البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — النساء 4:78 – النساء 4:176
المحتويات
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
- النساء 4:101
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:106
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:120
- النساء 4:121
- النساء 4:122
- النساء 4:123
- النساء 4:124
- النساء 4:125
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:131
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:146
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:149
- النساء 4:150
- النساء 4:151
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:161
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
النساء 4:78
{ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة... } قلت: { أو أشد } عطف على الكاف النائبة عن المصدر، أي: خشية مثل خشية الله أو أشد، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: مثل خشيتهم الله. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين } طلبوا منك فرض الجهاد حرصا على أن يجاهدوا، فقيل لهم على لسان الرسل: { كفوا أيديكم } عنه إلى أوان فرضه، واشتغلوا بما أمرتم به من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، { فلما كتب عليهم القتال } دخلهم الخوف { إذا فريق منهم يخشون الناس } أي: الكفار، أن يقتلوهم مثل خشية عقاب { الله } أو أشد خشية منه. { وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال } في هذا الوقت { لولا }: هلا { أخرتنا إلى أجل قريب } نتمتع فيه بحياتنا أو إلى أن نموت بآجالنا. قلت: والظاهر أنهم قالوا ذلك في نفوسهم، خواطر خطرت لهم، ولم يفوهوا به، إن نزلت في الصحابة رضي الله عنهم ، وإن كانت في المنافقين فيمكن أن ينطقوا بها. { قل متاع الدنيا قليل } وعيشها ذليل، وأجلها قريب، { والآخرة خير لمن اتقى } ، وحياتها خير وأبقى، وستقدمون على مولاكم، فيكرم مثواكم، ويوفيكم جزاء أعمالكم، { ولا تظلمون فتيلا } من ثواب أعمالكم، ولا تنقصون من أيام أعماركم، جاهدتم أو قعدتم. { أينما تكونوا يدرككم الموت } عند انقضاء آجالكم، { ولو كنتم في بروج مشيدة } عالية محصنة. فإن كان الموت لا بد منه ففي الجهاد أفضل، لأنه حياة لا موت بعده. قال الكلبي: نزلت في قوم من الصحابة، منهم: عبد الرحمن بن عوف، والمقداد وقدامة بن مظعون وغيرهم، كانوا يؤذون بمكة، ويستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في القتال، فيقول لهم: كفوا أيديكم حتى يؤذن فيه لكم، فلما هاجروا إلى المدينة وأمروا به، كرهه بعضهم كراهية الطبع البشري، فخطر ببالهم شيء مما حكى الله عنهم. فلما كانوا في عين العناية ومحل القرب والهداية عوقبوا على تلك الخواطر، ولو كان غيرهم من أهل البعد لسومح له في ذلك، وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين أمروا بالجهاد فنافقوا من الجبن، وتخلفوا عن الجهاد، وهذا أليق بما بعده من قوله: { إن تصبهم حسنة }. والله تعالى أعلم. الإشارة: نرى بعض الفقراء يبطشون إلى مقام التجريد ومجاهدة نفوسهم قبل كمال يقينهم، فإذا أمروا بذلك، ورأوا ميادين الحروب واشتعال نيران قتل النفوس، وأمروا بالصبر على المكاره، من مواجهة الإنكار ولحوق الذل والافتقار، جبنوا وكلوا ورجعوا القهقرى، فيقال لهم: متاع الدنيا قليل وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، وما تنالون من الله في جزاء مجاهدتكم خير وأبقى، ولا تظلمون فتيلا من مجاهدتكم لنفوسكم، فلو صبرتم لفزتم بالوصول إلى حضرة ربكم، فلما جبنتم ورجعتم، كان جزاؤكم الحرمان، عما ظفر به أهل العرفان.
وفي مثل هؤلاء يقول ابن الفارض رضي الله عنه:
تعرض قوم للغرام وأعرضوا بجانبهم عن صحتي فيه واعتلوا رضوا بالأماني، وابتلوا بحظوظهم وخاضوا بحار الحب، دعوى، فما ابتلوا فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السير عنه، وقد كلوا
ثم حكى مقالتهم الدالة على نفاقهم، فقال: {...وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك... } يقول الحق جل جلاله: في وصف أهل النفاق: وإنهم إن { تصبهم حسنة } كخصب ورخاء ونعمة ظاهرة، قالو: { هذه من عند الله } ، ونسبوها إلى الله بلا واسطة، { وإن تصبهم سيئة } كقحط وجوع وموت وقتل، قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام : { هذه من عندك } بشؤم قدومك أنت وأصحابك، كما قالت اليهود لعنهم الله : منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها. قلت: بل زكت ثمارها، ورخصت أسعارها، وأشرقت أنوارها، ولاحت أسرارها، وقد دعا صلى الله عليه وسلم للمدنية بمثل ما دعا إبراهيم لمكة، وأضعاف ذلك، فما زالت الخيرات تترادف إليها حسا ومعنى إلى يوم القيامة، وهذه المقالة قد صدرت ممن كان قبلهم فقد قالوا لسيدنا صالح عليه السلام:
قالوا اطيرنا بك وبمن معك
[النمل:47]، وقال تعالى:
وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه
[الأعراف:131]،
ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك
[فصلت:43]. قال تعالى مكذبا لهم: { قل كل من عند الله } الحسنة بفضله، والسيئة بعدله. ثم عيرهم بالجهل فقال: { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } فهم كالبهائم أو أضل سبيلا، أو لا يفقهون القرآن ويتدبرون حديثه، ولو تدبروا لعلموا أن الكل من عند الله، وأنه خالق كل شيء، المقدر لكل شيء. ثم علمنا الأدب بنسبة الكمالات إليه سبحانه بلا وساطة، ونسبة النقائص إلى شؤم ذنوبنا، فقال: { ما أصابك من حسنة } أي: نعمة { فمن الله } فضلا وإحسانا، وأما طاعة العبد فلا تفي بشكر نعمة واحدة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :
" لن يدخل أحدكم الجنة بعمله "
، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:
" ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته "
{ وما أصابك } أيها الإنسان { من سيئة } أي: بلية { فمن نفسك } أي: شؤم ذنبك، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" ما من خدش بعود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر "
فلا ينافي قوله: { قل كل من عند الله } فإن الكل منه إيجادا واختراعا، غير أن الحسنة إحسان، والسيئة مجازاة وانتقام. كما قالت عائشة رضي الله عنها: " ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله، إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر ". وفي مصحف ابن مسعود: قالوا: { ما أصابك من حسنة فمن الله } الآية. فتكون حينئذ من مقالة المنافقين، والآيتان كما ترى لا حجة فيها للمعتزلة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ثلاث خصال لا ينجو منها إلا القليل كما في الحديث: الطيرة، والحسد، والظن. فقال عليه الصلاة والسلام :
" إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق "
فيتأكد على المريد أن يتطهر من هذه الخصال، ويصفي مشربه من التوحيد، فلا يرى في الوجود إلا مولاه، ولا ينسب التأثير إلى شيء سواه، إذا رأى نعمة به أو بغيره، قال: من الله، وإذا رأى مصيبة كذلك تأدب مع الله، فيعتقد في قلبه أنها من قدر الله، يقول: { قل كل من عند الله } ، وينسب النقص إلى نفسه وهواه، فالنفس والشيطان مناديل الحضرة، تمسح فيهما أوساخ الأقدار،
وربك يخلق ما يشآء ويختار
[القصص:68]. والله تعالى أعلم. تم شهد جل جلاله لرسوله بالرسالة، تحريضا على تعظيمه وحثا على طاعته، وترهيبا من سوء الأدب معه، كما صدر من المنافقين، فقال: {... وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } قلت: إن تعلق الجار بالفعل كان { رسولا } حال مؤكدة، وإن تعلق بالاسم كان حالا مؤسسة تفيد العموم أي أرسلناك رسولا للناس جميعا، و { حفيظا } حال من الكاف. يقول الحق جل جلاله: { وأرسلناك } يا محمد { للناس رسولا } تعلمهم التوحيد وتدلهم على الأدب، فالتوحيد محله البواطن، فلا يرى الفعل إلا من الله، والأدب محله الظواهر فينسب بلسانه النقص إلى نفسه وهواه. وإذا شهد الحق جل جلاله لرسوله بالرسالة أغنى عن غيره، { وكفى بالله شهيدا }. وشهادة الحق له بالمعجزات والواضحات، والبراهين القطعيات، والدلائل السمعيات، فإذا ثبتت رسالته وجب على الناس طاعته، ولذلك قال: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } لأنه مبلغ عن الله لا ينطق عن الهوى. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:
" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أحبني فقد أحب الله "
فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا، كما اتخذت النصارى عيسى. فنزل: { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى } وأعرض { فما أرسلناك عليهم حفيظا } تحفظ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
الإشارة: كما شهد الحق جل جلاله لرسله بالرسالة، بما أظهر لهم من المعجزات، شهد لأوليائه بالولاية بما منحهم من الكرامات. والمراد بالكرامة: هي تحقيق العرفان، ومعرفة الذوق والوجدان، واستقامة الظواهر والبواطن، وتهذيب الأخلاق وهداية الناس على يديه إلى العليم الخلاق، فهذه الكرامة المعتبرة عند المحققين، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عن معرفة الله، ومن أحبهم فقد أحب الله، ومن أبغضهم فقد أبغض الله لأنهم نور من أنوار الله، وعين من عيون الله، إذا لم يبق فيهم بقية مما سوى الله، أقدامهم عرى قدم رسول الله،
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله
[الفتح:10] فافهم، والله تعالى أعلم.
النساء 4:79
{ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة... } قلت: { أو أشد } عطف على الكاف النائبة عن المصدر، أي: خشية مثل خشية الله أو أشد، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: مثل خشيتهم الله. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين } طلبوا منك فرض الجهاد حرصا على أن يجاهدوا، فقيل لهم على لسان الرسل: { كفوا أيديكم } عنه إلى أوان فرضه، واشتغلوا بما أمرتم به من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، { فلما كتب عليهم القتال } دخلهم الخوف { إذا فريق منهم يخشون الناس } أي: الكفار، أن يقتلوهم مثل خشية عقاب { الله } أو أشد خشية منه. { وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال } في هذا الوقت { لولا }: هلا { أخرتنا إلى أجل قريب } نتمتع فيه بحياتنا أو إلى أن نموت بآجالنا. قلت: والظاهر أنهم قالوا ذلك في نفوسهم، خواطر خطرت لهم، ولم يفوهوا به، إن نزلت في الصحابة رضي الله عنهم ، وإن كانت في المنافقين فيمكن أن ينطقوا بها. { قل متاع الدنيا قليل } وعيشها ذليل، وأجلها قريب، { والآخرة خير لمن اتقى } ، وحياتها خير وأبقى، وستقدمون على مولاكم، فيكرم مثواكم، ويوفيكم جزاء أعمالكم، { ولا تظلمون فتيلا } من ثواب أعمالكم، ولا تنقصون من أيام أعماركم، جاهدتم أو قعدتم. { أينما تكونوا يدرككم الموت } عند انقضاء آجالكم، { ولو كنتم في بروج مشيدة } عالية محصنة. فإن كان الموت لا بد منه ففي الجهاد أفضل، لأنه حياة لا موت بعده. قال الكلبي: نزلت في قوم من الصحابة، منهم: عبد الرحمن بن عوف، والمقداد وقدامة بن مظعون وغيرهم، كانوا يؤذون بمكة، ويستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في القتال، فيقول لهم: كفوا أيديكم حتى يؤذن فيه لكم، فلما هاجروا إلى المدينة وأمروا به، كرهه بعضهم كراهية الطبع البشري، فخطر ببالهم شيء مما حكى الله عنهم. فلما كانوا في عين العناية ومحل القرب والهداية عوقبوا على تلك الخواطر، ولو كان غيرهم من أهل البعد لسومح له في ذلك، وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين أمروا بالجهاد فنافقوا من الجبن، وتخلفوا عن الجهاد، وهذا أليق بما بعده من قوله: { إن تصبهم حسنة }. والله تعالى أعلم. الإشارة: نرى بعض الفقراء يبطشون إلى مقام التجريد ومجاهدة نفوسهم قبل كمال يقينهم، فإذا أمروا بذلك، ورأوا ميادين الحروب واشتعال نيران قتل النفوس، وأمروا بالصبر على المكاره، من مواجهة الإنكار ولحوق الذل والافتقار، جبنوا وكلوا ورجعوا القهقرى، فيقال لهم: متاع الدنيا قليل وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، وما تنالون من الله في جزاء مجاهدتكم خير وأبقى، ولا تظلمون فتيلا من مجاهدتكم لنفوسكم، فلو صبرتم لفزتم بالوصول إلى حضرة ربكم، فلما جبنتم ورجعتم، كان جزاؤكم الحرمان، عما ظفر به أهل العرفان.
وفي مثل هؤلاء يقول ابن الفارض رضي الله عنه:
تعرض قوم للغرام وأعرضوا بجانبهم عن صحتي فيه واعتلوا رضوا بالأماني، وابتلوا بحظوظهم وخاضوا بحار الحب، دعوى، فما ابتلوا فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السير عنه، وقد كلوا
ثم حكى مقالتهم الدالة على نفاقهم، فقال: {...وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك... } يقول الحق جل جلاله: في وصف أهل النفاق: وإنهم إن { تصبهم حسنة } كخصب ورخاء ونعمة ظاهرة، قالو: { هذه من عند الله } ، ونسبوها إلى الله بلا واسطة، { وإن تصبهم سيئة } كقحط وجوع وموت وقتل، قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام : { هذه من عندك } بشؤم قدومك أنت وأصحابك، كما قالت اليهود لعنهم الله : منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها. قلت: بل زكت ثمارها، ورخصت أسعارها، وأشرقت أنوارها، ولاحت أسرارها، وقد دعا صلى الله عليه وسلم للمدنية بمثل ما دعا إبراهيم لمكة، وأضعاف ذلك، فما زالت الخيرات تترادف إليها حسا ومعنى إلى يوم القيامة، وهذه المقالة قد صدرت ممن كان قبلهم فقد قالوا لسيدنا صالح عليه السلام:
قالوا اطيرنا بك وبمن معك
[النمل:47]، وقال تعالى:
وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه
[الأعراف:131]،
ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك
[فصلت:43]. قال تعالى مكذبا لهم: { قل كل من عند الله } الحسنة بفضله، والسيئة بعدله. ثم عيرهم بالجهل فقال: { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } فهم كالبهائم أو أضل سبيلا، أو لا يفقهون القرآن ويتدبرون حديثه، ولو تدبروا لعلموا أن الكل من عند الله، وأنه خالق كل شيء، المقدر لكل شيء. ثم علمنا الأدب بنسبة الكمالات إليه سبحانه بلا وساطة، ونسبة النقائص إلى شؤم ذنوبنا، فقال: { ما أصابك من حسنة } أي: نعمة { فمن الله } فضلا وإحسانا، وأما طاعة العبد فلا تفي بشكر نعمة واحدة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :
" لن يدخل أحدكم الجنة بعمله "
، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:
" ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته "
{ وما أصابك } أيها الإنسان { من سيئة } أي: بلية { فمن نفسك } أي: شؤم ذنبك، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" ما من خدش بعود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر "
فلا ينافي قوله: { قل كل من عند الله } فإن الكل منه إيجادا واختراعا، غير أن الحسنة إحسان، والسيئة مجازاة وانتقام. كما قالت عائشة رضي الله عنها: " ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله، إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر ". وفي مصحف ابن مسعود: قالوا: { ما أصابك من حسنة فمن الله } الآية. فتكون حينئذ من مقالة المنافقين، والآيتان كما ترى لا حجة فيها للمعتزلة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ثلاث خصال لا ينجو منها إلا القليل كما في الحديث: الطيرة، والحسد، والظن. فقال عليه الصلاة والسلام :
" إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق "
فيتأكد على المريد أن يتطهر من هذه الخصال، ويصفي مشربه من التوحيد، فلا يرى في الوجود إلا مولاه، ولا ينسب التأثير إلى شيء سواه، إذا رأى نعمة به أو بغيره، قال: من الله، وإذا رأى مصيبة كذلك تأدب مع الله، فيعتقد في قلبه أنها من قدر الله، يقول: { قل كل من عند الله } ، وينسب النقص إلى نفسه وهواه، فالنفس والشيطان مناديل الحضرة، تمسح فيهما أوساخ الأقدار،
وربك يخلق ما يشآء ويختار
[القصص:68]. والله تعالى أعلم. تم شهد جل جلاله لرسوله بالرسالة، تحريضا على تعظيمه وحثا على طاعته، وترهيبا من سوء الأدب معه، كما صدر من المنافقين، فقال: {... وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } قلت: إن تعلق الجار بالفعل كان { رسولا } حال مؤكدة، وإن تعلق بالاسم كان حالا مؤسسة تفيد العموم أي أرسلناك رسولا للناس جميعا، و { حفيظا } حال من الكاف. يقول الحق جل جلاله: { وأرسلناك } يا محمد { للناس رسولا } تعلمهم التوحيد وتدلهم على الأدب، فالتوحيد محله البواطن، فلا يرى الفعل إلا من الله، والأدب محله الظواهر فينسب بلسانه النقص إلى نفسه وهواه. وإذا شهد الحق جل جلاله لرسوله بالرسالة أغنى عن غيره، { وكفى بالله شهيدا }. وشهادة الحق له بالمعجزات والواضحات، والبراهين القطعيات، والدلائل السمعيات، فإذا ثبتت رسالته وجب على الناس طاعته، ولذلك قال: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } لأنه مبلغ عن الله لا ينطق عن الهوى. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:
" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أحبني فقد أحب الله "
فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا، كما اتخذت النصارى عيسى. فنزل: { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى } وأعرض { فما أرسلناك عليهم حفيظا } تحفظ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
الإشارة: كما شهد الحق جل جلاله لرسله بالرسالة، بما أظهر لهم من المعجزات، شهد لأوليائه بالولاية بما منحهم من الكرامات. والمراد بالكرامة: هي تحقيق العرفان، ومعرفة الذوق والوجدان، واستقامة الظواهر والبواطن، وتهذيب الأخلاق وهداية الناس على يديه إلى العليم الخلاق، فهذه الكرامة المعتبرة عند المحققين، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عن معرفة الله، ومن أحبهم فقد أحب الله، ومن أبغضهم فقد أبغض الله لأنهم نور من أنوار الله، وعين من عيون الله، إذا لم يبق فيهم بقية مما سوى الله، أقدامهم عرى قدم رسول الله،
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله
[الفتح:10] فافهم، والله تعالى أعلم.
النساء 4:80
{ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة... } قلت: { أو أشد } عطف على الكاف النائبة عن المصدر، أي: خشية مثل خشية الله أو أشد، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: مثل خشيتهم الله. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين } طلبوا منك فرض الجهاد حرصا على أن يجاهدوا، فقيل لهم على لسان الرسل: { كفوا أيديكم } عنه إلى أوان فرضه، واشتغلوا بما أمرتم به من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، { فلما كتب عليهم القتال } دخلهم الخوف { إذا فريق منهم يخشون الناس } أي: الكفار، أن يقتلوهم مثل خشية عقاب { الله } أو أشد خشية منه. { وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال } في هذا الوقت { لولا }: هلا { أخرتنا إلى أجل قريب } نتمتع فيه بحياتنا أو إلى أن نموت بآجالنا. قلت: والظاهر أنهم قالوا ذلك في نفوسهم، خواطر خطرت لهم، ولم يفوهوا به، إن نزلت في الصحابة رضي الله عنهم ، وإن كانت في المنافقين فيمكن أن ينطقوا بها. { قل متاع الدنيا قليل } وعيشها ذليل، وأجلها قريب، { والآخرة خير لمن اتقى } ، وحياتها خير وأبقى، وستقدمون على مولاكم، فيكرم مثواكم، ويوفيكم جزاء أعمالكم، { ولا تظلمون فتيلا } من ثواب أعمالكم، ولا تنقصون من أيام أعماركم، جاهدتم أو قعدتم. { أينما تكونوا يدرككم الموت } عند انقضاء آجالكم، { ولو كنتم في بروج مشيدة } عالية محصنة. فإن كان الموت لا بد منه ففي الجهاد أفضل، لأنه حياة لا موت بعده. قال الكلبي: نزلت في قوم من الصحابة، منهم: عبد الرحمن بن عوف، والمقداد وقدامة بن مظعون وغيرهم، كانوا يؤذون بمكة، ويستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في القتال، فيقول لهم: كفوا أيديكم حتى يؤذن فيه لكم، فلما هاجروا إلى المدينة وأمروا به، كرهه بعضهم كراهية الطبع البشري، فخطر ببالهم شيء مما حكى الله عنهم. فلما كانوا في عين العناية ومحل القرب والهداية عوقبوا على تلك الخواطر، ولو كان غيرهم من أهل البعد لسومح له في ذلك، وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين أمروا بالجهاد فنافقوا من الجبن، وتخلفوا عن الجهاد، وهذا أليق بما بعده من قوله: { إن تصبهم حسنة }. والله تعالى أعلم. الإشارة: نرى بعض الفقراء يبطشون إلى مقام التجريد ومجاهدة نفوسهم قبل كمال يقينهم، فإذا أمروا بذلك، ورأوا ميادين الحروب واشتعال نيران قتل النفوس، وأمروا بالصبر على المكاره، من مواجهة الإنكار ولحوق الذل والافتقار، جبنوا وكلوا ورجعوا القهقرى، فيقال لهم: متاع الدنيا قليل وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وكبيرها حقير، وما تنالون من الله في جزاء مجاهدتكم خير وأبقى، ولا تظلمون فتيلا من مجاهدتكم لنفوسكم، فلو صبرتم لفزتم بالوصول إلى حضرة ربكم، فلما جبنتم ورجعتم، كان جزاؤكم الحرمان، عما ظفر به أهل العرفان.
وفي مثل هؤلاء يقول ابن الفارض رضي الله عنه:
تعرض قوم للغرام وأعرضوا بجانبهم عن صحتي فيه واعتلوا رضوا بالأماني، وابتلوا بحظوظهم وخاضوا بحار الحب، دعوى، فما ابتلوا فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السير عنه، وقد كلوا
ثم حكى مقالتهم الدالة على نفاقهم، فقال: {...وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك... } يقول الحق جل جلاله: في وصف أهل النفاق: وإنهم إن { تصبهم حسنة } كخصب ورخاء ونعمة ظاهرة، قالو: { هذه من عند الله } ، ونسبوها إلى الله بلا واسطة، { وإن تصبهم سيئة } كقحط وجوع وموت وقتل، قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام : { هذه من عندك } بشؤم قدومك أنت وأصحابك، كما قالت اليهود لعنهم الله : منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها. قلت: بل زكت ثمارها، ورخصت أسعارها، وأشرقت أنوارها، ولاحت أسرارها، وقد دعا صلى الله عليه وسلم للمدنية بمثل ما دعا إبراهيم لمكة، وأضعاف ذلك، فما زالت الخيرات تترادف إليها حسا ومعنى إلى يوم القيامة، وهذه المقالة قد صدرت ممن كان قبلهم فقد قالوا لسيدنا صالح عليه السلام:
قالوا اطيرنا بك وبمن معك
[النمل:47]، وقال تعالى:
وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه
[الأعراف:131]،
ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك
[فصلت:43]. قال تعالى مكذبا لهم: { قل كل من عند الله } الحسنة بفضله، والسيئة بعدله. ثم عيرهم بالجهل فقال: { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } فهم كالبهائم أو أضل سبيلا، أو لا يفقهون القرآن ويتدبرون حديثه، ولو تدبروا لعلموا أن الكل من عند الله، وأنه خالق كل شيء، المقدر لكل شيء. ثم علمنا الأدب بنسبة الكمالات إليه سبحانه بلا وساطة، ونسبة النقائص إلى شؤم ذنوبنا، فقال: { ما أصابك من حسنة } أي: نعمة { فمن الله } فضلا وإحسانا، وأما طاعة العبد فلا تفي بشكر نعمة واحدة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :
" لن يدخل أحدكم الجنة بعمله "
، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:
" ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته "
{ وما أصابك } أيها الإنسان { من سيئة } أي: بلية { فمن نفسك } أي: شؤم ذنبك، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" ما من خدش بعود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر "
فلا ينافي قوله: { قل كل من عند الله } فإن الكل منه إيجادا واختراعا، غير أن الحسنة إحسان، والسيئة مجازاة وانتقام. كما قالت عائشة رضي الله عنها: " ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله، إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر ". وفي مصحف ابن مسعود: قالوا: { ما أصابك من حسنة فمن الله } الآية. فتكون حينئذ من مقالة المنافقين، والآيتان كما ترى لا حجة فيها للمعتزلة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ثلاث خصال لا ينجو منها إلا القليل كما في الحديث: الطيرة، والحسد، والظن. فقال عليه الصلاة والسلام :
" إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق "
فيتأكد على المريد أن يتطهر من هذه الخصال، ويصفي مشربه من التوحيد، فلا يرى في الوجود إلا مولاه، ولا ينسب التأثير إلى شيء سواه، إذا رأى نعمة به أو بغيره، قال: من الله، وإذا رأى مصيبة كذلك تأدب مع الله، فيعتقد في قلبه أنها من قدر الله، يقول: { قل كل من عند الله } ، وينسب النقص إلى نفسه وهواه، فالنفس والشيطان مناديل الحضرة، تمسح فيهما أوساخ الأقدار،
وربك يخلق ما يشآء ويختار
[القصص:68]. والله تعالى أعلم. تم شهد جل جلاله لرسوله بالرسالة، تحريضا على تعظيمه وحثا على طاعته، وترهيبا من سوء الأدب معه، كما صدر من المنافقين، فقال: {... وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } قلت: إن تعلق الجار بالفعل كان { رسولا } حال مؤكدة، وإن تعلق بالاسم كان حالا مؤسسة تفيد العموم أي أرسلناك رسولا للناس جميعا، و { حفيظا } حال من الكاف. يقول الحق جل جلاله: { وأرسلناك } يا محمد { للناس رسولا } تعلمهم التوحيد وتدلهم على الأدب، فالتوحيد محله البواطن، فلا يرى الفعل إلا من الله، والأدب محله الظواهر فينسب بلسانه النقص إلى نفسه وهواه. وإذا شهد الحق جل جلاله لرسوله بالرسالة أغنى عن غيره، { وكفى بالله شهيدا }. وشهادة الحق له بالمعجزات والواضحات، والبراهين القطعيات، والدلائل السمعيات، فإذا ثبتت رسالته وجب على الناس طاعته، ولذلك قال: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } لأنه مبلغ عن الله لا ينطق عن الهوى. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:
" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أحبني فقد أحب الله "
فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا، كما اتخذت النصارى عيسى. فنزل: { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى } وأعرض { فما أرسلناك عليهم حفيظا } تحفظ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
الإشارة: كما شهد الحق جل جلاله لرسله بالرسالة، بما أظهر لهم من المعجزات، شهد لأوليائه بالولاية بما منحهم من الكرامات. والمراد بالكرامة: هي تحقيق العرفان، ومعرفة الذوق والوجدان، واستقامة الظواهر والبواطن، وتهذيب الأخلاق وهداية الناس على يديه إلى العليم الخلاق، فهذه الكرامة المعتبرة عند المحققين، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عن معرفة الله، ومن أحبهم فقد أحب الله، ومن أبغضهم فقد أبغض الله لأنهم نور من أنوار الله، وعين من عيون الله، إذا لم يبق فيهم بقية مما سوى الله، أقدامهم عرى قدم رسول الله،
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله
[الفتح:10] فافهم، والله تعالى أعلم.
النساء 4:81
قلت: { طاعة }: خبر، أي: أمرنا طاعة، وأصله النصب على المصدر، ورفع للدلاله على الثبوت، وبيت الشيء، دبره ليلا وأضمره في نفسه. يقول الحق جل جلاله: في شأن المنافقين: { ويقولون } لك إذا حضروا معك: أمرنا وشأننا { طاعة } لك فيما تأمرنا به، { فإذا برزوا } أي: خرجوا { من عندك بيت طائفة منهم } أي: دبرت ليلا وأخفت من النفاق { غير الذي تقول } لك من قبول الإيمان وإظهار الطاعة، أو زورت خلاف ما قلت لها من الأمر بالطاعة، { والله يكتب ما يبيتون } أي: يثبته في صحائفهم فيجازهم عليه، { فأعرض عنهم } ولا تبال بهم، { وتوكل على الله } يكفك شرهم، { وكفى بالله وكيلا } عليهم، فسينتقم لك منهم. الإشارة: هذه الخصلة موجودة في بعض العوام إذا حضروا مع أهل الخصوصية أظهروا الطاعة والإقرار، وإذا خرجوا عنهم بيتوا الانتقاد والإنكار، فلا يليق إلا الإعراض عنهم، والغيبة في الله عنهم، فإن الله يكفي شرهم بكفالته وحفظه. والله تعالى أعلم.
النساء 4:82
يقول الحق جل جلاله: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون { القرآن } ، وينظرون ما فيه من البلاغة والبيان، ويتبصرون في معاني علومه وأسراره، ويطلعون على عجائب قصصه وأخباره، وتوافق آياته وأحكامه، حتى يتحققوا أنه ليس من طوق البشر، وإنما هو من عند الله الواحد القهار، { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } بين أحكامه وآياته، من تفاوت اللفظ وتناقض المعنى، وكون بعضه فصيحا، وبعضه ركيكا، وبعضه تصعب معارضته وبعضه تسهل، وبعضه توافق أخباره المستقبلة للواقع، وبعضه لا يوافق، وبعضه يوافق العقل، وبعضه لا يوافقه، على ما دل عليه الاستقراء من أن كلام البشر، إذا طال، قطعا يوجد فيه شيء من الخلل والتناقض. قال البيضاوي: ولعل ذكره للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس للتناقض في الحكم، بل لاختلاف الأحوال من الحكم والمصالح. ه. قال ابن جزي: وإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافا في شيء من القرآن، فالواجب أن يتهم نظره، ويسأل أهل العلم ويطالع تآليفهم، حتى يعلم أن ذلك ليس باختلاف. ه. الإشاره: تدبر القرآن على حساب صفاء الجنان، فبقدر ما يتطهر القلب من حب الدنيا والهوى تتجلى فيه أسرار كلام المولى، وبقدر ما يتراكم في مرآة قلبه من صور الأكوان، يتحجب عن أسرار معاني القرآن ولو كان من أكابر علماء اللسان. فلما كان القرآن هو دواء لمرض القلوب، أمر الله المنافقين بالتدبر في معاينة لعل ذلك المرض ينقلع عن قلوبهم، لكن الأقفال الت على القلوب منعت القلوب من فهم كلام علام الغيوب، فحلاوة كلام الله لا يذوقها إلا أهل التجريد، الخائضون في تيار بحار التوحيد، الذين صفت قلوبهم من الأغيار، وتطهرت من الأكدار، يتمتعون أولا بحلاوة الكلام، ثم يتمتعون ثانيا بحلاوة وشهود المتكلم. والله تعالى أعلم.
النساء 4:83
{ وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم... } قلت: استنبط الشيء: استخرجه من غيره، وأصل الاستنباط: إخراج النبط، وهو الماء، يخرج من البئر أول ما يحفر، والجار في { منهم }: إما بيان للموصول، أي: لعلم المستنبطون الذين هم أولو الأمر، أو يتعلق بعلم، أي: لعلمه الذين يستخرجونه إلى الناس من أولي الأمر. يقول الحق جل جلاله: في ذم المنافقين أو ضعفة المسلمين: { وإذا جاءهم أمر } أي: خبر عن السرايا الذين توجهوا للغزو، من نصر وغنيمة وأمن أو خوف، وقتل وهزيمة، { أذاعوا به } أي: تحدثوا به، وأشهروه، وأرجفوا به قبل أن يصل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأكابر الصحابة، الذين هم أولو الأمر وأهل البصائر، فيعرفون كيف يتحدثون به، ولو ردوا ذلك { إلى الرسول } وأخبروه به سرا، أو سكتوا حتى يصل إليه، أو يردوه { إلى أولي الأمر } من أكابر الصحابة، لعلمه الذين يستخرجونه إلى الناس { منهم } فينقلونه على وجهه، ويعرفون كيف يتحدثون به من غير إرجاف ولا تخويف، أو { لعلمه الذين يستنبطونه } وهم أولو الأمر أولا، ثم يعلم الناس، فلا يكون فيه إرجاف ولا سوء أدب. أو: وإذا جاءهم أمر من وحي السماء: من تخويف أو تأمين، أذاعوا به قبل أن يظهره الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولو سكتوا وردوا ذلك إلى الرسول حتى يتحدث به للناس، ويظهره أولو الأمر من أكابر أصحابه، لعلمه الذين يستخرجون ذلك الوحي من أصله، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام وأكابر أصحابه، كما فعل عمر رضي الله عنه: إذ سمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، فدخل عليه فقال: أطلقت نساءك؟ قال:
" لا "
فقال على باب المسجد، فقال: إن رسول الله صلى عليه وسلم لم يطلق نساءه، فأنزل الله هذه القصة، قال: وأنا الذي استنبطته. والله تعالى أعلم. الإشارة: قالت الحكماء: قلوب الأحرار قبور الأسرار، وهذه الخصلة التي ذمها الله تعالى توجد في كثير من العوام مهما سمعوا خبرا: خيرا أو شرا، بادروا إلى إفشائه، ولا سيما إذا سمعوه على أهل النسبة أو أهل الخصوصية، وقد توجد في بعض الفقراء، وهي غفلة ونوع من الفضول، فالفقير الصادق غائب عن أخبار الزمان وأهله، وقد ترك الناس وما هم فيه، وقد تغلب عليه الغيبة في الله حتى تغيب عنه الأيام، وأما الفقير الذي يتسمع الأخبار ويبحث عنها فلا نسبة له في الفقر، إلا اسم بلا مسمى، وقد ترى بعض الفقراء، يبلغ مساوىء إخوانه إلى المشايخ، وهو سبب الطرف، والعياذ بالله.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول:
" لا تبلغوني مساوىء أصحابي "
لأن ذلك يسؤوهم، والخير كله في إدخال السرور على قلوب المشايخ. وتنسحب الآية على من يفشي أسرار الربوبية، ويطلع الفقراء على الحقيقة، ولو ردوا ذلك إلى شيخهم حتى يكون هو الذي يطلعهم لكان أحسن، لأن الحقيقة إذا أخذت من الشيخ كان فيها سر كبير، بخلاف ما إذا أخذت من غيره، إلا إذا كان مأذونا في ذلك فكأنه هو. والله تعالى أعلم. وقال الورتجبي: قال أبو سيعد الخراز: إن له عبادا يدخل عليهم الخلل، ولولا ذلك لفسدوا وتعطلوا، وذلك أنهم بلغوا من العلم غاية، صاروا إلى علم المجهول، الذي لم ينصه كتاب، ولا جاء به خبر، لكن العقلاء العارفون، يحتجون له من الكتاب والسنة، بحسن استنباطهم ومعرفتهم، قال تعالى: { لعلمه الذين يستنبطونه منهم }.ه. قلت: ومعنى كلامه: أن الله تعالى أشغل علماء الظاهر بتقرير علم الفرق، ولولا اشتغالهم بذلك لتعطلوا وتبطلوا، إذ لا قدرة لهم على عمل القلوب من الفكرة والنظرة، لكن العارفون يقرون لهم ذلك، ويحتجون لهم بما في نشر العلم من الأجور، من الكتاب والسنة، لأنهم قاموا بنظام عمل الحكمة ورفعوا علم الشريعة، ولولا قيامهم بذلك لتعين على أهل الباطن، فتتشوش عليهم قلوبهم، وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي الله عنه يقول: جزاهم الله عنا خيرا رفعوا لنا علم الشريعة، نحن نغرق في البحر، ثم نرفع رأسنا فنرى العلم قائما، ثم نرجع إلى البحر. ه. بالمعنى، والله تعالى أعلم. ثم إن الهداية بيد الله، قوم أقامهم في الفرق، وقوم هداهم إلى الجمع، كما قال تعالى: {... ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } يقول الحق جل جلاله: لولا أن الله تفضل عليكم ورحمكم بنبي الرحمة، وأنقذكم من متابعة الشيطان وعبادة الأوثان، لبقيتم على كفركم وضلالكم، ولاتبعتم الشيطان فيما يأمركم به من الكفر والعصيان، إلا قليلا ممن اهتدى قبل بعثته، كقس بن ساعدة، وزيد بن نفيل، وورقة بن نوفل، رزقهم الله كمال العقل فنظروا وتفكروا بعقولهم فوجدوا الله واعتزلوا ما كان يعبد آباؤهم وإخوانهم. أما قس فاعتزل قومه، وعبد الله وحده، وكان يخطب على الناس ويأمرهم بالتوحيد، ويعيب عليهم عبادة الأصنام. وعاش سبعمائة عام. وأما زيد فتعلق بالحنيفية، دين إبراهيم، حتى مات قبل البعثة. وأما ورقة فأخذ بدين النصرانية التي لم تغير، وأدرك أول البعثة، وآمن بالرسول قبل أن يؤمر بالإنذار، قال عليه الصلاة والسلام :
" رأيته في الجنة عليه ثياب خضر "
والله تعالى أعلم. الإشارة: لولا فضل الله عليكم بأن بعث لكم من يدلكم على الله ويعرفكم بالله، ورحمته بأن أخرجكم من ضيق الفرق، إلى فضاء الجمع، لاتبعتم الفرق علما وعملا، لكن الله تعالى بفضله ورحمته غيبكم عن شهود الفرق بشهود الملك الحق. إلا فرقا قليلا تقيمون به رسم العبودية، وتظهرون به الآداب مع الربوبية. قال الورتجبي: الفضل والرحمة منه للعموم، ومحبته للخصوص، الذين هم مستثنون بقوله: " إلا قليلا ". ه. قال القشيري: { ولولا فضل الله } مع أوليائه لهاموا في كل واد من الفرقة كأشكالهم في الوقت. ه. فخص الإشارة بالأولياء، وعليه فقوله: { إلا قليلا } أي: إلا تفرقة قليلة تعرض لهم، تربية لهم، وإبقاء لرسمهم ومناط تكليفهم. والله تعالى أعلم. قاله في الحاشية.
النساء 4:84
قلت: { نفسك }: مفعول ثان، والأول نائب، أي: لا يكلفك الله إلا نفسك. يقول الحق جل جلاله: { فقاتل } يا محمد { في سبيل الله } ولو وحدك إن تثبطوا عن الجهاد، لا نكلفك إلا أمر نفسك، { و } لكن { حرض المؤمنين } على الجهاد، إذ ما عليك إلا التحريض. فجاهدوا حتى تكون كلمة الله هي العليا. { عسى الله أن يكف } بجهادكم { بأس الذين كفروا } ويبطل دينهم الفاسد. { والله أشد بأسا } منهم { وأشد تنكيلا } أي: تعذيبا لهم. وقد حقق الله ذلك ففتح الله على نبيه قبائل العرب، فلم يبق فيهم مشرك، ثم فتح على الصحابة سائر البلاد، وهدى الله بهم جميع العباد، إلا من فر من الكفار إلى شواهق الجبال. وإنما أمرتك بالتحريض على الجهاد، لأن الدال على الخير كفاعله، وذلك كالشفاعة بين الناس ودلالتهم على إصلاح ذات البين، فمن { يشفع شفاعة حسنة } بأن ينفع المشفوع له، بدفع ضرر أو جلب نفع، ابتغاء وجه الله، { يكن له نصيب منها } ، أي: حظ كبير من الثواب لأنه دل المشفوع عنده على الخير، وأوصل النفع إلى المشفوع له، فله من الأجر مثل ما لهما، ومنها: الدعاء بظهر الغيب، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
" من دعا لمسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: لك مثل ذلك ".
{ ومن يشفع شفاعة سيئة } ، يريد بها فسادا بين الناس كنميمة وزور وإحداث بدعة، { يكن له كفل } أي: نصيب { منها } أي: من وزرها، وفي الحديث:
" من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "
{ وكان الله على كل شيء مقيتا } أي: مقتدرا من أقات على الشيء: إذا قدر عليه، أو شهيدا حافظا فيجازي على قدر الأعمال. ومن هذا أيضا: السلام، فإنه سبب في ثواب الرد، لذلك ذكره الحق في سلك الدلالة على الخير فقال: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها } بأن تقولوا: وعليكم السلام والرحمة والبركة، { أو ردوها } بأن تقولوا: وعليكم السلام. وفي الخبر: " من قال لأخيه المسلم: السلام عليكم، كتب الله له عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله، كتب الله له عشرين حسنة، فإن قال: وبركاته، كتب الله ثلاثين " ، وكذلك لمن رد، فإن اقتصر على السلام، فعشر، وهكذا.. فإن ذكر المسلم الرحمة والبركة، قال الراد: وعليكم، فقط، إذ لم يبق ما يزاد، ورد السلام واجب على الكفاية، حيث يكون مشروعا، فلا يرد في الخطبة، وقراءة القرآن، والذكر والتفكر، والاعتبار، ونظرة الشهود والاستبصار، لأنه يفتر ويشوش، وفي الحمام إذا كانوا عراة، وفي حال الجماع والأكل والشرب وغيرها من المسائل المستثناة.
وقد نظمه بعضهم، فقال:
رد السلآم واجب إلا على من في الصلاة أو بأكل شغلا أو شرب أو قراءة أو أدعيه أو ذكر أو خطبة أو تلبيه
والسلام من تحية أهل الإسلام، خاص بهم. لذلك استغرب الخضر عليه السلام سلام سيدنا موسى عليه السلام فقال له: " وأنى بأرضك السلام، وكذلك خليل الله إبراهيم عليه السلام، إنما أنكر الملائكة حيث سلموا عليه بتحية أهل الإسلام لأنه كان بين أظهر قوم كفار، أما سلام أبي ذر على النبي صلى الله عليه وسلم بتحية أهل الإسلام، قبل أن يسلم، فلعله سمعه من بعض الصحابة قبل أن يسلم، أو إلهام من الله. والله تعالى أعلم. { إن الله كان على كل شيء حسيبا } يحاسبكم على التحية وغيرها. وبالله التوفيق. الإشارة: فجاهد أيها الإنسان نفسك في سبيل الله، لا تكلف إلا إصلاحها وتزكيتها، وحرض من يسمع قولك من المؤمنين على جهاد أنفسهم، عسى الله أن يكف عنهم القواطع والعلائق، فيتأهلون لإشراق قلوبهم بأنوار الحقائق، فإن الله لا يغلبه شيء، فمن ذكر عباد الله، ودسهم إلى حضرة الله كان حظه كبيرا عند الله. ومن دلهم على غير الله فقد غشهم وكان مهانا عند الله، وإذا وقع السلام على الفقراء فإن كانوا سالكين غير مشتغلين بالذكر وجب عليهم الرد بأحسن، وإذا كانوا ذاكرين أو متفكرين أو سكارى في شهود الحبيب سقط عنهم السلام، وكذلك إذا سلم عليهم اختبارا وتعنيتا لم يجب الرد. والله تعالى أعلم.
النساء 4:85
قلت: { نفسك }: مفعول ثان، والأول نائب، أي: لا يكلفك الله إلا نفسك. يقول الحق جل جلاله: { فقاتل } يا محمد { في سبيل الله } ولو وحدك إن تثبطوا عن الجهاد، لا نكلفك إلا أمر نفسك، { و } لكن { حرض المؤمنين } على الجهاد، إذ ما عليك إلا التحريض. فجاهدوا حتى تكون كلمة الله هي العليا. { عسى الله أن يكف } بجهادكم { بأس الذين كفروا } ويبطل دينهم الفاسد. { والله أشد بأسا } منهم { وأشد تنكيلا } أي: تعذيبا لهم. وقد حقق الله ذلك ففتح الله على نبيه قبائل العرب، فلم يبق فيهم مشرك، ثم فتح على الصحابة سائر البلاد، وهدى الله بهم جميع العباد، إلا من فر من الكفار إلى شواهق الجبال. وإنما أمرتك بالتحريض على الجهاد، لأن الدال على الخير كفاعله، وذلك كالشفاعة بين الناس ودلالتهم على إصلاح ذات البين، فمن { يشفع شفاعة حسنة } بأن ينفع المشفوع له، بدفع ضرر أو جلب نفع، ابتغاء وجه الله، { يكن له نصيب منها } ، أي: حظ كبير من الثواب لأنه دل المشفوع عنده على الخير، وأوصل النفع إلى المشفوع له، فله من الأجر مثل ما لهما، ومنها: الدعاء بظهر الغيب، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
" من دعا لمسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: لك مثل ذلك ".
{ ومن يشفع شفاعة سيئة } ، يريد بها فسادا بين الناس كنميمة وزور وإحداث بدعة، { يكن له كفل } أي: نصيب { منها } أي: من وزرها، وفي الحديث:
" من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "
{ وكان الله على كل شيء مقيتا } أي: مقتدرا من أقات على الشيء: إذا قدر عليه، أو شهيدا حافظا فيجازي على قدر الأعمال. ومن هذا أيضا: السلام، فإنه سبب في ثواب الرد، لذلك ذكره الحق في سلك الدلالة على الخير فقال: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها } بأن تقولوا: وعليكم السلام والرحمة والبركة، { أو ردوها } بأن تقولوا: وعليكم السلام. وفي الخبر: " من قال لأخيه المسلم: السلام عليكم، كتب الله له عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله، كتب الله له عشرين حسنة، فإن قال: وبركاته، كتب الله ثلاثين " ، وكذلك لمن رد، فإن اقتصر على السلام، فعشر، وهكذا.. فإن ذكر المسلم الرحمة والبركة، قال الراد: وعليكم، فقط، إذ لم يبق ما يزاد، ورد السلام واجب على الكفاية، حيث يكون مشروعا، فلا يرد في الخطبة، وقراءة القرآن، والذكر والتفكر، والاعتبار، ونظرة الشهود والاستبصار، لأنه يفتر ويشوش، وفي الحمام إذا كانوا عراة، وفي حال الجماع والأكل والشرب وغيرها من المسائل المستثناة.
وقد نظمه بعضهم، فقال:
رد السلآم واجب إلا على من في الصلاة أو بأكل شغلا أو شرب أو قراءة أو أدعيه أو ذكر أو خطبة أو تلبيه
والسلام من تحية أهل الإسلام، خاص بهم. لذلك استغرب الخضر عليه السلام سلام سيدنا موسى عليه السلام فقال له: " وأنى بأرضك السلام، وكذلك خليل الله إبراهيم عليه السلام، إنما أنكر الملائكة حيث سلموا عليه بتحية أهل الإسلام لأنه كان بين أظهر قوم كفار، أما سلام أبي ذر على النبي صلى الله عليه وسلم بتحية أهل الإسلام، قبل أن يسلم، فلعله سمعه من بعض الصحابة قبل أن يسلم، أو إلهام من الله. والله تعالى أعلم. { إن الله كان على كل شيء حسيبا } يحاسبكم على التحية وغيرها. وبالله التوفيق. الإشارة: فجاهد أيها الإنسان نفسك في سبيل الله، لا تكلف إلا إصلاحها وتزكيتها، وحرض من يسمع قولك من المؤمنين على جهاد أنفسهم، عسى الله أن يكف عنهم القواطع والعلائق، فيتأهلون لإشراق قلوبهم بأنوار الحقائق، فإن الله لا يغلبه شيء، فمن ذكر عباد الله، ودسهم إلى حضرة الله كان حظه كبيرا عند الله. ومن دلهم على غير الله فقد غشهم وكان مهانا عند الله، وإذا وقع السلام على الفقراء فإن كانوا سالكين غير مشتغلين بالذكر وجب عليهم الرد بأحسن، وإذا كانوا ذاكرين أو متفكرين أو سكارى في شهود الحبيب سقط عنهم السلام، وكذلك إذا سلم عليهم اختبارا وتعنيتا لم يجب الرد. والله تعالى أعلم.
النساء 4:86
قلت: { نفسك }: مفعول ثان، والأول نائب، أي: لا يكلفك الله إلا نفسك. يقول الحق جل جلاله: { فقاتل } يا محمد { في سبيل الله } ولو وحدك إن تثبطوا عن الجهاد، لا نكلفك إلا أمر نفسك، { و } لكن { حرض المؤمنين } على الجهاد، إذ ما عليك إلا التحريض. فجاهدوا حتى تكون كلمة الله هي العليا. { عسى الله أن يكف } بجهادكم { بأس الذين كفروا } ويبطل دينهم الفاسد. { والله أشد بأسا } منهم { وأشد تنكيلا } أي: تعذيبا لهم. وقد حقق الله ذلك ففتح الله على نبيه قبائل العرب، فلم يبق فيهم مشرك، ثم فتح على الصحابة سائر البلاد، وهدى الله بهم جميع العباد، إلا من فر من الكفار إلى شواهق الجبال. وإنما أمرتك بالتحريض على الجهاد، لأن الدال على الخير كفاعله، وذلك كالشفاعة بين الناس ودلالتهم على إصلاح ذات البين، فمن { يشفع شفاعة حسنة } بأن ينفع المشفوع له، بدفع ضرر أو جلب نفع، ابتغاء وجه الله، { يكن له نصيب منها } ، أي: حظ كبير من الثواب لأنه دل المشفوع عنده على الخير، وأوصل النفع إلى المشفوع له، فله من الأجر مثل ما لهما، ومنها: الدعاء بظهر الغيب، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
" من دعا لمسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: لك مثل ذلك ".
{ ومن يشفع شفاعة سيئة } ، يريد بها فسادا بين الناس كنميمة وزور وإحداث بدعة، { يكن له كفل } أي: نصيب { منها } أي: من وزرها، وفي الحديث:
" من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "
{ وكان الله على كل شيء مقيتا } أي: مقتدرا من أقات على الشيء: إذا قدر عليه، أو شهيدا حافظا فيجازي على قدر الأعمال. ومن هذا أيضا: السلام، فإنه سبب في ثواب الرد، لذلك ذكره الحق في سلك الدلالة على الخير فقال: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها } بأن تقولوا: وعليكم السلام والرحمة والبركة، { أو ردوها } بأن تقولوا: وعليكم السلام. وفي الخبر: " من قال لأخيه المسلم: السلام عليكم، كتب الله له عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله، كتب الله له عشرين حسنة، فإن قال: وبركاته، كتب الله ثلاثين " ، وكذلك لمن رد، فإن اقتصر على السلام، فعشر، وهكذا.. فإن ذكر المسلم الرحمة والبركة، قال الراد: وعليكم، فقط، إذ لم يبق ما يزاد، ورد السلام واجب على الكفاية، حيث يكون مشروعا، فلا يرد في الخطبة، وقراءة القرآن، والذكر والتفكر، والاعتبار، ونظرة الشهود والاستبصار، لأنه يفتر ويشوش، وفي الحمام إذا كانوا عراة، وفي حال الجماع والأكل والشرب وغيرها من المسائل المستثناة.
وقد نظمه بعضهم، فقال:
رد السلآم واجب إلا على من في الصلاة أو بأكل شغلا أو شرب أو قراءة أو أدعيه أو ذكر أو خطبة أو تلبيه
والسلام من تحية أهل الإسلام، خاص بهم. لذلك استغرب الخضر عليه السلام سلام سيدنا موسى عليه السلام فقال له: " وأنى بأرضك السلام، وكذلك خليل الله إبراهيم عليه السلام، إنما أنكر الملائكة حيث سلموا عليه بتحية أهل الإسلام لأنه كان بين أظهر قوم كفار، أما سلام أبي ذر على النبي صلى الله عليه وسلم بتحية أهل الإسلام، قبل أن يسلم، فلعله سمعه من بعض الصحابة قبل أن يسلم، أو إلهام من الله. والله تعالى أعلم. { إن الله كان على كل شيء حسيبا } يحاسبكم على التحية وغيرها. وبالله التوفيق. الإشارة: فجاهد أيها الإنسان نفسك في سبيل الله، لا تكلف إلا إصلاحها وتزكيتها، وحرض من يسمع قولك من المؤمنين على جهاد أنفسهم، عسى الله أن يكف عنهم القواطع والعلائق، فيتأهلون لإشراق قلوبهم بأنوار الحقائق، فإن الله لا يغلبه شيء، فمن ذكر عباد الله، ودسهم إلى حضرة الله كان حظه كبيرا عند الله. ومن دلهم على غير الله فقد غشهم وكان مهانا عند الله، وإذا وقع السلام على الفقراء فإن كانوا سالكين غير مشتغلين بالذكر وجب عليهم الرد بأحسن، وإذا كانوا ذاكرين أو متفكرين أو سكارى في شهود الحبيب سقط عنهم السلام، وكذلك إذا سلم عليهم اختبارا وتعنيتا لم يجب الرد. والله تعالى أعلم.
النساء 4:87
قلت: { الله }: مبتدأ، و { لا إله }: خبر، أو اعتراض، و { ليجمعنكم }: خبر، وهو أوفق بالسياق، و { لا ريب فيه } حال، أو صفة لمصدر، أي: جمعا لا ريب فيه. يقول الحق جل جلاله: { الله لا إله إلا هو } أي: لا مستحق للعبادة إلا هو، والله { ليجمعنكم } أي: ليحشرنك من قبوركم { إلى يوم القيامة } للحساب الذي وعدكم به، لا شك فيه، فهو وعد صادق، { ومن أصدق من الله حديثا } ، أي: لا أحد أصدق من الله حديثا، لأن الكذب نقص، وهو على الله محال. الإشارة: الحق تعالى واحد في ملكه، فلا يذوق وحدانيته إلا من كان واحدا في قصده وهمه، فكل من وحد قلبه وقصده وهمته في طلبه، وانجمع بكليته إليه، جمعه الله لحضرته، ونعمه بشهود ذاته، وعدا حقا وقولا صادقا، لا ريب فيه ولا اشتباه، إذ لا أحد أصدق من الله.
النساء 4:88
{ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء... } قلت: { فئتين }: حال، والعامل فيه: الاستقرار في الجر، وأركس الشيء نكسه. يقول الحق جل جلاله: معاتبا الصحابة حين اختلفوا في إسلام بعض المنافقين، فقال: { فما لكم } افترقتم { في } شأن { المنافقين } فرقتين، ولم تتفقوا على كفرهم، والحالة أن الله تعالى { أركسهم } ، أي: نكسهم وردهم إلى الكفر بعد أن أظهروا الإسلام بسبب ما كسبوا من الآثام. { أتريدون أن تهدموا من أضل الله } ، وسبق لهم الشقاء في علم الله؟ ومن يضلل الله فلن تجد له طريقا إلى الهدى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في قوم كانوا بمكة من المشركين، فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا، ثم سافر قوم منهم بتجارات إلى الشام، فاختلف المسلمون، هل يقتلونهم ليغنموا تجارتهم، لأنهم لم يهاجروا، أو يتركونهم لأنهم مؤمنون؟. وقيل: في قوم أسلموا ثم اجتووا المدينة، واستأذنوا رسول الله صلى عليه وسلم في الخروج إلى البدو، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم. ثم حكم بكفرهم فقال { ودوا لم تكفرون } أي: يتمنون كفركم { كما كفروا فتكونون } معهم { سواء } في الضلال والكفر. الإشارة: من دخل في طريق المخصوصين الأبرار، ثم لم تساعده رياح الأقدار، فلا ينبغي الكلام فيه، ولا الخوض في شأنه، لأن أمره بيد ربه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا ناصر له. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم نهى عن موالاتهم، فقال: {...فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شآء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } قلت: { حصرت }: أي: ضاقت، والجملة حال من الواو، بدليل قراءة يعقوب حصرة. يقول الحق جل جلاله: { فلا تتخذوا } من هؤلاء الكفرة { أولياء } وأصدقاء حتى يتحقق إيمانهم، بأن يهاجروا من دار الكفرإلى دار الإسلام { في سبيل الله } وابتغاء مرضات الله، لا لحرف دنيوي، { فإن تولوا } عن إظهار الإيمان بالهجرة { في سبيل الله } ، { فخذوهم } أسارى { واقتلوهم حيث وجدتموهم } كسائر الكفرة، وجانبوهم { ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } أي: لا تستعينوا بهم في جهادكم، { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم } عهد، و { ميثاق } أي: مهاندة، فلهم حكم المعاهدين الذين وصلوا إليهم، ودخلوا معهم في الصلح، فلا تقتلوهم ولا تأسروهم.
وكانت خزاعة وادعت النبي صلى الله عليه وسلم وعقدت معه الصلح، فجاء بنو مدلج فدخلوا معهم في الصلح، فنهى الله عن قتالهم ما داموا معهم، فالقوم الذين بين المسلمين وبينهم ميثاق هم خزاعة، والذي وصلوا إليهم هم بنو مدلج. فالاستثناء على هذا منقطع، لأن بني مدلج حينئذ كانت مظهرة للكفر لا منافقة، ويحتمل أن يكون متصلا، أي: إلا الذين يصلون منهم...الخ، فتأمل. وكان هذا في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله:
فأقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة:5] الآية. ثم ذكر قوما آخرين نهى عن قتالهم، فقال: { أو جاءوكم } أي: إلا قوما جاؤوكم، قد { حصرت صدورهم } أي: ضاقت عن { أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم } يعني أنهم كرهوا قتالهم، وكرهوا قتال قومهم الكفار، فلا تقتلوهم أيضا، لأن الله كف شرهم عنكم، { ولو شاء الله لسلطهم عليكم } بأن قوى قلوبهم وأزال رعبهم { فلقاتلكم } ولم يكفوا عنكم، { فإن اعتزلوكم } ولم يتعرضوا لكم { وألقوا إليكم السلم } أي: الاستسلام والانقياد { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } أي: طريقا إلى قتالهم. الإشارة: نهى الله تعالى عن مساكنة النفوس وموالاتها، حتى تهاجر عن مواطن شهواتها إلى حضرة ربها، فإن تولت عن الهجرة وألفت البطالة والغفلة فليأخذها ليقتلها حيثما ظهرت صورتها، ولا يسكن إليها أبدا أو يواليها، إلا إن وصلت إلى حضرة الشيخ، وأمره بالرفق بها، أو كفت عن طغيانها، أو كفى الله أمرها بجذب أخرجها عن عوائدها، أو وارد قوى دفع شهواتها، فإنه يأتي من حضرة قهار، لا يصادم شيئا إلا دمغه، وهذه عناية من الرحمن، ولو شاء تعالى لسلطها على الإنسان يرخى لها العنان، فتجمح به في ضحضاح النيران، فإن كفت النفس عن شهواتها، وانقادت إلى حضرة ربها، فما لأحد عليها من سبيل، وقد دخلت في حمى الملك الجليل. والله تعالى أعلم.
النساء 4:89
{ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء... } قلت: { فئتين }: حال، والعامل فيه: الاستقرار في الجر، وأركس الشيء نكسه. يقول الحق جل جلاله: معاتبا الصحابة حين اختلفوا في إسلام بعض المنافقين، فقال: { فما لكم } افترقتم { في } شأن { المنافقين } فرقتين، ولم تتفقوا على كفرهم، والحالة أن الله تعالى { أركسهم } ، أي: نكسهم وردهم إلى الكفر بعد أن أظهروا الإسلام بسبب ما كسبوا من الآثام. { أتريدون أن تهدموا من أضل الله } ، وسبق لهم الشقاء في علم الله؟ ومن يضلل الله فلن تجد له طريقا إلى الهدى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في قوم كانوا بمكة من المشركين، فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا، ثم سافر قوم منهم بتجارات إلى الشام، فاختلف المسلمون، هل يقتلونهم ليغنموا تجارتهم، لأنهم لم يهاجروا، أو يتركونهم لأنهم مؤمنون؟. وقيل: في قوم أسلموا ثم اجتووا المدينة، واستأذنوا رسول الله صلى عليه وسلم في الخروج إلى البدو، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم. ثم حكم بكفرهم فقال { ودوا لم تكفرون } أي: يتمنون كفركم { كما كفروا فتكونون } معهم { سواء } في الضلال والكفر. الإشارة: من دخل في طريق المخصوصين الأبرار، ثم لم تساعده رياح الأقدار، فلا ينبغي الكلام فيه، ولا الخوض في شأنه، لأن أمره بيد ربه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا ناصر له. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم نهى عن موالاتهم، فقال: {...فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شآء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } قلت: { حصرت }: أي: ضاقت، والجملة حال من الواو، بدليل قراءة يعقوب حصرة. يقول الحق جل جلاله: { فلا تتخذوا } من هؤلاء الكفرة { أولياء } وأصدقاء حتى يتحقق إيمانهم، بأن يهاجروا من دار الكفرإلى دار الإسلام { في سبيل الله } وابتغاء مرضات الله، لا لحرف دنيوي، { فإن تولوا } عن إظهار الإيمان بالهجرة { في سبيل الله } ، { فخذوهم } أسارى { واقتلوهم حيث وجدتموهم } كسائر الكفرة، وجانبوهم { ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } أي: لا تستعينوا بهم في جهادكم، { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم } عهد، و { ميثاق } أي: مهاندة، فلهم حكم المعاهدين الذين وصلوا إليهم، ودخلوا معهم في الصلح، فلا تقتلوهم ولا تأسروهم.
وكانت خزاعة وادعت النبي صلى الله عليه وسلم وعقدت معه الصلح، فجاء بنو مدلج فدخلوا معهم في الصلح، فنهى الله عن قتالهم ما داموا معهم، فالقوم الذين بين المسلمين وبينهم ميثاق هم خزاعة، والذي وصلوا إليهم هم بنو مدلج. فالاستثناء على هذا منقطع، لأن بني مدلج حينئذ كانت مظهرة للكفر لا منافقة، ويحتمل أن يكون متصلا، أي: إلا الذين يصلون منهم...الخ، فتأمل. وكان هذا في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله:
فأقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة:5] الآية. ثم ذكر قوما آخرين نهى عن قتالهم، فقال: { أو جاءوكم } أي: إلا قوما جاؤوكم، قد { حصرت صدورهم } أي: ضاقت عن { أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم } يعني أنهم كرهوا قتالهم، وكرهوا قتال قومهم الكفار، فلا تقتلوهم أيضا، لأن الله كف شرهم عنكم، { ولو شاء الله لسلطهم عليكم } بأن قوى قلوبهم وأزال رعبهم { فلقاتلكم } ولم يكفوا عنكم، { فإن اعتزلوكم } ولم يتعرضوا لكم { وألقوا إليكم السلم } أي: الاستسلام والانقياد { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } أي: طريقا إلى قتالهم. الإشارة: نهى الله تعالى عن مساكنة النفوس وموالاتها، حتى تهاجر عن مواطن شهواتها إلى حضرة ربها، فإن تولت عن الهجرة وألفت البطالة والغفلة فليأخذها ليقتلها حيثما ظهرت صورتها، ولا يسكن إليها أبدا أو يواليها، إلا إن وصلت إلى حضرة الشيخ، وأمره بالرفق بها، أو كفت عن طغيانها، أو كفى الله أمرها بجذب أخرجها عن عوائدها، أو وارد قوى دفع شهواتها، فإنه يأتي من حضرة قهار، لا يصادم شيئا إلا دمغه، وهذه عناية من الرحمن، ولو شاء تعالى لسلطها على الإنسان يرخى لها العنان، فتجمح به في ضحضاح النيران، فإن كفت النفس عن شهواتها، وانقادت إلى حضرة ربها، فما لأحد عليها من سبيل، وقد دخلت في حمى الملك الجليل. والله تعالى أعلم.
النساء 4:90
{ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء... } قلت: { فئتين }: حال، والعامل فيه: الاستقرار في الجر، وأركس الشيء نكسه. يقول الحق جل جلاله: معاتبا الصحابة حين اختلفوا في إسلام بعض المنافقين، فقال: { فما لكم } افترقتم { في } شأن { المنافقين } فرقتين، ولم تتفقوا على كفرهم، والحالة أن الله تعالى { أركسهم } ، أي: نكسهم وردهم إلى الكفر بعد أن أظهروا الإسلام بسبب ما كسبوا من الآثام. { أتريدون أن تهدموا من أضل الله } ، وسبق لهم الشقاء في علم الله؟ ومن يضلل الله فلن تجد له طريقا إلى الهدى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في قوم كانوا بمكة من المشركين، فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا، ثم سافر قوم منهم بتجارات إلى الشام، فاختلف المسلمون، هل يقتلونهم ليغنموا تجارتهم، لأنهم لم يهاجروا، أو يتركونهم لأنهم مؤمنون؟. وقيل: في قوم أسلموا ثم اجتووا المدينة، واستأذنوا رسول الله صلى عليه وسلم في الخروج إلى البدو، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم. ثم حكم بكفرهم فقال { ودوا لم تكفرون } أي: يتمنون كفركم { كما كفروا فتكونون } معهم { سواء } في الضلال والكفر. الإشارة: من دخل في طريق المخصوصين الأبرار، ثم لم تساعده رياح الأقدار، فلا ينبغي الكلام فيه، ولا الخوض في شأنه، لأن أمره بيد ربه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا ناصر له. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم نهى عن موالاتهم، فقال: {...فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شآء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } قلت: { حصرت }: أي: ضاقت، والجملة حال من الواو، بدليل قراءة يعقوب حصرة. يقول الحق جل جلاله: { فلا تتخذوا } من هؤلاء الكفرة { أولياء } وأصدقاء حتى يتحقق إيمانهم، بأن يهاجروا من دار الكفرإلى دار الإسلام { في سبيل الله } وابتغاء مرضات الله، لا لحرف دنيوي، { فإن تولوا } عن إظهار الإيمان بالهجرة { في سبيل الله } ، { فخذوهم } أسارى { واقتلوهم حيث وجدتموهم } كسائر الكفرة، وجانبوهم { ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } أي: لا تستعينوا بهم في جهادكم، { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم } عهد، و { ميثاق } أي: مهاندة، فلهم حكم المعاهدين الذين وصلوا إليهم، ودخلوا معهم في الصلح، فلا تقتلوهم ولا تأسروهم.
وكانت خزاعة وادعت النبي صلى الله عليه وسلم وعقدت معه الصلح، فجاء بنو مدلج فدخلوا معهم في الصلح، فنهى الله عن قتالهم ما داموا معهم، فالقوم الذين بين المسلمين وبينهم ميثاق هم خزاعة، والذي وصلوا إليهم هم بنو مدلج. فالاستثناء على هذا منقطع، لأن بني مدلج حينئذ كانت مظهرة للكفر لا منافقة، ويحتمل أن يكون متصلا، أي: إلا الذين يصلون منهم...الخ، فتأمل. وكان هذا في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله:
فأقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة:5] الآية. ثم ذكر قوما آخرين نهى عن قتالهم، فقال: { أو جاءوكم } أي: إلا قوما جاؤوكم، قد { حصرت صدورهم } أي: ضاقت عن { أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم } يعني أنهم كرهوا قتالهم، وكرهوا قتال قومهم الكفار، فلا تقتلوهم أيضا، لأن الله كف شرهم عنكم، { ولو شاء الله لسلطهم عليكم } بأن قوى قلوبهم وأزال رعبهم { فلقاتلكم } ولم يكفوا عنكم، { فإن اعتزلوكم } ولم يتعرضوا لكم { وألقوا إليكم السلم } أي: الاستسلام والانقياد { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } أي: طريقا إلى قتالهم. الإشارة: نهى الله تعالى عن مساكنة النفوس وموالاتها، حتى تهاجر عن مواطن شهواتها إلى حضرة ربها، فإن تولت عن الهجرة وألفت البطالة والغفلة فليأخذها ليقتلها حيثما ظهرت صورتها، ولا يسكن إليها أبدا أو يواليها، إلا إن وصلت إلى حضرة الشيخ، وأمره بالرفق بها، أو كفت عن طغيانها، أو كفى الله أمرها بجذب أخرجها عن عوائدها، أو وارد قوى دفع شهواتها، فإنه يأتي من حضرة قهار، لا يصادم شيئا إلا دمغه، وهذه عناية من الرحمن، ولو شاء تعالى لسلطها على الإنسان يرخى لها العنان، فتجمح به في ضحضاح النيران، فإن كفت النفس عن شهواتها، وانقادت إلى حضرة ربها، فما لأحد عليها من سبيل، وقد دخلت في حمى الملك الجليل. والله تعالى أعلم.
النساء 4:91
يقول الحق جل جلاله: { ستجدون } قوما { آخرين } منافقين، وهم أسد وغطفان، قدموا المدينة، وأظهروا الإسلام نفاقا ورياء إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إنا على دينك، يريدون الأمن، إذا لقوا قومهم، وقالوا لأحدهم: لماذا أسلمت ومن تعبد؟ فيقول: لهذا القرد ولهذا العقرب والخنفساء، { يريدون } بإظهار الإسلام { أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } ، أي: كلما دعوا إلى الكفر رجعوا إليه أقبح رد، { فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم } أي: ولم يلقوا إليكم المسالمة والصلح، ولم { يكفوا أيديهم } بأن تعرضوا لكم { فاقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي: وجدتموهم، { وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا } ، أي: تسلطا { مبينا } ظاهرا، لظهور كفرهم وثبوت عداوتهم. الإشارة: النفوس على ثلاثة أقسام: قسم مطلقة العنان في الجرائم والعصيان، وهي النفوس الأمارة، وإليها الإشارة بالآية قبلها، والله أعلم. وقسم مذبذبة تارة تظهر الطاعة والإذعان، تريد أن يأمنها صاحبها، وتارة ترجع إلى الغي والعصيان، مهما دعيت إلى فتنة وقعت فيها، فأم لم تنته عن ذلك، وتكف عن غيها، فالواجب جهادها وقتلها حتى تنقاد بالكلية إلى ربها، وأما النفس المطمئنة فلا كلام معها لتحقق إسلامها، فالواجب الكف عنها وحبها. والله تعالى أعلم.
النساء 4:92
قلت: { وما كان لمؤمن } النفي هذا بمعنى النهي، كقوله:
وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله
[الأحزاب:53]، و { إلا خطأ }: استثناء منقطع، و { خطأ }: حال، أو مفعول من أجله، أو صفة لمصدر محذوف، أي: لا يحل له أن يقتل مؤمنا في حال من الأحوال، لكن إن وقع خطأ فحكمه ما يأتي، وقيل: متصل. انظر ابن جزي: أو: إلا قتلا خطأ، و { إلا أن يصدقوا }: حال، أي: إلا حال تصدقهم، و { توبة }: مفعول من أجله، أي: شرع ذلك لأجل التوبة. أو، مصدر، أي: تاب عليكم توبة. يقول الحق جل جلاله: { وما كان } ينبغي { لمؤمن أن يقتل مؤمنا } مثله، أي: هو حرام عليه، { إلا } أن يقتله { خطأ } بأن ظنه كافرا، أو رمى غيره فصادفه. والآية نزلت بسب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد، وكان الحارث يعذبه على الإسلام، ثم أسلم الحارث، وهاجر، ولم يعلم عياش بإسلامه، فقتله. ثم ذكر حكمه فقال: { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة } أي: فعليه تحرير رقبة { مؤمنة } سالمة من العيوب، ليس فيها شوب حرية، تكون من مال القاتل، { ودية مسلمة } أي: مدفوعة { إلى أهله } وهي على العاقلة كما بين الرسول عليه الصلاة والسلام ، وهي عند مالك: مائة من الإبل، وألف دينار شرعية على أهل الذهب، وأثنا عشر ألف درهم، على أهل الورق، مقسطة على ثلاث سنين، فإن لم تكن العاقلة فعلى بيت المال، وتقسم على أهله، على حسب المواريث، إلا أن يتصدقوا بالدية على القاتل فتسقط، أي: تسمع فيها الورثة أو القتيل قبل موته. { فإن كان } المقتول { من قوم عدو لكم } أي: محاربين لكم، { وهو } أي: المقتول { مؤمن } فعلى القاتل { تحرير رقبة مؤمنة } ولا دية لأنهم محاربون فيتقووا بها على المسلمين، ورأى مالك أن الدية في هذا واجبة لبيت المال، { وإن كان } المقتول مؤمنا وهو { من قوم بينكم وبينهم ميثاق } أي: عقد الصلح أو الذمة، فعلى القاتل { دية مسلمة إلى أهله } ، وعليه أيضا { تحرير رقبة مؤمنة } كفارة لخطئه. فإن كان غير مؤمن فلا كفارة فيه. وفيه نصف دية المسلم، { فمن لم يجد } الرقبة، أو لم يقدر عليها فعليه { صيام شهرين متتابعين } عوضا من العتق، جعل الله ذلك { توبة من الله } على القاتل لتفريطه. { وكان الله عليما } بما فرض، { حكيما } فيما قدر ودبر. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله قد رغب في إحياء النفوس، حسا ومعنى، ونهى عن قتلها حسا ومعنى، وما ذلك إلى لخصوص محبة له فيها، ومزيد اعتناء له بشأنها فليس في الوجود أعز من الله من مظهر هذا الآدمي إن استقام في العبودية لربه، فهو قلب الوجود، ومن أجله ظهر كل موجود، وهو المنظور إليه من هذا العالم السفلي، والمقصود بالخطاب التكليفي: جزئي وكلي، فهو المقصود من بيت القصيد، وهو المحبوب إليه، دون سائر العبيد، قال تعالى:
واصطنعتك لنفسي
[طه:41]. ومعنى إحيائها حسا: إنقاذها من الهلاك الحسي، ومعنى إحيائها معنى: إنقاذها من الهلاك المعنوي كالجهل والغفلة، حتى تحيا بالعلم والإيمان واليقظة، ومعنى قتلها حسا: إهلاكها، ومعنى قتلها معنى: إيقاعها في المعاصي والكفر وحملها على ذلك، وكذلك إهانتها وذلها، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :
" لعن المؤمن كقتله "
فأمر من قتله خطأ أن يحيي نفسا أخرى من مقابلتها بإخراجها من موت إهانة الرق، فإن لم يقدر، فليحيي نفسه بقتل صولتها بالجوع حتى تنكسر، فتحيا بالتوبة واليقظة، ويجبر كسر أهل المقتول بالدية المسلمة.
النساء 4:93
يقول الحق جل جلاله: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } مستحلا لقتله { فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه } أي: طرده { وأعد له عذابا عظيما } ، وقولنا: مستحلا لقتله، هو أحد الأجوبة عن شبهة المعتزلة القائلين بتخليد عصاة المؤمنين في النار. ومن جملتهم: قاتل النفس. ومذهب أهل السنة: أنه لا يخلد إلا الكافر، ويؤيد هذا الجواب سبب نزول الآية، لأنها نزلت في كافر، وهو مقيس بن ضبابة الكناني وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجر وكان مسلما فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل معه رجلا من بني فهر، وقال له:
" ائت بني النجار، وقل لهم: إن علمتم قاتل هشام فادفعوه لمقيس يقتص منه، وإن لم تعلموا فادفعوا إليه الدية "
فقالوا: سمعا وطاعة، لم نعلم قاتله، فجمعوا مائة من الإبل، فأخذها، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة، فوسوس إليه الشيطان، وقال: أي شيء صنعت؟ تقبل دية أخيك فتكون عليك سبة، اقتل الرجل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية، فقتله وأخذ الدية، فنزلت فيه الآية. أو يكون الخلود عبارة عن طول المكث، والجمهور على قبول توبته، خلافا لابن عباس، ونقل عنه أيضا قبولها، ولعله تعالى استغنى عن ذكر التوبة هنا اكتفاء بذكرها في الفرقان، حيث قال:
ومن يفعل ذلك يلق أثاما
[الفرقان:68]، ثم قال:
إلا من تاب
[مريم:60]. وأما من قال: إن تلك منسوخة بهذه فليس بصحيح لأن النسخ لا يكون في الأخبار. أو فجزاؤه إن جوزي، ولا بدع في خلف الوعيد لقوله:
ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء
[النساء:48] لأن الوعيد مشروط بعدم العفو، لدلائل منفصلة اقتضت ذلك كما هو مشروط بعدم التوبة أيضا، والحاصل: أن الوعد لا يخلف لأنه من باب الامتنان، والوعيد يصح إخلافه، بالعفو والغفران، كما في بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجزه له لا محالة، ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه "
ه. ذكره في القوت. فتحصل أن القاتل لا يخلد على المشهور إلا إذا كان مستحلا، وهذا أيضا ما لم يقتص منه، وأما إذا اقتص منه فالصحيح أنه يسقط عنه العقاب لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة "
وبه قال الجمهور، وكذلك إذا سامحه ورثة الدم: لأنه حق ورثوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإيمان محلة القلوب، فالقلب هو المتصف بالإيمان حقيقة. فالمؤمن الحقيقي هو القلب، فمن قتله بتتبع الشهوات، وتراكم الغفلات، فجزاؤه نار القطيعة في سجن الأكوان، والبعد عن عرفان الشهود والعيان، وفي الحكم: " سبب العذاب وجود الحجاب، وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهة الكريم ". والله تعالى أعلم.
النساء 4:94
قلت: { السلم } بالقصر: الانقياد والاستسلام، وبالمد: التحية. وجملة { تبتغون }: حال من الواو، مشعرة بما هو الحامل على العجلة. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم } أي: سافرتم وسرتم تجاهدون { في سبيل الله } ، { فتبينوا } الأمور وتثبتوا فيها ولا تعجلوا، فإن العجلة من الشيطان، { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم } أي: الانقياد والاستسلام، أو سلم عليكم تحية الإسلام، { لست مؤمنا } إنما فعلت ذلك متعوذا خائفا، فتقتلونه طمعا في ماله، { تبتغون عرض الحياة الدنيا } وحطامها الفاني، { فعند الله مغانم كثيرة } وعدكم بها، لم تقدروا الآن عليه، فاصبروا وازهدوا فيما تشكون فيه حتى يأتيكم ما لا شهبة فيه، { كذلك كنتم من قبل } هذه الحال، كنتم تخفون إسلامكم خوفا من قومكم، { فمن الله عليكم } بالعز والنصر والاشتهار { فتبينوا } وتثبتوا ولا تعجلوا، وافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل الله بكم، حيث حفظكم وعصمكم، ولا تبادروا إلى قتلهم ظنا بأنهم إنما دخلوا فيه اتقاء وخوفا، فإن إبقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل مؤمن، وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر. ثم هددهم بقوله { إن الله كان بما تعملون خبيرا } مطلعا على قصدكم، فلا تتهافتوا في القتل، واحتاطوا فيه. روي أن سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم غزت أهل فدك فهربوا، وبقي مرداس ثقة بإسلامه، لأنه كان مسلما وحده، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، وصعد عليه، فلما تلاحقوا وكبروا، كبر ونزل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة، واستاق غنمه، فنزلت الآية. فلما أخبر عليه الصلاة والسلام وجد وجدا شديدا، وقال لأسامة:
" كيف بلا إله إلا الله، إذا جاءت يوم القيامة؟! "
قالها ثلاثا، حتى قال أسامة: ليتني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر له بعد، وقال له:
" اعتق رقبة "
وقيل: نزلت في المقداد، مر برجل في غنمه فأراد قتله، فقال: لا إله إلا الله، فقتله وظفر بأهله وماله، وقيل: القاتل: محلم بن جثامة، والمقتول: عامر بن الأضبط. والله تعالى أعلم. الإشارة: يستقاد من الآية: الترغيب في خصلتين ممدوحتين وخصوصا عند الصوفية: الأولى: التأني في الأمور والرزانة والطمأنينة، وعدم العجلة والخفة والطيش. وفي الحديث:
" من تأنى أصاب أو كاد، ومن استعجل أخطأ أو كاد "
ولا يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، ويفهم عن الله أنه مراد الله في ذلك الوقت. والثانية: حسن الظن بعباد الله كافة، واعتقاد الخير فيهم، وعدم البحث عما اشتمل عليه بواطنهم، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
" أمرت أن أحكم بالظواهر والله يتولى السرائر "
وقال لأسامة:
" هلا شققت عن قلبه "
، حين قتل من قال: لا إله إلا الله، أو لغيره. وفي الحديث:
" خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حسن الظن بالله، وحسن الظن بعباد الله، وخصلتان ليس فوقهما من الشر شيء: سوء الظن بالله، وسوء الظن بعباد الله "
والله تعالى أعلم.
النساء 4:95
قلت: { من المؤمنين }: حال من { القاعدين } ، و { غير } بالرفع: صفة للقاعدين، وبالنصب: حال، وبالجر: بدل من المؤمنين، و { درجة }: نصب على إسقاط الخافض، أو على المصدر، لأنه متضمن معنى التفضيل، أو على الحال، أي: ذوي درجة. و { أجرا عظيما }: مصدر لفضل، لأنه بمعنى أجرا، أو مفعول ثان لفضل، لأنه بمعنى أعطى، أي: أعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما، و { درجات } وما بعده، كل واحد بدل من { أجرا } ، و { درجات }: نصب على المصدر، كقولك: ضربته أسواطا، و { أجرا }: حال، تقدمت عليها لأنها نكرة و { مغفرة ورحمة }: على المصدر بإضمار فعلهما. يقول الحق جل جلاله: ترغيبا في الجهاد: { لا يستوي القاعدون } عن الجهاد { من المؤمنين } مع المجاهدين في سبيل الله في الدرجة والأجر العظيم. ولما نزلت أتى ابن أم مكتوم وعبد الله بن جحش، وهما أعميان فقالا: يا رسول الله ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، وحالنا على ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل من رخصة؟ فأنزل الله: { غير أولي الضرر } ، فجعل لهم من الأجر ما جعل للمجاهدين لزمانتهم وحسن نياتهم. ثم ذكر فضل من خرج من قعد لعذر فقال: { فضل الله المجاهدين بأموالهم } ، مواساة للمجاهدين، { وأنفسهم } ببذلها في سبيل رب العالمين، { على القاعدين } لعذر، { درجة } واحدة، لمزيد مشقة السفر والغزو والخطر بالنفس للموت، { وكلا } من القاعدين لعلة والمجاهدين في سبيل الله، { وعد الله الحسنى } أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة. { وفضل الله المجاهدين على القاعدين } من غير عذر { أجرا عظيما } وخيرا جسيما. وفي البخاري:
" إن لله مائة درجة أعدها للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض "
الحديث. ثم بينها بقوله { درجات منة } أي: من فضله وإحسانه، { ومغفرة } لذنوبة، { ورحمة } تقربه إلى ربه، { وكان الله غفورا } لما عسى أن يفرط منه، { رحيما } بما وعد له. الإشارة: لا يستوي القاعد مع حظوظه وهواه، مشتغلا بتربية جاهه وماله وتحصيل مناه، غافلا عن السير إلى حضرة مولاه، مع الذي سل سيف العزم في جهاد نفسه وهواه، وبذل مهجته وجاهد نفسه في طلب رضاه، حتى وصل إلى شهود أنوار جماله وسناه، هيهات هيهات، لا يستوي الأحياء مع الأموات، فإن قعد مع نفسه لعذر يظهره، مع محبته لطريق القوم وإقراره لأهل الخصوصية، فقد فضل الله عليه المجاهدين لنفوسهم بدرجة الشهود ومعرفة العيان للملك الودود، وإن قعد لغير عذر مع الإنكار لأهل الخصوصية، فقد فضل الله عليه المجاهدين أجرا عظيما، درجات منه بالترقي أبدا، ومغفرة ورحمة، وفي البيضاوي: التفضيل بدرجة في جهاد الكفار، وبدرجات في جهاد النفس لأنه الأكبر للحديث والله تعالى أعلم.
النساء 4:96
قلت: { من المؤمنين }: حال من { القاعدين } ، و { غير } بالرفع: صفة للقاعدين، وبالنصب: حال، وبالجر: بدل من المؤمنين، و { درجة }: نصب على إسقاط الخافض، أو على المصدر، لأنه متضمن معنى التفضيل، أو على الحال، أي: ذوي درجة. و { أجرا عظيما }: مصدر لفضل، لأنه بمعنى أجرا، أو مفعول ثان لفضل، لأنه بمعنى أعطى، أي: أعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما، و { درجات } وما بعده، كل واحد بدل من { أجرا } ، و { درجات }: نصب على المصدر، كقولك: ضربته أسواطا، و { أجرا }: حال، تقدمت عليها لأنها نكرة و { مغفرة ورحمة }: على المصدر بإضمار فعلهما. يقول الحق جل جلاله: ترغيبا في الجهاد: { لا يستوي القاعدون } عن الجهاد { من المؤمنين } مع المجاهدين في سبيل الله في الدرجة والأجر العظيم. ولما نزلت أتى ابن أم مكتوم وعبد الله بن جحش، وهما أعميان فقالا: يا رسول الله ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، وحالنا على ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل من رخصة؟ فأنزل الله: { غير أولي الضرر } ، فجعل لهم من الأجر ما جعل للمجاهدين لزمانتهم وحسن نياتهم. ثم ذكر فضل من خرج من قعد لعذر فقال: { فضل الله المجاهدين بأموالهم } ، مواساة للمجاهدين، { وأنفسهم } ببذلها في سبيل رب العالمين، { على القاعدين } لعذر، { درجة } واحدة، لمزيد مشقة السفر والغزو والخطر بالنفس للموت، { وكلا } من القاعدين لعلة والمجاهدين في سبيل الله، { وعد الله الحسنى } أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة. { وفضل الله المجاهدين على القاعدين } من غير عذر { أجرا عظيما } وخيرا جسيما. وفي البخاري:
" إن لله مائة درجة أعدها للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض "
الحديث. ثم بينها بقوله { درجات منة } أي: من فضله وإحسانه، { ومغفرة } لذنوبة، { ورحمة } تقربه إلى ربه، { وكان الله غفورا } لما عسى أن يفرط منه، { رحيما } بما وعد له. الإشارة: لا يستوي القاعد مع حظوظه وهواه، مشتغلا بتربية جاهه وماله وتحصيل مناه، غافلا عن السير إلى حضرة مولاه، مع الذي سل سيف العزم في جهاد نفسه وهواه، وبذل مهجته وجاهد نفسه في طلب رضاه، حتى وصل إلى شهود أنوار جماله وسناه، هيهات هيهات، لا يستوي الأحياء مع الأموات، فإن قعد مع نفسه لعذر يظهره، مع محبته لطريق القوم وإقراره لأهل الخصوصية، فقد فضل الله عليه المجاهدين لنفوسهم بدرجة الشهود ومعرفة العيان للملك الودود، وإن قعد لغير عذر مع الإنكار لأهل الخصوصية، فقد فضل الله عليه المجاهدين أجرا عظيما، درجات منه بالترقي أبدا، ومغفرة ورحمة، وفي البيضاوي: التفضيل بدرجة في جهاد الكفار، وبدرجات في جهاد النفس لأنه الأكبر للحديث والله تعالى أعلم.
النساء 4:97
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين } تتوفاهم { الملائكة } أي: ملك الموت وأعوانه، يعني: تقبض أرواحهم، { ظالمي أنفسهم } بترك الهجرة ومرافقة الكفرة، { قالوا } أي: الملائكة في توبيخهم: { فيم كنتم } أي: في أي شيء كنتم من أمر دينكم: أعلى الشك أو اليقين؟ أو: في أي بلد كنتم: في دار الكفر أو الإسلام؟ { قالوا كنا مستضعفين في الأرض } فعجزنا عن الهجرة وإظهار الدين خوفا من المشركين، { قالوا } أي: الملائكة تكذيبا لهم وتبكيتا: { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } إلى قطر آخر، كما فعل المهاجرين إلى الحبشة والمدينة، لكن حبستكم أموالكم، وعزت عليكم أنفسكم، { فأولئك مأواهم جهنم } لتركهم الهجرة الواجبة في ذلك الوقت، ومساعدتهم الكفار على غزو المسلمين، { وساءت مصيرا } أي: قبحت مصيرا جهنم التي يصيرون إليها. نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا، فخرجوا يوم بدر مع المشركين فرأوا قلة المسلمين، فقالوا: غر هؤلاء دينهم، فقتلوا، فضربت الملائكة وجوهم وأدبارهم، كما يأتي، فلا تجوز الإقامة تحت حكم الكفر مع الاستطاعة، بل تجب الهجرة، ولا عذر في المقام، وإن منعه مانع فلا يكون راضيا بحاله مطمئن النفس بذلك، وإلا عمه البلاء، كما وقع لأهل الأندلس، حتى صار أولادهم كفارا والعياذ بالله، وكذلك لا تجوز الإقامة في موضع تغلب فيه المعاصي وترك الدين. قال البيضاوي: في الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن في الرجل من إقامة دينه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" من فر بدينه من أرض، ولو كان شبرا من الأرض، استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام "
قلت: ويدخل فيه على طريق الخصوص من فر من موضع تكثر فيه الشهوات والعوائد، أو تكثر فيه العلائق والشواغل، إلى موضع يقل فيه ذلك، طلبا لصفاء قلبه ومعرفة ربه، بل هو أولى، ويكون رفيقا لهما في حضرة القدس عند مليك مقتدر. والله تعالى أعلم. ثم استثنى من تحقق إسلامه وحبسه العذر، فقال: { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان } أي: المماليك والصبيان، وفيه إشعار بأنهم على صدد وجوب الهجرة، فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة، فلا محيص عنها، وأن قومهم يجب أن يهاجروا بهم متى أمكنت الهجرة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: " كنت أنا أبي وأمي ممن استثنى الله بهذه الآية ". ثم وصفهم بقوله { لا يستطيعون حيلة } أي: قوة على ما يتوقف عليه السفر، من ركوب أو غيره، { ولا يهتدون سبيلا } أي: لا يعرفون طريقا، ولا يجدون دليلا، { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم }. وعبر بحرف الرجاء إيذانا بأن ترك الهجرة أمر خطير، حتى إن المضطر من حقه أن لا يأمن، ويترصد الفرصة، ويعلق بها قلبه، { وكان الله غفورا رحيما } فيعفو ويغفر لمن غلبه العذر.
وبالله التوفيق. الإشارة: كل من لم يتغلغل في علم الباطن، مات ظالما لنفسه، أي: باخسا لها لما فوتها من لذيذ الشهود، ومعرفة الملك المعبود، ولا يخلو باطنه من الإصرار على أمراض القلوب، التي هي من أكبر الذنوب، فإذا توفته الملائكة على هذه الحالة، قالت له: فيم كنت حتى لم تهاجر إلى من يطهرك من العيوب، ويوصلك إلى حضرة علام الغيوب؟ فيقول: كنت من المستضعفين في علم اليقين، ولم أقدر على صحبة أهل عين اليقين وحق اليقين حبسني عنهم حب الأوطان، ومرافقة النساء والولدان. فيقال له: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجر فيها إلى من يخلصك من الحجاب، وينفي عنك الشك والارتياب؟ فلا جرم أن مأواه سجن الأكوان، وحرمان الشهود والعيان، إلا من أقر بوجود ضعفه، واضطر إلى مولاه في تخليصه من نفسه، فعسى ربه أن يعطف عليه، فيوصله إلى عارف من أوليائه، حتى يلتحق بأحبابه وأصفيائه، وما ذلك على الله بعزيز.
النساء 4:98
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين } تتوفاهم { الملائكة } أي: ملك الموت وأعوانه، يعني: تقبض أرواحهم، { ظالمي أنفسهم } بترك الهجرة ومرافقة الكفرة، { قالوا } أي: الملائكة في توبيخهم: { فيم كنتم } أي: في أي شيء كنتم من أمر دينكم: أعلى الشك أو اليقين؟ أو: في أي بلد كنتم: في دار الكفر أو الإسلام؟ { قالوا كنا مستضعفين في الأرض } فعجزنا عن الهجرة وإظهار الدين خوفا من المشركين، { قالوا } أي: الملائكة تكذيبا لهم وتبكيتا: { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } إلى قطر آخر، كما فعل المهاجرين إلى الحبشة والمدينة، لكن حبستكم أموالكم، وعزت عليكم أنفسكم، { فأولئك مأواهم جهنم } لتركهم الهجرة الواجبة في ذلك الوقت، ومساعدتهم الكفار على غزو المسلمين، { وساءت مصيرا } أي: قبحت مصيرا جهنم التي يصيرون إليها. نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا، فخرجوا يوم بدر مع المشركين فرأوا قلة المسلمين، فقالوا: غر هؤلاء دينهم، فقتلوا، فضربت الملائكة وجوهم وأدبارهم، كما يأتي، فلا تجوز الإقامة تحت حكم الكفر مع الاستطاعة، بل تجب الهجرة، ولا عذر في المقام، وإن منعه مانع فلا يكون راضيا بحاله مطمئن النفس بذلك، وإلا عمه البلاء، كما وقع لأهل الأندلس، حتى صار أولادهم كفارا والعياذ بالله، وكذلك لا تجوز الإقامة في موضع تغلب فيه المعاصي وترك الدين. قال البيضاوي: في الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن في الرجل من إقامة دينه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" من فر بدينه من أرض، ولو كان شبرا من الأرض، استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام "
قلت: ويدخل فيه على طريق الخصوص من فر من موضع تكثر فيه الشهوات والعوائد، أو تكثر فيه العلائق والشواغل، إلى موضع يقل فيه ذلك، طلبا لصفاء قلبه ومعرفة ربه، بل هو أولى، ويكون رفيقا لهما في حضرة القدس عند مليك مقتدر. والله تعالى أعلم. ثم استثنى من تحقق إسلامه وحبسه العذر، فقال: { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان } أي: المماليك والصبيان، وفيه إشعار بأنهم على صدد وجوب الهجرة، فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة، فلا محيص عنها، وأن قومهم يجب أن يهاجروا بهم متى أمكنت الهجرة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: " كنت أنا أبي وأمي ممن استثنى الله بهذه الآية ". ثم وصفهم بقوله { لا يستطيعون حيلة } أي: قوة على ما يتوقف عليه السفر، من ركوب أو غيره، { ولا يهتدون سبيلا } أي: لا يعرفون طريقا، ولا يجدون دليلا، { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم }. وعبر بحرف الرجاء إيذانا بأن ترك الهجرة أمر خطير، حتى إن المضطر من حقه أن لا يأمن، ويترصد الفرصة، ويعلق بها قلبه، { وكان الله غفورا رحيما } فيعفو ويغفر لمن غلبه العذر.
وبالله التوفيق. الإشارة: كل من لم يتغلغل في علم الباطن، مات ظالما لنفسه، أي: باخسا لها لما فوتها من لذيذ الشهود، ومعرفة الملك المعبود، ولا يخلو باطنه من الإصرار على أمراض القلوب، التي هي من أكبر الذنوب، فإذا توفته الملائكة على هذه الحالة، قالت له: فيم كنت حتى لم تهاجر إلى من يطهرك من العيوب، ويوصلك إلى حضرة علام الغيوب؟ فيقول: كنت من المستضعفين في علم اليقين، ولم أقدر على صحبة أهل عين اليقين وحق اليقين حبسني عنهم حب الأوطان، ومرافقة النساء والولدان. فيقال له: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجر فيها إلى من يخلصك من الحجاب، وينفي عنك الشك والارتياب؟ فلا جرم أن مأواه سجن الأكوان، وحرمان الشهود والعيان، إلا من أقر بوجود ضعفه، واضطر إلى مولاه في تخليصه من نفسه، فعسى ربه أن يعطف عليه، فيوصله إلى عارف من أوليائه، حتى يلتحق بأحبابه وأصفيائه، وما ذلك على الله بعزيز.
النساء 4:99
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين } تتوفاهم { الملائكة } أي: ملك الموت وأعوانه، يعني: تقبض أرواحهم، { ظالمي أنفسهم } بترك الهجرة ومرافقة الكفرة، { قالوا } أي: الملائكة في توبيخهم: { فيم كنتم } أي: في أي شيء كنتم من أمر دينكم: أعلى الشك أو اليقين؟ أو: في أي بلد كنتم: في دار الكفر أو الإسلام؟ { قالوا كنا مستضعفين في الأرض } فعجزنا عن الهجرة وإظهار الدين خوفا من المشركين، { قالوا } أي: الملائكة تكذيبا لهم وتبكيتا: { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } إلى قطر آخر، كما فعل المهاجرين إلى الحبشة والمدينة، لكن حبستكم أموالكم، وعزت عليكم أنفسكم، { فأولئك مأواهم جهنم } لتركهم الهجرة الواجبة في ذلك الوقت، ومساعدتهم الكفار على غزو المسلمين، { وساءت مصيرا } أي: قبحت مصيرا جهنم التي يصيرون إليها. نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا، فخرجوا يوم بدر مع المشركين فرأوا قلة المسلمين، فقالوا: غر هؤلاء دينهم، فقتلوا، فضربت الملائكة وجوهم وأدبارهم، كما يأتي، فلا تجوز الإقامة تحت حكم الكفر مع الاستطاعة، بل تجب الهجرة، ولا عذر في المقام، وإن منعه مانع فلا يكون راضيا بحاله مطمئن النفس بذلك، وإلا عمه البلاء، كما وقع لأهل الأندلس، حتى صار أولادهم كفارا والعياذ بالله، وكذلك لا تجوز الإقامة في موضع تغلب فيه المعاصي وترك الدين. قال البيضاوي: في الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن في الرجل من إقامة دينه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" من فر بدينه من أرض، ولو كان شبرا من الأرض، استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام "
قلت: ويدخل فيه على طريق الخصوص من فر من موضع تكثر فيه الشهوات والعوائد، أو تكثر فيه العلائق والشواغل، إلى موضع يقل فيه ذلك، طلبا لصفاء قلبه ومعرفة ربه، بل هو أولى، ويكون رفيقا لهما في حضرة القدس عند مليك مقتدر. والله تعالى أعلم. ثم استثنى من تحقق إسلامه وحبسه العذر، فقال: { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان } أي: المماليك والصبيان، وفيه إشعار بأنهم على صدد وجوب الهجرة، فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة، فلا محيص عنها، وأن قومهم يجب أن يهاجروا بهم متى أمكنت الهجرة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: " كنت أنا أبي وأمي ممن استثنى الله بهذه الآية ". ثم وصفهم بقوله { لا يستطيعون حيلة } أي: قوة على ما يتوقف عليه السفر، من ركوب أو غيره، { ولا يهتدون سبيلا } أي: لا يعرفون طريقا، ولا يجدون دليلا، { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم }. وعبر بحرف الرجاء إيذانا بأن ترك الهجرة أمر خطير، حتى إن المضطر من حقه أن لا يأمن، ويترصد الفرصة، ويعلق بها قلبه، { وكان الله غفورا رحيما } فيعفو ويغفر لمن غلبه العذر.
وبالله التوفيق. الإشارة: كل من لم يتغلغل في علم الباطن، مات ظالما لنفسه، أي: باخسا لها لما فوتها من لذيذ الشهود، ومعرفة الملك المعبود، ولا يخلو باطنه من الإصرار على أمراض القلوب، التي هي من أكبر الذنوب، فإذا توفته الملائكة على هذه الحالة، قالت له: فيم كنت حتى لم تهاجر إلى من يطهرك من العيوب، ويوصلك إلى حضرة علام الغيوب؟ فيقول: كنت من المستضعفين في علم اليقين، ولم أقدر على صحبة أهل عين اليقين وحق اليقين حبسني عنهم حب الأوطان، ومرافقة النساء والولدان. فيقال له: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجر فيها إلى من يخلصك من الحجاب، وينفي عنك الشك والارتياب؟ فلا جرم أن مأواه سجن الأكوان، وحرمان الشهود والعيان، إلا من أقر بوجود ضعفه، واضطر إلى مولاه في تخليصه من نفسه، فعسى ربه أن يعطف عليه، فيوصله إلى عارف من أوليائه، حتى يلتحق بأحبابه وأصفيائه، وما ذلك على الله بعزيز.
النساء 4:100
قلت: المراغم: المهرب والمذهب. قاله في القاموس. وقال البيضاوي: يجد متحولا، من الرغام وهو التراب. وقيل: طريقا يراغم قومه بسلوكه فيها، أي: يفارقهم على رغم أنوفهم، وهو أيضا من الرغام. يقول الحق جل جلاله: { ومن يهاجر في سبيل الله } لإعلاء كلمة الله وإقامة دينه، { يجد في الأرض } فضاء كثيرا، ومتحولا كبيرا يتحول إليه، وسعة بدلا من ضيق ما كان فيه، من قهر العدو ومنعه من إظهار دينه، أو سعة في الرزق، وبسطا في المعيشة، فلا عذر له في المقام في مكان مضيق عليه فيه في أمر دينه، { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله } وجهاد في سبيله، { ثم يدركه الموت } قبل وصوله فقد ثبت أجره، ووجب على الله وجوب امتنان أن يبلغه قصده بعد موته، { وكان الله غفورا } لما سلف له من عدم المبادرة، { رحيما } به، حيث بلغه مأموله. نزلت في جندع بن ضمرة، وكان شيخا كبيرا مريضا، فلما سمع ما نزل في شأن الهجرة قال: والله ما أنا ممن استثنى الله، ولي مال يبلغني المدينة، والله لا أبيت الليلة بمكة، اخرجوا بي، فخرجوا به على سريره حتى أتوا به التنعيم، فأدركه الموت بها، فصفق بيمينه على شماله، وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، فمات حميدا. فقال الصحابة: لو وافى المدينة، كان أتم أجرا، وضحك المشركون، وقالوا: ما أدرك ما طلب. فنزلت: { ومن يخرج من بيته... } الخ. وقيل: نزلت في خالد بن حزام، فإنه هاجر إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق، فمات قبل أن يصل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ومن يهاجر من وطن حظوظه وهواه، طلبا للوصول إلى حضرة مولاه، يجد في أرض نفسه متسعا للعلوم، ومفتاحا لمخازن الفهوم، وسعة الفضاء والشهود، حتى ينطوي في عين بصيرته كل موجود، ويتحقق بشهود واجب الوجود. ومن يخرج من بيت نفسه وسجن هيكله إلى طلب الوصول إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت قبل التمكين، فقد وقع أجره على الله، وبلغه الله ما كان قصده وتمناه، فيحشر مع الصديقين أهل الرسوخ والتمكين، التي تلي درجتهم درجة النبيين، وكذلك من مات في طلب العلم الظاهر ولم يدركه في حياته، حشر مع العلماء، قال عليه الصلاة والسلام :
" من جاءه أجله وهو يطلب العلم لم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة واحدة "
قلت: وهذه الدرجة التي بينه وبين النبوة هي درجة الصديقين المتقدمة قبله. وكل من مات في طلب شيء من الخير، أدركه بعد موته بحسن نيته، كما في الأحاديث النبوية، قال القشيري: المهاجر في الحقيقة، من هاجر نفسه وهواه، ولا يصح ذلك إلا بانسلاخه عن جميع مراداته وقصوده، فمن قصده أي قصد الحق تعالى ثم أدركه الأجل قبل وصوله، فلا ينزل إلا بساحات وصله، ولا يكون محط رفقته إلا مكان قربه. ه. وفي بعض الآثار: الهجرة هجرتان: هجرة صغرى، وهجرة كبرى، فالصغرى: انتقال الأجسام من وطن غير مرضي إلى وطن مرضي، والكبرى: انتقال النفوس من مألوفاتها وحظوظها إلى معرفة ربها وحقوقها. ه.
النساء 4:101
يقول الحق جل جلاله: { وإذا ضربتم في الأرض } ، أي: سافرتم للجهاد أو غيره من السفر المباح، أو المطلوب، { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } الرباعية إلى ركعتين، ونفي الجناح يقتضي أنها رخصة، وبه قال الشافعي، ويؤيده أنه عليه الصلاة والسلام أتم في السفر وأن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله قصرت وأتممت، وصمت وأفطرت؟ فقال
" أحسنت يا عائشة "
وأوجبه أبو حنيفة لقول عمر رضي الله عنه: السفر ركعتان تمام غير قصر، على لسان نبيكم. ولقول عائشة: أول ما فرضت الصلاة ركعتان، فأقرت صلاة السفر، وزيدت في الحضر. وقال مالك رضي الله عنه: القصر سنة لكونه عليه الصلاة والسلام دام عليه في كل سفر، ولم يتم إلا مرة لبيان الجواز. وقوله تعالى: { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } طاهره أن الخوف شرط في القصر، وبه قالت عائشة وعثمان رضي الله عنهما ، والجمهور على عدم شرطه، وإنما ذكره الحق تعالى لكونه غالبا في ذلك الوقت، فلا يعتبر مفهومه، أو يؤخذ القصر في الأمن من السنة. ويؤيد هذا حديث يعلى بن أمية، قلت لعمر بن الخطاب: إن الله يقول: { إن خفتم } ، وقد أمن الناس؟. فقال: عجبت مما تعجبت منه. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
" صدقة تصدق به الله عليكم، فاقبلوا صدقته "
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة وهو آمن. وليس في الآية ما يدل على تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة، بل ذكر مطلق السفر، ولذلك أجاز الظاهرية القصر في كل سفر، طال أو قصر. ومذهب مالك والشافعي: أن المسافة أربعة برد، واحتجوا بآثار عن ابن عمر وابن عباس. وقال أبو حنيفة: ستة برد، وكذلك لم يقيد الحق السفر بمباح ولا غيره، ولذلك أجاز أبو حنيفة القصر في كل سفر. ومنعه مالك في سفر المعصية. ومنعه ابن حنبل في المعصية والمباح. والمراد بالفتنة في قوله: { إن خفتم أن يفتنكم }: الجهاد والتعرض لما يكره، وعداوة الكفار معلومة. الإشارة: وإذا ضربتم في ميادين النفوس، وتحقق سيركم إلى حضرة القدوس، فلا جناح عليكم أن تقتصروا على المهم من الصلاة الحسية، وتدوموا على الصلاة القلبية، التي هي العكوف في الحضرة القدسية، إن خفتم أن تشغلكم عن الشهود حلاوة المعاملة الحسية. قال بعض العارفين: اتقوا حلاوة المعاملة، فإنها سموم قاتلة. وكذلك قال القطب بن مشيش في المقامات كالرضا، والتسليم: أخاف أن تشغلني حلاوتها عن الله. والله تعالى أعلم.
النساء 4:102
يقول الحق جل جلاله: { وإذا كنت فيهم } أيه الرسول { فأقمت لهم الصلاة } ، أي: صلاة الخوف، وكذلك الأمراء النائبون عنه، { فلتقم طائفة منهم معك } ، وطائفة تقف وجاه العدو للحراسه، { وليأخذوا أسلحتهم } أي: المصلون معك، { فإذا سجدوا فليكونوا } أي: الطائفة الحارسة { من ورائكم } فإذا صلت نصف الصلاة مع الإمام، قضت في صلبه ما بقي لها وذهبت تحرس. { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } النصف الباقي، فإذا سلمت، قضوا ما بقي لهم، فإذا كانت ثنائية: صلى بالأولى ركعة، وثبت قائما ساكتا أو قارئا، ثم تصلي من صلت معه ركعة وتسلم، وتأتي الثانية فتكبر، فيصلي بها ركعة ويسلم وتقضي ركعة. واذا كانت رباعية، أو ثلاثية صلى بالأولى ركعتين، ثم تقوم الأولى فتصلي ما بقي لها وتسلم وتأتي الثانية فتكبر وتصلي معه ما بقي له، ثم تقضي ما بقي لها، هكذا قاله مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يصلي بالأولى ركعة، ثم تتأخر وهي في الصلاة، وتأتي الثانية فيصلي بها ركعة، فإذا سلم ذهبت مكان الأولى قبل سلامها، فتأتي الأولى فتصلي ركعة ثم تسلم، وتأتي الثانية فتصلي ركعية ثم تسلم. وفي صلاة الخوف عشرة أقوال على حسب الأحاديث النبوية، لأنها تعددت منه صلى الله عليه وسلم، فكل واحد أخذ بحديث، وما قاله مالك والشافعي هو الذي فعله عليه الصلاة والسلام في غزوة ذات الرقاع. ثم أمر الطائفة الحارسة بأخذ السلاح، والحذر من العدو فقال: { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } ، ثم ذكر علة الحذر فقال: { ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة } أي: تمنوا أن ينالوا منكم غرة، فيشدون عليكم شدة واحدة فيستأصلونكم. روي أن المشركين لما رأوا المسلمين صلوا صلاة الظهر ندموا أن لو كانوا أغاروا عليهم في الصلاة، ثم قالوا: دعوهم فإن لهم صلاة هي إليهم أحب من آبائهم وأبنائهم يعنون صلاة العصر، فلما قام النبي عليه الصلاة والسلام لصلاة العصر نزل جبريل بصلاة الخوف. ثم رخص لهم في وضع السلاح، لعذر فقال: { ولا جناح عليكم } أي: لا إثم { إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم } منهم بالحراسة. روي أنها نزلت في عبد الرحمن بن عوف، مرض فوضع سلاحه، فعنفه أصحابه، فنزلت الآية. ثم هون شأن الكفار بعد أن أمر بالحذر منهم فقال: { إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } في الدنيا والآخرة. قال البيضاوي: وعد المؤمنين بالنصرة على الكفار، بعد الأمر بالحذر، ليقوي قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل إن الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبير.
ه. الإشارة: إذا كنت في جند الأنوار، وأحدقت بك حضرة الأسرار، ثم نزلت إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ فلتقم طائفة من تلك الأنوار معك، لتحرسك من جيش الأغيار وجند الأكدار، حتى يكون رجوعك إلى الآثار مصحوبا بكسوة الأنوار وحليلة الاستبصار، فيكون رجوعك إليها بالله لا بنفسك، فإذا سجد القلب في الحضرة كانت تلك الأنوار من ورائه والأسرار من أمامه،
والله من ورآئهم محيط
[البروج:20]، ولتأت طائفة أخرى لم تصل هذه الصلاة لأنها لم تبلغ هذا المقام، فلتصل معك اقتباسا لأنوارك، لكن تأخذ حذرها وتستعد من خواطر الأشغال، كي لا تميل عليهم فتفتنهم عن الحضور مع الكبير المتعال، فإن كان مريض القلب بالهوى وسائر العلل، فلا يكلف من الحضور إلا ما يطيقه، لأن القط لا يكلف بحمل الجمل. والله تعالى أعلم.
النساء 4:103
يقول الحق جل جلاله: فإذا فرغتم من الصلاة { فاذكروا الله } في جميع أحوالكم { قياما وقعودا وعلى جنوبكم } إن أردتم حراسة قلوبكم، والنصر على عدوكم، أو إذا أردتم قضاء الصلوات وأداء فرضها، وأنتم في المعركة، فصلوا كما أمكنكم { قياما } راجلين أو على خيولكم إيماء، وحل للضرورة حينئذ مشى وركض وطعن وعدم توجه وإمساك ملطخ، وتنبيه وتحذير، هذا للصحيح، { وقعودا وعلى جنوبكم } ، للمريض أو الجريح، هكذا قال جمهور الفقهاء في صلاة المسايفة وقال أبو حنيفة: لا يصلي المحارب حتى يطمئن. { فإذا اطمأننتم } وذهب الخوف عنكم { فأقيموا الصلاة } على هيأتها المعلومة، واحفظوا أركانها وشروطها، وأتوا بها تامة، { إن الصلاة كانت المؤمنين كتابا موقوتا } أي: فرضا محدود الأوقات، لا يجوز إخراجها عن وقتها في شيء من الأحوال. قال البيضاوي: وهذا دليل على أن المراد بالذكر الصلاة، وأنها واجبة الأداء، حال المسايفة، والاضطراب في المعركة، وتعليل للأمر بالإتيان بها، كيف أمكن. الإشارة: إذا فرغتم من الصلاة الحسية، فاستغرقوا أحواكم في الصلاة القلبية، حتى تطمئن قلوبكم في الحضرة القدسية، فإذا اطمأننتم في الحضرة، فأقيموا صلاة الشهود والنظرة، وهي الصلاة الدائمة، قال تعالى:
الذين هم على صلاتهم دآئمون
[المعارج:23]. وقال الورتجبي: إذا كنتم في حالة التمكين وامتلأتم من أنوار ذكره، فينبغي أن تخرجوا من أبواب الرخص، والاستراحة في سعة الروح، وترجعوا إلى مقام الصلاة، فإن آخر سيركم في ربوبيتي: أول بدايتكم في عبوديتي. ه.
النساء 4:104
قلت: الوهن: الفشل والضعف. يقول الحق جل جلاله: لا تضعفوا في طلب { القوم } ، أي: الكفار، فتجاهدوهم في سبيل الله، فإن الحرب دائرة بينهم وبينكم، قد أصابهم مثل ما أصابكم، فإن { تكونوا تألمون } ، أي: تتوجعون من الجراح، { فإنهم يألمون كما تألمون } ، وأنتم ترجون من الله النصر والعز في الدنيا، والدرجات العلا في الآخرة، وهم لا يرجون ذلك، فحقكم أن تكونوا أصبر وأرغب في الجهاد منهم، { وكان الله عليما } بأعمالكم وضمائركم، { حكيما } فيما يأمركم به وينهاكم. الإشارة: لا تهنوا عن طلب الظفر بنفوسكم، ولا تفشلوا عن السير الى حضرة ربكم، فإن كنتم تألمون حال محاربتها ومخالفة شهواتها، فإنها تألم مثلكم، ما دامت لم ترتض في حضرة ربكم، فإذا ارتاضت وتحلت صار المر عندها حلوا، وذلك إنما يكون بعد موتها وحياتها، فدوموا على سياستها ورياضتها، فإنكم ترجون من الله الوصول، وبلوغ المأمول، وهي ترجو الرجوع إلى المألوفات وركوب العادات، فاعكسوا مراداتها، حتى تطمئن في حضرة ربها، فتأمن غوائلها، فليس بعد الوصول رجوع، ولا إلى العوائد نزوع، والله غالب على أمره.
النساء 4:105
قلت: أرى، هنا عرفانية، لا علمية. فلذلك لم تتعد إلى ثلاثة. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام حين هم أن يخاصم عن طعمة بن أبيرق، وذلك أنه سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان، في جراب دقيق، فجعل الدقيق يسقط من خرق فيه، وخبأها عند يهودي، فالتمس الدرع عند طعمة، فلم توجد، وحلف ما أخذها، وما له بها علم، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال اليهودوي: دفعها إلي طعمة، وشهد له ناس، من اليهود، فقال رهط طعمة من بني ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله أن يجادل عن صاحبنا، وقالوا: إن لم يفعل هلك وأفتضح، وبرىء اليهودي، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمادا على ظاهر الأمر، ولم يكن له علم بالواقعة، فنزلت الآية: { إنا أنزلنا إليكم الكتاب بالحق } أي: ملتبسا بالحق { لتحكم } بما فيه من الحق { بين الناس } بسبب ما { أراك } أي: عرفك { الله } بالوحي، أو بالاجتهاد، ففيه دليل على إثبات القياس، وبه قال الجمهور. وفي اجتهاد الأنبياء خلاف. { ولا تكن للخائنين خصيما } أي: عنهم للبرآء، أو لأجلهم والذب عنهم. { واستغفر الله } مما هممت به، { إن الله كان غفورا رحيما } ، وفيه دليل على منع الوكالة عن الذمي، وبه قال ابن شعبان. وقال ابن عات: لعله أراد الندب. وقال مالك بن دينار: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة. والوكالة من الأمانة، والمصطفى عليه الصلاة والسلام لم يقصد شيئا من ذلك، ولا علم له بالواقعة، لولا أطلعه تعالى، فلا نقص في اهتمامه، ولا درك يلحقه. وبالجملة، فالآية خرجت مخرج التعريف بحقيقة الأمر في النازلة. ثم نهاه عن الذب عنهم، فقال: { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } وهم رهط بن أبيرق السارق، قال السهيلي: هم بشر وبشير ومبشر وأسير، { إن الله لا يحب من كان خوانا } أي: كثير الخيانة، { أثيما } أي: مصرا عليها، روي أن طعمة هرب إلى مكة، وارتد، ونقب حائطا بها ليسرق أهله، فسقط الحائط عليه فقتله، ويستفاد من الآية امتناع الجدال عمن علمت خيانته بالأحرى، أو كان مظنة الخيانة، كالكافر ونحوه. وكذا قال ابن العربي في أحكام القرآن في هذه الآية: إن النيابة عن المبطل المتهم في الخصومة لا تجوز، بدليل الآية. ه. ثم فضح سرهم، فقال: { يستخفون من الناس } أي: يستترون منهم، { ولا يستخفون من الله } وهو أحق أن يستحيا منه ويخاف { وهو معهم } لا يخفى عليه شيء، فلا طرق للنجاة إلا ترك ما يستقبح، ويؤاخذ عليه سرا وجهرا. { إذ يبيتون } أي: يدبرون ويزورون { ما لا يرضى من القول } من رمي البريء، والحلف الكاذب، وشهادة الزور، { وكان الله بما يعملون محيطا } لا يفوته شيء، { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا } ودفعتم عنهم المعرة، { فمن يجادل الله عنهم } أي: من يدافع عنهم عذابه { يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا } يحميهم من عقاب الله، حين تفضح السرائر، ولا تنفع الأصحاب ولا العشائر.
الإشارة: في الآية عتاب للقضاة والولاة إذا ظهرت صورة الحق بأمارات وقرائن، ثم تجمدوا على ظاهر الشريعة، حمية أو رشوة، فإن القضاء جلة فراسة، وفيها عتاب لشيوخ التربية، إذا ظهر لهم عيب في المريد ستروه عليه حياء أو شفقة، ولذلك قالوا: شيخ التربية لا تليق به الشفقة، غير أنه لا يعين، بل يذكر في الجملة، وصاحب العيب يفهم نفسه، وفيها عتاب للفقراء إذا راقبوا الناس، وأظهروا لهم ما يحبون، وأخفوا عنهم ما لا يرضون، لقوله سبحانه : { يستخفون من الناس... } الآية، بل ينبغي أن يكونوا بالعكس من هذا، قال بعضهم: إن الذين تكرهون مني، هو الذي يشتهيه قلبي. والله تعالى أعلم.
النساء 4:106
قلت: أرى، هنا عرفانية، لا علمية. فلذلك لم تتعد إلى ثلاثة. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام حين هم أن يخاصم عن طعمة بن أبيرق، وذلك أنه سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان، في جراب دقيق، فجعل الدقيق يسقط من خرق فيه، وخبأها عند يهودي، فالتمس الدرع عند طعمة، فلم توجد، وحلف ما أخذها، وما له بها علم، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال اليهودوي: دفعها إلي طعمة، وشهد له ناس، من اليهود، فقال رهط طعمة من بني ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله أن يجادل عن صاحبنا، وقالوا: إن لم يفعل هلك وأفتضح، وبرىء اليهودي، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمادا على ظاهر الأمر، ولم يكن له علم بالواقعة، فنزلت الآية: { إنا أنزلنا إليكم الكتاب بالحق } أي: ملتبسا بالحق { لتحكم } بما فيه من الحق { بين الناس } بسبب ما { أراك } أي: عرفك { الله } بالوحي، أو بالاجتهاد، ففيه دليل على إثبات القياس، وبه قال الجمهور. وفي اجتهاد الأنبياء خلاف. { ولا تكن للخائنين خصيما } أي: عنهم للبرآء، أو لأجلهم والذب عنهم. { واستغفر الله } مما هممت به، { إن الله كان غفورا رحيما } ، وفيه دليل على منع الوكالة عن الذمي، وبه قال ابن شعبان. وقال ابن عات: لعله أراد الندب. وقال مالك بن دينار: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة. والوكالة من الأمانة، والمصطفى عليه الصلاة والسلام لم يقصد شيئا من ذلك، ولا علم له بالواقعة، لولا أطلعه تعالى، فلا نقص في اهتمامه، ولا درك يلحقه. وبالجملة، فالآية خرجت مخرج التعريف بحقيقة الأمر في النازلة. ثم نهاه عن الذب عنهم، فقال: { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } وهم رهط بن أبيرق السارق، قال السهيلي: هم بشر وبشير ومبشر وأسير، { إن الله لا يحب من كان خوانا } أي: كثير الخيانة، { أثيما } أي: مصرا عليها، روي أن طعمة هرب إلى مكة، وارتد، ونقب حائطا بها ليسرق أهله، فسقط الحائط عليه فقتله، ويستفاد من الآية امتناع الجدال عمن علمت خيانته بالأحرى، أو كان مظنة الخيانة، كالكافر ونحوه. وكذا قال ابن العربي في أحكام القرآن في هذه الآية: إن النيابة عن المبطل المتهم في الخصومة لا تجوز، بدليل الآية. ه. ثم فضح سرهم، فقال: { يستخفون من الناس } أي: يستترون منهم، { ولا يستخفون من الله } وهو أحق أن يستحيا منه ويخاف { وهو معهم } لا يخفى عليه شيء، فلا طرق للنجاة إلا ترك ما يستقبح، ويؤاخذ عليه سرا وجهرا. { إذ يبيتون } أي: يدبرون ويزورون { ما لا يرضى من القول } من رمي البريء، والحلف الكاذب، وشهادة الزور، { وكان الله بما يعملون محيطا } لا يفوته شيء، { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا } ودفعتم عنهم المعرة، { فمن يجادل الله عنهم } أي: من يدافع عنهم عذابه { يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا } يحميهم من عقاب الله، حين تفضح السرائر، ولا تنفع الأصحاب ولا العشائر.
الإشارة: في الآية عتاب للقضاة والولاة إذا ظهرت صورة الحق بأمارات وقرائن، ثم تجمدوا على ظاهر الشريعة، حمية أو رشوة، فإن القضاء جلة فراسة، وفيها عتاب لشيوخ التربية، إذا ظهر لهم عيب في المريد ستروه عليه حياء أو شفقة، ولذلك قالوا: شيخ التربية لا تليق به الشفقة، غير أنه لا يعين، بل يذكر في الجملة، وصاحب العيب يفهم نفسه، وفيها عتاب للفقراء إذا راقبوا الناس، وأظهروا لهم ما يحبون، وأخفوا عنهم ما لا يرضون، لقوله سبحانه : { يستخفون من الناس... } الآية، بل ينبغي أن يكونوا بالعكس من هذا، قال بعضهم: إن الذين تكرهون مني، هو الذي يشتهيه قلبي. والله تعالى أعلم.
النساء 4:107
قلت: أرى، هنا عرفانية، لا علمية. فلذلك لم تتعد إلى ثلاثة. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام حين هم أن يخاصم عن طعمة بن أبيرق، وذلك أنه سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان، في جراب دقيق، فجعل الدقيق يسقط من خرق فيه، وخبأها عند يهودي، فالتمس الدرع عند طعمة، فلم توجد، وحلف ما أخذها، وما له بها علم، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال اليهودوي: دفعها إلي طعمة، وشهد له ناس، من اليهود، فقال رهط طعمة من بني ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله أن يجادل عن صاحبنا، وقالوا: إن لم يفعل هلك وأفتضح، وبرىء اليهودي، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمادا على ظاهر الأمر، ولم يكن له علم بالواقعة، فنزلت الآية: { إنا أنزلنا إليكم الكتاب بالحق } أي: ملتبسا بالحق { لتحكم } بما فيه من الحق { بين الناس } بسبب ما { أراك } أي: عرفك { الله } بالوحي، أو بالاجتهاد، ففيه دليل على إثبات القياس، وبه قال الجمهور. وفي اجتهاد الأنبياء خلاف. { ولا تكن للخائنين خصيما } أي: عنهم للبرآء، أو لأجلهم والذب عنهم. { واستغفر الله } مما هممت به، { إن الله كان غفورا رحيما } ، وفيه دليل على منع الوكالة عن الذمي، وبه قال ابن شعبان. وقال ابن عات: لعله أراد الندب. وقال مالك بن دينار: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة. والوكالة من الأمانة، والمصطفى عليه الصلاة والسلام لم يقصد شيئا من ذلك، ولا علم له بالواقعة، لولا أطلعه تعالى، فلا نقص في اهتمامه، ولا درك يلحقه. وبالجملة، فالآية خرجت مخرج التعريف بحقيقة الأمر في النازلة. ثم نهاه عن الذب عنهم، فقال: { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } وهم رهط بن أبيرق السارق، قال السهيلي: هم بشر وبشير ومبشر وأسير، { إن الله لا يحب من كان خوانا } أي: كثير الخيانة، { أثيما } أي: مصرا عليها، روي أن طعمة هرب إلى مكة، وارتد، ونقب حائطا بها ليسرق أهله، فسقط الحائط عليه فقتله، ويستفاد من الآية امتناع الجدال عمن علمت خيانته بالأحرى، أو كان مظنة الخيانة، كالكافر ونحوه. وكذا قال ابن العربي في أحكام القرآن في هذه الآية: إن النيابة عن المبطل المتهم في الخصومة لا تجوز، بدليل الآية. ه. ثم فضح سرهم، فقال: { يستخفون من الناس } أي: يستترون منهم، { ولا يستخفون من الله } وهو أحق أن يستحيا منه ويخاف { وهو معهم } لا يخفى عليه شيء، فلا طرق للنجاة إلا ترك ما يستقبح، ويؤاخذ عليه سرا وجهرا. { إذ يبيتون } أي: يدبرون ويزورون { ما لا يرضى من القول } من رمي البريء، والحلف الكاذب، وشهادة الزور، { وكان الله بما يعملون محيطا } لا يفوته شيء، { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا } ودفعتم عنهم المعرة، { فمن يجادل الله عنهم } أي: من يدافع عنهم عذابه { يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا } يحميهم من عقاب الله، حين تفضح السرائر، ولا تنفع الأصحاب ولا العشائر.
الإشارة: في الآية عتاب للقضاة والولاة إذا ظهرت صورة الحق بأمارات وقرائن، ثم تجمدوا على ظاهر الشريعة، حمية أو رشوة، فإن القضاء جلة فراسة، وفيها عتاب لشيوخ التربية، إذا ظهر لهم عيب في المريد ستروه عليه حياء أو شفقة، ولذلك قالوا: شيخ التربية لا تليق به الشفقة، غير أنه لا يعين، بل يذكر في الجملة، وصاحب العيب يفهم نفسه، وفيها عتاب للفقراء إذا راقبوا الناس، وأظهروا لهم ما يحبون، وأخفوا عنهم ما لا يرضون، لقوله سبحانه : { يستخفون من الناس... } الآية، بل ينبغي أن يكونوا بالعكس من هذا، قال بعضهم: إن الذين تكرهون مني، هو الذي يشتهيه قلبي. والله تعالى أعلم.
النساء 4:108
قلت: أرى، هنا عرفانية، لا علمية. فلذلك لم تتعد إلى ثلاثة. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام حين هم أن يخاصم عن طعمة بن أبيرق، وذلك أنه سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان، في جراب دقيق، فجعل الدقيق يسقط من خرق فيه، وخبأها عند يهودي، فالتمس الدرع عند طعمة، فلم توجد، وحلف ما أخذها، وما له بها علم، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال اليهودوي: دفعها إلي طعمة، وشهد له ناس، من اليهود، فقال رهط طعمة من بني ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله أن يجادل عن صاحبنا، وقالوا: إن لم يفعل هلك وأفتضح، وبرىء اليهودي، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمادا على ظاهر الأمر، ولم يكن له علم بالواقعة، فنزلت الآية: { إنا أنزلنا إليكم الكتاب بالحق } أي: ملتبسا بالحق { لتحكم } بما فيه من الحق { بين الناس } بسبب ما { أراك } أي: عرفك { الله } بالوحي، أو بالاجتهاد، ففيه دليل على إثبات القياس، وبه قال الجمهور. وفي اجتهاد الأنبياء خلاف. { ولا تكن للخائنين خصيما } أي: عنهم للبرآء، أو لأجلهم والذب عنهم. { واستغفر الله } مما هممت به، { إن الله كان غفورا رحيما } ، وفيه دليل على منع الوكالة عن الذمي، وبه قال ابن شعبان. وقال ابن عات: لعله أراد الندب. وقال مالك بن دينار: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة. والوكالة من الأمانة، والمصطفى عليه الصلاة والسلام لم يقصد شيئا من ذلك، ولا علم له بالواقعة، لولا أطلعه تعالى، فلا نقص في اهتمامه، ولا درك يلحقه. وبالجملة، فالآية خرجت مخرج التعريف بحقيقة الأمر في النازلة. ثم نهاه عن الذب عنهم، فقال: { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } وهم رهط بن أبيرق السارق، قال السهيلي: هم بشر وبشير ومبشر وأسير، { إن الله لا يحب من كان خوانا } أي: كثير الخيانة، { أثيما } أي: مصرا عليها، روي أن طعمة هرب إلى مكة، وارتد، ونقب حائطا بها ليسرق أهله، فسقط الحائط عليه فقتله، ويستفاد من الآية امتناع الجدال عمن علمت خيانته بالأحرى، أو كان مظنة الخيانة، كالكافر ونحوه. وكذا قال ابن العربي في أحكام القرآن في هذه الآية: إن النيابة عن المبطل المتهم في الخصومة لا تجوز، بدليل الآية. ه. ثم فضح سرهم، فقال: { يستخفون من الناس } أي: يستترون منهم، { ولا يستخفون من الله } وهو أحق أن يستحيا منه ويخاف { وهو معهم } لا يخفى عليه شيء، فلا طرق للنجاة إلا ترك ما يستقبح، ويؤاخذ عليه سرا وجهرا. { إذ يبيتون } أي: يدبرون ويزورون { ما لا يرضى من القول } من رمي البريء، والحلف الكاذب، وشهادة الزور، { وكان الله بما يعملون محيطا } لا يفوته شيء، { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا } ودفعتم عنهم المعرة، { فمن يجادل الله عنهم } أي: من يدافع عنهم عذابه { يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا } يحميهم من عقاب الله، حين تفضح السرائر، ولا تنفع الأصحاب ولا العشائر.
الإشارة: في الآية عتاب للقضاة والولاة إذا ظهرت صورة الحق بأمارات وقرائن، ثم تجمدوا على ظاهر الشريعة، حمية أو رشوة، فإن القضاء جلة فراسة، وفيها عتاب لشيوخ التربية، إذا ظهر لهم عيب في المريد ستروه عليه حياء أو شفقة، ولذلك قالوا: شيخ التربية لا تليق به الشفقة، غير أنه لا يعين، بل يذكر في الجملة، وصاحب العيب يفهم نفسه، وفيها عتاب للفقراء إذا راقبوا الناس، وأظهروا لهم ما يحبون، وأخفوا عنهم ما لا يرضون، لقوله سبحانه : { يستخفون من الناس... } الآية، بل ينبغي أن يكونوا بالعكس من هذا، قال بعضهم: إن الذين تكرهون مني، هو الذي يشتهيه قلبي. والله تعالى أعلم.
النساء 4:109
قلت: أرى، هنا عرفانية، لا علمية. فلذلك لم تتعد إلى ثلاثة. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام حين هم أن يخاصم عن طعمة بن أبيرق، وذلك أنه سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان، في جراب دقيق، فجعل الدقيق يسقط من خرق فيه، وخبأها عند يهودي، فالتمس الدرع عند طعمة، فلم توجد، وحلف ما أخذها، وما له بها علم، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال اليهودوي: دفعها إلي طعمة، وشهد له ناس، من اليهود، فقال رهط طعمة من بني ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله أن يجادل عن صاحبنا، وقالوا: إن لم يفعل هلك وأفتضح، وبرىء اليهودي، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمادا على ظاهر الأمر، ولم يكن له علم بالواقعة، فنزلت الآية: { إنا أنزلنا إليكم الكتاب بالحق } أي: ملتبسا بالحق { لتحكم } بما فيه من الحق { بين الناس } بسبب ما { أراك } أي: عرفك { الله } بالوحي، أو بالاجتهاد، ففيه دليل على إثبات القياس، وبه قال الجمهور. وفي اجتهاد الأنبياء خلاف. { ولا تكن للخائنين خصيما } أي: عنهم للبرآء، أو لأجلهم والذب عنهم. { واستغفر الله } مما هممت به، { إن الله كان غفورا رحيما } ، وفيه دليل على منع الوكالة عن الذمي، وبه قال ابن شعبان. وقال ابن عات: لعله أراد الندب. وقال مالك بن دينار: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة. والوكالة من الأمانة، والمصطفى عليه الصلاة والسلام لم يقصد شيئا من ذلك، ولا علم له بالواقعة، لولا أطلعه تعالى، فلا نقص في اهتمامه، ولا درك يلحقه. وبالجملة، فالآية خرجت مخرج التعريف بحقيقة الأمر في النازلة. ثم نهاه عن الذب عنهم، فقال: { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } وهم رهط بن أبيرق السارق، قال السهيلي: هم بشر وبشير ومبشر وأسير، { إن الله لا يحب من كان خوانا } أي: كثير الخيانة، { أثيما } أي: مصرا عليها، روي أن طعمة هرب إلى مكة، وارتد، ونقب حائطا بها ليسرق أهله، فسقط الحائط عليه فقتله، ويستفاد من الآية امتناع الجدال عمن علمت خيانته بالأحرى، أو كان مظنة الخيانة، كالكافر ونحوه. وكذا قال ابن العربي في أحكام القرآن في هذه الآية: إن النيابة عن المبطل المتهم في الخصومة لا تجوز، بدليل الآية. ه. ثم فضح سرهم، فقال: { يستخفون من الناس } أي: يستترون منهم، { ولا يستخفون من الله } وهو أحق أن يستحيا منه ويخاف { وهو معهم } لا يخفى عليه شيء، فلا طرق للنجاة إلا ترك ما يستقبح، ويؤاخذ عليه سرا وجهرا. { إذ يبيتون } أي: يدبرون ويزورون { ما لا يرضى من القول } من رمي البريء، والحلف الكاذب، وشهادة الزور، { وكان الله بما يعملون محيطا } لا يفوته شيء، { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا } ودفعتم عنهم المعرة، { فمن يجادل الله عنهم } أي: من يدافع عنهم عذابه { يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا } يحميهم من عقاب الله، حين تفضح السرائر، ولا تنفع الأصحاب ولا العشائر.
الإشارة: في الآية عتاب للقضاة والولاة إذا ظهرت صورة الحق بأمارات وقرائن، ثم تجمدوا على ظاهر الشريعة، حمية أو رشوة، فإن القضاء جلة فراسة، وفيها عتاب لشيوخ التربية، إذا ظهر لهم عيب في المريد ستروه عليه حياء أو شفقة، ولذلك قالوا: شيخ التربية لا تليق به الشفقة، غير أنه لا يعين، بل يذكر في الجملة، وصاحب العيب يفهم نفسه، وفيها عتاب للفقراء إذا راقبوا الناس، وأظهروا لهم ما يحبون، وأخفوا عنهم ما لا يرضون، لقوله سبحانه : { يستخفون من الناس... } الآية، بل ينبغي أن يكونوا بالعكس من هذا، قال بعضهم: إن الذين تكرهون مني، هو الذي يشتهيه قلبي. والله تعالى أعلم.
النساء 4:110
يقول الحق جل جلاله: { ومن يعمل سوءا } أي: ذنبا قبيحا يسوء به غيره، { أو يظلم نفسه } بذنب يختص به، أو من يعمل سوءا بذنب غير الشرك، أو يظلم نفسه بالشرك، أو من يعمل سوءا بالكبيرة، أو يظلم نفسه بالصغيرة، { ثم يستغفر الله } بالتوبة { يجد الله غفورا } لذنوبه { رحيما } بقبول توبته، وفيه حث لطعمة وقومه على التوبة والاستغفار. الإشارة: ومن يعمل سوءا بالميل إلى الهوى، أو يظلم نفسه بالالتفات إلى السوى، أو من يعمل سوءا بالهفوات والخطرات، أو يظلم نفسه بالغفلات والفترات، أو من يعمل سوءا بالوقوف مع الكرامات وحلاوة الطاعات، أو يظلم نفسه بالقناعة من الترقي في الدرجات والمقامات، ثم يستغفر الله من حينه يجد الله غفورا رحيما، حيث لم يخرجه من حضرته، ولم يتركه مع غفلته.
النساء 4:111
يقول الحق جل جلاله: { ومن يكسب إثما } كسرقة أو يمين فاجرة، أو رمى غيره بجريمة، { فإنما يكسبه على نفسه } لا يتعدى ضررها إلى غيره، { وكان الله عليما } بسرائر عباده { حكيما } في إمهالهم وسترهم، { ومن يكسب خطيئة } أي: جريمة تتعدى إلى ضرر غيره، { أو إثما } يختص بنفسه، { ثم يرم به بريئا } منه، كما رمى طعمة زيدا اليهودي، { فقد احتمل بهتانا } وهو أن يبهت الرجل بما لم يفعل، { وإثما مبينا } أي: ذنبا ظاهرا، لا يخفى قبحه وبشاعته. الإشارة: الإثم: ما حاك في الصدر وتلجلج فيه، ولم ينشرح إليه الصدر، وضده البر وهو ما ينشرح إليه الصدر ويطمئن إليه القلب، فكل من فعل شيئا قد تلجلج قلبه منه ولم يقبله نقص من نوره، وأظلم قلبه منه، وإليه الإشارة بقوله: { ومن يكسب إثما... } الآية، أي: فإنما يسود به نور نفسه وروحه، ومن تلبس بذنب أو عيب، ثم برح به غيره من باب سوء الظن { فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا } لأن الواجب على المريد السائر أن يشهد الصفاء من غيره، ويقصر النقص على نفسه، والواصل يرى الكمال في كل شيء لمعرفته في كل شيء. والله تعالى أعلم.
النساء 4:112
يقول الحق جل جلاله: { ومن يكسب إثما } كسرقة أو يمين فاجرة، أو رمى غيره بجريمة، { فإنما يكسبه على نفسه } لا يتعدى ضررها إلى غيره، { وكان الله عليما } بسرائر عباده { حكيما } في إمهالهم وسترهم، { ومن يكسب خطيئة } أي: جريمة تتعدى إلى ضرر غيره، { أو إثما } يختص بنفسه، { ثم يرم به بريئا } منه، كما رمى طعمة زيدا اليهودي، { فقد احتمل بهتانا } وهو أن يبهت الرجل بما لم يفعل، { وإثما مبينا } أي: ذنبا ظاهرا، لا يخفى قبحه وبشاعته. الإشارة: الإثم: ما حاك في الصدر وتلجلج فيه، ولم ينشرح إليه الصدر، وضده البر وهو ما ينشرح إليه الصدر ويطمئن إليه القلب، فكل من فعل شيئا قد تلجلج قلبه منه ولم يقبله نقص من نوره، وأظلم قلبه منه، وإليه الإشارة بقوله: { ومن يكسب إثما... } الآية، أي: فإنما يسود به نور نفسه وروحه، ومن تلبس بذنب أو عيب، ثم برح به غيره من باب سوء الظن { فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا } لأن الواجب على المريد السائر أن يشهد الصفاء من غيره، ويقصر النقص على نفسه، والواصل يرى الكمال في كل شيء لمعرفته في كل شيء. والله تعالى أعلم.
النساء 4:113
قلت: الجار في قوله: { من شيء } ، في موضع نصب على المصدر، أي: لا يضرونك شيئا من الضرر. يقول الحق جل جلاله: { ولولا فضل الله عليك } بالعصمة ورحمته بالعناية، { لهمت طائفة منهم } وهم رهط السارق { أن يضلوك } عن القضاء بالحق، مع علمهم بالقصة، لكن سبقت العناية، وحفت الرعاية، فلم تخرج من عين الهداية. وليس المراد نفي همهم لأنه وقع، إنما المراد نفي تأثيره فيه، { وما يضلون إلا أنفسهم } لعوده عليهم، { وما يضرونك من شيء } لأن الله عصمك، وما خطر ببالك من المجادلة عنهم، كان اعتمادا منك على ظاهر الأمر وإنما أمرت أن تحكم بالظواهر، والله يتولى السرائر. { وأنزل الله عليك الكتاب } أي: القرآن، { والحكمة } ما نطقت به من الحكم، { وعلمك ما لم تكن تعلم } من خفيات الأمور، التي لم تطلع عليها، أو من أمور الدين والأحكام، { وكان فضل الله عليك عظيما } ولا فضل أعظم من النبوة، لا سيما وقد فضله على كافة الخلق وأرسله إلى كافة الناس، وهدى الله على يديه ما لم يهد على يد أحد من الأنبياء قبله، إلى غير ذلك من الفضائل التي تفوت الحصر. الإشارة: لولا أن الله تفضل على أوليائه بسابق العناية، وحفت بهم منه الكلاءة والرعاية، لأضلتهم العموم عن عين التحقيق، ولأتلفتهم القواطع عن سلوك الطريق، لكن من سبقت له العناية لا يصيبه سهم الجناية، فثبت أقدامهم على سير الطريق، حتى أظهر لهم معالم التحقيق، فكشف عن قلوبهم رين الحجاب، حتى فهموا أسرار الكتاب، ونبع من قلوبهم ينابيع الحكم والأسرار، واطلعوا على علوم لم يحط بها كتاب ولا دفتر، فحازوا في الدارين خيرا جسيما، وكان فضل الله عليهم عظيما.
النساء 4:114
قلت: إن كان المراد بالنجوى الكلام الخفي فالاستثناء منقطع، وقد يكون متصلا على حذف مضاف أي: إلا نجوى من أمر... الخ، وإن كان المراد بالنجوى الجماعة المتناجين، بالاستثناء متصل. قاله ابن جزي. يقول الحق جل جلاله: محرضا على الصمت: { لا خير في كثير } مما يتناجون به في شأن السارق أو غيره، بل لا خير في الكلام بأسره { إلا من أمر بصدقة } واجبة أو تطوعية، فله مثل أجره، { أو معروف } وهو: ما يستحسنه الشرع، ويوافقه العقل، كالقرض، وإغاثة الملهوف، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وغير ذلك من أنواع المعروف. أو أمر بإصلاح { بين الناس } ، أي: إصلاحات ذات البين، كإصلاح بين طعمة واليهودي وغيرهما. قال مجاهد: هي عامة للناس، يريد أنه لا خير فيما يتناجى في الناس، ويخوضون فيه من الحديث، إلا ما كان من أعمال الخير. { ومن يفعل ذلك } أي: الصدقة، والمعروف والإصلاح، { ابتغاء مرضات الله } أي: مخلصا لله { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } وخيرا جسيما. قال البيضاوي: بنى الكلام على الأمر، ورتب الجزاء على الفعل، ليدل على أنه لما دخل الآمر في زمرة الخيرين كان الفاعل أدخل فيهم، وأن العمدة والغرض هو الفعل، واعتبار الأمر من حيث إنه وصلة إليه. وقيد الفعل بأن يكون لطلب مرضاة الله لأن الأعمال بالنيات، وإن من فعل خيرا رياء وسمعة، لم يستحق بها من الله أجرا، ووصف الأجر بالعظم تنبيها على حقارة ما فات في جنبه من أغراض الدنيا. ه. الإشارة: في الآية حث على الصمت، وهو ركن قوي في طريق التصوف، وهو أحد الأركان الأربعة التي هي: العزلة والجوع والسهر، فهذه طريق أهل البداية، ومن لا بداية له لا نهاية له، وقالوا: بقدر ما يصمت اللسان يعمر الجنان، وبقدر ما كان يتكلم اللسان يخرب الجنان. وقالوا أيضا: إذا كثر العلم قل الكلام، وإذا قل العلم كثر الكلام، وقالوا أيضا: من عرف الله كل لسانه. وقيل لبعض العلماء: هل العلم فيما سلف أكثر، أو اليوم أكثر؟ قال: العلم فيما سلف أكثر، والكلام اليوم أكثر. وفي قوله: { ومن يفعل ذلك... } إشارة إلى أن العمل أشرف من العلم بلا عمل. والله تعالى أعلم.
النساء 4:115
قلت: المشاقة: المخالفة والمباعدة، كأن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر. يقول الحق جل جلاله: { ومن } يخالف { الرسول } ويتباعد عنه { من بعد ما تبين له الهدى } أي: بعد ما تحقق أنه على الهدى بالوقوف على المعجزات، فيترك طريق الحق { ويتبع غير سبيل المؤمنين } أي: يسلك غير ما هم عليه، من اعتقاد أو عمل. { نوله ما تولى } أي: نتركه مع ما تولى، ونجعله وليا له، ونخلي بينه وبين ما اختاره من الضلالة، { ونصله جهنم } أي: ندخله فيها، ونشويه بها، { وساءت مصيرا } أي: قبحت مصيرا جهنم التي يصير إليها. والآية تدل على حرمة مخالفة الإجماع، لأن الله رتب الوعيد الشدد على مشاقة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين، وكل منهما محرم وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرما، كان اتباع سبيلهم واجبا، انظر البيضاوي. ثم نزل في طعمة لما ارتد مشركا: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقيل: كرر للتأكيد تقبيحا لشأن الشرك، وقيل: أتى شيخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أوقع المعاصي جرأة، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا، وإني لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله؟ فنزلت. { ومن يشرك بالله فقد ضل } عن الحق { ضلالا بعيدا } لإن الشرك أقبح أنواع الضلالة، وأبعدها عن الثواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى. { فقد افترى } لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم نوع افتراء، وهو دعوى الشيء على الله. قاله البيضاوي. الإشارة: كل من خالف شيخه، وسلك طريقا غير طريقة ولاه الله ما تولى، واستدرجه من حيث لا يشعر، وقد تؤخر العقوبة عنه فيقول: لو كان هذا فيه سوء أدب مع الله، لقطع الإمداد وأوجب البعاد، وقد يقطع عنه من حيث لا يشعر، ولو لم يكن إلا وتخليته وما يريد. وبالجملة: فالخروج عن مشايخ التربية والانتقال عنهم، ولو إلى من هو أكمل في زعمه، بعد ما ظهر له الفتح والهداية على يديه طرد وبعد، وإفساد لبذرة الإرادة، فلا نتيجة له أصلا. والله تعالى أعلم. وبالله التوفيق.
النساء 4:116
قلت: المشاقة: المخالفة والمباعدة، كأن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر. يقول الحق جل جلاله: { ومن } يخالف { الرسول } ويتباعد عنه { من بعد ما تبين له الهدى } أي: بعد ما تحقق أنه على الهدى بالوقوف على المعجزات، فيترك طريق الحق { ويتبع غير سبيل المؤمنين } أي: يسلك غير ما هم عليه، من اعتقاد أو عمل. { نوله ما تولى } أي: نتركه مع ما تولى، ونجعله وليا له، ونخلي بينه وبين ما اختاره من الضلالة، { ونصله جهنم } أي: ندخله فيها، ونشويه بها، { وساءت مصيرا } أي: قبحت مصيرا جهنم التي يصير إليها. والآية تدل على حرمة مخالفة الإجماع، لأن الله رتب الوعيد الشدد على مشاقة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين، وكل منهما محرم وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرما، كان اتباع سبيلهم واجبا، انظر البيضاوي. ثم نزل في طعمة لما ارتد مشركا: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقيل: كرر للتأكيد تقبيحا لشأن الشرك، وقيل: أتى شيخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أوقع المعاصي جرأة، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا، وإني لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله؟ فنزلت. { ومن يشرك بالله فقد ضل } عن الحق { ضلالا بعيدا } لإن الشرك أقبح أنواع الضلالة، وأبعدها عن الثواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى. { فقد افترى } لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم نوع افتراء، وهو دعوى الشيء على الله. قاله البيضاوي. الإشارة: كل من خالف شيخه، وسلك طريقا غير طريقة ولاه الله ما تولى، واستدرجه من حيث لا يشعر، وقد تؤخر العقوبة عنه فيقول: لو كان هذا فيه سوء أدب مع الله، لقطع الإمداد وأوجب البعاد، وقد يقطع عنه من حيث لا يشعر، ولو لم يكن إلا وتخليته وما يريد. وبالجملة: فالخروج عن مشايخ التربية والانتقال عنهم، ولو إلى من هو أكمل في زعمه، بعد ما ظهر له الفتح والهداية على يديه طرد وبعد، وإفساد لبذرة الإرادة، فلا نتيجة له أصلا. والله تعالى أعلم. وبالله التوفيق.
النساء 4:117
قلت: المريد والماردهو الذي لا يعلق بخير، وأصل التركيب للملابسة، ومنه: صرح ممرد، وغلام أمرد، وشجرة مردى، أي: سقط ورقها. قاله اليضاوي. ه. وقيل: المريد: الشديد العاتي، الخارج عن الطاعة. يقول الحق جل جلاله: { إن يدعون }: ما يعبدون { من دونه } تعالى { إلا إناثا } كاللات والعزى ومناة، فإن ألفاظها مؤنثة عندهم، أو لأنها جوامد لا تعقل، فهي منفعلة لا فاعلة، ومن حق المعبود أن يكون فاعلا غير منفعل، أو يريد الملائكة لأنهم كانوا يعبدونها، ويزعمون أنها بنات الله، وما يعبدون في الحقيقة { إلا شيطانا مريدا } عاصيا، لأنه هو الذي أمرهم بها، وأغراهم عليها، وكان يكلمهم من أجوافها. ثم وصفه بأوصاف توجب التنفير عنه فقال: { لعنه الله } أي: أبعده من رحمته { وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أي: مقطوعا فرضته لنفسي، من قولهم: فرض له في العطاء، أي: قطع، { ولأضلنهم } عن الحق { لأمنينهم } الأماني الباطلة، كطول الحياة، وألا بعث ولا عقاب، { ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } أي: يشقونها لتحريم ما أحل الله، وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب، وإشارة إلى تحريم كل ما أحل الله، ونقص كل ما خلق الله كاملا بالفعل أو بالقوة، { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } صورة أو صفة، فيندرج فيه خصاء العبيد والوشم، والتنمص وهو نتف الحاجب . زاد البيضاوي: واللواط، والمساحقة، وعبادة الشمس القمر، وتغيير فطرة الله التي هي الإسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ولا يوجب لها من الله زلفى. وعموم اللفظ يقتضي منع الخصاء مطلقا، لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة، والجمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقا، أو أتاه فعلا. ه. ثم حذر منه فقال: { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله } باتباعه فيما أمره به دون ما أمر الله به، { فقد خسر خسرانا مبينا } واضحا حيث ضيع رأس ماله، وأبدل بمكانة من الجنة مكانه من النار. { يعدهم } أي: الشيطان، أمورا لا تنجز لهم، { ويمنيهم } أماني لا تعطى لهم، { وما يعدهم } أي: { الشيطان إلا غرورا } ، وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر، فكان يوسوس لهم أنهم على الحق وأنهم أولى بالجنة، إلى غير ذلك من أنواع الغرور، { أولئك } المغرورون { مأواهم جهنم } أي: هي منزلهم ومقامهم، { ولا يجدون عنها محيصا } أي: مهربا ولا معدلا. من حاص يحيص: إذا عدل. الإشارة: ما أحببت شيئا إلا كنت له عبدا، فاحذر أن تكون ممن يعبد من دون الله إناثا، إن كنت تحب نفسك، وتؤثر هواها على حق مولاها، أو تكون عبد المرأة أو الخميصة أو البهيمة، أو غير ذلك من الشهوات التي أنت تحبها، واحذر أيضا أن تكون من نصيب الشيطان بإيحاشك إلى الكريم المنان، وفي الحكم: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". فاشتغل بمحبة الحبيب، يكفيك عداوة العدو، فاتخذ الله وليا وصاحبا، ودع الشيطان جانبا، غب عن الشيطان باستغراقك في حضرة العيان. وبالله التوفيق.
النساء 4:118
قلت: المريد والماردهو الذي لا يعلق بخير، وأصل التركيب للملابسة، ومنه: صرح ممرد، وغلام أمرد، وشجرة مردى، أي: سقط ورقها. قاله اليضاوي. ه. وقيل: المريد: الشديد العاتي، الخارج عن الطاعة. يقول الحق جل جلاله: { إن يدعون }: ما يعبدون { من دونه } تعالى { إلا إناثا } كاللات والعزى ومناة، فإن ألفاظها مؤنثة عندهم، أو لأنها جوامد لا تعقل، فهي منفعلة لا فاعلة، ومن حق المعبود أن يكون فاعلا غير منفعل، أو يريد الملائكة لأنهم كانوا يعبدونها، ويزعمون أنها بنات الله، وما يعبدون في الحقيقة { إلا شيطانا مريدا } عاصيا، لأنه هو الذي أمرهم بها، وأغراهم عليها، وكان يكلمهم من أجوافها. ثم وصفه بأوصاف توجب التنفير عنه فقال: { لعنه الله } أي: أبعده من رحمته { وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أي: مقطوعا فرضته لنفسي، من قولهم: فرض له في العطاء، أي: قطع، { ولأضلنهم } عن الحق { لأمنينهم } الأماني الباطلة، كطول الحياة، وألا بعث ولا عقاب، { ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } أي: يشقونها لتحريم ما أحل الله، وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب، وإشارة إلى تحريم كل ما أحل الله، ونقص كل ما خلق الله كاملا بالفعل أو بالقوة، { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } صورة أو صفة، فيندرج فيه خصاء العبيد والوشم، والتنمص وهو نتف الحاجب . زاد البيضاوي: واللواط، والمساحقة، وعبادة الشمس القمر، وتغيير فطرة الله التي هي الإسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ولا يوجب لها من الله زلفى. وعموم اللفظ يقتضي منع الخصاء مطلقا، لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة، والجمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقا، أو أتاه فعلا. ه. ثم حذر منه فقال: { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله } باتباعه فيما أمره به دون ما أمر الله به، { فقد خسر خسرانا مبينا } واضحا حيث ضيع رأس ماله، وأبدل بمكانة من الجنة مكانه من النار. { يعدهم } أي: الشيطان، أمورا لا تنجز لهم، { ويمنيهم } أماني لا تعطى لهم، { وما يعدهم } أي: { الشيطان إلا غرورا } ، وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر، فكان يوسوس لهم أنهم على الحق وأنهم أولى بالجنة، إلى غير ذلك من أنواع الغرور، { أولئك } المغرورون { مأواهم جهنم } أي: هي منزلهم ومقامهم، { ولا يجدون عنها محيصا } أي: مهربا ولا معدلا. من حاص يحيص: إذا عدل. الإشارة: ما أحببت شيئا إلا كنت له عبدا، فاحذر أن تكون ممن يعبد من دون الله إناثا، إن كنت تحب نفسك، وتؤثر هواها على حق مولاها، أو تكون عبد المرأة أو الخميصة أو البهيمة، أو غير ذلك من الشهوات التي أنت تحبها، واحذر أيضا أن تكون من نصيب الشيطان بإيحاشك إلى الكريم المنان، وفي الحكم: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". فاشتغل بمحبة الحبيب، يكفيك عداوة العدو، فاتخذ الله وليا وصاحبا، ودع الشيطان جانبا، غب عن الشيطان باستغراقك في حضرة العيان. وبالله التوفيق.
النساء 4:119
قلت: المريد والماردهو الذي لا يعلق بخير، وأصل التركيب للملابسة، ومنه: صرح ممرد، وغلام أمرد، وشجرة مردى، أي: سقط ورقها. قاله اليضاوي. ه. وقيل: المريد: الشديد العاتي، الخارج عن الطاعة. يقول الحق جل جلاله: { إن يدعون }: ما يعبدون { من دونه } تعالى { إلا إناثا } كاللات والعزى ومناة، فإن ألفاظها مؤنثة عندهم، أو لأنها جوامد لا تعقل، فهي منفعلة لا فاعلة، ومن حق المعبود أن يكون فاعلا غير منفعل، أو يريد الملائكة لأنهم كانوا يعبدونها، ويزعمون أنها بنات الله، وما يعبدون في الحقيقة { إلا شيطانا مريدا } عاصيا، لأنه هو الذي أمرهم بها، وأغراهم عليها، وكان يكلمهم من أجوافها. ثم وصفه بأوصاف توجب التنفير عنه فقال: { لعنه الله } أي: أبعده من رحمته { وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أي: مقطوعا فرضته لنفسي، من قولهم: فرض له في العطاء، أي: قطع، { ولأضلنهم } عن الحق { لأمنينهم } الأماني الباطلة، كطول الحياة، وألا بعث ولا عقاب، { ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } أي: يشقونها لتحريم ما أحل الله، وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب، وإشارة إلى تحريم كل ما أحل الله، ونقص كل ما خلق الله كاملا بالفعل أو بالقوة، { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } صورة أو صفة، فيندرج فيه خصاء العبيد والوشم، والتنمص وهو نتف الحاجب . زاد البيضاوي: واللواط، والمساحقة، وعبادة الشمس القمر، وتغيير فطرة الله التي هي الإسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ولا يوجب لها من الله زلفى. وعموم اللفظ يقتضي منع الخصاء مطلقا، لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة، والجمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقا، أو أتاه فعلا. ه. ثم حذر منه فقال: { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله } باتباعه فيما أمره به دون ما أمر الله به، { فقد خسر خسرانا مبينا } واضحا حيث ضيع رأس ماله، وأبدل بمكانة من الجنة مكانه من النار. { يعدهم } أي: الشيطان، أمورا لا تنجز لهم، { ويمنيهم } أماني لا تعطى لهم، { وما يعدهم } أي: { الشيطان إلا غرورا } ، وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر، فكان يوسوس لهم أنهم على الحق وأنهم أولى بالجنة، إلى غير ذلك من أنواع الغرور، { أولئك } المغرورون { مأواهم جهنم } أي: هي منزلهم ومقامهم، { ولا يجدون عنها محيصا } أي: مهربا ولا معدلا. من حاص يحيص: إذا عدل. الإشارة: ما أحببت شيئا إلا كنت له عبدا، فاحذر أن تكون ممن يعبد من دون الله إناثا، إن كنت تحب نفسك، وتؤثر هواها على حق مولاها، أو تكون عبد المرأة أو الخميصة أو البهيمة، أو غير ذلك من الشهوات التي أنت تحبها، واحذر أيضا أن تكون من نصيب الشيطان بإيحاشك إلى الكريم المنان، وفي الحكم: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". فاشتغل بمحبة الحبيب، يكفيك عداوة العدو، فاتخذ الله وليا وصاحبا، ودع الشيطان جانبا، غب عن الشيطان باستغراقك في حضرة العيان. وبالله التوفيق.
النساء 4:120
قلت: المريد والماردهو الذي لا يعلق بخير، وأصل التركيب للملابسة، ومنه: صرح ممرد، وغلام أمرد، وشجرة مردى، أي: سقط ورقها. قاله اليضاوي. ه. وقيل: المريد: الشديد العاتي، الخارج عن الطاعة. يقول الحق جل جلاله: { إن يدعون }: ما يعبدون { من دونه } تعالى { إلا إناثا } كاللات والعزى ومناة، فإن ألفاظها مؤنثة عندهم، أو لأنها جوامد لا تعقل، فهي منفعلة لا فاعلة، ومن حق المعبود أن يكون فاعلا غير منفعل، أو يريد الملائكة لأنهم كانوا يعبدونها، ويزعمون أنها بنات الله، وما يعبدون في الحقيقة { إلا شيطانا مريدا } عاصيا، لأنه هو الذي أمرهم بها، وأغراهم عليها، وكان يكلمهم من أجوافها. ثم وصفه بأوصاف توجب التنفير عنه فقال: { لعنه الله } أي: أبعده من رحمته { وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أي: مقطوعا فرضته لنفسي، من قولهم: فرض له في العطاء، أي: قطع، { ولأضلنهم } عن الحق { لأمنينهم } الأماني الباطلة، كطول الحياة، وألا بعث ولا عقاب، { ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } أي: يشقونها لتحريم ما أحل الله، وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب، وإشارة إلى تحريم كل ما أحل الله، ونقص كل ما خلق الله كاملا بالفعل أو بالقوة، { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } صورة أو صفة، فيندرج فيه خصاء العبيد والوشم، والتنمص وهو نتف الحاجب . زاد البيضاوي: واللواط، والمساحقة، وعبادة الشمس القمر، وتغيير فطرة الله التي هي الإسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ولا يوجب لها من الله زلفى. وعموم اللفظ يقتضي منع الخصاء مطلقا، لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة، والجمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقا، أو أتاه فعلا. ه. ثم حذر منه فقال: { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله } باتباعه فيما أمره به دون ما أمر الله به، { فقد خسر خسرانا مبينا } واضحا حيث ضيع رأس ماله، وأبدل بمكانة من الجنة مكانه من النار. { يعدهم } أي: الشيطان، أمورا لا تنجز لهم، { ويمنيهم } أماني لا تعطى لهم، { وما يعدهم } أي: { الشيطان إلا غرورا } ، وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر، فكان يوسوس لهم أنهم على الحق وأنهم أولى بالجنة، إلى غير ذلك من أنواع الغرور، { أولئك } المغرورون { مأواهم جهنم } أي: هي منزلهم ومقامهم، { ولا يجدون عنها محيصا } أي: مهربا ولا معدلا. من حاص يحيص: إذا عدل. الإشارة: ما أحببت شيئا إلا كنت له عبدا، فاحذر أن تكون ممن يعبد من دون الله إناثا، إن كنت تحب نفسك، وتؤثر هواها على حق مولاها، أو تكون عبد المرأة أو الخميصة أو البهيمة، أو غير ذلك من الشهوات التي أنت تحبها، واحذر أيضا أن تكون من نصيب الشيطان بإيحاشك إلى الكريم المنان، وفي الحكم: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". فاشتغل بمحبة الحبيب، يكفيك عداوة العدو، فاتخذ الله وليا وصاحبا، ودع الشيطان جانبا، غب عن الشيطان باستغراقك في حضرة العيان. وبالله التوفيق.
النساء 4:121
قلت: المريد والماردهو الذي لا يعلق بخير، وأصل التركيب للملابسة، ومنه: صرح ممرد، وغلام أمرد، وشجرة مردى، أي: سقط ورقها. قاله اليضاوي. ه. وقيل: المريد: الشديد العاتي، الخارج عن الطاعة. يقول الحق جل جلاله: { إن يدعون }: ما يعبدون { من دونه } تعالى { إلا إناثا } كاللات والعزى ومناة، فإن ألفاظها مؤنثة عندهم، أو لأنها جوامد لا تعقل، فهي منفعلة لا فاعلة، ومن حق المعبود أن يكون فاعلا غير منفعل، أو يريد الملائكة لأنهم كانوا يعبدونها، ويزعمون أنها بنات الله، وما يعبدون في الحقيقة { إلا شيطانا مريدا } عاصيا، لأنه هو الذي أمرهم بها، وأغراهم عليها، وكان يكلمهم من أجوافها. ثم وصفه بأوصاف توجب التنفير عنه فقال: { لعنه الله } أي: أبعده من رحمته { وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أي: مقطوعا فرضته لنفسي، من قولهم: فرض له في العطاء، أي: قطع، { ولأضلنهم } عن الحق { لأمنينهم } الأماني الباطلة، كطول الحياة، وألا بعث ولا عقاب، { ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } أي: يشقونها لتحريم ما أحل الله، وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب، وإشارة إلى تحريم كل ما أحل الله، ونقص كل ما خلق الله كاملا بالفعل أو بالقوة، { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } صورة أو صفة، فيندرج فيه خصاء العبيد والوشم، والتنمص وهو نتف الحاجب . زاد البيضاوي: واللواط، والمساحقة، وعبادة الشمس القمر، وتغيير فطرة الله التي هي الإسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ولا يوجب لها من الله زلفى. وعموم اللفظ يقتضي منع الخصاء مطلقا، لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة، والجمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقا، أو أتاه فعلا. ه. ثم حذر منه فقال: { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله } باتباعه فيما أمره به دون ما أمر الله به، { فقد خسر خسرانا مبينا } واضحا حيث ضيع رأس ماله، وأبدل بمكانة من الجنة مكانه من النار. { يعدهم } أي: الشيطان، أمورا لا تنجز لهم، { ويمنيهم } أماني لا تعطى لهم، { وما يعدهم } أي: { الشيطان إلا غرورا } ، وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر، فكان يوسوس لهم أنهم على الحق وأنهم أولى بالجنة، إلى غير ذلك من أنواع الغرور، { أولئك } المغرورون { مأواهم جهنم } أي: هي منزلهم ومقامهم، { ولا يجدون عنها محيصا } أي: مهربا ولا معدلا. من حاص يحيص: إذا عدل. الإشارة: ما أحببت شيئا إلا كنت له عبدا، فاحذر أن تكون ممن يعبد من دون الله إناثا، إن كنت تحب نفسك، وتؤثر هواها على حق مولاها، أو تكون عبد المرأة أو الخميصة أو البهيمة، أو غير ذلك من الشهوات التي أنت تحبها، واحذر أيضا أن تكون من نصيب الشيطان بإيحاشك إلى الكريم المنان، وفي الحكم: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". فاشتغل بمحبة الحبيب، يكفيك عداوة العدو، فاتخذ الله وليا وصاحبا، ودع الشيطان جانبا، غب عن الشيطان باستغراقك في حضرة العيان. وبالله التوفيق.
النساء 4:122
قلت: { وعد الله } مصدر، مؤكد لنفسه، أي: وعدهم وعدا، و { حقا } مؤكد لغيره، أي: لمضمون الجملة قبله. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { والذين آمنوا } بالله ووحدوه، { وعملوا } الأعمال { الصالحات } التي كلفوا بها { سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا } وعدهم بذلك وعدا حقا، { ومن أصدق من الله قيلا } أي: لا أحد أصدق من الله في قوله. والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه، بوعد الله الصادق لأوليائه، ترغيبا في تحصيل أسبابه. والله تعالى أعلم. الإشارة: والذين جمعوا بين توحيد عظمة الربوبية والقيام بوظائف العبودية سندخلهم جنة المعارف، تجري من تحتها أنها العلوم، خالدين فيها أبدا، وعدا حقا وقولا صدقا. ومن أصدق من الله قيلا؟
النساء 4:123
قلت: اسم ليس ضمير الأمر، أي: ليس الأمر بأمانيكم. يقول الحق جل جلاله: { ليس } هذا الوعد الذي ذكرت لأهل الإيمان ينال { بأمانيكم } أي: تمنيكم أيها المسلمون، ولا بأماني { أهل الكتاب } ، أي: لا يكون ما تتمنون ولا ما يتمنى أهل الكتاب، بل يحكم الله بين عباده ويجازيهم بأعمالهم. روي أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى منكم، نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب المتقدمة، فنزلت. وقيل: الخطاب مع المشركين، وهو قولهم: لا جنة ولا نار، أو قولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لتكونن خيرا منهم وأحسن حالا. وأماني أهل الكتاب: قولهم
لن تمسنا النار إلآ أياما معدودات
[آل عمران:24]، و
لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى
[البقرة:111]، ثم قرر ذلك فقال: { من يعمل سوءا يجز به } عاجلا أو آجلا لما روي أنه لما نزلت قال أبو بكر: من ينجو مع هذا يا رسول الله، إن كنا مجزيين بكل سوء عملناه؟ فقال له عليه الصلاة والسلام
" أما تحزن؟ أما تمرض؟ أما يصيبك اللأواء؟ "
قال بلى يا رسول الله، قال:
" هو ذلك "
فكل من عمل سوءا جوزي به، { ولا يجد له من دون الله وليا } يليه ويدفع عنه، { ولا نصيرا } ينصره ويمعنه من عذاب الله. الإشاره: لا تنال المراتب بالأماني الكاذبة والدعاوي الفارغة، وإنما تنال بالهمم العالية، والمجاهدات القوية، إنما تنال المقامات العالية بالأعمال الصالحة، والأحوال الصافية، وأنشدوا:
بقدر الكذ تكتسب المعالي من أراد العز سهر الليالي تريد العز ثم تنام ليلا يغوض البحر من طلب اللآلي
ولما نزل قوله تعالى: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب... } الآية. قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء.
النساء 4:124
الإشارة: { من ذكر أو أنثى }: حال من الضمير في { يعمل } ، وكذا قوله: { وهو مؤمن } و { حنيفا } ، حال من { إبراهيم } لأنه جزء ما أضيف إليه. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعمل } شيئا { من } الأعمال { الصالحات } وهو المهم من المكلف به، إذ لا طاقة للبشر على الإتيان بكلها. حال كون العامل { من ذكر أو أنثى } إذ النساء شقائق الرجال في طلب الأعمال، والحالة أن العامل { مؤمن } لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال، فلا ثواب على عمل ليس معه إيمان. ثم ذكر الجواب فقال { فأولئك يدخلون الجنة } أي: يتصفون بالدخول، أو يدخلهم الله الجنة، { ولا يظلمون } أي: لا ينقصون من ثواب أعماله { نقيرا } أي: مقداره، وهو النقرة في ظهر النواة. قال البيضاوي: وإذا لم ينقص ثواب المطيع فبالأخرى ألا يزيد في عقاب العاصي، لأن المجازي أرحم الراحمين. ه. { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله } أي: لا أحد أحسن دينا ممن انقاد بكليته إلى مولاه { وهو محسن } أي: موحد أحسن فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين عباد الله، { واتبع ملة إبراهيم حنيفا } بأن دخل في الدين المحمدي الذي هو موافق لملة إبراهيم بل هو عينه، فمن ادعى أنه على ملة إبراهيم ولم يدخل فيه فقد كذب. ثم ذكر ما يحث على اتباع ملته، فقال: { واتخذ الله إبراهيم خليلا } أي: اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر تفخيما له وتنصيصا على أنه الممدوح، وسمي خليلا لأنه قد تخللت محبة الله في جميع أجزائه. روي أن إبراهيم عليه السلام كان يضيف الناس، حتى كان يسمى أبا الضيفان، وكان منزله على ظهر الطريق، فأصاب الناس سنة، جهدوا فيها، فحشد الناس إلى باب إبراهيم، يطلبون الطعام، وكانت الميرة كل سنة تصله من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي له بمصر يسأله الميرة، فقال لغلمانه: لو كان إبراهيم يريد لنفسه احتملت له ذلك، ولكنه يريد للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناس، فرجع الرسل إليه، ومروا ببطحاء لينة، فملؤوا منها الغرائر حياء من الناس، وأتوا إبراهيم فأخبروه، فاهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه، فنام، وكانت سارة نائمة فاستيقظت، وقالت: سبحان الله! أما جاء الغلمان؟ فقالوا: بلى، فقامت إلى الغرائر فإذا فيها الحورى أي: الخالص من الدقيق فخبزوا وأطعموا؟ فاستيقظ إبراهيم، وشم رائحة الخبز، فقال: يا سارة. من أين هذا؟ فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: هذا من عند خليلي الله عز وجل، فحينئذ سماه الله خليلا. قال الزجاج: ومعنى الخليل: الذي ليس في محبته خل، أو لأنه رد خلته، أي: فقره إلى الله مخلصا.
ه. { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، فالملك له، والعبيد عبيده، يختار ما يشاء كما يشاء من خلة ومحبة وخدمة، { وكان الله بكل شيء محيطا } علما وقدرة، فيجازي كلا على قدر سعيه وقصده. والله تعالى أعلم. الإشارة: على قدر المجاهدة والمكابدة تكون المعاينة والمشاهدة، على قدر البدايات تكون النهايات، من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، والجزاء على العمل يكون على قدر الهمم، فمن عمل لجنة الزخارف متع بها، ومن عمل لجنة المعارف تنعم بها،
ولا يظلم ربك أحدا
[الكهف:49]، فمن انقاد إلى الله بكلتية إلى مولاه فلا أحد أحسن منه عند الله، ومن تمسك بالملة الحنيفية، وهي الانقطاع إلى الله بالكلية فقد استمسك بالعروة الوثقى، وكان في أعلى ذروة أهل التقى، من تخلق بخلق الحبيب كان أقرب إلى الله من كل قريب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:125
الإشارة: { من ذكر أو أنثى }: حال من الضمير في { يعمل } ، وكذا قوله: { وهو مؤمن } و { حنيفا } ، حال من { إبراهيم } لأنه جزء ما أضيف إليه. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعمل } شيئا { من } الأعمال { الصالحات } وهو المهم من المكلف به، إذ لا طاقة للبشر على الإتيان بكلها. حال كون العامل { من ذكر أو أنثى } إذ النساء شقائق الرجال في طلب الأعمال، والحالة أن العامل { مؤمن } لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال، فلا ثواب على عمل ليس معه إيمان. ثم ذكر الجواب فقال { فأولئك يدخلون الجنة } أي: يتصفون بالدخول، أو يدخلهم الله الجنة، { ولا يظلمون } أي: لا ينقصون من ثواب أعماله { نقيرا } أي: مقداره، وهو النقرة في ظهر النواة. قال البيضاوي: وإذا لم ينقص ثواب المطيع فبالأخرى ألا يزيد في عقاب العاصي، لأن المجازي أرحم الراحمين. ه. { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله } أي: لا أحد أحسن دينا ممن انقاد بكليته إلى مولاه { وهو محسن } أي: موحد أحسن فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين عباد الله، { واتبع ملة إبراهيم حنيفا } بأن دخل في الدين المحمدي الذي هو موافق لملة إبراهيم بل هو عينه، فمن ادعى أنه على ملة إبراهيم ولم يدخل فيه فقد كذب. ثم ذكر ما يحث على اتباع ملته، فقال: { واتخذ الله إبراهيم خليلا } أي: اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر تفخيما له وتنصيصا على أنه الممدوح، وسمي خليلا لأنه قد تخللت محبة الله في جميع أجزائه. روي أن إبراهيم عليه السلام كان يضيف الناس، حتى كان يسمى أبا الضيفان، وكان منزله على ظهر الطريق، فأصاب الناس سنة، جهدوا فيها، فحشد الناس إلى باب إبراهيم، يطلبون الطعام، وكانت الميرة كل سنة تصله من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي له بمصر يسأله الميرة، فقال لغلمانه: لو كان إبراهيم يريد لنفسه احتملت له ذلك، ولكنه يريد للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناس، فرجع الرسل إليه، ومروا ببطحاء لينة، فملؤوا منها الغرائر حياء من الناس، وأتوا إبراهيم فأخبروه، فاهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه، فنام، وكانت سارة نائمة فاستيقظت، وقالت: سبحان الله! أما جاء الغلمان؟ فقالوا: بلى، فقامت إلى الغرائر فإذا فيها الحورى أي: الخالص من الدقيق فخبزوا وأطعموا؟ فاستيقظ إبراهيم، وشم رائحة الخبز، فقال: يا سارة. من أين هذا؟ فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: هذا من عند خليلي الله عز وجل، فحينئذ سماه الله خليلا. قال الزجاج: ومعنى الخليل: الذي ليس في محبته خل، أو لأنه رد خلته، أي: فقره إلى الله مخلصا.
ه. { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، فالملك له، والعبيد عبيده، يختار ما يشاء كما يشاء من خلة ومحبة وخدمة، { وكان الله بكل شيء محيطا } علما وقدرة، فيجازي كلا على قدر سعيه وقصده. والله تعالى أعلم. الإشارة: على قدر المجاهدة والمكابدة تكون المعاينة والمشاهدة، على قدر البدايات تكون النهايات، من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، والجزاء على العمل يكون على قدر الهمم، فمن عمل لجنة الزخارف متع بها، ومن عمل لجنة المعارف تنعم بها،
ولا يظلم ربك أحدا
[الكهف:49]، فمن انقاد إلى الله بكلتية إلى مولاه فلا أحد أحسن منه عند الله، ومن تمسك بالملة الحنيفية، وهي الانقطاع إلى الله بالكلية فقد استمسك بالعروة الوثقى، وكان في أعلى ذروة أهل التقى، من تخلق بخلق الحبيب كان أقرب إلى الله من كل قريب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:126
الإشارة: { من ذكر أو أنثى }: حال من الضمير في { يعمل } ، وكذا قوله: { وهو مؤمن } و { حنيفا } ، حال من { إبراهيم } لأنه جزء ما أضيف إليه. يقول الحق جل جلاله: { ومن يعمل } شيئا { من } الأعمال { الصالحات } وهو المهم من المكلف به، إذ لا طاقة للبشر على الإتيان بكلها. حال كون العامل { من ذكر أو أنثى } إذ النساء شقائق الرجال في طلب الأعمال، والحالة أن العامل { مؤمن } لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال، فلا ثواب على عمل ليس معه إيمان. ثم ذكر الجواب فقال { فأولئك يدخلون الجنة } أي: يتصفون بالدخول، أو يدخلهم الله الجنة، { ولا يظلمون } أي: لا ينقصون من ثواب أعماله { نقيرا } أي: مقداره، وهو النقرة في ظهر النواة. قال البيضاوي: وإذا لم ينقص ثواب المطيع فبالأخرى ألا يزيد في عقاب العاصي، لأن المجازي أرحم الراحمين. ه. { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله } أي: لا أحد أحسن دينا ممن انقاد بكليته إلى مولاه { وهو محسن } أي: موحد أحسن فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين عباد الله، { واتبع ملة إبراهيم حنيفا } بأن دخل في الدين المحمدي الذي هو موافق لملة إبراهيم بل هو عينه، فمن ادعى أنه على ملة إبراهيم ولم يدخل فيه فقد كذب. ثم ذكر ما يحث على اتباع ملته، فقال: { واتخذ الله إبراهيم خليلا } أي: اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر تفخيما له وتنصيصا على أنه الممدوح، وسمي خليلا لأنه قد تخللت محبة الله في جميع أجزائه. روي أن إبراهيم عليه السلام كان يضيف الناس، حتى كان يسمى أبا الضيفان، وكان منزله على ظهر الطريق، فأصاب الناس سنة، جهدوا فيها، فحشد الناس إلى باب إبراهيم، يطلبون الطعام، وكانت الميرة كل سنة تصله من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي له بمصر يسأله الميرة، فقال لغلمانه: لو كان إبراهيم يريد لنفسه احتملت له ذلك، ولكنه يريد للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناس، فرجع الرسل إليه، ومروا ببطحاء لينة، فملؤوا منها الغرائر حياء من الناس، وأتوا إبراهيم فأخبروه، فاهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه، فنام، وكانت سارة نائمة فاستيقظت، وقالت: سبحان الله! أما جاء الغلمان؟ فقالوا: بلى، فقامت إلى الغرائر فإذا فيها الحورى أي: الخالص من الدقيق فخبزوا وأطعموا؟ فاستيقظ إبراهيم، وشم رائحة الخبز، فقال: يا سارة. من أين هذا؟ فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: هذا من عند خليلي الله عز وجل، فحينئذ سماه الله خليلا. قال الزجاج: ومعنى الخليل: الذي ليس في محبته خل، أو لأنه رد خلته، أي: فقره إلى الله مخلصا.
ه. { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، فالملك له، والعبيد عبيده، يختار ما يشاء كما يشاء من خلة ومحبة وخدمة، { وكان الله بكل شيء محيطا } علما وقدرة، فيجازي كلا على قدر سعيه وقصده. والله تعالى أعلم. الإشارة: على قدر المجاهدة والمكابدة تكون المعاينة والمشاهدة، على قدر البدايات تكون النهايات، من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، والجزاء على العمل يكون على قدر الهمم، فمن عمل لجنة الزخارف متع بها، ومن عمل لجنة المعارف تنعم بها،
ولا يظلم ربك أحدا
[الكهف:49]، فمن انقاد إلى الله بكلتية إلى مولاه فلا أحد أحسن منه عند الله، ومن تمسك بالملة الحنيفية، وهي الانقطاع إلى الله بالكلية فقد استمسك بالعروة الوثقى، وكان في أعلى ذروة أهل التقى، من تخلق بخلق الحبيب كان أقرب إلى الله من كل قريب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
النساء 4:127
قلت: و { ما يتلى }: عطف على { الله } ، أي: يفتيكم الله، والمتلو عليكم في الكتاب، أي في القرآن. { وترغبون أن تنكحوهن } حذف الجار، وهو في أو عن، ليصدق النهي بالراغب فيها إذا كانت جميلة، والراغب عنها إذا كانت دميمة، و { المستضعفين } عطف على { يتامى النساء } أي: والذي يتلى في المستضعفين من الولدان، وهو قوله تعالى: { يوصيكم الله... } الخ، أو على الضمير في { فيهن } أي: يفتيكم فيهن وفي المستضعفين، و { أن تقوموا } عطف على { المستضعفين } ، أو منصوب بمحذوف، أي: ويأمركم أن تقوموا...الخ. يقول الحق جل جلاله: { ويستفتونك } يا محمد { في } شأن { النساء } من الميراث وغيره، { قل الله يفتيكم فيهن } ، فيأمركم أن تعطوهن حقهن من الميراث، { و } يفتيكم أيضا فيهن { ما يتلى عليكم في الكتاب } في أول السورة إذ قال: { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } ثم بينه في تقسيم الميراث في { يوصيكم الله في أولادكم } ، وقال في اليتامى: { وآتوا اليتامى أموالهم } { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى... } الآية، فقد أفتاكم في اليتامى { اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن } من الصداق { وترغبون أن تنكحوهن } بدون صداق مثلهن، فأمركم أن تنكحوا غيرهن، ولا تنكحوهن إلا أن تقسطوا لهن في الصداق، إذا كانت جميلة، أو لها مال، أو ترغبون عن نكاحهن إذا كانت دميمة، فتعضلوهن لترثوهن، فلا تفعلوا ذلك، بل تزوجوها أو زوجوها، وكانوا في الجاهلية، إذا كانت اليتيمة ذات مال وجمال، رغبوا فيها وتزوجوها، بدون صداقها، وإن كانت دميمة ولا مال لها رغبوا عنها وعضلوها، أو زوجوها غيرهم، فنهى الله تعالى الفريقين معا. { و } يفتيكم أيضا في { المستضعفين من الولدان } وهم الصغار، أن تعطوهم حقهم من الميراث مع الكبار، وكانوا لا يورثونهم، روي أن عيينة بن حصين أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرنا أنك تورث النساء والصبيان، وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة؟ فقال له صلى الله عليه سلم
" كذا أمرت "
فنزلت الآية. { و } يفتيكم أيضا ويأمركم { أن تقوموا لليتامى بالقسط } أي: العدل. وهو خطاب للأئمة أن ينظروا لهم بالمصلحة ويستوثقوا حقوقهم، ويحتاطوا لهم في أمورهم كلها، ثم وعدهم بالثواب على ذلك فقال: { وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما } ، فيجازيكم الى قدر إحسانكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: يستفتونك عن نساء العلوم الرسمية، وعن يتامى العلوم القلبية، وهن نتائج الأفكار، وهي العلوم اللدنية، والأسرار الربانية التي هي من علوم الحقيقة، ولا تليق إلا بالمستضعفين عند الخليفة، وفي الخبز: " ألا أخبركم بأهل الجنة؟ هو كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره في قسمه ". أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قل الله يفتيكم فيهن فيأمركم أن تأخذوا من العلوم الرسمية ما تتقنون به عبادة ربكم، وترغبوا في علم الطريقة، التي هي علم القلوب، ما تحققون به عبوديتكم، ومن نتائج الأفكار ما تشاهدون به عظمة ربكم، ويأمركم أن تقوموا بالعدل في جميع شؤونكم، فتعطوا الشريعة حقها والطريقة حقها، وتحفظوا أسرار الحقيقة عن غير مستحقها، والله لا يضيع أجر المحسنين.
النساء 4:128
قلت: { امرأة }: فاعل بفعل يفسره ما بعده، وأصل يصالحا: يتصالحا، فأدغمت، و { صلحا } مصدر. وقرأ الكوفيون: { يصلحا } من الرباعي، فتنصب { صلحا } على المفعول به، أو المصدر، و { بينهما } ظرف، أو حال منه، وجملة { الصلح خير }: معترضة، وكذا: { وأحضرت الأنفس الشح } ، ولذلك اغتفر عدم تجانسهما. يقول الحق جل جلاله: { وإن امرأة خافت } وتوقعت من زوجها { نشوزا } أي: ترفعا عن صحبتها، وتجافيا عنها، كراهية لها، ومنعا لحقوقها، { أو إعراضا } عنها، بأن يترك مجالستها، ومحادثتها، { فلا جناح عليهما } أن يتصالحا { بينهما صلحا } بإن تحط له مهرها، أو من قسمها مع ضرتها، أو تهب له شيئا تستميله به. نزلت في سعد بن الربيع، تزوج على امرأته شابة، وآثرها عليها. وقيل: في رجل كبرت امرأته، وله معها أولاد. فأراد طلاقها ليتزوج، فقالت له: دعني على أولادي، وأقسم لي في كل شهرين أو أكثر، أو لا تقسم. فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له:
" قد سمع الله ما تقول، فإن شاء أجابك "
، فنزلت. وقيل: نزلت في سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، لما كبرت، أراد عليه الصلاة والسلام أن يفارقها، فقالت: أمسكني في نسائك ولا تقسم لي، فقد وهبت نوبتي لعائشة، فإني أريد أن أبعث في نسائك. ثم رغب في الصلح فقال: { والصلح خير } من المفارقة، أو من سوء العشرة والخصومة، أو خير في نفسه، ولا يكون إلا مع ترك بعض حق النفس من أحد الخصمين، فلذلك ثقل على النفس فشحت به، وإليه أشار بقوله: { وأحضرت الأنفس الشح } أي: جعلته حاضرا لديها لا يفارقها، لأنها مطبوعة عليه، فالمرأة لا تكاد تسمح للزوج من حقها، ولا تسخو بشيء تعطيه لزوجها، والزوج لا يكاد يصبر على إمساكها وإحسان عشرتها إذا كرهها، { وإن تحسنوا } العشرة { وتتقوا } النشوز والإعراض ونقص حق المرأة مع كراهة الطبع لها، { فإن الله كان بما تعملون خبيرا } لا يخفى عليه إحسانكم ولا نشوزكم، فيجازي كلا بعمله، وفي بعض الأثر: من صبرعلى أذى زوجته أعطاه الله ثواب أيوب عليه السلام، وكذلك المرأة. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن النفس كالمرأة حين يتزوجها الرجل، فإنها أذا رأت من زوجها الجد في أموره والانقباض عنها، هابته وانقادت لأمره، وإذا رأت منه الليونة والسيولة استخفت بأمره وركبته، وسقطت هيبته من قبلها، فإذا أمرها ونهاها لم تحتفل بأمره، وكذلك النفس إذا رأت من المريد الجد في بدايته والصولة عليها، هابته وانقادت لأمره وكانت له سميعة مطيعة، وإذا رأت منه الرخو والسهولة معها، ركبته وصعب عليه انقيادها وجهادها، فإذا صال عليها وقهرها فأرادت الصلح معه على أن يسامحها في بعض الأمور، وتساعفه فيما يريد منها، فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا، والصلح خير، فإن دوام التشديد قد يفضي إلى الملل، وإن تحسنوا معها بعد معرفتها، وتتقوا الله في سياستها ورياضتها حتى ترد بكم إلى حضرة ربها، فإن الله كان بما تعملون خبيرا.
النساء 4:129
يقول الحق جل جلاله: { ولن تستطيعوا } ، يا معشر الأزواج، { أن تعدلوا بين النساء } العدل الكامل التام في الأقوال والأفعال والنفقة والكسوة والمحبة، { ولو حرصتم } على ذلك لضعف حالكم، وقد خففت عنكم، وأسقطت الحرج عنكم، فلا يجب العدل في البيت فقط، وكان صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول:
" اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك "
، يعني: ميل القلب، وكان عمر رضي الله عنه يقول:اللهم قلبي فلا أملكه، وأما سوى ذلك فإني أرجو أن أعدل، وأما الوطء فلا يجب العدل فيه، إلا أن تتحرك شهوته، فيكف لتتوفر لذته للأخرى. { فلا تميلوا } إلى المرغوب فيها لجمالها أو شبابها، { كل الميل } بالنفقة والكسوة والإقبال عليها، وتدعوا الأخرى { كالمعلقة } التي ليست ذات بعل ولا مطلقة، كأنها محبوسة مسجونة، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" من كانت له أمرأتان يميل مع إحداهما، جاء يوم القيامة، وأحد شقيه مائل "
، { وإن تصلحوا } ما كنتم تفسدون في أمورهن بالعدل بينهن، { وتتقوا } الجور فيما يستقبل، { فإن الله كان غفورا رحيما } ، يغفر لكم ما مضى من ميلكم. الإشارة: من شأن العبودية: الضعف والعجز، فلا يستطيع العبد أن يقوم بالأمور التي كلف بها على العدل والتمام، ولو حرص كل الحرص، وجد كل الجد، فلا يليق به إلا التحقق بوصفه والرجوع إلى ربه، فيأتي بما يستطيع ولا يحرص على ما لا يستطيع، فلا يميل إلى الدعة والكسل كل الميل، ولا يحرص على ما لا طاقة له به كل الحرص، فإن التعقيد ليس من شأن أهل التوحيد، بل من شأنهم مساعفة الأقدار، والسكون تحت أحكام الواحد القهار، فلا تميلوا إلى التعمق والتشديد كل الميل، فتتركوا أنفسكم كالمعلقة، أي: المسجونة، وهذا من شأن أهل الحجاب، يحبسون في المقامات والأحوال تشغلهم حلاوة ذلك عن الله تعالى. فإذا فقدوا ذلك الحال أو المقام سلبوا وأفلسوا. وأهل الغنى بالله لا يقفون مع حال ولا مقام، هم مع مولاهم، وكل ما يبرز من عنصر القدرة قبلوه، وتلونوا بلونه، وهذا مقام التلوين بعد التمكين. وفي إشارة أخرى: اعلم أن القدرة والحكمة كالزوجين للقلب، يقيم عند هذه مدة، وعند هذه أخرى، فإذا أقام عند الحكمة كان في مقام العبودية من جهل وغفلة وضعف وذلة، وإذا أقام عند القدرة كان في مقام شهود الربوبية فيكون في علم ويقظة وقوة وعزة. ولا قدرة له على العدل بينهما، فلا يميل إلى إحداهما كل الميل بل يسير بينهما، ويعطي كل ذي حق حقه، بأن يعرف فضلهما، ويسير بكل واحد منهما. وإن تصلحوا قلوبكم وتتقوا ما يشغلكم عن ربكم، فإن الله كان غفورا رحيما يغفر لكم ميلكم إلى إحدى الجهتين والله تعالى أعلم.
النساء 4:130
{ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ولله ما في السماوات وما في الأرض... } يقول الحق جل جلاله: { وإن يتفرقا } أي: يفارق كل واحد منهما صاحبه، { يغن الله } كل واحد منهما عن صاحبه، ببدل أو سلو يقوم بأمره من رزق أو غيره، من سعة غناه وكمال قدرته، { وكان الله واسعا } قدرته { حكيما } أي: متقنا في أحكامه وأفعاله. ثم بين معنى سعته فقال: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } أي: كل ما استقر فيهما فهو تحت حكمه ومشيئته، قائما بحفظه وتدبيره، يعطي كل واحد ما يقوم بأمره ويغنيه عن غيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الروح ما دامت مسجونة تحت قهر البشرية، محجوبة عن شهود معاني الربوبية، كانت فقيرة جائعة متعطشة، تتعشق إلى الأكوان وتفتقر إليها، وتقف معها، فإذا فارقت البشرية وانطلقت من سجن هيكلها، وخرجت فكرتها من سجن الأكون، أغناها الله بشهود ذاته، وأفضت إلى سعة فضاء الشهود والعيان، وملكت جميع الأكوان، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " ، وكذلك البشرية يغنيها الله عن تعب الخدمة وتستريح في ظل المعرفة، فلما تفرقا أغنى الله كلا من سعة فضله وجوده، لأنه واسع العطاء والجود، حكيم في تدبير إمداد كل موجود. وفي قوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } إشارة إلى أن من كان بالله، ووصل إلى شهود ذاته، ملكه الله ما في السماوات وما في الأرض، فيكون خليفة الله في ملكه
وما ذلك على الله بعزيز
[إبراهيم:20]. ولما جرى الكلام على شأن النساء، وهن حبائل الشيطان، تشغل فتنتهن عن ذكر الرحمن، حذر الحق تعالى من فتنتهن، كما هو عادته تعالى في كتابه عند ذكرهن، وأمر بالتقوى التي هي حصن من كل فتنة، فقال: { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا } قلت: { من قبلكم }: يتعلق بأوتوا أو بوصينا، و { إياكم }: عطف على الذين، و { أن اتقوا }: على حذف الجار، أي: بأن اتقوا، أو مفسرة لأن التوصية في معنى القول، و { إن تكفروا } على حذف القول، أي: وقلنا لهم ولكم: { وإن تكفروا... } الخ. يقول الحق جل جلاله: { ولقد وصينا } الأمم المتقدمة الذين أنزلنا عليهم { الكتاب من قبلكم } كأهل التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهم من الأمم، ووصيناكم أنتم { أن اتقوا الله } بإن تمتثلوا أوامره، وتجتنبوا نواهيه، ظاهرا وباطنا، وقلنا لهم ولكم: { وإن تكفروا } فإن الله غني عن كفركم وشكركم فقد استقر له { ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وعبيدا، فله فيهما من الملائكة من هو أطوع منكم، فلا يتضرر بكفركم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما أوصاكم رحمة بكم، لا لحاجة إليكم، ثم قرر ذلك بقوله: { وكان الله غنيا حميدا } أي: غنيا عن الخلق وعبادتهم، محمودا في ذاته، حمد أو لم يحمد.
{ ولله ما في السماوات وما في الإرض } كرره ثالثا للدلالة على كونه غنيا حميدا، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه، وبما أفاض عليها من الوجود، وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميدا. قاله البيضاوي. { وكفى بالله وكيلا } أي: حافظا ومجيرا لمن تعلق به من أهل السماوات والأرض. { إن يشأ يذهبكم أيها الناس } إن لم تتقوه، ويأت بقوم آخرين، هم أطوع منكم وأتقى، { وكان الله على ذلك قديرا } أي: بليغ القدرة لا يعجزه مراد. قال البيضاوي: وهذا أي قوله: { إن يشأ يذهبكم... } أيضا تقرير لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر وخالف أمره، وقيل: هو خطاب لمن خالف الرسول صلى الله عليه وسلم من العرب، وهو معنى قوله:
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم
[محمد:38] لما روي: أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على ظهر سلمان وقال
" إنهم قوم هذا ".
الإشارة: التقوى أساس الطريق ومنهاج أهل التحقيق، عليها سلك السائرون، وبها وصل الواصلون، وقد وصى بها الحق تعالى المتقدمين والمتأخرين، وبها قرب المقربين وشرف المكرمين. ولها خمس درجات: أن يتقي العبد الكفر وذلك بمقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي والمحرمات وهو: مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات وهو مقام الورع، وأن يتق المباحات، وهو مقام الزهد، وأن يتقي شهود السوى والحس وهو مقام المشاهدة. ولها فضائل مستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: الهداية لقوله تعالى:
هدى للمتقين
[البقرة:2]، والنصرة لقوله:
إن الله مع الذين اتقوا
[النحل:128]، والولاية لقوله:
والله ولي المتقين
[الجاثية:19] والمحبة لقوله
إن الله يحب المتقين
[التوبة:4]، وتنوير القلب لقوله:
يآ أيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا
[الأنفال:29]، والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب، لقوله:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب
[الطلاق:2،3]، وتيسير الأمور لقوله:
ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا
[الطلاق:4] وغفران الذنوب وإعظام الأجر لقوله:
ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا
[الطلاق:5]، وتقبل الأعمال لقوله:
إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة:27] والفلاح لقوله:
واتقوا الله لعلكم تفلحون
[البقرة:189] والبشرى لقوله:
لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة
[يونس:64]، ودخول الجنة لقوله:
إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم
[القلم:34] والنجاة من النار لقوله:
ثم ننجي الذين اتقوا
[مريم:72]. ه. من ابن جزي. ومما ينسب للقطب ابن مشيش رضي الله عنه:
عليك بتقوى الله في السر والجهر ذا شئت توفيقا إلى سبل الخير لأن التقى أصل إلى البر كله فخذه تفز بكل نوع من البر وخير جميع الزاد ما قال ربنا فكن يا أخي لله ممتثل الأمر
النساء 4:131
{ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ولله ما في السماوات وما في الأرض... } يقول الحق جل جلاله: { وإن يتفرقا } أي: يفارق كل واحد منهما صاحبه، { يغن الله } كل واحد منهما عن صاحبه، ببدل أو سلو يقوم بأمره من رزق أو غيره، من سعة غناه وكمال قدرته، { وكان الله واسعا } قدرته { حكيما } أي: متقنا في أحكامه وأفعاله. ثم بين معنى سعته فقال: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } أي: كل ما استقر فيهما فهو تحت حكمه ومشيئته، قائما بحفظه وتدبيره، يعطي كل واحد ما يقوم بأمره ويغنيه عن غيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الروح ما دامت مسجونة تحت قهر البشرية، محجوبة عن شهود معاني الربوبية، كانت فقيرة جائعة متعطشة، تتعشق إلى الأكوان وتفتقر إليها، وتقف معها، فإذا فارقت البشرية وانطلقت من سجن هيكلها، وخرجت فكرتها من سجن الأكون، أغناها الله بشهود ذاته، وأفضت إلى سعة فضاء الشهود والعيان، وملكت جميع الأكوان، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " ، وكذلك البشرية يغنيها الله عن تعب الخدمة وتستريح في ظل المعرفة، فلما تفرقا أغنى الله كلا من سعة فضله وجوده، لأنه واسع العطاء والجود، حكيم في تدبير إمداد كل موجود. وفي قوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } إشارة إلى أن من كان بالله، ووصل إلى شهود ذاته، ملكه الله ما في السماوات وما في الأرض، فيكون خليفة الله في ملكه
وما ذلك على الله بعزيز
[إبراهيم:20]. ولما جرى الكلام على شأن النساء، وهن حبائل الشيطان، تشغل فتنتهن عن ذكر الرحمن، حذر الحق تعالى من فتنتهن، كما هو عادته تعالى في كتابه عند ذكرهن، وأمر بالتقوى التي هي حصن من كل فتنة، فقال: { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا } قلت: { من قبلكم }: يتعلق بأوتوا أو بوصينا، و { إياكم }: عطف على الذين، و { أن اتقوا }: على حذف الجار، أي: بأن اتقوا، أو مفسرة لأن التوصية في معنى القول، و { إن تكفروا } على حذف القول، أي: وقلنا لهم ولكم: { وإن تكفروا... } الخ. يقول الحق جل جلاله: { ولقد وصينا } الأمم المتقدمة الذين أنزلنا عليهم { الكتاب من قبلكم } كأهل التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهم من الأمم، ووصيناكم أنتم { أن اتقوا الله } بإن تمتثلوا أوامره، وتجتنبوا نواهيه، ظاهرا وباطنا، وقلنا لهم ولكم: { وإن تكفروا } فإن الله غني عن كفركم وشكركم فقد استقر له { ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وعبيدا، فله فيهما من الملائكة من هو أطوع منكم، فلا يتضرر بكفركم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما أوصاكم رحمة بكم، لا لحاجة إليكم، ثم قرر ذلك بقوله: { وكان الله غنيا حميدا } أي: غنيا عن الخلق وعبادتهم، محمودا في ذاته، حمد أو لم يحمد.
{ ولله ما في السماوات وما في الإرض } كرره ثالثا للدلالة على كونه غنيا حميدا، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه، وبما أفاض عليها من الوجود، وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميدا. قاله البيضاوي. { وكفى بالله وكيلا } أي: حافظا ومجيرا لمن تعلق به من أهل السماوات والأرض. { إن يشأ يذهبكم أيها الناس } إن لم تتقوه، ويأت بقوم آخرين، هم أطوع منكم وأتقى، { وكان الله على ذلك قديرا } أي: بليغ القدرة لا يعجزه مراد. قال البيضاوي: وهذا أي قوله: { إن يشأ يذهبكم... } أيضا تقرير لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر وخالف أمره، وقيل: هو خطاب لمن خالف الرسول صلى الله عليه وسلم من العرب، وهو معنى قوله:
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم
[محمد:38] لما روي: أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على ظهر سلمان وقال
" إنهم قوم هذا ".
الإشارة: التقوى أساس الطريق ومنهاج أهل التحقيق، عليها سلك السائرون، وبها وصل الواصلون، وقد وصى بها الحق تعالى المتقدمين والمتأخرين، وبها قرب المقربين وشرف المكرمين. ولها خمس درجات: أن يتقي العبد الكفر وذلك بمقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي والمحرمات وهو: مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات وهو مقام الورع، وأن يتق المباحات، وهو مقام الزهد، وأن يتقي شهود السوى والحس وهو مقام المشاهدة. ولها فضائل مستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: الهداية لقوله تعالى:
هدى للمتقين
[البقرة:2]، والنصرة لقوله:
إن الله مع الذين اتقوا
[النحل:128]، والولاية لقوله:
والله ولي المتقين
[الجاثية:19] والمحبة لقوله
إن الله يحب المتقين
[التوبة:4]، وتنوير القلب لقوله:
يآ أيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا
[الأنفال:29]، والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب، لقوله:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب
[الطلاق:2،3]، وتيسير الأمور لقوله:
ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا
[الطلاق:4] وغفران الذنوب وإعظام الأجر لقوله:
ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا
[الطلاق:5]، وتقبل الأعمال لقوله:
إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة:27] والفلاح لقوله:
واتقوا الله لعلكم تفلحون
[البقرة:189] والبشرى لقوله:
لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة
[يونس:64]، ودخول الجنة لقوله:
إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم
[القلم:34] والنجاة من النار لقوله:
ثم ننجي الذين اتقوا
[مريم:72]. ه. من ابن جزي. ومما ينسب للقطب ابن مشيش رضي الله عنه:
عليك بتقوى الله في السر والجهر ذا شئت توفيقا إلى سبل الخير لأن التقى أصل إلى البر كله فخذه تفز بكل نوع من البر وخير جميع الزاد ما قال ربنا فكن يا أخي لله ممتثل الأمر
النساء 4:132
{ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ولله ما في السماوات وما في الأرض... } يقول الحق جل جلاله: { وإن يتفرقا } أي: يفارق كل واحد منهما صاحبه، { يغن الله } كل واحد منهما عن صاحبه، ببدل أو سلو يقوم بأمره من رزق أو غيره، من سعة غناه وكمال قدرته، { وكان الله واسعا } قدرته { حكيما } أي: متقنا في أحكامه وأفعاله. ثم بين معنى سعته فقال: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } أي: كل ما استقر فيهما فهو تحت حكمه ومشيئته، قائما بحفظه وتدبيره، يعطي كل واحد ما يقوم بأمره ويغنيه عن غيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الروح ما دامت مسجونة تحت قهر البشرية، محجوبة عن شهود معاني الربوبية، كانت فقيرة جائعة متعطشة، تتعشق إلى الأكوان وتفتقر إليها، وتقف معها، فإذا فارقت البشرية وانطلقت من سجن هيكلها، وخرجت فكرتها من سجن الأكون، أغناها الله بشهود ذاته، وأفضت إلى سعة فضاء الشهود والعيان، وملكت جميع الأكوان، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " ، وكذلك البشرية يغنيها الله عن تعب الخدمة وتستريح في ظل المعرفة، فلما تفرقا أغنى الله كلا من سعة فضله وجوده، لأنه واسع العطاء والجود، حكيم في تدبير إمداد كل موجود. وفي قوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } إشارة إلى أن من كان بالله، ووصل إلى شهود ذاته، ملكه الله ما في السماوات وما في الأرض، فيكون خليفة الله في ملكه
وما ذلك على الله بعزيز
[إبراهيم:20]. ولما جرى الكلام على شأن النساء، وهن حبائل الشيطان، تشغل فتنتهن عن ذكر الرحمن، حذر الحق تعالى من فتنتهن، كما هو عادته تعالى في كتابه عند ذكرهن، وأمر بالتقوى التي هي حصن من كل فتنة، فقال: { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا } قلت: { من قبلكم }: يتعلق بأوتوا أو بوصينا، و { إياكم }: عطف على الذين، و { أن اتقوا }: على حذف الجار، أي: بأن اتقوا، أو مفسرة لأن التوصية في معنى القول، و { إن تكفروا } على حذف القول، أي: وقلنا لهم ولكم: { وإن تكفروا... } الخ. يقول الحق جل جلاله: { ولقد وصينا } الأمم المتقدمة الذين أنزلنا عليهم { الكتاب من قبلكم } كأهل التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهم من الأمم، ووصيناكم أنتم { أن اتقوا الله } بإن تمتثلوا أوامره، وتجتنبوا نواهيه، ظاهرا وباطنا، وقلنا لهم ولكم: { وإن تكفروا } فإن الله غني عن كفركم وشكركم فقد استقر له { ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وعبيدا، فله فيهما من الملائكة من هو أطوع منكم، فلا يتضرر بكفركم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما أوصاكم رحمة بكم، لا لحاجة إليكم، ثم قرر ذلك بقوله: { وكان الله غنيا حميدا } أي: غنيا عن الخلق وعبادتهم، محمودا في ذاته، حمد أو لم يحمد.
{ ولله ما في السماوات وما في الإرض } كرره ثالثا للدلالة على كونه غنيا حميدا، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه، وبما أفاض عليها من الوجود، وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميدا. قاله البيضاوي. { وكفى بالله وكيلا } أي: حافظا ومجيرا لمن تعلق به من أهل السماوات والأرض. { إن يشأ يذهبكم أيها الناس } إن لم تتقوه، ويأت بقوم آخرين، هم أطوع منكم وأتقى، { وكان الله على ذلك قديرا } أي: بليغ القدرة لا يعجزه مراد. قال البيضاوي: وهذا أي قوله: { إن يشأ يذهبكم... } أيضا تقرير لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر وخالف أمره، وقيل: هو خطاب لمن خالف الرسول صلى الله عليه وسلم من العرب، وهو معنى قوله:
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم
[محمد:38] لما روي: أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على ظهر سلمان وقال
" إنهم قوم هذا ".
الإشارة: التقوى أساس الطريق ومنهاج أهل التحقيق، عليها سلك السائرون، وبها وصل الواصلون، وقد وصى بها الحق تعالى المتقدمين والمتأخرين، وبها قرب المقربين وشرف المكرمين. ولها خمس درجات: أن يتقي العبد الكفر وذلك بمقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي والمحرمات وهو: مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات وهو مقام الورع، وأن يتق المباحات، وهو مقام الزهد، وأن يتقي شهود السوى والحس وهو مقام المشاهدة. ولها فضائل مستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: الهداية لقوله تعالى:
هدى للمتقين
[البقرة:2]، والنصرة لقوله:
إن الله مع الذين اتقوا
[النحل:128]، والولاية لقوله:
والله ولي المتقين
[الجاثية:19] والمحبة لقوله
إن الله يحب المتقين
[التوبة:4]، وتنوير القلب لقوله:
يآ أيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا
[الأنفال:29]، والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب، لقوله:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب
[الطلاق:2،3]، وتيسير الأمور لقوله:
ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا
[الطلاق:4] وغفران الذنوب وإعظام الأجر لقوله:
ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا
[الطلاق:5]، وتقبل الأعمال لقوله:
إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة:27] والفلاح لقوله:
واتقوا الله لعلكم تفلحون
[البقرة:189] والبشرى لقوله:
لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة
[يونس:64]، ودخول الجنة لقوله:
إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم
[القلم:34] والنجاة من النار لقوله:
ثم ننجي الذين اتقوا
[مريم:72]. ه. من ابن جزي. ومما ينسب للقطب ابن مشيش رضي الله عنه:
عليك بتقوى الله في السر والجهر ذا شئت توفيقا إلى سبل الخير لأن التقى أصل إلى البر كله فخذه تفز بكل نوع من البر وخير جميع الزاد ما قال ربنا فكن يا أخي لله ممتثل الأمر
النساء 4:133
{ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ولله ما في السماوات وما في الأرض... } يقول الحق جل جلاله: { وإن يتفرقا } أي: يفارق كل واحد منهما صاحبه، { يغن الله } كل واحد منهما عن صاحبه، ببدل أو سلو يقوم بأمره من رزق أو غيره، من سعة غناه وكمال قدرته، { وكان الله واسعا } قدرته { حكيما } أي: متقنا في أحكامه وأفعاله. ثم بين معنى سعته فقال: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } أي: كل ما استقر فيهما فهو تحت حكمه ومشيئته، قائما بحفظه وتدبيره، يعطي كل واحد ما يقوم بأمره ويغنيه عن غيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الروح ما دامت مسجونة تحت قهر البشرية، محجوبة عن شهود معاني الربوبية، كانت فقيرة جائعة متعطشة، تتعشق إلى الأكوان وتفتقر إليها، وتقف معها، فإذا فارقت البشرية وانطلقت من سجن هيكلها، وخرجت فكرتها من سجن الأكون، أغناها الله بشهود ذاته، وأفضت إلى سعة فضاء الشهود والعيان، وملكت جميع الأكوان، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك " ، وكذلك البشرية يغنيها الله عن تعب الخدمة وتستريح في ظل المعرفة، فلما تفرقا أغنى الله كلا من سعة فضله وجوده، لأنه واسع العطاء والجود، حكيم في تدبير إمداد كل موجود. وفي قوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } إشارة إلى أن من كان بالله، ووصل إلى شهود ذاته، ملكه الله ما في السماوات وما في الأرض، فيكون خليفة الله في ملكه
وما ذلك على الله بعزيز
[إبراهيم:20]. ولما جرى الكلام على شأن النساء، وهن حبائل الشيطان، تشغل فتنتهن عن ذكر الرحمن، حذر الحق تعالى من فتنتهن، كما هو عادته تعالى في كتابه عند ذكرهن، وأمر بالتقوى التي هي حصن من كل فتنة، فقال: { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا } قلت: { من قبلكم }: يتعلق بأوتوا أو بوصينا، و { إياكم }: عطف على الذين، و { أن اتقوا }: على حذف الجار، أي: بأن اتقوا، أو مفسرة لأن التوصية في معنى القول، و { إن تكفروا } على حذف القول، أي: وقلنا لهم ولكم: { وإن تكفروا... } الخ. يقول الحق جل جلاله: { ولقد وصينا } الأمم المتقدمة الذين أنزلنا عليهم { الكتاب من قبلكم } كأهل التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهم من الأمم، ووصيناكم أنتم { أن اتقوا الله } بإن تمتثلوا أوامره، وتجتنبوا نواهيه، ظاهرا وباطنا، وقلنا لهم ولكم: { وإن تكفروا } فإن الله غني عن كفركم وشكركم فقد استقر له { ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وعبيدا، فله فيهما من الملائكة من هو أطوع منكم، فلا يتضرر بكفركم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما أوصاكم رحمة بكم، لا لحاجة إليكم، ثم قرر ذلك بقوله: { وكان الله غنيا حميدا } أي: غنيا عن الخلق وعبادتهم، محمودا في ذاته، حمد أو لم يحمد.
{ ولله ما في السماوات وما في الإرض } كرره ثالثا للدلالة على كونه غنيا حميدا، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه، وبما أفاض عليها من الوجود، وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميدا. قاله البيضاوي. { وكفى بالله وكيلا } أي: حافظا ومجيرا لمن تعلق به من أهل السماوات والأرض. { إن يشأ يذهبكم أيها الناس } إن لم تتقوه، ويأت بقوم آخرين، هم أطوع منكم وأتقى، { وكان الله على ذلك قديرا } أي: بليغ القدرة لا يعجزه مراد. قال البيضاوي: وهذا أي قوله: { إن يشأ يذهبكم... } أيضا تقرير لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر وخالف أمره، وقيل: هو خطاب لمن خالف الرسول صلى الله عليه وسلم من العرب، وهو معنى قوله:
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم
[محمد:38] لما روي: أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على ظهر سلمان وقال
" إنهم قوم هذا ".
الإشارة: التقوى أساس الطريق ومنهاج أهل التحقيق، عليها سلك السائرون، وبها وصل الواصلون، وقد وصى بها الحق تعالى المتقدمين والمتأخرين، وبها قرب المقربين وشرف المكرمين. ولها خمس درجات: أن يتقي العبد الكفر وذلك بمقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي والمحرمات وهو: مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات وهو مقام الورع، وأن يتق المباحات، وهو مقام الزهد، وأن يتقي شهود السوى والحس وهو مقام المشاهدة. ولها فضائل مستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: الهداية لقوله تعالى:
هدى للمتقين
[البقرة:2]، والنصرة لقوله:
إن الله مع الذين اتقوا
[النحل:128]، والولاية لقوله:
والله ولي المتقين
[الجاثية:19] والمحبة لقوله
إن الله يحب المتقين
[التوبة:4]، وتنوير القلب لقوله:
يآ أيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا
[الأنفال:29]، والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب، لقوله:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب
[الطلاق:2،3]، وتيسير الأمور لقوله:
ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا
[الطلاق:4] وغفران الذنوب وإعظام الأجر لقوله:
ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا
[الطلاق:5]، وتقبل الأعمال لقوله:
إنما يتقبل الله من المتقين
[المائدة:27] والفلاح لقوله:
واتقوا الله لعلكم تفلحون
[البقرة:189] والبشرى لقوله:
لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة
[يونس:64]، ودخول الجنة لقوله:
إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم
[القلم:34] والنجاة من النار لقوله:
ثم ننجي الذين اتقوا
[مريم:72]. ه. من ابن جزي. ومما ينسب للقطب ابن مشيش رضي الله عنه:
عليك بتقوى الله في السر والجهر ذا شئت توفيقا إلى سبل الخير لأن التقى أصل إلى البر كله فخذه تفز بكل نوع من البر وخير جميع الزاد ما قال ربنا فكن يا أخي لله ممتثل الأمر
النساء 4:134
قلت: { من }: شرطية، وجوابها محذوف دل عليه الكلام، أي: من كان يريد ثواب الدنيا فيلطلبه منه، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، أو من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه خاصة، عند الله ثواب الدنيا والآخرة. يقول الحق جل جلاله: { من كان يريد ثواب الدينا } والتوسع فيها، فليطلبه منا فعند الله ثواب الدارين، أو من كان يريد ثواب الدنيا، فليطلب مع ذلك ثواب الآخرة أيضا، وليقل:
ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة
[البقرة:201] { فعند الله ثواب الدنيا والآخرة } ، فيعطيهما معا لمن طلبهما، والثاني أنهض من الأول، وأكمل منهما من أعرض عنهما وطلب مولاه، { وكان الله سميعا بصيرا } ، لا يخفى عليه مقاصد خلقه، فيعطي كلا على حسب قصده. الإشارة: المهم ثلاثة: همة دنية تعلقت بالدنيا الدنية، وهمة متوسطة تعلقت بنعيم الآخرة، وهمة عاليه تعلقت بالكبير المتعال. والله تعالى يرزق العبد على قدر همته، وبالهمم ترفع المقادير أو تسقط، فمن كانت همته دنية كان دنيا خسيسا، ومن كانت همته متوسطة كان قدره متوسطا، رحل من كون إلى كون، كحمار الرحا، يسير، والذي ارتحل منه هو الذي عاد إليه، ومن كانت همته عالية كان عالي المقدار، كبير الشأن حاز الكونين بما فيهما، وزاد مشاهدة خالقهما، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
النساء 4:135
قلت: { شهداء }: خبر ثاني لكان، أو حال، { فالله أولى }: علة للجواب أي: إن يكن المشهود عليه غنيا عليه فلا تمتنعوا من الشهادة عليه تعظيما له، وإن يكن فقيرا فلا تمتنعوا من الشهادة عليه إشفاقا عليه، فإن الله أولى بالغني والفقير منكم، والضمير في { بهما } راجع إلى ما دل عليه المذكور، وهو جنسا الغني والفقير، لا إليه وإلا لوحد لأن " أو " لأحد الشيئين. و { أن تعدلوا }: مفعول من أجله، ومن قرأ: تلوا بضم اللام فقد نقل ضم الواو إلى اللام وحذف الواوين، وقيل: من الولاية. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط } أي: مجتهدين في إقامة العدل مواظبين على الحكم به، وكونوا { شهداء لله بالحق } تقيمون شهادتكم لوجه الله، وابتغاء مرضاته، بلا طمع أجر ولا عرض، وهذا إن تعينت عليه، ولم يكن في تحملها مشقة، وإلا أبيح له أجر تعبه، فأدوا شهاداتكم { ولو } كانت { على أنفسكم } بأن تقروا بالحق الذي عليها، لأن الشهادة بيان الحق، سواء كان عليها أو على غيرها، { أو } كانت الشهادة على { الوالدين والأقربين } ، فلا تمنعكم الشفقة والتعظيم من إقامة الشهادة عليهما، وأحرى غيرهما من الأجانب، { إن يكن } المشهود عليه { غنيا أو فقيرا } فلا تميلوا عن الشهادة بالحق عليهما، تعظيما للغني أو شفقة للفقير، فأن { الله أولى بهما } وبالنظر لهما، فلو لم تكن الشهادة عليهما صلاحا لهما ما شرعها، { فلا تتبعوا الهوى } فتميلوا مع الغني أو الفقير، فقد نهيتكم إرادة { أن تعدلوا } في أحكامكم، فتكونوا عدولا، أو كراهية أو تعدلوا عن الحق أي: تميلوا، { وإن تلووا } ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل { أو تعرضوا } عن أدائها فتكتموها { فإن الله كان بما تعملون خبيرا } ، فيجازي الكاتم والمؤدي. قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها:
" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم شهادته على من كانت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجحد حقا هو عليه، وليؤده عفوا، ولا يلجئه إلى السلطان وخصومته، ليقتطع بها حقه، وأيما رجل خاصم إلي فقضيت له على أخيه بحق ليس له عليه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ".
الإشارة: قد أمر الحق تعالى عباده بإقامة العدل في الأمور كلها، ونهى عن مراقبة الخلق في الأشياء كلها، فيتأكد على المريد ألا يراقب أحدا من الخلق وإنما يراقب الملك الحق، فيكون قويا في الحق، يقيمه على نفسه وغيره، فلا تجتمع مراقة الحق مع مراقبة الخلق، من راقب الحق غاب عن الناس، ومن راقب الناس غاب عن الحق، وعاش مغموما من الخلق، ولله در القائل حيث قال:
من راقب الناس مات غما وفاز باللذات الجسور
وكان شيخ شيخنا رضي الله عنه يقول مراقبة الخلق عند أهل الظاهر شيء كبير، وعدم المراقبة عند الباطن أمر كبير. فإقامة العدل على النفس ألا يتركها تميل إلى الرخص والتأويلات، وإقامته على الوالدين تذكيرهما بالله ودلالتهما على الله بلطف ولين، وإقامته على الأقربين بنصحهم وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم، كانوا أغنياء أو فقراء، وإقامته على الأجانب كذلك. وبالله التوفيق.
النساء 4:136
يقول الحق جل جلاله: مخاطبا من أسلم من اليهود وهو عبدالله بن سلام وأسد وأسيد ابنا كعب، وثعلبة بن قيس، وسلام ابن أخت عبدالله بن سلام، وسلمة ابن أخية ويامين قالوا يا رسول الله، نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم
" آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وبكتابه القرآن، وبكل كتاب قبله "
فنزلت الآية. فقال لهم جل جلاله: { يأ أيها الذين آمنوا } بمحمد، بعد أن آمنوا بموسى { آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله } القرآن { والكتاب الذي أنزل من قبل } أي: جنس الكتاب، فتدخل الكتب المتقدمة كلها، { ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر } أي: ومن يكفر بشيء من ذلك { فقد ضل ضلالا بعيدا } أي: أخطا خطأ بعيدا لا يكاد يعود إلى الطريق، فلما نزلت قالوا: يا رسول الله إن نؤمن بالجميع، ولا نفرق بين أحد منهم، كما فرقت اليهود والنصارى. وقيل: الخطاب للمنافقين، أي: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم آمنوا بقلوبكم، كما آمنتم بألسنتكم، وقيل: للمؤمنين، أي: دوموا على إيمانكم، وأثبتوا عليه. الإشارة: أمر الحق جل جلاله، أهل الإيمان أن يجددوا إيمانهم، فيثبتوا على ما هو حاصل، ويسترشدوا إلى ما ليس بحاصل، فإن أنوار الإيمان تتزايد وتترادف على القلوب بحسب التصفية والنظر، وبقدر الطاعة والتقرب، فلا يزال العبد يتقرب إلى الله، وأنوار التوجه تتوارد عليه، حتى تشرق عليه أنوار المواجهة وهي أنوار الشهود، فشروق الأنوار على قدر صفاء الأسرار، وورود الإمداد على حسب الاستعداد، فبقدر التفرغ من الأغيار ترد على القلوب المواهب والأسرار، وهذا كله لمن صحب العارفين وأخذ عنهم، وملك زمام نفسه لهم، وإلا فحسبه الإيمان بالغيب، ولو عمل ما عمل، وبالله التوفيق.
النساء 4:137
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا ثم كفروا } ثم تكرر منهم الإيمان والكفر، ثم أصروا على الكفر وهم المنافقون، { لم يكن الله ليغفر لهم } لما سبق لهم من الشقاء، أو { إن الذين آمنوا } بموسى { ثم كفروا } بعبادة العجل { ثم آمنوا } حين تابوا { ثم كفروا } بعيسى { ثم ازدادوا كفرا } بمحمد صلى الله عليه وسلم ن { لم يكن الله ليغفر لهم } ، وهم اليهود، والأول أظهر، لأن الكلام بعده في المنافقين، فقال تعالى في شأنهم: { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا } أي: طريقا توصلهم إلى الحق، إذ يستبعد منهم أن يتوبوا، فإن قلوبهم أشربت الكفر، وبصائرهم عميت، لا ينفع علاجها، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم ينفعهم، وقد يكون إضلالهم عقابا لسوء أفعالهم. ثم ذكر وعيدهم فقال: { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما }. وهم { الذين يتخذون الكافرين أولياء } أي: أحبابا وأصدقاء { من دون المؤمنين } ، وقد كان الكفار قبل ظهور الإسلام لهم الصولة والجاه، فطلب المنافقون أن ينالوا بولايتهم ومصادقتهم العز منهم، فرد الله عليهم بقوله: { أيبتغون عندهم العزة } بولايتهم؟ { فإن العزة لله جميعا } ولرسوله ولأوليائه، ولا عزة لغيره إذ لا يعبأ بعزة لا تدوم ويعقبها الذل. الإشارة: من كان ضعيف الاعتقاد في أهل الخصوصية، ضعيف التصديق، تراه تارة يدخل وتارة يخرج، وتارة يصدق وتارة ينكر، لا يرجى فلاحه في طريق الخصوص، فإن ضم إلى ذلك صحبة أهل الإنكار وولايتهم، فبشره بالخيبة والخسران، فإن تعزز بعزهم أعقبه الذل والهوان، والعياذ بالله من الخذلان، فالعز إنما يكون بعز التوحيد والإيمان، وعزة المعرفة والإحسان، وبصحبة أهل العرفان، الذين تعززوا بعز الرحمن، فمن تعزز بعز يفنى مات عزه، ومن تعزز بعز يبقى دام عزه، والشبكة التي يصطاد بها العز هو الذل لله، يظهره بين عباد الله. قال بعضهم: والله ما رأيت العز إلا في الذل. وقال الشاعر:
تذلل لمن تهوى لتكسب عزة فكم عزة قد نالها المرء بالدل
وبالله التوفيق.
النساء 4:138
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا ثم كفروا } ثم تكرر منهم الإيمان والكفر، ثم أصروا على الكفر وهم المنافقون، { لم يكن الله ليغفر لهم } لما سبق لهم من الشقاء، أو { إن الذين آمنوا } بموسى { ثم كفروا } بعبادة العجل { ثم آمنوا } حين تابوا { ثم كفروا } بعيسى { ثم ازدادوا كفرا } بمحمد صلى الله عليه وسلم ن { لم يكن الله ليغفر لهم } ، وهم اليهود، والأول أظهر، لأن الكلام بعده في المنافقين، فقال تعالى في شأنهم: { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا } أي: طريقا توصلهم إلى الحق، إذ يستبعد منهم أن يتوبوا، فإن قلوبهم أشربت الكفر، وبصائرهم عميت، لا ينفع علاجها، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم ينفعهم، وقد يكون إضلالهم عقابا لسوء أفعالهم. ثم ذكر وعيدهم فقال: { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما }. وهم { الذين يتخذون الكافرين أولياء } أي: أحبابا وأصدقاء { من دون المؤمنين } ، وقد كان الكفار قبل ظهور الإسلام لهم الصولة والجاه، فطلب المنافقون أن ينالوا بولايتهم ومصادقتهم العز منهم، فرد الله عليهم بقوله: { أيبتغون عندهم العزة } بولايتهم؟ { فإن العزة لله جميعا } ولرسوله ولأوليائه، ولا عزة لغيره إذ لا يعبأ بعزة لا تدوم ويعقبها الذل. الإشارة: من كان ضعيف الاعتقاد في أهل الخصوصية، ضعيف التصديق، تراه تارة يدخل وتارة يخرج، وتارة يصدق وتارة ينكر، لا يرجى فلاحه في طريق الخصوص، فإن ضم إلى ذلك صحبة أهل الإنكار وولايتهم، فبشره بالخيبة والخسران، فإن تعزز بعزهم أعقبه الذل والهوان، والعياذ بالله من الخذلان، فالعز إنما يكون بعز التوحيد والإيمان، وعزة المعرفة والإحسان، وبصحبة أهل العرفان، الذين تعززوا بعز الرحمن، فمن تعزز بعز يفنى مات عزه، ومن تعزز بعز يبقى دام عزه، والشبكة التي يصطاد بها العز هو الذل لله، يظهره بين عباد الله. قال بعضهم: والله ما رأيت العز إلا في الذل. وقال الشاعر:
تذلل لمن تهوى لتكسب عزة فكم عزة قد نالها المرء بالدل
وبالله التوفيق.
النساء 4:139
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا ثم كفروا } ثم تكرر منهم الإيمان والكفر، ثم أصروا على الكفر وهم المنافقون، { لم يكن الله ليغفر لهم } لما سبق لهم من الشقاء، أو { إن الذين آمنوا } بموسى { ثم كفروا } بعبادة العجل { ثم آمنوا } حين تابوا { ثم كفروا } بعيسى { ثم ازدادوا كفرا } بمحمد صلى الله عليه وسلم ن { لم يكن الله ليغفر لهم } ، وهم اليهود، والأول أظهر، لأن الكلام بعده في المنافقين، فقال تعالى في شأنهم: { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا } أي: طريقا توصلهم إلى الحق، إذ يستبعد منهم أن يتوبوا، فإن قلوبهم أشربت الكفر، وبصائرهم عميت، لا ينفع علاجها، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم ينفعهم، وقد يكون إضلالهم عقابا لسوء أفعالهم. ثم ذكر وعيدهم فقال: { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما }. وهم { الذين يتخذون الكافرين أولياء } أي: أحبابا وأصدقاء { من دون المؤمنين } ، وقد كان الكفار قبل ظهور الإسلام لهم الصولة والجاه، فطلب المنافقون أن ينالوا بولايتهم ومصادقتهم العز منهم، فرد الله عليهم بقوله: { أيبتغون عندهم العزة } بولايتهم؟ { فإن العزة لله جميعا } ولرسوله ولأوليائه، ولا عزة لغيره إذ لا يعبأ بعزة لا تدوم ويعقبها الذل. الإشارة: من كان ضعيف الاعتقاد في أهل الخصوصية، ضعيف التصديق، تراه تارة يدخل وتارة يخرج، وتارة يصدق وتارة ينكر، لا يرجى فلاحه في طريق الخصوص، فإن ضم إلى ذلك صحبة أهل الإنكار وولايتهم، فبشره بالخيبة والخسران، فإن تعزز بعزهم أعقبه الذل والهوان، والعياذ بالله من الخذلان، فالعز إنما يكون بعز التوحيد والإيمان، وعزة المعرفة والإحسان، وبصحبة أهل العرفان، الذين تعززوا بعز الرحمن، فمن تعزز بعز يفنى مات عزه، ومن تعزز بعز يبقى دام عزه، والشبكة التي يصطاد بها العز هو الذل لله، يظهره بين عباد الله. قال بعضهم: والله ما رأيت العز إلا في الذل. وقال الشاعر:
تذلل لمن تهوى لتكسب عزة فكم عزة قد نالها المرء بالدل
وبالله التوفيق.
النساء 4:140
{ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم... } قلت: { أن } مخفف: نافية، فاعل نزل، و { يكفر } و { يستهزأ } ، حالان من الآيات، وضمير { معهم }: يعود على الكفار المفهوم من { يكفر } ، وضمير { غيره } يعود على الكفر والاستهزاء، وهما شيء واحد. يقول الحق جل جلاله: في التحذير من مجالسة أهل الكفر والمعاصي: { وقد نزل عليكم } يا معشر المسلمين في القرآن في سورة الأنعام، أنه { إذا سمعتم آيات الله } حال كونها { يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم } بل قوموا عنهم، إن لم تقدروا أن تنكروا عليهم، والآية التي في سورة الإنعام قوله تعالى:
" وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره "
[الأنعام:68] الآية. فما داموا في الخوض فاعرضوا عنهم حتى يخوضوا في حديث غير الخوض، فإن جلستم معهم في حال الخوض فإنكم { إذا مثلهم } في الإثم، إن لم ترضوا، أو في الكفر، إن رضيتم بخوضهم. نزلت في قوم من المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن، ويكذبون به ويحرفونه، فنهى المسلمين عن مجالستهم، قال ابن عباس: ودخل في هذه الآية كل محدث في الدين ومبتدع إلى يوم القيامة. ه. الإشارة: أولياء الله آيات من آيات الله: فمن استهزأ بهم فقد استوجب المقت من الله، وكل موطن يقع فيه الإنكار عليهم أو الغض من مرتبتهم، يجب الفرار منه، لأنه موطن الغضب ومحل الهلاك والعطب، فإن لحوم الأولياء سموم قاتلة، واللعنة على من يقع فيهم حاصلة، فمن جلس مع أهل الخوض من غير عذر، كان من الخائضين، ومن فر منهم كان من الناجين، ومن أنكر على من يقع فيهم كان من المجاهدين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وعيد الخائضين ومن رضي بخوضهم، فقال:... { إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } قلت: { الذين }: صفة المنافقين، أو نصب على الذم، و { نستحوذ }: تغلب، استحوذ: غلب، جاء على أصله، ولم يعل كاستعاذ والقياس: استحاذ، يستحيذ، كاستعاذ يستعيذ، لكنه صحح تنبيها على الأصل. يقول الحق جل جلاله: { إن الله } سيجمع { المنافقين والكافرين } ، أي: الخائضين والقاعدين معهم، { في جهنم جميعا } خالدين فيها. { الذين يتربصون بكم } أي: ينتظرون بكم الدوائر، أي: ما يدور به الزمان والدهر عليكم، وهم المنافقون، { فإن كان لكم فتح من الله } كالنصر والغنيمة { قالوا } للمؤمنين: { ألم نكن معكم } على دينكم، فأعطونا مما غنمتم، { وإن كان للكافرين نصيب } دولة أو ظهور على المسلمين، { قالوا } لهم: { ألم نستحوذ عليكم } أي: نغلبكم ونتمكن من قتلكم، وأبقينا عليكم فمنعناكم من قتل المسلمين لكم، بأن خذلناهم بتخييل ما ضعفت به عزيمتهم عليكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فأشركونا مما أصبتم.
وإنما سمي ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا لخسة حظه، فإنه حظ دنياوي، استدراجا ومكرا، بخلاف ظفر المسلمين، فإنه إظهار الدين، وإعانة بالغنيمة للمسلمين. { فالله يحكم بينهم يوم القيامة } فيدخل أهل الحق الجنة، ويدخل أهل الخوض النار، { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } أي: حجة، أو غلبة في الدنيا والآخرة، وفيه دليل على عدم صحة ملك الكافر للمسلم، فيباع عليه إن اشتراه، ويفسخ نكاحه إن تزوج مسلمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: المرء مع من أحب من أحب قوما حشر معهم، فمن أحب أهل الخوض حشر مع الخائضين، ومن أحب أهل الصفا حشر مع المخلصين، وإن كان مذبذبا يميل مع كل ريح حشر مع المخلصين، وهو من خف عقله وضعف يقينه، إن رأى بأهل النسبة من الفقراء عزا ونصرا وفتحا انحاز إليهم، وقال: ألم نكن معكم، وإن رأى لأهل الإنكار من العوام صولة وغلبة رجع إليهم، وقال: ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من دعاء الصالحين عليكم، فما لهذه عند الله من خلاق. وفي الحديث:
" ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها "
فالله يحكم بينهم يوم القيامة، فيرفع أهل الصفا مع المقربين، ويسقط أهل الخوض مع الخائضين، وليس لأهل الخوض من أهل الإنكار سبيل ولا حجة على أهل الصفا من الأبرار،
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون
[النحل:128].
النساء 4:141
{ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم... } قلت: { أن } مخفف: نافية، فاعل نزل، و { يكفر } و { يستهزأ } ، حالان من الآيات، وضمير { معهم }: يعود على الكفار المفهوم من { يكفر } ، وضمير { غيره } يعود على الكفر والاستهزاء، وهما شيء واحد. يقول الحق جل جلاله: في التحذير من مجالسة أهل الكفر والمعاصي: { وقد نزل عليكم } يا معشر المسلمين في القرآن في سورة الأنعام، أنه { إذا سمعتم آيات الله } حال كونها { يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم } بل قوموا عنهم، إن لم تقدروا أن تنكروا عليهم، والآية التي في سورة الإنعام قوله تعالى:
" وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره "
[الأنعام:68] الآية. فما داموا في الخوض فاعرضوا عنهم حتى يخوضوا في حديث غير الخوض، فإن جلستم معهم في حال الخوض فإنكم { إذا مثلهم } في الإثم، إن لم ترضوا، أو في الكفر، إن رضيتم بخوضهم. نزلت في قوم من المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن، ويكذبون به ويحرفونه، فنهى المسلمين عن مجالستهم، قال ابن عباس: ودخل في هذه الآية كل محدث في الدين ومبتدع إلى يوم القيامة. ه. الإشارة: أولياء الله آيات من آيات الله: فمن استهزأ بهم فقد استوجب المقت من الله، وكل موطن يقع فيه الإنكار عليهم أو الغض من مرتبتهم، يجب الفرار منه، لأنه موطن الغضب ومحل الهلاك والعطب، فإن لحوم الأولياء سموم قاتلة، واللعنة على من يقع فيهم حاصلة، فمن جلس مع أهل الخوض من غير عذر، كان من الخائضين، ومن فر منهم كان من الناجين، ومن أنكر على من يقع فيهم كان من المجاهدين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وعيد الخائضين ومن رضي بخوضهم، فقال:... { إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } قلت: { الذين }: صفة المنافقين، أو نصب على الذم، و { نستحوذ }: تغلب، استحوذ: غلب، جاء على أصله، ولم يعل كاستعاذ والقياس: استحاذ، يستحيذ، كاستعاذ يستعيذ، لكنه صحح تنبيها على الأصل. يقول الحق جل جلاله: { إن الله } سيجمع { المنافقين والكافرين } ، أي: الخائضين والقاعدين معهم، { في جهنم جميعا } خالدين فيها. { الذين يتربصون بكم } أي: ينتظرون بكم الدوائر، أي: ما يدور به الزمان والدهر عليكم، وهم المنافقون، { فإن كان لكم فتح من الله } كالنصر والغنيمة { قالوا } للمؤمنين: { ألم نكن معكم } على دينكم، فأعطونا مما غنمتم، { وإن كان للكافرين نصيب } دولة أو ظهور على المسلمين، { قالوا } لهم: { ألم نستحوذ عليكم } أي: نغلبكم ونتمكن من قتلكم، وأبقينا عليكم فمنعناكم من قتل المسلمين لكم، بأن خذلناهم بتخييل ما ضعفت به عزيمتهم عليكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فأشركونا مما أصبتم.
وإنما سمي ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا لخسة حظه، فإنه حظ دنياوي، استدراجا ومكرا، بخلاف ظفر المسلمين، فإنه إظهار الدين، وإعانة بالغنيمة للمسلمين. { فالله يحكم بينهم يوم القيامة } فيدخل أهل الحق الجنة، ويدخل أهل الخوض النار، { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } أي: حجة، أو غلبة في الدنيا والآخرة، وفيه دليل على عدم صحة ملك الكافر للمسلم، فيباع عليه إن اشتراه، ويفسخ نكاحه إن تزوج مسلمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: المرء مع من أحب من أحب قوما حشر معهم، فمن أحب أهل الخوض حشر مع الخائضين، ومن أحب أهل الصفا حشر مع المخلصين، وإن كان مذبذبا يميل مع كل ريح حشر مع المخلصين، وهو من خف عقله وضعف يقينه، إن رأى بأهل النسبة من الفقراء عزا ونصرا وفتحا انحاز إليهم، وقال: ألم نكن معكم، وإن رأى لأهل الإنكار من العوام صولة وغلبة رجع إليهم، وقال: ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من دعاء الصالحين عليكم، فما لهذه عند الله من خلاق. وفي الحديث:
" ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها "
فالله يحكم بينهم يوم القيامة، فيرفع أهل الصفا مع المقربين، ويسقط أهل الخوض مع الخائضين، وليس لأهل الخوض من أهل الإنكار سبيل ولا حجة على أهل الصفا من الأبرار،
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون
[النحل:128].
النساء 4:142
قلت: جملة: { ولا يذكرون الله } حال من واو { يراءون } ، وكذلك { مذبذبين } أي: يراءون حال كونهم غير ذاكرين مذبذبين، أو منصوب على الذم، والمذبذب المضطرب المتردد. يقول الحق جل جلاله: { إن المنافقين يخادعون الله } بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر، { وهو خادعهم } ، أي: مجازيهم على خداعهم بأن يظهر لهم يوم القيامة، نورا يمشون به على الصراط، كما يعطي المؤمنين، فإذا مضوا به طفىء نورهم وبقي نور المؤمنين، فينادونهم:
انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا
[الحديد:13]، فيتهافتون في النار، فسمي هذه العقوبة خداعا تسمية للعقوبة باسم الذنب. وكانوا { إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } أي: متثاقلين، لا يريدون بها وجه الله، فإن رءاهم أحد، صلوا، وإلا انصرفوا، فلم يصلوا، { يراءون } بأعمالهم { الناس } أي: المؤمنين، { ولا يذكرون الله إلا قليلا } لأن المرئي لا يذكر إلا بحرة الناس، وهو أقل أحواله، أو لا يذكرونه في صلاتهم إلا قليلا، لأنهم لا يذكرون إلا التكبير والتسليم، وقال ابن عباس: إنما ذلك لأنهم يفعلونها رياء وسمعة، ولو أرادوا بذلك وجه الله تعالى لكان كثيرا. وقال قتادة: إنما قل ذكرهم، لأنه لم يقبل، فكل ما رد من العمل فهو قليل، وكل ما قبل فهو كثير. وكانوا أيضا { مذبذبين } أي: مترددين ومتحيرين بين الكفر والإيمان، { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } أي: لا صائرين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين. قال قتادة: ماهم بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك، هكذا سبق في علم الله، { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } أي: طريقا إلى الهدى، ومثله قوله تعالى:
ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
[النور:40]. الإشارة: كل من أحب أن يرى الناس محاسن أعماله وأحواله، ففيه شعبة من النفاق وشعبة من الرياء، وعلامة المرائي: تزيين ظاهرة وتخريب باطنه، يتزين للناس بحسن أعماله وأحواله، يراقب الناس ولا يراقب الله، وكان بعض الحكماء يقول: يقول الله تعالى :
" يا مرائي: أمر من ترائى بيد من تعصيه "
فمثل هذا أعماله كلها قليلة، ولو كثرت في الحس كالجبال الرواسي، وأعمال المخلصين كلها كثيرة ولو قلت في الحس، وأعمال المرائين كلها قليلة ولو كثرت في الحس. قال في القوت: وصف الله تعالى ذكر المنافقين بالقلة، لكونه غير خاص، كما قيل في تفسير قوله تعالى:
ذكرا كثيرا
[الأحزاب:41] أي: خالصا، فسمي الخالص كثيرا. ه. قولى تعالى: { مذبذبين بين ذلك }: هذه صفة أهل الدعوى، المستشرفين على الحقيقة بالعلم، ليسوا من الخصوص ولا من العموم، مترددين بين الفريقين، ومن يضلل الله عن طريق التحقيق، فلن تجد له سبيلا.
النساء 4:143
قلت: جملة: { ولا يذكرون الله } حال من واو { يراءون } ، وكذلك { مذبذبين } أي: يراءون حال كونهم غير ذاكرين مذبذبين، أو منصوب على الذم، والمذبذب المضطرب المتردد. يقول الحق جل جلاله: { إن المنافقين يخادعون الله } بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر، { وهو خادعهم } ، أي: مجازيهم على خداعهم بأن يظهر لهم يوم القيامة، نورا يمشون به على الصراط، كما يعطي المؤمنين، فإذا مضوا به طفىء نورهم وبقي نور المؤمنين، فينادونهم:
انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا
[الحديد:13]، فيتهافتون في النار، فسمي هذه العقوبة خداعا تسمية للعقوبة باسم الذنب. وكانوا { إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } أي: متثاقلين، لا يريدون بها وجه الله، فإن رءاهم أحد، صلوا، وإلا انصرفوا، فلم يصلوا، { يراءون } بأعمالهم { الناس } أي: المؤمنين، { ولا يذكرون الله إلا قليلا } لأن المرئي لا يذكر إلا بحرة الناس، وهو أقل أحواله، أو لا يذكرونه في صلاتهم إلا قليلا، لأنهم لا يذكرون إلا التكبير والتسليم، وقال ابن عباس: إنما ذلك لأنهم يفعلونها رياء وسمعة، ولو أرادوا بذلك وجه الله تعالى لكان كثيرا. وقال قتادة: إنما قل ذكرهم، لأنه لم يقبل، فكل ما رد من العمل فهو قليل، وكل ما قبل فهو كثير. وكانوا أيضا { مذبذبين } أي: مترددين ومتحيرين بين الكفر والإيمان، { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } أي: لا صائرين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين. قال قتادة: ماهم بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك، هكذا سبق في علم الله، { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } أي: طريقا إلى الهدى، ومثله قوله تعالى:
ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
[النور:40]. الإشارة: كل من أحب أن يرى الناس محاسن أعماله وأحواله، ففيه شعبة من النفاق وشعبة من الرياء، وعلامة المرائي: تزيين ظاهرة وتخريب باطنه، يتزين للناس بحسن أعماله وأحواله، يراقب الناس ولا يراقب الله، وكان بعض الحكماء يقول: يقول الله تعالى :
" يا مرائي: أمر من ترائى بيد من تعصيه "
فمثل هذا أعماله كلها قليلة، ولو كثرت في الحس كالجبال الرواسي، وأعمال المخلصين كلها كثيرة ولو قلت في الحس، وأعمال المرائين كلها قليلة ولو كثرت في الحس. قال في القوت: وصف الله تعالى ذكر المنافقين بالقلة، لكونه غير خاص، كما قيل في تفسير قوله تعالى:
ذكرا كثيرا
[الأحزاب:41] أي: خالصا، فسمي الخالص كثيرا. ه. قولى تعالى: { مذبذبين بين ذلك }: هذه صفة أهل الدعوى، المستشرفين على الحقيقة بالعلم، ليسوا من الخصوص ولا من العموم، مترددين بين الفريقين، ومن يضلل الله عن طريق التحقيق، فلن تجد له سبيلا.
النساء 4:144
قلت: اتخذ، يتعدى إلى مفعولين، و { من دون }: حال. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا } لا تتشبهوا بالمنافقين فتتخذوا { الكافرين أولياء } وأصدقاء { من المؤمنين } لأن الله أعزكم بالإيمان والنصر، فلا تطلبوا العز من أحد سواه، { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } أي: حجة واضحة على تعذيبكم وسببا في عقابكم. الإشارة: قد تقدم في كثير من الإشارات النهي عن موالاة أهل الإنكار على الأولياء، وعن مخالطة أهل الدنيا وصحبتهم، فإن ذلك حجة واضحة على الرجوع إليهم ومصانعتهم، وهو عين النفاق عند المخلصين. والله تعالى أعلم.
النساء 4:145
قلت: الدرك والدرك لغتان، كالظعن والظعن، والنهر والنهر، والنشر والنشر، وهي الطبقة السفلى، وسميت طبقاتهم دركات لأنها متداركة متتابعة، وهي ضد الدرجات، فالدرجات للعلو، والدركات للسفل. يقول الحق جل جلاله: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } أي: في الطبقة السفلى في قعر جهنم لإنهم أخبث الكفرة، حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وخداع المسلمين. قال ابن مسعود رضي الله عنه: هم في توابيت من النار مقفلة عليهم في النار، مطبقة عليهم. وعن ابن عمر رضي الله عنه: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، وممن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون لقوله: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } وقال في أصحاب المائدة:
فإني أعذبه عذابا لآ أعذبه أحدا من العالمين
[المائدة:115]. وقال:
ادخلوا ءال فرعون أشد العذاب
[غافر:46]، { ولن تجد لهم نصيرا } يمنعهم من ذلك العذاب. { إلا الذين تابوا } عن النفاق { وأصلحوا } ما أفسدوا في سرائرهم وأعمالهم في حال النفاق، { واعتصموا بالله } أي: وثقوا به وتمسكوا به، دون أحد سواه، { وأخلصوا دينهم لله } لا يريدون بطاعته إلا وجه الله، ولا رياء ولا سمعة { فأولئك مع المؤمنين } في الدين. قال الفراء: من المؤمنين، وقال العتبي: حاد عن كلامهم غيظا عليهم، ولم يقل هم المؤمنون. ه. قلت: إنما قال: { مع المؤمنين } ولم يقل: منهم، لأن التخلص من النفاق صعب، ولا يكون من المؤمنين، حتى يتخلص من جميع شعبه، وهو عزيز، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ".
{ وسوف يؤت الله المؤمنين } المخلصين { أجرا عظيما } فيساهمونهم فيه إن تابوا وأصلحوا، فإن الله غني عن عذابهم، ولذلك قال: { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } أي: لا حاجة له في عذابكم، فلا يشفى به غيظا ولا يدفع به ضررا، أو يستجلب به نفعا لأنه غني عن المنافع، وإنما يعاقب المصر بكفره، لأن إصراره عليه كسوء المزاج يؤدي إلى مرض فإن زال بالإيمان والشكر، ونقى منه قلبه، تخلص من تبعته. وإنما قدم الشكر لإن الناظر يدرك النعم أولا فيشكر شكرا مبهما، ثم يمعن النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به. قاله البيضاوي. وقال الثعلبي: فيه تقديم تأخير، أي إن آمنتم وشكرتم، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان. { وكان الله شاكرا } لأعمال عباده، يقبل اليسير ويعطي الكثير، { عليما } بحقيقة شكرهم وإيمانهم، ومقدار أعمالهم، فيضاعفها على قدر تخليصها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا شيء أصعب على النفس من الإخلاص كلما اجتهد العبد في قطع الرياء نبت على لون آخر، فلا يتطهر العبد منها إلا بتحقيق الفناء والغيبة عن السوى بالكلية.
كما قال الششتري رضي الله عنه:
طهر العين بالمدامع سكبا من شهود السوى تزل كل عله
قال بعضهم: [ لا ينبت الإخلاص في القلب حتى يسقط من عين الناس، ويسقط الناس من عينه]. والإخلاص من أعمال القلوب، فلا يطلع عليه إلا علآم الغيوب، فلا يجوز أن يحكم على أحد بالرياء بمجرد ما يرى عليه من الإظهار، وقد تدخل الرياء مع الإسرار، وتتخلص من القلب مع الإظهار، وفي الحكم: " ربما دخل الرياء عليك حيث لا ينظر الخلق إليك ". فإذا تخلص العبد من دقائق الرياء، وأصلح ما بينه وبين الله واعتصم به دون شيء سواه، كان مع المخلصين المقربين فيكون عمله موفورا، وسعيه مشكورا. وبالله التوفيق. وقد تكلم في الإحياء على هذه الآية فقال: إنما كان المنافقون في الدرك الأسفل لأنهم جحدوا بعد العلم، وإنما تضاعف عذاب العالم في معصيته لأنه عصى عن علم. قلت: وافهم منه قوله صلى الله عليه وسلم في أبي طالب
" ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار "
وذلك لاعراضه مع العلم. وقال في الإحياء أيضا: شدد أمر المنافقين لإن الكافر كفر وأظهر، والمنافق كفر وستر، فكان ستره لكفره كفرا آخر، لأنه استخف بنظر الله إلى قلبه، وعظم أمر المخلوقين. ه. والحاصل: أن التشديد في الرياء والنفاق لما في ذلك من تعظيم نظر الخلق على نظر الخالق، فكان أعظم من الكفر الصريح. ه. من الحاشية.
النساء 4:146
قلت: الدرك والدرك لغتان، كالظعن والظعن، والنهر والنهر، والنشر والنشر، وهي الطبقة السفلى، وسميت طبقاتهم دركات لأنها متداركة متتابعة، وهي ضد الدرجات، فالدرجات للعلو، والدركات للسفل. يقول الحق جل جلاله: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } أي: في الطبقة السفلى في قعر جهنم لإنهم أخبث الكفرة، حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وخداع المسلمين. قال ابن مسعود رضي الله عنه: هم في توابيت من النار مقفلة عليهم في النار، مطبقة عليهم. وعن ابن عمر رضي الله عنه: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، وممن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون لقوله: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } وقال في أصحاب المائدة:
فإني أعذبه عذابا لآ أعذبه أحدا من العالمين
[المائدة:115]. وقال:
ادخلوا ءال فرعون أشد العذاب
[غافر:46]، { ولن تجد لهم نصيرا } يمنعهم من ذلك العذاب. { إلا الذين تابوا } عن النفاق { وأصلحوا } ما أفسدوا في سرائرهم وأعمالهم في حال النفاق، { واعتصموا بالله } أي: وثقوا به وتمسكوا به، دون أحد سواه، { وأخلصوا دينهم لله } لا يريدون بطاعته إلا وجه الله، ولا رياء ولا سمعة { فأولئك مع المؤمنين } في الدين. قال الفراء: من المؤمنين، وقال العتبي: حاد عن كلامهم غيظا عليهم، ولم يقل هم المؤمنون. ه. قلت: إنما قال: { مع المؤمنين } ولم يقل: منهم، لأن التخلص من النفاق صعب، ولا يكون من المؤمنين، حتى يتخلص من جميع شعبه، وهو عزيز، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ".
{ وسوف يؤت الله المؤمنين } المخلصين { أجرا عظيما } فيساهمونهم فيه إن تابوا وأصلحوا، فإن الله غني عن عذابهم، ولذلك قال: { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } أي: لا حاجة له في عذابكم، فلا يشفى به غيظا ولا يدفع به ضررا، أو يستجلب به نفعا لأنه غني عن المنافع، وإنما يعاقب المصر بكفره، لأن إصراره عليه كسوء المزاج يؤدي إلى مرض فإن زال بالإيمان والشكر، ونقى منه قلبه، تخلص من تبعته. وإنما قدم الشكر لإن الناظر يدرك النعم أولا فيشكر شكرا مبهما، ثم يمعن النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به. قاله البيضاوي. وقال الثعلبي: فيه تقديم تأخير، أي إن آمنتم وشكرتم، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان. { وكان الله شاكرا } لأعمال عباده، يقبل اليسير ويعطي الكثير، { عليما } بحقيقة شكرهم وإيمانهم، ومقدار أعمالهم، فيضاعفها على قدر تخليصها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا شيء أصعب على النفس من الإخلاص كلما اجتهد العبد في قطع الرياء نبت على لون آخر، فلا يتطهر العبد منها إلا بتحقيق الفناء والغيبة عن السوى بالكلية.
كما قال الششتري رضي الله عنه:
طهر العين بالمدامع سكبا من شهود السوى تزل كل عله
قال بعضهم: [ لا ينبت الإخلاص في القلب حتى يسقط من عين الناس، ويسقط الناس من عينه]. والإخلاص من أعمال القلوب، فلا يطلع عليه إلا علآم الغيوب، فلا يجوز أن يحكم على أحد بالرياء بمجرد ما يرى عليه من الإظهار، وقد تدخل الرياء مع الإسرار، وتتخلص من القلب مع الإظهار، وفي الحكم: " ربما دخل الرياء عليك حيث لا ينظر الخلق إليك ". فإذا تخلص العبد من دقائق الرياء، وأصلح ما بينه وبين الله واعتصم به دون شيء سواه، كان مع المخلصين المقربين فيكون عمله موفورا، وسعيه مشكورا. وبالله التوفيق. وقد تكلم في الإحياء على هذه الآية فقال: إنما كان المنافقون في الدرك الأسفل لأنهم جحدوا بعد العلم، وإنما تضاعف عذاب العالم في معصيته لأنه عصى عن علم. قلت: وافهم منه قوله صلى الله عليه وسلم في أبي طالب
" ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار "
وذلك لاعراضه مع العلم. وقال في الإحياء أيضا: شدد أمر المنافقين لإن الكافر كفر وأظهر، والمنافق كفر وستر، فكان ستره لكفره كفرا آخر، لأنه استخف بنظر الله إلى قلبه، وعظم أمر المخلوقين. ه. والحاصل: أن التشديد في الرياء والنفاق لما في ذلك من تعظيم نظر الخلق على نظر الخالق، فكان أعظم من الكفر الصريح. ه. من الحاشية.
النساء 4:147
قلت: الدرك والدرك لغتان، كالظعن والظعن، والنهر والنهر، والنشر والنشر، وهي الطبقة السفلى، وسميت طبقاتهم دركات لأنها متداركة متتابعة، وهي ضد الدرجات، فالدرجات للعلو، والدركات للسفل. يقول الحق جل جلاله: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } أي: في الطبقة السفلى في قعر جهنم لإنهم أخبث الكفرة، حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وخداع المسلمين. قال ابن مسعود رضي الله عنه: هم في توابيت من النار مقفلة عليهم في النار، مطبقة عليهم. وعن ابن عمر رضي الله عنه: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، وممن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون لقوله: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } وقال في أصحاب المائدة:
فإني أعذبه عذابا لآ أعذبه أحدا من العالمين
[المائدة:115]. وقال:
ادخلوا ءال فرعون أشد العذاب
[غافر:46]، { ولن تجد لهم نصيرا } يمنعهم من ذلك العذاب. { إلا الذين تابوا } عن النفاق { وأصلحوا } ما أفسدوا في سرائرهم وأعمالهم في حال النفاق، { واعتصموا بالله } أي: وثقوا به وتمسكوا به، دون أحد سواه، { وأخلصوا دينهم لله } لا يريدون بطاعته إلا وجه الله، ولا رياء ولا سمعة { فأولئك مع المؤمنين } في الدين. قال الفراء: من المؤمنين، وقال العتبي: حاد عن كلامهم غيظا عليهم، ولم يقل هم المؤمنون. ه. قلت: إنما قال: { مع المؤمنين } ولم يقل: منهم، لأن التخلص من النفاق صعب، ولا يكون من المؤمنين، حتى يتخلص من جميع شعبه، وهو عزيز، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ".
{ وسوف يؤت الله المؤمنين } المخلصين { أجرا عظيما } فيساهمونهم فيه إن تابوا وأصلحوا، فإن الله غني عن عذابهم، ولذلك قال: { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } أي: لا حاجة له في عذابكم، فلا يشفى به غيظا ولا يدفع به ضررا، أو يستجلب به نفعا لأنه غني عن المنافع، وإنما يعاقب المصر بكفره، لأن إصراره عليه كسوء المزاج يؤدي إلى مرض فإن زال بالإيمان والشكر، ونقى منه قلبه، تخلص من تبعته. وإنما قدم الشكر لإن الناظر يدرك النعم أولا فيشكر شكرا مبهما، ثم يمعن النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به. قاله البيضاوي. وقال الثعلبي: فيه تقديم تأخير، أي إن آمنتم وشكرتم، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان. { وكان الله شاكرا } لأعمال عباده، يقبل اليسير ويعطي الكثير، { عليما } بحقيقة شكرهم وإيمانهم، ومقدار أعمالهم، فيضاعفها على قدر تخليصها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا شيء أصعب على النفس من الإخلاص كلما اجتهد العبد في قطع الرياء نبت على لون آخر، فلا يتطهر العبد منها إلا بتحقيق الفناء والغيبة عن السوى بالكلية.
كما قال الششتري رضي الله عنه:
طهر العين بالمدامع سكبا من شهود السوى تزل كل عله
قال بعضهم: [ لا ينبت الإخلاص في القلب حتى يسقط من عين الناس، ويسقط الناس من عينه]. والإخلاص من أعمال القلوب، فلا يطلع عليه إلا علآم الغيوب، فلا يجوز أن يحكم على أحد بالرياء بمجرد ما يرى عليه من الإظهار، وقد تدخل الرياء مع الإسرار، وتتخلص من القلب مع الإظهار، وفي الحكم: " ربما دخل الرياء عليك حيث لا ينظر الخلق إليك ". فإذا تخلص العبد من دقائق الرياء، وأصلح ما بينه وبين الله واعتصم به دون شيء سواه، كان مع المخلصين المقربين فيكون عمله موفورا، وسعيه مشكورا. وبالله التوفيق. وقد تكلم في الإحياء على هذه الآية فقال: إنما كان المنافقون في الدرك الأسفل لأنهم جحدوا بعد العلم، وإنما تضاعف عذاب العالم في معصيته لأنه عصى عن علم. قلت: وافهم منه قوله صلى الله عليه وسلم في أبي طالب
" ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار "
وذلك لاعراضه مع العلم. وقال في الإحياء أيضا: شدد أمر المنافقين لإن الكافر كفر وأظهر، والمنافق كفر وستر، فكان ستره لكفره كفرا آخر، لأنه استخف بنظر الله إلى قلبه، وعظم أمر المخلوقين. ه. والحاصل: أن التشديد في الرياء والنفاق لما في ذلك من تعظيم نظر الخلق على نظر الخالق، فكان أعظم من الكفر الصريح. ه. من الحاشية.
النساء 4:148
قلت: { إلا من ظلم }: استثناء منقطع، أي: لكن من ظلم فلا بأس أن يشكو بظالمه ويدعو عليه، وليس المراد أن الله يحب ذلك منه، إذ العفو أحسن كما يقوله بعد، وقرىء: { إلا من ظلم } بالبناء للفاعل، أي: ولكن الظالم يفعل ما لا يحبه الله. يقول الحق جل جلاله: { لا يحب الله الجهر } أي: الإجهار { بالسوء من القول } لأنه من فعل أهل الجفاء والجهل { ألا من ظلم } فلا بأس أن يجهر بالدعاء على ظالمه، أو بالشكوى به. نظيرها:
ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل
[الشورى:41]. قال مجاهد: هذا في الضيف النازل إذا لم يضف ومنع حقه، أو أسيء قراه، فقد رخص له أن يذكر ما صنع به. وزعم أن ضيفا تضيف قوما فأساؤوا قراه، فاشتكاهم، فنزلت الآية رخصة في شكواه. { وكان الله سميعا } لدعاء المظلوم، ورده على الظالم، فلا يحتاج إلى جهره، { عليما } بالظالم فيعاقبه على قدر جرمه. ثم رغب في العفو فقال: { إن تبدوا خيرا }: طاعة وبرا كحسن الخلق ولين الجانب، { أو تخفوه } أي: تفعلوه سرا، { أو تعفوا عن سوء } بأن لا تؤاخذوا به من أساء إليكم، وهذا هو المقصود بالذكر، وإنما ذكر إبداء الخير وإخفاؤه سببا ووسيلة لذكره، ولذلك رتب عليه { فإن الله كان عفوا قديرا } أي: كثير العفو عن العصاة، مع كمال قدرته على الانتقام، فأنتم أولى بذلك، وهو حث للمظلوم على العفو، بعدما رخص له في الانتصار، حملا على مكارم الأخلاق. الإشارة: اعلم أن الباطن إذا كمل تطهيره وتحقق تنويره ظهر أثر ذلك على الظاهر من مكارم الأخلاق، ولين الجانب، وحسن الخطاب، وترك العتاب، فما كمن في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر وما كمن فيك ظهر على فيك، وهذه أخلاق الصوفية رضي الله عنهم وأرضاهم وبذلك وصفهم القائل فيهم، فقال:
هينون لينون أيسار بنو يسر سواس مكرمة أبناء أيسار لا ينطقون بغير الحق إن نطقوا ولا يمارون إن ماروا بإكثار من تلق منهم تقل هذاك سيدهم مثل النجوم التي يهدى بها السار
ومن شأن الحضرة التهذيب والتأديب، فلا يبقى معها لغو ولا تأثيم، لأنها جنة معجلة، قال تعالى
لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثما، إلا قيلا سلاما سلاما
[الواقعة: 25،26]. وأيضا أهل الحضرة حصل لهم القرب من الحبيب، فهم في حضرة القريب على بساط القرب على الدوام، ولا يتصور منهم الجهر بالكلام، وهم في حضرة الملك العلام. قال تعالى:
وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا
[طه:108]، فرفع الصوت عند الصوفية مذموم شنيع، يدل على بعد صاحبه كيف ما كان، وتأمل قضية الصديق حيث قال له عليه الصلاة والسلام :
" ما لك تقرأ سرا؟ "
فقال: إن الذي نناجيه ليس ببعيد. أو كما قال، وإنما قال له صلى الله عليه وسلم
" ارفع قليلا "
إخراجا له عن مراده، تربية له. والله تعالى أعلم.
النساء 4:149
قلت: { إلا من ظلم }: استثناء منقطع، أي: لكن من ظلم فلا بأس أن يشكو بظالمه ويدعو عليه، وليس المراد أن الله يحب ذلك منه، إذ العفو أحسن كما يقوله بعد، وقرىء: { إلا من ظلم } بالبناء للفاعل، أي: ولكن الظالم يفعل ما لا يحبه الله. يقول الحق جل جلاله: { لا يحب الله الجهر } أي: الإجهار { بالسوء من القول } لأنه من فعل أهل الجفاء والجهل { ألا من ظلم } فلا بأس أن يجهر بالدعاء على ظالمه، أو بالشكوى به. نظيرها:
ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل
[الشورى:41]. قال مجاهد: هذا في الضيف النازل إذا لم يضف ومنع حقه، أو أسيء قراه، فقد رخص له أن يذكر ما صنع به. وزعم أن ضيفا تضيف قوما فأساؤوا قراه، فاشتكاهم، فنزلت الآية رخصة في شكواه. { وكان الله سميعا } لدعاء المظلوم، ورده على الظالم، فلا يحتاج إلى جهره، { عليما } بالظالم فيعاقبه على قدر جرمه. ثم رغب في العفو فقال: { إن تبدوا خيرا }: طاعة وبرا كحسن الخلق ولين الجانب، { أو تخفوه } أي: تفعلوه سرا، { أو تعفوا عن سوء } بأن لا تؤاخذوا به من أساء إليكم، وهذا هو المقصود بالذكر، وإنما ذكر إبداء الخير وإخفاؤه سببا ووسيلة لذكره، ولذلك رتب عليه { فإن الله كان عفوا قديرا } أي: كثير العفو عن العصاة، مع كمال قدرته على الانتقام، فأنتم أولى بذلك، وهو حث للمظلوم على العفو، بعدما رخص له في الانتصار، حملا على مكارم الأخلاق. الإشارة: اعلم أن الباطن إذا كمل تطهيره وتحقق تنويره ظهر أثر ذلك على الظاهر من مكارم الأخلاق، ولين الجانب، وحسن الخطاب، وترك العتاب، فما كمن في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر وما كمن فيك ظهر على فيك، وهذه أخلاق الصوفية رضي الله عنهم وأرضاهم وبذلك وصفهم القائل فيهم، فقال:
هينون لينون أيسار بنو يسر سواس مكرمة أبناء أيسار لا ينطقون بغير الحق إن نطقوا ولا يمارون إن ماروا بإكثار من تلق منهم تقل هذاك سيدهم مثل النجوم التي يهدى بها السار
ومن شأن الحضرة التهذيب والتأديب، فلا يبقى معها لغو ولا تأثيم، لأنها جنة معجلة، قال تعالى
لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثما، إلا قيلا سلاما سلاما
[الواقعة: 25،26]. وأيضا أهل الحضرة حصل لهم القرب من الحبيب، فهم في حضرة القريب على بساط القرب على الدوام، ولا يتصور منهم الجهر بالكلام، وهم في حضرة الملك العلام. قال تعالى:
وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا
[طه:108]، فرفع الصوت عند الصوفية مذموم شنيع، يدل على بعد صاحبه كيف ما كان، وتأمل قضية الصديق حيث قال له عليه الصلاة والسلام :
" ما لك تقرأ سرا؟ "
فقال: إن الذي نناجيه ليس ببعيد. أو كما قال، وإنما قال له صلى الله عليه وسلم
" ارفع قليلا "
إخراجا له عن مراده، تربية له. والله تعالى أعلم.
النساء 4:150
قلت: { حقا }: مصدر مؤكد للجملة، أو صفة لمصدر الكافرين، أي: كفروا كفرا محققا يقينا. وأصل { أعتدنا }: أعددنا، أبدلت الدال تاء لقرب المخرج. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يكفرون بالله ورسوله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله } بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله، { ويقولون نؤمن ببعض } الأنبياء { ونكفر ببعض } ، كاليهود، آمنوا بموسى وعزير والتوراة، وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا } ، أي: طريقا وسطا بين الإيمان والكفر، ولا واسطة، إذ الحق لا يختلف، فإن الإيمان بالله إنما يتم برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه، تفصيلا وإجمالا، فالكافر بالبعض كالكافر بالكل في الضلال. ولذلك حكم عليهم بصريح الكفر فقال: { أولئك هم الكفرون حقا } أي: هم الكاملون في الكفر حقيقة، وإنما أكد كفرهم لأنهم تحكموا على الله، واتخذوا إلههم هواهم، حيث جعلوا الاختيار لهم دون الله، وفي ذلك منازعة للقدر، وتعطيل له، وهو كفر وشرك، ثم ذكر وعيدهم فقال: { وأعتدنا } أي: هيأنا { للكافرين } منهم { عذابا مهينا } أي: يخزيهم ويهينهم، حين يكرم أولياءه ويرفع أقدارهم. جعلنا الله منهم. آمين. الإشارة: الأولياء على قدم الأنبياء، فمن فرق بينهم حرم بركة جميعهم ومن صدق بجميعهم وعظمهم اقتبس من أنوارهم كلهم، والله تعالى غيور على أوليائه، كما كان غيورا على أنبيائه، فطرد من فرق بينهم، فكذلك يطرد من يقع في بعض أوليائه ويعظم البعض، لأن البعض هو الكل. والله تعالى أعلم.
النساء 4:151
قلت: { حقا }: مصدر مؤكد للجملة، أو صفة لمصدر الكافرين، أي: كفروا كفرا محققا يقينا. وأصل { أعتدنا }: أعددنا، أبدلت الدال تاء لقرب المخرج. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين يكفرون بالله ورسوله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله } بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله، { ويقولون نؤمن ببعض } الأنبياء { ونكفر ببعض } ، كاليهود، آمنوا بموسى وعزير والتوراة، وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا } ، أي: طريقا وسطا بين الإيمان والكفر، ولا واسطة، إذ الحق لا يختلف، فإن الإيمان بالله إنما يتم برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه، تفصيلا وإجمالا، فالكافر بالبعض كالكافر بالكل في الضلال. ولذلك حكم عليهم بصريح الكفر فقال: { أولئك هم الكفرون حقا } أي: هم الكاملون في الكفر حقيقة، وإنما أكد كفرهم لأنهم تحكموا على الله، واتخذوا إلههم هواهم، حيث جعلوا الاختيار لهم دون الله، وفي ذلك منازعة للقدر، وتعطيل له، وهو كفر وشرك، ثم ذكر وعيدهم فقال: { وأعتدنا } أي: هيأنا { للكافرين } منهم { عذابا مهينا } أي: يخزيهم ويهينهم، حين يكرم أولياءه ويرفع أقدارهم. جعلنا الله منهم. آمين. الإشارة: الأولياء على قدم الأنبياء، فمن فرق بينهم حرم بركة جميعهم ومن صدق بجميعهم وعظمهم اقتبس من أنوارهم كلهم، والله تعالى غيور على أوليائه، كما كان غيورا على أنبيائه، فطرد من فرق بينهم، فكذلك يطرد من يقع في بعض أوليائه ويعظم البعض، لأن البعض هو الكل. والله تعالى أعلم.
النساء 4:152
قلت: { بين }: من الأمور النسبية، فلا بد أن تدخل على متعدد، تقول جلست بين فلان وفلان، وإنما دخلت هنا على { أحد } لأنه يقتضي متعددا لعمومه، لانه رفع في سياق النفي. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { والذين آمنوا بالله } وما يجب له من الكمالات، { ورسله } وما يجب لهم كذلك، { ولم يفرقوا بين أحد منهم } بأن آمنوا بجميعهم، وصدقوا بكل ما جاؤوا به من عند ربهم، { أولئك سوف نؤتيهم أجورهم } الموعودة لهم، بأن نجل مقدارهم، ونرفع مقامهم، ونبوئهم في جنات النعيم. وتصديره بسوف لتأكيد الوعد والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تأخر وقته، ولما كان العبد لا يخلوا من نقص، رفع الخوف عنهم بقوله: { وكان الله غفورا } لما فرط منهم { رحيما } بهم بتضعيف حسناتهم. الإشارة: والذين صدقوا بأولياء الله، وعظموا جميعهم، واقتبسوا من أنوارهم كلهم، أولئك سوف نؤتيهم أجورهم، بأن أنعمهم في جنات المعارف في دار الدنيا، فإن ماتوا أسكناهم في الفراذيس العلى
في مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر:55]. والله تعالى أعلم.
النساء 4:153
قلت: من قرأ: { لا تعدوا } بالسكون، فماضيه: عدا، ومن قرأ بتشدد الدال، فماضيه اعتدى، وأصله: لا تعتدوا، فنقلت حركة التاء إلى العين وأدغمت التاء في الدال، ومن قرأ بالاختلاس أشار إلى الأصل. يقول الحق جل جلاله: { يسألك أهل الكتاب } ، وهم أحبار اليهود، { أن تنزل عليهم كتابا من السماء } جملة واحدة، كما نزل التوراة، أو كتابا بخط سماوي على ألواح كما كانت التوراة، والسائل هو كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وغيرهم، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى به موسى، قال تعالى في الرد عليهم: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } وهو رؤية ذات الحق تعالى جهرا حسا. والمعنى: إن استعظمت ما سألوا منك فقد وقع منهم ما هو أعظم من ذلك. وهذا السؤال، وإن كان من آبائهم، أسند إليهم لأنهم كانوا آخذين بمذهبهم تابعين لهديهم، فما اقترحوا عليكم ليس بأول جهالاتهم وتشغيبهم بل عرفهم راسخ في ذلك، فلا تستغرب ما وقع منهم. ثم فسر سؤالهم بقوله: { فقالوا أرنا الله جهرة } أي: عيانا في الحس، { فأخذتهم الصاعقة } ، بأن جاءت نار من السماء فأهلكتهم، فماتوا ثم بعثوا بدعوة موسى عليه السلام وذلك بسبب ظلمهم. وهو تعنتهم وسؤالهم لما أستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها. وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقا. وسيأتي في الإشارة تحرير ذلك. { ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات } على وحدانيته تعالى. وهذه جناية أخرى اقترفها أيضا أوائلهم، { فعفونا عن ذلك } حيث تابوا، ولم نعاجلهم بالعقوبة، { وأتينا موسى سلطانا مبينا } أي: تسلطا ظاهرا عليهم، حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، توبة من اتخاذهم العجل إلها، وحجة واضحة على نبوته كالآيات التسع. { ورفعنا فوقهم الطور } حيث امتنعوا من قبول أحكام التوراة، بسبب ميثاقهم الذي أخذناه عليهم، وهو التزام أحكام التوراة، وقلنا لهم على لسان موسى: { ادخلوا الباب سجدا } أي: باب بيت المقدس، فدخلوا يزحفون على استاههم عنادا واستهزاء، وقلنا لهم: { لا تعدوا في السبت } على لسان داود عليه السلام، فاعتدوا فيه بالاصطياد، فمسخناهم قردة وخنازير، { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } على ذلك كله، فنقضوا جميع ذلك، أو ميثاقا غليظا في التوراة لئن أدركوك ليؤمنن بك، وليبينن صفتك للناس، فنقضوا وكتموا. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتراح الآيات وطلب الكرامات من الأولياء، سنة ماضية، لأنهم على قدم الأنبياء عليهم السلام ما يقال لهم إلا ما قيل للأنبياء قبلهم، فلا تكاد تجد أحدا يصدق بولي حتى تظهر عليه الكرامة، وهو جهل كبير لأن الكرامة قد تظهر على من لم تكمل له استقامة، وقد تكون استدراجا ومكرا.
وأي كرامة أعظم من العلوم اللدنية والأخلاق النبوية؟ كما قال شيخنا رضي الله عنه. وقد ظهرت الكرامات على المتقدمين ولم ينقطع الإنكار عليهم. واعلم أن طلب الرؤية في الدنيا ليس بممتنع، وإنما عاقب الله بني إسرائيل على طلبها لأنهم طلبوها قبل إبانها، طلبوها من غير اتصاف بشروط حصولها، وهو كمال التهذيب والتطهير من دنس الحس، فمن كمل تهذيبه وتحقق تطهيره حصل له شهود الحق، حتى لو كلف أن يشهد غيره لم يستطع، وذلك حين تستولي البصيرة على البصر، فيشهد البصر ما كانت تشهده البصيرة، وذلك بعد كمال فتحها. ولذلك قال في الحكم: " شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق "... الخ كلامه. وهذه المشاهدة لا تحصل إلا لمن اتصل بشيخ التربية، وإلا فلا مطمع فيها. والله تعالى أعلم.
النساء 4:154
قلت: من قرأ: { لا تعدوا } بالسكون، فماضيه: عدا، ومن قرأ بتشدد الدال، فماضيه اعتدى، وأصله: لا تعتدوا، فنقلت حركة التاء إلى العين وأدغمت التاء في الدال، ومن قرأ بالاختلاس أشار إلى الأصل. يقول الحق جل جلاله: { يسألك أهل الكتاب } ، وهم أحبار اليهود، { أن تنزل عليهم كتابا من السماء } جملة واحدة، كما نزل التوراة، أو كتابا بخط سماوي على ألواح كما كانت التوراة، والسائل هو كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وغيرهم، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى به موسى، قال تعالى في الرد عليهم: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } وهو رؤية ذات الحق تعالى جهرا حسا. والمعنى: إن استعظمت ما سألوا منك فقد وقع منهم ما هو أعظم من ذلك. وهذا السؤال، وإن كان من آبائهم، أسند إليهم لأنهم كانوا آخذين بمذهبهم تابعين لهديهم، فما اقترحوا عليكم ليس بأول جهالاتهم وتشغيبهم بل عرفهم راسخ في ذلك، فلا تستغرب ما وقع منهم. ثم فسر سؤالهم بقوله: { فقالوا أرنا الله جهرة } أي: عيانا في الحس، { فأخذتهم الصاعقة } ، بأن جاءت نار من السماء فأهلكتهم، فماتوا ثم بعثوا بدعوة موسى عليه السلام وذلك بسبب ظلمهم. وهو تعنتهم وسؤالهم لما أستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها. وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقا. وسيأتي في الإشارة تحرير ذلك. { ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات } على وحدانيته تعالى. وهذه جناية أخرى اقترفها أيضا أوائلهم، { فعفونا عن ذلك } حيث تابوا، ولم نعاجلهم بالعقوبة، { وأتينا موسى سلطانا مبينا } أي: تسلطا ظاهرا عليهم، حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، توبة من اتخاذهم العجل إلها، وحجة واضحة على نبوته كالآيات التسع. { ورفعنا فوقهم الطور } حيث امتنعوا من قبول أحكام التوراة، بسبب ميثاقهم الذي أخذناه عليهم، وهو التزام أحكام التوراة، وقلنا لهم على لسان موسى: { ادخلوا الباب سجدا } أي: باب بيت المقدس، فدخلوا يزحفون على استاههم عنادا واستهزاء، وقلنا لهم: { لا تعدوا في السبت } على لسان داود عليه السلام، فاعتدوا فيه بالاصطياد، فمسخناهم قردة وخنازير، { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } على ذلك كله، فنقضوا جميع ذلك، أو ميثاقا غليظا في التوراة لئن أدركوك ليؤمنن بك، وليبينن صفتك للناس، فنقضوا وكتموا. والله تعالى أعلم. الإشارة: اقتراح الآيات وطلب الكرامات من الأولياء، سنة ماضية، لأنهم على قدم الأنبياء عليهم السلام ما يقال لهم إلا ما قيل للأنبياء قبلهم، فلا تكاد تجد أحدا يصدق بولي حتى تظهر عليه الكرامة، وهو جهل كبير لأن الكرامة قد تظهر على من لم تكمل له استقامة، وقد تكون استدراجا ومكرا.
وأي كرامة أعظم من العلوم اللدنية والأخلاق النبوية؟ كما قال شيخنا رضي الله عنه. وقد ظهرت الكرامات على المتقدمين ولم ينقطع الإنكار عليهم. واعلم أن طلب الرؤية في الدنيا ليس بممتنع، وإنما عاقب الله بني إسرائيل على طلبها لأنهم طلبوها قبل إبانها، طلبوها من غير اتصاف بشروط حصولها، وهو كمال التهذيب والتطهير من دنس الحس، فمن كمل تهذيبه وتحقق تطهيره حصل له شهود الحق، حتى لو كلف أن يشهد غيره لم يستطع، وذلك حين تستولي البصيرة على البصر، فيشهد البصر ما كانت تشهده البصيرة، وذلك بعد كمال فتحها. ولذلك قال في الحكم: " شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق "... الخ كلامه. وهذه المشاهدة لا تحصل إلا لمن اتصل بشيخ التربية، وإلا فلا مطمع فيها. والله تعالى أعلم.
النساء 4:155
قلت: { فبما }: صلة زيدت للتأكيد، و { نقضهم }: مصدر مجرور بالباء، وهي متعلقة بالفعل المحذوف، أي: بسبب نقضهم فعلنا بهم ما فعلنا، أو بقوله: { حرمنا عليهم } ، ويكون { فبظلم } على هذا بدلا من قوله: { فبما نقضهم } ، فيكون التحريم بسبب النقض، وما عطف عليه. والاستثناء في قوله: { إلا اتباع الظن } منقطع إذ العلم يناقض الظن. يقول الحق جل جلاله: فلما أخذنا على بني إسرائيل العهد والميثاق خالفوا ونقضوا، ففعلنا بهم ما فعلنا، بسبب نقضهم ميثاقهم، أو بسبب نقضهم وكفرهم { حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ، وبسبب كفرهم أيضا { بآيات الله } القرآن، أو بما في كتبهم، { وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم غلف } أي: مغلفة لا تفقه ما تقول. قال تعالى في الرد عليهم: { بل طبع الله عليها بكفرهم } ، فجعلها محجوبة عن العلم، بأن خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر بالمواعظ، { فلا يؤمنون إلا قليلا } منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، أو إيمانا قليلا لا عبرة به لنقصانه، { وبكفرهم } أيضا بعيسى عاقبناهم وطبعنا على قلوبهم، { وقولهم على مريم بهتانا عظيما } أي: نسبتها للزنى وبقولهم: { إن قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } أي بزعمه، ويحتمل أنهم قالوه استهزاء، ونظيره:
إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون
[الشعراء:27]، أو يكون استئنافا من الله بمدحه، أو وضعا للذكر الحسن موضع قولهم القبيح. قاله البيضاوي. ثم رد الله تعالى عليهم فقال: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } روي أن رهطا من اليهود سبوه هو وأمه، فدعا عليهم، فمسخوا قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فقال لهم: يا معشر اليهود، إن الله يبغضكم، فغضبوا وثاروا ليقتلوه، فبعث الله تعالى جبريل فأدخله خوجة فيها كوة في سقفها، ورفعه الله إلى السماء من تلك الكوة، فأمر اليهود رجلا منهم يقال له: طيطانوس، أن يدخل الخوخة ويقتله، فما دخل الخوخة، لم ير عيسى، فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه، فلما أبطأ عليهم دخلوا عليه، فطنوه عيسى، فقتلوه وصلبوه. وقال قتادة: ذكر لنا أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فقتل ذلك الرجل، ورفع عيسى عليه السلام، وكساه الريش وألبسه النور، وقطع عنه ذلة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة، فهو معهم في السماء إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } فقال بعض اليهود: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ ويقال: إن الله تعالى ألقى شبه وجه عيسى على صاحبهم، ولم يلق عليه شبه جسده، فلما قتلوه ونظروا إليه، فقالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد صاحبنا. { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } أي: لا علم لهم بقتله، لكن يتبعون الظن فقط.
{ وما قتلوه } قتلا { يقينا } كما زعموا بقولهم: إن قتلنا المسيح، { بل رفعه الله إليه } فهو في السماء الثانية مع يحيى عليه السلام، { وكان الله عزيزا حكيما } أي: قويا بالنقمة على اليهود، حكيما فيما حكم عليهم من اللعنة والغضب. والله تعالى أعلم. الإشارة: نقض عهود الشيوخ من أسباب المقت والبعد عن الله، وكذلك الإنكار عليهم والطعن فيهم، وكذلك البعد عن وعظهم وتذكيرهم، وضد هذا من موجبات القرب والحب من الله، كحفظ حرمتهم، والوقوف مع أوامرهم، والذب عنهم حين تهتك حرمتهم، والدنو منهم، والسعي في خدمتهم. وبالله التوفيق.
النساء 4:156
قلت: { فبما }: صلة زيدت للتأكيد، و { نقضهم }: مصدر مجرور بالباء، وهي متعلقة بالفعل المحذوف، أي: بسبب نقضهم فعلنا بهم ما فعلنا، أو بقوله: { حرمنا عليهم } ، ويكون { فبظلم } على هذا بدلا من قوله: { فبما نقضهم } ، فيكون التحريم بسبب النقض، وما عطف عليه. والاستثناء في قوله: { إلا اتباع الظن } منقطع إذ العلم يناقض الظن. يقول الحق جل جلاله: فلما أخذنا على بني إسرائيل العهد والميثاق خالفوا ونقضوا، ففعلنا بهم ما فعلنا، بسبب نقضهم ميثاقهم، أو بسبب نقضهم وكفرهم { حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ، وبسبب كفرهم أيضا { بآيات الله } القرآن، أو بما في كتبهم، { وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم غلف } أي: مغلفة لا تفقه ما تقول. قال تعالى في الرد عليهم: { بل طبع الله عليها بكفرهم } ، فجعلها محجوبة عن العلم، بأن خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر بالمواعظ، { فلا يؤمنون إلا قليلا } منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، أو إيمانا قليلا لا عبرة به لنقصانه، { وبكفرهم } أيضا بعيسى عاقبناهم وطبعنا على قلوبهم، { وقولهم على مريم بهتانا عظيما } أي: نسبتها للزنى وبقولهم: { إن قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } أي بزعمه، ويحتمل أنهم قالوه استهزاء، ونظيره:
إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون
[الشعراء:27]، أو يكون استئنافا من الله بمدحه، أو وضعا للذكر الحسن موضع قولهم القبيح. قاله البيضاوي. ثم رد الله تعالى عليهم فقال: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } روي أن رهطا من اليهود سبوه هو وأمه، فدعا عليهم، فمسخوا قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فقال لهم: يا معشر اليهود، إن الله يبغضكم، فغضبوا وثاروا ليقتلوه، فبعث الله تعالى جبريل فأدخله خوجة فيها كوة في سقفها، ورفعه الله إلى السماء من تلك الكوة، فأمر اليهود رجلا منهم يقال له: طيطانوس، أن يدخل الخوخة ويقتله، فما دخل الخوخة، لم ير عيسى، فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه، فلما أبطأ عليهم دخلوا عليه، فطنوه عيسى، فقتلوه وصلبوه. وقال قتادة: ذكر لنا أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فقتل ذلك الرجل، ورفع عيسى عليه السلام، وكساه الريش وألبسه النور، وقطع عنه ذلة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة، فهو معهم في السماء إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } فقال بعض اليهود: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ ويقال: إن الله تعالى ألقى شبه وجه عيسى على صاحبهم، ولم يلق عليه شبه جسده، فلما قتلوه ونظروا إليه، فقالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد صاحبنا. { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } أي: لا علم لهم بقتله، لكن يتبعون الظن فقط.
{ وما قتلوه } قتلا { يقينا } كما زعموا بقولهم: إن قتلنا المسيح، { بل رفعه الله إليه } فهو في السماء الثانية مع يحيى عليه السلام، { وكان الله عزيزا حكيما } أي: قويا بالنقمة على اليهود، حكيما فيما حكم عليهم من اللعنة والغضب. والله تعالى أعلم. الإشارة: نقض عهود الشيوخ من أسباب المقت والبعد عن الله، وكذلك الإنكار عليهم والطعن فيهم، وكذلك البعد عن وعظهم وتذكيرهم، وضد هذا من موجبات القرب والحب من الله، كحفظ حرمتهم، والوقوف مع أوامرهم، والذب عنهم حين تهتك حرمتهم، والدنو منهم، والسعي في خدمتهم. وبالله التوفيق.
النساء 4:157
قلت: { فبما }: صلة زيدت للتأكيد، و { نقضهم }: مصدر مجرور بالباء، وهي متعلقة بالفعل المحذوف، أي: بسبب نقضهم فعلنا بهم ما فعلنا، أو بقوله: { حرمنا عليهم } ، ويكون { فبظلم } على هذا بدلا من قوله: { فبما نقضهم } ، فيكون التحريم بسبب النقض، وما عطف عليه. والاستثناء في قوله: { إلا اتباع الظن } منقطع إذ العلم يناقض الظن. يقول الحق جل جلاله: فلما أخذنا على بني إسرائيل العهد والميثاق خالفوا ونقضوا، ففعلنا بهم ما فعلنا، بسبب نقضهم ميثاقهم، أو بسبب نقضهم وكفرهم { حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ، وبسبب كفرهم أيضا { بآيات الله } القرآن، أو بما في كتبهم، { وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم غلف } أي: مغلفة لا تفقه ما تقول. قال تعالى في الرد عليهم: { بل طبع الله عليها بكفرهم } ، فجعلها محجوبة عن العلم، بأن خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر بالمواعظ، { فلا يؤمنون إلا قليلا } منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، أو إيمانا قليلا لا عبرة به لنقصانه، { وبكفرهم } أيضا بعيسى عاقبناهم وطبعنا على قلوبهم، { وقولهم على مريم بهتانا عظيما } أي: نسبتها للزنى وبقولهم: { إن قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } أي بزعمه، ويحتمل أنهم قالوه استهزاء، ونظيره:
إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون
[الشعراء:27]، أو يكون استئنافا من الله بمدحه، أو وضعا للذكر الحسن موضع قولهم القبيح. قاله البيضاوي. ثم رد الله تعالى عليهم فقال: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } روي أن رهطا من اليهود سبوه هو وأمه، فدعا عليهم، فمسخوا قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فقال لهم: يا معشر اليهود، إن الله يبغضكم، فغضبوا وثاروا ليقتلوه، فبعث الله تعالى جبريل فأدخله خوجة فيها كوة في سقفها، ورفعه الله إلى السماء من تلك الكوة، فأمر اليهود رجلا منهم يقال له: طيطانوس، أن يدخل الخوخة ويقتله، فما دخل الخوخة، لم ير عيسى، فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه، فلما أبطأ عليهم دخلوا عليه، فطنوه عيسى، فقتلوه وصلبوه. وقال قتادة: ذكر لنا أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فقتل ذلك الرجل، ورفع عيسى عليه السلام، وكساه الريش وألبسه النور، وقطع عنه ذلة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة، فهو معهم في السماء إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } فقال بعض اليهود: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ ويقال: إن الله تعالى ألقى شبه وجه عيسى على صاحبهم، ولم يلق عليه شبه جسده، فلما قتلوه ونظروا إليه، فقالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد صاحبنا. { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } أي: لا علم لهم بقتله، لكن يتبعون الظن فقط.
{ وما قتلوه } قتلا { يقينا } كما زعموا بقولهم: إن قتلنا المسيح، { بل رفعه الله إليه } فهو في السماء الثانية مع يحيى عليه السلام، { وكان الله عزيزا حكيما } أي: قويا بالنقمة على اليهود، حكيما فيما حكم عليهم من اللعنة والغضب. والله تعالى أعلم. الإشارة: نقض عهود الشيوخ من أسباب المقت والبعد عن الله، وكذلك الإنكار عليهم والطعن فيهم، وكذلك البعد عن وعظهم وتذكيرهم، وضد هذا من موجبات القرب والحب من الله، كحفظ حرمتهم، والوقوف مع أوامرهم، والذب عنهم حين تهتك حرمتهم، والدنو منهم، والسعي في خدمتهم. وبالله التوفيق.
النساء 4:158
قلت: { فبما }: صلة زيدت للتأكيد، و { نقضهم }: مصدر مجرور بالباء، وهي متعلقة بالفعل المحذوف، أي: بسبب نقضهم فعلنا بهم ما فعلنا، أو بقوله: { حرمنا عليهم } ، ويكون { فبظلم } على هذا بدلا من قوله: { فبما نقضهم } ، فيكون التحريم بسبب النقض، وما عطف عليه. والاستثناء في قوله: { إلا اتباع الظن } منقطع إذ العلم يناقض الظن. يقول الحق جل جلاله: فلما أخذنا على بني إسرائيل العهد والميثاق خالفوا ونقضوا، ففعلنا بهم ما فعلنا، بسبب نقضهم ميثاقهم، أو بسبب نقضهم وكفرهم { حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ، وبسبب كفرهم أيضا { بآيات الله } القرآن، أو بما في كتبهم، { وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم غلف } أي: مغلفة لا تفقه ما تقول. قال تعالى في الرد عليهم: { بل طبع الله عليها بكفرهم } ، فجعلها محجوبة عن العلم، بأن خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر بالمواعظ، { فلا يؤمنون إلا قليلا } منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، أو إيمانا قليلا لا عبرة به لنقصانه، { وبكفرهم } أيضا بعيسى عاقبناهم وطبعنا على قلوبهم، { وقولهم على مريم بهتانا عظيما } أي: نسبتها للزنى وبقولهم: { إن قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } أي بزعمه، ويحتمل أنهم قالوه استهزاء، ونظيره:
إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون
[الشعراء:27]، أو يكون استئنافا من الله بمدحه، أو وضعا للذكر الحسن موضع قولهم القبيح. قاله البيضاوي. ثم رد الله تعالى عليهم فقال: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } روي أن رهطا من اليهود سبوه هو وأمه، فدعا عليهم، فمسخوا قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فقال لهم: يا معشر اليهود، إن الله يبغضكم، فغضبوا وثاروا ليقتلوه، فبعث الله تعالى جبريل فأدخله خوجة فيها كوة في سقفها، ورفعه الله إلى السماء من تلك الكوة، فأمر اليهود رجلا منهم يقال له: طيطانوس، أن يدخل الخوخة ويقتله، فما دخل الخوخة، لم ير عيسى، فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه، فلما أبطأ عليهم دخلوا عليه، فطنوه عيسى، فقتلوه وصلبوه. وقال قتادة: ذكر لنا أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فقتل ذلك الرجل، ورفع عيسى عليه السلام، وكساه الريش وألبسه النور، وقطع عنه ذلة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة، فهو معهم في السماء إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا. { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } فقال بعض اليهود: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ ويقال: إن الله تعالى ألقى شبه وجه عيسى على صاحبهم، ولم يلق عليه شبه جسده، فلما قتلوه ونظروا إليه، فقالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد صاحبنا. { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } أي: لا علم لهم بقتله، لكن يتبعون الظن فقط.
{ وما قتلوه } قتلا { يقينا } كما زعموا بقولهم: إن قتلنا المسيح، { بل رفعه الله إليه } فهو في السماء الثانية مع يحيى عليه السلام، { وكان الله عزيزا حكيما } أي: قويا بالنقمة على اليهود، حكيما فيما حكم عليهم من اللعنة والغضب. والله تعالى أعلم. الإشارة: نقض عهود الشيوخ من أسباب المقت والبعد عن الله، وكذلك الإنكار عليهم والطعن فيهم، وكذلك البعد عن وعظهم وتذكيرهم، وضد هذا من موجبات القرب والحب من الله، كحفظ حرمتهم، والوقوف مع أوامرهم، والذب عنهم حين تهتك حرمتهم، والدنو منهم، والسعي في خدمتهم. وبالله التوفيق.
النساء 4:159
يقول الحق جل جلاله: { وإن من أهل الكتاب } أي: ما من يهودي ولا نصراني، أي: الموجودين حيث نزوله { إلا ليؤمنن } بعيسى { قبل موته } أي: عيسى، وذلك حين نزوله من السماء، روي أنه ينزل من السماء حين يخرج الدجال فيهلكه، ولا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن به، حتى تكون الملة واحدة، وهي ملة الإسلام، وتقع الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون ويدفنونه. وقيل الضمير فيه { به } إلى عيسى، وفي { موته } إلى الكتابي، أي: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى بأنه عبد الله ورسوله، { قبل موته } أي: قبل خروج نفس ذلك الكتابي إذا عاين الملك، فلا ينفعه حينئذ إيمانه، لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل، ويؤيد هذا قراءة من قرأ: ليؤمنن به قبل موتهم بضم النون، لأن أحدا في معنى الجمع، وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معالجة الإيمان به من قبل أن يضطر إليه ولم ينفعه إيمانه، { ويوم القيامة يكون عليه شهيدا } يشهد على اليهود بالتكذيب، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: عند الموت تتحقق الحقائق، ويتميز الحق من الباطل، ويحصل الندم ولا ينفع حين تزل القدم، فالمطلوب المبادرة بتحقيق الإيمان، وتحصيل مقام العرفان، قبل أن يسقط إلى جنبه، فينفرد رهينا في قبره بذنبه، والله تعالى أعلم.
النساء 4:160
يقول الحق جل جلاله: فبسبب ظلم { من الذين هادوا } وهو نقضهم الميثاق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، { حرمنا عليهم طيبات } كانت { أحلت لهم } كالشحوم، وكل ذي ظفر، وغير ذلك من لذيذ الطيبات، وكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم شيئا من الطيبات، وحرمنا ذلك أيضا عليهم { بصدهم } عن طريق { الله } صدا { كثيرا } ، أي: بإعراضهم عنه إعراضا كثيرا، أو بصدهم عنه ناسا كثيرا كانوا يخذلونهم عن الدخول في دين الله، وبأخذهم الربا { وقد نهوا عنه } ، فهو محرم عليهم وعلى الأمة المحمدية، وبأكلهم { أموال الناس بالباطل } كالرشوة وما كانوا يأخذونه من عوامهم، { وأعتدنا للكافرين منهم } بمحمد صلى الله عليه وسلم { عذابا أليما } ، دون من تاب وآمن به. الإشارة: اعلم أن كل غفلة ومعصية وسوء أدب يحرم مرتكبه بسببه من لذيذ الطاعات وحلاوة المشاهدات على قدره، شعر أو لم يشعر، وقد يبعده من الحضرة، وهو لا يشعر، مكرا واستدراجا، فإذا أصر عليه سلب من مقام الولاية بالكلية، ولا يزال ينص إيمانه شيئا فشيئا، حتى يتفلت منه، والعياذ بالله، وإذا بادر بالتوبة رجى قبوله، وكل يقظة وطاعة وحسن أدب يوجب لصاحبه الزلفى والقرب من الحضرة، ويزيده في حلاوة المعاملة والمشاهدة على قدره، فلا يزال يتقرب إليه بنوافل الخيرات، حتى يحبه فيتولاه، فيكون سمعه وبصره، كما في الحديث. وبالله التوفيق.
النساء 4:161
يقول الحق جل جلاله: فبسبب ظلم { من الذين هادوا } وهو نقضهم الميثاق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، { حرمنا عليهم طيبات } كانت { أحلت لهم } كالشحوم، وكل ذي ظفر، وغير ذلك من لذيذ الطيبات، وكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم شيئا من الطيبات، وحرمنا ذلك أيضا عليهم { بصدهم } عن طريق { الله } صدا { كثيرا } ، أي: بإعراضهم عنه إعراضا كثيرا، أو بصدهم عنه ناسا كثيرا كانوا يخذلونهم عن الدخول في دين الله، وبأخذهم الربا { وقد نهوا عنه } ، فهو محرم عليهم وعلى الأمة المحمدية، وبأكلهم { أموال الناس بالباطل } كالرشوة وما كانوا يأخذونه من عوامهم، { وأعتدنا للكافرين منهم } بمحمد صلى الله عليه وسلم { عذابا أليما } ، دون من تاب وآمن به. الإشارة: اعلم أن كل غفلة ومعصية وسوء أدب يحرم مرتكبه بسببه من لذيذ الطاعات وحلاوة المشاهدات على قدره، شعر أو لم يشعر، وقد يبعده من الحضرة، وهو لا يشعر، مكرا واستدراجا، فإذا أصر عليه سلب من مقام الولاية بالكلية، ولا يزال ينص إيمانه شيئا فشيئا، حتى يتفلت منه، والعياذ بالله، وإذا بادر بالتوبة رجى قبوله، وكل يقظة وطاعة وحسن أدب يوجب لصاحبه الزلفى والقرب من الحضرة، ويزيده في حلاوة المعاملة والمشاهدة على قدره، فلا يزال يتقرب إليه بنوافل الخيرات، حتى يحبه فيتولاه، فيكون سمعه وبصره، كما في الحديث. وبالله التوفيق.
النساء 4:162
قلت: { والمؤمنون } عطف على الراسخين، و { يؤمنون }: حال منهم. و { المقيمين }: نصب على المدح، لأن العرب إذا تطاولت في مدح شيء أو ذمه خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه، نظيره:
والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين
[البقرة:177]. وقالت عائشة رضي الله عنهما: هو لحن من الكتاب، وفي مصحف ابن مسعود: { والمقيمون } بالرفع على الأصل. يقول الحق جل جلاله: ليس أهل الكتاب كلهم كما ذكرنا، { لكن الراسخون في العلم منهم } كعبد الله بن سلام، ومخيريق، وغيرهما ممن له علم بالكتب المتقدمة، { والمؤمنون } منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، من وعوامهم حال كونهم { يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } أي: يؤمنون إيمانا كاملا بلا تفريق، وأخص { المقيمين الصلاة } ، المتقنين لها، { المؤتون الزكاة } المفروضة، { والمؤمنون } منهم { بالله واليوم الآخر } ، على صفة ما جاء به القرآن من البعث بالأجسام والحساب وغير ذلك مما هو مقرر في السنة، { أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } ، فتكون الآية كلها في أهل الكتاب. أو يقول الحق جل جلاله: { لكن الراسخون في العلم } من أهل الكتاب، { والمؤمنون } بمحمد صلى الله عليه وسلم، من العرب، { والمقيمين الصلوة } منهم، { والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما }. الإشارة: كل من تحققت توبته بعد عصيانه، وظهرت يقظته بعد غفلاته، ورسخ في العلم بالله وبصفاته وأسمائه التحق بالسابقين، وحشر مع المقربين، وكان ممن أوتي أجرا عظيما وخيرا جسيما، والحمد الله رب العالمين.
النساء 4:163
قلت: من قرأ { زبورا } بالفتح، فالمراد به كتاب الزبور، ومن قرأ بالضم، فجمع " زبر " بكسر الزاي وسكون الباء بمعنى مزبورا، أي: مكتوبا، أي آتينا داود كتبا متعددة، و { رسلا }: منصوب بمحذوف دل عليه، { أوحينا } ، أي: أرسلنا رسلا، أو يفسره ما بعده، أي: قصصنا عليك رسلا، و { رسلا مبشرين }: منصوب على البدل، أو على المدح، أو بإضمار أرسلنا، أو على الحال الموطئة لما بعده، كقولك: مررت بزيد رجلا صالحا. يقول الحق جل جلاله: { إنا أوحينا إليك } يا محمد { كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } ولم يكن ينزل عليهم الكتاب جملة واحدة، كما سألك أهل الكتاب تعنيتا، بل كان ينزل عليهم الوحي شيئا فشيئا، فأمرك كأمرهم. وقدم نوحا عليه السلام لأنه أبو البشر بعد آدم، وأول نبي من أنبياء الشريعة، وأول نذير على الشرك وأول رسول عذبت أمته بدعوته، وأطول الأنبياء عمرا، وجعلت معجزته في نفسه، فإنه عمر ألف سنة، ولم تنقص له سن، ولم تنقص له قوه، ولم تشب له شعرة، ولم يبالغ أحد في تأخير الدعوة ما بالغ هو عليه السلام، ولم يصبر أحد على أذى قومه ما صبر هو، كان يشتم ويضرب حتى يغمى عليه. ثم قال تعالى: { وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } أي: الأحفاد، وهم أنبياء بني إسرائيل، { وعيسى وأيوب وهارون وسليمان } ، وإنما خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تعظيما لهم، فإن إبراهيم أول أولي العزم منهم، وآخرهم عيسى عليه السلام، والباقون أشراف الأنبياء ومشاهيرهم، { وآتينا داود زبورا } أي: كتاب الزبور، أو زبورا أي: صحفا متعددة، وأرسلنا { رسلا قد قصصناهم عليك من قبل } أي: من قبل هذه السورة، أو قبل هذا اليوم، { ورسلا لم نقصصهم عليك } ، وفي الحديث:
" عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر "
، { وكلم الله موسى تكليما } حقيقيا، خص به من بين الأنبياء، وزاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالرؤية مع الكلام. قال الورتجبي: بادر موسى عليه السلام من بين الأنبياء لسؤال الرؤية، فأوقفه الحق في مقام سماع كلامه، ومنعه من مشاهدة رؤيته صرفا، وتحمل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أثقال السر بمطايا أسراره، ولم يسأل مشاهدة الحق جهرا بالانبساط، فأوصله الله إلى مقام مشاهدته، ثم أسمعه كلامه بلا واسطة ولا حجاب. قال تعالى:
فأوحى إلى عبده مآ أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى
[النجم:10،11]. ه. وقال ابن عطية: كلامه تعالى لموسى دون تكييف ولا تحديد، وكما أن الله تعالى موجود لا كالموجودات معلوم لا كالمعلومات، فكذلك كلامه لا كالكلام. ه. ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال: أرسلنا { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد } بعث { الرسل } فيقولون: لولا أرسلت إلينا رسولا ينبهنا ويعلمنا ما جهلنا من أمر توحيدك والقيام بعبوديتك، فقطع عذر العباد ببعث الرسل، وقامت الحجة عليهم، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام :
" ما أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه، وما أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ".
{ وكان الله عزيزا } لا يغلب، فلا يجب عليه شيء، { حكيما } فيما دبر من النبوة، وخص كل نبي بنوع من الوحي والإعجاز على ما يليق به في زمانه. والله تعالى أعلم. الإشارة: علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل، العارفون منهم كالرسل منهم، قال ابن الفارض رضي الله عنه:
فعالمنا منهم نبي، ومن دعا إلى الحق منا قام بالرسليه وعارفنا في وقتنا الأحمدي من أولي العزم منهم آخذ بالعزيمه
فإنهم يشاركونهم في وحي الإلهام، ويحصل لهم المكالمة مع المشاهدة، فيسمعون من الحق كما ينطقون به. كما قال الششتري:
أنا بالله أنطق ومن الله أسمع
فتارة يسمعون كلامه بالوسائط، وتارة من غير الوسائط، يعرف هذا أهل الفن من أهل الذوق، وشأن من لم يبلغ مقامهم: التسليم.
إن لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار
وفي الورتجبي: وإن الله تعالى إذا أراد أن يسمع كلامه أحدا من الأنبياء والأولياء يعطيه سمعا من أسماعه، فيسمع به كلامه، كما حكى عليه الصلاة والسلام عنه تعالى ، قال:
" فإذا أحببته كنت معه... "
، الحديث. أسمعه كلامه، وليس هناك الحروف والأصوات، بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية، الذي هو منزه عن همهمة الأنفاس وخطرات الوسواس، وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شيء، حتى هناك السامع والمسمع واحد من حيث المحبة، لا من حيث الجمع والتفرقة. انتهى كلامه. واعلم أن أهل الجمع لا يشهدون إلا متكلما واحدا، قد انتفى من نظرهم التعدد والاثنينية، غير أنهم يفرقون بين كلام القدرة وكلام الحكمة، كلام القدرة يبرز من غير اختبار، بل يكون المتكلم به مأخوذا عنه، غائبا عن اختياره، وكلام الحكمة معه ضرب من الاختبار، وقد يسمعون كلام القدرة من الهواتف الغيبية، ومن الجمادات على وجه الكرامة، وكله بحرف وصوت. نعم ما يقع من الهواتف القلبية والتجليات الباطنية، قد يكون بلا حرف ولا صوت، وقد تحصل لهم المكالمة بالإشارة بلا صوت ولا حرف، فقوله: بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية... الخ. إن أراد به التجليات الباطنية فمسلم، لكن ظاهره أن كلام الحق الذي يسمعه لأنبيائه وأوليائه محصور في ذلك، وأنه لا يكون إلا بلا حرف ولا صوت. وليس كذلك. وقوله: وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شيء الخ، معناه: لم يبق في ولاية أهل مشاهدة الأزل من رسوم الحوادث شيء. قلت: لكنهم يثبتونها حكمة، ويمحونها قدرة ومشاهدة، ولا يلزم من محوها عدم صدور الكلام منها بالحرف والصوت فإن البشرية لا تطيق سماع كلام الحق بلا واسطة الحكمة، كما هو معلوم. والله تعالى أعلم.
النساء 4:164
قلت: من قرأ { زبورا } بالفتح، فالمراد به كتاب الزبور، ومن قرأ بالضم، فجمع " زبر " بكسر الزاي وسكون الباء بمعنى مزبورا، أي: مكتوبا، أي آتينا داود كتبا متعددة، و { رسلا }: منصوب بمحذوف دل عليه، { أوحينا } ، أي: أرسلنا رسلا، أو يفسره ما بعده، أي: قصصنا عليك رسلا، و { رسلا مبشرين }: منصوب على البدل، أو على المدح، أو بإضمار أرسلنا، أو على الحال الموطئة لما بعده، كقولك: مررت بزيد رجلا صالحا. يقول الحق جل جلاله: { إنا أوحينا إليك } يا محمد { كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } ولم يكن ينزل عليهم الكتاب جملة واحدة، كما سألك أهل الكتاب تعنيتا، بل كان ينزل عليهم الوحي شيئا فشيئا، فأمرك كأمرهم. وقدم نوحا عليه السلام لأنه أبو البشر بعد آدم، وأول نبي من أنبياء الشريعة، وأول نذير على الشرك وأول رسول عذبت أمته بدعوته، وأطول الأنبياء عمرا، وجعلت معجزته في نفسه، فإنه عمر ألف سنة، ولم تنقص له سن، ولم تنقص له قوه، ولم تشب له شعرة، ولم يبالغ أحد في تأخير الدعوة ما بالغ هو عليه السلام، ولم يصبر أحد على أذى قومه ما صبر هو، كان يشتم ويضرب حتى يغمى عليه. ثم قال تعالى: { وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } أي: الأحفاد، وهم أنبياء بني إسرائيل، { وعيسى وأيوب وهارون وسليمان } ، وإنما خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تعظيما لهم، فإن إبراهيم أول أولي العزم منهم، وآخرهم عيسى عليه السلام، والباقون أشراف الأنبياء ومشاهيرهم، { وآتينا داود زبورا } أي: كتاب الزبور، أو زبورا أي: صحفا متعددة، وأرسلنا { رسلا قد قصصناهم عليك من قبل } أي: من قبل هذه السورة، أو قبل هذا اليوم، { ورسلا لم نقصصهم عليك } ، وفي الحديث:
" عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر "
، { وكلم الله موسى تكليما } حقيقيا، خص به من بين الأنبياء، وزاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالرؤية مع الكلام. قال الورتجبي: بادر موسى عليه السلام من بين الأنبياء لسؤال الرؤية، فأوقفه الحق في مقام سماع كلامه، ومنعه من مشاهدة رؤيته صرفا، وتحمل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أثقال السر بمطايا أسراره، ولم يسأل مشاهدة الحق جهرا بالانبساط، فأوصله الله إلى مقام مشاهدته، ثم أسمعه كلامه بلا واسطة ولا حجاب. قال تعالى:
فأوحى إلى عبده مآ أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى
[النجم:10،11]. ه. وقال ابن عطية: كلامه تعالى لموسى دون تكييف ولا تحديد، وكما أن الله تعالى موجود لا كالموجودات معلوم لا كالمعلومات، فكذلك كلامه لا كالكلام. ه. ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال: أرسلنا { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد } بعث { الرسل } فيقولون: لولا أرسلت إلينا رسولا ينبهنا ويعلمنا ما جهلنا من أمر توحيدك والقيام بعبوديتك، فقطع عذر العباد ببعث الرسل، وقامت الحجة عليهم، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام :
" ما أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه، وما أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ".
{ وكان الله عزيزا } لا يغلب، فلا يجب عليه شيء، { حكيما } فيما دبر من النبوة، وخص كل نبي بنوع من الوحي والإعجاز على ما يليق به في زمانه. والله تعالى أعلم. الإشارة: علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل، العارفون منهم كالرسل منهم، قال ابن الفارض رضي الله عنه:
فعالمنا منهم نبي، ومن دعا إلى الحق منا قام بالرسليه وعارفنا في وقتنا الأحمدي من أولي العزم منهم آخذ بالعزيمه
فإنهم يشاركونهم في وحي الإلهام، ويحصل لهم المكالمة مع المشاهدة، فيسمعون من الحق كما ينطقون به. كما قال الششتري:
أنا بالله أنطق ومن الله أسمع
فتارة يسمعون كلامه بالوسائط، وتارة من غير الوسائط، يعرف هذا أهل الفن من أهل الذوق، وشأن من لم يبلغ مقامهم: التسليم.
إن لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار
وفي الورتجبي: وإن الله تعالى إذا أراد أن يسمع كلامه أحدا من الأنبياء والأولياء يعطيه سمعا من أسماعه، فيسمع به كلامه، كما حكى عليه الصلاة والسلام عنه تعالى ، قال:
" فإذا أحببته كنت معه... "
، الحديث. أسمعه كلامه، وليس هناك الحروف والأصوات، بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية، الذي هو منزه عن همهمة الأنفاس وخطرات الوسواس، وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شيء، حتى هناك السامع والمسمع واحد من حيث المحبة، لا من حيث الجمع والتفرقة. انتهى كلامه. واعلم أن أهل الجمع لا يشهدون إلا متكلما واحدا، قد انتفى من نظرهم التعدد والاثنينية، غير أنهم يفرقون بين كلام القدرة وكلام الحكمة، كلام القدرة يبرز من غير اختبار، بل يكون المتكلم به مأخوذا عنه، غائبا عن اختياره، وكلام الحكمة معه ضرب من الاختبار، وقد يسمعون كلام القدرة من الهواتف الغيبية، ومن الجمادات على وجه الكرامة، وكله بحرف وصوت. نعم ما يقع من الهواتف القلبية والتجليات الباطنية، قد يكون بلا حرف ولا صوت، وقد تحصل لهم المكالمة بالإشارة بلا صوت ولا حرف، فقوله: بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية... الخ. إن أراد به التجليات الباطنية فمسلم، لكن ظاهره أن كلام الحق الذي يسمعه لأنبيائه وأوليائه محصور في ذلك، وأنه لا يكون إلا بلا حرف ولا صوت. وليس كذلك. وقوله: وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شيء الخ، معناه: لم يبق في ولاية أهل مشاهدة الأزل من رسوم الحوادث شيء. قلت: لكنهم يثبتونها حكمة، ويمحونها قدرة ومشاهدة، ولا يلزم من محوها عدم صدور الكلام منها بالحرف والصوت فإن البشرية لا تطيق سماع كلام الحق بلا واسطة الحكمة، كما هو معلوم. والله تعالى أعلم.
النساء 4:165
قلت: من قرأ { زبورا } بالفتح، فالمراد به كتاب الزبور، ومن قرأ بالضم، فجمع " زبر " بكسر الزاي وسكون الباء بمعنى مزبورا، أي: مكتوبا، أي آتينا داود كتبا متعددة، و { رسلا }: منصوب بمحذوف دل عليه، { أوحينا } ، أي: أرسلنا رسلا، أو يفسره ما بعده، أي: قصصنا عليك رسلا، و { رسلا مبشرين }: منصوب على البدل، أو على المدح، أو بإضمار أرسلنا، أو على الحال الموطئة لما بعده، كقولك: مررت بزيد رجلا صالحا. يقول الحق جل جلاله: { إنا أوحينا إليك } يا محمد { كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } ولم يكن ينزل عليهم الكتاب جملة واحدة، كما سألك أهل الكتاب تعنيتا، بل كان ينزل عليهم الوحي شيئا فشيئا، فأمرك كأمرهم. وقدم نوحا عليه السلام لأنه أبو البشر بعد آدم، وأول نبي من أنبياء الشريعة، وأول نذير على الشرك وأول رسول عذبت أمته بدعوته، وأطول الأنبياء عمرا، وجعلت معجزته في نفسه، فإنه عمر ألف سنة، ولم تنقص له سن، ولم تنقص له قوه، ولم تشب له شعرة، ولم يبالغ أحد في تأخير الدعوة ما بالغ هو عليه السلام، ولم يصبر أحد على أذى قومه ما صبر هو، كان يشتم ويضرب حتى يغمى عليه. ثم قال تعالى: { وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } أي: الأحفاد، وهم أنبياء بني إسرائيل، { وعيسى وأيوب وهارون وسليمان } ، وإنما خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تعظيما لهم، فإن إبراهيم أول أولي العزم منهم، وآخرهم عيسى عليه السلام، والباقون أشراف الأنبياء ومشاهيرهم، { وآتينا داود زبورا } أي: كتاب الزبور، أو زبورا أي: صحفا متعددة، وأرسلنا { رسلا قد قصصناهم عليك من قبل } أي: من قبل هذه السورة، أو قبل هذا اليوم، { ورسلا لم نقصصهم عليك } ، وفي الحديث:
" عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر "
، { وكلم الله موسى تكليما } حقيقيا، خص به من بين الأنبياء، وزاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالرؤية مع الكلام. قال الورتجبي: بادر موسى عليه السلام من بين الأنبياء لسؤال الرؤية، فأوقفه الحق في مقام سماع كلامه، ومنعه من مشاهدة رؤيته صرفا، وتحمل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أثقال السر بمطايا أسراره، ولم يسأل مشاهدة الحق جهرا بالانبساط، فأوصله الله إلى مقام مشاهدته، ثم أسمعه كلامه بلا واسطة ولا حجاب. قال تعالى:
فأوحى إلى عبده مآ أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى
[النجم:10،11]. ه. وقال ابن عطية: كلامه تعالى لموسى دون تكييف ولا تحديد، وكما أن الله تعالى موجود لا كالموجودات معلوم لا كالمعلومات، فكذلك كلامه لا كالكلام. ه. ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال: أرسلنا { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد } بعث { الرسل } فيقولون: لولا أرسلت إلينا رسولا ينبهنا ويعلمنا ما جهلنا من أمر توحيدك والقيام بعبوديتك، فقطع عذر العباد ببعث الرسل، وقامت الحجة عليهم، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام :
" ما أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه، وما أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ".
{ وكان الله عزيزا } لا يغلب، فلا يجب عليه شيء، { حكيما } فيما دبر من النبوة، وخص كل نبي بنوع من الوحي والإعجاز على ما يليق به في زمانه. والله تعالى أعلم. الإشارة: علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل، العارفون منهم كالرسل منهم، قال ابن الفارض رضي الله عنه:
فعالمنا منهم نبي، ومن دعا إلى الحق منا قام بالرسليه وعارفنا في وقتنا الأحمدي من أولي العزم منهم آخذ بالعزيمه
فإنهم يشاركونهم في وحي الإلهام، ويحصل لهم المكالمة مع المشاهدة، فيسمعون من الحق كما ينطقون به. كما قال الششتري:
أنا بالله أنطق ومن الله أسمع
فتارة يسمعون كلامه بالوسائط، وتارة من غير الوسائط، يعرف هذا أهل الفن من أهل الذوق، وشأن من لم يبلغ مقامهم: التسليم.
إن لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار
وفي الورتجبي: وإن الله تعالى إذا أراد أن يسمع كلامه أحدا من الأنبياء والأولياء يعطيه سمعا من أسماعه، فيسمع به كلامه، كما حكى عليه الصلاة والسلام عنه تعالى ، قال:
" فإذا أحببته كنت معه... "
، الحديث. أسمعه كلامه، وليس هناك الحروف والأصوات، بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية، الذي هو منزه عن همهمة الأنفاس وخطرات الوسواس، وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شيء، حتى هناك السامع والمسمع واحد من حيث المحبة، لا من حيث الجمع والتفرقة. انتهى كلامه. واعلم أن أهل الجمع لا يشهدون إلا متكلما واحدا، قد انتفى من نظرهم التعدد والاثنينية، غير أنهم يفرقون بين كلام القدرة وكلام الحكمة، كلام القدرة يبرز من غير اختبار، بل يكون المتكلم به مأخوذا عنه، غائبا عن اختياره، وكلام الحكمة معه ضرب من الاختبار، وقد يسمعون كلام القدرة من الهواتف الغيبية، ومن الجمادات على وجه الكرامة، وكله بحرف وصوت. نعم ما يقع من الهواتف القلبية والتجليات الباطنية، قد يكون بلا حرف ولا صوت، وقد تحصل لهم المكالمة بالإشارة بلا صوت ولا حرف، فقوله: بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية... الخ. إن أراد به التجليات الباطنية فمسلم، لكن ظاهره أن كلام الحق الذي يسمعه لأنبيائه وأوليائه محصور في ذلك، وأنه لا يكون إلا بلا حرف ولا صوت. وليس كذلك. وقوله: وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شيء الخ، معناه: لم يبق في ولاية أهل مشاهدة الأزل من رسوم الحوادث شيء. قلت: لكنهم يثبتونها حكمة، ويمحونها قدرة ومشاهدة، ولا يلزم من محوها عدم صدور الكلام منها بالحرف والصوت فإن البشرية لا تطيق سماع كلام الحق بلا واسطة الحكمة، كما هو معلوم. والله تعالى أعلم.
النساء 4:166
قلت: { لكن }: حرف استدراك، وهو عن مفهوم ما تقدم، وكأنه قال: إنهم لا يشهدون بوحينا إليك. لكن الله يشهد بذلك. يقول الحق جل جلاله: في الرد على اليهود لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نشهد لك بما أوحي إليكم. فقال تعالى: { لكن الله يشهد بما أنزل إليك } إن لم يشهدوا به، { أنزله بعلمه } أي: متلبسا بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ. أو متلبسا بعلمه الذي يحتاج الناس إليه في معاشهم ومعادهم. أو بعلمه المتعلق بمن يستأهل نزول الكتب إليه، { والملائكة } أيضا يشهدون بذلك. وفيه تنبيه على أن الملائكة يودون أن يعلم الناس صحة دعوى النبوة، على وجه يستغني عن النظر والتأمل، وهذا النوع من خواص الملك، ولا سبيل للإنسان إلى العلم بأمثال ذلك، سوى التفكر والنظر، فلو أتى هؤلاء بالنظر الصحيح لعرفوا نبوتك، وشهدوا بها كما عرفت الملائكة وشهدوا. قاله البيضاوي، وقد يخلق الله العلم في قلب الإنسان من غير تفكر ولا نظر، بل هداية من المالك القدير. { وكفى بالله شهيدا } لرسوله عن شهادة غيره. الإشارة: كما شهد الحق تعالى لرسوله بالنبوة والرسالة، شهد لمن كان على قدمه من ورثته الخاصة بالولاية والخصوصية، وهم الأولياء العارفون بالله، وشهادته لهم بما أظهر عليهم من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، وبما أتحفهم به من الأخلاق النبوية والمحاسن البهية، وبما أظهر على أيديهم من الكرامات الظاهرة مع الاستقامة الشرعية، لكن لا يدرك هذه الشهادة إلا من سبقت له العناية، وكان له حظ من الولاية. " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه! ولم يوصل إليه إلا من أراد أن يوصله إليه " وبالله التوفيق.
النساء 4:167
قلت: { خالدين }: حال مقدرة. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا } بما أنزلت على رسولنا من اليهود أو غيرهم، { وصدوا } الناس عن طريق الله الموصلة إليه، { قد ضلوا ضلالا بعيدا } لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد عن الانقلاع. { إن الذين كفروا وظلموا } الناس بصدهم عما فيه صلاحهم وخلاصهم، أو ظلموا رسول الله بإنكار نبوته وكتمان صفته، أو ظلموا أنفسهم بالانهماك في الكفر، { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا، إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا } ، فجرى حكمه السابق ووعده الصادق على أن من مات على الكفر مخلد في النار، { وكان ذلك على الله يسيرا } لا يصعب عليه ولا يتعاظمه. الإشارة: إن الذين كفروا بالخصوصية وأنكروا على أهلها، وصدوا الناس عن القصد إليها والدخول في حزبها قد ضلوا عن طريق الوصول ضلالا بعيدا، إذ لا وصول إلى الله إلا على يد أولياء الله لأنهم باب الحضرة، فلا بد من الأدب معهم والخضوع لهم. إن الذين كفروا بأولياء الله، وظلموا أنفسهم حيث حرموها الوصول، وتركوها في أودية الخواطر تجول، لم يكن الله ليستر مساوئهم ويقدس سرائرهم، ولا ليهديهم طريق المشاهدة ولا كيفية المجاهدة وإنما يمكنهم من طريق التعب والنصب حتى يلقوا الله بقلب سقيم، والعياذ بالله.
النساء 4:168
قلت: { خالدين }: حال مقدرة. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا } بما أنزلت على رسولنا من اليهود أو غيرهم، { وصدوا } الناس عن طريق الله الموصلة إليه، { قد ضلوا ضلالا بعيدا } لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد عن الانقلاع. { إن الذين كفروا وظلموا } الناس بصدهم عما فيه صلاحهم وخلاصهم، أو ظلموا رسول الله بإنكار نبوته وكتمان صفته، أو ظلموا أنفسهم بالانهماك في الكفر، { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا، إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا } ، فجرى حكمه السابق ووعده الصادق على أن من مات على الكفر مخلد في النار، { وكان ذلك على الله يسيرا } لا يصعب عليه ولا يتعاظمه. الإشارة: إن الذين كفروا بالخصوصية وأنكروا على أهلها، وصدوا الناس عن القصد إليها والدخول في حزبها قد ضلوا عن طريق الوصول ضلالا بعيدا، إذ لا وصول إلى الله إلا على يد أولياء الله لأنهم باب الحضرة، فلا بد من الأدب معهم والخضوع لهم. إن الذين كفروا بأولياء الله، وظلموا أنفسهم حيث حرموها الوصول، وتركوها في أودية الخواطر تجول، لم يكن الله ليستر مساوئهم ويقدس سرائرهم، ولا ليهديهم طريق المشاهدة ولا كيفية المجاهدة وإنما يمكنهم من طريق التعب والنصب حتى يلقوا الله بقلب سقيم، والعياذ بالله.
النساء 4:169
قلت: { خالدين }: حال مقدرة. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا } بما أنزلت على رسولنا من اليهود أو غيرهم، { وصدوا } الناس عن طريق الله الموصلة إليه، { قد ضلوا ضلالا بعيدا } لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد عن الانقلاع. { إن الذين كفروا وظلموا } الناس بصدهم عما فيه صلاحهم وخلاصهم، أو ظلموا رسول الله بإنكار نبوته وكتمان صفته، أو ظلموا أنفسهم بالانهماك في الكفر، { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا، إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا } ، فجرى حكمه السابق ووعده الصادق على أن من مات على الكفر مخلد في النار، { وكان ذلك على الله يسيرا } لا يصعب عليه ولا يتعاظمه. الإشارة: إن الذين كفروا بالخصوصية وأنكروا على أهلها، وصدوا الناس عن القصد إليها والدخول في حزبها قد ضلوا عن طريق الوصول ضلالا بعيدا، إذ لا وصول إلى الله إلا على يد أولياء الله لأنهم باب الحضرة، فلا بد من الأدب معهم والخضوع لهم. إن الذين كفروا بأولياء الله، وظلموا أنفسهم حيث حرموها الوصول، وتركوها في أودية الخواطر تجول، لم يكن الله ليستر مساوئهم ويقدس سرائرهم، ولا ليهديهم طريق المشاهدة ولا كيفية المجاهدة وإنما يمكنهم من طريق التعب والنصب حتى يلقوا الله بقلب سقيم، والعياذ بالله.
النساء 4:170
قلت: { فآمنوا خيرا لكم } ، و { انتهوا خيرا لكم }: قال سيبويه: هو منصوب بفعل مضمر، تقديره: وائتوا خيرا لكم، وقال الخليل: منصوب بآمنوا وبانتهوا على المعنى. أي: اقصدوا. وقال الفراء صفة لمصدر، أي: آمنوا إيمانا خيرا لكم. وقال بعض الكوفيين: هو خبر كان المحذوفة، وتقديره: ليكن الإيمان خيرا لكم. قلت: وهو أظهر من جهة المعنى، وإن منعه البصريون، قالوا: لأن { كان } لا تحذف مع اسمها إلا في مواضع مخصوصة، قال ابن مالك:
ويحذفونها ويبقون الخبر وبعد إن، ولو، كثيرا ذا اشتهر
ولعل هذا الموضع أتى على غير المشهور تنبيها على الجواز. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم } وهو محمد صلى الله عليه وسلم، { فأمنوا به } يكن { خيرا لكم } مما أنتم فيه من الضلال، { وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض } وما تركبتا منه، ملكا وخلقا وعبيدا، فهو غني عنكم، لا يتضرر بكفركم، كما لا ينتفع بإيمانكم، { وكان الله عليما } بأحوالكم، { حكيما } فيما دبر لكم. الإشارة: الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو إتقان مقام الإسلام، وتصحيح مقام الإيمان، الذي من أركانه: الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وتحقيق مقام الإحسان الذي هو مقام الشهود والعيان، لا يكمل هذا إلا بصحبة أهل العرفان، الذين صححوا مقام الفناء، وخرجوا إلى البقاء خاضوا بحار التوحيد، وانفردوا بأسرار التفريد، ورسخ فيه مقام الرضى والتسليم، فتلقوا المقادير كلها بقلب سليم، فمن لم يصحبهم ويتأدب بآدابهم بقي إيمانه ناقصا، وحقه العذاب، فكأن الحق تعالى يقول على لسان الإشارة: قد جاءكم وليي، وهو خليفة رسولي، فآمنوا بخصوصيته، وأذعنوا لأمره وتربيته، يكن خيرا لكم مما أنتم فيه من المساوىء والأمراض، لئلا تلقوني بقلب سقيم، وبالله التوفيق.
النساء 4:171
قلت: أصل الغلو: مجاوزة الحد في كل شيء، يقال: غلا بالجارية لحمها وعظمها، إذا أسرعت إلى الشباب فجاوزت لداتها أي: أقرانها، تغلو غلوا. يقول الحق جل جلاله: في عتاب النصارى بدليل ما بعده: { يا أهل الكتاب } الإنجيل { لا تغلوا في دينكم } فتجاوزوا الحد فيه باعتقادكم في عيسى أنه الله، أو ابن الله، قصدوا تعظيمه فغلوا وأفرطوا، { ولا تقولوا على الله إلا الحق } ، وهو تنزيه عن الصاحبه والولد. ثم بين الحق فيه فقال: { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } ، لا كما قالت اليهود: ليس برسول، ولا كما قالت النصارى: إنه الله، أو ابن الله، وإنما هو عبد الله ورسوله، { وكلمته ألقاها إلى مريم } أي: أوصلها إليها وحصلها فيها، وهي كلمة: كن. فتكون بها في رحم أمه فسمى بها، { وروح منه } وهو نفخ جبريل في جيبها فحملت بذلك النفخ، وسمي النفخ روحا لأنه ريح يخرج عن الروح، فكانت روحه صادرة من روح القدس، كما قال في آدم:
ونفخت فيه من روحى
[الحجر:29]، وقد قال:
إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم
[آل عمران:59]، فنفخ جبريل في الحقيقة لما كان بأمر الله صار هو نفخ الحق لأن الواسطة محذوفة عند المحققين، فلذلك أضاف روحه إليه كروح آدم عليه السلام. { فأمنوا بالله ورسوله } أي: وحدوا الله في إلوهيته، { ولا تقولوا ثلاثة } أي: الآلهة ثلاثة: الله، والمسيح، ومريم، { انتهوا } عن التثليث يكن { خيرا لكم إنما الله إله واحد } في ذاته وصفاته وأفعاله، { سبحانه } أي: تنزيها له أن يكون له ولد، لأنه لا يجانس ولا يتطرقه الفناء، { له ما في السماوات وما في الأرض } ، ملكا وخلقا وعبيدا، والعبودية تنافي البنوة، { وكفى بالله وكيلا } فلا يحتاج إلى ولد لأن الولد يكون وكيلا عن أبيه وخليفته، والله تعالى قائم بحفظ الأشياء كاف لها، مستغن عمن يعينه أو يخلفه لوجوب بقائه وغناه. واعلم أن النصارى انقسموا على أربع فرق: نسطورية، ويعقوبية، وملكانية، ومرقوسية، ومنهم نصارى نجران، فالنسطورية، قالوا في عيسى هو ابن الله، واليعقوبية والملكانية، قالوا هو الله، والمرقوسية قالوا: هو ثالث ثلاثة، وكلهم ضالون. الإشارة: الغلو كله مذموم، وخير الأمور أوساطها، وقد قال عليه الصلاة والسلام :
" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله "
، ويرخص للفقير أن يتغالى في مدح شيخه، ما لم يخرجه عن طوره، أو ينتقص غيره بمدحه، وفي الإشارة حيث على حفظ مقام التوحيد، وتنزيهه تعالى عن الأضداد والأنداد. وفي ذلك يقول الشاعر:
أرب وعبد ونفى ضد @_قلت له: ليس ذاك عندي فقال ما عندكم؟ فقلنا: وجود فقد وفقد وجد
فإثبات العبودية مستقلة تضاد الربوبية، ولذلك أنكرها الشاعر، أي: أثبت ربا وعبدا، وأنت تقول بنفي الضد عنه وفي الحكم: " الأكوان ثابتة بإثباته ممحوة بأحدية ذاته ". ولما قالت نصارى نجران للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تعيب صاحبنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام
" ومن صاحبكم؟ "
قالوا: عيسى. قال
" وأي شيء أقول؟ "
قالوا: تقول إنه عبد الله. قال لهم عليه الصلاة والسلام :
" ليس بعار أن يكون عيسى عبدا "
النساء 4:172
قلت: أصل الاستنكاف: التنحية، من قولهم: نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك كي لا يرى أثره عليك، ثم أطلق على الأنفة، والاستكبار دون الاستنكاف، ولذا عطف عليه لأن الاستنكاف، لا يستعمل إلا حيث لا استحقاق، بخلاف الاستكبار فإنه يكون باستحقاق. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: في الرد على النصارى: { لن يستنكف } أي: لن يأنف { المسيح أن يكون عبدا لله } فإن عبوديته لله شرف يتباهى بها، وإنما المذلة والاستنكاف في عبوديته لغيره، { ولا الملائكة المقربون } لا يستنكفون أيضا أن يكونوا عبيدا لله، بل ما كانوا مكرمين إلا بعبوديتهم لله، واحتج بالآية من فضل الملائكة على الأنبياء، لأن المعطوف يقتضي أن يكون أرفع درجة من المعطوف عليه، حتى يكون عدم استنكاف الملائكة كالدليل على عدم استنكاف المسيح. والجواب: أن عطف الملائكة إنما أريد به التكثير والمبالغة، كقولهم: أصبح الأمير اليوم لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس، والرئيس أفضل من المرؤوس، والتحقيق في المسألة أن الأنبياء والرسل أفضل من خواص الملائكة كالمقربين، وخواص الملائكة وهم المقربون أفضل من خواص البشر كالأولياء، وخواص البشر أفضل من عوام الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر، ولذلك قيل: من غلب عقله على هواه كان كالملائكة أو أفضل، ومن غلب هواه على عقله، كان كالبهائم أو أضل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وعيد من استنكف عن عبوديته تعالى فقال: { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا } فيجازيهم { فأما الذين آمنوا وعلموا الصالحات } ولم يستنكفوا عن عبادته { فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، { وأما الذين استنكفوا } عن عبوديته { واستكبروا } عن عبادته { فيعذبهم عذابا أليما } أي: موجعا، وهو النار وقال القشيري: العذاب الأليم: هو ألا يصلوا إليه أبدا بعد ما عرفوا جلاله، إذ صارت معرفتهم ضرورية أي قهرية فحسراتهم حينئذ على ما فاتهم أشد عقوبة لهم. ه. { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا }. فإن قلت: هذا التفصيل أعم من المفصل، لأن الحشر إنما ذكر للمتكبرين والتفصيل أعم، فالجواب: أن عموم المفصل يفهم من قوة الكلام، فكأنه قال: فسيحشرهم للمجازاة يوم يجازي عباده جميعا، { فأما الذين آمنوا... } الخ، نظيره: قولك: جمع الأمير كافة مملكته، فأما العلماء فأكرمهم، وأما الطغاة فقطعهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: العبودية أشرف الحالات وأرفع المقامات، بها شرف من شرف، وارتفع من ارتفع، عند الله، وما خاطب الله أحباءه إلا بالعبودية، فقال تعالى:
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا
[الإسراء:1]، وقال:
واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب
[ص:45]،
واذكر عبدنا داود
[ص:17]،
واذكر عبدنا أيوب
[ص:41]،
نعم العبد إنه أواب
[ص:30]... إلى غير ذلك. وأوصاف العبودية أربعة: الذل، والفقر، والضعف، والجهل. ومقابلها من أوصاف الربوبية أربعة: العز، والغنى والقوة والعلم، فبقدر ما يظهر العبد من أوصاف العبودية يمده الحق من أوصاف الربوبية، فبقدر ما يظهر العبد من الذل يمده من العز، وبقدر ما يظهر من الفقر يمده بالغنى، وبقدر ما يظهر من الضعف يمده من القوة، وبقدر ما يظهر من الجهل يمده من العلم، تحقق بوصفك يمدك بوصفه، ولا يتحقق ظهور هذه الأوصاف إلا بين عباده لتمتحق بذلك أوصاف النفس.
النساء 4:173
قلت: أصل الاستنكاف: التنحية، من قولهم: نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك كي لا يرى أثره عليك، ثم أطلق على الأنفة، والاستكبار دون الاستنكاف، ولذا عطف عليه لأن الاستنكاف، لا يستعمل إلا حيث لا استحقاق، بخلاف الاستكبار فإنه يكون باستحقاق. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: في الرد على النصارى: { لن يستنكف } أي: لن يأنف { المسيح أن يكون عبدا لله } فإن عبوديته لله شرف يتباهى بها، وإنما المذلة والاستنكاف في عبوديته لغيره، { ولا الملائكة المقربون } لا يستنكفون أيضا أن يكونوا عبيدا لله، بل ما كانوا مكرمين إلا بعبوديتهم لله، واحتج بالآية من فضل الملائكة على الأنبياء، لأن المعطوف يقتضي أن يكون أرفع درجة من المعطوف عليه، حتى يكون عدم استنكاف الملائكة كالدليل على عدم استنكاف المسيح. والجواب: أن عطف الملائكة إنما أريد به التكثير والمبالغة، كقولهم: أصبح الأمير اليوم لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس، والرئيس أفضل من المرؤوس، والتحقيق في المسألة أن الأنبياء والرسل أفضل من خواص الملائكة كالمقربين، وخواص الملائكة وهم المقربون أفضل من خواص البشر كالأولياء، وخواص البشر أفضل من عوام الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر، ولذلك قيل: من غلب عقله على هواه كان كالملائكة أو أفضل، ومن غلب هواه على عقله، كان كالبهائم أو أضل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وعيد من استنكف عن عبوديته تعالى فقال: { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا } فيجازيهم { فأما الذين آمنوا وعلموا الصالحات } ولم يستنكفوا عن عبادته { فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، { وأما الذين استنكفوا } عن عبوديته { واستكبروا } عن عبادته { فيعذبهم عذابا أليما } أي: موجعا، وهو النار وقال القشيري: العذاب الأليم: هو ألا يصلوا إليه أبدا بعد ما عرفوا جلاله، إذ صارت معرفتهم ضرورية أي قهرية فحسراتهم حينئذ على ما فاتهم أشد عقوبة لهم. ه. { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا }. فإن قلت: هذا التفصيل أعم من المفصل، لأن الحشر إنما ذكر للمتكبرين والتفصيل أعم، فالجواب: أن عموم المفصل يفهم من قوة الكلام، فكأنه قال: فسيحشرهم للمجازاة يوم يجازي عباده جميعا، { فأما الذين آمنوا... } الخ، نظيره: قولك: جمع الأمير كافة مملكته، فأما العلماء فأكرمهم، وأما الطغاة فقطعهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: العبودية أشرف الحالات وأرفع المقامات، بها شرف من شرف، وارتفع من ارتفع، عند الله، وما خاطب الله أحباءه إلا بالعبودية، فقال تعالى:
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا
[الإسراء:1]، وقال:
واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب
[ص:45]،
واذكر عبدنا داود
[ص:17]،
واذكر عبدنا أيوب
[ص:41]،
نعم العبد إنه أواب
[ص:30]... إلى غير ذلك. وأوصاف العبودية أربعة: الذل، والفقر، والضعف، والجهل. ومقابلها من أوصاف الربوبية أربعة: العز، والغنى والقوة والعلم، فبقدر ما يظهر العبد من أوصاف العبودية يمده الحق من أوصاف الربوبية، فبقدر ما يظهر العبد من الذل يمده من العز، وبقدر ما يظهر من الفقر يمده بالغنى، وبقدر ما يظهر من الضعف يمده من القوة، وبقدر ما يظهر من الجهل يمده من العلم، تحقق بوصفك يمدك بوصفه، ولا يتحقق ظهور هذه الأوصاف إلا بين عباده لتمتحق بذلك أوصاف النفس.
النساء 4:174
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم } وهو الرسول عليه الصلاة والسلام وما اقترن به من المعجزات الواضحات، { وأنزلنا إليكم } على لسانه { نورا مبينا } وهو القرآن: أو جاءكم برهان من ربكم: المعجزات الطاهرة، { وأنزلنا إليكم نورا مبينا }: القرآن العظيم، أي: جاءكم دليل العقل وشواهد النقل، فلم يبق لكم عذر ولا علة. { فأما الذين آمنوا بالله } أي: وحدوه في ربوبيته، { واعتصموا } أي: تمسكوا بدينه أو بكتابه، { فيسدخلهم في رحمة منه } وهي الجنة، { وفضل }: النظر لوجهه الكريم، قال البيضاوي: { في رحمة } أي: ثواب قدره بإزاء وإيمانه وعمله، رحمة منه، لا قضاء لحق واجب، وفضل إحسان زائد عليهما. ه. وقال القشيري: سيحفظ عليهم إيمانهم في المآل عند التوفي، كما أكرمهم به وبالعرفان في الحال.ه. { ويهديهم إليه } أي: إلى الوصول إليه، { صراطا مستقيما } أي: يبين لهما الوصول إليه، وهو طريق السير الذي لا عوج فيه العلم والعمل والحال، وقال البيضاوي: هو الإسلام والطاعة في الدنيا، وطريق الجنة في الآخرة. ه. الإشارة: قد جاءكم من يعرفكم بالله، ويدلكم على الله، وهم أولياء الله، ببرهان واضح لا يخفى إلا على من كان خفاشيا، وأنزلنا إليكم من سر قدسنا، وبحر جبروتنا نورا مبينا، تشاهدون فيه أسرار الذات وأنوار الصفات، وهو ما ظهر من التجليات من القبضة الأولية المحمدية، { فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به } في حال سيرهم إليه { فسيدخلهم في رحمة منه } وهي حضرة القدس، { وفضل } وهو الترقي في أسرار المعارف إلى ما لا نهاية له، ويهديهم إلى الوصول إليه، وهو شهوده في ذلك النور، طريقا توصل إليه في أقرب زمان. ولعل الآية فيها تقديم وتأخير، أي: فسيهديهم إليه طريقا مستقيما يسيرون فيه، حتى يصلوا إليه، ثم يدخلهم في رحمة حضرته، وفضل زيادة معرفته. والله تعالى أعلم.
النساء 4:175
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم } وهو الرسول عليه الصلاة والسلام وما اقترن به من المعجزات الواضحات، { وأنزلنا إليكم } على لسانه { نورا مبينا } وهو القرآن: أو جاءكم برهان من ربكم: المعجزات الطاهرة، { وأنزلنا إليكم نورا مبينا }: القرآن العظيم، أي: جاءكم دليل العقل وشواهد النقل، فلم يبق لكم عذر ولا علة. { فأما الذين آمنوا بالله } أي: وحدوه في ربوبيته، { واعتصموا } أي: تمسكوا بدينه أو بكتابه، { فيسدخلهم في رحمة منه } وهي الجنة، { وفضل }: النظر لوجهه الكريم، قال البيضاوي: { في رحمة } أي: ثواب قدره بإزاء وإيمانه وعمله، رحمة منه، لا قضاء لحق واجب، وفضل إحسان زائد عليهما. ه. وقال القشيري: سيحفظ عليهم إيمانهم في المآل عند التوفي، كما أكرمهم به وبالعرفان في الحال.ه. { ويهديهم إليه } أي: إلى الوصول إليه، { صراطا مستقيما } أي: يبين لهما الوصول إليه، وهو طريق السير الذي لا عوج فيه العلم والعمل والحال، وقال البيضاوي: هو الإسلام والطاعة في الدنيا، وطريق الجنة في الآخرة. ه. الإشارة: قد جاءكم من يعرفكم بالله، ويدلكم على الله، وهم أولياء الله، ببرهان واضح لا يخفى إلا على من كان خفاشيا، وأنزلنا إليكم من سر قدسنا، وبحر جبروتنا نورا مبينا، تشاهدون فيه أسرار الذات وأنوار الصفات، وهو ما ظهر من التجليات من القبضة الأولية المحمدية، { فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به } في حال سيرهم إليه { فسيدخلهم في رحمة منه } وهي حضرة القدس، { وفضل } وهو الترقي في أسرار المعارف إلى ما لا نهاية له، ويهديهم إلى الوصول إليه، وهو شهوده في ذلك النور، طريقا توصل إليه في أقرب زمان. ولعل الآية فيها تقديم وتأخير، أي: فسيهديهم إليه طريقا مستقيما يسيرون فيه، حتى يصلوا إليه، ثم يدخلهم في رحمة حضرته، وفضل زيادة معرفته. والله تعالى أعلم.
النساء 4:176
قلت: { في الكلالة } ، يتعلق بيفتيكم، ويستفتونك، فيكون من باب التنازع، وأعمل الثاني على اختيار البصريين، وعمل الأول في الضمير المجرور حذف، أي: يستفتونك فيها، أو عمل الأول وحذف ضمير الثاني، أو يكون يستفتونك مقطوعا فيوقف عليه، أو حذف متعلقة لدلالة الجواب عليه، أي: يستفتونك في الكلالة، وهو أظهر، وتقدم تفسير الكلالة، { إن امرؤ هلك }: ارتفع بفعل مضمر عند البصريين، من باب الاشتغال في المرفوع. يقول الحق جل جلاله: { يستفتونك } في الكلالة، والمستفتي هو جابر بن عبد الله، كان مريضا فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني كلالة، فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت، وهي آخر ما نزل من الأحكام. { قل الله يفتيكم في الكلالة } ، ثم بين الفتوى فيها فقال: { إن امرؤ هلك ليس له ولد } ولا والد، بل انقطع نسبه من الجهتين، { وله أخت } شقيقة أو لأب { فلها نصف ما ترك } والباقي للعصبة، ولا ميراث لها مع الأب أو الابن، { وهو يرثها } إن ماتت ولم يكن لها ولد ولا والد. فإن استقل فله المال، وإن كان معه ذو سهم أخذ الباقي، { فإن كانتا اثنتين } فأكثر شقائق { فلهما الثلثان مما ترك } ، وإن كانت شقيقة مع الأب أخذت الشقيقة النصف، والتي لأب السدس تكملة الثلثين، وإن كانت لأب مع الشقيقتين فلا شيء لها، { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء } شقائق، مات أخوهم، { فللذكر مثل حظ الأنثيين } ، ولا شيء للأخوة لأب من الشقائق. { يبين الله لكم } الحق، كراهية { أن تضلوا والله بكل شيء عليم } فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات. اللهم أحينا حياة طيبة وأمتنا موتة حسنة، في عافية وستر جميل، يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين. الإشارة: الكلالة من الأولياء، هو الذي مات ولم يخلف ولدا يرث حاله، فإن لم تكن له تلاميذ، فإن كان له أخ يقارب حاله، ورثه وقد يرث سره أخته في النسبة، لكن لا تستوجب ذلك كله لحكمة الله تعالى. يشير إليه قوله تعالى: { فلها نصف ما ترك } ، وإن ترك إخوة في الشيخ اقتسموا سره كله، كل على قدر صدقه، والنساء الصادقات شقائق الرجال في نيل أسرار الولاية. وقد تقدم أول السورة أن مدد الشيخ كنهر أو كبحر يصب في القواديس، فإذا انسدت قادوس انتقل ماؤها إلى الأخرى. والله تعالى أعلم.