البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — البقرة 2:284 – آل عمران 3:129
المحتويات
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:29
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:124
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:129
البقرة 2:284
قلت: من قرأ { فيغفر } بالجزم، فعلى العطف على الجواب، ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف، أي: فهو يغفر. يقول الحق جل جلاله: { لله ما في السماوات وما في الأرض } خلقا وملكا وعبيدا، يتصرف فيهم كيف شاء يرحم من يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله، { وإن تبدوا } أي: تظهروا { ما في أنفسكم } من السوء والعزم عليه، { أو تخفوه } في قلوبكم، { يحاسبكم به الله } يوم القيامة { فيغفر لمن يشاء } مغفرته، { ويعذب من يشاء } تعذيبه، { والله على كل شيء قدير } لا يعجزه عذاب أحد ولا مغفرته. وعبرالحق تعالى بالمحاسبة دون المؤاخذة، فلم يقل: يؤاخذكم به الله لأن المحاسبة أعم، فتصدق بتقرير الذنوب دون المؤاخذة بها، لقوله - عليه الصلاة والسلام:
" يدنو المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عيه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: يا رب، أعرف، فيوقفه على ذنبه ذنبا، ذنبا فيقول الله تعالى: أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم "
فلله الفضل والمنة، وله الحمد والشكر. الإشارة: { وإن تبدوا ما في أنفسكم } من الخواطر الردية والطوارق الشيطانية، أو تخفوه في قلوبكم، حتى يحول بينكم وبين شهود محبوبكم، { يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء } فيمحو ظلمته من قلبه بإلهام التوبة والمبادرة إلى اليقظة، { ويعذب من يشاء } بتركه مع ظلمة تلك الأغيار، وخوضه في بحار تلك الأكدار، فما منع القلوب من مشاهدة الأنوار إلا اشتغالها بظلمة الأغيار، فرغ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار، فإن أردت أن تكون عين العين، فامح من قلبك نقطة الغين، وهي نقطة السوى، ولله در القائل:
إن تلاشى الكون عن عين كشفي شاهد السر غيبه في بياني فاطرح الكون عن عيانك وامح نقطة الغين إن أردت تراني
واعلم أن الخواطر أربعة: ملكي ورباني ونفساني وشيطاني، فالملكي والرباني لا يأمران إلا بالخير، والنفساني والشيطاني لا يأمران إلا بالشر، وقد يأمران بالخير إذا كان فيه دسيسة إلى الشر، والفرق بين النفساني والشيطاني: أن الخاطر النفساني ثابت لا يزول بتعوذ ولا غيره، إلا بسابق العناية، بخلاف الشيطاني: فإنه يزول بذكر الله، ويرجع مع الغفلة عن الله. والله تعالى أعلم. ولما نزل قوله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم... } الآية. شق ذلك على الصحابة - رضي الله عنهم - فجاء الصديق والفاروق وعبد الرحمن ومعاذ، وناس من الأنصار، فجثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله، ما نزلت علينا آية أشد من هذه الآية وأنا إن أخذنا بما نحدث به أنفسنا هلكنا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" هكذا نزلت "
فقالوا: كلفنا من العمل ما لا نطيق، فقال - عليه الصلاة والسلام:
" فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: { سمعنا وعصينا } [البقرة: 93]، قولوا: { سمعنا وأطعنا } [البقرة: 285] "
، فقالوا: { سمعنا وأطعنا } ، وذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله التخفيف، وحكى ما وقع لهم من الإيمان والإذعان.
البقرة 2:285
قلت: من قرأ: { لا نفرق } بالنون، فعلى حذف القول، أي: قالوا: لا نفرق، ومن قرأ بالياء فيرجع إلى الكل، أي: لا يفرق كل واحد منهم بين أحد من رسله، و { بين }: من الظروف النسبية، لا تقع إلا بين شيئين أو أشياء، تقول: جلست بين زيد وعمرو، وبين رجلين، أو رجال، ولا تقول بين زيد فقط، وإنما أضيف هنا إلى أحد لأنه في معنى الجماعة، أي: لا نفرق بين آحاد منهم كقوله عليه الصلاة والسلام:
" ما أحلت الغنائم لأحد، سود الرؤوس، غيركم "
و { غفرانك }: مفعول مطلق، أي: اغفر لنا غفرانك. أو: نطلب غفرانك، فيكون مفعولا به. يقول الحق جل جلاله: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } إيمان تحقيق وشهود { والمؤمنون } كل على قدر إيقان، { كل } واحد منهم { آمن بالله } على ما يليبق به من شهود وعيان، أو دليل وبرهان، وآمن بملائكته وأنهم عباد مكرمون
لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون
[التحريم: 6]، { وكتبه } وأنها كلام الله، مشتملة على أمر وني ووعد ووعيد وقصص وأخبار، وما عرف منها كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وجب الإيمان به بعينه، وما لم يعرف وجب الإيمان به في الجملة، { ورسله } وأنهم بشر متصفون بالكمالات، منزهون عن النقائص، كما يليق بحالهم، حال كون الرسول والمؤمنون قائلين { لا نفرق بين أحد من رسله } أو: { لا يفرق } كل منهم بين أحد من رسله بأن يصدقوا بالبعض، دون البعض كما فرقت اليهود والنصارى، { وقالوا } أي المؤمنين { سمعنا وأطعنا } أي: سمعنا قولك وأطعنا أمرك، نطلب { غفرانك } يا ربنا { وإليك المصير } بالبعث والنشور، وهذا إقرار منهم بالبعث الذي هو من تمام أركان الإيمان. فلما تحقق إيمانهم، وتيقن إذعانهم، خفف الله عنهم بقوله: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } أي: إلا ما في طاقتها وتسعه قدرتها. وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه. أما المحال العادي فجائز التكليف به، وأما المحال العقلي فيمتنع. إذ لا يتصور وقوعه، وإذا كلف الله عباده بما يطيقونه، فكل نفس { لها ما كسبت } من الخير فتوفى أجره على التمام، { وعليها ما اكتسبت } من الشر، فترى جزاءه، إلا أن يعفو ذو الجلال والإكرام. وعبر في جانب الخير بالكسب، وفي جانب الشر بالاكتساب، تعليما للأدب في نسبة الخير إلى الله، والشر إلى العبد، فتأمله. ثم قالوا في تمام دعائهم: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ، أي: لا تؤاخذنا بما أدى إلى نسيان أو خطأ من تفريط أو قلة مبالاة، وفي الحديث:
" إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدثت به نفسها "
ويجوز أن يراد نفس الخطأ والنسيان إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلا، فإن الذنوب كالسموم، فكما أن تناول السم ويؤدي إلى الهلاك، وإن كان خطأ - فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب، وإن لم يكن عزيمة، لكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمة وفضلا.
ويجوز أن يدعو به الإنسان، استدامة واعتدادا بالنعمة فيه. ويؤيد ذلك مفهوم قوله - عليه الصلاة والسلام -:
" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان "
أي: فإن غير هذه الأمة كانوا يؤاخذون به، فدل على عدم امتناعه. قاله البيضاوي. ثم قالوا: { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } أي: عهدا ثقيلا يأصر ظهورنا، أي: يثقله، فتعذبنا بتركه وعدم حمله، { كما حملته على الذين من قبلنا } مثل اليهود في تكليفهم بقتل الأنفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة، وغير ذلك من التكاليف الشاقة، { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } من التكاليف التي لا تسعها طاقتنا، وهذا يدل على جواز التكليف بما لا يطاق عادة، وإلا لما سئل التخلص منه، { واعف عنا } أي: امح ذنوبنا، { واغفر لنا } أي: استر عيوبنا، { وارحمنا } أي: تعطف علينا. { اعف عنا } الصغائر، { واغفر لنا } الكبائر، { وارحمنا } عند الشدائد والحسرات، { أنت مولانا } أي: سيدنا وناصرنا، { فانصرنا على القوم الكافرين } فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء. قال البيضاوي: روي أنه عليه الصلاة والسلام - لما دعا بهذه الدعوات قيل له: فعلت: وعنه عليه الصلاة والسلام:
" أنزل آيتان من كنوز الجنة، كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة، من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجزأتاه عن قيام الليل "
وعنه عليه الصلاة والسلام:
" من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه "
وهو يرد قول من استكره أن يقال سورة البقرة، وقال: ينبغي أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة، كما قال - عليه الصلاة والسلام -:
" السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة، وتركها حسرة، ولن يستطيعها البطلة. قيل: وما البطلة؟ قال: السحرة ".
الإشارة: يفهم من سر الآية أن من شق عليه أمر من الأمور، أو عسرت عليه حاجة، أو نزلت به شدة أبو بلية، فليرجع إلى الله، ولينطرح بين يدي مولاه، وليعتقد أن الأمور كلها بيده فإن الله تعالى لا يخليه من معونته ورفده، فيخفف عنه ما نزل به، أو يقويه على حمله، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - لما شق عليهم المحاسبة على الخواطر سلموا وأذعنوا لأمر مولاهم، فأنزل عليهم التخفيف، وأسقط عنهم في ذلك التكليف، وكل من رجع في أموره كلها إلى الله قضيت حوائجه كلها بالله. " من علامات النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات ".
وقوله تعالى: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ، قيل: هو الحب لله، فلا يسأل العبد من مولاه من حبه إلا ما يطيقه، وتأمل قضية الرجل الذي سأل سيدنا موسى عليه السلام أن يرزقه الله حبه، فلما سأل ربه موسى عليه السلام هام ذلك الرجل، وشق ثيابه، وتمزقت أوصاله حتى مات. فناجى موسى رضي الله عنه ربه في شأنه، فقال: يا موسى، ألف رجل كلهم سألوني ما سأل ذلك الرجل، فقسمت جزءا من محبتي بينهم، فنابه ذلك. الجزء. أو كما قال سبحانه. وقال بعض الصالحين: حضرت مجلس ذي النون، في فسطاط مصر، فحزرت في مجلسه سبعين ألفا، فتكلم ذلك اليوم في محبته تعالى فمات أحد عشر رجلا في المجلس، فصاح رجل من المريدين فقال: يا أبا الفيض، ذكرت محبة الله تعالى فاذكر محبة المخلوقين، فتأوه ذو النون تأوها شديدا، ومد يده إلى قميصه، وشقه اثنتين، وقال: آه! غلقت رهونهم، واستعبرت عيونهم، وحالفوا السهاد، وفارقوا الرقاد، فليلهم طويل، ونومهم قليل، أحزانهم لا تنفذ. وهموهم لا تفقد، أمورهم عسيرة، ودموعهم غزيرة، باكية عيونهم، قريحة جفونهم، عاداهم الزمان والأهل والجيران. قلت: هذه حالة العباد والزهاد، أولي الجد والاجتهاد، غلب عليهم الخوف المزعج، أو الشوق المقلق، وأما العارفون الواصلون فقد زال عنهم هذا التعب، وأفضوا إلى الراحة بعد النصب، قد وصلوا إلى مشاهدة الحبيب، ومناجاة القريب، فعبادتهم قلبية، وأعمالهم باطنية، بين فكرة ونظرة، مع العكوف في الحضرة، قد سكن شوقهم وزال قلقهم، قد شربوا ورووا، وسكروا وصحوا، لا تحركهم الأحوال، ولا تهيجهم الأقوال، بل هم كالجبال الرواسي، نفعنا الله بذكرهم، وجعلنا من حزرهم. آمين. قوله تعالى: { واعف عنا } ، قال الورتجبي: أي: { واعف عنا } قلة المعرفة بك، { واغفر لنا } التقصير في عبادتك، { وارحمنا } بمواصلتك ومشاهدتك. ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
البقرة 2:286
قلت: من قرأ: { لا نفرق } بالنون، فعلى حذف القول، أي: قالوا: لا نفرق، ومن قرأ بالياء فيرجع إلى الكل، أي: لا يفرق كل واحد منهم بين أحد من رسله، و { بين }: من الظروف النسبية، لا تقع إلا بين شيئين أو أشياء، تقول: جلست بين زيد وعمرو، وبين رجلين، أو رجال، ولا تقول بين زيد فقط، وإنما أضيف هنا إلى أحد لأنه في معنى الجماعة، أي: لا نفرق بين آحاد منهم كقوله عليه الصلاة والسلام:
" ما أحلت الغنائم لأحد، سود الرؤوس، غيركم "
و { غفرانك }: مفعول مطلق، أي: اغفر لنا غفرانك. أو: نطلب غفرانك، فيكون مفعولا به. يقول الحق جل جلاله: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } إيمان تحقيق وشهود { والمؤمنون } كل على قدر إيقان، { كل } واحد منهم { آمن بالله } على ما يليبق به من شهود وعيان، أو دليل وبرهان، وآمن بملائكته وأنهم عباد مكرمون
لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون
[التحريم: 6]، { وكتبه } وأنها كلام الله، مشتملة على أمر وني ووعد ووعيد وقصص وأخبار، وما عرف منها كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وجب الإيمان به بعينه، وما لم يعرف وجب الإيمان به في الجملة، { ورسله } وأنهم بشر متصفون بالكمالات، منزهون عن النقائص، كما يليق بحالهم، حال كون الرسول والمؤمنون قائلين { لا نفرق بين أحد من رسله } أو: { لا يفرق } كل منهم بين أحد من رسله بأن يصدقوا بالبعض، دون البعض كما فرقت اليهود والنصارى، { وقالوا } أي المؤمنين { سمعنا وأطعنا } أي: سمعنا قولك وأطعنا أمرك، نطلب { غفرانك } يا ربنا { وإليك المصير } بالبعث والنشور، وهذا إقرار منهم بالبعث الذي هو من تمام أركان الإيمان. فلما تحقق إيمانهم، وتيقن إذعانهم، خفف الله عنهم بقوله: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } أي: إلا ما في طاقتها وتسعه قدرتها. وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه. أما المحال العادي فجائز التكليف به، وأما المحال العقلي فيمتنع. إذ لا يتصور وقوعه، وإذا كلف الله عباده بما يطيقونه، فكل نفس { لها ما كسبت } من الخير فتوفى أجره على التمام، { وعليها ما اكتسبت } من الشر، فترى جزاءه، إلا أن يعفو ذو الجلال والإكرام. وعبر في جانب الخير بالكسب، وفي جانب الشر بالاكتساب، تعليما للأدب في نسبة الخير إلى الله، والشر إلى العبد، فتأمله. ثم قالوا في تمام دعائهم: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ، أي: لا تؤاخذنا بما أدى إلى نسيان أو خطأ من تفريط أو قلة مبالاة، وفي الحديث:
" إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدثت به نفسها "
ويجوز أن يراد نفس الخطأ والنسيان إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلا، فإن الذنوب كالسموم، فكما أن تناول السم ويؤدي إلى الهلاك، وإن كان خطأ - فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب، وإن لم يكن عزيمة، لكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمة وفضلا.
ويجوز أن يدعو به الإنسان، استدامة واعتدادا بالنعمة فيه. ويؤيد ذلك مفهوم قوله - عليه الصلاة والسلام -:
" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان "
أي: فإن غير هذه الأمة كانوا يؤاخذون به، فدل على عدم امتناعه. قاله البيضاوي. ثم قالوا: { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } أي: عهدا ثقيلا يأصر ظهورنا، أي: يثقله، فتعذبنا بتركه وعدم حمله، { كما حملته على الذين من قبلنا } مثل اليهود في تكليفهم بقتل الأنفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة، وغير ذلك من التكاليف الشاقة، { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } من التكاليف التي لا تسعها طاقتنا، وهذا يدل على جواز التكليف بما لا يطاق عادة، وإلا لما سئل التخلص منه، { واعف عنا } أي: امح ذنوبنا، { واغفر لنا } أي: استر عيوبنا، { وارحمنا } أي: تعطف علينا. { اعف عنا } الصغائر، { واغفر لنا } الكبائر، { وارحمنا } عند الشدائد والحسرات، { أنت مولانا } أي: سيدنا وناصرنا، { فانصرنا على القوم الكافرين } فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء. قال البيضاوي: روي أنه عليه الصلاة والسلام - لما دعا بهذه الدعوات قيل له: فعلت: وعنه عليه الصلاة والسلام:
" أنزل آيتان من كنوز الجنة، كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة، من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجزأتاه عن قيام الليل "
وعنه عليه الصلاة والسلام:
" من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه "
وهو يرد قول من استكره أن يقال سورة البقرة، وقال: ينبغي أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة، كما قال - عليه الصلاة والسلام -:
" السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة، وتركها حسرة، ولن يستطيعها البطلة. قيل: وما البطلة؟ قال: السحرة ".
الإشارة: يفهم من سر الآية أن من شق عليه أمر من الأمور، أو عسرت عليه حاجة، أو نزلت به شدة أبو بلية، فليرجع إلى الله، ولينطرح بين يدي مولاه، وليعتقد أن الأمور كلها بيده فإن الله تعالى لا يخليه من معونته ورفده، فيخفف عنه ما نزل به، أو يقويه على حمله، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - لما شق عليهم المحاسبة على الخواطر سلموا وأذعنوا لأمر مولاهم، فأنزل عليهم التخفيف، وأسقط عنهم في ذلك التكليف، وكل من رجع في أموره كلها إلى الله قضيت حوائجه كلها بالله. " من علامات النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات ".
وقوله تعالى: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ، قيل: هو الحب لله، فلا يسأل العبد من مولاه من حبه إلا ما يطيقه، وتأمل قضية الرجل الذي سأل سيدنا موسى عليه السلام أن يرزقه الله حبه، فلما سأل ربه موسى عليه السلام هام ذلك الرجل، وشق ثيابه، وتمزقت أوصاله حتى مات. فناجى موسى رضي الله عنه ربه في شأنه، فقال: يا موسى، ألف رجل كلهم سألوني ما سأل ذلك الرجل، فقسمت جزءا من محبتي بينهم، فنابه ذلك. الجزء. أو كما قال سبحانه. وقال بعض الصالحين: حضرت مجلس ذي النون، في فسطاط مصر، فحزرت في مجلسه سبعين ألفا، فتكلم ذلك اليوم في محبته تعالى فمات أحد عشر رجلا في المجلس، فصاح رجل من المريدين فقال: يا أبا الفيض، ذكرت محبة الله تعالى فاذكر محبة المخلوقين، فتأوه ذو النون تأوها شديدا، ومد يده إلى قميصه، وشقه اثنتين، وقال: آه! غلقت رهونهم، واستعبرت عيونهم، وحالفوا السهاد، وفارقوا الرقاد، فليلهم طويل، ونومهم قليل، أحزانهم لا تنفذ. وهموهم لا تفقد، أمورهم عسيرة، ودموعهم غزيرة، باكية عيونهم، قريحة جفونهم، عاداهم الزمان والأهل والجيران. قلت: هذه حالة العباد والزهاد، أولي الجد والاجتهاد، غلب عليهم الخوف المزعج، أو الشوق المقلق، وأما العارفون الواصلون فقد زال عنهم هذا التعب، وأفضوا إلى الراحة بعد النصب، قد وصلوا إلى مشاهدة الحبيب، ومناجاة القريب، فعبادتهم قلبية، وأعمالهم باطنية، بين فكرة ونظرة، مع العكوف في الحضرة، قد سكن شوقهم وزال قلقهم، قد شربوا ورووا، وسكروا وصحوا، لا تحركهم الأحوال، ولا تهيجهم الأقوال، بل هم كالجبال الرواسي، نفعنا الله بذكرهم، وجعلنا من حزرهم. آمين. قوله تعالى: { واعف عنا } ، قال الورتجبي: أي: { واعف عنا } قلة المعرفة بك، { واغفر لنا } التقصير في عبادتك، { وارحمنا } بمواصلتك ومشاهدتك. ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
آل عمران 3:1
{ الم الله لآ إله إلا هو الحى القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان... } قلت: فواتح السور كلها موقوفة خالية عن الإعراب لفقدان موجبه ومقتضيه، فيوقف عليها بالسكون، كقولهم: واحد، اثنان. وإنما فتح الميم هنا في القراءة المشهورة لإلقاء حركة الهمزة عليها. انظر البيضاوي. قال ابن عباس رضي الله عنه: الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم ملكه. قلت: ولعل كل حرف يشير إلى فرقة ممن توجه العتاب إليهم، فالآلاء لمن أسلم من النصارى، واللطف لمن أسلم من اليهود، والملك لمن أسلم من الصحابة - رضوان الله عليهم -، فقد ملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: أيها الملك المعظم، والرسول المفخم، بلغ قومك أن الله واحد في ملكه، ليس معه إله، ولا يحب أن يعبد معه سواه إذ لا يستحق أن يعبد إلا الحي القيوم، الذي تعجز عن إدراكه العقول ومدارك الفهوم، فائم بأمر عباده، متصرف فيهم، على وفق مراده، فأعذر إليهم على ألسنة المرسلين، وأنزل عليهم الكتب بيانا للمسترشدين، فنزل { عليك الكتاب } منجما في عشرين سنة، متلبسا { بالحق } ، حتى { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } ، أو متلبسا بالحجج التي تدفع كل باطل، أو بالعدل حتى ينتفي به جور كل مائل، { مصدقا } لما تقدم قبله من الكتب الإلهية إذ هو موافق لما فيها من القصص والأخبار، فكان شاهدا عليها بالصحة والإبرار. { وأنزل التوراة والإنجيل } من قبله هاديا لمن كلف باتباعهما من الأنام، أو للجميع، إذا كان شرع من قبلنا شرعا لنا - معشر أهل الإسلام -، ثم ختم الوحي بإنزال { الفرقان } ، وكلف بالإيمان به الإنس والجان، فرق به بين الحق والباطل، واندفع به ظلمة كل كافر وجاهل وقدم ذكره على الكتب لعظم شرفه، وختم به آخرا لتأخر نزوله. والله تعالى أعلم. الإشارة: لما أراد الحق جل جلاله أن يشير إلى وحدة الذات وظهور أنوار الصفات، قدم قبل ذلك رموزا وإشارات، لا يفهمها إلا من غاص في قاموس بحر الذات، وغرق في تيار الصفات، فيستخرج بفكرته من يواقيت العلوم وغوامض الفهوم، ما تحار فيه الأذهان، وتكل عنه عبارة اللسان، فحينئذ يفقهم دقائق الرموز وأسرار الإشارات، ويطلع على أسرار الذات وأنوار الصفات، ويفهم أسرار الكتب السماوية، وما احتوت عليه من العلوم اللدنية، والمواهب الربانية، ويشرق في قلبه أنوار الفرقان، حتى يرتقي إلى تحقيق أهل الشهود والعيان. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم هدد من كفر بالفرقان، بعد وضوح سواطع البرهان، فقال: {... إن الذين كفروا بئايات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } قلت: الانتقام والنقمة: عقوبة المجرم.
وفعله: نقم القاف وفتحها. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا بآيات الله } المنزلة على نبيه أو على سائر أنبيائه، أو الآيات الدالة على وحدانيته، { لهم عذاب شديد } يوم يظهر نفوذ الوعد والوعيد، فينتقم الله فيه من المجرمين، ويتعطف على عباده المؤمنين، فإن { الله عزيز } لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، { ذو انتقام } كبير ولطف كثير. لطف الله بنا وبجميع المسلمين. آمين. الإشارة: ظهور أولياء الله لطف من آيات الله، فمن كفر بهم حرم بركتهم، وبقي في عذاب الحجاب وسوء الحساب، تظهر عليه النقمة والمحنة، حين يرفع الله المقربين في أعلى عليين، ويكون الغافلون مع عوام المسلمين، ذلك يوم التغابن. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:2
{ الم الله لآ إله إلا هو الحى القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان... } قلت: فواتح السور كلها موقوفة خالية عن الإعراب لفقدان موجبه ومقتضيه، فيوقف عليها بالسكون، كقولهم: واحد، اثنان. وإنما فتح الميم هنا في القراءة المشهورة لإلقاء حركة الهمزة عليها. انظر البيضاوي. قال ابن عباس رضي الله عنه: الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم ملكه. قلت: ولعل كل حرف يشير إلى فرقة ممن توجه العتاب إليهم، فالآلاء لمن أسلم من النصارى، واللطف لمن أسلم من اليهود، والملك لمن أسلم من الصحابة - رضوان الله عليهم -، فقد ملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: أيها الملك المعظم، والرسول المفخم، بلغ قومك أن الله واحد في ملكه، ليس معه إله، ولا يحب أن يعبد معه سواه إذ لا يستحق أن يعبد إلا الحي القيوم، الذي تعجز عن إدراكه العقول ومدارك الفهوم، فائم بأمر عباده، متصرف فيهم، على وفق مراده، فأعذر إليهم على ألسنة المرسلين، وأنزل عليهم الكتب بيانا للمسترشدين، فنزل { عليك الكتاب } منجما في عشرين سنة، متلبسا { بالحق } ، حتى { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } ، أو متلبسا بالحجج التي تدفع كل باطل، أو بالعدل حتى ينتفي به جور كل مائل، { مصدقا } لما تقدم قبله من الكتب الإلهية إذ هو موافق لما فيها من القصص والأخبار، فكان شاهدا عليها بالصحة والإبرار. { وأنزل التوراة والإنجيل } من قبله هاديا لمن كلف باتباعهما من الأنام، أو للجميع، إذا كان شرع من قبلنا شرعا لنا - معشر أهل الإسلام -، ثم ختم الوحي بإنزال { الفرقان } ، وكلف بالإيمان به الإنس والجان، فرق به بين الحق والباطل، واندفع به ظلمة كل كافر وجاهل وقدم ذكره على الكتب لعظم شرفه، وختم به آخرا لتأخر نزوله. والله تعالى أعلم. الإشارة: لما أراد الحق جل جلاله أن يشير إلى وحدة الذات وظهور أنوار الصفات، قدم قبل ذلك رموزا وإشارات، لا يفهمها إلا من غاص في قاموس بحر الذات، وغرق في تيار الصفات، فيستخرج بفكرته من يواقيت العلوم وغوامض الفهوم، ما تحار فيه الأذهان، وتكل عنه عبارة اللسان، فحينئذ يفقهم دقائق الرموز وأسرار الإشارات، ويطلع على أسرار الذات وأنوار الصفات، ويفهم أسرار الكتب السماوية، وما احتوت عليه من العلوم اللدنية، والمواهب الربانية، ويشرق في قلبه أنوار الفرقان، حتى يرتقي إلى تحقيق أهل الشهود والعيان. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم هدد من كفر بالفرقان، بعد وضوح سواطع البرهان، فقال: {... إن الذين كفروا بئايات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } قلت: الانتقام والنقمة: عقوبة المجرم.
وفعله: نقم القاف وفتحها. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا بآيات الله } المنزلة على نبيه أو على سائر أنبيائه، أو الآيات الدالة على وحدانيته، { لهم عذاب شديد } يوم يظهر نفوذ الوعد والوعيد، فينتقم الله فيه من المجرمين، ويتعطف على عباده المؤمنين، فإن { الله عزيز } لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، { ذو انتقام } كبير ولطف كثير. لطف الله بنا وبجميع المسلمين. آمين. الإشارة: ظهور أولياء الله لطف من آيات الله، فمن كفر بهم حرم بركتهم، وبقي في عذاب الحجاب وسوء الحساب، تظهر عليه النقمة والمحنة، حين يرفع الله المقربين في أعلى عليين، ويكون الغافلون مع عوام المسلمين، ذلك يوم التغابن. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:3
{ الم الله لآ إله إلا هو الحى القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان... } قلت: فواتح السور كلها موقوفة خالية عن الإعراب لفقدان موجبه ومقتضيه، فيوقف عليها بالسكون، كقولهم: واحد، اثنان. وإنما فتح الميم هنا في القراءة المشهورة لإلقاء حركة الهمزة عليها. انظر البيضاوي. قال ابن عباس رضي الله عنه: الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم ملكه. قلت: ولعل كل حرف يشير إلى فرقة ممن توجه العتاب إليهم، فالآلاء لمن أسلم من النصارى، واللطف لمن أسلم من اليهود، والملك لمن أسلم من الصحابة - رضوان الله عليهم -، فقد ملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: أيها الملك المعظم، والرسول المفخم، بلغ قومك أن الله واحد في ملكه، ليس معه إله، ولا يحب أن يعبد معه سواه إذ لا يستحق أن يعبد إلا الحي القيوم، الذي تعجز عن إدراكه العقول ومدارك الفهوم، فائم بأمر عباده، متصرف فيهم، على وفق مراده، فأعذر إليهم على ألسنة المرسلين، وأنزل عليهم الكتب بيانا للمسترشدين، فنزل { عليك الكتاب } منجما في عشرين سنة، متلبسا { بالحق } ، حتى { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } ، أو متلبسا بالحجج التي تدفع كل باطل، أو بالعدل حتى ينتفي به جور كل مائل، { مصدقا } لما تقدم قبله من الكتب الإلهية إذ هو موافق لما فيها من القصص والأخبار، فكان شاهدا عليها بالصحة والإبرار. { وأنزل التوراة والإنجيل } من قبله هاديا لمن كلف باتباعهما من الأنام، أو للجميع، إذا كان شرع من قبلنا شرعا لنا - معشر أهل الإسلام -، ثم ختم الوحي بإنزال { الفرقان } ، وكلف بالإيمان به الإنس والجان، فرق به بين الحق والباطل، واندفع به ظلمة كل كافر وجاهل وقدم ذكره على الكتب لعظم شرفه، وختم به آخرا لتأخر نزوله. والله تعالى أعلم. الإشارة: لما أراد الحق جل جلاله أن يشير إلى وحدة الذات وظهور أنوار الصفات، قدم قبل ذلك رموزا وإشارات، لا يفهمها إلا من غاص في قاموس بحر الذات، وغرق في تيار الصفات، فيستخرج بفكرته من يواقيت العلوم وغوامض الفهوم، ما تحار فيه الأذهان، وتكل عنه عبارة اللسان، فحينئذ يفقهم دقائق الرموز وأسرار الإشارات، ويطلع على أسرار الذات وأنوار الصفات، ويفهم أسرار الكتب السماوية، وما احتوت عليه من العلوم اللدنية، والمواهب الربانية، ويشرق في قلبه أنوار الفرقان، حتى يرتقي إلى تحقيق أهل الشهود والعيان. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم هدد من كفر بالفرقان، بعد وضوح سواطع البرهان، فقال: {... إن الذين كفروا بئايات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } قلت: الانتقام والنقمة: عقوبة المجرم.
وفعله: نقم القاف وفتحها. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا بآيات الله } المنزلة على نبيه أو على سائر أنبيائه، أو الآيات الدالة على وحدانيته، { لهم عذاب شديد } يوم يظهر نفوذ الوعد والوعيد، فينتقم الله فيه من المجرمين، ويتعطف على عباده المؤمنين، فإن { الله عزيز } لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، { ذو انتقام } كبير ولطف كثير. لطف الله بنا وبجميع المسلمين. آمين. الإشارة: ظهور أولياء الله لطف من آيات الله، فمن كفر بهم حرم بركتهم، وبقي في عذاب الحجاب وسوء الحساب، تظهر عليه النقمة والمحنة، حين يرفع الله المقربين في أعلى عليين، ويكون الغافلون مع عوام المسلمين، ذلك يوم التغابن. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:4
{ الم الله لآ إله إلا هو الحى القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان... } قلت: فواتح السور كلها موقوفة خالية عن الإعراب لفقدان موجبه ومقتضيه، فيوقف عليها بالسكون، كقولهم: واحد، اثنان. وإنما فتح الميم هنا في القراءة المشهورة لإلقاء حركة الهمزة عليها. انظر البيضاوي. قال ابن عباس رضي الله عنه: الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم ملكه. قلت: ولعل كل حرف يشير إلى فرقة ممن توجه العتاب إليهم، فالآلاء لمن أسلم من النصارى، واللطف لمن أسلم من اليهود، والملك لمن أسلم من الصحابة - رضوان الله عليهم -، فقد ملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: أيها الملك المعظم، والرسول المفخم، بلغ قومك أن الله واحد في ملكه، ليس معه إله، ولا يحب أن يعبد معه سواه إذ لا يستحق أن يعبد إلا الحي القيوم، الذي تعجز عن إدراكه العقول ومدارك الفهوم، فائم بأمر عباده، متصرف فيهم، على وفق مراده، فأعذر إليهم على ألسنة المرسلين، وأنزل عليهم الكتب بيانا للمسترشدين، فنزل { عليك الكتاب } منجما في عشرين سنة، متلبسا { بالحق } ، حتى { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } ، أو متلبسا بالحجج التي تدفع كل باطل، أو بالعدل حتى ينتفي به جور كل مائل، { مصدقا } لما تقدم قبله من الكتب الإلهية إذ هو موافق لما فيها من القصص والأخبار، فكان شاهدا عليها بالصحة والإبرار. { وأنزل التوراة والإنجيل } من قبله هاديا لمن كلف باتباعهما من الأنام، أو للجميع، إذا كان شرع من قبلنا شرعا لنا - معشر أهل الإسلام -، ثم ختم الوحي بإنزال { الفرقان } ، وكلف بالإيمان به الإنس والجان، فرق به بين الحق والباطل، واندفع به ظلمة كل كافر وجاهل وقدم ذكره على الكتب لعظم شرفه، وختم به آخرا لتأخر نزوله. والله تعالى أعلم. الإشارة: لما أراد الحق جل جلاله أن يشير إلى وحدة الذات وظهور أنوار الصفات، قدم قبل ذلك رموزا وإشارات، لا يفهمها إلا من غاص في قاموس بحر الذات، وغرق في تيار الصفات، فيستخرج بفكرته من يواقيت العلوم وغوامض الفهوم، ما تحار فيه الأذهان، وتكل عنه عبارة اللسان، فحينئذ يفقهم دقائق الرموز وأسرار الإشارات، ويطلع على أسرار الذات وأنوار الصفات، ويفهم أسرار الكتب السماوية، وما احتوت عليه من العلوم اللدنية، والمواهب الربانية، ويشرق في قلبه أنوار الفرقان، حتى يرتقي إلى تحقيق أهل الشهود والعيان. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم هدد من كفر بالفرقان، بعد وضوح سواطع البرهان، فقال: {... إن الذين كفروا بئايات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } قلت: الانتقام والنقمة: عقوبة المجرم.
وفعله: نقم القاف وفتحها. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا بآيات الله } المنزلة على نبيه أو على سائر أنبيائه، أو الآيات الدالة على وحدانيته، { لهم عذاب شديد } يوم يظهر نفوذ الوعد والوعيد، فينتقم الله فيه من المجرمين، ويتعطف على عباده المؤمنين، فإن { الله عزيز } لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، { ذو انتقام } كبير ولطف كثير. لطف الله بنا وبجميع المسلمين. آمين. الإشارة: ظهور أولياء الله لطف من آيات الله، فمن كفر بهم حرم بركتهم، وبقي في عذاب الحجاب وسوء الحساب، تظهر عليه النقمة والمحنة، حين يرفع الله المقربين في أعلى عليين، ويكون الغافلون مع عوام المسلمين، ذلك يوم التغابن. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:5
يقول الحق جل جلاله: { إن الله لا يخفى عليه شيء } من أمر خلقه، إيمانا أو كفرانا، طاعة أو عصيانا، أحاط علمه بما في السماوات العلي وما في الأرضين السفلى، كليا كان أو جزئيا، حسيا أو معنويا، يعلم عدد الحصى والرمال، ومكاييل المياه ومثاقيل الجبال، ويعلم حوادث الضمائر، وهواجس الخواطر، بعلم قديم أزلي، وله قدرة نافذة وحكمة بالغة، فبقدرة صور النطف في الأرحام كيف شاء سبحانه من نقص أو تمام، وأتقنها بحكمته، وأبرزها إلى ما يسر لها من رزقه، سبحانه من مدبر عليم، عزيز حكيم، لا يعجزه شيء، ولا يخرج عن دائرة علمه شيء، لا موجود سواه، ولا نعبد إلا إياه، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. الإشارة: من تحقق أن الله واحد في ملكه، لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وأنه أحاط به علما وسمعا وبصرا، وأن أمره بين الكاف والنون،
إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
[يس: 82] - كيف يشكو ما نزل به منه إلى أحد سواه؟ أم كيف يرفع حوائجه إلى غير مولاه؟ أم كيف يعول هما، وسيده من خيره لا ينساه؟ من دبرك في ظلمة الأحشاء، وصورك في الأرحام كيف يشاء، وآتاك كل ما تسأل وتشاء، كيف ينساك من بره وإحسانه؟ أم كيف يخرجك عن دائرة لطفه وامتنانه؟ وفي ذلك يقول لسان الحقيقة:
تذكر جميلي فيك إذ كنت نطفة ولا تنس تصويري لشخصك في الحشا وكن واثقا بي في أمورك كلها سأكفيك منها ما يخاف ويختشى وسلم لي الأمر واعلم بأنني أصرف أحكامي وأفعل ما أشا
آل عمران 3:6
يقول الحق جل جلاله: { إن الله لا يخفى عليه شيء } من أمر خلقه، إيمانا أو كفرانا، طاعة أو عصيانا، أحاط علمه بما في السماوات العلي وما في الأرضين السفلى، كليا كان أو جزئيا، حسيا أو معنويا، يعلم عدد الحصى والرمال، ومكاييل المياه ومثاقيل الجبال، ويعلم حوادث الضمائر، وهواجس الخواطر، بعلم قديم أزلي، وله قدرة نافذة وحكمة بالغة، فبقدرة صور النطف في الأرحام كيف شاء سبحانه من نقص أو تمام، وأتقنها بحكمته، وأبرزها إلى ما يسر لها من رزقه، سبحانه من مدبر عليم، عزيز حكيم، لا يعجزه شيء، ولا يخرج عن دائرة علمه شيء، لا موجود سواه، ولا نعبد إلا إياه، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. الإشارة: من تحقق أن الله واحد في ملكه، لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وأنه أحاط به علما وسمعا وبصرا، وأن أمره بين الكاف والنون،
إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
[يس: 82] - كيف يشكو ما نزل به منه إلى أحد سواه؟ أم كيف يرفع حوائجه إلى غير مولاه؟ أم كيف يعول هما، وسيده من خيره لا ينساه؟ من دبرك في ظلمة الأحشاء، وصورك في الأرحام كيف يشاء، وآتاك كل ما تسأل وتشاء، كيف ينساك من بره وإحسانه؟ أم كيف يخرجك عن دائرة لطفه وامتنانه؟ وفي ذلك يقول لسان الحقيقة:
تذكر جميلي فيك إذ كنت نطفة ولا تنس تصويري لشخصك في الحشا وكن واثقا بي في أمورك كلها سأكفيك منها ما يخاف ويختشى وسلم لي الأمر واعلم بأنني أصرف أحكامي وأفعل ما أشا
آل عمران 3:7
قلت: { منه }: خبر مقدم، و { آيات }: مبتدأ، فيوقف على { الكتاب } ، وقيل: { منه }: نعت لكتاب، وهو بعيد. قال البن السبكي: المحكم: المتضح المعنى، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه. و { هن أم الكتاب }: جملة، وحق الخبر المطابقة فيقول: أمهات، وإنما أفرده على تأويل كل واحد، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة. والزيغ: الميل عن الحق. و { الراسخون في العلم }: معطوف على { الله } ، أو مبتدأ إن فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه، كمدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة، أو بما دل القاطع على أن ظاهره غير مراد. قاله البيضاوي. و { إذ هديتنا }: ظرف مجرور بالإضافة مسبوك بالمصدر، أي: بعد هدايتك إيانا. يقول الحق جل جلاله: إن الذي انفرد بالوحدانية والقيومية، ولا يخفى عليه شيء في العالم العلوي والسفلي { هو الذي أنزل عليك الكتاب } المبين، فمنه ما هو { آيات محكمات } واضحات المعنى، لا اشتباه فيها ولا إجمال، { هن أم الكتاب } أي: أصله، يرد إليها غيرها، { و } منه آيات { أخر متشابهات } أي: محتملات، لا يتضح مقصودها لإجماله أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص وجودة الفكر، ليظهر فضل العلماء النقاد، ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها، فينال بها، وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها، والتوفيق بينها وبين المحكمات، أعلى الدرجات وأرفع المقامات. قال في نوادر الأصول: لما تكلم على المتشابه قسمه على قسمين منه ما طوى علمه إلا على الخواص كعلم فواتح السور، ومنه ما لم يصل إليه أحد من الرسل فمن دونهم، وهو سر القدر لا يستقيم لهم مع العبودية، ولو كشف لفسدت العبودية، فطواه عن الرسل والملائكة لأنهم في العبودية، فإذا زالت العبودية احتمولها أي: أسرار القدر. ه. ولمثل هذا يشير قول سهل: للألوهية سر - لو انكشف لبطلت النبوة، وللنبوة سر - لو انكشف لبطل العلم، وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام. ه. قلت: فتحصل أن الكتاب العزيز مشتمل على المحكم والمتشابه. وأما قوله تعالى:
كتاب أحكمت ءاياته
[هود: 1] فمعناه: أنها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وقوله تعالى:
كتابا متشابها
[الزمر: 23] معناه: أنه يشبه بعضه بعضا في صحة المعنى وجزالة اللفظ. ثم إن الناس في شأن المتشابه على قسمين: { فأما الذين في قلوبهم زيغ }: أي: شك، أو ميل عن الحق، كالمبتدعة وأشباههم، { فيتبعون ما تشابه منه } ، فيتعلقون بظاهره، أو بتأويل باطل، { ابتغاء الفتنة } أي: طلبا لفتنة الناس عن دينهم: بالتشكيك والتلبيس، ومناقضة المحكم بالمتشابه، { وابتغاء تأويله } على ما يشتهون ليوافق بدعتهم. روي عن عائشة - رضي الله عنها-:أن النبي صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية فقال:
" إذا رأيتم الذين يسألون عن المتشابه منه، ويجادلون فيه، فهم الذين عنا الله تعالى، فاحذروهم، ولا تجالسوهم ".
{ وما يعلم تأويله } على الحقيقة { إلا الله } تعالى، وقد يطلع عليه بعض خواص أوليائه، وهم { الراسخون } أي: الثابتون في العلم، وهم العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، وهم أهل التوحيد الخاص... فقد أطلعهم تعالى على أسرار غيبه، فلم يبق عندهم متشابه في الكتاب ولا في السنة، حال كونهم { يقولون آمنا به } ، وصدقنا أنه من كلامه، { كل من عند ربنا } المحكم والمتشابه، وقد فهمنا مراده في القسمين، وهم أولو الألباب، ولذلك مدحهم فقال: { وما يذكر إلا أولوا الألباب } أي: القلوب الصافية من ظلمة الهوى وغبش الحس. سئل عليه الصلاة والسلام: من الراسخون في العلم؟ فقال:
" من بر يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعف بطنه وفرجه، فذلك الراسخ في العلم "
وقال نافع بن يزيد: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون في طلب مرضات الله، لا يتعظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. ه. وقيل: الراسخ في العلم: من وجد فيه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. ه. قلت: ويجمع هذ الأوصاف العارف بالله، فهو الراسخ في العلم كما تقدم. ويقولون أيضا في تضرعهم إلى الله: { ربنا لا تزغ قلوبنا } عن نهج الحق بالميل إلى اتباع الهوى، { بعد إذ هديتنا } إلى طريق الوصول إلى حضرتك، { وهب لنا من لدنك رحمة } تجمع قلوبنا بك، وتضم أرواحنا إلى مشاهدة وحدانيتك، { إنك أنت الوهاب } تهب للمؤمل فوق ما يؤمل. { ربنا إنك جامع الناس ليوم } الجزاء الذي { لا ريب فيه } ، فاجمعنا مع المقربين إنك { لا تخلف المعياد } فأنجز لنا ما وعدتنا في ذلك اليوم. وخلف الوعد في حقه تعالى محال. أما الوعد بالخير فلا إشكال، وأما الوعيد بالشر، فإن كان في معين فلا يخلفه، وإن كان في الجملة فيخلفه بالعفو. والله تعالى أعلم. وقال في النوادر أيضا: لما رد الراسخون في العلم علم المتشابه إلى عالمه، حيث قالوا: { آمنا به كل من عند ربنا } ، خافوا شره النفوس لطلبها فإن العلم لذيذ، وفتنة تلك اللذة لها عتاب، ففزعوا إلى ربهم فقالوا: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة } ، علموا أن الرحمة تطفئ تلك الفتنة. ولما كان يوم القيامة ينكشف فيه سر القدر حنوا إليه فقالوا: { ربنا إنك جامع الناس... } الآية. سكنوا نفوسهم لمجيء ذلك اليوم الذي تبطن فيه الحكمة، وتظهر فيه القدرة. ه. بالمعنى. الإشارة: إذ صفت القلوب، وسكنت في حضرة علام الغيوب، تنزلت عليها الواردات الإلهية والعلوم اللدنية، والمواهب القدسية، فمنها ما تكون محكمات المبنى، واضحة المعنى، ومنها ما تكون مجملة في حال ورودها، وبعد الوعي يكون البيان،
فإذا قرأناه فاتبع قرءانه ثم إن علينا بيانه
[القيامة: 18، 19]. وقد تكون خارجة عن مدارك العقول. فأما أهل الزيغ والانتقاد فيتعبون المتشابه من تلك الواردات، ابتغاء فتنة العامة، وصرفهم عن طريق الخاصة، وابتغاء تأويله، ليقيم عليه حجة الشريعة، { وما يعلم تأويله إلا الله } ، أو من تحقق فناؤه في الله، وهم الراسخون في معرفة الله، يقولون: { آمنا به كل من عند ربنا } إذ القلوب المطهرة من الهوى لا نطق عن الهوى، وهم أرباب القلوب يقولون: { ربنا لا تزغ قلوبنا } عن حضرة قدسك { بعد إذ هديتنا } إلى الوصول إليها، { وهب لنا من لدنك رحمة } تعصمنا من النظر إلى سواك، { إنك أنت الوهاب }. ربنا إنك جامع الناس. وهم السائرون إليك ليوم لا ريب في الوصول إليه، وهو يوم اللقاء، { إنك لا تخلف الميعاد } فاجمع بيننا وبينك، وحل بيننا وبين من يقطعنا عنك { إنك على كل شيء قدير }.
آل عمران 3:8
قلت: { منه }: خبر مقدم، و { آيات }: مبتدأ، فيوقف على { الكتاب } ، وقيل: { منه }: نعت لكتاب، وهو بعيد. قال البن السبكي: المحكم: المتضح المعنى، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه. و { هن أم الكتاب }: جملة، وحق الخبر المطابقة فيقول: أمهات، وإنما أفرده على تأويل كل واحد، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة. والزيغ: الميل عن الحق. و { الراسخون في العلم }: معطوف على { الله } ، أو مبتدأ إن فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه، كمدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة، أو بما دل القاطع على أن ظاهره غير مراد. قاله البيضاوي. و { إذ هديتنا }: ظرف مجرور بالإضافة مسبوك بالمصدر، أي: بعد هدايتك إيانا. يقول الحق جل جلاله: إن الذي انفرد بالوحدانية والقيومية، ولا يخفى عليه شيء في العالم العلوي والسفلي { هو الذي أنزل عليك الكتاب } المبين، فمنه ما هو { آيات محكمات } واضحات المعنى، لا اشتباه فيها ولا إجمال، { هن أم الكتاب } أي: أصله، يرد إليها غيرها، { و } منه آيات { أخر متشابهات } أي: محتملات، لا يتضح مقصودها لإجماله أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص وجودة الفكر، ليظهر فضل العلماء النقاد، ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها، فينال بها، وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها، والتوفيق بينها وبين المحكمات، أعلى الدرجات وأرفع المقامات. قال في نوادر الأصول: لما تكلم على المتشابه قسمه على قسمين منه ما طوى علمه إلا على الخواص كعلم فواتح السور، ومنه ما لم يصل إليه أحد من الرسل فمن دونهم، وهو سر القدر لا يستقيم لهم مع العبودية، ولو كشف لفسدت العبودية، فطواه عن الرسل والملائكة لأنهم في العبودية، فإذا زالت العبودية احتمولها أي: أسرار القدر. ه. ولمثل هذا يشير قول سهل: للألوهية سر - لو انكشف لبطلت النبوة، وللنبوة سر - لو انكشف لبطل العلم، وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام. ه. قلت: فتحصل أن الكتاب العزيز مشتمل على المحكم والمتشابه. وأما قوله تعالى:
كتاب أحكمت ءاياته
[هود: 1] فمعناه: أنها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وقوله تعالى:
كتابا متشابها
[الزمر: 23] معناه: أنه يشبه بعضه بعضا في صحة المعنى وجزالة اللفظ. ثم إن الناس في شأن المتشابه على قسمين: { فأما الذين في قلوبهم زيغ }: أي: شك، أو ميل عن الحق، كالمبتدعة وأشباههم، { فيتبعون ما تشابه منه } ، فيتعلقون بظاهره، أو بتأويل باطل، { ابتغاء الفتنة } أي: طلبا لفتنة الناس عن دينهم: بالتشكيك والتلبيس، ومناقضة المحكم بالمتشابه، { وابتغاء تأويله } على ما يشتهون ليوافق بدعتهم. روي عن عائشة - رضي الله عنها-:أن النبي صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية فقال:
" إذا رأيتم الذين يسألون عن المتشابه منه، ويجادلون فيه، فهم الذين عنا الله تعالى، فاحذروهم، ولا تجالسوهم ".
{ وما يعلم تأويله } على الحقيقة { إلا الله } تعالى، وقد يطلع عليه بعض خواص أوليائه، وهم { الراسخون } أي: الثابتون في العلم، وهم العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، وهم أهل التوحيد الخاص... فقد أطلعهم تعالى على أسرار غيبه، فلم يبق عندهم متشابه في الكتاب ولا في السنة، حال كونهم { يقولون آمنا به } ، وصدقنا أنه من كلامه، { كل من عند ربنا } المحكم والمتشابه، وقد فهمنا مراده في القسمين، وهم أولو الألباب، ولذلك مدحهم فقال: { وما يذكر إلا أولوا الألباب } أي: القلوب الصافية من ظلمة الهوى وغبش الحس. سئل عليه الصلاة والسلام: من الراسخون في العلم؟ فقال:
" من بر يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعف بطنه وفرجه، فذلك الراسخ في العلم "
وقال نافع بن يزيد: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون في طلب مرضات الله، لا يتعظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. ه. وقيل: الراسخ في العلم: من وجد فيه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. ه. قلت: ويجمع هذ الأوصاف العارف بالله، فهو الراسخ في العلم كما تقدم. ويقولون أيضا في تضرعهم إلى الله: { ربنا لا تزغ قلوبنا } عن نهج الحق بالميل إلى اتباع الهوى، { بعد إذ هديتنا } إلى طريق الوصول إلى حضرتك، { وهب لنا من لدنك رحمة } تجمع قلوبنا بك، وتضم أرواحنا إلى مشاهدة وحدانيتك، { إنك أنت الوهاب } تهب للمؤمل فوق ما يؤمل. { ربنا إنك جامع الناس ليوم } الجزاء الذي { لا ريب فيه } ، فاجمعنا مع المقربين إنك { لا تخلف المعياد } فأنجز لنا ما وعدتنا في ذلك اليوم. وخلف الوعد في حقه تعالى محال. أما الوعد بالخير فلا إشكال، وأما الوعيد بالشر، فإن كان في معين فلا يخلفه، وإن كان في الجملة فيخلفه بالعفو. والله تعالى أعلم. وقال في النوادر أيضا: لما رد الراسخون في العلم علم المتشابه إلى عالمه، حيث قالوا: { آمنا به كل من عند ربنا } ، خافوا شره النفوس لطلبها فإن العلم لذيذ، وفتنة تلك اللذة لها عتاب، ففزعوا إلى ربهم فقالوا: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة } ، علموا أن الرحمة تطفئ تلك الفتنة. ولما كان يوم القيامة ينكشف فيه سر القدر حنوا إليه فقالوا: { ربنا إنك جامع الناس... } الآية. سكنوا نفوسهم لمجيء ذلك اليوم الذي تبطن فيه الحكمة، وتظهر فيه القدرة. ه. بالمعنى. الإشارة: إذ صفت القلوب، وسكنت في حضرة علام الغيوب، تنزلت عليها الواردات الإلهية والعلوم اللدنية، والمواهب القدسية، فمنها ما تكون محكمات المبنى، واضحة المعنى، ومنها ما تكون مجملة في حال ورودها، وبعد الوعي يكون البيان،
فإذا قرأناه فاتبع قرءانه ثم إن علينا بيانه
[القيامة: 18، 19]. وقد تكون خارجة عن مدارك العقول. فأما أهل الزيغ والانتقاد فيتعبون المتشابه من تلك الواردات، ابتغاء فتنة العامة، وصرفهم عن طريق الخاصة، وابتغاء تأويله، ليقيم عليه حجة الشريعة، { وما يعلم تأويله إلا الله } ، أو من تحقق فناؤه في الله، وهم الراسخون في معرفة الله، يقولون: { آمنا به كل من عند ربنا } إذ القلوب المطهرة من الهوى لا نطق عن الهوى، وهم أرباب القلوب يقولون: { ربنا لا تزغ قلوبنا } عن حضرة قدسك { بعد إذ هديتنا } إلى الوصول إليها، { وهب لنا من لدنك رحمة } تعصمنا من النظر إلى سواك، { إنك أنت الوهاب }. ربنا إنك جامع الناس. وهم السائرون إليك ليوم لا ريب في الوصول إليه، وهو يوم اللقاء، { إنك لا تخلف الميعاد } فاجمع بيننا وبينك، وحل بيننا وبين من يقطعنا عنك { إنك على كل شيء قدير }.
آل عمران 3:9
قلت: { منه }: خبر مقدم، و { آيات }: مبتدأ، فيوقف على { الكتاب } ، وقيل: { منه }: نعت لكتاب، وهو بعيد. قال البن السبكي: المحكم: المتضح المعنى، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه. و { هن أم الكتاب }: جملة، وحق الخبر المطابقة فيقول: أمهات، وإنما أفرده على تأويل كل واحد، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة. والزيغ: الميل عن الحق. و { الراسخون في العلم }: معطوف على { الله } ، أو مبتدأ إن فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه، كمدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة، أو بما دل القاطع على أن ظاهره غير مراد. قاله البيضاوي. و { إذ هديتنا }: ظرف مجرور بالإضافة مسبوك بالمصدر، أي: بعد هدايتك إيانا. يقول الحق جل جلاله: إن الذي انفرد بالوحدانية والقيومية، ولا يخفى عليه شيء في العالم العلوي والسفلي { هو الذي أنزل عليك الكتاب } المبين، فمنه ما هو { آيات محكمات } واضحات المعنى، لا اشتباه فيها ولا إجمال، { هن أم الكتاب } أي: أصله، يرد إليها غيرها، { و } منه آيات { أخر متشابهات } أي: محتملات، لا يتضح مقصودها لإجماله أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص وجودة الفكر، ليظهر فضل العلماء النقاد، ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها، فينال بها، وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها، والتوفيق بينها وبين المحكمات، أعلى الدرجات وأرفع المقامات. قال في نوادر الأصول: لما تكلم على المتشابه قسمه على قسمين منه ما طوى علمه إلا على الخواص كعلم فواتح السور، ومنه ما لم يصل إليه أحد من الرسل فمن دونهم، وهو سر القدر لا يستقيم لهم مع العبودية، ولو كشف لفسدت العبودية، فطواه عن الرسل والملائكة لأنهم في العبودية، فإذا زالت العبودية احتمولها أي: أسرار القدر. ه. ولمثل هذا يشير قول سهل: للألوهية سر - لو انكشف لبطلت النبوة، وللنبوة سر - لو انكشف لبطل العلم، وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام. ه. قلت: فتحصل أن الكتاب العزيز مشتمل على المحكم والمتشابه. وأما قوله تعالى:
كتاب أحكمت ءاياته
[هود: 1] فمعناه: أنها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وقوله تعالى:
كتابا متشابها
[الزمر: 23] معناه: أنه يشبه بعضه بعضا في صحة المعنى وجزالة اللفظ. ثم إن الناس في شأن المتشابه على قسمين: { فأما الذين في قلوبهم زيغ }: أي: شك، أو ميل عن الحق، كالمبتدعة وأشباههم، { فيتبعون ما تشابه منه } ، فيتعلقون بظاهره، أو بتأويل باطل، { ابتغاء الفتنة } أي: طلبا لفتنة الناس عن دينهم: بالتشكيك والتلبيس، ومناقضة المحكم بالمتشابه، { وابتغاء تأويله } على ما يشتهون ليوافق بدعتهم. روي عن عائشة - رضي الله عنها-:أن النبي صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية فقال:
" إذا رأيتم الذين يسألون عن المتشابه منه، ويجادلون فيه، فهم الذين عنا الله تعالى، فاحذروهم، ولا تجالسوهم ".
{ وما يعلم تأويله } على الحقيقة { إلا الله } تعالى، وقد يطلع عليه بعض خواص أوليائه، وهم { الراسخون } أي: الثابتون في العلم، وهم العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، وهم أهل التوحيد الخاص... فقد أطلعهم تعالى على أسرار غيبه، فلم يبق عندهم متشابه في الكتاب ولا في السنة، حال كونهم { يقولون آمنا به } ، وصدقنا أنه من كلامه، { كل من عند ربنا } المحكم والمتشابه، وقد فهمنا مراده في القسمين، وهم أولو الألباب، ولذلك مدحهم فقال: { وما يذكر إلا أولوا الألباب } أي: القلوب الصافية من ظلمة الهوى وغبش الحس. سئل عليه الصلاة والسلام: من الراسخون في العلم؟ فقال:
" من بر يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعف بطنه وفرجه، فذلك الراسخ في العلم "
وقال نافع بن يزيد: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون في طلب مرضات الله، لا يتعظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. ه. وقيل: الراسخ في العلم: من وجد فيه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. ه. قلت: ويجمع هذ الأوصاف العارف بالله، فهو الراسخ في العلم كما تقدم. ويقولون أيضا في تضرعهم إلى الله: { ربنا لا تزغ قلوبنا } عن نهج الحق بالميل إلى اتباع الهوى، { بعد إذ هديتنا } إلى طريق الوصول إلى حضرتك، { وهب لنا من لدنك رحمة } تجمع قلوبنا بك، وتضم أرواحنا إلى مشاهدة وحدانيتك، { إنك أنت الوهاب } تهب للمؤمل فوق ما يؤمل. { ربنا إنك جامع الناس ليوم } الجزاء الذي { لا ريب فيه } ، فاجمعنا مع المقربين إنك { لا تخلف المعياد } فأنجز لنا ما وعدتنا في ذلك اليوم. وخلف الوعد في حقه تعالى محال. أما الوعد بالخير فلا إشكال، وأما الوعيد بالشر، فإن كان في معين فلا يخلفه، وإن كان في الجملة فيخلفه بالعفو. والله تعالى أعلم. وقال في النوادر أيضا: لما رد الراسخون في العلم علم المتشابه إلى عالمه، حيث قالوا: { آمنا به كل من عند ربنا } ، خافوا شره النفوس لطلبها فإن العلم لذيذ، وفتنة تلك اللذة لها عتاب، ففزعوا إلى ربهم فقالوا: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة } ، علموا أن الرحمة تطفئ تلك الفتنة. ولما كان يوم القيامة ينكشف فيه سر القدر حنوا إليه فقالوا: { ربنا إنك جامع الناس... } الآية. سكنوا نفوسهم لمجيء ذلك اليوم الذي تبطن فيه الحكمة، وتظهر فيه القدرة. ه. بالمعنى. الإشارة: إذ صفت القلوب، وسكنت في حضرة علام الغيوب، تنزلت عليها الواردات الإلهية والعلوم اللدنية، والمواهب القدسية، فمنها ما تكون محكمات المبنى، واضحة المعنى، ومنها ما تكون مجملة في حال ورودها، وبعد الوعي يكون البيان،
فإذا قرأناه فاتبع قرءانه ثم إن علينا بيانه
[القيامة: 18، 19]. وقد تكون خارجة عن مدارك العقول. فأما أهل الزيغ والانتقاد فيتعبون المتشابه من تلك الواردات، ابتغاء فتنة العامة، وصرفهم عن طريق الخاصة، وابتغاء تأويله، ليقيم عليه حجة الشريعة، { وما يعلم تأويله إلا الله } ، أو من تحقق فناؤه في الله، وهم الراسخون في معرفة الله، يقولون: { آمنا به كل من عند ربنا } إذ القلوب المطهرة من الهوى لا نطق عن الهوى، وهم أرباب القلوب يقولون: { ربنا لا تزغ قلوبنا } عن حضرة قدسك { بعد إذ هديتنا } إلى الوصول إليها، { وهب لنا من لدنك رحمة } تعصمنا من النظر إلى سواك، { إنك أنت الوهاب }. ربنا إنك جامع الناس. وهم السائرون إليك ليوم لا ريب في الوصول إليه، وهو يوم اللقاء، { إنك لا تخلف الميعاد } فاجمع بيننا وبينك، وحل بيننا وبين من يقطعنا عنك { إنك على كل شيء قدير }.
آل عمران 3:10
قلت: { الوقود } بالفتح: الحطب، وبالضم: المصدر، { كدأب آل فرعون } خير، أي: دأبهم كدأب آل فرعون. والدأب. مصدر دأب، إذا دام، ثم نقل إلى الشأن والعادة، و { كذبوا }: حال بإضمار " قد " ،. أو مستأنف، تفسير حالهم، أو خبر إن ابتدأت بالذين من قبلهم. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا } بما أنزلته، على نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام -، إذا عاينوا العذاب { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله } ، أي: بدلا من رحمته أو طاعته، أو بدلا من عذابه، { شيئا } وأولئك هم حطب جهنم، فشأنهم كشأن { آل فرعون والذين من قبلهم } ، قد { كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم } أي: أهلكهم، وشدد العقوبة عليهم، { والله شديد العقاب } لمن أعرض عنه وركن إلى غيره. الإشارة: كل من جحد أهل الخصوصية، وفاته حظه من مشاهدة عظمة الربوبية، حتى حصل له الطرد والبعاد، وفاته مرافقة أهل المحبة والوداد، لن تغني عنه - بدلا مما فاته - أموال ولا أولاد، واتصلت به الأحزان والأنكاد كما قال الشاعر:
من فاته منك وصل حظه الندم ومن تكن همه تسمو به الهمم
وقال آخر:
من فاته طلب الوصول ونيله منه، فقل: ما الذي هو يطلب! حسب المحب فناؤه عما سوى محبوبه إن حاضر ومغيب
وقال آخر:
لكل شيء إذا فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض
وفي الحكم: " ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا، ولقد خسر من بغى عنك متحولا ". فكل من وقف مع شيء من السوى، وفاته التوجه إلى معرفة المولى، فهو في نار القطيعة والهوى، مع النفوس الفرعونية، وأهل الهمم الدنية. نسأل الله تعالى العافية. ثم بدأ بعتاب اليهود، بعد أن قرر شأن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من المحكم والمشابه، توطئة للكلام معه.
آل عمران 3:11
قلت: { الوقود } بالفتح: الحطب، وبالضم: المصدر، { كدأب آل فرعون } خير، أي: دأبهم كدأب آل فرعون. والدأب. مصدر دأب، إذا دام، ثم نقل إلى الشأن والعادة، و { كذبوا }: حال بإضمار " قد " ،. أو مستأنف، تفسير حالهم، أو خبر إن ابتدأت بالذين من قبلهم. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا } بما أنزلته، على نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام -، إذا عاينوا العذاب { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله } ، أي: بدلا من رحمته أو طاعته، أو بدلا من عذابه، { شيئا } وأولئك هم حطب جهنم، فشأنهم كشأن { آل فرعون والذين من قبلهم } ، قد { كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم } أي: أهلكهم، وشدد العقوبة عليهم، { والله شديد العقاب } لمن أعرض عنه وركن إلى غيره. الإشارة: كل من جحد أهل الخصوصية، وفاته حظه من مشاهدة عظمة الربوبية، حتى حصل له الطرد والبعاد، وفاته مرافقة أهل المحبة والوداد، لن تغني عنه - بدلا مما فاته - أموال ولا أولاد، واتصلت به الأحزان والأنكاد كما قال الشاعر:
من فاته منك وصل حظه الندم ومن تكن همه تسمو به الهمم
وقال آخر:
من فاته طلب الوصول ونيله منه، فقل: ما الذي هو يطلب! حسب المحب فناؤه عما سوى محبوبه إن حاضر ومغيب
وقال آخر:
لكل شيء إذا فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض
وفي الحكم: " ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا، ولقد خسر من بغى عنك متحولا ". فكل من وقف مع شيء من السوى، وفاته التوجه إلى معرفة المولى، فهو في نار القطيعة والهوى، مع النفوس الفرعونية، وأهل الهمم الدنية. نسأل الله تعالى العافية. ثم بدأ بعتاب اليهود، بعد أن قرر شأن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من المحكم والمشابه، توطئة للكلام معه.
آل عمران 3:12
قلت: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر غالبا منصورا بالغنائم والأسارى، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال لهم: يا معشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فإنكم تعلمون أني رسول الله حقا، واحذوا أن ينزل الله بكم من نقمته ما أنزل على قريش يوم بدر، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك لقيت أغمارا لا علم له علم لهم بالحرب، لئن قاتلتنا لتعلمن أنا نحن الناس. فأنزل الله فيهم هذه الآية. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد { للذين كفروا } من بني إسرائيل، أو مطلقا: { ستغلبون } إن قاتلتم المسلمين، { وتحشرون } بعد الموت والهزيمة { إلى جهنم وبئس المهاد } ما مهدتم لأنفسكم من العذاب، وقد صدق وعده بقتل قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم، فقد غلبوا أينما ثقفوا، وحشروا إلى جهنم، إلا من أسلم منهم. ثم ندبهم للاعتبار بما وقع من النصر للمسلمين يوم بدر فقال لهم: { قد كان لكم } يا معشر اليهود، { آية } أي: عبرة ظاهرة، ودلالة على صدق ما أقول لكم: إنكم ستغلبون، { في فئتين } أي: جماعتين { التقتا } يوم بدر، وهم المسلمون، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر، والمشركون كانوا زهاء ألف، { فئة تقاتل في سبيل الله } وهم المؤمنون، { وأخرى كافرة } ، وهم المشركون، { ترونهم مثليهم } أي: ترون، يا معشر اليهود، الكفار مثلي عدد المسلمين رأي تحقيق، ومع ذلك أيدهم الله بالنصر والمدد حتى نصرهم على عدوهم، وكذلك يفعل بهم معكم. والرؤية، على هذا، علمية. ومن قرأ بالياء يكون الضمير راجعا للكفار، أي: يرى الكفار المسلمين مثليهم، وذلك بعد أن قللهم الله في أعينهم حتى اجترأوا عليهم، وتوجهوا إليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، مددا من الله للمؤمنين. أو: يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين، وكانوا ثلاثة أمثالهم، ليثبتوا لهم، ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم الله بقوله:
إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين...
[الأنفال: 65] الآية. { والله يؤيد } أي: يقوي { بنصره من يشاء } نصره، كما أيد أهل بدر، { إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } المفتوحة. وذلك حين نصر الله قوما لا عدد لهم ولا عدة، على قوم لهم عدد وعدة، فلم تغن عنهم من الله شيئا. الإشارة: إذا توجه القلب إلى مولاه تعرض له جندان، أحدهما: جند الأنوار، وهو جند القلب، والثاني: جند الأغيار، وهو جند النفس، فيلتحم بينهما القتال، فجند الأنوار يريد أن يرتقي بالروح إلى وطنها وهو حضرة الأسرار، وجند الأغيار يريد أن يهبط بالنفس إلى أرض الحظوظ والشهوات، فيحبسها في سجن الأكوان، فإذا أراد الله تعالى سعادة عبد، قوي له جند الأنوار، وضعف عنه جند الأغيار، فينهزم عنه جند الأغيار، ويستولي على قلبه جند الأنوار، فلا تزال انوار تتوارد عليه حتى تشرق عليه أنوار المواجهة، فيدخل حضرة الأسرار، وهي حضرة الشهود، ويتحصن في جوار الملك الودود، وتناديه ألسنة الهواتف: أيها العارف، قل للذين كفروا، وهم جند الأغيار: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. وإذا أراد الله خذلان عبده، بعدله، قطع عنه مدد الأنوار، وقوي لديه جند الأغيار، فتستولي ظلمة النفس على نور القلب، فتحبسه في سجن الأكوان، وتسجنه في ظلمة هيكل الإنسان، { والله يؤيد بنصره من يشاء }. ففي التقاء جندي الأنوار والأغيار عبرة لأولي الأبصار.
آل عمران 3:13
قلت: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر غالبا منصورا بالغنائم والأسارى، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال لهم: يا معشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فإنكم تعلمون أني رسول الله حقا، واحذوا أن ينزل الله بكم من نقمته ما أنزل على قريش يوم بدر، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك لقيت أغمارا لا علم له علم لهم بالحرب، لئن قاتلتنا لتعلمن أنا نحن الناس. فأنزل الله فيهم هذه الآية. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد { للذين كفروا } من بني إسرائيل، أو مطلقا: { ستغلبون } إن قاتلتم المسلمين، { وتحشرون } بعد الموت والهزيمة { إلى جهنم وبئس المهاد } ما مهدتم لأنفسكم من العذاب، وقد صدق وعده بقتل قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم، فقد غلبوا أينما ثقفوا، وحشروا إلى جهنم، إلا من أسلم منهم. ثم ندبهم للاعتبار بما وقع من النصر للمسلمين يوم بدر فقال لهم: { قد كان لكم } يا معشر اليهود، { آية } أي: عبرة ظاهرة، ودلالة على صدق ما أقول لكم: إنكم ستغلبون، { في فئتين } أي: جماعتين { التقتا } يوم بدر، وهم المسلمون، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر، والمشركون كانوا زهاء ألف، { فئة تقاتل في سبيل الله } وهم المؤمنون، { وأخرى كافرة } ، وهم المشركون، { ترونهم مثليهم } أي: ترون، يا معشر اليهود، الكفار مثلي عدد المسلمين رأي تحقيق، ومع ذلك أيدهم الله بالنصر والمدد حتى نصرهم على عدوهم، وكذلك يفعل بهم معكم. والرؤية، على هذا، علمية. ومن قرأ بالياء يكون الضمير راجعا للكفار، أي: يرى الكفار المسلمين مثليهم، وذلك بعد أن قللهم الله في أعينهم حتى اجترأوا عليهم، وتوجهوا إليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، مددا من الله للمؤمنين. أو: يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين، وكانوا ثلاثة أمثالهم، ليثبتوا لهم، ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم الله بقوله:
إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين...
[الأنفال: 65] الآية. { والله يؤيد } أي: يقوي { بنصره من يشاء } نصره، كما أيد أهل بدر، { إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } المفتوحة. وذلك حين نصر الله قوما لا عدد لهم ولا عدة، على قوم لهم عدد وعدة، فلم تغن عنهم من الله شيئا. الإشارة: إذا توجه القلب إلى مولاه تعرض له جندان، أحدهما: جند الأنوار، وهو جند القلب، والثاني: جند الأغيار، وهو جند النفس، فيلتحم بينهما القتال، فجند الأنوار يريد أن يرتقي بالروح إلى وطنها وهو حضرة الأسرار، وجند الأغيار يريد أن يهبط بالنفس إلى أرض الحظوظ والشهوات، فيحبسها في سجن الأكوان، فإذا أراد الله تعالى سعادة عبد، قوي له جند الأنوار، وضعف عنه جند الأغيار، فينهزم عنه جند الأغيار، ويستولي على قلبه جند الأنوار، فلا تزال انوار تتوارد عليه حتى تشرق عليه أنوار المواجهة، فيدخل حضرة الأسرار، وهي حضرة الشهود، ويتحصن في جوار الملك الودود، وتناديه ألسنة الهواتف: أيها العارف، قل للذين كفروا، وهم جند الأغيار: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. وإذا أراد الله خذلان عبده، بعدله، قطع عنه مدد الأنوار، وقوي لديه جند الأغيار، فتستولي ظلمة النفس على نور القلب، فتحبسه في سجن الأكوان، وتسجنه في ظلمة هيكل الإنسان، { والله يؤيد بنصره من يشاء }. ففي التقاء جندي الأنوار والأغيار عبرة لأولي الأبصار.
آل عمران 3:14
قلت: { زين }: بحذف الفاعل، وهو الله، حقيقة إذ لا فاعل سواه، أو الشيطان، شريعة إذ هو منديل لمسح أوساخ الأقذار. والقنطار: المال الكثير، وقيل: مائة ألف دينار، وقيل: ملء مسك الثور. وروى عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال:
" القنطار: ألف دينار "
، وفي رواية:
" ألفا دينار "
، وفي عرفنا اليوم: ألف مثقال. والمقنطرة: المنضدة بعضها فوق بعض، وسمي الذهب ذهبا لذهابه وفنائه، أو لذهابه بالقلوب عن حضرة الغيوب، وسميت الفضة فضة لأنها تنفض أي: تنفرق، أو تفرق القلوب لمن اشتغل بها. والمسومة: المعلمة أو الراعية أو المطهمة الحسان. يقول الحق جل جلاله: { زين للناس حب الشهوات } والركون إلى المألوفات، حتى صرفهم ذلك عن النظر والاعتبار، أو الشهود والاستبصار، وذلك لمن وقف مع متعتها، وغرته شهوة لذتها، وأما من ذكرته نعيم الجنان، وأعانته على طاعة الملك الديان، فلم يقف مع متعتها، ولا التفت إلى عاجل شهوتها، بل نزل إليها بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، فلا يشمله تحذير الآية لقوله - عليه الصلاة والسلام -:
" حبب إلي من دنياكم ثلاث... "
الحديث. وقال بعض الأولياء: [كل شهوة تحجب القلب عن الله، إلا شهوة الجماع] يعني الحلال، وقال الورتجبي: ابتلاهم حتى يظهر الصادق بترك هذه الشهوات، من الكاذب بالشروع في طلبها، قيل: من اشتغل بهذه الأشياء قطعته عن طريق الحق، ومن استصغرها وأعرض عنها، عوض عليها السلامة منها، وفتح له الطريق إلى الحقائق. ه. ثم بدأ برأس الشهوات فقال: { من النساء } وذلك لمن شغف بهن فصرف عن ذكر الله، أو تناولهن على وجه الحرام. وفي الخبر عنه - عليه الصلاة والسلام -:
" ما تركت في الناس بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء "
وفي خبر آخر:
" النظر إلى محاسن المرأة من سهام إبليس "
ومن ثم جعلن في القرآن عين الشهوات، قال تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء }. وقال بعض العارفين: ما أيس الشيطان من إنسان قط إلا أتاه من قبل النساء. وقال علي رضي الله عنه: أيها الناس، لا تطيعوا للنساء أمرا، ولا تدعوهن يدبرن أمر عيش، فإنهن إن تركن وما يردن أفسدن الملك، وعصين المالك، وجدناهن لا دين لهن في خلواتهن، ولا ورع لهن عن شهواتهن اللذة بهن يسيرة، والحيرة بهن كثيرة، فأما صوالحهن ففاجرات، وأما طوالحهن فعاهرات - أي: زانيات -، وأما المعصومات فهن المعدومات، يتظلمن وهن الظالمات، ويتمنعن وهن الراغبات، ويحلفن وهن الكاذبات، فاستعيذوا بالله من شرارهن، وكونوا على وجل من خيارهن، والسلام. ه. { والبنين }: قال - عليه الصلاة والسلام -:
" إنهم لثمرة القلوب، وقرة الأعين، وأنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة "
{ والقناطير المقنطرة }: أي: المجموعة المنضدة، { من الذهب والفضة. والخيل المسومة } أي: المعلمة: وهي البلق، أو غيرها، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم ".
وعن أنس قال: لم يكن شيء أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد النساء، من الخيل. وعن أبي وهب الجشمي قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها، وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار، وعليكم بكل كميت أغر محجل، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر محجل "
وعن خباب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان، فأما فرس الرحمن فما اتخذ لله في سبيل الله، وقوتل عليه أعداء الله، وأما فرس الإنسان فما استطرق عليه "
- أي: ركب عليه في طريق حوائجه،
" وأما فرس الشيطان فما روهن عليه، وقومر عليه "
وفي البخاري ما يشهد لهذا. ومما زين للناس أيضا: حب { الأنعام } ، وهي الإبل والبقر والغنم، إن شغلته عن ذكر الله، ومنع منها حق الله، { والحرث } أي: الزراعة والغراسة، { ذلك } الذي ذكرت { متاع الحياة الدنيا } الفانية الزائلة، { والله عنده حسن المآب } ، أي: المرجع في دار البقاء التي لا يفنى نعيمها، ولا تنقطع حياتها إلى أبد الأبد. الإشارة: كل ما يقطع القلب عن الشهود، أو يفتره عن السير إلى الملك المعبود، فهو شهوة، كائنا ما كان، أغيارا أو أنوارا، أو علوما أو أحوالا، أو غير ذلك، فالنساء الأغيار، والبنون الأنوار، والقناطير المقنطرة من الذهب علوم الطريقة، والفضة علوم الشريعة، والخيل المسومة هي الأحوال، والأنعام الأذكار، والحرب استعمال الفكرة. فكل من وقف مع حلاوة شيء من هذا، ولم يفض إلى راحة الشهود والعيان، فهي في حقه شهوة. وبعد أن ذكر الحق تعالى أنواعا من الشهوات، زهد فيها فقال: { ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب } قال أبو هاشم الزاهد رضي الله عنه: وسم الله الدنيا بالوحشة ليكون أنس المريد بربه دونها، وليقبل المطيعون بالإعراض عنها، وأهل المعرفة بالله من الدنيا مستوحشون، وإلا الله مشتاقون. ه. وقد تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من شر فتنتها، غناها وفقرها. وأكثر القرآن مشتمل على ذمها، وتحذير الخلق منها، بل ما من داع يدعو إلى الله تعالى إلا وقد حذر منها، ورغب في الآخرة، بل هو المقصود بالذات من بيان الشرائع، وكيف لا - وهي عدوة الله لقطعها طريق الوصلة إليه، ولذلك لم ينظر إليها منذ خلقها. وعدوة لأوليائه لأنها تزينت بزينتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها، وعدوة لأعدائه لأنها استدرجتهم بمكرها، واقتنصتهم بشبكتها، فوثقوا بها، فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها، كفانا الله شرها بمنه وكرمه.
آل عمران 3:15
قلت: { للذين }: خبر، و { جنات }: مبتدأ، وهو استئناف لبيان الخيرية، والرضوان فيه لغتان: الضم والكسر، كالعدوان والطغيان، و { الذين يقولون }: بدل من { الذين اتقوا } ، أو خبر عن مضمر، أو منصوب على المدح، أو بدل من العباد، و { الصابرين } وما بعده: نعت الموصول. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: أأخبركم { بخير } من الذي ذكرت لكم من الشهوات الفانية واللذات الزائلة، وهو ما أعد الله للمتقين عند لقاء ربهم، وهو { جنات تجري من } تحت قصورها الأنهار من الماء واللبن والعسل والخمر، { خالدين فيها } ، لا كنعيم الدنيا الفاني، { ولهم فيها أزواج } من الحور العين، مطهرات من الحيض والنفاس وسائر المستقذرات، { ورضوان من الله } الذي هو { أكبر } النعم. فانظر: كيف ذكر الحق - جل جلاله - أدنى النعيم وأوسطه وأعلاه؟ فأدناه: متاع الدنيا الذي زين للناس، وأوسطه: نعيم الجنان، وأعلاه: رضي الرحمن، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم:
" يقول الله تعالى لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقول أهل الجنة: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: مالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربنا، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بدا ".
{ والله بصير بالعباد } لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء، أو: { بصير } بأحوال المتقين. { الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار }. وفي ترتيب السؤال على مجرد الإيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة والاستعداد لها. ثم وصف المتقين بقوله: { الصابرين } على أداء الأمر واجتناب النهي، وفي البأساء والضراء وحين البأس، { والصادقين } في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فاستوى سرهم وعلانيتهم، { والقانتين } أي: المطيعين، { والمنفقين } أموالهم في سبيل الله، { والمستغفرين بالأسحار } لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة لأن العبادة حينئذ أشق، والنفس أصفى، والروح أجمع، ولا سيما للمتهجدين. قيل: إنهم كانوا يصلون إلى السحر، ثم يستغفرون ويدعون، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الله تعالى يقول: إني لأهم بأهل الأرض عذابا، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتهجدين، وإلى المتحابين في، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفت عنهم العذاب ".
وقال سفيان: إن لله ريحا يقال لها الصيحة، تهب وقت السحر، تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار. قال: وبلغنا أنه إذا كان أولا لليل، نادى مناد: ألا ليقم القانتون، فيقومون يصلون إلى السحر، فإذا كان وقت السحر، ينادي مناد: أين المستغفرون بالأسحار؟ فيستغفر أولئك، ويقوم آخرون، ويصلون، فيلحقون بهم، فإذا طلع الفجر، نادى مناد: ألا ليقم الغافلون، فيقومون من فرشهم كالموتى إذا نشروا من قبورهم.
الإشارة: للذين اتقوا شهود السوى عند ربهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، وأصناف الحكم، مطهرة من العلل، منزهة من الخلل، تهب عليهم نسيم الرضوان، تحمل الروح والريحان، مخلدون في نعيم الشهود والعيان، والله بصير بعباده المخلصين، المنزهين من العيوب، المبررئين من درن الذنوب، الصابرين على دوام المجاهدة، والصادقين في طلب المشاهدة، والقانتين لأحكام العبودية، والمنفقين أنفسهم ومهجهم في طلب مشاهدة أنوار الربوبية، والمستغفرين من شهود الأغيار، وخصوصا إذا هب نسيم الأسحار، فإن كثيرا من العباد والزهاد شغلتهم حلاوة نسيم الأسحار عن مطالعة أسرار الجبار، وهي أسرار التوحيد.
آل عمران 3:16
قلت: { للذين }: خبر، و { جنات }: مبتدأ، وهو استئناف لبيان الخيرية، والرضوان فيه لغتان: الضم والكسر، كالعدوان والطغيان، و { الذين يقولون }: بدل من { الذين اتقوا } ، أو خبر عن مضمر، أو منصوب على المدح، أو بدل من العباد، و { الصابرين } وما بعده: نعت الموصول. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: أأخبركم { بخير } من الذي ذكرت لكم من الشهوات الفانية واللذات الزائلة، وهو ما أعد الله للمتقين عند لقاء ربهم، وهو { جنات تجري من } تحت قصورها الأنهار من الماء واللبن والعسل والخمر، { خالدين فيها } ، لا كنعيم الدنيا الفاني، { ولهم فيها أزواج } من الحور العين، مطهرات من الحيض والنفاس وسائر المستقذرات، { ورضوان من الله } الذي هو { أكبر } النعم. فانظر: كيف ذكر الحق - جل جلاله - أدنى النعيم وأوسطه وأعلاه؟ فأدناه: متاع الدنيا الذي زين للناس، وأوسطه: نعيم الجنان، وأعلاه: رضي الرحمن، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم:
" يقول الله تعالى لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقول أهل الجنة: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: مالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربنا، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بدا ".
{ والله بصير بالعباد } لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء، أو: { بصير } بأحوال المتقين. { الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار }. وفي ترتيب السؤال على مجرد الإيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة والاستعداد لها. ثم وصف المتقين بقوله: { الصابرين } على أداء الأمر واجتناب النهي، وفي البأساء والضراء وحين البأس، { والصادقين } في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فاستوى سرهم وعلانيتهم، { والقانتين } أي: المطيعين، { والمنفقين } أموالهم في سبيل الله، { والمستغفرين بالأسحار } لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة لأن العبادة حينئذ أشق، والنفس أصفى، والروح أجمع، ولا سيما للمتهجدين. قيل: إنهم كانوا يصلون إلى السحر، ثم يستغفرون ويدعون، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الله تعالى يقول: إني لأهم بأهل الأرض عذابا، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتهجدين، وإلى المتحابين في، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفت عنهم العذاب ".
وقال سفيان: إن لله ريحا يقال لها الصيحة، تهب وقت السحر، تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار. قال: وبلغنا أنه إذا كان أولا لليل، نادى مناد: ألا ليقم القانتون، فيقومون يصلون إلى السحر، فإذا كان وقت السحر، ينادي مناد: أين المستغفرون بالأسحار؟ فيستغفر أولئك، ويقوم آخرون، ويصلون، فيلحقون بهم، فإذا طلع الفجر، نادى مناد: ألا ليقم الغافلون، فيقومون من فرشهم كالموتى إذا نشروا من قبورهم.
الإشارة: للذين اتقوا شهود السوى عند ربهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، وأصناف الحكم، مطهرة من العلل، منزهة من الخلل، تهب عليهم نسيم الرضوان، تحمل الروح والريحان، مخلدون في نعيم الشهود والعيان، والله بصير بعباده المخلصين، المنزهين من العيوب، المبررئين من درن الذنوب، الصابرين على دوام المجاهدة، والصادقين في طلب المشاهدة، والقانتين لأحكام العبودية، والمنفقين أنفسهم ومهجهم في طلب مشاهدة أنوار الربوبية، والمستغفرين من شهود الأغيار، وخصوصا إذا هب نسيم الأسحار، فإن كثيرا من العباد والزهاد شغلتهم حلاوة نسيم الأسحار عن مطالعة أسرار الجبار، وهي أسرار التوحيد.
آل عمران 3:17
قلت: { للذين }: خبر، و { جنات }: مبتدأ، وهو استئناف لبيان الخيرية، والرضوان فيه لغتان: الضم والكسر، كالعدوان والطغيان، و { الذين يقولون }: بدل من { الذين اتقوا } ، أو خبر عن مضمر، أو منصوب على المدح، أو بدل من العباد، و { الصابرين } وما بعده: نعت الموصول. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: أأخبركم { بخير } من الذي ذكرت لكم من الشهوات الفانية واللذات الزائلة، وهو ما أعد الله للمتقين عند لقاء ربهم، وهو { جنات تجري من } تحت قصورها الأنهار من الماء واللبن والعسل والخمر، { خالدين فيها } ، لا كنعيم الدنيا الفاني، { ولهم فيها أزواج } من الحور العين، مطهرات من الحيض والنفاس وسائر المستقذرات، { ورضوان من الله } الذي هو { أكبر } النعم. فانظر: كيف ذكر الحق - جل جلاله - أدنى النعيم وأوسطه وأعلاه؟ فأدناه: متاع الدنيا الذي زين للناس، وأوسطه: نعيم الجنان، وأعلاه: رضي الرحمن، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم:
" يقول الله تعالى لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقول أهل الجنة: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: مالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربنا، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بدا ".
{ والله بصير بالعباد } لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء، أو: { بصير } بأحوال المتقين. { الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار }. وفي ترتيب السؤال على مجرد الإيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة والاستعداد لها. ثم وصف المتقين بقوله: { الصابرين } على أداء الأمر واجتناب النهي، وفي البأساء والضراء وحين البأس، { والصادقين } في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فاستوى سرهم وعلانيتهم، { والقانتين } أي: المطيعين، { والمنفقين } أموالهم في سبيل الله، { والمستغفرين بالأسحار } لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة لأن العبادة حينئذ أشق، والنفس أصفى، والروح أجمع، ولا سيما للمتهجدين. قيل: إنهم كانوا يصلون إلى السحر، ثم يستغفرون ويدعون، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الله تعالى يقول: إني لأهم بأهل الأرض عذابا، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتهجدين، وإلى المتحابين في، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفت عنهم العذاب ".
وقال سفيان: إن لله ريحا يقال لها الصيحة، تهب وقت السحر، تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار. قال: وبلغنا أنه إذا كان أولا لليل، نادى مناد: ألا ليقم القانتون، فيقومون يصلون إلى السحر، فإذا كان وقت السحر، ينادي مناد: أين المستغفرون بالأسحار؟ فيستغفر أولئك، ويقوم آخرون، ويصلون، فيلحقون بهم، فإذا طلع الفجر، نادى مناد: ألا ليقم الغافلون، فيقومون من فرشهم كالموتى إذا نشروا من قبورهم.
الإشارة: للذين اتقوا شهود السوى عند ربهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، وأصناف الحكم، مطهرة من العلل، منزهة من الخلل، تهب عليهم نسيم الرضوان، تحمل الروح والريحان، مخلدون في نعيم الشهود والعيان، والله بصير بعباده المخلصين، المنزهين من العيوب، المبررئين من درن الذنوب، الصابرين على دوام المجاهدة، والصادقين في طلب المشاهدة، والقانتين لأحكام العبودية، والمنفقين أنفسهم ومهجهم في طلب مشاهدة أنوار الربوبية، والمستغفرين من شهود الأغيار، وخصوصا إذا هب نسيم الأسحار، فإن كثيرا من العباد والزهاد شغلتهم حلاوة نسيم الأسحار عن مطالعة أسرار الجبار، وهي أسرار التوحيد.
آل عمران 3:18
قلت: { قائما }: حال من { الله } ، وإنما جاز من بعض المعطوفات لعدم اللبس، كقوله:
ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة...
[الأنبياء: 72]، ولا يجوز: جاء زيد وعمر راكبا لعدم القرينة، أو من { هو } ، والعامل الجملة لأنه حال مؤكدة، أي: تفرد قائما، أو حقه قائما، { بالقسط } أي: العدل، و { إن الدين }: جملة مستأنفة مؤكدة للأولى، أي: لا دين مرضى عند الله سوى الإقرار بالشهادة والدخول فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قرأ بالفتح فهو بدل من { أنه } ، بدل الكل، إن فسر الإسلام بالإيمان، وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة. يقول الحق جل جلاله: { شهد الله أنه لا إله إلا هو } أي: بين وحدانيته بنصب الدلالئل الدالة عليها وإنزال الآيات الناطقة بها، أو بتدبيره العجيب وصنعته المتقنة وأموره المحكمة، وفي ذلك يقول القائل:
يا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد؟! ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
وقيل لبعض العرب: ما الدليل على أن للعالم صانعا؟ فقال: البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على الصانع الخبير؟! { و } شهدت { الملائكة } أيضا بالإقرار بالوحدانية والإخبار بها، { وأولوا العلم } وهم: الأنبياء والعلماء بالله، بالإيمان بها والاحتجاج عليها، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. وفيه دليل شرف أهل العلم وفضلهم، حيث قرن شهادتهم بشهادته لأن العلم صفة الله العليا ونعمته العظمى، والعلماء أعلام الإسلام، والسابقون إلى دار السلام، وسرج الأمكنة وحجج الأزمنة. وعن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ساعة من عالم يتكئ على فراشه، ينظر في علمه، خير من عبادة العابد سبعين عاما "
وعن معاذ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، ومدارسته تسبيح، والبحث فيه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وتذكره في أهله قربة "
ثم قال في آخر الحديث في فضل أهل العلم:
" وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تستغفر لهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم. حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع الأرضين وأنعامها، والسماء ونجومها، ألا وإن العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منزل الأحرار ومجالسة الملوك، والفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يعرف الحلال والحرام، وبه توصل الأرحام، العلم إمام والعمل تابعه، يلهمه بالسعداء، ويحرمه الأشقياء ".
حال كون الحق تعالى { قائما بالقسط } أي: مدبرا لأمر خلقه بالعدل، فيما حكم وأبرم، { لا إله إلا هو } ، كرر الشهادة للتأكيد، ومزيد الاعتبار بأمر التوحيد، والحكم به، بعد إقامته الدليل.
عليه وقال جعفر الصادق: الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم. أي: قولوا: { لا إله إلا هو } ، أو ليرتب عليه قوله: { العزيز الحكيم } ، فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدم { العزيز } ليتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته. { إن الدين عند الله الإسلام } أي: إن الدين المرضى عند الله هو الانقياد لأمر التوحيد والإذعان لمن جاء به. وروي عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" من قرأ هذه الآية عند منامه خلق الله تعالى سبعين ألف خلق يستغفرون الله له إلى يوم القيامة "
وهي أعظم شهادة في كتاب الله،
" من قرأها إلى الحكيم وقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، يقول الحق تعالى: إن لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة ".
الإشارة: صدر الآية يشير إلى الفرق، وعجزها يشير إلى الجمع، كما هي عادته تعالى في كتبه العزيز، يشرع أولا، ويحقق ثانيا، فأثبت الحق - جل جلاله - شهادة الملائكة وأولى العلم مع شهادته لإثبات سر الشريعة، ثم محاها بقوله: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } بحكم الحقيقة. فإثبات الرسوم شريعة، ومحوها حقيقة، فتوحيد أهل الرسوم والأشكال دلالة من وراء الحجاب، وتوحيد أهل المحو والاضمحلال شهادة من داخل الحجاب، وتوحيد أهل الرسوم دلالة وبرهان، وتوحيد أهل المحو شهادة وعيان، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. إثبات الرسوم إسلام وإيمان، ومحوها شهود وإحسان، وكل توحيد لم تظهر ثمرته على الجوارح من الإذعان والانقياد لأحكام العبودية فهو مخدج، لقوله تعالى:
إن الدين عند الله الإسلام
[آل عمران: 19] أي، الانقياد والإذعان، ظاهرا وباطنا، لأحكام القهرية والتكليفية، فمن لا انقياد له لا دين له كاملا. ثم ذكر من سبق له الخذلان بعد سطوع الدليل والبرهان، فقال: {... وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } قلت: { بغيا }: مفعول له، علة للاختلاف. يقول الحق جل جلاله: { وما اختلف } اليهود والنصارى في حقيقة الإسلام والتدين به، { إلا من بعد ما جاءهم العلم } أي: من بعد ما تمكنوا من العلم بصحته، وأن الدين عند الله هو الإسلام، فجحدوه ظلما وحسدا. أو ما اختلف أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام فأثبته قوم، وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقا، إلا من بعد ما ثبت لهم بصحته وعموم الدعوة له. أو في التوحيد فثلث النصارى، وقالت اليهود: عزير ابن الله، بعد ما صح لهم العلم بالتوحيد فغيروا. وقال الربيع: إن موسى عليه السلام لما حضره الموت، دعا سبعين حبرا من قومه، فاستودعهم التوراة، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت بينهم الفرقة، وهم: الذين أوتوا الكتاب من أبناء السبعين، فأراقوا الدماء ووقع بينهم الشر والاختلاف.
وذلك من بعد ما جاءهم العلم، يعني بيان ما في التوراة، { بغيا بينهم } أي: طلبا للملك والرئاسة والتحاسد، فسلط عليهم الجبابرة، { ومن يكفر بآيات الله } المنزلة على رسوله، أو الدالة على وحدانيته، { فإن الله سريع الحساب } لا يشغله شأن عن شأن، وفيه تهديد لأهل الاختلاف. الإشارة: الاختلاف على الصوفية، والإنكار عليهم، إن كان بغيا وحسدا وخوفا على زوال رئاسة المنكر، فهذا معرض لمقت الله، فقد آذن بحرب الله، وباله سوء الخاتمة، والعياذ بالله، وفي ذلك يقول القائل:
هممهم تقضي بحك الوقت منكرهم معرض للمقت
وإن كان غيره على الشريعة، وسدا لباب الذريعة، فهذا معذور أو مأجور إن صح قصده، وهو منخرط في سلك الضعفاء، قال تعالى:
ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله
[التوبة: 91]، ولا ينكر على الفقير إلا المحرم المجمع على تحريمه، وليس فيه تأويل، كالزنى بالمعينة، واللواط وشبهه، والمؤمن يلتمس المعاذر، والمنافق يلتمس العيوب، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:19
قلت: { قائما }: حال من { الله } ، وإنما جاز من بعض المعطوفات لعدم اللبس، كقوله:
ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة...
[الأنبياء: 72]، ولا يجوز: جاء زيد وعمر راكبا لعدم القرينة، أو من { هو } ، والعامل الجملة لأنه حال مؤكدة، أي: تفرد قائما، أو حقه قائما، { بالقسط } أي: العدل، و { إن الدين }: جملة مستأنفة مؤكدة للأولى، أي: لا دين مرضى عند الله سوى الإقرار بالشهادة والدخول فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قرأ بالفتح فهو بدل من { أنه } ، بدل الكل، إن فسر الإسلام بالإيمان، وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة. يقول الحق جل جلاله: { شهد الله أنه لا إله إلا هو } أي: بين وحدانيته بنصب الدلالئل الدالة عليها وإنزال الآيات الناطقة بها، أو بتدبيره العجيب وصنعته المتقنة وأموره المحكمة، وفي ذلك يقول القائل:
يا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد؟! ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
وقيل لبعض العرب: ما الدليل على أن للعالم صانعا؟ فقال: البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على الصانع الخبير؟! { و } شهدت { الملائكة } أيضا بالإقرار بالوحدانية والإخبار بها، { وأولوا العلم } وهم: الأنبياء والعلماء بالله، بالإيمان بها والاحتجاج عليها، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. وفيه دليل شرف أهل العلم وفضلهم، حيث قرن شهادتهم بشهادته لأن العلم صفة الله العليا ونعمته العظمى، والعلماء أعلام الإسلام، والسابقون إلى دار السلام، وسرج الأمكنة وحجج الأزمنة. وعن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ساعة من عالم يتكئ على فراشه، ينظر في علمه، خير من عبادة العابد سبعين عاما "
وعن معاذ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، ومدارسته تسبيح، والبحث فيه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وتذكره في أهله قربة "
ثم قال في آخر الحديث في فضل أهل العلم:
" وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تستغفر لهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم. حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع الأرضين وأنعامها، والسماء ونجومها، ألا وإن العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منزل الأحرار ومجالسة الملوك، والفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يعرف الحلال والحرام، وبه توصل الأرحام، العلم إمام والعمل تابعه، يلهمه بالسعداء، ويحرمه الأشقياء ".
حال كون الحق تعالى { قائما بالقسط } أي: مدبرا لأمر خلقه بالعدل، فيما حكم وأبرم، { لا إله إلا هو } ، كرر الشهادة للتأكيد، ومزيد الاعتبار بأمر التوحيد، والحكم به، بعد إقامته الدليل.
عليه وقال جعفر الصادق: الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم. أي: قولوا: { لا إله إلا هو } ، أو ليرتب عليه قوله: { العزيز الحكيم } ، فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدم { العزيز } ليتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته. { إن الدين عند الله الإسلام } أي: إن الدين المرضى عند الله هو الانقياد لأمر التوحيد والإذعان لمن جاء به. وروي عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" من قرأ هذه الآية عند منامه خلق الله تعالى سبعين ألف خلق يستغفرون الله له إلى يوم القيامة "
وهي أعظم شهادة في كتاب الله،
" من قرأها إلى الحكيم وقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، يقول الحق تعالى: إن لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة ".
الإشارة: صدر الآية يشير إلى الفرق، وعجزها يشير إلى الجمع، كما هي عادته تعالى في كتبه العزيز، يشرع أولا، ويحقق ثانيا، فأثبت الحق - جل جلاله - شهادة الملائكة وأولى العلم مع شهادته لإثبات سر الشريعة، ثم محاها بقوله: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } بحكم الحقيقة. فإثبات الرسوم شريعة، ومحوها حقيقة، فتوحيد أهل الرسوم والأشكال دلالة من وراء الحجاب، وتوحيد أهل المحو والاضمحلال شهادة من داخل الحجاب، وتوحيد أهل الرسوم دلالة وبرهان، وتوحيد أهل المحو شهادة وعيان، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. إثبات الرسوم إسلام وإيمان، ومحوها شهود وإحسان، وكل توحيد لم تظهر ثمرته على الجوارح من الإذعان والانقياد لأحكام العبودية فهو مخدج، لقوله تعالى:
إن الدين عند الله الإسلام
[آل عمران: 19] أي، الانقياد والإذعان، ظاهرا وباطنا، لأحكام القهرية والتكليفية، فمن لا انقياد له لا دين له كاملا. ثم ذكر من سبق له الخذلان بعد سطوع الدليل والبرهان، فقال: {... وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } قلت: { بغيا }: مفعول له، علة للاختلاف. يقول الحق جل جلاله: { وما اختلف } اليهود والنصارى في حقيقة الإسلام والتدين به، { إلا من بعد ما جاءهم العلم } أي: من بعد ما تمكنوا من العلم بصحته، وأن الدين عند الله هو الإسلام، فجحدوه ظلما وحسدا. أو ما اختلف أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام فأثبته قوم، وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقا، إلا من بعد ما ثبت لهم بصحته وعموم الدعوة له. أو في التوحيد فثلث النصارى، وقالت اليهود: عزير ابن الله، بعد ما صح لهم العلم بالتوحيد فغيروا. وقال الربيع: إن موسى عليه السلام لما حضره الموت، دعا سبعين حبرا من قومه، فاستودعهم التوراة، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت بينهم الفرقة، وهم: الذين أوتوا الكتاب من أبناء السبعين، فأراقوا الدماء ووقع بينهم الشر والاختلاف.
وذلك من بعد ما جاءهم العلم، يعني بيان ما في التوراة، { بغيا بينهم } أي: طلبا للملك والرئاسة والتحاسد، فسلط عليهم الجبابرة، { ومن يكفر بآيات الله } المنزلة على رسوله، أو الدالة على وحدانيته، { فإن الله سريع الحساب } لا يشغله شأن عن شأن، وفيه تهديد لأهل الاختلاف. الإشارة: الاختلاف على الصوفية، والإنكار عليهم، إن كان بغيا وحسدا وخوفا على زوال رئاسة المنكر، فهذا معرض لمقت الله، فقد آذن بحرب الله، وباله سوء الخاتمة، والعياذ بالله، وفي ذلك يقول القائل:
هممهم تقضي بحك الوقت منكرهم معرض للمقت
وإن كان غيره على الشريعة، وسدا لباب الذريعة، فهذا معذور أو مأجور إن صح قصده، وهو منخرط في سلك الضعفاء، قال تعالى:
ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله
[التوبة: 91]، ولا ينكر على الفقير إلا المحرم المجمع على تحريمه، وليس فيه تأويل، كالزنى بالمعينة، واللواط وشبهه، والمؤمن يلتمس المعاذر، والمنافق يلتمس العيوب، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:20
قلت: { ومن اتبعن } ، عطف على فاعل { أسلمت } الضمير. يقول الحق جل جلاله: { فإن حاجوك } في الدين، وخاصموك فيه، بعدما أقيمت الحجج على صحته، { فقل } لهم: أما أنا فقد { أسلمت وجهي لله } ، وانقدت بكليتي إليه، وتمسكت بدينه القويم، الذي قامت الحجج على حقيته، وكذلك من تبعني من المؤمنين. وخص الوجه بالانقياد لأنه أشرف الأعضاء ومحل ظهور المحاسن، فإذا انقاد الوجه فقد انقاد الكل. { وقل للذين أوتوا الكتاب } من اليهود والنصارى، { والأميين } الذين لا كتاب لهم من المشركين: { أأسلمتم } كما أسلمت: لما وضحت لكم من الحجة؟ أم أنتم على كفركم بغيا وحسدا؟ والاستفهام معناه الأمر، كقوله:
فهل أنتم مسلمون
[هود: 14] أي: أسلموا، { فإن أسلموا فقد اهتدوا } وأنقذاو أنفسكم من الهلاك، { وإن تولوا } وأعرضوا { فإنما عليك البلاغ } ، ولا يضرك عنادهم، فقد بلغت ما أمرت به. { والله بصير بالعباد } لا يخفى عليه من أسلم ممن تولى.
" روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قرأ عليهم هذه الآية، فقال لليهود: أتشهدون أن عزيرا عبد الله ورسوله وكلمته؟ فقالوا: معاذ الله، وقال للنصارى:أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله؟ فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدا. فنزل قوله تعالى: { وإن تولوا فإنما عليك البلاغ } الآية ".
الإشارة: لا يليق بالفقير، إذا توجه إليه الإنكار أو المجادلة والاستظهار، إلا السكوت والإقرار، والاستسلام بكليته لأحكام الواحد القهار، إذ لا يرى فاعلا إلا الله، فلا يركن إلى شيء سواه. وفي الحكم: " إنما أجرى الأذى عليهم لئلا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء، حتى لا تكون ساكنا إلى شيء ". وقال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، وقد غلط في هذا خلق كثير، اشتغلوا بمن يؤذيهم، فطال عليهم الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم. ه. بالمعنى. وبهذا يأمر الشيخ أتباعه، فإن انقادوا لأحكام الحق، فقد اهتدوا إلى طريق الوصول، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والهداية بيد السميع البصير.
آل عمران 3:21
قلت: إنما دخلت الفاء في خبر إن لتضمن اسمها معنى الشرط لعموم الموصول وإبهامه، وهو خاص بإن، دون ليت ولعل لأن " إن " لا تغير معنى الابتداء، وإنما تؤكده. وقيل: الخبر: { أولئك... } الخ. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يكفرون بآيات الله } أي: بحججه الدالة على توحيده، وصحة نبوة رسله، أو بكلامه، وهم اليهود، { ويقتلون النبيين بغير حق } بل بغيا { ويقتلون الذين يأمرون } بالعدل وترك الظلم من الأحبار { فبشرهم بعذاب أليم } موجع، { أولئك الذين حبطت أعمالهم } أي: بطلت، { في الدنيا والآخرة } فلا ينتفعون بها في الدارين، { وما لهم من ناصرين } يمنعونهم من العذاب
". وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبيا، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ويقتلون النبيين بغير حق } الآية، ثم قال: يا أبا عبيدة، قتلت بنوا إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا أول النهار في ساعة، فقام مائة وعشرون من عباد بني إسرائيل فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم في كتابه، وأنزل الآية فيهم "
ه. من الثعلبي. الإشارة: ذكر في الآية الأولى تشجيع المريدين، وأمرهم بالصبر والتسليم لإذاية المؤذين، وذكر هنا وبال المؤذين الجاحدين لخصوصية المقربين، فالأولياء والعلماء ورثة الأنبياء، فمن آذاهم فله عذاب أليم، في الدنيا بغم الحجاب وسوء المنقلب، وفي الآخرة بالبعد عن ساحة المقربين، وبالسقوط إلى درك الأسفلين، والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:22
قلت: إنما دخلت الفاء في خبر إن لتضمن اسمها معنى الشرط لعموم الموصول وإبهامه، وهو خاص بإن، دون ليت ولعل لأن " إن " لا تغير معنى الابتداء، وإنما تؤكده. وقيل: الخبر: { أولئك... } الخ. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يكفرون بآيات الله } أي: بحججه الدالة على توحيده، وصحة نبوة رسله، أو بكلامه، وهم اليهود، { ويقتلون النبيين بغير حق } بل بغيا { ويقتلون الذين يأمرون } بالعدل وترك الظلم من الأحبار { فبشرهم بعذاب أليم } موجع، { أولئك الذين حبطت أعمالهم } أي: بطلت، { في الدنيا والآخرة } فلا ينتفعون بها في الدارين، { وما لهم من ناصرين } يمنعونهم من العذاب
". وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبيا، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ويقتلون النبيين بغير حق } الآية، ثم قال: يا أبا عبيدة، قتلت بنوا إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا أول النهار في ساعة، فقام مائة وعشرون من عباد بني إسرائيل فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم في كتابه، وأنزل الآية فيهم "
ه. من الثعلبي. الإشارة: ذكر في الآية الأولى تشجيع المريدين، وأمرهم بالصبر والتسليم لإذاية المؤذين، وذكر هنا وبال المؤذين الجاحدين لخصوصية المقربين، فالأولياء والعلماء ورثة الأنبياء، فمن آذاهم فله عذاب أليم، في الدنيا بغم الحجاب وسوء المنقلب، وفي الآخرة بالبعد عن ساحة المقربين، وبالسقوط إلى درك الأسفلين، والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:23
قلت: التنكير في { نصيب } يحتمل التحقير والتعظيم، والأول أقرب. وجملة: { وهم معرضون } حال من { فريق } يتخصيصه بالصفة. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو من تصح منه الرؤية، { إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } وهم: اليهود، تمسكوا بشيء من التوارة، ولم يعملوا به كله، كيف { يدعون إلى كتاب الله } القرآن { ليحكم بينهم } فيما اختلفوا فيه من أمر التوحيد وصحة نبوته - عليه الصلاة والسلام -، فأعرضوا عنه، أو المراد بكتاب الله: التوراة. قال ابن عباس رضي الله عنه: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال:
" على ملة إبراهيم "
قالا: إن إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم:
" فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم "
فأبيا عليه، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في الرجم، على ما يأتي في العقود. { ذلك } الأعراض بسبب اغترارهم وتسهيلهم أمر العقاب، فقالوا: { لن تسمنا النار إلا أياما معدودات } أربعين يوما، قدر عبادتهم العجل، ثم يخلفهم المسلمون، { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } بزعمهم الفاسد وطمعهم الفارغ. يقول الحق جل جلاله: { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } ، وهذا تهويل لشأنهم، واستعظام لما يحيق بهم، { ووفيت كل نفس ما كسبت } من خير أو شر، { وهم لا يظلمون } أي: لا يبخسون من أعمالهم شيئا، فلا ينقص من الحسنات، ولا يزاد على السيئات. وفيه دليل على أن المؤمن لا يخلد في النار. قال ابن عباس: أول راية ترفع لأهل الموقف، ذلك اليوم، راية اليهود، فيفضحم الله تعالى على رؤوس الأشهاد، ثم يؤمر بهم إلى النار. الإشارة: ترى كثيرا ممن ينتسب إلى العلم والدين ينطلق لسانه بدعوى الخصوصية، وأنه منخرط في سلك المقربين، فإذا دعي إلى حق، أو وقف على عيب من عيوب نفسه، أعرض وتولى، وغرته نفسه، وغلبه الهوى، فجعل يحتج لنفسه بما عنده من العلم أو الدين، أو بمن ينتسب إليهم من الصالحين، فكيف يكون حاله إذا أقبل على الله بقلب سقيم، ورأى منازل أهل الصفا، الذين لقوا الله بقلب سليم، حين ترفع درجاتهم مع المقربين، ويبقى هو مع عوام أهل اليمين؟ قال تعالى:
وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
[الزمر: 47] الآية.
آل عمران 3:24
قلت: التنكير في { نصيب } يحتمل التحقير والتعظيم، والأول أقرب. وجملة: { وهم معرضون } حال من { فريق } يتخصيصه بالصفة. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو من تصح منه الرؤية، { إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } وهم: اليهود، تمسكوا بشيء من التوارة، ولم يعملوا به كله، كيف { يدعون إلى كتاب الله } القرآن { ليحكم بينهم } فيما اختلفوا فيه من أمر التوحيد وصحة نبوته - عليه الصلاة والسلام -، فأعرضوا عنه، أو المراد بكتاب الله: التوراة. قال ابن عباس رضي الله عنه: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال:
" على ملة إبراهيم "
قالا: إن إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم:
" فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم "
فأبيا عليه، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في الرجم، على ما يأتي في العقود. { ذلك } الأعراض بسبب اغترارهم وتسهيلهم أمر العقاب، فقالوا: { لن تسمنا النار إلا أياما معدودات } أربعين يوما، قدر عبادتهم العجل، ثم يخلفهم المسلمون، { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } بزعمهم الفاسد وطمعهم الفارغ. يقول الحق جل جلاله: { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } ، وهذا تهويل لشأنهم، واستعظام لما يحيق بهم، { ووفيت كل نفس ما كسبت } من خير أو شر، { وهم لا يظلمون } أي: لا يبخسون من أعمالهم شيئا، فلا ينقص من الحسنات، ولا يزاد على السيئات. وفيه دليل على أن المؤمن لا يخلد في النار. قال ابن عباس: أول راية ترفع لأهل الموقف، ذلك اليوم، راية اليهود، فيفضحم الله تعالى على رؤوس الأشهاد، ثم يؤمر بهم إلى النار. الإشارة: ترى كثيرا ممن ينتسب إلى العلم والدين ينطلق لسانه بدعوى الخصوصية، وأنه منخرط في سلك المقربين، فإذا دعي إلى حق، أو وقف على عيب من عيوب نفسه، أعرض وتولى، وغرته نفسه، وغلبه الهوى، فجعل يحتج لنفسه بما عنده من العلم أو الدين، أو بمن ينتسب إليهم من الصالحين، فكيف يكون حاله إذا أقبل على الله بقلب سقيم، ورأى منازل أهل الصفا، الذين لقوا الله بقلب سليم، حين ترفع درجاتهم مع المقربين، ويبقى هو مع عوام أهل اليمين؟ قال تعالى:
وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
[الزمر: 47] الآية.
آل عمران 3:25
قلت: التنكير في { نصيب } يحتمل التحقير والتعظيم، والأول أقرب. وجملة: { وهم معرضون } حال من { فريق } يتخصيصه بالصفة. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو من تصح منه الرؤية، { إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } وهم: اليهود، تمسكوا بشيء من التوارة، ولم يعملوا به كله، كيف { يدعون إلى كتاب الله } القرآن { ليحكم بينهم } فيما اختلفوا فيه من أمر التوحيد وصحة نبوته - عليه الصلاة والسلام -، فأعرضوا عنه، أو المراد بكتاب الله: التوراة. قال ابن عباس رضي الله عنه: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال:
" على ملة إبراهيم "
قالا: إن إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم:
" فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم "
فأبيا عليه، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في الرجم، على ما يأتي في العقود. { ذلك } الأعراض بسبب اغترارهم وتسهيلهم أمر العقاب، فقالوا: { لن تسمنا النار إلا أياما معدودات } أربعين يوما، قدر عبادتهم العجل، ثم يخلفهم المسلمون، { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } بزعمهم الفاسد وطمعهم الفارغ. يقول الحق جل جلاله: { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } ، وهذا تهويل لشأنهم، واستعظام لما يحيق بهم، { ووفيت كل نفس ما كسبت } من خير أو شر، { وهم لا يظلمون } أي: لا يبخسون من أعمالهم شيئا، فلا ينقص من الحسنات، ولا يزاد على السيئات. وفيه دليل على أن المؤمن لا يخلد في النار. قال ابن عباس: أول راية ترفع لأهل الموقف، ذلك اليوم، راية اليهود، فيفضحم الله تعالى على رؤوس الأشهاد، ثم يؤمر بهم إلى النار. الإشارة: ترى كثيرا ممن ينتسب إلى العلم والدين ينطلق لسانه بدعوى الخصوصية، وأنه منخرط في سلك المقربين، فإذا دعي إلى حق، أو وقف على عيب من عيوب نفسه، أعرض وتولى، وغرته نفسه، وغلبه الهوى، فجعل يحتج لنفسه بما عنده من العلم أو الدين، أو بمن ينتسب إليهم من الصالحين، فكيف يكون حاله إذا أقبل على الله بقلب سقيم، ورأى منازل أهل الصفا، الذين لقوا الله بقلب سليم، حين ترفع درجاتهم مع المقربين، ويبقى هو مع عوام أهل اليمين؟ قال تعالى:
وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
[الزمر: 47] الآية.
آل عمران 3:26
قلت: { اللهم } منادى مبني على الضم، حذفت منه الياء المتضمنة للفرق، وعوضت منها الميم المؤذنة بالجمع، لئلا يبقى بين الداعي والمدعو فرق، و { مالك }: نعت لمحل المنادي لأنه مفعول، ومنادى ثان عند سيبويه، لأن الميم عنده تمتع الوصفية. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد في استنصارك على عدوك: { اللهم } يا { مالك الملك } ملك الدنيا وملك الآخرة، { تؤتي الملك } والنصر { من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } ، فهب لنا ملك الدارين، والنصر على الأعداء في كل أين، وانزع الملك من يد عدونا، وانقله إلينا وإلى من تبعنا إلى يوم الدين. قال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عيله وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله تعالى هذه الآية. { وتعز من تشاء } بالإيمان والطاعة { وتذل من تشاء } بالكفر والمعصية، أو تعز من تشاء بالمعرفة، وتذل من تشاء بالفكرة، أو تعز من تشاء بالقناعة والورع، وتذل من تشاء بالحرص والطمع، أو تعز من تشاء بالتوفيق والإذعان، وتذل من تشاء بالكسل والخذلان، { بيدك الخير } كله، فأعطنا من خيرك الجزيل، وأجرنا من الشر الوبيل، فالأمور كلها بيدك. قال البيضاوي: ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات، والشر مقضي بالعرض إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا. أو لمراعاة الأدب في الخطاب، أو لأن الكلام وقع فيه، إذ روي أنه عليه الصلاة والسلام - لما خط الخندق، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، وأخذوا يحفرون، فظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فجاء عليه الصلاة والسلام، فأخذ المعول منه، فضرب به ضربة صدعها، وبرق منها أضاء ما بين لابتيها، لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر، وكبر معه المسلمون، وقال:
" أضاءت لي منها قصور الحيرة، كأنها أنياب الكلاب، "
ثم ضرب الثانية، فقال:
" أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم "
، ثم ضرب الثالثة، فقال:
" أضاءت لي منها قصور صنعاء، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة على كلها، فأبشروا "
، فقال المنافقون: ألا تعجبون! يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق فنزلت، أي: الآية. ونبه على أن الشر أيضا بيده بقوله: { إنك على كل شيء قدير }. ه. ثم استدل على نفوذ قدرته بقوله: { تولج الليل في النهار } أي: تدخل أحدهما في الآخر بالتعقيب، أو بالزيادة أو النقص، فيولج الليل في النهار، إذا طال النهار حتى يكون خمس عشرة ساعة، وفي الليل تسع، ويولج النهار في الليل، إذا طال الليل كذلك، وفيه دلالة على أن من قدر على ذلك قدر على معاقبة العز بالذل، والملك بنزعه.
{ وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي } كالحيوانات من النطف، وبالعكس، والنباتات من الحبوب، وبالعكس، أو المؤمن من الكافر والعالم من الجاهل، وبالعكس، { وترزق من تشاء } من الأقوات والعلوم والأسرار، { بغير حساب } ، ولا تقدير ولا حصر. اللهم ارزقنا من ذلك الحظ الأوفر، { إنك على كل شيء قدير }.
" روى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا معاذ، أتحب أن يقضي الله عنك دينك؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: قل " { اللهم مالك الملك } إلى قوله: { بغير حساب } ، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء اقض عني ديني، فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا وفضة لأداه الله عنك ".
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: الفاتحة، وآية الكرسي، و { شهد الله } ، و { قل اللهم مالك الملك... } إلى {... بغير حساب } ، لما أراد الله أن ينزلهن، تعلقن بالعرش وقلن: تهبطنا إلى دار الذنوب فقال الله عز وجل:
" وعزتي وجلالي لا يقرؤكن عبد، دبر كل صلاة مكتوبة، إلا أسكنته حظيرة القدس، على ما كان فيه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وقضيت له في كل يوم سبعين حاجة، وأعززته من كل عدو، نصرته عليه... "
الحديث. انظر الثعلبي. الإشارة: من ملك نفسه وهواه فقد ملكه الله ملك الدارين، ومن ملكته نفسه وهواه فقد أذله الله في الدراين ومن ملك نفسه لله فقد مكنه الله من التصرف في الكون بأسره، وكان حرا حقيقة، وفي ذلك يقول الشاعر:
دعوني لملكهم، فلما أجبتهم قالوا: دعوناك للملك لا للملك
ومن أذل نفسه لله فقد أعزه الله، قال الشاعر:
تذلل لمن تهوى لتكسب عزة فكم عزة قد نالها المرء بالذل إذا كان من تهوى عزيزا ولم تكن ذليلا له، فاقر السلام على الوصل
قال ابن المبارك: قلت لسفيان الثوري: من الناس؟ قال: الفقهاء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهادن قلت: فمن الأشراف؟ قال: الأتقياء، قلت: فمن الغوغاء؟ قال: الذين يكتبون الحديث ليستأكلوا به أموال الناس، قلت: أخبرني ما السفلة؟ قال: الظلمة. وقال الشبلي: الملك هو الاستغناء بالمكون عن الكونين. وقال الوراق: تعز من تشاء بقهر النفس ومخالفة الهوى، وتذل من تشاء باتباع الهوى. قلت: وفي ذلك يقول البرعي رضي الله عنه:
لا تتبع النفس في هواها إن اتباع الهوى هوان
وقال وهب: " خرج الغنى والعز يجولان، فلقيا القناعة فاستقرا ". وقال عيسى عليه السلام لأصحابه: أنتم أغنى من الملوك، قالوا: يا روح الله كيف، ولسنا نملك شيئا؟ قال: أنتم ليس عنكم شيء ولا تريدونها، وهم عندهم أشياء ولا تكفيهم ه.
قال الشافعي رضي الله عنه:
ألا يا نفس إن ترضي بقوت فأنت عزيزة أبدا غنيه دعي عنك المطامع والأماني فكم أمنية جلبت منيه
وقال آخر:
أفادتني القناعة كل عز وهل عز أعز من القناعه فصيرها لنفسك رأس مال وصير بعدها التقوى بضاعه تنل عزا وتغنى عن لئيم وترحل للجنان بصبر ساعه
وقال عليه الصلاة والسلام:
" من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ".
تولج ليل القبض في نهار البسط، وتولج نهار البسط في ليل القبض، وترزق من تشاء فيهما من العلوم والأسرار، بغير حساب ولا مقدار، أو تولج ليل العبودية في نهار الحرية، وتولج نهار الحرية في ليلة العبودية، فمن كان في نهار الحرية تاه على الوجود، ومن كان في ليل العبودية عطل ذله ذل اليهود، والعبد لا يخلو من هذين الحالين، يتعاقبان عليه تعاقب الليل والنهار، والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:27
قلت: { اللهم } منادى مبني على الضم، حذفت منه الياء المتضمنة للفرق، وعوضت منها الميم المؤذنة بالجمع، لئلا يبقى بين الداعي والمدعو فرق، و { مالك }: نعت لمحل المنادي لأنه مفعول، ومنادى ثان عند سيبويه، لأن الميم عنده تمتع الوصفية. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد في استنصارك على عدوك: { اللهم } يا { مالك الملك } ملك الدنيا وملك الآخرة، { تؤتي الملك } والنصر { من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } ، فهب لنا ملك الدارين، والنصر على الأعداء في كل أين، وانزع الملك من يد عدونا، وانقله إلينا وإلى من تبعنا إلى يوم الدين. قال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عيله وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله تعالى هذه الآية. { وتعز من تشاء } بالإيمان والطاعة { وتذل من تشاء } بالكفر والمعصية، أو تعز من تشاء بالمعرفة، وتذل من تشاء بالفكرة، أو تعز من تشاء بالقناعة والورع، وتذل من تشاء بالحرص والطمع، أو تعز من تشاء بالتوفيق والإذعان، وتذل من تشاء بالكسل والخذلان، { بيدك الخير } كله، فأعطنا من خيرك الجزيل، وأجرنا من الشر الوبيل، فالأمور كلها بيدك. قال البيضاوي: ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات، والشر مقضي بالعرض إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا. أو لمراعاة الأدب في الخطاب، أو لأن الكلام وقع فيه، إذ روي أنه عليه الصلاة والسلام - لما خط الخندق، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، وأخذوا يحفرون، فظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فجاء عليه الصلاة والسلام، فأخذ المعول منه، فضرب به ضربة صدعها، وبرق منها أضاء ما بين لابتيها، لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر، وكبر معه المسلمون، وقال:
" أضاءت لي منها قصور الحيرة، كأنها أنياب الكلاب، "
ثم ضرب الثانية، فقال:
" أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم "
، ثم ضرب الثالثة، فقال:
" أضاءت لي منها قصور صنعاء، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة على كلها، فأبشروا "
، فقال المنافقون: ألا تعجبون! يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق فنزلت، أي: الآية. ونبه على أن الشر أيضا بيده بقوله: { إنك على كل شيء قدير }. ه. ثم استدل على نفوذ قدرته بقوله: { تولج الليل في النهار } أي: تدخل أحدهما في الآخر بالتعقيب، أو بالزيادة أو النقص، فيولج الليل في النهار، إذا طال النهار حتى يكون خمس عشرة ساعة، وفي الليل تسع، ويولج النهار في الليل، إذا طال الليل كذلك، وفيه دلالة على أن من قدر على ذلك قدر على معاقبة العز بالذل، والملك بنزعه.
{ وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي } كالحيوانات من النطف، وبالعكس، والنباتات من الحبوب، وبالعكس، أو المؤمن من الكافر والعالم من الجاهل، وبالعكس، { وترزق من تشاء } من الأقوات والعلوم والأسرار، { بغير حساب } ، ولا تقدير ولا حصر. اللهم ارزقنا من ذلك الحظ الأوفر، { إنك على كل شيء قدير }.
" روى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا معاذ، أتحب أن يقضي الله عنك دينك؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: قل " { اللهم مالك الملك } إلى قوله: { بغير حساب } ، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء اقض عني ديني، فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا وفضة لأداه الله عنك ".
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: الفاتحة، وآية الكرسي، و { شهد الله } ، و { قل اللهم مالك الملك... } إلى {... بغير حساب } ، لما أراد الله أن ينزلهن، تعلقن بالعرش وقلن: تهبطنا إلى دار الذنوب فقال الله عز وجل:
" وعزتي وجلالي لا يقرؤكن عبد، دبر كل صلاة مكتوبة، إلا أسكنته حظيرة القدس، على ما كان فيه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وقضيت له في كل يوم سبعين حاجة، وأعززته من كل عدو، نصرته عليه... "
الحديث. انظر الثعلبي. الإشارة: من ملك نفسه وهواه فقد ملكه الله ملك الدارين، ومن ملكته نفسه وهواه فقد أذله الله في الدراين ومن ملك نفسه لله فقد مكنه الله من التصرف في الكون بأسره، وكان حرا حقيقة، وفي ذلك يقول الشاعر:
دعوني لملكهم، فلما أجبتهم قالوا: دعوناك للملك لا للملك
ومن أذل نفسه لله فقد أعزه الله، قال الشاعر:
تذلل لمن تهوى لتكسب عزة فكم عزة قد نالها المرء بالذل إذا كان من تهوى عزيزا ولم تكن ذليلا له، فاقر السلام على الوصل
قال ابن المبارك: قلت لسفيان الثوري: من الناس؟ قال: الفقهاء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهادن قلت: فمن الأشراف؟ قال: الأتقياء، قلت: فمن الغوغاء؟ قال: الذين يكتبون الحديث ليستأكلوا به أموال الناس، قلت: أخبرني ما السفلة؟ قال: الظلمة. وقال الشبلي: الملك هو الاستغناء بالمكون عن الكونين. وقال الوراق: تعز من تشاء بقهر النفس ومخالفة الهوى، وتذل من تشاء باتباع الهوى. قلت: وفي ذلك يقول البرعي رضي الله عنه:
لا تتبع النفس في هواها إن اتباع الهوى هوان
وقال وهب: " خرج الغنى والعز يجولان، فلقيا القناعة فاستقرا ". وقال عيسى عليه السلام لأصحابه: أنتم أغنى من الملوك، قالوا: يا روح الله كيف، ولسنا نملك شيئا؟ قال: أنتم ليس عنكم شيء ولا تريدونها، وهم عندهم أشياء ولا تكفيهم ه.
قال الشافعي رضي الله عنه:
ألا يا نفس إن ترضي بقوت فأنت عزيزة أبدا غنيه دعي عنك المطامع والأماني فكم أمنية جلبت منيه
وقال آخر:
أفادتني القناعة كل عز وهل عز أعز من القناعه فصيرها لنفسك رأس مال وصير بعدها التقوى بضاعه تنل عزا وتغنى عن لئيم وترحل للجنان بصبر ساعه
وقال عليه الصلاة والسلام:
" من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ".
تولج ليل القبض في نهار البسط، وتولج نهار البسط في ليل القبض، وترزق من تشاء فيهما من العلوم والأسرار، بغير حساب ولا مقدار، أو تولج ليل العبودية في نهار الحرية، وتولج نهار الحرية في ليلة العبودية، فمن كان في نهار الحرية تاه على الوجود، ومن كان في ليل العبودية عطل ذله ذل اليهود، والعبد لا يخلو من هذين الحالين، يتعاقبان عليه تعاقب الليل والنهار، والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:28
قلت: { تقاة }: مصدر تقى، على وزن فعل، وله مصدران آخران: تقى وتقية - بتشديد الياء -، وبه قرأ بعقوب، وأصله: تقية، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. و { يوم }: ظرف، والعامل فيه: اذكر، أو اتقوا، أو المصير، أو تود، و { ما عملت }: مبتدأ، و { تود }: خبر، أو معطوف على { ما عملت } الأولى، و { تود }: حال. يقول الحق جل جلاله، لقوم من الأنصار، كانوا يوالون اليهود لقرابة أو صداقة تقدمت في الجاهلية: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء } ، أي: أصدقاء، إذ الحب إنما يكون في الله والبغض في الله، أو لا تستعينوا بهم في غزو ولا غيره، فلا تودوهم { من دون المؤمنين } إذ هم أحق بالمودة، ففيهم مندوحة عن مولاة الكفرة، { ومن يفعل ذلك } الاتخاذ { فليس من } ولاية { الله في شيء } إذ لا تجتمع ولاية الله مع ولاية عدوه. قال الشاعر:
تود عدوي ثم تزعم أنني صديقك، ليس النوك عنك بعازب
والنوك - بضم النون -: الحمق. فلا توالوا الكفار { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي: إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، فلا بأس بمداراتهم ظاهرا، والبعد منهم بطنا، كما قال عيسى عليه السلام: كن وسطا وامش جانبا. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: خالطوا الناس وزايلوهم، وصافحوهم بما يشتهون، ودينكم لا تثلموه. وقال جعفر الصادق: إني لأسمع الرجل يشتمني في المسجد، فأستتر منه بالسارية لئلا يراني. ه. { ويحذركم الله نفسه } أي: يخوفكم عذابه على موالاة الكفار ومخالفة أمره وارتكاب نهيه، تقول العرب: احذرنا فلانا: أي: ضرره لا ذاته، وفي ذكر النفس زيادة تهديد يؤذن بعقاب يصدر منه بلا واسطة، { وإلى الله المصير } فيحسر كل قوم من أحب. { قل إن تخفوا ما في صدوركم } من موالاة أعدائه، { أو تبدوه يعلمه الله } فلا يخفى عليه ما تكن الصدور من خير أو شر. وقدم في سورة البقرة الإبداء، وأخره هنا لأن المحاسبة لا ترتيب فيها بخلاف العلم، فإن الأشياء التي تبرز من الإنسان يتقدم إضمارها في قلبه ثم تبرز، فقد تعلق علم الله تعالى بها قبل أن تبرز، فلذلك قدم هنا الإخفاء لتقدم وجوده في الصدر، وأخره في البقرة، لأن المحاسبة لا ترتيب فيها، { ويعلم ما في السماوات وما في الأرض } فلا يخفى عليه شيء، { والله على كل شيء قدير } فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا، والآية بيان لقوله: { ويحذركم الله نفسه } لأن الذات العالية متصفة بعلم محيط بجميع المعلومات، وبقدرة تحيط بجميع المقدورات، فلا تجسروا على عصيانه، فإنه ما من معصية إلا وهو مطلع عليها، قادر على العقاب عليها يوم القيامة.
{ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } بين يديها تنتفع به، { وما عملت من سوء تود له أن بينها وبينه أمدا بعيدا } ، كما بين المشرق والمغرب، ولا ينفع الندم وقد زلت القدم. { ويحذركم الله نفسه } ، كرره للتأكيد وزيادة التحذير، وسيأتي في الإشارة حكمة تكريره، { والله رؤوف بالعباد } حيث حذرهم مما يضرهم، وأمرهم بما يقربهم، فكل ما يصدر منه - سبحانه - في غاية الكمال. الأشارة: لا ينبغي للمريد الصادق أن يخالط أهل الغفلة، ولا يتودد معه فإن ذلك يقطعه عن ربه، ويصده عن دواء قلبه، وفي ذلك يقول صاحب العينية:
وقاطع لمن واصلت أيام غفلة فما واصل العذال إلا مقاطع وجانب جناب الأجنبي لو أنه لقرب انتساب في المنام مضاجع فللنفس من جلاسها كل نسبة ومن خلة للقلب تلك الطبائع
إلا أن يتقي منهم تقية، بحيث تلجئه الضرورة إلى مخالطتهم، فيخالطهم بجسمه ويفارقهم بقلبه، وقد حذر الصوفية من صحبة أربع طوائف: الجبابرة المتكبرون، والقراء المداهنون، والمتفقرة الجاهلون، والعلماء المتجمدون لأنهم مولعون بالطعن على أولياء الله، يرون ذلك قربة تقربهم إلى الله. ثم قال: { ويحذركم الله نفسه } أن تقصدوا معه غيره، وهذا خطاب للسائرين بدليل تعقيبة بقوله: { وإلى الله المصير } أي: إليه ينتهي السير وإليه يكون الوصال، ثم شدد عليهم في المراقبة فقال: { إن تخفوا ما في صدوركم } من الميل أو الركون إلى الغير أو الوقوف عن السير، { أو تبدوه يعلمه الله } فينقص عنكم المدد بقدر ذلك الميل، يظهر ذلك يوم الدخول إلى بلاد المشاهدة، { يوم تجد كل نفس } ما قدمت من المجاهدة، فبقدر المجاهدة تكون المشاهدة. ثم خاطب الواصلين فقال: { ويحذركم الله نفسه } من أن تشهدوا معه سواه، فلو كلف الواصل أن يشهد غيره لم يتسطع، إذ لا غير معه حتى يشهده. ويدل على أن الخطاب هنا للواصلين تعقيبه بالمودة والرأفة، اللائقة بالواصلين المحبوبين العارفين الكاملين. خرطنا الله في سلكهم بمنه وكرمه. ثم لا طريق للوصول إلى هذا كله إلا باتباع الرسول الأعظم.
آل عمران 3:29
قلت: { تقاة }: مصدر تقى، على وزن فعل، وله مصدران آخران: تقى وتقية - بتشديد الياء -، وبه قرأ بعقوب، وأصله: تقية، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. و { يوم }: ظرف، والعامل فيه: اذكر، أو اتقوا، أو المصير، أو تود، و { ما عملت }: مبتدأ، و { تود }: خبر، أو معطوف على { ما عملت } الأولى، و { تود }: حال. يقول الحق جل جلاله، لقوم من الأنصار، كانوا يوالون اليهود لقرابة أو صداقة تقدمت في الجاهلية: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء } ، أي: أصدقاء، إذ الحب إنما يكون في الله والبغض في الله، أو لا تستعينوا بهم في غزو ولا غيره، فلا تودوهم { من دون المؤمنين } إذ هم أحق بالمودة، ففيهم مندوحة عن مولاة الكفرة، { ومن يفعل ذلك } الاتخاذ { فليس من } ولاية { الله في شيء } إذ لا تجتمع ولاية الله مع ولاية عدوه. قال الشاعر:
تود عدوي ثم تزعم أنني صديقك، ليس النوك عنك بعازب
والنوك - بضم النون -: الحمق. فلا توالوا الكفار { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي: إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، فلا بأس بمداراتهم ظاهرا، والبعد منهم بطنا، كما قال عيسى عليه السلام: كن وسطا وامش جانبا. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: خالطوا الناس وزايلوهم، وصافحوهم بما يشتهون، ودينكم لا تثلموه. وقال جعفر الصادق: إني لأسمع الرجل يشتمني في المسجد، فأستتر منه بالسارية لئلا يراني. ه. { ويحذركم الله نفسه } أي: يخوفكم عذابه على موالاة الكفار ومخالفة أمره وارتكاب نهيه، تقول العرب: احذرنا فلانا: أي: ضرره لا ذاته، وفي ذكر النفس زيادة تهديد يؤذن بعقاب يصدر منه بلا واسطة، { وإلى الله المصير } فيحسر كل قوم من أحب. { قل إن تخفوا ما في صدوركم } من موالاة أعدائه، { أو تبدوه يعلمه الله } فلا يخفى عليه ما تكن الصدور من خير أو شر. وقدم في سورة البقرة الإبداء، وأخره هنا لأن المحاسبة لا ترتيب فيها بخلاف العلم، فإن الأشياء التي تبرز من الإنسان يتقدم إضمارها في قلبه ثم تبرز، فقد تعلق علم الله تعالى بها قبل أن تبرز، فلذلك قدم هنا الإخفاء لتقدم وجوده في الصدر، وأخره في البقرة، لأن المحاسبة لا ترتيب فيها، { ويعلم ما في السماوات وما في الأرض } فلا يخفى عليه شيء، { والله على كل شيء قدير } فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا، والآية بيان لقوله: { ويحذركم الله نفسه } لأن الذات العالية متصفة بعلم محيط بجميع المعلومات، وبقدرة تحيط بجميع المقدورات، فلا تجسروا على عصيانه، فإنه ما من معصية إلا وهو مطلع عليها، قادر على العقاب عليها يوم القيامة.
{ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } بين يديها تنتفع به، { وما عملت من سوء تود له أن بينها وبينه أمدا بعيدا } ، كما بين المشرق والمغرب، ولا ينفع الندم وقد زلت القدم. { ويحذركم الله نفسه } ، كرره للتأكيد وزيادة التحذير، وسيأتي في الإشارة حكمة تكريره، { والله رؤوف بالعباد } حيث حذرهم مما يضرهم، وأمرهم بما يقربهم، فكل ما يصدر منه - سبحانه - في غاية الكمال. الأشارة: لا ينبغي للمريد الصادق أن يخالط أهل الغفلة، ولا يتودد معه فإن ذلك يقطعه عن ربه، ويصده عن دواء قلبه، وفي ذلك يقول صاحب العينية:
وقاطع لمن واصلت أيام غفلة فما واصل العذال إلا مقاطع وجانب جناب الأجنبي لو أنه لقرب انتساب في المنام مضاجع فللنفس من جلاسها كل نسبة ومن خلة للقلب تلك الطبائع
إلا أن يتقي منهم تقية، بحيث تلجئه الضرورة إلى مخالطتهم، فيخالطهم بجسمه ويفارقهم بقلبه، وقد حذر الصوفية من صحبة أربع طوائف: الجبابرة المتكبرون، والقراء المداهنون، والمتفقرة الجاهلون، والعلماء المتجمدون لأنهم مولعون بالطعن على أولياء الله، يرون ذلك قربة تقربهم إلى الله. ثم قال: { ويحذركم الله نفسه } أن تقصدوا معه غيره، وهذا خطاب للسائرين بدليل تعقيبة بقوله: { وإلى الله المصير } أي: إليه ينتهي السير وإليه يكون الوصال، ثم شدد عليهم في المراقبة فقال: { إن تخفوا ما في صدوركم } من الميل أو الركون إلى الغير أو الوقوف عن السير، { أو تبدوه يعلمه الله } فينقص عنكم المدد بقدر ذلك الميل، يظهر ذلك يوم الدخول إلى بلاد المشاهدة، { يوم تجد كل نفس } ما قدمت من المجاهدة، فبقدر المجاهدة تكون المشاهدة. ثم خاطب الواصلين فقال: { ويحذركم الله نفسه } من أن تشهدوا معه سواه، فلو كلف الواصل أن يشهد غيره لم يتسطع، إذ لا غير معه حتى يشهده. ويدل على أن الخطاب هنا للواصلين تعقيبه بالمودة والرأفة، اللائقة بالواصلين المحبوبين العارفين الكاملين. خرطنا الله في سلكهم بمنه وكرمه. ثم لا طريق للوصول إلى هذا كله إلا باتباع الرسول الأعظم.
آل عمران 3:30
قلت: { تقاة }: مصدر تقى، على وزن فعل، وله مصدران آخران: تقى وتقية - بتشديد الياء -، وبه قرأ بعقوب، وأصله: تقية، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. و { يوم }: ظرف، والعامل فيه: اذكر، أو اتقوا، أو المصير، أو تود، و { ما عملت }: مبتدأ، و { تود }: خبر، أو معطوف على { ما عملت } الأولى، و { تود }: حال. يقول الحق جل جلاله، لقوم من الأنصار، كانوا يوالون اليهود لقرابة أو صداقة تقدمت في الجاهلية: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء } ، أي: أصدقاء، إذ الحب إنما يكون في الله والبغض في الله، أو لا تستعينوا بهم في غزو ولا غيره، فلا تودوهم { من دون المؤمنين } إذ هم أحق بالمودة، ففيهم مندوحة عن مولاة الكفرة، { ومن يفعل ذلك } الاتخاذ { فليس من } ولاية { الله في شيء } إذ لا تجتمع ولاية الله مع ولاية عدوه. قال الشاعر:
تود عدوي ثم تزعم أنني صديقك، ليس النوك عنك بعازب
والنوك - بضم النون -: الحمق. فلا توالوا الكفار { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي: إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، فلا بأس بمداراتهم ظاهرا، والبعد منهم بطنا، كما قال عيسى عليه السلام: كن وسطا وامش جانبا. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: خالطوا الناس وزايلوهم، وصافحوهم بما يشتهون، ودينكم لا تثلموه. وقال جعفر الصادق: إني لأسمع الرجل يشتمني في المسجد، فأستتر منه بالسارية لئلا يراني. ه. { ويحذركم الله نفسه } أي: يخوفكم عذابه على موالاة الكفار ومخالفة أمره وارتكاب نهيه، تقول العرب: احذرنا فلانا: أي: ضرره لا ذاته، وفي ذكر النفس زيادة تهديد يؤذن بعقاب يصدر منه بلا واسطة، { وإلى الله المصير } فيحسر كل قوم من أحب. { قل إن تخفوا ما في صدوركم } من موالاة أعدائه، { أو تبدوه يعلمه الله } فلا يخفى عليه ما تكن الصدور من خير أو شر. وقدم في سورة البقرة الإبداء، وأخره هنا لأن المحاسبة لا ترتيب فيها بخلاف العلم، فإن الأشياء التي تبرز من الإنسان يتقدم إضمارها في قلبه ثم تبرز، فقد تعلق علم الله تعالى بها قبل أن تبرز، فلذلك قدم هنا الإخفاء لتقدم وجوده في الصدر، وأخره في البقرة، لأن المحاسبة لا ترتيب فيها، { ويعلم ما في السماوات وما في الأرض } فلا يخفى عليه شيء، { والله على كل شيء قدير } فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا، والآية بيان لقوله: { ويحذركم الله نفسه } لأن الذات العالية متصفة بعلم محيط بجميع المعلومات، وبقدرة تحيط بجميع المقدورات، فلا تجسروا على عصيانه، فإنه ما من معصية إلا وهو مطلع عليها، قادر على العقاب عليها يوم القيامة.
{ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } بين يديها تنتفع به، { وما عملت من سوء تود له أن بينها وبينه أمدا بعيدا } ، كما بين المشرق والمغرب، ولا ينفع الندم وقد زلت القدم. { ويحذركم الله نفسه } ، كرره للتأكيد وزيادة التحذير، وسيأتي في الإشارة حكمة تكريره، { والله رؤوف بالعباد } حيث حذرهم مما يضرهم، وأمرهم بما يقربهم، فكل ما يصدر منه - سبحانه - في غاية الكمال. الأشارة: لا ينبغي للمريد الصادق أن يخالط أهل الغفلة، ولا يتودد معه فإن ذلك يقطعه عن ربه، ويصده عن دواء قلبه، وفي ذلك يقول صاحب العينية:
وقاطع لمن واصلت أيام غفلة فما واصل العذال إلا مقاطع وجانب جناب الأجنبي لو أنه لقرب انتساب في المنام مضاجع فللنفس من جلاسها كل نسبة ومن خلة للقلب تلك الطبائع
إلا أن يتقي منهم تقية، بحيث تلجئه الضرورة إلى مخالطتهم، فيخالطهم بجسمه ويفارقهم بقلبه، وقد حذر الصوفية من صحبة أربع طوائف: الجبابرة المتكبرون، والقراء المداهنون، والمتفقرة الجاهلون، والعلماء المتجمدون لأنهم مولعون بالطعن على أولياء الله، يرون ذلك قربة تقربهم إلى الله. ثم قال: { ويحذركم الله نفسه } أن تقصدوا معه غيره، وهذا خطاب للسائرين بدليل تعقيبة بقوله: { وإلى الله المصير } أي: إليه ينتهي السير وإليه يكون الوصال، ثم شدد عليهم في المراقبة فقال: { إن تخفوا ما في صدوركم } من الميل أو الركون إلى الغير أو الوقوف عن السير، { أو تبدوه يعلمه الله } فينقص عنكم المدد بقدر ذلك الميل، يظهر ذلك يوم الدخول إلى بلاد المشاهدة، { يوم تجد كل نفس } ما قدمت من المجاهدة، فبقدر المجاهدة تكون المشاهدة. ثم خاطب الواصلين فقال: { ويحذركم الله نفسه } من أن تشهدوا معه سواه، فلو كلف الواصل أن يشهد غيره لم يتسطع، إذ لا غير معه حتى يشهده. ويدل على أن الخطاب هنا للواصلين تعقيبه بالمودة والرأفة، اللائقة بالواصلين المحبوبين العارفين الكاملين. خرطنا الله في سلكهم بمنه وكرمه. ثم لا طريق للوصول إلى هذا كله إلا باتباع الرسول الأعظم.
آل عمران 3:31
قلت: قد تقدم الكلام على حقيقة المحبة عند قوله: { يحبونهم كحب الله }. وقال البيضاوي هنا: المحبة ميل النفس إلى الشيء لإدراك كمال فيه، بحيث يحملها - أي الميل - إلى ما يقربها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن ما يراه كمالا من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله، لم يكن حبه إلا لله وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته، والحرص على مطاوعته. ه. وقوله: { فإن تولوا }: فعل ماض مجزوم المحل، ولم يدغمه البزي هنا، على عادته في الماضي، لعدم موجبه. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لمن يدعي أنه يحب الله ولا يتبع رسوله: { إن كنتم تحبون الله } كما زعمتم، { فاتبعوني } في أقوالي وأفعالي وأحوالي، { يحببكم الله } أي: يرضى عنكم ويقربكم إليه، { ويغفر لكم ذنوبكم } أي: يكشف الحجاب عن قلوبكم بغفران الذنوب ومحو العيوب، فيقربكم من جناب عزه، ويبوئكم في جوار قدسه، { والله غفور رحيم } لمن تحبب إليه بطاعته واتباع رسوله. { قل أطيعوا الله } فيما يأمركم به وينهاكم عنه، { والرسول } فيما يسنه لكم ويرغبكم فيه، { فإن تولوا } وأعرضوا عنه، فقد تعرضوا لمقت الله وغضبه بكفرهم به { فإن الله لا يحب الكافرين } أي: لا يرضى عنهم ولا يقبل عليهم، وإنما لم يقل: لا يحبهم لقصد العموم، والدلالة على أن التولي عن الرسول كفر، وأنه بريء من محبة الله، وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين. روي أن نصارى نجران قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده، حبا لله وتعظيما لله. فقال تعال: { قل } يا محمد: { إن كنتم تحبون الله } تعالى { فاتبعوني }... الآية. ولما نزلت الآية قال عبد الله بن أبي لأصحابه: إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى، فنزل قوله تعالى: { قل أطيعوا الله والرسول } الآية. وقال - عليه الصلاة والسلام -:
" " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع الإمام فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى الإمام فقد عصاني ".
الإشارة: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ركن من أركان الطريقة، وشرط في إشراق أنوار الحقيقة، فمن لا اتباع له طريق له، ومن لا طريق له لا وصول له، قال الشيخ زروق رضي الله عنه: أصول الطريقة خمسة أشياء: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضرء، والرضى عن الله في القليل والكثير. فالرسول - عليه الصلاة والسلام - حجاب الحضرة وبوابها، فمن أتى من بابه بمحبته واتباعه، دخل الحضرة، وسكن فيها، ومن تنكب عنها طرد وأبعد، وفي ذلك يقول القائل: وأنت باب الله، أي امرىء وافاه منح غيرك لا يدخل وقال في المباحث:
تبعه العالم في الأقوال، والعابد الزاهد في الأفعال وفيهما الصوفي في السباق لكنه قد زاد في الأخلاق
فمن ادعى محبة الله أو محبة رسوله، ولم يطعهما، ولم يتخلق بأخلاقهما، فدعواه كاذبة، وفي ذلك يقول ابن المبارك:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
ثم ذكر الحق تعالى بيان نشأة عيسى عليه السلام، وبيان أصله ونشأة أمه، توطئة للكلام مع النصارى والرد عليهم في اعتقادهم فيه. وقال البيضاوي: لما أوجب الله طاعة الرسل، وبين أنها الجالبة لمحبة الله، عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضا عليها.
آل عمران 3:32
قلت: قد تقدم الكلام على حقيقة المحبة عند قوله: { يحبونهم كحب الله }. وقال البيضاوي هنا: المحبة ميل النفس إلى الشيء لإدراك كمال فيه، بحيث يحملها - أي الميل - إلى ما يقربها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن ما يراه كمالا من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله، لم يكن حبه إلا لله وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته، والحرص على مطاوعته. ه. وقوله: { فإن تولوا }: فعل ماض مجزوم المحل، ولم يدغمه البزي هنا، على عادته في الماضي، لعدم موجبه. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لمن يدعي أنه يحب الله ولا يتبع رسوله: { إن كنتم تحبون الله } كما زعمتم، { فاتبعوني } في أقوالي وأفعالي وأحوالي، { يحببكم الله } أي: يرضى عنكم ويقربكم إليه، { ويغفر لكم ذنوبكم } أي: يكشف الحجاب عن قلوبكم بغفران الذنوب ومحو العيوب، فيقربكم من جناب عزه، ويبوئكم في جوار قدسه، { والله غفور رحيم } لمن تحبب إليه بطاعته واتباع رسوله. { قل أطيعوا الله } فيما يأمركم به وينهاكم عنه، { والرسول } فيما يسنه لكم ويرغبكم فيه، { فإن تولوا } وأعرضوا عنه، فقد تعرضوا لمقت الله وغضبه بكفرهم به { فإن الله لا يحب الكافرين } أي: لا يرضى عنهم ولا يقبل عليهم، وإنما لم يقل: لا يحبهم لقصد العموم، والدلالة على أن التولي عن الرسول كفر، وأنه بريء من محبة الله، وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين. روي أن نصارى نجران قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده، حبا لله وتعظيما لله. فقال تعال: { قل } يا محمد: { إن كنتم تحبون الله } تعالى { فاتبعوني }... الآية. ولما نزلت الآية قال عبد الله بن أبي لأصحابه: إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى، فنزل قوله تعالى: { قل أطيعوا الله والرسول } الآية. وقال - عليه الصلاة والسلام -:
" " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع الإمام فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى الإمام فقد عصاني ".
الإشارة: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ركن من أركان الطريقة، وشرط في إشراق أنوار الحقيقة، فمن لا اتباع له طريق له، ومن لا طريق له لا وصول له، قال الشيخ زروق رضي الله عنه: أصول الطريقة خمسة أشياء: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضرء، والرضى عن الله في القليل والكثير. فالرسول - عليه الصلاة والسلام - حجاب الحضرة وبوابها، فمن أتى من بابه بمحبته واتباعه، دخل الحضرة، وسكن فيها، ومن تنكب عنها طرد وأبعد، وفي ذلك يقول القائل: وأنت باب الله، أي امرىء وافاه منح غيرك لا يدخل وقال في المباحث:
تبعه العالم في الأقوال، والعابد الزاهد في الأفعال وفيهما الصوفي في السباق لكنه قد زاد في الأخلاق
فمن ادعى محبة الله أو محبة رسوله، ولم يطعهما، ولم يتخلق بأخلاقهما، فدعواه كاذبة، وفي ذلك يقول ابن المبارك:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
ثم ذكر الحق تعالى بيان نشأة عيسى عليه السلام، وبيان أصله ونشأة أمه، توطئة للكلام مع النصارى والرد عليهم في اعتقادهم فيه. وقال البيضاوي: لما أوجب الله طاعة الرسل، وبين أنها الجالبة لمحبة الله، عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضا عليها.
آل عمران 3:33
قلت: { ذرية }: حال، أبو بدل من الآلين، أو من نوح، أي: أنهم ذرية واحد متشعبة بعضها من بعض. و { إذ قالت }: ظرف لعليم، أو بإضمار اذكر. و { محررا }: حال، والتحرير: التخلص، يقال: حررت العبد، إذا خلصته من الرق، وحررت الكتاب، إذا أصلحته وأخلصته، ولم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاح، ورجل حر، أي: خالص، ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحر، أي: الخالص من الحمأة. وقوله: { وإني سميتها مريم }: عطف على { إني وضعتها } ، وما بينهما اعتراض، من كلامها على قراءة التكلم، أو من كلام الله على قراءة التأنيث. يقول الحق جل جلاله: { إن الله اصطفى آدم } بالخلافة والرسالة، { ونوحا } بالرسالة والنذارة، { وآل إبراهيم } بالنبوة والرسالة، وهم: إسحاق، ويعقوب والأسباط، وإسماعيل، وولده سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة والمحبة الجامعة. { وآل عمران } ، وهم موسى وهارون - عليهما السلام - وهو عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب، أو المراد بعمران: عمران بن أشهم بن أموي، من ولد سليمان عليه السلام، وهو والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل: المراد عمران بن ماثان، أحد أجداد عمران والد مريم. وإنما خص هؤلاء لأن الأنبياء كلهم من نسلهم. وقيل: أراد إبراهيم وعمران أنفسهما. " وآل " مقحمة، كقوله:
وبقية مما ترك ءال موسى وءال هارون
[البقرة: 248] أي: موسى وهارون، فقد فضل الحق - جل جلاله - هؤلاء الأنبياء بالخصائص الجسمانية والروحانية { على العالمين } أي: كلا على عالمي زمانه، وبه استدل على فضلهم على الملائكة. حال كونهم { ذرية } متشعبة { بعضها من } ولد { بعض } في النسب والدين، { والله سميع } لأقوال العباد وأعمالهم، { عليم } بسرائرهم وعلانيتهم، فيصطفي من صفا قوله وعمله، وخلص سره، للرسالة والنبوة. ثم تخلص لذكر نشأة مريم، توطئة لذكر ولدها، فقال: واذكر { إذ قالت امرأة عمران } وهي حنة بنت فاقوذا، جدة عيسى عليه السلام: { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } لخدمة بيت المقدس، لا أشغله بشيء، أو مخلصا للعبادة، { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } ، وكان المحرر عندهم، إذا حرر، جعل في الكنيسة يقوم عليها وينكسها، ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير، فإن أحب أقام أو ذهب حيث شاء، ولم يكن يحرر إلا الغلمان لأن الجارية لا تصلح للخدمة لما يصيبها من حيض، فحررت أم مريم حملها تدر ما هو. وقصة ذلك: أن زكريا وعمران تزوجا أختين، فتزوج زكريا أشياع بنت فاقوذا، وتزوج عمران حنة بنت فاقوذا، فكان عيسى ويحيى ابني الخالة، وكانت حنة عاقرا لا تلد، فبينما هي في ظل شجرة، بصرت بطائر يطعم فرخا. فتحركت لذلك نفسها للولد فدعت الله تعالى، وقالت: اللهم لك علي، إن رزقتني ولدا، أن أتصدق به على بيت المقدس، يكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم، فهلك عمران، وحنة حامل بمريم، { فلما وضعتها } أي: النذيرة، أو ما في بطنها، قالت: { رب إني وضعتها أنثى } ، قالت ذلك تحسرا وتحزنا إلى ربها، لأنها كانت ترجوا أن تلد ذكرا يصلح للخدمة، ولذلك نذرته.
قال تعالى: { والله أعلم بما وضعت } ، تعظيما لموضوعها وتنويها بشأنها، أو من كلامها - على قراءة التكلم - تسلية لنفسها، أي: ولعل لله فيه سرا، قال تعالى: { وليس الذكر كالأنثى } أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، أو من كلامها، أي: وليس الذكر والأنثى سيان فما نذرت. ثم قالت: { وإني سميتها مريم } راجية أن يطابق اسمها فعلها، فإن مريم في نعتهم في العابدة الخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ".
ثم قالت حنة أم مريم: { وإني أعيذها بك } أي: أحصنها بك { وذريتها من الشيطان الرجيم } أي: المرجوم بالشهب، أو المطرود، وفي الحديث:
" ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه، إلا مريم وابنها "
ومعناه: أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود، بحيث يتأثر به، إلا مريم وابنها لمكان الاستعاذة، قلت: وكذا الأنبياء كلهم، لا يمسهم لمكان العصمة. والله أعلم. { فتقبلها ربها } أي: رضيها في النذر مكان الذكر، { بقبول حسن } أي: بوجه حسن، وهو إقامتها مقام الذكر، وتسلمها للخدمة عقب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة، روي: أن حنة لما ولدتها لفتها في خرقة، وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار، وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها، فأنها كانت ابنة إمامهم، وصاحب قربانهم، فإن بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين، فانطلقوا إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فطفا قلم زكريا - أي: علا - على وجه الماء، ورسبت أقلامهم، فأخذها زكريا. { وأنبتها } الله { نباتا حسنا } أي: رباها تربية حسنة، فكانت تشب في اليوم ما يشب المولود في العام، { وكفلها زكريا } أي: ضمها إليه وقام بأمرها. وقرأ عاصم - في رواية ابن عياش - بشد الفاء، أي: وكفلها الله زكريا، أي: جعله كافلا لها وحاضنا. روي: أنه لما ضمها إليه بنى لها بيتا، واسترضع لها، فلما بلغت، بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطه لا يرقى إليها إلا بسلم، ولا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب.
{ كلما دخل عليها زكريا المحراب } ليأتيها بطعامها، { وجد عندها رزقا } أي: فاكهة في غير حينها، يجد فاكهة الشتاء في الصيف، وبالعكس، { قال يا مريم أنى لك هذا } أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه، والأبواب مغلقة عليك؟ { قالت هو من عند الله } فلا يستبعد، قيل: تكلمت صغيرة، وقيل: لم ترضع ثديا قط، خلاف ما تقدم، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة. ثم قالت: { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } أي: بغير تقدير، أو بغير استحقاق تفضلا منه، وقوله: { كلما }: يقتضي التكرار، وفيه إشارة إلى أن زكريا لم يذر تعهدها، ولم يعتمد على ما كان يجد عندها، بل كان يتفقد حالها كل وقت، لأن الكرامات للأولياء ليس مما يجب أن تدوم قطعا، بل يجوز أن يظهر ذلك عليهم دائما وألا يظهر، فما كان زكريا معتمدا على ذلك، فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدد السؤال بقوله: { يا مريم أنى لك هذا } ، لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمسن فإنه لا واجب على الله - سبحانه - قاله القشيري. روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم الطعام، فقام في منازل أزواجه، فلم يصب عندهم شيئا، فأتى فاطمة فقال:
" يا بنية، هل عندك شيء؟ "
فقالت: لا والله، بأبي أنت وأمي، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، بعثت إليها جارتها برغيفين وبضعة لحم، فبعثت حسنا وحسينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء، فكشفت له الجفنة، فإذا الجفنة مملوءة خبزا ولحما، فبهتت، وعرفت أنها بركة من الله تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أين لك هذا يا بنية؟ " قالت: { من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } ، فحمد الله تعالى، وقال:
" الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا قالت: { هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } "
ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه. ثم أكل أهل البيت كلهم، وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت على الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرا. انتهى. الإشارة: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } ، إنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس أنواره، وجددوه بعد خمود أسراره، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء، فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية، بحيث يجدد للناس دينهم، ويبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق، فهو ممن اصطفاه الله على عالمي زمانه.
وفي الحيدث:
" إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها "
قال الحريري: مات الحسن البصري عشية جمعة - أي: بعد زوالها - فلما صلى الناس الجمعة حملوه، فلم يترك الناس صلاة العصر في مسجد الجماعة بالبصرة منذ كان الإسلام، إلا يوم مات الحسن، واتبع الناس جنازته، فلم يحضر أحد في المسجد صلاة العصر، قال: وسمعت مناديا ينادي: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } ، واصطفى الحسن على أهل زمانه. قلت: والحسن البصري هو الذي أظهر علم التصوف، وتكلم فيه وهذبه. قال في القوت: وهو إمامنا في هذا العلم - يعني علم التصوف. وقوله تعالى: { إذ قالت امرأة عمران }... الآية. كل من ذنر نفسه وحررها لخدمة مولاه، تقبلها الله منه بقبول حسن، وأنبت فيها المعرفة نباتا حسنا، وكفلها بحفظه ورعايته، وضمها إليه بسابق عنايته، ورزقها من طرف الحكم وفواكه العلوم، مما لا يتحيط به العقول وغاية الفهوم، فإذا قال لنفسه: من أين لك هذا؟ { قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب }. وأنشدوا:
فلا عمل مني إليه اكتسبته سوى محض فضل، لا بشيء يعلل
وقال القشيري: قوله تعالى: { فتقبلها ربها بقبول حسن } ، يقال: من القبول الحسن أنه لم يطرح كلها وشغلها على زكريا، فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعاهدها بطعام وجد عندها رزقا، ليعلم العالمون أن الله - تعالى - لا يلقى شغل أوليائه على غيره، ومن خدم وليا من أوليائه كان هو في رفق الولي، وهذه إشارة لمن يخدم الفقراء، يعلم أنه في رفقهم، لا أن الفقراء تحت رفقه. ه. قال أهل التفسير: فلما رأى زكريا ما يأتي لمريم من الفواكه في غير أوانها، قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها، قادر على أن يصلح زوجتي، ويهب لي ولدا على الكبر. فطلب الولد.
آل عمران 3:34
قلت: { ذرية }: حال، أبو بدل من الآلين، أو من نوح، أي: أنهم ذرية واحد متشعبة بعضها من بعض. و { إذ قالت }: ظرف لعليم، أو بإضمار اذكر. و { محررا }: حال، والتحرير: التخلص، يقال: حررت العبد، إذا خلصته من الرق، وحررت الكتاب، إذا أصلحته وأخلصته، ولم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاح، ورجل حر، أي: خالص، ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحر، أي: الخالص من الحمأة. وقوله: { وإني سميتها مريم }: عطف على { إني وضعتها } ، وما بينهما اعتراض، من كلامها على قراءة التكلم، أو من كلام الله على قراءة التأنيث. يقول الحق جل جلاله: { إن الله اصطفى آدم } بالخلافة والرسالة، { ونوحا } بالرسالة والنذارة، { وآل إبراهيم } بالنبوة والرسالة، وهم: إسحاق، ويعقوب والأسباط، وإسماعيل، وولده سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة والمحبة الجامعة. { وآل عمران } ، وهم موسى وهارون - عليهما السلام - وهو عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب، أو المراد بعمران: عمران بن أشهم بن أموي، من ولد سليمان عليه السلام، وهو والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل: المراد عمران بن ماثان، أحد أجداد عمران والد مريم. وإنما خص هؤلاء لأن الأنبياء كلهم من نسلهم. وقيل: أراد إبراهيم وعمران أنفسهما. " وآل " مقحمة، كقوله:
وبقية مما ترك ءال موسى وءال هارون
[البقرة: 248] أي: موسى وهارون، فقد فضل الحق - جل جلاله - هؤلاء الأنبياء بالخصائص الجسمانية والروحانية { على العالمين } أي: كلا على عالمي زمانه، وبه استدل على فضلهم على الملائكة. حال كونهم { ذرية } متشعبة { بعضها من } ولد { بعض } في النسب والدين، { والله سميع } لأقوال العباد وأعمالهم، { عليم } بسرائرهم وعلانيتهم، فيصطفي من صفا قوله وعمله، وخلص سره، للرسالة والنبوة. ثم تخلص لذكر نشأة مريم، توطئة لذكر ولدها، فقال: واذكر { إذ قالت امرأة عمران } وهي حنة بنت فاقوذا، جدة عيسى عليه السلام: { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } لخدمة بيت المقدس، لا أشغله بشيء، أو مخلصا للعبادة، { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } ، وكان المحرر عندهم، إذا حرر، جعل في الكنيسة يقوم عليها وينكسها، ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير، فإن أحب أقام أو ذهب حيث شاء، ولم يكن يحرر إلا الغلمان لأن الجارية لا تصلح للخدمة لما يصيبها من حيض، فحررت أم مريم حملها تدر ما هو. وقصة ذلك: أن زكريا وعمران تزوجا أختين، فتزوج زكريا أشياع بنت فاقوذا، وتزوج عمران حنة بنت فاقوذا، فكان عيسى ويحيى ابني الخالة، وكانت حنة عاقرا لا تلد، فبينما هي في ظل شجرة، بصرت بطائر يطعم فرخا. فتحركت لذلك نفسها للولد فدعت الله تعالى، وقالت: اللهم لك علي، إن رزقتني ولدا، أن أتصدق به على بيت المقدس، يكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم، فهلك عمران، وحنة حامل بمريم، { فلما وضعتها } أي: النذيرة، أو ما في بطنها، قالت: { رب إني وضعتها أنثى } ، قالت ذلك تحسرا وتحزنا إلى ربها، لأنها كانت ترجوا أن تلد ذكرا يصلح للخدمة، ولذلك نذرته.
قال تعالى: { والله أعلم بما وضعت } ، تعظيما لموضوعها وتنويها بشأنها، أو من كلامها - على قراءة التكلم - تسلية لنفسها، أي: ولعل لله فيه سرا، قال تعالى: { وليس الذكر كالأنثى } أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، أو من كلامها، أي: وليس الذكر والأنثى سيان فما نذرت. ثم قالت: { وإني سميتها مريم } راجية أن يطابق اسمها فعلها، فإن مريم في نعتهم في العابدة الخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ".
ثم قالت حنة أم مريم: { وإني أعيذها بك } أي: أحصنها بك { وذريتها من الشيطان الرجيم } أي: المرجوم بالشهب، أو المطرود، وفي الحديث:
" ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه، إلا مريم وابنها "
ومعناه: أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود، بحيث يتأثر به، إلا مريم وابنها لمكان الاستعاذة، قلت: وكذا الأنبياء كلهم، لا يمسهم لمكان العصمة. والله أعلم. { فتقبلها ربها } أي: رضيها في النذر مكان الذكر، { بقبول حسن } أي: بوجه حسن، وهو إقامتها مقام الذكر، وتسلمها للخدمة عقب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة، روي: أن حنة لما ولدتها لفتها في خرقة، وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار، وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها، فأنها كانت ابنة إمامهم، وصاحب قربانهم، فإن بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين، فانطلقوا إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فطفا قلم زكريا - أي: علا - على وجه الماء، ورسبت أقلامهم، فأخذها زكريا. { وأنبتها } الله { نباتا حسنا } أي: رباها تربية حسنة، فكانت تشب في اليوم ما يشب المولود في العام، { وكفلها زكريا } أي: ضمها إليه وقام بأمرها. وقرأ عاصم - في رواية ابن عياش - بشد الفاء، أي: وكفلها الله زكريا، أي: جعله كافلا لها وحاضنا. روي: أنه لما ضمها إليه بنى لها بيتا، واسترضع لها، فلما بلغت، بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطه لا يرقى إليها إلا بسلم، ولا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب.
{ كلما دخل عليها زكريا المحراب } ليأتيها بطعامها، { وجد عندها رزقا } أي: فاكهة في غير حينها، يجد فاكهة الشتاء في الصيف، وبالعكس، { قال يا مريم أنى لك هذا } أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه، والأبواب مغلقة عليك؟ { قالت هو من عند الله } فلا يستبعد، قيل: تكلمت صغيرة، وقيل: لم ترضع ثديا قط، خلاف ما تقدم، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة. ثم قالت: { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } أي: بغير تقدير، أو بغير استحقاق تفضلا منه، وقوله: { كلما }: يقتضي التكرار، وفيه إشارة إلى أن زكريا لم يذر تعهدها، ولم يعتمد على ما كان يجد عندها، بل كان يتفقد حالها كل وقت، لأن الكرامات للأولياء ليس مما يجب أن تدوم قطعا، بل يجوز أن يظهر ذلك عليهم دائما وألا يظهر، فما كان زكريا معتمدا على ذلك، فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدد السؤال بقوله: { يا مريم أنى لك هذا } ، لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمسن فإنه لا واجب على الله - سبحانه - قاله القشيري. روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم الطعام، فقام في منازل أزواجه، فلم يصب عندهم شيئا، فأتى فاطمة فقال:
" يا بنية، هل عندك شيء؟ "
فقالت: لا والله، بأبي أنت وأمي، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، بعثت إليها جارتها برغيفين وبضعة لحم، فبعثت حسنا وحسينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء، فكشفت له الجفنة، فإذا الجفنة مملوءة خبزا ولحما، فبهتت، وعرفت أنها بركة من الله تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أين لك هذا يا بنية؟ " قالت: { من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } ، فحمد الله تعالى، وقال:
" الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا قالت: { هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } "
ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه. ثم أكل أهل البيت كلهم، وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت على الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرا. انتهى. الإشارة: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } ، إنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس أنواره، وجددوه بعد خمود أسراره، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء، فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية، بحيث يجدد للناس دينهم، ويبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق، فهو ممن اصطفاه الله على عالمي زمانه.
وفي الحيدث:
" إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها "
قال الحريري: مات الحسن البصري عشية جمعة - أي: بعد زوالها - فلما صلى الناس الجمعة حملوه، فلم يترك الناس صلاة العصر في مسجد الجماعة بالبصرة منذ كان الإسلام، إلا يوم مات الحسن، واتبع الناس جنازته، فلم يحضر أحد في المسجد صلاة العصر، قال: وسمعت مناديا ينادي: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } ، واصطفى الحسن على أهل زمانه. قلت: والحسن البصري هو الذي أظهر علم التصوف، وتكلم فيه وهذبه. قال في القوت: وهو إمامنا في هذا العلم - يعني علم التصوف. وقوله تعالى: { إذ قالت امرأة عمران }... الآية. كل من ذنر نفسه وحررها لخدمة مولاه، تقبلها الله منه بقبول حسن، وأنبت فيها المعرفة نباتا حسنا، وكفلها بحفظه ورعايته، وضمها إليه بسابق عنايته، ورزقها من طرف الحكم وفواكه العلوم، مما لا يتحيط به العقول وغاية الفهوم، فإذا قال لنفسه: من أين لك هذا؟ { قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب }. وأنشدوا:
فلا عمل مني إليه اكتسبته سوى محض فضل، لا بشيء يعلل
وقال القشيري: قوله تعالى: { فتقبلها ربها بقبول حسن } ، يقال: من القبول الحسن أنه لم يطرح كلها وشغلها على زكريا، فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعاهدها بطعام وجد عندها رزقا، ليعلم العالمون أن الله - تعالى - لا يلقى شغل أوليائه على غيره، ومن خدم وليا من أوليائه كان هو في رفق الولي، وهذه إشارة لمن يخدم الفقراء، يعلم أنه في رفقهم، لا أن الفقراء تحت رفقه. ه. قال أهل التفسير: فلما رأى زكريا ما يأتي لمريم من الفواكه في غير أوانها، قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها، قادر على أن يصلح زوجتي، ويهب لي ولدا على الكبر. فطلب الولد.
آل عمران 3:35
قلت: { ذرية }: حال، أبو بدل من الآلين، أو من نوح، أي: أنهم ذرية واحد متشعبة بعضها من بعض. و { إذ قالت }: ظرف لعليم، أو بإضمار اذكر. و { محررا }: حال، والتحرير: التخلص، يقال: حررت العبد، إذا خلصته من الرق، وحررت الكتاب، إذا أصلحته وأخلصته، ولم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاح، ورجل حر، أي: خالص، ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحر، أي: الخالص من الحمأة. وقوله: { وإني سميتها مريم }: عطف على { إني وضعتها } ، وما بينهما اعتراض، من كلامها على قراءة التكلم، أو من كلام الله على قراءة التأنيث. يقول الحق جل جلاله: { إن الله اصطفى آدم } بالخلافة والرسالة، { ونوحا } بالرسالة والنذارة، { وآل إبراهيم } بالنبوة والرسالة، وهم: إسحاق، ويعقوب والأسباط، وإسماعيل، وولده سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة والمحبة الجامعة. { وآل عمران } ، وهم موسى وهارون - عليهما السلام - وهو عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب، أو المراد بعمران: عمران بن أشهم بن أموي، من ولد سليمان عليه السلام، وهو والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل: المراد عمران بن ماثان، أحد أجداد عمران والد مريم. وإنما خص هؤلاء لأن الأنبياء كلهم من نسلهم. وقيل: أراد إبراهيم وعمران أنفسهما. " وآل " مقحمة، كقوله:
وبقية مما ترك ءال موسى وءال هارون
[البقرة: 248] أي: موسى وهارون، فقد فضل الحق - جل جلاله - هؤلاء الأنبياء بالخصائص الجسمانية والروحانية { على العالمين } أي: كلا على عالمي زمانه، وبه استدل على فضلهم على الملائكة. حال كونهم { ذرية } متشعبة { بعضها من } ولد { بعض } في النسب والدين، { والله سميع } لأقوال العباد وأعمالهم، { عليم } بسرائرهم وعلانيتهم، فيصطفي من صفا قوله وعمله، وخلص سره، للرسالة والنبوة. ثم تخلص لذكر نشأة مريم، توطئة لذكر ولدها، فقال: واذكر { إذ قالت امرأة عمران } وهي حنة بنت فاقوذا، جدة عيسى عليه السلام: { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } لخدمة بيت المقدس، لا أشغله بشيء، أو مخلصا للعبادة، { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } ، وكان المحرر عندهم، إذا حرر، جعل في الكنيسة يقوم عليها وينكسها، ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير، فإن أحب أقام أو ذهب حيث شاء، ولم يكن يحرر إلا الغلمان لأن الجارية لا تصلح للخدمة لما يصيبها من حيض، فحررت أم مريم حملها تدر ما هو. وقصة ذلك: أن زكريا وعمران تزوجا أختين، فتزوج زكريا أشياع بنت فاقوذا، وتزوج عمران حنة بنت فاقوذا، فكان عيسى ويحيى ابني الخالة، وكانت حنة عاقرا لا تلد، فبينما هي في ظل شجرة، بصرت بطائر يطعم فرخا. فتحركت لذلك نفسها للولد فدعت الله تعالى، وقالت: اللهم لك علي، إن رزقتني ولدا، أن أتصدق به على بيت المقدس، يكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم، فهلك عمران، وحنة حامل بمريم، { فلما وضعتها } أي: النذيرة، أو ما في بطنها، قالت: { رب إني وضعتها أنثى } ، قالت ذلك تحسرا وتحزنا إلى ربها، لأنها كانت ترجوا أن تلد ذكرا يصلح للخدمة، ولذلك نذرته.
قال تعالى: { والله أعلم بما وضعت } ، تعظيما لموضوعها وتنويها بشأنها، أو من كلامها - على قراءة التكلم - تسلية لنفسها، أي: ولعل لله فيه سرا، قال تعالى: { وليس الذكر كالأنثى } أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، أو من كلامها، أي: وليس الذكر والأنثى سيان فما نذرت. ثم قالت: { وإني سميتها مريم } راجية أن يطابق اسمها فعلها، فإن مريم في نعتهم في العابدة الخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ".
ثم قالت حنة أم مريم: { وإني أعيذها بك } أي: أحصنها بك { وذريتها من الشيطان الرجيم } أي: المرجوم بالشهب، أو المطرود، وفي الحديث:
" ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه، إلا مريم وابنها "
ومعناه: أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود، بحيث يتأثر به، إلا مريم وابنها لمكان الاستعاذة، قلت: وكذا الأنبياء كلهم، لا يمسهم لمكان العصمة. والله أعلم. { فتقبلها ربها } أي: رضيها في النذر مكان الذكر، { بقبول حسن } أي: بوجه حسن، وهو إقامتها مقام الذكر، وتسلمها للخدمة عقب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة، روي: أن حنة لما ولدتها لفتها في خرقة، وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار، وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها، فأنها كانت ابنة إمامهم، وصاحب قربانهم، فإن بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين، فانطلقوا إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فطفا قلم زكريا - أي: علا - على وجه الماء، ورسبت أقلامهم، فأخذها زكريا. { وأنبتها } الله { نباتا حسنا } أي: رباها تربية حسنة، فكانت تشب في اليوم ما يشب المولود في العام، { وكفلها زكريا } أي: ضمها إليه وقام بأمرها. وقرأ عاصم - في رواية ابن عياش - بشد الفاء، أي: وكفلها الله زكريا، أي: جعله كافلا لها وحاضنا. روي: أنه لما ضمها إليه بنى لها بيتا، واسترضع لها، فلما بلغت، بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطه لا يرقى إليها إلا بسلم، ولا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب.
{ كلما دخل عليها زكريا المحراب } ليأتيها بطعامها، { وجد عندها رزقا } أي: فاكهة في غير حينها، يجد فاكهة الشتاء في الصيف، وبالعكس، { قال يا مريم أنى لك هذا } أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه، والأبواب مغلقة عليك؟ { قالت هو من عند الله } فلا يستبعد، قيل: تكلمت صغيرة، وقيل: لم ترضع ثديا قط، خلاف ما تقدم، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة. ثم قالت: { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } أي: بغير تقدير، أو بغير استحقاق تفضلا منه، وقوله: { كلما }: يقتضي التكرار، وفيه إشارة إلى أن زكريا لم يذر تعهدها، ولم يعتمد على ما كان يجد عندها، بل كان يتفقد حالها كل وقت، لأن الكرامات للأولياء ليس مما يجب أن تدوم قطعا، بل يجوز أن يظهر ذلك عليهم دائما وألا يظهر، فما كان زكريا معتمدا على ذلك، فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدد السؤال بقوله: { يا مريم أنى لك هذا } ، لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمسن فإنه لا واجب على الله - سبحانه - قاله القشيري. روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم الطعام، فقام في منازل أزواجه، فلم يصب عندهم شيئا، فأتى فاطمة فقال:
" يا بنية، هل عندك شيء؟ "
فقالت: لا والله، بأبي أنت وأمي، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، بعثت إليها جارتها برغيفين وبضعة لحم، فبعثت حسنا وحسينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء، فكشفت له الجفنة، فإذا الجفنة مملوءة خبزا ولحما، فبهتت، وعرفت أنها بركة من الله تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أين لك هذا يا بنية؟ " قالت: { من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } ، فحمد الله تعالى، وقال:
" الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا قالت: { هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } "
ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه. ثم أكل أهل البيت كلهم، وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت على الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرا. انتهى. الإشارة: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } ، إنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس أنواره، وجددوه بعد خمود أسراره، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء، فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية، بحيث يجدد للناس دينهم، ويبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق، فهو ممن اصطفاه الله على عالمي زمانه.
وفي الحيدث:
" إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها "
قال الحريري: مات الحسن البصري عشية جمعة - أي: بعد زوالها - فلما صلى الناس الجمعة حملوه، فلم يترك الناس صلاة العصر في مسجد الجماعة بالبصرة منذ كان الإسلام، إلا يوم مات الحسن، واتبع الناس جنازته، فلم يحضر أحد في المسجد صلاة العصر، قال: وسمعت مناديا ينادي: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } ، واصطفى الحسن على أهل زمانه. قلت: والحسن البصري هو الذي أظهر علم التصوف، وتكلم فيه وهذبه. قال في القوت: وهو إمامنا في هذا العلم - يعني علم التصوف. وقوله تعالى: { إذ قالت امرأة عمران }... الآية. كل من ذنر نفسه وحررها لخدمة مولاه، تقبلها الله منه بقبول حسن، وأنبت فيها المعرفة نباتا حسنا، وكفلها بحفظه ورعايته، وضمها إليه بسابق عنايته، ورزقها من طرف الحكم وفواكه العلوم، مما لا يتحيط به العقول وغاية الفهوم، فإذا قال لنفسه: من أين لك هذا؟ { قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب }. وأنشدوا:
فلا عمل مني إليه اكتسبته سوى محض فضل، لا بشيء يعلل
وقال القشيري: قوله تعالى: { فتقبلها ربها بقبول حسن } ، يقال: من القبول الحسن أنه لم يطرح كلها وشغلها على زكريا، فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعاهدها بطعام وجد عندها رزقا، ليعلم العالمون أن الله - تعالى - لا يلقى شغل أوليائه على غيره، ومن خدم وليا من أوليائه كان هو في رفق الولي، وهذه إشارة لمن يخدم الفقراء، يعلم أنه في رفقهم، لا أن الفقراء تحت رفقه. ه. قال أهل التفسير: فلما رأى زكريا ما يأتي لمريم من الفواكه في غير أوانها، قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها، قادر على أن يصلح زوجتي، ويهب لي ولدا على الكبر. فطلب الولد.
آل عمران 3:36
قلت: { ذرية }: حال، أبو بدل من الآلين، أو من نوح، أي: أنهم ذرية واحد متشعبة بعضها من بعض. و { إذ قالت }: ظرف لعليم، أو بإضمار اذكر. و { محررا }: حال، والتحرير: التخلص، يقال: حررت العبد، إذا خلصته من الرق، وحررت الكتاب، إذا أصلحته وأخلصته، ولم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاح، ورجل حر، أي: خالص، ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحر، أي: الخالص من الحمأة. وقوله: { وإني سميتها مريم }: عطف على { إني وضعتها } ، وما بينهما اعتراض، من كلامها على قراءة التكلم، أو من كلام الله على قراءة التأنيث. يقول الحق جل جلاله: { إن الله اصطفى آدم } بالخلافة والرسالة، { ونوحا } بالرسالة والنذارة، { وآل إبراهيم } بالنبوة والرسالة، وهم: إسحاق، ويعقوب والأسباط، وإسماعيل، وولده سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة والمحبة الجامعة. { وآل عمران } ، وهم موسى وهارون - عليهما السلام - وهو عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب، أو المراد بعمران: عمران بن أشهم بن أموي، من ولد سليمان عليه السلام، وهو والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل: المراد عمران بن ماثان، أحد أجداد عمران والد مريم. وإنما خص هؤلاء لأن الأنبياء كلهم من نسلهم. وقيل: أراد إبراهيم وعمران أنفسهما. " وآل " مقحمة، كقوله:
وبقية مما ترك ءال موسى وءال هارون
[البقرة: 248] أي: موسى وهارون، فقد فضل الحق - جل جلاله - هؤلاء الأنبياء بالخصائص الجسمانية والروحانية { على العالمين } أي: كلا على عالمي زمانه، وبه استدل على فضلهم على الملائكة. حال كونهم { ذرية } متشعبة { بعضها من } ولد { بعض } في النسب والدين، { والله سميع } لأقوال العباد وأعمالهم، { عليم } بسرائرهم وعلانيتهم، فيصطفي من صفا قوله وعمله، وخلص سره، للرسالة والنبوة. ثم تخلص لذكر نشأة مريم، توطئة لذكر ولدها، فقال: واذكر { إذ قالت امرأة عمران } وهي حنة بنت فاقوذا، جدة عيسى عليه السلام: { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } لخدمة بيت المقدس، لا أشغله بشيء، أو مخلصا للعبادة، { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } ، وكان المحرر عندهم، إذا حرر، جعل في الكنيسة يقوم عليها وينكسها، ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير، فإن أحب أقام أو ذهب حيث شاء، ولم يكن يحرر إلا الغلمان لأن الجارية لا تصلح للخدمة لما يصيبها من حيض، فحررت أم مريم حملها تدر ما هو. وقصة ذلك: أن زكريا وعمران تزوجا أختين، فتزوج زكريا أشياع بنت فاقوذا، وتزوج عمران حنة بنت فاقوذا، فكان عيسى ويحيى ابني الخالة، وكانت حنة عاقرا لا تلد، فبينما هي في ظل شجرة، بصرت بطائر يطعم فرخا. فتحركت لذلك نفسها للولد فدعت الله تعالى، وقالت: اللهم لك علي، إن رزقتني ولدا، أن أتصدق به على بيت المقدس، يكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم، فهلك عمران، وحنة حامل بمريم، { فلما وضعتها } أي: النذيرة، أو ما في بطنها، قالت: { رب إني وضعتها أنثى } ، قالت ذلك تحسرا وتحزنا إلى ربها، لأنها كانت ترجوا أن تلد ذكرا يصلح للخدمة، ولذلك نذرته.
قال تعالى: { والله أعلم بما وضعت } ، تعظيما لموضوعها وتنويها بشأنها، أو من كلامها - على قراءة التكلم - تسلية لنفسها، أي: ولعل لله فيه سرا، قال تعالى: { وليس الذكر كالأنثى } أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، أو من كلامها، أي: وليس الذكر والأنثى سيان فما نذرت. ثم قالت: { وإني سميتها مريم } راجية أن يطابق اسمها فعلها، فإن مريم في نعتهم في العابدة الخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ".
ثم قالت حنة أم مريم: { وإني أعيذها بك } أي: أحصنها بك { وذريتها من الشيطان الرجيم } أي: المرجوم بالشهب، أو المطرود، وفي الحديث:
" ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه، إلا مريم وابنها "
ومعناه: أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود، بحيث يتأثر به، إلا مريم وابنها لمكان الاستعاذة، قلت: وكذا الأنبياء كلهم، لا يمسهم لمكان العصمة. والله أعلم. { فتقبلها ربها } أي: رضيها في النذر مكان الذكر، { بقبول حسن } أي: بوجه حسن، وهو إقامتها مقام الذكر، وتسلمها للخدمة عقب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة، روي: أن حنة لما ولدتها لفتها في خرقة، وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار، وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها، فأنها كانت ابنة إمامهم، وصاحب قربانهم، فإن بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين، فانطلقوا إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فطفا قلم زكريا - أي: علا - على وجه الماء، ورسبت أقلامهم، فأخذها زكريا. { وأنبتها } الله { نباتا حسنا } أي: رباها تربية حسنة، فكانت تشب في اليوم ما يشب المولود في العام، { وكفلها زكريا } أي: ضمها إليه وقام بأمرها. وقرأ عاصم - في رواية ابن عياش - بشد الفاء، أي: وكفلها الله زكريا، أي: جعله كافلا لها وحاضنا. روي: أنه لما ضمها إليه بنى لها بيتا، واسترضع لها، فلما بلغت، بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطه لا يرقى إليها إلا بسلم، ولا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب.
{ كلما دخل عليها زكريا المحراب } ليأتيها بطعامها، { وجد عندها رزقا } أي: فاكهة في غير حينها، يجد فاكهة الشتاء في الصيف، وبالعكس، { قال يا مريم أنى لك هذا } أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه، والأبواب مغلقة عليك؟ { قالت هو من عند الله } فلا يستبعد، قيل: تكلمت صغيرة، وقيل: لم ترضع ثديا قط، خلاف ما تقدم، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة. ثم قالت: { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } أي: بغير تقدير، أو بغير استحقاق تفضلا منه، وقوله: { كلما }: يقتضي التكرار، وفيه إشارة إلى أن زكريا لم يذر تعهدها، ولم يعتمد على ما كان يجد عندها، بل كان يتفقد حالها كل وقت، لأن الكرامات للأولياء ليس مما يجب أن تدوم قطعا، بل يجوز أن يظهر ذلك عليهم دائما وألا يظهر، فما كان زكريا معتمدا على ذلك، فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدد السؤال بقوله: { يا مريم أنى لك هذا } ، لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمسن فإنه لا واجب على الله - سبحانه - قاله القشيري. روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم الطعام، فقام في منازل أزواجه، فلم يصب عندهم شيئا، فأتى فاطمة فقال:
" يا بنية، هل عندك شيء؟ "
فقالت: لا والله، بأبي أنت وأمي، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، بعثت إليها جارتها برغيفين وبضعة لحم، فبعثت حسنا وحسينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء، فكشفت له الجفنة، فإذا الجفنة مملوءة خبزا ولحما، فبهتت، وعرفت أنها بركة من الله تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أين لك هذا يا بنية؟ " قالت: { من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } ، فحمد الله تعالى، وقال:
" الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا قالت: { هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } "
ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه. ثم أكل أهل البيت كلهم، وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت على الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرا. انتهى. الإشارة: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } ، إنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس أنواره، وجددوه بعد خمود أسراره، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء، فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية، بحيث يجدد للناس دينهم، ويبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق، فهو ممن اصطفاه الله على عالمي زمانه.
وفي الحيدث:
" إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها "
قال الحريري: مات الحسن البصري عشية جمعة - أي: بعد زوالها - فلما صلى الناس الجمعة حملوه، فلم يترك الناس صلاة العصر في مسجد الجماعة بالبصرة منذ كان الإسلام، إلا يوم مات الحسن، واتبع الناس جنازته، فلم يحضر أحد في المسجد صلاة العصر، قال: وسمعت مناديا ينادي: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } ، واصطفى الحسن على أهل زمانه. قلت: والحسن البصري هو الذي أظهر علم التصوف، وتكلم فيه وهذبه. قال في القوت: وهو إمامنا في هذا العلم - يعني علم التصوف. وقوله تعالى: { إذ قالت امرأة عمران }... الآية. كل من ذنر نفسه وحررها لخدمة مولاه، تقبلها الله منه بقبول حسن، وأنبت فيها المعرفة نباتا حسنا، وكفلها بحفظه ورعايته، وضمها إليه بسابق عنايته، ورزقها من طرف الحكم وفواكه العلوم، مما لا يتحيط به العقول وغاية الفهوم، فإذا قال لنفسه: من أين لك هذا؟ { قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب }. وأنشدوا:
فلا عمل مني إليه اكتسبته سوى محض فضل، لا بشيء يعلل
وقال القشيري: قوله تعالى: { فتقبلها ربها بقبول حسن } ، يقال: من القبول الحسن أنه لم يطرح كلها وشغلها على زكريا، فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعاهدها بطعام وجد عندها رزقا، ليعلم العالمون أن الله - تعالى - لا يلقى شغل أوليائه على غيره، ومن خدم وليا من أوليائه كان هو في رفق الولي، وهذه إشارة لمن يخدم الفقراء، يعلم أنه في رفقهم، لا أن الفقراء تحت رفقه. ه. قال أهل التفسير: فلما رأى زكريا ما يأتي لمريم من الفواكه في غير أوانها، قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها، قادر على أن يصلح زوجتي، ويهب لي ولدا على الكبر. فطلب الولد.
آل عمران 3:37
قلت: { ذرية }: حال، أبو بدل من الآلين، أو من نوح، أي: أنهم ذرية واحد متشعبة بعضها من بعض. و { إذ قالت }: ظرف لعليم، أو بإضمار اذكر. و { محررا }: حال، والتحرير: التخلص، يقال: حررت العبد، إذا خلصته من الرق، وحررت الكتاب، إذا أصلحته وأخلصته، ولم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاح، ورجل حر، أي: خالص، ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحر، أي: الخالص من الحمأة. وقوله: { وإني سميتها مريم }: عطف على { إني وضعتها } ، وما بينهما اعتراض، من كلامها على قراءة التكلم، أو من كلام الله على قراءة التأنيث. يقول الحق جل جلاله: { إن الله اصطفى آدم } بالخلافة والرسالة، { ونوحا } بالرسالة والنذارة، { وآل إبراهيم } بالنبوة والرسالة، وهم: إسحاق، ويعقوب والأسباط، وإسماعيل، وولده سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة والمحبة الجامعة. { وآل عمران } ، وهم موسى وهارون - عليهما السلام - وهو عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب، أو المراد بعمران: عمران بن أشهم بن أموي، من ولد سليمان عليه السلام، وهو والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل: المراد عمران بن ماثان، أحد أجداد عمران والد مريم. وإنما خص هؤلاء لأن الأنبياء كلهم من نسلهم. وقيل: أراد إبراهيم وعمران أنفسهما. " وآل " مقحمة، كقوله:
وبقية مما ترك ءال موسى وءال هارون
[البقرة: 248] أي: موسى وهارون، فقد فضل الحق - جل جلاله - هؤلاء الأنبياء بالخصائص الجسمانية والروحانية { على العالمين } أي: كلا على عالمي زمانه، وبه استدل على فضلهم على الملائكة. حال كونهم { ذرية } متشعبة { بعضها من } ولد { بعض } في النسب والدين، { والله سميع } لأقوال العباد وأعمالهم، { عليم } بسرائرهم وعلانيتهم، فيصطفي من صفا قوله وعمله، وخلص سره، للرسالة والنبوة. ثم تخلص لذكر نشأة مريم، توطئة لذكر ولدها، فقال: واذكر { إذ قالت امرأة عمران } وهي حنة بنت فاقوذا، جدة عيسى عليه السلام: { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } لخدمة بيت المقدس، لا أشغله بشيء، أو مخلصا للعبادة، { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } ، وكان المحرر عندهم، إذا حرر، جعل في الكنيسة يقوم عليها وينكسها، ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير، فإن أحب أقام أو ذهب حيث شاء، ولم يكن يحرر إلا الغلمان لأن الجارية لا تصلح للخدمة لما يصيبها من حيض، فحررت أم مريم حملها تدر ما هو. وقصة ذلك: أن زكريا وعمران تزوجا أختين، فتزوج زكريا أشياع بنت فاقوذا، وتزوج عمران حنة بنت فاقوذا، فكان عيسى ويحيى ابني الخالة، وكانت حنة عاقرا لا تلد، فبينما هي في ظل شجرة، بصرت بطائر يطعم فرخا. فتحركت لذلك نفسها للولد فدعت الله تعالى، وقالت: اللهم لك علي، إن رزقتني ولدا، أن أتصدق به على بيت المقدس، يكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم، فهلك عمران، وحنة حامل بمريم، { فلما وضعتها } أي: النذيرة، أو ما في بطنها، قالت: { رب إني وضعتها أنثى } ، قالت ذلك تحسرا وتحزنا إلى ربها، لأنها كانت ترجوا أن تلد ذكرا يصلح للخدمة، ولذلك نذرته.
قال تعالى: { والله أعلم بما وضعت } ، تعظيما لموضوعها وتنويها بشأنها، أو من كلامها - على قراءة التكلم - تسلية لنفسها، أي: ولعل لله فيه سرا، قال تعالى: { وليس الذكر كالأنثى } أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، أو من كلامها، أي: وليس الذكر والأنثى سيان فما نذرت. ثم قالت: { وإني سميتها مريم } راجية أن يطابق اسمها فعلها، فإن مريم في نعتهم في العابدة الخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ".
ثم قالت حنة أم مريم: { وإني أعيذها بك } أي: أحصنها بك { وذريتها من الشيطان الرجيم } أي: المرجوم بالشهب، أو المطرود، وفي الحديث:
" ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه، إلا مريم وابنها "
ومعناه: أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود، بحيث يتأثر به، إلا مريم وابنها لمكان الاستعاذة، قلت: وكذا الأنبياء كلهم، لا يمسهم لمكان العصمة. والله أعلم. { فتقبلها ربها } أي: رضيها في النذر مكان الذكر، { بقبول حسن } أي: بوجه حسن، وهو إقامتها مقام الذكر، وتسلمها للخدمة عقب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة، روي: أن حنة لما ولدتها لفتها في خرقة، وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار، وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها، فأنها كانت ابنة إمامهم، وصاحب قربانهم، فإن بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين، فانطلقوا إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فطفا قلم زكريا - أي: علا - على وجه الماء، ورسبت أقلامهم، فأخذها زكريا. { وأنبتها } الله { نباتا حسنا } أي: رباها تربية حسنة، فكانت تشب في اليوم ما يشب المولود في العام، { وكفلها زكريا } أي: ضمها إليه وقام بأمرها. وقرأ عاصم - في رواية ابن عياش - بشد الفاء، أي: وكفلها الله زكريا، أي: جعله كافلا لها وحاضنا. روي: أنه لما ضمها إليه بنى لها بيتا، واسترضع لها، فلما بلغت، بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطه لا يرقى إليها إلا بسلم، ولا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب.
{ كلما دخل عليها زكريا المحراب } ليأتيها بطعامها، { وجد عندها رزقا } أي: فاكهة في غير حينها، يجد فاكهة الشتاء في الصيف، وبالعكس، { قال يا مريم أنى لك هذا } أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه، والأبواب مغلقة عليك؟ { قالت هو من عند الله } فلا يستبعد، قيل: تكلمت صغيرة، وقيل: لم ترضع ثديا قط، خلاف ما تقدم، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة. ثم قالت: { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } أي: بغير تقدير، أو بغير استحقاق تفضلا منه، وقوله: { كلما }: يقتضي التكرار، وفيه إشارة إلى أن زكريا لم يذر تعهدها، ولم يعتمد على ما كان يجد عندها، بل كان يتفقد حالها كل وقت، لأن الكرامات للأولياء ليس مما يجب أن تدوم قطعا، بل يجوز أن يظهر ذلك عليهم دائما وألا يظهر، فما كان زكريا معتمدا على ذلك، فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدد السؤال بقوله: { يا مريم أنى لك هذا } ، لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمسن فإنه لا واجب على الله - سبحانه - قاله القشيري. روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم الطعام، فقام في منازل أزواجه، فلم يصب عندهم شيئا، فأتى فاطمة فقال:
" يا بنية، هل عندك شيء؟ "
فقالت: لا والله، بأبي أنت وأمي، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، بعثت إليها جارتها برغيفين وبضعة لحم، فبعثت حسنا وحسينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء، فكشفت له الجفنة، فإذا الجفنة مملوءة خبزا ولحما، فبهتت، وعرفت أنها بركة من الله تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أين لك هذا يا بنية؟ " قالت: { من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } ، فحمد الله تعالى، وقال:
" الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا قالت: { هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } "
ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه. ثم أكل أهل البيت كلهم، وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت على الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرا. انتهى. الإشارة: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } ، إنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس أنواره، وجددوه بعد خمود أسراره، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء، فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية، بحيث يجدد للناس دينهم، ويبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق، فهو ممن اصطفاه الله على عالمي زمانه.
وفي الحيدث:
" إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها "
قال الحريري: مات الحسن البصري عشية جمعة - أي: بعد زوالها - فلما صلى الناس الجمعة حملوه، فلم يترك الناس صلاة العصر في مسجد الجماعة بالبصرة منذ كان الإسلام، إلا يوم مات الحسن، واتبع الناس جنازته، فلم يحضر أحد في المسجد صلاة العصر، قال: وسمعت مناديا ينادي: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } ، واصطفى الحسن على أهل زمانه. قلت: والحسن البصري هو الذي أظهر علم التصوف، وتكلم فيه وهذبه. قال في القوت: وهو إمامنا في هذا العلم - يعني علم التصوف. وقوله تعالى: { إذ قالت امرأة عمران }... الآية. كل من ذنر نفسه وحررها لخدمة مولاه، تقبلها الله منه بقبول حسن، وأنبت فيها المعرفة نباتا حسنا، وكفلها بحفظه ورعايته، وضمها إليه بسابق عنايته، ورزقها من طرف الحكم وفواكه العلوم، مما لا يتحيط به العقول وغاية الفهوم، فإذا قال لنفسه: من أين لك هذا؟ { قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب }. وأنشدوا:
فلا عمل مني إليه اكتسبته سوى محض فضل، لا بشيء يعلل
وقال القشيري: قوله تعالى: { فتقبلها ربها بقبول حسن } ، يقال: من القبول الحسن أنه لم يطرح كلها وشغلها على زكريا، فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعاهدها بطعام وجد عندها رزقا، ليعلم العالمون أن الله - تعالى - لا يلقى شغل أوليائه على غيره، ومن خدم وليا من أوليائه كان هو في رفق الولي، وهذه إشارة لمن يخدم الفقراء، يعلم أنه في رفقهم، لا أن الفقراء تحت رفقه. ه. قال أهل التفسير: فلما رأى زكريا ما يأتي لمريم من الفواكه في غير أوانها، قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها، قادر على أن يصلح زوجتي، ويهب لي ولدا على الكبر. فطلب الولد.
آل عمران 3:38
قلت: { هنالك }: اسم إشارة للبعيد، والكاف: حرف خطاب، يطابق المخاطب في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع في الغالب. والمحراب: مفعال، من الحرب، وهو الموضع المعد للعبادة، كالمسجد ونحوه، سمي به، لأنه محل محاربة الشيطان. { والملائكة }: جمع تكسير، يجوز في فعله التذكير والتأنيث، وهو أحسن، تقول: قام الرجال وقامت الرجال، فمن قرأ: { فنادته الملائكة } ، فعلى تأويل الجماعة، ومن قرأ: { فناداه } ، أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث، ردا على الكفار. والمراد هنا: جبريل عليه السلام كقوله:
ينزل الملائكة بالروح
[النحل: 2]،
وإذ قالت الملائكة يا مريم
[آل عمران: 42]، و { بشر }: فيها لغتان: التخفيف، وهي لغة تهامة، تقول: بشر يبشر - بضم الشين في المضارع، والتشديد، وهو أفصح، تقول بشر يبشر تبشيرا. يقول الحق جل جلاله: مخبرا عن زكريا عليه السلام: { هنالك } أي: في ذلك الوقت الذي رأى من الخوارق عند مريم، { دعا زكريا ربه } ، فدخل المحراب، وغلق الأبواب، وقال في مناجاته: { رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } ، كما وهبتها لحنة العجوز العاقر، { إنك سميع الدعاء } أي: مجيبه فاسمع دعائي يا مجيب، { فنادته الملائكة } ، وهو جبريل، لأنه رئيس الملائكة، والعرب تنادي الرئيس بلفظ الجميع إذ لا يخلو من أصحاب، { وهو قائم يصلي في المحراب } روي: أنه كان قائما يصلي في محرابه، فدخل عليه شاب، عليه ثياب بيض، ففزع منه، فناداه، وقال له: { إن الله يبشرك بيحيى } ، سمي به لأن الله تعالى أحيا به عقم أمه، أو لأن الله تعالى أحيا قلبه بمعرفته، فلم يهم بمعصية قط، أو لأنه استشهد، والشهداء أحياء. { مصدقا بكلمة من الله } وهو عيسى، لأنه كان بكلمة: كن، من غير سبب عادي، و { سيدا } أي: يسود قومه يوفوقهم، و { حصورا } ، أي: مبالغا في حبس النفس عن الشهوات والملاهي. روي أنه مر في صباه على صبيان، فدعوه إلى اللعب، فقال: ما للعب خلقت، أو عنينا، روي: " أنه كان له ذكر كالقذاة " رواه ابن عباس. وقال في الأساس: رجل حصور: لا يرغب في النساء. قيل: كان ذلك فضيلة في تلك الشريعة، بخلاف شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وفي الورتجبي: الحصور: الذي يملك ولا يملك. وقال القشيري: { حصورا }: أي: معتقا من الشهوات، مكفيا أحكام البشرية، مع كونه من جملة البشر، { ونبيا من الصالحين } الذي صلحوا للنبوة وتأهلوا للحضرة. ولما سمع البشارة هزه الفرح فقال: يا { رب أنى يكون لي غلام } أي: من أين يكون لي غلام؟! قاله استعظاما أو تعجبا أو استفهاما عن كيفية حدوثه. هل مع كبر السن والعقم، أو مع زوالهما. { وقد بلغني الكبر } ، وكان له تسع وتسعون سنة، وقيل: مائة وعشرون، { وامرأتي عاقر } لا تلد، ولم يقل: عاقرة، لأنه وصف خاص بالنساء.
قال له جبريل: { كذلك الله يفعل ما يشاء } من العجائب والخوارق، فيخلق الولد من العاقر والشيخ الفاني، أو الأمر كذلك، أي: كما أخبرتك، ثم استأنف: { الله يفعل ما يشاء }. ولما تحقق بالبشارة طلب العلامة، فقال: { رب اجعل لي آية } أعرف بها حمل المرأة، لاستقبله بالبشاشة والشكر، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام } أي: لا تقدر على كلام الناس ثلاثا، فحبس لسانه عن الكلام دون الذكر والشكر، ليخلص المدة للذكر والشكر، { إلا رمزا } بيد أورأس أو حاجب أو عين. { واذكر ربك كثيرا } في هذه المدة التي حبست فيها عن الكلام، وهو يبين الغرض من الحبس عن الكلام. وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. { وسبح بالعشي } أي: من الزوال إلى الغروب، أو من العصر إلى جزء الليل، { والإبكار } من الفجر إلى الضحى، وقيل: كانت صلاتهم ركعتين في الفجر وركعتين في المغرب، ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية الأخرى:
فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا
[مريم: 11]. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأصلاب الروحانية كالأصلاب الجسمانية، منها ما تكون عقيمة مع كمالها، ومنها ما تكون لها ولد أو ولدان، ومنها ما تكون لها أولاد كثيرة، ويؤخذ من قضية السيد زكريا عليه السلام: طلب الولد إذا خاف الولي اندراس علمه أو حاله بانقطاع نسله الروحاني، ولا شك في فضل بقاء النسل الحسي أو المعنوي، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به "
وشمل الولد البشري والروحاني، وقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي - كرم الله وجهه -:
" لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ".
وقال بعض الشعراء:
والمرء في ميزانه أتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
وقد سلك هذا المسلك القطب بن مشيش في طلب الولد الروحاني، حيث قال في تصليته المشهورة: اسمه ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا. فأجابه الحق تعالى بشيخ المشايخ القطب الشاذلي. وغير واحد من الأولياء دخل محراب الحضرة، ونارى نداء خفيا في صلاة الفكر، فأجابته الهواتف في الحال، بلسان الحال أو المقال: إن الله يبشرك بمن يحيي علمك ويرث حالك، مصدقا بكلمة من الله، وهم أولياء الله، وسيدا وحصورا عن شواغل الحس، مستغرقا في مشاهدة القرب والأنس، ينبئ بعلم الغيوب، ويصلح خلل القلوب، فإذا استعظم ذلك واستغربه، قيل له: الأمر كذلك، الله يفعل ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، فحسبك الاشتغال بذكر الله، والغيبة عما سواه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:39
قلت: { هنالك }: اسم إشارة للبعيد، والكاف: حرف خطاب، يطابق المخاطب في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع في الغالب. والمحراب: مفعال، من الحرب، وهو الموضع المعد للعبادة، كالمسجد ونحوه، سمي به، لأنه محل محاربة الشيطان. { والملائكة }: جمع تكسير، يجوز في فعله التذكير والتأنيث، وهو أحسن، تقول: قام الرجال وقامت الرجال، فمن قرأ: { فنادته الملائكة } ، فعلى تأويل الجماعة، ومن قرأ: { فناداه } ، أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث، ردا على الكفار. والمراد هنا: جبريل عليه السلام كقوله:
ينزل الملائكة بالروح
[النحل: 2]،
وإذ قالت الملائكة يا مريم
[آل عمران: 42]، و { بشر }: فيها لغتان: التخفيف، وهي لغة تهامة، تقول: بشر يبشر - بضم الشين في المضارع، والتشديد، وهو أفصح، تقول بشر يبشر تبشيرا. يقول الحق جل جلاله: مخبرا عن زكريا عليه السلام: { هنالك } أي: في ذلك الوقت الذي رأى من الخوارق عند مريم، { دعا زكريا ربه } ، فدخل المحراب، وغلق الأبواب، وقال في مناجاته: { رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } ، كما وهبتها لحنة العجوز العاقر، { إنك سميع الدعاء } أي: مجيبه فاسمع دعائي يا مجيب، { فنادته الملائكة } ، وهو جبريل، لأنه رئيس الملائكة، والعرب تنادي الرئيس بلفظ الجميع إذ لا يخلو من أصحاب، { وهو قائم يصلي في المحراب } روي: أنه كان قائما يصلي في محرابه، فدخل عليه شاب، عليه ثياب بيض، ففزع منه، فناداه، وقال له: { إن الله يبشرك بيحيى } ، سمي به لأن الله تعالى أحيا به عقم أمه، أو لأن الله تعالى أحيا قلبه بمعرفته، فلم يهم بمعصية قط، أو لأنه استشهد، والشهداء أحياء. { مصدقا بكلمة من الله } وهو عيسى، لأنه كان بكلمة: كن، من غير سبب عادي، و { سيدا } أي: يسود قومه يوفوقهم، و { حصورا } ، أي: مبالغا في حبس النفس عن الشهوات والملاهي. روي أنه مر في صباه على صبيان، فدعوه إلى اللعب، فقال: ما للعب خلقت، أو عنينا، روي: " أنه كان له ذكر كالقذاة " رواه ابن عباس. وقال في الأساس: رجل حصور: لا يرغب في النساء. قيل: كان ذلك فضيلة في تلك الشريعة، بخلاف شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وفي الورتجبي: الحصور: الذي يملك ولا يملك. وقال القشيري: { حصورا }: أي: معتقا من الشهوات، مكفيا أحكام البشرية، مع كونه من جملة البشر، { ونبيا من الصالحين } الذي صلحوا للنبوة وتأهلوا للحضرة. ولما سمع البشارة هزه الفرح فقال: يا { رب أنى يكون لي غلام } أي: من أين يكون لي غلام؟! قاله استعظاما أو تعجبا أو استفهاما عن كيفية حدوثه. هل مع كبر السن والعقم، أو مع زوالهما. { وقد بلغني الكبر } ، وكان له تسع وتسعون سنة، وقيل: مائة وعشرون، { وامرأتي عاقر } لا تلد، ولم يقل: عاقرة، لأنه وصف خاص بالنساء.
قال له جبريل: { كذلك الله يفعل ما يشاء } من العجائب والخوارق، فيخلق الولد من العاقر والشيخ الفاني، أو الأمر كذلك، أي: كما أخبرتك، ثم استأنف: { الله يفعل ما يشاء }. ولما تحقق بالبشارة طلب العلامة، فقال: { رب اجعل لي آية } أعرف بها حمل المرأة، لاستقبله بالبشاشة والشكر، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام } أي: لا تقدر على كلام الناس ثلاثا، فحبس لسانه عن الكلام دون الذكر والشكر، ليخلص المدة للذكر والشكر، { إلا رمزا } بيد أورأس أو حاجب أو عين. { واذكر ربك كثيرا } في هذه المدة التي حبست فيها عن الكلام، وهو يبين الغرض من الحبس عن الكلام. وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. { وسبح بالعشي } أي: من الزوال إلى الغروب، أو من العصر إلى جزء الليل، { والإبكار } من الفجر إلى الضحى، وقيل: كانت صلاتهم ركعتين في الفجر وركعتين في المغرب، ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية الأخرى:
فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا
[مريم: 11]. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأصلاب الروحانية كالأصلاب الجسمانية، منها ما تكون عقيمة مع كمالها، ومنها ما تكون لها ولد أو ولدان، ومنها ما تكون لها أولاد كثيرة، ويؤخذ من قضية السيد زكريا عليه السلام: طلب الولد إذا خاف الولي اندراس علمه أو حاله بانقطاع نسله الروحاني، ولا شك في فضل بقاء النسل الحسي أو المعنوي، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به "
وشمل الولد البشري والروحاني، وقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي - كرم الله وجهه -:
" لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ".
وقال بعض الشعراء:
والمرء في ميزانه أتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
وقد سلك هذا المسلك القطب بن مشيش في طلب الولد الروحاني، حيث قال في تصليته المشهورة: اسمه ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا. فأجابه الحق تعالى بشيخ المشايخ القطب الشاذلي. وغير واحد من الأولياء دخل محراب الحضرة، ونارى نداء خفيا في صلاة الفكر، فأجابته الهواتف في الحال، بلسان الحال أو المقال: إن الله يبشرك بمن يحيي علمك ويرث حالك، مصدقا بكلمة من الله، وهم أولياء الله، وسيدا وحصورا عن شواغل الحس، مستغرقا في مشاهدة القرب والأنس، ينبئ بعلم الغيوب، ويصلح خلل القلوب، فإذا استعظم ذلك واستغربه، قيل له: الأمر كذلك، الله يفعل ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، فحسبك الاشتغال بذكر الله، والغيبة عما سواه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:40
قلت: { هنالك }: اسم إشارة للبعيد، والكاف: حرف خطاب، يطابق المخاطب في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع في الغالب. والمحراب: مفعال، من الحرب، وهو الموضع المعد للعبادة، كالمسجد ونحوه، سمي به، لأنه محل محاربة الشيطان. { والملائكة }: جمع تكسير، يجوز في فعله التذكير والتأنيث، وهو أحسن، تقول: قام الرجال وقامت الرجال، فمن قرأ: { فنادته الملائكة } ، فعلى تأويل الجماعة، ومن قرأ: { فناداه } ، أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث، ردا على الكفار. والمراد هنا: جبريل عليه السلام كقوله:
ينزل الملائكة بالروح
[النحل: 2]،
وإذ قالت الملائكة يا مريم
[آل عمران: 42]، و { بشر }: فيها لغتان: التخفيف، وهي لغة تهامة، تقول: بشر يبشر - بضم الشين في المضارع، والتشديد، وهو أفصح، تقول بشر يبشر تبشيرا. يقول الحق جل جلاله: مخبرا عن زكريا عليه السلام: { هنالك } أي: في ذلك الوقت الذي رأى من الخوارق عند مريم، { دعا زكريا ربه } ، فدخل المحراب، وغلق الأبواب، وقال في مناجاته: { رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } ، كما وهبتها لحنة العجوز العاقر، { إنك سميع الدعاء } أي: مجيبه فاسمع دعائي يا مجيب، { فنادته الملائكة } ، وهو جبريل، لأنه رئيس الملائكة، والعرب تنادي الرئيس بلفظ الجميع إذ لا يخلو من أصحاب، { وهو قائم يصلي في المحراب } روي: أنه كان قائما يصلي في محرابه، فدخل عليه شاب، عليه ثياب بيض، ففزع منه، فناداه، وقال له: { إن الله يبشرك بيحيى } ، سمي به لأن الله تعالى أحيا به عقم أمه، أو لأن الله تعالى أحيا قلبه بمعرفته، فلم يهم بمعصية قط، أو لأنه استشهد، والشهداء أحياء. { مصدقا بكلمة من الله } وهو عيسى، لأنه كان بكلمة: كن، من غير سبب عادي، و { سيدا } أي: يسود قومه يوفوقهم، و { حصورا } ، أي: مبالغا في حبس النفس عن الشهوات والملاهي. روي أنه مر في صباه على صبيان، فدعوه إلى اللعب، فقال: ما للعب خلقت، أو عنينا، روي: " أنه كان له ذكر كالقذاة " رواه ابن عباس. وقال في الأساس: رجل حصور: لا يرغب في النساء. قيل: كان ذلك فضيلة في تلك الشريعة، بخلاف شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وفي الورتجبي: الحصور: الذي يملك ولا يملك. وقال القشيري: { حصورا }: أي: معتقا من الشهوات، مكفيا أحكام البشرية، مع كونه من جملة البشر، { ونبيا من الصالحين } الذي صلحوا للنبوة وتأهلوا للحضرة. ولما سمع البشارة هزه الفرح فقال: يا { رب أنى يكون لي غلام } أي: من أين يكون لي غلام؟! قاله استعظاما أو تعجبا أو استفهاما عن كيفية حدوثه. هل مع كبر السن والعقم، أو مع زوالهما. { وقد بلغني الكبر } ، وكان له تسع وتسعون سنة، وقيل: مائة وعشرون، { وامرأتي عاقر } لا تلد، ولم يقل: عاقرة، لأنه وصف خاص بالنساء.
قال له جبريل: { كذلك الله يفعل ما يشاء } من العجائب والخوارق، فيخلق الولد من العاقر والشيخ الفاني، أو الأمر كذلك، أي: كما أخبرتك، ثم استأنف: { الله يفعل ما يشاء }. ولما تحقق بالبشارة طلب العلامة، فقال: { رب اجعل لي آية } أعرف بها حمل المرأة، لاستقبله بالبشاشة والشكر، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام } أي: لا تقدر على كلام الناس ثلاثا، فحبس لسانه عن الكلام دون الذكر والشكر، ليخلص المدة للذكر والشكر، { إلا رمزا } بيد أورأس أو حاجب أو عين. { واذكر ربك كثيرا } في هذه المدة التي حبست فيها عن الكلام، وهو يبين الغرض من الحبس عن الكلام. وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. { وسبح بالعشي } أي: من الزوال إلى الغروب، أو من العصر إلى جزء الليل، { والإبكار } من الفجر إلى الضحى، وقيل: كانت صلاتهم ركعتين في الفجر وركعتين في المغرب، ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية الأخرى:
فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا
[مريم: 11]. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأصلاب الروحانية كالأصلاب الجسمانية، منها ما تكون عقيمة مع كمالها، ومنها ما تكون لها ولد أو ولدان، ومنها ما تكون لها أولاد كثيرة، ويؤخذ من قضية السيد زكريا عليه السلام: طلب الولد إذا خاف الولي اندراس علمه أو حاله بانقطاع نسله الروحاني، ولا شك في فضل بقاء النسل الحسي أو المعنوي، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به "
وشمل الولد البشري والروحاني، وقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي - كرم الله وجهه -:
" لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ".
وقال بعض الشعراء:
والمرء في ميزانه أتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
وقد سلك هذا المسلك القطب بن مشيش في طلب الولد الروحاني، حيث قال في تصليته المشهورة: اسمه ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا. فأجابه الحق تعالى بشيخ المشايخ القطب الشاذلي. وغير واحد من الأولياء دخل محراب الحضرة، ونارى نداء خفيا في صلاة الفكر، فأجابته الهواتف في الحال، بلسان الحال أو المقال: إن الله يبشرك بمن يحيي علمك ويرث حالك، مصدقا بكلمة من الله، وهم أولياء الله، وسيدا وحصورا عن شواغل الحس، مستغرقا في مشاهدة القرب والأنس، ينبئ بعلم الغيوب، ويصلح خلل القلوب، فإذا استعظم ذلك واستغربه، قيل له: الأمر كذلك، الله يفعل ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، فحسبك الاشتغال بذكر الله، والغيبة عما سواه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:41
قلت: { هنالك }: اسم إشارة للبعيد، والكاف: حرف خطاب، يطابق المخاطب في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع في الغالب. والمحراب: مفعال، من الحرب، وهو الموضع المعد للعبادة، كالمسجد ونحوه، سمي به، لأنه محل محاربة الشيطان. { والملائكة }: جمع تكسير، يجوز في فعله التذكير والتأنيث، وهو أحسن، تقول: قام الرجال وقامت الرجال، فمن قرأ: { فنادته الملائكة } ، فعلى تأويل الجماعة، ومن قرأ: { فناداه } ، أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث، ردا على الكفار. والمراد هنا: جبريل عليه السلام كقوله:
ينزل الملائكة بالروح
[النحل: 2]،
وإذ قالت الملائكة يا مريم
[آل عمران: 42]، و { بشر }: فيها لغتان: التخفيف، وهي لغة تهامة، تقول: بشر يبشر - بضم الشين في المضارع، والتشديد، وهو أفصح، تقول بشر يبشر تبشيرا. يقول الحق جل جلاله: مخبرا عن زكريا عليه السلام: { هنالك } أي: في ذلك الوقت الذي رأى من الخوارق عند مريم، { دعا زكريا ربه } ، فدخل المحراب، وغلق الأبواب، وقال في مناجاته: { رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } ، كما وهبتها لحنة العجوز العاقر، { إنك سميع الدعاء } أي: مجيبه فاسمع دعائي يا مجيب، { فنادته الملائكة } ، وهو جبريل، لأنه رئيس الملائكة، والعرب تنادي الرئيس بلفظ الجميع إذ لا يخلو من أصحاب، { وهو قائم يصلي في المحراب } روي: أنه كان قائما يصلي في محرابه، فدخل عليه شاب، عليه ثياب بيض، ففزع منه، فناداه، وقال له: { إن الله يبشرك بيحيى } ، سمي به لأن الله تعالى أحيا به عقم أمه، أو لأن الله تعالى أحيا قلبه بمعرفته، فلم يهم بمعصية قط، أو لأنه استشهد، والشهداء أحياء. { مصدقا بكلمة من الله } وهو عيسى، لأنه كان بكلمة: كن، من غير سبب عادي، و { سيدا } أي: يسود قومه يوفوقهم، و { حصورا } ، أي: مبالغا في حبس النفس عن الشهوات والملاهي. روي أنه مر في صباه على صبيان، فدعوه إلى اللعب، فقال: ما للعب خلقت، أو عنينا، روي: " أنه كان له ذكر كالقذاة " رواه ابن عباس. وقال في الأساس: رجل حصور: لا يرغب في النساء. قيل: كان ذلك فضيلة في تلك الشريعة، بخلاف شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وفي الورتجبي: الحصور: الذي يملك ولا يملك. وقال القشيري: { حصورا }: أي: معتقا من الشهوات، مكفيا أحكام البشرية، مع كونه من جملة البشر، { ونبيا من الصالحين } الذي صلحوا للنبوة وتأهلوا للحضرة. ولما سمع البشارة هزه الفرح فقال: يا { رب أنى يكون لي غلام } أي: من أين يكون لي غلام؟! قاله استعظاما أو تعجبا أو استفهاما عن كيفية حدوثه. هل مع كبر السن والعقم، أو مع زوالهما. { وقد بلغني الكبر } ، وكان له تسع وتسعون سنة، وقيل: مائة وعشرون، { وامرأتي عاقر } لا تلد، ولم يقل: عاقرة، لأنه وصف خاص بالنساء.
قال له جبريل: { كذلك الله يفعل ما يشاء } من العجائب والخوارق، فيخلق الولد من العاقر والشيخ الفاني، أو الأمر كذلك، أي: كما أخبرتك، ثم استأنف: { الله يفعل ما يشاء }. ولما تحقق بالبشارة طلب العلامة، فقال: { رب اجعل لي آية } أعرف بها حمل المرأة، لاستقبله بالبشاشة والشكر، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام } أي: لا تقدر على كلام الناس ثلاثا، فحبس لسانه عن الكلام دون الذكر والشكر، ليخلص المدة للذكر والشكر، { إلا رمزا } بيد أورأس أو حاجب أو عين. { واذكر ربك كثيرا } في هذه المدة التي حبست فيها عن الكلام، وهو يبين الغرض من الحبس عن الكلام. وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. { وسبح بالعشي } أي: من الزوال إلى الغروب، أو من العصر إلى جزء الليل، { والإبكار } من الفجر إلى الضحى، وقيل: كانت صلاتهم ركعتين في الفجر وركعتين في المغرب، ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية الأخرى:
فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا
[مريم: 11]. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأصلاب الروحانية كالأصلاب الجسمانية، منها ما تكون عقيمة مع كمالها، ومنها ما تكون لها ولد أو ولدان، ومنها ما تكون لها أولاد كثيرة، ويؤخذ من قضية السيد زكريا عليه السلام: طلب الولد إذا خاف الولي اندراس علمه أو حاله بانقطاع نسله الروحاني، ولا شك في فضل بقاء النسل الحسي أو المعنوي، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به "
وشمل الولد البشري والروحاني، وقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي - كرم الله وجهه -:
" لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ".
وقال بعض الشعراء:
والمرء في ميزانه أتباعه فاقدر إذن قدر النبي محمد
وقد سلك هذا المسلك القطب بن مشيش في طلب الولد الروحاني، حيث قال في تصليته المشهورة: اسمه ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا. فأجابه الحق تعالى بشيخ المشايخ القطب الشاذلي. وغير واحد من الأولياء دخل محراب الحضرة، ونارى نداء خفيا في صلاة الفكر، فأجابته الهواتف في الحال، بلسان الحال أو المقال: إن الله يبشرك بمن يحيي علمك ويرث حالك، مصدقا بكلمة من الله، وهم أولياء الله، وسيدا وحصورا عن شواغل الحس، مستغرقا في مشاهدة القرب والأنس، ينبئ بعلم الغيوب، ويصلح خلل القلوب، فإذا استعظم ذلك واستغربه، قيل له: الأمر كذلك، الله يفعل ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، فحسبك الاشتغال بذكر الله، والغيبة عما سواه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:42
يقول الحق جل جلاله: واذكر { إذ قالت الملائكة } أي: جبريل، أو جماعة، كلمتها شفاها كرامة لها. وفيه إثبات كرامة الأولياء، وليست نبية للإجماع على أنه تعالى لم يستنبئ امرأة لقوله:
ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم
[الأنبياء: 7] فقالوا لها: { يا مريم إن الله اصطفاك } لخدمة بيته، ولم يقبل قبلك أنثى قط، وفرغك لعبادته، وأغناك برزقه عن رزق غيره، { وطهرك } من الأخلاق الذميمة، ومما يستقذر من النساء، { وصطفاك } ثانيا بهدايته لك، وتخصيصك بتكليم الملائكة، وبالبشارة بالولد من غير أب، فقد اصطفاك { على نساء العالمين }. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد "
.. الحديث. قال ابن عزيز: أي: عالمي دهرها، كما فضلت خديجة وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على نساء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل قال أبو عمر: فاطمة فضلت على جميع النساء، وهو واضح، لحديث: سيدة نساء أهل الجنة، لكن جاء في حديث آخر استثناء مريم. فالله أعلم. وفي الاستيعاب:
" عن عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد فاطمة، وهي مريضة، فقال: كيف تجدك يا بنية؟ فقالت له: إني لوجعة، وإنه ليزيدني أني مالي طعام آكله، فقال: يا بنية، أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين، فقالت: يا أبت، فأين مريم بنت عمران؟ قال: تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة عالمك، والله لقد زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة "
ه. من المحشي. { يا مريم اقنتي لربك } أي: أطيلي الصلاة شكرا لما اختصك به، { واسجدي واركعي مع الراكعين } أي: صلي مع المصلين، وقدم السجود على الركوع، أما لكونه كذلك في شرعهم، أو للتنبيه على أن الواو لا ترتب، أو ليقترن { اركعي } بالراكعين، للإيذان بأن من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا بمصلين. وقيل: المراد بالقنوت: إدامة الطاعة، كقوله:
أمن هو قانت ءانآء اليل ساجدا وقآئما
[الزمر: 9]، وبالسجود، الصلاة، لقوله: { وإدبار السجود } ، وبالركوع: الخشوع والإخبات. قاله البيضاوي. وقال الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى تورمت قدمها وسالت دما وقيحا. الإشارة: لا يصطفي الله العبد لحضرته إلا بعد تطهيره من الرذائل، وتحليته بأنواع الفضائل، وقطعه عن قلبه الشواغل، والقيام بوظائف العبودية، وبالآداب مع عظمة الربوبية، والخضوم تحت مجاري الأقدار، والتسليم لأحكام الواحد القهار، فأنفاس المريد ثلاثة: عبادة، ثم عبودية، ثم عبودة، ثم يترقى إلى مطالعة علم الغيوب.
آل عمران 3:43
يقول الحق جل جلاله: واذكر { إذ قالت الملائكة } أي: جبريل، أو جماعة، كلمتها شفاها كرامة لها. وفيه إثبات كرامة الأولياء، وليست نبية للإجماع على أنه تعالى لم يستنبئ امرأة لقوله:
ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم
[الأنبياء: 7] فقالوا لها: { يا مريم إن الله اصطفاك } لخدمة بيته، ولم يقبل قبلك أنثى قط، وفرغك لعبادته، وأغناك برزقه عن رزق غيره، { وطهرك } من الأخلاق الذميمة، ومما يستقذر من النساء، { وصطفاك } ثانيا بهدايته لك، وتخصيصك بتكليم الملائكة، وبالبشارة بالولد من غير أب، فقد اصطفاك { على نساء العالمين }. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد "
.. الحديث. قال ابن عزيز: أي: عالمي دهرها، كما فضلت خديجة وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على نساء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل قال أبو عمر: فاطمة فضلت على جميع النساء، وهو واضح، لحديث: سيدة نساء أهل الجنة، لكن جاء في حديث آخر استثناء مريم. فالله أعلم. وفي الاستيعاب:
" عن عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد فاطمة، وهي مريضة، فقال: كيف تجدك يا بنية؟ فقالت له: إني لوجعة، وإنه ليزيدني أني مالي طعام آكله، فقال: يا بنية، أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين، فقالت: يا أبت، فأين مريم بنت عمران؟ قال: تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة عالمك، والله لقد زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة "
ه. من المحشي. { يا مريم اقنتي لربك } أي: أطيلي الصلاة شكرا لما اختصك به، { واسجدي واركعي مع الراكعين } أي: صلي مع المصلين، وقدم السجود على الركوع، أما لكونه كذلك في شرعهم، أو للتنبيه على أن الواو لا ترتب، أو ليقترن { اركعي } بالراكعين، للإيذان بأن من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا بمصلين. وقيل: المراد بالقنوت: إدامة الطاعة، كقوله:
أمن هو قانت ءانآء اليل ساجدا وقآئما
[الزمر: 9]، وبالسجود، الصلاة، لقوله: { وإدبار السجود } ، وبالركوع: الخشوع والإخبات. قاله البيضاوي. وقال الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى تورمت قدمها وسالت دما وقيحا. الإشارة: لا يصطفي الله العبد لحضرته إلا بعد تطهيره من الرذائل، وتحليته بأنواع الفضائل، وقطعه عن قلبه الشواغل، والقيام بوظائف العبودية، وبالآداب مع عظمة الربوبية، والخضوم تحت مجاري الأقدار، والتسليم لأحكام الواحد القهار، فأنفاس المريد ثلاثة: عبادة، ثم عبودية، ثم عبودة، ثم يترقى إلى مطالعة علم الغيوب.
آل عمران 3:44
يقول الحق جل جلاله: لحبيبه صلى الله عليه وسلم: { ذلك } القصص الذي أطلعتك عليه، هو { من } أخبار { الغيب } الذي لم يكن لك به شعور، وما عرفته إلا بوحينا وإعلامنا، فلا يشك في نبوتك إلا مطموس أعمى، { و } أيضا: { ما كنت لديهم } أي: عندهم، حين كانوا { يلقون أقلامهم } لما اقترعوا، { أيهم يكفل مريم، وما كنت لديهم إذ يختصمون } في كفالتها، فتخبرهم عما شهدت، بل لم يكن شيء من ذلك، فتعين أن يكون وحيا حقيقيا، لأنه عليه الصلاة والسلام - كان أميا لم يطالع شيئا من كتب الأخبار، ولا جلس إلى من طالعهم من الأحبار، بإجماع الخاص والعام. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الوحي على أربعة أقسام: وحي منام، ووحي إلهام، ووحي أحكام، ووحي إعلام، وشاركت الأولياء الأنبياء في ثلاثة: الإلهام والمنام والإعلام، إن كان بغير الملك، ومعنى وحي إعلام: هو إطلاع الله النبي على أمور مغيبة، فإن كان بواسطة الملك، فهو مختص بالأنبياء، كما اختصت بوحي الأحكام، وأما إن كان بالإلهام أو بالمنام أو بالفهم عن الله، فيكون أيضا للأولياء، إذ الروح إذا اتصفت وتطهرت من دنس الحس أطلعها الله على غيبه في الجملة، وأما التفصيل فلا يعلمه إلا علام الغيوب، والله أعلم.
آل عمران 3:45
قلت: { إذ قالت }: بدل من { وإذ قالت } الأولى، ويبعد إبدالها من { إذ يختصمون } ، و { المسيح } وما بعده: إخبار عن اسمه، أو { عيسى }: خبر عن مضمر، و { ابن مريم }: صفته، و { المسيح }: فعيل بمعنى مفعول، لأنه مسح من الأقذار، أي: طهر منها، أو مسح بالبركة، أو كان مسيح القدم، لا أخمص له، أو مسحه جبريل بجناحه من الشيطان. أو بمعنى فاعل لأنه كان يمسح المرضى فيبرؤون، أو يمسح عين الأعمى فيبصر، أو لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان فتكون الميم زائدة. وأما المسيح الدجال فإنه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يطوف الأرض ويمسحها، إلا مكة والمدينة، والحاصل: أن عيسى مسيح الخير، والدجال مسيح الشر، ولذلك قيل: إن المسيح يقتل المسيح. و { وجيها }: حال من كلمة لتخصيصه بالصفة، و { في المهد وكهلا }: حالان، أي: طفلا وكهلا، والمهد: ما يمهد للصبي. و { رسولا }: مفعول لمحذوف، أي: ونجعله رسولا، و { مصدقا }: عطف على { رسولا } ، و { لأحل }: متعلق بمحذوف، أي: وجئتكم لأحل، أو معطوف على معنى مصدقا، كقولهم: جئتك معتذرا، أو لأطيب قلبك. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر أيضا { إذ قالت الملائكة } في بشارتهم لمريم: { يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } ، أي: بولد يتكون بكلمة من الله كن فيكون، وقيل: إنما سمى كلمة لكونه مظهرا لكلمة التكوين، متحققا ومتصرفا بها. ولذلك كان يظهر عليه خوارق الأقدار أكثر من غيره من الأنبياء، { اسمه المسيح } ، واسمه { عيسى ابن مريم } ، وإنما قال: { ابن مريم } والخطاب لها، تنبيها على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد إنما تنسب لأبائها إلا إذا فقد الأب. ثم وصف الولد بقوله: { وجيها في الدنيا والآخرة } أي: شريفا في الدنيا بالنبوة والرسالة، وفي الآخرة بالشفاعة لمن تبعه. ويكون { من المقربين } إلى الله تعالى في الدارين. { ويكلم الناس } طفلا { في المهد } على وجه خرق العادة في تبرئة أمه، { وكهلا } إذا كمل عقله قبل أن يرفع، أو بعد الرفع والنزول، لأن الكهولة بعد الأربعين، والتحقيق: أنه بشرها بنبوة عيسى وكلامه في المهد، معجزة، وفي الكهولة دعوة قبل الرفع وبعده، وما قارب يعطي حكمه، وحال كونه { من الصالحين } لحضرة رب العالمين. ولما سمعت البشارة دهشت و { قالت }: يا { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } ، والخطاب لله، فانية عن الواسطة جبريل، والاستفهام تعجبا، أو عن الكيفية: هل يكون بتزوج أم لا؟ { قال } لها الملك: { كذلك الله يخلق ما يشاء }. أو الأمر كذلك كما تقولين، لكن { الله يخلق ما يشاء } لا يحتاج إلى وسائط ولا أسباب، بل { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ، { ويعلمه الكتاب } أي: الكتابة والخط، { والحكمة } أي: النبوة، أو الإصابة في الرأي: { والتوراة والإنجيل }.
{ و } يجعله { رسولا إلى بني إسرائيل }. وكان أول رسل بني إسرائيل يوسف، وآخرهم عيسى - عليهما السلام -، وقال: عليه الصلاة والسلام:
" بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من بني إسرائيل "
فإذا بعث إليهم قال: { أني قد جئتكم بآية من ربكم } أي: بأني قد جئتكم آية من ربكم، قالوا: وما هي؟ قال: { أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير } كصورته، { فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } ، وكان يخلق لهم صورة الخفاش، لأنها أكمل الطيرلأن لها ثديا وأسنانا وتحيض وتطير، فيكون أبلغ في المعجزة، وكان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عنهم سقط ميتا ليتميز فعل الحق من فعل الخلق، ثم قال لهم: ولي معجزة أخرى أني { أبرئ الأكمه } الذي ولد أعمى، فأحرى غيره { والأبرص } الذي فيه وضح. وخصهما لأنهما عاهتان معضلتان. وكان الغالب في زمن عيسى الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. روي: أنه ربما اجتمع عليه من المرضى في اليوم الواحد ألوف، من أطاف منهم البلوغ أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإسلام. { وأحيي الموتى بإذن الله } لا بقدرتي دفعا لتوهم الألوهية، فإن الإحياء ليس من طوق البشر. روي أنه أحيا أربعة أنفس: العازر، وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك العازر يموت، فأتاه من مسيرة ثلاثة أيام فوجده مات، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، وهو في صخرة مطبقة، فدعا الله تعالى، فقام العازر يقطر ودكه، فعاش وولده له. و ابن العجوز، مر بجنازته على عيسى عليه السلام فدعا الله تعالى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل سريره على عنقه، ورجع إلى أهله، وبقي حتى ولد له. وابنة العاشر، كان يأخذ العشور، قيل له: أتحييها، وقد ماتت أمس؟ فدعا الله تعالى، فعاشت وولد لها. وسام بن نوح، دعا باسم الله الأعظم، فخرج من قبره، وقد شاب نصف رأسه، فقال: أقامت الساعة؟ قال: لا، لكني دعوت الله فأحياك، ما لي أرى الشيب في رأسك، ولم يكن في زمانك؟ قال: سمعت الصيحة، فظننت أن الساعة قامت فشبت من هولها. قيل: كان يحيي الموتى ب { يا حي يا قيوم }. { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } ، لما أبرأ الأكمه والأبرص قالوا، هذا سحر، أخبرنا بما نأكل وما ندخر؟ فكان يخبر الرجل بما يأكل في غدائه وعشائه، وروي أنه لما كان في المكتب، كان يحدث الغلمان بما يصنع لهم آباؤهم من الطعام، فيقول للغلام: انطلق... غداء أهلك كذا وكذا، فيقول أهله: من أخبرك بهذا؟ قال: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليسوا ههنا، قال: ماذا في البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا الباب، فإذا هم خنازير، فهموا بقتله، فهربت به أمه إلى مصر.
قاله السدي. ثم قال لهم: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } ، فإن غير المؤمنين لا ينتفع بالمعجزات لعناده، { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: وجئتكم مصدقا للتوراة، وشاهدا على صحتها، { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } في شريعة موسى عليه السلام كالشحوم والثروب ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة، ولا يخل بكونه مصدقا له، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة: بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم. ثم قال لهم: { و } قد { جئتكم بآية } واضحة { من ربكم } ، قد شاهدتموها بأعينكم، فما بقي إلا عنادكم، { فاتقوا الله وأطيعون }. ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال: { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } ولا تعبدوا معه سواه، { هذا صراط مستقيم } لا عوج فيه. قال البيضاوي: أي: لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، { فاتقوا الله } في المخالفة، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل، فقال: { إن الله ربي وربكم } أشار إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد، وقال: { فاعبدوه } إشارة إلى استكمال القوة العملية بملازمة الطاعة، التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره: قوله عليه الصلاة والسلام:
" قل آمنت بالله ثم استقم ".
الإشارة: كل من انقطع بكليته إلى مولاه، وصدف عن حظوظه، وهواه، وأفنى شبابه في طاعة ربه، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه، تحققت له البشارة في العاجل والآجل، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل، ورزقه من فواكه العلوم، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها، فقربها إليه وتولاها، وبشرها بالاصطفائية والتطهير، وأمرها شكرا بالجد والتشمير، ثم بشرها ثانيا بالولد النزيه والسيد النبيه، روح الله وكلمة الله، من غير أب ولا سبب، ولا معالجة ولا تعب، أمره بأمر الله، يبئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع. قال صلى الله عليه وسلم:
" من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليها ".
وقال بعضهم: صدق المجاهدة: الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر، فكما أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كذلك من انقطع بكليته إلى الله أبرأ القلوب السقيمة بإذن الله، وأحيا موتى القلوب بذكر الله، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب، يدل على طاعة الله، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:46
قلت: { إذ قالت }: بدل من { وإذ قالت } الأولى، ويبعد إبدالها من { إذ يختصمون } ، و { المسيح } وما بعده: إخبار عن اسمه، أو { عيسى }: خبر عن مضمر، و { ابن مريم }: صفته، و { المسيح }: فعيل بمعنى مفعول، لأنه مسح من الأقذار، أي: طهر منها، أو مسح بالبركة، أو كان مسيح القدم، لا أخمص له، أو مسحه جبريل بجناحه من الشيطان. أو بمعنى فاعل لأنه كان يمسح المرضى فيبرؤون، أو يمسح عين الأعمى فيبصر، أو لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان فتكون الميم زائدة. وأما المسيح الدجال فإنه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يطوف الأرض ويمسحها، إلا مكة والمدينة، والحاصل: أن عيسى مسيح الخير، والدجال مسيح الشر، ولذلك قيل: إن المسيح يقتل المسيح. و { وجيها }: حال من كلمة لتخصيصه بالصفة، و { في المهد وكهلا }: حالان، أي: طفلا وكهلا، والمهد: ما يمهد للصبي. و { رسولا }: مفعول لمحذوف، أي: ونجعله رسولا، و { مصدقا }: عطف على { رسولا } ، و { لأحل }: متعلق بمحذوف، أي: وجئتكم لأحل، أو معطوف على معنى مصدقا، كقولهم: جئتك معتذرا، أو لأطيب قلبك. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر أيضا { إذ قالت الملائكة } في بشارتهم لمريم: { يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } ، أي: بولد يتكون بكلمة من الله كن فيكون، وقيل: إنما سمى كلمة لكونه مظهرا لكلمة التكوين، متحققا ومتصرفا بها. ولذلك كان يظهر عليه خوارق الأقدار أكثر من غيره من الأنبياء، { اسمه المسيح } ، واسمه { عيسى ابن مريم } ، وإنما قال: { ابن مريم } والخطاب لها، تنبيها على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد إنما تنسب لأبائها إلا إذا فقد الأب. ثم وصف الولد بقوله: { وجيها في الدنيا والآخرة } أي: شريفا في الدنيا بالنبوة والرسالة، وفي الآخرة بالشفاعة لمن تبعه. ويكون { من المقربين } إلى الله تعالى في الدارين. { ويكلم الناس } طفلا { في المهد } على وجه خرق العادة في تبرئة أمه، { وكهلا } إذا كمل عقله قبل أن يرفع، أو بعد الرفع والنزول، لأن الكهولة بعد الأربعين، والتحقيق: أنه بشرها بنبوة عيسى وكلامه في المهد، معجزة، وفي الكهولة دعوة قبل الرفع وبعده، وما قارب يعطي حكمه، وحال كونه { من الصالحين } لحضرة رب العالمين. ولما سمعت البشارة دهشت و { قالت }: يا { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } ، والخطاب لله، فانية عن الواسطة جبريل، والاستفهام تعجبا، أو عن الكيفية: هل يكون بتزوج أم لا؟ { قال } لها الملك: { كذلك الله يخلق ما يشاء }. أو الأمر كذلك كما تقولين، لكن { الله يخلق ما يشاء } لا يحتاج إلى وسائط ولا أسباب، بل { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ، { ويعلمه الكتاب } أي: الكتابة والخط، { والحكمة } أي: النبوة، أو الإصابة في الرأي: { والتوراة والإنجيل }.
{ و } يجعله { رسولا إلى بني إسرائيل }. وكان أول رسل بني إسرائيل يوسف، وآخرهم عيسى - عليهما السلام -، وقال: عليه الصلاة والسلام:
" بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من بني إسرائيل "
فإذا بعث إليهم قال: { أني قد جئتكم بآية من ربكم } أي: بأني قد جئتكم آية من ربكم، قالوا: وما هي؟ قال: { أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير } كصورته، { فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } ، وكان يخلق لهم صورة الخفاش، لأنها أكمل الطيرلأن لها ثديا وأسنانا وتحيض وتطير، فيكون أبلغ في المعجزة، وكان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عنهم سقط ميتا ليتميز فعل الحق من فعل الخلق، ثم قال لهم: ولي معجزة أخرى أني { أبرئ الأكمه } الذي ولد أعمى، فأحرى غيره { والأبرص } الذي فيه وضح. وخصهما لأنهما عاهتان معضلتان. وكان الغالب في زمن عيسى الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. روي: أنه ربما اجتمع عليه من المرضى في اليوم الواحد ألوف، من أطاف منهم البلوغ أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإسلام. { وأحيي الموتى بإذن الله } لا بقدرتي دفعا لتوهم الألوهية، فإن الإحياء ليس من طوق البشر. روي أنه أحيا أربعة أنفس: العازر، وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك العازر يموت، فأتاه من مسيرة ثلاثة أيام فوجده مات، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، وهو في صخرة مطبقة، فدعا الله تعالى، فقام العازر يقطر ودكه، فعاش وولده له. و ابن العجوز، مر بجنازته على عيسى عليه السلام فدعا الله تعالى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل سريره على عنقه، ورجع إلى أهله، وبقي حتى ولد له. وابنة العاشر، كان يأخذ العشور، قيل له: أتحييها، وقد ماتت أمس؟ فدعا الله تعالى، فعاشت وولد لها. وسام بن نوح، دعا باسم الله الأعظم، فخرج من قبره، وقد شاب نصف رأسه، فقال: أقامت الساعة؟ قال: لا، لكني دعوت الله فأحياك، ما لي أرى الشيب في رأسك، ولم يكن في زمانك؟ قال: سمعت الصيحة، فظننت أن الساعة قامت فشبت من هولها. قيل: كان يحيي الموتى ب { يا حي يا قيوم }. { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } ، لما أبرأ الأكمه والأبرص قالوا، هذا سحر، أخبرنا بما نأكل وما ندخر؟ فكان يخبر الرجل بما يأكل في غدائه وعشائه، وروي أنه لما كان في المكتب، كان يحدث الغلمان بما يصنع لهم آباؤهم من الطعام، فيقول للغلام: انطلق... غداء أهلك كذا وكذا، فيقول أهله: من أخبرك بهذا؟ قال: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليسوا ههنا، قال: ماذا في البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا الباب، فإذا هم خنازير، فهموا بقتله، فهربت به أمه إلى مصر.
قاله السدي. ثم قال لهم: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } ، فإن غير المؤمنين لا ينتفع بالمعجزات لعناده، { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: وجئتكم مصدقا للتوراة، وشاهدا على صحتها، { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } في شريعة موسى عليه السلام كالشحوم والثروب ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة، ولا يخل بكونه مصدقا له، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة: بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم. ثم قال لهم: { و } قد { جئتكم بآية } واضحة { من ربكم } ، قد شاهدتموها بأعينكم، فما بقي إلا عنادكم، { فاتقوا الله وأطيعون }. ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال: { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } ولا تعبدوا معه سواه، { هذا صراط مستقيم } لا عوج فيه. قال البيضاوي: أي: لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، { فاتقوا الله } في المخالفة، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل، فقال: { إن الله ربي وربكم } أشار إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد، وقال: { فاعبدوه } إشارة إلى استكمال القوة العملية بملازمة الطاعة، التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره: قوله عليه الصلاة والسلام:
" قل آمنت بالله ثم استقم ".
الإشارة: كل من انقطع بكليته إلى مولاه، وصدف عن حظوظه، وهواه، وأفنى شبابه في طاعة ربه، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه، تحققت له البشارة في العاجل والآجل، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل، ورزقه من فواكه العلوم، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها، فقربها إليه وتولاها، وبشرها بالاصطفائية والتطهير، وأمرها شكرا بالجد والتشمير، ثم بشرها ثانيا بالولد النزيه والسيد النبيه، روح الله وكلمة الله، من غير أب ولا سبب، ولا معالجة ولا تعب، أمره بأمر الله، يبئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع. قال صلى الله عليه وسلم:
" من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليها ".
وقال بعضهم: صدق المجاهدة: الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر، فكما أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كذلك من انقطع بكليته إلى الله أبرأ القلوب السقيمة بإذن الله، وأحيا موتى القلوب بذكر الله، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب، يدل على طاعة الله، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:47
قلت: { إذ قالت }: بدل من { وإذ قالت } الأولى، ويبعد إبدالها من { إذ يختصمون } ، و { المسيح } وما بعده: إخبار عن اسمه، أو { عيسى }: خبر عن مضمر، و { ابن مريم }: صفته، و { المسيح }: فعيل بمعنى مفعول، لأنه مسح من الأقذار، أي: طهر منها، أو مسح بالبركة، أو كان مسيح القدم، لا أخمص له، أو مسحه جبريل بجناحه من الشيطان. أو بمعنى فاعل لأنه كان يمسح المرضى فيبرؤون، أو يمسح عين الأعمى فيبصر، أو لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان فتكون الميم زائدة. وأما المسيح الدجال فإنه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يطوف الأرض ويمسحها، إلا مكة والمدينة، والحاصل: أن عيسى مسيح الخير، والدجال مسيح الشر، ولذلك قيل: إن المسيح يقتل المسيح. و { وجيها }: حال من كلمة لتخصيصه بالصفة، و { في المهد وكهلا }: حالان، أي: طفلا وكهلا، والمهد: ما يمهد للصبي. و { رسولا }: مفعول لمحذوف، أي: ونجعله رسولا، و { مصدقا }: عطف على { رسولا } ، و { لأحل }: متعلق بمحذوف، أي: وجئتكم لأحل، أو معطوف على معنى مصدقا، كقولهم: جئتك معتذرا، أو لأطيب قلبك. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر أيضا { إذ قالت الملائكة } في بشارتهم لمريم: { يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } ، أي: بولد يتكون بكلمة من الله كن فيكون، وقيل: إنما سمى كلمة لكونه مظهرا لكلمة التكوين، متحققا ومتصرفا بها. ولذلك كان يظهر عليه خوارق الأقدار أكثر من غيره من الأنبياء، { اسمه المسيح } ، واسمه { عيسى ابن مريم } ، وإنما قال: { ابن مريم } والخطاب لها، تنبيها على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد إنما تنسب لأبائها إلا إذا فقد الأب. ثم وصف الولد بقوله: { وجيها في الدنيا والآخرة } أي: شريفا في الدنيا بالنبوة والرسالة، وفي الآخرة بالشفاعة لمن تبعه. ويكون { من المقربين } إلى الله تعالى في الدارين. { ويكلم الناس } طفلا { في المهد } على وجه خرق العادة في تبرئة أمه، { وكهلا } إذا كمل عقله قبل أن يرفع، أو بعد الرفع والنزول، لأن الكهولة بعد الأربعين، والتحقيق: أنه بشرها بنبوة عيسى وكلامه في المهد، معجزة، وفي الكهولة دعوة قبل الرفع وبعده، وما قارب يعطي حكمه، وحال كونه { من الصالحين } لحضرة رب العالمين. ولما سمعت البشارة دهشت و { قالت }: يا { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } ، والخطاب لله، فانية عن الواسطة جبريل، والاستفهام تعجبا، أو عن الكيفية: هل يكون بتزوج أم لا؟ { قال } لها الملك: { كذلك الله يخلق ما يشاء }. أو الأمر كذلك كما تقولين، لكن { الله يخلق ما يشاء } لا يحتاج إلى وسائط ولا أسباب، بل { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ، { ويعلمه الكتاب } أي: الكتابة والخط، { والحكمة } أي: النبوة، أو الإصابة في الرأي: { والتوراة والإنجيل }.
{ و } يجعله { رسولا إلى بني إسرائيل }. وكان أول رسل بني إسرائيل يوسف، وآخرهم عيسى - عليهما السلام -، وقال: عليه الصلاة والسلام:
" بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من بني إسرائيل "
فإذا بعث إليهم قال: { أني قد جئتكم بآية من ربكم } أي: بأني قد جئتكم آية من ربكم، قالوا: وما هي؟ قال: { أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير } كصورته، { فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } ، وكان يخلق لهم صورة الخفاش، لأنها أكمل الطيرلأن لها ثديا وأسنانا وتحيض وتطير، فيكون أبلغ في المعجزة، وكان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عنهم سقط ميتا ليتميز فعل الحق من فعل الخلق، ثم قال لهم: ولي معجزة أخرى أني { أبرئ الأكمه } الذي ولد أعمى، فأحرى غيره { والأبرص } الذي فيه وضح. وخصهما لأنهما عاهتان معضلتان. وكان الغالب في زمن عيسى الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. روي: أنه ربما اجتمع عليه من المرضى في اليوم الواحد ألوف، من أطاف منهم البلوغ أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإسلام. { وأحيي الموتى بإذن الله } لا بقدرتي دفعا لتوهم الألوهية، فإن الإحياء ليس من طوق البشر. روي أنه أحيا أربعة أنفس: العازر، وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك العازر يموت، فأتاه من مسيرة ثلاثة أيام فوجده مات، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، وهو في صخرة مطبقة، فدعا الله تعالى، فقام العازر يقطر ودكه، فعاش وولده له. و ابن العجوز، مر بجنازته على عيسى عليه السلام فدعا الله تعالى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل سريره على عنقه، ورجع إلى أهله، وبقي حتى ولد له. وابنة العاشر، كان يأخذ العشور، قيل له: أتحييها، وقد ماتت أمس؟ فدعا الله تعالى، فعاشت وولد لها. وسام بن نوح، دعا باسم الله الأعظم، فخرج من قبره، وقد شاب نصف رأسه، فقال: أقامت الساعة؟ قال: لا، لكني دعوت الله فأحياك، ما لي أرى الشيب في رأسك، ولم يكن في زمانك؟ قال: سمعت الصيحة، فظننت أن الساعة قامت فشبت من هولها. قيل: كان يحيي الموتى ب { يا حي يا قيوم }. { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } ، لما أبرأ الأكمه والأبرص قالوا، هذا سحر، أخبرنا بما نأكل وما ندخر؟ فكان يخبر الرجل بما يأكل في غدائه وعشائه، وروي أنه لما كان في المكتب، كان يحدث الغلمان بما يصنع لهم آباؤهم من الطعام، فيقول للغلام: انطلق... غداء أهلك كذا وكذا، فيقول أهله: من أخبرك بهذا؟ قال: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليسوا ههنا، قال: ماذا في البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا الباب، فإذا هم خنازير، فهموا بقتله، فهربت به أمه إلى مصر.
قاله السدي. ثم قال لهم: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } ، فإن غير المؤمنين لا ينتفع بالمعجزات لعناده، { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: وجئتكم مصدقا للتوراة، وشاهدا على صحتها، { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } في شريعة موسى عليه السلام كالشحوم والثروب ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة، ولا يخل بكونه مصدقا له، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة: بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم. ثم قال لهم: { و } قد { جئتكم بآية } واضحة { من ربكم } ، قد شاهدتموها بأعينكم، فما بقي إلا عنادكم، { فاتقوا الله وأطيعون }. ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال: { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } ولا تعبدوا معه سواه، { هذا صراط مستقيم } لا عوج فيه. قال البيضاوي: أي: لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، { فاتقوا الله } في المخالفة، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل، فقال: { إن الله ربي وربكم } أشار إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد، وقال: { فاعبدوه } إشارة إلى استكمال القوة العملية بملازمة الطاعة، التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره: قوله عليه الصلاة والسلام:
" قل آمنت بالله ثم استقم ".
الإشارة: كل من انقطع بكليته إلى مولاه، وصدف عن حظوظه، وهواه، وأفنى شبابه في طاعة ربه، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه، تحققت له البشارة في العاجل والآجل، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل، ورزقه من فواكه العلوم، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها، فقربها إليه وتولاها، وبشرها بالاصطفائية والتطهير، وأمرها شكرا بالجد والتشمير، ثم بشرها ثانيا بالولد النزيه والسيد النبيه، روح الله وكلمة الله، من غير أب ولا سبب، ولا معالجة ولا تعب، أمره بأمر الله، يبئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع. قال صلى الله عليه وسلم:
" من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليها ".
وقال بعضهم: صدق المجاهدة: الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر، فكما أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كذلك من انقطع بكليته إلى الله أبرأ القلوب السقيمة بإذن الله، وأحيا موتى القلوب بذكر الله، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب، يدل على طاعة الله، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:48
قلت: { إذ قالت }: بدل من { وإذ قالت } الأولى، ويبعد إبدالها من { إذ يختصمون } ، و { المسيح } وما بعده: إخبار عن اسمه، أو { عيسى }: خبر عن مضمر، و { ابن مريم }: صفته، و { المسيح }: فعيل بمعنى مفعول، لأنه مسح من الأقذار، أي: طهر منها، أو مسح بالبركة، أو كان مسيح القدم، لا أخمص له، أو مسحه جبريل بجناحه من الشيطان. أو بمعنى فاعل لأنه كان يمسح المرضى فيبرؤون، أو يمسح عين الأعمى فيبصر، أو لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان فتكون الميم زائدة. وأما المسيح الدجال فإنه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يطوف الأرض ويمسحها، إلا مكة والمدينة، والحاصل: أن عيسى مسيح الخير، والدجال مسيح الشر، ولذلك قيل: إن المسيح يقتل المسيح. و { وجيها }: حال من كلمة لتخصيصه بالصفة، و { في المهد وكهلا }: حالان، أي: طفلا وكهلا، والمهد: ما يمهد للصبي. و { رسولا }: مفعول لمحذوف، أي: ونجعله رسولا، و { مصدقا }: عطف على { رسولا } ، و { لأحل }: متعلق بمحذوف، أي: وجئتكم لأحل، أو معطوف على معنى مصدقا، كقولهم: جئتك معتذرا، أو لأطيب قلبك. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر أيضا { إذ قالت الملائكة } في بشارتهم لمريم: { يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } ، أي: بولد يتكون بكلمة من الله كن فيكون، وقيل: إنما سمى كلمة لكونه مظهرا لكلمة التكوين، متحققا ومتصرفا بها. ولذلك كان يظهر عليه خوارق الأقدار أكثر من غيره من الأنبياء، { اسمه المسيح } ، واسمه { عيسى ابن مريم } ، وإنما قال: { ابن مريم } والخطاب لها، تنبيها على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد إنما تنسب لأبائها إلا إذا فقد الأب. ثم وصف الولد بقوله: { وجيها في الدنيا والآخرة } أي: شريفا في الدنيا بالنبوة والرسالة، وفي الآخرة بالشفاعة لمن تبعه. ويكون { من المقربين } إلى الله تعالى في الدارين. { ويكلم الناس } طفلا { في المهد } على وجه خرق العادة في تبرئة أمه، { وكهلا } إذا كمل عقله قبل أن يرفع، أو بعد الرفع والنزول، لأن الكهولة بعد الأربعين، والتحقيق: أنه بشرها بنبوة عيسى وكلامه في المهد، معجزة، وفي الكهولة دعوة قبل الرفع وبعده، وما قارب يعطي حكمه، وحال كونه { من الصالحين } لحضرة رب العالمين. ولما سمعت البشارة دهشت و { قالت }: يا { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } ، والخطاب لله، فانية عن الواسطة جبريل، والاستفهام تعجبا، أو عن الكيفية: هل يكون بتزوج أم لا؟ { قال } لها الملك: { كذلك الله يخلق ما يشاء }. أو الأمر كذلك كما تقولين، لكن { الله يخلق ما يشاء } لا يحتاج إلى وسائط ولا أسباب، بل { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ، { ويعلمه الكتاب } أي: الكتابة والخط، { والحكمة } أي: النبوة، أو الإصابة في الرأي: { والتوراة والإنجيل }.
{ و } يجعله { رسولا إلى بني إسرائيل }. وكان أول رسل بني إسرائيل يوسف، وآخرهم عيسى - عليهما السلام -، وقال: عليه الصلاة والسلام:
" بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من بني إسرائيل "
فإذا بعث إليهم قال: { أني قد جئتكم بآية من ربكم } أي: بأني قد جئتكم آية من ربكم، قالوا: وما هي؟ قال: { أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير } كصورته، { فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } ، وكان يخلق لهم صورة الخفاش، لأنها أكمل الطيرلأن لها ثديا وأسنانا وتحيض وتطير، فيكون أبلغ في المعجزة، وكان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عنهم سقط ميتا ليتميز فعل الحق من فعل الخلق، ثم قال لهم: ولي معجزة أخرى أني { أبرئ الأكمه } الذي ولد أعمى، فأحرى غيره { والأبرص } الذي فيه وضح. وخصهما لأنهما عاهتان معضلتان. وكان الغالب في زمن عيسى الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. روي: أنه ربما اجتمع عليه من المرضى في اليوم الواحد ألوف، من أطاف منهم البلوغ أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإسلام. { وأحيي الموتى بإذن الله } لا بقدرتي دفعا لتوهم الألوهية، فإن الإحياء ليس من طوق البشر. روي أنه أحيا أربعة أنفس: العازر، وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك العازر يموت، فأتاه من مسيرة ثلاثة أيام فوجده مات، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، وهو في صخرة مطبقة، فدعا الله تعالى، فقام العازر يقطر ودكه، فعاش وولده له. و ابن العجوز، مر بجنازته على عيسى عليه السلام فدعا الله تعالى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل سريره على عنقه، ورجع إلى أهله، وبقي حتى ولد له. وابنة العاشر، كان يأخذ العشور، قيل له: أتحييها، وقد ماتت أمس؟ فدعا الله تعالى، فعاشت وولد لها. وسام بن نوح، دعا باسم الله الأعظم، فخرج من قبره، وقد شاب نصف رأسه، فقال: أقامت الساعة؟ قال: لا، لكني دعوت الله فأحياك، ما لي أرى الشيب في رأسك، ولم يكن في زمانك؟ قال: سمعت الصيحة، فظننت أن الساعة قامت فشبت من هولها. قيل: كان يحيي الموتى ب { يا حي يا قيوم }. { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } ، لما أبرأ الأكمه والأبرص قالوا، هذا سحر، أخبرنا بما نأكل وما ندخر؟ فكان يخبر الرجل بما يأكل في غدائه وعشائه، وروي أنه لما كان في المكتب، كان يحدث الغلمان بما يصنع لهم آباؤهم من الطعام، فيقول للغلام: انطلق... غداء أهلك كذا وكذا، فيقول أهله: من أخبرك بهذا؟ قال: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليسوا ههنا، قال: ماذا في البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا الباب، فإذا هم خنازير، فهموا بقتله، فهربت به أمه إلى مصر.
قاله السدي. ثم قال لهم: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } ، فإن غير المؤمنين لا ينتفع بالمعجزات لعناده، { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: وجئتكم مصدقا للتوراة، وشاهدا على صحتها، { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } في شريعة موسى عليه السلام كالشحوم والثروب ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة، ولا يخل بكونه مصدقا له، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة: بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم. ثم قال لهم: { و } قد { جئتكم بآية } واضحة { من ربكم } ، قد شاهدتموها بأعينكم، فما بقي إلا عنادكم، { فاتقوا الله وأطيعون }. ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال: { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } ولا تعبدوا معه سواه، { هذا صراط مستقيم } لا عوج فيه. قال البيضاوي: أي: لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، { فاتقوا الله } في المخالفة، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل، فقال: { إن الله ربي وربكم } أشار إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد، وقال: { فاعبدوه } إشارة إلى استكمال القوة العملية بملازمة الطاعة، التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره: قوله عليه الصلاة والسلام:
" قل آمنت بالله ثم استقم ".
الإشارة: كل من انقطع بكليته إلى مولاه، وصدف عن حظوظه، وهواه، وأفنى شبابه في طاعة ربه، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه، تحققت له البشارة في العاجل والآجل، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل، ورزقه من فواكه العلوم، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها، فقربها إليه وتولاها، وبشرها بالاصطفائية والتطهير، وأمرها شكرا بالجد والتشمير، ثم بشرها ثانيا بالولد النزيه والسيد النبيه، روح الله وكلمة الله، من غير أب ولا سبب، ولا معالجة ولا تعب، أمره بأمر الله، يبئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع. قال صلى الله عليه وسلم:
" من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليها ".
وقال بعضهم: صدق المجاهدة: الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر، فكما أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كذلك من انقطع بكليته إلى الله أبرأ القلوب السقيمة بإذن الله، وأحيا موتى القلوب بذكر الله، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب، يدل على طاعة الله، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:49
قلت: { إذ قالت }: بدل من { وإذ قالت } الأولى، ويبعد إبدالها من { إذ يختصمون } ، و { المسيح } وما بعده: إخبار عن اسمه، أو { عيسى }: خبر عن مضمر، و { ابن مريم }: صفته، و { المسيح }: فعيل بمعنى مفعول، لأنه مسح من الأقذار، أي: طهر منها، أو مسح بالبركة، أو كان مسيح القدم، لا أخمص له، أو مسحه جبريل بجناحه من الشيطان. أو بمعنى فاعل لأنه كان يمسح المرضى فيبرؤون، أو يمسح عين الأعمى فيبصر، أو لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان فتكون الميم زائدة. وأما المسيح الدجال فإنه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يطوف الأرض ويمسحها، إلا مكة والمدينة، والحاصل: أن عيسى مسيح الخير، والدجال مسيح الشر، ولذلك قيل: إن المسيح يقتل المسيح. و { وجيها }: حال من كلمة لتخصيصه بالصفة، و { في المهد وكهلا }: حالان، أي: طفلا وكهلا، والمهد: ما يمهد للصبي. و { رسولا }: مفعول لمحذوف، أي: ونجعله رسولا، و { مصدقا }: عطف على { رسولا } ، و { لأحل }: متعلق بمحذوف، أي: وجئتكم لأحل، أو معطوف على معنى مصدقا، كقولهم: جئتك معتذرا، أو لأطيب قلبك. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر أيضا { إذ قالت الملائكة } في بشارتهم لمريم: { يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } ، أي: بولد يتكون بكلمة من الله كن فيكون، وقيل: إنما سمى كلمة لكونه مظهرا لكلمة التكوين، متحققا ومتصرفا بها. ولذلك كان يظهر عليه خوارق الأقدار أكثر من غيره من الأنبياء، { اسمه المسيح } ، واسمه { عيسى ابن مريم } ، وإنما قال: { ابن مريم } والخطاب لها، تنبيها على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد إنما تنسب لأبائها إلا إذا فقد الأب. ثم وصف الولد بقوله: { وجيها في الدنيا والآخرة } أي: شريفا في الدنيا بالنبوة والرسالة، وفي الآخرة بالشفاعة لمن تبعه. ويكون { من المقربين } إلى الله تعالى في الدارين. { ويكلم الناس } طفلا { في المهد } على وجه خرق العادة في تبرئة أمه، { وكهلا } إذا كمل عقله قبل أن يرفع، أو بعد الرفع والنزول، لأن الكهولة بعد الأربعين، والتحقيق: أنه بشرها بنبوة عيسى وكلامه في المهد، معجزة، وفي الكهولة دعوة قبل الرفع وبعده، وما قارب يعطي حكمه، وحال كونه { من الصالحين } لحضرة رب العالمين. ولما سمعت البشارة دهشت و { قالت }: يا { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } ، والخطاب لله، فانية عن الواسطة جبريل، والاستفهام تعجبا، أو عن الكيفية: هل يكون بتزوج أم لا؟ { قال } لها الملك: { كذلك الله يخلق ما يشاء }. أو الأمر كذلك كما تقولين، لكن { الله يخلق ما يشاء } لا يحتاج إلى وسائط ولا أسباب، بل { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ، { ويعلمه الكتاب } أي: الكتابة والخط، { والحكمة } أي: النبوة، أو الإصابة في الرأي: { والتوراة والإنجيل }.
{ و } يجعله { رسولا إلى بني إسرائيل }. وكان أول رسل بني إسرائيل يوسف، وآخرهم عيسى - عليهما السلام -، وقال: عليه الصلاة والسلام:
" بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من بني إسرائيل "
فإذا بعث إليهم قال: { أني قد جئتكم بآية من ربكم } أي: بأني قد جئتكم آية من ربكم، قالوا: وما هي؟ قال: { أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير } كصورته، { فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } ، وكان يخلق لهم صورة الخفاش، لأنها أكمل الطيرلأن لها ثديا وأسنانا وتحيض وتطير، فيكون أبلغ في المعجزة، وكان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عنهم سقط ميتا ليتميز فعل الحق من فعل الخلق، ثم قال لهم: ولي معجزة أخرى أني { أبرئ الأكمه } الذي ولد أعمى، فأحرى غيره { والأبرص } الذي فيه وضح. وخصهما لأنهما عاهتان معضلتان. وكان الغالب في زمن عيسى الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. روي: أنه ربما اجتمع عليه من المرضى في اليوم الواحد ألوف، من أطاف منهم البلوغ أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإسلام. { وأحيي الموتى بإذن الله } لا بقدرتي دفعا لتوهم الألوهية، فإن الإحياء ليس من طوق البشر. روي أنه أحيا أربعة أنفس: العازر، وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك العازر يموت، فأتاه من مسيرة ثلاثة أيام فوجده مات، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، وهو في صخرة مطبقة، فدعا الله تعالى، فقام العازر يقطر ودكه، فعاش وولده له. و ابن العجوز، مر بجنازته على عيسى عليه السلام فدعا الله تعالى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل سريره على عنقه، ورجع إلى أهله، وبقي حتى ولد له. وابنة العاشر، كان يأخذ العشور، قيل له: أتحييها، وقد ماتت أمس؟ فدعا الله تعالى، فعاشت وولد لها. وسام بن نوح، دعا باسم الله الأعظم، فخرج من قبره، وقد شاب نصف رأسه، فقال: أقامت الساعة؟ قال: لا، لكني دعوت الله فأحياك، ما لي أرى الشيب في رأسك، ولم يكن في زمانك؟ قال: سمعت الصيحة، فظننت أن الساعة قامت فشبت من هولها. قيل: كان يحيي الموتى ب { يا حي يا قيوم }. { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } ، لما أبرأ الأكمه والأبرص قالوا، هذا سحر، أخبرنا بما نأكل وما ندخر؟ فكان يخبر الرجل بما يأكل في غدائه وعشائه، وروي أنه لما كان في المكتب، كان يحدث الغلمان بما يصنع لهم آباؤهم من الطعام، فيقول للغلام: انطلق... غداء أهلك كذا وكذا، فيقول أهله: من أخبرك بهذا؟ قال: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليسوا ههنا، قال: ماذا في البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا الباب، فإذا هم خنازير، فهموا بقتله، فهربت به أمه إلى مصر.
قاله السدي. ثم قال لهم: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } ، فإن غير المؤمنين لا ينتفع بالمعجزات لعناده، { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: وجئتكم مصدقا للتوراة، وشاهدا على صحتها، { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } في شريعة موسى عليه السلام كالشحوم والثروب ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة، ولا يخل بكونه مصدقا له، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة: بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم. ثم قال لهم: { و } قد { جئتكم بآية } واضحة { من ربكم } ، قد شاهدتموها بأعينكم، فما بقي إلا عنادكم، { فاتقوا الله وأطيعون }. ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال: { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } ولا تعبدوا معه سواه، { هذا صراط مستقيم } لا عوج فيه. قال البيضاوي: أي: لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، { فاتقوا الله } في المخالفة، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل، فقال: { إن الله ربي وربكم } أشار إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد، وقال: { فاعبدوه } إشارة إلى استكمال القوة العملية بملازمة الطاعة، التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره: قوله عليه الصلاة والسلام:
" قل آمنت بالله ثم استقم ".
الإشارة: كل من انقطع بكليته إلى مولاه، وصدف عن حظوظه، وهواه، وأفنى شبابه في طاعة ربه، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه، تحققت له البشارة في العاجل والآجل، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل، ورزقه من فواكه العلوم، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها، فقربها إليه وتولاها، وبشرها بالاصطفائية والتطهير، وأمرها شكرا بالجد والتشمير، ثم بشرها ثانيا بالولد النزيه والسيد النبيه، روح الله وكلمة الله، من غير أب ولا سبب، ولا معالجة ولا تعب، أمره بأمر الله، يبئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع. قال صلى الله عليه وسلم:
" من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليها ".
وقال بعضهم: صدق المجاهدة: الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر، فكما أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كذلك من انقطع بكليته إلى الله أبرأ القلوب السقيمة بإذن الله، وأحيا موتى القلوب بذكر الله، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب، يدل على طاعة الله، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:50
قلت: { إذ قالت }: بدل من { وإذ قالت } الأولى، ويبعد إبدالها من { إذ يختصمون } ، و { المسيح } وما بعده: إخبار عن اسمه، أو { عيسى }: خبر عن مضمر، و { ابن مريم }: صفته، و { المسيح }: فعيل بمعنى مفعول، لأنه مسح من الأقذار، أي: طهر منها، أو مسح بالبركة، أو كان مسيح القدم، لا أخمص له، أو مسحه جبريل بجناحه من الشيطان. أو بمعنى فاعل لأنه كان يمسح المرضى فيبرؤون، أو يمسح عين الأعمى فيبصر، أو لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان فتكون الميم زائدة. وأما المسيح الدجال فإنه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يطوف الأرض ويمسحها، إلا مكة والمدينة، والحاصل: أن عيسى مسيح الخير، والدجال مسيح الشر، ولذلك قيل: إن المسيح يقتل المسيح. و { وجيها }: حال من كلمة لتخصيصه بالصفة، و { في المهد وكهلا }: حالان، أي: طفلا وكهلا، والمهد: ما يمهد للصبي. و { رسولا }: مفعول لمحذوف، أي: ونجعله رسولا، و { مصدقا }: عطف على { رسولا } ، و { لأحل }: متعلق بمحذوف، أي: وجئتكم لأحل، أو معطوف على معنى مصدقا، كقولهم: جئتك معتذرا، أو لأطيب قلبك. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر أيضا { إذ قالت الملائكة } في بشارتهم لمريم: { يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } ، أي: بولد يتكون بكلمة من الله كن فيكون، وقيل: إنما سمى كلمة لكونه مظهرا لكلمة التكوين، متحققا ومتصرفا بها. ولذلك كان يظهر عليه خوارق الأقدار أكثر من غيره من الأنبياء، { اسمه المسيح } ، واسمه { عيسى ابن مريم } ، وإنما قال: { ابن مريم } والخطاب لها، تنبيها على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد إنما تنسب لأبائها إلا إذا فقد الأب. ثم وصف الولد بقوله: { وجيها في الدنيا والآخرة } أي: شريفا في الدنيا بالنبوة والرسالة، وفي الآخرة بالشفاعة لمن تبعه. ويكون { من المقربين } إلى الله تعالى في الدارين. { ويكلم الناس } طفلا { في المهد } على وجه خرق العادة في تبرئة أمه، { وكهلا } إذا كمل عقله قبل أن يرفع، أو بعد الرفع والنزول، لأن الكهولة بعد الأربعين، والتحقيق: أنه بشرها بنبوة عيسى وكلامه في المهد، معجزة، وفي الكهولة دعوة قبل الرفع وبعده، وما قارب يعطي حكمه، وحال كونه { من الصالحين } لحضرة رب العالمين. ولما سمعت البشارة دهشت و { قالت }: يا { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } ، والخطاب لله، فانية عن الواسطة جبريل، والاستفهام تعجبا، أو عن الكيفية: هل يكون بتزوج أم لا؟ { قال } لها الملك: { كذلك الله يخلق ما يشاء }. أو الأمر كذلك كما تقولين، لكن { الله يخلق ما يشاء } لا يحتاج إلى وسائط ولا أسباب، بل { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ، { ويعلمه الكتاب } أي: الكتابة والخط، { والحكمة } أي: النبوة، أو الإصابة في الرأي: { والتوراة والإنجيل }.
{ و } يجعله { رسولا إلى بني إسرائيل }. وكان أول رسل بني إسرائيل يوسف، وآخرهم عيسى - عليهما السلام -، وقال: عليه الصلاة والسلام:
" بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من بني إسرائيل "
فإذا بعث إليهم قال: { أني قد جئتكم بآية من ربكم } أي: بأني قد جئتكم آية من ربكم، قالوا: وما هي؟ قال: { أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير } كصورته، { فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } ، وكان يخلق لهم صورة الخفاش، لأنها أكمل الطيرلأن لها ثديا وأسنانا وتحيض وتطير، فيكون أبلغ في المعجزة، وكان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عنهم سقط ميتا ليتميز فعل الحق من فعل الخلق، ثم قال لهم: ولي معجزة أخرى أني { أبرئ الأكمه } الذي ولد أعمى، فأحرى غيره { والأبرص } الذي فيه وضح. وخصهما لأنهما عاهتان معضلتان. وكان الغالب في زمن عيسى الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. روي: أنه ربما اجتمع عليه من المرضى في اليوم الواحد ألوف، من أطاف منهم البلوغ أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإسلام. { وأحيي الموتى بإذن الله } لا بقدرتي دفعا لتوهم الألوهية، فإن الإحياء ليس من طوق البشر. روي أنه أحيا أربعة أنفس: العازر، وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك العازر يموت، فأتاه من مسيرة ثلاثة أيام فوجده مات، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، وهو في صخرة مطبقة، فدعا الله تعالى، فقام العازر يقطر ودكه، فعاش وولده له. و ابن العجوز، مر بجنازته على عيسى عليه السلام فدعا الله تعالى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل سريره على عنقه، ورجع إلى أهله، وبقي حتى ولد له. وابنة العاشر، كان يأخذ العشور، قيل له: أتحييها، وقد ماتت أمس؟ فدعا الله تعالى، فعاشت وولد لها. وسام بن نوح، دعا باسم الله الأعظم، فخرج من قبره، وقد شاب نصف رأسه، فقال: أقامت الساعة؟ قال: لا، لكني دعوت الله فأحياك، ما لي أرى الشيب في رأسك، ولم يكن في زمانك؟ قال: سمعت الصيحة، فظننت أن الساعة قامت فشبت من هولها. قيل: كان يحيي الموتى ب { يا حي يا قيوم }. { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } ، لما أبرأ الأكمه والأبرص قالوا، هذا سحر، أخبرنا بما نأكل وما ندخر؟ فكان يخبر الرجل بما يأكل في غدائه وعشائه، وروي أنه لما كان في المكتب، كان يحدث الغلمان بما يصنع لهم آباؤهم من الطعام، فيقول للغلام: انطلق... غداء أهلك كذا وكذا، فيقول أهله: من أخبرك بهذا؟ قال: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليسوا ههنا، قال: ماذا في البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا الباب، فإذا هم خنازير، فهموا بقتله، فهربت به أمه إلى مصر.
قاله السدي. ثم قال لهم: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } ، فإن غير المؤمنين لا ينتفع بالمعجزات لعناده، { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: وجئتكم مصدقا للتوراة، وشاهدا على صحتها، { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } في شريعة موسى عليه السلام كالشحوم والثروب ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة، ولا يخل بكونه مصدقا له، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة: بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم. ثم قال لهم: { و } قد { جئتكم بآية } واضحة { من ربكم } ، قد شاهدتموها بأعينكم، فما بقي إلا عنادكم، { فاتقوا الله وأطيعون }. ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال: { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } ولا تعبدوا معه سواه، { هذا صراط مستقيم } لا عوج فيه. قال البيضاوي: أي: لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، { فاتقوا الله } في المخالفة، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل، فقال: { إن الله ربي وربكم } أشار إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد، وقال: { فاعبدوه } إشارة إلى استكمال القوة العملية بملازمة الطاعة، التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره: قوله عليه الصلاة والسلام:
" قل آمنت بالله ثم استقم ".
الإشارة: كل من انقطع بكليته إلى مولاه، وصدف عن حظوظه، وهواه، وأفنى شبابه في طاعة ربه، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه، تحققت له البشارة في العاجل والآجل، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل، ورزقه من فواكه العلوم، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها، فقربها إليه وتولاها، وبشرها بالاصطفائية والتطهير، وأمرها شكرا بالجد والتشمير، ثم بشرها ثانيا بالولد النزيه والسيد النبيه، روح الله وكلمة الله، من غير أب ولا سبب، ولا معالجة ولا تعب، أمره بأمر الله، يبئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع. قال صلى الله عليه وسلم:
" من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليها ".
وقال بعضهم: صدق المجاهدة: الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر، فكما أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كذلك من انقطع بكليته إلى الله أبرأ القلوب السقيمة بإذن الله، وأحيا موتى القلوب بذكر الله، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب، يدل على طاعة الله، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:51
قلت: { إذ قالت }: بدل من { وإذ قالت } الأولى، ويبعد إبدالها من { إذ يختصمون } ، و { المسيح } وما بعده: إخبار عن اسمه، أو { عيسى }: خبر عن مضمر، و { ابن مريم }: صفته، و { المسيح }: فعيل بمعنى مفعول، لأنه مسح من الأقذار، أي: طهر منها، أو مسح بالبركة، أو كان مسيح القدم، لا أخمص له، أو مسحه جبريل بجناحه من الشيطان. أو بمعنى فاعل لأنه كان يمسح المرضى فيبرؤون، أو يمسح عين الأعمى فيبصر، أو لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان فتكون الميم زائدة. وأما المسيح الدجال فإنه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يطوف الأرض ويمسحها، إلا مكة والمدينة، والحاصل: أن عيسى مسيح الخير، والدجال مسيح الشر، ولذلك قيل: إن المسيح يقتل المسيح. و { وجيها }: حال من كلمة لتخصيصه بالصفة، و { في المهد وكهلا }: حالان، أي: طفلا وكهلا، والمهد: ما يمهد للصبي. و { رسولا }: مفعول لمحذوف، أي: ونجعله رسولا، و { مصدقا }: عطف على { رسولا } ، و { لأحل }: متعلق بمحذوف، أي: وجئتكم لأحل، أو معطوف على معنى مصدقا، كقولهم: جئتك معتذرا، أو لأطيب قلبك. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر أيضا { إذ قالت الملائكة } في بشارتهم لمريم: { يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } ، أي: بولد يتكون بكلمة من الله كن فيكون، وقيل: إنما سمى كلمة لكونه مظهرا لكلمة التكوين، متحققا ومتصرفا بها. ولذلك كان يظهر عليه خوارق الأقدار أكثر من غيره من الأنبياء، { اسمه المسيح } ، واسمه { عيسى ابن مريم } ، وإنما قال: { ابن مريم } والخطاب لها، تنبيها على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد إنما تنسب لأبائها إلا إذا فقد الأب. ثم وصف الولد بقوله: { وجيها في الدنيا والآخرة } أي: شريفا في الدنيا بالنبوة والرسالة، وفي الآخرة بالشفاعة لمن تبعه. ويكون { من المقربين } إلى الله تعالى في الدارين. { ويكلم الناس } طفلا { في المهد } على وجه خرق العادة في تبرئة أمه، { وكهلا } إذا كمل عقله قبل أن يرفع، أو بعد الرفع والنزول، لأن الكهولة بعد الأربعين، والتحقيق: أنه بشرها بنبوة عيسى وكلامه في المهد، معجزة، وفي الكهولة دعوة قبل الرفع وبعده، وما قارب يعطي حكمه، وحال كونه { من الصالحين } لحضرة رب العالمين. ولما سمعت البشارة دهشت و { قالت }: يا { رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } ، والخطاب لله، فانية عن الواسطة جبريل، والاستفهام تعجبا، أو عن الكيفية: هل يكون بتزوج أم لا؟ { قال } لها الملك: { كذلك الله يخلق ما يشاء }. أو الأمر كذلك كما تقولين، لكن { الله يخلق ما يشاء } لا يحتاج إلى وسائط ولا أسباب، بل { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ، { ويعلمه الكتاب } أي: الكتابة والخط، { والحكمة } أي: النبوة، أو الإصابة في الرأي: { والتوراة والإنجيل }.
{ و } يجعله { رسولا إلى بني إسرائيل }. وكان أول رسل بني إسرائيل يوسف، وآخرهم عيسى - عليهما السلام -، وقال: عليه الصلاة والسلام:
" بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من بني إسرائيل "
فإذا بعث إليهم قال: { أني قد جئتكم بآية من ربكم } أي: بأني قد جئتكم آية من ربكم، قالوا: وما هي؟ قال: { أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير } كصورته، { فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } ، وكان يخلق لهم صورة الخفاش، لأنها أكمل الطيرلأن لها ثديا وأسنانا وتحيض وتطير، فيكون أبلغ في المعجزة، وكان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عنهم سقط ميتا ليتميز فعل الحق من فعل الخلق، ثم قال لهم: ولي معجزة أخرى أني { أبرئ الأكمه } الذي ولد أعمى، فأحرى غيره { والأبرص } الذي فيه وضح. وخصهما لأنهما عاهتان معضلتان. وكان الغالب في زمن عيسى الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. روي: أنه ربما اجتمع عليه من المرضى في اليوم الواحد ألوف، من أطاف منهم البلوغ أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإسلام. { وأحيي الموتى بإذن الله } لا بقدرتي دفعا لتوهم الألوهية، فإن الإحياء ليس من طوق البشر. روي أنه أحيا أربعة أنفس: العازر، وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك العازر يموت، فأتاه من مسيرة ثلاثة أيام فوجده مات، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، وهو في صخرة مطبقة، فدعا الله تعالى، فقام العازر يقطر ودكه، فعاش وولده له. و ابن العجوز، مر بجنازته على عيسى عليه السلام فدعا الله تعالى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل سريره على عنقه، ورجع إلى أهله، وبقي حتى ولد له. وابنة العاشر، كان يأخذ العشور، قيل له: أتحييها، وقد ماتت أمس؟ فدعا الله تعالى، فعاشت وولد لها. وسام بن نوح، دعا باسم الله الأعظم، فخرج من قبره، وقد شاب نصف رأسه، فقال: أقامت الساعة؟ قال: لا، لكني دعوت الله فأحياك، ما لي أرى الشيب في رأسك، ولم يكن في زمانك؟ قال: سمعت الصيحة، فظننت أن الساعة قامت فشبت من هولها. قيل: كان يحيي الموتى ب { يا حي يا قيوم }. { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } ، لما أبرأ الأكمه والأبرص قالوا، هذا سحر، أخبرنا بما نأكل وما ندخر؟ فكان يخبر الرجل بما يأكل في غدائه وعشائه، وروي أنه لما كان في المكتب، كان يحدث الغلمان بما يصنع لهم آباؤهم من الطعام، فيقول للغلام: انطلق... غداء أهلك كذا وكذا، فيقول أهله: من أخبرك بهذا؟ قال: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليسوا ههنا، قال: ماذا في البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا الباب، فإذا هم خنازير، فهموا بقتله، فهربت به أمه إلى مصر.
قاله السدي. ثم قال لهم: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } ، فإن غير المؤمنين لا ينتفع بالمعجزات لعناده، { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: وجئتكم مصدقا للتوراة، وشاهدا على صحتها، { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } في شريعة موسى عليه السلام كالشحوم والثروب ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة، ولا يخل بكونه مصدقا له، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة: بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم. ثم قال لهم: { و } قد { جئتكم بآية } واضحة { من ربكم } ، قد شاهدتموها بأعينكم، فما بقي إلا عنادكم، { فاتقوا الله وأطيعون }. ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال: { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } ولا تعبدوا معه سواه، { هذا صراط مستقيم } لا عوج فيه. قال البيضاوي: أي: لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، { فاتقوا الله } في المخالفة، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل، فقال: { إن الله ربي وربكم } أشار إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد، وقال: { فاعبدوه } إشارة إلى استكمال القوة العملية بملازمة الطاعة، التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره: قوله عليه الصلاة والسلام:
" قل آمنت بالله ثم استقم ".
الإشارة: كل من انقطع بكليته إلى مولاه، وصدف عن حظوظه، وهواه، وأفنى شبابه في طاعة ربه، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه، تحققت له البشارة في العاجل والآجل، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل، ورزقه من فواكه العلوم، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها، فقربها إليه وتولاها، وبشرها بالاصطفائية والتطهير، وأمرها شكرا بالجد والتشمير، ثم بشرها ثانيا بالولد النزيه والسيد النبيه، روح الله وكلمة الله، من غير أب ولا سبب، ولا معالجة ولا تعب، أمره بأمر الله، يبئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع. قال صلى الله عليه وسلم:
" من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليها ".
وقال بعضهم: صدق المجاهدة: الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر، فكما أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كذلك من انقطع بكليته إلى الله أبرأ القلوب السقيمة بإذن الله، وأحيا موتى القلوب بذكر الله، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب، يدل على طاعة الله، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:52
قلت: { من أنصاري إلى الله }: الجار يتعلق بحال محذوفة، أي: ذاهبا إلى الله إلى نصر دينه، أو مضيفا نفسه إلى الله، أو ملتجئا إلى الله، أو يتعلق ب { أنصاري } مضمنا معنى الإضافة، أي: من يضيف نفسه إلى الله في نصره. وحواري الرجل: خاصته، الذي يستعين بهم في نوائبه، وفي الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام-:
" لكل نبي حواري، وحواريي، الزبير "
وحواريوا عيسى: أصحابه الذين نصروه، وسموا بذلك لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم. والحور: البياض الخالص، وكل شيء بيضته فقد حورته، ويقال للبيضاء من النساء: حوارية. وقيل: كان الحواريون قصارين، يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وقيل: كانوا ملوكا يلبسون البياض. يقول الحق جل جلاله: { فلما أحسن عيسى } من بني إسرائيل { الكفر } ، وتحققه تحقق ما يدرك بالحواس، بعدما بعث إليهم، وأرادوا قتله، فر منهم واستنصر عليهم، و { قال من أنصاري } ملجئا { إلى الله } ، أو ذاهبا إلى نصر دينه، { قال الحواريون نحن أنصار الله } أي: أنصار دينه، { آمنا بالله وأشهد } علينا بأننا { مسلمون } لتشهد لنا يوم القيامة، حين يشهد الرسل لقومهم، { ربنا آمنا بما أنزلت } على نبيك من الأحكام، { واتبعنا الرسول } عيسى عليه السلام، { فاكتبنا مع الشاهدين } بوحدانيتك، أو مع الذين يشهدون لأنبيائك بالصدق، أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم، أو مع أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - فإنهم شهداء على الناس. قال عطاء: سلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى، وآخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصارين وصباغين، فأراد معلم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان، وقد علمتك الحرفة فاصبغها، فطبخ جبا، واحدا، وأدخل فيه جميع الثياب، وقال لها: كوني على ما أريد، فقدم الحواري، والثياب كلها في الجب، فلما رآها قال: قد أفسدتها، فأخرج عيسى ثوبا أصفر، وأحمر، وأخضر، إلى غير ذلك، فعجب الحواري، وعلم أن ذلك من الله تعالى، ودعا الناس إليه، وآمنوا به، ونصروه، فهم الحواريون. ولما أخرجه بنو إسرائيل عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهموا بقتله، وتواطؤوا عليه، { ومكروا } أي: دبروا الحيل في قتله، { ومكر الله } بهم، أي: استدرجهم حتى قتلوا صاحبهم، ورفع عيسى عليه السلام، فالمكر في الأصل: هو حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة. ولا تسند إلى الله إلى على حسب المقابلة والازدواج: كقوله:
يخادعون الله وهو خادعهم
النساء: 142]، وقوله:
الله يستهزئ بهم
[البقرة: 15]، { والله خير الماكرين }. أي: أشدهم مكرا، وأقواهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب، أو أفضل المجازين بالعقوبة لأنه لا أحد أقدر على ذلك منه. تنبيه: قيل للجنيد رضي الله عنه: كيف رضي المكر لنفسه، وقد عابه على غيره؟ قال: لا أدري، ولكن أنشدني فلان للطبرانية:
فديتك قد جبلت على هواك ونفسي ما تحن إلى سواك أحبك، لا ببعضي بل بكلي وإن يبق حبك لي حراكا ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاك
فقال له السائل: أسألك عن القرآن، وتجيبني بشعر الطبرانية؟ قال: ويحك، قد أجبتك إن كنت تعقل. إن تخليته إياهم مع المكرية، مكر منه بهم. ه. قلت: وجه الشاهد في قوله: وتفعله فيحسن منك ذاك، ومضمن جوابه: أن فعل الله كله حسن في غاية الإتقان، لا عيب فيه ولا نقصان، كما قال صاحب العينية:
وكل قبيح إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان ولا ثم باشع
وتخليته تعالى إياهم مع المكر، تسبب عنه الرفع إلى السماء، وإبقاء عيسى حيا إلى آخر الزمان، حتى ينزل خليفة عن نبينا - عليه الصلاة والسلام -، فكان ذلك في غاية الكمال والإتقان، لكن لا يفطن لهذا إلا أهل العرفان. الإشارة: يجب على المريد الصادق الذي يطلب دواء قلبه، أن يفر من الوطن الذي يظهر فيه الإنكار، إلى الوطن الذي يكثر فيه الإقرار، يفر إلى من يعينه على نصر الدين من الأبرار المقربين، الذين يجعلهم الله حواري الدين، ففي الحديث الصحيح:
" خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال يفر من الفتن "
فالمؤمن يفر بدينه من شاهق جبل إلى شاهق جبل حتى يدركه الموت، وما زالت الأكابر تفر بنفسها إلى شواهق الجبال، يهربون من حس الدنيا وشغبها، ولا يرافقون إلا من يستعين بهم على ذكر الله، وهم أهل التجريد، الذي اصطفاهم الله لخالص التوحيد، فروا إلى الله فآواهم الله، قالوا: { آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون } منقادون لما تريد منا، { ربنا آمنا بما أنزلت } من الأحكام الجلالية والجمالية، قد عرفناك في جميع الحالات، { فاكتبنا مع الشاهدين } لحضرتك، المنعمين بشهود ذاتك، ومن مكر بنا من القواطع الخفية فغيبنا عنه بشهود أنوارك القدسية، وانصرنا فإنك خير الناصرين، ولا تدعنا مع مكر الماكرين يا رب العالمين.
آل عمران 3:53
قلت: { من أنصاري إلى الله }: الجار يتعلق بحال محذوفة، أي: ذاهبا إلى الله إلى نصر دينه، أو مضيفا نفسه إلى الله، أو ملتجئا إلى الله، أو يتعلق ب { أنصاري } مضمنا معنى الإضافة، أي: من يضيف نفسه إلى الله في نصره. وحواري الرجل: خاصته، الذي يستعين بهم في نوائبه، وفي الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام-:
" لكل نبي حواري، وحواريي، الزبير "
وحواريوا عيسى: أصحابه الذين نصروه، وسموا بذلك لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم. والحور: البياض الخالص، وكل شيء بيضته فقد حورته، ويقال للبيضاء من النساء: حوارية. وقيل: كان الحواريون قصارين، يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وقيل: كانوا ملوكا يلبسون البياض. يقول الحق جل جلاله: { فلما أحسن عيسى } من بني إسرائيل { الكفر } ، وتحققه تحقق ما يدرك بالحواس، بعدما بعث إليهم، وأرادوا قتله، فر منهم واستنصر عليهم، و { قال من أنصاري } ملجئا { إلى الله } ، أو ذاهبا إلى نصر دينه، { قال الحواريون نحن أنصار الله } أي: أنصار دينه، { آمنا بالله وأشهد } علينا بأننا { مسلمون } لتشهد لنا يوم القيامة، حين يشهد الرسل لقومهم، { ربنا آمنا بما أنزلت } على نبيك من الأحكام، { واتبعنا الرسول } عيسى عليه السلام، { فاكتبنا مع الشاهدين } بوحدانيتك، أو مع الذين يشهدون لأنبيائك بالصدق، أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم، أو مع أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - فإنهم شهداء على الناس. قال عطاء: سلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى، وآخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصارين وصباغين، فأراد معلم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان، وقد علمتك الحرفة فاصبغها، فطبخ جبا، واحدا، وأدخل فيه جميع الثياب، وقال لها: كوني على ما أريد، فقدم الحواري، والثياب كلها في الجب، فلما رآها قال: قد أفسدتها، فأخرج عيسى ثوبا أصفر، وأحمر، وأخضر، إلى غير ذلك، فعجب الحواري، وعلم أن ذلك من الله تعالى، ودعا الناس إليه، وآمنوا به، ونصروه، فهم الحواريون. ولما أخرجه بنو إسرائيل عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهموا بقتله، وتواطؤوا عليه، { ومكروا } أي: دبروا الحيل في قتله، { ومكر الله } بهم، أي: استدرجهم حتى قتلوا صاحبهم، ورفع عيسى عليه السلام، فالمكر في الأصل: هو حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة. ولا تسند إلى الله إلى على حسب المقابلة والازدواج: كقوله:
يخادعون الله وهو خادعهم
النساء: 142]، وقوله:
الله يستهزئ بهم
[البقرة: 15]، { والله خير الماكرين }. أي: أشدهم مكرا، وأقواهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب، أو أفضل المجازين بالعقوبة لأنه لا أحد أقدر على ذلك منه. تنبيه: قيل للجنيد رضي الله عنه: كيف رضي المكر لنفسه، وقد عابه على غيره؟ قال: لا أدري، ولكن أنشدني فلان للطبرانية:
فديتك قد جبلت على هواك ونفسي ما تحن إلى سواك أحبك، لا ببعضي بل بكلي وإن يبق حبك لي حراكا ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاك
فقال له السائل: أسألك عن القرآن، وتجيبني بشعر الطبرانية؟ قال: ويحك، قد أجبتك إن كنت تعقل. إن تخليته إياهم مع المكرية، مكر منه بهم. ه. قلت: وجه الشاهد في قوله: وتفعله فيحسن منك ذاك، ومضمن جوابه: أن فعل الله كله حسن في غاية الإتقان، لا عيب فيه ولا نقصان، كما قال صاحب العينية:
وكل قبيح إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان ولا ثم باشع
وتخليته تعالى إياهم مع المكر، تسبب عنه الرفع إلى السماء، وإبقاء عيسى حيا إلى آخر الزمان، حتى ينزل خليفة عن نبينا - عليه الصلاة والسلام -، فكان ذلك في غاية الكمال والإتقان، لكن لا يفطن لهذا إلا أهل العرفان. الإشارة: يجب على المريد الصادق الذي يطلب دواء قلبه، أن يفر من الوطن الذي يظهر فيه الإنكار، إلى الوطن الذي يكثر فيه الإقرار، يفر إلى من يعينه على نصر الدين من الأبرار المقربين، الذين يجعلهم الله حواري الدين، ففي الحديث الصحيح:
" خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال يفر من الفتن "
فالمؤمن يفر بدينه من شاهق جبل إلى شاهق جبل حتى يدركه الموت، وما زالت الأكابر تفر بنفسها إلى شواهق الجبال، يهربون من حس الدنيا وشغبها، ولا يرافقون إلا من يستعين بهم على ذكر الله، وهم أهل التجريد، الذي اصطفاهم الله لخالص التوحيد، فروا إلى الله فآواهم الله، قالوا: { آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون } منقادون لما تريد منا، { ربنا آمنا بما أنزلت } من الأحكام الجلالية والجمالية، قد عرفناك في جميع الحالات، { فاكتبنا مع الشاهدين } لحضرتك، المنعمين بشهود ذاتك، ومن مكر بنا من القواطع الخفية فغيبنا عنه بشهود أنوارك القدسية، وانصرنا فإنك خير الناصرين، ولا تدعنا مع مكر الماكرين يا رب العالمين.
آل عمران 3:54
قلت: { من أنصاري إلى الله }: الجار يتعلق بحال محذوفة، أي: ذاهبا إلى الله إلى نصر دينه، أو مضيفا نفسه إلى الله، أو ملتجئا إلى الله، أو يتعلق ب { أنصاري } مضمنا معنى الإضافة، أي: من يضيف نفسه إلى الله في نصره. وحواري الرجل: خاصته، الذي يستعين بهم في نوائبه، وفي الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام-:
" لكل نبي حواري، وحواريي، الزبير "
وحواريوا عيسى: أصحابه الذين نصروه، وسموا بذلك لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم. والحور: البياض الخالص، وكل شيء بيضته فقد حورته، ويقال للبيضاء من النساء: حوارية. وقيل: كان الحواريون قصارين، يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وقيل: كانوا ملوكا يلبسون البياض. يقول الحق جل جلاله: { فلما أحسن عيسى } من بني إسرائيل { الكفر } ، وتحققه تحقق ما يدرك بالحواس، بعدما بعث إليهم، وأرادوا قتله، فر منهم واستنصر عليهم، و { قال من أنصاري } ملجئا { إلى الله } ، أو ذاهبا إلى نصر دينه، { قال الحواريون نحن أنصار الله } أي: أنصار دينه، { آمنا بالله وأشهد } علينا بأننا { مسلمون } لتشهد لنا يوم القيامة، حين يشهد الرسل لقومهم، { ربنا آمنا بما أنزلت } على نبيك من الأحكام، { واتبعنا الرسول } عيسى عليه السلام، { فاكتبنا مع الشاهدين } بوحدانيتك، أو مع الذين يشهدون لأنبيائك بالصدق، أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم، أو مع أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - فإنهم شهداء على الناس. قال عطاء: سلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى، وآخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصارين وصباغين، فأراد معلم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان، وقد علمتك الحرفة فاصبغها، فطبخ جبا، واحدا، وأدخل فيه جميع الثياب، وقال لها: كوني على ما أريد، فقدم الحواري، والثياب كلها في الجب، فلما رآها قال: قد أفسدتها، فأخرج عيسى ثوبا أصفر، وأحمر، وأخضر، إلى غير ذلك، فعجب الحواري، وعلم أن ذلك من الله تعالى، ودعا الناس إليه، وآمنوا به، ونصروه، فهم الحواريون. ولما أخرجه بنو إسرائيل عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهموا بقتله، وتواطؤوا عليه، { ومكروا } أي: دبروا الحيل في قتله، { ومكر الله } بهم، أي: استدرجهم حتى قتلوا صاحبهم، ورفع عيسى عليه السلام، فالمكر في الأصل: هو حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة. ولا تسند إلى الله إلى على حسب المقابلة والازدواج: كقوله:
يخادعون الله وهو خادعهم
النساء: 142]، وقوله:
الله يستهزئ بهم
[البقرة: 15]، { والله خير الماكرين }. أي: أشدهم مكرا، وأقواهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب، أو أفضل المجازين بالعقوبة لأنه لا أحد أقدر على ذلك منه. تنبيه: قيل للجنيد رضي الله عنه: كيف رضي المكر لنفسه، وقد عابه على غيره؟ قال: لا أدري، ولكن أنشدني فلان للطبرانية:
فديتك قد جبلت على هواك ونفسي ما تحن إلى سواك أحبك، لا ببعضي بل بكلي وإن يبق حبك لي حراكا ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاك
فقال له السائل: أسألك عن القرآن، وتجيبني بشعر الطبرانية؟ قال: ويحك، قد أجبتك إن كنت تعقل. إن تخليته إياهم مع المكرية، مكر منه بهم. ه. قلت: وجه الشاهد في قوله: وتفعله فيحسن منك ذاك، ومضمن جوابه: أن فعل الله كله حسن في غاية الإتقان، لا عيب فيه ولا نقصان، كما قال صاحب العينية:
وكل قبيح إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان ولا ثم باشع
وتخليته تعالى إياهم مع المكر، تسبب عنه الرفع إلى السماء، وإبقاء عيسى حيا إلى آخر الزمان، حتى ينزل خليفة عن نبينا - عليه الصلاة والسلام -، فكان ذلك في غاية الكمال والإتقان، لكن لا يفطن لهذا إلا أهل العرفان. الإشارة: يجب على المريد الصادق الذي يطلب دواء قلبه، أن يفر من الوطن الذي يظهر فيه الإنكار، إلى الوطن الذي يكثر فيه الإقرار، يفر إلى من يعينه على نصر الدين من الأبرار المقربين، الذين يجعلهم الله حواري الدين، ففي الحديث الصحيح:
" خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال يفر من الفتن "
فالمؤمن يفر بدينه من شاهق جبل إلى شاهق جبل حتى يدركه الموت، وما زالت الأكابر تفر بنفسها إلى شواهق الجبال، يهربون من حس الدنيا وشغبها، ولا يرافقون إلا من يستعين بهم على ذكر الله، وهم أهل التجريد، الذي اصطفاهم الله لخالص التوحيد، فروا إلى الله فآواهم الله، قالوا: { آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون } منقادون لما تريد منا، { ربنا آمنا بما أنزلت } من الأحكام الجلالية والجمالية، قد عرفناك في جميع الحالات، { فاكتبنا مع الشاهدين } لحضرتك، المنعمين بشهود ذاتك، ومن مكر بنا من القواطع الخفية فغيبنا عنه بشهود أنوارك القدسية، وانصرنا فإنك خير الناصرين، ولا تدعنا مع مكر الماكرين يا رب العالمين.
آل عمران 3:55
قلت: { إذ قال }: ظرف لمقدر، أي: اذكر، أو وقع ذلك إذ قال، أو لمكروا، و { متوفيك } أي: رافعك إلي وافيا تاما، من قولهم: توفيت كذا واستوفيته: قبضته وافيا تاما، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت، أو منيمك بدليل قوله تعالى:
وهوا الذي يتوفاكم باليل
[الأنعام: 60]، روي أنه رفع نائما، والإجماع على أنه لم يمت، قال تعالى: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } ، وقوله: { ذلك } مبتدأ، و { نتلوه }: خبر، و { من الآيات }: حال، أو { من الآيات }: خبر، و { نتلوه }: حال، أو خبر بعد خبر. يقول الحق جل جلاله: اذكر { إذ قال الله } لعيسى عليه السلام لما أراد رفعه: { يا عيسى إني متوفيك } ، أي: قابضك إلي ببدنك تاما، { ورافعك إلي } أي: إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي، { ومطهرك من الذين كفروا } أي: من مخالطة دنس كفرهم، { وجاعل الذين اتبعوك } ممن صدق بنبوتك من النصارى والمسلمين، وقال قتادة والشعبي والربيع: هم أهل الإسلام. ه. فوالله ما اتبعه من ادعاه ربا، فمن تبع دينه حقا وقد حقق الله فيهم هذا الأمر، فإن اليهود لم ترفع لهم راية قط، ولم يتفق لهم ملك ولا دولة إلى زمننا هذا. ثم قال تعالى: { ثم إلي مرجعكم } بالبعث، { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين وأمر عيسى. { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة } أي: فأجمع لهم عذابا الآخرة لعذاب الدنيا الذي أصابهم فيها من القتل والسبي. { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم أجورهم } في الدارين بالنصر والعز في الدنيا، وبالرضا والرضوان في الآخرة، { والله لا يحب الظالمين } لا يرضى فعلهم ولا يقربهم إليه. { ذلك } الذي ذكرت لك من نبأ عيسى ومريم ومن ذكر قبلهما، { نتلوه عليك من الآيات } أي: العلامات الدالة على صدقك، لأنها أخبار عن أمور لم تشاهدها ولم تقرأها في كتاب، بل هي من { الذكر الحكيم } ، وهو القرآن المبين. الإشارة: كل ما طهر سره من الأكدار، وقدس روحه من دنس الأغيار، ورفع همته عن هذه الدار، عرج الله بروحه إلى سماء الملكوت، ورفع سره إلى مشاهدة سنا الجبروت، وبقي ذكره حيا لا يموت، وجعل من انتسب إليه في عين الرعاية والتعظيم، وفي محل الرفعة والتكريم، قال - عليه الصلاة والسلام -:
" هاجروا تكسبوا العز لأولادكم "
، فمن هاجر وطن الحظوظ والشهوات، والركون إلى العوائد والمألوفات، عرجت روحه إلى سماء القدس ومحل الأنس، وتمكن من العز الذي لا يفنى، ينسحب عليه وعلى أولاده ومن انتسب إليه إلى أن يرث الأرض ومن عليها، { وهو خير الوارثين }. هذه سنة الله في خلقه، لأنهم نصروا دين الله ورفعوا كلمة الله، فنصرهم الله، ورفعهم الله، قال تعالى:
إن تنصروا الله ينصركم
[محمد: 7]، وقال تعالى:
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا
[التوبة: 40]. وفي الحكم: " إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى، فلا تستعزن بعز يفنى ". والله تعالى أعلم. وقال القشيري: الإشارة فيه: إني متوفيك عنك وقابضك منك، ورافعك عن نعوت البشرية، ومطهرك عن إرادتك بالكلية، حتى تكون مصدقا لنا بنا، ولا يكون لك من اختيارك شيء، وتكون إسبال التولي عليك قائما، وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة عليه. ه. وقال الورتجبي: متوفيك عن رسم الحدوثية، ورافعك إلي بنعت الربوبية، ومطهرك عن شوائب البشرية. ه.
آل عمران 3:56
قلت: { إذ قال }: ظرف لمقدر، أي: اذكر، أو وقع ذلك إذ قال، أو لمكروا، و { متوفيك } أي: رافعك إلي وافيا تاما، من قولهم: توفيت كذا واستوفيته: قبضته وافيا تاما، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت، أو منيمك بدليل قوله تعالى:
وهوا الذي يتوفاكم باليل
[الأنعام: 60]، روي أنه رفع نائما، والإجماع على أنه لم يمت، قال تعالى: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } ، وقوله: { ذلك } مبتدأ، و { نتلوه }: خبر، و { من الآيات }: حال، أو { من الآيات }: خبر، و { نتلوه }: حال، أو خبر بعد خبر. يقول الحق جل جلاله: اذكر { إذ قال الله } لعيسى عليه السلام لما أراد رفعه: { يا عيسى إني متوفيك } ، أي: قابضك إلي ببدنك تاما، { ورافعك إلي } أي: إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي، { ومطهرك من الذين كفروا } أي: من مخالطة دنس كفرهم، { وجاعل الذين اتبعوك } ممن صدق بنبوتك من النصارى والمسلمين، وقال قتادة والشعبي والربيع: هم أهل الإسلام. ه. فوالله ما اتبعه من ادعاه ربا، فمن تبع دينه حقا وقد حقق الله فيهم هذا الأمر، فإن اليهود لم ترفع لهم راية قط، ولم يتفق لهم ملك ولا دولة إلى زمننا هذا. ثم قال تعالى: { ثم إلي مرجعكم } بالبعث، { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين وأمر عيسى. { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة } أي: فأجمع لهم عذابا الآخرة لعذاب الدنيا الذي أصابهم فيها من القتل والسبي. { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم أجورهم } في الدارين بالنصر والعز في الدنيا، وبالرضا والرضوان في الآخرة، { والله لا يحب الظالمين } لا يرضى فعلهم ولا يقربهم إليه. { ذلك } الذي ذكرت لك من نبأ عيسى ومريم ومن ذكر قبلهما، { نتلوه عليك من الآيات } أي: العلامات الدالة على صدقك، لأنها أخبار عن أمور لم تشاهدها ولم تقرأها في كتاب، بل هي من { الذكر الحكيم } ، وهو القرآن المبين. الإشارة: كل ما طهر سره من الأكدار، وقدس روحه من دنس الأغيار، ورفع همته عن هذه الدار، عرج الله بروحه إلى سماء الملكوت، ورفع سره إلى مشاهدة سنا الجبروت، وبقي ذكره حيا لا يموت، وجعل من انتسب إليه في عين الرعاية والتعظيم، وفي محل الرفعة والتكريم، قال - عليه الصلاة والسلام -:
" هاجروا تكسبوا العز لأولادكم "
، فمن هاجر وطن الحظوظ والشهوات، والركون إلى العوائد والمألوفات، عرجت روحه إلى سماء القدس ومحل الأنس، وتمكن من العز الذي لا يفنى، ينسحب عليه وعلى أولاده ومن انتسب إليه إلى أن يرث الأرض ومن عليها، { وهو خير الوارثين }. هذه سنة الله في خلقه، لأنهم نصروا دين الله ورفعوا كلمة الله، فنصرهم الله، ورفعهم الله، قال تعالى:
إن تنصروا الله ينصركم
[محمد: 7]، وقال تعالى:
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا
[التوبة: 40]. وفي الحكم: " إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى، فلا تستعزن بعز يفنى ". والله تعالى أعلم. وقال القشيري: الإشارة فيه: إني متوفيك عنك وقابضك منك، ورافعك عن نعوت البشرية، ومطهرك عن إرادتك بالكلية، حتى تكون مصدقا لنا بنا، ولا يكون لك من اختيارك شيء، وتكون إسبال التولي عليك قائما، وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة عليه. ه. وقال الورتجبي: متوفيك عن رسم الحدوثية، ورافعك إلي بنعت الربوبية، ومطهرك عن شوائب البشرية. ه.
آل عمران 3:57
قلت: { إذ قال }: ظرف لمقدر، أي: اذكر، أو وقع ذلك إذ قال، أو لمكروا، و { متوفيك } أي: رافعك إلي وافيا تاما، من قولهم: توفيت كذا واستوفيته: قبضته وافيا تاما، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت، أو منيمك بدليل قوله تعالى:
وهوا الذي يتوفاكم باليل
[الأنعام: 60]، روي أنه رفع نائما، والإجماع على أنه لم يمت، قال تعالى: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } ، وقوله: { ذلك } مبتدأ، و { نتلوه }: خبر، و { من الآيات }: حال، أو { من الآيات }: خبر، و { نتلوه }: حال، أو خبر بعد خبر. يقول الحق جل جلاله: اذكر { إذ قال الله } لعيسى عليه السلام لما أراد رفعه: { يا عيسى إني متوفيك } ، أي: قابضك إلي ببدنك تاما، { ورافعك إلي } أي: إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي، { ومطهرك من الذين كفروا } أي: من مخالطة دنس كفرهم، { وجاعل الذين اتبعوك } ممن صدق بنبوتك من النصارى والمسلمين، وقال قتادة والشعبي والربيع: هم أهل الإسلام. ه. فوالله ما اتبعه من ادعاه ربا، فمن تبع دينه حقا وقد حقق الله فيهم هذا الأمر، فإن اليهود لم ترفع لهم راية قط، ولم يتفق لهم ملك ولا دولة إلى زمننا هذا. ثم قال تعالى: { ثم إلي مرجعكم } بالبعث، { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين وأمر عيسى. { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة } أي: فأجمع لهم عذابا الآخرة لعذاب الدنيا الذي أصابهم فيها من القتل والسبي. { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم أجورهم } في الدارين بالنصر والعز في الدنيا، وبالرضا والرضوان في الآخرة، { والله لا يحب الظالمين } لا يرضى فعلهم ولا يقربهم إليه. { ذلك } الذي ذكرت لك من نبأ عيسى ومريم ومن ذكر قبلهما، { نتلوه عليك من الآيات } أي: العلامات الدالة على صدقك، لأنها أخبار عن أمور لم تشاهدها ولم تقرأها في كتاب، بل هي من { الذكر الحكيم } ، وهو القرآن المبين. الإشارة: كل ما طهر سره من الأكدار، وقدس روحه من دنس الأغيار، ورفع همته عن هذه الدار، عرج الله بروحه إلى سماء الملكوت، ورفع سره إلى مشاهدة سنا الجبروت، وبقي ذكره حيا لا يموت، وجعل من انتسب إليه في عين الرعاية والتعظيم، وفي محل الرفعة والتكريم، قال - عليه الصلاة والسلام -:
" هاجروا تكسبوا العز لأولادكم "
، فمن هاجر وطن الحظوظ والشهوات، والركون إلى العوائد والمألوفات، عرجت روحه إلى سماء القدس ومحل الأنس، وتمكن من العز الذي لا يفنى، ينسحب عليه وعلى أولاده ومن انتسب إليه إلى أن يرث الأرض ومن عليها، { وهو خير الوارثين }. هذه سنة الله في خلقه، لأنهم نصروا دين الله ورفعوا كلمة الله، فنصرهم الله، ورفعهم الله، قال تعالى:
إن تنصروا الله ينصركم
[محمد: 7]، وقال تعالى:
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا
[التوبة: 40]. وفي الحكم: " إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى، فلا تستعزن بعز يفنى ". والله تعالى أعلم. وقال القشيري: الإشارة فيه: إني متوفيك عنك وقابضك منك، ورافعك عن نعوت البشرية، ومطهرك عن إرادتك بالكلية، حتى تكون مصدقا لنا بنا، ولا يكون لك من اختيارك شيء، وتكون إسبال التولي عليك قائما، وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة عليه. ه. وقال الورتجبي: متوفيك عن رسم الحدوثية، ورافعك إلي بنعت الربوبية، ومطهرك عن شوائب البشرية. ه.
آل عمران 3:58
قلت: { إذ قال }: ظرف لمقدر، أي: اذكر، أو وقع ذلك إذ قال، أو لمكروا، و { متوفيك } أي: رافعك إلي وافيا تاما، من قولهم: توفيت كذا واستوفيته: قبضته وافيا تاما، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت، أو منيمك بدليل قوله تعالى:
وهوا الذي يتوفاكم باليل
[الأنعام: 60]، روي أنه رفع نائما، والإجماع على أنه لم يمت، قال تعالى: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } ، وقوله: { ذلك } مبتدأ، و { نتلوه }: خبر، و { من الآيات }: حال، أو { من الآيات }: خبر، و { نتلوه }: حال، أو خبر بعد خبر. يقول الحق جل جلاله: اذكر { إذ قال الله } لعيسى عليه السلام لما أراد رفعه: { يا عيسى إني متوفيك } ، أي: قابضك إلي ببدنك تاما، { ورافعك إلي } أي: إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي، { ومطهرك من الذين كفروا } أي: من مخالطة دنس كفرهم، { وجاعل الذين اتبعوك } ممن صدق بنبوتك من النصارى والمسلمين، وقال قتادة والشعبي والربيع: هم أهل الإسلام. ه. فوالله ما اتبعه من ادعاه ربا، فمن تبع دينه حقا وقد حقق الله فيهم هذا الأمر، فإن اليهود لم ترفع لهم راية قط، ولم يتفق لهم ملك ولا دولة إلى زمننا هذا. ثم قال تعالى: { ثم إلي مرجعكم } بالبعث، { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين وأمر عيسى. { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة } أي: فأجمع لهم عذابا الآخرة لعذاب الدنيا الذي أصابهم فيها من القتل والسبي. { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فنوفيهم أجورهم } في الدارين بالنصر والعز في الدنيا، وبالرضا والرضوان في الآخرة، { والله لا يحب الظالمين } لا يرضى فعلهم ولا يقربهم إليه. { ذلك } الذي ذكرت لك من نبأ عيسى ومريم ومن ذكر قبلهما، { نتلوه عليك من الآيات } أي: العلامات الدالة على صدقك، لأنها أخبار عن أمور لم تشاهدها ولم تقرأها في كتاب، بل هي من { الذكر الحكيم } ، وهو القرآن المبين. الإشارة: كل ما طهر سره من الأكدار، وقدس روحه من دنس الأغيار، ورفع همته عن هذه الدار، عرج الله بروحه إلى سماء الملكوت، ورفع سره إلى مشاهدة سنا الجبروت، وبقي ذكره حيا لا يموت، وجعل من انتسب إليه في عين الرعاية والتعظيم، وفي محل الرفعة والتكريم، قال - عليه الصلاة والسلام -:
" هاجروا تكسبوا العز لأولادكم "
، فمن هاجر وطن الحظوظ والشهوات، والركون إلى العوائد والمألوفات، عرجت روحه إلى سماء القدس ومحل الأنس، وتمكن من العز الذي لا يفنى، ينسحب عليه وعلى أولاده ومن انتسب إليه إلى أن يرث الأرض ومن عليها، { وهو خير الوارثين }. هذه سنة الله في خلقه، لأنهم نصروا دين الله ورفعوا كلمة الله، فنصرهم الله، ورفعهم الله، قال تعالى:
إن تنصروا الله ينصركم
[محمد: 7]، وقال تعالى:
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا
[التوبة: 40]. وفي الحكم: " إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى، فلا تستعزن بعز يفنى ". والله تعالى أعلم. وقال القشيري: الإشارة فيه: إني متوفيك عنك وقابضك منك، ورافعك عن نعوت البشرية، ومطهرك عن إرادتك بالكلية، حتى تكون مصدقا لنا بنا، ولا يكون لك من اختيارك شيء، وتكون إسبال التولي عليك قائما، وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة عليه. ه. وقال الورتجبي: متوفيك عن رسم الحدوثية، ورافعك إلي بنعت الربوبية، ومطهرك عن شوائب البشرية. ه.
آل عمران 3:59
يقول الحق جل جلاله: { إن مثل عيسى عند الله } أي: إن شأنه الغريب في كونه وجد من غير أب { كمثل آدم }. ثم فسر شأن آدم فقال: { خلقه من تراب } أي: خلق قالبه من تراب، { ثم } نفخ فيه الروح، و { قال له كن فيكون } أي: فكان، فشأنه أغرب من شأن عيسى، لأنه وجد من غير أب ولا أم، بخلاف عيسى عليه السلام، فلا يستغرب حاله ويتغالى فيه إلا من طبع الله على قلبه، فاستعجز القدرة الإلهية، { وكان الله على كل شيء مقتدرا }. هذا هو { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } أي: الشاكين في مخلوقيته، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، على طريق التهييج لغيره، أو لكل سامع. وسبب نزول الآية: أن وفد نجران قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: مالك تشتم صاحبنا، فتقول: إنه عبد؟ قال: أجل، هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذارء البتول، فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله. فنزلت: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم }. أي: فهو أعجب من عيسى، لكونه بلا واسطة أصلا. روي أن مريم حملت بعيسى وهي بنت ثلاث عشر سنة، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين. قال عليه الصلاة والسلام:
" أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، فإنه نازل بأمتي وخليفتي فيهم، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر، وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال، وليسلكن الروحاء حاجا أو معتمرا، أو ليثنينهما جميعا، ويقاتل الناس على الإسلام، حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة، الكذاب الدجال، وتقع في الأرض الأمنة، حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتزوج ويولد له ثم يتوفى.، ويصلي المسلمون عليه "
ويدفنونه في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم. الإشارة: اعلم أن الحق - جل جلاله - أظهر هذا الآدمي في شكل غريب، وسر عجيب، جمع فيه بين الضدين، وأودع فيه سر الكونين، نوراني ظلماني، روحاني جسماني، سماوي أرضي، ملكوتي ملكي، معنوي حسي، أودع فيه الروح نورانية لاهوتية في نطفة ناسوتية، فوقع التنازع بين الضدين، فالروح تحن إلى وطنها اللاهوتي، والنطفة الطينية تحن إلى وطنها الناسوتي، فمن غلب روحانيته على طينته التحق بالروحانيين،وكان من المقربين في أعلى عليين، فصارت همته منصرفة إلى طاعة مولاه، والارتقاء إلى مشاهدة نوره وسناه، فانيا عن حظوظه وهواه، من غلبت طينته على روحانيته التحق بالبهائم أو الشياطين، وانحط إلى أسفل سافلين، وكانت همته منصرفة إلى حظوظة وهواه، غائبا عن ذكر مولاه، قد اتخذ إلهه هواه.
وتأمل قضية السيد عيسى عليه السلام لما لم ينشأ من نطفة أمشاجية، كيف غلبت روحانيته، حيث لم تجد ما يجذبها إلى الحضيض الطيني، فلم يلتفت إلى هذا العالم الظلماني أصلا، وكذلك الأنبياء حيث طهروا من بقاياها في الأصالة، والأولياء حيث طهروها بالمجاهدة، كيف صارت أرواحهم لا تشتاق إلا إلى الأذكار والعلوم والأسرار، فانية في محبة الواحد القهار، حتى لحقت بوطنها، ورجعت إلى أصلها، محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة والمساررة، هذا هو الحق من ربك فلا تكن من الممترين في إدراك الروح المقام، إن لم يغلب عليها عالم الصلصال. والله - تعالى - أعلم.
آل عمران 3:60
يقول الحق جل جلاله: { إن مثل عيسى عند الله } أي: إن شأنه الغريب في كونه وجد من غير أب { كمثل آدم }. ثم فسر شأن آدم فقال: { خلقه من تراب } أي: خلق قالبه من تراب، { ثم } نفخ فيه الروح، و { قال له كن فيكون } أي: فكان، فشأنه أغرب من شأن عيسى، لأنه وجد من غير أب ولا أم، بخلاف عيسى عليه السلام، فلا يستغرب حاله ويتغالى فيه إلا من طبع الله على قلبه، فاستعجز القدرة الإلهية، { وكان الله على كل شيء مقتدرا }. هذا هو { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } أي: الشاكين في مخلوقيته، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، على طريق التهييج لغيره، أو لكل سامع. وسبب نزول الآية: أن وفد نجران قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: مالك تشتم صاحبنا، فتقول: إنه عبد؟ قال: أجل، هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذارء البتول، فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله. فنزلت: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم }. أي: فهو أعجب من عيسى، لكونه بلا واسطة أصلا. روي أن مريم حملت بعيسى وهي بنت ثلاث عشر سنة، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين. قال عليه الصلاة والسلام:
" أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، فإنه نازل بأمتي وخليفتي فيهم، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر، وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال، وليسلكن الروحاء حاجا أو معتمرا، أو ليثنينهما جميعا، ويقاتل الناس على الإسلام، حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة، الكذاب الدجال، وتقع في الأرض الأمنة، حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتزوج ويولد له ثم يتوفى.، ويصلي المسلمون عليه "
ويدفنونه في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم. الإشارة: اعلم أن الحق - جل جلاله - أظهر هذا الآدمي في شكل غريب، وسر عجيب، جمع فيه بين الضدين، وأودع فيه سر الكونين، نوراني ظلماني، روحاني جسماني، سماوي أرضي، ملكوتي ملكي، معنوي حسي، أودع فيه الروح نورانية لاهوتية في نطفة ناسوتية، فوقع التنازع بين الضدين، فالروح تحن إلى وطنها اللاهوتي، والنطفة الطينية تحن إلى وطنها الناسوتي، فمن غلب روحانيته على طينته التحق بالروحانيين،وكان من المقربين في أعلى عليين، فصارت همته منصرفة إلى طاعة مولاه، والارتقاء إلى مشاهدة نوره وسناه، فانيا عن حظوظه وهواه، من غلبت طينته على روحانيته التحق بالبهائم أو الشياطين، وانحط إلى أسفل سافلين، وكانت همته منصرفة إلى حظوظة وهواه، غائبا عن ذكر مولاه، قد اتخذ إلهه هواه.
وتأمل قضية السيد عيسى عليه السلام لما لم ينشأ من نطفة أمشاجية، كيف غلبت روحانيته، حيث لم تجد ما يجذبها إلى الحضيض الطيني، فلم يلتفت إلى هذا العالم الظلماني أصلا، وكذلك الأنبياء حيث طهروا من بقاياها في الأصالة، والأولياء حيث طهروها بالمجاهدة، كيف صارت أرواحهم لا تشتاق إلا إلى الأذكار والعلوم والأسرار، فانية في محبة الواحد القهار، حتى لحقت بوطنها، ورجعت إلى أصلها، محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة والمساررة، هذا هو الحق من ربك فلا تكن من الممترين في إدراك الروح المقام، إن لم يغلب عليها عالم الصلصال. والله - تعالى - أعلم.
آل عمران 3:61
قلت: { أصل } { تعالوا }: تعاليوا، على وزن تفاعلوا، من العلو، فقلبت الياء ألفا لتحركها، ثم حذفت، ومن قرأ بالضم نقل، وأصل معناها: ارتفع، ثم أطلق على الأمر بالمجيء. والابتهال: التضرع والمبالغة في الدعاء. يقول الحق جل جلاله: { فمن } خاصمك يا محمد في شأن عيسى عليه السلام، وكان الذي خاصم في ذلك السيد والعاقب، لما قدموا مع نصارى نجران على النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم:
" أسلما " ، قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: " كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما عيسى لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير " ، قالا: إن لم يكن عيسى ولدا لله فمن أبوه؟ فقال لهما النبي صلىالله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم كل شيء، ويحفظه، ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل ملك عيسى شيئا من ذلك؟ فقالوا: لا. قال: ألستم تلعمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث، قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ قالوا: بلى. قال: كيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا "
.. فأنزل فيهم السورة إلى هنا. فقال الحق لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { فمن حاجك فيه } أي: في عيسى من النصارى، { من بعد ما جاءك من العلم } بعبوديته، { فقل } لهم: { تعالوا } نتلاعن، أي: نلعن الكاذب منا { ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم } أي: يدعون كل واحد منا نفسه وأعزة أهله وألصفهم بقلبه إلى المباهلة، وإنما قدمهم على النفس لأن الرجل يخاطر بنفسه دونهم، فكان تقديمهم أبلغ في الابتهال، { ثم نبتهل } ، أي نجهد في الدعاء على الكاذب، { فنجعل لعنة الله على الكاذبين }. فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران، ودعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا، فقالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم -: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما لاعن قوم قط نبيا فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم ذلك لتهلكن، فوادعوا الرجل: وانصرفوا، فأتوه وهو محتضن الحسن آخذ بيد الحسين، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول لهم: " إذا دعوت فأمنوا " ، فقال الأسقف: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من ماكنه لأزاله، فلا تتباهلوا فتهلكوا جميعا إلى يوم القيامة.
فقالوا: يا أبا القاسم، نرى ألا نلاعنك، فقال النبي صلى لله عليه وسلم:
" أسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم "
، فأبوا، فقال:
" إني أنابذكم "
، فقال: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكنا نصالحك على ألا تغزونا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة، ألفا في صفر، وألفا في رجب، وثلاثين درعا من حديد. فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال النبي:
" والذي نفسي بيده لو تلاعنوا لمسخوا قردة، وخنازير، ولأضرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله نجران وأهله، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا ".
قال الله تعالى: { إن هذا } الذي أوحينا إليك { لهو القصص الحق وما من إله إلا الله } ، خلافا لما يزعم النصارى من التثليث، { وإن الله لهو العزيز } في ملكه { الحكيم } في صنعه، فلا أحد يساويه في قدرته التامة، ولا في حكمته البالغة، { فإن تولوا } وأعرضوا عن الإيمان، { فإن الله عليم بالمفسدين } ، الذي يعبدون غير الله. ووضع المظهر موضع الضمير، ليدل على أن التولي عن الحجج والإعراض عن التوحيد إفساد للدين، بل يؤدي إلى فساد العالم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للمريد، الذي تحقق بخصوصية شخيه، أن يلاعن من يخاصمه فيه، ويبعد عنه كل البعد، ولا يهي له لئلا يركبه، ويدفع عن شيخه ما استطاع، فإن هذا من التعظيم الذي هو سبب في سعادة المريد، ولا يصغي إلى المفسدين الطاعنين في أنصار الدين. قلت: وقد جاءني بعض من ينتسب إلى العلم من أهل فاس، فقال لي: قد اتفقت علماء فاس على بدعة شيخكم، فقلت له: لو اتفق أهل السماوات السبع والأرضين السبع، على أنه من أهل البدعة، لقلت أنا: إنه من أهل السنة، لأني تحققت بخصوصيته، كالشمس في أفق السماء، ليس دونها سحاب. فالله يرزقنا حسن الأدب معهم والتعظيم إلى يوم الدين. آمين، فمن أعرض عن أولياء الله من المنكرين { فإن الله عليم بالمفسدين } ثم دعاهم إلى التوحيد الذي اتفقت عليه سائر الأديان.
آل عمران 3:62
قلت: { أصل } { تعالوا }: تعاليوا، على وزن تفاعلوا، من العلو، فقلبت الياء ألفا لتحركها، ثم حذفت، ومن قرأ بالضم نقل، وأصل معناها: ارتفع، ثم أطلق على الأمر بالمجيء. والابتهال: التضرع والمبالغة في الدعاء. يقول الحق جل جلاله: { فمن } خاصمك يا محمد في شأن عيسى عليه السلام، وكان الذي خاصم في ذلك السيد والعاقب، لما قدموا مع نصارى نجران على النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم:
" أسلما " ، قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: " كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما عيسى لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير " ، قالا: إن لم يكن عيسى ولدا لله فمن أبوه؟ فقال لهما النبي صلىالله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم كل شيء، ويحفظه، ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل ملك عيسى شيئا من ذلك؟ فقالوا: لا. قال: ألستم تلعمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث، قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ قالوا: بلى. قال: كيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا "
.. فأنزل فيهم السورة إلى هنا. فقال الحق لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { فمن حاجك فيه } أي: في عيسى من النصارى، { من بعد ما جاءك من العلم } بعبوديته، { فقل } لهم: { تعالوا } نتلاعن، أي: نلعن الكاذب منا { ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم } أي: يدعون كل واحد منا نفسه وأعزة أهله وألصفهم بقلبه إلى المباهلة، وإنما قدمهم على النفس لأن الرجل يخاطر بنفسه دونهم، فكان تقديمهم أبلغ في الابتهال، { ثم نبتهل } ، أي نجهد في الدعاء على الكاذب، { فنجعل لعنة الله على الكاذبين }. فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران، ودعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا، فقالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم -: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما لاعن قوم قط نبيا فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم ذلك لتهلكن، فوادعوا الرجل: وانصرفوا، فأتوه وهو محتضن الحسن آخذ بيد الحسين، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول لهم: " إذا دعوت فأمنوا " ، فقال الأسقف: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من ماكنه لأزاله، فلا تتباهلوا فتهلكوا جميعا إلى يوم القيامة.
فقالوا: يا أبا القاسم، نرى ألا نلاعنك، فقال النبي صلى لله عليه وسلم:
" أسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم "
، فأبوا، فقال:
" إني أنابذكم "
، فقال: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكنا نصالحك على ألا تغزونا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة، ألفا في صفر، وألفا في رجب، وثلاثين درعا من حديد. فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال النبي:
" والذي نفسي بيده لو تلاعنوا لمسخوا قردة، وخنازير، ولأضرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله نجران وأهله، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا ".
قال الله تعالى: { إن هذا } الذي أوحينا إليك { لهو القصص الحق وما من إله إلا الله } ، خلافا لما يزعم النصارى من التثليث، { وإن الله لهو العزيز } في ملكه { الحكيم } في صنعه، فلا أحد يساويه في قدرته التامة، ولا في حكمته البالغة، { فإن تولوا } وأعرضوا عن الإيمان، { فإن الله عليم بالمفسدين } ، الذي يعبدون غير الله. ووضع المظهر موضع الضمير، ليدل على أن التولي عن الحجج والإعراض عن التوحيد إفساد للدين، بل يؤدي إلى فساد العالم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للمريد، الذي تحقق بخصوصية شخيه، أن يلاعن من يخاصمه فيه، ويبعد عنه كل البعد، ولا يهي له لئلا يركبه، ويدفع عن شيخه ما استطاع، فإن هذا من التعظيم الذي هو سبب في سعادة المريد، ولا يصغي إلى المفسدين الطاعنين في أنصار الدين. قلت: وقد جاءني بعض من ينتسب إلى العلم من أهل فاس، فقال لي: قد اتفقت علماء فاس على بدعة شيخكم، فقلت له: لو اتفق أهل السماوات السبع والأرضين السبع، على أنه من أهل البدعة، لقلت أنا: إنه من أهل السنة، لأني تحققت بخصوصيته، كالشمس في أفق السماء، ليس دونها سحاب. فالله يرزقنا حسن الأدب معهم والتعظيم إلى يوم الدين. آمين، فمن أعرض عن أولياء الله من المنكرين { فإن الله عليم بالمفسدين } ثم دعاهم إلى التوحيد الذي اتفقت عليه سائر الأديان.
آل عمران 3:63
قلت: { أصل } { تعالوا }: تعاليوا، على وزن تفاعلوا، من العلو، فقلبت الياء ألفا لتحركها، ثم حذفت، ومن قرأ بالضم نقل، وأصل معناها: ارتفع، ثم أطلق على الأمر بالمجيء. والابتهال: التضرع والمبالغة في الدعاء. يقول الحق جل جلاله: { فمن } خاصمك يا محمد في شأن عيسى عليه السلام، وكان الذي خاصم في ذلك السيد والعاقب، لما قدموا مع نصارى نجران على النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم:
" أسلما " ، قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: " كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما عيسى لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير " ، قالا: إن لم يكن عيسى ولدا لله فمن أبوه؟ فقال لهما النبي صلىالله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم كل شيء، ويحفظه، ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل ملك عيسى شيئا من ذلك؟ فقالوا: لا. قال: ألستم تلعمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث، قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ قالوا: بلى. قال: كيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا "
.. فأنزل فيهم السورة إلى هنا. فقال الحق لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { فمن حاجك فيه } أي: في عيسى من النصارى، { من بعد ما جاءك من العلم } بعبوديته، { فقل } لهم: { تعالوا } نتلاعن، أي: نلعن الكاذب منا { ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم } أي: يدعون كل واحد منا نفسه وأعزة أهله وألصفهم بقلبه إلى المباهلة، وإنما قدمهم على النفس لأن الرجل يخاطر بنفسه دونهم، فكان تقديمهم أبلغ في الابتهال، { ثم نبتهل } ، أي نجهد في الدعاء على الكاذب، { فنجعل لعنة الله على الكاذبين }. فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران، ودعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا، فقالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم -: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما لاعن قوم قط نبيا فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم ذلك لتهلكن، فوادعوا الرجل: وانصرفوا، فأتوه وهو محتضن الحسن آخذ بيد الحسين، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول لهم: " إذا دعوت فأمنوا " ، فقال الأسقف: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من ماكنه لأزاله، فلا تتباهلوا فتهلكوا جميعا إلى يوم القيامة.
فقالوا: يا أبا القاسم، نرى ألا نلاعنك، فقال النبي صلى لله عليه وسلم:
" أسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم "
، فأبوا، فقال:
" إني أنابذكم "
، فقال: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكنا نصالحك على ألا تغزونا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة، ألفا في صفر، وألفا في رجب، وثلاثين درعا من حديد. فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال النبي:
" والذي نفسي بيده لو تلاعنوا لمسخوا قردة، وخنازير، ولأضرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله نجران وأهله، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا ".
قال الله تعالى: { إن هذا } الذي أوحينا إليك { لهو القصص الحق وما من إله إلا الله } ، خلافا لما يزعم النصارى من التثليث، { وإن الله لهو العزيز } في ملكه { الحكيم } في صنعه، فلا أحد يساويه في قدرته التامة، ولا في حكمته البالغة، { فإن تولوا } وأعرضوا عن الإيمان، { فإن الله عليم بالمفسدين } ، الذي يعبدون غير الله. ووضع المظهر موضع الضمير، ليدل على أن التولي عن الحجج والإعراض عن التوحيد إفساد للدين، بل يؤدي إلى فساد العالم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للمريد، الذي تحقق بخصوصية شخيه، أن يلاعن من يخاصمه فيه، ويبعد عنه كل البعد، ولا يهي له لئلا يركبه، ويدفع عن شيخه ما استطاع، فإن هذا من التعظيم الذي هو سبب في سعادة المريد، ولا يصغي إلى المفسدين الطاعنين في أنصار الدين. قلت: وقد جاءني بعض من ينتسب إلى العلم من أهل فاس، فقال لي: قد اتفقت علماء فاس على بدعة شيخكم، فقلت له: لو اتفق أهل السماوات السبع والأرضين السبع، على أنه من أهل البدعة، لقلت أنا: إنه من أهل السنة، لأني تحققت بخصوصيته، كالشمس في أفق السماء، ليس دونها سحاب. فالله يرزقنا حسن الأدب معهم والتعظيم إلى يوم الدين. آمين، فمن أعرض عن أولياء الله من المنكرين { فإن الله عليم بالمفسدين } ثم دعاهم إلى التوحيد الذي اتفقت عليه سائر الأديان.
آل عمران 3:64
قلت: { سواء }: مصدر، نعت للكلمة، والمصادر لا تثني ولا تجمع ولا تؤنث، فإذا فتحت السين مددت، وإذا ضمت أو كسرت قصرت، كقوله: { مكانا سوى } أي: مستو. وسواء كل شيء: وسطه، قال تعالى:
فرءاه فى سوآء الجحيم
[الصافات: 55]، أي: وسطه. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { يا أهل الكتاب } اليهود والنصارى، { تعالوا }: هلموا { إلى كلمة سواء } أي: عدل مستوية، { بيننا وبينكم } لا يختلف فيها الرسل والكتب والأمم، هي { ألا نعبد إلا الله } أي: نوحده بالعبادة، ونقر له بالوحدانية، { ولا نشكر به شيئا } أي: لا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة، { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } أي: لا نقول عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل، لأنهم بشر مثلنا. ولما نزل قوله تعالى:
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله...
[التوبة: 31] قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله، قال:
" أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون، فتأخذون بقولهم؟ "
قال: بلى، قال:
" هو ذاك "
{ فإن تولوا } وأعرضوا عن التوحيد { فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } ، فقد لزمتكم الحجة، فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، وأنتم كافرون بما نطقت به الكتب وتواطأت عليه الرسل. تنبيه: انظر ما في هذه الآية من المبالغة وحسن التدرج في الاحتجاج، بين أولا أحوال عيسى وما تطاور عليه من الأطوار المنافية للألوهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز، ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد، عاد عليهم بالإرشاد، وسلك طريقا أسهل وألزم، بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى وسائر الأنبياء والكتب، ثم لما لم يجد ذلك فيهم شيئا، وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم شيئا أعرض عنهم، وقال: { قولوا اشهدوا بأنا مسلمون }. قاله البيضاوي. الإشارة: الطرق كثيرة والمقصد واحد، وهو التوحيد الخاص، أعني مقام الفناء والبقاء. فالداعون إلى الله كلهم متفقون على الدعوة إلى هذا المقصد، فكل طريق لا توصل إلى هذا المقصد لا عبرة بها، وكل داع لا يبلغ إلى هذا الجمال فهو دجال، فإن رضي بتعظيم الناس، ولم يبن طريقه على الأساس، فليس لصاحبه إلا الإفلاس، وكل من أطاع المخلوق في معصية الله فقد اتخذه ربا من دون الله، وكل من تولى عن طريق الإرشاد فقد استوجب لنفسه من الطرد والبعاد، فيقول له الواصلون أو السائرون: { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون }. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما قدم وفد نجران المدينة، التقوا مع اليهود، فاختصموا في إبراهيم عليه السلام فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد إنا اختلفنا في إبراهيم ودنيه، فقالت النصارى: كان نصرانيا، وقالت اليهود: كان يهوديا، وهم أولى الناس به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" كلا الفريقين بريء من إبراهيم، بل كان إبراهيم حنيفا مسلما، وأنا على دينه، فاتبعوا دينه الإسلام ".
آل عمران 3:65
قلت: { ها أنتم }: أصله: أنتم، دخلت عليه هاء التنبيه، وقال الأخفش: أصله: أأنتم، فقلبت الهمزة الأولى هاء، كقوله: هرقت. وتوجيه القراءات معلوم في محله، و { أنتم }: مبتدأ، و { هؤلاء }: خبره، و { حاججتم }: جملة مبينة للأولى، أو { حاججتم }: خبر، و { هؤلاء }: منادى بحذف النداء، و { حنيفا }: حال، أي: مائلا عن الأديان إلا دين الإسلام. يقول الحق جل جلاله: { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } ، ويدعي كل فريق أنه كان على دينه، { وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } ، فكيف يكون يهوديا، ودينكم إنما حدث بعد إبراهيم بألف سنة؟! وكيف يكون نصرانيا، ودين النصارنية إنما ظهر بعد إبراهيم بألفي سنة؟! { أفلا تعقلون } فتدعون المحال، { هاأنتم } يا { هؤلاء } الحمقى { حاججتم فيما لكم به علم } من أمر محمد - عليه الصلاة والسلام - ونبوته، مما وجدتموه في التوراة والإنجيل، فأنكرتموه عنادا وحسدا، فلم تجادلون فيما لا علم لكم به، ولا ذكر في كتابكم من شأن إبراهيم؟ { والله يعلم } ما خصمتم فيه، { وأنتم لا تعلمون } ، بل أنتم جاهلون. ثم صرح بتكذيب الفريقين فقال: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا } مائلا عن العقائد الزائفة، { مسلما } منقادا لأحكام ربه. وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام، وإلا لكان مشترك الإلزام، لأن دين الإسلام مؤخر أيضا، فكان إبراهيم إمام الموحدين، { وما كان من المشركين } كما عليه اليهود والنصارى والمشركون. ففيه تعريض بهم، ورد لادعائهم أنهم على ملته. ثم ذكر من أولى الناس به، فقال: { إن أولى الناس بإبراهيم } أي: أخصهم به وأقربهم منه، { للذين اتبعوه } من أمته في زمانه، { وهذا النبي } محمد صلى الله عليه وسلم، { والذين آمنوا } لموافقتهم له في أكثر الأحكام، قال صلى الله عليه وسلم:
" لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي "
يعني إبراهيم عليه السلام، { والله ولي المؤمنين } أي: ناصرهم على سائر الأديان، ومجازيهم بغاية الإحسان. الإشارة: ترى كثيرا من المتفقرة يخصون الكمال بطريقهم، ويخاصمون في طريق غيرهم، وهي نزعة أهل الكتاب، حائدة عن الرشد والصواب، فأولى بالحق من اتبع السنة المحمدية، وتخلق بالأخلاق المرضية، وزهد في الدارين، ورفع همته عن الكونين، ورفع حجاب الغفلة عن قلبه، حتى أشرقت عليه أنوار ربه، واتصل بأهل التربية النبوية، فزجوا به في بحار الأحدية، ثم ردوه إلى مقام الصحو والتكميل، فيا له من مقام جليل، فهذه ملة إبراهيم الخليل، وبها جاء الرسول الجليل حبيب الرحمن، وقطب دائرة الزمان، سيد المرسلين، وإمام العارفين، ورسول رب العالمين، صلى الله عليه وسلم دائما إلى يوم الدين.
آل عمران 3:66
قلت: { ها أنتم }: أصله: أنتم، دخلت عليه هاء التنبيه، وقال الأخفش: أصله: أأنتم، فقلبت الهمزة الأولى هاء، كقوله: هرقت. وتوجيه القراءات معلوم في محله، و { أنتم }: مبتدأ، و { هؤلاء }: خبره، و { حاججتم }: جملة مبينة للأولى، أو { حاججتم }: خبر، و { هؤلاء }: منادى بحذف النداء، و { حنيفا }: حال، أي: مائلا عن الأديان إلا دين الإسلام. يقول الحق جل جلاله: { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } ، ويدعي كل فريق أنه كان على دينه، { وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } ، فكيف يكون يهوديا، ودينكم إنما حدث بعد إبراهيم بألف سنة؟! وكيف يكون نصرانيا، ودين النصارنية إنما ظهر بعد إبراهيم بألفي سنة؟! { أفلا تعقلون } فتدعون المحال، { هاأنتم } يا { هؤلاء } الحمقى { حاججتم فيما لكم به علم } من أمر محمد - عليه الصلاة والسلام - ونبوته، مما وجدتموه في التوراة والإنجيل، فأنكرتموه عنادا وحسدا، فلم تجادلون فيما لا علم لكم به، ولا ذكر في كتابكم من شأن إبراهيم؟ { والله يعلم } ما خصمتم فيه، { وأنتم لا تعلمون } ، بل أنتم جاهلون. ثم صرح بتكذيب الفريقين فقال: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا } مائلا عن العقائد الزائفة، { مسلما } منقادا لأحكام ربه. وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام، وإلا لكان مشترك الإلزام، لأن دين الإسلام مؤخر أيضا، فكان إبراهيم إمام الموحدين، { وما كان من المشركين } كما عليه اليهود والنصارى والمشركون. ففيه تعريض بهم، ورد لادعائهم أنهم على ملته. ثم ذكر من أولى الناس به، فقال: { إن أولى الناس بإبراهيم } أي: أخصهم به وأقربهم منه، { للذين اتبعوه } من أمته في زمانه، { وهذا النبي } محمد صلى الله عليه وسلم، { والذين آمنوا } لموافقتهم له في أكثر الأحكام، قال صلى الله عليه وسلم:
" لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي "
يعني إبراهيم عليه السلام، { والله ولي المؤمنين } أي: ناصرهم على سائر الأديان، ومجازيهم بغاية الإحسان. الإشارة: ترى كثيرا من المتفقرة يخصون الكمال بطريقهم، ويخاصمون في طريق غيرهم، وهي نزعة أهل الكتاب، حائدة عن الرشد والصواب، فأولى بالحق من اتبع السنة المحمدية، وتخلق بالأخلاق المرضية، وزهد في الدارين، ورفع همته عن الكونين، ورفع حجاب الغفلة عن قلبه، حتى أشرقت عليه أنوار ربه، واتصل بأهل التربية النبوية، فزجوا به في بحار الأحدية، ثم ردوه إلى مقام الصحو والتكميل، فيا له من مقام جليل، فهذه ملة إبراهيم الخليل، وبها جاء الرسول الجليل حبيب الرحمن، وقطب دائرة الزمان، سيد المرسلين، وإمام العارفين، ورسول رب العالمين، صلى الله عليه وسلم دائما إلى يوم الدين.
آل عمران 3:67
قلت: { ها أنتم }: أصله: أنتم، دخلت عليه هاء التنبيه، وقال الأخفش: أصله: أأنتم، فقلبت الهمزة الأولى هاء، كقوله: هرقت. وتوجيه القراءات معلوم في محله، و { أنتم }: مبتدأ، و { هؤلاء }: خبره، و { حاججتم }: جملة مبينة للأولى، أو { حاججتم }: خبر، و { هؤلاء }: منادى بحذف النداء، و { حنيفا }: حال، أي: مائلا عن الأديان إلا دين الإسلام. يقول الحق جل جلاله: { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } ، ويدعي كل فريق أنه كان على دينه، { وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } ، فكيف يكون يهوديا، ودينكم إنما حدث بعد إبراهيم بألف سنة؟! وكيف يكون نصرانيا، ودين النصارنية إنما ظهر بعد إبراهيم بألفي سنة؟! { أفلا تعقلون } فتدعون المحال، { هاأنتم } يا { هؤلاء } الحمقى { حاججتم فيما لكم به علم } من أمر محمد - عليه الصلاة والسلام - ونبوته، مما وجدتموه في التوراة والإنجيل، فأنكرتموه عنادا وحسدا، فلم تجادلون فيما لا علم لكم به، ولا ذكر في كتابكم من شأن إبراهيم؟ { والله يعلم } ما خصمتم فيه، { وأنتم لا تعلمون } ، بل أنتم جاهلون. ثم صرح بتكذيب الفريقين فقال: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا } مائلا عن العقائد الزائفة، { مسلما } منقادا لأحكام ربه. وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام، وإلا لكان مشترك الإلزام، لأن دين الإسلام مؤخر أيضا، فكان إبراهيم إمام الموحدين، { وما كان من المشركين } كما عليه اليهود والنصارى والمشركون. ففيه تعريض بهم، ورد لادعائهم أنهم على ملته. ثم ذكر من أولى الناس به، فقال: { إن أولى الناس بإبراهيم } أي: أخصهم به وأقربهم منه، { للذين اتبعوه } من أمته في زمانه، { وهذا النبي } محمد صلى الله عليه وسلم، { والذين آمنوا } لموافقتهم له في أكثر الأحكام، قال صلى الله عليه وسلم:
" لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي "
يعني إبراهيم عليه السلام، { والله ولي المؤمنين } أي: ناصرهم على سائر الأديان، ومجازيهم بغاية الإحسان. الإشارة: ترى كثيرا من المتفقرة يخصون الكمال بطريقهم، ويخاصمون في طريق غيرهم، وهي نزعة أهل الكتاب، حائدة عن الرشد والصواب، فأولى بالحق من اتبع السنة المحمدية، وتخلق بالأخلاق المرضية، وزهد في الدارين، ورفع همته عن الكونين، ورفع حجاب الغفلة عن قلبه، حتى أشرقت عليه أنوار ربه، واتصل بأهل التربية النبوية، فزجوا به في بحار الأحدية، ثم ردوه إلى مقام الصحو والتكميل، فيا له من مقام جليل، فهذه ملة إبراهيم الخليل، وبها جاء الرسول الجليل حبيب الرحمن، وقطب دائرة الزمان، سيد المرسلين، وإمام العارفين، ورسول رب العالمين، صلى الله عليه وسلم دائما إلى يوم الدين.
آل عمران 3:68
قلت: { ها أنتم }: أصله: أنتم، دخلت عليه هاء التنبيه، وقال الأخفش: أصله: أأنتم، فقلبت الهمزة الأولى هاء، كقوله: هرقت. وتوجيه القراءات معلوم في محله، و { أنتم }: مبتدأ، و { هؤلاء }: خبره، و { حاججتم }: جملة مبينة للأولى، أو { حاججتم }: خبر، و { هؤلاء }: منادى بحذف النداء، و { حنيفا }: حال، أي: مائلا عن الأديان إلا دين الإسلام. يقول الحق جل جلاله: { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } ، ويدعي كل فريق أنه كان على دينه، { وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } ، فكيف يكون يهوديا، ودينكم إنما حدث بعد إبراهيم بألف سنة؟! وكيف يكون نصرانيا، ودين النصارنية إنما ظهر بعد إبراهيم بألفي سنة؟! { أفلا تعقلون } فتدعون المحال، { هاأنتم } يا { هؤلاء } الحمقى { حاججتم فيما لكم به علم } من أمر محمد - عليه الصلاة والسلام - ونبوته، مما وجدتموه في التوراة والإنجيل، فأنكرتموه عنادا وحسدا، فلم تجادلون فيما لا علم لكم به، ولا ذكر في كتابكم من شأن إبراهيم؟ { والله يعلم } ما خصمتم فيه، { وأنتم لا تعلمون } ، بل أنتم جاهلون. ثم صرح بتكذيب الفريقين فقال: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا } مائلا عن العقائد الزائفة، { مسلما } منقادا لأحكام ربه. وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام، وإلا لكان مشترك الإلزام، لأن دين الإسلام مؤخر أيضا، فكان إبراهيم إمام الموحدين، { وما كان من المشركين } كما عليه اليهود والنصارى والمشركون. ففيه تعريض بهم، ورد لادعائهم أنهم على ملته. ثم ذكر من أولى الناس به، فقال: { إن أولى الناس بإبراهيم } أي: أخصهم به وأقربهم منه، { للذين اتبعوه } من أمته في زمانه، { وهذا النبي } محمد صلى الله عليه وسلم، { والذين آمنوا } لموافقتهم له في أكثر الأحكام، قال صلى الله عليه وسلم:
" لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي "
يعني إبراهيم عليه السلام، { والله ولي المؤمنين } أي: ناصرهم على سائر الأديان، ومجازيهم بغاية الإحسان. الإشارة: ترى كثيرا من المتفقرة يخصون الكمال بطريقهم، ويخاصمون في طريق غيرهم، وهي نزعة أهل الكتاب، حائدة عن الرشد والصواب، فأولى بالحق من اتبع السنة المحمدية، وتخلق بالأخلاق المرضية، وزهد في الدارين، ورفع همته عن الكونين، ورفع حجاب الغفلة عن قلبه، حتى أشرقت عليه أنوار ربه، واتصل بأهل التربية النبوية، فزجوا به في بحار الأحدية، ثم ردوه إلى مقام الصحو والتكميل، فيا له من مقام جليل، فهذه ملة إبراهيم الخليل، وبها جاء الرسول الجليل حبيب الرحمن، وقطب دائرة الزمان، سيد المرسلين، وإمام العارفين، ورسول رب العالمين، صلى الله عليه وسلم دائما إلى يوم الدين.
آل عمران 3:69
قلت: { لو }: مصدرية، أي: تمنوا إضلالكم. يقول الحق جل جلاله: لبعض المسلمين - وهم حذيفة وعمار ومعاذ - دعاهم اليهود إلى دينهم وطمعوا فيهم: { ودت طائفة } أي: تمنت طائفة { من أهل الكتاب لو يضلونكم } أي: يفتنونكم عن دينكم، ويتلفونكم عن طريق الحق، { وما يضلون إلا أنفسهم } لأن المسلمين لا يقبلون ذلك منهم، فرجع الضلال عليهم، وعاد وباله إليهم، وتضاعف عذابه عليهم، { وما يشعرون } أن وباله راجع إليهم. ثم صرح الحق تعالى بعتابهم، فقال: { يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } المنزلة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وتجحدون رسالته؟ { وأنتم تشهدون } أنها من عند الله، وأنه نبي الله، وهو منعوت عندكم في التوراة والإنجيل، والمراد أحبارهم، أو تشهدون أنه نبي الله بالمعجزات الواضحات. { يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل } بالتحريف وإبراز الباطل في صورة الحق، حتى كتمتم نعت محمد وحرفتموه، وأظهرتم موضعه الباطل الذي سولت لكم أنفسكم؟ { وتكتمون الحق } نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، { وأنتم تعلمون } أنه رسول الله حقا وأن دينه حق، أو: وأنتم عالمون بكتمانكم. الإشارة: ترى كثيرا من أهل الرئاسة والجاه من أولاد الصالحين، وممن ينتسب لهم، إذا رأوا من ظهر بالخصوصية في زمانهم يتمنون إضلالهم وإطفاء أنوارهم، خوفا على زوال رئاستهم، { وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون } ،
والله متم نوره ولو كره الكافرون
[الصف: 8]، وهذه نزعة يهودية سببها الحسد، والحسود لا يسود، وبعضهم يتحقق بخصوصية غيرهم، فيكتمها وهو يشهد بصحتها، فيقال لهم: { لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون }؟ و { لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون }؟
آل عمران 3:70
قلت: { لو }: مصدرية، أي: تمنوا إضلالكم. يقول الحق جل جلاله: لبعض المسلمين - وهم حذيفة وعمار ومعاذ - دعاهم اليهود إلى دينهم وطمعوا فيهم: { ودت طائفة } أي: تمنت طائفة { من أهل الكتاب لو يضلونكم } أي: يفتنونكم عن دينكم، ويتلفونكم عن طريق الحق، { وما يضلون إلا أنفسهم } لأن المسلمين لا يقبلون ذلك منهم، فرجع الضلال عليهم، وعاد وباله إليهم، وتضاعف عذابه عليهم، { وما يشعرون } أن وباله راجع إليهم. ثم صرح الحق تعالى بعتابهم، فقال: { يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } المنزلة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وتجحدون رسالته؟ { وأنتم تشهدون } أنها من عند الله، وأنه نبي الله، وهو منعوت عندكم في التوراة والإنجيل، والمراد أحبارهم، أو تشهدون أنه نبي الله بالمعجزات الواضحات. { يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل } بالتحريف وإبراز الباطل في صورة الحق، حتى كتمتم نعت محمد وحرفتموه، وأظهرتم موضعه الباطل الذي سولت لكم أنفسكم؟ { وتكتمون الحق } نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، { وأنتم تعلمون } أنه رسول الله حقا وأن دينه حق، أو: وأنتم عالمون بكتمانكم. الإشارة: ترى كثيرا من أهل الرئاسة والجاه من أولاد الصالحين، وممن ينتسب لهم، إذا رأوا من ظهر بالخصوصية في زمانهم يتمنون إضلالهم وإطفاء أنوارهم، خوفا على زوال رئاستهم، { وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون } ،
والله متم نوره ولو كره الكافرون
[الصف: 8]، وهذه نزعة يهودية سببها الحسد، والحسود لا يسود، وبعضهم يتحقق بخصوصية غيرهم، فيكتمها وهو يشهد بصحتها، فيقال لهم: { لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون }؟ و { لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون }؟
آل عمران 3:71
قلت: { لو }: مصدرية، أي: تمنوا إضلالكم. يقول الحق جل جلاله: لبعض المسلمين - وهم حذيفة وعمار ومعاذ - دعاهم اليهود إلى دينهم وطمعوا فيهم: { ودت طائفة } أي: تمنت طائفة { من أهل الكتاب لو يضلونكم } أي: يفتنونكم عن دينكم، ويتلفونكم عن طريق الحق، { وما يضلون إلا أنفسهم } لأن المسلمين لا يقبلون ذلك منهم، فرجع الضلال عليهم، وعاد وباله إليهم، وتضاعف عذابه عليهم، { وما يشعرون } أن وباله راجع إليهم. ثم صرح الحق تعالى بعتابهم، فقال: { يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } المنزلة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وتجحدون رسالته؟ { وأنتم تشهدون } أنها من عند الله، وأنه نبي الله، وهو منعوت عندكم في التوراة والإنجيل، والمراد أحبارهم، أو تشهدون أنه نبي الله بالمعجزات الواضحات. { يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل } بالتحريف وإبراز الباطل في صورة الحق، حتى كتمتم نعت محمد وحرفتموه، وأظهرتم موضعه الباطل الذي سولت لكم أنفسكم؟ { وتكتمون الحق } نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، { وأنتم تعلمون } أنه رسول الله حقا وأن دينه حق، أو: وأنتم عالمون بكتمانكم. الإشارة: ترى كثيرا من أهل الرئاسة والجاه من أولاد الصالحين، وممن ينتسب لهم، إذا رأوا من ظهر بالخصوصية في زمانهم يتمنون إضلالهم وإطفاء أنوارهم، خوفا على زوال رئاستهم، { وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون } ،
والله متم نوره ولو كره الكافرون
[الصف: 8]، وهذه نزعة يهودية سببها الحسد، والحسود لا يسود، وبعضهم يتحقق بخصوصية غيرهم، فيكتمها وهو يشهد بصحتها، فيقال لهم: { لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون }؟ و { لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون }؟
آل عمران 3:72
قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر رجلا من يهود خيبر - يعني من أحبارهم - وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان لا بالاعتقاد، واكفروا به آخره، وقولوا: نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمدا ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، وإنما نفعل ذلك حتى نشكك أصحابه. ه. فحذر الله المسلمين من قولهم، فقال جل جلاله: { وقالت طائفة من أهل الكتاب } يعني: أحبارهم: { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا } وأظهروا الدخول في دينهم، { وجه النهار وكفروا آخره } وقولوا: نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فلم نجد محمدا بالنعت الذي في التوراة، لعل أصحابه يشكون فيه - لعنهم الله وأضل سعيهم. وقيل: نزلت في شأن الكعبة، فإن كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف - من اليهود - قالا لأصحابهما: صلوا معهم إلى الكعبة أول النهار، ثم صلوا إلى الصخرة آخره، لعلهم يقولون: هم أعلم منا، وقد رجعوا، فيرجعون، ففضحهم الله وأبطل حيلهم الواهية. الإشارة: ترى كثيرا من الناس يدخلون في طريق القوم، ثم تثقل عليهم أعباؤها، فيخرجون منها إما لضعفهم عن حملها، أو لكونهم دخلوا مختبرين لها، أو على حرف أو حيلة لغيرهم، فإذا رجع أحد منهم قال الناس: لو كانت صحيحة ما رجع فلان عنها، ويصدون الناس عن الدخول فيها والدوام عليها، وهذه نزعة إسرائيلية، قالوا: آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" لتسلكن سنن من قبلكم بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: نعم، فمن إذن "
وبالله التوفيق.
آل عمران 3:73
قلت: يحتمل أن يكون قوله: { أن يؤتى }: مفعولا ب { تؤمنوا } ، و { قل إن الهدى هدى الله }: اعترض، واللام في " لمن " صلة، { أو يحاجوكم }: عطف على { يؤتى } ، والتقدير: ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إلا من كان على دينكم، ولا تصدقوا أن يحاجوكم عند ربكم، بل أنتم تحاجون غيركم. فرد الله عليهم { قل إن الهدى هدى الله } ، و { إن الفضل بيد الله }. ويحتمل أن يكون قوله: { أن يؤتى } مفعولا لأجله، والعامل فيه محذوف، التقدير: أدبرتم ما دبرتم كراهية أن يؤتى أحد ما أوتيتم، ومخافة أن يحاجوكم عند ربكم؟. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن اليهود: { و } قالوا { لا تؤمنوا } أي: لا تقروا أو تصدقوا { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } من العلم والحكمة وفلق البحر وسائر الفضائل، { إلا لمن تبع } دين اليهودية، وكان على { دينكم } ، ولا تؤمنوا أن { يحاجوكم عند ربكم } لأنكم أصح دينا منهم. قال الحق جل جلاله: { قل } لهم: { إن الهدى هدى الله } يهدي به من يشاء، و { إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء }. يقول الحق جل جلاله: وقالوا: لا تصدقوا ولا تذعنوا { إلا لمن تبع دينكم } وكان من جلدتكم، فإن النبوة خاصة بكم. فكذبهم الحق بقوله: { قل إن الهدى هدى الله } ، يخص به من يشاء من عباده، فكيف تحصرنها فيكم؟ لأجل { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } قلتم ما قلتم، ودبرتم ما دبرتم، حسدا وبغيا، { أو } خوفا أن { يحاجوكم عند ربكم } ، يغلبوكم بالحجة لظهور دينهم، { قل } يا محمد: { إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } فلا ينفع في رده حيلة ولا خدع. أو يقول الحق جل جلاله: للمؤمنين، تثبيتا لهم وتشجيعا لقلوبهم: ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين أن يعطي أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين القويم إلا من تبع دينكم الحق، وجاء به من عند الحق، ولا تصدقوا { أن يحاجوكم } في دينكم { عند ربكم } أو يقدر أحد على ذلك، فإن الهدى هدى الله والفضل بيد الله، { يؤتيه من يشاء والله واسع } الفضل والكرم، { عليم } بمن يستحق الخصوصية والفضل، { يختص برحمته من يشاء } كالنبوة وغيرها، { والله ذو الفضل العظيم } لا حصر لفضله، كما لا حصر لذاته. الإشارة: يقول الحق - جلت ذاته، وعظمت قدرته - لأهل الخصوصية: ولا تقروا بالخصوصية إلا لمن كان على دينكم وطريقكم، وتزيا بزيكم، وبذل نفسه وفلسه في صحبتكم، مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الخصوصية، وهو ليس أهلا لها، فيأخذها علما، فإما أن يتزندق أو يتفسق، أو يحاجوكم بالشريعة فيريق دماءكم كما وقع للحلاج رضي الله عنه وفي ذلك يقول الشاعر:
ومن شهد الحقيقة فليصنها وإلا سوف يقتل بالسنان كحلاج المحبة إذ تبدت له شمس الحقيقة بالتداني
وقال آخر:
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم وكذا دماء البائحين تباح
وقل أيها العارف، لمن طلب الخصوية قبل شروطها أو أنكر وجودها عند أهل شرطها: إن الهدى هدى الله يهدي به من يشاء - والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والرحمة - التي هي الخصوصية - في قبضة الله، يخص بها من يشاء، { والله ذو الفضل العظيم } فمن أراد الخصوصية فليطلبها من معدنها، وهم العارفون بها، فيبذل نفسه وفلسه لهم حتى يعرفوه بها. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:74
قلت: يحتمل أن يكون قوله: { أن يؤتى }: مفعولا ب { تؤمنوا } ، و { قل إن الهدى هدى الله }: اعترض، واللام في " لمن " صلة، { أو يحاجوكم }: عطف على { يؤتى } ، والتقدير: ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إلا من كان على دينكم، ولا تصدقوا أن يحاجوكم عند ربكم، بل أنتم تحاجون غيركم. فرد الله عليهم { قل إن الهدى هدى الله } ، و { إن الفضل بيد الله }. ويحتمل أن يكون قوله: { أن يؤتى } مفعولا لأجله، والعامل فيه محذوف، التقدير: أدبرتم ما دبرتم كراهية أن يؤتى أحد ما أوتيتم، ومخافة أن يحاجوكم عند ربكم؟. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن اليهود: { و } قالوا { لا تؤمنوا } أي: لا تقروا أو تصدقوا { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } من العلم والحكمة وفلق البحر وسائر الفضائل، { إلا لمن تبع } دين اليهودية، وكان على { دينكم } ، ولا تؤمنوا أن { يحاجوكم عند ربكم } لأنكم أصح دينا منهم. قال الحق جل جلاله: { قل } لهم: { إن الهدى هدى الله } يهدي به من يشاء، و { إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء }. يقول الحق جل جلاله: وقالوا: لا تصدقوا ولا تذعنوا { إلا لمن تبع دينكم } وكان من جلدتكم، فإن النبوة خاصة بكم. فكذبهم الحق بقوله: { قل إن الهدى هدى الله } ، يخص به من يشاء من عباده، فكيف تحصرنها فيكم؟ لأجل { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } قلتم ما قلتم، ودبرتم ما دبرتم، حسدا وبغيا، { أو } خوفا أن { يحاجوكم عند ربكم } ، يغلبوكم بالحجة لظهور دينهم، { قل } يا محمد: { إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } فلا ينفع في رده حيلة ولا خدع. أو يقول الحق جل جلاله: للمؤمنين، تثبيتا لهم وتشجيعا لقلوبهم: ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين أن يعطي أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين القويم إلا من تبع دينكم الحق، وجاء به من عند الحق، ولا تصدقوا { أن يحاجوكم } في دينكم { عند ربكم } أو يقدر أحد على ذلك، فإن الهدى هدى الله والفضل بيد الله، { يؤتيه من يشاء والله واسع } الفضل والكرم، { عليم } بمن يستحق الخصوصية والفضل، { يختص برحمته من يشاء } كالنبوة وغيرها، { والله ذو الفضل العظيم } لا حصر لفضله، كما لا حصر لذاته. الإشارة: يقول الحق - جلت ذاته، وعظمت قدرته - لأهل الخصوصية: ولا تقروا بالخصوصية إلا لمن كان على دينكم وطريقكم، وتزيا بزيكم، وبذل نفسه وفلسه في صحبتكم، مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الخصوصية، وهو ليس أهلا لها، فيأخذها علما، فإما أن يتزندق أو يتفسق، أو يحاجوكم بالشريعة فيريق دماءكم كما وقع للحلاج رضي الله عنه وفي ذلك يقول الشاعر:
ومن شهد الحقيقة فليصنها وإلا سوف يقتل بالسنان كحلاج المحبة إذ تبدت له شمس الحقيقة بالتداني
وقال آخر:
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم وكذا دماء البائحين تباح
وقل أيها العارف، لمن طلب الخصوية قبل شروطها أو أنكر وجودها عند أهل شرطها: إن الهدى هدى الله يهدي به من يشاء - والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والرحمة - التي هي الخصوصية - في قبضة الله، يخص بها من يشاء، { والله ذو الفضل العظيم } فمن أراد الخصوصية فليطلبها من معدنها، وهم العارفون بها، فيبذل نفسه وفلسه لهم حتى يعرفوه بها. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:75
قلت: الباء في { بقنطار } ، بمعنى على، و { يؤده }: جواب الشرط مجزوم بحذف الياء، ومن قرأ بإسكان الضمير فلأنه أقامه مقام المحذوف، فجزمه عوضا عنه، وقال الفراء: مذهب بعض العرب: يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون: ضربته ضربا شديدا. يقول الحق جل جلاله: { ومن أهل الكتاب } من أسلم وآمن فصار من أهل الإيمان { إن تأمنه } على { قنطار } من المال أو أكثر أداه إليك، ولم يخن منه شيئا. وفي الحديث:
" من ائتمن على أمانة فأداها، ولو شاء لم يؤدها، زوجه الله من الحور العين ما شاء "
{ ومنهم } من بقي على دينه من أهل الخيانة والخسران، { إن تأمنه } على { دينار } فأقل { لم يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما } على رأسه، مبالغا في مطالبته. نزلت في عبد الله بن سلام، استودعه قرشي ألفا ومائتي أوقية ذهبا، فأداها إليه، وفي فنحاص بن عازوراء اليهودي، استودعه قرشي آخر دينارا، فجحده. وقيل: في النصارى واليهود، فإن النصارى: الغالب عليهم الأمانة، واليهود الغالب عليهم الخيانة. وذلك الاستحلال بسبب أنهم { قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } أي: ليس علينا في شأن من ليسوا أهل كتاب، ولم يكونوا على ديننا، حرج في أخذ مالهم وجحدها، ولا إثم، { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } أنهم كاذبون لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم، وقالوا: لم يجعل لهم في التوراة حرمة. وقيل: عامل اليهود رجلا من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم، فقالوا: سقط حقكم حيث تركتم دينكم. وقال صلى الله عليه وسلم:
" كذب أعداء الله، ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر ".
ثم كذبهم الحق - تعالى - فقال: { بلى } عليهم في ذلك سبيل، فإن { من أوفى بعهده واتقى } الشرك والمعاصي { فإن الله يحب المتقين } ومن أحبه الله كيف يباح ماله وتسقط حرمته؟! بل من أسقط حرمته فقد حارب الله ورسوله، أو { من أوفى } ، بعهد الله من أهل الكتاب، فآمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام - { واتقى } الخيانة، وأدى الأمانة، { فإن الله يحب المتقين }. وأوقع المظهر موقع الضمير العائد إلى " من " لعمومه، فإن لفظ المتقين عام يصدق برد الودائع وغيره، إشعارا بأن التقوى ملاك الأمر وسبب الحفظ. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد رأينا بعض الفقراء دخل بلد الحقيقة فسقطت من قلبه هيبة الشريعة، فتساهل في أموال الناس وسقطت لديه حرمة العباد، حتى لا تثق به في حفظ مال ولا أهل، فإذا أودعته شيئا أو قارضته لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما. وهذه زندقة ونزعة إسرائيلية. لا يرضاها أدنى الناس، فما بالك بمن يدعي أنه أعلى الناس، وفي بعض الحكم: [كمال الديانة ترك الخيانة]، وأعظم الإفلاس خيانة الناس، وفي الحديث:
" ثلاث من كن فيه فهوا منافق، وإن صلى وإن صام وزعم أنه مؤمن، إذ حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان "
فإذا احتج لنفسه الأمارة، وقال: لا سبيل علينا في متاع العوام، فقد خلع من عنقه ربقة الإسلام، واستحق أن يعلو مفرقه الحسام. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:76
قلت: الباء في { بقنطار } ، بمعنى على، و { يؤده }: جواب الشرط مجزوم بحذف الياء، ومن قرأ بإسكان الضمير فلأنه أقامه مقام المحذوف، فجزمه عوضا عنه، وقال الفراء: مذهب بعض العرب: يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون: ضربته ضربا شديدا. يقول الحق جل جلاله: { ومن أهل الكتاب } من أسلم وآمن فصار من أهل الإيمان { إن تأمنه } على { قنطار } من المال أو أكثر أداه إليك، ولم يخن منه شيئا. وفي الحديث:
" من ائتمن على أمانة فأداها، ولو شاء لم يؤدها، زوجه الله من الحور العين ما شاء "
{ ومنهم } من بقي على دينه من أهل الخيانة والخسران، { إن تأمنه } على { دينار } فأقل { لم يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما } على رأسه، مبالغا في مطالبته. نزلت في عبد الله بن سلام، استودعه قرشي ألفا ومائتي أوقية ذهبا، فأداها إليه، وفي فنحاص بن عازوراء اليهودي، استودعه قرشي آخر دينارا، فجحده. وقيل: في النصارى واليهود، فإن النصارى: الغالب عليهم الأمانة، واليهود الغالب عليهم الخيانة. وذلك الاستحلال بسبب أنهم { قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } أي: ليس علينا في شأن من ليسوا أهل كتاب، ولم يكونوا على ديننا، حرج في أخذ مالهم وجحدها، ولا إثم، { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } أنهم كاذبون لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم، وقالوا: لم يجعل لهم في التوراة حرمة. وقيل: عامل اليهود رجلا من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم، فقالوا: سقط حقكم حيث تركتم دينكم. وقال صلى الله عليه وسلم:
" كذب أعداء الله، ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر ".
ثم كذبهم الحق - تعالى - فقال: { بلى } عليهم في ذلك سبيل، فإن { من أوفى بعهده واتقى } الشرك والمعاصي { فإن الله يحب المتقين } ومن أحبه الله كيف يباح ماله وتسقط حرمته؟! بل من أسقط حرمته فقد حارب الله ورسوله، أو { من أوفى } ، بعهد الله من أهل الكتاب، فآمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام - { واتقى } الخيانة، وأدى الأمانة، { فإن الله يحب المتقين }. وأوقع المظهر موقع الضمير العائد إلى " من " لعمومه، فإن لفظ المتقين عام يصدق برد الودائع وغيره، إشعارا بأن التقوى ملاك الأمر وسبب الحفظ. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد رأينا بعض الفقراء دخل بلد الحقيقة فسقطت من قلبه هيبة الشريعة، فتساهل في أموال الناس وسقطت لديه حرمة العباد، حتى لا تثق به في حفظ مال ولا أهل، فإذا أودعته شيئا أو قارضته لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما. وهذه زندقة ونزعة إسرائيلية. لا يرضاها أدنى الناس، فما بالك بمن يدعي أنه أعلى الناس، وفي بعض الحكم: [كمال الديانة ترك الخيانة]، وأعظم الإفلاس خيانة الناس، وفي الحديث:
" ثلاث من كن فيه فهوا منافق، وإن صلى وإن صام وزعم أنه مؤمن، إذ حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان "
فإذا احتج لنفسه الأمارة، وقال: لا سبيل علينا في متاع العوام، فقد خلع من عنقه ربقة الإسلام، واستحق أن يعلو مفرقه الحسام. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:77
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يشترون بعهد الله } أي: يستبدلون بالوفاء بعهد الله كالإيمان بالرسول - عليه الصلاة والسلم - الذي أخذ على بني إسرائيل في التوراة وبيان صفته، وأداء الأمانة، فكتموا ذلك واستبدلوا به { ثمنا قليلا } حطاما فانيا من الدنيا، كانوا يأخذونه من سفلتهم، فخافوا إن بينوا ذلك زال ذلك عنه، وكذلك الأيمان التي أخذها الله عليهم لئن أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به ولينصرنه، فنقضوها، خوفا من زوال رئاستهم، فاستبدلوا بالوفاء بها ثمنا فانيا، { أولئك لا خلاق لهم } أي: لا نصيب لهم، { في الآخرة، ولا يكلمهم الله } بما يسرهم، أو بشيء أصلا، وإنما الملائكة تسألهم، { ولا تنظر إليهم يوم القيامة } نظرة رحمة، بل يعرض عنهم، غضبا عليهم وهوانا بهم، { ولا يزكيهم } لا يطهرهم من ذنوبهم، أو لا يثني عليهم، { ولهم عذاب أليم } أي: موجع. قال عكرمة: نزلت في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، وغيرهم من رؤساء اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن النبي صلى الله عليه وسلم من بيان صفته، فكتموا ذلك وكتبوا غيره، وحلفوا أنه من عند الله، لئلا يفوتهم الرشا من أتباعهم. وقال الكلبي: إن ناسا من علماء اليهود كانوا ذا حظ من علم التوراة، فأصابتهم سنة، فأتوا كعب بن الأشرف يستميرونه، أي: يطلبون منه الميرة - وهو الطعام -، فقال لهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول في كتابكم؟ قالوا: نعم، أو ما تعلمه أنت؟ قال: لا، قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله، قال كعب: لقد قدمتم علي، وأنا أريد أن أميركم وأكسوكم، فحرمكم الله خيرا كثيرا، قالوا: فإنه شبه لنا، فرويدا حتى نلقاه، فانطلقوا، فكتبوا صفة غير صفته، ثم أتوا نبي الله - عليه الصلاة والسلام - فكلموه، ثم رجعوا إلى كعب، فقالوا: قد كنا نرى أنه رسول الله، فأتيناه فإذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، وأخرجوا الذي كتبوه، ففرح كعب، ومارهم. فنزلت الآية. قلت: انظر الطمع، وما يصنع بصاحبه والعياذ بالله. وقيل: نزلت في رجل أقام سلعته في السوق، وحلف لقد أعطى فيها كذا وكذا، وقيل: نزلت في الأشعث بن قيس، كانت بينه وبين رجل خصومة، فتوجهت اليمين على الرجل، فأراد أن يحلف. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد أخذ الله العهد على الأرواح ألا يعبدوا معه غيره، ولا يميلوا إلى شيء سواه، فكل من مال إلى شيء، أو ركن بالمحبة إلى غير الله، فقد نقض العهد مع الله، فلا نصيب له في مقام المعرفة، ولا تحصل له مشاهدة ولا مكالمة حتى يثوب ويتوجه بكليته إلى مولاه. والله - تعالى أعلم.
آل عمران 3:78
يقول الحق جل جلاله: { وإن من أهل الكتاب لفريقا } ، وهو كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، ومالك بن الصيف، وأبو ياسر، وشعبة بن عامر، { يلوون } أي: يفتلون { ألسنتهم بالكتاب } أي: التوراة عند قراءته، فيميلون عن المنزل إلى المحرف، { لتحسبوه من الكتاب } أي: لتظنوا أن ذلك المحرف من التوراة، { وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب } فيما نسبوا إليه، { وهم يعلمون } أنه ليس من عند الله. قال ابن عباس: نزلت في اليهود والنصارى جميعا، حرفوا التوراة والإنجيل، وألحقوا به ما ليس منه، وأسقطوا منه الدين الحنيف، فبين الله كذبهم، وقيل: في الرجم، حيث كتموا الرجم، وألقى قارئ التوراة يده على آية الرجم، وقرأ ما حولها، فقال له ابن سلام: ارفع يديك، فإذا آية الرجم تلوح. والله أعلم. الإشارة: هذه الآية تنسحب على علماء السوء، الذي يفتون بغير المشهور، لحظ يأخذونه من الدنيا، وعلى قضاة الجور الذين يحكمون بالهوى، ويعتمدون على الأقوال الواهية، ويقولون هو من عند الله، وما هو من عند الله. وكذلك بعض المنتسبين من الفقراء، يتصنعون إلى العامة، يطمعون فيما في أيديهم من الحطام، فيظهرون لهم علوما ومعارف وحكما، يلوون ألسنتهم بها وقلوبهم خاوية من معناها، فظاهر حالهم يوهم أن ذلك موافق لقلوبهم، وأنهم عاملون بذلك، وباطنهم يكذبهم في ذلك،
والله يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم
[البقرة: 213].
آل عمران 3:79
قلت: البشر: اسم جمع لا مفرد له، يطلق على الجماعة والواحد. والرباني: هو الذي يربي الناس ويؤدبهم ويهذبهم بالعلم والعمل. وقال ابن عباس: هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، والنون فيه للمبالغة، كلحياني ورقباني. و { ولا يأمركم } بالرفع، استئناف، وبالنصب: عطف على { يقول } ، و { لا } مزيدة: أي ما كان لبشر أن يستنبئه الله، ثم يأمر بعبادة نفسه، ويأمر باتخاذ الملائكة أربابا. أو غير مزيدة، والتقدير: ليس له أن يأمر بعبادته ولا باتخاذ الملائكة أربابا. يقول الحق جل جلاله: { ما كان } ينبغي { لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم } أي: الفصل بين العباد، { والنبوة } أي: الوحي بالأحكام، { ثم يقول } بعد ذلك { للناس كونوا عبادا لي من دون الله } أو مع الله، أو يرضى أن يعبد من دون الله، { ولكن } يقول لهم: { كونوا ربانيين } أي: علماء بالله، فقهاء في دينه، حلماء على الناس، تربون الناس بالعلم والعمل والهمة والحال، بسبب { ما كنتم تعلمون } من كتاب الله { وبما كنتم تدرسون } منه، أو { بما كنتم تعلمون } الناس من الخير بكتاب الله، وما كنتم تدرسونه عليهم. ولما مات ابن عباس - رضي الله عنهما - قال محمد ابن الحنيفة: مات رباني هذه الأمة. { ولا يأمركم } ذلك البشر الذي خصه الله بالنبوة، { أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } من دون الله، { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } أي: مناقدون لأحكام الله. قيل: سبب نزول الآية: أن نصارى نجران قالوا: يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره "
وقيل: إن رجلا قال: يا رسول الله: نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ فقال:
" لا ينبغي أن يسجد أحد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله ".
الإشارة: ما زال الفقراء يعظمون أشياخهم، ويبالغون في ذلك حتى يقبلون أرجلهم والتراب بين أيديهم، ويجتهدون في خدمتهم، فإذا رءاهم الأشياخ فعلوا ذلك سكتوا عنهم، لأن ذلك هو ربحهم وسبب فتحهم، وفي ذلك قال القائل:
بذبح النفوس وحط الرؤوس تصفى الكؤوس
لكنهم يرشدونهم إلى الحضرة، حتى يفنوهم عن شهود الواسطة، فيكون تعظيمهم وحط رأسهم إنما هو لله لا لغيره، وحينئذ يكونون ربانيين، علماء بالله مقربين، وكان شيخنا يقول: لا تزوروني على أني شيخكم، ولكن اعرفوا فينا، وافنوا عن رؤية حسنا، حتى يكون التعظيم إنما هو لله ربنا. ه. فدلالة الأشياخ للفقراء على التعظيم والأدب ليس ذلك مقصودا لأنفسهم، وحاشاهم من ذلك. ما كان لبشر أن يؤتيه الله الخصوصية ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله، ولكن يقول لهم: كونوا ربانيين عارفين بالله، حتى يكون تعظيمكم إنما هو لله، ولا يأمر أيضا بالفرق حتى يتخذوا الأشياء أربابا من دون الله، ولكن يأمر بالجمع حتى يغيبوا عما سوى الله، وكيف يأمرهم بالفرق، وهو إنما يدلهم على الجمع؟ أيأمرهم بالكفر بعد أن كانوا مسلمين. ولله تعالى أعلم.
آل عمران 3:80
قلت: البشر: اسم جمع لا مفرد له، يطلق على الجماعة والواحد. والرباني: هو الذي يربي الناس ويؤدبهم ويهذبهم بالعلم والعمل. وقال ابن عباس: هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، والنون فيه للمبالغة، كلحياني ورقباني. و { ولا يأمركم } بالرفع، استئناف، وبالنصب: عطف على { يقول } ، و { لا } مزيدة: أي ما كان لبشر أن يستنبئه الله، ثم يأمر بعبادة نفسه، ويأمر باتخاذ الملائكة أربابا. أو غير مزيدة، والتقدير: ليس له أن يأمر بعبادته ولا باتخاذ الملائكة أربابا. يقول الحق جل جلاله: { ما كان } ينبغي { لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم } أي: الفصل بين العباد، { والنبوة } أي: الوحي بالأحكام، { ثم يقول } بعد ذلك { للناس كونوا عبادا لي من دون الله } أو مع الله، أو يرضى أن يعبد من دون الله، { ولكن } يقول لهم: { كونوا ربانيين } أي: علماء بالله، فقهاء في دينه، حلماء على الناس، تربون الناس بالعلم والعمل والهمة والحال، بسبب { ما كنتم تعلمون } من كتاب الله { وبما كنتم تدرسون } منه، أو { بما كنتم تعلمون } الناس من الخير بكتاب الله، وما كنتم تدرسونه عليهم. ولما مات ابن عباس - رضي الله عنهما - قال محمد ابن الحنيفة: مات رباني هذه الأمة. { ولا يأمركم } ذلك البشر الذي خصه الله بالنبوة، { أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } من دون الله، { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } أي: مناقدون لأحكام الله. قيل: سبب نزول الآية: أن نصارى نجران قالوا: يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره "
وقيل: إن رجلا قال: يا رسول الله: نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ فقال:
" لا ينبغي أن يسجد أحد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله ".
الإشارة: ما زال الفقراء يعظمون أشياخهم، ويبالغون في ذلك حتى يقبلون أرجلهم والتراب بين أيديهم، ويجتهدون في خدمتهم، فإذا رءاهم الأشياخ فعلوا ذلك سكتوا عنهم، لأن ذلك هو ربحهم وسبب فتحهم، وفي ذلك قال القائل:
بذبح النفوس وحط الرؤوس تصفى الكؤوس
لكنهم يرشدونهم إلى الحضرة، حتى يفنوهم عن شهود الواسطة، فيكون تعظيمهم وحط رأسهم إنما هو لله لا لغيره، وحينئذ يكونون ربانيين، علماء بالله مقربين، وكان شيخنا يقول: لا تزوروني على أني شيخكم، ولكن اعرفوا فينا، وافنوا عن رؤية حسنا، حتى يكون التعظيم إنما هو لله ربنا. ه. فدلالة الأشياخ للفقراء على التعظيم والأدب ليس ذلك مقصودا لأنفسهم، وحاشاهم من ذلك. ما كان لبشر أن يؤتيه الله الخصوصية ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله، ولكن يقول لهم: كونوا ربانيين عارفين بالله، حتى يكون تعظيمكم إنما هو لله، ولا يأمر أيضا بالفرق حتى يتخذوا الأشياء أربابا من دون الله، ولكن يأمر بالجمع حتى يغيبوا عما سوى الله، وكيف يأمرهم بالفرق، وهو إنما يدلهم على الجمع؟ أيأمرهم بالكفر بعد أن كانوا مسلمين. ولله تعالى أعلم.
آل عمران 3:81
قلت: اللام في { لما } ، موطئة للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستخلاف، و { ما }: يحتمل الشرطية، و { لتؤمنن }: جواب القسم، سد مسد الجواب، أي: مهما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول الله لتؤمنن به. ويحتمل الموصولية، و { لتؤمنن }: خبر عنه، وحذف شرط يدل على السياق أي: للذي آتيناكم من كتاب وحكمة، ثم إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به. ومن قرأ بكسر اللام كان تعليلا للأمر بالإيمان بالرسول، أي: لأجل الذي خصصتكم به إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، وإذا كان أخذ الله الميثاق على الأنبياء كان على الأتباع أولى، أو استغنى بذكر الأنبياء عن ذكر أتباعهم لأنهم في حكمهم. يقول الحق جل جلاله: واذكر { إذ أخذنا } الميثاق على النبيين من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام. وقلنا لهم: والله للذي خصصتكم به { من كتاب وحكمة } ، ثم إن ظهر رسول { مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } أنتم وأممكم، أو: لأجل الذي خصصتكم به مما تقدم لئن أدركتم محمدا لتؤمنن به ولتنصرنه. قال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: لم يبعث الله نبيا، آدم ومن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد، وأمره بأخذ العهد على قومه ليؤمنن به، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه. { قال } الحق جل جلاله لمن أخذ عليهم العهد: { أأقرتم } بذلك وقبلتموه، { وأخذتم على ذلكم إصري } أي: عهدي وميثاقي؟ { قالوا أقررنا } وقبلنا، { قال فاشهدوا } على أنفسكم، أو ليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، أو فاشهدوا يا ملائكتي عليهم، { وأنا معكم من الشاهدين } ، وفيه توكيد وتحذير عظيم، { فمن تولى بعد ذلك } الإقرار والشهادة، وأعرض عن الإيمان به، ونصره بعد ظهوره، { فأولئك هم الفاسقون } الخارجون عن الإيمان المتمردون في الكفران. الإشارة: كما أخذ الله العهد على الأنبياء وأممهم في الإيمان به عليه الصلاة والسلام، أخذ الميثاق على العلماء وأتباعهم من العامة، لئن أدركوا وليا من أولياء الله، حاملا لواء الحقيقة، مصدقا لما معهم من الشريعة، ليؤمنن به ولينصرنه، من تولى وأعرض عن الإذعان إليهم فأولئك هم الفاسقون الخارجون عن دائرة الولاية، محرومون من سابق العناية، فإن الحقيقة إنما هي لب الشريعة وخلاصتها، فإنما مثل الحقيقة والشريعة كالروح للجسد، فالشريعة كالجسد، والحقيقة كالروح، فالشريعة بلا حقيقة جسد بلا روح، والحقيقة بلا شريعة روح بلا جسد، فلا قيام لهذا إلا بهذا، فنم تشرع ولم يتحقق تفسق، ومن تحقق ولم يتشرع فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق، ومن خرج عنهما فقد خرج عن دين الله وطلب غيره، وإليه توجه الإنكار.
آل عمران 3:82
قلت: اللام في { لما } ، موطئة للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستخلاف، و { ما }: يحتمل الشرطية، و { لتؤمنن }: جواب القسم، سد مسد الجواب، أي: مهما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول الله لتؤمنن به. ويحتمل الموصولية، و { لتؤمنن }: خبر عنه، وحذف شرط يدل على السياق أي: للذي آتيناكم من كتاب وحكمة، ثم إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به. ومن قرأ بكسر اللام كان تعليلا للأمر بالإيمان بالرسول، أي: لأجل الذي خصصتكم به إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، وإذا كان أخذ الله الميثاق على الأنبياء كان على الأتباع أولى، أو استغنى بذكر الأنبياء عن ذكر أتباعهم لأنهم في حكمهم. يقول الحق جل جلاله: واذكر { إذ أخذنا } الميثاق على النبيين من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام. وقلنا لهم: والله للذي خصصتكم به { من كتاب وحكمة } ، ثم إن ظهر رسول { مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } أنتم وأممكم، أو: لأجل الذي خصصتكم به مما تقدم لئن أدركتم محمدا لتؤمنن به ولتنصرنه. قال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: لم يبعث الله نبيا، آدم ومن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد، وأمره بأخذ العهد على قومه ليؤمنن به، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه. { قال } الحق جل جلاله لمن أخذ عليهم العهد: { أأقرتم } بذلك وقبلتموه، { وأخذتم على ذلكم إصري } أي: عهدي وميثاقي؟ { قالوا أقررنا } وقبلنا، { قال فاشهدوا } على أنفسكم، أو ليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، أو فاشهدوا يا ملائكتي عليهم، { وأنا معكم من الشاهدين } ، وفيه توكيد وتحذير عظيم، { فمن تولى بعد ذلك } الإقرار والشهادة، وأعرض عن الإيمان به، ونصره بعد ظهوره، { فأولئك هم الفاسقون } الخارجون عن الإيمان المتمردون في الكفران. الإشارة: كما أخذ الله العهد على الأنبياء وأممهم في الإيمان به عليه الصلاة والسلام، أخذ الميثاق على العلماء وأتباعهم من العامة، لئن أدركوا وليا من أولياء الله، حاملا لواء الحقيقة، مصدقا لما معهم من الشريعة، ليؤمنن به ولينصرنه، من تولى وأعرض عن الإذعان إليهم فأولئك هم الفاسقون الخارجون عن دائرة الولاية، محرومون من سابق العناية، فإن الحقيقة إنما هي لب الشريعة وخلاصتها، فإنما مثل الحقيقة والشريعة كالروح للجسد، فالشريعة كالجسد، والحقيقة كالروح، فالشريعة بلا حقيقة جسد بلا روح، والحقيقة بلا شريعة روح بلا جسد، فلا قيام لهذا إلا بهذا، فنم تشرع ولم يتحقق تفسق، ومن تحقق ولم يتشرع فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق، ومن خرج عنهما فقد خرج عن دين الله وطلب غيره، وإليه توجه الإنكار.
آل عمران 3:83
قلت: { أفغير }: مفعول مقدم، و { يبغون }: معطوف على محذوف، أي: أتتولون فتبغون غير دين الله، وقدم المعمول لأنه المقصود بالإنكار، و { طوعا وكرها }: حالان، أي: طائعين أو كارهين. يقول الحق جل جلاله: للنصارى واليهود، لما اختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وادعوا أن كل واحد على دين إبراهيم، فقال لهم - عليه الصلاة والسلام:
" كلاكما بريء من دينه، وأنا على دينه، فخذوا به "
، فغضبوا، وقالوا: والله لا نرضى بحكمك ولا نأخذ بدينك، فقال لهم الحق جل جلاله - منكرا عليهم -: أفتبغون غير دين الله الذي ارتضاه لخليله وحبيبه، وقد انقاد له تعالى { من في السماوات والأرض } طائعين ومكرهين، فأهل السموات انقادوا طائعين، وأهل الأرض منهم من انقاد طوعا بالنظر واتباع الحجة أو بغيرها، ومنهم من انقاد كرها أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام كنتق الجبل وإدراك الغرق والإشراف على الموت، أو: " طوعا " كالملائكة والمؤمنين، فإنهم انقادوا لما يراد منهم طوعا، { وكرها } كالكفار فانقادوا لما يراد منهم كرها، وكل إليه راجعون، لا يخرج عن دائرة حكمه، أو راجعون إليه بالبعث والنشور. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الدين الحقيقي هو الانقياد إلى الله في الظاهر والباطن، أما الانقياد إلى الله في الظاهر فيكون بامتثال أمره واجتناب نهيه، وأما الانقياد إلى الله في الباطن فيكون بالرضى بحكمه والاستسلام لقهره. فكل من قصر في الانقياد في الظاهر، أو تسخط من الأحكام الجلالية في الباطن، فقد خرج عن كمال الدين، فيقال له: أفغير دين الله تبغون وقد انقاد له { من في السماوات والأرض طوعا وكرها } ، فإما أن تنقاد طوعا أو ترجع إليه كرها. وفي بعض الآثار يقول الله تبارك وتعالى:
" من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي، فليخرج من تحت سمائي، وليتخذ ربا سواي ".
وسبب تبرم القلب عن نزول الأحكام القهرية مرضه وضعف نور يقينه، فكل من استنكف عن صحبة الطبيب، فله من هذا العتاب حظ ونصيب، فالأولياء حجة الله على العلماء، والعلماء حجة الله على العوام، فمن لم يستقم ظاهره عوتب على تفريطه في صحبة العلماء، ومن لم يستقم باطنه عاتبه الله تعالى على ترك صحبة الأولياء، أعني العارفين. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:84
قلت: { أنزل }: يتعدى بإلى لأنه ينتهي إلى الرسل، ويتعدى بعلى، لأنه يأتي من ناحية الحلو والاستعلاء، وفرق بعضهم بين التعبير هنا بعلى وفي البقرة بإلى، فقال: لأن الخطاب هنا للرسول بالخصوص، وقد أنزل عليه الوحي مباشرة، وهناك الخطاب للمسلمين، وإنما أنزل الوحي متوجها إليهم بالواسطة، ولم يكن عليهم بالمباشرة. والله تعالى أعلم. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لأهل الكتاب الذين فرقوا في إيمانهم بين الرسل: أما نحن فقد آمنا بالذي { أنزل علينا وما أنزل } على جميع الأنبياء والرسل { لا نفرق بين أحد منهم } كما فرقتم أنتم، فضللتم، { ونحن له مسلمون } أي: منقادون لأحكامه الظاهرة والباطنة، أو مخلصون في أعمالنا كلها، وقدم المنزل علينا على المنزل على غيرنا، لأنه عيار عليه ومعرف به. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للفقير أن يبالغ في تعظيم شيخه، ويسوغ له التغالي في شأنه ما لم يخرجه عن طور البشر، وما لم يؤد ذلك إلى إسقاط حرمة غيره من الأولياء بالتنقيص أو غيره، فحرمة الأولياء كحرمة الأنبياء، فمن فرق بينهم حرم بركة جميعهم. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:85
قلت: { وشهدوا }: عطف على ما في { إيمانهم } من معنى الفعل، والتقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا. يقول الحق جل جلاله: لرجال من الأنصار ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، منهم الحارث بن سويد الأنصاري: { ومن } يطلب { غير الإسلام دينا } يتدين به { فلن يقبل منه } أبدا، { وهو في الآخرة من الخاسرين } لأنه أبطل الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها، واستبدلها بالتقليد الرديء، بعد أن عاين سواطع البرهان، وشهدت نفسه بالحق والبيان، ولذلك وقع التعجب والاستبعاد من هدايته فقال: { كيف يهدي الله قوما كفروا } بعد أن آمنوا، { وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات } أي: المعجزات الواضحات، فإن الحائد عن الحق بعدما وضح، منهمك في الضلال، بعيد عن الرشاد، فقد ظلم نفسه وبخسها، { والله لا يهدي القوم القوم الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر، ووضعوا الكفر موضع الإيمان، ولعل هذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء.
آل عمران 3:86
قلت: { وشهدوا }: عطف على ما في { إيمانهم } من معنى الفعل، والتقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا. يقول الحق جل جلاله: لرجال من الأنصار ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، منهم الحارث بن سويد الأنصاري: { ومن } يطلب { غير الإسلام دينا } يتدين به { فلن يقبل منه } أبدا، { وهو في الآخرة من الخاسرين } لأنه أبطل الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها، واستبدلها بالتقليد الرديء، بعد أن عاين سواطع البرهان، وشهدت نفسه بالحق والبيان، ولذلك وقع التعجب والاستبعاد من هدايته فقال: { كيف يهدي الله قوما كفروا } بعد أن آمنوا، { وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات } أي: المعجزات الواضحات، فإن الحائد عن الحق بعدما وضح، منهمك في الضلال، بعيد عن الرشاد، فقد ظلم نفسه وبخسها، { والله لا يهدي القوم القوم الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر، ووضعوا الكفر موضع الإيمان، ولعل هذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء.
آل عمران 3:87
يقول الحق جل جلاله: { أولئك } المرتدون عن الإسلام - { جزاؤهم }: أن تلعنهم الملائكة والناس أجمعون، مؤمنهم وكافرهم، لأن الكافر يلعن من ترك دين الحق، وإن كان لا يشعر بمن هو على الحق. { خالدين } في اللعنة، أو في النار، لدلالة السياق عليها، أو في العقوبة. { لا يخفف عنهم العذاب } ساعة، ولا هم يمهلون عنها لحظة. ثم إن الحارث ندم، وأرسل إلى قومه أن اسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم، هل لي من توبة؟
آل عمران 3:88
يقول الحق جل جلاله: { أولئك } المرتدون عن الإسلام - { جزاؤهم }: أن تلعنهم الملائكة والناس أجمعون، مؤمنهم وكافرهم، لأن الكافر يلعن من ترك دين الحق، وإن كان لا يشعر بمن هو على الحق. { خالدين } في اللعنة، أو في النار، لدلالة السياق عليها، أو في العقوبة. { لا يخفف عنهم العذاب } ساعة، ولا هم يمهلون عنها لحظة. ثم إن الحارث ندم، وأرسل إلى قومه أن اسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم، هل لي من توبة؟
آل عمران 3:89
يقول الحق جل جلاله: إلا من تاب من بعد الردة، فأسلم وأصلح ما أفسد، { فإن الله غفور } له فيما فعل، { رحيم } به حيث تاب. ولمأ نزلت الآية حملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه، فقال الحارث: إنك ولله فيما علمت لصدوق، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله - تعالى - لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة، فأسلم وحسن إسلامه. الإشارة: كل من ابتغى الخصوصية من غير أهلها، أو ادعاها ولم يأخذها من معدنها، فلن تقبل منه، وهو عند القوم من الخاسرين في طريق الخصوص، فكل من لا شيخ له في هذا الشأن فهو لقيط، لا أب له، دعي، لا نسب له. والمراد بأهلها: العارفون بالله، أهل الفناء والبقاء، أهل الجذب والسلوك، أهل السكر والصحو، الذين شربوا الخمر فسكروا ثم صحوا وتكملوا، فمعدن الخصوصية عند هؤلاء، فكل من لم يصحبهم ولم يشرب من خمرتهم، لا يقتدى به، ولو بلغ من الكرامة ما بلغ، وأخسر من صحب أهل هذه الخمرة، وشهد بأن طريقهم حق، ثم رجع عنها، فهذا مغبون ملعون عند كافة الخلق، أي: مطرود عن شهود الحق، إلا من تاب ورجع إلى صحبتهم والأدب معهم، فإن الله غفور رحيم.
آل عمران 3:90
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين } ارتدوا عن الإيمان { ثم ازدادوا } في الكفر، وقالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، { لن تقبل توبتهم } أي: لا توبة لهم فتقبل، لأنه سبق لهم الشقاء، أو لأنهم لا يتوبون إلا عند الغرغرة، أو { لن تقبل توبتهم } ما داموا على كفرهم. { وأولئك هم الضالون } المنهمكون في الضلالة. قيل: نزلت في أصحاب الحارث بن سويد المتقدم، وكانوا أحد عشر رجلا، لما رجع الحارث قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا، فمتى أردنا الرجعة رجعنا، فلما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، دخل في الإسلام بعضهم، فقبلت توبته، وبقي من بقي على كفره، فنزلت الآية فيهم. وقيل: نزلت في اليهود، كفروا بعيسى بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: نزلت في النصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بعيسى، { ثم ازدادوا كفرا } بإصرارهم عليه. وقيل: نزلت في الفريقين معا، كفرا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم به قبل ظهوره، { ثم ازدادوا كفرا } بتمردهم فيه، وتماديهم على المعاصي. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن من دخل طريق التربية، وأخذ في تهذيب نفسه وتطهيرها من المساوئ وأوساخ الحس، ثم غلبته القهرية ورجع عنها، فإن تاب قريبا ورجع إليها سهل عليه الرجوع، ورجى نجحه وقبلت توبته، وإن استمر على رجوعه عنها حتى ألفت نفسه البطالة لن ترجى توبته وصار من الضالين، فمثله كآنية، فرغت منها لبنا أو عسلا، وعمرتها بالقطران، فإن بادرت بإهراقه منها قريبا سهل غسلها، وإن أمهلتها حتى صبغ فيها عسر غسلها، وتعذب زوال راحته منها. [فإن مات على رجعته فلا يحشر في الآخرة مع أهل هذه الرفقة، ولو شفع فيه ألف عارف، بل من كمال المكر به أن يلقى شبهه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يخطر بباله أنه يشفع فيه]. قاله القشيري. قال المحشي: وما ذكره ربما ينظر إلى قضية الخليل مع أبيه، حين يلقاه وعليه القترة، فيريد الشفاعة له، فيمسخ ذيخا متلطخا - أي: خنزيرا - فينكره، كما في الحديث الصحيح، فتذكر واعتبر. ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:91
قلت: { ذهبا }: تمييز، و { لو افتدى به }: محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا، أو عطف على محذوف، أي: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو تقرب به في الدنيا، ولو افتدى به من العذاب في الآخرة. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا } ، واستمروا على كفرهم حتى ماتوا، { يقبل } منهم فدية، ولو افتدوا بملء الأرض ذهبا، بل يحصل لهم الإياس من رحمة الله، { أولئك لهم عذاب أليم } فلا ينفعهم فداء منه ولا شفاعة ولا حميم، { وما لهم من ناصرين } ينصروهم من عذاب رب العالمين. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" يجاء بالكافر، يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا - أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم، نعم، فيقال له: قد سئلت ما هو أيسر من ذلك "
يعني: لا إله إلا الله: ثبتنا الله عليها إلى الممات عالمين بها. آمين. الإشارة: كل من كفر بطريق أهل الخصوصية، وحرم نفسه من دخول الحضرة القدوسية، واستمر على كفرانه إلى الممات، فلا شك أنه يحصل له الندم وقد زلت به القدم، لأنه مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر، فإذا حشر مع عوام المسلمين، وسكن في ربض الجنة مع أهل اليمين، ثم رأى منازل المقربين في أعلى عليين، ندم وتحسر، وقد غلبه القدر، فلو اشترى المقام معهم بملء الأرض ذهبا ما نفعه ذلك، فيمكث في غم الحجاب وعذاب القطيعة هنالك، مقطوع عن شهود الأحباب على نعت الكشف والبيان، ممنوع عن الشهود والعيان. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:92
قلت: البر: كمال الطاعة. يقول الحق جل جلاله: { لن تنالوا } كمال الطاعة والتقرب { حتى تنفقوا مما تحبون } ، أو: لن تنالوا بر الله الذي هو الرضى والرضوان، { حتى تنفقوا } بعض ما { تحبون } من المال وغيره، كبذل الجاه في معاونة الناس، إن صحبه الإخلاص، وكبذل البدن في طاعة الله، وبذلك المهج في سبيل الله. ولما نزلت الآية جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن أحب أموالي إلي بيرحاء - وهو بستان كان خلف المسجد النبوي - وهو صدقة لله، أرجوا برها وذخرها، فقال له - عليه الصلاة والسلام -
" بخ بخ ذلك مال رابح - أو رائح - وإني أرى أن تجعلها في الأقربين "
فقسمها أبو طلحة في أقاربة. وجاء زيد بن حارثة بفرس كان يحبها، فقال: هذه في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله أسامة ولده، فقال زيد: إنما أردت أن أتصدق بها، فقال - عليه الصلاة والسلام -:
" إن الله تعالى قد قبلها "
فدل ذلك على أن الصدقة على الأقارب أفضل. وأعتقت امرأة جارية لا تملك غيرها، كانت تحبها، واشترطت عليها أن تقيم معها، فلما عتقت، ذهبت، فقال لها عليه الصلاة والسلام:
" دعيها فقد حجبتك عن النار ".
وأمر عمر بن الخطاب بشراء جارية من سبي العراق، فلما جيء بها، ورآها عمر أعجبته غاية، فقال: إن الله تعالى يقول: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ، فأعتقها. وذكر ابن عمر هذه الآية، فلم يجد عنده أحب من جارية كانت عنده، يطؤها فأعتقها، وقال: لولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها. وكان الربيع يعطي للسائل إذا وقف في بابه السكر، فإذا قيل له في ذلك، قال: إن الربيع يحب السكر. ثم إن الله - تعالى - يقبل الصدقة من المحبوب أو غيره، ولذلك قال: { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } فيجازيكم بحسبه. الإشارة: ليس للفقير شيء أحب من نفسه التي بين جنبيه، بل عند جميع الناس، فمن بذل روحه في مرضاة الله نال رضوان الله ومعرفته، وهو غاية البر، فمن أذل نفسه لله أعزه الله، ومن أفقر نفسه لله أغناه الله، من تواضع لله رفع، فبذل النفس لله هو تقديمها لشيخ التربية يفعل بها ما يشاء، فكل ما يشير به إليه بادر إليه بلا تردد، فمن فعل ذلك فقد نال غاية البر، وأنفق غاية ما يحب، وكل من بذل نفسه بذل غيرها بالأحرى، إذ ليس أعز منها، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي الله عنه:
ما لي سوى روحي، وباذل نفسه في حب من يهواه ليس بمسرف فلئن رضيت بها فقد أسعفتني يا خيبة المسعى إذا لم تسعف
وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي: حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببته، حتى لا يبقى لك منك شيء. ه. وقال الجنيد رضي الله عنه: لن تناولا محبة الله حتى تسخوا بأنفسكم لله. ه. ولما قال عليه الصلاة والسلام لليهود:
" أنا على ملة إبراهيم "
- كما تقدم - قالوا: كيف تكون على ملة إبراهيم، وأنت تأكل لحوم الإبل وإلبانها؟، وكان ذلك حراما على إبراهيم.
آل عمران 3:93
قلت: { إسرائيل }: هو يعقوب عليه السلام. قول الحق جل جلاله: { كل الطعام كان } حلالا على بني إسرائيل، كما كان حلالا على الأنبياء كلهم، { إلا ما حرم إسرائيل } أي: يعقوب، { على نفسه } ، كلحوم الإبل وألبانها، قيل: كان به عرق النسا، فنذر: إن شفاه الله لم يأكل أحب الطعام إليه، وكان ذلك أحب الطعام إليه. وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء، فترك ذلك بنوه ولم يحرم عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم. فالطعام كله كان حلالا على بني إسرائيل وعلى الأنبياء كلهم قبل نزول التوراة، فلما نزلت التوراة حرم الله عليهم أشياء من الطيبات لظلمهم وبغيهم، فإن ادعوا أن لحوم الإبل كانت حراما على إبراهيم، وأن كل ما حرم عليهم كان حراما على إبراهيم وعلى الأنبياء قبله، فقل لهم: كذبتم { فأتوا بالتوراة فاتلوها } هل تجدون ذلك فيها؟ { إن كنتم صادقين } في قولكم: إن كل شيء حرم عليكم كان حراما على إبراهيم، روي: أنه - عليه الصلاة والسلام - لما قال لهم ذلك بهتوا، ولم يجسروا أن يأتوا بالتوراة، فتبين افتراؤهم على الله { فمن افترى على الله الكذب } بزعمه أن الله حرم لحوم الإبل وألبانها قبل نزول التوراة، { من بعد ذلك } البيان وإلزامهم الحجة، { من بعد ذلك } المكابرون بالباطل بعدما وضح الحق. { قل } لهم يا محمد: { صدق الله } فيما أنزل، وكذبتم فيما قلتم، فتبين أن ملة إبراهيم هي الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فأسلموا، واتبعوا { ملة إبراهيم حنيفا } ، فإن ملة الإسلام موافقة لملة إبراهيم، أو عينها، فادخلوا فيه وتخلصوا من اليهودية التي اضطرتكم إلى التحريف والمكابرة، وألزمتكم تحريم طيبات أحلها الله لإبراهيم ومن تبعه، وقد خالفتم التوراة التي زعمتم أنكم متمسكون بها، وأشركتم مع الله عزيرا وغيره، وقد كان إبراهيم حنيفا مسلما { وما كان من المشركين }. قال البيضاوي: فيه إشارة إلى أن اتباعه - أي: إبراهيم - واجب في التوحيد الصرف والاستقامة في الدين، والتجنب عن الإفراط والتفريط، وتعريض بشرك اليهود. ه. الإشارة: إذا تحقق للفقير الإخلاص، وحصل على التوحيد الخاص، كان الطعام كله حلالا له، لأنه يأخذه بالله، ويتناوله من يد الله ويدفعه لله، مع موافقة الشريعة، ولم يغض من أنوار الطريقة بحيث لا يصحبه شره ولا طمع. وكان عبد الله بن عمر يقول: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف أو مخيلة. ه. وإنما امتنعت العباد والزهاد من تناول الشهوات المباحات خوفا على أنفسهم أن تجمح بهم إلى تناول أسبابهما، فتعطلهم عن العبادة، وكذلك المريدون السائرون، ينبغي لهم التقلل من تناولها لئلا يتعلق قلبهم بشيء منها، فتعطلهم عن السير، وأما الواصلون العارفون، فقد تحقق فناؤهم وبقاؤهم، فهم يأخذون بالله من يد الله، كما تقدم.
والحاصل: أن النفس ما دامت لم تسلم ولم تنقد إلى مشاهدة ربها، وجب جهادها ومخالفتها، فإذا أسلمت وانقادت إلى ربها، وجب الصلح معها وموافقتها فيما يتجلى فيها، والله تعالى أعلم. ولما كانت اليهود لا تحج بيت الله الحرام، الذي بناه خليل الله إبراهيم عليه السلام، مع زعمهم أنهم على ملته، رد الله تعالى عليهم بقوله: { إن أول بيت... } الخ، وقيل: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل لأنه مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون: الكعبة أفضل لأنه أول بيت وضع في الأرض.
آل عمران 3:94
قلت: { إسرائيل }: هو يعقوب عليه السلام. قول الحق جل جلاله: { كل الطعام كان } حلالا على بني إسرائيل، كما كان حلالا على الأنبياء كلهم، { إلا ما حرم إسرائيل } أي: يعقوب، { على نفسه } ، كلحوم الإبل وألبانها، قيل: كان به عرق النسا، فنذر: إن شفاه الله لم يأكل أحب الطعام إليه، وكان ذلك أحب الطعام إليه. وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء، فترك ذلك بنوه ولم يحرم عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم. فالطعام كله كان حلالا على بني إسرائيل وعلى الأنبياء كلهم قبل نزول التوراة، فلما نزلت التوراة حرم الله عليهم أشياء من الطيبات لظلمهم وبغيهم، فإن ادعوا أن لحوم الإبل كانت حراما على إبراهيم، وأن كل ما حرم عليهم كان حراما على إبراهيم وعلى الأنبياء قبله، فقل لهم: كذبتم { فأتوا بالتوراة فاتلوها } هل تجدون ذلك فيها؟ { إن كنتم صادقين } في قولكم: إن كل شيء حرم عليكم كان حراما على إبراهيم، روي: أنه - عليه الصلاة والسلام - لما قال لهم ذلك بهتوا، ولم يجسروا أن يأتوا بالتوراة، فتبين افتراؤهم على الله { فمن افترى على الله الكذب } بزعمه أن الله حرم لحوم الإبل وألبانها قبل نزول التوراة، { من بعد ذلك } البيان وإلزامهم الحجة، { من بعد ذلك } المكابرون بالباطل بعدما وضح الحق. { قل } لهم يا محمد: { صدق الله } فيما أنزل، وكذبتم فيما قلتم، فتبين أن ملة إبراهيم هي الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فأسلموا، واتبعوا { ملة إبراهيم حنيفا } ، فإن ملة الإسلام موافقة لملة إبراهيم، أو عينها، فادخلوا فيه وتخلصوا من اليهودية التي اضطرتكم إلى التحريف والمكابرة، وألزمتكم تحريم طيبات أحلها الله لإبراهيم ومن تبعه، وقد خالفتم التوراة التي زعمتم أنكم متمسكون بها، وأشركتم مع الله عزيرا وغيره، وقد كان إبراهيم حنيفا مسلما { وما كان من المشركين }. قال البيضاوي: فيه إشارة إلى أن اتباعه - أي: إبراهيم - واجب في التوحيد الصرف والاستقامة في الدين، والتجنب عن الإفراط والتفريط، وتعريض بشرك اليهود. ه. الإشارة: إذا تحقق للفقير الإخلاص، وحصل على التوحيد الخاص، كان الطعام كله حلالا له، لأنه يأخذه بالله، ويتناوله من يد الله ويدفعه لله، مع موافقة الشريعة، ولم يغض من أنوار الطريقة بحيث لا يصحبه شره ولا طمع. وكان عبد الله بن عمر يقول: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف أو مخيلة. ه. وإنما امتنعت العباد والزهاد من تناول الشهوات المباحات خوفا على أنفسهم أن تجمح بهم إلى تناول أسبابهما، فتعطلهم عن العبادة، وكذلك المريدون السائرون، ينبغي لهم التقلل من تناولها لئلا يتعلق قلبهم بشيء منها، فتعطلهم عن السير، وأما الواصلون العارفون، فقد تحقق فناؤهم وبقاؤهم، فهم يأخذون بالله من يد الله، كما تقدم.
والحاصل: أن النفس ما دامت لم تسلم ولم تنقد إلى مشاهدة ربها، وجب جهادها ومخالفتها، فإذا أسلمت وانقادت إلى ربها، وجب الصلح معها وموافقتها فيما يتجلى فيها، والله تعالى أعلم. ولما كانت اليهود لا تحج بيت الله الحرام، الذي بناه خليل الله إبراهيم عليه السلام، مع زعمهم أنهم على ملته، رد الله تعالى عليهم بقوله: { إن أول بيت... } الخ، وقيل: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل لأنه مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون: الكعبة أفضل لأنه أول بيت وضع في الأرض.
آل عمران 3:95
قلت: { إسرائيل }: هو يعقوب عليه السلام. قول الحق جل جلاله: { كل الطعام كان } حلالا على بني إسرائيل، كما كان حلالا على الأنبياء كلهم، { إلا ما حرم إسرائيل } أي: يعقوب، { على نفسه } ، كلحوم الإبل وألبانها، قيل: كان به عرق النسا، فنذر: إن شفاه الله لم يأكل أحب الطعام إليه، وكان ذلك أحب الطعام إليه. وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء، فترك ذلك بنوه ولم يحرم عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم. فالطعام كله كان حلالا على بني إسرائيل وعلى الأنبياء كلهم قبل نزول التوراة، فلما نزلت التوراة حرم الله عليهم أشياء من الطيبات لظلمهم وبغيهم، فإن ادعوا أن لحوم الإبل كانت حراما على إبراهيم، وأن كل ما حرم عليهم كان حراما على إبراهيم وعلى الأنبياء قبله، فقل لهم: كذبتم { فأتوا بالتوراة فاتلوها } هل تجدون ذلك فيها؟ { إن كنتم صادقين } في قولكم: إن كل شيء حرم عليكم كان حراما على إبراهيم، روي: أنه - عليه الصلاة والسلام - لما قال لهم ذلك بهتوا، ولم يجسروا أن يأتوا بالتوراة، فتبين افتراؤهم على الله { فمن افترى على الله الكذب } بزعمه أن الله حرم لحوم الإبل وألبانها قبل نزول التوراة، { من بعد ذلك } البيان وإلزامهم الحجة، { من بعد ذلك } المكابرون بالباطل بعدما وضح الحق. { قل } لهم يا محمد: { صدق الله } فيما أنزل، وكذبتم فيما قلتم، فتبين أن ملة إبراهيم هي الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فأسلموا، واتبعوا { ملة إبراهيم حنيفا } ، فإن ملة الإسلام موافقة لملة إبراهيم، أو عينها، فادخلوا فيه وتخلصوا من اليهودية التي اضطرتكم إلى التحريف والمكابرة، وألزمتكم تحريم طيبات أحلها الله لإبراهيم ومن تبعه، وقد خالفتم التوراة التي زعمتم أنكم متمسكون بها، وأشركتم مع الله عزيرا وغيره، وقد كان إبراهيم حنيفا مسلما { وما كان من المشركين }. قال البيضاوي: فيه إشارة إلى أن اتباعه - أي: إبراهيم - واجب في التوحيد الصرف والاستقامة في الدين، والتجنب عن الإفراط والتفريط، وتعريض بشرك اليهود. ه. الإشارة: إذا تحقق للفقير الإخلاص، وحصل على التوحيد الخاص، كان الطعام كله حلالا له، لأنه يأخذه بالله، ويتناوله من يد الله ويدفعه لله، مع موافقة الشريعة، ولم يغض من أنوار الطريقة بحيث لا يصحبه شره ولا طمع. وكان عبد الله بن عمر يقول: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف أو مخيلة. ه. وإنما امتنعت العباد والزهاد من تناول الشهوات المباحات خوفا على أنفسهم أن تجمح بهم إلى تناول أسبابهما، فتعطلهم عن العبادة، وكذلك المريدون السائرون، ينبغي لهم التقلل من تناولها لئلا يتعلق قلبهم بشيء منها، فتعطلهم عن السير، وأما الواصلون العارفون، فقد تحقق فناؤهم وبقاؤهم، فهم يأخذون بالله من يد الله، كما تقدم.
والحاصل: أن النفس ما دامت لم تسلم ولم تنقد إلى مشاهدة ربها، وجب جهادها ومخالفتها، فإذا أسلمت وانقادت إلى ربها، وجب الصلح معها وموافقتها فيما يتجلى فيها، والله تعالى أعلم. ولما كانت اليهود لا تحج بيت الله الحرام، الذي بناه خليل الله إبراهيم عليه السلام، مع زعمهم أنهم على ملته، رد الله تعالى عليهم بقوله: { إن أول بيت... } الخ، وقيل: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل لأنه مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون: الكعبة أفضل لأنه أول بيت وضع في الأرض.
آل عمران 3:96
قلت: { بكة }: لغة في مكة، والعرب تعاقب بين الباء والميم، تقول: ضربة لازم ولازب، وأغبطت عليه الحمى وأغمطت، وقيل: { مكة } بالميم: اسم للبلد كله، وبكة: اسم لموضع البيت، سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة - أي: تدقها - فما قصدها جبار بسوء إلا قصمه الله. و { مباركا }: حال من الضمير في المجرور، والعامل فيه الاستقرار، أي: الذي استقر ببكة مباركا، و { مقام إبراهيم }: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: منها مقام إبراهيم، أو بدل من { آيات } ، بدل البعض من الكل، أو عطف بيان، على أن المراد بالآيات: أثر القدم في الصخرة الصماء، وغوصوها فيها إلى الكعبين، وتخصيصها بهذه المزية من بين الصخور، وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء، وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة، فكان مقام إبراهيم، وإن كان مفردا، في قوة الجمع، ويدل عليه أنه قرئ { آية }: بالتوحيد. وقيل: { الآيات }: مقام إبراهيم، وأمن من دخله، فعلى هذا يكون: { ومن دخله } ، عطفا على { مقام } ، وعلى الأول: استئنافا. و { حج البيت } مبتدأ، و { لله }: خبر، والفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، و { من استطاع }: بدل من { الناس } ، وقيل: فاعل. يقول الحق جل جلاله: { إن أول بيت وضع } في الأرض { للناس } للذي استقر بمكة، وبعده بيت المقدس، وبينهما أربعون سنة. بنت الأول الملائكة حيال البيت المعمور، وأمر الله من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، ثم بني الثاني. وقيل: بناهما آدم عليه السلام ثم جدد الأول إبراهيم. حال كونه { مباركا } لأنه يتضاعف فيه الحسنات، بكل واحدة مائة ألف، وتكفر فيه السيئات، وتنزل في الرحمات، وتتوارد فيه النفخات. { فيه آيات بينات } واضحات، منها: الحجر الذي هو { مقام إبراهيم } ، وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، فكان كلما طال البناء ارتفع به الحجر في الهواء، حتى أكمل البناء، وغرقت فيه قدمه كأنه طين، ومنها: أن الطير لا تعلوه، ومنها: إهلاك أهل الفيل ورد الجبابرة عنه، ونبع زمزم لهاجر بهمز جبريل عليه السلام، وحفر عبد المطلب لها بعد دثورها، وأن ماءها ينفع لما شرب له، { ومن دخله كان آمنا } من العقاب في الدارين لدعاء الخليل:
رب اجعل هذا البلد ءامنا
[إبراهيم: 35]، فكان في الجاهلية كل من فعل جريمة، ثم لجأ إليه لا يهاج ولا يعاقب ما دام به، وأما في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من الحدود ولا من القصاص، وقال أبو حنيفة: الحكم باق، وإن من وجب عليه حد أو قصاص فدخل الحرم لا يهاج، ولكن يضيق عليه، فلا يطعم ولا يباع له حتى يخرج. قال - عليه الصلاة والسلام:
" من مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين "
وقال أيضا:
" من حج هذا البيت - فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ".
{ ولله على الناس حج البيت } فرض عين على { من استطاع إليه سبيلا } بالقدرة على الوصول بصحة البدن، راجلا أو راكبا مع الزاد المبلغ، والأمن على النفس والمال والدين. وقيل: الاستطاعة: الزاد والراحة. { ومن } تركه، و { كفر } به، كاليهود والنصارى، وكل من جحده، { فإن الله غني } عنه، و { عن } حجه، وعن جميع { العالمين } ، أو عبر بالكفر عن الترك، تغليظا كقوله:
" من ترك الصلاة فقد كفر "
روي أنه - عليه الصلاة والسلام - لما نزل صدر الآية - جمع أرباب الملل، فخطبهم، وقال: " إن الله كتب عليكم الحج فحجوا " ، فآمنت به ملة واحدة، وكفرت به خمس ملل، فنزل { ومن كفر... } الخ. الإشارة: قد وضع الله للناس بيتين: أحدهما حسي، وهو الكعبة، والآخر معنوي، وهو القلب، الذي هو بيت الرب، فما دام بيت القلب خاليا من نور الرب اشتاق إلى حج البيت الحسي، فإذا تعمر البيت بنور ساكنه، صار قبلة لغيره، واستغنى عن الالتفات إلى غير نور ربه، بل صار كعبة تطوف به الواردات والأنوار، وتحفه المعارف والعلوم والأسرار، ثم يصير قطب دائرة الأكوان، وتدور عليه من كل جانب ومكان، فكيف يشتاق هذا إلى الكعبة الحسية، وقد طافت به دائرة الوفود الكونية؟ ولله در الحلاج رضي الله عنه حيث قال:
يا لائمي لا تلمني في هواه فلو عاينت منه الذي عاينت لم تلم للناس حج ولي حج إلى سكني تهدى الأضاحي، وأهدي مهجتي ودمي يطوف بالبيت قوم لا بجارحة، بالله طافوا فأغناهم عن الحرم
في هذا البيت آيات واضحات، وهو إشراق شموس المعارف والأنوار، في فضاه سماء الأرواح والأسرار، وسطوع أنوار قمر التوحيد في أرض التجريد والتفريد، وظهور أنوار نجوم العلم والحكم، في أفق سماء ارتفاع الهمم، فهذا كان مقام إبراهيم، إما الموحدين، فمن دخله كان آمنا من الطرد والبعاد إلى يوم الدين، ومن كفر وجوده فإن الله غني عن العالمين. قال في الحاشية في قوله: { ومن دخله كان آمنا } ، قيل: وهكذا من دخل في قلب ولي من أوليائه، فإن قلب العارف حرم المراقبات والمشاهدات. ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:97
قلت: { بكة }: لغة في مكة، والعرب تعاقب بين الباء والميم، تقول: ضربة لازم ولازب، وأغبطت عليه الحمى وأغمطت، وقيل: { مكة } بالميم: اسم للبلد كله، وبكة: اسم لموضع البيت، سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة - أي: تدقها - فما قصدها جبار بسوء إلا قصمه الله. و { مباركا }: حال من الضمير في المجرور، والعامل فيه الاستقرار، أي: الذي استقر ببكة مباركا، و { مقام إبراهيم }: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: منها مقام إبراهيم، أو بدل من { آيات } ، بدل البعض من الكل، أو عطف بيان، على أن المراد بالآيات: أثر القدم في الصخرة الصماء، وغوصوها فيها إلى الكعبين، وتخصيصها بهذه المزية من بين الصخور، وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء، وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة، فكان مقام إبراهيم، وإن كان مفردا، في قوة الجمع، ويدل عليه أنه قرئ { آية }: بالتوحيد. وقيل: { الآيات }: مقام إبراهيم، وأمن من دخله، فعلى هذا يكون: { ومن دخله } ، عطفا على { مقام } ، وعلى الأول: استئنافا. و { حج البيت } مبتدأ، و { لله }: خبر، والفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، و { من استطاع }: بدل من { الناس } ، وقيل: فاعل. يقول الحق جل جلاله: { إن أول بيت وضع } في الأرض { للناس } للذي استقر بمكة، وبعده بيت المقدس، وبينهما أربعون سنة. بنت الأول الملائكة حيال البيت المعمور، وأمر الله من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، ثم بني الثاني. وقيل: بناهما آدم عليه السلام ثم جدد الأول إبراهيم. حال كونه { مباركا } لأنه يتضاعف فيه الحسنات، بكل واحدة مائة ألف، وتكفر فيه السيئات، وتنزل في الرحمات، وتتوارد فيه النفخات. { فيه آيات بينات } واضحات، منها: الحجر الذي هو { مقام إبراهيم } ، وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، فكان كلما طال البناء ارتفع به الحجر في الهواء، حتى أكمل البناء، وغرقت فيه قدمه كأنه طين، ومنها: أن الطير لا تعلوه، ومنها: إهلاك أهل الفيل ورد الجبابرة عنه، ونبع زمزم لهاجر بهمز جبريل عليه السلام، وحفر عبد المطلب لها بعد دثورها، وأن ماءها ينفع لما شرب له، { ومن دخله كان آمنا } من العقاب في الدارين لدعاء الخليل:
رب اجعل هذا البلد ءامنا
[إبراهيم: 35]، فكان في الجاهلية كل من فعل جريمة، ثم لجأ إليه لا يهاج ولا يعاقب ما دام به، وأما في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من الحدود ولا من القصاص، وقال أبو حنيفة: الحكم باق، وإن من وجب عليه حد أو قصاص فدخل الحرم لا يهاج، ولكن يضيق عليه، فلا يطعم ولا يباع له حتى يخرج. قال - عليه الصلاة والسلام:
" من مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين "
وقال أيضا:
" من حج هذا البيت - فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ".
{ ولله على الناس حج البيت } فرض عين على { من استطاع إليه سبيلا } بالقدرة على الوصول بصحة البدن، راجلا أو راكبا مع الزاد المبلغ، والأمن على النفس والمال والدين. وقيل: الاستطاعة: الزاد والراحة. { ومن } تركه، و { كفر } به، كاليهود والنصارى، وكل من جحده، { فإن الله غني } عنه، و { عن } حجه، وعن جميع { العالمين } ، أو عبر بالكفر عن الترك، تغليظا كقوله:
" من ترك الصلاة فقد كفر "
روي أنه - عليه الصلاة والسلام - لما نزل صدر الآية - جمع أرباب الملل، فخطبهم، وقال: " إن الله كتب عليكم الحج فحجوا " ، فآمنت به ملة واحدة، وكفرت به خمس ملل، فنزل { ومن كفر... } الخ. الإشارة: قد وضع الله للناس بيتين: أحدهما حسي، وهو الكعبة، والآخر معنوي، وهو القلب، الذي هو بيت الرب، فما دام بيت القلب خاليا من نور الرب اشتاق إلى حج البيت الحسي، فإذا تعمر البيت بنور ساكنه، صار قبلة لغيره، واستغنى عن الالتفات إلى غير نور ربه، بل صار كعبة تطوف به الواردات والأنوار، وتحفه المعارف والعلوم والأسرار، ثم يصير قطب دائرة الأكوان، وتدور عليه من كل جانب ومكان، فكيف يشتاق هذا إلى الكعبة الحسية، وقد طافت به دائرة الوفود الكونية؟ ولله در الحلاج رضي الله عنه حيث قال:
يا لائمي لا تلمني في هواه فلو عاينت منه الذي عاينت لم تلم للناس حج ولي حج إلى سكني تهدى الأضاحي، وأهدي مهجتي ودمي يطوف بالبيت قوم لا بجارحة، بالله طافوا فأغناهم عن الحرم
في هذا البيت آيات واضحات، وهو إشراق شموس المعارف والأنوار، في فضاه سماء الأرواح والأسرار، وسطوع أنوار قمر التوحيد في أرض التجريد والتفريد، وظهور أنوار نجوم العلم والحكم، في أفق سماء ارتفاع الهمم، فهذا كان مقام إبراهيم، إما الموحدين، فمن دخله كان آمنا من الطرد والبعاد إلى يوم الدين، ومن كفر وجوده فإن الله غني عن العالمين. قال في الحاشية في قوله: { ومن دخله كان آمنا } ، قيل: وهكذا من دخل في قلب ولي من أوليائه، فإن قلب العارف حرم المراقبات والمشاهدات. ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:98
قلت: { تبغونها }: جملة حالية من الواو، أي: لم تصدون عن السبيل باغين لها عوجا. والعوج - بالكسر - في الدين والقول والعمل -، وبالفتح - في الجدار والحائط وكل شخص قائم. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد في عتابك لليهود: { يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } السمعية والعقلية الدالة على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يدعوكم إليه من الإسلام؟ { والله شهيد على ما تعملون } مطلع على سرها وجهرها، فيجازيكم عليها، فلا ينفعكم التحريف ولا الإسرار. { يا أهل الكتاب لما تصدون } عن طريق الله { من آمن } بها، وتبع من جاء بها، { تبغونها عوجا } أي: طالبين لها اعوجاجا، بأن تلبسوا على الناس، وتوهموا أن فيها عوجا عن الحق، بزعمكم أن التوراة لا تنسخ، وبتغيير صفة الرسول - عليه الصلاة والسلام، أو بأن تحرشوا بين المسلمين لتختلف كلمتهم، ويختل أمر دينهم، وأنتم شهداء على أنها حق، وأن الصد عنها ضلال، أو: وأنتم عدول عند أهل ملتكم، يثقون بأقوالكم، ويستشهدونكم في القضايا، { وما الله بغافل عما تعملون } فلا بد ان يجازيكم على أعمالكم، فإتنه يمهل ولا يهمل. كرر الخطاب والاستفهام مرتين مبالغة في التقريع ونفي العذر، وإشعارا بأن كل واحد من الأمرين مستبح في نفسه، مستقل باستجلاب العذاب. ولما كان المنكر عليهم في الآية الأولى: كفرهم، وهم يجهرون به، ختم بقوله: { والله شهيد على ما تعملون } ، ولما كان هذه الآية: صدهم المؤمنين عن الإسلام، وكانوا يخفونه ويحتالون فيه، قال: { وما الله بغافل عما تعملون }. قاله البيضاوي. الإشارة: كل من جحد وجود الخصوصية عند أهلها، وصد القاصدين للدخول فيها، استحق هذا العتاب بلا شك ولا ارتياب. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:99
قلت: { تبغونها }: جملة حالية من الواو، أي: لم تصدون عن السبيل باغين لها عوجا. والعوج - بالكسر - في الدين والقول والعمل -، وبالفتح - في الجدار والحائط وكل شخص قائم. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد في عتابك لليهود: { يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } السمعية والعقلية الدالة على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يدعوكم إليه من الإسلام؟ { والله شهيد على ما تعملون } مطلع على سرها وجهرها، فيجازيكم عليها، فلا ينفعكم التحريف ولا الإسرار. { يا أهل الكتاب لما تصدون } عن طريق الله { من آمن } بها، وتبع من جاء بها، { تبغونها عوجا } أي: طالبين لها اعوجاجا، بأن تلبسوا على الناس، وتوهموا أن فيها عوجا عن الحق، بزعمكم أن التوراة لا تنسخ، وبتغيير صفة الرسول - عليه الصلاة والسلام، أو بأن تحرشوا بين المسلمين لتختلف كلمتهم، ويختل أمر دينهم، وأنتم شهداء على أنها حق، وأن الصد عنها ضلال، أو: وأنتم عدول عند أهل ملتكم، يثقون بأقوالكم، ويستشهدونكم في القضايا، { وما الله بغافل عما تعملون } فلا بد ان يجازيكم على أعمالكم، فإتنه يمهل ولا يهمل. كرر الخطاب والاستفهام مرتين مبالغة في التقريع ونفي العذر، وإشعارا بأن كل واحد من الأمرين مستبح في نفسه، مستقل باستجلاب العذاب. ولما كان المنكر عليهم في الآية الأولى: كفرهم، وهم يجهرون به، ختم بقوله: { والله شهيد على ما تعملون } ، ولما كان هذه الآية: صدهم المؤمنين عن الإسلام، وكانوا يخفونه ويحتالون فيه، قال: { وما الله بغافل عما تعملون }. قاله البيضاوي. الإشارة: كل من جحد وجود الخصوصية عند أهلها، وصد القاصدين للدخول فيها، استحق هذا العتاب بلا شك ولا ارتياب. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:100
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } ، الخطاب عام، والمراد: نفر من الأوس والخزرج، { إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } ، وهو شاس بن قيس اليهودي، كان شيخا كبيرا، وكان عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، مر بنفر من الأوس والخزرج، جلوسا يتحدثون، وكان بينهما عداوة في الجاهلية، فغاظه تآلفهم واجتماعهم، وقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، فما لنا معهم قرار، فأمر شابا من اليهود أن يجلس بينهم ويذكرهم يوم بعاث - وهو يوم حرب كان بينهم في الجاهلية - وينشدهم بعض ما قيل فيه، وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس، ففعل، وتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا، وقالوا: السلاح السلاح، واجتمع من القبيلتين خلق عظيم، فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال:
" أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم؟ "
فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح، واستغفروا وعانق بعضهم بعضا، وانصرفوا مع الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - فنزلت الآية. { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا } من اليهود { يردوكم بعد إيمانكم كافرين } يبيح بعضكم دماء بعض، كما كنتم في الجاهلية، { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله } الدالة على تحريم الدماء والشحناء، { وفيكم رسوله } الهادي إلى الصراط المستقيم، وهو إنكار وتعجب من كفرهم، بعد اجتماع الأسباب الداعية إلى الإيمان، الصارفة عن الكفران، وإنما خاطبهم الله بنفسه بعد ما أمر الرسول بأن يخاطب أهل الكتاب إظهارا لجلالة قدرهم، وإشعارا بأنهم الأحقاء بأن يخاطبهم الله ويكلمهم، دون أهل الكتاب لبعدهم عن استحقاق مواجهة الخطاب من الكريم الوهاب. { ومن يعتصم بالله } ويتمسك بدينه { فقد هدي إلى صراط مستقيم } لا عوج يفه وأصل الاعتصام: التمتع. ثم حض على التقوى الكاملة والدوام على الإسلام، تنفيرا من الاستماع لمن يخرج عنها، قال: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } ، قال عليه الصلاة والسلام:
" حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر "
ولما نزلت قالوا: يا رسول الله من يقوى على هذا؟ وشق عليهم، فنزلت:
فاتقوا الله ما استطعتم
[التغابن: 16]، فنسختها. وقال مقاتل: معناه: اتقوا الله حق تقاته، فإن لم تستطيعوا فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. وعن أنس مالك، قال: لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن من لسانه، وقيل: ليست بمنسوخة لأن من جانب ما نهى الله عنه، وفعل من الطاعة ما استطاع، فقد اتقى الله حق تقاته، فمعناها واحد. وسيأتي تحديد ذلك في الإشارة، إن شاء الله.
قال البيضاوي: وقيل: معنى { حق تقاته }: أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها، وفي هذا الأمر تأكيد للنهي عن طاعة أهل الكتاب، { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي: لا تكونوا على حالة سوى الإسلام، إلى أن يردككم الموت. ه. أماتنا الله على حسن الختام، مع السلامة والعافية على الدوام. الإشارة: كما نهى الله عن طاعة من يرد عن الإيمان، نهى عن طاعة من يصد عن مقام الإحسان، كائنا ما كان، وكيف يرجع عن مقام التحقيق، وقد ظهرت معالم الطريق لمن سبقت له العناية والتوفيق!. قال بعضهم: والله ما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبدا. إذ لا يمكن أن يرجع من عين اليقين إلى علم اليقين، أو من اليقين إلى الظن. ومن أراد الثبات على اليقين فليعتصم بحبل الله المتين، وهو صحبة العارفين، فمن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله،
ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم
[آل عمران: 101]. ثم خاطب أهل الإحسان فقال: { يا أيها الذين آمنوا اقتوا الله حق تقاته } بأن تغيبوا عما سواه، ولا تموتن إلا وأنتم منقادون لأحكام الربوبية، قائمون بوظائف العبودية. فهذه الآية خطاب لأهل الإحسان، و
فاتقوا الله ما استطعتم
[التغابن: 16]: خطاب لأهل افسلام والإيمان، أو هذه لأهل التجريد، والثانية لأهل الأسباب، أو لأهل الباطن، والثانية لأهل الظاهر، فلكل آية أهل ومحل، فلا نسخ ولا تعارض. وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: من أراد الجمع بين الآيتين فليتق الله حق تقاته بباطنه، وليتق الله ما استطاع بظاهره. ه. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:101
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } ، الخطاب عام، والمراد: نفر من الأوس والخزرج، { إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } ، وهو شاس بن قيس اليهودي، كان شيخا كبيرا، وكان عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، مر بنفر من الأوس والخزرج، جلوسا يتحدثون، وكان بينهما عداوة في الجاهلية، فغاظه تآلفهم واجتماعهم، وقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، فما لنا معهم قرار، فأمر شابا من اليهود أن يجلس بينهم ويذكرهم يوم بعاث - وهو يوم حرب كان بينهم في الجاهلية - وينشدهم بعض ما قيل فيه، وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس، ففعل، وتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا، وقالوا: السلاح السلاح، واجتمع من القبيلتين خلق عظيم، فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال:
" أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم؟ "
فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح، واستغفروا وعانق بعضهم بعضا، وانصرفوا مع الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - فنزلت الآية. { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا } من اليهود { يردوكم بعد إيمانكم كافرين } يبيح بعضكم دماء بعض، كما كنتم في الجاهلية، { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله } الدالة على تحريم الدماء والشحناء، { وفيكم رسوله } الهادي إلى الصراط المستقيم، وهو إنكار وتعجب من كفرهم، بعد اجتماع الأسباب الداعية إلى الإيمان، الصارفة عن الكفران، وإنما خاطبهم الله بنفسه بعد ما أمر الرسول بأن يخاطب أهل الكتاب إظهارا لجلالة قدرهم، وإشعارا بأنهم الأحقاء بأن يخاطبهم الله ويكلمهم، دون أهل الكتاب لبعدهم عن استحقاق مواجهة الخطاب من الكريم الوهاب. { ومن يعتصم بالله } ويتمسك بدينه { فقد هدي إلى صراط مستقيم } لا عوج يفه وأصل الاعتصام: التمتع. ثم حض على التقوى الكاملة والدوام على الإسلام، تنفيرا من الاستماع لمن يخرج عنها، قال: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } ، قال عليه الصلاة والسلام:
" حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر "
ولما نزلت قالوا: يا رسول الله من يقوى على هذا؟ وشق عليهم، فنزلت:
فاتقوا الله ما استطعتم
[التغابن: 16]، فنسختها. وقال مقاتل: معناه: اتقوا الله حق تقاته، فإن لم تستطيعوا فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. وعن أنس مالك، قال: لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن من لسانه، وقيل: ليست بمنسوخة لأن من جانب ما نهى الله عنه، وفعل من الطاعة ما استطاع، فقد اتقى الله حق تقاته، فمعناها واحد. وسيأتي تحديد ذلك في الإشارة، إن شاء الله.
قال البيضاوي: وقيل: معنى { حق تقاته }: أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها، وفي هذا الأمر تأكيد للنهي عن طاعة أهل الكتاب، { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي: لا تكونوا على حالة سوى الإسلام، إلى أن يردككم الموت. ه. أماتنا الله على حسن الختام، مع السلامة والعافية على الدوام. الإشارة: كما نهى الله عن طاعة من يرد عن الإيمان، نهى عن طاعة من يصد عن مقام الإحسان، كائنا ما كان، وكيف يرجع عن مقام التحقيق، وقد ظهرت معالم الطريق لمن سبقت له العناية والتوفيق!. قال بعضهم: والله ما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبدا. إذ لا يمكن أن يرجع من عين اليقين إلى علم اليقين، أو من اليقين إلى الظن. ومن أراد الثبات على اليقين فليعتصم بحبل الله المتين، وهو صحبة العارفين، فمن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله،
ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم
[آل عمران: 101]. ثم خاطب أهل الإحسان فقال: { يا أيها الذين آمنوا اقتوا الله حق تقاته } بأن تغيبوا عما سواه، ولا تموتن إلا وأنتم منقادون لأحكام الربوبية، قائمون بوظائف العبودية. فهذه الآية خطاب لأهل الإحسان، و
فاتقوا الله ما استطعتم
[التغابن: 16]: خطاب لأهل افسلام والإيمان، أو هذه لأهل التجريد، والثانية لأهل الأسباب، أو لأهل الباطن، والثانية لأهل الظاهر، فلكل آية أهل ومحل، فلا نسخ ولا تعارض. وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: من أراد الجمع بين الآيتين فليتق الله حق تقاته بباطنه، وليتق الله ما استطاع بظاهره. ه. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:102
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } ، الخطاب عام، والمراد: نفر من الأوس والخزرج، { إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } ، وهو شاس بن قيس اليهودي، كان شيخا كبيرا، وكان عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، مر بنفر من الأوس والخزرج، جلوسا يتحدثون، وكان بينهما عداوة في الجاهلية، فغاظه تآلفهم واجتماعهم، وقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، فما لنا معهم قرار، فأمر شابا من اليهود أن يجلس بينهم ويذكرهم يوم بعاث - وهو يوم حرب كان بينهم في الجاهلية - وينشدهم بعض ما قيل فيه، وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس، ففعل، وتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا، وقالوا: السلاح السلاح، واجتمع من القبيلتين خلق عظيم، فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال:
" أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم؟ "
فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح، واستغفروا وعانق بعضهم بعضا، وانصرفوا مع الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - فنزلت الآية. { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا } من اليهود { يردوكم بعد إيمانكم كافرين } يبيح بعضكم دماء بعض، كما كنتم في الجاهلية، { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله } الدالة على تحريم الدماء والشحناء، { وفيكم رسوله } الهادي إلى الصراط المستقيم، وهو إنكار وتعجب من كفرهم، بعد اجتماع الأسباب الداعية إلى الإيمان، الصارفة عن الكفران، وإنما خاطبهم الله بنفسه بعد ما أمر الرسول بأن يخاطب أهل الكتاب إظهارا لجلالة قدرهم، وإشعارا بأنهم الأحقاء بأن يخاطبهم الله ويكلمهم، دون أهل الكتاب لبعدهم عن استحقاق مواجهة الخطاب من الكريم الوهاب. { ومن يعتصم بالله } ويتمسك بدينه { فقد هدي إلى صراط مستقيم } لا عوج يفه وأصل الاعتصام: التمتع. ثم حض على التقوى الكاملة والدوام على الإسلام، تنفيرا من الاستماع لمن يخرج عنها، قال: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } ، قال عليه الصلاة والسلام:
" حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر "
ولما نزلت قالوا: يا رسول الله من يقوى على هذا؟ وشق عليهم، فنزلت:
فاتقوا الله ما استطعتم
[التغابن: 16]، فنسختها. وقال مقاتل: معناه: اتقوا الله حق تقاته، فإن لم تستطيعوا فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. وعن أنس مالك، قال: لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن من لسانه، وقيل: ليست بمنسوخة لأن من جانب ما نهى الله عنه، وفعل من الطاعة ما استطاع، فقد اتقى الله حق تقاته، فمعناها واحد. وسيأتي تحديد ذلك في الإشارة، إن شاء الله.
قال البيضاوي: وقيل: معنى { حق تقاته }: أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها، وفي هذا الأمر تأكيد للنهي عن طاعة أهل الكتاب، { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي: لا تكونوا على حالة سوى الإسلام، إلى أن يردككم الموت. ه. أماتنا الله على حسن الختام، مع السلامة والعافية على الدوام. الإشارة: كما نهى الله عن طاعة من يرد عن الإيمان، نهى عن طاعة من يصد عن مقام الإحسان، كائنا ما كان، وكيف يرجع عن مقام التحقيق، وقد ظهرت معالم الطريق لمن سبقت له العناية والتوفيق!. قال بعضهم: والله ما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبدا. إذ لا يمكن أن يرجع من عين اليقين إلى علم اليقين، أو من اليقين إلى الظن. ومن أراد الثبات على اليقين فليعتصم بحبل الله المتين، وهو صحبة العارفين، فمن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله،
ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم
[آل عمران: 101]. ثم خاطب أهل الإحسان فقال: { يا أيها الذين آمنوا اقتوا الله حق تقاته } بأن تغيبوا عما سواه، ولا تموتن إلا وأنتم منقادون لأحكام الربوبية، قائمون بوظائف العبودية. فهذه الآية خطاب لأهل الإحسان، و
فاتقوا الله ما استطعتم
[التغابن: 16]: خطاب لأهل افسلام والإيمان، أو هذه لأهل التجريد، والثانية لأهل الأسباب، أو لأهل الباطن، والثانية لأهل الظاهر، فلكل آية أهل ومحل، فلا نسخ ولا تعارض. وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: من أراد الجمع بين الآيتين فليتق الله حق تقاته بباطنه، وليتق الله ما استطاع بظاهره. ه. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:103
قلت: أصل الحبل في اللغة: السبب الموصل إلى البغية، سمى به الإيمان أو القرآن لأنه يوصل إلى السعادة السرمدية، و { شفا حفرة } ، وأصله: شفو، فقلبت ألفا في المذكر، وحذفت في المؤنث، فقالوا: شفة. يقول الحق جل جلاله: { واعتصموا } أي: تمسكوا يا معشر المسلمين { بحبل الله } أي: الإيمان، أو كتاب الله، لقوله عليه الصلاة والسلام:
" إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به... "
الحديث. حال كونكم { جميعا } أي: مجتمعين عليه، { ولا تفرقوا } تفرقكم الجاهلي، أو لا تفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب. قال عليه الصلاة والسلام:
" إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، فقيل: يا رسول الله، ما هذه الواحدة؟ فقبض يده وقال: الجماعة، ثم قرأ: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } ".
{ واذكروا نعمت الله عليكم } ، التي من جملتها الهداية للإسلام المؤدي إلى التآلف وزوال الغل، { إذ كنتم أعداء } في الجاهلية، يقتل بعضكم بعضا، { فألف بين قلوبكم } بالإسلام، { فأصبحتم بنعمته إخوانا } متحابين مجتمعين على الأخوة في الله. قال عليه الصلاة والسلام:
" لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخوا المسلم لا يظلمه ولا يخذله "
الحديث. روي أن الأوس والخزرج كانوا أخوين، فوقع بين أولادهما العداوة، وتطاولت الحرب بينهما مائة وعشرين سنة، حتى أطفأها الله بالإسلام، وألف بينهم برسول الله عليه الصلاة والسلام - فنزلت فيهم هذه الآية. ثم قال لهم: { وكنتم على شفا حفرة من النار } أي: مشرفين على نار جهنم، إذ لو أدرككم الموت لوقعتم في النار، { فأنقذكم } الله { منها } برسوله - عليه الصلاة والسلام -: روي أن أعرابيا سمع ابن عباس يقرأ هذه الآية، فقال الأعرابي: والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها، فقال ابن عباس رضي الله عنه خذوها من غير فقيه. ه. { كذلك يبين الله لكم آياته } أي: مثل هذا النبيين { يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون } إلى الخير، وتزيدون ثباتا فيه. الإشارة: المذاهب كلها وقع فيها الاختلاف والتفرق في الأصول والفروع، إلا مذاهب الصوفية فكلها متفقة بداية ونهاية، إذ بدايتهم مجاهدة، ونهايتهم مشاهدة، وإلى ذلك أشار في المباحث، حث قال:
مذاهب الناس على اختلاف ومذهب القوم على ائتلاف
وإن وقع الاختلاف في بعض الطرق الموصلة إلى المقصود، فقد اتفقت في النهاية، بخلاف أهل الظاهر، لا تجدهم يتفقون إلا في مسائل قليلة، لأن مذهبهم مبني على غلبة الظن، ومذهب القوم مبني على التحقيق ذوقا وكشفا، وكذلك ائتلفت أيضا قلوبهم وأرواحهم، إذ كلهم متخلقون بالشفقة والرأفة والمودة والألفة والصفا لأنهم دخلوا الجنة - أعني جنة المعارف - فتخلقوا بأخلاق أهل الجنة، قال تعالى:
ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين
[الحجر: 47]، فيقال لهم بعد الفتح: واذكروا نعمة الله عليكم، إذ كنتم أعداء قبل اتصالكم بالطبيب، فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته أخوانا متحابين، وكنتم على شفا حفرة من نار القطيعة والحجاب { فأنقذكم منها }. مثل هذا البيان يوضح الله آياته، أي: تجلياته، لعلكم تهتدون إلى مشاهدة ذاته في أنوار صفاته. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:104
قلت: من: للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية إذ لا يصلح له كل أحد، أو للبيان، أي كونوا أمة تأمرون بالمعروف، كقوله:
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف
[آل عمران: 110] الخ، و { يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } عطف على الخبر، من عطف الخاص على العام للإيذان بفضله. { يقول الحق جل جلاله }: { ولتكن منكم } يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم { أمة } أي: طائفة { يدعون إلى الخير } ، وهو كل ما فيه صلاح ديني، أو دنيوي إذ كان يؤول إلى الديني، أو صلاح قلبي أو روحاني، { ويأمرون بالمعروف } وهو ما يستحسنه الطبع ويرتضيه الشرع، { وينهون عن المنكر } وهو كل ما ينكره الطبع السليم والشرع المستقيم، فمن فعل ذلك فأولئك { هم المفلحون } المخصوصون بكمال الفلاح. روي عنه عليه الصلاة والسلام: أنه سئل من خير الناس؟ فقال:
" آمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم الله، وأوصلهم للرحم "
وقال أيضا:
" من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر كان خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه "
وقال علي رضي الله عنه: أفضل الجهاد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشنئان الفاسقين - أي بغضهم - فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله غضب الله له. وقال أبو الدرداء: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما، لا يجل كبيركم، ولا يرحم صغيركم، ويدعو عليه خياركم فلا يستجاب لهم، ويستنصرون فلا ينصرون، ويستغفرون فلا يغفر لهم. وقال حذيفة: يأتي على الناس زمان لأن تكون فيه جيفة حمار، أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وللمتصدي له شروط: العلم بالأحكام، ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها، والتمكن من القيام بها، ولذلك خاطب الحق تعالى الجميع، وطلب فعل بعضهم، إذ لا يصلح للقيام به إلا البعض، كما هو شأن فرض الكفاية، إذ هو واجب على الكل، بحيث لو تركوه لعوقبوا جميعا، لكنه يسقط بفعل البعض. والأمر بالمعروف يكون واجبا ومندوبا، على حسب ما يأمر به، والنهي عن المنكر واجب كله لأن جميع ما أنكره الشرع حرام. وأما المكروه فليس بمنكر، فيستحب الإرشاد إلى تركه. والأظهر أن العاصي يجب أن ينهى عما يرتكبه هو لأنه يجب عليه تركه، فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر. وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" مروا بالمعروف وإن لم تعملوا بكله، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله ".
الإشارة: { ولتكن منكم أمة } أي: طائفة ينهض حالهم ويدل على الله مقالهم، يدعون إلى الخير العظيم، وهو شهود ذات السميع العليم، ويأمرون بالمعروف بالهمة العلية، وينهون عن المنكر بالحال القوية، فكل من رآهم بالصفا ائتمر وانتهى، وكل من صحبهم بالوفاء أخذ حظه من الغنى بالمكيال الأوفى، إن لله رجالا من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، فهؤلاء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالحال دون المقال.
يحكى أن بعض الشيوخ مر مع أصحابه بقوم يشربون الخمر تحت شجرة فأراد أصحابه أن يغيروا عليهم، فقال لهم: إن كنتم رجالا فغيروا عليهم بحالكم دون مقالكم، فتوجهوا إلى الله بهممهم، فإذا القوم قد كسروا الأواني، وجاءوا إلى الشيخ تائبين. وكذلك قضية معروف الكرخي مع أصحاب السفينة، الذي كانوا مشتغلين باللهو واللعب، فقال له أصحابه: ادع عليهم، فقال: اللهم كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة، فتابوا على يده جميعا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:105
قلت: { يوم } متعلق بالاستقرار في خبر { أولئك } ، أو باذكر محذوفة، وقوله: { أكفرتم }: محكي بقول محذوف جواب { أما } ، أي: فيقال لهم: أكفرتم. يقول الحق جل جلاله: { ولا تكونوا } كاليهود والنصارى الذين { تفرقوا } في التوحيد والتنزيه، { واختلفوا } في أحوال الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام:
" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: ومن تلك الواحدة؟ قال: ما أنا وأصحابي عليه "
وهذا الحديث أصح مما تقدم، والصحابة يروون الحديث بالمعنى، فلعل الأول نسي بعض الحديث. والله أعلم. ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع، لقوله عليه الصلاة والسلام:
" اختلاف أمتي رحمة "
، ولقوله:
" من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ".
ثم إن أهل الكتاب تفرقوا { من بعد ما جاءهم البينات } أي: الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، { وأولئك لهم عذاب عظيم } ، يستقر لهم هذا العذاب { يوم تبيض وجوه } المؤمنين المتقين على التوحيد، { وتسود وجوه } الكافرين المتفرقين فيه، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه، وقيل: يوسم أهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. { فأما الذين اسودت وجوههم } فيقال لهم يومئذ: { أكفرتم } بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد ظهوره، { بعد إيمانكم } به قبل ظهوره، وهم اليهود أو أهل الردة، آمنوا في حياته صلى الله عليه وسلم وكفروا بعد موته. أو جميع الكفار، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم، ثم كفروا في عالم الشهادة، ويقال لهم أيضا: { ذوقوا العذاب } بسبب ما كنتم { تكفرون }. { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله } أي: جنته، { هم فيها خالدون }. وعبر بالرحمة عن الجنة تنبيها على أن المؤمن، وإن استغرق عمره في طاعة الله - تعالى -، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم حلية المؤمنين لتقدم ذكرهم، لكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم. { تلك آيات الله } الواردة في وعده ووعيده، { نتلوها عليك } متلبسة { بالحق } لا شبهة فيها، فقد أعذر وأنذر، { وما الله يريد ظلما للعالمين } إذ لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يمنع من شيء فيظلم بفعله، كما بينه بقوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، فيجازي كلا بما وعده، وأوعده، { وإلى الله ترجع الأمور } كلها فيتصرف على وفق مراده وسابق مشيئته،
لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون
[الأنبياء: 23]. الإشارة: قد نهى الله - تعالى - أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، من بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأي عذاب أعظم من الحجاب؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مبيضة بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال: أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي: جنة المعارف
فى مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أن الأمور كلها بيده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء،
وما ربك بظلام للعبيد
[فصلت: 46]. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:106
قلت: { يوم } متعلق بالاستقرار في خبر { أولئك } ، أو باذكر محذوفة، وقوله: { أكفرتم }: محكي بقول محذوف جواب { أما } ، أي: فيقال لهم: أكفرتم. يقول الحق جل جلاله: { ولا تكونوا } كاليهود والنصارى الذين { تفرقوا } في التوحيد والتنزيه، { واختلفوا } في أحوال الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام:
" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: ومن تلك الواحدة؟ قال: ما أنا وأصحابي عليه "
وهذا الحديث أصح مما تقدم، والصحابة يروون الحديث بالمعنى، فلعل الأول نسي بعض الحديث. والله أعلم. ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع، لقوله عليه الصلاة والسلام:
" اختلاف أمتي رحمة "
، ولقوله:
" من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ".
ثم إن أهل الكتاب تفرقوا { من بعد ما جاءهم البينات } أي: الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، { وأولئك لهم عذاب عظيم } ، يستقر لهم هذا العذاب { يوم تبيض وجوه } المؤمنين المتقين على التوحيد، { وتسود وجوه } الكافرين المتفرقين فيه، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه، وقيل: يوسم أهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. { فأما الذين اسودت وجوههم } فيقال لهم يومئذ: { أكفرتم } بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد ظهوره، { بعد إيمانكم } به قبل ظهوره، وهم اليهود أو أهل الردة، آمنوا في حياته صلى الله عليه وسلم وكفروا بعد موته. أو جميع الكفار، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم، ثم كفروا في عالم الشهادة، ويقال لهم أيضا: { ذوقوا العذاب } بسبب ما كنتم { تكفرون }. { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله } أي: جنته، { هم فيها خالدون }. وعبر بالرحمة عن الجنة تنبيها على أن المؤمن، وإن استغرق عمره في طاعة الله - تعالى -، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم حلية المؤمنين لتقدم ذكرهم، لكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم. { تلك آيات الله } الواردة في وعده ووعيده، { نتلوها عليك } متلبسة { بالحق } لا شبهة فيها، فقد أعذر وأنذر، { وما الله يريد ظلما للعالمين } إذ لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يمنع من شيء فيظلم بفعله، كما بينه بقوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، فيجازي كلا بما وعده، وأوعده، { وإلى الله ترجع الأمور } كلها فيتصرف على وفق مراده وسابق مشيئته،
لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون
[الأنبياء: 23]. الإشارة: قد نهى الله - تعالى - أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، من بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأي عذاب أعظم من الحجاب؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مبيضة بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال: أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي: جنة المعارف
فى مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أن الأمور كلها بيده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء،
وما ربك بظلام للعبيد
[فصلت: 46]. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:107
قلت: { يوم } متعلق بالاستقرار في خبر { أولئك } ، أو باذكر محذوفة، وقوله: { أكفرتم }: محكي بقول محذوف جواب { أما } ، أي: فيقال لهم: أكفرتم. يقول الحق جل جلاله: { ولا تكونوا } كاليهود والنصارى الذين { تفرقوا } في التوحيد والتنزيه، { واختلفوا } في أحوال الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام:
" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: ومن تلك الواحدة؟ قال: ما أنا وأصحابي عليه "
وهذا الحديث أصح مما تقدم، والصحابة يروون الحديث بالمعنى، فلعل الأول نسي بعض الحديث. والله أعلم. ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع، لقوله عليه الصلاة والسلام:
" اختلاف أمتي رحمة "
، ولقوله:
" من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ".
ثم إن أهل الكتاب تفرقوا { من بعد ما جاءهم البينات } أي: الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، { وأولئك لهم عذاب عظيم } ، يستقر لهم هذا العذاب { يوم تبيض وجوه } المؤمنين المتقين على التوحيد، { وتسود وجوه } الكافرين المتفرقين فيه، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه، وقيل: يوسم أهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. { فأما الذين اسودت وجوههم } فيقال لهم يومئذ: { أكفرتم } بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد ظهوره، { بعد إيمانكم } به قبل ظهوره، وهم اليهود أو أهل الردة، آمنوا في حياته صلى الله عليه وسلم وكفروا بعد موته. أو جميع الكفار، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم، ثم كفروا في عالم الشهادة، ويقال لهم أيضا: { ذوقوا العذاب } بسبب ما كنتم { تكفرون }. { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله } أي: جنته، { هم فيها خالدون }. وعبر بالرحمة عن الجنة تنبيها على أن المؤمن، وإن استغرق عمره في طاعة الله - تعالى -، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم حلية المؤمنين لتقدم ذكرهم، لكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم. { تلك آيات الله } الواردة في وعده ووعيده، { نتلوها عليك } متلبسة { بالحق } لا شبهة فيها، فقد أعذر وأنذر، { وما الله يريد ظلما للعالمين } إذ لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يمنع من شيء فيظلم بفعله، كما بينه بقوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، فيجازي كلا بما وعده، وأوعده، { وإلى الله ترجع الأمور } كلها فيتصرف على وفق مراده وسابق مشيئته،
لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون
[الأنبياء: 23]. الإشارة: قد نهى الله - تعالى - أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، من بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأي عذاب أعظم من الحجاب؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مبيضة بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال: أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي: جنة المعارف
فى مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أن الأمور كلها بيده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء،
وما ربك بظلام للعبيد
[فصلت: 46]. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:108
قلت: { يوم } متعلق بالاستقرار في خبر { أولئك } ، أو باذكر محذوفة، وقوله: { أكفرتم }: محكي بقول محذوف جواب { أما } ، أي: فيقال لهم: أكفرتم. يقول الحق جل جلاله: { ولا تكونوا } كاليهود والنصارى الذين { تفرقوا } في التوحيد والتنزيه، { واختلفوا } في أحوال الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام:
" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: ومن تلك الواحدة؟ قال: ما أنا وأصحابي عليه "
وهذا الحديث أصح مما تقدم، والصحابة يروون الحديث بالمعنى، فلعل الأول نسي بعض الحديث. والله أعلم. ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع، لقوله عليه الصلاة والسلام:
" اختلاف أمتي رحمة "
، ولقوله:
" من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ".
ثم إن أهل الكتاب تفرقوا { من بعد ما جاءهم البينات } أي: الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، { وأولئك لهم عذاب عظيم } ، يستقر لهم هذا العذاب { يوم تبيض وجوه } المؤمنين المتقين على التوحيد، { وتسود وجوه } الكافرين المتفرقين فيه، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه، وقيل: يوسم أهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. { فأما الذين اسودت وجوههم } فيقال لهم يومئذ: { أكفرتم } بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد ظهوره، { بعد إيمانكم } به قبل ظهوره، وهم اليهود أو أهل الردة، آمنوا في حياته صلى الله عليه وسلم وكفروا بعد موته. أو جميع الكفار، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم، ثم كفروا في عالم الشهادة، ويقال لهم أيضا: { ذوقوا العذاب } بسبب ما كنتم { تكفرون }. { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله } أي: جنته، { هم فيها خالدون }. وعبر بالرحمة عن الجنة تنبيها على أن المؤمن، وإن استغرق عمره في طاعة الله - تعالى -، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم حلية المؤمنين لتقدم ذكرهم، لكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم. { تلك آيات الله } الواردة في وعده ووعيده، { نتلوها عليك } متلبسة { بالحق } لا شبهة فيها، فقد أعذر وأنذر، { وما الله يريد ظلما للعالمين } إذ لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يمنع من شيء فيظلم بفعله، كما بينه بقوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، فيجازي كلا بما وعده، وأوعده، { وإلى الله ترجع الأمور } كلها فيتصرف على وفق مراده وسابق مشيئته،
لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون
[الأنبياء: 23]. الإشارة: قد نهى الله - تعالى - أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، من بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأي عذاب أعظم من الحجاب؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مبيضة بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال: أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي: جنة المعارف
فى مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أن الأمور كلها بيده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء،
وما ربك بظلام للعبيد
[فصلت: 46]. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:109
قلت: { يوم } متعلق بالاستقرار في خبر { أولئك } ، أو باذكر محذوفة، وقوله: { أكفرتم }: محكي بقول محذوف جواب { أما } ، أي: فيقال لهم: أكفرتم. يقول الحق جل جلاله: { ولا تكونوا } كاليهود والنصارى الذين { تفرقوا } في التوحيد والتنزيه، { واختلفوا } في أحوال الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام:
" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: ومن تلك الواحدة؟ قال: ما أنا وأصحابي عليه "
وهذا الحديث أصح مما تقدم، والصحابة يروون الحديث بالمعنى، فلعل الأول نسي بعض الحديث. والله أعلم. ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع، لقوله عليه الصلاة والسلام:
" اختلاف أمتي رحمة "
، ولقوله:
" من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ".
ثم إن أهل الكتاب تفرقوا { من بعد ما جاءهم البينات } أي: الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، { وأولئك لهم عذاب عظيم } ، يستقر لهم هذا العذاب { يوم تبيض وجوه } المؤمنين المتقين على التوحيد، { وتسود وجوه } الكافرين المتفرقين فيه، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه، وقيل: يوسم أهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. { فأما الذين اسودت وجوههم } فيقال لهم يومئذ: { أكفرتم } بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد ظهوره، { بعد إيمانكم } به قبل ظهوره، وهم اليهود أو أهل الردة، آمنوا في حياته صلى الله عليه وسلم وكفروا بعد موته. أو جميع الكفار، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم، ثم كفروا في عالم الشهادة، ويقال لهم أيضا: { ذوقوا العذاب } بسبب ما كنتم { تكفرون }. { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله } أي: جنته، { هم فيها خالدون }. وعبر بالرحمة عن الجنة تنبيها على أن المؤمن، وإن استغرق عمره في طاعة الله - تعالى -، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم حلية المؤمنين لتقدم ذكرهم، لكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم. { تلك آيات الله } الواردة في وعده ووعيده، { نتلوها عليك } متلبسة { بالحق } لا شبهة فيها، فقد أعذر وأنذر، { وما الله يريد ظلما للعالمين } إذ لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يمنع من شيء فيظلم بفعله، كما بينه بقوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، فيجازي كلا بما وعده، وأوعده، { وإلى الله ترجع الأمور } كلها فيتصرف على وفق مراده وسابق مشيئته،
لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون
[الأنبياء: 23]. الإشارة: قد نهى الله - تعالى - أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، من بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأي عذاب أعظم من الحجاب؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مبيضة بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال: أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي: جنة المعارف
فى مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أن الأمور كلها بيده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء،
وما ربك بظلام للعبيد
[فصلت: 46]. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:110
قلت: { كان }: على بابها من الدلالة على المضي، أي: كنتم في اللوح المحفوظ، أو في علم الله، أو فيما بين الأمم المتقدمة، أو: صلة، أي: أنتم خير أمة، و { للناس }: يتعلق بأخرجت، أو بكنتم، أي: كنتم خير الناس للناس. يقول الحق جل جلاله: لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: { كنتم } في سابق علمي { خير أمة } ظهرت { للناس } تجيئون بهم إلى الجنة بالسلاسل. ثم بين وجه فضلهم فقال: { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } وبجميع ما يجب الإيمان به. وقد ورد في مدح هذه الأمة المحمدية أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم:
" حرمت الجنة على الأنبياء حتى أدخلها أنا، وحرمت الجنة على الأمم حتى تدخلها أمتي "
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:
" أمتي أمة مرحومة، إذا كان يوم القيامة أعطى الله كل رجل من هذه الأمة رجلا فيقال: هذا فداؤك من النار ".
وعن أنس قال: " خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا صوت يجيء من شعب، فقال: يا أنس: قم فانظر ما هذا الصوت، فانطلقت فإذا برجل يصلي إلى شجرة، ويقول: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الأمة المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، المتاب عليها، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: انطلق، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويقول لك: من أنت؟ فأتيت، فأعلمته ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ مني السلام على رسول الله صلى لله عليه وسلم، وقل له: أخوك الخضر يقول لك: ادع الله أن يجعلني من أمتك المرحومة المغفور لها ". وقيل لعيسى ابن مريم: هل بعد هذه الأمة أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد. قيل: وما أمة أحمد؟ قال: علماء، حكماء، أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون باليسير من الرزق، ويرضى الله عنهم باليسير من العمل، يدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله. ه. وليس أولها أولى بالمدح من آخرها، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أو آخره "
؟ وفي خبر آخر عنه صلى الله عليه وسلم قال:
" اشتقت إلى إخواني، فقال أصحابه: نحن إخوانك يا رسول الله، فقال أنتم أصحابي، إخواني: ناس يأتون بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، يود أحدهم لو يراني بجميع ما يملك. يعدل عمل أحدهم سبعين منكم. قالوا: منهم يا رسول الله؟ قال: منكم. قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لا يجدوا عليه أعوانا "
أو كما قال - عليه الصلاة والسلام -.
قلت: التفضيل باعتبار أجور الأعمال، وأما باعتبار اليقين والمعرفة، فالصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء - عليهم السلام - ويدل على هذا قوله - عليه الصلاة والسلام -
" يعدل عمل أحدهم "
، ولم يقل إيمان أحدهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كنتم يا معرش الصوفية خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالجمع على الله والغيبة عما سواه، وتنهون عن كل ما يبعد عن الله ويفرق العبد عن مولاه، وتؤمنون بالله وبما وعد به الله، إيمان الشهود والعيان، الذي هو مقام الإحسان. قال القشيري في رسالته: قد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه. وقال الجنيد رضي الله عنه: لو نعلم أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه ولو حبوا. ه. وكان كثيرا ما ينشد:
علم التصوف علم ليس يعرفه إلا أخو فطنة بالحق معروف وليس يبصره من ليس يشهده وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف
وقال الشيخ الصقلي: كل من صدق بهذا العلم فهو من الخاصة، وكل من فهمه فهو من خاصة الخاصة، وكل من عبر به وتكلم فيه فهو من النجم الذي لا يدرك والبحر الذي لا ينزف. وقال في الإحياء - لما تكلم على معرفة الله والعلم بالله، قال: والرتبة العليا في ذلك للأنبياء، ثم للأولياء العارفين، ثم للعماء الراسخين، ثم للصالحين. فقد قدم الأولياء على العلماء. قال ابن رشد: وما قاله القشيري والغزالي متفق عليه. قال: ولا يشك عاقل أن العارفين بالله وما يجب له من الكمال، أفضل من العارفين بأحكام الله. انظر تمامه في المعيار. وقال في المباحث:
حجة من يرجع الصوفية على سواهم حجة قوية هم أتبع الناس لخير الناس من سائر الأنام والأناس
ثم قال:
ثم بشيئين تقوم الحجه أنهم قطعا على المحجه ومأ أتوا فيه بخرق العاده إذ لم تكن لمن سواهم عاده قد رفضوا الآثام والعيوب وطهروا الأبدان والقلوب وبلغوا حقيقة الإيمان وانتهجوا مناهج الإحسان
ثم دعا أهل الكتاب إلى الإيمان، وهون أمرهم، فقال: {... ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبيآء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } قلت: الاستثناء في قوله { إلا بحبل }: من أعم الأحوال، أي: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال، إلا متلبسين بذمة من الله وذمة من الناس. يقول الحق جل جلاله: { ولو آمن أهل الكتاب } إيمانا كإيمانكم، { لكان خيرا لهم } مما هم عليه.
وليس أهل الكتاب سواء، بل { منهم المؤمنين } كعبد الله بن سلام وأصحابه، { وأكثرهم الفاسقون } المتمردون في الكفر والفسوق، فلا يهولكم أمرهم، فإنهم { لن يضروكم } إلا ضررا يسيرا كأذى باللسان من عيب وسب وتحريش بينكم، ولا قدرة لهم على القتال، { وإن يقاتلوكم } ينهزموا، و { يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون } أبدا عليكم. وهذه الآية من المغيبات التي وافقها الواقع، إذ كان كذلك في بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر، فلم ترفع لهم راية أبدا، بل { ضربت عليهم الذلة } والخزي والهوان، أي: أحاطت بهم إحاطة البيت المضروب على أهله، أو لزمتهم لزوم الدرهم المضروب لضربه، فلا تنفك عنهم { أيم ما ثقفوا } ووجدوا، فلا يأمنون { إلا بحبل من الله } أي: بسبب عهد من الله، وهو عقد الذمة التي أمر الله بها، إذا أدوا الجزية للمسلمين، فلهم حرمة بسبب هذا العقد، فلا يجوز التعرض لهم في مال ولا دم ولا أهل، { وحبل من الناس } ، وهو عقد الذمة التي يعقدها مع الكفار إذا كانوا تحت ذمتهم. والحاصل أن الذلة لازمة لهم فلا يأمنون إلا تحت الذمة، إما من المسلمين وإما من الكفار. { وباءوا بغضب من الله } أي: انقلبوا به مستحقين له، { وضربت عليهم المسكنة } أي: أحاطت بهم، فاليهود في الغالب فقراء مساكين، لأن قلوبهم خاوية من اليقين، فالفقر والجزع لازم لهم، ولو ملكوا الدنيا بأجمعها. { ذلك } الذل والمسكنة والبواء بالغضب بسبب أنهم { كانوا يكفرون بآيات الله } المنزلة على رسوله، أو الدالة على توحيده، { ويقتلون الأنبياء بغير حق } بل ظلما وعدوانا، ذلك الكفر بسبب عصاينهم واعتدائهم حدود الله، فإن الإصرار على الصغائر يفضي إلى الكبائر، والإصرار عل الكبائر يؤدي إلى الكفر لأن المعاصي بريد الكفر، والعياذ بالله. الإشارة: ولو آمن أهل الظاهر بطريق الخصوص، وحطو رؤوسهم لأهل الخصوصية لكان خيرا لهم، للتسع عليهم دائرة العلوم، وتفتح لهم مخازن الفهوم، منهم من يقر بوجود الخصوصية، ويعجز عن حمل شروطها، وأكثرهم ينكرونها ويحتجون لأنفسهم بقول من قال: انقطعت التربية في القرن الثامن، فيموتون مصرين على الإنكار والعصيان، فلن يضركم إنكارهم أيها الفقراء، فإنهم لا قدرة لهم عليكم، للرعاية التي أحاطت بكم، إلا أذى بلسانهم، وعلى تقدير لحوق ضررهم في الظاهر، فإن الله يغيب ألم ذلك عنكم في الباطن، كما شاهدناه من بعض الفقراء، وإن يهددوكم بالقتل والجلاء، فإن الله لا ينصرهم في الغالب. قلت: وقد هددونا بالضرب والرفع إلى السلطان والجلاء إلى بر النصارى، فلم يقدروا على شيء من ذلك، وقد وقع ذلك لبعض الصوفية زيادة في شرفهم وعزهم، فالمنكر على الصوفية لا يزال في هم وغم وذل ومسكنة، لخراب باطنه من نور اليقين. فإن الانتقاد على الأولياء جناية واعتقادهم عناية، فإن استمر على أذاهم كان عاقبته سوء الخاتمة، فيبوء بغضب من الله سبب اعتدائه على أولياء الله،
" ومن آذى لي وليا فقد أذتني بالحرب "
رزقنا الله الأدب معهم، وأماتنا على محبتهم، آمين.
آل عمران 3:111
قلت: { كان }: على بابها من الدلالة على المضي، أي: كنتم في اللوح المحفوظ، أو في علم الله، أو فيما بين الأمم المتقدمة، أو: صلة، أي: أنتم خير أمة، و { للناس }: يتعلق بأخرجت، أو بكنتم، أي: كنتم خير الناس للناس. يقول الحق جل جلاله: لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: { كنتم } في سابق علمي { خير أمة } ظهرت { للناس } تجيئون بهم إلى الجنة بالسلاسل. ثم بين وجه فضلهم فقال: { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } وبجميع ما يجب الإيمان به. وقد ورد في مدح هذه الأمة المحمدية أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم:
" حرمت الجنة على الأنبياء حتى أدخلها أنا، وحرمت الجنة على الأمم حتى تدخلها أمتي "
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:
" أمتي أمة مرحومة، إذا كان يوم القيامة أعطى الله كل رجل من هذه الأمة رجلا فيقال: هذا فداؤك من النار ".
وعن أنس قال: " خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا صوت يجيء من شعب، فقال: يا أنس: قم فانظر ما هذا الصوت، فانطلقت فإذا برجل يصلي إلى شجرة، ويقول: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الأمة المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، المتاب عليها، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: انطلق، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويقول لك: من أنت؟ فأتيت، فأعلمته ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ مني السلام على رسول الله صلى لله عليه وسلم، وقل له: أخوك الخضر يقول لك: ادع الله أن يجعلني من أمتك المرحومة المغفور لها ". وقيل لعيسى ابن مريم: هل بعد هذه الأمة أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد. قيل: وما أمة أحمد؟ قال: علماء، حكماء، أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون باليسير من الرزق، ويرضى الله عنهم باليسير من العمل، يدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله. ه. وليس أولها أولى بالمدح من آخرها، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أو آخره "
؟ وفي خبر آخر عنه صلى الله عليه وسلم قال:
" اشتقت إلى إخواني، فقال أصحابه: نحن إخوانك يا رسول الله، فقال أنتم أصحابي، إخواني: ناس يأتون بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، يود أحدهم لو يراني بجميع ما يملك. يعدل عمل أحدهم سبعين منكم. قالوا: منهم يا رسول الله؟ قال: منكم. قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لا يجدوا عليه أعوانا "
أو كما قال - عليه الصلاة والسلام -.
قلت: التفضيل باعتبار أجور الأعمال، وأما باعتبار اليقين والمعرفة، فالصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء - عليهم السلام - ويدل على هذا قوله - عليه الصلاة والسلام -
" يعدل عمل أحدهم "
، ولم يقل إيمان أحدهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كنتم يا معرش الصوفية خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالجمع على الله والغيبة عما سواه، وتنهون عن كل ما يبعد عن الله ويفرق العبد عن مولاه، وتؤمنون بالله وبما وعد به الله، إيمان الشهود والعيان، الذي هو مقام الإحسان. قال القشيري في رسالته: قد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه. وقال الجنيد رضي الله عنه: لو نعلم أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه ولو حبوا. ه. وكان كثيرا ما ينشد:
علم التصوف علم ليس يعرفه إلا أخو فطنة بالحق معروف وليس يبصره من ليس يشهده وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف
وقال الشيخ الصقلي: كل من صدق بهذا العلم فهو من الخاصة، وكل من فهمه فهو من خاصة الخاصة، وكل من عبر به وتكلم فيه فهو من النجم الذي لا يدرك والبحر الذي لا ينزف. وقال في الإحياء - لما تكلم على معرفة الله والعلم بالله، قال: والرتبة العليا في ذلك للأنبياء، ثم للأولياء العارفين، ثم للعماء الراسخين، ثم للصالحين. فقد قدم الأولياء على العلماء. قال ابن رشد: وما قاله القشيري والغزالي متفق عليه. قال: ولا يشك عاقل أن العارفين بالله وما يجب له من الكمال، أفضل من العارفين بأحكام الله. انظر تمامه في المعيار. وقال في المباحث:
حجة من يرجع الصوفية على سواهم حجة قوية هم أتبع الناس لخير الناس من سائر الأنام والأناس
ثم قال:
ثم بشيئين تقوم الحجه أنهم قطعا على المحجه ومأ أتوا فيه بخرق العاده إذ لم تكن لمن سواهم عاده قد رفضوا الآثام والعيوب وطهروا الأبدان والقلوب وبلغوا حقيقة الإيمان وانتهجوا مناهج الإحسان
ثم دعا أهل الكتاب إلى الإيمان، وهون أمرهم، فقال: {... ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبيآء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } قلت: الاستثناء في قوله { إلا بحبل }: من أعم الأحوال، أي: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال، إلا متلبسين بذمة من الله وذمة من الناس. يقول الحق جل جلاله: { ولو آمن أهل الكتاب } إيمانا كإيمانكم، { لكان خيرا لهم } مما هم عليه.
وليس أهل الكتاب سواء، بل { منهم المؤمنين } كعبد الله بن سلام وأصحابه، { وأكثرهم الفاسقون } المتمردون في الكفر والفسوق، فلا يهولكم أمرهم، فإنهم { لن يضروكم } إلا ضررا يسيرا كأذى باللسان من عيب وسب وتحريش بينكم، ولا قدرة لهم على القتال، { وإن يقاتلوكم } ينهزموا، و { يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون } أبدا عليكم. وهذه الآية من المغيبات التي وافقها الواقع، إذ كان كذلك في بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر، فلم ترفع لهم راية أبدا، بل { ضربت عليهم الذلة } والخزي والهوان، أي: أحاطت بهم إحاطة البيت المضروب على أهله، أو لزمتهم لزوم الدرهم المضروب لضربه، فلا تنفك عنهم { أيم ما ثقفوا } ووجدوا، فلا يأمنون { إلا بحبل من الله } أي: بسبب عهد من الله، وهو عقد الذمة التي أمر الله بها، إذا أدوا الجزية للمسلمين، فلهم حرمة بسبب هذا العقد، فلا يجوز التعرض لهم في مال ولا دم ولا أهل، { وحبل من الناس } ، وهو عقد الذمة التي يعقدها مع الكفار إذا كانوا تحت ذمتهم. والحاصل أن الذلة لازمة لهم فلا يأمنون إلا تحت الذمة، إما من المسلمين وإما من الكفار. { وباءوا بغضب من الله } أي: انقلبوا به مستحقين له، { وضربت عليهم المسكنة } أي: أحاطت بهم، فاليهود في الغالب فقراء مساكين، لأن قلوبهم خاوية من اليقين، فالفقر والجزع لازم لهم، ولو ملكوا الدنيا بأجمعها. { ذلك } الذل والمسكنة والبواء بالغضب بسبب أنهم { كانوا يكفرون بآيات الله } المنزلة على رسوله، أو الدالة على توحيده، { ويقتلون الأنبياء بغير حق } بل ظلما وعدوانا، ذلك الكفر بسبب عصاينهم واعتدائهم حدود الله، فإن الإصرار على الصغائر يفضي إلى الكبائر، والإصرار عل الكبائر يؤدي إلى الكفر لأن المعاصي بريد الكفر، والعياذ بالله. الإشارة: ولو آمن أهل الظاهر بطريق الخصوص، وحطو رؤوسهم لأهل الخصوصية لكان خيرا لهم، للتسع عليهم دائرة العلوم، وتفتح لهم مخازن الفهوم، منهم من يقر بوجود الخصوصية، ويعجز عن حمل شروطها، وأكثرهم ينكرونها ويحتجون لأنفسهم بقول من قال: انقطعت التربية في القرن الثامن، فيموتون مصرين على الإنكار والعصيان، فلن يضركم إنكارهم أيها الفقراء، فإنهم لا قدرة لهم عليكم، للرعاية التي أحاطت بكم، إلا أذى بلسانهم، وعلى تقدير لحوق ضررهم في الظاهر، فإن الله يغيب ألم ذلك عنكم في الباطن، كما شاهدناه من بعض الفقراء، وإن يهددوكم بالقتل والجلاء، فإن الله لا ينصرهم في الغالب. قلت: وقد هددونا بالضرب والرفع إلى السلطان والجلاء إلى بر النصارى، فلم يقدروا على شيء من ذلك، وقد وقع ذلك لبعض الصوفية زيادة في شرفهم وعزهم، فالمنكر على الصوفية لا يزال في هم وغم وذل ومسكنة، لخراب باطنه من نور اليقين. فإن الانتقاد على الأولياء جناية واعتقادهم عناية، فإن استمر على أذاهم كان عاقبته سوء الخاتمة، فيبوء بغضب من الله سبب اعتدائه على أولياء الله،
" ومن آذى لي وليا فقد أذتني بالحرب "
رزقنا الله الأدب معهم، وأماتنا على محبتهم، آمين.
آل عمران 3:112
قلت: { كان }: على بابها من الدلالة على المضي، أي: كنتم في اللوح المحفوظ، أو في علم الله، أو فيما بين الأمم المتقدمة، أو: صلة، أي: أنتم خير أمة، و { للناس }: يتعلق بأخرجت، أو بكنتم، أي: كنتم خير الناس للناس. يقول الحق جل جلاله: لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: { كنتم } في سابق علمي { خير أمة } ظهرت { للناس } تجيئون بهم إلى الجنة بالسلاسل. ثم بين وجه فضلهم فقال: { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } وبجميع ما يجب الإيمان به. وقد ورد في مدح هذه الأمة المحمدية أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم:
" حرمت الجنة على الأنبياء حتى أدخلها أنا، وحرمت الجنة على الأمم حتى تدخلها أمتي "
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:
" أمتي أمة مرحومة، إذا كان يوم القيامة أعطى الله كل رجل من هذه الأمة رجلا فيقال: هذا فداؤك من النار ".
وعن أنس قال: " خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا صوت يجيء من شعب، فقال: يا أنس: قم فانظر ما هذا الصوت، فانطلقت فإذا برجل يصلي إلى شجرة، ويقول: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الأمة المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، المتاب عليها، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: انطلق، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويقول لك: من أنت؟ فأتيت، فأعلمته ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ مني السلام على رسول الله صلى لله عليه وسلم، وقل له: أخوك الخضر يقول لك: ادع الله أن يجعلني من أمتك المرحومة المغفور لها ". وقيل لعيسى ابن مريم: هل بعد هذه الأمة أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد. قيل: وما أمة أحمد؟ قال: علماء، حكماء، أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون باليسير من الرزق، ويرضى الله عنهم باليسير من العمل، يدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله. ه. وليس أولها أولى بالمدح من آخرها، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أو آخره "
؟ وفي خبر آخر عنه صلى الله عليه وسلم قال:
" اشتقت إلى إخواني، فقال أصحابه: نحن إخوانك يا رسول الله، فقال أنتم أصحابي، إخواني: ناس يأتون بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، يود أحدهم لو يراني بجميع ما يملك. يعدل عمل أحدهم سبعين منكم. قالوا: منهم يا رسول الله؟ قال: منكم. قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنكم وجدتم على الخير أعوانا، وهم لا يجدوا عليه أعوانا "
أو كما قال - عليه الصلاة والسلام -.
قلت: التفضيل باعتبار أجور الأعمال، وأما باعتبار اليقين والمعرفة، فالصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء - عليهم السلام - ويدل على هذا قوله - عليه الصلاة والسلام -
" يعدل عمل أحدهم "
، ولم يقل إيمان أحدهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كنتم يا معرش الصوفية خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالجمع على الله والغيبة عما سواه، وتنهون عن كل ما يبعد عن الله ويفرق العبد عن مولاه، وتؤمنون بالله وبما وعد به الله، إيمان الشهود والعيان، الذي هو مقام الإحسان. قال القشيري في رسالته: قد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه. وقال الجنيد رضي الله عنه: لو نعلم أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه ولو حبوا. ه. وكان كثيرا ما ينشد:
علم التصوف علم ليس يعرفه إلا أخو فطنة بالحق معروف وليس يبصره من ليس يشهده وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف
وقال الشيخ الصقلي: كل من صدق بهذا العلم فهو من الخاصة، وكل من فهمه فهو من خاصة الخاصة، وكل من عبر به وتكلم فيه فهو من النجم الذي لا يدرك والبحر الذي لا ينزف. وقال في الإحياء - لما تكلم على معرفة الله والعلم بالله، قال: والرتبة العليا في ذلك للأنبياء، ثم للأولياء العارفين، ثم للعماء الراسخين، ثم للصالحين. فقد قدم الأولياء على العلماء. قال ابن رشد: وما قاله القشيري والغزالي متفق عليه. قال: ولا يشك عاقل أن العارفين بالله وما يجب له من الكمال، أفضل من العارفين بأحكام الله. انظر تمامه في المعيار. وقال في المباحث:
حجة من يرجع الصوفية على سواهم حجة قوية هم أتبع الناس لخير الناس من سائر الأنام والأناس
ثم قال:
ثم بشيئين تقوم الحجه أنهم قطعا على المحجه ومأ أتوا فيه بخرق العاده إذ لم تكن لمن سواهم عاده قد رفضوا الآثام والعيوب وطهروا الأبدان والقلوب وبلغوا حقيقة الإيمان وانتهجوا مناهج الإحسان
ثم دعا أهل الكتاب إلى الإيمان، وهون أمرهم، فقال: {... ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبيآء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } قلت: الاستثناء في قوله { إلا بحبل }: من أعم الأحوال، أي: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال، إلا متلبسين بذمة من الله وذمة من الناس. يقول الحق جل جلاله: { ولو آمن أهل الكتاب } إيمانا كإيمانكم، { لكان خيرا لهم } مما هم عليه.
وليس أهل الكتاب سواء، بل { منهم المؤمنين } كعبد الله بن سلام وأصحابه، { وأكثرهم الفاسقون } المتمردون في الكفر والفسوق، فلا يهولكم أمرهم، فإنهم { لن يضروكم } إلا ضررا يسيرا كأذى باللسان من عيب وسب وتحريش بينكم، ولا قدرة لهم على القتال، { وإن يقاتلوكم } ينهزموا، و { يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون } أبدا عليكم. وهذه الآية من المغيبات التي وافقها الواقع، إذ كان كذلك في بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر، فلم ترفع لهم راية أبدا، بل { ضربت عليهم الذلة } والخزي والهوان، أي: أحاطت بهم إحاطة البيت المضروب على أهله، أو لزمتهم لزوم الدرهم المضروب لضربه، فلا تنفك عنهم { أيم ما ثقفوا } ووجدوا، فلا يأمنون { إلا بحبل من الله } أي: بسبب عهد من الله، وهو عقد الذمة التي أمر الله بها، إذا أدوا الجزية للمسلمين، فلهم حرمة بسبب هذا العقد، فلا يجوز التعرض لهم في مال ولا دم ولا أهل، { وحبل من الناس } ، وهو عقد الذمة التي يعقدها مع الكفار إذا كانوا تحت ذمتهم. والحاصل أن الذلة لازمة لهم فلا يأمنون إلا تحت الذمة، إما من المسلمين وإما من الكفار. { وباءوا بغضب من الله } أي: انقلبوا به مستحقين له، { وضربت عليهم المسكنة } أي: أحاطت بهم، فاليهود في الغالب فقراء مساكين، لأن قلوبهم خاوية من اليقين، فالفقر والجزع لازم لهم، ولو ملكوا الدنيا بأجمعها. { ذلك } الذل والمسكنة والبواء بالغضب بسبب أنهم { كانوا يكفرون بآيات الله } المنزلة على رسوله، أو الدالة على توحيده، { ويقتلون الأنبياء بغير حق } بل ظلما وعدوانا، ذلك الكفر بسبب عصاينهم واعتدائهم حدود الله، فإن الإصرار على الصغائر يفضي إلى الكبائر، والإصرار عل الكبائر يؤدي إلى الكفر لأن المعاصي بريد الكفر، والعياذ بالله. الإشارة: ولو آمن أهل الظاهر بطريق الخصوص، وحطو رؤوسهم لأهل الخصوصية لكان خيرا لهم، للتسع عليهم دائرة العلوم، وتفتح لهم مخازن الفهوم، منهم من يقر بوجود الخصوصية، ويعجز عن حمل شروطها، وأكثرهم ينكرونها ويحتجون لأنفسهم بقول من قال: انقطعت التربية في القرن الثامن، فيموتون مصرين على الإنكار والعصيان، فلن يضركم إنكارهم أيها الفقراء، فإنهم لا قدرة لهم عليكم، للرعاية التي أحاطت بكم، إلا أذى بلسانهم، وعلى تقدير لحوق ضررهم في الظاهر، فإن الله يغيب ألم ذلك عنكم في الباطن، كما شاهدناه من بعض الفقراء، وإن يهددوكم بالقتل والجلاء، فإن الله لا ينصرهم في الغالب. قلت: وقد هددونا بالضرب والرفع إلى السلطان والجلاء إلى بر النصارى، فلم يقدروا على شيء من ذلك، وقد وقع ذلك لبعض الصوفية زيادة في شرفهم وعزهم، فالمنكر على الصوفية لا يزال في هم وغم وذل ومسكنة، لخراب باطنه من نور اليقين. فإن الانتقاد على الأولياء جناية واعتقادهم عناية، فإن استمر على أذاهم كان عاقبته سوء الخاتمة، فيبوء بغضب من الله سبب اعتدائه على أولياء الله،
" ومن آذى لي وليا فقد أذتني بالحرب "
رزقنا الله الأدب معهم، وأماتنا على محبتهم، آمين.
آل عمران 3:113
قلت: { قائمة } أي: مستقيمة، من أقمت العود فقام، أو قائمة بأمر الله. و { آناء الليل }: ظرف: واحده: { إني } ، بكسر الهمة وسكون النون، كنحى وأنحاء، أو { إني } ، كمعى وأمعاء، و { لن تكفروه } أي: لن تحرموه، وعدي { كفر } إلى مفعولين لتضمنه معنى حرم أو منع. يقول الحق جل جلاله: ليس أهل الكتاب { سواء } في الكفر والعدوان، بل منهم { أمة } أي: طائفة { قائمة } بالعدل مستقيمة في الدين، أو قائمة بأمر الله، أو قائمة في الصلاة { يتلون آيات الله } في تهجدهم { آناء الليل } أي: في ساعاته، { وهم يسجدون } في صلاتهم، أو في صلاة العشاء، لأن أهل الكتاب لا يصلونها، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم أخرها، ثم خرج، فإذا الناس ينتظرونها، فقال:
" أبشروا فإنه ليس من أهل الأرض أحد يصلي في هذه الساعة غيركم ".
ثم وصفهم بالإيمان فقال: { يؤمنون بالله واليوم الآخرة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات } ، وهو عبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلم من اليهود، فقد وصفهم الله تعالى بخصائص لم توجد في اليهود، فإنهم منحرفون عن الحق غير متعبدين، مشركون بالله ملحدون في صفاته، يصفون اليوم الآخر بغير صفاته، مداهنون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، متباطئون عن الخيرات، بخلاف ما وصف به من أسلم منهم، { وأولئك } الموصوفون بتلك الصفات { من الصالحين } أي: ممن صلحت أحوالهم عند الله، واستوجبوا رضاءه وثناءه، وهذه عادة الله مع خلقه، من تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا. ولذلك قال: { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } أي: فلن تحرموا ثوابه. ولن تجحدوا جزاءه، بل يشكره لكم ويجزيكم عليه، سمى الحرمان كفرانا كما سمى العطاء شكرا. { والله عليهم بالمتقين } فلا يخفى عليه مقاماتهم في التقوى، وفيه إشعار بأن التقوى مبدأ الخير وأحسن الأعمال، وأن الفائزين عند الله هم أهل التقوى. رزقنا الله منها الحظ الأوفر بمنه. آمين. الإشارة: ليس أهل العلم سواء، بل منهم من جعله شبكة يصطاد به الدنيا، يبيع دينه بعرض قليل، وهم علماء السوء وقضاة الجور، ومنهم من قرأه لله وعلمه لله، فأفنى عمره في تعليمه وتقييده، ومنهم من صرف همته إلى جمعه وتأليفه، ومنهم من صرف همته إلى العمل به فالتحق بالعباد والزهاد، { يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون } ومنهم من حرره وحققه، ثم توجه إلى علم الباطن وصحب العارفين، فكان من المقربين، فهؤلاء كلهم { يسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين } ، فيقال لهم: { وما يفعلوا من خير فلن يكفره والله عليم بالمتقين }.
آل عمران 3:114
قلت: { قائمة } أي: مستقيمة، من أقمت العود فقام، أو قائمة بأمر الله. و { آناء الليل }: ظرف: واحده: { إني } ، بكسر الهمة وسكون النون، كنحى وأنحاء، أو { إني } ، كمعى وأمعاء، و { لن تكفروه } أي: لن تحرموه، وعدي { كفر } إلى مفعولين لتضمنه معنى حرم أو منع. يقول الحق جل جلاله: ليس أهل الكتاب { سواء } في الكفر والعدوان، بل منهم { أمة } أي: طائفة { قائمة } بالعدل مستقيمة في الدين، أو قائمة بأمر الله، أو قائمة في الصلاة { يتلون آيات الله } في تهجدهم { آناء الليل } أي: في ساعاته، { وهم يسجدون } في صلاتهم، أو في صلاة العشاء، لأن أهل الكتاب لا يصلونها، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم أخرها، ثم خرج، فإذا الناس ينتظرونها، فقال:
" أبشروا فإنه ليس من أهل الأرض أحد يصلي في هذه الساعة غيركم ".
ثم وصفهم بالإيمان فقال: { يؤمنون بالله واليوم الآخرة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات } ، وهو عبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلم من اليهود، فقد وصفهم الله تعالى بخصائص لم توجد في اليهود، فإنهم منحرفون عن الحق غير متعبدين، مشركون بالله ملحدون في صفاته، يصفون اليوم الآخر بغير صفاته، مداهنون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، متباطئون عن الخيرات، بخلاف ما وصف به من أسلم منهم، { وأولئك } الموصوفون بتلك الصفات { من الصالحين } أي: ممن صلحت أحوالهم عند الله، واستوجبوا رضاءه وثناءه، وهذه عادة الله مع خلقه، من تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا. ولذلك قال: { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } أي: فلن تحرموا ثوابه. ولن تجحدوا جزاءه، بل يشكره لكم ويجزيكم عليه، سمى الحرمان كفرانا كما سمى العطاء شكرا. { والله عليهم بالمتقين } فلا يخفى عليه مقاماتهم في التقوى، وفيه إشعار بأن التقوى مبدأ الخير وأحسن الأعمال، وأن الفائزين عند الله هم أهل التقوى. رزقنا الله منها الحظ الأوفر بمنه. آمين. الإشارة: ليس أهل العلم سواء، بل منهم من جعله شبكة يصطاد به الدنيا، يبيع دينه بعرض قليل، وهم علماء السوء وقضاة الجور، ومنهم من قرأه لله وعلمه لله، فأفنى عمره في تعليمه وتقييده، ومنهم من صرف همته إلى جمعه وتأليفه، ومنهم من صرف همته إلى العمل به فالتحق بالعباد والزهاد، { يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون } ومنهم من حرره وحققه، ثم توجه إلى علم الباطن وصحب العارفين، فكان من المقربين، فهؤلاء كلهم { يسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين } ، فيقال لهم: { وما يفعلوا من خير فلن يكفره والله عليم بالمتقين }.
آل عمران 3:115
قلت: { قائمة } أي: مستقيمة، من أقمت العود فقام، أو قائمة بأمر الله. و { آناء الليل }: ظرف: واحده: { إني } ، بكسر الهمة وسكون النون، كنحى وأنحاء، أو { إني } ، كمعى وأمعاء، و { لن تكفروه } أي: لن تحرموه، وعدي { كفر } إلى مفعولين لتضمنه معنى حرم أو منع. يقول الحق جل جلاله: ليس أهل الكتاب { سواء } في الكفر والعدوان، بل منهم { أمة } أي: طائفة { قائمة } بالعدل مستقيمة في الدين، أو قائمة بأمر الله، أو قائمة في الصلاة { يتلون آيات الله } في تهجدهم { آناء الليل } أي: في ساعاته، { وهم يسجدون } في صلاتهم، أو في صلاة العشاء، لأن أهل الكتاب لا يصلونها، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم أخرها، ثم خرج، فإذا الناس ينتظرونها، فقال:
" أبشروا فإنه ليس من أهل الأرض أحد يصلي في هذه الساعة غيركم ".
ثم وصفهم بالإيمان فقال: { يؤمنون بالله واليوم الآخرة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات } ، وهو عبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلم من اليهود، فقد وصفهم الله تعالى بخصائص لم توجد في اليهود، فإنهم منحرفون عن الحق غير متعبدين، مشركون بالله ملحدون في صفاته، يصفون اليوم الآخر بغير صفاته، مداهنون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، متباطئون عن الخيرات، بخلاف ما وصف به من أسلم منهم، { وأولئك } الموصوفون بتلك الصفات { من الصالحين } أي: ممن صلحت أحوالهم عند الله، واستوجبوا رضاءه وثناءه، وهذه عادة الله مع خلقه، من تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا. ولذلك قال: { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } أي: فلن تحرموا ثوابه. ولن تجحدوا جزاءه، بل يشكره لكم ويجزيكم عليه، سمى الحرمان كفرانا كما سمى العطاء شكرا. { والله عليهم بالمتقين } فلا يخفى عليه مقاماتهم في التقوى، وفيه إشعار بأن التقوى مبدأ الخير وأحسن الأعمال، وأن الفائزين عند الله هم أهل التقوى. رزقنا الله منها الحظ الأوفر بمنه. آمين. الإشارة: ليس أهل العلم سواء، بل منهم من جعله شبكة يصطاد به الدنيا، يبيع دينه بعرض قليل، وهم علماء السوء وقضاة الجور، ومنهم من قرأه لله وعلمه لله، فأفنى عمره في تعليمه وتقييده، ومنهم من صرف همته إلى جمعه وتأليفه، ومنهم من صرف همته إلى العمل به فالتحق بالعباد والزهاد، { يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون } ومنهم من حرره وحققه، ثم توجه إلى علم الباطن وصحب العارفين، فكان من المقربين، فهؤلاء كلهم { يسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين } ، فيقال لهم: { وما يفعلوا من خير فلن يكفره والله عليم بالمتقين }.
آل عمران 3:116
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا } وجحدوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولاهم من } عذاب { الله شيئا } { وأولئك أصحاب النار } أي: ملازموها، كملازمة الرجل لصاحبة، { هم فيها خالدون }. الإشارة: إن الذين كفروا بالخصوصية عند أهل زمانهم، وفاتهم اقتباس أنوارهم، لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ولا علومهم مما فاتهم من معرفة الله شيئا، ماذا وجد من فقد الله؟ وماذا فقد من وجد الله؟! قال الشاعر:
لكل شيء إذا فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض
ولا طريق لمعرفة الحق المعرفة الخاصة - أعني معرفة العيان - إلا صحبة أهل الشهود والعيان، فكل من أنكرهم كان غايته الحرمان، ولزمته البطالة والخذلان، وجرب، ففي التجريب علم الحقائق، ومن حرم صحبتهم لا ينفك عن نار القطيعة وعذاب الحجاب، وعنت الحرص والتعب، عائذا بالله من ذلك.
آل عمران 3:117
قلت: في الكلام حذف، أي: مثل تلف ما ينفقون كمثل إتلاف ربح... الخ، و { الصر }: البرد الشديد، أو ريح فيها صوت وبرد، أو السموم الحارة. يقول الحق جل جلاله: مثل ما ينفق الكفار، قربة أو مفاخرة وسمعة، أو ما ينفق سفلة اليهود على أحبارهم، أو المنافقون رياء وخوفا، { كمثل ريح } فيها برد شديد { أصابت حرث قوم } أي: زرعهم، فأتلفته وأهلكته، والمراد: تشبيه نفقتهم وأعمالهم في تلفه وضياعه وعدم الانتفاع به، بحرث كفار، ضربته ريح فيها برد فاجتاحته، فأصبح صعيدا زلقا، ولم تبق فيه منفعة في الدنيا والآخرة، { وما ظلمهم الله } بأن ضيع أعمالهم من غير سبب، ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب الكفر الذي أحبط أعمالهم. الإشارة: كل من لم يحقق مقام الإخلاص، ولم يصحب أهل التخليص والاختصاص، لا تنفك أعماله من علل، ولا أحواله من دخل، فأعماله فارغة خفيفة، أقل ريح تقلعها وتسقطها عن درجة الاعتبار، وما زالت العامة تقول: الصحيح يصح، والخاوي يدريه الريح. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:118
قلت: بطانة الرجل: خواصه الذين يطلعهم على باطنه وسره، وسميت بطانة تشبيها لها بالثوب الذي يلي بطنه كالشعار. قال عليه الصلاة والسلام:
" الأنصار شعار والناس دثار "
وهي اسم تطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. والألو: التقصير، وأصله: أن يتعدى بالحرف، تقول: لا آلو في نصحك أي: لا أقصر فيه. ثم عدي إلى مفعولين، كقولهم: لا آلوك نصحا، على تضمن معنى المنع أو النقص. والخبال: الفساد. و { ما عنتم }: مصدرية، والعنت: التعب والمشقة، والأنامل: جمع أنملة - بضم الميم وفتحها -، والضير والضر واحد. ومضارع الأول: يضير، والثاني: يضر، وهو هنا مجزوم، وأصله: يضرركم، نقلت حركة الراء إلى الضاد، وضمت الراء، إتباعا لحركة الضاد طلبا للمشاكلة. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة } أي: أصدقاء وأصفياء، تطلعونهم على سركم، وهم { من دونكم } ليسوا على دينكم، فإنهم { لا يألونكم خبالا } أي: لا يقصرون جهدهم في إدخال الفساد بينكم بالتخليط والنميمة وإطلاع الكفار على عورتكم. نزلت في رجال من المسلمين، كانوا يصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة، أو في المنافقين كان يصلهم بعض المسلمين. ثم وصفهم بأوصاف توجب التنفير منهم فقال: { ودوا ما عنتم } أي: تمنوا عنتكم وهلاككم وضلالكم، { قد بدت البغضاء من أفواههم } أي: ظهرت أمارة العداوة من أفواههم بالوقيعة في المسلمين، أو بإطلاع المشركين على عوراتهم، أو في كلامهم مع المسلمين بالغيظ، لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم، { وما تخفي صدورهم } من العداوة والبغضاء، { أكبر } مما أظهره، لأن ظهوره منهم ليس عن روية واختيار، بل من غلبة غيظ واضطرار. { قد بينا لكم } أيها المؤمنون { الآيات } الدالة على مجانبة الكافرين ومولاة المؤمنين، { إن كنتم تعلقون } ما يبين لكم. { هأنتم } يا هؤلاء المخاطبين { تحبونهم } لما بينكم من المصاهرة والصداقة، { ولا يحبونكم } لما بينكم من مخالفة الدين، أو تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر، وأنتم { تؤمنون بالكتاب } أي: بجنس الكتب، { كله } أي: بالكتب كلها، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فكيف تحبونهم وهم يكذبون كتابكم ورسولكم؟ وهم أيضا ينافقونكم { إذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا } مع أنفسهم { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } لما يرون من ائتلاف المؤمنين، ولم يجدوا سبيلا إلى التشفي فيكم، وهذه كناية عن شدة حقدهم، وإن لم يكن ثم عض في الخارج. قال لهم الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { موتوا بغيظكم } فإنما ضرر غيظكم عليكم، أو دوموا على غيظكم حتى تموتوا عليه، فإن مادة الإسلام لا تزال تنمو حتى تهلكوا، { إن الله عليم بذات الصدور } أي: بحقيقة ما في قلوبكم من البغضاء والحنق، أو بما في القلوب من خير أو شر.
هو من مقول الرسول لهم، أو من كلام الله تعالى، استئناف، أي: لا تعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم، فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم. ومن فرط عداوتهم أنهم { إن تمسسكم حسنة } كنصر وغنيمة { تسوءهم } أي، تحزنهم، { وإن تصبكم سيئة } كهزيمة أو قتل أو إصابة عدو منكم او اختلاف بينكم، { يفرحوا بها وإن تصبروا } على عداوتهم وأذاهم، وتخافوا ربكم، { وتتقوا } ما نهاكم عنه، { لا يضركم كيدهم شيئا } ، بفضل الله وحفظه، الموعود للصابرين والمتقين،
إن الله مع الصابرين
[البقرة: 153]،
إن الله مع الذين اتقوا
[النحل: 128]. ومن كان الحق معه لا يضره شيء، { إن الله بما يعملون محيط } لا يخفى عليه ما يعمل أهل الكفر من العداوة والحقد، فيجازيهم عليه. الإشارة: لا ينبغي لأهل الخصوصية أن يتخذوا بطانة من دونهم من العامة حتى يطلعوهم على سرهم، فإن الإطلاع على السر، ولو كان غير الخصوصية، كله ضعف في العقل ووهن في الرأي، وفي ذلك يقول القائل:
من أطلع الناس على سره استحق الكي على جبهته
وأما سر الربوبية فإفشاؤه لغير أهله حرام، والعامة مضادون لأهل الخصوصية، لا يألونهم خبالا في قلوبهم وتشتيتا لفكرتهم، إذا صحبوهم يودون أن لو كانوا مثلهم في العنت وتعب الأسباب، فإذا ظهر بالفقراء نقص أو خلل ظهرت البغضاء من أفواههم، وما تحفى صدورهم أكبر، فإن كنتم أيها الفقراء تحبون لهم الخير فإنهم بعكس ذلك، وإن كنتم تقرون شريعتهم فإنهم لا يؤمنون بحقيقتكم، بل ينكرونها عليكم، ومنهم من يتصف بالنفاق، إذا لقي أهل الخصوصية أظهر التصديق والمحبة، وإذا خلا مع العامة أظهر العداوة والحنق، وإن تمسسكم أيها الفقراء حسنة، كعز وفتح وشهود ومعرفة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة كمحنة أو بلية، يفرحوا بها، وإن تصبروا على أذاهم وجفوتهم، وتتقوا شهود السوى فيهم، لا يضركم كيدهم شيئا { إن الله بما يعملون محيط }.
آل عمران 3:119
قلت: بطانة الرجل: خواصه الذين يطلعهم على باطنه وسره، وسميت بطانة تشبيها لها بالثوب الذي يلي بطنه كالشعار. قال عليه الصلاة والسلام:
" الأنصار شعار والناس دثار "
وهي اسم تطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. والألو: التقصير، وأصله: أن يتعدى بالحرف، تقول: لا آلو في نصحك أي: لا أقصر فيه. ثم عدي إلى مفعولين، كقولهم: لا آلوك نصحا، على تضمن معنى المنع أو النقص. والخبال: الفساد. و { ما عنتم }: مصدرية، والعنت: التعب والمشقة، والأنامل: جمع أنملة - بضم الميم وفتحها -، والضير والضر واحد. ومضارع الأول: يضير، والثاني: يضر، وهو هنا مجزوم، وأصله: يضرركم، نقلت حركة الراء إلى الضاد، وضمت الراء، إتباعا لحركة الضاد طلبا للمشاكلة. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة } أي: أصدقاء وأصفياء، تطلعونهم على سركم، وهم { من دونكم } ليسوا على دينكم، فإنهم { لا يألونكم خبالا } أي: لا يقصرون جهدهم في إدخال الفساد بينكم بالتخليط والنميمة وإطلاع الكفار على عورتكم. نزلت في رجال من المسلمين، كانوا يصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة، أو في المنافقين كان يصلهم بعض المسلمين. ثم وصفهم بأوصاف توجب التنفير منهم فقال: { ودوا ما عنتم } أي: تمنوا عنتكم وهلاككم وضلالكم، { قد بدت البغضاء من أفواههم } أي: ظهرت أمارة العداوة من أفواههم بالوقيعة في المسلمين، أو بإطلاع المشركين على عوراتهم، أو في كلامهم مع المسلمين بالغيظ، لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم، { وما تخفي صدورهم } من العداوة والبغضاء، { أكبر } مما أظهره، لأن ظهوره منهم ليس عن روية واختيار، بل من غلبة غيظ واضطرار. { قد بينا لكم } أيها المؤمنون { الآيات } الدالة على مجانبة الكافرين ومولاة المؤمنين، { إن كنتم تعلقون } ما يبين لكم. { هأنتم } يا هؤلاء المخاطبين { تحبونهم } لما بينكم من المصاهرة والصداقة، { ولا يحبونكم } لما بينكم من مخالفة الدين، أو تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر، وأنتم { تؤمنون بالكتاب } أي: بجنس الكتب، { كله } أي: بالكتب كلها، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فكيف تحبونهم وهم يكذبون كتابكم ورسولكم؟ وهم أيضا ينافقونكم { إذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا } مع أنفسهم { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } لما يرون من ائتلاف المؤمنين، ولم يجدوا سبيلا إلى التشفي فيكم، وهذه كناية عن شدة حقدهم، وإن لم يكن ثم عض في الخارج. قال لهم الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { موتوا بغيظكم } فإنما ضرر غيظكم عليكم، أو دوموا على غيظكم حتى تموتوا عليه، فإن مادة الإسلام لا تزال تنمو حتى تهلكوا، { إن الله عليم بذات الصدور } أي: بحقيقة ما في قلوبكم من البغضاء والحنق، أو بما في القلوب من خير أو شر.
هو من مقول الرسول لهم، أو من كلام الله تعالى، استئناف، أي: لا تعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم، فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم. ومن فرط عداوتهم أنهم { إن تمسسكم حسنة } كنصر وغنيمة { تسوءهم } أي، تحزنهم، { وإن تصبكم سيئة } كهزيمة أو قتل أو إصابة عدو منكم او اختلاف بينكم، { يفرحوا بها وإن تصبروا } على عداوتهم وأذاهم، وتخافوا ربكم، { وتتقوا } ما نهاكم عنه، { لا يضركم كيدهم شيئا } ، بفضل الله وحفظه، الموعود للصابرين والمتقين،
إن الله مع الصابرين
[البقرة: 153]،
إن الله مع الذين اتقوا
[النحل: 128]. ومن كان الحق معه لا يضره شيء، { إن الله بما يعملون محيط } لا يخفى عليه ما يعمل أهل الكفر من العداوة والحقد، فيجازيهم عليه. الإشارة: لا ينبغي لأهل الخصوصية أن يتخذوا بطانة من دونهم من العامة حتى يطلعوهم على سرهم، فإن الإطلاع على السر، ولو كان غير الخصوصية، كله ضعف في العقل ووهن في الرأي، وفي ذلك يقول القائل:
من أطلع الناس على سره استحق الكي على جبهته
وأما سر الربوبية فإفشاؤه لغير أهله حرام، والعامة مضادون لأهل الخصوصية، لا يألونهم خبالا في قلوبهم وتشتيتا لفكرتهم، إذا صحبوهم يودون أن لو كانوا مثلهم في العنت وتعب الأسباب، فإذا ظهر بالفقراء نقص أو خلل ظهرت البغضاء من أفواههم، وما تحفى صدورهم أكبر، فإن كنتم أيها الفقراء تحبون لهم الخير فإنهم بعكس ذلك، وإن كنتم تقرون شريعتهم فإنهم لا يؤمنون بحقيقتكم، بل ينكرونها عليكم، ومنهم من يتصف بالنفاق، إذا لقي أهل الخصوصية أظهر التصديق والمحبة، وإذا خلا مع العامة أظهر العداوة والحنق، وإن تمسسكم أيها الفقراء حسنة، كعز وفتح وشهود ومعرفة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة كمحنة أو بلية، يفرحوا بها، وإن تصبروا على أذاهم وجفوتهم، وتتقوا شهود السوى فيهم، لا يضركم كيدهم شيئا { إن الله بما يعملون محيط }.
آل عمران 3:120
قلت: بطانة الرجل: خواصه الذين يطلعهم على باطنه وسره، وسميت بطانة تشبيها لها بالثوب الذي يلي بطنه كالشعار. قال عليه الصلاة والسلام:
" الأنصار شعار والناس دثار "
وهي اسم تطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. والألو: التقصير، وأصله: أن يتعدى بالحرف، تقول: لا آلو في نصحك أي: لا أقصر فيه. ثم عدي إلى مفعولين، كقولهم: لا آلوك نصحا، على تضمن معنى المنع أو النقص. والخبال: الفساد. و { ما عنتم }: مصدرية، والعنت: التعب والمشقة، والأنامل: جمع أنملة - بضم الميم وفتحها -، والضير والضر واحد. ومضارع الأول: يضير، والثاني: يضر، وهو هنا مجزوم، وأصله: يضرركم، نقلت حركة الراء إلى الضاد، وضمت الراء، إتباعا لحركة الضاد طلبا للمشاكلة. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة } أي: أصدقاء وأصفياء، تطلعونهم على سركم، وهم { من دونكم } ليسوا على دينكم، فإنهم { لا يألونكم خبالا } أي: لا يقصرون جهدهم في إدخال الفساد بينكم بالتخليط والنميمة وإطلاع الكفار على عورتكم. نزلت في رجال من المسلمين، كانوا يصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة، أو في المنافقين كان يصلهم بعض المسلمين. ثم وصفهم بأوصاف توجب التنفير منهم فقال: { ودوا ما عنتم } أي: تمنوا عنتكم وهلاككم وضلالكم، { قد بدت البغضاء من أفواههم } أي: ظهرت أمارة العداوة من أفواههم بالوقيعة في المسلمين، أو بإطلاع المشركين على عوراتهم، أو في كلامهم مع المسلمين بالغيظ، لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم، { وما تخفي صدورهم } من العداوة والبغضاء، { أكبر } مما أظهره، لأن ظهوره منهم ليس عن روية واختيار، بل من غلبة غيظ واضطرار. { قد بينا لكم } أيها المؤمنون { الآيات } الدالة على مجانبة الكافرين ومولاة المؤمنين، { إن كنتم تعلقون } ما يبين لكم. { هأنتم } يا هؤلاء المخاطبين { تحبونهم } لما بينكم من المصاهرة والصداقة، { ولا يحبونكم } لما بينكم من مخالفة الدين، أو تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر، وأنتم { تؤمنون بالكتاب } أي: بجنس الكتب، { كله } أي: بالكتب كلها، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فكيف تحبونهم وهم يكذبون كتابكم ورسولكم؟ وهم أيضا ينافقونكم { إذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا } مع أنفسهم { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } لما يرون من ائتلاف المؤمنين، ولم يجدوا سبيلا إلى التشفي فيكم، وهذه كناية عن شدة حقدهم، وإن لم يكن ثم عض في الخارج. قال لهم الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { موتوا بغيظكم } فإنما ضرر غيظكم عليكم، أو دوموا على غيظكم حتى تموتوا عليه، فإن مادة الإسلام لا تزال تنمو حتى تهلكوا، { إن الله عليم بذات الصدور } أي: بحقيقة ما في قلوبكم من البغضاء والحنق، أو بما في القلوب من خير أو شر.
هو من مقول الرسول لهم، أو من كلام الله تعالى، استئناف، أي: لا تعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم، فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم. ومن فرط عداوتهم أنهم { إن تمسسكم حسنة } كنصر وغنيمة { تسوءهم } أي، تحزنهم، { وإن تصبكم سيئة } كهزيمة أو قتل أو إصابة عدو منكم او اختلاف بينكم، { يفرحوا بها وإن تصبروا } على عداوتهم وأذاهم، وتخافوا ربكم، { وتتقوا } ما نهاكم عنه، { لا يضركم كيدهم شيئا } ، بفضل الله وحفظه، الموعود للصابرين والمتقين،
إن الله مع الصابرين
[البقرة: 153]،
إن الله مع الذين اتقوا
[النحل: 128]. ومن كان الحق معه لا يضره شيء، { إن الله بما يعملون محيط } لا يخفى عليه ما يعمل أهل الكفر من العداوة والحقد، فيجازيهم عليه. الإشارة: لا ينبغي لأهل الخصوصية أن يتخذوا بطانة من دونهم من العامة حتى يطلعوهم على سرهم، فإن الإطلاع على السر، ولو كان غير الخصوصية، كله ضعف في العقل ووهن في الرأي، وفي ذلك يقول القائل:
من أطلع الناس على سره استحق الكي على جبهته
وأما سر الربوبية فإفشاؤه لغير أهله حرام، والعامة مضادون لأهل الخصوصية، لا يألونهم خبالا في قلوبهم وتشتيتا لفكرتهم، إذا صحبوهم يودون أن لو كانوا مثلهم في العنت وتعب الأسباب، فإذا ظهر بالفقراء نقص أو خلل ظهرت البغضاء من أفواههم، وما تحفى صدورهم أكبر، فإن كنتم أيها الفقراء تحبون لهم الخير فإنهم بعكس ذلك، وإن كنتم تقرون شريعتهم فإنهم لا يؤمنون بحقيقتكم، بل ينكرونها عليكم، ومنهم من يتصف بالنفاق، إذا لقي أهل الخصوصية أظهر التصديق والمحبة، وإذا خلا مع العامة أظهر العداوة والحنق، وإن تمسسكم أيها الفقراء حسنة، كعز وفتح وشهود ومعرفة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة كمحنة أو بلية، يفرحوا بها، وإن تصبروا على أذاهم وجفوتهم، وتتقوا شهود السوى فيهم، لا يضركم كيدهم شيئا { إن الله بما يعملون محيط }.
آل عمران 3:121
يقول الحق جل جلاله: واذكر يا محمد حين { غدوت من أهلك } من منزل عائشة، الذي نزلت فيه بأحد، حين خرجت بها، حال كونك { تبوئ المؤمنين } أي: تهيئ لهم، { مقاعد للقتال } أي: مواقف وأماكن يقفون فيها للحرب { والله سميع } لأقوالكم، { عليم } بإخلاصكم. قال الواقدي: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة - رضي الله عنها - ماشيا على رجليه إلى أحد، فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح. أن رأى صدرا خارجا، قال: تأخر. وذلك أن المشركين نزلوا بأحد، يوم الأربعاء، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه، ودعا عبد الله بن أبي بن سلول - ولم يدعه قط قبلها - فاستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخل علينا إلا أصابنا منه، فكيف وأنت فينا! فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خاسئين. فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرأي، وقال بعض أصحابه، يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إني رأيت في منامي بقرا تذبح، فأولتها ناسا من أصحابي يقتلون، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، فأولتها هزيمة، ورأيت أني أدخل يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة. فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهمء فافعلوا "
فقال رجال ممن فاتهم بدر، وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا، وبالغوا، حتى دخل النبي صلى الله عليه وسلم ولبس لأمته. فلما رأوه قد لبس سلاحه ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على النبي صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه. وقالوا: اصنع ما رأيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل ".
فخرج بعد صلاة الجمعة، وأصبح بشعب من أحد، يوم السبت للنصف من شوال، سنة ثلاث من الهجرة، ونزل في عدوة من الوادي، وجعله ظهره وعسكره إلى أحد، وسوى صفهم كما تقدم، وأمر عبد الله بن جبير على الرماة، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا من خلقنا، فكان من أمر الله ما كان، على ما يأتي. وخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد زهاء ألف، ووعدهم النصر إن صبروا، فلما بلغوا الشواط - موضع - انخزل ابن أبي في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا! فتبعهم أبو جابر السلمي، فقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم.
فقال ابن أبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وهمت بنو حارثة وبنو سلمة بالانصراف معه، فثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرهم نعمته بقوله: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما } وناصرهما، حيث عصمهما من اتباع المنافقين، قال جابر: ما يسرنا أنها لم تنزل، لقوله: { والله وليهما } فبنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } لا على غيره، إذ لا ناصر غيره. الإشارة: من شأن شيوخ التربية أن يدلوا المريدين على محاربة النفوس ومقاتلتها، ويطلعوهم على دسائسها ومخادعتها، ليهيئوا لهم بذلك مقاعد لقتالها، والله مطلع على إخلاصهم ونياتهم، فمنهم من يمل ويكل، فيرجع إلى وطن عوائده، ومنهم من يصبر حتى يفوز بالغنيمة العظمى والسعادة القصوى، وفي ذلك يقول القائل:
وبالغوا في الجد حتى مل أكثرهم وعانق المجد من وافى ومن صبرا
قال بعضهم: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. ومنهم من يلحقه الملل والفشل فيهم بالانصراف والرجوع، ثم يثبته الله تعالى وينصره، فيلحق بالصابرين السابقين، وعمدة المريد في مجاهدة نفسه: التوكل على الله والاعتماد عليه دون شيء سواه " من علامة النجح في النهايات: الرجوع إلى الله في البدايات ". { وعلى الله فليتوكل المؤمنون }.
آل عمران 3:122
يقول الحق جل جلاله: واذكر يا محمد حين { غدوت من أهلك } من منزل عائشة، الذي نزلت فيه بأحد، حين خرجت بها، حال كونك { تبوئ المؤمنين } أي: تهيئ لهم، { مقاعد للقتال } أي: مواقف وأماكن يقفون فيها للحرب { والله سميع } لأقوالكم، { عليم } بإخلاصكم. قال الواقدي: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة - رضي الله عنها - ماشيا على رجليه إلى أحد، فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح. أن رأى صدرا خارجا، قال: تأخر. وذلك أن المشركين نزلوا بأحد، يوم الأربعاء، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه، ودعا عبد الله بن أبي بن سلول - ولم يدعه قط قبلها - فاستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخل علينا إلا أصابنا منه، فكيف وأنت فينا! فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خاسئين. فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرأي، وقال بعض أصحابه، يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إني رأيت في منامي بقرا تذبح، فأولتها ناسا من أصحابي يقتلون، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، فأولتها هزيمة، ورأيت أني أدخل يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة. فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهمء فافعلوا "
فقال رجال ممن فاتهم بدر، وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا، وبالغوا، حتى دخل النبي صلى الله عليه وسلم ولبس لأمته. فلما رأوه قد لبس سلاحه ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على النبي صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه. وقالوا: اصنع ما رأيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل ".
فخرج بعد صلاة الجمعة، وأصبح بشعب من أحد، يوم السبت للنصف من شوال، سنة ثلاث من الهجرة، ونزل في عدوة من الوادي، وجعله ظهره وعسكره إلى أحد، وسوى صفهم كما تقدم، وأمر عبد الله بن جبير على الرماة، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا من خلقنا، فكان من أمر الله ما كان، على ما يأتي. وخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد زهاء ألف، ووعدهم النصر إن صبروا، فلما بلغوا الشواط - موضع - انخزل ابن أبي في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا! فتبعهم أبو جابر السلمي، فقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم.
فقال ابن أبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وهمت بنو حارثة وبنو سلمة بالانصراف معه، فثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرهم نعمته بقوله: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما } وناصرهما، حيث عصمهما من اتباع المنافقين، قال جابر: ما يسرنا أنها لم تنزل، لقوله: { والله وليهما } فبنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } لا على غيره، إذ لا ناصر غيره. الإشارة: من شأن شيوخ التربية أن يدلوا المريدين على محاربة النفوس ومقاتلتها، ويطلعوهم على دسائسها ومخادعتها، ليهيئوا لهم بذلك مقاعد لقتالها، والله مطلع على إخلاصهم ونياتهم، فمنهم من يمل ويكل، فيرجع إلى وطن عوائده، ومنهم من يصبر حتى يفوز بالغنيمة العظمى والسعادة القصوى، وفي ذلك يقول القائل:
وبالغوا في الجد حتى مل أكثرهم وعانق المجد من وافى ومن صبرا
قال بعضهم: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. ه. ومنهم من يلحقه الملل والفشل فيهم بالانصراف والرجوع، ثم يثبته الله تعالى وينصره، فيلحق بالصابرين السابقين، وعمدة المريد في مجاهدة نفسه: التوكل على الله والاعتماد عليه دون شيء سواه " من علامة النجح في النهايات: الرجوع إلى الله في البدايات ". { وعلى الله فليتوكل المؤمنون }.
آل عمران 3:123
قلت: { بدر }: بئر بين مكة والمدينة، كانت لرجل اسمه بدر، فسميت باسم صاحبها، وقعت فيها الغزوة التي نصر الله فيها رسوله صلى الله عليه وسلم، فسميت الغزوة باسم المكان، وجملة: { وأنتم أذلة }: حال من الكاف، و { أذلة }: جمع ذليل، كأعزة، جمع عزيز. يقول الحق جل جلاله: { ولقد نصركم الله } في وقعة بدر { وأنتم أذلة } ليس معكم مراكب ولا كثرة سلاح، مع قوة عدوكم بالعدة والعدد، { فاتقوا الله } وأثبتو مع رسوله، وانتظروا النصر من الله كما عودكم، { لعلكم } تكونون شاكرين، لما أنعم به عليكم من العز والنصر، فيزيدكم منه كما وعدكم. الإشارة: جعل الله سبحانه وتعالى الأياء كامنة في أضدادها، فمن أراد العز والنصر فليتحقق بالذل والمسكنة، ومن أراد الغنى فليتحقق بالفقر، ومن أراد الرفعة فليتحقق بالضعة وإسقاط المنزلة، ومن أراد القوة فليتحقق فالضعف، وهكذا: { تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه }. فاتقوا الله يا معشر المريدين، واطلبوا الأشياء في أضدادها لتظفروا بها، واشكروا الله على ما أولاكم يزدكم من فضله ونواله.
آل عمران 3:124
قلت: { إذا }: ظرف لنصركم، إذا قلنا: إن الإمداد يوم بدر فقط، أو بدل من { إذ غدوت } ، إذا قلنا: كان الإمداد يوم أحد بشرط الصبر، فملا لم يصبروا لم يقع. والتسويم: التعليم. يقول الحق جل جلاله: ولقد نصركم الله ببدر حين كنت { تقول للمؤمنين } حين رأوا كثرة عدوهم وقلة عدتهم وعددهم: { ألن يكفيكم } في القوة والكثرة، { أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين } في السحاب؟ { بلى } يكفيكم كما وعدكم، { إن تصبروا } وتثبتوا { وتتقوا } الله { ويأتوكم من فورهم } أي: من سرعتهم { هذا } الوقت، { يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة } بلا تراخ ولا تأخير، { مسومين } أي: معلمين بعمائم بيض إلا جبريل، فإنه كان عمامته صفراء. أو معلمين أنفسهم أو خيلهم. قيل: كانت مجزوزة الأذناب، وقيل: كانت بلقا. فإن قلت: ما ذكر في الأنفال إلا ألفا، هنا خمسة آلاف. فالجواب: أن الله تعالى أمدهم أولا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. قال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال معنا، ولا يقاتلون. ه. الإشارة: كل من توجه لجهاد نفسه في الله، واشتغل بذكر مولاه، أمده الله في الباطن بالأنوار والأسرار، وفي الظاهر بالملائكة الأبرار، وقد شوهد ذلك في الفقراء أصحابنا، إذا كانوا ثلاثة رآهم العامة ثلاثين، وإذاكانوا ثلاثين رأوهم ثلاثمائة، وقد كنا في سفره سبعين، فرأونا سبعمائة على ما أخبرونا به،
والله يؤيد بنصره من يشآء
[آل عمران: 13].
آل عمران 3:125
قلت: { إذا }: ظرف لنصركم، إذا قلنا: إن الإمداد يوم بدر فقط، أو بدل من { إذ غدوت } ، إذا قلنا: كان الإمداد يوم أحد بشرط الصبر، فملا لم يصبروا لم يقع. والتسويم: التعليم. يقول الحق جل جلاله: ولقد نصركم الله ببدر حين كنت { تقول للمؤمنين } حين رأوا كثرة عدوهم وقلة عدتهم وعددهم: { ألن يكفيكم } في القوة والكثرة، { أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين } في السحاب؟ { بلى } يكفيكم كما وعدكم، { إن تصبروا } وتثبتوا { وتتقوا } الله { ويأتوكم من فورهم } أي: من سرعتهم { هذا } الوقت، { يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة } بلا تراخ ولا تأخير، { مسومين } أي: معلمين بعمائم بيض إلا جبريل، فإنه كان عمامته صفراء. أو معلمين أنفسهم أو خيلهم. قيل: كانت مجزوزة الأذناب، وقيل: كانت بلقا. فإن قلت: ما ذكر في الأنفال إلا ألفا، هنا خمسة آلاف. فالجواب: أن الله تعالى أمدهم أولا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. قال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال معنا، ولا يقاتلون. ه. الإشارة: كل من توجه لجهاد نفسه في الله، واشتغل بذكر مولاه، أمده الله في الباطن بالأنوار والأسرار، وفي الظاهر بالملائكة الأبرار، وقد شوهد ذلك في الفقراء أصحابنا، إذا كانوا ثلاثة رآهم العامة ثلاثين، وإذاكانوا ثلاثين رأوهم ثلاثمائة، وقد كنا في سفره سبعين، فرأونا سبعمائة على ما أخبرونا به،
والله يؤيد بنصره من يشآء
[آل عمران: 13].
آل عمران 3:126
قلت: { ليس لك من الأمر شيء }: جملة معترضة بين قوله: { أو يكبتهم } وقوله: { أو يتوب عليهم } ، أو تكون { أو } بمعنى { إلا } ، أي: ليس لك من الأمر شيء، إلا أن يتوب عليهم فتبشرهم، أو يعذبهم فتشفى فيهم. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: وما جعل الله ذلك الإمداد إلا بشارة لكم بالنصر، { ولتطمئن قلوبكم به } فتثبتوا للقتال، { وما النصر إلا من عند الله } فهو قادر على أن ينصركم بلا واسطة، لكن أراد أن يثيبكم وينسب المزية إليكم، حيث قتلهم على أيديكم، فإن الله عزيز لا يغلب، حكيم فيما دبر وأبرم، وإنما نصركم يوم بدر { ليقطع طرفا من الذين كفروا } بقتل بعض وأسر آخرين، فإنه قتل يومئذ سبعون، وأسر سبعون، { أو يكبتهم } أي: يحزنهم ويغيظهم، والكبت: شدة الغيظ، { فينقلبوا خائبين } مما أملوا. ولما جرح - عليه الصلاة والسلام - في وجهه، وشج على قرن حاجبه، وكسرت رباعيته، هم بالدعاء على الكفار، بل دعا عليهم، فأنزل الله: { ليس لك من الأمر شيء } إنما أنت رسول إليهم، مأمور بإنذارهم وجهادهم، وأمرهم بيد مالكم، إن شاء هداهم وإن شاء عذبهم. وإنما نهاه عن الدعاء عليهم لعلمه بأن منهم من يسلم ويجاهد في سبيل الله، وقد كان كذلك فجلهم أسلموا وجاهدوا، منهم خالد بن الوليد - سيف الله في أرضه. ثم عطلف على قوله: { ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم } قوله: { أو يتوب عليهم } إن أسلموا { أو يعذبهم } إن لم يسلموا، { فإنهم ظالمون } قد استحقوا العذاب بظلمهم، والأمور كلها بيد الله، { ولله ما في السماوات وما في الأرض } خلقا وملكا وعبيدا، { يغفر لمن يشاء } غفرانه، { ويعذب من يشاء } تعذيبه، ولا يجب عليه شيء، { والله غفور رحيم } لعباده، فلا تبادر بالدعاء عليهم. الإشارة: وما جعل الله التأييد الذي ينزله على أهل التجريد، حين يقابلهم بالابتلاء والتشديد، إذا أراد أن يوصلهم لصفاء التوحيد، إلا بشارة لفتحهم، ولتطمئن بمعرفته قلوبهم، فإن الامتكان على قدر الامتحان، وكل محنة تزيد مكنة، وهذه سنة الله في أوليائه، يسلط عليهم الخلق في بدايتهم، ويشدد عليهم ابلاء، حتى إذا طهروا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، كف عنهم الأذى، وانقلب الجلال جمالا، وذلك اعتناء بهم، ونصرا لهم على أنفسهم، فإن النصر كله { من عند الله العزيز الحكيم }. وذلك ليقطع عنهم طرفا من الشواغل والعلائق، التي تقبضهم عن العروج إلى سماء الحقائق، فإن الروح إذا رقدت في ظل العز والجاه صعب خروجها من هذا العالم، فإذا ضيق عليها، وعكس مرادها، رحلت إلى عالم الملكوت، والأمر كله بيد الله. ليس لك أيها الفقير من الأمر شيء، إنما أنت مأمور بتحريك الأسباب والله يفتح الباب.
ليس لك أيها الشيخ من الأمر شيء، إنما أنت مذكر، وعلى الله البلاغ، فلا تأس على ما فاتك، ولا تفرح بما آتاك، فملكوت السماوات والأرض بيد الله، { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم }. قال القشيري: جرده - أي: نبيه صلى الله عليه وسلم لما به عرفه عن كل غير وسبب، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شيء، ثم قال: ويقال: أقامه في وقت مقاما رمى بقبضة من التراب، فأصابت جميع الوجوه، وقال:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
[الأنفال: 17]، وقال في وقت آخر:
ليس لك من الأمر شىء
[آل عمران: 128]. ه. يشير إلى أنهما مقامان: نيابة عن الله بالله، ونيابة الله عن عبده، والأول بقاء، والثاني فناء، قاله المحشي. قتل: الأول في مقام البسط، والثاني في مقام القبض، فقد قالوا: إذا بسط فلا فاقة، وإذا قبض فلا طاعة. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:127
قلت: { ليس لك من الأمر شيء }: جملة معترضة بين قوله: { أو يكبتهم } وقوله: { أو يتوب عليهم } ، أو تكون { أو } بمعنى { إلا } ، أي: ليس لك من الأمر شيء، إلا أن يتوب عليهم فتبشرهم، أو يعذبهم فتشفى فيهم. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: وما جعل الله ذلك الإمداد إلا بشارة لكم بالنصر، { ولتطمئن قلوبكم به } فتثبتوا للقتال، { وما النصر إلا من عند الله } فهو قادر على أن ينصركم بلا واسطة، لكن أراد أن يثيبكم وينسب المزية إليكم، حيث قتلهم على أيديكم، فإن الله عزيز لا يغلب، حكيم فيما دبر وأبرم، وإنما نصركم يوم بدر { ليقطع طرفا من الذين كفروا } بقتل بعض وأسر آخرين، فإنه قتل يومئذ سبعون، وأسر سبعون، { أو يكبتهم } أي: يحزنهم ويغيظهم، والكبت: شدة الغيظ، { فينقلبوا خائبين } مما أملوا. ولما جرح - عليه الصلاة والسلام - في وجهه، وشج على قرن حاجبه، وكسرت رباعيته، هم بالدعاء على الكفار، بل دعا عليهم، فأنزل الله: { ليس لك من الأمر شيء } إنما أنت رسول إليهم، مأمور بإنذارهم وجهادهم، وأمرهم بيد مالكم، إن شاء هداهم وإن شاء عذبهم. وإنما نهاه عن الدعاء عليهم لعلمه بأن منهم من يسلم ويجاهد في سبيل الله، وقد كان كذلك فجلهم أسلموا وجاهدوا، منهم خالد بن الوليد - سيف الله في أرضه. ثم عطلف على قوله: { ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم } قوله: { أو يتوب عليهم } إن أسلموا { أو يعذبهم } إن لم يسلموا، { فإنهم ظالمون } قد استحقوا العذاب بظلمهم، والأمور كلها بيد الله، { ولله ما في السماوات وما في الأرض } خلقا وملكا وعبيدا، { يغفر لمن يشاء } غفرانه، { ويعذب من يشاء } تعذيبه، ولا يجب عليه شيء، { والله غفور رحيم } لعباده، فلا تبادر بالدعاء عليهم. الإشارة: وما جعل الله التأييد الذي ينزله على أهل التجريد، حين يقابلهم بالابتلاء والتشديد، إذا أراد أن يوصلهم لصفاء التوحيد، إلا بشارة لفتحهم، ولتطمئن بمعرفته قلوبهم، فإن الامتكان على قدر الامتحان، وكل محنة تزيد مكنة، وهذه سنة الله في أوليائه، يسلط عليهم الخلق في بدايتهم، ويشدد عليهم ابلاء، حتى إذا طهروا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، كف عنهم الأذى، وانقلب الجلال جمالا، وذلك اعتناء بهم، ونصرا لهم على أنفسهم، فإن النصر كله { من عند الله العزيز الحكيم }. وذلك ليقطع عنهم طرفا من الشواغل والعلائق، التي تقبضهم عن العروج إلى سماء الحقائق، فإن الروح إذا رقدت في ظل العز والجاه صعب خروجها من هذا العالم، فإذا ضيق عليها، وعكس مرادها، رحلت إلى عالم الملكوت، والأمر كله بيد الله. ليس لك أيها الفقير من الأمر شيء، إنما أنت مأمور بتحريك الأسباب والله يفتح الباب.
ليس لك أيها الشيخ من الأمر شيء، إنما أنت مذكر، وعلى الله البلاغ، فلا تأس على ما فاتك، ولا تفرح بما آتاك، فملكوت السماوات والأرض بيد الله، { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم }. قال القشيري: جرده - أي: نبيه صلى الله عليه وسلم لما به عرفه عن كل غير وسبب، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شيء، ثم قال: ويقال: أقامه في وقت مقاما رمى بقبضة من التراب، فأصابت جميع الوجوه، وقال:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
[الأنفال: 17]، وقال في وقت آخر:
ليس لك من الأمر شىء
[آل عمران: 128]. ه. يشير إلى أنهما مقامان: نيابة عن الله بالله، ونيابة الله عن عبده، والأول بقاء، والثاني فناء، قاله المحشي. قتل: الأول في مقام البسط، والثاني في مقام القبض، فقد قالوا: إذا بسط فلا فاقة، وإذا قبض فلا طاعة. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:128
قلت: { ليس لك من الأمر شيء }: جملة معترضة بين قوله: { أو يكبتهم } وقوله: { أو يتوب عليهم } ، أو تكون { أو } بمعنى { إلا } ، أي: ليس لك من الأمر شيء، إلا أن يتوب عليهم فتبشرهم، أو يعذبهم فتشفى فيهم. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: وما جعل الله ذلك الإمداد إلا بشارة لكم بالنصر، { ولتطمئن قلوبكم به } فتثبتوا للقتال، { وما النصر إلا من عند الله } فهو قادر على أن ينصركم بلا واسطة، لكن أراد أن يثيبكم وينسب المزية إليكم، حيث قتلهم على أيديكم، فإن الله عزيز لا يغلب، حكيم فيما دبر وأبرم، وإنما نصركم يوم بدر { ليقطع طرفا من الذين كفروا } بقتل بعض وأسر آخرين، فإنه قتل يومئذ سبعون، وأسر سبعون، { أو يكبتهم } أي: يحزنهم ويغيظهم، والكبت: شدة الغيظ، { فينقلبوا خائبين } مما أملوا. ولما جرح - عليه الصلاة والسلام - في وجهه، وشج على قرن حاجبه، وكسرت رباعيته، هم بالدعاء على الكفار، بل دعا عليهم، فأنزل الله: { ليس لك من الأمر شيء } إنما أنت رسول إليهم، مأمور بإنذارهم وجهادهم، وأمرهم بيد مالكم، إن شاء هداهم وإن شاء عذبهم. وإنما نهاه عن الدعاء عليهم لعلمه بأن منهم من يسلم ويجاهد في سبيل الله، وقد كان كذلك فجلهم أسلموا وجاهدوا، منهم خالد بن الوليد - سيف الله في أرضه. ثم عطلف على قوله: { ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم } قوله: { أو يتوب عليهم } إن أسلموا { أو يعذبهم } إن لم يسلموا، { فإنهم ظالمون } قد استحقوا العذاب بظلمهم، والأمور كلها بيد الله، { ولله ما في السماوات وما في الأرض } خلقا وملكا وعبيدا، { يغفر لمن يشاء } غفرانه، { ويعذب من يشاء } تعذيبه، ولا يجب عليه شيء، { والله غفور رحيم } لعباده، فلا تبادر بالدعاء عليهم. الإشارة: وما جعل الله التأييد الذي ينزله على أهل التجريد، حين يقابلهم بالابتلاء والتشديد، إذا أراد أن يوصلهم لصفاء التوحيد، إلا بشارة لفتحهم، ولتطمئن بمعرفته قلوبهم، فإن الامتكان على قدر الامتحان، وكل محنة تزيد مكنة، وهذه سنة الله في أوليائه، يسلط عليهم الخلق في بدايتهم، ويشدد عليهم ابلاء، حتى إذا طهروا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، كف عنهم الأذى، وانقلب الجلال جمالا، وذلك اعتناء بهم، ونصرا لهم على أنفسهم، فإن النصر كله { من عند الله العزيز الحكيم }. وذلك ليقطع عنهم طرفا من الشواغل والعلائق، التي تقبضهم عن العروج إلى سماء الحقائق، فإن الروح إذا رقدت في ظل العز والجاه صعب خروجها من هذا العالم، فإذا ضيق عليها، وعكس مرادها، رحلت إلى عالم الملكوت، والأمر كله بيد الله. ليس لك أيها الفقير من الأمر شيء، إنما أنت مأمور بتحريك الأسباب والله يفتح الباب.
ليس لك أيها الشيخ من الأمر شيء، إنما أنت مذكر، وعلى الله البلاغ، فلا تأس على ما فاتك، ولا تفرح بما آتاك، فملكوت السماوات والأرض بيد الله، { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم }. قال القشيري: جرده - أي: نبيه صلى الله عليه وسلم لما به عرفه عن كل غير وسبب، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شيء، ثم قال: ويقال: أقامه في وقت مقاما رمى بقبضة من التراب، فأصابت جميع الوجوه، وقال:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
[الأنفال: 17]، وقال في وقت آخر:
ليس لك من الأمر شىء
[آل عمران: 128]. ه. يشير إلى أنهما مقامان: نيابة عن الله بالله، ونيابة الله عن عبده، والأول بقاء، والثاني فناء، قاله المحشي. قتل: الأول في مقام البسط، والثاني في مقام القبض، فقد قالوا: إذا بسط فلا فاقة، وإذا قبض فلا طاعة. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:129
قلت: { ليس لك من الأمر شيء }: جملة معترضة بين قوله: { أو يكبتهم } وقوله: { أو يتوب عليهم } ، أو تكون { أو } بمعنى { إلا } ، أي: ليس لك من الأمر شيء، إلا أن يتوب عليهم فتبشرهم، أو يعذبهم فتشفى فيهم. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: وما جعل الله ذلك الإمداد إلا بشارة لكم بالنصر، { ولتطمئن قلوبكم به } فتثبتوا للقتال، { وما النصر إلا من عند الله } فهو قادر على أن ينصركم بلا واسطة، لكن أراد أن يثيبكم وينسب المزية إليكم، حيث قتلهم على أيديكم، فإن الله عزيز لا يغلب، حكيم فيما دبر وأبرم، وإنما نصركم يوم بدر { ليقطع طرفا من الذين كفروا } بقتل بعض وأسر آخرين، فإنه قتل يومئذ سبعون، وأسر سبعون، { أو يكبتهم } أي: يحزنهم ويغيظهم، والكبت: شدة الغيظ، { فينقلبوا خائبين } مما أملوا. ولما جرح - عليه الصلاة والسلام - في وجهه، وشج على قرن حاجبه، وكسرت رباعيته، هم بالدعاء على الكفار، بل دعا عليهم، فأنزل الله: { ليس لك من الأمر شيء } إنما أنت رسول إليهم، مأمور بإنذارهم وجهادهم، وأمرهم بيد مالكم، إن شاء هداهم وإن شاء عذبهم. وإنما نهاه عن الدعاء عليهم لعلمه بأن منهم من يسلم ويجاهد في سبيل الله، وقد كان كذلك فجلهم أسلموا وجاهدوا، منهم خالد بن الوليد - سيف الله في أرضه. ثم عطلف على قوله: { ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم } قوله: { أو يتوب عليهم } إن أسلموا { أو يعذبهم } إن لم يسلموا، { فإنهم ظالمون } قد استحقوا العذاب بظلمهم، والأمور كلها بيد الله، { ولله ما في السماوات وما في الأرض } خلقا وملكا وعبيدا، { يغفر لمن يشاء } غفرانه، { ويعذب من يشاء } تعذيبه، ولا يجب عليه شيء، { والله غفور رحيم } لعباده، فلا تبادر بالدعاء عليهم. الإشارة: وما جعل الله التأييد الذي ينزله على أهل التجريد، حين يقابلهم بالابتلاء والتشديد، إذا أراد أن يوصلهم لصفاء التوحيد، إلا بشارة لفتحهم، ولتطمئن بمعرفته قلوبهم، فإن الامتكان على قدر الامتحان، وكل محنة تزيد مكنة، وهذه سنة الله في أوليائه، يسلط عليهم الخلق في بدايتهم، ويشدد عليهم ابلاء، حتى إذا طهروا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، كف عنهم الأذى، وانقلب الجلال جمالا، وذلك اعتناء بهم، ونصرا لهم على أنفسهم، فإن النصر كله { من عند الله العزيز الحكيم }. وذلك ليقطع عنهم طرفا من الشواغل والعلائق، التي تقبضهم عن العروج إلى سماء الحقائق، فإن الروح إذا رقدت في ظل العز والجاه صعب خروجها من هذا العالم، فإذا ضيق عليها، وعكس مرادها، رحلت إلى عالم الملكوت، والأمر كله بيد الله. ليس لك أيها الفقير من الأمر شيء، إنما أنت مأمور بتحريك الأسباب والله يفتح الباب.
ليس لك أيها الشيخ من الأمر شيء، إنما أنت مذكر، وعلى الله البلاغ، فلا تأس على ما فاتك، ولا تفرح بما آتاك، فملكوت السماوات والأرض بيد الله، { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم }. قال القشيري: جرده - أي: نبيه صلى الله عليه وسلم لما به عرفه عن كل غير وسبب، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شيء، ثم قال: ويقال: أقامه في وقت مقاما رمى بقبضة من التراب، فأصابت جميع الوجوه، وقال:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
[الأنفال: 17]، وقال في وقت آخر:
ليس لك من الأمر شىء
[آل عمران: 128]. ه. يشير إلى أنهما مقامان: نيابة عن الله بالله، ونيابة الله عن عبده، والأول بقاء، والثاني فناء، قاله المحشي. قتل: الأول في مقام البسط، والثاني في مقام القبض، فقد قالوا: إذا بسط فلا فاقة، وإذا قبض فلا طاعة. والله تعالى أعلم.