Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — البقرة 2:151 – البقرة 2:282

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. البقرة 2:151
  2. البقرة 2:152
  3. البقرة 2:153
  4. البقرة 2:154
  5. البقرة 2:155
  6. البقرة 2:156
  7. البقرة 2:157
  8. البقرة 2:158
  9. البقرة 2:159
  10. البقرة 2:160
  11. البقرة 2:161
  12. البقرة 2:162
  13. البقرة 2:163
  14. البقرة 2:164
  15. البقرة 2:165
  16. البقرة 2:166
  17. البقرة 2:167
  18. البقرة 2:168
  19. البقرة 2:169
  20. البقرة 2:170
  21. البقرة 2:171
  22. البقرة 2:172
  23. البقرة 2:173
  24. البقرة 2:174
  25. البقرة 2:175
  26. البقرة 2:176
  27. البقرة 2:177
  28. البقرة 2:178
  29. البقرة 2:179
  30. البقرة 2:180
  31. البقرة 2:181
  32. البقرة 2:182
  33. البقرة 2:183
  34. البقرة 2:184
  35. البقرة 2:185
  36. البقرة 2:186
  37. البقرة 2:187
  38. البقرة 2:188
  39. البقرة 2:189
  40. البقرة 2:190
  41. البقرة 2:191
  42. البقرة 2:192
  43. البقرة 2:193
  44. البقرة 2:194
  45. البقرة 2:195
  46. البقرة 2:196
  47. البقرة 2:197
  48. البقرة 2:198
  49. البقرة 2:199
  50. البقرة 2:200
  51. البقرة 2:201
  52. البقرة 2:202
  53. البقرة 2:203
  54. البقرة 2:204
  55. البقرة 2:205
  56. البقرة 2:206
  57. البقرة 2:207
  58. البقرة 2:208
  59. البقرة 2:209
  60. البقرة 2:210
  61. البقرة 2:211
  62. البقرة 2:212
  63. البقرة 2:213
  64. البقرة 2:214
  65. البقرة 2:215
  66. البقرة 2:216
  67. البقرة 2:217
  68. البقرة 2:218
  69. البقرة 2:219
  70. البقرة 2:220
  71. البقرة 2:221
  72. البقرة 2:222
  73. البقرة 2:223
  74. البقرة 2:224
  75. البقرة 2:225
  76. البقرة 2:226
  77. البقرة 2:227
  78. البقرة 2:228
  79. البقرة 2:229
  80. البقرة 2:230
  81. البقرة 2:231
  82. البقرة 2:232
  83. البقرة 2:233
  84. البقرة 2:234
  85. البقرة 2:235
  86. البقرة 2:236
  87. البقرة 2:237
  88. البقرة 2:238
  89. البقرة 2:239
  90. البقرة 2:240
  91. البقرة 2:241
  92. البقرة 2:242
  93. البقرة 2:243
  94. البقرة 2:244
  95. البقرة 2:245
  96. البقرة 2:246
  97. البقرة 2:247
  98. البقرة 2:248
  99. البقرة 2:249
  100. البقرة 2:250
  101. البقرة 2:251
  102. البقرة 2:252
  103. البقرة 2:253
  104. البقرة 2:254
  105. البقرة 2:255
  106. البقرة 2:256
  107. البقرة 2:257
  108. البقرة 2:258
  109. البقرة 2:259
  110. البقرة 2:260
  111. البقرة 2:261
  112. البقرة 2:262
  113. البقرة 2:263
  114. البقرة 2:264
  115. البقرة 2:265
  116. البقرة 2:266
  117. البقرة 2:267
  118. البقرة 2:268
  119. البقرة 2:269
  120. البقرة 2:270
  121. البقرة 2:271
  122. البقرة 2:272
  123. البقرة 2:273
  124. البقرة 2:274
  125. البقرة 2:275
  126. البقرة 2:276
  127. البقرة 2:277
  128. البقرة 2:278
  129. البقرة 2:279
  130. البقرة 2:280
  131. البقرة 2:281
  132. البقرة 2:282

البقرة 2:151

قلت: { كما } متعلق بأتم، أي: ولأتم نعمتي عليكم في شأن القبلة كما أتممتها عليكم بإرسال الرسول. أو باذكروني، أي: كما ذكرناكم بالإرسال، فاذكروني بالمقال والحال. وقدم هنا التزكية على التعليم، باعتبار القصد لأن القصد من الإرسال والتعليم هو التطهير، وأخره في دعوة إبراهيم باعتبار الفعل، لأن الإرسال والتعليم مقدم على التطهير، وأعاد العامل في قوله: { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } إيذانا بأنه جنس آخر شرفا له. يقول الحق جل جلاله يا عبادي اذكروا بري وإحساني، فقد أتممت عليكم نعمتي وآلائي بإسعافكم في تحويل القبلة، كما أتممتها عليكم بأعظم النعم وأجلها، وهو إرسال من يعلمكم { رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا } الموصلة إلى حضرتنا، ويطهركم من المساوئ والعيوب، { ويعلمكم الكتاب } المشتمل على علم الغيوب ودواء القلوب، ويعلمكم { الحكمة } وهي الشريعة المطهرة والسنة النبوية، { ويعلمكم } علوما غيبية لم يكن لكم بها علم ولا معرفة، { فاذكروني } بالطاعة والإحسان { أذكركم } بالثواب ونعيم الجنان. قال صلى الله عليه وسلم: " من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن. ومن عصي الله فقد نسي الله، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته ". أو فاذكروني بالجنان أذكركم بنعمة الشهود والعيان، أو فاذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الحجب، أو فاذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالدرجات في الجنان. قال الصديق رضي الله عنه: كفى بالتوحيد عبادة، وكفى بالجنة ثوابا. أو فاذكروني بالشكر أذكركم بالزيادة، أو فاذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها: قال الأصمعي: رأيت أعرابيا واقفا يوم عرفة بعرفات، وهو يقول: إلهي عجت لك الأصوات بضروب اللغات يسألونك الحاجات، وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلاء إذا نسيني أهل الدنيا. أو: فاذكروني في الدنيا أذكركم في العقبى، أو: فاذكروني بالطاعات أذكركم بالمعافاة، يعني يحييه حياة طيبة. أو: فاذكروني في الخلاء والملأ أذكركم في أفضل الملأ، دليله الحديث: " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء، وأنا معه إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه... " الحديث. أو: فاذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء، أو: فاذكروني بالتسليم والرضا أذكركم بحسن التدبير ولطف القضاء، ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 3] أو: فاذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصال والقربة. أو: فاذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوبة، أو: فاذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء، أو: فاذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال، إلى غير ذلك مما لا ينحصر. واعلم أن الذكر ثلاثة أنواع: ذكر اللسان فقط وهو ذكر الغافلين، وذكر اللسان والقلب وهو ذكر السائرين، وذكر القلب فقط، وهو ذكر الواصلين، والذكر هو أفضل الأعمال كما تقتضيه الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، وهو أقرب الطرق الموصلة إلى الله تعالى، إذا كان بشيخ كامل، واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة من تهليل وتكبير وتسبيح وحمدلة وحسبلة وحوقلة وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكل خاصية وثمرة، وتجتمع في ذكر المفرد، وهو: الله، الله. فإن ثمرته الفناء في الذات، وهي الغاية والمنتهى. انظر ابن جزي. قال الحق تعالى: واشكروا لي ما أوليتكم من إحساني وبري بأن تنسبوها لي لا لغيري، ولا تجحدوا إحساني فأسلبكم ما خولتكم من إنعامي. الإشارة: كما أنعم الله على الأمة المحمدية بأن بعث فيهم رسولا منهم يعلمهم الشرعية النبوية، ويطهرهم من شهود الغيرية، ويعلمهم العلوم اللدنية، كذلك من الله تعالى على عباده من هذه الأمة في كل زمان، ببعث شيوخ التربية يطهرون الناس من العيوب، ويدخلونهم حضرة الغيوب، ويطلعونهم على شهود القدرة الأزلية والحكمة الإلهية، ويعلمهم من غرائب العلوم، ويفتح لهم مخازن الفهوم، فيطلعون على السر المصون، ويعلمون ما لم يكونوا يعلمون، فيقول لهم الحق جل جلاله: اذكروني بأرواحكم وأسراركم، أذكركم بالغيبة عن رؤية أشباحكم، اذكروني بالفكرة والنظرة أمتعكم بدوام شهود الحضرة، واشكروا لي آلائي وبري، ولا تكفروا بالركون إلى غيري فإني أسلبكم من مزيد معوني ونصري. ولما أمر عباده بالشكر أمرهم بمقام الصبر لأنه أخوه في ضده إذ الشكر في النعمة والصبر في البلية.

البقرة 2:152

قلت: { كما } متعلق بأتم، أي: ولأتم نعمتي عليكم في شأن القبلة كما أتممتها عليكم بإرسال الرسول. أو باذكروني، أي: كما ذكرناكم بالإرسال، فاذكروني بالمقال والحال. وقدم هنا التزكية على التعليم، باعتبار القصد لأن القصد من الإرسال والتعليم هو التطهير، وأخره في دعوة إبراهيم باعتبار الفعل، لأن الإرسال والتعليم مقدم على التطهير، وأعاد العامل في قوله: { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } إيذانا بأنه جنس آخر شرفا له. يقول الحق جل جلاله يا عبادي اذكروا بري وإحساني، فقد أتممت عليكم نعمتي وآلائي بإسعافكم في تحويل القبلة، كما أتممتها عليكم بأعظم النعم وأجلها، وهو إرسال من يعلمكم { رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا } الموصلة إلى حضرتنا، ويطهركم من المساوئ والعيوب، { ويعلمكم الكتاب } المشتمل على علم الغيوب ودواء القلوب، ويعلمكم { الحكمة } وهي الشريعة المطهرة والسنة النبوية، { ويعلمكم } علوما غيبية لم يكن لكم بها علم ولا معرفة، { فاذكروني } بالطاعة والإحسان { أذكركم } بالثواب ونعيم الجنان. قال صلى الله عليه وسلم: " من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن. ومن عصي الله فقد نسي الله، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته ". أو فاذكروني بالجنان أذكركم بنعمة الشهود والعيان، أو فاذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الحجب، أو فاذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالدرجات في الجنان. قال الصديق رضي الله عنه: كفى بالتوحيد عبادة، وكفى بالجنة ثوابا. أو فاذكروني بالشكر أذكركم بالزيادة، أو فاذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها: قال الأصمعي: رأيت أعرابيا واقفا يوم عرفة بعرفات، وهو يقول: إلهي عجت لك الأصوات بضروب اللغات يسألونك الحاجات، وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلاء إذا نسيني أهل الدنيا. أو: فاذكروني في الدنيا أذكركم في العقبى، أو: فاذكروني بالطاعات أذكركم بالمعافاة، يعني يحييه حياة طيبة. أو: فاذكروني في الخلاء والملأ أذكركم في أفضل الملأ، دليله الحديث: " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء، وأنا معه إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه... " الحديث. أو: فاذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء، أو: فاذكروني بالتسليم والرضا أذكركم بحسن التدبير ولطف القضاء، ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 3] أو: فاذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصال والقربة. أو: فاذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوبة، أو: فاذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء، أو: فاذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال، إلى غير ذلك مما لا ينحصر. واعلم أن الذكر ثلاثة أنواع: ذكر اللسان فقط وهو ذكر الغافلين، وذكر اللسان والقلب وهو ذكر السائرين، وذكر القلب فقط، وهو ذكر الواصلين، والذكر هو أفضل الأعمال كما تقتضيه الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، وهو أقرب الطرق الموصلة إلى الله تعالى، إذا كان بشيخ كامل، واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة من تهليل وتكبير وتسبيح وحمدلة وحسبلة وحوقلة وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكل خاصية وثمرة، وتجتمع في ذكر المفرد، وهو: الله، الله. فإن ثمرته الفناء في الذات، وهي الغاية والمنتهى. انظر ابن جزي. قال الحق تعالى: واشكروا لي ما أوليتكم من إحساني وبري بأن تنسبوها لي لا لغيري، ولا تجحدوا إحساني فأسلبكم ما خولتكم من إنعامي. الإشارة: كما أنعم الله على الأمة المحمدية بأن بعث فيهم رسولا منهم يعلمهم الشرعية النبوية، ويطهرهم من شهود الغيرية، ويعلمهم العلوم اللدنية، كذلك من الله تعالى على عباده من هذه الأمة في كل زمان، ببعث شيوخ التربية يطهرون الناس من العيوب، ويدخلونهم حضرة الغيوب، ويطلعونهم على شهود القدرة الأزلية والحكمة الإلهية، ويعلمهم من غرائب العلوم، ويفتح لهم مخازن الفهوم، فيطلعون على السر المصون، ويعلمون ما لم يكونوا يعلمون، فيقول لهم الحق جل جلاله: اذكروني بأرواحكم وأسراركم، أذكركم بالغيبة عن رؤية أشباحكم، اذكروني بالفكرة والنظرة أمتعكم بدوام شهود الحضرة، واشكروا لي آلائي وبري، ولا تكفروا بالركون إلى غيري فإني أسلبكم من مزيد معوني ونصري. ولما أمر عباده بالشكر أمرهم بمقام الصبر لأنه أخوه في ضده إذ الشكر في النعمة والصبر في البلية.

البقرة 2:153

قلت: { أحياء } و { أموات } خبران عن مبتدأ مضمر، والابتلاء هو الاختبار، حيثما ورد في القرآن، ومعناه في حقه تعالى: أنه يظهر في الوجود ما في علمه لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضا لأن الله علم ما كان وما يكون، والصلاة هنا المغفرة والتطهير، والرحمة: اللطف والإحسان. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا استعينوا } على نيل رضواني وبري وإحساني { بالصبر } على مشاق الطاعات وترك المعاصي والهفوات، وبالصلاة التي هي أم العبادات، ومحل المناجاة ومعدن المصافاة، فيها تشرق شوارق الأنوار، وتتسع ميادين الأسرار، وهي معراج أرواح المؤمنين ومناجاة رب العالمين، فإن تجرعتم مرارة الصبر فإن { الله مع الصابرين } ، وأعظم مواطن الصبر عند مفارقة الأحباب، وذهاب العشائر والأصحاب، فإن كان موتهم في الجهاد فلا ينبغي لأجلهم أسف ولا نكاد لأنهم { أحياء عند ربهم يرزقون } ، وكذلك من ألحق بهم من ذي هدم وغرق وحرق ونفاس وطاعون، فلا تقولوا لمن يقتل { في سبيل الله } من هؤلاء: هم { أموات } ، { بل } هم { أحياء } حياة روحانية لا بشرية، { ولكن لا تشعرون } بحياتهم لأنهم مجرد أرواح، وأنتم لبستم طلسم الأشباح، فاختفى عنكم مقام الأرواح، وكذلك أرواح المؤمنين كلهم أحياء. وإنما خص الشهداء لمزيد بهجة وكرامة. وإجراء رزقهم عليهم دون غيرهم، ففي الحديث: " أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ورق الجنة " أي: تأكل، وفي حديث آخر: " يخلق الله الشهداء جسوما على صورة طير خضر، فتكون في حواصلها، فتسرح بها في الجنة، وتأكل من ثمارها، وتنال من خيراتها ونعيمها، حتى تحشر منها يوم القيامة ". ولا يدخل الجنة أحد غيرهم إلى ميقاتها إلا الصديقون، وهم العارفون، فهم أعظم من الجميع لمزيد تصرف وإدراك وسعة روح وريحان، وتحقق شهود وعيان، فهم في نعيم الجنان كالشهداء، لكن الصديقين غير محصورين في حواصل الطيور، بل لهم هياكل وصور سرحوا بها حيث شاءوا. وكذلك من فوقهم من الأنبياء والرسل، والله تعالى أعلم. ثم قال الحق جل جلاله: ولنختبركم يا معشر المسلمين { بشيء } قليل { من الخوف } لهيجان العدو وصولة الكفار، { والجوع } لغلاء الأسعار وقلة الثمار، { ونقص من الأموال } بموت الحيوان وتعذر التجارة أو الخسران، { والأنفس } بالموت في الجهاد، { والثمرات } بذهابها بالجوائح. وعن الشافعي رضي الله عنه: الخوف خوف الله، والجوع صوم رمضان، والنقص من الأموال بالزكوات والصدقات، ومن الأنفس بالأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا مات ولد العبد قال الله للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: ماذا قال؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ". { وبشر الصابرين } يا من تتأتى منه البشارة { الذين إذا أصباتهم مصيبة } في بدن أو أهل أو مال أو صاحب { قالوا إنا لله } ملكا وعبيدا يحكم فينا بما يريد { وإنا إليه راجعون } فيجازينا بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فتغيب مصائب الدنيا في جانبه. وفي الحديث: " من أصابته مصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا مما أصابه " قالت أم سلمة: فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك، فأبدلني الله برسوله صلى الله عليه وسلم. { أولئك } الصابرون الراجعون إلى الله { عليهم صلوات } أي: مغفرة وتطهير { من ربهم ورحمة } أي: عطف ولطف { وأولئك هم المهتدون } لكل خير في الدنيا والآخرة. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا بطريق الخصوص استعينوا على سلوك طريق حضرتنا ومشاهدة أنوار قدسنا بالصبر على ما تكره النفوس من ترك الحظوظ والشهوات، والميل إلى العادات والمألوفات، وبالصلاة الدائمة، وهي صلاة القلوب بالعكوف في حضرة الغيوب. { إن الله مع الصابرين } بالمعونة والتأييد، وإشراق أنوار التوحيد، ولا تقولوا لمن ترونه قتل نفسه بالذل والافتقار، وخرق العوائد وخلع العذار: إنه قد مات، بل هو حي لا يموت، قال الله تعالى: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } فإذا ماتت نفس المريد. واستوى عنده الذل والعز والمدح والذم، والغنى والفقر، والموت والحياة، فقد حييت روحه واتسع عليها فضاء الشهود، وتمتعت بالنظرة إلى الملك المعبود، فلا يزيدها الموت الحسي إلا اتصالا وتمتعا وشهودا، فهي في الترقي أبدا سرمدا، ولكن لا تشعرون بما هم فيه في هذه الدار وفي تلك الدار. ويقال لهم عند إرادة سلوكهم الطريق إلى عين التحقيق: والله لنبلونكم يا معشر المريدين بشيء من إذاية الخلق وتضييق الرزق، وذهاب الأموال، وضعف الأبدان بالمجاهدة، وتأخير الفتح بظهور ثمرة المشاهدة ليظهر الصادق في الطلب الثبوت في أحكام العبودية، حتى تشرق عليها أنوار الربوبية، ومن الكاذب بالرجوع إلى العوائد والشهوات، والركون إلى الرخص والتأويلات، { وبشر الصابرين } الثابتين في الطلب، بالظفر بكل ما أملوا، وبالوصول إلى ما إليه رحلوا، الذين إذا أصابتهم نكبة أو وقفة تحققوا بضعف العبودية، وتعلقوا بقوة الربوبية، فرجعوا إلى الله في كل شيء، فآواهم إليه من كل شيء، أولئك عليهم تحنن من ربهم وتقريب، وهم المهتدون إلى جوار الحبيب. قال ابن جزي: فائدة: ورد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا وذلك لعظم موقعه في الدين، قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر معلوم إلا الصبر، فإنه لا يحصر أجره لقوله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10]. وذكر الله للصابرين ثمانيا من الكرامات. أولها: المحبة، قال: والله يحب الصابرين [آل عمران: 146]، والثاني: النصر، قال: إن الله مع الصابرين [البقرة: 153]، والثالث: غرفات الجنة، قال: يجزون الغرفة بما صبروا [الفرقان: 75] والرابع: الأجر الجزيل، قال: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، فمنها البشارة قال: { وبشر الصابرين } ، والصلاة والرحمة والهداية قال: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون }. والصبر على أربعة أوجه: صبر على البلاء، وهو منع النفس عن التسخط والهلع والجزع، وصبر على النعم، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبر بها، وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها، وصبر على المعاصي بكف النفس عنها. وفوق الصبر التسليم، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهرا، وترك الكراهية باطنا، وفوق التسليم الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر على المحبة، وكل ما يفعل المحبوب. ه. ولما ذكر الحق تعالى الكعبة، وأمر بالتوجهة إليها، ناسب أن يذكر الصفا والمروة لقربهما منها ومشاركتهما لها في أمر الدين، وذلك أن الصحابة تحرجوا أن يطوفوا بهما لأن الصفا كان عليه صنم يقال له إساف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فخافوا أن يكون الطواف بينهما تعظيما لهما، فرفع الله ذلك.

البقرة 2:154

قلت: { أحياء } و { أموات } خبران عن مبتدأ مضمر، والابتلاء هو الاختبار، حيثما ورد في القرآن، ومعناه في حقه تعالى: أنه يظهر في الوجود ما في علمه لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضا لأن الله علم ما كان وما يكون، والصلاة هنا المغفرة والتطهير، والرحمة: اللطف والإحسان. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا استعينوا } على نيل رضواني وبري وإحساني { بالصبر } على مشاق الطاعات وترك المعاصي والهفوات، وبالصلاة التي هي أم العبادات، ومحل المناجاة ومعدن المصافاة، فيها تشرق شوارق الأنوار، وتتسع ميادين الأسرار، وهي معراج أرواح المؤمنين ومناجاة رب العالمين، فإن تجرعتم مرارة الصبر فإن { الله مع الصابرين } ، وأعظم مواطن الصبر عند مفارقة الأحباب، وذهاب العشائر والأصحاب، فإن كان موتهم في الجهاد فلا ينبغي لأجلهم أسف ولا نكاد لأنهم { أحياء عند ربهم يرزقون } ، وكذلك من ألحق بهم من ذي هدم وغرق وحرق ونفاس وطاعون، فلا تقولوا لمن يقتل { في سبيل الله } من هؤلاء: هم { أموات } ، { بل } هم { أحياء } حياة روحانية لا بشرية، { ولكن لا تشعرون } بحياتهم لأنهم مجرد أرواح، وأنتم لبستم طلسم الأشباح، فاختفى عنكم مقام الأرواح، وكذلك أرواح المؤمنين كلهم أحياء. وإنما خص الشهداء لمزيد بهجة وكرامة. وإجراء رزقهم عليهم دون غيرهم، ففي الحديث: " أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ورق الجنة " أي: تأكل، وفي حديث آخر: " يخلق الله الشهداء جسوما على صورة طير خضر، فتكون في حواصلها، فتسرح بها في الجنة، وتأكل من ثمارها، وتنال من خيراتها ونعيمها، حتى تحشر منها يوم القيامة ". ولا يدخل الجنة أحد غيرهم إلى ميقاتها إلا الصديقون، وهم العارفون، فهم أعظم من الجميع لمزيد تصرف وإدراك وسعة روح وريحان، وتحقق شهود وعيان، فهم في نعيم الجنان كالشهداء، لكن الصديقين غير محصورين في حواصل الطيور، بل لهم هياكل وصور سرحوا بها حيث شاءوا. وكذلك من فوقهم من الأنبياء والرسل، والله تعالى أعلم. ثم قال الحق جل جلاله: ولنختبركم يا معشر المسلمين { بشيء } قليل { من الخوف } لهيجان العدو وصولة الكفار، { والجوع } لغلاء الأسعار وقلة الثمار، { ونقص من الأموال } بموت الحيوان وتعذر التجارة أو الخسران، { والأنفس } بالموت في الجهاد، { والثمرات } بذهابها بالجوائح. وعن الشافعي رضي الله عنه: الخوف خوف الله، والجوع صوم رمضان، والنقص من الأموال بالزكوات والصدقات، ومن الأنفس بالأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا مات ولد العبد قال الله للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: ماذا قال؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ". { وبشر الصابرين } يا من تتأتى منه البشارة { الذين إذا أصباتهم مصيبة } في بدن أو أهل أو مال أو صاحب { قالوا إنا لله } ملكا وعبيدا يحكم فينا بما يريد { وإنا إليه راجعون } فيجازينا بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فتغيب مصائب الدنيا في جانبه. وفي الحديث: " من أصابته مصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا مما أصابه " قالت أم سلمة: فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك، فأبدلني الله برسوله صلى الله عليه وسلم. { أولئك } الصابرون الراجعون إلى الله { عليهم صلوات } أي: مغفرة وتطهير { من ربهم ورحمة } أي: عطف ولطف { وأولئك هم المهتدون } لكل خير في الدنيا والآخرة. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا بطريق الخصوص استعينوا على سلوك طريق حضرتنا ومشاهدة أنوار قدسنا بالصبر على ما تكره النفوس من ترك الحظوظ والشهوات، والميل إلى العادات والمألوفات، وبالصلاة الدائمة، وهي صلاة القلوب بالعكوف في حضرة الغيوب. { إن الله مع الصابرين } بالمعونة والتأييد، وإشراق أنوار التوحيد، ولا تقولوا لمن ترونه قتل نفسه بالذل والافتقار، وخرق العوائد وخلع العذار: إنه قد مات، بل هو حي لا يموت، قال الله تعالى: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } فإذا ماتت نفس المريد. واستوى عنده الذل والعز والمدح والذم، والغنى والفقر، والموت والحياة، فقد حييت روحه واتسع عليها فضاء الشهود، وتمتعت بالنظرة إلى الملك المعبود، فلا يزيدها الموت الحسي إلا اتصالا وتمتعا وشهودا، فهي في الترقي أبدا سرمدا، ولكن لا تشعرون بما هم فيه في هذه الدار وفي تلك الدار. ويقال لهم عند إرادة سلوكهم الطريق إلى عين التحقيق: والله لنبلونكم يا معشر المريدين بشيء من إذاية الخلق وتضييق الرزق، وذهاب الأموال، وضعف الأبدان بالمجاهدة، وتأخير الفتح بظهور ثمرة المشاهدة ليظهر الصادق في الطلب الثبوت في أحكام العبودية، حتى تشرق عليها أنوار الربوبية، ومن الكاذب بالرجوع إلى العوائد والشهوات، والركون إلى الرخص والتأويلات، { وبشر الصابرين } الثابتين في الطلب، بالظفر بكل ما أملوا، وبالوصول إلى ما إليه رحلوا، الذين إذا أصابتهم نكبة أو وقفة تحققوا بضعف العبودية، وتعلقوا بقوة الربوبية، فرجعوا إلى الله في كل شيء، فآواهم إليه من كل شيء، أولئك عليهم تحنن من ربهم وتقريب، وهم المهتدون إلى جوار الحبيب. قال ابن جزي: فائدة: ورد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا وذلك لعظم موقعه في الدين، قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر معلوم إلا الصبر، فإنه لا يحصر أجره لقوله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10]. وذكر الله للصابرين ثمانيا من الكرامات. أولها: المحبة، قال: والله يحب الصابرين [آل عمران: 146]، والثاني: النصر، قال: إن الله مع الصابرين [البقرة: 153]، والثالث: غرفات الجنة، قال: يجزون الغرفة بما صبروا [الفرقان: 75] والرابع: الأجر الجزيل، قال: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، فمنها البشارة قال: { وبشر الصابرين } ، والصلاة والرحمة والهداية قال: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون }. والصبر على أربعة أوجه: صبر على البلاء، وهو منع النفس عن التسخط والهلع والجزع، وصبر على النعم، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبر بها، وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها، وصبر على المعاصي بكف النفس عنها. وفوق الصبر التسليم، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهرا، وترك الكراهية باطنا، وفوق التسليم الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر على المحبة، وكل ما يفعل المحبوب. ه. ولما ذكر الحق تعالى الكعبة، وأمر بالتوجهة إليها، ناسب أن يذكر الصفا والمروة لقربهما منها ومشاركتهما لها في أمر الدين، وذلك أن الصحابة تحرجوا أن يطوفوا بهما لأن الصفا كان عليه صنم يقال له إساف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فخافوا أن يكون الطواف بينهما تعظيما لهما، فرفع الله ذلك.

البقرة 2:155

قلت: { أحياء } و { أموات } خبران عن مبتدأ مضمر، والابتلاء هو الاختبار، حيثما ورد في القرآن، ومعناه في حقه تعالى: أنه يظهر في الوجود ما في علمه لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضا لأن الله علم ما كان وما يكون، والصلاة هنا المغفرة والتطهير، والرحمة: اللطف والإحسان. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا استعينوا } على نيل رضواني وبري وإحساني { بالصبر } على مشاق الطاعات وترك المعاصي والهفوات، وبالصلاة التي هي أم العبادات، ومحل المناجاة ومعدن المصافاة، فيها تشرق شوارق الأنوار، وتتسع ميادين الأسرار، وهي معراج أرواح المؤمنين ومناجاة رب العالمين، فإن تجرعتم مرارة الصبر فإن { الله مع الصابرين } ، وأعظم مواطن الصبر عند مفارقة الأحباب، وذهاب العشائر والأصحاب، فإن كان موتهم في الجهاد فلا ينبغي لأجلهم أسف ولا نكاد لأنهم { أحياء عند ربهم يرزقون } ، وكذلك من ألحق بهم من ذي هدم وغرق وحرق ونفاس وطاعون، فلا تقولوا لمن يقتل { في سبيل الله } من هؤلاء: هم { أموات } ، { بل } هم { أحياء } حياة روحانية لا بشرية، { ولكن لا تشعرون } بحياتهم لأنهم مجرد أرواح، وأنتم لبستم طلسم الأشباح، فاختفى عنكم مقام الأرواح، وكذلك أرواح المؤمنين كلهم أحياء. وإنما خص الشهداء لمزيد بهجة وكرامة. وإجراء رزقهم عليهم دون غيرهم، ففي الحديث: " أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ورق الجنة " أي: تأكل، وفي حديث آخر: " يخلق الله الشهداء جسوما على صورة طير خضر، فتكون في حواصلها، فتسرح بها في الجنة، وتأكل من ثمارها، وتنال من خيراتها ونعيمها، حتى تحشر منها يوم القيامة ". ولا يدخل الجنة أحد غيرهم إلى ميقاتها إلا الصديقون، وهم العارفون، فهم أعظم من الجميع لمزيد تصرف وإدراك وسعة روح وريحان، وتحقق شهود وعيان، فهم في نعيم الجنان كالشهداء، لكن الصديقين غير محصورين في حواصل الطيور، بل لهم هياكل وصور سرحوا بها حيث شاءوا. وكذلك من فوقهم من الأنبياء والرسل، والله تعالى أعلم. ثم قال الحق جل جلاله: ولنختبركم يا معشر المسلمين { بشيء } قليل { من الخوف } لهيجان العدو وصولة الكفار، { والجوع } لغلاء الأسعار وقلة الثمار، { ونقص من الأموال } بموت الحيوان وتعذر التجارة أو الخسران، { والأنفس } بالموت في الجهاد، { والثمرات } بذهابها بالجوائح. وعن الشافعي رضي الله عنه: الخوف خوف الله، والجوع صوم رمضان، والنقص من الأموال بالزكوات والصدقات، ومن الأنفس بالأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا مات ولد العبد قال الله للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: ماذا قال؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ". { وبشر الصابرين } يا من تتأتى منه البشارة { الذين إذا أصباتهم مصيبة } في بدن أو أهل أو مال أو صاحب { قالوا إنا لله } ملكا وعبيدا يحكم فينا بما يريد { وإنا إليه راجعون } فيجازينا بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فتغيب مصائب الدنيا في جانبه. وفي الحديث: " من أصابته مصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا مما أصابه " قالت أم سلمة: فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك، فأبدلني الله برسوله صلى الله عليه وسلم. { أولئك } الصابرون الراجعون إلى الله { عليهم صلوات } أي: مغفرة وتطهير { من ربهم ورحمة } أي: عطف ولطف { وأولئك هم المهتدون } لكل خير في الدنيا والآخرة. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا بطريق الخصوص استعينوا على سلوك طريق حضرتنا ومشاهدة أنوار قدسنا بالصبر على ما تكره النفوس من ترك الحظوظ والشهوات، والميل إلى العادات والمألوفات، وبالصلاة الدائمة، وهي صلاة القلوب بالعكوف في حضرة الغيوب. { إن الله مع الصابرين } بالمعونة والتأييد، وإشراق أنوار التوحيد، ولا تقولوا لمن ترونه قتل نفسه بالذل والافتقار، وخرق العوائد وخلع العذار: إنه قد مات، بل هو حي لا يموت، قال الله تعالى: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } فإذا ماتت نفس المريد. واستوى عنده الذل والعز والمدح والذم، والغنى والفقر، والموت والحياة، فقد حييت روحه واتسع عليها فضاء الشهود، وتمتعت بالنظرة إلى الملك المعبود، فلا يزيدها الموت الحسي إلا اتصالا وتمتعا وشهودا، فهي في الترقي أبدا سرمدا، ولكن لا تشعرون بما هم فيه في هذه الدار وفي تلك الدار. ويقال لهم عند إرادة سلوكهم الطريق إلى عين التحقيق: والله لنبلونكم يا معشر المريدين بشيء من إذاية الخلق وتضييق الرزق، وذهاب الأموال، وضعف الأبدان بالمجاهدة، وتأخير الفتح بظهور ثمرة المشاهدة ليظهر الصادق في الطلب الثبوت في أحكام العبودية، حتى تشرق عليها أنوار الربوبية، ومن الكاذب بالرجوع إلى العوائد والشهوات، والركون إلى الرخص والتأويلات، { وبشر الصابرين } الثابتين في الطلب، بالظفر بكل ما أملوا، وبالوصول إلى ما إليه رحلوا، الذين إذا أصابتهم نكبة أو وقفة تحققوا بضعف العبودية، وتعلقوا بقوة الربوبية، فرجعوا إلى الله في كل شيء، فآواهم إليه من كل شيء، أولئك عليهم تحنن من ربهم وتقريب، وهم المهتدون إلى جوار الحبيب. قال ابن جزي: فائدة: ورد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا وذلك لعظم موقعه في الدين، قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر معلوم إلا الصبر، فإنه لا يحصر أجره لقوله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10]. وذكر الله للصابرين ثمانيا من الكرامات. أولها: المحبة، قال: والله يحب الصابرين [آل عمران: 146]، والثاني: النصر، قال: إن الله مع الصابرين [البقرة: 153]، والثالث: غرفات الجنة، قال: يجزون الغرفة بما صبروا [الفرقان: 75] والرابع: الأجر الجزيل، قال: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، فمنها البشارة قال: { وبشر الصابرين } ، والصلاة والرحمة والهداية قال: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون }. والصبر على أربعة أوجه: صبر على البلاء، وهو منع النفس عن التسخط والهلع والجزع، وصبر على النعم، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبر بها، وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها، وصبر على المعاصي بكف النفس عنها. وفوق الصبر التسليم، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهرا، وترك الكراهية باطنا، وفوق التسليم الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر على المحبة، وكل ما يفعل المحبوب. ه. ولما ذكر الحق تعالى الكعبة، وأمر بالتوجهة إليها، ناسب أن يذكر الصفا والمروة لقربهما منها ومشاركتهما لها في أمر الدين، وذلك أن الصحابة تحرجوا أن يطوفوا بهما لأن الصفا كان عليه صنم يقال له إساف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فخافوا أن يكون الطواف بينهما تعظيما لهما، فرفع الله ذلك.

البقرة 2:156

قلت: { أحياء } و { أموات } خبران عن مبتدأ مضمر، والابتلاء هو الاختبار، حيثما ورد في القرآن، ومعناه في حقه تعالى: أنه يظهر في الوجود ما في علمه لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضا لأن الله علم ما كان وما يكون، والصلاة هنا المغفرة والتطهير، والرحمة: اللطف والإحسان. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا استعينوا } على نيل رضواني وبري وإحساني { بالصبر } على مشاق الطاعات وترك المعاصي والهفوات، وبالصلاة التي هي أم العبادات، ومحل المناجاة ومعدن المصافاة، فيها تشرق شوارق الأنوار، وتتسع ميادين الأسرار، وهي معراج أرواح المؤمنين ومناجاة رب العالمين، فإن تجرعتم مرارة الصبر فإن { الله مع الصابرين } ، وأعظم مواطن الصبر عند مفارقة الأحباب، وذهاب العشائر والأصحاب، فإن كان موتهم في الجهاد فلا ينبغي لأجلهم أسف ولا نكاد لأنهم { أحياء عند ربهم يرزقون } ، وكذلك من ألحق بهم من ذي هدم وغرق وحرق ونفاس وطاعون، فلا تقولوا لمن يقتل { في سبيل الله } من هؤلاء: هم { أموات } ، { بل } هم { أحياء } حياة روحانية لا بشرية، { ولكن لا تشعرون } بحياتهم لأنهم مجرد أرواح، وأنتم لبستم طلسم الأشباح، فاختفى عنكم مقام الأرواح، وكذلك أرواح المؤمنين كلهم أحياء. وإنما خص الشهداء لمزيد بهجة وكرامة. وإجراء رزقهم عليهم دون غيرهم، ففي الحديث: " أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ورق الجنة " أي: تأكل، وفي حديث آخر: " يخلق الله الشهداء جسوما على صورة طير خضر، فتكون في حواصلها، فتسرح بها في الجنة، وتأكل من ثمارها، وتنال من خيراتها ونعيمها، حتى تحشر منها يوم القيامة ". ولا يدخل الجنة أحد غيرهم إلى ميقاتها إلا الصديقون، وهم العارفون، فهم أعظم من الجميع لمزيد تصرف وإدراك وسعة روح وريحان، وتحقق شهود وعيان، فهم في نعيم الجنان كالشهداء، لكن الصديقين غير محصورين في حواصل الطيور، بل لهم هياكل وصور سرحوا بها حيث شاءوا. وكذلك من فوقهم من الأنبياء والرسل، والله تعالى أعلم. ثم قال الحق جل جلاله: ولنختبركم يا معشر المسلمين { بشيء } قليل { من الخوف } لهيجان العدو وصولة الكفار، { والجوع } لغلاء الأسعار وقلة الثمار، { ونقص من الأموال } بموت الحيوان وتعذر التجارة أو الخسران، { والأنفس } بالموت في الجهاد، { والثمرات } بذهابها بالجوائح. وعن الشافعي رضي الله عنه: الخوف خوف الله، والجوع صوم رمضان، والنقص من الأموال بالزكوات والصدقات، ومن الأنفس بالأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا مات ولد العبد قال الله للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: ماذا قال؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ". { وبشر الصابرين } يا من تتأتى منه البشارة { الذين إذا أصباتهم مصيبة } في بدن أو أهل أو مال أو صاحب { قالوا إنا لله } ملكا وعبيدا يحكم فينا بما يريد { وإنا إليه راجعون } فيجازينا بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فتغيب مصائب الدنيا في جانبه. وفي الحديث: " من أصابته مصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا مما أصابه " قالت أم سلمة: فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك، فأبدلني الله برسوله صلى الله عليه وسلم. { أولئك } الصابرون الراجعون إلى الله { عليهم صلوات } أي: مغفرة وتطهير { من ربهم ورحمة } أي: عطف ولطف { وأولئك هم المهتدون } لكل خير في الدنيا والآخرة. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا بطريق الخصوص استعينوا على سلوك طريق حضرتنا ومشاهدة أنوار قدسنا بالصبر على ما تكره النفوس من ترك الحظوظ والشهوات، والميل إلى العادات والمألوفات، وبالصلاة الدائمة، وهي صلاة القلوب بالعكوف في حضرة الغيوب. { إن الله مع الصابرين } بالمعونة والتأييد، وإشراق أنوار التوحيد، ولا تقولوا لمن ترونه قتل نفسه بالذل والافتقار، وخرق العوائد وخلع العذار: إنه قد مات، بل هو حي لا يموت، قال الله تعالى: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } فإذا ماتت نفس المريد. واستوى عنده الذل والعز والمدح والذم، والغنى والفقر، والموت والحياة، فقد حييت روحه واتسع عليها فضاء الشهود، وتمتعت بالنظرة إلى الملك المعبود، فلا يزيدها الموت الحسي إلا اتصالا وتمتعا وشهودا، فهي في الترقي أبدا سرمدا، ولكن لا تشعرون بما هم فيه في هذه الدار وفي تلك الدار. ويقال لهم عند إرادة سلوكهم الطريق إلى عين التحقيق: والله لنبلونكم يا معشر المريدين بشيء من إذاية الخلق وتضييق الرزق، وذهاب الأموال، وضعف الأبدان بالمجاهدة، وتأخير الفتح بظهور ثمرة المشاهدة ليظهر الصادق في الطلب الثبوت في أحكام العبودية، حتى تشرق عليها أنوار الربوبية، ومن الكاذب بالرجوع إلى العوائد والشهوات، والركون إلى الرخص والتأويلات، { وبشر الصابرين } الثابتين في الطلب، بالظفر بكل ما أملوا، وبالوصول إلى ما إليه رحلوا، الذين إذا أصابتهم نكبة أو وقفة تحققوا بضعف العبودية، وتعلقوا بقوة الربوبية، فرجعوا إلى الله في كل شيء، فآواهم إليه من كل شيء، أولئك عليهم تحنن من ربهم وتقريب، وهم المهتدون إلى جوار الحبيب. قال ابن جزي: فائدة: ورد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا وذلك لعظم موقعه في الدين، قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر معلوم إلا الصبر، فإنه لا يحصر أجره لقوله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10]. وذكر الله للصابرين ثمانيا من الكرامات. أولها: المحبة، قال: والله يحب الصابرين [آل عمران: 146]، والثاني: النصر، قال: إن الله مع الصابرين [البقرة: 153]، والثالث: غرفات الجنة، قال: يجزون الغرفة بما صبروا [الفرقان: 75] والرابع: الأجر الجزيل، قال: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، فمنها البشارة قال: { وبشر الصابرين } ، والصلاة والرحمة والهداية قال: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون }. والصبر على أربعة أوجه: صبر على البلاء، وهو منع النفس عن التسخط والهلع والجزع، وصبر على النعم، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبر بها، وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها، وصبر على المعاصي بكف النفس عنها. وفوق الصبر التسليم، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهرا، وترك الكراهية باطنا، وفوق التسليم الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر على المحبة، وكل ما يفعل المحبوب. ه. ولما ذكر الحق تعالى الكعبة، وأمر بالتوجهة إليها، ناسب أن يذكر الصفا والمروة لقربهما منها ومشاركتهما لها في أمر الدين، وذلك أن الصحابة تحرجوا أن يطوفوا بهما لأن الصفا كان عليه صنم يقال له إساف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فخافوا أن يكون الطواف بينهما تعظيما لهما، فرفع الله ذلك.

البقرة 2:157

قلت: { أحياء } و { أموات } خبران عن مبتدأ مضمر، والابتلاء هو الاختبار، حيثما ورد في القرآن، ومعناه في حقه تعالى: أنه يظهر في الوجود ما في علمه لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضا لأن الله علم ما كان وما يكون، والصلاة هنا المغفرة والتطهير، والرحمة: اللطف والإحسان. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا استعينوا } على نيل رضواني وبري وإحساني { بالصبر } على مشاق الطاعات وترك المعاصي والهفوات، وبالصلاة التي هي أم العبادات، ومحل المناجاة ومعدن المصافاة، فيها تشرق شوارق الأنوار، وتتسع ميادين الأسرار، وهي معراج أرواح المؤمنين ومناجاة رب العالمين، فإن تجرعتم مرارة الصبر فإن { الله مع الصابرين } ، وأعظم مواطن الصبر عند مفارقة الأحباب، وذهاب العشائر والأصحاب، فإن كان موتهم في الجهاد فلا ينبغي لأجلهم أسف ولا نكاد لأنهم { أحياء عند ربهم يرزقون } ، وكذلك من ألحق بهم من ذي هدم وغرق وحرق ونفاس وطاعون، فلا تقولوا لمن يقتل { في سبيل الله } من هؤلاء: هم { أموات } ، { بل } هم { أحياء } حياة روحانية لا بشرية، { ولكن لا تشعرون } بحياتهم لأنهم مجرد أرواح، وأنتم لبستم طلسم الأشباح، فاختفى عنكم مقام الأرواح، وكذلك أرواح المؤمنين كلهم أحياء. وإنما خص الشهداء لمزيد بهجة وكرامة. وإجراء رزقهم عليهم دون غيرهم، ففي الحديث: " أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ورق الجنة " أي: تأكل، وفي حديث آخر: " يخلق الله الشهداء جسوما على صورة طير خضر، فتكون في حواصلها، فتسرح بها في الجنة، وتأكل من ثمارها، وتنال من خيراتها ونعيمها، حتى تحشر منها يوم القيامة ". ولا يدخل الجنة أحد غيرهم إلى ميقاتها إلا الصديقون، وهم العارفون، فهم أعظم من الجميع لمزيد تصرف وإدراك وسعة روح وريحان، وتحقق شهود وعيان، فهم في نعيم الجنان كالشهداء، لكن الصديقين غير محصورين في حواصل الطيور، بل لهم هياكل وصور سرحوا بها حيث شاءوا. وكذلك من فوقهم من الأنبياء والرسل، والله تعالى أعلم. ثم قال الحق جل جلاله: ولنختبركم يا معشر المسلمين { بشيء } قليل { من الخوف } لهيجان العدو وصولة الكفار، { والجوع } لغلاء الأسعار وقلة الثمار، { ونقص من الأموال } بموت الحيوان وتعذر التجارة أو الخسران، { والأنفس } بالموت في الجهاد، { والثمرات } بذهابها بالجوائح. وعن الشافعي رضي الله عنه: الخوف خوف الله، والجوع صوم رمضان، والنقص من الأموال بالزكوات والصدقات، ومن الأنفس بالأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا مات ولد العبد قال الله للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: ماذا قال؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ". { وبشر الصابرين } يا من تتأتى منه البشارة { الذين إذا أصباتهم مصيبة } في بدن أو أهل أو مال أو صاحب { قالوا إنا لله } ملكا وعبيدا يحكم فينا بما يريد { وإنا إليه راجعون } فيجازينا بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فتغيب مصائب الدنيا في جانبه. وفي الحديث: " من أصابته مصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا مما أصابه " قالت أم سلمة: فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك، فأبدلني الله برسوله صلى الله عليه وسلم. { أولئك } الصابرون الراجعون إلى الله { عليهم صلوات } أي: مغفرة وتطهير { من ربهم ورحمة } أي: عطف ولطف { وأولئك هم المهتدون } لكل خير في الدنيا والآخرة. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا بطريق الخصوص استعينوا على سلوك طريق حضرتنا ومشاهدة أنوار قدسنا بالصبر على ما تكره النفوس من ترك الحظوظ والشهوات، والميل إلى العادات والمألوفات، وبالصلاة الدائمة، وهي صلاة القلوب بالعكوف في حضرة الغيوب. { إن الله مع الصابرين } بالمعونة والتأييد، وإشراق أنوار التوحيد، ولا تقولوا لمن ترونه قتل نفسه بالذل والافتقار، وخرق العوائد وخلع العذار: إنه قد مات، بل هو حي لا يموت، قال الله تعالى: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } فإذا ماتت نفس المريد. واستوى عنده الذل والعز والمدح والذم، والغنى والفقر، والموت والحياة، فقد حييت روحه واتسع عليها فضاء الشهود، وتمتعت بالنظرة إلى الملك المعبود، فلا يزيدها الموت الحسي إلا اتصالا وتمتعا وشهودا، فهي في الترقي أبدا سرمدا، ولكن لا تشعرون بما هم فيه في هذه الدار وفي تلك الدار. ويقال لهم عند إرادة سلوكهم الطريق إلى عين التحقيق: والله لنبلونكم يا معشر المريدين بشيء من إذاية الخلق وتضييق الرزق، وذهاب الأموال، وضعف الأبدان بالمجاهدة، وتأخير الفتح بظهور ثمرة المشاهدة ليظهر الصادق في الطلب الثبوت في أحكام العبودية، حتى تشرق عليها أنوار الربوبية، ومن الكاذب بالرجوع إلى العوائد والشهوات، والركون إلى الرخص والتأويلات، { وبشر الصابرين } الثابتين في الطلب، بالظفر بكل ما أملوا، وبالوصول إلى ما إليه رحلوا، الذين إذا أصابتهم نكبة أو وقفة تحققوا بضعف العبودية، وتعلقوا بقوة الربوبية، فرجعوا إلى الله في كل شيء، فآواهم إليه من كل شيء، أولئك عليهم تحنن من ربهم وتقريب، وهم المهتدون إلى جوار الحبيب. قال ابن جزي: فائدة: ورد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا وذلك لعظم موقعه في الدين، قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر معلوم إلا الصبر، فإنه لا يحصر أجره لقوله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10]. وذكر الله للصابرين ثمانيا من الكرامات. أولها: المحبة، قال: والله يحب الصابرين [آل عمران: 146]، والثاني: النصر، قال: إن الله مع الصابرين [البقرة: 153]، والثالث: غرفات الجنة، قال: يجزون الغرفة بما صبروا [الفرقان: 75] والرابع: الأجر الجزيل، قال: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، فمنها البشارة قال: { وبشر الصابرين } ، والصلاة والرحمة والهداية قال: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون }. والصبر على أربعة أوجه: صبر على البلاء، وهو منع النفس عن التسخط والهلع والجزع، وصبر على النعم، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبر بها، وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها، وصبر على المعاصي بكف النفس عنها. وفوق الصبر التسليم، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهرا، وترك الكراهية باطنا، وفوق التسليم الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر على المحبة، وكل ما يفعل المحبوب. ه. ولما ذكر الحق تعالى الكعبة، وأمر بالتوجهة إليها، ناسب أن يذكر الصفا والمروة لقربهما منها ومشاركتهما لها في أمر الدين، وذلك أن الصحابة تحرجوا أن يطوفوا بهما لأن الصفا كان عليه صنم يقال له إساف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فخافوا أن يكون الطواف بينهما تعظيما لهما، فرفع الله ذلك.

البقرة 2:158

قلت: { الصفا } في أصل الوضع: جمع صفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، يقال: صفاة وصفا، كحصاة وحصى، وقطاع وقطا، ونواة ونوى. وقيل: مفرد، وتثنيته: صفوان، وجمعه: أصفاء، و { المروة } ما لان من الحجارة وجمعه مرو ومروات، كتمرة وتمر وتمرات. والمراد هنا جبلان بمكة، و { شعائر الله }: أعلام دينه، جمع شعيرة أو شعارة، والشعيرة: كل ما كان معلما لقربان يتقرب به إلى الله تعالى، من دعاء أو صلاة أو أداء فرض أو ذبيحة. والحج في اللغة: القصد، والعمرة: الزيارة، ثم غلبا شرعا في العبادتين والمخصوصتين. وقرأ الأخوان وخلف: { يطوع } بلفظ المضارع، مجزوم اللفظ، وهو مناسب لقوله { أن يطوف } ، أصله: يتطوع، أدغمت التاء في الطاء لقرب المخرج، والباقون بلفظ الماضي، مجزوم المحل، وهو مناسب لقوله: { فمن حج البيت }. و { الجناح }: الإثم، من جنح إذا مال، كأن صاحب الإثم مال عن الحق إلى الباطل، و { خيرا }: صفة لمصدر محذوف، أو على إسقاط الخافض. يقول الحق جل جلاله: { إن } الطواف بين { الصفا والمروة } من معالم دينه ومناسك حجه، { فمن } قصد { البيت } للحج أو العمرة { فلا جناح عليه أن يطوف } بينهما، ولا يضره الصنمان اللذان كانا عليهما في الجاهلية فإن الله محا ذلك بالإسلام، { ومن تطوع } لله بخير من حج أو عمرة أو صلاة أو غير ذلك، { فإن الله } يشكر فعله ويجزل ثوابه. واختلف في حكمه، فقال مالك والشافعي: ركن لا يجبر بالدم، وقال أبو حنيفة: فرض يجبر بالدم، وقال أحمد: سنة، والله تعالى أعلم. الإشارة: الصفا والمروة إشارة إلى الروح الصافية والنفس اللينة الطيبة، فالاعتناء بتطهيرهما وتصفيتهما من معالم الطريق، وبهما يسلك إلى عين التحقيق، فمن قصد بيت الحضرة لحج الروج بالفناء في الذات، أو عمرة النفس بالفناء في الصفات، فلا جناح عليه أن يطوف بهما ويشرب من كأسهما، حتى يغيب عن حسهما، ومن تطوع خيرا ببذل روحه لله، والغيبة عنها في شهود مولاه، فإن الله يشكر فعله، وينشر فضله ويظهر خيره، ويتولى أمره، والله ذو الفضل العظيم.

البقرة 2:159

قلت: الضمير في { فيها }: يعود على اللعنة أو النار، وإضمارها قبل الذكر تفخيما لشأنها، وتهويلا لأمرها. يقول الحق جل جلاله في شأن أحبار اليهود حيث كتموا صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: { إن الذين يكتمون } ما أنزلناه عليهم في كتابهم من صفة محمد - عليه الصلاة والسلام - من الآيات لاواضحات في شأنه، وبيان صفته وبلده وشريعته، وما يهدي إلى وجوب اتباعه، والإيمان به، { من بعد ما بيناه للناس } في التوراة، { أولئك } الكاتمون { يلعنهم الله } ويطردهم عن ساحة رحمته، { ويلعنهم } الجن والإنس، وكل ما يتأتيى منه اللعن كالملائكة وغيرهم. { إلا الذين تابوا } من الكتمان، وكل ما يجب أن يتاب منه، { وأصلحوا } ما أفسدوا من الدين بالتدارك، { وبينوا } ما كتموا { فأولئك أتوب عليهم } وأرحمهم { وأنا التواب الرحيم } أي: المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة، وأما من مات على الكفر ولم يتب فأولئك { عليهم لعنة الله } ، ومن يعتد بلعنته من { الملائكة والناس أجمعين } خالدين في اللعنة أو في النار { لا يخفف عنهم العذاب } ساعة، ولا هم يمهلون عنه، أو لا ينتظرون للاعتذار أو الفداء. الإشارة: ما قيل في أحبار اليهود يقال مثله في علماء السوء من هذه الأمة، الذين ملكتهم جيفة الدنيا، وأسرهم الهوى، الذين يقبضون الرشا على الأحكام، فيكتمون المشهور الواضح، ويحكمون بشهوة أنفسهم، فأولئك يلعنهم اللاعنون، وفي ذلك يقول ابن المبارك - رحمه الله -: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها وباعوا النفوس ولم يربحوا ولم تغل في البيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة يبين لذي العقل إنتانها وكان يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه يقول لعلماء وقته: يا معشر العلماء، دياركم هامانية، وملابسكم قارونية، ومراكبكم فرعونية وولائمكم جالوتية، فأين السنة المحمدية؟. إلا من تاب وأصلح ما أفسد، وبين ما كتم، فأولئك يتوب الله عليهم. تنبيه: العلم باعتبار وجوب إظهاره وكتمه على ثلاثة أقسام: قسم يجب إظهاره، ومن كتمه دخل في وعيد الآية، وهو علم الشريعة الظاهرة، إذا تعين على المسؤول بحيث لم يوجد من يفتي في تلك النازلة. وقسم يجب كتمه، وهو علم سر الربوبية، أعني التوحيد الخاص، فهذا لا يجوز إفشاؤه إلا لأهله، وهو من بذل نفسه وفلسه وخرق عوائد نفسه، فهذا لا يحل كتمه عن إذا طلبه. وقسم يستحب كتمه، وهو أسرار القدر المغيبات، فهذا من باب الكرامات يستحب كتمها ولا يجب، والله تعالى أعلم. هنا انتهى العتاب لبني إسرائل والكلام معهم، وابتداؤه من قوله تعالى: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم... } ، وإنما تخلل الكلام ذكر إبراهيم وبنيه توطئة لنسخ القبلة الذي أنركوه، فذكر بناء الكعبة وبيان شرفها، وانجز الكلام إلى ذكر الصفا والمروة لقرب المناسبة والجوار. فلما فرغ من عتابهم دلهم على التوحيد، وشاركهم في ذلك غيرهم.

البقرة 2:160

قلت: الضمير في { فيها }: يعود على اللعنة أو النار، وإضمارها قبل الذكر تفخيما لشأنها، وتهويلا لأمرها. يقول الحق جل جلاله في شأن أحبار اليهود حيث كتموا صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: { إن الذين يكتمون } ما أنزلناه عليهم في كتابهم من صفة محمد - عليه الصلاة والسلام - من الآيات لاواضحات في شأنه، وبيان صفته وبلده وشريعته، وما يهدي إلى وجوب اتباعه، والإيمان به، { من بعد ما بيناه للناس } في التوراة، { أولئك } الكاتمون { يلعنهم الله } ويطردهم عن ساحة رحمته، { ويلعنهم } الجن والإنس، وكل ما يتأتيى منه اللعن كالملائكة وغيرهم. { إلا الذين تابوا } من الكتمان، وكل ما يجب أن يتاب منه، { وأصلحوا } ما أفسدوا من الدين بالتدارك، { وبينوا } ما كتموا { فأولئك أتوب عليهم } وأرحمهم { وأنا التواب الرحيم } أي: المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة، وأما من مات على الكفر ولم يتب فأولئك { عليهم لعنة الله } ، ومن يعتد بلعنته من { الملائكة والناس أجمعين } خالدين في اللعنة أو في النار { لا يخفف عنهم العذاب } ساعة، ولا هم يمهلون عنه، أو لا ينتظرون للاعتذار أو الفداء. الإشارة: ما قيل في أحبار اليهود يقال مثله في علماء السوء من هذه الأمة، الذين ملكتهم جيفة الدنيا، وأسرهم الهوى، الذين يقبضون الرشا على الأحكام، فيكتمون المشهور الواضح، ويحكمون بشهوة أنفسهم، فأولئك يلعنهم اللاعنون، وفي ذلك يقول ابن المبارك - رحمه الله -: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها وباعوا النفوس ولم يربحوا ولم تغل في البيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة يبين لذي العقل إنتانها وكان يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه يقول لعلماء وقته: يا معشر العلماء، دياركم هامانية، وملابسكم قارونية، ومراكبكم فرعونية وولائمكم جالوتية، فأين السنة المحمدية؟. إلا من تاب وأصلح ما أفسد، وبين ما كتم، فأولئك يتوب الله عليهم. تنبيه: العلم باعتبار وجوب إظهاره وكتمه على ثلاثة أقسام: قسم يجب إظهاره، ومن كتمه دخل في وعيد الآية، وهو علم الشريعة الظاهرة، إذا تعين على المسؤول بحيث لم يوجد من يفتي في تلك النازلة. وقسم يجب كتمه، وهو علم سر الربوبية، أعني التوحيد الخاص، فهذا لا يجوز إفشاؤه إلا لأهله، وهو من بذل نفسه وفلسه وخرق عوائد نفسه، فهذا لا يحل كتمه عن إذا طلبه. وقسم يستحب كتمه، وهو أسرار القدر المغيبات، فهذا من باب الكرامات يستحب كتمها ولا يجب، والله تعالى أعلم. هنا انتهى العتاب لبني إسرائل والكلام معهم، وابتداؤه من قوله تعالى: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم... } ، وإنما تخلل الكلام ذكر إبراهيم وبنيه توطئة لنسخ القبلة الذي أنركوه، فذكر بناء الكعبة وبيان شرفها، وانجز الكلام إلى ذكر الصفا والمروة لقرب المناسبة والجوار. فلما فرغ من عتابهم دلهم على التوحيد، وشاركهم في ذلك غيرهم.

البقرة 2:161

قلت: الضمير في { فيها }: يعود على اللعنة أو النار، وإضمارها قبل الذكر تفخيما لشأنها، وتهويلا لأمرها. يقول الحق جل جلاله في شأن أحبار اليهود حيث كتموا صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: { إن الذين يكتمون } ما أنزلناه عليهم في كتابهم من صفة محمد - عليه الصلاة والسلام - من الآيات لاواضحات في شأنه، وبيان صفته وبلده وشريعته، وما يهدي إلى وجوب اتباعه، والإيمان به، { من بعد ما بيناه للناس } في التوراة، { أولئك } الكاتمون { يلعنهم الله } ويطردهم عن ساحة رحمته، { ويلعنهم } الجن والإنس، وكل ما يتأتيى منه اللعن كالملائكة وغيرهم. { إلا الذين تابوا } من الكتمان، وكل ما يجب أن يتاب منه، { وأصلحوا } ما أفسدوا من الدين بالتدارك، { وبينوا } ما كتموا { فأولئك أتوب عليهم } وأرحمهم { وأنا التواب الرحيم } أي: المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة، وأما من مات على الكفر ولم يتب فأولئك { عليهم لعنة الله } ، ومن يعتد بلعنته من { الملائكة والناس أجمعين } خالدين في اللعنة أو في النار { لا يخفف عنهم العذاب } ساعة، ولا هم يمهلون عنه، أو لا ينتظرون للاعتذار أو الفداء. الإشارة: ما قيل في أحبار اليهود يقال مثله في علماء السوء من هذه الأمة، الذين ملكتهم جيفة الدنيا، وأسرهم الهوى، الذين يقبضون الرشا على الأحكام، فيكتمون المشهور الواضح، ويحكمون بشهوة أنفسهم، فأولئك يلعنهم اللاعنون، وفي ذلك يقول ابن المبارك - رحمه الله -: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها وباعوا النفوس ولم يربحوا ولم تغل في البيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة يبين لذي العقل إنتانها وكان يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه يقول لعلماء وقته: يا معشر العلماء، دياركم هامانية، وملابسكم قارونية، ومراكبكم فرعونية وولائمكم جالوتية، فأين السنة المحمدية؟. إلا من تاب وأصلح ما أفسد، وبين ما كتم، فأولئك يتوب الله عليهم. تنبيه: العلم باعتبار وجوب إظهاره وكتمه على ثلاثة أقسام: قسم يجب إظهاره، ومن كتمه دخل في وعيد الآية، وهو علم الشريعة الظاهرة، إذا تعين على المسؤول بحيث لم يوجد من يفتي في تلك النازلة. وقسم يجب كتمه، وهو علم سر الربوبية، أعني التوحيد الخاص، فهذا لا يجوز إفشاؤه إلا لأهله، وهو من بذل نفسه وفلسه وخرق عوائد نفسه، فهذا لا يحل كتمه عن إذا طلبه. وقسم يستحب كتمه، وهو أسرار القدر المغيبات، فهذا من باب الكرامات يستحب كتمها ولا يجب، والله تعالى أعلم. هنا انتهى العتاب لبني إسرائل والكلام معهم، وابتداؤه من قوله تعالى: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم... } ، وإنما تخلل الكلام ذكر إبراهيم وبنيه توطئة لنسخ القبلة الذي أنركوه، فذكر بناء الكعبة وبيان شرفها، وانجز الكلام إلى ذكر الصفا والمروة لقرب المناسبة والجوار. فلما فرغ من عتابهم دلهم على التوحيد، وشاركهم في ذلك غيرهم.

البقرة 2:162

قلت: الضمير في { فيها }: يعود على اللعنة أو النار، وإضمارها قبل الذكر تفخيما لشأنها، وتهويلا لأمرها. يقول الحق جل جلاله في شأن أحبار اليهود حيث كتموا صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: { إن الذين يكتمون } ما أنزلناه عليهم في كتابهم من صفة محمد - عليه الصلاة والسلام - من الآيات لاواضحات في شأنه، وبيان صفته وبلده وشريعته، وما يهدي إلى وجوب اتباعه، والإيمان به، { من بعد ما بيناه للناس } في التوراة، { أولئك } الكاتمون { يلعنهم الله } ويطردهم عن ساحة رحمته، { ويلعنهم } الجن والإنس، وكل ما يتأتيى منه اللعن كالملائكة وغيرهم. { إلا الذين تابوا } من الكتمان، وكل ما يجب أن يتاب منه، { وأصلحوا } ما أفسدوا من الدين بالتدارك، { وبينوا } ما كتموا { فأولئك أتوب عليهم } وأرحمهم { وأنا التواب الرحيم } أي: المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة، وأما من مات على الكفر ولم يتب فأولئك { عليهم لعنة الله } ، ومن يعتد بلعنته من { الملائكة والناس أجمعين } خالدين في اللعنة أو في النار { لا يخفف عنهم العذاب } ساعة، ولا هم يمهلون عنه، أو لا ينتظرون للاعتذار أو الفداء. الإشارة: ما قيل في أحبار اليهود يقال مثله في علماء السوء من هذه الأمة، الذين ملكتهم جيفة الدنيا، وأسرهم الهوى، الذين يقبضون الرشا على الأحكام، فيكتمون المشهور الواضح، ويحكمون بشهوة أنفسهم، فأولئك يلعنهم اللاعنون، وفي ذلك يقول ابن المبارك - رحمه الله -: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها وباعوا النفوس ولم يربحوا ولم تغل في البيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة يبين لذي العقل إنتانها وكان يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه يقول لعلماء وقته: يا معشر العلماء، دياركم هامانية، وملابسكم قارونية، ومراكبكم فرعونية وولائمكم جالوتية، فأين السنة المحمدية؟. إلا من تاب وأصلح ما أفسد، وبين ما كتم، فأولئك يتوب الله عليهم. تنبيه: العلم باعتبار وجوب إظهاره وكتمه على ثلاثة أقسام: قسم يجب إظهاره، ومن كتمه دخل في وعيد الآية، وهو علم الشريعة الظاهرة، إذا تعين على المسؤول بحيث لم يوجد من يفتي في تلك النازلة. وقسم يجب كتمه، وهو علم سر الربوبية، أعني التوحيد الخاص، فهذا لا يجوز إفشاؤه إلا لأهله، وهو من بذل نفسه وفلسه وخرق عوائد نفسه، فهذا لا يحل كتمه عن إذا طلبه. وقسم يستحب كتمه، وهو أسرار القدر المغيبات، فهذا من باب الكرامات يستحب كتمها ولا يجب، والله تعالى أعلم. هنا انتهى العتاب لبني إسرائل والكلام معهم، وابتداؤه من قوله تعالى: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم... } ، وإنما تخلل الكلام ذكر إبراهيم وبنيه توطئة لنسخ القبلة الذي أنركوه، فذكر بناء الكعبة وبيان شرفها، وانجز الكلام إلى ذكر الصفا والمروة لقرب المناسبة والجوار. فلما فرغ من عتابهم دلهم على التوحيد، وشاركهم في ذلك غيرهم.

البقرة 2:163

قلت: { إلهكم إله واحد } مبتدأ وخبر، وجملة { لا إله إلا هو }: تقرير لها وتأكيد، و { الرحمان الرحيم }: خبران آخران، أو عن مبتدأ مضمر، وأنث { الفلك } لأنه بمعنى السفينة، و { من السماء } ابتدائية، و { من ماء } بيانية، و { بث }: عطف على { أنزل } أو { أحيا } لأن الحيوانات تنمو بنزول المطر والخصب، والبث: النشر والتفريق و { تصريف الريح }: هبوبها من الجهات المختلفة. يقول الحق جل جلاله: { وإلهكم } يا معشر العباد الذي يستحق أن يعبد { إله واحد } لا شريك له، ولا نظير، ولا ضد له ولا ند، { لا إله إلا هو } ، إذ لا يستحق العبادة غيره، إذ هو { الرحمن } بنعمة الإيجاد { الرحيم } بنعمة الإمداد، فكل ما سواء مكون مخلوق، إما منعم عليه أو نعمة، فلم يستحق العبادة غيره. ثم برهن على وجوده، وثبوت وحدانيته بثمانية أمور، فقال: { إن في خلق السماوات } طباقا متفاصلة مرفوعة بغير عمد، وما اشتملت عليه من الكواكب والبروج والمنازل، وفي { الأرض } وما اشتملت عليه من الجبال والبحار والأنهار والأشجار وأنواع الثمار، وفي { اختلاف الليل والنهار } بالطول القصر، أو تعاقبها بالذهاب والمجيء، { و } في { الفلك التي تجري في البحر } بقدرته مع إمكان رسوبها إلى الأسفل، متلبسة { بما ينفع الناس } من التجارة وغيرها. وقال البيضاوي: القصد بالاستدلال بالبحر وأحواله، وتخصيص الفلك بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه ولذلك قدمه على ذكر المطر والسحاب، لأن منشأهما منه في الغالب. ه. { و } في { ما أنزل الله من السماء من ماء } من غير ظهور مادة سابقة، بل تبرزه القدرة من عالم الغيب قريب عهد بالله، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يتمطر أي: ينصب وجهه للمطر إذا نزل تبركا به، { فأحيا } الحق تعالى بذلك المطر { الأرض بعد موتها } ويبسها، بالنبات والأزهار وأصناف النوار والثمار، وفيما نشر { فيها من كل دابة } من النملة إلى الفيلة، { و } في { تصريف الرياح } وهبوبها من جهات مختلفة، وهي الجهات الأربع وما بينها بصفات مختلفة، ملقحة للشجر وعقيم وصر، وللنصر والهلاك { و } في { السحاب المسخر } أي: المذلل { بين السماء والأرض } لا يسقط ولا يرتفع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما، أو مسخر للرياح تقلبه في جو السماء بمشيئة الله { لآيات لقوم يعقلون }. أي: تلك المخلوقات آيات دالة على وحدانيته تعالى وباهر قدرته، و لو كان فيهمآ إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22]. وفي الآية حض على التفكر، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها " ، أي: لم يتفكر فيها دلالة على شرف علم التوحيد العام والخاص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الجنيد: التوحيد معنى تضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم، ويكون الله كما لم يزل. قلت: وهذا هو التوحيد الخاص، أعني توحيد أهل الشهود والعيان: ثم قال: وأصوله خمسة أشياء: رفع الحدث، وإثبات القدم، وهجران الإخوان، ومفارقة الأوطان، ونسيان ما علم وجهل. ه. قلت: قوله: وهجران الإخوان، يعني: غير من يستعين بهم على السير، وأما من يستعين بهم فلا يستغني عنهم. واعلم أن توحيد خلق الله تعالى على ثلاثة درجات: الأولى: توحيد العامة: وهو الذي يعصم النفس والمال، وينجو به من الخلود في النار، وهو نفي الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد. الثانية: توحيد الخاصة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريق الكشف لا بطريق الاستدلال، فإن ذلك حاصل لكل مؤمن، وإنما مقام الخاصة يقين في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاع إلى الله، والتوكل عليه وحده، فلا يرجوا الله، ولا يخاف أحدا سواه، إذ ليس يرى فاعلا إلا الله، فيطرح الأسباب، وينبذ الأرباب. الدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه، فيغيب عن النظر إلى الأكوان في شهود المكون، وهذا مقام الفناء، فإن رد إلى شهود الأثر بالله سمي مقام البقاء. ه. قال بعضه ابن جزي باختصار. قلت: وفي التحقيق أنهما أنهما مقامان مقام أهل الدليل والبرهان، وهو المذكور في الآية، لأنه هو الذي يطيقه جميع العباد، ومقام أهل الشهود والعيان، وهو خاص بالأفراد الذين بذلوا مهجهم في طلب الله، باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فعوضهم الله في الدنيا جنة المعارف، وزادهم في الآخرة جنة الزخارف. أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان لأن أهل الشهود والعيان قدسوا الحق تعالى عن أن يحتاج إلى دليل، فكيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف؟ كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه؟ أيكون لغيره من الظهور ما ليس له؟ - متى غاب حتى يحتاج إلى دليل عليه؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟ - ولله در القائل: لقد ظهرت فما تخفى على أحد إلا على أكمه لا يبصر القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجبا وكيف يبصر من بالعزة استترا؟ وقال آخر: ما للحجاب مكان في وجودكم إلا بسر حروف انظر إلى الجبل أنتم دللتم عليكم منكم ولكم ديمومة عبرت عن غامض الأزل عرفتم بكم هذا الخبير بكم أنتم هم يا حياة القلب يا أملي ولما كانت المحبة تزيد وتنقص باعتبار شهود الوحدانية، فكلما قوي التوحيد في القلب قويت المحبة لانحصارها في واحد، ذكرها بأثر التوحيد.

البقرة 2:164

قلت: { إلهكم إله واحد } مبتدأ وخبر، وجملة { لا إله إلا هو }: تقرير لها وتأكيد، و { الرحمان الرحيم }: خبران آخران، أو عن مبتدأ مضمر، وأنث { الفلك } لأنه بمعنى السفينة، و { من السماء } ابتدائية، و { من ماء } بيانية، و { بث }: عطف على { أنزل } أو { أحيا } لأن الحيوانات تنمو بنزول المطر والخصب، والبث: النشر والتفريق و { تصريف الريح }: هبوبها من الجهات المختلفة. يقول الحق جل جلاله: { وإلهكم } يا معشر العباد الذي يستحق أن يعبد { إله واحد } لا شريك له، ولا نظير، ولا ضد له ولا ند، { لا إله إلا هو } ، إذ لا يستحق العبادة غيره، إذ هو { الرحمن } بنعمة الإيجاد { الرحيم } بنعمة الإمداد، فكل ما سواء مكون مخلوق، إما منعم عليه أو نعمة، فلم يستحق العبادة غيره. ثم برهن على وجوده، وثبوت وحدانيته بثمانية أمور، فقال: { إن في خلق السماوات } طباقا متفاصلة مرفوعة بغير عمد، وما اشتملت عليه من الكواكب والبروج والمنازل، وفي { الأرض } وما اشتملت عليه من الجبال والبحار والأنهار والأشجار وأنواع الثمار، وفي { اختلاف الليل والنهار } بالطول القصر، أو تعاقبها بالذهاب والمجيء، { و } في { الفلك التي تجري في البحر } بقدرته مع إمكان رسوبها إلى الأسفل، متلبسة { بما ينفع الناس } من التجارة وغيرها. وقال البيضاوي: القصد بالاستدلال بالبحر وأحواله، وتخصيص الفلك بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه ولذلك قدمه على ذكر المطر والسحاب، لأن منشأهما منه في الغالب. ه. { و } في { ما أنزل الله من السماء من ماء } من غير ظهور مادة سابقة، بل تبرزه القدرة من عالم الغيب قريب عهد بالله، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يتمطر أي: ينصب وجهه للمطر إذا نزل تبركا به، { فأحيا } الحق تعالى بذلك المطر { الأرض بعد موتها } ويبسها، بالنبات والأزهار وأصناف النوار والثمار، وفيما نشر { فيها من كل دابة } من النملة إلى الفيلة، { و } في { تصريف الرياح } وهبوبها من جهات مختلفة، وهي الجهات الأربع وما بينها بصفات مختلفة، ملقحة للشجر وعقيم وصر، وللنصر والهلاك { و } في { السحاب المسخر } أي: المذلل { بين السماء والأرض } لا يسقط ولا يرتفع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما، أو مسخر للرياح تقلبه في جو السماء بمشيئة الله { لآيات لقوم يعقلون }. أي: تلك المخلوقات آيات دالة على وحدانيته تعالى وباهر قدرته، و لو كان فيهمآ إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22]. وفي الآية حض على التفكر، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها " ، أي: لم يتفكر فيها دلالة على شرف علم التوحيد العام والخاص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الجنيد: التوحيد معنى تضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم، ويكون الله كما لم يزل. قلت: وهذا هو التوحيد الخاص، أعني توحيد أهل الشهود والعيان: ثم قال: وأصوله خمسة أشياء: رفع الحدث، وإثبات القدم، وهجران الإخوان، ومفارقة الأوطان، ونسيان ما علم وجهل. ه. قلت: قوله: وهجران الإخوان، يعني: غير من يستعين بهم على السير، وأما من يستعين بهم فلا يستغني عنهم. واعلم أن توحيد خلق الله تعالى على ثلاثة درجات: الأولى: توحيد العامة: وهو الذي يعصم النفس والمال، وينجو به من الخلود في النار، وهو نفي الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد. الثانية: توحيد الخاصة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريق الكشف لا بطريق الاستدلال، فإن ذلك حاصل لكل مؤمن، وإنما مقام الخاصة يقين في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاع إلى الله، والتوكل عليه وحده، فلا يرجوا الله، ولا يخاف أحدا سواه، إذ ليس يرى فاعلا إلا الله، فيطرح الأسباب، وينبذ الأرباب. الدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه، فيغيب عن النظر إلى الأكوان في شهود المكون، وهذا مقام الفناء، فإن رد إلى شهود الأثر بالله سمي مقام البقاء. ه. قال بعضه ابن جزي باختصار. قلت: وفي التحقيق أنهما أنهما مقامان مقام أهل الدليل والبرهان، وهو المذكور في الآية، لأنه هو الذي يطيقه جميع العباد، ومقام أهل الشهود والعيان، وهو خاص بالأفراد الذين بذلوا مهجهم في طلب الله، باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فعوضهم الله في الدنيا جنة المعارف، وزادهم في الآخرة جنة الزخارف. أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان لأن أهل الشهود والعيان قدسوا الحق تعالى عن أن يحتاج إلى دليل، فكيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف؟ كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه؟ أيكون لغيره من الظهور ما ليس له؟ - متى غاب حتى يحتاج إلى دليل عليه؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟ - ولله در القائل: لقد ظهرت فما تخفى على أحد إلا على أكمه لا يبصر القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجبا وكيف يبصر من بالعزة استترا؟ وقال آخر: ما للحجاب مكان في وجودكم إلا بسر حروف انظر إلى الجبل أنتم دللتم عليكم منكم ولكم ديمومة عبرت عن غامض الأزل عرفتم بكم هذا الخبير بكم أنتم هم يا حياة القلب يا أملي ولما كانت المحبة تزيد وتنقص باعتبار شهود الوحدانية، فكلما قوي التوحيد في القلب قويت المحبة لانحصارها في واحد، ذكرها بأثر التوحيد.

البقرة 2:165

{ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله... } قلت: ويحتمل في وجه المناسبة، أن يكون الحق تعالى لما ذكر دلائل التوحيد ذكر من أعرض بعد وضوحها فأشرك معه، ليرتب بعد ذلك ما أعد له من العذاب، والأنداد: جمع ند وهو المثل، والمراد هنا الأصنام أو الرؤساء، والإضافة في { كحب الله } من إضافة المصدر إلى مفعوله، والحب: ميل القلب إلى المحبوب، وسأتي في الإشارة إن شاء الله. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يتخذ من دون الله } أشباها وأمثالا من الأصنام والرؤساء { يحبونهم } ، وينقادون إليهم، كما يحبون الله تعالى، فيسوون في المحبة بين الله تعالى العلي الكبير، وبين المصنوع الذليل الحقير، { والذين آمنوا } بالله ووحدوه { أشد حبا لله } لأن المؤمنين لا يلتفتون عن حبوبهم في الشدة ولا في الرخاء، بخلاف الكفار فإنهم يعبدونهم في وقت الرخاء، فإذا نزل البلاء التجؤوا إلى الله. قال تعالى: ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون [النحل: 53] الآية، وأيضا: المؤمنون يعبدون الله بلا واسطة، والكفار يعبدونه بواسطة أصنامهم ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى [الزمر: 3] وأيضا المؤمنونن يعبدون ربا واحدا فاتحدت مبحتهم. قال سعيد بن جبير: إن الله تعالى يأمر يوم القيامة من عبد الأصنام أن يدخلوا النار مع أصنامهم، فيمتنعون لعلمهم بالخلود فيها، ثم يقول للمؤمنين بين يدي الكفار: إن كنتم أحبائي فادخلوا، فيقتحم المؤمنون النار، وينادي منأد من تحت العرش: { والذين آمناو أشد حبا لله }. وفي ذلك يقول ابن الفارض: أحباي أنتم، أحسن الدهر أم أسا فكونوا كما شئتم، أنا ذلك الخل وقال أيضا: لو قال تيها: قف على جمر الغضا لوقفت ممتثلا، ولم أتوقف وقال آخر: ولو عذبتني في النار حتما دخلت مطاوعا وسط الجحيم إذا كان الجحيم رضاك عني فما ذاك الجحيم سوى نعيم الإشارة: المحبة: ميل دائم بقلب هائم، أو مراقبة الحبيب في المشهد والمغيب، أو مواطأة القلب لمراد الرب، أو خوف ترك الخدمة مع إقامة الحرمة، أو استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك، أو معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وقال الشبلي: أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك والمحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته، وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: المحبة أخذة من الله لقلب عبده المؤمن عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصنا بمعروفه، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغمورا في مشاهدته، والعبد يستزيد من محبته فيزداد، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسي حلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم، فمن أجل ذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائس المجرمون. .. الخ كلامه. واعلم أن محبة العبد لمولاه سببها شيئان: أحدهما: نظر العبد لإحسان الله إليه وضروب امتنانه عليه، وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وهذا هو المسمى بحب الهوى، هو مكتسب، لأن الإنسان مغمور بإحسانات الله إليه، ومتمكن من النظر فيها، فكلما طالع منة من منن الله التي لا تقبل الحصر ولا العد،كان ذلك كحبة زرعت في أرض قلبه الطيب الزكي، فلا يزال يطالع منة بعد منة، وكل منة أعظم من التي قبلها، لأنه كلما طالع المنن تنور قلبه وزداد إيمانا، وكشف من دقائق المنن ما لم يكن يكشف له قبل، وظهر له خفايا المنن، وعظمت محبته. الثاني: كشف الحجب، وإزالة الموانع عن ناظر القلب، حتى يرى جمال الحق وكماله، والجمال محبوب بالطبع، وهذان هما اللذان قصدت رابعة العدوية - رضي الله عنها -: أحبك حبين: حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك فأماالذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواك وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاك وإنما خصصت الحب الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول، وإن كان أهلا للجميع لأن هذا منه إليه، لا كسب للعبد فيه، والآخر فيه كسب، وعمل العبد معلول، وقولها: فشغلي بذكر عمن سواك من باب التعبير بالمسبب عن السبب، والأصل: فثمرته شغلي بذكرك عمن سواك، فهو مسبب عن المحبة لأنفسنا، وقولها أيضا كشفك للحجب حتى أراك، من باب التعبير بالسبب عن المسبب، والأصل، فبسببه كشفك للحجب حتى رأيتك بعيني قلبي. وقولها: فلا الحمد... الخ، إخبار منها بأن الحبين معا منه وإليه وبه في الحقيقة، لا كسب لها في واحد منهما باعتبار الحقيقة، بل هو الحامد والمحمود، وإدراك التفاوت بين المقامين، - أعني بين المحبة الناشئة عن شهود الإحسان، والناشئة عن شهود الجمال - ضروري عند كل ذائق، وأن الثانية أقوى. قاله في شرح الشريشية. قال ابن جزي: اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين أحدهما: المحبة العامة، التي لا يخلو منها كل مؤمن، وهي واجبة، والأخرى: المحبة الخاصة التي ينفرد فيها العلماء الربانيون، والأولياء والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإن سائر مقامات الصالحين: كالخوف والرجاء والتوكل، وغير ذلك، مبنية على حظوظ النفس، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، والراجي إنما يرجوا منفعة نفسه، بخلاف المحبة، فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة. واعلم أن سبب محبة الله: معرفته، فتقوى المحبة على قدر المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين أو كلاهما إذا اجتمعا، ولا شك أنهما اجتمعا في حق الله تعالى على غاية الكمال فالموجب الأول: الحسن والجمال، والآخر الإحسان والإجمال، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع، فإن الإنسان بالضرورة يجب كل ما يستحسن، ولا جمال مثل جمال الله تعالى، في حكمته البالغة وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تروق العقول وتبهج القلوب، وإنما يدرك جماله تعالى بالبصائر لا بالأبصار. وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده متواتر، وإنعامه عليهم باطن وظاهر، وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوهآ [إبراهيم: 34]، ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي، وإلا المؤمن والكافر، وكل إحسان ينبس إلى غيره فهو في الحقيقة منه وحده، فهو المستحق للمحبة وحده. واعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح، من الجد في طاعته، والنشط لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوق إلى لقائه، والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات، وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كل ما يحب الله، وكل من يحب الله، وإيثار الله على كل ما سواه. قال الحارث المحاسبي: المحبة ميلك إلى المحبوب بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك، ثم موافقته سرا وجهرا، ثم علمك بتقصيرك في حبه. قلت: ظاهره أن المحبة أعلى من المعرفة، والتحقيق أن المعرفة أعلى من جميع المقامات لأنها لا تبقى معها بقية من الحجاب أصلا، بخلاف المحبة، فإنها تكون بقية الحجاب، ألا ترى أن المحب يستوحش من الخلق، والعارف لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء. قال في الحكم: " إنما استوحش العباد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء، ولو عرفوا الله في كل شيء ما استوحشوا من شيء ". وأيضا. العارف أكمل أدبا من المحب لأن المعرفة إنما تحصل بعد كمال التهذيب والتدريب، وقد تحصل المحبة قبل كمال التهذيب، مع أن المعرفة هي غاية المحبة ونهايتها، والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحق وعيد من أشرك مع الله في عبادته أو محبته، بعد وضوح برهان وحدانيته، فقال: {...ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار }. قلت: { لو } شرطية، و { ترى } شرطها، قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل سامع، والباقون بالغيب وإسناده إلى الظالم، لأنه المقصود بالوعيد والتهديد، و { إذ } ظرف للرؤية، وموضع { يرون } خفض بالإضافة، قرأ ابن عامر بضم الياء، على البناء للمفعول، والفاعل الحقيقي هو الله تعالى، بدليل { يريهم الله } ، والباقون بالفتح على البناء للفاعل، على حد: وإذا رءا الذين ظلموا العذاب [النحل: 85]. و { أن القوة } معمول للجواب المحذوف، تعظيما لشأنه، والتقدير: لو ترى يا محمد، أو يا من يسمع، الذين ظلموا حين يرون العذاب، أو يريهم الله العذاب، لرأيت أمرا فظيعا وخطبا جسيما، ولعلمت أن القوة لله جميعا. و { جميعا } حال، أي: أن القوة ثابتة في حال اجتماعها، وقرأ أبو جعفر ويعقوب { إن } بالكسر في الموضعين على الاستئناف، و { إذ تبرأ } بدل من { إذ يرون } ، والأسباب: العهود والوصل التي كانت بينهم في الدنيا يتوادون عليها، وأصل السبب: كل شيء يتوصل به إلى شيء، ومنه قيل للحبل الذي يصعد به: سبب، وللطريق: سبب، قال الشاعر: ومن هاب أسباب المنية يلقها ولو رام أسباب السماء بسلم و { حسرات }: حال، إن كانت بصرية، على مذهب أهل السنة، أو مفعول ثالث إن كانت علمية على مذهب المعتزلة القائلين بعدم تشخص الأعمال. يقول الحق جل جلاله: { ولو ترى } يا محمد، أو كل من يتأتى منه الرؤية، حال { الذين ظلموا } باتخاذهم الأنداد والأوثان، بعد وضوح الأدلة وسطوع البرهان، حيث { يرون العذاب } محيطا بهم، والزبانية تغلبهم، والنار تلتقطهم، لرأيت أمرا فظيعا، وخطبا جسيما، ولعلمت { أن القوة لله جميعا } ، أو لو يرى الذين ظلموا العذاب الذي أعد لهم سبب شركهم، لرأوا أمرا عظيما، وليتقنوا { أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب }. وذلك حين يتبرأ المتبعون - وهم الرؤساء -، من الأتباع - وهم القلة الضعفاء - والحالة أنهم { رأوا العذاب } الفظيع، { وتقطعت بهم الأسباب } أي: أسباب المودة والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا، وصارت مودتهم عداوة، { وقال } حينئذ الضعفاء { الذين اتبعوا } شياطينهم في الكفر والضلال: { لو أن لنا كرة } أي: رجعة للدنيا { فنتبرأ منهم } أي: من كبرائهم { كما تبرءوا منا } اليوم. { كذلك } أي: مثل ذلك الإبراء الفظيع { يريهم الله أعمالهم حسرات } وندمات { عليهم } فيدخلون النار على سبيل الخلود، { وما هم بخارجين من النار }. الإشارة: يا من أقبل على مولاه، وجعل محبة سيده بغيته ومناه، فلم يشرك في محبة حبيبه سواه، لو رأيت من ظلم نفسه باتباع هواه، وأشرك مع الله في محبته سواه، باتباع حظوظ دنياه، وذلك حين يرون ما هم فيه من الانحطاط والبعاد، وما أعد الله لأهل المحبة والوداد من الفوز بالقرب من الحبيب، ومشاهدة جمال القريب، لرأيت أمرا عظيما وخطبا جسيما، ولعلمت أن القوة كلها لله، قرب من شاء بفضله الأصاغر، ويقع التفريق بين الأصحاب والعشائر، إلا من اجتمعوا على محبة الحبيب، وتعاونوا على طاعة القريب المجيب، الأخلآء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [الزخرف: 67]. لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله - فكل من صحب أهل الغفلة أو ركن إلى أهل الدنيا فلا بد أن يرى ذلك حسرات يوم القيامة، يوم لا ينفع الندم وقد زل القدم. ولله در صاحب العينية رضي الله عنه حيث يقول: وقاطع ممن واصلت أيام غفلة فما واصل العذال إلا من مقاطع وجانب جناب الأجنبي لو أنه لقرب انتساب في المنام مضاجع فللنفس من جلاسها كل نسبة ومن خلة للقلب تلك الطبائع ولما حذر الحق تعالى من الشرك الجلي والخفي، حذر من متابعة المشركين في التحريم والتحليل بلا حكم شرعي.

البقرة 2:166

{ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله... } قلت: ويحتمل في وجه المناسبة، أن يكون الحق تعالى لما ذكر دلائل التوحيد ذكر من أعرض بعد وضوحها فأشرك معه، ليرتب بعد ذلك ما أعد له من العذاب، والأنداد: جمع ند وهو المثل، والمراد هنا الأصنام أو الرؤساء، والإضافة في { كحب الله } من إضافة المصدر إلى مفعوله، والحب: ميل القلب إلى المحبوب، وسأتي في الإشارة إن شاء الله. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يتخذ من دون الله } أشباها وأمثالا من الأصنام والرؤساء { يحبونهم } ، وينقادون إليهم، كما يحبون الله تعالى، فيسوون في المحبة بين الله تعالى العلي الكبير، وبين المصنوع الذليل الحقير، { والذين آمنوا } بالله ووحدوه { أشد حبا لله } لأن المؤمنين لا يلتفتون عن حبوبهم في الشدة ولا في الرخاء، بخلاف الكفار فإنهم يعبدونهم في وقت الرخاء، فإذا نزل البلاء التجؤوا إلى الله. قال تعالى: ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون [النحل: 53] الآية، وأيضا: المؤمنون يعبدون الله بلا واسطة، والكفار يعبدونه بواسطة أصنامهم ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى [الزمر: 3] وأيضا المؤمنونن يعبدون ربا واحدا فاتحدت مبحتهم. قال سعيد بن جبير: إن الله تعالى يأمر يوم القيامة من عبد الأصنام أن يدخلوا النار مع أصنامهم، فيمتنعون لعلمهم بالخلود فيها، ثم يقول للمؤمنين بين يدي الكفار: إن كنتم أحبائي فادخلوا، فيقتحم المؤمنون النار، وينادي منأد من تحت العرش: { والذين آمناو أشد حبا لله }. وفي ذلك يقول ابن الفارض: أحباي أنتم، أحسن الدهر أم أسا فكونوا كما شئتم، أنا ذلك الخل وقال أيضا: لو قال تيها: قف على جمر الغضا لوقفت ممتثلا، ولم أتوقف وقال آخر: ولو عذبتني في النار حتما دخلت مطاوعا وسط الجحيم إذا كان الجحيم رضاك عني فما ذاك الجحيم سوى نعيم الإشارة: المحبة: ميل دائم بقلب هائم، أو مراقبة الحبيب في المشهد والمغيب، أو مواطأة القلب لمراد الرب، أو خوف ترك الخدمة مع إقامة الحرمة، أو استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك، أو معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وقال الشبلي: أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك والمحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته، وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: المحبة أخذة من الله لقلب عبده المؤمن عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصنا بمعروفه، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغمورا في مشاهدته، والعبد يستزيد من محبته فيزداد، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسي حلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم، فمن أجل ذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائس المجرمون. .. الخ كلامه. واعلم أن محبة العبد لمولاه سببها شيئان: أحدهما: نظر العبد لإحسان الله إليه وضروب امتنانه عليه، وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وهذا هو المسمى بحب الهوى، هو مكتسب، لأن الإنسان مغمور بإحسانات الله إليه، ومتمكن من النظر فيها، فكلما طالع منة من منن الله التي لا تقبل الحصر ولا العد،كان ذلك كحبة زرعت في أرض قلبه الطيب الزكي، فلا يزال يطالع منة بعد منة، وكل منة أعظم من التي قبلها، لأنه كلما طالع المنن تنور قلبه وزداد إيمانا، وكشف من دقائق المنن ما لم يكن يكشف له قبل، وظهر له خفايا المنن، وعظمت محبته. الثاني: كشف الحجب، وإزالة الموانع عن ناظر القلب، حتى يرى جمال الحق وكماله، والجمال محبوب بالطبع، وهذان هما اللذان قصدت رابعة العدوية - رضي الله عنها -: أحبك حبين: حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك فأماالذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواك وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاك وإنما خصصت الحب الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول، وإن كان أهلا للجميع لأن هذا منه إليه، لا كسب للعبد فيه، والآخر فيه كسب، وعمل العبد معلول، وقولها: فشغلي بذكر عمن سواك من باب التعبير بالمسبب عن السبب، والأصل: فثمرته شغلي بذكرك عمن سواك، فهو مسبب عن المحبة لأنفسنا، وقولها أيضا كشفك للحجب حتى أراك، من باب التعبير بالسبب عن المسبب، والأصل، فبسببه كشفك للحجب حتى رأيتك بعيني قلبي. وقولها: فلا الحمد... الخ، إخبار منها بأن الحبين معا منه وإليه وبه في الحقيقة، لا كسب لها في واحد منهما باعتبار الحقيقة، بل هو الحامد والمحمود، وإدراك التفاوت بين المقامين، - أعني بين المحبة الناشئة عن شهود الإحسان، والناشئة عن شهود الجمال - ضروري عند كل ذائق، وأن الثانية أقوى. قاله في شرح الشريشية. قال ابن جزي: اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين أحدهما: المحبة العامة، التي لا يخلو منها كل مؤمن، وهي واجبة، والأخرى: المحبة الخاصة التي ينفرد فيها العلماء الربانيون، والأولياء والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإن سائر مقامات الصالحين: كالخوف والرجاء والتوكل، وغير ذلك، مبنية على حظوظ النفس، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، والراجي إنما يرجوا منفعة نفسه، بخلاف المحبة، فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة. واعلم أن سبب محبة الله: معرفته، فتقوى المحبة على قدر المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين أو كلاهما إذا اجتمعا، ولا شك أنهما اجتمعا في حق الله تعالى على غاية الكمال فالموجب الأول: الحسن والجمال، والآخر الإحسان والإجمال، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع، فإن الإنسان بالضرورة يجب كل ما يستحسن، ولا جمال مثل جمال الله تعالى، في حكمته البالغة وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تروق العقول وتبهج القلوب، وإنما يدرك جماله تعالى بالبصائر لا بالأبصار. وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده متواتر، وإنعامه عليهم باطن وظاهر، وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوهآ [إبراهيم: 34]، ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي، وإلا المؤمن والكافر، وكل إحسان ينبس إلى غيره فهو في الحقيقة منه وحده، فهو المستحق للمحبة وحده. واعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح، من الجد في طاعته، والنشط لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوق إلى لقائه، والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات، وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كل ما يحب الله، وكل من يحب الله، وإيثار الله على كل ما سواه. قال الحارث المحاسبي: المحبة ميلك إلى المحبوب بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك، ثم موافقته سرا وجهرا، ثم علمك بتقصيرك في حبه. قلت: ظاهره أن المحبة أعلى من المعرفة، والتحقيق أن المعرفة أعلى من جميع المقامات لأنها لا تبقى معها بقية من الحجاب أصلا، بخلاف المحبة، فإنها تكون بقية الحجاب، ألا ترى أن المحب يستوحش من الخلق، والعارف لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء. قال في الحكم: " إنما استوحش العباد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء، ولو عرفوا الله في كل شيء ما استوحشوا من شيء ". وأيضا. العارف أكمل أدبا من المحب لأن المعرفة إنما تحصل بعد كمال التهذيب والتدريب، وقد تحصل المحبة قبل كمال التهذيب، مع أن المعرفة هي غاية المحبة ونهايتها، والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحق وعيد من أشرك مع الله في عبادته أو محبته، بعد وضوح برهان وحدانيته، فقال: {...ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار }. قلت: { لو } شرطية، و { ترى } شرطها، قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل سامع، والباقون بالغيب وإسناده إلى الظالم، لأنه المقصود بالوعيد والتهديد، و { إذ } ظرف للرؤية، وموضع { يرون } خفض بالإضافة، قرأ ابن عامر بضم الياء، على البناء للمفعول، والفاعل الحقيقي هو الله تعالى، بدليل { يريهم الله } ، والباقون بالفتح على البناء للفاعل، على حد: وإذا رءا الذين ظلموا العذاب [النحل: 85]. و { أن القوة } معمول للجواب المحذوف، تعظيما لشأنه، والتقدير: لو ترى يا محمد، أو يا من يسمع، الذين ظلموا حين يرون العذاب، أو يريهم الله العذاب، لرأيت أمرا فظيعا وخطبا جسيما، ولعلمت أن القوة لله جميعا. و { جميعا } حال، أي: أن القوة ثابتة في حال اجتماعها، وقرأ أبو جعفر ويعقوب { إن } بالكسر في الموضعين على الاستئناف، و { إذ تبرأ } بدل من { إذ يرون } ، والأسباب: العهود والوصل التي كانت بينهم في الدنيا يتوادون عليها، وأصل السبب: كل شيء يتوصل به إلى شيء، ومنه قيل للحبل الذي يصعد به: سبب، وللطريق: سبب، قال الشاعر: ومن هاب أسباب المنية يلقها ولو رام أسباب السماء بسلم و { حسرات }: حال، إن كانت بصرية، على مذهب أهل السنة، أو مفعول ثالث إن كانت علمية على مذهب المعتزلة القائلين بعدم تشخص الأعمال. يقول الحق جل جلاله: { ولو ترى } يا محمد، أو كل من يتأتى منه الرؤية، حال { الذين ظلموا } باتخاذهم الأنداد والأوثان، بعد وضوح الأدلة وسطوع البرهان، حيث { يرون العذاب } محيطا بهم، والزبانية تغلبهم، والنار تلتقطهم، لرأيت أمرا فظيعا، وخطبا جسيما، ولعلمت { أن القوة لله جميعا } ، أو لو يرى الذين ظلموا العذاب الذي أعد لهم سبب شركهم، لرأوا أمرا عظيما، وليتقنوا { أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب }. وذلك حين يتبرأ المتبعون - وهم الرؤساء -، من الأتباع - وهم القلة الضعفاء - والحالة أنهم { رأوا العذاب } الفظيع، { وتقطعت بهم الأسباب } أي: أسباب المودة والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا، وصارت مودتهم عداوة، { وقال } حينئذ الضعفاء { الذين اتبعوا } شياطينهم في الكفر والضلال: { لو أن لنا كرة } أي: رجعة للدنيا { فنتبرأ منهم } أي: من كبرائهم { كما تبرءوا منا } اليوم. { كذلك } أي: مثل ذلك الإبراء الفظيع { يريهم الله أعمالهم حسرات } وندمات { عليهم } فيدخلون النار على سبيل الخلود، { وما هم بخارجين من النار }. الإشارة: يا من أقبل على مولاه، وجعل محبة سيده بغيته ومناه، فلم يشرك في محبة حبيبه سواه، لو رأيت من ظلم نفسه باتباع هواه، وأشرك مع الله في محبته سواه، باتباع حظوظ دنياه، وذلك حين يرون ما هم فيه من الانحطاط والبعاد، وما أعد الله لأهل المحبة والوداد من الفوز بالقرب من الحبيب، ومشاهدة جمال القريب، لرأيت أمرا عظيما وخطبا جسيما، ولعلمت أن القوة كلها لله، قرب من شاء بفضله الأصاغر، ويقع التفريق بين الأصحاب والعشائر، إلا من اجتمعوا على محبة الحبيب، وتعاونوا على طاعة القريب المجيب، الأخلآء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [الزخرف: 67]. لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله - فكل من صحب أهل الغفلة أو ركن إلى أهل الدنيا فلا بد أن يرى ذلك حسرات يوم القيامة، يوم لا ينفع الندم وقد زل القدم. ولله در صاحب العينية رضي الله عنه حيث يقول: وقاطع ممن واصلت أيام غفلة فما واصل العذال إلا من مقاطع وجانب جناب الأجنبي لو أنه لقرب انتساب في المنام مضاجع فللنفس من جلاسها كل نسبة ومن خلة للقلب تلك الطبائع ولما حذر الحق تعالى من الشرك الجلي والخفي، حذر من متابعة المشركين في التحريم والتحليل بلا حكم شرعي.

البقرة 2:167

{ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله... } قلت: ويحتمل في وجه المناسبة، أن يكون الحق تعالى لما ذكر دلائل التوحيد ذكر من أعرض بعد وضوحها فأشرك معه، ليرتب بعد ذلك ما أعد له من العذاب، والأنداد: جمع ند وهو المثل، والمراد هنا الأصنام أو الرؤساء، والإضافة في { كحب الله } من إضافة المصدر إلى مفعوله، والحب: ميل القلب إلى المحبوب، وسأتي في الإشارة إن شاء الله. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يتخذ من دون الله } أشباها وأمثالا من الأصنام والرؤساء { يحبونهم } ، وينقادون إليهم، كما يحبون الله تعالى، فيسوون في المحبة بين الله تعالى العلي الكبير، وبين المصنوع الذليل الحقير، { والذين آمنوا } بالله ووحدوه { أشد حبا لله } لأن المؤمنين لا يلتفتون عن حبوبهم في الشدة ولا في الرخاء، بخلاف الكفار فإنهم يعبدونهم في وقت الرخاء، فإذا نزل البلاء التجؤوا إلى الله. قال تعالى: ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون [النحل: 53] الآية، وأيضا: المؤمنون يعبدون الله بلا واسطة، والكفار يعبدونه بواسطة أصنامهم ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى [الزمر: 3] وأيضا المؤمنونن يعبدون ربا واحدا فاتحدت مبحتهم. قال سعيد بن جبير: إن الله تعالى يأمر يوم القيامة من عبد الأصنام أن يدخلوا النار مع أصنامهم، فيمتنعون لعلمهم بالخلود فيها، ثم يقول للمؤمنين بين يدي الكفار: إن كنتم أحبائي فادخلوا، فيقتحم المؤمنون النار، وينادي منأد من تحت العرش: { والذين آمناو أشد حبا لله }. وفي ذلك يقول ابن الفارض: أحباي أنتم، أحسن الدهر أم أسا فكونوا كما شئتم، أنا ذلك الخل وقال أيضا: لو قال تيها: قف على جمر الغضا لوقفت ممتثلا، ولم أتوقف وقال آخر: ولو عذبتني في النار حتما دخلت مطاوعا وسط الجحيم إذا كان الجحيم رضاك عني فما ذاك الجحيم سوى نعيم الإشارة: المحبة: ميل دائم بقلب هائم، أو مراقبة الحبيب في المشهد والمغيب، أو مواطأة القلب لمراد الرب، أو خوف ترك الخدمة مع إقامة الحرمة، أو استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك، أو معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وقال الشبلي: أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك والمحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته، وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: المحبة أخذة من الله لقلب عبده المؤمن عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصنا بمعروفه، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغمورا في مشاهدته، والعبد يستزيد من محبته فيزداد، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسي حلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم، فمن أجل ذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائس المجرمون. .. الخ كلامه. واعلم أن محبة العبد لمولاه سببها شيئان: أحدهما: نظر العبد لإحسان الله إليه وضروب امتنانه عليه، وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وهذا هو المسمى بحب الهوى، هو مكتسب، لأن الإنسان مغمور بإحسانات الله إليه، ومتمكن من النظر فيها، فكلما طالع منة من منن الله التي لا تقبل الحصر ولا العد،كان ذلك كحبة زرعت في أرض قلبه الطيب الزكي، فلا يزال يطالع منة بعد منة، وكل منة أعظم من التي قبلها، لأنه كلما طالع المنن تنور قلبه وزداد إيمانا، وكشف من دقائق المنن ما لم يكن يكشف له قبل، وظهر له خفايا المنن، وعظمت محبته. الثاني: كشف الحجب، وإزالة الموانع عن ناظر القلب، حتى يرى جمال الحق وكماله، والجمال محبوب بالطبع، وهذان هما اللذان قصدت رابعة العدوية - رضي الله عنها -: أحبك حبين: حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك فأماالذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواك وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاك وإنما خصصت الحب الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول، وإن كان أهلا للجميع لأن هذا منه إليه، لا كسب للعبد فيه، والآخر فيه كسب، وعمل العبد معلول، وقولها: فشغلي بذكر عمن سواك من باب التعبير بالمسبب عن السبب، والأصل: فثمرته شغلي بذكرك عمن سواك، فهو مسبب عن المحبة لأنفسنا، وقولها أيضا كشفك للحجب حتى أراك، من باب التعبير بالسبب عن المسبب، والأصل، فبسببه كشفك للحجب حتى رأيتك بعيني قلبي. وقولها: فلا الحمد... الخ، إخبار منها بأن الحبين معا منه وإليه وبه في الحقيقة، لا كسب لها في واحد منهما باعتبار الحقيقة، بل هو الحامد والمحمود، وإدراك التفاوت بين المقامين، - أعني بين المحبة الناشئة عن شهود الإحسان، والناشئة عن شهود الجمال - ضروري عند كل ذائق، وأن الثانية أقوى. قاله في شرح الشريشية. قال ابن جزي: اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين أحدهما: المحبة العامة، التي لا يخلو منها كل مؤمن، وهي واجبة، والأخرى: المحبة الخاصة التي ينفرد فيها العلماء الربانيون، والأولياء والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإن سائر مقامات الصالحين: كالخوف والرجاء والتوكل، وغير ذلك، مبنية على حظوظ النفس، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، والراجي إنما يرجوا منفعة نفسه، بخلاف المحبة، فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة. واعلم أن سبب محبة الله: معرفته، فتقوى المحبة على قدر المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين أو كلاهما إذا اجتمعا، ولا شك أنهما اجتمعا في حق الله تعالى على غاية الكمال فالموجب الأول: الحسن والجمال، والآخر الإحسان والإجمال، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع، فإن الإنسان بالضرورة يجب كل ما يستحسن، ولا جمال مثل جمال الله تعالى، في حكمته البالغة وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تروق العقول وتبهج القلوب، وإنما يدرك جماله تعالى بالبصائر لا بالأبصار. وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده متواتر، وإنعامه عليهم باطن وظاهر، وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوهآ [إبراهيم: 34]، ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي، وإلا المؤمن والكافر، وكل إحسان ينبس إلى غيره فهو في الحقيقة منه وحده، فهو المستحق للمحبة وحده. واعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح، من الجد في طاعته، والنشط لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوق إلى لقائه، والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات، وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كل ما يحب الله، وكل من يحب الله، وإيثار الله على كل ما سواه. قال الحارث المحاسبي: المحبة ميلك إلى المحبوب بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك، ثم موافقته سرا وجهرا، ثم علمك بتقصيرك في حبه. قلت: ظاهره أن المحبة أعلى من المعرفة، والتحقيق أن المعرفة أعلى من جميع المقامات لأنها لا تبقى معها بقية من الحجاب أصلا، بخلاف المحبة، فإنها تكون بقية الحجاب، ألا ترى أن المحب يستوحش من الخلق، والعارف لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء. قال في الحكم: " إنما استوحش العباد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء، ولو عرفوا الله في كل شيء ما استوحشوا من شيء ". وأيضا. العارف أكمل أدبا من المحب لأن المعرفة إنما تحصل بعد كمال التهذيب والتدريب، وقد تحصل المحبة قبل كمال التهذيب، مع أن المعرفة هي غاية المحبة ونهايتها، والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحق وعيد من أشرك مع الله في عبادته أو محبته، بعد وضوح برهان وحدانيته، فقال: {...ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار }. قلت: { لو } شرطية، و { ترى } شرطها، قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل سامع، والباقون بالغيب وإسناده إلى الظالم، لأنه المقصود بالوعيد والتهديد، و { إذ } ظرف للرؤية، وموضع { يرون } خفض بالإضافة، قرأ ابن عامر بضم الياء، على البناء للمفعول، والفاعل الحقيقي هو الله تعالى، بدليل { يريهم الله } ، والباقون بالفتح على البناء للفاعل، على حد: وإذا رءا الذين ظلموا العذاب [النحل: 85]. و { أن القوة } معمول للجواب المحذوف، تعظيما لشأنه، والتقدير: لو ترى يا محمد، أو يا من يسمع، الذين ظلموا حين يرون العذاب، أو يريهم الله العذاب، لرأيت أمرا فظيعا وخطبا جسيما، ولعلمت أن القوة لله جميعا. و { جميعا } حال، أي: أن القوة ثابتة في حال اجتماعها، وقرأ أبو جعفر ويعقوب { إن } بالكسر في الموضعين على الاستئناف، و { إذ تبرأ } بدل من { إذ يرون } ، والأسباب: العهود والوصل التي كانت بينهم في الدنيا يتوادون عليها، وأصل السبب: كل شيء يتوصل به إلى شيء، ومنه قيل للحبل الذي يصعد به: سبب، وللطريق: سبب، قال الشاعر: ومن هاب أسباب المنية يلقها ولو رام أسباب السماء بسلم و { حسرات }: حال، إن كانت بصرية، على مذهب أهل السنة، أو مفعول ثالث إن كانت علمية على مذهب المعتزلة القائلين بعدم تشخص الأعمال. يقول الحق جل جلاله: { ولو ترى } يا محمد، أو كل من يتأتى منه الرؤية، حال { الذين ظلموا } باتخاذهم الأنداد والأوثان، بعد وضوح الأدلة وسطوع البرهان، حيث { يرون العذاب } محيطا بهم، والزبانية تغلبهم، والنار تلتقطهم، لرأيت أمرا فظيعا، وخطبا جسيما، ولعلمت { أن القوة لله جميعا } ، أو لو يرى الذين ظلموا العذاب الذي أعد لهم سبب شركهم، لرأوا أمرا عظيما، وليتقنوا { أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب }. وذلك حين يتبرأ المتبعون - وهم الرؤساء -، من الأتباع - وهم القلة الضعفاء - والحالة أنهم { رأوا العذاب } الفظيع، { وتقطعت بهم الأسباب } أي: أسباب المودة والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا، وصارت مودتهم عداوة، { وقال } حينئذ الضعفاء { الذين اتبعوا } شياطينهم في الكفر والضلال: { لو أن لنا كرة } أي: رجعة للدنيا { فنتبرأ منهم } أي: من كبرائهم { كما تبرءوا منا } اليوم. { كذلك } أي: مثل ذلك الإبراء الفظيع { يريهم الله أعمالهم حسرات } وندمات { عليهم } فيدخلون النار على سبيل الخلود، { وما هم بخارجين من النار }. الإشارة: يا من أقبل على مولاه، وجعل محبة سيده بغيته ومناه، فلم يشرك في محبة حبيبه سواه، لو رأيت من ظلم نفسه باتباع هواه، وأشرك مع الله في محبته سواه، باتباع حظوظ دنياه، وذلك حين يرون ما هم فيه من الانحطاط والبعاد، وما أعد الله لأهل المحبة والوداد من الفوز بالقرب من الحبيب، ومشاهدة جمال القريب، لرأيت أمرا عظيما وخطبا جسيما، ولعلمت أن القوة كلها لله، قرب من شاء بفضله الأصاغر، ويقع التفريق بين الأصحاب والعشائر، إلا من اجتمعوا على محبة الحبيب، وتعاونوا على طاعة القريب المجيب، الأخلآء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [الزخرف: 67]. لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله - فكل من صحب أهل الغفلة أو ركن إلى أهل الدنيا فلا بد أن يرى ذلك حسرات يوم القيامة، يوم لا ينفع الندم وقد زل القدم. ولله در صاحب العينية رضي الله عنه حيث يقول: وقاطع ممن واصلت أيام غفلة فما واصل العذال إلا من مقاطع وجانب جناب الأجنبي لو أنه لقرب انتساب في المنام مضاجع فللنفس من جلاسها كل نسبة ومن خلة للقلب تلك الطبائع ولما حذر الحق تعالى من الشرك الجلي والخفي، حذر من متابعة المشركين في التحريم والتحليل بلا حكم شرعي.

البقرة 2:168

قلت: { حلالا } حال، أو مفعول به، و { طيبا } نعت له، و { الخطوات } جمع خطوة، وهي بالفتح - مصدر خطا يخطوا، وبالضم - اسم لمسافة ما بين القدمين، ويكسر على خطا، ويصحح على خطوات، مثلث الطاء، أعني: الضم على الإتباع، كغرفات وقربات، قال ابن مالك: والسالم العين الثلاثي اسما أنل إتباع عين فاءه بما شكل والسكون على الأصل في المفرد، والفتح تخفيفا، قال في الألفية: وسكن التالي غير الفتح أو خففه بالفتح فكلا قد رووا وقرئ في المواتر بالضم والإسكان، وفي الشاذ بالفتح. قال الخليل: خطوات الشيطان، آثاره وطرقه، يقول: لا تقتدوا به. ه. وأصل السوء: كل ما يسوء صاحبه ويحزنه. والفحشاء: ما قبح من القول والفعل، مصدر فحش كالبأساء والضراء واللأواء. قال ابن عباس: الفحشاء: ما فيه حد، والسوء: ما لا حد فيه، وقال مقاتل: كل مافي القرآن من ذكر الفشحاء فإنه الزنا، إلا قوله: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء فإنه البخل[البقرة: 268]. قال البيضاوي: السوء والفحشاء: ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين، فإنه سوء لاغتمام العاقل، به، وفحشاء باستقباحه إياه، وقيل: السوء يعم القبائح، والفحشاء ما تجاوز الحد في القبح. ه. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس كلوا } من جميع ما خلقنا لكم في الأرض من نباتها مما يستطاب أكله، وحيواناتها إلا ما حرمناه عليكم، حالة كون ذلك { حلالا } قد انحلت عنه التبعات، وزالت عنه الشبهات، { طيبا } مستلذا يستلذه الطبع، ويستحسنه الشرع، { ولا تتبعوا } طرق { الشيطان } فتحرموا برأيكم ما أحل الله لكم، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وبعض الحرث الذي جعلتموه للأصنام، فإن ذلك من تزيين الشيطان، وهو { لكم عدو مبين }. ومن شأن العدو الخداع والغرور، فإنما يأمركم بما يسوء وجوهكم من الذنوب، وما يرديكم من قبائح المعاصي والعيوب، { وأن تقولوا على الله } ما لا علم لكم به من تحليل الحرام، أو تحريم الحلال، أو ادعاء الولد أو الصاحبة في جانب الكبير المتعال. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى جعل للبشرية قوتا ونعيما تتنعم به، وجعل للروح قوتا ونعيما تتلذذ به، فقوت البشرية الطعام والشراب، ونعيمها: الملابس والمناكح والمراكب. وقوت الروح: اليقين والعلوم والأنوار، ونعيمها: الشهود والاستصبار والترقي في المعارف والأسرار، فكما أن النفس تأكل مما في الأرض حلالا طيبا، كذلك الروح تأكل مما في الأرض حلالا طيبا، إلا أن أكل النفس حسي، وأكل الروح معنوي، وهو التفكر والاعتبار، أو الشهود والاستبصار، وفي ذلك يقول المجذوب رضي الله عنه: الخلق نوار وأنا رعيت فيهم هم الحجاب الأكبر والمدخل فيهم وقال الششتري رضي الله عنه: عين الزحام هو المسير لحينا وكان شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه يقول: من أراد أن يذوق فليذهب إلى السوق. وذلك لأنه مظنة الزحام، وفيه عند الأقوياء الربح التام، فيقال لهم: يا أيها الناس الكاملون في الإنسانية كلوا مما في الأرض بأرواحكم وأسراركم، شهودا واعتبارا، حلالا طيبا، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، فتقفوا مع ظواهر الأكوان، فتحجبوا عن الشهود والعيان، فإنه لكم في صورة العدو المبين، لكنه في الحقيقة يحشوكم إلى الرسوخ والتمكين، لأنه كلما حرككم بنزغه فزعتم إلى ربكم في دفعه، حتى يمكنكم من حضرته، فإنما يأمركم بما يسوء وجوهكم ويغم قلوبكم، من مفارقة شهود الأحباب، والوقوف من وراء الباب، وأن تقولوا على الله ما ليس بحق ولا صواب، كثبوت السوي، أو الالتفات إلى الهوى. والله تعالى أعلم.

البقرة 2:169

قلت: { حلالا } حال، أو مفعول به، و { طيبا } نعت له، و { الخطوات } جمع خطوة، وهي بالفتح - مصدر خطا يخطوا، وبالضم - اسم لمسافة ما بين القدمين، ويكسر على خطا، ويصحح على خطوات، مثلث الطاء، أعني: الضم على الإتباع، كغرفات وقربات، قال ابن مالك: والسالم العين الثلاثي اسما أنل إتباع عين فاءه بما شكل والسكون على الأصل في المفرد، والفتح تخفيفا، قال في الألفية: وسكن التالي غير الفتح أو خففه بالفتح فكلا قد رووا وقرئ في المواتر بالضم والإسكان، وفي الشاذ بالفتح. قال الخليل: خطوات الشيطان، آثاره وطرقه، يقول: لا تقتدوا به. ه. وأصل السوء: كل ما يسوء صاحبه ويحزنه. والفحشاء: ما قبح من القول والفعل، مصدر فحش كالبأساء والضراء واللأواء. قال ابن عباس: الفحشاء: ما فيه حد، والسوء: ما لا حد فيه، وقال مقاتل: كل مافي القرآن من ذكر الفشحاء فإنه الزنا، إلا قوله: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء فإنه البخل[البقرة: 268]. قال البيضاوي: السوء والفحشاء: ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين، فإنه سوء لاغتمام العاقل، به، وفحشاء باستقباحه إياه، وقيل: السوء يعم القبائح، والفحشاء ما تجاوز الحد في القبح. ه. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس كلوا } من جميع ما خلقنا لكم في الأرض من نباتها مما يستطاب أكله، وحيواناتها إلا ما حرمناه عليكم، حالة كون ذلك { حلالا } قد انحلت عنه التبعات، وزالت عنه الشبهات، { طيبا } مستلذا يستلذه الطبع، ويستحسنه الشرع، { ولا تتبعوا } طرق { الشيطان } فتحرموا برأيكم ما أحل الله لكم، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وبعض الحرث الذي جعلتموه للأصنام، فإن ذلك من تزيين الشيطان، وهو { لكم عدو مبين }. ومن شأن العدو الخداع والغرور، فإنما يأمركم بما يسوء وجوهكم من الذنوب، وما يرديكم من قبائح المعاصي والعيوب، { وأن تقولوا على الله } ما لا علم لكم به من تحليل الحرام، أو تحريم الحلال، أو ادعاء الولد أو الصاحبة في جانب الكبير المتعال. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى جعل للبشرية قوتا ونعيما تتنعم به، وجعل للروح قوتا ونعيما تتلذذ به، فقوت البشرية الطعام والشراب، ونعيمها: الملابس والمناكح والمراكب. وقوت الروح: اليقين والعلوم والأنوار، ونعيمها: الشهود والاستصبار والترقي في المعارف والأسرار، فكما أن النفس تأكل مما في الأرض حلالا طيبا، كذلك الروح تأكل مما في الأرض حلالا طيبا، إلا أن أكل النفس حسي، وأكل الروح معنوي، وهو التفكر والاعتبار، أو الشهود والاستبصار، وفي ذلك يقول المجذوب رضي الله عنه: الخلق نوار وأنا رعيت فيهم هم الحجاب الأكبر والمدخل فيهم وقال الششتري رضي الله عنه: عين الزحام هو المسير لحينا وكان شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه يقول: من أراد أن يذوق فليذهب إلى السوق. وذلك لأنه مظنة الزحام، وفيه عند الأقوياء الربح التام، فيقال لهم: يا أيها الناس الكاملون في الإنسانية كلوا مما في الأرض بأرواحكم وأسراركم، شهودا واعتبارا، حلالا طيبا، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، فتقفوا مع ظواهر الأكوان، فتحجبوا عن الشهود والعيان، فإنه لكم في صورة العدو المبين، لكنه في الحقيقة يحشوكم إلى الرسوخ والتمكين، لأنه كلما حرككم بنزغه فزعتم إلى ربكم في دفعه، حتى يمكنكم من حضرته، فإنما يأمركم بما يسوء وجوهكم ويغم قلوبكم، من مفارقة شهود الأحباب، والوقوف من وراء الباب، وأن تقولوا على الله ما ليس بحق ولا صواب، كثبوت السوي، أو الالتفات إلى الهوى. والله تعالى أعلم.

البقرة 2:170

قلت: الضمير في { لهم } يعود على { من يتخذ من دونه الله أندادا } ، أو على { الناس } ، من قوله: { يا أيها الناس } ، أو على { اليهود } المتقدمين قبل، وألفى: بمعنى وجد، يتعدى إلى مفعولين، وهما هنا: { آباءنا } والجار والمجرور، أي: نتبع في الدين ما وجدنا آباءنا كائنين عليه. يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل } لهؤلاء المشركين من كفار العرب: { اتبعوا ما أنزل الله } على سوله من التوحيد، وترك الأنداد له والأمثال، وتحريم الحرام وتحليل الحلال، { قالوا بل نتبع } ما وجدنا { عليه آباءنا } من عبادة الأصنام، وارتكاب المعاصي والآثام، قال الحق جل جلاله: أيتبعونهم تقليدا وعمى، ولو كان آباؤهم جهلة { لا يعقلون شيئا } من الدين، ولا يتفكرون في سبيل المهتدين؟! وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: دعا النبي صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام، ورغبهم فيه، فقال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا خيرا وأعلم منا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ه. الإشارة: وإذا قيل لمن أكب على دنياه، واتخذ إلهه هواه، فأشرك في محبة الله سواه: أقلع عن حظوظك وهواك، وأفرد الوجهه إلى مولاك، واتبع ما أنزل الله من وجوب مخالفة الهوى ومحبة المولى، قال: بل أتبع ما وجدت عليه الآباء والأجداد، وأكب عليه جل العباد، فيقال له: أتتبعهم في متابعة الهوى، ولو كانوا لا يعقلون شيا من طرق الهدى؟ وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " ه..

البقرة 2:171

قلت: { ومثل } الخ، يحتمل أن يكون على حذف مضاف، أي: مثل واعظ الذين كفروا، أو لا يحتاج إلى تقدير. وسأتي بيانه، ونعق، كضرب، ينعق نعقا ونعيقا، إذا صاح وزجر. يقول الحق جل جلاله: { ومثل } واعظ { الذين كفروا } وداعيهم إلى الله { كمثل } الراعي الذي يرعى البهائم، وينعق عليها ليزجرها، أو يدعوها فإذا سمعت النداء رفعت رؤوسها ولم تعقله، ثم عادت إلى مراعيها، فلا تسمع من الراعي يزجرها { إلا دعاء ونداء } ، ولا تفقه ما يقول لها، كذلك الكفار المنهمكون في الكفر، إذا دعاهم أحد إلى التوحيد لا يلتفتون إليه، ولا يفقهون ما يقول لهم، كالبهائم أو أضل. أو { مثل الذين كفروا } في انهماكهم في التقليد والجهل، مع من يدعوهم إلى الله { كمثل } بهائم الذي ينعق ويصيح عليها صاحبها فلا تسمع { إلا دعاء ونداء } ولا تفقه ما يقول لها، أو { مثل الذين كفروا } في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تعقل، كمثل الناعق بغنمه، فلا ينتفع من نعيقه بشيء، غير أنه في عناء وتعب من دعائه وندائه، ثم وصفهم بالصمم والبكم والعمى مجازا، أي: هم { صم } عن سماع الحق فلا يعقلونه، { بكم } عن النطق به، { عمي } عن النظر إلى أسبابه، أو عن الهدي فلا يبصرونه، { فهم لا يعقلون } شيئا ولا يتدبرون. الإشارة: إذا تمكن الهوى من القلوب عز دواؤه وشق علاجه، وعظم على الأطباء عناؤه، فالمنهمكون في الغفلة لا ينفع فيهم التذكير، ولا ينجح فيهم التخويف والتحذير، فالواعظ لهم كالناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء ونداء، قد أعماهم الهوى، وأصمهم عن سماع أسباب الهدي: إن الهوى ما تولى يصم أو يصم فلا يقلع الهوى من قلوبهم إلا بسابق العناية، أو هبوب ريح الهداية، فتثير في قلوبهم خوفا مزعجا، أو شوقا مقلقا، أو نورا خارقا وما ذلك على الله بعزيز [إبراهيم: 20].

البقرة 2:172

قلت: أصل اضطر: اضترر، على ومن افتعل، من الضرر، أبدلت التاء طاء لقرب مخرج التاء من الطاء، قال في الألفية: طا تا افتعال رد إثر مطبق ثم أدغمت الراء في الراء بعد ذهاب حركتها، وقرأ أبو جعفر: بكسر الطاء حيث وقع: ووجهه: نقل حركة الراء إلى الطاء، وأصل البغي: قصد الفساد، يقال: بغي الجرح بغيا، إذا ترامى إلى الفساد، ومنه قيل للزنا: بغاء، وللزانية: بغي، وأصل العدوان: الظلم ومجاوزة الحد، يقال: عدا يعدوا عدوانا وعدوا. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا كلوا } من لذيذ { طيبات ما رزقناكم } وقفو عند ما حل لكم ولا تحرموا برأيكم ما أحللنا لكم، كما فعل من سلف قبلكم، { واشكروا } نعمة الله عليكم الظاهرة والباطنة { إن كنتم } تخصونه بعبادتكم، فقد أحللنا لكم جميع ما خلقنا لكم على وجه الأرض التي تقلكم. { إنما } حرمنا { عليكم } ما فيه ضرركم كالميتة لخبثها، { والدم } لأنه يقسي قلوبكم، { ولحم الخنزير } لأنه يورث عدم الغيرة، وما ذكر عليه غير اسم الله، وهو الذي { أهل به لغير الله } أي: رفع الصوت عند ذبحه لغير الله، وهو الصنم { فمن اضطر } وألجىء إلى شيء من هذه المحرمات، { غير باغ } أي: ظالم بأكلها اختيارا، { ولا عاد } متعد بتعدى الحلال إلى الحرام، فيأكلها وهو غني عنها { فلا إثم عليه } ، { أو غير باغ } غير قاطع للطريق، { ولا عاد }: مفارقة للأمة خارج عن الجماعة، فمن خرج يقطع الرحم، أو يخيف ابن السبيل، أو يفسد في الأرض، أو أبق من سيده، أو فر من غريمه أو عاصيا بسفره، واضطر إلى شيء من هذه، فلا تحل له حتى يتوب ويأكل، { فإن الله غفور رحيم }. وقال سهل بن عبد الله: { غير باغ }: غير مفارق للجماعة { ولا عاد }: مبتدع مخالف للسنة، فلم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان أهل العرفان، كلوا من طيبات ما رزقناكم من حلاوة الشهود والعيان، واشكروا الله الكريم المنان، إن كنتم تخصونه بالعبادة والإحسان أو: يا أيها الذين آمنوا إيمان أهل الصفاء، ووقفوا مع الحدود ووقوف أهل الوفاء، كلوا من طيبات ما رزقناكم من ثمرات بساتين العلوم، واشكروا لله يزدكم من المواهب والفهوم، إن كنتم تعبدون الحي القيوم، إنما حرم عليكم ما يعوقكم عن هذه المواهب، أو ينزلكم عن منابر تلك المراتب، كالميل إلى جيفة الدنيا، أو الركون إلى متابعة الهوى، أو تأخذون منها ما قصد به غير الله، أو تقبضونها من يد غير الله، فمن اضطر إلى أخذ شيء من نجاستها، فأخذ القدر الذي احتاج إليه منها، دون التشوف إلى ما زاد عليه، غير قاصد بذلك شهوة ولا متعة، ثم إثم عليه، إن الله غفور رحيم. قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه لما تكلم على الغني بالله، قال: علامته هو الذي ترك الدنيا للخلق، حتى لا يكون له فيها حق معهم، إلا ما فضل عنهم من بعد اضطراره واحتياجه، ويترك الآخرة لمولاه، حتى لا يكون له فيها حق إلا النظر في وجه الله، ويترك أيضا نفسه لله حتى لا يكون فيها حق إلا حق مولاه، ولا إرادة له إلا ما أراد مولاه، ويكون كالغصن الرطب أينما مالت به الريح يلين ويميل معها، ولا ينكر على الخلق حالا من أحوالهم. ه.

البقرة 2:173

قلت: أصل اضطر: اضترر، على ومن افتعل، من الضرر، أبدلت التاء طاء لقرب مخرج التاء من الطاء، قال في الألفية: طا تا افتعال رد إثر مطبق ثم أدغمت الراء في الراء بعد ذهاب حركتها، وقرأ أبو جعفر: بكسر الطاء حيث وقع: ووجهه: نقل حركة الراء إلى الطاء، وأصل البغي: قصد الفساد، يقال: بغي الجرح بغيا، إذا ترامى إلى الفساد، ومنه قيل للزنا: بغاء، وللزانية: بغي، وأصل العدوان: الظلم ومجاوزة الحد، يقال: عدا يعدوا عدوانا وعدوا. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا كلوا } من لذيذ { طيبات ما رزقناكم } وقفو عند ما حل لكم ولا تحرموا برأيكم ما أحللنا لكم، كما فعل من سلف قبلكم، { واشكروا } نعمة الله عليكم الظاهرة والباطنة { إن كنتم } تخصونه بعبادتكم، فقد أحللنا لكم جميع ما خلقنا لكم على وجه الأرض التي تقلكم. { إنما } حرمنا { عليكم } ما فيه ضرركم كالميتة لخبثها، { والدم } لأنه يقسي قلوبكم، { ولحم الخنزير } لأنه يورث عدم الغيرة، وما ذكر عليه غير اسم الله، وهو الذي { أهل به لغير الله } أي: رفع الصوت عند ذبحه لغير الله، وهو الصنم { فمن اضطر } وألجىء إلى شيء من هذه المحرمات، { غير باغ } أي: ظالم بأكلها اختيارا، { ولا عاد } متعد بتعدى الحلال إلى الحرام، فيأكلها وهو غني عنها { فلا إثم عليه } ، { أو غير باغ } غير قاطع للطريق، { ولا عاد }: مفارقة للأمة خارج عن الجماعة، فمن خرج يقطع الرحم، أو يخيف ابن السبيل، أو يفسد في الأرض، أو أبق من سيده، أو فر من غريمه أو عاصيا بسفره، واضطر إلى شيء من هذه، فلا تحل له حتى يتوب ويأكل، { فإن الله غفور رحيم }. وقال سهل بن عبد الله: { غير باغ }: غير مفارق للجماعة { ولا عاد }: مبتدع مخالف للسنة، فلم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان أهل العرفان، كلوا من طيبات ما رزقناكم من حلاوة الشهود والعيان، واشكروا الله الكريم المنان، إن كنتم تخصونه بالعبادة والإحسان أو: يا أيها الذين آمنوا إيمان أهل الصفاء، ووقفوا مع الحدود ووقوف أهل الوفاء، كلوا من طيبات ما رزقناكم من ثمرات بساتين العلوم، واشكروا لله يزدكم من المواهب والفهوم، إن كنتم تعبدون الحي القيوم، إنما حرم عليكم ما يعوقكم عن هذه المواهب، أو ينزلكم عن منابر تلك المراتب، كالميل إلى جيفة الدنيا، أو الركون إلى متابعة الهوى، أو تأخذون منها ما قصد به غير الله، أو تقبضونها من يد غير الله، فمن اضطر إلى أخذ شيء من نجاستها، فأخذ القدر الذي احتاج إليه منها، دون التشوف إلى ما زاد عليه، غير قاصد بذلك شهوة ولا متعة، ثم إثم عليه، إن الله غفور رحيم. قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه لما تكلم على الغني بالله، قال: علامته هو الذي ترك الدنيا للخلق، حتى لا يكون له فيها حق معهم، إلا ما فضل عنهم من بعد اضطراره واحتياجه، ويترك الآخرة لمولاه، حتى لا يكون له فيها حق إلا النظر في وجه الله، ويترك أيضا نفسه لله حتى لا يكون فيها حق إلا حق مولاه، ولا إرادة له إلا ما أراد مولاه، ويكون كالغصن الرطب أينما مالت به الريح يلين ويميل معها، ولا ينكر على الخلق حالا من أحوالهم. ه.

البقرة 2:174

قلت: { ما } تعجبية، مبتدأ، وهي نكرة، وسوغ الابتداء معنى التعجب، وجملة { أصبرهم } خبر، أي: أي شيء عظيم صيرهم صابرين، أو استفهامية، أي: أي شيء حملهم على الصبر على النار؟ يقول الحق جل جلاله: في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والخراج، ويدعون أن النبي المبعوث منهم، فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خافوا ذهاب مأكلتهم ورئاستهم، فأنزل الله: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله } في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحرفونها في المعنى وينزعونها { من الكتاب } أي: التوراة، { ويشترون } بذلك التحريف { ثمنا قليلا } أي: عوضا حقيرا يذهب ويفنى في زمان قليل { أولئك } الذين يكتمون ويأكلون ذلك العوض الحقير - { ما يأكلون في بطونهم } إلا نار جهنم لأنهم مآلهم وعقوبة أكلهم، { ولا يكلمهم الله } إهانة وغضبا عليهم حين يكلم أولياءه ويسلم عيلهم، { ولا يزكيهم } أي: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم حتى يتأهلون للحضرة، { ولهم عذاب أليم } موجع. { أولئك الذين } استبدلوا { الضلالة بالهدى } أي: باعوا الهدى واشتروا به الضلالة، واستبدلوا { العذاب بالمغفرة } التي كانت لهم لو آمنوا وبينوا، فما أجرأهم على اقتحام النار باقتحام أسبابها، أو فما أبقاهم في النار، أو ما الذي أصبرهم على النار حتى تركوا الحق ومالوا إلى الباطل؟! استفهام توبيخي. { ذلك } العذاب الذي استحقوه وتجرءوا عليه بسبب أن { الله } تعالى { نزل الكتاب } القرآن ملتبسا { بالحق } ، فاختلفوا فيه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } أي: لفي خلاف وضلال بعيد. الإشارة: كل من كتم علمه، ولم ينشره إلا في مقابلة حظ دنيوي، صدق عليه قوله تعالى: { ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار }. روي أن بعض الصحابة كان يقرئ أهل الصفة، فأهدى له أحدهم قوسا، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: كنت أعلم أهل الصفة فأهدى لي فلان قوسا، وقال: هو لله، فقال له - عليه الصلاة والسلام -: " لقد تقلدت قوسا من نار جهنم " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وأمره برده. ولعل هذا من باب الورع، فأراد عليه السلام أن يرفع همة ذلك الصحابي، وإلا فقد ورد في الحديث: " أحق ما أخذتم عليه الأجر كتاب الله ". فمن ملكته نفسه، وأسره الهوى، فقد اشترى الضلالة بالهدى، اشترى الضلالة عن طريق أولياء الله، بالهدى الذي كان له ملك نفسه وهواه، وعذاب القطيعة والحجاب، بالمغفرة والدخول مع الأحباب، فما أصبرهم على غم الحجاب وسوء الحساب، سبب ذلك اختلاف قلبه، وتفريق همه ولبه، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: " اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلبكم، فإذا اختلفتم فقوموا " أو كما قال: وسببت تفرق القلب وعدم حضوره، حب الدنيا فقد قال عليه الصلاة والسلام: " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا من قسم له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ". والقلب الذي اختلف في فهم الكتاب وتشتت عنه في شقاق بعيد عن الحضرة لأن عنوان صحة القلب: جمعه على كلام الله وتدبر خطابه والتلذذ بسماعه، وقد تقدم في أول السورة درجات القراءة: فانظره إن شئت. وبالله التوفيق.

البقرة 2:175

قلت: { ما } تعجبية، مبتدأ، وهي نكرة، وسوغ الابتداء معنى التعجب، وجملة { أصبرهم } خبر، أي: أي شيء عظيم صيرهم صابرين، أو استفهامية، أي: أي شيء حملهم على الصبر على النار؟ يقول الحق جل جلاله: في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والخراج، ويدعون أن النبي المبعوث منهم، فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خافوا ذهاب مأكلتهم ورئاستهم، فأنزل الله: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله } في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحرفونها في المعنى وينزعونها { من الكتاب } أي: التوراة، { ويشترون } بذلك التحريف { ثمنا قليلا } أي: عوضا حقيرا يذهب ويفنى في زمان قليل { أولئك } الذين يكتمون ويأكلون ذلك العوض الحقير - { ما يأكلون في بطونهم } إلا نار جهنم لأنهم مآلهم وعقوبة أكلهم، { ولا يكلمهم الله } إهانة وغضبا عليهم حين يكلم أولياءه ويسلم عيلهم، { ولا يزكيهم } أي: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم حتى يتأهلون للحضرة، { ولهم عذاب أليم } موجع. { أولئك الذين } استبدلوا { الضلالة بالهدى } أي: باعوا الهدى واشتروا به الضلالة، واستبدلوا { العذاب بالمغفرة } التي كانت لهم لو آمنوا وبينوا، فما أجرأهم على اقتحام النار باقتحام أسبابها، أو فما أبقاهم في النار، أو ما الذي أصبرهم على النار حتى تركوا الحق ومالوا إلى الباطل؟! استفهام توبيخي. { ذلك } العذاب الذي استحقوه وتجرءوا عليه بسبب أن { الله } تعالى { نزل الكتاب } القرآن ملتبسا { بالحق } ، فاختلفوا فيه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } أي: لفي خلاف وضلال بعيد. الإشارة: كل من كتم علمه، ولم ينشره إلا في مقابلة حظ دنيوي، صدق عليه قوله تعالى: { ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار }. روي أن بعض الصحابة كان يقرئ أهل الصفة، فأهدى له أحدهم قوسا، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: كنت أعلم أهل الصفة فأهدى لي فلان قوسا، وقال: هو لله، فقال له - عليه الصلاة والسلام -: " لقد تقلدت قوسا من نار جهنم " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وأمره برده. ولعل هذا من باب الورع، فأراد عليه السلام أن يرفع همة ذلك الصحابي، وإلا فقد ورد في الحديث: " أحق ما أخذتم عليه الأجر كتاب الله ". فمن ملكته نفسه، وأسره الهوى، فقد اشترى الضلالة بالهدى، اشترى الضلالة عن طريق أولياء الله، بالهدى الذي كان له ملك نفسه وهواه، وعذاب القطيعة والحجاب، بالمغفرة والدخول مع الأحباب، فما أصبرهم على غم الحجاب وسوء الحساب، سبب ذلك اختلاف قلبه، وتفريق همه ولبه، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: " اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلبكم، فإذا اختلفتم فقوموا " أو كما قال: وسببت تفرق القلب وعدم حضوره، حب الدنيا فقد قال عليه الصلاة والسلام: " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا من قسم له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ". والقلب الذي اختلف في فهم الكتاب وتشتت عنه في شقاق بعيد عن الحضرة لأن عنوان صحة القلب: جمعه على كلام الله وتدبر خطابه والتلذذ بسماعه، وقد تقدم في أول السورة درجات القراءة: فانظره إن شئت. وبالله التوفيق.

البقرة 2:176

قلت: { ما } تعجبية، مبتدأ، وهي نكرة، وسوغ الابتداء معنى التعجب، وجملة { أصبرهم } خبر، أي: أي شيء عظيم صيرهم صابرين، أو استفهامية، أي: أي شيء حملهم على الصبر على النار؟ يقول الحق جل جلاله: في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والخراج، ويدعون أن النبي المبعوث منهم، فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خافوا ذهاب مأكلتهم ورئاستهم، فأنزل الله: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله } في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحرفونها في المعنى وينزعونها { من الكتاب } أي: التوراة، { ويشترون } بذلك التحريف { ثمنا قليلا } أي: عوضا حقيرا يذهب ويفنى في زمان قليل { أولئك } الذين يكتمون ويأكلون ذلك العوض الحقير - { ما يأكلون في بطونهم } إلا نار جهنم لأنهم مآلهم وعقوبة أكلهم، { ولا يكلمهم الله } إهانة وغضبا عليهم حين يكلم أولياءه ويسلم عيلهم، { ولا يزكيهم } أي: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم حتى يتأهلون للحضرة، { ولهم عذاب أليم } موجع. { أولئك الذين } استبدلوا { الضلالة بالهدى } أي: باعوا الهدى واشتروا به الضلالة، واستبدلوا { العذاب بالمغفرة } التي كانت لهم لو آمنوا وبينوا، فما أجرأهم على اقتحام النار باقتحام أسبابها، أو فما أبقاهم في النار، أو ما الذي أصبرهم على النار حتى تركوا الحق ومالوا إلى الباطل؟! استفهام توبيخي. { ذلك } العذاب الذي استحقوه وتجرءوا عليه بسبب أن { الله } تعالى { نزل الكتاب } القرآن ملتبسا { بالحق } ، فاختلفوا فيه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } أي: لفي خلاف وضلال بعيد. الإشارة: كل من كتم علمه، ولم ينشره إلا في مقابلة حظ دنيوي، صدق عليه قوله تعالى: { ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار }. روي أن بعض الصحابة كان يقرئ أهل الصفة، فأهدى له أحدهم قوسا، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: كنت أعلم أهل الصفة فأهدى لي فلان قوسا، وقال: هو لله، فقال له - عليه الصلاة والسلام -: " لقد تقلدت قوسا من نار جهنم " أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وأمره برده. ولعل هذا من باب الورع، فأراد عليه السلام أن يرفع همة ذلك الصحابي، وإلا فقد ورد في الحديث: " أحق ما أخذتم عليه الأجر كتاب الله ". فمن ملكته نفسه، وأسره الهوى، فقد اشترى الضلالة بالهدى، اشترى الضلالة عن طريق أولياء الله، بالهدى الذي كان له ملك نفسه وهواه، وعذاب القطيعة والحجاب، بالمغفرة والدخول مع الأحباب، فما أصبرهم على غم الحجاب وسوء الحساب، سبب ذلك اختلاف قلبه، وتفريق همه ولبه، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: " اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلبكم، فإذا اختلفتم فقوموا " أو كما قال: وسببت تفرق القلب وعدم حضوره، حب الدنيا فقد قال عليه الصلاة والسلام: " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا من قسم له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ". والقلب الذي اختلف في فهم الكتاب وتشتت عنه في شقاق بعيد عن الحضرة لأن عنوان صحة القلب: جمعه على كلام الله وتدبر خطابه والتلذذ بسماعه، وقد تقدم في أول السورة درجات القراءة: فانظره إن شئت. وبالله التوفيق.

البقرة 2:177

قلت: لما ذكر الحق تعالى التوحيد وبراهينه الذي هو رأس الدين، وحذر من الشرك وفروعه، ذكر هنا بقية أركان الدين، وهي الإيمان والإسلام، ذكر في هذه الآية قواعد الإيمان وبعض قواعد الإسلام وهي الصلاة والزكاة، ثم ذكر بعد ذلك الصيام وأحكامه، ثم ذكر الحج وأركانه، ثم ذكر الجهاد والنكاح والطلاق والعدة، ثم ذكر البيوع، وما يتعلق بها من الربا، ثم الشهادات والرهان، وبها ختم السورة. لكن الحديث ذو شجون، والكلام يجر بعضه بعضا، فقوله: { ليس البر أن تولوا }: اسم ليس وخبرها، وكلاهما معرفتان، الأول بأل والثاني بالإضافة، إذا التقدير: تولية وجوهكم، فمن رجح تعريف الألف واللام. جعل { البر } اسمها، و { أن تولوا } خبرها، وبه قرأ الأكثر، ومن رجح الإضافة جعل { البر } خبرها مقدما، والمصدر اسمها مؤخرا، وبه قرأ حمزة وحفص. وقوله: { ولكن البر } من خفف جعلها عاطفة الجملة، و { البر } مبتدأ، و { من آمن } خبر على حذف مضاف، أي: بر من آمن إذ لا يخبر بالذات عن المعنى، أو قصد المبالغة، ومن شدد نصب بها، لوقوعها بين جملتين، وهي استدراكية، و { على حبه } حال من المال، و { الصابرين } نصب على المدح، ولم يعطفه بالرفع لفضل الصبر وشرفه. يقول الحق جل جلاله: في الرد على أهل الكتاب: { ليس البر } محصورا في شأن القبلة، { ولكن البر } الذي ينبغي أن يعتنى بشأنه هو الإيمان بالله، وما يجب له من الكمالات، وباليوم الآخرة وما بعده، وبالملائكة وما يجب أن يعتقد في شأنهم، والكتاب المنزل من السماء كالقرآن وغيره، { والنبيين } وما يجب لهم وما يستحيل في حقهم. فالبر هو بر من اعتقد في قلبه هذه الأشياء، وأظهر على جوارحه ما يصدق صحة اعتقادها، وذلك كالاتصاف بالسخاء والكرم، فأعطى المال على محبته له، أي: مع حبه، فقد سئل - عليه الصلاة والسلام -: " أي الصدقة أفضل؟ فقال: أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر " و { آتى المال } على حب الله، لا جزاء ولا شكورا، فأعطى ذلك المال ذوي قرابته المحاويج، وقدمهم لقوله - عليه الصلاة والسلام -: " صدقتك على المساكين صدقة، وعلى ذوي القربى اثنتان صدقة وصلة " وأعطى { اليتامى } لإهمالهم، وأعطى { المساكين } الذين أسكنهم الفقر في بيوتهم، { وابن السبيل } وهو المسافر الغريب، كأن الطريق ولدته، أو الضيف { والسائلين } ألجأتهم الحاجة إلى السؤال. وفي الحديث: " أعط السائل ولو على فرسه " وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: " هدية الله إلى المؤمن السائل على بابه " وأعطى في فك { الرقاب } من الرق أو الأسر. { وأقام الصلاة } المفروضة، { وآتى الزكاة } المعلومة. ومن أهل البر أيضا: { الموفون بعهدهم } فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين الناس { إذا عاهدوا } الله أو عبادة، فإذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا أو نذروا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدوا، وأخص من أهل البر { الصابرين في البأساء } كالفقر والذل وإذاية الخلق، و { الضراء } كالمرض والزمانة، أو { البأساء }: الأهوال، و { الضراء } في الأنفس، والصابرين { حين البأس } أي: الحرب والجهاد، { أولئك الذين صدقوا } في طلب الحق، { وأولئك هم المتقون } لكل ما يقطع عن الحق، أو يشغل عنه. فقد اشتملت هذه الآية على كمالات الإنسان بأسرها لاشتمالها على ما يزين البواطن من الاعتقادات وما يزين الظواهر من المعاملات، وما يزكي النفوس من الرذائل ويحليها بالمحاسن والكمالات. ولذلك وصف المتصف بها بالصدق والتقى، اللذين هما أساس الطريقة ومبنى أسرار التحقيق، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. الإشارة: ليس المطلوب من العبد أن يتوجه إلى الحق بجهة مخصوصة، كما إذا توجه إليه بالظاهر وأهمل الباطن، أو توجه بالباطن وأهمل الظاهر، ولكن المطلوب منه أن يزين باطنه بأنوار الإيمان واليقين، ويزين ظاهره بسائر وظائف الدين، ويزكي نفسه من الرذائل كالشح والبخل والغش والخيانة والكذب والخوف والجزع، ويحليها بأنواع الفضائل كالسخاء والكرم والوفاء بالعهد والأمانة، والصبر والشجاعة، والعفة والقناعة، وسائر أنواع الفضائل، فإذا تخلى عن الرذائل وتحلى بأضدادها من الفضائل استحق الدخول مع الأبرار، وكان من العارفين الكبار، أولئك الذين ظفروا بصدق الطلب فنالوا الغاية من كل مطلب، وأولئك هم المتقون حق التقاة، فنالوه أعلى الدرجات، منحنا الله من ذلك الحظ الوافر بمنه وكرمه.

البقرة 2:178

قلت: { عفا } لازم يتعدى بالحرف: بعن إلى الجناية، وباللام إلى الجاني، فيقال: عفوت لفلان عن جنايته و { ابتاع } خبر عن مضمر، أي: فالأمر اتباع، و { حياة } مبتدأ و { في القصاص } خبره، و { لكم } خبر ثان، أو صلة له، أو حال من الضمير المستكن فيه. وفيه من البلاغة والفصاحة ما لا يخفى، جعل الشيء مجيء ضده، وعرف القصاص ونكر الحياة ليدل على التعظيم والتعميم، أي: ولكم نوع من الحياة عظيم، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل، فيكون سبب حياة نفسين، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل، والجماعة بالواحد، فتثور الفتنة بينهم، فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون، ويصير ذلك سببا لحياتهم. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: يا أيها المؤمنون { كتب عليكم القصاص في } شأن { القتلى } في العمد، فاستسلموا للقصاص، فالحر يقتل { بالحر } ، ولا يقتل بالعبد. بل يغرم قيمته لسيده، ودليله قوله - عليه الصلاة والسلام-: " لا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد " والعبد يقتل بالعبد، إن أراد سيد المقتول قتله، فإن استحياه خير سيده بين إسلامه وفدائه بقيمة العبد. وكذلك إن قتل الحر خير أولياؤه بين قتله أو استرقاقه، فإن استحيوه خير سيده بين إسلامه وفدائه بدية الحر العمد، والأنثى تقتل بالأنثى والذكر، والذكر يقتل بالأنثى. وتخصيص الآية بالمساوي، قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية: أنه يراد بها الجنس - أي: جنس الحر - والذكر والأنثى فيه سواء. وأعيد ذكر الأنثى تأكيدا وتهمما بإذهاب أمر الجاهلية. ه. يعني أن أل في الحر: للجنس، تشمل الذكر والأنثى. وأعاد ذكر الأنثى اهتماما برد ما كان يفعله الجاهلية من عدم القود فيها. ثم قال الحق جل جلاله: { فمن عفي له من } دم أخيه { شيء } ولو قل، فقد سقط القتل، فالواجب اتباع للقاتل بالدية { بالمعروف } من غير تعنيف ولا تعنيت، و { أداء } من القاتل { بإحسان } من غير مطل ولا بخس. { ذلك } - الذي شرعت لكم من أمر العفو والدية - { تخفيف من ربكم ورحمة } بكم، وقد كتب على اليهود القصاص وحده، وعلى النصارى مطلقا. وخيركم أيها الأمة المحمدية بين أخذ الدية والقصاص. { فمن اعتدى } بعد أخذ الدية وقتل { فله عذاب أليم } في الدنيا والآخرة، في الدنيا: بأن يقتل لا محالة لقوله - عليه الصلاة والسلام -: " لا أعافي أحدا قتل بعد أخذ الدية ". { ولكم } يا معشر المسلمين { في } تشريع { القصاص حياة } عظيمة في الدنيا، لانزجار القاتل إذا علم أنه يقتص منه، وقد كانوا يقتلون الجماعة في الواحد، فسلموا من القتل بشروع القصاص، أو في الآخرة، فإن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤخذ به في الآخرة، فاعتبروا { يا أولي الألباب } أي: العقول الكاملة، ما في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، { لعلكم تتقون } الله في المحافظة على القصاص، والحكم به والإذعان له، أو تكفون عن القتل خوفا من الله. الإشارة: كما جعل الله القصاص في الجناية الحسية، جعل القصاص في الجناية المعنوية، وهي الجناية على النفس بسوء الأدب مع الله، فكل من صدر منه هفوة أو زلة، اقتص الحق تعالى منه في دار الدنيا، إن كانت له من الله عناية، الكبيرة بالكبيرة والصغيرة بالصغيرة: وتأمل قضية الرجل الذي كان يطوف بالكعبة، فنظر إلى امرأة، فلطمته كف من الهوى، وذهبت عينه، فقال: آه، فقيل له: لطمة بنظرة، وإن زدت زدنا. ه. وقضية أبي تراب النخشبي: قال رضي الله عنه: ما تمنت نفسي شهوة من الشهوات إلا مرة واحدة، تمنيت خبزا وبيضا وأنا في سفر، فعدلت إلى قرية، فقام واحد، وتعلق بي، وقال: هذا رأيته مع اللصوص، فضربوني سبعين درة، ثم عرفني رجل منهم، وحملني إلى منزله، وقدم لي خبزا وبيضا، فقلت في نفسي: كل بعد سبعين درة.

البقرة 2:179

قلت: { عفا } لازم يتعدى بالحرف: بعن إلى الجناية، وباللام إلى الجاني، فيقال: عفوت لفلان عن جنايته و { ابتاع } خبر عن مضمر، أي: فالأمر اتباع، و { حياة } مبتدأ و { في القصاص } خبره، و { لكم } خبر ثان، أو صلة له، أو حال من الضمير المستكن فيه. وفيه من البلاغة والفصاحة ما لا يخفى، جعل الشيء مجيء ضده، وعرف القصاص ونكر الحياة ليدل على التعظيم والتعميم، أي: ولكم نوع من الحياة عظيم، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل، فيكون سبب حياة نفسين، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل، والجماعة بالواحد، فتثور الفتنة بينهم، فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون، ويصير ذلك سببا لحياتهم. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: يا أيها المؤمنون { كتب عليكم القصاص في } شأن { القتلى } في العمد، فاستسلموا للقصاص، فالحر يقتل { بالحر } ، ولا يقتل بالعبد. بل يغرم قيمته لسيده، ودليله قوله - عليه الصلاة والسلام-: " لا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد " والعبد يقتل بالعبد، إن أراد سيد المقتول قتله، فإن استحياه خير سيده بين إسلامه وفدائه بقيمة العبد. وكذلك إن قتل الحر خير أولياؤه بين قتله أو استرقاقه، فإن استحيوه خير سيده بين إسلامه وفدائه بدية الحر العمد، والأنثى تقتل بالأنثى والذكر، والذكر يقتل بالأنثى. وتخصيص الآية بالمساوي، قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية: أنه يراد بها الجنس - أي: جنس الحر - والذكر والأنثى فيه سواء. وأعيد ذكر الأنثى تأكيدا وتهمما بإذهاب أمر الجاهلية. ه. يعني أن أل في الحر: للجنس، تشمل الذكر والأنثى. وأعاد ذكر الأنثى اهتماما برد ما كان يفعله الجاهلية من عدم القود فيها. ثم قال الحق جل جلاله: { فمن عفي له من } دم أخيه { شيء } ولو قل، فقد سقط القتل، فالواجب اتباع للقاتل بالدية { بالمعروف } من غير تعنيف ولا تعنيت، و { أداء } من القاتل { بإحسان } من غير مطل ولا بخس. { ذلك } - الذي شرعت لكم من أمر العفو والدية - { تخفيف من ربكم ورحمة } بكم، وقد كتب على اليهود القصاص وحده، وعلى النصارى مطلقا. وخيركم أيها الأمة المحمدية بين أخذ الدية والقصاص. { فمن اعتدى } بعد أخذ الدية وقتل { فله عذاب أليم } في الدنيا والآخرة، في الدنيا: بأن يقتل لا محالة لقوله - عليه الصلاة والسلام -: " لا أعافي أحدا قتل بعد أخذ الدية ". { ولكم } يا معشر المسلمين { في } تشريع { القصاص حياة } عظيمة في الدنيا، لانزجار القاتل إذا علم أنه يقتص منه، وقد كانوا يقتلون الجماعة في الواحد، فسلموا من القتل بشروع القصاص، أو في الآخرة، فإن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤخذ به في الآخرة، فاعتبروا { يا أولي الألباب } أي: العقول الكاملة، ما في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس، { لعلكم تتقون } الله في المحافظة على القصاص، والحكم به والإذعان له، أو تكفون عن القتل خوفا من الله. الإشارة: كما جعل الله القصاص في الجناية الحسية، جعل القصاص في الجناية المعنوية، وهي الجناية على النفس بسوء الأدب مع الله، فكل من صدر منه هفوة أو زلة، اقتص الحق تعالى منه في دار الدنيا، إن كانت له من الله عناية، الكبيرة بالكبيرة والصغيرة بالصغيرة: وتأمل قضية الرجل الذي كان يطوف بالكعبة، فنظر إلى امرأة، فلطمته كف من الهوى، وذهبت عينه، فقال: آه، فقيل له: لطمة بنظرة، وإن زدت زدنا. ه. وقضية أبي تراب النخشبي: قال رضي الله عنه: ما تمنت نفسي شهوة من الشهوات إلا مرة واحدة، تمنيت خبزا وبيضا وأنا في سفر، فعدلت إلى قرية، فقام واحد، وتعلق بي، وقال: هذا رأيته مع اللصوص، فضربوني سبعين درة، ثم عرفني رجل منهم، وحملني إلى منزله، وقدم لي خبزا وبيضا، فقلت في نفسي: كل بعد سبعين درة.

البقرة 2:180

قلت: { إذا حضر } ظرف، العامل فيه: { كتب } ، أي: توجه إيجاب الوصية عليكم إذا حضر الموت. أو مصدر محذوف يفهم من الوصية، أي: كتب عليكم الإيصاء إذا حضر الموت، و { الوصية } نائب فاعل { كتب } ، ولا يصح أن تعمل في { إذا } لتقدمه عليها لأن المصدر لا يعمل في ما قبله، إلا على مذهب الأخفش. اللهم إلا أن يتوسع في الظروف، وجواب الشرطين محذوف، أي: إذا حضر الموت، إن ترك خيرا، فقد كتبت عليه الوصية. والجنف: الميل عن الصواب، فإن كان خطأ فهو جنف بلا إثم، وإن كان عمدا فهو جنف إثم. يقول الحق جل جلاله: كتب الله { عليكم } أن توصوا للوالدين والأقربين { إذا حضر أحدكم الموت إن ترك } المستحضر { خيرا } أي: مالا: قال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: ألف درهم فصاعدا، فلا وصية في أقل. وقال النخعي: خمسمائة درهم لا أقل. وقال الزهري: تجب فيما قل وكثر، وعن عائشة - رضي الله عنها -: أن رجلا أراد أن يوصي، فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف. فقالت: كم عيالك؟ فقال: أربعة، فقالت: لا، إنما قال الله تعالى { إن ترك خيرا } وإن هذا لشيء يسير، فاتركه لعيالك. وتكون تلك الوصية { بالمعروف } ، أي: بالعدل، فلا يفضل الذكور، ولا يتجاوز الثلث. فقد حق الله ذلك { حقا } واجبا { على المتقين } ، فمن غيره من الأوصياء أو الشهود { بعدما سمعه } وعلمه، { فإنما إثمه على الذين يبدلونه } من الأوصياء أو الشهود، لأنه هو الذي خالف الشرع وغير دون الميت، { إن الله سميع عليم } فلا يخفى عليه من بدل أو غير، فهو حسيبه ومعاقبه، { فمن خاف } أي: علم { من موص جنفا } أي: ميلا بالخطأ في الوصية، { أو إثما } تعمدا للجنف، { فأصلح } بين الموصى لهم وبين الورثة، بأن أجراهم على منهاج الشرع، أو نقص للموصى لهم، أو زاد لمصلحة رآها { فلا إثم عليه } لأنه تبديل لمصلحة. والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى، { إن الله غفور رحيم } فيغفر للمبدل لمصلحة ويرحمه. وهذه الآية منسوخة في وصية الوالدين: محكمة في الأقربين غير الوارثين، بقوله - عليه الصلاة والسلام - في الحيدث المشهور: " إن الله أعطى كل ذي حق حقه. فلا وصية لوارث " فإذا كان الوالدان غير وارثين كالكافرين أو العبدين فهي محكمة، والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن المريد إذا منع نفسه من الشهوات، وحفظ قلبه من الخطرات، وصان سره من الغفلات - وأعظم الشهوات حب الرئاسة والجاه، فإذا قتل نفسه ونزل بها إلى السفليات حتى حضرها الموت، وانقطع عنها الخواطر والخيالات - فإنها تفيض بالعلوم والواردات، فالواجب من طريق الجزم أن يفيد تلك العلوم، أو يوصي من يقيدها لينتفع بها الوالدن وهما الأشياخ، والأقربن وهم الإخوان. فإن الحكمة ترد في حال التجلي كالجبل، فإن لم يقيدها وأهملها، رجعت كالجمل، فإن أهملها رجعت كالكبش، فإن أهملها رجعت كالطير، ثم ترجع كالبيضة ثم تذهب. هكذا كان يقول شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه، وكان شيخه سيدي العربي بن عبد الله يقول له: إن ورد عليكم وارد فقيده وأعطني منه نسخة. وهكذا كان أشياخنا يأمروننا بتقييد الواردات، فمن قيد واردا أو سمعه من غيره، فلا يغيره بمجرد رأيه وهواه. فإن تحقق منه نقصا أو ميلا عن منهاج الطريقة والحقيقة، فأصلحه، فلا إثم عليه، { إن الله غفور رحيم } ولما ذكر في الآية المتقدمة قاعدتين من قواعد الإسلام في قوله: { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } ، بعد أن ذكر قواعد الإيمان، ذكر القاعدة الثالثة، وهي الصيام

البقرة 2:181

قلت: { إذا حضر } ظرف، العامل فيه: { كتب } ، أي: توجه إيجاب الوصية عليكم إذا حضر الموت. أو مصدر محذوف يفهم من الوصية، أي: كتب عليكم الإيصاء إذا حضر الموت، و { الوصية } نائب فاعل { كتب } ، ولا يصح أن تعمل في { إذا } لتقدمه عليها لأن المصدر لا يعمل في ما قبله، إلا على مذهب الأخفش. اللهم إلا أن يتوسع في الظروف، وجواب الشرطين محذوف، أي: إذا حضر الموت، إن ترك خيرا، فقد كتبت عليه الوصية. والجنف: الميل عن الصواب، فإن كان خطأ فهو جنف بلا إثم، وإن كان عمدا فهو جنف إثم. يقول الحق جل جلاله: كتب الله { عليكم } أن توصوا للوالدين والأقربين { إذا حضر أحدكم الموت إن ترك } المستحضر { خيرا } أي: مالا: قال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: ألف درهم فصاعدا، فلا وصية في أقل. وقال النخعي: خمسمائة درهم لا أقل. وقال الزهري: تجب فيما قل وكثر، وعن عائشة - رضي الله عنها -: أن رجلا أراد أن يوصي، فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف. فقالت: كم عيالك؟ فقال: أربعة، فقالت: لا، إنما قال الله تعالى { إن ترك خيرا } وإن هذا لشيء يسير، فاتركه لعيالك. وتكون تلك الوصية { بالمعروف } ، أي: بالعدل، فلا يفضل الذكور، ولا يتجاوز الثلث. فقد حق الله ذلك { حقا } واجبا { على المتقين } ، فمن غيره من الأوصياء أو الشهود { بعدما سمعه } وعلمه، { فإنما إثمه على الذين يبدلونه } من الأوصياء أو الشهود، لأنه هو الذي خالف الشرع وغير دون الميت، { إن الله سميع عليم } فلا يخفى عليه من بدل أو غير، فهو حسيبه ومعاقبه، { فمن خاف } أي: علم { من موص جنفا } أي: ميلا بالخطأ في الوصية، { أو إثما } تعمدا للجنف، { فأصلح } بين الموصى لهم وبين الورثة، بأن أجراهم على منهاج الشرع، أو نقص للموصى لهم، أو زاد لمصلحة رآها { فلا إثم عليه } لأنه تبديل لمصلحة. والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى، { إن الله غفور رحيم } فيغفر للمبدل لمصلحة ويرحمه. وهذه الآية منسوخة في وصية الوالدين: محكمة في الأقربين غير الوارثين، بقوله - عليه الصلاة والسلام - في الحيدث المشهور: " إن الله أعطى كل ذي حق حقه. فلا وصية لوارث " فإذا كان الوالدان غير وارثين كالكافرين أو العبدين فهي محكمة، والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن المريد إذا منع نفسه من الشهوات، وحفظ قلبه من الخطرات، وصان سره من الغفلات - وأعظم الشهوات حب الرئاسة والجاه، فإذا قتل نفسه ونزل بها إلى السفليات حتى حضرها الموت، وانقطع عنها الخواطر والخيالات - فإنها تفيض بالعلوم والواردات، فالواجب من طريق الجزم أن يفيد تلك العلوم، أو يوصي من يقيدها لينتفع بها الوالدن وهما الأشياخ، والأقربن وهم الإخوان. فإن الحكمة ترد في حال التجلي كالجبل، فإن لم يقيدها وأهملها، رجعت كالجمل، فإن أهملها رجعت كالكبش، فإن أهملها رجعت كالطير، ثم ترجع كالبيضة ثم تذهب. هكذا كان يقول شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه، وكان شيخه سيدي العربي بن عبد الله يقول له: إن ورد عليكم وارد فقيده وأعطني منه نسخة. وهكذا كان أشياخنا يأمروننا بتقييد الواردات، فمن قيد واردا أو سمعه من غيره، فلا يغيره بمجرد رأيه وهواه. فإن تحقق منه نقصا أو ميلا عن منهاج الطريقة والحقيقة، فأصلحه، فلا إثم عليه، { إن الله غفور رحيم } ولما ذكر في الآية المتقدمة قاعدتين من قواعد الإسلام في قوله: { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } ، بعد أن ذكر قواعد الإيمان، ذكر القاعدة الثالثة، وهي الصيام

البقرة 2:182

قلت: { إذا حضر } ظرف، العامل فيه: { كتب } ، أي: توجه إيجاب الوصية عليكم إذا حضر الموت. أو مصدر محذوف يفهم من الوصية، أي: كتب عليكم الإيصاء إذا حضر الموت، و { الوصية } نائب فاعل { كتب } ، ولا يصح أن تعمل في { إذا } لتقدمه عليها لأن المصدر لا يعمل في ما قبله، إلا على مذهب الأخفش. اللهم إلا أن يتوسع في الظروف، وجواب الشرطين محذوف، أي: إذا حضر الموت، إن ترك خيرا، فقد كتبت عليه الوصية. والجنف: الميل عن الصواب، فإن كان خطأ فهو جنف بلا إثم، وإن كان عمدا فهو جنف إثم. يقول الحق جل جلاله: كتب الله { عليكم } أن توصوا للوالدين والأقربين { إذا حضر أحدكم الموت إن ترك } المستحضر { خيرا } أي: مالا: قال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: ألف درهم فصاعدا، فلا وصية في أقل. وقال النخعي: خمسمائة درهم لا أقل. وقال الزهري: تجب فيما قل وكثر، وعن عائشة - رضي الله عنها -: أن رجلا أراد أن يوصي، فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف. فقالت: كم عيالك؟ فقال: أربعة، فقالت: لا، إنما قال الله تعالى { إن ترك خيرا } وإن هذا لشيء يسير، فاتركه لعيالك. وتكون تلك الوصية { بالمعروف } ، أي: بالعدل، فلا يفضل الذكور، ولا يتجاوز الثلث. فقد حق الله ذلك { حقا } واجبا { على المتقين } ، فمن غيره من الأوصياء أو الشهود { بعدما سمعه } وعلمه، { فإنما إثمه على الذين يبدلونه } من الأوصياء أو الشهود، لأنه هو الذي خالف الشرع وغير دون الميت، { إن الله سميع عليم } فلا يخفى عليه من بدل أو غير، فهو حسيبه ومعاقبه، { فمن خاف } أي: علم { من موص جنفا } أي: ميلا بالخطأ في الوصية، { أو إثما } تعمدا للجنف، { فأصلح } بين الموصى لهم وبين الورثة، بأن أجراهم على منهاج الشرع، أو نقص للموصى لهم، أو زاد لمصلحة رآها { فلا إثم عليه } لأنه تبديل لمصلحة. والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى، { إن الله غفور رحيم } فيغفر للمبدل لمصلحة ويرحمه. وهذه الآية منسوخة في وصية الوالدين: محكمة في الأقربين غير الوارثين، بقوله - عليه الصلاة والسلام - في الحيدث المشهور: " إن الله أعطى كل ذي حق حقه. فلا وصية لوارث " فإذا كان الوالدان غير وارثين كالكافرين أو العبدين فهي محكمة، والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن المريد إذا منع نفسه من الشهوات، وحفظ قلبه من الخطرات، وصان سره من الغفلات - وأعظم الشهوات حب الرئاسة والجاه، فإذا قتل نفسه ونزل بها إلى السفليات حتى حضرها الموت، وانقطع عنها الخواطر والخيالات - فإنها تفيض بالعلوم والواردات، فالواجب من طريق الجزم أن يفيد تلك العلوم، أو يوصي من يقيدها لينتفع بها الوالدن وهما الأشياخ، والأقربن وهم الإخوان. فإن الحكمة ترد في حال التجلي كالجبل، فإن لم يقيدها وأهملها، رجعت كالجمل، فإن أهملها رجعت كالكبش، فإن أهملها رجعت كالطير، ثم ترجع كالبيضة ثم تذهب. هكذا كان يقول شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه، وكان شيخه سيدي العربي بن عبد الله يقول له: إن ورد عليكم وارد فقيده وأعطني منه نسخة. وهكذا كان أشياخنا يأمروننا بتقييد الواردات، فمن قيد واردا أو سمعه من غيره، فلا يغيره بمجرد رأيه وهواه. فإن تحقق منه نقصا أو ميلا عن منهاج الطريقة والحقيقة، فأصلحه، فلا إثم عليه، { إن الله غفور رحيم } ولما ذكر في الآية المتقدمة قاعدتين من قواعد الإسلام في قوله: { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } ، بعد أن ذكر قواعد الإيمان، ذكر القاعدة الثالثة، وهي الصيام

البقرة 2:183

قلت: { أياما } منصوب على الظرفية، واختلف في العامل فيه، والأحسن أنه الصيام، ولا يضره الفصل لأن الظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، و { معدودات } نعت له، و { عدة } مبتدأ أي: فعليه عدة. و { أخر } ممنوع من الصرف للعدل عن الألف واللام والوصف. و { شهر رمضان } إما خبر عن مضمر، أو مبتدأ، والخبر: الألف واللام والوصف: و { شهر رمضان } إما خبر عن مضمر، أو مبتدأ، والخبر: { فمن شهد } ، أو بدل من { الصيام } ، على حذف مضاف، أي: صيام شهر رمضان. و { رمضان } مصدر رمض إذا احترق، وأضيف إليه الشهر، وجعل علما، ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون. وسموه بذلك إما لارتماض القلب فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض القلب فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو وافق الحر حين نقلوا الشهور عن اللغة القديمة. و { الشهر } ظرف، لقوله: { شهد } أي: حضر، وقوله: { ولتكلموا... } الآية، هذه ثلاث علل لثلاثة أحكام على سبيل الف والنشر المعكوس، أي: ولتكملوا العدة أمرتكم بقضاء عدة أيام أخر، ولتكبروا الله عند تمام الشهر أمرتكم بصيام الشهر كله، ولعلكم تشكرون أردت بكم اليسر دون العسر. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } فرض عليكم { الصيام } كما فرض { على الذين من قبلكم } من الأنبياء وأممهم من لدن آدم، فلكم فيهم أسوة، فلا يشق عليكم { لعلكم تتقون } المعاصي، فإن الصوم يكسر الشهوة. ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام-: " من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء ". وذلك الصيام إنما هو في أيام قلائل { معدودات } فلا يهولكم أمره، { فمن كان منكم مريضا } يشق عليه الصيام، { أو على سفر } فأفطر فعليه صيام عدة ما أفطر { من أيام أخر } بعد تمام الشهر، { وعلى الذين يطيقونه } بلا مشقة، إن أرادوا أن يفطروا { فدية } وهي: { طعام مساكين }: مد لكل يوم. وفي قراءة { فدية طعام مسكين } أي: وهي طعام مسكين لكل يوم. وقيل: نصف صاع. { فمن تطوع } بزيادة المد، أو أطعم مسكينين عن يوم، { فهو خير له } وأعظم أجرا، { وإن تصوموا } أيها المطيقون للصيام، { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما في الصيام من الأسرار، والخير المدرار، ثم نسخ بقوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه }. وذلك الصيام الذي أمرتم به هو { شهر رمضان } المبارك { الذي أنزل فيه القرآن } أي: ابتداء نزوله فيه. أو إلى سماء الدنيا، حالة كونه { هدى للناس } أي: هاديا لهم إلى طريق الوصول، وآيات واضحات { من الهدى والفرقان } الذي يفرق بين الحق والباطل. وإن شئت قلت: فيه هدى للناس إلى مقام الإسلام، { وبينات } ، أي: حججا واضحة تهدي إلى تحقق الإيمان، وإلى تحقق الفرق بين الحق والباطل، وهو ما سوى الله، فيتحقق مقام الإحسان. { فمن } حضر منكم في { الشهر } ولم يكن مسافرا { فليصمه } وجوبا، وكان في أول الإسلام على سبيل التخيير لأنه شق عليهم حيث لم يألفوه، فلما ألفوه واستمروا معه، حتمه عليهم في الحضور والصحة. { ومن كان مريضا } يشق عليه الصيام، { أو على } جناح { سفر } بحيث شرع فيه قبل الفجر فأفطر فيه، فعليه { عدة من أيام أخر } { يريد الله بكم اليسر } والتخفيف، حيث خفف عنكم، وأباح الفطر في المرض والسفر، { ولا يريد بكم العسر } إذ لم يجعل عليكم في الدين من حرج، وإنما أمركم بالقضاء { لتكلموا العدة } التي أمركم بها، وهي تمام الشهر، { ولتكبروا الله على ما هداكم } ، أمركم بصيامه فتكبروا عند تمامه. ووقت التكبير عند مالك: من حين يخرج إلى المصلى، بعد الطلوع، إلى مجيء الإمام إلى الصلاة، ولفظه المختار: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد على ما هدانا، اللهم اجعلنا من الشاكرين لجمعه بين التهليل والتكبير والشكر امتثالا لقوله: { ولعلكم تشكرون } على ما أوليناكم من سابغ الإنعام، وسهلنا عليكم في شأن الصيام. الإشارة: كتب عليكم الصيام عن الحظوظ والشهوات، كما كتب على من سلك الطريق قبلكم من العارفين الثقات، في أيام المجاهدة والرياضات، حتى تنزلوا بساحة حضرة المشاهدات، لعلكم تتقون شهود الكائنات، ويكشف لكم عن أسرار الذات، فمن كان فيما سلف من أيام عمره مريضا بحب الهوى، أو على سفر في طلب الدنيا، فليبادر إلى تلافي ما ضاع في أيام أخر، وعلى الأقوياء الذين يطيقون هذا الصيام، إطعام الضعفاء من قوت اليقين ومعرفة رب العالمين. فمن تطوع خيرا بإرشاد العباد إلى ما يقوي يقينهم، ويرفع فهو خير له. وأن تدوموا أيها الأقوياء على صومكم عن شهود السوى، وعن مخالطة الحس بعد التمكين، فهو خير لكم وأسلم، إن كنتم تعلمون ما في مخالطة الحس من تفريق القلب وتوهين الهمم، إذ في وقت هذا الصيام يتحقق وحي الفهم والإلهام، وتترادف الأنوار وسواطع العرفان. فمن شهد هذا فليدم على صيامه، ومن لم يقدر عليه فليبك على نفسه في تضييع أيامه. واعلم أن الصيام على ثلاث درجات: صوم العوام، وصوم الخواص، وصوم خواص الخواص. أما صوم العوام: فهو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، وما يقوم مقامهما من الفجر إلى الغروب، مع إرسال الجوارح في الزلات، وإهمال القلب في الغفلات. وصاحب هذا الصوم ليس له من صومه إلا الجوع، لقوله صلى الله عليه وسلم: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " وأما صوم الخواص: فهو إمساك الجوارح كلها عن الفضول، وهو كل ما يشغل العبد عن الوصول، وحاصله: حفظ الجوارح الظاهرة والباطنة عن الاشتغال بما لا يعني. وأما صوم خواص الخواص: فهو حفظ القلب عن الالتفات لغير الرب، وحفظ السر عن الوقوف مع الغير، وحاصله: الإمساك عن شهود السوى، وعكوف القلب في حضرة المولى، وصاحب هذا صائم أبدا سرمدا. فأهل الحضرة على الدوام صائمون، وفي صلاتهم دائمون، نفعنا الله بهم وحشرنا معهم. آمين.

البقرة 2:184

قلت: { أياما } منصوب على الظرفية، واختلف في العامل فيه، والأحسن أنه الصيام، ولا يضره الفصل لأن الظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، و { معدودات } نعت له، و { عدة } مبتدأ أي: فعليه عدة. و { أخر } ممنوع من الصرف للعدل عن الألف واللام والوصف. و { شهر رمضان } إما خبر عن مضمر، أو مبتدأ، والخبر: الألف واللام والوصف: و { شهر رمضان } إما خبر عن مضمر، أو مبتدأ، والخبر: { فمن شهد } ، أو بدل من { الصيام } ، على حذف مضاف، أي: صيام شهر رمضان. و { رمضان } مصدر رمض إذا احترق، وأضيف إليه الشهر، وجعل علما، ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون. وسموه بذلك إما لارتماض القلب فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض القلب فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو وافق الحر حين نقلوا الشهور عن اللغة القديمة. و { الشهر } ظرف، لقوله: { شهد } أي: حضر، وقوله: { ولتكلموا... } الآية، هذه ثلاث علل لثلاثة أحكام على سبيل الف والنشر المعكوس، أي: ولتكملوا العدة أمرتكم بقضاء عدة أيام أخر، ولتكبروا الله عند تمام الشهر أمرتكم بصيام الشهر كله، ولعلكم تشكرون أردت بكم اليسر دون العسر. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } فرض عليكم { الصيام } كما فرض { على الذين من قبلكم } من الأنبياء وأممهم من لدن آدم، فلكم فيهم أسوة، فلا يشق عليكم { لعلكم تتقون } المعاصي، فإن الصوم يكسر الشهوة. ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام-: " من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء ". وذلك الصيام إنما هو في أيام قلائل { معدودات } فلا يهولكم أمره، { فمن كان منكم مريضا } يشق عليه الصيام، { أو على سفر } فأفطر فعليه صيام عدة ما أفطر { من أيام أخر } بعد تمام الشهر، { وعلى الذين يطيقونه } بلا مشقة، إن أرادوا أن يفطروا { فدية } وهي: { طعام مساكين }: مد لكل يوم. وفي قراءة { فدية طعام مسكين } أي: وهي طعام مسكين لكل يوم. وقيل: نصف صاع. { فمن تطوع } بزيادة المد، أو أطعم مسكينين عن يوم، { فهو خير له } وأعظم أجرا، { وإن تصوموا } أيها المطيقون للصيام، { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما في الصيام من الأسرار، والخير المدرار، ثم نسخ بقوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه }. وذلك الصيام الذي أمرتم به هو { شهر رمضان } المبارك { الذي أنزل فيه القرآن } أي: ابتداء نزوله فيه. أو إلى سماء الدنيا، حالة كونه { هدى للناس } أي: هاديا لهم إلى طريق الوصول، وآيات واضحات { من الهدى والفرقان } الذي يفرق بين الحق والباطل. وإن شئت قلت: فيه هدى للناس إلى مقام الإسلام، { وبينات } ، أي: حججا واضحة تهدي إلى تحقق الإيمان، وإلى تحقق الفرق بين الحق والباطل، وهو ما سوى الله، فيتحقق مقام الإحسان. { فمن } حضر منكم في { الشهر } ولم يكن مسافرا { فليصمه } وجوبا، وكان في أول الإسلام على سبيل التخيير لأنه شق عليهم حيث لم يألفوه، فلما ألفوه واستمروا معه، حتمه عليهم في الحضور والصحة. { ومن كان مريضا } يشق عليه الصيام، { أو على } جناح { سفر } بحيث شرع فيه قبل الفجر فأفطر فيه، فعليه { عدة من أيام أخر } { يريد الله بكم اليسر } والتخفيف، حيث خفف عنكم، وأباح الفطر في المرض والسفر، { ولا يريد بكم العسر } إذ لم يجعل عليكم في الدين من حرج، وإنما أمركم بالقضاء { لتكلموا العدة } التي أمركم بها، وهي تمام الشهر، { ولتكبروا الله على ما هداكم } ، أمركم بصيامه فتكبروا عند تمامه. ووقت التكبير عند مالك: من حين يخرج إلى المصلى، بعد الطلوع، إلى مجيء الإمام إلى الصلاة، ولفظه المختار: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد على ما هدانا، اللهم اجعلنا من الشاكرين لجمعه بين التهليل والتكبير والشكر امتثالا لقوله: { ولعلكم تشكرون } على ما أوليناكم من سابغ الإنعام، وسهلنا عليكم في شأن الصيام. الإشارة: كتب عليكم الصيام عن الحظوظ والشهوات، كما كتب على من سلك الطريق قبلكم من العارفين الثقات، في أيام المجاهدة والرياضات، حتى تنزلوا بساحة حضرة المشاهدات، لعلكم تتقون شهود الكائنات، ويكشف لكم عن أسرار الذات، فمن كان فيما سلف من أيام عمره مريضا بحب الهوى، أو على سفر في طلب الدنيا، فليبادر إلى تلافي ما ضاع في أيام أخر، وعلى الأقوياء الذين يطيقون هذا الصيام، إطعام الضعفاء من قوت اليقين ومعرفة رب العالمين. فمن تطوع خيرا بإرشاد العباد إلى ما يقوي يقينهم، ويرفع فهو خير له. وأن تدوموا أيها الأقوياء على صومكم عن شهود السوى، وعن مخالطة الحس بعد التمكين، فهو خير لكم وأسلم، إن كنتم تعلمون ما في مخالطة الحس من تفريق القلب وتوهين الهمم، إذ في وقت هذا الصيام يتحقق وحي الفهم والإلهام، وتترادف الأنوار وسواطع العرفان. فمن شهد هذا فليدم على صيامه، ومن لم يقدر عليه فليبك على نفسه في تضييع أيامه. واعلم أن الصيام على ثلاث درجات: صوم العوام، وصوم الخواص، وصوم خواص الخواص. أما صوم العوام: فهو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، وما يقوم مقامهما من الفجر إلى الغروب، مع إرسال الجوارح في الزلات، وإهمال القلب في الغفلات. وصاحب هذا الصوم ليس له من صومه إلا الجوع، لقوله صلى الله عليه وسلم: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " وأما صوم الخواص: فهو إمساك الجوارح كلها عن الفضول، وهو كل ما يشغل العبد عن الوصول، وحاصله: حفظ الجوارح الظاهرة والباطنة عن الاشتغال بما لا يعني. وأما صوم خواص الخواص: فهو حفظ القلب عن الالتفات لغير الرب، وحفظ السر عن الوقوف مع الغير، وحاصله: الإمساك عن شهود السوى، وعكوف القلب في حضرة المولى، وصاحب هذا صائم أبدا سرمدا. فأهل الحضرة على الدوام صائمون، وفي صلاتهم دائمون، نفعنا الله بهم وحشرنا معهم. آمين.

البقرة 2:185

قلت: { أياما } منصوب على الظرفية، واختلف في العامل فيه، والأحسن أنه الصيام، ولا يضره الفصل لأن الظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، و { معدودات } نعت له، و { عدة } مبتدأ أي: فعليه عدة. و { أخر } ممنوع من الصرف للعدل عن الألف واللام والوصف. و { شهر رمضان } إما خبر عن مضمر، أو مبتدأ، والخبر: الألف واللام والوصف: و { شهر رمضان } إما خبر عن مضمر، أو مبتدأ، والخبر: { فمن شهد } ، أو بدل من { الصيام } ، على حذف مضاف، أي: صيام شهر رمضان. و { رمضان } مصدر رمض إذا احترق، وأضيف إليه الشهر، وجعل علما، ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون. وسموه بذلك إما لارتماض القلب فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض القلب فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو وافق الحر حين نقلوا الشهور عن اللغة القديمة. و { الشهر } ظرف، لقوله: { شهد } أي: حضر، وقوله: { ولتكلموا... } الآية، هذه ثلاث علل لثلاثة أحكام على سبيل الف والنشر المعكوس، أي: ولتكملوا العدة أمرتكم بقضاء عدة أيام أخر، ولتكبروا الله عند تمام الشهر أمرتكم بصيام الشهر كله، ولعلكم تشكرون أردت بكم اليسر دون العسر. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } فرض عليكم { الصيام } كما فرض { على الذين من قبلكم } من الأنبياء وأممهم من لدن آدم، فلكم فيهم أسوة، فلا يشق عليكم { لعلكم تتقون } المعاصي، فإن الصوم يكسر الشهوة. ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام-: " من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء ". وذلك الصيام إنما هو في أيام قلائل { معدودات } فلا يهولكم أمره، { فمن كان منكم مريضا } يشق عليه الصيام، { أو على سفر } فأفطر فعليه صيام عدة ما أفطر { من أيام أخر } بعد تمام الشهر، { وعلى الذين يطيقونه } بلا مشقة، إن أرادوا أن يفطروا { فدية } وهي: { طعام مساكين }: مد لكل يوم. وفي قراءة { فدية طعام مسكين } أي: وهي طعام مسكين لكل يوم. وقيل: نصف صاع. { فمن تطوع } بزيادة المد، أو أطعم مسكينين عن يوم، { فهو خير له } وأعظم أجرا، { وإن تصوموا } أيها المطيقون للصيام، { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما في الصيام من الأسرار، والخير المدرار، ثم نسخ بقوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه }. وذلك الصيام الذي أمرتم به هو { شهر رمضان } المبارك { الذي أنزل فيه القرآن } أي: ابتداء نزوله فيه. أو إلى سماء الدنيا، حالة كونه { هدى للناس } أي: هاديا لهم إلى طريق الوصول، وآيات واضحات { من الهدى والفرقان } الذي يفرق بين الحق والباطل. وإن شئت قلت: فيه هدى للناس إلى مقام الإسلام، { وبينات } ، أي: حججا واضحة تهدي إلى تحقق الإيمان، وإلى تحقق الفرق بين الحق والباطل، وهو ما سوى الله، فيتحقق مقام الإحسان. { فمن } حضر منكم في { الشهر } ولم يكن مسافرا { فليصمه } وجوبا، وكان في أول الإسلام على سبيل التخيير لأنه شق عليهم حيث لم يألفوه، فلما ألفوه واستمروا معه، حتمه عليهم في الحضور والصحة. { ومن كان مريضا } يشق عليه الصيام، { أو على } جناح { سفر } بحيث شرع فيه قبل الفجر فأفطر فيه، فعليه { عدة من أيام أخر } { يريد الله بكم اليسر } والتخفيف، حيث خفف عنكم، وأباح الفطر في المرض والسفر، { ولا يريد بكم العسر } إذ لم يجعل عليكم في الدين من حرج، وإنما أمركم بالقضاء { لتكلموا العدة } التي أمركم بها، وهي تمام الشهر، { ولتكبروا الله على ما هداكم } ، أمركم بصيامه فتكبروا عند تمامه. ووقت التكبير عند مالك: من حين يخرج إلى المصلى، بعد الطلوع، إلى مجيء الإمام إلى الصلاة، ولفظه المختار: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد على ما هدانا، اللهم اجعلنا من الشاكرين لجمعه بين التهليل والتكبير والشكر امتثالا لقوله: { ولعلكم تشكرون } على ما أوليناكم من سابغ الإنعام، وسهلنا عليكم في شأن الصيام. الإشارة: كتب عليكم الصيام عن الحظوظ والشهوات، كما كتب على من سلك الطريق قبلكم من العارفين الثقات، في أيام المجاهدة والرياضات، حتى تنزلوا بساحة حضرة المشاهدات، لعلكم تتقون شهود الكائنات، ويكشف لكم عن أسرار الذات، فمن كان فيما سلف من أيام عمره مريضا بحب الهوى، أو على سفر في طلب الدنيا، فليبادر إلى تلافي ما ضاع في أيام أخر، وعلى الأقوياء الذين يطيقون هذا الصيام، إطعام الضعفاء من قوت اليقين ومعرفة رب العالمين. فمن تطوع خيرا بإرشاد العباد إلى ما يقوي يقينهم، ويرفع فهو خير له. وأن تدوموا أيها الأقوياء على صومكم عن شهود السوى، وعن مخالطة الحس بعد التمكين، فهو خير لكم وأسلم، إن كنتم تعلمون ما في مخالطة الحس من تفريق القلب وتوهين الهمم، إذ في وقت هذا الصيام يتحقق وحي الفهم والإلهام، وتترادف الأنوار وسواطع العرفان. فمن شهد هذا فليدم على صيامه، ومن لم يقدر عليه فليبك على نفسه في تضييع أيامه. واعلم أن الصيام على ثلاث درجات: صوم العوام، وصوم الخواص، وصوم خواص الخواص. أما صوم العوام: فهو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، وما يقوم مقامهما من الفجر إلى الغروب، مع إرسال الجوارح في الزلات، وإهمال القلب في الغفلات. وصاحب هذا الصوم ليس له من صومه إلا الجوع، لقوله صلى الله عليه وسلم: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " وأما صوم الخواص: فهو إمساك الجوارح كلها عن الفضول، وهو كل ما يشغل العبد عن الوصول، وحاصله: حفظ الجوارح الظاهرة والباطنة عن الاشتغال بما لا يعني. وأما صوم خواص الخواص: فهو حفظ القلب عن الالتفات لغير الرب، وحفظ السر عن الوقوف مع الغير، وحاصله: الإمساك عن شهود السوى، وعكوف القلب في حضرة المولى، وصاحب هذا صائم أبدا سرمدا. فأهل الحضرة على الدوام صائمون، وفي صلاتهم دائمون، نفعنا الله بهم وحشرنا معهم. آمين.

البقرة 2:186

يقول الحق جل جلاله: في جواب رجل سأل: هل قريب ربنا فنناجيه، أو بعيد فنناديه؟ فنزل: { وإذا سألك عبادي عني }. فقل لهم: { إني قريب } إليهم من أرواحهم لأشباحهم، ومن وسواس قلوبهم لقلوبهم، علما وقدرة وإحاطة، أجيب دعوة الداعي إذا دعان، سرا أو جهرا، ليلا أو نهارا، على ما يليق بحاله في الوقت الذي نريد، لا في الوقت الذي يريد، { فليستجيبوا لي } إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، أسلك بهم طريق المعرفة، { وليؤمنوا بي } إني قريب منهم فيستحيوا مني، حياء من يرى أني معه حيث كان، { لعلهم يرشدون } إلى سلوك طريقتي ودوام محبتي. قال البيضاوي: اعلم أنه، تعالى، لما أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيدا وحثا عليه. ه. الإشارة: قرب الحق تعالى من عباده هو قرب المعاني من المحسوسات، أو قرب الصفات من الذات، أو الذات من الصفات، فإذا تحقق المحو والاضمحلال، وزال البين، وثبت الوصال، لم يبق قرب ولا بعد ولا بين ولا انفصال. قال الشيخ القطب العارف الكبير سيدي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه لأبي الحسن رضي الله عنه: حدد بصر الإيمان تجد الله في كل شيء وعند كل شيء، ومع كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وقريبا من كل شيء، ومحيطا بكل شيء، بقرب هو وصفه، وبحيطة هي نعته، وعد عن الظرفية والحدود، وعن الأماكن والجهات، وعن الصحبة، والقرب في المسافات، وعن الدور بالمخلوقات، وامحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن، " كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه كان ". وقال بعض العارفين: الحق تعالى منزه عن الأين والجهة والكيف والمادة والصورة. ومع ذلك لا يخلو منه أين ولا مكان، ولا كم ولا كيف، ولا جسم، ولا جوهر ولا عرض، لأنه للطفه سار في كل شيء، ولنوريته ظاهر في كل شيء، ولإطلاقه وإحاطته متكيف بكل كيف، غير متقيد بذلك، فمن لم يعرف هذا ولم يذقه ولم يشهده فهو أعمى البصيرة، محروم من مشاهدة الحق تعالى. ه. وهذه الإشارات لا يفهمها إلا أهل الذوق من أهل المعاني، فاصحب الرجال أهل المعاني تذق أسرارهم، وتفهم إشاراتهم. وإلا فحسبك أن تعتقد كمال التنزيه، وبطلان التشبيه، وتمسك بقوله تعالى: ليس كمثله شىء وهو السميع البصير [الشورى: 11]، وسلم للرجال في كل حال. إن لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار وإذا تحققت أن الحق قريب منك كفاك لسان الحال عن طلب المقال، وبالله التوفيق.

البقرة 2:187

قلت: الرفث: محرك الجماع، والفحش كالرفوث، وكلام النساء في الجماع، قاله في القاموس، وقال الأزهري اللغوي: الرفث: كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وضمنه هنا الإفضاء، فعداه بإلى. يقول الحق جل جلاله: في نسخ ما كان في أول الإسلام من تحريم الجماع في رمضان بعد العشاء أو النوم، ثم إن عمر رضي الله عنه باشر امرأته بعد العشاء، فندم وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذر إليه، فقام رجال فاعترفوا بما صنعوا بعد العشاء فنزل قوله: { أحل لكم ليلة الصيام } قبل الفجر، الإفضاء { إلى نسائكم } بالجماع. وعبر بالرفث تقبيحا لما ارتكبوه. ثم علل التحليل بقوله: { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } ، أي: وإنما أبحت لكم الجماع لقلة صبركم عليهن، حتى تعانقوهن ويعانقنكم، فيشتمل بعضكم على بعض، كاشتمال اللباس على صاحبه، كما قال الشاعر: إذا ما الضجيع ثنى عطفها تثنت فكانت عليه لباسا وهذه الحالة يقل فيها الصبر عن الوقاع، { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } أي تخونونها فتعرضونها للعقاب، وتحرمونها من الثواب، { فتاب عليكم } لما تبتم واعترفتم بما اقترفتم، وعفا عنكم فمحا ذنوبكم، { فالآن باشروهن }. والمباشرة: إلصاق البشرة بالبشرة، كناية عن الجماع، { وابتغوا ما كتب الله لكم } من النسل، فلا تباشروهن لمجرد قضاء الشهوة، بل اطلبوا ما قدر الله لكم، وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد، لأنه هو المقصود من تشريع النكاح، وخلق الشهوة، لا مجرد قضاء الوطر. وفي الحديث: " إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له ". وفي حديث طويل عن عائشة - رضي الله عنهما - في قصة الحولاء - امرأة من الأنصار -، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل، إلا لها من الأجر مثل القائم ليله الصائم نهاره، والغازي في سبيل الله، وما من امرأة يأتيها الطلق، إلا كان لها بكل طلقة عتق نسمة، وبكل رضعة عتق رقبة، فإذا فطمت ولدها ناداها مناد من السماء: قد كفيت العمل فيما مضى، فاستأنفي العمل فيما بقي " قالت عائشة - رضي الله عنها -: قد أعطي النساء خيرا كثيرا، فما لكم يا معشر الرجال؟ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: " ما من رجل مؤمن أخذ بيد امرأته يراودها، إلا كتب الله له حسنة، وإن عانقها فعشر حسنات، وإن ضاجعها فعشرون حسنة، وإن أتاها كان خيرا من الدنيا وما فيها، فإذا قام ليغتسل لم يمر الماء على شعرة من جسده إلا محي عنه سيئة، ويعطى له درجة، وما يعطى بغسله خيرا من الدنيا وما فيها، وإن الله تعالى يباهي الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي قام في ليلة قرة يغتسل من الجنابة، يتيقن بأني ربه، اشهدوا أني غفرت له " ه. من الثعلبي. ثم أباح الحق تعالى الأكل والشرب، ليلة الصيام إلى الفجر، فقال: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } شبه أول ما يبدوا من الفجر المعترض في الأفق، بالخيط الأبيض، وما يمتد معه من غبش الليل، بالخيط الأسود ولم ينزل قوله تعالى: { من الفجر } إلا بعد مدة، فحمله بعض الصحابة على ظاهره، فعمد إلى خيط أبيض وخيط أسود فجعلهما تحت وسادته، فجعل يأكل وينظر إليهما، فلم يتبينا، ومنهم عدي بن حاتم، قال: فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك، وقال: " إنك لعريض القفا، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل " ، والحديث ثابت في البخاري وغيره. واعترضه الزمخشري بأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذلك لا يجوز، لما فيه من التكليف بما لا يطاق. وأجيب بأنه ليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإنما فيه تأخير البيان لوقت الحاجة، وهو جائز. وبيان ذلك أنه لما نزل قوله تعالى: { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون مراد الله منهما، واستمر عملهم على ذلك، فكانت الآية مبينة في حقهم لا مجملة. وأما عدي بن حاتم فكان بدويا مشتغلا بالصيد، ولم يكن فيه حنكة أهل الحاضرة، فحمل الآية على ظاهرها ولذلك قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك لعريض القفا " فنزلت الآية تبين لعدي مراد الله عند الحاجة إلى البيان. مع أن السيوطي ذكر في التوشيح خلاف هذا ونصه: قال بعضهم: كأن عديا لم يسمع هذه اللفظة من الآية لأنها نزلت قبل إسلامه بمدة، وذلك أن إسلامه كان في السنة التاسعة أو العاشرة، بعد نزول الآية بمدة، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة والصيام، فقال: " صل كذا، وصم كذا، فإن غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فأخذ الخيطين... " الحديث. قال له - عليه الصلاة والسلام: " ألم أقل لك من الفجر؟ " فتبين أن قوله في الحديث: " فأنزل الله من الفجر " من تصرف الرواة. ه. مختصرا، فهذا صريح في أن الآية نزلت بتمامها مبينة فلم يكن فيها تأخير، والله تعالى أعلم. ثم بين تعالى غاية الصوم، فقال: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } فمن أفطر مع الشك في الغروب، فعليه الكفارة، بخلاف الشك في الفجر للاستصحاب. ولما كان الاعتكاف من لوازم الصوم ذكر بعض أحكامه بإثره فقال: { ولا تباشروهن } أي: النساء { وأنتم عاكفون في المساجد } ، فالمباشرة للمعتكف حرام، وتفسد الاعتكاف. كانت المباشرة في المسجد أو خارجه، وكان الرجل يكون معتكفا فيخرج فيصيب زوجه ثم يرجع، فنزلت الآية - { تلك حدود الله } قد حدها لكم، { فلا تقربوها } فضلا عن أن تعتدوها، { كذلك } أي: مثل هذا البيان التام، { يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } محارمه. الإشارة: قد تقدم أن صوم الخواص، وخواص الخواص، هو الإمساك عن الفضول، وعن كل ما يقطع عن الوصول. أو الإمساك عن شهود الأغيار، وعن كل ما يوجب الأكدار. فإن عزمت النفس على هذا الصوم وعقدت النية عليه، حل لها أن تباشر أبكار العلوم اللدنية الوهبية، والحقائق العرفانية، وتفضي إلى ثيبات العلوم الرسمية الكسبية. العلوم اللدنية والوهبية شعارها، والعلوم الرسمية دثارها. العلوم اللدنية لباس باطنها، والعلوم الرسمية لباس ظاهرها. قال أبو سليمان الداراني: إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت، ثم عادت إلى صاحبها بطرائف العلوم، من غير أن يؤدي إليها عالم علما. ه. قال الحق تعالى: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } بدنس الهفوات، فمنعكم من مباشرة تلك العلوم الوهبيات، فلما عقدتم التوبة، وعزمتم على تركها، تاب عليكم وعفا عنكم، فالآن باشروها، وابتغوا ما كتب الله لكم، من الوصول إلى معرفته، والعكوف في حضرة قدسه، وكلوا من ثمرات تلك العلوم، واشربوا من خمرة الحي القيوم، حتى يطلع عليكم فجر الكشف والبيان، وتشرق على قلوبكم شمس نهار العرفان، فحينئذ تضمحل تلك العلوم، وتمحي تلك المعالم والرسوم. ولم يبق إلا الاستغراق في مشاهدة الحي القيوم، فلا تباشروها وأنتم عاكفون في تلك المساجد. فمشاهدة وجه الحبيب تغني عن مطالعة المعالم والمشاهد. تلك حدود الله فلا تقربوها، أي: لا تقفوا مع تلك العلوم وحلاوة تلك الرسوم فإنها تمنعكم من مشاهدة الحي القيوم: كذلك يبن الله آياته الموضحة لطريق وصوله للناس، لعلهم يتقون مشاهد ما سواه. والله تعالى أعلم. ولما أراد الحق أن يتكلم على الحج قدم الكلام على الأموال لأنها سبب في وجوبه، والوصول إليه في الغالب.

البقرة 2:188

قلت: أصل الإدلاء: إرسال الدلو في الماء ليتوصل به إلى أخذ الماء من البئر، ثم أطلق في كل ما يتوسل به إلى شيء، يقال: أدلى بماله إلى الحكام، أي: دفعه رشوة، ليتوصل بذلك إلى أخذ أكثر منه، وهو المراد هنا، وفي القاموس: أدلى برحمه: توسل، وبحجته: أحضرها، وإليه بماله: دفعه. ومنه: { وتدلوا بها إلى الحكام }. ه. و { تدلوا } معطوف على { تأكلوا } ، منهي عنهما معا. يقوله الحق جل جلاله: { ولا تأكلوا } يا معشر المسلمين { أموالكم } أي: أموال بعضكم بعضا، { بالباطل } أي: بغير حق شرعي إما بغير حق أصلا كالغضب والسرقة والخيانة والخدع والتطفيف والغش وغير ذلك. أو بحق باطل كما يؤخذ في السحر والكهانة والفأل والقمار والجاه، وهدية المديان، وهدية القرض، والضمان، والرشوة، والربا، وغير ذلك مما نهى الشارع عنه. ولا يدخل في ذلك التمائم والعزائم إذا كان بالقرآن أو السنة وغلب الشفاء، وكذلك لا يدخل أيضا الغبن، إذا كان البائع عالما بالمبيع. أو { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } بأن تنفقوها في الملاهي والزنا والشرب واللواط، وغير ذلك من المحرمات، ولا { تدلوا } أي: تتوسلوا بها، أي: بدفعها { إلى الحكام } رشوة { لتأكلوا فريقا من أموال الناس } بأن يحكم لكم بها القاضي، تأخذونها متلبسين { بالإثم } أي: بالمعصية { وأنتم تعلمون } أنها لغيركم فإن حكم الحاكم لا يحل حراما. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال: " إنما أنا بشر مثلكم، ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فإنما له قطعة من النار ". الإشارة: الباطل كل ما سوى الحق، فكل من كان يأخذ من يد الخلق ولا يشاهد فيهم الحق فإنما يأخذ أموال الناس بالباطل. قال في الحكم: " لا تمدن يديك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك، فإذا كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم ". ويحتاج العامل بهذا إلى عسة كبيرة، وشهود قوي، حتى يفنى عن نظره مشاهدة الخلق في شهود الملك الحق. وكان بعضهم يطلب من هذا وصفه فيعطي للفقير العطاء، ويقول: خذ، لا لك، فلا يسمع من أحد شيئا، حتى أعطى لبعض الفقراء، وقال: خذ، لا لك، فقال: أقبض لا منك. ه. قلت: الوصول إلى الحكام على شأن الدنيا أو للانتصار للنفس حرام في طريق الخصوص، بل يصبر حتى يحكم الله بينه وبين خصمه، وهو خير الحاكمين، فإن اضطر إلى شيء ولم يجد بدا منه فليوكل، وبالله التوفيق.

البقرة 2:189

{ يسئلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج... } قلت: الذي سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة، فقالا: يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط، ثم لا يزال يزيد حتى يستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يرجع كالخيط؟ فقال الحق جل جلاله: { يسألونك عن الأهلة } أي: عن حكمة اختلاف الأهلة بالزياة والنقص { قل } لهم يا محمد: { هي مواقيت للناس } يوقتون بها ديونهم، ويعرفون بها أوقات زرعهم، وعدد نسائهم وصيامهم، وهي أيضا مواقيت للحج، يعرفون بذلك وقت دخوله وخروجه، فيعرفون الأداء من القضاء، فلو كانت على حالة واحدة لم يعرفوا ذلك. أجابهم الحق تعالى بغير ما ينتظرون أشارة إلى أن السؤال عن سر الاختلاف، ليس فيه منفعة شرعية، وإنما ينبغي الاهتمام بما فيه منفعة دينية. قال أهل الهيئة: إن نورة من نور الشمس، وجرمه أطلس، فكلما بعد من مسامته الشمس قابله نورها، فإذا قرب منها لميقابله من نورها إلا بعض جرمه، فإذا دخل تحتها في الفلك كان ظهره كله إليها، فلم يقابله شيء من نورها، فإذا خرج منح تحتها قابله بقدر ذلك، والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا ظهر هلال السعادة في أفق الإرادة، وهبت ريح الهداية من ناحية سابق العناية، دخل وقت حج القلوب إلى حضرة علام الغيوب، فهلال الهداية للسائرين، وهم أرباب الأحوال أهل التلوين، يزداد نوره بزيادة اليقين، وينقص بنقصانه، على حسب ضعف حاله وقته، حتى يتحقق الوصال، ويرزق صف الكمال. وأنشدوا: كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فصاحب التلوين بين الزيادة والنقصان، إلى أن تطلع عليه شمس العرفان، فإذا طلعت شمس العرفان فليس بعدها زيادة ولا نقصان، وأنشدوا: طلعت شمس من أحب بليل واستضاءت فما تلاها غروب إن شمس النهار تغرب باللي ل وشمس القلوب ليست تغيب بخلاف صاحب التمكين فإنه أبدا في ضياء معرفته، متكن في برج سعادته، لا يلحق شمسه كسوف ولا حجاب، ولا يستر نورها ظلمة ولا سحاب، فلو طلب الحجاب لم يجب. قال بعض العارفين: لو كلت أن أرى غيره لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده. ثم حذر الحق تعالى مما اتبدعه المشركون في الحج، فقال: {... وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون 189 } قلت: كانت الأنصار إذا حجوا أو اعتمروا، يقولون: لا يحول بيننا وبين السماء سقف، حتى يدخلوا بيوتهم، فإذا رجعوا تسوروا الجدران، أو نقبوا في ظهور بيوتهم، فجاء رجال منهم فدخل من الباب، فعير بذلك، فأنزل الحق جل جلاله: { وليس البر } أي: الطاعة، { بأن تأتوا البيوت من ظهورها } فتتسوروها، أو تنقبوا من أعلاها، { ولكن البر من اتقى } المحارم وخالف الشهوات. أو: ليس البر بأن تعكسوا مسائلكم بأن تسألوا عما لا نفع لكم فيه، وتتركوا مسائل العلم التي تنفعكم في العاجل والآجل. { ولكن البر من اتقى } ذلك، { وأتوا } بيوت العلم من أبوابها، فتحسنون السؤال وتتأدبون في المقال، وتقدمون الأهم فالأهم، والأنفع فالأنفع. { واتقوا الله } فلا تغيروا أحكامه، ولا تعترضوا على أفعاله { لعلكم تفلحون } بتوفيقه وهدايته. الإشارة: اعلم أن البيوت التي يدخلها المريد ثلاثة: بيت الشريعة وبيت الطريقة وبيت الحقيقة، ولكل واحد أبواب فمن أتى البيت من بابه دخل. ومن أتاه من غيره طرد. فبيت الشريعة له ثلاثة أبواب: الباب الأول: التوبة، فإذا دخل هذا الباب، وحقق التوبة بأركانها وشروطها، استقبله باب الاستقامة، وهي: متابعة الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله، فإذا دخله، وحقق الاستقامة، استقبله باب التقوى بأقسامها. فإذا حقق التقوى ظاهرا وباطنا، دخل بيت الشريعة المطهرة، وتنزه في محاسنه ومعانيه، ثم يروم دخول بيت الطريقة، وله ثلاثة أبواب: الباب الأول: الإخلاص وهو: إفراد العمل لله نم غير حرف ولا حظ، فإذا حقق الإخلاص استقبله باب التخلية وهي التظهير من العيوب الباطنة، وهي لا تنحصر، لكن من ظفر بالشيخ أطلعه عليها، وعلمه أودتيها، فإذا حقق التخلية استقبله باب التحلية، وهي: الاتصاف بأنواع الفضائل كالصبر والحلم والصدق والطمأنينة والسخاء والإيثار، وغير ذلك من أنواع الكمالات. فإذا حقق الإخلاص والتخلية والتحلية فقد حقق بيت الطريقة، ثم يستقبله بيت الحقيقة. فأول ما يقرع باب المراقبة، وهي: حفظ القلب والسر من الخواطر الردية، فإذا تطهر القلب من الخواطر الساكنة، استشرف على باب المشاهدة، وهي: محو الرسول في مشاهدة أنوار الحي القيوم، أو تلطيف الأواني عند ظهور المعاني، فإذا دخل باب المشاهدة، وسكن فيها، استقبله باب المعرفة، وهي محل الرسوخ والتمكين، وهي الغاية والمنتهى، فبيت الحقيقة وهو مسجد الحضرة الربانية. وما بقي بعدها إلا الترقي في المقامات، وزيادة المعارف والكشوفات أبدا سرمدا، منحنا الله من ذلك حظا وافرا بمنه وكرمه.

البقرة 2:190

قلت: { التهلكة }: مصدر هلك - بتشديد اللام - قاله ابن عطية. وضمن { تلقوا } معنى تفضوا، أو تنتهوا، فعداه بإلى، أي: ولا تفضوا بأنفسكم إلى التهلكة. ولا يحتاج إلى زيادة الباء. وسبب نزول الآية: أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع في قابل، فيخلوا له البيت ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء، وخاف المسلمون ألا يفوا لهم، فيقاتلوا في الحرم والشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت الآية. يقول الحق جل جلاله: { وقاتلوا في سبيل الله } وإعلاء كلمته { الذين يقاتلونكم } أي: يبدءونكم بالقتال، { ولا تعتدوا } فتقاتلوهم قبل أن يبدءوكم، { إن الله لا يحب المعتدين } لا ينصرهم ولا يؤيدهم. ثم نسخ هذا بقوله: وقاتلوا المشركين كآفة... [التوبة: 36] الآية. { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي: وجدتموهم، ولا تتحرجوا من قتالهم في الحرم، فإنهم هم الذين صدوكم وبدأوكم بالإذاية، { وأخرجوهم } من مكة { حيث أخرجوكم } منها، { والفتنة } أي: الكفر الذي هم فيه، { أشد من القتل } لهم في الحرم، { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } ابتداء { حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم } فيه { فاقتلوهم } فيه، وفي غيره، { كذلك جزاء الكافرين } يفعل بهم ما فعلوا بغيرهم، { فإن انتهوا } عن الشرك وأسلموا { فإن الله غفور } لهم { رحيم } بهم. { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي: شرك { ويكون الدين } خالصا { لله } بحيث لا يبقى في جزيرة العرب إلا دين واحد، { فإن انتهوا } عن قتالكم، فلا تعتدوا فإن { لا عدوان إلا على الظالمين } إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم. القتال الصدر منكم لهم في { الشهر الحرام } في مقابلة الصد الذي صدر منهم لكم في الشهر الحرام، { والحرمات قصاص } يقتص بعضها من بعض، فكما انتهكوا حرمة الشهر الحرام، بمنعكم من اليبت، فانتهكوا حرمتهم بالقتل فيه. { فمن اعتدى عليكم } بالقتال في الأشهر الحرم، أو في الحرم { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله } فلا تنتصروا لنفوسكم، { واعلموا أن الله مع المتقين } بالحفظ والتأييد. { وأنفقوا في سبيل الله } في جهاد عدوكم، ولا تمسكوا عن الإنفاق فيه فتلقوا { بإيديكم } أي: بأنفسكم { إلى التهلكة } أي: الهلكة فيستولي عليكم عدوكم. روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إن هذه الآية نزلت في الأنصار، قالوا - لما أعز الله الإسلام وكثرب أهله -: لو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها، فأنزل الله فينا { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ، وأما هذا فهو الذي قال فيه الله تعالى: ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله [البقرة: 207] أو: ولا تنفقوا كل أموالكم فتتعرضوا للهلكة، أو الطمع في الخلق، ولكن القصد، وهو الوسط. { وأحسنوا } بالتفضل على المحاويج والمجاهدين: { إن الله يحب المحسنين } فيحفظهم، ويحفظ عقبهم إلى يوم القيامة. الإشارة: أعلم أن أعداء الإنسان التي تقطعه عن حضرة ربه أربعة: النفس والشيطان والدنيا والناس. فمجاهدة النفس: بمخالفة هواها، وتحميلها ما يثقل عليها حتى ترتاض، ومجاهدة الشيطان: بعصيانه، والاشتغال بالله عنه، فإنه يذوب بذكر الله، ومجاهدة الدنيا: بالزهد فيها، والقناعة بما تيسر منها، ومجاهدة الناس: بالغيبة عنهم والإعراض عنهم في الإقبال والإدبار. فيقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ويصدونكم عن حضرته، ولا تعتدوا فتشتغلوا بهم عن ذكري، والإقبال علي، { إن الله لا يحب المعتدين }. بل اقتلوهم حيث تعرضوا لكم فقط، فإذا ظهرت صورة النفس أدبها، ثم غاب في الله عنها، وكذلك بقية القواطع. وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه يقول: عداوة العدو حقا هي اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة الحبيب، ونال العدو مراده منك. ه. وأخرجوهم من قلوبكم من حيث أخرجوكم من حضرة ربكم، يعني: كما أخرجوكم من الحضرة في أيام الغفلة، أخرجوهم من قلوبكم في أيام اليقظة. والفتنة بالاشتغال بهم أشد من القتل لهم، ولا تقاتلوهم عند مسجد الحضرة وحال الغيبة في الله، فإن ذلك التفات إلى غير الله، كمن كان مقبلا عليه حبيبه فجعل يلتفت إلى من يكلمه ويشغله عنه. وذلك في غاية الجفاء، حتى يقاتلوكم فيه، ويريدون أن يخرجوكم منه بوسوستهم، فإن قاتلوكم، وخطر على بالكم شيء من وسوستهم، فاقتلوهم بذكر الله، والتعوذ منهم، فإن الله يكفيكم أمرهم، وينهزمون عنكم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا عنكم، وانقطع عنكم خواطرهم، فغيبوا عنهم فإن الله يستركم عنهم، وقاتلوهم على الدوام حتى لا تكون في قلوبكم فتنة منهم، ويكون التوجه كله لله، لا ينازعه شيء مما سواه، فإن انتهوا عنكم فلا تتعرضوا لهم فإن ذلك عدوان وظلم، فلا عدوان إلا على الظالمين [البقرة: 193]. فإن جنحت نفسك إلى حرمة الطاعة الظاهرة كتدريس علم أو جهاد أو غيرها، وأرادت أن تخرجك من حرمة الحضرة القدسية وهي الفكرة والشهود والمعاينة، فقاتلها وأخرجها من حرمة تلك الطاعة، فالحرمات قصاص. فكما أخرجتك من حضرة ربك القدسية أخرجها من حضرة الطاعة الحسية إلى الطاعة القلبية. فإن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. فمن اعتدى عليكم، في زمن البطالة، فاعتدوا عليه في زمن اليقظة بمثل ما اعتدى عليكم. وكان شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: جوروا على نفوسكم بقدر ما جارت عليكم ه. أي: اقتلوها بقدر ما قتلتكم بالبعد عن ربكم. وكان أيضا يقول: جوروا على الوهم قل أن يجور عليكم. ه. واتقوا الله فإن الله يعينكم عليها، { واعلموا أن الله مع المتقين }. وأنفقوا أنفسكم ومهجكم في سبيل الله، بأن تطرحوها في يد الله يفعل بها ما يشاء. { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فتدبروا لها، وتختاروا لها، وتعتنوا بشؤونها، فإن ذلك غفلة عن ربكم. { وأحسنوا } أي: ادخلوا في مقام الإحسان بأن تعبدوا لله كأنكم ترونه { إن الله يحب المحسنين } أي: يقربهم إلى حضرته، ويصطفيهم إلى محبته ومعرفته، خرطنا الله في سلكهم بمنه وكرمه.

البقرة 2:191

قلت: { التهلكة }: مصدر هلك - بتشديد اللام - قاله ابن عطية. وضمن { تلقوا } معنى تفضوا، أو تنتهوا، فعداه بإلى، أي: ولا تفضوا بأنفسكم إلى التهلكة. ولا يحتاج إلى زيادة الباء. وسبب نزول الآية: أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع في قابل، فيخلوا له البيت ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء، وخاف المسلمون ألا يفوا لهم، فيقاتلوا في الحرم والشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت الآية. يقول الحق جل جلاله: { وقاتلوا في سبيل الله } وإعلاء كلمته { الذين يقاتلونكم } أي: يبدءونكم بالقتال، { ولا تعتدوا } فتقاتلوهم قبل أن يبدءوكم، { إن الله لا يحب المعتدين } لا ينصرهم ولا يؤيدهم. ثم نسخ هذا بقوله: وقاتلوا المشركين كآفة... [التوبة: 36] الآية. { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي: وجدتموهم، ولا تتحرجوا من قتالهم في الحرم، فإنهم هم الذين صدوكم وبدأوكم بالإذاية، { وأخرجوهم } من مكة { حيث أخرجوكم } منها، { والفتنة } أي: الكفر الذي هم فيه، { أشد من القتل } لهم في الحرم، { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } ابتداء { حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم } فيه { فاقتلوهم } فيه، وفي غيره، { كذلك جزاء الكافرين } يفعل بهم ما فعلوا بغيرهم، { فإن انتهوا } عن الشرك وأسلموا { فإن الله غفور } لهم { رحيم } بهم. { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي: شرك { ويكون الدين } خالصا { لله } بحيث لا يبقى في جزيرة العرب إلا دين واحد، { فإن انتهوا } عن قتالكم، فلا تعتدوا فإن { لا عدوان إلا على الظالمين } إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم. القتال الصدر منكم لهم في { الشهر الحرام } في مقابلة الصد الذي صدر منهم لكم في الشهر الحرام، { والحرمات قصاص } يقتص بعضها من بعض، فكما انتهكوا حرمة الشهر الحرام، بمنعكم من اليبت، فانتهكوا حرمتهم بالقتل فيه. { فمن اعتدى عليكم } بالقتال في الأشهر الحرم، أو في الحرم { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله } فلا تنتصروا لنفوسكم، { واعلموا أن الله مع المتقين } بالحفظ والتأييد. { وأنفقوا في سبيل الله } في جهاد عدوكم، ولا تمسكوا عن الإنفاق فيه فتلقوا { بإيديكم } أي: بأنفسكم { إلى التهلكة } أي: الهلكة فيستولي عليكم عدوكم. روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إن هذه الآية نزلت في الأنصار، قالوا - لما أعز الله الإسلام وكثرب أهله -: لو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها، فأنزل الله فينا { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ، وأما هذا فهو الذي قال فيه الله تعالى: ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله [البقرة: 207] أو: ولا تنفقوا كل أموالكم فتتعرضوا للهلكة، أو الطمع في الخلق، ولكن القصد، وهو الوسط. { وأحسنوا } بالتفضل على المحاويج والمجاهدين: { إن الله يحب المحسنين } فيحفظهم، ويحفظ عقبهم إلى يوم القيامة. الإشارة: أعلم أن أعداء الإنسان التي تقطعه عن حضرة ربه أربعة: النفس والشيطان والدنيا والناس. فمجاهدة النفس: بمخالفة هواها، وتحميلها ما يثقل عليها حتى ترتاض، ومجاهدة الشيطان: بعصيانه، والاشتغال بالله عنه، فإنه يذوب بذكر الله، ومجاهدة الدنيا: بالزهد فيها، والقناعة بما تيسر منها، ومجاهدة الناس: بالغيبة عنهم والإعراض عنهم في الإقبال والإدبار. فيقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ويصدونكم عن حضرته، ولا تعتدوا فتشتغلوا بهم عن ذكري، والإقبال علي، { إن الله لا يحب المعتدين }. بل اقتلوهم حيث تعرضوا لكم فقط، فإذا ظهرت صورة النفس أدبها، ثم غاب في الله عنها، وكذلك بقية القواطع. وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه يقول: عداوة العدو حقا هي اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة الحبيب، ونال العدو مراده منك. ه. وأخرجوهم من قلوبكم من حيث أخرجوكم من حضرة ربكم، يعني: كما أخرجوكم من الحضرة في أيام الغفلة، أخرجوهم من قلوبكم في أيام اليقظة. والفتنة بالاشتغال بهم أشد من القتل لهم، ولا تقاتلوهم عند مسجد الحضرة وحال الغيبة في الله، فإن ذلك التفات إلى غير الله، كمن كان مقبلا عليه حبيبه فجعل يلتفت إلى من يكلمه ويشغله عنه. وذلك في غاية الجفاء، حتى يقاتلوكم فيه، ويريدون أن يخرجوكم منه بوسوستهم، فإن قاتلوكم، وخطر على بالكم شيء من وسوستهم، فاقتلوهم بذكر الله، والتعوذ منهم، فإن الله يكفيكم أمرهم، وينهزمون عنكم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا عنكم، وانقطع عنكم خواطرهم، فغيبوا عنهم فإن الله يستركم عنهم، وقاتلوهم على الدوام حتى لا تكون في قلوبكم فتنة منهم، ويكون التوجه كله لله، لا ينازعه شيء مما سواه، فإن انتهوا عنكم فلا تتعرضوا لهم فإن ذلك عدوان وظلم، فلا عدوان إلا على الظالمين [البقرة: 193]. فإن جنحت نفسك إلى حرمة الطاعة الظاهرة كتدريس علم أو جهاد أو غيرها، وأرادت أن تخرجك من حرمة الحضرة القدسية وهي الفكرة والشهود والمعاينة، فقاتلها وأخرجها من حرمة تلك الطاعة، فالحرمات قصاص. فكما أخرجتك من حضرة ربك القدسية أخرجها من حضرة الطاعة الحسية إلى الطاعة القلبية. فإن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. فمن اعتدى عليكم، في زمن البطالة، فاعتدوا عليه في زمن اليقظة بمثل ما اعتدى عليكم. وكان شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: جوروا على نفوسكم بقدر ما جارت عليكم ه. أي: اقتلوها بقدر ما قتلتكم بالبعد عن ربكم. وكان أيضا يقول: جوروا على الوهم قل أن يجور عليكم. ه. واتقوا الله فإن الله يعينكم عليها، { واعلموا أن الله مع المتقين }. وأنفقوا أنفسكم ومهجكم في سبيل الله، بأن تطرحوها في يد الله يفعل بها ما يشاء. { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فتدبروا لها، وتختاروا لها، وتعتنوا بشؤونها، فإن ذلك غفلة عن ربكم. { وأحسنوا } أي: ادخلوا في مقام الإحسان بأن تعبدوا لله كأنكم ترونه { إن الله يحب المحسنين } أي: يقربهم إلى حضرته، ويصطفيهم إلى محبته ومعرفته، خرطنا الله في سلكهم بمنه وكرمه.

البقرة 2:192

قلت: { التهلكة }: مصدر هلك - بتشديد اللام - قاله ابن عطية. وضمن { تلقوا } معنى تفضوا، أو تنتهوا، فعداه بإلى، أي: ولا تفضوا بأنفسكم إلى التهلكة. ولا يحتاج إلى زيادة الباء. وسبب نزول الآية: أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع في قابل، فيخلوا له البيت ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء، وخاف المسلمون ألا يفوا لهم، فيقاتلوا في الحرم والشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت الآية. يقول الحق جل جلاله: { وقاتلوا في سبيل الله } وإعلاء كلمته { الذين يقاتلونكم } أي: يبدءونكم بالقتال، { ولا تعتدوا } فتقاتلوهم قبل أن يبدءوكم، { إن الله لا يحب المعتدين } لا ينصرهم ولا يؤيدهم. ثم نسخ هذا بقوله: وقاتلوا المشركين كآفة... [التوبة: 36] الآية. { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي: وجدتموهم، ولا تتحرجوا من قتالهم في الحرم، فإنهم هم الذين صدوكم وبدأوكم بالإذاية، { وأخرجوهم } من مكة { حيث أخرجوكم } منها، { والفتنة } أي: الكفر الذي هم فيه، { أشد من القتل } لهم في الحرم، { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } ابتداء { حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم } فيه { فاقتلوهم } فيه، وفي غيره، { كذلك جزاء الكافرين } يفعل بهم ما فعلوا بغيرهم، { فإن انتهوا } عن الشرك وأسلموا { فإن الله غفور } لهم { رحيم } بهم. { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي: شرك { ويكون الدين } خالصا { لله } بحيث لا يبقى في جزيرة العرب إلا دين واحد، { فإن انتهوا } عن قتالكم، فلا تعتدوا فإن { لا عدوان إلا على الظالمين } إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم. القتال الصدر منكم لهم في { الشهر الحرام } في مقابلة الصد الذي صدر منهم لكم في الشهر الحرام، { والحرمات قصاص } يقتص بعضها من بعض، فكما انتهكوا حرمة الشهر الحرام، بمنعكم من اليبت، فانتهكوا حرمتهم بالقتل فيه. { فمن اعتدى عليكم } بالقتال في الأشهر الحرم، أو في الحرم { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله } فلا تنتصروا لنفوسكم، { واعلموا أن الله مع المتقين } بالحفظ والتأييد. { وأنفقوا في سبيل الله } في جهاد عدوكم، ولا تمسكوا عن الإنفاق فيه فتلقوا { بإيديكم } أي: بأنفسكم { إلى التهلكة } أي: الهلكة فيستولي عليكم عدوكم. روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إن هذه الآية نزلت في الأنصار، قالوا - لما أعز الله الإسلام وكثرب أهله -: لو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها، فأنزل الله فينا { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ، وأما هذا فهو الذي قال فيه الله تعالى: ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله [البقرة: 207] أو: ولا تنفقوا كل أموالكم فتتعرضوا للهلكة، أو الطمع في الخلق، ولكن القصد، وهو الوسط. { وأحسنوا } بالتفضل على المحاويج والمجاهدين: { إن الله يحب المحسنين } فيحفظهم، ويحفظ عقبهم إلى يوم القيامة. الإشارة: أعلم أن أعداء الإنسان التي تقطعه عن حضرة ربه أربعة: النفس والشيطان والدنيا والناس. فمجاهدة النفس: بمخالفة هواها، وتحميلها ما يثقل عليها حتى ترتاض، ومجاهدة الشيطان: بعصيانه، والاشتغال بالله عنه، فإنه يذوب بذكر الله، ومجاهدة الدنيا: بالزهد فيها، والقناعة بما تيسر منها، ومجاهدة الناس: بالغيبة عنهم والإعراض عنهم في الإقبال والإدبار. فيقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ويصدونكم عن حضرته، ولا تعتدوا فتشتغلوا بهم عن ذكري، والإقبال علي، { إن الله لا يحب المعتدين }. بل اقتلوهم حيث تعرضوا لكم فقط، فإذا ظهرت صورة النفس أدبها، ثم غاب في الله عنها، وكذلك بقية القواطع. وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه يقول: عداوة العدو حقا هي اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة الحبيب، ونال العدو مراده منك. ه. وأخرجوهم من قلوبكم من حيث أخرجوكم من حضرة ربكم، يعني: كما أخرجوكم من الحضرة في أيام الغفلة، أخرجوهم من قلوبكم في أيام اليقظة. والفتنة بالاشتغال بهم أشد من القتل لهم، ولا تقاتلوهم عند مسجد الحضرة وحال الغيبة في الله، فإن ذلك التفات إلى غير الله، كمن كان مقبلا عليه حبيبه فجعل يلتفت إلى من يكلمه ويشغله عنه. وذلك في غاية الجفاء، حتى يقاتلوكم فيه، ويريدون أن يخرجوكم منه بوسوستهم، فإن قاتلوكم، وخطر على بالكم شيء من وسوستهم، فاقتلوهم بذكر الله، والتعوذ منهم، فإن الله يكفيكم أمرهم، وينهزمون عنكم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا عنكم، وانقطع عنكم خواطرهم، فغيبوا عنهم فإن الله يستركم عنهم، وقاتلوهم على الدوام حتى لا تكون في قلوبكم فتنة منهم، ويكون التوجه كله لله، لا ينازعه شيء مما سواه، فإن انتهوا عنكم فلا تتعرضوا لهم فإن ذلك عدوان وظلم، فلا عدوان إلا على الظالمين [البقرة: 193]. فإن جنحت نفسك إلى حرمة الطاعة الظاهرة كتدريس علم أو جهاد أو غيرها، وأرادت أن تخرجك من حرمة الحضرة القدسية وهي الفكرة والشهود والمعاينة، فقاتلها وأخرجها من حرمة تلك الطاعة، فالحرمات قصاص. فكما أخرجتك من حضرة ربك القدسية أخرجها من حضرة الطاعة الحسية إلى الطاعة القلبية. فإن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. فمن اعتدى عليكم، في زمن البطالة، فاعتدوا عليه في زمن اليقظة بمثل ما اعتدى عليكم. وكان شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: جوروا على نفوسكم بقدر ما جارت عليكم ه. أي: اقتلوها بقدر ما قتلتكم بالبعد عن ربكم. وكان أيضا يقول: جوروا على الوهم قل أن يجور عليكم. ه. واتقوا الله فإن الله يعينكم عليها، { واعلموا أن الله مع المتقين }. وأنفقوا أنفسكم ومهجكم في سبيل الله، بأن تطرحوها في يد الله يفعل بها ما يشاء. { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فتدبروا لها، وتختاروا لها، وتعتنوا بشؤونها، فإن ذلك غفلة عن ربكم. { وأحسنوا } أي: ادخلوا في مقام الإحسان بأن تعبدوا لله كأنكم ترونه { إن الله يحب المحسنين } أي: يقربهم إلى حضرته، ويصطفيهم إلى محبته ومعرفته، خرطنا الله في سلكهم بمنه وكرمه.

البقرة 2:193

قلت: { التهلكة }: مصدر هلك - بتشديد اللام - قاله ابن عطية. وضمن { تلقوا } معنى تفضوا، أو تنتهوا، فعداه بإلى، أي: ولا تفضوا بأنفسكم إلى التهلكة. ولا يحتاج إلى زيادة الباء. وسبب نزول الآية: أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع في قابل، فيخلوا له البيت ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء، وخاف المسلمون ألا يفوا لهم، فيقاتلوا في الحرم والشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت الآية. يقول الحق جل جلاله: { وقاتلوا في سبيل الله } وإعلاء كلمته { الذين يقاتلونكم } أي: يبدءونكم بالقتال، { ولا تعتدوا } فتقاتلوهم قبل أن يبدءوكم، { إن الله لا يحب المعتدين } لا ينصرهم ولا يؤيدهم. ثم نسخ هذا بقوله: وقاتلوا المشركين كآفة... [التوبة: 36] الآية. { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي: وجدتموهم، ولا تتحرجوا من قتالهم في الحرم، فإنهم هم الذين صدوكم وبدأوكم بالإذاية، { وأخرجوهم } من مكة { حيث أخرجوكم } منها، { والفتنة } أي: الكفر الذي هم فيه، { أشد من القتل } لهم في الحرم، { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } ابتداء { حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم } فيه { فاقتلوهم } فيه، وفي غيره، { كذلك جزاء الكافرين } يفعل بهم ما فعلوا بغيرهم، { فإن انتهوا } عن الشرك وأسلموا { فإن الله غفور } لهم { رحيم } بهم. { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي: شرك { ويكون الدين } خالصا { لله } بحيث لا يبقى في جزيرة العرب إلا دين واحد، { فإن انتهوا } عن قتالكم، فلا تعتدوا فإن { لا عدوان إلا على الظالمين } إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم. القتال الصدر منكم لهم في { الشهر الحرام } في مقابلة الصد الذي صدر منهم لكم في الشهر الحرام، { والحرمات قصاص } يقتص بعضها من بعض، فكما انتهكوا حرمة الشهر الحرام، بمنعكم من اليبت، فانتهكوا حرمتهم بالقتل فيه. { فمن اعتدى عليكم } بالقتال في الأشهر الحرم، أو في الحرم { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله } فلا تنتصروا لنفوسكم، { واعلموا أن الله مع المتقين } بالحفظ والتأييد. { وأنفقوا في سبيل الله } في جهاد عدوكم، ولا تمسكوا عن الإنفاق فيه فتلقوا { بإيديكم } أي: بأنفسكم { إلى التهلكة } أي: الهلكة فيستولي عليكم عدوكم. روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إن هذه الآية نزلت في الأنصار، قالوا - لما أعز الله الإسلام وكثرب أهله -: لو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها، فأنزل الله فينا { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ، وأما هذا فهو الذي قال فيه الله تعالى: ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله [البقرة: 207] أو: ولا تنفقوا كل أموالكم فتتعرضوا للهلكة، أو الطمع في الخلق، ولكن القصد، وهو الوسط. { وأحسنوا } بالتفضل على المحاويج والمجاهدين: { إن الله يحب المحسنين } فيحفظهم، ويحفظ عقبهم إلى يوم القيامة. الإشارة: أعلم أن أعداء الإنسان التي تقطعه عن حضرة ربه أربعة: النفس والشيطان والدنيا والناس. فمجاهدة النفس: بمخالفة هواها، وتحميلها ما يثقل عليها حتى ترتاض، ومجاهدة الشيطان: بعصيانه، والاشتغال بالله عنه، فإنه يذوب بذكر الله، ومجاهدة الدنيا: بالزهد فيها، والقناعة بما تيسر منها، ومجاهدة الناس: بالغيبة عنهم والإعراض عنهم في الإقبال والإدبار. فيقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ويصدونكم عن حضرته، ولا تعتدوا فتشتغلوا بهم عن ذكري، والإقبال علي، { إن الله لا يحب المعتدين }. بل اقتلوهم حيث تعرضوا لكم فقط، فإذا ظهرت صورة النفس أدبها، ثم غاب في الله عنها، وكذلك بقية القواطع. وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه يقول: عداوة العدو حقا هي اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة الحبيب، ونال العدو مراده منك. ه. وأخرجوهم من قلوبكم من حيث أخرجوكم من حضرة ربكم، يعني: كما أخرجوكم من الحضرة في أيام الغفلة، أخرجوهم من قلوبكم في أيام اليقظة. والفتنة بالاشتغال بهم أشد من القتل لهم، ولا تقاتلوهم عند مسجد الحضرة وحال الغيبة في الله، فإن ذلك التفات إلى غير الله، كمن كان مقبلا عليه حبيبه فجعل يلتفت إلى من يكلمه ويشغله عنه. وذلك في غاية الجفاء، حتى يقاتلوكم فيه، ويريدون أن يخرجوكم منه بوسوستهم، فإن قاتلوكم، وخطر على بالكم شيء من وسوستهم، فاقتلوهم بذكر الله، والتعوذ منهم، فإن الله يكفيكم أمرهم، وينهزمون عنكم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا عنكم، وانقطع عنكم خواطرهم، فغيبوا عنهم فإن الله يستركم عنهم، وقاتلوهم على الدوام حتى لا تكون في قلوبكم فتنة منهم، ويكون التوجه كله لله، لا ينازعه شيء مما سواه، فإن انتهوا عنكم فلا تتعرضوا لهم فإن ذلك عدوان وظلم، فلا عدوان إلا على الظالمين [البقرة: 193]. فإن جنحت نفسك إلى حرمة الطاعة الظاهرة كتدريس علم أو جهاد أو غيرها، وأرادت أن تخرجك من حرمة الحضرة القدسية وهي الفكرة والشهود والمعاينة، فقاتلها وأخرجها من حرمة تلك الطاعة، فالحرمات قصاص. فكما أخرجتك من حضرة ربك القدسية أخرجها من حضرة الطاعة الحسية إلى الطاعة القلبية. فإن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. فمن اعتدى عليكم، في زمن البطالة، فاعتدوا عليه في زمن اليقظة بمثل ما اعتدى عليكم. وكان شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: جوروا على نفوسكم بقدر ما جارت عليكم ه. أي: اقتلوها بقدر ما قتلتكم بالبعد عن ربكم. وكان أيضا يقول: جوروا على الوهم قل أن يجور عليكم. ه. واتقوا الله فإن الله يعينكم عليها، { واعلموا أن الله مع المتقين }. وأنفقوا أنفسكم ومهجكم في سبيل الله، بأن تطرحوها في يد الله يفعل بها ما يشاء. { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فتدبروا لها، وتختاروا لها، وتعتنوا بشؤونها، فإن ذلك غفلة عن ربكم. { وأحسنوا } أي: ادخلوا في مقام الإحسان بأن تعبدوا لله كأنكم ترونه { إن الله يحب المحسنين } أي: يقربهم إلى حضرته، ويصطفيهم إلى محبته ومعرفته، خرطنا الله في سلكهم بمنه وكرمه.

البقرة 2:194

قلت: { التهلكة }: مصدر هلك - بتشديد اللام - قاله ابن عطية. وضمن { تلقوا } معنى تفضوا، أو تنتهوا، فعداه بإلى، أي: ولا تفضوا بأنفسكم إلى التهلكة. ولا يحتاج إلى زيادة الباء. وسبب نزول الآية: أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع في قابل، فيخلوا له البيت ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء، وخاف المسلمون ألا يفوا لهم، فيقاتلوا في الحرم والشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت الآية. يقول الحق جل جلاله: { وقاتلوا في سبيل الله } وإعلاء كلمته { الذين يقاتلونكم } أي: يبدءونكم بالقتال، { ولا تعتدوا } فتقاتلوهم قبل أن يبدءوكم، { إن الله لا يحب المعتدين } لا ينصرهم ولا يؤيدهم. ثم نسخ هذا بقوله: وقاتلوا المشركين كآفة... [التوبة: 36] الآية. { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي: وجدتموهم، ولا تتحرجوا من قتالهم في الحرم، فإنهم هم الذين صدوكم وبدأوكم بالإذاية، { وأخرجوهم } من مكة { حيث أخرجوكم } منها، { والفتنة } أي: الكفر الذي هم فيه، { أشد من القتل } لهم في الحرم، { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } ابتداء { حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم } فيه { فاقتلوهم } فيه، وفي غيره، { كذلك جزاء الكافرين } يفعل بهم ما فعلوا بغيرهم، { فإن انتهوا } عن الشرك وأسلموا { فإن الله غفور } لهم { رحيم } بهم. { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي: شرك { ويكون الدين } خالصا { لله } بحيث لا يبقى في جزيرة العرب إلا دين واحد، { فإن انتهوا } عن قتالكم، فلا تعتدوا فإن { لا عدوان إلا على الظالمين } إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم. القتال الصدر منكم لهم في { الشهر الحرام } في مقابلة الصد الذي صدر منهم لكم في الشهر الحرام، { والحرمات قصاص } يقتص بعضها من بعض، فكما انتهكوا حرمة الشهر الحرام، بمنعكم من اليبت، فانتهكوا حرمتهم بالقتل فيه. { فمن اعتدى عليكم } بالقتال في الأشهر الحرم، أو في الحرم { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله } فلا تنتصروا لنفوسكم، { واعلموا أن الله مع المتقين } بالحفظ والتأييد. { وأنفقوا في سبيل الله } في جهاد عدوكم، ولا تمسكوا عن الإنفاق فيه فتلقوا { بإيديكم } أي: بأنفسكم { إلى التهلكة } أي: الهلكة فيستولي عليكم عدوكم. روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إن هذه الآية نزلت في الأنصار، قالوا - لما أعز الله الإسلام وكثرب أهله -: لو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها، فأنزل الله فينا { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ، وأما هذا فهو الذي قال فيه الله تعالى: ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله [البقرة: 207] أو: ولا تنفقوا كل أموالكم فتتعرضوا للهلكة، أو الطمع في الخلق، ولكن القصد، وهو الوسط. { وأحسنوا } بالتفضل على المحاويج والمجاهدين: { إن الله يحب المحسنين } فيحفظهم، ويحفظ عقبهم إلى يوم القيامة. الإشارة: أعلم أن أعداء الإنسان التي تقطعه عن حضرة ربه أربعة: النفس والشيطان والدنيا والناس. فمجاهدة النفس: بمخالفة هواها، وتحميلها ما يثقل عليها حتى ترتاض، ومجاهدة الشيطان: بعصيانه، والاشتغال بالله عنه، فإنه يذوب بذكر الله، ومجاهدة الدنيا: بالزهد فيها، والقناعة بما تيسر منها، ومجاهدة الناس: بالغيبة عنهم والإعراض عنهم في الإقبال والإدبار. فيقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ويصدونكم عن حضرته، ولا تعتدوا فتشتغلوا بهم عن ذكري، والإقبال علي، { إن الله لا يحب المعتدين }. بل اقتلوهم حيث تعرضوا لكم فقط، فإذا ظهرت صورة النفس أدبها، ثم غاب في الله عنها، وكذلك بقية القواطع. وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه يقول: عداوة العدو حقا هي اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة الحبيب، ونال العدو مراده منك. ه. وأخرجوهم من قلوبكم من حيث أخرجوكم من حضرة ربكم، يعني: كما أخرجوكم من الحضرة في أيام الغفلة، أخرجوهم من قلوبكم في أيام اليقظة. والفتنة بالاشتغال بهم أشد من القتل لهم، ولا تقاتلوهم عند مسجد الحضرة وحال الغيبة في الله، فإن ذلك التفات إلى غير الله، كمن كان مقبلا عليه حبيبه فجعل يلتفت إلى من يكلمه ويشغله عنه. وذلك في غاية الجفاء، حتى يقاتلوكم فيه، ويريدون أن يخرجوكم منه بوسوستهم، فإن قاتلوكم، وخطر على بالكم شيء من وسوستهم، فاقتلوهم بذكر الله، والتعوذ منهم، فإن الله يكفيكم أمرهم، وينهزمون عنكم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا عنكم، وانقطع عنكم خواطرهم، فغيبوا عنهم فإن الله يستركم عنهم، وقاتلوهم على الدوام حتى لا تكون في قلوبكم فتنة منهم، ويكون التوجه كله لله، لا ينازعه شيء مما سواه، فإن انتهوا عنكم فلا تتعرضوا لهم فإن ذلك عدوان وظلم، فلا عدوان إلا على الظالمين [البقرة: 193]. فإن جنحت نفسك إلى حرمة الطاعة الظاهرة كتدريس علم أو جهاد أو غيرها، وأرادت أن تخرجك من حرمة الحضرة القدسية وهي الفكرة والشهود والمعاينة، فقاتلها وأخرجها من حرمة تلك الطاعة، فالحرمات قصاص. فكما أخرجتك من حضرة ربك القدسية أخرجها من حضرة الطاعة الحسية إلى الطاعة القلبية. فإن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. فمن اعتدى عليكم، في زمن البطالة، فاعتدوا عليه في زمن اليقظة بمثل ما اعتدى عليكم. وكان شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: جوروا على نفوسكم بقدر ما جارت عليكم ه. أي: اقتلوها بقدر ما قتلتكم بالبعد عن ربكم. وكان أيضا يقول: جوروا على الوهم قل أن يجور عليكم. ه. واتقوا الله فإن الله يعينكم عليها، { واعلموا أن الله مع المتقين }. وأنفقوا أنفسكم ومهجكم في سبيل الله، بأن تطرحوها في يد الله يفعل بها ما يشاء. { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فتدبروا لها، وتختاروا لها، وتعتنوا بشؤونها، فإن ذلك غفلة عن ربكم. { وأحسنوا } أي: ادخلوا في مقام الإحسان بأن تعبدوا لله كأنكم ترونه { إن الله يحب المحسنين } أي: يقربهم إلى حضرته، ويصطفيهم إلى محبته ومعرفته، خرطنا الله في سلكهم بمنه وكرمه.

البقرة 2:195

قلت: { التهلكة }: مصدر هلك - بتشديد اللام - قاله ابن عطية. وضمن { تلقوا } معنى تفضوا، أو تنتهوا، فعداه بإلى، أي: ولا تفضوا بأنفسكم إلى التهلكة. ولا يحتاج إلى زيادة الباء. وسبب نزول الآية: أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع في قابل، فيخلوا له البيت ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء، وخاف المسلمون ألا يفوا لهم، فيقاتلوا في الحرم والشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت الآية. يقول الحق جل جلاله: { وقاتلوا في سبيل الله } وإعلاء كلمته { الذين يقاتلونكم } أي: يبدءونكم بالقتال، { ولا تعتدوا } فتقاتلوهم قبل أن يبدءوكم، { إن الله لا يحب المعتدين } لا ينصرهم ولا يؤيدهم. ثم نسخ هذا بقوله: وقاتلوا المشركين كآفة... [التوبة: 36] الآية. { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي: وجدتموهم، ولا تتحرجوا من قتالهم في الحرم، فإنهم هم الذين صدوكم وبدأوكم بالإذاية، { وأخرجوهم } من مكة { حيث أخرجوكم } منها، { والفتنة } أي: الكفر الذي هم فيه، { أشد من القتل } لهم في الحرم، { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } ابتداء { حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم } فيه { فاقتلوهم } فيه، وفي غيره، { كذلك جزاء الكافرين } يفعل بهم ما فعلوا بغيرهم، { فإن انتهوا } عن الشرك وأسلموا { فإن الله غفور } لهم { رحيم } بهم. { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي: شرك { ويكون الدين } خالصا { لله } بحيث لا يبقى في جزيرة العرب إلا دين واحد، { فإن انتهوا } عن قتالكم، فلا تعتدوا فإن { لا عدوان إلا على الظالمين } إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم. القتال الصدر منكم لهم في { الشهر الحرام } في مقابلة الصد الذي صدر منهم لكم في الشهر الحرام، { والحرمات قصاص } يقتص بعضها من بعض، فكما انتهكوا حرمة الشهر الحرام، بمنعكم من اليبت، فانتهكوا حرمتهم بالقتل فيه. { فمن اعتدى عليكم } بالقتال في الأشهر الحرم، أو في الحرم { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله } فلا تنتصروا لنفوسكم، { واعلموا أن الله مع المتقين } بالحفظ والتأييد. { وأنفقوا في سبيل الله } في جهاد عدوكم، ولا تمسكوا عن الإنفاق فيه فتلقوا { بإيديكم } أي: بأنفسكم { إلى التهلكة } أي: الهلكة فيستولي عليكم عدوكم. روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إن هذه الآية نزلت في الأنصار، قالوا - لما أعز الله الإسلام وكثرب أهله -: لو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها، فأنزل الله فينا { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ، وأما هذا فهو الذي قال فيه الله تعالى: ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله [البقرة: 207] أو: ولا تنفقوا كل أموالكم فتتعرضوا للهلكة، أو الطمع في الخلق، ولكن القصد، وهو الوسط. { وأحسنوا } بالتفضل على المحاويج والمجاهدين: { إن الله يحب المحسنين } فيحفظهم، ويحفظ عقبهم إلى يوم القيامة. الإشارة: أعلم أن أعداء الإنسان التي تقطعه عن حضرة ربه أربعة: النفس والشيطان والدنيا والناس. فمجاهدة النفس: بمخالفة هواها، وتحميلها ما يثقل عليها حتى ترتاض، ومجاهدة الشيطان: بعصيانه، والاشتغال بالله عنه، فإنه يذوب بذكر الله، ومجاهدة الدنيا: بالزهد فيها، والقناعة بما تيسر منها، ومجاهدة الناس: بالغيبة عنهم والإعراض عنهم في الإقبال والإدبار. فيقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ويصدونكم عن حضرته، ولا تعتدوا فتشتغلوا بهم عن ذكري، والإقبال علي، { إن الله لا يحب المعتدين }. بل اقتلوهم حيث تعرضوا لكم فقط، فإذا ظهرت صورة النفس أدبها، ثم غاب في الله عنها، وكذلك بقية القواطع. وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه يقول: عداوة العدو حقا هي اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة الحبيب، ونال العدو مراده منك. ه. وأخرجوهم من قلوبكم من حيث أخرجوكم من حضرة ربكم، يعني: كما أخرجوكم من الحضرة في أيام الغفلة، أخرجوهم من قلوبكم في أيام اليقظة. والفتنة بالاشتغال بهم أشد من القتل لهم، ولا تقاتلوهم عند مسجد الحضرة وحال الغيبة في الله، فإن ذلك التفات إلى غير الله، كمن كان مقبلا عليه حبيبه فجعل يلتفت إلى من يكلمه ويشغله عنه. وذلك في غاية الجفاء، حتى يقاتلوكم فيه، ويريدون أن يخرجوكم منه بوسوستهم، فإن قاتلوكم، وخطر على بالكم شيء من وسوستهم، فاقتلوهم بذكر الله، والتعوذ منهم، فإن الله يكفيكم أمرهم، وينهزمون عنكم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا عنكم، وانقطع عنكم خواطرهم، فغيبوا عنهم فإن الله يستركم عنهم، وقاتلوهم على الدوام حتى لا تكون في قلوبكم فتنة منهم، ويكون التوجه كله لله، لا ينازعه شيء مما سواه، فإن انتهوا عنكم فلا تتعرضوا لهم فإن ذلك عدوان وظلم، فلا عدوان إلا على الظالمين [البقرة: 193]. فإن جنحت نفسك إلى حرمة الطاعة الظاهرة كتدريس علم أو جهاد أو غيرها، وأرادت أن تخرجك من حرمة الحضرة القدسية وهي الفكرة والشهود والمعاينة، فقاتلها وأخرجها من حرمة تلك الطاعة، فالحرمات قصاص. فكما أخرجتك من حضرة ربك القدسية أخرجها من حضرة الطاعة الحسية إلى الطاعة القلبية. فإن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. فمن اعتدى عليكم، في زمن البطالة، فاعتدوا عليه في زمن اليقظة بمثل ما اعتدى عليكم. وكان شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: جوروا على نفوسكم بقدر ما جارت عليكم ه. أي: اقتلوها بقدر ما قتلتكم بالبعد عن ربكم. وكان أيضا يقول: جوروا على الوهم قل أن يجور عليكم. ه. واتقوا الله فإن الله يعينكم عليها، { واعلموا أن الله مع المتقين }. وأنفقوا أنفسكم ومهجكم في سبيل الله، بأن تطرحوها في يد الله يفعل بها ما يشاء. { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فتدبروا لها، وتختاروا لها، وتعتنوا بشؤونها، فإن ذلك غفلة عن ربكم. { وأحسنوا } أي: ادخلوا في مقام الإحسان بأن تعبدوا لله كأنكم ترونه { إن الله يحب المحسنين } أي: يقربهم إلى حضرته، ويصطفيهم إلى محبته ومعرفته، خرطنا الله في سلكهم بمنه وكرمه.

البقرة 2:196

{ وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك... } قلت: المشهور في اللغة أن أحصر الرباعي: بالمرض، وحصر الثلاثي: بالعدو، وقيل: بالعكس، وقيل: هما سواء. و { ما استيسر }: خبر أو مبتدأ، أي: فالواجب ما استيسر، أو: فعليه ما استيسر. يقول الحق جل جلاله: { وأتموا الحج } الذي دخلتم فيه، { والعمرة } وجوبا كالصلاة والصوم، ويكون ذلك { لله } لا رياء ولا سمعة، وإنما خص الحج والعمرة بالحض على الإخلاص، لما يسرع إليهما من الخلل أكثر من غيرهما، فمن أفسدهما وجب عليه قضاؤهما، { فإن أحصرتم } ومنعتم من إتمامهما فتحللوا منهما، وعليكم { ما استيسر من الهدي } ، وذلك شاة { ولا تحلقوا رؤوسكم } أي: لا تتحللوا { حتى يبلغ الهدي محله } ، أي: حيث يحل ذبحه، وهو محل الإحصار عند الشافعي، فيذبح فيه بنية التحلل ويفرق، ومنى أو مكة عند مالك، فيرسله فإذا تحقق أنه وصل وذبح حل وحلق. ويحرم على المحرم إزالة الشعث، ولبس المخيط بالعضو، فمن كان { مريضا أو به أذى } صداع أو نحوه، فحلق رأسه، أو لبس ثيابه، فعليه فديه { من صيام } ثلاثة أيام، { أو صدقة } على ستة مساكين، مدان لكل مسكين، { أو نسك } بشاة فأعلى، فهو مخير بين الثلاثة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا عقد المريد مع ربه عقدة، فالواجب عليه إتمامها حتى يجني ثمرتها، فإذا عقد عقدة المجاهدة فليجاهد نفسه حتى يجني ثمرتها، وهي المشاهدة، وإذا عقد مع الشيخ عقدة الصحبة، فليلزم خدمته حتى يدخله إلى بيت الحضرة، ويشهد له بالترشيد. وهكذا كل من عقد مع الله عقدة يجب عليه إتمامها، فإن أحصر ومنع من إتمامها فليفعل. ما استيسر من ذبح نفسه وحط رأسه، و لا يكلف الله نفسا إلا مآءاتاها [الطلاق: 7]، ولا ينبغي أن يستعجل الفتح قبل إبانه، فلعله يعاقب بحرمانه، فكم من مريد طلب شيخه أن يطلعه على سر الربوبية قبل بلوغ محله، فكان ذلك سببب عطبه، فيقال له: ولا تحلق رأسك من شهود السوى حتى يبلغ هدي نفسك محلة فيذبح، فإذا ذبحت النفس وأجهز عليها حلق رأسه حينئذ من شهود السوى، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه. إن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله فمن كان مريضا بضعف عزمه، أو به أذى بعدم نهوض حاله، بحيث لم تسعفه المقادير في مجاهدة نفسه، فليشتغل بالنسك الظاهر من صيام أو صدقة أو قراءة أو غير ذلك، حتى يمن عليه العليم الحكيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما ذكر الحق تعالى هدى الإحصار وفدية الأذى، ذكر هدى التمتع، فقال: {... فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب } يقول الحق جل جلاله: فإذا حصل لكم الأمن من المرض أو العدو، أوردتم الحج { فمن تمتع } منكم { بالعمرة إلى الحج } بأن قدم العمرة في أشهر الحج، ثم حج من عامه، فالواجب عليه { ما استيسر من الهدي } شاة فأعلى لكونه تمتع بإسقاط أحد السفرين ولم يفرد لكل عبادة سفرا مخصوصا. { فمن لم يجد } الهدي، ولم يقدر على شرائه، فعليه { صيام ثلاثة أيام } في زمن { الحج } ، وهو زمن إحرامه إلى وقوفه بعرفة، فإن لم يصم في ذلك الزمان صام أيام التشويق. ثم يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى مكة أو إلى بلده. فتلك { عشرة } أيام { كاملة } ، ولا تتوهموا أن السبعة بدل من الثلاثة، فلذلك صرح الحق تعالى بفذلكة الحساب. وهذا الهدي أو الصيام إنما يجب على المتمتع إذا لم يكن ساكنا بأهله في مكة أو ذي طوى، وأما من كان { أهله حاضري المسجد الحرام } فلا هدى عليه لأنه يحرم بالحج من مكة فلم يسقط أحد السفرين، { واتقوا الله } في امتثال أوامره، وخصوصا مناسك الحج لكثرتها وتشعب فروعها، ولذلك أفردت بالتأليف، { واعلموا أن الله شديد العقاب } لمن ترك أوامره وارتكب نواهيه، وبالله التوفيق. الإشارة: يقول الحق جل جلاله على طريق الإشارة للمتوجهين إليه: فإذا أمنتم من أعدائكم الذين يقطعونكم عن الوصول إلى حضرتنا، أو أمنتم من الرجوع بعد الوصال، أو من السلب بعد العطاء، وذلك بعد التمكين من شهود أسرار الذات، وأنوار الصفات، إذ الكريم إذا أعطى لا يرجع، فإذا حصل لكم الأمن، فمن تمتع بأنوار الشريعة إلى أسرار الحقيقة فعليه ما استطاع من الهدي والسمت الحسن والخلق الحسن لأنه إذ ذاك قد اتصف بصفة الكمال وتصدر لتربية الرجال، فمن لم يجد ذلك فلرجع إلى ما تيسر من المجاهدة حتى يتمكن من ذلك الهدي الحسن والخلق الحسن، هذا لمن لم يتمكن في الحضرة الأزلية، وأما من كان مقيما بها، عاكفا في شهود أنوارها، فلا كلام عليه، لأنه قد تولاه مولاه، وغيبه عن شهود نفسه وهواه، فأمره كله بالله وإلى الله. جعلنا الله فيهم بمنه وكرمه، لكن لا يغفل عن التقوى لقوله - عليه الصلاة والسلام: " أنا أعرفكم بالله، وأنا أتقاكم له " وقالوا: " من علامة النهايات الرجوع إلى البدايات ". والله تعالى أعلم.

البقرة 2:197

قلت: { الحج }: مبتدأ، على حذف مضاف، أي: إحرام الحج أو فعل الحج، و { أشهر }: خبر، وإذا وقع الزمان خبرا عن اسم معنى فإن كان ذلك المعنى واقعا في كل ذلك الزمان أو جله تعين رفعه عند الكوفيين، وترجح عند البصريين إذا كان الزمان نكرة، نحو: السفر يوم. إن كان السفر واقعا في جميع ذلك اليوم أو في جله لأنه باستغراقه إياه صار كأنه هو، ويصح: السفر يوما، أو في يوم. وإن كان ذلك المعنى واقعا في بعض ذلك الزمان تعين نصبه أو جره ف في، نحو: السفر يوم الجمعة، أو في يوم الجمعة وقد يرفع نادرا. قال في التسهيل: ويغني - أي: ظرف الزمان - عن خبر اسم معنى مطلقا، فإن وقع في جميعه، أو في أكثره، وكان نكرة، رفع غالبا، ولا يمتنع نصبه ولا جره بفي خلافا للكوفيين. وربما رفع خبر الزمان الموقع في بعضه. ه. ومن ذلك: { الحج أشهر معلومات } فإن جلضها تصلح للإحرام. يقول الحق جل جلاله: وقت إحرام الحج { أشهر معلومات }: شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن أحرم قبلها كره عند مالك، وبطل عند الشافعي، { فمن فرض } على نفسه { فيهن الحج } فيلزم الأدب والوقار، ويجانب شهوة النساء، { فلا } يقع منه { رفث } أي: جماع أو كلام فحش، { ولا فسوق } أي: ذنوب، { ولا جدال في } زمان { الحج } ولو مع المكاري أو الخدام، ولا غيره من أنواع الخصام فإنه في حضرة الملك العلام. { وما تفعلوا من خير } كحلم وصبر وحسن خلق { يعلمه الله } فاستبقوا الخيرات، وتزودوا قبل هجوم الممات، واتقوا الله حق تقاته { فإن خير الزاد التقوى }. أو تزودوا لسفر الحج، ولا تسافروا كلا على الناس { فإن خير الزاد التقوى } عن الطمع في الخلق، { واتقون يا أولي الألباب } ، وأفردوني في سركم حتى أفتح لكم الباب، وأدخلكم مع الأحباب. الإشارة: معاملة الأبدان مؤقتة بالأمكان والأزمان، ومعاملة القلوب أو الأرواح غير مؤقتة بزمان مخصوص، ولا مكان مخصوص، فحج القلوب، الأزمنة كلها له ميقات، والأماكن كلها عرفات، حج القلوب هو العلوب هو العكوف في حضرة علام الغيوب، وهي مسرمدة على الداوم على مر الليالي والأيام، فكل وقت عندهم ليلة القدر، وكل مكان عندهم عرفة المشرفة القدر، وأنشدوا: لولا شهود جمالكم في ذاتي ما كنت أرضى ساعة بحياتي ما ليلة القدر المعظم شأنها إلا إذا عمرت بكم أوقاتي إن المحب إذا تمكن في الهوى والحب لم يحتج إلى ميقات وقال آخر: كل وقت من حبيبي قدره كألف حجة فاز من خلى الشواغل ولمولاه توجه فمن فرض على قلبه حج الحضرة فيلتزم الأدب والنظرة، والسكوت والفكرة، قال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه: 108] فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ولا مراء، إذ مبنى طريقهم على التسليم والرضى، وما تفعلوا من خير فليس على الله بخفي. وتزودوا بتقوى شهود السوى، { فإن خير الزاد التقوى } ، وجماع التقوى هي مخالفة الهوى، ومحبة المولى، فهذه تقوى أولي الألباب الذين صفت مرآة قلوبهم، فأبصروا الرشد والصواب، وبالله التوفيق.

البقرة 2:198

{ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } قلت: { أن تبتغوا }: على إسقاط حرف الجر، أي: في أن تبتغوا، وسبب نزول الآية: أن عكاظا ومجنة وذا المجاز - أسماء مواضع - كانت أسواقا في الجاهلية يعمرونها في مواسم الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا وتحرجوا أن يتجروا فيها، فقال لهم الحق جل جلاله: { ليس عليكم جناح } أي: إثم أو ميل عن الصواب، في { أن تبتغوا فضلا من ربكم } أي: عطاء ورزقا تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم، إذا خلصت نيتكم، وغلب قصد الحج على التجارة. وها هنا قاعدة ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها: أن العمل إذا تمحض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب، وإذا تمحض الله خالصا فهو سبب القرب والثواب، وإذا امتزج بشوب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث فإن كان باعث الحظ أغلب، سقط، وكان إلى العقوبة أقرب، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله، وإن كان باعث التقرب أغلب، حط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ، وإن تساوي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه. ثم قال: ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه. ثم قال: والصواب أن يقال: مهما كان الحج هو المحرك الأصلي، وكان غرض التجارة كالتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، ثم طرد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة، يعني: ينظر لغالب الباعث وخلوص القصد، وكذلك الصوم للحمية والثواب، ينظر لغالب الباعث. قلت: وتطرد هذه القاعدة في المعاملات كلها، وجميع الحركات والسكنات والحرف وسائر الأسباب، فالخالص من الحظوظ مقبول، والمتمحض للحظوظ مردود، والمشوب ينظر للغالب كما تقدم. وقد ذكر شيه المشايخ سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه قاعدة أخرى أدق من هذه فقال: إذا أكرم الله عبدا في حركاته وسكناته، نصب له العبودية لله وستر عنه حظوظ نفسه، وجعله يتقلب في عبوديته، والحظوظ عنه مستورة، مع جري ما قدر له، ولا يلتفت إليها لأنها في معزل عنه، وإذا أهان الله عبدا في حركاته وسكناته، نصب له حظوظ نفسه، وستر عنه عبوديته، فهو يتقلب في شهواته، وعبودية الله عنه بمعزل، وإن كان يجري عليه شيء منها في الظاهر، قال: وهذا باب من الولاية والإهانة. وأما الصديقية العظمى، والولاية الكبرى، فالحظوظ والحقوق كلها سواء عند ذوي البصيرة لأنه بالله فيما يأخذ ويترك. ه. الإشارة: العبد لا يستغني عن طلب الزيادة، ولو بلغ من الكمال غاية النهاية، فالقناعة من الله حرمان، واعتقاد بلوغ النهاية نقصان، فليس عليكم جناح أيها العارفون أن تبتغوا فضلا من ربكم زيادة في إيقانكم، وترقيا في معانيكم، إذ كمالات الحق لا نهاية لها، وأسرار الذات لا إحاطة بها، قال تعالى: ولا يحيطون به علما [طه: 110]. والله ولي التوفيق. ثم ذكر الحق تعالى الوقوف بعرفة، والرجوع إلى المزدلفة والمشعر الحرام، فقال: {...فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضآلين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا... } قلت: { أفضتم }: دفعتم، وأصل الإفاضة: الدفع بقوة، من فاض الماء إذا نبع بقوة، ثم استعمل في مطلق الاندفاع على سبيل المبالغة. و { عرفات } فيه الصرف وعدمه، كأذرعات. وسمى عرفات لقول إبراهيم الخليل عليه السلام لجبريل حين علمه المناسك: قد عرفت: أو لمعرفة آدم حواء فيها. والكاف في { كما هداكم } تعليلية، و { ما } مصدرية، أي: واذكروه لأجل هدايته لكم. و { إن كنتم } مخففة، واللام فارقة، وقوله: { أو أشد } نعت لمصدر محذوف، أي: أو ذكرا أشد... الخ. يقول الحق جل جلاله: فإذا وقفتم بعرفة، وأفضتم منها، فانزلوا المزدلفة وبيتوا بها، فإذا صليتم الصبح بغلس فقفوا عند { المشعر الحرام } ، وهو جبل في آخر المزدلفة، واذكروا الله عنده بالتهليل والتكبير والتلبية إلى الإسفار، هكذا فعل الرسول - عليه الصلاة والسلام -، { واذكروه } لأجل ما هداكم إليه من معالم دينه ومناسك حجه، وغير ذلك من شعائر الدين، أو فاذكروه ذكرا حسنا هداكم هداية حسنة، وقد كنتم من قبل هذه الهداية { لمن الضالين }. وكانت قريش لا تقف مع الناس ترفعا عليهم، بل تقف بالمزدلفة، فأمرهم الحق جل جلاله بالوقوف مع الناس، فقال لهم: { ثم أفيضوا } يا معشر قريش { من حيث أفاض الناس } بأن تقضوا معهم، وتفيضوا من حيث أفاضوا، { واستغفروا الله } في تغييركم مناسك إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - { إن الله غفور } لكم، { رحيم } بكم إن تبتم ورجعتم واتبعتم رسولكم. { فإذا قضيتم مناسككم } وفرغتم من حجتكم { فاذكروا الله } ذكرا كثيرا { كذكركم آباءكم } أو ذكرا { أشد ذكرا } منهم، حيث كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة، وكانوا إذا فرغوا من حجهم وقفوا بمنى، بين المسجد والجبل، فيذكرون مفاخرة آبائهم، ومحاسن أيامهم، فأمروا أن يبدلوا ذلك بذكر الله، وذكر إحسانه إليهم، وشكر ما أسداه إليهم من مفاخر الدنيا والآخرة، إن آمنوا واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم. الإشارة: إذا وقفت القلوب على جبل عرفة المعارف، وتمكنت من شهود جمال معاني تلك الزخارف، حتى صارت تلك المعاني هي روحها وسرها، وإليها مآلها ومسيرها، أمرت بالنزول إلى رض العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، شكرا لما هداها إليه من معالم التحقيق، وما أبان لها من منار الطريق، وإن كانت من قبله لمن الضالين عن الوصول إلى رب العالمين. ثم يؤمرون بمخالطة الناس بأشحباحهم، وانفرادهم عنهم بأرواحهم، أشباحهم مع الخلق تسعى، وأرواحهم في الملكوت ترعى، فإذا وقع منهم ميل أو سكون إلى حس فليستغفروا الله { إن الله غفور رحيم }. ثم يقال لهم: فإذا قضيتم مناسككم، بأن جمعتم بين مشاهدة الربوبية في باطنكم، والقيام بوظائف العبودية في ظاهركم، فاذكروا الله على كل شيء، وعند كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، حتى لا يبقى من الأثر شيء، كما كنتم تذكرون آباءكم وأبناءكم، في حال غفلتكم، بل أشد ذكرا وأعظم وأتم، والله ذو الفضل العظيم. ثم بين الحق تعالى مقاصد الناس، وهممهم في طلبهم وسعيهم، فقال: {... فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } يقول الحق جل جلاله: في بيان مقاصد الناس وهممهم في طلبهم في الحج وغيره: { فمن الناس } من قصرت نيته وانحطت همته، { يقول ربنا آتنا في الدنيا } ما تشتهيه نفوسنا من حظوظها وشهواتها، وليس له { في الآخرة من خلاق } أي: نصيب، لأنه عجل نصيبه في الدنيا. " إن الله يرزق العبد على قدر نيته " { ومنهم } من أراد كرامة الدنيا وشرف الآخرة { يقول ربنا آتنا في الدنيا } حالة { حسنة } كالمعرفة، والعافية، والمال الحلال، والزوجة الحسنة، وجميع أنواع الجمال، { وفي الآخرة حسنة } كالنظرة، والحور العين، والقصور، جميع أنواع النعيم، { وقنا عذاب النار } بالعفو والمغفر، وقال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة،، وفي الآخرة: الحوراء. وعذاب النار في الدنيا: المرأة السوء وقال الحسن: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة. { وقنا عذاب النار }: احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار، وهذه كلها أمثلة للحالة الحسنة. { أولئك } الذين طلبوا خير الدارين { لهم نصيب } وحظ من الجزاء الوافر من أجل ما كسبوا من الأعمال الصالحات، { والله سريع الحساب } يحاسب عباده على كثرتهم، وكثرة أعمالهم، في مقدار لمحة. قيل لعلي رضي الله عنه: كيف يحاسب الله عباده في ساعة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. ه. أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب عباده، فبادروا إلى إغتنام الطاعات، واكتساب الحسنات، قبل هجوم الممات. الإشارة: الناس ثلاثة: صاحب همة دنية، وذو همة متوسطة، وصاحب همة عالية، أما صاحب الهمة الدنية فهو الذي أنزل همته على الدنيا الدنية، وأكب على جمع حطامها الفانية، فقلب هذا خال من حب الحبيب، فما له في الآخرة من نصيب. وأما صاحب الهمة المتوسطة فهو الذي طلب سلامة الدارين، وصلاح الحالين، قد اشتغل في هذه الدار بما ينفعه في دار القرار، ولم ينس نصيبه من الدنيا ليقضي ما له فيها من الأوطار، فهذا له في الدنيا حسنة، وهي الكفاية والغنى، وفي الآخرة حسنة، وهي النعمة والسرور والهنا. وأما صاحب الهمة العالية فهو الذي رفع همته عن الكونين، وأغمض طرفه عن الالتفات إلى الدارين، بل علق همته بمولاه، ولم يقنع بشيء سواه، قد ولى عن هذه الدار مغضيا، وأعرض عنها موليا، ولم يشغله عن الله شيء، يقول بلسان المقال إظهارا لعبودية للكبير المتعال: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة } وهي النظرة والشهود، ورضا الملك الودود، { وفي الآخرة حسنة } وهي اللحوق بأهل الرفيق الأعلى، من المقربين والأنبياء، في حضرة الشهود المؤبد { في مقعد صدق عند مليك مقتدر }. أتحفنا الله من ذلك بحظ وافر، بمنه وكرمه، نحن وأحباءنا أجمعين، آمين.

البقرة 2:199

{ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } قلت: { أن تبتغوا }: على إسقاط حرف الجر، أي: في أن تبتغوا، وسبب نزول الآية: أن عكاظا ومجنة وذا المجاز - أسماء مواضع - كانت أسواقا في الجاهلية يعمرونها في مواسم الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا وتحرجوا أن يتجروا فيها، فقال لهم الحق جل جلاله: { ليس عليكم جناح } أي: إثم أو ميل عن الصواب، في { أن تبتغوا فضلا من ربكم } أي: عطاء ورزقا تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم، إذا خلصت نيتكم، وغلب قصد الحج على التجارة. وها هنا قاعدة ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها: أن العمل إذا تمحض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب، وإذا تمحض الله خالصا فهو سبب القرب والثواب، وإذا امتزج بشوب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث فإن كان باعث الحظ أغلب، سقط، وكان إلى العقوبة أقرب، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله، وإن كان باعث التقرب أغلب، حط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ، وإن تساوي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه. ثم قال: ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه. ثم قال: والصواب أن يقال: مهما كان الحج هو المحرك الأصلي، وكان غرض التجارة كالتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، ثم طرد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة، يعني: ينظر لغالب الباعث وخلوص القصد، وكذلك الصوم للحمية والثواب، ينظر لغالب الباعث. قلت: وتطرد هذه القاعدة في المعاملات كلها، وجميع الحركات والسكنات والحرف وسائر الأسباب، فالخالص من الحظوظ مقبول، والمتمحض للحظوظ مردود، والمشوب ينظر للغالب كما تقدم. وقد ذكر شيه المشايخ سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه قاعدة أخرى أدق من هذه فقال: إذا أكرم الله عبدا في حركاته وسكناته، نصب له العبودية لله وستر عنه حظوظ نفسه، وجعله يتقلب في عبوديته، والحظوظ عنه مستورة، مع جري ما قدر له، ولا يلتفت إليها لأنها في معزل عنه، وإذا أهان الله عبدا في حركاته وسكناته، نصب له حظوظ نفسه، وستر عنه عبوديته، فهو يتقلب في شهواته، وعبودية الله عنه بمعزل، وإن كان يجري عليه شيء منها في الظاهر، قال: وهذا باب من الولاية والإهانة. وأما الصديقية العظمى، والولاية الكبرى، فالحظوظ والحقوق كلها سواء عند ذوي البصيرة لأنه بالله فيما يأخذ ويترك. ه. الإشارة: العبد لا يستغني عن طلب الزيادة، ولو بلغ من الكمال غاية النهاية، فالقناعة من الله حرمان، واعتقاد بلوغ النهاية نقصان، فليس عليكم جناح أيها العارفون أن تبتغوا فضلا من ربكم زيادة في إيقانكم، وترقيا في معانيكم، إذ كمالات الحق لا نهاية لها، وأسرار الذات لا إحاطة بها، قال تعالى: ولا يحيطون به علما [طه: 110]. والله ولي التوفيق. ثم ذكر الحق تعالى الوقوف بعرفة، والرجوع إلى المزدلفة والمشعر الحرام، فقال: {...فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضآلين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا... } قلت: { أفضتم }: دفعتم، وأصل الإفاضة: الدفع بقوة، من فاض الماء إذا نبع بقوة، ثم استعمل في مطلق الاندفاع على سبيل المبالغة. و { عرفات } فيه الصرف وعدمه، كأذرعات. وسمى عرفات لقول إبراهيم الخليل عليه السلام لجبريل حين علمه المناسك: قد عرفت: أو لمعرفة آدم حواء فيها. والكاف في { كما هداكم } تعليلية، و { ما } مصدرية، أي: واذكروه لأجل هدايته لكم. و { إن كنتم } مخففة، واللام فارقة، وقوله: { أو أشد } نعت لمصدر محذوف، أي: أو ذكرا أشد... الخ. يقول الحق جل جلاله: فإذا وقفتم بعرفة، وأفضتم منها، فانزلوا المزدلفة وبيتوا بها، فإذا صليتم الصبح بغلس فقفوا عند { المشعر الحرام } ، وهو جبل في آخر المزدلفة، واذكروا الله عنده بالتهليل والتكبير والتلبية إلى الإسفار، هكذا فعل الرسول - عليه الصلاة والسلام -، { واذكروه } لأجل ما هداكم إليه من معالم دينه ومناسك حجه، وغير ذلك من شعائر الدين، أو فاذكروه ذكرا حسنا هداكم هداية حسنة، وقد كنتم من قبل هذه الهداية { لمن الضالين }. وكانت قريش لا تقف مع الناس ترفعا عليهم، بل تقف بالمزدلفة، فأمرهم الحق جل جلاله بالوقوف مع الناس، فقال لهم: { ثم أفيضوا } يا معشر قريش { من حيث أفاض الناس } بأن تقضوا معهم، وتفيضوا من حيث أفاضوا، { واستغفروا الله } في تغييركم مناسك إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - { إن الله غفور } لكم، { رحيم } بكم إن تبتم ورجعتم واتبعتم رسولكم. { فإذا قضيتم مناسككم } وفرغتم من حجتكم { فاذكروا الله } ذكرا كثيرا { كذكركم آباءكم } أو ذكرا { أشد ذكرا } منهم، حيث كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة، وكانوا إذا فرغوا من حجهم وقفوا بمنى، بين المسجد والجبل، فيذكرون مفاخرة آبائهم، ومحاسن أيامهم، فأمروا أن يبدلوا ذلك بذكر الله، وذكر إحسانه إليهم، وشكر ما أسداه إليهم من مفاخر الدنيا والآخرة، إن آمنوا واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم. الإشارة: إذا وقفت القلوب على جبل عرفة المعارف، وتمكنت من شهود جمال معاني تلك الزخارف، حتى صارت تلك المعاني هي روحها وسرها، وإليها مآلها ومسيرها، أمرت بالنزول إلى رض العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، شكرا لما هداها إليه من معالم التحقيق، وما أبان لها من منار الطريق، وإن كانت من قبله لمن الضالين عن الوصول إلى رب العالمين. ثم يؤمرون بمخالطة الناس بأشحباحهم، وانفرادهم عنهم بأرواحهم، أشباحهم مع الخلق تسعى، وأرواحهم في الملكوت ترعى، فإذا وقع منهم ميل أو سكون إلى حس فليستغفروا الله { إن الله غفور رحيم }. ثم يقال لهم: فإذا قضيتم مناسككم، بأن جمعتم بين مشاهدة الربوبية في باطنكم، والقيام بوظائف العبودية في ظاهركم، فاذكروا الله على كل شيء، وعند كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، حتى لا يبقى من الأثر شيء، كما كنتم تذكرون آباءكم وأبناءكم، في حال غفلتكم، بل أشد ذكرا وأعظم وأتم، والله ذو الفضل العظيم. ثم بين الحق تعالى مقاصد الناس، وهممهم في طلبهم وسعيهم، فقال: {... فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } يقول الحق جل جلاله: في بيان مقاصد الناس وهممهم في طلبهم في الحج وغيره: { فمن الناس } من قصرت نيته وانحطت همته، { يقول ربنا آتنا في الدنيا } ما تشتهيه نفوسنا من حظوظها وشهواتها، وليس له { في الآخرة من خلاق } أي: نصيب، لأنه عجل نصيبه في الدنيا. " إن الله يرزق العبد على قدر نيته " { ومنهم } من أراد كرامة الدنيا وشرف الآخرة { يقول ربنا آتنا في الدنيا } حالة { حسنة } كالمعرفة، والعافية، والمال الحلال، والزوجة الحسنة، وجميع أنواع الجمال، { وفي الآخرة حسنة } كالنظرة، والحور العين، والقصور، جميع أنواع النعيم، { وقنا عذاب النار } بالعفو والمغفر، وقال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة،، وفي الآخرة: الحوراء. وعذاب النار في الدنيا: المرأة السوء وقال الحسن: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة. { وقنا عذاب النار }: احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار، وهذه كلها أمثلة للحالة الحسنة. { أولئك } الذين طلبوا خير الدارين { لهم نصيب } وحظ من الجزاء الوافر من أجل ما كسبوا من الأعمال الصالحات، { والله سريع الحساب } يحاسب عباده على كثرتهم، وكثرة أعمالهم، في مقدار لمحة. قيل لعلي رضي الله عنه: كيف يحاسب الله عباده في ساعة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. ه. أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب عباده، فبادروا إلى إغتنام الطاعات، واكتساب الحسنات، قبل هجوم الممات. الإشارة: الناس ثلاثة: صاحب همة دنية، وذو همة متوسطة، وصاحب همة عالية، أما صاحب الهمة الدنية فهو الذي أنزل همته على الدنيا الدنية، وأكب على جمع حطامها الفانية، فقلب هذا خال من حب الحبيب، فما له في الآخرة من نصيب. وأما صاحب الهمة المتوسطة فهو الذي طلب سلامة الدارين، وصلاح الحالين، قد اشتغل في هذه الدار بما ينفعه في دار القرار، ولم ينس نصيبه من الدنيا ليقضي ما له فيها من الأوطار، فهذا له في الدنيا حسنة، وهي الكفاية والغنى، وفي الآخرة حسنة، وهي النعمة والسرور والهنا. وأما صاحب الهمة العالية فهو الذي رفع همته عن الكونين، وأغمض طرفه عن الالتفات إلى الدارين، بل علق همته بمولاه، ولم يقنع بشيء سواه، قد ولى عن هذه الدار مغضيا، وأعرض عنها موليا، ولم يشغله عن الله شيء، يقول بلسان المقال إظهارا لعبودية للكبير المتعال: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة } وهي النظرة والشهود، ورضا الملك الودود، { وفي الآخرة حسنة } وهي اللحوق بأهل الرفيق الأعلى، من المقربين والأنبياء، في حضرة الشهود المؤبد { في مقعد صدق عند مليك مقتدر }. أتحفنا الله من ذلك بحظ وافر، بمنه وكرمه، نحن وأحباءنا أجمعين، آمين.

البقرة 2:200

{ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } قلت: { أن تبتغوا }: على إسقاط حرف الجر، أي: في أن تبتغوا، وسبب نزول الآية: أن عكاظا ومجنة وذا المجاز - أسماء مواضع - كانت أسواقا في الجاهلية يعمرونها في مواسم الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا وتحرجوا أن يتجروا فيها، فقال لهم الحق جل جلاله: { ليس عليكم جناح } أي: إثم أو ميل عن الصواب، في { أن تبتغوا فضلا من ربكم } أي: عطاء ورزقا تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم، إذا خلصت نيتكم، وغلب قصد الحج على التجارة. وها هنا قاعدة ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها: أن العمل إذا تمحض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب، وإذا تمحض الله خالصا فهو سبب القرب والثواب، وإذا امتزج بشوب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث فإن كان باعث الحظ أغلب، سقط، وكان إلى العقوبة أقرب، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله، وإن كان باعث التقرب أغلب، حط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ، وإن تساوي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه. ثم قال: ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه. ثم قال: والصواب أن يقال: مهما كان الحج هو المحرك الأصلي، وكان غرض التجارة كالتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، ثم طرد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة، يعني: ينظر لغالب الباعث وخلوص القصد، وكذلك الصوم للحمية والثواب، ينظر لغالب الباعث. قلت: وتطرد هذه القاعدة في المعاملات كلها، وجميع الحركات والسكنات والحرف وسائر الأسباب، فالخالص من الحظوظ مقبول، والمتمحض للحظوظ مردود، والمشوب ينظر للغالب كما تقدم. وقد ذكر شيه المشايخ سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه قاعدة أخرى أدق من هذه فقال: إذا أكرم الله عبدا في حركاته وسكناته، نصب له العبودية لله وستر عنه حظوظ نفسه، وجعله يتقلب في عبوديته، والحظوظ عنه مستورة، مع جري ما قدر له، ولا يلتفت إليها لأنها في معزل عنه، وإذا أهان الله عبدا في حركاته وسكناته، نصب له حظوظ نفسه، وستر عنه عبوديته، فهو يتقلب في شهواته، وعبودية الله عنه بمعزل، وإن كان يجري عليه شيء منها في الظاهر، قال: وهذا باب من الولاية والإهانة. وأما الصديقية العظمى، والولاية الكبرى، فالحظوظ والحقوق كلها سواء عند ذوي البصيرة لأنه بالله فيما يأخذ ويترك. ه. الإشارة: العبد لا يستغني عن طلب الزيادة، ولو بلغ من الكمال غاية النهاية، فالقناعة من الله حرمان، واعتقاد بلوغ النهاية نقصان، فليس عليكم جناح أيها العارفون أن تبتغوا فضلا من ربكم زيادة في إيقانكم، وترقيا في معانيكم، إذ كمالات الحق لا نهاية لها، وأسرار الذات لا إحاطة بها، قال تعالى: ولا يحيطون به علما [طه: 110]. والله ولي التوفيق. ثم ذكر الحق تعالى الوقوف بعرفة، والرجوع إلى المزدلفة والمشعر الحرام، فقال: {...فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضآلين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا... } قلت: { أفضتم }: دفعتم، وأصل الإفاضة: الدفع بقوة، من فاض الماء إذا نبع بقوة، ثم استعمل في مطلق الاندفاع على سبيل المبالغة. و { عرفات } فيه الصرف وعدمه، كأذرعات. وسمى عرفات لقول إبراهيم الخليل عليه السلام لجبريل حين علمه المناسك: قد عرفت: أو لمعرفة آدم حواء فيها. والكاف في { كما هداكم } تعليلية، و { ما } مصدرية، أي: واذكروه لأجل هدايته لكم. و { إن كنتم } مخففة، واللام فارقة، وقوله: { أو أشد } نعت لمصدر محذوف، أي: أو ذكرا أشد... الخ. يقول الحق جل جلاله: فإذا وقفتم بعرفة، وأفضتم منها، فانزلوا المزدلفة وبيتوا بها، فإذا صليتم الصبح بغلس فقفوا عند { المشعر الحرام } ، وهو جبل في آخر المزدلفة، واذكروا الله عنده بالتهليل والتكبير والتلبية إلى الإسفار، هكذا فعل الرسول - عليه الصلاة والسلام -، { واذكروه } لأجل ما هداكم إليه من معالم دينه ومناسك حجه، وغير ذلك من شعائر الدين، أو فاذكروه ذكرا حسنا هداكم هداية حسنة، وقد كنتم من قبل هذه الهداية { لمن الضالين }. وكانت قريش لا تقف مع الناس ترفعا عليهم، بل تقف بالمزدلفة، فأمرهم الحق جل جلاله بالوقوف مع الناس، فقال لهم: { ثم أفيضوا } يا معشر قريش { من حيث أفاض الناس } بأن تقضوا معهم، وتفيضوا من حيث أفاضوا، { واستغفروا الله } في تغييركم مناسك إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - { إن الله غفور } لكم، { رحيم } بكم إن تبتم ورجعتم واتبعتم رسولكم. { فإذا قضيتم مناسككم } وفرغتم من حجتكم { فاذكروا الله } ذكرا كثيرا { كذكركم آباءكم } أو ذكرا { أشد ذكرا } منهم، حيث كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة، وكانوا إذا فرغوا من حجهم وقفوا بمنى، بين المسجد والجبل، فيذكرون مفاخرة آبائهم، ومحاسن أيامهم، فأمروا أن يبدلوا ذلك بذكر الله، وذكر إحسانه إليهم، وشكر ما أسداه إليهم من مفاخر الدنيا والآخرة، إن آمنوا واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم. الإشارة: إذا وقفت القلوب على جبل عرفة المعارف، وتمكنت من شهود جمال معاني تلك الزخارف، حتى صارت تلك المعاني هي روحها وسرها، وإليها مآلها ومسيرها، أمرت بالنزول إلى رض العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، شكرا لما هداها إليه من معالم التحقيق، وما أبان لها من منار الطريق، وإن كانت من قبله لمن الضالين عن الوصول إلى رب العالمين. ثم يؤمرون بمخالطة الناس بأشحباحهم، وانفرادهم عنهم بأرواحهم، أشباحهم مع الخلق تسعى، وأرواحهم في الملكوت ترعى، فإذا وقع منهم ميل أو سكون إلى حس فليستغفروا الله { إن الله غفور رحيم }. ثم يقال لهم: فإذا قضيتم مناسككم، بأن جمعتم بين مشاهدة الربوبية في باطنكم، والقيام بوظائف العبودية في ظاهركم، فاذكروا الله على كل شيء، وعند كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، حتى لا يبقى من الأثر شيء، كما كنتم تذكرون آباءكم وأبناءكم، في حال غفلتكم، بل أشد ذكرا وأعظم وأتم، والله ذو الفضل العظيم. ثم بين الحق تعالى مقاصد الناس، وهممهم في طلبهم وسعيهم، فقال: {... فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } يقول الحق جل جلاله: في بيان مقاصد الناس وهممهم في طلبهم في الحج وغيره: { فمن الناس } من قصرت نيته وانحطت همته، { يقول ربنا آتنا في الدنيا } ما تشتهيه نفوسنا من حظوظها وشهواتها، وليس له { في الآخرة من خلاق } أي: نصيب، لأنه عجل نصيبه في الدنيا. " إن الله يرزق العبد على قدر نيته " { ومنهم } من أراد كرامة الدنيا وشرف الآخرة { يقول ربنا آتنا في الدنيا } حالة { حسنة } كالمعرفة، والعافية، والمال الحلال، والزوجة الحسنة، وجميع أنواع الجمال، { وفي الآخرة حسنة } كالنظرة، والحور العين، والقصور، جميع أنواع النعيم، { وقنا عذاب النار } بالعفو والمغفر، وقال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة،، وفي الآخرة: الحوراء. وعذاب النار في الدنيا: المرأة السوء وقال الحسن: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة. { وقنا عذاب النار }: احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار، وهذه كلها أمثلة للحالة الحسنة. { أولئك } الذين طلبوا خير الدارين { لهم نصيب } وحظ من الجزاء الوافر من أجل ما كسبوا من الأعمال الصالحات، { والله سريع الحساب } يحاسب عباده على كثرتهم، وكثرة أعمالهم، في مقدار لمحة. قيل لعلي رضي الله عنه: كيف يحاسب الله عباده في ساعة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. ه. أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب عباده، فبادروا إلى إغتنام الطاعات، واكتساب الحسنات، قبل هجوم الممات. الإشارة: الناس ثلاثة: صاحب همة دنية، وذو همة متوسطة، وصاحب همة عالية، أما صاحب الهمة الدنية فهو الذي أنزل همته على الدنيا الدنية، وأكب على جمع حطامها الفانية، فقلب هذا خال من حب الحبيب، فما له في الآخرة من نصيب. وأما صاحب الهمة المتوسطة فهو الذي طلب سلامة الدارين، وصلاح الحالين، قد اشتغل في هذه الدار بما ينفعه في دار القرار، ولم ينس نصيبه من الدنيا ليقضي ما له فيها من الأوطار، فهذا له في الدنيا حسنة، وهي الكفاية والغنى، وفي الآخرة حسنة، وهي النعمة والسرور والهنا. وأما صاحب الهمة العالية فهو الذي رفع همته عن الكونين، وأغمض طرفه عن الالتفات إلى الدارين، بل علق همته بمولاه، ولم يقنع بشيء سواه، قد ولى عن هذه الدار مغضيا، وأعرض عنها موليا، ولم يشغله عن الله شيء، يقول بلسان المقال إظهارا لعبودية للكبير المتعال: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة } وهي النظرة والشهود، ورضا الملك الودود، { وفي الآخرة حسنة } وهي اللحوق بأهل الرفيق الأعلى، من المقربين والأنبياء، في حضرة الشهود المؤبد { في مقعد صدق عند مليك مقتدر }. أتحفنا الله من ذلك بحظ وافر، بمنه وكرمه، نحن وأحباءنا أجمعين، آمين.

البقرة 2:201

{ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } قلت: { أن تبتغوا }: على إسقاط حرف الجر، أي: في أن تبتغوا، وسبب نزول الآية: أن عكاظا ومجنة وذا المجاز - أسماء مواضع - كانت أسواقا في الجاهلية يعمرونها في مواسم الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا وتحرجوا أن يتجروا فيها، فقال لهم الحق جل جلاله: { ليس عليكم جناح } أي: إثم أو ميل عن الصواب، في { أن تبتغوا فضلا من ربكم } أي: عطاء ورزقا تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم، إذا خلصت نيتكم، وغلب قصد الحج على التجارة. وها هنا قاعدة ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها: أن العمل إذا تمحض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب، وإذا تمحض الله خالصا فهو سبب القرب والثواب، وإذا امتزج بشوب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث فإن كان باعث الحظ أغلب، سقط، وكان إلى العقوبة أقرب، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله، وإن كان باعث التقرب أغلب، حط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ، وإن تساوي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه. ثم قال: ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه. ثم قال: والصواب أن يقال: مهما كان الحج هو المحرك الأصلي، وكان غرض التجارة كالتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، ثم طرد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة، يعني: ينظر لغالب الباعث وخلوص القصد، وكذلك الصوم للحمية والثواب، ينظر لغالب الباعث. قلت: وتطرد هذه القاعدة في المعاملات كلها، وجميع الحركات والسكنات والحرف وسائر الأسباب، فالخالص من الحظوظ مقبول، والمتمحض للحظوظ مردود، والمشوب ينظر للغالب كما تقدم. وقد ذكر شيه المشايخ سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه قاعدة أخرى أدق من هذه فقال: إذا أكرم الله عبدا في حركاته وسكناته، نصب له العبودية لله وستر عنه حظوظ نفسه، وجعله يتقلب في عبوديته، والحظوظ عنه مستورة، مع جري ما قدر له، ولا يلتفت إليها لأنها في معزل عنه، وإذا أهان الله عبدا في حركاته وسكناته، نصب له حظوظ نفسه، وستر عنه عبوديته، فهو يتقلب في شهواته، وعبودية الله عنه بمعزل، وإن كان يجري عليه شيء منها في الظاهر، قال: وهذا باب من الولاية والإهانة. وأما الصديقية العظمى، والولاية الكبرى، فالحظوظ والحقوق كلها سواء عند ذوي البصيرة لأنه بالله فيما يأخذ ويترك. ه. الإشارة: العبد لا يستغني عن طلب الزيادة، ولو بلغ من الكمال غاية النهاية، فالقناعة من الله حرمان، واعتقاد بلوغ النهاية نقصان، فليس عليكم جناح أيها العارفون أن تبتغوا فضلا من ربكم زيادة في إيقانكم، وترقيا في معانيكم، إذ كمالات الحق لا نهاية لها، وأسرار الذات لا إحاطة بها، قال تعالى: ولا يحيطون به علما [طه: 110]. والله ولي التوفيق. ثم ذكر الحق تعالى الوقوف بعرفة، والرجوع إلى المزدلفة والمشعر الحرام، فقال: {...فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضآلين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا... } قلت: { أفضتم }: دفعتم، وأصل الإفاضة: الدفع بقوة، من فاض الماء إذا نبع بقوة، ثم استعمل في مطلق الاندفاع على سبيل المبالغة. و { عرفات } فيه الصرف وعدمه، كأذرعات. وسمى عرفات لقول إبراهيم الخليل عليه السلام لجبريل حين علمه المناسك: قد عرفت: أو لمعرفة آدم حواء فيها. والكاف في { كما هداكم } تعليلية، و { ما } مصدرية، أي: واذكروه لأجل هدايته لكم. و { إن كنتم } مخففة، واللام فارقة، وقوله: { أو أشد } نعت لمصدر محذوف، أي: أو ذكرا أشد... الخ. يقول الحق جل جلاله: فإذا وقفتم بعرفة، وأفضتم منها، فانزلوا المزدلفة وبيتوا بها، فإذا صليتم الصبح بغلس فقفوا عند { المشعر الحرام } ، وهو جبل في آخر المزدلفة، واذكروا الله عنده بالتهليل والتكبير والتلبية إلى الإسفار، هكذا فعل الرسول - عليه الصلاة والسلام -، { واذكروه } لأجل ما هداكم إليه من معالم دينه ومناسك حجه، وغير ذلك من شعائر الدين، أو فاذكروه ذكرا حسنا هداكم هداية حسنة، وقد كنتم من قبل هذه الهداية { لمن الضالين }. وكانت قريش لا تقف مع الناس ترفعا عليهم، بل تقف بالمزدلفة، فأمرهم الحق جل جلاله بالوقوف مع الناس، فقال لهم: { ثم أفيضوا } يا معشر قريش { من حيث أفاض الناس } بأن تقضوا معهم، وتفيضوا من حيث أفاضوا، { واستغفروا الله } في تغييركم مناسك إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - { إن الله غفور } لكم، { رحيم } بكم إن تبتم ورجعتم واتبعتم رسولكم. { فإذا قضيتم مناسككم } وفرغتم من حجتكم { فاذكروا الله } ذكرا كثيرا { كذكركم آباءكم } أو ذكرا { أشد ذكرا } منهم، حيث كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة، وكانوا إذا فرغوا من حجهم وقفوا بمنى، بين المسجد والجبل، فيذكرون مفاخرة آبائهم، ومحاسن أيامهم، فأمروا أن يبدلوا ذلك بذكر الله، وذكر إحسانه إليهم، وشكر ما أسداه إليهم من مفاخر الدنيا والآخرة، إن آمنوا واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم. الإشارة: إذا وقفت القلوب على جبل عرفة المعارف، وتمكنت من شهود جمال معاني تلك الزخارف، حتى صارت تلك المعاني هي روحها وسرها، وإليها مآلها ومسيرها، أمرت بالنزول إلى رض العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، شكرا لما هداها إليه من معالم التحقيق، وما أبان لها من منار الطريق، وإن كانت من قبله لمن الضالين عن الوصول إلى رب العالمين. ثم يؤمرون بمخالطة الناس بأشحباحهم، وانفرادهم عنهم بأرواحهم، أشباحهم مع الخلق تسعى، وأرواحهم في الملكوت ترعى، فإذا وقع منهم ميل أو سكون إلى حس فليستغفروا الله { إن الله غفور رحيم }. ثم يقال لهم: فإذا قضيتم مناسككم، بأن جمعتم بين مشاهدة الربوبية في باطنكم، والقيام بوظائف العبودية في ظاهركم، فاذكروا الله على كل شيء، وعند كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، حتى لا يبقى من الأثر شيء، كما كنتم تذكرون آباءكم وأبناءكم، في حال غفلتكم، بل أشد ذكرا وأعظم وأتم، والله ذو الفضل العظيم. ثم بين الحق تعالى مقاصد الناس، وهممهم في طلبهم وسعيهم، فقال: {... فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } يقول الحق جل جلاله: في بيان مقاصد الناس وهممهم في طلبهم في الحج وغيره: { فمن الناس } من قصرت نيته وانحطت همته، { يقول ربنا آتنا في الدنيا } ما تشتهيه نفوسنا من حظوظها وشهواتها، وليس له { في الآخرة من خلاق } أي: نصيب، لأنه عجل نصيبه في الدنيا. " إن الله يرزق العبد على قدر نيته " { ومنهم } من أراد كرامة الدنيا وشرف الآخرة { يقول ربنا آتنا في الدنيا } حالة { حسنة } كالمعرفة، والعافية، والمال الحلال، والزوجة الحسنة، وجميع أنواع الجمال، { وفي الآخرة حسنة } كالنظرة، والحور العين، والقصور، جميع أنواع النعيم، { وقنا عذاب النار } بالعفو والمغفر، وقال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة،، وفي الآخرة: الحوراء. وعذاب النار في الدنيا: المرأة السوء وقال الحسن: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة. { وقنا عذاب النار }: احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار، وهذه كلها أمثلة للحالة الحسنة. { أولئك } الذين طلبوا خير الدارين { لهم نصيب } وحظ من الجزاء الوافر من أجل ما كسبوا من الأعمال الصالحات، { والله سريع الحساب } يحاسب عباده على كثرتهم، وكثرة أعمالهم، في مقدار لمحة. قيل لعلي رضي الله عنه: كيف يحاسب الله عباده في ساعة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. ه. أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب عباده، فبادروا إلى إغتنام الطاعات، واكتساب الحسنات، قبل هجوم الممات. الإشارة: الناس ثلاثة: صاحب همة دنية، وذو همة متوسطة، وصاحب همة عالية، أما صاحب الهمة الدنية فهو الذي أنزل همته على الدنيا الدنية، وأكب على جمع حطامها الفانية، فقلب هذا خال من حب الحبيب، فما له في الآخرة من نصيب. وأما صاحب الهمة المتوسطة فهو الذي طلب سلامة الدارين، وصلاح الحالين، قد اشتغل في هذه الدار بما ينفعه في دار القرار، ولم ينس نصيبه من الدنيا ليقضي ما له فيها من الأوطار، فهذا له في الدنيا حسنة، وهي الكفاية والغنى، وفي الآخرة حسنة، وهي النعمة والسرور والهنا. وأما صاحب الهمة العالية فهو الذي رفع همته عن الكونين، وأغمض طرفه عن الالتفات إلى الدارين، بل علق همته بمولاه، ولم يقنع بشيء سواه، قد ولى عن هذه الدار مغضيا، وأعرض عنها موليا، ولم يشغله عن الله شيء، يقول بلسان المقال إظهارا لعبودية للكبير المتعال: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة } وهي النظرة والشهود، ورضا الملك الودود، { وفي الآخرة حسنة } وهي اللحوق بأهل الرفيق الأعلى، من المقربين والأنبياء، في حضرة الشهود المؤبد { في مقعد صدق عند مليك مقتدر }. أتحفنا الله من ذلك بحظ وافر، بمنه وكرمه، نحن وأحباءنا أجمعين، آمين.

البقرة 2:202

{ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } قلت: { أن تبتغوا }: على إسقاط حرف الجر، أي: في أن تبتغوا، وسبب نزول الآية: أن عكاظا ومجنة وذا المجاز - أسماء مواضع - كانت أسواقا في الجاهلية يعمرونها في مواسم الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا وتحرجوا أن يتجروا فيها، فقال لهم الحق جل جلاله: { ليس عليكم جناح } أي: إثم أو ميل عن الصواب، في { أن تبتغوا فضلا من ربكم } أي: عطاء ورزقا تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم، إذا خلصت نيتكم، وغلب قصد الحج على التجارة. وها هنا قاعدة ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها: أن العمل إذا تمحض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب، وإذا تمحض الله خالصا فهو سبب القرب والثواب، وإذا امتزج بشوب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث فإن كان باعث الحظ أغلب، سقط، وكان إلى العقوبة أقرب، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله، وإن كان باعث التقرب أغلب، حط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ، وإن تساوي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه. ثم قال: ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه. ثم قال: والصواب أن يقال: مهما كان الحج هو المحرك الأصلي، وكان غرض التجارة كالتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، ثم طرد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة، يعني: ينظر لغالب الباعث وخلوص القصد، وكذلك الصوم للحمية والثواب، ينظر لغالب الباعث. قلت: وتطرد هذه القاعدة في المعاملات كلها، وجميع الحركات والسكنات والحرف وسائر الأسباب، فالخالص من الحظوظ مقبول، والمتمحض للحظوظ مردود، والمشوب ينظر للغالب كما تقدم. وقد ذكر شيه المشايخ سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه قاعدة أخرى أدق من هذه فقال: إذا أكرم الله عبدا في حركاته وسكناته، نصب له العبودية لله وستر عنه حظوظ نفسه، وجعله يتقلب في عبوديته، والحظوظ عنه مستورة، مع جري ما قدر له، ولا يلتفت إليها لأنها في معزل عنه، وإذا أهان الله عبدا في حركاته وسكناته، نصب له حظوظ نفسه، وستر عنه عبوديته، فهو يتقلب في شهواته، وعبودية الله عنه بمعزل، وإن كان يجري عليه شيء منها في الظاهر، قال: وهذا باب من الولاية والإهانة. وأما الصديقية العظمى، والولاية الكبرى، فالحظوظ والحقوق كلها سواء عند ذوي البصيرة لأنه بالله فيما يأخذ ويترك. ه. الإشارة: العبد لا يستغني عن طلب الزيادة، ولو بلغ من الكمال غاية النهاية، فالقناعة من الله حرمان، واعتقاد بلوغ النهاية نقصان، فليس عليكم جناح أيها العارفون أن تبتغوا فضلا من ربكم زيادة في إيقانكم، وترقيا في معانيكم، إذ كمالات الحق لا نهاية لها، وأسرار الذات لا إحاطة بها، قال تعالى: ولا يحيطون به علما [طه: 110]. والله ولي التوفيق. ثم ذكر الحق تعالى الوقوف بعرفة، والرجوع إلى المزدلفة والمشعر الحرام، فقال: {...فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضآلين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا... } قلت: { أفضتم }: دفعتم، وأصل الإفاضة: الدفع بقوة، من فاض الماء إذا نبع بقوة، ثم استعمل في مطلق الاندفاع على سبيل المبالغة. و { عرفات } فيه الصرف وعدمه، كأذرعات. وسمى عرفات لقول إبراهيم الخليل عليه السلام لجبريل حين علمه المناسك: قد عرفت: أو لمعرفة آدم حواء فيها. والكاف في { كما هداكم } تعليلية، و { ما } مصدرية، أي: واذكروه لأجل هدايته لكم. و { إن كنتم } مخففة، واللام فارقة، وقوله: { أو أشد } نعت لمصدر محذوف، أي: أو ذكرا أشد... الخ. يقول الحق جل جلاله: فإذا وقفتم بعرفة، وأفضتم منها، فانزلوا المزدلفة وبيتوا بها، فإذا صليتم الصبح بغلس فقفوا عند { المشعر الحرام } ، وهو جبل في آخر المزدلفة، واذكروا الله عنده بالتهليل والتكبير والتلبية إلى الإسفار، هكذا فعل الرسول - عليه الصلاة والسلام -، { واذكروه } لأجل ما هداكم إليه من معالم دينه ومناسك حجه، وغير ذلك من شعائر الدين، أو فاذكروه ذكرا حسنا هداكم هداية حسنة، وقد كنتم من قبل هذه الهداية { لمن الضالين }. وكانت قريش لا تقف مع الناس ترفعا عليهم، بل تقف بالمزدلفة، فأمرهم الحق جل جلاله بالوقوف مع الناس، فقال لهم: { ثم أفيضوا } يا معشر قريش { من حيث أفاض الناس } بأن تقضوا معهم، وتفيضوا من حيث أفاضوا، { واستغفروا الله } في تغييركم مناسك إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - { إن الله غفور } لكم، { رحيم } بكم إن تبتم ورجعتم واتبعتم رسولكم. { فإذا قضيتم مناسككم } وفرغتم من حجتكم { فاذكروا الله } ذكرا كثيرا { كذكركم آباءكم } أو ذكرا { أشد ذكرا } منهم، حيث كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة، وكانوا إذا فرغوا من حجهم وقفوا بمنى، بين المسجد والجبل، فيذكرون مفاخرة آبائهم، ومحاسن أيامهم، فأمروا أن يبدلوا ذلك بذكر الله، وذكر إحسانه إليهم، وشكر ما أسداه إليهم من مفاخر الدنيا والآخرة، إن آمنوا واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم. الإشارة: إذا وقفت القلوب على جبل عرفة المعارف، وتمكنت من شهود جمال معاني تلك الزخارف، حتى صارت تلك المعاني هي روحها وسرها، وإليها مآلها ومسيرها، أمرت بالنزول إلى رض العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، شكرا لما هداها إليه من معالم التحقيق، وما أبان لها من منار الطريق، وإن كانت من قبله لمن الضالين عن الوصول إلى رب العالمين. ثم يؤمرون بمخالطة الناس بأشحباحهم، وانفرادهم عنهم بأرواحهم، أشباحهم مع الخلق تسعى، وأرواحهم في الملكوت ترعى، فإذا وقع منهم ميل أو سكون إلى حس فليستغفروا الله { إن الله غفور رحيم }. ثم يقال لهم: فإذا قضيتم مناسككم، بأن جمعتم بين مشاهدة الربوبية في باطنكم، والقيام بوظائف العبودية في ظاهركم، فاذكروا الله على كل شيء، وعند كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، حتى لا يبقى من الأثر شيء، كما كنتم تذكرون آباءكم وأبناءكم، في حال غفلتكم، بل أشد ذكرا وأعظم وأتم، والله ذو الفضل العظيم. ثم بين الحق تعالى مقاصد الناس، وهممهم في طلبهم وسعيهم، فقال: {... فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } يقول الحق جل جلاله: في بيان مقاصد الناس وهممهم في طلبهم في الحج وغيره: { فمن الناس } من قصرت نيته وانحطت همته، { يقول ربنا آتنا في الدنيا } ما تشتهيه نفوسنا من حظوظها وشهواتها، وليس له { في الآخرة من خلاق } أي: نصيب، لأنه عجل نصيبه في الدنيا. " إن الله يرزق العبد على قدر نيته " { ومنهم } من أراد كرامة الدنيا وشرف الآخرة { يقول ربنا آتنا في الدنيا } حالة { حسنة } كالمعرفة، والعافية، والمال الحلال، والزوجة الحسنة، وجميع أنواع الجمال، { وفي الآخرة حسنة } كالنظرة، والحور العين، والقصور، جميع أنواع النعيم، { وقنا عذاب النار } بالعفو والمغفر، وقال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة،، وفي الآخرة: الحوراء. وعذاب النار في الدنيا: المرأة السوء وقال الحسن: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة. { وقنا عذاب النار }: احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار، وهذه كلها أمثلة للحالة الحسنة. { أولئك } الذين طلبوا خير الدارين { لهم نصيب } وحظ من الجزاء الوافر من أجل ما كسبوا من الأعمال الصالحات، { والله سريع الحساب } يحاسب عباده على كثرتهم، وكثرة أعمالهم، في مقدار لمحة. قيل لعلي رضي الله عنه: كيف يحاسب الله عباده في ساعة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. ه. أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب عباده، فبادروا إلى إغتنام الطاعات، واكتساب الحسنات، قبل هجوم الممات. الإشارة: الناس ثلاثة: صاحب همة دنية، وذو همة متوسطة، وصاحب همة عالية، أما صاحب الهمة الدنية فهو الذي أنزل همته على الدنيا الدنية، وأكب على جمع حطامها الفانية، فقلب هذا خال من حب الحبيب، فما له في الآخرة من نصيب. وأما صاحب الهمة المتوسطة فهو الذي طلب سلامة الدارين، وصلاح الحالين، قد اشتغل في هذه الدار بما ينفعه في دار القرار، ولم ينس نصيبه من الدنيا ليقضي ما له فيها من الأوطار، فهذا له في الدنيا حسنة، وهي الكفاية والغنى، وفي الآخرة حسنة، وهي النعمة والسرور والهنا. وأما صاحب الهمة العالية فهو الذي رفع همته عن الكونين، وأغمض طرفه عن الالتفات إلى الدارين، بل علق همته بمولاه، ولم يقنع بشيء سواه، قد ولى عن هذه الدار مغضيا، وأعرض عنها موليا، ولم يشغله عن الله شيء، يقول بلسان المقال إظهارا لعبودية للكبير المتعال: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة } وهي النظرة والشهود، ورضا الملك الودود، { وفي الآخرة حسنة } وهي اللحوق بأهل الرفيق الأعلى، من المقربين والأنبياء، في حضرة الشهود المؤبد { في مقعد صدق عند مليك مقتدر }. أتحفنا الله من ذلك بحظ وافر، بمنه وكرمه، نحن وأحباءنا أجمعين، آمين.

البقرة 2:203

يقول الحق جل جلاله: { واذكروا الله في أيام معدودات } وهي ثاني النحر وثالثة ورابعه، وهي أيام التشريق وأيام منى، وأما الأيام المعلومات فهي يوم النحر وثانيه وثالثه. والمراد بالذكر: التكبير عند الرمي، وذبح القرابين، وخلف الصلوات الخمس، وغير ذلك، { فمن تعجل في يومين } بحيث رمى ثاني النحر وثالثه، ورجع، { فلا إثم عليه ومن تأخر } لرمى رابع النحر، وهو ثالث أيام منى، { فلا إثم عليه } ، والقصد بنفي الإثم: التخيير والرد على الجاهلية، فإن منهم من أثم المتعجل، ومنهم من أثم المتأخر. هذا كله { لمن اتقى } الله في حجه، لم يرفث، ولم يفسق، فإنه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، كما قال الصادق المصدوق، { واتقوا الله } في جميع أموركم، فإنه ذكر وشرف لكم، { واعلموا أنكم إليه تحشرون } فتجازون على ما أسلفتم من خير أو شر. الإشارة: الأيام المعدودات هي أيام الدنيا فإنها قلائل معدودة، وهي كلها كيوم واحد، وأيام البرزخ يوم ثان، وأيام البعث وما بعده يوم ثالث، فمن تعجل في يومين، بحيث طوى في نظره أيام الدنيا وأيام البرزخ، وسكن بقلبه في يوم القيامة فلا إثم عليه، وهذا هو صاحب الهمة المتوسطة، ومن تأخر حتى زهد في الأيام الثالثة، وعلق همته بمولاه، ولم يلتفت إلى ما سواه، فلا إثم عليه في ذلك التأخر، وإن اتقى شهود السوى، وعلق عمته بمحبة المولى، ثم حض سبحانه على هذه التقوى فقال: { واتقوا الله } فلا تشهدوا معه سواه، { واعلموا أنكم إليه تحشرون } فتروا ما فاز به المتقون.

البقرة 2:204

قلت: نزلت الآية في الأخنس بن شريق الثقفي وصهيب بن سنان الرومي، أما الأخنس فكان رجلا حسن المنظر، حلو المنطق، كان يوالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعي الإسلام، ثم ارتد، ومر على زرع وحمر للمسلمين فقتلها وأفسد الزرع، قال ابن عطية: ولم يثبت أنه أسلم. قلت: بل ذكره في القاموس من الصحابة، فانظره، ولعله تاب بعد نزول الآية. وأما صهيب الرومي فأخذه المشركون وعذبوه ليرتد، فقال لهم: إني شيخ كبير لا أنفعكم إن كنت معكم، ولا أضركم إن كنت عليكم، فخلوني وما أنا عليه، وخذوا مالي، فقبلوه منه، وأتى المدينة فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " ربحت يا أبا يحيى ". وقيل: نزلت في المنافقين ومن نحا نحوهم، وفيمن باع نفسه لله في الجهاد وتغيير المنكر من المسلمين. و { في الحياة الدنيا } يتعلق بالقول، و { ألد الخصام } شديده، وفي الحديث: " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " والخصام: مصدر، أو جمع خصيم. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس } قوم حل اللسان خراب الجنان، إذا تكلم في شأن الدنيا { يعجبك قوله } فيها لرونقه وفصاحته، { ويشهد الله } أي: يحلف على أنه موافق لقلبه، وأن ظاهره موافق لباطنه، وهو شديد الخصومة والعدواة للمسلمين، أو أشد الخصوم، { وإذا تولى } أي: أدبر وانصرف عنك، { سعى في الأرض } أي: مشى فيها بنية الإفساد { ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } كما فعل الأخنس، أو كما فعله أهل الظلم، فيحبس الله القطر، فيهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيهم، { والله لا يحب الفساد } أي: لا يرتضيه، فاحذروا غضبه. { وإذا قيل له اتق الله } وارجع عما أنت عليه من الفساد { أخذته العزة } أي: حملته الحمية والأنفة بسبب الإثم الذي ارتكبه، فلا ينزجر عن غيه. أو حملته الحمية على الإثم الذي يؤمر باتقائه. { فحسبه جهنم } أي: كفته عذابا وعقابا، وهي علم لدار العقاب، كالنار، { ولبئس المهاد } هي: أي: بئس الفراش الذي مهده لنفسه. ونزل في مقابله، وهو صهيب، أو كل من بذل نفسه لله: { ونم الناس من يشري نفسه } أي: يبيعها ويبذلها لله في الجهاد وغيره، { ابتغاء مرضات الله } والوصول إلى حضرته { والله رؤوف بالعباد } الذين يفعلون مثل هذا، فيدرأ عنهم المضار، ويجلب لهم المسار أينما حلوا من الدارين. الإشارة: الناس على قسمين: قسم زينوا ظواهرهم وخربوا بواطنهم، وظاهرهم جميل وباطنهم قبيح، إذا تكلموا في الدنيا أو في الحس، أعجبك قولهم، وراقك منظرهم، وإذا تكلموا في الآخرة، أو في المعنى، أخذتهم الحبسة والدهشة. وفي بعض الكتب المنزلة: " إن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى: أبي يغترون، وعلي يجترئون؟ حلفت لأسلطن عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران ". وقوله: { يلبسون... } الخ. كناية عن إظهار اللين والسهول ليخدع ويغر الناس ليتوصل إلى حظ نفسه من الدنيا، ومع ذلك يدعي موافقة ظاهره لباطنه، وهو شديد الخصومة لأهل الله، وإذا تولى عنك اشتغل بالمعاصي والذنوب، ليفسد في الأرض، ويهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيه، وإذا ذكر: أنف واستكبر، وأخذته حمية الجاهلية، فحسبه البعد في نار القطيعة. والقسم الثاني: قوم زينوا بواطنهم وخربوا ظواهرهم، عمروا قلوبهم بمحبة الله، وبذلوا أنفسهم في مرضات الله، قلوبهم في أعلى عليين، وأشباحهم في أسفل سافلين، فأولئك المقربون مع النبيين والمرسلين. قال بعض العارفين: كلما وضعت نفسك أرضا أرضا، سما قلبك سماء سماء، وكل ما نقص من حسك زاد في معناك. وفي الحديث: " من تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره " وبالله التوفيق.

البقرة 2:205

قلت: نزلت الآية في الأخنس بن شريق الثقفي وصهيب بن سنان الرومي، أما الأخنس فكان رجلا حسن المنظر، حلو المنطق، كان يوالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعي الإسلام، ثم ارتد، ومر على زرع وحمر للمسلمين فقتلها وأفسد الزرع، قال ابن عطية: ولم يثبت أنه أسلم. قلت: بل ذكره في القاموس من الصحابة، فانظره، ولعله تاب بعد نزول الآية. وأما صهيب الرومي فأخذه المشركون وعذبوه ليرتد، فقال لهم: إني شيخ كبير لا أنفعكم إن كنت معكم، ولا أضركم إن كنت عليكم، فخلوني وما أنا عليه، وخذوا مالي، فقبلوه منه، وأتى المدينة فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " ربحت يا أبا يحيى ". وقيل: نزلت في المنافقين ومن نحا نحوهم، وفيمن باع نفسه لله في الجهاد وتغيير المنكر من المسلمين. و { في الحياة الدنيا } يتعلق بالقول، و { ألد الخصام } شديده، وفي الحديث: " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " والخصام: مصدر، أو جمع خصيم. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس } قوم حل اللسان خراب الجنان، إذا تكلم في شأن الدنيا { يعجبك قوله } فيها لرونقه وفصاحته، { ويشهد الله } أي: يحلف على أنه موافق لقلبه، وأن ظاهره موافق لباطنه، وهو شديد الخصومة والعدواة للمسلمين، أو أشد الخصوم، { وإذا تولى } أي: أدبر وانصرف عنك، { سعى في الأرض } أي: مشى فيها بنية الإفساد { ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } كما فعل الأخنس، أو كما فعله أهل الظلم، فيحبس الله القطر، فيهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيهم، { والله لا يحب الفساد } أي: لا يرتضيه، فاحذروا غضبه. { وإذا قيل له اتق الله } وارجع عما أنت عليه من الفساد { أخذته العزة } أي: حملته الحمية والأنفة بسبب الإثم الذي ارتكبه، فلا ينزجر عن غيه. أو حملته الحمية على الإثم الذي يؤمر باتقائه. { فحسبه جهنم } أي: كفته عذابا وعقابا، وهي علم لدار العقاب، كالنار، { ولبئس المهاد } هي: أي: بئس الفراش الذي مهده لنفسه. ونزل في مقابله، وهو صهيب، أو كل من بذل نفسه لله: { ونم الناس من يشري نفسه } أي: يبيعها ويبذلها لله في الجهاد وغيره، { ابتغاء مرضات الله } والوصول إلى حضرته { والله رؤوف بالعباد } الذين يفعلون مثل هذا، فيدرأ عنهم المضار، ويجلب لهم المسار أينما حلوا من الدارين. الإشارة: الناس على قسمين: قسم زينوا ظواهرهم وخربوا بواطنهم، وظاهرهم جميل وباطنهم قبيح، إذا تكلموا في الدنيا أو في الحس، أعجبك قولهم، وراقك منظرهم، وإذا تكلموا في الآخرة، أو في المعنى، أخذتهم الحبسة والدهشة. وفي بعض الكتب المنزلة: " إن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى: أبي يغترون، وعلي يجترئون؟ حلفت لأسلطن عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران ". وقوله: { يلبسون... } الخ. كناية عن إظهار اللين والسهول ليخدع ويغر الناس ليتوصل إلى حظ نفسه من الدنيا، ومع ذلك يدعي موافقة ظاهره لباطنه، وهو شديد الخصومة لأهل الله، وإذا تولى عنك اشتغل بالمعاصي والذنوب، ليفسد في الأرض، ويهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيه، وإذا ذكر: أنف واستكبر، وأخذته حمية الجاهلية، فحسبه البعد في نار القطيعة. والقسم الثاني: قوم زينوا بواطنهم وخربوا ظواهرهم، عمروا قلوبهم بمحبة الله، وبذلوا أنفسهم في مرضات الله، قلوبهم في أعلى عليين، وأشباحهم في أسفل سافلين، فأولئك المقربون مع النبيين والمرسلين. قال بعض العارفين: كلما وضعت نفسك أرضا أرضا، سما قلبك سماء سماء، وكل ما نقص من حسك زاد في معناك. وفي الحديث: " من تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره " وبالله التوفيق.

البقرة 2:206

قلت: نزلت الآية في الأخنس بن شريق الثقفي وصهيب بن سنان الرومي، أما الأخنس فكان رجلا حسن المنظر، حلو المنطق، كان يوالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعي الإسلام، ثم ارتد، ومر على زرع وحمر للمسلمين فقتلها وأفسد الزرع، قال ابن عطية: ولم يثبت أنه أسلم. قلت: بل ذكره في القاموس من الصحابة، فانظره، ولعله تاب بعد نزول الآية. وأما صهيب الرومي فأخذه المشركون وعذبوه ليرتد، فقال لهم: إني شيخ كبير لا أنفعكم إن كنت معكم، ولا أضركم إن كنت عليكم، فخلوني وما أنا عليه، وخذوا مالي، فقبلوه منه، وأتى المدينة فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " ربحت يا أبا يحيى ". وقيل: نزلت في المنافقين ومن نحا نحوهم، وفيمن باع نفسه لله في الجهاد وتغيير المنكر من المسلمين. و { في الحياة الدنيا } يتعلق بالقول، و { ألد الخصام } شديده، وفي الحديث: " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " والخصام: مصدر، أو جمع خصيم. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس } قوم حل اللسان خراب الجنان، إذا تكلم في شأن الدنيا { يعجبك قوله } فيها لرونقه وفصاحته، { ويشهد الله } أي: يحلف على أنه موافق لقلبه، وأن ظاهره موافق لباطنه، وهو شديد الخصومة والعدواة للمسلمين، أو أشد الخصوم، { وإذا تولى } أي: أدبر وانصرف عنك، { سعى في الأرض } أي: مشى فيها بنية الإفساد { ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } كما فعل الأخنس، أو كما فعله أهل الظلم، فيحبس الله القطر، فيهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيهم، { والله لا يحب الفساد } أي: لا يرتضيه، فاحذروا غضبه. { وإذا قيل له اتق الله } وارجع عما أنت عليه من الفساد { أخذته العزة } أي: حملته الحمية والأنفة بسبب الإثم الذي ارتكبه، فلا ينزجر عن غيه. أو حملته الحمية على الإثم الذي يؤمر باتقائه. { فحسبه جهنم } أي: كفته عذابا وعقابا، وهي علم لدار العقاب، كالنار، { ولبئس المهاد } هي: أي: بئس الفراش الذي مهده لنفسه. ونزل في مقابله، وهو صهيب، أو كل من بذل نفسه لله: { ونم الناس من يشري نفسه } أي: يبيعها ويبذلها لله في الجهاد وغيره، { ابتغاء مرضات الله } والوصول إلى حضرته { والله رؤوف بالعباد } الذين يفعلون مثل هذا، فيدرأ عنهم المضار، ويجلب لهم المسار أينما حلوا من الدارين. الإشارة: الناس على قسمين: قسم زينوا ظواهرهم وخربوا بواطنهم، وظاهرهم جميل وباطنهم قبيح، إذا تكلموا في الدنيا أو في الحس، أعجبك قولهم، وراقك منظرهم، وإذا تكلموا في الآخرة، أو في المعنى، أخذتهم الحبسة والدهشة. وفي بعض الكتب المنزلة: " إن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى: أبي يغترون، وعلي يجترئون؟ حلفت لأسلطن عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران ". وقوله: { يلبسون... } الخ. كناية عن إظهار اللين والسهول ليخدع ويغر الناس ليتوصل إلى حظ نفسه من الدنيا، ومع ذلك يدعي موافقة ظاهره لباطنه، وهو شديد الخصومة لأهل الله، وإذا تولى عنك اشتغل بالمعاصي والذنوب، ليفسد في الأرض، ويهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيه، وإذا ذكر: أنف واستكبر، وأخذته حمية الجاهلية، فحسبه البعد في نار القطيعة. والقسم الثاني: قوم زينوا بواطنهم وخربوا ظواهرهم، عمروا قلوبهم بمحبة الله، وبذلوا أنفسهم في مرضات الله، قلوبهم في أعلى عليين، وأشباحهم في أسفل سافلين، فأولئك المقربون مع النبيين والمرسلين. قال بعض العارفين: كلما وضعت نفسك أرضا أرضا، سما قلبك سماء سماء، وكل ما نقص من حسك زاد في معناك. وفي الحديث: " من تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره " وبالله التوفيق.

البقرة 2:207

قلت: نزلت الآية في الأخنس بن شريق الثقفي وصهيب بن سنان الرومي، أما الأخنس فكان رجلا حسن المنظر، حلو المنطق، كان يوالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعي الإسلام، ثم ارتد، ومر على زرع وحمر للمسلمين فقتلها وأفسد الزرع، قال ابن عطية: ولم يثبت أنه أسلم. قلت: بل ذكره في القاموس من الصحابة، فانظره، ولعله تاب بعد نزول الآية. وأما صهيب الرومي فأخذه المشركون وعذبوه ليرتد، فقال لهم: إني شيخ كبير لا أنفعكم إن كنت معكم، ولا أضركم إن كنت عليكم، فخلوني وما أنا عليه، وخذوا مالي، فقبلوه منه، وأتى المدينة فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " ربحت يا أبا يحيى ". وقيل: نزلت في المنافقين ومن نحا نحوهم، وفيمن باع نفسه لله في الجهاد وتغيير المنكر من المسلمين. و { في الحياة الدنيا } يتعلق بالقول، و { ألد الخصام } شديده، وفي الحديث: " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " والخصام: مصدر، أو جمع خصيم. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس } قوم حل اللسان خراب الجنان، إذا تكلم في شأن الدنيا { يعجبك قوله } فيها لرونقه وفصاحته، { ويشهد الله } أي: يحلف على أنه موافق لقلبه، وأن ظاهره موافق لباطنه، وهو شديد الخصومة والعدواة للمسلمين، أو أشد الخصوم، { وإذا تولى } أي: أدبر وانصرف عنك، { سعى في الأرض } أي: مشى فيها بنية الإفساد { ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } كما فعل الأخنس، أو كما فعله أهل الظلم، فيحبس الله القطر، فيهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيهم، { والله لا يحب الفساد } أي: لا يرتضيه، فاحذروا غضبه. { وإذا قيل له اتق الله } وارجع عما أنت عليه من الفساد { أخذته العزة } أي: حملته الحمية والأنفة بسبب الإثم الذي ارتكبه، فلا ينزجر عن غيه. أو حملته الحمية على الإثم الذي يؤمر باتقائه. { فحسبه جهنم } أي: كفته عذابا وعقابا، وهي علم لدار العقاب، كالنار، { ولبئس المهاد } هي: أي: بئس الفراش الذي مهده لنفسه. ونزل في مقابله، وهو صهيب، أو كل من بذل نفسه لله: { ونم الناس من يشري نفسه } أي: يبيعها ويبذلها لله في الجهاد وغيره، { ابتغاء مرضات الله } والوصول إلى حضرته { والله رؤوف بالعباد } الذين يفعلون مثل هذا، فيدرأ عنهم المضار، ويجلب لهم المسار أينما حلوا من الدارين. الإشارة: الناس على قسمين: قسم زينوا ظواهرهم وخربوا بواطنهم، وظاهرهم جميل وباطنهم قبيح، إذا تكلموا في الدنيا أو في الحس، أعجبك قولهم، وراقك منظرهم، وإذا تكلموا في الآخرة، أو في المعنى، أخذتهم الحبسة والدهشة. وفي بعض الكتب المنزلة: " إن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى: أبي يغترون، وعلي يجترئون؟ حلفت لأسلطن عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران ". وقوله: { يلبسون... } الخ. كناية عن إظهار اللين والسهول ليخدع ويغر الناس ليتوصل إلى حظ نفسه من الدنيا، ومع ذلك يدعي موافقة ظاهره لباطنه، وهو شديد الخصومة لأهل الله، وإذا تولى عنك اشتغل بالمعاصي والذنوب، ليفسد في الأرض، ويهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيه، وإذا ذكر: أنف واستكبر، وأخذته حمية الجاهلية، فحسبه البعد في نار القطيعة. والقسم الثاني: قوم زينوا بواطنهم وخربوا ظواهرهم، عمروا قلوبهم بمحبة الله، وبذلوا أنفسهم في مرضات الله، قلوبهم في أعلى عليين، وأشباحهم في أسفل سافلين، فأولئك المقربون مع النبيين والمرسلين. قال بعض العارفين: كلما وضعت نفسك أرضا أرضا، سما قلبك سماء سماء، وكل ما نقص من حسك زاد في معناك. وفي الحديث: " من تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره " وبالله التوفيق.

البقرة 2:208

قلت: { السلم } ، بالفتح والكسر: هو الاستسلام والانقياد، ويبعد هنا تفسيره بالصلح، و { كافة }: حال من الواو والسلم معا، كقوله تعالى: فأتت به قومها تحمله [مريم: 27]. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب { ادخلوا في } شرائع الإسلام { كافة } بحيث لا تهملوا شيئا منها، ولا تلتفتوا إلى غيرها، نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، حيث دخلوا في اسلام، وأرادوا أن يعظموا السبت، وتحرجوا من لحوم الإبل. أو في المنافقين حيث أسلموا في الظاهر، ونافقوا في الباطن، فقال لهم الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } في الظاهر، ادخلوا في الإسلام { كافة } ظاهرا وباطنا. أو في المسلمين يأمرهم بالتمسك بشرائع الإلام كلها، والبحث عن أحكامها وأسرارها، { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي: طرقه الدالة على التفريق والتفرق { إنه لكم عدو مبين } أي: بين العداوة. { فإن زللتم } عن طريق الجادة ففرقتم بين أجزاء الشريعة، أو التفتم إلى غير شريعتكم، { من بعد ما جاءتكم } الآيات { البينات } الدالة على صحة الدين ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، { فاعلموا أن الله عزيز } أي: غالب لا يعجزه عقابكم، { حكيم } في إمهاله إلى وقت معلوم. الإشارة: أمر الحق جل جلاله جميع بالصلح معه والاستسلام لأحكامه، بحيث لا يصدر منهم نزاع لأحكامه، ولا اعتراض على أفعاله، بل ينظرون ما يبرز من عنصر القدرة، فيتلقونه بالرضى والتسليم، أو الصبر والتصبر، سواء ظهرت هذه الأفعال على أيدي الوسائط أو بلا وسائط، إذ لا فاعل سواه، وكل من عند الله، فإن زللتم واعترضتم، أو سخطتم، من بعد ما جاءتكم الآيات البينات الدالة على وحدانية الحق في ذاته وصفاته وأفعاله، فاعلموا أن الله عزيز حكيم، لا يعجزه عقوبتكم وإبعادكم، لكنه من حكمته يمهل ولا يهمل، والله غالب على أمره، ومن تاب تاب الله عليه.

البقرة 2:209

قلت: { السلم } ، بالفتح والكسر: هو الاستسلام والانقياد، ويبعد هنا تفسيره بالصلح، و { كافة }: حال من الواو والسلم معا، كقوله تعالى: فأتت به قومها تحمله [مريم: 27]. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب { ادخلوا في } شرائع الإسلام { كافة } بحيث لا تهملوا شيئا منها، ولا تلتفتوا إلى غيرها، نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، حيث دخلوا في اسلام، وأرادوا أن يعظموا السبت، وتحرجوا من لحوم الإبل. أو في المنافقين حيث أسلموا في الظاهر، ونافقوا في الباطن، فقال لهم الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } في الظاهر، ادخلوا في الإسلام { كافة } ظاهرا وباطنا. أو في المسلمين يأمرهم بالتمسك بشرائع الإلام كلها، والبحث عن أحكامها وأسرارها، { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي: طرقه الدالة على التفريق والتفرق { إنه لكم عدو مبين } أي: بين العداوة. { فإن زللتم } عن طريق الجادة ففرقتم بين أجزاء الشريعة، أو التفتم إلى غير شريعتكم، { من بعد ما جاءتكم } الآيات { البينات } الدالة على صحة الدين ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، { فاعلموا أن الله عزيز } أي: غالب لا يعجزه عقابكم، { حكيم } في إمهاله إلى وقت معلوم. الإشارة: أمر الحق جل جلاله جميع بالصلح معه والاستسلام لأحكامه، بحيث لا يصدر منهم نزاع لأحكامه، ولا اعتراض على أفعاله، بل ينظرون ما يبرز من عنصر القدرة، فيتلقونه بالرضى والتسليم، أو الصبر والتصبر، سواء ظهرت هذه الأفعال على أيدي الوسائط أو بلا وسائط، إذ لا فاعل سواه، وكل من عند الله، فإن زللتم واعترضتم، أو سخطتم، من بعد ما جاءتكم الآيات البينات الدالة على وحدانية الحق في ذاته وصفاته وأفعاله، فاعلموا أن الله عزيز حكيم، لا يعجزه عقوبتكم وإبعادكم، لكنه من حكمته يمهل ولا يهمل، والله غالب على أمره، ومن تاب تاب الله عليه.

البقرة 2:210

قلت: { الظلل }: جمع ظله، وهي ما أظلك من فوق، و { الغمام }: السحاب الرفيق الأبيض. يقول الحق جل جلاله: ما ينتظر هؤلاء الممتنعون من الدخول في شرائع الإسلام - إلا أن تقوم الساعة، ويأتيهم الله للفصل بين عباده { في ظلل من الغمام } ، بأن يتجلى لعباده على ما يليق بجلاله إذ تجليات الحق لا تنحصر. وتأتيهم { الملائكة } تحيط بهم { وقضي الأمر } بعذابهم، { وإلى الله ترجع الأمور } كلها، فهو المتصرف وحده. وقد ذكر المنذري حديث هذا التجلي بطوله، وذكر فيه النزول والفصل بين عباده، والمرور على الصراط، والناس في أنار إيمانهم. وذكره الفاسي في الحاشية بتمامه. ومن كحل عين بصيرته بإثمد التوحيد الخاص، لم يستصعب عليه فهم هذا الحديث وأمثاله لسعة دائرة معرفته. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية تهديد لأهل الحجاب الذين لم يتحققوا بالصلح مع الله، بل هم يخاصمون الله في مظاهر خلقه، ويعترضون على الله في قضائه وحكمه، فقال لهم الحق جل جلاله: هل ينتظر هؤلاء المنكرون علي في أفعالي، المعترضون علي في حكمي وإبرامي - إلا أن أتعرف لهم في ظلل من الغمام، وهو سحب الآثار، فإذا أنكروني أخذتهم الملائكة، وقضي الأمر بهلاكهم، وإلى الله ترجع الأمور كلها، فليلتزم العبد الأدب مع مولاه، وليسلم الأمور كلها إلى الله، إذ لا موجود سواه، فما برز من العباد: كله من الله، فمن اشتغل بعتابهم فاته الأدب مع الله، إلا ما أمرت به الشريعة، فليكن في ذلك كالعبد يؤدب ابن سيده يده تؤدب وقلبه يعظم، والله تعالى أعلم وأرحم.

البقرة 2:211

قلت: { كم } خبرية، أو استفهامية، محلها نصب بفعل محذوف يقدر مؤخرا للصدرية، أي: كم آياتنا آتيناهم، أو رفع بالابتداء، والعائد محذوف، أي: آتيناهموه. يقول الحق جل جلاله لرسوله - عليه الصلاة والسلام - أو لكل سامع: { سل بني إسرائيل } سؤال تقريع، وقل لهم: { كم أتيناهم من آية بينة } أي: كثيرا ما آتيناهم من آية واضحة في شأنك، تدل على صدق رسالتك وعلو شأنك وفخامة أمرك، اعتناء بأمرهم، ونعمة على من أدرك زمانك منهم. ثم إنهم بدلوا نعمة الله كفرا، وجحدوا فكتموا تلك النعمة وكفروها، { ومن يبدل نعمة الله } من بعد مجيئها إياه، { فإن الله شديد العقاب } لمن كفر نعمه وجحد رسله، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، ومن كفران النعم، وحرمان الرضا. الإشارة: ما قيل لبني إسرائيل، يقال لمن تحقق بولاية ولي من أولياء الله، ثم جحدها وكتمها، وحرم نفسه بركة ذلك الولي، فمات على مرضه، فيقال له: { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب }. وعقوبته: أن يلقى الله بقلب سقيم، فيبعث مع عوام أهل اليمين، ويحرم درجة المقربين، التي تلي درجة النبيين والمرسلين. عائذا بالله من الحرمان، وشؤم عاقبة الخذلان. ثم ذكر الحق جل جلاله سبب هذا الحرمان، وهو حب الدنيا.

البقرة 2:212

قلت: { زين } مبني للمفعول، والفاعل هو الله، إذ لا فاعل سواه. يقول الحق جل جلاله: { زين للذين كفروا } من اهل الكتاب وغيرهم، { الحياة الدنيا } أي: حسنت في أعينهم، وأشربت محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، واعرضوا عن غيرها، فلم تتفرغ قلوبهم للتفكر والاعتبار، ولم تستمع آذانهم للوعظ والتذكار، بل أعمتهم، وأصمتهم، وقصروا عليها همتهم، حتى جعلوا يسخرون ممن أعرض عنها، كفقراء المسلمين وأهل الصفة، فكانوا يستهزئون بهم، حيث رفضوا الدنيا وأقبلوا على الله، فرفعهم الله في أعلى عليين، وخفض الكفار في أسفل سافلين. فهم يسخرون منهم في دار الدنيا { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } لأنهم في عليين، والآخرين في أسفل سافلين. أو لأنهم في كرامة، والآخرون في مذلة. أو لأنهم يسخرون منهم يوم القيامة كما سخروا منهم في الدنيا. وعبر بالتقوى لأنها سبب رفعهم واستعلائهم. وأما استهزاؤهم بهم لأجل فقرهم، فإن الفقر شرف للعبد، والبسط في الدنيا على شرفه فقد يكون استدراجا، وقد يكون عونا، فالله { يرزق من يشاء بغير حساب } ، أي: بغير تقدير، فيوسع في الدنيا استدراجا وابتلاء، ويقتر على مي يشاء اختبارا وتمحيصا، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء: 23]. الإشارة: اعلم أن عمل أهل الباطن كله باطني قلبي، بين تفكر واعتبار، وشهور واستبصار، أو نقول: بين فكرة ونظرة وعكوف في الحضرة، فلا يظهرون من أعمالهم إلا المهم من الواجبات، ولذلك قال بعضهم: إذا وصل العمل إلى القلوب استراحت الجوارح، ومعلوم أن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح لأن أعمال القلوب خفية، لا يطلع عليها ملك فيكتبها، ولا شيطان فيفسدها، الإخلاص فيها محقق. وأيضا: " تفكر ساعة أفضل من عبادة ستين سنة ". " وسئل - عليه الصلاة والسلام -:أي الأعمال أفضل؟ قال: العلم بالله. قيل: يا رسول الله سألناك عن العمل؟ فقال: العلم بالله ثم قال صلى الله عليه وسلم: إذا حصل العلم بالله كفى قليل العمل " أو كما قال عليه الصلاة والسلام، " فلما خفيت أعمال أهل الباطن سخر منهم أهل الظاهر، واستصغروا شأنهم حيث لم يروا عليهم من الأعمال ما رأوا على العباد والزهاد. والذين اتقوا شهود ما سوى الله، أو كل ما يشغل عن الله، فوقهم يوم القيامة لأنهم من المقربين وغيرهم من عوام المسلمين، والله يرزق من يشاء في الدارين بغير حساب، أي: بغير تقدير ولا حصر، فيرزق العلوم، ويفتح مخازن الفهوم على من توجه إلى مولاه، وفرغ قلبه مما سواه " وبالله التوفيق.

البقرة 2:213

قلت: { فبعث } معطوف على محذوف، أي: فاختلفوا فبعث، و { بغيا }: مفعول له، و { من الحق } بيان { لما }. يقول الحق جل جلاله: { كان الناس } في زمن آدم عليه السلام وما قرب منه { أمة واحدة } أي: جماعة واحدة، متفقة على التوحيد، والطاعة، فاختلفوا بعد ذلك في أمر التوحيد، { فبعث الله النبيين مبشرين } لأهل التوحيد والطاعة بالنعيم المقيم، { ومنذرين } أي: مخوفين لأهل الكفر والعصيان بالعذاب الأليم. { وأنزل معهم الكتاب } أي: جنب الكتب، فيشمل الكتب السماوية كلها، متلبسا ذلك الكتاب { بالحق } ، ودالا عليه { ليحكم } الحق تعالى على لسان الرسل { بين الناس } في الأمر الذي { اختلفوا فيه } من أمر التوحيد وغيره. ثم اختلفوا أيضا في الكتب المنزلة فبعضهم آمن، وبعضهم كفر بها أو ببعضها، { وما اختلف فيه } أي: في الكتاب المنزل: { إلا الذين اوتوه } حسدا أو كبرا فاليهود آمنوا بالتوراة وكفروا بالإنجيل، والنصارى آمنوا بالإنجيل وكفروا بالتوراة، { من بعد ما جاءتهم }: الآيات الواضحات في صحة ذلك الكتاب الذي كفروا به، والأمر بالإيمان به. وإنما وقع ذلك الكفر منهم { بغيا } وحسدا { بينهم } ، فأنزل الله العلم ليجمعهم ويؤلف بينهم على طاعته، فأمرهم أن يتألفوا بالعلم، فتحاسدوا، واختلفوا طلبا للرئاسة والجاه، { فهدى الله الذين آمنوا } بمحمد - عليه الصلاة والسلام - للأمر الذي اختلف فيه أهل الكتاب، وهو الحق الذي جاءت به الرسل، فآمنوا بالجميع، وتآلفوا على طاعة الله { بإذنه } وإرادته، { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ، ويضل من يشاء عن طريقه القويم، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء: 23]. الإشارة: الإصل في الأرواح كلها، الاتفاق والإقرار، وإنما حصل لها الخلاف والإنكار بعد دخولها في عالم الأشباح، وهبوطها من عالم الأرواح، فبعث الله النبيين يذكرون الناس العهد القديم، فمن سبقت له السعادة حصل له الإقرار، ومن سبق له الشقاء حصل له الإنكار، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام-: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ثم بعث الله الحكما، وهم العارفون بالله، يعالجون ما حصل للروح من الجهل والإنكار، فمن سبقت له العناية آمن بهم، وصدقهم، واستسلم بكليته إليهم، فحصل له الوصول، وبلغ كل المأمول، ومن سبق له الحرمان لم يحصل له بهم إيمان، وبقي دائما في قلبه حيران. وما وقع هذا الإنكار في الغالب إلا من أهل الرئاسة والجاه، أو من كان عبدا لدنياه وهواه بغيا وحسدا منهم، فهدى الله الذين آمنوا - وهم أهل الفطرة والنية - لما اختلفوا فيهم من الحق بإذنه، فحصل لهم التصديق، ووصلوا إلى عين التحقيق، { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } وهو طريق الوصول إلى الحضرة القدسية التي كانت مقرا للأرواح الزكية، منها جاءت وإليها عادت. وفي ذلك يقول ابن البنا رضي الله عنه: وهذه الحقيقة النفسية موصولة بالحضرة القدسيه وإنما يعوقها الموضوع ومن هنا يبتدأ الطلوع ولما كانت المحبة والهداية إلى أسبابها مقرنتين بالبلاء ذكره الحق تعالى بإثر الهداية.

البقرة 2:214

قلت: { أم } منقطعة بمعنى بل، وتتضمن استفهاما إنكاريا، و " حسب " تتعدى إلى مفعولين، أي: أظننتم دخول الجنة حاصلا من غير أن يأتيكم؟. و { لما } أصلها { لم } زيدت عليها " ما " وهي تدل على توقع منفيها بخلاف لم. و { حتى يقول } يصح فيه النصب { أن } لأن الزلزلة متقدمة على قول الرسول، والرفع على حكاية الحال، أي: وزلزلوا حتى حالتهم حينئذ أن الرسول ومن معه يقولون كذا وكذا. وفائدة الحكاية: فرض ما كان واقعا في الزمان الماضي واقعا في هذا الزمان، تصورا لتلك الحال العجيبة، واستحضارا لصورتها في مشاهدة السامع، وإنما وجب رفعه عند إرادة الحال لأنه نصبه يؤدي إلى تقدير { أن } ، وهي للاستقبال، والحال ينافيه، ويصح في موضع " حتى " الداخلة على الحال الفاء السببية. يقول الحق جل جلاله للرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين، تسلية لهم وتشجيعا لقلوبهم: أظننتم أن تدخلوا الجنة ولما يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من الأنبياء وأممهم، فقد { مستهم البأساء } في أموالهم بالغصب والنهب والموت { والضراء } وفي أبدانهم بالتقل في الحرب والمرض وأنواع البلاء، { وزلزلوا } أي: ضربوا بالمحن والشدائد، وطال عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر، حتى أفضى بهم الحال إلى أن قالوا: { متى } يأتينا { نصر الله }؟ استبطاء لمجيئه مع شدة البلاء. قال الحق جل جلاله بشارة لهم: { ألا إن نصر الله قريب } فلا تستعجلوا، واصبروا إن الله مع الصابرين [الأنفال: 46]، والعاقبة للمتقين [الأعراف: 128]. الإشارة: الجنة حفت بالمكاره، ولا فرق بين جنة الزخارف وجنة المعارف، فمن رام دخول جنة المعارف قبل أن يمسه شيء من المكاره، فقد رام المحال. قال أبو المواهب: من ادعى شهود الجمال، قبل تأدبه بالجلال، فارفضه فإنه دجال. وقال بعض العارفين: [صيحة العدو سوط الله يزجر به قلوب أوليائه لئلا تسكن إلى غيره }. وفي الحكم: " إنما أجرى الأذى عيلهم كي لا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا تكون ساكنا إلى شيء ".وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: " اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا، وحكمت عليهم بالفقد حتى وجدوا }. فتسليط الخلق على أولياء الله في بدايتهم سنة ماضية، وحكمة إلهية، ولن تجد لسنة الله تبديلا [الأحزاب: 62]. حتى إذا تخلصوا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، نشر فضيلهم لعباده، فأقروهم ليعرفوهم الطريق إلى الله، ويدلوا العباد على الله، بعد أن كساهم حينئذ كسوة الجمال وكسوة الجلال، فبكسوة الجمال يقع الائتلاف عليهم والعطف لهم، وبكسوة الجلال يقع الامتثال لأمرهم والاستماع لقولهم. والله تعالى أعلم. ولما أمر الحق تعالى بالنفقة في الجهاد وغيره، سألوا ما الذي ينفقون؟، فبين الله تعالى لهم المنفق والمحل الذي تدفع فيه.

البقرة 2:215

قلت: { ماذا } إما مفعول { ينفقون } ، أو مبتدأ وخبر بحذف العائد، أي: ما الذي ينفقونه، والسائل هو عمرو بن الجموح، كان ذا مال فقال: يا رسول الله، ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها؟ فنزلت الآية. يقول الحق جل جلاله: { يسالونك } يا محمد { ماذا ينفقون } من أموالهم؟ { قل } لهم: { ما أنفقتم من خير } أي خير كان، ذهبا أو فضة أو طعاما أو ثيابا أو حيوانا أو غير ذلك، فادفعوه للأهم فالأهم كالوالدين والأقربين لأن فيهم الصلة والصدقة، { واليتامى } الذين مات آباؤهم لهضم حالهم، { والمساكين } لضعفهم، { وابن السبيل } لغربته واحتياجه إلى ما يبلغه إلى وطنه، { وما تفعلوا من خير } يجازيكم به الله، فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم، وهذه النفقة غير الزكاة، فلا نسخ في الآية. الله تعالى أعلم. الإشارة: الإنفاق على قسمين: حسي ومعنوي، والإنفاق الحسي هو بذل الأموال والفلوس، والإنفاق المعنوي هو بذل الأرواح والنفوس، فمن بذل أمواله لله عوضه الله جنة الزخارف، ومن بذل نفسه لله عوضه الله جنة المعارف، ومن دخل جنة المعارف لا يشتاق إلى جنة الزخارف، وكما أن لنفقة الأموال محلا تصرف يه، كما ذكره الحق تعالى هنا، كذك لنفقة النفوس محل تصرف فيه وهو خدمة الشيوخ العارفين بالله، والإخوان الذين يستعين بهم على الوصول إلى الله، وكذلك من احتاج إليه من اليتامى الذين لا شيخ لهم، فيرشدهم وينصحهم، والمساكين الضعفاء الذي لا قدرة لهم على مجاهدة نفوسهم، فيقويهم بحاله أو مقاله، والغريب الذي انفرد عن الإخوان، ولم يجد ما يستعين به على سيره فيرشده إلى الصحبة والاجتماع بأهل المحبة، وإلى هذا المنزع أشار الشيخ أبو مدين ري الله عنه: وبالتغني على الإخوان جد أبدا حسا ومعنى، وغض الطرف إن عثرا ولما ذكر الحق جل جلاله قواعد الإسلام، وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج، بعد أن أشار إلى كلمة التوحيد بقوله: وإلهكم إله واحد [البقرة: 163]، ذكر الجهاد - الذي هو حفظ نظامه -

البقرة 2:216

قلت: الكره - بالضم -: اسم لما يشق على النفس، وبالفتح المصدر. يقول الحق جل جلاله: فرض عليكم الجهاد، وهو شاق عليكم، تكرهه نفوسكم، وفيه خير كبير لكم، { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } ، ففي الجهاد نصر دينكم، وإعلاء كلمة إسلامكم، والغنيمة والظفر بعدوكم، والأجر الكبير عند ربكم، من مات كان شهيدا، ومن عاش عاش سعيدا، وكذلك بقية التكاليف، فإن النفس تكره الإقدام عليها، وهي مناط صلاحها، وسبب فلاحها، { وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرك لكم } فقد تحبون الراحة وترك الجهاد وفي ذلك ذلكم، وظهور العدو عليكم، وفوات الأجر من ربكم، وحرمان درجة الشهادة عند ربكم. وكذلك جميع المنهيات فإن النفس تحبها بالطبع، وتشره إليها، وهي تفضي بها إلى ذلها وهوانها، وعبر الحق سبحانه بعسى لأن النفس إذا ارتاضت انعكس الأمر عليها، فيخف عليها أمر الطاعة، ويصعب عليها أمر المخالفة، { والله يعلم } ما فيه مصلحتكم، { وأنتم لا تعلمون } لجهلكم بعواقب أموركم. الإشارة: الجهاد على قسمين: جهاد أصغر وهو جهاد السيف، وجهاد أكبر وهو جهاد النفس، فيجاهدها أولا في القيام بجميع المأمورات، وترك جميع المنهيات، ثم يجاهدها ثانيا في ترك العوائد والشهوات، ومجانبة الرخص والتأويلات، ثم يجاهدها ثالثا في ترك التدبير والاختيار، والسكون تحت مجاري الأقدار، حتى لا تختار إلا ما اختار الحق تعالى لها، ولا تشتهي إلا ما يقضي الله عليها، فإن النفس جاهلة بالعواقب، فعسى أن تكره شيئا وهو خير لها، وعسى أن تحب شيئا وهو شر لها. فعسى أن تأتيها المسار من حيث تعتقد المضار، وعسى أن تأتيها المضار من حيث ترجو المسار، وعسى أن تنفع على أيدي الأعداء، وعسى أن تضر على أيدي الأحباء، وعسى أن تكره الموت وهو خير لها، وعسى أن تحب الحياة وهي شر لها، فالواجب تسليم الأمور إلى خالقها، الذي هو عالم بمصالحها، { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } ،وهذا كله قبل تصفيتها وكمالها، وأما إذا تهذبت وكملت رياضتها، فالواجب اتباع ما يتجلى فيها، إذ لا يتجلى فيها إلا الحق، وهذا هو ثمرة الجهاد الأكبر، وأما الجهاد الأصغر فلا يحصل شيء من هذا، فلذلك كان مفضولا عند الجهاد الأكبر، وبالله التوفيق. ولما كان القتال محرما في الأشهر الحرم في أول الإسلام، ووقع من بعض الصحابة، فندموا وتحرجوا، أزال الله ذلك الحرج عنهم.

البقرة 2:217

قلت: { قتال }: بدل اشتمال من { الشهر الحرام } ، وقد وقع خبط في عطف { المسجد الحرام } ، والصواب: ما قاله الزمخشري وابن عطية أنه عطف على { السبيل } إذ هو المتبادر من جهة المعنى أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام أكبر جرما من قتل السرية في الشهر الحرام، والقواعد النحوية إنما هي أغلبية. يقول الحق جل جلاله: { يسألونك } يا محمد { عن الشهر الحرام } أي: عن القتال في الأشهر الحرام، { قل } لهم: القتال في الشعر الحرام أمره { كبير } ، لكن ما وقع من الكفار من صد الناس { عن سبيل الله } أي: منعهم من الإسلام والطاعة، وكذلك كفرهم بالله وصدهم المسلمين عن { المسجد الحرام } عام الحديبية، وإخراج المسلمين من مكة التي هي بلدهم - { والفتنة } التي هم فيها من الكفر، وافتتان الناس عن دينهم - { أكبر } جرما من القتال الذي وقع في الشهر الحرام تأويلا وظنا أنه لم يدخل الشهر الحرام. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية وأمر عيلها عبد الله بن جحش في آخر جمادى الآخرة، فلقوا عمرو بن الحضرمي، مع أناس من قريش، بعد غروب الشمس من جمادى الآخرة، فرموا عمرا فقتلوه، وأخذواو الغنيمة، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: " لم آمركم أن تقتلوا في الشهر الحرام " فندموا، وبعثت قريش بالعتاب للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف تستحل القتال في الشهر الحرام؟ فنزلت هذه الآية. ثم نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم بقوله تعالى: وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة [التوبة: 36]. ثم قال الحق جل جلاله في التحذير من الكفار: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } ، لكن لا يطيقون ذلك، { ومن يرتدد منكم عن دينه } ويستمر عليه حتى يموت { وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا } فلا حرمة له، ولا نصيب له في الفيء والغنيمة، وفي { الآخرة } فلا يرى لها ثوابا، { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. ومفهوم الآية: أنه إن رجع قبل الموت لا يحبط عمله، وهو قول الشافعي. وقال مالك: يحبط أجر كل ما عمل، ويعيد الحج، إن تقدم على الردة، ويقبل منه الإسلام إن رجع، فإن لم يرجع أمهل ثلاثة أيام، ثم يقتل. ولما نزلت الآية في إسقاط الحرج، ظنوا أنه لا أجر لهم في ذلك الجهاد، فأنزل الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله } أي ثوابه، { والله غفور } لهم { رحيم } بهم، فلا يضيع جهادهم في هذه السرية، وأعاد الموصول لتعظيم شأن الهجرة والجهاد، وعبر بالرجاء إشعارا بأن العمل غير موجب للثواب، وإنما هو عبودية، والأمر بيد الله إن شاء أثاب وإن شاء عاقب، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء: 23]. الإشارة: تعظيم الزمان والمكان يكون بقدر ما يقع فيه من طاعة الملك الديان، فالزمان الذي تهب فيه نفحات القبول والإقبال، لا ينبغي أن يقع فيه ملاججة ولا قتال، وهو وقت حضرة الذكر، أو التذكير، أو الجلوس مع العارفين أهل الإكسير، فسوء الأدب فيه أمره كبير، ومنع القاصدين من وصوله جرمه كبير، وصد القلوب عن نفحات تلك الحضرة أكبر من كل كبير، ولا يزال قطاع هذه الطريق يردون من أراد سلوكها على التحقيق، لكن من سبق له التأييد لا يرده عن الحق جبار ولا عنيد، ومن سبق له الحرمان، وحكم عليه القضاء بالخذلان، رجع ولو بعد العيان، وأنشدوا: والله ما نشكر خليع وإن ثمل وإن صحا وإن ثبت، سير سريع وإن شرب حتى امتحا حتى يقطع في القطيع ويدور دور الرحا إن الذين آمنوا وصدقوا بطريق الله، وهاجروا أهواءهم في مرضاة الله، وجاهدوا نفوسهم في محبة الله، أولئك يرجون رحمة الله، فلا يخيبهم الكريم لأنه غفور رحيم. ولما كان الخمر حلالا في أول الإسلام، وكانوا يشربونه، ويتجرون فيه، فيتصدقون بثمنه وبثمن القمار، بين الحق تعالى ذلك، بعد الأمر بالإنفاق لئلا يقع التساهل في المعاملة بعلة الصدقة.

البقرة 2:218

قلت: { قتال }: بدل اشتمال من { الشهر الحرام } ، وقد وقع خبط في عطف { المسجد الحرام } ، والصواب: ما قاله الزمخشري وابن عطية أنه عطف على { السبيل } إذ هو المتبادر من جهة المعنى أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام أكبر جرما من قتل السرية في الشهر الحرام، والقواعد النحوية إنما هي أغلبية. يقول الحق جل جلاله: { يسألونك } يا محمد { عن الشهر الحرام } أي: عن القتال في الأشهر الحرام، { قل } لهم: القتال في الشعر الحرام أمره { كبير } ، لكن ما وقع من الكفار من صد الناس { عن سبيل الله } أي: منعهم من الإسلام والطاعة، وكذلك كفرهم بالله وصدهم المسلمين عن { المسجد الحرام } عام الحديبية، وإخراج المسلمين من مكة التي هي بلدهم - { والفتنة } التي هم فيها من الكفر، وافتتان الناس عن دينهم - { أكبر } جرما من القتال الذي وقع في الشهر الحرام تأويلا وظنا أنه لم يدخل الشهر الحرام. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية وأمر عيلها عبد الله بن جحش في آخر جمادى الآخرة، فلقوا عمرو بن الحضرمي، مع أناس من قريش، بعد غروب الشمس من جمادى الآخرة، فرموا عمرا فقتلوه، وأخذواو الغنيمة، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: " لم آمركم أن تقتلوا في الشهر الحرام " فندموا، وبعثت قريش بالعتاب للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف تستحل القتال في الشهر الحرام؟ فنزلت هذه الآية. ثم نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم بقوله تعالى: وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة [التوبة: 36]. ثم قال الحق جل جلاله في التحذير من الكفار: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } ، لكن لا يطيقون ذلك، { ومن يرتدد منكم عن دينه } ويستمر عليه حتى يموت { وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا } فلا حرمة له، ولا نصيب له في الفيء والغنيمة، وفي { الآخرة } فلا يرى لها ثوابا، { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. ومفهوم الآية: أنه إن رجع قبل الموت لا يحبط عمله، وهو قول الشافعي. وقال مالك: يحبط أجر كل ما عمل، ويعيد الحج، إن تقدم على الردة، ويقبل منه الإسلام إن رجع، فإن لم يرجع أمهل ثلاثة أيام، ثم يقتل. ولما نزلت الآية في إسقاط الحرج، ظنوا أنه لا أجر لهم في ذلك الجهاد، فأنزل الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله } أي ثوابه، { والله غفور } لهم { رحيم } بهم، فلا يضيع جهادهم في هذه السرية، وأعاد الموصول لتعظيم شأن الهجرة والجهاد، وعبر بالرجاء إشعارا بأن العمل غير موجب للثواب، وإنما هو عبودية، والأمر بيد الله إن شاء أثاب وإن شاء عاقب، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء: 23]. الإشارة: تعظيم الزمان والمكان يكون بقدر ما يقع فيه من طاعة الملك الديان، فالزمان الذي تهب فيه نفحات القبول والإقبال، لا ينبغي أن يقع فيه ملاججة ولا قتال، وهو وقت حضرة الذكر، أو التذكير، أو الجلوس مع العارفين أهل الإكسير، فسوء الأدب فيه أمره كبير، ومنع القاصدين من وصوله جرمه كبير، وصد القلوب عن نفحات تلك الحضرة أكبر من كل كبير، ولا يزال قطاع هذه الطريق يردون من أراد سلوكها على التحقيق، لكن من سبق له التأييد لا يرده عن الحق جبار ولا عنيد، ومن سبق له الحرمان، وحكم عليه القضاء بالخذلان، رجع ولو بعد العيان، وأنشدوا: والله ما نشكر خليع وإن ثمل وإن صحا وإن ثبت، سير سريع وإن شرب حتى امتحا حتى يقطع في القطيع ويدور دور الرحا إن الذين آمنوا وصدقوا بطريق الله، وهاجروا أهواءهم في مرضاة الله، وجاهدوا نفوسهم في محبة الله، أولئك يرجون رحمة الله، فلا يخيبهم الكريم لأنه غفور رحيم. ولما كان الخمر حلالا في أول الإسلام، وكانوا يشربونه، ويتجرون فيه، فيتصدقون بثمنه وبثمن القمار، بين الحق تعالى ذلك، بعد الأمر بالإنفاق لئلا يقع التساهل في المعاملة بعلة الصدقة.

البقرة 2:219

{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما... } قلت: الخمر في اللغة: ما يستر الشيء ويغطيه، ومنه: خمار المرأة، وسمي الخمر خمرا لستره العقل. وفي الاصطلاح: ما غيب العقل دون الحواس مع النشوة والطرب. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل مسكر خمر وكل خمر، حرام ". والميسر: قال ابن عباس والحسن: كل قمار ميسر، من شطرنج ونرد ونحوه، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، إذا كان بالفلوس، وسمي ميسرا ليسر صاحبه بالمال الذي يأخذه، وأما إذا كان بغير عوض، إنما هو لعب فقط، فلا بأس. قاله ابن عرفة. يقول الحق جل جلاله: { يسألونك عن } حكم { الخمر والميسر قل } لهم: { فيهما إثم كبير } أي: عظيم لما في المسير من أكل أموال الناس بالباطل، وما ينشأ عنه من العداوة والشحناء، وما في الخمر من إذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية، والتعدي الذي يكون من شاربه. وقرأ حمزة والكسائي: { كثير } بالمثلثة، أي: آثام كثيرة لقوله عليه الصلاة والسلام: " لعن الله الخمر، وبائعها، ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، والمعصورة له، وساقيها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة له، وآكل ثمنها " فهذه آثام، وفيها { منافع للناس } أي: منافع دنيوية ككسب المال بلا تعب، وإطعام الفقراء من كسبه، كما كانت تصنع العرب في الميسر، وفي الخمر اللذة والنشوة، كما قال حسان رضي الله عنه: ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا لا ينهنهنا اللقاء { وإثمهما أكثر من نفعهما } لأن منفعتهما دنيوية، وعقوبة إثمهما أخروية، وهذه الآية نزلت قبل التحريم. روي أنه لما نزل بمكة قوله تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا [النحل: 67]، أخذ المسلمون يشربونها، ثم إن عمر ومعاذا في نفر من الصحابة، قالوا: أفتنا يا رسول الله في الخمر فإنها مذهبة للعقل، فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا إلى داره، فشربوا وسكروا، ثم قام يصلي بهم فقرأ: قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون [الكافرون: 1، 2] من غير نفي، فنزلت: ... لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى... [النساء: 43] فاجتنبوها في أوقات الصلاة. ثم دعا عتبان بن مالك سعد بن أبي وقاص في جماعة، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، فأنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه، فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت إنما الخمر والميسر... إلى قوله: ... فهل أنتم منتهون [المائدة: 90، 91] فقال عمر: انتهينا يا رب ه. ولما شربها بعض الناس بعد التحريم، كان - عليه الصلاة والسلام - يضرب فيها بالنعال والجريد، ضربا غير محدود، وضرب أبو بكر وعمر أربعين، وأول من حد فيها ثمانين سيدنا عثمان، لما تهافت الناس فيها. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى جعل للعقل نورا يميز بين الحق والباطل، بين الضار والنافع، وبين الصانع والمصنوع، ثم إن هذا النور قد يتغطى بالظلمة الطينية وهي نشوة الخمر الحسية. وقد يتغطى أيضا بالأنوار الباهرة من الحضرة الأزلية إذا فاجأته، فيغيب عن الإحساس في مشاهدة الأنوار المعنوية، وهي أسرار الذات الأزلية، فلا يرى إلا أسرار المعاني القديمة، وينكر الحوادث الحسية، فسمي الصوفية هذه الغيبة خمرة لمشاركتها للخمر في غيبوبة العقل، وتغنوا بها في أشعارهم ومواجيدهم، قال الفارض رضي الله عنه: شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم ثم قال: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقلت في عينيتي: ولي لوعة بالراح إذ فيه راحتي وروحي وريحاني، وخير واسع سكرنا فهمنا في بهاء جماله فغبنا عن الإحساس، والنور ساطع والميسر في طريق الإشارة: هو الغني الذي يحصل بهذه الخمرة، وهو الغني بالله عن كل ما سواه قل فيهما إثم كبير أي: في تعاطيهما حرج كبير، ومنافع للناس بعد تعاطيهما، فيهما إثم كبير عند طالب الأجور، ومنافع للناس لمن طلب الحضور ورفع الستور. وأنشدوا: لو كان لي مسعد يسعدني لما انتظرت لشرب الراح إفطارا فالراح شيء شريف أنت شاربه، فاشرب، ولو حملتك الراح أوزارا يا من يلوم على صهباء صافية خذ الجنان، ودعني أسكن النارا وقال ابن الفارض: وقالوا: شربت الإثم! كلا، وإنما شربت التي في تركها عندي الإثم وقال آخر: طاب شرب المدام في الخلوات اسقني يا نديم بالآنيات خمرة تركها علينا حرام، ليس فيها إثم ولا شبهات عتقت في الدنان من قبل آدم أصلها طيب من الطيبات أفت لي أيهأ الفقيه وقل لي: هل يجوز شربها على عرفات؟ فيهما إثم كبير عند أهل الحجاب، ونفع كبير عند ذوي الألباب، يعني: في الخمرة الأزلية والغنى بالله، وقوله تعالى: { وإثمهما أكبر من نفعهما }: خطاب على قدر ما يفهم الناس، لأن إثمهما ظاهر للعوام، وهو ما يظهر على النشوان من خراب الظاهر، وصدور الأحوال الغريبة، ونفعهما خاص عند خوصا الخواص، لا يفهمه إلا الخواص، بل يجب كتمه عن غير أهله، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم وقع سؤال ثالث عن قدر المنفق، فأشار إليه الحق جل جلاله بقوله: {... ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة... } قلت: { العفو }: ضد الجهد، وهو السهل، ويقال للأرض السهلة: عفو، والمراد: أن ينفق ما تيسر بذله، ولا يبلغ به الجهد، وهو خبر، أو مفعول، أي: هو العفو، أو ينفقون العفو. يقول الحق جل جلاله: { ويسألونك } ما القدر الذي ينفقونه؟ { قل } لهم: هو { العفو } أي: السهل الذي لا مشقة في إعطائه، ولا ضرر على المعطي في فقده، روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقدر بيضة من الذهب، فقال: خذها عني صدقة، فأعرض عنه، حتى كرر مرارا، فقال: هاتها، مغضبا، فحذفها حذفا لو أصابه لشجه، فقال: " يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى " قاله البيضاوي مختصرا. قلت: وهذا يختلف باختلاف اليقين فقد تصدق الصديق رضي الله عنه بماله كله، وعمر رضي الله عنه بنصف ماله، فأقرهما ورد فعل غيرهما، فدل ذلك على أن العفو يختلف باختلاف الأشخاص، على حسب اليقين. { كذلك يبن الله لكم الآيات } أي: مثل هذا التبيين الذي ذكرنا، { يبين } لكم الآيات، حتى لا يترك إشكالا ولا وهما، { لعلكم تتفكرون } بعقولكم، وتأخذون بما يعود نفعه عليهكم، فتتفكرون { في الدنيا } وسرعة ذهابها وتقلبها بأهلها، إذا أقبلت كانت فتنة، وإذا أدبرت كانت حسرة، لا يفي طالبها بمقصوده منها ولو ملكها بحذافيرها، ضيقة الزمان والمكان، عمارتها إلى الخراب، وشأنها إلى انقلاب، سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، فتزهدون فيها وترفعون همتكم عنها. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كرجل سافر في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة، ثم راح وتركها " وفي صحف إبراهيم عليه السلام: " عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب - أي: يتعب - عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ". وأنشدوا: ألا إنما الدنيا كأحلام نائم وكل نعيم ليس فيها بدائم تذكر إذا ما نلت بالأمس لذة فأفنيتها هل أنت إلا كحالم وتتفكرون في { الآخرة } ودوام نعيمها، وسعة فضائها، وبهجة منظرها فترغبون في الوصول إليه، وتتأهبون للقائها، فتؤثرونها على هذه الدار الفانية. قال بعض الحكماء: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان ينبغي للعاقل أن يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى، والآخرة من ذهب يبقى، فلا يختار هذه الدار إلا أحمق خسيس الهمة، وبالله التوفيق. الإشارة: كما نهى الحق جل جلاله عن السرف في الأموال، نهى عن السرف في الأحوال، فالسرف، من حيث هو، يؤدي إلى الملل والانقطاع، " أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه، وإن قل " كما في الحديث، " والله ما رأينا أحدا أسرف في الأحوال إلا مل، وضعف حاله " ، وفي الحديث: " لا يكن أحدكم كالمنبت - أي: المنقطع - لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى " وقال في المباحث: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله فلا يزال يسايس نفسه شيئا فشيئا حتى يملكها، ويظفر بها، فإذا ظفر بها كانت له شبكة يصطاد بها العلوم والمعارف، فتتفكر في الدنيا فتراها فانية فترحل عنها، ثم تتفكر في الآخرة فتراها باقية، فإذا رامت السكنى فيها رأتها كونا مخلوقا فرحلت إلى خالقها، فكشف الحق عنها الحجاب، وأدخلها مع الأحباب، وأدخلها مع الأحباب، فغابت عن الكونين في شهود المكون، فلم يبق لها دنيا ولا آخرة، بل هي الآن في بهجة ونضرة { إلى ربها ناظرة } ، حققنا الله بهذا المقام العلي. آمين. ثم سألوا أيضا عن مخالطة اليتامى، فأجابهم الحق تعالى بقوله: {... ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم } قلت: العنت: التعب والمشقة، أعنتكم: أتعبكم. يقول الحق جل جلاله: { ويسألونك عن } مخالطة { اليتامى } أي: خلط مال اليتامى بمال الوصي، أو القائم به، فيأكلون جميعا، { قل } لهم: يفعلون ما هو { إصلاح } لليتيم وأحفظ لماله، فإن كان خلط مال اليتيم مع مال الوصي أحفظ لماله، وأوفر، فهو خير، فإنما هم إخوانكم في الدين، وإن كان عزل ما لهم عن مالكم، وأكله وحده، اوفر لماله، فاعتزالهم خير، { والله يعلم } من قصده الإفساد، ممن قصده الإصلاح، فيعامل كل واحد بقصده، { ولو شاء الله } لأمركم بعزلهم وحفظ مالهم مطلقا، فيحرجكم، ويشق عليكم، { إن الله عزيز } غالب، لا يعجزه شيء، { حكيم } لا يفعل شيئا إلا لحكمة ومصلحة. ولما نزل قوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما... [النساء: 10] الآية، تحرج الصحابة من مخالطة اليتامى، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية. الإشارة: كل من لا شيخ له في طريق القوم فهو يتيم، لا أب له، فإن ادعى شيئا من الخصوصية سمي عندهم لقيطا أو دعيا، أي منسوبا إلى غير أبيه، وما زالت الأشياخ تحذر من مخالطة العوام، ومن مخالطة المتفقرة الجاهلة، أعني: الذين لا شيخ لهم يصلح للتربية، حتى قالوا: مخالطتهم سم قاتل. وقال بعضهم: يجتنب المريد مخالطة ثلاثة أصناف من الناس: المتفقرة الجاهلين، والقراء المداهنين، والجبابرة المتكبرين. قلت: وكذلك الفروعية المتجمدين على ظاهر الشريعة، فصحبتهم أقبح من الجميع، ومن ابتلى بمخالطة العوام فلينصحهم، ويرشدهم إلى مصالح دينهم، إنما هم إخوان في الدين، والله يعلم المفسد من المصلح، فمن خالطهم طمعا في مالهم أو جاههم، أفسده الله، ومن خالطهم نصحا وإرشادا أصلحه الله، ولو شاء الله لأمر الفقراء باعتزالهم بالكلية، وفي ذلك حرج ومشقة، ومن حكمته تعالى أن جعلهم حجابا لأهل الحجاب، ومدخلا لذوي الألباب، حجابا للضعفاء، ومدخلا ومشهدا للأقوياء. والله تعالى أعلم. ولما فرغ الحق جل جلاله من ذكر بعض أمر الجهاد وما يتعلق به، شرع يتكلم على النكاح.

البقرة 2:220

{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما... } قلت: الخمر في اللغة: ما يستر الشيء ويغطيه، ومنه: خمار المرأة، وسمي الخمر خمرا لستره العقل. وفي الاصطلاح: ما غيب العقل دون الحواس مع النشوة والطرب. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل مسكر خمر وكل خمر، حرام ". والميسر: قال ابن عباس والحسن: كل قمار ميسر، من شطرنج ونرد ونحوه، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، إذا كان بالفلوس، وسمي ميسرا ليسر صاحبه بالمال الذي يأخذه، وأما إذا كان بغير عوض، إنما هو لعب فقط، فلا بأس. قاله ابن عرفة. يقول الحق جل جلاله: { يسألونك عن } حكم { الخمر والميسر قل } لهم: { فيهما إثم كبير } أي: عظيم لما في المسير من أكل أموال الناس بالباطل، وما ينشأ عنه من العداوة والشحناء، وما في الخمر من إذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية، والتعدي الذي يكون من شاربه. وقرأ حمزة والكسائي: { كثير } بالمثلثة، أي: آثام كثيرة لقوله عليه الصلاة والسلام: " لعن الله الخمر، وبائعها، ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، والمعصورة له، وساقيها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة له، وآكل ثمنها " فهذه آثام، وفيها { منافع للناس } أي: منافع دنيوية ككسب المال بلا تعب، وإطعام الفقراء من كسبه، كما كانت تصنع العرب في الميسر، وفي الخمر اللذة والنشوة، كما قال حسان رضي الله عنه: ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا لا ينهنهنا اللقاء { وإثمهما أكثر من نفعهما } لأن منفعتهما دنيوية، وعقوبة إثمهما أخروية، وهذه الآية نزلت قبل التحريم. روي أنه لما نزل بمكة قوله تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا [النحل: 67]، أخذ المسلمون يشربونها، ثم إن عمر ومعاذا في نفر من الصحابة، قالوا: أفتنا يا رسول الله في الخمر فإنها مذهبة للعقل، فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا إلى داره، فشربوا وسكروا، ثم قام يصلي بهم فقرأ: قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون [الكافرون: 1، 2] من غير نفي، فنزلت: ... لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى... [النساء: 43] فاجتنبوها في أوقات الصلاة. ثم دعا عتبان بن مالك سعد بن أبي وقاص في جماعة، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، فأنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه، فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت إنما الخمر والميسر... إلى قوله: ... فهل أنتم منتهون [المائدة: 90، 91] فقال عمر: انتهينا يا رب ه. ولما شربها بعض الناس بعد التحريم، كان - عليه الصلاة والسلام - يضرب فيها بالنعال والجريد، ضربا غير محدود، وضرب أبو بكر وعمر أربعين، وأول من حد فيها ثمانين سيدنا عثمان، لما تهافت الناس فيها. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى جعل للعقل نورا يميز بين الحق والباطل، بين الضار والنافع، وبين الصانع والمصنوع، ثم إن هذا النور قد يتغطى بالظلمة الطينية وهي نشوة الخمر الحسية. وقد يتغطى أيضا بالأنوار الباهرة من الحضرة الأزلية إذا فاجأته، فيغيب عن الإحساس في مشاهدة الأنوار المعنوية، وهي أسرار الذات الأزلية، فلا يرى إلا أسرار المعاني القديمة، وينكر الحوادث الحسية، فسمي الصوفية هذه الغيبة خمرة لمشاركتها للخمر في غيبوبة العقل، وتغنوا بها في أشعارهم ومواجيدهم، قال الفارض رضي الله عنه: شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم ثم قال: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم وقلت في عينيتي: ولي لوعة بالراح إذ فيه راحتي وروحي وريحاني، وخير واسع سكرنا فهمنا في بهاء جماله فغبنا عن الإحساس، والنور ساطع والميسر في طريق الإشارة: هو الغني الذي يحصل بهذه الخمرة، وهو الغني بالله عن كل ما سواه قل فيهما إثم كبير أي: في تعاطيهما حرج كبير، ومنافع للناس بعد تعاطيهما، فيهما إثم كبير عند طالب الأجور، ومنافع للناس لمن طلب الحضور ورفع الستور. وأنشدوا: لو كان لي مسعد يسعدني لما انتظرت لشرب الراح إفطارا فالراح شيء شريف أنت شاربه، فاشرب، ولو حملتك الراح أوزارا يا من يلوم على صهباء صافية خذ الجنان، ودعني أسكن النارا وقال ابن الفارض: وقالوا: شربت الإثم! كلا، وإنما شربت التي في تركها عندي الإثم وقال آخر: طاب شرب المدام في الخلوات اسقني يا نديم بالآنيات خمرة تركها علينا حرام، ليس فيها إثم ولا شبهات عتقت في الدنان من قبل آدم أصلها طيب من الطيبات أفت لي أيهأ الفقيه وقل لي: هل يجوز شربها على عرفات؟ فيهما إثم كبير عند أهل الحجاب، ونفع كبير عند ذوي الألباب، يعني: في الخمرة الأزلية والغنى بالله، وقوله تعالى: { وإثمهما أكبر من نفعهما }: خطاب على قدر ما يفهم الناس، لأن إثمهما ظاهر للعوام، وهو ما يظهر على النشوان من خراب الظاهر، وصدور الأحوال الغريبة، ونفعهما خاص عند خوصا الخواص، لا يفهمه إلا الخواص، بل يجب كتمه عن غير أهله، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم وقع سؤال ثالث عن قدر المنفق، فأشار إليه الحق جل جلاله بقوله: {... ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة... } قلت: { العفو }: ضد الجهد، وهو السهل، ويقال للأرض السهلة: عفو، والمراد: أن ينفق ما تيسر بذله، ولا يبلغ به الجهد، وهو خبر، أو مفعول، أي: هو العفو، أو ينفقون العفو. يقول الحق جل جلاله: { ويسألونك } ما القدر الذي ينفقونه؟ { قل } لهم: هو { العفو } أي: السهل الذي لا مشقة في إعطائه، ولا ضرر على المعطي في فقده، روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقدر بيضة من الذهب، فقال: خذها عني صدقة، فأعرض عنه، حتى كرر مرارا، فقال: هاتها، مغضبا، فحذفها حذفا لو أصابه لشجه، فقال: " يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى " قاله البيضاوي مختصرا. قلت: وهذا يختلف باختلاف اليقين فقد تصدق الصديق رضي الله عنه بماله كله، وعمر رضي الله عنه بنصف ماله، فأقرهما ورد فعل غيرهما، فدل ذلك على أن العفو يختلف باختلاف الأشخاص، على حسب اليقين. { كذلك يبن الله لكم الآيات } أي: مثل هذا التبيين الذي ذكرنا، { يبين } لكم الآيات، حتى لا يترك إشكالا ولا وهما، { لعلكم تتفكرون } بعقولكم، وتأخذون بما يعود نفعه عليهكم، فتتفكرون { في الدنيا } وسرعة ذهابها وتقلبها بأهلها، إذا أقبلت كانت فتنة، وإذا أدبرت كانت حسرة، لا يفي طالبها بمقصوده منها ولو ملكها بحذافيرها، ضيقة الزمان والمكان، عمارتها إلى الخراب، وشأنها إلى انقلاب، سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، فتزهدون فيها وترفعون همتكم عنها. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كرجل سافر في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة، ثم راح وتركها " وفي صحف إبراهيم عليه السلام: " عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب - أي: يتعب - عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ". وأنشدوا: ألا إنما الدنيا كأحلام نائم وكل نعيم ليس فيها بدائم تذكر إذا ما نلت بالأمس لذة فأفنيتها هل أنت إلا كحالم وتتفكرون في { الآخرة } ودوام نعيمها، وسعة فضائها، وبهجة منظرها فترغبون في الوصول إليه، وتتأهبون للقائها، فتؤثرونها على هذه الدار الفانية. قال بعض الحكماء: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان ينبغي للعاقل أن يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى، والآخرة من ذهب يبقى، فلا يختار هذه الدار إلا أحمق خسيس الهمة، وبالله التوفيق. الإشارة: كما نهى الحق جل جلاله عن السرف في الأموال، نهى عن السرف في الأحوال، فالسرف، من حيث هو، يؤدي إلى الملل والانقطاع، " أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه، وإن قل " كما في الحديث، " والله ما رأينا أحدا أسرف في الأحوال إلا مل، وضعف حاله " ، وفي الحديث: " لا يكن أحدكم كالمنبت - أي: المنقطع - لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى " وقال في المباحث: فاحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصرة من قبيله فلا يزال يسايس نفسه شيئا فشيئا حتى يملكها، ويظفر بها، فإذا ظفر بها كانت له شبكة يصطاد بها العلوم والمعارف، فتتفكر في الدنيا فتراها فانية فترحل عنها، ثم تتفكر في الآخرة فتراها باقية، فإذا رامت السكنى فيها رأتها كونا مخلوقا فرحلت إلى خالقها، فكشف الحق عنها الحجاب، وأدخلها مع الأحباب، وأدخلها مع الأحباب، فغابت عن الكونين في شهود المكون، فلم يبق لها دنيا ولا آخرة، بل هي الآن في بهجة ونضرة { إلى ربها ناظرة } ، حققنا الله بهذا المقام العلي. آمين. ثم سألوا أيضا عن مخالطة اليتامى، فأجابهم الحق تعالى بقوله: {... ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم } قلت: العنت: التعب والمشقة، أعنتكم: أتعبكم. يقول الحق جل جلاله: { ويسألونك عن } مخالطة { اليتامى } أي: خلط مال اليتامى بمال الوصي، أو القائم به، فيأكلون جميعا، { قل } لهم: يفعلون ما هو { إصلاح } لليتيم وأحفظ لماله، فإن كان خلط مال اليتيم مع مال الوصي أحفظ لماله، وأوفر، فهو خير، فإنما هم إخوانكم في الدين، وإن كان عزل ما لهم عن مالكم، وأكله وحده، اوفر لماله، فاعتزالهم خير، { والله يعلم } من قصده الإفساد، ممن قصده الإصلاح، فيعامل كل واحد بقصده، { ولو شاء الله } لأمركم بعزلهم وحفظ مالهم مطلقا، فيحرجكم، ويشق عليكم، { إن الله عزيز } غالب، لا يعجزه شيء، { حكيم } لا يفعل شيئا إلا لحكمة ومصلحة. ولما نزل قوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما... [النساء: 10] الآية، تحرج الصحابة من مخالطة اليتامى، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية. الإشارة: كل من لا شيخ له في طريق القوم فهو يتيم، لا أب له، فإن ادعى شيئا من الخصوصية سمي عندهم لقيطا أو دعيا، أي منسوبا إلى غير أبيه، وما زالت الأشياخ تحذر من مخالطة العوام، ومن مخالطة المتفقرة الجاهلة، أعني: الذين لا شيخ لهم يصلح للتربية، حتى قالوا: مخالطتهم سم قاتل. وقال بعضهم: يجتنب المريد مخالطة ثلاثة أصناف من الناس: المتفقرة الجاهلين، والقراء المداهنين، والجبابرة المتكبرين. قلت: وكذلك الفروعية المتجمدين على ظاهر الشريعة، فصحبتهم أقبح من الجميع، ومن ابتلى بمخالطة العوام فلينصحهم، ويرشدهم إلى مصالح دينهم، إنما هم إخوان في الدين، والله يعلم المفسد من المصلح، فمن خالطهم طمعا في مالهم أو جاههم، أفسده الله، ومن خالطهم نصحا وإرشادا أصلحه الله، ولو شاء الله لأمر الفقراء باعتزالهم بالكلية، وفي ذلك حرج ومشقة، ومن حكمته تعالى أن جعلهم حجابا لأهل الحجاب، ومدخلا لذوي الألباب، حجابا للضعفاء، ومدخلا ومشهدا للأقوياء. والله تعالى أعلم. ولما فرغ الحق جل جلاله من ذكر بعض أمر الجهاد وما يتعلق به، شرع يتكلم على النكاح.

البقرة 2:221

قلت: بدأ الحق جل جلاله بذكر محل النكاح، وسيأتي في سورة النساء تمامه في قوله: حرمت عليكم أمهاتكم... [النساء: 23] الآية. يقول الحق جل جلاله: ولا تتزوجوا النساء { المشركات حتى يؤمن } ، ونكاحهن حرام، بخلاف الكتابيات، كما في سورة المائدة. ونكاح أمة سوداء { مؤمنة خير من } نحكاح { مشركة ولو أعجبتكم } حسنا وحسبا ومالا، أو: ولا مرأة مؤمنة أمة كانت أو حرة خير من مشركة إذ النساء كلهم إماء الله. روي أنه عليه الصلاة والسلام - بعث مرثدا الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين فأتته امرأة يقال لها: عناق، وكان يهواها في الجاهلية - فقالت: ألا تخلو؟ فقال: إن الإسلام حال بيننا، فقالت: هل لك أن تتزوج بي؟ فقال: نعم، ولكن أستشير رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاره، فنزلت الآية. البيضاوي. ولا تزوجوا { المشركين } وليتكم، وهو حرام مطلقا إذ الرجال قوامون على النساء، ولا تسلط للكافر على المسلمة، فلا تنكحوهم { حتى يؤمنوا } ، { ولعبد } أسود مملوك { مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم } حسبا ومالا إذ لا حسب مع الكفر، وإنما حرم نكاح أهل الكفر لأنهم { يدعو إلى } الكفر، وهو سبب { النار } ، والصحبة توجب عقد المحبة، والطباع تسرق، فلا يؤمن جانب الكفر أن يغلب على الإيمان، { والله } تعالى إنما { يدعو إلى } سبب { المغفرة } والتطهير من لوث الكفر والمعاصي { بإذنه } وقدرته، فلا يأمر إلا بما يقوى عقد الإيمان واليقين، وينهض إلى الطاعات، وهو صحبة أهل الإيمان واليقين، { ويبين آياته } الدالة على جمع عباده إليه { لعلهم يتذكرون } فيها، ويتعظون بتذكيرها ووعظها. الإشارة: لا ينبغي للفقير أن يعقد مع نفسه عقد الصحبة والمودة، أو ينظر إليها بعين الشفقة والرحمة، ما دامت مشركة بشهود السوى، أو مائلة بطبعها إلى الهوى، ولأن تكون عندك نفس مؤمنة بعلم التويد، خير من نفس مشركة برؤية الغير، ولو أعجبتك في الطاعة، وظهور الاستقامة، فقد تظهر الطاعة والخدمة، وتبطن مالها فيها من الحظوظ والمتعة، فليتهمها ما دامت مشركة، فإذا آمنت ووحدت الله تعالى، فلم تر معه سواه، فلا بأس بعقد النكاح معها، فإنها لا تأمره إلا بما يقوي شهودها وتوحيدها. وكذلك لا ينبغي أن يعقد نكاح نفسه، ويدفعها لمن يشهد السوى، شيخا أو أخا، ولو أعجبك طاعته واجتهاده، ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه، خير من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه، أولئك أهل النفوس - يدعون إلى نار الشهوات والحظوظ العاجلة أو الآجلة، والله يدعو إلى التطهير من شهود الأغيار، والدخول في حضرة الأسرار، وهذا لا يكون إلا للعارفين الأبرار الذين تطهروا من الأكدار، وتخلصوا من شهود الأغيار، كذلك يبين الله آياته الناس - الدالة على وحدانيته - لعلهم يتعظون فينزجرون عن متابعة الهوى، أو رؤية وجود السوى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما بين الحق تعالى ما يحرم في النكاح أصالة، بين ما يحرم فيه عروضا.

البقرة 2:222

قلت: المحيض: مصدر، كالمقيل والمعيش والمجيء، وهو الحيض. يقول الحق جل جلاله: { ويسألونك } يا محمد { عن } قرب النساء بالجماع في زمن { المحيض قل } لهم: { هو أذى } ، أي: مضر، أو منتن مستقذر، لا يرضى ذو همة أن يقربه، { فاعتزلوا } مجامعة { النساء في } زمن { المحيض ولا تقربوهن } بالجماع في المحل { حتى يطهرن } من الدم، بانقطاعه، ويغتسلن بالماء، { فإذا تطهرن } بالماء { فأتوهن من حيث أمركم الله } وهو الفرج، الذي أمركم باجتنابه في الحيض إذ هو محل زراعة النطفة. فمن غلبته نفسه حتى وطئء في الحيض، أو النفاس، فليبادر إلى التوبة، { إن الله يحب التوابين } كلما أذنبوا تابوا. ولا تجب كفارة على الواطئ، على المشهور. وقال ابن عباس والأوزاعي: من وطئ قبل الغسل تصدق بنصف دينار، ومن وطئ في حال سيلان الدم تصدق بدينار. رواه أبو داود حديثا. ومن صبر وتنزه عن ذلك فإن الله { يحب المتطهرين } من الذنوب والعيوب كلها، وإنما أعاد العامل لأن محبته للمتنزهين أكثر. قال البيضاوي: روي أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحائض ولا يؤاكلونها، كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح، في نفر من الصحابة، عن ذلك، فنزلت. ولعله سبحانه - إنما ذكر " إنما يسألونك " من غير واو، ثلاثا، ثم بها ثلاثا لأن السؤالات الأول كانت في أوقات متفرقة، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد فلذلك ذكرها بحرف الجمع. ه. ثم بين الحق تعالى كيفية إتيان النساء بعد الطهر، فقال: { نساؤكم حرث لكم } ، أي: مواضع حرثكم، شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف، بالبذر، والأرحام أرض لها، { فأتوا حرثكم } أي: محل حرثكم، وهو الفرج، { أنى شئتم } أي: من أي جهة شئتم. روي أن اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من خلفها في قبلها جاء الولد أحول، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقيل: إن قريشا كانوا يأتون النساء من قدام، مستلقية، والأنصار كانوا يأتوهن من خلف، باركة، فتزوج رجل من المهاجرين امراة من الأنصار، فأراد أن يفعل عادته، فامتنعت، وأرادت عادتها، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية بالتخيير للرجل، مع الإتيان في المحل، وأما الإتيان في الدبر فحرام، ملعون فاعله، وقال في القوت: { فأتوا حرثكم أنى شئتم } أي: في أي وقت شئتم، ومن أي مكان شئتم، مع اتحاد المحل. ه. ثم حذر الحق تعالى من متابعة شهوة النساء، والغفلة عن الله، فقال: { وقدموا لأنفسكم } ما تجدون ثوابه مدخرا عنده، وهو ذكر الله في مظان الغفلة، قيل: التسمية قبل الوطء وقيل: طلب الولد، والتحقيق: أنه الحضور مع الحق عند هيجان الشهوة، قال بعض العارفين: إني لا أغيب عن الله ولو في حالة الجماع. ه. وهذا شأن أهل الجمع، لا يفترقون عن الحضرة ساعة. وهذه التقوى التي أمر الله بها بقوله: { واتقوا الله } أي: لا تغيبكم عنه شهوة النساء، { واعلموا أنكم ملاقوه } فترون وبال الغفلة وجزاء اليقظة، { وبشر المؤمنين } بالقرب من رب العالمين. الإشارة: إذا سئلت - أيها العارف - عن النفس في حال جنابتها بالغفلة، وحال تلبسها بنجاسة حب الدنيا، فقل: هي أذى، أي: قذر ونجس، من قرب منها لطخته بنجاستها، فلا يحل القرب منه، أو الصحبة معها، حتى تطهر من جنابة الغفلة باليقظة، ومن نجاسة حب الدنيا بالزهد، ورفع الهمة عنها، فإذا تطهرت فاتها، وردها إلى حضرة مولاها، كما أمرك الله، { إن الله يحب التوابين } ، وقد تابت ورجعت إلى مولاها، { ويحب المتطهرين } ، وقد تطهرت من جنابة الغفلة، وتنزهت عن نجاسة الدنيا برفع الهمة، فصارت لك أرضا لزراعة حقوق العبودية، ومنبتا لبذر شهود عظمة الربوبية، فأتوا حرثكم - أيها العارفون - أنى شئتم، أي: ازرعوا في أرض نفوسكم من أوصاف العبودية ما شئتم، وفي أي وقت شئتم. فبقدر ما تزرعون من العبودية تحصدون من الحرية. وبقدر ما تزرع فيها من الذل تحصده من العز، وبقدر ما تزرع فيها من الفقر تحصده من الغنى، وبقدر ما تزرع فيها من التواضع تحصده من الشرف والرفعة. والحاصل: بقدر ما تزرع فيها من السفليات تحصد ضده من العلويات. قال تعالى: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم فى الأرض [القصص: 5، 6]. فإذا تركتها هملا، أنبتت لك الشوك والحنظل، { وقدموا لأنفسكم } من أوصاف العبودية ما تجدونه أمامكم من مشاهدة الربوبية، واتقوا الله فلا تشهدوا معه سواه، واعلموا أنكم ملاقوه حين تغيبون عن وجودكم وتفقدونه، وبشر المؤمنين الموقنين بشهود رب العالمين. ولما تكلم الحق جل جلاله على بعض أحكام النكاح، أراد أن يتكلم على الإيلاء، وهو الحلف على عدم مس المرأة وجماعها، وقدم على ذلك النهي عن كثرة الحلف لأنه هو السبب في الوقوع في الإيلاء.

البقرة 2:223

قلت: المحيض: مصدر، كالمقيل والمعيش والمجيء، وهو الحيض. يقول الحق جل جلاله: { ويسألونك } يا محمد { عن } قرب النساء بالجماع في زمن { المحيض قل } لهم: { هو أذى } ، أي: مضر، أو منتن مستقذر، لا يرضى ذو همة أن يقربه، { فاعتزلوا } مجامعة { النساء في } زمن { المحيض ولا تقربوهن } بالجماع في المحل { حتى يطهرن } من الدم، بانقطاعه، ويغتسلن بالماء، { فإذا تطهرن } بالماء { فأتوهن من حيث أمركم الله } وهو الفرج، الذي أمركم باجتنابه في الحيض إذ هو محل زراعة النطفة. فمن غلبته نفسه حتى وطئء في الحيض، أو النفاس، فليبادر إلى التوبة، { إن الله يحب التوابين } كلما أذنبوا تابوا. ولا تجب كفارة على الواطئ، على المشهور. وقال ابن عباس والأوزاعي: من وطئ قبل الغسل تصدق بنصف دينار، ومن وطئ في حال سيلان الدم تصدق بدينار. رواه أبو داود حديثا. ومن صبر وتنزه عن ذلك فإن الله { يحب المتطهرين } من الذنوب والعيوب كلها، وإنما أعاد العامل لأن محبته للمتنزهين أكثر. قال البيضاوي: روي أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحائض ولا يؤاكلونها، كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح، في نفر من الصحابة، عن ذلك، فنزلت. ولعله سبحانه - إنما ذكر " إنما يسألونك " من غير واو، ثلاثا، ثم بها ثلاثا لأن السؤالات الأول كانت في أوقات متفرقة، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد فلذلك ذكرها بحرف الجمع. ه. ثم بين الحق تعالى كيفية إتيان النساء بعد الطهر، فقال: { نساؤكم حرث لكم } ، أي: مواضع حرثكم، شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف، بالبذر، والأرحام أرض لها، { فأتوا حرثكم } أي: محل حرثكم، وهو الفرج، { أنى شئتم } أي: من أي جهة شئتم. روي أن اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من خلفها في قبلها جاء الولد أحول، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقيل: إن قريشا كانوا يأتون النساء من قدام، مستلقية، والأنصار كانوا يأتوهن من خلف، باركة، فتزوج رجل من المهاجرين امراة من الأنصار، فأراد أن يفعل عادته، فامتنعت، وأرادت عادتها، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية بالتخيير للرجل، مع الإتيان في المحل، وأما الإتيان في الدبر فحرام، ملعون فاعله، وقال في القوت: { فأتوا حرثكم أنى شئتم } أي: في أي وقت شئتم، ومن أي مكان شئتم، مع اتحاد المحل. ه. ثم حذر الحق تعالى من متابعة شهوة النساء، والغفلة عن الله، فقال: { وقدموا لأنفسكم } ما تجدون ثوابه مدخرا عنده، وهو ذكر الله في مظان الغفلة، قيل: التسمية قبل الوطء وقيل: طلب الولد، والتحقيق: أنه الحضور مع الحق عند هيجان الشهوة، قال بعض العارفين: إني لا أغيب عن الله ولو في حالة الجماع. ه. وهذا شأن أهل الجمع، لا يفترقون عن الحضرة ساعة. وهذه التقوى التي أمر الله بها بقوله: { واتقوا الله } أي: لا تغيبكم عنه شهوة النساء، { واعلموا أنكم ملاقوه } فترون وبال الغفلة وجزاء اليقظة، { وبشر المؤمنين } بالقرب من رب العالمين. الإشارة: إذا سئلت - أيها العارف - عن النفس في حال جنابتها بالغفلة، وحال تلبسها بنجاسة حب الدنيا، فقل: هي أذى، أي: قذر ونجس، من قرب منها لطخته بنجاستها، فلا يحل القرب منه، أو الصحبة معها، حتى تطهر من جنابة الغفلة باليقظة، ومن نجاسة حب الدنيا بالزهد، ورفع الهمة عنها، فإذا تطهرت فاتها، وردها إلى حضرة مولاها، كما أمرك الله، { إن الله يحب التوابين } ، وقد تابت ورجعت إلى مولاها، { ويحب المتطهرين } ، وقد تطهرت من جنابة الغفلة، وتنزهت عن نجاسة الدنيا برفع الهمة، فصارت لك أرضا لزراعة حقوق العبودية، ومنبتا لبذر شهود عظمة الربوبية، فأتوا حرثكم - أيها العارفون - أنى شئتم، أي: ازرعوا في أرض نفوسكم من أوصاف العبودية ما شئتم، وفي أي وقت شئتم. فبقدر ما تزرعون من العبودية تحصدون من الحرية. وبقدر ما تزرع فيها من الذل تحصده من العز، وبقدر ما تزرع فيها من الفقر تحصده من الغنى، وبقدر ما تزرع فيها من التواضع تحصده من الشرف والرفعة. والحاصل: بقدر ما تزرع فيها من السفليات تحصد ضده من العلويات. قال تعالى: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم فى الأرض [القصص: 5، 6]. فإذا تركتها هملا، أنبتت لك الشوك والحنظل، { وقدموا لأنفسكم } من أوصاف العبودية ما تجدونه أمامكم من مشاهدة الربوبية، واتقوا الله فلا تشهدوا معه سواه، واعلموا أنكم ملاقوه حين تغيبون عن وجودكم وتفقدونه، وبشر المؤمنين الموقنين بشهود رب العالمين. ولما تكلم الحق جل جلاله على بعض أحكام النكاح، أراد أن يتكلم على الإيلاء، وهو الحلف على عدم مس المرأة وجماعها، وقدم على ذلك النهي عن كثرة الحلف لأنه هو السبب في الوقوع في الإيلاء.

البقرة 2:224

قل: العرضة: فعلة، بمعنى مفعولة: أي: معرضا منصوبا، لأيمانكم تحلفون به كثيرا، فيصير اسم الجلالة مبتذلا بينكم. و { أن تبروا }: مفعول من أجله. يقول الحق جل جلاله: { ولا تجعلوا الله } أي: اسم الجلالة، معرضا { لأيمانكم } ، فتتبذلونه بكثرة الحلف، فتمتنعون من فعل الخير بسبب الحلف، كراهة { أن تبروا } أي: تفعلوا فعل البر، وهو الإحسان، وكراهة أن { تتقوا } أن تجعلوا بينكم وبين الله وقاية بفعل المعروف، وذلك أن يحلف الرجل ألا يصل رحمه، أو لا يسلم على فلان، او لا يضمن أحدا، أو لا يبيع بدين، أو لا يسلف أحدا، أو لا يتصدق، فهذه الأمور كلها بر وتقوى، نهى الله تعالى عن الحلف على عدم فعلها، أو يحلف ألا يصلح بين الناس، فيجب على الحالف على ذلك أن يحنث، ويكفر عن يمينه. ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام -: " إني لأحلف على يمين فأرى خيرا منها، فأكفر عن يميني، وآتي الذي هو خير " وقال لابن سمرة: " إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فات الذي هو خير، وكفر عن يمينك ". أو يقول الحق جل جلاله { ولا تجعلوا لله } معرضا لأيمناكم، تحلفون به كثيرا، نهيتكم عن ذلك، إرادة أن تكونوا أبرارا متقين، مصلحين { بين الناس } فإن الحالف مجترئ على الله، والمجترئ لا يكون برا متقيا، ولا موثوقا به في إصلاح ذات البين، { والله سميع } لأيمانكم، { عليم } بنياتكم. ثم رفع الحق تعالى الحرج عن يمين اللغو الذي لا قصد فيه - فقال: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } ، وهو ما يجري على اللسان من غير قصد، كقول الرجل في مجرى كلامه: لا والله وبلى والله، قاله ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهما -، وبه قال الشافعي. وقال أبو هريرة والحسن وابن عباس - في أحد قوليه -: هو أن يحلف على ما يعتقد فيظهر خلافه. وبه قال مالك رضي الله عنه، والأول أليق بقوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أي: بما عقدت عليه قلوبكم، { والله غفور } حيث لم يؤاخذكم باللغو، { حليم } حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد، تربصا للتوبة. الإشارة: يقول الحق جل جلاله: { لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } ، لكن اجعلوه عرضة لتعظيم قلوبكم ومشاهدة لأسراركم، فإني ما أظهرت اسمي لتبتذلوه في الأيمان والجدال، وإنما اسمي لتتلقوه بالتعظيم والإجلال، فمن عظم اسمي فقد عظم ذاتي، ومن عظم ذاتي جعلته عظيما في أرضي وعند أهل سمواتي، وجعلته برا تقيا، من أهل محبتي وودادي، وداعيا يدعو إلى معرفتي، ويصلح بيني وبين عبادي، فمن حلمي ورأفتي: أني لا أؤاخذ بما يجري على اللسان، وإنما أؤاخذ بما يقصده الجنان. تنبيه: كثرة الحلف مذموم يدل على الخفة والطيش، وعدم الحلف بالكلية تعسف، وخير الأمور أوساطها، كان عليه الصلاة والسلام يحلف في بعض أحيانه، يقول: " لا ومقلب القلوب " " والذي نفس محمد بيده " والله تعالى أعلم.

البقرة 2:225

قل: العرضة: فعلة، بمعنى مفعولة: أي: معرضا منصوبا، لأيمانكم تحلفون به كثيرا، فيصير اسم الجلالة مبتذلا بينكم. و { أن تبروا }: مفعول من أجله. يقول الحق جل جلاله: { ولا تجعلوا الله } أي: اسم الجلالة، معرضا { لأيمانكم } ، فتتبذلونه بكثرة الحلف، فتمتنعون من فعل الخير بسبب الحلف، كراهة { أن تبروا } أي: تفعلوا فعل البر، وهو الإحسان، وكراهة أن { تتقوا } أن تجعلوا بينكم وبين الله وقاية بفعل المعروف، وذلك أن يحلف الرجل ألا يصل رحمه، أو لا يسلم على فلان، او لا يضمن أحدا، أو لا يبيع بدين، أو لا يسلف أحدا، أو لا يتصدق، فهذه الأمور كلها بر وتقوى، نهى الله تعالى عن الحلف على عدم فعلها، أو يحلف ألا يصلح بين الناس، فيجب على الحالف على ذلك أن يحنث، ويكفر عن يمينه. ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام -: " إني لأحلف على يمين فأرى خيرا منها، فأكفر عن يميني، وآتي الذي هو خير " وقال لابن سمرة: " إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فات الذي هو خير، وكفر عن يمينك ". أو يقول الحق جل جلاله { ولا تجعلوا لله } معرضا لأيمناكم، تحلفون به كثيرا، نهيتكم عن ذلك، إرادة أن تكونوا أبرارا متقين، مصلحين { بين الناس } فإن الحالف مجترئ على الله، والمجترئ لا يكون برا متقيا، ولا موثوقا به في إصلاح ذات البين، { والله سميع } لأيمانكم، { عليم } بنياتكم. ثم رفع الحق تعالى الحرج عن يمين اللغو الذي لا قصد فيه - فقال: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } ، وهو ما يجري على اللسان من غير قصد، كقول الرجل في مجرى كلامه: لا والله وبلى والله، قاله ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهما -، وبه قال الشافعي. وقال أبو هريرة والحسن وابن عباس - في أحد قوليه -: هو أن يحلف على ما يعتقد فيظهر خلافه. وبه قال مالك رضي الله عنه، والأول أليق بقوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أي: بما عقدت عليه قلوبكم، { والله غفور } حيث لم يؤاخذكم باللغو، { حليم } حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد، تربصا للتوبة. الإشارة: يقول الحق جل جلاله: { لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } ، لكن اجعلوه عرضة لتعظيم قلوبكم ومشاهدة لأسراركم، فإني ما أظهرت اسمي لتبتذلوه في الأيمان والجدال، وإنما اسمي لتتلقوه بالتعظيم والإجلال، فمن عظم اسمي فقد عظم ذاتي، ومن عظم ذاتي جعلته عظيما في أرضي وعند أهل سمواتي، وجعلته برا تقيا، من أهل محبتي وودادي، وداعيا يدعو إلى معرفتي، ويصلح بيني وبين عبادي، فمن حلمي ورأفتي: أني لا أؤاخذ بما يجري على اللسان، وإنما أؤاخذ بما يقصده الجنان. تنبيه: كثرة الحلف مذموم يدل على الخفة والطيش، وعدم الحلف بالكلية تعسف، وخير الأمور أوساطها، كان عليه الصلاة والسلام يحلف في بعض أحيانه، يقول: " لا ومقلب القلوب " " والذي نفس محمد بيده " والله تعالى أعلم.

البقرة 2:226

قلت: { الإيلاء }: يمين زوج مكلف على عدم وطء زوجته، أكثر من أربعة أشهر. وآلى: بمعنى حلف، يتعدى بعلى، ولكن لما ضمن هنا معنى البعد من المرأة، عدي بمن، و { تربص }: مبتدأ، و { للذين يؤلون }: خبر. يقول الحق جل جلاله: { للذين } يبعدون { من نسائهم } ويحلفون ألا يجامعوهن أكثر من أربعة أشهر، غضبا وقصدا للإضرار، { تربص } أي: تمهل { أربعة أشهر } ، لا يطالب فيهن بفيئة ولا حنث، { فإن فاءوا } أي: رجعوا حلفوا عليه، وحنثوا وكفروا أيمانهم، { فإن الله غفور } لما قصدوا من الإضرار، بالفيئة التي هي كالتوبة، { رحيم } بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، { وإن عزموا الطلاق } أي: صمموا عليه، ولم يرجعوا عما حلفوا عليه، { فإن الله سميع } لطلاقهم { عليهم } بقصدهم ونيتهم. ومذهب مالك الشافعي: أن القاضي يوقفه: إما أن يرجع بالوطء إن قدر، أو بالوعد إن عجز، أو يطلق عليه طلقة رجعية، عند مالك. ومذهب أبي حنيفة: أنها تبين بمجرد مضي أربعة أشهر، وأحكام الإيلاء مقررة في كتب الفقه. الإشارة: لا ينبغي للعبد أن يصرف عمره كله في معاداة نفسه ومجانبتها، إذ المقصود هو الاستغال بمحبة الحبيب، لا الاشتغال بعداوة العدو، فلمجاهدة نفسه ومجانبتها حد معلوم ووقت مخصوص، وهو ما دامت جموحة جاهلة بالله. فإن فاءت ورجعت إلى الله، وارتاضت لحضرة الله، وجبت محبتها والاصطلاح معها لأن النفس بها ربح من ربح، ومنها خسر من خسر، من عرف قدرها، واحتال عليها حتى ردها إلى ربها - ربح، ومن أهملها وجهل قدرها - خسر، وكان شيخ شيوخنا يقول: جزاها الله عنا خيرا والله ما ربحنا إلا منها، يعني نفسه. وفي بعض الآثار: من عرف نفسه عرف ربه. وإن عزموا الطلاق، يعني: العباد والزهاد عزموا ألا يرجعوا إلى أنفسهم أبدا، فإن الله سميع عليم بقصدهم هل قصدهم طلب الحظوظ أو محبة الحبيب، وأما العارفون فلا تبقى لهم معادة مع أحد قط، قد اصطلحوا مع الوجود بأسره، فمكنهم الله من التصرف في الوجود بأسره. والله ذو الفضل العظيم.

البقرة 2:227

قلت: { الإيلاء }: يمين زوج مكلف على عدم وطء زوجته، أكثر من أربعة أشهر. وآلى: بمعنى حلف، يتعدى بعلى، ولكن لما ضمن هنا معنى البعد من المرأة، عدي بمن، و { تربص }: مبتدأ، و { للذين يؤلون }: خبر. يقول الحق جل جلاله: { للذين } يبعدون { من نسائهم } ويحلفون ألا يجامعوهن أكثر من أربعة أشهر، غضبا وقصدا للإضرار، { تربص } أي: تمهل { أربعة أشهر } ، لا يطالب فيهن بفيئة ولا حنث، { فإن فاءوا } أي: رجعوا حلفوا عليه، وحنثوا وكفروا أيمانهم، { فإن الله غفور } لما قصدوا من الإضرار، بالفيئة التي هي كالتوبة، { رحيم } بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، { وإن عزموا الطلاق } أي: صمموا عليه، ولم يرجعوا عما حلفوا عليه، { فإن الله سميع } لطلاقهم { عليهم } بقصدهم ونيتهم. ومذهب مالك الشافعي: أن القاضي يوقفه: إما أن يرجع بالوطء إن قدر، أو بالوعد إن عجز، أو يطلق عليه طلقة رجعية، عند مالك. ومذهب أبي حنيفة: أنها تبين بمجرد مضي أربعة أشهر، وأحكام الإيلاء مقررة في كتب الفقه. الإشارة: لا ينبغي للعبد أن يصرف عمره كله في معاداة نفسه ومجانبتها، إذ المقصود هو الاستغال بمحبة الحبيب، لا الاشتغال بعداوة العدو، فلمجاهدة نفسه ومجانبتها حد معلوم ووقت مخصوص، وهو ما دامت جموحة جاهلة بالله. فإن فاءت ورجعت إلى الله، وارتاضت لحضرة الله، وجبت محبتها والاصطلاح معها لأن النفس بها ربح من ربح، ومنها خسر من خسر، من عرف قدرها، واحتال عليها حتى ردها إلى ربها - ربح، ومن أهملها وجهل قدرها - خسر، وكان شيخ شيوخنا يقول: جزاها الله عنا خيرا والله ما ربحنا إلا منها، يعني نفسه. وفي بعض الآثار: من عرف نفسه عرف ربه. وإن عزموا الطلاق، يعني: العباد والزهاد عزموا ألا يرجعوا إلى أنفسهم أبدا، فإن الله سميع عليم بقصدهم هل قصدهم طلب الحظوظ أو محبة الحبيب، وأما العارفون فلا تبقى لهم معادة مع أحد قط، قد اصطلحوا مع الوجود بأسره، فمكنهم الله من التصرف في الوجود بأسره. والله ذو الفضل العظيم.

البقرة 2:228

{ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا... } قلت: القرء هو الطهر الذي يكون بعد الحيض، عند مالك، وجمع القلة: أقراء، والكثرة: قروء، واستعمله هنا باعتبار كثرة المطلقات، و { ثلاثة }: مفعول مطلق، أو ظرف، و { بعولتهن }: جمع بعل، والتاء لتأنيث الجماعة. يقول الحق جل جلاله: { والمطلقات يتربصن } أي: يمكثن عن التزوج، { بأنفسهن ثلاثة قروء } أي: أطهار، وتعتد بالطهر الذي طلقها فيه، فتحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإذا رأت الحيضة الثالثة خرجت من العدة، هذا في غير الحامل، واما الحامل فعدتها وضع حملها. { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } من الولد استعجالا لإتمام العدة، أو من الحيض استبقاء لتمادي العدة، وتصدق في ذلك كله، فإن كانت { تؤمن بالله واليوم الآخر } فلا يحل لها أن تكتم ما استؤمنت عليه، { وبعولتهن } أي: أزواجهن: { أحق بردهن في ذلك } التربص، إن كان الطلاق رجعيا، وإلا بانت منه، وينبغي للزوج أن يراجعها في العدة، إن أراد بذلك الإصلاح والمودة، لا الإضرار بها، وإلا حرم عليه ارتجاعها، إذ " لا ضرر ولا ضرار " ، كما قال - عليه الصلاة والسلام -. الإشارة: إذا طلقت النفس، ووقع البعد منها حتى طهرت ثلاثة: الطهر الأول: من الإصرار على الذنوب والمخالفات، الطهر الثاني: من العيوب والغفلات، الطهر الثالث: من الركون إلى العادات الوقوف مع المحسوسات، دون المعاني وأنوار التجليات - حلت رجعتها والاصطلاح معها، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن: من العلوم والمعارف والأنوار، وذلك إذا استشرفت على حضرة الأسرار، فإنها تفيض بالعلوم والحكم، أو ما لا يحصى، فينبغي أن تطلع عليها من يقتدي بشأنها. وبعولتهن أحق بردهن، والصلح معهن، بعد تمام تطهيرهن، إن أرادوا بذلك إصلاحا، وهو إدخالها في الحضرة، ونعيمها بالشهود والنظرة. وبالله التوفيق. ثم ذكر الحق جل جلاله حقوق الزوجية، فقال: {... ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم } يقول الحق جل جلاله: وللنساء حقوق على الرجال، كما أن للرجال حقوقا على النساء، فحقوق النساءعلى الرجال: الإنفاق، والكسوة، والإعفاف، وحسن المعاشرة، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما تتزين لي، ويقرأ هذه الآية. وحقوق الرجل على المرأة: إصلاح الطعام والفراش، وطاعة زوجها في كل ما يأمرها به من المباح، وحفظ فرجها، وصاينة ماله الذي ائتمنت عليه - إلى غير ذلك من الحقوق، فللنساء حقوق على الرجال { مثل الذي عليهن بالمعروف } من غير ضرر ولا ضرار. ولا تفريط ولا إفراط، { وللرجال عليهم درجة } أي: فضيلة لأن الرجال قوامون على النساء، ولهم فضل في الميراث، والقسمة، وكثير من الحقوق، فضلهم الله على النساء: { والله عزيز } لا يعجزه عقاب من خالف أمره، لكنه يمهل ولا يهمل، { حكيم } لا يفعل إلا لمصلحة ظاهرة أو خفية. والله تعالى أعلم. الإشارة: للنفس حقوق على صاحبها، كما له حقوق عليها، قال - عليه الصلاة والسلام -: " إن لنفسك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا، ولربك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه " فالنفس مغرفة للسر، فإذا تعبت سقط منها السر، كذلك نفس الإنسان، إذا تحامل عليها حتى تعللت، ودخلها الوجع، تعذر عليها كثر من العبادات، لا سيما الفكرة، فلا بد من حفظ البشرية، وإنا ينبغي قتلها بالأمور التي لا تخل بصحتها، فعليها طاعتك فيما تأمرها به، كما عليك حفظها مما تتضرر به. وللرجال الأقوياء عليها تسلط وتصرف، فهي مملوكة في أيديهم، وهم غالبون عليها، والله غالب على أمره، وهو العزيز الحكيم.

البقرة 2:229

قلت: { فإمساك بمعروف }: مبتدأ، والخبر: محذوف، أي: أحسن أو أمثل. أو خبر، أي: فالواجب إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. يقول الحق جل جلاله: { الطلاق } الذي تقع الرجعة بعده - إنما هو { مرتان } ، فإن طلق ثالثة فلا رجعة بعدها، فإنطلق واحدة أو اثنتين فهو مخير، فإما أن يمسكها ويرتجعها بحسن المعاشرة، والقيام بحقوق الزوجية بالمعروف. وإما أن يسرحها حتى تنقضي عدتها { بإحسان } ، من غير إضرار، ولا تطويل عدة. { ولا يحل لكم } ،أيها الأزواج، { أن تأخذوا مما أتيتموهن } من الصداق { شيئا } - خلعا - { إلا أن يخافا إلا يقيما حدود الله } بأن ظن الزوج أو الزوجة فساد العشرة بينهما، وعدم القيام بحقوق الزوجية، { فإن خفتم } أيها الحكام، أو من ينوب عنهم، { ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } من العصمة، فيحل للزوج أن يأخذ منها الفداء، ولو بجميع ما تملك، إذا كان الضرر منها أو منهما، فإن انفرد بضررها، حرم عليه أخذ الفداء، وطلقت عليه. { تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } أي: هذه الأحكام التي ذكرنا من عدد الطلاق وأخذ الخلع على وجهه - هي حدود الله التي حدها لعباده، فمن تعداها فهو ظالم. { فإن } طلق الزوج مرة ثالثة { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ، ويدخل بها، من غير شرط التحليل، { فإن طلقها } الثاني، { فلا جناح عليهما أن يتراجعا } بنكاح جديد { إن ظنا أن يقيما } حقوق الزوجية، وحسن العشرة، { وتلك } الأحكام المذكورة هي { حدود الله يبينها } الحق تعالى { لقوم يعلمون } أي: يفهمون ويتدبرون الأمور. الإشارة: إذا طلق المريد الدنيا، ثم رجع إليها، ثم تاب وتوجه إلى الله، ثم رجع إليها، ثم تاب وتوجه مرة ثانية، قبلت توبته، فإن رجع إيها بعد الطلقة الثانية، فلا يرجى فلاحه في الغالب لأنه متلاعب، قال تعالى: { الطلاق مرتان } فإمساك لها بمعروف بأن يواسي بها من يحتاج إليها، أو تسريح لها من يده بإحسان من الله إليه، حتى يدخله في مقام الإحسان، فإن طلقها مرة ثالثة فلا تحل له أبدا حتى يأخذها من يد الله بالله، بعد أن كان بنفسه، فكأنه أخذها بعصمة جديدة، فإن تمكن من الفناء والبقاء، فلا جناح عليه أن يرجع إليها غنيا بالله عنها. والله تعالى أعلم. ثم نهى الحق تعالى عن إمساك الزوجة، إضرارا، كما كانت تفعل الجاهلية.

البقرة 2:230

قلت: { فإمساك بمعروف }: مبتدأ، والخبر: محذوف، أي: أحسن أو أمثل. أو خبر، أي: فالواجب إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. يقول الحق جل جلاله: { الطلاق } الذي تقع الرجعة بعده - إنما هو { مرتان } ، فإن طلق ثالثة فلا رجعة بعدها، فإنطلق واحدة أو اثنتين فهو مخير، فإما أن يمسكها ويرتجعها بحسن المعاشرة، والقيام بحقوق الزوجية بالمعروف. وإما أن يسرحها حتى تنقضي عدتها { بإحسان } ، من غير إضرار، ولا تطويل عدة. { ولا يحل لكم } ،أيها الأزواج، { أن تأخذوا مما أتيتموهن } من الصداق { شيئا } - خلعا - { إلا أن يخافا إلا يقيما حدود الله } بأن ظن الزوج أو الزوجة فساد العشرة بينهما، وعدم القيام بحقوق الزوجية، { فإن خفتم } أيها الحكام، أو من ينوب عنهم، { ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } من العصمة، فيحل للزوج أن يأخذ منها الفداء، ولو بجميع ما تملك، إذا كان الضرر منها أو منهما، فإن انفرد بضررها، حرم عليه أخذ الفداء، وطلقت عليه. { تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } أي: هذه الأحكام التي ذكرنا من عدد الطلاق وأخذ الخلع على وجهه - هي حدود الله التي حدها لعباده، فمن تعداها فهو ظالم. { فإن } طلق الزوج مرة ثالثة { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ، ويدخل بها، من غير شرط التحليل، { فإن طلقها } الثاني، { فلا جناح عليهما أن يتراجعا } بنكاح جديد { إن ظنا أن يقيما } حقوق الزوجية، وحسن العشرة، { وتلك } الأحكام المذكورة هي { حدود الله يبينها } الحق تعالى { لقوم يعلمون } أي: يفهمون ويتدبرون الأمور. الإشارة: إذا طلق المريد الدنيا، ثم رجع إليها، ثم تاب وتوجه إلى الله، ثم رجع إليها، ثم تاب وتوجه مرة ثانية، قبلت توبته، فإن رجع إيها بعد الطلقة الثانية، فلا يرجى فلاحه في الغالب لأنه متلاعب، قال تعالى: { الطلاق مرتان } فإمساك لها بمعروف بأن يواسي بها من يحتاج إليها، أو تسريح لها من يده بإحسان من الله إليه، حتى يدخله في مقام الإحسان، فإن طلقها مرة ثالثة فلا تحل له أبدا حتى يأخذها من يد الله بالله، بعد أن كان بنفسه، فكأنه أخذها بعصمة جديدة، فإن تمكن من الفناء والبقاء، فلا جناح عليه أن يرجع إليها غنيا بالله عنها. والله تعالى أعلم. ثم نهى الحق تعالى عن إمساك الزوجة، إضرارا، كما كانت تفعل الجاهلية.

البقرة 2:231

قلت: { ضرارا }: مفعول له، أو حال، أي: مضارين. يقول الحق جل جلاله: { وإذا طلقتم النساء } فقرب بلوغ أجل عدتهن { فأمسكوهن } بالرجعة متلبسين بالمعروف والإحسان إليها، { أو سرحوهن } يتزوجن غيركم { بمعروف } لا إضرار فيه، { ولا تمسكوهن } بنية طلاقهن { ضرارا } أي: لأجل الضرر بتطويل عدتهن { لتعتدوا } عليهن { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه }. نزلت في رجل قال لامرأته: لا آويك، ولا أدعك تحلين لغيري. فقالت: كيف؟ فقال: أطلقك، فإذا دنا مضي عدتك راجعتك، فشكت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. وكان بعضهم يطلق، ويعتق، ثم يرجع، ويقول: كنت أهزأ بذلك وألعب، فنزل قوله تعالى: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } أي: مهزوءا بها، وفي الحديث: " ثلاث هزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة " { واذكروا نعمة الله عليكم } بالهداية وبعثة الرسول، { وما أنزل عليكم من الكتاب } فيه ما تحتاجون إليه ظاهرا وباطنا، { والحكمة } أي: السنة المطهرة، { يعظكم } بذلك ويزكيكم { واتقوا الله } فيما يأمركم به، وينهاكم عنه، { واعلموا أن الله بكل شيء عليم } " يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون " [الأنعام: 3]. الإشارة: يقال للمريدين المتجردين إذا طلقتم الدنيا، وآيستم أنفسكم من الرجوع إليها حتى تمكن اليقين من القلب بحيث انقطع الاهتمام بالرزق من القلب، وزالت عنه الشكوك والأوهام، فإذا رجعت إليه الدنيا، فإما أن يمسكها بمعروف بأن تكون في يده لا في قلبه، أو يسرحها من يده، بسبب مقام الإحسان الذي عوضه الله عنها، ولا تمسكوا الدنيا، أيها الفقراء، قبل كمال اليقين، فإنها ضرر لكم، فقد أخذت الرجال لا سيما الأطفال. { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } حيث حرمها الوصول، وتركها في حيرة الأوهام تجول، فاحذروا لذيذ عاجلها، لكريه آجلها، { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } بالرخص والتأويلات، { واذكروا نعمة الله عليكم } بالعداية إلى الطريق، { وما أنزل عليكم من الكتاب }: فيه بيان التحقيق { والحكمة } التي هي إصابة عين التوفيق، { واتقوا الله } فلا تركنوا إلى شيء سواه، فإن مالت قلوبكم إلى شيء من السوى، أو نزعت إلى محبة الهوى فاعلموا { أن الله بكل شيء عليم } فيبعدكم بعد الوصول. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

البقرة 2:232

قلت: العضل: المنع والتضييق والتعسير، يقال: أعضلت الدجاجة، إذا عسر بيضها. يقول الحق جل جلاله: { وإذا طلقتم النساء } فانقضت عدتهن { فلا } تمنعوهن، أيها الأولياء، من { أن ينكحن أزواجهن } الذي كانوا يملكوهن ثم طلقوا، أو الخطاب الأجانب، { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } أي: بأن كانوا أكفاء لهن، وبذلوا من المهر ما يناسبهن، أو كانت رشيدة. { ذلك } الذي ذكرنا لكم - يتعظ به، ويقف معه، من كان { يؤمن بالله واليوم الآخر } لأنه هو الذي ينجع فيه الوعظ وينتفع بالتذكير، { ذلكم أزكى لكم } أي: أرفع لقدركم، إن تمسكتم به، { وأطهر } لكم من الذنوب والعيوب، { والله يعلم } ما فيه صلاحكم، { وأنتم لا تعلمون }. نزلت الآية في معقل بن يسار، زوج أخته ثم طلقها زوجها، وأمهلها حتى انقضت عدتها، ثم جاء يخطبها، فقال معقل: تركها حتى ملكت نفسها، ثم جاء يخطبها، والله لا أزوجها منه أبدا. والمرأة أرادت أن ترجع إليه، فنزلت الآية، فرجع معقل عن قسمه وزوجها. وفيه دليل أن المرأة لا تزوج نفسها، خلافا لأبي حنيفة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للشيوخ إذا تحققوا من المريدين كمال اليقين، وظهر عليهم أمارات الرشد، ألا يمنعوهم من تعاطي الأسباب، وأخذ ما جاءهم من الدنيا، بلا استشراف ولا طمع، فقد يكون ذلك عونا لهم على الدين، وعمارة لزاوية الذاكرين، فذلك أزكى لهم وأطهر لقلوبهم، { والله يعلم وأنتم لا تعلمون }.

البقرة 2:233

يقول الحق جل جلاله: ويجب على الوالدات أن { يرضعن أولادهن حولين كاملين } إذا كن في العصمة، ولا شرف لهن لجرى العرف بذلك، أو مطلقات، ولم يقبل الولد غيرهن هذا { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ، فإن اتفقا على فطامه قبلهما، جاز، كما يأتي. ويجب { على المولود له } وهو الأب، رزق أمهات أولادة، { وكسوتهن } إذ هو الذي ينسب المولود له، وذلك { بالمعروف } ، لا يكلف الله نفسا إلا ما في وسعها وتطيقه، فلا { تضار والدة بولدها } ، بحيث ترضعه وهي مريضة، أو انقطع لبنها. بل يجب على الأب أن يستأجر من يرضعه، ولا يضار { مولولد له بولده } ، بحيث يكلف من الإنفاق والكسوة فوق جهده. فإن مات الأب وترك مالا - فعلى { الوارث } الكبير { مثل ذلك } من الكسوة والإنفاق، يجريها من مال الأب، ويحسبها من حق الصبي، فإن لم يكن للأب مال - فعلى جماعة المسلمين. { فإن أراد } أي: الأب والمرضعة، { فصالا } أي: فطاما للصبي قبل تمام الحولين، { عن تراض منهما وتشاور } بينهما، { فلا جناح عليهما } ، إن لم يخف على الولد ضعف. { وإن أردتم } ، أيها الأزواج، { أن تسترضعوا أولادكم } عند غير الأم، برضاها، { فلا جناح عليكم } في ذلك { إذا سلمتم } أي: أعطيتم للمراضع، { ما آتيتم } أي: ما أردتم إيتاءه من الأجرة { بالمعروف } من غير مطل ولا تقتير. والشرط إنما هو على وجه الكمال والإحسان، { واتقوا الله } فيما كلفتم به من الحقوق، { واعلموا أن الله } لا يخفى عليه شيء من أموركم فإنه { بما تعملون بصير }. الإشارة: اعلم أن تربية الولاية في قلب المريد، على نمط تربية الطفل الصغير، تنبت في قلب المريد وقت عقد الصحبة بينهما، ثم لا تزال تنمو، أو الشيخ يرضعه بلبن الإمداد حتى يتم أوان رضاعه، ولذلك قالوا: الثدي الميتة لا ترضع. ه. يشيرون إلى أن الشيخ الميت لا يربى، فلا يزال الشيخ يربى الروح، ويمدها حتى تدخل بلد الإحسان، وتشتعل فكرتها. وهذا تمام الحولين في حقها، وهو أوان كمال الحقيقة والشريعة لمن أراد إتمامها، فتأكل الروح حينئذ من كل شيء، وتشرب من كل شيء، وتستمد من الأشياء كلها، ثم لا يزال يحاذيها بهمته حتى ترشد، فيطلق لها التصرف، فتصلح لتربية غيرها. وعلى الشيخ رزق المريدين من قوت القلوب وكسوتهم، تقيهم من إصابة الذنوب والعيوب، إلا ما سبق به القضاء في علم الغيوب، فليس في طوق أحد دفعه، لا تكلف نفس إلا وسعها، فإذا مات الشيخ، ووصى بمن يرث مقامه، فعلى الوارث مثل ذلك، فإن أراد المريد انفصالا عن الشيخ، وتعمير بلد، أو تذكير عباد الله، عن تراض منهما وتشاور من الشيخ، فلا جناح عليهما، وإن أردتم، أيها الشيوخ، أن تسترضعوا أولادكم بإرسال من يذكرهم، ويمدهم، نائبا عنكم، فلا جناح عليكم إذا سلمتم لهم من الإمداد ما يمدهم به، واتقوا الله في شأن المريدين، في جبر كسرهم، وقبول عذرهم، واعلموا أن الله بما تعملون بصير.

البقرة 2:234

قلت: و { الذين يتوفون }: مبتدأ: و { يتربصن }: خبر، ولا بد من الحذف ليصح الإخبار، إما من الصدر أو من العجز، أي: وأزواج الذين يتوفون، أو الذين يتوفون أزواجهن يتربصن. يقول الحق جل جلاله: { والذين } يموتون منكم، أيها المؤمنون، ويتركون { أزواجا } ، فلا يتزوجن حتى { يتربصن } أي: يمكثن { بأنفسهن أربعة أشهر } وعشرة أيام لأن الجنين يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرا، ولأربعة إن كان أنثى في الغالب، وزيد عشرة، استظهارا، هذا في غير الحامل، أما الحامل، فعدتها وضع حملها. { فإذا بلغن أجلهن } أي: انقضت عدتهن، { فلا جناح عليكم } أيها الأولياء { فيما فعلن في أنفسهن } من التزين والتعرض للنكاح أو التزوج، { بالمعروف } ، بحيث لا ينكره الشرع من تزين ونكاح، { والله بما تعملون خبير } فيجازيكم على ما فعلتم. { ولا جناح عليكم } أيها الخطاب { فيما عرضتم به } للمعتدات { من خطبة النساء } كقول الرجل: إني لراغب في صحبتكم، وإني أريد أن أتزوج في هذه الساعة. وإنك لنافقة، أو لا يصلح لك أن تبقى بلا زوج، ونحو هذا، { أو أكننتم } أي: أضمرتم { في أنفسكم } في زمن العدة من أمر التزوج دون تصريح، { علم الله أنكم } ستذكرون النساء المعتدات، وتتكلمون في نكاحهن، حرصا وتمنيا، فعرضوا بذلك، { ولكن لا تواعدوهن سرا } أي: في الخلوة، أو لا تواعدوهن نكاحا أو جماعا، { إلا أن تقولوا قولا معروفا } وهو التعريض بالألفاظ المتقدمة. ولا تقطعوا { عقدة النكاح } ، وتعزموا على فعله { حتى يبلغ } كتاب المعتدة { أجله } ، وتنقضي العدة، { واعملوا أن الله يعلم ما في أنفسكم } من الرغبة والحرص، { فاحذروه } فإن الحرص على الشيء، والرغبة فيه، قبل أوانه، ربما يعاقب صاحبه بحرمانه، وما قدر لك لا يكون لغيرك، وما كان لغيرك لا يكون لك، ولو فعلت ما فعلت، { واعلموا أن الله غفور } لما استعجلتم فإن الإنسان خلق عجولا، { حليم } فلا يعاجلكم ولا يفضح سرائركم. الإشارة: إذا ماتت النفس عن الهوى، وتركت حظوظا وشهوات، فلا ينبغي أن يردها إلى ذلك حتى تتربص مدة، فيظهر عليها آثار الزهد من السكون إلى الله، والتأنس بمشاهدة الله حتى تغيب عما سواه. فإذا بلغت هذا الوصف فلا جناح على المريد أن يسعفها فيما تفعل بالمعروف، من غير سرف ولا ميل إلى هوى، لأن فعلها حينئذ بالله، ومن الله، وإلى الله، { والله بما تعملون خبير } لا يخفى عليه شيء من أمرها، ولا جناح عليكم، أيها المريدون، إن تزكت نفوسكم،وطهرت من الأغيار قلوبكم، فيما عرضتم به من خطبة أبكار الحقائق وثيبات العلوم، أو أكننتم في أنفسكم من المعارف والفهوم، علم الله أنكم ستذكرون ذلك باللسان قبل أن يصل الذوق إلى الجنان، فلا تصرحوا بعلوم الحقائق مع كل الخلائق فإن ذلك من فعل الزنادق، إلا أن تقولوا قولا معروفا، إشارة أو تلويحا، فعلمنا كله إشارة، فإذا صار عبارة خفي. ولا تطلبوا علم الحقائق قبل بلوغ أجله، وهو موت النفوس، والزهد في الفلوس، وكمال التربية، وتمام التصفية، { واعملوا أن الله يعلم ما في أنفسكم } من الشرة إليها قبل أوانها، { فاحذروه } أن يعاقبكم بحرمانها، { واعلموا أن الله غفور حليم } لا يعاجلكم بحرمان قصدكم، إن صح مقصدكم، والله تعالى أعلم، وبالله التوفيق.

البقرة 2:235

قلت: و { الذين يتوفون }: مبتدأ: و { يتربصن }: خبر، ولا بد من الحذف ليصح الإخبار، إما من الصدر أو من العجز، أي: وأزواج الذين يتوفون، أو الذين يتوفون أزواجهن يتربصن. يقول الحق جل جلاله: { والذين } يموتون منكم، أيها المؤمنون، ويتركون { أزواجا } ، فلا يتزوجن حتى { يتربصن } أي: يمكثن { بأنفسهن أربعة أشهر } وعشرة أيام لأن الجنين يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرا، ولأربعة إن كان أنثى في الغالب، وزيد عشرة، استظهارا، هذا في غير الحامل، أما الحامل، فعدتها وضع حملها. { فإذا بلغن أجلهن } أي: انقضت عدتهن، { فلا جناح عليكم } أيها الأولياء { فيما فعلن في أنفسهن } من التزين والتعرض للنكاح أو التزوج، { بالمعروف } ، بحيث لا ينكره الشرع من تزين ونكاح، { والله بما تعملون خبير } فيجازيكم على ما فعلتم. { ولا جناح عليكم } أيها الخطاب { فيما عرضتم به } للمعتدات { من خطبة النساء } كقول الرجل: إني لراغب في صحبتكم، وإني أريد أن أتزوج في هذه الساعة. وإنك لنافقة، أو لا يصلح لك أن تبقى بلا زوج، ونحو هذا، { أو أكننتم } أي: أضمرتم { في أنفسكم } في زمن العدة من أمر التزوج دون تصريح، { علم الله أنكم } ستذكرون النساء المعتدات، وتتكلمون في نكاحهن، حرصا وتمنيا، فعرضوا بذلك، { ولكن لا تواعدوهن سرا } أي: في الخلوة، أو لا تواعدوهن نكاحا أو جماعا، { إلا أن تقولوا قولا معروفا } وهو التعريض بالألفاظ المتقدمة. ولا تقطعوا { عقدة النكاح } ، وتعزموا على فعله { حتى يبلغ } كتاب المعتدة { أجله } ، وتنقضي العدة، { واعملوا أن الله يعلم ما في أنفسكم } من الرغبة والحرص، { فاحذروه } فإن الحرص على الشيء، والرغبة فيه، قبل أوانه، ربما يعاقب صاحبه بحرمانه، وما قدر لك لا يكون لغيرك، وما كان لغيرك لا يكون لك، ولو فعلت ما فعلت، { واعلموا أن الله غفور } لما استعجلتم فإن الإنسان خلق عجولا، { حليم } فلا يعاجلكم ولا يفضح سرائركم. الإشارة: إذا ماتت النفس عن الهوى، وتركت حظوظا وشهوات، فلا ينبغي أن يردها إلى ذلك حتى تتربص مدة، فيظهر عليها آثار الزهد من السكون إلى الله، والتأنس بمشاهدة الله حتى تغيب عما سواه. فإذا بلغت هذا الوصف فلا جناح على المريد أن يسعفها فيما تفعل بالمعروف، من غير سرف ولا ميل إلى هوى، لأن فعلها حينئذ بالله، ومن الله، وإلى الله، { والله بما تعملون خبير } لا يخفى عليه شيء من أمرها، ولا جناح عليكم، أيها المريدون، إن تزكت نفوسكم،وطهرت من الأغيار قلوبكم، فيما عرضتم به من خطبة أبكار الحقائق وثيبات العلوم، أو أكننتم في أنفسكم من المعارف والفهوم، علم الله أنكم ستذكرون ذلك باللسان قبل أن يصل الذوق إلى الجنان، فلا تصرحوا بعلوم الحقائق مع كل الخلائق فإن ذلك من فعل الزنادق، إلا أن تقولوا قولا معروفا، إشارة أو تلويحا، فعلمنا كله إشارة، فإذا صار عبارة خفي. ولا تطلبوا علم الحقائق قبل بلوغ أجله، وهو موت النفوس، والزهد في الفلوس، وكمال التربية، وتمام التصفية، { واعملوا أن الله يعلم ما في أنفسكم } من الشرة إليها قبل أوانها، { فاحذروه } أن يعاقبكم بحرمانها، { واعلموا أن الله غفور حليم } لا يعاجلكم بحرمان قصدكم، إن صح مقصدكم، والله تعالى أعلم، وبالله التوفيق.

البقرة 2:236

قلت: { ما } مصدرية ظرفية، و { أو تفرضوا } معطوف على { تمسوهن } أي: لا تبعة عليكم ولا إثم إن طلقتم النساء قبل البناء، مدة كونكم لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن مهرا، و { إلا أن يعفون } مبنى لاتصاله بنون النسوة، ووزنه: يفعلن كقوله تعالى: السجن أحب إلى مما يدعننى إليه [يوسف: 33]، وقوله: والقواعد من النسآء التى لا يرجون نكاحا [النور: 60]، و { حقا } مفعول مطلق. يقول الحق جل جلاله: لا حرج عليكم من إثم أو صداق، { إن طلقتم النساء } مدة كونكم { لم تمسوهن } بالجماع، { ولم تفرضوا لهن فريضة } من الصداق، فطلقوهن حينئذ، { ومتعوهن } أي: اعطوهن ما يتمتعن به ويجبر كسرهن، على قدر حال الزوج { على الموسع } أي: الغنى، { قدره } من المتعة كأمة أو كسوة أو مال يليق بحاله، { وعلى المقتر } أي: الذي تقتر رزقه، أي ضيق عليه، وهو الفقير، { حقا على المحسنين } أي: حق ذلك عليهم حقا. حمل مالك الأمر على الندب، وحمله غيره على الوجوب، وهو الظاهر. وإن طلقتموهن بعد المسيس فالصداق كامل، { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن } صداقا { فنصف ما فرضتم } يجب عليكم، { إلا أن يعفون } أي: النساء، عن نصف الصداق، { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } ، وهو الأب في ابنته البكر قاله مالك، أو الزوج بأن يدفعه كاملا، قاله الشافعي، { وأن تعفوا } أيها الأولياء عن الزوج، فلا تقبضوا منه شيئا، { أقرب للتقوى } لأن المرأة لم يذهب لها شيء فسلعتها قائمة، { ولا تنسوا الفضل } والإحسان { بينكم } فتسامحوا يسمح لكم، { إن الله بما تعملون بصير } لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجازي المحسن بإحسانه، { والله يحب المحسنين }. الإشارة: من المريدين من تحصل له الغيبة عن نفسه، والجذب عنها، بعد أن يمسها بالمجاهدة والمكابدة، فحينئذ يمتعها بالشهود والعيان، وهذه طريق الجادة. ومنهم من تحصيل له الغيبة عن نفسه والجذب عنها قبل أن يمسها، ويجاهدها، وهو نادر بالنسبة إلى الأول، فيقال لهؤلاء الفريق: لا جناح عليكم إن طلقتم أنفسكم، وغبتم عنها، من قبل أن تمسوها، وقبل أن تعرضوا عليها وظائف العبودية. ومتعوهن بالشهود والعيان على قدر وسعكم وقوة شهودكم، على الموسع قدره من لذة الشهود، وعلى المقتر - أي: المضيق عليه في المعرفة - قدره من لذة الشهود، حق ذلك حقا على المحسنين الذي حازوا مقام الإحسان، وفازوا بالشهود والعيان. وإن حصل لكم جذب العناية، وطلقتم أنفسكم قبل أن تمسوها، وقد كنتم وظفتم عليها أورادا من وطائف العبودية فنصف ما فرضتم، وهو المهم منها لأن عبادتها صارت قلبية، فيكفيها من العبادة القالبية المهم، إلا أن تقوى على ذلك مع الشهود. أو يأمرها الذي بيده عقدة نكاحها، وهو الشيخ، فلا يضرها الاشتغال بها حيث كان بإذن، وأن تعفوا، أيها الشيوخ، عن المريدين في العبادة الحسية، وتأمروهم بالعبادة القلبية، أقرب للتقوى الكاملة، وهي تقوى السوى. والله تعالى أعلم. ولما ذكر الحق تعالى شأن النساء، حذر من الاشتغال بهن عن العبادة.

البقرة 2:237

قلت: { ما } مصدرية ظرفية، و { أو تفرضوا } معطوف على { تمسوهن } أي: لا تبعة عليكم ولا إثم إن طلقتم النساء قبل البناء، مدة كونكم لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن مهرا، و { إلا أن يعفون } مبنى لاتصاله بنون النسوة، ووزنه: يفعلن كقوله تعالى: السجن أحب إلى مما يدعننى إليه [يوسف: 33]، وقوله: والقواعد من النسآء التى لا يرجون نكاحا [النور: 60]، و { حقا } مفعول مطلق. يقول الحق جل جلاله: لا حرج عليكم من إثم أو صداق، { إن طلقتم النساء } مدة كونكم { لم تمسوهن } بالجماع، { ولم تفرضوا لهن فريضة } من الصداق، فطلقوهن حينئذ، { ومتعوهن } أي: اعطوهن ما يتمتعن به ويجبر كسرهن، على قدر حال الزوج { على الموسع } أي: الغنى، { قدره } من المتعة كأمة أو كسوة أو مال يليق بحاله، { وعلى المقتر } أي: الذي تقتر رزقه، أي ضيق عليه، وهو الفقير، { حقا على المحسنين } أي: حق ذلك عليهم حقا. حمل مالك الأمر على الندب، وحمله غيره على الوجوب، وهو الظاهر. وإن طلقتموهن بعد المسيس فالصداق كامل، { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن } صداقا { فنصف ما فرضتم } يجب عليكم، { إلا أن يعفون } أي: النساء، عن نصف الصداق، { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } ، وهو الأب في ابنته البكر قاله مالك، أو الزوج بأن يدفعه كاملا، قاله الشافعي، { وأن تعفوا } أيها الأولياء عن الزوج، فلا تقبضوا منه شيئا، { أقرب للتقوى } لأن المرأة لم يذهب لها شيء فسلعتها قائمة، { ولا تنسوا الفضل } والإحسان { بينكم } فتسامحوا يسمح لكم، { إن الله بما تعملون بصير } لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجازي المحسن بإحسانه، { والله يحب المحسنين }. الإشارة: من المريدين من تحصل له الغيبة عن نفسه، والجذب عنها، بعد أن يمسها بالمجاهدة والمكابدة، فحينئذ يمتعها بالشهود والعيان، وهذه طريق الجادة. ومنهم من تحصيل له الغيبة عن نفسه والجذب عنها قبل أن يمسها، ويجاهدها، وهو نادر بالنسبة إلى الأول، فيقال لهؤلاء الفريق: لا جناح عليكم إن طلقتم أنفسكم، وغبتم عنها، من قبل أن تمسوها، وقبل أن تعرضوا عليها وظائف العبودية. ومتعوهن بالشهود والعيان على قدر وسعكم وقوة شهودكم، على الموسع قدره من لذة الشهود، وعلى المقتر - أي: المضيق عليه في المعرفة - قدره من لذة الشهود، حق ذلك حقا على المحسنين الذي حازوا مقام الإحسان، وفازوا بالشهود والعيان. وإن حصل لكم جذب العناية، وطلقتم أنفسكم قبل أن تمسوها، وقد كنتم وظفتم عليها أورادا من وطائف العبودية فنصف ما فرضتم، وهو المهم منها لأن عبادتها صارت قلبية، فيكفيها من العبادة القالبية المهم، إلا أن تقوى على ذلك مع الشهود. أو يأمرها الذي بيده عقدة نكاحها، وهو الشيخ، فلا يضرها الاشتغال بها حيث كان بإذن، وأن تعفوا، أيها الشيوخ، عن المريدين في العبادة الحسية، وتأمروهم بالعبادة القلبية، أقرب للتقوى الكاملة، وهي تقوى السوى. والله تعالى أعلم. ولما ذكر الحق تعالى شأن النساء، حذر من الاشتغال بهن عن العبادة.

البقرة 2:238

يقول الحق جل جلاله: { حافظوا } أيضا على أداء { الصلوات } الخمس في أوقاتها بإتقان شروطها وأركانها وخشوعها وآدابها، ولا تشتغلوا عنها بشهوات النساء وتشغيب أحكامهن، ولا بغير ذلك، وحافظوا أيضا على { الصلاة الوسطى } وهي العصرعند الشافعي، وهو ظاهر الحديث، أو الصبح عند مالك لفضلها، أو لتوسطها بين صلاتي الليل والنهار. وما من صلاة إلا وقيل فيها الوسطى. وقيل: أخفيت كساعة الجمعة وليلة القدر. { وقوموا لله } في الصلاة { قانتين } أي: ساكتين، وكان، قبل نزول الآية، الكلام في الصلاة جائزا، أو قيل: مطيعين: إذ القنوت في القرآن كله بمعنى الطاعة. { فإن خفتم } من عدو، أو سبع، أو سيل، فصلوا قياما على أرجلكم بالإيماء للسجود، { أو ركبانا } على خيولكم بالإيماء للركوع والسجود، { فإذا أمنتم } في الصلاة، أو بعدها، فصلوا صلاة أمن، و { اذكروا الله } في الصلاة، وصلوا { كما علمكم } من الكيفية { ما لم تكونوا تعلمون } قبل ذلك. الإشارة: حافظوا على الصلوات الحسية قياما بوظائف العبودية، وعلى الصلاة القلبية قياما بشهود عظمة الربوبية وهي الصلاة الوسطى لدوامها في كل ساعة، قيل لبعضهم: هل للقلوب صلاة؟ قال: نعم، إذا سجد لا يرفع رأسه أبدا. ه. أي: إذا خضع لهيبة العظمة لم يرفع أبدا، وفي ذلك يقول الشاعر: فاسجد لهيبة الجلال عند التداني ولتقرأ آية الكمال سبع المثاني وأشار بقوله: " آية الكمال " لقوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] ليجمع بين الشريعة والحقيقة، فسجود القلب حقيقة، وسجود الجوارح شريعة، وقوموا لله بآداب العبودية قانيت خاشعين، فإن خفتم ألا تصلوا إلى ربكم، قبل انقضاء أجلكم، فسيروا إليه رجالا أو ركبانا، خفافا أو ثقالا، فإذا أمنتم من القطيعة - وذلك بعد التمكين - فاذكروا الله شكرا لأجل ما أطلعكم عليه، وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من عظمة الربوبية، وكمال آداب العبودية.

البقرة 2:239

يقول الحق جل جلاله: { حافظوا } أيضا على أداء { الصلوات } الخمس في أوقاتها بإتقان شروطها وأركانها وخشوعها وآدابها، ولا تشتغلوا عنها بشهوات النساء وتشغيب أحكامهن، ولا بغير ذلك، وحافظوا أيضا على { الصلاة الوسطى } وهي العصرعند الشافعي، وهو ظاهر الحديث، أو الصبح عند مالك لفضلها، أو لتوسطها بين صلاتي الليل والنهار. وما من صلاة إلا وقيل فيها الوسطى. وقيل: أخفيت كساعة الجمعة وليلة القدر. { وقوموا لله } في الصلاة { قانتين } أي: ساكتين، وكان، قبل نزول الآية، الكلام في الصلاة جائزا، أو قيل: مطيعين: إذ القنوت في القرآن كله بمعنى الطاعة. { فإن خفتم } من عدو، أو سبع، أو سيل، فصلوا قياما على أرجلكم بالإيماء للسجود، { أو ركبانا } على خيولكم بالإيماء للركوع والسجود، { فإذا أمنتم } في الصلاة، أو بعدها، فصلوا صلاة أمن، و { اذكروا الله } في الصلاة، وصلوا { كما علمكم } من الكيفية { ما لم تكونوا تعلمون } قبل ذلك. الإشارة: حافظوا على الصلوات الحسية قياما بوظائف العبودية، وعلى الصلاة القلبية قياما بشهود عظمة الربوبية وهي الصلاة الوسطى لدوامها في كل ساعة، قيل لبعضهم: هل للقلوب صلاة؟ قال: نعم، إذا سجد لا يرفع رأسه أبدا. ه. أي: إذا خضع لهيبة العظمة لم يرفع أبدا، وفي ذلك يقول الشاعر: فاسجد لهيبة الجلال عند التداني ولتقرأ آية الكمال سبع المثاني وأشار بقوله: " آية الكمال " لقوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] ليجمع بين الشريعة والحقيقة، فسجود القلب حقيقة، وسجود الجوارح شريعة، وقوموا لله بآداب العبودية قانيت خاشعين، فإن خفتم ألا تصلوا إلى ربكم، قبل انقضاء أجلكم، فسيروا إليه رجالا أو ركبانا، خفافا أو ثقالا، فإذا أمنتم من القطيعة - وذلك بعد التمكين - فاذكروا الله شكرا لأجل ما أطلعكم عليه، وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من عظمة الربوبية، وكمال آداب العبودية.

البقرة 2:240

قلت: { وصية }: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: عليهم وصية، ومن نصب، فمفعول مطلق، أي: فليوصوا وصية، و { غير }: حال من الأزواج، أي: حال كونهن غير مخرجات. يقول الحق جل جلاله: { والذين يتوفون منكم } ويتركون { أزواجا } بعدهم، فيجب عليهم أن يوصوا لأزواجهم وصية يتمتعن بها من كسوة ونفقة وسكنى، إلى تمام { الحول } ما دام الأزواج لم يخرجن من مسكن الزوج، { فإن خرجن } بأنفسهن، فلا نفقة ولا كسوة ولا سكنى عليكم أيها الأولياء، ولا حرج عليكم { فيما فعلن في أنفسهن } من التزين والتعرض للنكاح بعد تمام عدتهن، على ما هو معروف في الشرع، والوصية منسوخة بآية الميراث، وتربص الحول بآية أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] المتقدمة المتأخرة في النزول، { والله عزيز حكيم } ينسخ ما يشاء، ويحكم ما يريد، باعتبار الحكمة والمصلحة. الإشارة: والذين يتوفون عن الحظوظ والشهوات، ويتركون علوما وأسرارا، ينبغي لهم أن يوصوا بحفظها وتدوينها، كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه إذا استغرف في الكلام وفاضت عليه المواهب، يقول: هلا رجل يقيد عنا هذه العلوم. ه ليقع التمتع بها للسائرين والطالبين، { غير إخراج } لغير أهلها، فإن قضى الوقت يخروجها، من غير قصد، فلا حرج، إما لغلبة وجد أو هداية مريد، { والله عزيز حكيم } ، فعزته اقتضت الغيرة على سره: أن يأخذه غير أهله، وحكمته اقتضت ظهوره في وقته لأهله. والله تعالى أعلم.

البقرة 2:241

قلت: إنما كرره لأن الأولى في غير المدخول بها، إذا طلقت قبل الفرض، وهذه في المدخول بها، وعبر أولا بالمحسن: لأن المتعة قبل الدخول لا يعطيها إلا أهل الإحسان لأن المطلق لم يحصل له تمتع بالزوجة، بخلاف الثاني، فمطلق المدخول بها، التقوى تحمله على الإمتاع. وقيل: لما نزلت الآية الأولى، قال رجل من المسلمين: إن أحسنت متعت وإلا تركت، فنزلت الثانية تأكيدا. وقال: { حقا على المتقين } الشرك، أي: على كل مؤمن، وحكمها: الندب، عند مالك، على تفصيل ذكره، في المختصر، فقال عاطفا على المندوب: والمتعة على قدر حاله، بعد العدة للرجعة، أو ورثتها، ككل مطلقة في نكاح لازم، لا في فسخ كلعان وملك أحد الزوجين، إلا من اختلعت، أو فرض لها وطلقت قبل البناء، ومختارة لعتقها أو لعيبه أو مخيرة أو مملكة. الإشارة: كل من طلق نفسه وخالف هواها تمتع بحلاوة المعاملة مع ربه، فمن اتصل بشيخ التربية تمتع بحلاوة العبادة القلبية كالشهود والعيان، ومن لم يتصل بالشيخ تمتع بحلاوة العبادة الحسية. فالآية الأولى في المريدين والواصلين، وهذه الآية في العباد والزهاد، ولذلك عبر في الأولى بالمحسنين، وفي الثانية بالمتقين، والله تعالى أعلم.

البقرة 2:242

قلت: إنما كرره لأن الأولى في غير المدخول بها، إذا طلقت قبل الفرض، وهذه في المدخول بها، وعبر أولا بالمحسن: لأن المتعة قبل الدخول لا يعطيها إلا أهل الإحسان لأن المطلق لم يحصل له تمتع بالزوجة، بخلاف الثاني، فمطلق المدخول بها، التقوى تحمله على الإمتاع. وقيل: لما نزلت الآية الأولى، قال رجل من المسلمين: إن أحسنت متعت وإلا تركت، فنزلت الثانية تأكيدا. وقال: { حقا على المتقين } الشرك، أي: على كل مؤمن، وحكمها: الندب، عند مالك، على تفصيل ذكره، في المختصر، فقال عاطفا على المندوب: والمتعة على قدر حاله، بعد العدة للرجعة، أو ورثتها، ككل مطلقة في نكاح لازم، لا في فسخ كلعان وملك أحد الزوجين، إلا من اختلعت، أو فرض لها وطلقت قبل البناء، ومختارة لعتقها أو لعيبه أو مخيرة أو مملكة. الإشارة: كل من طلق نفسه وخالف هواها تمتع بحلاوة المعاملة مع ربه، فمن اتصل بشيخ التربية تمتع بحلاوة العبادة القلبية كالشهود والعيان، ومن لم يتصل بالشيخ تمتع بحلاوة العبادة الحسية. فالآية الأولى في المريدين والواصلين، وهذه الآية في العباد والزهاد، ولذلك عبر في الأولى بالمحسنين، وفي الثانية بالمتقين، والله تعالى أعلم.

البقرة 2:243

قلت: الاستفهام للتعجب والتشويق، والرؤية قلبية، والواو للحال، و { حذر } مفعول من أجله. يقول الحق جل جلاله: ألم تنظر يا محمد، بعين الفكر والاعتبار، { إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف } عشرة، أو ثلاثون، أو أربعون، أو سبعون، حذرا من { الموت } في زمن الطاعون. وكانوا في قرية يقال لها: داوردان فلما وقع بها الطاعون، خرجت طائفة هاربين، وبقيت أخرى، فهلك أكثر من بقي، وسلم الخارجون، ثم رجعوا، فقال الباقون: لو صنعنا مثلهم لبقينا، لئن أصابنا الطاعون مرة ثانية لخرجنا، فأصابهم من قابل، فهربوا كلهم، ونزلوا واديا أفيح، فناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه، أن: موتوا، فماتوا كلهم أجمعون، ومرت عليهم مدة ثمانية أيام أو أكثر حتى انتفخوا، وقيل: صاروا عظاما، فمر عليهم نبي الله حزقيل، فدعا الله تعالى، واستشفع فيهم، فأحياهم الله، وعاشوا دهرا، عليهم سيما الموت لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن، واستمر في أسباطهم. ه. قال الأصمعي: لما وقع الطاعون بالبصرة، خرج رجل منها على حمار معه أهله، وله عبد يسوق حماره، فأنشأ العبد يقول: لن يسبق الله على حمار ولا على ذي مشعة طيار قد يسبح الله أمام الساري فرجع الرجل بعياله. والآية تدل على أن الفرار من الطاعون حرام في تلك الشريعة، كما حرم في شرعنا، وروى عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سمعتم هذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع ببلد وأنتم فيه فلا تخرجوا منه ". قلت: وقد اختلف الأئمة في حكم الفرار والقدوم: فمنهم من شهر المنع فيهما تمسكا بظاهر الحديث، ومنهم من شهر الكراهة، والمختار في الفرار: التحريم، وفي القدوم: التفصيل، فمن قوي يقينه، وصفا توحيده، حل له القدوم، ومن ضعف يقينه، بحيث إذا أصابه شيء نسب التأثير لغير الله حرم عليه القدوم. وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - قلت: يا رسول الله، ما الطاعون؟ قال: " غدة كغدة البعير، المقيم فيه كالشهيد، والفار منه كالفار من الزحف " قال ابن حجر: كون المقيم فيه له أجر شهيد إنما بشرط أن يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن يسلم إليه أمره ويرضى بقضائه، وأن يبقى في مكانه ولا يخرج منه بقصد الفرار، فإذا اتصف الجالس بهذه القيود حصل له أجر الشهادة، ودخل تحته ثلاث صور، الأولى: من اتصف بذلك فوقع له الطاعون ومات فهو شهيد. والثانية: من وقع به ولم يمت به فهو شهيد وإن مات بعد ذلك. والثالثة: من لم يقع به أصلا ومات بغيره عاجلا أو آجلا فهو شهيد، إذا حصلت فيه القيود الثلاثة، ومن لم يتصف بالقيود الثلاثة فليس بشهيد، ولو مات بالطاعون، والله أعلم. ه. وأما القدوم من بلد الطاعون إلى البلد السالمة منه فجائز. ولا يمنع من الدخول، قاله الباجي وابن حجر والحطاب وغيرهم لقوله - عليه الصلاة والسلام -: " لا عدوى ولا طيرة " وأما قوله عليه الصلاة والسلام: " فر من المجذوم فرارك من الأسد " وقوله: " لا يرد ممرض على مصح " فهو محمول على حسم المادة، وسد الذريعة لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك، فيظنه بسبب المخالطة، فيثبت العدوى التي نفاها الشارع، هذا المختار في الجمع بين الحديثين. والله تعالى أعلم. وإنما أطلت في المسألة لمس الحاجة لأن التأليف وقع في زمن الوباء، حفظنا الله من وبالها. وقيل: إن الذين خرجوا من ديارهم قوم من بني إسرائيل، أمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنهم لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد، بقوله: { وقاتلوا في سبيل الله } الآية. وقوله تعالى: { إن الله لذو فضل على الناس } حيث أنزل بهم رحمته، ففروا منها، ولم يعاقبهم، حيث أحياهم بعد موتهم، { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } إذ لا يفهم النعم في طي النقم إلا القليل، فيشكروا الله في السراء والضراء. الإشارة: ألم تر أيها السامع إلى الذين خرجوا من ديار عوائدهم وأوطان شهواتهم، وهم جماعة أهل التجريد، القاصدين إلى صفاء التوحيد، الغرق في بحر التفريد، حذرا من موت أرواحهم بالجهل والفرق، فاصطفاهم الله لحضرته، وجذبهم إلى مشاهدة ذاته، فقال لهم الله: موتوا عن حظوظكم، وغيبوا عن وجودكم، فلما ماتوا عن حظوظهم، وغابوا عن وجودهم، أحياهم الله بالعلم والمعرفة، { إن الله لذو فضل على الناس } حيث فتح لهم باب السلوك، وهيأهم لمعرفة ملك الملوك، { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } حيث تجلى لهم، وعرفهم به، وهم لا يشعرون، إلا من فتح الله بصيرتهم، وقليل ما هم.

البقرة 2:244

يقول الحق جل جلاله: { وقاتلوا } الكفار { في سبيل الله } وإعلاء كلمة الله حتى يكون الدين كله لله، { واعلموا أن الله سميع } لأقوالكم ودعائكم { عليم } بنياتكم وإخلاصكم فيجازي المخلصين، ويحرم المخلطين. الإشارة: وجاهدوا نفوسكم في طريق الوصول إلى الله، وأديموا السير إلى حضرة الله، فحضرة القدوس محرمة على أهل النفوس. قال الششتري: إن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله ومجاهدة النفس هو تحميلها ما يثقل عليها، وبعدها مما يخف عليها، حتى لا يثقل عليها شيء، ولا تشره إلى شيء، بل يكون هواها ما يقضيه عليها مولاها. قيل لبعضهم، [ما تشتهي؟ قال: ما يقضي الله]. واعلموا أيها السائرون أن الله سميع لأذكاركم، عليهم بإخلاصكم ومقاصدكم. ولما كان الجهاد يحتاج إلى مؤنة التجهيز، وليس كل الناس يقدر على ذلك، رغب الحق تعالى الأقوياء بالإنفاق على الفقراء.

البقرة 2:245

قلت: القرض هو القطع، أطلق على السلف لأن المقرض يقطع قطعة من ماله ويدفعها للمستلف، والمراد بها الصدقة لأن المتصدق يدفع الصدقة فيردها الحق تعالى له بضعف أمثالها فأشبهت القرض في مطلق الرد. يقول الحق جل جلاله: من هذا الذي يعامل الله تعالى ويقرضه { قرضا حسنا } بأن بتصدق على عباده صدقة حسنة بنية خالصة، فيكثرها الله تعالى له { أضعافا كثيرة } بسبعمائة إلى ما لا نهاية له، ولا يحمله خوف الفقر على ترك الصدقة فإن الله تعالى يقبض الرزق عمن يشاء ولو قل إعطاؤه، ويبسط الرزق على من يشاء ولو كثر إعطاؤه، بل يقبض على من قبض يده شحا وبخلا، ويبسط على من بسط يده عطاء وبذلا، يقول: " يا ابن آدم أنفق أنفق عليك " ، " أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا ". ونسبة القرض إليه تعالى ترغيب وتقريب للإفهام، كما قال في الحديث القدسي: " يقول الله تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده. أما إنك لو عدته لوجدتني. يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أمأ علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقيني. قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي ". الإشارة: من هذا الذي يقطع قلبه عن حب الدارين، ويرفع همته عن الكونين، فإن الله { يضاعفه له أضعافا كثيرة } بأن يملكه الوجود بما فيه، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " ، { والله يقبض ويبسط } فيقبض الوجود تحت حكمك وهمتك، إن رفعت همتك عنه، ويبسط يدك بالتصرف فيه، إن علقت عمتك بخالقه. أو يقبض القلوب بالفقد والوحشة، ويبسطها بالإيناس والبهجة. أو يقبض الأرواح بالوفاة، ويبسطها بالحياة. والقبض والبسط عند أهل التصوف: حالتان تتعاقبان على القلوب تعاقب الليل والنهار، فإذا غلب حال الخوف كان مقبوضا، وإذاغلب حال الرجاء كان مبسوطا، وهذا حال السائرين. أما الواصلون فقد اعتدل خوفهم ورجاؤهم، فلا يؤثر فيهم قبض ولا بسط، لنهم مالكوا الأحوال. قال القشيري: فإذا كاشف العبد بنعت جماله بسطه، وإذا كاشفه بنعت جلاله قبضه. فالقبض يوجب إيحاشه، والبسط يوجب إيناسه، واعلم أنه يرد العبد إلى حال بشريته، فيقبضه حتى لا يطيق ذرة، ويأخذه مرة عن نعوته، فيجد لحمل ما يرد عليه قدرة وطاقة، قال الشبلي رضي الله عنه: من عرف الله حمل السماوات والأرض على شعرة من جفن عينه، ومن لم يعرف الله - جل وعلا - لو تعلق به جناح بعوضة لضج. وقال أهل المعرفة: [أذا قبض قبض حتى لا طاقة، وإذا بسط بسط حتى لا فاقة، والكل منه وإليه]. ومن عرف أن الله هو القابض الباسط، لم يعتب أحدا من الخلق، ولا يسكن إليه في إقبال ولا إدبار، ولم ييأس منه في البلاء، ولا يسكن إليه في عطاء، فلا يكون له تدبير أبدا. ه. ولكل من القبض والبسط آداب، فآداب القبض: السكون تحت مجاري الأقدار، وانتظار الفرج من الكريم الغفار. وآداب البسط: كف اللسان، وقبض العنان، والحياء من الكريم المنان. والبسط مزلة أقدام الرجال. قال بعضهم: فتح علي باب من البسط فزللت زلة، فحجبت عن مقامي ثلاثين سنة. ولذلك قيل: قف على البساط وإياك والانبساط. واعلم أن القبض والبسط فوق الخوف والرجاء، وفوق القبض والبسط: الهيبة والأنس فالخوف والرجاء للمؤمنين، والقبض والبسط للسائرين، والهيبة والأنس للعارفين، ثم المحو في وجود العين للمتمكنين، فلا هيبة لهم، ولا أنس، ولا علم، ولا حس. وأنشدوا: فلو كنت من أهل الوجود حقيقة لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي وكنت بلا حال مع الله واقفا تصان عن التذكار للجن والإنس

البقرة 2:246

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد - فتعتبر - { إلى } قصة جماعة { من بني إسرائيل من بعد } موت { موسى } حين طلبوا الجهاد، وقالوا { لنبي لهم } يقال له: شمويل، وقيل: شمعون { ابعث لنا ملكا } يسوس أمرنا ونرجع إليه في رأينا إذ الحرب لا تستقيم بغير إمام { نقاتل } معه { في سبيل الله قال } لهم ذلك النبي: { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } أي: هل أنتم قريب من التولي والفرار إن كتب عليكم القتال؟ والمعنى: أتوقع جبنكم عن القتال إن فرض عليكم. والأصل: عساكم أن تجبنوا إن فرض عليكم، فأدخل { هل } على فعل التوقع، مستفهما عما هو المتوقع عنده، تقريرا وتثبيتا. { قالوا } في جوابه: { وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله } أي: أي مانع يمنعنا من القتال وقد وجد داعيه؟ وهو تسلط العدو علينا فأخرجنا من ديارنا وأسر أبناءنا، وكان الله تعالى سلط عليهم جالوت ومن معه من العمالقة، كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، وذلك لما عصوا وسفكوا الدماء، فخرب بيت المقدس، وحرق التوراة، وأخذ التابوت الذي كانوا ينتصرون به، وسبي نساءهم وذراريهم. روي أنه سبي من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين، فسألوا نبيهم أن يبعث لهم ملكا يجاهدون معه، { فلما كتب عليهم القتال } ويسر لهم ملكا يسوسهم وهو طالوت. جبنوا وتولوا { إلا قليلا منهم } ، وهم من عبر النهر مع طالوت، { والله عليم بالظالمين } فيخزيهم ويفسد رأيهم... نعوذ بالله من ذلك. الإشارة: ترى كثيرا من الناس يتمنون أو لو ظفروا بشيخ التربية، ويقولون: لو وجدناه لجاهدنا أنفسنا أكثر من غيرنا، فلما ظهر، وعرف بالتربية، تولى ونكص على عقبيه، وتعلل بالإنكار وعدم الأهلية، إلا قليلا ممن خصه الله بعنايته والله يختص برحمته من يشآء [البقرة: 105] والله ذو الفضل العظيم [البقرة: 105] سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه.

البقرة 2:247

يقول الحق جل جلاله: { وقال لهم نبيهم } شمويل: { إن الله قد بعث لكم } ملكا، أي: عينه لكم لتقاتلوا معه، وهو { طالوت } وهو علم عبراني كداود، { قالوا } تعنتا وتشغيبا: { أنى يكون له الملك علينا } أي من أين يستأهل التملك علينا وليس من دار الملك؟ لأن المملكة كانت في أولاد يهوذا، وطالوت من أولاد بنيامين، والنبوة كانت في أولاد لاوى. وقالوا: { نحن أحق بالملك منه } وراثة ومكنة، لأن دار المملكة فينا. وأيضا هو فقير { لم يؤت سعة من المال } يتقوى به على حرب عدوه، وكان طالوت فقيرا راعيا أو سقاء أو دباغا. { قال } لهم نبيهم - عليه السلام-: { إن اصطفاه عليكم } رغم أنفكم. قال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبيهم: إذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملكهم، فلما دخل طالوت نش الدهن. وقال السدي: أرسل الله إليه عصا، وقال له: إذا دخل عليك رجل على طول هذه العصا فهو ملكهم، فكان ذلك طالوت فتبين أن الله تعالى اصطفاه للملك، { وزاده بسطه في العلم } فكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة وقيل: بالحروب وعلم السياسة. وزاده أيضا بسطه في { الجسم } ، فكان أطول بني إسرائيل يبلغ إلى منكبه. وذلك ليكون أعظم خطرا في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، { والله يؤتي ملكه من يشاء } لأنه ملك الملوك يضع ملكه حيث شاء، { والله واسع } فيوسع على الفقير ويغنيه بلا سبب، { عليم } بمن يليق بالملك بسبب وبلا سبب.

البقرة 2:248

قلت: قال الجوهري: أصل التابوت: تأبوة، مثل ترقوة وهي فعلوة، فلما سكنت الواو، انقلبت هاء التأنيث تاء، فلغة قريش بالتاء، ولغة الأنصار بالهاء. يقول الحق جل جلاله: { وقال لهم نبيهم } لما طلبوا منه الحجة على اصطفاه طالوت للملك: { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت } وهو صندوق من خشب الشمشار مموه بالذهب، طوله ثلاثة أذرع في سعة ذراعين { فيه سكينة من ربكم } أي: فيه ما تسكن إليه قلوبكم وتثبت عند الحرب. وكانوا يقدمونه أمامهم في الحروب فلا يفرون، وينصرون على عدوهم، وقيل: كان فيه صور الأنبياء من آدم السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: كان فيه طست من ذهب غسلت به قلوب الأنبياء - عليهم السلام - وهي السكينة - وفي { بقيمة مما ترك آل موسى } وهي رضاض الألواح، وعصا موسى، وثيابه، وعمامة هارون والآل: مقحم فيهما. { تحمله الملائكة } قال وهب: لما صار التابوت عند القوم الذين غلبوا بني إسرائيل - فوضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح منكسرة، فحملوه إلى قرية قوم، فأصاب أولئك القوم أوجاع، فقالوا: ما هذا إلا لهذا التابوت، فلنتركه إلى بني إسرائيل، فأخذوا عجلة فجعلوا التابوت عليها وربطوها ببقرتين، وأرسلوهما نحو بلاد بني إسرائيل، فبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر، وقيل غير ذلك. وقوله تعالى: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } يحتمل أن يكون من كلام نبيهم، أو من كلام الحق تعالى لنبينا - عليه الصلاة والسلام -. الإشارة: من شأن غالب النفوس ألا تقبل الخصوصية عند أحد حتى تظهر علامتها، ولذلك طالب الكفار الرسل بالمعجزات، وطالب العوام الأولياء بالكرامات، ويكفي في الولي استقامة ظاهره، وتحقيق اليقين في باطنه. قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: " إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان ونعت العيان، وكرامة العمل على السنة والمتابعة، وترك الدعاوى والمخادعة، فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو مفتر كذاب، أو ذو خطأ في العلم والعمل... " الخ كلامه رضي الله عنه. وقال في العوارف: وقد يكون من لا يكاشف بشيء من معاني القدر أفضل ممن يكاشف بها، إذا كاشفه الله تعالى بصرف المعرفة، فالقدرة أثر من القادر، ومن أهل لقرب القادر لا يستغرب ولا يستكثر شيئا من القدرة، ويرى القدرة تتجلى من سحب أجزاء عالم الحكمة. فالكرامة إنما تظهر للقلوب المضطربة والنفوس والمتزلزلة، وأما من سكن قلبه باليقين واطمأنت نفسه بالعيان لم يحتج إلى دليل برهان إذ الجبال الراسية لا تحتاج إلى دعامة، والله تعالى أعلم. وكل من طالب أهل الخصوصية بالكرامة الحسية ففيه نزعة إسرائيلية، حيث قالوا لنبيهم بعد أن عين لهم من أكرمه الله بخصوصية الملك: أنى يكون له لملك علينا ونحن أحق بالملك منه [البقرة: 247]. ورد الحق تعالى عليهم بقوله: { والله يؤتي ملكه من يشاء }. وما أظهر لهم كرامة التابوت إلا بعد امتناعهم من الجهاد المتعين عليهم رحمة بهم. والله تعالى أعلم.

البقرة 2:249

قلت: قال في القاموس: غرف الماء يغرفه: أخذ بيده، كاغترفه، والغرفة للمرة، وبالكسر: هيئة الغرف وبالضام: اسم للمفعول، كالغرافة، لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غرفة، ثم قال: والغرفة، بالضم: العلية. يقول الحق جل جلاله: ولما اتفقوا على ملك طالوت تجهز للخروج، وقال: لا يخرج معه إلا الشباب النشيط الفارغ ليس وراءه غلقة، فاجتمع ممن اختار ثمانون ألفا، وقي: ثلاثون، فلما انفصل عن بلده بالجنود وساروا في البيداء - وكان وقت الحر والقيظ - عطشوا، وسألوا طالوت أن يجري لهم نهرا، فقال لهم بوحي، أو بإلهام، أو بأمر نبيهم: { إن الله مبتليكم } أي: مختبركم { بنهر } بسبب اقتراحكم، { فمن شرب منه } كرعا بلا واسطة { فليس مني } أي: من جيشي، { ومن لم يطعمه } أي: يذقه، { فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده } فإنها تكفيه لنفسه ولفرسه، فالاستثناء من الجملة الأولى. { فشربوا منه } أي: كرعوا، وسقطوا على وجوههم، { إلا قليلا منهم } ثلاثمائة وأربعة عشر، على عدد أهل بدر، وقيل: ألفا. روي أن من اقتصر على الغرفة كفته لشربه ودوابه، ومن لم يقتصر غلب عطشه، واسودت شفته ولم يقدر أن يمضي. وعن ابن عباس: أن القوم شربوا على قدر يقينهم: فالكفار شربوا شرب الهيم، وشرب العاصي دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا، وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا، وأخذ بعضهم الغرفة، فأما من شرب فاشتد به العطش وسقط، وأما من ترك الماء فحسن حاله، وكان أجلد ممن أخذ الغرفة. ه. وحكمة هذ الامتحان: ليتخلص للجهاد المطيعون المخلصون، إذ لا يقع النصر إلا بهم، فلما جاوز النهر طالوت ومن بقي معه ممن لم يشرب قال بعضهم لبعض: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } لكثرتهم وقلة عددنا، { قال الذين يظنون } أي: يتيقنون { أنهم ملاقوا الله } ويتوقعون ثواب الشهادة وهم الخلص من أهل البصيرة: لا تفزعوا من كثرة عددهم { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } وإرادته ومعونته، و { كم } للتكثير، { والله مع الصابرين } بالنصر والمعونة. الإشارة: قال بعض الحكماء: الدنيا كنهر طالوت، لا ينجو منها إلا من لم يشرب أو اغترف غرفة بيده، فمن أخذ منها قدر الضرورة كفته، ونشط لعبادة مولاه، ومن أخذ فوق الحاجة حبس في سجنها، وكان أسيرا في يدها. وقال بعضهم: طالب الدنيا كشارب ماء البحر، كلما زاد شربه ازداد عطشه. ه. وقال صلى الله عليه وسلم: " من أشرب قلبه حب الدنيا التاط منها بثلاث: بشغل لا ينفد عناه، وأمل لا يبلغ منتهاه، وحرص لا يدرك مداه " وقال عيسى عليه السلام: الدنيا مزرعة لإبليس، وأهلها حراث له ه. وقال علي رضي الله عنه: الدنيا كالحية: لين مسها، قاتل سمها، فكن أحذر ما تكون منها، أسر ما تكون بها فإن من سكن منها إلى إيناس أزاله عنها إيحاش. وقال عليه الصلاة والسلام: " من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها " وقال سيدنا علي - كرم الله وجهه-: أول الدنيا عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، ومتشابهها عتاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن. ه. وقيل: الدنيا تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب، وتصل وصال الملول، وتفارق فراق العجول، خيرها يسير، وعمرها قصير، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية. وقال عيسى عليه السلام: تعملون للدنيا، وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل. ه. وقيل: أوحى الله إلى الدنيا: من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه. وكان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات: نهارك مغرور سهو وغفلة وليلك نوم، والأسى لك لازم تسر بما يفنى، وتفرح بالمنى كما سر باللذات في النوم حالم وشغلك فيها سوف تكره غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائم وقال آخر: هي الدار دار الأذى والقذى ودار الفناء ودار الغير فلو نلتها بحذافيرها لمت ولم تقض منا الوطر أيا من يؤمل طول الخلود وطول الخلود عليه ضرر إذا ما كبرت وفات الشباب فلا خير في العيش بعد الكبر

البقرة 2:250

يقول الحق جل جلاله: ولما برز طالوت بمن معه { لجالوت } ، أي: ظهر في البراز، ودنا بعضهم من بعض، تضرعوا إلى الله واستنصروه، وقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: أصببه علينا صبا، { وثبت أقدامنا } عند اللقاء لئلا نفر، { وانصرنا على القوم الكافرين }. وفي دعائهم ترتيب بليغ سألوا أولا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه، ثم النصر على العدو المرتب عليها غالبا. فهزم الله عدوهم وأجاب دعاءهم بإذنه وقدرته، { وقتل داود جالوت }. وقصة قتله: أن أصحاب طالوت كان فيهم بنو إيش، وهو أبو داود عليه السلام ستة أو سبعة، وكان داود صغيرا يرعى غنما، فلما حضرت الحرب قال في نسفه: لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فمر في طريقه، بحجر فناداه: يا داود خذني، فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها، وجعلها في مخلاته وسار، فلما حضر البأس خرج جالوت يطلب البراز، وكاع الناس عنه، أي: تأخروا خوفا، حتى قال طالوت: من بيرز له ويقتله فأنا أزوجه ابنتي، وأحكمه في مالي، فجاء داود، فقال له طالوت: اركب فرسي وخذ سلاحي، ففعل، وخرج في أحسن شكله، فلما مشى قليلا رجع، فقال الناس: جبن الفتى، فقال داود: إن الله سبحانه لم يقتله ولم يعنى عليه، لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل، وأخذ مخلاته فتقلدها، وأخذ مقلاعه فخرج إلى جالوت، وهو شاك في السلاح، فقال جالوت: أنت يا فتى تخرج إلي! قال: نعم، قال: هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال: نعم، وأنت أهون، قال: لأطعمن لحمك اليوم الطير والسباع، ثم تدانيا فأدار داود فأخذ مقلاعه وأدخل يده إلى الحجارة، فروى أنها التأمت، وصارت حجرا واحدا، فأخذه ووضعه في المقلاع، وسمى الله، وأداره، ورماه، فأصاب رأس جالوت فقتله، وجز رأسه، وجعله في مخلاته، واختلط الناس، وحمل أصحاب طالوت فكانت الهزيمة. ثم إن داود جاء يطلب شرطه من طالوت، فقال: حتى تقتل مائتين من هؤلاء الجراجمة الذين يؤذون الناس يؤذون الناس وتجيئني بسلبهم، فقتل داود منهم مائتين، وجاء بذلك، فدفع إليه امرأته وتخلى له على الملك. ولما تمكن داود - عليه السلام - من الملك، أجلى من بقي من قوم جالوت إلى المغرب، فمن بقيتهم البرابرة من الشلوح وسائر الأرياف. فآتي الله داود { الملك والحكمة } وهي النبوة، وقيل: صنعة الدروع ومنطق الطير { وعلمه مما يشاء } من أنواع العلوم والمعارف والأسرار، وقد دفع الله بأس الكافرين ورد كيدهم في نحرهم، { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } أي: لولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض، فينصر المسلمين على الكافرين، ويكف فسادهم، لغلبوا وأفسدوا في الأرض. أو: لولا أن الله نصب السلطان، وأقام الحكام لينصفوا المظلوم من الظالم. ويردوا القوي عن الضعيف، لتواثب الخلق بعضهم على بعض، وأكل القوي الضعيف فيفسد النظام. أو: لولا أن الله يدفع بالشهود عن الناس في حفظ الأموال والنفوس والدماء والأعراض، لوقع الفساد في الأرض. أو: لولا أن الله يدفع بأهل الطاعة والإحسان عن أهل الغفلة والعصيان، لفسد الأرض بشؤم أهل العصيان. وفي الخبر عنه صلى الله عليه وسلم: " إن الله يدفع بالمصلي من أمتي عمن لا يصلي، ويمن يزكي عمن لا يزكي، وبمن يصوم، عمن لا يصوم، وبمن يحج، عمن لا يحج، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين ". وفي حديث آخر: " لولا عباد الله ركع، وصبية رضع، لصب عليكم العذاب صبا ". وروى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليصلح بصلاح الرجل - ولده وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم " ه. فهذا من فضل الله على عباده يصلح طالحهم بصالحهم، ويشفع خيارهم في شرارهم، ولولا ذلك لعوجلوا بالهلاك، { ولكن الله ذو فضل على العالمين }. { تلك } يا محمد، { آيات الله } والإشارة إلى ما قص من حديث الألوف، وتمليك طالوت، وإتيان التابوت، وانهزام الجبابرة أصحاب جالوت، { نتلوها } أي: نقصها عليكم { بالحق } أي: بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ، { وإنك لمن المرسلين } حيث أخبرت بها من غير تعرف ولا استماع ولم يعهد منك تعلم ولا اطلاع، فلا يشك أنه من عند الخبير العليم، إلا من طبع الله على قلبه. نعوذ بالله من ذلك. الإشارة: " من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات " ، فإذا برز المريد لجهاد أعدائه من النفس والهوى والشيطان وسائر القطاع، واستنصر بالله وتبرأ من حوله وقوته، كان ذلك علامة على نصره وظفره بنفسه، وكان سببا في نجح نهايته، فيملكه الله الوجود بأسره، ويفتح عليه من خزائن حكمته. قال أبو سليمان الداراني " إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت ثم عادت إلى صاحبها بطرائف الحكم من غير أن يؤدي عالم علما. وفي الخبر: " من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم ". وكان حينئذ رحمة للعباد، يدفع الله بوجوده العذاب عمن يستحقه من عباده. وفي الحديث القدسي: " يقول الله عز وجل: " إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي جعلت همته ولذته في ذكري، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه، لا يسهو إذا سها الناس، أولئك كلامهم كلام الأنبياء، أولئك الأبطال حقا، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ذكرتهم فصرفته بهم عنهم " حققنا الله بمحبتهم وجعلنا منهم... آمين. ولما ذكر في هذه السورة جملة من الأنبياء والرسل، وشهد لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه من المرسلين ذكر تفضيل بعضهم على بعض في الجملة.

البقرة 2:251

يقول الحق جل جلاله: ولما برز طالوت بمن معه { لجالوت } ، أي: ظهر في البراز، ودنا بعضهم من بعض، تضرعوا إلى الله واستنصروه، وقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: أصببه علينا صبا، { وثبت أقدامنا } عند اللقاء لئلا نفر، { وانصرنا على القوم الكافرين }. وفي دعائهم ترتيب بليغ سألوا أولا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه، ثم النصر على العدو المرتب عليها غالبا. فهزم الله عدوهم وأجاب دعاءهم بإذنه وقدرته، { وقتل داود جالوت }. وقصة قتله: أن أصحاب طالوت كان فيهم بنو إيش، وهو أبو داود عليه السلام ستة أو سبعة، وكان داود صغيرا يرعى غنما، فلما حضرت الحرب قال في نسفه: لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فمر في طريقه، بحجر فناداه: يا داود خذني، فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها، وجعلها في مخلاته وسار، فلما حضر البأس خرج جالوت يطلب البراز، وكاع الناس عنه، أي: تأخروا خوفا، حتى قال طالوت: من بيرز له ويقتله فأنا أزوجه ابنتي، وأحكمه في مالي، فجاء داود، فقال له طالوت: اركب فرسي وخذ سلاحي، ففعل، وخرج في أحسن شكله، فلما مشى قليلا رجع، فقال الناس: جبن الفتى، فقال داود: إن الله سبحانه لم يقتله ولم يعنى عليه، لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل، وأخذ مخلاته فتقلدها، وأخذ مقلاعه فخرج إلى جالوت، وهو شاك في السلاح، فقال جالوت: أنت يا فتى تخرج إلي! قال: نعم، قال: هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال: نعم، وأنت أهون، قال: لأطعمن لحمك اليوم الطير والسباع، ثم تدانيا فأدار داود فأخذ مقلاعه وأدخل يده إلى الحجارة، فروى أنها التأمت، وصارت حجرا واحدا، فأخذه ووضعه في المقلاع، وسمى الله، وأداره، ورماه، فأصاب رأس جالوت فقتله، وجز رأسه، وجعله في مخلاته، واختلط الناس، وحمل أصحاب طالوت فكانت الهزيمة. ثم إن داود جاء يطلب شرطه من طالوت، فقال: حتى تقتل مائتين من هؤلاء الجراجمة الذين يؤذون الناس يؤذون الناس وتجيئني بسلبهم، فقتل داود منهم مائتين، وجاء بذلك، فدفع إليه امرأته وتخلى له على الملك. ولما تمكن داود - عليه السلام - من الملك، أجلى من بقي من قوم جالوت إلى المغرب، فمن بقيتهم البرابرة من الشلوح وسائر الأرياف. فآتي الله داود { الملك والحكمة } وهي النبوة، وقيل: صنعة الدروع ومنطق الطير { وعلمه مما يشاء } من أنواع العلوم والمعارف والأسرار، وقد دفع الله بأس الكافرين ورد كيدهم في نحرهم، { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } أي: لولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض، فينصر المسلمين على الكافرين، ويكف فسادهم، لغلبوا وأفسدوا في الأرض. أو: لولا أن الله نصب السلطان، وأقام الحكام لينصفوا المظلوم من الظالم. ويردوا القوي عن الضعيف، لتواثب الخلق بعضهم على بعض، وأكل القوي الضعيف فيفسد النظام. أو: لولا أن الله يدفع بالشهود عن الناس في حفظ الأموال والنفوس والدماء والأعراض، لوقع الفساد في الأرض. أو: لولا أن الله يدفع بأهل الطاعة والإحسان عن أهل الغفلة والعصيان، لفسد الأرض بشؤم أهل العصيان. وفي الخبر عنه صلى الله عليه وسلم: " إن الله يدفع بالمصلي من أمتي عمن لا يصلي، ويمن يزكي عمن لا يزكي، وبمن يصوم، عمن لا يصوم، وبمن يحج، عمن لا يحج، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين ". وفي حديث آخر: " لولا عباد الله ركع، وصبية رضع، لصب عليكم العذاب صبا ". وروى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليصلح بصلاح الرجل - ولده وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم " ه. فهذا من فضل الله على عباده يصلح طالحهم بصالحهم، ويشفع خيارهم في شرارهم، ولولا ذلك لعوجلوا بالهلاك، { ولكن الله ذو فضل على العالمين }. { تلك } يا محمد، { آيات الله } والإشارة إلى ما قص من حديث الألوف، وتمليك طالوت، وإتيان التابوت، وانهزام الجبابرة أصحاب جالوت، { نتلوها } أي: نقصها عليكم { بالحق } أي: بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ، { وإنك لمن المرسلين } حيث أخبرت بها من غير تعرف ولا استماع ولم يعهد منك تعلم ولا اطلاع، فلا يشك أنه من عند الخبير العليم، إلا من طبع الله على قلبه. نعوذ بالله من ذلك. الإشارة: " من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات " ، فإذا برز المريد لجهاد أعدائه من النفس والهوى والشيطان وسائر القطاع، واستنصر بالله وتبرأ من حوله وقوته، كان ذلك علامة على نصره وظفره بنفسه، وكان سببا في نجح نهايته، فيملكه الله الوجود بأسره، ويفتح عليه من خزائن حكمته. قال أبو سليمان الداراني " إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت ثم عادت إلى صاحبها بطرائف الحكم من غير أن يؤدي عالم علما. وفي الخبر: " من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم ". وكان حينئذ رحمة للعباد، يدفع الله بوجوده العذاب عمن يستحقه من عباده. وفي الحديث القدسي: " يقول الله عز وجل: " إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي جعلت همته ولذته في ذكري، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه، لا يسهو إذا سها الناس، أولئك كلامهم كلام الأنبياء، أولئك الأبطال حقا، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ذكرتهم فصرفته بهم عنهم " حققنا الله بمحبتهم وجعلنا منهم... آمين. ولما ذكر في هذه السورة جملة من الأنبياء والرسل، وشهد لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه من المرسلين ذكر تفضيل بعضهم على بعض في الجملة.

البقرة 2:252

يقول الحق جل جلاله: ولما برز طالوت بمن معه { لجالوت } ، أي: ظهر في البراز، ودنا بعضهم من بعض، تضرعوا إلى الله واستنصروه، وقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: أصببه علينا صبا، { وثبت أقدامنا } عند اللقاء لئلا نفر، { وانصرنا على القوم الكافرين }. وفي دعائهم ترتيب بليغ سألوا أولا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه، ثم النصر على العدو المرتب عليها غالبا. فهزم الله عدوهم وأجاب دعاءهم بإذنه وقدرته، { وقتل داود جالوت }. وقصة قتله: أن أصحاب طالوت كان فيهم بنو إيش، وهو أبو داود عليه السلام ستة أو سبعة، وكان داود صغيرا يرعى غنما، فلما حضرت الحرب قال في نسفه: لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فمر في طريقه، بحجر فناداه: يا داود خذني، فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها، وجعلها في مخلاته وسار، فلما حضر البأس خرج جالوت يطلب البراز، وكاع الناس عنه، أي: تأخروا خوفا، حتى قال طالوت: من بيرز له ويقتله فأنا أزوجه ابنتي، وأحكمه في مالي، فجاء داود، فقال له طالوت: اركب فرسي وخذ سلاحي، ففعل، وخرج في أحسن شكله، فلما مشى قليلا رجع، فقال الناس: جبن الفتى، فقال داود: إن الله سبحانه لم يقتله ولم يعنى عليه، لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل، وأخذ مخلاته فتقلدها، وأخذ مقلاعه فخرج إلى جالوت، وهو شاك في السلاح، فقال جالوت: أنت يا فتى تخرج إلي! قال: نعم، قال: هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال: نعم، وأنت أهون، قال: لأطعمن لحمك اليوم الطير والسباع، ثم تدانيا فأدار داود فأخذ مقلاعه وأدخل يده إلى الحجارة، فروى أنها التأمت، وصارت حجرا واحدا، فأخذه ووضعه في المقلاع، وسمى الله، وأداره، ورماه، فأصاب رأس جالوت فقتله، وجز رأسه، وجعله في مخلاته، واختلط الناس، وحمل أصحاب طالوت فكانت الهزيمة. ثم إن داود جاء يطلب شرطه من طالوت، فقال: حتى تقتل مائتين من هؤلاء الجراجمة الذين يؤذون الناس يؤذون الناس وتجيئني بسلبهم، فقتل داود منهم مائتين، وجاء بذلك، فدفع إليه امرأته وتخلى له على الملك. ولما تمكن داود - عليه السلام - من الملك، أجلى من بقي من قوم جالوت إلى المغرب، فمن بقيتهم البرابرة من الشلوح وسائر الأرياف. فآتي الله داود { الملك والحكمة } وهي النبوة، وقيل: صنعة الدروع ومنطق الطير { وعلمه مما يشاء } من أنواع العلوم والمعارف والأسرار، وقد دفع الله بأس الكافرين ورد كيدهم في نحرهم، { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } أي: لولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض، فينصر المسلمين على الكافرين، ويكف فسادهم، لغلبوا وأفسدوا في الأرض. أو: لولا أن الله نصب السلطان، وأقام الحكام لينصفوا المظلوم من الظالم. ويردوا القوي عن الضعيف، لتواثب الخلق بعضهم على بعض، وأكل القوي الضعيف فيفسد النظام. أو: لولا أن الله يدفع بالشهود عن الناس في حفظ الأموال والنفوس والدماء والأعراض، لوقع الفساد في الأرض. أو: لولا أن الله يدفع بأهل الطاعة والإحسان عن أهل الغفلة والعصيان، لفسد الأرض بشؤم أهل العصيان. وفي الخبر عنه صلى الله عليه وسلم: " إن الله يدفع بالمصلي من أمتي عمن لا يصلي، ويمن يزكي عمن لا يزكي، وبمن يصوم، عمن لا يصوم، وبمن يحج، عمن لا يحج، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين ". وفي حديث آخر: " لولا عباد الله ركع، وصبية رضع، لصب عليكم العذاب صبا ". وروى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليصلح بصلاح الرجل - ولده وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم " ه. فهذا من فضل الله على عباده يصلح طالحهم بصالحهم، ويشفع خيارهم في شرارهم، ولولا ذلك لعوجلوا بالهلاك، { ولكن الله ذو فضل على العالمين }. { تلك } يا محمد، { آيات الله } والإشارة إلى ما قص من حديث الألوف، وتمليك طالوت، وإتيان التابوت، وانهزام الجبابرة أصحاب جالوت، { نتلوها } أي: نقصها عليكم { بالحق } أي: بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ، { وإنك لمن المرسلين } حيث أخبرت بها من غير تعرف ولا استماع ولم يعهد منك تعلم ولا اطلاع، فلا يشك أنه من عند الخبير العليم، إلا من طبع الله على قلبه. نعوذ بالله من ذلك. الإشارة: " من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات " ، فإذا برز المريد لجهاد أعدائه من النفس والهوى والشيطان وسائر القطاع، واستنصر بالله وتبرأ من حوله وقوته، كان ذلك علامة على نصره وظفره بنفسه، وكان سببا في نجح نهايته، فيملكه الله الوجود بأسره، ويفتح عليه من خزائن حكمته. قال أبو سليمان الداراني " إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت ثم عادت إلى صاحبها بطرائف الحكم من غير أن يؤدي عالم علما. وفي الخبر: " من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم ". وكان حينئذ رحمة للعباد، يدفع الله بوجوده العذاب عمن يستحقه من عباده. وفي الحديث القدسي: " يقول الله عز وجل: " إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي جعلت همته ولذته في ذكري، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه، لا يسهو إذا سها الناس، أولئك كلامهم كلام الأنبياء، أولئك الأبطال حقا، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ذكرتهم فصرفته بهم عنهم " حققنا الله بمحبتهم وجعلنا منهم... آمين. ولما ذكر في هذه السورة جملة من الأنبياء والرسل، وشهد لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه من المرسلين ذكر تفضيل بعضهم على بعض في الجملة.

البقرة 2:253

{ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس... } { قلت }: { تلك }: مبتدأ، و { الرسل }: نعت، أو بدل منه، أو بيان، و { فضلنا }: خبر، أو { الرسل } خبر، و { فضلنا }: خبر ثان، والإشارة إلى الجماعة المذكور قصصها في السورة. يقول الحق جل جلاله: { تلك الرسل } الذين قصصناهم عليك، وذكرت لك أنك منهم، { فضلنا بعضهم على بعض } بخصائص ومناقب لم توجد في غيره. لكن هذا التفضيل إنما يكون في الجملة من غير تعيين المفضول، لأنه تنقيص في حقه وهو ممنوع. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " لا تخيروا بين الأنبياء " " ولا تفضلوني على يونس بن متى " فإن معناه النهي عن تعيين المفضول، لأنه غيبة وتنقيص، وقد صرح صلى الله عليه وسلم بفضله على جميع الأنياء بقوله: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " ولكن لا يعين أحدا من الأنبياء بالمفضولية لئلا يؤدي إلى نقصه، فلا تعارض ين الحديثين. { منهم من كلم الله } وهو موسى عليه السلام في جبل الطور، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حين كان قاب قوسين أو أدنى، { ورفع بعضهم درجات } وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه خص بالدعوة العامة، والحجج المتكاثرة، والمعجزات المستمرة، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر، والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر. والإبهام لتفخيم شأنه، كأنه العلم المشهور المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين. وقيل: إبراهيم، خصه بالخلة التي هي أعلى المراتب. قلت: بل المحبة أعلى منها، وقيل: إدريس لقوله: ورفعناه مكانا عليا [مريم: 57]، وقيل: أولو العزم من الرسل، قاله البيضاوي. { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } أي: الآيات الواضحات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، { وأيدناه بروح القدس } ، أي: جبريل عليه السلام كان معه أينما سار، وخصه بالتعيين فإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، فردهم إلى الصواب باعتقاده نبوته دون ربوبيته. الإشارة: كما فضل الله الرسل بعضهم على بعض، كذلك فضل الأولياء بعضهم على بعض، وإنما يقع التفضيل بكمال اليقين، والتغلغل في علم التوحيد الخاص، ذوقا وكشفا، والترقي في المعارف والأسرار، وذلك بخدمة الرجال وصحبة أهل الكمال، والتفرغ التام، والزهد الكامل في النفس والفلس والجنس، فمنهم من تحصل له المشاهدة وتصحبها المكالمة، ومنهم من تحصل له المشاهدة دون المكالمة، ومنهم من تحصل له الكرامات الواضحة، ومنهم من لا يرى شيئا من ذلك استغناء عنها بكرامة المعرفة. وما قيل في الرسل من عدم تعيين المفضول، مثله يقال في حق الأولياء، وإلا وقع في الغيبة الشنيعة فإن لحوم الأولياء سموم، فليعتقد الكمال في الجميع، ولا يصرح بتعيين المفضول كما تقدم. والله تعالى أعلم. ولما ذكر الحق تعالى أحوال الرسل، وتفاوتهم في العناية، ذكر أحوال أممهم وتفاوتهم في الهداية، فقال: {... ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } قلت: إذا وقع فعل المشيئة بعد { لو } فالغالب حذف مفعوله، كقوله: ولو شئنا لرفعناه بها [الأعراف: 176]، أي: لو شئنا رفعه لرفعناه بها، وكقوله: { ولو شاء الله ما اقتتل... } ، أي: لو شاء هدايتهم ما اقتتلوا، وغير ذلك. يقول الحق جل جلاله: ولما بعثت الرسل، وفضلت بعضهم على بعض، اختلفت أممهم من بعدهم فاقتتلوا، وكل ذلك بإرادتي ومشيئتي، { ولو شاء الله } هداية أممهم { ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم } المعجزات الواضحات في تحقيق رسالتهم وصحة نبوتهم، { ولكن اختلفوا } بغيا وحسدا { فمنهم من آمن } بتوفيقه لاتباع دين الأنبياء، { ومنهم من كفر } بمخالفتهم، فكان من الأشقياء، { ولو شاء الله } جمعهم على الهدى { ما اقتتلوا } ، لكن حكمته اقتضت وجود الاختلاف ليظهر سر اسمه المنتقم والقهار واسمه الكريم والحليم، { ولكن الله يفعل ما يريد } لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء: 23]. وفي الآية دليل على أن الحوادث كلها بيد الله خيرها وشرها، وأن أفعال العباد كلها بقدرته تعالى، لا تأثير لشيء من الكائنات فيها. وهذا يرد قول المعتزلة القائلين بخلق العبد أفعاله، فما أبعدهم عن الله. نسأل الله العصمة بمنه وكرمه. الإشارة: اختلاف الناس على الأولياء سنة ماضية وحكمة أزلية، ولن تجد لسنة الله تبديلا [الأحزاب: 62]، ولا يزالون مختلفين [هود: 118]، فمن رأيته من الأولياء اتفق الناس على تعظيمه في حياته فهو ناقص أو جاهل بالله إذ الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، وهذا هو الغالب، والنادر لا حكم له، فلو كان الاتفاق محمودا لكان على الأنبياء أولى، فلما لم يقع للأنبياء والرسل، لم يقع للأولياء إذ هم على قدمهم، وقائمون بالوراثة الكاملة عنهم. والله تعالى أعلم.

البقرة 2:254

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } واجبا أو تطوعا في وجوه الخير، وخصوصا في الجهاد الذي نحن بصدد الحض عليه، وقدموا لأنفسكم ما تجدونه بعد موتكم { من قبل أن يأتي يوم } الحساب، واقتضاء الثواب، يوم ليس فيه { بيع } ولا شراء، فيكتسب ما يقع به الفداء، وليس فيه { خلة } تنفع إلا خلة الأتقياء { ولا شفاعة } ترجى إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا [طه: 109] فأنفقوا مما خولناكم في سبيل الله، وجاهدوا الكافرين أعداء الله، فإن الكافرين { هم الظالمون } حيث وضعوا عبادتهم في غير محلها، ونسبوا الربوبية لغير مستحقيها، إذ لا يستحقها إلا الحي القيوم.

البقرة 2:255

قلت: { الله }: مبتدأ، وجملة { لا إله إلا هو }: خبره، والضمير المنفصل بدل من المستتر في الخبر، و { الحي }: إما خبر ثاني، أو لمبتدأ مضمر، أو بدل من { الله } ، و { قيوم } فيعول، مبالغة من القيام، ومعناه: القائم بنفسه المستغني عن غيره. يقول الحق جل جلاله: { الله } الواجب الوجود لا يستحق العبادة غيره، فمن عبد غيره فقد أتى بظلم عظيم { الحي } أي: الدائم بلا أول، الباقي بلا زوال الذي لا سبيل عليه للموت والفناء، { القيوم } أي: دائم القيام بتدبير خلقه في إيصال المنافع ودفع المضار، وجلب الأرزاق وأنواع الارتقاء، { لا تأخذه سنة ولا نوم } السنة: ما يتقدم النوم من الفتور، والنوم: حالة تعرض للإنسان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، فتقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا. وتقديم السنة عليه، على ترتيب الوجود، كقوله تعالى: ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة [التوبة: 121]، وجمع بينهما لأنه لو اقتصر على نفس السنة عند لتوهم أن النوم يغلبه لأنه أشد، ولو اقتصر على نفي النوم لتوهم أن السنة تلحقه لخفتها. والمراد تنزيهه تعالى عن آفات البشرية، وتأكيد كونه حيا قيوما، فإن من أخذه نعاس أو نوم يكون مؤوف الحياة، قاصرا في الحفظ والتدبير. ولذلك ترك العطف فيه وفي الجمل التي بعده لأنها كلها مقررة له، أي: للحي للقيوم. وقد ورد أنه اسم الله الأعظم، وقال عليه الصلاة والسلام لفاظمة - رضي الله عنها: " ما منعك أن تسمعي ما أوصيك به تقولين إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين " رواه النسائي وأخرج مسلم عن أبي موسى رضي الله عنه قال: " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات قال: " إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه. يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور " - وفي رواية. النار - " لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ". له ما في السماوات وما في الأرض } هذا تقرير لقيوميته تعالى، واحتاج على تفرده في الألوهية. والمراد بما بما فيهما: ما هو أعم من أجزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما، المتمكنة فيهما، من العقلاء وغيرهم، فهو أبلغ من له السماوات والأرض وما فيهن، يعني: أن الله يملك جميع ذلك من غير شريك ولا منازع، وعبر ب { ما } تغليبا للغالب. { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } هذا بيان لكبرياء شأنه، وأنه لا يدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريده بشفاعة واستكانة، فضلا عن أن يعاوقه عنادا أو مناصبة. والاستفهام إنكاري، أي: لا أحد يشفع عنده لمن أراد تعالى عقوبته، إلا بإذنه، وذلك أن المشركين زعموا أن الأصنام تشفع لهم، فأخبر تعالى أنه لا شفاعة عنده إلا بإذنه، يريد بذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الأنبياء والأولياء والملائكة. { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } أي: ما قبلهم وما بعدهم، أو بالعكس، لأنك تستقبل المستقبل وتستدبر الماضي وقيل: { يعلم ما بين أيديهم } من الدنيا { وما خلفهم } من الآخرة، وقيل: عكسه، لأنهم يقدمون ويخلفون الدنيا وراءهم، وقيل: يعلم ما قدموه بين أيديهم من خير أو شر، وما خلفهم وما هم فاعلوه، أو عكسه. والمراد أنه سبحانه أحاط بالأشياء كلها، فلا يخفى عليه شيء { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } أي: لا يحيطون بشيء من معلوماته تعالى إلا بما شاء أن يطلعهم عليه، وعطفه على ما قبله لأن مجموعه يدل على تفرده تعالى بالعلم الذاتي التام، الدال على وحدانيته تعالى في ذاته وصفاته. { وسع كرسيه السماوات والأرض } يقال: فلان يسع الشيء سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به. ويقال: وسع الشيء الشيء إذا أحاط به وغمره حتى اضمحل في جانبه، وهذا المعنى هو اللائق هنا. وأصل الكرسي في اللغة: من تركب الشيء بعضه على بعض، ومنه الكراسة، لتركب أوراقها بعضها على بعض، وفي العرف: اسم لما يقعد عليه، سمي به لتركب خشباته. واختلف فيه فقيل: العرش، وقيل: غيره. والصحيح أنه مخلوق عظيم أمام العرش، فوق السماوات السبع دون العرش. يقال: إن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة. والكرسي في جانب العرش كحلقة في فلاة. وعن ابن عباس: أن السماوات في الكرسي كدراهم سبعة في ترس وقيل: كرسيه: علمه. قال البيضاوي: هو تصوير لعظمته تعالى وتمثيل مجرد، كقوله: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67] ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد. وقيل: كرسيه مجاز عن علمه أو ملكه، مأخوذ من كرسي العلم والملك، وقيل: جسم بين يدي العرش محيط بالسموات السبع لقوله - عليه الصلاة والسلام-: " ما السموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة " ولعله الفلك المشهور بفلك البروج. ه. قلت: وقد اعترض السيوطي في حاشيته عليه. فالله تعالى أعلم. { ولا يؤوده } أي: لا يثقله ولا يشق عليه { حفظهما } أي: حفظ السماوات والأرض. وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لأن حفظهما مستتبع لحفظه، { وهو العلي } أي: المتعالي عن الأشباه والأنداد، { العظيم } أي: عظيم الشأن، جليل القدر، الذي يستحفر كل شيء دون عظمته. وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية، فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية، متصف بالحياة الذاتية، واجب الوجود لذاته، موجد لغيره إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره، منزه عن التحيز والحلو، مبرأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح، ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، مبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له. عالم بالأشياء كلها: جليها وخفيها، وكليها وجزئيها. واسع الملك والقدرة لكل ما يصح أن يملك ويقدر عليه، لا يشق عليه شاق، ولا يشغله شأن عن شأن، متعال عن تناول الأوهام، عظيم لا تحيط به الأفهام، ولذلك تفردت عن أخواتها بفضائل رائعة وخواص فائقة، قال صلى الله عليه وسلم: " أعظم آية في القرآن آية الكرسي " وقال عليه الصلاة والسلام: " من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت " - وفي رواية - " كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام - ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمن على نفسه وجاره وجار جاره، والأبيات حوله ". وقال عليه الصلاة والسلام: " ما قرئت هذه الآية في بيت إلا هجرته الشياطين ثلاثين يوما، ولا يدخله ساحر ولا ساحرة أربعين يوما، يا علي علمها ولدك وأهلك وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها " قاله البيضاوي وأبو السعود، وتكلم السوطي في بعض هذه الأحاديث. والفضائل يعمل فيها بالضعيف. والله تعالى أعلم. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا أيمان أهل الخصوصية - أنفقوا مما رزقناكم [البقرة: 254] من سعة العلوم ومخازن الفهوم، من قبل أن يأتي يوم اللقاء، يوم تسقط فيه المعاملات وتغيب تلك الإشارت، لا ينفع فيه إلا الدخول من باب الكرم، فيلقى الله بالله دون شيء سواه، والجاحدون لهذا هم الظالمون لأنفسهم، حيث اعتمدوا على أعمالهم فلقوا الله بالصنم الأعظم، والحي اليوم الكبير المتعال غني عن الانتفاع بالأعمال، وبالله التوفيق. ومن عرف أنه الحي الذي لا يموت توكل عليه. قال تعالى: وتوكل على الحى الذى لا يموت [الفرقان: 58]. والتعلق به: استمداد حياة الروح بالعلم والمحبة الكاملة. ومن عرف أنه الحي القيوم وثق به، ونسي ذكر كل شيء بذكره، ولم يشاهد غيره بمشاهدة قيوميته. والتعلق به استمداد معرفة قيوميته حتى يستريح من نكد التدبير، والتخلق به بأن تكون قائما على ما كلفت به من أهل وولد ونفس ومال، وكل من تعلق بك من النساء والرجال. ولما وصف الحي تعالى نفسه بأوصاف الكمال من الكبرياء، والعظمة والجلال وكانت شواهد ذلك ظاهرة في خلقه حتى تبين الحق من الباطل.

البقرة 2:256

قلت: { الرشد }: مصدر رشد، بالكسر والضم، رشدا ورشادا، و { الغي }: مصدر غوى، إذا ضل معتقده، و { الطاغوت }: فعلوت من الطغيان، وأصله: طغيوت، فقلبت لام الكلمة لعينها فصار طيغوت، ثم قلبت الياء ألفا. وهو كل ما عبد من دون الله راضيا بذلك، و { العروة }: ما تستمسك به اليد عند خوف الزلل كالحبل ونحوه، ووثوقها: متانتها، وانفصامها أن تنفك عن موضعها، وأصل الفصم في اللغة: أن ينفك الخلخال ونحوه ولا يبين، فإذا بان فهو القصم - بالقاف - وهو هنا استعارة للدين الصحيح. يقول الحق جل جلاله: في شأن رجل من الأنصار، تنصر ولداه قبل البعثة فلما جاء الإسلام قدما إلى المدينة فدعاهما أبوهما إلى الإسلام فامتنعا، فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: { لا إكراه في الدين } ، فهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تكرهوا أحدا على الدخول في الدين. وهو خاص بأهل الكتاب. قال البيضاوي: إذ الإكراه في الحقيقة هو: إلزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا، ولكن { قد تبين الرشد من الغي } أي تميز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية، والكفر غي يوصل إلى الشقاوة السرمدية. والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان طلبا للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء. ه. { فمن يفكر بالطاغوت } أي: يبعد عنها ويجحد ربوبيتها { ويؤمن بالله } أي: يصدق بوحدانيته، ويقر برسله، { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي: فقد تسمك بالدين المتين، لا انقطاع له أبدا، { والله سميع } بالأقوال، { عليم } بالنيات، فإن الدين مشتمل على قول باللسان وعقد بالجنان، فحسن التعبير بصفة السمع والعلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال في الحكم: " لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق، إنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك ". وقال أحمد بن حضرويه: الطريق واضح، والحق لائح، والداعي قد أسمع، ما التحير بعد هذا إلا من العمى. ه. فطريق السير واضحة لمن سبقت له العناية، باقية إلى يوم القيامة، وكل ما سوى الله طاغوت، فمن أعرض عن السوى، وعلق قلبه بمحبة المولى، فقد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها على طول المدى، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

البقرة 2:257

قلت: الولي: هو المحب الذي يتولى أمور محبوبه، أو الناصر الذي ينصر محبوبه، ولا يخذله بأن يكله إلى نفسه. وجملة { يخرجهم }: حال من الضمير المستتر في الخبر، أو من الموصول أو منها، أو خبر ثان. يقول الحق جل جلاله: { الله ولي الذين آمنوا } أي: محبهم ومتولي أمورهم، { يخرجهم من } ظلمات الكفر والجهل، ومتابعة الهوى وقبول الوسواس، والشبه المشكلة في التوحيد - إلى نور الإيمان واليقين، وصحة التوحيد، ومتابعة الداعي إلى الله، { والذين كفروا أولياؤهم } أي: أحباؤهم { الطاغوت } أي: الشياطين، أو المضلات من الهوى والشيطان وغيرهما، { يخرجونهم من النور } الذي منحوه بالفطرة الأصلية، أو يصدونهم من الدخول في الإيمان إلى ظلمات الكفر والجهل، والتقليد الرديء واتباع الهوى، { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } بسبب نياتهم البقاء على الكفر إلى الممات، ولم يذكر في جانب المؤمنين دخول الجنة لتكون عبادتهم عبودية، لا خوفا ولا طمعا. والله تعالى أعلم. الإشارة: { الله ولي الذين آمنوا } حيث تولاهم بسابق العناية، وكلأهم بعين الرعاية، يخرجهم أولا من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم من ظلمات الحس ورؤية الأكوان إلى نور المعاني بحصول الشهود والعيان، فافن عن الإحساس تر عبرا. " الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهور الحق فيه ". أو تقول: الكون كله ظلمة لأهل الحجاب، وأما عند أهل المعرفة فالكون عندهم كله نور، وإنما حجبه ظهور الحكمة فيه، " فمن رأى الكون ولم يشهد النور فيه، أو قبله، أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار ". والذين كفروا - وهم الذين سبق لهم الشقاء، وحكم عليهم بالبعد القدر والقضاء - أولياؤهم الطاغوت، وهم القواطع: من الهوى والشيطان والدنيا والناس، { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } أي: يمنعونهم من شهود تلك الأنوار السابقة، إلى الوقوف مع تلك الظلمات المتقدمة، فهم متعاكسون مع من سبقت لهم العناية، فما خرج منه أهل العناية وقع فيه أهل الغواية. نسأل الله الحفظ والعافية في الدنيا والآخرة.

البقرة 2:258

قلت: { أن آتاه }: على حذف لام العلة، و { إذ قال }: ظرف ل { حاج } ، أبو بدل من { آتاه الله }. يقول الحق جل جلاله: متعجبا من جهالة النمرود، والمراد تعجيب السامع: { ألم تر } يا محمد، { إلى } جهالة { الذي حاج إبراهيم } أي: خاصمه { في ربه } لأجل { أن } أعطاه { الله الملك } ، أي: حمله على ذلك بطر الملك. وذلك أنه لما كسر إبراهيم الأصنام، سجنه أياما، وأخرجه من السجن، وقال له: من ربك الذي تعبد؟ { قال } له { إبراهيم } عليه السلام: { ربي الذي يحيي ويميت } ، أي: يخلق الأرواح في الأجسام، ويخرجها عند انقضاء آجالها، { قال } نمرود: { أنا أحيي واميت } ، فدعا برجلين فقتل أحدهما، وعفا عن الآخر، فلما رأى إبراهيم عليه السلام غلطه وتشغيبه عدل له إلى حجة أخرى، لا مقدور للبشر على الإتيان بمثلها، فال له: { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها } أنت { من المغرب } لأنك تدعي الربوبية، ومن شأن الربوبية أن تقدر على كل شيء، ولا يعجزها شيء، { فبهت الذي كفر } أي: غلب وصار مبهوتا، { والله لا يهدي القوم الظالمين } إلى قبول الهداية، أو إلى طريق النجاة، أو إلى محجة الاحتجاج. الإشارة: قال بعض الحكماء: للنفس سر، ظهر على فرعون والنمرود، حتى صرحا بدعوى الربوبية: قلت: وهذا السر هو ثابت للروح في أصل نشأتها لأنها جاءت من عالم العز والكبرياء. انظر قوله تعالى: ونفخت فيه من روحى [الحجر: 29]، وقال أيضا: قل الروح من أمر ربى [الإسراء: 85] أي: سر من أسراره، فلما ركبت في هذا القلب الذي هو قالب العبودية - طلبت الرجوع إلى أصلها. فجعل لها الحق جل جلاله بابا تدخل منه فترجع إلى أصلها وهو الذل والخضوع والانكسار والافتقار، فمن دخل من هذا الباب، واتصل بمن يعرفه ربه، رجعت روحه إلى ذلك الأصل، وأدركت ذلك السر، فمنها من تتسع لذلك السر وتطيقه، ومنها من تضيق عن حمله وتبوح به، فتقتلها الشريعة، كالحلاج وأمثاله، ومن طلب الرجوع إلى ذلك الأصل من غير بابه، ورام إدراكه بالعز والتكبر، طرد وأبعد، وهو الذي صدر من النمرود وفرعون وغيرهما ممن ادعى الربوبية جهلا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحق تعالى من أدركته العناية، وفي قصته برهان على إحياء الموتى الذي احتج إبراهيم - عليه السلام -.

البقرة 2:259

قلت: { أو } عاطفة، و { كالذي }: معطوف على الموصول المجرور بإلى، أي: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، وإلى مثل الذي مر على قرية. وإنما أدخل حرف التشبيه لأن المنكر للإحياء كثير، والجاهل بكيفيته أكثر، بخلاف مدعي الربوبية فإنه قليل. وقيل: الكاف مزيدة، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج وإلى الذي مر، و { أنى }: ظرف ليحيي، بمعنى: متى، أو حال بمعنى كيف، و { يتسنه } بمعنى يتغير، وأصله: يتسنن، فأبدلت النون الثالثة حرف علة. قال في الكافية: وثالث الأمثال أبدلنه يا نحو تظنى خالد تظنيا فصار تسنى ثم حذفت للجازم، وأتى بهاء السكت، وقفا ووصل، كالعوض من المحذوف، وقيل: من السنة، وهو التغير، فالهاء أصلية، و { لنجعلنك }: معطوف على محذوف، أي: لتعتبر ولنجعلك آية للناس. يقول الحق جل جلاله: ألم تر يا محمد أيضا إلى مثل الذي { مر على قرية } ، وهو عزير، حبر بني إسرائيل - وقيل: غيره - مر على بيت المقدس حين خربها بختنصر { وهي خاوية } ساقطة حيطانها { على عروشها } أي: سقفها، وذلك بعد مائة سنة حتى سقطت العروش، ثم سقطت الحيطان عليها، فلما رآها خالية، وعظام الموتى فيها بالية، { قال } في نفسه: { أنى يحيي هذ الله بعد موتها } أي: متى يقع هذا. اعترافا بالقصور عن معرفة طريق الإحياء، واستعظاما لقدرة المحيي، إن كان القائل عزيرا، أو استبعادا إن كان كافرا، { فأماته الله مائة عام } أي: ألبثه ميتا مائة عام، { ثم بعثه } بالإحياء، فقال له على لسان الملك، أو بلا واسطة: { كم لبثت } ميتا؟ { قال لبثت يوما أو بعض يوم } ، وذلك أنه مات ضحى وبعث بعد مائة عام قبل غروب الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس { يوما } ، ثم التفت فرأى بقية منها، فقال: { أو بعض يوم } على الإضراب، قال له الحق جل جلاله: { بل لبثت مائة عام }. وذلك أن عزيرا ذهب ليخترف لأهله فجعل على حماره سلة عنب وجرة عصير. فلما مر بتلك القرية ربط حماره، وجعل يتعجب من خرابها وخلائها بعد عمارتها، فقال في نفسه ما قال، فلطف الله به، وأراه كيفية الأحياء عيانا، فأماته مائة عام، حتى بليت عظام حماره وبقي العصير والعنب كأنه حين جنى وعصر فقال له جل جلاله: { فانظر إلى طعامك } وهو العنب، { وشرابك } وهو العصير، { لم يتسنه } ، أي: لم يتغير بمرور الزمان وطول المدة، { وانظر إلى حمارك } كيف تفرقت أوصاله، وبليت عظامه، فعلنا ذلك بك لتشاهد قدرتنا، { ولنجعلك آية للناس } بعدك، { وانظر إلى العظام } أي: عظام حمارك، { كيف ننشرها } ، أي: نحييها، من نشر الله الموتى: أحياها. أو: { كيف ننشزها } بالزاي - أي: نرفع بعضها، ونركبه عليه، { ثم نكسوها لحما }. فنظر إلى العظام، فقام كل عظم إلى موضعه، ثم كسى لحما وجلدا، وجعل ينهق، { فلما تبين له } ما كان استغربه وأشكل عليه { قال أعلم } عليم اليقين { أن الله على كل شيء قدير } ، أو فلما تبين له الحق، وهو قدرته تعالى على كل شيء، قال لنفسه: { أعلم أن الله على كل شيء قدير }. روي أنه أتى قومه على حماره، وقال أنا عزير، فكذبوه، فقرأ التوراة من حفظه، ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك، وقالوا: هو ابن الله - تعالى عن قولهم - وقيل: لما رجع إلى منزله - وكان شابا - وجد أولاده شيوخا، فإذا حدثهم بحديث قالوا: حديث مائة سنة. والله تعالى أعلم. الإشارة: في هذه الآية والتي بعدها، الإشارة إلى الأمر بتربية اليقين والترقي فيه من علم اليقين إلى عين اليقين، فإن الروح ما دامت محجوبة بالوقوف مع الأسباب والعوائد، وبرؤية الحس والوقوف مع الوسائط، لم تخل من طوارق الشكوك وخواطر، فإذا انقطعت إلى ربها، وخرقت عوائد نفسها، كشف لها الحق تعالى عن أستار غيبه، وأطلعها على مكنونات سره، وكشف لها عن أسرار الملكوت، وأراها سنا الجبروت، فنظرت إلى قدرة الحي الذي لا يموت، وتمتعت بشهود الذات وأنوار الصفات، في هذه الحياة وبعد الممات، فحينئذ ينقطع عنها الشكوك والأوهام، وتتطهر من طوارق الخواطر، وتزول عنها الأمراض والأسقام. قال في الحكم: " كيف تخرق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد ". فانظر إلى عزير... ما أراه الحق قدرته عيانا حتى خرق له عوائده فأماته ثم أحياه، فكذلك أنت أيها المريد لا تطمع أن تخرق لك العوائد، فتشاهد قدرة الحق أو ذاته عيانا، حتى تموت عن حظوظك وهواك، ثم تحيا روحك وسرك، فحينئذ تشاهد أسرار ربك، ويكشف الأستار عن عين قلبك. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم ذكر الحق تعالى قصة خليله عليه السلام في طلبه رؤية عين القدرة في إحياء الموتى، ليترقى من علم اليقين إلى عين اليقين.

البقرة 2:260

قلت: رأى: البصرية، إنما تتعدى إلى مفعول واحد، فإذا أدخلت عليها الهمزة تعدت إلى مفعولين. وعلقها هنا عن الثاني الاستفهام، { وصرهن } أي: أملهن واضممهن إليك. وفيه لغتان: صار يصير ويصور، ولذلك قرئ بكسر الصاد وضمها، { سعيا }: أي حال، أي: ساعيات. يقول الحق جل جلاله: واذكر يا محمد، أو أيها السامع، حين { قال إبراهيم } عيله السلام: يا { رب أني كيف تحيي الموتى } أي: أبصرني كيفية إحياء الموتى، حتى أرى ذلك عيانا، أراد عليه السلام أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، وقيل: لما قال للنمرود: { ربي الذي يحيي ويميت } قال له: هل عاينت ذلك؟ فلم يقدر أن يقول: نعم. وانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه ذلك ليطمئن قلبه على الجواب، إن سئل مرة أخرى، فقال له الحق جل جلاله: { أولم تؤمن } بأني قادر على الإحياء بإعادة التركيب والحياة؟ وإنما قال له ذلك، مع علمه بتحقيق إيمانه لجيبه بما أجاب فيعلم السامعون غرضه، { قال } إبراهيم عليه السلام: { بلى } آمنت أنك على كل شيء قدير، { ولكن } سألتك { ليطمئن قلبي } إذ ليس الخبر كالعيان، وليس علم اليقين كعين اليقين، أراد أن يضم الشهود والعيان إلى الوحي والبرهان. يقول الحق جل جلاله: { فخذ أربعة من الطير } طاووسا وديكا وغرابا وحمامة، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمام، { فصرهن إليك } أي: اضممهن إليك لتتأملها وتعرف أشكالها، لئلا يلتبس عليك بعد الإحياء أشكالها، { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } أي: ثم جزئهن، وفرق أجزاءهن على الجبال التي تحضرك. قيل: كانت أربعة وقيل: سبعة، { ثم ادعهن } وقل لهن: تعالين بإذن الله، { يأتينك سعيا } أي: ساعيات مسرعات، روي أنه أمر أن يذبحها وينتف ريشها، ويقطعها ويخلط بعضها ببعض، ويوزعها على الجبال، ويمسك رؤوسها عنده، ثم يناديها، ففعل ذلك، فجعل كل جزء يطير إلى الآخر ويلتئم بصاحبه حتى صارت جثثا، ثم أقبل إليه فأعطى كل طير رأسه فطار في الهواء. فسبحان من لا يعجزه شيء، ولا يغيب عن علمه شيء، ثم نبه إلى التفكر في عجائب قدرته وحكمته فقال: { واعلم أن الله عزيز } لا يعجزه شيء، { حكيم } ذو حكمة بالغة فيما يفعل ويذر. الإشارة: من أراد ان تحيا روحه الحياة الأبدية، وينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، فلا بد أن تموت نفسه أربع موتات: الأولى: تموت عن حب الشهوات والزخارف الدينوية، التي هي صفة الطاووس. الثانية: عن الصولة والقوى النفسانية، التي هي صفة الديك. الثالثة: عن خسة النفس والدناءة وبعد الأمل، التي هي صفة الغراب. الرابعة: عن الترفع والمسارعة إلى الهوى المتصف بها الحمام. فإذا ذبح نفسه عن هذه الخصال حييت روحه، وتهذبت نفسه، فصارت طوع يده، كلما دعاها إلى طاعة أتت إليها مسرعة ساعية. وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو الحسن الشاذلي بقوله في حزبه الكبير: واجعل لنا ظهيرا من عقولنا ومهيمنا من أرواحنا، ومسخرا من أنفسنا، كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، إنك كنت بنا بصيرا. ولما كانت حياة الروح متوقفة على أمرين: بذل النفوس، ودفع الفلوس وقدم الإشارة إلى الأول بقوله: { وقاتلوا في سبيل الله }.

البقرة 2:261

قلت: { مثل الذين }: مبتدأ، و { كمثل }: خبر، ولا بد من حذف مضاف، إما من المبتدأ أو الخبر، أي: مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة، أو مثل الذين ينفقون كمثل باذر حبة... الخ. يقول الحق جل جلاله: في التحريض على النفقة في سبيل الله: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } أي: يتصدقون بها في سبيل الله، كالجهاد ونحوه، { كمثل } زارع { حبة أنبتت } له { سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } ، فالمجموع سبعمائة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة " وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز، والمنبت هو الله، وهذا مثال لا يقتضي الوقوع، وقد يقع في الذرة والدخن في الأرض الطيبة، بحيث تخرج الحبة ساقا يتشعب إلى سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، { والله يضاعف } تلك المضاعفة { لمن يشاء } بفضله، على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، وبحسبه تتفاوت الأعمال في مقادير الثواب، { والله واسع } لا يضيق عليه ما يتفضل به من الثواب، { عليم } بنية المنفق وقدر إنفاقه. ثم ذكر شرطين آخرين في قبول النفقة، فقال: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى }. المن: أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه بحيث يقول: أنا فعلت معه كذا، وكذا إظهارا لميزته عليه. والأذى: أن يتطاول عليه بذلك. ويقول: لولا أنا لم يكن منك شيء، مثلا. فمن فعل هذا فقد ذهبت صدقته هباءا منثورا، ومن سلم من ذلك، وأنفق ماله ابتغاء وجه الله ف { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. وقال زيد بن أسلم رضي الله عنه: إذا أعطيت أحدا شيئا وظننت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه. ه. قيل: إن الآية نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما أما عثمان فإنه جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها. وقال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة، فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل يده فيها، ويقلبها ويقول: " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم " زاد في رواية سعيد: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعا يدعو لعثمان، ويقول: " يا رب عثمان بن عفان، رضيت عنه فارض عنه " وأما عبد الرحمن: فإنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم، صدقة، وأمسك أربعة آلاف لعياله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت ". وإنما لم يدخل الفاء في قوله: { لا خوف عليهم } ، مع أن الموصول قد تضمن معنى الشرط، إيهاما بأنهم أهل لذلك، وإن لم يفعلوا، فكيف بهم إذا فعلوا. قاله البيضاوي. الإشارة: التقرب إلى الله تعالى يكون بالعمل البدني وبالعملي المالي، وبالعمل القلبي، أما العمل البدني، ويدخل فيه العمل اللساني، فقد ورد فيه التضعيف بعشر وبعشرين وبثلاثين وبخمسين وبمائة، وبأكثر من ذلك أو أقل، وكذلك العمل المالي: قد ورد تضعيفه إلى سبعمائة، ويتفاوت ذلك بحسب النيات والمقاصد، وأما العمل القلبي: فليس له أجر محصور، قال تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10]، فالصبر، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والتوكل، والمحبة، والرضا، والتسليم، والمعرفة، وحسن الخلق، والفكرة، وسائر الأخلاق الحميدة، إنما جزاؤها: الرضا، والإقبال والتقريب، وحسن الوصال. قال تعالى: ورضوان من الله أكبر [التوبة: 72] أي: أكبر من الجزاء الحسي الذي هو القصور والحور. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: " تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة ". فإنما هو كناية عن الكثرة والمبالغة، كقوله تعالى: إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم [التوبة: 80]. ومثله قول الشاعر: كل وقت من حبيبي قدره كألف حجه أي: سنة. والله تعالى أعلم. ثم بين الحق تعالى أن حسن الخلق ولين الجانب أفضل من الصدقة المشوبة.

البقرة 2:262

قلت: { مثل الذين }: مبتدأ، و { كمثل }: خبر، ولا بد من حذف مضاف، إما من المبتدأ أو الخبر، أي: مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة، أو مثل الذين ينفقون كمثل باذر حبة... الخ. يقول الحق جل جلاله: في التحريض على النفقة في سبيل الله: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } أي: يتصدقون بها في سبيل الله، كالجهاد ونحوه، { كمثل } زارع { حبة أنبتت } له { سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } ، فالمجموع سبعمائة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة " وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز، والمنبت هو الله، وهذا مثال لا يقتضي الوقوع، وقد يقع في الذرة والدخن في الأرض الطيبة، بحيث تخرج الحبة ساقا يتشعب إلى سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، { والله يضاعف } تلك المضاعفة { لمن يشاء } بفضله، على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، وبحسبه تتفاوت الأعمال في مقادير الثواب، { والله واسع } لا يضيق عليه ما يتفضل به من الثواب، { عليم } بنية المنفق وقدر إنفاقه. ثم ذكر شرطين آخرين في قبول النفقة، فقال: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى }. المن: أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه بحيث يقول: أنا فعلت معه كذا، وكذا إظهارا لميزته عليه. والأذى: أن يتطاول عليه بذلك. ويقول: لولا أنا لم يكن منك شيء، مثلا. فمن فعل هذا فقد ذهبت صدقته هباءا منثورا، ومن سلم من ذلك، وأنفق ماله ابتغاء وجه الله ف { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. وقال زيد بن أسلم رضي الله عنه: إذا أعطيت أحدا شيئا وظننت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه. ه. قيل: إن الآية نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما أما عثمان فإنه جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها. وقال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة، فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل يده فيها، ويقلبها ويقول: " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم " زاد في رواية سعيد: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعا يدعو لعثمان، ويقول: " يا رب عثمان بن عفان، رضيت عنه فارض عنه " وأما عبد الرحمن: فإنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم، صدقة، وأمسك أربعة آلاف لعياله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت ". وإنما لم يدخل الفاء في قوله: { لا خوف عليهم } ، مع أن الموصول قد تضمن معنى الشرط، إيهاما بأنهم أهل لذلك، وإن لم يفعلوا، فكيف بهم إذا فعلوا. قاله البيضاوي. الإشارة: التقرب إلى الله تعالى يكون بالعمل البدني وبالعملي المالي، وبالعمل القلبي، أما العمل البدني، ويدخل فيه العمل اللساني، فقد ورد فيه التضعيف بعشر وبعشرين وبثلاثين وبخمسين وبمائة، وبأكثر من ذلك أو أقل، وكذلك العمل المالي: قد ورد تضعيفه إلى سبعمائة، ويتفاوت ذلك بحسب النيات والمقاصد، وأما العمل القلبي: فليس له أجر محصور، قال تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10]، فالصبر، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والتوكل، والمحبة، والرضا، والتسليم، والمعرفة، وحسن الخلق، والفكرة، وسائر الأخلاق الحميدة، إنما جزاؤها: الرضا، والإقبال والتقريب، وحسن الوصال. قال تعالى: ورضوان من الله أكبر [التوبة: 72] أي: أكبر من الجزاء الحسي الذي هو القصور والحور. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: " تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة ". فإنما هو كناية عن الكثرة والمبالغة، كقوله تعالى: إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم [التوبة: 80]. ومثله قول الشاعر: كل وقت من حبيبي قدره كألف حجه أي: سنة. والله تعالى أعلم. ثم بين الحق تعالى أن حسن الخلق ولين الجانب أفضل من الصدقة المشوبة.

البقرة 2:263

قلت: { قول }: مبتدأ، و { خير }: خبر، والمسوغ الصفة. يقول الحق جل جلاله: { قول } جميل يقوله الإنسان للسائل في حال رده، حيث لم يجد ما يعطيه، { خير } وأفضل عند الله من الصدقة التي يتبعها المن والأذى، ومثال القول المعروف: الله يرزقنا وإياك رزقا حسنا. والله يغنينا وإياك من فضله العظيم، وشبه ذلك من غير تعبيس ولا كراهية. { ومغفرة } للسائل والعفو عن جفوته وإلحاحه، { خير } أيضا { من صدقة يتبعها } من، أو { أذى } للسائل، علم الحق جل جلاله أن الفقير إذا رد بغير نوال شق عليه، فربما أطلق لسانه وأظهر الشكوى فأمر المسؤول بالعفو والتواضع. ولو شاء الحق تعالى لأغنى الجميع، لكنه أعطى الأغنياء ليظهر شكرهم، وابتلى الفقراء لينظر كيف صبرهم، { والله } تعالى { غني } عن أنفاق يصحبه من أو أذى، { حليم } عن معالجة من يمن أو يؤذي بالعقوبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: يفهم من الآية أن حسن الخلق، ولين الجانب، وخفض الجناح، وكف الأذى، وحمل الجفاء، وشهود الصفاء، من أفضل الأعمال وأزكى الأحوال وأحسن الخلال، وفي الحديث: " إن حسن الخلق يعدل الصيام والقيام ". وفي قوله: { والله غني حليم }: تربية للسائل والمسؤول، فتربية السائل: أن يستغني بالغني الكبير عن سؤال العبد الفقير، ويكتفي بعلم الحال عن المقال، وتربية المسؤول: أن يحلم عن جفوة السائل فيتلطف في الخطاب، ويحسن الرد والجواب. قال في شرح الأسماء: والتخلق بهذا الاسم - يعني الحليم - بالصفح عن الجنايات، والسمح فيما يقابلونه به من الإساءات، بل يجازيهم بالإحسان، تحقيقا للحلم والغفران. ه.

البقرة 2:264

قلت: { كالذي }: الكاف في محل نصب على المصدر، أي: إبطالا كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس. أو حال، أي: مشبهين بالذي ينفق رئاء. و { رئاء } مفعول له، والصفوان: الحجر الأملس، والصلد: البارز الذي لا تراب عليه، وجمع الضمير في قوله: { لا يقدرون } باعتبار معنى { الذي } لأن المراد به الجنس. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا } أجر صدقتكم بسبب { المن } بها على المتصدق عليه، { والأذى } الذي يصدر منكم له، بأن تذكروا ذلك للناس، فتكون صدقتكم باطلة، { كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر } ، فإن أجره يوم القيامة يكون هباء منثورا، { فمثله } في انتفاعه بصدقته، وتستره بها في دار الدنيا، وافتضاحه يوم القيامة، كحجر أملس { عليه تراب } يستره، فيظن الرائي أنه أرض طيبة تصلح للزراعة، { فأصابه وابل } أي: مظر غزير { فتركه صلدا } حجرا يابسا خاليا من التراب، كذلك المراؤون بأعمالهم، ينتفعون بها في الدنيا بثناء الناس عليهم وستر حالهم، فإذا قدموا يوم القيامة وجدوها باطلة، { لا يقدرون على } الانتفاع ب { شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين } إلى مراشدهم ومصالح دينهم. وفيه تعريض بأن الرياء والمن والأذى من صفة الكافر، ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها. وبالله التوفيق. الإشارة: تصفية الأعمال على قدر تصفية القلوب، وتصفية القلوب على قدر مراقبة علام الغيوب، والمراقبة على قدر المعرفة. والمعرفة على قدر المشاهدة. والمشاهدة تحصل على قدر المجاهدة. والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: 69]. وفي الحكم: " حسن الأعمال من نتائج حسن الأحوال، وحسن الأحوال من التحقق بمقامات الإنزال " والحاصل أن من لم يتحقق بمقام الفناء لا تخلوا أعماله من شوب الخلل، ومن تحقق بالزوال لم ير لنفسه نسبة في عطاء ولا منع، ولا حركة ولا سكون، ولم ير لغيره وجودا حتى يرجو منه نفعا ولا خيرا. وفي بعض الإشارات: يا من يرائي أمر من من ترائي بيد من تعصيه. ه. وفي تمثيله بالحجر إشارة إلى قساوة قلبه ويبوسه طبعه، فلا يجرى منه خير قط. والعياذ بالله. ثم ذكر الحق تعالى ضد هؤلاء، وهم المخلصون.

البقرة 2:265

قلت: الربوة - مثلثة الراء -: المكان المرتفع، والوابل: المطر الغزير، والطل: المطر الخفيف، وفي ذلك يقول الراجز: والطل ما خف من الأمطار والوابل الغزير ذو أنهمار و { ابتغاء مرضات الله } و { تثبيتا }: حالان من الوافي في: { ينفقون } ، أو مفعولان له. والتثبيت بمعنى التثبت، أي: التحقق، كقوله تعالى: وتبتل إليه تبتيلا [المزمل: 8] أي: تبتلا. يقول الحق جل جلاله: { مثل الذين ينفقون أموالهم } في سبيل الله { ابتغاء مرضات الله } وتحققا { من أنفسهم } بثواب الله، أو تحقيقا من أنفسهم بالوصول إلى رضوان الله إن بذلوا أموالهم في طلب رضى الله، مثل نفقتهم في النمو والأرتفاع { كمثل جنة } أي: بستان { بربوة } بمكان مرتفع، فإن شجره يكون أحسن منظرا وأزكى ثمرا، { أصابها وابل } أي: مطر غزير { فآتت أكلها } أي: ثمارها { ضعفين } أي: مثلي ما كانت تثمر في عادتها، أي: حملت في سنة ما يحمل غيرها في سنتين، بسبب هذا المطر الذي نزل بها، { فإن لم يصبها وابل فطل } أي: فيصيبها طل، أي: مطر قليل يكفيها لطيب تربتها وارتفاع مكانها، فأقل شيء يكفيها. والمراد: أن نفقات هؤلاء، لإخلاصهم وكمال يقينهم، كثيرة زاكية عند الله، وإن كانت قليلة في الحس فهي كثيرة في المعنى. وفي الحديث: " من تصدق ولو بلقمة وقعت في كف الرحمن فيربيها كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تكون مثل الجبل " وفي قوله: { والله بما تعلمون بصير }: تحذير من الرياء، وترغيب في الإخلاص. الله تعالى أعلم. الإشارة: تنمية الأعمال على قدر تصفية الأحوال، وتصفية الأحوال على قدر التحقق بمقامات الإنزال، أي: على قدر التحقق بالإنزال في مقامات اليقين، فكل من تحقق بالنزول في مقامات اليقين، ورسخت قدمه فيها، كانت أعماله كلها عظيمة، مضاعفة أضعافا كثيرة، فتسبيحة واحدة من العارف، أن تهليلة واحدة، تعدل الوجود بأسره، ولا يزنها ميزان، وكذلك سائر أعمال العارف: كلها عظيمة مضاعفة لأنها بالله ومن الله وإلى الله، وما كان بالله ومن الله يطرقه نقص ولا يشوبه خلل، ولأجل هذا صارت أوقاتهم كلها ليلة القدر، وأماكنهم كلها عرفات، وأنفاسهم كلها زكيات، وصحبتهم كلها نفحات، ومخالطتهم كلها بركات. نفعنا الله بذكرهم وخرطنا في سلكهم. آمين.

البقرة 2:266

قلت: الإعصار: عمود من ريح فيه عجاجة، يدور ويرتفع. يقول الحق جل جلاله: أيتمنى حدكم { أن تكون له جنة } أي: بستان { من نخيل وأعناب } ، هما الغالبان فيه لكثرة منافعهما، { تجري من } تحت تلك الأشجار { الأنهار } إذ من كمال البستان أن يشتمل على الماء البارد والظل الممدود، و { له فيها } أي: في تلك الجنة { من كل الثمرات } زائدة على على النخيل والأعناب، ثم { أصابه الكبر } فضعف عن القيام بتلك الجنة، { وله ذرية ضعفاء } لا يستطيعون القيام بأنفسهم لصغرهم، فأصاب تلك الجنة { إعصار } أي: ريح شديد { فيه نار فاحترقت } تلك الجنة، فلا تسأل عن حسرة صاحب هذا البستان، لخوفه من ضياع نفسه وعياله. وهذا مثال لمن يكثر من أعمال البر، كالصلاة والصيام والصدقة والحج والجهاد وغير ذلك، وهذا يعجب به، ويفتخر ويمن بصدقته أو يؤذي، فتحبط تلك الأعمال وتذهب، فيتحسر عليها يوم القيامة، وهو أحوج ما يكون إليها. أو يعمل بالطاعة في أيام عمره، فإذا قرب الموت عمل بالمعاصي حتى ختم له بها فحبطت تلك الأعمال، والعياذ بالله { كذلك يبن الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } فيها فتعتبرون، وتخلصون في أعمالكم، وتخافون من سوء عاقبتكم. أعاذنا الله من ذلك. الإشارة: في الآية تخويف للمريد أن يرجع إلى عوائده، ويلتفت إلى عوالم حسه، فيشتغل بالدنيا بعد أن استشرف على جنة المعارف، تجري على قلبه أنهار العلوم، فينقض العهد مع شيخه، أو يسيء الأدب معه، ولم يتب حتى تيبس أشجار معارفه، وتلعب به ريح الهوى، فيحترق قلبه بنار الشهوات. قال البيضاوي: وأشبههم به من جال سره في عالم الملكوت، وترقى بفكره إلى جناب الجبروت، ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور، والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثورا. ه.

البقرة 2:267

قلت: { تيمموا }: أصله: تتيمموا، أي تقصدوا، وجملة { تنفقون }: حال مقدرة - من فاعل { تيمموا } ، و { منه }: يصح أن يتعلق ب { تنفقون } أو ب { الخبيث } ، أي ولا تقصدوا الخبيث حال كونكم تنفقونه، أو لا تقصدوا الخبيث تنفقون منه، و { لستم بآخذيه }: حال أيضا من فاعل { تنفقون }. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } من الأموال في التجارة وغيرها، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يا معشر التجار، أنتم فجار إلا من اتقى وبر وصدق وقال بالمال هكذا وهكذا ". وقوله: { من طيبات ما كسبتم } أي: من حلاله، أو من خياره، أما في الزكاة فعلى الوجوب، إذ لا يصح دفع الرديء فيها، وأما من التطوع فعلى سبيل الكمال، وأنفقوا أيضا من طيبات { ما أخرجنا لكم من الأرض } من أنواع الحبوب والثمار والفواكه، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طائر، إلا كانت له صدقة إلى يوم القيامة " ولا تقصدوا { الخبيث } أي: الرديء من أموالكم، فتنفقون منه وأنتم { لستم بآخذيه } في ديونكم { إلا أن تغمضوا } بصركم فيه، وتقبضونه حياء أو كرها أو مسامحة. نزلت في قوم كانوا يتصدقون بخبيث التمر وشراره، فنهوا عنه، وأدبهم بقوله: { واعلموا أن الله غني } عن إنفاقكم، وإنما أمركم به منفعة لكم، { حميد } بقبوله وإثابته، فهو فعيل بمعنى الفاعل، مبالغة، أي: يحمد فعلكم ويشكره لكم، إن أحسنتم فيه، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، لا يكسب عبد مالا من حرام فيتصدق منه فيقبل منه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، وإن الله لا يمحو السيىء بالسيىء ولكن يمحو السيىء بالحسن، وإن الخبيث لا يمحوه الخبي ". الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص، أنفقوا العلوم اللدنية والأسرار الربانية، من طيبات ما كسبتم من تصفية أسراركم وتزكية أرواحكم، وأنفقوا أيضا علوم الشريعة وأنوار الطريقة، مما أخرجنا لكم من أرض نفوسكم التي تزكت بالأعمال الصافية والأحوال المرضية. ولا تيمموا العمل الخبيث أو الحال الخبيث، تريدون أن تنفقوا منه شيئا من تلك العلوم، فإن ذلك لا يزيد النفس إلا جهلا وبعدا، فكما أن الحبة لا تنبت إلا في الأرض الطيبة، كذلك النفس لا تدفن إلا في الحالة المرضية، فلا تؤخذ العلوم اللدنية من النفس حتى تدفن في أرض الخمول، وأرض الخمول هي الأحوال المرضية، الموافقة للقواعد الشرعية، وإليه الإشارة بقوله: { ولستم بآخذيه } أي: لستم بآخذي العلم اللدني من الحال الخبيث، غلا أن تغيبوا فيه عن حسكم، ومن غلبه الحال لم يبق عليه مقال. وعليها تتخرج قصة لص الحمام، فلا يقتدى به لغلبة الحال عليه، واعلموا أن الله غني حميد، لا يتقرب إليه إلا بما هو حميد. والله تعالى أعلم.

البقرة 2:268

قلت: يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا، هذا إن ذكر الخير أو الشر، وأما إذا لم يذكر فيقال في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته، قال الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي و { الفحشاء } هنا: البخل والشح. يقول الحق جل جلاله: { الشيطان يعدكم } أي: يخوفكم { الفقر } بسبب الإنفاق، ويقول في وسوسته: إن أعطيت مالك بقيت فقيرا تتكفف الناس، { ويأمركم بالفحشاء } أي: ويأمركم بالبخل والشح، والعرب تسمي البخيل فاحشا، وفي الحديث: " البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة قريب من النار. والسخي قريب من الله. قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار. ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل " وفي حديث آخر: " إن الله يأخذ بيد السخي كلما عثر " { والله يعدكم } في الإنفاق { مغفرة منه } لذنوبكم، وسترا لعيوبكم، { وفضلا } أي: خلفا أفضل مما أنفقتم في الدنيا والآخرة، { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه } ، { والله واسع } الفضل والعطاء، { عليم } بما أنفقتم، ولماذا أنفقتم، وفيما أخلصتم، لا يخفى عليه شيء من أموركم. الإشارة: إذا توجه المريد إلى الله تعالى، وأراد سلوك طريق التجريد والزهد والانقطاع إلى الله تعالى، تعرض له الشيطان، اختبارا منه تعالى وابتلاء، إذ الحضرة محروسة بالقواطع ليظهر الصادق في الطلب من الكاذب، فيخوفه من الفقر، ويأمره بالوقوف مع الأسباب والعوائد، وهي أفحش المعاصي عند الخواص، إذ إذ الهمة العالية تأنف عن الاشتغال بغير الحضرة الإلهية. والله يعدكم - أيها المتوجهون إليه - مغفرة لذنوبكم، وسترا لعيوبكم، فيغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم من الفضل والجود، لا بما منكم إليه من المجاهدة والمكابدة، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا [النور: 21]، { والله واسع } الجود والإحسان، { عليم } بمن يستحق الفضل والامتنان. ومن نتائج الزهد والانقطاع: ورود الحكمة على لسان العبد وقلبه.

البقرة 2:269

قال البيضاوي: الحكمة: تحقيق العلم وإتقان العلم. ه. وقيل: هي سرعة الجواب وإصابة الصواب، وقيل: كل فصل جزل من قول أو فعل. يقول الحق جل جلاله: { يؤتي } الحق تعالى { الحكمة من يشاء } من عباده، وهي التفقه في الدين والتبصر في الأمور. قال صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ويلهمه رشده وقيل: الحكمة: الإصابة في الرأي. وقيل: الفهم في كتاب الله. وقيل الفهم عن الله. { ومن يؤت الحكمة } أي: أعطيها، { فقد أوتي خيرا كثيرا } لأنه حاز خير الدارين، ولا شك أن من حقق العلم بالله وبأحكامه، وأتقن العمل بما أمره الله به، فقد صفا قلبه، وتطهر سره، فصار من أولي الألباب ولذلك قال عقبه: { وما يذكر إلا أولوا الألباب }. الإشارة: الحكمة هي: شهود الذات مرتدية بأنوار الصفات، وهي حقيقة المعرفة، ومن عرف الله هابه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " رأس الحكمة مخافة الله " وقيل: هي تجريد السر لورود الإلهام، وقيل: هي النور المفرق بين الوسواس والإلهام، وقيل: شهود الحق تعالى في جميع الأحوال. والتحقيق: أن الحكمة هي إبداع الشيء وإتقانه حتى يأتي على غاية الكمال، ويجري ذلك في العلم والعمل والحال والمعرفة. وقال القشيري: الحكمة: أن يحكم عليك خاطر الحق لا داعي الباطل، وأن تحكم قواهر الحق لا زواجر الشيطان. ويقال: الحكمة: صواب الأمر، ويقال: هي ألا تغلب عليك رعونات البشرية، ومن لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره. ويقال: الحكمة: موافقة أمر الله، والسفه: مخالفة أمره، ويقال: الحكمة شهود الحق، والسفه: شهود الغير. قاله المحشي. واعلم أن الصوفية، في اصطلاحهم، يعبرون عن أسرار الذات بالقدرة، وعن أنوار الصفات - وهي ظهور آثارها - بالحكمة. فالوجود كله قائم بين الحكمة والقدرة، فالقدرة تبرز الأشياء، والحكمة تسترها. فربط الأشياء واقترانها بأسبابها تسمى عندهم الحكمة، وإنفاذ الأمر وإظهار يسمى القدرة، فمن وقف مع الحكمة حجب عن شهود القدرة، وكان محجوبا عن الله. ومن نفذ إلى شهود القدرة ولم يرتبط مع الأسباب والعوائد كان عارفا محبوبا. فالعارف الكامل هو الذي جمع بين شهود القدرة وإقرار الحكمة، فأعطى كل ذي حق حقه، ووفى كل ذي قسط قسطه، لكن يكون ذلك ذوقا وكشفا، لا علما وتقليدا. وبالله تعالى التوفيق.

البقرة 2:270

قلت: النذر: هو إلزام المكلف نفسه ما لم يجب، كقوله: لله علي أن أتصدق بكذا، أو أن أصلي كذا، أو أن أصوم كذا، أو إن شفى الله مريضي فعلي كذا، فمن نطق بشيء من ذلك لزمه، ومن علق بشيء وحصل ذلك لزمه ما نطق به. و { نعما } أصلها: نعم ما هي، فأدغمت الميم في الميم، وفي { نعم }: ثلاث لغات: " نعم " بفتح النون وكسر العين وهي الأصل، وبسكونها، وبكسر النون وسكون العين، فمن قرأ بكسر النون والعين، فعلى لغة كسر العين، وأتبع النون للعين، ومن اختلس، أشار إلى لغة السكون، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين، فعلى الأصل وأدغم المثلين، ومن قرأ بفتح النون وسكون العين فعلى لغة { نعم } بالتفح والسكون، ثم أدغم، ولم يعتبر التقاء الساكنين لعروضه، أو لكون الثاني مشددا سهل ذلك. والله أعلم. ومن قرأ: { ونكفر } ، بالجزم، فعطف على محل الجزاء، ومن قرأ بالرفع، فعلى الاستئناف، أي: ونحن نكفر، أو: فهو يكفر، على القراءتين. يقوله الحق جل جلاله: { وما أنفقتم من نفقة } قليلة أو كثيرة، سرا أو علانية، في حق أو باطل، { أو نذرتم من نذر } بشرط أو بغير شرط، في طاعة أو معصية، { فإن الله يعلمه } ، فيجازيكم عليه، فمن أنفق في طاعة أو نذر قربة كان من المحسنين، ومن أنفق في معصية أو نذر معصية كان من الظالمين. { وما للظالمين من أنصار } ينصرونهم من عذاب الله. { إن } تظهروا { الصدقات } ، مخلصين فيها، { فنعما هي } أي: فنعم شيئا إبداؤها، ولا سيما للمقتدى به، فهو أفضل في حقه، { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء } خفيه { فهو خير لكم } لأنه أقرب للإخلاص، وهذا في التطوع، تفضل علانيتها بسبعين ضعفا. وأما الفريضة ففيها تفصيل، فمن خاف على نفسه شوب الرياء أخفى أو نوب، ومن أمن أظهر. فقد ورد أن علانية الفريضة تفضل سرها بخمسة وعشرين ضعفا، فإن فعلتم ما أمرتم به في الوجهين، فقد أحسنتم، { ونكفر عنكم من سيئاتكم } أي: نستر عنكم بعض ذنوبكم، وقد ورد في صدقة السر أن صاحبها يظله الله يوم لا ظل إلا ظله { والله بما تعملون خبير } لا يخف عليه من أسر أو جهر، ومن أخلص أو خلط، ففيه ترغيب وترهيب. والله تعالى أعلم. الإشارة: معاملة العبد مع مولاه: إما أن تكون لطلب الأجور، وإما لرفع الستور، فالأول يعطي أجره من وراء الباب، والثاني يدخل مع الأحباب. وأما العامل للدنيا فهو ظالم لنفسه { وما للظالمين من أنصار } ، وفي بعض الآثار: طالب الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير، وطالب الحق أمير. ثم الناس في معاملة الحق على أقسام ثلاثة: قسم يليق بهم الإخفاء والإسرار، وهم طالبوا الإخلاص من المريدين السائرين. وقسم يليق بهم الإظهار وهم أهل الاقتداء من العلماء المخلصين. وقسم لا يقفون مع ظهور ولا خفاء، بل مع ما يبرز في الوقت، وهم العارفون الكاملون. ولذلك قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن كان عبد الله فسواء عليه أظهره أم أخفاه. والهداية كلها بيد الله، ليس لغيره منها شيء.

البقرة 2:271

قلت: النذر: هو إلزام المكلف نفسه ما لم يجب، كقوله: لله علي أن أتصدق بكذا، أو أن أصلي كذا، أو أن أصوم كذا، أو إن شفى الله مريضي فعلي كذا، فمن نطق بشيء من ذلك لزمه، ومن علق بشيء وحصل ذلك لزمه ما نطق به. و { نعما } أصلها: نعم ما هي، فأدغمت الميم في الميم، وفي { نعم }: ثلاث لغات: " نعم " بفتح النون وكسر العين وهي الأصل، وبسكونها، وبكسر النون وسكون العين، فمن قرأ بكسر النون والعين، فعلى لغة كسر العين، وأتبع النون للعين، ومن اختلس، أشار إلى لغة السكون، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين، فعلى الأصل وأدغم المثلين، ومن قرأ بفتح النون وسكون العين فعلى لغة { نعم } بالتفح والسكون، ثم أدغم، ولم يعتبر التقاء الساكنين لعروضه، أو لكون الثاني مشددا سهل ذلك. والله أعلم. ومن قرأ: { ونكفر } ، بالجزم، فعطف على محل الجزاء، ومن قرأ بالرفع، فعلى الاستئناف، أي: ونحن نكفر، أو: فهو يكفر، على القراءتين. يقوله الحق جل جلاله: { وما أنفقتم من نفقة } قليلة أو كثيرة، سرا أو علانية، في حق أو باطل، { أو نذرتم من نذر } بشرط أو بغير شرط، في طاعة أو معصية، { فإن الله يعلمه } ، فيجازيكم عليه، فمن أنفق في طاعة أو نذر قربة كان من المحسنين، ومن أنفق في معصية أو نذر معصية كان من الظالمين. { وما للظالمين من أنصار } ينصرونهم من عذاب الله. { إن } تظهروا { الصدقات } ، مخلصين فيها، { فنعما هي } أي: فنعم شيئا إبداؤها، ولا سيما للمقتدى به، فهو أفضل في حقه، { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء } خفيه { فهو خير لكم } لأنه أقرب للإخلاص، وهذا في التطوع، تفضل علانيتها بسبعين ضعفا. وأما الفريضة ففيها تفصيل، فمن خاف على نفسه شوب الرياء أخفى أو نوب، ومن أمن أظهر. فقد ورد أن علانية الفريضة تفضل سرها بخمسة وعشرين ضعفا، فإن فعلتم ما أمرتم به في الوجهين، فقد أحسنتم، { ونكفر عنكم من سيئاتكم } أي: نستر عنكم بعض ذنوبكم، وقد ورد في صدقة السر أن صاحبها يظله الله يوم لا ظل إلا ظله { والله بما تعملون خبير } لا يخف عليه من أسر أو جهر، ومن أخلص أو خلط، ففيه ترغيب وترهيب. والله تعالى أعلم. الإشارة: معاملة العبد مع مولاه: إما أن تكون لطلب الأجور، وإما لرفع الستور، فالأول يعطي أجره من وراء الباب، والثاني يدخل مع الأحباب. وأما العامل للدنيا فهو ظالم لنفسه { وما للظالمين من أنصار } ، وفي بعض الآثار: طالب الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير، وطالب الحق أمير. ثم الناس في معاملة الحق على أقسام ثلاثة: قسم يليق بهم الإخفاء والإسرار، وهم طالبوا الإخلاص من المريدين السائرين. وقسم يليق بهم الإظهار وهم أهل الاقتداء من العلماء المخلصين. وقسم لا يقفون مع ظهور ولا خفاء، بل مع ما يبرز في الوقت، وهم العارفون الكاملون. ولذلك قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن كان عبد الله فسواء عليه أظهره أم أخفاه. والهداية كلها بيد الله، ليس لغيره منها شيء.

البقرة 2:272

{ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء... } يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ليس عليك } يا محمد { هداهم } أي: لا يجب عليك أن تخلق الهداية في قلوبهم، وليس من شأنك ذلك، إنما أنت نذير تدل على الخير، كالنفقة وغيرها، وتنهى عن الشر كالمن والأذى، وإنفاق الخبيث، وغير ذلك من المساوئ { ولكن الله يهدي من يشاء } بفضله وإحسانه، فالأمور كلها بيد الله خيرها وشرها، لكن من جهة الأدب مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 79]. وبالله التوفيق. الإشارة: ما قيل في الرسول - عليه الصلاة والسلام - يقال في ورثته من أهل التذكير، فليس بيدهم الهداية والتوفيق، وإنما شأنهم الإرشاد وبيان الطريق، فليس من شأن الدعاة إلى الله الحرص على هداية الخلق. وإنما من شأنهم بيان الحق. إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل [النحل: 37]. والله تعالى أعلم. ثم رجع الحق تعالى إلى الترغيب في الصدقة والإخلاص فيها، فقال: {... وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } قلت: هذه ثلاث جمل كلها تدل على الترغيب في إنفاق الطيب وإخلاص النية. يقول الحق جل جلاله: { وما تنفقوا من خير } قليل أو كثير، فهو { لأنفسكم } لا ينتفع به غيركم، فإن كان طيبا فلأنفسكم، وإن كان خبيثا فأجره لكم، وإن مننتم به أو آذيتم فقد ظلمتم أنفسكم، وإن أخلصتم فيه فلأنفسكم، وأيضا إنكم تدعون أنكم { ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } ، فكيف تقصدون الخبيث، وتجعلونه لوجه الله؟ وكيف تمنون أو تؤذون بها وهي وجه الله؟ هذا تكذيب للدعوى، وكل ما تنفقون من خير قليل أو كثير { يوف إليكم } جزاؤه يوم القيامة بسبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ويخلفه لكم في الدنيا، { وأنتم لا تظلمون } شيئا من أعمالكم إن أخلصتم أو أحسنتم. وستأتي إشارتها مع ما بعدها.

البقرة 2:273

قلت: { للفقراء }: متعلق بمحذوف، أي: يعطي ذلك للفقراء، أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، والإلحاف،: هو الإلحاح في السؤال، وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه، وهو منصوب على المصدر أو الحال. يقول الحق جل جلاله: تجعلون ما تنفقونه { للفقراء الذين أحصروا } أي: حبسوا أنفسهم في { سبيل الله } وهو الجهاد، { لا يستطيعون ضربا في الأرض } أي: ذهابا في الأرض للتجارة أو للأسباب، بل شغلهم الجهاد والتبتل للعبادة عن الأسباب، وهم أهل الصفة، كانوا نحوا من أربعمائة من فقراء المهاجرين، يسكنون صفة المسجد، يستغرقون أوقاتهم في العلم والذكر والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس رضي الله عنه: " وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوما على أصحاب الصفة، فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلبوهم، فقال: " أبشروا يا أصحاب الصفة، فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه، راضيا بما فيه فإنه، من رفقائي ". وقيل: المراد الفقراء مطلقا، حصرهم الفقر عن الضرب في الأرض للتجارة، { يحسبهم الجاهل } بهم { أغنياء من التعفف } ، أي: من أجل تعففهم عن السؤال، { تعرفهم بسيماهم } من الضعف ورثاثة الحال. الخطاب للرسول، أو لكل أحد { لا يسألون الناس إلحافا } ، أي: لا يسألون، وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا، وقيل: نفي للأمرين معا، ليس لهم سؤال، فيقع فيه إلحاف، كقول الشاعر: على لا حب لا يهتدى بمناره وليس ثم لا حب ولا منار، وإنما المراد نفيهما، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " من سأل، وله أربعون درهما، فقد سأل إلحافا ". { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } فيجازي على القليل والكثير، وهذا ترغيب في الإنفاق، وخصوصا على هؤلاء. الإشارة: ما أفلح من أفلح، وخسر من خسر، إلا من نفسه وفلسه، فمن جاد بهما، أو بأحدهما، فقد فاز وأفلح وظفر بما قصد، والجود بالنفس أعظم، وهو يستلزم الجود بالفلس، والجود بالفلس، إن دام، يوصل إل الجود بالنفس، والمراد بالجود بالنفس: إسلامها للشيخ يفعل بها ما يشاء، وتكون الإشارة فيها كافية عن التصريح، ومن بخل بهما أو بأحدهما، فقد خسر وخاب في طريق الخصوص، ومصرف ذلك هو الشيخ، أو الفقراء المنقطعون إلى الله الذي حصروا أنفسهم في سبيل الله، وهو الجهاد الأكبر. قال في القوت: وكان بعض الفضلاء يؤثر بالعطاء فقراء الصوفية دون غيرهم، فقيل له في ذلك، فقال: لأن هؤلاء هممهم الله عز وجل، فإذا ظهر منهم فاقة تشتت قلب أحدهم، فلأن أرد همة واحد إلى الله أحب إلي من أن أعطي ألفا من غيرهم ممن همه الدنيا. فذكر هذا الكلام لأبي القاسم الجنيد، فقال: هذا كلام ولي من أولياء الله. ثم قال: ما سمعت كلاما أحسن من هذا. وبلغني أن هذا الرجل اقتر حاله في أمر الدنيا حتى هم بترك الحانوت فبعث إليه الجنيد بمال كان صرف إليه، وقال له: اجعل هذا في بضاعتك، ولا تترك الحانوت فإن التجارة لا تضر مثلك. ويقال: إن هذا لم يكن يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه. ه. وكان عبد الله بن المبارك يصرف مصروفه لأهل العلم، ويقول: إني لا أعرف بعد النبوة أفضل من العلماء، فإذا اشتغل قلب أحدهم بالحاجة والعيلة لم يتفرغ للعلم، ولا يقبل على تعليم الناس، فرأيت أن أكفيهم أمر الدنيا لأفرغهم للعلم، فهو أفضل. ه. والله تعالى أعلم.

البقرة 2:274

قلت: الموصول مبتدأ، و { فلهم أجرهم }: خبر، والفاء للسببية، ولأن في الموصول معنى الشرط، وقيل: الخبر محذوف، أي: ومنهم الذين ينفقون الخ: و { فلهم }: استئناف بياني. يقول الحق جل جلاله: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } ، ويعمرون أوقاتهم بفعل الخيرات، { فلهم أجرهم عند ربهم } إذا قدموا عليه، { ولا خوف عليهم } من لحوق مكروه، { ولا هم يحزنون } على فوات محبوب، بل وجدوا الله فأغناهم عن كل شيء. قيل: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة بالسر، وعشر بالعلانية، أو في علي - كرم الله وجهه - لم يملك إلا أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا، ودرهم نهارا، ودرهم سرا، ودرهم علانية. وهي عامة لمن فعل فعلهما. الإشارة: أجر بذل الأموار هو إعطاء الثواب من وراء الباب، والأمن من العذاب وسوء المآب، وأجر بذل النفوس هو دخول حضرة القدوس، والأنس بالأحباب داخل الحجاب، فمن بذل نفسه لله على الدوام، أمنه من الحجبة في دار السلام، فلا خوف يلحقهم في الدارين، ولا يعتريهم حزن في الكونين. وبالله التوفيق. ولما رغب في الصدقة، وكانت في الغالب لا يتوصل إليها إلا بتعاطي أسباب المال، وهو البيع والشراء حذر من الربا لئلا يتساهل الناس في المعاملة به، حرصا على الصدقة.

البقرة 2:275

قلت: { الربا } في الأصل: هو الزيادة، ربا المال يربو: زاد. وكتبت بالواو مراعاة للأصل، وهو المصدر، قال الفراء: إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الكتابة من أهل الحيرة، ولغتهم الربو، فعلموهم صورة الحروف، وكذلك قرأها أبو السمال العدوي، وقرأ الأخوان بالإمالة لمكان الكسرة، والباقون بالتفخيم. والربا في اصطلاح الشرع على قسمين: ربا الفضل وربا النساء، فأما ربا الفضل فهو التفاضل بين الطعامين أو النقدين في المبادلة من الجنس الواحد، فإن اختلفت الأجناس فلا حرج، وأما ربا النساء فهو بيع الطعامين أو النقدين بعضهما ببعض بالتأخير، وهذا حرام ولو اختلفت الأجناس. يقول الحق جل جلاله: { الذين يأكلون الربا } أي: يأخذونه، وإنما خص الأكل لأنه أعظم منافع المال، { لا يقومون } من قبورهم يوم البعث { إلا كما يقوم } المجنون { الذي يتخبطه الشيطان من } أجل { المس } الذي يمسه يقوم ويسقط، روي أن بطونهم تكون أمامهم كالبيت الضخم، يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما أسري بي إلى السماء رأيت رجالا بطونهم كالبيوت، فيها حيات ترى من خارج بطونهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: أكلة الربا ". ذلك العذاب بسبب أنهم استحلوا الربا، و { قالوا إنما البيع مثل الربا } فنظموا الربا والبيع في سلك واحد، وفيه عكس التشبيه. والأصل: إنما الربا مثل البيع، قصدوا المبالغة، كأنهم جعلوا الربا أصلا وقاسوا عليه البيع. وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه يقول الغريم: زدني في الأجل أزدك في المال، فيفعلان، ويقولان: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند محل الدين، هو مراضاة فكذبهم الحق تعالى بقوله: { وأحل الله البيع وحرم الربا } لأن القياس مع وجود النص فاسد، والفرق ظاهر فإن من باع درهما بدرهمين ضيع درهما من غير فائدة، بخلاف من اشترى سلعة بدرهم، وباعها بدرهمين، فلعل مساس الحاجة، والرغبة فيها، توقع رواجها فيجبر الغبن. { فمن جاءه موعظة من ربه } كالنهي عن الربا { فانتهى } وترك الربا { فله ما سلف } قبل التحريم ولا يرده، { وأمره إلى الله } لا إلى أحد منكم، فلا يتعرض له، { ومن عاد } إلى تحليل الربا بعد بلوغه النهي { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } لأنهم كفروا وسفهوا أمر الله. { ويمحق الله الربا } أي: يذهب بركته، ويهلك المال الذي يدخل فيه { ويربي الصدقات } أي: يضاعف ثوابها ويبارك في المال الذي أخرجت منه، فقد روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: " ما نقص مال من صدقة " " وأنه يربي الصدقة حتى تكون مثل الجبل " قال يحيى بن معاذ: ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا الحبة من الصدقة. { والله لا يحب كل كفار } أي: مصر على تحليل المحرمات، { أثيم } أي: منهمك في ارتكاب المنهيات، أي: لا يرتضي حاله، ولا يحبه كما يحب التوابين. ثم ذكر مقابله فقال: { إن الذين آمنوا } بالله، وصدقوا بما جاء من عنده، { وعملوا } الأعمال { الصالحات وأقاموا الصلاة } أي: أتقنوها { وآتوا الزكاة } أي: أدوها على التمام، فلهم أجرهم عند ربهم إذا قدموا عليه، { ولا خوف عليهم } من آت، { ولا هم يحزنون } على ما فات، إذ لم يفتهم شيء حيث وجدوا الله.

البقرة 2:276

قلت: { الربا } في الأصل: هو الزيادة، ربا المال يربو: زاد. وكتبت بالواو مراعاة للأصل، وهو المصدر، قال الفراء: إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الكتابة من أهل الحيرة، ولغتهم الربو، فعلموهم صورة الحروف، وكذلك قرأها أبو السمال العدوي، وقرأ الأخوان بالإمالة لمكان الكسرة، والباقون بالتفخيم. والربا في اصطلاح الشرع على قسمين: ربا الفضل وربا النساء، فأما ربا الفضل فهو التفاضل بين الطعامين أو النقدين في المبادلة من الجنس الواحد، فإن اختلفت الأجناس فلا حرج، وأما ربا النساء فهو بيع الطعامين أو النقدين بعضهما ببعض بالتأخير، وهذا حرام ولو اختلفت الأجناس. يقول الحق جل جلاله: { الذين يأكلون الربا } أي: يأخذونه، وإنما خص الأكل لأنه أعظم منافع المال، { لا يقومون } من قبورهم يوم البعث { إلا كما يقوم } المجنون { الذي يتخبطه الشيطان من } أجل { المس } الذي يمسه يقوم ويسقط، روي أن بطونهم تكون أمامهم كالبيت الضخم، يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما أسري بي إلى السماء رأيت رجالا بطونهم كالبيوت، فيها حيات ترى من خارج بطونهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: أكلة الربا ". ذلك العذاب بسبب أنهم استحلوا الربا، و { قالوا إنما البيع مثل الربا } فنظموا الربا والبيع في سلك واحد، وفيه عكس التشبيه. والأصل: إنما الربا مثل البيع، قصدوا المبالغة، كأنهم جعلوا الربا أصلا وقاسوا عليه البيع. وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه يقول الغريم: زدني في الأجل أزدك في المال، فيفعلان، ويقولان: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند محل الدين، هو مراضاة فكذبهم الحق تعالى بقوله: { وأحل الله البيع وحرم الربا } لأن القياس مع وجود النص فاسد، والفرق ظاهر فإن من باع درهما بدرهمين ضيع درهما من غير فائدة، بخلاف من اشترى سلعة بدرهم، وباعها بدرهمين، فلعل مساس الحاجة، والرغبة فيها، توقع رواجها فيجبر الغبن. { فمن جاءه موعظة من ربه } كالنهي عن الربا { فانتهى } وترك الربا { فله ما سلف } قبل التحريم ولا يرده، { وأمره إلى الله } لا إلى أحد منكم، فلا يتعرض له، { ومن عاد } إلى تحليل الربا بعد بلوغه النهي { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } لأنهم كفروا وسفهوا أمر الله. { ويمحق الله الربا } أي: يذهب بركته، ويهلك المال الذي يدخل فيه { ويربي الصدقات } أي: يضاعف ثوابها ويبارك في المال الذي أخرجت منه، فقد روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: " ما نقص مال من صدقة " " وأنه يربي الصدقة حتى تكون مثل الجبل " قال يحيى بن معاذ: ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا الحبة من الصدقة. { والله لا يحب كل كفار } أي: مصر على تحليل المحرمات، { أثيم } أي: منهمك في ارتكاب المنهيات، أي: لا يرتضي حاله، ولا يحبه كما يحب التوابين. ثم ذكر مقابله فقال: { إن الذين آمنوا } بالله، وصدقوا بما جاء من عنده، { وعملوا } الأعمال { الصالحات وأقاموا الصلاة } أي: أتقنوها { وآتوا الزكاة } أي: أدوها على التمام، فلهم أجرهم عند ربهم إذا قدموا عليه، { ولا خوف عليهم } من آت، { ولا هم يحزنون } على ما فات، إذ لم يفتهم شيء حيث وجدوا الله.

البقرة 2:277

قلت: { الربا } في الأصل: هو الزيادة، ربا المال يربو: زاد. وكتبت بالواو مراعاة للأصل، وهو المصدر، قال الفراء: إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الكتابة من أهل الحيرة، ولغتهم الربو، فعلموهم صورة الحروف، وكذلك قرأها أبو السمال العدوي، وقرأ الأخوان بالإمالة لمكان الكسرة، والباقون بالتفخيم. والربا في اصطلاح الشرع على قسمين: ربا الفضل وربا النساء، فأما ربا الفضل فهو التفاضل بين الطعامين أو النقدين في المبادلة من الجنس الواحد، فإن اختلفت الأجناس فلا حرج، وأما ربا النساء فهو بيع الطعامين أو النقدين بعضهما ببعض بالتأخير، وهذا حرام ولو اختلفت الأجناس. يقول الحق جل جلاله: { الذين يأكلون الربا } أي: يأخذونه، وإنما خص الأكل لأنه أعظم منافع المال، { لا يقومون } من قبورهم يوم البعث { إلا كما يقوم } المجنون { الذي يتخبطه الشيطان من } أجل { المس } الذي يمسه يقوم ويسقط، روي أن بطونهم تكون أمامهم كالبيت الضخم، يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما أسري بي إلى السماء رأيت رجالا بطونهم كالبيوت، فيها حيات ترى من خارج بطونهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: أكلة الربا ". ذلك العذاب بسبب أنهم استحلوا الربا، و { قالوا إنما البيع مثل الربا } فنظموا الربا والبيع في سلك واحد، وفيه عكس التشبيه. والأصل: إنما الربا مثل البيع، قصدوا المبالغة، كأنهم جعلوا الربا أصلا وقاسوا عليه البيع. وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه يقول الغريم: زدني في الأجل أزدك في المال، فيفعلان، ويقولان: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند محل الدين، هو مراضاة فكذبهم الحق تعالى بقوله: { وأحل الله البيع وحرم الربا } لأن القياس مع وجود النص فاسد، والفرق ظاهر فإن من باع درهما بدرهمين ضيع درهما من غير فائدة، بخلاف من اشترى سلعة بدرهم، وباعها بدرهمين، فلعل مساس الحاجة، والرغبة فيها، توقع رواجها فيجبر الغبن. { فمن جاءه موعظة من ربه } كالنهي عن الربا { فانتهى } وترك الربا { فله ما سلف } قبل التحريم ولا يرده، { وأمره إلى الله } لا إلى أحد منكم، فلا يتعرض له، { ومن عاد } إلى تحليل الربا بعد بلوغه النهي { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } لأنهم كفروا وسفهوا أمر الله. { ويمحق الله الربا } أي: يذهب بركته، ويهلك المال الذي يدخل فيه { ويربي الصدقات } أي: يضاعف ثوابها ويبارك في المال الذي أخرجت منه، فقد روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: " ما نقص مال من صدقة " " وأنه يربي الصدقة حتى تكون مثل الجبل " قال يحيى بن معاذ: ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا الحبة من الصدقة. { والله لا يحب كل كفار } أي: مصر على تحليل المحرمات، { أثيم } أي: منهمك في ارتكاب المنهيات، أي: لا يرتضي حاله، ولا يحبه كما يحب التوابين. ثم ذكر مقابله فقال: { إن الذين آمنوا } بالله، وصدقوا بما جاء من عنده، { وعملوا } الأعمال { الصالحات وأقاموا الصلاة } أي: أتقنوها { وآتوا الزكاة } أي: أدوها على التمام، فلهم أجرهم عند ربهم إذا قدموا عليه، { ولا خوف عليهم } من آت، { ولا هم يحزنون } على ما فات، إذ لم يفتهم شيء حيث وجدوا الله.

البقرة 2:278

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا } أي: اتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربا، فلا تقبضوها منهم، { إن كنتم مؤمنين }. فإن دليل الإيمان: امتثال ما أمرتم به، روي أنه كان لثقيف مال على بعض قريش، فطالبوهم عند الحل بالمال والربا، فنزلت الآية. { فإن لم تفعلوا } وتتركوا ما نهيتم عنه، { فأذنوا } أي: فاعلموا { بحرب من الله ورسوله } ومن قرأ: { فآذنوا } بالمد، فمعناه: أعلموا بها غيركم، روي أنها لما نزلت، قالت ثقيف: لا يدان لنا بحرب الله ورسوله. { وأن تبتم } من تعاطي الربا واعتقاد حله { فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون } الغريم بأخذ الزيادة، { ولا تظلمون } بنقص رأس مالكم. مفهومه أن لم يتب فليس له شيء، لأنه مرتد. والله تعالى أعلم. الإشارة: مدار صفاء المعاملة على تصفية اللقمة، فمن صفا طعمته صفت معاملته، ومن صفت معاملته أفضى الصفاء إلى قلبه، ومن خلط في لقمته تكدرت معاملته، ومن تكدرت معاملته تكدر قلبه، ولذلك قال بعضهم: من أكل الحلال أطاع الله، أحب أم كره، ومن أكل الحرام: عصى الله، أحب أم كره وكذلك الواردات الإلهية، لا ترد إلا على من صفا مطعمه ومشربه، ولذلك قال بعضهم: من لا يعرف ما يدخل بطنه لا يفرق بين الخواطر الربانية والشيطانية. وقال سيدي علي الخواص رضي الله عنه: اعلم أن المدد الذي لم يزل فياضا على قلب كل إنسان ويتلون بحسب القلب، والقلب يتلون بحسبه هو بحسب صلاح الطعمة وفسادها. ه. فالذين يأكلون الحرام كالربا وشبهه، ولا يقومون إلى معاملتهم للحق إلا كما يقوم المجنون الذي يلعب به الشيطان، ولا يدري ما يقول ولا ما يقال له، فقد حرم لذيذ المناجاة وحلاوة خلوص المعاملات، فإن احتج لنفسه واستعمل القياس لم يرج فلاحه في طريق الخواص، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى، وطلب العفاف فقد عفا الله عما سلف. ومن عاد إلى ما خرج عنه من متابعة هواه، فنار القطيعة مثواه ومأواه. ومن شأن الحق جل جلاله مع عباده: أن من طلب الزيادة في حس ظاهره محق الله نور باطنه، ومن حسم مادة زيادة الحس في ظاهره قوي الله مدد الأنوار في باطنه، يمحق الله الربوا ويربى الصدقات [البقرة: 276]، أي: يقوي مدد ثواب الصدقات. والله لا يحب كل كفار أثيم [البقرة: 276]، وإنما يحب كل مطيع منيب، وهو من آمن إيمان أهل التحقيق، وسلك أهل التوفيق. فلا جرم أنه ينخرط في سلك أهل العناية، ويسلك به مسلك أهل الولاية، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]. { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } حق تقاته، واتركوا ما بقي في باطنكم من بقايا الحس وأسبابه، إن كنتم طالبين إيمان أهل الشهود، والوصول إلى الملك المعبود. فإن لم تفعلوا ذلك فاعلموا أنكم في مقام البعد من حيث لا تظنون، معاندون وأنتم لا تشعرون. وإن رجعتم إلى ربكم فلكم رؤوس أموالكم، وهم نور التوحيد، لا تنقصون منه ولا تزيدون عليه، إلا إن أفردتم الوجهة إليه، وطلبتم الوصول منه إليه، فإن الله لا يخيب من أمل جوده، ولا يرد من وقف ببابه، بمنه وكرمه.

البقرة 2:279

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا } أي: اتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربا، فلا تقبضوها منهم، { إن كنتم مؤمنين }. فإن دليل الإيمان: امتثال ما أمرتم به، روي أنه كان لثقيف مال على بعض قريش، فطالبوهم عند الحل بالمال والربا، فنزلت الآية. { فإن لم تفعلوا } وتتركوا ما نهيتم عنه، { فأذنوا } أي: فاعلموا { بحرب من الله ورسوله } ومن قرأ: { فآذنوا } بالمد، فمعناه: أعلموا بها غيركم، روي أنها لما نزلت، قالت ثقيف: لا يدان لنا بحرب الله ورسوله. { وأن تبتم } من تعاطي الربا واعتقاد حله { فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون } الغريم بأخذ الزيادة، { ولا تظلمون } بنقص رأس مالكم. مفهومه أن لم يتب فليس له شيء، لأنه مرتد. والله تعالى أعلم. الإشارة: مدار صفاء المعاملة على تصفية اللقمة، فمن صفا طعمته صفت معاملته، ومن صفت معاملته أفضى الصفاء إلى قلبه، ومن خلط في لقمته تكدرت معاملته، ومن تكدرت معاملته تكدر قلبه، ولذلك قال بعضهم: من أكل الحلال أطاع الله، أحب أم كره، ومن أكل الحرام: عصى الله، أحب أم كره وكذلك الواردات الإلهية، لا ترد إلا على من صفا مطعمه ومشربه، ولذلك قال بعضهم: من لا يعرف ما يدخل بطنه لا يفرق بين الخواطر الربانية والشيطانية. وقال سيدي علي الخواص رضي الله عنه: اعلم أن المدد الذي لم يزل فياضا على قلب كل إنسان ويتلون بحسب القلب، والقلب يتلون بحسبه هو بحسب صلاح الطعمة وفسادها. ه. فالذين يأكلون الحرام كالربا وشبهه، ولا يقومون إلى معاملتهم للحق إلا كما يقوم المجنون الذي يلعب به الشيطان، ولا يدري ما يقول ولا ما يقال له، فقد حرم لذيذ المناجاة وحلاوة خلوص المعاملات، فإن احتج لنفسه واستعمل القياس لم يرج فلاحه في طريق الخواص، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى، وطلب العفاف فقد عفا الله عما سلف. ومن عاد إلى ما خرج عنه من متابعة هواه، فنار القطيعة مثواه ومأواه. ومن شأن الحق جل جلاله مع عباده: أن من طلب الزيادة في حس ظاهره محق الله نور باطنه، ومن حسم مادة زيادة الحس في ظاهره قوي الله مدد الأنوار في باطنه، يمحق الله الربوا ويربى الصدقات [البقرة: 276]، أي: يقوي مدد ثواب الصدقات. والله لا يحب كل كفار أثيم [البقرة: 276]، وإنما يحب كل مطيع منيب، وهو من آمن إيمان أهل التحقيق، وسلك أهل التوفيق. فلا جرم أنه ينخرط في سلك أهل العناية، ويسلك به مسلك أهل الولاية، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62]. { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } حق تقاته، واتركوا ما بقي في باطنكم من بقايا الحس وأسبابه، إن كنتم طالبين إيمان أهل الشهود، والوصول إلى الملك المعبود. فإن لم تفعلوا ذلك فاعلموا أنكم في مقام البعد من حيث لا تظنون، معاندون وأنتم لا تشعرون. وإن رجعتم إلى ربكم فلكم رؤوس أموالكم، وهم نور التوحيد، لا تنقصون منه ولا تزيدون عليه، إلا إن أفردتم الوجهة إليه، وطلبتم الوصول منه إليه، فإن الله لا يخيب من أمل جوده، ولا يرد من وقف ببابه، بمنه وكرمه.

البقرة 2:280

قلت: { كان }: تامة بمعنى حضر، وقرأ أبي وابن مسعود: { ذا عسرة } فتكون ناقصة، و { نظرة }: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فعليكم نظرة، أو فالواجب نظرة. وهو مصدر بمعنى الإنظار، وهو الإمهال، و { ميسرة }: فيه لغتان: الفتح والضم، وهي مفعلة من اليسر، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة تميم وقيس ونجد. يقول الحق جل جلاله: وإن حضر الغريم وهو معسر، فعليكم إنظاره، أي: إمهاله إلى زمان يسره ولا يحل لكم أن تضيقوا عليه، وتطالبوه بما ليس عنده إن أقام البينة على عسره { وأن تصدقوا } عليه برؤوس أموالكم ولا تطالبوه بها { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما في ذلك من الخير الجزيل والذكر الجميل. روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أنظر معسرا، أو وضع عنه، أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله " وقال - عليه الصلاة والسلام -: " من أحب أن تستجاب دعوته، وتكشف كربته، فلييسر على المعسر " وقال صلى الله عليه وسلم: " من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة بمثل ما أنظره به " وقد ورد في فضل الدين قوله - عليه الصلاة والسلام: " إن الله مع المدين حتى يقضي دينه، ما لم يكن فيما يكره الله " فكان عبد الله يقول: " إني أكره أن أبيت ليلة إلا والله تعالى معي، فيأمر غلامه أن يأخذ بدين ". وقد ورد الترغيب أيضا في الإسراع بقضاء الدين دون مطل، قال صلى الله عليه وسلم: " من مشى إلى غريمه بحقه، صلت عليه دواب الأرض ونون الماء، وكتبت له بكل خطوة شجرة في الجنة، وذنب يغفر له فإن لم يفعل ومطل فهو معتد " وقال أيضا: " مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع ". ثم قال تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ، وهو يوم القيامة، فتأهبوا للمصير إله بالصدقة وسائر الأعمال الصالحة، { ثم توفى كل نفس } جزاء ما أسلفت، { وهم لا يظلمون } بنقص ثواب أو تضعيف عقاب. قال ابن عباس: هذه آخر آية نزل بها جبريل، فقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة، وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وعشرين يوما. وقيل: أحدا وثمانين، وقيل غير ذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: وإن كان ذو عسرة من نور اليقين والمعرفة، فلينظر إلى أهل الغنى بالله، وليصحبهم ويتعلق بهم، وهم العارفون، فإنهم يغنونه بالنظر. وفي بعض الأخبار: إن لله رجالا من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا. ه. ولله رجال إذا نظروا أغنوا، وفي هذا المعنى يقول صاحب العينية: فشمر، ولذ بالأولياء فإنهم لهم من كتاب الله تلك الوقائع هم الذخر للملهوف، والكنز للرجا ومنهم ينال الصب ما هو طامع وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: والله ما بيني وبين الرجل إلا أن أنظر إليه وقد أغنيته. وقال فيه شيخه: نعم الرجل أبو العباس، يأتيه البدوي يبول على ساقه، فلا يمسي إلا وقد أوصله إلى ربه. وقال شيخ شيوخنان سيدي العربي بن عبد الله: لو أتاني يهودي أو نصراني، لم يمس إلا وقد أوصلته إلى الله. ه. وفي كل زمان رجال يغنون بالنظر، وقد أدركتهم، وصحبتهم والحمد لله، والإشارة بقوله: { وأن تصدقوا خير لكم } إلى أهل الغنى بالله، يتصدقون على الفقراء بالنظرة والهمة، حتى يحصل لهم الغنى بالله. والله تعالى أعلم.

البقرة 2:281

قلت: { كان }: تامة بمعنى حضر، وقرأ أبي وابن مسعود: { ذا عسرة } فتكون ناقصة، و { نظرة }: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فعليكم نظرة، أو فالواجب نظرة. وهو مصدر بمعنى الإنظار، وهو الإمهال، و { ميسرة }: فيه لغتان: الفتح والضم، وهي مفعلة من اليسر، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة تميم وقيس ونجد. يقول الحق جل جلاله: وإن حضر الغريم وهو معسر، فعليكم إنظاره، أي: إمهاله إلى زمان يسره ولا يحل لكم أن تضيقوا عليه، وتطالبوه بما ليس عنده إن أقام البينة على عسره { وأن تصدقوا } عليه برؤوس أموالكم ولا تطالبوه بها { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما في ذلك من الخير الجزيل والذكر الجميل. روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أنظر معسرا، أو وضع عنه، أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله " وقال - عليه الصلاة والسلام -: " من أحب أن تستجاب دعوته، وتكشف كربته، فلييسر على المعسر " وقال صلى الله عليه وسلم: " من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة بمثل ما أنظره به " وقد ورد في فضل الدين قوله - عليه الصلاة والسلام: " إن الله مع المدين حتى يقضي دينه، ما لم يكن فيما يكره الله " فكان عبد الله يقول: " إني أكره أن أبيت ليلة إلا والله تعالى معي، فيأمر غلامه أن يأخذ بدين ". وقد ورد الترغيب أيضا في الإسراع بقضاء الدين دون مطل، قال صلى الله عليه وسلم: " من مشى إلى غريمه بحقه، صلت عليه دواب الأرض ونون الماء، وكتبت له بكل خطوة شجرة في الجنة، وذنب يغفر له فإن لم يفعل ومطل فهو معتد " وقال أيضا: " مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع ". ثم قال تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ، وهو يوم القيامة، فتأهبوا للمصير إله بالصدقة وسائر الأعمال الصالحة، { ثم توفى كل نفس } جزاء ما أسلفت، { وهم لا يظلمون } بنقص ثواب أو تضعيف عقاب. قال ابن عباس: هذه آخر آية نزل بها جبريل، فقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة، وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وعشرين يوما. وقيل: أحدا وثمانين، وقيل غير ذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: وإن كان ذو عسرة من نور اليقين والمعرفة، فلينظر إلى أهل الغنى بالله، وليصحبهم ويتعلق بهم، وهم العارفون، فإنهم يغنونه بالنظر. وفي بعض الأخبار: إن لله رجالا من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا. ه. ولله رجال إذا نظروا أغنوا، وفي هذا المعنى يقول صاحب العينية: فشمر، ولذ بالأولياء فإنهم لهم من كتاب الله تلك الوقائع هم الذخر للملهوف، والكنز للرجا ومنهم ينال الصب ما هو طامع وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: والله ما بيني وبين الرجل إلا أن أنظر إليه وقد أغنيته. وقال فيه شيخه: نعم الرجل أبو العباس، يأتيه البدوي يبول على ساقه، فلا يمسي إلا وقد أوصله إلى ربه. وقال شيخ شيوخنان سيدي العربي بن عبد الله: لو أتاني يهودي أو نصراني، لم يمس إلا وقد أوصلته إلى الله. ه. وفي كل زمان رجال يغنون بالنظر، وقد أدركتهم، وصحبتهم والحمد لله، والإشارة بقوله: { وأن تصدقوا خير لكم } إلى أهل الغنى بالله، يتصدقون على الفقراء بالنظرة والهمة، حتى يحصل لهم الغنى بالله. والله تعالى أعلم.

البقرة 2:282

{ يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى... } يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين } أي: داين بعضكم بعضا في بيع أو سف، { إلى أجل مسمى } أي: معلوم بالأيام أو الأشهر، لا بالحصاد أو قدوم الحاج، ألا في السلم، { فاكتبوه } لأنه أوثق وأدفع للنزاع. والجمهور: أن الأمر للاستحباب، { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } لا يزيد ولا ينقص، ولا بد أن يكون عدلا حتى يجيء مكتوبه موثوقا به، { ولا يأب كاتب أن يكتب } أي: ولا يمتنع كاتب من الكتابة { كما علمه الله فليكتب } أي: فليكتب كما علمه الله من كتابه الوثائق، أو: لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها. { وليملل الذي عليه الحق } أي: وليكن المملي من عليه الحق لأنه المقر للشهود، يقال: أملل وأملي، إذا ذكر ما عنده أو ما عليه، { وليتق الله ربه } أي: المملي أو الكاتب، { ولا يبخس منه شيئا } أي: ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئا في الإملاء أو في الكتابة { فإن كان الذي عليه الحق سفيها }: ناقص العقل مبذرا، { أو ضعيفا } شيخا مخبلا، أو صبيا صغيرا، { أو لا يستطيع أن يمل هو } ، لخرس أو جهل باللغة، { فليملل } عنه { وليه بالعدل } ، من وصي أو وكيل، { واستشهدوا } على معاملتكم { شهيدين من رجالكم } المسلمين، { فإن لم يكونا رجلين } ، بأن تعذر إحضارهما، { فرجل وأمراتان } فأكثر، تقوم مقام رجلين { ممن ترضون من الشهداء } لعلمكم بعادالتهم، وإنما شرط تعدد النساء لأجل { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } أي: إن ضلت إحداهما الشهادة، ونسيتها، ذكرتها الأخرى لأنها ناقصة عقل ودين. ثم حذر الشهود من الامتناع عن تحمل الشهادة أو أدائها، فقال: {... ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم } قلت: السأم هو: الملل، و { لا يضار } يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل، وأصله: يضارر بالكسر، أو للمفعول، فيكون الأصح بالفتح. يقول الحق جل جلاله: ولا يمتنع { الشهداء } من تحمل الشهادة إذا دعوا إليها، حيث تعينت عليهم، وسموا شهداء باعتبار المآل، وإنما تتعين إذا لم يوجد غيرهم. أو: من أدائها حيث لا ضرر، { ولا تسأموا أن تكتبوه } أي: ولا تملوا من كتابة الحق إذا تكرر { صغيرا } كان { أو كبيرا } ، فقيدوا ذلك { إلى أجله } ، { ذلكم أقسط عند الله } أي: ذلك الكتاب والتقييد للحقوق، أكثر قسطا عند الله لأنه أدفع للنزاع وأحفظ للحقوق، { وأقوم للشهادة } أي: أثبت لها وأعون على أدائها، { وأدنى ألا ترتابوا } أي: وأقرب لعدم الريب والشك في جنس الدين وقدره وأجله، لأنه إذا كتب جنسه وقدره وأجله لم يبق لأحد شك في ذلك، { إلا أن تكون تجارة حاضرة } لا أجل فيها، { تديرونها بينكم } أي: تتعاملون فيها نقدا، { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } لقلة النزاع فيها، { وأشهدوا إذا تبايعتم } مطلقا بدين أو نقد لأنه أحوط، خوفا من الإنكار، والأوامر في هذه الآية للاستحباب عند الأكثر. { ولا يضار كاتب ولا شهيد } بالتحريف والتغيير في الكتابة والشهادة، على البناء للفاعل، أو: ولا يضارا بأن يعجلا عن مهم، أو يكلفا الأداء من شقة بعيدة، أو يمنع من أجرته، { وإن تفعلوا } ذلك الضرار وما نهيتهم عنه { فإنه فسوق بكم } أي: خروج بكم عن حد الاستقامة، { واتقوا الله } في مخالفة أمره ونهيه، { ويعلمكم الله } العلوم اللدنية { والله بكل شيء عليم } فلا يخفى عليه من اتقى الله ممن عصاه. وكرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث، لاستقلالها، فإن الأولى حث على التقوى والثانية وعد بتعليم العلم، والثالثة تعظيم لشأنه، ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية. قاله البيضاوي. وأدخل الواو في جوابه الأمر ليقتضي أن تعليمه سبحانه لأهل التقوى ليس هو مسببا عن التقوى، بل هو بمحض الفضل والكرم، والتقوى إنما هي طريق موصل لذلك الكرم، لا سبب فيه " جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ". والله تعالى أعلم.