأرض بين الناس بالحق، ونهاهما في الشرك والقتل بغير الحق، والزنا وشرب الخمر، فكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء، فاختصمت إليهما ذات يوم امرأة يقال لها الزهرة: وكانت من أجمل النساء من أهل فارس، فأخذت بقلبيهما، فراوداها عن نفسها، فأبت ثم عاودت في اليوم الثاني، ففعلا مثل ذلك فأبت، وقالت: إلا أن تعبدا ما أعبد، وتصليا لهذا الصنم، وتقتلا النفس وتشربا الخمر، فأبيا هذه الأشياء، وقالا: إن الله نهاهنا عنها، فانصرفت، ثم عادت في اليوم الثالث، فراداها، فعرضت عليهما ما قالت بالأمس، فقالا: الصلاة لغير الله ذنب عظيم، وأهون الثلاث شرب الخمر، فشربا، وانتشيا، ووقعا بالمرأة، فلما فرغا رآهما إنسان فخاف أن يظهر عليهما فقتلاه. وفي رواية عن سيدنا علي - كرم الله وجهه - أنه قال: قالت لهما: لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء، فقالا: باسم الله الأعظم، فعلماها ذلك، فتكلمت به، وصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبا.
ولذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى سهيلا قال:
" لعن الله سهيلا كان عشارا باليمن، ولعن الله الزهرة، وقال: إنها فتنت ملكين ".
قلت: قصة هارون وماروت ذكرها المنذري في شرب الخمر، وقال في حديثها: رواه أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق زهير بن محمد، وقد قيل: إن الصحيح وقفه على كعب. ه. وقال ابن حجر: قصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، خلافا لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه. وتمام قصتهما: أنهما لما قارفا الذنب وجاء المساء هما بالصعود، فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حل بهما، فقصدا إدريس عليه السلام، فأخبراه، وسألاه الشفاعة إلى الله تعالى فشفع فيهما، فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لانقطاعه، فهما يعذبان في بئر ببابل، منكسان معلقان بالسلاسل من أجر لهما، مزرقة أعينهما، ليس بينهما وبين الماء إلا قدر أربعة أصابع، وهما يعذبان بالعطش. ه. فإن قلت: الملائكة معصومون فكيف يصح هذا من هاروت وماروت؟ قلنا: لما ركب الله فيهما الشهوة النسلخا من حكم الملكية إلى حكم البشرية ابتلاء من الله تعالى لهما، فلم يبق لهما حكم الملائكة من العصمة. { وما يعلمان من أحد } السحر حتى ينصحاه ويقولا: { إنما نحن فتنة } لكم، واختبار من الله تعالى لعباده، ليظهر من يصبر عنه ومن لا يصبر، وكان تعلمه في ذلك الوقت كفرا، فيقولان له: { فلا تكفر } بتعلمه، فكانوا يتعلمون { منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } وقدرته، فلا تأثير لشيء إلا بإذن الله، ويتعلمون منهما { ما يضرهم } يوم القيامة { ولا ينفعهم } ، ولقد علم بنو إسرائيل أن من اشتراه واستبدله بكتاب الله والعلم بما فيه { ما له في الآخرة من } نصيب، { ولبئس } ما باعوا به حظ أنفسهم من النعيم { لو كانوا يعلمون } ، ولكن لما لم يعملوا بعلمهم كانوا كمن لا علم عنده. { ولو أنهم آمنوا } بالله ورسوله { واتقوا } الكفر والسحر، لأثيبوا ثوابا كبيرا، وكان ذلك خيرا لهم ما استوجبوه من العقاب { لو كانوا يعلمون }. الإشارة: كل من أكب على دنياه وتتبع حظوظه وهواه، وترك العمل بما جاء من عند الله، يصدق عليه أنه نبذ كتاب الله، واشتغل بما سواه من حب الدنيا والرئاسة والجاه، فالدنيا سحارة غرارة، تسحر القلوب وتغيبها عن حضرة علام الغيوب وفي الحديث:
" اتقوا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت "
، ولا شك أنها تفرق بين الأحباب وبين العشائر والأصحاب، ولقد علم من أخذ الدنيا ونعيمها، وأكب عليها ما له في الآخرة من نصيب، فبقدر ما يأخذ من نعيم الدنيا وشهواتها ينقص له من نعيم الآخرة.
ولبئس ما شروا به أنفسهم - حيث آثروا الحياة الدنيا على الآخرة - لو كانوا يعلمون. ولو أنهم آمنوا بالله، واتقوا كل ما يشغل عن الله لكانوا من أولياء الله، وتلك المثوبة - التي صاروا إليها - خير لو كان يعلمون. قال عبد الواحد بن زيد: سمعت أن جارية مجنونة في خراب الأبلة تنطق بالحكم، فطلبتها حتى وجدتها، وهي محلوقة الرأس، وعليها جبة صوف، فلما رأتني قال: مرحبا بك يا عبد الواحد، ثم قالت: يا عبد الواحد ما جاء بك؟ فقلت: تعظينني، فقالت: واعجبا لواعظ، يوعظ، يا عبد الواحد... اعلم أن العبد إذا كان في كفاية، ومال إلى شيء من الدنيا، سلبه الله حلاوة الزهد، وظل حيرانا ولها، فإن كان له عند الله نصيب عاتبه وحيا في سره، فيقول له: عبدي أردت رفع قدرك عند ملائكتي، وأجعلك دليلا لأوليائي، ومرشدا لأهل طاعتي، فملت إلى عرض الدنيا وتركتني، فأورثك ذلك الوحشة بعد الأنس، والذل بعد العز، والفقر بعد الغنى، ارجع إلى ما كنت عليه أرجع إليك ما كنت تعرفه من نفسك. ثم انصرفت عني وتركتني وبقيت حسرتها في قلبي. ه. ولما كان المسلمون يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك، يعنون من المراعاة والأنتظار، وهي عند اليهود سب من الرعونة، ففرحت اليهود، وقالوا: كنا نسب محمدا سرا، فأعلنوا له بالشتم، فكانوا يقولون: يا محمد راعنا ويضحكون، نهى الله تعالى المسلمين عن هذه اللفظة.
البقرة 2:104
قلت: يقال راعى الشيء يراعيه مراعاة: انتظره أو التفت إليه. ويقال: رعى إلى الشيء، وراعاه وأرعاه: إذا أصغى إليه واستمعه. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا } للرسول صلى الله عليه وسلم: { راعنا } أي: انتظرنا أو أمهل علينا لأن في ذلك ذريعة لسب اليهود، أو قلة أدب، وقولوا: { انظرنا } أي: انتظرنا { وللكافرين } المؤذين لرسول الله صلى الله عليه وسلم { عذاب أليم } أي: موجع. الإشارة: حسن الخطاب من تمام الآداب، وتمام الآداب هو السبب الموصل إلى عين الصواب، فمن لا أدب له لا تربية له، ومن لا تربية له لا سير له، ومن لا سير له لا وصول له، فمن لا يتربى على أيدي الرجال لا يربى الرجال، وقد قالوا: من أساء الأدب مع الأحباب طرد إلى الباب، ومن أساء الأدب في الباب طرد إلى سياسة الدواب. وقالوا أيضا: اجعل عملك ملحا، وأدبك دقيقا. وقال آخر: إن الإنسان ليبلغ بالخلق وحسن الأدب إلى عظيم الدرجات وهو قليل العمل، ومن حرم الأدب حرم الخير كله، ومن أعطي الأدب فقد مكن من مفاتيح القلوب. قال أبو عثمان رضي الله عنه: الأدب عند الأكابر وفي مجالس السادات من الأولياء يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلا والخير في الدنيا والعقبى. وقال أبو حفص الحداد رضي الله عنه: التصوف كله آدب، لكل وقت أدب، ولكل حال أدب، ولكل مقام أدب، فمن لازم الأدب بلغ مبلغ الرجال، ومن حرم الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب، مردود من حيث يرجوا الوصول. وقال ذو النون المصري رضي الله عنه: إذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء. وقيل: من لم يتأدب لوقت فوقته مقت. وقيل: من حبسه النسب أطلقه الادب، ومن قل أدبه كثر شغبه. وقيل: الأدب سند الفقراء، وزينة الأغنياء. ه. وبالله التوفيق.
البقرة 2:105
قلت: الود: محبة الشيء مع تمنيه و { من أهل الكتاب } بيانية كقوله: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } ، و { أن ينزل } معمول يود، و { من خير } صلة، و { من ربكم } ابتدائية. يقول الحق جل جلاله: ما يتمنى { الذين كفروا من أهل الكتاب } إنزال خير عليكم { من ربكم } ولا المشركون حسدا منهم، بل يتمنون أن تبقوا على ضلالتكم وذلكم، { والله يختص برحمته } كالنوبة والولاية { من يشاء } من عباده. فلا يجب عليه شيء ولا يمتنع عليه ممكن، { والله ذو الفضل العظيم } ، فيمن بالنبوة أو الولاية على من يشاء فضلا وإحسانا. الإشارة: في الآية تنبيهان: أحدهما: أن من كان يحسد أهل الخصوصية وينكر عليهم، فيه نزعة يهودية، وخصلة من خصال المشركين، والثاني: أن حسد أهل الخصوصية والإنكار عليهم أمر شائع وسنة ماضية، فليوطن المريد نفسه على ذلك: وليعلم انه ما يقال له إلا ما قيل لمن قبله،
ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الأحزاب: 62]، وما من نعمة إلا وعليها حسود. وقال حاتم الطائي:
ومن حسد يجور علي قومي وأي الدهر ذو لم يحسدوني
وبالله التوفيق.
البقرة 2:106
قلت: النسخ في اللغة يطلق على معنيين أحدهما: التغيير والتحويل، يقال: مسخه الله قردا ونسخه. قال الفراء: ومنه نسخ الكتاب، والثاني: بمعنى رفع الشيء وإبطاله. يقال: نسخت الشمس الظل، أي: ذهبت به وأبطلته، وهو المراد هنا. والإنساء هو الترك والإذهاب، والنساء هو التأخر. و { ما } شريكة منصوبة بشرطها مفعولا به. و { نأت } جوابها. يقول الحق جل جلاله: في الرد على اليهود حيث قالوا: انظروا إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، فأجاب الله عنهم بقوله: { ما ننسخ من آية } أي: نزيل لفظها أو حكمها أو هما معا، { نأت بخير منها } في الخفة أو في الثواب، { أو ننسها } من قلب النبي - عليه الصلاة والسلام - بإذن الله، أو نتركها غير منسوخة، أو نؤخر إنزالها أو نسخها. باعتبار القراءات، { نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم } يا محمد { أن الله على كل شيء قدير } لا يعجزه نسخ ولا غيره { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض } يتصرف فيهما كيف يشاء، لا راد لما قضى ولا معقب لما حكم به وأمضى، ينسخ من شرائع أحكامه ما يشاء، يثبت فيها ما شاء، بحسب مصالح العباد، وما تقضيه الرأفة والوداد. وهو جائز عقلا وشرعا، فكما نسخت شريعتهم ما قبلها نسخها ما بعدها، فمن تحكم على الله، أو رد على أصفياء الله ممن اطصفاهم لرسالته، فليس له { من دون الله من ولي } يمنع من عذاب الله، { ولا نصير } ينصره من غضب الله. والنسخ إنما يكون في الأوامر والنواهي دون الأخبار، لأنه يكون كذبا، ومعنى النسخ: انتهاء العمل بذلك الحكم، ونقل العباد من حكم إلى حكم لمصلحة، فلا يلزم عليه البداء كما قالت اليهود، والنسخ عندنا على ثلاثة أقسام: نسخ اللفظ والمعنى: كما كان يقرأ: " لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر " ، ثم نسخ، ونسخ اللفظ دون المعنى: " كالشيخ والشيخة إذا زينا فرجموهما البتة " ثم نسخ لفظه، وبقي حكمه وهو الرجم، ونسخ المعنى دون اللفظ: كآية السيف بعد الأمر بالمهادنة مع الكفار. الله تعالى أعلم. الإشارة: قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه في تفسيرها: ما نذهب من بدل إلا ونأت بخير منه أو مثله. ه. ومعناه: ما نذهب بولي إلا ونأت بخير منه أو مثله إلى يوم القيامة، وبهذا يرد على من زعم أن شيخ التربية انقطع فإن قدرة الله عامة، وملك الله قائم، والأرض لا تخلو ممن يقوم بالحجة حتى يأتي أمر الله. قال في لطائف المنن: وقد سئل بعض العارفين عن أولياء المدد: أينقضون في زمن؟ فقال: لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها، ولا أبرزت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص إمدادهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم، ثم قال: وقد قال علي - كرم الله وجهه - في مخاطبته لكميل: اللهم لا تخلو الأرض من قائم لك بحجتك، أولئك الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا، قلوبهم معلقة بالمحل الأعلى.
أولئك خلفاء الله في بلاده وعباده، واشوقاه إلى رؤيتهم. وروى الترمذي الحكيم عن ابن عمر رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره "
وبالله التوفيق.
البقرة 2:107
قلت: النسخ في اللغة يطلق على معنيين أحدهما: التغيير والتحويل، يقال: مسخه الله قردا ونسخه. قال الفراء: ومنه نسخ الكتاب، والثاني: بمعنى رفع الشيء وإبطاله. يقال: نسخت الشمس الظل، أي: ذهبت به وأبطلته، وهو المراد هنا. والإنساء هو الترك والإذهاب، والنساء هو التأخر. و { ما } شريكة منصوبة بشرطها مفعولا به. و { نأت } جوابها. يقول الحق جل جلاله: في الرد على اليهود حيث قالوا: انظروا إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، فأجاب الله عنهم بقوله: { ما ننسخ من آية } أي: نزيل لفظها أو حكمها أو هما معا، { نأت بخير منها } في الخفة أو في الثواب، { أو ننسها } من قلب النبي - عليه الصلاة والسلام - بإذن الله، أو نتركها غير منسوخة، أو نؤخر إنزالها أو نسخها. باعتبار القراءات، { نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم } يا محمد { أن الله على كل شيء قدير } لا يعجزه نسخ ولا غيره { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض } يتصرف فيهما كيف يشاء، لا راد لما قضى ولا معقب لما حكم به وأمضى، ينسخ من شرائع أحكامه ما يشاء، يثبت فيها ما شاء، بحسب مصالح العباد، وما تقضيه الرأفة والوداد. وهو جائز عقلا وشرعا، فكما نسخت شريعتهم ما قبلها نسخها ما بعدها، فمن تحكم على الله، أو رد على أصفياء الله ممن اطصفاهم لرسالته، فليس له { من دون الله من ولي } يمنع من عذاب الله، { ولا نصير } ينصره من غضب الله. والنسخ إنما يكون في الأوامر والنواهي دون الأخبار، لأنه يكون كذبا، ومعنى النسخ: انتهاء العمل بذلك الحكم، ونقل العباد من حكم إلى حكم لمصلحة، فلا يلزم عليه البداء كما قالت اليهود، والنسخ عندنا على ثلاثة أقسام: نسخ اللفظ والمعنى: كما كان يقرأ: " لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر " ، ثم نسخ، ونسخ اللفظ دون المعنى: " كالشيخ والشيخة إذا زينا فرجموهما البتة " ثم نسخ لفظه، وبقي حكمه وهو الرجم، ونسخ المعنى دون اللفظ: كآية السيف بعد الأمر بالمهادنة مع الكفار. الله تعالى أعلم. الإشارة: قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه في تفسيرها: ما نذهب من بدل إلا ونأت بخير منه أو مثله. ه. ومعناه: ما نذهب بولي إلا ونأت بخير منه أو مثله إلى يوم القيامة، وبهذا يرد على من زعم أن شيخ التربية انقطع فإن قدرة الله عامة، وملك الله قائم، والأرض لا تخلو ممن يقوم بالحجة حتى يأتي أمر الله. قال في لطائف المنن: وقد سئل بعض العارفين عن أولياء المدد: أينقضون في زمن؟ فقال: لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها، ولا أبرزت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص إمدادهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم، ثم قال: وقد قال علي - كرم الله وجهه - في مخاطبته لكميل: اللهم لا تخلو الأرض من قائم لك بحجتك، أولئك الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا، قلوبهم معلقة بالمحل الأعلى.
أولئك خلفاء الله في بلاده وعباده، واشوقاه إلى رؤيتهم. وروى الترمذي الحكيم عن ابن عمر رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره "
وبالله التوفيق.
البقرة 2:108
قلت: { أم } للإضراب بمعنى بل وهو على قسمين: إما إضراب عن المعنى السابق، أو لفظه فقط كما هنا، انظر تفسير ابن عطية، وإضافة الرسول إليهم باعتبار ما في نفس الأمر. وهو نص في إرساله إليهم كما أرسل إلى غيرهم. والضلال: التلف. و { سواء السبيل }: وسط الطريق. يقول الحق جل جلاله: أتريدون يا معشر اليهود أن قترحوا على نبيكم الذي أرسلت إليكم، وإلى كافة الخلق من غيركم الآيات، وتسألوه أن يريكم المعجزات، كما سألتم موسى من قبل فقلتم:
أرنا الله جهرة
[النساء: 153] تشغيبا وتعنتا، وأبيتم عن الإيمان، واستبدلتموه بالكفر والعصيان، { ومن يتبدل الكفر بالإيمان } فقد تلف عن طريق الحق والسداد، ومأواه جهنم وبئس المهاد. الإشارة: لا يشترط في الولي ظهور الكرامة، وإنما يشترط فيه كمال الاستقامة، ولا يشترط فيه أيض هداية الخلق على يديه إذ لم يكن ذلك للنبي فكيف يكون للولي؟ قال تعالى:
أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين
[يونس: 99] وقد سرى في طبع العوام ما سرى في طبع الكفار، قالوا:
لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا
[الإسراء: 90] الآية. فكثير من العوام لا يقرون الولي حتى يروا له آية أو كرامة، مع أن الولي كلما رسخت قدمه في المعرفة قل ظهور الكرامة على يديه لأن الكرامة إنما هي معونة وتأييد وزيادة إيقان. والجبل الراسي لا يحتاج إلى عماد. والحق هو ما قاله الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: وإنهما كرامتان جامعتان محيطتان: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان على نعت الشهود والعيان، وكرامة العمل على السنة والمتابعة، ومجانبة الدعاوى والمخادعة، فمن أعطيهما ثم اشتاق إلى غيرهما فهو مفتر كذاب، أو ذو خطأ في العلم والفهم، كمن أكرم بشهود الملك على نعت الرضى والكرامة، ثم جعل يشتاق إلى سياسة الدوام وخلع الرضا أو كما قال رضي الله عنه. وقال شيخنا رضي الله عنه: الكرامة الحقيقية هي الأخلاق النبوية والعلوم اللدنية. فمن أنكر أولياء أهل زمانه وطلب منهم الدليل غير ما تقدم فقد ضل سواء السبيل، وبقي مربوطا في سجن البرهان والدليل. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:109
قلت: { لو } مصدرية مفعول { ود } ، و { كفارا }: مفعول ثان، و { حسدا }: مفعول له، علة لود، أو حال من الواو، و { من عند } متعلق بود، أي: يتمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم، أو بقوله: { حسدا } ، فالوقف على قوله: { كفارا } ، أي: حسدا حاصلا من تلقاء أنفسهم، لم يستندوا فيه إلى شبهة ولا دليل، والعفو: ترك العقوبة بالذنب. والصفح: الإعراض عن المذنب، كأنه يولي عنه صفحة عنقه، فهو أبلغ من العفو. يقول الحق جل جلاله: في التحذير من اليهود وغيرهم من الكفار: تمنى الذين كفروا من أهل الكتاب وغيرهم لو يصرفونكم عن دينكم و { يردونكم من بعد إيمانكم } بنبيكم { كفارا } ضالين، كما كنتم قبل الدخول فيه، وذلك { حسدا من } تلقاء { أنفسهم } غيرة أن تكون النبوة في غيرهم، وذلك { من بعد ما بين لهم الحق } وعرفوه كما يعرفون أبناءهم، { فاعفوا } عن عتابهم، وأعرضوا عن تشغيبهم { حتى يأتي الله بأمره } فيهم بالقتل والجلاء. { إن الله على كل شيء قدير } ، واشتغلوا بما كلفكم به من أداء حقوق العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، كإتقان الصلاة وأداة الزكاة، واعلموا أن الله لا يضيع من أعمالكم شيئا، فما تقدموا لأنفسكم ليوم فقركم تجدوه عند الله وأعظم أجرا، إن الله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأحوالكم. نزلت الآية في عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، أتيا بيت المدراس، فألانوا لهم الكلام، فطمعوا في صرفهما عن دينهما، ففضحهم الله ورد كيدهم في نحرهم، والله تعالى أعلم. الإشارة: من جملة ما دب إلى بعض الطوائف المتجمدين على تقليد أشياخهم: التعصب والحمية على طريق أشياخهم، ولو ظهر الحق عند غيرهم، وخصوصا أولاد الصالحين منهم، فإذا رأوا أحدا ظهرت عليه أنوار الولاية، وأسرار الخصوصية، تمنوا أن يردوهم عن طريق الحق، ويصرفوهم إلى مخالطة الخلق، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فيقال لمن توجه إلى الحق: فاعفوا واصفحوا حتى يظهر الحق، ولا تلتفتوا إلى تشغيبهم، ولا تشتغلوا قط بعيبهم فتكونوا أقبح منهم. قال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمن يؤذيك واشتغل بالله يرده عنك، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير، اشتغلوا بمن يؤذيهم فطال الأذى مع الإثم. ولو أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم. بل ينبغي لمن يحسد أو يؤذى أن يغيب عن الحاسد وكيده، ويشتغل بما هو مكلف به من حقوق العبودية وشهود عظمة الربوبية، فإن الله لا يضيع من التجأ إليه، ولا يخيب مقصود من اعتمد عليه. وبالله التوفيق.
البقرة 2:110
قلت: { لو } مصدرية مفعول { ود } ، و { كفارا }: مفعول ثان، و { حسدا }: مفعول له، علة لود، أو حال من الواو، و { من عند } متعلق بود، أي: يتمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم، أو بقوله: { حسدا } ، فالوقف على قوله: { كفارا } ، أي: حسدا حاصلا من تلقاء أنفسهم، لم يستندوا فيه إلى شبهة ولا دليل، والعفو: ترك العقوبة بالذنب. والصفح: الإعراض عن المذنب، كأنه يولي عنه صفحة عنقه، فهو أبلغ من العفو. يقول الحق جل جلاله: في التحذير من اليهود وغيرهم من الكفار: تمنى الذين كفروا من أهل الكتاب وغيرهم لو يصرفونكم عن دينكم و { يردونكم من بعد إيمانكم } بنبيكم { كفارا } ضالين، كما كنتم قبل الدخول فيه، وذلك { حسدا من } تلقاء { أنفسهم } غيرة أن تكون النبوة في غيرهم، وذلك { من بعد ما بين لهم الحق } وعرفوه كما يعرفون أبناءهم، { فاعفوا } عن عتابهم، وأعرضوا عن تشغيبهم { حتى يأتي الله بأمره } فيهم بالقتل والجلاء. { إن الله على كل شيء قدير } ، واشتغلوا بما كلفكم به من أداء حقوق العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، كإتقان الصلاة وأداة الزكاة، واعلموا أن الله لا يضيع من أعمالكم شيئا، فما تقدموا لأنفسكم ليوم فقركم تجدوه عند الله وأعظم أجرا، إن الله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأحوالكم. نزلت الآية في عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، أتيا بيت المدراس، فألانوا لهم الكلام، فطمعوا في صرفهما عن دينهما، ففضحهم الله ورد كيدهم في نحرهم، والله تعالى أعلم. الإشارة: من جملة ما دب إلى بعض الطوائف المتجمدين على تقليد أشياخهم: التعصب والحمية على طريق أشياخهم، ولو ظهر الحق عند غيرهم، وخصوصا أولاد الصالحين منهم، فإذا رأوا أحدا ظهرت عليه أنوار الولاية، وأسرار الخصوصية، تمنوا أن يردوهم عن طريق الحق، ويصرفوهم إلى مخالطة الخلق، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فيقال لمن توجه إلى الحق: فاعفوا واصفحوا حتى يظهر الحق، ولا تلتفتوا إلى تشغيبهم، ولا تشتغلوا قط بعيبهم فتكونوا أقبح منهم. قال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمن يؤذيك واشتغل بالله يرده عنك، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير، اشتغلوا بمن يؤذيهم فطال الأذى مع الإثم. ولو أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم. بل ينبغي لمن يحسد أو يؤذى أن يغيب عن الحاسد وكيده، ويشتغل بما هو مكلف به من حقوق العبودية وشهود عظمة الربوبية، فإن الله لا يضيع من التجأ إليه، ولا يخيب مقصود من اعتمد عليه. وبالله التوفيق.
البقرة 2:111
قلت: { وقالوا } عطف على { ود الذين كفروا } ، والضمير يعود على أهل الكتاب واليهود والنصارى، أي: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، و { هود }: جمع هائد، كبازل وبزل وحائل وحول، و { الأماني }: جمع أمينة، وهي ما يتمنى المرء ويشتهيه، وأصله أمنوية كأضحوكة وأعجوبة، فقلبت الواو ياء وأدغمت، و { هاتوا }: اسم فعل بمعنى الأمر، ومعناه آت، وأهمل ماضيه ومضارعه، و { أسلم } معناه: استسلم وخضع، والخوف مما يتوقع، والحزن على ما وقع. يقول الحق جل جلاله: وقالت اليهود: { لن يدخل الجنة } إلا من كان يهوديا، أي: على دينهم، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، وهذه دعاوى باطلة، وأماني فارغة ليس عليها بينة، بل مجرد أمانيهم الكاذبة، { قل } لهم يا محمد: { هاتوا برهانكم } أنكم مختصون بالجنة { إن كنتم صادقين } في هذه الأمنية، بل يدخلها غيركم من أهل الإسلام والإحسان، فإن { من أسلم وجهه لله } أي: انقاد بكليته إليه { وهو محسن } في أفعاله واعتقاده، { فله أجره عند ربه } وهو دخول النعميم والنظر إلى وجهه الكريم، { ولا خوف عليهم } من مكروه يتوقع { ولا هم يحزنون } على فوات شيء يحتاجون إليه لأنهم في ضيافة الكريم تساق إليهم المسار وتدقع عنه المضار، وبالله التوفيق. الإشارة: من جملة ما دخل على بعض الفقراء أنهم يخصون الخصوصية بهم وبمن تبع شيخهم، وينفونها عن غيرهم، وهذه نزعة يهودية، وتحكم على القدرة الإلهية فيقال لهم: تلك أمانيكم الفارعة، بل ينالها غيركم، فمن قصد الله صادقا وجده، وأنجز بالوفاء موعده، فمن خضع لله وانقاد لأولياء الله، فله أجره عند ربه، وهو المعرفة به، ولا خوف عليه من القطيعة، ولا يحزن على فوات نصيبه من المعرفة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:112
قلت: { وقالوا } عطف على { ود الذين كفروا } ، والضمير يعود على أهل الكتاب واليهود والنصارى، أي: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، و { هود }: جمع هائد، كبازل وبزل وحائل وحول، و { الأماني }: جمع أمينة، وهي ما يتمنى المرء ويشتهيه، وأصله أمنوية كأضحوكة وأعجوبة، فقلبت الواو ياء وأدغمت، و { هاتوا }: اسم فعل بمعنى الأمر، ومعناه آت، وأهمل ماضيه ومضارعه، و { أسلم } معناه: استسلم وخضع، والخوف مما يتوقع، والحزن على ما وقع. يقول الحق جل جلاله: وقالت اليهود: { لن يدخل الجنة } إلا من كان يهوديا، أي: على دينهم، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، وهذه دعاوى باطلة، وأماني فارغة ليس عليها بينة، بل مجرد أمانيهم الكاذبة، { قل } لهم يا محمد: { هاتوا برهانكم } أنكم مختصون بالجنة { إن كنتم صادقين } في هذه الأمنية، بل يدخلها غيركم من أهل الإسلام والإحسان، فإن { من أسلم وجهه لله } أي: انقاد بكليته إليه { وهو محسن } في أفعاله واعتقاده، { فله أجره عند ربه } وهو دخول النعميم والنظر إلى وجهه الكريم، { ولا خوف عليهم } من مكروه يتوقع { ولا هم يحزنون } على فوات شيء يحتاجون إليه لأنهم في ضيافة الكريم تساق إليهم المسار وتدقع عنه المضار، وبالله التوفيق. الإشارة: من جملة ما دخل على بعض الفقراء أنهم يخصون الخصوصية بهم وبمن تبع شيخهم، وينفونها عن غيرهم، وهذه نزعة يهودية، وتحكم على القدرة الإلهية فيقال لهم: تلك أمانيكم الفارعة، بل ينالها غيركم، فمن قصد الله صادقا وجده، وأنجز بالوفاء موعده، فمن خضع لله وانقاد لأولياء الله، فله أجره عند ربه، وهو المعرفة به، ولا خوف عليه من القطيعة، ولا يحزن على فوات نصيبه من المعرفة. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:113
يقول الحق جل جلاله: إخبارا عن مقالات اليهود والنصارى وتقبيحا لصنيعهم: { وقالت اليهود } في الرد على النصارى: { ليست النصارى على شيء } يعتد به، { وقالت النصارى } في سب اليهود، { ليست اليهود على شيء } يعتمد عليه، والحالة أنهم { يتلون الكتاب } ، فاليهود يتلون التوراة وفيها البشارة بعيسى عليه السلام، والنصارى يتلون الإنجيل، وفيه تقرير شريعة التوراة وصحة نبوة موسى عليه السلام، فقد كفرت كل فرقة بكتابها غضبا وتعصبا، ومثل مقالتهم هذه { قال الذين لا يعلمون } وهم المشركون، فقالوا: ليس المسلمون على شيء، { فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } فيدخل أهل الحق الجنة وأهل الباطل النار، وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما قصه الحق تعالى علينا من مساوئ غيرنا فالمقصود به التنفير والتحذير من مثل ما راتكبوه، والتخلق بضد ما فعلوه، فكل من تراه ينقص الناس ويصرهم فهو أصغرهم، وكل من تراه يقول: أصحاب سيدي فلان ليسوا على شيء، وأصحاب سيدي فلان ليس عندهم شيء، فليس هو على شيء، وقد ابتلي بعض المتصوفة بهذا الوصف الذميم، ينصب الميزان على الناس، فيسقط ثوما ويرفع آخرين، وهو يتلو كتاب الله، ويسمع قوله تعالى:
ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا...
[الحجرات: 12] الآية. وأكثر ما تجد هذا الوصف في بعض الفقهاء المتجمدين على ظاهر الشريعة، يعتقد ألا علم فوق علمه، ولا فهم فوق فهمه، كيف؟ والله تعالى يقول:
ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا
[الإسراء: 85]،
وفوق كل ذى علم عليم
[يوسف: 76]، وقد قال إمام الحرمين: لإن أدخل ألف كافر في الإسلام بشبهة خير من إخراج واحد منه بشبهة. فالواجب على من أراد السلامة أن يحسن الظن بجميع المسلمين، ويعتقد فيهم أنهم كلهم صالحون، ففي الحديث:
" خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حسن الظن بالله، وحسن الظن بعباد الله، وخصلتان ليس فوقهما شيء من الشر: سوء الظن بالله، وسوء الظن بعباد الله "
وبالله التوفيق. ثم وبخ الحق - تعالى - النصارى على منع الناس من بيت المقدس وإيذاء من يصلي فيه، وطرح الأقذاء فيه، مع زعمهم أنهم على الحق دون غيرهم، قاله ابن عباس، أو كفار قريش حيث منعوا المسلمين من الصلاة فيه، وصدوا رسول الله عن الوصول إليه، قاله ابن زيد، والتحقيق: أن الحق تعالى وبخ الجميع.
البقرة 2:114
قلت: { من } مبتدأ، و { أظلم } خبر، و { أن يذكر } إما منصوب على إسقاط الخافض وتسلط الفعل عليه، أي: من أن يذكر، أو بدل اشتمال من { مساجد } ، أو مجرور بالحروف المحذوف، قاله سيبويه. و { خائفين } حال من الواو. يقول الحق جل جلاله: لا أحد أكثر جرما ولا أعظم ظلما { ممن } يمنع { مساجد الله } من { أن يذكر } اسم الله فيها، جماعة أو فرادى، في صلاة أو غيرها، { وسعى في خرابها } حيث عطل عمارتها، { أولئك ما كان } ينبغي { لهم أن يدخلوها } إلا بخشية وخشوع، فكيف يجترئون على تخريبها؟ أو ما كان الواجب أن يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا عن أن يمنعوهم منها، أو { ما كان لهم } في علم الله وقضائه { أن يدخلوها إلا خائفين } ، فيكون وعدا أنجزه الله لهم، وقد فتح الله لهم مكة والشام، فكان لا يدخل بيت الله الحرام كافر إلا خفية، خائفا من القتل، ولا يدخل نصراني بيت المقدس إلا خائفا من المسلمين، فنالهم { في الدنيا خزي } وهو قتل الحربي، وضرب الجزية على الذمي، وخزي المشركين قتلهم يوم الفتح، وإذلالهم بدخولها عليهم عنوة، ولمن مات على الكفر { في الآخرة عذاب عظيم }. وهذه الآية - وإن نزلت في الكفار - فهي عامة لكل من يمنع الناس من الذكر في المساجد، كيفما كان قياما أو قعودا، جماعة أو فرادى، والله تعالى أعلم. الإشارة: مساجد الله هي حضرة القلوب وحضر الأرواح وحضرة الأسرار، فحضرة القلوب لأهل المراقبة من أهل الإيمان، وحضرة الأرواح والأسرار لأهل المشاهدة والمكالمة من أهل الإحسان، فمن منع نفسه من الدخول في هذه الحضرات الثلاث، وسعى في خراب باطنه باتباع الحظوظ والشهوات، ومال إلى الدنيا وزخارفها الغرارات، فلا أحد أظلم منه نفسا، ولا أبخس منه صفقة. فلا ينجع في هؤلاء إلا خوف مزعج أو شوق مقلق. فإن لم يكن أحد من هذين بقي على غيه حتى مخايل الموت. فيحن إلى الدخول فيها خائفا، ولا ينفع حينئذ الندم، وقد زلت به القدم، له في الدنيا ذلك الفقر والجزع، وله في الآخرة غم الحجاب وسوء الحساب وحسرة العتاب، نسأل الله العافية في الدارين. آمين. بمنه وكرمه. وقال القشيري: نفس العابد وطن العبادة، وقلب العارف وطن المعرفة، وروح الواجد وطن المحبة، وسر الموحد وطن المشاهدة، ولا أظلم ممن سعى في خراب وطن العابد بالشهوات، وفي وطن المعرفة بالمنى والعلاقات، وفي وطن المحبة بالحطوط والمساكنات، وفي وطن الموحد بالالتفات إلى القربات. ه. وبالله التوفيق.
البقرة 2:115
قلت: { أينما } شرطية، و { تولوا } شرطها، وجملة { فثم } جوابها، وولي يستعمل بمعنى أدبر وبمعنى أقبل، تقول: وليت عن كذا أو كذا، والوجه هنا بمعنى الجهة، تقول: سافرت في وجه كذا، أي في جهة كذا. قاله ابن عطية. يقول الحق جل جلاله: { ولله المشرق والمغرب } ، والجهات كلها له، لا يختص ملكه بمكان دون آخر، فإذا منعتم من الصلاة في المساجد ففي أي مكان كنتم ووليتم وجهكم إلى القبلة التي أمرتم بالتوجه إليها فثم جهته التي أمر بها، أو فثم ذاته المقدسة، أي: عالم مطلع على ما يفعل فيه، { إن الله واسع } بإحاطته بالإشياء، أو برحمته يريد التوسعة على عباده { عليم } بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها. وعن ابن عمر: أنها نزلت في صلاة المسار على الراحلة حيثما توجهت به، وقيل: في قوم عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم، وعلى هذا: لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ، لم يلزمه التدارك. قاله البيضاوي. الإشارة: اعلم أن الأماكن والجهات، وكل ما ظهر من الكائنات، قائمة بأنوار الصفات، ممحوة بأحدية الذات، " كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان " إذ لا وجود لشيء مع الله، { فأينما تولوا فثم وجه الله } ، محق الآثار بإفلاك الأنوار، وانمحت الأنوار بأحدية الأسرار، وانفرد بالوجود الواحد القهار، ولله در القائل:
مذ عرفت الإله لم أر غيرا وكذا الغير عندنا ممنوع مذ تجمعت ما خشيت افترقا فأنا اليوم واصل مجموع
وقال آخر:
فالكل دون إن حققته عدم على التفصيل والإجمال من لا وجود لذاته من ذاته فوجوده لولاه عين محال
وقال صاحب العينية:
تجلى حبيبي في مرائي جماله ففي كل مرئي للحبيب طلائع فلما تبدى حسنه متنوعا تسمى بأسماء فهن مطالع
وقال الششتري:
محبوبي قد عم الوجود وقد ظهر في بيض وسود
قال بعض السلف: دخلت ديرا جاء وقت الصلاة، فقلت لبعض النصارى: دلني على بقعة طاهرة أصلي فيها، فقال لي: طهر قلبك عما سواه، وقف حيث شئت، قال: فخجلت منه. ويحكى عن أبي يزيد رضي الله عنه أنه كان يصلي إلى جهة شاء، ويتلو هذه الآية، فالوجه عند أهل التحقيق هو عين الذات، يعني أسرار الذات وأنوار الصفات. قال تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه } أي: كل شيء فان ومستهلك في الحال والاستقبال إلا ذاته المقدسة، وأنشدوا:
فالعارفون فنوا بأن لم يشهدوا شيئا سوى المتكبر المتعالي ورأوا سواه على الحقيقة هالكا في الحال والماضي والاستقبال
وقلت في تائيتي الخمرية في وصف الخمرة الأزلية:
تنزهت عن حكم الحلول في وصفها فليس لها في سوى شكله حلت تجلت عروسا في مرائي جمالها وأرخت ستور الكبرياء بعزة فما ظهر في الكون غير بهائها وما احتجبت إلا لحجب سريرة
ولما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت المشركون: الملائكة بنات الله، رد الله تعالى عليهم.
البقرة 2:116
قلت: هذه الجملة معطوفة على قوله: { وقالت اليهود... } الخ، ومن قرأ بغير واو جعلها مستأنفة، و { بديع }: بمعنى مبدع، والإبداع: اختراع الشيء من غير تقدم شيء. وقوله: { كن فيكون } قدره سبيويه: فهو يكون، وقرأ ابن عامر بنصب المضارع، ولحنه بعضهم لأن المنصوب في جواب الأمر لا بد أن يصلح جوابا لشرطه، تقول: اضرب زيدا فيستقيم، أي: إن تضربه يستقيم. ولا يصلح أن تقول هنا: إن يكن يكن، وقد يجاب بحمله على المعنى، والتقدير: إن قلت كن يكن. يقول الحق جل جلاله: وقالت اليهود والنصارى والمشركون: { اتخذ الله ولدا } تعالى الله عن قولهم، وتنزه عن ذلك لأنه يقتضي الجنسية والمشابهة والاحتياج، والحق منزه عن ذلك. بل كل ما استقر في السماوات السبع والأرضين السبع ملكه وعبيده، فكيف يكون العبد ولدا لمالكه؟. وأيضا كل ما ظهر في الوجود كله قانت، أي: خاضع ومطيع لله، وعابد له، ومقهور تحت حكمه ومشيئته، وذلك مناف لحال البنوة. وأيضا: كل ما دخل عالم التكوين فهو مبدع ومخترع لله، ومصنوع من مصنوعات الله، فلا يصح أن يكون ولدا، وأيضا: الولد يحتاج إلى صاحبة ومعالجة ومهلة، والحق تعالى أمره بين الكاف والنون، بل أسرع من لحظ العيون، فإذا { قضى أمرا } أي: أراده، { فإنما يقول له كن فيكون } ، لا يتوقف على لفظة { كن } ، وإنما هو كناية عن سرعة الاقتدار. قال البيضاوي: واعلم أن السبب في هذه الضلالة أن أرباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون الأب على الله تعالى، باعتبار أنه السبب الأول، حتى قالوا: إن الأب هو الرب الأصغر، والله تعالى هو الرب الأكبر، ثم ظن الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة، فاعتقدوا ذلك تقليدا، ولذلك كفر قائله ومنع منه مطلقا حسما لمادة الفساد. ه. الإشارة: اعلم أنك إذا نظرت بعين البصيرة، أو بحق البصيرة، إلى الوجود بأسره، وجدته ذاتا واحدة، ونسبته من الحق نسبة واحدة، أنوار ظاهرة، وأسرار باطنة، حكمته ظاهرة، وقدرته باطنة حسن ظاهر، ومعنى باطن، عبودية ظاهرية، وأسرار معاني الربوبية باطنة إذا لا قيام للعبودية إلا بأسرار معاني الربوبية، قال تعالى:
إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا
[فاطر: 41]، وقال تعالى:
الله نور السماوات والأرض
[النور: 35]، وقال في الحكم: " الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة، فالنفس تنظر إلى ظاهر بهجتها، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها ". فأهل الفرق يثبتون الأشياء مستقلة مع الله، وربما تغالى بعضهم فأشركها معه في الألوهية، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال محيي الدين الحاتمي: من رأى الخلق لا فعل لهم فقد فاز، ومن رآهم لا حياة لهم فقد جاز، ومن رآهم بعين العدم فقد وصل. ه. قلت: ومن أثبتهم بالله فقد تمكن وصاله، وأنشدوا:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم تشاهد به سواه هناك تهدي إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
ه. ولما قال رافع بن حريملة - من أحبار يهود - للرسول صلى الله عليه وسلم: أسمعنا كلام الله إن كنت رسوله، أو أرنا آية تصدقك.
البقرة 2:117
قلت: هذه الجملة معطوفة على قوله: { وقالت اليهود... } الخ، ومن قرأ بغير واو جعلها مستأنفة، و { بديع }: بمعنى مبدع، والإبداع: اختراع الشيء من غير تقدم شيء. وقوله: { كن فيكون } قدره سبيويه: فهو يكون، وقرأ ابن عامر بنصب المضارع، ولحنه بعضهم لأن المنصوب في جواب الأمر لا بد أن يصلح جوابا لشرطه، تقول: اضرب زيدا فيستقيم، أي: إن تضربه يستقيم. ولا يصلح أن تقول هنا: إن يكن يكن، وقد يجاب بحمله على المعنى، والتقدير: إن قلت كن يكن. يقول الحق جل جلاله: وقالت اليهود والنصارى والمشركون: { اتخذ الله ولدا } تعالى الله عن قولهم، وتنزه عن ذلك لأنه يقتضي الجنسية والمشابهة والاحتياج، والحق منزه عن ذلك. بل كل ما استقر في السماوات السبع والأرضين السبع ملكه وعبيده، فكيف يكون العبد ولدا لمالكه؟. وأيضا كل ما ظهر في الوجود كله قانت، أي: خاضع ومطيع لله، وعابد له، ومقهور تحت حكمه ومشيئته، وذلك مناف لحال البنوة. وأيضا: كل ما دخل عالم التكوين فهو مبدع ومخترع لله، ومصنوع من مصنوعات الله، فلا يصح أن يكون ولدا، وأيضا: الولد يحتاج إلى صاحبة ومعالجة ومهلة، والحق تعالى أمره بين الكاف والنون، بل أسرع من لحظ العيون، فإذا { قضى أمرا } أي: أراده، { فإنما يقول له كن فيكون } ، لا يتوقف على لفظة { كن } ، وإنما هو كناية عن سرعة الاقتدار. قال البيضاوي: واعلم أن السبب في هذه الضلالة أن أرباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون الأب على الله تعالى، باعتبار أنه السبب الأول، حتى قالوا: إن الأب هو الرب الأصغر، والله تعالى هو الرب الأكبر، ثم ظن الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة، فاعتقدوا ذلك تقليدا، ولذلك كفر قائله ومنع منه مطلقا حسما لمادة الفساد. ه. الإشارة: اعلم أنك إذا نظرت بعين البصيرة، أو بحق البصيرة، إلى الوجود بأسره، وجدته ذاتا واحدة، ونسبته من الحق نسبة واحدة، أنوار ظاهرة، وأسرار باطنة، حكمته ظاهرة، وقدرته باطنة حسن ظاهر، ومعنى باطن، عبودية ظاهرية، وأسرار معاني الربوبية باطنة إذا لا قيام للعبودية إلا بأسرار معاني الربوبية، قال تعالى:
إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا
[فاطر: 41]، وقال تعالى:
الله نور السماوات والأرض
[النور: 35]، وقال في الحكم: " الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة، فالنفس تنظر إلى ظاهر بهجتها، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها ". فأهل الفرق يثبتون الأشياء مستقلة مع الله، وربما تغالى بعضهم فأشركها معه في الألوهية، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال محيي الدين الحاتمي: من رأى الخلق لا فعل لهم فقد فاز، ومن رآهم لا حياة لهم فقد جاز، ومن رآهم بعين العدم فقد وصل. ه. قلت: ومن أثبتهم بالله فقد تمكن وصاله، وأنشدوا:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم تشاهد به سواه هناك تهدي إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
ه. ولما قال رافع بن حريملة - من أحبار يهود - للرسول صلى الله عليه وسلم: أسمعنا كلام الله إن كنت رسوله، أو أرنا آية تصدقك.
البقرة 2:118
قلت: هذه المقالة صدرت من بعض اليهود والمشركين، قالوا ذلك تعنتا وعنادا، لا طلبا لليقين، فلذلك نفى الله عنهم العلم رأسا، والمقصود في هذه الآيات كلها توبيخ اليهود. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين } لا علم عندهم: هلا { يكلمنا الله } حتى نسمع منه أنك رسوله، { أو تأتينا آية } ظاهرة، نراها جهرة تدل على رسالتك، كما كانت لموسى - عليه السلام -. وهذه المقالة التي صدرت من اليهود، تعنتا وعنادا، قد صدرت ممن قبلهم من أسلافهم، فقالوا: { أرنا الله جهرة } ، ومن النصارى فقالوا:
هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء
[المائدة: 112]، ومن المشركين فقالوا:
وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا
[الإسراء: 90، 91] الآية. فقد تماثلت قلوبهم في الكفر والعناد، وتشابهت في العتو والفساد، قد أوضحنا لك الآيات البينات، تحقق رسالتك وتقرر اصطفائيتك، لمن طلب مزيد الإيقان، وكشف البيان على نعت العيان، فأعظمها القرآن، ثم ما أوضحته من شرائع الأحكام، وما بينته من الحلال والحرام، ثم ما أخبرت به من الغيوب، وما كشفته عن القلوب من الكروب، ثم نطق الجمادات والأحجار، كحنين الجذع وانقياد كشفته عن القلوب من الكروب، ثم نطق الجمادات والأحجار، كحنين الجذع وانقياد الأشجار، وتسبيح الحصى، وتسليم الحجر، وقد نبع الماء من بين أصابعه وانهمر، إلى ما لا يعد ولا يحصى. فقد { أرسلناك بالحق } ، أي: متلبسا بالحق ومبينا له، { بشيرا } لمن صدقتك واتبعك بالنعيم المقيم، و { نذيرا } لمن خالفك بعذاب الجحيم. فلا تسأل عن حالهم إذا أفضوا إليه، فإنه أعظم من أن يذكر، وأفظع من أن يسمع، إذ لا يمكن تفسير حالهم، ولا يستطيع أحد سماع أهوالهم، فالله يعصمنا من موارد الردى، ويوفقنا لاتباع الحق والهدى، أو لا يسألك ربك عنهم فهو أعلم بحالهم، وبالله التوفيق. الإشارة: طلب الكرامات وظهور الآيات من طبع أهل الجهل والعناد، وليس هو من شيم أهل الهداية والاسترشاد. فالطريق واضح لمن طلب السبيل، والحق لائح لمن أبصر الدليل، فمن كحل عين بصرته بإثمد التوحيد الخاص، لم يقع بصره إلا على إلا على الحق، ولا يعرف إلا إياه، ورأى الأشياء كلها قائمة بالله، بل لا وجود لها مع الله، ومن فتح الله سمع قلبه لم يسمع إلا من الحق، ولا يسمع إلا به، كما قال القائل: أنا بالله أنطق ومن الله أسمع. وقال الجنيد رضي الله عنه: لي أربعون سنة أناجي الحق، والناس يرون أني أناجي الخلق. فالخالق محذوفون عند أهل العلم بالتحقيق، مثبتون عند أهل الجهل والتفريق. يقولون: لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية، مع أنه يكلمهم في كل وقت وساعة، كذلك قال من شاركهم في الجهل بالله، مع وضوح الآيات لمن عرف الله. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ولما قالت اليهود والنصارى لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك هدنة نتبعك بعدها، وأضمروا في نفوسهم أنهم لا يتبعونه حتى يتبع ملتهم، فضحهم الله تعالى.
البقرة 2:119
قلت: هذه المقالة صدرت من بعض اليهود والمشركين، قالوا ذلك تعنتا وعنادا، لا طلبا لليقين، فلذلك نفى الله عنهم العلم رأسا، والمقصود في هذه الآيات كلها توبيخ اليهود. يقول الحق جل جلاله: { وقال الذين } لا علم عندهم: هلا { يكلمنا الله } حتى نسمع منه أنك رسوله، { أو تأتينا آية } ظاهرة، نراها جهرة تدل على رسالتك، كما كانت لموسى - عليه السلام -. وهذه المقالة التي صدرت من اليهود، تعنتا وعنادا، قد صدرت ممن قبلهم من أسلافهم، فقالوا: { أرنا الله جهرة } ، ومن النصارى فقالوا:
هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من السمآء
[المائدة: 112]، ومن المشركين فقالوا:
وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا
[الإسراء: 90، 91] الآية. فقد تماثلت قلوبهم في الكفر والعناد، وتشابهت في العتو والفساد، قد أوضحنا لك الآيات البينات، تحقق رسالتك وتقرر اصطفائيتك، لمن طلب مزيد الإيقان، وكشف البيان على نعت العيان، فأعظمها القرآن، ثم ما أوضحته من شرائع الأحكام، وما بينته من الحلال والحرام، ثم ما أخبرت به من الغيوب، وما كشفته عن القلوب من الكروب، ثم نطق الجمادات والأحجار، كحنين الجذع وانقياد كشفته عن القلوب من الكروب، ثم نطق الجمادات والأحجار، كحنين الجذع وانقياد الأشجار، وتسبيح الحصى، وتسليم الحجر، وقد نبع الماء من بين أصابعه وانهمر، إلى ما لا يعد ولا يحصى. فقد { أرسلناك بالحق } ، أي: متلبسا بالحق ومبينا له، { بشيرا } لمن صدقتك واتبعك بالنعيم المقيم، و { نذيرا } لمن خالفك بعذاب الجحيم. فلا تسأل عن حالهم إذا أفضوا إليه، فإنه أعظم من أن يذكر، وأفظع من أن يسمع، إذ لا يمكن تفسير حالهم، ولا يستطيع أحد سماع أهوالهم، فالله يعصمنا من موارد الردى، ويوفقنا لاتباع الحق والهدى، أو لا يسألك ربك عنهم فهو أعلم بحالهم، وبالله التوفيق. الإشارة: طلب الكرامات وظهور الآيات من طبع أهل الجهل والعناد، وليس هو من شيم أهل الهداية والاسترشاد. فالطريق واضح لمن طلب السبيل، والحق لائح لمن أبصر الدليل، فمن كحل عين بصرته بإثمد التوحيد الخاص، لم يقع بصره إلا على إلا على الحق، ولا يعرف إلا إياه، ورأى الأشياء كلها قائمة بالله، بل لا وجود لها مع الله، ومن فتح الله سمع قلبه لم يسمع إلا من الحق، ولا يسمع إلا به، كما قال القائل: أنا بالله أنطق ومن الله أسمع. وقال الجنيد رضي الله عنه: لي أربعون سنة أناجي الحق، والناس يرون أني أناجي الخلق. فالخالق محذوفون عند أهل العلم بالتحقيق، مثبتون عند أهل الجهل والتفريق. يقولون: لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية، مع أنه يكلمهم في كل وقت وساعة، كذلك قال من شاركهم في الجهل بالله، مع وضوح الآيات لمن عرف الله. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ولما قالت اليهود والنصارى لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك هدنة نتبعك بعدها، وأضمروا في نفوسهم أنهم لا يتبعونه حتى يتبع ملتهم، فضحهم الله تعالى.
البقرة 2:120
B>: الملة هي الشريعة، وهي ما شرع الله على لسان أنبيائه ورسله، من أملت الكتاب وأمليته، إذا قرأته. والهوى: رأى يتبع الشهوة. يقول الحق جل جلاله: لرسول صلى الله عليه وسلم: { ولن ترضى عنك اليهود } وتتبع دينك أبدا، { ولا النصارى } كذلك { حتى تتبع ملتهم } على فرض المحال، والمقصود قطع رجائه من إسلامهم باختيارهم لأن اتباعه ملتهم محال، وكذلك إسلامهم. ولعله في قوم مخصوصين. ثم زاد في التنفير من اتباعهم فقال: { ولئن اتبعت أهواءهم } الباطلة فرضا وتقديرا { بعد الذي جاءك من العلم } بالله وبأحكامه على المنهاج القويم، { ما لك من الله من ولي } يمنعك منا، { ولا نصير } ينصرك من غيرنا، أي: لا ولي ولا نصير لك إلا نحن حيث واليتنا، وأحببتنا، وأظهرت ملتنا، فنحن لك على ما تحب وترضى. الإشارة: التماس رضى الناس من علامة الإفلاس، ولن يرضى عنك الناس حتى تتبع أهواءهم، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما تحققت ما هم فيه، إنك إذا لمن الظالمين، فمن التمس رضى الناس وقع في سخط الله، ومن التمس رضى الله قطع يأسه من الناس، ولذلك قال بعضهم: كل ما سقط من عين الخلق عظم في عين الحق، وكل ما عظم في عين الخلق سقط من عين الحق، وقال آخر: إن الذي تكرهون مني هو الذي يشتهيه قلبي. ه. وقال بعض الصالحين: لقيت بعض الأبدال، فقلت له: دلني على الطريق؟ فقال: لا تخالط الناس؟ فإن مخالطتهم ظلمة، فقلت: لا بد من مخالطتهم وأنا بين أظهرهم؟ فقال: لا تعاملهم، فإن معاملتهم خسران. قلت: لا بد من معاملتهم؟ فقال: لا تركن إليهم، فإن في الركون إليهم هلكة، فقالت: هذا لعله يكون؟ فقال: يا هذا، أتخالط البطالين، وتعامل الجاهلين، وتركن إلى الهلكى، وتحب أن يكون قلبك مع الله؟ هيهات... هذا لا يكون أبدا، ثم غاب عني ولم أره. ولما عاتب الله بني إسرائيل ووبخهم استثنى من آمن منهم.
البقرة 2:121
قلت: جملة { يتلونه } حال، و { أولئك } خبر الموصول. يقول الحق جل جلاله: { الذين آتيناهم الكتاب } ، كعبد الله بن سلام وأصحابه، حالتهم { يتلونه حق تلاوته } غير محرفين له، ولا كاتمين ما فيه، { أولئك } هم الذين { يؤمنون به } حقيقة، وأما غيرهم ممن حرف وكتم صفة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كفر به، { ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون } أي: الكاملون في الخسران، حيث بخسوا أنفسهم من عز الدارين. الإشارة: ما قيل في التوراة وأصحابه يقال مثله في القرآن وأهله فمن آتاه الله القرآن، وتلاه حق تلاوته، بحيث جود حروفه وتدبر معانيه، وعمل بما فيه، فأولئك هم المؤمنون به حقا، والفائزن بثمار معانيه حلاوة وذوقا، ومن ترك التدبر في معانيه فقد حرم نفسه ثمار حلاوته، وذلك عين الخسران عند أهل الإيقان. وبالله التوفيق.
البقرة 2:122
قلت: جملة { لا تجزي }: نعت ليوم، وحذف العائد، أي: لا تجزي فيه نفس، قال المرادي: إذا نعت بالجملة اسم زمان جاز حذف عائده ثم استدل بالآية. وهل حذف برمته أو بالتدريج؟ قولان. يقول الحق جل جلاله: { يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } بأن جعلت الأنبياء تسوسكم، والملوك منكم يدبرون أموركم، و { فضلتكم } على عالم زمانكم، فاشكروا هذه النعم بالإيمان بالرسول الذي أرسلته إليكم، وخافوا أهوال يوم القيامة، الذي لا تغنى فيه { نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها } فداء إن أرادت الفداء، { ولا تنفعها شفاعة } شافع، ولا يدفع عنها أهوال ذلك اليوم ولي ولا ناصر، إلا من اتخذ يدا عند الملك القادر، وبالله التوفيق، وتقدمت إشارة هذه الآية في الآية الأولى. ولما أراد الحق تعالى أن ينسخ القبلة ويردها إلى بيت الله الحرام بعد أن كانت إلى بيت المقدس، ذكر خصوصية من بناه، وكيفية بنائه، وفي ضمن ذلك ذكر شرفه ليكون ذلك داعيا إلى الامتثال.
البقرة 2:123
قلت: جملة { لا تجزي }: نعت ليوم، وحذف العائد، أي: لا تجزي فيه نفس، قال المرادي: إذا نعت بالجملة اسم زمان جاز حذف عائده ثم استدل بالآية. وهل حذف برمته أو بالتدريج؟ قولان. يقول الحق جل جلاله: { يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } بأن جعلت الأنبياء تسوسكم، والملوك منكم يدبرون أموركم، و { فضلتكم } على عالم زمانكم، فاشكروا هذه النعم بالإيمان بالرسول الذي أرسلته إليكم، وخافوا أهوال يوم القيامة، الذي لا تغنى فيه { نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها } فداء إن أرادت الفداء، { ولا تنفعها شفاعة } شافع، ولا يدفع عنها أهوال ذلك اليوم ولي ولا ناصر، إلا من اتخذ يدا عند الملك القادر، وبالله التوفيق، وتقدمت إشارة هذه الآية في الآية الأولى. ولما أراد الحق تعالى أن ينسخ القبلة ويردها إلى بيت الله الحرام بعد أن كانت إلى بيت المقدس، ذكر خصوصية من بناه، وكيفية بنائه، وفي ضمن ذلك ذكر شرفه ليكون ذلك داعيا إلى الامتثال.
البقرة 2:124
قلت: { ابتلى } اختبر، و { إبراهيم } مفعول، وفيه أربع لغات، إبراهام وإبراهوم وإبراهيم وبالقصر، و { ربه } فاعل، وقدم المفعول للاهتمام، وقدم المفعول للاهتمام، ولئلا يعود الضمير على بعده لفظا ورتبة، و { عهدي } فاعل، و { الظالمين } مفعول. يقول الحق جل جلاله: واذكر يا محمد، أو اذكروا يا بني إسرائيل، حين اختبر { إبراهيم ربه بكلمات } أن يعمل بها، وهي: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضيفان، أو عشر خصال: خمس في الرأس: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، وفرق الرأس: وقيل: وإعفاء اللحية، وخمس في الجسد: تقليم الظفر، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستنجاء بالماء، والاختتان، أو مناسك الحج أو الخصال التي امتحن بها وهي: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والذبح، والأحسن أنها ثلاث: الهجرة من وطنه، ورمي ولده بمكة، وذبح الآخرة حين بلغ أن يسعى معه { فأتمهن } أي: وفى بهن، فلما وفى بهن { قال } الله تعالى له: { إني جاعلك للناس إماما } ، أي: قدوة بك في بك في التوحيد، أو في الأصول والفروع، إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته، ومأمور باتباعه. ولما جعله الله إماما طلب ذلك لأولاده فقال: { ومن ذريتي } فاجعل أئمة، { قال } الحق تعالى: { لا ينال عهدي } أي: لا يلحق عهدي بالإمامة { الظالمين } منهم، إذ لا يصلح للإمامة إلا البررة الأتقياء، لأنها أمانة من الله وعهد، والظالم لا يصلح لها، وفيه تنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة لا يستحقون الإمامة، وفيه دليل على عصمة الأنبياء قبل البعثة، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة. قاله البيضاوي. الإشارة: إذا أراد الله تعالى أن يجعل وليا من أوليائه إماما يقتدى به، وداعيا يدعو إليه، ابتلاه، فإن صبر ورضي اصطفاه، ولحضرته اجتباه، فيكون إماما يقتدى به، وداعيا يهتدى به، وهذه سنة الله تعالى في أصفيائه يبتليهم الله تعالى بتسليط الخلق عليهم وأنواع من البلايا، فإذا نقوا من البقايا، وتكلمت فيهم المزايا، أظهرهم للخلق داعين إلى الله ومرشدين إلى طريق الله، وقد تبقى الإمامة ذريتهم إن ساروا على هديهم، ومن لم يسلك به هذا المسلك فلا يصلح للإمامة، وإن توجه إليها كان ناقصا في الدعوة، ولذلك قال بعضهم: من ادعى شهود الجمال قبل تأدبه بالجلال، فارفضه فإنه دجال. ه. وكل من اتصف بشيء من ظلم العباد لا ينال عهد الإمام في طريق الإرشاد، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
البقرة 2:125
قلت: { المثابة }: المرجع الذي يثوب الناس إليه كل سنة، و { اتخذوا }: على قراءة الأمر، محكي بقول محذوف، أي: وقلنا اتخذوا، وعلى قراءة الماضي: معطوف على { جعلنا } ، أي: جعلناه مثابة، واتخذه الناس مصلى. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { إذ جعلنا البيت } الحرام: أي: الكعبة، مرجعا للناس يرجعون لزيارته والطواف به كل سنة، وجعلناه محل أمن، كل من دخله كان آمنا من عقوبة الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الناس يتخطفون من حوله، وأهله آمنون، وأمافي الآخرة فلأن الحج يجب ما قبله، وهذا يدل على شرف البيت وحرمته. وقلنا لهم: { اتخذوا من مقام إبراهيم } ، وهو الحجر الذي فيه أثر قدميه، { مصلى } تصلون إليه، وهو الذي يصلون خلفه ركعتي الطواف، { وعهدنا } أي: أوحينا { إلى إبراهيم وإسماعيل } ولده، بأن قلنا لهما: { طهرا بيتي } من الأدناس والأرجاس والأصنام والأوثان، { للطائفين } به { والعاكفين } أي: المقيمين فيه، والمصلين فيه الراكعين الساجدين. فكان البيت مطهرا في زمانهما وبعدهما زمانا، ثم أدخلت فيه الأصنام فطهره نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتبقى طهارته حتى يأتي أمر الله، والله تعالى أعلم. الإشارة: القلب هو بيت الرب، يقول الله تبارك وتعالى لبعض أنبيائه: " طهر لي بيتا أسكنه، فقال: يا رب أي بيت يسعك؟ فقال له: لن تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ". فإذا تطهر القلب من الأغيار وملئ بالأنوار، وتمكنت فيه المعارف والأسرار، كان مرجعا وملجأ للعباد، كل من وصل إليه، وطاف به، كان آمننا من الزيغ والعناد، ومن خواطر السوء سوء الاعتقاد، ومن دخله والوداد، أمن من الطرد والبعاد، وكان عند الله من أفضل العباد. ومقام إبراهيم - عليه السلام - هو الاستغراق في عين بحر الشهود، ورفع الهمة عن ما سوى الملك المعبود. وهذا المقام هو الذي اتخذه العارفون كعبة لصلاة قلوبهم، وغاية لمنتهى قصودهم.
عباراتهم شتى، وحسنك واحد، وكل إلى ذلك الجمال يشير
وقد عهد الله تعالى إلى أنبيائه وأصفيائه أن يطهروا قلوبهم من الأغيار، ويرفضوا كل ما سواه من الأكدار، لتتهيأ بذلك لطواف الواردات والأنوار، ولعكوف المعارف والأسرار، وتخضع لهيبتها ظواهر الأشباح، وتنقاد لجمال بهجتها القلوب والأرواح، وما ذلك على الله بعزيز.
البقرة 2:126
قلت: الإشارة تعود إلى المكان، أو البلد، أي: اجعل هذا المكان بلدا ذا أمن، قال بعضهم: نكر البلد هنا، وعرفه في سورة إبراهيم، لان هذا الدعاء وقع قبل أن يكون بلدا، وفي سورة إبراهيم وقع بعد أن كان بلدا فلذلك عرفه، وفيه نظر من جهة التاريخ، وسيأتي تمامه هناك إن شاء الله. وقوله: { من آمن }: بدل من { أهله } ، بدل البعض للتخصيص، و { من كفر }: معطوف على { من آمن } ، على حذف المضارع، أي: وارزق من كفر. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قال إبراهيم } في دعائه لمكة لما أنزل ابنه بها بواد غير ذي زرع، وتركه في يد الله تعالى: { رب اجعل هذا } المكان { بلدا آمنا } يأمن فيه كل من يأوي إليه، { وارزق أهله من } أنواع { الثمرات } ، كالحبوب وسائر الفواكه، { من آمن منهم بالله واليوم الآخر } { قال } الحق جل جلاله: بل وأرزق أيضا { من كفر } في الدنيا { فأمتعه } زمنا { قليلا } ، أو تمتيعا قليلا، { ثم } ألجئه { إلى عذاب النار } وبئس المرجع مصيره. قاس إبراهيم الخليل الرزق على الإمامة، فنبه سبحانه وتعالى أن الرزق رحمه دنيوية، تعم المؤمن والكافر، بخلاف الإمامة، والتقدم في الدين، فإنها سبب النعيم الأخروي، ولا ينالها إلا أهل الإيمان والصلاح. الإشارة: دعاء الأنبياء عليهم السلام، كما يصدق بالحس يصدق بالمعنى، فيشمل دعاء الخيل القلوب التي هي بلد الإيمان، والأرواح التي هي معدن الأسرار والإحسان، فتكون آمنة من طوارق الشيطان، ومحفوظة من الوقوف مع رؤية الأكوان، آمنة من الأكدار، محفوظة من رؤية الإغيار، فيرزقها الله من ثمرة العلوم، ويفتح لها من مخازن الفهوم، من آمن منهم بالشريعة الظاهرة، وجاهد نفسه في عمل الطريقة الباطنة، حتى أشرقت عليه أنوار الحقيقة العيانية، وأما من كفر بطريقة الخصوص، ووقف مع ظاهر النصوص، فإنما يمتع بعلم الرسوم الذي حد حلاوته اللسان، ثم يلجأ إلى عذاب الحجاب، وسوء الحساب، ولم يفض إلى حلاوة الشهود والعيان، التي يمتع بها الجنان حتى يفضي إلى نعيم الجنان، فيتم النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم، منحنا الله من ذلك حظا وافرا يمنه وكرمه.
البقرة 2:127
قلت: { القواعد } جمع قاعدة، وهي الأساس، وكأنه مأخوذ من العقود بمعنى الثبات، وأما القواعد من النساء، فجمع قاعد، بلا تاء، لأنه وصف خاص بالنساء، فلا يحتاج إلى تمييز التاء، و { ربنا } منصوب على النداء محكي بحال محذوفة، أي: حال كونهم قائلين ربنا... الخ. يقول الحق جل جلاله: واذكر وقت رفع { إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل } ، وبنائهما له، بعد أن درس بالطوفان، وكان بناء آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض بإعلام الملائكة، كان إبراهيم عليه السلام يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، فنسب البناء لهما لتعانهما، وقيل: كانا يبنيان كل في ناحية، حال كونهما قائلين: { ربنا تقبل منا } علمنا هذا، { إنك أنت السميع } لدعائنا، { العليم } بنياتنا وسرائرنا. الإشارة: ينبغي للعبد أن يرفع قواعد إسلامه، ويشيد دعائمه بتحقيق أركانه، كإتقان الشهادتين بتحقيق معانيها، وإتقان الصلاة بإتقان أركانها الظاهرة والباطنة، وإتقان الزكاة بإخلاص أدائها، وإتقان الصيام بتحصيل آدابه، وإتقان الحج بتحصيل مناسكه بعد وجوبه، ويرفع أيضا قواعد إيمانه بتحقيق أركانه، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، حلوه ومره، اعتقادا وذوقا، ويرفع أيضا قواعد إحسانه، بتحصيل مراتبه، كتحقيق المشاهدة، وهو أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يستطع فليعبده كأن الله يراه، وإن شئت قلت: رفع قواعد الإسلام يكون بتحقيق التوبة والتقوى والاستقامة، ورفع قواعد الإيمان يكون بتحقيق الإخلاص والصدق والطمأنينة، ورفع قواعد الإحسان يكون بالمراقبة والمشاهدة والمعرفة، كما قال الساحلي - رحمه الله -.
البقرة 2:128
قلت: قال ابن عباس رضي الله عنه: لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بناء البيت، دعوا بهذا الدعاء، فقال: { ربنا واجعلنا مسلمين لك } أي: منقادين لأوامرك الظاهرة ولأحكامك القهرية. واجعل { من ذريتنا أمة } أي: جماعة { مسلمة لك }؟ علما - بوحي أو إلهام - أنه يكون من ذريتهما من يكفر بالله، { وأرنا } أي: عرفنا وعلمنا { مناسكنا } في الحج. والنسك في الأصل: غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من المشاق والكلفة، والبعد عن العادة. { وتب علينا } مما لا يليق بحالنا، فسحنات الأبرار سيئات المقربين، فلكل مقام ما ينقصه وإن كان كاملا. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يستغفر في الملجس سبعين مرة.إذ ما من مقام إلا وقبله ما فيه نقص، فإذا ترقى عنه استغفر منه { إنك أنت التواب الرحيم } أي: كثير القبول والإقبال على التائبين. { ربنا وابعث فيهم } أي: في الذرية { رسولا منهم } وهو مولانا محمد صلى الله عليه وسلم قال - عليه الصلاة والسلام -:
" أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى "
، حال كونه { يتلو عليهم } أي: يبلغهم { آياتك } الدالة على توحيدك وصدق رسالتك، { ويعلمهم الكتاب } أي: القرآن { والحكمة } أي: الشريعة أو السنة. وقال مالك: هي الفقه في الدين والفهم فيه، أو نور يضعه في قلب من شاء من عباده، { ويزكيهم } أي: يطهرهم من لوث المعاصي وكدر الحس، { إنك أنت العزيز } الغالب في حكمه وسلطانه، { الحكيم } في صنعه وإتقانه، والله تعالى أعلم. الإشارة: تضمن دعاؤهما عليهما السلام ثلاثة أمور يطلب التماسها والتحقق بها من كل أحد أولها: الانقياد لله في الظاهر والباطن، بامتثال أمره والاستسلام لقهره، حتى يسري ذلك في الأصل إلى فرعه، وهي غاية المنة، قال في الحكم: " متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره، وفي الباطن مستسلما لقهره، فقد أعظم منته عليك ". الثاني: معرفته الطريق، والسلوك على جادتها، كارتكاب مشاق الطاعات، ومعانقة مخالفة الهوى والشهوات، ورؤية التقصير في ذلك، وطلب التوبة مما هنالك، وهذه هي مناسك حج القلوب، والطريق الموصل إلى عرفة حضرة الغيوب، والثالث: الظفر بالداعي إلى الله والدال عليه، وهو المعلم الأكبر، صحبته تطهر من العيوب، ورؤيته تغني القلوب، وتدخلها إلى حضرة الغيوب، ظاهره قائم بوظائف الحكمة، وباطنه مشاهد لتصاريف القدرة، وهذا هو القائم بالتربية النبوية. وبالله التوفيق.
البقرة 2:129
قلت: قال ابن عباس رضي الله عنه: لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بناء البيت، دعوا بهذا الدعاء، فقال: { ربنا واجعلنا مسلمين لك } أي: منقادين لأوامرك الظاهرة ولأحكامك القهرية. واجعل { من ذريتنا أمة } أي: جماعة { مسلمة لك }؟ علما - بوحي أو إلهام - أنه يكون من ذريتهما من يكفر بالله، { وأرنا } أي: عرفنا وعلمنا { مناسكنا } في الحج. والنسك في الأصل: غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من المشاق والكلفة، والبعد عن العادة. { وتب علينا } مما لا يليق بحالنا، فسحنات الأبرار سيئات المقربين، فلكل مقام ما ينقصه وإن كان كاملا. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يستغفر في الملجس سبعين مرة.إذ ما من مقام إلا وقبله ما فيه نقص، فإذا ترقى عنه استغفر منه { إنك أنت التواب الرحيم } أي: كثير القبول والإقبال على التائبين. { ربنا وابعث فيهم } أي: في الذرية { رسولا منهم } وهو مولانا محمد صلى الله عليه وسلم قال - عليه الصلاة والسلام -:
" أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى "
، حال كونه { يتلو عليهم } أي: يبلغهم { آياتك } الدالة على توحيدك وصدق رسالتك، { ويعلمهم الكتاب } أي: القرآن { والحكمة } أي: الشريعة أو السنة. وقال مالك: هي الفقه في الدين والفهم فيه، أو نور يضعه في قلب من شاء من عباده، { ويزكيهم } أي: يطهرهم من لوث المعاصي وكدر الحس، { إنك أنت العزيز } الغالب في حكمه وسلطانه، { الحكيم } في صنعه وإتقانه، والله تعالى أعلم. الإشارة: تضمن دعاؤهما عليهما السلام ثلاثة أمور يطلب التماسها والتحقق بها من كل أحد أولها: الانقياد لله في الظاهر والباطن، بامتثال أمره والاستسلام لقهره، حتى يسري ذلك في الأصل إلى فرعه، وهي غاية المنة، قال في الحكم: " متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره، وفي الباطن مستسلما لقهره، فقد أعظم منته عليك ". الثاني: معرفته الطريق، والسلوك على جادتها، كارتكاب مشاق الطاعات، ومعانقة مخالفة الهوى والشهوات، ورؤية التقصير في ذلك، وطلب التوبة مما هنالك، وهذه هي مناسك حج القلوب، والطريق الموصل إلى عرفة حضرة الغيوب، والثالث: الظفر بالداعي إلى الله والدال عليه، وهو المعلم الأكبر، صحبته تطهر من العيوب، ورؤيته تغني القلوب، وتدخلها إلى حضرة الغيوب، ظاهره قائم بوظائف الحكمة، وباطنه مشاهد لتصاريف القدرة، وهذا هو القائم بالتربية النبوية. وبالله التوفيق.
البقرة 2:130
قلت: { من }: استفهامية إنكارية، فيها معنى النفي، مبتدأ، و { يرغب } وما بعده خبر، و { إلا } إبطال لنفيها الذي تضمنته، و { من سفه } بدل من ضمير { يرغب } على المختار، و { نفسه } مفعول { سفه } لتضمنه معنى جهل أو أهلك، قاله الزجاج، أو على التمييز قاله الفراء لأن الضمير فيه معنى الشيوع الذي في { من } فلم يكسب التعريف، أو على إسقاط الجار وإيصال الفعل إليه، كقولهم: ضرب فلان الظهر والبطن. و { إذ } معمول لاصطفيناه، وأوصى ووصى: لغتان، إلا أن وصى فيه معنى التكثير. وضمير { بها } يعود على كلمة { أسلمت } ، أو الملة، و { يعقوب } معطوف على { إبراهيم } ، و { بني } محكي بحال محذوفة، أي: قائلين يا بني، أو مبتدأ، والخبر محذوف، أي: قال يا بني... الخ، فيوقف على { بينه }. يقول الحق جل جلاله: { ومن } هذا الذي { يرغب عن ملة إبراهيم } الواضحة { إلا } من جهل قدر { نفسه } وبسخها حقها؟ أو إلا من خف رأيه وسفهت نفسه؟ وكيف يرغب عاقل عنها وقد اخترناه أماما { في الدنيا } يقتدي به أهل الظاهر والباطن؟ { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لحضرتنا، والساكنين في جوارنا. وإنما اخترناه لذلك لأنه حين { قال له ربه }: استسلم لحكمنا، وانقد لأمرنا، قال سريعا: { أسلمت } وجهي { لرب العالمين } ، وانقدت بكليتي إليه. { ووصى } بهذه الكلمة أو الملة { إبراهيم } ، عند موته، { بنيه } ، وكانوا أربعة: إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان. وكذلك حفيده { يعقوب } أوصى بهذه الكلمة بنيه. وكانوا اثني عشر، على ما يأتي في الأسباط، قائلين في تلك الوصية: { يا بني إن الله } اختار لكم { الدين } الحنيف الواضح المنيف، فتمسكوا به ما عشتم ولا تموتن { إلا وأنتم مسلمون } متمسكون به. الإشارة: ملة أبينا إبراهيم عليه السلام هي رفع الهمة عن الخلق، وإفراد الوجهة للملك الحق، ورفض الوسائط والأسباب، والتعلق برب الأرباب، وفي ذلك يقول الشاعر، وهو الششتري:
فرفض السوي فرض علينا لأننا بملة محو الشرك والشك قد دنا
ومن ملته أيضا: ترك التدبير والاختيار، والاستسلام لأحكام الواحد القهار، فمن تمسك بهذه الخصال على التمام. ووصى بها نم لقيه من الأنام، جعله الله في الدنيا إماما يقتدي بأقواله ويهتدي بأنواره، وإنه في الآخرة لمن الصالحين المقربين مع النبيين والمرسلين، وأما من رغب عن هذه الملة الحنيفة فقد خسر الدنيا والآخرة. نسأل الله الحفظ بمنه وكرمه.
البقرة 2:131
قلت: { من }: استفهامية إنكارية، فيها معنى النفي، مبتدأ، و { يرغب } وما بعده خبر، و { إلا } إبطال لنفيها الذي تضمنته، و { من سفه } بدل من ضمير { يرغب } على المختار، و { نفسه } مفعول { سفه } لتضمنه معنى جهل أو أهلك، قاله الزجاج، أو على التمييز قاله الفراء لأن الضمير فيه معنى الشيوع الذي في { من } فلم يكسب التعريف، أو على إسقاط الجار وإيصال الفعل إليه، كقولهم: ضرب فلان الظهر والبطن. و { إذ } معمول لاصطفيناه، وأوصى ووصى: لغتان، إلا أن وصى فيه معنى التكثير. وضمير { بها } يعود على كلمة { أسلمت } ، أو الملة، و { يعقوب } معطوف على { إبراهيم } ، و { بني } محكي بحال محذوفة، أي: قائلين يا بني، أو مبتدأ، والخبر محذوف، أي: قال يا بني... الخ، فيوقف على { بينه }. يقول الحق جل جلاله: { ومن } هذا الذي { يرغب عن ملة إبراهيم } الواضحة { إلا } من جهل قدر { نفسه } وبسخها حقها؟ أو إلا من خف رأيه وسفهت نفسه؟ وكيف يرغب عاقل عنها وقد اخترناه أماما { في الدنيا } يقتدي به أهل الظاهر والباطن؟ { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لحضرتنا، والساكنين في جوارنا. وإنما اخترناه لذلك لأنه حين { قال له ربه }: استسلم لحكمنا، وانقد لأمرنا، قال سريعا: { أسلمت } وجهي { لرب العالمين } ، وانقدت بكليتي إليه. { ووصى } بهذه الكلمة أو الملة { إبراهيم } ، عند موته، { بنيه } ، وكانوا أربعة: إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان. وكذلك حفيده { يعقوب } أوصى بهذه الكلمة بنيه. وكانوا اثني عشر، على ما يأتي في الأسباط، قائلين في تلك الوصية: { يا بني إن الله } اختار لكم { الدين } الحنيف الواضح المنيف، فتمسكوا به ما عشتم ولا تموتن { إلا وأنتم مسلمون } متمسكون به. الإشارة: ملة أبينا إبراهيم عليه السلام هي رفع الهمة عن الخلق، وإفراد الوجهة للملك الحق، ورفض الوسائط والأسباب، والتعلق برب الأرباب، وفي ذلك يقول الشاعر، وهو الششتري:
فرفض السوي فرض علينا لأننا بملة محو الشرك والشك قد دنا
ومن ملته أيضا: ترك التدبير والاختيار، والاستسلام لأحكام الواحد القهار، فمن تمسك بهذه الخصال على التمام. ووصى بها نم لقيه من الأنام، جعله الله في الدنيا إماما يقتدي بأقواله ويهتدي بأنواره، وإنه في الآخرة لمن الصالحين المقربين مع النبيين والمرسلين، وأما من رغب عن هذه الملة الحنيفة فقد خسر الدنيا والآخرة. نسأل الله الحفظ بمنه وكرمه.
البقرة 2:132
قلت: { من }: استفهامية إنكارية، فيها معنى النفي، مبتدأ، و { يرغب } وما بعده خبر، و { إلا } إبطال لنفيها الذي تضمنته، و { من سفه } بدل من ضمير { يرغب } على المختار، و { نفسه } مفعول { سفه } لتضمنه معنى جهل أو أهلك، قاله الزجاج، أو على التمييز قاله الفراء لأن الضمير فيه معنى الشيوع الذي في { من } فلم يكسب التعريف، أو على إسقاط الجار وإيصال الفعل إليه، كقولهم: ضرب فلان الظهر والبطن. و { إذ } معمول لاصطفيناه، وأوصى ووصى: لغتان، إلا أن وصى فيه معنى التكثير. وضمير { بها } يعود على كلمة { أسلمت } ، أو الملة، و { يعقوب } معطوف على { إبراهيم } ، و { بني } محكي بحال محذوفة، أي: قائلين يا بني، أو مبتدأ، والخبر محذوف، أي: قال يا بني... الخ، فيوقف على { بينه }. يقول الحق جل جلاله: { ومن } هذا الذي { يرغب عن ملة إبراهيم } الواضحة { إلا } من جهل قدر { نفسه } وبسخها حقها؟ أو إلا من خف رأيه وسفهت نفسه؟ وكيف يرغب عاقل عنها وقد اخترناه أماما { في الدنيا } يقتدي به أهل الظاهر والباطن؟ { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لحضرتنا، والساكنين في جوارنا. وإنما اخترناه لذلك لأنه حين { قال له ربه }: استسلم لحكمنا، وانقد لأمرنا، قال سريعا: { أسلمت } وجهي { لرب العالمين } ، وانقدت بكليتي إليه. { ووصى } بهذه الكلمة أو الملة { إبراهيم } ، عند موته، { بنيه } ، وكانوا أربعة: إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان. وكذلك حفيده { يعقوب } أوصى بهذه الكلمة بنيه. وكانوا اثني عشر، على ما يأتي في الأسباط، قائلين في تلك الوصية: { يا بني إن الله } اختار لكم { الدين } الحنيف الواضح المنيف، فتمسكوا به ما عشتم ولا تموتن { إلا وأنتم مسلمون } متمسكون به. الإشارة: ملة أبينا إبراهيم عليه السلام هي رفع الهمة عن الخلق، وإفراد الوجهة للملك الحق، ورفض الوسائط والأسباب، والتعلق برب الأرباب، وفي ذلك يقول الشاعر، وهو الششتري:
فرفض السوي فرض علينا لأننا بملة محو الشرك والشك قد دنا
ومن ملته أيضا: ترك التدبير والاختيار، والاستسلام لأحكام الواحد القهار، فمن تمسك بهذه الخصال على التمام. ووصى بها نم لقيه من الأنام، جعله الله في الدنيا إماما يقتدي بأقواله ويهتدي بأنواره، وإنه في الآخرة لمن الصالحين المقربين مع النبيين والمرسلين، وأما من رغب عن هذه الملة الحنيفة فقد خسر الدنيا والآخرة. نسأل الله الحفظ بمنه وكرمه.
البقرة 2:133
قلت: { أم }: منقطعة، والاستفهام فيها للإنكار، أي: ما كنتم حاضرين حين حضر يعقوب الموت، وقال لبنيه ما قال، فكيف تدعون اليهودية عليه، و { إلها واحدا } بدل من { إله آبائك } ، وفائدته التصريح بالتوحيد، ونفي التوهم الناشىء عن تكرير المضاف، لتعذر العطف على المجرور، والتأكيد، أو نصب على الاختصاص أو الحال، وعد إسماعيل من الآباء تغليبا، أو لأنه كالأب لقوله - عليه الصلاة والسلام-:
" عم الرجل صنو أبيه "
وقال في العباس:
" هذا بقية آبائي "
قاله البيضاوي. يقوله الحق جل جلاله: في توبيخ اليهود على زعمهم أن اليهودية كانت ملة إبراهيم، وأن يعقوب عليه السلام أوصى بها عند موته، فقال: هل كنتم حاضرين عند يعقوب حين حضرته الوفاة حتى أوصى بما زعمتهم؟ وإنما كانت وصيته أن قال لبنيه: { ما تعبدون من بعدي } أي: أي شيء تعبدونه؟ أراد به تقريرهم على التوحيد وأخذ ميثاقهم على الثبات عليه، { قالوا } في جوابه: { نعبد إلهك } المتفق على وجوب وجوده وثبوت ألوهيته الذي هو { إلهك وإله آبائك } قبلك { إبراهيم } وولده { إسماعيل وإسحاق } الذي هو إله واحد. ونحون منقادون لأحكامه، مستسلمون لأمره إلى مماتنا، فلم يوص يعقوب إلا بما سمعتم، فانتسابكم يا معشر اليهود إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم. فتلك { أمة } أي: جماعة { قد خلت لها ما كسبت } من الخير، { ولكم ما كسبتم } أنتم، { ولا تسألون عما كانوا يعملون } فلا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم. وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم لقريش:
" لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ".
الإشارة: يقال لمن حصر الخصوصية في أسلافه، ونفاها عن غيرهم: هل حضرتم معهم حين أوصوا بذلك؟ بل ما كانوا يوصون إلا بإخلاص العبودية، وتوحيد الألوهية، ومشاهدة عظمة الربوبية، فمن حصل هذه الخصال كانت الخصوصية معه أينما كان، ومن حاد عنها ومال إلى متابعة الهوى انتقلت إلى غيره، ويقال له: إن أسلافه قد جدوا ووجدوا، وأنت لا تنتفع بأعمالهم في طريق الخصوصية، { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم... } الآية. وبالله التوفيق.
البقرة 2:134
قلت: { أم }: منقطعة، والاستفهام فيها للإنكار، أي: ما كنتم حاضرين حين حضر يعقوب الموت، وقال لبنيه ما قال، فكيف تدعون اليهودية عليه، و { إلها واحدا } بدل من { إله آبائك } ، وفائدته التصريح بالتوحيد، ونفي التوهم الناشىء عن تكرير المضاف، لتعذر العطف على المجرور، والتأكيد، أو نصب على الاختصاص أو الحال، وعد إسماعيل من الآباء تغليبا، أو لأنه كالأب لقوله - عليه الصلاة والسلام-:
" عم الرجل صنو أبيه "
وقال في العباس:
" هذا بقية آبائي "
قاله البيضاوي. يقوله الحق جل جلاله: في توبيخ اليهود على زعمهم أن اليهودية كانت ملة إبراهيم، وأن يعقوب عليه السلام أوصى بها عند موته، فقال: هل كنتم حاضرين عند يعقوب حين حضرته الوفاة حتى أوصى بما زعمتهم؟ وإنما كانت وصيته أن قال لبنيه: { ما تعبدون من بعدي } أي: أي شيء تعبدونه؟ أراد به تقريرهم على التوحيد وأخذ ميثاقهم على الثبات عليه، { قالوا } في جوابه: { نعبد إلهك } المتفق على وجوب وجوده وثبوت ألوهيته الذي هو { إلهك وإله آبائك } قبلك { إبراهيم } وولده { إسماعيل وإسحاق } الذي هو إله واحد. ونحون منقادون لأحكامه، مستسلمون لأمره إلى مماتنا، فلم يوص يعقوب إلا بما سمعتم، فانتسابكم يا معشر اليهود إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم. فتلك { أمة } أي: جماعة { قد خلت لها ما كسبت } من الخير، { ولكم ما كسبتم } أنتم، { ولا تسألون عما كانوا يعملون } فلا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم. وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم لقريش:
" لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ".
الإشارة: يقال لمن حصر الخصوصية في أسلافه، ونفاها عن غيرهم: هل حضرتم معهم حين أوصوا بذلك؟ بل ما كانوا يوصون إلا بإخلاص العبودية، وتوحيد الألوهية، ومشاهدة عظمة الربوبية، فمن حصل هذه الخصال كانت الخصوصية معه أينما كان، ومن حاد عنها ومال إلى متابعة الهوى انتقلت إلى غيره، ويقال له: إن أسلافه قد جدوا ووجدوا، وأنت لا تنتفع بأعمالهم في طريق الخصوصية، { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم... } الآية. وبالله التوفيق.
البقرة 2:135
قلت: الضمير في { قالوا } لأهل الكتاب، و { أو } للتفصيل، أي: قالت اليهود: كونوا هودا، وقالت الصنارى: كونوا نصارى. و { تهتدوا } جواب الأمر، و { ملة } منصوب بفعل محذوف، على حذف مضاف، أي: بل نكون أهل ملة إبراهيم، أو نتبع او نلزم ملة إبراهيم، و { حنيفا } حال من المضاف إليه، لأنه كجزئه، أي: مائلا عن الباطل، إلى الحق. يقول الحق جل جلاله: وقالت اليهود للمسلمين: { كونوا } معنا هودا { تهتدوا } فإن ديننا أقدم، وقالت النصارى لهم أيضا، كونوا { نصارى } معنا { تهتدوا } فإن ديننا أصوب، { قل } لهم يا محمد: { بل } نلزم { ملة إبراهيم } الذي كان مائلا عن الباطل متبعا للحق، ومشاهدا له وحده. ولم يكن من المشركين كما أشركتم بعزير وعيسى وغيرهما، تعالى الله عن قولكم علوا كبيرا. الإشارة: قد سرى هذا الطبع في بعض المنتسبين، يرغبون الناس في طريقهم، ويحرصون على اتباعهم والدخول معهم، وينقصون طريق غيرهم، وهو وصف مذموم، بل الواجب أن ينظر الإنسان بعين البصيرة، فمن وجده يدل على الله ويغيب عما سواه، ينهض حاله ويدل على الله مقاله، اتبعه وحط رأسه له، ولزم ملته وطريقه إينما كان، وكيفما كان. ومن وجده على غير هذا الوصف، أعرض عنه، والتمس غيره، وليس من شأن الدعاة إلى الله الحرص على الناس، أو الترغيب في اتباعهم، بل هم أزهد الناس في شأن الدعاة إلى الله الحرص على الناس، أو الترغيب في اتباعهم، بل هم أزهد الناس في الناس، من أتاهم دلوه على الله، ومن لقيهم نصحوه في الله، هم على قدم الرسول صلى الله عليه وسلم وقد قال له الحق تعالى:
أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين
[يونس: 99].
لست عليهم بمسيطر
[الغاشية: 22]،
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3] فكان صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يدل على الله وينظر ما يفعل الله. وبالله التوفيق.
البقرة 2:136
قلت: الأسباط: الأحفاد، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، والباء في { بمثل }: يحتمل أن تكون زائدة كقوله تعالى:
جزآء سيئة بمثلها
[يونس: 27]، أو { مثل } مقحم، أي: فإن آمنوا بما آمنتم به، كقوله تعالى:
وشهد شاهد من بنى إسراءيل على مثله
[الأحقاف: 10]. والشقاق: المخالفة، كأن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر، و { صبغة الله }: مصدر مؤكد لآمنا لأن الإيمان ينصبغ في القلوب، ويظهر أثره على الجوارح ظهور الصبغ على المصبوغ، ويتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ للثوب. أي: آمنا وصبغنا الله به صبغة. وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، وعبر عنها بالصبغ للمشاكلة فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم، وبه تحق نصرانيتهم، فرد الله تعالى عليهم بأن صبغة، الله أحسن من صبغتهم وقيل: نصب على البدل من { ملة إبراهيم } ، أو على الإغراء، أي: الزموا صبغة الله. يقول الحق جل جلاله: { قولوا } يا معشر المسلمين في تحقيق إيمانكم: { آمنا بالله } أي: صدقنا بوجوده متصفا بصفة الكمال، منزها عن النقائص، { و } بما { أنزل إلينا } وهو القرآن، { و } بما { أنزل } من الصحف { إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب } ولد إسحاق، { والأسباط } أولاد يعقوب عليه السلام وهم: روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وربالون ويشحر، ودنية بنته، وأمهم ليا، ثم خلف على أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، وولد له من سريتين: دان ونفتالى وجاد وآشر. قال ابن حجر: اختلف في نبوتهم، فقيل: كانوا أنبياء، وقيل: لم يكن فيهم نبي، وإنما المراد بأسباط قبائل من بني إسرائيل، فقد كان فيهم من الأنبياء عدد كثير. ه. وممن صرح بنفي نبوتهم عياض وجمهور المفسرين. انظر: المحشي الفاسي. وقولوا: آمنا بما أنزل إلى { موسى } وهو التوراة، { وعيسى } وهو الإنجيل، وبما { أوتي النبيون } كلهم { من ربهم } من عرفنا منهم ومن لم نعرف، { لا نفرق بين أحد } واحد { منهم } كما فرقت اليهود والنصارى، فقد آمنا بالله وبجميع أنبيائه { ونحن له مسلمون } أي: منقادون لأحكامه الظاهرة والباطنة. يقول الحق جل جلاله: { فإن آمنوا } أي: أهل الكتاب إيمانا مثل إيمانكم، { فقد اهتدوا } إلى الحق والصواب، وإن أعرضوا عن ذلك فاتركهم حتى نأمرك فيهم، { فإنما هم في شقاق } وخلاف لك، فلا تهتم بشأنهم، { فسيكفيكهم الله } أي سيكفيك شرهم وينصرك عليهم، { وهو السميع } لدعائكم، { العليم } بإخلاصكم، فالزموا { صبغة الله } التي صبغتم بها، هي الإيمان بما ذكرت لكم فإنه لا أحسن صبغة من صبغة الله، { و } قولوا: { نحن له عابدون }. الإشارة: كما أوجب الله تعالى الإيمان بجميع الرسل في طريق العموم، كذلك أوجب الله التصديق بكل من ثبتت ولايته في طريق الخصوص، فمن فرق بينهم فقد كفر بطريقهم، ومن كفر بطريقهم طرد عن بابهم، ومن طرد عن بابهم طرد عن باب الله، لأن إسقاطه من الولاية إيذاء له، ومن آذى وليا فقد آذن الله بالحرب، فالواجب، على من أراد أن يرد مناهلهم، أن يصدق بجميعهم، ويعظم من انتسب إليهم، حتى تتصبغ في قلبه حلاوة الإيمان، وتشرق عليه شموس العرفان، فمن فعل هذا فقد اهتدى إلى الحق والصواب، واستحق الدخول مع الأحباب، ومن أعرض عن هذا فإنما هو في شقاق، وربما يخاف عليه من شؤم الكفر والنفاق، فسيكفي الله أولياءه سوء شره، والله غالب على أمره.
قال القشيري: فللقلوب صبغة، وللأرواح صبغة، وللسرائر صبغة، وللظواهر صبغة، فصبغة الأشباح والظواهر بآثار التوفيق، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق. ه. وقال الورتجبي: صبغة الله: صفته الخاصة التي خلق آدم عليها، وأورثت ذلك في أرواح ذريته من الأنبياء والأولياء. ثم قال: وسقاها من شراب الزلفة، وألهمها خصائص علوم الربوبية، فاستنارت بنور المعرفة، وخاضت في بحر الربوبية، وخرجت منها تجليات أسرار الوحدانية، وتكونت بصبغ الصفات. ه. وبالله التوفيق.
البقرة 2:137
قلت: الأسباط: الأحفاد، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، والباء في { بمثل }: يحتمل أن تكون زائدة كقوله تعالى:
جزآء سيئة بمثلها
[يونس: 27]، أو { مثل } مقحم، أي: فإن آمنوا بما آمنتم به، كقوله تعالى:
وشهد شاهد من بنى إسراءيل على مثله
[الأحقاف: 10]. والشقاق: المخالفة، كأن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر، و { صبغة الله }: مصدر مؤكد لآمنا لأن الإيمان ينصبغ في القلوب، ويظهر أثره على الجوارح ظهور الصبغ على المصبوغ، ويتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ للثوب. أي: آمنا وصبغنا الله به صبغة. وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، وعبر عنها بالصبغ للمشاكلة فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم، وبه تحق نصرانيتهم، فرد الله تعالى عليهم بأن صبغة، الله أحسن من صبغتهم وقيل: نصب على البدل من { ملة إبراهيم } ، أو على الإغراء، أي: الزموا صبغة الله. يقول الحق جل جلاله: { قولوا } يا معشر المسلمين في تحقيق إيمانكم: { آمنا بالله } أي: صدقنا بوجوده متصفا بصفة الكمال، منزها عن النقائص، { و } بما { أنزل إلينا } وهو القرآن، { و } بما { أنزل } من الصحف { إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب } ولد إسحاق، { والأسباط } أولاد يعقوب عليه السلام وهم: روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وربالون ويشحر، ودنية بنته، وأمهم ليا، ثم خلف على أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، وولد له من سريتين: دان ونفتالى وجاد وآشر. قال ابن حجر: اختلف في نبوتهم، فقيل: كانوا أنبياء، وقيل: لم يكن فيهم نبي، وإنما المراد بأسباط قبائل من بني إسرائيل، فقد كان فيهم من الأنبياء عدد كثير. ه. وممن صرح بنفي نبوتهم عياض وجمهور المفسرين. انظر: المحشي الفاسي. وقولوا: آمنا بما أنزل إلى { موسى } وهو التوراة، { وعيسى } وهو الإنجيل، وبما { أوتي النبيون } كلهم { من ربهم } من عرفنا منهم ومن لم نعرف، { لا نفرق بين أحد } واحد { منهم } كما فرقت اليهود والنصارى، فقد آمنا بالله وبجميع أنبيائه { ونحن له مسلمون } أي: منقادون لأحكامه الظاهرة والباطنة. يقول الحق جل جلاله: { فإن آمنوا } أي: أهل الكتاب إيمانا مثل إيمانكم، { فقد اهتدوا } إلى الحق والصواب، وإن أعرضوا عن ذلك فاتركهم حتى نأمرك فيهم، { فإنما هم في شقاق } وخلاف لك، فلا تهتم بشأنهم، { فسيكفيكهم الله } أي سيكفيك شرهم وينصرك عليهم، { وهو السميع } لدعائكم، { العليم } بإخلاصكم، فالزموا { صبغة الله } التي صبغتم بها، هي الإيمان بما ذكرت لكم فإنه لا أحسن صبغة من صبغة الله، { و } قولوا: { نحن له عابدون }. الإشارة: كما أوجب الله تعالى الإيمان بجميع الرسل في طريق العموم، كذلك أوجب الله التصديق بكل من ثبتت ولايته في طريق الخصوص، فمن فرق بينهم فقد كفر بطريقهم، ومن كفر بطريقهم طرد عن بابهم، ومن طرد عن بابهم طرد عن باب الله، لأن إسقاطه من الولاية إيذاء له، ومن آذى وليا فقد آذن الله بالحرب، فالواجب، على من أراد أن يرد مناهلهم، أن يصدق بجميعهم، ويعظم من انتسب إليهم، حتى تتصبغ في قلبه حلاوة الإيمان، وتشرق عليه شموس العرفان، فمن فعل هذا فقد اهتدى إلى الحق والصواب، واستحق الدخول مع الأحباب، ومن أعرض عن هذا فإنما هو في شقاق، وربما يخاف عليه من شؤم الكفر والنفاق، فسيكفي الله أولياءه سوء شره، والله غالب على أمره.
قال القشيري: فللقلوب صبغة، وللأرواح صبغة، وللسرائر صبغة، وللظواهر صبغة، فصبغة الأشباح والظواهر بآثار التوفيق، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق. ه. وقال الورتجبي: صبغة الله: صفته الخاصة التي خلق آدم عليها، وأورثت ذلك في أرواح ذريته من الأنبياء والأولياء. ثم قال: وسقاها من شراب الزلفة، وألهمها خصائص علوم الربوبية، فاستنارت بنور المعرفة، وخاضت في بحر الربوبية، وخرجت منها تجليات أسرار الوحدانية، وتكونت بصبغ الصفات. ه. وبالله التوفيق.
البقرة 2:138
قلت: الأسباط: الأحفاد، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، والباء في { بمثل }: يحتمل أن تكون زائدة كقوله تعالى:
جزآء سيئة بمثلها
[يونس: 27]، أو { مثل } مقحم، أي: فإن آمنوا بما آمنتم به، كقوله تعالى:
وشهد شاهد من بنى إسراءيل على مثله
[الأحقاف: 10]. والشقاق: المخالفة، كأن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر، و { صبغة الله }: مصدر مؤكد لآمنا لأن الإيمان ينصبغ في القلوب، ويظهر أثره على الجوارح ظهور الصبغ على المصبوغ، ويتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ للثوب. أي: آمنا وصبغنا الله به صبغة. وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، وعبر عنها بالصبغ للمشاكلة فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم، وبه تحق نصرانيتهم، فرد الله تعالى عليهم بأن صبغة، الله أحسن من صبغتهم وقيل: نصب على البدل من { ملة إبراهيم } ، أو على الإغراء، أي: الزموا صبغة الله. يقول الحق جل جلاله: { قولوا } يا معشر المسلمين في تحقيق إيمانكم: { آمنا بالله } أي: صدقنا بوجوده متصفا بصفة الكمال، منزها عن النقائص، { و } بما { أنزل إلينا } وهو القرآن، { و } بما { أنزل } من الصحف { إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب } ولد إسحاق، { والأسباط } أولاد يعقوب عليه السلام وهم: روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وربالون ويشحر، ودنية بنته، وأمهم ليا، ثم خلف على أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، وولد له من سريتين: دان ونفتالى وجاد وآشر. قال ابن حجر: اختلف في نبوتهم، فقيل: كانوا أنبياء، وقيل: لم يكن فيهم نبي، وإنما المراد بأسباط قبائل من بني إسرائيل، فقد كان فيهم من الأنبياء عدد كثير. ه. وممن صرح بنفي نبوتهم عياض وجمهور المفسرين. انظر: المحشي الفاسي. وقولوا: آمنا بما أنزل إلى { موسى } وهو التوراة، { وعيسى } وهو الإنجيل، وبما { أوتي النبيون } كلهم { من ربهم } من عرفنا منهم ومن لم نعرف، { لا نفرق بين أحد } واحد { منهم } كما فرقت اليهود والنصارى، فقد آمنا بالله وبجميع أنبيائه { ونحن له مسلمون } أي: منقادون لأحكامه الظاهرة والباطنة. يقول الحق جل جلاله: { فإن آمنوا } أي: أهل الكتاب إيمانا مثل إيمانكم، { فقد اهتدوا } إلى الحق والصواب، وإن أعرضوا عن ذلك فاتركهم حتى نأمرك فيهم، { فإنما هم في شقاق } وخلاف لك، فلا تهتم بشأنهم، { فسيكفيكهم الله } أي سيكفيك شرهم وينصرك عليهم، { وهو السميع } لدعائكم، { العليم } بإخلاصكم، فالزموا { صبغة الله } التي صبغتم بها، هي الإيمان بما ذكرت لكم فإنه لا أحسن صبغة من صبغة الله، { و } قولوا: { نحن له عابدون }. الإشارة: كما أوجب الله تعالى الإيمان بجميع الرسل في طريق العموم، كذلك أوجب الله التصديق بكل من ثبتت ولايته في طريق الخصوص، فمن فرق بينهم فقد كفر بطريقهم، ومن كفر بطريقهم طرد عن بابهم، ومن طرد عن بابهم طرد عن باب الله، لأن إسقاطه من الولاية إيذاء له، ومن آذى وليا فقد آذن الله بالحرب، فالواجب، على من أراد أن يرد مناهلهم، أن يصدق بجميعهم، ويعظم من انتسب إليهم، حتى تتصبغ في قلبه حلاوة الإيمان، وتشرق عليه شموس العرفان، فمن فعل هذا فقد اهتدى إلى الحق والصواب، واستحق الدخول مع الأحباب، ومن أعرض عن هذا فإنما هو في شقاق، وربما يخاف عليه من شؤم الكفر والنفاق، فسيكفي الله أولياءه سوء شره، والله غالب على أمره.
قال القشيري: فللقلوب صبغة، وللأرواح صبغة، وللسرائر صبغة، وللظواهر صبغة، فصبغة الأشباح والظواهر بآثار التوفيق، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق. ه. وقال الورتجبي: صبغة الله: صفته الخاصة التي خلق آدم عليها، وأورثت ذلك في أرواح ذريته من الأنبياء والأولياء. ثم قال: وسقاها من شراب الزلفة، وألهمها خصائص علوم الربوبية، فاستنارت بنور المعرفة، وخاضت في بحر الربوبية، وخرجت منها تجليات أسرار الوحدانية، وتكونت بصبغ الصفات. ه. وبالله التوفيق.
البقرة 2:139
قلت: الذي يظهر أن { أم } منقطعة، بمعنى بل، على قراءة الخطاب والغيبة لأن المقصود إنكار وقوع الأمرين معا، لا أحدهما. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لأهل الكتاب: أتخاصموننا { في الله } وتقولون: أنتم أولى به منا { وهو ربنا وربكم } ، لا يختص به واحد دون آخر، { ولنا أعمالنا } نتقرب بها إليه، { ولكم أعمالكم } تتقربون بها أيضا، فكيف تختصون به دوننا { ونحن له مخلصون } في أعمالنا وقلوبنا دونكم فإنكم أشركتم به غيره، فإن قلتم: إن الإنبياء كلهم منكم وعلى ملتكم فقد كذبتم، أتقولون { إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب } وأولاده { الأسباط كانوا هودا } على دينكم يا معشر اليهود، { أو نصارى } على ملتكم يا معشر النصارى. { قل } لهم يا محمد: { أأنتم أعلم أم الله } وقد نفى الأمرين معا عن إبراهيم فقال:
ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما
[آل عمران: 67]، وقال:
ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده
[آل عمران: 65]، وهؤلاء المعطوفون عليه: أتباعه في الدين، فليسوا يهودا ولا نصارى، فكيف تدعون أنهم كلهم منكم، وعلى دينكم، وأنتم تشهدون أنهم لم يكونوا على دينكم؟ { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } ، وهي شهادة الحق لإبراهيم بالحنيفية، والبراءة من اليهودية والنصرانية، أي: لا أحد أظلم منه، وليس الله تعالى { بغافل عما تعملون } ، بل يجازيكم على النقير والقطمير، فإن اعتمدتم على نسبكم إليهم فقد اغتررتم. { تلك أمة } قد مضت، { لها ما كسبت } لا ينتفع به غيرها، { ولكم ما كسبتم } لا ينفعكم غيره، ولا تسألون عن عملهم كما لا يسألون عن أعمالكم، قال البيضاوي: كرره للمبالغة في التحذير، والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء، والاتكال عليهم، وقيل: الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية لنا، تحذيرا عن الاقتداء بهم، وقيل: المراد بالأمة في الأولى الأنبياء، وفي الثانية أسلاف اليهود والنصارى. ه. الإشارة: كل من أقامه الحق في وجهه، ووجهه إليها، فهو عامل لله فيها، قائم بمراد الله منها، وما اختلفت الأعمال إلى من جهة المقاصد، وما تفاوت الناس إلى من جهة الإخلاص. فالخلق كلهم عبيد للملك المجيد، وما وقع الاختصاص إلا من جهة الإخلاص. فمن كان أكثر إخلاصا لله كان أولى من غيره بالله، وبقدر ما يقع للعبد من الصفاء يكون له من الاصطفاء، فالصوفية والعلماء والعباد والزهاد وأهل الأسباب على اختلاف أنواعهم كلهم عاملون لله، ليس أحد منهم بأولى من غيره بالله إلا من جهة الإخلاص وإفراد القلب لله، فمن ادعى الاختصاص بالله من غير هذه الوجهة فهو كاذب، ومن اعتمد على عمل غيره فهو مغرور، يقال له: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون }. ولما أراد الله تعالى أن ينسخ القبلة من جهة الشام ويردها إلى الكعبة، أخبر أنه سيكرها قوم خفت أحلامهم، وفسدت بالتقليد الردي عقولهم، وهم أحبار اليهود والمنافقون والمشركون.
البقرة 2:140
قلت: الذي يظهر أن { أم } منقطعة، بمعنى بل، على قراءة الخطاب والغيبة لأن المقصود إنكار وقوع الأمرين معا، لا أحدهما. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لأهل الكتاب: أتخاصموننا { في الله } وتقولون: أنتم أولى به منا { وهو ربنا وربكم } ، لا يختص به واحد دون آخر، { ولنا أعمالنا } نتقرب بها إليه، { ولكم أعمالكم } تتقربون بها أيضا، فكيف تختصون به دوننا { ونحن له مخلصون } في أعمالنا وقلوبنا دونكم فإنكم أشركتم به غيره، فإن قلتم: إن الإنبياء كلهم منكم وعلى ملتكم فقد كذبتم، أتقولون { إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب } وأولاده { الأسباط كانوا هودا } على دينكم يا معشر اليهود، { أو نصارى } على ملتكم يا معشر النصارى. { قل } لهم يا محمد: { أأنتم أعلم أم الله } وقد نفى الأمرين معا عن إبراهيم فقال:
ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما
[آل عمران: 67]، وقال:
ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده
[آل عمران: 65]، وهؤلاء المعطوفون عليه: أتباعه في الدين، فليسوا يهودا ولا نصارى، فكيف تدعون أنهم كلهم منكم، وعلى دينكم، وأنتم تشهدون أنهم لم يكونوا على دينكم؟ { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } ، وهي شهادة الحق لإبراهيم بالحنيفية، والبراءة من اليهودية والنصرانية، أي: لا أحد أظلم منه، وليس الله تعالى { بغافل عما تعملون } ، بل يجازيكم على النقير والقطمير، فإن اعتمدتم على نسبكم إليهم فقد اغتررتم. { تلك أمة } قد مضت، { لها ما كسبت } لا ينتفع به غيرها، { ولكم ما كسبتم } لا ينفعكم غيره، ولا تسألون عن عملهم كما لا يسألون عن أعمالكم، قال البيضاوي: كرره للمبالغة في التحذير، والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء، والاتكال عليهم، وقيل: الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية لنا، تحذيرا عن الاقتداء بهم، وقيل: المراد بالأمة في الأولى الأنبياء، وفي الثانية أسلاف اليهود والنصارى. ه. الإشارة: كل من أقامه الحق في وجهه، ووجهه إليها، فهو عامل لله فيها، قائم بمراد الله منها، وما اختلفت الأعمال إلى من جهة المقاصد، وما تفاوت الناس إلى من جهة الإخلاص. فالخلق كلهم عبيد للملك المجيد، وما وقع الاختصاص إلا من جهة الإخلاص. فمن كان أكثر إخلاصا لله كان أولى من غيره بالله، وبقدر ما يقع للعبد من الصفاء يكون له من الاصطفاء، فالصوفية والعلماء والعباد والزهاد وأهل الأسباب على اختلاف أنواعهم كلهم عاملون لله، ليس أحد منهم بأولى من غيره بالله إلا من جهة الإخلاص وإفراد القلب لله، فمن ادعى الاختصاص بالله من غير هذه الوجهة فهو كاذب، ومن اعتمد على عمل غيره فهو مغرور، يقال له: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون }. ولما أراد الله تعالى أن ينسخ القبلة من جهة الشام ويردها إلى الكعبة، أخبر أنه سيكرها قوم خفت أحلامهم، وفسدت بالتقليد الردي عقولهم، وهم أحبار اليهود والمنافقون والمشركون.
البقرة 2:141
قلت: الذي يظهر أن { أم } منقطعة، بمعنى بل، على قراءة الخطاب والغيبة لأن المقصود إنكار وقوع الأمرين معا، لا أحدهما. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لأهل الكتاب: أتخاصموننا { في الله } وتقولون: أنتم أولى به منا { وهو ربنا وربكم } ، لا يختص به واحد دون آخر، { ولنا أعمالنا } نتقرب بها إليه، { ولكم أعمالكم } تتقربون بها أيضا، فكيف تختصون به دوننا { ونحن له مخلصون } في أعمالنا وقلوبنا دونكم فإنكم أشركتم به غيره، فإن قلتم: إن الإنبياء كلهم منكم وعلى ملتكم فقد كذبتم، أتقولون { إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب } وأولاده { الأسباط كانوا هودا } على دينكم يا معشر اليهود، { أو نصارى } على ملتكم يا معشر النصارى. { قل } لهم يا محمد: { أأنتم أعلم أم الله } وقد نفى الأمرين معا عن إبراهيم فقال:
ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما
[آل عمران: 67]، وقال:
ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده
[آل عمران: 65]، وهؤلاء المعطوفون عليه: أتباعه في الدين، فليسوا يهودا ولا نصارى، فكيف تدعون أنهم كلهم منكم، وعلى دينكم، وأنتم تشهدون أنهم لم يكونوا على دينكم؟ { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } ، وهي شهادة الحق لإبراهيم بالحنيفية، والبراءة من اليهودية والنصرانية، أي: لا أحد أظلم منه، وليس الله تعالى { بغافل عما تعملون } ، بل يجازيكم على النقير والقطمير، فإن اعتمدتم على نسبكم إليهم فقد اغتررتم. { تلك أمة } قد مضت، { لها ما كسبت } لا ينتفع به غيرها، { ولكم ما كسبتم } لا ينفعكم غيره، ولا تسألون عن عملهم كما لا يسألون عن أعمالكم، قال البيضاوي: كرره للمبالغة في التحذير، والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء، والاتكال عليهم، وقيل: الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية لنا، تحذيرا عن الاقتداء بهم، وقيل: المراد بالأمة في الأولى الأنبياء، وفي الثانية أسلاف اليهود والنصارى. ه. الإشارة: كل من أقامه الحق في وجهه، ووجهه إليها، فهو عامل لله فيها، قائم بمراد الله منها، وما اختلفت الأعمال إلى من جهة المقاصد، وما تفاوت الناس إلى من جهة الإخلاص. فالخلق كلهم عبيد للملك المجيد، وما وقع الاختصاص إلا من جهة الإخلاص. فمن كان أكثر إخلاصا لله كان أولى من غيره بالله، وبقدر ما يقع للعبد من الصفاء يكون له من الاصطفاء، فالصوفية والعلماء والعباد والزهاد وأهل الأسباب على اختلاف أنواعهم كلهم عاملون لله، ليس أحد منهم بأولى من غيره بالله إلا من جهة الإخلاص وإفراد القلب لله، فمن ادعى الاختصاص بالله من غير هذه الوجهة فهو كاذب، ومن اعتمد على عمل غيره فهو مغرور، يقال له: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون }. ولما أراد الله تعالى أن ينسخ القبلة من جهة الشام ويردها إلى الكعبة، أخبر أنه سيكرها قوم خفت أحلامهم، وفسدت بالتقليد الردي عقولهم، وهم أحبار اليهود والمنافقون والمشركون.
البقرة 2:142
يقول الحق جل جلاله: { سيقول السفهاء من الناس } الذين لا عقل لهم ولا دين، حين تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة: ما صرفهم { عن قبلتهم التي كانوا عليها } ، فلو دام عليها لاتبعناه. { قل } لهم يا محمد: { لله المشرق والمغرب } لا يختص ملكه بمكان دون مكان بخاصية ذاتيه تمنع من إقامة غيره مقامه، بل الأماكن عند الله سواء: والخلق في حقه سواء، { يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ، ويضل من يشاء عن المنهاج القويم
" لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون "
[الأنبياء: 23]، والصراط المستقيم: ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة، والكعبة أخرى، وفائدة تقديم الإخبار به: توطين النفس وإعداد الجواب. قاله البيضاوي. قال بعض العارفين: لي أربعون سنة ما أقامني الحق في شيء فكرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته. بخلاف السفهاء من الجهال، فشأنهم الإنكار عند اختلاف الأحوال، فمن رأوه تجرد عن الأسباب وانقطع إلى الكريم الوهاب، قالوا: ما ولاه عن حاله الذي كان عليه؟ وأكثروا من الاعتراض والانتقاد عليه، وكذلك من رأوه رجع إلى الأسباب بعد الكمال، قالوا: قد انحط عن مراتب الرجال. وهو إنما زاد في مراتب الكمال. فالملك كله لله، يهدي من يشاء إلى الصراط مستقيم، ويضل من يشاء بعدله الحكيم.
البقرة 2:143
{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا... } قلت: { الوسط } هو العدل الخير الفاضل، وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة لوقعوها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها مستويا فيه الواح والجمع، والمذكر والمؤنث. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: وكما جعلناكم مهتدين إلى الصراط المستقيم، وجعلنا قبلتكم أفضل الجهات، جعلناكم أمة أفضل الأمم، خيارا عدولا مزكين بالعلم والعمل، لتصلحوا للشهادة على غيركم، فتكونوا يوم القيامة { شهداء على الناس } ، ويزكيكم نبيكم فيشهد بعدالتكم. قال البيضاوي: روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالبهم الله ببينة التبليغ وهو أعلم بهم، إقامة للحجة على المنكرين، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق. فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيشهد بعدالتهم. وهذه الشهادة، وإن كانت لهم، لكن لما كان الرسول كالرقيب المهيمن على أمته عدي بعلى، وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم. ه. الإشارة: التفاضل بين الرجال إنما يكون بالعلم والحال، فمن قوي علمه بالله كان أعظم قدرا عند الله، والعلم الذي به الشرف عند الله هو العلم بذات الله وبصفاته وأسمائه، وكذا العلم بأحكام الله إذا حصل معه العلم بالله، فكلما انكشف الحجاب عن القلب كان أقرب إلى الرب، وانكشاف الحجاب يكون على قدر التخلية والتحلية، فبقدر ما يتخلى القلب عن الرذائل، ويبعد عن القواطع والشواغل، ويتحلى بأنواع الفضائل، ينكشف عنه الحجاب ويدخل مع الأحباب، وبقدر ما يتراكم على القلب من الخواطر والشواغل، ويدخل عليه من المساوئ والرذائل، يقع البعد عن الله، ويطرد العبد عن باب الله، فلا يدل على كمال العبد كثرة الأعمال، وإنما يدل على كماله علو الهمة والحال، وعلو الهمة على قدر اليقين، وقدر اليقين على قدر المعرفة، والمعرفة على قدر التوجه والتصفية، والتوجه تابع للقسمة الأزلية. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم إن العلماء بأحكام الله إذا لم يحصل لهم الكشف عن ذات الله يكونون حجة على عباد الله. والعلماء بالله الذين حصل لهم الكشف عن ذات الله حتى حصل لهم الشهود والعيان يكونون حجة على العلماء بأحكام الله. فكما أن الأمة المحمدية تشهد على الناس، والرسول يشهد عليهم ويزكيهم، فكذلك العلماء يشهدون على الناس، والأولياء يشهدون على العلماء، فيزكون من يستحق التزكية، ويردون من لا يستحقها لأن العارفين بالله عالمون بمقامات العلماء أهل الظاهر، لا يخفى عليهم شيء من أحوالهم ومقاماتهم، بخلاف العلماء، لا يعرفون مقامات الأولياء، ولا يشمون لها رائحة، كما قال القائل:
تركنا البحور الزاخرات وراءنا فمن أين يدري الناس أين توجهنا
قال القشيري: جعل هذه الأمة خيار الأمم، وجعل هذه الطائفة خيار هذه الأمة فهم خيار الخيار. وكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم في القيامة فهذه الطائفة هم المدار وهم القطب وبهم يحفظ الله جميع الأمة. وكل من قبلته قلوبهم فهو المقبول، ومن ردته قلوبهم فهو المردود. فالحكم الصادق لفراستهم، والصحيح حكمهم، والصائب نظرهم، عصم جميع الأمة من الاجتماع على الخطأ، وعصم هذه الطائفة من الخطأ في النظر والحكم والقبول والرد، ثم إن بناء أمرهم مستند إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكل من لا يكون له اقتداء بالرسول فهو عندهم مردود، وصاحبه كلا شيء. وبالله التوفيق. ثم ذكر الحق تعالى حكمة نسخ القبلة، فقال: {... وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم 143 } قلت: { جعل } تصييرية، و { القبلة } مفعول أول، و { التي } صفة للمفعول الثاني المحذوف، أي: وما جعلنا القبلة الجهة التي كانت عليها وهي بيت المقدس، ثم وجهناك إلى الكعبة إلا لنعلم الثابت على الإيمان من غيره، أو: وما صيرنا القبلة الجهة التي كنت عليها بمكة وهي الكعبة، فإنه كان - عليه الصلاة والسلام - يصلي إليها بمكة. وقيل: كان يستقبل بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبينها، كما قال ابن عباس، و { إن } مخففة، واللام فارقة. أي: وإنه، أي: الأمر والشأن: كانت التحويلة لشاقة على الناس، والرأفة: شدة العطف، فهي أبلغ من الرحمة. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: وما نسخنا حكم القبلة وجعلناها الجهة التي كنت عليها بمكة دون التي كانت بالمدينة، وهي بيت المقدس، { إلا لنعلم } علم ظهور وشهادة { من يتبع الرسول } في التحويل إليها { ممن ينقلب على عقبيه } لضعف إيمانه وقلة إيقانه، فإن التحويلة عن القبلة الأولى والرجوع إلى الثانية شاق على النفوس، إلا من سبقت له الهداية وحفت به الرعاية، فإنه يدور مع مراد الله أينما دار، ويتبع رسوله أينما سار. ومن مات قبل التحويل إلى الكعبة فإن الله لا يضيع أجر عمله { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي: صلاتكم إلى بيت المقدس { إن الله بالناس لروؤف رحيم }. الإشارة: الخروج عن العادات وترك الأمور المألوفات كلاهما شاق على النفوس، إلا على الذين هدى الله، ولذلك كان خرق الوائد هو الفصل بين الخصوص والعموم، ومفتاح لمخازن العلوم والفهوم، فمن لم يخرق عوائد نفسه فلا يطمع أن يدخل حضرة قدسه.
" كيف يخرق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد ". وهو الميدان الذي تحقق به سير السائرين. " لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ". وهو عند شيوخ التربية ميزان يتميز به من يتبع الرسول ويلزم طريقه إلى الوصول، ممن ينقلب على عقبيه، فمن رأوه خرق عوائد نفسه، زهد في ملبسه وجنسه، تحققوا بدخوله حضرة قدسه، إلا من سبق له الحرمان والعياذ بالله من الخذلان، ومن رأوه وقف مع العادات، وركن إلى المألوفات، ومال إلى الرخص والتأويلات، علموا أن مقامه مقام أهل الحجاب، يأخذ أجره من وراء الباب، ولا نصيب له في الدخول مع الأحباب. وأيضا عند تخالف الآثار وتنقلات الأطوار، يظهر الإقرار من الإنكار. أهل الإقرار عارفون في كل حال، يدورون مع رياح الأقدار حيث سارت، ويسيرون معها حيث سارت، وأهل الإنكار جاهلون بالله في كل حال، معترضون عليها عند اختلاف الأحوال، نعوذ بالله من الضلال.
البقرة 2:144
قلت: التقلب: التردد، ووليت كذا: جعلته واليا له، والشطر هنا: الجهة. يقول الحق جل جلاله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - حين تمنى أن يحول إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأدعى إلى إسلام العرب، وهي أقدم القبلتين، فكان ينظر إلى السماء، ويقلب وجه فيها انتظارا لنزول الوحي، وهذا من كمال أدبه - عليه الصلاة والسلام - حيث انتظر ولم يطلب، فقال له الحق تعالى: { قد نرى } أي: ربما نرى تردد { وجهك في السماء } انتظارا للوحي، فلنعطينك ما تمنيت، ونوجهك إلى قبلة { ترضاها } وتحبها لمقاصد دينية وافقت المشيئة، واقتضتها الحكمة، { فول وجهك } أي: اجعله مواليا { شطر } أي: جهة { المسجد الحرام وحيثما كنتم } أيها المؤمنون أي في أي مكان كنتم { فولوا وجوهكم شطره } جهته. وإنما ذكر الحق تعالى شطر المسجد، أي: جهته، دون عين الكعبة، لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حرج عليه، بخلاف القريب، فإنه يسهل عليه مسامته العين. وقيل: إن جبريل - عليه السلام - عينها له بالوحي فسميت قبلة وحي. روي أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين، وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي مسجد القبلتين. قاله البيضاوي. الإشارة: في الآية إشارة إلى أن ترك التصريح من كمال الأدب، وفي الحكم: " ربما دلهم الأدب على ترك الطلب، كيف يكون دعاؤك اللاحق سببا في قضائه السابق؟! جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ". فإذا تمنيت شيئا وتوقفت على أمر فاصبر وتأدب واقتد بنبيك - عليه الصلاة والسلام - حتى يعطيك ما ترضى، أو يعوضك منها مقام الرضا. وفي المسألة كلام، والتحقيق أن ينظر إلى ما ينشرح به صدره في الوقت، فإن انشرح للدعاء دعا، وإن انقبض عن الدعاء سكت. والله يرزق من يشاء بغير حساب ولا علة ولا أسباب. وإن شئت قلت: قد نرى فكرتك أيها العارف في سماء المعاني، غائبا في شهود الأواني، فلنولينك قبلة ترضاها، وتتلذذ بشهود جمالها وسناها، وهي الحضرة المطهرة التي هي صلاة القلوب، فول وجهك ووجهتك إلى تلك الحضرة، وحيثما كانت فول وجهك شطره، ودم على صلاة الفكرة والنظرة، فهي صلاة العارفين، ومنتهى امل القاصدين، وبالله التوفيق. ولما تحولت القبلة إلى الكعبة غضبت اليهود، حيث ترك قبلتهم، مكابرة وعنادا، وقالوا: لو بقي على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي المبعوث في آخر الزمان فنتبعه، فرد الله عليهم وكذبهم فقال: { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون * ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ومآ أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } قلت: { ولئن } اللام موطئة للقسم، و { إن } شريطة، و { أتيت } فعل اشرط، و { ما تبعوا } جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط.
قال في الألفية:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم
يقول الحق جل جلاله: { وإن الذين أوتوا الكتاب } من أحبار اليهود { ليعلمون } أن التحول إلى الكعبة حق { من ربهم } لما يجدون في كتابهم أنه يصلي إلى القبلتين، وأن عادته تعالى تخصيص كل أمة بشريعة، { وما الله بغافل عما يعملون } من التعنت والعناد، وإنما يمهلهم ليوم المعاد، والله لئن أتيتهم بكل حجة وبرهان على صحة التوجه إلى الكعبة { ما تبعوا قبلتك } لأنهم ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها الحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعنادا. وقد طمعوا أن ترجع إلى قبلتهم، ولست { بتابع قبلتهم } أبدا، بل لهم قبلتهم صخرة بيت المقدس، وللنصارى قبلتهم مطلع الشمس، وليس بعضهم { بتابع قبلة بعض } لتصلب كل حزب بما هو فيه، وإن كان على خطأ وفساد لأن مفارقة العوائد نا صعب على النفوس إلا من سبقت له العناية. { ولئن اتبعت أهواءهم } الباطلة وإراءهم الزائفة فرضا وتقديرا { من بعد ما جاءك من العلم } الواضح والوحي الصحيح { إنك إذا لمن الظالمين } ، لكنك معصوم، فلا يتصور اتباعك لهم أبدا. { الدين آتيناهم الكتاب } أي: اليهود { يعرفونه } أي: الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإن لم يتقدم ذكره لدلالة الكلام عليه أو القرآن أو التحويل، { كما يعرفون أبناءهم } لا يشكون في صحة رسالته كما لايشكون في معرفة أبنائهم. وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني، قال له: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي الله. وأما ولدي فلعل والدته قد خانت. وبعد حصول هذه المعرفة لهم جحدوه وكتموا صفته، إلا من عصمة الله بالإيمان كعبد الله بن سلام وأصحابه - فقد كتم فريق منهم الحق وهم أحبارهم، وهم يعلمون أنه حق حسدا وعنادا. هذا الذي أنت عليه يا محمد هو { الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } أي: من الشاكين في أنه الحق، أو في كتمانهم الحق عالمين به. والخطاب مصروف للسامعين لا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه غير متوقع منه، وإنما المراد تحقيق الأمر، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ قاله البيضاوي.
الإشارة: مما جرت به سنة الله تعالى في خلقه أن أهل الحقيقة منكورون عند أهل الشريعة، أو تقول: علماء الباطن منكورون عند علماء الظاهر، يقابلونهم بالإذاية والإنكار، مع أنه يعلمون أن الحقيقة حق من ربهم، وأن علم الباطن حق لقوله - عليه الصلاة والسلام -:
" إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا سمعه أهل الغرة بالله أنكروه عليهم "
أو كما قال - عليه الصلاة والسلام-، وقال صلى الله عليه وسلم:
" لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع ".
{ وما الله بغافل عما يعلمون } فجزاؤهم الحرمان عن لذة الشهود والعيان، فيقال لأهل الباطل: ولئن أتيتهم بكل آية وبرهان ما تبعوا وجهتك التي توجهت إليها لأنها منوطة بموت النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، وخرق العوائد لاكتساب الفوائد، ومفارقة الأوطان والغيبة عن الأهل والولدان، وما أنت أيها المريد بتابع وجهتهم التي توجهوا إليها، ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما ظهر لك من علم التحقيق: إنك إذا لمن الظالمين لنفوسهم. الذين آتيناهم الكتاب من علماء الشريعة يعرفون علم الحقيقة، كما يعرفون أبناءهم، أي: يقرون به في الجملة وينكرون وجود أهله مخصوصين، وقد يتحققون به ويكتمون الحق حسدا، وهم يعلمون وجود خصوصيته، فيقال للعارف: هذا الذي أنت عليه من سلوك جادة الطريقة، وعلم التحقيق، هو الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أنك على الحق المبين.
البقرة 2:145
قلت: التقلب: التردد، ووليت كذا: جعلته واليا له، والشطر هنا: الجهة. يقول الحق جل جلاله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - حين تمنى أن يحول إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأدعى إلى إسلام العرب، وهي أقدم القبلتين، فكان ينظر إلى السماء، ويقلب وجه فيها انتظارا لنزول الوحي، وهذا من كمال أدبه - عليه الصلاة والسلام - حيث انتظر ولم يطلب، فقال له الحق تعالى: { قد نرى } أي: ربما نرى تردد { وجهك في السماء } انتظارا للوحي، فلنعطينك ما تمنيت، ونوجهك إلى قبلة { ترضاها } وتحبها لمقاصد دينية وافقت المشيئة، واقتضتها الحكمة، { فول وجهك } أي: اجعله مواليا { شطر } أي: جهة { المسجد الحرام وحيثما كنتم } أيها المؤمنون أي في أي مكان كنتم { فولوا وجوهكم شطره } جهته. وإنما ذكر الحق تعالى شطر المسجد، أي: جهته، دون عين الكعبة، لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حرج عليه، بخلاف القريب، فإنه يسهل عليه مسامته العين. وقيل: إن جبريل - عليه السلام - عينها له بالوحي فسميت قبلة وحي. روي أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين، وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي مسجد القبلتين. قاله البيضاوي. الإشارة: في الآية إشارة إلى أن ترك التصريح من كمال الأدب، وفي الحكم: " ربما دلهم الأدب على ترك الطلب، كيف يكون دعاؤك اللاحق سببا في قضائه السابق؟! جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ". فإذا تمنيت شيئا وتوقفت على أمر فاصبر وتأدب واقتد بنبيك - عليه الصلاة والسلام - حتى يعطيك ما ترضى، أو يعوضك منها مقام الرضا. وفي المسألة كلام، والتحقيق أن ينظر إلى ما ينشرح به صدره في الوقت، فإن انشرح للدعاء دعا، وإن انقبض عن الدعاء سكت. والله يرزق من يشاء بغير حساب ولا علة ولا أسباب. وإن شئت قلت: قد نرى فكرتك أيها العارف في سماء المعاني، غائبا في شهود الأواني، فلنولينك قبلة ترضاها، وتتلذذ بشهود جمالها وسناها، وهي الحضرة المطهرة التي هي صلاة القلوب، فول وجهك ووجهتك إلى تلك الحضرة، وحيثما كانت فول وجهك شطره، ودم على صلاة الفكرة والنظرة، فهي صلاة العارفين، ومنتهى امل القاصدين، وبالله التوفيق. ولما تحولت القبلة إلى الكعبة غضبت اليهود، حيث ترك قبلتهم، مكابرة وعنادا، وقالوا: لو بقي على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي المبعوث في آخر الزمان فنتبعه، فرد الله عليهم وكذبهم فقال: { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون * ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ومآ أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } قلت: { ولئن } اللام موطئة للقسم، و { إن } شريطة، و { أتيت } فعل اشرط، و { ما تبعوا } جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط.
قال في الألفية:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم
يقول الحق جل جلاله: { وإن الذين أوتوا الكتاب } من أحبار اليهود { ليعلمون } أن التحول إلى الكعبة حق { من ربهم } لما يجدون في كتابهم أنه يصلي إلى القبلتين، وأن عادته تعالى تخصيص كل أمة بشريعة، { وما الله بغافل عما يعملون } من التعنت والعناد، وإنما يمهلهم ليوم المعاد، والله لئن أتيتهم بكل حجة وبرهان على صحة التوجه إلى الكعبة { ما تبعوا قبلتك } لأنهم ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها الحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعنادا. وقد طمعوا أن ترجع إلى قبلتهم، ولست { بتابع قبلتهم } أبدا، بل لهم قبلتهم صخرة بيت المقدس، وللنصارى قبلتهم مطلع الشمس، وليس بعضهم { بتابع قبلة بعض } لتصلب كل حزب بما هو فيه، وإن كان على خطأ وفساد لأن مفارقة العوائد نا صعب على النفوس إلا من سبقت له العناية. { ولئن اتبعت أهواءهم } الباطلة وإراءهم الزائفة فرضا وتقديرا { من بعد ما جاءك من العلم } الواضح والوحي الصحيح { إنك إذا لمن الظالمين } ، لكنك معصوم، فلا يتصور اتباعك لهم أبدا. { الدين آتيناهم الكتاب } أي: اليهود { يعرفونه } أي: الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإن لم يتقدم ذكره لدلالة الكلام عليه أو القرآن أو التحويل، { كما يعرفون أبناءهم } لا يشكون في صحة رسالته كما لايشكون في معرفة أبنائهم. وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني، قال له: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي الله. وأما ولدي فلعل والدته قد خانت. وبعد حصول هذه المعرفة لهم جحدوه وكتموا صفته، إلا من عصمة الله بالإيمان كعبد الله بن سلام وأصحابه - فقد كتم فريق منهم الحق وهم أحبارهم، وهم يعلمون أنه حق حسدا وعنادا. هذا الذي أنت عليه يا محمد هو { الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } أي: من الشاكين في أنه الحق، أو في كتمانهم الحق عالمين به. والخطاب مصروف للسامعين لا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه غير متوقع منه، وإنما المراد تحقيق الأمر، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ قاله البيضاوي.
الإشارة: مما جرت به سنة الله تعالى في خلقه أن أهل الحقيقة منكورون عند أهل الشريعة، أو تقول: علماء الباطن منكورون عند علماء الظاهر، يقابلونهم بالإذاية والإنكار، مع أنه يعلمون أن الحقيقة حق من ربهم، وأن علم الباطن حق لقوله - عليه الصلاة والسلام -:
" إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا سمعه أهل الغرة بالله أنكروه عليهم "
أو كما قال - عليه الصلاة والسلام-، وقال صلى الله عليه وسلم:
" لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع ".
{ وما الله بغافل عما يعلمون } فجزاؤهم الحرمان عن لذة الشهود والعيان، فيقال لأهل الباطل: ولئن أتيتهم بكل آية وبرهان ما تبعوا وجهتك التي توجهت إليها لأنها منوطة بموت النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، وخرق العوائد لاكتساب الفوائد، ومفارقة الأوطان والغيبة عن الأهل والولدان، وما أنت أيها المريد بتابع وجهتهم التي توجهوا إليها، ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما ظهر لك من علم التحقيق: إنك إذا لمن الظالمين لنفوسهم. الذين آتيناهم الكتاب من علماء الشريعة يعرفون علم الحقيقة، كما يعرفون أبناءهم، أي: يقرون به في الجملة وينكرون وجود أهله مخصوصين، وقد يتحققون به ويكتمون الحق حسدا، وهم يعلمون وجود خصوصيته، فيقال للعارف: هذا الذي أنت عليه من سلوك جادة الطريقة، وعلم التحقيق، هو الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أنك على الحق المبين.
البقرة 2:146
قلت: التقلب: التردد، ووليت كذا: جعلته واليا له، والشطر هنا: الجهة. يقول الحق جل جلاله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - حين تمنى أن يحول إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأدعى إلى إسلام العرب، وهي أقدم القبلتين، فكان ينظر إلى السماء، ويقلب وجه فيها انتظارا لنزول الوحي، وهذا من كمال أدبه - عليه الصلاة والسلام - حيث انتظر ولم يطلب، فقال له الحق تعالى: { قد نرى } أي: ربما نرى تردد { وجهك في السماء } انتظارا للوحي، فلنعطينك ما تمنيت، ونوجهك إلى قبلة { ترضاها } وتحبها لمقاصد دينية وافقت المشيئة، واقتضتها الحكمة، { فول وجهك } أي: اجعله مواليا { شطر } أي: جهة { المسجد الحرام وحيثما كنتم } أيها المؤمنون أي في أي مكان كنتم { فولوا وجوهكم شطره } جهته. وإنما ذكر الحق تعالى شطر المسجد، أي: جهته، دون عين الكعبة، لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حرج عليه، بخلاف القريب، فإنه يسهل عليه مسامته العين. وقيل: إن جبريل - عليه السلام - عينها له بالوحي فسميت قبلة وحي. روي أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين، وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي مسجد القبلتين. قاله البيضاوي. الإشارة: في الآية إشارة إلى أن ترك التصريح من كمال الأدب، وفي الحكم: " ربما دلهم الأدب على ترك الطلب، كيف يكون دعاؤك اللاحق سببا في قضائه السابق؟! جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ". فإذا تمنيت شيئا وتوقفت على أمر فاصبر وتأدب واقتد بنبيك - عليه الصلاة والسلام - حتى يعطيك ما ترضى، أو يعوضك منها مقام الرضا. وفي المسألة كلام، والتحقيق أن ينظر إلى ما ينشرح به صدره في الوقت، فإن انشرح للدعاء دعا، وإن انقبض عن الدعاء سكت. والله يرزق من يشاء بغير حساب ولا علة ولا أسباب. وإن شئت قلت: قد نرى فكرتك أيها العارف في سماء المعاني، غائبا في شهود الأواني، فلنولينك قبلة ترضاها، وتتلذذ بشهود جمالها وسناها، وهي الحضرة المطهرة التي هي صلاة القلوب، فول وجهك ووجهتك إلى تلك الحضرة، وحيثما كانت فول وجهك شطره، ودم على صلاة الفكرة والنظرة، فهي صلاة العارفين، ومنتهى امل القاصدين، وبالله التوفيق. ولما تحولت القبلة إلى الكعبة غضبت اليهود، حيث ترك قبلتهم، مكابرة وعنادا، وقالوا: لو بقي على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي المبعوث في آخر الزمان فنتبعه، فرد الله عليهم وكذبهم فقال: { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون * ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ومآ أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } قلت: { ولئن } اللام موطئة للقسم، و { إن } شريطة، و { أتيت } فعل اشرط، و { ما تبعوا } جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط.
قال في الألفية:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم
يقول الحق جل جلاله: { وإن الذين أوتوا الكتاب } من أحبار اليهود { ليعلمون } أن التحول إلى الكعبة حق { من ربهم } لما يجدون في كتابهم أنه يصلي إلى القبلتين، وأن عادته تعالى تخصيص كل أمة بشريعة، { وما الله بغافل عما يعملون } من التعنت والعناد، وإنما يمهلهم ليوم المعاد، والله لئن أتيتهم بكل حجة وبرهان على صحة التوجه إلى الكعبة { ما تبعوا قبلتك } لأنهم ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها الحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعنادا. وقد طمعوا أن ترجع إلى قبلتهم، ولست { بتابع قبلتهم } أبدا، بل لهم قبلتهم صخرة بيت المقدس، وللنصارى قبلتهم مطلع الشمس، وليس بعضهم { بتابع قبلة بعض } لتصلب كل حزب بما هو فيه، وإن كان على خطأ وفساد لأن مفارقة العوائد نا صعب على النفوس إلا من سبقت له العناية. { ولئن اتبعت أهواءهم } الباطلة وإراءهم الزائفة فرضا وتقديرا { من بعد ما جاءك من العلم } الواضح والوحي الصحيح { إنك إذا لمن الظالمين } ، لكنك معصوم، فلا يتصور اتباعك لهم أبدا. { الدين آتيناهم الكتاب } أي: اليهود { يعرفونه } أي: الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإن لم يتقدم ذكره لدلالة الكلام عليه أو القرآن أو التحويل، { كما يعرفون أبناءهم } لا يشكون في صحة رسالته كما لايشكون في معرفة أبنائهم. وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني، قال له: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي الله. وأما ولدي فلعل والدته قد خانت. وبعد حصول هذه المعرفة لهم جحدوه وكتموا صفته، إلا من عصمة الله بالإيمان كعبد الله بن سلام وأصحابه - فقد كتم فريق منهم الحق وهم أحبارهم، وهم يعلمون أنه حق حسدا وعنادا. هذا الذي أنت عليه يا محمد هو { الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } أي: من الشاكين في أنه الحق، أو في كتمانهم الحق عالمين به. والخطاب مصروف للسامعين لا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه غير متوقع منه، وإنما المراد تحقيق الأمر، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ قاله البيضاوي.
الإشارة: مما جرت به سنة الله تعالى في خلقه أن أهل الحقيقة منكورون عند أهل الشريعة، أو تقول: علماء الباطن منكورون عند علماء الظاهر، يقابلونهم بالإذاية والإنكار، مع أنه يعلمون أن الحقيقة حق من ربهم، وأن علم الباطن حق لقوله - عليه الصلاة والسلام -:
" إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا سمعه أهل الغرة بالله أنكروه عليهم "
أو كما قال - عليه الصلاة والسلام-، وقال صلى الله عليه وسلم:
" لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع ".
{ وما الله بغافل عما يعلمون } فجزاؤهم الحرمان عن لذة الشهود والعيان، فيقال لأهل الباطل: ولئن أتيتهم بكل آية وبرهان ما تبعوا وجهتك التي توجهت إليها لأنها منوطة بموت النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، وخرق العوائد لاكتساب الفوائد، ومفارقة الأوطان والغيبة عن الأهل والولدان، وما أنت أيها المريد بتابع وجهتهم التي توجهوا إليها، ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما ظهر لك من علم التحقيق: إنك إذا لمن الظالمين لنفوسهم. الذين آتيناهم الكتاب من علماء الشريعة يعرفون علم الحقيقة، كما يعرفون أبناءهم، أي: يقرون به في الجملة وينكرون وجود أهله مخصوصين، وقد يتحققون به ويكتمون الحق حسدا، وهم يعلمون وجود خصوصيته، فيقال للعارف: هذا الذي أنت عليه من سلوك جادة الطريقة، وعلم التحقيق، هو الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أنك على الحق المبين.
البقرة 2:147
قلت: التقلب: التردد، ووليت كذا: جعلته واليا له، والشطر هنا: الجهة. يقول الحق جل جلاله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - حين تمنى أن يحول إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأدعى إلى إسلام العرب، وهي أقدم القبلتين، فكان ينظر إلى السماء، ويقلب وجه فيها انتظارا لنزول الوحي، وهذا من كمال أدبه - عليه الصلاة والسلام - حيث انتظر ولم يطلب، فقال له الحق تعالى: { قد نرى } أي: ربما نرى تردد { وجهك في السماء } انتظارا للوحي، فلنعطينك ما تمنيت، ونوجهك إلى قبلة { ترضاها } وتحبها لمقاصد دينية وافقت المشيئة، واقتضتها الحكمة، { فول وجهك } أي: اجعله مواليا { شطر } أي: جهة { المسجد الحرام وحيثما كنتم } أيها المؤمنون أي في أي مكان كنتم { فولوا وجوهكم شطره } جهته. وإنما ذكر الحق تعالى شطر المسجد، أي: جهته، دون عين الكعبة، لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حرج عليه، بخلاف القريب، فإنه يسهل عليه مسامته العين. وقيل: إن جبريل - عليه السلام - عينها له بالوحي فسميت قبلة وحي. روي أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين، وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي مسجد القبلتين. قاله البيضاوي. الإشارة: في الآية إشارة إلى أن ترك التصريح من كمال الأدب، وفي الحكم: " ربما دلهم الأدب على ترك الطلب، كيف يكون دعاؤك اللاحق سببا في قضائه السابق؟! جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ". فإذا تمنيت شيئا وتوقفت على أمر فاصبر وتأدب واقتد بنبيك - عليه الصلاة والسلام - حتى يعطيك ما ترضى، أو يعوضك منها مقام الرضا. وفي المسألة كلام، والتحقيق أن ينظر إلى ما ينشرح به صدره في الوقت، فإن انشرح للدعاء دعا، وإن انقبض عن الدعاء سكت. والله يرزق من يشاء بغير حساب ولا علة ولا أسباب. وإن شئت قلت: قد نرى فكرتك أيها العارف في سماء المعاني، غائبا في شهود الأواني، فلنولينك قبلة ترضاها، وتتلذذ بشهود جمالها وسناها، وهي الحضرة المطهرة التي هي صلاة القلوب، فول وجهك ووجهتك إلى تلك الحضرة، وحيثما كانت فول وجهك شطره، ودم على صلاة الفكرة والنظرة، فهي صلاة العارفين، ومنتهى امل القاصدين، وبالله التوفيق. ولما تحولت القبلة إلى الكعبة غضبت اليهود، حيث ترك قبلتهم، مكابرة وعنادا، وقالوا: لو بقي على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي المبعوث في آخر الزمان فنتبعه، فرد الله عليهم وكذبهم فقال: { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون * ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ومآ أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } قلت: { ولئن } اللام موطئة للقسم، و { إن } شريطة، و { أتيت } فعل اشرط، و { ما تبعوا } جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط.
قال في الألفية:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم
يقول الحق جل جلاله: { وإن الذين أوتوا الكتاب } من أحبار اليهود { ليعلمون } أن التحول إلى الكعبة حق { من ربهم } لما يجدون في كتابهم أنه يصلي إلى القبلتين، وأن عادته تعالى تخصيص كل أمة بشريعة، { وما الله بغافل عما يعملون } من التعنت والعناد، وإنما يمهلهم ليوم المعاد، والله لئن أتيتهم بكل حجة وبرهان على صحة التوجه إلى الكعبة { ما تبعوا قبلتك } لأنهم ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها الحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعنادا. وقد طمعوا أن ترجع إلى قبلتهم، ولست { بتابع قبلتهم } أبدا، بل لهم قبلتهم صخرة بيت المقدس، وللنصارى قبلتهم مطلع الشمس، وليس بعضهم { بتابع قبلة بعض } لتصلب كل حزب بما هو فيه، وإن كان على خطأ وفساد لأن مفارقة العوائد نا صعب على النفوس إلا من سبقت له العناية. { ولئن اتبعت أهواءهم } الباطلة وإراءهم الزائفة فرضا وتقديرا { من بعد ما جاءك من العلم } الواضح والوحي الصحيح { إنك إذا لمن الظالمين } ، لكنك معصوم، فلا يتصور اتباعك لهم أبدا. { الدين آتيناهم الكتاب } أي: اليهود { يعرفونه } أي: الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإن لم يتقدم ذكره لدلالة الكلام عليه أو القرآن أو التحويل، { كما يعرفون أبناءهم } لا يشكون في صحة رسالته كما لايشكون في معرفة أبنائهم. وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني، قال له: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي الله. وأما ولدي فلعل والدته قد خانت. وبعد حصول هذه المعرفة لهم جحدوه وكتموا صفته، إلا من عصمة الله بالإيمان كعبد الله بن سلام وأصحابه - فقد كتم فريق منهم الحق وهم أحبارهم، وهم يعلمون أنه حق حسدا وعنادا. هذا الذي أنت عليه يا محمد هو { الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } أي: من الشاكين في أنه الحق، أو في كتمانهم الحق عالمين به. والخطاب مصروف للسامعين لا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه غير متوقع منه، وإنما المراد تحقيق الأمر، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ قاله البيضاوي.
الإشارة: مما جرت به سنة الله تعالى في خلقه أن أهل الحقيقة منكورون عند أهل الشريعة، أو تقول: علماء الباطن منكورون عند علماء الظاهر، يقابلونهم بالإذاية والإنكار، مع أنه يعلمون أن الحقيقة حق من ربهم، وأن علم الباطن حق لقوله - عليه الصلاة والسلام -:
" إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا سمعه أهل الغرة بالله أنكروه عليهم "
أو كما قال - عليه الصلاة والسلام-، وقال صلى الله عليه وسلم:
" لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع ".
{ وما الله بغافل عما يعلمون } فجزاؤهم الحرمان عن لذة الشهود والعيان، فيقال لأهل الباطل: ولئن أتيتهم بكل آية وبرهان ما تبعوا وجهتك التي توجهت إليها لأنها منوطة بموت النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، وخرق العوائد لاكتساب الفوائد، ومفارقة الأوطان والغيبة عن الأهل والولدان، وما أنت أيها المريد بتابع وجهتهم التي توجهوا إليها، ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما ظهر لك من علم التحقيق: إنك إذا لمن الظالمين لنفوسهم. الذين آتيناهم الكتاب من علماء الشريعة يعرفون علم الحقيقة، كما يعرفون أبناءهم، أي: يقرون به في الجملة وينكرون وجود أهله مخصوصين، وقد يتحققون به ويكتمون الحق حسدا، وهم يعلمون وجود خصوصيته، فيقال للعارف: هذا الذي أنت عليه من سلوك جادة الطريقة، وعلم التحقيق، هو الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أنك على الحق المبين.
البقرة 2:148
{ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره... } قلت: التنوين { لكل } تنوين العوض، أي ولكل أمة قبلة، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة، و { وجهة } مبتدأ، والخبر: المجرور قبله. و { هو } مبتدأ، و { موليها } خبر مقصور، و ولى يتعدى إلى مفعلوين، وهو هنا محذوف، أي: موليها وجهه إن كان الضمير يعود على المضاف المحذوف، وهو هنا محذوف، أي: موليها وجهه إن كان الضمير يعود على المضاف المحذوف، ويحتمل أن يعود على الله تعالى، أي: الله تعالى موليها إياه، أي: يجعلها موالية له إن استقبل جهتها. وقرأ ابن عامر: { هو مولاها } بالبناء للمفعول، فالنائب ضمير يعود على { هو } ، وهو المفعول الأول، والثاني: المضاف إليه تخفيفا، وأصله: ملي إياها، أي مصروفا إليها. يقول الحق جل جلاله: ولكل فريق من المسلمين جهة من الكعبة يستقبلها ويوليها وجهه، أينما كان وحيثما حل، فأكثروا من الصلوات، واستقبلوا الخيرات قبل هجوم هادم اللذات، { أينما تكونوا } في مشارق الأرض ومغاربها، يأتكم الممات، ويأت بكم إلى المحشر حفاة عراة، ولا ينفعكم حنيئذ إلا صالح عمل قدمتوه، أو فعل خير أسلفتموه، { إن الله على كل شيء قدير } ، فلا يعجزه بعث العباد، ولا جمعهم من أعماق الأرض وأقطار البلاد. وإذاعلمت أن لكل قوم جهة يستقبلونها، فمن { حيث خرجت } وفي أي مكان حللت { فول وجهك شكر المسجد الحرام } ، والله { إنه للحق من ربك } فبادر إلى امثاله، { وما الله بغافل عما تعملون } من خير أو شر، فيجازي كل واحد على ما أسلف. ثم كرر الحق تعالى الأمر بالتوجه إلى الكعبة لعلة أخرى سيذكرها، فقال: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } وحيثما حللتم { فولوا وجوهكم شطره }. قال البيضاوي: كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه تعالى ذكر للتحول ثلاث علل: تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته، وجرت العادة الإلهية على أن يولي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها، ودفع حجج المخالفين على ما بينه، وقرن كل علة بمعلولها، مع أن القبلة لها شأن، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة، فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى. ه. ثم ذكر العلة الثالثة وهي دفع الحجج المخالفين، فقال: {... لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون } قلت: الاستثناء من { الناس } أي: لئلا يكون لأحد من الناس حجة عليكم إلا المعاندين منهم، و { لأتم } متعلق بمحذوف، أي: ولإتمام نعمتي عليكم وإرادة اهتدائكم أمرتكم بالتحول، أو معطوف على محذوف أي: واخشوني لأحفظكم ولأتم نعمتي عليكم.
يقول الحق جل جلاله: وإنما أمرتكم بالتوجه إلى الكعبة دون الخصرة لتدفع حجج الناس، فإن اليهود ربما قالوا: المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وهذا يستقبل الصخرة، أو إن محمدا يخالف ديننا ويستقبل قبلتنا. والمشركون ربما قالوا: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته، فأمرتكم باستقبال القبلة دفعا لحجج الناس، إلا المعاندين منهم فلا ينقطع شغبهم، فإنهم يقولون: ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه، وحبا لبلده، أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم. فلا تخافوهم ولا تلتفتوا إلى مطاعنهم، فإنها لا تضركم، { واخشوني } أكفكم شرهم، فإن من خافني خاف منه كل شيء، ومن لم يخشني خاف من كل شيء، وأمرتكم أيضا بالتوجه إلى قبلة جدكم { لأتم نعمتي عليكم } بإقرار عين نبيكم، وإرادة اهتدائكم، فاشروا ما أوليتكم، واذكروا ما به أنعمت عليكم أزدكم من فضلي وإحساني، وأسبغ عليكم إنعامي وامتناني. الإشارة: من حكمة المدبر الحكيم أن دبر ملكه العظيم، ووجه كل فرقة بوجهه من مصالح عباده، أفناه فيها وولاه إياها. فقوم اختصهم لمحبته واصطفاهم لحضرته وهم العارفون، وقوم أقامهم لخدمته وأفناهم في عبادته وهم العباد والزهاد، وقوم أقامهم حمل شريعته وتمهيد دينه وهم العلماء العاملون، وقم أقامهم لحفظ كتابه رسما وتلاوة وتفهما وهم القراء والمفسرون، قال تعالى:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]، وقوم أقامهم لتسكين الفتن ودفع المظالم والمحن وهم الحكام ومن يستعان بهم في تلك الوجهة، وقوم أقامهم لحفظ نظام الحكمة وهم القائمون بالأسباب الشرعية على اختلاف أنواعها وتعدد فروعها، وقوم أعدهم لظهور حلمه وعفوه فيهم وهم أهل المعاصي والذنوب، وقم أعدم للانتقام وظهور اسمه القهار وهم أنواع الكفار. فكل وجهة من هؤلاء توجهت لحق شرعي أقامتها القدرة فيه، وحكم بها القضاء والقدر، إلا أن القسمين الأخيرين لا تقررهما الشريعة. فلو حسنت المقاصد لكان الكل عمالا لله، فيقال لهم: { استبقوا الخيرات } بتحسين المقاصد والنيات، وبادروا إلى الطاعات قبل هجوم هادم اللذات، أينما تكونوا يجمعكم للحساب، وتعاينوا جزاء ما أسلفتم من عذاب أو ثواب،ومن حيث خرجت أيها العارف فول جهتك وكليتك لمسجد الحضرة باستعمال الفكرة والنظرة، فإنها حق وما سواها باطل، كما قال الشاعر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
وحيثما كنتم أيها العارفون فولوا وجوهكم إلى قبلة تلك الحضرة، واعبدوا ربكم بعبادة الفكرة، فإنها صلاة القلوب، ومفتاح ميادين الغيوب، وفي ذلك يقول القائل:
يا قبلتي في صلاتي إذا وقفت أصلي جمالكم نصب عيني إليه وجهت كلي
فإذا تحققتم بهذه الحضرة، وتحصنتم بحصن الشهود والنظرة، انقطع عنكم حجج خصيم النفس والجنس، وتنزهتم في رياض القرب والأنس، إلا الخواطر التي تحوم على القلوب، فلا تقدح في مشاهدة الغيوب، فلا تخافوا غيري، ولا تتوجه همتكم إلا لإحساني وبري فإني أتم عليكم نعمتي، وأرشدكم إلى كمال معرفتي، وأتحفكم بنصري ومعونتي.
البقرة 2:149
{ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره... } قلت: التنوين { لكل } تنوين العوض، أي ولكل أمة قبلة، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة، و { وجهة } مبتدأ، والخبر: المجرور قبله. و { هو } مبتدأ، و { موليها } خبر مقصور، و ولى يتعدى إلى مفعلوين، وهو هنا محذوف، أي: موليها وجهه إن كان الضمير يعود على المضاف المحذوف، وهو هنا محذوف، أي: موليها وجهه إن كان الضمير يعود على المضاف المحذوف، ويحتمل أن يعود على الله تعالى، أي: الله تعالى موليها إياه، أي: يجعلها موالية له إن استقبل جهتها. وقرأ ابن عامر: { هو مولاها } بالبناء للمفعول، فالنائب ضمير يعود على { هو } ، وهو المفعول الأول، والثاني: المضاف إليه تخفيفا، وأصله: ملي إياها، أي مصروفا إليها. يقول الحق جل جلاله: ولكل فريق من المسلمين جهة من الكعبة يستقبلها ويوليها وجهه، أينما كان وحيثما حل، فأكثروا من الصلوات، واستقبلوا الخيرات قبل هجوم هادم اللذات، { أينما تكونوا } في مشارق الأرض ومغاربها، يأتكم الممات، ويأت بكم إلى المحشر حفاة عراة، ولا ينفعكم حنيئذ إلا صالح عمل قدمتوه، أو فعل خير أسلفتموه، { إن الله على كل شيء قدير } ، فلا يعجزه بعث العباد، ولا جمعهم من أعماق الأرض وأقطار البلاد. وإذاعلمت أن لكل قوم جهة يستقبلونها، فمن { حيث خرجت } وفي أي مكان حللت { فول وجهك شكر المسجد الحرام } ، والله { إنه للحق من ربك } فبادر إلى امثاله، { وما الله بغافل عما تعملون } من خير أو شر، فيجازي كل واحد على ما أسلف. ثم كرر الحق تعالى الأمر بالتوجه إلى الكعبة لعلة أخرى سيذكرها، فقال: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } وحيثما حللتم { فولوا وجوهكم شطره }. قال البيضاوي: كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه تعالى ذكر للتحول ثلاث علل: تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته، وجرت العادة الإلهية على أن يولي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها، ودفع حجج المخالفين على ما بينه، وقرن كل علة بمعلولها، مع أن القبلة لها شأن، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة، فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى. ه. ثم ذكر العلة الثالثة وهي دفع الحجج المخالفين، فقال: {... لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون } قلت: الاستثناء من { الناس } أي: لئلا يكون لأحد من الناس حجة عليكم إلا المعاندين منهم، و { لأتم } متعلق بمحذوف، أي: ولإتمام نعمتي عليكم وإرادة اهتدائكم أمرتكم بالتحول، أو معطوف على محذوف أي: واخشوني لأحفظكم ولأتم نعمتي عليكم.
يقول الحق جل جلاله: وإنما أمرتكم بالتوجه إلى الكعبة دون الخصرة لتدفع حجج الناس، فإن اليهود ربما قالوا: المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وهذا يستقبل الصخرة، أو إن محمدا يخالف ديننا ويستقبل قبلتنا. والمشركون ربما قالوا: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته، فأمرتكم باستقبال القبلة دفعا لحجج الناس، إلا المعاندين منهم فلا ينقطع شغبهم، فإنهم يقولون: ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه، وحبا لبلده، أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم. فلا تخافوهم ولا تلتفتوا إلى مطاعنهم، فإنها لا تضركم، { واخشوني } أكفكم شرهم، فإن من خافني خاف منه كل شيء، ومن لم يخشني خاف من كل شيء، وأمرتكم أيضا بالتوجه إلى قبلة جدكم { لأتم نعمتي عليكم } بإقرار عين نبيكم، وإرادة اهتدائكم، فاشروا ما أوليتكم، واذكروا ما به أنعمت عليكم أزدكم من فضلي وإحساني، وأسبغ عليكم إنعامي وامتناني. الإشارة: من حكمة المدبر الحكيم أن دبر ملكه العظيم، ووجه كل فرقة بوجهه من مصالح عباده، أفناه فيها وولاه إياها. فقوم اختصهم لمحبته واصطفاهم لحضرته وهم العارفون، وقوم أقامهم لخدمته وأفناهم في عبادته وهم العباد والزهاد، وقوم أقامهم حمل شريعته وتمهيد دينه وهم العلماء العاملون، وقم أقامهم لحفظ كتابه رسما وتلاوة وتفهما وهم القراء والمفسرون، قال تعالى:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]، وقوم أقامهم لتسكين الفتن ودفع المظالم والمحن وهم الحكام ومن يستعان بهم في تلك الوجهة، وقوم أقامهم لحفظ نظام الحكمة وهم القائمون بالأسباب الشرعية على اختلاف أنواعها وتعدد فروعها، وقوم أعدهم لظهور حلمه وعفوه فيهم وهم أهل المعاصي والذنوب، وقم أعدم للانتقام وظهور اسمه القهار وهم أنواع الكفار. فكل وجهة من هؤلاء توجهت لحق شرعي أقامتها القدرة فيه، وحكم بها القضاء والقدر، إلا أن القسمين الأخيرين لا تقررهما الشريعة. فلو حسنت المقاصد لكان الكل عمالا لله، فيقال لهم: { استبقوا الخيرات } بتحسين المقاصد والنيات، وبادروا إلى الطاعات قبل هجوم هادم اللذات، أينما تكونوا يجمعكم للحساب، وتعاينوا جزاء ما أسلفتم من عذاب أو ثواب،ومن حيث خرجت أيها العارف فول جهتك وكليتك لمسجد الحضرة باستعمال الفكرة والنظرة، فإنها حق وما سواها باطل، كما قال الشاعر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
وحيثما كنتم أيها العارفون فولوا وجوهكم إلى قبلة تلك الحضرة، واعبدوا ربكم بعبادة الفكرة، فإنها صلاة القلوب، ومفتاح ميادين الغيوب، وفي ذلك يقول القائل:
يا قبلتي في صلاتي إذا وقفت أصلي جمالكم نصب عيني إليه وجهت كلي
فإذا تحققتم بهذه الحضرة، وتحصنتم بحصن الشهود والنظرة، انقطع عنكم حجج خصيم النفس والجنس، وتنزهتم في رياض القرب والأنس، إلا الخواطر التي تحوم على القلوب، فلا تقدح في مشاهدة الغيوب، فلا تخافوا غيري، ولا تتوجه همتكم إلا لإحساني وبري فإني أتم عليكم نعمتي، وأرشدكم إلى كمال معرفتي، وأتحفكم بنصري ومعونتي.
البقرة 2:150
{ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره... } قلت: التنوين { لكل } تنوين العوض، أي ولكل أمة قبلة، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة، و { وجهة } مبتدأ، والخبر: المجرور قبله. و { هو } مبتدأ، و { موليها } خبر مقصور، و ولى يتعدى إلى مفعلوين، وهو هنا محذوف، أي: موليها وجهه إن كان الضمير يعود على المضاف المحذوف، وهو هنا محذوف، أي: موليها وجهه إن كان الضمير يعود على المضاف المحذوف، ويحتمل أن يعود على الله تعالى، أي: الله تعالى موليها إياه، أي: يجعلها موالية له إن استقبل جهتها. وقرأ ابن عامر: { هو مولاها } بالبناء للمفعول، فالنائب ضمير يعود على { هو } ، وهو المفعول الأول، والثاني: المضاف إليه تخفيفا، وأصله: ملي إياها، أي مصروفا إليها. يقول الحق جل جلاله: ولكل فريق من المسلمين جهة من الكعبة يستقبلها ويوليها وجهه، أينما كان وحيثما حل، فأكثروا من الصلوات، واستقبلوا الخيرات قبل هجوم هادم اللذات، { أينما تكونوا } في مشارق الأرض ومغاربها، يأتكم الممات، ويأت بكم إلى المحشر حفاة عراة، ولا ينفعكم حنيئذ إلا صالح عمل قدمتوه، أو فعل خير أسلفتموه، { إن الله على كل شيء قدير } ، فلا يعجزه بعث العباد، ولا جمعهم من أعماق الأرض وأقطار البلاد. وإذاعلمت أن لكل قوم جهة يستقبلونها، فمن { حيث خرجت } وفي أي مكان حللت { فول وجهك شكر المسجد الحرام } ، والله { إنه للحق من ربك } فبادر إلى امثاله، { وما الله بغافل عما تعملون } من خير أو شر، فيجازي كل واحد على ما أسلف. ثم كرر الحق تعالى الأمر بالتوجه إلى الكعبة لعلة أخرى سيذكرها، فقال: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } وحيثما حللتم { فولوا وجوهكم شطره }. قال البيضاوي: كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه تعالى ذكر للتحول ثلاث علل: تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته، وجرت العادة الإلهية على أن يولي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها، ودفع حجج المخالفين على ما بينه، وقرن كل علة بمعلولها، مع أن القبلة لها شأن، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة، فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى. ه. ثم ذكر العلة الثالثة وهي دفع الحجج المخالفين، فقال: {... لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون } قلت: الاستثناء من { الناس } أي: لئلا يكون لأحد من الناس حجة عليكم إلا المعاندين منهم، و { لأتم } متعلق بمحذوف، أي: ولإتمام نعمتي عليكم وإرادة اهتدائكم أمرتكم بالتحول، أو معطوف على محذوف أي: واخشوني لأحفظكم ولأتم نعمتي عليكم.
يقول الحق جل جلاله: وإنما أمرتكم بالتوجه إلى الكعبة دون الخصرة لتدفع حجج الناس، فإن اليهود ربما قالوا: المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وهذا يستقبل الصخرة، أو إن محمدا يخالف ديننا ويستقبل قبلتنا. والمشركون ربما قالوا: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته، فأمرتكم باستقبال القبلة دفعا لحجج الناس، إلا المعاندين منهم فلا ينقطع شغبهم، فإنهم يقولون: ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه، وحبا لبلده، أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم. فلا تخافوهم ولا تلتفتوا إلى مطاعنهم، فإنها لا تضركم، { واخشوني } أكفكم شرهم، فإن من خافني خاف منه كل شيء، ومن لم يخشني خاف من كل شيء، وأمرتكم أيضا بالتوجه إلى قبلة جدكم { لأتم نعمتي عليكم } بإقرار عين نبيكم، وإرادة اهتدائكم، فاشروا ما أوليتكم، واذكروا ما به أنعمت عليكم أزدكم من فضلي وإحساني، وأسبغ عليكم إنعامي وامتناني. الإشارة: من حكمة المدبر الحكيم أن دبر ملكه العظيم، ووجه كل فرقة بوجهه من مصالح عباده، أفناه فيها وولاه إياها. فقوم اختصهم لمحبته واصطفاهم لحضرته وهم العارفون، وقوم أقامهم لخدمته وأفناهم في عبادته وهم العباد والزهاد، وقوم أقامهم حمل شريعته وتمهيد دينه وهم العلماء العاملون، وقم أقامهم لحفظ كتابه رسما وتلاوة وتفهما وهم القراء والمفسرون، قال تعالى:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]، وقوم أقامهم لتسكين الفتن ودفع المظالم والمحن وهم الحكام ومن يستعان بهم في تلك الوجهة، وقوم أقامهم لحفظ نظام الحكمة وهم القائمون بالأسباب الشرعية على اختلاف أنواعها وتعدد فروعها، وقوم أعدهم لظهور حلمه وعفوه فيهم وهم أهل المعاصي والذنوب، وقم أعدم للانتقام وظهور اسمه القهار وهم أنواع الكفار. فكل وجهة من هؤلاء توجهت لحق شرعي أقامتها القدرة فيه، وحكم بها القضاء والقدر، إلا أن القسمين الأخيرين لا تقررهما الشريعة. فلو حسنت المقاصد لكان الكل عمالا لله، فيقال لهم: { استبقوا الخيرات } بتحسين المقاصد والنيات، وبادروا إلى الطاعات قبل هجوم هادم اللذات، أينما تكونوا يجمعكم للحساب، وتعاينوا جزاء ما أسلفتم من عذاب أو ثواب،ومن حيث خرجت أيها العارف فول جهتك وكليتك لمسجد الحضرة باستعمال الفكرة والنظرة، فإنها حق وما سواها باطل، كما قال الشاعر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
وحيثما كنتم أيها العارفون فولوا وجوهكم إلى قبلة تلك الحضرة، واعبدوا ربكم بعبادة الفكرة، فإنها صلاة القلوب، ومفتاح ميادين الغيوب، وفي ذلك يقول القائل:
يا قبلتي في صلاتي إذا وقفت أصلي جمالكم نصب عيني إليه وجهت كلي
فإذا تحققتم بهذه الحضرة، وتحصنتم بحصن الشهود والنظرة، انقطع عنكم حجج خصيم النفس والجنس، وتنزهتم في رياض القرب والأنس، إلا الخواطر التي تحوم على القلوب، فلا تقدح في مشاهدة الغيوب، فلا تخافوا غيري، ولا تتوجه همتكم إلا لإحساني وبري فإني أتم عليكم نعمتي، وأرشدكم إلى كمال معرفتي، وأتحفكم بنصري ومعونتي.