البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — آل عمران 3:130 – النساء 4:77
المحتويات
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:131
- آل عمران 3:132
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:136
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
- آل عمران 3:142
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:149
- آل عمران 3:150
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:155
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:157
- آل عمران 3:158
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:160
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:162
- آل عمران 3:163
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:167
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:176
- آل عمران 3:177
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:182
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:197
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:69
- النساء 4:70
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
آل عمران 3:130
قلت: الكظم هو: الكف والحبس، تقول: كظمت القربة: إذا ملأتها وسددت رأسها. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا } وتزيدوا فيها إذا حل الأجل { أضعافا مضاعفة } ، ولعل التخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل يحل أجل دينه، فيقول للمدين: إما أن تقضي وإما أن تزيد، فلا يزال يؤخره ويزيد في دينه حتى يستغرق مال المدين، فنهوا عن ذلك. ورغبهم في التقوى التي هي غنى الدارين. فقال: { واتقوا الله } فيما نهيتكم عنه، { لعلك تفلحون } في الدارين. ثم خوفهم بالنار إن لم ينتهوا، فقال: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } ، وفيه إشعار بأن النار موجودة إذ لا يعد المعدوم، وأنها بالذات معدة للكافرين، وبالعرض للعاصين. قال الورتجبي: في الآية إشارة إلى أن النار لم تعد للمؤمنين، ولم تخلق لهم، ولكن خوفهم بها زجرا وعظة، كالأب البار المشفق على ولده يخوفه بالأسد والسيف، وهو لا يضربه بالسيف، ولا يلقيه إلى الأسد، فهذه الآية تلطف وشفقة على عباده. ه. { وأطيعوا الله } فيما أمر ونهى، { والرسول } فيما شرع وسن، { لعلكم ترحمون }. والتعبير بلعل وعيسى في أمثال هذه: دليل على عون التوصل إلى ما جعل طريقا له. { وسارعوا }: أي: بادروا { إلى مغفر من ربكم } كالإسلام والتوبة والإخلاص، وسائر الطاعات التي توجب المغفرة، وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على الاستئناف. وسارعوا أيضا إلى { جنة عرضها السماوات والأرض } لو وصل بعضها ببعض، وذكر العرض للمباغلة في وصفها بالسعة لأنه دون الطول. قال بعضهم: لم يرد العرض الذي هو ضد الطول، وإنما أراد عظمها، ومعناه: كعرض السماوات السبع والأرضين السبع في ظنكم، أي: لا تدرك ببيان. { أعدت } أي: هيئت { للمتقين }. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وأنها خارجة عن هذا العالم. ثم وصف أهلها من المتقين بأوصاف الكمال، فقال: { الذين ينفقون في السراء والضراء } أي: في حالتي الرخاء والشدة، وفي الأحوال كلها، كما هي حالة الأسخياء، قال صلى الله عليه وسلم:
" الجنة دار الأسخياء "
وقال أيضا:
" السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد، من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من العالم البخيل "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا، من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، من تعلق ببعض من أغصانها قادته إلى النار ".
{ والكاظمين الغيظ } أي: الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه، قال عليه الصلاة والسلام
" من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ".
وقال بعض الشعراء:
وإذا غضبت فكن وقورا كاظما للغيظ، تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا، تصبر ساعة يرضى بها عنك الإله ويرفع
{ والعافين عن الناس } أي: عمن ظلمهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند ذلك:
" إن هؤلاء في أمتي قليل، من عصم الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت "
وعن أبي هريرة: أن أبا بكر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر، وهو ساكت، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، ثم رد أبو بكر بعض الرد، فغضب عليه الصلاة والسلام - وقام، فلحقه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، شتمني وأنت تبتسم، ثم رددت عليه بعض ما قال، فغضبت وقمت. قال:
" حين كنت ساكتا كان معك ملك يرد عليه، فلما تكلمت وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد في مقعد فيه الشيطان، يا أبا بكر، ثلاث حق: تعلم أنه ليس عبد يظلم مظلمة فيعفو عنها إلا أعز الله بها نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله قلة، وليس عبد يفتح عطية أو صلة إلا زاده الله بها كثرة ".
{ والله يحب المحسنين } الذين أحسنوا فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين عباد الله، و " أل ": يحتمل أن تكون للجنس، فيعم كل محسن، أو للعهد، فتكون الإشارة إلى من تقدم ذكرهم. الإشارة: كل ما يقوي مادة الحس فهو ربا لأنه يربي الحسن ويقوي مادة الغفلة، فلا ينبغي لمريد أن يضاعفه ويتعاطى أسباب تكثيره، بل ينبغي أن يفر من موارده، وهي ثلاثة: مباشرة الحس، أو الفكر فيه، أو الكلام مع أهله فيه. والذي يقوي مادة المعنى ثلاثة: صحبة أهل المعنى، والفكرة في المعاني، وذكر الله بالقلب. واتقوا الله في مباشرة الحسن { لعلكم تفلحون } بالوصول إلى صف المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، { وأطيعوا الله والرسول } فيما ندبكم إليه، { لعلكم ترحمون } بالوصول إلى صفة المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، { وأطيعوا الله والرسول } فيما ندبكم إليه، { لعلكم ترحمون } بإحياء قلوبكم وأرواحكم وأرواحكم بأسرار المعاني، وسارعوا إلى ما يوجب تغطية مساوءكم، حتى يغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، فتدخلوا جنة المعارف، التي لا نهاية لفضاء شهودها، التي أعدت للمتقين السوى، الذي يبذلون مهجهم وأموالهم في حال الجلال والجمال، { والكاظمين الغيظ } حيث ملكوا أنفسهم وأحوالهم، { والعافين عن الناس } لأن الصوفي ماله مباح ودمه هدر. وكان بعض الصوفية يقول: إذا أردت أن تعرف حال الفقير فأغضبه، وانظر إلى ما يخرج منه.
وقال شيخ شيوخنا رضي الله عنه: قطب التصوف: لا تغضب ولا تغضب. ه. ولعروة بن الزبير - رضي الله عنه:
لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا، حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مشرقة، لا عفو ذل، ولكن عفو أحلام.
{ والله يحب المحسنين } الذين حازوا مقام الإحسان، فعبدوا الله بالشهود والعيان، فعم إحسانهم ذا الإساءة والإحسان والإنس والجان. قال الحسن البصري: الإحسان: أن يعم إحسانه، ولا يكون كالشمس والريح والمطر. أي: يخص بلدا دون بلد. وقال سفيان الثوري: ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، وإنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك. فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة كنفقد السوق، خذ مني وهات. وقال السري السقطي: الإحسان: أن تحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان، وأنشدوا:
ليس في كل ساعة وأوان تتهيأ صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها حذرا من تعذر الإمكان
وقال الورتجبي: قوله: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة... } الخ، علم الحق - سبحانه - علل الخلق وميلهم إلى منى النفوس، فدعاهم بطاعته إلى العلتين: المغفرة والجنة، ودعا الخاصة إلى نفسه، فقال: { ففروا إلى الله } ، ثم أعلم أن الكل في درك امتحان الجرم، وأثبت بالآية ذنب الكل، لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل، فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق، كما قال عليه الصلاة والسلام:
" لو أن الله عذب الملائكة لحق منه، فقيل: إنهم معصومون، فقال عليه الصلاة والسلام: من قلة معرفتهم بربهم "
ولذلك دعاهم إلى المغفرة. ه. قال في الحاشية: وقوله: أثبت بالآية ذنب الكل، يعني: شمول قوله: { يغفر لمن يشاء } من في السماوات الصادق بالملائكة، وإنما تكون المغفرة بعد ذنب، ولكنه في كل أحد على حسبه، وأما قوله: دعاهم إلى المغفرة، فكأنه من قوله: { سارعوا إلى مغفرة من ربكم } ، وأن الخطاب يعم من في السماوات أيضا، وقد يتصور في حق الملائكة الاستناد لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام، مما هو معرض للخطأ، وذلك من دواعي المغفرة، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلاله الله: نقص لا يخلو منه مخلوق، لاستحالة الإحاطة به علما، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له أبدا سرمدا. ه.
آل عمران 3:131
قلت: الكظم هو: الكف والحبس، تقول: كظمت القربة: إذا ملأتها وسددت رأسها. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا } وتزيدوا فيها إذا حل الأجل { أضعافا مضاعفة } ، ولعل التخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل يحل أجل دينه، فيقول للمدين: إما أن تقضي وإما أن تزيد، فلا يزال يؤخره ويزيد في دينه حتى يستغرق مال المدين، فنهوا عن ذلك. ورغبهم في التقوى التي هي غنى الدارين. فقال: { واتقوا الله } فيما نهيتكم عنه، { لعلك تفلحون } في الدارين. ثم خوفهم بالنار إن لم ينتهوا، فقال: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } ، وفيه إشعار بأن النار موجودة إذ لا يعد المعدوم، وأنها بالذات معدة للكافرين، وبالعرض للعاصين. قال الورتجبي: في الآية إشارة إلى أن النار لم تعد للمؤمنين، ولم تخلق لهم، ولكن خوفهم بها زجرا وعظة، كالأب البار المشفق على ولده يخوفه بالأسد والسيف، وهو لا يضربه بالسيف، ولا يلقيه إلى الأسد، فهذه الآية تلطف وشفقة على عباده. ه. { وأطيعوا الله } فيما أمر ونهى، { والرسول } فيما شرع وسن، { لعلكم ترحمون }. والتعبير بلعل وعيسى في أمثال هذه: دليل على عون التوصل إلى ما جعل طريقا له. { وسارعوا }: أي: بادروا { إلى مغفر من ربكم } كالإسلام والتوبة والإخلاص، وسائر الطاعات التي توجب المغفرة، وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على الاستئناف. وسارعوا أيضا إلى { جنة عرضها السماوات والأرض } لو وصل بعضها ببعض، وذكر العرض للمباغلة في وصفها بالسعة لأنه دون الطول. قال بعضهم: لم يرد العرض الذي هو ضد الطول، وإنما أراد عظمها، ومعناه: كعرض السماوات السبع والأرضين السبع في ظنكم، أي: لا تدرك ببيان. { أعدت } أي: هيئت { للمتقين }. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وأنها خارجة عن هذا العالم. ثم وصف أهلها من المتقين بأوصاف الكمال، فقال: { الذين ينفقون في السراء والضراء } أي: في حالتي الرخاء والشدة، وفي الأحوال كلها، كما هي حالة الأسخياء، قال صلى الله عليه وسلم:
" الجنة دار الأسخياء "
وقال أيضا:
" السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد، من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من العالم البخيل "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا، من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، من تعلق ببعض من أغصانها قادته إلى النار ".
{ والكاظمين الغيظ } أي: الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه، قال عليه الصلاة والسلام
" من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ".
وقال بعض الشعراء:
وإذا غضبت فكن وقورا كاظما للغيظ، تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا، تصبر ساعة يرضى بها عنك الإله ويرفع
{ والعافين عن الناس } أي: عمن ظلمهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند ذلك:
" إن هؤلاء في أمتي قليل، من عصم الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت "
وعن أبي هريرة: أن أبا بكر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر، وهو ساكت، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، ثم رد أبو بكر بعض الرد، فغضب عليه الصلاة والسلام - وقام، فلحقه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، شتمني وأنت تبتسم، ثم رددت عليه بعض ما قال، فغضبت وقمت. قال:
" حين كنت ساكتا كان معك ملك يرد عليه، فلما تكلمت وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد في مقعد فيه الشيطان، يا أبا بكر، ثلاث حق: تعلم أنه ليس عبد يظلم مظلمة فيعفو عنها إلا أعز الله بها نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله قلة، وليس عبد يفتح عطية أو صلة إلا زاده الله بها كثرة ".
{ والله يحب المحسنين } الذين أحسنوا فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين عباد الله، و " أل ": يحتمل أن تكون للجنس، فيعم كل محسن، أو للعهد، فتكون الإشارة إلى من تقدم ذكرهم. الإشارة: كل ما يقوي مادة الحس فهو ربا لأنه يربي الحسن ويقوي مادة الغفلة، فلا ينبغي لمريد أن يضاعفه ويتعاطى أسباب تكثيره، بل ينبغي أن يفر من موارده، وهي ثلاثة: مباشرة الحس، أو الفكر فيه، أو الكلام مع أهله فيه. والذي يقوي مادة المعنى ثلاثة: صحبة أهل المعنى، والفكرة في المعاني، وذكر الله بالقلب. واتقوا الله في مباشرة الحسن { لعلكم تفلحون } بالوصول إلى صف المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، { وأطيعوا الله والرسول } فيما ندبكم إليه، { لعلكم ترحمون } بالوصول إلى صفة المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، { وأطيعوا الله والرسول } فيما ندبكم إليه، { لعلكم ترحمون } بإحياء قلوبكم وأرواحكم وأرواحكم بأسرار المعاني، وسارعوا إلى ما يوجب تغطية مساوءكم، حتى يغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، فتدخلوا جنة المعارف، التي لا نهاية لفضاء شهودها، التي أعدت للمتقين السوى، الذي يبذلون مهجهم وأموالهم في حال الجلال والجمال، { والكاظمين الغيظ } حيث ملكوا أنفسهم وأحوالهم، { والعافين عن الناس } لأن الصوفي ماله مباح ودمه هدر. وكان بعض الصوفية يقول: إذا أردت أن تعرف حال الفقير فأغضبه، وانظر إلى ما يخرج منه.
وقال شيخ شيوخنا رضي الله عنه: قطب التصوف: لا تغضب ولا تغضب. ه. ولعروة بن الزبير - رضي الله عنه:
لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا، حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مشرقة، لا عفو ذل، ولكن عفو أحلام.
{ والله يحب المحسنين } الذين حازوا مقام الإحسان، فعبدوا الله بالشهود والعيان، فعم إحسانهم ذا الإساءة والإحسان والإنس والجان. قال الحسن البصري: الإحسان: أن يعم إحسانه، ولا يكون كالشمس والريح والمطر. أي: يخص بلدا دون بلد. وقال سفيان الثوري: ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، وإنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك. فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة كنفقد السوق، خذ مني وهات. وقال السري السقطي: الإحسان: أن تحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان، وأنشدوا:
ليس في كل ساعة وأوان تتهيأ صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها حذرا من تعذر الإمكان
وقال الورتجبي: قوله: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة... } الخ، علم الحق - سبحانه - علل الخلق وميلهم إلى منى النفوس، فدعاهم بطاعته إلى العلتين: المغفرة والجنة، ودعا الخاصة إلى نفسه، فقال: { ففروا إلى الله } ، ثم أعلم أن الكل في درك امتحان الجرم، وأثبت بالآية ذنب الكل، لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل، فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق، كما قال عليه الصلاة والسلام:
" لو أن الله عذب الملائكة لحق منه، فقيل: إنهم معصومون، فقال عليه الصلاة والسلام: من قلة معرفتهم بربهم "
ولذلك دعاهم إلى المغفرة. ه. قال في الحاشية: وقوله: أثبت بالآية ذنب الكل، يعني: شمول قوله: { يغفر لمن يشاء } من في السماوات الصادق بالملائكة، وإنما تكون المغفرة بعد ذنب، ولكنه في كل أحد على حسبه، وأما قوله: دعاهم إلى المغفرة، فكأنه من قوله: { سارعوا إلى مغفرة من ربكم } ، وأن الخطاب يعم من في السماوات أيضا، وقد يتصور في حق الملائكة الاستناد لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام، مما هو معرض للخطأ، وذلك من دواعي المغفرة، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلاله الله: نقص لا يخلو منه مخلوق، لاستحالة الإحاطة به علما، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له أبدا سرمدا. ه.
آل عمران 3:132
قلت: الكظم هو: الكف والحبس، تقول: كظمت القربة: إذا ملأتها وسددت رأسها. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا } وتزيدوا فيها إذا حل الأجل { أضعافا مضاعفة } ، ولعل التخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل يحل أجل دينه، فيقول للمدين: إما أن تقضي وإما أن تزيد، فلا يزال يؤخره ويزيد في دينه حتى يستغرق مال المدين، فنهوا عن ذلك. ورغبهم في التقوى التي هي غنى الدارين. فقال: { واتقوا الله } فيما نهيتكم عنه، { لعلك تفلحون } في الدارين. ثم خوفهم بالنار إن لم ينتهوا، فقال: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } ، وفيه إشعار بأن النار موجودة إذ لا يعد المعدوم، وأنها بالذات معدة للكافرين، وبالعرض للعاصين. قال الورتجبي: في الآية إشارة إلى أن النار لم تعد للمؤمنين، ولم تخلق لهم، ولكن خوفهم بها زجرا وعظة، كالأب البار المشفق على ولده يخوفه بالأسد والسيف، وهو لا يضربه بالسيف، ولا يلقيه إلى الأسد، فهذه الآية تلطف وشفقة على عباده. ه. { وأطيعوا الله } فيما أمر ونهى، { والرسول } فيما شرع وسن، { لعلكم ترحمون }. والتعبير بلعل وعيسى في أمثال هذه: دليل على عون التوصل إلى ما جعل طريقا له. { وسارعوا }: أي: بادروا { إلى مغفر من ربكم } كالإسلام والتوبة والإخلاص، وسائر الطاعات التي توجب المغفرة، وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على الاستئناف. وسارعوا أيضا إلى { جنة عرضها السماوات والأرض } لو وصل بعضها ببعض، وذكر العرض للمباغلة في وصفها بالسعة لأنه دون الطول. قال بعضهم: لم يرد العرض الذي هو ضد الطول، وإنما أراد عظمها، ومعناه: كعرض السماوات السبع والأرضين السبع في ظنكم، أي: لا تدرك ببيان. { أعدت } أي: هيئت { للمتقين }. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وأنها خارجة عن هذا العالم. ثم وصف أهلها من المتقين بأوصاف الكمال، فقال: { الذين ينفقون في السراء والضراء } أي: في حالتي الرخاء والشدة، وفي الأحوال كلها، كما هي حالة الأسخياء، قال صلى الله عليه وسلم:
" الجنة دار الأسخياء "
وقال أيضا:
" السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد، من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من العالم البخيل "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا، من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، من تعلق ببعض من أغصانها قادته إلى النار ".
{ والكاظمين الغيظ } أي: الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه، قال عليه الصلاة والسلام
" من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ".
وقال بعض الشعراء:
وإذا غضبت فكن وقورا كاظما للغيظ، تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا، تصبر ساعة يرضى بها عنك الإله ويرفع
{ والعافين عن الناس } أي: عمن ظلمهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند ذلك:
" إن هؤلاء في أمتي قليل، من عصم الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت "
وعن أبي هريرة: أن أبا بكر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر، وهو ساكت، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، ثم رد أبو بكر بعض الرد، فغضب عليه الصلاة والسلام - وقام، فلحقه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، شتمني وأنت تبتسم، ثم رددت عليه بعض ما قال، فغضبت وقمت. قال:
" حين كنت ساكتا كان معك ملك يرد عليه، فلما تكلمت وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد في مقعد فيه الشيطان، يا أبا بكر، ثلاث حق: تعلم أنه ليس عبد يظلم مظلمة فيعفو عنها إلا أعز الله بها نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله قلة، وليس عبد يفتح عطية أو صلة إلا زاده الله بها كثرة ".
{ والله يحب المحسنين } الذين أحسنوا فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين عباد الله، و " أل ": يحتمل أن تكون للجنس، فيعم كل محسن، أو للعهد، فتكون الإشارة إلى من تقدم ذكرهم. الإشارة: كل ما يقوي مادة الحس فهو ربا لأنه يربي الحسن ويقوي مادة الغفلة، فلا ينبغي لمريد أن يضاعفه ويتعاطى أسباب تكثيره، بل ينبغي أن يفر من موارده، وهي ثلاثة: مباشرة الحس، أو الفكر فيه، أو الكلام مع أهله فيه. والذي يقوي مادة المعنى ثلاثة: صحبة أهل المعنى، والفكرة في المعاني، وذكر الله بالقلب. واتقوا الله في مباشرة الحسن { لعلكم تفلحون } بالوصول إلى صف المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، { وأطيعوا الله والرسول } فيما ندبكم إليه، { لعلكم ترحمون } بالوصول إلى صفة المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، { وأطيعوا الله والرسول } فيما ندبكم إليه، { لعلكم ترحمون } بإحياء قلوبكم وأرواحكم وأرواحكم بأسرار المعاني، وسارعوا إلى ما يوجب تغطية مساوءكم، حتى يغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، فتدخلوا جنة المعارف، التي لا نهاية لفضاء شهودها، التي أعدت للمتقين السوى، الذي يبذلون مهجهم وأموالهم في حال الجلال والجمال، { والكاظمين الغيظ } حيث ملكوا أنفسهم وأحوالهم، { والعافين عن الناس } لأن الصوفي ماله مباح ودمه هدر. وكان بعض الصوفية يقول: إذا أردت أن تعرف حال الفقير فأغضبه، وانظر إلى ما يخرج منه.
وقال شيخ شيوخنا رضي الله عنه: قطب التصوف: لا تغضب ولا تغضب. ه. ولعروة بن الزبير - رضي الله عنه:
لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا، حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مشرقة، لا عفو ذل، ولكن عفو أحلام.
{ والله يحب المحسنين } الذين حازوا مقام الإحسان، فعبدوا الله بالشهود والعيان، فعم إحسانهم ذا الإساءة والإحسان والإنس والجان. قال الحسن البصري: الإحسان: أن يعم إحسانه، ولا يكون كالشمس والريح والمطر. أي: يخص بلدا دون بلد. وقال سفيان الثوري: ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، وإنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك. فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة كنفقد السوق، خذ مني وهات. وقال السري السقطي: الإحسان: أن تحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان، وأنشدوا:
ليس في كل ساعة وأوان تتهيأ صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها حذرا من تعذر الإمكان
وقال الورتجبي: قوله: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة... } الخ، علم الحق - سبحانه - علل الخلق وميلهم إلى منى النفوس، فدعاهم بطاعته إلى العلتين: المغفرة والجنة، ودعا الخاصة إلى نفسه، فقال: { ففروا إلى الله } ، ثم أعلم أن الكل في درك امتحان الجرم، وأثبت بالآية ذنب الكل، لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل، فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق، كما قال عليه الصلاة والسلام:
" لو أن الله عذب الملائكة لحق منه، فقيل: إنهم معصومون، فقال عليه الصلاة والسلام: من قلة معرفتهم بربهم "
ولذلك دعاهم إلى المغفرة. ه. قال في الحاشية: وقوله: أثبت بالآية ذنب الكل، يعني: شمول قوله: { يغفر لمن يشاء } من في السماوات الصادق بالملائكة، وإنما تكون المغفرة بعد ذنب، ولكنه في كل أحد على حسبه، وأما قوله: دعاهم إلى المغفرة، فكأنه من قوله: { سارعوا إلى مغفرة من ربكم } ، وأن الخطاب يعم من في السماوات أيضا، وقد يتصور في حق الملائكة الاستناد لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام، مما هو معرض للخطأ، وذلك من دواعي المغفرة، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلاله الله: نقص لا يخلو منه مخلوق، لاستحالة الإحاطة به علما، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له أبدا سرمدا. ه.
آل عمران 3:133
قلت: الكظم هو: الكف والحبس، تقول: كظمت القربة: إذا ملأتها وسددت رأسها. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا } وتزيدوا فيها إذا حل الأجل { أضعافا مضاعفة } ، ولعل التخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل يحل أجل دينه، فيقول للمدين: إما أن تقضي وإما أن تزيد، فلا يزال يؤخره ويزيد في دينه حتى يستغرق مال المدين، فنهوا عن ذلك. ورغبهم في التقوى التي هي غنى الدارين. فقال: { واتقوا الله } فيما نهيتكم عنه، { لعلك تفلحون } في الدارين. ثم خوفهم بالنار إن لم ينتهوا، فقال: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } ، وفيه إشعار بأن النار موجودة إذ لا يعد المعدوم، وأنها بالذات معدة للكافرين، وبالعرض للعاصين. قال الورتجبي: في الآية إشارة إلى أن النار لم تعد للمؤمنين، ولم تخلق لهم، ولكن خوفهم بها زجرا وعظة، كالأب البار المشفق على ولده يخوفه بالأسد والسيف، وهو لا يضربه بالسيف، ولا يلقيه إلى الأسد، فهذه الآية تلطف وشفقة على عباده. ه. { وأطيعوا الله } فيما أمر ونهى، { والرسول } فيما شرع وسن، { لعلكم ترحمون }. والتعبير بلعل وعيسى في أمثال هذه: دليل على عون التوصل إلى ما جعل طريقا له. { وسارعوا }: أي: بادروا { إلى مغفر من ربكم } كالإسلام والتوبة والإخلاص، وسائر الطاعات التي توجب المغفرة، وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على الاستئناف. وسارعوا أيضا إلى { جنة عرضها السماوات والأرض } لو وصل بعضها ببعض، وذكر العرض للمباغلة في وصفها بالسعة لأنه دون الطول. قال بعضهم: لم يرد العرض الذي هو ضد الطول، وإنما أراد عظمها، ومعناه: كعرض السماوات السبع والأرضين السبع في ظنكم، أي: لا تدرك ببيان. { أعدت } أي: هيئت { للمتقين }. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وأنها خارجة عن هذا العالم. ثم وصف أهلها من المتقين بأوصاف الكمال، فقال: { الذين ينفقون في السراء والضراء } أي: في حالتي الرخاء والشدة، وفي الأحوال كلها، كما هي حالة الأسخياء، قال صلى الله عليه وسلم:
" الجنة دار الأسخياء "
وقال أيضا:
" السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد، من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من العالم البخيل "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا، من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، من تعلق ببعض من أغصانها قادته إلى النار ".
{ والكاظمين الغيظ } أي: الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه، قال عليه الصلاة والسلام
" من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ".
وقال بعض الشعراء:
وإذا غضبت فكن وقورا كاظما للغيظ، تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا، تصبر ساعة يرضى بها عنك الإله ويرفع
{ والعافين عن الناس } أي: عمن ظلمهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند ذلك:
" إن هؤلاء في أمتي قليل، من عصم الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت "
وعن أبي هريرة: أن أبا بكر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر، وهو ساكت، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، ثم رد أبو بكر بعض الرد، فغضب عليه الصلاة والسلام - وقام، فلحقه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، شتمني وأنت تبتسم، ثم رددت عليه بعض ما قال، فغضبت وقمت. قال:
" حين كنت ساكتا كان معك ملك يرد عليه، فلما تكلمت وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد في مقعد فيه الشيطان، يا أبا بكر، ثلاث حق: تعلم أنه ليس عبد يظلم مظلمة فيعفو عنها إلا أعز الله بها نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله قلة، وليس عبد يفتح عطية أو صلة إلا زاده الله بها كثرة ".
{ والله يحب المحسنين } الذين أحسنوا فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين عباد الله، و " أل ": يحتمل أن تكون للجنس، فيعم كل محسن، أو للعهد، فتكون الإشارة إلى من تقدم ذكرهم. الإشارة: كل ما يقوي مادة الحس فهو ربا لأنه يربي الحسن ويقوي مادة الغفلة، فلا ينبغي لمريد أن يضاعفه ويتعاطى أسباب تكثيره، بل ينبغي أن يفر من موارده، وهي ثلاثة: مباشرة الحس، أو الفكر فيه، أو الكلام مع أهله فيه. والذي يقوي مادة المعنى ثلاثة: صحبة أهل المعنى، والفكرة في المعاني، وذكر الله بالقلب. واتقوا الله في مباشرة الحسن { لعلكم تفلحون } بالوصول إلى صف المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، { وأطيعوا الله والرسول } فيما ندبكم إليه، { لعلكم ترحمون } بالوصول إلى صفة المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، { وأطيعوا الله والرسول } فيما ندبكم إليه، { لعلكم ترحمون } بإحياء قلوبكم وأرواحكم وأرواحكم بأسرار المعاني، وسارعوا إلى ما يوجب تغطية مساوءكم، حتى يغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، فتدخلوا جنة المعارف، التي لا نهاية لفضاء شهودها، التي أعدت للمتقين السوى، الذي يبذلون مهجهم وأموالهم في حال الجلال والجمال، { والكاظمين الغيظ } حيث ملكوا أنفسهم وأحوالهم، { والعافين عن الناس } لأن الصوفي ماله مباح ودمه هدر. وكان بعض الصوفية يقول: إذا أردت أن تعرف حال الفقير فأغضبه، وانظر إلى ما يخرج منه.
وقال شيخ شيوخنا رضي الله عنه: قطب التصوف: لا تغضب ولا تغضب. ه. ولعروة بن الزبير - رضي الله عنه:
لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا، حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مشرقة، لا عفو ذل، ولكن عفو أحلام.
{ والله يحب المحسنين } الذين حازوا مقام الإحسان، فعبدوا الله بالشهود والعيان، فعم إحسانهم ذا الإساءة والإحسان والإنس والجان. قال الحسن البصري: الإحسان: أن يعم إحسانه، ولا يكون كالشمس والريح والمطر. أي: يخص بلدا دون بلد. وقال سفيان الثوري: ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، وإنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك. فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة كنفقد السوق، خذ مني وهات. وقال السري السقطي: الإحسان: أن تحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان، وأنشدوا:
ليس في كل ساعة وأوان تتهيأ صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها حذرا من تعذر الإمكان
وقال الورتجبي: قوله: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة... } الخ، علم الحق - سبحانه - علل الخلق وميلهم إلى منى النفوس، فدعاهم بطاعته إلى العلتين: المغفرة والجنة، ودعا الخاصة إلى نفسه، فقال: { ففروا إلى الله } ، ثم أعلم أن الكل في درك امتحان الجرم، وأثبت بالآية ذنب الكل، لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل، فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق، كما قال عليه الصلاة والسلام:
" لو أن الله عذب الملائكة لحق منه، فقيل: إنهم معصومون، فقال عليه الصلاة والسلام: من قلة معرفتهم بربهم "
ولذلك دعاهم إلى المغفرة. ه. قال في الحاشية: وقوله: أثبت بالآية ذنب الكل، يعني: شمول قوله: { يغفر لمن يشاء } من في السماوات الصادق بالملائكة، وإنما تكون المغفرة بعد ذنب، ولكنه في كل أحد على حسبه، وأما قوله: دعاهم إلى المغفرة، فكأنه من قوله: { سارعوا إلى مغفرة من ربكم } ، وأن الخطاب يعم من في السماوات أيضا، وقد يتصور في حق الملائكة الاستناد لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام، مما هو معرض للخطأ، وذلك من دواعي المغفرة، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلاله الله: نقص لا يخلو منه مخلوق، لاستحالة الإحاطة به علما، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له أبدا سرمدا. ه.
آل عمران 3:134
قلت: الكظم هو: الكف والحبس، تقول: كظمت القربة: إذا ملأتها وسددت رأسها. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا } وتزيدوا فيها إذا حل الأجل { أضعافا مضاعفة } ، ولعل التخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل يحل أجل دينه، فيقول للمدين: إما أن تقضي وإما أن تزيد، فلا يزال يؤخره ويزيد في دينه حتى يستغرق مال المدين، فنهوا عن ذلك. ورغبهم في التقوى التي هي غنى الدارين. فقال: { واتقوا الله } فيما نهيتكم عنه، { لعلك تفلحون } في الدارين. ثم خوفهم بالنار إن لم ينتهوا، فقال: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } ، وفيه إشعار بأن النار موجودة إذ لا يعد المعدوم، وأنها بالذات معدة للكافرين، وبالعرض للعاصين. قال الورتجبي: في الآية إشارة إلى أن النار لم تعد للمؤمنين، ولم تخلق لهم، ولكن خوفهم بها زجرا وعظة، كالأب البار المشفق على ولده يخوفه بالأسد والسيف، وهو لا يضربه بالسيف، ولا يلقيه إلى الأسد، فهذه الآية تلطف وشفقة على عباده. ه. { وأطيعوا الله } فيما أمر ونهى، { والرسول } فيما شرع وسن، { لعلكم ترحمون }. والتعبير بلعل وعيسى في أمثال هذه: دليل على عون التوصل إلى ما جعل طريقا له. { وسارعوا }: أي: بادروا { إلى مغفر من ربكم } كالإسلام والتوبة والإخلاص، وسائر الطاعات التي توجب المغفرة، وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على الاستئناف. وسارعوا أيضا إلى { جنة عرضها السماوات والأرض } لو وصل بعضها ببعض، وذكر العرض للمباغلة في وصفها بالسعة لأنه دون الطول. قال بعضهم: لم يرد العرض الذي هو ضد الطول، وإنما أراد عظمها، ومعناه: كعرض السماوات السبع والأرضين السبع في ظنكم، أي: لا تدرك ببيان. { أعدت } أي: هيئت { للمتقين }. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وأنها خارجة عن هذا العالم. ثم وصف أهلها من المتقين بأوصاف الكمال، فقال: { الذين ينفقون في السراء والضراء } أي: في حالتي الرخاء والشدة، وفي الأحوال كلها، كما هي حالة الأسخياء، قال صلى الله عليه وسلم:
" الجنة دار الأسخياء "
وقال أيضا:
" السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد، من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من العالم البخيل "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا، من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، من تعلق ببعض من أغصانها قادته إلى النار ".
{ والكاظمين الغيظ } أي: الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه، قال عليه الصلاة والسلام
" من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ".
وقال بعض الشعراء:
وإذا غضبت فكن وقورا كاظما للغيظ، تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا، تصبر ساعة يرضى بها عنك الإله ويرفع
{ والعافين عن الناس } أي: عمن ظلمهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند ذلك:
" إن هؤلاء في أمتي قليل، من عصم الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت "
وعن أبي هريرة: أن أبا بكر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر، وهو ساكت، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، ثم رد أبو بكر بعض الرد، فغضب عليه الصلاة والسلام - وقام، فلحقه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، شتمني وأنت تبتسم، ثم رددت عليه بعض ما قال، فغضبت وقمت. قال:
" حين كنت ساكتا كان معك ملك يرد عليه، فلما تكلمت وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد في مقعد فيه الشيطان، يا أبا بكر، ثلاث حق: تعلم أنه ليس عبد يظلم مظلمة فيعفو عنها إلا أعز الله بها نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله قلة، وليس عبد يفتح عطية أو صلة إلا زاده الله بها كثرة ".
{ والله يحب المحسنين } الذين أحسنوا فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين عباد الله، و " أل ": يحتمل أن تكون للجنس، فيعم كل محسن، أو للعهد، فتكون الإشارة إلى من تقدم ذكرهم. الإشارة: كل ما يقوي مادة الحس فهو ربا لأنه يربي الحسن ويقوي مادة الغفلة، فلا ينبغي لمريد أن يضاعفه ويتعاطى أسباب تكثيره، بل ينبغي أن يفر من موارده، وهي ثلاثة: مباشرة الحس، أو الفكر فيه، أو الكلام مع أهله فيه. والذي يقوي مادة المعنى ثلاثة: صحبة أهل المعنى، والفكرة في المعاني، وذكر الله بالقلب. واتقوا الله في مباشرة الحسن { لعلكم تفلحون } بالوصول إلى صف المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، { وأطيعوا الله والرسول } فيما ندبكم إليه، { لعلكم ترحمون } بالوصول إلى صفة المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، { وأطيعوا الله والرسول } فيما ندبكم إليه، { لعلكم ترحمون } بإحياء قلوبكم وأرواحكم وأرواحكم بأسرار المعاني، وسارعوا إلى ما يوجب تغطية مساوءكم، حتى يغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، فتدخلوا جنة المعارف، التي لا نهاية لفضاء شهودها، التي أعدت للمتقين السوى، الذي يبذلون مهجهم وأموالهم في حال الجلال والجمال، { والكاظمين الغيظ } حيث ملكوا أنفسهم وأحوالهم، { والعافين عن الناس } لأن الصوفي ماله مباح ودمه هدر. وكان بعض الصوفية يقول: إذا أردت أن تعرف حال الفقير فأغضبه، وانظر إلى ما يخرج منه.
وقال شيخ شيوخنا رضي الله عنه: قطب التصوف: لا تغضب ولا تغضب. ه. ولعروة بن الزبير - رضي الله عنه:
لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا، حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مشرقة، لا عفو ذل، ولكن عفو أحلام.
{ والله يحب المحسنين } الذين حازوا مقام الإحسان، فعبدوا الله بالشهود والعيان، فعم إحسانهم ذا الإساءة والإحسان والإنس والجان. قال الحسن البصري: الإحسان: أن يعم إحسانه، ولا يكون كالشمس والريح والمطر. أي: يخص بلدا دون بلد. وقال سفيان الثوري: ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، وإنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك. فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة كنفقد السوق، خذ مني وهات. وقال السري السقطي: الإحسان: أن تحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان، وأنشدوا:
ليس في كل ساعة وأوان تتهيأ صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها حذرا من تعذر الإمكان
وقال الورتجبي: قوله: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة... } الخ، علم الحق - سبحانه - علل الخلق وميلهم إلى منى النفوس، فدعاهم بطاعته إلى العلتين: المغفرة والجنة، ودعا الخاصة إلى نفسه، فقال: { ففروا إلى الله } ، ثم أعلم أن الكل في درك امتحان الجرم، وأثبت بالآية ذنب الكل، لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل، فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق، كما قال عليه الصلاة والسلام:
" لو أن الله عذب الملائكة لحق منه، فقيل: إنهم معصومون، فقال عليه الصلاة والسلام: من قلة معرفتهم بربهم "
ولذلك دعاهم إلى المغفرة. ه. قال في الحاشية: وقوله: أثبت بالآية ذنب الكل، يعني: شمول قوله: { يغفر لمن يشاء } من في السماوات الصادق بالملائكة، وإنما تكون المغفرة بعد ذنب، ولكنه في كل أحد على حسبه، وأما قوله: دعاهم إلى المغفرة، فكأنه من قوله: { سارعوا إلى مغفرة من ربكم } ، وأن الخطاب يعم من في السماوات أيضا، وقد يتصور في حق الملائكة الاستناد لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام، مما هو معرض للخطأ، وذلك من دواعي المغفرة، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلاله الله: نقص لا يخلو منه مخلوق، لاستحالة الإحاطة به علما، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له أبدا سرمدا. ه.
آل عمران 3:135
يقول الحق جل جلاله: { والذين إذا فعلوا فاحشة } أي: فعلة بالغة في الفحش والقبح، كالزنى، { أو ظلموا أنفسهم } بأي ذنب كان، أو فعلوا كبيرة أو صغيرة، أو الفاحشة: ما يتعدى للغير، وظلم النفس ما يخص، أو الفاحشة بالفعل، وظلم النفس بالقول، { ذكروا الله } أي: عاقبه وغضبه وعرضه الأكبر، أو { ذكروا الله } في أنفسهم أن الله سائلهم عنه، أو كونه رقيبا عليهم، أو { ذكروا الله } باللسان { فاستغفروا لذنوبهم } بالندم والتوبة، { ومن يغفر الذنوب إلا الله } أي: لا أحد يغفره إلا الله، والمراد: وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة، والحث على الاستغفار. { ولم يصروا على ما فعلوا } أي: لم يدوموا عليها غير مستغفرين، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" ما أصر من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرة "
وذلك إذا صحبه الندم، وقال أيضا:
" لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار "
قال قتادة: إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدما في معاصي الله تعالى، لم يتوبوا حتى أتاهم. ه. { وهم يعلمون } أن الإصرار يضر بهم، أو: وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنب لقوله - عليه الصلاة والسلام-:
" من أذنب ذنبا، وعلم أن له ربا يغفر الذنوب، غفر له وإن لم يستغفر "
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:
" من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي "
وفي بعض الكتب المنزلة:
" يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني لأغفرن لك على ما كان منك ولا أبالي "
أو: { وهم يعلمون } أن التوبة تمحق الذنوب. { أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم } تغطية لذوبهم، { وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } ، ولا يلزم من إعدادها للتائبين اختصاصهم بها، كما لا يلزم من إعداد النار للكفار اختصاصهم بها، ثم مدح أجر التائبين فقال: { ونعم أجر العالمين } ، وانظر هذا الفرق العظيم الذي بين المحسنين وأهل اليمين، قال في الآية الأولى: { والله يحب المحسنين } وقال في هذه الآية: { ونعم أجر العاملين } ، أهل الآية الأولى من خواص الأحباب، وأهل هذه يأخذون أجرهم من وراء الباب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى عين التحقيق. الإشارة: أهل مقام الإحسان عملهم قلبي، كالسخاء والعفو وكظم الغيظ، وأهل اليمين عملهم بدني، بين طاعة ومعصية وغفلة ويقظة، إذا فعلوا فاحشة تابوا وستغفروا، وإذا فعلوا طاعة فرحوا واستبشروا، أهل مقام الإحسان غائبون عن رؤية أعمالهم ووجودهم، وأهل اليمين معتمدون على أعمالهم، إذا فعلوا طاعة قوى رجاؤهم، وإذا زلوا نقص رجاؤهم، أهل مقام الإحسان فانون عن أنفسهم باقون بربهم، وأهل اليمين أنفسهم موجودة وأعمالهم لديهم مشهودة، أهل مقام الإحسان محبوبون، وأهل اليمين محبون، أهل مقام الإحسان فنيت عندهم الرسول والأشكال، وبقي في نظرهم وجود الكبير المتعال، وأهل اليمين: الأكوان عندهم موجودة، وشموس المعارف عن قلوبهم مفقودة، أهل مقام الإحسان يعبدون الله على نعت الشهود والعيان، وأهل اليمين يعبدون الله من وراء حجاب الدليل والبرهان، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان.
واعلم أن لمعرفة الشهود والعيان ثمرات ونتائج، حصرها بعضهم في إحدى عشرة خصلة. الأولى: الحرية، ومعناها أن يكون العارف فردا لفرد، من غير أن يكون تحت رق شيء من الموجودات، لا من إغراض الدنيا ولا من أغراض الآخرة، فالحرية عبارة عن غاية التصفية والطهارة. قال بعضهم: ليس بحر من بقي عليه من تصفية نفسه مقدار فص نواة، المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. الثانية: الوجود، وهو الفوز بحقيقة الأشياء في الأصل، وهو عبارة عن إدراك مقام تضمحل فيه الرسوم، بالاستغراق في الحقيقة الأزلية. الثالثة: الجمع الأتم، وهو الحال الذي يقضي بقطع الإشارات، والشخوص عن الأمارات والعلامات، بعد صحة التمكين والبراءة من التلوين. الرابعة: الصحو، وهو عبارة عن تمكين حال المشاهدة، واتصالها، مع برء الروح من لدغات الدهش، ولا يكمل الصحو إلا بحياة الروح بوارد الجمع الدائم. الخامسة: التحقيق، وهو الوصول إلى المعرفة بالله، التي لا تدرك بالحواس، لتخليص المشرب من الحق بالحق في الحق، حتى تسقط المشاهدات، وتبطل العبارات، وتفنى الإشارات. السادسة: البسط، ونعني به: بسط الروح باسترسال شهود المعاني عند سقوط الأواني، وفي ذلك يقول ابن الفارض:
فما سكنت والهم يوما بموضع كذلك لم يسكن مع النغم الغم
السابعة: التلبيس، وهو تغطية الأسرار بأستار الأسباب، إبقاء للحكمة وسترا عن العامة. الثامنة: البقاء، والمراد به الخروج عن فناء المشاهدة إلى بقاء المعرفة، من غير أفول بخل بشمس المشاهدة، ولا رجوع إلى شواهد الحس، إنما هو استصحاب الجمع مع استنئاس الروح بحلاوة المعاني، فهو كبائن دان. انظر بقيتها في [بغية المسالك]. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:136
يقول الحق جل جلاله: { والذين إذا فعلوا فاحشة } أي: فعلة بالغة في الفحش والقبح، كالزنى، { أو ظلموا أنفسهم } بأي ذنب كان، أو فعلوا كبيرة أو صغيرة، أو الفاحشة: ما يتعدى للغير، وظلم النفس ما يخص، أو الفاحشة بالفعل، وظلم النفس بالقول، { ذكروا الله } أي: عاقبه وغضبه وعرضه الأكبر، أو { ذكروا الله } في أنفسهم أن الله سائلهم عنه، أو كونه رقيبا عليهم، أو { ذكروا الله } باللسان { فاستغفروا لذنوبهم } بالندم والتوبة، { ومن يغفر الذنوب إلا الله } أي: لا أحد يغفره إلا الله، والمراد: وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة، والحث على الاستغفار. { ولم يصروا على ما فعلوا } أي: لم يدوموا عليها غير مستغفرين، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" ما أصر من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرة "
وذلك إذا صحبه الندم، وقال أيضا:
" لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار "
قال قتادة: إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدما في معاصي الله تعالى، لم يتوبوا حتى أتاهم. ه. { وهم يعلمون } أن الإصرار يضر بهم، أو: وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنب لقوله - عليه الصلاة والسلام-:
" من أذنب ذنبا، وعلم أن له ربا يغفر الذنوب، غفر له وإن لم يستغفر "
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:
" من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي "
وفي بعض الكتب المنزلة:
" يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني لأغفرن لك على ما كان منك ولا أبالي "
أو: { وهم يعلمون } أن التوبة تمحق الذنوب. { أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم } تغطية لذوبهم، { وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } ، ولا يلزم من إعدادها للتائبين اختصاصهم بها، كما لا يلزم من إعداد النار للكفار اختصاصهم بها، ثم مدح أجر التائبين فقال: { ونعم أجر العالمين } ، وانظر هذا الفرق العظيم الذي بين المحسنين وأهل اليمين، قال في الآية الأولى: { والله يحب المحسنين } وقال في هذه الآية: { ونعم أجر العاملين } ، أهل الآية الأولى من خواص الأحباب، وأهل هذه يأخذون أجرهم من وراء الباب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى عين التحقيق. الإشارة: أهل مقام الإحسان عملهم قلبي، كالسخاء والعفو وكظم الغيظ، وأهل اليمين عملهم بدني، بين طاعة ومعصية وغفلة ويقظة، إذا فعلوا فاحشة تابوا وستغفروا، وإذا فعلوا طاعة فرحوا واستبشروا، أهل مقام الإحسان غائبون عن رؤية أعمالهم ووجودهم، وأهل اليمين معتمدون على أعمالهم، إذا فعلوا طاعة قوى رجاؤهم، وإذا زلوا نقص رجاؤهم، أهل مقام الإحسان فانون عن أنفسهم باقون بربهم، وأهل اليمين أنفسهم موجودة وأعمالهم لديهم مشهودة، أهل مقام الإحسان محبوبون، وأهل اليمين محبون، أهل مقام الإحسان فنيت عندهم الرسول والأشكال، وبقي في نظرهم وجود الكبير المتعال، وأهل اليمين: الأكوان عندهم موجودة، وشموس المعارف عن قلوبهم مفقودة، أهل مقام الإحسان يعبدون الله على نعت الشهود والعيان، وأهل اليمين يعبدون الله من وراء حجاب الدليل والبرهان، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان.
واعلم أن لمعرفة الشهود والعيان ثمرات ونتائج، حصرها بعضهم في إحدى عشرة خصلة. الأولى: الحرية، ومعناها أن يكون العارف فردا لفرد، من غير أن يكون تحت رق شيء من الموجودات، لا من إغراض الدنيا ولا من أغراض الآخرة، فالحرية عبارة عن غاية التصفية والطهارة. قال بعضهم: ليس بحر من بقي عليه من تصفية نفسه مقدار فص نواة، المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. الثانية: الوجود، وهو الفوز بحقيقة الأشياء في الأصل، وهو عبارة عن إدراك مقام تضمحل فيه الرسوم، بالاستغراق في الحقيقة الأزلية. الثالثة: الجمع الأتم، وهو الحال الذي يقضي بقطع الإشارات، والشخوص عن الأمارات والعلامات، بعد صحة التمكين والبراءة من التلوين. الرابعة: الصحو، وهو عبارة عن تمكين حال المشاهدة، واتصالها، مع برء الروح من لدغات الدهش، ولا يكمل الصحو إلا بحياة الروح بوارد الجمع الدائم. الخامسة: التحقيق، وهو الوصول إلى المعرفة بالله، التي لا تدرك بالحواس، لتخليص المشرب من الحق بالحق في الحق، حتى تسقط المشاهدات، وتبطل العبارات، وتفنى الإشارات. السادسة: البسط، ونعني به: بسط الروح باسترسال شهود المعاني عند سقوط الأواني، وفي ذلك يقول ابن الفارض:
فما سكنت والهم يوما بموضع كذلك لم يسكن مع النغم الغم
السابعة: التلبيس، وهو تغطية الأسرار بأستار الأسباب، إبقاء للحكمة وسترا عن العامة. الثامنة: البقاء، والمراد به الخروج عن فناء المشاهدة إلى بقاء المعرفة، من غير أفول بخل بشمس المشاهدة، ولا رجوع إلى شواهد الحس، إنما هو استصحاب الجمع مع استنئاس الروح بحلاوة المعاني، فهو كبائن دان. انظر بقيتها في [بغية المسالك]. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:137
قلت: السدن: الطرق المسلوكة، وقيل: الأمم. يقول الحق جل جلاله: قد مضت { من قبلكم سنن } جرت على الأمم المكذبة لأنبيائها قبلكم، { ولن تجد لسنة الله تبديلا } ، وهو إمهالي واستدراجي إياهم، حتى يبلغ الكتاب الذي أجل لهم، فإذا بلغهم أهلكتهم، وأدلت الأنبياء وأتباعهم عليهم، فإذا هلكوا بقيت آثارهم دراسة، اعتبارا لمن يأتي بعدهم، { فسيروا في الأرض } وتعرفوا أخبارهم، وانظروا { كيف كان عاقبة المكذبين } لأنبيائهم قبلكم، فكذلك يكون شأنكم مع من كذبكم. { هذا } الذي أمرتكم به من الاعتبار، { بيان للناس } لمن أراد أن يعتبر من الكفار، وزيادة هداية واستبصار { للمتقين }. ثم سلاهم وبشرهم فقال: { ولا تهنوا } أي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم بما أصابكم، { ولا تحزنوا } على من قتل منكم، وهم سبعون من الأنصار وخمسة من المهاجرين، منهم: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير - صاحب راية النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن جحش، وعثمان بن شماس، وسعد مولى عتبة - رضي الله عنهم -. أو: { لا تحزنوا } لفوات الغنيمة { وأنتم الأعلون } بأن تكون لكم العاقبة والنصر، أو: وحالكم أنكم أعلى منهم شأنا، فإنكم على الحق وقتالكم لله، وقتالكم في الجنة، وهم على الباطل، وقتالهم للشيطان، وقتلاهم في النار، فلا تفشلوا عن الجهاد { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي قوة القلب بالوثوق بالله والاعتماد عليه، أو: { إن كنتم مؤمنين } بما وعدتكم من العلو والنصر. والله أعلم. الإشارة: قد خلت من قبلكم، أيها المريدون، سنن الله في أوليائه مع المنكرين عليهم من عوام عباده، فإنه أبعدهم عن ساحة حضرته، وحرمهم من سابق عنايته، حتى ماتوا على البعد، فاندرست آثارهم وخربت ديارهم، فسيروا في الأرض وانظروا كيف كان عاقبة المكذبين لأوليائه، هذا بيان للمعتبرين، وزيادة هدى وموعظة للمتقين، فلا تهنوا أيها الفقراء وتضعفوا عن طلب الحق بالرجوع عن طريق الجد والاجتهاد، لما يصيبكم من أذى أهل العناد، وأنتم الأعلون بالنصر والتأييد، ورفع درجاتكم مع خواص أهل التوحيد، إن كنتم مؤمنين بوعد الملك المجيد، فمن طلب الله وجده، وأنجز بالوفاء موعده، لكن بعد تجرع كؤوس مرارة الصبر، ودوام الحمد والشكر، وأنشدوا:
لا تحسب تمرا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر
آل عمران 3:138
قلت: السدن: الطرق المسلوكة، وقيل: الأمم. يقول الحق جل جلاله: قد مضت { من قبلكم سنن } جرت على الأمم المكذبة لأنبيائها قبلكم، { ولن تجد لسنة الله تبديلا } ، وهو إمهالي واستدراجي إياهم، حتى يبلغ الكتاب الذي أجل لهم، فإذا بلغهم أهلكتهم، وأدلت الأنبياء وأتباعهم عليهم، فإذا هلكوا بقيت آثارهم دراسة، اعتبارا لمن يأتي بعدهم، { فسيروا في الأرض } وتعرفوا أخبارهم، وانظروا { كيف كان عاقبة المكذبين } لأنبيائهم قبلكم، فكذلك يكون شأنكم مع من كذبكم. { هذا } الذي أمرتكم به من الاعتبار، { بيان للناس } لمن أراد أن يعتبر من الكفار، وزيادة هداية واستبصار { للمتقين }. ثم سلاهم وبشرهم فقال: { ولا تهنوا } أي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم بما أصابكم، { ولا تحزنوا } على من قتل منكم، وهم سبعون من الأنصار وخمسة من المهاجرين، منهم: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير - صاحب راية النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن جحش، وعثمان بن شماس، وسعد مولى عتبة - رضي الله عنهم -. أو: { لا تحزنوا } لفوات الغنيمة { وأنتم الأعلون } بأن تكون لكم العاقبة والنصر، أو: وحالكم أنكم أعلى منهم شأنا، فإنكم على الحق وقتالكم لله، وقتالكم في الجنة، وهم على الباطل، وقتالهم للشيطان، وقتلاهم في النار، فلا تفشلوا عن الجهاد { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي قوة القلب بالوثوق بالله والاعتماد عليه، أو: { إن كنتم مؤمنين } بما وعدتكم من العلو والنصر. والله أعلم. الإشارة: قد خلت من قبلكم، أيها المريدون، سنن الله في أوليائه مع المنكرين عليهم من عوام عباده، فإنه أبعدهم عن ساحة حضرته، وحرمهم من سابق عنايته، حتى ماتوا على البعد، فاندرست آثارهم وخربت ديارهم، فسيروا في الأرض وانظروا كيف كان عاقبة المكذبين لأوليائه، هذا بيان للمعتبرين، وزيادة هدى وموعظة للمتقين، فلا تهنوا أيها الفقراء وتضعفوا عن طلب الحق بالرجوع عن طريق الجد والاجتهاد، لما يصيبكم من أذى أهل العناد، وأنتم الأعلون بالنصر والتأييد، ورفع درجاتكم مع خواص أهل التوحيد، إن كنتم مؤمنين بوعد الملك المجيد، فمن طلب الله وجده، وأنجز بالوفاء موعده، لكن بعد تجرع كؤوس مرارة الصبر، ودوام الحمد والشكر، وأنشدوا:
لا تحسب تمرا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر
آل عمران 3:139
قلت: السدن: الطرق المسلوكة، وقيل: الأمم. يقول الحق جل جلاله: قد مضت { من قبلكم سنن } جرت على الأمم المكذبة لأنبيائها قبلكم، { ولن تجد لسنة الله تبديلا } ، وهو إمهالي واستدراجي إياهم، حتى يبلغ الكتاب الذي أجل لهم، فإذا بلغهم أهلكتهم، وأدلت الأنبياء وأتباعهم عليهم، فإذا هلكوا بقيت آثارهم دراسة، اعتبارا لمن يأتي بعدهم، { فسيروا في الأرض } وتعرفوا أخبارهم، وانظروا { كيف كان عاقبة المكذبين } لأنبيائهم قبلكم، فكذلك يكون شأنكم مع من كذبكم. { هذا } الذي أمرتكم به من الاعتبار، { بيان للناس } لمن أراد أن يعتبر من الكفار، وزيادة هداية واستبصار { للمتقين }. ثم سلاهم وبشرهم فقال: { ولا تهنوا } أي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم بما أصابكم، { ولا تحزنوا } على من قتل منكم، وهم سبعون من الأنصار وخمسة من المهاجرين، منهم: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير - صاحب راية النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن جحش، وعثمان بن شماس، وسعد مولى عتبة - رضي الله عنهم -. أو: { لا تحزنوا } لفوات الغنيمة { وأنتم الأعلون } بأن تكون لكم العاقبة والنصر، أو: وحالكم أنكم أعلى منهم شأنا، فإنكم على الحق وقتالكم لله، وقتالكم في الجنة، وهم على الباطل، وقتالهم للشيطان، وقتلاهم في النار، فلا تفشلوا عن الجهاد { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي قوة القلب بالوثوق بالله والاعتماد عليه، أو: { إن كنتم مؤمنين } بما وعدتكم من العلو والنصر. والله أعلم. الإشارة: قد خلت من قبلكم، أيها المريدون، سنن الله في أوليائه مع المنكرين عليهم من عوام عباده، فإنه أبعدهم عن ساحة حضرته، وحرمهم من سابق عنايته، حتى ماتوا على البعد، فاندرست آثارهم وخربت ديارهم، فسيروا في الأرض وانظروا كيف كان عاقبة المكذبين لأوليائه، هذا بيان للمعتبرين، وزيادة هدى وموعظة للمتقين، فلا تهنوا أيها الفقراء وتضعفوا عن طلب الحق بالرجوع عن طريق الجد والاجتهاد، لما يصيبكم من أذى أهل العناد، وأنتم الأعلون بالنصر والتأييد، ورفع درجاتكم مع خواص أهل التوحيد، إن كنتم مؤمنين بوعد الملك المجيد، فمن طلب الله وجده، وأنجز بالوفاء موعده، لكن بعد تجرع كؤوس مرارة الصبر، ودوام الحمد والشكر، وأنشدوا:
لا تحسب تمرا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر
آل عمران 3:140
قلت: القرح - بالفتح والضم -: الجرح، وقيل: بالفتح: الجرح، وبالضم: ألمه ووجعه. والمداولة: المفاعلة من الدولة، وهي الغلبة، و { الأيام }: نعت أو خبر، و { نداولها }: خبر أو حال، و { ليعلم }: متعلق بمحذوف، أي: وفعل ما فعل من الادالة ليعلم، أو عطف على علة محذوفة، أي: نداولها ليكون كيت وكيت، وليعلم... الخ، إيذانا بأن العلة فيه غير واحدة، وأن ما يصيب المؤمن: فيه من المصالح ما لا يعلم، و { يعلم الصابرين }: منصوب بأن، على أن الواو للجمع. يقول الحق جل جلاله: { إن يمسسكم } في غزوة أحد { قرح } كقتل أو جرح، { فقد مس القوم } من أعدائكم يوم بدر { قرح مثله } ، فإن كان قتل منكم خمسة وسبعون يوم أحد، فقد قتل منهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون: أو: { فقد مس القوم } يوم أحد { قرح } مثل ما أصابكم، فإنكم نلتم منهم وهزمتموهم، قبل أن تخالفوا أمر الرسول - عليه الصلاة -، كما نالوا منكم يومئذ. { وتلك الأيام نداولها بين الناس } أي: نصرف دولتها بينهم، فنديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى، كما قال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا، ويوم نساء، ويوم نسر
فقد أديل المسلمون على المشركين يوم بدر، فكانت الدولة لهم، وأديل المشركون يوم أحد. والمراد بالأيام: أيام الدنيا، أو أيام النصر والغلبة. وإنما أديل للمشركين يوم أحد ليتميز المؤمنون من المنافقين، ويظهر علمهم للناس، وليتخذ الله { منكم شهداء } حين ماتوا في الجهاد، أكرمهم الله بالشهادة، ولا تدل إدالة المشركين على أن الله يحبهم، فإن الله { لا يحب الظالمين }. وإنما أدلهم { ليمحص الله الذي آمنوا } أي: ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب، وأنما أدال المسلمين على المشركين ليمحق الكافرين ويقطع دابرهم. والمحق: نقص الشيء قليلا قليلا. ثم عاتب المسلمين فقال: { أم حسبتم } أي: ظننتم { أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } علم ظهور، { ويعلم الصابرين } أي: لا تظنوا أن تدخلوا الجنة كما دخلها من قتل منكم، ولم يقع منكم مثل ما وقع لهم من الجهاد والصبر على القتل والجرح حتى يقع العلم ظاهرا بجهادكم وصبركم. { ولقد كنتم } قبل خروجكم إلى الجهاد { تمنون الموت } أي: الحرب لأنه سبب الموت، وتقولون: ليت لنا يوما مثل يوم بدر، فلقد لقيتموه وعينتموه يوم أحد { وأنتم تنظرون } من مات من إخوانكم، فما لكم حين رأيتموه جبنتم وانهزمتم؟ وهو عتاب لمن طلب الخروج يوم أحد، ثم انهزم عن الحرب، ثم تداركهم بالتوبة والعفو، على ما يأتي إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن يمسسكم يا معشر الفقراء قرح كحبس أو ضرب أو سجن أو حرج أو جلاء، فقد مس العموم مثل ذلك، غير أنكم تسيرون به إلى الله تعالى لمعرفتكم فيه، وهم لا سير لهم لعدم معرفتهم، أو إن يمسسكم قرح فقد مس القوم المتقدمين من أهل الخصوصية مثل ما أصابكم، ففيهم أسوة لكم، وهذه عادة الله في أوليائه، يديل عليهم حتى يتطهروا ويتخلصوا، ثم يديل لهم، وإنما أديل عليهم حتى تيطهروا ويتخلصوا، ثم يديل لهم، وإنما أديل عليهم أولا ليتطهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا، وليعلم الصادق في الطلب من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء، وليتخذ منهم شهداء إن ماتوا على ذلك، كالحلاج وغيره، أو يتخذ منهم شهداء الملكوت إن صبرا حتى ظفروا بالشهود.
{ والله لا يحب الظالمين } أي: المؤذين لأولياءه، بل يمقتهم ويبعدهم. { وليمحص الله الذي آمنوا } بطريق الخصوص، أي: يخلصهم من بقايا الحس، سلط عليهم الناس، وليمحق المنكرين عليهم بما يصيبهم من إذايتهم، فإن المنكر على أهل النسبة كمن يدخل يده في الغيران، فإذا سلم من الأول والثاني، قال: لا يلحقني منهم شيء، فإذا أدخل يده في غار آخر لدغته حية فأهلكته. أم حسبتم يا معشر المريدين أن تدخلوا جنة المعارف، ولما يعلم الله الذين جاهدوا نفوسهم، ويعلم الصابرين على إيذاية من آذاهم، ولقد كنتم تمنون موت نفوسكم وتطلبون ما يعينكم على موتها من قبل أن تلقوا الجلال، فقد رأيتموه وعاينتموه وأنتم تنظرون ما أصاب الأولياء غيركم، فما لكم تجزعون منه وتفرون من مواطنه؟. وكان شيخ شيوخنا رضي الله عنه يقول: العجب كل العجب، ممن يطلب معرفة الله، فإذا تعرف إليه أنكره. وفي الحكم: " إذا فتح الله لك وجهة من التعرف فلا تبال معها، وإن قل عملك، فإنه ما فتحها إلا وهو يريد أن يتعرف إليك فيها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟ ". وبالله التوفيق.
آل عمران 3:141
قلت: القرح - بالفتح والضم -: الجرح، وقيل: بالفتح: الجرح، وبالضم: ألمه ووجعه. والمداولة: المفاعلة من الدولة، وهي الغلبة، و { الأيام }: نعت أو خبر، و { نداولها }: خبر أو حال، و { ليعلم }: متعلق بمحذوف، أي: وفعل ما فعل من الادالة ليعلم، أو عطف على علة محذوفة، أي: نداولها ليكون كيت وكيت، وليعلم... الخ، إيذانا بأن العلة فيه غير واحدة، وأن ما يصيب المؤمن: فيه من المصالح ما لا يعلم، و { يعلم الصابرين }: منصوب بأن، على أن الواو للجمع. يقول الحق جل جلاله: { إن يمسسكم } في غزوة أحد { قرح } كقتل أو جرح، { فقد مس القوم } من أعدائكم يوم بدر { قرح مثله } ، فإن كان قتل منكم خمسة وسبعون يوم أحد، فقد قتل منهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون: أو: { فقد مس القوم } يوم أحد { قرح } مثل ما أصابكم، فإنكم نلتم منهم وهزمتموهم، قبل أن تخالفوا أمر الرسول - عليه الصلاة -، كما نالوا منكم يومئذ. { وتلك الأيام نداولها بين الناس } أي: نصرف دولتها بينهم، فنديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى، كما قال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا، ويوم نساء، ويوم نسر
فقد أديل المسلمون على المشركين يوم بدر، فكانت الدولة لهم، وأديل المشركون يوم أحد. والمراد بالأيام: أيام الدنيا، أو أيام النصر والغلبة. وإنما أديل للمشركين يوم أحد ليتميز المؤمنون من المنافقين، ويظهر علمهم للناس، وليتخذ الله { منكم شهداء } حين ماتوا في الجهاد، أكرمهم الله بالشهادة، ولا تدل إدالة المشركين على أن الله يحبهم، فإن الله { لا يحب الظالمين }. وإنما أدلهم { ليمحص الله الذي آمنوا } أي: ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب، وأنما أدال المسلمين على المشركين ليمحق الكافرين ويقطع دابرهم. والمحق: نقص الشيء قليلا قليلا. ثم عاتب المسلمين فقال: { أم حسبتم } أي: ظننتم { أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } علم ظهور، { ويعلم الصابرين } أي: لا تظنوا أن تدخلوا الجنة كما دخلها من قتل منكم، ولم يقع منكم مثل ما وقع لهم من الجهاد والصبر على القتل والجرح حتى يقع العلم ظاهرا بجهادكم وصبركم. { ولقد كنتم } قبل خروجكم إلى الجهاد { تمنون الموت } أي: الحرب لأنه سبب الموت، وتقولون: ليت لنا يوما مثل يوم بدر، فلقد لقيتموه وعينتموه يوم أحد { وأنتم تنظرون } من مات من إخوانكم، فما لكم حين رأيتموه جبنتم وانهزمتم؟ وهو عتاب لمن طلب الخروج يوم أحد، ثم انهزم عن الحرب، ثم تداركهم بالتوبة والعفو، على ما يأتي إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن يمسسكم يا معشر الفقراء قرح كحبس أو ضرب أو سجن أو حرج أو جلاء، فقد مس العموم مثل ذلك، غير أنكم تسيرون به إلى الله تعالى لمعرفتكم فيه، وهم لا سير لهم لعدم معرفتهم، أو إن يمسسكم قرح فقد مس القوم المتقدمين من أهل الخصوصية مثل ما أصابكم، ففيهم أسوة لكم، وهذه عادة الله في أوليائه، يديل عليهم حتى يتطهروا ويتخلصوا، ثم يديل لهم، وإنما أديل عليهم حتى تيطهروا ويتخلصوا، ثم يديل لهم، وإنما أديل عليهم أولا ليتطهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا، وليعلم الصادق في الطلب من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء، وليتخذ منهم شهداء إن ماتوا على ذلك، كالحلاج وغيره، أو يتخذ منهم شهداء الملكوت إن صبرا حتى ظفروا بالشهود.
{ والله لا يحب الظالمين } أي: المؤذين لأولياءه، بل يمقتهم ويبعدهم. { وليمحص الله الذي آمنوا } بطريق الخصوص، أي: يخلصهم من بقايا الحس، سلط عليهم الناس، وليمحق المنكرين عليهم بما يصيبهم من إذايتهم، فإن المنكر على أهل النسبة كمن يدخل يده في الغيران، فإذا سلم من الأول والثاني، قال: لا يلحقني منهم شيء، فإذا أدخل يده في غار آخر لدغته حية فأهلكته. أم حسبتم يا معشر المريدين أن تدخلوا جنة المعارف، ولما يعلم الله الذين جاهدوا نفوسهم، ويعلم الصابرين على إيذاية من آذاهم، ولقد كنتم تمنون موت نفوسكم وتطلبون ما يعينكم على موتها من قبل أن تلقوا الجلال، فقد رأيتموه وعاينتموه وأنتم تنظرون ما أصاب الأولياء غيركم، فما لكم تجزعون منه وتفرون من مواطنه؟. وكان شيخ شيوخنا رضي الله عنه يقول: العجب كل العجب، ممن يطلب معرفة الله، فإذا تعرف إليه أنكره. وفي الحكم: " إذا فتح الله لك وجهة من التعرف فلا تبال معها، وإن قل عملك، فإنه ما فتحها إلا وهو يريد أن يتعرف إليك فيها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟ ". وبالله التوفيق.
آل عمران 3:142
قلت: القرح - بالفتح والضم -: الجرح، وقيل: بالفتح: الجرح، وبالضم: ألمه ووجعه. والمداولة: المفاعلة من الدولة، وهي الغلبة، و { الأيام }: نعت أو خبر، و { نداولها }: خبر أو حال، و { ليعلم }: متعلق بمحذوف، أي: وفعل ما فعل من الادالة ليعلم، أو عطف على علة محذوفة، أي: نداولها ليكون كيت وكيت، وليعلم... الخ، إيذانا بأن العلة فيه غير واحدة، وأن ما يصيب المؤمن: فيه من المصالح ما لا يعلم، و { يعلم الصابرين }: منصوب بأن، على أن الواو للجمع. يقول الحق جل جلاله: { إن يمسسكم } في غزوة أحد { قرح } كقتل أو جرح، { فقد مس القوم } من أعدائكم يوم بدر { قرح مثله } ، فإن كان قتل منكم خمسة وسبعون يوم أحد، فقد قتل منهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون: أو: { فقد مس القوم } يوم أحد { قرح } مثل ما أصابكم، فإنكم نلتم منهم وهزمتموهم، قبل أن تخالفوا أمر الرسول - عليه الصلاة -، كما نالوا منكم يومئذ. { وتلك الأيام نداولها بين الناس } أي: نصرف دولتها بينهم، فنديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى، كما قال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا، ويوم نساء، ويوم نسر
فقد أديل المسلمون على المشركين يوم بدر، فكانت الدولة لهم، وأديل المشركون يوم أحد. والمراد بالأيام: أيام الدنيا، أو أيام النصر والغلبة. وإنما أديل للمشركين يوم أحد ليتميز المؤمنون من المنافقين، ويظهر علمهم للناس، وليتخذ الله { منكم شهداء } حين ماتوا في الجهاد، أكرمهم الله بالشهادة، ولا تدل إدالة المشركين على أن الله يحبهم، فإن الله { لا يحب الظالمين }. وإنما أدلهم { ليمحص الله الذي آمنوا } أي: ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب، وأنما أدال المسلمين على المشركين ليمحق الكافرين ويقطع دابرهم. والمحق: نقص الشيء قليلا قليلا. ثم عاتب المسلمين فقال: { أم حسبتم } أي: ظننتم { أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } علم ظهور، { ويعلم الصابرين } أي: لا تظنوا أن تدخلوا الجنة كما دخلها من قتل منكم، ولم يقع منكم مثل ما وقع لهم من الجهاد والصبر على القتل والجرح حتى يقع العلم ظاهرا بجهادكم وصبركم. { ولقد كنتم } قبل خروجكم إلى الجهاد { تمنون الموت } أي: الحرب لأنه سبب الموت، وتقولون: ليت لنا يوما مثل يوم بدر، فلقد لقيتموه وعينتموه يوم أحد { وأنتم تنظرون } من مات من إخوانكم، فما لكم حين رأيتموه جبنتم وانهزمتم؟ وهو عتاب لمن طلب الخروج يوم أحد، ثم انهزم عن الحرب، ثم تداركهم بالتوبة والعفو، على ما يأتي إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن يمسسكم يا معشر الفقراء قرح كحبس أو ضرب أو سجن أو حرج أو جلاء، فقد مس العموم مثل ذلك، غير أنكم تسيرون به إلى الله تعالى لمعرفتكم فيه، وهم لا سير لهم لعدم معرفتهم، أو إن يمسسكم قرح فقد مس القوم المتقدمين من أهل الخصوصية مثل ما أصابكم، ففيهم أسوة لكم، وهذه عادة الله في أوليائه، يديل عليهم حتى يتطهروا ويتخلصوا، ثم يديل لهم، وإنما أديل عليهم حتى تيطهروا ويتخلصوا، ثم يديل لهم، وإنما أديل عليهم أولا ليتطهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا، وليعلم الصادق في الطلب من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء، وليتخذ منهم شهداء إن ماتوا على ذلك، كالحلاج وغيره، أو يتخذ منهم شهداء الملكوت إن صبرا حتى ظفروا بالشهود.
{ والله لا يحب الظالمين } أي: المؤذين لأولياءه، بل يمقتهم ويبعدهم. { وليمحص الله الذي آمنوا } بطريق الخصوص، أي: يخلصهم من بقايا الحس، سلط عليهم الناس، وليمحق المنكرين عليهم بما يصيبهم من إذايتهم، فإن المنكر على أهل النسبة كمن يدخل يده في الغيران، فإذا سلم من الأول والثاني، قال: لا يلحقني منهم شيء، فإذا أدخل يده في غار آخر لدغته حية فأهلكته. أم حسبتم يا معشر المريدين أن تدخلوا جنة المعارف، ولما يعلم الله الذين جاهدوا نفوسهم، ويعلم الصابرين على إيذاية من آذاهم، ولقد كنتم تمنون موت نفوسكم وتطلبون ما يعينكم على موتها من قبل أن تلقوا الجلال، فقد رأيتموه وعاينتموه وأنتم تنظرون ما أصاب الأولياء غيركم، فما لكم تجزعون منه وتفرون من مواطنه؟. وكان شيخ شيوخنا رضي الله عنه يقول: العجب كل العجب، ممن يطلب معرفة الله، فإذا تعرف إليه أنكره. وفي الحكم: " إذا فتح الله لك وجهة من التعرف فلا تبال معها، وإن قل عملك، فإنه ما فتحها إلا وهو يريد أن يتعرف إليك فيها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟ ". وبالله التوفيق.
آل عمران 3:143
قلت: القرح - بالفتح والضم -: الجرح، وقيل: بالفتح: الجرح، وبالضم: ألمه ووجعه. والمداولة: المفاعلة من الدولة، وهي الغلبة، و { الأيام }: نعت أو خبر، و { نداولها }: خبر أو حال، و { ليعلم }: متعلق بمحذوف، أي: وفعل ما فعل من الادالة ليعلم، أو عطف على علة محذوفة، أي: نداولها ليكون كيت وكيت، وليعلم... الخ، إيذانا بأن العلة فيه غير واحدة، وأن ما يصيب المؤمن: فيه من المصالح ما لا يعلم، و { يعلم الصابرين }: منصوب بأن، على أن الواو للجمع. يقول الحق جل جلاله: { إن يمسسكم } في غزوة أحد { قرح } كقتل أو جرح، { فقد مس القوم } من أعدائكم يوم بدر { قرح مثله } ، فإن كان قتل منكم خمسة وسبعون يوم أحد، فقد قتل منهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون: أو: { فقد مس القوم } يوم أحد { قرح } مثل ما أصابكم، فإنكم نلتم منهم وهزمتموهم، قبل أن تخالفوا أمر الرسول - عليه الصلاة -، كما نالوا منكم يومئذ. { وتلك الأيام نداولها بين الناس } أي: نصرف دولتها بينهم، فنديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى، كما قال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا، ويوم نساء، ويوم نسر
فقد أديل المسلمون على المشركين يوم بدر، فكانت الدولة لهم، وأديل المشركون يوم أحد. والمراد بالأيام: أيام الدنيا، أو أيام النصر والغلبة. وإنما أديل للمشركين يوم أحد ليتميز المؤمنون من المنافقين، ويظهر علمهم للناس، وليتخذ الله { منكم شهداء } حين ماتوا في الجهاد، أكرمهم الله بالشهادة، ولا تدل إدالة المشركين على أن الله يحبهم، فإن الله { لا يحب الظالمين }. وإنما أدلهم { ليمحص الله الذي آمنوا } أي: ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب، وأنما أدال المسلمين على المشركين ليمحق الكافرين ويقطع دابرهم. والمحق: نقص الشيء قليلا قليلا. ثم عاتب المسلمين فقال: { أم حسبتم } أي: ظننتم { أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } علم ظهور، { ويعلم الصابرين } أي: لا تظنوا أن تدخلوا الجنة كما دخلها من قتل منكم، ولم يقع منكم مثل ما وقع لهم من الجهاد والصبر على القتل والجرح حتى يقع العلم ظاهرا بجهادكم وصبركم. { ولقد كنتم } قبل خروجكم إلى الجهاد { تمنون الموت } أي: الحرب لأنه سبب الموت، وتقولون: ليت لنا يوما مثل يوم بدر، فلقد لقيتموه وعينتموه يوم أحد { وأنتم تنظرون } من مات من إخوانكم، فما لكم حين رأيتموه جبنتم وانهزمتم؟ وهو عتاب لمن طلب الخروج يوم أحد، ثم انهزم عن الحرب، ثم تداركهم بالتوبة والعفو، على ما يأتي إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن يمسسكم يا معشر الفقراء قرح كحبس أو ضرب أو سجن أو حرج أو جلاء، فقد مس العموم مثل ذلك، غير أنكم تسيرون به إلى الله تعالى لمعرفتكم فيه، وهم لا سير لهم لعدم معرفتهم، أو إن يمسسكم قرح فقد مس القوم المتقدمين من أهل الخصوصية مثل ما أصابكم، ففيهم أسوة لكم، وهذه عادة الله في أوليائه، يديل عليهم حتى يتطهروا ويتخلصوا، ثم يديل لهم، وإنما أديل عليهم حتى تيطهروا ويتخلصوا، ثم يديل لهم، وإنما أديل عليهم أولا ليتطهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا، وليعلم الصادق في الطلب من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء، وليتخذ منهم شهداء إن ماتوا على ذلك، كالحلاج وغيره، أو يتخذ منهم شهداء الملكوت إن صبرا حتى ظفروا بالشهود.
{ والله لا يحب الظالمين } أي: المؤذين لأولياءه، بل يمقتهم ويبعدهم. { وليمحص الله الذي آمنوا } بطريق الخصوص، أي: يخلصهم من بقايا الحس، سلط عليهم الناس، وليمحق المنكرين عليهم بما يصيبهم من إذايتهم، فإن المنكر على أهل النسبة كمن يدخل يده في الغيران، فإذا سلم من الأول والثاني، قال: لا يلحقني منهم شيء، فإذا أدخل يده في غار آخر لدغته حية فأهلكته. أم حسبتم يا معشر المريدين أن تدخلوا جنة المعارف، ولما يعلم الله الذين جاهدوا نفوسهم، ويعلم الصابرين على إيذاية من آذاهم، ولقد كنتم تمنون موت نفوسكم وتطلبون ما يعينكم على موتها من قبل أن تلقوا الجلال، فقد رأيتموه وعاينتموه وأنتم تنظرون ما أصاب الأولياء غيركم، فما لكم تجزعون منه وتفرون من مواطنه؟. وكان شيخ شيوخنا رضي الله عنه يقول: العجب كل العجب، ممن يطلب معرفة الله، فإذا تعرف إليه أنكره. وفي الحكم: " إذا فتح الله لك وجهة من التعرف فلا تبال معها، وإن قل عملك، فإنه ما فتحها إلا وهو يريد أن يتعرف إليك فيها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟ ". وبالله التوفيق.
آل عمران 3:144
قلت: { كتابا }: مصدر، أي: كتب الموت كتابا مؤجلا. يقول الحق جل جلاله: { وما محمد إلا رسول } يصيبه ما أصابهم، { قد } مضت { من قبله الرسل } ، فسيمضي كما مضوا بالموت أو القتل، { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } بعد تقرر شريعته وظهور براهينه، عاتبهم على تقدير أن لو صار منهم انقلاب لو مات صلى الله عليه وسلم أو قتل، أو على صدر من بعض المنافقين وهم ساكتون. قال أصحاب المغازي: خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد، في سبعمائة رجل، وأمر عبد الله بن جبير على الرماة، وهم خمسون رجلا، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا نم خلقنا، لا تبرحوا مكانكم كانت لنا أو علينا، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، فجاءت قريش، وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة، ومعهم النساء. ثم انتشب القتال فقال عليه الصلاة والسلام:
" من يأخذ هذا السيف بحقه؟ "
فجاء رجال فمنعهم، حتى جاء أبو دجانة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال:
" تضرب به العدو حتى ينحني "
، وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب، فأخذه واعتم بعمامة حمراء، وجعل يتبختر بين الصفين، فقال عليه الصلاة والسلام:
" إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع ".
ثم حمل النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين فهزموهم، قال الزبير: فرأيت هندا وصواحبها هاربات مصعدات في الجبل، فلما نظر الرماة إلى القوم قك انكشفوا، قالوا: الغنيمة الغنيمة فقال لهم بعضهم: لا تتركوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال يلتفتوا، وانطلق عامتهم، فلما رأى خالد قلة الرماة، صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم، وقتل عبد الله بن جبير، واختلط الناس، فقتل بعضهم بعضا، ورمى عبد الله بن قمئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر، فكسر أنفه ورباعيته، وشجه في وجهه، وكسر البيضة على رأسه، فذب عنه مصعب بن عمير، وكان صاحب الراية، فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلمن فرجع إلى قومه، وقال: قد قتلت محمدا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد مات. وقيل: إنه الشيطان، فانكفأ الناس، وجعل الرسول - عليه الصلاة والسلام - يدعو:
" إلي عباد الله "
، فانحاز إليه ثلاثون من الصحابة، وضموه حتى كشفوا عنه المشركين، وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست، حتى وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم، وأصيبت عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنتيه، فردها النبي صلى الله عليه وسلم مكانها، فعادت أحسن مما كانت.
وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات - فقال بعض المسلمين: ليت ابن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. وقال بعض المنافقين: لو كان نبيا ما قتل، ارجعوا إلى دينكم الأول. فقال أنس بن النضر - عم أنس بن مالك: إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعده؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، حتى تمتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك ما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني الكفار-، ثم شد سيفه وقاتل حتى قتل، رحمة الله عليه. فأنزل فيما قال المنافقون: { ومن ينقلب على عقبيه } بارتداده { فلن يضر الله شيئا } وإنما يضر نفسه، { وسيجزي الله الشاكرين } على نعمة الإسلام بالثبات عليه، كأنس وأضرابه، { وما كان } ينبغي { لنفس أن تموت إلا بإذن الله } أي: بإرادته ومشيئته، أو بإذنه لملك في قبض روحه، والمعنى: أن لكل نفس أجلا مسمى في علمه تعالى وقضائه، لا تستأخر عنه ساعة ولا تستقدم، بالتأخر عن القتال ولا بالإقدام عليه، وفيه تشجيعهم على القتال ووعد للرسول بحفظه وتأخر أجله فإن الله تعالى كتب أجل الموت { كتابا مؤجلا } مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر. ونزل في الرماة الذين خالفوا المركز للغنيمة: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤتها منها } الجزاء الجليل، { وسنجزي الشاكرين } الذين كروا نعم الله، فلم يشغلهم شيء عن الجهاد في سبيل الله، بل كان همهم رضي الله ورسوله دون شيء سواه. الإشارة: ينبغي للمريد أن يستغني بالله، فلا يركن إلى شيء سواه، وتكون بصيرته نافذة حتى يغيب عن الواسطة بشهود الموسوط، فإن مات شيخه لم ينقلب على عقبيه، فإن تمكن من الشهود فقد استغنى عن كل موجود، وإن لم يتمكن نظر من يكمله، فالوقوف من الوسائط وقوف مع النعم دون شهود المنعم، فلا يكون شاكرا للمنعم حتى لا يحجبه عنه شيء، ولما مات - عليه الصلاة والسلام - دهشت الناس، وتحيرت لوقوفهم مع شهود النعمة، إلا الصديق كان نفذ من شهود النعمة إلى شهود المنعم، فخطب حينئذ على الناس، وقال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم قرأ: { وما محمد إلا رسول... } إلى قوله: { وسنجزي الشاكرين } ، وهم الذين نفذوا إلى شهود المنعم، ولم يقفوا مع النعمة. ودخل بعض العارفين على بعض الفقراء فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ قال: مات أستاذي، فقال له العارف: ولم جعلت أستاذك يموت؟ وهلا جعلته حيا لا يمت. فنبهه على نفاذ بصيرته إلى شهود المنعم دون الوقوف مع النعمة، فالشيخ الحقيقي هو الذي يغني صاحبه عنه وعن غيره، بالدلالة على ربه.
آل عمران 3:145
قلت: { كتابا }: مصدر، أي: كتب الموت كتابا مؤجلا. يقول الحق جل جلاله: { وما محمد إلا رسول } يصيبه ما أصابهم، { قد } مضت { من قبله الرسل } ، فسيمضي كما مضوا بالموت أو القتل، { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } بعد تقرر شريعته وظهور براهينه، عاتبهم على تقدير أن لو صار منهم انقلاب لو مات صلى الله عليه وسلم أو قتل، أو على صدر من بعض المنافقين وهم ساكتون. قال أصحاب المغازي: خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد، في سبعمائة رجل، وأمر عبد الله بن جبير على الرماة، وهم خمسون رجلا، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا نم خلقنا، لا تبرحوا مكانكم كانت لنا أو علينا، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، فجاءت قريش، وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة، ومعهم النساء. ثم انتشب القتال فقال عليه الصلاة والسلام:
" من يأخذ هذا السيف بحقه؟ "
فجاء رجال فمنعهم، حتى جاء أبو دجانة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال:
" تضرب به العدو حتى ينحني "
، وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب، فأخذه واعتم بعمامة حمراء، وجعل يتبختر بين الصفين، فقال عليه الصلاة والسلام:
" إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع ".
ثم حمل النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين فهزموهم، قال الزبير: فرأيت هندا وصواحبها هاربات مصعدات في الجبل، فلما نظر الرماة إلى القوم قك انكشفوا، قالوا: الغنيمة الغنيمة فقال لهم بعضهم: لا تتركوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال يلتفتوا، وانطلق عامتهم، فلما رأى خالد قلة الرماة، صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم، وقتل عبد الله بن جبير، واختلط الناس، فقتل بعضهم بعضا، ورمى عبد الله بن قمئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر، فكسر أنفه ورباعيته، وشجه في وجهه، وكسر البيضة على رأسه، فذب عنه مصعب بن عمير، وكان صاحب الراية، فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلمن فرجع إلى قومه، وقال: قد قتلت محمدا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد مات. وقيل: إنه الشيطان، فانكفأ الناس، وجعل الرسول - عليه الصلاة والسلام - يدعو:
" إلي عباد الله "
، فانحاز إليه ثلاثون من الصحابة، وضموه حتى كشفوا عنه المشركين، وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست، حتى وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم، وأصيبت عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنتيه، فردها النبي صلى الله عليه وسلم مكانها، فعادت أحسن مما كانت.
وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات - فقال بعض المسلمين: ليت ابن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. وقال بعض المنافقين: لو كان نبيا ما قتل، ارجعوا إلى دينكم الأول. فقال أنس بن النضر - عم أنس بن مالك: إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعده؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، حتى تمتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك ما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني الكفار-، ثم شد سيفه وقاتل حتى قتل، رحمة الله عليه. فأنزل فيما قال المنافقون: { ومن ينقلب على عقبيه } بارتداده { فلن يضر الله شيئا } وإنما يضر نفسه، { وسيجزي الله الشاكرين } على نعمة الإسلام بالثبات عليه، كأنس وأضرابه، { وما كان } ينبغي { لنفس أن تموت إلا بإذن الله } أي: بإرادته ومشيئته، أو بإذنه لملك في قبض روحه، والمعنى: أن لكل نفس أجلا مسمى في علمه تعالى وقضائه، لا تستأخر عنه ساعة ولا تستقدم، بالتأخر عن القتال ولا بالإقدام عليه، وفيه تشجيعهم على القتال ووعد للرسول بحفظه وتأخر أجله فإن الله تعالى كتب أجل الموت { كتابا مؤجلا } مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر. ونزل في الرماة الذين خالفوا المركز للغنيمة: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤتها منها } الجزاء الجليل، { وسنجزي الشاكرين } الذين كروا نعم الله، فلم يشغلهم شيء عن الجهاد في سبيل الله، بل كان همهم رضي الله ورسوله دون شيء سواه. الإشارة: ينبغي للمريد أن يستغني بالله، فلا يركن إلى شيء سواه، وتكون بصيرته نافذة حتى يغيب عن الواسطة بشهود الموسوط، فإن مات شيخه لم ينقلب على عقبيه، فإن تمكن من الشهود فقد استغنى عن كل موجود، وإن لم يتمكن نظر من يكمله، فالوقوف من الوسائط وقوف مع النعم دون شهود المنعم، فلا يكون شاكرا للمنعم حتى لا يحجبه عنه شيء، ولما مات - عليه الصلاة والسلام - دهشت الناس، وتحيرت لوقوفهم مع شهود النعمة، إلا الصديق كان نفذ من شهود النعمة إلى شهود المنعم، فخطب حينئذ على الناس، وقال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم قرأ: { وما محمد إلا رسول... } إلى قوله: { وسنجزي الشاكرين } ، وهم الذين نفذوا إلى شهود المنعم، ولم يقفوا مع النعمة. ودخل بعض العارفين على بعض الفقراء فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ قال: مات أستاذي، فقال له العارف: ولم جعلت أستاذك يموت؟ وهلا جعلته حيا لا يمت. فنبهه على نفاذ بصيرته إلى شهود المنعم دون الوقوف مع النعمة، فالشيخ الحقيقي هو الذي يغني صاحبه عنه وعن غيره، بالدلالة على ربه.
آل عمران 3:146
قلت: { كأين }: أصله: أي، دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى { كم } ، وأثبت التنوين نونا على غير قياس، وقرأ ابن كثير، { وكائن } ، على وزن فاعل، ووجهه: أنه قلب الياء قبل الهمزة فصار: كياء، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فصار كائن، وهما لغتان، وقد جمع الشاعر بينهما في بيت، فقال:
كأين أبدنا من عدو بعزنا وكائن أجرنا من ضعيف وخائف
و { الربيون }: جمع ربة، أي: الفرقة. أي: معه جموع كثيرة، وقيل: العلماء الأتقياء، وقيل: الولاة، وهو: إما مبتدأ فيوقف على { قتل } ، أو نائب فاعل { قتل } ، أو فاعل على من قرأ بالبناء له، و { كثير }: نعت له، كقوله:
والملائكة بعد ذلك ظهير
[التحريم: 4] لأن فعيلا يخبر به عن المفرد والجمع. يقول الحق جل جلاله: { وكأين } وكم { من نبي قتل } في المعركة ومعه جموع كثيرة، أو ربانيون علماء أتقياء، فلم يفشلوا ولم يضعفوا، بل ثبتوا على دينهم وجهاد عدوهم، أو يقول: كثير من الأنبياء قتل معهم ربانيون كثير، أي: ماتوا في الحرب فثبت الباقون، ولم يفتروا ولم يضعفوا عن عدوهم، ويترجح الأول بما صرخ به الصارخ يوم أحد: إن محمدا قد مات، فضرب لهم المثل بقوله: { وكأين من نبي قتل } ، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل نبي قط في المحاربة. أو: { وكأين من نبي قاتل } أي: جاهد معه { ربيون كثير } ، وبعدما قتل نبيهم أو جموعهم { فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله } أي: فما فتروا: ولم ينكسر جندهم لأجل ما أصابهم من قتل نبيهم أو بعضهم، { وما ضعفوا } عن جهاد عدوهم ولا عن دينهم، { وما استكانوا } أي: خضعوا لعدوهم، من السكون لأن الخاضع يسكن لعدوه يفعل به ما يريد، فالألف إشباع زائد، أي: فما سكنوا لعدوهم بل صبروا له، { والله يحب الصابرين } فينصرهم ويعزهم ويعظم قدرهم. { وما كان قولهم } عند قتل نبيهم مع ثباتهم على دينه، { إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا } الصغائر، { وإسرافنا في أمرنا } أي: ما تجاوزنا به الحد في أمر ذنوبنا، كالكبائر، { وثبت أقدامنا } في مداحض الحرب لئلا ننهزم، { وانصرنا على القوم الكافرين } من أعدائنا، فهلا فعلتم مثلهم، وقلتم ذلك يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. { فآتاهم الله } في ثواب الاستغفار واللجوء إلى الله { ثواب الدنيا } وهو النصر والغنيمة والعز وحسن الذكر، { وحسن ثواب الآخرة } وهو النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد، وخص ثواب الآخرة بالحسن إشعارا بفضله، وأنه المعتد به عنده، { والله يحب المحسنين } الثابتين على دينهم، لأنهم أحسنوا فيما بينهم وبين ربهم بحفظ دينه، فأحبهم الله وقربهم إلى حضرته. الإشارة: وكم من المريدين والأتباع مات شيخهم أو قتل، فثبتوا على طريقهم، فما فشلوا ولا ضعفوا، ولا خضعوا لمن يقطعهم عن ربهم، بل صبروا على السير إلى ربهم، أو الترقي في المقامات، ومن لم يرشد منهم طلب من يكمل له، { والله يحب الصابرين } ، فإذا أحبهم كان سمعهم وبصرهم، كما في الحديث. وما كان حالهم عند موت شيخهم إلا الالتجاء إلى ربهم، والاستغفار مما بقي من مساوئهم، وطلب الثبات في مواطن حرب أنفسهم، فأعطاهم الله عز الدنيا والآخرة عز الدنيا بالإيمان والمعرفة، وعز الآخرة بدوام المشاهدة، فكانوا أحباب الله { والله يحب المحسنين }.
آل عمران 3:147
قلت: { كأين }: أصله: أي، دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى { كم } ، وأثبت التنوين نونا على غير قياس، وقرأ ابن كثير، { وكائن } ، على وزن فاعل، ووجهه: أنه قلب الياء قبل الهمزة فصار: كياء، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فصار كائن، وهما لغتان، وقد جمع الشاعر بينهما في بيت، فقال:
كأين أبدنا من عدو بعزنا وكائن أجرنا من ضعيف وخائف
و { الربيون }: جمع ربة، أي: الفرقة. أي: معه جموع كثيرة، وقيل: العلماء الأتقياء، وقيل: الولاة، وهو: إما مبتدأ فيوقف على { قتل } ، أو نائب فاعل { قتل } ، أو فاعل على من قرأ بالبناء له، و { كثير }: نعت له، كقوله:
والملائكة بعد ذلك ظهير
[التحريم: 4] لأن فعيلا يخبر به عن المفرد والجمع. يقول الحق جل جلاله: { وكأين } وكم { من نبي قتل } في المعركة ومعه جموع كثيرة، أو ربانيون علماء أتقياء، فلم يفشلوا ولم يضعفوا، بل ثبتوا على دينهم وجهاد عدوهم، أو يقول: كثير من الأنبياء قتل معهم ربانيون كثير، أي: ماتوا في الحرب فثبت الباقون، ولم يفتروا ولم يضعفوا عن عدوهم، ويترجح الأول بما صرخ به الصارخ يوم أحد: إن محمدا قد مات، فضرب لهم المثل بقوله: { وكأين من نبي قتل } ، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل نبي قط في المحاربة. أو: { وكأين من نبي قاتل } أي: جاهد معه { ربيون كثير } ، وبعدما قتل نبيهم أو جموعهم { فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله } أي: فما فتروا: ولم ينكسر جندهم لأجل ما أصابهم من قتل نبيهم أو بعضهم، { وما ضعفوا } عن جهاد عدوهم ولا عن دينهم، { وما استكانوا } أي: خضعوا لعدوهم، من السكون لأن الخاضع يسكن لعدوه يفعل به ما يريد، فالألف إشباع زائد، أي: فما سكنوا لعدوهم بل صبروا له، { والله يحب الصابرين } فينصرهم ويعزهم ويعظم قدرهم. { وما كان قولهم } عند قتل نبيهم مع ثباتهم على دينه، { إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا } الصغائر، { وإسرافنا في أمرنا } أي: ما تجاوزنا به الحد في أمر ذنوبنا، كالكبائر، { وثبت أقدامنا } في مداحض الحرب لئلا ننهزم، { وانصرنا على القوم الكافرين } من أعدائنا، فهلا فعلتم مثلهم، وقلتم ذلك يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. { فآتاهم الله } في ثواب الاستغفار واللجوء إلى الله { ثواب الدنيا } وهو النصر والغنيمة والعز وحسن الذكر، { وحسن ثواب الآخرة } وهو النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد، وخص ثواب الآخرة بالحسن إشعارا بفضله، وأنه المعتد به عنده، { والله يحب المحسنين } الثابتين على دينهم، لأنهم أحسنوا فيما بينهم وبين ربهم بحفظ دينه، فأحبهم الله وقربهم إلى حضرته. الإشارة: وكم من المريدين والأتباع مات شيخهم أو قتل، فثبتوا على طريقهم، فما فشلوا ولا ضعفوا، ولا خضعوا لمن يقطعهم عن ربهم، بل صبروا على السير إلى ربهم، أو الترقي في المقامات، ومن لم يرشد منهم طلب من يكمل له، { والله يحب الصابرين } ، فإذا أحبهم كان سمعهم وبصرهم، كما في الحديث. وما كان حالهم عند موت شيخهم إلا الالتجاء إلى ربهم، والاستغفار مما بقي من مساوئهم، وطلب الثبات في مواطن حرب أنفسهم، فأعطاهم الله عز الدنيا والآخرة عز الدنيا بالإيمان والمعرفة، وعز الآخرة بدوام المشاهدة، فكانوا أحباب الله { والله يحب المحسنين }.
آل عمران 3:148
قلت: { كأين }: أصله: أي، دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى { كم } ، وأثبت التنوين نونا على غير قياس، وقرأ ابن كثير، { وكائن } ، على وزن فاعل، ووجهه: أنه قلب الياء قبل الهمزة فصار: كياء، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فصار كائن، وهما لغتان، وقد جمع الشاعر بينهما في بيت، فقال:
كأين أبدنا من عدو بعزنا وكائن أجرنا من ضعيف وخائف
و { الربيون }: جمع ربة، أي: الفرقة. أي: معه جموع كثيرة، وقيل: العلماء الأتقياء، وقيل: الولاة، وهو: إما مبتدأ فيوقف على { قتل } ، أو نائب فاعل { قتل } ، أو فاعل على من قرأ بالبناء له، و { كثير }: نعت له، كقوله:
والملائكة بعد ذلك ظهير
[التحريم: 4] لأن فعيلا يخبر به عن المفرد والجمع. يقول الحق جل جلاله: { وكأين } وكم { من نبي قتل } في المعركة ومعه جموع كثيرة، أو ربانيون علماء أتقياء، فلم يفشلوا ولم يضعفوا، بل ثبتوا على دينهم وجهاد عدوهم، أو يقول: كثير من الأنبياء قتل معهم ربانيون كثير، أي: ماتوا في الحرب فثبت الباقون، ولم يفتروا ولم يضعفوا عن عدوهم، ويترجح الأول بما صرخ به الصارخ يوم أحد: إن محمدا قد مات، فضرب لهم المثل بقوله: { وكأين من نبي قتل } ، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل نبي قط في المحاربة. أو: { وكأين من نبي قاتل } أي: جاهد معه { ربيون كثير } ، وبعدما قتل نبيهم أو جموعهم { فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله } أي: فما فتروا: ولم ينكسر جندهم لأجل ما أصابهم من قتل نبيهم أو بعضهم، { وما ضعفوا } عن جهاد عدوهم ولا عن دينهم، { وما استكانوا } أي: خضعوا لعدوهم، من السكون لأن الخاضع يسكن لعدوه يفعل به ما يريد، فالألف إشباع زائد، أي: فما سكنوا لعدوهم بل صبروا له، { والله يحب الصابرين } فينصرهم ويعزهم ويعظم قدرهم. { وما كان قولهم } عند قتل نبيهم مع ثباتهم على دينه، { إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا } الصغائر، { وإسرافنا في أمرنا } أي: ما تجاوزنا به الحد في أمر ذنوبنا، كالكبائر، { وثبت أقدامنا } في مداحض الحرب لئلا ننهزم، { وانصرنا على القوم الكافرين } من أعدائنا، فهلا فعلتم مثلهم، وقلتم ذلك يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. { فآتاهم الله } في ثواب الاستغفار واللجوء إلى الله { ثواب الدنيا } وهو النصر والغنيمة والعز وحسن الذكر، { وحسن ثواب الآخرة } وهو النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد، وخص ثواب الآخرة بالحسن إشعارا بفضله، وأنه المعتد به عنده، { والله يحب المحسنين } الثابتين على دينهم، لأنهم أحسنوا فيما بينهم وبين ربهم بحفظ دينه، فأحبهم الله وقربهم إلى حضرته. الإشارة: وكم من المريدين والأتباع مات شيخهم أو قتل، فثبتوا على طريقهم، فما فشلوا ولا ضعفوا، ولا خضعوا لمن يقطعهم عن ربهم، بل صبروا على السير إلى ربهم، أو الترقي في المقامات، ومن لم يرشد منهم طلب من يكمل له، { والله يحب الصابرين } ، فإذا أحبهم كان سمعهم وبصرهم، كما في الحديث. وما كان حالهم عند موت شيخهم إلا الالتجاء إلى ربهم، والاستغفار مما بقي من مساوئهم، وطلب الثبات في مواطن حرب أنفسهم، فأعطاهم الله عز الدنيا والآخرة عز الدنيا بالإيمان والمعرفة، وعز الآخرة بدوام المشاهدة، فكانوا أحباب الله { والله يحب المحسنين }.
آل عمران 3:149
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا } وهم المنافقون، لما قالوا للمسلمين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دينكم الأول، ولو كان نبيا ما قتل، { يردوكم على أعقابكم } راجعين عن إيمانكم، { فتنقلبوا خاسرين } مفتونين عن دينكم، فتحبط أعمالكم فتخسروا الدنيا والآخرة، بل أثبتوا على إيمانكم، فإن الله { مولاكم } سينصركم ويعزكم، { وهو خير الناصرين } ، وقيل: إن تسكنوا إلى أبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل: عام في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم فإنه يجر إلى موافقتهم على دينهم، لا سيما إن طالت مدة الاستئمان. قلت: وهذا هو السبب في ارتداد من بقي من المسلمين بالأندلس حتى رجعوا نصارى، هم وأولادهم، والعياذ بالله من سوء القضاء. الإشارة: يا أيها المريدون - وخصوصا المتجردين - إن تطيعوا العامة، وتركنوا إليهم، يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بطلب الدنيا وتعاطي أسبابها، فتزل قدم بعد ثبوتها، وتنحط من الهمة العالية إلى الهمة السفلى، فإن الطباع تسرق، والمرء على دين خليله، بل أثبتوا على التجريد وتحقيق التوحيد، فإن الله مولاكم { وهو خير الناصرين } فينصركم ويعزكم ويغنيكم بلا سبب، كما وعدكم
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب
[الطلاق: 2، 3].
آل عمران 3:150
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا } وهم المنافقون، لما قالوا للمسلمين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دينكم الأول، ولو كان نبيا ما قتل، { يردوكم على أعقابكم } راجعين عن إيمانكم، { فتنقلبوا خاسرين } مفتونين عن دينكم، فتحبط أعمالكم فتخسروا الدنيا والآخرة، بل أثبتوا على إيمانكم، فإن الله { مولاكم } سينصركم ويعزكم، { وهو خير الناصرين } ، وقيل: إن تسكنوا إلى أبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل: عام في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم فإنه يجر إلى موافقتهم على دينهم، لا سيما إن طالت مدة الاستئمان. قلت: وهذا هو السبب في ارتداد من بقي من المسلمين بالأندلس حتى رجعوا نصارى، هم وأولادهم، والعياذ بالله من سوء القضاء. الإشارة: يا أيها المريدون - وخصوصا المتجردين - إن تطيعوا العامة، وتركنوا إليهم، يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بطلب الدنيا وتعاطي أسبابها، فتزل قدم بعد ثبوتها، وتنحط من الهمة العالية إلى الهمة السفلى، فإن الطباع تسرق، والمرء على دين خليله، بل أثبتوا على التجريد وتحقيق التوحيد، فإن الله مولاكم { وهو خير الناصرين } فينصركم ويعزكم ويغنيكم بلا سبب، كما وعدكم
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب
[الطلاق: 2، 3].
آل عمران 3:151
قلت: { الرعب }: الخوف، وفيه الضم والسكون، وهكذا كل ثلاثي ساكن الوسط، كالقدس والعسر واليسر، وشبه ذلك، و { بما أشركوا }: مصدرية. يقول الحق جل جلاله: سنقذف { في قلوب الذين كفروا } كأبي سفيان وأصحابه، { الرعب } والخوف، حتى يرجعوا عنكم بلا سبب، بسبب شركهم بالله { ما لم ينزل به سلطانا } ولا حجة على استحقاق العبادة، { ومأواهم النار } أي: هي مقامهم، { وبئس مثوى الظالمين } أي: قبح مقامهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للتغليظ في العلة. الإشارة: فيها تسلية للفقراء، فإن كل من هم بإذايتهم ألقى الله في قلبه الرعب، حتى لا يقدر أن يتوصل إليهم بشيء مما أمل فيهم، وقد رأيتهم هموا بقتلهم وضربهم وحبسهم، وسعوا في ذلك جهدهم، وعملوا في ذلك بينات على زعمهم، توجب قتلهم، فكفاهم الله أمرهم، وألقى الرعب في قلوبهم، فانقلبوا خائبين وماتوا ظالمين، والله ولي المتقين.
آل عمران 3:152
قلت: حسه: إذا قتله وأبطل حسه، وجواب { إذا }: محذوف، أي: حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم امتحناكم بالهزيمة، والواو لا ترتب، والتقدير: حتى إذا تنازعتم وعصيتم وفشلتم سلبنا النصر عنكم. يقول الحق جل جلاله: { ولقد صدقكم الله } ما وعدكم من النصر لو صبرتم واتقيتم، وذلك حين كنتم { تحسونهم } بالسيف، وتقتلونهم حتى انهزموا هاربين، بإذنه تعالى وإرادته، { حتى إذا فشلتم } أي: جبنتم وضعف رأيكم وملتم إلى الغنيمة، { وتنازعتم } في الثبات مع الرماة حين انهزم المشركون، فقلتم: الغنيمة الغنيمة، فما وقوفكم هنا! وقال آخرون: لا تخالفوا أمر الرسول، ثم تركتم المركز، { وعصيتم الرسول من بعد ما أراكم ما تحبون } من النصر والغنيمة، امتحناكم حينئذ بالهزيمة. فمنكم { من يريد الدنيا } ليصرفها في الآخرة، وهم الذين خالفوا المركز وذهبوا للغنيمة، { ومنكم من يريد الآخرة } صرفا، وهم الثابتون مع عبد الله بن جبير، محافظة على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، { ثم صرفكم عنهم } حين خالفتم أمر الرسول، { ليبتليكم } أي: ليختبركم، فيتبين الصابر من الجازع، والمخلص من المنافق، { ولقد عفا عنكم } فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، لاستحقاقكم ذلك، أو تجاوز عن ذنبكم وتفضل بالتوبة والمغفرة، { والله ذو فضل } عظيم { على المؤمنين } يتفضل عليهم بالمغفرة في الأحوال كلها، سواء أديل عليهم أو لهم، فإن الابتلاء أيضا رحمة وتطهير. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول للفقراء الذين استشرفوا على بلاد الخصوصية، ثم فشلوا ورجعوا إلى بلاد العمومية: ولقد صدقكم الله وعده في إدراك الخصوصية لو صبرتم، فإنكم حين كنتم تجاهدون نفوسكم وتحسونها بسيوف المخالفة، لمعت لكم أنوار المشاهدة، حتى إذا فشلتم وتفرقت قلوبكم، وعصيتم شيوخكم قلت أمدادكم، وأظلمت قلوبكم، من بعد ما رأيتم ما تحبون من مبادئ المشاهدة، فملتم إلى الدنيا الفانية، فمنكم يا معشر المنتسبين من يريد الدنيا، فصحب العارفين على حرف، وهو الذي رجع وفشل، ومنكم من يريد الآخرة وقطع يأسه من الرجوع إلى الدنيا، وهو الذي ثبت حتى ظفر، ثم صرفكم عن حصبة العارفين، يا من أراد الدنيا من المنتسبين، ليبتليكم، هل صحبتموهم لله أو لغيره، ولقد عفا عنكم وجعلكم من عوام المسلمين، ولم يسلب عنكم الإيمان عقوبة لترك صحبة العارفين. أو لقد عفا عنكم إن رجعتم إلى صحبتهم والأدب معهم، فإن الله { ذو فضل على المؤمنين } حيث لم يعاجلهم بالعقوبة. وبالله التوفيق. وقال الورتجبي: قوله: { منكم من يريد الدنيا } ، أي: منكم من وقع في بحر غني القدم، واتصف به بنعت التمكين ورؤية النعم في شكر المنعم، كسليمان عليه السلام. ومنكم من وقع في بحر التنزيه وتقديس الأزلية، فغلب عليه القدس والطهارة، فخرج بنعت الفقر تجريدا لتوحيده وإفراد قدمه من الحدث، كمحمد صلى الله عليه وسلم حيث قال:
" الفقر فخري ".
آل عمران 3:153
قلت: { إذ }: ظرف لعفا، أو اذكر. وأصعد: أبعد في الأرض، وصعد: في الجبل، فالإصعاد: الذهاب في الأرض المستوية، والصعود: الارتقاء في العلو. وقرئ بهما معا لأنهما وقعا معا، فمنهم من فر ذاهبا في الأرض، ومنهم من صعد إلى الجبل. و { لكيلا }: متعلق بأثابكم. يقول الحق جل جلاله: ولقد عفا عنكم حين كنتم { تصعدون } عن نبيه - عليه الصلاة والسلام -، منهزمين عنه، تبعدون عنه، { ولا تلوون على أحد } أي: لا يلتفت بعضكم إلى بعض، ولا ينتظر بعضكم بعضا، { والرسول } محمد صلى الله عليه وسلم { يدعوكم في أخراكم } أي: في ساقتكم، يقول:
" إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة "
، وفيه مدح للرسول صلى الله عليه وسلم بالشجاعة والثبات، حيث وقف في آخر المنهزمين، فإن الآخر هو موقف الأبطال، والفرار في حقه صلى الله عليه وسلم محال. { فأثابكم } أي: فجازاكم على ذلك الفرار، { غما } وهو ظهور المشركين عليكم وقتل إخوانكم، بسبب غم أوصلتموه للنبي صلى الله عليه وسلم بعصيانه والفرار عنه، وقدر ذلك { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } من الغنيمة، { ولا } على { ما أصابكم } من الجرح والهزيمة، لأن من استحق العقوبة والأدب لا يحزن على ما فاته ولا على ما أصابه إذ جريمته تستحق أكثر من ذلك، يرى ما نزل به بعض ما يستحقه، فيهون عليه أمر ما نزل به أو ما فاته من الخير. أو يقول: { فأثابكم غما } متصلا { بغم } فالغم الأول: ما فاتهم من الظفر والغينمة، والثاني: ما نالهم من القتل والهزيمة، أو الأول: ما أصابهم من القتل والجراح، والثاني: ما سمعوا من الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ليتمرنوا على المحن والشدائد حتى لا يجزعوا من شيء، وبذلك وصفهم كعب بن زهير في لاميته، حيث قال:
لا يفرحون إذا نالت رماحهم وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
فإن المتمرن على المصائب المتعود عليها يهون عليها أمرها، فلا يحزن على ما أصابه ولا ما فاته، { والله خبير بما تعملون } وبما قصدتم، فيجازيكم على ذلك. الإشارة: ما زال الدعاة إلى الله من أهل التربية النبوية يدعون الناس إلى الله، ويعرفونهم بالطريق إلى الله، يبنون لهم الطريق إلى عين التحقيق، والناس يبعدون عنهم ويفرون منهم، وهم في أخراهم يقولون بلسان الحال أو المقال: يا عباد الله، هلم إلينا نعرفكم بالله، وندلكم على الله، فلا يلوي إليهم أحد ولا يلتفت إليهم بشر، إلا من سبقت له العناية، وأراد الحق تعالى أن يوصله إلى درجة الولاية، " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه " ، فأثابهم على الفرار غم الحجاب، متصلا بغم الأسباب، فلا يحزنوا على ما فاتهم من المعرفة إذ لم يعرفوا قدرها، ولا على ما أصابهم من الغفلة والبطالة، إذ لم يتفطنوا لها { والله خبير بما تعملون } يا معشر العباد، من التودد أو العناد. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:154
قلت: { نعاسا }: بد لمن { أمنة } ، أو هو المفعول، و { أمنة }: حال منه، مقدمة، أو مفعول له، أي: أنزل عليكم نعاسا لأجل الأمنة، أو حال من كاف { عليكم } ، أي: أنزل عليكم حال كونكم آمنين. والأمنة: مصدر أمن، كالعظمة والغلبة. يقول الحق جل جلاله: { ثم أنزل عليكم } أيها المؤمنون { من بعد الغم } الذي أصابكم بموت إخوانكم، والإرجاف بقتل نبيكم، الأمن والطمأنينة، حتى أخذكم النعاس وأنتم في الحرب. قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في المصاف، حتى كان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه. وقال الزبير رضي الله عنه. لقد رأيتني حين اشتد الخوف، ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل الله - تعالى - علينا النوم، والله إني لأسمع قول معتب، والنعاس يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم: { لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا }. ثم إن هذا النعاس إنما { يغشى طائفة منكم } وهم المؤمنون، أو: هذه الأمنة إنما تغشى طائفة منكم، وأما المنافقون فقد { أهمتهم أنفسهم } ، أي: أوقعتهم في الهموم والغموم، أو ما يهمهم إلا أنفسهم، يدبرون خلاصها ونجاتها، فقد طارت قلوبهم من الخوف، فلا يتصور في حقهم النوم، { يظنون بالله غير الحق } أي: غير الظن الحق، لأنهم ظنوا أنه لا ينصر - عليه الصلاة والسلام، وأن أمره مضمحل، أو ظنوا أنه قتل، ظنا كظن الجاهلية، أهل الشرك، { يقولون } أي: بعضهم لبعض: { هل لنا من الأمر من شيء } أي: عزلنا عن تدبر أنفسنا، فلم يبق لنا من الأمر من شيء. قاله ابن أبي، لما بلغة قتل الخزرج. { قل } لهم يا محمد: { إن الأمر كله لله } ليس بيد غيره شيء من التدبير والاختيار، حال كون المنافقين { يخفون في أنفسهم } من الكفر والنفاق { ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا } أي: لو كان تدبيرا أو اختيارا ما خرجنا سلسلة المقادير، رغما على أنفكم، فلو { كنتم في بيوتكم } آمنين { لبرز الذين كتب عليهم القتل } ، ووصل أجلهم { إلى مضاجعهم } ومصارعهم، رغما على أنفهم، فإن الله قدر الأمور ودبرها في سابق أزله، لا معقب لحكمه، وإنما فعل ذلك، وأخرجكم إلى المعركة { ليبتلي الله ما في صدوركم } أي: يختبر ما فيها من الخير أو الشر، { وليمحص ما في قلوبكم } أي: يكشف ما فيها من النفاق أو الإخلاص، فقد ظهر خبث سريرتكم ومرض قلوبكم بالنفاق الذي تمكن فيه، { والله عليم بذات الصدور } أي: بخفاياها قبل إظهارها. وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء، وإنما فعل ذلك ليميز المؤمنين ويظهر حال المنافقين. قاله البيضاوي. الإشارة: ثم أنزل عليكم أيها الواصلون المتمكنون، أو من تعلق بكم من السائرين.
من بعد غم المجاهدة وتعب المراقبة أمنة في قلوبكم بالطمأنينة بشهود الله، وراحة في جوارحكم من تعب الخدمة في السير إلى الله، حتى وصلتم فنمتم في ظل الأمن والأمان، وسكنتم في جوار الكريم المنان. قال بعض العارفين: إذا انتقلت المعاملة إلى القلوب استراحت الجوارح، وهذه الراحة إنما تحصل للعارفين، أو من تعلق بهم من المريدين، وطائفة من غيرهم وهم المتفقرة الجاهلون، الذين لا شيخ لهم، قد أهمتهم أنفسهم، تارة تصرعهم وتارة يصرعونها، تارة تشرق عليهم أنوار التوجه، فيقوى رجاؤهم في الفتح، وتارة تنقبض عنهم فيظنون بالله غير الحق، ظن الجاهلية، يقولون: هل لنا من الفتح من شيء؟. قل لهم: { إن الأمر كله لله } يوصل من يشاء ويبعد من يشاء، يخفون في أنفسهم من العيوب والخواطر الرديئة ما لا يبدون لك، فإذا طال عليهم الفتح، وغلب عليهم الفقر، ندموا على ما فاتهم من التمتع بالدنيا، يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا بالذل والفقر والجوع، قل لهم: ذلك الذي سبق في علم الله، لا محيد لأحد عنه، ليظهر الصادق في الطلب من الكاذب، [كن صادقا تجد مرشدا]، فلو صدقتم في الطلب لأرشدكم إلى من يوصلكم ويريحكم من التعب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:155
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين تولوا منكم } وانهزموا يوم أحد { يوم التقى الجمعان } جمع المسلمين وجمع الكفار إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان { استزلهم } ، أي: طلب زللهم فأطاعوه، أي: زين لهم الفرار فأطاعوه، بسبب بعض { ما كسبوا } من الإثم، كمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والحرص على الغنيمة، وذنوب اقترفوها قبل الجهاد، فإن المعاصي تجر بعضها بعضا، كالطاعة، { ولقد عفا الله عنهم } فيما فعلوا من الفرار لتوبتهم واعتذارهم { إن الله غفور } للذنوب، { حليم } لا يعاجل بعقوبة المذنب كي يتوب. الإشارة: إن الذين تولوا منكم يا معشر الفقراء، ورجعوا عن صحبة الشيوخ، حين التقى في قلبهم الخصمان: خصم يرغبهم في الثبوت، وخصم يدلهم على الرجوع، ثم غلب خصم الرجوع فرجعوا، إنما استزلهم الشيطان بسوء أدبهم، فإن تابوا ورجعوا، أقبلوا عليهم، وقبل الله توبتهم، وعفا عنهم، فإنه سبحانه غفور حليم.
آل عمران 3:156
قلت: { غزي }: جمع غاز، كعاف وعفى، وإنما وضع { إذا } موضع { إذ } لحكاية الحال، يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا } ونافقوا، كعبد الله بن أبي، وأصحابه، { وقالوا لإخوانهم } في النسب، أو في المذهب، أي: قالوا لأجلهم أو في شأنهم، { إذا ضربوا في الأرض } أي: سافروا للتجارة أو غيرها فماتوا، { أو كانوا غزى } أي: غازين فقتلوا في الغزو: { لو كانوا عندنا } مقيمين { ما ماتوا وما قتلوا } ، وإنما نطقوا بذلك { ليجعل الله ذلك } القول الناشىء عن الاعتقاد الفاسد { حسرة في قلوبهم } بالاغتمام على ما فات، والتحسر على ما لم يأت، { والله } هو { يحيي ويميت } بلا سبب في الإقامة والسفر، فليس يمنع حذر من قدر، { والله بما تعملون } ، أيها المؤمنون { بصير } ، ففيه تهديد لهم على أن يماثلوا المنافقين في هذا الاعتقاد الفاسد، ومن قرأ بالياء فهو تهديد لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينبغي للأقوياء من أهل اليقين أن يتشبهوا بضعفاء اليقين، كانوا علماء أو صالحين أو طالحين، حيث يقولون لإخوانهم إذا سافروا لأرض مخوفة أو بلد الوباء. لو جلسوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، وما دروا أن الله قدر الآجال كما قدر الأرزاق وجميع الشؤون والأحوال، وعين لها أوقاتا محدودة في أزله، فكل مقدور يبرز في وقته، " ما من نفس تبديه، إلا وله قدر فيك يمضيه " ، فما قدره في سابق علمه لا بد أن يكون، وما لم يقدره لا يكون، ولا تجلبه حركة ولا سكون. ولله در القائل:
ما لا يقدر لا يكون بحيلة أبدا وما هو كائن سيكون سيكون ما هو كائن في وقته وأخو الجهالة متعب محزون يجري الحريص ولا ينال بحرصه شيئا ويحظى عاجز ومهين فدع الهموم، تعر من أثوابها، إن كان عندك بالقضاء يقين هون عليك وكن بربك واثقا فأخو الحقيقة شأنه التهوين
وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يتمثل بهذه الأبيات:
فهون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها فليس يأتيك مصروفها ولا عازب عنك مقدورها
وكل من لم يحقق الإيمان بالقدر لا ينفك عن الحسرة والكدر، ومن أراد النعيم المقيم فليثلج صدره ببرد الرضا والتسليم، ومن أراد الروح والريحان فعليه بجنات العرفان، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواءه الطريق.
آل عمران 3:157
قلت: إذا اجتمع القسم والشرط ذكر جواب الأول وأغنى عن الثاني، فقوله: { لمغفرة }: جواب القسم، أغنى عن جواب { إن } ، والتقدير: إن قتلتم في سبيل الله غفر الله لكم، ثم سد عنه { لمغفرة... } الخ، ومن قرأ: { متم } بكسر الميم، فهو من: مات يمات، كهاب يهاب هبت، وخاف يخاف خفت، ومن قرأ بالضم: فمن مات يموت، كقال يقول قلت. يقول الحق جل جلاله: إن السفر والغزو ليس هما مما يجلب الموت أو يقدم الأجل، وعلى تقدير: لو وقع ذلك وحضر أجلكم فيه وقتلتم { في سبيل الله } بالسيف، { أو متم } حتف أنفكم، لما تنالون من المغفرة والرحمة والروح والريحان { خير مما تجمعون } من حطام الدنيا الفانية لو لم تموتوا، وعلى أي وجه متم أو قتلتم فلا تحشرون إلا إلى الله، لا إلى أحد غيره، فيوفى جزاءكم ويعظم ثوابكم، وأما البقاء في الدنيا فلا مطمع لأحد فيه، سافر أو قعد في بيته، وقدم أولا القتل على الموت وأخره ثانيا لأن الأول رتب عليه المغفرة والرحمة، وهما في حق من فتل في الجهاد أعظم ممن مات بغيره، فقدمه اعتناء به، وفي الثاني رتب عليه الحشر، وهو مستو في القتل والموت، فلا مزية فيه للقتل على الموت. والله أعلم. الإشارة: ولئن قتلتم نفوسكم وبذلتم مهجكم في طلب محبوبكم، فظفرتم بالوصول إليه قبل موتكم، أو متم في السير قبل الوصول إلى محبوبكم، لما تنالون من كمال اليقين وشهود رب العالمين، أو من المغفرة والرحمة التي تضمكم إلى جواره، خير مما كنتم تجمعون من الدنيا قبل توجهكم إليه، فإن الموت والحشر مكتوب على كل مخلوق، فيظهر فوز المجاهدين والمتوجهين، وغبن القاعدين المستوفين. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:158
قلت: إذا اجتمع القسم والشرط ذكر جواب الأول وأغنى عن الثاني، فقوله: { لمغفرة }: جواب القسم، أغنى عن جواب { إن } ، والتقدير: إن قتلتم في سبيل الله غفر الله لكم، ثم سد عنه { لمغفرة... } الخ، ومن قرأ: { متم } بكسر الميم، فهو من: مات يمات، كهاب يهاب هبت، وخاف يخاف خفت، ومن قرأ بالضم: فمن مات يموت، كقال يقول قلت. يقول الحق جل جلاله: إن السفر والغزو ليس هما مما يجلب الموت أو يقدم الأجل، وعلى تقدير: لو وقع ذلك وحضر أجلكم فيه وقتلتم { في سبيل الله } بالسيف، { أو متم } حتف أنفكم، لما تنالون من المغفرة والرحمة والروح والريحان { خير مما تجمعون } من حطام الدنيا الفانية لو لم تموتوا، وعلى أي وجه متم أو قتلتم فلا تحشرون إلا إلى الله، لا إلى أحد غيره، فيوفى جزاءكم ويعظم ثوابكم، وأما البقاء في الدنيا فلا مطمع لأحد فيه، سافر أو قعد في بيته، وقدم أولا القتل على الموت وأخره ثانيا لأن الأول رتب عليه المغفرة والرحمة، وهما في حق من فتل في الجهاد أعظم ممن مات بغيره، فقدمه اعتناء به، وفي الثاني رتب عليه الحشر، وهو مستو في القتل والموت، فلا مزية فيه للقتل على الموت. والله أعلم. الإشارة: ولئن قتلتم نفوسكم وبذلتم مهجكم في طلب محبوبكم، فظفرتم بالوصول إليه قبل موتكم، أو متم في السير قبل الوصول إلى محبوبكم، لما تنالون من كمال اليقين وشهود رب العالمين، أو من المغفرة والرحمة التي تضمكم إلى جواره، خير مما كنتم تجمعون من الدنيا قبل توجهكم إليه، فإن الموت والحشر مكتوب على كل مخلوق، فيظهر فوز المجاهدين والمتوجهين، وغبن القاعدين المستوفين. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:159
قلت: { فبما }: صلة. والفظ، الجافي، يقال: فظ فظاظة وفظوظا، ورجل فظ، وامرأة فظة، والفض - بغير المشالة: التفرق، ويطلق على الكسر، ومنه: لا يفضض الله فاك. يقول الحق جل جلاله: فبرحمة من الله ونعمة كنت سهلا لينا رفيقا، فحين عصوا أمرك، وفروا عنك، ألنت لهم جانبك، ورفقت بهم، بل اغتممت من أجلهم مما أصابهم، { ولو كنت فظا } جافيا سيىء الخلق { غليظ القلب } قاسيه فأغلظت لهم القول، { لانفضوا من حولك } أي: لتفرقوا عنك، ولم يسكنوا إليك، { فاعف عنهم } فيما يختص بك، { واستغفر لهم } في حق ربك حتى يشفعك فيهم { وشاورهم في الأمر } الذي يصح أن يشاور فيه تطييبا لخاطرهم، ورفعا لأقدارهم، واستخراجا وتمهيدا لسنة المشاورة لغيرهم، وخصوصا الأمراء. قال عليه الصلاة والسلام:
" ما شقا عبد بمشورة، وما سعد باستغناء برأي "
قال أيضا:
" ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار "
وقال أيضا - عليه الصلاة والسلام -
" إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم، ولم تكن أموركم شورى بينكم، فبطن الأرض خير من ظهرها ".
{ فإذا عزمت } على شيء بعد الشورى، { فتوكل على الله } أي: ثق به وكيلا، { إن الله يحب المتوكلين } فينصرهم ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم. الإشارة: ما اتصف به نبينا - عليه الصلاة والسلام - من السهولة والليونة والرفق بالأمة، اتصفت به ورثته من الأولياء العارفين، والعلماء الراسخين، ليتهيأ لهم الدعوة إلى الله، أو إلى أحكام الله، ولو كانوا فظاظا غلاظا لانفض الناس من حولهم، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس، ويستغفروا لهم، ويشاوروهم في أمورهم، اقتداء برسولهم، فإذا عزموا على إمضاء شيء فليتوكلوا على الله { إن الله يحب المتوكلين }. قال الجنيد - رضي الله عنه -: التوكل أن تقبل بالكلية على ربك وتعرض عمن دونه. وقال الثوري: أن تفني تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلا ومدبرا، قال الله تعالى:
وكفى بالله وكيلا
[النساء: 81]. وقال ذو النون: خلع الأرباب، وقطع الأسباب وقال الخواص: قطع الخوف والرجاء مما سوى الله تعالى. وقال العرجي: رد العيش إلى يوم واحد، وإسقاط هم غد. ه. وقال سهل: معرفة معطي أرزاق المخلوقين، ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون عنده السماء كالصفر والأرض كالحديد، لا ينزل من السماء قطر، ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أن الله لا ينسى له ما ضمن من رزقه بيه هذين. ه. وقيل: هو اكتفاء العبد الذليل بالرب الجليل، كاكتفاء الخليل بالخليل، حين لم ينظر إلى عناية جبريل.
وقيل لبهلوان المجنون: متى يكون العبد متوكلا؟ قال: إذا كان بالنفس غريبا بين الخلق، وبالقلب قريبا إلى الحق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده ".
قال ابن جزي: التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع وحفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات، لوجهين: أحدهما: قوله: { إن الله يحب المتوكلين } ، والآخر: الضمان الذي في قوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق: 3]، وقد يكون واجبا لقوله:
وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [المائدة: 23]، فجعله شرطا في الإيمان، ولظاهر قوله:
وعلى الله فليتوكل المؤمنون
[آل عمران: 122] فإن الأمر محمول على الوجوب. واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب: الأولى: أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده، الذي لا يشك في نصحيته له وقيامه بمصالحه. الثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه لا يعرف سواها ولا يلجأ إلا إليها. الثالثة: أن يكون العبد مع ربه كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم إليه نفسه بالكلية. فصاحب الدرجة الأولى عنده حظ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية. وصاحب الثانية له حظ من الاختيار، بخلاف صاحب الثالثة. وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخاص، الذي تكلمت عليه في قوله:
وإلهكم إله واحد
[البقرة: 163]، فهي تقوى بقوته وتضعف بضعفه. فإن قيل: هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟ فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام: أحدها: سبب معلوم قطعا قد أجراه الله، فهذا لا يجوز تركه كالأكل لرفع الجوع وللباس لرفع البرد. الثاني: سبب مظنون: كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدح فعله في التوكل، فإن التوكل من أعمال القلوب لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه. والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدح فعله في التوكل، قلت: ولعل هذا مثل طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر، وشبه ذلك. ثم فوق التوكل التفويض، وهو: الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده في الاعتماد على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند الاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدبا مع الله. ه. وأصله للغزالي، وسيأتي بقية الكلام عند قوله:
وتوكل على الحي الذى لا يموت
[الفرقان: 58]. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:160
يقول الحق جل جلاله: { إن ينصركم الله } كما نصركم يوم بدر، { فلا غالب لكم } من أحد من الناس، { وإن يخذلكم } كما خذكم يوم أحد، { فمن } هذا { الذي ينصركم من بعده } تعالى، أي: فلا ناصر سواه. وهذا تنبيه على الحث على التوكل، وتحريض على ما يستوجب به النصر، وهو الاعتماد على الله، وتحذير مما يستوجب الخذلان، وهو مخالفة أمره وعصيان رسوله، أو الاعتماد على غيره، ولذلك قال: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } لما علموا ألا ناصر سواه. الإشارة: إن ينصركم الله على مجاهدة النفوس، ودوام السير إلى حضرة القدوس، فلا غالب لكم من النفس، ولا من الناس ولا من الهوى ولا من الشيطان، وإن يخلذكم - والعياذ بالله - فمن ذا الذي ينصركم من بعد خذلانه لكم؟ فليعتمد المريد في سيره على مولاه، وليستنصر به في قطع حظوظه وهواه، فإنه لا ناصر له سواه. وأنشدوا:
إذا كان عون الله للمرء ناصرا تهيأ له من كل صعب مراده وإن لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:161
قلت: الغلول: السرقة من الغنائم، فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين، فمعناه: لا ينبغي له أن يأخذ شيئا من الغنيمة خفية، والمراد: تبرئة رسوله - عليه الصلاة والسلام - من ذلك. ومن قرأ بضم الياء ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى، ما كان لنبي أن يخان، أي: أن تخونه أمته في المغانم، وكذلك الأمراء، وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لبشاعة ذلك مع النبي لأن المعاصي تعظم بحضرته، والثاني: أن يكون المعنى: ما كان لنبي أن ينسب إلى الخيانة كقوله:
فإنهم لا يكذبونك
[الأنعام: 33] أي: لا ينسبونك إلى الكذب. يقوله الحق جل جلاله: { ما كان } ينبغي { لنبي أن يغل } ويأخذ شيئا من الغنيمة خفية لأن ذلك خيانة والنبوة تنافي ذلك، والمراد: نزاهة الرسول - عليه الصلاة والسلام - عن ذلك، كقوله:
ما كان لله أن يتخذ من ولد
[مريم: 35]، ودفع ما توهمه الرماة، فقد روي أنه - عليه الصلاة والسلام -قال لهم لما تركوا المركز:
" ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟ "
قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم "
فنزلت الآية. وقيل إنه - عليه الصلاة والسلام -: بعث طلائع، فغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسم على من معه فقط، فنزلت، فاسترجع ذلك منهم. وقيل: في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال المنافقون: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت. ثم ذكر وعيد الغلول، فقال: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } أي: يأتي بالذي غله يحمله على رقبته، قال عليه الصلاة والسلام:
" لا ألقى أحدكم يوم القيامة يجيء على رقبته بعير له رغاء، أو بقرة له خوار، أو شاة تيعر "
ثم قال:
" اللهم هل بلغت؟ ثلاثا "
كما في البخاري. { ثم توفى كل نفس } جزاء { ما كسبت } تاما، { وهم لا يظلمون } بنقص ثواب مطيعهم، ولا يزاد على عقاب عاصيهم وكان اللائق بما قبله أن يقول: ثم يوفى ما كسب. لكنه عمم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه، وأنه إذا كان كل كاسب مجزيا بعمله، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى. قاله البيضاوي. الإشارة: ما قيل في النبي - عليه الصلاة والسلام - يقال في ورثته الكرام، كالأولياء والعلماء الأتقياء، فإنهم ورثة الأنبياء، فيظن بهم أحسن المذاهب، ويلتمس لهم أحسن المخارج، لأن الأولياء دلوا على معرفة الله، والعلماء دلوا على أحكام الله، وبذلك جاءت الرسل من عند الله، فلا يظن بهم نقص ولا خلل، ولا غلول ولا دخل، فلهم قسط ونصيب من حرمة الأنبياء، ولا سيما خواص الأولياء، ومن يظن بهم نقصا أو خللا، ويغل قلبه على شيء من ذلك، فسيرى وباله يوم تفضح السرائر، { ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } ، فلحوم الأولياء والعلماء سموم قاتلة، وظن السوء بهم خيانة حاصلة. والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:162
يقول الحق جل جلاله: { أفمن اتبع رضوان الله } بأن اعتقد في نبيه الكمال، وأطاعه في وصف الجلال والجمال، وهم المؤمنون، حيث نزهوا نبيهم من النقائص، ومن هجس في قلبه شيء بادر إلى التوبة، ثم اتصف بكمال الخصائص، هل يكون { كمن باء } بغضب { من الله }؟ وهم المنافقون، حيث نافقوا الرسول واتهموه - عليه الصلاة والسلام - بالغلول. أو يقول: { أفمن ابتع رضوان الله } بالطاعة والانقياد { كمن باء بسخط من الله } بالمعاصي وسوء الاعتقاد { ومأواه جهنم وبئس المصير } أي المنقلب، والفرق بين المصير والمرجع: أن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى، ولا كذلك المرجع. قاله البيضاوي. { وهم درجات عند الله } أي: أهل الرضوان درجات متفاوتة عند الله، على قدر سعيهم في موجب الرضا، وأهل السخط درجات أيضا، على قدر تفاوتهم في العصيان، وهو على حذف مضاف، أي: ذوو درجات، { والله بصير بما يعملون } { فيجازي كلا } على قدر سعيه. الإشارة: { فأمن اتبع رضوان الله } بتعظيم الأولياء والعلماء وأهل النسبة، كمن باء بسخط من الله بإهانة من أمر الله أن يعظم ويرفع، ومأواه حجاب الحس وعذاب البعد، { وبئس المصير } ، فأهل القرب درجات على قدر تقربهم إلى ربهم، وأهل البعد درجات في البعد على قدر بعدهم من ربهم، بشؤم ذنبهم وسوء أدبهم، والله بصير بأعمالهم وما احتوت عليه قلوبهم.
آل عمران 3:163
يقول الحق جل جلاله: { أفمن اتبع رضوان الله } بأن اعتقد في نبيه الكمال، وأطاعه في وصف الجلال والجمال، وهم المؤمنون، حيث نزهوا نبيهم من النقائص، ومن هجس في قلبه شيء بادر إلى التوبة، ثم اتصف بكمال الخصائص، هل يكون { كمن باء } بغضب { من الله }؟ وهم المنافقون، حيث نافقوا الرسول واتهموه - عليه الصلاة والسلام - بالغلول. أو يقول: { أفمن ابتع رضوان الله } بالطاعة والانقياد { كمن باء بسخط من الله } بالمعاصي وسوء الاعتقاد { ومأواه جهنم وبئس المصير } أي المنقلب، والفرق بين المصير والمرجع: أن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى، ولا كذلك المرجع. قاله البيضاوي. { وهم درجات عند الله } أي: أهل الرضوان درجات متفاوتة عند الله، على قدر سعيهم في موجب الرضا، وأهل السخط درجات أيضا، على قدر تفاوتهم في العصيان، وهو على حذف مضاف، أي: ذوو درجات، { والله بصير بما يعملون } { فيجازي كلا } على قدر سعيه. الإشارة: { فأمن اتبع رضوان الله } بتعظيم الأولياء والعلماء وأهل النسبة، كمن باء بسخط من الله بإهانة من أمر الله أن يعظم ويرفع، ومأواه حجاب الحس وعذاب البعد، { وبئس المصير } ، فأهل القرب درجات على قدر تقربهم إلى ربهم، وأهل البعد درجات في البعد على قدر بعدهم من ربهم، بشؤم ذنبهم وسوء أدبهم، والله بصير بأعمالهم وما احتوت عليه قلوبهم.
آل عمران 3:164
يقول الحق جل جلاله: { لقد من الله على المؤمنين } حيث { بعث فيهم رسولا من أنفسهم } أي: من جنسهم، أو من نسبهم، عربيا مثلهم، ليفهموا كلامه بسهولة، ويفتخروا به على غيرهم. وتخصيص المؤمنين بالمنة، وإن كانت نعمته عامة لزيادة انتفاعهم على غيرهم لشرفهم وذكرهم به، حال كونه { يتلو عليهم آياته } القرآن بعد أن كانوا جاهلية لا يعرفون الوحي ولا سمعوا به، { ويزكيهم } أي: يطهرهم من دنس الذنوب ودرن العيوب، { ويعلمهم الكتاب } أي: القرآن، { والحكمة } أي: السنة، { وإن كانوا } أي: وإنه، أي: الأمر والشأن كانوا { من قبل } بعثته { لفي ضلال مبين } أي: ظاهر بين. الإشارة: لقد من الله على المتوجهين إليه الطالبين لمعرفته، حيث بعث لهم من يأخذ بأيديهم، ويطوي مسافة البعد عنهم، وهم شيوخ التربية، يتلون عليهم آياته الدالة على كشف الحجاب وفتح الباب، ويزكيهم من دنس العيوب المانعة لعلم الغيوب، ثم يزكيهم من درن الحس إلى مشاهدة القرب والأنس، ويعلمهم الكتاب المشتمل على عين التحقيق، والحكمة المشتملة على التشريع وبيان الطريق، فيجمعون لهم ما بين الحقيقة والشريعة، وقد كانوا قبل ذلك في ضلال مبين عن الجمع بينهما. وهذه المنة عامة في كل زمان، إذا لا تخلو الأرض من داع يدعو إلى الله، ومن اعتقد قطعه فقد قطع منة الله، واستعجز قدرة الله، وسد باب الرحمة في وجه عباد الله، والعياذ بالله.
آل عمران 3:165
قلت: الهمزة - للتفريع، و { لما }: ظرف، خافضة لشرطها، منصوبة بجوابها، وهي معطوفة على محذوف، أي: أكان من كان يوم أحد، ولما أصابتكم مصيبة، قلتم ما قلتم، و { قد أصبتم }: جملة حالية. يقول الحق جل جلاله: أحين { أصابتكم مصيبة } يوم أحد بقتل سبيعن منكم، و { قد أصبتم مثليها } يوم بدر فقتلتم سبعين وأسرتم سبعين، { قلتم أنى هذا } أي: من أين أصابنا هذا البلاء وقد وعدنا النصر؟ { قل } لهم: { هو من عند أنفسكم } أي: مما اقترفته أنفسكم من مخالفة المركز، والنصر الموعود كان مشروطا بالثبات والطاعة، فلما اختل الشرط اختل المشورط، { إن الله على كل شيء قدير } فيقدر على النصر بشرط وبغيره، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب والشروط لأن هذا العلام قائم بين قدرة وحكمة. أو: { قل هو من عند أنفسكم } باختياركم الفداء يوم بدر: روي عن علي رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال: خير أصحابك في الأسارى، إن شاءوا القتل، وإن شاءوا الفداء، على أن يقتل منهم عاما مقبلا مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا أصاب المريد شيء من المصائب والبلايا، فلا يستغرب وقوع ذلك به، ولا يتبرم منه، فإنه في دار المصائب والفجائع، " لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار، فإنما أبرزت ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها ". وإذا كان أصابته مصيبة في وقت، فقد أصابته نعم جمة في أوقات عديدة، فليشكر الله على ما أولاه، وليصبر على ما ابتلاه، ليكون صبارا شكورا. قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: العارف هو الذي عرف إساءاته في إحسان الله إليه، وعرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون. وأيضا: كل ما يصيب المؤمن فمن كسب يده، ويعفو عن كثير. وإن كان المريد وعد بالحفظ والنصر، فقد يكون ذلك بشروط خفيت عليه، فلم تحقق فيه، فيخلف حفظه لينفذ قدر الله فيه،
وكان أمر الله قدرا مقدورا
[الأحزاب: 38]. وليتميز الصادق من الكاذب والمخلص من المنافق.
آل عمران 3:166
قلت: { وقيل لهم تعالوا }: استئناف،أو معطوف على { نافقوا } ، و { الذين قالوا لإخوانهم }: بدل من الضمير المجرور في { لهم } ، أي وقيل للمنافقين: قاتلوا أو ادفعوا، ثم فسرهم بقوله: وهم { الذين قالوا لإخوانهم... } الخ. أو من الواو في { يكتمون } ، أو منصوب على الذم، أو مبتدأ، والخبر: { قل... } على من يجيز إنشاء الخبر، و { قعدوا }: جملة حالية، على إضمار قد. يقول الحق جل جلاله: { وما أصابكم } يا معشر المسلمين يوم أحد { يوم التقى } جمع المسلمين وجمع الكفار، من القتل والجرح والهزيمة، { فبإذن الله } وقضائه، لا راد لإمضائه، { وليعلم } علم ظهور في عالم الشهادة { المؤمنين } والمنافقين فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء، وقد ظهر نفاقهم حيث رجعوا مع عبد الله بن أبي، وكانوا ثلاثمائة. وذلك ان ابن أبي كان رأيه ألا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروج قوم من المسلمين، فخرج - عليه الصلاة والسلام - كما تقدم، غضب ابن أبي، وقال: أطاعهم وعصاني. فرجع، ورجع مع أصحابه، فتبعهم أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام، وقال لهم: ارجعوا { قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } ، أي: كثروا سواد المسلمين، فقال ابن أبي - رأس المنافقين -: ما أرى أن يكون قتالا، ولو علمنا أن يكون قتال { لاتبعناكم } ، وكنا معكم. قال تعالى: { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } لظهور الكفر عليهم من كلامهم، فأمارات الكفر عليهم أكثر من أمارات الإيمان، أو: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن رجوعهم ومقالتهم تقوية للكفار عليهم وتخذيل للمسلمين، { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } ، فهم يظهرون خلاف ما يبطنون، لا تواطئ قلوبهم ألسنتم بالإيمان، وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتغليظ، { والله أعلم } منكم { بما تكتمون } من النفاق لأنه يعلمه مفصلا بعلم واجب، وأنتم تعلمونه مجملا بأمرات. وهؤلاء المنافقون هم { الذي قالوا } في شأن إخوانهم الذي قتلوا يوم أحد: { لو أطاعونا } وجلسوا في ديارهم { ما قتلوا } ، قالوا هذه المقالة وقد قعدوا عن الخروج، { قل } لهم يا محمد: { فادرءوا } أي: فادفعوا { عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } أنكم تقدرون أن تدفعوا القتل عمن كتب عليه، فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه حين يبلغ أجلكم، فإنه أحرى بكم، فالقعود لا ينجي من الموت إذا وصل الأجل، فإن أسباب الموت كثيرة، فقد يكون القعود سببا للموت إن بلغ الأجل، وقد يكون الخروج سببا للنجاة إن لم يبلغ. والله تعالى أعلم. الإشارة: وما أصابكم يا معشر الفقراء عند توجهكم إلى الحق فارين من الخلق، حين استشرفتم على الجمع وجمع الجمع فبإذن الله فإن الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، وليظهر الصادق من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء والطريق الموصلة إليها محفوفة بالمكاره، مشروطة بقتل النفوس وحط الرؤوس، ودفع العلائق، والفرا من العوائق.
فإذا قيل للعوام: قاتلوا أنفسكم في سبيل الله لتدخلوا حضرة الله، ادفعوا عن أنفسكم العلائق لتشرق عليكم أنوار الحقائق، قالوا: قد انقطع هذا الطريق واندرست أرباب علم التحقيق، ولو نعلم قتالا بقي يوصلنا إلى ربنا، كما زعمتم لاتبعناكم ودخلنا في طريقكم. وهم للكفر يومئذ أقرب للإيمان، حيث تحكموا على القدرة الأزلية، وسدوا باب الرحمة الإلهية، وإنما يقولون ذلك احتجاجا لنفوسهم، وأبقاء على حظوظهم، وليس ذلك من خالص قلوبهم، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وإذا نزل بأهل النسبة نكبة أو بلية، قالوا لأخوانهم، الذين دخلوا في طريق القوم، وقد قعدوا هم مع العوام: لو أطاعونا ولم يدخلوا في هذا الشأن، ما قتلوا أو عذبوا، فقل لهم أيها الفقير: القضاء والقدر يجري على الجميع، فادفعوا عن أنفسكم ما تكرهون، إن كنتم صادقين أن المكاره لا تصيب إلا من توجه لقتال نفسه. والله تعالى. أعلم بأسرار كتابه.
آل عمران 3:167
قلت: { وقيل لهم تعالوا }: استئناف،أو معطوف على { نافقوا } ، و { الذين قالوا لإخوانهم }: بدل من الضمير المجرور في { لهم } ، أي وقيل للمنافقين: قاتلوا أو ادفعوا، ثم فسرهم بقوله: وهم { الذين قالوا لإخوانهم... } الخ. أو من الواو في { يكتمون } ، أو منصوب على الذم، أو مبتدأ، والخبر: { قل... } على من يجيز إنشاء الخبر، و { قعدوا }: جملة حالية، على إضمار قد. يقول الحق جل جلاله: { وما أصابكم } يا معشر المسلمين يوم أحد { يوم التقى } جمع المسلمين وجمع الكفار، من القتل والجرح والهزيمة، { فبإذن الله } وقضائه، لا راد لإمضائه، { وليعلم } علم ظهور في عالم الشهادة { المؤمنين } والمنافقين فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء، وقد ظهر نفاقهم حيث رجعوا مع عبد الله بن أبي، وكانوا ثلاثمائة. وذلك ان ابن أبي كان رأيه ألا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروج قوم من المسلمين، فخرج - عليه الصلاة والسلام - كما تقدم، غضب ابن أبي، وقال: أطاعهم وعصاني. فرجع، ورجع مع أصحابه، فتبعهم أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام، وقال لهم: ارجعوا { قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } ، أي: كثروا سواد المسلمين، فقال ابن أبي - رأس المنافقين -: ما أرى أن يكون قتالا، ولو علمنا أن يكون قتال { لاتبعناكم } ، وكنا معكم. قال تعالى: { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } لظهور الكفر عليهم من كلامهم، فأمارات الكفر عليهم أكثر من أمارات الإيمان، أو: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن رجوعهم ومقالتهم تقوية للكفار عليهم وتخذيل للمسلمين، { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } ، فهم يظهرون خلاف ما يبطنون، لا تواطئ قلوبهم ألسنتم بالإيمان، وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتغليظ، { والله أعلم } منكم { بما تكتمون } من النفاق لأنه يعلمه مفصلا بعلم واجب، وأنتم تعلمونه مجملا بأمرات. وهؤلاء المنافقون هم { الذي قالوا } في شأن إخوانهم الذي قتلوا يوم أحد: { لو أطاعونا } وجلسوا في ديارهم { ما قتلوا } ، قالوا هذه المقالة وقد قعدوا عن الخروج، { قل } لهم يا محمد: { فادرءوا } أي: فادفعوا { عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } أنكم تقدرون أن تدفعوا القتل عمن كتب عليه، فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه حين يبلغ أجلكم، فإنه أحرى بكم، فالقعود لا ينجي من الموت إذا وصل الأجل، فإن أسباب الموت كثيرة، فقد يكون القعود سببا للموت إن بلغ الأجل، وقد يكون الخروج سببا للنجاة إن لم يبلغ. والله تعالى أعلم. الإشارة: وما أصابكم يا معشر الفقراء عند توجهكم إلى الحق فارين من الخلق، حين استشرفتم على الجمع وجمع الجمع فبإذن الله فإن الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، وليظهر الصادق من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء والطريق الموصلة إليها محفوفة بالمكاره، مشروطة بقتل النفوس وحط الرؤوس، ودفع العلائق، والفرا من العوائق.
فإذا قيل للعوام: قاتلوا أنفسكم في سبيل الله لتدخلوا حضرة الله، ادفعوا عن أنفسكم العلائق لتشرق عليكم أنوار الحقائق، قالوا: قد انقطع هذا الطريق واندرست أرباب علم التحقيق، ولو نعلم قتالا بقي يوصلنا إلى ربنا، كما زعمتم لاتبعناكم ودخلنا في طريقكم. وهم للكفر يومئذ أقرب للإيمان، حيث تحكموا على القدرة الأزلية، وسدوا باب الرحمة الإلهية، وإنما يقولون ذلك احتجاجا لنفوسهم، وأبقاء على حظوظهم، وليس ذلك من خالص قلوبهم، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وإذا نزل بأهل النسبة نكبة أو بلية، قالوا لأخوانهم، الذين دخلوا في طريق القوم، وقد قعدوا هم مع العوام: لو أطاعونا ولم يدخلوا في هذا الشأن، ما قتلوا أو عذبوا، فقل لهم أيها الفقير: القضاء والقدر يجري على الجميع، فادفعوا عن أنفسكم ما تكرهون، إن كنتم صادقين أن المكاره لا تصيب إلا من توجه لقتال نفسه. والله تعالى. أعلم بأسرار كتابه.
آل عمران 3:168
قلت: { وقيل لهم تعالوا }: استئناف،أو معطوف على { نافقوا } ، و { الذين قالوا لإخوانهم }: بدل من الضمير المجرور في { لهم } ، أي وقيل للمنافقين: قاتلوا أو ادفعوا، ثم فسرهم بقوله: وهم { الذين قالوا لإخوانهم... } الخ. أو من الواو في { يكتمون } ، أو منصوب على الذم، أو مبتدأ، والخبر: { قل... } على من يجيز إنشاء الخبر، و { قعدوا }: جملة حالية، على إضمار قد. يقول الحق جل جلاله: { وما أصابكم } يا معشر المسلمين يوم أحد { يوم التقى } جمع المسلمين وجمع الكفار، من القتل والجرح والهزيمة، { فبإذن الله } وقضائه، لا راد لإمضائه، { وليعلم } علم ظهور في عالم الشهادة { المؤمنين } والمنافقين فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء، وقد ظهر نفاقهم حيث رجعوا مع عبد الله بن أبي، وكانوا ثلاثمائة. وذلك ان ابن أبي كان رأيه ألا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروج قوم من المسلمين، فخرج - عليه الصلاة والسلام - كما تقدم، غضب ابن أبي، وقال: أطاعهم وعصاني. فرجع، ورجع مع أصحابه، فتبعهم أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام، وقال لهم: ارجعوا { قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } ، أي: كثروا سواد المسلمين، فقال ابن أبي - رأس المنافقين -: ما أرى أن يكون قتالا، ولو علمنا أن يكون قتال { لاتبعناكم } ، وكنا معكم. قال تعالى: { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } لظهور الكفر عليهم من كلامهم، فأمارات الكفر عليهم أكثر من أمارات الإيمان، أو: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن رجوعهم ومقالتهم تقوية للكفار عليهم وتخذيل للمسلمين، { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } ، فهم يظهرون خلاف ما يبطنون، لا تواطئ قلوبهم ألسنتم بالإيمان، وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتغليظ، { والله أعلم } منكم { بما تكتمون } من النفاق لأنه يعلمه مفصلا بعلم واجب، وأنتم تعلمونه مجملا بأمرات. وهؤلاء المنافقون هم { الذي قالوا } في شأن إخوانهم الذي قتلوا يوم أحد: { لو أطاعونا } وجلسوا في ديارهم { ما قتلوا } ، قالوا هذه المقالة وقد قعدوا عن الخروج، { قل } لهم يا محمد: { فادرءوا } أي: فادفعوا { عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } أنكم تقدرون أن تدفعوا القتل عمن كتب عليه، فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه حين يبلغ أجلكم، فإنه أحرى بكم، فالقعود لا ينجي من الموت إذا وصل الأجل، فإن أسباب الموت كثيرة، فقد يكون القعود سببا للموت إن بلغ الأجل، وقد يكون الخروج سببا للنجاة إن لم يبلغ. والله تعالى أعلم. الإشارة: وما أصابكم يا معشر الفقراء عند توجهكم إلى الحق فارين من الخلق، حين استشرفتم على الجمع وجمع الجمع فبإذن الله فإن الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، وليظهر الصادق من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء والطريق الموصلة إليها محفوفة بالمكاره، مشروطة بقتل النفوس وحط الرؤوس، ودفع العلائق، والفرا من العوائق.
فإذا قيل للعوام: قاتلوا أنفسكم في سبيل الله لتدخلوا حضرة الله، ادفعوا عن أنفسكم العلائق لتشرق عليكم أنوار الحقائق، قالوا: قد انقطع هذا الطريق واندرست أرباب علم التحقيق، ولو نعلم قتالا بقي يوصلنا إلى ربنا، كما زعمتم لاتبعناكم ودخلنا في طريقكم. وهم للكفر يومئذ أقرب للإيمان، حيث تحكموا على القدرة الأزلية، وسدوا باب الرحمة الإلهية، وإنما يقولون ذلك احتجاجا لنفوسهم، وأبقاء على حظوظهم، وليس ذلك من خالص قلوبهم، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وإذا نزل بأهل النسبة نكبة أو بلية، قالوا لأخوانهم، الذين دخلوا في طريق القوم، وقد قعدوا هم مع العوام: لو أطاعونا ولم يدخلوا في هذا الشأن، ما قتلوا أو عذبوا، فقل لهم أيها الفقير: القضاء والقدر يجري على الجميع، فادفعوا عن أنفسكم ما تكرهون، إن كنتم صادقين أن المكاره لا تصيب إلا من توجه لقتال نفسه. والله تعالى. أعلم بأسرار كتابه.
آل عمران 3:169
قلت: { ألا خوف عليهم }: بدل من { الذين لم يلحقوا } ، أو مفعول لأجله، وكرر: { يستبشرون } ليذكر ما تعلق به من الفضل والنعمة، أو: الأول بحال إخوانهم، وهذا بحال أنفسهم. يقول الحق جل جلاله: { ولا تحسبن } أيها الرسول، أو أيها السامع، { الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل } هم { أحياء } لأن الله تعالى جعل أرواحهم في حواصل طير خضر، يسرحون في الجنة حيث شاءوا عند ربهم، بالكرامة والزلفى، يرزقون من ثمار الجنة ونعيمها، فحالهم حال الأحياء في التمتع بأرزاق الجنة، بخلاف سائر الأموات من المؤمنين فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حق يدخلوا الجنة. قاله ابن جزي. قلت: شهداء الملكوت - وهم العارفون - أعظم قدرا من شهداء السيوف، وراجع ما تقدم في سورة البقرة. { فرحين بما آتاهم الله من فضله } من الكرامة والزلفى والنعيم الذي لا يفنى، { ويسبشرون بالذين لم يلحقو بهم من خلفهم } أي: بإخوانهم الذي لم يقتلوا فيلحقوا بهم من بعدهم. وتلك البشارة هي: { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ، أو من أجل { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. والحاصل: أنهم يستبشرون بما تبين لهم من الكرامة في الآخرة، وبحال من تركوا من خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم إذا ماتوا أو قتلوا، كانوا أحياء، حياة لا يدركها خوف وقوع محذور، ولا حزن فوات محبوب. فالآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس، بل هو جوهر مدرك بذاته، لا ينفى بخراب البدن، ولا يتوقف على وجود البدن إدراكه وتألمه والتذاذه. ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون:
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا
[غافر: 46]، وما روى ابن عباس من أنه صلى الله عليه وسلم قال:
" أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش "
- قال معناه البيضاوي. ولما ذكر استبشارهم بإخوانهم ذكر استبشارهم بما يخصهم فقال: { يستبشرون بنعمة من الله } وهو ثواب أعمالهم الجسماني، { وفضل } وهو نعيم أرواحهم الروحاني، وهو النظر إلى وجهه الكريم، ويستبشرون أيضا بكونه تعالى { لا يضيع أجر المؤمنين } ، ماتوا في الجهاد أو على فرشهم، حيث حسنت سريرتهم وكرمت علانيتهم، قال صلى الله عليه وسلم:
" إن لله عبادا يصرفهم عن القتل والزلازل والأسقام، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويميتهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء "
قلت: ولعلهم العارفون بالله، جعلنا الله من خواصهم، وسلك بنا مسالكهم. آمين. الإشارة: لا تحسبن الذي بذلوا مهجهم، وقتلوا أنفسهم بخرق عوائدها، وعكس مراداتها، في طلب معرفة الله، حتى ماتت نفوسهم، وحييت أرواحهم بشهود محبوبهم، حياة لا موت بعدها، فلا تظن أيها السامع أنهم أموات، ولو ماتوا حسا، بل هم أحياء على الدوام، وفي ذلك يقول الشاعر:
موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء
فهم عند ربهم يشاهدونه مدة بقائهم، يرزقون من ثمار المعارف وفواكه العلوم، فرحين بما أتحفهم الله به من القرب والسر المكتوم، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم في المرتبة ممن تعلق بهم وأنهم سيصلون إلى ما وصلوا إليه من معرفة الحي القيوم، فلا يلحقهم حينئذ خوف ولا حزن ولا هم ولا غم، لما سكن في قلبهم من خمرة محبة الحبيب، والقرب من القريب المجيب، وفي ذلك يقول ابن الفارض.
وإن خطرت يوما على خاطر امرئ أقامت به الأفراح، وارتحل الهم
يسبشرون بنعمة أدب العبودية، وفضل شهود أسرار عظمة الربوبية، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المحبين لطريق المخصوصين، فإن طريق محبة طريق القوم عناية، والتصديق بها ولاية، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما رجع أبو سفيان من غزوة أحد، هو وأصحابه، حتى بلغوا الروحاء، ندم وهم بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه للخروج في طلبه، وقال:
" لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس "
، فخرج صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي على ثمانية أميال من المدينة - وكان بأصحابه القرح، فتحاملوا على أنفسهم كي لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين، فذهبوا.
آل عمران 3:170
قلت: { ألا خوف عليهم }: بدل من { الذين لم يلحقوا } ، أو مفعول لأجله، وكرر: { يستبشرون } ليذكر ما تعلق به من الفضل والنعمة، أو: الأول بحال إخوانهم، وهذا بحال أنفسهم. يقول الحق جل جلاله: { ولا تحسبن } أيها الرسول، أو أيها السامع، { الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل } هم { أحياء } لأن الله تعالى جعل أرواحهم في حواصل طير خضر، يسرحون في الجنة حيث شاءوا عند ربهم، بالكرامة والزلفى، يرزقون من ثمار الجنة ونعيمها، فحالهم حال الأحياء في التمتع بأرزاق الجنة، بخلاف سائر الأموات من المؤمنين فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حق يدخلوا الجنة. قاله ابن جزي. قلت: شهداء الملكوت - وهم العارفون - أعظم قدرا من شهداء السيوف، وراجع ما تقدم في سورة البقرة. { فرحين بما آتاهم الله من فضله } من الكرامة والزلفى والنعيم الذي لا يفنى، { ويسبشرون بالذين لم يلحقو بهم من خلفهم } أي: بإخوانهم الذي لم يقتلوا فيلحقوا بهم من بعدهم. وتلك البشارة هي: { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ، أو من أجل { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. والحاصل: أنهم يستبشرون بما تبين لهم من الكرامة في الآخرة، وبحال من تركوا من خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم إذا ماتوا أو قتلوا، كانوا أحياء، حياة لا يدركها خوف وقوع محذور، ولا حزن فوات محبوب. فالآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس، بل هو جوهر مدرك بذاته، لا ينفى بخراب البدن، ولا يتوقف على وجود البدن إدراكه وتألمه والتذاذه. ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون:
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا
[غافر: 46]، وما روى ابن عباس من أنه صلى الله عليه وسلم قال:
" أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش "
- قال معناه البيضاوي. ولما ذكر استبشارهم بإخوانهم ذكر استبشارهم بما يخصهم فقال: { يستبشرون بنعمة من الله } وهو ثواب أعمالهم الجسماني، { وفضل } وهو نعيم أرواحهم الروحاني، وهو النظر إلى وجهه الكريم، ويستبشرون أيضا بكونه تعالى { لا يضيع أجر المؤمنين } ، ماتوا في الجهاد أو على فرشهم، حيث حسنت سريرتهم وكرمت علانيتهم، قال صلى الله عليه وسلم:
" إن لله عبادا يصرفهم عن القتل والزلازل والأسقام، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويميتهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء "
قلت: ولعلهم العارفون بالله، جعلنا الله من خواصهم، وسلك بنا مسالكهم. آمين. الإشارة: لا تحسبن الذي بذلوا مهجهم، وقتلوا أنفسهم بخرق عوائدها، وعكس مراداتها، في طلب معرفة الله، حتى ماتت نفوسهم، وحييت أرواحهم بشهود محبوبهم، حياة لا موت بعدها، فلا تظن أيها السامع أنهم أموات، ولو ماتوا حسا، بل هم أحياء على الدوام، وفي ذلك يقول الشاعر:
موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء
فهم عند ربهم يشاهدونه مدة بقائهم، يرزقون من ثمار المعارف وفواكه العلوم، فرحين بما أتحفهم الله به من القرب والسر المكتوم، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم في المرتبة ممن تعلق بهم وأنهم سيصلون إلى ما وصلوا إليه من معرفة الحي القيوم، فلا يلحقهم حينئذ خوف ولا حزن ولا هم ولا غم، لما سكن في قلبهم من خمرة محبة الحبيب، والقرب من القريب المجيب، وفي ذلك يقول ابن الفارض.
وإن خطرت يوما على خاطر امرئ أقامت به الأفراح، وارتحل الهم
يسبشرون بنعمة أدب العبودية، وفضل شهود أسرار عظمة الربوبية، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المحبين لطريق المخصوصين، فإن طريق محبة طريق القوم عناية، والتصديق بها ولاية، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما رجع أبو سفيان من غزوة أحد، هو وأصحابه، حتى بلغوا الروحاء، ندم وهم بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه للخروج في طلبه، وقال:
" لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس "
، فخرج صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي على ثمانية أميال من المدينة - وكان بأصحابه القرح، فتحاملوا على أنفسهم كي لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين، فذهبوا.
آل عمران 3:171
قلت: { ألا خوف عليهم }: بدل من { الذين لم يلحقوا } ، أو مفعول لأجله، وكرر: { يستبشرون } ليذكر ما تعلق به من الفضل والنعمة، أو: الأول بحال إخوانهم، وهذا بحال أنفسهم. يقول الحق جل جلاله: { ولا تحسبن } أيها الرسول، أو أيها السامع، { الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل } هم { أحياء } لأن الله تعالى جعل أرواحهم في حواصل طير خضر، يسرحون في الجنة حيث شاءوا عند ربهم، بالكرامة والزلفى، يرزقون من ثمار الجنة ونعيمها، فحالهم حال الأحياء في التمتع بأرزاق الجنة، بخلاف سائر الأموات من المؤمنين فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حق يدخلوا الجنة. قاله ابن جزي. قلت: شهداء الملكوت - وهم العارفون - أعظم قدرا من شهداء السيوف، وراجع ما تقدم في سورة البقرة. { فرحين بما آتاهم الله من فضله } من الكرامة والزلفى والنعيم الذي لا يفنى، { ويسبشرون بالذين لم يلحقو بهم من خلفهم } أي: بإخوانهم الذي لم يقتلوا فيلحقوا بهم من بعدهم. وتلك البشارة هي: { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ، أو من أجل { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. والحاصل: أنهم يستبشرون بما تبين لهم من الكرامة في الآخرة، وبحال من تركوا من خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم إذا ماتوا أو قتلوا، كانوا أحياء، حياة لا يدركها خوف وقوع محذور، ولا حزن فوات محبوب. فالآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس، بل هو جوهر مدرك بذاته، لا ينفى بخراب البدن، ولا يتوقف على وجود البدن إدراكه وتألمه والتذاذه. ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون:
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا
[غافر: 46]، وما روى ابن عباس من أنه صلى الله عليه وسلم قال:
" أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش "
- قال معناه البيضاوي. ولما ذكر استبشارهم بإخوانهم ذكر استبشارهم بما يخصهم فقال: { يستبشرون بنعمة من الله } وهو ثواب أعمالهم الجسماني، { وفضل } وهو نعيم أرواحهم الروحاني، وهو النظر إلى وجهه الكريم، ويستبشرون أيضا بكونه تعالى { لا يضيع أجر المؤمنين } ، ماتوا في الجهاد أو على فرشهم، حيث حسنت سريرتهم وكرمت علانيتهم، قال صلى الله عليه وسلم:
" إن لله عبادا يصرفهم عن القتل والزلازل والأسقام، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويميتهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء "
قلت: ولعلهم العارفون بالله، جعلنا الله من خواصهم، وسلك بنا مسالكهم. آمين. الإشارة: لا تحسبن الذي بذلوا مهجهم، وقتلوا أنفسهم بخرق عوائدها، وعكس مراداتها، في طلب معرفة الله، حتى ماتت نفوسهم، وحييت أرواحهم بشهود محبوبهم، حياة لا موت بعدها، فلا تظن أيها السامع أنهم أموات، ولو ماتوا حسا، بل هم أحياء على الدوام، وفي ذلك يقول الشاعر:
موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء
فهم عند ربهم يشاهدونه مدة بقائهم، يرزقون من ثمار المعارف وفواكه العلوم، فرحين بما أتحفهم الله به من القرب والسر المكتوم، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم في المرتبة ممن تعلق بهم وأنهم سيصلون إلى ما وصلوا إليه من معرفة الحي القيوم، فلا يلحقهم حينئذ خوف ولا حزن ولا هم ولا غم، لما سكن في قلبهم من خمرة محبة الحبيب، والقرب من القريب المجيب، وفي ذلك يقول ابن الفارض.
وإن خطرت يوما على خاطر امرئ أقامت به الأفراح، وارتحل الهم
يسبشرون بنعمة أدب العبودية، وفضل شهود أسرار عظمة الربوبية، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المحبين لطريق المخصوصين، فإن طريق محبة طريق القوم عناية، والتصديق بها ولاية، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما رجع أبو سفيان من غزوة أحد، هو وأصحابه، حتى بلغوا الروحاء، ندم وهم بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه للخروج في طلبه، وقال:
" لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس "
، فخرج صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي على ثمانية أميال من المدينة - وكان بأصحابه القرح، فتحاملوا على أنفسهم كي لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين، فذهبوا.
آل عمران 3:172
قلت: { الذين }: مبتدأ، وجملة { للذين أحسنوا }: خبر، أو صفة للمؤمنين قبله، أو نصب على المدح. يقول الحق جل جلاله: { الذين استجابوا لله والرسول } فأطاعوه فيما ندبهم إليه من اللحوق بالمشركين، إرهابا لهم، { من بعد ما أصابهم القرح } أي: الجرح، فتحاملوا على أنفسهم حتى ذهبوا مع نبيهم { للذين أحسنوا منهم } بأن فعلوا ما أمروا به، { واتقوا } الله في مخالفة أمر رسوله، { أجر عظيم } يوم يقدمون عليه. الأشارة: الذين استجابوا لله فيما ندبهم من الوصول إلى حضرته، وللرسول فيما طلبهم به من اتباع سنته، فجعلوا قلوبهم محلا لحضرته، وجوارحهم متبعة لشريعته، من بعد ما أصابهم في طلب الوصول إلى ذلك قرح وضرب وسجن وإهانة، فصبروا حتى ظفروا بالجمع بين الحقيقة والشريعة، للذين أحسنوا منهم بالثبات على السير إلى الوصول إلى الحق، واتقوا كل ما يردهم إلى شهود الفرق، أجر عظيم وخير جسيم، بالعكوف في الحضرة، والتنعم بالشهود والنظرة.
آل عمران 3:173
قلت: الموصول بدل من الموصول قبله، و { يخوف }: يتعدى إلى مفعولين للتضعيف، حذف الأول، أي: يخوفكم أوليائه من الكفار، أو حذف الثاني، أي: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج إلى ملاقاة العدو. وهنا تفسيران: أحدهما: أن يكون من تتمة غزوة أحد، وهو الظاهر، ليتصل الكلام بما بعده، وذلك أن أبا سفيان لما هم بالرجعة ليستأصل المسلمين، لقيه معبد الخزاعي، فقال له: إن محمدا خرج يطلبك في جمع لم أر مثله، فدخله الرعب، فلقيه ركب من عبد القيس يريد المدينة بالميرة، فقال لهم: ثبطوا محمدا عن لحوقنا، ولكم حمل بعير من الزبيب، فلما لقوا المسلمين خوفوهم، فقال: { حسبنا الله ونعم الوكيل } ، ومضوا حتى بلغوا حمراء الأسد ثم رجعوا، فعلى هذا: يقول الحق جل جلاله: { الذين قال لهم الناس } وهم ركب عبد قيس حيث قالوا للمسلمين: { إن الناس } يعني أبا سفيان ومن معه، { قد جمعوا لكم } ليرجعوا ليستأصلوكم { فاخشوهم } وارجعوا إلى دياركم { فزادهم } ذلك { إيمانا } ويقينا وتثبيتا في الدين، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بحسب التوجه إلى الله والتفرغ مما سواه، وينقص بحسب التوجه إلى الدنيا وشغبها، ويزيد أيضا بالطاعة والنظر والاعتبار، وينقص بالمعصية والغفلة والاغترار. ولما قال لهم الركب ذلك ليخوفهم، { قالوا حسبنا الله } أي: كافينا الله وحده، فلا نخاف غيره، { ونعم الوكيل } أي: نعم من يتوكل عليه العبد، وهي كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره، وهي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار، { فانقلبوا } راجيعن من حمراء الأسد، متلبسين { بنعمة من الله } وهي العافية والسلامة، { وفضل } وهي زيادة الإيمان وشدة الإيقان، { لم يمسسهم سوء } من جراحة وكيد عدو، { واتبعوا رضوان الله } ، الذي هو مناط الفوز بخير الدارين، { والله ذو فضل عظيم } ، فقد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو موجب الرضوان. ثم حذرهم الحق تعالى ممن ثبطهم عن اللحوق بالكافر، وهو ركب عبد القيس، تشبيها لهم بالشيطان، فقال: { إنما ذلكم الشيطان } يخوفكم أولياءه من المشركين، أو { يخوف أولياءه } القاعدين من المنافقين { فلا تخافوهم } فإن أمرهم بيدي، { وخافوا إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله على خوف الناس. التفسير الثاني: أن يكون الكلام على غزوة بدر الصغرى،: وذلك أن أبا سفيان لما انصرف من أحد نادى: يا محمد، موعدنا بدر لقابل، إن شئت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" إن شاء الله تعالى "
، فلما كان العام القابل، خرج أبو سفيان من أهل مكة، حتى نزل مر الظهران، فأنزل الله الرعب في قلبه، وبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي معتمرا، فقال له: ائت المدينة وأعلمهم أنا في جمع كثير، وثبطهم عن الخروج، ولك عندي عشر من الإبل، فأتى المدينة فأخبرهم، فكره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخروج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" والذي نفسي بيده لأخرجن، ولو وحدي "
فرجع الجبان وتأهب الشجعان، فخرجوا حتى أتوا بدرا الصغرى، ورجع أبو سفيان إلى مكة، فسموا جيش السويق، ووافق المسملون السوق ببدر، وكانت معهم تجارات فباعوا وربحوا، وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فعلى هذا، يقول الحق جل جلاله: { الذين استجابوا لله والرسول } ، يعني: في غزوة بدر الصغرى، لميعاد أبي سفيان، { من بعد ما أصابهم القرح } يعني: في غزوة أحد في العام الأول، { للذين أحسنوا منهم } بالخروج مع الرسول، { واتقوا } الله في مخالفته، { أجر عظيم الذين قال لهم الناس } يعني نعيم بن مسعود، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم، كما يقال: فلان يركب الخيل، وما يركب إلا فرسا، أو: لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه. { إن الناس قد جمعوا لكم } يعني: أبا سفيان وأهل مكة لما خرج إلى مر الظهران. وقوله: { فانقلبوا بنعمة من الله } أي: عافية وسلامة، { وفضل } ما أصابوا من التجارة، وقوله: { إنما ذلكم الشيطان } يعني: نعيما يخوفكم { أولياءه } والباقي ظاهر. الإشارة: أهل القوة من المريدين إذا قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم ليردوكم أو يؤذوكم فاخشوهم، زادهم ذلك إيمانا وإيقانا، وتحققوا أنهم على الجادة، لسلوكهم على منهاج من قبلهم
أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا
[العنكبوت: 2] الآية. واكتفوا بعلم الله ونظره وبرعايته ونصره، فانقلبوا بنعمة الشهود، وفضل الترقي في عظمة الملك الودود، لم يمسسهم في باطنهم سوء ولا نقصان، واستوجبوا من الله الرضى والرضوان، وإنما ذلكم شيطان يردهم عن مقام الشهود والعيان، فلا ينبغي لهم أن يخافوا ومطلبهم مقام الإحسان، الذي تبذل في طلبه الأرواح والأبدان. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:174
قلت: الموصول بدل من الموصول قبله، و { يخوف }: يتعدى إلى مفعولين للتضعيف، حذف الأول، أي: يخوفكم أوليائه من الكفار، أو حذف الثاني، أي: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج إلى ملاقاة العدو. وهنا تفسيران: أحدهما: أن يكون من تتمة غزوة أحد، وهو الظاهر، ليتصل الكلام بما بعده، وذلك أن أبا سفيان لما هم بالرجعة ليستأصل المسلمين، لقيه معبد الخزاعي، فقال له: إن محمدا خرج يطلبك في جمع لم أر مثله، فدخله الرعب، فلقيه ركب من عبد القيس يريد المدينة بالميرة، فقال لهم: ثبطوا محمدا عن لحوقنا، ولكم حمل بعير من الزبيب، فلما لقوا المسلمين خوفوهم، فقال: { حسبنا الله ونعم الوكيل } ، ومضوا حتى بلغوا حمراء الأسد ثم رجعوا، فعلى هذا: يقول الحق جل جلاله: { الذين قال لهم الناس } وهم ركب عبد قيس حيث قالوا للمسلمين: { إن الناس } يعني أبا سفيان ومن معه، { قد جمعوا لكم } ليرجعوا ليستأصلوكم { فاخشوهم } وارجعوا إلى دياركم { فزادهم } ذلك { إيمانا } ويقينا وتثبيتا في الدين، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بحسب التوجه إلى الله والتفرغ مما سواه، وينقص بحسب التوجه إلى الدنيا وشغبها، ويزيد أيضا بالطاعة والنظر والاعتبار، وينقص بالمعصية والغفلة والاغترار. ولما قال لهم الركب ذلك ليخوفهم، { قالوا حسبنا الله } أي: كافينا الله وحده، فلا نخاف غيره، { ونعم الوكيل } أي: نعم من يتوكل عليه العبد، وهي كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره، وهي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار، { فانقلبوا } راجيعن من حمراء الأسد، متلبسين { بنعمة من الله } وهي العافية والسلامة، { وفضل } وهي زيادة الإيمان وشدة الإيقان، { لم يمسسهم سوء } من جراحة وكيد عدو، { واتبعوا رضوان الله } ، الذي هو مناط الفوز بخير الدارين، { والله ذو فضل عظيم } ، فقد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو موجب الرضوان. ثم حذرهم الحق تعالى ممن ثبطهم عن اللحوق بالكافر، وهو ركب عبد القيس، تشبيها لهم بالشيطان، فقال: { إنما ذلكم الشيطان } يخوفكم أولياءه من المشركين، أو { يخوف أولياءه } القاعدين من المنافقين { فلا تخافوهم } فإن أمرهم بيدي، { وخافوا إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله على خوف الناس. التفسير الثاني: أن يكون الكلام على غزوة بدر الصغرى،: وذلك أن أبا سفيان لما انصرف من أحد نادى: يا محمد، موعدنا بدر لقابل، إن شئت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" إن شاء الله تعالى "
، فلما كان العام القابل، خرج أبو سفيان من أهل مكة، حتى نزل مر الظهران، فأنزل الله الرعب في قلبه، وبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي معتمرا، فقال له: ائت المدينة وأعلمهم أنا في جمع كثير، وثبطهم عن الخروج، ولك عندي عشر من الإبل، فأتى المدينة فأخبرهم، فكره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخروج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" والذي نفسي بيده لأخرجن، ولو وحدي "
فرجع الجبان وتأهب الشجعان، فخرجوا حتى أتوا بدرا الصغرى، ورجع أبو سفيان إلى مكة، فسموا جيش السويق، ووافق المسملون السوق ببدر، وكانت معهم تجارات فباعوا وربحوا، وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فعلى هذا، يقول الحق جل جلاله: { الذين استجابوا لله والرسول } ، يعني: في غزوة بدر الصغرى، لميعاد أبي سفيان، { من بعد ما أصابهم القرح } يعني: في غزوة أحد في العام الأول، { للذين أحسنوا منهم } بالخروج مع الرسول، { واتقوا } الله في مخالفته، { أجر عظيم الذين قال لهم الناس } يعني نعيم بن مسعود، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم، كما يقال: فلان يركب الخيل، وما يركب إلا فرسا، أو: لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه. { إن الناس قد جمعوا لكم } يعني: أبا سفيان وأهل مكة لما خرج إلى مر الظهران. وقوله: { فانقلبوا بنعمة من الله } أي: عافية وسلامة، { وفضل } ما أصابوا من التجارة، وقوله: { إنما ذلكم الشيطان } يعني: نعيما يخوفكم { أولياءه } والباقي ظاهر. الإشارة: أهل القوة من المريدين إذا قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم ليردوكم أو يؤذوكم فاخشوهم، زادهم ذلك إيمانا وإيقانا، وتحققوا أنهم على الجادة، لسلوكهم على منهاج من قبلهم
أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا
[العنكبوت: 2] الآية. واكتفوا بعلم الله ونظره وبرعايته ونصره، فانقلبوا بنعمة الشهود، وفضل الترقي في عظمة الملك الودود، لم يمسسهم في باطنهم سوء ولا نقصان، واستوجبوا من الله الرضى والرضوان، وإنما ذلكم شيطان يردهم عن مقام الشهود والعيان، فلا ينبغي لهم أن يخافوا ومطلبهم مقام الإحسان، الذي تبذل في طلبه الأرواح والأبدان. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:175
قلت: الموصول بدل من الموصول قبله، و { يخوف }: يتعدى إلى مفعولين للتضعيف، حذف الأول، أي: يخوفكم أوليائه من الكفار، أو حذف الثاني، أي: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج إلى ملاقاة العدو. وهنا تفسيران: أحدهما: أن يكون من تتمة غزوة أحد، وهو الظاهر، ليتصل الكلام بما بعده، وذلك أن أبا سفيان لما هم بالرجعة ليستأصل المسلمين، لقيه معبد الخزاعي، فقال له: إن محمدا خرج يطلبك في جمع لم أر مثله، فدخله الرعب، فلقيه ركب من عبد القيس يريد المدينة بالميرة، فقال لهم: ثبطوا محمدا عن لحوقنا، ولكم حمل بعير من الزبيب، فلما لقوا المسلمين خوفوهم، فقال: { حسبنا الله ونعم الوكيل } ، ومضوا حتى بلغوا حمراء الأسد ثم رجعوا، فعلى هذا: يقول الحق جل جلاله: { الذين قال لهم الناس } وهم ركب عبد قيس حيث قالوا للمسلمين: { إن الناس } يعني أبا سفيان ومن معه، { قد جمعوا لكم } ليرجعوا ليستأصلوكم { فاخشوهم } وارجعوا إلى دياركم { فزادهم } ذلك { إيمانا } ويقينا وتثبيتا في الدين، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بحسب التوجه إلى الله والتفرغ مما سواه، وينقص بحسب التوجه إلى الدنيا وشغبها، ويزيد أيضا بالطاعة والنظر والاعتبار، وينقص بالمعصية والغفلة والاغترار. ولما قال لهم الركب ذلك ليخوفهم، { قالوا حسبنا الله } أي: كافينا الله وحده، فلا نخاف غيره، { ونعم الوكيل } أي: نعم من يتوكل عليه العبد، وهي كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره، وهي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار، { فانقلبوا } راجيعن من حمراء الأسد، متلبسين { بنعمة من الله } وهي العافية والسلامة، { وفضل } وهي زيادة الإيمان وشدة الإيقان، { لم يمسسهم سوء } من جراحة وكيد عدو، { واتبعوا رضوان الله } ، الذي هو مناط الفوز بخير الدارين، { والله ذو فضل عظيم } ، فقد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو موجب الرضوان. ثم حذرهم الحق تعالى ممن ثبطهم عن اللحوق بالكافر، وهو ركب عبد القيس، تشبيها لهم بالشيطان، فقال: { إنما ذلكم الشيطان } يخوفكم أولياءه من المشركين، أو { يخوف أولياءه } القاعدين من المنافقين { فلا تخافوهم } فإن أمرهم بيدي، { وخافوا إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله على خوف الناس. التفسير الثاني: أن يكون الكلام على غزوة بدر الصغرى،: وذلك أن أبا سفيان لما انصرف من أحد نادى: يا محمد، موعدنا بدر لقابل، إن شئت، فقال صلى الله عليه وسلم:
" إن شاء الله تعالى "
، فلما كان العام القابل، خرج أبو سفيان من أهل مكة، حتى نزل مر الظهران، فأنزل الله الرعب في قلبه، وبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي معتمرا، فقال له: ائت المدينة وأعلمهم أنا في جمع كثير، وثبطهم عن الخروج، ولك عندي عشر من الإبل، فأتى المدينة فأخبرهم، فكره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخروج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" والذي نفسي بيده لأخرجن، ولو وحدي "
فرجع الجبان وتأهب الشجعان، فخرجوا حتى أتوا بدرا الصغرى، ورجع أبو سفيان إلى مكة، فسموا جيش السويق، ووافق المسملون السوق ببدر، وكانت معهم تجارات فباعوا وربحوا، وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فعلى هذا، يقول الحق جل جلاله: { الذين استجابوا لله والرسول } ، يعني: في غزوة بدر الصغرى، لميعاد أبي سفيان، { من بعد ما أصابهم القرح } يعني: في غزوة أحد في العام الأول، { للذين أحسنوا منهم } بالخروج مع الرسول، { واتقوا } الله في مخالفته، { أجر عظيم الذين قال لهم الناس } يعني نعيم بن مسعود، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم، كما يقال: فلان يركب الخيل، وما يركب إلا فرسا، أو: لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه. { إن الناس قد جمعوا لكم } يعني: أبا سفيان وأهل مكة لما خرج إلى مر الظهران. وقوله: { فانقلبوا بنعمة من الله } أي: عافية وسلامة، { وفضل } ما أصابوا من التجارة، وقوله: { إنما ذلكم الشيطان } يعني: نعيما يخوفكم { أولياءه } والباقي ظاهر. الإشارة: أهل القوة من المريدين إذا قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم ليردوكم أو يؤذوكم فاخشوهم، زادهم ذلك إيمانا وإيقانا، وتحققوا أنهم على الجادة، لسلوكهم على منهاج من قبلهم
أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا
[العنكبوت: 2] الآية. واكتفوا بعلم الله ونظره وبرعايته ونصره، فانقلبوا بنعمة الشهود، وفضل الترقي في عظمة الملك الودود، لم يمسسهم في باطنهم سوء ولا نقصان، واستوجبوا من الله الرضى والرضوان، وإنما ذلكم شيطان يردهم عن مقام الشهود والعيان، فلا ينبغي لهم أن يخافوا ومطلبهم مقام الإحسان، الذي تبذل في طلبه الأرواح والأبدان. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:176
قلت: حزن يحزن كبلغ يبلغ، وأحزن يحزن، كأكرم يكرم، لغتان، والأولى أفصح. يقول الحق جل جلاله: ولا يهولك شأن { الذين يسارعون في الكفر } أي: يبادرون إلى الوقوع فيه، كالمنافقين او الكفار جميعا، فلا تخف ضررهم { إنهم لن يضروا الله شيئا } أي: لن يضروا أولياء الله، وإنما يرجع ضررهم إلى انفسهم. { يريد الله } - بسبب ما أظهر فيهم من المسارعة إلى الكفر - { ألا يجعل لهم حظا في } ثواب { الآخرة } لما سبق لهم من الشقاء، حتى يموتوا على الكفر. وفي ذكر الإرادة إشعار بأن كفرهم بلغ الغاية، حتى أراد أرحم الراحمين ألا يكون لهم حظ من رحمته. { ولهم } مع ذلك { عذاب عظيم }. ثم كرر شأنهم تأكيد فقال: { إن الذين اشتروا الكر بالإيمان } أي: استبدلوا الإيمان الذي ينجيهم من العذاب، لو دخلوا فيه، بالكفر الذي يوجب العذاب، { لن يضروا الله ولهم عذاب أليم } موجع، أو يكون في الكفار أصالة، وهذا في المرتدين، والله تعالى أعلم. الإشارة: إنكار العوام على الخصوص لا يضرهم، ولا يغض من مرتبتهم، بل يزيدهم رفعة وعلوا وعزا وقربا، قال تعالى:
لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم
[النور: 11]، وسمعت شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: " كلام الناس في الولي كناموسة نفخت على جبل ". أي: لا يلحقهم من ذلك إلا ما يلحق الجبل من نفخ الناموسة، يريد الله ألا يجعل لهم من نصيب القرب شيئا، ولهم عذاب البعد والنصب، في غم الحجاب وسوء الحساب، لا سيما من تمكن من معرفتهم، ثم استبدل صحبتهم بصحبة العوام، فلا تسأل عن حرمانه التام، والعياذ بالله.
آل عمران 3:177
قلت: حزن يحزن كبلغ يبلغ، وأحزن يحزن، كأكرم يكرم، لغتان، والأولى أفصح. يقول الحق جل جلاله: ولا يهولك شأن { الذين يسارعون في الكفر } أي: يبادرون إلى الوقوع فيه، كالمنافقين او الكفار جميعا، فلا تخف ضررهم { إنهم لن يضروا الله شيئا } أي: لن يضروا أولياء الله، وإنما يرجع ضررهم إلى انفسهم. { يريد الله } - بسبب ما أظهر فيهم من المسارعة إلى الكفر - { ألا يجعل لهم حظا في } ثواب { الآخرة } لما سبق لهم من الشقاء، حتى يموتوا على الكفر. وفي ذكر الإرادة إشعار بأن كفرهم بلغ الغاية، حتى أراد أرحم الراحمين ألا يكون لهم حظ من رحمته. { ولهم } مع ذلك { عذاب عظيم }. ثم كرر شأنهم تأكيد فقال: { إن الذين اشتروا الكر بالإيمان } أي: استبدلوا الإيمان الذي ينجيهم من العذاب، لو دخلوا فيه، بالكفر الذي يوجب العذاب، { لن يضروا الله ولهم عذاب أليم } موجع، أو يكون في الكفار أصالة، وهذا في المرتدين، والله تعالى أعلم. الإشارة: إنكار العوام على الخصوص لا يضرهم، ولا يغض من مرتبتهم، بل يزيدهم رفعة وعلوا وعزا وقربا، قال تعالى:
لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم
[النور: 11]، وسمعت شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: " كلام الناس في الولي كناموسة نفخت على جبل ". أي: لا يلحقهم من ذلك إلا ما يلحق الجبل من نفخ الناموسة، يريد الله ألا يجعل لهم من نصيب القرب شيئا، ولهم عذاب البعد والنصب، في غم الحجاب وسوء الحساب، لا سيما من تمكن من معرفتهم، ثم استبدل صحبتهم بصحبة العوام، فلا تسأل عن حرمانه التام، والعياذ بالله.
آل عمران 3:178
قلت: من قرأ بالتحتية، فالذين كفروا: فاعل، و { إن } وما بعدها: سد مسد المفعولين، ومن قرأ بالفوقية فالذين: مفعول أول، و { إنما }: سد مسد الثاني، و { ما }: مصدرية، والإملال: الإمهال والتأخير. ومنه:
واهجرنى مليا
[مريم: 46]. يقول الحق جل جلاله: ولا يظنن الذين كفروا أن إمهالي لهم وإمدادهم بطول الحياة، هو خير لهم، إنما نمهلهم استدراجا { ليزدادوا } إثما وعقوبة، { ولهم عذاب مهين } يهينهم، ويخزيهم يوم يعز المؤمنين. الإشارة: إمهال العبد وإطالة عمره، إن كانت أيامه مصروفة في الطاعة واليقطة، وزيادة المعرفة، فإطالتها خير، والبركة في العمر إنما هي بالتوفيق وزيادة المعرفة، وفي الحكم: " من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمان ما لا تدركه العبارة ولا تلحقه الإشارة ". وإن كانت أيام العمر مصروفة في الغفلة والبطالة وزيادة المعصية، فالموت خير منها. وقد سئل - عليه الصلاة والسلام - أي الناس خير؟ قال:
" من طال عمره وحسن عمله، قيل: فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره وساء عمله "
والله تعالى أعلم. ولما قال عليه الصلاة والسلام:
" إن الله أطلعني على من يؤمن بي ممن يكفر "
قال المنافقون: نحن معه ولا يعرفنا.
آل عمران 3:179
قلت: ماز يميز، وميز يميز، بمعنى واحد، لكن في ميز معنى التكثير. يقول الحق جل جلاله: لعامة المؤمنين والمنافقين: { ما كان الله } ليترك { المؤمنين على ما أنتم عليه } من الاختلاط، لا يعرف مخلصكم من منافقكم، بل لا بد أن يختبركم حتى يتميز المنافق من المخلص، بالوحي أو بالتكاليف الشاقة، التي لا يصبر عليها إلا المخلصون، كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله، ليختبر به بواطنكم، ويستدل به على عقائدكم، أو بما ظهر في غزوة أحد من الأقوال والأفعال التي تدل على الإيمان أو النفاق، { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } حتى تعرفوا ما في القلوب من كفر أو إيمان، أو تعرفوا: هل تغلبون أو تغلبون. { ولكن الله يجتبي } لرسالته { من يشاء } ، فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات، أو ينصب له ما يدل عليها، { فآمنوا بالله } الذي اختص بعلم الغيب الحقيقي، وآمنوا برسله الذين اختارهم لأسرار الغيوب، لا يعلمون إلا ما علمهم. روي أن الكفرة قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا: من يؤمن منا ومن يكفر؟ فنزلت الآية. وقيل: سببها ما تقدم من قول المنافقين، ووجه المناسبة: هو ما صدر منهم يوم أحد من المقالات التي ميزتهم من المؤمنين. { وإن تؤمنوا } إيمانا حقيقيا { وتتقوا } النفاق والشرك { فلكم أجر عظيم } عند الله. الإشارة: من سنة الله في المتوجهين إليه إذا كثروا، وظهرت فيهم دعوى القوى، أرسل الله عليهم ريح التصفية، فيثبت الصحيح، والخاوي تذروه الريح، وما ان الله ليذرهم على ما هم عليه من غير اختبار، حتى يميز الخبيث من الطيب، أي: من همته الله ومن همته سواه، وما كان الله ليطلعكم على الغيب حتى يعلموا من يثبت ممن يرجع، أو يعلموا ما يلحقهم من الجلال والجمال، وإنما ذلك خاص بالرسل عليهم السلام، وقد يطلع على شيء من ذلك بعض خواص ورثتهم الكرام، فالواجب على المريد أن يؤمن بالقدر المغيب، ولا يستشرف على الاطلاع عليه " استشرافك على ما بطن فيك من العيوب، خير من استشرافك على ما حجب عنك من الغيوب ". { وإن تؤمنوا } بمواقع القضاء والقدر، { وتتقوا } القنوط والكدر، { فلكم أجر عظيم }.
آل عمران 3:180
قلت: من قرأ بالخطاب فالموصول مفعول أول، و { خيرا }: مفعول ثان، والضمير للفصل، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بد من حذف مضاف، أي: لا تحسبن بخل الذين يبخلون خيرا لهم، ومن قرأ بالغيب ف { الذين }: فاعل، والمفعول الأول محذوف، لدلالة { يبخلون } عليه، لا يحسبن البخلاء خيرا لهم، والطوق: ما يدار بالعنق. يقول الحق جل جلاله: ولا يظنن { الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله } من الأموال، فلم يؤدوا زكاتهم، أن بخلهم خير لهم، { بل هو شر لهم } لاستجلابه العذاب إليهم، ثم بينه بقوله: { سيطوقون ما بخلوا به } أي: يلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق للعنق، وقيل: يطوق به حقيقة، لقوله عليه الصلاة والسلام:
" ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا إذا كان يوم القيامة - مثل له شجاعا أقرع، له زبيبتان، يطوقه، ثم يأخذ بلهزمتيه - أي: شدقيه - يقول: أنا كنزك، أنا مالك، ثم تلا هذه الآية: { ولا يحسبن... } "
وقيل: يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقا من نار. والمال الذي بخل به هو لله، وسيرجع لله، { ولله ميراث السماوات والأرض } فهو الذي يرث الأرض ومن عليها، فكيف يبخل العبد بمال الله، وهو يعلم أنه يرجع لله، فيموت ويتركه لمن يسعد به! ولله در القائل، حيث قال:
يا جامع المال كم تضر به تطمع بالله في الخلود معه هل حمل المال ميت معه؟ أما تراه لغيره جمعه؟!
{ والله بما تعملون خبير } لا يخفى عليه منعكم ولا إعطاؤكم، فيجازي كلا بعمله. الإشارة: لا يحسبن الذي يبخلون بما أتاهم الله من فضل الرئاسة والجاه، أن يبذلوها في طلب معرفة الله، وبذلها: إسقاطها وإبدالها بالخمول، والذل لله، وإسقاط المنزلة بين عباد الله، فلا يظنون أن بخلهم بذلك خير لهم، بل هو شر لهم، سيلزمون وبال ما بخلوا به يوم القيامة، حين يرون منازل المقربين كالشمس الضاحية في أعلى عليين، وهم مع عوام أهل اليمين، محجوبون عن شهود رب العالمين، إلا في وقت مخصوص وحين.
آل عمران 3:181
قلت: { وقتلهم }: معطوف على { ما } المفعولة أو النائبة عن الفاعل، على القرائتين رفعا ونصبا، و { أن الله }: عطف على { ما } أي: ذلك العذاب بسبب ما قدمتم وبأن الله منتف عنه الظلم، فلا بد أن يعاقب المسيء ويثيب المحسن، { الذين قالوا إن الله عهد إلينا }: صفة للذين { قالوا إن الله فقير } ، أو بدل منه مجرور مثله. يقول الحق جل جلاله: { لقد سمع الله قول } اليهود { الذين قالوا إن الله فقير ونحن إغنياء } وقائله: فنحاص بن عازرواء، في جماعة منهم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بن قينقاع، يدعوهم إلى الإسلام، وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضا حسنا، فدخل أبو بكر رضي الله عنه مدراسهم، فوجد خلقا كثيرا اجتمعوا إلى فنحاص، وهو من علمائهم - ومعه حبر آخر اسمه: أيشع، فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، فأسلم وصدق، وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة، فقال فنحاص لعنه الله: يا أبا بكر تزعم ان ربنا يستقرضنا أموالنا، وما يستقرض إلا الفقير من الغني، ولو كان غنيا ما استقرض، فلطمه أبو بكر رضي الله عنه وقال: لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: عليه الصلاة والسلام:-
" ما حملك على ما فعلت؟ "
فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا قولا عظيما، زعم أن الله فقير، وهم أغنياء، فجحد ما قال، فنزلت الآية تكذبيا له. والمعنى: أن الله سمع مقالتهم الشنيعة، وأنه سيعاقبهم عليها، ولذلك قال: { سنكتب ما قالوا } أي: سنسطرها عليهم في صحائف أعمالهم، أو سنحفظها في علمنا ولا نهملها، لأنها كلمة عظيمة، فيها الكفر بالله والاستهزاء بكتاب الله وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك نظمت مع قتلهم الأنبياء، حيث عطفه عليه، وفيه تنبيه على أن قولهم الشينع ليس هو أول جريمة ارتكبوها، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد أمثال هذا القول منه. ثم ذكر عقابهم، فقال: { ونقول } لهم يوم القيامة: { ذوقوا عذاب الحريق } أي: المحرق، والذوق: يطلق على إدراك المحسوسات كالمطعومات، والمعنويات كما هنا، وذكره هنا لأن عذابهم مرتب على قولهم الناشئ عن البخل، والتهالك على المال، وغالب حاجة الإنسان إليه، لتحصيل المطاعم، ومعظم بخله للخوف من فقده. { ذلك } العذاب بسب ما { قدمت أيديكم } من قتل الأنبياء، وقولكم هذا، وسائر معاصيكم، وعبر بالأيدي لأن غالب الأعمال بهن، وبأن { الله ليس بظلام للعبيد } بل يجازي كل عبد بما كسب من خير أو شر، فأنتم ظلمتم أنفسكم.
ثم إن قوما منهم، وهو كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وفنحاص ووهب بن يهوذا، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا، وإن الله قد عهد إلينا يف التوراة، ألا نؤمن لرسول يزعم أنه نبي حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك، فأنزل الله فيهم تكذيبا لهم: { الذين قالوا إن الله عهد إلينا } في التوراة وأوصانا { ألا نؤمن لرسول حتى ياتينا بقربان } كصدقة أو نسيكة، { تأكله النار } كما كانت لأنبياء بني إسرائيل. وذلك أن القرابين والغنائم كانت حراما على بني إسرائيل، وكانوا إذا قربوا قربانا، أو غنموا غنيمة، فتقبل منهم، ولم يغل من الغنيمة، نزلت نار بيضاء من السماء، فتأكل ذلك القربان أو الغنيمة، فيكون ذلك علامة على القبول، وإذا لم يتقبل بقي على حاله، وهذا من تعنتهم وأباطيلهم، لأن أكل القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة، وسائر المعجزات في ذلك سواء، فلذلك رد عليهم بقوله: { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات } أي: المعجزات الواضحات، { وبالذي قلتم } من أكل النار القربان، فكذبتموهم وقتلتموهم كزكريا ويحيى وغيرهما، { فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين } في دعواكم أنه ما منعكم من الإيمان إلا عدم ظهور هذه المعجزة، فما لكم لم تؤمنوا بمن جاء بها حتى قتلتموه؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: ما زالت خواص العامة مولعة بالإنكار على خواص الخاصة، يسترقون السمع منهم، إذا سمعوا كلمة لم يبلغها علمهم، وفيها ما يوجب النقص من مرتبتهم، حفظوها، وحرفوها، وأذاعوها، يريدون بذلك إطفاء نورهم، وإظهار عوراهم، والله حفيظ عليهم، سيكتب ما قالوا وما قصدوا من الإنكار على أوليائه، ويقول لهم: ذوقوا عذاب البعد والحجاب. وما يتشبثون به في الإنكار عليهم: اقتراحهم الكرامات التي كانت للأولياء قبلهم، ويقولون: لا نصدق بهم حتى يأتون بما أتى به فلان وفلان، فقد كان من قبلهم يطعنون فيهم مع ظهور ذلك عليهم، كما هو سنة الله فيهم. { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم }.
آل عمران 3:182
قلت: { وقتلهم }: معطوف على { ما } المفعولة أو النائبة عن الفاعل، على القرائتين رفعا ونصبا، و { أن الله }: عطف على { ما } أي: ذلك العذاب بسبب ما قدمتم وبأن الله منتف عنه الظلم، فلا بد أن يعاقب المسيء ويثيب المحسن، { الذين قالوا إن الله عهد إلينا }: صفة للذين { قالوا إن الله فقير } ، أو بدل منه مجرور مثله. يقول الحق جل جلاله: { لقد سمع الله قول } اليهود { الذين قالوا إن الله فقير ونحن إغنياء } وقائله: فنحاص بن عازرواء، في جماعة منهم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بن قينقاع، يدعوهم إلى الإسلام، وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضا حسنا، فدخل أبو بكر رضي الله عنه مدراسهم، فوجد خلقا كثيرا اجتمعوا إلى فنحاص، وهو من علمائهم - ومعه حبر آخر اسمه: أيشع، فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، فأسلم وصدق، وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة، فقال فنحاص لعنه الله: يا أبا بكر تزعم ان ربنا يستقرضنا أموالنا، وما يستقرض إلا الفقير من الغني، ولو كان غنيا ما استقرض، فلطمه أبو بكر رضي الله عنه وقال: لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: عليه الصلاة والسلام:-
" ما حملك على ما فعلت؟ "
فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا قولا عظيما، زعم أن الله فقير، وهم أغنياء، فجحد ما قال، فنزلت الآية تكذبيا له. والمعنى: أن الله سمع مقالتهم الشنيعة، وأنه سيعاقبهم عليها، ولذلك قال: { سنكتب ما قالوا } أي: سنسطرها عليهم في صحائف أعمالهم، أو سنحفظها في علمنا ولا نهملها، لأنها كلمة عظيمة، فيها الكفر بالله والاستهزاء بكتاب الله وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك نظمت مع قتلهم الأنبياء، حيث عطفه عليه، وفيه تنبيه على أن قولهم الشينع ليس هو أول جريمة ارتكبوها، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد أمثال هذا القول منه. ثم ذكر عقابهم، فقال: { ونقول } لهم يوم القيامة: { ذوقوا عذاب الحريق } أي: المحرق، والذوق: يطلق على إدراك المحسوسات كالمطعومات، والمعنويات كما هنا، وذكره هنا لأن عذابهم مرتب على قولهم الناشئ عن البخل، والتهالك على المال، وغالب حاجة الإنسان إليه، لتحصيل المطاعم، ومعظم بخله للخوف من فقده. { ذلك } العذاب بسب ما { قدمت أيديكم } من قتل الأنبياء، وقولكم هذا، وسائر معاصيكم، وعبر بالأيدي لأن غالب الأعمال بهن، وبأن { الله ليس بظلام للعبيد } بل يجازي كل عبد بما كسب من خير أو شر، فأنتم ظلمتم أنفسكم.
ثم إن قوما منهم، وهو كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وفنحاص ووهب بن يهوذا، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا، وإن الله قد عهد إلينا يف التوراة، ألا نؤمن لرسول يزعم أنه نبي حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك، فأنزل الله فيهم تكذيبا لهم: { الذين قالوا إن الله عهد إلينا } في التوراة وأوصانا { ألا نؤمن لرسول حتى ياتينا بقربان } كصدقة أو نسيكة، { تأكله النار } كما كانت لأنبياء بني إسرائيل. وذلك أن القرابين والغنائم كانت حراما على بني إسرائيل، وكانوا إذا قربوا قربانا، أو غنموا غنيمة، فتقبل منهم، ولم يغل من الغنيمة، نزلت نار بيضاء من السماء، فتأكل ذلك القربان أو الغنيمة، فيكون ذلك علامة على القبول، وإذا لم يتقبل بقي على حاله، وهذا من تعنتهم وأباطيلهم، لأن أكل القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة، وسائر المعجزات في ذلك سواء، فلذلك رد عليهم بقوله: { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات } أي: المعجزات الواضحات، { وبالذي قلتم } من أكل النار القربان، فكذبتموهم وقتلتموهم كزكريا ويحيى وغيرهما، { فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين } في دعواكم أنه ما منعكم من الإيمان إلا عدم ظهور هذه المعجزة، فما لكم لم تؤمنوا بمن جاء بها حتى قتلتموه؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: ما زالت خواص العامة مولعة بالإنكار على خواص الخاصة، يسترقون السمع منهم، إذا سمعوا كلمة لم يبلغها علمهم، وفيها ما يوجب النقص من مرتبتهم، حفظوها، وحرفوها، وأذاعوها، يريدون بذلك إطفاء نورهم، وإظهار عوراهم، والله حفيظ عليهم، سيكتب ما قالوا وما قصدوا من الإنكار على أوليائه، ويقول لهم: ذوقوا عذاب البعد والحجاب. وما يتشبثون به في الإنكار عليهم: اقتراحهم الكرامات التي كانت للأولياء قبلهم، ويقولون: لا نصدق بهم حتى يأتون بما أتى به فلان وفلان، فقد كان من قبلهم يطعنون فيهم مع ظهور ذلك عليهم، كما هو سنة الله فيهم. { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم }.
آل عمران 3:183
قلت: { وقتلهم }: معطوف على { ما } المفعولة أو النائبة عن الفاعل، على القرائتين رفعا ونصبا، و { أن الله }: عطف على { ما } أي: ذلك العذاب بسبب ما قدمتم وبأن الله منتف عنه الظلم، فلا بد أن يعاقب المسيء ويثيب المحسن، { الذين قالوا إن الله عهد إلينا }: صفة للذين { قالوا إن الله فقير } ، أو بدل منه مجرور مثله. يقول الحق جل جلاله: { لقد سمع الله قول } اليهود { الذين قالوا إن الله فقير ونحن إغنياء } وقائله: فنحاص بن عازرواء، في جماعة منهم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بن قينقاع، يدعوهم إلى الإسلام، وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضا حسنا، فدخل أبو بكر رضي الله عنه مدراسهم، فوجد خلقا كثيرا اجتمعوا إلى فنحاص، وهو من علمائهم - ومعه حبر آخر اسمه: أيشع، فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، فأسلم وصدق، وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة، فقال فنحاص لعنه الله: يا أبا بكر تزعم ان ربنا يستقرضنا أموالنا، وما يستقرض إلا الفقير من الغني، ولو كان غنيا ما استقرض، فلطمه أبو بكر رضي الله عنه وقال: لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: عليه الصلاة والسلام:-
" ما حملك على ما فعلت؟ "
فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا قولا عظيما، زعم أن الله فقير، وهم أغنياء، فجحد ما قال، فنزلت الآية تكذبيا له. والمعنى: أن الله سمع مقالتهم الشنيعة، وأنه سيعاقبهم عليها، ولذلك قال: { سنكتب ما قالوا } أي: سنسطرها عليهم في صحائف أعمالهم، أو سنحفظها في علمنا ولا نهملها، لأنها كلمة عظيمة، فيها الكفر بالله والاستهزاء بكتاب الله وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك نظمت مع قتلهم الأنبياء، حيث عطفه عليه، وفيه تنبيه على أن قولهم الشينع ليس هو أول جريمة ارتكبوها، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد أمثال هذا القول منه. ثم ذكر عقابهم، فقال: { ونقول } لهم يوم القيامة: { ذوقوا عذاب الحريق } أي: المحرق، والذوق: يطلق على إدراك المحسوسات كالمطعومات، والمعنويات كما هنا، وذكره هنا لأن عذابهم مرتب على قولهم الناشئ عن البخل، والتهالك على المال، وغالب حاجة الإنسان إليه، لتحصيل المطاعم، ومعظم بخله للخوف من فقده. { ذلك } العذاب بسب ما { قدمت أيديكم } من قتل الأنبياء، وقولكم هذا، وسائر معاصيكم، وعبر بالأيدي لأن غالب الأعمال بهن، وبأن { الله ليس بظلام للعبيد } بل يجازي كل عبد بما كسب من خير أو شر، فأنتم ظلمتم أنفسكم.
ثم إن قوما منهم، وهو كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وفنحاص ووهب بن يهوذا، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا، وإن الله قد عهد إلينا يف التوراة، ألا نؤمن لرسول يزعم أنه نبي حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك، فأنزل الله فيهم تكذيبا لهم: { الذين قالوا إن الله عهد إلينا } في التوراة وأوصانا { ألا نؤمن لرسول حتى ياتينا بقربان } كصدقة أو نسيكة، { تأكله النار } كما كانت لأنبياء بني إسرائيل. وذلك أن القرابين والغنائم كانت حراما على بني إسرائيل، وكانوا إذا قربوا قربانا، أو غنموا غنيمة، فتقبل منهم، ولم يغل من الغنيمة، نزلت نار بيضاء من السماء، فتأكل ذلك القربان أو الغنيمة، فيكون ذلك علامة على القبول، وإذا لم يتقبل بقي على حاله، وهذا من تعنتهم وأباطيلهم، لأن أكل القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة، وسائر المعجزات في ذلك سواء، فلذلك رد عليهم بقوله: { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات } أي: المعجزات الواضحات، { وبالذي قلتم } من أكل النار القربان، فكذبتموهم وقتلتموهم كزكريا ويحيى وغيرهما، { فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين } في دعواكم أنه ما منعكم من الإيمان إلا عدم ظهور هذه المعجزة، فما لكم لم تؤمنوا بمن جاء بها حتى قتلتموه؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: ما زالت خواص العامة مولعة بالإنكار على خواص الخاصة، يسترقون السمع منهم، إذا سمعوا كلمة لم يبلغها علمهم، وفيها ما يوجب النقص من مرتبتهم، حفظوها، وحرفوها، وأذاعوها، يريدون بذلك إطفاء نورهم، وإظهار عوراهم، والله حفيظ عليهم، سيكتب ما قالوا وما قصدوا من الإنكار على أوليائه، ويقول لهم: ذوقوا عذاب البعد والحجاب. وما يتشبثون به في الإنكار عليهم: اقتراحهم الكرامات التي كانت للأولياء قبلهم، ويقولون: لا نصدق بهم حتى يأتون بما أتى به فلان وفلان، فقد كان من قبلهم يطعنون فيهم مع ظهور ذلك عليهم، كما هو سنة الله فيهم. { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم }.
آل عمران 3:184
قلت: { الزبر }: جمع زبور، بمعنى مزبور، أي: مكتوب، من زبرت، أي: كتبت، وكل كتاب فهو زبور، وقال امرؤ القيس:
لمن طلل أبصرته فشجاني كخط زبور في عسيب يمان
يقول الحق جل جلاله: في تسلية رسوله - عليه الصلاة والسلام - من تكذيب اليهود وغيرهم له: { فإن كذبوك } فليس ذلك ببدع { فقد كذبت رسل } مثلك { من قبلك } جاءوا قومهم بالمعجزات البينات، وبالكتب المنزلات، فيها مواعظ زاجرات، { وبالكتاب المنير } المشتمل على الأحكام الشرعيات. الإشارة: كما كذبت الأنبياء كذبت الأولياء، بعد أن ظهر عليها من العلوم الباهرة والحكم الظاهرة والكرامات الواضحة، وأعظمها المعرفة، وهذه سنة ماضية، ولن تجد سنة الله تبديلا.
آل عمران 3:185
قلت: { زحزح }: بوعد، والزحزحة: الجذب والإخراج بعجلة. يقول الحق جل جلاله: كل نفس منفوسة لا بد أن تذوق حرارة الموت، وتسقى كأس المنون، وإنما توفون جزاء أعمالكم يوم القيامة، يوم قيامكم من القبور، خيرا كان أو شرا. قال البيضاوي: ولفظ التوفية يشعر بأنه قد يكون قبلها بعض الأجور، أي: توفية بعض الأجور، ويؤديه قوله صلى الله عليه وسلم:
" القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار "
، { فمن زحزح } أي: بوعد { عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } بالنجاة ونيل المراد، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي، إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ".
{ وما الحياة الدنيا } وزخارفها ولذاتها { إلا متاع الغرور } فإن الغار - وهو المدلس - يظهر ما هو حسن من متاعه،ويخفي ما هو معيب، كذلك الدنيا تبتهج لطالبها، وتظهر له حلاوتها وشهواتها، حى تشغله عن ذكر الله وعن طاعته، فيؤثرها على آخرته، ثم يتركها أحوج ما يكون إليها، فينقلب نادما متحسرا، وفي ذلك يقول الشاعر:
ومن يحمد الدنيا لشيء يسره فسوف للعسر عن قريب يلومها إذا أدبرت كانت على المرء حسرة وإن أقبلت كانت كثيرا همومها
الإشارة: النفس، من حيث هي، كلها تقبل الموت لمن قتلها وجاهدها، وإنما وقع التفريط من أربابها، فمن زحزحها عن نار الشهوات، وقتلها بسيوف المخالفات، حتى أدخلها جنات الحضرات، فقد فاز فوزا عظيما، وربح ربحا كريما. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:186
قلت: أصل { تبلون }: تبلوون كتنصرون، ثم قلبت الواو ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فصار تبلونن، ثم أكد بالنون، فاجتمع ثلاث نونات، حذفت نون الرفع فالتقى ساكنان الواو ونون التوكيد، فحركت الواو بالضمة المجانسة، وهي النائب عن الفاعل. يقول الحق جل جلاله: والله { لتبلون } أي: لتختبرن { في أموالكم } بما يصيبها من الآفات، وما كلفتم به من النفقات، { وأنفسكم } بالقتل والجراحات، والأسر والأمراض وسائر العاهات. { ولتسمعن من الذين أتوا الكتاب من قبلكم } اليهود { ومن الذين أشركوا } ، كفار مكة، { أذى كثيرا } كقولهم: إن الله فقير، وهجاء الرسول - عليه الصلاة والسلام -، والطعن في الدين، وإغراء الكفرة على المسلمين، أو غير ذلك من الأذى، أعلمهم بذلك قبل وقوعه، ليتأهبوا للصبر والاحتمال، حتى لا يروعهم نزولها حين الإنزال. { وتتقوا } الله فيما أمركم به، { فإن ذلك من عزم الأمور } أي: من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها، أو مما عزم الله على فعلها، وأوجبه على عباده. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من دخل في طريق الخصوص بالصدق والعزم على الوصول، لا بد أن يبتلى ويختبر في ماله ونفسه، ليظهر صدقه في طلبه، ولا بد أن يسمع من الناس أذى كثيرا، فإن صبر ظفر، وإن رجع خسر، وهذه سنة الله في عباده:
ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم
[محمد: 31]، قال الورتجبي: { لتبلون في أموالكم } بجمعها ومنها والتقصير في حقوق الله فيها، { وأنفسكم } باتباع شهواتها، وترك رياضتها، وملازمتها أسباب الدنيا، وخلوها من النظر في أمر الميعاد، وقيل: { لتبلون في أموالكم } بالاشتغال بها أخذا وإعطاء.ه.
آل عمران 3:187
قلت: الضمير في { نبذوه }: يعود على الكتاب، أو الميثاق. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } وهم اليهود، أخذ عليهم العهد ليبينن للناس ما في كتابهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكتمونه، فنبذوا ذلك العهد أو الكتاب { وراء ظهورهم } فكتموا صفته - عليه الصلاة والسلام - خوفا من زوال رئاستهم، { واشتروا } بذلك العهد، أي: استبدلوا به { ثمنا قليلا } من حطام الدنيا، وما كانوا يأخذونه من سفلتهم، { فبئس ما يشترون } ، وهي تجر ذيلها على من كتم علما سئل عنه، قال عليه الصلاة والسلام:
" من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار "
وعن علي رضي الله عنه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. وقال محمد بن كعب: لا يحل للعالم أن يسكت على علمه، ولا الجاهل أن يسكت على جهله. الإشارة: أهل العلم إذا تحققوا بوجود الخصوصية عند ولي، وكتموا ذلك حسدا وخوفا على زوال رئاستهم، دخلوا في وعيد الآية لأن العوام تابعون لهم، فإذا كتموا أو أنكروا تبعوهم على ذلك، فيحملون أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:188
قلت: من قرأ بالخطاب، فالذين: مفعول أول، والثاني: محذوف، أي: بمفازة من العذاب، أو هو المذكور، و { تحسبنهم }: تأكيد للفعل الأول، ومن قرأ بالغيب، فالذين: فاعل، والمفعولان: محذوفان، دل عليهما ذكرهما مع الثاني، أي: لا يحسبوا أنفسهم فائزة. { فلا تحسبنهم }: من قرأ بفتح التاء فالخطاب للرسول - عليه الصلاة والسلام-، والفعل مبني، ومن قرأ بالياء فالخطاب للذين يفرحون، والفعل معرب، أي: لا يحسبن أنفسهم بمفازة من العذاب. يقول الحق جل جلاله: { لا تحسبن } يا محمد { الذين يفرحون بما أتوا } أي: بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق، { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } من الوفاء بالعهد، وإظهار الحق، والإخبار بالصدق، أنهم فائزون من العذاب، فلا تظنهم { بمفازة من العذاب } ، بل { لهم عذاب أليم } موجع، { ولله ملك السماوات والأرض } إن شاء عذب وإن شاء رحم، { والله على كل شيء قدير } فلا يعجزه من ذلك شيء، أو: لا يظن الذي يفرحون بما أتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنها نزلت في المنافقين، كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم تخلفوا، وإذا قدم اعتذروا، فإذا قبل عذرهم فرحوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. وما تقدم في التوطئة هو عن ابن عباس. وقال ابن حجر: ولا مانع من أن يتناول الآية كل من أتى بحسنة وفرح بها فرح إعجاب، وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يظن أهل الفرق الذين يسندون الأفعال إلى أنفسهم، غائبين عن فعل ربهم، ويحبون أن يحمدهم الناس ويمدحهم بفعل غيرهم، أنهم فائزون عن عذاب الفرق، وحجاب العجب، إذ لا فاعل سوى الحق، فمن تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك، فإن فرح العبد بالطاعة من حيث ظهورها عليه، وهي عنوان العناية - ورأى نفسه فيها كالآلة، معزولا عن فعلها، محمولا بالقدرة الأزلية فيها، فلا بأس عليه، ويزيد بذلك تواضعا وشكرا، وإن فرح بها من حيث صدورها منه، ويتبجح بها على عباد الله، فهو عين العجب، وفي الحكم: " لا تفرحك الطاعة من حيث إنها صدرت منك، وافرح بها من حيث إنها هدية من الله عليك
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا
[يونس: 58] ".
آل عمران 3:189
قلت: من قرأ بالخطاب، فالذين: مفعول أول، والثاني: محذوف، أي: بمفازة من العذاب، أو هو المذكور، و { تحسبنهم }: تأكيد للفعل الأول، ومن قرأ بالغيب، فالذين: فاعل، والمفعولان: محذوفان، دل عليهما ذكرهما مع الثاني، أي: لا يحسبوا أنفسهم فائزة. { فلا تحسبنهم }: من قرأ بفتح التاء فالخطاب للرسول - عليه الصلاة والسلام-، والفعل مبني، ومن قرأ بالياء فالخطاب للذين يفرحون، والفعل معرب، أي: لا يحسبن أنفسهم بمفازة من العذاب. يقول الحق جل جلاله: { لا تحسبن } يا محمد { الذين يفرحون بما أتوا } أي: بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق، { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } من الوفاء بالعهد، وإظهار الحق، والإخبار بالصدق، أنهم فائزون من العذاب، فلا تظنهم { بمفازة من العذاب } ، بل { لهم عذاب أليم } موجع، { ولله ملك السماوات والأرض } إن شاء عذب وإن شاء رحم، { والله على كل شيء قدير } فلا يعجزه من ذلك شيء، أو: لا يظن الذي يفرحون بما أتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنها نزلت في المنافقين، كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم تخلفوا، وإذا قدم اعتذروا، فإذا قبل عذرهم فرحوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. وما تقدم في التوطئة هو عن ابن عباس. وقال ابن حجر: ولا مانع من أن يتناول الآية كل من أتى بحسنة وفرح بها فرح إعجاب، وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يظن أهل الفرق الذين يسندون الأفعال إلى أنفسهم، غائبين عن فعل ربهم، ويحبون أن يحمدهم الناس ويمدحهم بفعل غيرهم، أنهم فائزون عن عذاب الفرق، وحجاب العجب، إذ لا فاعل سوى الحق، فمن تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك، فإن فرح العبد بالطاعة من حيث ظهورها عليه، وهي عنوان العناية - ورأى نفسه فيها كالآلة، معزولا عن فعلها، محمولا بالقدرة الأزلية فيها، فلا بأس عليه، ويزيد بذلك تواضعا وشكرا، وإن فرح بها من حيث صدورها منه، ويتبجح بها على عباد الله، فهو عين العجب، وفي الحكم: " لا تفرحك الطاعة من حيث إنها صدرت منك، وافرح بها من حيث إنها هدية من الله عليك
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا
[يونس: 58] ".
آل عمران 3:190
يقول الحق جل جلاله: { إن في خلق السماوات والأرض } وأظهارهما للعيان، لدلائل واضحة على وجود الصانع، وكمال قدرته، وعلمه، لذوي العقول الكاملة الصافية، الخالصة من شوائب الحس والوهم. قال البيضاوي: ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية لأن مناط الاستدلال هو التغير، وهذه متعرضة لجملة أنواعه، فإنه - أي التغير - إما أن يكون في ذات الشيء، كتغير الليل والنهار، أو جزئه، كتغير الناميات بتبدل صورها، أو لخارج عنها، كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ".
الإشارة: الخلق هو الاختراع والإظهار، فإظهار هذه التجليات الأربعة يدل على الحق - تعالى - تجلى لعباده بين الضدين، بين النور والظلمة، بين القدرة والحكمة، بين الحس والمعنى، وهكذا خلق من كل زوجين اثنين، ليقع الفرار من إثنينية حسهما إلى فردية معناهما، ففروا إلى الله، فالسماوات والنهار نورانيان، والأرض والليل ظلمانيان، ففي ذلك دلالة على وحدة المعاني، فلا تقف مع الأواني، وخض بحر المعاني، لعلك تراني. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:191
يقول الحق جل جلاله: في وصف أولي الألباب: هم { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } ، أي: يذكرونه على الدوام، قائمين وقاعدين ومضطجعين، وعنه - صلى الله عليه وسلم -:
" من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله "
وقيل: يصلون على الهيئات الثلاث، حسب الطاعة لقوله عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين، وكان مريضا:
" صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك وتومئ إيماء ".
{ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض } استدلالا واعتبارا، وهو أفضل العبادات قال صلى الله عليه وسلم:
" لا عبادة كالتفكر "
لأن المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" بينما رجل مستلق على فراشه فنظر إلى السماء والنجوم، فقال: أشهد أن لك خالق، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له "
وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله. قاله البيضاوي. وسيأتي مزيد من كلام على التفكر في الإشارة إن شاء الله. فلما تفكروا في عجائب المصنوعات، قالوا: { ربنا ما خلقت هذا باطلا } أي: عبثا من غير حكمة، بل خلقته لحكمة بديعة، من جملتها: ان يكون مبدأ لوجود الإنسان، وسببا لمعاشه، ودليلا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك، لينال الحياة الأبدية، والسعادة السرمدية في جوارك، { سبحانك } تنزيها لك من العبث وخلق الباطل، { فقنا عذاب النار } التي استحقها من أعرض عن النظر والاعتبار، وأخل بما يقتضيه من أحكام الواحد القهار، { وما للظالمين من أنصار } يمنعونهم من دخول النار. ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم سبب لإدخالهم النار، وانقطاع النصرة عنهم في دار البوار. { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان } ، وهو الرسول العظيم الشأن، أو القرآن قائلا: { أن آمنوا بربكم } ووحدوه، فأجبنا نداءه وآمنا، { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا } الكبائر، { وكفر عنا سيئاتنا } الصغائر، { وتوفنا مع الأبرار } المصطفين الأخيار، مخصوصين بصحبتهم، معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم يحبون لقاء الله فأحب الله لقاءهم، { ربنا وآتنا ما وعدتنا على } تصديق { رسلك } من الثواب، أو على ألسنة رسلك من الفضل والرحمة وحسن المآب، سألوا ما وعدوا على الامتثال، لا خوفا من إخلاف الوعدن بل مخافة ألا يكونوا موعودين لسوء عاقبة، أو قصور في الامتثال، أو تعبدا، أو استكانة. قاله البيضاوي. { ولا تخزنا يوم القيامة } أي: لا تهنا بسبب تقصيرنا، { إنك لا تخلف الميعاد } بإثابة المؤمن وإجابة الداعي، أو ميعاد البعث والحساب، وتكرير { ربنا } للمبالغة في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها، ففي بعض الآثار: من حزبه أمر فقال خمس مرات: " ربنا " ، أنجاه الله مما يخاف.
قاله البيضاوي. الإشارة: قدم الحق الذكر على الفكر على ترتيب السير، فإن المريد يؤمر أول أمره بذكر اللسان، حتى يفضي إلى الجنان، فينتقل الذكر إلى القلب، ثم إلى الروح، وهو الفكر، ثم إلى السر، وهو الشهود والعيان، وهنا يخرس اللسان، ويغيب الإنسان في أنوار العيان، وفي ذلك يقول القائل:
ما إن ذكرتك إلا هم يلعنني سري وروحي وقلبي عند ذكراك حتى كأن رقيبا منك يهتف بي: إياك: ويحك والتذكار! إياك! أما ترى الحق قد لاحت شواهده وواصل الكل من معناه معناك
فإذا بلغ العبد هذا المقام - الذي هو مقام الإفراد - اتحدت عنده الأوراد، وصار وردا واحدا، وهو عكوف القلب في الحضرة بين فكرة ونظرة، أو إفراد القلب بالله، وتغيبه عما سواه. قال في الإحياء في كتاب الأوراد: الموحد المستغرق الهم بالواحد الصمد، الذي أصبح وهمومه هم واحد، فلا يحب إلا الله، ولا يخاف إلا منه، ولا يتوقع الرزق من غيره، ولا ينظر في شيء إلا يرى الله فيه، فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدرجة، لم يفتقر إلى ترتيب الأوراد واختلافها، بل ورده بعد المكتوبات ورد واحد، وهو حضور القلب مع الله في كل حال، فلا يخطر بقلبه أمر، ولا يقرع سمعه قارع، ولا يلوح لنظره لائح، إلا كان له فيه عبرة وفكرة ومزيد، فلا محرك ولا مسكن إلا الله. فهؤلاء جميع أحوالهم تصلح أن تكون سببا لازديادهم، فلا تتميز عندهم عبادة عن عبادة، وهم الذين فروا إلى الله كما قال تعالى: { ففروا إلى الله } ، وتحقق فيهم قوله: { إني ذاهب إلى ربي } ، وهذه الدرجة منتهى درجة الصديقين، ولا ينبغي أن يغتر المريد بما يسمعه من ذلك، فيدعيه لنفسه، ويفتر عن وظائف عباداته، فذلك علامته ألا يحس في قلبه وسواسا، ولا يخطر بقلبه معصية، لا يزعجه هواجم الأحوال، ولا يستفزه عظائم الأشغال، وأنى تكون هذه المرتبة!. ه. قلت: قوله: [لا يخطر بقلبه معصية] غير لازم لأن قلب العارف مرسى للتجليات النورانية والظلمانية لكنها تقل ولا تسكن. وقال في موضع آخر: وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه حبا لجلاله وجماله، وسار الأعمال تكون مؤكدات. قال: والعامل لأجر الجنة درجته درجة البله، وإنه لينالها بعمله إذ أكثر أهل الجنة البله. ه. وقال في كتاب كيمياء السعادة: وقد غلط من ظن أن وظائف الضعفاء كوظائف الأقوياء، حتى قال بعض مشايخ الصوفية: من رأني في الابتداء، قال: صار صديقا، ومن رآني في الانتهاء، قال: صار زنديقا، يعني أن الابتداء يقتضي المجاهدة الظاهرة للأعين بكثرة العبادات، وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن، فيبقى القلب على الدوام في عين الشهود والحضور، وتفتر ظواهر الأعضاء، فيظن أن ذلك تهاون بالعبادة، وهيهات هيهات!!، فذلك استغراق لمخ العبادات ولبابها وغياتها، ولكن أعين الخفافيش تكل عن درك نور الشمس.
ه. قال شيخ شيوخنا - سيدي عبد الرحمن العارف - بعد نقل كلام القشيري في هذا المعنى: وما أشار إليه ظاهر في أن أهل القلوب لا يتعاطون كل طاعة. وإنما يتعاطون من الطاعات ما يجمعهم ولا يفرقهم. ولذلك قال الجنيد: أحب للصوفي ألا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه، قال: وأحب للمريد ألا يشتغل بالتكسب وطلب الحديث لئلا يتغير حاله. ه. قلت: ومن رزقه الله شيخ التربية فما عينه له فهو عين ذكره، يسير به كيفما كان. هذا ما يتعلق بحال الذكر الذي قدمه الله تعالى، وأما التفكر فهو أعظم العبادات وأفضل القربات، هو عبادة العارفين ومنتهى المقربين. وفي الخبر: " تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة ". وقال الجنيد رضي الله عنه: أشرف المجالس وأعلاها: الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد، والتنسم بنسيم المعرفة، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد، والنظر لحسن الظن بالله تعالى. ثم قال: يا لها من مجالس، ما أجلها، ومن شراب ما ألذه، طوبى لمن رزقه. وقال القشيري رضي الله عنه التفكر نعت كل طالب، وثمرته: الوصول بشرط العلم، فإذا سلم الفكر عن الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق. ه. وسئلت زوجة أبي ذر عن عبادة زوجها، فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر. وكذلك زوجة أبي بكر قالت: كان ليله أجمع في ناحية يتفكر. وكذا زوجة أبي الدرداء، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يقول: طوبى لمن كان قيله ذكرا وصمته تفكرا، ونظره عبرة. وقال الحسن رضي الله عنه: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو. ه. وقال في الحكم: " ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة ". وقال أيضا: " الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له ". وقال أيضا: " الفكرة فكرتان فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان، فالأولى لأرباب الاعتبار، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار ". وفكرة الشهود والعيان هي عبادة العارفين، ولا يحصر ثوابها في ستين ولا في سبعين، بل وقت منها يعدل ألف سنة، كما قال الشاعر:
كل وقت من حبيبي قدره كألف حجه
فأوقات هؤلاء كلها ليلة القدر، ومن لم يبلغ هذا المقام فليبك على نفسه على الدوام، ومن ظفر بها ونالها حق له الهناء، وفي أمثاله قال القائل:
هم الرجال وغبن أن يقال لمن لم يتصف بمعاني وصفهم رجل
حققنا الله بمقامهم، وسقانا من منالهم، آمين. وقوله: { ربنا ما خلقت هذا باطلا } بل هو ثابت بإثباتك، ممحو بأحدية ذاتك، فالباطل محال، وكل ما سواه باطل، كما قرره الرسول - عليه الصلاة والسلام. وقوله: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا } أي: كنا في الرعيل الأول من أهل الإيمان، فجعل لنا سبيلا إلى مقام الإحسان، { ربنا وآتنا ما وعدتنا } وهو الوصول إلى العيان. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:192
يقول الحق جل جلاله: في وصف أولي الألباب: هم { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } ، أي: يذكرونه على الدوام، قائمين وقاعدين ومضطجعين، وعنه - صلى الله عليه وسلم -:
" من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله "
وقيل: يصلون على الهيئات الثلاث، حسب الطاعة لقوله عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين، وكان مريضا:
" صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك وتومئ إيماء ".
{ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض } استدلالا واعتبارا، وهو أفضل العبادات قال صلى الله عليه وسلم:
" لا عبادة كالتفكر "
لأن المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" بينما رجل مستلق على فراشه فنظر إلى السماء والنجوم، فقال: أشهد أن لك خالق، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له "
وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله. قاله البيضاوي. وسيأتي مزيد من كلام على التفكر في الإشارة إن شاء الله. فلما تفكروا في عجائب المصنوعات، قالوا: { ربنا ما خلقت هذا باطلا } أي: عبثا من غير حكمة، بل خلقته لحكمة بديعة، من جملتها: ان يكون مبدأ لوجود الإنسان، وسببا لمعاشه، ودليلا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك، لينال الحياة الأبدية، والسعادة السرمدية في جوارك، { سبحانك } تنزيها لك من العبث وخلق الباطل، { فقنا عذاب النار } التي استحقها من أعرض عن النظر والاعتبار، وأخل بما يقتضيه من أحكام الواحد القهار، { وما للظالمين من أنصار } يمنعونهم من دخول النار. ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم سبب لإدخالهم النار، وانقطاع النصرة عنهم في دار البوار. { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان } ، وهو الرسول العظيم الشأن، أو القرآن قائلا: { أن آمنوا بربكم } ووحدوه، فأجبنا نداءه وآمنا، { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا } الكبائر، { وكفر عنا سيئاتنا } الصغائر، { وتوفنا مع الأبرار } المصطفين الأخيار، مخصوصين بصحبتهم، معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم يحبون لقاء الله فأحب الله لقاءهم، { ربنا وآتنا ما وعدتنا على } تصديق { رسلك } من الثواب، أو على ألسنة رسلك من الفضل والرحمة وحسن المآب، سألوا ما وعدوا على الامتثال، لا خوفا من إخلاف الوعدن بل مخافة ألا يكونوا موعودين لسوء عاقبة، أو قصور في الامتثال، أو تعبدا، أو استكانة. قاله البيضاوي. { ولا تخزنا يوم القيامة } أي: لا تهنا بسبب تقصيرنا، { إنك لا تخلف الميعاد } بإثابة المؤمن وإجابة الداعي، أو ميعاد البعث والحساب، وتكرير { ربنا } للمبالغة في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها، ففي بعض الآثار: من حزبه أمر فقال خمس مرات: " ربنا " ، أنجاه الله مما يخاف.
قاله البيضاوي. الإشارة: قدم الحق الذكر على الفكر على ترتيب السير، فإن المريد يؤمر أول أمره بذكر اللسان، حتى يفضي إلى الجنان، فينتقل الذكر إلى القلب، ثم إلى الروح، وهو الفكر، ثم إلى السر، وهو الشهود والعيان، وهنا يخرس اللسان، ويغيب الإنسان في أنوار العيان، وفي ذلك يقول القائل:
ما إن ذكرتك إلا هم يلعنني سري وروحي وقلبي عند ذكراك حتى كأن رقيبا منك يهتف بي: إياك: ويحك والتذكار! إياك! أما ترى الحق قد لاحت شواهده وواصل الكل من معناه معناك
فإذا بلغ العبد هذا المقام - الذي هو مقام الإفراد - اتحدت عنده الأوراد، وصار وردا واحدا، وهو عكوف القلب في الحضرة بين فكرة ونظرة، أو إفراد القلب بالله، وتغيبه عما سواه. قال في الإحياء في كتاب الأوراد: الموحد المستغرق الهم بالواحد الصمد، الذي أصبح وهمومه هم واحد، فلا يحب إلا الله، ولا يخاف إلا منه، ولا يتوقع الرزق من غيره، ولا ينظر في شيء إلا يرى الله فيه، فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدرجة، لم يفتقر إلى ترتيب الأوراد واختلافها، بل ورده بعد المكتوبات ورد واحد، وهو حضور القلب مع الله في كل حال، فلا يخطر بقلبه أمر، ولا يقرع سمعه قارع، ولا يلوح لنظره لائح، إلا كان له فيه عبرة وفكرة ومزيد، فلا محرك ولا مسكن إلا الله. فهؤلاء جميع أحوالهم تصلح أن تكون سببا لازديادهم، فلا تتميز عندهم عبادة عن عبادة، وهم الذين فروا إلى الله كما قال تعالى: { ففروا إلى الله } ، وتحقق فيهم قوله: { إني ذاهب إلى ربي } ، وهذه الدرجة منتهى درجة الصديقين، ولا ينبغي أن يغتر المريد بما يسمعه من ذلك، فيدعيه لنفسه، ويفتر عن وظائف عباداته، فذلك علامته ألا يحس في قلبه وسواسا، ولا يخطر بقلبه معصية، لا يزعجه هواجم الأحوال، ولا يستفزه عظائم الأشغال، وأنى تكون هذه المرتبة!. ه. قلت: قوله: [لا يخطر بقلبه معصية] غير لازم لأن قلب العارف مرسى للتجليات النورانية والظلمانية لكنها تقل ولا تسكن. وقال في موضع آخر: وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه حبا لجلاله وجماله، وسار الأعمال تكون مؤكدات. قال: والعامل لأجر الجنة درجته درجة البله، وإنه لينالها بعمله إذ أكثر أهل الجنة البله. ه. وقال في كتاب كيمياء السعادة: وقد غلط من ظن أن وظائف الضعفاء كوظائف الأقوياء، حتى قال بعض مشايخ الصوفية: من رأني في الابتداء، قال: صار صديقا، ومن رآني في الانتهاء، قال: صار زنديقا، يعني أن الابتداء يقتضي المجاهدة الظاهرة للأعين بكثرة العبادات، وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن، فيبقى القلب على الدوام في عين الشهود والحضور، وتفتر ظواهر الأعضاء، فيظن أن ذلك تهاون بالعبادة، وهيهات هيهات!!، فذلك استغراق لمخ العبادات ولبابها وغياتها، ولكن أعين الخفافيش تكل عن درك نور الشمس.
ه. قال شيخ شيوخنا - سيدي عبد الرحمن العارف - بعد نقل كلام القشيري في هذا المعنى: وما أشار إليه ظاهر في أن أهل القلوب لا يتعاطون كل طاعة. وإنما يتعاطون من الطاعات ما يجمعهم ولا يفرقهم. ولذلك قال الجنيد: أحب للصوفي ألا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه، قال: وأحب للمريد ألا يشتغل بالتكسب وطلب الحديث لئلا يتغير حاله. ه. قلت: ومن رزقه الله شيخ التربية فما عينه له فهو عين ذكره، يسير به كيفما كان. هذا ما يتعلق بحال الذكر الذي قدمه الله تعالى، وأما التفكر فهو أعظم العبادات وأفضل القربات، هو عبادة العارفين ومنتهى المقربين. وفي الخبر: " تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة ". وقال الجنيد رضي الله عنه: أشرف المجالس وأعلاها: الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد، والتنسم بنسيم المعرفة، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد، والنظر لحسن الظن بالله تعالى. ثم قال: يا لها من مجالس، ما أجلها، ومن شراب ما ألذه، طوبى لمن رزقه. وقال القشيري رضي الله عنه التفكر نعت كل طالب، وثمرته: الوصول بشرط العلم، فإذا سلم الفكر عن الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق. ه. وسئلت زوجة أبي ذر عن عبادة زوجها، فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر. وكذلك زوجة أبي بكر قالت: كان ليله أجمع في ناحية يتفكر. وكذا زوجة أبي الدرداء، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يقول: طوبى لمن كان قيله ذكرا وصمته تفكرا، ونظره عبرة. وقال الحسن رضي الله عنه: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو. ه. وقال في الحكم: " ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة ". وقال أيضا: " الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له ". وقال أيضا: " الفكرة فكرتان فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان، فالأولى لأرباب الاعتبار، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار ". وفكرة الشهود والعيان هي عبادة العارفين، ولا يحصر ثوابها في ستين ولا في سبعين، بل وقت منها يعدل ألف سنة، كما قال الشاعر:
كل وقت من حبيبي قدره كألف حجه
فأوقات هؤلاء كلها ليلة القدر، ومن لم يبلغ هذا المقام فليبك على نفسه على الدوام، ومن ظفر بها ونالها حق له الهناء، وفي أمثاله قال القائل:
هم الرجال وغبن أن يقال لمن لم يتصف بمعاني وصفهم رجل
حققنا الله بمقامهم، وسقانا من منالهم، آمين. وقوله: { ربنا ما خلقت هذا باطلا } بل هو ثابت بإثباتك، ممحو بأحدية ذاتك، فالباطل محال، وكل ما سواه باطل، كما قرره الرسول - عليه الصلاة والسلام. وقوله: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا } أي: كنا في الرعيل الأول من أهل الإيمان، فجعل لنا سبيلا إلى مقام الإحسان، { ربنا وآتنا ما وعدتنا } وهو الوصول إلى العيان. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:193
يقول الحق جل جلاله: في وصف أولي الألباب: هم { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } ، أي: يذكرونه على الدوام، قائمين وقاعدين ومضطجعين، وعنه - صلى الله عليه وسلم -:
" من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله "
وقيل: يصلون على الهيئات الثلاث، حسب الطاعة لقوله عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين، وكان مريضا:
" صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك وتومئ إيماء ".
{ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض } استدلالا واعتبارا، وهو أفضل العبادات قال صلى الله عليه وسلم:
" لا عبادة كالتفكر "
لأن المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" بينما رجل مستلق على فراشه فنظر إلى السماء والنجوم، فقال: أشهد أن لك خالق، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له "
وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله. قاله البيضاوي. وسيأتي مزيد من كلام على التفكر في الإشارة إن شاء الله. فلما تفكروا في عجائب المصنوعات، قالوا: { ربنا ما خلقت هذا باطلا } أي: عبثا من غير حكمة، بل خلقته لحكمة بديعة، من جملتها: ان يكون مبدأ لوجود الإنسان، وسببا لمعاشه، ودليلا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك، لينال الحياة الأبدية، والسعادة السرمدية في جوارك، { سبحانك } تنزيها لك من العبث وخلق الباطل، { فقنا عذاب النار } التي استحقها من أعرض عن النظر والاعتبار، وأخل بما يقتضيه من أحكام الواحد القهار، { وما للظالمين من أنصار } يمنعونهم من دخول النار. ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم سبب لإدخالهم النار، وانقطاع النصرة عنهم في دار البوار. { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان } ، وهو الرسول العظيم الشأن، أو القرآن قائلا: { أن آمنوا بربكم } ووحدوه، فأجبنا نداءه وآمنا، { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا } الكبائر، { وكفر عنا سيئاتنا } الصغائر، { وتوفنا مع الأبرار } المصطفين الأخيار، مخصوصين بصحبتهم، معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم يحبون لقاء الله فأحب الله لقاءهم، { ربنا وآتنا ما وعدتنا على } تصديق { رسلك } من الثواب، أو على ألسنة رسلك من الفضل والرحمة وحسن المآب، سألوا ما وعدوا على الامتثال، لا خوفا من إخلاف الوعدن بل مخافة ألا يكونوا موعودين لسوء عاقبة، أو قصور في الامتثال، أو تعبدا، أو استكانة. قاله البيضاوي. { ولا تخزنا يوم القيامة } أي: لا تهنا بسبب تقصيرنا، { إنك لا تخلف الميعاد } بإثابة المؤمن وإجابة الداعي، أو ميعاد البعث والحساب، وتكرير { ربنا } للمبالغة في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها، ففي بعض الآثار: من حزبه أمر فقال خمس مرات: " ربنا " ، أنجاه الله مما يخاف.
قاله البيضاوي. الإشارة: قدم الحق الذكر على الفكر على ترتيب السير، فإن المريد يؤمر أول أمره بذكر اللسان، حتى يفضي إلى الجنان، فينتقل الذكر إلى القلب، ثم إلى الروح، وهو الفكر، ثم إلى السر، وهو الشهود والعيان، وهنا يخرس اللسان، ويغيب الإنسان في أنوار العيان، وفي ذلك يقول القائل:
ما إن ذكرتك إلا هم يلعنني سري وروحي وقلبي عند ذكراك حتى كأن رقيبا منك يهتف بي: إياك: ويحك والتذكار! إياك! أما ترى الحق قد لاحت شواهده وواصل الكل من معناه معناك
فإذا بلغ العبد هذا المقام - الذي هو مقام الإفراد - اتحدت عنده الأوراد، وصار وردا واحدا، وهو عكوف القلب في الحضرة بين فكرة ونظرة، أو إفراد القلب بالله، وتغيبه عما سواه. قال في الإحياء في كتاب الأوراد: الموحد المستغرق الهم بالواحد الصمد، الذي أصبح وهمومه هم واحد، فلا يحب إلا الله، ولا يخاف إلا منه، ولا يتوقع الرزق من غيره، ولا ينظر في شيء إلا يرى الله فيه، فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدرجة، لم يفتقر إلى ترتيب الأوراد واختلافها، بل ورده بعد المكتوبات ورد واحد، وهو حضور القلب مع الله في كل حال، فلا يخطر بقلبه أمر، ولا يقرع سمعه قارع، ولا يلوح لنظره لائح، إلا كان له فيه عبرة وفكرة ومزيد، فلا محرك ولا مسكن إلا الله. فهؤلاء جميع أحوالهم تصلح أن تكون سببا لازديادهم، فلا تتميز عندهم عبادة عن عبادة، وهم الذين فروا إلى الله كما قال تعالى: { ففروا إلى الله } ، وتحقق فيهم قوله: { إني ذاهب إلى ربي } ، وهذه الدرجة منتهى درجة الصديقين، ولا ينبغي أن يغتر المريد بما يسمعه من ذلك، فيدعيه لنفسه، ويفتر عن وظائف عباداته، فذلك علامته ألا يحس في قلبه وسواسا، ولا يخطر بقلبه معصية، لا يزعجه هواجم الأحوال، ولا يستفزه عظائم الأشغال، وأنى تكون هذه المرتبة!. ه. قلت: قوله: [لا يخطر بقلبه معصية] غير لازم لأن قلب العارف مرسى للتجليات النورانية والظلمانية لكنها تقل ولا تسكن. وقال في موضع آخر: وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه حبا لجلاله وجماله، وسار الأعمال تكون مؤكدات. قال: والعامل لأجر الجنة درجته درجة البله، وإنه لينالها بعمله إذ أكثر أهل الجنة البله. ه. وقال في كتاب كيمياء السعادة: وقد غلط من ظن أن وظائف الضعفاء كوظائف الأقوياء، حتى قال بعض مشايخ الصوفية: من رأني في الابتداء، قال: صار صديقا، ومن رآني في الانتهاء، قال: صار زنديقا، يعني أن الابتداء يقتضي المجاهدة الظاهرة للأعين بكثرة العبادات، وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن، فيبقى القلب على الدوام في عين الشهود والحضور، وتفتر ظواهر الأعضاء، فيظن أن ذلك تهاون بالعبادة، وهيهات هيهات!!، فذلك استغراق لمخ العبادات ولبابها وغياتها، ولكن أعين الخفافيش تكل عن درك نور الشمس.
ه. قال شيخ شيوخنا - سيدي عبد الرحمن العارف - بعد نقل كلام القشيري في هذا المعنى: وما أشار إليه ظاهر في أن أهل القلوب لا يتعاطون كل طاعة. وإنما يتعاطون من الطاعات ما يجمعهم ولا يفرقهم. ولذلك قال الجنيد: أحب للصوفي ألا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه، قال: وأحب للمريد ألا يشتغل بالتكسب وطلب الحديث لئلا يتغير حاله. ه. قلت: ومن رزقه الله شيخ التربية فما عينه له فهو عين ذكره، يسير به كيفما كان. هذا ما يتعلق بحال الذكر الذي قدمه الله تعالى، وأما التفكر فهو أعظم العبادات وأفضل القربات، هو عبادة العارفين ومنتهى المقربين. وفي الخبر: " تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة ". وقال الجنيد رضي الله عنه: أشرف المجالس وأعلاها: الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد، والتنسم بنسيم المعرفة، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد، والنظر لحسن الظن بالله تعالى. ثم قال: يا لها من مجالس، ما أجلها، ومن شراب ما ألذه، طوبى لمن رزقه. وقال القشيري رضي الله عنه التفكر نعت كل طالب، وثمرته: الوصول بشرط العلم، فإذا سلم الفكر عن الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق. ه. وسئلت زوجة أبي ذر عن عبادة زوجها، فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر. وكذلك زوجة أبي بكر قالت: كان ليله أجمع في ناحية يتفكر. وكذا زوجة أبي الدرداء، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يقول: طوبى لمن كان قيله ذكرا وصمته تفكرا، ونظره عبرة. وقال الحسن رضي الله عنه: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو. ه. وقال في الحكم: " ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة ". وقال أيضا: " الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له ". وقال أيضا: " الفكرة فكرتان فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان، فالأولى لأرباب الاعتبار، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار ". وفكرة الشهود والعيان هي عبادة العارفين، ولا يحصر ثوابها في ستين ولا في سبعين، بل وقت منها يعدل ألف سنة، كما قال الشاعر:
كل وقت من حبيبي قدره كألف حجه
فأوقات هؤلاء كلها ليلة القدر، ومن لم يبلغ هذا المقام فليبك على نفسه على الدوام، ومن ظفر بها ونالها حق له الهناء، وفي أمثاله قال القائل:
هم الرجال وغبن أن يقال لمن لم يتصف بمعاني وصفهم رجل
حققنا الله بمقامهم، وسقانا من منالهم، آمين. وقوله: { ربنا ما خلقت هذا باطلا } بل هو ثابت بإثباتك، ممحو بأحدية ذاتك، فالباطل محال، وكل ما سواه باطل، كما قرره الرسول - عليه الصلاة والسلام. وقوله: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا } أي: كنا في الرعيل الأول من أهل الإيمان، فجعل لنا سبيلا إلى مقام الإحسان، { ربنا وآتنا ما وعدتنا } وهو الوصول إلى العيان. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:194
يقول الحق جل جلاله: في وصف أولي الألباب: هم { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } ، أي: يذكرونه على الدوام، قائمين وقاعدين ومضطجعين، وعنه - صلى الله عليه وسلم -:
" من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله "
وقيل: يصلون على الهيئات الثلاث، حسب الطاعة لقوله عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين، وكان مريضا:
" صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك وتومئ إيماء ".
{ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض } استدلالا واعتبارا، وهو أفضل العبادات قال صلى الله عليه وسلم:
" لا عبادة كالتفكر "
لأن المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" بينما رجل مستلق على فراشه فنظر إلى السماء والنجوم، فقال: أشهد أن لك خالق، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له "
وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله. قاله البيضاوي. وسيأتي مزيد من كلام على التفكر في الإشارة إن شاء الله. فلما تفكروا في عجائب المصنوعات، قالوا: { ربنا ما خلقت هذا باطلا } أي: عبثا من غير حكمة، بل خلقته لحكمة بديعة، من جملتها: ان يكون مبدأ لوجود الإنسان، وسببا لمعاشه، ودليلا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك، لينال الحياة الأبدية، والسعادة السرمدية في جوارك، { سبحانك } تنزيها لك من العبث وخلق الباطل، { فقنا عذاب النار } التي استحقها من أعرض عن النظر والاعتبار، وأخل بما يقتضيه من أحكام الواحد القهار، { وما للظالمين من أنصار } يمنعونهم من دخول النار. ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم سبب لإدخالهم النار، وانقطاع النصرة عنهم في دار البوار. { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان } ، وهو الرسول العظيم الشأن، أو القرآن قائلا: { أن آمنوا بربكم } ووحدوه، فأجبنا نداءه وآمنا، { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا } الكبائر، { وكفر عنا سيئاتنا } الصغائر، { وتوفنا مع الأبرار } المصطفين الأخيار، مخصوصين بصحبتهم، معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم يحبون لقاء الله فأحب الله لقاءهم، { ربنا وآتنا ما وعدتنا على } تصديق { رسلك } من الثواب، أو على ألسنة رسلك من الفضل والرحمة وحسن المآب، سألوا ما وعدوا على الامتثال، لا خوفا من إخلاف الوعدن بل مخافة ألا يكونوا موعودين لسوء عاقبة، أو قصور في الامتثال، أو تعبدا، أو استكانة. قاله البيضاوي. { ولا تخزنا يوم القيامة } أي: لا تهنا بسبب تقصيرنا، { إنك لا تخلف الميعاد } بإثابة المؤمن وإجابة الداعي، أو ميعاد البعث والحساب، وتكرير { ربنا } للمبالغة في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها، ففي بعض الآثار: من حزبه أمر فقال خمس مرات: " ربنا " ، أنجاه الله مما يخاف.
قاله البيضاوي. الإشارة: قدم الحق الذكر على الفكر على ترتيب السير، فإن المريد يؤمر أول أمره بذكر اللسان، حتى يفضي إلى الجنان، فينتقل الذكر إلى القلب، ثم إلى الروح، وهو الفكر، ثم إلى السر، وهو الشهود والعيان، وهنا يخرس اللسان، ويغيب الإنسان في أنوار العيان، وفي ذلك يقول القائل:
ما إن ذكرتك إلا هم يلعنني سري وروحي وقلبي عند ذكراك حتى كأن رقيبا منك يهتف بي: إياك: ويحك والتذكار! إياك! أما ترى الحق قد لاحت شواهده وواصل الكل من معناه معناك
فإذا بلغ العبد هذا المقام - الذي هو مقام الإفراد - اتحدت عنده الأوراد، وصار وردا واحدا، وهو عكوف القلب في الحضرة بين فكرة ونظرة، أو إفراد القلب بالله، وتغيبه عما سواه. قال في الإحياء في كتاب الأوراد: الموحد المستغرق الهم بالواحد الصمد، الذي أصبح وهمومه هم واحد، فلا يحب إلا الله، ولا يخاف إلا منه، ولا يتوقع الرزق من غيره، ولا ينظر في شيء إلا يرى الله فيه، فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدرجة، لم يفتقر إلى ترتيب الأوراد واختلافها، بل ورده بعد المكتوبات ورد واحد، وهو حضور القلب مع الله في كل حال، فلا يخطر بقلبه أمر، ولا يقرع سمعه قارع، ولا يلوح لنظره لائح، إلا كان له فيه عبرة وفكرة ومزيد، فلا محرك ولا مسكن إلا الله. فهؤلاء جميع أحوالهم تصلح أن تكون سببا لازديادهم، فلا تتميز عندهم عبادة عن عبادة، وهم الذين فروا إلى الله كما قال تعالى: { ففروا إلى الله } ، وتحقق فيهم قوله: { إني ذاهب إلى ربي } ، وهذه الدرجة منتهى درجة الصديقين، ولا ينبغي أن يغتر المريد بما يسمعه من ذلك، فيدعيه لنفسه، ويفتر عن وظائف عباداته، فذلك علامته ألا يحس في قلبه وسواسا، ولا يخطر بقلبه معصية، لا يزعجه هواجم الأحوال، ولا يستفزه عظائم الأشغال، وأنى تكون هذه المرتبة!. ه. قلت: قوله: [لا يخطر بقلبه معصية] غير لازم لأن قلب العارف مرسى للتجليات النورانية والظلمانية لكنها تقل ولا تسكن. وقال في موضع آخر: وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه حبا لجلاله وجماله، وسار الأعمال تكون مؤكدات. قال: والعامل لأجر الجنة درجته درجة البله، وإنه لينالها بعمله إذ أكثر أهل الجنة البله. ه. وقال في كتاب كيمياء السعادة: وقد غلط من ظن أن وظائف الضعفاء كوظائف الأقوياء، حتى قال بعض مشايخ الصوفية: من رأني في الابتداء، قال: صار صديقا، ومن رآني في الانتهاء، قال: صار زنديقا، يعني أن الابتداء يقتضي المجاهدة الظاهرة للأعين بكثرة العبادات، وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن، فيبقى القلب على الدوام في عين الشهود والحضور، وتفتر ظواهر الأعضاء، فيظن أن ذلك تهاون بالعبادة، وهيهات هيهات!!، فذلك استغراق لمخ العبادات ولبابها وغياتها، ولكن أعين الخفافيش تكل عن درك نور الشمس.
ه. قال شيخ شيوخنا - سيدي عبد الرحمن العارف - بعد نقل كلام القشيري في هذا المعنى: وما أشار إليه ظاهر في أن أهل القلوب لا يتعاطون كل طاعة. وإنما يتعاطون من الطاعات ما يجمعهم ولا يفرقهم. ولذلك قال الجنيد: أحب للصوفي ألا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه، قال: وأحب للمريد ألا يشتغل بالتكسب وطلب الحديث لئلا يتغير حاله. ه. قلت: ومن رزقه الله شيخ التربية فما عينه له فهو عين ذكره، يسير به كيفما كان. هذا ما يتعلق بحال الذكر الذي قدمه الله تعالى، وأما التفكر فهو أعظم العبادات وأفضل القربات، هو عبادة العارفين ومنتهى المقربين. وفي الخبر: " تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة ". وقال الجنيد رضي الله عنه: أشرف المجالس وأعلاها: الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد، والتنسم بنسيم المعرفة، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد، والنظر لحسن الظن بالله تعالى. ثم قال: يا لها من مجالس، ما أجلها، ومن شراب ما ألذه، طوبى لمن رزقه. وقال القشيري رضي الله عنه التفكر نعت كل طالب، وثمرته: الوصول بشرط العلم، فإذا سلم الفكر عن الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق. ه. وسئلت زوجة أبي ذر عن عبادة زوجها، فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر. وكذلك زوجة أبي بكر قالت: كان ليله أجمع في ناحية يتفكر. وكذا زوجة أبي الدرداء، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يقول: طوبى لمن كان قيله ذكرا وصمته تفكرا، ونظره عبرة. وقال الحسن رضي الله عنه: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو. ه. وقال في الحكم: " ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة ". وقال أيضا: " الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له ". وقال أيضا: " الفكرة فكرتان فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان، فالأولى لأرباب الاعتبار، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار ". وفكرة الشهود والعيان هي عبادة العارفين، ولا يحصر ثوابها في ستين ولا في سبعين، بل وقت منها يعدل ألف سنة، كما قال الشاعر:
كل وقت من حبيبي قدره كألف حجه
فأوقات هؤلاء كلها ليلة القدر، ومن لم يبلغ هذا المقام فليبك على نفسه على الدوام، ومن ظفر بها ونالها حق له الهناء، وفي أمثاله قال القائل:
هم الرجال وغبن أن يقال لمن لم يتصف بمعاني وصفهم رجل
حققنا الله بمقامهم، وسقانا من منالهم، آمين. وقوله: { ربنا ما خلقت هذا باطلا } بل هو ثابت بإثباتك، ممحو بأحدية ذاتك، فالباطل محال، وكل ما سواه باطل، كما قرره الرسول - عليه الصلاة والسلام. وقوله: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا } أي: كنا في الرعيل الأول من أهل الإيمان، فجعل لنا سبيلا إلى مقام الإحسان، { ربنا وآتنا ما وعدتنا } وهو الوصول إلى العيان. وبالله التوفيق.
آل عمران 3:195
قلت: { استجاب }: أخص من أجاب، لأن استجاب مستلزم لفعل ما طلب منه، وأجاب يصدق بالوعد، ويتعدى بنفسه وباللام، و { بعضكم من بعض }: جملة معترضة. قاله البيضاوي فانظره. يقول الحق جل جلاله: { فاستجاب لهم ربهم } فيما طلبوه لأنه لا يرد السؤال، ولا تخيب لديه الآمال، ولذلك قال: { أني } أي: بسبب { أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } لأنكم { بعضكم من بعض } لأن الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر، ولأنهما من أصل واحد، ولفط الاتصال والاتحاد والاتفاق في الدين. روي " أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، أني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولم يذكر النساء، فنزلت: { من ذكر أو أنثى } [آل عمران: 195] " الخ. ثم فصل أعمال العمال، وما أعد لهم من الثواب فقال: { فالذين هاجروا } دار الشرك، وفارقوا الأوطان والأصحاب والعشائر، { وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي } بسبب إيمانهم بالله، { وقاتلوا } الكفار، و { قتلوا } أي: ماتوا في الجهاد. وقرئ بالعكس لأن الواو لا ترتب، أو قتل بعضهم، وقاتل الباقون ولم يضعفوا، { لأكفرن عنهم سيئاتهم } أي: لأمحونها، { ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله } أي: أثيبهم من عند الله تفضلا وإحسانا، { والله عنده حسن الثواب } لا يعجزه شيء. الإشارة: لما توجهوا إليه بهممهم العلية، وعزائمهم القوية، فقرعوا بابه بدوام ذكره، والتفكر في عظمة ذاته، وجميل إحسانه وبره، وتضرعوا إليه بلسان الذل والانكسار، وحال الخضوع والاضطرار، أجابهم ففتح في وجوههم الباب، وأدخلهم في حضرته مع الأحباب، لأنه يجيب السؤال، ولا يخيب الآمال، بعد أن هاجروا الأوطان، وفارقوا العشائر والإخوان، إلا من يزيد بهم إلى الرحمن، فقاتلوا نفوسهم حتى ماتت فحييت بالوصال، إلى جوار الكبير المتعال، قال الشاعر:
إن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله
فمحا عن عين بصائرهم سيئات الأغيار، وطهر قلوبهم من درن الأكدار، حتى دخلوا جنة المعارف، التي لا يحيط بوصفها وصف واصف، تجري من تحتها أنهار العلوم، وتنفتح منها مخازن الفهوم، ثوابا من عند الحي القيوم والله تعالى أعلم.
آل عمران 3:196
قلت: النزل - ويسكن -: ما يقدم للنازل من طعام وشراب وصلة، وانتصابه: على الحال من { جنات } ، والعامل فيه: الظرف، أو على المصدر المؤكد، أي: أنزلوها نزلا. يقول الحق جل جلاله: { لا يغرنك } أيها السامع أو أيها الرسول، والمراد: تثبيته على ما كان عليه، كقوله: { فلا تطع المكذبين } ، أي: دم على ما أنت عليه من عدم اغترارك بظاهر ما ترى عليه الكفار من البسط في الدنيا، والتقلب فيها بالتجارات والزراعات، وما هم عليه من الخصب ولين عيش، فإن ذلك { متاع قليل } بلغة فانية، ومتعة زائلة، وظلال آفلة، وسحابة حائلة. قال صلى الله عليه وسلم:
" ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع "
فلا بد أن يرحلوا عنها قهرا، { ثم مأواهم } أي: مصيرهم { جهنم وبئس المهاد } ما مهدوا لأنفسهم. والمعتبر عند الأكياس هو ما أعد الله للمتقين من الناس، قال تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم } وخافوا عقابه، { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } ، هيأ ذلك لهم وأعده { نزلا من عند الله } هذا النزول الذي يقدم للضيف، وأما ما أعد لهم بعد النزول فلا يعتبر عن لسان، ولذلك قال: { وما عند الله } من النعيم الذي لا يفنى، جسماني وروحاني، { خير للأبرار } مما ينقلب إليه الفجار. قيل: حقيقة البر: هو الذي لا يؤذي الذر. الإشارة: لا يغرنك أيها الفقير ما ترى عليه أهل الدنيا من اتخاذ المنازل المشيدة، والفرش الممهدة، فإن الدنيا متاعها قليل، وعزيزها قليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، واعتبر بحال نبيك - عليه الصلاة والسلام. قال أنس رضي الله عنه: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مرفل بالشريط - أي: مضفور به - وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، فدل عليه عمر، وانحرف النبي صلى الله عليه وسلم انحرافة، فرأى عمر الشريط في جنبه، فبكى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
" ما يبكيك يا عمر "
؟ فقال: مالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الذي أرى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
" يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة "
رواه البخاري. وانظر ما أعد الله للمتقين الأبرار، الذين صبروا قدر ساعة من نهار، فأفضوا إلى جوار الكريم الغفار في دار القرآن، { وما عند الله خير للأبرار } ، ولا سيما العارفين الكبار. قال الورتجبي: بين الحق - تعالى - رفعة منزل المتقين في الجنان، ثم أبهم لطائف العناية بقوله: { وما عند الله خير للأبرار } أي: ما عنده من نعيم المشاهدة، ولطائف القربة، وحلاوة الوصلة، خير مما هم فيه من نعيم الجنة، وأيضا: صرح في هذه الآية ببيان مراتب الولاية، لأنه ذكر المتقين، والتقوى: تقديس الباطن عن لوث الطبيعة، وتنزيه الأخلاق عن دنس المخالفة، وذلك درجة الأولى من الولاية، والأبرار أهل الاستقامة في المعرفة، وبين أن أهل التقوى في الجنة، والأبرار في الحضرة. ه.
آل عمران 3:197
قلت: النزل - ويسكن -: ما يقدم للنازل من طعام وشراب وصلة، وانتصابه: على الحال من { جنات } ، والعامل فيه: الظرف، أو على المصدر المؤكد، أي: أنزلوها نزلا. يقول الحق جل جلاله: { لا يغرنك } أيها السامع أو أيها الرسول، والمراد: تثبيته على ما كان عليه، كقوله: { فلا تطع المكذبين } ، أي: دم على ما أنت عليه من عدم اغترارك بظاهر ما ترى عليه الكفار من البسط في الدنيا، والتقلب فيها بالتجارات والزراعات، وما هم عليه من الخصب ولين عيش، فإن ذلك { متاع قليل } بلغة فانية، ومتعة زائلة، وظلال آفلة، وسحابة حائلة. قال صلى الله عليه وسلم:
" ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع "
فلا بد أن يرحلوا عنها قهرا، { ثم مأواهم } أي: مصيرهم { جهنم وبئس المهاد } ما مهدوا لأنفسهم. والمعتبر عند الأكياس هو ما أعد الله للمتقين من الناس، قال تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم } وخافوا عقابه، { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } ، هيأ ذلك لهم وأعده { نزلا من عند الله } هذا النزول الذي يقدم للضيف، وأما ما أعد لهم بعد النزول فلا يعتبر عن لسان، ولذلك قال: { وما عند الله } من النعيم الذي لا يفنى، جسماني وروحاني، { خير للأبرار } مما ينقلب إليه الفجار. قيل: حقيقة البر: هو الذي لا يؤذي الذر. الإشارة: لا يغرنك أيها الفقير ما ترى عليه أهل الدنيا من اتخاذ المنازل المشيدة، والفرش الممهدة، فإن الدنيا متاعها قليل، وعزيزها قليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، واعتبر بحال نبيك - عليه الصلاة والسلام. قال أنس رضي الله عنه: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مرفل بالشريط - أي: مضفور به - وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، فدل عليه عمر، وانحرف النبي صلى الله عليه وسلم انحرافة، فرأى عمر الشريط في جنبه، فبكى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
" ما يبكيك يا عمر "
؟ فقال: مالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الذي أرى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
" يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة "
رواه البخاري. وانظر ما أعد الله للمتقين الأبرار، الذين صبروا قدر ساعة من نهار، فأفضوا إلى جوار الكريم الغفار في دار القرآن، { وما عند الله خير للأبرار } ، ولا سيما العارفين الكبار. قال الورتجبي: بين الحق - تعالى - رفعة منزل المتقين في الجنان، ثم أبهم لطائف العناية بقوله: { وما عند الله خير للأبرار } أي: ما عنده من نعيم المشاهدة، ولطائف القربة، وحلاوة الوصلة، خير مما هم فيه من نعيم الجنة، وأيضا: صرح في هذه الآية ببيان مراتب الولاية، لأنه ذكر المتقين، والتقوى: تقديس الباطن عن لوث الطبيعة، وتنزيه الأخلاق عن دنس المخالفة، وذلك درجة الأولى من الولاية، والأبرار أهل الاستقامة في المعرفة، وبين أن أهل التقوى في الجنة، والأبرار في الحضرة. ه.
آل عمران 3:198
قلت: النزل - ويسكن -: ما يقدم للنازل من طعام وشراب وصلة، وانتصابه: على الحال من { جنات } ، والعامل فيه: الظرف، أو على المصدر المؤكد، أي: أنزلوها نزلا. يقول الحق جل جلاله: { لا يغرنك } أيها السامع أو أيها الرسول، والمراد: تثبيته على ما كان عليه، كقوله: { فلا تطع المكذبين } ، أي: دم على ما أنت عليه من عدم اغترارك بظاهر ما ترى عليه الكفار من البسط في الدنيا، والتقلب فيها بالتجارات والزراعات، وما هم عليه من الخصب ولين عيش، فإن ذلك { متاع قليل } بلغة فانية، ومتعة زائلة، وظلال آفلة، وسحابة حائلة. قال صلى الله عليه وسلم:
" ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع "
فلا بد أن يرحلوا عنها قهرا، { ثم مأواهم } أي: مصيرهم { جهنم وبئس المهاد } ما مهدوا لأنفسهم. والمعتبر عند الأكياس هو ما أعد الله للمتقين من الناس، قال تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم } وخافوا عقابه، { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } ، هيأ ذلك لهم وأعده { نزلا من عند الله } هذا النزول الذي يقدم للضيف، وأما ما أعد لهم بعد النزول فلا يعتبر عن لسان، ولذلك قال: { وما عند الله } من النعيم الذي لا يفنى، جسماني وروحاني، { خير للأبرار } مما ينقلب إليه الفجار. قيل: حقيقة البر: هو الذي لا يؤذي الذر. الإشارة: لا يغرنك أيها الفقير ما ترى عليه أهل الدنيا من اتخاذ المنازل المشيدة، والفرش الممهدة، فإن الدنيا متاعها قليل، وعزيزها قليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، واعتبر بحال نبيك - عليه الصلاة والسلام. قال أنس رضي الله عنه: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مرفل بالشريط - أي: مضفور به - وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، فدل عليه عمر، وانحرف النبي صلى الله عليه وسلم انحرافة، فرأى عمر الشريط في جنبه، فبكى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
" ما يبكيك يا عمر "
؟ فقال: مالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الذي أرى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
" يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة "
رواه البخاري. وانظر ما أعد الله للمتقين الأبرار، الذين صبروا قدر ساعة من نهار، فأفضوا إلى جوار الكريم الغفار في دار القرآن، { وما عند الله خير للأبرار } ، ولا سيما العارفين الكبار. قال الورتجبي: بين الحق - تعالى - رفعة منزل المتقين في الجنان، ثم أبهم لطائف العناية بقوله: { وما عند الله خير للأبرار } أي: ما عنده من نعيم المشاهدة، ولطائف القربة، وحلاوة الوصلة، خير مما هم فيه من نعيم الجنة، وأيضا: صرح في هذه الآية ببيان مراتب الولاية، لأنه ذكر المتقين، والتقوى: تقديس الباطن عن لوث الطبيعة، وتنزيه الأخلاق عن دنس المخالفة، وذلك درجة الأولى من الولاية، والأبرار أهل الاستقامة في المعرفة، وبين أن أهل التقوى في الجنة، والأبرار في الحضرة. ه.
آل عمران 3:199
يقول الحق جل جلاله: { وإن من أهل الكتاب } كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلم من اليهود، { لمن يؤمن بالله } إيمانا حقيقيا، { وما أنزل إليكم } من القرآن، { وما أنزل إليهم } من التوراة، حال كونهم { خاشعين لله } خاضعين مخبتين وافين بالعهد، { لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا } ، كما فعل المحرفون من أحبار اليهود، { أولئك لهم أجرهم عند ربهم } أي: ما وعدوا به من تضعيف أجرهم مرتين، { إن الله سريع الحساب } فيسرع إلى توفية أجورهم وإكرام منقلبهم لأن الله عالم بالأعمال وما تستوجبه من النوال، فلا يحتاج إلى تأمل ولا احتياط لأنه غني عن التأمل والاحتياط. وقيل: نزلت في النصارى: أربعين من نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا. وقيل: نزلت في النجاشي، لما نعاه جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج - عليه الصلاة والسلام -، وصلى عليه، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا، يصلي على علج نصراني، فنزلت الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد رأينا بعض الفقهاء حصل لهم الإيمان بخصوص أهل زمانهم، بتحققوا بولايتهم، ونالوا شيئا من محبتهم، لكن لم تساعفهم الأقدار في صحبتهم، فظهرت عليهم آثار أنوارهم، واقتبسوا شيئا من أسرارهم، فتنورت سريرتهم، وكملت شريعتهم، وأظهر عليهم آثار الخشوع، وأخذوا حظا من التواضع والخضوع، متخلقين بالقناعة والورع، قد ذهب عن قلبهم ما ابتلى به غيرهم من الجزع والهلع، فلا جرم أن هؤلاء لهم أجرهم مرتين: أجر ما تحملوا من الشريعة لنفع العوام، وأجبر ما اكتسبوا من محبة القوم
" المرء مع من أحب "
وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
آل عمران 3:200
قلت: المرابطة: أن يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم، إرصادا لمن حاربهم، ثم أطلق على كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه، وإن لم يكن له مركب، إذا كان بنية الدفع عن المسلمين كان بأهله أو وحده. المدار على خلوص النية، خلاف ما قاله ابن عطية، وسيأتي صوابه في تفسير المعنى، إن شاء الله. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا } على مشاق الطاعات، وما يصيبكم من الشدائد والأزمات، وعلى مجانبة المعاصي والمخالفات، وعلى شكر ما أوليتكم من مواهب العطيات { وصابروا } أي: غالبوا الأعداء في مواطن الصبر، والثبوت في مداحض الحرب، { ورابطوا } أبدانكم وخيولكم في الثغور لتحفظوا المسلمين من العدو الكفور، كي تفوزوا بعظائم الأجور قال صلى الله عليه وسلم:
" من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وصيامه، لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة، ومن توفي في سبيل الله - أي: مرابطا في سبيل الله - أجرى الله عليه أجره حتى يقضي بين أهل الجنة وأهل النار "
ومما يلحق بالرباط:
" انتظار الصلاة بعد الصلاة "
، كما في الحديث: { واتقوا الله } فيما يأمركم به وينهاكم عنه، { لعلكم تفلحون } فلاحا لا خسران بعده أبدا. الإشارة: { يا أيها الذين آمنوا } إيمان أهل الخصوص، { اصبروا } على حفظ مراسم الشريعة، { وصابروا } على تحصيل أنوار الطريقة، { ورابطوا } قلبوكم على شهود أسرار الحقيقة، أو: اصبروا على أداء العبادة، وصابروا على تحقيق العبودية، ورابطوا في تحصيل العبودة - أي: الحرية - أو: اصبروا على تحقيق مقام الإسلام، وصابروا على دوام الإيمان، ورابطوا على العكوف في مقام الإحسان، أو: اصبروا على تخليص الطاعات، وصابروا على رفض الحظوظ والشهوات، ورابطوا أسراركم على أنوار المشاهدات، { واتقوا الله } فلا تشهدوا معه سواه، { لعلكم تفلحون } ، بتحقيق معرفة الله. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:1
قلت: من قرأ: { والأرحام } بالنصب، فعطف على لفظ الجلالة، أي: اتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ حمزه بالخفض على الضمير من { به } كقول الشاعر:
فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب
وجمهور البصريين يمنعون العطف على الضمير إلا بإعادة الجار، فيقولون: مررت به وبزيد. وقال ابن مالك:
وليس عندي لازما إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا
والنثر الصحيح هو ما قرأ به حمزة، وهذا هو التوجيه الصحيح، وأما من جعل الواو للقسم فبعيد. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس } أي: جميع الخلق، اتقوا ربكم فيما كلفكم به، ثم بين موجب التقوى فقال: { الذي خلقكم من نفس واحدة } يعني آدم، { وخلق منها زوجها } يعني حواء، من ضلع من أضلاعه، { وبث } أي: نشر { منهما رجالا كثيرا ونساء } أي: نشر من تلك النفس الواحدة بنين وبنات. قال البيضاوي: واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء، إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر، وذكر: { كثيرا } حملا على الجمع، وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى والنعمة الباهرة التي توجب طاعة مولاها. ه. { واتقوا الله الذي تساءلون به } أي: يسأل بعضكم بعضا فيقول: أسألك بالله العظيم، { والأرحام } أي: واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، فمن قطعها قعطه الله، ومن وصلها وصله الله، كما في الحديث. أو تساءلون به وبالأرحام، فيقول بعضكم لبعض: أسألك بالرحم التي بيني وبينك، أو بالقرابة التي بيني وبينك. ثم هددهم على ترك ما أمروا به فقال: { إن الله كان عليكم رقيبا } حافظا مطلعا شهيدا عليكم في كل حال. الإشارة: درجهم في آخر السورة في مدارج السلوك حتى زجهم في حضرة ملك الملوك، وأمرهم أن يتقوا ما يخرجهم عن مشاهدة ظلمة أنوار الربوبية، ثم دلاهم في أول السورة إلى التنزل لآداب العبودية بشهود آثار القدرة الإلهية، في النشأة الأولية، ليعلمهم الجمع بين آداب المراقبة ودوام المشاهدة، أو بين الفناء والبقاء. وقد تكلم ابن جزي هنا على أحكام المراقبة، فقال: إذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها، استفاد مقام المراقبة، وهو مقام شريف أصله علم وحال، ثم يثمر حالين. أما العلم: فهو معرفة العبد بأن الله مطلع عليه، ناظر إليه في جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كل ما يخطر على باله. وأما الحال: فهو ملازمة هذا العلم بالقلب، بحيث يغلب عليه ولا يغفل عنه. ولا يكفي العلم دون هذه الحال، فإذا حصل العلم والحال كانت ثمرتهما عند أصحاب اليمين: الحياء من الله، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجد في الطاعات، وكانت ثمرتهما عند المقربين: المشاهدة، التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال.
وإلى هاتين الثمرتين أشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله
" أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "
، فقوله: " أن تعبد الله كأنك تراه " إشاره إلى الثمرة الثانية، وهي الموجبة للتعظيم، كمن يشاهد ملكا عظيما فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة، وقوله: " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " إشارة إلى الثمرة الأولى، ومعناه: إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقربين فاعلم أنه يراك، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعلى، ورأى أن كثيرا من الناس قد يعجزون عنه، تنزل منه إلى المقام الآخر. واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدم قبلها المشارطة والمرابطة، ويتأخر عنها المحاسبة والمعاتبة، فأما المشارطة فهي اشتراط العبد على نفسه التزام الطاعة، وترك المعاصي، وأما المرابطة فهي معاهدة العبد لربه على ذلك، ثم بعد المشارطة والمرابطة في أول الأمر تكون المراقبة... الخ. وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد وفى بما عاهد عليه الله يحمد الله، وإن وجد نفسه قد حل عقد المشارطة ونقض عهد المراقبة، عاقب النفس عقابا شديدا بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك، ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة، وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، وهكذا يكون إلى أن يلقى الله تعالى. انتهى كلامه، وهو مقتبس من الإحياء. والله تعالى أعلم.
النساء 4:2
قلت: اليتيم: من فقد أباه، ولا يقال فيه اليتيم عرفا إلا قبل البلوغ، وهو هنا مجاز، أي: من كان يتيما، والحوب: الإثم، ويقال فيه: حوبا، بالضم والفتح، مع الواو والألف، مصدر حاب حوبا وحوبا وحابا. يقول الحق جل جلاله: { وآتوا } أي أعطوا { اليتامى أموالهم } إذا بلغوا، وأنس منهم الرشد، وسماهم يتامى بعد البلوغ اتساعا لقرب عهدهم بالصغر. حثا على أن يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم، قبل أن يزول عنهم هذا الاسم إذا أنس فيهم الرشد، ويدل على هذا ما قيل في سبب نزول الآية، وهو أن رجلآ من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له، فلما بلغ طلب مال أبيه، فمنعه، فنزلت الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله ورسوله، ونعوذ بالله من الحوب الكبير. وقيل: إن العرب كانت لا تورث الصغار مع الكبار، فأمروا أن يورثوهم، وعلى هذا يكون اليتيم على حقيقته، فعلى الأول: الخطاب للأوصياء، وعلى الثاني: للعرب التي كانت لا تورث الصغار. ثم قال: { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } أي: لا تتبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم، أو: لا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتعطوا الخبيث مكانها من أموالكم. كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف. { ولا تأكلوا أموالهم } مضموما { إلى أموالكم } فتنفقونها معا، مع أن اليتيم لا يأكل كالكبير، إلا إذا كان المنفق قدر أكله، أو لمصلحة. { إنه } أي: الأكل، { كان حوبا كبيرا } أي: إثما عظيما. الإشارة: أمر الحق جل جلاله أغنياء القلوب، وهم أكابر الأولياء الراسخون في علم الغيوب، أن يمنحوا من تعلق بهم من الفقراء والضعفاء، من الغني بالله الذي منحهم الله، حتى لا يلتفتوا إلى سواه، وأن يقبلوا كل من أتى إليهم من العباد، سواء كان من أهل المحبة والوداد، أو من أهل المخالفة والعناد، ولا يتبدلوا الخبيث بالطيب، بحيث يقبلون من وجدوه طيب الأخلاق، ويردون من وجدوه خبيث الأخلاق، فإن هذا ليس من شأن أهل التربية النبوية، بل من شأنهم أن يقبلوا الناس على السوية، ويقلبوا فيهم الأعيان، فيقبلون العاصي طائعا، والكافر مؤمنا، والغافل ذاكرا، والشحيح سخيا، والخبيث طيبا، والمسيء محسنا، والجاهل عارفا، وهكذا لما عندهم من الإكسير، وهي الخمرة الأزلية، أي: التي من شأنها أن تقلب الأعيان، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه في وصفها:
تهذب أخلاق الندامى فيهتدي بها لطريق العزم من لا له عزم ويكرم من لم يعرف الجود كفه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم
وقوله: { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } يعني: حتى تتحققوا بوصول الغني إلى قلوبهم، فإن تحققتم فخذوا ما بذلوا لكم من أموالهم. والله تعالى أعلم.
النساء 4:3
قلت: { ما } من شأنها أن تقع على ما لا يعقل، وهنا وقعت على النساء لقلة عقلهن حتى التحقن بمن لا يعقل و { مثنى وثلاث ورباع } أحوال من { ما } ممنوعة من الصرف للوصف والعدل، أي: اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. يقول الحق جل جلاله: { وإن خفتم } يا معشر الأولياء إلا تعدلوا { في اليتامى } التي تحت حجركم إذا تزوجتم بهن طلبا لمالهن، مع قلة جمالهن، فتهجروهن أو تسيئوا عشرتهن، { فانكحوا ما طاب لكم } من غيرهن، أو: وإن خفتم ألا تقسطوا في صداقهن إذا أعجبنكم لمالهن الذي بيدكم وجمالهن، فانكحوا غيرهن، ولا تنكحوهن إلا إذا أعطيتموهن صداق أمثالهن. قالت عائشة رضي الله عنها : هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويرد أن ينكحها بأدنى صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء. رواه البخاري. وقال ابن عباس رضي الله عنه: إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة وأكثر يعني قبل التحريم فإذا ضاق ماله أخذ من مال يتيمه، فقال لهم: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى أي: في أموالهن فانكحوا ما طاب لكم من غيرهن { مثنى وثلاث ورباع } أي: اثنتين اثنتين لكل واحد، أو ثلاثا ثلاثا، أو أربعا أربعا، ولا تزيدوا، فمنع ما كان في الجاهلية من الزيادة على الأربع، وهو مجمع عليه بنص الآية، ولا عبرة بمن جوز تسعا لظاهر الآية لأن المراد التخيير بين تلك الأعداد، لا الجمع، ولو أراد الجمع لقال تسعا، ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقل بيانا. { فإن خفتم ألا تعدلوا } بين الاثنتين أو الثلاث أو الأربع، فاقتصروا على واحدة، أو على ما ملكت أيمانكم من قليل أو كثير إذ لا يجب العدل بينهن، { ذلك } الاقتصار على الواحدة { أدنى } أي: أقرب { ألا تعولوا } أي: تجوروا أو تميلوا، أو ألا تجاوزوا ما فرض عليكم من العدل، أو أدنى ألا يكثر عيالكم فتفتقروا، وهي لغة حمير. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى جعل أولياءه أصنافا عديدة فمنهم من غلب عليه فيض العلوم، ومنهم من غلب عليه هجوم الأحوال، ومنهم من غلب عليه تحقيق المقامات، قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كان الجنيد رضي الله عنه قطبا في العلوم، وكان أبو يزيد رضي الله عنه قطبا في الأحوال، وكان سهل بن عبد الله قطبا في المقامات. ه. أي: كل واحد غلب واحد من ذلك، مع مشاركته للآخر في الباقي، فينبغي لكل واحد أن يخوض في فنه الذي خصه الله به ولا يتصدى لغيره. فقال لهم الحق جل جلاله من طريق الإشاره: فإن خفتم يا من غلبت عليهم الأحوال أو المقامات، ألا تقسطوا في يتامى العلوم التي اختص بها غيركم، فانكحوا ما طاب لكم من ثيبات الأحوال وأبكار الحقائق، كثيرة أو قليلة، فإن خفتم أن تغلبكم الأحوال، أو التنزل في المقامات، ولا تعدلوا فيها، فالزموا حالة واحدة ومقاما واحدا، وهو المقام الذي ملكه وتحقق به، فإن أقرب ألا ينحرف عن الاعتدال لأن كثرة الأحوال تضر بالمريد كما هو مقرر في فنه. والله تعالى أعلم.
النساء 4:4
قلت: { نحلة }: مصدر من { آتوهن } ، لأنها في معنى الإيتاء، يقال: نحله كذا نحلة ونحلا إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض ولا حكم حاكم، والضمير في { منه } يعود على الصداق أو على " الإيتاء " ، و { نفسا } تمييز، و { هنيئا مريئا }: صفتان لمصدر محذوف، أي: أكلا هنيئا، وهو من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وقيل الهنيء: ما يلذه الإنسان، والمريء: ما تحمد عاقبته. يقول الحق جل جلاله: للأزواج: { وآتوا النساء } التي تزوجتموهن { صدقاتهن نحلة } أي: عطية مبتلة، لا مطل فيها ولا ظلم، { فإن طبن لكم عن شيء } من الصداق: وأعطينه لكم عن طيب أنفسهن { فكلوه هنيئا } لاتبعة عليكم فيه، { مريئا }: سائغا حلالا لا شبهة فيه، روي أن ناسا كانوا يتحرجون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئا، فنزلت. وقيل: الخطاب للأولياء، لأن بعضهم كان يأكل صداق محجورته، فأمروا أن يعطوهن صداقهن، إلا إن أعطينهم شيئا عن طيب أنفسهن، والله تعالى أعلم. الإشارة: وآتوا النفوس حقوقها من الراحة وقوت البشرية، نحلة، ولا تكلفوها فوق طاقتها، فإن طبن لكم عن شيء من الأعمال أو الأحوال، بانشراح صدر ونشاط، فكلوه هنيئا مريئا، فإن العبادة مع النشاط والفرح بالله أعظم وأقرب للدوام، وهذا في حق النفوس المطمئنة، وأما النفوس الأمارة فلا يناسبها إلا قهرية المجاهدة مع السياسة لئلا تمل، أو تقول: من أقامه الحق تعالى في حال من الأحوال أو مقام من المقامات فليلزمه، وليقم حيث أقامه الحق، ويعطيه حقه، فإن طاب وقته لحال من الأحوال فليأكله هنيئا مريئا. فالفقير ابن وقته، ينظر ما يبرز له فيه من رزقه، فكل ما وجد فيه قلبه فهو رزقه، فليبادر إلى أكله لئلا يفوته رزقه منه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
النساء 4:5
قلت: { قيما }: مصدر قام قياما وقيما، وأصله: قواما، قلبت الواو ياء. يقول الحق جل جلاله: للأوصياء: { ولا تؤتوا السفهاء } التي تحت حضانتكم { أموالكم } أي: أموالهم التي في أيديكم، وإنما أضاف أموال اليتامى لهم حثا على حفظها وتنميتها كأنها مال من أموالهم، أي: ولا تمكنوا السفهاء من أموالهم التي جعلها الله في أيديكم { قيما } لمعاشهم، تقومون بها عليهم، ولكن احفظوها، واتجروا فيها، واجعلوا رزقهم وكسوتهم فيها باعتبار العادة، فإن طلبوها منكم فعدوهم وعدا جميلا، { وقولوا لهم قولا معروفا } أي: كلاما لينا بأن يقول له: حتى تكبر وترشد لتصلح للتصرف فيها. وشبه ذلك. وإنما قال: { وارزقوهم فيها } دون " منها " لأن " فيها " يقتضي بقاءها بالتنمية والتجارة حتى تكون محلا للرزق والكسوة دون " منها " ، وقيل: الخطاب للأزواج، نهاهم أن يعمدوا إلى ما خولهم الله من المال فيعطوه إلى نسائهم وأولادهم، ثم ينظرون إلى أيديهم. وإنما سماهن سفهاء استخفافا بعقلهن، كما عبر عنهن ب " ما " التي لغير العاقل. وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
" إنما خلقت النار للسفهاء قالها ثلاثا ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها ".
وقالت أمرأة: يا رسول الله: سميتنا السفهاء! فقال:
" الله تعالى سماكن في كتابه "
يشير إلى هذه الآية. وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه، ورجل أعطى سفيها ماله، وقد قال الله تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } . قلت: إنما منعوا إجابة الدعاء لتفريطهم في مراسم الشريعة. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينبغي للشيخ أن يطلع المريد على أسرار التوحيد، وهي أسرار المعاني التي جعلها الله تعالى قائمة بالأشياء، حتى يكمل عقله، ويتحقق أدبه، ويظهر صدقه، فإذا استعجلها قبل وقتها فليعده وعدا قريبا، وليقل له قولا معروفا، فكم من مريد استعجل الفتح قبل إبانه فعوقب بحرمانه، وكم من مريد اطلع على أسرار الحقيقة قبل كمال خدمته فطرد أو قتل، ووقتها هو حين تبرز معه فتأخذه الحيرة، اللهم إلا أن يراه الشيخ أهلا لحملها لرجحان عقله وكمال صدقه، فيمكنه منها قبل أن تبرز معه، ثم يربيه فيها، وهذا الذي شهدناه من أشياخنا لشدة كرمهم رضي الله عنهم وأرضاهم ورزقنا حسن الأدب معهم، فأطلق الحق تعالى الأموال بطريق الإشارة على أسرار المعاني، وأمر الشيوخ أن يرزقوهم منها شيئا فشيئا بالتدريب والتدريج، وأن يكسوهم بالشرائع، ويحتمل أن تبقى الأموال على ظاهرها، ويكون أمر الشيخ أن يمنعوا المريدين من أخذ الأموال قبل التمكين.
النساء 4:6
قلت: الابتلاء: الاختبار، و " آنس ": أبصر. والرشد هو كمال العقل بحيث يعرف مصالح نفسه وتدبير ماله من غير تبذير ولا إفساد. و { إسرافا وبدارا }: حالان من " الواو " ، أو مفعولان لأجله، و { أن يكبروا } مفعول ببدار. يقول الحق جل جلاله: للأوصياء: واختبروا { اليتامى } قبل البلوغ بتتبع أحوالهم في تصرفاتهم، بأن يدفع لهم الدرهم والدرهمان، فإن ظهر عليه حسن التصرف زادهم قليلا قليلا، وإن ظهر عليهم التبذير كف عنهم المال، { حتى إذا بلغوا النكاح } ، وهو البلوغ بعلامته، { فإن آنستم } أي: أبصرتم { منهم رشدا } ، وهو المعرفة بمصالحه وتدبير ماله، وإن لم يكن من أهل الدين واشترطه قوم، { فادفعوا إليهم } حينئذ { أموالهم } من غير تأخير. { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } أي: لا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم فتزول من يدكم، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم { ومن كان غنيا فليستعفف } عن أكلها في أجرة قيامه بها، { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } بقدر حاجته وأجر سعيه، وعنه صلى الله عليه وسلم: أن رجلا قال له: إن في حجري يتيما أفآكل من ماله؟ قال:
" بالمعروف، غير متأثل " مالا ولا واق مالك بماله ".
{ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا } في قبضها منكم { عليهم } ، فإنه أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة، وهو ندب، وقيل: فرض، فلا يصدق في الدفع إلا ببينة، { وكفى بالله حسيبا } أي: محاسبا، فلا تخالفوا ما أمرتم به، ولا تجاوزوا ما حد لكم. وإنما قال: { حسيبا } ولم يقل: " شهيدا " ، مع مناسبته، تهديدا للأوصياء لئلا يكتموا شيئا من مال اليتامى، فإذا علموا أن الله يحاسبهم على النقير والقطمير، ويعاقبهم عليه، انزجروا عن الكتمان. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للشيخ أن يختبر المريد في معرفته وتحقيق بغيته، فإذا بلغ مبلغ الرجال وتحققت فيه أوصاف الكمال، بحيث تحقق فناؤه، وكمل بقاؤه، وتمت معرفته، فيكون تصرفه كله بالله ومن الله وإلى الله، يفهم عن الله في كل شيء، ويأخذ النصيب من كل شيء، ولا يأخذ من نصيبه شيئا، قد تحلى بحلية الورع، وزال عنه الجزع والطمع، وزال عن قلبه خوف الخلق وهم الرزق واكتفى بنظر الملك الحق، يأخذ الحقيقة من معدنها، والشريعة من موضعها، فإذا تحققت فيه هذه الأمور، وأنس رشده، فليطلق له التصرف في نفسه، وليأمره بتربية غيره، إن رآه أهلا لذلك، ولا ينبغي أن يحجر عليه بعد ظهور رشده، ولا يسرف عليه في الخدمة قبل رشده، مخافة أن يزول من يده. فإن كان غنيا عن خدمته فليستعفف عنه، وليجعل تربيته لله اقتداء بأنبياء الله. قال تعالى:
قل لآ أسئلكم عليه أجرا
[الأنعام:90]
ومآ أسئلكم عليه من أجر
[الشعراء:109]، وإن كان محتاجا إليها فليستخدمه بالمعروف، ولا يكلفه ما يشق عليه، فإذا دفع إليه السر، وتمكن منه، وأمره بالتربية أو التذكير فليشهد له بذلك، ويوصي بخلافته عنه، كي تطمئن القلوب بالأخذ عنه،
وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا
[النساء:45].
النساء 4:7
قلت: جملة { مما قل.. } الخ، بدل { مما ترك } ، و { نصيبا }: مصدر مؤكد كقوله:
فريضة من الله
[النساء:11] أي: نصب لهم نصيبا مقطوعا، أو حال، أو على الاختصاص، أعني: نصيبا مقطوعا. يقول الحق جل جلاله: وإذا مات ميت وترك مالا فللرجال نصيب مما ترك آباءهم وأقاربهم، وللنساء نصيب مما ترك والدهن وأقاربهن كالإخوة والأخوات، مما ترك ذلك الميت قل أو كثر، { نصيبا مفروضا } واجبا محتما. روي أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي، وترك امرأة يقال لها: أم كحة وثلاث بنات، فأخذ ابنا عم الميت المال، ولم يعطيا المرأة ولا بناته شيئا، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير ولو كان ذكرا، ويقولون: إنما يرث من يحارب ويذب عن الموروث، فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد الفضيخ، فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات، وترك بنات ثلاثا، وأنا امرأته، وليس عندي مال أنفقه عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسنا، وهو عند سويد وعرفجة، فدعاهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل سلاحا، لا ينكأ عدوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" انصرفوا حتى أرى ما يحدث الله تعالى "
، فانصرفوا. فنزلت الآية. فأثبت الله لهن في الآية حقا، ولم يبين كم هو فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة:
" لا تفرقا من مال أوس شيئا، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا، ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل الله تعالى "
، فأنزل الله تعالى بعد:
يوصيكم الله في أولادكم
[النساء: 11]... إلى قوله...
الفوز العظيم
[النساء: 13]. فأرسل إليهما:
" أن ادفعا إلى أم كحة الثمن، وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال ".
الإشارة: كما جعل الله للنساء نصيبا من الميراث الحسي جعل لهن نصيبا من الميراث المعنوي، وهو السر، إن صحبت أهل السر، وكان لها أبو الروحانية، وهو الشيخ، فللرجال نصيب مما ترك لهم أشياخهم من سر الولاية، وللنساء كذلك على قدر ما سبق في القسمة الأزلية، قليلة كانت أو كثيرة، نصيبا مفروضا معينا في علم الله وقدره، وقد سواهن الله تعالى مع الرجال في آية السير، فقال:
إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات
[الأحزاب:35] إلى آخر الآية، فمن صار منهن مع الرجال أدرك ما أدركوا. وبالله التوفيق.
النساء 4:8
قلت: الضمير في { منه }: يعود على المقسوم المفهوم من القسمة. يقول الحق جل جلاله: { وإذا حضر } معكم في قسمة التركة ذوو القرابة ممن لا يرث، كالأخوال والخالات والعمات، { واليتامى والمساكين فارزقوهم } أي: فأعطوهم شيئا من المال المقسوم تطييبا لقلوبهم. فإن كان المال لغيركم، أو كان الورثة غير بالغين، فقولوا لهم { قولا معروفا } ، بأن تعلموهم أن المال لغيرنا، ولو كان لنا لأعطيانكم، والله يرزقنا وإياكم. واختلف في هذا الأمر، هل للندب وهو المشهور أو للوجوب ونسخ بآية المواريث؟ وقيل: لم ينسخ، وهي مما تهاون الناس بها. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله لخواص أحبابه: إذا دارت الكؤوس بخمرة الملك القدوس، وتعاطيتهم قسمتها بين أرواحكم حتى امتلأت جميع أشباحكم، وروت منها عروقكم، وحضر معكم من ليس من أبناء جنسكم، ممن لا يحل شرب خمرتكم، فإن كان من أهل المحبة والوداد، أو من له بكم قرابة واستناد، فلا تحرموه من شراب خمرتكم، ولا من نفحات نسمتكم، فإنكم قوم لا يشقى جليسكم، فارزقوه من ثمار علومكم، واسقوه من شراب خمرتكم، وذكروه بالله، وقولوا له ما يدله على الله، ويوصله إلى حضرة الله، وهذا هو القول المعروف، الذي هو بالنصح موصوف. روي أن أبا هريرة رضي الله عنه نادى في سوق المدينة: يا معشر التجار، اذهبوا إلى المسجد، فأن تركة محمد تقسم فيه، لتأخذوا حقكم منها مع الناس قبل أن تنفد، فذهب التجار إلى المسجد النبوي، فوجدوه معمورا بالناس، بعضهم يصلي، وبعضهم يتلو، وبعضهم يذكر، وبعضهم يعلم العلم، فقالوا: يا أبا هريرة، ليس هنا ما ذكرت من قسم التركة! فقال لهم: هذه تركة محمد صلى الله عليه وسلم، لا ما أنتم عليه من جمع الأموال أو كما قال رضي الله عنه.
النساء 4:9
قلت: هنا شرطية، تخلص للاستقبال، وجوابها: { خافوا } ، وحذف مفعول { يخشى } للعموم، فيصدق بخشية العذاب وخشية العتاب وخشية البعد عن الأحباب، على حساب حال المخاطبين بهذه الخشية. يقول الحق جل جلاله: للأوصياء الذين في ولايتهم أولاد الناس: { وليخش } الذين يتولون يتامى الناس، فليحفظوا مالهم، وليحسنوا تنميته لهم ولا يضيعوه، وليخافوا عليهم الضيعة، كما يخافون على أولادهم، فإنهم لو ماتوا وتركوا { ذرية ضعافا خافوا عليهم } ، فكما يخافون على أولادهم بعدهم كذلك يخافون على أولاد الناس، { فليتقوا الله } في شأنهم، وليحفظوا عليهم أموالهم، وليرفقوا بهم ويلاطفوهم في الكلام، كما يحبون أن يلاطف بأولادهم، { وليقولوا } لهم { قولا سديدا } أي: عدلا صوابا بالشفقة وحسن الأدب. وقيل: الخطاب لمن حضر المريض عند الإيصاء فيقولون له: قدم لنفسك، أعتق، تصدق، أعط كذا، حتى يستغرق ماله، فنهاهم الحق تعالى عن ذلك، وقال لهم: كما تخافون الضيعة على أولادكم بعدكم خافوا على أولاد الناس، فليتقوا الله في أمر المريض بإعطاء ماله كله، { وليقولوا قولا سديدا }: عدلا، وهو الثلث، وقيل: للمؤمنين كلهم عند موتهم، بأن ينظروا للورثة، فلا يسرفوا في الوصية بمجاوزة الثلث. والله تعالى أعلم. الإشارة: أمر الحق جل جلاله أهل التربية النبوية إذا خافوا على أولادهم الروحانيين أن ينقطعوا بعد موتهم، أن يمدوهم بالمدد الأبهر، ويدلوهم على الغني الأكبر، حتى يتركوهم أغنياء بالله، قد اكتفوا عن كل أحد سواه، مخافة أن يسقطوا بعد موتهم في يد من يلعب بهم، فليتقوا الله في شأنهم، وليدلوهم على ربهم، وهو القول السديد. وينسحب حكمها على أولاد البشرية، فمن خاف على أولاده بعد موته، فليتق الله وليكثر من طاعة الله، وليحسن إلى عباد الله، في أشباحهم وأرواحهم أما أشباحهم فيطعمهم مما خوله الله، ففي بعض الأثر عنه عليه الصلاة والسلام:
" ما أحسن عبد الصدقة في ماله إلا أحسن الله الخلافة على تركته "
وأما الإحسان إلى أرواحهم، فيدلهم على الله، ويرشدهم إلى طاعة الله، ويعلمهم أحكام دين الله. فمن فعل هذا تولى الله حفظ ذريته من بعده، فيعيشون في حفظ ورعاية وعز ونصر، كما هو مشاهد في أولاد الصالحين، قال تعالى:
وهو يتولى الصالحين
[الأعراف:196]، وتذكر قوله تعالى:
وكان أبوهما صالحا
[الكهف:82]. وقال القشيري في هذه الآية: إن الذي ينبغي للمسلم أن يدخر لعياله التقوى والصلاح، لا المال، لأنه لم يقل فليجمعوا لهم المال، وليكثروا لهم العقار والأسباب، وليخلفوا العبيد والأثاث، بل قال: { فليتقوا الله } فإنه يتولى الصالحين. ه المراد منه.
النساء 4:10
قلت: { ظلما }: تمييز، أو مفعول لأجله. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } من غير موجب شرعي، { إنما يأكلون في بطونهم نارا } ، أي: ما يجر إلى النار ويؤول إليها. وعن أبي برزة أنه صلى الله عليه وسلم قال:
" يبعث الله أقواما من قبورهم تتأجج أفواههم نارا "
، فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال:
" ألم تر أن الله يقول: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } "
أي: يحترقون في نار، وأي نار!! والصلى: هو الشي، تقول: صليت الشيء: شويته، وأصليته وصليته، وذكر البطون مبالغة وتهجين لحالهم. الإشارة: حذر الحق جل جلاله أهل الدعوى، الذين نصبوا أنفسهم للشيخوخة، وادعوا مقام التربية، مع كونهم جهالا بالله، محجوبين عن شهود أسرار التوحيد، أن يأخذوا أموال الضعفاء الذين تعلقوا بهم لأنهم إنما يدفعون لهم ذلك طمعا في الوصول إلى الله. وهم ليسوا أهلا لذلك، فإذا أكلوا ذلك فإنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا، وهو تكثيف الحجاب، وزيادة العنت والتعب، إن أقبل عليهم الناس فرحوا واستبشروا، وإن أدبروا عنهم حزنوا وغضبوا، فأي عذاب أعظم من هذا!!. فتحصل من أول الآية إلى آخرها، أن الحق تعالى أمر أهل الغني الأكبر، وهم الذين أهلهم للتربية النبوية، بأن سلكوا الطريق وأشرقت عليهم شموس التحقيق على يد شيخ كامل، بالاستعفاف، ولا يأخذ إلا قدر الحاجة، من أموال من انتسب إليهم، وسد الباب لأهل الدعوى، لإنه من أكل أموال الناس بالباطل، لأنه يعطى على وجه لم يوجد في المعطى إليه، إلا إذا كان وجه الصدقة المحضة، مع أنه قد يكون غير مستحق لها. والله تعالى أعلم.
النساء 4:11
{ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين... } يقول الحق جل جلاله: { يوصيكم الله } أي: يأمركم ويعهد إليكم، { في أولادكم } ، أي: في بيان ميراثهم، ثم فصله فقال { للذكر مثل حظ الأنثيين } ، أي يعد كل ذكر بأنثيين، فإذا ترك ابنا وبنتا، كانت من ثلاثة للذكر سهمان وللبنت سهم، وإذا ترك ابنا وبنتين فله قسمتان، ولكل واحدة قسمة، وهكذا، قال ابن جزي: هذه الآية نزلت بسبب سعد بن الربيع، وقيل: بسبب جابر بن عبد الله، إذ عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ورفعت ما كان في الجاهلية من ترك توريث النساء والأطفال. وقيل: نسخت الوصية للوالدين والأقربين. وإنما قال: { يوصيكم } بلفظ الفعل الدائم، ولم يقل: أوصاكم، تنبيها على نسخ ما مضى، والشروع في حكم آخر، وإنما قال: { يوصيكم } بالاسم الظاهر، أي: { الله } ولم يقل: نوصيكم، لأنه أراد تعظيم الوصية، فجاء بالاسم الذي هو أعظم الأسماء، وإنما قال: { في أولادكم } ولم يقل: في أبنائكم لأن الابن يقع على الابن من الرضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى الابن المتبنى، وليسوا من الورثة، فإن قيل: هلا قال: للأنثيين مثل حظ الذكر، أو للأنثى نصف حظ الذكر؟، فالجواب، أنه بدأ بالذكر لفضله، ولأن القصد ذكر حظه، ولو قال للأنثيين مثل حظ الذكر لكان فيه تفضيل للإناث. ه. الأشارة: كما أوصى الله تعالى في أولاد البشرية، أوصى على أولاد الروحانية، ويقع التفضيل في قسمة الإمداد على حسب التعظيم والمحبة والعطف من الشيخ، فبقدر ما يقع في قلب الشيخ، يسري إليه المدد، فقد يأخذ مثل حظ رجلين أو أكثر، على حسب ما سبق من القسمة الأزلية. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكم البنات إذا انفردن، فقال: {...فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف... } قلت: أنث الضمير { كن } باعتبار الخبر، أو يعود على المتروكات، وما قاله الزمخشري بعيد. ومن قرأ { واحدة } بالرفع، ففاعل كان التامة، ومن قرأ بالنصب فخبر كان. يقول الحق جل جلاله: فإن كان المتروك من الأولاد { نساء } ليس معهن ذكور { فوق اثنتين } أي: اثنتين فما فوق، { فلهن ثلثا ما ترك } ، والباقي للعاصب، وأخذ ابن عباس بظاهر الآية، فأعطاهما النصف كالواحدة، والجمهور على خلافه، وأن لفظ { فوق } زائدة كقوله
فاضربوا فوق الأعناق
[الأنفال:12]، وقيل: أخذ الثلثين بالسنة، وإن { كانت } بنتا { واحدة فلها النصف } ، والباقي للعاصب، وفيه دليل على أن الابن يأخذ جميع المال إذا انفرد لأن له مثل حظ الأنثيين. الإشارة: انظر البنت، إذا انفردت أخذت النصف، وإذا اجتمعت مع غيرها نقص لها، كذلك أمداد الأشياخ، من انفرد عددهم وحده، أخذ أكثر مما إذا اجتمع مع غيره، لانجماع نظر الشيخ إليه، وكان شيخنا رضي الله عنه يقول له شيخه: ما زال يأتيك الرجال أي: إخوانك من الفقراء وكان وحده، فيقول له: الله لا يجعل أحدا يأتي حتى نشبع.
وكذلك أيضا، انفراد العبد بالعبادة، في وقت الغفلة، مددها أعظم من كونه مع غيره، كالمجاهد خلف الفارين. وكذلك قال عليه الصلاة والسلام:
" طوبى للغرباء "
والله تعالى أعلم. ثم ذكرت ميراث الأبوين، فقال: {...ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بهآ أو دين... } قلت: { السدس } مبتدأ، و { لأبويه } خبر، { لكل واحد } ، بدل من { أبويه } ، ونكتة البدل إفادة أنهما لا يشتركان في السدس، ولو قال: لأبويه السدس لأوهم الاشتراك. يقول الحق جل جلاله: إذا مات الولد، وترك أبويه، فلكل { واحد منهما السدس إن كان له ولد } ذكرا أو أنثى، واحدا أو متعددا، للصلب أو ولد ابن، فكلهم يردون الأبوين للسدس، { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه } فقط، { فلأمه الثلث } ، والباقي للأب، { فإن كان له أخوة } ، أي: أخوان فأكثر، سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم، أو مختلفين، { فلأمه السدس } ، والباقي للأب، ولا شيء للأخوة معه. وأخذ ابن عباس بظاهر الآية. فلم يحجبها للسدس باثنين، وجعلها كالواحد، واحتج بأن لفظ الإخوة جمع، وأقله ثلاثة، وأجيب بأن لفظ الجمع، يقع على الاثنين كقوله
وكنا لحكمهم شاهدين
[الأنبياء:78]،
إذ تسوروا المحراب
[ص:21]، ولقوله صلى الله عليه وسلم
" الاثنان فما فوقهما جماعة "
وهذا كله، بعد إخراج الوصية وقضاء الدين، وإنما قدم الحق تعالى الوصية على الدين، مع كون الدين مقدما في القضاء من رأس المال لأن أرباب الدين أقوياء، بخلاف الموصى لهم، فقدمهم اعتناء بهم. الإشارة: الروح كالأب، والبشرية كالأم، وعقد الصحبة مع الشيخ كالولد، فأن كان الإنسان له صحبة مع شيخ التربية، يعني له ورد منه، فالبشرية والروحانية سواء، إذ كلاهما يتهذبان ويتنوران بالأدب والمعرفة الأدب للبشرية، والمعرفة للروحانية، إذ استمد بالطاعة الظاهر استمد الباطن، وبالعكس، وأن لم يكن عقد الصحبة موجودا كان ميراث البشرية من الحس أقوى كميراث الأم مع فقد الولد، أو تقول: الإنسان مركب من حس ومعنى، فالحس كالأم، والمعنى كالأب، لأن المعاني قائمة بالحس، والروح تستمد منها معا، فهي كالولد بينهما، فإن كانت الروح حية بوجود المعرفة، استمدت منهما معا، وإن كانت ميتة، كان استمدادها من الحس أكثر، كموت الولد في ميراث الأم. أو تقول: الإنسان بين قدرة وحكمة، القدرة كالأب، والحكمة كالأم، والقلب بينهما كالولد، فإن وجد القلب استمدت الروح من القدرة والحكمة، واستوى نظرها فيهما.
وإن فقد القلب غلب على الروح ميراث الحكمة، كفقد الولد في ميراث الأم، وإن كان للقلب أخوة من الأنوار والأسرار بهما فللروح من ميراث الحكمة السدس، والباقي كله للقدرة، ولا يعرف هذا إلا من حقق معرفة القدرة والحكمة، ذوقا وكشفا، وإلا.. فليسلم لأهل المعرفة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحق تعالى حكمة تقسيم تركة الأب والابن على ما فرض، وأن ذلك لا يعلمه إلا هو: فقال: {...آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما } يقول الحق جل جلاله: قد بينت لكم ما يرث الأب من ابنه، وما يرث الولد من أبيه، ولو وكلت ذلك إليكم لأفسدتم القسمة لأنكم { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } للأخر، هل الأب أقرب نفعا لابنه، فتعطوه الميراث كله دون ولد الميت، أو الولد أقرب نفعا لأبيه، من الأب لابنه، فتخصونه بالإرث، ففرضت ميران الأب وميراث الولد، ولم نكل ذلك إليكم. { فريضة } حاصلة { من الله } ، { إن الله كان عليما } بمصالح العباد { حكيما } بما فرض وقدر. وقال ابن عباس: لا تدرون أيهم أطوع لله عز وجل من الآباء والأبناء، وأرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله تعالى يشفع المؤمنين في بعضهم بعضا، فيشفع الولد في والديه، إن كان أرفع درجة منهما، فيرفعهما الله إليه، ويشفع الوالدين في ولدهما، إن كانا أرفع درجة منه، فيرتفع إليهما لتقر بذلك أعينهما، ه. بالمعنى. الإشارة: الإنسان لا تقوم روحانيته إلا ببشريته، إلا بروحانيته، فلا يدري أيهما أقرب له نفعا، لأن البشرية محل للعبودية، والروحانية محل لشهود عظمة الربوبية، ولا بد للجمع بينهما، وكذلك الحس، لا يقوم إلا بالمعنى، والمعنى لا يقوم إلا بالحس، فلا تدري أيهما أقرب نفعا لك أيها المريد، فتؤثره، وإن كانت المعاني هي المقصودة بالسير، لكن لا تقوم إلا بوجود الحس، فلا بد من ملاحظته. وقال الورتجبي هنا ما نصه: أشكل الأمر من تلك الطائفتين، أيهم يبلغ درجة الولاية والمعرفة الموجبة مشاهدة الله وقربته، التي لو وقعت ذرة منها لأحد من هذه الأمة لينجو بشفاعته سبعون الفا بغير حساب، أي: اخدموا آباءكم وارحموا أولادكم، فربما يخرج منهم صاحب الولاية، ليشفع لكم عند الله تعالى، وحكمة الإبهام ههنا ليشمل الرحمة والشفقة على الجمهور، لتوقع ذلك الولي الصادق. ه. قلت: فسر الآباء والأبناء بالحسيين، وتشمل الآية أيضا الآباء والأبناء المعنويين والروحانيين. والله تعالى أعلم.
النساء 4:12
{ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بهآ أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بهآ أو دين... } يقول الحق جل جلاله: { ولكم } أيها الأزواج، من ميراث أزواجكم { نصف } ما تركن { إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد } وارث، ذكرا أو أنثى، مفردا أو متعددا، من بطنها أو من صلب بنيها أو بني بنيها وإن سفل، منكم أو من غيركم، { فلكم الربع مما تركن } ، بعد قضاء الدين وإخراج الوصية. { ولهن } أي: الزوجات من ميراث الزوج { الربع } مما ترك { إن لم يكن } له ولد لا حق، ذكرا أو أنثى، على وزان ما تقدم في الزوجة، { فإن كان لكم ولد فلهن الثمن } تنفرد به إن كانت واحدة، ويقسم بينهن إن تعددن، ولا ينقص لأهل السهام مما فرض الله لهم إلا ما نقصه العول على مذهب الجمهور، خلافا لابن عباس، فإنه لا يقول بالعول. فإن قيل: لم كرر قوله: { من بعد وصية } مع ميراث الزوج وميراث الزوجة، ولم يذكره قبل ذلك إلا مرة واحدة في ميراث الأولاد والأبوين؟ فالجواب: أن الموروث في ميراث الزوج هو الزوجة، والموروث في ميراث الزوجة هو الزوج، فكل واحدة قضية مستقلة، فلذلك ذكر مع كل واحدة، بخلاف الأول فأن الموروث فيه واحد، ذكر حكم ما يرث منه أولاده وأبواه، وهي قضية واحدة، فلذلك قال فيه: { من بعد وصية } مرة واحدة. قاله ابن جزي. قال البيضاوي: فرض للرجل بحق الزواج ضعف ما للمرأة كما في النسب، وهكذا قياس كل رجل وامرأة، إذا اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة. ه. الأشارة: إذا ماتت النفس، ولم تبق لها بقية، وورثت الروح ما كان لها من العلوم الكسبية: النقلية والعقلية، وأضافته إلى مالها من العلوم الوهبية، فانقلب الجميع وهبيا، قال بعض شيوخ أشياخنا: كنت أعرف أربعة عشر علما، فلما دخلت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبقى إلا الكتاب والسنة، أو كما قال: وقال أبو سليمان الداراني: إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، ثم عادت إلى صاحبها بطرائف العلوم، من غير أن يؤدي إليها عالم علما. فإن بقي للنفس بقية، نقص ميراث الروح منها، بقدر البقية، كما أن الزوج ينقص ميراثه مع الفرع، وكذلك إذا ماتت الروح بالرجوع عن طريق الجد، ورثت النفس ما كان لها من العلوم الوهبية، والمعاني والأسرار القدسية، فتأكلها، وتردها نقلية حسية، بعد أن كانت وهبية ذوقية، فتتحسس المعاني، وتتكثف الأواني.
والعياذ بالله من السلب بعد العطاء، إلا أن ميراث النفس من الروح أقوى، فإن بقي للروح شيء من الحياة، نقص ميراث النفس منها، كنقص الزوجة مع الفرع من ميراث الزوج، والله تعالى أعلم. ثم ذكر ميراث الأخ للأخ، فقال: {...وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في الثلث من بعد وصية يوصى بهآ أو دين غير مضآر وصية من الله والله عليم حليم } قلت: الكلالة: انقطاع النسل، بحيث لم يبقى للميت فرع ولا أصل، لا ذكر ولا أنثى، وهو مصدر من تكلله النسب، إذا أحاط به كالإكليل، لأن ورثته أحاطوا به وليسوا منه. ونظم بعضهم معنى الكلالة، فقال:
إن امرؤ يسأل عن كلالة هو انقطاع النسل لآ محاله لا والد يبقى ولا مولود قد هلك الأبناء والجدود
فتحتمل أن تطلق هنا على الميت، أو على الورثة، أو على الوراثة، أو على القرابة أو على المال. فإن كانت على الميت، فإعرابه خبر كان، و { يورث } صفة، أو { يورث } خبر كان، و { كلالة } حال من الضمير في { يورث } ، أو " كان " تامة، و { يورث } صفة و { كلالة } حال من الضمير. وإن كانت على الورثة، فهو خبر كان، على حذف مضاف أي: ذا كلالة، وإن كانت الوراثة فهو مصدر في موضع الحال، وإن كانت القرابة، فهو مفعول من أجله، أي: يورث من أجل القرابة. وإن كانت للمال، فهو مفعول ثان ليورث، وكل من هذه يحتمل أن تكون " كان " تامة أو ناقصة. قاله ابن جزي. و { غير مضار } ، منصوب على الحال، أو العامل فيه { يوصى } ، و { مضار } أسم فاعل، ووصية: مصدر ليوصي، أو مفعول { مضار }. يقول الحق جل جلاله: وإن كان الميث رجلا أو امرأة، يورثان كلالة، بحيث لا فرع لهما ولا أصل، قد انقطع عمود نسبهما، ولهما أخ أو أخت لأم { فلكل واحد منهما السدس }. { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث } ، الذكر والأنثى سواء، لأن الإدلاء للميت بمحض الأنوثة، ومفهوم الآية: أنهما لا يرثان مع الأم والجدة، كما لا يرثان مع البنت وبنت الابن، إذ ليس حينئذ بكلالة، وإنما قيدنا الأخ والأخت بكونهما للأم لأن الأخ الشقيق أو للأب سيأتي في آخر السورة. والأخت تقدم أن لها النصف، وأيضا: قد قرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود،: " وله أخ أو أخت لأم ". وهذا كله { من بعد وصية يوصى بها أو دين } حال كونه { غير مضار } في الوصية أو الدين، كالوصية بأكثر من الثلث، أو للوارث، أو فرارا منه، فإن علم أنه قصد الإضرار، رد ما زاد على الثلث، واختلف في رد الثلث على قولين.
قاله ابن جزي. { وصية من الله } ، أي: نوصيكم وصية، أو غير مضار وصية من الله. قال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر. { والله عليم } بمصالح عباده، يقسم المال على حسب المصلحة، { حليم } لا يعاجل بالعقوبة من خالف حدوده. الإشارة: اعلم أن الأخوة في الشيخ كالأخوة في النسب، لأنهم يرضعون من ثدي واحدة ولبن واحد، فإن مات أحدهم، ورث أخوه المدد الذي كان يأخذه من شيخه، وكذا إذا رجع فإنه موت فينقلب المدد إلى أخيه، ومثاله كماء فرق على قواديس، فإذا انسدت إحدى القواديس رجع الماء إلى الأخرى، فإن كانوا أكثر من واحد فهم شركاء في ذلك المدد، والله تعالى أعلم.
النساء 4:13
قلت: توحيد الضمير في { ندخله } مراعاة للفظ { من }. وجمع الحال في { خالدين } مراعاة للمعنى. و { خالدين } و { خالدا }: حال مقدرة من ضمير { ندخله } ، كقولك، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، وليسا صفتين لجنات ونارا، وإلا لوجب إبراز الضمير لأنهما جرتا على غير من هما له. يقول الحق جل جلاله: { تلك } الأحكام التي شرعناها لكم في أمر الوصايا والمواريث، هي { حدود الله } حدها لكم لتقفوا معها ولا تتعدوها { ومن يطع الله } فيما أمر به وحده { ورسوله } فيما شرعه وسنه { ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز } أي: الفلاح { العظيم } ، { ومن يعص الله } فيما أمر ونهى، { ورسوله } فيما شرعه، { ويتعد حدوده } التي حدها، فتجاوز إلى متابعة هواه، { ندخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين }. وهذا إذا أنكر مشروعيتها فيكون كافرا، وإلا كان عاصيا في حكم المشيئة، ومذهب أهل السنة أنه لا يخلد، وحملوا الآية على الكافر، أو عبارة عن طول المدة، كما في قاتل النفس. والله أعلم. الإشارة: قد حد الحق جل جلاله لأهل الشريعة الظاهرة حدودا قام ببيانها العلماء، وحد لأهل الحقيقة وهي سر الولاية حدودا، قام بها الأولياء، فمن قام بحدود الشريعة الظاهرة كان من المؤمنين الصالحين، ومن تعداها كان من العاصين الظالمين، ومن قام بحدود الحقيقة الباطنية، وصحب أهلها كان المحسنين العارفين المقربين، ودخل جنة المعارف، ومن تعد حدود الحقيقة، أو لم يصحب أهلها كان من عوام أهل اليمين، وله عذاب الحجاب في غم الحساب، وقال في الحاشية: في حد حدوده إشارة للعبودية، في إخراج كل عن نظره واختياره، ثم انقياده وذلته لحكم ربه، والوقوف عند حدوده. وقال الورتجبي: قيل: { تلك حدود الله } أي: الإظهار من الأحوال للمريدين على حسب طاقتهم لها، فإن التعدي فيها يهلكهم، وقال أبو عثمان: ما هلك امرؤ لزم حده ولم يتعد طوره. ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:14
قلت: توحيد الضمير في { ندخله } مراعاة للفظ { من }. وجمع الحال في { خالدين } مراعاة للمعنى. و { خالدين } و { خالدا }: حال مقدرة من ضمير { ندخله } ، كقولك، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، وليسا صفتين لجنات ونارا، وإلا لوجب إبراز الضمير لأنهما جرتا على غير من هما له. يقول الحق جل جلاله: { تلك } الأحكام التي شرعناها لكم في أمر الوصايا والمواريث، هي { حدود الله } حدها لكم لتقفوا معها ولا تتعدوها { ومن يطع الله } فيما أمر به وحده { ورسوله } فيما شرعه وسنه { ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز } أي: الفلاح { العظيم } ، { ومن يعص الله } فيما أمر ونهى، { ورسوله } فيما شرعه، { ويتعد حدوده } التي حدها، فتجاوز إلى متابعة هواه، { ندخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين }. وهذا إذا أنكر مشروعيتها فيكون كافرا، وإلا كان عاصيا في حكم المشيئة، ومذهب أهل السنة أنه لا يخلد، وحملوا الآية على الكافر، أو عبارة عن طول المدة، كما في قاتل النفس. والله أعلم. الإشارة: قد حد الحق جل جلاله لأهل الشريعة الظاهرة حدودا قام ببيانها العلماء، وحد لأهل الحقيقة وهي سر الولاية حدودا، قام بها الأولياء، فمن قام بحدود الشريعة الظاهرة كان من المؤمنين الصالحين، ومن تعداها كان من العاصين الظالمين، ومن قام بحدود الحقيقة الباطنية، وصحب أهلها كان المحسنين العارفين المقربين، ودخل جنة المعارف، ومن تعد حدود الحقيقة، أو لم يصحب أهلها كان من عوام أهل اليمين، وله عذاب الحجاب في غم الحساب، وقال في الحاشية: في حد حدوده إشارة للعبودية، في إخراج كل عن نظره واختياره، ثم انقياده وذلته لحكم ربه، والوقوف عند حدوده. وقال الورتجبي: قيل: { تلك حدود الله } أي: الإظهار من الأحوال للمريدين على حسب طاقتهم لها، فإن التعدي فيها يهلكهم، وقال أبو عثمان: ما هلك امرؤ لزم حده ولم يتعد طوره. ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:15
يقول الحق جل جلاله: { و } النساء { اللاتي يأتين الفاحشة } أي: الزنى، سمي فاحشة لفحش قبحه وبشاعة فعله شرعا، { من نسائكم } المسلمات، { فاستشهدوا عليهن } أي: اطلبوا من رماهن بذلك أن يشهدوا { عليهن أربعة منكم } ، أي: من عدول المؤمنين يرونهما كالمرود في المكحلة، وإنما جعلوا أربعة مبالغة في الستر على المؤمن، أو ليكون على كل حال واحد اثنان، { فإن شهدوا } عليهن بذلك { فأمسكوهن في البيوت } ، واجعلوه سجنا لهن { حتى يتوفاهن الموت } أي: يستوفي أجلهن الموت، أو يتوفاهن ملك الموت، { أو يجعل الله لهن سبيلا } كتعيين الحد المخلص من السجن، وكان هذا في أول الإسلام ثم نسخ بما في سورة النور من الحدود، ويحتمل أن يراد التوصية بإمساكهن بعد أن يجلدن كي لا يعدن إلى الزنى بسبب الخروج والتعرض للرجال. واكتفى بذكر حدهن، بما في سورة النور، وهذا الإمساك كان خاصا بالنساء بدليل قوله { واللذان يأتيانها منكم } أي: الزاني والزانية منكم، { فآذوهما } بالتوبيخ والتقريع { فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما } أي: اقطعوا عنهما الأذى، أو أعرضوا عنهما بالإغماض عن ذكر مساوئهما. قيل: إن هذه الآية سابقة على الأولى نزولا، وكان عقوبة الزنى الأذى ثم الحبس ثم الجلد، وقيل، الحبس في المساحقات، والإيذاء في اللواطين، وما في سورة النور في الزناة. والذي يظهر. أن الحكم كان في أول الإسلام في الزنا: الإمساك للنساء في البيوت بعد الإيذاء بالتوبيخ، فتمسك في بيتها حتى تموت، أو يجعل الله لها سبيلا بالتزوج بمن يعفها عنه. والإيذاء للرجال بالتعيير والتقريع والتحجيم حتى تتحقق توبته، ثم نسخ ذلك كله بالحدود، وهو جلد البكر مائة وتغريبة عاما ورجم المحصن. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد، إذا طغت عليه نفسه، وأرادت ارتكاب الفواحش، أن يستشهد عليها الحفظة، الذين يحفظون عليه تلك المعاصي، فإن لم تستح، فليعاقبها بالحبس في سجن الجوع والخلوة والصمت، حتى تموت عن تلك الشهوات، أو يجعل الله لها طريقا بالوصول إلى شيخ يغيبه عنها، أو بوارد قوي من خوف مزعج أو شوق مقلق، فإن تابت وأصلحت، أعرض عنها واشتغل بذكر الله، ثم يغيب عما سواه. وبالله التوفيق.
النساء 4:16
يقول الحق جل جلاله: { و } النساء { اللاتي يأتين الفاحشة } أي: الزنى، سمي فاحشة لفحش قبحه وبشاعة فعله شرعا، { من نسائكم } المسلمات، { فاستشهدوا عليهن } أي: اطلبوا من رماهن بذلك أن يشهدوا { عليهن أربعة منكم } ، أي: من عدول المؤمنين يرونهما كالمرود في المكحلة، وإنما جعلوا أربعة مبالغة في الستر على المؤمن، أو ليكون على كل حال واحد اثنان، { فإن شهدوا } عليهن بذلك { فأمسكوهن في البيوت } ، واجعلوه سجنا لهن { حتى يتوفاهن الموت } أي: يستوفي أجلهن الموت، أو يتوفاهن ملك الموت، { أو يجعل الله لهن سبيلا } كتعيين الحد المخلص من السجن، وكان هذا في أول الإسلام ثم نسخ بما في سورة النور من الحدود، ويحتمل أن يراد التوصية بإمساكهن بعد أن يجلدن كي لا يعدن إلى الزنى بسبب الخروج والتعرض للرجال. واكتفى بذكر حدهن، بما في سورة النور، وهذا الإمساك كان خاصا بالنساء بدليل قوله { واللذان يأتيانها منكم } أي: الزاني والزانية منكم، { فآذوهما } بالتوبيخ والتقريع { فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما } أي: اقطعوا عنهما الأذى، أو أعرضوا عنهما بالإغماض عن ذكر مساوئهما. قيل: إن هذه الآية سابقة على الأولى نزولا، وكان عقوبة الزنى الأذى ثم الحبس ثم الجلد، وقيل، الحبس في المساحقات، والإيذاء في اللواطين، وما في سورة النور في الزناة. والذي يظهر. أن الحكم كان في أول الإسلام في الزنا: الإمساك للنساء في البيوت بعد الإيذاء بالتوبيخ، فتمسك في بيتها حتى تموت، أو يجعل الله لها سبيلا بالتزوج بمن يعفها عنه. والإيذاء للرجال بالتعيير والتقريع والتحجيم حتى تتحقق توبته، ثم نسخ ذلك كله بالحدود، وهو جلد البكر مائة وتغريبة عاما ورجم المحصن. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد، إذا طغت عليه نفسه، وأرادت ارتكاب الفواحش، أن يستشهد عليها الحفظة، الذين يحفظون عليه تلك المعاصي، فإن لم تستح، فليعاقبها بالحبس في سجن الجوع والخلوة والصمت، حتى تموت عن تلك الشهوات، أو يجعل الله لها طريقا بالوصول إلى شيخ يغيبه عنها، أو بوارد قوي من خوف مزعج أو شوق مقلق، فإن تابت وأصلحت، أعرض عنها واشتغل بذكر الله، ثم يغيب عما سواه. وبالله التوفيق.
النساء 4:17
يقول الحق جل جلاله: { إنما التوبة } التي يستحق { على الله } قبولها فضلا وإحسانا هي { للذين يعملون السوء } أي: المعاصي متلبسين { بجهالة } أي: سفاهة وجهل وسوء أدب، فكل من اشتغل بالمعصية فهو جاهل بالله، قد انتزع منه الإيمان حتى يفرغ، وإن كان عالما بكونها معصية، { ثم يتوبون } بعد تلك المعصية { من قريب } أي: من زمن قريب، وهو قبل حضور الموت لقوله بعد: { حتى إذا حضر أحدهم الموت } ، وقوله عليه الصلاة والسلام :
" إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر "
وإنما جعله قريبا لأن الدنيا سريعة الزوال، متاعها قليل وزمانها قريب، { فأولئك يتوب الله عليهم } تصديقا لوعده المتقدم، { وكان الله عليما } بإخلاصهم التوبة، { حكيما } في ترك معاقبة التائب، إذ الحكمة هي وضع الشيء في محله. وعن الحسن: قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم
" لما أهبط إبليس قال: وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده، قال الله تعالى: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها "
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن الشيطان قال: وعزتك لا أبرح أغوى عبادك، ما دامت أرواحهم في أجسادهم. قال الله تعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ".
قال ابن جزي: وإذا تاب العبد توبة صحيحة بشروطها، فيقطع بقبول توبت عند جمهور العلماء. وقال أبو المعالي: يغلب ذلك على الظن ولا يقعطع. ه. { وليست التوبة } مقبولة { للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت } أي: بلغت الحلقوم { قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار } فلا توبة لهم، { أولئك أعتدنا } أي: أعددنا وهيأنا { لهم عذابا أليما } ، قال البيضاوي: سوى الحق تعالى بين من سوف التوبة إلى حضور الموت من الفسقة، وبين من مات على الكفر في نفي التوبة للمبالغة في عدم الاعتداد به في تلك الحالة، وكأنه يقول: توبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء. وقيل: المراد بالذين يعملون السوء: عصاة المؤمنين، وبالذين يعملون السيئات: المنافقون لتضاعف كفرهم، وبالذين يموتون: الكفار. ه. الإشارة: توبة العوام ليست كتوبة الخواص، إن الله يمهل العوام ترغيبا لهم في الرجوع، ويعاقب الخواص على التأخير على قدر مقامهم في القرب من الحضرة، فكلما عظم القرب عظمت المحاسبة على ترك المراقبة، منهم من يسامح له في لحظة، ومنهم في ساعة، ومنهم في ساعتين، على قدر المقام، ثم يعاتبهم ويردهم إلى الحضرة. وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته: { إنما التوبة على الله } أي: إنما الهداية بعد الذلة، على الله لأنه الذي يخلص من قهره بكرمه الفياض وبرحمته التي غلبت غضبه، كما قال تعالى:
كتب ربكم على نفسه الرحمة
[الأنعام:54]، ونبه على وقوع الذنب بهم قهرا، ثم تداركهم بالهداية والإنابة، فضلا على علمه بتربيتهم وتدريجهم لمعرفته بالعلم والحكمة بقوله: { وكان الله عليما حكيما }. ه.
النساء 4:18
يقول الحق جل جلاله: { إنما التوبة } التي يستحق { على الله } قبولها فضلا وإحسانا هي { للذين يعملون السوء } أي: المعاصي متلبسين { بجهالة } أي: سفاهة وجهل وسوء أدب، فكل من اشتغل بالمعصية فهو جاهل بالله، قد انتزع منه الإيمان حتى يفرغ، وإن كان عالما بكونها معصية، { ثم يتوبون } بعد تلك المعصية { من قريب } أي: من زمن قريب، وهو قبل حضور الموت لقوله بعد: { حتى إذا حضر أحدهم الموت } ، وقوله عليه الصلاة والسلام :
" إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر "
وإنما جعله قريبا لأن الدنيا سريعة الزوال، متاعها قليل وزمانها قريب، { فأولئك يتوب الله عليهم } تصديقا لوعده المتقدم، { وكان الله عليما } بإخلاصهم التوبة، { حكيما } في ترك معاقبة التائب، إذ الحكمة هي وضع الشيء في محله. وعن الحسن: قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم
" لما أهبط إبليس قال: وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده، قال الله تعالى: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها "
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن الشيطان قال: وعزتك لا أبرح أغوى عبادك، ما دامت أرواحهم في أجسادهم. قال الله تعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ".
قال ابن جزي: وإذا تاب العبد توبة صحيحة بشروطها، فيقطع بقبول توبت عند جمهور العلماء. وقال أبو المعالي: يغلب ذلك على الظن ولا يقعطع. ه. { وليست التوبة } مقبولة { للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت } أي: بلغت الحلقوم { قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار } فلا توبة لهم، { أولئك أعتدنا } أي: أعددنا وهيأنا { لهم عذابا أليما } ، قال البيضاوي: سوى الحق تعالى بين من سوف التوبة إلى حضور الموت من الفسقة، وبين من مات على الكفر في نفي التوبة للمبالغة في عدم الاعتداد به في تلك الحالة، وكأنه يقول: توبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء. وقيل: المراد بالذين يعملون السوء: عصاة المؤمنين، وبالذين يعملون السيئات: المنافقون لتضاعف كفرهم، وبالذين يموتون: الكفار. ه. الإشارة: توبة العوام ليست كتوبة الخواص، إن الله يمهل العوام ترغيبا لهم في الرجوع، ويعاقب الخواص على التأخير على قدر مقامهم في القرب من الحضرة، فكلما عظم القرب عظمت المحاسبة على ترك المراقبة، منهم من يسامح له في لحظة، ومنهم في ساعة، ومنهم في ساعتين، على قدر المقام، ثم يعاتبهم ويردهم إلى الحضرة. وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته: { إنما التوبة على الله } أي: إنما الهداية بعد الذلة، على الله لأنه الذي يخلص من قهره بكرمه الفياض وبرحمته التي غلبت غضبه، كما قال تعالى:
كتب ربكم على نفسه الرحمة
[الأنعام:54]، ونبه على وقوع الذنب بهم قهرا، ثم تداركهم بالهداية والإنابة، فضلا على علمه بتربيتهم وتدريجهم لمعرفته بالعلم والحكمة بقوله: { وكان الله عليما حكيما }. ه.
النساء 4:19
{ يا أيها ألذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة... } قلت: أصل العضل: التضييق، يقال: عضلت الدجاجة ببيضها إذا ضاقت، ثم أطلق عرفا على منع المرأة من التزوج. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } لا يحل لكم أن تمنعوا النساء من النكاح لترثوا ما لهن { كرها }. قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل، وله امرأة كان قريبه من عصبته أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها من غير صداق، إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها وضيق عليها لتفتدى منه بما ورثت من الميت، أو تموت فيرثها، وإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يلقي ولي زوجها ثوبه عليها فهي أحق بنفسها. فكانوا على ذلك في أول الإسلام، حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري، وترك امرأته " كبشة بنت معن الأنصارية " ، فقام ابن له من غيرها فطرح ثوبه عليها، تم تركها ولم يقربها، ولم ينفق عليها، يضارها لتفتدى منه، فأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه، وقد أضر بي وطول علي، فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي، ولا يخلي سبيلي، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:
" اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله "
قالت: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة فأتين النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد الفضيخ، فقلن: يا رسول الله: ما نحن إلا كهيئة كبشة، غير أنه لا ينكحنا الأبناء، ونكحنا أبناء العم، فنزلت الآية. فمعنى الآية على هذا: لا يحل لكم أن تجعلوا النساء يورثن عن الرجال كما يورث المال. وقيل: الخطاب للأزواج الذين يمسكون المرأة في العصمة ليرثوا مالها، من غير غبطة بها، وإنما يمسكها انتظارا لموتها، وقيل: الخطاب للأولياء الذين يمنعون ولياتهم من التزوج ليرثوهن دون الزوج. { ولا } يحل لكم أيضا أيها الأزواج أن { تعضلوهن } ، أي: تحبسوهن من غير حاجة لكم فيهن { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } من الصداق افتداء فيه بإضراره. قال ابن عباس رضي الله عنه: هي أيضا في الأزواج الذين يمسكون المرأة ويسيئون عشرتها حتى تفتدى بصداقها، { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ، كالنشوز وسوء العشرة وعدم العفة، فيحل له حينئذ حبسها حتى تفتدى منه بصداقها، فيأخذه خلعا على مذهب مالك. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يحل للمريد أن يضيق على نفسه تضييقا يفضي إلى العطب، فالنفس كالبهيمة: علفها واستخدامها، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" لا يكن أحدكم كالمنبت، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ".
فبعض الناس يسمعون أن من ضيق على نفسه أورثته العلوم، فيضيق عليها تضييقا فاحشا ليرث ذلك منها كرها، وإنما يمنعها من شهواتها الزائدة على قيام البنية، إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، بحيث تطغى عليها، فيضيق عليها بما لا يفضي إلى الهلاك، وهذا كله إنما ينفعه إذا صح ملكه لها بالعقد الصحيح من الشيخ الكامل، وإلا كان تعبه باطلا، كمن يريد أن يرى امرأة غيره أو دابة غيره. والله تعالى أعلم. ثم أمر الحق تعالى بحسن العشرة مع النساء، فقال: { وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } يقول الحق جل جلاله: وعاشروا النساء { بالمعروف } بأن تلاطفوهن في المقال وتجملوا معهن في الفعال، أو يتزين لها كما تتزين له. قال الورتجبي: كونوا في معاشرتهن في مقام الأنس وروح المحبة، وفرح العشق حيث أنتم مخصوصون بالتمكين والاستقامة والولاية، فإن معاشرة النساء لا تليق إلا في المستأنس بالله، كالنبي صلى الله عليه وسلم وجميع المستأنسين من الأولياء والأبدال، حيث أخبر صلى الله عليه وسلم عن كمال مقام أنسه بالله ورؤيته لجمال مشاهدته حيث قال:
" حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة ".
ثم قال: عن ذي النون: المستأنس بالله يستأنس بكل شيء مليح ووجه صبيح، وبكل صوت طيب وبكل رائحة طيبة، ثم قال: عن ابن المبارك: العشرة الصحيحة: ما لا يورثك الندم عاجلا ولا آجلا، وقال أبو حفص: المعاشرة بالمعروف: حسن الخلق مع العيال فيما ساءك. ه. { فإن كرهتموهن } فاصبروا { فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } إما ولدا صالحا أو عاقبة حسنة في الدين. قال ابن عمر: إن الرجل يستخير الله فيخار له فيسخط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. ه. حكى أن أبا الإمام مالك رضي الله عنه تزوج امرأة فدخل عليها فوجدها سوداء، فبقي متفكرا ولم يقربها، فقالت له: هل استخرت ربك؟ فقال: نعم، فقالت: أتتهم ربك، فدخل بها، فحملت بالإمام مالك صاحب المذهب. وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا يفرك مؤمن مؤمنة أي: لا يبغضها إن سخط منها خلقا رضي منها آخر "
قال الورتجبي: قيل: غيب عنك العواقب لئلا تسكن إلى مألوف، ولا تفر من مكروه. الإشارة: إذا طهرت النفس من البقايا، وكملت فيها المزايا، وانقادت بكليتها إلى مولاها، وجب الإحسان إليها والصلح معها ومعاشرتها بالمعروف، فإنما تجب مجاهدتها ما دامت كافرة فإذا أسلمت وانقادت وجب محبتها والإحسان إليها. فإن كرهتها في حال اعوجاجها فجاهدتها ورضتها حتى استقامت كان في عاقبة ذلك خير كثير، وعادت تأتي إليك بالعلوم اللدنية تشاهد فيها أسرارا ربانية. قال الورتجبي: كل أمر من الله سبحانه جاء على مخالفة النفس امتحانا واختبارا، والنفس كارهة في العبودية فإذا ألزمت عليها حقوق الله بنعت الرياضة والمجاهدة واستقامت في عبودية الله، أول ما يطلع على قلبك أنوار جنان القرب والمشاهدة، قال الله تعالى:
ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى
[النازعات:40،41]، وفي أجواب ظلام المجاهدة للعارفين شموس المجاهدات وأقمار المكاشفات. ه. المراد منه.
النساء 4:20
قلت: { بهتانا }: حال، أو على إسقاط الخافض. يقول الحق جل جلاله: { وإن أردتم } أن تبدلوا زوجا { مكان زوج } أخرى بأن تطلقوا الأولى وتتزوجوا غيرها، وقد كنتم أعطيتم { إحداهن قنطارا } أو أقل أو أكثر، { فلا تأخذوا منه شيئا } بل أدوه لها كاملا. ثم وبخهم على ما كانوا يفعلون في الجاهلية، فقال: { أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } ، أي: مباهتين وآثمين، أو بالبهتان والإثم الظاهر، والبهتان: الكذب الذي يبهت المكذوب عليه، روي أن الرجل كان إذا أراد أن يتزوج امرأة جديدة، بهت التي عنده بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه في تزوج الجديدة، فنهوا عن ذلك. ثم استعظم ذلك فقال: { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } بالمماسة والجماع حتى تقرر الصداق واستحقته بذلك، وقد { أخذن منكم ميثاقا غليظا } وهو حسن الصحبة، أو الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، أو تمكينها نفسها منه، فإنها ما مكنته إلا لوفاء العهد في الصداق ودوام العشرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا كان العبد مشتغلا بجمع دنياه، عاكفا على حظوظه وهواه، ثم استبدل مكان ذلك الانقطاع إلى مولاه والاشتغال بذكر الله، حتى أفضى إلى شهود أنوار قدسه وسناه، فلا ينبغي أن يرجع إلى شيء خرج عنه لله، ولا يلتفت إلى ما ترك من أمر دنياه، فإن الرجوع في الشيء من شيم اللئام وليس من شأن الكرام، وتأمل ما قاله الشاعر:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن إليه بوجه آخر الدهر تقبل
وكيف تأخذ ما خرجت عنه لله، وقد أفضيت إلى شهود أنوار جماله وسكنى حماه، فاتحد عندك كل الوجود، وكل شيء عن عين بصيرتك مفقود، بعد أن أخذ عليك مواثيق العهود، ألا ترجع إلى ما كان يقطعك عن حضرة الشهود، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:21
قلت: { بهتانا }: حال، أو على إسقاط الخافض. يقول الحق جل جلاله: { وإن أردتم } أن تبدلوا زوجا { مكان زوج } أخرى بأن تطلقوا الأولى وتتزوجوا غيرها، وقد كنتم أعطيتم { إحداهن قنطارا } أو أقل أو أكثر، { فلا تأخذوا منه شيئا } بل أدوه لها كاملا. ثم وبخهم على ما كانوا يفعلون في الجاهلية، فقال: { أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } ، أي: مباهتين وآثمين، أو بالبهتان والإثم الظاهر، والبهتان: الكذب الذي يبهت المكذوب عليه، روي أن الرجل كان إذا أراد أن يتزوج امرأة جديدة، بهت التي عنده بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه في تزوج الجديدة، فنهوا عن ذلك. ثم استعظم ذلك فقال: { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } بالمماسة والجماع حتى تقرر الصداق واستحقته بذلك، وقد { أخذن منكم ميثاقا غليظا } وهو حسن الصحبة، أو الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، أو تمكينها نفسها منه، فإنها ما مكنته إلا لوفاء العهد في الصداق ودوام العشرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا كان العبد مشتغلا بجمع دنياه، عاكفا على حظوظه وهواه، ثم استبدل مكان ذلك الانقطاع إلى مولاه والاشتغال بذكر الله، حتى أفضى إلى شهود أنوار قدسه وسناه، فلا ينبغي أن يرجع إلى شيء خرج عنه لله، ولا يلتفت إلى ما ترك من أمر دنياه، فإن الرجوع في الشيء من شيم اللئام وليس من شأن الكرام، وتأمل ما قاله الشاعر:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن إليه بوجه آخر الدهر تقبل
وكيف تأخذ ما خرجت عنه لله، وقد أفضيت إلى شهود أنوار جماله وسكنى حماه، فاتحد عندك كل الوجود، وكل شيء عن عين بصيرتك مفقود، بعد أن أخذ عليك مواثيق العهود، ألا ترجع إلى ما كان يقطعك عن حضرة الشهود، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:22
قلت: أوقع { ما } على ما يعقل لقلة عقل النساء، كما تقدم، أو مصدرية، والاستثناء منقطع أو متصل على وجه المبالغه في التحريم، أي لا تنكحوا ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف لآبائكم إن قدرتم عليه، فهو كقول الشاعر:
لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
يقول الحق جل جلاله: ولا تتزوجوا ما تزوج به { آباؤكم من النساء } بالعقد في الحرائر والوطء في الإماء، { إلا ما قد سلف } فإن الله قد عفا عنكم بعد فسخه ورده، { إنه كان فاحشة } عظيمة عند الله، ما أحله لأحد من الأمم قبلكم، { ومقتا } أي: ممقوتا فاعله عند الله عند ذوي المروءات من عباد الله، وكان يسمى ولد الرجل من امرأة أبيه مقيتا ومقتيا. { وساء سبيلا } ، وبئس طريقا لمن يريد أن يسلكه بعد التحريم. فالمراد بالنكاح في الآية: العقد، فعلى هذا لا تحرم المرأة على الولد إذا زنا بها أبوه على المشهور، قال في الرسالة: ولا يحرم بالزنا حلال. ه. الإشارة: ما جرى في آباء البشرية يجري في آباء الروحانية من طريق الأدب لا من طريق الشرع، فلا ينبغي للمريد أن يتزوج بامرأة شيخه، مات عنها أو طلقها، فإن ذلك قبيح ومقت عند أرباب الأدب، وأما بنت الشيخ فإن قدر على القيام بتعظيمها فلا بأس، وقد تزوج سيدنا علي كرم الله وجهه بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن السلامة في الترك أكثر. وهنا إشارة أخرى أرق، وهي أن يشير بالنساء إلى الأحوال، فلا ينبغي للفقير أن يتعاطى أحوال الشيخ، ويفعل مثله. فإن الشيخ في مقام وهو في مقام، فإذا رجع الشيخ إلى الأسباب وتعاطى العلويات، فلا يقتدى به. إلا أن يدرك مقامه، وكان شيخ شيخنا يقول: لا تقتدوا بالأشياخ في أفعالهم، وإنما اقتدوا بهم في أقوالهم، فإن أقوالهم لكم ولهم، وأفعالهم خاصة بهم. إلا ما قد سلف لهم من الأحوال في حال سيرهم، فخذوها وسيروا من حيث ساروا، حتى تدركوا ما أدركوا، وافعلوا ما شئتم. والله تعالى أعلم.
النساء 4:23
{ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم... } قلت: { كتاب الله عليكم }: مصدر مؤكد. أي: كتب الله ذلك كتابا، أو على الإغراء. يقول الحق جل جلاله: { حرمت عليكم } من النساء أصناف: منها بالنسب ومنها بالرضاع ومنها بالمصاهرة: فأما التي تحرم بالنسب فهي { أمهاتكم } ، وهي الأم، والجدة من الأم ومن الأب ما علون، { وبناتكم } وهي البنت وبنت الابن، وبنت البنت ما سفلن، { وأخواتكم } وهي الأخت الشقيقة والتي للأب والأخت للأم، { وعماتكم } وهي أخت الوالد وأخت الجد ما علت، شقيقة أو لأب أو لأم، { خالاتكم } وهي أخت الأم وأخت الجدة ما علت، شقيقة أو لأب أو لأم، { وبنات الأخ } الشقيق، أو للأب، وما تناسل منهم. { وبنات الأخت } ، فيدخل كل ما تناسل من الأخت الشقيقه أو للأب أو للأم. والضابط في ذلك: أنه يحرم على الرجل أصوله وإن علت، وفصوله وإن سفلت، وفصول أبويه ما سفلت، وأول فصل من كل أصل متقدم على أبويه. ثم ذكر ما يحرم بالرضاع، فقال: { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } ذلك تعالى صنفين، وحرمت السنة كل ما يحرم من النسب. قال صلى الله عليه وسلم
" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "
فيدخل الأصناف السبعة، وهي الأم من الرضاع والبنت والأخت والعمة والخالة وبن الأخ وبنت الأخت. ثم ذكر ما يحرم بالمصاهرة، فقال: { وأمهات نسائكم } ، وتقدمت زوجة الأب، وسيأتي حليلة الابن، { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم } لا مفهوم لهذا القيد، لكنه جرى مجرى الغالب، فهي محرمة، كانت في حجره أم لا، على قول الجمهور، وروي عن علي رضي الله عنه أنه أجاز نكاحها إن لم تكن في حجره. وأما قوله: { اللاتي دخلتم بهن } فهو معتبر إجماعا، فلو عقد على المرأة ولم يدخل بها، فله طلاقها ويأخذ ابنتها، ولذلك قال: { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } أن تنكحوهن. { وحلائل أبنائكم } وهي التي عقد عليها الابن فحلت له، فتحرم على الأب بمجرد العقد. والحاصل: أن زوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة يحرمن بالعقد، وأما بنت المرأة فلا تحرم إلا بالدخول بأمها، فالعقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات. وقوله تعالى: { الذين من أصلابكم } احترز به من زوجة المتبني فلا تحرم حليلته، كقضية زيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{ وأن تجمعوا بين الأختين } ، شقيقتين أو للأب أو للأم، وهذا في النكاح، وأما في الملك دون الوطء فلا بأس، أما في الوطء فمنعه مالك والشافعي وأبو حنيفة، وأجازه الظاهرية، { إلا ما قد سلف } أي: في الجاهلية، فقد عفا عنكم، { إن الله كان غفورا رحيما } ، قال ابن عباس: كانت العرب تحرم كل ما حرمت الشريعة إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فلذلك ذكر الحق تعالى: { إلا ما قد سلف } فيهما. { و } حرم الله تعالى { المحصنات من النساء } وهن اللاتي في عصمة أزواجهن، فلا يحل نكاحهن ما دمن في عصمة الزوج، { إلا ما ملكت أيمانكم } من الغنيمة، فإذا سبيت الكافرة، ولها زوج، جاز لمن ملكها أن يطأها بالملك بعد الاستبراء، قال في المختصر: وهدم السبي النكاح، إلا أن تسبى وتسلم في عدتها فهو أحق بها، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى أوطاس، فأصابوا سبيا من العدو، ولهن أزواج من المشركين فتأثموا من غشيانهن، فنزلت الآية مبيحة لذلك، { كتاب الله عليكم } أي: كتب الله ذلك عليكم كتابا، وهو ما حرم في الآية من النساء. الإشارة: اعلم أن الإنسان لا يصير كاملا عارفا حتى يولد ثلاث مرات بعد الأم الحسية، أولها: خروجه من بطن حب الدنيا الدنية، ثم من الغفلة والشهوات الجسمانية، ثم من ضيق الأكوان الظلمانية، إلى فضاء المشاهدة والمعاينة، وقال بعض الأولياء: ليس منا من لم يولد مرتين: فاعتبر الأولى والثالثة، فإذا خرج الإنسان من هذه البطون حرم الله عليه نكاحها والرجوع إليها. وكذا يحرم عليه الرجوع إلى ما تولد منه من الزلات، والأحوال الظلمانية، وما كان ألفه وتواخى معه من البطالات والمألوفات، وما وجد عليه أسلافه من التعصبات والحميات والرئاسات، ولا فرق بين ما واجهه من ذلك من قبل الآباء والأمهات، وكذلك ما ارتضع من ثدي الشهوات من لبان الغفلة، وتراكم الأكنات، فليبادر إلى تحريمها، وفطام نفسه عنها، قبل تحكمها، كما قال البوصيري رضي الله عنه:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وكذا يحرم عليه، صحبة من ارتضع معه في هذا الثدي قبل الفطام من الأخوة والأخوات، وكذا أمهات الخطايا، وهي حب الدنيا والرياسة والجاه، وكذلك حرمت عليكم ربائب العلائق والعوائق، لتدخلوا بلاد الحقائق، فإن لم تكونوا من أهل الحقائق فلا جناح عليكم إذ كنتم من عوام الخلائق، وكذلك يحرم عليكم ما حل لأبناء جنسكم من تعاطي الأسباب والاشتغال بها عن خدمة رب الأرباب، وأن تجمعوا بين حب الدنيا ومحبة المولى. قال الشافعي رضي الله عنه: من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها، فقد كذب. إلا ما قد سلف في أيام البطالة، وكذا يحرم على المريد المتجرد المستشرف على المعاني تعاطى العلوم الظاهرة، التي دخل بها أهل الظاهر وأفتضوا بكارتها إلا ما ملكه قبل التجريد، فلا يضره إن غاب عنها في أسرار التوحيد، والله تعالى أعلم بأسرار غيبه.
ثم ذكر الحق تعالى ما يحل من النساء، فقال: {...وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما } قلت: { وأحل } عطف على الفعل العامل في " كتاب الله عليكم " أي: كتب الله عليكم تحريم ما ذكر، وأحل ما سوى ذلك. ومن قرأ بالبناء للمفعول فعطف على " حرمت ". و { أن تبتغوا } مفعول لأجله، أي: إرادة أن تبتغوا. أو بدل من { وراء ذلكم } ، و { محصنين } حال من الواو. والسفاح: الزنا، من السفح وهو الصب، لأنه يصب المني في غير محله. يقول الحق جل جلاله: { وأحل لكم } أن تتزوجوا من النساء ما سوى ذلكم المحرمات، وما سوى ما حرمته السنة بالرضاع، كما تقدم، والجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، فقد حرمته السنة، وإنما أحل لكم نكاح النساء إرادة أن تطلبوا بأموالكم الحلال، فتصرفوها في مهور النساء... حال كونكم { محصنين } أي: أعفة متحصنين بها من الحرام، { غير مسافحين } أي: غير زناة، تصبون الماء في غير موضعه، { فما استمتعتم به منهن } أي: من تمتعتم به من المنكوحات { فآتوهن أجورهن } أي: مهورهن، لأن المهر في مقابلة الاستمتاع { فريضة } ، أي: مفروضة مقدرة، لا جهل فيها ولا إبهام، { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به } من زيادة على المهر المشروط، أو نقص منه، { من بعد الفريضة } ، التي وقع العقد عليها، { إن الله كان عليما } بمصالح خلقه، { حكيما } فيما شرع من الأحكام. وقيل قوله: { فما استمتعتم به... } إلى آخره. نزل في نكاح المتعة، التي كانت ثلاثة أيام في فتح مكة، ثم نسخ بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه أباحه، ثم أصبح يقول:
" أيها الناس، إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة "
وهو النكاح المؤقت بوقت معلوم، سمي به لأن الغرض منه مجرد الاستمتاع. وتمتعها بما يعطى لها. وجوزه ابن عباس رضي الله عنه ثم رجع عنه. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله من طريق الإشارة: إذا خرجتم من بطن الشهوات، ورفضتم ما كنتم عليه من العوائد والمألوفات، وزهدتم فيما يشغل فكرتكم من العلوم الرسميات، حل لكم ما وراء ذلكم من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، التي هي وراء طور العقول ولا تدرك بالطروس ولا بالنقول، وإليها أشار ابن الفارض رضي الله عنه حيث قال:
ولا تك ممن طيشته طروسه بحيث استخفت عقله واستفزت فثم وراء النقل علم يدق عن مدارك غايات العقول السليمه تلقيته مني وعني أخذته ونفسي كانت من عطاء ممده
أردنا منكم أن تبتغوا ببذل أموالكم ومهجكم تلك العلوم المقدسة، والأسرار المطهرة، متحصنين من دنس الحس والهوى، غير مباشرين لنجاسة الدنيا، ولا مصطحبين مع أهلها، لتتمتعوا بشهود أسرارنا، وأنوار قدسنا، فما استمتعتم به من ذلك، فصونوه من غير أهله، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من إعطائه لأهله، من بعد حفظه عمن لا يستحقه، والله تعالى أعلم.
النساء 4:24
{ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم... } قلت: { كتاب الله عليكم }: مصدر مؤكد. أي: كتب الله ذلك كتابا، أو على الإغراء. يقول الحق جل جلاله: { حرمت عليكم } من النساء أصناف: منها بالنسب ومنها بالرضاع ومنها بالمصاهرة: فأما التي تحرم بالنسب فهي { أمهاتكم } ، وهي الأم، والجدة من الأم ومن الأب ما علون، { وبناتكم } وهي البنت وبنت الابن، وبنت البنت ما سفلن، { وأخواتكم } وهي الأخت الشقيقة والتي للأب والأخت للأم، { وعماتكم } وهي أخت الوالد وأخت الجد ما علت، شقيقة أو لأب أو لأم، { خالاتكم } وهي أخت الأم وأخت الجدة ما علت، شقيقة أو لأب أو لأم، { وبنات الأخ } الشقيق، أو للأب، وما تناسل منهم. { وبنات الأخت } ، فيدخل كل ما تناسل من الأخت الشقيقه أو للأب أو للأم. والضابط في ذلك: أنه يحرم على الرجل أصوله وإن علت، وفصوله وإن سفلت، وفصول أبويه ما سفلت، وأول فصل من كل أصل متقدم على أبويه. ثم ذكر ما يحرم بالرضاع، فقال: { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } ذلك تعالى صنفين، وحرمت السنة كل ما يحرم من النسب. قال صلى الله عليه وسلم
" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "
فيدخل الأصناف السبعة، وهي الأم من الرضاع والبنت والأخت والعمة والخالة وبن الأخ وبنت الأخت. ثم ذكر ما يحرم بالمصاهرة، فقال: { وأمهات نسائكم } ، وتقدمت زوجة الأب، وسيأتي حليلة الابن، { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم } لا مفهوم لهذا القيد، لكنه جرى مجرى الغالب، فهي محرمة، كانت في حجره أم لا، على قول الجمهور، وروي عن علي رضي الله عنه أنه أجاز نكاحها إن لم تكن في حجره. وأما قوله: { اللاتي دخلتم بهن } فهو معتبر إجماعا، فلو عقد على المرأة ولم يدخل بها، فله طلاقها ويأخذ ابنتها، ولذلك قال: { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } أن تنكحوهن. { وحلائل أبنائكم } وهي التي عقد عليها الابن فحلت له، فتحرم على الأب بمجرد العقد. والحاصل: أن زوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة يحرمن بالعقد، وأما بنت المرأة فلا تحرم إلا بالدخول بأمها، فالعقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات. وقوله تعالى: { الذين من أصلابكم } احترز به من زوجة المتبني فلا تحرم حليلته، كقضية زيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{ وأن تجمعوا بين الأختين } ، شقيقتين أو للأب أو للأم، وهذا في النكاح، وأما في الملك دون الوطء فلا بأس، أما في الوطء فمنعه مالك والشافعي وأبو حنيفة، وأجازه الظاهرية، { إلا ما قد سلف } أي: في الجاهلية، فقد عفا عنكم، { إن الله كان غفورا رحيما } ، قال ابن عباس: كانت العرب تحرم كل ما حرمت الشريعة إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فلذلك ذكر الحق تعالى: { إلا ما قد سلف } فيهما. { و } حرم الله تعالى { المحصنات من النساء } وهن اللاتي في عصمة أزواجهن، فلا يحل نكاحهن ما دمن في عصمة الزوج، { إلا ما ملكت أيمانكم } من الغنيمة، فإذا سبيت الكافرة، ولها زوج، جاز لمن ملكها أن يطأها بالملك بعد الاستبراء، قال في المختصر: وهدم السبي النكاح، إلا أن تسبى وتسلم في عدتها فهو أحق بها، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى أوطاس، فأصابوا سبيا من العدو، ولهن أزواج من المشركين فتأثموا من غشيانهن، فنزلت الآية مبيحة لذلك، { كتاب الله عليكم } أي: كتب الله ذلك عليكم كتابا، وهو ما حرم في الآية من النساء. الإشارة: اعلم أن الإنسان لا يصير كاملا عارفا حتى يولد ثلاث مرات بعد الأم الحسية، أولها: خروجه من بطن حب الدنيا الدنية، ثم من الغفلة والشهوات الجسمانية، ثم من ضيق الأكوان الظلمانية، إلى فضاء المشاهدة والمعاينة، وقال بعض الأولياء: ليس منا من لم يولد مرتين: فاعتبر الأولى والثالثة، فإذا خرج الإنسان من هذه البطون حرم الله عليه نكاحها والرجوع إليها. وكذا يحرم عليه الرجوع إلى ما تولد منه من الزلات، والأحوال الظلمانية، وما كان ألفه وتواخى معه من البطالات والمألوفات، وما وجد عليه أسلافه من التعصبات والحميات والرئاسات، ولا فرق بين ما واجهه من ذلك من قبل الآباء والأمهات، وكذلك ما ارتضع من ثدي الشهوات من لبان الغفلة، وتراكم الأكنات، فليبادر إلى تحريمها، وفطام نفسه عنها، قبل تحكمها، كما قال البوصيري رضي الله عنه:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وكذا يحرم عليه، صحبة من ارتضع معه في هذا الثدي قبل الفطام من الأخوة والأخوات، وكذا أمهات الخطايا، وهي حب الدنيا والرياسة والجاه، وكذلك حرمت عليكم ربائب العلائق والعوائق، لتدخلوا بلاد الحقائق، فإن لم تكونوا من أهل الحقائق فلا جناح عليكم إذ كنتم من عوام الخلائق، وكذلك يحرم عليكم ما حل لأبناء جنسكم من تعاطي الأسباب والاشتغال بها عن خدمة رب الأرباب، وأن تجمعوا بين حب الدنيا ومحبة المولى. قال الشافعي رضي الله عنه: من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها، فقد كذب. إلا ما قد سلف في أيام البطالة، وكذا يحرم على المريد المتجرد المستشرف على المعاني تعاطى العلوم الظاهرة، التي دخل بها أهل الظاهر وأفتضوا بكارتها إلا ما ملكه قبل التجريد، فلا يضره إن غاب عنها في أسرار التوحيد، والله تعالى أعلم بأسرار غيبه.
ثم ذكر الحق تعالى ما يحل من النساء، فقال: {...وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما } قلت: { وأحل } عطف على الفعل العامل في " كتاب الله عليكم " أي: كتب الله عليكم تحريم ما ذكر، وأحل ما سوى ذلك. ومن قرأ بالبناء للمفعول فعطف على " حرمت ". و { أن تبتغوا } مفعول لأجله، أي: إرادة أن تبتغوا. أو بدل من { وراء ذلكم } ، و { محصنين } حال من الواو. والسفاح: الزنا، من السفح وهو الصب، لأنه يصب المني في غير محله. يقول الحق جل جلاله: { وأحل لكم } أن تتزوجوا من النساء ما سوى ذلكم المحرمات، وما سوى ما حرمته السنة بالرضاع، كما تقدم، والجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، فقد حرمته السنة، وإنما أحل لكم نكاح النساء إرادة أن تطلبوا بأموالكم الحلال، فتصرفوها في مهور النساء... حال كونكم { محصنين } أي: أعفة متحصنين بها من الحرام، { غير مسافحين } أي: غير زناة، تصبون الماء في غير موضعه، { فما استمتعتم به منهن } أي: من تمتعتم به من المنكوحات { فآتوهن أجورهن } أي: مهورهن، لأن المهر في مقابلة الاستمتاع { فريضة } ، أي: مفروضة مقدرة، لا جهل فيها ولا إبهام، { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به } من زيادة على المهر المشروط، أو نقص منه، { من بعد الفريضة } ، التي وقع العقد عليها، { إن الله كان عليما } بمصالح خلقه، { حكيما } فيما شرع من الأحكام. وقيل قوله: { فما استمتعتم به... } إلى آخره. نزل في نكاح المتعة، التي كانت ثلاثة أيام في فتح مكة، ثم نسخ بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه أباحه، ثم أصبح يقول:
" أيها الناس، إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة "
وهو النكاح المؤقت بوقت معلوم، سمي به لأن الغرض منه مجرد الاستمتاع. وتمتعها بما يعطى لها. وجوزه ابن عباس رضي الله عنه ثم رجع عنه. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله من طريق الإشارة: إذا خرجتم من بطن الشهوات، ورفضتم ما كنتم عليه من العوائد والمألوفات، وزهدتم فيما يشغل فكرتكم من العلوم الرسميات، حل لكم ما وراء ذلكم من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، التي هي وراء طور العقول ولا تدرك بالطروس ولا بالنقول، وإليها أشار ابن الفارض رضي الله عنه حيث قال:
ولا تك ممن طيشته طروسه بحيث استخفت عقله واستفزت فثم وراء النقل علم يدق عن مدارك غايات العقول السليمه تلقيته مني وعني أخذته ونفسي كانت من عطاء ممده
أردنا منكم أن تبتغوا ببذل أموالكم ومهجكم تلك العلوم المقدسة، والأسرار المطهرة، متحصنين من دنس الحس والهوى، غير مباشرين لنجاسة الدنيا، ولا مصطحبين مع أهلها، لتتمتعوا بشهود أسرارنا، وأنوار قدسنا، فما استمتعتم به من ذلك، فصونوه من غير أهله، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من إعطائه لأهله، من بعد حفظه عمن لا يستحقه، والله تعالى أعلم.
النساء 4:25
{ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فإنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان... } قلت: الطول: الغنى والسعة، ويطلق على العلو، مصدر طال طولا، وهو مفعول { يستطع } ، أو مصدر له لتقارب معناهما، و { أن ينكح } بدل منه على الأول، أو مفعول به على الثاني، أي: لأن ينكح، و { محصنات غير مسافحات } ، حالان، والعامل فيه: { أنكحوهن } ، والخدن: الخليل. يقول الحق جل جلاله: { ومن لم يستطع منكم طولا } أي: لم يجد غني يقدر به على نكاح { المحصنات } ، أي: الحرائر { المؤمنات } ، فليتزوج من ما ملكت أيمانكم، من الإماء المؤمنات دون الكافرات، فإن أظهرت الإيمان فاكتفوا بذلك، وعلم الباطن لا يعلمه إلا الله، { والله أعلم بإيمانكم } فلا يمنعكم من نكاحهن خوف المعرة، فإنما أنتم جنس واحد، ودينكم واحد، { بعضكم من بعض } فلا تستنكفوا من نكاحهن، { فانكحوهن بإذن أهلهن } ، أي أربابهن، حتى يعقدوا لكم نكاحهن، { وآتوهن أجورهن }: أي: مهورهن، وهن أحق به دون ساداتهن، على مذهب مالك، { بالمعروف } من غير مطل، ولا نقص، على ما تقتضيه السنة. حال كونهن { محصنات } أي: عفيفات { غير مسافحات } أي: غير زانيات { ولا متخذات أخدان } ، أي: أصحاب يزنون بهن. وكان في الجاهلية من النساء من تتخذ صاحبا واحدا تزني معه خاصة، ومنها من لا ترد يد لامس. قال ابن جزي: مذهب مالك وأكثر أصحابه أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين: أحداهما: عدم الطول وهو ألا يجد ما يتزوج به حرة، والآخر: خوف العنت وهو الزنا. لقوله بعد هذا: { ذلك لمن خشي العنت منكم } ، وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين، على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة، لقوله: { من فتياتكم المؤمنات } إلا أهل العراق فلم يشترطوه.ه. الإشارة: فمن لم يستطع أن ينكح أبكار الحقائق، لكونه لم يقدر أن يدفع عن قلبه الشواغل والعلائق، فليتنزل لنكاح العلوم الرسمية والأعمال الحسية، بأخذها من أربابها، ويحصنها بالإخلاص في أخذها، ويقوم بحقها بقدر الإمكان، وهو بذلها لأهلها والصبر على نشرها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فإن صح قصده، وخلص عمله، قيض الله له وليا من أوليائه يغنيه بالله، حتى يصير من الأغنياء به، فيتأهل لنكاح الحرائر، ويلتحق بأولياء الله الأكابر،
وما ذلك على الله بعزيز
[إبراهيم:20]. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه لما تكلم على ثمرات المحبة قال: فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصنا بمعرفته، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغمورا في مشاهدته، والعبد يستزيد من حبه فيزاد ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسى حلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم.
ه. فعلم الحقائق أبكار، وما يوصل إليه من علوم الطريقة ثيبات حرائر، وما سواها من علوم الرسوم إماء بالنسبة إلى غيرها، والله تعالى أعلم. ثم ذكر حد الأمة إذا زنت، فقالت: {...فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب... } قلت: أحصن الرجل بفتح الهمزة وضمها : صار محصنا بالفتح والكسر، وهذا مما اتحد فيه البناء للفاعل والمفعول. وقيل بالفتح، معناه: أسلم، وبالضم: تزوج. يقول الحق جل جلاله: إن الإماء إذا تزوجن { فإن أتين بفاحشة } ، وهو الزنا، فعليهن نصف ما على الحرة من الحد، وهو خمسون، لأن حد البكر مائة. ويفهم منه أنها لا ترجم لأن الرجم لا يتبعض. وكذلك الذكور من العبيد عليهم نصف الحدود كلها، ولا رجم عليهم، وسمى الحد عذابا، كقوله:
وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين
[النور:2]. الإشارة: بقدر ما يعلو المقام يشدد العقاب، وبقدر ما يحصل من القرب يطلب الآداب، فليست المعصية في البعد كالمعصية في القرب، وليس يطلب من البعيد ما يطلب من القريب، وانظر إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى لهن:
يا نسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين
[الأحزاب:30]. وما ذلك إلا لحظوتهن وشدة قربهن من الله. ولذلك كان لا يدخل الحضرة إلا أهل الآداب والتهذيب، بعد التدريج والتدريب، وتأمل قضية الجنيد، حيث قيل له في المنام: مثلك لا يرضى منه هذا، حيث خطر على قلبه الاعتراض على السائل، غير أن المقربين يعاتبون، ويردون إلى الحضرة، وأهل البعد يزيدون بعدا، ولكن لا يشعرون، والله تعالى أعلم. ثم ذكر شرط تزوج الأمة لعادم الطول، فقال: {...ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } قلت: العنت: المشقة والضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم، ولا سيما بأفحش الفواحش وهو الزنا، { يريد الله ليبين لكم } ، أي: لأن يبين، واللام زائدة في المفعول، لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإدارة. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: نكاح الإماء إنما أبحته لمن خشي الوقوع في الزنا، الذي هو أقبح الفواحش، فنكاح الأمة، وإرقاق الولد يباع في الأسواق أخف من الزنا. { وأن تصبروا } عن نكاحهن، مع التعفف عن الزنا، { خير لكم } لئلا يرق أولادكم. وعن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر "
وقال أبو هريرة: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول:
" الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت ".
{ والله غفور } لكم فيما سلف من المخالفة، { رحيم } بكم، حيث رخص لكم عند خوف الإثم نكاح الأمة، { يريد الله ليبين لكم } شرائع دينكم، ومصالح أموركم، { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي: مناهج من تقدمكم من أهل الرشد، كالأنبياء والصالحين، لتسلكوا مناهجهم، كحفظ الأموال والأنساب، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات، فإنهن محرمات على من قبلكم، { ويتوب عليكم } أي: يغفر ذنوبكم الماضية، أو يرشدكم إلى التوبة، أو يمنعكم من المعاصي بالعصمة. { والله عليم } بما أسلفتم وما تستقبلونه من أفعالكم، { حكيم } بما دبر وأبرم. { والله يريد أن يتوب عليكم } كرره توطئة لقوله: { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا } عن الحق { ميلا عظيما } بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات، وكأنه تعالى يقول: إنا نريد توبتكم ورشدكم، والذين يتبعون الشهوات يريدون ميلكم وإضلالكم، والمراد بهم الزناة لأنهم يودون أن يكون الناس كلهم زناة، وأما من تعاطى شهوة النكاح في الحلال، فإنه متبع للحق لا لهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
" تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة "
وقد كان سيدنا علي كرم الله وجهه أزهد الصحابة، وكان له أربع حرائر وسبع جواري سريات، وقيل: سبع عشرة، وقيل: المراد بهم اليهود والنصارى، لأن اليهود يحلون الأقارب من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت. وقيل: المجوس. { يريد الله أن يخفف عنكم } فلذلك شرع لكم الشريعة الحنيفية السمحة السهلة، ورخص لكم عند المضايق في نكاح الأمة. { وخلق الإنسان ضعيفا } في كل شيء، لأنه خلق من ضعف، ويؤول إلى ضعف، أسير جوعة، صريع شبعة، وخصوصا عن شهوة النساء، فإنه لا يصبر عن الجماع، ولا يكون في شيء أضعف منه في أمر النساء، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: ألا تروني أني لا أقوم إلا رفدا، ولا آكل إلا ما لين لي، وقد مات صاحبي يعني ذكره منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي، وأن لي ما تطلع عليه الشمس، مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه، على أنه لا سمع ولا بصر. قال ابن عباس: ثماني آيات في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، { يريد الله ليبين لكم } [النساء:26]، { والله يريد أن يتوب عليكم } [النساء:27]، { يريد الله أن يخفف عنكم } [النساء:28]،
إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه...
[النساء:31] الآية،
إن الله لا يغفر أن يشرك به...
[النساء:48] الآية،
إن الله لا يظلم مثقال ذرة...
[النساء:40]،
ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه...
[النساء:110] الآية،
ما يفعل الله بعذابكم...
[النساء:147] الآية.ه. الأشارة: إنما ينزل المريد إلى العلوم الرسمية، أو الأعمال الحسية، إذا خشي الانمحاق أو الاصطلام في بحر الحقائق، وإن صبر وتماسك، حتى يتقوى على حمل أعبائها، فهو خير له، لأن الرجوع إلى الحس، لا يؤمن من الحبس، والله غفور لمن تنزل لعلة ما تقدم، رحيم حين جعل له الرخصة، { يريد الله ليبين لكم } سلوك الطريق إلى عين التحقيق، ويهديكم طرق الوصول، كما هدى من قبلكم، ويتوب فيما خطر ببالكم، من الفترة أو الوقفة، والله يريد أن يتعطف عليكم، لترجعوا إليه بكليتكم.
وأهل الغفلة المنهمكون في الشهوات، يريدون ميلكم عن طريق الوصول إلى حضرة ربكم، يرد الله أن يخفف عنكم، فلا يحملكم من الواردات إلا ما تطيقه طاقتكم، لأنكم ضعفاء إلا إن قواكم. اللهم قونا على ما نريد، وأيدنا فيما تريد، إنك على كل شيء قدير. ولما ذكر ما يتعلق بحفظ أموال اليتامى وأموال النساء، وانجر الكلام إلى ما يتعلق بهن من حدودهن، وما يحل وما يحرم منهن، ذكر ما بقي من حفظ أموال الرجال.
النساء 4:26
{ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فإنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان... } قلت: الطول: الغنى والسعة، ويطلق على العلو، مصدر طال طولا، وهو مفعول { يستطع } ، أو مصدر له لتقارب معناهما، و { أن ينكح } بدل منه على الأول، أو مفعول به على الثاني، أي: لأن ينكح، و { محصنات غير مسافحات } ، حالان، والعامل فيه: { أنكحوهن } ، والخدن: الخليل. يقول الحق جل جلاله: { ومن لم يستطع منكم طولا } أي: لم يجد غني يقدر به على نكاح { المحصنات } ، أي: الحرائر { المؤمنات } ، فليتزوج من ما ملكت أيمانكم، من الإماء المؤمنات دون الكافرات، فإن أظهرت الإيمان فاكتفوا بذلك، وعلم الباطن لا يعلمه إلا الله، { والله أعلم بإيمانكم } فلا يمنعكم من نكاحهن خوف المعرة، فإنما أنتم جنس واحد، ودينكم واحد، { بعضكم من بعض } فلا تستنكفوا من نكاحهن، { فانكحوهن بإذن أهلهن } ، أي أربابهن، حتى يعقدوا لكم نكاحهن، { وآتوهن أجورهن }: أي: مهورهن، وهن أحق به دون ساداتهن، على مذهب مالك، { بالمعروف } من غير مطل، ولا نقص، على ما تقتضيه السنة. حال كونهن { محصنات } أي: عفيفات { غير مسافحات } أي: غير زانيات { ولا متخذات أخدان } ، أي: أصحاب يزنون بهن. وكان في الجاهلية من النساء من تتخذ صاحبا واحدا تزني معه خاصة، ومنها من لا ترد يد لامس. قال ابن جزي: مذهب مالك وأكثر أصحابه أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين: أحداهما: عدم الطول وهو ألا يجد ما يتزوج به حرة، والآخر: خوف العنت وهو الزنا. لقوله بعد هذا: { ذلك لمن خشي العنت منكم } ، وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين، على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة، لقوله: { من فتياتكم المؤمنات } إلا أهل العراق فلم يشترطوه.ه. الإشارة: فمن لم يستطع أن ينكح أبكار الحقائق، لكونه لم يقدر أن يدفع عن قلبه الشواغل والعلائق، فليتنزل لنكاح العلوم الرسمية والأعمال الحسية، بأخذها من أربابها، ويحصنها بالإخلاص في أخذها، ويقوم بحقها بقدر الإمكان، وهو بذلها لأهلها والصبر على نشرها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فإن صح قصده، وخلص عمله، قيض الله له وليا من أوليائه يغنيه بالله، حتى يصير من الأغنياء به، فيتأهل لنكاح الحرائر، ويلتحق بأولياء الله الأكابر،
وما ذلك على الله بعزيز
[إبراهيم:20]. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه لما تكلم على ثمرات المحبة قال: فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصنا بمعرفته، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغمورا في مشاهدته، والعبد يستزيد من حبه فيزاد ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسى حلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم.
ه. فعلم الحقائق أبكار، وما يوصل إليه من علوم الطريقة ثيبات حرائر، وما سواها من علوم الرسوم إماء بالنسبة إلى غيرها، والله تعالى أعلم. ثم ذكر حد الأمة إذا زنت، فقالت: {...فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب... } قلت: أحصن الرجل بفتح الهمزة وضمها : صار محصنا بالفتح والكسر، وهذا مما اتحد فيه البناء للفاعل والمفعول. وقيل بالفتح، معناه: أسلم، وبالضم: تزوج. يقول الحق جل جلاله: إن الإماء إذا تزوجن { فإن أتين بفاحشة } ، وهو الزنا، فعليهن نصف ما على الحرة من الحد، وهو خمسون، لأن حد البكر مائة. ويفهم منه أنها لا ترجم لأن الرجم لا يتبعض. وكذلك الذكور من العبيد عليهم نصف الحدود كلها، ولا رجم عليهم، وسمى الحد عذابا، كقوله:
وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين
[النور:2]. الإشارة: بقدر ما يعلو المقام يشدد العقاب، وبقدر ما يحصل من القرب يطلب الآداب، فليست المعصية في البعد كالمعصية في القرب، وليس يطلب من البعيد ما يطلب من القريب، وانظر إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى لهن:
يا نسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين
[الأحزاب:30]. وما ذلك إلا لحظوتهن وشدة قربهن من الله. ولذلك كان لا يدخل الحضرة إلا أهل الآداب والتهذيب، بعد التدريج والتدريب، وتأمل قضية الجنيد، حيث قيل له في المنام: مثلك لا يرضى منه هذا، حيث خطر على قلبه الاعتراض على السائل، غير أن المقربين يعاتبون، ويردون إلى الحضرة، وأهل البعد يزيدون بعدا، ولكن لا يشعرون، والله تعالى أعلم. ثم ذكر شرط تزوج الأمة لعادم الطول، فقال: {...ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } قلت: العنت: المشقة والضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم، ولا سيما بأفحش الفواحش وهو الزنا، { يريد الله ليبين لكم } ، أي: لأن يبين، واللام زائدة في المفعول، لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإدارة. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: نكاح الإماء إنما أبحته لمن خشي الوقوع في الزنا، الذي هو أقبح الفواحش، فنكاح الأمة، وإرقاق الولد يباع في الأسواق أخف من الزنا. { وأن تصبروا } عن نكاحهن، مع التعفف عن الزنا، { خير لكم } لئلا يرق أولادكم. وعن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر "
وقال أبو هريرة: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول:
" الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت ".
{ والله غفور } لكم فيما سلف من المخالفة، { رحيم } بكم، حيث رخص لكم عند خوف الإثم نكاح الأمة، { يريد الله ليبين لكم } شرائع دينكم، ومصالح أموركم، { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي: مناهج من تقدمكم من أهل الرشد، كالأنبياء والصالحين، لتسلكوا مناهجهم، كحفظ الأموال والأنساب، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات، فإنهن محرمات على من قبلكم، { ويتوب عليكم } أي: يغفر ذنوبكم الماضية، أو يرشدكم إلى التوبة، أو يمنعكم من المعاصي بالعصمة. { والله عليم } بما أسلفتم وما تستقبلونه من أفعالكم، { حكيم } بما دبر وأبرم. { والله يريد أن يتوب عليكم } كرره توطئة لقوله: { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا } عن الحق { ميلا عظيما } بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات، وكأنه تعالى يقول: إنا نريد توبتكم ورشدكم، والذين يتبعون الشهوات يريدون ميلكم وإضلالكم، والمراد بهم الزناة لأنهم يودون أن يكون الناس كلهم زناة، وأما من تعاطى شهوة النكاح في الحلال، فإنه متبع للحق لا لهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
" تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة "
وقد كان سيدنا علي كرم الله وجهه أزهد الصحابة، وكان له أربع حرائر وسبع جواري سريات، وقيل: سبع عشرة، وقيل: المراد بهم اليهود والنصارى، لأن اليهود يحلون الأقارب من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت. وقيل: المجوس. { يريد الله أن يخفف عنكم } فلذلك شرع لكم الشريعة الحنيفية السمحة السهلة، ورخص لكم عند المضايق في نكاح الأمة. { وخلق الإنسان ضعيفا } في كل شيء، لأنه خلق من ضعف، ويؤول إلى ضعف، أسير جوعة، صريع شبعة، وخصوصا عن شهوة النساء، فإنه لا يصبر عن الجماع، ولا يكون في شيء أضعف منه في أمر النساء، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: ألا تروني أني لا أقوم إلا رفدا، ولا آكل إلا ما لين لي، وقد مات صاحبي يعني ذكره منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي، وأن لي ما تطلع عليه الشمس، مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه، على أنه لا سمع ولا بصر. قال ابن عباس: ثماني آيات في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، { يريد الله ليبين لكم } [النساء:26]، { والله يريد أن يتوب عليكم } [النساء:27]، { يريد الله أن يخفف عنكم } [النساء:28]،
إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه...
[النساء:31] الآية،
إن الله لا يغفر أن يشرك به...
[النساء:48] الآية،
إن الله لا يظلم مثقال ذرة...
[النساء:40]،
ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه...
[النساء:110] الآية،
ما يفعل الله بعذابكم...
[النساء:147] الآية.ه. الأشارة: إنما ينزل المريد إلى العلوم الرسمية، أو الأعمال الحسية، إذا خشي الانمحاق أو الاصطلام في بحر الحقائق، وإن صبر وتماسك، حتى يتقوى على حمل أعبائها، فهو خير له، لأن الرجوع إلى الحس، لا يؤمن من الحبس، والله غفور لمن تنزل لعلة ما تقدم، رحيم حين جعل له الرخصة، { يريد الله ليبين لكم } سلوك الطريق إلى عين التحقيق، ويهديكم طرق الوصول، كما هدى من قبلكم، ويتوب فيما خطر ببالكم، من الفترة أو الوقفة، والله يريد أن يتعطف عليكم، لترجعوا إليه بكليتكم.
وأهل الغفلة المنهمكون في الشهوات، يريدون ميلكم عن طريق الوصول إلى حضرة ربكم، يرد الله أن يخفف عنكم، فلا يحملكم من الواردات إلا ما تطيقه طاقتكم، لأنكم ضعفاء إلا إن قواكم. اللهم قونا على ما نريد، وأيدنا فيما تريد، إنك على كل شيء قدير. ولما ذكر ما يتعلق بحفظ أموال اليتامى وأموال النساء، وانجر الكلام إلى ما يتعلق بهن من حدودهن، وما يحل وما يحرم منهن، ذكر ما بقي من حفظ أموال الرجال.
النساء 4:27
{ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فإنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان... } قلت: الطول: الغنى والسعة، ويطلق على العلو، مصدر طال طولا، وهو مفعول { يستطع } ، أو مصدر له لتقارب معناهما، و { أن ينكح } بدل منه على الأول، أو مفعول به على الثاني، أي: لأن ينكح، و { محصنات غير مسافحات } ، حالان، والعامل فيه: { أنكحوهن } ، والخدن: الخليل. يقول الحق جل جلاله: { ومن لم يستطع منكم طولا } أي: لم يجد غني يقدر به على نكاح { المحصنات } ، أي: الحرائر { المؤمنات } ، فليتزوج من ما ملكت أيمانكم، من الإماء المؤمنات دون الكافرات، فإن أظهرت الإيمان فاكتفوا بذلك، وعلم الباطن لا يعلمه إلا الله، { والله أعلم بإيمانكم } فلا يمنعكم من نكاحهن خوف المعرة، فإنما أنتم جنس واحد، ودينكم واحد، { بعضكم من بعض } فلا تستنكفوا من نكاحهن، { فانكحوهن بإذن أهلهن } ، أي أربابهن، حتى يعقدوا لكم نكاحهن، { وآتوهن أجورهن }: أي: مهورهن، وهن أحق به دون ساداتهن، على مذهب مالك، { بالمعروف } من غير مطل، ولا نقص، على ما تقتضيه السنة. حال كونهن { محصنات } أي: عفيفات { غير مسافحات } أي: غير زانيات { ولا متخذات أخدان } ، أي: أصحاب يزنون بهن. وكان في الجاهلية من النساء من تتخذ صاحبا واحدا تزني معه خاصة، ومنها من لا ترد يد لامس. قال ابن جزي: مذهب مالك وأكثر أصحابه أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين: أحداهما: عدم الطول وهو ألا يجد ما يتزوج به حرة، والآخر: خوف العنت وهو الزنا. لقوله بعد هذا: { ذلك لمن خشي العنت منكم } ، وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين، على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة، لقوله: { من فتياتكم المؤمنات } إلا أهل العراق فلم يشترطوه.ه. الإشارة: فمن لم يستطع أن ينكح أبكار الحقائق، لكونه لم يقدر أن يدفع عن قلبه الشواغل والعلائق، فليتنزل لنكاح العلوم الرسمية والأعمال الحسية، بأخذها من أربابها، ويحصنها بالإخلاص في أخذها، ويقوم بحقها بقدر الإمكان، وهو بذلها لأهلها والصبر على نشرها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فإن صح قصده، وخلص عمله، قيض الله له وليا من أوليائه يغنيه بالله، حتى يصير من الأغنياء به، فيتأهل لنكاح الحرائر، ويلتحق بأولياء الله الأكابر،
وما ذلك على الله بعزيز
[إبراهيم:20]. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه لما تكلم على ثمرات المحبة قال: فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصنا بمعرفته، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغمورا في مشاهدته، والعبد يستزيد من حبه فيزاد ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسى حلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم.
ه. فعلم الحقائق أبكار، وما يوصل إليه من علوم الطريقة ثيبات حرائر، وما سواها من علوم الرسوم إماء بالنسبة إلى غيرها، والله تعالى أعلم. ثم ذكر حد الأمة إذا زنت، فقالت: {...فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب... } قلت: أحصن الرجل بفتح الهمزة وضمها : صار محصنا بالفتح والكسر، وهذا مما اتحد فيه البناء للفاعل والمفعول. وقيل بالفتح، معناه: أسلم، وبالضم: تزوج. يقول الحق جل جلاله: إن الإماء إذا تزوجن { فإن أتين بفاحشة } ، وهو الزنا، فعليهن نصف ما على الحرة من الحد، وهو خمسون، لأن حد البكر مائة. ويفهم منه أنها لا ترجم لأن الرجم لا يتبعض. وكذلك الذكور من العبيد عليهم نصف الحدود كلها، ولا رجم عليهم، وسمى الحد عذابا، كقوله:
وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين
[النور:2]. الإشارة: بقدر ما يعلو المقام يشدد العقاب، وبقدر ما يحصل من القرب يطلب الآداب، فليست المعصية في البعد كالمعصية في القرب، وليس يطلب من البعيد ما يطلب من القريب، وانظر إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى لهن:
يا نسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين
[الأحزاب:30]. وما ذلك إلا لحظوتهن وشدة قربهن من الله. ولذلك كان لا يدخل الحضرة إلا أهل الآداب والتهذيب، بعد التدريج والتدريب، وتأمل قضية الجنيد، حيث قيل له في المنام: مثلك لا يرضى منه هذا، حيث خطر على قلبه الاعتراض على السائل، غير أن المقربين يعاتبون، ويردون إلى الحضرة، وأهل البعد يزيدون بعدا، ولكن لا يشعرون، والله تعالى أعلم. ثم ذكر شرط تزوج الأمة لعادم الطول، فقال: {...ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } قلت: العنت: المشقة والضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم، ولا سيما بأفحش الفواحش وهو الزنا، { يريد الله ليبين لكم } ، أي: لأن يبين، واللام زائدة في المفعول، لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإدارة. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: نكاح الإماء إنما أبحته لمن خشي الوقوع في الزنا، الذي هو أقبح الفواحش، فنكاح الأمة، وإرقاق الولد يباع في الأسواق أخف من الزنا. { وأن تصبروا } عن نكاحهن، مع التعفف عن الزنا، { خير لكم } لئلا يرق أولادكم. وعن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر "
وقال أبو هريرة: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول:
" الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت ".
{ والله غفور } لكم فيما سلف من المخالفة، { رحيم } بكم، حيث رخص لكم عند خوف الإثم نكاح الأمة، { يريد الله ليبين لكم } شرائع دينكم، ومصالح أموركم، { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي: مناهج من تقدمكم من أهل الرشد، كالأنبياء والصالحين، لتسلكوا مناهجهم، كحفظ الأموال والأنساب، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات، فإنهن محرمات على من قبلكم، { ويتوب عليكم } أي: يغفر ذنوبكم الماضية، أو يرشدكم إلى التوبة، أو يمنعكم من المعاصي بالعصمة. { والله عليم } بما أسلفتم وما تستقبلونه من أفعالكم، { حكيم } بما دبر وأبرم. { والله يريد أن يتوب عليكم } كرره توطئة لقوله: { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا } عن الحق { ميلا عظيما } بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات، وكأنه تعالى يقول: إنا نريد توبتكم ورشدكم، والذين يتبعون الشهوات يريدون ميلكم وإضلالكم، والمراد بهم الزناة لأنهم يودون أن يكون الناس كلهم زناة، وأما من تعاطى شهوة النكاح في الحلال، فإنه متبع للحق لا لهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
" تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة "
وقد كان سيدنا علي كرم الله وجهه أزهد الصحابة، وكان له أربع حرائر وسبع جواري سريات، وقيل: سبع عشرة، وقيل: المراد بهم اليهود والنصارى، لأن اليهود يحلون الأقارب من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت. وقيل: المجوس. { يريد الله أن يخفف عنكم } فلذلك شرع لكم الشريعة الحنيفية السمحة السهلة، ورخص لكم عند المضايق في نكاح الأمة. { وخلق الإنسان ضعيفا } في كل شيء، لأنه خلق من ضعف، ويؤول إلى ضعف، أسير جوعة، صريع شبعة، وخصوصا عن شهوة النساء، فإنه لا يصبر عن الجماع، ولا يكون في شيء أضعف منه في أمر النساء، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: ألا تروني أني لا أقوم إلا رفدا، ولا آكل إلا ما لين لي، وقد مات صاحبي يعني ذكره منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي، وأن لي ما تطلع عليه الشمس، مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه، على أنه لا سمع ولا بصر. قال ابن عباس: ثماني آيات في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، { يريد الله ليبين لكم } [النساء:26]، { والله يريد أن يتوب عليكم } [النساء:27]، { يريد الله أن يخفف عنكم } [النساء:28]،
إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه...
[النساء:31] الآية،
إن الله لا يغفر أن يشرك به...
[النساء:48] الآية،
إن الله لا يظلم مثقال ذرة...
[النساء:40]،
ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه...
[النساء:110] الآية،
ما يفعل الله بعذابكم...
[النساء:147] الآية.ه. الأشارة: إنما ينزل المريد إلى العلوم الرسمية، أو الأعمال الحسية، إذا خشي الانمحاق أو الاصطلام في بحر الحقائق، وإن صبر وتماسك، حتى يتقوى على حمل أعبائها، فهو خير له، لأن الرجوع إلى الحس، لا يؤمن من الحبس، والله غفور لمن تنزل لعلة ما تقدم، رحيم حين جعل له الرخصة، { يريد الله ليبين لكم } سلوك الطريق إلى عين التحقيق، ويهديكم طرق الوصول، كما هدى من قبلكم، ويتوب فيما خطر ببالكم، من الفترة أو الوقفة، والله يريد أن يتعطف عليكم، لترجعوا إليه بكليتكم.
وأهل الغفلة المنهمكون في الشهوات، يريدون ميلكم عن طريق الوصول إلى حضرة ربكم، يرد الله أن يخفف عنكم، فلا يحملكم من الواردات إلا ما تطيقه طاقتكم، لأنكم ضعفاء إلا إن قواكم. اللهم قونا على ما نريد، وأيدنا فيما تريد، إنك على كل شيء قدير. ولما ذكر ما يتعلق بحفظ أموال اليتامى وأموال النساء، وانجر الكلام إلى ما يتعلق بهن من حدودهن، وما يحل وما يحرم منهن، ذكر ما بقي من حفظ أموال الرجال.
النساء 4:28
{ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فإنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان... } قلت: الطول: الغنى والسعة، ويطلق على العلو، مصدر طال طولا، وهو مفعول { يستطع } ، أو مصدر له لتقارب معناهما، و { أن ينكح } بدل منه على الأول، أو مفعول به على الثاني، أي: لأن ينكح، و { محصنات غير مسافحات } ، حالان، والعامل فيه: { أنكحوهن } ، والخدن: الخليل. يقول الحق جل جلاله: { ومن لم يستطع منكم طولا } أي: لم يجد غني يقدر به على نكاح { المحصنات } ، أي: الحرائر { المؤمنات } ، فليتزوج من ما ملكت أيمانكم، من الإماء المؤمنات دون الكافرات، فإن أظهرت الإيمان فاكتفوا بذلك، وعلم الباطن لا يعلمه إلا الله، { والله أعلم بإيمانكم } فلا يمنعكم من نكاحهن خوف المعرة، فإنما أنتم جنس واحد، ودينكم واحد، { بعضكم من بعض } فلا تستنكفوا من نكاحهن، { فانكحوهن بإذن أهلهن } ، أي أربابهن، حتى يعقدوا لكم نكاحهن، { وآتوهن أجورهن }: أي: مهورهن، وهن أحق به دون ساداتهن، على مذهب مالك، { بالمعروف } من غير مطل، ولا نقص، على ما تقتضيه السنة. حال كونهن { محصنات } أي: عفيفات { غير مسافحات } أي: غير زانيات { ولا متخذات أخدان } ، أي: أصحاب يزنون بهن. وكان في الجاهلية من النساء من تتخذ صاحبا واحدا تزني معه خاصة، ومنها من لا ترد يد لامس. قال ابن جزي: مذهب مالك وأكثر أصحابه أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين: أحداهما: عدم الطول وهو ألا يجد ما يتزوج به حرة، والآخر: خوف العنت وهو الزنا. لقوله بعد هذا: { ذلك لمن خشي العنت منكم } ، وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين، على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة، لقوله: { من فتياتكم المؤمنات } إلا أهل العراق فلم يشترطوه.ه. الإشارة: فمن لم يستطع أن ينكح أبكار الحقائق، لكونه لم يقدر أن يدفع عن قلبه الشواغل والعلائق، فليتنزل لنكاح العلوم الرسمية والأعمال الحسية، بأخذها من أربابها، ويحصنها بالإخلاص في أخذها، ويقوم بحقها بقدر الإمكان، وهو بذلها لأهلها والصبر على نشرها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فإن صح قصده، وخلص عمله، قيض الله له وليا من أوليائه يغنيه بالله، حتى يصير من الأغنياء به، فيتأهل لنكاح الحرائر، ويلتحق بأولياء الله الأكابر،
وما ذلك على الله بعزيز
[إبراهيم:20]. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه لما تكلم على ثمرات المحبة قال: فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصنا بمعرفته، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغمورا في مشاهدته، والعبد يستزيد من حبه فيزاد ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسى حلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم.
ه. فعلم الحقائق أبكار، وما يوصل إليه من علوم الطريقة ثيبات حرائر، وما سواها من علوم الرسوم إماء بالنسبة إلى غيرها، والله تعالى أعلم. ثم ذكر حد الأمة إذا زنت، فقالت: {...فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب... } قلت: أحصن الرجل بفتح الهمزة وضمها : صار محصنا بالفتح والكسر، وهذا مما اتحد فيه البناء للفاعل والمفعول. وقيل بالفتح، معناه: أسلم، وبالضم: تزوج. يقول الحق جل جلاله: إن الإماء إذا تزوجن { فإن أتين بفاحشة } ، وهو الزنا، فعليهن نصف ما على الحرة من الحد، وهو خمسون، لأن حد البكر مائة. ويفهم منه أنها لا ترجم لأن الرجم لا يتبعض. وكذلك الذكور من العبيد عليهم نصف الحدود كلها، ولا رجم عليهم، وسمى الحد عذابا، كقوله:
وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين
[النور:2]. الإشارة: بقدر ما يعلو المقام يشدد العقاب، وبقدر ما يحصل من القرب يطلب الآداب، فليست المعصية في البعد كالمعصية في القرب، وليس يطلب من البعيد ما يطلب من القريب، وانظر إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى لهن:
يا نسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين
[الأحزاب:30]. وما ذلك إلا لحظوتهن وشدة قربهن من الله. ولذلك كان لا يدخل الحضرة إلا أهل الآداب والتهذيب، بعد التدريج والتدريب، وتأمل قضية الجنيد، حيث قيل له في المنام: مثلك لا يرضى منه هذا، حيث خطر على قلبه الاعتراض على السائل، غير أن المقربين يعاتبون، ويردون إلى الحضرة، وأهل البعد يزيدون بعدا، ولكن لا يشعرون، والله تعالى أعلم. ثم ذكر شرط تزوج الأمة لعادم الطول، فقال: {...ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } قلت: العنت: المشقة والضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم، ولا سيما بأفحش الفواحش وهو الزنا، { يريد الله ليبين لكم } ، أي: لأن يبين، واللام زائدة في المفعول، لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإدارة. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: نكاح الإماء إنما أبحته لمن خشي الوقوع في الزنا، الذي هو أقبح الفواحش، فنكاح الأمة، وإرقاق الولد يباع في الأسواق أخف من الزنا. { وأن تصبروا } عن نكاحهن، مع التعفف عن الزنا، { خير لكم } لئلا يرق أولادكم. وعن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر "
وقال أبو هريرة: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول:
" الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت ".
{ والله غفور } لكم فيما سلف من المخالفة، { رحيم } بكم، حيث رخص لكم عند خوف الإثم نكاح الأمة، { يريد الله ليبين لكم } شرائع دينكم، ومصالح أموركم، { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي: مناهج من تقدمكم من أهل الرشد، كالأنبياء والصالحين، لتسلكوا مناهجهم، كحفظ الأموال والأنساب، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات، فإنهن محرمات على من قبلكم، { ويتوب عليكم } أي: يغفر ذنوبكم الماضية، أو يرشدكم إلى التوبة، أو يمنعكم من المعاصي بالعصمة. { والله عليم } بما أسلفتم وما تستقبلونه من أفعالكم، { حكيم } بما دبر وأبرم. { والله يريد أن يتوب عليكم } كرره توطئة لقوله: { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا } عن الحق { ميلا عظيما } بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات، وكأنه تعالى يقول: إنا نريد توبتكم ورشدكم، والذين يتبعون الشهوات يريدون ميلكم وإضلالكم، والمراد بهم الزناة لأنهم يودون أن يكون الناس كلهم زناة، وأما من تعاطى شهوة النكاح في الحلال، فإنه متبع للحق لا لهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
" تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة "
وقد كان سيدنا علي كرم الله وجهه أزهد الصحابة، وكان له أربع حرائر وسبع جواري سريات، وقيل: سبع عشرة، وقيل: المراد بهم اليهود والنصارى، لأن اليهود يحلون الأقارب من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت. وقيل: المجوس. { يريد الله أن يخفف عنكم } فلذلك شرع لكم الشريعة الحنيفية السمحة السهلة، ورخص لكم عند المضايق في نكاح الأمة. { وخلق الإنسان ضعيفا } في كل شيء، لأنه خلق من ضعف، ويؤول إلى ضعف، أسير جوعة، صريع شبعة، وخصوصا عن شهوة النساء، فإنه لا يصبر عن الجماع، ولا يكون في شيء أضعف منه في أمر النساء، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: ألا تروني أني لا أقوم إلا رفدا، ولا آكل إلا ما لين لي، وقد مات صاحبي يعني ذكره منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي، وأن لي ما تطلع عليه الشمس، مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه، على أنه لا سمع ولا بصر. قال ابن عباس: ثماني آيات في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، { يريد الله ليبين لكم } [النساء:26]، { والله يريد أن يتوب عليكم } [النساء:27]، { يريد الله أن يخفف عنكم } [النساء:28]،
إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه...
[النساء:31] الآية،
إن الله لا يغفر أن يشرك به...
[النساء:48] الآية،
إن الله لا يظلم مثقال ذرة...
[النساء:40]،
ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه...
[النساء:110] الآية،
ما يفعل الله بعذابكم...
[النساء:147] الآية.ه. الأشارة: إنما ينزل المريد إلى العلوم الرسمية، أو الأعمال الحسية، إذا خشي الانمحاق أو الاصطلام في بحر الحقائق، وإن صبر وتماسك، حتى يتقوى على حمل أعبائها، فهو خير له، لأن الرجوع إلى الحس، لا يؤمن من الحبس، والله غفور لمن تنزل لعلة ما تقدم، رحيم حين جعل له الرخصة، { يريد الله ليبين لكم } سلوك الطريق إلى عين التحقيق، ويهديكم طرق الوصول، كما هدى من قبلكم، ويتوب فيما خطر ببالكم، من الفترة أو الوقفة، والله يريد أن يتعطف عليكم، لترجعوا إليه بكليتكم.
وأهل الغفلة المنهمكون في الشهوات، يريدون ميلكم عن طريق الوصول إلى حضرة ربكم، يرد الله أن يخفف عنكم، فلا يحملكم من الواردات إلا ما تطيقه طاقتكم، لأنكم ضعفاء إلا إن قواكم. اللهم قونا على ما نريد، وأيدنا فيما تريد، إنك على كل شيء قدير. ولما ذكر ما يتعلق بحفظ أموال اليتامى وأموال النساء، وانجر الكلام إلى ما يتعلق بهن من حدودهن، وما يحل وما يحرم منهن، ذكر ما بقي من حفظ أموال الرجال.
النساء 4:29
{ ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم... } قلت: الاستثناء منقطع، وكان تامة لمن رفع، وناقصه لمن نصب، واسمها: ضمير الأموال، على حذف مضاف، إلا أن تكون الأموال أموال تجارة. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } الذي لا تجوزه الشريعة، كالربا والقمار، والغصب والسرقة، والخيانة والكهانة والسحر وغير ذلك { إلا أن تكون } ، أي: لكن إن وجدت { تجارة } صحيحة { عن تراض منكم } أي: اتفاق منكم على البيع، وبه استدلت المالكية على انعقاد البيع بالعقد ولو لم يحصل تفرق بالأبدان. وقال الشافعي: إنما يتم بالتفرق بالأبدان، لقوله عليه الصلاة والسلام :
" البيعان بالخيار ما لم يتفرقا "
وحمله مالك على التفرق بالكلام، وقال أكثر المفسرين: التخيير، هو أن يخير كل واحد منهما صاحبة بعد عقد البيع، وقد ابتاع عمرو بن جرير فرسا، ثم خير صاحبه بعد البيع، ثم قال: سمعت أبا هريرة يقول: البيع عن تراض. قال البيضاوي: وتخصيص التجارة من الوجوه التي يحل بها انتقال مال الغير، لأنها أغلب وأوفق لذوي المروءات، ويجوز أن يراد بها الانتقال مطلقا. وقيل: المقصود بالنهي: صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى، وبالتجارة: صرفه فيما يرضى. ه. الإشارة: لا تصرفوا أموالكم ولا أحوالكم في غير ما يقربكم إلى الحق فإن ما سوى الحق كله باطل، كما قال الشاعر:
ألا كل شيء ما خلآ الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
إلا أن يكون صرفه في تجارة رابحة، تقربكم من الحبيب، وتجلبكم إلى حضرة القريب، فتلك تجارة رابحة وصفقة نافعة. والله تعالى أعلم. ثم تكلم على بعض ما يتعلق بحفظ الأبدان، وسيأتي تمامه في قوله:
وما كان لمؤمن...
[النساء:92] إلى آخر الآيات، فقال: {...ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا } يقول الحق جل جلاله: { ولا تقتلوا أنفسكم } ، بالخنق أو بالنخع أو بالجرح، الذي يؤدي إلى الموت، أو بالإلقاء إلى التهلكة. وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات السلاسل، فأجنبت في ليلة باردة، فأشفقت على نفسي وصليت بأصحابي صلاة الصبح بالتيمم. فلما قدمت ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
" يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ "
قلت: نعم يا رسول الله، أشفيت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قوله تعالى: { لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئا. أو: ولا تقتلوا إخوانكم في الإسلام، فإن المؤمنين كنفس واحدة.
قال البيضاوي: جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها استبقاء لهم. ه. وإنما نهاكم عن قتل أنفسكم رأفة، ورحمة بكم، { إن الله كان بكم رحيما } ، فقد أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم، وأنتم نهاكم عنه. { ومن يفعل ذلك } القتل. أو جميع ما سبق من المحرمات { عدوانا وظلما } ، أي: إفراطا في التجاوز عن الحد، وإتيانا بما لا يستحق، أو تعديا على الغير وظلما على النفس، بتعريضها للعقاب، { فسوف نصليه نارا } أي: نحرقه ونشويه فيها. { وكان ذلك على الله يسيرا }. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" من قتل نفسه بشيء عذب في نار جهنم خالدا مخلدا فيها "
وهو تغليظ، أو لمن استحل ذلك. وهذا الوعيد الذي ذكره الحق هنا في قتل الإنسان بيده، أهون مما ذكره في قتل الغير، الذي يأتي، لأنه زاد هناك الغصب واللعنة والعذاب العظيم، أما قول ابن عطية: إنه أجمع المفسرون أن هذه الآية في قتل بعضهم بعضا، فليس بصحيح، والله تعالى أعلم. الإشارة: ولا تقتلوا أنفسكم باتباع الشهوات وتراكم الغفلات، فإنه يفوتها الحياة الحقيقية، وقال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه، فكأنما قتلها. وحظ النفس هو تزكيتها وتحليتها بالكمالات، أو قوتها من العلم اليقين، والمعرفة وصحة التمكين، والمراد بالنفس هذا الروح، وأما ما اصطلحت عليه الصوفية من أن النفس يجب قتلها، فإن مرادهم بذلك النفس الأمارة، فإن الروح ما دامت مظلمة بالمعاصي والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت وتزكت سميت روحا. وهو المراد هنا. سماها نفسا باعتبار ما كانت عليه. والله تعالى أعلم.
النساء 4:30
{ ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم... } قلت: الاستثناء منقطع، وكان تامة لمن رفع، وناقصه لمن نصب، واسمها: ضمير الأموال، على حذف مضاف، إلا أن تكون الأموال أموال تجارة. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } الذي لا تجوزه الشريعة، كالربا والقمار، والغصب والسرقة، والخيانة والكهانة والسحر وغير ذلك { إلا أن تكون } ، أي: لكن إن وجدت { تجارة } صحيحة { عن تراض منكم } أي: اتفاق منكم على البيع، وبه استدلت المالكية على انعقاد البيع بالعقد ولو لم يحصل تفرق بالأبدان. وقال الشافعي: إنما يتم بالتفرق بالأبدان، لقوله عليه الصلاة والسلام :
" البيعان بالخيار ما لم يتفرقا "
وحمله مالك على التفرق بالكلام، وقال أكثر المفسرين: التخيير، هو أن يخير كل واحد منهما صاحبة بعد عقد البيع، وقد ابتاع عمرو بن جرير فرسا، ثم خير صاحبه بعد البيع، ثم قال: سمعت أبا هريرة يقول: البيع عن تراض. قال البيضاوي: وتخصيص التجارة من الوجوه التي يحل بها انتقال مال الغير، لأنها أغلب وأوفق لذوي المروءات، ويجوز أن يراد بها الانتقال مطلقا. وقيل: المقصود بالنهي: صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى، وبالتجارة: صرفه فيما يرضى. ه. الإشارة: لا تصرفوا أموالكم ولا أحوالكم في غير ما يقربكم إلى الحق فإن ما سوى الحق كله باطل، كما قال الشاعر:
ألا كل شيء ما خلآ الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
إلا أن يكون صرفه في تجارة رابحة، تقربكم من الحبيب، وتجلبكم إلى حضرة القريب، فتلك تجارة رابحة وصفقة نافعة. والله تعالى أعلم. ثم تكلم على بعض ما يتعلق بحفظ الأبدان، وسيأتي تمامه في قوله:
وما كان لمؤمن...
[النساء:92] إلى آخر الآيات، فقال: {...ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا } يقول الحق جل جلاله: { ولا تقتلوا أنفسكم } ، بالخنق أو بالنخع أو بالجرح، الذي يؤدي إلى الموت، أو بالإلقاء إلى التهلكة. وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات السلاسل، فأجنبت في ليلة باردة، فأشفقت على نفسي وصليت بأصحابي صلاة الصبح بالتيمم. فلما قدمت ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
" يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ "
قلت: نعم يا رسول الله، أشفيت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قوله تعالى: { لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئا. أو: ولا تقتلوا إخوانكم في الإسلام، فإن المؤمنين كنفس واحدة.
قال البيضاوي: جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها استبقاء لهم. ه. وإنما نهاكم عن قتل أنفسكم رأفة، ورحمة بكم، { إن الله كان بكم رحيما } ، فقد أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم، وأنتم نهاكم عنه. { ومن يفعل ذلك } القتل. أو جميع ما سبق من المحرمات { عدوانا وظلما } ، أي: إفراطا في التجاوز عن الحد، وإتيانا بما لا يستحق، أو تعديا على الغير وظلما على النفس، بتعريضها للعقاب، { فسوف نصليه نارا } أي: نحرقه ونشويه فيها. { وكان ذلك على الله يسيرا }. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" من قتل نفسه بشيء عذب في نار جهنم خالدا مخلدا فيها "
وهو تغليظ، أو لمن استحل ذلك. وهذا الوعيد الذي ذكره الحق هنا في قتل الإنسان بيده، أهون مما ذكره في قتل الغير، الذي يأتي، لأنه زاد هناك الغصب واللعنة والعذاب العظيم، أما قول ابن عطية: إنه أجمع المفسرون أن هذه الآية في قتل بعضهم بعضا، فليس بصحيح، والله تعالى أعلم. الإشارة: ولا تقتلوا أنفسكم باتباع الشهوات وتراكم الغفلات، فإنه يفوتها الحياة الحقيقية، وقال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه، فكأنما قتلها. وحظ النفس هو تزكيتها وتحليتها بالكمالات، أو قوتها من العلم اليقين، والمعرفة وصحة التمكين، والمراد بالنفس هذا الروح، وأما ما اصطلحت عليه الصوفية من أن النفس يجب قتلها، فإن مرادهم بذلك النفس الأمارة، فإن الروح ما دامت مظلمة بالمعاصي والهوى سميت نفسا، فإذا تطهرت وتزكت سميت روحا. وهو المراد هنا. سماها نفسا باعتبار ما كانت عليه. والله تعالى أعلم.
النساء 4:31
قلت: المدخل بالضم: مصدر، بمعنى الإدخال، وبالفتح: المكان، ويحتمل المصدر. يقول الحق جل جلاله: إن تجتنبوا كبائر الذنوب التي تنهون عنها { نكفر عنكم سيئاتكم } الصغائر { وندخلكم مدخلا كريما } وهو الجنة، أو إدخالا مصحوبا بالكرامة والتعظيم، واختلف في الكبائر، هل تعرف بالعد أو بالحد؟ فقيل: سبع، وقيل: سبعون، وقيل: سبعمائة، وقيل: كل معصية فهي كبيرة. عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
" اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات الغافلات المؤمنات ".
قال ابن جزي: لا شك أن هذه من الكبائر لنص الشارع عليها، وزاد بعضهم عليها أشياء ورد النص عليها في الحديث أنها من الكبائر، منها عقوق الوالدين، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والنهبة، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في البيت الحرام، والنميمة، وترك التحرز من البول، والغلول، واستطالة الرجل في عرض أخيه، والجور في الحكم. وقيل في حدها: كل جريمة تؤذن بقلة الدين ورقة الديانة، وقيل: ذنوب الظاهر صغائر، وذنوب الباطن كبائر. وقيل: كل ما فيه حق الغير فهو كبائر، وما كان بينك وبين الله تعالى صغائر، واحتج هذا بقوله عليه الصلاة والسلام :
" ينادي يوم القيامة مناد من بطنان العرش: يا أمة أحمد، إن الله تعالى يقول: أما ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم، وبقيت التباعات، فتواهبوها، وادخلوا الجنة ".
الأشارة: كل ما يبعد العبد عن حضرة ربه فهو من أكبر الكبائر، فمن اجتنب ذلك واتقى كل ما يشغله عن الله أدخله الله مدخلا كريما، وهو حضرة الشهود والتلذذ برؤية المعبود، والترقي في أسرار الحبيب الودود. قال الورتجبي: قال أبو تراب: أمر الله باجتناب الكبائر، وهي الدعاوى الفاسدة، والإشارات الباطلة، وإطلاق اللفظ بغير الحقيقة. ه.
النساء 4:32
يقول الحق جل جلاله: { ولا تتمنوا ما فضل الله به } من الميراث { بعضكم على بعض } ، كتضعيف الذكر على الأنثى، فللرجال { نصيب مما اكتسبوا } أي: مما أصابوا وأحرزوا في القسمة، { وللنساء نصيب مما اكتسبن } منه، قل أو كثر، فلتقنع بما قسم الله لها، ولا تعترض على أحكام الشريعة، ولكن { اسألوا الله من فضله } يعطكم من غير الميراث، هكذا فسرها ابن عباس. وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يغزو الرجال ولا نغزو، فليتنا رجال نغزو، ونبلغ ما يبلغ الرجال. فنزلت. فيكون المعنى: ولا تتمنوا ما فضل الله به الرجال على النساء كالغزو وغيره، فللرجال نصيب مما اكتسبوا من ثواب الجهاد وسائر أعمالهم، { وللنساء نصيب مما اكتسبن } من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهم وسائر بقية أعمالهن. والتحقيق أنها عامة في جميع المراتب الدينية والدنيويه لأن ذلك ذريعة إلى التحاسد والتعادي، ومعربة عن عدم الرضا بما قسم الله له، وإلى التشهي لحصول الشيء له من غير طلب، وهو مذموم لأن تمني ما لم يقدر له، معارضة لحكمة القدر، وتمني ما قدر له بكسب، بطالة وتضييع حظ، وتمني ما قدر له بغير كسب، ضياع ومحال، قاله البيضاوي. فللرجال نصيب من أجل ما اكتسبوا من الأعمال، وتحملوا من المشاق، فيعطيهم الله على قدر ما اكتسبوا { وللنساء نصيب مما اكتسبن } كذلك، فلا فائدة في تمني ما للناس، ولكن { اسألوا الله من فضله } يعطكم مثله، أو أكثر من خزائنه التي لا تنفذ. { إن الله كان بكل شيء عليما } وهو يعلم ما يستحقه كل إنسان، فيفضل من شاء بما شاء عن علم وبيان، ومناسبة الآية حينئذ لما قبلها: أن تجنب الكبائر فضل من الله ونعمة، وهو أفضل ممن يقع فيها، لكن لا ينبغي تمني ذلك من غير عمل، ولكن يسأل الله من فضله حتى يلحقه بأهل العصمة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد وقع التفضيل في مقامات الأولياء كالأنبياء، لكن لا ينبغي تعيين الفاضل من المفضول، لما يؤدي إليه من التنقيص فيؤدي إلى الغيبة، والتفضيل يقع بزيادة اليقين وصحة التمكين، والترقي في أنوار التوحيد وأسرار التفريد. يكون أيضا بهداية الخلق على يده، وظهور إحسانه ورفده، فإذا رأى العبد أنه لم يبلغ إلى مقام غيره فلا يتمنى ذلك المقام بعينه، فقد يكون مقامه عند الله في عمله أعظم، وقد يكون أدون، فيسيء الأدب، فالخير كله في العبودية والرضى بأحكام الربوبية، فللأقوياء نصيب مما اكتسبوا بالقوة والمجاهدة التي خلق الله فيهم، حكمة وفضلا، وللضعفاء نصيب مما اكتسبوا قسمة وعدلا، ولكن يسأل الله من فضله العظيم، فإن الله بكل شيء عليم، فقد يعطى بلا سبب ويبلغ بلا تعب. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل "
وفي حديث أخر:
" من لم يسأل الله يغضب عليه "
وقال الورتجبي: أمر بالسؤال ونهى عن التمني لأن السؤال افتقار، والتمني، اختيار. ه. والله تعالى أعلم.
النساء 4:33
قلت: التنوين في " كل ": للعوض، و { مما ترك } بيان للمعوض منه، أي: ولكل مال مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي: أي: ورثة، وهم الذرية والعصبة يرثون من ذلك المال، والوالدان على هذا فاعل، ويحتمل أن يكون مبتدأ والتنوين عوض عن الميت الموروث، أي: ولكل ميت جعلنا ورثة يرثون مما ترك ذلك الميت، وهم الوالدان والأقربون فيوقف على { ترك } ، و { مما } يتعلق بمحذوف، و { الذين } مبتدأ، و { فآتوهم } خبر، دخلت الفاء لما في المبتدأ من العموم. يقول الحق جل جلاله: ولكل ميت جعلنا ورثة يرثون { مما ترك } ذلك الميت، وهم { الوالدان والأقربون } ، أو لكل تركة جعلنا لها { موالي } أي: ورثة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، { والذين عقدت أيمانكم } وهم موالي الحلف، كانوا يتحالفون في الجاهلية على النصرة والمؤازرة، يقول الرجل لآخر: دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأري ثأرك. فيضرب بعضهم على يد الآخر في عقد ذلك الحلف. فلذلك قال: { عقدت أيمانكم } فكان في أول الإسلام يرث من حليفه السدس، وإليه أشار بقوله: { فآتوهم نصيبهم } ، ثم نسخ. وقيل: نزلت في المؤاخاة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكان يرث السدس، ثم نسخ بقوله
وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله
[الأنفال:75]. وعن أبي حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث. وقال ابن عباس: آتوهم نصيبهم من النصرة التي تعاقدوا عليه، فيوفي لهم بها، فلا نسخ. { إن الله كان على كل شيء شهيدا } ، هو تهديد لم تعدى الحدود، ونقض العهود. والله تعالى أعلم. الإشارة: ولكل زمان جعلنا أولياء كبراء، يرثون مما ترك أشياخهم من خصوصية الولاية وسر العناية، إلى يوم القيامة فالأرض لا تخلو ممن يقوم بالحجة ويظهر المحجة، فيقال لهم: والذين عقدت أيمانكم في الصحبة معكم، فظهر صدقهم، وبانت خدمتهم، فآتوهم نصيبهم مما خصكم الله به من سر الولاية ولطف العناية، { إن الله كان على كل شيء شهيدا } ، لا يخفى عليه من يستحق الخلافة ويرث سر الولاية. والله تعالى أعلم.
النساء 4:34
قلت: { فالصالحات } مبتدأ، وما بعده إخبار عنه، وأتى بالفاء المؤذنة بالنسببية والتفريع، وكأنه تعالى يقول: الرجال قوامون على النساء، فمن كانت صالحة قام عليها بما تستحقه من حسن المعاشرة، ومن كانت ناشزة عاملها بما تستحقه من الوعظ وغيره. وكل ما هنا من لفظ ما فهي مصدرية. إلا ما قرأ به أبو جعفر: [بما حفظ الله] بالنصب، فهي عنده موصولة اسمية، أي: بالأمر الذي حفظ الله وهو طاعتها لله فحفظها بذلك، وقيل إنها مصدرية. انظر الثعلبي. يقول الحق جل جلاله: { الرجال قوامون على النساء } أي: قائمون عليهن قيام الولاة على الرعية، في التأديب والإنفاق والتعليم، ذلك لأمرين: أحدهما وهبي، والآخر كسبي فالوهبي: هو تفضيل الله لهم على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ولذلك خصوا بالنبوة، والإمامة، والولاية، وإقامة الشعائر، والشهادة، في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة ونحوهما، والتعصيب، وزيادة السهم في الميراث، والاستبداد بالطلاق. والكسبي هو: { بما أنفقوا من أموالهم } في مهورهن، ونفقتهن، وكسوتهن. فيجب على الزوج أن يقوم العدل في أمر نسائه، فالمرأة الصالحة القانتة، أي: المطيعة لزوجها ولله تعالى، الحافظة للغيب، أي: لما غاب عن زوجها من مال بيته وفرجها وسر زوجها، حفظت ذلك بحفظ الله، أي: بما جعل الله فيها من الأمانة والحفظ، وبما ربط على قلبها من الديانة، أو بحفظها حق الله، فلما حفظت حقوق الله حفظها الله بعصمته، لقوله عليه الصلاة والسلام :
" احفظ الله يحفظك "
فمن كانت على هذا الوصف من النساء فيجب على الزوج حسن القيام بها، ومقابلتها في القيام بما قابلته من الإحسان، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
" خير النساء أمرأة إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت حفظتك في مالها ونفسها "
وتلا هذه الآية. وأما النساء التي { تخافون } أي: تتيقنون { نشوزهن } أي: ترفعهن عن طاعة أزواجهن وعصيانهن، { فعظوهن } بالقول، فإن لم ينفع فاهجروهن في المضاجع، أي: لا تدخلوا معهن في لحاف، أو لا تجامعوهن، فإن لم ينفع فاضربوهن ضربا غير مؤلم ولا شائن. قال صلى الله عليه وسلم:
" علق السوط حيث يراه أهل البيت "
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: كنت رابع نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا، ضربها بعود المشجب، حتى ينكسر. والمشجب: أعواد مركبة يجعل عليها الثياب. { فإن أطعنكم } يا معشر الأزواج، أو عقدن التوبة مما مضى، { فلا تبغوا عليهن سبيلا } أي: لا تطلبوا عليهن طريقا تجعلونه سبيلا لإيذائهن، بل اجعلوا ما كان منها من النشوز كأن لم يكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
وقال ابن عيينة: أي لا تكلفوهن بحبكم. ه. وقال الورتجبي: إذا حصل منهن صورة طاعة الرجال فلا يطلب منهن موافقة الطباع، فإن ذلك منازعة للقدر. قال تعالى:
لا تبديل لخلق الله
[الروم:30]، وذكر حديث
" الأرواح جنود مجندة ".
ثم هدد الأزواج فقال: { إن الله كان عليا كبيرا } فاحذروه، فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت ولايتكم، أو: إنه على علو شأنه، يتجاوز عن سيئاتكم، فأنتم أولى بالعفو عن نسائكم، أو: أنه يتعالى ويكبر أن يظلم أحدا أو ينقص حقه. وسبب نزول الآية: أن سعد بن الربيع، وكان من النقباء، لطم امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، وكانت نشزت عليه، فانطلق أبوها معها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، فقال عليه الصلاة والسلام :
" لتقتص منه، "
فانصرفت لتقتص منه فقال صلى الله عليه وسلم:
" ارجعوا، هذا جبريل أتاني وأنزل الله هذه الآية: { الرجال قوامون على النساء } "
إلى آخرها، فقال عليه الصلاة والسلام:
" أردنا أمرا، وأراد الله أمرا، والذي أراد الله خير "
فرفع القصاص. وقيل: نزلت في غيره ممن وقع له مثل هذا من النشوز. والله تعالى أعلم. الإشارة: الرجال الأقوياء قوامون على نفوسهم قهارون لها، بفضل القوة التي مكنهم الله منها، وبما أنفقوا عليها من المجاهدات والرياضات، فهم ينظرون إليها ويتهمونها في كل حين، فإن صلحت وأطاعت وانقادت لما يراد منها من أحكام العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، عاملوها بالإكرام والإجمال، ورفعوا عنها الآداب والنكال، وإن نشزت وترفعت أدبوها وهجروها عن مواطن شهواتها ومضاجع نومها، وضربوها على قدر لجاجها وغفلتها. وكان الشيخ أبو يزيد يأخذ قبضة من القضبان ويذهب إلى خلوته، فكلما غفلت ضربها، حتى يكسرها كلها، وكان بعض أصحابنا يأخذ خشبة ويذهب إلى خلوته، فكلما غفل ضرب رأسه به، حتى يأتي رأسه كله مفلول، وبلغني أن بعض أصحابنا كان يدخل في لحمة رجله سكينا كلما غفل قلبه، وهذا إغراق، وخير الأمور أوسطها. وبالله التوفيق.
النساء 4:35
قلت: الشقاق: المخالفة والمساورة، وأضيف إلى الظرف توسعا كقوله:
بل مكر اليل
[سبأ:32]، والأصل: شقاقا بينهما، والضمير في { يريدا } للحكمين، وفي { بينهما } للزوجين، وقيل: للحكمين معا، وقيل: للزوجين معا. يقول الحق جل جلاله: { وإن خفتم } يا معشر الحكام، أي علمتم خلافا بين الزوجين ومشاررة، ولم تدروا الظالم من المظلوم، { فابعثوا } رجلين أمينين يحكمان بينهما، يكون أحداهما من أهله والآخر من أهلها، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للإصلاح، فإن بعثهما الحاكم أجنبيين صح، وكذا إن أقامهما الزوجان. وما اتفق عليه الحكمان لزم الزوجين من خلع أو طلاق أو وفاق. وقال أبو حنيفة: ليس لهما التطليق إلا أن يجعل لهما، وإذا اختلفا لم يلزم شيء، ويستأنفان الحكم، قال ابن جزي: ومشهور مذهب مالك: أن الحاكم هو الذي يبعث الحكمين، وقيل: الزوجان، وجرت عادة القضاء أن يبعثوا امرأة أمينة ولا يبعثوا الحكمين، قال بعض العلماء: هو تغيير القرآن والسنة الجارية. ه. فإن بعث الحكمان، فإن أرادا إصلاحا بين الزوجين، واتفقا عليه، وفق الله بينهما ببركة قصدهما، وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتحراه أصلح الله مبتغاه. { إن الله كان عليما خبيرا } بما في الظواهر والبواطن، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق. الإشارة: وإن خفتم، أيها الشيوخ، على صاحبكم منازعة النفس والروح فكانت النفس تجمح به إلى أسفل سافلين، بمتابعة هواها وعصيان مولاها، والروح تجنح به إلى أعلى عليين، بجهاد هواها ومشاهدة مولاها، فابعثوا له واردين قويين، إما شوق مقلق يرحل الروح إلى مولاها، أو خوف مزعج يزجر النفس عن هواها. فإن أراد الله بذلك العبد إصلاحا لحاله أرسلهما معا متفقين على تخليصه وارتفاعه، فيتقدم الخوف المزعج ويستدركه الشوق المقلق، فيلتحق بأهل التحقيق من أهل التوفيق، وما ذلك على الله بعزيز، وفي الحكم: " لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج، أو شوق مقلق ". والله تعالى أعلم.
النساء 4:36
قلت: الجنب بالضم : البعيد، يقال فيه: جنب وأجنب وأجنبي، وسمي الجنب جنبا لأنه يبعد من المسجد وعن الصلاة وعن التلاوة، ومختال أسم فاعل، وأصله: مختيل، بالكسر، من الخيلاء وهو التكبر. يقول الحق جل جلاله: { واعبدوا الله } أي: وحدوه وأطيعوه { ولا تشركوا به شيئا } جليا أو خفيا في اعتقادكم أو في عبادتكم، فمن قصد الحج والتجارة، فقد أشرك مع الله في عبادته، وأحسنوا بالوالدين إحسانا حسنا، وهو برهما والقيام بحقهما، { وبذي القربى } ، أي: القرابة في النسب، أو الدين { واليتامى } لضعف حالهم، { والمساكين } لقلة ما بيدهم، وقد شكى بعض الناس قساوة قلبه، فقال له عليه الصلاة والسلام:
" إن أردت أن يلين قلبك، فأطعم والمسكين وامسح رأس اليتيم، وأطعمه ".
{ والجار ذي القربى } الذي قرب جواره أو نسبه، { والجار الجنب } الذي بعد مكانه أو نسبه، وحدد بعضهم الجوار بأربعين دارا من كل ناحية. وقال ابن عباس: الجار ذي القربى: الجار الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب: الجار من قوم آخرين. ه. قيل يا رسول الله: ما حق الجار على الجار قال:
" إن دعاك أجبته، وإن أصابته فاقة عدت عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عدته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإن توفي شهدت جنازته، ولا تستعل عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك أي: بخارها إلا أن تغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فأهد له منها، فإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا يخرج ولدك منها بشيء فيغيظ ولده، "
ثم قال:
" الجيران ثلاثة: فجار له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام، وجار له حقان: حق الجوار، وحق الإسلام، وجار له حق واحد: وهو المشرك من أهل الكتاب ".
{ والصاحب بالجنب } ، وهي الرفيق في أمر حسن، كتعلم وتصرف وصناعة وسفر، فإنه صحبك بجنبك، وعن علي كرم الله وجهه أنها الزوجة، فيتأكد في حقها الإحسان زيادة على المعاشرة بالمعروف، قال بعضهم: أول قدم في الولاية كف الأذى وحمل الجفا، ومعيار ذلك حسن معاشرة الأهل والولد، وقال عليه الصلاة والسلام :
" خيركم خيركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي "
{ وابن السبيل } ، وهو الضيف أو المسافر لغرابته، { وما ملكت أيمانكم } ، من الإماء والعبيد، وكان آخر كلام النبي عليه الصلاة والسلام :
" الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ".
{ إن الله لا يحب من كان مختالا } أي: متكبرا، يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم، { فخورا } يتفاخر عليهم بماله وجاهه، وما خوله الله من نعمه، فهو جدير أن تسلب منه.
الإشارة: واعبدوا الله، أي: بالقيام بوظائف العبودية، ومشاهدة عظمة الربوبية، وقال بعض الحكماء: العبودية: ترك الاختيار، وملازمة الذل والافتقار. وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرضا بالموجود، والصبر على المفقود، وعنوان ذلك صفاء التوحيد، ولذلك قال: { ولا تشركوا به شيئا } أي: لا تروا معه غيره، كما قال القائل:
مذ عرفت الإله لم أر غيرا وكذا الغير عندنا ممنوع
وقال آخر: لو كلفت أن أرى غيره، لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده. فإذا حصلت العبودية في الظاهر، وتحقق التوحيد في الباطن، ظهرت عليه مكارم الأخلاق فيحسن إلى الأقارب والأجانب، ويجود عليهم بالحس والمعنى، لأن الفتوة من شأن أهل التوحيد، ومن شيم أهل التجريد، كما هو معلوم من حالهم، نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. قال الورتجبي: " الوالدين ": مشايخ المعرفة. ثم نقل عن الجنيد، أنه قال: أمرني أبي أمرا، وأمرني السري أمرا. فقدمت أمر السري على أمر أبي، وكل ما وجدت فهو من بركاته. ه. وذوو القربى هم الأخوة في الشيخ، { واليتامى }: من قصدهم من المتفقرة الجاهلة، { والمساكين }: ضعفاء اليقين من العامة، أمر الله تعالى أهل الخصوصية بالإحسان إليهم والبرور بهم، وهو أن يقرهم في طريقهم، وبحوشهم إلى ربهم. { والجار ذي القربى } وهو جارك في السكنى وأخوك في النسبة، فيستحق عليك زيادة الإحسان. { والجار الجنب }: من جاورك من العوام فتنصحه وترشده، { والصاحب بالجنب }: من رافقك في أمر من العوام، كسفر وغيره، { وابن السبيل }: من نزل بأهل الخصوصية من الأضياف، فلهم حق الضيافة عليهم حسا ومعنى، { وما ملكت أيمانكم }: ما لكم تصرف عليهم الأهل والبنين والإماء والعبيد، فتقربونهم إلى حضرة الملك المجيد. ثم أمرهم بالتواضع والإقبال على الخاص والعام. فقال: { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا }. والله تعالى أعلم.
النساء 4:37
قلت: { الذين } بدل من: " من كان " ، أو منصوب على الذم، أو مرفوع عليه، أي: هم. أو مبتدأ حذف خبره، أي: نعذبهم عذابا مهينا، أو أحقاء بكل ملامة، و { الذين ينفقون }: عطف على الأولى، أو مبتدأ حذف خبره، أي: الشيطان قرينهم. والبخل فيه لغتان: البخل والبخل بحركتين. يقول الحق جل جلاله: { الذين يبخلون } بأموالهم على أقاربهم وجيرانهم، { ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله } من الغنى، فيظهرون القلة والعيلة، أو يكتمون العلم بصفة النبي صلى الله عليه وسلم، هم أحقاء بكل لوم وعتاب. { وأعتدنا للكافرين } منهم { عذابا مهينا } يهينهم ويخزيهم، نزلت في اليهود، كانوا يقولون للأنصار: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، وكتموا صفته عليه الصلاة والسلام ووضع الظاهر موضع المضمر كأنه يقول: وأعتدنا لهم، إشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى، ومن كفر بنعمة الله وأهانها استحق عذابا مهينا. { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس } طالبا لمدحهم وخوفا من ذمهم، { ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } ، يتحرون بإنفاقهم مراضية، فالشيطان قرينهم لا يفارقهم، { ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا } ، فلما كان الشيطان قرينهم زين لهم التهالك على الأموال والرياء في الأعمال، وإنما أشرك أهل الرياء مع البخلاء في الوعيد من حيث إنهما طرفا تفريط وإفراط، وهما سواء في القبح واستجلاب الذم. { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله } أي: لا ملامة عليهم ولا تبعة تحيق بهم لو أخلصوا الإيمان وأنفقوا مما رزقهم الكريم المنان. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا، فكيف إذا تضمن المنافع. وإنما قدم الإيمان هاهنا وأخره في الآية الأخرى: لأن القصد بذكره هنا التخصيص، وثم التقليل. ه. { وكان الله بهم عليما } لا يخفى عليه شيء من أمورهم وقصدهم. الإشارة: قال بعض الصوفية: من أقبح كل قبيح صوفي شحيح، فالصوفية العارفون رضي الله عنهم الذين هم صفوة العباد متخلقون بأضداد ما وسم به الحق تعالى أهل العناد، فهم يجودون بأنفسهم وما خصهم الله بهم من العلوم اللدنية والأسرار القدسية، على من يستحقه من أهل التخلية والتحلية، ويأمرون الناس بالسخاء ومكارم الأخلاق، ويتحدثون بما منحهم الملك الخلاق، ويظهرون الغنى بالله والاكتفاء به عن كل ما سواه، وإذا بذلوا أموالهم أعطوها لله وبالله ومن الله وإلى الله وابتغاء مرضاة الله، هجم عليهم اليقين، وتمكنوا من شهود رب العالمين، فلا يقرب ساحتهم الشيطان، ولا يرون في الدارين إلا الملك الديان، تحبهم ملائكة الرحمن، ويحن إليهم الأنس والجان. نفعنا الله بمحبتهم، وخرطنا في مسلكهم، آمين.
النساء 4:38
قلت: { الذين } بدل من: " من كان " ، أو منصوب على الذم، أو مرفوع عليه، أي: هم. أو مبتدأ حذف خبره، أي: نعذبهم عذابا مهينا، أو أحقاء بكل ملامة، و { الذين ينفقون }: عطف على الأولى، أو مبتدأ حذف خبره، أي: الشيطان قرينهم. والبخل فيه لغتان: البخل والبخل بحركتين. يقول الحق جل جلاله: { الذين يبخلون } بأموالهم على أقاربهم وجيرانهم، { ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله } من الغنى، فيظهرون القلة والعيلة، أو يكتمون العلم بصفة النبي صلى الله عليه وسلم، هم أحقاء بكل لوم وعتاب. { وأعتدنا للكافرين } منهم { عذابا مهينا } يهينهم ويخزيهم، نزلت في اليهود، كانوا يقولون للأنصار: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، وكتموا صفته عليه الصلاة والسلام ووضع الظاهر موضع المضمر كأنه يقول: وأعتدنا لهم، إشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى، ومن كفر بنعمة الله وأهانها استحق عذابا مهينا. { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس } طالبا لمدحهم وخوفا من ذمهم، { ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } ، يتحرون بإنفاقهم مراضية، فالشيطان قرينهم لا يفارقهم، { ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا } ، فلما كان الشيطان قرينهم زين لهم التهالك على الأموال والرياء في الأعمال، وإنما أشرك أهل الرياء مع البخلاء في الوعيد من حيث إنهما طرفا تفريط وإفراط، وهما سواء في القبح واستجلاب الذم. { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله } أي: لا ملامة عليهم ولا تبعة تحيق بهم لو أخلصوا الإيمان وأنفقوا مما رزقهم الكريم المنان. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا، فكيف إذا تضمن المنافع. وإنما قدم الإيمان هاهنا وأخره في الآية الأخرى: لأن القصد بذكره هنا التخصيص، وثم التقليل. ه. { وكان الله بهم عليما } لا يخفى عليه شيء من أمورهم وقصدهم. الإشارة: قال بعض الصوفية: من أقبح كل قبيح صوفي شحيح، فالصوفية العارفون رضي الله عنهم الذين هم صفوة العباد متخلقون بأضداد ما وسم به الحق تعالى أهل العناد، فهم يجودون بأنفسهم وما خصهم الله بهم من العلوم اللدنية والأسرار القدسية، على من يستحقه من أهل التخلية والتحلية، ويأمرون الناس بالسخاء ومكارم الأخلاق، ويتحدثون بما منحهم الملك الخلاق، ويظهرون الغنى بالله والاكتفاء به عن كل ما سواه، وإذا بذلوا أموالهم أعطوها لله وبالله ومن الله وإلى الله وابتغاء مرضاة الله، هجم عليهم اليقين، وتمكنوا من شهود رب العالمين، فلا يقرب ساحتهم الشيطان، ولا يرون في الدارين إلا الملك الديان، تحبهم ملائكة الرحمن، ويحن إليهم الأنس والجان. نفعنا الله بمحبتهم، وخرطنا في مسلكهم، آمين.
النساء 4:39
قلت: { الذين } بدل من: " من كان " ، أو منصوب على الذم، أو مرفوع عليه، أي: هم. أو مبتدأ حذف خبره، أي: نعذبهم عذابا مهينا، أو أحقاء بكل ملامة، و { الذين ينفقون }: عطف على الأولى، أو مبتدأ حذف خبره، أي: الشيطان قرينهم. والبخل فيه لغتان: البخل والبخل بحركتين. يقول الحق جل جلاله: { الذين يبخلون } بأموالهم على أقاربهم وجيرانهم، { ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله } من الغنى، فيظهرون القلة والعيلة، أو يكتمون العلم بصفة النبي صلى الله عليه وسلم، هم أحقاء بكل لوم وعتاب. { وأعتدنا للكافرين } منهم { عذابا مهينا } يهينهم ويخزيهم، نزلت في اليهود، كانوا يقولون للأنصار: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، وكتموا صفته عليه الصلاة والسلام ووضع الظاهر موضع المضمر كأنه يقول: وأعتدنا لهم، إشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى، ومن كفر بنعمة الله وأهانها استحق عذابا مهينا. { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس } طالبا لمدحهم وخوفا من ذمهم، { ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } ، يتحرون بإنفاقهم مراضية، فالشيطان قرينهم لا يفارقهم، { ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا } ، فلما كان الشيطان قرينهم زين لهم التهالك على الأموال والرياء في الأعمال، وإنما أشرك أهل الرياء مع البخلاء في الوعيد من حيث إنهما طرفا تفريط وإفراط، وهما سواء في القبح واستجلاب الذم. { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله } أي: لا ملامة عليهم ولا تبعة تحيق بهم لو أخلصوا الإيمان وأنفقوا مما رزقهم الكريم المنان. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا، فكيف إذا تضمن المنافع. وإنما قدم الإيمان هاهنا وأخره في الآية الأخرى: لأن القصد بذكره هنا التخصيص، وثم التقليل. ه. { وكان الله بهم عليما } لا يخفى عليه شيء من أمورهم وقصدهم. الإشارة: قال بعض الصوفية: من أقبح كل قبيح صوفي شحيح، فالصوفية العارفون رضي الله عنهم الذين هم صفوة العباد متخلقون بأضداد ما وسم به الحق تعالى أهل العناد، فهم يجودون بأنفسهم وما خصهم الله بهم من العلوم اللدنية والأسرار القدسية، على من يستحقه من أهل التخلية والتحلية، ويأمرون الناس بالسخاء ومكارم الأخلاق، ويتحدثون بما منحهم الملك الخلاق، ويظهرون الغنى بالله والاكتفاء به عن كل ما سواه، وإذا بذلوا أموالهم أعطوها لله وبالله ومن الله وإلى الله وابتغاء مرضاة الله، هجم عليهم اليقين، وتمكنوا من شهود رب العالمين، فلا يقرب ساحتهم الشيطان، ولا يرون في الدارين إلا الملك الديان، تحبهم ملائكة الرحمن، ويحن إليهم الأنس والجان. نفعنا الله بمحبتهم، وخرطنا في مسلكهم، آمين.
النساء 4:40
قلت: الذرة: النملة الصغيرة الحمراء. وتطلق على جزء من أجزاء الهباء. ومن نصب { حسنة } فخبر كان. وأنث الضمير باعتبار الخبر. أو لإضافة مثقال إلى ذرة، فاكتسب التأنيث، ومن رفع فهي تامة، وحذف نونها على غير قياس، تشبيها لها بحروف العلة. وضاعف وضعف بمعنى واحد. يقول الحق جل جلاله: { إن الله لا يظلم } أحدا بحيث ينقص من ثواب عمله، أو يزيد في عقبا ما يستحقه، ولو مثقال ذرة. بل يجازي كلا على قدر عمله. فإن كان صالحا، ولو صغر قدره، عظم أجره. { فإن تك حسنة يضاعفها } بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، بحسب الإخلاص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" إن الله يعطي المؤمن على الحسنة ألفي ألف حسنة "
، ثم تلا { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } الآية. { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } ، وخيرا جسيما، فضلا منه وإحسانا. قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، بل يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزيه بها في الآخرة. والكافر يعطيه بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة ".
الإشارة: كما أن الحق تعالى لا يظلم طالبي الأجور، بل يضاعف لهم في زيادة الحور والقصور، كذلك لا يبخس طالبي القرب والحضور، ورفع الحجب والستور. بل كلما فعلوا من أنواع المجاهدات ضاعف لهم أنوار المشاهدات. وكلما نقص لهم من الحس ولو مثقال ذرة زادهم في المعنى قدره وأكثر شهودا ونظرة. وكلما يقهر النفس ولو مقدار الفتيل، شربوا مقداره وأكثر من خمرة الجليل، وهذا كله مع صحبة المشايخ أهل التربية، وإلا فلا تزيده مجاهدته إلا حجبا وبعدا عن الخصوصية. والله تعالى أعلم.
النساء 4:41
قلت: { كيف } إذا كان الكلام بعدها تاما أعربت حالا، كقولك: كيف جاء زيد؟ وإذا كان ناقصا، كانت خبرا، كقولك: كيف زيد؟ وهي هنا خبر؟ أي: كيف الأمر أذا... الخ. وهي مبنية لتضمنها معنى الاستفهام، والعامل في { إذا } مضمون المبتدأ، أو الخبر، أي: كيف يستقر الأمر أو يكون إذا جئنا؟ ومن قرأ { تسوى } بالشد، فأصله تتسوى، أدغمت الأولى في الثانية، ومن قرأ { لو تسوى } بالبناء للمفعول فحذف الثانية. يقول الحق جل جلاله: { فكيف } يكون حال هؤلاء الكفرة واليهود { إذا } قامت القيامة و { جئنا من كل أمة بشهيد } يشهد عليها بخيرها وشرها، وهو نبيهم الذي أرسل اليهم، { وجئنا بك } أنت يا محمد { على هؤلاء } الأمة التي بعثت إليهم { شهيدا } عليهم، أو على صدق هؤلاء الشهداء شهيدا، تشهد على صدق رسالتهم وتبليغهم؟ لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك مجامع قواعدهم، وقيل: { وعلى هؤلاء } الكفرة المستفهم عن حالهم، وقيل: على المؤمنين لقوله:
لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا
[البقرة:143]. { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول } أي: الذين جمعوا بين الكفر والعصيان يتمنون أن { تسوى بهم الأرض } فيكونون ترابا لما يرون من هول المطلع، فإذا شهدت عليهم الرسل بالكفر قالوا:
والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام:23]، فينطق ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بشركهم فيفتضحون { ولا يكتمون الله حديثا } واحدا، لأنهم كلما هموا بالكتمان شهدت عليهم جوارحهم بالكفر والعصيان. وقيل: إن القيامة مواطن، في موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسا، وفي موطن يتكلمون ويقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، إلى غير ذلك من اختلاف أحوالهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا بد أن يحصل الندم لمن فاته صحبة أهل الخصوصية، حتى مات محجوبا عن مشاهدة أسرار الربوبية، لا سيما إذا انضم إليهم كفرهم بخصوصيتهم والإنكار عليهم، وذلك حين يكشف له عن مقامهم البهي وحالهم السني، مصاحبين للمقربين في جوار الأنبياء والمرسلين، وهو في مقام أهل اليمين، ثم يعاقب على ما أسر عليه من الكبائر، وهي معاصي القلوب والضمائر، وهذا إذا مات على الإسلام، وإلا فالإنكار على الأولياء شؤمه سوء الخاتمة. والعياذ بالله من ذلك. وقد تقدم أن العارفين بالله يشهدون على العلماء، والعلماء يشهدون على العموم، ونبينا عليه الصلاة والسلام يزكي من يحتاج إلى التزكية. والله تعالى أعلم.
النساء 4:42
قلت: { كيف } إذا كان الكلام بعدها تاما أعربت حالا، كقولك: كيف جاء زيد؟ وإذا كان ناقصا، كانت خبرا، كقولك: كيف زيد؟ وهي هنا خبر؟ أي: كيف الأمر أذا... الخ. وهي مبنية لتضمنها معنى الاستفهام، والعامل في { إذا } مضمون المبتدأ، أو الخبر، أي: كيف يستقر الأمر أو يكون إذا جئنا؟ ومن قرأ { تسوى } بالشد، فأصله تتسوى، أدغمت الأولى في الثانية، ومن قرأ { لو تسوى } بالبناء للمفعول فحذف الثانية. يقول الحق جل جلاله: { فكيف } يكون حال هؤلاء الكفرة واليهود { إذا } قامت القيامة و { جئنا من كل أمة بشهيد } يشهد عليها بخيرها وشرها، وهو نبيهم الذي أرسل اليهم، { وجئنا بك } أنت يا محمد { على هؤلاء } الأمة التي بعثت إليهم { شهيدا } عليهم، أو على صدق هؤلاء الشهداء شهيدا، تشهد على صدق رسالتهم وتبليغهم؟ لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك مجامع قواعدهم، وقيل: { وعلى هؤلاء } الكفرة المستفهم عن حالهم، وقيل: على المؤمنين لقوله:
لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا
[البقرة:143]. { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول } أي: الذين جمعوا بين الكفر والعصيان يتمنون أن { تسوى بهم الأرض } فيكونون ترابا لما يرون من هول المطلع، فإذا شهدت عليهم الرسل بالكفر قالوا:
والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام:23]، فينطق ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بشركهم فيفتضحون { ولا يكتمون الله حديثا } واحدا، لأنهم كلما هموا بالكتمان شهدت عليهم جوارحهم بالكفر والعصيان. وقيل: إن القيامة مواطن، في موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسا، وفي موطن يتكلمون ويقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، إلى غير ذلك من اختلاف أحوالهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا بد أن يحصل الندم لمن فاته صحبة أهل الخصوصية، حتى مات محجوبا عن مشاهدة أسرار الربوبية، لا سيما إذا انضم إليهم كفرهم بخصوصيتهم والإنكار عليهم، وذلك حين يكشف له عن مقامهم البهي وحالهم السني، مصاحبين للمقربين في جوار الأنبياء والمرسلين، وهو في مقام أهل اليمين، ثم يعاقب على ما أسر عليه من الكبائر، وهي معاصي القلوب والضمائر، وهذا إذا مات على الإسلام، وإلا فالإنكار على الأولياء شؤمه سوء الخاتمة. والعياذ بالله من ذلك. وقد تقدم أن العارفين بالله يشهدون على العلماء، والعلماء يشهدون على العموم، ونبينا عليه الصلاة والسلام يزكي من يحتاج إلى التزكية. والله تعالى أعلم.
النساء 4:43
قلت: جملة { وأنتم سكارى }: حال، وسكارى: جمع سكران، ويجمع على سكارى بالفتح وسكرى بالسكون، و { لا جنبا } عطف على جملة الحال، و { جنب } يستوي فيه الواحد والاثنان والجماعة والمذكر والمؤنث، لأنه يجري مجرى المصدر فلا يثنى ولا يجمع. و { إلا عابري } مستثنى من عام الأحوال، وأصل الغائط: الموضع المنخفض من الأرض، ثم أطلق على الواقع فيه مما يخرج من الإنسان. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى }: لا تقوموا إليها وأنتم سكارى من خمر، أو غلبة نوم، أو شدة غفلة، { حتى تعلموا ما تقولون } في صلاتكم، وتتدبروا ما تقرأون فيها، فالصلاة من غير حضور خاوية، وعند الخصوص باطلة، روي أن عبد الرحمن بن عوف صنع مأدبة، ودعا إليها نفرا من الصحابة، حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا حتى ثملوا، وجاء وقت صلاة المغرب، فتقدم أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: أعبد ما تعبدون من غير نفي فنزلت الآية قبل تحريم الخمر، ثم حرمت بآية المائدة. ولا تقربوها حالة جنابتكم في آي حال كان، { إلا عابري سبيل } أي: في وقت سفركم، حيث لم تجدوا ماء، بدليل ما يأتي، فيتيمم ويقرب الصلاة وهو جنب، وفيه دليل أن التيمم لا يرفع الحدث، قيل المراد بالصلاة مواضعها، وهي المساجد فلا يدخلها الجنب إلا مارا، وبه قال الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة: لا يجوز المرور، إلا إذا كان فيه الماء والطريق. وقال مالك: لا يدخل إلا بالتيمم ولا يمر به أصلا. فلا تقربوا الصلاة وأنتم جنب { حتى تغتسلوا }. { وإن كنتم مرضى } تخافون ضرر الماء، أو زيادته، أو تأخر برء، أو منع الوصول إلى الماء، { أو على سفر } لم تجدوه فيه، { أو } كنتم في الحضر محدثين حيث { جاء أحد منكم من الغائط } ، أو البول، أو بغيره من الأحداث، { أو لامستم النساء } أي: مست بشرتكم بشرتهن، بقصد اللذة أو عند وجدانها، وبه قال مالك. وقال الشافعي: ينقض مطلقا، قصد أم لا، وجد أم لا، ولو بميتة، وقال أبو حنيفة: إن كانت ملامسه فاحشة بحيث يحصل الانتشار نقضت، وإلا فلا. وقال ابن عباس والحسن البصري ومحمد بن الحسن: لا تنقض الملامسة مطلقا، ويقاس على اللمس سائر نواقض الأسباب، فتحصل أن " أو " تبقى على أصلها من التقسيم، فتكون الآية نصا في تيمم الحاضر الصحيح، وبه قال مالك، ولا يعيد. وقال الشافعي: يصلي بالتيمم ويعيد، وقال أبو حنيفة: لا يصلي حتى يجد الماء، ومن قال: " أو " بمعنى الواو فخروج عن الأصل بلا داع. ثم قيد التيمم في هذه الأحوال بفقد الماء، فقال: { فلم تجدوا ماء } كافيا، أو لم تقدروا على استعماله، { فتيمموا } أي: اقصدوا { صعيدا طيبا } أي: ظاهرا، وهو ما صعد على وجه الأرض من جنسها كتراب، وهو الأفضل، وثلج وخضخاض وحجر ومدر، لا شجر وحشيش ومعدن ذهب وفضة، وما التحق بالعقاقير، كشب، وملح، وكبريت، وغاسول وشبهه، فلا يجوز.
وقال أبو حنيفة: بكل شيء من الأرض وما اتصل بها كشجر وكحل، وزنيخ، وشب ونورة، وجص، وجوهر، إلا منخالة الذهب والفضة والرصاص. وقال الشافعي: لا يجوز إلا بالتراب المنبت خاصة، وبه فسر الطيب، واشترط علوق التراب بيده، ولم يشترطه غيره. ثم علم الكيفية فقال: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم }. قال مالك: اليد اسم للكف بدليل قطع السارق منه، فجعل المسح إلى المرفق سنة. وقال الشافعي: فرض، قياسا على الوضوء، { إن الله كان عفوا غفورا } فلذلك يسر عليكم ورخص لكم في التيمم. الإشاره: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا صلاة الحضرة القدسية، وأنتم سكارى بحب الدنيا الدنية، حتى يذهب عنكم سكر حبها، وتعلموا ما تقولون في مناجاة خالقها، ولا جنبا من جنابة الغفلة، إلا ما يمر بالخواطر على سبيل الندرة والقلة، حتى تغتسلوا بماء الغيب، الذي يحصل به طهارة الجنان، ويغيب المتطهر به عن رؤية الأكوان. وإليه أشار ابن العربي الحاتمي: كما في طبقات الشعراني، ونسبها غيره للجنيد رضي الله عنهم أجمعين وهو الأصح بقوله:
توضأ بماء الغيب إن كنت ذا سر وإلا تيمم بالصعيد أو الصخر وقدم إماما كنت أنت إمامه وصل صلاة الظهر في أول العصر فهذي صلاة العارفين بربهم فإن كنت منهم فانضح البر بالبحر
أي: إن لم تقدر على الطهارة الأصلية وهي الغيبة عن الأحداث الكونية، فاقصد العبادة الحسية، وقدم الشريعة أو من قام بها من أهل التربية النبوية أمامك، بعد أن كان يطلبك من قبل أن تعرفه، وأجمع ظهر الشريعة لعصر الحقيقة، فهذه صلاة العارفين، فإن كنت منهم فانضح بر ظاهرك بحقيقة باطنك، فما كمن في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر. لهذا أشار تعالى بقوله: { وإن كنتم مرضى } بحب الهوى، { أو على سفر } في عجلة شغل الدنيا، أو جاء أحد منكم من غائط الحس، أو لامستم العلوم الرسمية، وانطبع صور خيالها في قلوبكم، ولم تجدوا من يسقيكم ماء الغيب، وهي الخمرة الآزلية، فاقصدوا الأعمال الحسية، فلعلها توصلكم إلى الأعمال الباطنية، { إن الله كان عفوا غفورا } ، وفي الحكم: " كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟ ".
النساء 4:44
قلت: دخلت الباء على الفاعل في { كفى بالله } ، لتضمنه معنى أكتف بالله وكيلا. يقول الحق جل جلاله { ألم تر } يا محمد، أو يا من يسمع، ببصرك أو بقلبك { إلى } حال { الذين أوتوا نصيبا } يسيرا { من } علم { الكتاب } أي: التوراة، وهم أحبار اليهود، { يشترون الظلال } بالهدى، أي: يستبدلونها بها بعد تمكنهم منها عادة، { ويريدون أن تضلوا السبيل } أي: الطريق الموصلة إلى الحق، أي: يتمنون انحرافكم عنها، فإذا سمعوا عنكم ما يحرفكم عنه فرحوا واستبشروا، لأنهم انحرفوا عنها فحرفوا كتابهم وبدلوا، فتمنوا أن تكونوا مثلهم، فاحذروا ما يتوقع منكم أعداؤكم، فإن الله أعلم بهم منكم، فسيكفيكم الله أمرهم، فثقوا به وتوكلوا عليه، فكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا، فسيتولى أمركم وينصركم على من عاداكم. وبالله التوفيق. الإشارة: من شأن أهل الإنكار، ولا سيما من سلف له في أسلافه رياسة أو إظهار، إذا سمعوا بأهل النسبة وقع لهم شيء من الأكدار، فرحوا واستبشروا، وودوا لو حادوا كلهم عن سبيل الحق، والله مطلع على أسرارهم، وكاف بأسهم وشرهم، { وكفى بالله وليا } لأوليائه ونصيرا لأحبابه، والله تعالى أعلم.
النساء 4:45
قلت: دخلت الباء على الفاعل في { كفى بالله } ، لتضمنه معنى أكتف بالله وكيلا. يقول الحق جل جلاله { ألم تر } يا محمد، أو يا من يسمع، ببصرك أو بقلبك { إلى } حال { الذين أوتوا نصيبا } يسيرا { من } علم { الكتاب } أي: التوراة، وهم أحبار اليهود، { يشترون الظلال } بالهدى، أي: يستبدلونها بها بعد تمكنهم منها عادة، { ويريدون أن تضلوا السبيل } أي: الطريق الموصلة إلى الحق، أي: يتمنون انحرافكم عنها، فإذا سمعوا عنكم ما يحرفكم عنه فرحوا واستبشروا، لأنهم انحرفوا عنها فحرفوا كتابهم وبدلوا، فتمنوا أن تكونوا مثلهم، فاحذروا ما يتوقع منكم أعداؤكم، فإن الله أعلم بهم منكم، فسيكفيكم الله أمرهم، فثقوا به وتوكلوا عليه، فكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا، فسيتولى أمركم وينصركم على من عاداكم. وبالله التوفيق. الإشارة: من شأن أهل الإنكار، ولا سيما من سلف له في أسلافه رياسة أو إظهار، إذا سمعوا بأهل النسبة وقع لهم شيء من الأكدار، فرحوا واستبشروا، وودوا لو حادوا كلهم عن سبيل الحق، والله مطلع على أسرارهم، وكاف بأسهم وشرهم، { وكفى بالله وليا } لأوليائه ونصيرا لأحبابه، والله تعالى أعلم.
النساء 4:46
قلت: { من الذين هادوا }: خبر عن محذوف، أي: منهم قوم يحرفون، أو بيان للذين قبله، أو متعلق بأعدائكم. يقول الحق جل جلاله: من اليهود قوم تمردوا في الكفر وهم أحبارهم، { يحرفون الكلم } وهو التوراة { عن مواضعه } أي: يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، بإزالة لفظه أو تأويله. وقال ابن عباس: لا يقدر أحد أن يحرف كلام الله ولكن يفسرونه على غير وجهه، { ويقولون } لمن دعاهم إليه، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم: { سمعنا } قولك، { وعصينا } أمرك، { واسمع } منا { غير مسمع } قولك، أي: لا نلتفت إليه، أو دعاء بالصمم: أي: لا سمعت، أو غير مسمع منا مكروها، نفاقا، ويقولون له مكان انظرنا: { راعنا } قاصدين بذلك الشتم والسخرية، من الرعونة، وقد كان الصحابة يخاطبون به الرسول عليه الصلاة والسلام ومعناه: انظرنا. أو راعنا بقلبك، فوجد اليهود بها سبيلا إلى الشتم، فنهاهم الله عن ذلك، وبقيت اليهود تقولها شتما واستهزاء { ليا بألسنتهم } ، أي: فتلا لها عن معناها، من الانتظار إلى ما قصدوا من رميه بالرعونة، { وطعنا في الدين } أي: استهزاء به، { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا } مكان سمعنا وعصينا، { واسمع } منا فقط، مكان: واسمع غير مسمع، { وانظرنا } مكان راعنا، { لكان } قولهم ذلك { خيرا لهم وأقوم } وأعدل، { ولكن لعنهم الله } أي: طردهم وأبعدهم بسبب كفرهم، { فلا يؤمنون إلا } إيمانا { قليلا } لا يعبأ به وهو الإيمان بالبعض والكفر بالبعض من الآيات والرسل. والله تعالى أعلم. الإشارة: والله ما ربح من ربح، إلا بالأدب والتعظيم، وما خسر من خسر إلا من فقدهما. قال بعضهم: " اجعل عملك ملحا، وأدبك دقيقا ". وآداب الظاهر عنوان آداب الباطن، ويظهر الأدب في حسن الخطاب، ورد الجواب، وفي حسن الأفعال، وظهور محاسن الخلال. والله تعالى أعلم.
النساء 4:47
يقول الحق جل جلاله: { ياأيها الذين أوتوا الكتاب } من اليهود { آمنوا بما نزلنا } من القرآن { مصدقا لما معكم } من التوراة { من قبل أن نطمس وجوها } أي: نغير صورها ونمحو تخطيط أشكالها، فلا تبقى عين ولا أنف ولا حاجب، { فنردها على } هيئة { أدبارها } من الأقفاء، أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا، { أو نلعنهم } أي: نخزيهم بالمسخ، { كما لعنا أصحاب السبت } ، فمسخناهم قردة وخنازير، { وكان أمر الله مفعولا } ، لا مرد له، ولعله كان مشروطا بعدم إيمان بعضهم، أو يراد بطمس الوجوه ما يكسوها من الذلة والصغار. ويراد باللعن حقيقته، أي: نلعنهم على لسانك كما لعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم. وهذه الآية كانت سبب إسلام كعب الأحبار، سمعها من بعض الصحابة فأسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والمسخ جائز على هذه الأمة، كما وقع الأمم السابقة، بدليل ما في كتاب الأشربة من البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع عليهم العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ".
الإشارة: حملة الشريعة يخاطبون بالإيمان بأهل الحقيقة، لأنها لبها وصفاؤها، فإن امتنعوا من الإيمان بها ومن الإذعان لأهلها، طمس الله وجوه قلوبهم، وملأها خوفا وجزعا وحبا للدنيا، وردها على أدبارها، فلا تفهم أسرار الكتاب ولا تفقه إشارة الخطاب، فإن قصروا عن حقوق الشريعة، وغيروا أحكامها مسخوا قردة وخنازير. وفي نوادر الأصول بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" تكون في أمتي قزعة، فيصير الناس إلى علمائهم، فإذا هم قردة وخنازير ".
قال الترمذي الحكيم: فالمسخ: تغيير الخلقة عن جهتها، فإنما حل بهم المسخ لأنهم غيروا الحق عن جهته، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فمسخوا عن أعين الخلق، وقلوبهم عن رؤية الحق. فمسخ الله صورهم وبدل خلقتهم، كما بدلوا الحق باطلا. ه. وبالله التوفيق.
النساء 4:48
يقول الحق جل جلاله: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } لأنه بت الحكم على خلود عذابه، لأن الله تعالى غيور لا أحد أغير منه. كما في الحديث، ومن عادة الملوك إذا خرج أحد من رعيته ونصر غيره لا يقبل منه إلا الرجوع أو الموت. ولا شفاعة تنفع في غير الرجوع عنه. { ويغفر ما دون ذلك } الشرك { لمن يشاء } من الكبائر والصغائر. تاب أم لا. فالعصاة أذا لم يتوبوا في مشيئة الله، { ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } ارتكب ما تستحقر دونه الآثام. وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب، والله تعالى أعلم. الإشارة: ولما رأت الصوفية أن الشرك لا يغفر، ولا يسمح في شيء منه، جليا أو خفيا، حققوا إخلاصهم، ودققوا معاملتهم مع ربهم، وفتشوا على قلوبهم، هل بقي فيها شيء من محبة غير مولاهم، أو خوف من شيء دونه، وطهروا توحيدهم من نسبة التأثير لشيء من الكائنات، فتوجهوا إلى الله في إزالة ذلك عنهم. قال بعضهم: شربت لبنا فأصابني انتفاخ، فقلت ضرني ذلك اللبن، فلما كنت ذات يوم أتلو، هذه الآية قلت: يا رب أنا لا أشرك بك شيئا، فقال لي هاتف: ولا يوم اللبن، فبادرت إلى التوبة. اه. بالمعنى. والله تعالى أعلم.
النساء 4:49
يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين يزكون أنفسهم } ، وهم اليهود، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقيل: طائفة منهم، أتوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل على هؤلآء ذنب، قال: " لآ ". قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم، ما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، فنزلت فيهم الآية. وفي معناهم: من زكى نفسه وأثنى عليها قبل معرفتها. { بل الله يزكي من يشاء } لأنه العالم بخفيات النفوس وكمائنها، وما انطوت عليه من قبيح أو حسن، فيزكي من يستحق التزكية، ويفضح المدعين، { ولا يظلمون فتيلا } ، وهو الخيط الذي في شق النواة، يضرب مثلا لحقارة الشيء، فأن الله لا يظلم مثقال ذرة، { انظر كيف يفترون على الله الكذب } في زعمهم أنهم أبناء الله، أو أنهم مغفور لهم، { وكفى به } أي: بالافتراء، { إثما مبينا } أي: ظاهرا لا يخفى على أحد. الإشارة: قال بعض الصوفية: للنفس من النقائص ما لله من الكمالات، فلا ينبغي للعبد أن يزكي نفسه، ولو بلغ فيها من التطهير ما بلغ، ولا يرضى عنها ولو عملت من الأعمال ما عملت. قال أبو سليمان الداراني: لي أربعون سنة وأنا متهم لنفسي. وفي الحكم " أصل كل معصية وغفلة وشهوة: الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة: عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه، فأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟! وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟! ".
النساء 4:50
يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين يزكون أنفسهم } ، وهم اليهود، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقيل: طائفة منهم، أتوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل على هؤلآء ذنب، قال: " لآ ". قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم، ما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، فنزلت فيهم الآية. وفي معناهم: من زكى نفسه وأثنى عليها قبل معرفتها. { بل الله يزكي من يشاء } لأنه العالم بخفيات النفوس وكمائنها، وما انطوت عليه من قبيح أو حسن، فيزكي من يستحق التزكية، ويفضح المدعين، { ولا يظلمون فتيلا } ، وهو الخيط الذي في شق النواة، يضرب مثلا لحقارة الشيء، فأن الله لا يظلم مثقال ذرة، { انظر كيف يفترون على الله الكذب } في زعمهم أنهم أبناء الله، أو أنهم مغفور لهم، { وكفى به } أي: بالافتراء، { إثما مبينا } أي: ظاهرا لا يخفى على أحد. الإشارة: قال بعض الصوفية: للنفس من النقائص ما لله من الكمالات، فلا ينبغي للعبد أن يزكي نفسه، ولو بلغ فيها من التطهير ما بلغ، ولا يرضى عنها ولو عملت من الأعمال ما عملت. قال أبو سليمان الداراني: لي أربعون سنة وأنا متهم لنفسي. وفي الحكم " أصل كل معصية وغفلة وشهوة: الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة: عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه، فأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟! وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟! ".
النساء 4:51
قلت: الجبت في الأصل: اسم صنم، فاستعمل في كل ما عبد من دون الله، { والطاغوت }: كل باطل من معبود أو غيره، أو الجبت: السحر، { والطاغوت }: الساحر، وبالجملة: هو كل ما عبد أو أطيع من دون الله، وقال الجوهري: الجبت: اسم لكل صنم ولكل عاص ولكل ساحر وكل مضل، { والطاغوت }: الشيطان، وأصله: طغيوت، فعلوت، من الطغيان، ثم قلب فصار طيغوت، ثم قلبت الياء ألفا. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من } علم { الكتاب } ، وهم أحبار اليهود { يؤمنون بالجبت والطاغوت } يقرون بصحة عبادتهما، { ويقولون للذين كفروا هؤلاء } الكفرة { أهدى من الذين آمنوا } طريقا، نزلت في اليهود - لعنهم الله -: كانوا يقولون: إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، خرجا في سبعين راكبا إلى مكة يحالفون قريشا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة أحد، وينقضون العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش. فقال أهل مكة: أنتم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكيدة منكم. فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين، وآمنوا بهما، ففعلوا، فذلك قوله تعالى: { يؤمنون بالجبت والطاغوت }. ثم قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق، نحن أو محمد؟ قال كعب: اعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء أي: العظيمة من النوق ونسقي الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين أبائه، وقطع الرحم وفارق الحرم، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا. ه. { أولئك الذين لعنهم الله } وأبعدهم وأسحقهم { ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } ينصره من عذاب الله. فقد قتل هؤلاء كلهم شر قتلة، وذهبوا إلى الهاوية. عائذا بالله. الإشارة: قال الورتجبي: وبخ الله تعالى أهل ظاهر العلم الذين اختاروا الرياسة، وأنكروا على أهل الولاية، وآثروا صحبة المخالفين، يقبلون هواجس نفوسهم التي هي الجبت، ويحظون على آثار الطاغوت، التي هي إبليس. ه. قلت: وينسحب التوبيخ على من فضل أهل الظاهر على أهل الباطن، وفضل العلماء على الأولياء، ويقولون: هم أهدى منهم سبيلا. هيهات! بينهم من البون ما بين السماء والأرض. والكلام إنما هو في التفضيل بين العارفين بالله، الذين جمعوا بين الفناء والبقاء، وبين العلماء والأتقياء. وأما العباد والزهاد والصالحون فلا شك أن العلماء الأتقياء أفضل منهم، وإليهم أشار صلى الله عليه وسلم بقوله:
" فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم "
وكذلك الأحاديث التي وردت في تفضيل العلماء. وأما العارفون بالله فهم أعظم العلماء، لأن علمهم متعلق بذات الله كشفا وذوقا، وعلماء الظاهر علمهم متعلق بأحكام الله. مفرقون عن الله، بل هم أشد حجابا من غيرهم عن الله. قال بعض الأولياء: أشد الناس حجابا عن الله: العلماء ثم العباد ثم الزهاد. ه. لأن حلاوة ما هم فيه تمنعهم عن الانتقال عنه، وقد تقدم الكلام عند قوله:
كنتم خير أمة أخرجت للناس
[آل عمران:110] بأبلغ من هذا. والله تعالى أعلم.
النساء 4:52
قلت: الجبت في الأصل: اسم صنم، فاستعمل في كل ما عبد من دون الله، { والطاغوت }: كل باطل من معبود أو غيره، أو الجبت: السحر، { والطاغوت }: الساحر، وبالجملة: هو كل ما عبد أو أطيع من دون الله، وقال الجوهري: الجبت: اسم لكل صنم ولكل عاص ولكل ساحر وكل مضل، { والطاغوت }: الشيطان، وأصله: طغيوت، فعلوت، من الطغيان، ثم قلب فصار طيغوت، ثم قلبت الياء ألفا. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من } علم { الكتاب } ، وهم أحبار اليهود { يؤمنون بالجبت والطاغوت } يقرون بصحة عبادتهما، { ويقولون للذين كفروا هؤلاء } الكفرة { أهدى من الذين آمنوا } طريقا، نزلت في اليهود - لعنهم الله -: كانوا يقولون: إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، خرجا في سبعين راكبا إلى مكة يحالفون قريشا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة أحد، وينقضون العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش. فقال أهل مكة: أنتم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكيدة منكم. فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين، وآمنوا بهما، ففعلوا، فذلك قوله تعالى: { يؤمنون بالجبت والطاغوت }. ثم قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق، نحن أو محمد؟ قال كعب: اعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء أي: العظيمة من النوق ونسقي الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين أبائه، وقطع الرحم وفارق الحرم، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا. ه. { أولئك الذين لعنهم الله } وأبعدهم وأسحقهم { ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } ينصره من عذاب الله. فقد قتل هؤلاء كلهم شر قتلة، وذهبوا إلى الهاوية. عائذا بالله. الإشارة: قال الورتجبي: وبخ الله تعالى أهل ظاهر العلم الذين اختاروا الرياسة، وأنكروا على أهل الولاية، وآثروا صحبة المخالفين، يقبلون هواجس نفوسهم التي هي الجبت، ويحظون على آثار الطاغوت، التي هي إبليس. ه. قلت: وينسحب التوبيخ على من فضل أهل الظاهر على أهل الباطن، وفضل العلماء على الأولياء، ويقولون: هم أهدى منهم سبيلا. هيهات! بينهم من البون ما بين السماء والأرض. والكلام إنما هو في التفضيل بين العارفين بالله، الذين جمعوا بين الفناء والبقاء، وبين العلماء والأتقياء. وأما العباد والزهاد والصالحون فلا شك أن العلماء الأتقياء أفضل منهم، وإليهم أشار صلى الله عليه وسلم بقوله:
" فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم "
وكذلك الأحاديث التي وردت في تفضيل العلماء. وأما العارفون بالله فهم أعظم العلماء، لأن علمهم متعلق بذات الله كشفا وذوقا، وعلماء الظاهر علمهم متعلق بأحكام الله. مفرقون عن الله، بل هم أشد حجابا من غيرهم عن الله. قال بعض الأولياء: أشد الناس حجابا عن الله: العلماء ثم العباد ثم الزهاد. ه. لأن حلاوة ما هم فيه تمنعهم عن الانتقال عنه، وقد تقدم الكلام عند قوله:
كنتم خير أمة أخرجت للناس
[آل عمران:110] بأبلغ من هذا. والله تعالى أعلم.
النساء 4:53
قلت: { أم }: منقطعة، بمعنى بل، والهمزة للإنكار، وهو إنكار وجحد لما زعمت اليهود من أن الملك سيصير لهم، و { إذا } إن فصل بينها وبين المضارع، ب " لا " ففيها الإهمال والإعمال، وقد قرىء: وإذا لا يلبثوا، والنقير: النقرة التي في ظهر النواة، وهو هنا كنابة عن نهاية بخلهم. يقول الحق جل جلاله: منكرا على اليهود: أيحصل لهم { نصيب من الملك } والرياسة؟ هيهات، لا يكون هذا أبدا، فكيف يكون لهم الملك وهم أبخل الناس؟. فإذا أوتوا شيئا من الملك لا يعطون الناس نقيرا، فما بالك بأكثر، والملك والنصر ولا يكونان إلا لأجل الكرم والجود والشجاعة، وإصابة الرأي وحسن التدبير، وهم بعداء من هذه المكارم. الإشارة: لا يمكن الله من العز والنصر والتصرف الظاهر أو الباطن إلا أهل السخاء والجود، فمن جاد بماله حتى لا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى، مكنه الله من العز والتصرف الحسي، ومن جاد بنفسه وجاهه، وبذلهما في مرضاة ربه، مكنه الله من العز والنصر والتصرف المعنوي يتصرف بهمته في الوجود بأسره، من عرشه إلى فرشه، ويدوم عزه ونصره أبد الأبد. والله تعالى أعلم.
النساء 4:54
قلت: { أم } بمعنى بل، و { سعيرا } تمييز. يقول الحق جل جلاله: توبيخا لليهود على الحسد: { أم يحسدون الناس } ، أي: العرب حيث انتقلت النبوة إليهم، وقد كانت في أسلافهم، { على ما آتاهم الله من فضله } ، وهو ظهور النبوة فيهم، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه اجتمع فيه ما افترق في سائر الناس، حسدوه على ما آتاه الله من فضله، من النبوة وغيرها، وقالوا لعنهم الله : ما له هم إلا النساء ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء. فكذبهم الله تعالى ورد عليهم بقوله: { فقد آتينا آل إبراهيم } وهم: يوسف وداود وسليمان، { الكتاب والحكمة } أي: النبوة، { وآتيناهم ملكا عظيما }. فقد اجتمع لداود عليه السلام مائة امرأة. ولسليمان عليه السلام ألف امرأة: ثلاثمائة مهيرة، أي بالمهر وسبعمائة سرية، فقال لهم عليه الصلاة والسلام حين نزلت الآية: ألف امرأة عن رجل، ومائة امرأة عند آخر، أكثر من تسع نسوة، فسكتوا. { فمنهم } أي: اليهود، { من آمن به } أي: بمحمد عليه الصلاة والسلام كعبد الله بن سلام وأصحابة، { ومنهم من صد عنه } أي: أعرض عنه، أو: من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، { ومنهم من صد عنه } ، ولم يكن في ذلك توهين لقدر إبراهيم، فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك، أو: من أسلافهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك، { ومنهم من صد عنه } ، كما فعلوا مع سليمان وغيره. { وكفى بجهنم سعيرا } لمن كفر بما جاء به أحد من الرسل، أي: فإن لم يعاجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم. ثم بين مآل من كفر، فقال: { إن الذين كفروا بآياتنا } المنزلة على رسلنا، أو الدالة على وحدانيتنا، { سوف نصليهم نارا } أي: نحرقهم بها ونشويهم، { كلما نضجت جلودهم } أي: لانت واحترقت { بدلناهم جلودا غيرها } ، قال صلى الله عليه وسلم:
" تبدل في ساعة مائة مرة "
وقال الحسن: تأكلهم النار في كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم: عودوا فيعودوان كما كانوا. وقال مجاهد: ما بين جلده ولحمه دود، لها جلبة أي حركة وهرير كجلبة حمر الوحش. روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وضرسه مثل أحد ".
وإنما بدلت جلودهم { ليذوقوا } ألم { العذاب } ، أي: يدوم لهم ذلك بخلق جلد آخر مكانه، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية لا لآلة إدراكها، فلا محذور، { إن الله كان عزيزا } لا يمتنع عليه ما يريد، { حكيما } يعاقب على قدر حكمته.
ثم ذكر مقابل هؤلاء فقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة } مما يستقذر { وندخلهم ظلا ظليلا } أي دائما لا تنسخه شمس، ولا يصحبه برد، قدم وعيد الكفار على وعد المؤمنين، لأن الكلام فيهم، وذكر المؤمنين بالعرض. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحسد خلق مذموم، لا يتطهر منه إلا الصديقون، وكل من بقي فيه بقية من الحسد لا يشم رائحة المعرفة، إذ لو عرف الله لم يجد من يحسد، وقد قيل: الحسود لا يسود. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أن قال:
" الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب "
وقال سفيان: بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول: الحاسد عدو نعمتي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي. وأنشدوا:
ألا قل لمن كان لي حاسدا أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله إذا أنت لم ترض لي ما وهب جزاؤك منه الزيادة لي وألا تنال الذي تطلب
وقال آخر:
إن تحسدوني فإني غير لائمكم قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما كان بي وبهم ومات أكثرنا غيظا بما يجد
ثم إن الحسود لا تزول عداواته، ولا تنفع مداواته، وهو ظالم يشتكي كأنه مظلوم. ولقد صدق القائل:
كل العداوة قد ترجى إزالتها إلا عداوة من عاداك من حسد
وقال حكيم الشعراء:
وأظلم خلق الله من بات حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلب
وقال آخر:
أني لأرحم حاسدي لفرط ما ضمت صدورهم من الأوغار نظروا صنيع الله في فعيونهم في جنة وقلوبهم في نار
قال بعض الحكماء: الحاسد يضر نفسه ثلاث مضرات: إحداها: اكتساب الذنوب لأن الحسد حرام. الثانية: سوء الأدب مع الله تعالى فإن حقيقة الحسد: كراهية إنعام الله على غيره، واعتراض على الله في فعله. الثالثة: تألم قلبه وكثرة همه وغمه. عافانا الله من ذلك كله، فالحاسد لا ينفك عن نار الحجاب وغم الحساب، والمتطهر منه يدخل جنة الرضى والتسليم في جوار الحبيب، وهو محل الراحة والأمن في الدارين، وهو الظل الظليل. والله تعالى أعلم.
النساء 4:55
قلت: { أم } بمعنى بل، و { سعيرا } تمييز. يقول الحق جل جلاله: توبيخا لليهود على الحسد: { أم يحسدون الناس } ، أي: العرب حيث انتقلت النبوة إليهم، وقد كانت في أسلافهم، { على ما آتاهم الله من فضله } ، وهو ظهور النبوة فيهم، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه اجتمع فيه ما افترق في سائر الناس، حسدوه على ما آتاه الله من فضله، من النبوة وغيرها، وقالوا لعنهم الله : ما له هم إلا النساء ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء. فكذبهم الله تعالى ورد عليهم بقوله: { فقد آتينا آل إبراهيم } وهم: يوسف وداود وسليمان، { الكتاب والحكمة } أي: النبوة، { وآتيناهم ملكا عظيما }. فقد اجتمع لداود عليه السلام مائة امرأة. ولسليمان عليه السلام ألف امرأة: ثلاثمائة مهيرة، أي بالمهر وسبعمائة سرية، فقال لهم عليه الصلاة والسلام حين نزلت الآية: ألف امرأة عن رجل، ومائة امرأة عند آخر، أكثر من تسع نسوة، فسكتوا. { فمنهم } أي: اليهود، { من آمن به } أي: بمحمد عليه الصلاة والسلام كعبد الله بن سلام وأصحابة، { ومنهم من صد عنه } أي: أعرض عنه، أو: من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، { ومنهم من صد عنه } ، ولم يكن في ذلك توهين لقدر إبراهيم، فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك، أو: من أسلافهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك، { ومنهم من صد عنه } ، كما فعلوا مع سليمان وغيره. { وكفى بجهنم سعيرا } لمن كفر بما جاء به أحد من الرسل، أي: فإن لم يعاجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم. ثم بين مآل من كفر، فقال: { إن الذين كفروا بآياتنا } المنزلة على رسلنا، أو الدالة على وحدانيتنا، { سوف نصليهم نارا } أي: نحرقهم بها ونشويهم، { كلما نضجت جلودهم } أي: لانت واحترقت { بدلناهم جلودا غيرها } ، قال صلى الله عليه وسلم:
" تبدل في ساعة مائة مرة "
وقال الحسن: تأكلهم النار في كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم: عودوا فيعودوان كما كانوا. وقال مجاهد: ما بين جلده ولحمه دود، لها جلبة أي حركة وهرير كجلبة حمر الوحش. روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وضرسه مثل أحد ".
وإنما بدلت جلودهم { ليذوقوا } ألم { العذاب } ، أي: يدوم لهم ذلك بخلق جلد آخر مكانه، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية لا لآلة إدراكها، فلا محذور، { إن الله كان عزيزا } لا يمتنع عليه ما يريد، { حكيما } يعاقب على قدر حكمته.
ثم ذكر مقابل هؤلاء فقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة } مما يستقذر { وندخلهم ظلا ظليلا } أي دائما لا تنسخه شمس، ولا يصحبه برد، قدم وعيد الكفار على وعد المؤمنين، لأن الكلام فيهم، وذكر المؤمنين بالعرض. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحسد خلق مذموم، لا يتطهر منه إلا الصديقون، وكل من بقي فيه بقية من الحسد لا يشم رائحة المعرفة، إذ لو عرف الله لم يجد من يحسد، وقد قيل: الحسود لا يسود. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أن قال:
" الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب "
وقال سفيان: بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول: الحاسد عدو نعمتي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي. وأنشدوا:
ألا قل لمن كان لي حاسدا أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله إذا أنت لم ترض لي ما وهب جزاؤك منه الزيادة لي وألا تنال الذي تطلب
وقال آخر:
إن تحسدوني فإني غير لائمكم قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما كان بي وبهم ومات أكثرنا غيظا بما يجد
ثم إن الحسود لا تزول عداواته، ولا تنفع مداواته، وهو ظالم يشتكي كأنه مظلوم. ولقد صدق القائل:
كل العداوة قد ترجى إزالتها إلا عداوة من عاداك من حسد
وقال حكيم الشعراء:
وأظلم خلق الله من بات حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلب
وقال آخر:
أني لأرحم حاسدي لفرط ما ضمت صدورهم من الأوغار نظروا صنيع الله في فعيونهم في جنة وقلوبهم في نار
قال بعض الحكماء: الحاسد يضر نفسه ثلاث مضرات: إحداها: اكتساب الذنوب لأن الحسد حرام. الثانية: سوء الأدب مع الله تعالى فإن حقيقة الحسد: كراهية إنعام الله على غيره، واعتراض على الله في فعله. الثالثة: تألم قلبه وكثرة همه وغمه. عافانا الله من ذلك كله، فالحاسد لا ينفك عن نار الحجاب وغم الحساب، والمتطهر منه يدخل جنة الرضى والتسليم في جوار الحبيب، وهو محل الراحة والأمن في الدارين، وهو الظل الظليل. والله تعالى أعلم.
النساء 4:56
قلت: { أم } بمعنى بل، و { سعيرا } تمييز. يقول الحق جل جلاله: توبيخا لليهود على الحسد: { أم يحسدون الناس } ، أي: العرب حيث انتقلت النبوة إليهم، وقد كانت في أسلافهم، { على ما آتاهم الله من فضله } ، وهو ظهور النبوة فيهم، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه اجتمع فيه ما افترق في سائر الناس، حسدوه على ما آتاه الله من فضله، من النبوة وغيرها، وقالوا لعنهم الله : ما له هم إلا النساء ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء. فكذبهم الله تعالى ورد عليهم بقوله: { فقد آتينا آل إبراهيم } وهم: يوسف وداود وسليمان، { الكتاب والحكمة } أي: النبوة، { وآتيناهم ملكا عظيما }. فقد اجتمع لداود عليه السلام مائة امرأة. ولسليمان عليه السلام ألف امرأة: ثلاثمائة مهيرة، أي بالمهر وسبعمائة سرية، فقال لهم عليه الصلاة والسلام حين نزلت الآية: ألف امرأة عن رجل، ومائة امرأة عند آخر، أكثر من تسع نسوة، فسكتوا. { فمنهم } أي: اليهود، { من آمن به } أي: بمحمد عليه الصلاة والسلام كعبد الله بن سلام وأصحابة، { ومنهم من صد عنه } أي: أعرض عنه، أو: من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، { ومنهم من صد عنه } ، ولم يكن في ذلك توهين لقدر إبراهيم، فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك، أو: من أسلافهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك، { ومنهم من صد عنه } ، كما فعلوا مع سليمان وغيره. { وكفى بجهنم سعيرا } لمن كفر بما جاء به أحد من الرسل، أي: فإن لم يعاجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم. ثم بين مآل من كفر، فقال: { إن الذين كفروا بآياتنا } المنزلة على رسلنا، أو الدالة على وحدانيتنا، { سوف نصليهم نارا } أي: نحرقهم بها ونشويهم، { كلما نضجت جلودهم } أي: لانت واحترقت { بدلناهم جلودا غيرها } ، قال صلى الله عليه وسلم:
" تبدل في ساعة مائة مرة "
وقال الحسن: تأكلهم النار في كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم: عودوا فيعودوان كما كانوا. وقال مجاهد: ما بين جلده ولحمه دود، لها جلبة أي حركة وهرير كجلبة حمر الوحش. روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وضرسه مثل أحد ".
وإنما بدلت جلودهم { ليذوقوا } ألم { العذاب } ، أي: يدوم لهم ذلك بخلق جلد آخر مكانه، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية لا لآلة إدراكها، فلا محذور، { إن الله كان عزيزا } لا يمتنع عليه ما يريد، { حكيما } يعاقب على قدر حكمته.
ثم ذكر مقابل هؤلاء فقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة } مما يستقذر { وندخلهم ظلا ظليلا } أي دائما لا تنسخه شمس، ولا يصحبه برد، قدم وعيد الكفار على وعد المؤمنين، لأن الكلام فيهم، وذكر المؤمنين بالعرض. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحسد خلق مذموم، لا يتطهر منه إلا الصديقون، وكل من بقي فيه بقية من الحسد لا يشم رائحة المعرفة، إذ لو عرف الله لم يجد من يحسد، وقد قيل: الحسود لا يسود. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أن قال:
" الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب "
وقال سفيان: بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول: الحاسد عدو نعمتي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي. وأنشدوا:
ألا قل لمن كان لي حاسدا أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله إذا أنت لم ترض لي ما وهب جزاؤك منه الزيادة لي وألا تنال الذي تطلب
وقال آخر:
إن تحسدوني فإني غير لائمكم قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما كان بي وبهم ومات أكثرنا غيظا بما يجد
ثم إن الحسود لا تزول عداواته، ولا تنفع مداواته، وهو ظالم يشتكي كأنه مظلوم. ولقد صدق القائل:
كل العداوة قد ترجى إزالتها إلا عداوة من عاداك من حسد
وقال حكيم الشعراء:
وأظلم خلق الله من بات حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلب
وقال آخر:
أني لأرحم حاسدي لفرط ما ضمت صدورهم من الأوغار نظروا صنيع الله في فعيونهم في جنة وقلوبهم في نار
قال بعض الحكماء: الحاسد يضر نفسه ثلاث مضرات: إحداها: اكتساب الذنوب لأن الحسد حرام. الثانية: سوء الأدب مع الله تعالى فإن حقيقة الحسد: كراهية إنعام الله على غيره، واعتراض على الله في فعله. الثالثة: تألم قلبه وكثرة همه وغمه. عافانا الله من ذلك كله، فالحاسد لا ينفك عن نار الحجاب وغم الحساب، والمتطهر منه يدخل جنة الرضى والتسليم في جوار الحبيب، وهو محل الراحة والأمن في الدارين، وهو الظل الظليل. والله تعالى أعلم.
النساء 4:57
قلت: { أم } بمعنى بل، و { سعيرا } تمييز. يقول الحق جل جلاله: توبيخا لليهود على الحسد: { أم يحسدون الناس } ، أي: العرب حيث انتقلت النبوة إليهم، وقد كانت في أسلافهم، { على ما آتاهم الله من فضله } ، وهو ظهور النبوة فيهم، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه اجتمع فيه ما افترق في سائر الناس، حسدوه على ما آتاه الله من فضله، من النبوة وغيرها، وقالوا لعنهم الله : ما له هم إلا النساء ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء. فكذبهم الله تعالى ورد عليهم بقوله: { فقد آتينا آل إبراهيم } وهم: يوسف وداود وسليمان، { الكتاب والحكمة } أي: النبوة، { وآتيناهم ملكا عظيما }. فقد اجتمع لداود عليه السلام مائة امرأة. ولسليمان عليه السلام ألف امرأة: ثلاثمائة مهيرة، أي بالمهر وسبعمائة سرية، فقال لهم عليه الصلاة والسلام حين نزلت الآية: ألف امرأة عن رجل، ومائة امرأة عند آخر، أكثر من تسع نسوة، فسكتوا. { فمنهم } أي: اليهود، { من آمن به } أي: بمحمد عليه الصلاة والسلام كعبد الله بن سلام وأصحابة، { ومنهم من صد عنه } أي: أعرض عنه، أو: من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، { ومنهم من صد عنه } ، ولم يكن في ذلك توهين لقدر إبراهيم، فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك، أو: من أسلافهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك، { ومنهم من صد عنه } ، كما فعلوا مع سليمان وغيره. { وكفى بجهنم سعيرا } لمن كفر بما جاء به أحد من الرسل، أي: فإن لم يعاجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم. ثم بين مآل من كفر، فقال: { إن الذين كفروا بآياتنا } المنزلة على رسلنا، أو الدالة على وحدانيتنا، { سوف نصليهم نارا } أي: نحرقهم بها ونشويهم، { كلما نضجت جلودهم } أي: لانت واحترقت { بدلناهم جلودا غيرها } ، قال صلى الله عليه وسلم:
" تبدل في ساعة مائة مرة "
وقال الحسن: تأكلهم النار في كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم: عودوا فيعودوان كما كانوا. وقال مجاهد: ما بين جلده ولحمه دود، لها جلبة أي حركة وهرير كجلبة حمر الوحش. روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وضرسه مثل أحد ".
وإنما بدلت جلودهم { ليذوقوا } ألم { العذاب } ، أي: يدوم لهم ذلك بخلق جلد آخر مكانه، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية لا لآلة إدراكها، فلا محذور، { إن الله كان عزيزا } لا يمتنع عليه ما يريد، { حكيما } يعاقب على قدر حكمته.
ثم ذكر مقابل هؤلاء فقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة } مما يستقذر { وندخلهم ظلا ظليلا } أي دائما لا تنسخه شمس، ولا يصحبه برد، قدم وعيد الكفار على وعد المؤمنين، لأن الكلام فيهم، وذكر المؤمنين بالعرض. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحسد خلق مذموم، لا يتطهر منه إلا الصديقون، وكل من بقي فيه بقية من الحسد لا يشم رائحة المعرفة، إذ لو عرف الله لم يجد من يحسد، وقد قيل: الحسود لا يسود. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أن قال:
" الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب "
وقال سفيان: بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول: الحاسد عدو نعمتي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي. وأنشدوا:
ألا قل لمن كان لي حاسدا أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله إذا أنت لم ترض لي ما وهب جزاؤك منه الزيادة لي وألا تنال الذي تطلب
وقال آخر:
إن تحسدوني فإني غير لائمكم قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما كان بي وبهم ومات أكثرنا غيظا بما يجد
ثم إن الحسود لا تزول عداواته، ولا تنفع مداواته، وهو ظالم يشتكي كأنه مظلوم. ولقد صدق القائل:
كل العداوة قد ترجى إزالتها إلا عداوة من عاداك من حسد
وقال حكيم الشعراء:
وأظلم خلق الله من بات حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلب
وقال آخر:
أني لأرحم حاسدي لفرط ما ضمت صدورهم من الأوغار نظروا صنيع الله في فعيونهم في جنة وقلوبهم في نار
قال بعض الحكماء: الحاسد يضر نفسه ثلاث مضرات: إحداها: اكتساب الذنوب لأن الحسد حرام. الثانية: سوء الأدب مع الله تعالى فإن حقيقة الحسد: كراهية إنعام الله على غيره، واعتراض على الله في فعله. الثالثة: تألم قلبه وكثرة همه وغمه. عافانا الله من ذلك كله، فالحاسد لا ينفك عن نار الحجاب وغم الحساب، والمتطهر منه يدخل جنة الرضى والتسليم في جوار الحبيب، وهو محل الراحة والأمن في الدارين، وهو الظل الظليل. والله تعالى أعلم.
النساء 4:58
قلت: " ما " في { نعما } تمميز أو فاعل، والمخصوص محذوف، أي نعم شيئا شيء يعظكم به، أو نعم الذي يعظكم به ذلك الأمر، وهو رد الأمانات والعدل في الحكومات. قال زيد بن أسلم وشهر بن حوشب: نزلت الآية في شأن الأمراء. ه. قلت: وأن نزلت في شأن عثمان بن طلحة سادن الكعبة فهي عامة. والمخاطب بذلك أولا الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد الأمراء، أمره الحق تعالى أن يرد المفاتح إلى عثمان، وذلك أن عثمان أغلق باب الكعبة يوم فتح مكة وأبى أن يدفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل الكعبة، وقال: لو علمت أنه رسول الله ما منعته، فلوى علي يده، وأخذها منه، فدخل رسول الله صلى عليه وسلم وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له السدانة والسقاية، فأمره الله تعالى أن يرده إليه، فأمر عليا بأن يرده ويعتذر إليه، وكان ذلك سببا لإسلام عثمان، ونزل الأمر بأن السدانة في أولاده أبدا. يقول الحق جل جلاله: { إن الله يأمركم } ، يا معشر الأمراء، أن تردوا { الأمانات إلى أهلها } من أنفسكم، أو من رعيتكم فتنصفوا المظلوم من الظالم، حتى يؤدي ما ائتمن عليه من دين، أو وديعة، أو غصب، أو سرقة، أو غير ذلك من حقوق العباد، بعضهم من بعض، وأن تؤدوا الزكاة إلى من يستحقها، وتصرفوا بيت المال فيمن يستحقه، لا تظلموا أهلها، ولا تضيعوا منها شيئا في غير مستحقها. { و } يأمركم { إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } في من ينفذ عليه حكمكم، { إن الله نعما يعظكم به } أي: إن الله يعظكم بأمر نعم ما هو، { إن الله كان سميعا بصيرا } لا يخفى عليه أحكامكم، ولا ما أخفيتم من أمانات غيركم. الإشارة: أمر الحق جل جلاله شيوخ التربية أن يؤدوا السر إلى من يستحقه من الفقراء، إذا تحققوا أهليتهم له، بحيث تخلوا عن الرذائل، كالحسد والكبر وغيرهما، وتحلوا بالفضائل، كسلامة الصدر وسخاوة النفوس وحسن الخلق، وغير ذلك من أوصاف الكمال، فإن تحققوا بالتخلية والتحلية، استحقوا الاطلاع على أسرار الربوبية، التي هي أمانات عند أهل الخصوصية، وأمرهم أن يحكموا بين الفقراء بالعدل، فيمدوا كلا على قدر صدقه وخدمته، والله تعالى أعلم.
النساء 4:59
أعاد العامل في قوله: { وأطيعوا الرسول } ، إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في { أولى الأمر } إشارة إلى أنه يوجد منهم من لا تجب طاعته، ثم بينه بقوله: { فإن تنازعتم في شيء } كأنه قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله. قال الطيبي، وسيأتي تحرير ذلك إن شاء الله تعالى. يقول الحق جل جلاله: { ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه، { وأطيعوا الرسول } كذلك. { وأولي الأمر منكم } أي: من ولي أمركم. من ولاة العدل كالخلفاء والأمراء بعدهم، تجب طاعتهم فيما أمروا به من الطاعة دون المعصية إلا لخوف هرج، قال عليه الصلاة والسلام:
" إنما الطاعة في المعروف "
، فأن لم يعدل: وجبت طاعته خوفا من الفتنة. وهذا هو الأصح. لقوله عليه الصلاة والسلام :
" سيليكم ولاة، فيليكم البر ببره، والفاجر بفجوره، فاستمعوا لهم، وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم "
رواه أبو هريرة. وفي حديث آخر:
" إلا أن تروا كفرا بواحا، لكم عليه من الله برهان "
أي: فيجب عزلهم. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم لما سأله أبو وائل فقال: يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقنا ويسألون حقهم؟. فقال صلى الله عليه وسلم:
" اسمعوا وأطيعوا، فإن عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ".
وقال جابر بن عبد الله والحسن والضحاك ومجاهد: أولو الأمر هم الفقهاء والعلماء، أهل الدين والفضل، يعلمون الناس معالم دينهم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، دليله. قوله تعالى:
ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم...
[النساء:83] الآية. قال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك. ه. { فإن تنازعتم } أنتم وأولو الأمر، أو بعضكم مع بعض أي: اختلفتم في حكم شيء من أمر الدين فلم تعلموا حكمه، { فردوه إلى الله } أي: إلى كتاب الله، { و } إلى { الرسول } في زمانه، أو سنته بعد موته، فإن لم يوجد بالنص فبالقياس. فالأحكام ثلاثة: مثبت بالكتاب، ومثبت بالسنة، ومثبت بالرد إليهما على وجه القياس. وعن إبراهيم بن يسار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" اعملوا بالقرآن: أحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وآمنوا به ولا تكفروا بشيء منه، وما اشتبه عليكم فردوه إلى الله تعالى وإلى أولي العلم من بعدي، كيما يخبرونكم به "
، ثم قال:
" وليسعكم القرآن وما فيه من البيان فإنه شافع مشفع، وما حل مصدق " ، وأن له بكل حرف نورا يوم القيامة ".
فردوا الأحكام إليه وإلى الرسول، { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر } فأن الإيمان يوجب ذلك. { ذلك } الرد { خير } لكم { وأحسن تأويلا } من تأويلكم بالرأي من غير رد، وأحسن عاقبة ومآلا، والله تعالى أعلم. الإشارة: أولو الأمر عند الصوفية، هم شيوخ التربية العارفون بالله، فيجب على المريدين طاعتهم في المنشط والمكره، وفي كل ما أمروا به، فمن خالف أو قال: " لم " لم يفلح أبدا، ويكفي الإشارة عن التصريح عند الحذاق أهل الاعتناء، فإن تعارض أمر الأمراء وأمر الشيوخ، قدم أمر الشيخ إلا لفتنة فادحة، فإن الشيخ يأمر بطاعتهم أيضا لما يؤدي من الهرج بالفقراء، فإن تنازعتم يا معشر الفقراء، في شيء من علم الشريعة أو الطريق، فردوه إلى الكتاب والسنة. قال الجنيد رضي الله عنه: طريقتنا هذه مؤيدة بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويتعلم الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن. ه. ويكفي المهم من ذلك، وهو ما يتوقف عليه أمر عبادته. والله تعالى أعلم.
النساء 4:60
قلت: { رأيت المنافقين } ، وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالنفاق وذما لهم به. وكان القياس: رأيتهم، و { صدودا }: مصدر، أو اسم مصدر الذي هو الصد، والفرق بينه وبين المصدر: أن المصدر اسم للمعنى الذي هو الحدث، واسم المصدر اسم للفظ المحسوس، و { يحلفون } حال. و { في أنفسهم } يتعلق بقل، وقيل ببليغا. وهو ضعيف لأن الصفات لا يتقدم عليها معمولها، اللهم إلا أن يتوسع في الظروف. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } وهم المنافقون، { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } ، كعب بن الأشرف لفرط طغيانه. وفي معناه كل من يحكم بالباطل، { وقد أمروا أن يكفروا به } ، ويؤمنوا بالله ويرضوا بحكمه. { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } ، بأن يصرفهم عن حكم الله ورسوله. قال ابن عباس: إن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهودي بالحق فلم يرض المنافق، وقال: نتحاكم إلى عمر، فقال اليهودي: نعم فذهبا إلى عمر رضي الله عنه فقال اليهودي: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرضى بقضائه وخاصم إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟. قال: نعم، فقال: على رسلكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه فخرج، فضرب به عنق المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت الآية.. وقال جبريل رضي الله عنه: إن عمر فرق بين الحق والباطل. فسمي الفاروق. { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين } أي: بعضهم، { يصدون عنك } غير راضين بحكمك { صدودا } عظيما. { فكيف } يكون حالهم { إذا أصابتهم مصيبة } كقتل عمر المنافق، بسبب ما قدمت { أيديهم } من عدم الرضى بحكم الله، { ثم جاؤوك } يطلبون دية صاحبهم، { يحلفون بالله إن أردنا } بالإنصراف إلى عمر { إلا أحسانا } منه بالخصمين، { وتوفيقا } بينهما، قطعا للنزاع بينهما، قال تعالى: { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } من النفاق، فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من الله شيئا، أو يعلم الله ما في قلوبهم من الطمع في الدية، { فأعرض عنهم } ، أي: عن قبول معذرتهم ولا تمكنهم من طمعهم، { وقل لهم في أنفسهم } ، أي: خاليا بهم { قولا بليغا } يبلغ إلى قلوبهم، ويؤثر فيهم، لينزجروا عن طلب دم صاحبهم، وإنما أمر أن يعظهم خاليا لأن النصح في ذلك أنجح، وأقرب للقبول، ولذلك قيل: من نصحك وحدك فقد نصحك، ومن نصحك مع الناس فقد فضحك. والله أعلم. الإشارة: كل من دخل تحت ولاية شيخ التربية، وجب أن يرد حكوماته كلها إليه، ويرضى بما قضى عليه، وترى بعض الفقراء يزعمون أنهم في تربية الشيخ وتحت أحكامه، ثم يتحاكمون إلى حكام الجور وقضاة الزمان في أمر الدنيا وما يرجع إليها، فهؤلاء قد ضلوا ضلالا بعيدا.
إلا أن يتوبوا ويصلحوا ما أفسدوا، بإصلاح قلب الشيخ حتى يجبر كسرهم، فالمريد الصادق لا يصل إلى الحاكم، ولو ذهب ماله كله، فإن كان ولا بد. فليوكل عنه في ذلك. فيكيف إذا أصابت هؤلاء مصيبة وهي ظلمة القلب، وفتنة الدنيا بسبب ما قدمت أيديهم من تخطى حكم شيخهم إلى حكم غيره، ثم جاؤوك يحلفون بالله ما أردنا إلا أحسانا وهو حفظ مالنا، وتوفيقا بيننا وبين خصمنا، فيجب على الشيخ أن يعرض عن عتابهم ويذكرهم حتى يتوبوا، فإن تابوا فإن الله غفور رحيم.
النساء 4:61
قلت: { رأيت المنافقين } ، وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالنفاق وذما لهم به. وكان القياس: رأيتهم، و { صدودا }: مصدر، أو اسم مصدر الذي هو الصد، والفرق بينه وبين المصدر: أن المصدر اسم للمعنى الذي هو الحدث، واسم المصدر اسم للفظ المحسوس، و { يحلفون } حال. و { في أنفسهم } يتعلق بقل، وقيل ببليغا. وهو ضعيف لأن الصفات لا يتقدم عليها معمولها، اللهم إلا أن يتوسع في الظروف. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } وهم المنافقون، { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } ، كعب بن الأشرف لفرط طغيانه. وفي معناه كل من يحكم بالباطل، { وقد أمروا أن يكفروا به } ، ويؤمنوا بالله ويرضوا بحكمه. { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } ، بأن يصرفهم عن حكم الله ورسوله. قال ابن عباس: إن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهودي بالحق فلم يرض المنافق، وقال: نتحاكم إلى عمر، فقال اليهودي: نعم فذهبا إلى عمر رضي الله عنه فقال اليهودي: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرضى بقضائه وخاصم إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟. قال: نعم، فقال: على رسلكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه فخرج، فضرب به عنق المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت الآية.. وقال جبريل رضي الله عنه: إن عمر فرق بين الحق والباطل. فسمي الفاروق. { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين } أي: بعضهم، { يصدون عنك } غير راضين بحكمك { صدودا } عظيما. { فكيف } يكون حالهم { إذا أصابتهم مصيبة } كقتل عمر المنافق، بسبب ما قدمت { أيديهم } من عدم الرضى بحكم الله، { ثم جاؤوك } يطلبون دية صاحبهم، { يحلفون بالله إن أردنا } بالإنصراف إلى عمر { إلا أحسانا } منه بالخصمين، { وتوفيقا } بينهما، قطعا للنزاع بينهما، قال تعالى: { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } من النفاق، فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من الله شيئا، أو يعلم الله ما في قلوبهم من الطمع في الدية، { فأعرض عنهم } ، أي: عن قبول معذرتهم ولا تمكنهم من طمعهم، { وقل لهم في أنفسهم } ، أي: خاليا بهم { قولا بليغا } يبلغ إلى قلوبهم، ويؤثر فيهم، لينزجروا عن طلب دم صاحبهم، وإنما أمر أن يعظهم خاليا لأن النصح في ذلك أنجح، وأقرب للقبول، ولذلك قيل: من نصحك وحدك فقد نصحك، ومن نصحك مع الناس فقد فضحك. والله أعلم. الإشارة: كل من دخل تحت ولاية شيخ التربية، وجب أن يرد حكوماته كلها إليه، ويرضى بما قضى عليه، وترى بعض الفقراء يزعمون أنهم في تربية الشيخ وتحت أحكامه، ثم يتحاكمون إلى حكام الجور وقضاة الزمان في أمر الدنيا وما يرجع إليها، فهؤلاء قد ضلوا ضلالا بعيدا.
إلا أن يتوبوا ويصلحوا ما أفسدوا، بإصلاح قلب الشيخ حتى يجبر كسرهم، فالمريد الصادق لا يصل إلى الحاكم، ولو ذهب ماله كله، فإن كان ولا بد. فليوكل عنه في ذلك. فيكيف إذا أصابت هؤلاء مصيبة وهي ظلمة القلب، وفتنة الدنيا بسبب ما قدمت أيديهم من تخطى حكم شيخهم إلى حكم غيره، ثم جاؤوك يحلفون بالله ما أردنا إلا أحسانا وهو حفظ مالنا، وتوفيقا بيننا وبين خصمنا، فيجب على الشيخ أن يعرض عن عتابهم ويذكرهم حتى يتوبوا، فإن تابوا فإن الله غفور رحيم.
النساء 4:62
قلت: { رأيت المنافقين } ، وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالنفاق وذما لهم به. وكان القياس: رأيتهم، و { صدودا }: مصدر، أو اسم مصدر الذي هو الصد، والفرق بينه وبين المصدر: أن المصدر اسم للمعنى الذي هو الحدث، واسم المصدر اسم للفظ المحسوس، و { يحلفون } حال. و { في أنفسهم } يتعلق بقل، وقيل ببليغا. وهو ضعيف لأن الصفات لا يتقدم عليها معمولها، اللهم إلا أن يتوسع في الظروف. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } وهم المنافقون، { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } ، كعب بن الأشرف لفرط طغيانه. وفي معناه كل من يحكم بالباطل، { وقد أمروا أن يكفروا به } ، ويؤمنوا بالله ويرضوا بحكمه. { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } ، بأن يصرفهم عن حكم الله ورسوله. قال ابن عباس: إن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهودي بالحق فلم يرض المنافق، وقال: نتحاكم إلى عمر، فقال اليهودي: نعم فذهبا إلى عمر رضي الله عنه فقال اليهودي: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرضى بقضائه وخاصم إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟. قال: نعم، فقال: على رسلكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه فخرج، فضرب به عنق المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت الآية.. وقال جبريل رضي الله عنه: إن عمر فرق بين الحق والباطل. فسمي الفاروق. { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين } أي: بعضهم، { يصدون عنك } غير راضين بحكمك { صدودا } عظيما. { فكيف } يكون حالهم { إذا أصابتهم مصيبة } كقتل عمر المنافق، بسبب ما قدمت { أيديهم } من عدم الرضى بحكم الله، { ثم جاؤوك } يطلبون دية صاحبهم، { يحلفون بالله إن أردنا } بالإنصراف إلى عمر { إلا أحسانا } منه بالخصمين، { وتوفيقا } بينهما، قطعا للنزاع بينهما، قال تعالى: { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } من النفاق، فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من الله شيئا، أو يعلم الله ما في قلوبهم من الطمع في الدية، { فأعرض عنهم } ، أي: عن قبول معذرتهم ولا تمكنهم من طمعهم، { وقل لهم في أنفسهم } ، أي: خاليا بهم { قولا بليغا } يبلغ إلى قلوبهم، ويؤثر فيهم، لينزجروا عن طلب دم صاحبهم، وإنما أمر أن يعظهم خاليا لأن النصح في ذلك أنجح، وأقرب للقبول، ولذلك قيل: من نصحك وحدك فقد نصحك، ومن نصحك مع الناس فقد فضحك. والله أعلم. الإشارة: كل من دخل تحت ولاية شيخ التربية، وجب أن يرد حكوماته كلها إليه، ويرضى بما قضى عليه، وترى بعض الفقراء يزعمون أنهم في تربية الشيخ وتحت أحكامه، ثم يتحاكمون إلى حكام الجور وقضاة الزمان في أمر الدنيا وما يرجع إليها، فهؤلاء قد ضلوا ضلالا بعيدا.
إلا أن يتوبوا ويصلحوا ما أفسدوا، بإصلاح قلب الشيخ حتى يجبر كسرهم، فالمريد الصادق لا يصل إلى الحاكم، ولو ذهب ماله كله، فإن كان ولا بد. فليوكل عنه في ذلك. فيكيف إذا أصابت هؤلاء مصيبة وهي ظلمة القلب، وفتنة الدنيا بسبب ما قدمت أيديهم من تخطى حكم شيخهم إلى حكم غيره، ثم جاؤوك يحلفون بالله ما أردنا إلا أحسانا وهو حفظ مالنا، وتوفيقا بيننا وبين خصمنا، فيجب على الشيخ أن يعرض عن عتابهم ويذكرهم حتى يتوبوا، فإن تابوا فإن الله غفور رحيم.
النساء 4:63
قلت: { رأيت المنافقين } ، وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالنفاق وذما لهم به. وكان القياس: رأيتهم، و { صدودا }: مصدر، أو اسم مصدر الذي هو الصد، والفرق بينه وبين المصدر: أن المصدر اسم للمعنى الذي هو الحدث، واسم المصدر اسم للفظ المحسوس، و { يحلفون } حال. و { في أنفسهم } يتعلق بقل، وقيل ببليغا. وهو ضعيف لأن الصفات لا يتقدم عليها معمولها، اللهم إلا أن يتوسع في الظروف. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } وهم المنافقون، { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } ، كعب بن الأشرف لفرط طغيانه. وفي معناه كل من يحكم بالباطل، { وقد أمروا أن يكفروا به } ، ويؤمنوا بالله ويرضوا بحكمه. { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } ، بأن يصرفهم عن حكم الله ورسوله. قال ابن عباس: إن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهودي بالحق فلم يرض المنافق، وقال: نتحاكم إلى عمر، فقال اليهودي: نعم فذهبا إلى عمر رضي الله عنه فقال اليهودي: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرضى بقضائه وخاصم إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟. قال: نعم، فقال: على رسلكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه فخرج، فضرب به عنق المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت الآية.. وقال جبريل رضي الله عنه: إن عمر فرق بين الحق والباطل. فسمي الفاروق. { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين } أي: بعضهم، { يصدون عنك } غير راضين بحكمك { صدودا } عظيما. { فكيف } يكون حالهم { إذا أصابتهم مصيبة } كقتل عمر المنافق، بسبب ما قدمت { أيديهم } من عدم الرضى بحكم الله، { ثم جاؤوك } يطلبون دية صاحبهم، { يحلفون بالله إن أردنا } بالإنصراف إلى عمر { إلا أحسانا } منه بالخصمين، { وتوفيقا } بينهما، قطعا للنزاع بينهما، قال تعالى: { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } من النفاق، فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من الله شيئا، أو يعلم الله ما في قلوبهم من الطمع في الدية، { فأعرض عنهم } ، أي: عن قبول معذرتهم ولا تمكنهم من طمعهم، { وقل لهم في أنفسهم } ، أي: خاليا بهم { قولا بليغا } يبلغ إلى قلوبهم، ويؤثر فيهم، لينزجروا عن طلب دم صاحبهم، وإنما أمر أن يعظهم خاليا لأن النصح في ذلك أنجح، وأقرب للقبول، ولذلك قيل: من نصحك وحدك فقد نصحك، ومن نصحك مع الناس فقد فضحك. والله أعلم. الإشارة: كل من دخل تحت ولاية شيخ التربية، وجب أن يرد حكوماته كلها إليه، ويرضى بما قضى عليه، وترى بعض الفقراء يزعمون أنهم في تربية الشيخ وتحت أحكامه، ثم يتحاكمون إلى حكام الجور وقضاة الزمان في أمر الدنيا وما يرجع إليها، فهؤلاء قد ضلوا ضلالا بعيدا.
إلا أن يتوبوا ويصلحوا ما أفسدوا، بإصلاح قلب الشيخ حتى يجبر كسرهم، فالمريد الصادق لا يصل إلى الحاكم، ولو ذهب ماله كله، فإن كان ولا بد. فليوكل عنه في ذلك. فيكيف إذا أصابت هؤلاء مصيبة وهي ظلمة القلب، وفتنة الدنيا بسبب ما قدمت أيديهم من تخطى حكم شيخهم إلى حكم غيره، ثم جاؤوك يحلفون بالله ما أردنا إلا أحسانا وهو حفظ مالنا، وتوفيقا بيننا وبين خصمنا، فيجب على الشيخ أن يعرض عن عتابهم ويذكرهم حتى يتوبوا، فإن تابوا فإن الله غفور رحيم.
النساء 4:64
قلت: { توابا رحيما } مفعولا وجد أن كانت علمية، أو { توابا } حال، و { رحيما } بدل منه، أو حال من ضميره إن فسرت بصادف. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا من رسول } من لدن آدم إلى زمانك، { إلا ليطاع بإذن الله } وأمره بطاعته، فمن لم يطعه ولم يرض بأحكامه فهو كافر به. { ولو أنهم } أي: المنافقون حين { ظلموا أنفسهم } بالترافع إلى غيرك، والتحاكم إلى الطاغوت { جاؤوك } تائبين { فاستغفروا الله } بالتوبة، { واستغفر لهم الرسول } حين اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعا، { لوجدوا الله } أي: تحققوا كونه { توابا رحيما } ، قابلا لتوبتهم متفضلا عليهم بالرحمة والغفران. وإنما عدل عن الخطاب في قوله: { واستغفر لهم الرسول } ولم يقل: واستغفرت لهم، تفخيما لشأنه، وتنبيها على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائبين، وإن عظم جرمهم، ويشفع لهم، ومن جلالة منصبه أن يشفع في عظائم الذنوب وكبائرها. ثم أقسم بربوبيته على نفي إيمان من لم يرض بحكم رسوله، فقال: { فلا وربك لا يؤمنون } إيمانا حقيقيا { حتى يحكموك } أي: يترافعوا إليك، راضين بحكمك، { فيما شجر بينهم } أي: اختلط بينهم واختلفوا فيه { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا } أي: ضيقا وشكا { مما قضيت } ، بل تنشرح صدورهم لحكمك لأنه حق من عند الله. { ويسلموا } لأمرك { تسليما }. أي ينقادوا لأمرك ظاهرا وباطنا. { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } ، توبة من ذنوبكم، كما كتبناه على بني إسرائيل، أو في الجهاد في سبيل الله، { أو اخرجوا من دياركم } كما خرج بنو إسرائيل حين أمرناهم بالهجرة من مصر، { ما فعلوه إلا قليل منهم } وهم المخلصون. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لو كتب ذلك علينا أنا أول خارج. قال ثابت بن قيس بن شماس: لو أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لفعلت. وكذلك قال عمر وعمار بن ياسر وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" إن من أمتي رجالا: الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي "
فهؤلاء من القليل. وسبب نزول قوله: { فلا وربك... } الخ: قضية الزبير مع حاطب في شراج الحرة، كانا يسقيان به النخل، فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام:
" اسق يا زبير وأرسل إلى جارك "
فقال حاطب: لأن كان ابن عمتك. فقال عليه الصلاة والسلام :
" اسق يا زبير، واحبس الماء حتى يبلغ الجدر واستوف حقك "
وقيل: نزلت في اليهودي مع المنافق المتقدم، وهو أليق بالسياق. { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } من طاعة الرسول، والرضى بحكمه، { لكان خيرا لهم } في آجلهم وعاجلهم، { وأشد تثبيتا } في دينهم وقوة في إيمانهم، أو تثبيتا لثواب أعمالهم، { وإذا } لو فعلوا ذلك { لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } يصلون بسلوكه إلى حضرة القدس، ودوام الأنس، ويفتح لهم أسرار العلوم، ومخازن الفهوم، قال صلى الله عليه وسلم:
" من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم "
والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته، أمر بطاعة ورثته بعد مماته، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام، فالعلماء حكام على العموم، والأولياء حكام على الخصوص، أعني من تعلق بهم من أهل الإرادة، فمن لم يرض بحكم العلماء، ووجد في نفسه حرجا مما قضوا به عليه، ففيه شبعة من النفاق، وخصلة من المنافقين. ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم، ومن عش تربيتهم، لأن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام وحكم ورثته هو حكم الله، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان. فلا يكمل إيمان العبد حتى لا يجد في نفسه حرجا من أحكام الله، القهرية والتكليفية، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية، كيفما كان، فقرا أو غنى، ذلا أو عزا، منعا أو عطاء، قبضا أو بسطا، مرضا أو صحة، إلى غير ذلك من اختلاف المقادير. ويرضى بذلك ظاهرا وباطنا، وينسلخ من تدبيره واختياره إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه، وأرحم به من أمه وأبيه: وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:65
قلت: { توابا رحيما } مفعولا وجد أن كانت علمية، أو { توابا } حال، و { رحيما } بدل منه، أو حال من ضميره إن فسرت بصادف. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا من رسول } من لدن آدم إلى زمانك، { إلا ليطاع بإذن الله } وأمره بطاعته، فمن لم يطعه ولم يرض بأحكامه فهو كافر به. { ولو أنهم } أي: المنافقون حين { ظلموا أنفسهم } بالترافع إلى غيرك، والتحاكم إلى الطاغوت { جاؤوك } تائبين { فاستغفروا الله } بالتوبة، { واستغفر لهم الرسول } حين اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعا، { لوجدوا الله } أي: تحققوا كونه { توابا رحيما } ، قابلا لتوبتهم متفضلا عليهم بالرحمة والغفران. وإنما عدل عن الخطاب في قوله: { واستغفر لهم الرسول } ولم يقل: واستغفرت لهم، تفخيما لشأنه، وتنبيها على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائبين، وإن عظم جرمهم، ويشفع لهم، ومن جلالة منصبه أن يشفع في عظائم الذنوب وكبائرها. ثم أقسم بربوبيته على نفي إيمان من لم يرض بحكم رسوله، فقال: { فلا وربك لا يؤمنون } إيمانا حقيقيا { حتى يحكموك } أي: يترافعوا إليك، راضين بحكمك، { فيما شجر بينهم } أي: اختلط بينهم واختلفوا فيه { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا } أي: ضيقا وشكا { مما قضيت } ، بل تنشرح صدورهم لحكمك لأنه حق من عند الله. { ويسلموا } لأمرك { تسليما }. أي ينقادوا لأمرك ظاهرا وباطنا. { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } ، توبة من ذنوبكم، كما كتبناه على بني إسرائيل، أو في الجهاد في سبيل الله، { أو اخرجوا من دياركم } كما خرج بنو إسرائيل حين أمرناهم بالهجرة من مصر، { ما فعلوه إلا قليل منهم } وهم المخلصون. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لو كتب ذلك علينا أنا أول خارج. قال ثابت بن قيس بن شماس: لو أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لفعلت. وكذلك قال عمر وعمار بن ياسر وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" إن من أمتي رجالا: الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي "
فهؤلاء من القليل. وسبب نزول قوله: { فلا وربك... } الخ: قضية الزبير مع حاطب في شراج الحرة، كانا يسقيان به النخل، فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام:
" اسق يا زبير وأرسل إلى جارك "
فقال حاطب: لأن كان ابن عمتك. فقال عليه الصلاة والسلام :
" اسق يا زبير، واحبس الماء حتى يبلغ الجدر واستوف حقك "
وقيل: نزلت في اليهودي مع المنافق المتقدم، وهو أليق بالسياق. { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } من طاعة الرسول، والرضى بحكمه، { لكان خيرا لهم } في آجلهم وعاجلهم، { وأشد تثبيتا } في دينهم وقوة في إيمانهم، أو تثبيتا لثواب أعمالهم، { وإذا } لو فعلوا ذلك { لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } يصلون بسلوكه إلى حضرة القدس، ودوام الأنس، ويفتح لهم أسرار العلوم، ومخازن الفهوم، قال صلى الله عليه وسلم:
" من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم "
والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته، أمر بطاعة ورثته بعد مماته، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام، فالعلماء حكام على العموم، والأولياء حكام على الخصوص، أعني من تعلق بهم من أهل الإرادة، فمن لم يرض بحكم العلماء، ووجد في نفسه حرجا مما قضوا به عليه، ففيه شبعة من النفاق، وخصلة من المنافقين. ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم، ومن عش تربيتهم، لأن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام وحكم ورثته هو حكم الله، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان. فلا يكمل إيمان العبد حتى لا يجد في نفسه حرجا من أحكام الله، القهرية والتكليفية، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية، كيفما كان، فقرا أو غنى، ذلا أو عزا، منعا أو عطاء، قبضا أو بسطا، مرضا أو صحة، إلى غير ذلك من اختلاف المقادير. ويرضى بذلك ظاهرا وباطنا، وينسلخ من تدبيره واختياره إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه، وأرحم به من أمه وأبيه: وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:66
قلت: { توابا رحيما } مفعولا وجد أن كانت علمية، أو { توابا } حال، و { رحيما } بدل منه، أو حال من ضميره إن فسرت بصادف. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا من رسول } من لدن آدم إلى زمانك، { إلا ليطاع بإذن الله } وأمره بطاعته، فمن لم يطعه ولم يرض بأحكامه فهو كافر به. { ولو أنهم } أي: المنافقون حين { ظلموا أنفسهم } بالترافع إلى غيرك، والتحاكم إلى الطاغوت { جاؤوك } تائبين { فاستغفروا الله } بالتوبة، { واستغفر لهم الرسول } حين اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعا، { لوجدوا الله } أي: تحققوا كونه { توابا رحيما } ، قابلا لتوبتهم متفضلا عليهم بالرحمة والغفران. وإنما عدل عن الخطاب في قوله: { واستغفر لهم الرسول } ولم يقل: واستغفرت لهم، تفخيما لشأنه، وتنبيها على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائبين، وإن عظم جرمهم، ويشفع لهم، ومن جلالة منصبه أن يشفع في عظائم الذنوب وكبائرها. ثم أقسم بربوبيته على نفي إيمان من لم يرض بحكم رسوله، فقال: { فلا وربك لا يؤمنون } إيمانا حقيقيا { حتى يحكموك } أي: يترافعوا إليك، راضين بحكمك، { فيما شجر بينهم } أي: اختلط بينهم واختلفوا فيه { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا } أي: ضيقا وشكا { مما قضيت } ، بل تنشرح صدورهم لحكمك لأنه حق من عند الله. { ويسلموا } لأمرك { تسليما }. أي ينقادوا لأمرك ظاهرا وباطنا. { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } ، توبة من ذنوبكم، كما كتبناه على بني إسرائيل، أو في الجهاد في سبيل الله، { أو اخرجوا من دياركم } كما خرج بنو إسرائيل حين أمرناهم بالهجرة من مصر، { ما فعلوه إلا قليل منهم } وهم المخلصون. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لو كتب ذلك علينا أنا أول خارج. قال ثابت بن قيس بن شماس: لو أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لفعلت. وكذلك قال عمر وعمار بن ياسر وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" إن من أمتي رجالا: الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي "
فهؤلاء من القليل. وسبب نزول قوله: { فلا وربك... } الخ: قضية الزبير مع حاطب في شراج الحرة، كانا يسقيان به النخل، فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام:
" اسق يا زبير وأرسل إلى جارك "
فقال حاطب: لأن كان ابن عمتك. فقال عليه الصلاة والسلام :
" اسق يا زبير، واحبس الماء حتى يبلغ الجدر واستوف حقك "
وقيل: نزلت في اليهودي مع المنافق المتقدم، وهو أليق بالسياق. { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } من طاعة الرسول، والرضى بحكمه، { لكان خيرا لهم } في آجلهم وعاجلهم، { وأشد تثبيتا } في دينهم وقوة في إيمانهم، أو تثبيتا لثواب أعمالهم، { وإذا } لو فعلوا ذلك { لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } يصلون بسلوكه إلى حضرة القدس، ودوام الأنس، ويفتح لهم أسرار العلوم، ومخازن الفهوم، قال صلى الله عليه وسلم:
" من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم "
والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته، أمر بطاعة ورثته بعد مماته، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام، فالعلماء حكام على العموم، والأولياء حكام على الخصوص، أعني من تعلق بهم من أهل الإرادة، فمن لم يرض بحكم العلماء، ووجد في نفسه حرجا مما قضوا به عليه، ففيه شبعة من النفاق، وخصلة من المنافقين. ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم، ومن عش تربيتهم، لأن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام وحكم ورثته هو حكم الله، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان. فلا يكمل إيمان العبد حتى لا يجد في نفسه حرجا من أحكام الله، القهرية والتكليفية، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية، كيفما كان، فقرا أو غنى، ذلا أو عزا، منعا أو عطاء، قبضا أو بسطا، مرضا أو صحة، إلى غير ذلك من اختلاف المقادير. ويرضى بذلك ظاهرا وباطنا، وينسلخ من تدبيره واختياره إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه، وأرحم به من أمه وأبيه: وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:67
قلت: { توابا رحيما } مفعولا وجد أن كانت علمية، أو { توابا } حال، و { رحيما } بدل منه، أو حال من ضميره إن فسرت بصادف. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا من رسول } من لدن آدم إلى زمانك، { إلا ليطاع بإذن الله } وأمره بطاعته، فمن لم يطعه ولم يرض بأحكامه فهو كافر به. { ولو أنهم } أي: المنافقون حين { ظلموا أنفسهم } بالترافع إلى غيرك، والتحاكم إلى الطاغوت { جاؤوك } تائبين { فاستغفروا الله } بالتوبة، { واستغفر لهم الرسول } حين اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعا، { لوجدوا الله } أي: تحققوا كونه { توابا رحيما } ، قابلا لتوبتهم متفضلا عليهم بالرحمة والغفران. وإنما عدل عن الخطاب في قوله: { واستغفر لهم الرسول } ولم يقل: واستغفرت لهم، تفخيما لشأنه، وتنبيها على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائبين، وإن عظم جرمهم، ويشفع لهم، ومن جلالة منصبه أن يشفع في عظائم الذنوب وكبائرها. ثم أقسم بربوبيته على نفي إيمان من لم يرض بحكم رسوله، فقال: { فلا وربك لا يؤمنون } إيمانا حقيقيا { حتى يحكموك } أي: يترافعوا إليك، راضين بحكمك، { فيما شجر بينهم } أي: اختلط بينهم واختلفوا فيه { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا } أي: ضيقا وشكا { مما قضيت } ، بل تنشرح صدورهم لحكمك لأنه حق من عند الله. { ويسلموا } لأمرك { تسليما }. أي ينقادوا لأمرك ظاهرا وباطنا. { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } ، توبة من ذنوبكم، كما كتبناه على بني إسرائيل، أو في الجهاد في سبيل الله، { أو اخرجوا من دياركم } كما خرج بنو إسرائيل حين أمرناهم بالهجرة من مصر، { ما فعلوه إلا قليل منهم } وهم المخلصون. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لو كتب ذلك علينا أنا أول خارج. قال ثابت بن قيس بن شماس: لو أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لفعلت. وكذلك قال عمر وعمار بن ياسر وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" إن من أمتي رجالا: الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي "
فهؤلاء من القليل. وسبب نزول قوله: { فلا وربك... } الخ: قضية الزبير مع حاطب في شراج الحرة، كانا يسقيان به النخل، فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام:
" اسق يا زبير وأرسل إلى جارك "
فقال حاطب: لأن كان ابن عمتك. فقال عليه الصلاة والسلام :
" اسق يا زبير، واحبس الماء حتى يبلغ الجدر واستوف حقك "
وقيل: نزلت في اليهودي مع المنافق المتقدم، وهو أليق بالسياق. { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } من طاعة الرسول، والرضى بحكمه، { لكان خيرا لهم } في آجلهم وعاجلهم، { وأشد تثبيتا } في دينهم وقوة في إيمانهم، أو تثبيتا لثواب أعمالهم، { وإذا } لو فعلوا ذلك { لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } يصلون بسلوكه إلى حضرة القدس، ودوام الأنس، ويفتح لهم أسرار العلوم، ومخازن الفهوم، قال صلى الله عليه وسلم:
" من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم "
والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته، أمر بطاعة ورثته بعد مماته، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام، فالعلماء حكام على العموم، والأولياء حكام على الخصوص، أعني من تعلق بهم من أهل الإرادة، فمن لم يرض بحكم العلماء، ووجد في نفسه حرجا مما قضوا به عليه، ففيه شبعة من النفاق، وخصلة من المنافقين. ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم، ومن عش تربيتهم، لأن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام وحكم ورثته هو حكم الله، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان. فلا يكمل إيمان العبد حتى لا يجد في نفسه حرجا من أحكام الله، القهرية والتكليفية، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية، كيفما كان، فقرا أو غنى، ذلا أو عزا، منعا أو عطاء، قبضا أو بسطا، مرضا أو صحة، إلى غير ذلك من اختلاف المقادير. ويرضى بذلك ظاهرا وباطنا، وينسلخ من تدبيره واختياره إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه، وأرحم به من أمه وأبيه: وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:68
قلت: { توابا رحيما } مفعولا وجد أن كانت علمية، أو { توابا } حال، و { رحيما } بدل منه، أو حال من ضميره إن فسرت بصادف. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا من رسول } من لدن آدم إلى زمانك، { إلا ليطاع بإذن الله } وأمره بطاعته، فمن لم يطعه ولم يرض بأحكامه فهو كافر به. { ولو أنهم } أي: المنافقون حين { ظلموا أنفسهم } بالترافع إلى غيرك، والتحاكم إلى الطاغوت { جاؤوك } تائبين { فاستغفروا الله } بالتوبة، { واستغفر لهم الرسول } حين اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعا، { لوجدوا الله } أي: تحققوا كونه { توابا رحيما } ، قابلا لتوبتهم متفضلا عليهم بالرحمة والغفران. وإنما عدل عن الخطاب في قوله: { واستغفر لهم الرسول } ولم يقل: واستغفرت لهم، تفخيما لشأنه، وتنبيها على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائبين، وإن عظم جرمهم، ويشفع لهم، ومن جلالة منصبه أن يشفع في عظائم الذنوب وكبائرها. ثم أقسم بربوبيته على نفي إيمان من لم يرض بحكم رسوله، فقال: { فلا وربك لا يؤمنون } إيمانا حقيقيا { حتى يحكموك } أي: يترافعوا إليك، راضين بحكمك، { فيما شجر بينهم } أي: اختلط بينهم واختلفوا فيه { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا } أي: ضيقا وشكا { مما قضيت } ، بل تنشرح صدورهم لحكمك لأنه حق من عند الله. { ويسلموا } لأمرك { تسليما }. أي ينقادوا لأمرك ظاهرا وباطنا. { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } ، توبة من ذنوبكم، كما كتبناه على بني إسرائيل، أو في الجهاد في سبيل الله، { أو اخرجوا من دياركم } كما خرج بنو إسرائيل حين أمرناهم بالهجرة من مصر، { ما فعلوه إلا قليل منهم } وهم المخلصون. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لو كتب ذلك علينا أنا أول خارج. قال ثابت بن قيس بن شماس: لو أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لفعلت. وكذلك قال عمر وعمار بن ياسر وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" إن من أمتي رجالا: الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي "
فهؤلاء من القليل. وسبب نزول قوله: { فلا وربك... } الخ: قضية الزبير مع حاطب في شراج الحرة، كانا يسقيان به النخل، فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام:
" اسق يا زبير وأرسل إلى جارك "
فقال حاطب: لأن كان ابن عمتك. فقال عليه الصلاة والسلام :
" اسق يا زبير، واحبس الماء حتى يبلغ الجدر واستوف حقك "
وقيل: نزلت في اليهودي مع المنافق المتقدم، وهو أليق بالسياق. { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } من طاعة الرسول، والرضى بحكمه، { لكان خيرا لهم } في آجلهم وعاجلهم، { وأشد تثبيتا } في دينهم وقوة في إيمانهم، أو تثبيتا لثواب أعمالهم، { وإذا } لو فعلوا ذلك { لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } يصلون بسلوكه إلى حضرة القدس، ودوام الأنس، ويفتح لهم أسرار العلوم، ومخازن الفهوم، قال صلى الله عليه وسلم:
" من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم "
والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته، أمر بطاعة ورثته بعد مماته، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام، فالعلماء حكام على العموم، والأولياء حكام على الخصوص، أعني من تعلق بهم من أهل الإرادة، فمن لم يرض بحكم العلماء، ووجد في نفسه حرجا مما قضوا به عليه، ففيه شبعة من النفاق، وخصلة من المنافقين. ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم، ومن عش تربيتهم، لأن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام وحكم ورثته هو حكم الله، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان. فلا يكمل إيمان العبد حتى لا يجد في نفسه حرجا من أحكام الله، القهرية والتكليفية، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية، كيفما كان، فقرا أو غنى، ذلا أو عزا، منعا أو عطاء، قبضا أو بسطا، مرضا أو صحة، إلى غير ذلك من اختلاف المقادير. ويرضى بذلك ظاهرا وباطنا، وينسلخ من تدبيره واختياره إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه، وأرحم به من أمه وأبيه: وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:69
قلت: { رفيقا }: تمييز لما في { حسن } من معنى التعجب أو المدح، ولم يجمع لأن فعيلا يحمل على الواحد والجمع، أو لأنه أريد حسن كل واحد منهم. يقول الحق جل جلاله: { ومن يطع الله والرسول } ويرضى بأحكامهما ويمتثل أمرهما ويجتنب نهيهما، { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } ، وهم أكرم الخلق عند الله وأعظمهم قدرا { من النبيين } والمرسلين { والصديقين } وهم من كثر صدقهم وتصديقهم وعظم يقينهم وهم الأولياء العارفون بالله، { والشهداء } الذين ماتوا جهادا في سبيل الله، { والصالحين } وهم العلماء الأتقياء، ومن صلح حاله من عامة المسلمين. قال البيضاوي: قسمهم أربعة أقسام، بحسب منازلهم في العلم والعمل، وحث كافة الناس على ألا يتأخروا عنهم، وهم: الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل، المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل. ثم الصديقون الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات، وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان، حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليها. ثم الشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد في إظهار الحق، حتى بذلوا مهجهم في أعلاء كلمة الله، ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته، وأحوالهم في مرضاته، ولك أن تقول: المنعم عليهم هم العارفون بالله، وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان، أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان، والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب، بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريبا، وهم الأنبياء، أو لا، فيكونون كمن يرى الشيء بعيدا، وهم الصديقون، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة، وهم العلماء الراسخون الذين هم شهداء الله في أرضه، وإما أن يكون بأمارات وإقناعات تطمئن إليها نفوسهم، وهم الصالحون. انتهى كلامه. وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه أطلق على أهل الاستدلال أنهم عارفون، ولا يقال عند الصوفية فيه عارف، حتى يترقى عن مقام الاستدلال، وإلا فهو عالم فقط، والثاني: أنه جعل الصديقين بمنزلة من يرى الشيء بعيدا، وأهل الفناء لم يبق لهم بعد، بل غابوا في القرب حتى امتحى اسمهم ورسمهم. فأي بينونة وأي بعد يبقى للعارف، لولا فقدان الذوق، ولكن لكل فن أربابه، وسيأتي في الإشارة تحقيق ذلك إن شاء الله. ثم قال جل جلاله: { وحسن أولئك رفيقا } أي: ما أحسنهم رفقا في الفراديس العلى، فهم يتمتعون فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كانوا أعلى منهم، فلا يلزم من كونه معهم أن تستوي درجته معهم، قال في الحاشية: وتعقل مرافقة من دون النبي في المدانات من حاله وكشفه، بحيث لا يحجب عنه، وإن كان لا مطمع له في منزلته، واعتبر برؤية البصائر له وعدم غيبته عنهم وأنسهم به والاستفادة منه، روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" يزور الأعلون من أهل الجنة الأسفلين، ولا يزور الأسفلون الأعلين، إلا من كان يزور في الله في الدنيا، فذلك يزور الجنة حيث شاء ".
روي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه، فسأله عليه الصلاة والسلام عن حاله، فقال: ما بي وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فخفت ألا أراك هناك لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين. وإن دخلت الجنة، كنت في منزل أدون من منزلك، وأن لم أدخل الجنة فذلك حري ألا أراك أبدا. فنزلت الآية { ومن يطع الله والرسول... } الخ. { ذلك الفضل من الله } إشارة إلى ما للمطيعين من الأجور، ومزيد القرب والحضور، وأنه فضل تفضل على عباده، { وكفى بالله عليما } بمقادير الأعمال والمقامات. فيجازى كلا على حسب مقامه. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الطاعة التي توجب المعية الحسية في النعيم الحسي الجسماني هي الطاعة الظاهرة الحسية. والطاعة التي توجب المعية المعنوية في النعيم الروحاني هي الطاعة الباطنية القلبية. فالمعية الحسية صاحبها مفروق، والمعية المعنوية صاحبها مجموع، لا يغيب عن حبيبه لحظة. هؤلاء هم الصديقون المقربون. وفوقهم الأنبياء، وتحتهم الشهداء والصالحون. وبيان ذلك أن العلم بالله تعالى: إما أن يكون عن كشف الحجاب وانقشاع السحاب، أعني سحاب الأثر، وهم أهل الشهود والعيان. وإما أن يكون من وراء الحجاب، يأخذون أجرهم من وراء الباب، يستدلون بالآثار على المؤثر. وهم أهل الدليل والبرهان. والأولون إما أن يرتقوا إلى مكافحة الوحي ورؤية الملائكة الكرام. وهم الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام -، وإما أن يقصروا عن درجة الوحي ويكون لهم وحي إلهام، وهم الصديقون أهل الحال والمقام، فقد اشتركوا في مقام العيان. لكن مقام الحضرة فضاؤه واسع، والترقي في معارج أسرار التوحيد غير متناه، فحيث انتهى قدم الولي ابتدأ ترقي النبي، وأما أهل الحجاب فإما أن يكون علمهم بالله بالبراهين القطعية والدلائل السمعية، وهم العلماء الراسخون، وهو مقام الشهداء، وإما أن يكون علمهم بالرياضات والمجاهدات وتواتر الكرامات، وهم العباد والزهاد. وهو مقام الصالحين، ويلتحق بهم عوام المسلمين، لأن كل مقام من هذه المقامات في درجات ومقامات لا يحصرها إلا العالم بها. والله تعالى أعلم.
النساء 4:70
قلت: { رفيقا }: تمييز لما في { حسن } من معنى التعجب أو المدح، ولم يجمع لأن فعيلا يحمل على الواحد والجمع، أو لأنه أريد حسن كل واحد منهم. يقول الحق جل جلاله: { ومن يطع الله والرسول } ويرضى بأحكامهما ويمتثل أمرهما ويجتنب نهيهما، { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } ، وهم أكرم الخلق عند الله وأعظمهم قدرا { من النبيين } والمرسلين { والصديقين } وهم من كثر صدقهم وتصديقهم وعظم يقينهم وهم الأولياء العارفون بالله، { والشهداء } الذين ماتوا جهادا في سبيل الله، { والصالحين } وهم العلماء الأتقياء، ومن صلح حاله من عامة المسلمين. قال البيضاوي: قسمهم أربعة أقسام، بحسب منازلهم في العلم والعمل، وحث كافة الناس على ألا يتأخروا عنهم، وهم: الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل، المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل. ثم الصديقون الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات، وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان، حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليها. ثم الشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد في إظهار الحق، حتى بذلوا مهجهم في أعلاء كلمة الله، ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته، وأحوالهم في مرضاته، ولك أن تقول: المنعم عليهم هم العارفون بالله، وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان، أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان، والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب، بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريبا، وهم الأنبياء، أو لا، فيكونون كمن يرى الشيء بعيدا، وهم الصديقون، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة، وهم العلماء الراسخون الذين هم شهداء الله في أرضه، وإما أن يكون بأمارات وإقناعات تطمئن إليها نفوسهم، وهم الصالحون. انتهى كلامه. وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه أطلق على أهل الاستدلال أنهم عارفون، ولا يقال عند الصوفية فيه عارف، حتى يترقى عن مقام الاستدلال، وإلا فهو عالم فقط، والثاني: أنه جعل الصديقين بمنزلة من يرى الشيء بعيدا، وأهل الفناء لم يبق لهم بعد، بل غابوا في القرب حتى امتحى اسمهم ورسمهم. فأي بينونة وأي بعد يبقى للعارف، لولا فقدان الذوق، ولكن لكل فن أربابه، وسيأتي في الإشارة تحقيق ذلك إن شاء الله. ثم قال جل جلاله: { وحسن أولئك رفيقا } أي: ما أحسنهم رفقا في الفراديس العلى، فهم يتمتعون فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كانوا أعلى منهم، فلا يلزم من كونه معهم أن تستوي درجته معهم، قال في الحاشية: وتعقل مرافقة من دون النبي في المدانات من حاله وكشفه، بحيث لا يحجب عنه، وإن كان لا مطمع له في منزلته، واعتبر برؤية البصائر له وعدم غيبته عنهم وأنسهم به والاستفادة منه، روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" يزور الأعلون من أهل الجنة الأسفلين، ولا يزور الأسفلون الأعلين، إلا من كان يزور في الله في الدنيا، فذلك يزور الجنة حيث شاء ".
روي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه، فسأله عليه الصلاة والسلام عن حاله، فقال: ما بي وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فخفت ألا أراك هناك لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين. وإن دخلت الجنة، كنت في منزل أدون من منزلك، وأن لم أدخل الجنة فذلك حري ألا أراك أبدا. فنزلت الآية { ومن يطع الله والرسول... } الخ. { ذلك الفضل من الله } إشارة إلى ما للمطيعين من الأجور، ومزيد القرب والحضور، وأنه فضل تفضل على عباده، { وكفى بالله عليما } بمقادير الأعمال والمقامات. فيجازى كلا على حسب مقامه. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الطاعة التي توجب المعية الحسية في النعيم الحسي الجسماني هي الطاعة الظاهرة الحسية. والطاعة التي توجب المعية المعنوية في النعيم الروحاني هي الطاعة الباطنية القلبية. فالمعية الحسية صاحبها مفروق، والمعية المعنوية صاحبها مجموع، لا يغيب عن حبيبه لحظة. هؤلاء هم الصديقون المقربون. وفوقهم الأنبياء، وتحتهم الشهداء والصالحون. وبيان ذلك أن العلم بالله تعالى: إما أن يكون عن كشف الحجاب وانقشاع السحاب، أعني سحاب الأثر، وهم أهل الشهود والعيان. وإما أن يكون من وراء الحجاب، يأخذون أجرهم من وراء الباب، يستدلون بالآثار على المؤثر. وهم أهل الدليل والبرهان. والأولون إما أن يرتقوا إلى مكافحة الوحي ورؤية الملائكة الكرام. وهم الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام -، وإما أن يقصروا عن درجة الوحي ويكون لهم وحي إلهام، وهم الصديقون أهل الحال والمقام، فقد اشتركوا في مقام العيان. لكن مقام الحضرة فضاؤه واسع، والترقي في معارج أسرار التوحيد غير متناه، فحيث انتهى قدم الولي ابتدأ ترقي النبي، وأما أهل الحجاب فإما أن يكون علمهم بالله بالبراهين القطعية والدلائل السمعية، وهم العلماء الراسخون، وهو مقام الشهداء، وإما أن يكون علمهم بالرياضات والمجاهدات وتواتر الكرامات، وهم العباد والزهاد. وهو مقام الصالحين، ويلتحق بهم عوام المسلمين، لأن كل مقام من هذه المقامات في درجات ومقامات لا يحصرها إلا العالم بها. والله تعالى أعلم.
النساء 4:71
قلت: الحذر والحذر واحد، كالشبه والشبه، وبطأ يستعمل لازما بمعنى ثقل، ومتعديا بالتضعيف أي: بطأ غيره، و { لمن ليبطئن } اللام الأولى للابتداء، والثانية للقسم، أي: وإن منكم أقسم بالله لمن ليبطئن. وجملة: { كأن لم يكن }: اعتراضية بين القول والمقول، تنبيها على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } تأهبوا واستعدوا لجهاد الأعداء، و { خذوا حذركم } منهم بالعدة والعدد، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، ولا حجة فيه للقدرية لأن هذا من الأسباب التي ستر الله بها أسرار القدرة. وقد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام :
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا
[التوبة:51] وقال عليه الصلاة والسلام :
" اعقلها وتوكل "
وفي ذلك طمأنينة للقلوب التي لم تطمئن وتشريعا للضعفاء، فإذا تأهبتم واستعددتم { فأنفروا } أي: اخرجوا إلى الجهاد { ثبات } أي: جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، { أو انفروا جميعا } أي: مجتمعين مع نبيكم، أو مع أميركم. { وإن منكم } يا معشر المسلمين { لمن ليبطئن } الناس عن الجهاد، أول ليتثاقلن ويتخلفن عنه، وهو عبدالله بن أبي المنافق، وأشباهه من المنافقين، { فإن أصابتكم مصيبة } كقتل أو هزيمة { قال قد أنعم الله علي } حين تخلفت { إذا لم أكن معهم شهيدا } فيصيبني ما أصابهم. { ولئن أصابكم فضل من الله } ، كنصر وغنيمة، { ليقولن } لفرط عداوته: { يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } ، بالمال والعز. كأن ذلك المنافق، لم يكن بينكم وبينه مودة ولا مواصلة أصلا، حيث يتربص الدوائر، يفرح بمصيبتكم ويتحسر بعزكم ونصركم. فإن تثاقل هذا عن القتال أو بطأ غيره، { فليقاتل في سبيل الله } أهل الإخلاص والإيمان { الذين يشرون } ، أي: يبيعون { الحياة الدنيا بالآخرة } ، فيؤثرون الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، { ومن يقاتل في سبيل الله } لإعلاء كلمة الله { فيقتل } شهيدا { أو يغلب } عدوه وينصره الله { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } ، وإنما قال تعالى: { فيقتل أو يغلب } تنبيها على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة، حتى يعز نفسه بالشهادة، أو الدين بالظفر والنصر. وألا يكون قصده بالذات القتل، بل إعلاء الحق وإعزاز الدين. قاله البيضاوي. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص خذوا حذركم من خدع النفوس، لئلا تعوقكم عن حضرة القدوس، فانفروا إلى جهادها ثبات أو جماعة " فإن يد الله مع الجماعة، فالصحبة عند الصوفية شرط مؤكد وأمر محتم. والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح، فالنفس الحية لا تموت مع الأحياء، وإنما تموت مع الأموات، فهي كالحوت ما دامت في البحر مع الحيتان لا تموت أبدا، فإذا أخرجتها وعزلتها عن أبناء جنسها ماتت سريعا.
النساء 4:72
قلت: الحذر والحذر واحد، كالشبه والشبه، وبطأ يستعمل لازما بمعنى ثقل، ومتعديا بالتضعيف أي: بطأ غيره، و { لمن ليبطئن } اللام الأولى للابتداء، والثانية للقسم، أي: وإن منكم أقسم بالله لمن ليبطئن. وجملة: { كأن لم يكن }: اعتراضية بين القول والمقول، تنبيها على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } تأهبوا واستعدوا لجهاد الأعداء، و { خذوا حذركم } منهم بالعدة والعدد، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، ولا حجة فيه للقدرية لأن هذا من الأسباب التي ستر الله بها أسرار القدرة. وقد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام :
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا
[التوبة:51] وقال عليه الصلاة والسلام :
" اعقلها وتوكل "
وفي ذلك طمأنينة للقلوب التي لم تطمئن وتشريعا للضعفاء، فإذا تأهبتم واستعددتم { فأنفروا } أي: اخرجوا إلى الجهاد { ثبات } أي: جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، { أو انفروا جميعا } أي: مجتمعين مع نبيكم، أو مع أميركم. { وإن منكم } يا معشر المسلمين { لمن ليبطئن } الناس عن الجهاد، أول ليتثاقلن ويتخلفن عنه، وهو عبدالله بن أبي المنافق، وأشباهه من المنافقين، { فإن أصابتكم مصيبة } كقتل أو هزيمة { قال قد أنعم الله علي } حين تخلفت { إذا لم أكن معهم شهيدا } فيصيبني ما أصابهم. { ولئن أصابكم فضل من الله } ، كنصر وغنيمة، { ليقولن } لفرط عداوته: { يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } ، بالمال والعز. كأن ذلك المنافق، لم يكن بينكم وبينه مودة ولا مواصلة أصلا، حيث يتربص الدوائر، يفرح بمصيبتكم ويتحسر بعزكم ونصركم. فإن تثاقل هذا عن القتال أو بطأ غيره، { فليقاتل في سبيل الله } أهل الإخلاص والإيمان { الذين يشرون } ، أي: يبيعون { الحياة الدنيا بالآخرة } ، فيؤثرون الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، { ومن يقاتل في سبيل الله } لإعلاء كلمة الله { فيقتل } شهيدا { أو يغلب } عدوه وينصره الله { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } ، وإنما قال تعالى: { فيقتل أو يغلب } تنبيها على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة، حتى يعز نفسه بالشهادة، أو الدين بالظفر والنصر. وألا يكون قصده بالذات القتل، بل إعلاء الحق وإعزاز الدين. قاله البيضاوي. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص خذوا حذركم من خدع النفوس، لئلا تعوقكم عن حضرة القدوس، فانفروا إلى جهادها ثبات أو جماعة " فإن يد الله مع الجماعة، فالصحبة عند الصوفية شرط مؤكد وأمر محتم. والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح، فالنفس الحية لا تموت مع الأحياء، وإنما تموت مع الأموات، فهي كالحوت ما دامت في البحر مع الحيتان لا تموت أبدا، فإذا أخرجتها وعزلتها عن أبناء جنسها ماتت سريعا.
النساء 4:73
قلت: الحذر والحذر واحد، كالشبه والشبه، وبطأ يستعمل لازما بمعنى ثقل، ومتعديا بالتضعيف أي: بطأ غيره، و { لمن ليبطئن } اللام الأولى للابتداء، والثانية للقسم، أي: وإن منكم أقسم بالله لمن ليبطئن. وجملة: { كأن لم يكن }: اعتراضية بين القول والمقول، تنبيها على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } تأهبوا واستعدوا لجهاد الأعداء، و { خذوا حذركم } منهم بالعدة والعدد، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، ولا حجة فيه للقدرية لأن هذا من الأسباب التي ستر الله بها أسرار القدرة. وقد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام :
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا
[التوبة:51] وقال عليه الصلاة والسلام :
" اعقلها وتوكل "
وفي ذلك طمأنينة للقلوب التي لم تطمئن وتشريعا للضعفاء، فإذا تأهبتم واستعددتم { فأنفروا } أي: اخرجوا إلى الجهاد { ثبات } أي: جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، { أو انفروا جميعا } أي: مجتمعين مع نبيكم، أو مع أميركم. { وإن منكم } يا معشر المسلمين { لمن ليبطئن } الناس عن الجهاد، أول ليتثاقلن ويتخلفن عنه، وهو عبدالله بن أبي المنافق، وأشباهه من المنافقين، { فإن أصابتكم مصيبة } كقتل أو هزيمة { قال قد أنعم الله علي } حين تخلفت { إذا لم أكن معهم شهيدا } فيصيبني ما أصابهم. { ولئن أصابكم فضل من الله } ، كنصر وغنيمة، { ليقولن } لفرط عداوته: { يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } ، بالمال والعز. كأن ذلك المنافق، لم يكن بينكم وبينه مودة ولا مواصلة أصلا، حيث يتربص الدوائر، يفرح بمصيبتكم ويتحسر بعزكم ونصركم. فإن تثاقل هذا عن القتال أو بطأ غيره، { فليقاتل في سبيل الله } أهل الإخلاص والإيمان { الذين يشرون } ، أي: يبيعون { الحياة الدنيا بالآخرة } ، فيؤثرون الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، { ومن يقاتل في سبيل الله } لإعلاء كلمة الله { فيقتل } شهيدا { أو يغلب } عدوه وينصره الله { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } ، وإنما قال تعالى: { فيقتل أو يغلب } تنبيها على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة، حتى يعز نفسه بالشهادة، أو الدين بالظفر والنصر. وألا يكون قصده بالذات القتل، بل إعلاء الحق وإعزاز الدين. قاله البيضاوي. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص خذوا حذركم من خدع النفوس، لئلا تعوقكم عن حضرة القدوس، فانفروا إلى جهادها ثبات أو جماعة " فإن يد الله مع الجماعة، فالصحبة عند الصوفية شرط مؤكد وأمر محتم. والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح، فالنفس الحية لا تموت مع الأحياء، وإنما تموت مع الأموات، فهي كالحوت ما دامت في البحر مع الحيتان لا تموت أبدا، فإذا أخرجتها وعزلتها عن أبناء جنسها ماتت سريعا.
النساء 4:74
قلت: الحذر والحذر واحد، كالشبه والشبه، وبطأ يستعمل لازما بمعنى ثقل، ومتعديا بالتضعيف أي: بطأ غيره، و { لمن ليبطئن } اللام الأولى للابتداء، والثانية للقسم، أي: وإن منكم أقسم بالله لمن ليبطئن. وجملة: { كأن لم يكن }: اعتراضية بين القول والمقول، تنبيها على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } تأهبوا واستعدوا لجهاد الأعداء، و { خذوا حذركم } منهم بالعدة والعدد، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، ولا حجة فيه للقدرية لأن هذا من الأسباب التي ستر الله بها أسرار القدرة. وقد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام :
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا
[التوبة:51] وقال عليه الصلاة والسلام :
" اعقلها وتوكل "
وفي ذلك طمأنينة للقلوب التي لم تطمئن وتشريعا للضعفاء، فإذا تأهبتم واستعددتم { فأنفروا } أي: اخرجوا إلى الجهاد { ثبات } أي: جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، { أو انفروا جميعا } أي: مجتمعين مع نبيكم، أو مع أميركم. { وإن منكم } يا معشر المسلمين { لمن ليبطئن } الناس عن الجهاد، أول ليتثاقلن ويتخلفن عنه، وهو عبدالله بن أبي المنافق، وأشباهه من المنافقين، { فإن أصابتكم مصيبة } كقتل أو هزيمة { قال قد أنعم الله علي } حين تخلفت { إذا لم أكن معهم شهيدا } فيصيبني ما أصابهم. { ولئن أصابكم فضل من الله } ، كنصر وغنيمة، { ليقولن } لفرط عداوته: { يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } ، بالمال والعز. كأن ذلك المنافق، لم يكن بينكم وبينه مودة ولا مواصلة أصلا، حيث يتربص الدوائر، يفرح بمصيبتكم ويتحسر بعزكم ونصركم. فإن تثاقل هذا عن القتال أو بطأ غيره، { فليقاتل في سبيل الله } أهل الإخلاص والإيمان { الذين يشرون } ، أي: يبيعون { الحياة الدنيا بالآخرة } ، فيؤثرون الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، { ومن يقاتل في سبيل الله } لإعلاء كلمة الله { فيقتل } شهيدا { أو يغلب } عدوه وينصره الله { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } ، وإنما قال تعالى: { فيقتل أو يغلب } تنبيها على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة، حتى يعز نفسه بالشهادة، أو الدين بالظفر والنصر. وألا يكون قصده بالذات القتل، بل إعلاء الحق وإعزاز الدين. قاله البيضاوي. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص خذوا حذركم من خدع النفوس، لئلا تعوقكم عن حضرة القدوس، فانفروا إلى جهادها ثبات أو جماعة " فإن يد الله مع الجماعة، فالصحبة عند الصوفية شرط مؤكد وأمر محتم. والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح، فالنفس الحية لا تموت مع الأحياء، وإنما تموت مع الأموات، فهي كالحوت ما دامت في البحر مع الحيتان لا تموت أبدا، فإذا أخرجتها وعزلتها عن أبناء جنسها ماتت سريعا.
النساء 4:75
قلت: { ما } مبتدأ. و { لكم } خبر. و { لا تقاتلون } حال، و { المستضعفين } عطف على اسم الجلالة، أي: أي شيء حصل لكم حال كونكم غير مجاهدين في سبيل الله وفي تخليص المستضعفين؟ و { الظالم } نعت للقرية، وإنما ذكر ولم يؤنث، لأنه أسند إلى المذكر، واسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له أجرى مجرى الفعل، فيذكر ويؤنث باعتبار الفاعل. يقول الحق جل جلاله: { وما لكم } يا معشر المسلمين { لا تقاتلون في سبيل الله } ، وفي تخليص إخوانكم { المستضعفين } بمكة، الذين حبسهم العدو أو أسرهم ومنعهم من الهجرة { من الرجال والنساء والولدان } ، فهم في أيديهم مغللون ممتحنون. قال البيضاوي: وإنما ذكر الولدان مبالغة في الحث وتنبيها على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيان، وأن دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء، حتى تشاركوا في استنزال الرحمة واستدفاع البلية. ه. ثم ذكر دعاءهم فقال: { الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية } أي: مكة { الظالم أهلها } بالشرك والطغيان حتى تعدى إلى النساء والصبيان. { واجعل لنا من لدنك وليا } يصوننا عن أذاهم، { ونصيرا } يمنعنا من التخلف عن الهجرة إلى رسولك صلى الله عليه وسلم، فاستجاب الله دعاءهم بأن يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة، وجعل لمن بقي منهم أعظم ولي وناصر، بفتح مكة على نبيه صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ونصرهم، واستعمل عليهم عتاب بن أسيد، فحماهم وأعزهم حتى صارو أعزاء أهلها، كما هي عادته سبحانه في إجابة دعاء المضطرين. الإشارة: ما لكم يا معشر العباد، وخصوصا المريدين من أهل الجد والاجتهاد، لا تجاهدون نفوسكم في طريق الوصول إلى الله، كي تنالوا بذلك مشاهدة جماله وسناه، وتخلصوا ما كمن في نفوسكم من الأسرار، وما احتوت عليه من العلوم والأنوار. فإن قرية البشرية قد احتوت عليها وأسرتها بظلمات شهواتها، واستضعفتها بتراكم غفلتها وتكثيف حجاب حسها. فمن جاهدها استخلص جواهر تلك العلوم والأسرار من صدفها. وفي ذلك يقول ابن البنا في مباحثه:
ولم تزل كل النفوس الأحيا علامة دراكة للأشيا وإنما تعوقها الأبدان والأنفس النزع والشيطان فكل من أذاقضهم جهاده أظهر للقاعد خرق العاده
وقال أيضا:
وهي من النفوس في كمون كما يكون الحب في الغصون
فالرجال: الأسرار والأنوار، والنساء: العلوم والأذكار، والولدان: الحكم بنات الأفكار. فكل هؤلاء مستضعفون تحت قهر البشرية الظالم أهلها. ومن الأنفس النزع والشياطين المغوية، فكل من جاهد هؤلاء القواطع أظهر تلك العلوم والأنوار السواطع، واستخلص روحه من أسر حجاب الأكوان، وأفضى إلى فضاء الشهود والعيان. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:76
يقول الحق جل جلاله: في مدح المخلصين: { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله } ، وابتغاء مرضات الله، وإعلاء كلمة الله، { والذين كفروا } ، من أهل مكة وغيرهم، { يقاتلون في سبيل الطاغوت } وهو الشيطان، { فقاتلوا } يا أولياء الله { أولياء الشيطان } ولا يهولكم كيده { إن كيد الشيطان كان ضعيفا } ، وكيد الله للكافرين كان قويا متينا، فلا تخافوا أولياءه، فأنهم اعتمدوا على أضعف شيء وأوهنه، وأنتم اعتمدتم على أقوى شيء وأمتنه. الإشارة: كل ما سوى الله طاغوت، فمن قصد بجهاده أو عمله رضى الله والوصول إلى حضرته دون شيء سواه، كان من أولياء الله، ومن قصد بجهاده أو أعماله حظا دنيويا أو أخرويا خرج من دائرة الولاية، فإما أن يكون مع عامة أهل الإيمان، أو من أولياء الشيطان. قال صلى الله عليه وسلم
" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه "
وقال في الحكم:
" لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والذي ارتحل منه هو الذي ارتحل إليه، ولكن أرحل من الأكوان إلى المكون، { وأن إلى ربك المنتهى } [النجم:42] ".
النساء 4:77
{ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة... } قلت: { أو أشد } عطف على الكاف النائبة عن المصدر، أي: خشية مثل خشية الله أو أشد، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: مثل خشيتهم الله. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين } طلبوا منك فرض الجهاد حرصا على أن يجاهدوا، فقيل لهم على لسان الرسل: { كفوا أيديكم } عنه إلى أوان فرضه، واشتغلوا بما أمرتم به من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، { فلما كتب عليهم القتال } دخلهم الخوف { إذا فريق منهم يخشون الناس } أي: الكفار، أن يقتلوهم مثل خشية عقاب { الله } أو أشد خشية منه. { وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال } في هذا الوقت { لولا }: هلا { أخرتنا إلى أجل قريب } نتمتع فيه بحياتنا أو إلى أن نموت بآجالنا. قلت: والظاهر أنهم قالوا ذلك في نفوسهم، خواطر خطرت لهم، ولم يفوهوا به، إن نزلت في الصحابة رضي الله عنهم ، وإن كانت في المنافقين فيمكن أن ينطقوا بها. { قل متاع الدنيا قليل } وعيشها ذليل، وأجلها قريب، { والآخرة خير لمن اتقى } ، وحياتها خير وأبقى، وستقدمون على مولاكم، فيكرم مثواكم، ويوفيكم جزاء أعمالكم، { ولا تظلمون فتيلا } من ثواب أعمالكم، ولا تنقصون من أيام أعماركم، جاهدتم أو قعدتم. { أينما تكونوا يدرككم الموت } عند انقضاء آجالكم، { ولو كنتم في بروج مشيدة } عالية محصنة. فإن كان الموت لا بد منه ففي الجهاد أفضل، لأنه حياة لا موت بعده. قال الكلبي: نزلت في قوم من الصحابة، منهم: عبد الرحمن بن عوف، والمقداد وقدامة بن مظعون وغيرهم، كانوا يؤذون بمكة، ويستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في القتال، فيقول لهم: كفوا أيديكم حتى يؤذن فيه لكم، فلما هاجروا إلى المدينة وأمروا به، كرهه بعضهم كراهية الطبع البشري، فخطر ببالهم شيء مما حكى الله عنهم. فلما كانوا في عين العناية ومحل القرب والهداية عوقبوا على تلك الخواطر، ولو كان غيرهم من أهل البعد لسومح له في ذلك، وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين أمروا بالجهاد فنافقوا من الجبن، وتخلفوا عن الجهاد، وهذا أليق بما بعده من قوله: { إن تصبهم حسنة }. والله تعالى أعلم. الإشارة: نرى بعض الفقراء يبطشون إلى مقام التجريد ومجاهدة نفوسهم قبل كمال يقينهم، فإذا أمروا بذلك، ورأوا ميادين الحروب واشتعال نيران قتل النفوس، وأمروا بالصبر على المكاره، من مواجهة الإنكار ولحوق الذل والافتقار، جبنوا وكلوا ورجعوا القهقرى، فيقال لهم: متاع الدنيا قليل وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، وما تنالون من الله في جزاء مجاهدتكم خير وأبقى، ولا تظلمون فتيلا من مجاهدتكم لنفوسكم، فلو صبرتم لفزتم بالوصول إلى حضرة ربكم، فلما جبنتم ورجعتم، كان جزاؤكم الحرمان، عما ظفر به أهل العرفان.
وفي مثل هؤلاء يقول ابن الفارض رضي الله عنه:
تعرض قوم للغرام وأعرضوا بجانبهم عن صحتي فيه واعتلوا رضوا بالأماني، وابتلوا بحظوظهم وخاضوا بحار الحب، دعوى، فما ابتلوا فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السير عنه، وقد كلوا
ثم حكى مقالتهم الدالة على نفاقهم، فقال: {...وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك... } يقول الحق جل جلاله: في وصف أهل النفاق: وإنهم إن { تصبهم حسنة } كخصب ورخاء ونعمة ظاهرة، قالو: { هذه من عند الله } ، ونسبوها إلى الله بلا واسطة، { وإن تصبهم سيئة } كقحط وجوع وموت وقتل، قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام : { هذه من عندك } بشؤم قدومك أنت وأصحابك، كما قالت اليهود لعنهم الله : منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها. قلت: بل زكت ثمارها، ورخصت أسعارها، وأشرقت أنوارها، ولاحت أسرارها، وقد دعا صلى الله عليه وسلم للمدنية بمثل ما دعا إبراهيم لمكة، وأضعاف ذلك، فما زالت الخيرات تترادف إليها حسا ومعنى إلى يوم القيامة، وهذه المقالة قد صدرت ممن كان قبلهم فقد قالوا لسيدنا صالح عليه السلام:
قالوا اطيرنا بك وبمن معك
[النمل:47]، وقال تعالى:
وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه
[الأعراف:131]،
ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك
[فصلت:43]. قال تعالى مكذبا لهم: { قل كل من عند الله } الحسنة بفضله، والسيئة بعدله. ثم عيرهم بالجهل فقال: { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } فهم كالبهائم أو أضل سبيلا، أو لا يفقهون القرآن ويتدبرون حديثه، ولو تدبروا لعلموا أن الكل من عند الله، وأنه خالق كل شيء، المقدر لكل شيء. ثم علمنا الأدب بنسبة الكمالات إليه سبحانه بلا وساطة، ونسبة النقائص إلى شؤم ذنوبنا، فقال: { ما أصابك من حسنة } أي: نعمة { فمن الله } فضلا وإحسانا، وأما طاعة العبد فلا تفي بشكر نعمة واحدة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :
" لن يدخل أحدكم الجنة بعمله "
، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:
" ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته "
{ وما أصابك } أيها الإنسان { من سيئة } أي: بلية { فمن نفسك } أي: شؤم ذنبك، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" ما من خدش بعود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر "
فلا ينافي قوله: { قل كل من عند الله } فإن الكل منه إيجادا واختراعا، غير أن الحسنة إحسان، والسيئة مجازاة وانتقام. كما قالت عائشة رضي الله عنها: " ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله، إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر ". وفي مصحف ابن مسعود: قالوا: { ما أصابك من حسنة فمن الله } الآية. فتكون حينئذ من مقالة المنافقين، والآيتان كما ترى لا حجة فيها للمعتزلة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ثلاث خصال لا ينجو منها إلا القليل كما في الحديث: الطيرة، والحسد، والظن. فقال عليه الصلاة والسلام :
" إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق "
فيتأكد على المريد أن يتطهر من هذه الخصال، ويصفي مشربه من التوحيد، فلا يرى في الوجود إلا مولاه، ولا ينسب التأثير إلى شيء سواه، إذا رأى نعمة به أو بغيره، قال: من الله، وإذا رأى مصيبة كذلك تأدب مع الله، فيعتقد في قلبه أنها من قدر الله، يقول: { قل كل من عند الله } ، وينسب النقص إلى نفسه وهواه، فالنفس والشيطان مناديل الحضرة، تمسح فيهما أوساخ الأقدار،
وربك يخلق ما يشآء ويختار
[القصص:68]. والله تعالى أعلم. تم شهد جل جلاله لرسوله بالرسالة، تحريضا على تعظيمه وحثا على طاعته، وترهيبا من سوء الأدب معه، كما صدر من المنافقين، فقال: {... وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } قلت: إن تعلق الجار بالفعل كان { رسولا } حال مؤكدة، وإن تعلق بالاسم كان حالا مؤسسة تفيد العموم أي أرسلناك رسولا للناس جميعا، و { حفيظا } حال من الكاف. يقول الحق جل جلاله: { وأرسلناك } يا محمد { للناس رسولا } تعلمهم التوحيد وتدلهم على الأدب، فالتوحيد محله البواطن، فلا يرى الفعل إلا من الله، والأدب محله الظواهر فينسب بلسانه النقص إلى نفسه وهواه. وإذا شهد الحق جل جلاله لرسوله بالرسالة أغنى عن غيره، { وكفى بالله شهيدا }. وشهادة الحق له بالمعجزات والواضحات، والبراهين القطعيات، والدلائل السمعيات، فإذا ثبتت رسالته وجب على الناس طاعته، ولذلك قال: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } لأنه مبلغ عن الله لا ينطق عن الهوى. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:
" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أحبني فقد أحب الله "
فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا، كما اتخذت النصارى عيسى. فنزل: { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى } وأعرض { فما أرسلناك عليهم حفيظا } تحفظ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
الإشارة: كما شهد الحق جل جلاله لرسله بالرسالة، بما أظهر لهم من المعجزات، شهد لأوليائه بالولاية بما منحهم من الكرامات. والمراد بالكرامة: هي تحقيق العرفان، ومعرفة الذوق والوجدان، واستقامة الظواهر والبواطن، وتهذيب الأخلاق وهداية الناس على يديه إلى العليم الخلاق، فهذه الكرامة المعتبرة عند المحققين، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عن معرفة الله، ومن أحبهم فقد أحب الله، ومن أبغضهم فقد أبغض الله لأنهم نور من أنوار الله، وعين من عيون الله، إذا لم يبق فيهم بقية مما سوى الله، أقدامهم عرى قدم رسول الله،
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله
[الفتح:10] فافهم، والله تعالى أعلم.