Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الأنعام 6:1 – الأنعام 6:165

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. الأنعام 6:1
  2. الأنعام 6:2
  3. الأنعام 6:3
  4. الأنعام 6:4
  5. الأنعام 6:5
  6. الأنعام 6:6
  7. الأنعام 6:7
  8. الأنعام 6:8
  9. الأنعام 6:9
  10. الأنعام 6:10
  11. الأنعام 6:11
  12. الأنعام 6:12
  13. الأنعام 6:13
  14. الأنعام 6:14
  15. الأنعام 6:15
  16. الأنعام 6:16
  17. الأنعام 6:17
  18. الأنعام 6:18
  19. الأنعام 6:19
  20. الأنعام 6:20
  21. الأنعام 6:21
  22. الأنعام 6:22
  23. الأنعام 6:23
  24. الأنعام 6:24
  25. الأنعام 6:25
  26. الأنعام 6:26
  27. الأنعام 6:27
  28. الأنعام 6:28
  29. الأنعام 6:29
  30. الأنعام 6:30
  31. الأنعام 6:31
  32. الأنعام 6:32
  33. الأنعام 6:33
  34. الأنعام 6:34
  35. الأنعام 6:35
  36. الأنعام 6:36
  37. الأنعام 6:37
  38. الأنعام 6:38
  39. الأنعام 6:39
  40. الأنعام 6:40
  41. الأنعام 6:41
  42. الأنعام 6:42
  43. الأنعام 6:43
  44. الأنعام 6:44
  45. الأنعام 6:45
  46. الأنعام 6:46
  47. الأنعام 6:47
  48. الأنعام 6:48
  49. الأنعام 6:49
  50. الأنعام 6:50
  51. الأنعام 6:51
  52. الأنعام 6:52
  53. الأنعام 6:53
  54. الأنعام 6:54
  55. الأنعام 6:55
  56. الأنعام 6:56
  57. الأنعام 6:57
  58. الأنعام 6:58
  59. الأنعام 6:59
  60. الأنعام 6:60
  61. الأنعام 6:61
  62. الأنعام 6:62
  63. الأنعام 6:63
  64. الأنعام 6:64
  65. الأنعام 6:65
  66. الأنعام 6:66
  67. الأنعام 6:67
  68. الأنعام 6:68
  69. الأنعام 6:69
  70. الأنعام 6:70
  71. الأنعام 6:71
  72. الأنعام 6:72
  73. الأنعام 6:73
  74. الأنعام 6:74
  75. الأنعام 6:75
  76. الأنعام 6:76
  77. الأنعام 6:77
  78. الأنعام 6:78
  79. الأنعام 6:79
  80. الأنعام 6:80
  81. الأنعام 6:81
  82. الأنعام 6:82
  83. الأنعام 6:83
  84. الأنعام 6:84
  85. الأنعام 6:85
  86. الأنعام 6:86
  87. الأنعام 6:87
  88. الأنعام 6:88
  89. الأنعام 6:89
  90. الأنعام 6:90
  91. الأنعام 6:91
  92. الأنعام 6:92
  93. الأنعام 6:93
  94. الأنعام 6:94
  95. الأنعام 6:95
  96. الأنعام 6:96
  97. الأنعام 6:97
  98. الأنعام 6:98
  99. الأنعام 6:99
  100. الأنعام 6:100
  101. الأنعام 6:101
  102. الأنعام 6:102
  103. الأنعام 6:103
  104. الأنعام 6:104
  105. الأنعام 6:105
  106. الأنعام 6:106
  107. الأنعام 6:107
  108. الأنعام 6:108
  109. الأنعام 6:109
  110. الأنعام 6:110
  111. الأنعام 6:111
  112. الأنعام 6:112
  113. الأنعام 6:113
  114. الأنعام 6:114
  115. الأنعام 6:115
  116. الأنعام 6:116
  117. الأنعام 6:117
  118. الأنعام 6:118
  119. الأنعام 6:119
  120. الأنعام 6:120
  121. الأنعام 6:121
  122. الأنعام 6:122
  123. الأنعام 6:123
  124. الأنعام 6:124
  125. الأنعام 6:125
  126. الأنعام 6:126
  127. الأنعام 6:127
  128. الأنعام 6:128
  129. الأنعام 6:129
  130. الأنعام 6:130
  131. الأنعام 6:131
  132. الأنعام 6:132
  133. الأنعام 6:133
  134. الأنعام 6:134
  135. الأنعام 6:135
  136. الأنعام 6:136
  137. الأنعام 6:137
  138. الأنعام 6:138
  139. الأنعام 6:139
  140. الأنعام 6:140
  141. الأنعام 6:141
  142. الأنعام 6:142
  143. الأنعام 6:143
  144. الأنعام 6:144
  145. الأنعام 6:145
  146. الأنعام 6:146
  147. الأنعام 6:147
  148. الأنعام 6:148
  149. الأنعام 6:149
  150. الأنعام 6:150
  151. الأنعام 6:151
  152. الأنعام 6:152
  153. الأنعام 6:153
  154. الأنعام 6:154
  155. الأنعام 6:155
  156. الأنعام 6:156
  157. الأنعام 6:157
  158. الأنعام 6:158
  159. الأنعام 6:159
  160. الأنعام 6:160
  161. الأنعام 6:161
  162. الأنعام 6:162
  163. الأنعام 6:163
  164. الأنعام 6:164
  165. الأنعام 6:165

الأنعام 6:1

قلت: { ثم الذين كفروا }: عطف على جملة الحمد على معنى: أن الله حقيق بالحمد على ما خلقه، نعمة على العباد، ثم الذين كفروا بربهم الذي رباهم بهذه النعم، يعدلون به سواه من الأصنام، يقال: عدلت فلانا بفلان جعلته نظيره، أو عطف على " خلق وجعل ": على معنى أنه خلق وقدر ما لا يقدر عليه غيره، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء. ومعنى { ثم }: استبعاد عدولهم بعد هذا البيان. والباء في " بربهم " متعلقة بكفروا، على الأول، وبيعدلون على الثاني، قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { الحمد لله } أي: جميع المحامد إنما يستحقها الله، إذ ما بكم من نعمة فمن الله. { الذي خلق السماوات } التي تظلكم، مشتملة على الأنوار التي تضيء عليكم، ومحلا لنزول الرحمات والأمطار عليكم، { و } خلق { الأرض } التي تقلكم، وفيها نبات معاشكم في العادة، وفيها قراركم في حياتكم وبعد مماتكم، مشتملة على بحار وأنهار، وفواكه وثمار، وبهجة أزهار ونوار، { وجعل الظلمات } التي تستركم، راحة لأبدانكم وقلوبكم، كظلمات الليل الذي هو محل السكون. { و } جعل { النور } الذي فيه معاشكم وقوام أبدانكم وأنعامكم. { ثم الذين كفروا } بعد هذا كله، { يعدلون } عنه إلى غيره، أو يعدلون به سواه، فيسوونه في العبادة معه. قال البيضاوي: وجمع السماوات دون الأرض وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة الآثار والحركات، وقدمها لشرفها وعلو مكانها. ثم قال أيضا: وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها، أو لأن المراد بالظلمة: الضلال، وبالنور: الهدى. والهدى واحد والضلال متعدد. وتقديمها لتقدم الإعدام على الملكه. ومن زعم أن الظلمة عرض يضاد النور احتج بهذه الآية، ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمي ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل. ه. الإشارة: أثنى الحق جل جلاله على نفسه بإنشاء هذه العوالم، التي هي محل ظهور عظمته وجلاله وجماله وبهائه. فأنشأ سموات الأرواح، التي هي مظهر لشروق أنوار ذاته وصفاته، ومحل لظهور عظمة ربوبيته، وأنشأ أرض النفوس، التي هي مظهر لتصرف أقداره، ومحل لظهور آداب عبوديته، وتجلى بين الضدين بين الظلمات والنور، ليقع الخفاء في الظهور، كما قال بعض الشعراء: ................ لقد تكاملت الأضداد في كامل البها ثم بعد هذا الظهور التام، عدل عن معرفته جل الأنام، إلا من سبقت له العناية من الملك العلام، وبالله التوفيق. ثم برهن على كمال قدرته، فقال: { هو الذي خلقكم من طين }.

الأنعام 6:2

قلت: { أجل }: مبتدأ. و { مسمى }: صفته. و { عنده }: خبر، وتخصيصه بالصفة أغنى عن تقديم الخبر. يقول الحق جل جلاله: { هو الذي خلقكم من طين } أي: ابتدأ خلقكم منه، وهو آدم، لأنه المادة الأولى، وهو أصل البشر. { ثم قضى أجلا } تنتهون في حياتكم إليه. وهو الموت. { وأجل مسمى } معين للبعث، لا يقبل التغيير، ولا يتقدم ولا يتأخر،عنده استأثر بعلمه، لا مدخل لغيره فيه بعلم ولا قدرة، وهو المقصود بالبيان، { ثم أنتم تمترون } أي: تشكون في هذا الأجل المسمى الذي هو البعث. و { ثم }: لاستبعاد امترائهم بعد ما ثبت عنه أنه خالقهم، وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم، فإن من قدر على خلق المواد وجمعها، وإيداع الحياة فيها وإبقائها ما شاء، كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيا. قاله البيضاوي. الإشارة: القوالب من الطين، والأرواح من نور رب العالمين، فالطينية ظرف لنور الربوبية، الذي هو الروح لأن الروح نور من أنوار القدس، وسر من أسرار الله، فمن نظف طينته ولطفها ظهرت عليها أسرار الربوبية والعلوم اللدنية، وكشف للروح عن أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، وانخنست الطينية، واستولت عليها الروح النورانية، ومن لطخ طينته بالمعاصي وكثفها باتباع الشهوات، انحجبت الأنوار واستترت، واستولت الطينية الظلمانية على الروح النورانية، وحجبتها عن العلوم اللدنية والأسرار القدسية، بحكمته تعالى وعدله وظهور قهره. وبالله التوفيق. ثم برهن على وحدانيته الخاصة، فقال: { وهو الله في السماوات وفي الأرض }.

الأنعام 6:3

قلت: { هو }: مبتدأ، و { الله }: خبره. و { في السماوات }: خبر ثان، أي: وهو الله كائن أو موجود في السماوات وفي الأرض بنوره وعلمه. قال تعالى: الله نور السماوات والأرض [النور:35]. و { يعلم سركم وجهركم }: تقرير له. يقول الحق جل جلاله: هذا الذي اختص بالحمد وأبدع الكائنات كلها { هو الله } ظاهر { في السماوات وفي الأرض } بنوره وقدرته وعلمه وإحاطته، فلا شريك معه { يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } من خير أو شر، فيثيب عليه ويعاقب، ولعله أراد بالسر والجهر ما يظهر من أحوال النفس، وبالمكتسب أعمال الجوارح. فالآية الأولى دليل القدرة التي ختم بها السورة، والآية الثانية دليل البعث، والآية الثالثة دليل الوحدة. الإشارة: قال بعض العارفين: الحق تعالى منزه عن الأين والجهة، والكيف، والمادة، والصورة، ومع ذلك لا يخلو منه أين، ولا مكان، ولا كم، ولا كيف، ولا جسم، ولا جوهر، ولا عرض، لأنه للطفه سار في كل شيء، ولنوريته ظاهر في كل شيء، ولإطلاقه وإحاطته متكيف بكل كيف، غير متقيد بذلك، فمن لم يعرف هذا ولم يذقه ولم يشهده، فهو أعمى البصيرة، محروم من مشاهدة الحق تعالى. ولابن وفا: هو الحق المحيط بكل شيء هو الرحمن ذو العرش المجيد هو المشهود في الأشهاد يبدو فيخفيه الشهود عن الشهيد هو العين العيان لكل غيب هو المقصود من بيت القصيد جميع العالمين له ظلال سجود في القريب وفي البعيد وهذا القدر في التحقيق كاف فكف النفس عن طلب المزيد ثم ذم من أعرض عن دلائل توحيده، فقال: { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم }.

الأنعام 6:4

قلت: { من } الأولى: مزيدة للاستغراق، والثانية للتبعيض. يقول الحق جل جلاله: { وما تأتيهم من آية } دالة على توحيد الله وكمال صفاته، إلا أعرضوا عنها، أي: الكفار، أو: ما تأتيهم معجزة من المعجزات الدالة على قدرة الله وصدق رسوله، أو: ما تأتيهم آية من آيات القرآن تدل على وحدانية وكمال ذاته، { إلا كانوا عنها معرضين } تاركين للنظر فيها، غير ملتفتين إليها. { فقد كذبوا بالحق } وهو القرآن { لما جاءهم } ، وهو كالدليل لما قبله، لأنهم لما كذبوا بالقرآن وهو أعظم الآيات فكيف لا يعرضون عن غيره من الآيات؟ ثم هددهم بقوله: { فسوف يأتيهم أنباء } أي: أخبار { ما كانوا به يستهزئون } أي: سيظهر لهم، عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة، ما كانوا يستهزئون به من البعث والحساب، أو عند ظهور الإسلام وارتفاعه. الإشارة: من سبق له الخذلان لا تنفعه الأدلة وتواتر البرهان، ولا تزيده ظهور المعجزات أو الكرامات إلا التحاسد وظهور العداوات، ولا يزيده الدعاء إلى الله والتناد، إلا الإعراض عنه والبعاد، نعوذ بالله من الشقاء وسوء القضاء. ثم أمر الإنكار بالنظر والاعتبار، فقال: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن }.

الأنعام 6:5

قلت: { من } الأولى: مزيدة للاستغراق، والثانية للتبعيض. يقول الحق جل جلاله: { وما تأتيهم من آية } دالة على توحيد الله وكمال صفاته، إلا أعرضوا عنها، أي: الكفار، أو: ما تأتيهم معجزة من المعجزات الدالة على قدرة الله وصدق رسوله، أو: ما تأتيهم آية من آيات القرآن تدل على وحدانية وكمال ذاته، { إلا كانوا عنها معرضين } تاركين للنظر فيها، غير ملتفتين إليها. { فقد كذبوا بالحق } وهو القرآن { لما جاءهم } ، وهو كالدليل لما قبله، لأنهم لما كذبوا بالقرآن وهو أعظم الآيات فكيف لا يعرضون عن غيره من الآيات؟ ثم هددهم بقوله: { فسوف يأتيهم أنباء } أي: أخبار { ما كانوا به يستهزئون } أي: سيظهر لهم، عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة، ما كانوا يستهزئون به من البعث والحساب، أو عند ظهور الإسلام وارتفاعه. الإشارة: من سبق له الخذلان لا تنفعه الأدلة وتواتر البرهان، ولا تزيده ظهور المعجزات أو الكرامات إلا التحاسد وظهور العداوات، ولا يزيده الدعاء إلى الله والتناد، إلا الإعراض عنه والبعاد، نعوذ بالله من الشقاء وسوء القضاء. ثم أمر الإنكار بالنظر والاعتبار، فقال: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن }.

الأنعام 6:6

قلت: { كم }: خبرية، مفعول { أهلكنا } ، أي: كثيرا أهلكنا من القرون، والقرن مدة من الزمان تهلك أشياخها وتقوم أطفالها، واختلف في حدها، قيل: مائة، وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون، وقيل القرن: أهل زمان فيه نبي أو فائق في العلم، قلت المدة أو كثرت، مشتق من قرين الرجل. والمطر المدرار هو الغزير، وهي من أمثلة المبالغة، كمذكار وميناث. يقول الحق جل جلاله: { ألم يروا } ببصائرهم رؤية اعتبار، { كم أهلكنا من قبلهم } من أهل عصر { مكناهم في الأرض } أي: جعلناهم متمكنين فيها بالقرار والسكنى والطمأنينة فيها، أو أعطيناهم من القوة والآلات ما تمكنوا بها من أنواع التصرف فيها فقد { مكناهم ما لم نمكن لكم } يا أهل مكة، فقد جعلنا لهم من السعة وطول المقام ما لم نجعله لكم، أو أعطيناهم من القوة والسعة في المال والاستظهار على الناس بالعدة والعدد وتهيؤ الأسباب ما لم نجعله لكم. { وأرسلنا السماء } أي: المطر أو السحاب { عليهم مدرارا } أي: معزارا على قدر المنفعة بحسب الحاجة، { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } أي: أجرينا الأودية من تحت ديارهم وأراضيهم، فعاشوا في الخصب والريف، بين الأنهار والثمار، فعصوا وطغوا وبطروا النعمة، فلم يغن ذلك عنهم شيئا. { فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا } أي: أحدثنا، { من بعدهم قرنا آخرين } بدلا منهم. والمعنى: أنه تعالى كما قدر أن يهلك من تقدم من القرون، بعد أن مكنهم في البلاد واستظهروا على العباد، كعاد وثمود، وأنشأ بعدهم آخرين عمر بهم بلاده، يقدر أن يفعل ذلك بكم يا معشر الكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم. الإشارة: النظر والاعتبار يوجب للقلب الرقة والانكسار. وهي عبادة كبرى عند العباد والزهاد. أولي العزم والاجتهاد. وفوقها: فكرة الشهود والعيان، وهي الفكرة التي تطوى وجود الأكوان. وتغيب الأواني بظهور المعاني، أو تريها حاملة لها قائمة بها، فالأولى فكرة تصديق وإيمان، والثانية فكرة شهود وعيان. وبالله التوفيق. ثم ذكر عنادهم، وأنهم لا تنفع فيهم المعجزة، فقال: { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس }.

الأنعام 6:7

يقول الحق جل جلاله: { ولو نزلنا عليك } يا محمد { كتابا } مكتوبا { في قرطاس } أي: رق، فرأوه بأعينهم، ولمسوه بأيديهم، حتى لا يبقى فيه تزوير، لعاندوا، ولقال { الذين كفروا منهم } بعد ذلك: { إن هذا إلا سحر مبين } تعنتا وعنادا، وتخصيص اللمس لأن التزوير لا يقع فيه، فلا يمكنهم أن يقولوا: إنما سكرت أبصارنا [الحجر:15]، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز، فإنه قد يتجوز فيه فيطلق على الفحص كقوله: وأنا لمسنا السمآء [الجن:8]. ثم اقترحوا معجزة أخرى، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } يكلمنا أنه نبي، { أو يكون معه نذيرا } أو شهيدا له بالرسالة، روي أن العاص بن وائل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود هم الذين سألوا ذلك. قال تعالى: { ولو أنزلنا ملكا } ، كما طلبوا { لقضي الأمر } بهلاكهم، فإن سنة الله جرت بذلك فيمن قبلهم مهما اقترحوا آية، فظهرت ثم كفروا، عجل الله هلاكهم، { ثم لا ينظرون } أي: لا يمهلون بعد نزولها ساعة. وعلى تقدير لو أنزلنا عليهم الملك كما اقترحوا فلا يمكن أن يظهر إلا على صورة البشر ليطيقوا رؤيته، { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ليتمكنوا من رؤيته، كما مثل جبريل في صورة دحية، فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملائكة. وإنما رأوهم كذلك الأفراد من الأنبياء، لامتلاء أسرارهم بالأنوار القدسية، فإذا ظهر على صورة البشر التبس الأمر عليهم فقالوا: إنما هو بشر لا ملك، فهذا قوله: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، أو لفعلنا لهم في ذلك فعلا ملبسا يطرق لهم إلى أن يلبسوا به على أنفسهم وضعفائهم فإن عادة الله في إظهار قدرته أن تكون مرتدية برداء حكمته ليبقى سر الربوبية مصونا، فمن سبقت له العناية خلق الله في قلبه التصديق بها، حتى علمها ضرورة، وغيره يلبس الأمر عليه فيها. وبالله التوفيق. الإشارة: كرامات الأولياء كمعجزات الأنبياء، لا تظهر إلا لأهل الصدق والتصديق، ولا يتحقق بولايتهم إلا من سبق له الوصول إلى عين التحقيق. " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه " ، فأهل الإنكار عليهم لا يرون إلا ما يقتضي البعد عنهم. وأهل الإقرار لا يرون إلا ما يقتضي القرب منهم والمحبة فيهم. والله تعالى أعلم. ثم سلى رسوله عليه الصلاة والسلام فقال: { ولقد استهزىء برسل من قبلك }.

الأنعام 6:8

يقول الحق جل جلاله: { ولو نزلنا عليك } يا محمد { كتابا } مكتوبا { في قرطاس } أي: رق، فرأوه بأعينهم، ولمسوه بأيديهم، حتى لا يبقى فيه تزوير، لعاندوا، ولقال { الذين كفروا منهم } بعد ذلك: { إن هذا إلا سحر مبين } تعنتا وعنادا، وتخصيص اللمس لأن التزوير لا يقع فيه، فلا يمكنهم أن يقولوا: إنما سكرت أبصارنا [الحجر:15]، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز، فإنه قد يتجوز فيه فيطلق على الفحص كقوله: وأنا لمسنا السمآء [الجن:8]. ثم اقترحوا معجزة أخرى، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } يكلمنا أنه نبي، { أو يكون معه نذيرا } أو شهيدا له بالرسالة، روي أن العاص بن وائل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود هم الذين سألوا ذلك. قال تعالى: { ولو أنزلنا ملكا } ، كما طلبوا { لقضي الأمر } بهلاكهم، فإن سنة الله جرت بذلك فيمن قبلهم مهما اقترحوا آية، فظهرت ثم كفروا، عجل الله هلاكهم، { ثم لا ينظرون } أي: لا يمهلون بعد نزولها ساعة. وعلى تقدير لو أنزلنا عليهم الملك كما اقترحوا فلا يمكن أن يظهر إلا على صورة البشر ليطيقوا رؤيته، { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ليتمكنوا من رؤيته، كما مثل جبريل في صورة دحية، فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملائكة. وإنما رأوهم كذلك الأفراد من الأنبياء، لامتلاء أسرارهم بالأنوار القدسية، فإذا ظهر على صورة البشر التبس الأمر عليهم فقالوا: إنما هو بشر لا ملك، فهذا قوله: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، أو لفعلنا لهم في ذلك فعلا ملبسا يطرق لهم إلى أن يلبسوا به على أنفسهم وضعفائهم فإن عادة الله في إظهار قدرته أن تكون مرتدية برداء حكمته ليبقى سر الربوبية مصونا، فمن سبقت له العناية خلق الله في قلبه التصديق بها، حتى علمها ضرورة، وغيره يلبس الأمر عليه فيها. وبالله التوفيق. الإشارة: كرامات الأولياء كمعجزات الأنبياء، لا تظهر إلا لأهل الصدق والتصديق، ولا يتحقق بولايتهم إلا من سبق له الوصول إلى عين التحقيق. " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه " ، فأهل الإنكار عليهم لا يرون إلا ما يقتضي البعد عنهم. وأهل الإقرار لا يرون إلا ما يقتضي القرب منهم والمحبة فيهم. والله تعالى أعلم. ثم سلى رسوله عليه الصلاة والسلام فقال: { ولقد استهزىء برسل من قبلك }.

الأنعام 6:9

يقول الحق جل جلاله: { ولو نزلنا عليك } يا محمد { كتابا } مكتوبا { في قرطاس } أي: رق، فرأوه بأعينهم، ولمسوه بأيديهم، حتى لا يبقى فيه تزوير، لعاندوا، ولقال { الذين كفروا منهم } بعد ذلك: { إن هذا إلا سحر مبين } تعنتا وعنادا، وتخصيص اللمس لأن التزوير لا يقع فيه، فلا يمكنهم أن يقولوا: إنما سكرت أبصارنا [الحجر:15]، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز، فإنه قد يتجوز فيه فيطلق على الفحص كقوله: وأنا لمسنا السمآء [الجن:8]. ثم اقترحوا معجزة أخرى، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } يكلمنا أنه نبي، { أو يكون معه نذيرا } أو شهيدا له بالرسالة، روي أن العاص بن وائل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود هم الذين سألوا ذلك. قال تعالى: { ولو أنزلنا ملكا } ، كما طلبوا { لقضي الأمر } بهلاكهم، فإن سنة الله جرت بذلك فيمن قبلهم مهما اقترحوا آية، فظهرت ثم كفروا، عجل الله هلاكهم، { ثم لا ينظرون } أي: لا يمهلون بعد نزولها ساعة. وعلى تقدير لو أنزلنا عليهم الملك كما اقترحوا فلا يمكن أن يظهر إلا على صورة البشر ليطيقوا رؤيته، { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ليتمكنوا من رؤيته، كما مثل جبريل في صورة دحية، فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملائكة. وإنما رأوهم كذلك الأفراد من الأنبياء، لامتلاء أسرارهم بالأنوار القدسية، فإذا ظهر على صورة البشر التبس الأمر عليهم فقالوا: إنما هو بشر لا ملك، فهذا قوله: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، أو لفعلنا لهم في ذلك فعلا ملبسا يطرق لهم إلى أن يلبسوا به على أنفسهم وضعفائهم فإن عادة الله في إظهار قدرته أن تكون مرتدية برداء حكمته ليبقى سر الربوبية مصونا، فمن سبقت له العناية خلق الله في قلبه التصديق بها، حتى علمها ضرورة، وغيره يلبس الأمر عليه فيها. وبالله التوفيق. الإشارة: كرامات الأولياء كمعجزات الأنبياء، لا تظهر إلا لأهل الصدق والتصديق، ولا يتحقق بولايتهم إلا من سبق له الوصول إلى عين التحقيق. " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه " ، فأهل الإنكار عليهم لا يرون إلا ما يقتضي البعد عنهم. وأهل الإقرار لا يرون إلا ما يقتضي القرب منهم والمحبة فيهم. والله تعالى أعلم. ثم سلى رسوله عليه الصلاة والسلام فقال: { ولقد استهزىء برسل من قبلك }.

الأنعام 6:10

قلت: حاق يحيق حيقا، أي: نزل وأحاط، و { منهم }: يتعلق بسخروا، و { ما كانوا }: الموصول اسمي أو حرفي. يقول الحق جل جلاله: في تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم: { ولقد استهزىء برسل } كثير { من قبلك } فصبروا على أذى قومهم حتى أهلكهم الله، { فحاق } أي: أحاط { بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون } أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزءون به ويستبعدونه، أو: نزل بهم وبال استهزائهم وهو الهلاك. الإشارة: كل ما سليت به الرسل تسلى به الأولياء، فما من ولي صديق إلا ابتلاه الله بتسليط الخلق عليه حتى ترحل روحه عن هذا العالم لضيقه عليها، وتتمكن من شهود عالم الملكوت، فإذا طهرت منه البقايا، وكملت فيه المزايا، رده إليهم غنيا عنهم، وغائبا عنهم، جسمه مع الخلق وقلبه مع الحق. هذه سنة الله في أوليائه، فكل ولي يتسلى بمن قبله في إيذاء الخلق له. غير أن أولياء هذه الأمة إذا كمل مقامهم صاروا على قدم نبيهم، يكونون رحمة للعباد، من آذاهم لا يعاجل بالعقوبة غالبا، كما كان نبيهم رحمة للعالمين، فقال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " والله تعالى اعلم. ثم جدد الأمر بالاعتبار، فقال: { قل سيروا في الأرض }.

الأنعام 6:11

قلت: قال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين قوله: { فانظروا } ، وبين قوله: { ثم انظروا }؟ فالجواب: أنه جعل النظر مسببا على السير في قوله: { فانظروا } ، كأنه قال: سيروا لأجل النظر، وأما قوله: { قل سيروا في الأرض ثم انظروا } ، فمعناه: إباحة السير للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في الهالكين. ه. ولم يقل: كانت لأن العاقبة مجاز تأنيثها. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { سيروا في الأرض } وجولوا في أقطارها، { ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } قبلكم، كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، كيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال، كي تعتبروا وتنزجروا عن تكذيب محمد عليه الصلاة والسلام . الإشارة: يقال لأهل التنكير على أهل الذكر والتذكير: سيروا في الأرض، وانظروا كيف كان عاقبة المنكرين على المتوجهين، كانت عاقبتهم الخذلان، وسوء الذكر بعد الموت والخسران كابن البراء وغيره من أهل التنكير. نعوذ بالله من التعرض لمقت الله. لكن الأمر كله بيد الله، كما قال تعالى: { قل لمن ما في السماوات والأرض }.

الأنعام 6:12

قلت: جملة { ليجمعنكم }: مقطوعة، جواب لقسم محذوف، وقيل: بدل من الرحمة، وهو ضعيف لدخول النون الثقيلة في غير موضعها. و " إلى ": هنا، للغاية، كما تقول: جمعت القوم إلى داري. وقيل: بمعنى " في " و { الذين خسروا }: مبتدأ، وجملة: { فهم لا يؤمنون }: خبر، و { له ما سكن }: عطف على { لله } ، وهو إما من السكنى فلا حذف، أو من السكون، فيكون حذف المعطوف. أي: ما سكن وتحرك. يقول الحق جل جلاله: { قل } للمشركين يا محمد: { لمن ما في السماوات والأرض } خلقا وملكا وعبيدا؟. { قل } لهم هو: { لله } لا لغيره والقصد بالآية: إقامة البرهان على التوحيد وإبطال الشرك. وجاء ذلك بصيغة الاستفهام لإقامة الحجة على الكفار، فسأل أولا، ثم أجاب عن سؤاله بنفسه لأن الكفار يوافقون على ذلك ضرورة، فثبت أن الإله الحق هو الذي له ما في السماوات والأرض، وإنما يحسن أن يكون السائل مجيبا إذا علم أن خصمه لا يخالفه في الجواب الذي يقيم به الحجة عليه. ثم دعاهم إلى الإيمان والتوبة بتلطف وإحسان فقال: { كتب على نفسه الرحمة } أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم [الأنعام:54] كما في الآية الأخرى، والكتابة هنا عبارة عن القضاء السابق، وقد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والإرض فهو عنده " وفيه: " أن رحمتي سبقت غضبي " ، وفي رواية: " تغلب غضبي ". قال البيضاوي: { كتب على نفسه الرحمة } أي: التزمها تفضلا وإحسانا، والمراد بالرحمة: ما يعم الدارين، ومن ذلك: الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده، بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والإمهال على الكفر. ه. ثم ذكر محل ظهور هذه الرحمة، فقال: والله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } أي: ليجمعنكم من القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيجازي أهل التوبة والإيمان، ويعاقب أهل الشرك والكفران، { لا ريب } في ذلك اليوم، أو في ذلك الجمع، فيظهر أهل الخسران من أهل الإحسان، ولذلك قال: { الذين خسروا أنفسهم } بتضييع رأس مالهم، وهو النظر الصحيح الموجب للإيمان والتوحيد { فهم لا يؤمنون } حتى أدركهم الموت فلا خسران أعظم من ذلك. ودخلت الفاء في الخبر للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم فإن إبطال النظر، والانهماك في التقليد واتباع الوهم، أدى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناع من الإيمان إلى الممات. فخسروا أولا بتضييع النظر، فتسبب عنه عدم الإيمان. ثم تمم جوابه فقال: { وله ما سكن } أي: قل لهم: ما في السماوات والأرض لله، وله أيضا ما سكن { في الليل والنهار } أي: ما استقر فيهما وما اشتملنا عليه، أو ما سكن فيهما وتحرك، { وهو السميع } لكل مسموع، { العليم } بكل معلوم فلا يخفى عليه شيء في الليل والنهار، في جميع الأقطار. الإشارة: إذا علم العبد أن الخلق كلهم في قبضة الله، وأمورهم كلها بيد الله، أحاط بهم علما وسمعا وبصرا، لم يبق له على أحد عتاب، ولا ترتيب خطأ ولا صواب، إلا ما أمرت به الشريعة على ظاهر اللسان. بل شأنه أن ينظر إلى ما يفعل المالك في ملكه. فيتلقاه بالقبول والرضى، وفي الحكم: " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله فيه ". هذا شأن أهل التوحيد يدورون مع رياح الأقدار حيثما دارت، غير أنهم يتحننون بقلوبهم إلى رحمة الكريم المنان، وينهضون بهمتهم إلى مظان السعادة والغفران، ويرجون منه الجمع عليه في روح وريحان، وجنة ورضوان، بمحض فضل منه وإحسان. جعلنا الله منهم بفضله وكرمه. آمين. ثم أقام الحجة على أهل الشرك، فقال: { قل أغير الله أتخذ وليا }.

الأنعام 6:13

قلت: جملة { ليجمعنكم }: مقطوعة، جواب لقسم محذوف، وقيل: بدل من الرحمة، وهو ضعيف لدخول النون الثقيلة في غير موضعها. و " إلى ": هنا، للغاية، كما تقول: جمعت القوم إلى داري. وقيل: بمعنى " في " و { الذين خسروا }: مبتدأ، وجملة: { فهم لا يؤمنون }: خبر، و { له ما سكن }: عطف على { لله } ، وهو إما من السكنى فلا حذف، أو من السكون، فيكون حذف المعطوف. أي: ما سكن وتحرك. يقول الحق جل جلاله: { قل } للمشركين يا محمد: { لمن ما في السماوات والأرض } خلقا وملكا وعبيدا؟. { قل } لهم هو: { لله } لا لغيره والقصد بالآية: إقامة البرهان على التوحيد وإبطال الشرك. وجاء ذلك بصيغة الاستفهام لإقامة الحجة على الكفار، فسأل أولا، ثم أجاب عن سؤاله بنفسه لأن الكفار يوافقون على ذلك ضرورة، فثبت أن الإله الحق هو الذي له ما في السماوات والأرض، وإنما يحسن أن يكون السائل مجيبا إذا علم أن خصمه لا يخالفه في الجواب الذي يقيم به الحجة عليه. ثم دعاهم إلى الإيمان والتوبة بتلطف وإحسان فقال: { كتب على نفسه الرحمة } أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم [الأنعام:54] كما في الآية الأخرى، والكتابة هنا عبارة عن القضاء السابق، وقد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والإرض فهو عنده " وفيه: " أن رحمتي سبقت غضبي " ، وفي رواية: " تغلب غضبي ". قال البيضاوي: { كتب على نفسه الرحمة } أي: التزمها تفضلا وإحسانا، والمراد بالرحمة: ما يعم الدارين، ومن ذلك: الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده، بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والإمهال على الكفر. ه. ثم ذكر محل ظهور هذه الرحمة، فقال: والله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } أي: ليجمعنكم من القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيجازي أهل التوبة والإيمان، ويعاقب أهل الشرك والكفران، { لا ريب } في ذلك اليوم، أو في ذلك الجمع، فيظهر أهل الخسران من أهل الإحسان، ولذلك قال: { الذين خسروا أنفسهم } بتضييع رأس مالهم، وهو النظر الصحيح الموجب للإيمان والتوحيد { فهم لا يؤمنون } حتى أدركهم الموت فلا خسران أعظم من ذلك. ودخلت الفاء في الخبر للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم فإن إبطال النظر، والانهماك في التقليد واتباع الوهم، أدى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناع من الإيمان إلى الممات. فخسروا أولا بتضييع النظر، فتسبب عنه عدم الإيمان. ثم تمم جوابه فقال: { وله ما سكن } أي: قل لهم: ما في السماوات والأرض لله، وله أيضا ما سكن { في الليل والنهار } أي: ما استقر فيهما وما اشتملنا عليه، أو ما سكن فيهما وتحرك، { وهو السميع } لكل مسموع، { العليم } بكل معلوم فلا يخفى عليه شيء في الليل والنهار، في جميع الأقطار. الإشارة: إذا علم العبد أن الخلق كلهم في قبضة الله، وأمورهم كلها بيد الله، أحاط بهم علما وسمعا وبصرا، لم يبق له على أحد عتاب، ولا ترتيب خطأ ولا صواب، إلا ما أمرت به الشريعة على ظاهر اللسان. بل شأنه أن ينظر إلى ما يفعل المالك في ملكه. فيتلقاه بالقبول والرضى، وفي الحكم: " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله فيه ". هذا شأن أهل التوحيد يدورون مع رياح الأقدار حيثما دارت، غير أنهم يتحننون بقلوبهم إلى رحمة الكريم المنان، وينهضون بهمتهم إلى مظان السعادة والغفران، ويرجون منه الجمع عليه في روح وريحان، وجنة ورضوان، بمحض فضل منه وإحسان. جعلنا الله منهم بفضله وكرمه. آمين. ثم أقام الحجة على أهل الشرك، فقال: { قل أغير الله أتخذ وليا }.

الأنعام 6:14

قلت: { فاطر }: نعت لله، ومعناه: خالق ومبدع. قال ابن عباس رضي الله عنه: ما كنت أعرف معنى فاطر، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها بيدي. وجملة: { وهو يطعم }: حال، وقرىء بعكس الأول ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على أن ضمير { هو } راجع لغير الله، وببنائهما للفاعل على معنى يطعم تارة، ويمنع أخرى، كقوله: يقبض ويبصط [البقرة:245]، وجملة { إن عصيت }: معترضة بين الفعل والمفعول، والجواب: محذوف دل عليه ما قبله، أي: إن عصيت فإني أخاف عذاب يوم عظيم. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { أغير الله أتخذ وليا } أي: معبودا أواليه بالعبادة والمحبة، وأشركه مع الله الذي أبدع السماوات والإرض، { وهو } الغني عما سواه، الصمداني، { يطعم } ولا يحتاج إلى من يطعمه، فهو يرزق ولا يرزق، وتخصيص الطعام لشدة الحاجة إليه { قل } لهم: { إني أمرت أن أكون أول من أسلم } ، وأنقاد بكليتي إلى هذا الإله الحقيقي، العني بالإنطلاق، وأرفض كل ما سواه، ممن عمه الفقر ابتداء ودواما. فكان عليه الصلاة والسلام هو أول سابق إلى الدين. ثم قيل له: { ولا تكونن من المشركين } تنفيرا لغيره من الشرك، وإلا فهو مبرأ منه عليه الصلاة والسلام . { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بالشرك وغيره { عذاب يوم عظيم } ، وهذه مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة، مستوجبون للعذاب، { من يصرف عنه } ذلك العذاب، { يومئد } أي: يوم القيامة، { فقد رحمه } أي: نجاه، وأنعم عليه، { وذلك الفوز المبين } أي: وذلك الصرف أو الرحمة هو الفلاح المبين. ثم ذكر حجة أخرى على استحقاقه للعبادة والولاية، فقال: { وإن يمسسك الله بضر } كمرض أو فقر، { فلا كاشف له إلا هو } إذ لا يقدر على صرفه غيره، { وإن يمسسك بخير } بنعمة، كصحة وغنى ومعرفة وعلم، { فهو على كل شيء قدير } ، فهو قادر على حفظه وإدامته، ولا يقدر أحد على دفعه، كقوله تعالى: فلآ رآد لفضله [يونس:107]، { وهو القاهر } لجميع خلقه كلهم في قبضته، { فوق عباده } بهذه القهرية والغلبة والقدرة، { وهو الحكيم } في صنعه وتدبيره، { الخبير } بخفايا أمور عباده، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم الباطنة والظاهرة. الإشارة: في الآية حض على محبة الحق، وولايته على الدوام، ورفض كل ما سواه ممن عمه الفقر من الأنام، وفيها أيضا: حث على المسابقة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات، اقتداء بسيد أهل الأرض والسماوات، فكان عليه الصلاة والسلام أول من عبد الله، وأول من توجه إلى مولاه، قال تعالى: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين [الزخرف:81]، فلو جاز أن يتخذ ولدا، لكنت أنا أولى به، لأني أنا أول من عبده. قال الورتجبي: { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } أي: أمرني حين كنت جوهر فطرة الكون حيث لم يكن غيري في الحضرة أن أكول أول الخلق في المحبة والعشق والشوق، وأول الخلق له منقادا بنعت محبتي له، راضيا بربوبيته، غير منازع لأمر مشيئته. وقال بعضهم: أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر. ه. ولما قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد: لقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من شهد لك؟ أنزل الله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم }.

الأنعام 6:15

قلت: { فاطر }: نعت لله، ومعناه: خالق ومبدع. قال ابن عباس رضي الله عنه: ما كنت أعرف معنى فاطر، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها بيدي. وجملة: { وهو يطعم }: حال، وقرىء بعكس الأول ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على أن ضمير { هو } راجع لغير الله، وببنائهما للفاعل على معنى يطعم تارة، ويمنع أخرى، كقوله: يقبض ويبصط [البقرة:245]، وجملة { إن عصيت }: معترضة بين الفعل والمفعول، والجواب: محذوف دل عليه ما قبله، أي: إن عصيت فإني أخاف عذاب يوم عظيم. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { أغير الله أتخذ وليا } أي: معبودا أواليه بالعبادة والمحبة، وأشركه مع الله الذي أبدع السماوات والإرض، { وهو } الغني عما سواه، الصمداني، { يطعم } ولا يحتاج إلى من يطعمه، فهو يرزق ولا يرزق، وتخصيص الطعام لشدة الحاجة إليه { قل } لهم: { إني أمرت أن أكون أول من أسلم } ، وأنقاد بكليتي إلى هذا الإله الحقيقي، العني بالإنطلاق، وأرفض كل ما سواه، ممن عمه الفقر ابتداء ودواما. فكان عليه الصلاة والسلام هو أول سابق إلى الدين. ثم قيل له: { ولا تكونن من المشركين } تنفيرا لغيره من الشرك، وإلا فهو مبرأ منه عليه الصلاة والسلام . { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بالشرك وغيره { عذاب يوم عظيم } ، وهذه مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة، مستوجبون للعذاب، { من يصرف عنه } ذلك العذاب، { يومئد } أي: يوم القيامة، { فقد رحمه } أي: نجاه، وأنعم عليه، { وذلك الفوز المبين } أي: وذلك الصرف أو الرحمة هو الفلاح المبين. ثم ذكر حجة أخرى على استحقاقه للعبادة والولاية، فقال: { وإن يمسسك الله بضر } كمرض أو فقر، { فلا كاشف له إلا هو } إذ لا يقدر على صرفه غيره، { وإن يمسسك بخير } بنعمة، كصحة وغنى ومعرفة وعلم، { فهو على كل شيء قدير } ، فهو قادر على حفظه وإدامته، ولا يقدر أحد على دفعه، كقوله تعالى: فلآ رآد لفضله [يونس:107]، { وهو القاهر } لجميع خلقه كلهم في قبضته، { فوق عباده } بهذه القهرية والغلبة والقدرة، { وهو الحكيم } في صنعه وتدبيره، { الخبير } بخفايا أمور عباده، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم الباطنة والظاهرة. الإشارة: في الآية حض على محبة الحق، وولايته على الدوام، ورفض كل ما سواه ممن عمه الفقر من الأنام، وفيها أيضا: حث على المسابقة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات، اقتداء بسيد أهل الأرض والسماوات، فكان عليه الصلاة والسلام أول من عبد الله، وأول من توجه إلى مولاه، قال تعالى: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين [الزخرف:81]، فلو جاز أن يتخذ ولدا، لكنت أنا أولى به، لأني أنا أول من عبده. قال الورتجبي: { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } أي: أمرني حين كنت جوهر فطرة الكون حيث لم يكن غيري في الحضرة أن أكول أول الخلق في المحبة والعشق والشوق، وأول الخلق له منقادا بنعت محبتي له، راضيا بربوبيته، غير منازع لأمر مشيئته. وقال بعضهم: أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر. ه. ولما قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد: لقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من شهد لك؟ أنزل الله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم }.

الأنعام 6:16

قلت: { فاطر }: نعت لله، ومعناه: خالق ومبدع. قال ابن عباس رضي الله عنه: ما كنت أعرف معنى فاطر، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها بيدي. وجملة: { وهو يطعم }: حال، وقرىء بعكس الأول ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على أن ضمير { هو } راجع لغير الله، وببنائهما للفاعل على معنى يطعم تارة، ويمنع أخرى، كقوله: يقبض ويبصط [البقرة:245]، وجملة { إن عصيت }: معترضة بين الفعل والمفعول، والجواب: محذوف دل عليه ما قبله، أي: إن عصيت فإني أخاف عذاب يوم عظيم. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { أغير الله أتخذ وليا } أي: معبودا أواليه بالعبادة والمحبة، وأشركه مع الله الذي أبدع السماوات والإرض، { وهو } الغني عما سواه، الصمداني، { يطعم } ولا يحتاج إلى من يطعمه، فهو يرزق ولا يرزق، وتخصيص الطعام لشدة الحاجة إليه { قل } لهم: { إني أمرت أن أكون أول من أسلم } ، وأنقاد بكليتي إلى هذا الإله الحقيقي، العني بالإنطلاق، وأرفض كل ما سواه، ممن عمه الفقر ابتداء ودواما. فكان عليه الصلاة والسلام هو أول سابق إلى الدين. ثم قيل له: { ولا تكونن من المشركين } تنفيرا لغيره من الشرك، وإلا فهو مبرأ منه عليه الصلاة والسلام . { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بالشرك وغيره { عذاب يوم عظيم } ، وهذه مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة، مستوجبون للعذاب، { من يصرف عنه } ذلك العذاب، { يومئد } أي: يوم القيامة، { فقد رحمه } أي: نجاه، وأنعم عليه، { وذلك الفوز المبين } أي: وذلك الصرف أو الرحمة هو الفلاح المبين. ثم ذكر حجة أخرى على استحقاقه للعبادة والولاية، فقال: { وإن يمسسك الله بضر } كمرض أو فقر، { فلا كاشف له إلا هو } إذ لا يقدر على صرفه غيره، { وإن يمسسك بخير } بنعمة، كصحة وغنى ومعرفة وعلم، { فهو على كل شيء قدير } ، فهو قادر على حفظه وإدامته، ولا يقدر أحد على دفعه، كقوله تعالى: فلآ رآد لفضله [يونس:107]، { وهو القاهر } لجميع خلقه كلهم في قبضته، { فوق عباده } بهذه القهرية والغلبة والقدرة، { وهو الحكيم } في صنعه وتدبيره، { الخبير } بخفايا أمور عباده، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم الباطنة والظاهرة. الإشارة: في الآية حض على محبة الحق، وولايته على الدوام، ورفض كل ما سواه ممن عمه الفقر من الأنام، وفيها أيضا: حث على المسابقة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات، اقتداء بسيد أهل الأرض والسماوات، فكان عليه الصلاة والسلام أول من عبد الله، وأول من توجه إلى مولاه، قال تعالى: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين [الزخرف:81]، فلو جاز أن يتخذ ولدا، لكنت أنا أولى به، لأني أنا أول من عبده. قال الورتجبي: { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } أي: أمرني حين كنت جوهر فطرة الكون حيث لم يكن غيري في الحضرة أن أكول أول الخلق في المحبة والعشق والشوق، وأول الخلق له منقادا بنعت محبتي له، راضيا بربوبيته، غير منازع لأمر مشيئته. وقال بعضهم: أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر. ه. ولما قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد: لقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من شهد لك؟ أنزل الله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم }.

الأنعام 6:17

قلت: { فاطر }: نعت لله، ومعناه: خالق ومبدع. قال ابن عباس رضي الله عنه: ما كنت أعرف معنى فاطر، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها بيدي. وجملة: { وهو يطعم }: حال، وقرىء بعكس الأول ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على أن ضمير { هو } راجع لغير الله، وببنائهما للفاعل على معنى يطعم تارة، ويمنع أخرى، كقوله: يقبض ويبصط [البقرة:245]، وجملة { إن عصيت }: معترضة بين الفعل والمفعول، والجواب: محذوف دل عليه ما قبله، أي: إن عصيت فإني أخاف عذاب يوم عظيم. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { أغير الله أتخذ وليا } أي: معبودا أواليه بالعبادة والمحبة، وأشركه مع الله الذي أبدع السماوات والإرض، { وهو } الغني عما سواه، الصمداني، { يطعم } ولا يحتاج إلى من يطعمه، فهو يرزق ولا يرزق، وتخصيص الطعام لشدة الحاجة إليه { قل } لهم: { إني أمرت أن أكون أول من أسلم } ، وأنقاد بكليتي إلى هذا الإله الحقيقي، العني بالإنطلاق، وأرفض كل ما سواه، ممن عمه الفقر ابتداء ودواما. فكان عليه الصلاة والسلام هو أول سابق إلى الدين. ثم قيل له: { ولا تكونن من المشركين } تنفيرا لغيره من الشرك، وإلا فهو مبرأ منه عليه الصلاة والسلام . { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بالشرك وغيره { عذاب يوم عظيم } ، وهذه مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة، مستوجبون للعذاب، { من يصرف عنه } ذلك العذاب، { يومئد } أي: يوم القيامة، { فقد رحمه } أي: نجاه، وأنعم عليه، { وذلك الفوز المبين } أي: وذلك الصرف أو الرحمة هو الفلاح المبين. ثم ذكر حجة أخرى على استحقاقه للعبادة والولاية، فقال: { وإن يمسسك الله بضر } كمرض أو فقر، { فلا كاشف له إلا هو } إذ لا يقدر على صرفه غيره، { وإن يمسسك بخير } بنعمة، كصحة وغنى ومعرفة وعلم، { فهو على كل شيء قدير } ، فهو قادر على حفظه وإدامته، ولا يقدر أحد على دفعه، كقوله تعالى: فلآ رآد لفضله [يونس:107]، { وهو القاهر } لجميع خلقه كلهم في قبضته، { فوق عباده } بهذه القهرية والغلبة والقدرة، { وهو الحكيم } في صنعه وتدبيره، { الخبير } بخفايا أمور عباده، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم الباطنة والظاهرة. الإشارة: في الآية حض على محبة الحق، وولايته على الدوام، ورفض كل ما سواه ممن عمه الفقر من الأنام، وفيها أيضا: حث على المسابقة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات، اقتداء بسيد أهل الأرض والسماوات، فكان عليه الصلاة والسلام أول من عبد الله، وأول من توجه إلى مولاه، قال تعالى: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين [الزخرف:81]، فلو جاز أن يتخذ ولدا، لكنت أنا أولى به، لأني أنا أول من عبده. قال الورتجبي: { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } أي: أمرني حين كنت جوهر فطرة الكون حيث لم يكن غيري في الحضرة أن أكول أول الخلق في المحبة والعشق والشوق، وأول الخلق له منقادا بنعت محبتي له، راضيا بربوبيته، غير منازع لأمر مشيئته. وقال بعضهم: أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر. ه. ولما قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد: لقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من شهد لك؟ أنزل الله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم }.

الأنعام 6:18

قلت: { فاطر }: نعت لله، ومعناه: خالق ومبدع. قال ابن عباس رضي الله عنه: ما كنت أعرف معنى فاطر، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها بيدي. وجملة: { وهو يطعم }: حال، وقرىء بعكس الأول ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على أن ضمير { هو } راجع لغير الله، وببنائهما للفاعل على معنى يطعم تارة، ويمنع أخرى، كقوله: يقبض ويبصط [البقرة:245]، وجملة { إن عصيت }: معترضة بين الفعل والمفعول، والجواب: محذوف دل عليه ما قبله، أي: إن عصيت فإني أخاف عذاب يوم عظيم. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { أغير الله أتخذ وليا } أي: معبودا أواليه بالعبادة والمحبة، وأشركه مع الله الذي أبدع السماوات والإرض، { وهو } الغني عما سواه، الصمداني، { يطعم } ولا يحتاج إلى من يطعمه، فهو يرزق ولا يرزق، وتخصيص الطعام لشدة الحاجة إليه { قل } لهم: { إني أمرت أن أكون أول من أسلم } ، وأنقاد بكليتي إلى هذا الإله الحقيقي، العني بالإنطلاق، وأرفض كل ما سواه، ممن عمه الفقر ابتداء ودواما. فكان عليه الصلاة والسلام هو أول سابق إلى الدين. ثم قيل له: { ولا تكونن من المشركين } تنفيرا لغيره من الشرك، وإلا فهو مبرأ منه عليه الصلاة والسلام . { قل إني أخاف إن عصيت ربي } بالشرك وغيره { عذاب يوم عظيم } ، وهذه مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة، مستوجبون للعذاب، { من يصرف عنه } ذلك العذاب، { يومئد } أي: يوم القيامة، { فقد رحمه } أي: نجاه، وأنعم عليه، { وذلك الفوز المبين } أي: وذلك الصرف أو الرحمة هو الفلاح المبين. ثم ذكر حجة أخرى على استحقاقه للعبادة والولاية، فقال: { وإن يمسسك الله بضر } كمرض أو فقر، { فلا كاشف له إلا هو } إذ لا يقدر على صرفه غيره، { وإن يمسسك بخير } بنعمة، كصحة وغنى ومعرفة وعلم، { فهو على كل شيء قدير } ، فهو قادر على حفظه وإدامته، ولا يقدر أحد على دفعه، كقوله تعالى: فلآ رآد لفضله [يونس:107]، { وهو القاهر } لجميع خلقه كلهم في قبضته، { فوق عباده } بهذه القهرية والغلبة والقدرة، { وهو الحكيم } في صنعه وتدبيره، { الخبير } بخفايا أمور عباده، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم الباطنة والظاهرة. الإشارة: في الآية حض على محبة الحق، وولايته على الدوام، ورفض كل ما سواه ممن عمه الفقر من الأنام، وفيها أيضا: حث على المسابقة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات، اقتداء بسيد أهل الأرض والسماوات، فكان عليه الصلاة والسلام أول من عبد الله، وأول من توجه إلى مولاه، قال تعالى: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين [الزخرف:81]، فلو جاز أن يتخذ ولدا، لكنت أنا أولى به، لأني أنا أول من عبده. قال الورتجبي: { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } أي: أمرني حين كنت جوهر فطرة الكون حيث لم يكن غيري في الحضرة أن أكول أول الخلق في المحبة والعشق والشوق، وأول الخلق له منقادا بنعت محبتي له، راضيا بربوبيته، غير منازع لأمر مشيئته. وقال بعضهم: أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر. ه. ولما قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد: لقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من شهد لك؟ أنزل الله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم }.

الأنعام 6:19

{ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ... } قلت: { قل الله شهيد }: يحتمل المبتدأ والخبر، أو يكون { الله } خبرا عن مضمر، أو مبتدأ حذف خبره، و { شهيد }: خبر عن مضمر، أي: قل هو الله، أو الله أكبر شهادة، وهو شهيد بيني وبينكم، و { من بلغ }: عطف على مفعول، " أنذر " ، أي: لأنذركم يا أهل مكة، وأنذر من بلغه القرآن، وحذف مفعول { بلغ }. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد للذين سألوك من يشهد لك بالنبوة: { أي شيء } عندكم هو { أكبر شهادة }؟ فإن لم يجيبوا فقل لهم: هو { الله } فإنه أكبر الشاهدين، وهو الذي يشهد لي بالنبوة والرسالة بإقامة البراهين وإظهار المعجزات، وهو { شهيد بيني وبينكم } ، وكفى به شهيدا. { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به } أي: لأخوفكم به، إن أعرضتم عنه، وأبشركم به إن آمنتم به، واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة لأنه مصرح به في موضع آخر، ولأن الأهم هنا هو الإنذار لغلبة الكفر حينئذ، وأنذر به أيضا كل من بلغه القرآن من الأحمر والأسود، والجن والإنس إلى يوم القيامة. وفيه دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت النزول ومن بعدهم، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه، وهو نادر، قال سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم. الإشارة: في الآية حث على اكتفاء بعلم الله، والاستغناء به عما سواه، وعلامة الاكتفاء بعلم الله ثلاث: استواء المدح والذم، والرضى بالقليل والكثير، والرجوع إلى الله وحده في السراء والضراء. واعلم أن الحق تعالى إذا شهد لك بالخصوصية، ثم اكتفيت بشهادته فأنت من أهل الخصوصية، وإن لم تكتف بشهادته، وتطلعت إلى أن يعلم الناس بخصوصيتك، فأنت كاذب في دعوى الخصوصية. واطلاع الحق تعالى على ثبوت خصوصيتك هو شهادته لك، فاقنع بعلم الله، ولا تلتفت إلى أحد سواه، لئلا ينزعها من قلبك، حيث لم تقنع بعلم الله فيك. وبالله التوفيق. ولما أتى قوم من الكفار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد أما تعلم أن مع الله إلها آخر؟ أنزل الله تعالى: {...أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } قلت: الاستفهام للإنكار والتوبيخ. يقول الحق جل جلاله: في الإنكار على المشركين: { أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى } تستحق أن تعبد { قل } لهم يا محمد: أنا { لا أشهد } بما تشهدون به، { قل } لهم: { إنما هو إله واحد } بل أشهد ألا إله إلا هو، { وإنني بريء مما تشركون } به من الأصنام. الإشارة: لم يبرأ من الشرك الخفي والجلي إلا أهل الفناء الذين وحدوا الله في وجوده، فلم يروا معه سواه، قال بعض من بلغ هذا التوحيد: لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع فإنه لا غير معه حتى أشهده وقال آخر: محال أن تشهده وتشهد معه سواه. وقال شاعرهم: مذ عرفت الإله لم أر غيرا وكذا الغير عندنا ممنوع إلى غير ذلك من مقالاتهم الدالة على تحقيق وجدانهم. نفعنا الله بذكرهم ومحبتهم. آمين. ولما قالت قريش: قد سألنا اليهود والنصارى عنك، فلم يجدوا لك عندهم ذكرا، رد الله عليهم، فقال: { الذين آتيناهم الكتاب }.

الأنعام 6:20

يقول الحق جل جلاله: { الذين آتيناهم الكتاب } من اليهود والنصارى، { يعرفونه } أي: محمدا صلى الله عليه وسلم بحليته المذكورة في التوراة والإنجيل، { كما يعرفون أبناءهم } أو أشد، وإنما كتموه جحدا وخوفا على رياستهم.. { الذين خسروا أنفسهم } من أهل الكتاب حيث كذبوا وكتموا، ومن المشركين حيث كفروا وجحدوا، { فهم لا يؤمنون } لتضييعهم ما به يكتسب الإيمان من النظر والتفكير والإنصاف للحق، فقد ظلموا أنفسهم وبخسوها. { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } بأن كتم شهادة الحق، وهي صفة الرسول عليه الصلاة والسلام أو ادعاء الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، { أو كذب بآياته } كالقرآن والمعجزات وسموها سحرا، أي: لا أحد أظلم ممن فعل هذا، وإنما عبر ب " أو " ، وهم قد جمعوا بين الأمرين تنبيها على أن كل واحد منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس، { إنه } أي: الأمر والشأن { لا يفلح الظالمون } ، فضلا عمن لا أحد أظلم منه. الإشارة: أقبح الناس منزلة عند الله، من تحقق بخصوصية ولي من أولياء الله، ثم كتمها وجحدها حسدا وعنادا، وجعل ينكر عليه، فقد آذن بحرب من الله، فالتسليم عناية، والانتقاد جناية، والاستنصاف من شأن الكرام، والتعصب من شأن اللئام. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد أهل الشرك، فقال: { ويوم نحشرهم جميعا }.

الأنعام 6:21

يقول الحق جل جلاله: { الذين آتيناهم الكتاب } من اليهود والنصارى، { يعرفونه } أي: محمدا صلى الله عليه وسلم بحليته المذكورة في التوراة والإنجيل، { كما يعرفون أبناءهم } أو أشد، وإنما كتموه جحدا وخوفا على رياستهم.. { الذين خسروا أنفسهم } من أهل الكتاب حيث كذبوا وكتموا، ومن المشركين حيث كفروا وجحدوا، { فهم لا يؤمنون } لتضييعهم ما به يكتسب الإيمان من النظر والتفكير والإنصاف للحق، فقد ظلموا أنفسهم وبخسوها. { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } بأن كتم شهادة الحق، وهي صفة الرسول عليه الصلاة والسلام أو ادعاء الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، { أو كذب بآياته } كالقرآن والمعجزات وسموها سحرا، أي: لا أحد أظلم ممن فعل هذا، وإنما عبر ب " أو " ، وهم قد جمعوا بين الأمرين تنبيها على أن كل واحد منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس، { إنه } أي: الأمر والشأن { لا يفلح الظالمون } ، فضلا عمن لا أحد أظلم منه. الإشارة: أقبح الناس منزلة عند الله، من تحقق بخصوصية ولي من أولياء الله، ثم كتمها وجحدها حسدا وعنادا، وجعل ينكر عليه، فقد آذن بحرب من الله، فالتسليم عناية، والانتقاد جناية، والاستنصاف من شأن الكرام، والتعصب من شأن اللئام. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد أهل الشرك، فقال: { ويوم نحشرهم جميعا }.

الأنعام 6:22

قلت: { لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا } ، من قرأ بالرفع والتأنيث: ففتنة اسمها، و { إلا أن قالوا }: خبرها، ومن قرأ بالنصب: فخبر مقدم، والتأنيث لأجل الخبر، ومن قرأ بالتذكير والنصب، فخبر مقدم، و { إلا أن قالوا }: أسمها. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { يوم نحشرهم } أي: المشركين، { جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم } أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، { الذين كنتم } تزعمونهم شركاء، وتودونها وتنتصرون لها، فيحال بينهم وبينها، ويتبرأون منها، كما قال تعالى: { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } أي: لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به، إلا التبرؤ منه، بعد الانتصار له والتعصب عليه، أو: لم يكن جواب اختبارهم إلا التبرؤ من الشرك، فيكذبون ويحلفون عليه، مع علمهم بأنه لا ينفع من فرط الحيرة والدهشة. فإن قلت: كيف يجحدون مع قوله: ولا يكتمون الله حديثا [النساء:42] فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف الطوائف والمواطن، فيكتم قوم ويقر آخرون، ويكتمون في موطن ويقرون في موطن آخر لأن يوم القيامة طويل، وقال ابن عباس لما سئل عن هذا: إنهم جحدوا، طمعا في النجاة، فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم، فلا يكتمون حديثا. قال تعالى: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } بنفي الشرك عنها بعد تحققها به ونظيره قوله: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم [المجادلة:18] { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي: غاب عنهم ما كانوا يعبدونه من الشركاء افتراء على الله. الإشارة: من أحب شيئا فهو عبد له، ويوم القيامة يتبرأ منه، ويرى وبال فتنته والاشتغال به، فينبغي لمن أراد السلامة من الفتنة، أن يفرد محبته لله، ويتبرأ من كل ما سواه، ويفرد وجهته لله، ولا يشتغل ظاهرا ولا باطنا إلا بما يقربه من الله ويبعده عما سواه وفي الحديث: " تعس عبد الدينار والدرهم والخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ". ثم ذكر أحوالهم في الدنيا بإعتبار الكفر والعناد، فقال: { ومنهم من يستمع إليك }.

الأنعام 6:23

قلت: { لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا } ، من قرأ بالرفع والتأنيث: ففتنة اسمها، و { إلا أن قالوا }: خبرها، ومن قرأ بالنصب: فخبر مقدم، والتأنيث لأجل الخبر، ومن قرأ بالتذكير والنصب، فخبر مقدم، و { إلا أن قالوا }: أسمها. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { يوم نحشرهم } أي: المشركين، { جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم } أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، { الذين كنتم } تزعمونهم شركاء، وتودونها وتنتصرون لها، فيحال بينهم وبينها، ويتبرأون منها، كما قال تعالى: { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } أي: لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به، إلا التبرؤ منه، بعد الانتصار له والتعصب عليه، أو: لم يكن جواب اختبارهم إلا التبرؤ من الشرك، فيكذبون ويحلفون عليه، مع علمهم بأنه لا ينفع من فرط الحيرة والدهشة. فإن قلت: كيف يجحدون مع قوله: ولا يكتمون الله حديثا [النساء:42] فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف الطوائف والمواطن، فيكتم قوم ويقر آخرون، ويكتمون في موطن ويقرون في موطن آخر لأن يوم القيامة طويل، وقال ابن عباس لما سئل عن هذا: إنهم جحدوا، طمعا في النجاة، فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم، فلا يكتمون حديثا. قال تعالى: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } بنفي الشرك عنها بعد تحققها به ونظيره قوله: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم [المجادلة:18] { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي: غاب عنهم ما كانوا يعبدونه من الشركاء افتراء على الله. الإشارة: من أحب شيئا فهو عبد له، ويوم القيامة يتبرأ منه، ويرى وبال فتنته والاشتغال به، فينبغي لمن أراد السلامة من الفتنة، أن يفرد محبته لله، ويتبرأ من كل ما سواه، ويفرد وجهته لله، ولا يشتغل ظاهرا ولا باطنا إلا بما يقربه من الله ويبعده عما سواه وفي الحديث: " تعس عبد الدينار والدرهم والخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ". ثم ذكر أحوالهم في الدنيا بإعتبار الكفر والعناد، فقال: { ومنهم من يستمع إليك }.

الأنعام 6:24

قلت: { لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا } ، من قرأ بالرفع والتأنيث: ففتنة اسمها، و { إلا أن قالوا }: خبرها، ومن قرأ بالنصب: فخبر مقدم، والتأنيث لأجل الخبر، ومن قرأ بالتذكير والنصب، فخبر مقدم، و { إلا أن قالوا }: أسمها. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { يوم نحشرهم } أي: المشركين، { جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم } أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، { الذين كنتم } تزعمونهم شركاء، وتودونها وتنتصرون لها، فيحال بينهم وبينها، ويتبرأون منها، كما قال تعالى: { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } أي: لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به، إلا التبرؤ منه، بعد الانتصار له والتعصب عليه، أو: لم يكن جواب اختبارهم إلا التبرؤ من الشرك، فيكذبون ويحلفون عليه، مع علمهم بأنه لا ينفع من فرط الحيرة والدهشة. فإن قلت: كيف يجحدون مع قوله: ولا يكتمون الله حديثا [النساء:42] فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف الطوائف والمواطن، فيكتم قوم ويقر آخرون، ويكتمون في موطن ويقرون في موطن آخر لأن يوم القيامة طويل، وقال ابن عباس لما سئل عن هذا: إنهم جحدوا، طمعا في النجاة، فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم، فلا يكتمون حديثا. قال تعالى: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } بنفي الشرك عنها بعد تحققها به ونظيره قوله: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم [المجادلة:18] { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي: غاب عنهم ما كانوا يعبدونه من الشركاء افتراء على الله. الإشارة: من أحب شيئا فهو عبد له، ويوم القيامة يتبرأ منه، ويرى وبال فتنته والاشتغال به، فينبغي لمن أراد السلامة من الفتنة، أن يفرد محبته لله، ويتبرأ من كل ما سواه، ويفرد وجهته لله، ولا يشتغل ظاهرا ولا باطنا إلا بما يقربه من الله ويبعده عما سواه وفي الحديث: " تعس عبد الدينار والدرهم والخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ". ثم ذكر أحوالهم في الدنيا بإعتبار الكفر والعناد، فقال: { ومنهم من يستمع إليك }.

الأنعام 6:25

قلت: { من }: لفظها مفرد ومعناها جمع، فيجوز في الضمير مراعاة اللفظ فيفرد، كقوله هنا: { ومنهم من يستمع إليك } ، ويجوز مراعاة المعنى فيجمع، كقوله في يونس: ومنهم من يستمعون إليك [يونس:42]، والأكنة: الأغطية، جمع كنان، و { أن يفقهوه }: مفعول له أي: كراهية أن يفقهوه، و { حتى }: غاية، أي: انتهى التكذيب حتى وصلوا إليك يجادلونك، والجملة بعدها: إما في محل جر بها ويجادلونك جواب لها، و { يقول }: تبيين لها، وإما لا محل لها فتكون ابتدائية. والأساطير: جمع أسطورة، أو أسطار جمع سطر، فيكون جمع الجمع. يقول الحق جل جلاله: ومن الكفار { من يستمع إليك } حين تقرأ القرآن، والمراد: أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم، اجتمعوا فسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ، فقالوا للنضر: ما تقول؟ فقال: والذي جعلها بيننا وبينه ما أدري ما يقول، إلا أنه يحرك لسانه، ويقول أساطير الأولين، مثل ما جئتكم به. قال السهيلي: حيث ما ورد في القرآن: " أساطير الأولين " فإن قائلها هو النضر بن الحارث، وكان قد دخل بلاد فارس وتعلم أخبار ملوكهم، فكان يقول: حديثي أحسن من حديث محمد، فنزلت فيه وفي أصحابه. { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أي: أغطية كراهة { أن يفقهوه } لما سبق لهم من الشقاء، { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } أي: ثقلا وصمما فلا يسمعون معانيه، ولا يتدبرونها. { وإن يروا كل آية } ومعجزة { لا يؤمنوا بها } لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، وسبق الشقاء لهم، فلا يزال التكذيب والشك يعظم فيهم { حتى إذا جاؤوك يجادلونك } أي: حتى ينتهي بهم التكذيب إلى أن يجيؤوك يجادلونك { يقول الذين كفروا إن } أي: ما { هذا إلا أساطير } أي: أكاذيب { الأولين } ، فإن جعل أصدق الحديث خرافات الأولين غاية التكذيب. { وهم } أيضا { ينهون عنه } أي: ينهون الناس عن القرآن، أو عن الرسول والإيمان به، { وينأون عنه } أي: يبعدون عنه، فقد ضلوا وأضلوا، أو ينهون عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه فلا يؤمنون، كأبي طالب ومن كان معه، يحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مكة. وفي { ينهون } ضرب من ضروب التجنيس من علم البلاغة. قال تعالى: { وإن } أي: ما { يهلكون } بذلك { إلا أنفسهم وما يشعرون } أن ضررهم لا يتعداهم إلى غيرهم. الإشارة: اعلم أن القلب تحجبه عن تدبر كلام الله والتمتع بحلاوته أربعة حجب: الأول: حجاب الكفر والشرك ويندفع بالإيمان والإسلام. والثاني: حجاب المعاصي والذنوب، وينخرق بالتوبة والانقلاع. والثالث: حجاب الانهماك في الحظوظ والشهوات واتباع الهوى، وينخرق بالزهد والورع والتعفف ونوع من الرياضة. والرابع: حجاب الغفلة والخوض فيما لا يعني، والاشتغال بالبطالة، وينخرق باليقظة والتوجه إلى الحق، والانقطاع إلى الله بكليته، فإذا انخرقت هذه الحجب عن القلب، تمتع بحلاوة القرآن ومناجاة الحق على نعت القرب والمراقبة. وبقي حجابان آخران، إذا خرقهما العبد أفضى إلى مشاهدة المتكلم دون واسطة، أولهما: حجاب حلاوة الطاعة والمعاملة الظاهرة، والوقوف مع المقامات أو الكرامات، فإنها عند العارفين سموم قاتلة. وثانيهما: حجاب الوهم والوقوف مع ظاهر الحس، دون الوصول إلى باطنه، فيقف مع الأواني دون شهود المعاني، وقد قال الششتري: لا تنظر إلى الاواني وخض بحر المعاني لعلك تراني وقال الغزالي: الموانع التي تحجب القلب عن الفهم أربعة: الأول: جعل الفهم مقصورا على تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، فهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء، يصرفهم عن معاني كلام الله تعالى. والثاني: أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه، من غير وصول إليه ببصيرة. الثالث: أن يكون مصرا على ذنب، أو متصفا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب، وهو كالخبء على المرآة، فيمنع جلية الحق فيه، وهو أعظم حجب القلب، وبه حجب الأكثرون، الرابع: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما يتأول عن ابن عباس، ومجاهد وغيرهما، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي منهي عنه، فهذا أيضا من الحجب العظيمة، فإن القرآن بحر لا ساحل له، وهو مبذول لمن يغرف منه إلى يوم القيامة، كل على قدر سعته وصفاء قلبه. ه. بالمعنى. ثم هددهم بما أعد لهم يوم القيامة، فقال: { ولو ترى إذ وقفوا على النار }.

الأنعام 6:26

قلت: { من }: لفظها مفرد ومعناها جمع، فيجوز في الضمير مراعاة اللفظ فيفرد، كقوله هنا: { ومنهم من يستمع إليك } ، ويجوز مراعاة المعنى فيجمع، كقوله في يونس: ومنهم من يستمعون إليك [يونس:42]، والأكنة: الأغطية، جمع كنان، و { أن يفقهوه }: مفعول له أي: كراهية أن يفقهوه، و { حتى }: غاية، أي: انتهى التكذيب حتى وصلوا إليك يجادلونك، والجملة بعدها: إما في محل جر بها ويجادلونك جواب لها، و { يقول }: تبيين لها، وإما لا محل لها فتكون ابتدائية. والأساطير: جمع أسطورة، أو أسطار جمع سطر، فيكون جمع الجمع. يقول الحق جل جلاله: ومن الكفار { من يستمع إليك } حين تقرأ القرآن، والمراد: أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم، اجتمعوا فسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ، فقالوا للنضر: ما تقول؟ فقال: والذي جعلها بيننا وبينه ما أدري ما يقول، إلا أنه يحرك لسانه، ويقول أساطير الأولين، مثل ما جئتكم به. قال السهيلي: حيث ما ورد في القرآن: " أساطير الأولين " فإن قائلها هو النضر بن الحارث، وكان قد دخل بلاد فارس وتعلم أخبار ملوكهم، فكان يقول: حديثي أحسن من حديث محمد، فنزلت فيه وفي أصحابه. { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أي: أغطية كراهة { أن يفقهوه } لما سبق لهم من الشقاء، { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } أي: ثقلا وصمما فلا يسمعون معانيه، ولا يتدبرونها. { وإن يروا كل آية } ومعجزة { لا يؤمنوا بها } لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، وسبق الشقاء لهم، فلا يزال التكذيب والشك يعظم فيهم { حتى إذا جاؤوك يجادلونك } أي: حتى ينتهي بهم التكذيب إلى أن يجيؤوك يجادلونك { يقول الذين كفروا إن } أي: ما { هذا إلا أساطير } أي: أكاذيب { الأولين } ، فإن جعل أصدق الحديث خرافات الأولين غاية التكذيب. { وهم } أيضا { ينهون عنه } أي: ينهون الناس عن القرآن، أو عن الرسول والإيمان به، { وينأون عنه } أي: يبعدون عنه، فقد ضلوا وأضلوا، أو ينهون عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه فلا يؤمنون، كأبي طالب ومن كان معه، يحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مكة. وفي { ينهون } ضرب من ضروب التجنيس من علم البلاغة. قال تعالى: { وإن } أي: ما { يهلكون } بذلك { إلا أنفسهم وما يشعرون } أن ضررهم لا يتعداهم إلى غيرهم. الإشارة: اعلم أن القلب تحجبه عن تدبر كلام الله والتمتع بحلاوته أربعة حجب: الأول: حجاب الكفر والشرك ويندفع بالإيمان والإسلام. والثاني: حجاب المعاصي والذنوب، وينخرق بالتوبة والانقلاع. والثالث: حجاب الانهماك في الحظوظ والشهوات واتباع الهوى، وينخرق بالزهد والورع والتعفف ونوع من الرياضة. والرابع: حجاب الغفلة والخوض فيما لا يعني، والاشتغال بالبطالة، وينخرق باليقظة والتوجه إلى الحق، والانقطاع إلى الله بكليته، فإذا انخرقت هذه الحجب عن القلب، تمتع بحلاوة القرآن ومناجاة الحق على نعت القرب والمراقبة. وبقي حجابان آخران، إذا خرقهما العبد أفضى إلى مشاهدة المتكلم دون واسطة، أولهما: حجاب حلاوة الطاعة والمعاملة الظاهرة، والوقوف مع المقامات أو الكرامات، فإنها عند العارفين سموم قاتلة. وثانيهما: حجاب الوهم والوقوف مع ظاهر الحس، دون الوصول إلى باطنه، فيقف مع الأواني دون شهود المعاني، وقد قال الششتري: لا تنظر إلى الاواني وخض بحر المعاني لعلك تراني وقال الغزالي: الموانع التي تحجب القلب عن الفهم أربعة: الأول: جعل الفهم مقصورا على تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، فهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء، يصرفهم عن معاني كلام الله تعالى. والثاني: أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه، من غير وصول إليه ببصيرة. الثالث: أن يكون مصرا على ذنب، أو متصفا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب، وهو كالخبء على المرآة، فيمنع جلية الحق فيه، وهو أعظم حجب القلب، وبه حجب الأكثرون، الرابع: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما يتأول عن ابن عباس، ومجاهد وغيرهما، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي منهي عنه، فهذا أيضا من الحجب العظيمة، فإن القرآن بحر لا ساحل له، وهو مبذول لمن يغرف منه إلى يوم القيامة، كل على قدر سعته وصفاء قلبه. ه. بالمعنى. ثم هددهم بما أعد لهم يوم القيامة، فقال: { ولو ترى إذ وقفوا على النار }.

الأنعام 6:27

قلت: { لو }: شرطية، وجوابها محذوف: أي: لرأيت أمرا فظيعا هائلا، وإنما حذف في مثل هذا ليكون أبلغ ما يقدره السامع. و { لا نكذب } و { نكون }: قرىء بالرفع، على الاستئناف والقطع عن التمني، ومثله سيبويه بقولك: دعني ولا أعود أي: وأنا لا أعود، ويحتمل أن يكون حالا، أي: غير مكذبين، أو عطفا على: { نرد } ، وقرىء: بالنصب على إضمار " أن " بعد واو المعية في جواب التمني. يقول الحق جل جلاله: { ولو ترى } يا محمد، أو: يا من تصح منه الرؤية، حال الكفار { إذ وقفوا على النار } حين يعاينونها أو يطلعون عليها، أو يدخلونها، فيعرفون مقدار عذابها، لرأيت أمرا شنيعا وهولا فظيعا { فقالوا } حينئذ: { يا ليتنا نرد } إلى الدنيا، { ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنون } ، ندموا حين لم ينفع الندم، وقد زلت بهم القدم، قال تعالى: { بل بدا لهم } أي: ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم { ما كانوا يخفون من قبل } في دار الدنيا من عيوبهم وقبائح أعمالهم، أو: بدا لهم حقية الإيمان وبطلان ضده، عيانا، لما وقفوا الى التوحيد وعرفوه ضرورة، وقد كانوا في الدنيا يخفونه ويظهرون الشرك، عياذا بالله. قال تعالى: { ولو ردوا } إلى الدنيا بعد الوقوف والظهور { لعادوا لما نهوا عنه } من الكفر والمعاصي لأنهم من قبضة الشقاء، والعياذ بالله، { وإنهم لكاذبون } فيما وعدوا من أنفسهم من الإيمان وعدم التكذيب. وفي هذا الإخبار بما لا يكون، ولو كان كيف يكون، وهو مما انفرد الله بعلمه. الإشارة: يوم القيامة هو محل ظهور حقائق الأشياء على ما هي عليه، فإن كانت حقا ظهرت حقيقتها وصحتها، وإن كانت باطلة، ظهر بطلانها عيانا، لكن لا تنفع المعرفة حينئذ، لرفع حجاب الحكمة وظهور القدرة، فلم يبق غيب، وإنما المزية في الإيمان بالغيب، والمعرفة في النكران، والشهود خلف رداء الكبرياء، بشهود المعاني خلف الأواني، فإن ظهرت المعاني فلا إيمان، وإنما يبقى العيان، لأهل العيان، والخيبة لأهل الخذلان. قال الورتجبي: القوم لم يعرفوا حقائق الكفر في الدنيا، ولو عرفوه لكانوا موحدين، فيظهر لهم يوم القيامة حقيقة الكفر، ولا ينفعهم ذلك لفوتهم السير في النكرات، التي معرفتها توجب المعارف، وذلك المقام في أماكن صدورهم، وهم كانوا يخفونه بمتابعة صورة الكفر وشهوة العصيان بغير اختيارهم لقلة عرفانهم به، ولا يكون قلب من العرش إلى الثرى إلا ويطرقه هواتف الغيب، بإلهام الله الذي يعرف به طرق رضى الحق، وصاحبه يعلم ذلك ويسمع ويخفيه في قلبه، لأنه أدق من الشعرة، وحركته أخفى من دبيب النمل، ومع ذلك يعرفه من نفسه، ولكن من غلبت شهوات نفسه عليه، لا يتبع خطاب الله بالسر، فأبدى الله لهم ما كانوا يخفونه، تعييرا لهم وحجة عليهم، انتهى. قلت: قوله: ولا يكون قلب... الخ، حاصل كلامه: أن القلب من حيث هو لابد أن يطرقه الخصم إن حاد عن الحق، وهو المراد بهواتف الغيب، لكنه أخفى من دبيب النمل في حق الغافلين. فإن كان القلب حيا متيقظا تتبع ذلك الخصم حتى يزيله بظهور الحق، وإن كان ميتا بغلبة الشهوات أخفاه حتى يموت، فيبدو له ما كان يخفيه من قبل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اعتقادهم الفاسد، وما أداهم إليه، فقال: { وقالوا إن هي إلا حياتنا }.

الأنعام 6:28

قلت: { لو }: شرطية، وجوابها محذوف: أي: لرأيت أمرا فظيعا هائلا، وإنما حذف في مثل هذا ليكون أبلغ ما يقدره السامع. و { لا نكذب } و { نكون }: قرىء بالرفع، على الاستئناف والقطع عن التمني، ومثله سيبويه بقولك: دعني ولا أعود أي: وأنا لا أعود، ويحتمل أن يكون حالا، أي: غير مكذبين، أو عطفا على: { نرد } ، وقرىء: بالنصب على إضمار " أن " بعد واو المعية في جواب التمني. يقول الحق جل جلاله: { ولو ترى } يا محمد، أو: يا من تصح منه الرؤية، حال الكفار { إذ وقفوا على النار } حين يعاينونها أو يطلعون عليها، أو يدخلونها، فيعرفون مقدار عذابها، لرأيت أمرا شنيعا وهولا فظيعا { فقالوا } حينئذ: { يا ليتنا نرد } إلى الدنيا، { ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنون } ، ندموا حين لم ينفع الندم، وقد زلت بهم القدم، قال تعالى: { بل بدا لهم } أي: ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم { ما كانوا يخفون من قبل } في دار الدنيا من عيوبهم وقبائح أعمالهم، أو: بدا لهم حقية الإيمان وبطلان ضده، عيانا، لما وقفوا الى التوحيد وعرفوه ضرورة، وقد كانوا في الدنيا يخفونه ويظهرون الشرك، عياذا بالله. قال تعالى: { ولو ردوا } إلى الدنيا بعد الوقوف والظهور { لعادوا لما نهوا عنه } من الكفر والمعاصي لأنهم من قبضة الشقاء، والعياذ بالله، { وإنهم لكاذبون } فيما وعدوا من أنفسهم من الإيمان وعدم التكذيب. وفي هذا الإخبار بما لا يكون، ولو كان كيف يكون، وهو مما انفرد الله بعلمه. الإشارة: يوم القيامة هو محل ظهور حقائق الأشياء على ما هي عليه، فإن كانت حقا ظهرت حقيقتها وصحتها، وإن كانت باطلة، ظهر بطلانها عيانا، لكن لا تنفع المعرفة حينئذ، لرفع حجاب الحكمة وظهور القدرة، فلم يبق غيب، وإنما المزية في الإيمان بالغيب، والمعرفة في النكران، والشهود خلف رداء الكبرياء، بشهود المعاني خلف الأواني، فإن ظهرت المعاني فلا إيمان، وإنما يبقى العيان، لأهل العيان، والخيبة لأهل الخذلان. قال الورتجبي: القوم لم يعرفوا حقائق الكفر في الدنيا، ولو عرفوه لكانوا موحدين، فيظهر لهم يوم القيامة حقيقة الكفر، ولا ينفعهم ذلك لفوتهم السير في النكرات، التي معرفتها توجب المعارف، وذلك المقام في أماكن صدورهم، وهم كانوا يخفونه بمتابعة صورة الكفر وشهوة العصيان بغير اختيارهم لقلة عرفانهم به، ولا يكون قلب من العرش إلى الثرى إلا ويطرقه هواتف الغيب، بإلهام الله الذي يعرف به طرق رضى الحق، وصاحبه يعلم ذلك ويسمع ويخفيه في قلبه، لأنه أدق من الشعرة، وحركته أخفى من دبيب النمل، ومع ذلك يعرفه من نفسه، ولكن من غلبت شهوات نفسه عليه، لا يتبع خطاب الله بالسر، فأبدى الله لهم ما كانوا يخفونه، تعييرا لهم وحجة عليهم، انتهى. قلت: قوله: ولا يكون قلب... الخ، حاصل كلامه: أن القلب من حيث هو لابد أن يطرقه الخصم إن حاد عن الحق، وهو المراد بهواتف الغيب، لكنه أخفى من دبيب النمل في حق الغافلين. فإن كان القلب حيا متيقظا تتبع ذلك الخصم حتى يزيله بظهور الحق، وإن كان ميتا بغلبة الشهوات أخفاه حتى يموت، فيبدو له ما كان يخفيه من قبل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اعتقادهم الفاسد، وما أداهم إليه، فقال: { وقالوا إن هي إلا حياتنا }.

الأنعام 6:29

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: الكفار في إنكار البعث: { إن هي } أي: الحياة { إلا حياتنا الدنيا } لا حياة بعدها، { وما نحن بمبعوثين } ، قال جل جلاله: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ، كناية عن حبسهم للسؤال والتوبيخ، أو: وقفوا على قضاء ربهم بين عباده، وعرفوه حق التعريف، قال لهم الحق جل جلاله: { أليس هذا } الذي كنتم تنكرونه، { بالحق قالوا بلى وربنا } إنه لحق، ولكنا كنا قوما ضالين، وهو إقرار مؤكد باليمين، لانجلاء الأمر غاية الجلاء، قال تعالى لهم: { فذوقوا } أي: باشروا { العذاب بما كنتم تكفرون } أي: بسبب كفركم. { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } ، حيث فاتهم النعيم، واستوجبوا العذاب المقيم، والمراد بلقاء الله: البعث وما يتبعه. فاستمروا على التكذيب { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } أي: فجأة { قالوا يا حسرتنا } أي: يا هلكتنا { على ما فرطنا } أي: قصرنا { فيها } أي: في الحياة الدنيا، أو في الساعة، أي: في شأنها والاستعداد لها، { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } ، كناية عن تحمل الذنوب، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: أنهم يحملونها حقيقة، وقد روي: أن الكافر يركبه عمله، بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله، بعد أن يتصور له في أحسن صورة. قال تعالى في شأن الكفار: { ألا ساء ما يزرون } أي: بئس شيئا يزرونه ويرتكبونه في الدنيا وزرهم هذا، الذي يتحملونه على ظهورهم يوم القيامة. وسبب هذا: الركون إلى دار الغرور ونيسان دار الخلود، ولذلك قال تعالى بإثره: { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو } أي: وما أعمالها إلا لعب ولهو، تلهي الناس وتشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وما مدة بقائها مع ما يعقبها من الفناء إلا كمدة اللعب واللهو، إذ لا طائل تحته لمن لم يعمر أوقاتها بطاعة ربه، { وللدار الآخرة خير للذين يتقون } لدوامها وخلوص نعيمها وصفاء لذاتها، { أفلا تعقلون } أي الأمرين خير، هل دار الخراب والفناء، أو دار النعيم والبقاء، وفي قوله: { للذين يتقون }: تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين كله لعب ولهو. الإشارة: إذا كمل نور العقل حصل لصاحبه التمييز بن الحق والباطل، وبين الضار والنافع، فنظر بعين اعتباره إلى الدنيا، فوجدها ذاهبة فانية، ونظر إلى الآخرة، فرآها مقبلة باقية دائمة، فصدف عن الدنيا موليا، وأعرض عن زهرتها مدبرا، وأقبل بكليته إلى مولاه، غائبا عن كل ما سواه، فجعل الموت وما بعده نصب عينيه، وخلف الدنيا وراء ظهره أو تحت قدميه. وفي الحكم: " لو أشرق نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت الدنيا، وكسفة الفناء ظاهرة عليها " وقال بعض الحكماء: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والأخرة من طين يبقى، لاختار العاقل ما يبقى على ما يفنى، ولا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى والآخرة من ذهب يبقى. فلا يختار هذه الدار إلا من لا عقل له أصلا. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادى من لا علم عنده " أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم على ما لقي من قومه، فقال: { قد نعلم إنه ليحزنك }.

الأنعام 6:30

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: الكفار في إنكار البعث: { إن هي } أي: الحياة { إلا حياتنا الدنيا } لا حياة بعدها، { وما نحن بمبعوثين } ، قال جل جلاله: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ، كناية عن حبسهم للسؤال والتوبيخ، أو: وقفوا على قضاء ربهم بين عباده، وعرفوه حق التعريف، قال لهم الحق جل جلاله: { أليس هذا } الذي كنتم تنكرونه، { بالحق قالوا بلى وربنا } إنه لحق، ولكنا كنا قوما ضالين، وهو إقرار مؤكد باليمين، لانجلاء الأمر غاية الجلاء، قال تعالى لهم: { فذوقوا } أي: باشروا { العذاب بما كنتم تكفرون } أي: بسبب كفركم. { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } ، حيث فاتهم النعيم، واستوجبوا العذاب المقيم، والمراد بلقاء الله: البعث وما يتبعه. فاستمروا على التكذيب { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } أي: فجأة { قالوا يا حسرتنا } أي: يا هلكتنا { على ما فرطنا } أي: قصرنا { فيها } أي: في الحياة الدنيا، أو في الساعة، أي: في شأنها والاستعداد لها، { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } ، كناية عن تحمل الذنوب، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: أنهم يحملونها حقيقة، وقد روي: أن الكافر يركبه عمله، بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله، بعد أن يتصور له في أحسن صورة. قال تعالى في شأن الكفار: { ألا ساء ما يزرون } أي: بئس شيئا يزرونه ويرتكبونه في الدنيا وزرهم هذا، الذي يتحملونه على ظهورهم يوم القيامة. وسبب هذا: الركون إلى دار الغرور ونيسان دار الخلود، ولذلك قال تعالى بإثره: { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو } أي: وما أعمالها إلا لعب ولهو، تلهي الناس وتشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وما مدة بقائها مع ما يعقبها من الفناء إلا كمدة اللعب واللهو، إذ لا طائل تحته لمن لم يعمر أوقاتها بطاعة ربه، { وللدار الآخرة خير للذين يتقون } لدوامها وخلوص نعيمها وصفاء لذاتها، { أفلا تعقلون } أي الأمرين خير، هل دار الخراب والفناء، أو دار النعيم والبقاء، وفي قوله: { للذين يتقون }: تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين كله لعب ولهو. الإشارة: إذا كمل نور العقل حصل لصاحبه التمييز بن الحق والباطل، وبين الضار والنافع، فنظر بعين اعتباره إلى الدنيا، فوجدها ذاهبة فانية، ونظر إلى الآخرة، فرآها مقبلة باقية دائمة، فصدف عن الدنيا موليا، وأعرض عن زهرتها مدبرا، وأقبل بكليته إلى مولاه، غائبا عن كل ما سواه، فجعل الموت وما بعده نصب عينيه، وخلف الدنيا وراء ظهره أو تحت قدميه. وفي الحكم: " لو أشرق نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت الدنيا، وكسفة الفناء ظاهرة عليها " وقال بعض الحكماء: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والأخرة من طين يبقى، لاختار العاقل ما يبقى على ما يفنى، ولا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى والآخرة من ذهب يبقى. فلا يختار هذه الدار إلا من لا عقل له أصلا. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادى من لا علم عنده " أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم على ما لقي من قومه، فقال: { قد نعلم إنه ليحزنك }.

الأنعام 6:31

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: الكفار في إنكار البعث: { إن هي } أي: الحياة { إلا حياتنا الدنيا } لا حياة بعدها، { وما نحن بمبعوثين } ، قال جل جلاله: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ، كناية عن حبسهم للسؤال والتوبيخ، أو: وقفوا على قضاء ربهم بين عباده، وعرفوه حق التعريف، قال لهم الحق جل جلاله: { أليس هذا } الذي كنتم تنكرونه، { بالحق قالوا بلى وربنا } إنه لحق، ولكنا كنا قوما ضالين، وهو إقرار مؤكد باليمين، لانجلاء الأمر غاية الجلاء، قال تعالى لهم: { فذوقوا } أي: باشروا { العذاب بما كنتم تكفرون } أي: بسبب كفركم. { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } ، حيث فاتهم النعيم، واستوجبوا العذاب المقيم، والمراد بلقاء الله: البعث وما يتبعه. فاستمروا على التكذيب { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } أي: فجأة { قالوا يا حسرتنا } أي: يا هلكتنا { على ما فرطنا } أي: قصرنا { فيها } أي: في الحياة الدنيا، أو في الساعة، أي: في شأنها والاستعداد لها، { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } ، كناية عن تحمل الذنوب، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: أنهم يحملونها حقيقة، وقد روي: أن الكافر يركبه عمله، بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله، بعد أن يتصور له في أحسن صورة. قال تعالى في شأن الكفار: { ألا ساء ما يزرون } أي: بئس شيئا يزرونه ويرتكبونه في الدنيا وزرهم هذا، الذي يتحملونه على ظهورهم يوم القيامة. وسبب هذا: الركون إلى دار الغرور ونيسان دار الخلود، ولذلك قال تعالى بإثره: { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو } أي: وما أعمالها إلا لعب ولهو، تلهي الناس وتشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وما مدة بقائها مع ما يعقبها من الفناء إلا كمدة اللعب واللهو، إذ لا طائل تحته لمن لم يعمر أوقاتها بطاعة ربه، { وللدار الآخرة خير للذين يتقون } لدوامها وخلوص نعيمها وصفاء لذاتها، { أفلا تعقلون } أي الأمرين خير، هل دار الخراب والفناء، أو دار النعيم والبقاء، وفي قوله: { للذين يتقون }: تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين كله لعب ولهو. الإشارة: إذا كمل نور العقل حصل لصاحبه التمييز بن الحق والباطل، وبين الضار والنافع، فنظر بعين اعتباره إلى الدنيا، فوجدها ذاهبة فانية، ونظر إلى الآخرة، فرآها مقبلة باقية دائمة، فصدف عن الدنيا موليا، وأعرض عن زهرتها مدبرا، وأقبل بكليته إلى مولاه، غائبا عن كل ما سواه، فجعل الموت وما بعده نصب عينيه، وخلف الدنيا وراء ظهره أو تحت قدميه. وفي الحكم: " لو أشرق نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت الدنيا، وكسفة الفناء ظاهرة عليها " وقال بعض الحكماء: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والأخرة من طين يبقى، لاختار العاقل ما يبقى على ما يفنى، ولا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى والآخرة من ذهب يبقى. فلا يختار هذه الدار إلا من لا عقل له أصلا. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادى من لا علم عنده " أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم على ما لقي من قومه، فقال: { قد نعلم إنه ليحزنك }.

الأنعام 6:32

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: الكفار في إنكار البعث: { إن هي } أي: الحياة { إلا حياتنا الدنيا } لا حياة بعدها، { وما نحن بمبعوثين } ، قال جل جلاله: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ، كناية عن حبسهم للسؤال والتوبيخ، أو: وقفوا على قضاء ربهم بين عباده، وعرفوه حق التعريف، قال لهم الحق جل جلاله: { أليس هذا } الذي كنتم تنكرونه، { بالحق قالوا بلى وربنا } إنه لحق، ولكنا كنا قوما ضالين، وهو إقرار مؤكد باليمين، لانجلاء الأمر غاية الجلاء، قال تعالى لهم: { فذوقوا } أي: باشروا { العذاب بما كنتم تكفرون } أي: بسبب كفركم. { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } ، حيث فاتهم النعيم، واستوجبوا العذاب المقيم، والمراد بلقاء الله: البعث وما يتبعه. فاستمروا على التكذيب { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } أي: فجأة { قالوا يا حسرتنا } أي: يا هلكتنا { على ما فرطنا } أي: قصرنا { فيها } أي: في الحياة الدنيا، أو في الساعة، أي: في شأنها والاستعداد لها، { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } ، كناية عن تحمل الذنوب، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: أنهم يحملونها حقيقة، وقد روي: أن الكافر يركبه عمله، بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله، بعد أن يتصور له في أحسن صورة. قال تعالى في شأن الكفار: { ألا ساء ما يزرون } أي: بئس شيئا يزرونه ويرتكبونه في الدنيا وزرهم هذا، الذي يتحملونه على ظهورهم يوم القيامة. وسبب هذا: الركون إلى دار الغرور ونيسان دار الخلود، ولذلك قال تعالى بإثره: { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو } أي: وما أعمالها إلا لعب ولهو، تلهي الناس وتشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وما مدة بقائها مع ما يعقبها من الفناء إلا كمدة اللعب واللهو، إذ لا طائل تحته لمن لم يعمر أوقاتها بطاعة ربه، { وللدار الآخرة خير للذين يتقون } لدوامها وخلوص نعيمها وصفاء لذاتها، { أفلا تعقلون } أي الأمرين خير، هل دار الخراب والفناء، أو دار النعيم والبقاء، وفي قوله: { للذين يتقون }: تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين كله لعب ولهو. الإشارة: إذا كمل نور العقل حصل لصاحبه التمييز بن الحق والباطل، وبين الضار والنافع، فنظر بعين اعتباره إلى الدنيا، فوجدها ذاهبة فانية، ونظر إلى الآخرة، فرآها مقبلة باقية دائمة، فصدف عن الدنيا موليا، وأعرض عن زهرتها مدبرا، وأقبل بكليته إلى مولاه، غائبا عن كل ما سواه، فجعل الموت وما بعده نصب عينيه، وخلف الدنيا وراء ظهره أو تحت قدميه. وفي الحكم: " لو أشرق نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت الدنيا، وكسفة الفناء ظاهرة عليها " وقال بعض الحكماء: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والأخرة من طين يبقى، لاختار العاقل ما يبقى على ما يفنى، ولا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى والآخرة من ذهب يبقى. فلا يختار هذه الدار إلا من لا عقل له أصلا. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادى من لا علم عنده " أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم على ما لقي من قومه، فقال: { قد نعلم إنه ليحزنك }.

الأنعام 6:33

قلت: { قد } للتحقيق، وإنه ضمير الشأن، وقرأ نافع: " يحزن " ، بضم الياء حيث وقع، إلا قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر [الأنبياء:103] والباقون: بفتح الياء، وفيه لغتان: حزن يحزن، كنصر ينصر، وأحزن يحزن. والأول أشهر. ومن قرأ: " يكذبونك " بالتشديد فمعناه: لا يعتقدون كذبك، وإنما هم يجحدون الحق مع علمهم به، ومن قرأ بالتخفيف فمعناه: لا يجدونك كاذبا، يقال: أكذبت الرجل إذا وجدته كاذبا، وقيل: معناهما واحد، يقال: كذب فلان فلانا، وأكذبه، بمعنى واحد، وفاعل { جاءك }: مضمر، أي: نبأ أو بيان، وقيل: الجار والمجرور. وجواب { فإن استطعت }: محذوف، أي: فافعل. يقول الحق جل جلاله: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } أي: الكفار في جانبك من أنك شاعر أو كاهن أو مجنون أو كاذب،. { فإنهم لا يكذبونك } في الحقيقة، لجزمهم بصحة نبوتك، ولكنهم يجحدون بآيات الله، حسدا وخوفا على زوال الشرف من يدهم: نزلت في أبي جهل، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به " وقال الأخنس بن شريق: والله إن محمدا لصادق، ولكني أحسده على الشرف. ووضع { الظالمين } موضع المضمر للدلالة على أنهم ظلموا لجحودهم، أو جحدوا لتمرنهم على الظلم. ثم سلاه عن ذلك، فقال: { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا } أي: صبروا على تكذيبهم وأذاهم، { حتى أتاهم نصرنا } ، فاصبر كما صبروا حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم، وفيه إيماء بوعد النصر للصابرين، ولذلك قيل: الصبر عنوان الظفر. { ولا مبدل لكلمات الله } السابقة بنصر الصابرين، كقوله تعالى: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون [الصافات: 171172]، { ولقد جاءك من نبأ المرسلين } أي: من قصصهم، وما كابدوا من قومهم حتى نصرهم الله فتأنس بهم وانتظر نصرنا. { وإن كان كبر } أي: عظم وشق { عليك إعراضهم } عنك وعن الإيمان بما جئت به، { فإن استطعت أن تبتغي نفقا } أي: سربا { في الأرض } فتدخل فيه لتطلع لهم آية، { أو سلما في السماء } لترتقي فيه { فتأتيهم بآية } حتى يعاينوها فافعل، ولكن الأمر بيدي، فإنما أنت نذير. قال البيضاوي: المقصود: بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، وأنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إسلامهم، { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } أي: لو شاء الله جمعهم على الهدى لوفقهم للإيمان حتى يؤمنوا، ولكن لم تتعلق به مشيئته، وفيه حجة على القدرية. أو: لو شاء الله لأظهر لهم أية تلجئهم إلى الإيمان، لكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة، { فلا تكونن من الجاهلين } أي: من الذين يحرصون على ما لم تجر به المقادير، أي: دم على عدم كونك منهم ولا تقارب حالهم بشدة التحسر. ه. وقال في نوادر الأصول: إن الخطاب به تربية له، وترقية من حال إلى حال، كما يربى أهل التقريب وينقلون من ترك الاختيار، فيما ظاهره بر وقربة. ه. قلت: تشديد الخطاب على قدر علو المقام، كما هو معلوم من الأب الشفيق أو الشيخ الناصح، وقد قال لنوح عليه السلام: إني أعظك أن تكون من الجاهلين [هود:46]. وهذا الخطاب أشد لعلو مقامه صلى الله عليه وسلم. الإشارة: كل ما سليت به الرسل تسلى به الأولياء لأنهم ورثتهم الخاصة، وكل ما أمرت به الرسل تؤمر به الأولياء، من الصبر وعدم الحرص، فليس من شأن الدعاة إلى الله الحرص على الناس، ولا الحزن على من أدبر عنهم أو أنكر، بل هم يزرعون حكمة التذكير في أرض القلوب، وينظرون ما ينبت الله فيها، اقتداء بما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام ، وما تخلق به، فمن أصول الطريقة: الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضراء. والله تعالى أعلم. ثم ذكر علة إعراضهم، وهون موت أرواحهم، فقال: { إنما يستجيب الذين يسمعون }.

الأنعام 6:34

قلت: { قد } للتحقيق، وإنه ضمير الشأن، وقرأ نافع: " يحزن " ، بضم الياء حيث وقع، إلا قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر [الأنبياء:103] والباقون: بفتح الياء، وفيه لغتان: حزن يحزن، كنصر ينصر، وأحزن يحزن. والأول أشهر. ومن قرأ: " يكذبونك " بالتشديد فمعناه: لا يعتقدون كذبك، وإنما هم يجحدون الحق مع علمهم به، ومن قرأ بالتخفيف فمعناه: لا يجدونك كاذبا، يقال: أكذبت الرجل إذا وجدته كاذبا، وقيل: معناهما واحد، يقال: كذب فلان فلانا، وأكذبه، بمعنى واحد، وفاعل { جاءك }: مضمر، أي: نبأ أو بيان، وقيل: الجار والمجرور. وجواب { فإن استطعت }: محذوف، أي: فافعل. يقول الحق جل جلاله: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } أي: الكفار في جانبك من أنك شاعر أو كاهن أو مجنون أو كاذب،. { فإنهم لا يكذبونك } في الحقيقة، لجزمهم بصحة نبوتك، ولكنهم يجحدون بآيات الله، حسدا وخوفا على زوال الشرف من يدهم: نزلت في أبي جهل، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به " وقال الأخنس بن شريق: والله إن محمدا لصادق، ولكني أحسده على الشرف. ووضع { الظالمين } موضع المضمر للدلالة على أنهم ظلموا لجحودهم، أو جحدوا لتمرنهم على الظلم. ثم سلاه عن ذلك، فقال: { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا } أي: صبروا على تكذيبهم وأذاهم، { حتى أتاهم نصرنا } ، فاصبر كما صبروا حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم، وفيه إيماء بوعد النصر للصابرين، ولذلك قيل: الصبر عنوان الظفر. { ولا مبدل لكلمات الله } السابقة بنصر الصابرين، كقوله تعالى: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون [الصافات: 171172]، { ولقد جاءك من نبأ المرسلين } أي: من قصصهم، وما كابدوا من قومهم حتى نصرهم الله فتأنس بهم وانتظر نصرنا. { وإن كان كبر } أي: عظم وشق { عليك إعراضهم } عنك وعن الإيمان بما جئت به، { فإن استطعت أن تبتغي نفقا } أي: سربا { في الأرض } فتدخل فيه لتطلع لهم آية، { أو سلما في السماء } لترتقي فيه { فتأتيهم بآية } حتى يعاينوها فافعل، ولكن الأمر بيدي، فإنما أنت نذير. قال البيضاوي: المقصود: بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، وأنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إسلامهم، { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } أي: لو شاء الله جمعهم على الهدى لوفقهم للإيمان حتى يؤمنوا، ولكن لم تتعلق به مشيئته، وفيه حجة على القدرية. أو: لو شاء الله لأظهر لهم أية تلجئهم إلى الإيمان، لكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة، { فلا تكونن من الجاهلين } أي: من الذين يحرصون على ما لم تجر به المقادير، أي: دم على عدم كونك منهم ولا تقارب حالهم بشدة التحسر. ه. وقال في نوادر الأصول: إن الخطاب به تربية له، وترقية من حال إلى حال، كما يربى أهل التقريب وينقلون من ترك الاختيار، فيما ظاهره بر وقربة. ه. قلت: تشديد الخطاب على قدر علو المقام، كما هو معلوم من الأب الشفيق أو الشيخ الناصح، وقد قال لنوح عليه السلام: إني أعظك أن تكون من الجاهلين [هود:46]. وهذا الخطاب أشد لعلو مقامه صلى الله عليه وسلم. الإشارة: كل ما سليت به الرسل تسلى به الأولياء لأنهم ورثتهم الخاصة، وكل ما أمرت به الرسل تؤمر به الأولياء، من الصبر وعدم الحرص، فليس من شأن الدعاة إلى الله الحرص على الناس، ولا الحزن على من أدبر عنهم أو أنكر، بل هم يزرعون حكمة التذكير في أرض القلوب، وينظرون ما ينبت الله فيها، اقتداء بما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام ، وما تخلق به، فمن أصول الطريقة: الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضراء. والله تعالى أعلم. ثم ذكر علة إعراضهم، وهون موت أرواحهم، فقال: { إنما يستجيب الذين يسمعون }.

الأنعام 6:35

قلت: { قد } للتحقيق، وإنه ضمير الشأن، وقرأ نافع: " يحزن " ، بضم الياء حيث وقع، إلا قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر [الأنبياء:103] والباقون: بفتح الياء، وفيه لغتان: حزن يحزن، كنصر ينصر، وأحزن يحزن. والأول أشهر. ومن قرأ: " يكذبونك " بالتشديد فمعناه: لا يعتقدون كذبك، وإنما هم يجحدون الحق مع علمهم به، ومن قرأ بالتخفيف فمعناه: لا يجدونك كاذبا، يقال: أكذبت الرجل إذا وجدته كاذبا، وقيل: معناهما واحد، يقال: كذب فلان فلانا، وأكذبه، بمعنى واحد، وفاعل { جاءك }: مضمر، أي: نبأ أو بيان، وقيل: الجار والمجرور. وجواب { فإن استطعت }: محذوف، أي: فافعل. يقول الحق جل جلاله: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } أي: الكفار في جانبك من أنك شاعر أو كاهن أو مجنون أو كاذب،. { فإنهم لا يكذبونك } في الحقيقة، لجزمهم بصحة نبوتك، ولكنهم يجحدون بآيات الله، حسدا وخوفا على زوال الشرف من يدهم: نزلت في أبي جهل، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به " وقال الأخنس بن شريق: والله إن محمدا لصادق، ولكني أحسده على الشرف. ووضع { الظالمين } موضع المضمر للدلالة على أنهم ظلموا لجحودهم، أو جحدوا لتمرنهم على الظلم. ثم سلاه عن ذلك، فقال: { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا } أي: صبروا على تكذيبهم وأذاهم، { حتى أتاهم نصرنا } ، فاصبر كما صبروا حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم، وفيه إيماء بوعد النصر للصابرين، ولذلك قيل: الصبر عنوان الظفر. { ولا مبدل لكلمات الله } السابقة بنصر الصابرين، كقوله تعالى: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون [الصافات: 171172]، { ولقد جاءك من نبأ المرسلين } أي: من قصصهم، وما كابدوا من قومهم حتى نصرهم الله فتأنس بهم وانتظر نصرنا. { وإن كان كبر } أي: عظم وشق { عليك إعراضهم } عنك وعن الإيمان بما جئت به، { فإن استطعت أن تبتغي نفقا } أي: سربا { في الأرض } فتدخل فيه لتطلع لهم آية، { أو سلما في السماء } لترتقي فيه { فتأتيهم بآية } حتى يعاينوها فافعل، ولكن الأمر بيدي، فإنما أنت نذير. قال البيضاوي: المقصود: بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، وأنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إسلامهم، { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } أي: لو شاء الله جمعهم على الهدى لوفقهم للإيمان حتى يؤمنوا، ولكن لم تتعلق به مشيئته، وفيه حجة على القدرية. أو: لو شاء الله لأظهر لهم أية تلجئهم إلى الإيمان، لكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة، { فلا تكونن من الجاهلين } أي: من الذين يحرصون على ما لم تجر به المقادير، أي: دم على عدم كونك منهم ولا تقارب حالهم بشدة التحسر. ه. وقال في نوادر الأصول: إن الخطاب به تربية له، وترقية من حال إلى حال، كما يربى أهل التقريب وينقلون من ترك الاختيار، فيما ظاهره بر وقربة. ه. قلت: تشديد الخطاب على قدر علو المقام، كما هو معلوم من الأب الشفيق أو الشيخ الناصح، وقد قال لنوح عليه السلام: إني أعظك أن تكون من الجاهلين [هود:46]. وهذا الخطاب أشد لعلو مقامه صلى الله عليه وسلم. الإشارة: كل ما سليت به الرسل تسلى به الأولياء لأنهم ورثتهم الخاصة، وكل ما أمرت به الرسل تؤمر به الأولياء، من الصبر وعدم الحرص، فليس من شأن الدعاة إلى الله الحرص على الناس، ولا الحزن على من أدبر عنهم أو أنكر، بل هم يزرعون حكمة التذكير في أرض القلوب، وينظرون ما ينبت الله فيها، اقتداء بما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام ، وما تخلق به، فمن أصول الطريقة: الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضراء. والله تعالى أعلم. ثم ذكر علة إعراضهم، وهون موت أرواحهم، فقال: { إنما يستجيب الذين يسمعون }.

الأنعام 6:36

يقول الحق جل جلاله: { إنما يستجيب } لك، ويجيب دعوتك إلى الإيمان { الذين يسمعون } سماع تفهم وتدبر، وهو من كان قبله حيا، وأما الكفار فهم موتى لا يسمعون ولا يفقهون، { والموتى } ، وهم الكفار الذين ماتت أرواحهم بالجهل حتى ماتوا حسا، { يبعثهم الله } ، فيظهر لهم حينئذ الحق، ويسمعون حين لا ينفع الإيمان، أو يبعثهم الله في الدنيا بالهداية، أو الموتى حقيقة حسا، يبعثهم الله للحساب، { ثم إليه يرجعون } للجزاء. الإشارة: إنما يستجيب لدعوة الخصوصية، ويجيبون الدعاة إلى السير لشهود عظمة الربوبية، الذين سبقت لهم العناية، وأحيا الله قلوبهم بالهداية، فيسمعون بسمع القلوب والأرواح، ويترقون من حضرة عالم الأشباح إلى حضرة عالم الأسرار والأرواح والموتى بالغفلة والجهل يبعثهم الله ببركة صحبة أهل الله فتهب عليهم نفحات الهداية لما سبق لهم من سر العناية، ثم إليه يرجعون فيتنعمون في حضرة الشهود، في مقعد صدق عند الملك الودود. ثم عاتبهم على اقتراح الآيات، فقال: { وقالوا لولا نزل عليه آية }.

الأنعام 6:37

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } حين سمعوا ذكر البعث والرجوع إلى الله : { لولا نزل عليه آية من ربه } تدل على ما ادعاه من البعث والرجوع إلى الله، وعلى أنه رسول من عند الله، { قل } لهم: { إن الله قادر على أن ينزل آية } خارقة للعوائد، يرونها عيانا، وتضطرهم إلى الإيمان، { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن إنزالها وبال عليهم لأنهم إن عاينوها ولم يؤمنوا عوجلوا بالعقاب، أو: لا يعلمون أن الله قادر على أكثر مما طلبوا؟. وهذا الطلب قد تكرر منهم في مواضع من القرآن، وأجابهم الحق تعالى بأجوبة مختلفة، منها: ما يقتضي الرد عليهم في طلبهم الآيات لأنهم قد أتاهم بآيات، وتحصيل الحاصل لا ينبغي، كقوله: قد بينا الأيات [البقرة:118 } ، أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم [العنكبوت:51]، ومنها: ما يقتضي الإعراض عنهم لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته. ويحتمل أن يكون منه قوله هنا: { قل إن الله قادر... } الآية. فإن قيل: كيف طلبوا آية وهم قد رأوا آيات كثيرة، كانشقاق القمر، وإخبارهم بالغيب، وغير ذلك؟ فالجواب: أنهم لم يعتدوا بما رأوا لأن سر الربوبية لا يظهر إلا ومعه شيء من أردية القهرية، وهم قد طلبوا آية يدركونها من غير نظر ولا تفكر، وهو خلاف الحكمة. ثم ذكر دلائل قدرته على البعث وغيره، فقال: { وما من دابة } تدب { في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه } في الهواء، { إلا أمم أمثالكم } مقدرة أرزاقها، محدودة آجالها، معدودة أجناسها وأصنافها، محفوظة ذواتها، معلومة أماكنها، كلها في قبضة الحق، وتحت قدرته ومشيئته، فدل ذلك على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره، فيدل على قدرته على أن ينزل آية، وعلى بعثهم وحشرهم لأنه عالم بما تنقص الأرض منهم، كما قال تعالى: { ما فرطنا في الكتاب } أي: اللوح المحفوظ، { من شيء } فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من جليل ودقيق، لم يهمل فيه أمر حيوان ولا جماد، ظاهرا ولا باطنا، أو القرآن فإنه قد اشتمل على كل ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلا ومجملا، حتى قال بعض السلف: لو ضاع لي عقال لوجدته في كتاب الله أي: باعتبار العموم وأصول المسائل. قال تعالى: { ثم إلى ربهم يحشرون } أي: الأمم كلها، فينصف بعضها من بعض. كما روي أنه يؤخذ للجماء من القرناء وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة: البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله تعالى أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا، فذلك حيث يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا [النبأ:40]. وفي المسألة اضطراب بين العلماء، والصحيح هو حشرها، كما قال تعالى: وإذا الوحوش حشرت [التكوير:5]، وعن ابن عباس رضي الله عنه: حشرها موتها. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم مرارا أن طلب الكرامات من الأولياء: لقلة الاعتقاد فيهم وقلة الصدق. وأكمل الكرامات: الاستقامة على التوحيد في الباطن، وتحقيق العبودية في الظاهر. وبالله التوفيق. ثم قبح شأن أهل التكذيب، فقال: { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم }.

الأنعام 6:38

يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } حين سمعوا ذكر البعث والرجوع إلى الله : { لولا نزل عليه آية من ربه } تدل على ما ادعاه من البعث والرجوع إلى الله، وعلى أنه رسول من عند الله، { قل } لهم: { إن الله قادر على أن ينزل آية } خارقة للعوائد، يرونها عيانا، وتضطرهم إلى الإيمان، { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن إنزالها وبال عليهم لأنهم إن عاينوها ولم يؤمنوا عوجلوا بالعقاب، أو: لا يعلمون أن الله قادر على أكثر مما طلبوا؟. وهذا الطلب قد تكرر منهم في مواضع من القرآن، وأجابهم الحق تعالى بأجوبة مختلفة، منها: ما يقتضي الرد عليهم في طلبهم الآيات لأنهم قد أتاهم بآيات، وتحصيل الحاصل لا ينبغي، كقوله: قد بينا الأيات [البقرة:118 } ، أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم [العنكبوت:51]، ومنها: ما يقتضي الإعراض عنهم لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته. ويحتمل أن يكون منه قوله هنا: { قل إن الله قادر... } الآية. فإن قيل: كيف طلبوا آية وهم قد رأوا آيات كثيرة، كانشقاق القمر، وإخبارهم بالغيب، وغير ذلك؟ فالجواب: أنهم لم يعتدوا بما رأوا لأن سر الربوبية لا يظهر إلا ومعه شيء من أردية القهرية، وهم قد طلبوا آية يدركونها من غير نظر ولا تفكر، وهو خلاف الحكمة. ثم ذكر دلائل قدرته على البعث وغيره، فقال: { وما من دابة } تدب { في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه } في الهواء، { إلا أمم أمثالكم } مقدرة أرزاقها، محدودة آجالها، معدودة أجناسها وأصنافها، محفوظة ذواتها، معلومة أماكنها، كلها في قبضة الحق، وتحت قدرته ومشيئته، فدل ذلك على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره، فيدل على قدرته على أن ينزل آية، وعلى بعثهم وحشرهم لأنه عالم بما تنقص الأرض منهم، كما قال تعالى: { ما فرطنا في الكتاب } أي: اللوح المحفوظ، { من شيء } فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من جليل ودقيق، لم يهمل فيه أمر حيوان ولا جماد، ظاهرا ولا باطنا، أو القرآن فإنه قد اشتمل على كل ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلا ومجملا، حتى قال بعض السلف: لو ضاع لي عقال لوجدته في كتاب الله أي: باعتبار العموم وأصول المسائل. قال تعالى: { ثم إلى ربهم يحشرون } أي: الأمم كلها، فينصف بعضها من بعض. كما روي أنه يؤخذ للجماء من القرناء وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة: البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله تعالى أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا، فذلك حيث يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا [النبأ:40]. وفي المسألة اضطراب بين العلماء، والصحيح هو حشرها، كما قال تعالى: وإذا الوحوش حشرت [التكوير:5]، وعن ابن عباس رضي الله عنه: حشرها موتها. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم مرارا أن طلب الكرامات من الأولياء: لقلة الاعتقاد فيهم وقلة الصدق. وأكمل الكرامات: الاستقامة على التوحيد في الباطن، وتحقيق العبودية في الظاهر. وبالله التوفيق. ثم قبح شأن أهل التكذيب، فقال: { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم }.

الأنعام 6:39

يقول الحق جل جلاله: { والذين كذبوا بآياتنا } الدالة على كمال قدرتنا وتحقيق وحدانيتنا، أو بآياتنا المنزلة على رسولنا، هم { صم } لا يسمعون مثل هذه الآيات الدالة على ربوبيته وكمال علمه وعظيم قدرته سماعا تتأثر به نفوسهم، { و } هم أيضا { بكم } لا ينطقون بالحق، وهم { في الظلمات } أي: خائضون في بحر ظلمات الكفر والجهل، وظلمة العناد، وظلمة التقليد، فوصفهم بالصمم والبكم والعمى، ويؤخذ العمى من قوله: { في الظلمات } ، وهذا كله داخل تحت مشيئته وعلمه السابق { من يشأ الله يضلله } عدلا، { ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } بأن يرشده إلى الهدى ويحمله عليه، فيتبع الطريق الذي لا عوج فيه. الإشارة: أولياء الله في أرضه آية من آيات الله، فمن كذب بهم بقي في ظلمة الجهل بالله وظلمة حجاب النفس وحجاب الأكوان، محجوبا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، قلبه أصم عن تذكر الحقائق، ولسانه أبكم عن النطق بحكم العلم والأسرار، لم تسبق له في مشيئة الحق عناية، ولا هب عليه شيء من رياح الهداية، عائذا بالله من سوء القضاء ودرك الشقاء. ثم أقام لهم البرهان على توحيده، فقال: { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله }.

الأنعام 6:40

قال في المشارق: أرأيتك: معناه: الاستخبار والاستفهام، أي: أخبرني عن كذا، وهو بفتح التاء في المذكر والمؤنث والواحد والجمع، تقول: أرأيتك وأرأيتكما وأرأيتكم، ولم تثن ما قبل علامة المخاطب ولم تجمعه، فإذا أردت معنى الرؤية أي البصرية ثنيت وجمعت وأنثت، فقلت: أرأيتك قائما، وأرأيتك قائمة، وأرأيتكما وأرأيتموكم وأرأيتيكن. ه. وقال في الإتقان: إذا دخلت الهمزة على " رأيت " امتنع أن يكون من رؤية العين والقلب، وصار المعنى: أخبرني، وهو خلاف ما قال في المشارق، فانظره وانظر الحاشية الفاسية. قال البيضاوي: { أرأيتكم }: استفهام تعجب، والكاف: حرف خطاب، أكد به الضمير للتأكيد، لكن لا محل له من الإعراب، لأنك تقول: أرأيتك زيدا ما شأنه، فلو جعلت الكاف مفعولا كما قاله الكوفيون لعديت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل، ولزم في الآية أن يقول: أرأيتكموكم، بل الفعل معلق، أو المفعول محذوف، وتقديره: أرأيتكم آلهتكم تنفعكم إذ تدعونها إن أتاكم عذاب الله، ويدل عليه: { أغير الله تدعون }. ه. وجواب { إن }: محذوف أي: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة فمن تدعون؟ وجواب { إن كنتم }: محذوف أيضا أي: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينفعكم فادعوه، ثم وصفهم بأنهم لا يدعون حينئذ إلا الله. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { أرأيتكم } أي: أخبروني { إن أتاكم عذاب الله } في الدنيا كما أتى من قبلكم، { أو أتتكم الساعة } وأهوالها، { أغير الله تدعون } وتلتجئون إليه في كشف ما نزل بكم { إن كنتم صادقين } أن الأصنام آلهة، لا، { بل أياه تدعون } وحده، { فيكشف ما تدعون إليه } أي: ما تدعونه إلى كشفه، { إن شاء } أن يتفضل عليكم بالكشف في الدنيا، وقد لا يشاء، { وتنسون ما تشركون } أي: وتتركون آلهتكم في ذلك الوقت لما ركز في العقول من أنه قادر على كشف الضر دون غيره، أو تنسون من شدة الأمر وهوله. الإشارة: إنما يظهر توحيد الرجال عند هجوم الأحوال، فإن رجع إلى الله وحده ولم يلتفت إلى شيء سواه، علمنا أنه من الأبطال، وإن فزع إلى شيء من السوى، علمنا أنه من جملة الضعفاء. وعندهم من جملة أصول الطريق: الرجوع إلى الله في السراء والضراء، فإن رجع إليه أجابه فيما يريد، وفي الوقت الذي يريد، وقد لا يريد على حسب إرادة المريد. والله تعالى أعلم. ثم حض على الرجوع إليه في حالة الضراء، فقال: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك }.

الأنعام 6:41

قال في المشارق: أرأيتك: معناه: الاستخبار والاستفهام، أي: أخبرني عن كذا، وهو بفتح التاء في المذكر والمؤنث والواحد والجمع، تقول: أرأيتك وأرأيتكما وأرأيتكم، ولم تثن ما قبل علامة المخاطب ولم تجمعه، فإذا أردت معنى الرؤية أي البصرية ثنيت وجمعت وأنثت، فقلت: أرأيتك قائما، وأرأيتك قائمة، وأرأيتكما وأرأيتموكم وأرأيتيكن. ه. وقال في الإتقان: إذا دخلت الهمزة على " رأيت " امتنع أن يكون من رؤية العين والقلب، وصار المعنى: أخبرني، وهو خلاف ما قال في المشارق، فانظره وانظر الحاشية الفاسية. قال البيضاوي: { أرأيتكم }: استفهام تعجب، والكاف: حرف خطاب، أكد به الضمير للتأكيد، لكن لا محل له من الإعراب، لأنك تقول: أرأيتك زيدا ما شأنه، فلو جعلت الكاف مفعولا كما قاله الكوفيون لعديت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل، ولزم في الآية أن يقول: أرأيتكموكم، بل الفعل معلق، أو المفعول محذوف، وتقديره: أرأيتكم آلهتكم تنفعكم إذ تدعونها إن أتاكم عذاب الله، ويدل عليه: { أغير الله تدعون }. ه. وجواب { إن }: محذوف أي: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة فمن تدعون؟ وجواب { إن كنتم }: محذوف أيضا أي: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينفعكم فادعوه، ثم وصفهم بأنهم لا يدعون حينئذ إلا الله. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { أرأيتكم } أي: أخبروني { إن أتاكم عذاب الله } في الدنيا كما أتى من قبلكم، { أو أتتكم الساعة } وأهوالها، { أغير الله تدعون } وتلتجئون إليه في كشف ما نزل بكم { إن كنتم صادقين } أن الأصنام آلهة، لا، { بل أياه تدعون } وحده، { فيكشف ما تدعون إليه } أي: ما تدعونه إلى كشفه، { إن شاء } أن يتفضل عليكم بالكشف في الدنيا، وقد لا يشاء، { وتنسون ما تشركون } أي: وتتركون آلهتكم في ذلك الوقت لما ركز في العقول من أنه قادر على كشف الضر دون غيره، أو تنسون من شدة الأمر وهوله. الإشارة: إنما يظهر توحيد الرجال عند هجوم الأحوال، فإن رجع إلى الله وحده ولم يلتفت إلى شيء سواه، علمنا أنه من الأبطال، وإن فزع إلى شيء من السوى، علمنا أنه من جملة الضعفاء. وعندهم من جملة أصول الطريق: الرجوع إلى الله في السراء والضراء، فإن رجع إليه أجابه فيما يريد، وفي الوقت الذي يريد، وقد لا يريد على حسب إرادة المريد. والله تعالى أعلم. ثم حض على الرجوع إليه في حالة الضراء، فقال: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك }.

الأنعام 6:42

يقول الحق جل جلاله: تخويفا لهذه الأمة: { ولقد أرسلنا إلى أمم } مضت { من قبلك } رسلا فأنذروهم، فكذبوا وكفروا { فأخذناهم بالبأساء } أي: الشدة، كالقحط والجوع، { والضراء } كالأمراض والموت والفتن، تخويفا لهم { لعلهم يتضرعون } أي: يتذللون ويتوبون من ذنوبهم، فلم يفعلوا، { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } أي: هلا تذللوا حين جاءهم البأس فنرحمهم، وفيه دليل على نفع التضرع حين الشدائد، { ولكن قست قلوبهم } أي: صلبت ولم تلن، { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } فصرفهم عن التضرع، أي: لا مانع لهم من التضرع إلا قساوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم. { فلما نسوا ما ذكروا به } أي: تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء، ولم ينزجروا، { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } من أنواع الرزق وضروب النعم، مراوحة عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، وامتحانا لهم بالشدة والرخاء، إلزاما للحجة وازاحة للعلة، أو مكرا بهم، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " مكر بالقوم ورب الكعبة " { حتى إذا فرحوا } أي: أعجبوا { بما أوتوا } من النعم، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه، { أخذناهم بغتة } أي: فجأة { فإذا هم مبسلون } متحيرون آيسون من كل خير، { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أي: قطع آخرهم، ولم يبق منهم أحد، وهي عبارة عن الاستئصال بالكلية، { والحمد لله رب العالمين } على إهلاكهم، فإن إهلاك الكفار والعصاة نعم جليلة، يحق أن يحمد عليها من حيث إنه خلاص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: المقصود من إظهار النقم الظاهرة ما يؤول الأمر إليه من النعم الباطنة، فإن الأشياء كامنة في أضدادها، النعمة في النقمة، والرخاء في الشدة، والعز في الذل، والجمال في الجلال، إن وقع الرجوع إلى الله والانكسار والتذلل. " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". فانكسار القلوب إلى علام الغيوب عبادة كبيرة، توجب نعما غزيرة، فإذا قست القلوب ولم يقع لها عند الشدة انكسار ولا رجوع، كان النازل بلاء ونقمة وطردا وبعدا. فإن ما ينزل بالإنسان من التعرفات منها: ما يكون أدبا وكفارة، ومنها: زيادة وترقية، ومنها: ما يكون عقوبة وطردا، فإن صحبها التيقظ والتوبة، كان أدبا مما تقدم من سوء الأدب، وإن صحبه الرضى والتسليم، ولم يقع ما يوجب الأدب، كان ترقية وزيادة، وإن غضب وسخط كان طردا وبعدا. أعاذنا الله من موارد النقم. ثم احتج عليهم بوجه آخر، فقال: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم }.

الأنعام 6:43

يقول الحق جل جلاله: تخويفا لهذه الأمة: { ولقد أرسلنا إلى أمم } مضت { من قبلك } رسلا فأنذروهم، فكذبوا وكفروا { فأخذناهم بالبأساء } أي: الشدة، كالقحط والجوع، { والضراء } كالأمراض والموت والفتن، تخويفا لهم { لعلهم يتضرعون } أي: يتذللون ويتوبون من ذنوبهم، فلم يفعلوا، { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } أي: هلا تذللوا حين جاءهم البأس فنرحمهم، وفيه دليل على نفع التضرع حين الشدائد، { ولكن قست قلوبهم } أي: صلبت ولم تلن، { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } فصرفهم عن التضرع، أي: لا مانع لهم من التضرع إلا قساوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم. { فلما نسوا ما ذكروا به } أي: تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء، ولم ينزجروا، { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } من أنواع الرزق وضروب النعم، مراوحة عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، وامتحانا لهم بالشدة والرخاء، إلزاما للحجة وازاحة للعلة، أو مكرا بهم، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " مكر بالقوم ورب الكعبة " { حتى إذا فرحوا } أي: أعجبوا { بما أوتوا } من النعم، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه، { أخذناهم بغتة } أي: فجأة { فإذا هم مبسلون } متحيرون آيسون من كل خير، { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أي: قطع آخرهم، ولم يبق منهم أحد، وهي عبارة عن الاستئصال بالكلية، { والحمد لله رب العالمين } على إهلاكهم، فإن إهلاك الكفار والعصاة نعم جليلة، يحق أن يحمد عليها من حيث إنه خلاص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: المقصود من إظهار النقم الظاهرة ما يؤول الأمر إليه من النعم الباطنة، فإن الأشياء كامنة في أضدادها، النعمة في النقمة، والرخاء في الشدة، والعز في الذل، والجمال في الجلال، إن وقع الرجوع إلى الله والانكسار والتذلل. " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". فانكسار القلوب إلى علام الغيوب عبادة كبيرة، توجب نعما غزيرة، فإذا قست القلوب ولم يقع لها عند الشدة انكسار ولا رجوع، كان النازل بلاء ونقمة وطردا وبعدا. فإن ما ينزل بالإنسان من التعرفات منها: ما يكون أدبا وكفارة، ومنها: زيادة وترقية، ومنها: ما يكون عقوبة وطردا، فإن صحبها التيقظ والتوبة، كان أدبا مما تقدم من سوء الأدب، وإن صحبه الرضى والتسليم، ولم يقع ما يوجب الأدب، كان ترقية وزيادة، وإن غضب وسخط كان طردا وبعدا. أعاذنا الله من موارد النقم. ثم احتج عليهم بوجه آخر، فقال: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم }.

الأنعام 6:44

يقول الحق جل جلاله: تخويفا لهذه الأمة: { ولقد أرسلنا إلى أمم } مضت { من قبلك } رسلا فأنذروهم، فكذبوا وكفروا { فأخذناهم بالبأساء } أي: الشدة، كالقحط والجوع، { والضراء } كالأمراض والموت والفتن، تخويفا لهم { لعلهم يتضرعون } أي: يتذللون ويتوبون من ذنوبهم، فلم يفعلوا، { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } أي: هلا تذللوا حين جاءهم البأس فنرحمهم، وفيه دليل على نفع التضرع حين الشدائد، { ولكن قست قلوبهم } أي: صلبت ولم تلن، { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } فصرفهم عن التضرع، أي: لا مانع لهم من التضرع إلا قساوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم. { فلما نسوا ما ذكروا به } أي: تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء، ولم ينزجروا، { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } من أنواع الرزق وضروب النعم، مراوحة عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، وامتحانا لهم بالشدة والرخاء، إلزاما للحجة وازاحة للعلة، أو مكرا بهم، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " مكر بالقوم ورب الكعبة " { حتى إذا فرحوا } أي: أعجبوا { بما أوتوا } من النعم، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه، { أخذناهم بغتة } أي: فجأة { فإذا هم مبسلون } متحيرون آيسون من كل خير، { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أي: قطع آخرهم، ولم يبق منهم أحد، وهي عبارة عن الاستئصال بالكلية، { والحمد لله رب العالمين } على إهلاكهم، فإن إهلاك الكفار والعصاة نعم جليلة، يحق أن يحمد عليها من حيث إنه خلاص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: المقصود من إظهار النقم الظاهرة ما يؤول الأمر إليه من النعم الباطنة، فإن الأشياء كامنة في أضدادها، النعمة في النقمة، والرخاء في الشدة، والعز في الذل، والجمال في الجلال، إن وقع الرجوع إلى الله والانكسار والتذلل. " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". فانكسار القلوب إلى علام الغيوب عبادة كبيرة، توجب نعما غزيرة، فإذا قست القلوب ولم يقع لها عند الشدة انكسار ولا رجوع، كان النازل بلاء ونقمة وطردا وبعدا. فإن ما ينزل بالإنسان من التعرفات منها: ما يكون أدبا وكفارة، ومنها: زيادة وترقية، ومنها: ما يكون عقوبة وطردا، فإن صحبها التيقظ والتوبة، كان أدبا مما تقدم من سوء الأدب، وإن صحبه الرضى والتسليم، ولم يقع ما يوجب الأدب، كان ترقية وزيادة، وإن غضب وسخط كان طردا وبعدا. أعاذنا الله من موارد النقم. ثم احتج عليهم بوجه آخر، فقال: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم }.

الأنعام 6:45

يقول الحق جل جلاله: تخويفا لهذه الأمة: { ولقد أرسلنا إلى أمم } مضت { من قبلك } رسلا فأنذروهم، فكذبوا وكفروا { فأخذناهم بالبأساء } أي: الشدة، كالقحط والجوع، { والضراء } كالأمراض والموت والفتن، تخويفا لهم { لعلهم يتضرعون } أي: يتذللون ويتوبون من ذنوبهم، فلم يفعلوا، { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } أي: هلا تذللوا حين جاءهم البأس فنرحمهم، وفيه دليل على نفع التضرع حين الشدائد، { ولكن قست قلوبهم } أي: صلبت ولم تلن، { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } فصرفهم عن التضرع، أي: لا مانع لهم من التضرع إلا قساوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم. { فلما نسوا ما ذكروا به } أي: تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء، ولم ينزجروا، { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } من أنواع الرزق وضروب النعم، مراوحة عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، وامتحانا لهم بالشدة والرخاء، إلزاما للحجة وازاحة للعلة، أو مكرا بهم، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " مكر بالقوم ورب الكعبة " { حتى إذا فرحوا } أي: أعجبوا { بما أوتوا } من النعم، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه، { أخذناهم بغتة } أي: فجأة { فإذا هم مبسلون } متحيرون آيسون من كل خير، { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أي: قطع آخرهم، ولم يبق منهم أحد، وهي عبارة عن الاستئصال بالكلية، { والحمد لله رب العالمين } على إهلاكهم، فإن إهلاك الكفار والعصاة نعم جليلة، يحق أن يحمد عليها من حيث إنه خلاص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: المقصود من إظهار النقم الظاهرة ما يؤول الأمر إليه من النعم الباطنة، فإن الأشياء كامنة في أضدادها، النعمة في النقمة، والرخاء في الشدة، والعز في الذل، والجمال في الجلال، إن وقع الرجوع إلى الله والانكسار والتذلل. " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". فانكسار القلوب إلى علام الغيوب عبادة كبيرة، توجب نعما غزيرة، فإذا قست القلوب ولم يقع لها عند الشدة انكسار ولا رجوع، كان النازل بلاء ونقمة وطردا وبعدا. فإن ما ينزل بالإنسان من التعرفات منها: ما يكون أدبا وكفارة، ومنها: زيادة وترقية، ومنها: ما يكون عقوبة وطردا، فإن صحبها التيقظ والتوبة، كان أدبا مما تقدم من سوء الأدب، وإن صحبه الرضى والتسليم، ولم يقع ما يوجب الأدب، كان ترقية وزيادة، وإن غضب وسخط كان طردا وبعدا. أعاذنا الله من موارد النقم. ثم احتج عليهم بوجه آخر، فقال: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم }.

الأنعام 6:46

يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم أيضا: { أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } أي: أصمكم وأعماكم، { وختم على قلوبكم } بأن غطى عليها بما يزول به عقلكم وفهمكم، { من إله غير الله يأتيكم به } أي: بذلك المأخوذ. { انظر كيف نصرف الآيات } أي: نكررها على جهات مختلفة، كتصريف الرياح، تارة من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنيبة والتذكير بأحوال المتقدمين، { ثم هم يصدفون } أي: يعرضون عنها ولم يلتفتوا إليها، و { ثم }: لاستبعاد الإعراض بعد تصريف الآيات وظهورها. و { قل } لهم أيضا: { أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة } من غير مقدمة { أو جهرة } بتقديمها، فالبغتة: ما لم يتقدم لهم به شعور، والجهرة: ما قدمت لهم مخايله، وقيل: بغتة بالليل، وجهرة بالنهار، { هل يهلك } أي: ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب، { إلا القوم الظالمون } بالكفر والمعاصي. الإشارة: إنما خلق الأسماع والأبصار، لسماع الوعظ والتذكار، ولنظرة التفكر والاعتبار، فمن صرفهما في ذلك فقد شكر نعمتهما، ومن صرفهما في غير ذلك فقد كفر نعمتهما، ومن كفر نعمتهما يوشك أن تؤخذ منه تلك النعمة، وكذلك نور العقل، ما جعله الله في العبد إلا ليعرفه به، ويعرف دلائل توحيده، ويتبصر به في أمره. فإذا صرفه في تدبير هواه وشهواته فقد كفر نعمته، فيوشك أيضا أن يؤخذ منه. وإذا أنعم الله عليه باستعمال هذه الحواس فيما خلقت لأجله فليكن على حذر من أخذ ذلك منه أيضا، فلا يأمن مكر الله، فإن الأسماع والأبصار والقلوب بيد الله، يقلبها كيف شاء، فإن أخذها لن يقدر على ردها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، والعذاب الذي يأتي بغتة، هو السلب بغتة، أي: فقد القلب في مرة واحدة، والذي يأتي جهرة هو فقده شيئا فشيئا، وسبب هذا الهلاك: هو ظلم العبد لنفسه، إما بسوء أدب مع الله، أو نقض عهد الشيوخ العارفين بالله. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم رغب في الإيمان بالرسل، وحذر من الكفر بهم، فقال: { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين }.

الأنعام 6:47

يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم أيضا: { أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } أي: أصمكم وأعماكم، { وختم على قلوبكم } بأن غطى عليها بما يزول به عقلكم وفهمكم، { من إله غير الله يأتيكم به } أي: بذلك المأخوذ. { انظر كيف نصرف الآيات } أي: نكررها على جهات مختلفة، كتصريف الرياح، تارة من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنيبة والتذكير بأحوال المتقدمين، { ثم هم يصدفون } أي: يعرضون عنها ولم يلتفتوا إليها، و { ثم }: لاستبعاد الإعراض بعد تصريف الآيات وظهورها. و { قل } لهم أيضا: { أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة } من غير مقدمة { أو جهرة } بتقديمها، فالبغتة: ما لم يتقدم لهم به شعور، والجهرة: ما قدمت لهم مخايله، وقيل: بغتة بالليل، وجهرة بالنهار، { هل يهلك } أي: ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب، { إلا القوم الظالمون } بالكفر والمعاصي. الإشارة: إنما خلق الأسماع والأبصار، لسماع الوعظ والتذكار، ولنظرة التفكر والاعتبار، فمن صرفهما في ذلك فقد شكر نعمتهما، ومن صرفهما في غير ذلك فقد كفر نعمتهما، ومن كفر نعمتهما يوشك أن تؤخذ منه تلك النعمة، وكذلك نور العقل، ما جعله الله في العبد إلا ليعرفه به، ويعرف دلائل توحيده، ويتبصر به في أمره. فإذا صرفه في تدبير هواه وشهواته فقد كفر نعمته، فيوشك أيضا أن يؤخذ منه. وإذا أنعم الله عليه باستعمال هذه الحواس فيما خلقت لأجله فليكن على حذر من أخذ ذلك منه أيضا، فلا يأمن مكر الله، فإن الأسماع والأبصار والقلوب بيد الله، يقلبها كيف شاء، فإن أخذها لن يقدر على ردها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، والعذاب الذي يأتي بغتة، هو السلب بغتة، أي: فقد القلب في مرة واحدة، والذي يأتي جهرة هو فقده شيئا فشيئا، وسبب هذا الهلاك: هو ظلم العبد لنفسه، إما بسوء أدب مع الله، أو نقض عهد الشيوخ العارفين بالله. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم رغب في الإيمان بالرسل، وحذر من الكفر بهم، فقال: { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين }.

الأنعام 6:48

يقول الحق جل جلاله: { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين } للمؤمنين بالنعيم المقيم، { ومنذرين } للكفار بالعذاب الأليم، ولم نرسلهم ليقترح عليهم ويتلهى بهم، { فمن آمن } بهم، { وأصلح } ما يجب إصلاحه على ما شرع لهم، { فلا خوف عليهم } من العذاب، { ولا هم يحزنون } لفوات الثواب، { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا يمسهم العذاب } أي: يلحقهم، جعل العذاب ماسا لهم كأنه الطالب للوصول إليهم، واستغنى بتعريفه عن توصيفه. وذلك المس { بما كانوا يفسقون } أي: بسبب خروجهم عن التصديق والطاعة. الإشارة: ما من زمان إلا ويبعث الله أولياء عارفين، مبشرين لمن أطاعهم واتبعهم بطلعة أنوار الحضرة على أسرارهم، ومنذرين لمن خالفهم بظهور ظلمة الكون على قلوبهم وانطباع الأكوان في أسرارهم، فمن آمن بهم وصحبهم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بدليل قوله: ألآ إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس:62]، ومن كذب بهم وبما يظهر على أيديهم من أسرار المعارف يمسهم عذاب القطيعة، بما كانوا يفسقون، أي: بخروجهم على طاعتهم والإذعان إليهم. وليس من شرط الداعين إلى الله ظهور المعجزات أو الكرامات، كما قال تعالى: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله }.

الأنعام 6:49

يقول الحق جل جلاله: { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين } للمؤمنين بالنعيم المقيم، { ومنذرين } للكفار بالعذاب الأليم، ولم نرسلهم ليقترح عليهم ويتلهى بهم، { فمن آمن } بهم، { وأصلح } ما يجب إصلاحه على ما شرع لهم، { فلا خوف عليهم } من العذاب، { ولا هم يحزنون } لفوات الثواب، { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا يمسهم العذاب } أي: يلحقهم، جعل العذاب ماسا لهم كأنه الطالب للوصول إليهم، واستغنى بتعريفه عن توصيفه. وذلك المس { بما كانوا يفسقون } أي: بسبب خروجهم عن التصديق والطاعة. الإشارة: ما من زمان إلا ويبعث الله أولياء عارفين، مبشرين لمن أطاعهم واتبعهم بطلعة أنوار الحضرة على أسرارهم، ومنذرين لمن خالفهم بظهور ظلمة الكون على قلوبهم وانطباع الأكوان في أسرارهم، فمن آمن بهم وصحبهم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بدليل قوله: ألآ إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس:62]، ومن كذب بهم وبما يظهر على أيديهم من أسرار المعارف يمسهم عذاب القطيعة، بما كانوا يفسقون، أي: بخروجهم على طاعتهم والإذعان إليهم. وليس من شرط الداعين إلى الله ظهور المعجزات أو الكرامات، كما قال تعالى: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله }.

الأنعام 6:50

يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: أنا { لا أقول لكم عندي خزائن الله } فآتيكم منها بكل ما تقترحون علي من المعجزات، بل خزائن مقدوراته تعالى في علم غيبه، ليس لي منها إلا ما يظهره منها بقدرته، { ولا أعلم الغيب } حتى أخبركم بالمغيبات، بل مفاتيح الغيب عنده، لا يعلمها إلا هو، إلا ما يوحى إلي منها، { ولا أقول لكم إني ملك } فأستغنى عن الطعام والشراب، أو أقدر على ما يقدر عليه الملك، إن أنا إلا بشر أوحى إلي أن أنذركم، فأتبع ما يوحى إلي وأتبرأ من دعوى الألوهية والملكية، وأدعي النبوة التي هي من كمالات البشر. { قل } لهم: { هل يستوى الأعمى } الذي هو ضال جاهل، { والبصير } الذي هو مهتد عالم، أو: هل يستوي مدعي المستحيل كالألوهية والملكية ومدعي الحق، كالنبوة والرسالة، { أفلا تتفكرون } فتميزوا بين ادعاء الحق والباطل، فتهتدوا إلى اتباع الحق وتجنب الباطل. الإشارة: ما قالته الرسل للكفار حين اقترحوا عليهم المعجزات، تقوله الأولياء لأهل الإنكار، حيث يطلبون منهم الكرامات، وتقول لهم: إن نتبع إلا ما أمرنا به ربنا وسنه لنا رسولنا، فمن اهتدى وتبصر فلنفسه، ومن عمى فعليها. وقال الورتجبي بعد قوله : { ولا أقول لكم إني مالك }: تواضع صلى الله عليه وسلم حين أقام نفسه مقام الإنسانية، بعد أن كان أشرف خلق الله من العرش إلى الثرى، وأظهر من الكروبيين والروحانيين على باب الله سبحانه، خضوعا لجبروته، وخنوعا في أنوار ملكوته، بقوله: { ولا أقول لكم إني ملك } ، وليس لي اختيار في نبوتي، { إن اتبع إلا ما يوحى إلي }. هل يكون من هذا وصفه، بعد كونه بصيرا بنور الله، ورأفته به، كالذي عمي عن رؤية إحاطته بكل ذرة من العرش إلى الثرى؟ أفلا تتفكرون أن من ولد من العدم بصيرا بنور القدم، ليس كمن ولد من العدم أعمى عن رؤية عظمته وجلاله. انتهى كلامه. ثم أمره بالإنذار لمن ينتفع به، فقال: { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا }.

الأنعام 6:51

قلت: الضمير في { به }: يعود على { ما يوحى } وجملة { ليس }: حال من ضمير { يحشروا }. يقول الحق جل جلاله: { وأنذر } أي: خوف بما أوحي إليك، المؤمنين المقصرين في العمل { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } بالبعث للحساب، حال كونهم في ذلك الوقت { ليس لهم من دونه ولي } ينصرهم من عذابه، { ولا شفيع } يرده عنهم بشفاعته، { لعلهم يتقون } أي: كي يصيروا بإنذارك متقين، وإنما خص الإنذار هنا بالذين يخافون لأنه تقدم في الكلام ما يقتضى اليأس من إيمان غيرهم، فكأنه يقول: أنذر الخائفين لأنه ينفعهم الإنذار، وأعرض عمن تقدم ذكرهم من الذين لا يسمعون ولا يعقلون، أو: أنذر من يتوقع البعث والحساب، أو يتردد فيه مؤمنا أو كافرا. قاله البيضاوي. الإشارة: لا ينفع الوعظ والتذكير إلا من سبق له الخوف من الملك القدير إذ هو الذي ينهضه الخوف المزعج أو الشوق المقلق، وأما من سودت قلبه الخطايا، وانطبعت في مرآته صور الأشياء، فلا ينفع فيه زاجر ولا واعظ، بل ران على قلبه ما اقترفه من المآثم، والعياذ بالله. ثم أمره بالدنو ممن ينفعه التذكير، ونهاه عن ضده، فقال: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم }.

الأنعام 6:52

قلت: { فتطردهم }: جواب النفي، و { فتكون }: جواب النهي، أي: ولا تطرد فتكون من الظالمين، فليس عليك من حسابهم شيء فتطردهم. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام ، حين طلب منه صناديد قريش أن يطرد عنه ضعفاء المسلمين ليجالسوه، فهم بذلك طمعا في إسلامهم، فنزلت: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } أي: يعبدونه بالذكر وغيره، أو يدعونه بالتضرع والابتهال، { بالغداة والعشي } أي: على الدوام. وخص الوقتين بالذكر لشرفهما. وفي الخبر: " يا ابن آدم، اذكرني أول النهار وآخره، أكفك ما بينهما " وقيل: صلاة الصبح والعصر، وقيل: الصلاة بمكة قبل فرض الخمس. قال البيضاوي: بعد ما أمره بإنذار غير المتقين ليتقوا أي: على التفسير الثاني في الآية المتقدمة أمره بإكرام المتقين وتقريبهم، وألا يطردهم، ترضية لقريش، روي أنهم قالوا: لو طردت هؤلاء الأعبد يعنون فقراء المسلمين، كعمار وصهيب وخباب وبلال وسلمان جلسنا إليك، فقال: " ما أنا بطارد المؤمنين " قالوا: فأقمهم عنا، قال: " نعم " [ روي أن عمر قال له: لو فعلت حتى تنظر إلى ما يصيرون؟] قالوا: فاكتب بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة وبعلي ليكتب، فنزلت. ه. وفي ذكر سلمان معهم نظر لتأخر إسلامه بالمدينة. ثم وصفهم بالإخلاص فقال: { يريدون وجهه } أي: يدعونه مخلصين طالبين النظر لوجهه، وفيه تنبيه على أن الإخلاص شرط في الأعمال، ورتب النهي عليه إشعارا بأنه يقتضي إكرامهم، وينافي إبعادهم، ثم علل عدم طردهم فقال: { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم } أي: أنت لا تحاسب عنهم، وهم لا يحاسبون عنك، فلأي شيء تطردهم؟ وقيل: الضمير: للكفار، أي: أنت لا تحاسب عنهم، وهم لا يحاسبون عنك، فلا تهتم بأمرهم، حتى تطرد هؤلاء من أجلهم، { فتكون من الظالمين } بطردهم، لكنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل، فلا ظلم يلحقه في ذلك لسابق العناية والعصمة. { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } أي: ومثل ذلك الاختبار، وهو اختلاف أحوال الناس في أمر الدنيا، { فتنا بعضهم ببعض } أي: ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين، فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش بالسبق إلى الإيمان { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } أي: أهؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق دوننا، ونحن الأكابر والرؤساء، وهم المساكين والضعفاء، فنحن أحق منهم به إن كان حقا، وهذا إنكار منهم لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير، كقولهم لو كان خيرا ما سبقونآ [الأحقاف:11]. واللام في { ليقولوا }: للعاقبة. قال تعالى في الرد عليهم: { أليس الله بأعلم بالشاكرين } أي: بمن يقع منهم الإيمان والشكر فيوفقهم، وبمن لا يقع منه فيخذله. وبالله التوفيق. الإشاره: في صحبة الفقراء خير كثير وسر كبير، وخصوصا أهل الصفاء والوفاء منهم، وفي ذلك يقول الشيخ أبو مدين رضي الله عنه: ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا هم السلاطين والسادات والأمرا فاصحبهمو وتأدب في مجالسهم وخل حظك مهما خلفوك ورا إلى آخر كلامه. فلا يحصل كمال التربية والتهذيب إلا بصحبتهم، ولا تصفوا المعاني إلا بمجالستهم والمذاكرة معهم، والمراد من دخل منهم بلاد المعاني، وحصل مقام الفناء في الذات، فالجلوس مع هؤلاء ساعة تعدل عبادة الثقلين سنين، ومن شأن شيوخ التربية: العطف على الفقراء والمساكين وتقريبهم، ولا يطردون أحدا منهم ولو عمل ما عمل، اقتداء بما أمر به نبيهم صلى الله عليه وسلم. بل شأنهم الإقبال على من أقبل إليهم، عصاة كانوا أو طائعين وإقبالهم على العصاة المذنبين أكثر، جبرا لكسرهم، وتألفا لهم، وسوقا لهم إلى الله بملاطفة الإحسان. وبالله التوفيق. ولما أمره بتقريب الضعفاء من المؤمنين، أمره بإكرامهم بالسلام والبشارة بغفران الآثام، فقال: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا }.

الأنعام 6:53

قلت: { فتطردهم }: جواب النفي، و { فتكون }: جواب النهي، أي: ولا تطرد فتكون من الظالمين، فليس عليك من حسابهم شيء فتطردهم. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام ، حين طلب منه صناديد قريش أن يطرد عنه ضعفاء المسلمين ليجالسوه، فهم بذلك طمعا في إسلامهم، فنزلت: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } أي: يعبدونه بالذكر وغيره، أو يدعونه بالتضرع والابتهال، { بالغداة والعشي } أي: على الدوام. وخص الوقتين بالذكر لشرفهما. وفي الخبر: " يا ابن آدم، اذكرني أول النهار وآخره، أكفك ما بينهما " وقيل: صلاة الصبح والعصر، وقيل: الصلاة بمكة قبل فرض الخمس. قال البيضاوي: بعد ما أمره بإنذار غير المتقين ليتقوا أي: على التفسير الثاني في الآية المتقدمة أمره بإكرام المتقين وتقريبهم، وألا يطردهم، ترضية لقريش، روي أنهم قالوا: لو طردت هؤلاء الأعبد يعنون فقراء المسلمين، كعمار وصهيب وخباب وبلال وسلمان جلسنا إليك، فقال: " ما أنا بطارد المؤمنين " قالوا: فأقمهم عنا، قال: " نعم " [ روي أن عمر قال له: لو فعلت حتى تنظر إلى ما يصيرون؟] قالوا: فاكتب بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة وبعلي ليكتب، فنزلت. ه. وفي ذكر سلمان معهم نظر لتأخر إسلامه بالمدينة. ثم وصفهم بالإخلاص فقال: { يريدون وجهه } أي: يدعونه مخلصين طالبين النظر لوجهه، وفيه تنبيه على أن الإخلاص شرط في الأعمال، ورتب النهي عليه إشعارا بأنه يقتضي إكرامهم، وينافي إبعادهم، ثم علل عدم طردهم فقال: { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم } أي: أنت لا تحاسب عنهم، وهم لا يحاسبون عنك، فلأي شيء تطردهم؟ وقيل: الضمير: للكفار، أي: أنت لا تحاسب عنهم، وهم لا يحاسبون عنك، فلا تهتم بأمرهم، حتى تطرد هؤلاء من أجلهم، { فتكون من الظالمين } بطردهم، لكنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل، فلا ظلم يلحقه في ذلك لسابق العناية والعصمة. { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } أي: ومثل ذلك الاختبار، وهو اختلاف أحوال الناس في أمر الدنيا، { فتنا بعضهم ببعض } أي: ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين، فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش بالسبق إلى الإيمان { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } أي: أهؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق دوننا، ونحن الأكابر والرؤساء، وهم المساكين والضعفاء، فنحن أحق منهم به إن كان حقا، وهذا إنكار منهم لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير، كقولهم لو كان خيرا ما سبقونآ [الأحقاف:11]. واللام في { ليقولوا }: للعاقبة. قال تعالى في الرد عليهم: { أليس الله بأعلم بالشاكرين } أي: بمن يقع منهم الإيمان والشكر فيوفقهم، وبمن لا يقع منه فيخذله. وبالله التوفيق. الإشاره: في صحبة الفقراء خير كثير وسر كبير، وخصوصا أهل الصفاء والوفاء منهم، وفي ذلك يقول الشيخ أبو مدين رضي الله عنه: ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا هم السلاطين والسادات والأمرا فاصحبهمو وتأدب في مجالسهم وخل حظك مهما خلفوك ورا إلى آخر كلامه. فلا يحصل كمال التربية والتهذيب إلا بصحبتهم، ولا تصفوا المعاني إلا بمجالستهم والمذاكرة معهم، والمراد من دخل منهم بلاد المعاني، وحصل مقام الفناء في الذات، فالجلوس مع هؤلاء ساعة تعدل عبادة الثقلين سنين، ومن شأن شيوخ التربية: العطف على الفقراء والمساكين وتقريبهم، ولا يطردون أحدا منهم ولو عمل ما عمل، اقتداء بما أمر به نبيهم صلى الله عليه وسلم. بل شأنهم الإقبال على من أقبل إليهم، عصاة كانوا أو طائعين وإقبالهم على العصاة المذنبين أكثر، جبرا لكسرهم، وتألفا لهم، وسوقا لهم إلى الله بملاطفة الإحسان. وبالله التوفيق. ولما أمره بتقريب الضعفاء من المؤمنين، أمره بإكرامهم بالسلام والبشارة بغفران الآثام، فقال: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا }.

الأنعام 6:54

قلت: من فتح { أنه } ، جعله بدلا من الرحمة، ومن كسره فعلى الاستئناف، و { بجهالة }: حال، ومن قرأ { فإنه } بالكسر بالجملة: جواب الشرط، ومن فتح فخبر عن مضمر، أي: فجزاؤه الغفران، أو مبتدأ فالغفران جزاؤه. يقول الحق جل جلاله: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا } وهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، خصهم بالإيمان بالقرآن، بعد ما وصفهم بالمواظبة على الطاعة والإحسان، فإذا أقبلوا إليك { فقل } لهم: { سلام عليكم } تحية مني عليكم، أو من الله أبلغه إليكم، { كتب ربكم على نفسه الرحمة } أي: حتمها عليه فضلا منه، وهي { أنه من عمل منكم سوءا } أي: ذنبا { بجهالة } أي: بسفاهة وقلة أدب، أو جاهلا بحقيقة ما يتبعه من المضار والمفاسد، { ثم تاب من بعده } أي: من بعد عمل السوء { وأصلح } بالتدارك والندم على ألا يعود إليه، { فأنه غفور } لذنبه، { رحيم } به بقبول توبته. قال البيضاوي: أمره أن يبدأ بالتسليم، أو يبلغ سلام الله ويبشرهم بسعة رحمته وفضله، بعد النهي عن طردهم إيذانا بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد، ويعز ولا يذل، ويبشر من الله بالسلامة في الدنيا وبالرحمة في الآخرة، وقيل: إن قوما جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوبا عظاما، فلم يرد عليهم، فانصرفوا، فنزلت. ه. قال القشيري: أحله محل الأكابر والسادات، فإن السلام من شأن الجائي إلا في صفة الأكابر، فإن الجائي والآتي يسكت لهيبة المأتي، حتى يبتدىء ذلك المقصود بالسؤال، فعند ذلك يجيب الآتي. ه. الإشارة: من شأن الأكابر من الأولياء، الداعين إلى الله، إكرام من أتى إليهم بحسن اللقاء وإظهار المسرة والبرور، وخصوصا أهل الانكسار فيؤنسونهم، ويوسعون رجاءهم، ويفرحونهم بما يسمعون منهم من سعة فضل الله وكرمه. كان الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه إذا دخل عليه أحد من أهل العصيان كأرباب الدولة والمخزن ، قام إليهم، وفرح بهم، وأقبل عليهم، وإذا أتى إليه أحد من العلماء أو الناسكين لم يعتن بشأنهم، فقيل له في ذلك، فقال: أهل العصيان يأتوننا فقراء منكسرين من أجل ذنوبهم، لا يرون لأنفسهم مرتبة، فأردت أن أجبر كسرهم، وهؤلاء أهل الطاعة يأتوننا أغنياء معتمدين على طاعتهم، فلا يحتاجون إلى ما عندنا، أو كلاما هذا معناه، ذكره في لطائف المنن. والله تعالى أعلم. ثم بين علة ما تقدم من النهي عن الطرد وغيره، فقال: { وكذلك نفصل الآيات }.

الأنعام 6:55

قلت: قرىء بتاء الخطاب، ونصب السبيل على أنه مفعول به، وقرىء بتاء التأنيث ورفع السبيل على أنه فاعل مؤنث، وبالياء والرفع على تذكير السبيل لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث. يقول الحق جل جلاله: { وكذلك نفصل الآيات } أي: ومثل ذلك التفصيل الواضح نفصل الآيات، أي: نشرح آيات القرآن ونوضحها في صفة المطيعين والمجرمين، والمصرين والأوابين، ليظهر الحق، ولتستوضح يا محمد { سبيل المجرمين } فتعاملهم بما يحق لهم من الإبعاد إن بعدوا، أو الإقبال إن أقبلوا. أو لتتبين طريقهم ويظهر فسادها ببيان طريق الحق. الإشارة: سبيل المؤمنين من أهل اليمين، هو التمسك بظاهر الشريعة المحمدية بامتثال الأمر واجتناب النهي، والمبادرة إلى التوبة، إن أخل بأحد الأمرين من غير تحر لما وراء ذلك، وسبيل المتوجهين من السائرين والواصلين: تصفية القلوب وتهيؤها لإشراق أسرار علم الغيوب بتخليتها من الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل لتتهيأ بذلك لطلوع شموس العرفان، والدخول في مقام الكشف والعيان، الذي هو مقام الإحسان، وما خرج عن هذين السبيلين فهو سبيل المجرمين: إما بالكفر، وإما بالإصرار على العصيان، والعياذ بالله. ثم نهى عن سلوك هذا السبيل أعني سبيل المجرمين فقال: { قل إني نهيت أن أعبد }.

الأنعام 6:56

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { إني نهيت } أي: نهاني ربي { أن أعبد الذين تدعون } أي: تعبدون { من دون الله } ، أو ما تدعونها آلهة أي: تسمونها بذلك، وتخضعون لها من دون الله، { قل } لهم: { لا أتبع أهواءكم } الفاسدة وعقائدكم الزائغة، { قد ضللت } عن الحق { إذا } أي: إذا اتبعت أهواءكم، { وما أنا من المهتدين } أي: ما أنا في شيء من الهدى حتى أكون من عدادهم إن اتبعت أهواءكم، وفيه تعريض بهم، وأنهم ضالون حائدون عن طريق الهدى، ليسوا على شيء منها. { قل إني على بينة } أي: طريق واضحة { من ربي } توصلني إلى تحقيق معرفته، واستجلاب رضوانه، أنا ومن اتبعني، { و } أنتم { كذبتم به } أي: بربي حيث أشركتم به وعبدتم غيره، أو كذبتم بطريقه حيث أعرضتم عنها، واستعجلتم عقابه في الدنيا، { ما عندي ما تستعجلون به } من العذاب أو المعجزات، { إن الحكم إلا لله } في تعجيل العذاب وتأخيره، أو في إظهار الآيات وعدم إظهارها، { يقص } القصص { الحق } وهو القرآن، أي: ينزله علي لأنذركم به، أو يقضي القضاء الحق من تعجيل ما يعجل وتأخير ما يؤخر، فيحكم بيني وبينكم إن شاء، { وهو خير الفاصلين } أي: القاضين. { قل لو أن عندي } أي: في قدرتي وطوقي { ما تستعجلون به } من العذاب { لقضي الأمر بيني وبينكم } أي: لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي، وانقطع ما بيني وبينكم، ولكن الأمر بيد خالقكم الذي هو عالم بأحوالكم، { والله أعلم بالظالمين } أي: عالم بما ينبغي أن يؤخذ عاجلا، وبمن ينبغي أن يمهل، فمفاتح الغيب كلها عنده، كما سيذكره. الإشارة: قل، أيها العارف، المتوجه إلى الله، المنقطع كليته إلى مولاه، الغائب عن كل ما سواه: إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله من حب الدنيا، ومن الرياسة والجاه. قل: لا أتبع أهواءكم لأني قد اجتمعت أهوائي في محبوب واحد، حين وصلت إلى حضرته، وتنعمت بشهود طلعته، فانحصرت محبتي في محبوب واحد، وفي ذلك يقول القائل: كانت لقلبي أهواء مفرقة فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي تركت للناس دنياهم ودينهم شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي وقال آخر: تركت للناس، ما تهوى نفوسهم من حب دنيا ومن عز ومن جاه كذاك ترك المقامات هنا وهنا والقصد غيبتنا عما سوى الله { قل إني على بينة من ربي } أي: بصيرة نافذة في مشاهدة أسرار ربي، فقد كذبتم بخصوصيتي، وطلبتم دلائل ولايتي، ما عندي ما تستعجلون به من الكرامات، { إن الحكم إلا لله } ، يقضي القضاء الحق، فيظهر ما يشاء، ويخفي من يشاء، { وهو خير الفاصلين } أي: الحاكمين بين عبادة، قل لو أن عندي ما تستعجلون به من نفوذ دعوتي في إظهار كرامتي، لقضي الأمر بيني وبينكم، والله أعلم بالمكذبين بأوليائه. ثم قال تعالى: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو }.

الأنعام 6:57

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { إني نهيت } أي: نهاني ربي { أن أعبد الذين تدعون } أي: تعبدون { من دون الله } ، أو ما تدعونها آلهة أي: تسمونها بذلك، وتخضعون لها من دون الله، { قل } لهم: { لا أتبع أهواءكم } الفاسدة وعقائدكم الزائغة، { قد ضللت } عن الحق { إذا } أي: إذا اتبعت أهواءكم، { وما أنا من المهتدين } أي: ما أنا في شيء من الهدى حتى أكون من عدادهم إن اتبعت أهواءكم، وفيه تعريض بهم، وأنهم ضالون حائدون عن طريق الهدى، ليسوا على شيء منها. { قل إني على بينة } أي: طريق واضحة { من ربي } توصلني إلى تحقيق معرفته، واستجلاب رضوانه، أنا ومن اتبعني، { و } أنتم { كذبتم به } أي: بربي حيث أشركتم به وعبدتم غيره، أو كذبتم بطريقه حيث أعرضتم عنها، واستعجلتم عقابه في الدنيا، { ما عندي ما تستعجلون به } من العذاب أو المعجزات، { إن الحكم إلا لله } في تعجيل العذاب وتأخيره، أو في إظهار الآيات وعدم إظهارها، { يقص } القصص { الحق } وهو القرآن، أي: ينزله علي لأنذركم به، أو يقضي القضاء الحق من تعجيل ما يعجل وتأخير ما يؤخر، فيحكم بيني وبينكم إن شاء، { وهو خير الفاصلين } أي: القاضين. { قل لو أن عندي } أي: في قدرتي وطوقي { ما تستعجلون به } من العذاب { لقضي الأمر بيني وبينكم } أي: لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي، وانقطع ما بيني وبينكم، ولكن الأمر بيد خالقكم الذي هو عالم بأحوالكم، { والله أعلم بالظالمين } أي: عالم بما ينبغي أن يؤخذ عاجلا، وبمن ينبغي أن يمهل، فمفاتح الغيب كلها عنده، كما سيذكره. الإشارة: قل، أيها العارف، المتوجه إلى الله، المنقطع كليته إلى مولاه، الغائب عن كل ما سواه: إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله من حب الدنيا، ومن الرياسة والجاه. قل: لا أتبع أهواءكم لأني قد اجتمعت أهوائي في محبوب واحد، حين وصلت إلى حضرته، وتنعمت بشهود طلعته، فانحصرت محبتي في محبوب واحد، وفي ذلك يقول القائل: كانت لقلبي أهواء مفرقة فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي تركت للناس دنياهم ودينهم شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي وقال آخر: تركت للناس، ما تهوى نفوسهم من حب دنيا ومن عز ومن جاه كذاك ترك المقامات هنا وهنا والقصد غيبتنا عما سوى الله { قل إني على بينة من ربي } أي: بصيرة نافذة في مشاهدة أسرار ربي، فقد كذبتم بخصوصيتي، وطلبتم دلائل ولايتي، ما عندي ما تستعجلون به من الكرامات، { إن الحكم إلا لله } ، يقضي القضاء الحق، فيظهر ما يشاء، ويخفي من يشاء، { وهو خير الفاصلين } أي: الحاكمين بين عبادة، قل لو أن عندي ما تستعجلون به من نفوذ دعوتي في إظهار كرامتي، لقضي الأمر بيني وبينكم، والله أعلم بالمكذبين بأوليائه. ثم قال تعالى: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو }.

الأنعام 6:58

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { إني نهيت } أي: نهاني ربي { أن أعبد الذين تدعون } أي: تعبدون { من دون الله } ، أو ما تدعونها آلهة أي: تسمونها بذلك، وتخضعون لها من دون الله، { قل } لهم: { لا أتبع أهواءكم } الفاسدة وعقائدكم الزائغة، { قد ضللت } عن الحق { إذا } أي: إذا اتبعت أهواءكم، { وما أنا من المهتدين } أي: ما أنا في شيء من الهدى حتى أكون من عدادهم إن اتبعت أهواءكم، وفيه تعريض بهم، وأنهم ضالون حائدون عن طريق الهدى، ليسوا على شيء منها. { قل إني على بينة } أي: طريق واضحة { من ربي } توصلني إلى تحقيق معرفته، واستجلاب رضوانه، أنا ومن اتبعني، { و } أنتم { كذبتم به } أي: بربي حيث أشركتم به وعبدتم غيره، أو كذبتم بطريقه حيث أعرضتم عنها، واستعجلتم عقابه في الدنيا، { ما عندي ما تستعجلون به } من العذاب أو المعجزات، { إن الحكم إلا لله } في تعجيل العذاب وتأخيره، أو في إظهار الآيات وعدم إظهارها، { يقص } القصص { الحق } وهو القرآن، أي: ينزله علي لأنذركم به، أو يقضي القضاء الحق من تعجيل ما يعجل وتأخير ما يؤخر، فيحكم بيني وبينكم إن شاء، { وهو خير الفاصلين } أي: القاضين. { قل لو أن عندي } أي: في قدرتي وطوقي { ما تستعجلون به } من العذاب { لقضي الأمر بيني وبينكم } أي: لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي، وانقطع ما بيني وبينكم، ولكن الأمر بيد خالقكم الذي هو عالم بأحوالكم، { والله أعلم بالظالمين } أي: عالم بما ينبغي أن يؤخذ عاجلا، وبمن ينبغي أن يمهل، فمفاتح الغيب كلها عنده، كما سيذكره. الإشارة: قل، أيها العارف، المتوجه إلى الله، المنقطع كليته إلى مولاه، الغائب عن كل ما سواه: إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله من حب الدنيا، ومن الرياسة والجاه. قل: لا أتبع أهواءكم لأني قد اجتمعت أهوائي في محبوب واحد، حين وصلت إلى حضرته، وتنعمت بشهود طلعته، فانحصرت محبتي في محبوب واحد، وفي ذلك يقول القائل: كانت لقلبي أهواء مفرقة فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي تركت للناس دنياهم ودينهم شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي وقال آخر: تركت للناس، ما تهوى نفوسهم من حب دنيا ومن عز ومن جاه كذاك ترك المقامات هنا وهنا والقصد غيبتنا عما سوى الله { قل إني على بينة من ربي } أي: بصيرة نافذة في مشاهدة أسرار ربي، فقد كذبتم بخصوصيتي، وطلبتم دلائل ولايتي، ما عندي ما تستعجلون به من الكرامات، { إن الحكم إلا لله } ، يقضي القضاء الحق، فيظهر ما يشاء، ويخفي من يشاء، { وهو خير الفاصلين } أي: الحاكمين بين عبادة، قل لو أن عندي ما تستعجلون به من نفوذ دعوتي في إظهار كرامتي، لقضي الأمر بيني وبينكم، والله أعلم بالمكذبين بأوليائه. ثم قال تعالى: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو }.

الأنعام 6:59

قلت: { مفاتح }: جمع مفتح بكسر الميم مقصور، من مفتاح، وهو آلة الفتح، وهو مستعار لما يتوصل به إلى الغيوب، أو يفتحها، وهو المخزن. يقول الحق جل جلاله: { وعنده مفاتح الغيب } أي: علم المغيبات، لا يعلمها غيره، إلا من ارتضى من خلقه، أو: عنده خزائن علم الغيوب لا يعلمها غيره، والمراد بها الخمسة التي ذكرها الحق تعالى في سورة لقمان: إن الله عنده علم الساعة [لقمان:34] الآية لأنها تعم جميع الأشياء، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله، فقد اختص سبحانه بعلم المغيبات { لا يعلمها إلا هو } فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم، فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته، وفيه دليل على أن الله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها، وهو أمر ضروري. { ويعلم ما في البر والبحر } من عجائب المصنوعات وضروب المخلوقات على اختلاف أجناسها وأنواعها، حيها وجامدها، فيعلم عددها وصفتها وأماكنها، { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } كيف تسقط، على ظهرها أو بطنها، وما يصل منها إلى الأرض وما يتعلق في الهواء، وهو مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات، كما تعلق بالكليات، { ولا حبة في ظلمات الأرض } من حبوب الثمار وبذور سائر النبات، والرمل، وغير ذلك من دقائق الأشياء وجلائلها، { ولا رطب ولا يابس } من الأشجار والنبات والحيوانات التي فيها الحياة والتي فارقتها، فهي من جنس اليابس، { إلا في كتاب مبين } أي: علم الله القديم، أو اللوح المحفوظ، فعلى الأول، يكون بدلا من الاستثناء الأول، بدل الكل من الكل، وعلى الثاني: بدل اشتمال. وقرئت بالرفع، على العطف على محل: { من ورقة } ، أو على الابتداء، والخبر: { في كتاب مبين }. الإشارة: مفاتح الغيب هي أسرار الذات وأنوار الصفات، أو أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، لا يعلمها إلا هو، فما دام العبد محجوبا بوجود نفسه، محصورا في هيكل ذاته، لا يذوق شيئا من هذه الغيوب، فإذا أراد الحق جل جلاله أن يفتح على عبده شيئا من هذه الغيوب، غطى وصف عبده بوصفه، ونعته بنعته، فغيبه عن وجود نفسه، فصار هو سمعه وبصره وقلبه وروحه، فيعلم تلك الأسرار به، لا بنفسه، فما علم تلك الأسرار غيره، ويحيط بأسرار الأشياء كلها، برها وبحرها لأنه يصير خليفة الله في أرضه. وقال الورتجبي: غيبه ذاته القدسية، وهي خزانة أسرار الأزل والأباد، ومفاتحها: صفاتها الأزلية، لا يعلم صفاته وذاته بالحقيقة إلا هو تعالى بنفسه، فنفى الغير عن البين، حيث لا حيث ولا بين. انظر تمامه فيه. ومن جملة الغيوب التي إختص الله بها: انقضاء الأجل كما أشار إلى ذلك بفقوله: { وهو الذي يتوفاكم بالليل }.

الأنعام 6:60

يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي يتوفاكم } أي: يقبض أرواحكم { بالليل } إذ نمتم، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروي، { ويعلم ما جرحتم } أي: ما كسبتم من الأعمال { بالنهار } ، وخص الليل بالنوم والنهار بالكسب جريا على المعتاد، { ثم إذا } توفاكم بالليل { يبعثكم فيه } أي: في النهار، { ليقضى أجل مسمى } أي: ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا، وهو أجل الموت، { ثم إليه مرجعكم } بالموت { ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } فيعاتب المسيء ويكرم المحسن. روي: أن العبد إذا قبض عرجت الملائكة بروحه إلى سدرة المنتهى، فيوقف به هناك، فيعاتبه الحق تعالى على ما فرط منه حتى يرفض عرقا، ثم يقول له: قد غفرت لك، اذهبوا به ليرى مقعده في الجنة، ثم يرد إلى السؤال. { وهو القاهر فوق عباده } بالقهر والغلبة، { ويرسل عليكم حفظة } ملائكة تحفظ أعمالكم، وهم الكرام الكاتبون، والحكمة فيه: أن العبد إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد، كان أزجر له عن المعاصي، ثم لا تزال الملائكة تكتب عليه أعماله { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } أي: ملك الموت وأعوانه، { وهم لا يفرطون } بالتواني التأخير، ولا يجاوزون ما حد لهم بالتقديم والتأخير. { ثم ردوا إلى الله } أي: إلى حكمه وجزائه، أو مشاهدته وقربه، { مولاهم } الذي يتولى أمرهم، { الحق } أي: المتحقق وجوده، وما سواه باطل، { ألا له الحكم } يومئذ، لا حكم لغيره فيه، { وهو أسرع الحاسبين } يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة، لا يشغله حساب عن حساب، ولا شأن عن شأن، سبحانه لا إله إلا هو. الإشارة: وهو الذي يتوفاكم، أي: يخلصكم بليل القبض، ويعلم ما كسبتم في نهار البسط، ثم يبعثكم من ليل القبض إلى نهار البسط، وهكذا ليقضى أجل مسمى للإقامة فيهما، ثم إليه مرجعكم بالخروج عنهما لتكونوا لله لا شيء دونه، وفي الحكم: " بسطك كي لا يبقيك مع القبض، وقبضك كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما، كي لا تكون لشيء دونه ". وقال فارس رضي الله عنه: القبض أولا ثم البسط، ثم لا قبض ولا بسط لأن القبض والبسط يقعان في الوجود أي في وجود النفس، وأما مع الفناء والبقاء فلا. ه. أي: فلا قبض ولا بسط لأن العارف الواصل مقبوض في بسطه، مبسوط في قبضه، لا تؤثر فيه هواجم الأحوال لأنه مالك غير مملوك. والله تعالى أعلم. ومن علم أن الله قاهر فوق عباده، انسلخ من حوله وقوته، وانعزل عن تدبيره واختياره لإحاطة القهرية به، ومن تحقق عموم قهاريته تعالى، علم أنه لا حجاب حسي بينه وبينه، إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، وهو القاهر فوق عباده، وإنما المحجوب: العبد عن ربه بوجود وهمه وجهله، ومن تحقق أن الملائكة تحفظ أعماله استحيا من ارتكاب القبائح، لئلا تعرض على رؤوس الأشهاد. ثم أمرهم بالرجوع إليه عند الشدائد، فقال: { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر }.

الأنعام 6:61

يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي يتوفاكم } أي: يقبض أرواحكم { بالليل } إذ نمتم، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروي، { ويعلم ما جرحتم } أي: ما كسبتم من الأعمال { بالنهار } ، وخص الليل بالنوم والنهار بالكسب جريا على المعتاد، { ثم إذا } توفاكم بالليل { يبعثكم فيه } أي: في النهار، { ليقضى أجل مسمى } أي: ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا، وهو أجل الموت، { ثم إليه مرجعكم } بالموت { ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } فيعاتب المسيء ويكرم المحسن. روي: أن العبد إذا قبض عرجت الملائكة بروحه إلى سدرة المنتهى، فيوقف به هناك، فيعاتبه الحق تعالى على ما فرط منه حتى يرفض عرقا، ثم يقول له: قد غفرت لك، اذهبوا به ليرى مقعده في الجنة، ثم يرد إلى السؤال. { وهو القاهر فوق عباده } بالقهر والغلبة، { ويرسل عليكم حفظة } ملائكة تحفظ أعمالكم، وهم الكرام الكاتبون، والحكمة فيه: أن العبد إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد، كان أزجر له عن المعاصي، ثم لا تزال الملائكة تكتب عليه أعماله { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } أي: ملك الموت وأعوانه، { وهم لا يفرطون } بالتواني التأخير، ولا يجاوزون ما حد لهم بالتقديم والتأخير. { ثم ردوا إلى الله } أي: إلى حكمه وجزائه، أو مشاهدته وقربه، { مولاهم } الذي يتولى أمرهم، { الحق } أي: المتحقق وجوده، وما سواه باطل، { ألا له الحكم } يومئذ، لا حكم لغيره فيه، { وهو أسرع الحاسبين } يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة، لا يشغله حساب عن حساب، ولا شأن عن شأن، سبحانه لا إله إلا هو. الإشارة: وهو الذي يتوفاكم، أي: يخلصكم بليل القبض، ويعلم ما كسبتم في نهار البسط، ثم يبعثكم من ليل القبض إلى نهار البسط، وهكذا ليقضى أجل مسمى للإقامة فيهما، ثم إليه مرجعكم بالخروج عنهما لتكونوا لله لا شيء دونه، وفي الحكم: " بسطك كي لا يبقيك مع القبض، وقبضك كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما، كي لا تكون لشيء دونه ". وقال فارس رضي الله عنه: القبض أولا ثم البسط، ثم لا قبض ولا بسط لأن القبض والبسط يقعان في الوجود أي في وجود النفس، وأما مع الفناء والبقاء فلا. ه. أي: فلا قبض ولا بسط لأن العارف الواصل مقبوض في بسطه، مبسوط في قبضه، لا تؤثر فيه هواجم الأحوال لأنه مالك غير مملوك. والله تعالى أعلم. ومن علم أن الله قاهر فوق عباده، انسلخ من حوله وقوته، وانعزل عن تدبيره واختياره لإحاطة القهرية به، ومن تحقق عموم قهاريته تعالى، علم أنه لا حجاب حسي بينه وبينه، إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، وهو القاهر فوق عباده، وإنما المحجوب: العبد عن ربه بوجود وهمه وجهله، ومن تحقق أن الملائكة تحفظ أعماله استحيا من ارتكاب القبائح، لئلا تعرض على رؤوس الأشهاد. ثم أمرهم بالرجوع إليه عند الشدائد، فقال: { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر }.

الأنعام 6:62

يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي يتوفاكم } أي: يقبض أرواحكم { بالليل } إذ نمتم، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروي، { ويعلم ما جرحتم } أي: ما كسبتم من الأعمال { بالنهار } ، وخص الليل بالنوم والنهار بالكسب جريا على المعتاد، { ثم إذا } توفاكم بالليل { يبعثكم فيه } أي: في النهار، { ليقضى أجل مسمى } أي: ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا، وهو أجل الموت، { ثم إليه مرجعكم } بالموت { ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } فيعاتب المسيء ويكرم المحسن. روي: أن العبد إذا قبض عرجت الملائكة بروحه إلى سدرة المنتهى، فيوقف به هناك، فيعاتبه الحق تعالى على ما فرط منه حتى يرفض عرقا، ثم يقول له: قد غفرت لك، اذهبوا به ليرى مقعده في الجنة، ثم يرد إلى السؤال. { وهو القاهر فوق عباده } بالقهر والغلبة، { ويرسل عليكم حفظة } ملائكة تحفظ أعمالكم، وهم الكرام الكاتبون، والحكمة فيه: أن العبد إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد، كان أزجر له عن المعاصي، ثم لا تزال الملائكة تكتب عليه أعماله { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } أي: ملك الموت وأعوانه، { وهم لا يفرطون } بالتواني التأخير، ولا يجاوزون ما حد لهم بالتقديم والتأخير. { ثم ردوا إلى الله } أي: إلى حكمه وجزائه، أو مشاهدته وقربه، { مولاهم } الذي يتولى أمرهم، { الحق } أي: المتحقق وجوده، وما سواه باطل، { ألا له الحكم } يومئذ، لا حكم لغيره فيه، { وهو أسرع الحاسبين } يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة، لا يشغله حساب عن حساب، ولا شأن عن شأن، سبحانه لا إله إلا هو. الإشارة: وهو الذي يتوفاكم، أي: يخلصكم بليل القبض، ويعلم ما كسبتم في نهار البسط، ثم يبعثكم من ليل القبض إلى نهار البسط، وهكذا ليقضى أجل مسمى للإقامة فيهما، ثم إليه مرجعكم بالخروج عنهما لتكونوا لله لا شيء دونه، وفي الحكم: " بسطك كي لا يبقيك مع القبض، وقبضك كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما، كي لا تكون لشيء دونه ". وقال فارس رضي الله عنه: القبض أولا ثم البسط، ثم لا قبض ولا بسط لأن القبض والبسط يقعان في الوجود أي في وجود النفس، وأما مع الفناء والبقاء فلا. ه. أي: فلا قبض ولا بسط لأن العارف الواصل مقبوض في بسطه، مبسوط في قبضه، لا تؤثر فيه هواجم الأحوال لأنه مالك غير مملوك. والله تعالى أعلم. ومن علم أن الله قاهر فوق عباده، انسلخ من حوله وقوته، وانعزل عن تدبيره واختياره لإحاطة القهرية به، ومن تحقق عموم قهاريته تعالى، علم أنه لا حجاب حسي بينه وبينه، إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، وهو القاهر فوق عباده، وإنما المحجوب: العبد عن ربه بوجود وهمه وجهله، ومن تحقق أن الملائكة تحفظ أعماله استحيا من ارتكاب القبائح، لئلا تعرض على رؤوس الأشهاد. ثم أمرهم بالرجوع إليه عند الشدائد، فقال: { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر }.

الأنعام 6:63

يقول الحق جل جلاله: { قل من ينجيكم } أي: يخلصكم { من ظلمات البر والبحر } أي: من شدائدهما، استعير الظلمة للشدة، لمشاركتهما في الهول، فقيل لليوم الشديد: يوم مظلم، أو: من الخسف في البر والغرق في البحر، حال كونكم { تدعونه تضرعا وخفية } أي: جهرا وسرا، قائلين: { لئن أنجيتنا من هذه } الظلمة، أي: الشدة، { لنكونن من الشاكرين } بإقرارنا بوحدانيتك، { قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب } أي: غم سواها، { ثم أنتم تشركون } أي: تعودون إلى الشرك ولا توفون بالعهد، وهذا شأن النفس اللئيمة في وقت الشدة ترجع إلى الحق وتوحده، وفي وقت السعة تنساه وتشرك معه، كما قال تعالى: وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذآ أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون [الروم:33]. الإشارة: ظلمات البر هو ما يخوض القلب ويظلمه من أجل ما يدخل عليه من حس الظاهر، الذي هو بر الشريعة، وظلمات البحر هو ما يدهش الروح ويحيرها من أجل ما يدهمها من علم الحقائق، عند الاستشراف عليها، أو ما يشكل عليها في علم التوحيد، فإذا رجع إلى الله فيهما، وتمسك بشيخ كامل في علم الحقائق أنجاه الله منهما، فإذا شكر الله وأفرد النعمة إليه دامت نجاته، وإن التفت إلى غيره خيف عليه العود إلى ما كان عليه. وبالله التوفيق. ثم هدد أهل الشرك، أو: هم مع غيرهم، فقال: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا }.

الأنعام 6:64

يقول الحق جل جلاله: { قل من ينجيكم } أي: يخلصكم { من ظلمات البر والبحر } أي: من شدائدهما، استعير الظلمة للشدة، لمشاركتهما في الهول، فقيل لليوم الشديد: يوم مظلم، أو: من الخسف في البر والغرق في البحر، حال كونكم { تدعونه تضرعا وخفية } أي: جهرا وسرا، قائلين: { لئن أنجيتنا من هذه } الظلمة، أي: الشدة، { لنكونن من الشاكرين } بإقرارنا بوحدانيتك، { قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب } أي: غم سواها، { ثم أنتم تشركون } أي: تعودون إلى الشرك ولا توفون بالعهد، وهذا شأن النفس اللئيمة في وقت الشدة ترجع إلى الحق وتوحده، وفي وقت السعة تنساه وتشرك معه، كما قال تعالى: وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذآ أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون [الروم:33]. الإشارة: ظلمات البر هو ما يخوض القلب ويظلمه من أجل ما يدخل عليه من حس الظاهر، الذي هو بر الشريعة، وظلمات البحر هو ما يدهش الروح ويحيرها من أجل ما يدهمها من علم الحقائق، عند الاستشراف عليها، أو ما يشكل عليها في علم التوحيد، فإذا رجع إلى الله فيهما، وتمسك بشيخ كامل في علم الحقائق أنجاه الله منهما، فإذا شكر الله وأفرد النعمة إليه دامت نجاته، وإن التفت إلى غيره خيف عليه العود إلى ما كان عليه. وبالله التوفيق. ثم هدد أهل الشرك، أو: هم مع غيرهم، فقال: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا }.

الأنعام 6:65

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } ، كما فعل بقوم نوح ولوط وأصحاب الفيل، { أو من تحت أرجلكم } ، كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وقيل: من فوقكم: بتسليط أكابركم وحكامكم عليكم، ومن تحت أرجلكم: سفلتكم وعبيدكم، { أو يلبسكم } أي: يخلطكم { شيعا } أي: فرقا متحزبين على أهواء شتى، فينشب القتال بينكم، { ويذيق بعضكم بأس بعض } ، بقتال بعضكم بعضا. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أنه لما نزلت: { أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } قال: " أعوذ بوجهك " ، ولما نزلت: { أو من تحت أرجلكم } قال أيضا: " أعوذ بوجهك " ولما نزلت: { أو يلبسكم شيعا } قال: " هذا أهون " ، فقضى الله على هذه الأمة بالقتل والقتال إلى يوم القيامة، نعوذ بالله من الفتن. قال تعالى: { انظر كيف نصرف الآيات } أي: نقبلها بورود الوعد والوعيد { لعلهم يفقهون } ما نزل إليهم. { وكذب به قومك } أي: بالعذاب، أو بالقرآن، { وهو الحق } أي: الواقع لا محالة، أو الصدق في أخباره وأحكامه، { قل لست عليكم بوكيل } أي: وكل إلي أمركم فأمنعكم من التكذيب، أو أجازيكم، إنما أنا منذر، والله هو الحفيظ. { لكل نبأ } أي: خبر بعذاب أو إيعاد به، { مستقر } أي: وقت استقراره ووقوعه، يعرف عند انقضائه صدقة من كذبه، { وسوف تعلمون } ما يحل بكم عند وقوعه في الدنيا والآخرة. الإشارة: الخطاب للمريدين السائرين، أو الواصلين. خوفهم بأن يحول بينهم وبين شهود عظمته الفوقية والتحتية، فينزل عليهم عذاب الفرق من جهة العلو أو السفل، فلا يشهدون إلا الأكوان محيطة بهم، أو يخالف بين وجوههم ويلبسهم شيعا، فإذا تفرقت الوجوه تفرقت القلوب غالبا، والعياذ بالله، لأن الفتح والنصر مرتب على الجمع، قال تعالى: قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق [سبأ:26]. قال القشيري: فيه إشارة إلى أن الجمع مؤذن بالفتح. ه. فينبغي للمريد أن يشهد الصفاء في الجميع، ويتودد إلى الجميع، حتى لا يبقى معه فرق. والله تعالى أعلم. ثم حذر من صحبة أهل الخوض، فقال: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا }.

الأنعام 6:66

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } ، كما فعل بقوم نوح ولوط وأصحاب الفيل، { أو من تحت أرجلكم } ، كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وقيل: من فوقكم: بتسليط أكابركم وحكامكم عليكم، ومن تحت أرجلكم: سفلتكم وعبيدكم، { أو يلبسكم } أي: يخلطكم { شيعا } أي: فرقا متحزبين على أهواء شتى، فينشب القتال بينكم، { ويذيق بعضكم بأس بعض } ، بقتال بعضكم بعضا. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أنه لما نزلت: { أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } قال: " أعوذ بوجهك " ، ولما نزلت: { أو من تحت أرجلكم } قال أيضا: " أعوذ بوجهك " ولما نزلت: { أو يلبسكم شيعا } قال: " هذا أهون " ، فقضى الله على هذه الأمة بالقتل والقتال إلى يوم القيامة، نعوذ بالله من الفتن. قال تعالى: { انظر كيف نصرف الآيات } أي: نقبلها بورود الوعد والوعيد { لعلهم يفقهون } ما نزل إليهم. { وكذب به قومك } أي: بالعذاب، أو بالقرآن، { وهو الحق } أي: الواقع لا محالة، أو الصدق في أخباره وأحكامه، { قل لست عليكم بوكيل } أي: وكل إلي أمركم فأمنعكم من التكذيب، أو أجازيكم، إنما أنا منذر، والله هو الحفيظ. { لكل نبأ } أي: خبر بعذاب أو إيعاد به، { مستقر } أي: وقت استقراره ووقوعه، يعرف عند انقضائه صدقة من كذبه، { وسوف تعلمون } ما يحل بكم عند وقوعه في الدنيا والآخرة. الإشارة: الخطاب للمريدين السائرين، أو الواصلين. خوفهم بأن يحول بينهم وبين شهود عظمته الفوقية والتحتية، فينزل عليهم عذاب الفرق من جهة العلو أو السفل، فلا يشهدون إلا الأكوان محيطة بهم، أو يخالف بين وجوههم ويلبسهم شيعا، فإذا تفرقت الوجوه تفرقت القلوب غالبا، والعياذ بالله، لأن الفتح والنصر مرتب على الجمع، قال تعالى: قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق [سبأ:26]. قال القشيري: فيه إشارة إلى أن الجمع مؤذن بالفتح. ه. فينبغي للمريد أن يشهد الصفاء في الجميع، ويتودد إلى الجميع، حتى لا يبقى معه فرق. والله تعالى أعلم. ثم حذر من صحبة أهل الخوض، فقال: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا }.

الأنعام 6:67

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } ، كما فعل بقوم نوح ولوط وأصحاب الفيل، { أو من تحت أرجلكم } ، كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وقيل: من فوقكم: بتسليط أكابركم وحكامكم عليكم، ومن تحت أرجلكم: سفلتكم وعبيدكم، { أو يلبسكم } أي: يخلطكم { شيعا } أي: فرقا متحزبين على أهواء شتى، فينشب القتال بينكم، { ويذيق بعضكم بأس بعض } ، بقتال بعضكم بعضا. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أنه لما نزلت: { أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } قال: " أعوذ بوجهك " ، ولما نزلت: { أو من تحت أرجلكم } قال أيضا: " أعوذ بوجهك " ولما نزلت: { أو يلبسكم شيعا } قال: " هذا أهون " ، فقضى الله على هذه الأمة بالقتل والقتال إلى يوم القيامة، نعوذ بالله من الفتن. قال تعالى: { انظر كيف نصرف الآيات } أي: نقبلها بورود الوعد والوعيد { لعلهم يفقهون } ما نزل إليهم. { وكذب به قومك } أي: بالعذاب، أو بالقرآن، { وهو الحق } أي: الواقع لا محالة، أو الصدق في أخباره وأحكامه، { قل لست عليكم بوكيل } أي: وكل إلي أمركم فأمنعكم من التكذيب، أو أجازيكم، إنما أنا منذر، والله هو الحفيظ. { لكل نبأ } أي: خبر بعذاب أو إيعاد به، { مستقر } أي: وقت استقراره ووقوعه، يعرف عند انقضائه صدقة من كذبه، { وسوف تعلمون } ما يحل بكم عند وقوعه في الدنيا والآخرة. الإشارة: الخطاب للمريدين السائرين، أو الواصلين. خوفهم بأن يحول بينهم وبين شهود عظمته الفوقية والتحتية، فينزل عليهم عذاب الفرق من جهة العلو أو السفل، فلا يشهدون إلا الأكوان محيطة بهم، أو يخالف بين وجوههم ويلبسهم شيعا، فإذا تفرقت الوجوه تفرقت القلوب غالبا، والعياذ بالله، لأن الفتح والنصر مرتب على الجمع، قال تعالى: قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق [سبأ:26]. قال القشيري: فيه إشارة إلى أن الجمع مؤذن بالفتح. ه. فينبغي للمريد أن يشهد الصفاء في الجميع، ويتودد إلى الجميع، حتى لا يبقى معه فرق. والله تعالى أعلم. ثم حذر من صحبة أهل الخوض، فقال: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا }.

الأنعام 6:68

{ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا... } قلت: { ولكن ذكرى }: مفعول بمحذوف، أي: يذكرونهم ذكرى، أو مبتدأ، أي: عليهم ذكرى. يقول الحق جل جلاله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } أي: القرآن بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها { فأعرض عنهم } ولا تجالسهم، بل قم عنهم { حتى يخوضوا في حديث غيره } أي: غير القرآن، { وإما ينسينك الشيطان } النهي عن مجالستهم، وجلست نسيانا، { فلا تقعد بعد الذكرى } أي: بعد أن تذكر النهي، { مع القوم الظالمين } ، ونسبة النسيان إلى الشيطان أدبا مع الحضرة، قل كل من عند الله [النساء:78]، ووضع المظهر موضع المضمر، أي: معهم، للدلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم. { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } أي: ما على المتقين الذين يجالسونهم شيء من حسابهم، بل عقابهم على الخوض خاص بهم، { ولكن } عليهم { ذكرى } أي: تذكيرهم ووعظهم ومنعهم من الخوض إن قدروا، وكراهية ذلك إن لم يقدروا، فيعظونهم { لعلهم يتقون } ، فيجتنبون ذلك الخوض حياء أو كراهية مساءتهم، وإنما أبيح للمؤمنين القعود مع الكفار الخائضين ومخالطتهم لأن ذلك يشق عليهم، إذ لا بد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش وفي الطواف، وغير ذلك بخلافه عليه الصلاة والسلام لأن الله أغناه عنهم به، فنهاه عن مخالطة أهل الخوض مطلقا. ثم قال له: { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } أي: بنوا أمر دينهم على التشهي، وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع، عاجلا وآجلا، كعبادة الأصنام واتخاذ البحائر والسوائب، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوا بالدخول فيه لعبا ولهوا، حيث سخروا به، أي: أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم. ومن جعله منسوخا بآية السيف حمله على الأمر بالكف عنهم، وترك التعرض لهم، { وغرتهم الحياة الدينا } وزخرفها، حتى نسوا البعث وأنكروه، والعياذ بالله. الإشارة: قد تقدم مرارا التحذير من مخالطة أهل الخوض وصحبة العوام، وكل من ليس من جنس أهل النسبة، فإن ألجأه الحال إلى صحبتهم فليذكرهم، ويعظهم، وينهضهم إلى الله بمقاله أو حاله ما استطاع. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتذكير، فقال: {... وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } قلت: { تبسل }: تحبس وتسلم للهلكة، وفي البخاري: " تبسل: تفضح، أبلسوا: فضحوا وأسلموا ". يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام : { وذكر } بالقرآن الناس مخافة { أن تبسل نفس بما كسبت } أي: لئلا تحبس كل نفس وترتهن بما كسبت أو تسلم للهلكة، أو لئلا تفضح على رؤوس الأشهاد بما كسبت، { ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع } يدفع عنها العذاب، { وإن تعدل كل عدل } أي: وإن تفد كل فداء { لا يؤخذ منها } أي: لا يقبل منها. { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } أي: أسلموا للعذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة، أو افتضحوا بما كسبوا { لهم شراب من حميم } وهو الماء الحار، { وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } ، والمعنى: هم بين ماء مغلى يتجرجر في بطونهم، ونار تشعل بأبدانهم بسبب كفرهم، والعياذ بالله. الإشارة: لا ينبغي للشيخ أو الواعظ أن يمل من التذكير، ولو رأى من أصحابه غاية الصفاء، ولا ينبغي للمريد أن يمل من التصفية والتشمير، ولو بلغ من تصفية نفسه ما بلغ، أو أظهرت له من الاستقامة ما أظهرت، قال تعالى: { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها }. قال أبو حفص النيسابوري رضي الله عنه: من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه، كان مغرورا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها، وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، يقول: ومآ أبرئ نفسى إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف:53]. وقال أيضا: منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي أن الله ينظر إلي نظر السخط، وأعمالي تدل على ذلك. وقال الجنيد رضي الله عنه: لا تسكن إلى نفسك، وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك. وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: ما رضيت عن نفسي طرفة عين . إلى غير ذلك من مقالاتهم التي تدل على عدم الرضى عن النفس وعدم القناعة منها بالتصفية التي آظهرت. ويحكى عن القطب بن مشيش أنه لما بلغ في تلاوته هذه الآية، تواجد وأخذه حال عظيم اقتطعه عن حسه، حتى كان يتمايل، فيميل الجبل معه يمينا وشمالا. نفعنا الله بذكرهم آمين. فإن قلت: العارف لم تبق له نفس يتهمها لفنائه في شهوده وانطوائه في وجوده؟ قلت: العارف الكامل هو الذي لا يحجبه جمعه عن فرقة، ولا فرقة عن جمعه، فإذا رجع إلى شهود فرقه، رأى نفسه عبدا متصفا بنقائص العبودية التي لا نهاية لها، ولذلك قالوا: للنفس من النقائص ما لله من الكمالات. فلو تطهرت كل التطهير لم يقبل منها، وإذا نظر إلى نعت جمعه رأى نفسه مجموعا في الحضرة، متصفا بالكمالات التي لا نهاية لها، فيغيب عن شهود عبوديته في عظمة ربوبيته، لكنه لا يحجب بجمعه عن فرقه لكماله، وإلى هذا المعنى أشار في الحكم بقوله: لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليك، ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتبرؤ من الشرك مطلقا، تشريعا، فقال: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا }.

الأنعام 6:69

{ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا... } قلت: { ولكن ذكرى }: مفعول بمحذوف، أي: يذكرونهم ذكرى، أو مبتدأ، أي: عليهم ذكرى. يقول الحق جل جلاله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } أي: القرآن بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها { فأعرض عنهم } ولا تجالسهم، بل قم عنهم { حتى يخوضوا في حديث غيره } أي: غير القرآن، { وإما ينسينك الشيطان } النهي عن مجالستهم، وجلست نسيانا، { فلا تقعد بعد الذكرى } أي: بعد أن تذكر النهي، { مع القوم الظالمين } ، ونسبة النسيان إلى الشيطان أدبا مع الحضرة، قل كل من عند الله [النساء:78]، ووضع المظهر موضع المضمر، أي: معهم، للدلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم. { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } أي: ما على المتقين الذين يجالسونهم شيء من حسابهم، بل عقابهم على الخوض خاص بهم، { ولكن } عليهم { ذكرى } أي: تذكيرهم ووعظهم ومنعهم من الخوض إن قدروا، وكراهية ذلك إن لم يقدروا، فيعظونهم { لعلهم يتقون } ، فيجتنبون ذلك الخوض حياء أو كراهية مساءتهم، وإنما أبيح للمؤمنين القعود مع الكفار الخائضين ومخالطتهم لأن ذلك يشق عليهم، إذ لا بد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش وفي الطواف، وغير ذلك بخلافه عليه الصلاة والسلام لأن الله أغناه عنهم به، فنهاه عن مخالطة أهل الخوض مطلقا. ثم قال له: { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } أي: بنوا أمر دينهم على التشهي، وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع، عاجلا وآجلا، كعبادة الأصنام واتخاذ البحائر والسوائب، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوا بالدخول فيه لعبا ولهوا، حيث سخروا به، أي: أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم. ومن جعله منسوخا بآية السيف حمله على الأمر بالكف عنهم، وترك التعرض لهم، { وغرتهم الحياة الدينا } وزخرفها، حتى نسوا البعث وأنكروه، والعياذ بالله. الإشارة: قد تقدم مرارا التحذير من مخالطة أهل الخوض وصحبة العوام، وكل من ليس من جنس أهل النسبة، فإن ألجأه الحال إلى صحبتهم فليذكرهم، ويعظهم، وينهضهم إلى الله بمقاله أو حاله ما استطاع. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتذكير، فقال: {... وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } قلت: { تبسل }: تحبس وتسلم للهلكة، وفي البخاري: " تبسل: تفضح، أبلسوا: فضحوا وأسلموا ". يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام : { وذكر } بالقرآن الناس مخافة { أن تبسل نفس بما كسبت } أي: لئلا تحبس كل نفس وترتهن بما كسبت أو تسلم للهلكة، أو لئلا تفضح على رؤوس الأشهاد بما كسبت، { ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع } يدفع عنها العذاب، { وإن تعدل كل عدل } أي: وإن تفد كل فداء { لا يؤخذ منها } أي: لا يقبل منها. { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } أي: أسلموا للعذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة، أو افتضحوا بما كسبوا { لهم شراب من حميم } وهو الماء الحار، { وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } ، والمعنى: هم بين ماء مغلى يتجرجر في بطونهم، ونار تشعل بأبدانهم بسبب كفرهم، والعياذ بالله. الإشارة: لا ينبغي للشيخ أو الواعظ أن يمل من التذكير، ولو رأى من أصحابه غاية الصفاء، ولا ينبغي للمريد أن يمل من التصفية والتشمير، ولو بلغ من تصفية نفسه ما بلغ، أو أظهرت له من الاستقامة ما أظهرت، قال تعالى: { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها }. قال أبو حفص النيسابوري رضي الله عنه: من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه، كان مغرورا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها، وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، يقول: ومآ أبرئ نفسى إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف:53]. وقال أيضا: منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي أن الله ينظر إلي نظر السخط، وأعمالي تدل على ذلك. وقال الجنيد رضي الله عنه: لا تسكن إلى نفسك، وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك. وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: ما رضيت عن نفسي طرفة عين . إلى غير ذلك من مقالاتهم التي تدل على عدم الرضى عن النفس وعدم القناعة منها بالتصفية التي آظهرت. ويحكى عن القطب بن مشيش أنه لما بلغ في تلاوته هذه الآية، تواجد وأخذه حال عظيم اقتطعه عن حسه، حتى كان يتمايل، فيميل الجبل معه يمينا وشمالا. نفعنا الله بذكرهم آمين. فإن قلت: العارف لم تبق له نفس يتهمها لفنائه في شهوده وانطوائه في وجوده؟ قلت: العارف الكامل هو الذي لا يحجبه جمعه عن فرقة، ولا فرقة عن جمعه، فإذا رجع إلى شهود فرقه، رأى نفسه عبدا متصفا بنقائص العبودية التي لا نهاية لها، ولذلك قالوا: للنفس من النقائص ما لله من الكمالات. فلو تطهرت كل التطهير لم يقبل منها، وإذا نظر إلى نعت جمعه رأى نفسه مجموعا في الحضرة، متصفا بالكمالات التي لا نهاية لها، فيغيب عن شهود عبوديته في عظمة ربوبيته، لكنه لا يحجب بجمعه عن فرقه لكماله، وإلى هذا المعنى أشار في الحكم بقوله: لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليك، ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتبرؤ من الشرك مطلقا، تشريعا، فقال: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا }.

الأنعام 6:70

{ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا... } قلت: { ولكن ذكرى }: مفعول بمحذوف، أي: يذكرونهم ذكرى، أو مبتدأ، أي: عليهم ذكرى. يقول الحق جل جلاله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } أي: القرآن بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها { فأعرض عنهم } ولا تجالسهم، بل قم عنهم { حتى يخوضوا في حديث غيره } أي: غير القرآن، { وإما ينسينك الشيطان } النهي عن مجالستهم، وجلست نسيانا، { فلا تقعد بعد الذكرى } أي: بعد أن تذكر النهي، { مع القوم الظالمين } ، ونسبة النسيان إلى الشيطان أدبا مع الحضرة، قل كل من عند الله [النساء:78]، ووضع المظهر موضع المضمر، أي: معهم، للدلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم. { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } أي: ما على المتقين الذين يجالسونهم شيء من حسابهم، بل عقابهم على الخوض خاص بهم، { ولكن } عليهم { ذكرى } أي: تذكيرهم ووعظهم ومنعهم من الخوض إن قدروا، وكراهية ذلك إن لم يقدروا، فيعظونهم { لعلهم يتقون } ، فيجتنبون ذلك الخوض حياء أو كراهية مساءتهم، وإنما أبيح للمؤمنين القعود مع الكفار الخائضين ومخالطتهم لأن ذلك يشق عليهم، إذ لا بد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش وفي الطواف، وغير ذلك بخلافه عليه الصلاة والسلام لأن الله أغناه عنهم به، فنهاه عن مخالطة أهل الخوض مطلقا. ثم قال له: { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } أي: بنوا أمر دينهم على التشهي، وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع، عاجلا وآجلا، كعبادة الأصنام واتخاذ البحائر والسوائب، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوا بالدخول فيه لعبا ولهوا، حيث سخروا به، أي: أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم. ومن جعله منسوخا بآية السيف حمله على الأمر بالكف عنهم، وترك التعرض لهم، { وغرتهم الحياة الدينا } وزخرفها، حتى نسوا البعث وأنكروه، والعياذ بالله. الإشارة: قد تقدم مرارا التحذير من مخالطة أهل الخوض وصحبة العوام، وكل من ليس من جنس أهل النسبة، فإن ألجأه الحال إلى صحبتهم فليذكرهم، ويعظهم، وينهضهم إلى الله بمقاله أو حاله ما استطاع. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتذكير، فقال: {... وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } قلت: { تبسل }: تحبس وتسلم للهلكة، وفي البخاري: " تبسل: تفضح، أبلسوا: فضحوا وأسلموا ". يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام : { وذكر } بالقرآن الناس مخافة { أن تبسل نفس بما كسبت } أي: لئلا تحبس كل نفس وترتهن بما كسبت أو تسلم للهلكة، أو لئلا تفضح على رؤوس الأشهاد بما كسبت، { ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع } يدفع عنها العذاب، { وإن تعدل كل عدل } أي: وإن تفد كل فداء { لا يؤخذ منها } أي: لا يقبل منها. { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } أي: أسلموا للعذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة، أو افتضحوا بما كسبوا { لهم شراب من حميم } وهو الماء الحار، { وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } ، والمعنى: هم بين ماء مغلى يتجرجر في بطونهم، ونار تشعل بأبدانهم بسبب كفرهم، والعياذ بالله. الإشارة: لا ينبغي للشيخ أو الواعظ أن يمل من التذكير، ولو رأى من أصحابه غاية الصفاء، ولا ينبغي للمريد أن يمل من التصفية والتشمير، ولو بلغ من تصفية نفسه ما بلغ، أو أظهرت له من الاستقامة ما أظهرت، قال تعالى: { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها }. قال أبو حفص النيسابوري رضي الله عنه: من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه، كان مغرورا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها، وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، يقول: ومآ أبرئ نفسى إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف:53]. وقال أيضا: منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي أن الله ينظر إلي نظر السخط، وأعمالي تدل على ذلك. وقال الجنيد رضي الله عنه: لا تسكن إلى نفسك، وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك. وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: ما رضيت عن نفسي طرفة عين . إلى غير ذلك من مقالاتهم التي تدل على عدم الرضى عن النفس وعدم القناعة منها بالتصفية التي آظهرت. ويحكى عن القطب بن مشيش أنه لما بلغ في تلاوته هذه الآية، تواجد وأخذه حال عظيم اقتطعه عن حسه، حتى كان يتمايل، فيميل الجبل معه يمينا وشمالا. نفعنا الله بذكرهم آمين. فإن قلت: العارف لم تبق له نفس يتهمها لفنائه في شهوده وانطوائه في وجوده؟ قلت: العارف الكامل هو الذي لا يحجبه جمعه عن فرقة، ولا فرقة عن جمعه، فإذا رجع إلى شهود فرقه، رأى نفسه عبدا متصفا بنقائص العبودية التي لا نهاية لها، ولذلك قالوا: للنفس من النقائص ما لله من الكمالات. فلو تطهرت كل التطهير لم يقبل منها، وإذا نظر إلى نعت جمعه رأى نفسه مجموعا في الحضرة، متصفا بالكمالات التي لا نهاية لها، فيغيب عن شهود عبوديته في عظمة ربوبيته، لكنه لا يحجب بجمعه عن فرقه لكماله، وإلى هذا المعنى أشار في الحكم بقوله: لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليك، ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتبرؤ من الشرك مطلقا، تشريعا، فقال: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا }.

الأنعام 6:71

قلت: { ونرد }: عطف على { ندعو } والهمزة للإنكار، والرد على العقب: الرجوع إلى وراء، لعلة في المشي، واستعير للمعاني، و { كالذي استهوته }: الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير في { نرد } أي: كيف نرجع مشبهين بمن استهوته الشياطين، أو نعت لمصدر محذوف، أي: ردا كرد الذي...الخ. واستهوى: استفعل، من هوى في الأرض إذا ذهب، وقال الفارسي: استهوى بمعنى أهوى، مثل استزل بمعنى أزل، و { حيران }: حال من مفعول استهوى. و { أن أقيموا }: عطف على { لنسلم } ، أو { أمرنا }. { قوله الحق }: مبتدأ، و { يوم يقول }: خبر مقدم، أي: قوله الحق حاصل يوم يقول: { كن فيكون } ، وفاعل { يكون }: ضمير فاعل كن، أي: حين يقول للشيء: كن فيكون ذلك الشيء، و { يوم ينفخ }: ظرف لقوله: { الملك } ، كقوله: لمن الملك اليوم [غافر:16]. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد { أندعو من دون الله } أي: نعبد { ما لا ينفعنا ولا يضرنا } من الأصنام الجامدة، { ونرد على أعقابنا } أي: نرجع إلى الشرك { بعد إذ هدانا الله } وأنقذنا، ورزقنا الإسلام، وهذا على الصحابة. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتقدم له شرك لعصمته، أي: كيف نرد على أعقابنا ردا { كالذي استهوته الشياطين } ، أي: أضلته مردة الجن عن الطريق المستقيم، فذهب { في الأرض حيران } متحيرا ضالا عن الطريق، { له أصحاب } أي: رفقة { يدعونه إلى الهدى } أي: إلى الطريق المستقيم، يقولون له: { ائتنا } وكن معنا لئلا تتلف. وهو مثال لمن ترك الإسلام وضل عنه. { قل } لهم: { إن هدى الله } ، وهو الإسلام، { هو الهدى } وحده، وما عداه ضلال. { و } قد { أمرنا لنسلم لرب العالمين } نكون على الجادة من الهدى، { و } أمرنا { أن أقيموا الصلاة واتقوه }: أي: أمرنا بإقامة الصلاة والتقوى، روي أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان، فنزلت، وعلى هذا أمر الرسول بهذا القول إجابة عن الصديق تعظيما لشأنه، وإظهارا للاتحاد الذي كان بينهما. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: ويبطل هذا قول عائشة: ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلا برائتي. ه. قلت: ليس بحجة لصغر سنها وقت نزول الآية بمكة، والإسلام يمحو ما قبله. ثم قال جل جلاله: { وهو الذي إليه تحشرون } يوم القيامة فيظهر من تبع الحق من الباطل. { وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق }. أي: قائما بالحق والحكمة، فهو أحق بالعبادة وحده، { ويوم يقول كن فيكون قوله الحق } أي: قوله العدل حاصل يوم يقول للبعث والحشر: كن فيكون، { وله الملك يوم ينفخ في الصور } أي: انفرد الملك له يوم ينفخ في الصور فيقول: لمن الملك اليوم؟ فلا يجاب، فيقول: لله الواحد القهار، { عالم الغيب والشهادة } أي: هو عالم بما غاب وما ظهر، { وهو الحكيم } في صنعه، { الخبير } بأمر عباده. الإشاره: إذا توجه العبد إلى مولاه، وانقطع بكليته إلى الله، طالبا منه معرفته ورضاه، قد يمتحن بشيء من شدائد الزمان كالفاقة وإيذاء الخلق والأحزان، فيقال اختبارا له: تعلق في دفع ما نزل بك بشيء من السوى، فيجب عليه أن يقول: { أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا } بالالفتات إلى غير ربنا، بعد إذ هدانا الله إلى توحيده ومعرفته، ونكون كالذي استهوته الشياطين في الأرض، حيران بالتفاته إلى غير الكريم المنان، { قل إن هدى الله } أي: هدايته الخاصة، وهي الإنقطاع إليه وحده في الشدائد، { هو الهدى } ، وقد أمرنا بالانقياد بكليتنا إلى ربنا، وأمرنا إذا حزبنا شيء بإقامة الصلاة لأنها مفتاح الفرج، وبالتقوى لأنها سبب النصر { إن الله مع الذين اتقوا } ، وآخر أمرنا الموت والحشر إلى ربنا، والاستراحة إلى الروح والريحان. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة إبراهيم إبطالا لدعوى الشرك، فقال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة }.

الأنعام 6:72

قلت: { ونرد }: عطف على { ندعو } والهمزة للإنكار، والرد على العقب: الرجوع إلى وراء، لعلة في المشي، واستعير للمعاني، و { كالذي استهوته }: الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير في { نرد } أي: كيف نرجع مشبهين بمن استهوته الشياطين، أو نعت لمصدر محذوف، أي: ردا كرد الذي...الخ. واستهوى: استفعل، من هوى في الأرض إذا ذهب، وقال الفارسي: استهوى بمعنى أهوى، مثل استزل بمعنى أزل، و { حيران }: حال من مفعول استهوى. و { أن أقيموا }: عطف على { لنسلم } ، أو { أمرنا }. { قوله الحق }: مبتدأ، و { يوم يقول }: خبر مقدم، أي: قوله الحق حاصل يوم يقول: { كن فيكون } ، وفاعل { يكون }: ضمير فاعل كن، أي: حين يقول للشيء: كن فيكون ذلك الشيء، و { يوم ينفخ }: ظرف لقوله: { الملك } ، كقوله: لمن الملك اليوم [غافر:16]. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد { أندعو من دون الله } أي: نعبد { ما لا ينفعنا ولا يضرنا } من الأصنام الجامدة، { ونرد على أعقابنا } أي: نرجع إلى الشرك { بعد إذ هدانا الله } وأنقذنا، ورزقنا الإسلام، وهذا على الصحابة. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتقدم له شرك لعصمته، أي: كيف نرد على أعقابنا ردا { كالذي استهوته الشياطين } ، أي: أضلته مردة الجن عن الطريق المستقيم، فذهب { في الأرض حيران } متحيرا ضالا عن الطريق، { له أصحاب } أي: رفقة { يدعونه إلى الهدى } أي: إلى الطريق المستقيم، يقولون له: { ائتنا } وكن معنا لئلا تتلف. وهو مثال لمن ترك الإسلام وضل عنه. { قل } لهم: { إن هدى الله } ، وهو الإسلام، { هو الهدى } وحده، وما عداه ضلال. { و } قد { أمرنا لنسلم لرب العالمين } نكون على الجادة من الهدى، { و } أمرنا { أن أقيموا الصلاة واتقوه }: أي: أمرنا بإقامة الصلاة والتقوى، روي أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان، فنزلت، وعلى هذا أمر الرسول بهذا القول إجابة عن الصديق تعظيما لشأنه، وإظهارا للاتحاد الذي كان بينهما. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: ويبطل هذا قول عائشة: ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلا برائتي. ه. قلت: ليس بحجة لصغر سنها وقت نزول الآية بمكة، والإسلام يمحو ما قبله. ثم قال جل جلاله: { وهو الذي إليه تحشرون } يوم القيامة فيظهر من تبع الحق من الباطل. { وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق }. أي: قائما بالحق والحكمة، فهو أحق بالعبادة وحده، { ويوم يقول كن فيكون قوله الحق } أي: قوله العدل حاصل يوم يقول للبعث والحشر: كن فيكون، { وله الملك يوم ينفخ في الصور } أي: انفرد الملك له يوم ينفخ في الصور فيقول: لمن الملك اليوم؟ فلا يجاب، فيقول: لله الواحد القهار، { عالم الغيب والشهادة } أي: هو عالم بما غاب وما ظهر، { وهو الحكيم } في صنعه، { الخبير } بأمر عباده. الإشاره: إذا توجه العبد إلى مولاه، وانقطع بكليته إلى الله، طالبا منه معرفته ورضاه، قد يمتحن بشيء من شدائد الزمان كالفاقة وإيذاء الخلق والأحزان، فيقال اختبارا له: تعلق في دفع ما نزل بك بشيء من السوى، فيجب عليه أن يقول: { أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا } بالالفتات إلى غير ربنا، بعد إذ هدانا الله إلى توحيده ومعرفته، ونكون كالذي استهوته الشياطين في الأرض، حيران بالتفاته إلى غير الكريم المنان، { قل إن هدى الله } أي: هدايته الخاصة، وهي الإنقطاع إليه وحده في الشدائد، { هو الهدى } ، وقد أمرنا بالانقياد بكليتنا إلى ربنا، وأمرنا إذا حزبنا شيء بإقامة الصلاة لأنها مفتاح الفرج، وبالتقوى لأنها سبب النصر { إن الله مع الذين اتقوا } ، وآخر أمرنا الموت والحشر إلى ربنا، والاستراحة إلى الروح والريحان. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة إبراهيم إبطالا لدعوى الشرك، فقال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة }.

الأنعام 6:73

قلت: { ونرد }: عطف على { ندعو } والهمزة للإنكار، والرد على العقب: الرجوع إلى وراء، لعلة في المشي، واستعير للمعاني، و { كالذي استهوته }: الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير في { نرد } أي: كيف نرجع مشبهين بمن استهوته الشياطين، أو نعت لمصدر محذوف، أي: ردا كرد الذي...الخ. واستهوى: استفعل، من هوى في الأرض إذا ذهب، وقال الفارسي: استهوى بمعنى أهوى، مثل استزل بمعنى أزل، و { حيران }: حال من مفعول استهوى. و { أن أقيموا }: عطف على { لنسلم } ، أو { أمرنا }. { قوله الحق }: مبتدأ، و { يوم يقول }: خبر مقدم، أي: قوله الحق حاصل يوم يقول: { كن فيكون } ، وفاعل { يكون }: ضمير فاعل كن، أي: حين يقول للشيء: كن فيكون ذلك الشيء، و { يوم ينفخ }: ظرف لقوله: { الملك } ، كقوله: لمن الملك اليوم [غافر:16]. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد { أندعو من دون الله } أي: نعبد { ما لا ينفعنا ولا يضرنا } من الأصنام الجامدة، { ونرد على أعقابنا } أي: نرجع إلى الشرك { بعد إذ هدانا الله } وأنقذنا، ورزقنا الإسلام، وهذا على الصحابة. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتقدم له شرك لعصمته، أي: كيف نرد على أعقابنا ردا { كالذي استهوته الشياطين } ، أي: أضلته مردة الجن عن الطريق المستقيم، فذهب { في الأرض حيران } متحيرا ضالا عن الطريق، { له أصحاب } أي: رفقة { يدعونه إلى الهدى } أي: إلى الطريق المستقيم، يقولون له: { ائتنا } وكن معنا لئلا تتلف. وهو مثال لمن ترك الإسلام وضل عنه. { قل } لهم: { إن هدى الله } ، وهو الإسلام، { هو الهدى } وحده، وما عداه ضلال. { و } قد { أمرنا لنسلم لرب العالمين } نكون على الجادة من الهدى، { و } أمرنا { أن أقيموا الصلاة واتقوه }: أي: أمرنا بإقامة الصلاة والتقوى، روي أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان، فنزلت، وعلى هذا أمر الرسول بهذا القول إجابة عن الصديق تعظيما لشأنه، وإظهارا للاتحاد الذي كان بينهما. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: ويبطل هذا قول عائشة: ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلا برائتي. ه. قلت: ليس بحجة لصغر سنها وقت نزول الآية بمكة، والإسلام يمحو ما قبله. ثم قال جل جلاله: { وهو الذي إليه تحشرون } يوم القيامة فيظهر من تبع الحق من الباطل. { وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق }. أي: قائما بالحق والحكمة، فهو أحق بالعبادة وحده، { ويوم يقول كن فيكون قوله الحق } أي: قوله العدل حاصل يوم يقول للبعث والحشر: كن فيكون، { وله الملك يوم ينفخ في الصور } أي: انفرد الملك له يوم ينفخ في الصور فيقول: لمن الملك اليوم؟ فلا يجاب، فيقول: لله الواحد القهار، { عالم الغيب والشهادة } أي: هو عالم بما غاب وما ظهر، { وهو الحكيم } في صنعه، { الخبير } بأمر عباده. الإشاره: إذا توجه العبد إلى مولاه، وانقطع بكليته إلى الله، طالبا منه معرفته ورضاه، قد يمتحن بشيء من شدائد الزمان كالفاقة وإيذاء الخلق والأحزان، فيقال اختبارا له: تعلق في دفع ما نزل بك بشيء من السوى، فيجب عليه أن يقول: { أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا } بالالفتات إلى غير ربنا، بعد إذ هدانا الله إلى توحيده ومعرفته، ونكون كالذي استهوته الشياطين في الأرض، حيران بالتفاته إلى غير الكريم المنان، { قل إن هدى الله } أي: هدايته الخاصة، وهي الإنقطاع إليه وحده في الشدائد، { هو الهدى } ، وقد أمرنا بالانقياد بكليتنا إلى ربنا، وأمرنا إذا حزبنا شيء بإقامة الصلاة لأنها مفتاح الفرج، وبالتقوى لأنها سبب النصر { إن الله مع الذين اتقوا } ، وآخر أمرنا الموت والحشر إلى ربنا، والاستراحة إلى الروح والريحان. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة إبراهيم إبطالا لدعوى الشرك، فقال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة }.

الأنعام 6:74

قلت: { آزر }: عطف بيان، أو بدل من أبيه، ومنع من الصرف للعلمية والعجمة. وقرأ يعقوب بالضم على النداء، وقيل: إن آزر اسم صنم لأنه ثبت أن اسم أبي إبراهيم تارخ. فعلى هذا يحتمل أن يكون لقب به لملازمته له، وقيل: هما علمان له كإسرائيل ويعقوب. يقول الحق جل جلاله: { و } أذكر { إذ قال إبراهيم لأبيه آزر } ، حين دعاه إلى التوحيد: { أتتخذ أصناما آلهة } تعبدها من دون الله، وهي لا تنفع ولا تضر، { إني أراك وقومك في ظلال مبين }: بين الضلالة، ظاهر الخطأ. الإشارة: كل من سكن إلى شيء دون الله، أو مال إليه بالعشق والمحبة، فهو صنم في حقه، فإن لم ينزع عن محبته، ولم يقلع عن السكون إليه، كان حجابا بينه وبين شهود أسرار التوحيد. وفي الحكم: " ما أحببت شيئا إلا وكنت عبدا له، وهو لا يحب أن تكون لغيره عبدا ". وفي الحديث: " تعس عبد الدينار والدرهم " .. أي: خاب وخسر، فإذا اطلع الحق تعالى على قلب عبده فرآه مائلا لغيره، حجب عنه أنوار قدسه، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه: لي حبيب إنما هو غيور، يطل في القلب كطير حذور، إذا رأى شيئا امتنع أن يزور وبالله التوفيق. ثم ذكر احتجاج إبراهيم على قومه، وتبصره بأمر ربه، فقال: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض }.

الأنعام 6:75

قلت: الملك: ما ظهر في عالم الشهادة من المحسوسات، والملكوت: ما غاب فيها من معاني أسرار الربوبية، والجبروت: ما لم يدخل عالم التكوين من أسرار المعاني الأزلية. يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: مثل ذلك التبصر الذي بصرنا به إبراهيم حتى اهتدى للرد على أبيه، نريه { ملكوت السماوات والأرض } أي: نكشف له عن أسرار التوحيد فيهما، حتى يشاهد فيهما صانعهما، ولا يقف مع ظاهر حسهما، وإنما فعلنا له ذلك { ليكون من الموقنين } بمعرفتنا، عارفا بأسرار قدسنا. ولما كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والقمر والشمس، أراد أن يرشدهم إلى التوحيد من طريق النظر والاستدلال { فلما جن عليه الليل } أي: ستره بظلامه، { رأى كوكبا } وهو الزهرة أو المشتري، { قال هذا ربي } على سبيل التنزل إلى قول الخصم، وإن كان فاسدا فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم، ثم يكر عليه بالفساد لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأقرب إلى رجوع الخصم، { فلما أفل } أي: غاب، { قال لا أحب الآفلين } فضلا عن عبادتهم فإن التغير بالاستتار والانتقال يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية. { فلما رأى القمر بازغا }: متبدئا في الطلوع، { قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين }. استعجز نفسه واستعان ربه في درك الحق، وأنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشادا لقومه. وتنبيها لهم على أن القمر أيضا لتغير حاله، لا يصلح للألوهية، وأن من اتخذه إلها، فهو ضال. { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي } ، إنما ذكر الإشارة لتذكير الخبر، وصيانة للرب عن شبهة التأنيث { هذا أكبر } لكبر النور وسطوعه أكثر، { فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون } من الأجرام المحدثة المحسوسة، المحتاجة إلى محدث يحدثها، ومخصص يخصصها. ولما تبرأ من عبادتها توجه إلى موجدها ومبدعها، فقال: { إني وجهت وجهي للذي فطر } أي: أبدع { السماوات والأرض } حال كوني { حنيفا } أي: مائلا عن دينكم { وما أنا من المشركين } مثلكم. وإنما احتج بالأفول دون البزوغ، مع أنه تغير لأن الأفول أظهر في الدلالة لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب. ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال. وقيل: إن هذا الاستدلال والاحتجاج كان في حال طفولته قبل التكليف. فقد روي أنه لما ولدته أمه في غار، خوفا من نمرود إذ كان يقتل الأطفال لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي يولد في هذا العصر، فكان يستدل بما رأى على توحيد ربه، وهو في الغار، وهذا ضعيف لأن قوله: { إني بريء مما تشركون } يقتضي المحاججة والمخاصمة لقومه. وقوله عليه السلام: { هذا ربي } مع قوله: إني سقيم [الصافات:89]، و فعله كبيرهم هذا [الأنبياء:63]، ليس بكذب للعصمة، وإنما هو تورية. وفي الحديث: " ليس بكاذب من كاذب ظالما، أو دفع ضررا، أو رعى حقا، أو حفظ قلبا " وفي رواية أخرى: " ليس بكاذب، من قال خيرا أو نواه " وأما اعتذاره في حديث الشفاعة فلهول المطلع، فيقع الحذر من أدنى شيء. والله تعالى أعلم. الإشارة: لما كوشف إبراهيم بعالم الملكوت، رأى الله في الأشياء كلها، كما ورد في بعض الأثر: ما رأيت شيئا إلا رأيت الله فيه. وإنما قال: { لا أحب الآفلين } حذرا من الوقوف مع الحس دون شهود المعنى، إذ بحر المعاني متصل دائم ليس فيه تغيير ولا انتقال. وإنما تتغير الأواني دون المعاني، فشمس المعاني مشرقة على الدوام ليس لها مغيب ولا تغير ولا انتقال، ولذلك قيل: طلعت شمس من أحب بليل واستنارت فما تلاها غروب إن شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليس لها مغيب أي: طلعت شمس نهارعرفانهم على ليل وجودهم، فامتحت ظلمة وجودهم في شهود محبوبهم، وفي الحكم: " أنا الظواهر بأنوار آثاره، وأنار السرائر بأنوار أوصافه، لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر، ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر ". قال الجوزي: لما بدا لإبراهيم نجم العلم، وطلع قمر التوحيد، وأشرقت شمس المعرفة قال: { إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي... } الآية. ه. قيل: لما نظر إبراهيم عليه السلام بعيون رأسه إلى نور النجم والشمس والقمر الحسي، نودي في سره: يا إبراهيم، لا تنظر ببصرك إلى الجهة الحسية، وانظر ببصيرتك إلى الحقيقة المعنوية لأن الوجود كله عين الأحدية، فافهم معاني الأسماء، ولا تقف مع جرم الأرض والسماء، فإن الوقوف مع الحس حجاب عن المعنى. فقال إبراهيم: { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين }. ه. وفي ذلك يقول الششتري أيضا: لا تنظر إلى الأواني وخض بحر المعاني لعلك تراني ولما احتج إبراهيم عليه السلام على قومه خاصموه في ذلك كما قال تعالى: { وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله }.

الأنعام 6:76

قلت: الملك: ما ظهر في عالم الشهادة من المحسوسات، والملكوت: ما غاب فيها من معاني أسرار الربوبية، والجبروت: ما لم يدخل عالم التكوين من أسرار المعاني الأزلية. يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: مثل ذلك التبصر الذي بصرنا به إبراهيم حتى اهتدى للرد على أبيه، نريه { ملكوت السماوات والأرض } أي: نكشف له عن أسرار التوحيد فيهما، حتى يشاهد فيهما صانعهما، ولا يقف مع ظاهر حسهما، وإنما فعلنا له ذلك { ليكون من الموقنين } بمعرفتنا، عارفا بأسرار قدسنا. ولما كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والقمر والشمس، أراد أن يرشدهم إلى التوحيد من طريق النظر والاستدلال { فلما جن عليه الليل } أي: ستره بظلامه، { رأى كوكبا } وهو الزهرة أو المشتري، { قال هذا ربي } على سبيل التنزل إلى قول الخصم، وإن كان فاسدا فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم، ثم يكر عليه بالفساد لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأقرب إلى رجوع الخصم، { فلما أفل } أي: غاب، { قال لا أحب الآفلين } فضلا عن عبادتهم فإن التغير بالاستتار والانتقال يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية. { فلما رأى القمر بازغا }: متبدئا في الطلوع، { قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين }. استعجز نفسه واستعان ربه في درك الحق، وأنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشادا لقومه. وتنبيها لهم على أن القمر أيضا لتغير حاله، لا يصلح للألوهية، وأن من اتخذه إلها، فهو ضال. { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي } ، إنما ذكر الإشارة لتذكير الخبر، وصيانة للرب عن شبهة التأنيث { هذا أكبر } لكبر النور وسطوعه أكثر، { فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون } من الأجرام المحدثة المحسوسة، المحتاجة إلى محدث يحدثها، ومخصص يخصصها. ولما تبرأ من عبادتها توجه إلى موجدها ومبدعها، فقال: { إني وجهت وجهي للذي فطر } أي: أبدع { السماوات والأرض } حال كوني { حنيفا } أي: مائلا عن دينكم { وما أنا من المشركين } مثلكم. وإنما احتج بالأفول دون البزوغ، مع أنه تغير لأن الأفول أظهر في الدلالة لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب. ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال. وقيل: إن هذا الاستدلال والاحتجاج كان في حال طفولته قبل التكليف. فقد روي أنه لما ولدته أمه في غار، خوفا من نمرود إذ كان يقتل الأطفال لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي يولد في هذا العصر، فكان يستدل بما رأى على توحيد ربه، وهو في الغار، وهذا ضعيف لأن قوله: { إني بريء مما تشركون } يقتضي المحاججة والمخاصمة لقومه. وقوله عليه السلام: { هذا ربي } مع قوله: إني سقيم [الصافات:89]، و فعله كبيرهم هذا [الأنبياء:63]، ليس بكذب للعصمة، وإنما هو تورية. وفي الحديث: " ليس بكاذب من كاذب ظالما، أو دفع ضررا، أو رعى حقا، أو حفظ قلبا " وفي رواية أخرى: " ليس بكاذب، من قال خيرا أو نواه " وأما اعتذاره في حديث الشفاعة فلهول المطلع، فيقع الحذر من أدنى شيء. والله تعالى أعلم. الإشارة: لما كوشف إبراهيم بعالم الملكوت، رأى الله في الأشياء كلها، كما ورد في بعض الأثر: ما رأيت شيئا إلا رأيت الله فيه. وإنما قال: { لا أحب الآفلين } حذرا من الوقوف مع الحس دون شهود المعنى، إذ بحر المعاني متصل دائم ليس فيه تغيير ولا انتقال. وإنما تتغير الأواني دون المعاني، فشمس المعاني مشرقة على الدوام ليس لها مغيب ولا تغير ولا انتقال، ولذلك قيل: طلعت شمس من أحب بليل واستنارت فما تلاها غروب إن شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليس لها مغيب أي: طلعت شمس نهارعرفانهم على ليل وجودهم، فامتحت ظلمة وجودهم في شهود محبوبهم، وفي الحكم: " أنا الظواهر بأنوار آثاره، وأنار السرائر بأنوار أوصافه، لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر، ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر ". قال الجوزي: لما بدا لإبراهيم نجم العلم، وطلع قمر التوحيد، وأشرقت شمس المعرفة قال: { إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي... } الآية. ه. قيل: لما نظر إبراهيم عليه السلام بعيون رأسه إلى نور النجم والشمس والقمر الحسي، نودي في سره: يا إبراهيم، لا تنظر ببصرك إلى الجهة الحسية، وانظر ببصيرتك إلى الحقيقة المعنوية لأن الوجود كله عين الأحدية، فافهم معاني الأسماء، ولا تقف مع جرم الأرض والسماء، فإن الوقوف مع الحس حجاب عن المعنى. فقال إبراهيم: { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين }. ه. وفي ذلك يقول الششتري أيضا: لا تنظر إلى الأواني وخض بحر المعاني لعلك تراني ولما احتج إبراهيم عليه السلام على قومه خاصموه في ذلك كما قال تعالى: { وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله }.

الأنعام 6:77

قلت: الملك: ما ظهر في عالم الشهادة من المحسوسات، والملكوت: ما غاب فيها من معاني أسرار الربوبية، والجبروت: ما لم يدخل عالم التكوين من أسرار المعاني الأزلية. يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: مثل ذلك التبصر الذي بصرنا به إبراهيم حتى اهتدى للرد على أبيه، نريه { ملكوت السماوات والأرض } أي: نكشف له عن أسرار التوحيد فيهما، حتى يشاهد فيهما صانعهما، ولا يقف مع ظاهر حسهما، وإنما فعلنا له ذلك { ليكون من الموقنين } بمعرفتنا، عارفا بأسرار قدسنا. ولما كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والقمر والشمس، أراد أن يرشدهم إلى التوحيد من طريق النظر والاستدلال { فلما جن عليه الليل } أي: ستره بظلامه، { رأى كوكبا } وهو الزهرة أو المشتري، { قال هذا ربي } على سبيل التنزل إلى قول الخصم، وإن كان فاسدا فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم، ثم يكر عليه بالفساد لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأقرب إلى رجوع الخصم، { فلما أفل } أي: غاب، { قال لا أحب الآفلين } فضلا عن عبادتهم فإن التغير بالاستتار والانتقال يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية. { فلما رأى القمر بازغا }: متبدئا في الطلوع، { قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين }. استعجز نفسه واستعان ربه في درك الحق، وأنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشادا لقومه. وتنبيها لهم على أن القمر أيضا لتغير حاله، لا يصلح للألوهية، وأن من اتخذه إلها، فهو ضال. { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي } ، إنما ذكر الإشارة لتذكير الخبر، وصيانة للرب عن شبهة التأنيث { هذا أكبر } لكبر النور وسطوعه أكثر، { فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون } من الأجرام المحدثة المحسوسة، المحتاجة إلى محدث يحدثها، ومخصص يخصصها. ولما تبرأ من عبادتها توجه إلى موجدها ومبدعها، فقال: { إني وجهت وجهي للذي فطر } أي: أبدع { السماوات والأرض } حال كوني { حنيفا } أي: مائلا عن دينكم { وما أنا من المشركين } مثلكم. وإنما احتج بالأفول دون البزوغ، مع أنه تغير لأن الأفول أظهر في الدلالة لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب. ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال. وقيل: إن هذا الاستدلال والاحتجاج كان في حال طفولته قبل التكليف. فقد روي أنه لما ولدته أمه في غار، خوفا من نمرود إذ كان يقتل الأطفال لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي يولد في هذا العصر، فكان يستدل بما رأى على توحيد ربه، وهو في الغار، وهذا ضعيف لأن قوله: { إني بريء مما تشركون } يقتضي المحاججة والمخاصمة لقومه. وقوله عليه السلام: { هذا ربي } مع قوله: إني سقيم [الصافات:89]، و فعله كبيرهم هذا [الأنبياء:63]، ليس بكذب للعصمة، وإنما هو تورية. وفي الحديث: " ليس بكاذب من كاذب ظالما، أو دفع ضررا، أو رعى حقا، أو حفظ قلبا " وفي رواية أخرى: " ليس بكاذب، من قال خيرا أو نواه " وأما اعتذاره في حديث الشفاعة فلهول المطلع، فيقع الحذر من أدنى شيء. والله تعالى أعلم. الإشارة: لما كوشف إبراهيم بعالم الملكوت، رأى الله في الأشياء كلها، كما ورد في بعض الأثر: ما رأيت شيئا إلا رأيت الله فيه. وإنما قال: { لا أحب الآفلين } حذرا من الوقوف مع الحس دون شهود المعنى، إذ بحر المعاني متصل دائم ليس فيه تغيير ولا انتقال. وإنما تتغير الأواني دون المعاني، فشمس المعاني مشرقة على الدوام ليس لها مغيب ولا تغير ولا انتقال، ولذلك قيل: طلعت شمس من أحب بليل واستنارت فما تلاها غروب إن شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليس لها مغيب أي: طلعت شمس نهارعرفانهم على ليل وجودهم، فامتحت ظلمة وجودهم في شهود محبوبهم، وفي الحكم: " أنا الظواهر بأنوار آثاره، وأنار السرائر بأنوار أوصافه، لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر، ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر ". قال الجوزي: لما بدا لإبراهيم نجم العلم، وطلع قمر التوحيد، وأشرقت شمس المعرفة قال: { إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي... } الآية. ه. قيل: لما نظر إبراهيم عليه السلام بعيون رأسه إلى نور النجم والشمس والقمر الحسي، نودي في سره: يا إبراهيم، لا تنظر ببصرك إلى الجهة الحسية، وانظر ببصيرتك إلى الحقيقة المعنوية لأن الوجود كله عين الأحدية، فافهم معاني الأسماء، ولا تقف مع جرم الأرض والسماء، فإن الوقوف مع الحس حجاب عن المعنى. فقال إبراهيم: { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين }. ه. وفي ذلك يقول الششتري أيضا: لا تنظر إلى الأواني وخض بحر المعاني لعلك تراني ولما احتج إبراهيم عليه السلام على قومه خاصموه في ذلك كما قال تعالى: { وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله }.

الأنعام 6:78

قلت: الملك: ما ظهر في عالم الشهادة من المحسوسات، والملكوت: ما غاب فيها من معاني أسرار الربوبية، والجبروت: ما لم يدخل عالم التكوين من أسرار المعاني الأزلية. يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: مثل ذلك التبصر الذي بصرنا به إبراهيم حتى اهتدى للرد على أبيه، نريه { ملكوت السماوات والأرض } أي: نكشف له عن أسرار التوحيد فيهما، حتى يشاهد فيهما صانعهما، ولا يقف مع ظاهر حسهما، وإنما فعلنا له ذلك { ليكون من الموقنين } بمعرفتنا، عارفا بأسرار قدسنا. ولما كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والقمر والشمس، أراد أن يرشدهم إلى التوحيد من طريق النظر والاستدلال { فلما جن عليه الليل } أي: ستره بظلامه، { رأى كوكبا } وهو الزهرة أو المشتري، { قال هذا ربي } على سبيل التنزل إلى قول الخصم، وإن كان فاسدا فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم، ثم يكر عليه بالفساد لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأقرب إلى رجوع الخصم، { فلما أفل } أي: غاب، { قال لا أحب الآفلين } فضلا عن عبادتهم فإن التغير بالاستتار والانتقال يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية. { فلما رأى القمر بازغا }: متبدئا في الطلوع، { قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين }. استعجز نفسه واستعان ربه في درك الحق، وأنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشادا لقومه. وتنبيها لهم على أن القمر أيضا لتغير حاله، لا يصلح للألوهية، وأن من اتخذه إلها، فهو ضال. { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي } ، إنما ذكر الإشارة لتذكير الخبر، وصيانة للرب عن شبهة التأنيث { هذا أكبر } لكبر النور وسطوعه أكثر، { فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون } من الأجرام المحدثة المحسوسة، المحتاجة إلى محدث يحدثها، ومخصص يخصصها. ولما تبرأ من عبادتها توجه إلى موجدها ومبدعها، فقال: { إني وجهت وجهي للذي فطر } أي: أبدع { السماوات والأرض } حال كوني { حنيفا } أي: مائلا عن دينكم { وما أنا من المشركين } مثلكم. وإنما احتج بالأفول دون البزوغ، مع أنه تغير لأن الأفول أظهر في الدلالة لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب. ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال. وقيل: إن هذا الاستدلال والاحتجاج كان في حال طفولته قبل التكليف. فقد روي أنه لما ولدته أمه في غار، خوفا من نمرود إذ كان يقتل الأطفال لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي يولد في هذا العصر، فكان يستدل بما رأى على توحيد ربه، وهو في الغار، وهذا ضعيف لأن قوله: { إني بريء مما تشركون } يقتضي المحاججة والمخاصمة لقومه. وقوله عليه السلام: { هذا ربي } مع قوله: إني سقيم [الصافات:89]، و فعله كبيرهم هذا [الأنبياء:63]، ليس بكذب للعصمة، وإنما هو تورية. وفي الحديث: " ليس بكاذب من كاذب ظالما، أو دفع ضررا، أو رعى حقا، أو حفظ قلبا " وفي رواية أخرى: " ليس بكاذب، من قال خيرا أو نواه " وأما اعتذاره في حديث الشفاعة فلهول المطلع، فيقع الحذر من أدنى شيء. والله تعالى أعلم. الإشارة: لما كوشف إبراهيم بعالم الملكوت، رأى الله في الأشياء كلها، كما ورد في بعض الأثر: ما رأيت شيئا إلا رأيت الله فيه. وإنما قال: { لا أحب الآفلين } حذرا من الوقوف مع الحس دون شهود المعنى، إذ بحر المعاني متصل دائم ليس فيه تغيير ولا انتقال. وإنما تتغير الأواني دون المعاني، فشمس المعاني مشرقة على الدوام ليس لها مغيب ولا تغير ولا انتقال، ولذلك قيل: طلعت شمس من أحب بليل واستنارت فما تلاها غروب إن شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليس لها مغيب أي: طلعت شمس نهارعرفانهم على ليل وجودهم، فامتحت ظلمة وجودهم في شهود محبوبهم، وفي الحكم: " أنا الظواهر بأنوار آثاره، وأنار السرائر بأنوار أوصافه، لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر، ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر ". قال الجوزي: لما بدا لإبراهيم نجم العلم، وطلع قمر التوحيد، وأشرقت شمس المعرفة قال: { إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي... } الآية. ه. قيل: لما نظر إبراهيم عليه السلام بعيون رأسه إلى نور النجم والشمس والقمر الحسي، نودي في سره: يا إبراهيم، لا تنظر ببصرك إلى الجهة الحسية، وانظر ببصيرتك إلى الحقيقة المعنوية لأن الوجود كله عين الأحدية، فافهم معاني الأسماء، ولا تقف مع جرم الأرض والسماء، فإن الوقوف مع الحس حجاب عن المعنى. فقال إبراهيم: { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين }. ه. وفي ذلك يقول الششتري أيضا: لا تنظر إلى الأواني وخض بحر المعاني لعلك تراني ولما احتج إبراهيم عليه السلام على قومه خاصموه في ذلك كما قال تعالى: { وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله }.

الأنعام 6:79

قلت: الملك: ما ظهر في عالم الشهادة من المحسوسات، والملكوت: ما غاب فيها من معاني أسرار الربوبية، والجبروت: ما لم يدخل عالم التكوين من أسرار المعاني الأزلية. يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: مثل ذلك التبصر الذي بصرنا به إبراهيم حتى اهتدى للرد على أبيه، نريه { ملكوت السماوات والأرض } أي: نكشف له عن أسرار التوحيد فيهما، حتى يشاهد فيهما صانعهما، ولا يقف مع ظاهر حسهما، وإنما فعلنا له ذلك { ليكون من الموقنين } بمعرفتنا، عارفا بأسرار قدسنا. ولما كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والقمر والشمس، أراد أن يرشدهم إلى التوحيد من طريق النظر والاستدلال { فلما جن عليه الليل } أي: ستره بظلامه، { رأى كوكبا } وهو الزهرة أو المشتري، { قال هذا ربي } على سبيل التنزل إلى قول الخصم، وإن كان فاسدا فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم، ثم يكر عليه بالفساد لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأقرب إلى رجوع الخصم، { فلما أفل } أي: غاب، { قال لا أحب الآفلين } فضلا عن عبادتهم فإن التغير بالاستتار والانتقال يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية. { فلما رأى القمر بازغا }: متبدئا في الطلوع، { قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين }. استعجز نفسه واستعان ربه في درك الحق، وأنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشادا لقومه. وتنبيها لهم على أن القمر أيضا لتغير حاله، لا يصلح للألوهية، وأن من اتخذه إلها، فهو ضال. { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي } ، إنما ذكر الإشارة لتذكير الخبر، وصيانة للرب عن شبهة التأنيث { هذا أكبر } لكبر النور وسطوعه أكثر، { فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون } من الأجرام المحدثة المحسوسة، المحتاجة إلى محدث يحدثها، ومخصص يخصصها. ولما تبرأ من عبادتها توجه إلى موجدها ومبدعها، فقال: { إني وجهت وجهي للذي فطر } أي: أبدع { السماوات والأرض } حال كوني { حنيفا } أي: مائلا عن دينكم { وما أنا من المشركين } مثلكم. وإنما احتج بالأفول دون البزوغ، مع أنه تغير لأن الأفول أظهر في الدلالة لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب. ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال. وقيل: إن هذا الاستدلال والاحتجاج كان في حال طفولته قبل التكليف. فقد روي أنه لما ولدته أمه في غار، خوفا من نمرود إذ كان يقتل الأطفال لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي يولد في هذا العصر، فكان يستدل بما رأى على توحيد ربه، وهو في الغار، وهذا ضعيف لأن قوله: { إني بريء مما تشركون } يقتضي المحاججة والمخاصمة لقومه. وقوله عليه السلام: { هذا ربي } مع قوله: إني سقيم [الصافات:89]، و فعله كبيرهم هذا [الأنبياء:63]، ليس بكذب للعصمة، وإنما هو تورية. وفي الحديث: " ليس بكاذب من كاذب ظالما، أو دفع ضررا، أو رعى حقا، أو حفظ قلبا " وفي رواية أخرى: " ليس بكاذب، من قال خيرا أو نواه " وأما اعتذاره في حديث الشفاعة فلهول المطلع، فيقع الحذر من أدنى شيء. والله تعالى أعلم. الإشارة: لما كوشف إبراهيم بعالم الملكوت، رأى الله في الأشياء كلها، كما ورد في بعض الأثر: ما رأيت شيئا إلا رأيت الله فيه. وإنما قال: { لا أحب الآفلين } حذرا من الوقوف مع الحس دون شهود المعنى، إذ بحر المعاني متصل دائم ليس فيه تغيير ولا انتقال. وإنما تتغير الأواني دون المعاني، فشمس المعاني مشرقة على الدوام ليس لها مغيب ولا تغير ولا انتقال، ولذلك قيل: طلعت شمس من أحب بليل واستنارت فما تلاها غروب إن شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليس لها مغيب أي: طلعت شمس نهارعرفانهم على ليل وجودهم، فامتحت ظلمة وجودهم في شهود محبوبهم، وفي الحكم: " أنا الظواهر بأنوار آثاره، وأنار السرائر بأنوار أوصافه، لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر، ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر ". قال الجوزي: لما بدا لإبراهيم نجم العلم، وطلع قمر التوحيد، وأشرقت شمس المعرفة قال: { إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي... } الآية. ه. قيل: لما نظر إبراهيم عليه السلام بعيون رأسه إلى نور النجم والشمس والقمر الحسي، نودي في سره: يا إبراهيم، لا تنظر ببصرك إلى الجهة الحسية، وانظر ببصيرتك إلى الحقيقة المعنوية لأن الوجود كله عين الأحدية، فافهم معاني الأسماء، ولا تقف مع جرم الأرض والسماء، فإن الوقوف مع الحس حجاب عن المعنى. فقال إبراهيم: { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين }. ه. وفي ذلك يقول الششتري أيضا: لا تنظر إلى الأواني وخض بحر المعاني لعلك تراني ولما احتج إبراهيم عليه السلام على قومه خاصموه في ذلك كما قال تعالى: { وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله }.

الأنعام 6:80

{ وحآجه قومه قال أتحآجوني في الله وقد هدآن... } يقول الحق جل جلاله: { وحاجه قومه } أي: خاصموه في التوحيد، فقال لهم: { أتحاجوني في الله } أي: في وحدانيته، أو في الإيمان به، وقد هداني إلى توحيده وأرشدني إلى معرفته، فلا ألتفت إلى غيره، ولا أعبأ بمن خاصمني فيه، والأصل: تحاجونني، فحذف نافع وابن عامر نون الرفع، وأبقى نون الوقاية، وقيل: العكس، وأدغم الباقون أحدى النونين في الأخرى. الإشارة: مخاصمة العموم لأهل الخصوصية سنة ماضية ولن تجد لسنة الله تبديلا [الأحزاب:62] لأن من أنكر شيئا عاداه، فأهل الخصوصية يعذرون من أنكر عليهم لأن ذلك مبلغهم من العلم، والعامة لا يعذرون أهل الخصوصية لخروجهم عن بلادهم فلا يعرفون ما هم فيه. والله تعالى أعلم. ولما خاصموا إبراهيم عليه السلام فلم يلتفت إليهم، خوفوه بأصنامهم، فقال لهم: {... ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف مآ أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } قلت: الاستثناء في قوله: { إلا أن يشاء }: منقطع. قاله ابن جزي. وظاهر كلام البيضاوي: أنه متصل، وهو المتبادر، أي: ولا أخاف ما تشركون في حال من الأحوال إلا أن يشاء ربي أن يصيبني بمكروه من جهتها استدراجا لكم، وفتنة. وقال الواحدي: لا أخاف إلا مشيئة ربي أن يعذبني. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله إبراهيم: { ولا أخاف ما تشركون به } أي: لا أخاف معبوداتكم أن تصيبني بشيء لأنها جوامد لا تضر ولا تنفع، { إلا أن يشاء ربي شيئا } يصيبني بقدره وقضائه، فإنه يصيبني لا محالة، لا بسببها، { وسع ربي كل شيء علما } ، كأنه علة الاستثناء، أي: لا أخاف إلا ما سبق في مشيئة الله، لأنه أحاط بكل شيء علما، فلا يبعد أن يكون في علمه وقدره أن يحيق بي مكروه من جهتها، { أفلا تتذكرون } فتميزوا بين الصحيح والفاسد، والقادر والعاجز؟. { وكيف أخاف ما أشركتم } وهو جامد عاجز لا يتعلق به ضرر ولا نفع؟ { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } وهو أحق أن يخاف منه كل الخوف، لأنه القادر على الانتقام ممن أشرك معه غيره، وسوى بينه وبين مصنوع عاجز، لا يضر ولا ينفع، فأنتم أحق بالخوف لأنكم { أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا } أي: لم ينزل بإشراكه كتابا، ولم ينصب عليه دليلا، { فأي الفريقين أحق بالأمن }: أهل التوحيد والإيمان، أو أهل الشرك والعصيان؟ { إن كنتم تعلمون } ما يحق أن يخاف منه. ثم أجاب عن الاستفهام: الحق تعالى أو خليله، فقال: { الذين آمنوا ولم يلبسوا } أي: يخلطوا { إيمانهم بظلم } أي: بشرك، بل آمنوا بالله ولم يعبدوا معه غيره، { أولئك لهم الأمن } في الآخرة، { وهم مهتدون } في الدنيا. أما الطائع فأمنه ظاهر، وأما العاصي فيؤمن من الخلود وتحريم الجنة عليه. ولما نزلت الآية أشفق منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ لأنهم فهموا عموم الظلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس ما تظنون، إنما هو ما قال لقمان لابنه: { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم } [لقمان:13] " وقد كان المشركون يقرون بالصانع ويخلطون معه التصديق بربوية الأصنام، فقد آمنوا بوجود الصانع، ولكنهم لبسوا إيمانهم بالشرك، فلا آمن لهم ولا هداية. وبهذا يرد جهالة الزمخشري في إنكاره الحديث الصحيح، ولو بقي الظلم على عمومه أي: ولم يخلطوا إيمانه بمعصية لصح، ويكون المراد بالأمن أمنا خاصا وهداية خاصة، لكن ما قاله عليه الصلاة والسلام يوقف عنده. الإشارة: العارف بالله، المتحقق بوحدانية الله، لا يسكن خوف الخلق في قلبه، ولا ينظر إلا إلى ما يبرز من عند ربه، فإن وعده بالعصمة أو الحفظ لم يترك بذلك التضرع والالتجاء إلى ربه لسعة علمه تعالى، وقد يكون ذلك متوقفا على أسباب وشروط، أخفاها الحق تعالى إظهارا لقهريته، ولذلك قال الخليل عليه السلام: { ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما }. وقال سيدنا شعيب عليه السلام: وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلآ أن يشآء الله ربنا وسع ربنا كل شىء علما [الأعراف:89]. فالعارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، وأما الأمن من التحويل والانقلاب، فاختلف فيه فقال بعضهم: يحصل للولي الأمن، إذا تحقق بمقام القرب، وحصل له الفناء والبقاء، متمسكا بقوله تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن }. وقال بعضهم: لا يحصل الأمن إلا للأنبياء عليهم السلام للعصمة. قال الورتجبي: مقام الأمن لا يحصل لأحد، ما دام هو بوصف الحدثية، وكيف يكون آمنا منه وهو في رق العبودية ويعرف نفسه بها، ويعرف الحق بوصف القدم والبقاء وقهر الجبروت؟ وقال تعالى: فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف:99]. فإذا رأى الله تعالى بوصف المحبة والعشق والشوق، وذاق طعم الدنو، واتصف بصفات الحق، بدا له أوائل الأمن، لأن في صفة القدم لا يكون علة الخوف والرجاء، لأن هناك جنة القرب والوصال، وهم فيها آمنون من طوارق القهر، وهم مهتدون ما داموا متصفين بصفاته، وإن كانوا في تسامح من مناقشة الله بدقائق خفايا مكره. ه. فظاهر كلامه، أن المتحقق بمقام الفناء والبقاء، يحصل له الأمن من الشقاء، وكذلك قال أبو المواهب: من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء. وقال في نوادر الأصول: من حظه من أهل التقريب: الجلال والجمال، وقد أقيم في الهيبة والأنس، قد غاب عن خوف العقوبة، ولكنه يخاف التحويل والهوي والسقوط، لما ركب في نفوس بني آدم من الشهوات، فهن أبدا يهوين بصاحبهن عن الله إلى الإخلاد والبطء، وإنما يسكن خوف التحويل إذا خلص إلى الفردانية وتعلق بالوحدانية لتلاشي الهوى منه والشهوة بكشف الغطاء، ولا يذهب خوف ذلك بالكلية عنه، وإن سكن لبقاء خيال ذلك في حق غير الأنبياء. وأما هم فلم يبق لهم ظل الهوى، فبشروا بالنجاة فلم تغرهم البشرى لأنهم لم يبق لهم نفوس، فتستبد وتجور إذا أمنت السقوط، ومن بعدهم بقي لهم في نفوسهم شيء فمنعوا البشرى، وأبهم عليهم الأمر صنعا بهم ونظرا لهم، لتكون نفوسهم منقمعة بخوف الزوال. ه. هذا هو الأصل فافهمه. ه. وحاصل كلامه: أن غير الأنبياء لا ينقطع عنه خوف التحويل، بل يسكن خوفه فقط، ولا يبشر بالأمن إلا الأنبياء، وهو الصواب، لبقاء قهر الربوبية فوق ضعف العبودية، قال تعالى: وهو القاهر فوق عباده [الأنعام:18]. والله تعالى أعلم. ثم مدح خليله بما أظهر على يديه من الحجة والعلم، فقال: { وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم }.

الأنعام 6:81

{ وحآجه قومه قال أتحآجوني في الله وقد هدآن... } يقول الحق جل جلاله: { وحاجه قومه } أي: خاصموه في التوحيد، فقال لهم: { أتحاجوني في الله } أي: في وحدانيته، أو في الإيمان به، وقد هداني إلى توحيده وأرشدني إلى معرفته، فلا ألتفت إلى غيره، ولا أعبأ بمن خاصمني فيه، والأصل: تحاجونني، فحذف نافع وابن عامر نون الرفع، وأبقى نون الوقاية، وقيل: العكس، وأدغم الباقون أحدى النونين في الأخرى. الإشارة: مخاصمة العموم لأهل الخصوصية سنة ماضية ولن تجد لسنة الله تبديلا [الأحزاب:62] لأن من أنكر شيئا عاداه، فأهل الخصوصية يعذرون من أنكر عليهم لأن ذلك مبلغهم من العلم، والعامة لا يعذرون أهل الخصوصية لخروجهم عن بلادهم فلا يعرفون ما هم فيه. والله تعالى أعلم. ولما خاصموا إبراهيم عليه السلام فلم يلتفت إليهم، خوفوه بأصنامهم، فقال لهم: {... ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف مآ أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } قلت: الاستثناء في قوله: { إلا أن يشاء }: منقطع. قاله ابن جزي. وظاهر كلام البيضاوي: أنه متصل، وهو المتبادر، أي: ولا أخاف ما تشركون في حال من الأحوال إلا أن يشاء ربي أن يصيبني بمكروه من جهتها استدراجا لكم، وفتنة. وقال الواحدي: لا أخاف إلا مشيئة ربي أن يعذبني. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله إبراهيم: { ولا أخاف ما تشركون به } أي: لا أخاف معبوداتكم أن تصيبني بشيء لأنها جوامد لا تضر ولا تنفع، { إلا أن يشاء ربي شيئا } يصيبني بقدره وقضائه، فإنه يصيبني لا محالة، لا بسببها، { وسع ربي كل شيء علما } ، كأنه علة الاستثناء، أي: لا أخاف إلا ما سبق في مشيئة الله، لأنه أحاط بكل شيء علما، فلا يبعد أن يكون في علمه وقدره أن يحيق بي مكروه من جهتها، { أفلا تتذكرون } فتميزوا بين الصحيح والفاسد، والقادر والعاجز؟. { وكيف أخاف ما أشركتم } وهو جامد عاجز لا يتعلق به ضرر ولا نفع؟ { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } وهو أحق أن يخاف منه كل الخوف، لأنه القادر على الانتقام ممن أشرك معه غيره، وسوى بينه وبين مصنوع عاجز، لا يضر ولا ينفع، فأنتم أحق بالخوف لأنكم { أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا } أي: لم ينزل بإشراكه كتابا، ولم ينصب عليه دليلا، { فأي الفريقين أحق بالأمن }: أهل التوحيد والإيمان، أو أهل الشرك والعصيان؟ { إن كنتم تعلمون } ما يحق أن يخاف منه. ثم أجاب عن الاستفهام: الحق تعالى أو خليله، فقال: { الذين آمنوا ولم يلبسوا } أي: يخلطوا { إيمانهم بظلم } أي: بشرك، بل آمنوا بالله ولم يعبدوا معه غيره، { أولئك لهم الأمن } في الآخرة، { وهم مهتدون } في الدنيا. أما الطائع فأمنه ظاهر، وأما العاصي فيؤمن من الخلود وتحريم الجنة عليه. ولما نزلت الآية أشفق منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ لأنهم فهموا عموم الظلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس ما تظنون، إنما هو ما قال لقمان لابنه: { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم } [لقمان:13] " وقد كان المشركون يقرون بالصانع ويخلطون معه التصديق بربوية الأصنام، فقد آمنوا بوجود الصانع، ولكنهم لبسوا إيمانهم بالشرك، فلا آمن لهم ولا هداية. وبهذا يرد جهالة الزمخشري في إنكاره الحديث الصحيح، ولو بقي الظلم على عمومه أي: ولم يخلطوا إيمانه بمعصية لصح، ويكون المراد بالأمن أمنا خاصا وهداية خاصة، لكن ما قاله عليه الصلاة والسلام يوقف عنده. الإشارة: العارف بالله، المتحقق بوحدانية الله، لا يسكن خوف الخلق في قلبه، ولا ينظر إلا إلى ما يبرز من عند ربه، فإن وعده بالعصمة أو الحفظ لم يترك بذلك التضرع والالتجاء إلى ربه لسعة علمه تعالى، وقد يكون ذلك متوقفا على أسباب وشروط، أخفاها الحق تعالى إظهارا لقهريته، ولذلك قال الخليل عليه السلام: { ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما }. وقال سيدنا شعيب عليه السلام: وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلآ أن يشآء الله ربنا وسع ربنا كل شىء علما [الأعراف:89]. فالعارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، وأما الأمن من التحويل والانقلاب، فاختلف فيه فقال بعضهم: يحصل للولي الأمن، إذا تحقق بمقام القرب، وحصل له الفناء والبقاء، متمسكا بقوله تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن }. وقال بعضهم: لا يحصل الأمن إلا للأنبياء عليهم السلام للعصمة. قال الورتجبي: مقام الأمن لا يحصل لأحد، ما دام هو بوصف الحدثية، وكيف يكون آمنا منه وهو في رق العبودية ويعرف نفسه بها، ويعرف الحق بوصف القدم والبقاء وقهر الجبروت؟ وقال تعالى: فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف:99]. فإذا رأى الله تعالى بوصف المحبة والعشق والشوق، وذاق طعم الدنو، واتصف بصفات الحق، بدا له أوائل الأمن، لأن في صفة القدم لا يكون علة الخوف والرجاء، لأن هناك جنة القرب والوصال، وهم فيها آمنون من طوارق القهر، وهم مهتدون ما داموا متصفين بصفاته، وإن كانوا في تسامح من مناقشة الله بدقائق خفايا مكره. ه. فظاهر كلامه، أن المتحقق بمقام الفناء والبقاء، يحصل له الأمن من الشقاء، وكذلك قال أبو المواهب: من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء. وقال في نوادر الأصول: من حظه من أهل التقريب: الجلال والجمال، وقد أقيم في الهيبة والأنس، قد غاب عن خوف العقوبة، ولكنه يخاف التحويل والهوي والسقوط، لما ركب في نفوس بني آدم من الشهوات، فهن أبدا يهوين بصاحبهن عن الله إلى الإخلاد والبطء، وإنما يسكن خوف التحويل إذا خلص إلى الفردانية وتعلق بالوحدانية لتلاشي الهوى منه والشهوة بكشف الغطاء، ولا يذهب خوف ذلك بالكلية عنه، وإن سكن لبقاء خيال ذلك في حق غير الأنبياء. وأما هم فلم يبق لهم ظل الهوى، فبشروا بالنجاة فلم تغرهم البشرى لأنهم لم يبق لهم نفوس، فتستبد وتجور إذا أمنت السقوط، ومن بعدهم بقي لهم في نفوسهم شيء فمنعوا البشرى، وأبهم عليهم الأمر صنعا بهم ونظرا لهم، لتكون نفوسهم منقمعة بخوف الزوال. ه. هذا هو الأصل فافهمه. ه. وحاصل كلامه: أن غير الأنبياء لا ينقطع عنه خوف التحويل، بل يسكن خوفه فقط، ولا يبشر بالأمن إلا الأنبياء، وهو الصواب، لبقاء قهر الربوبية فوق ضعف العبودية، قال تعالى: وهو القاهر فوق عباده [الأنعام:18]. والله تعالى أعلم. ثم مدح خليله بما أظهر على يديه من الحجة والعلم، فقال: { وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم }.

الأنعام 6:82

{ وحآجه قومه قال أتحآجوني في الله وقد هدآن... } يقول الحق جل جلاله: { وحاجه قومه } أي: خاصموه في التوحيد، فقال لهم: { أتحاجوني في الله } أي: في وحدانيته، أو في الإيمان به، وقد هداني إلى توحيده وأرشدني إلى معرفته، فلا ألتفت إلى غيره، ولا أعبأ بمن خاصمني فيه، والأصل: تحاجونني، فحذف نافع وابن عامر نون الرفع، وأبقى نون الوقاية، وقيل: العكس، وأدغم الباقون أحدى النونين في الأخرى. الإشارة: مخاصمة العموم لأهل الخصوصية سنة ماضية ولن تجد لسنة الله تبديلا [الأحزاب:62] لأن من أنكر شيئا عاداه، فأهل الخصوصية يعذرون من أنكر عليهم لأن ذلك مبلغهم من العلم، والعامة لا يعذرون أهل الخصوصية لخروجهم عن بلادهم فلا يعرفون ما هم فيه. والله تعالى أعلم. ولما خاصموا إبراهيم عليه السلام فلم يلتفت إليهم، خوفوه بأصنامهم، فقال لهم: {... ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف مآ أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } قلت: الاستثناء في قوله: { إلا أن يشاء }: منقطع. قاله ابن جزي. وظاهر كلام البيضاوي: أنه متصل، وهو المتبادر، أي: ولا أخاف ما تشركون في حال من الأحوال إلا أن يشاء ربي أن يصيبني بمكروه من جهتها استدراجا لكم، وفتنة. وقال الواحدي: لا أخاف إلا مشيئة ربي أن يعذبني. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله إبراهيم: { ولا أخاف ما تشركون به } أي: لا أخاف معبوداتكم أن تصيبني بشيء لأنها جوامد لا تضر ولا تنفع، { إلا أن يشاء ربي شيئا } يصيبني بقدره وقضائه، فإنه يصيبني لا محالة، لا بسببها، { وسع ربي كل شيء علما } ، كأنه علة الاستثناء، أي: لا أخاف إلا ما سبق في مشيئة الله، لأنه أحاط بكل شيء علما، فلا يبعد أن يكون في علمه وقدره أن يحيق بي مكروه من جهتها، { أفلا تتذكرون } فتميزوا بين الصحيح والفاسد، والقادر والعاجز؟. { وكيف أخاف ما أشركتم } وهو جامد عاجز لا يتعلق به ضرر ولا نفع؟ { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } وهو أحق أن يخاف منه كل الخوف، لأنه القادر على الانتقام ممن أشرك معه غيره، وسوى بينه وبين مصنوع عاجز، لا يضر ولا ينفع، فأنتم أحق بالخوف لأنكم { أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا } أي: لم ينزل بإشراكه كتابا، ولم ينصب عليه دليلا، { فأي الفريقين أحق بالأمن }: أهل التوحيد والإيمان، أو أهل الشرك والعصيان؟ { إن كنتم تعلمون } ما يحق أن يخاف منه. ثم أجاب عن الاستفهام: الحق تعالى أو خليله، فقال: { الذين آمنوا ولم يلبسوا } أي: يخلطوا { إيمانهم بظلم } أي: بشرك، بل آمنوا بالله ولم يعبدوا معه غيره، { أولئك لهم الأمن } في الآخرة، { وهم مهتدون } في الدنيا. أما الطائع فأمنه ظاهر، وأما العاصي فيؤمن من الخلود وتحريم الجنة عليه. ولما نزلت الآية أشفق منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ لأنهم فهموا عموم الظلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس ما تظنون، إنما هو ما قال لقمان لابنه: { يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم } [لقمان:13] " وقد كان المشركون يقرون بالصانع ويخلطون معه التصديق بربوية الأصنام، فقد آمنوا بوجود الصانع، ولكنهم لبسوا إيمانهم بالشرك، فلا آمن لهم ولا هداية. وبهذا يرد جهالة الزمخشري في إنكاره الحديث الصحيح، ولو بقي الظلم على عمومه أي: ولم يخلطوا إيمانه بمعصية لصح، ويكون المراد بالأمن أمنا خاصا وهداية خاصة، لكن ما قاله عليه الصلاة والسلام يوقف عنده. الإشارة: العارف بالله، المتحقق بوحدانية الله، لا يسكن خوف الخلق في قلبه، ولا ينظر إلا إلى ما يبرز من عند ربه، فإن وعده بالعصمة أو الحفظ لم يترك بذلك التضرع والالتجاء إلى ربه لسعة علمه تعالى، وقد يكون ذلك متوقفا على أسباب وشروط، أخفاها الحق تعالى إظهارا لقهريته، ولذلك قال الخليل عليه السلام: { ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما }. وقال سيدنا شعيب عليه السلام: وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلآ أن يشآء الله ربنا وسع ربنا كل شىء علما [الأعراف:89]. فالعارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، وأما الأمن من التحويل والانقلاب، فاختلف فيه فقال بعضهم: يحصل للولي الأمن، إذا تحقق بمقام القرب، وحصل له الفناء والبقاء، متمسكا بقوله تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن }. وقال بعضهم: لا يحصل الأمن إلا للأنبياء عليهم السلام للعصمة. قال الورتجبي: مقام الأمن لا يحصل لأحد، ما دام هو بوصف الحدثية، وكيف يكون آمنا منه وهو في رق العبودية ويعرف نفسه بها، ويعرف الحق بوصف القدم والبقاء وقهر الجبروت؟ وقال تعالى: فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف:99]. فإذا رأى الله تعالى بوصف المحبة والعشق والشوق، وذاق طعم الدنو، واتصف بصفات الحق، بدا له أوائل الأمن، لأن في صفة القدم لا يكون علة الخوف والرجاء، لأن هناك جنة القرب والوصال، وهم فيها آمنون من طوارق القهر، وهم مهتدون ما داموا متصفين بصفاته، وإن كانوا في تسامح من مناقشة الله بدقائق خفايا مكره. ه. فظاهر كلامه، أن المتحقق بمقام الفناء والبقاء، يحصل له الأمن من الشقاء، وكذلك قال أبو المواهب: من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء. وقال في نوادر الأصول: من حظه من أهل التقريب: الجلال والجمال، وقد أقيم في الهيبة والأنس، قد غاب عن خوف العقوبة، ولكنه يخاف التحويل والهوي والسقوط، لما ركب في نفوس بني آدم من الشهوات، فهن أبدا يهوين بصاحبهن عن الله إلى الإخلاد والبطء، وإنما يسكن خوف التحويل إذا خلص إلى الفردانية وتعلق بالوحدانية لتلاشي الهوى منه والشهوة بكشف الغطاء، ولا يذهب خوف ذلك بالكلية عنه، وإن سكن لبقاء خيال ذلك في حق غير الأنبياء. وأما هم فلم يبق لهم ظل الهوى، فبشروا بالنجاة فلم تغرهم البشرى لأنهم لم يبق لهم نفوس، فتستبد وتجور إذا أمنت السقوط، ومن بعدهم بقي لهم في نفوسهم شيء فمنعوا البشرى، وأبهم عليهم الأمر صنعا بهم ونظرا لهم، لتكون نفوسهم منقمعة بخوف الزوال. ه. هذا هو الأصل فافهمه. ه. وحاصل كلامه: أن غير الأنبياء لا ينقطع عنه خوف التحويل، بل يسكن خوفه فقط، ولا يبشر بالأمن إلا الأنبياء، وهو الصواب، لبقاء قهر الربوبية فوق ضعف العبودية، قال تعالى: وهو القاهر فوق عباده [الأنعام:18]. والله تعالى أعلم. ثم مدح خليله بما أظهر على يديه من الحجة والعلم، فقال: { وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم }.

الأنعام 6:83

قلت: { على قومه }: متعلق بحجتنا، إن جعل خبرا عن { تلك } ، وبمحذوف، إن جعل بدله، أي: وتلك الحجة آتيناها إبراهيم حجة على قومه. ومن قرأ: { درجات }: بالتنوين فمن نشاء: مفعول، و { درجات }: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } ، إشارة إلى ما تقدم من استدلاله على وحدانيته تعالى بأفول الكوكب والقمر والشمس، واحتجاجه بذلك على قومه، وإتيانه إياها: وإرشاده لها وتعليمه إياها، قال تعالى: { نرفع درجات من نشاء } في العلم والحكمة، أو في اليقين والمعرفة، { إن ربك حكيم } في رفعه وخفضه، { عليم } بحال من يرفعه ويخفضه، وبحال الاستعداد لذلك. الإشارة: رفع الدرجات في جنات الزخارف يكون بالعلم والعمل وزيادة الطاعات، ورفع الدرجات في جنة المعارف يكون بكبر اليقين. والترقي في شهود رب العالمين. وذلك بحسب التبتل والانقطاع، والتفرغ من شواغل الحس ودوام الأنس. والله تعالى أعلم. ومما خص به إبراهيم عليه السلام وكان زيادة في درجته أن الأنبياء جلهم من ذريته كما قال تعالى: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب }.

الأنعام 6:84

قلت: الضمير في { ذريته } لإبراهيم عليه السلام لأن الحديث عليه، أو لنوح عليه السلام لذكر لوط، وليس من ذرية إبراهيم، لكنه ابن أخيه فكأنه ابنه، و { داود }: عطف على { نوح } أي: وهدينا من ذريته داود، و { من آبائهم }: في موضع نصب، عطف على { نوح } أي وهدينا بعض آبائهم، والهاء في { اقتده }: للسكت، فتحذف في الوصل، ومن أثبتها راعى فيها خط المصحف، وكأنه وصل بنية الوقف. يقول الحق جل جلاله: { ووهبنا } لإبراهيم { إسحاق } ابنه، { ويعقوب } حفيده، { كلا } منهما { هدينا } { ونوحا } قد هديناه { من قبل } إبراهيم، وعده نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد، { ومن ذريته } أي: إبراهيم، { داود } بن أيشا، { وسليمان وأيوب } بن قوص بن رازح بن عيصو بن إسحاق { ويوسف } بن يعقوب بن إسحاق، { وموسى وهارون } ابنا عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. { وكذلك نجزي المحسنين } أي: نجزي المحسنين جزاء مثل ما جازينا إبراهيم برفع درجاته وكثرة أولاده، وجعل النبوة فيهم. { وزكريا } بن آذن بن بركيا، من ذرية سليمان، { ويحيى } بن زكريا، { وعيسى } ابن مريم بنت عمران، وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت، { وإلياس } بن نسى فنحاص بن إلعازر بن هارون. وقيل: هو إدريس جد نوح، وفيه بعد. { كل من الصالحين } الكاملين في الصلاح، وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز مما لا ينبغي. { وإسماعيل } بن إبراهيم، قد هدينا أيضا، وهو أكبر ولد إبراهيم، وهو ابن هاجر، { واليسع } بن أخطوب بن العجوز، وقرىء: " والليسع " بالتعريف، كأن أصله: ليسع، و " أل " فيه: زائدة، لا تفيد التعريف لأنه علم، { ويونس } بن متى، اسم أبيه، وهو من ذرية إبراهيم، خلافا للبيضاوي. قال القرطبي: لم يبعث الله نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه. ه. ويونس مثلث النون كيوسف، يعني بتثليث السين. { ولوطا } هو ابن هاران أخى إبراهيم، فهو ابن أخيه، وقيل: ابن أخته، فقد يطلق على العم أب مجازا، { وكلا فضلنا على العالمين } أي: عالمي زمانهم بالنبوة والرسالة، فكل واحد فضل على أهل زمانه. { ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } أي: فضلنا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، { واجتبيناهم } أي: اخترناهم للرسالة واصطفيناهم للحضرة، { وهديناهم إلى صراط مستقيم } الذي يوصل إلى حضرة قدسنا. { ذلك هدى الله } أي: ذلك الدين الذي دانوا به هو هدى الله { يهدي به } أي: بسببه، { من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ، تحذيرا من الشرك، وإن كانوا معصومين منه. { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } أي: جنس الكتب، { والحكم } أي: الحكمة، أو الفصل بين العباد، على ما يقتضيه الحق، { والنبوة } الرسالة { فإن يكفر بها هؤلاء }: أهل مكة، { فقد وكلنا بها } أي: بالإيمان بها والقيام بحقوقها، { قوما ليسوا بها بكافرين } وهم الأنبياء المذكورون، وتابعوهم، وقيل: الصحابة المهاجرون والأنصار، وهو الأظهر. وقيل: كل مؤمن، وقيل: الفرس. والأول أرجح لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: { أولئك الذين هدى الله } ، الإشارة إلى الأنبياء المذكورين، { فبهداهم اقتده } أي: اتبع آثارهم، والمراد بهديهم: ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعا فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله. قاله البيضاوي. { قل لا أسألكم عليه } أي: التبليغ أو القرآن، { أجرا } أي: جعلا من جهتكم، كحال الأنبياء قبلي اقتداء بهم فيه، فهو من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه، { إن هو } أي: ما هو، أي: التبليغ أوالقرآن، { إلا ذكرى للعالمين } إلا تذكرة وموعظة لهم. الإشارة: فضل هؤلاء السادات على أهل زمانهم بما هداهم إليه من أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وبما خصهم به من كمال العبودية والآداب مع عظمة الربوبية. وفي قوله لحبيبه: { فبهداهم اقتده } فتح لباب اكتساب التفضيل، فكل من اقتدى بهم فيما ذكر شرف على أهل زمانه، وقد جمع في حبيبه صلى الله عليه وسلم ما افترق فيهم، وزاد عليهم بالمحبة ورفع الدرجات، فكان هو سيد الأولين والآخرين، فكل من اقتدى به في أفعاله وأقواله وأخلاقه نال من السيادة بقدر اقتدائه، وأمره سبحانه له بالاقتداء بهم، إنما هو في الآداب، وكان ذلك قبل أن يترقى عنهم إلى مقامه الذي خصه الله به. للأنبياء سيرا وترقيا يليق بهم. كما للأولياء سير وترق يليق بهم. قال الورتجبي: أمر حبيبه عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بالأنبياء والرسل قبله في آداب الشريعة، لأن هناك منازل الوسائط، فإذا أوصله بالكلية إليه، وكحل عيون أسراره بكحل الربوبية، جعله مستقلا بذاته مستقيما بحاله، وخرج عن حد الإرادة إلى حد المعرفة والاستقامة، وأمره بإسقاط الوسائط، حتى قال: " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " ، وغير ذلك. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه: أمره بالاقتداء بهم فيما شاركوه فيه، وإن انفرد عنهم بما خص به. ه. ولما ذكر مشاهير الرسل، وما أتحفهم به من الهداية وإنزال الوحي، رد على من أنكر ذلك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.

الأنعام 6:85

قلت: الضمير في { ذريته } لإبراهيم عليه السلام لأن الحديث عليه، أو لنوح عليه السلام لذكر لوط، وليس من ذرية إبراهيم، لكنه ابن أخيه فكأنه ابنه، و { داود }: عطف على { نوح } أي: وهدينا من ذريته داود، و { من آبائهم }: في موضع نصب، عطف على { نوح } أي وهدينا بعض آبائهم، والهاء في { اقتده }: للسكت، فتحذف في الوصل، ومن أثبتها راعى فيها خط المصحف، وكأنه وصل بنية الوقف. يقول الحق جل جلاله: { ووهبنا } لإبراهيم { إسحاق } ابنه، { ويعقوب } حفيده، { كلا } منهما { هدينا } { ونوحا } قد هديناه { من قبل } إبراهيم، وعده نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد، { ومن ذريته } أي: إبراهيم، { داود } بن أيشا، { وسليمان وأيوب } بن قوص بن رازح بن عيصو بن إسحاق { ويوسف } بن يعقوب بن إسحاق، { وموسى وهارون } ابنا عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. { وكذلك نجزي المحسنين } أي: نجزي المحسنين جزاء مثل ما جازينا إبراهيم برفع درجاته وكثرة أولاده، وجعل النبوة فيهم. { وزكريا } بن آذن بن بركيا، من ذرية سليمان، { ويحيى } بن زكريا، { وعيسى } ابن مريم بنت عمران، وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت، { وإلياس } بن نسى فنحاص بن إلعازر بن هارون. وقيل: هو إدريس جد نوح، وفيه بعد. { كل من الصالحين } الكاملين في الصلاح، وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز مما لا ينبغي. { وإسماعيل } بن إبراهيم، قد هدينا أيضا، وهو أكبر ولد إبراهيم، وهو ابن هاجر، { واليسع } بن أخطوب بن العجوز، وقرىء: " والليسع " بالتعريف، كأن أصله: ليسع، و " أل " فيه: زائدة، لا تفيد التعريف لأنه علم، { ويونس } بن متى، اسم أبيه، وهو من ذرية إبراهيم، خلافا للبيضاوي. قال القرطبي: لم يبعث الله نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه. ه. ويونس مثلث النون كيوسف، يعني بتثليث السين. { ولوطا } هو ابن هاران أخى إبراهيم، فهو ابن أخيه، وقيل: ابن أخته، فقد يطلق على العم أب مجازا، { وكلا فضلنا على العالمين } أي: عالمي زمانهم بالنبوة والرسالة، فكل واحد فضل على أهل زمانه. { ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } أي: فضلنا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، { واجتبيناهم } أي: اخترناهم للرسالة واصطفيناهم للحضرة، { وهديناهم إلى صراط مستقيم } الذي يوصل إلى حضرة قدسنا. { ذلك هدى الله } أي: ذلك الدين الذي دانوا به هو هدى الله { يهدي به } أي: بسببه، { من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ، تحذيرا من الشرك، وإن كانوا معصومين منه. { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } أي: جنس الكتب، { والحكم } أي: الحكمة، أو الفصل بين العباد، على ما يقتضيه الحق، { والنبوة } الرسالة { فإن يكفر بها هؤلاء }: أهل مكة، { فقد وكلنا بها } أي: بالإيمان بها والقيام بحقوقها، { قوما ليسوا بها بكافرين } وهم الأنبياء المذكورون، وتابعوهم، وقيل: الصحابة المهاجرون والأنصار، وهو الأظهر. وقيل: كل مؤمن، وقيل: الفرس. والأول أرجح لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: { أولئك الذين هدى الله } ، الإشارة إلى الأنبياء المذكورين، { فبهداهم اقتده } أي: اتبع آثارهم، والمراد بهديهم: ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعا فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله. قاله البيضاوي. { قل لا أسألكم عليه } أي: التبليغ أو القرآن، { أجرا } أي: جعلا من جهتكم، كحال الأنبياء قبلي اقتداء بهم فيه، فهو من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه، { إن هو } أي: ما هو، أي: التبليغ أوالقرآن، { إلا ذكرى للعالمين } إلا تذكرة وموعظة لهم. الإشارة: فضل هؤلاء السادات على أهل زمانهم بما هداهم إليه من أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وبما خصهم به من كمال العبودية والآداب مع عظمة الربوبية. وفي قوله لحبيبه: { فبهداهم اقتده } فتح لباب اكتساب التفضيل، فكل من اقتدى بهم فيما ذكر شرف على أهل زمانه، وقد جمع في حبيبه صلى الله عليه وسلم ما افترق فيهم، وزاد عليهم بالمحبة ورفع الدرجات، فكان هو سيد الأولين والآخرين، فكل من اقتدى به في أفعاله وأقواله وأخلاقه نال من السيادة بقدر اقتدائه، وأمره سبحانه له بالاقتداء بهم، إنما هو في الآداب، وكان ذلك قبل أن يترقى عنهم إلى مقامه الذي خصه الله به. للأنبياء سيرا وترقيا يليق بهم. كما للأولياء سير وترق يليق بهم. قال الورتجبي: أمر حبيبه عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بالأنبياء والرسل قبله في آداب الشريعة، لأن هناك منازل الوسائط، فإذا أوصله بالكلية إليه، وكحل عيون أسراره بكحل الربوبية، جعله مستقلا بذاته مستقيما بحاله، وخرج عن حد الإرادة إلى حد المعرفة والاستقامة، وأمره بإسقاط الوسائط، حتى قال: " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " ، وغير ذلك. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه: أمره بالاقتداء بهم فيما شاركوه فيه، وإن انفرد عنهم بما خص به. ه. ولما ذكر مشاهير الرسل، وما أتحفهم به من الهداية وإنزال الوحي، رد على من أنكر ذلك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.

الأنعام 6:86

قلت: الضمير في { ذريته } لإبراهيم عليه السلام لأن الحديث عليه، أو لنوح عليه السلام لذكر لوط، وليس من ذرية إبراهيم، لكنه ابن أخيه فكأنه ابنه، و { داود }: عطف على { نوح } أي: وهدينا من ذريته داود، و { من آبائهم }: في موضع نصب، عطف على { نوح } أي وهدينا بعض آبائهم، والهاء في { اقتده }: للسكت، فتحذف في الوصل، ومن أثبتها راعى فيها خط المصحف، وكأنه وصل بنية الوقف. يقول الحق جل جلاله: { ووهبنا } لإبراهيم { إسحاق } ابنه، { ويعقوب } حفيده، { كلا } منهما { هدينا } { ونوحا } قد هديناه { من قبل } إبراهيم، وعده نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد، { ومن ذريته } أي: إبراهيم، { داود } بن أيشا، { وسليمان وأيوب } بن قوص بن رازح بن عيصو بن إسحاق { ويوسف } بن يعقوب بن إسحاق، { وموسى وهارون } ابنا عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. { وكذلك نجزي المحسنين } أي: نجزي المحسنين جزاء مثل ما جازينا إبراهيم برفع درجاته وكثرة أولاده، وجعل النبوة فيهم. { وزكريا } بن آذن بن بركيا، من ذرية سليمان، { ويحيى } بن زكريا، { وعيسى } ابن مريم بنت عمران، وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت، { وإلياس } بن نسى فنحاص بن إلعازر بن هارون. وقيل: هو إدريس جد نوح، وفيه بعد. { كل من الصالحين } الكاملين في الصلاح، وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز مما لا ينبغي. { وإسماعيل } بن إبراهيم، قد هدينا أيضا، وهو أكبر ولد إبراهيم، وهو ابن هاجر، { واليسع } بن أخطوب بن العجوز، وقرىء: " والليسع " بالتعريف، كأن أصله: ليسع، و " أل " فيه: زائدة، لا تفيد التعريف لأنه علم، { ويونس } بن متى، اسم أبيه، وهو من ذرية إبراهيم، خلافا للبيضاوي. قال القرطبي: لم يبعث الله نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه. ه. ويونس مثلث النون كيوسف، يعني بتثليث السين. { ولوطا } هو ابن هاران أخى إبراهيم، فهو ابن أخيه، وقيل: ابن أخته، فقد يطلق على العم أب مجازا، { وكلا فضلنا على العالمين } أي: عالمي زمانهم بالنبوة والرسالة، فكل واحد فضل على أهل زمانه. { ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } أي: فضلنا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، { واجتبيناهم } أي: اخترناهم للرسالة واصطفيناهم للحضرة، { وهديناهم إلى صراط مستقيم } الذي يوصل إلى حضرة قدسنا. { ذلك هدى الله } أي: ذلك الدين الذي دانوا به هو هدى الله { يهدي به } أي: بسببه، { من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ، تحذيرا من الشرك، وإن كانوا معصومين منه. { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } أي: جنس الكتب، { والحكم } أي: الحكمة، أو الفصل بين العباد، على ما يقتضيه الحق، { والنبوة } الرسالة { فإن يكفر بها هؤلاء }: أهل مكة، { فقد وكلنا بها } أي: بالإيمان بها والقيام بحقوقها، { قوما ليسوا بها بكافرين } وهم الأنبياء المذكورون، وتابعوهم، وقيل: الصحابة المهاجرون والأنصار، وهو الأظهر. وقيل: كل مؤمن، وقيل: الفرس. والأول أرجح لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: { أولئك الذين هدى الله } ، الإشارة إلى الأنبياء المذكورين، { فبهداهم اقتده } أي: اتبع آثارهم، والمراد بهديهم: ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعا فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله. قاله البيضاوي. { قل لا أسألكم عليه } أي: التبليغ أو القرآن، { أجرا } أي: جعلا من جهتكم، كحال الأنبياء قبلي اقتداء بهم فيه، فهو من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه، { إن هو } أي: ما هو، أي: التبليغ أوالقرآن، { إلا ذكرى للعالمين } إلا تذكرة وموعظة لهم. الإشارة: فضل هؤلاء السادات على أهل زمانهم بما هداهم إليه من أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وبما خصهم به من كمال العبودية والآداب مع عظمة الربوبية. وفي قوله لحبيبه: { فبهداهم اقتده } فتح لباب اكتساب التفضيل، فكل من اقتدى بهم فيما ذكر شرف على أهل زمانه، وقد جمع في حبيبه صلى الله عليه وسلم ما افترق فيهم، وزاد عليهم بالمحبة ورفع الدرجات، فكان هو سيد الأولين والآخرين، فكل من اقتدى به في أفعاله وأقواله وأخلاقه نال من السيادة بقدر اقتدائه، وأمره سبحانه له بالاقتداء بهم، إنما هو في الآداب، وكان ذلك قبل أن يترقى عنهم إلى مقامه الذي خصه الله به. للأنبياء سيرا وترقيا يليق بهم. كما للأولياء سير وترق يليق بهم. قال الورتجبي: أمر حبيبه عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بالأنبياء والرسل قبله في آداب الشريعة، لأن هناك منازل الوسائط، فإذا أوصله بالكلية إليه، وكحل عيون أسراره بكحل الربوبية، جعله مستقلا بذاته مستقيما بحاله، وخرج عن حد الإرادة إلى حد المعرفة والاستقامة، وأمره بإسقاط الوسائط، حتى قال: " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " ، وغير ذلك. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه: أمره بالاقتداء بهم فيما شاركوه فيه، وإن انفرد عنهم بما خص به. ه. ولما ذكر مشاهير الرسل، وما أتحفهم به من الهداية وإنزال الوحي، رد على من أنكر ذلك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.

الأنعام 6:87

قلت: الضمير في { ذريته } لإبراهيم عليه السلام لأن الحديث عليه، أو لنوح عليه السلام لذكر لوط، وليس من ذرية إبراهيم، لكنه ابن أخيه فكأنه ابنه، و { داود }: عطف على { نوح } أي: وهدينا من ذريته داود، و { من آبائهم }: في موضع نصب، عطف على { نوح } أي وهدينا بعض آبائهم، والهاء في { اقتده }: للسكت، فتحذف في الوصل، ومن أثبتها راعى فيها خط المصحف، وكأنه وصل بنية الوقف. يقول الحق جل جلاله: { ووهبنا } لإبراهيم { إسحاق } ابنه، { ويعقوب } حفيده، { كلا } منهما { هدينا } { ونوحا } قد هديناه { من قبل } إبراهيم، وعده نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد، { ومن ذريته } أي: إبراهيم، { داود } بن أيشا، { وسليمان وأيوب } بن قوص بن رازح بن عيصو بن إسحاق { ويوسف } بن يعقوب بن إسحاق، { وموسى وهارون } ابنا عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. { وكذلك نجزي المحسنين } أي: نجزي المحسنين جزاء مثل ما جازينا إبراهيم برفع درجاته وكثرة أولاده، وجعل النبوة فيهم. { وزكريا } بن آذن بن بركيا، من ذرية سليمان، { ويحيى } بن زكريا، { وعيسى } ابن مريم بنت عمران، وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت، { وإلياس } بن نسى فنحاص بن إلعازر بن هارون. وقيل: هو إدريس جد نوح، وفيه بعد. { كل من الصالحين } الكاملين في الصلاح، وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز مما لا ينبغي. { وإسماعيل } بن إبراهيم، قد هدينا أيضا، وهو أكبر ولد إبراهيم، وهو ابن هاجر، { واليسع } بن أخطوب بن العجوز، وقرىء: " والليسع " بالتعريف، كأن أصله: ليسع، و " أل " فيه: زائدة، لا تفيد التعريف لأنه علم، { ويونس } بن متى، اسم أبيه، وهو من ذرية إبراهيم، خلافا للبيضاوي. قال القرطبي: لم يبعث الله نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه. ه. ويونس مثلث النون كيوسف، يعني بتثليث السين. { ولوطا } هو ابن هاران أخى إبراهيم، فهو ابن أخيه، وقيل: ابن أخته، فقد يطلق على العم أب مجازا، { وكلا فضلنا على العالمين } أي: عالمي زمانهم بالنبوة والرسالة، فكل واحد فضل على أهل زمانه. { ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } أي: فضلنا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، { واجتبيناهم } أي: اخترناهم للرسالة واصطفيناهم للحضرة، { وهديناهم إلى صراط مستقيم } الذي يوصل إلى حضرة قدسنا. { ذلك هدى الله } أي: ذلك الدين الذي دانوا به هو هدى الله { يهدي به } أي: بسببه، { من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ، تحذيرا من الشرك، وإن كانوا معصومين منه. { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } أي: جنس الكتب، { والحكم } أي: الحكمة، أو الفصل بين العباد، على ما يقتضيه الحق، { والنبوة } الرسالة { فإن يكفر بها هؤلاء }: أهل مكة، { فقد وكلنا بها } أي: بالإيمان بها والقيام بحقوقها، { قوما ليسوا بها بكافرين } وهم الأنبياء المذكورون، وتابعوهم، وقيل: الصحابة المهاجرون والأنصار، وهو الأظهر. وقيل: كل مؤمن، وقيل: الفرس. والأول أرجح لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: { أولئك الذين هدى الله } ، الإشارة إلى الأنبياء المذكورين، { فبهداهم اقتده } أي: اتبع آثارهم، والمراد بهديهم: ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعا فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله. قاله البيضاوي. { قل لا أسألكم عليه } أي: التبليغ أو القرآن، { أجرا } أي: جعلا من جهتكم، كحال الأنبياء قبلي اقتداء بهم فيه، فهو من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه، { إن هو } أي: ما هو، أي: التبليغ أوالقرآن، { إلا ذكرى للعالمين } إلا تذكرة وموعظة لهم. الإشارة: فضل هؤلاء السادات على أهل زمانهم بما هداهم إليه من أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وبما خصهم به من كمال العبودية والآداب مع عظمة الربوبية. وفي قوله لحبيبه: { فبهداهم اقتده } فتح لباب اكتساب التفضيل، فكل من اقتدى بهم فيما ذكر شرف على أهل زمانه، وقد جمع في حبيبه صلى الله عليه وسلم ما افترق فيهم، وزاد عليهم بالمحبة ورفع الدرجات، فكان هو سيد الأولين والآخرين، فكل من اقتدى به في أفعاله وأقواله وأخلاقه نال من السيادة بقدر اقتدائه، وأمره سبحانه له بالاقتداء بهم، إنما هو في الآداب، وكان ذلك قبل أن يترقى عنهم إلى مقامه الذي خصه الله به. للأنبياء سيرا وترقيا يليق بهم. كما للأولياء سير وترق يليق بهم. قال الورتجبي: أمر حبيبه عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بالأنبياء والرسل قبله في آداب الشريعة، لأن هناك منازل الوسائط، فإذا أوصله بالكلية إليه، وكحل عيون أسراره بكحل الربوبية، جعله مستقلا بذاته مستقيما بحاله، وخرج عن حد الإرادة إلى حد المعرفة والاستقامة، وأمره بإسقاط الوسائط، حتى قال: " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " ، وغير ذلك. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه: أمره بالاقتداء بهم فيما شاركوه فيه، وإن انفرد عنهم بما خص به. ه. ولما ذكر مشاهير الرسل، وما أتحفهم به من الهداية وإنزال الوحي، رد على من أنكر ذلك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.

الأنعام 6:88

قلت: الضمير في { ذريته } لإبراهيم عليه السلام لأن الحديث عليه، أو لنوح عليه السلام لذكر لوط، وليس من ذرية إبراهيم، لكنه ابن أخيه فكأنه ابنه، و { داود }: عطف على { نوح } أي: وهدينا من ذريته داود، و { من آبائهم }: في موضع نصب، عطف على { نوح } أي وهدينا بعض آبائهم، والهاء في { اقتده }: للسكت، فتحذف في الوصل، ومن أثبتها راعى فيها خط المصحف، وكأنه وصل بنية الوقف. يقول الحق جل جلاله: { ووهبنا } لإبراهيم { إسحاق } ابنه، { ويعقوب } حفيده، { كلا } منهما { هدينا } { ونوحا } قد هديناه { من قبل } إبراهيم، وعده نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد، { ومن ذريته } أي: إبراهيم، { داود } بن أيشا، { وسليمان وأيوب } بن قوص بن رازح بن عيصو بن إسحاق { ويوسف } بن يعقوب بن إسحاق، { وموسى وهارون } ابنا عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. { وكذلك نجزي المحسنين } أي: نجزي المحسنين جزاء مثل ما جازينا إبراهيم برفع درجاته وكثرة أولاده، وجعل النبوة فيهم. { وزكريا } بن آذن بن بركيا، من ذرية سليمان، { ويحيى } بن زكريا، { وعيسى } ابن مريم بنت عمران، وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت، { وإلياس } بن نسى فنحاص بن إلعازر بن هارون. وقيل: هو إدريس جد نوح، وفيه بعد. { كل من الصالحين } الكاملين في الصلاح، وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز مما لا ينبغي. { وإسماعيل } بن إبراهيم، قد هدينا أيضا، وهو أكبر ولد إبراهيم، وهو ابن هاجر، { واليسع } بن أخطوب بن العجوز، وقرىء: " والليسع " بالتعريف، كأن أصله: ليسع، و " أل " فيه: زائدة، لا تفيد التعريف لأنه علم، { ويونس } بن متى، اسم أبيه، وهو من ذرية إبراهيم، خلافا للبيضاوي. قال القرطبي: لم يبعث الله نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه. ه. ويونس مثلث النون كيوسف، يعني بتثليث السين. { ولوطا } هو ابن هاران أخى إبراهيم، فهو ابن أخيه، وقيل: ابن أخته، فقد يطلق على العم أب مجازا، { وكلا فضلنا على العالمين } أي: عالمي زمانهم بالنبوة والرسالة، فكل واحد فضل على أهل زمانه. { ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } أي: فضلنا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، { واجتبيناهم } أي: اخترناهم للرسالة واصطفيناهم للحضرة، { وهديناهم إلى صراط مستقيم } الذي يوصل إلى حضرة قدسنا. { ذلك هدى الله } أي: ذلك الدين الذي دانوا به هو هدى الله { يهدي به } أي: بسببه، { من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ، تحذيرا من الشرك، وإن كانوا معصومين منه. { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } أي: جنس الكتب، { والحكم } أي: الحكمة، أو الفصل بين العباد، على ما يقتضيه الحق، { والنبوة } الرسالة { فإن يكفر بها هؤلاء }: أهل مكة، { فقد وكلنا بها } أي: بالإيمان بها والقيام بحقوقها، { قوما ليسوا بها بكافرين } وهم الأنبياء المذكورون، وتابعوهم، وقيل: الصحابة المهاجرون والأنصار، وهو الأظهر. وقيل: كل مؤمن، وقيل: الفرس. والأول أرجح لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: { أولئك الذين هدى الله } ، الإشارة إلى الأنبياء المذكورين، { فبهداهم اقتده } أي: اتبع آثارهم، والمراد بهديهم: ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعا فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله. قاله البيضاوي. { قل لا أسألكم عليه } أي: التبليغ أو القرآن، { أجرا } أي: جعلا من جهتكم، كحال الأنبياء قبلي اقتداء بهم فيه، فهو من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه، { إن هو } أي: ما هو، أي: التبليغ أوالقرآن، { إلا ذكرى للعالمين } إلا تذكرة وموعظة لهم. الإشارة: فضل هؤلاء السادات على أهل زمانهم بما هداهم إليه من أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وبما خصهم به من كمال العبودية والآداب مع عظمة الربوبية. وفي قوله لحبيبه: { فبهداهم اقتده } فتح لباب اكتساب التفضيل، فكل من اقتدى بهم فيما ذكر شرف على أهل زمانه، وقد جمع في حبيبه صلى الله عليه وسلم ما افترق فيهم، وزاد عليهم بالمحبة ورفع الدرجات، فكان هو سيد الأولين والآخرين، فكل من اقتدى به في أفعاله وأقواله وأخلاقه نال من السيادة بقدر اقتدائه، وأمره سبحانه له بالاقتداء بهم، إنما هو في الآداب، وكان ذلك قبل أن يترقى عنهم إلى مقامه الذي خصه الله به. للأنبياء سيرا وترقيا يليق بهم. كما للأولياء سير وترق يليق بهم. قال الورتجبي: أمر حبيبه عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بالأنبياء والرسل قبله في آداب الشريعة، لأن هناك منازل الوسائط، فإذا أوصله بالكلية إليه، وكحل عيون أسراره بكحل الربوبية، جعله مستقلا بذاته مستقيما بحاله، وخرج عن حد الإرادة إلى حد المعرفة والاستقامة، وأمره بإسقاط الوسائط، حتى قال: " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " ، وغير ذلك. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه: أمره بالاقتداء بهم فيما شاركوه فيه، وإن انفرد عنهم بما خص به. ه. ولما ذكر مشاهير الرسل، وما أتحفهم به من الهداية وإنزال الوحي، رد على من أنكر ذلك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.

الأنعام 6:89

قلت: الضمير في { ذريته } لإبراهيم عليه السلام لأن الحديث عليه، أو لنوح عليه السلام لذكر لوط، وليس من ذرية إبراهيم، لكنه ابن أخيه فكأنه ابنه، و { داود }: عطف على { نوح } أي: وهدينا من ذريته داود، و { من آبائهم }: في موضع نصب، عطف على { نوح } أي وهدينا بعض آبائهم، والهاء في { اقتده }: للسكت، فتحذف في الوصل، ومن أثبتها راعى فيها خط المصحف، وكأنه وصل بنية الوقف. يقول الحق جل جلاله: { ووهبنا } لإبراهيم { إسحاق } ابنه، { ويعقوب } حفيده، { كلا } منهما { هدينا } { ونوحا } قد هديناه { من قبل } إبراهيم، وعده نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد، { ومن ذريته } أي: إبراهيم، { داود } بن أيشا، { وسليمان وأيوب } بن قوص بن رازح بن عيصو بن إسحاق { ويوسف } بن يعقوب بن إسحاق، { وموسى وهارون } ابنا عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. { وكذلك نجزي المحسنين } أي: نجزي المحسنين جزاء مثل ما جازينا إبراهيم برفع درجاته وكثرة أولاده، وجعل النبوة فيهم. { وزكريا } بن آذن بن بركيا، من ذرية سليمان، { ويحيى } بن زكريا، { وعيسى } ابن مريم بنت عمران، وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت، { وإلياس } بن نسى فنحاص بن إلعازر بن هارون. وقيل: هو إدريس جد نوح، وفيه بعد. { كل من الصالحين } الكاملين في الصلاح، وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز مما لا ينبغي. { وإسماعيل } بن إبراهيم، قد هدينا أيضا، وهو أكبر ولد إبراهيم، وهو ابن هاجر، { واليسع } بن أخطوب بن العجوز، وقرىء: " والليسع " بالتعريف، كأن أصله: ليسع، و " أل " فيه: زائدة، لا تفيد التعريف لأنه علم، { ويونس } بن متى، اسم أبيه، وهو من ذرية إبراهيم، خلافا للبيضاوي. قال القرطبي: لم يبعث الله نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه. ه. ويونس مثلث النون كيوسف، يعني بتثليث السين. { ولوطا } هو ابن هاران أخى إبراهيم، فهو ابن أخيه، وقيل: ابن أخته، فقد يطلق على العم أب مجازا، { وكلا فضلنا على العالمين } أي: عالمي زمانهم بالنبوة والرسالة، فكل واحد فضل على أهل زمانه. { ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } أي: فضلنا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، { واجتبيناهم } أي: اخترناهم للرسالة واصطفيناهم للحضرة، { وهديناهم إلى صراط مستقيم } الذي يوصل إلى حضرة قدسنا. { ذلك هدى الله } أي: ذلك الدين الذي دانوا به هو هدى الله { يهدي به } أي: بسببه، { من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ، تحذيرا من الشرك، وإن كانوا معصومين منه. { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } أي: جنس الكتب، { والحكم } أي: الحكمة، أو الفصل بين العباد، على ما يقتضيه الحق، { والنبوة } الرسالة { فإن يكفر بها هؤلاء }: أهل مكة، { فقد وكلنا بها } أي: بالإيمان بها والقيام بحقوقها، { قوما ليسوا بها بكافرين } وهم الأنبياء المذكورون، وتابعوهم، وقيل: الصحابة المهاجرون والأنصار، وهو الأظهر. وقيل: كل مؤمن، وقيل: الفرس. والأول أرجح لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: { أولئك الذين هدى الله } ، الإشارة إلى الأنبياء المذكورين، { فبهداهم اقتده } أي: اتبع آثارهم، والمراد بهديهم: ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعا فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله. قاله البيضاوي. { قل لا أسألكم عليه } أي: التبليغ أو القرآن، { أجرا } أي: جعلا من جهتكم، كحال الأنبياء قبلي اقتداء بهم فيه، فهو من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه، { إن هو } أي: ما هو، أي: التبليغ أوالقرآن، { إلا ذكرى للعالمين } إلا تذكرة وموعظة لهم. الإشارة: فضل هؤلاء السادات على أهل زمانهم بما هداهم إليه من أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وبما خصهم به من كمال العبودية والآداب مع عظمة الربوبية. وفي قوله لحبيبه: { فبهداهم اقتده } فتح لباب اكتساب التفضيل، فكل من اقتدى بهم فيما ذكر شرف على أهل زمانه، وقد جمع في حبيبه صلى الله عليه وسلم ما افترق فيهم، وزاد عليهم بالمحبة ورفع الدرجات، فكان هو سيد الأولين والآخرين، فكل من اقتدى به في أفعاله وأقواله وأخلاقه نال من السيادة بقدر اقتدائه، وأمره سبحانه له بالاقتداء بهم، إنما هو في الآداب، وكان ذلك قبل أن يترقى عنهم إلى مقامه الذي خصه الله به. للأنبياء سيرا وترقيا يليق بهم. كما للأولياء سير وترق يليق بهم. قال الورتجبي: أمر حبيبه عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بالأنبياء والرسل قبله في آداب الشريعة، لأن هناك منازل الوسائط، فإذا أوصله بالكلية إليه، وكحل عيون أسراره بكحل الربوبية، جعله مستقلا بذاته مستقيما بحاله، وخرج عن حد الإرادة إلى حد المعرفة والاستقامة، وأمره بإسقاط الوسائط، حتى قال: " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " ، وغير ذلك. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه: أمره بالاقتداء بهم فيما شاركوه فيه، وإن انفرد عنهم بما خص به. ه. ولما ذكر مشاهير الرسل، وما أتحفهم به من الهداية وإنزال الوحي، رد على من أنكر ذلك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.

الأنعام 6:90

قلت: الضمير في { ذريته } لإبراهيم عليه السلام لأن الحديث عليه، أو لنوح عليه السلام لذكر لوط، وليس من ذرية إبراهيم، لكنه ابن أخيه فكأنه ابنه، و { داود }: عطف على { نوح } أي: وهدينا من ذريته داود، و { من آبائهم }: في موضع نصب، عطف على { نوح } أي وهدينا بعض آبائهم، والهاء في { اقتده }: للسكت، فتحذف في الوصل، ومن أثبتها راعى فيها خط المصحف، وكأنه وصل بنية الوقف. يقول الحق جل جلاله: { ووهبنا } لإبراهيم { إسحاق } ابنه، { ويعقوب } حفيده، { كلا } منهما { هدينا } { ونوحا } قد هديناه { من قبل } إبراهيم، وعده نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد، { ومن ذريته } أي: إبراهيم، { داود } بن أيشا، { وسليمان وأيوب } بن قوص بن رازح بن عيصو بن إسحاق { ويوسف } بن يعقوب بن إسحاق، { وموسى وهارون } ابنا عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. { وكذلك نجزي المحسنين } أي: نجزي المحسنين جزاء مثل ما جازينا إبراهيم برفع درجاته وكثرة أولاده، وجعل النبوة فيهم. { وزكريا } بن آذن بن بركيا، من ذرية سليمان، { ويحيى } بن زكريا، { وعيسى } ابن مريم بنت عمران، وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت، { وإلياس } بن نسى فنحاص بن إلعازر بن هارون. وقيل: هو إدريس جد نوح، وفيه بعد. { كل من الصالحين } الكاملين في الصلاح، وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز مما لا ينبغي. { وإسماعيل } بن إبراهيم، قد هدينا أيضا، وهو أكبر ولد إبراهيم، وهو ابن هاجر، { واليسع } بن أخطوب بن العجوز، وقرىء: " والليسع " بالتعريف، كأن أصله: ليسع، و " أل " فيه: زائدة، لا تفيد التعريف لأنه علم، { ويونس } بن متى، اسم أبيه، وهو من ذرية إبراهيم، خلافا للبيضاوي. قال القرطبي: لم يبعث الله نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه. ه. ويونس مثلث النون كيوسف، يعني بتثليث السين. { ولوطا } هو ابن هاران أخى إبراهيم، فهو ابن أخيه، وقيل: ابن أخته، فقد يطلق على العم أب مجازا، { وكلا فضلنا على العالمين } أي: عالمي زمانهم بالنبوة والرسالة، فكل واحد فضل على أهل زمانه. { ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } أي: فضلنا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، { واجتبيناهم } أي: اخترناهم للرسالة واصطفيناهم للحضرة، { وهديناهم إلى صراط مستقيم } الذي يوصل إلى حضرة قدسنا. { ذلك هدى الله } أي: ذلك الدين الذي دانوا به هو هدى الله { يهدي به } أي: بسببه، { من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ، تحذيرا من الشرك، وإن كانوا معصومين منه. { أولئك الذين آتيناهم الكتاب } أي: جنس الكتب، { والحكم } أي: الحكمة، أو الفصل بين العباد، على ما يقتضيه الحق، { والنبوة } الرسالة { فإن يكفر بها هؤلاء }: أهل مكة، { فقد وكلنا بها } أي: بالإيمان بها والقيام بحقوقها، { قوما ليسوا بها بكافرين } وهم الأنبياء المذكورون، وتابعوهم، وقيل: الصحابة المهاجرون والأنصار، وهو الأظهر. وقيل: كل مؤمن، وقيل: الفرس. والأول أرجح لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: { أولئك الذين هدى الله } ، الإشارة إلى الأنبياء المذكورين، { فبهداهم اقتده } أي: اتبع آثارهم، والمراد بهديهم: ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم جميعا فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله. قاله البيضاوي. { قل لا أسألكم عليه } أي: التبليغ أو القرآن، { أجرا } أي: جعلا من جهتكم، كحال الأنبياء قبلي اقتداء بهم فيه، فهو من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه، { إن هو } أي: ما هو، أي: التبليغ أوالقرآن، { إلا ذكرى للعالمين } إلا تذكرة وموعظة لهم. الإشارة: فضل هؤلاء السادات على أهل زمانهم بما هداهم إليه من أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وبما خصهم به من كمال العبودية والآداب مع عظمة الربوبية. وفي قوله لحبيبه: { فبهداهم اقتده } فتح لباب اكتساب التفضيل، فكل من اقتدى بهم فيما ذكر شرف على أهل زمانه، وقد جمع في حبيبه صلى الله عليه وسلم ما افترق فيهم، وزاد عليهم بالمحبة ورفع الدرجات، فكان هو سيد الأولين والآخرين، فكل من اقتدى به في أفعاله وأقواله وأخلاقه نال من السيادة بقدر اقتدائه، وأمره سبحانه له بالاقتداء بهم، إنما هو في الآداب، وكان ذلك قبل أن يترقى عنهم إلى مقامه الذي خصه الله به. للأنبياء سيرا وترقيا يليق بهم. كما للأولياء سير وترق يليق بهم. قال الورتجبي: أمر حبيبه عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بالأنبياء والرسل قبله في آداب الشريعة، لأن هناك منازل الوسائط، فإذا أوصله بالكلية إليه، وكحل عيون أسراره بكحل الربوبية، جعله مستقلا بذاته مستقيما بحاله، وخرج عن حد الإرادة إلى حد المعرفة والاستقامة، وأمره بإسقاط الوسائط، حتى قال: " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " ، وغير ذلك. ه. وقال الشاذلي رضي الله عنه: أمره بالاقتداء بهم فيما شاركوه فيه، وإن انفرد عنهم بما خص به. ه. ولما ذكر مشاهير الرسل، وما أتحفهم به من الهداية وإنزال الوحي، رد على من أنكر ذلك، فقال: { وما قدروا الله حق قدره }.

الأنعام 6:91

يقول الحق جل جلاله: في الرد على اليهود: { وما قدروا الله حق قدره } أي: ما عرفوه حق معرفته في الرحمة والإنعام على العباد بالوحي وغيره، إذ لو عرفوه لهابوا أن ينكروا بعثة الرسل، أو ما جسروا على هذه المقالة، أو ما عظموه حق تعظيمه. حيث كذبوا رسله وأنكروا أن يكون أنزل عليهم كتابا، إذ لو عظموه حق تعظيمه لصدقوا الرسول الوارد عنه، وهو معنى قوله: { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } ، والقائلون هم اليهود، كفنحاص ومالك بن الصيف وغيرهما، قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فرد الله عليهم بما لا بد لهم من الإقرار به وهو إنزال التوراة على موسى فقال: { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس } ، فالنور للبواطن، والهداية للظواهر، { تجعلونه } أي: التوارة، { قراطيس } أي: تجزؤونه أجزاء متفرقة، ما وافق أهواءكم أظهرتموه وكتبتموه في ورقات متفرقة، وما خالف أهواءكم كتمتموه وأخفيتموه. روي أن مالك بن الصيف قاله، لما أغضبه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين، فأنت الحبر السمين " ، فغضب، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فرد الله عليه بما تقدم. وقيل: القائلون ذلك: المشركون، وإلزامهم بإنزال التوراة لأنه كان مشهورا عندهم يقرون به، ولذلك قالوا: أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم [الأنعام:157]. { وعلمتم } على لسان محمد صلى الله عليه وسلم { ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } ، زيادة على ما في التوراة وبيانا لما التبس عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم. ونظيره: إن هذا القرءان يقص على بني إسراءيل أكثر الذي هم فيه يختلفون [النمل:76] أو: وعلمتم من التوراة ما لم تكونوا تعلمتم أنتم ولا آباؤكم قبل إنزاله، وإن كان الخطاب لقريش فالذي علموه: ما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم من القصص والأخبار. ثم أجاب عن استفهامه بقوله: { قل الله } أي: أنزله الله، أو الله أنزله. قال البيضاوي: أمره بأن يجيب عنهم إشعارا بأن الجواب بهذا متعين لا يمكن غيره، وتنبيها على أنهم بهتوا بأنهم لا يقدرون على الجواب ه. { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } في أباطيلهم. فلا عليك بعد التبليغ وإلزام الحجة، وأصل الخوض في الماء، ثم أستعير للمعاني المشكلة، وللقلوب المتفرقة في أودية الخواطر. الإشارة: يفهم من الآية أن من أقر بإنزال الكتب وآمن بجميع الرسل، فقد قدر الله حق قدره وعظمه حق تعظيمه. وهذا باعتبار ضعف العبد وعجزه وجهله وإلا فتعظيم الحق حق تعظيمه، ومعرفته حق معرفته، لا يمكن انتهاؤها، ولا الوصول إلى عشر العشر منها. قال تعالى ولا يحيطون به علما [طه:110]، وقال: كلا لما يقض مآ أمره [عبس:23] فلو بقي العبد يترقى في المعرفة أبدا سرمدا، ما عرف الله حق معرفته، حتى ينتهي إلى غايتها، ولو بقي يعبد أبد الأبد ما قام بواجب حقه. وقوله تعالى: { قل الله } استشهد به الصوفية، في طريق الإشارة، على الانفراد والانقطاع إلى الله، وعدم الالفتات إلى ما عليه الناس من الخوض والاشتغال بالأغيار والأكدار، والخروج عنهم إلى مقام الصفا، وهو شهود الفردانية، والعكوف في أسرار الوحدانية. قال ابن عطاء الله لما تكلم على أهل الشهود قال: لأنهم لله لا لشيء دونه، { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } . وقد ينكر عليهم من لم يفهم إشارتهم، تجمدا ووقوفا مع الظاهر، وللقرآن ظاهر وباطن لا يعرفه إلا الربانيون. نفعنا الله بهم، آمين. ثم قرر صحة إنزال كتابه به، فقال: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق }.

الأنعام 6:92

يقول الحق جل جلاله: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } أي: كثير البركة، حسا ومعنى، لكثرة فوائده وعموم نفعه، أو: كثير خيره، دائم منفعته، قال القشيري: مبارك: دائم باق، لا ينسخه كتاب، من قولهم: برك الطير على الماء. ه. { مصدق الذي بين يديه } من الكتب المتقدمة. { ولتنذر } أنت { أم القرى } أي: مكة، { ومن حولها } من المشرق والمغرب أو لينذر القرآن أم القرى ومن حولها أي: أنزلناه للبركة والإنذار، وإنما سميت مكة أم القرى لأنها قبلة أهل القرى وحجهم ومجمعهم، وأعظم القرى شأنا. وقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس. { والذين يؤمنون بالآخرة } هم الذين { يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون } لأن من صدق بالآخرة، وخاف عاقبتها، تحرى لنفسه الصواب، وتفكر في صدق النجاة، فآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدق بما جاء به، وحافظ على مراسم الشريعة، وأهمها: الصلاة لأنها عماد الدين وعلم الإيمان، من حافظ عليها حفظ ما سواها، ومن ضيعها ضيع ما سواها. الإشارة: مفتاح القلوب هو كتاب الله، وهو عنوان السير، فمن فتح له في فهم كتاب الله، عند سماعه والتدبر في معانيه، فهو علامة فتح قلبه، فلا يزال يزداد في حلاوة الكلام، حتى يشرف على حلاوة شهود المتكلم من غير واسطة وذلك غاية السير، وابتداء الترقي في أنوار التوحيد وأسرار التفريد، التي لا نهاية لها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وعيد من كذب به أو عارضه، فقال: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا }.

الأنعام 6:93

قلت: { كما خلقناكم }: بدل من { فرادى } ، أو حال ثانية، و { لقد تقطع بينكم } من قرأ بالرفع، فهو فاعل، أي: تقطع وصلكم، ومن قرأ بالنصب، فظرف، على إضمار الفاعل، أي: تقطع الاتصال بينكم، أو على حذف الموصول لقد تقطع ما بينكم. يقول الحق جل جلاله: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } فزعم أنه يوحى إليه، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي، أو: غير الدين، كعمرو بن لحي وأمثاله { أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } كابن أبي سرح ومن تقدم، إلا من تاب، كابن أبي سرح. { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } كالذين قالوا: لو نشآء لقلنا مثل هذا [الأنفال:31] كالنضر بن الحارث وأشباهه. { ولو ترى إذ الظالمون } من اليهود والكذابين والمستهزئين، حين يكونون { في غمرات الموت }: شدائده { والملائكة باسطو أيديهم } لقبض أرواحهم، أو بالضرب لوجوههم وأدبارهم، قائلين لهم: { أخرجوا أنفسكم } من أجسادكم تغليظا عليهم، { اليوم } وما بعده { تجزون عذاب الهون } أي: الهوان، يريد العذاب المتضمن للشدة والهوان، وإضافته للهوان لتمكنه فيه. وذلك العذاب { بما كنتم تقولون على الله غير الحق } ، كادعاء النبوة كذبا، وادعاء الولد والشريك لله، { وكنتم عن آياته تستكبرون } فلا تستمعون لها، ولا تؤمنون بها، فلو أبصرت حالهم ذلك الوقت لرأيت أمرا فظيعا وهولا شنيعا. يقول الحق سبحانه لهم: { ولقد جئتمونا } للحساب والجزاء، { فرادى }. متفردين عن الأعوان والأوثان، أو عن الأموال والأولاد، وهذا أولى بقوله: { كما خلقناكم أول مرة } أي: على الهيئة التي ولدتم عليها من الانفراد والتجريد حفاة عراة غرلا { وتركتم ما خولناكم } أي: تفضلنا به عليكم من الدنيا فشغلتم به عن الآخرة، { وراء ظهوركم } ، فلم تقدموا منه شيئا، ولم تحملوا معكم منه نقيرا، { وما نرى معكم شفعاءكم } أي: أصنامكم { الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } أي: أنهم شركاء مع الله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم، { لقد تقطع بينكم } أي: تفرق وصلكم وتشتت شملكم، { وضل } أي: غاب { عنكم ما كنتم تزعمون } أنهم شفعاؤكم، أو لا بعث ولا حساب الظهور كذبكم. الإشارة: كل من ادعى حالا أو مقاما، يعلم من نفسه أنه لم يدركه ولم يتحقق به، فالآية تجر ذيلها عليه. وفي قوله: { ولقد جئتمونا فرادى... } الخ، إشارة إلى أن الدخول على الله والوصول إلى حضرته، لا يكون إلا بعد قطع العلائق والعوائق والشواغل كلها، وتحقيق التجريد ظاهرا وباطنا إذا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا. وقال الورتجبي: ولي هنا لطيفة أخرى، أي: ولقد جئتمونا موحدين بوحدانيتي شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدم في بدء الأمر، حين عرفتكم نفسي بقولي: ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف:172] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم: " كل مولد يولد على الفطرة " ، يعني: على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت: وحاصل كلامه، أن مجيئهم فرادى، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها، حتى رجعت لأهلها، كما خلقها أول مرة، أعني: مقدسة من شواهد الحس، مطهرة من لوث الأغيار، على فطرة الأزل، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول، حين كانت على أصل التطهير، كأنه قال: ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } أي: من العلوم الرسمية، والطاعات البدنية والكرامات الحسية، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف: كنت أعرف أربعة عشر علما، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. ه. وقوله تعالى: { وما نرى معكم شفعاءكم } إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. والله تعالى أعلم. ثم شرع يذكر دلائل توحيده وتعريف ذاته، فقال: { إن الله فالق الحب والنوى }.

الأنعام 6:94

قلت: { كما خلقناكم }: بدل من { فرادى } ، أو حال ثانية، و { لقد تقطع بينكم } من قرأ بالرفع، فهو فاعل، أي: تقطع وصلكم، ومن قرأ بالنصب، فظرف، على إضمار الفاعل، أي: تقطع الاتصال بينكم، أو على حذف الموصول لقد تقطع ما بينكم. يقول الحق جل جلاله: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } فزعم أنه يوحى إليه، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي، أو: غير الدين، كعمرو بن لحي وأمثاله { أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } كابن أبي سرح ومن تقدم، إلا من تاب، كابن أبي سرح. { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } كالذين قالوا: لو نشآء لقلنا مثل هذا [الأنفال:31] كالنضر بن الحارث وأشباهه. { ولو ترى إذ الظالمون } من اليهود والكذابين والمستهزئين، حين يكونون { في غمرات الموت }: شدائده { والملائكة باسطو أيديهم } لقبض أرواحهم، أو بالضرب لوجوههم وأدبارهم، قائلين لهم: { أخرجوا أنفسكم } من أجسادكم تغليظا عليهم، { اليوم } وما بعده { تجزون عذاب الهون } أي: الهوان، يريد العذاب المتضمن للشدة والهوان، وإضافته للهوان لتمكنه فيه. وذلك العذاب { بما كنتم تقولون على الله غير الحق } ، كادعاء النبوة كذبا، وادعاء الولد والشريك لله، { وكنتم عن آياته تستكبرون } فلا تستمعون لها، ولا تؤمنون بها، فلو أبصرت حالهم ذلك الوقت لرأيت أمرا فظيعا وهولا شنيعا. يقول الحق سبحانه لهم: { ولقد جئتمونا } للحساب والجزاء، { فرادى }. متفردين عن الأعوان والأوثان، أو عن الأموال والأولاد، وهذا أولى بقوله: { كما خلقناكم أول مرة } أي: على الهيئة التي ولدتم عليها من الانفراد والتجريد حفاة عراة غرلا { وتركتم ما خولناكم } أي: تفضلنا به عليكم من الدنيا فشغلتم به عن الآخرة، { وراء ظهوركم } ، فلم تقدموا منه شيئا، ولم تحملوا معكم منه نقيرا، { وما نرى معكم شفعاءكم } أي: أصنامكم { الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } أي: أنهم شركاء مع الله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم، { لقد تقطع بينكم } أي: تفرق وصلكم وتشتت شملكم، { وضل } أي: غاب { عنكم ما كنتم تزعمون } أنهم شفعاؤكم، أو لا بعث ولا حساب الظهور كذبكم. الإشارة: كل من ادعى حالا أو مقاما، يعلم من نفسه أنه لم يدركه ولم يتحقق به، فالآية تجر ذيلها عليه. وفي قوله: { ولقد جئتمونا فرادى... } الخ، إشارة إلى أن الدخول على الله والوصول إلى حضرته، لا يكون إلا بعد قطع العلائق والعوائق والشواغل كلها، وتحقيق التجريد ظاهرا وباطنا إذا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا. وقال الورتجبي: ولي هنا لطيفة أخرى، أي: ولقد جئتمونا موحدين بوحدانيتي شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدم في بدء الأمر، حين عرفتكم نفسي بقولي: ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف:172] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم: " كل مولد يولد على الفطرة " ، يعني: على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت: وحاصل كلامه، أن مجيئهم فرادى، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها، حتى رجعت لأهلها، كما خلقها أول مرة، أعني: مقدسة من شواهد الحس، مطهرة من لوث الأغيار، على فطرة الأزل، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول، حين كانت على أصل التطهير، كأنه قال: ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } أي: من العلوم الرسمية، والطاعات البدنية والكرامات الحسية، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف: كنت أعرف أربعة عشر علما، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. ه. وقوله تعالى: { وما نرى معكم شفعاءكم } إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. والله تعالى أعلم. ثم شرع يذكر دلائل توحيده وتعريف ذاته، فقال: { إن الله فالق الحب والنوى }.

الأنعام 6:95

قلت: { ومخرج }: معطوف على { فالق } ، على المختار لأن { يخرج الحي } واقع موقع البيان له، و { سكنا }: مفعول بفعل محذوف، أي: جعله سكنا، إلا أن يريد بجاعل: الاستمرار، فحينئذ ينصب المفعول. يقول الحق جل جلاله: { إن الله فالق الحب والنوى } أي: يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها، ويفلق النوى لخروج الشجر منها، { يخرج الحي } أي: كل ما ينمو من الحيوان والنبات ليطابق ما قبله، { من الميت } مما لا ينمو كالنطف والحب. { ومخرج الميت من الحي } أي: ومخرج الحب والنطف من الحي، { ذلكم الله } أي: ذلكم المخرج والمحيي المميت هو الله المستحق للعبادة دون غيره، { فأنى تؤفكون } تصرفون عنه إلى غيره. { فالق الإصباح } أي: شاق عمود النهار عن ظلمة الليل، { وجاعل الليل سكنا } أي: يسكن فيه من تعب النهار للاستراحة، { و } جعل { الشمس والقمر حسبانا } أي: على أدوار مختلفة، يعلم بها حساب الأزمنة والليل والنهار، أو حسبانا كحسبان الرحا يدور بهما الفلك دورة بين الليل والنهار، { ذلك } التسيير بالحساب المعلوم، هو { تقدير العزيز العليم } الذي قهرهما بعزته، وسيرهما على ذلك السير البديع بعلمه وحكمته. الإشارة: إذا أحب الله عبدا فلق حبة قلبه بعشقه ومحبته، وفلق نواة عقله بالتبصر في عجائب قدرته، فلا يزال قلبه يميل إلى حضرته، وعقله يتشعشع أنواره بازدياد تفكره في عجائب عظمته، حتى تشرق عليها شمس العرفان، فيفلق عمود فجرها عن ظلمة ليل وجود الإنسان، فيصير حيا بمعرفته، بعد أن كان ميتا بجهله وغفلته، فيميته عن شهود نفسه، ثم يحييه بشهود ذاته، يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي، جاعل ليل العبودية سكنا، وشمس العرفان وقمر الإيمان حسبانا، تدور الفكرة بأنوارهما، كما يدور الفلك بالشمس والقمر الحسيين ذلك تقدير العزيز العليم. ثم ذكر برهانا آخر، فقال: { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها }.

الأنعام 6:96

قلت: { ومخرج }: معطوف على { فالق } ، على المختار لأن { يخرج الحي } واقع موقع البيان له، و { سكنا }: مفعول بفعل محذوف، أي: جعله سكنا، إلا أن يريد بجاعل: الاستمرار، فحينئذ ينصب المفعول. يقول الحق جل جلاله: { إن الله فالق الحب والنوى } أي: يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها، ويفلق النوى لخروج الشجر منها، { يخرج الحي } أي: كل ما ينمو من الحيوان والنبات ليطابق ما قبله، { من الميت } مما لا ينمو كالنطف والحب. { ومخرج الميت من الحي } أي: ومخرج الحب والنطف من الحي، { ذلكم الله } أي: ذلكم المخرج والمحيي المميت هو الله المستحق للعبادة دون غيره، { فأنى تؤفكون } تصرفون عنه إلى غيره. { فالق الإصباح } أي: شاق عمود النهار عن ظلمة الليل، { وجاعل الليل سكنا } أي: يسكن فيه من تعب النهار للاستراحة، { و } جعل { الشمس والقمر حسبانا } أي: على أدوار مختلفة، يعلم بها حساب الأزمنة والليل والنهار، أو حسبانا كحسبان الرحا يدور بهما الفلك دورة بين الليل والنهار، { ذلك } التسيير بالحساب المعلوم، هو { تقدير العزيز العليم } الذي قهرهما بعزته، وسيرهما على ذلك السير البديع بعلمه وحكمته. الإشارة: إذا أحب الله عبدا فلق حبة قلبه بعشقه ومحبته، وفلق نواة عقله بالتبصر في عجائب قدرته، فلا يزال قلبه يميل إلى حضرته، وعقله يتشعشع أنواره بازدياد تفكره في عجائب عظمته، حتى تشرق عليها شمس العرفان، فيفلق عمود فجرها عن ظلمة ليل وجود الإنسان، فيصير حيا بمعرفته، بعد أن كان ميتا بجهله وغفلته، فيميته عن شهود نفسه، ثم يحييه بشهود ذاته، يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي، جاعل ليل العبودية سكنا، وشمس العرفان وقمر الإيمان حسبانا، تدور الفكرة بأنوارهما، كما يدور الفلك بالشمس والقمر الحسيين ذلك تقدير العزيز العليم. ثم ذكر برهانا آخر، فقال: { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها }.

الأنعام 6:97

يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها } أي: ببعضها { في ظلمات البر والبحر } أي: في ظلمات الليل في البر والبحر، وأضاف الظلمات إليهما لملابستها بهما، أو في مشتبهات الطرق في البر والبحر، وسماها ظلمات على الاستعارة، { قد فصلنا الآيات } بيناها { لقوم يعلمون } فإنهم المنتفعون بها. الإشارة: جعل الحق جل جلاله نجوم العلم يهتدي السائرون بها في مشكلات أمور الشريعة وأمور الحقيقة، فلبر الشريعة علم يسير به أهله إلى جنته ورضوانه، ولبحر الحقيقة علم يسير به أهلها الطالبون لها إلى معرفة ذاته وصفاته، وشهودها في حال جلاله وجماله، ولله در المجذوب رضي الله عنه، حيث قال: العلم مرايا من هند، والجهل صندوق راشي من لا قرايش يعرف الله ما هو مبني على شي ثم ذكر دليلا آخر، فقال: { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة }.

الأنعام 6:98

قلت: من قرأ مستقر بفتح القاف، فمصدر، أو اسم مكان ومن قرأه بالكسر، فاسم فاعل، وعلى كل هو مبتدأ، حذف خبره الجار والمجرور، أي: لكم مستقر. يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة } آدم عليه السلام { فمستقر ومستودع } أي: فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض، واستيداع في الأرحام أو تحت الأرض، أو موضع استقرار واستيداع فيهما، أو: فمنكم مستقر في الأصلاب أو في الأرض، أي: قار فيهما، ومنكم مستودع في الأرحام أو تحت الأرض. وقيل: الاستقرار: في الأرحام، والاستيداع: في الصلب، بدليل قوله: ونقر في الأرحام ما نشآء [الحج:5]. { قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون } أي: يفهمون دقائق أسرار القدرة، ذكر مع النجوم، { يعلمون } لأن أمرها ظاهر، وذكر مع تخليق بني آدم { يفقهون } لأن إنشاءهم من نفس واحدة، وتصريفهم على أحوال مختلفة، دقيق يحتاج إلى زيادة تفهم وتدقيق نظر. الإشارة: بعض الأرواح مستقرها الفناء في الذات، ومستودعها الفناء في الصفات، وهم العارفون من أهل الإحسان، وبعضها مستقرها الفناء في الصفات، ومستودعها الاستشراف على الفناء في الذات، وهم أهل الإيمان بالغيب. وقال الورتجبي: بعض الأرواح مستقرها الصفات، ومستودعها الذات، بنعت البقاء في الصفات، والفناء في الذات، لأن القدم منزه أن يحل فيه الحدث. ه. ثم ذكر برهانا آخر، فقال: { وهو الذي أنزل من السمآء مآء }.

الأنعام 6:99

قلت: الضمير في { منه }: يعود على النبات، و { خضرا }: نعت لمحذوف، أي: شيئا خضرا، و { قنوان }: مبتدأ، و { من النخل }: خبر، و { من طلعها }: بدل، والطلع: أول ما يخرج من التمر في أكمامه، والقنوان: جمع قنو، وهو العنقود من التمر، و { مشتبها }: حال من الزيتون والرمان، أو من كل ما تقدم من النبات، و { جنات }: عطف على { نبات كل شيء }. و { ينعه } أي: نضجه وطيبه، يقال: ينعت الثمرة، إذا أدركت وطابت. يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي أنزل من السماء } أي: السحاب أو جانب السماء، { ماء فأخرجنا } ، فيه الالتفات من الغيبة إلى التكلم، { به } أي: بذلك الماء، { نبات كل شيء } أي: نبات كل صنف من النبات على اختلاف أنواعه، فالماء واحد والزهر ألوان، { فأخرجنا منه } أي: من النبات، شيئا { خضرا } وهو ما يتولد من أصل النبات من الفراخ، { نخرج منه } أي: من الخضر، { حبا متراكبا } وهو السنبل لأن حبه بعضه فوق بعض، وكذلك الرمان والذرة وشبهها، { ومن النخل من طلعها قنوان دانية } أي: ويخرج من طلع النخل عناقيد متدانية قريبة من المتناول، أو ملتفة، قريب بعضها من بعض، وإنما اقتصر على المتداني دون العالي لزيادة النعمة والتمكن من النظر فيه، دون ضده. { و } أخرجنا أيضا بذلك الماء، { جنات } أي: بساتين، { من أعناب } مختلفة الألوان والأصناف { و } أخرجنا به { الزيتون والرمان } على اختلاف أصنافها، { مشتبها وغير متشابه } أي: من النبات والثمار ما يشبه بعضه بعضا، في اللون والطعم والصورة، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضا، وفي ذلك دليل قاطع على الصانع المختار القدير العليم المريد، ولذلك أمر بالنظر والاعتبار فقال: { انظروا إلى ثمره } أي: انظروا إلى ثمرة كل واحد من ذلك { إذا أثمر } ، { و } انظروا إلى { ينعه } إذا ينع، أي: طاب ونضج، والمعنى: انظروا إلى ثمره أول ما يخرج ضعيفا لا منفعة، فيه، ثم ينتقل من طور إلى طور، حتى يينع ويطيب. { إن في ذلكم لآيات } دالة على وجود الحكيم ووحدانيته، فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المتفننة، ونقلها من حال إلى حال، لا يكون إلا بإحداث قادر، يعلم تفاصيلها، ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها، ولا يعوقه عن فعله ند يعارضه، أو ضد يعانده، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك فقال: { وجعلوا لله شركاء... } الخ. قاله البيضاوي. الإشارة: من كحل عينه بإثمد التوحيد، غرق الكائنات كلها في بحر التوحيد والتفريد، فكل ما يبرز لنا من المظاهر والمطالع ففيه نور من جمال الحضرة ساطع، ولذلك قال ابن الفارض رضي الله عنه: عيني لغير جمالكم لا تنظر وسواكم في خطري لا يخطر وقال الششتري رضي الله عنه: انظر جمالي شاهدا في كل إنسان كالماء يجري نافذا في أس الإغصان يسقى بماء واحد والزهر ألوان وقال صاحب العينية: تجلى حبيبي في مرائي جماله ففي كل مرئى للحبيب طلائع فلما تبدى حسنه متنوعا تسمى بأسماء فهن مطالع فما برز في عالم الشهادة هو من عالم الغيب على التحقيق، فرياض الملكوت فائضة من بحر الجبروت، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان، ولا يعرف هذا ذوقا إلا أهل العيان، الذين وحدوا الله في وجوده، وتخلصوا من الشرك جليه وخفيه، الذي أشار إليه بقوله: { وجعلوا لله شركآء الجن }.

الأنعام 6:100

قلت: { الجن }: مفعول أول لجعلوا، و { شركاء }: مفعول ثان، وقدم لاستعظام الإشراك، أو { شركاء }: مفعول أول، و { لله }: في موضع المفعول الثاني، و { الجن }: بدل من شركاء، وجملة { خلقهم }: حال، و { بديع }: خبر عن مضمر، أو مبتدأ وجملة { أنى }: خبره، وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي: مبدع السماوات، أو إلى فاعلها: أي: بديع سماواته، من بدع إذا كان على نمط عجيب، وشكل فائق، وحسن لائق. يقول الحق جل جلاله: توبيخا للمشركين: { وجعلوا لله شركاء } في عبادته، وهم { الجن } أي: الملائكة لاجتنانهم أي: استتارهم، فعبدوهم واعتقدوا أنهم بنات الله، أو الجن حقيقة، وهم الشياطين لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى، أو: عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم، فقد أشركوا مع الله، و { و } الحال أن الله قد { خلقهم } أي: الجن أي: عبدوهم وهم مخلوقون، أو الضمير للمشركين، أي: عبدوا الجن، وقد علموا أن الله قد خلقهم دون الجن لعجزه، وليس من يخلق كمن لا يخلق. { وخرقوا له } أي: اختلقوا وافتروا، أو زوروا برأيهم الفاسد له { بنين } كالنصارى في المسيح، واليهود في عزير، { وبنات } كقول العرب في الملائكة: إنهم بنات الله تعالى الله عن قولهم قالوا ذلك { بغير علم } أي: بلا دليل ولا حجة، بل مجرد افتراء وكذب، { سبحانه وتعالى } أي: تنزيها له، وتعاظم قدره { عما يصفون } من أن له ولدا أو شريكا. وكيف يكون له الولد أو الشريك، وهو { بديع السماوات والأرض }؟. أي: مبدعهما ومخترعهما بلا مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه، والمعنى: أنه تعالى مبدع لقطري العالم العلوي والسفلي بلا مادة: لأنه تعالى منزه عن الأفعال بالمادة. والوالد عنصر الولد، ومنفصل بانتقال مادته عنه، فكيف يمكن أن يكون له ولد؟. ولذلك قال: { أنى يكون له ولد } أي: من أين، أو كيف يكون له ولد، { ولم تكن له صاحبة } يكون منها الولد، فإن انتفاء الصاحبة مستلزم لانتفاء الولد، ضرورة استحالة وجود الولد بلا والدة في العادة، وانتفاء الصاحبة مما لا ريب فيه، وكيف أيضا يكون له ولد { و } قد { خلق كل شيء } ، فيكف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه؟ { وهو بكل شيء عليم } أي: أحاط بما من شأنه أن يعلم كائنا ما كان، فلا تخفى عليه خافية مما كان، ومما سيكون من الذوات والصفات، ومن جملتها: ما يجوز عليه تعالى وما يستحيل كالولد والشريك. { ذلكم } المنعوت بما ذكر من جلائل الصفات، هو { الله } المستحق للعبادة خاصة، { ربكم } أي مالك أمركم لا شريك له أصلا، { خالق كل شيء } ، مما كان وسيكون، ولا تكرار مع ما قبله لأن المعتبر فيما تقدم خالقيته لما كان فقط، كما تقتضيه صيغة الماضي، بخلاف الوصف يصلح للجميع، وإذا تقرر أنه خالق كل شيء { فاعبدوه } فإن من كان خالقا لكل شيء، جامعا لهذه الصفات، هو المستحق للعبادة وحده، { وهو على كل شيء وكيل } أي: هو متولي أمور جميع عباده ومخلوقاته، التي أنتم من جملتها، فكلوا أمركم إليه، وتوسلوا بعبادته إلى جميع مآربكم الدنيوية والأخروية، فإنه يكفيكم أمرها بقدرته وحفظه. الإشارة: كل من خضع لمخلوق في نيل حظ دنيوي، إنسيا أو جنيا، أو أطاعه في معصية الخالق، فهو مشرك به مع ربه، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا [النساء:116]، فلذلك عمل الصوفية على مجاهدة نفوسهم في مخالفة الهوى لئلا تميل بهم إلى شيء من السوى، وتحرروا من رق الطمع، وتوجهوا بمهمتهم إلى الحق وحده، ليتبرأوا من أنواع الشرك كلها، جليها وخفيها. حفظنا الله بما حفظهم به. آمين. ثم عرف بذاته المقدسة، فقال: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار }.

الأنعام 6:101

قلت: { الجن }: مفعول أول لجعلوا، و { شركاء }: مفعول ثان، وقدم لاستعظام الإشراك، أو { شركاء }: مفعول أول، و { لله }: في موضع المفعول الثاني، و { الجن }: بدل من شركاء، وجملة { خلقهم }: حال، و { بديع }: خبر عن مضمر، أو مبتدأ وجملة { أنى }: خبره، وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي: مبدع السماوات، أو إلى فاعلها: أي: بديع سماواته، من بدع إذا كان على نمط عجيب، وشكل فائق، وحسن لائق. يقول الحق جل جلاله: توبيخا للمشركين: { وجعلوا لله شركاء } في عبادته، وهم { الجن } أي: الملائكة لاجتنانهم أي: استتارهم، فعبدوهم واعتقدوا أنهم بنات الله، أو الجن حقيقة، وهم الشياطين لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى، أو: عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم، فقد أشركوا مع الله، و { و } الحال أن الله قد { خلقهم } أي: الجن أي: عبدوهم وهم مخلوقون، أو الضمير للمشركين، أي: عبدوا الجن، وقد علموا أن الله قد خلقهم دون الجن لعجزه، وليس من يخلق كمن لا يخلق. { وخرقوا له } أي: اختلقوا وافتروا، أو زوروا برأيهم الفاسد له { بنين } كالنصارى في المسيح، واليهود في عزير، { وبنات } كقول العرب في الملائكة: إنهم بنات الله تعالى الله عن قولهم قالوا ذلك { بغير علم } أي: بلا دليل ولا حجة، بل مجرد افتراء وكذب، { سبحانه وتعالى } أي: تنزيها له، وتعاظم قدره { عما يصفون } من أن له ولدا أو شريكا. وكيف يكون له الولد أو الشريك، وهو { بديع السماوات والأرض }؟. أي: مبدعهما ومخترعهما بلا مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه، والمعنى: أنه تعالى مبدع لقطري العالم العلوي والسفلي بلا مادة: لأنه تعالى منزه عن الأفعال بالمادة. والوالد عنصر الولد، ومنفصل بانتقال مادته عنه، فكيف يمكن أن يكون له ولد؟. ولذلك قال: { أنى يكون له ولد } أي: من أين، أو كيف يكون له ولد، { ولم تكن له صاحبة } يكون منها الولد، فإن انتفاء الصاحبة مستلزم لانتفاء الولد، ضرورة استحالة وجود الولد بلا والدة في العادة، وانتفاء الصاحبة مما لا ريب فيه، وكيف أيضا يكون له ولد { و } قد { خلق كل شيء } ، فيكف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه؟ { وهو بكل شيء عليم } أي: أحاط بما من شأنه أن يعلم كائنا ما كان، فلا تخفى عليه خافية مما كان، ومما سيكون من الذوات والصفات، ومن جملتها: ما يجوز عليه تعالى وما يستحيل كالولد والشريك. { ذلكم } المنعوت بما ذكر من جلائل الصفات، هو { الله } المستحق للعبادة خاصة، { ربكم } أي مالك أمركم لا شريك له أصلا، { خالق كل شيء } ، مما كان وسيكون، ولا تكرار مع ما قبله لأن المعتبر فيما تقدم خالقيته لما كان فقط، كما تقتضيه صيغة الماضي، بخلاف الوصف يصلح للجميع، وإذا تقرر أنه خالق كل شيء { فاعبدوه } فإن من كان خالقا لكل شيء، جامعا لهذه الصفات، هو المستحق للعبادة وحده، { وهو على كل شيء وكيل } أي: هو متولي أمور جميع عباده ومخلوقاته، التي أنتم من جملتها، فكلوا أمركم إليه، وتوسلوا بعبادته إلى جميع مآربكم الدنيوية والأخروية، فإنه يكفيكم أمرها بقدرته وحفظه. الإشارة: كل من خضع لمخلوق في نيل حظ دنيوي، إنسيا أو جنيا، أو أطاعه في معصية الخالق، فهو مشرك به مع ربه، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا [النساء:116]، فلذلك عمل الصوفية على مجاهدة نفوسهم في مخالفة الهوى لئلا تميل بهم إلى شيء من السوى، وتحرروا من رق الطمع، وتوجهوا بمهمتهم إلى الحق وحده، ليتبرأوا من أنواع الشرك كلها، جليها وخفيها. حفظنا الله بما حفظهم به. آمين. ثم عرف بذاته المقدسة، فقال: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار }.

الأنعام 6:102

قلت: { الجن }: مفعول أول لجعلوا، و { شركاء }: مفعول ثان، وقدم لاستعظام الإشراك، أو { شركاء }: مفعول أول، و { لله }: في موضع المفعول الثاني، و { الجن }: بدل من شركاء، وجملة { خلقهم }: حال، و { بديع }: خبر عن مضمر، أو مبتدأ وجملة { أنى }: خبره، وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي: مبدع السماوات، أو إلى فاعلها: أي: بديع سماواته، من بدع إذا كان على نمط عجيب، وشكل فائق، وحسن لائق. يقول الحق جل جلاله: توبيخا للمشركين: { وجعلوا لله شركاء } في عبادته، وهم { الجن } أي: الملائكة لاجتنانهم أي: استتارهم، فعبدوهم واعتقدوا أنهم بنات الله، أو الجن حقيقة، وهم الشياطين لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى، أو: عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم، فقد أشركوا مع الله، و { و } الحال أن الله قد { خلقهم } أي: الجن أي: عبدوهم وهم مخلوقون، أو الضمير للمشركين، أي: عبدوا الجن، وقد علموا أن الله قد خلقهم دون الجن لعجزه، وليس من يخلق كمن لا يخلق. { وخرقوا له } أي: اختلقوا وافتروا، أو زوروا برأيهم الفاسد له { بنين } كالنصارى في المسيح، واليهود في عزير، { وبنات } كقول العرب في الملائكة: إنهم بنات الله تعالى الله عن قولهم قالوا ذلك { بغير علم } أي: بلا دليل ولا حجة، بل مجرد افتراء وكذب، { سبحانه وتعالى } أي: تنزيها له، وتعاظم قدره { عما يصفون } من أن له ولدا أو شريكا. وكيف يكون له الولد أو الشريك، وهو { بديع السماوات والأرض }؟. أي: مبدعهما ومخترعهما بلا مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه، والمعنى: أنه تعالى مبدع لقطري العالم العلوي والسفلي بلا مادة: لأنه تعالى منزه عن الأفعال بالمادة. والوالد عنصر الولد، ومنفصل بانتقال مادته عنه، فكيف يمكن أن يكون له ولد؟. ولذلك قال: { أنى يكون له ولد } أي: من أين، أو كيف يكون له ولد، { ولم تكن له صاحبة } يكون منها الولد، فإن انتفاء الصاحبة مستلزم لانتفاء الولد، ضرورة استحالة وجود الولد بلا والدة في العادة، وانتفاء الصاحبة مما لا ريب فيه، وكيف أيضا يكون له ولد { و } قد { خلق كل شيء } ، فيكف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه؟ { وهو بكل شيء عليم } أي: أحاط بما من شأنه أن يعلم كائنا ما كان، فلا تخفى عليه خافية مما كان، ومما سيكون من الذوات والصفات، ومن جملتها: ما يجوز عليه تعالى وما يستحيل كالولد والشريك. { ذلكم } المنعوت بما ذكر من جلائل الصفات، هو { الله } المستحق للعبادة خاصة، { ربكم } أي مالك أمركم لا شريك له أصلا، { خالق كل شيء } ، مما كان وسيكون، ولا تكرار مع ما قبله لأن المعتبر فيما تقدم خالقيته لما كان فقط، كما تقتضيه صيغة الماضي، بخلاف الوصف يصلح للجميع، وإذا تقرر أنه خالق كل شيء { فاعبدوه } فإن من كان خالقا لكل شيء، جامعا لهذه الصفات، هو المستحق للعبادة وحده، { وهو على كل شيء وكيل } أي: هو متولي أمور جميع عباده ومخلوقاته، التي أنتم من جملتها، فكلوا أمركم إليه، وتوسلوا بعبادته إلى جميع مآربكم الدنيوية والأخروية، فإنه يكفيكم أمرها بقدرته وحفظه. الإشارة: كل من خضع لمخلوق في نيل حظ دنيوي، إنسيا أو جنيا، أو أطاعه في معصية الخالق، فهو مشرك به مع ربه، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا [النساء:116]، فلذلك عمل الصوفية على مجاهدة نفوسهم في مخالفة الهوى لئلا تميل بهم إلى شيء من السوى، وتحرروا من رق الطمع، وتوجهوا بمهمتهم إلى الحق وحده، ليتبرأوا من أنواع الشرك كلها، جليها وخفيها. حفظنا الله بما حفظهم به. آمين. ثم عرف بذاته المقدسة، فقال: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار }.

الأنعام 6:103

يقول الحق جل جلاله: { لا تدركه الأبصار } أي: لا تحيط به، ولا تناله بحقيقته، وعن ابن عباس: لا تدركه في الدنيا، وهو يرى في الآخرة، ومذهب الأشعرية: أن رؤية الله في الدنيا جائزة عقلا، لأن موسى عليه السلام سألها، ولا يسأل موسى ما هو محال، وأحالته المعتزلة مطلقا، وتمسكوا بالآية، ولا دليل فيها لأنه ليس الإدراك مطلق الرؤية، ولا النفي في الآية عاما في الأوقات، فلعله مخصوص ببعض الحالات، ولا في الأشخاص فإنه في قوة قولنا: لا كل بصر يدركه، مع أن النفي لا يوجب الامتناع. قاله البيضاوي. ثم قال تعالى: { وهو يدرك الأبصار } أي: يحيط علمه بها إذ لا تخفى عليه خافية، { وهو اللطيف الخبير } فيدرك ما لا تدركه الأبصار، ويجوز أن يكون تعليلا للحكمين السابقين على طريق اللف، أي: لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف، وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير، فيكون اللطيف مقابلا للكثيف، لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها. قاله البيضاوي وأبو السعود. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله قد تجلى لعباده في مظاهر الأكوان، لكنه لحكمته وقدرته، قد تجلى بين الضدين، بين الأنوار والأسرار، بين الحس والمعنى، بين مظهر الربوبية وقالب العبودية، فالأنوار ما ظهر من الأواني، والأسرار ما خفي من المعاني، فالحس ما يدرك بحاسة البصر، والمعنى ما يدرك بالبصيرة. فالحس رداء للمعنى، فمن فتح الله بصيرته استولى نور بصيرته على نور بصره، فأدرك المعاني خلف رقة الأواني، فلم تحجبه الأواني عن المعاني، بل تمتحق في حقه الأواني، ولا يرى حينئذ إلا المعاني. لذلك قال الحلاج، لما سئل عن المعرفة، قال: استهلاك الحس في المعنى. فإذا فني العبد عن شهود حسه بشهود معناه، غاب وجوده في وجود معبوده، فشاهد الحق بالحق. فالعارفون لما فنوا عن أنفسهم، لا يقع بصرهم إلا على المعاني، فهم يشاهدون الحق عيانا. ولذلك قال شاعرهم: مذ عرفت الإله لم أر غيرا وكذا الغير عندنا ممنوع وقال في الحكم: " ما حجبك عن الحق وجود موجود معه إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه ". وقوله تعالى: { لا تدركه الأبصار } أي: الأبصار الحادثة، وإنما تدركه الأبصار القديمة في مقام الفناء. وقال الورتجبي: لا تدركه الأبصار، إلا بأبصار مستفادة من أبصار جلاله، وكيف يدركه الحدثان؟ ووجود الكون عند ظهور سطوات عظمته عدم. ه. أو لا تحيط به، إذ الإحاطة بكنه الربوبية متعذرة. وعلى هذا حمل الآية في نوادر الأصول، قال: إدراك الهوية ممتنع، وإنما يقع التجلي بصفة من صفاته. وقال ابن عبد الملك في شرح مشارق الصغاني، ناقلا عن المشايخ: إنما يتجلى الله لأهل الجنة، ويريهم ذاته تعالى، في حجاب صفاته، لأنهم لا يطيقون أن يروا ذاته بلا حجاب مرتبة من مراتب الصفات. وقال الورتجبي: التجلي لا يكون بكلية الذات، ولا بكلية الصفات، وإنما يكون على قدر الطاقات، فيستحيل أن يقال: تجلى كل الهوى لذرة واحدة، وإنما يتجلى لها على قدرها. ه. وتتفاوت الناس في لذة النظر يوم القيامة على قدر معرفتهم في الدنيا، وتدوم لهم النظرة على قدر اسغراقهم هنا، فمن كان هنا محجوبا لا يرى إلا الحس، كان يوم القيامة كذلك، إلا في وقت مخصوص، يغيبه الحق تعالى عن حسه، فيشاهد معاني أسرار الربوبية في مظاهر أنوار صفاته. ومن كان هنا مفتوحا عليه في شهود المعاني، كان يوم القيامة كذلك، لا تغيب عنه مشاهدة الحق ساعة. قال الغزالي في كتاب الأربعين: إذا ارتفع الحجاب بعد الموت انقلبت المعرفة بعينها مشاهدة. قلت: ومعنى كلامه: أن ما عرفه به هنا من التجليات، صار بعينه هناك مشاهدة لأن المعنى هناك غالب على الحس، بخلاف دار الدنيا، الحس فيها غالب، إلا لمن غاب عنه واستهلكه. ثم قال: ويكون لكل واحد على قدر معرفته، ولذلك تزيد لذة أولياء الله تعالى في النظر على لذة غيرهم، ولذلك يتجلى الله تعالى لأبي بكر خاصة، ويتجلى للناس عامة. وقال في الإحياء: ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي على درجات متفاوتة، ثم ذكر حديث التجلي لأبي بكر المتقدم. ثم قال: فلا ينبغي أن يظن أن غير أبي بكر، ممن هو دونه، يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر، بل لا يجده، إلا عشر عشره، إن كانت معرفته في الدنيا عشر عشره، ولما فضل الناس بسر وقر في صدره، فضل لا محالة بتجل انفرد به. وقال أيضا: يتجلى الحق للعبد، تجليا يكون انكشاف تجليه، بالإضافة إلى ما علمه، كانكشاف تجلي المرئيات بالإضافة إلى ما تخيله أي: إلى ما وصفه له الواصف. ثم قال: وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية، ثم قال: المعرفة الحاصلة في الدنيا هي التي تستكمل، فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف، إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح. وقال أيضا: وبحر المعرفة لا ساحل له، والإحاطة بكنه جلاله محال، وكلما كثرت المعرفة وقويت كثر النعيم في الآخرة، وعظم، كما أنه كلما كثر البذر وحسن كثر الزرع وحسن، ولا يمكن تحصيل هذا البذر إلا في الدنيا، ولا يزرع إلا في صعيد القلب، ولا حصاد إلا في الآخرة. ه. قال شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه: بل الرجال زرعوا اليوم وحصدوا اليوم، وفي تفسير الأقليشي لقوله: اهدنا الصراط المستقيم [الفاتحة:6]: ليس لهذه الهداية ما دام العبد في الدنيا نهاية، حتى إذا حصل في جوار الجبار، ونظر إلى وجهه العظيم، كان حظه من النعيم بقدر ما هداه في الدنيا لصراطه المستقيم. ه. وقال في نوادر الأصول: في الحديث: " إن من أهل الجنة من ينظر إلى الله عز وجل غدوة وعشيا " وروي عن معاذ أنه قال: " صنف من أهل الجنة من ينظر إلى الله عز وجل، لا يستر الرب عنهم ولا يحتجب " ثم قال: وذكر أن الرضوان آخر ما ينال أهل الجنة، ولا شيء أكبر منه، وكل عبد من أهل الجنة حظه من الرضوان هناك فيها على قدر جوده بنفسه على الله في الدنيا. ه. وقوله تعالى: { وهو اللطيف الخبير } ، قال الورتجبي: هو بلطف ذاته ممتنع عن مطالعة خلقه، مع علو شأن علمه وإحاطته بجميعهم، وجودا وعدما، أي: وإنما يرى بنوره، لا بالحواس الخفاشية، فإنها تضعف عن مقاومة شعاعه، وتنخنس عند انكشاف سبحاته. ه. على نقل الحاشية الفاسية. والله تعالى أعلم. ولما كان الاطلاع على هذه الأسرار، به تنفتح البصائر، أشار إلى ذلك بقوله: { قد جآءكم بصآئر من ربكم }.

الأنعام 6:104

قلت: البصائر: جمع بصيرة، وهي عين القلب، كما أن البصر عين البدن، فالبصيرة ترى المعاني القديمة، والبصر يرى الحسيات الحادثة. يقول الحق جل جلاله: { قد جاءكم } أيها الناس { بصائر من ربكم } أي: براهين توحيده، ودلائل معرفته، حاصلة من ربكم، تنفتح بها البصائر، وتبصر بها أنوار قدسه، { فمن أبصر } الحق، وآمن به، واستعمل الفكر فيه حتى عرفه، { فلنفسه } أبصر، ولها نفع، { ومن عمي } عنها، ولم يرفع رأسا، وضل عن الحق، { فعليها } وباله وضرره، ولا يتضرر بها غيره، { وما أنا عليكم بحفيظ } أرقب أعمالكم وأجازيكم، وإنما أنا منذر، والله هو الحفيظ عليكم، يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها. الإشارة: البصيرة كالبصر، أدنى شيء يقع فيها يضر بناظرها، وهي على أقسام: منها ما تكون عمياء، والعياذ بالله، وهي التي فسد ناظرها بفساد الاعتقاد، كبصيرة الكفار ومن قاربهم، ومنها ما تكون مريضة فقط، لا تقاوم شعاع شمس التوحيد الخاص، وهي بصيرة أهل الغفلة، ومنها ما يخف مرضها فيكون لها شعاع، تدرك قرب نور الحق منها وهي بصيرة المتوجهين من العباد والزهاد ونهاية الصالحين. ومنها ما تكون قريبة البرء والصحة، قد انفتحت، لكنها حيرى لما فاجأها من النور، وهي بصيرة المريدين السائرين من أهل الفناء، ومنها ما تكون صحيحة قوية، قد تمكنت من شهود الأنوار، ورسخت في بحر الأسرار، وهي بصيرة العارفين المتمكنين في مقام البقاء، وقد أشار في الحكم إلى الثلاثة فقال: " شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق لا عدمك ولا وجودك، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ". وذكر هذه الآيات، سبب لضلال أهل الشقاء وهداية أهل العناية، كما بين ذلك بقوله: { وكذلك نصرف الآيات }.

الأنعام 6:105

قلت: تصريف الشيء: إجراؤه على أحوال متعاقبة وجهات مختلفة، ومنه: تصريف الرياح لهبوبه من جهات مختلفة، ولما كانت آيات القرآن تنزل على أنواع مختلفة في أوقات متعاقبة، شبهت بتصريف الرياح على أنحاء مختلفة، { وليقولوا }: متعلق بمحذوف، أي: وليقولوا: درست، صرفنا الآيات، واللام للعاقبة، وكذلك: { ولنبينه }: المتعلق واحد. يقول الحق جل جلاله: ومثل ذلك التصريف الذي صرفنا من الآيات، من قوله: إن الله فالق الحب والنوى [الأنعام:95]، إلى قوله: قد جآءكم بصآئر من ربكم [الأنعام:104] { نصرف الآيات } في المستقبل لتكون عاقبة قوم الشقاء بها بتكذيبهم إياها، { وليقولوا } لك: { دارست } أهل الكتاب، وتعلمت ذلك منهم، وليس بوحي، أو { درست } هذه الأخبار وعفت، وأخبرت بها من إملاء غيرك عليك، كقولهم: أساطير الأولين، وليكون عاقبة قوم آخرين الاهتداء، وإليهم الإشارة بقوله: { ولنبينه لقوم يعلمون } أي: وليتضح معناه عند قوم آخرين، فيهتدوا به إلى معرفتي وتوحيدي ومحل رضواني وكرامتي، فالخطاب متحد، والأثبر مختلف على حسب السابقة. الإشارة: ظهور الآيات على يد أهل الخصوصية كالعلوم اللدنية والمواهب الربانية لا يوجب لهم التصديق لجميع الخلق، فلو أمكن ذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى به، بل لا بد من الاختلاف، فقوم قالوا: هذه العلوم... دارس فيها وتعلمها، وقوم قالوا: بل هي من عند الله لا كسب فها، قال تعالى: ولا يزالون مختلفين [هود:118]. ثم أمر نبيه بالإعراض عن أهل الإنكار، فقال: { اتبع مآ أوحي إليك من ربك }.

الأنعام 6:106

يقول الحق جل جلاله: { اتبع ما أوحى إليك من ربك } بالدوام على التمسك به، والاهتداء بهديه، ودم على توحيده، { لا إله إلا هو } فلا تصغ إلى من يعبد معه غيره، { وأعرض عن المشركين } ، فلا تحتفل بأقوالهم، ولا تلتفت إلى رأيهم، وهذا محكم، أو: أعرض عن عقابهم وقتالهم، وهو منسوخ بآية السيف، { ولو شاء الله ما أشركوا }: لكن سبقت مشيئته بإشراكهم، ولو أراد إيمانهم لآمنوا، وهو حجة على المعتزلة، { وما جعلناك عليهم حفيظا }: رقيبا، { وما أنت عليهم بوكيل } تقوم بأمرهم، وتلجئهم إلى الإيمان إن أنت إلا نذير [فاطر:23]. الإشارة: الإعراض عن الخلق والاكتفاء بالملك الحق ركن من أركان الطريق، قال الشيخ زروق رضي الله عنه: أصول الطريقة خمسة أشياء: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع الرسول في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضراء، والرضا عن الله في القليل والكثير. ه. ثم نهى عن التعرض لأصنامهم، فقال: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله }.

الأنعام 6:107

يقول الحق جل جلاله: { اتبع ما أوحى إليك من ربك } بالدوام على التمسك به، والاهتداء بهديه، ودم على توحيده، { لا إله إلا هو } فلا تصغ إلى من يعبد معه غيره، { وأعرض عن المشركين } ، فلا تحتفل بأقوالهم، ولا تلتفت إلى رأيهم، وهذا محكم، أو: أعرض عن عقابهم وقتالهم، وهو منسوخ بآية السيف، { ولو شاء الله ما أشركوا }: لكن سبقت مشيئته بإشراكهم، ولو أراد إيمانهم لآمنوا، وهو حجة على المعتزلة، { وما جعلناك عليهم حفيظا }: رقيبا، { وما أنت عليهم بوكيل } تقوم بأمرهم، وتلجئهم إلى الإيمان إن أنت إلا نذير [فاطر:23]. الإشارة: الإعراض عن الخلق والاكتفاء بالملك الحق ركن من أركان الطريق، قال الشيخ زروق رضي الله عنه: أصول الطريقة خمسة أشياء: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع الرسول في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضراء، والرضا عن الله في القليل والكثير. ه. ثم نهى عن التعرض لأصنامهم، فقال: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله }.

الأنعام 6:108

يقول الحق جل جلاله: { ولا تسبوا } أصنامهم { الذين } يدعونها آلهة، ويخضعون لها { من دون الله } أي: ولا تذكروا آلهتهم بسوء، { فيسبوا الله عدوا } أي: ظلما وتجاوزا عن الحق إلى الباطل، { بغير علم } أي: على جهالة بالله تعالى، وبما يجب أن يذكر به من التعظيم، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يطعن في آلهتهم، فقالوا: لتنتهين عن آلهتنا أو لنهجون إلهك، فنزلت. وقيل: كان المسلمون يسبون آلهتهم، فنهوا لئلا يكون سبهم سببا لسب الله تعالى، واستدل المالكية بهذا على سد الذرائع. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن الطاعة إذا أدت لمعصية راجحة وجب تركها، فإن ما يؤدي إلى الشر شر. ه. وقال ابن العربي: وقاية العرض بترك سنة واجب في الدنيا. ه. قال تعالى: { كذلك زينا لكل أمة عملهم } من الخير والشر، نحملهم على ما سبق لهم توفيقا أو تخذيلا، أو يكون مخصوصا بالشر، أي: زينا لكل أمة من الكفرة عملهم السوء كسب الله تعالى وغيره من الكفر، { ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } من الخير فيجازيهم عليه، أو من الشر فيعاقبهم عليه. الإشارة: العارف الكامل لا ينقص شيئا من مصنوعات الله، ولا يصغر شيئا من مقدورات الله، بل يتأدب مع كل شيء لرؤية صنعة الله في كل شيء، وكذلك المريد اللبيب، يتأدب مع كل من ظهر بالخصوصية في زمنه، كان صادقا أو كاذبا لئلا يؤدي إلى تنقيص شيخه، حين يذكر غيره بنقص أو غض. وفي الحديث: " لعن الله من يسب والديه " فقالوا: وكيف يسب والديه يا رسول الله؟ قال " يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه وأمه " أو كما قال صلى الله عليه وسلم. ثم رد عليم في اقتراح الآيات، فقال: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم }.

الأنعام 6:109

قلت: { جهد }: مصدر لعامل محذوف، أي: واجتهدوا جهد أيمانهم، وهو حال، أي: وأقسموا جاهدين أيمانهم، ومن قرأ: { أنها } بالفتح، فهو مفعول بيشعركم، أي: وما يدريكم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون، وقيل: { لا }: مزيدة، أي: وما يدريكم أنهم لا يؤمنون إذا رأوها، وقيل: أن، هنا، بمعنى لعل. ومن قرأ بالكسر فهو استئناف، وتم الكلام في قوله: { وما يشعركم } أي: وما يشعركم ما يكون منهم، فعلى القراءة بالكسر، يوقف على: { ما يشعركم } ، وأما على القراءة بالفتح، فإن كانت أن مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها، وإن كانت بمعنى: لعل، فأجاز بعض الناس الوقف، ومنعه بعضهم. يقول الحق جل جلاله: { وأقسموا } أي: المشركون، { بالله } واجتهدوا في أيمانهم، { لئن جاءتهم آية } ظاهرة يشهدونها، { ليؤمنن بها } وبمن جاء بها، { قل } لهم: { إنما الآيات عند الله } وفي قدرته وإرادته، يظهرها حيث شاء، وليس في قدرتي منها شيء، { وما يشعركم } أي: وما يدريكم أيها المؤمنون، { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } بها، لما سبق لهم من الشقاء، وقد كان المؤمنون يتمنون إنزالها طمعا في إيمانهم، وفيه تنبيه على أنه تعالى إنما لم ينزلها لعلمه بأنها { إذا جاءت لا يؤمنون } بها. وقيل: الخطاب للمشركين، ويتأتى هذا على كسر " إن " ، أو على قراءة ابن عامر وحمزة: { لا تؤمنون } بتاء الخطاب، وقرىء: { وما يشعرهم } بالغيبة، فيكون إنكارا لهم على حلفهم. ثم ذكر سبب عدم إيمانهم فقال: { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } عند نزول الآية، أي: نصرف قلوبهم ونحولها عن الحق، فلا يفقهون بها، ونقلب أبصارهم عن النظر والتفكر، فلا يبصرون بها الحق، فيصرفون عن الإيمان بما أنزل إليك { كما لم يؤمنوا به } أي: بما أنزل من الآيات، { أول مرة ونذرهم في طغيانهم } أي: في كفرهم وجحدهم { يعمهون } أي: يتحيرون، فلا نهديهم هداية المؤمنين. الإشارة: سألني بعض العوام، فقال لي: ليس لكم ولا لأصحابكم كرامات تظهر فيمن آذاكم، فقد كان أصحاب سيدي فلان وفلان يظهرون الكرامات، وينفذون في من آذاهم؟ فقلت له: نحن على قدم نبينا صلى الله عليه وسلم، أرسله الله رحمة للعالمين، فقد أوذي وضرب، فلما خيره ملك الجبال في أن يطبق عليهم الأخشبين أي الجبلين قال: " لا، لعل الله تعالى يخرج منهم من يعبد الله " وقال حين أكثروا إيذاءه: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " فالأولياء المحققون: رحمة للعباد، يتحملون أذاهم، ويتوجهون لمن آذاهم في الدعاء له بالهداية والتوفيق، فهم قوم لا يشقى جليسهم، جالسهم بالإنكار أو بالإقرار، وقد ظهرت الكرامات على بعض الأولياء ولم ينقطع عنهم الإنكار، فإن الإيمان أو التصديق بالنبي أو الولي إنما هو محض هداية من الكبير العلي، كما بين ذلك بقوله: { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة }.

الأنعام 6:110

قلت: { جهد }: مصدر لعامل محذوف، أي: واجتهدوا جهد أيمانهم، وهو حال، أي: وأقسموا جاهدين أيمانهم، ومن قرأ: { أنها } بالفتح، فهو مفعول بيشعركم، أي: وما يدريكم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون، وقيل: { لا }: مزيدة، أي: وما يدريكم أنهم لا يؤمنون إذا رأوها، وقيل: أن، هنا، بمعنى لعل. ومن قرأ بالكسر فهو استئناف، وتم الكلام في قوله: { وما يشعركم } أي: وما يشعركم ما يكون منهم، فعلى القراءة بالكسر، يوقف على: { ما يشعركم } ، وأما على القراءة بالفتح، فإن كانت أن مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها، وإن كانت بمعنى: لعل، فأجاز بعض الناس الوقف، ومنعه بعضهم. يقول الحق جل جلاله: { وأقسموا } أي: المشركون، { بالله } واجتهدوا في أيمانهم، { لئن جاءتهم آية } ظاهرة يشهدونها، { ليؤمنن بها } وبمن جاء بها، { قل } لهم: { إنما الآيات عند الله } وفي قدرته وإرادته، يظهرها حيث شاء، وليس في قدرتي منها شيء، { وما يشعركم } أي: وما يدريكم أيها المؤمنون، { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } بها، لما سبق لهم من الشقاء، وقد كان المؤمنون يتمنون إنزالها طمعا في إيمانهم، وفيه تنبيه على أنه تعالى إنما لم ينزلها لعلمه بأنها { إذا جاءت لا يؤمنون } بها. وقيل: الخطاب للمشركين، ويتأتى هذا على كسر " إن " ، أو على قراءة ابن عامر وحمزة: { لا تؤمنون } بتاء الخطاب، وقرىء: { وما يشعرهم } بالغيبة، فيكون إنكارا لهم على حلفهم. ثم ذكر سبب عدم إيمانهم فقال: { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } عند نزول الآية، أي: نصرف قلوبهم ونحولها عن الحق، فلا يفقهون بها، ونقلب أبصارهم عن النظر والتفكر، فلا يبصرون بها الحق، فيصرفون عن الإيمان بما أنزل إليك { كما لم يؤمنوا به } أي: بما أنزل من الآيات، { أول مرة ونذرهم في طغيانهم } أي: في كفرهم وجحدهم { يعمهون } أي: يتحيرون، فلا نهديهم هداية المؤمنين. الإشارة: سألني بعض العوام، فقال لي: ليس لكم ولا لأصحابكم كرامات تظهر فيمن آذاكم، فقد كان أصحاب سيدي فلان وفلان يظهرون الكرامات، وينفذون في من آذاهم؟ فقلت له: نحن على قدم نبينا صلى الله عليه وسلم، أرسله الله رحمة للعالمين، فقد أوذي وضرب، فلما خيره ملك الجبال في أن يطبق عليهم الأخشبين أي الجبلين قال: " لا، لعل الله تعالى يخرج منهم من يعبد الله " وقال حين أكثروا إيذاءه: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " فالأولياء المحققون: رحمة للعباد، يتحملون أذاهم، ويتوجهون لمن آذاهم في الدعاء له بالهداية والتوفيق، فهم قوم لا يشقى جليسهم، جالسهم بالإنكار أو بالإقرار، وقد ظهرت الكرامات على بعض الأولياء ولم ينقطع عنهم الإنكار، فإن الإيمان أو التصديق بالنبي أو الولي إنما هو محض هداية من الكبير العلي، كما بين ذلك بقوله: { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة }.

الأنعام 6:111

قلت: { قبلا }: بكسر القاف معاينة، وبضمتين: جمع قبيل، أي: ضمناء، وهو حال. يقول الحق جل جلاله: في الرد على المشركين، حين أقسموا: لئن رأوا آية ليؤمنن بها، فقال تعالى: { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة } تشهد لك بالنبوة كما اقترحوا، { وكلمهم الموتى } كما طلبوا بقولهم: فأتوا بأبآئنآ [الدخان:36]، وقالوا: إن قصيا كان شيخ صدق، فابعثه لنا يكلمنا ويشهد لك بما تدعي. { و } لو { حشرنا عليهم } أي: جمعنا عليهم، { كل شيء } من الحيوانات والجمادات، معاينة، أو ضمناء، تشهد لك بالرسالة والنبوة، { ما كانوا ليؤمنوا } بك في حال من الأحوال، { إلا أن يشاء الله } إيمانهم فيمن لم يسبق له الشقاء، { ولكن أكثرهم يجهلون } أنهم لو أوتوا بكل آية لم يؤمنوا، فكيف يقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يعلمون؟، فالجهل بهذا المعنى حاصل لأكثرهم، ومطلق الجهل حاصل لجميعهم، أو: ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم لا يؤمنون، فيتمنون نزول الآية طمعا في إيمانهم. قاله البيضاوي. الإشارة: في الآية تسكين لقلوب الأولياء الداعين إلى الله، حين يرون الخلق قد حادوا عن باب الله، وتعلقت هممهم بالدنيا الدنية، وتشتتت قلوبهم، وضاعت عليهم أعمارهم، فيتأسفون عليها، فإذا تفكروا في هذه الآية وأمثالها سكنوا وردوا أمر عباد الله إلى مشيئته وإرادته، فلو شاء الله لهدى الناس جميعا، ولا يزالون مختلفين: { ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله }. وبالله التوفيق. ومما تعلقت به المشيئة، وجرت به الحكمة، أنه لا بد أن يبقى للنبي من يحركه إلى ربه، كما أبان ذلك بقوله: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين }.

الأنعام 6:112

قلت: { شياطين }: بدل من { عدو } إذ هو بمعنى الجمع، أو مفعول أول لجعلنا، و { عدوا }: مفعول ثان، والضمير في { فعلوه }: للوحي، أو للعداوة، و { غرورا }: مفعول له، أو مصدر في موضع الحال { لتصغى }: عطف على غرورا، أو متعلق بمحذوف، أي: فعلنا ذلك لتصغى...الخ. يقول الحق جل جلاله: في تسلية نبيه عليه الصلاة والسلام : وكما جعلنا لك أعداء من الكفار، { جعلنا لكل نبي عدوا } من شياطين { الإنس والجن } أي: من مردة الفريقين، وشياطين الإنس أقبح لأنه يأتي في صورة ناصح، لا يدفع بتعوذ ولا غيره. { يوحي } أي: يوسوس، { بعضهم إلى بعض } ، فيوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، ثم يوسوس شياطين الإنس إلى من يريد الحق اختباره وابتلاءه، يلقى إليه ذلك الشيطان { زخرف القول } أي: أباطيله، أي: قولا مزخرفا مزوقا { غرورا } أي: لأجل الغرور، فإن أراد الله خذلان ذلك العبد غره ذلك الشيطان بزخرف ذلك القول فيتبعه، وإن أراد توفيقه وزيادته أيده وعصمه، وكل شيء بقدره وقضائه، { ولو شاء ربك } هدايتهم ما فعلوا ذلك الوحي، أو ما ذكر من المعاداة للأنبياء، { فذرهم وما يفترون } على الله من الكفر وغيره، فلا تهتم بشأنهم. وإنما فعلنا ذلك الإيحاء { لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } فيغتروا به، { وليرضوه } لأنفسهم، { وليقترفوا ما هم مقترفون } أي: وليكتسبوا من الإثم والكفر ما هم مكتسبون بسبب ذلك الوحي من الجن أو الأنس، وفي الآية دليل لأهل السنة في أن الله خالق الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية، فالمعصية خلقها وقدرها، ولم يرضها، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء:23]. الإشارة: كما جعل الله لكل نبي عدوا من شياطين الإنس والجن جعل للأولياء كذلك تحويشا لهم إليه، وتطهيرا لهم من البقايا ليصلحوا لحضرته، قال في الحكم: " إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء ". وقال في لطائف المنن: اعلم أن أولياء الله حكمهم في بدايتهم أن يسلط الخلق عليهم ليطهروا من البقايا، وتكمل فيهم المزايا، كي لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد، أو يميلوا إليهم باستناد، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه، ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " من أسدى إليكم نعما فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا له " كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق، ويتعلق بالملك الحق. ه. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: آذاني إنسان فضقت به ذرعا، فرأيت يقال لي: من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم. وقال بعضهم: الصيحة من العدو، سوط من الله يزجر بها القلوب إذا ساكنت غيره، وإلا رقد القلب في ظل العز والجاه، وهو حجاب عن الله تعالى عظيم. ه. وقال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه: عداوة العدو حقا: اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك، وفاتتك محبة الحبيب. وقال بعض أشياخ الشعراني في بعض وصاياه له: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك فإنه هو الذي حركه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير، فاشتغلوا بأذى من آذاهم، فدام الآذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم وكفاهم أمرهم. ه. وهذا كله إنما يكون في البدايات، كما قال الشاذلي رضي الله عنه: اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا.. فإذا تمت أنوارهم وتطهرت من البقايا أسرارهم، حكمهم في العباد، وأذلهم لهم، فيكون العبد المجتبى سيفا من سيوف الله، ينتصر الله به لنفسه كما نبه على ذلك في لطائف المنن. وذلك من أسرار عدم مشروعية الجهاد من أول الإسلام تشريعا لما ذكرنا، وتحذيرا من الانتصار للنفس، وعدم تمحض النصرة للحق. وعند الرسوخ في اليقين، والأمن من مزاحمة الصدق غيره، وقع الإذن في الجهاد، هذا بالنسبة إلى الصحابة الكرام، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكامل من أول نشأته، وإنما ذلك تشريع لغيره، وترفيع لرتبته. والله تعالى أعلم. ولما طلبوا من يحكم بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم، أنزل الله: { أفغير الله أبتغي حكما }.

الأنعام 6:113

قلت: { شياطين }: بدل من { عدو } إذ هو بمعنى الجمع، أو مفعول أول لجعلنا، و { عدوا }: مفعول ثان، والضمير في { فعلوه }: للوحي، أو للعداوة، و { غرورا }: مفعول له، أو مصدر في موضع الحال { لتصغى }: عطف على غرورا، أو متعلق بمحذوف، أي: فعلنا ذلك لتصغى...الخ. يقول الحق جل جلاله: في تسلية نبيه عليه الصلاة والسلام : وكما جعلنا لك أعداء من الكفار، { جعلنا لكل نبي عدوا } من شياطين { الإنس والجن } أي: من مردة الفريقين، وشياطين الإنس أقبح لأنه يأتي في صورة ناصح، لا يدفع بتعوذ ولا غيره. { يوحي } أي: يوسوس، { بعضهم إلى بعض } ، فيوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، ثم يوسوس شياطين الإنس إلى من يريد الحق اختباره وابتلاءه، يلقى إليه ذلك الشيطان { زخرف القول } أي: أباطيله، أي: قولا مزخرفا مزوقا { غرورا } أي: لأجل الغرور، فإن أراد الله خذلان ذلك العبد غره ذلك الشيطان بزخرف ذلك القول فيتبعه، وإن أراد توفيقه وزيادته أيده وعصمه، وكل شيء بقدره وقضائه، { ولو شاء ربك } هدايتهم ما فعلوا ذلك الوحي، أو ما ذكر من المعاداة للأنبياء، { فذرهم وما يفترون } على الله من الكفر وغيره، فلا تهتم بشأنهم. وإنما فعلنا ذلك الإيحاء { لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } فيغتروا به، { وليرضوه } لأنفسهم، { وليقترفوا ما هم مقترفون } أي: وليكتسبوا من الإثم والكفر ما هم مكتسبون بسبب ذلك الوحي من الجن أو الأنس، وفي الآية دليل لأهل السنة في أن الله خالق الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية، فالمعصية خلقها وقدرها، ولم يرضها، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء:23]. الإشارة: كما جعل الله لكل نبي عدوا من شياطين الإنس والجن جعل للأولياء كذلك تحويشا لهم إليه، وتطهيرا لهم من البقايا ليصلحوا لحضرته، قال في الحكم: " إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء ". وقال في لطائف المنن: اعلم أن أولياء الله حكمهم في بدايتهم أن يسلط الخلق عليهم ليطهروا من البقايا، وتكمل فيهم المزايا، كي لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد، أو يميلوا إليهم باستناد، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه، ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " من أسدى إليكم نعما فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا له " كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق، ويتعلق بالملك الحق. ه. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: آذاني إنسان فضقت به ذرعا، فرأيت يقال لي: من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم. وقال بعضهم: الصيحة من العدو، سوط من الله يزجر بها القلوب إذا ساكنت غيره، وإلا رقد القلب في ظل العز والجاه، وهو حجاب عن الله تعالى عظيم. ه. وقال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه: عداوة العدو حقا: اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك، وفاتتك محبة الحبيب. وقال بعض أشياخ الشعراني في بعض وصاياه له: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك فإنه هو الذي حركه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير، فاشتغلوا بأذى من آذاهم، فدام الآذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم وكفاهم أمرهم. ه. وهذا كله إنما يكون في البدايات، كما قال الشاذلي رضي الله عنه: اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا.. فإذا تمت أنوارهم وتطهرت من البقايا أسرارهم، حكمهم في العباد، وأذلهم لهم، فيكون العبد المجتبى سيفا من سيوف الله، ينتصر الله به لنفسه كما نبه على ذلك في لطائف المنن. وذلك من أسرار عدم مشروعية الجهاد من أول الإسلام تشريعا لما ذكرنا، وتحذيرا من الانتصار للنفس، وعدم تمحض النصرة للحق. وعند الرسوخ في اليقين، والأمن من مزاحمة الصدق غيره، وقع الإذن في الجهاد، هذا بالنسبة إلى الصحابة الكرام، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكامل من أول نشأته، وإنما ذلك تشريع لغيره، وترفيع لرتبته. والله تعالى أعلم. ولما طلبوا من يحكم بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم، أنزل الله: { أفغير الله أبتغي حكما }.

الأنعام 6:114

قلت: { غير }: مفعول، و { حكما }: حال، وهو أبلغ من حاكم، ولذلك لا يوصف به غير العادل، و { صدقا وعدلا }: تمييز، أو حال، أو مفعول به. يقول الحق جل جلاله: قل يا محمد: { أفغير الله } أطلب { حكما } يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل، { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب } أي: القرآن المعجز، { مفصلا } مبينا قد بين فيه الحق من الباطل، بحيث انتفى به الالتباس، فهو الحاكم بيني وبينكم، فلا أطلب حاكما غيره، وفيه تنبيه على أن القرآن بإعجازه مغن عن سائر الآيات. { والذين آتيناهم الكتاب } كأحبار اليهود، { يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } لتصديقه ما عندهم، وموافقته له في كثير من الأخبار، { فلا تكونن من الممترين } في أنهم يعلمون ذلك، أو في أنه منزل من ربك، والمراد غيره عليه الصلاة والسلام ممن يطرقه ارتياب، والمعنى: أن الأدلة تعاضدت على صحته، فلا ينبغي لأحد أن يمتري فيه. { وتمت كلمة ربك } آيات القرآن، بلغت الغاية في التمام والكمال، { صدقا وعدلا } أي: من جهة الصدق والعدل، صدقا في الأخبار والمواعيد، وعدلا في الأقضية والأحكام، فلا أصدق منها فيما أخبرت، ولا أعدل منها فيما حكمت، { لا مبدل لكلماته } أي: لا أحد يقدر أن يبدل منها شيئا بما هو أصدق وأعدل، ولا أن يحرف شيئا منها، كما فعل بالتوراة، فهو ضمان من الحق لحفظ القرآن، كما قال: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر:9] أو: لا نبي ولا كتاب بعدها ينسخها ويبدل أحكامها، { وهو السميع } لكل ما يقال، { العليم } بكل ما يضمر، فمن ألحد أو بدل فالله عليم به. الإشارة: من قواعد أهل التصوف: الرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل نازل، والتحاكم إلى الله في كل أمر، إن توقفوا في حكم رجعوا إلى كتاب الله، فإن لم يجدوه نصا، رجعوا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوه، استفتوا قلوبهم، وفي الحديث عنه: " استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك " وفي بعض الآثار قالوا: يا رسول الله أرأيت إن اختلفنا بعدك، ولم نجد نصا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله؟ قال: " ردوه إلى صلحائكم، واجعلوه شورى بينهم ولا تتعدوا رأيهم " أو كما قال عليه الصلاة والسلام . ثم نهى عن الكرون إلى الجهال، فقال: { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك }.

الأنعام 6:115

قلت: { غير }: مفعول، و { حكما }: حال، وهو أبلغ من حاكم، ولذلك لا يوصف به غير العادل، و { صدقا وعدلا }: تمييز، أو حال، أو مفعول به. يقول الحق جل جلاله: قل يا محمد: { أفغير الله } أطلب { حكما } يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل، { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب } أي: القرآن المعجز، { مفصلا } مبينا قد بين فيه الحق من الباطل، بحيث انتفى به الالتباس، فهو الحاكم بيني وبينكم، فلا أطلب حاكما غيره، وفيه تنبيه على أن القرآن بإعجازه مغن عن سائر الآيات. { والذين آتيناهم الكتاب } كأحبار اليهود، { يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } لتصديقه ما عندهم، وموافقته له في كثير من الأخبار، { فلا تكونن من الممترين } في أنهم يعلمون ذلك، أو في أنه منزل من ربك، والمراد غيره عليه الصلاة والسلام ممن يطرقه ارتياب، والمعنى: أن الأدلة تعاضدت على صحته، فلا ينبغي لأحد أن يمتري فيه. { وتمت كلمة ربك } آيات القرآن، بلغت الغاية في التمام والكمال، { صدقا وعدلا } أي: من جهة الصدق والعدل، صدقا في الأخبار والمواعيد، وعدلا في الأقضية والأحكام، فلا أصدق منها فيما أخبرت، ولا أعدل منها فيما حكمت، { لا مبدل لكلماته } أي: لا أحد يقدر أن يبدل منها شيئا بما هو أصدق وأعدل، ولا أن يحرف شيئا منها، كما فعل بالتوراة، فهو ضمان من الحق لحفظ القرآن، كما قال: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر:9] أو: لا نبي ولا كتاب بعدها ينسخها ويبدل أحكامها، { وهو السميع } لكل ما يقال، { العليم } بكل ما يضمر، فمن ألحد أو بدل فالله عليم به. الإشارة: من قواعد أهل التصوف: الرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل نازل، والتحاكم إلى الله في كل أمر، إن توقفوا في حكم رجعوا إلى كتاب الله، فإن لم يجدوه نصا، رجعوا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوه، استفتوا قلوبهم، وفي الحديث عنه: " استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك " وفي بعض الآثار قالوا: يا رسول الله أرأيت إن اختلفنا بعدك، ولم نجد نصا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله؟ قال: " ردوه إلى صلحائكم، واجعلوه شورى بينهم ولا تتعدوا رأيهم " أو كما قال عليه الصلاة والسلام . ثم نهى عن الكرون إلى الجهال، فقال: { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك }.

الأنعام 6:116

قلت: { من يضل }: موصولة، أو موصوفة في محل نصب بفعل دل عليه { أعلم } ، أي: يعلم من يضل، فإن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به إجماعا. أو مبتدأ، والخبر: { يضل } على أن { من } استفهامية، والجملة: معلق عنها الفعل المقدر، كقوله تعالى: لنعلم أي الحزبين أحصى [الكهف:12]. يقول الحق جل جلاله: لرسوله عليه الصلاة والسلام ولمن كان على قدمه: { وإن تطع أكثر من في الأرض } من الكفار أو الجهال أو من اتبع هواه { يضلوك عن } طريق { الله } ، الموصلة إلى معرفته، وحلول رضوانه، فإن الضال لا يأمر إلا بما هو فيه، مقالا أو حالا. والمراد بهم: من لا يقين عندهم، بل { إن يتبعون إلا الظن } ، وهو ما استحسنته عقولهم، إما تقليدا، كظنهم أن آباءهم كانوا على الحق، أو ما ابتدعوه برأيهم الفاسد من العقائد الزائفة والآراء الفاسدة، { وإن هم إلا يخرصون } أي: يكذبون على الله فيما ينسبون إليه كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان وصلة إلى الله، وتحليل الميتة وتحريم البحائر، أو يقدرون في عقولهم أنهم على شيء، وكل ذلك عن تخمين وظن لا يقين فيه، ثم قال لنبيه: { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } أي: هو عالم بالفريقين، لا يخفى عليه أهل الحق من أهل الباطل. الإشارة: مخالطة العموم والركون إليهم والمعاملة معهم سموم قاتلة، قال بعض الصوفية: قلت لبعض الأبدال: كيف الطريق إلى التحقيق والوصول إلى الحق؟ قال: لا تنظر إلى الخلق، فإن النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لي، قال: لا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة، قلت: لا بد لي، قال: فلا تعاملهم، فإن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة، قلت: أنا بين آظهرهم، لا بد لي من معاملتهم، قال: لا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة، قلت: هذا لعله يكون، قال: يا هذا، تنظر إلى اللاعبين، وتسمع إلى كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة المعاملة في قلبك مع الله عز وجل!! هيهات، هذا لا يكون أبدا. ه. وفي الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخوف ما أخاف على أمتي ضعف اليقين " وإنما يكون برؤية أهل الغفلة ومخالطة أرباب البطالة والقسوة، وتربية اليقين وصحته إنما تكتسب بصحبة أهل اليقين واستماع كلامهم، والتودد إليهم وخدمتهم. وفي بعض الأخبار: تعلموا اليقين بمجالسة أهل اليقين، وفي رواية: " فإني أتعلمه " ، والحاصل: أن الخير كله في صحبة العارفين الراسخين في عين اليقين. أو حق اليقين، وما عداهم يجب اعتزالهم، كيفما كانوا، إلا بقصد الوعظ والتذكير، ثم يغيب عنهم، وإلى هذا أشار ابن الفارض رضي الله عنه بقوله: تمسك بأذيال الهوى واخلع الحيا وخل سبيل الناسكين وإن جلوا وبالله التوفيق. وأصل تنوير القلب باليقين والمعرفة: هو أكل الحلال وتجنب الحرام، كما بينه الحق تعالى بقوله: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه }.

الأنعام 6:117

قلت: { من يضل }: موصولة، أو موصوفة في محل نصب بفعل دل عليه { أعلم } ، أي: يعلم من يضل، فإن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به إجماعا. أو مبتدأ، والخبر: { يضل } على أن { من } استفهامية، والجملة: معلق عنها الفعل المقدر، كقوله تعالى: لنعلم أي الحزبين أحصى [الكهف:12]. يقول الحق جل جلاله: لرسوله عليه الصلاة والسلام ولمن كان على قدمه: { وإن تطع أكثر من في الأرض } من الكفار أو الجهال أو من اتبع هواه { يضلوك عن } طريق { الله } ، الموصلة إلى معرفته، وحلول رضوانه، فإن الضال لا يأمر إلا بما هو فيه، مقالا أو حالا. والمراد بهم: من لا يقين عندهم، بل { إن يتبعون إلا الظن } ، وهو ما استحسنته عقولهم، إما تقليدا، كظنهم أن آباءهم كانوا على الحق، أو ما ابتدعوه برأيهم الفاسد من العقائد الزائفة والآراء الفاسدة، { وإن هم إلا يخرصون } أي: يكذبون على الله فيما ينسبون إليه كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان وصلة إلى الله، وتحليل الميتة وتحريم البحائر، أو يقدرون في عقولهم أنهم على شيء، وكل ذلك عن تخمين وظن لا يقين فيه، ثم قال لنبيه: { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } أي: هو عالم بالفريقين، لا يخفى عليه أهل الحق من أهل الباطل. الإشارة: مخالطة العموم والركون إليهم والمعاملة معهم سموم قاتلة، قال بعض الصوفية: قلت لبعض الأبدال: كيف الطريق إلى التحقيق والوصول إلى الحق؟ قال: لا تنظر إلى الخلق، فإن النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لي، قال: لا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة، قلت: لا بد لي، قال: فلا تعاملهم، فإن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة، قلت: أنا بين آظهرهم، لا بد لي من معاملتهم، قال: لا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة، قلت: هذا لعله يكون، قال: يا هذا، تنظر إلى اللاعبين، وتسمع إلى كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة المعاملة في قلبك مع الله عز وجل!! هيهات، هذا لا يكون أبدا. ه. وفي الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخوف ما أخاف على أمتي ضعف اليقين " وإنما يكون برؤية أهل الغفلة ومخالطة أرباب البطالة والقسوة، وتربية اليقين وصحته إنما تكتسب بصحبة أهل اليقين واستماع كلامهم، والتودد إليهم وخدمتهم. وفي بعض الأخبار: تعلموا اليقين بمجالسة أهل اليقين، وفي رواية: " فإني أتعلمه " ، والحاصل: أن الخير كله في صحبة العارفين الراسخين في عين اليقين. أو حق اليقين، وما عداهم يجب اعتزالهم، كيفما كانوا، إلا بقصد الوعظ والتذكير، ثم يغيب عنهم، وإلى هذا أشار ابن الفارض رضي الله عنه بقوله: تمسك بأذيال الهوى واخلع الحيا وخل سبيل الناسكين وإن جلوا وبالله التوفيق. وأصل تنوير القلب باليقين والمعرفة: هو أكل الحلال وتجنب الحرام، كما بينه الحق تعالى بقوله: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه }.

الأنعام 6:118

يقول الحق جل جلاله: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } عند ذبحه، ولا تتورعوا منه، { إن كنتم بآياته مؤمنين } ، فإن الإيمان يقتضي استباحة ما أحل الله تعالى، واجتناب ما حرمه، { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أي: ما يمنعكم منه، وأي غرض لكم في التحرج عن أكله؟. { وقد فصل لكم } في الكتاب، أو فصل الله لكم { ما حرم عليكم } مما لم يحرم بقوله: حرمت عليكم الميتة... [المائدة:3] الآية { إلا ما اضطررتم إليه } مما حرم عليكم فإنه حلال حال الضرورة. { وإن كثيرا ليضلون } بتحليل الحرام وتحريم الحلال { بأهوائهم } أي: بمجرد أهوائهم { بغير علم } ولا دليل، بل بتشهي أنفسهم، { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } المجاوزين الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام، { وذروا } أي: اتركوا { ظاهر الإثم وباطنه } أي: سره وعلانيته، أو ما يتعلق بالجوارح والقلب، { إن الذين يكسبون الإثم } سرا أو علانية، { سيجزون بما كانوا يقترفون } يكتسبون. ولما أمرهم بأكل الحلال نهاهم عن الحرام، فقال: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ، بأن ترك التسمية عليه عمدا لا سهوا كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: تؤكل مطلقا، لقوله عليه الصلاة والسلام : " ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه " ، وقال أحمد وداود: لا تؤكل إن تركت مطلقا، عمدا أو سهوا. وقال ابن جزي: إنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها مما ذبح للنصب، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك. وقال عطاء: هذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب. ه. { وإنه } أي: الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه { لفسق } أو: وإنه أي: عدم ذكر اسم الله على الذبيحة، لفسق ومن تزيين الشياطين، { إن الشياطين ليوحون } ليوسوسون { إلى أوليائهم } من الكفار { ليجادلوكم } بقولهم: إنكم تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله. وهذا يؤيد أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه هو الميتة، { وإن أطعتموهم } في استحلال ما حرمت عليكم، { إنكم لمشركون } مثلهم، لأن من أحل ما حرم الله فقد كفر، والجواب عن شبهتهم: أن الذكاة تطهير لخبث الميتة، مع ضرب من التعبد. الإشارة: ليس المراد من التسمية على الطعام أو غيره مجرد اللفظ، وإنما المراد حضور المسمى، وهو شهود المنعم في تلك النعمة لأن الوقت الذي يغلب فيه حظ النفس، ينبغي للذاكر المتيقظ أن يغلب فيه جانب الحق، فيكون تناوله لتلك النعمة بالله من الله إلى الله، وهذا هو المقصود من الأمر بذكر اسم الله، لأن الاسم عين المسمى في التحقيق، فإن كان الأكل أو غيره مما شرعت التسمية في أوله، على هذا التيقظ، فهو طائع لله وعابد له في أكله وشربه، وسائر أحواله، وإن كان غافلا عن هذا، فأكله فسق، قال تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ، سبب ذلك: غلبة الغفلة. والغفلة من وحي الشيطان، { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم }. أو: ولا تنظروا إلى الأشياء بعين الفرق والغفلة، بل اذكروا اسم الله عليها وكلوها بفكرتكم { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله } عليه من الأشياء فإنه غفلة وفسق في الشهود، وقوله تعالى: { وذروا ظاهر الإثم } هو ما ظهر على الجوارح من الذنوب، وقوله: { وباطنه } هو ما كمن في السرائر من العيوب. والله تعالى أعلم. ثم حذر من الشرك والكفر، فقال: { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به }.

الأنعام 6:119

يقول الحق جل جلاله: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } عند ذبحه، ولا تتورعوا منه، { إن كنتم بآياته مؤمنين } ، فإن الإيمان يقتضي استباحة ما أحل الله تعالى، واجتناب ما حرمه، { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أي: ما يمنعكم منه، وأي غرض لكم في التحرج عن أكله؟. { وقد فصل لكم } في الكتاب، أو فصل الله لكم { ما حرم عليكم } مما لم يحرم بقوله: حرمت عليكم الميتة... [المائدة:3] الآية { إلا ما اضطررتم إليه } مما حرم عليكم فإنه حلال حال الضرورة. { وإن كثيرا ليضلون } بتحليل الحرام وتحريم الحلال { بأهوائهم } أي: بمجرد أهوائهم { بغير علم } ولا دليل، بل بتشهي أنفسهم، { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } المجاوزين الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام، { وذروا } أي: اتركوا { ظاهر الإثم وباطنه } أي: سره وعلانيته، أو ما يتعلق بالجوارح والقلب، { إن الذين يكسبون الإثم } سرا أو علانية، { سيجزون بما كانوا يقترفون } يكتسبون. ولما أمرهم بأكل الحلال نهاهم عن الحرام، فقال: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ، بأن ترك التسمية عليه عمدا لا سهوا كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: تؤكل مطلقا، لقوله عليه الصلاة والسلام : " ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه " ، وقال أحمد وداود: لا تؤكل إن تركت مطلقا، عمدا أو سهوا. وقال ابن جزي: إنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها مما ذبح للنصب، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك. وقال عطاء: هذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب. ه. { وإنه } أي: الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه { لفسق } أو: وإنه أي: عدم ذكر اسم الله على الذبيحة، لفسق ومن تزيين الشياطين، { إن الشياطين ليوحون } ليوسوسون { إلى أوليائهم } من الكفار { ليجادلوكم } بقولهم: إنكم تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله. وهذا يؤيد أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه هو الميتة، { وإن أطعتموهم } في استحلال ما حرمت عليكم، { إنكم لمشركون } مثلهم، لأن من أحل ما حرم الله فقد كفر، والجواب عن شبهتهم: أن الذكاة تطهير لخبث الميتة، مع ضرب من التعبد. الإشارة: ليس المراد من التسمية على الطعام أو غيره مجرد اللفظ، وإنما المراد حضور المسمى، وهو شهود المنعم في تلك النعمة لأن الوقت الذي يغلب فيه حظ النفس، ينبغي للذاكر المتيقظ أن يغلب فيه جانب الحق، فيكون تناوله لتلك النعمة بالله من الله إلى الله، وهذا هو المقصود من الأمر بذكر اسم الله، لأن الاسم عين المسمى في التحقيق، فإن كان الأكل أو غيره مما شرعت التسمية في أوله، على هذا التيقظ، فهو طائع لله وعابد له في أكله وشربه، وسائر أحواله، وإن كان غافلا عن هذا، فأكله فسق، قال تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ، سبب ذلك: غلبة الغفلة. والغفلة من وحي الشيطان، { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم }. أو: ولا تنظروا إلى الأشياء بعين الفرق والغفلة، بل اذكروا اسم الله عليها وكلوها بفكرتكم { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله } عليه من الأشياء فإنه غفلة وفسق في الشهود، وقوله تعالى: { وذروا ظاهر الإثم } هو ما ظهر على الجوارح من الذنوب، وقوله: { وباطنه } هو ما كمن في السرائر من العيوب. والله تعالى أعلم. ثم حذر من الشرك والكفر، فقال: { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به }.

الأنعام 6:120

يقول الحق جل جلاله: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } عند ذبحه، ولا تتورعوا منه، { إن كنتم بآياته مؤمنين } ، فإن الإيمان يقتضي استباحة ما أحل الله تعالى، واجتناب ما حرمه، { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أي: ما يمنعكم منه، وأي غرض لكم في التحرج عن أكله؟. { وقد فصل لكم } في الكتاب، أو فصل الله لكم { ما حرم عليكم } مما لم يحرم بقوله: حرمت عليكم الميتة... [المائدة:3] الآية { إلا ما اضطررتم إليه } مما حرم عليكم فإنه حلال حال الضرورة. { وإن كثيرا ليضلون } بتحليل الحرام وتحريم الحلال { بأهوائهم } أي: بمجرد أهوائهم { بغير علم } ولا دليل، بل بتشهي أنفسهم، { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } المجاوزين الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام، { وذروا } أي: اتركوا { ظاهر الإثم وباطنه } أي: سره وعلانيته، أو ما يتعلق بالجوارح والقلب، { إن الذين يكسبون الإثم } سرا أو علانية، { سيجزون بما كانوا يقترفون } يكتسبون. ولما أمرهم بأكل الحلال نهاهم عن الحرام، فقال: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ، بأن ترك التسمية عليه عمدا لا سهوا كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: تؤكل مطلقا، لقوله عليه الصلاة والسلام : " ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه " ، وقال أحمد وداود: لا تؤكل إن تركت مطلقا، عمدا أو سهوا. وقال ابن جزي: إنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها مما ذبح للنصب، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك. وقال عطاء: هذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب. ه. { وإنه } أي: الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه { لفسق } أو: وإنه أي: عدم ذكر اسم الله على الذبيحة، لفسق ومن تزيين الشياطين، { إن الشياطين ليوحون } ليوسوسون { إلى أوليائهم } من الكفار { ليجادلوكم } بقولهم: إنكم تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله. وهذا يؤيد أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه هو الميتة، { وإن أطعتموهم } في استحلال ما حرمت عليكم، { إنكم لمشركون } مثلهم، لأن من أحل ما حرم الله فقد كفر، والجواب عن شبهتهم: أن الذكاة تطهير لخبث الميتة، مع ضرب من التعبد. الإشارة: ليس المراد من التسمية على الطعام أو غيره مجرد اللفظ، وإنما المراد حضور المسمى، وهو شهود المنعم في تلك النعمة لأن الوقت الذي يغلب فيه حظ النفس، ينبغي للذاكر المتيقظ أن يغلب فيه جانب الحق، فيكون تناوله لتلك النعمة بالله من الله إلى الله، وهذا هو المقصود من الأمر بذكر اسم الله، لأن الاسم عين المسمى في التحقيق، فإن كان الأكل أو غيره مما شرعت التسمية في أوله، على هذا التيقظ، فهو طائع لله وعابد له في أكله وشربه، وسائر أحواله، وإن كان غافلا عن هذا، فأكله فسق، قال تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ، سبب ذلك: غلبة الغفلة. والغفلة من وحي الشيطان، { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم }. أو: ولا تنظروا إلى الأشياء بعين الفرق والغفلة، بل اذكروا اسم الله عليها وكلوها بفكرتكم { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله } عليه من الأشياء فإنه غفلة وفسق في الشهود، وقوله تعالى: { وذروا ظاهر الإثم } هو ما ظهر على الجوارح من الذنوب، وقوله: { وباطنه } هو ما كمن في السرائر من العيوب. والله تعالى أعلم. ثم حذر من الشرك والكفر، فقال: { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به }.

الأنعام 6:121

يقول الحق جل جلاله: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } عند ذبحه، ولا تتورعوا منه، { إن كنتم بآياته مؤمنين } ، فإن الإيمان يقتضي استباحة ما أحل الله تعالى، واجتناب ما حرمه، { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أي: ما يمنعكم منه، وأي غرض لكم في التحرج عن أكله؟. { وقد فصل لكم } في الكتاب، أو فصل الله لكم { ما حرم عليكم } مما لم يحرم بقوله: حرمت عليكم الميتة... [المائدة:3] الآية { إلا ما اضطررتم إليه } مما حرم عليكم فإنه حلال حال الضرورة. { وإن كثيرا ليضلون } بتحليل الحرام وتحريم الحلال { بأهوائهم } أي: بمجرد أهوائهم { بغير علم } ولا دليل، بل بتشهي أنفسهم، { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } المجاوزين الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام، { وذروا } أي: اتركوا { ظاهر الإثم وباطنه } أي: سره وعلانيته، أو ما يتعلق بالجوارح والقلب، { إن الذين يكسبون الإثم } سرا أو علانية، { سيجزون بما كانوا يقترفون } يكتسبون. ولما أمرهم بأكل الحلال نهاهم عن الحرام، فقال: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ، بأن ترك التسمية عليه عمدا لا سهوا كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: تؤكل مطلقا، لقوله عليه الصلاة والسلام : " ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه " ، وقال أحمد وداود: لا تؤكل إن تركت مطلقا، عمدا أو سهوا. وقال ابن جزي: إنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها مما ذبح للنصب، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك. وقال عطاء: هذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب. ه. { وإنه } أي: الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه { لفسق } أو: وإنه أي: عدم ذكر اسم الله على الذبيحة، لفسق ومن تزيين الشياطين، { إن الشياطين ليوحون } ليوسوسون { إلى أوليائهم } من الكفار { ليجادلوكم } بقولهم: إنكم تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله. وهذا يؤيد أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه هو الميتة، { وإن أطعتموهم } في استحلال ما حرمت عليكم، { إنكم لمشركون } مثلهم، لأن من أحل ما حرم الله فقد كفر، والجواب عن شبهتهم: أن الذكاة تطهير لخبث الميتة، مع ضرب من التعبد. الإشارة: ليس المراد من التسمية على الطعام أو غيره مجرد اللفظ، وإنما المراد حضور المسمى، وهو شهود المنعم في تلك النعمة لأن الوقت الذي يغلب فيه حظ النفس، ينبغي للذاكر المتيقظ أن يغلب فيه جانب الحق، فيكون تناوله لتلك النعمة بالله من الله إلى الله، وهذا هو المقصود من الأمر بذكر اسم الله، لأن الاسم عين المسمى في التحقيق، فإن كان الأكل أو غيره مما شرعت التسمية في أوله، على هذا التيقظ، فهو طائع لله وعابد له في أكله وشربه، وسائر أحواله، وإن كان غافلا عن هذا، فأكله فسق، قال تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ، سبب ذلك: غلبة الغفلة. والغفلة من وحي الشيطان، { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم }. أو: ولا تنظروا إلى الأشياء بعين الفرق والغفلة، بل اذكروا اسم الله عليها وكلوها بفكرتكم { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله } عليه من الأشياء فإنه غفلة وفسق في الشهود، وقوله تعالى: { وذروا ظاهر الإثم } هو ما ظهر على الجوارح من الذنوب، وقوله: { وباطنه } هو ما كمن في السرائر من العيوب. والله تعالى أعلم. ثم حذر من الشرك والكفر، فقال: { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به }.

الأنعام 6:122

قلت: { كمن }: موصولة، و { مثله }: مبتدأ، و { في الظلمات }: خبره، وقيل: مثل هنا زائدة، أي: كمن هو في الظلمات، و { ليس بخارج }: حال من الضمير في الخبر. يقول الحق جل جلاله: { أو من كان ميتا } بالكفر والجهل { فأحييناه } بالإيمان والعلم، { وجعلنا له نورا } في قلبه أي: نور الإيمان والعلم، { يمشي به في الناس } ، فيذكرهم بالله، ويدلهم على الله، { كمن مثله } غريق { في الظلمات } في ظلمة الكفر والجهل والتقليد والذنوب، { ليس بخارج منها } أي: لا يفارق ضلالته بحال. { كذلك } أي: كما زين الإيمان لهؤلاء { زين للكافرين ما كانوا يعملون }. قال البيضاوي: مثل به من هداه الله تعالى وأنقذه من الضلال، وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء، فيميز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، ثم قال: والآية نزلت في حمزة وأبي جهل، وقيل: في عمار وعمر وأبي جهل. ه. ولفظها أعم، وفي الآية من أنواع البيان: الطباق في قوله: { ميتا فأحييناه }. الإشارة: الروح تكون أولا على الفطرة التي فطرها الله عليها، من العلم والإقرار بالربوبية، فإذا بلغت قد تطرأ عليها موتات، ثم تحيا من كل واحدة على حسب المشيئة، فقد تموت بالكفر، ثم تحيا بالإيمان، وقد تموت بالذنوب والجرائم، ثم تحيا بالتوبة، وقد تموت بالحظوظ والشهوات، ثم تحيا بالزهد والورع والرياضة، وقد تموت بالغفلة والبطالة ثم تحيا باليقظة والإنابة، وقد تموت برؤية الحس وسجن الأكوان والهيكل، ثم تحيا برؤية المعاني وخروج الفكرة إلى فضاء الشهود والعيان، ثم لا موت بعد هذا إلى أبد الأبد. والله تعالى أعلم. وسبب هذه الموتات: صحبة الغافلين الموتى، وطاعتهم حتى يمكروا بصاحبهم، كما قال تعالى: { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها }.

الأنعام 6:123

قلت: { جعلنا } بمعنى صيرنا، يتعدى إلى مفعولين، و { مجرميها }: مفعول أول، مؤخر، و { أكابر }: مفعول ثان، وفيه ضعف من جهة الصناعة لأن أكابر جمع أكبر، وهو من أفعل التفضيل، فلا يستعمل إلا بالإضافة، أو مقرونا بمن. قاله ابن جزي. قلت: ويجاب بأنه لم يقصد به المفاضلة، وإنما المراد مطلق الوصف، أي: جعلناهم كبراء، فلا يلزم إفراده ولا اقترانه بمن. فتأمله. يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها، ليمكروا فيها بأهلها، { جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها } أي: مجرميها أكابر، { ليمكروا فيها } بمن فيها، فيمكروا بالناس فيتبعوهم على ذلك المكر، لأنهم أكابر تصعب مخالفتهم، فيحملونهم على الكفر والعصيان، ويخذلونهم عن الإسلام والإيمان، { وما يمكرون إلا بأنفسهم } لأن وبال مكرهم راجع إليهم، { وما يشعرون } بذلك. الاشارة: إذا أراد الله بقوم خيرا جعل الخير في أكابرهم: فيجعل أمراءهم عدولا حلماء، وعلماءهم زهادا أعفاء، وأغنياءهم رحماء أسخياء، وصلحاءهم قانعين أغنياء، وإذا أراد بهم شرا جعل الشر في كبرائهم، فيجعل أمراءهم فجارا يحكمون بالهوى، وعلماءهم حراصا جامعين للدنيا، وأغنياءهم أشحاء قاسية قلوبهم، وصلحاءهم طماعين في الناس، منتظرين لما في أيديهم، فبهؤلاء يصلح الدين إذا صلحوا، ويفسد إذا فسدوا، وفي ذلك يقول ابن المبارك رحمه الله: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها وقد تقدم تمامه في تفسير سورة البقرة. وبالله التوفيق. ثم بين حال تلك الأكابر المجرمين، فقال: { وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن }.

الأنعام 6:124

قلت: { حيث }: مفعول بفعل مقدر، لا بأعلم لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به، أي: يعلم حيث يجعل رسالته، أي: يعلم المكان الذي يصلح للرسالة، إلا إن أول أفعل بما لا تفضيل فيه، فينتصب المفعول به، ويحتمل أن يكون هذا منه، قال أبو حيان: ويحتمل أن تكون حيث على بابها من الظرفية المجازية، ويضمن أعلم معنى يتعدى إلى الظرف، والتقدير: الله أنفذ علما حيث يجعل رسالته. انظر المحشي. يقول الحق جل جلاله: { وإذا جاءتهم } أي: هؤلاء المجرمين الأكابر، { آية } نزلت على نبي، { قالوا لن نؤمن } بها { حتى نؤتى } من النبوة { مثل ما أوتي رسل الله } ، فنكون أنبياء مثلهم، والقائل لهذه المقالة أبو جهل، قال: تزاحمنا: بنو عبد مناف الشرف مع بني هاشم، حتى إذا صرنا كفرسى رهان، قالو: منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت الآية. وقيل: في الوليد بن المغيرة، قال: أنا أولى بالنبوة من محمد. فرد الله على من قال ذلك بقوله: { الله أعلم حيث يجعل رسالته }. فعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أهل للرسالة، فخصه بها، وعلم أنهم ليسوا بأهل لها، فحرمهم إياها، فإن النبوة ليست بمجرد النسب والمال، وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله بها من يشاء من عباده، بل بمحض الفضل والكرم، فيجتبى لرسالته من علم أنه يصلح لها، وهو أعلم بالمكان الذي فيه يضعها. ثم ذكر وعيد المنكرين، فقال: { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله } أي: ذل وحقارة يوم القيامة، بعد تكبرهم وارتفاعهم في الدنيا. روي " أنهم يبعثون في صورة الذر، يطؤهم الناس في المحشر ". { و } يصيبهم { عذاب شديد بما كانوا يمكرون } أي: بسبب مكرهم، أو جزاء مكرهم. كما تدين تدان. الإشارة: ما حرم الناس من الخير إلا خصلتان: التكبر والحسد، فمن طهر قلبه من الحسد، وتواضع لكل أحد، نال الرفعة والشرف عند الله في الدنيا والآخرة، ولا يضع الله سر الخصوصية إلا في قلب طاهر متواضع، يحط صاحبه رأسه لأقدام الرجال، ويذل نفسه لأهل الصفاء والكمال، وفي ذلك يقول الشاعر: يا من يلوم خمرة المحبة قولوا له عني هي حلال ومن يرد يسقى منها غبا خد يضع لأقدام الرجال رأسي حططت بكل شيبه هم الموالي سقوني زلال فكما أن الحق تعالى علم حيث يجعل رسالته، علم حيث يجعل سر ولايته، وهي النفوس المتواضعة المتطهرة من رذائل النفوس كالحسد والكبر وسائر الأوصاف المذمومة. ثم ذكر علامة الهداية والشقاء، فقال: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام }.

الأنعام 6:125

قلت: من قرأ { حرجا } بالفتح، فهو مصدر وصف به للمبالغة، ومن قرأ بالكسر، فوصف، أي: شديد الضيق، ومن قرأ { يصعد } بالشد والقصر، فأصله: يتصعد، أدغم التاء في الصاد، ومن قرأ: { يصاعد } فأصله: يتصاعد، فأدغم أيضا. يقول الحق جل جلاله: { فمن يرد الله أن يهديه } أي: يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان { يشرح صدره } أي: يوسعه { للإسلام } ، فيتسع له، ويقبله، ويغتبط به، ويبتهج، فرحا وسرورا. والشرح: كناية عن جعل النفس قابلة للحق، مهيأة لحلوله فيها، مصفاة عما يمنعها منه، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم، حين سئل عنه، فقال: " نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح " قالوا: هل لذلك أمارة يعرف بها؟ قال " نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول ". ثم ذكر ضده، فقال: { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } شديد الضيق، بحيث ينبو عن قبول الحق، فلا يدخله الإيمان، ولا ينشرح صدره له، بل يفر منه، ويثقل عليه { كأنما يصعد في السماء } أي: يتكلف الصعود فيه. شبهه على وجه المبالغة بمن يحاول ما لا يقدر عليه، فإن صعود السماء غاية فيما يبعد عن الاستطاعة، تنبيها على أن الإيمان تمنع عليه كما يمتنع عليه الصعود إلى السماء، { كذلك } أي: كما يضيق صدر الكافر ويبعد قلبه عن الحق، { يجعل الله الرجس } أي: العذاب والخذلان، { على الذين لا يؤمنون } ، ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل. { وهذا } البيان الذي جاء به القرآن، أو ما سبق من التوفيق والخذلان، { صراط ربك } أي: الطريق الذي ارتضاه، إن قلنا: الإشارة للبيان، أو عادته وطريقه الذي اقتضته حكمته، إن قلنا ما سبق من التوفيق والخذلان، حال كونه { مستقيما } لا عوج فيه، أو عادلا مطردا لا جور فيه، { قد فصلنا الآيات } أي: بيناها { لقوم يذكرون } فيعلمون أن الفاعل هو الله وحده، وأن كل ما يحدث من خير وشر، أو إيمان وكفر، بقضائه وخلقه، فإنه عالم بأفعال العباد، حكيم عادل فيما يفعل بهم من تقريب أو إبعاد. الإشارة: فمن يرد الله أن يهديه لسر الخصوصية ونور الولاية يشرح صدره للدخول في طريقها، ويوفقه لبذل نفسه وروحه في تحصيلها، ويصبره على حمل لأوائها، وينهضه إلى السير في ميدانها، بعد أن يسقطه على شيخ كامل عارف بطريقها، فيحققه بخصوصيته، ويطلعه على سر ولايته، حتى يلقى القياد إليه بكليته، فلا يزال يسايره حتى يقول له: ها أنت وربك. ومن يريد أن يضله عنها يجعل صدره ضيقا عن قبولها، حرجا عن الدخول فيها، حتى يثقل عليه حمل أعبائها، أو ينكر وجود أهلها، كذلك يجعل الله رجس حجابه على الذين لا يؤمنون بطريق الخصوص، فإنه طريق مستقيم يوصل إلى حضرة النعيم في الدنيا والآخرة. وبالله التوفيق. ثم أعد لأهل التوفيق، فقال: { لهم دار السلام }.

الأنعام 6:126

قلت: من قرأ { حرجا } بالفتح، فهو مصدر وصف به للمبالغة، ومن قرأ بالكسر، فوصف، أي: شديد الضيق، ومن قرأ { يصعد } بالشد والقصر، فأصله: يتصعد، أدغم التاء في الصاد، ومن قرأ: { يصاعد } فأصله: يتصاعد، فأدغم أيضا. يقول الحق جل جلاله: { فمن يرد الله أن يهديه } أي: يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان { يشرح صدره } أي: يوسعه { للإسلام } ، فيتسع له، ويقبله، ويغتبط به، ويبتهج، فرحا وسرورا. والشرح: كناية عن جعل النفس قابلة للحق، مهيأة لحلوله فيها، مصفاة عما يمنعها منه، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم، حين سئل عنه، فقال: " نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح " قالوا: هل لذلك أمارة يعرف بها؟ قال " نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول ". ثم ذكر ضده، فقال: { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } شديد الضيق، بحيث ينبو عن قبول الحق، فلا يدخله الإيمان، ولا ينشرح صدره له، بل يفر منه، ويثقل عليه { كأنما يصعد في السماء } أي: يتكلف الصعود فيه. شبهه على وجه المبالغة بمن يحاول ما لا يقدر عليه، فإن صعود السماء غاية فيما يبعد عن الاستطاعة، تنبيها على أن الإيمان تمنع عليه كما يمتنع عليه الصعود إلى السماء، { كذلك } أي: كما يضيق صدر الكافر ويبعد قلبه عن الحق، { يجعل الله الرجس } أي: العذاب والخذلان، { على الذين لا يؤمنون } ، ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل. { وهذا } البيان الذي جاء به القرآن، أو ما سبق من التوفيق والخذلان، { صراط ربك } أي: الطريق الذي ارتضاه، إن قلنا: الإشارة للبيان، أو عادته وطريقه الذي اقتضته حكمته، إن قلنا ما سبق من التوفيق والخذلان، حال كونه { مستقيما } لا عوج فيه، أو عادلا مطردا لا جور فيه، { قد فصلنا الآيات } أي: بيناها { لقوم يذكرون } فيعلمون أن الفاعل هو الله وحده، وأن كل ما يحدث من خير وشر، أو إيمان وكفر، بقضائه وخلقه، فإنه عالم بأفعال العباد، حكيم عادل فيما يفعل بهم من تقريب أو إبعاد. الإشارة: فمن يرد الله أن يهديه لسر الخصوصية ونور الولاية يشرح صدره للدخول في طريقها، ويوفقه لبذل نفسه وروحه في تحصيلها، ويصبره على حمل لأوائها، وينهضه إلى السير في ميدانها، بعد أن يسقطه على شيخ كامل عارف بطريقها، فيحققه بخصوصيته، ويطلعه على سر ولايته، حتى يلقى القياد إليه بكليته، فلا يزال يسايره حتى يقول له: ها أنت وربك. ومن يريد أن يضله عنها يجعل صدره ضيقا عن قبولها، حرجا عن الدخول فيها، حتى يثقل عليه حمل أعبائها، أو ينكر وجود أهلها، كذلك يجعل الله رجس حجابه على الذين لا يؤمنون بطريق الخصوص، فإنه طريق مستقيم يوصل إلى حضرة النعيم في الدنيا والآخرة. وبالله التوفيق. ثم أعد لأهل التوفيق، فقال: { لهم دار السلام }.

الأنعام 6:127

يقول الحق جل جلاله: { لهم دار السلام } التي هي الجنة. والسلام اسم الحق تعالى، وأضافها إلى نفسه تعظيما لها، أو دار السلامة من المكاره، أو دار التحية تحيتهم فيها سلام [إبراهيم:23 يونس:10]، { عند ربهم } ذخيرة لهم عنده حين يقدمون عليه، لا يعلم كنهها غيره، أو في ضمانه وكفالته، { وهو وليهم } أي: مولاهم وناصرهم في الدارين، { بما كانوا يعملون } أي: بسبب أعمالهم، أي: تولاهم بسبب أعمالهم الصالحة، فيحفظهم في الدنيا، هم وذريتهم، ويحفظهم في الآخرة كذلك. الإشارة: من هداه الله لطريق الخصوصية، واستعمله في الوصول إليها، ووصله إلى من يسيره إليها، فقد دخل دار السلام قبل موته، فلله جنتان جنة المعارف وجنة الزخارف، من دخل جنة المعارف لم يشتق إلى جنة الزخارف، لأن الله تولاه وأغناه عما سواه. ثم ذكر ما أعد لأهل الخذلان، فقال: { ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن }.

الأنعام 6:128

قلت: { خالدين }: حال مقدرة من الكاف، والعامل فيه: { مثواكم } ، إن جعل مصدرا، أو معنى الإضافة، إن جعل مكانا. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشرهم } أي: الثقلين، { جميعا } ونقول: { يا معشر الجن } أي: الشياطين { قد استكثرتم من الإنس } أي: من إغوائهم وإضلالهم، أو استكثرتم منهم بأن جعلتموهم في أتباعكم، فحشروا معكم، { وقال أولياؤهم من الإنس } الذين أطاعوهم في الكفر: { ربنا استمتع بعضنا ببعض } أي: انتفع الإنس بالجن، بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها، وانتفع الجن بالإنس بأن أطاعوهم وحصلوا مرادهم: وقيل: استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفارز وعند المخاوف، كان الرجل إذا نزل واديا يقول: أعوذ بصاحب هذا الواد، يعني كبير الجن، واستمتاعهم بالإنس: اعترافهم بأنهم يقدرون على إجارتهم، { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } وهو الموت أو البعث والحشر، وهو اعتراف بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع الهوى، وتكذيب البعث، وتحسر على حالهم، وإظهار للأستكانة والضعف. أقروا بذنبهم لعله ينفعهم. { قال النار مثواكم }: منزلكم، { خالدين فيها إلا ما شاء الله } إلا أوقات، ينتقلون فيها من النار إلى الزمهرير، وقيل: ليس المراد بالاستثناء هنا الإخراج، وإنما هو على وجه الآدب مع الله وإسناد الأمور إليه. وسيأتي في الإشارة تكميله إن شاء الله، { إن ربك حكيم } في أفعاله، { عليم } بأعمال الثقلين. { وكذلك } أي: كما ولينا الشياطين على الكفرة، { نولي بعض الظالمين بعضا } أي: نكل بعضهم إلى بعض، أو نجعل بعضا يتولى بعض فيقويهم، أو: أولياءهم وقرناءهم في العذاب، كما كانوا قرناء في الدنيا، وذلك التولي والتسليط { بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعاصي. الإشارة: ليست الآية خاصة بالكفار، بل كان عوق الناس عن طريق الخصوص، واستكثر من العموم بأن أبقاهم في حزبه، يقال له: يا معشر أهل الرياسة قد استكثرتم من العموم، فيقول أهل اليمين من العموم: ربنا استمتع بعضنا ببعض فتبعناهم في الوقوف مع الحظوظ والعوائد، وتمتعوا بتكثير سوادهم بنا وتنعيش رياستهم، مع ما يلحقهم من الارتفاق من قبلنا، فيقول الحق تعالى: نار القطيعة والحجاب مثواكم خالدين فيها، إلا وقت الرؤية مع عوام الخلق، وهذه عادته تعالى: يولي بعض الغافلين بعضا بسبب غفلتهم. وفي قوله تعالى: { إلا ما شاء الله } إرشاد إلى استعمال الأدب، ورد الأمور كلها إلى رب الأرباب، وعدم التحكيم على غيب مشيئته وعلمه، وقوفا مع ظاهر الوعد أو الوعيد، فالأكابر لا يقفون مع وعد ولا وعيد، كقول عيسى عليه السلام: وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [المائدة:118]، وكقوله إبراهيم عليه السلام: ولآ أخاف ما تشركون به إلآ أن يشآء ربي شيئا [الأنعام:80] الآية، وكقوله: ومن عصاني فإنك غفور رحيم [إبراهيم:36]، وكقول شعيب عليه السلام: وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلآ أن يشآء الله ربنا [الأعراف:89]، وكاستغفار نبينا صلى الله عليه وسلم للمنافقين قبل نزول النهي، وبعد نزوله، إن تستغفر لهم سبعين مرة... [التوبة:80] الآية. وكقوله، يوم بدر: " إن تهلك هذه العصابة لن تعبد " ، مع تقدم الوعد بالنصر، وكخوف موسى بعد قوله: لآ تخافآ إنني معكمآ... [طه:46] الآية. ومنه: خوف الأكابر بعد تأمينهم لأن ظاهر الوعد والوعيد لا يقضي على باطن المشيئة والعلم، ومثله يجري في سورة هود في قوله: إلا ما شآء ربك [هود:107]، وفي سورة يوسف: وظنوا أنهم قد كذبوا [يوسف:110] بالتخفيف، وغير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة، وانظر الورتجبي. فقد انفرد بمقالة، بعد حكاية اتفاق مذاهب المسلمين جميعا على عدم غفران الشرك، ولكن قول عيسى عليه السلام: { وإن تغفر لهم... } الآية، يشير إلى ما أشار إليه ابن عباس وابن مسعود في قوله تعالى: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك [هود:107] قال: تؤمر النار أن تأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم، ويرجى من كرم الله ولطفه إدخالهم بعد ذلك الجنة، قال: وهذا مرجو، ليس بمعتقد أهل السنة. ه. قال في الحاشية: وهو يرجع عند التحقيق إلى طرح الأسباب وعدم الوقوف معها، نظرا إلى أن الحق تعالى لا يتقيد في وعيد ولا وعد، فمن غلبه النظر إليه، سرى إليه الرجاء في عين التخويف، كما أنه يسري الخوف في عين الرجاء، لكونه اقتطع من الوقوف مع خصوص وصف، ولما كانت تلك الحالة هي عين الأدب اللائق بالعبودية مع الله تعالى أرشد تعالى إليها بقوله: { إلا ما شاء الله } ، إلا ما شآء ربك [هود:107]، وهو حال أهل الحقيقة، والوقوف مع خصوص الوعد أو الوعيد حال أهل الشريعة. انتهى ببعض اختصار. وقد رد الثعالبي هذه المقالة التي حكاها الورتجبي. ثم وبخهم على عدم الإيمان بالرسل، فقال: { يامعشر الجن والإنس }.

الأنعام 6:129

قلت: { خالدين }: حال مقدرة من الكاف، والعامل فيه: { مثواكم } ، إن جعل مصدرا، أو معنى الإضافة، إن جعل مكانا. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشرهم } أي: الثقلين، { جميعا } ونقول: { يا معشر الجن } أي: الشياطين { قد استكثرتم من الإنس } أي: من إغوائهم وإضلالهم، أو استكثرتم منهم بأن جعلتموهم في أتباعكم، فحشروا معكم، { وقال أولياؤهم من الإنس } الذين أطاعوهم في الكفر: { ربنا استمتع بعضنا ببعض } أي: انتفع الإنس بالجن، بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها، وانتفع الجن بالإنس بأن أطاعوهم وحصلوا مرادهم: وقيل: استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفارز وعند المخاوف، كان الرجل إذا نزل واديا يقول: أعوذ بصاحب هذا الواد، يعني كبير الجن، واستمتاعهم بالإنس: اعترافهم بأنهم يقدرون على إجارتهم، { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } وهو الموت أو البعث والحشر، وهو اعتراف بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع الهوى، وتكذيب البعث، وتحسر على حالهم، وإظهار للأستكانة والضعف. أقروا بذنبهم لعله ينفعهم. { قال النار مثواكم }: منزلكم، { خالدين فيها إلا ما شاء الله } إلا أوقات، ينتقلون فيها من النار إلى الزمهرير، وقيل: ليس المراد بالاستثناء هنا الإخراج، وإنما هو على وجه الآدب مع الله وإسناد الأمور إليه. وسيأتي في الإشارة تكميله إن شاء الله، { إن ربك حكيم } في أفعاله، { عليم } بأعمال الثقلين. { وكذلك } أي: كما ولينا الشياطين على الكفرة، { نولي بعض الظالمين بعضا } أي: نكل بعضهم إلى بعض، أو نجعل بعضا يتولى بعض فيقويهم، أو: أولياءهم وقرناءهم في العذاب، كما كانوا قرناء في الدنيا، وذلك التولي والتسليط { بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعاصي. الإشارة: ليست الآية خاصة بالكفار، بل كان عوق الناس عن طريق الخصوص، واستكثر من العموم بأن أبقاهم في حزبه، يقال له: يا معشر أهل الرياسة قد استكثرتم من العموم، فيقول أهل اليمين من العموم: ربنا استمتع بعضنا ببعض فتبعناهم في الوقوف مع الحظوظ والعوائد، وتمتعوا بتكثير سوادهم بنا وتنعيش رياستهم، مع ما يلحقهم من الارتفاق من قبلنا، فيقول الحق تعالى: نار القطيعة والحجاب مثواكم خالدين فيها، إلا وقت الرؤية مع عوام الخلق، وهذه عادته تعالى: يولي بعض الغافلين بعضا بسبب غفلتهم. وفي قوله تعالى: { إلا ما شاء الله } إرشاد إلى استعمال الأدب، ورد الأمور كلها إلى رب الأرباب، وعدم التحكيم على غيب مشيئته وعلمه، وقوفا مع ظاهر الوعد أو الوعيد، فالأكابر لا يقفون مع وعد ولا وعيد، كقول عيسى عليه السلام: وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [المائدة:118]، وكقوله إبراهيم عليه السلام: ولآ أخاف ما تشركون به إلآ أن يشآء ربي شيئا [الأنعام:80] الآية، وكقوله: ومن عصاني فإنك غفور رحيم [إبراهيم:36]، وكقول شعيب عليه السلام: وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلآ أن يشآء الله ربنا [الأعراف:89]، وكاستغفار نبينا صلى الله عليه وسلم للمنافقين قبل نزول النهي، وبعد نزوله، إن تستغفر لهم سبعين مرة... [التوبة:80] الآية. وكقوله، يوم بدر: " إن تهلك هذه العصابة لن تعبد " ، مع تقدم الوعد بالنصر، وكخوف موسى بعد قوله: لآ تخافآ إنني معكمآ... [طه:46] الآية. ومنه: خوف الأكابر بعد تأمينهم لأن ظاهر الوعد والوعيد لا يقضي على باطن المشيئة والعلم، ومثله يجري في سورة هود في قوله: إلا ما شآء ربك [هود:107]، وفي سورة يوسف: وظنوا أنهم قد كذبوا [يوسف:110] بالتخفيف، وغير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة، وانظر الورتجبي. فقد انفرد بمقالة، بعد حكاية اتفاق مذاهب المسلمين جميعا على عدم غفران الشرك، ولكن قول عيسى عليه السلام: { وإن تغفر لهم... } الآية، يشير إلى ما أشار إليه ابن عباس وابن مسعود في قوله تعالى: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك [هود:107] قال: تؤمر النار أن تأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم، ويرجى من كرم الله ولطفه إدخالهم بعد ذلك الجنة، قال: وهذا مرجو، ليس بمعتقد أهل السنة. ه. قال في الحاشية: وهو يرجع عند التحقيق إلى طرح الأسباب وعدم الوقوف معها، نظرا إلى أن الحق تعالى لا يتقيد في وعيد ولا وعد، فمن غلبه النظر إليه، سرى إليه الرجاء في عين التخويف، كما أنه يسري الخوف في عين الرجاء، لكونه اقتطع من الوقوف مع خصوص وصف، ولما كانت تلك الحالة هي عين الأدب اللائق بالعبودية مع الله تعالى أرشد تعالى إليها بقوله: { إلا ما شاء الله } ، إلا ما شآء ربك [هود:107]، وهو حال أهل الحقيقة، والوقوف مع خصوص الوعد أو الوعيد حال أهل الشريعة. انتهى ببعض اختصار. وقد رد الثعالبي هذه المقالة التي حكاها الورتجبي. ثم وبخهم على عدم الإيمان بالرسل، فقال: { يامعشر الجن والإنس }.

الأنعام 6:130

قلت: { ذلك أن لم يكن ربك }: خبر عن مضمر، وأن على حذف لام العلة، أي: الأمر ذلك لأجل أن لم يكن ربك متصفا بالظلم. يقول الحق جل جلاله: يوم القيامة في توبيخ الكفار: { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } أي: من مجموعكم، أو رسل الجن: نذرهم الذين يبلغون لهم شريعة الأنس إذ ليس في الجن رسل على المشهور. وروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، واحتج بأنا لله تعالى أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم، يعني ظاهر هذه الآية. وأجاب الجمهور بأن معنى الآية: أن رسل الإنس رسل من قبل الله أليهم، ورسل الجن يبلغون كلام رسل الأنس إليهم، ولهذا قال قائلهم: إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [الأحقاف:30] الآية، فالرسالة إلى الجن خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أي: مع الإنس. حال كون الرسل الذين أتوكم { يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا } يعني يوم القيامة، قالوا في الجواب: { شهدنا على أنفسنا } بالكفر والعصيان، وهو اعتراف منهم بما فعلوا. قال تعالى: { وغرتهم الحياة الدنيا } ألهتهم بزخرفها عن النظر والتفكر، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } ، وهذا ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات الفاتية، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية، حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيرا للسامعين وإرشادا لهم. قاله البيضاوي. ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال: { ذلك } الإرسال حكمته ل { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } أي: إنما أرسل الرسل لئلا يكون ظالما لهم بإهلاكهم بسبب ظلم فعلوه، وهم غافلون عن الإنذار، بحيث لم ينذرهم أحد، أو: لم يكن مهلك القرى ملتبسا بظلم حيث أهلكهم من غير إنذار، ففاعل الظلم، على الأول: القرى، وعلى الثاني: الله تعالى، على تقدير إهلاكهم من غير إنذار. والأول يتمشى على مذهب المعتزلة، والثاني على مذهب أهل السنة. انظر ابن جزي. { ولكل } من الإنس والجن { درجات } مراتب، { مما عملوا } من أجل أعمالهم بالخير والشر، فهم متفاوتون في النعيم والعذاب، وظاهر الآية: أن الجن يثابون ويعاقبون لأنهم مكلفون، وهو المشهور، واختلف: هل يدخلون الجنة أم لا؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء موقوفا: أنهم يكونون ترابا كسائر الحيوانات، وروي عن أبي حنيفة مثله، وذهب الجمهور وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف، وغيرهم أنهم يثابون على الطاعة ويدخلون الجنة. ثم اختلفوا، هل يدخلون مدخل الإنس، وهو الأكثر، أو يكونون في ربض الجنة، وهو عن مالك وطائفته، أو أنهم أصحاب الأعراف، أو التوقف عن الجواب؟ في هذا أربعة أقوال، والله تعالى أعلم بغيبه. { وما ربك بغافل عما يعملون } فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق عليه من ثواب أو عقاب. { وربك الغني } عن العباد وعبادتهم، { ذو الرحمة } يترحم عليهم بالتكليف، تكميلا، ويمهلهم على المعاصي حلما، وليس له حاجة في طاعة ولا معصية، { إن يشأ يذهبكم } أيها العصاة، { ويستخلف من بعدكم ما يشاء } من الخلق، { كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين } فأنشأكم قرنا بعد قرن، لكنه أبقاكم رحمة بكم، { إن ما توعدون } من البعث وما بعده، { لآت } لا محالة، { وما أنتم بمعجزين } تعجزون قدرة الله الطالب لكم بالبعث والحساب. الإشارة: كما أن الحق تعالى لم يعذب الكفار إلا بعد إرسال الرسل، كذلك لا يعاقب أهل الإصرار إلا بعد بعث الأطباء وهم أهل التربية النبوية، فكل من لم يصحبهم وينقد إليهم مات مصرا على الكبائر أي: كبائر القلوب وهو لا يشعر، فيلقى الله بقلب سقيم، فيعاقبه الحق تعالى على عدم صحبتهم، ومعاتبته له: بعده عن مشاهدته وعن مقام المقربين، فإذا رأى مقام المقربين وقربهم من الحضرة، قال: غرتنا الحياة الدنيا ورخارفها، وجاهها ورياستها، وشهد على نفسه أنه كان غافلا. فحكمة وجود الأولياء في كل قرن لتقوم الحجة على أهل الغفلة، فإذا وقع البعد لقوم لم يكن الحق ظالما لهم، فالدرجات على حسب المقامات، والمقامات على حسب الأعمال، وأعمال القلوب هي التي تقرب إلى حضرة علام الغيوب، بها يقع القرب، وبالخلو عنها يقع البعد. وعليها دلت الأولياء بعد الأنبياء، لأن الأنبياء جاؤوا بالشريعة الظاهرة والحقيقة الباطنة، فمن رأوه أهلا لسر الحقيقة دلوه عليها، فكان من المقربين، ومن رأوه ضعيفا عنها دلوه على الشريعة، فكان من أصحاب اليمين. وبالله التوفيق. ثم أمره بتهديد قريش وتخويفهم، فقال: { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم }.

الأنعام 6:131

قلت: { ذلك أن لم يكن ربك }: خبر عن مضمر، وأن على حذف لام العلة، أي: الأمر ذلك لأجل أن لم يكن ربك متصفا بالظلم. يقول الحق جل جلاله: يوم القيامة في توبيخ الكفار: { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } أي: من مجموعكم، أو رسل الجن: نذرهم الذين يبلغون لهم شريعة الأنس إذ ليس في الجن رسل على المشهور. وروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، واحتج بأنا لله تعالى أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم، يعني ظاهر هذه الآية. وأجاب الجمهور بأن معنى الآية: أن رسل الإنس رسل من قبل الله أليهم، ورسل الجن يبلغون كلام رسل الأنس إليهم، ولهذا قال قائلهم: إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [الأحقاف:30] الآية، فالرسالة إلى الجن خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أي: مع الإنس. حال كون الرسل الذين أتوكم { يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا } يعني يوم القيامة، قالوا في الجواب: { شهدنا على أنفسنا } بالكفر والعصيان، وهو اعتراف منهم بما فعلوا. قال تعالى: { وغرتهم الحياة الدنيا } ألهتهم بزخرفها عن النظر والتفكر، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } ، وهذا ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات الفاتية، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية، حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيرا للسامعين وإرشادا لهم. قاله البيضاوي. ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال: { ذلك } الإرسال حكمته ل { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } أي: إنما أرسل الرسل لئلا يكون ظالما لهم بإهلاكهم بسبب ظلم فعلوه، وهم غافلون عن الإنذار، بحيث لم ينذرهم أحد، أو: لم يكن مهلك القرى ملتبسا بظلم حيث أهلكهم من غير إنذار، ففاعل الظلم، على الأول: القرى، وعلى الثاني: الله تعالى، على تقدير إهلاكهم من غير إنذار. والأول يتمشى على مذهب المعتزلة، والثاني على مذهب أهل السنة. انظر ابن جزي. { ولكل } من الإنس والجن { درجات } مراتب، { مما عملوا } من أجل أعمالهم بالخير والشر، فهم متفاوتون في النعيم والعذاب، وظاهر الآية: أن الجن يثابون ويعاقبون لأنهم مكلفون، وهو المشهور، واختلف: هل يدخلون الجنة أم لا؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء موقوفا: أنهم يكونون ترابا كسائر الحيوانات، وروي عن أبي حنيفة مثله، وذهب الجمهور وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف، وغيرهم أنهم يثابون على الطاعة ويدخلون الجنة. ثم اختلفوا، هل يدخلون مدخل الإنس، وهو الأكثر، أو يكونون في ربض الجنة، وهو عن مالك وطائفته، أو أنهم أصحاب الأعراف، أو التوقف عن الجواب؟ في هذا أربعة أقوال، والله تعالى أعلم بغيبه. { وما ربك بغافل عما يعملون } فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق عليه من ثواب أو عقاب. { وربك الغني } عن العباد وعبادتهم، { ذو الرحمة } يترحم عليهم بالتكليف، تكميلا، ويمهلهم على المعاصي حلما، وليس له حاجة في طاعة ولا معصية، { إن يشأ يذهبكم } أيها العصاة، { ويستخلف من بعدكم ما يشاء } من الخلق، { كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين } فأنشأكم قرنا بعد قرن، لكنه أبقاكم رحمة بكم، { إن ما توعدون } من البعث وما بعده، { لآت } لا محالة، { وما أنتم بمعجزين } تعجزون قدرة الله الطالب لكم بالبعث والحساب. الإشارة: كما أن الحق تعالى لم يعذب الكفار إلا بعد إرسال الرسل، كذلك لا يعاقب أهل الإصرار إلا بعد بعث الأطباء وهم أهل التربية النبوية، فكل من لم يصحبهم وينقد إليهم مات مصرا على الكبائر أي: كبائر القلوب وهو لا يشعر، فيلقى الله بقلب سقيم، فيعاقبه الحق تعالى على عدم صحبتهم، ومعاتبته له: بعده عن مشاهدته وعن مقام المقربين، فإذا رأى مقام المقربين وقربهم من الحضرة، قال: غرتنا الحياة الدنيا ورخارفها، وجاهها ورياستها، وشهد على نفسه أنه كان غافلا. فحكمة وجود الأولياء في كل قرن لتقوم الحجة على أهل الغفلة، فإذا وقع البعد لقوم لم يكن الحق ظالما لهم، فالدرجات على حسب المقامات، والمقامات على حسب الأعمال، وأعمال القلوب هي التي تقرب إلى حضرة علام الغيوب، بها يقع القرب، وبالخلو عنها يقع البعد. وعليها دلت الأولياء بعد الأنبياء، لأن الأنبياء جاؤوا بالشريعة الظاهرة والحقيقة الباطنة، فمن رأوه أهلا لسر الحقيقة دلوه عليها، فكان من المقربين، ومن رأوه ضعيفا عنها دلوه على الشريعة، فكان من أصحاب اليمين. وبالله التوفيق. ثم أمره بتهديد قريش وتخويفهم، فقال: { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم }.

الأنعام 6:132

قلت: { ذلك أن لم يكن ربك }: خبر عن مضمر، وأن على حذف لام العلة، أي: الأمر ذلك لأجل أن لم يكن ربك متصفا بالظلم. يقول الحق جل جلاله: يوم القيامة في توبيخ الكفار: { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } أي: من مجموعكم، أو رسل الجن: نذرهم الذين يبلغون لهم شريعة الأنس إذ ليس في الجن رسل على المشهور. وروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، واحتج بأنا لله تعالى أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم، يعني ظاهر هذه الآية. وأجاب الجمهور بأن معنى الآية: أن رسل الإنس رسل من قبل الله أليهم، ورسل الجن يبلغون كلام رسل الأنس إليهم، ولهذا قال قائلهم: إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [الأحقاف:30] الآية، فالرسالة إلى الجن خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أي: مع الإنس. حال كون الرسل الذين أتوكم { يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا } يعني يوم القيامة، قالوا في الجواب: { شهدنا على أنفسنا } بالكفر والعصيان، وهو اعتراف منهم بما فعلوا. قال تعالى: { وغرتهم الحياة الدنيا } ألهتهم بزخرفها عن النظر والتفكر، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } ، وهذا ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات الفاتية، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية، حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيرا للسامعين وإرشادا لهم. قاله البيضاوي. ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال: { ذلك } الإرسال حكمته ل { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } أي: إنما أرسل الرسل لئلا يكون ظالما لهم بإهلاكهم بسبب ظلم فعلوه، وهم غافلون عن الإنذار، بحيث لم ينذرهم أحد، أو: لم يكن مهلك القرى ملتبسا بظلم حيث أهلكهم من غير إنذار، ففاعل الظلم، على الأول: القرى، وعلى الثاني: الله تعالى، على تقدير إهلاكهم من غير إنذار. والأول يتمشى على مذهب المعتزلة، والثاني على مذهب أهل السنة. انظر ابن جزي. { ولكل } من الإنس والجن { درجات } مراتب، { مما عملوا } من أجل أعمالهم بالخير والشر، فهم متفاوتون في النعيم والعذاب، وظاهر الآية: أن الجن يثابون ويعاقبون لأنهم مكلفون، وهو المشهور، واختلف: هل يدخلون الجنة أم لا؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء موقوفا: أنهم يكونون ترابا كسائر الحيوانات، وروي عن أبي حنيفة مثله، وذهب الجمهور وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف، وغيرهم أنهم يثابون على الطاعة ويدخلون الجنة. ثم اختلفوا، هل يدخلون مدخل الإنس، وهو الأكثر، أو يكونون في ربض الجنة، وهو عن مالك وطائفته، أو أنهم أصحاب الأعراف، أو التوقف عن الجواب؟ في هذا أربعة أقوال، والله تعالى أعلم بغيبه. { وما ربك بغافل عما يعملون } فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق عليه من ثواب أو عقاب. { وربك الغني } عن العباد وعبادتهم، { ذو الرحمة } يترحم عليهم بالتكليف، تكميلا، ويمهلهم على المعاصي حلما، وليس له حاجة في طاعة ولا معصية، { إن يشأ يذهبكم } أيها العصاة، { ويستخلف من بعدكم ما يشاء } من الخلق، { كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين } فأنشأكم قرنا بعد قرن، لكنه أبقاكم رحمة بكم، { إن ما توعدون } من البعث وما بعده، { لآت } لا محالة، { وما أنتم بمعجزين } تعجزون قدرة الله الطالب لكم بالبعث والحساب. الإشارة: كما أن الحق تعالى لم يعذب الكفار إلا بعد إرسال الرسل، كذلك لا يعاقب أهل الإصرار إلا بعد بعث الأطباء وهم أهل التربية النبوية، فكل من لم يصحبهم وينقد إليهم مات مصرا على الكبائر أي: كبائر القلوب وهو لا يشعر، فيلقى الله بقلب سقيم، فيعاقبه الحق تعالى على عدم صحبتهم، ومعاتبته له: بعده عن مشاهدته وعن مقام المقربين، فإذا رأى مقام المقربين وقربهم من الحضرة، قال: غرتنا الحياة الدنيا ورخارفها، وجاهها ورياستها، وشهد على نفسه أنه كان غافلا. فحكمة وجود الأولياء في كل قرن لتقوم الحجة على أهل الغفلة، فإذا وقع البعد لقوم لم يكن الحق ظالما لهم، فالدرجات على حسب المقامات، والمقامات على حسب الأعمال، وأعمال القلوب هي التي تقرب إلى حضرة علام الغيوب، بها يقع القرب، وبالخلو عنها يقع البعد. وعليها دلت الأولياء بعد الأنبياء، لأن الأنبياء جاؤوا بالشريعة الظاهرة والحقيقة الباطنة، فمن رأوه أهلا لسر الحقيقة دلوه عليها، فكان من المقربين، ومن رأوه ضعيفا عنها دلوه على الشريعة، فكان من أصحاب اليمين. وبالله التوفيق. ثم أمره بتهديد قريش وتخويفهم، فقال: { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم }.

الأنعام 6:133

قلت: { ذلك أن لم يكن ربك }: خبر عن مضمر، وأن على حذف لام العلة، أي: الأمر ذلك لأجل أن لم يكن ربك متصفا بالظلم. يقول الحق جل جلاله: يوم القيامة في توبيخ الكفار: { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } أي: من مجموعكم، أو رسل الجن: نذرهم الذين يبلغون لهم شريعة الأنس إذ ليس في الجن رسل على المشهور. وروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، واحتج بأنا لله تعالى أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم، يعني ظاهر هذه الآية. وأجاب الجمهور بأن معنى الآية: أن رسل الإنس رسل من قبل الله أليهم، ورسل الجن يبلغون كلام رسل الأنس إليهم، ولهذا قال قائلهم: إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [الأحقاف:30] الآية، فالرسالة إلى الجن خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أي: مع الإنس. حال كون الرسل الذين أتوكم { يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا } يعني يوم القيامة، قالوا في الجواب: { شهدنا على أنفسنا } بالكفر والعصيان، وهو اعتراف منهم بما فعلوا. قال تعالى: { وغرتهم الحياة الدنيا } ألهتهم بزخرفها عن النظر والتفكر، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } ، وهذا ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات الفاتية، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية، حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيرا للسامعين وإرشادا لهم. قاله البيضاوي. ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال: { ذلك } الإرسال حكمته ل { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } أي: إنما أرسل الرسل لئلا يكون ظالما لهم بإهلاكهم بسبب ظلم فعلوه، وهم غافلون عن الإنذار، بحيث لم ينذرهم أحد، أو: لم يكن مهلك القرى ملتبسا بظلم حيث أهلكهم من غير إنذار، ففاعل الظلم، على الأول: القرى، وعلى الثاني: الله تعالى، على تقدير إهلاكهم من غير إنذار. والأول يتمشى على مذهب المعتزلة، والثاني على مذهب أهل السنة. انظر ابن جزي. { ولكل } من الإنس والجن { درجات } مراتب، { مما عملوا } من أجل أعمالهم بالخير والشر، فهم متفاوتون في النعيم والعذاب، وظاهر الآية: أن الجن يثابون ويعاقبون لأنهم مكلفون، وهو المشهور، واختلف: هل يدخلون الجنة أم لا؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء موقوفا: أنهم يكونون ترابا كسائر الحيوانات، وروي عن أبي حنيفة مثله، وذهب الجمهور وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف، وغيرهم أنهم يثابون على الطاعة ويدخلون الجنة. ثم اختلفوا، هل يدخلون مدخل الإنس، وهو الأكثر، أو يكونون في ربض الجنة، وهو عن مالك وطائفته، أو أنهم أصحاب الأعراف، أو التوقف عن الجواب؟ في هذا أربعة أقوال، والله تعالى أعلم بغيبه. { وما ربك بغافل عما يعملون } فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق عليه من ثواب أو عقاب. { وربك الغني } عن العباد وعبادتهم، { ذو الرحمة } يترحم عليهم بالتكليف، تكميلا، ويمهلهم على المعاصي حلما، وليس له حاجة في طاعة ولا معصية، { إن يشأ يذهبكم } أيها العصاة، { ويستخلف من بعدكم ما يشاء } من الخلق، { كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين } فأنشأكم قرنا بعد قرن، لكنه أبقاكم رحمة بكم، { إن ما توعدون } من البعث وما بعده، { لآت } لا محالة، { وما أنتم بمعجزين } تعجزون قدرة الله الطالب لكم بالبعث والحساب. الإشارة: كما أن الحق تعالى لم يعذب الكفار إلا بعد إرسال الرسل، كذلك لا يعاقب أهل الإصرار إلا بعد بعث الأطباء وهم أهل التربية النبوية، فكل من لم يصحبهم وينقد إليهم مات مصرا على الكبائر أي: كبائر القلوب وهو لا يشعر، فيلقى الله بقلب سقيم، فيعاقبه الحق تعالى على عدم صحبتهم، ومعاتبته له: بعده عن مشاهدته وعن مقام المقربين، فإذا رأى مقام المقربين وقربهم من الحضرة، قال: غرتنا الحياة الدنيا ورخارفها، وجاهها ورياستها، وشهد على نفسه أنه كان غافلا. فحكمة وجود الأولياء في كل قرن لتقوم الحجة على أهل الغفلة، فإذا وقع البعد لقوم لم يكن الحق ظالما لهم، فالدرجات على حسب المقامات، والمقامات على حسب الأعمال، وأعمال القلوب هي التي تقرب إلى حضرة علام الغيوب، بها يقع القرب، وبالخلو عنها يقع البعد. وعليها دلت الأولياء بعد الأنبياء، لأن الأنبياء جاؤوا بالشريعة الظاهرة والحقيقة الباطنة، فمن رأوه أهلا لسر الحقيقة دلوه عليها، فكان من المقربين، ومن رأوه ضعيفا عنها دلوه على الشريعة، فكان من أصحاب اليمين. وبالله التوفيق. ثم أمره بتهديد قريش وتخويفهم، فقال: { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم }.

الأنعام 6:134

قلت: { ذلك أن لم يكن ربك }: خبر عن مضمر، وأن على حذف لام العلة، أي: الأمر ذلك لأجل أن لم يكن ربك متصفا بالظلم. يقول الحق جل جلاله: يوم القيامة في توبيخ الكفار: { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } أي: من مجموعكم، أو رسل الجن: نذرهم الذين يبلغون لهم شريعة الأنس إذ ليس في الجن رسل على المشهور. وروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، واحتج بأنا لله تعالى أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم، يعني ظاهر هذه الآية. وأجاب الجمهور بأن معنى الآية: أن رسل الإنس رسل من قبل الله أليهم، ورسل الجن يبلغون كلام رسل الأنس إليهم، ولهذا قال قائلهم: إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [الأحقاف:30] الآية، فالرسالة إلى الجن خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أي: مع الإنس. حال كون الرسل الذين أتوكم { يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا } يعني يوم القيامة، قالوا في الجواب: { شهدنا على أنفسنا } بالكفر والعصيان، وهو اعتراف منهم بما فعلوا. قال تعالى: { وغرتهم الحياة الدنيا } ألهتهم بزخرفها عن النظر والتفكر، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } ، وهذا ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات الفاتية، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية، حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيرا للسامعين وإرشادا لهم. قاله البيضاوي. ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال: { ذلك } الإرسال حكمته ل { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } أي: إنما أرسل الرسل لئلا يكون ظالما لهم بإهلاكهم بسبب ظلم فعلوه، وهم غافلون عن الإنذار، بحيث لم ينذرهم أحد، أو: لم يكن مهلك القرى ملتبسا بظلم حيث أهلكهم من غير إنذار، ففاعل الظلم، على الأول: القرى، وعلى الثاني: الله تعالى، على تقدير إهلاكهم من غير إنذار. والأول يتمشى على مذهب المعتزلة، والثاني على مذهب أهل السنة. انظر ابن جزي. { ولكل } من الإنس والجن { درجات } مراتب، { مما عملوا } من أجل أعمالهم بالخير والشر، فهم متفاوتون في النعيم والعذاب، وظاهر الآية: أن الجن يثابون ويعاقبون لأنهم مكلفون، وهو المشهور، واختلف: هل يدخلون الجنة أم لا؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء موقوفا: أنهم يكونون ترابا كسائر الحيوانات، وروي عن أبي حنيفة مثله، وذهب الجمهور وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف، وغيرهم أنهم يثابون على الطاعة ويدخلون الجنة. ثم اختلفوا، هل يدخلون مدخل الإنس، وهو الأكثر، أو يكونون في ربض الجنة، وهو عن مالك وطائفته، أو أنهم أصحاب الأعراف، أو التوقف عن الجواب؟ في هذا أربعة أقوال، والله تعالى أعلم بغيبه. { وما ربك بغافل عما يعملون } فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق عليه من ثواب أو عقاب. { وربك الغني } عن العباد وعبادتهم، { ذو الرحمة } يترحم عليهم بالتكليف، تكميلا، ويمهلهم على المعاصي حلما، وليس له حاجة في طاعة ولا معصية، { إن يشأ يذهبكم } أيها العصاة، { ويستخلف من بعدكم ما يشاء } من الخلق، { كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين } فأنشأكم قرنا بعد قرن، لكنه أبقاكم رحمة بكم، { إن ما توعدون } من البعث وما بعده، { لآت } لا محالة، { وما أنتم بمعجزين } تعجزون قدرة الله الطالب لكم بالبعث والحساب. الإشارة: كما أن الحق تعالى لم يعذب الكفار إلا بعد إرسال الرسل، كذلك لا يعاقب أهل الإصرار إلا بعد بعث الأطباء وهم أهل التربية النبوية، فكل من لم يصحبهم وينقد إليهم مات مصرا على الكبائر أي: كبائر القلوب وهو لا يشعر، فيلقى الله بقلب سقيم، فيعاقبه الحق تعالى على عدم صحبتهم، ومعاتبته له: بعده عن مشاهدته وعن مقام المقربين، فإذا رأى مقام المقربين وقربهم من الحضرة، قال: غرتنا الحياة الدنيا ورخارفها، وجاهها ورياستها، وشهد على نفسه أنه كان غافلا. فحكمة وجود الأولياء في كل قرن لتقوم الحجة على أهل الغفلة، فإذا وقع البعد لقوم لم يكن الحق ظالما لهم، فالدرجات على حسب المقامات، والمقامات على حسب الأعمال، وأعمال القلوب هي التي تقرب إلى حضرة علام الغيوب، بها يقع القرب، وبالخلو عنها يقع البعد. وعليها دلت الأولياء بعد الأنبياء، لأن الأنبياء جاؤوا بالشريعة الظاهرة والحقيقة الباطنة، فمن رأوه أهلا لسر الحقيقة دلوه عليها، فكان من المقربين، ومن رأوه ضعيفا عنها دلوه على الشريعة، فكان من أصحاب اليمين. وبالله التوفيق. ثم أمره بتهديد قريش وتخويفهم، فقال: { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم }.

الأنعام 6:135

قلت: { من تكون }: إما مفعول { تعلمون } ، أو مبتدأ، وهي إما موصولة أو استفهامية، والمكانة: التمكن أو الجهة، يقال: مكان ومكانة كمقام ومقامة. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { يا قوم اعملوا على مكانتكم } أي: تمكنكم من هواكم وشهواتكم التي أنتم عليها، أو على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من الكفر والهوى، والمعنى: اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة، { إني عامل } على ما أنا عليه من المصابرة والثبات على الدين الحق. والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد، كأن الذي يهدده يريد تعذيبه لا محالة، فيحمله بالأمر على ما يفضي به إليه، وتسجيل بأن المهدد لا يأتي منه إلا الشر، كالمأمور به الذي لا يقدر أن ينقضي عنه. قاله البيضاوي. ثم صرح بالتهديد فقال: { فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } أي: أينا تكون له العاقبة الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار، أي: وهي الدار الآخرة، أو: فسوف تعرفون الذي تكون له عاقبة سكنى الدار الآخرة والنعيم المقيم، أو: من تكون له عاقبة هذه الدار بالنصر والظهور على الأديان أنا أو أنتم، وفيه إنصاف في المقال حال الإنذار، وحسن الأدب، وتنبيه على وثوق المنذر لأنه محق. قال تعالى { إنه } ، أي: الأمر والشأن، { لا يفلح الظالمون } ، والظلم أعلم من الكفر، ولذلك وضع موضعه لعمومه. الإشارة: إذا انكب الناس على الدنيا، وأخذتهم الغفلة، وغلب عليهم الهوى، ثم وقع الوعظ والتذكير من أهل الإنذار، فقابلوهم بالإبعاد والإنكار، يقول لهم المذكور والواعظ: { يا قوم اعلموا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار... } الآية. ثم ذكر جهالةالجاهلية وحمقهم، فقال: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث }.

الأنعام 6:136

يقول الحق جل جلاله: { وجعلوا } أي: مشركو العرب، { لله مما ذرأ } أي: خلق، { من الحرث والأنعام نصيبا } ، وهم حي من خولان، يقال لهم: الأديم، كانوا يجعلون من زروعهم وثمارهم وأنعامهم نصيبا، { فقالوا هذا لله بزعمهم } أي: بدعواهم من غير دليل، وأكثر ما يستعمل الزعم في الكذب، { وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم }. روي أنهم كانوا يعينون شيئا من حرث أو نتاج إلى الله، فيصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وشيئا منها إلى آلهتهم، فينفقونه على سدنتهم أي: خدامهم، والقيام بأصنامهم، ويذبحون عندها، ثم إذا رأوا ما عينوا لله أزكى وأكثر، بدلوه لآلهتهم وقالوا: الله غني عنه، وإذا رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها حبا لآلهتهم، وإذا هبت ريح فحملت شيئا من الذي لله إلى الذي للأصنام أقروه، وإن حملت شيئا من الذي للأصنام إلى الذي لله ردوه، وإذا أصابتهم سنة، أكلوا نصيب الله وتحاموا نصيب شركائهم، تعظيما لها. وفي قوله: { مما ذرأ }: تنبيه على فرط جهالتهم، فإنهم أشركوا الخالق في خلقه، جمادا لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له، وفي قوله: { بزعمهم }: تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه، ولم يأمرهم الله تعالى به. { ساء } أي: قبح، { ما يحكمون } حكمهم هذا الذي اخترعوه من عند أنفسهم. الإشارة: مما ينخرط في سلك الآية. وتجر ذيلها عليه، ما يفعله بعض الناس من التساهل في حقوق الله الواجبة، والمسارعة إلى حقوق الناس التي ليست بواجبة عليه، فترى بعض العوام يقدمون مد أبي العباس السبتي، ويتساهل في الزكاة، وترى بعض الناس يسارع إلى إطعام الطعام وقرى الأضياف، وهو لا يفي زكاته. وبعضهم يجعلون للصالحين شيئا من أموالهم لتصلح وتنمو ويعتني بشأنها، وقد لا يعتني بزكاته ولا يخرجها، وهذا كله شعبة من فعل أهل الشرك، وعلامة اتباع الهوى. وبالله التوفيق. ثم ذكر نوعا آخر من كفرهم، فقال: { وكذلك زين لكثير من المشركين }.

الأنعام 6:137

قلت: قرأ الجمهور: { زين } بالبناء للفاعل ونصب قتل، على أنه مفعول به، وخفض { أولادهم } بالإضافة ورفع { شركاؤهم } فاعل { زين } ، فالشركاء على هذه القراءة هم الذين زينوا القتل، وقرأ ابن عامر: بضم الزاي على البناء للمفعول، ورفع { قتل } على النيابة عن الفاعل، ونصب { أولادهم } على أنه مفعول بقتل، وخفض " شركائهم " بالإضافة إلى قتل، إضافة المصدر إلى فاعله، أي: زين لهم أن يقتل شركاؤهم أولادهم، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بأولادهم، وهو معمول للمصدر، وهو جائز في العربية، قال ابن مالك في الألفية: فصل مضاف شبه فعل ما نصب مفعولا أو ظرفا أجز، ولم يعب وهذا من فصل المفعول، فهو جائز في السعة خلافا للزمخشري ومن تبعه، وقد شنع عليه الشاطبي في حرز الأماني. يقول الحق جل جلاله: ومثل ذلك التزيين الذي وقع لهم في الحرث والأنعام، { زين لكثير من المشركين قتل أولادهم } زين لهم ذلك شركاؤهم من الجن، أو من السدنة، وحملوهم عليه، خوفا من الجوع أو من العار، وكانوا يقتلون البنات دون البنين، زينوا لهم ذلك { ليردوهم } أي: ليهلكوهم بالإغواء، { وليلبسوا عليهم دينهم } أي: ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به، { ولو شاء الله ما فعلوه } أي: ما فعل المشركين ما زين لهم، أو ما فعل الشركاء التزيين، أو الفريقان جميع ذلك، { فذرهم وما يفترون } أي: اتركهم مع افترائهم، أو: والذي يفترونه من الإفك، وهذا قبل الأمر بالسيف، ثم نسخ به. الإشارة: مما ينخرط في سلك الآية: إهانة البنات وتعظيم البنين، وقد نهى الشارع عليه الصلاة والسلام عن تخصيص الذكور بالوصية، وقال للذي أراد أن يفعله: " لا تشهدني على جور " ، وهنا إشارة أرق من هذا، وهو أن يراد بالأولاد ما تنتجه الفكرة الصافية من العلوم والمواهب، وقتلها: إهمال الفكرة عن استخراجها حتى ضاعت عليه، والذي زين له ذلك هو شرك القلب، واشتغاله برسوم الفرق، حتى تعطلت الفكرة، وماتت تلك العلوم من قلبه، وقع ذلك التزيين بأهل الفرق ليسقطوهم عن درجة المقربين أهل العلوم اللدنية والأسرار الربانية، وليلبسوا عليهم دينهم بالخواطر والشكوك، والأوهام، ولو شاء الله لهدى الناس جميعا. ثم ذكر أيضا نوعا آخر من جهالتهم، فقال: { وقالوا هذه أنعام وحرث حجر }.

الأنعام 6:138

قلت: { حجر }: فعل، بمعنى مفعول، يستوي فيه الواحد والكثير، والمذكر والمؤنث، ومعناه: حرام، و { افتراء }: حال، أو مفعول من أجله، أو مصدر. يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أيضا: { هذه } الأشياء التي جعلوها لأصنامهم، وهي { أنعام وحرث } ، هي { حجر } أي: حرام محجر، { لا يطعمها } ، لا يأكلها { إلا من نشاء } ، وهم خدام الأوثان وسدنتها، والرجال دون النساء. قالوا ذلك { بزعمهم } وافترائهم من غير حجة، { وأنعام } أخرى { حرمت ظهورها } وهي البحائر والسوائب والحوامي، { وأنعام } أخرى { لا يذكرون اسم الله عليها } في الذبح، وإنما يذكرون عليه اسم آلهتهم { افتراء } على الله، لأنهم قسموا أموالهم على هذه القسمة، ونسبوا ذلك إلى الله افتراء وكذبا، { سيجزيهم بما كانوا يفترون } أي: بسببه فيعذبهم عليه. الإشاره: ما عاب الله على المشركين إلا الشرك والتحكم على الله، فالواجب على من أراد السلامة أن يوحد ربه، وينفرد بكليته إليه، ويخلص أعماله لله، ويصرف أمواله في مرضاة الله، ويقف في أموره كلها عندما حدد له الله، وبينه رسول الله يكون من أولياء الله. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جهالة أخرى لهم، فقال: { وقالوا ما في بطون هذه الأنعام }.

الأنعام 6:139

قلت: { خالصة }: خبر ل { ما } ، وأنثه حملا على المعنى، لأن { ما } واقعة على الأجنة، وذكر { محرم } حملا على لفظ { ما } ، ويحتمل أن تكون التاء للمبالغة، ومن قرأ: { تكن } ، بالتأنيث، فالمراد: الأجنة، ومن قرأ بالتذكير فراعى لفظ { ما }. يقول الحق جل جلاله: { وقالوا ما } استقر { في بطون هذه الأنعام } ، بمعنى: البحائر والسوائب، من الأجنة، { خالصة لذكورنا } لا يشاركون فيه، { ومحرم على أزواجنا } أي: نسائنا، يعني: أن ما يولد للبحائر والسوائب، قالوا هو حلال لذكورهم دون نسائهم، هذا إن ولد حيا، { وإن يكن ميتة } بأن ولد ميتا { فهم فيه شركاء } فالذكور والإناث سواء، { سيجزيهم وصفهم } أي: سيجزيهم على ما وصفوا وافتروا على الله من الكذب في التحليل والتحريم، فهو كقوله: وتصف ألسنتهم الكذب [النحل:62]، { أنه حكيم } في صنعه، { عليم بخلقه } فيجزي كلا على قدر جرمه. الإشارة: اعلم أن جيفة الدنيا اشترك النساء مع الرجال فيها، لقوله تعالى: { وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء } ، والزهد في النساء قليل بالنسبة إلى الرجال، واعلم أيضا أن الحق تعالى يجازي عبده جزاء موافقا لوصفه، فإن كان وصفه التعظيم لكل شيء عظمه الله، ومن كان وصفه التصغير صغره الله، ومن كان وصفه الإحسان أحسن الله إليه، ومن كان وصفه الإساءة أساء الله إليه، ومن كان وصفه الفرق فرقه الله، ومن كان وصفه الجمع جمعه الله، وهكذا: كما تدين تدان، كما تقابل الأشياء تقابلك، قال تعالى: { سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم }. ثم شنع عليهم قتل الأولاد، فقال: { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها }.

الأنعام 6:140

قلت: { سفها }: حال أو مصدر، وكذلك: { افتراء }. يقول الحق جل جلاله: { قد خسر الذين قتلوا أولادهم } يعني: العرب الذين كانوا يقتلون بناتهم مخافة السبي أو الفقر، { بغير علم } ولا دليل لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله رازق أولادهم كما يرزقهم، وليسوا هم الرزاقين لهم، { وحرموا ما رزقهم الله } من البحائر والسوائب ونحوهما { افتراء على الله } من عند أنفسهم، { قد ضلوا وما كانوا مهتدين } إلى الحق الصواب. الإشارة: قد خسر الذين ضيعوا قلوبهم فلم تنتج لهم شيئا من أبكار الحقائق وأسرار العلوم، بل اشتغلوا بالسفه من القول والفعل، بغير علم ولا بصيرة نافذة، وحرموا ما رزقهم الله من العلوم والأسرار، لو طهروا قلوبهم، وخربوا ظواهرهم وخرقوا عوائدهم، لكنهم حكموا على فعل ذلك بالتحريم، تجمدوا على علم الرسوم وحفظ المروءة، والمروءة إنما هي التقوى والدين، كما قال الإمام مالك رضي الله عنه، قد ضلوا عن طريق الوصول، وما كانوا مهتدين إلى طريق الخصوص، ما داموا على ما هم عليه من زي اللصوص. ثم بين أن الأشياء كلها لله، ليس لأحد فيها شيء حتى يحلل منها أو يحرم، فقال: { وهو الذي أنشأ جنات }.

الأنعام 6:141

قلت: { مختلفا }: حال مقدرة لم يكن كذلك عند الإنشاء، والضمير في { أكله }: يعود على النخل، والزرع مقيس عليه، أو للجميع على تقدير: كل واحد منهما. يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي أنشأ } أي: خلق { جنات } بساتين مشتملة على كروم أي: دوالي { معروشات } أي: مرفوعة بالعرشان والدعائم، { وغير معروشات } أي: مبسوطة على وجه الأرض، قيل: المعروشات: ما غرسه الناس في العمران، وغير المعروشات: ما أنبته في الجبال والبراري. { و } أنشأ { النخل والزرع مختلفا أكله } أي: ثمره الذي يؤكل منه، واختلافه في اللون والطعم والرائحة والحجم والهيئة والكيفية، وذلك دليل على عظمة القادر المريد، { و } أنشأ { الزيتون والرمان متشابها وغير متشابه } أي: تتشابه بعض أفرادهما في اللون والطعم، ولا يتشابه بعضها. { كلوا من ثمره } أي: من ثمر كل واحد منهما، { إذا أثمر } وإن لم يطب، قيل: فائدة الأمر بالأكل: رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله منه قبل الطيب، أي: قبل أن تجب زكاته، وأما إذا طاب فلا بد من التخريص. { وآتوا حقه يوم حصاده } يريد: ما كان يتصدق به يوم الحصاد، لا الزكاة المقدرة لأنها فرضت بالمدينة، وكان ذلك واجبا ثم نسخ بالعشر. وقيل: الزكاة حقيقة، والآية مدنية، وقيل: مكية، ولم يعين قدرها إلا بالمدينة، والأمر بإتيانها يوم الحصاد ليهتم به حينئذ، حتى لا يؤخر عن وقت الأداء، خلاف ما يفعله العامة من خزنها مع ماله، حتى يدفعها في نوائب المخزن، وليعلم أن الوجوب بالإفراك والطيب، لا بالتصفية، ولذلك شرع التخريص، { ولا تسرفوا } بصرفها في غير محلها، ولا تتعدوا ما أمرتم به فتجعلوا ما أنشأ الله للأصنام، أو: لا تسرفوا في التصدق بالكل، كقوله: ولا تبسطها كل البسط [الإسراء:29]، { إنه لا يحب المسرفين } أي: لا يرضى فعلهم. الإشارة: وهو الذي أنشأ جنات المعارف لمن خرق عوائده، معروشات بشهود أسرار الحبروت، وغير معروشات بشهود أنوار الملكوت، أو معروشات بشهود المعاني مع الأواني، وغير معروشات بشهود الأواني فقط، أو معروشات بشهود المؤثر والأثر، وغير معروشات بشهود المؤثر فقط، وكلها ترجع لمعنى واحد، والمعروش أرفع من غيره وأكمل، والأول: مقام البقاء والصحو، والثاني: مقام الفناء والسكر، والنخل والزرع: الحقيقة والشريعة على اختلاف علومهما، والزيتون والرمان: الأعمال والأحوال، متفقة وغير متفقة، وثمره: حلاوة الشهود، فليأكل منها المريد إذا طاب وقته، ولا تسرفوا في الأحوال، إنه لا يحب المسرفين. ثم ذكر إنشاء الأنعام، فقال: { ومن الأنعام حمولة وفرشا }.

الأنعام 6:142

قلت: { حمولة وفرشا }: عطف على جنات، و { ثمانية أزواج }: بدل من حمولة، و { من الضأن اثنين }: بدل من ثمانية. يقول الحق جل جلاله: { و } أنشأ أيضا { من الأنعام } أنعاما { حمولة } ما يحمل الأثقال، كالكبار منها، { وفرشا } ما لا يحمل، كالصغار لدنوها من الأرض، أو حمولة للإبل، وفرشا للغنم، لأنها تفرش للذبح، ويفرش ما ينسج من صوفها، { كلوا مما رزقكم الله } أي: كلوا ما أحل الله لكم منها، { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } في التحليل والتحريم من عند أنفسكم، { إنه لكل عدو مبين } ظاهر العداوة. ثم فصلها فقال: { ثمانية أزواج } ذكر وأنثى من كل صنف، والصنف: ما معه آخر من جنسه يزاوجه، ثم بينها فقال: { من الضأن اثنين } ذكر وأنثى كبش ونعجة، { ومن المعز أثنين } التيس وهو الذكر، والعنز وهي الأنثى، { قل } لهم { آلذكرين } أي: ذكر الضأن والمعز، { حرم أم الأنثيين } منهما؟ { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } من الأجنة ذكرا كان أو أنثى؟ { نبئوني بعلم } يدل على أن الله تعالى حرم شيئا من ذلك، { إن كنتم صادقين } في دعوى التحريم عليه. { ومن الإبل اثنين } ذكر وأنثى، { ومن البقر اثنين } كذلك. { قل آلذكرين حرم أم الأنثيين } أم حرم ما { اشتملت عليه أرحام الأنثيين } من الجنين مطلقا؟ وهذا تقسيم على الكفار حتى يتبين كذبهم على الله، وتوبيخ لهم، حيث حرموا بعض الذكور مرة وبعض الأناث مرة، فألزمهم تحريم جميع الذكور، إن كان علة التحريم وصف الذكورة، أو تحريم جميع الإناث، إن كانت العلة الأنوثة، أو تحريم الجميع إن كان المحرم ما اشتملت عليه الأرحام، ولا وجه للتخصيص، فالاستفهام للإنكار، وأكده بقوله: { أم كنتم شهداء } حاضرين حين { وصاكم الله بهذا } التحريم، ولا طريق لكم إلى معرفة هذا إلا المشاهدة والسماع، وليس لكم شيء من ذلك، وإنما أنتم مفترون على الله. { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، والمراد: كبراؤهم الأوائل كعمرو بن لحي وأمثاله، أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، { ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } إلى مراشدهم، أو إلى ما ينفعهم. الإشارة: ومن الأحوال ما تحمل صاحبها إلى مقام الحرية، بشهود الربوبية، فيغلب عليه العز والاستظهار، ومنها ما تحمله إلى مقام العبودية، فيغلب عليه الذل والإنكسار، وإليه الإشارة بقوله: { حمولة وفرشا } ، فليتمتع المريد بما يظهر عليه منهما، ولا يتبع خطوات الشيطان فيتعدى طوره، ولا يعرف قدره. وهذه الأحوال ثمانية أنواع: أربعة سفلية تناسب العبودية، وأربعة علوية تناسب الربوبية. فالإربعة السفلية: الذل، والفقر، والعجز والضعف. والأربع العلوية: العز، والغنى، والقدرة، والقوة. فمن أراد التعلق بهذه الأوصاف فليناد من كوة الذل: يا عزيز من للذليل سواك؟، ومن كوة الفقر: يا غني من للفقير سواك؟، ومن كوة العجز: يا قدير من للعاجز سواك؟ ومن كوة الضعف: يا قوي من للضعيف سواك؟، ير الإجابة طوع يديه، ومن أراد التحقيق بها، فليتحقق بذله يمده بعزه، وليتحقق بفقره يمده بغناه، وليتحقق بعجزه يمده بقدرته، وليتحقق بضعفه يمده بقوته، " تحقق بوصفك يمدك بوصفه ". وبالله التوفيق. ثم بين ما حرم عليهم ليقفوا عنده، فقال: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما }.

الأنعام 6:143

قلت: { حمولة وفرشا }: عطف على جنات، و { ثمانية أزواج }: بدل من حمولة، و { من الضأن اثنين }: بدل من ثمانية. يقول الحق جل جلاله: { و } أنشأ أيضا { من الأنعام } أنعاما { حمولة } ما يحمل الأثقال، كالكبار منها، { وفرشا } ما لا يحمل، كالصغار لدنوها من الأرض، أو حمولة للإبل، وفرشا للغنم، لأنها تفرش للذبح، ويفرش ما ينسج من صوفها، { كلوا مما رزقكم الله } أي: كلوا ما أحل الله لكم منها، { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } في التحليل والتحريم من عند أنفسكم، { إنه لكل عدو مبين } ظاهر العداوة. ثم فصلها فقال: { ثمانية أزواج } ذكر وأنثى من كل صنف، والصنف: ما معه آخر من جنسه يزاوجه، ثم بينها فقال: { من الضأن اثنين } ذكر وأنثى كبش ونعجة، { ومن المعز أثنين } التيس وهو الذكر، والعنز وهي الأنثى، { قل } لهم { آلذكرين } أي: ذكر الضأن والمعز، { حرم أم الأنثيين } منهما؟ { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } من الأجنة ذكرا كان أو أنثى؟ { نبئوني بعلم } يدل على أن الله تعالى حرم شيئا من ذلك، { إن كنتم صادقين } في دعوى التحريم عليه. { ومن الإبل اثنين } ذكر وأنثى، { ومن البقر اثنين } كذلك. { قل آلذكرين حرم أم الأنثيين } أم حرم ما { اشتملت عليه أرحام الأنثيين } من الجنين مطلقا؟ وهذا تقسيم على الكفار حتى يتبين كذبهم على الله، وتوبيخ لهم، حيث حرموا بعض الذكور مرة وبعض الأناث مرة، فألزمهم تحريم جميع الذكور، إن كان علة التحريم وصف الذكورة، أو تحريم جميع الإناث، إن كانت العلة الأنوثة، أو تحريم الجميع إن كان المحرم ما اشتملت عليه الأرحام، ولا وجه للتخصيص، فالاستفهام للإنكار، وأكده بقوله: { أم كنتم شهداء } حاضرين حين { وصاكم الله بهذا } التحريم، ولا طريق لكم إلى معرفة هذا إلا المشاهدة والسماع، وليس لكم شيء من ذلك، وإنما أنتم مفترون على الله. { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، والمراد: كبراؤهم الأوائل كعمرو بن لحي وأمثاله، أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، { ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } إلى مراشدهم، أو إلى ما ينفعهم. الإشارة: ومن الأحوال ما تحمل صاحبها إلى مقام الحرية، بشهود الربوبية، فيغلب عليه العز والاستظهار، ومنها ما تحمله إلى مقام العبودية، فيغلب عليه الذل والإنكسار، وإليه الإشارة بقوله: { حمولة وفرشا } ، فليتمتع المريد بما يظهر عليه منهما، ولا يتبع خطوات الشيطان فيتعدى طوره، ولا يعرف قدره. وهذه الأحوال ثمانية أنواع: أربعة سفلية تناسب العبودية، وأربعة علوية تناسب الربوبية. فالإربعة السفلية: الذل، والفقر، والعجز والضعف. والأربع العلوية: العز، والغنى، والقدرة، والقوة. فمن أراد التعلق بهذه الأوصاف فليناد من كوة الذل: يا عزيز من للذليل سواك؟، ومن كوة الفقر: يا غني من للفقير سواك؟، ومن كوة العجز: يا قدير من للعاجز سواك؟ ومن كوة الضعف: يا قوي من للضعيف سواك؟، ير الإجابة طوع يديه، ومن أراد التحقيق بها، فليتحقق بذله يمده بعزه، وليتحقق بفقره يمده بغناه، وليتحقق بعجزه يمده بقدرته، وليتحقق بضعفه يمده بقوته، " تحقق بوصفك يمدك بوصفه ". وبالله التوفيق. ثم بين ما حرم عليهم ليقفوا عنده، فقال: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما }.

الأنعام 6:144

قلت: { حمولة وفرشا }: عطف على جنات، و { ثمانية أزواج }: بدل من حمولة، و { من الضأن اثنين }: بدل من ثمانية. يقول الحق جل جلاله: { و } أنشأ أيضا { من الأنعام } أنعاما { حمولة } ما يحمل الأثقال، كالكبار منها، { وفرشا } ما لا يحمل، كالصغار لدنوها من الأرض، أو حمولة للإبل، وفرشا للغنم، لأنها تفرش للذبح، ويفرش ما ينسج من صوفها، { كلوا مما رزقكم الله } أي: كلوا ما أحل الله لكم منها، { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } في التحليل والتحريم من عند أنفسكم، { إنه لكل عدو مبين } ظاهر العداوة. ثم فصلها فقال: { ثمانية أزواج } ذكر وأنثى من كل صنف، والصنف: ما معه آخر من جنسه يزاوجه، ثم بينها فقال: { من الضأن اثنين } ذكر وأنثى كبش ونعجة، { ومن المعز أثنين } التيس وهو الذكر، والعنز وهي الأنثى، { قل } لهم { آلذكرين } أي: ذكر الضأن والمعز، { حرم أم الأنثيين } منهما؟ { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } من الأجنة ذكرا كان أو أنثى؟ { نبئوني بعلم } يدل على أن الله تعالى حرم شيئا من ذلك، { إن كنتم صادقين } في دعوى التحريم عليه. { ومن الإبل اثنين } ذكر وأنثى، { ومن البقر اثنين } كذلك. { قل آلذكرين حرم أم الأنثيين } أم حرم ما { اشتملت عليه أرحام الأنثيين } من الجنين مطلقا؟ وهذا تقسيم على الكفار حتى يتبين كذبهم على الله، وتوبيخ لهم، حيث حرموا بعض الذكور مرة وبعض الأناث مرة، فألزمهم تحريم جميع الذكور، إن كان علة التحريم وصف الذكورة، أو تحريم جميع الإناث، إن كانت العلة الأنوثة، أو تحريم الجميع إن كان المحرم ما اشتملت عليه الأرحام، ولا وجه للتخصيص، فالاستفهام للإنكار، وأكده بقوله: { أم كنتم شهداء } حاضرين حين { وصاكم الله بهذا } التحريم، ولا طريق لكم إلى معرفة هذا إلا المشاهدة والسماع، وليس لكم شيء من ذلك، وإنما أنتم مفترون على الله. { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، والمراد: كبراؤهم الأوائل كعمرو بن لحي وأمثاله، أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، { ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } إلى مراشدهم، أو إلى ما ينفعهم. الإشارة: ومن الأحوال ما تحمل صاحبها إلى مقام الحرية، بشهود الربوبية، فيغلب عليه العز والاستظهار، ومنها ما تحمله إلى مقام العبودية، فيغلب عليه الذل والإنكسار، وإليه الإشارة بقوله: { حمولة وفرشا } ، فليتمتع المريد بما يظهر عليه منهما، ولا يتبع خطوات الشيطان فيتعدى طوره، ولا يعرف قدره. وهذه الأحوال ثمانية أنواع: أربعة سفلية تناسب العبودية، وأربعة علوية تناسب الربوبية. فالإربعة السفلية: الذل، والفقر، والعجز والضعف. والأربع العلوية: العز، والغنى، والقدرة، والقوة. فمن أراد التعلق بهذه الأوصاف فليناد من كوة الذل: يا عزيز من للذليل سواك؟، ومن كوة الفقر: يا غني من للفقير سواك؟، ومن كوة العجز: يا قدير من للعاجز سواك؟ ومن كوة الضعف: يا قوي من للضعيف سواك؟، ير الإجابة طوع يديه، ومن أراد التحقيق بها، فليتحقق بذله يمده بعزه، وليتحقق بفقره يمده بغناه، وليتحقق بعجزه يمده بقدرته، وليتحقق بضعفه يمده بقوته، " تحقق بوصفك يمدك بوصفه ". وبالله التوفيق. ثم بين ما حرم عليهم ليقفوا عنده، فقال: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما }.

الأنعام 6:145

يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { لا أجد فيما أوحي إلي } في القرآن أو مطلق الوحي، { محرما } أي: طعاما محرما، { على طاعم يطعمه } ، أو يطعم منه غيره، { إلا أن يكون } الطعام { ميتة } ، وفي قراءة بالتاء لتأنيث الخبر، { أو } يكون { دما مسفوحا } أي: مصبوبا كدم المنحر، { أو لحم خنزير فإنه رجس } أي: خبيث، قيل: إنه يورث عدم الغيرة بالخاصية { أو } يكون { فسقا } ، من صفته: { أهل لغير الله به } أي: ذبح لغير الله، وذكر عليه اسم الصنم، وإنما سمي فسقا لتوغله في الفسق. والآية تقتضي حصر المحرمات، فيما ذكر، وقد جاء في السنة تحريم أشياء لم تذكر هنا، كلحوم الحمر الإنسية والكلاب، وغيرها، فذهب قوم إلى أن السنة نسخت هذا الحصر، وذهب آخرون إلى أن الآية وردت على سبب، فلا تقتضي الحصر، وذهب آخرون إلى أن ما عدا ما ذكر: مكروه. وقال البيضاوي: والآية محكمة لأنها تدل على أنه لم يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية محرما غير هذه، ولا ينافي ورود التحريم في شيء آخر، فلا يصح الاستدلال بها على نسخ الكتاب بخبر الواحد، ولا على حل الأشياء غيرها، إلا مع الاستصحاب. ه. ثم استثنى المضطر، فقال: { فمن اضطر } إلى تناول شيء من ذلك، { غير باغ } على مضطر مثله، { ولا عاد } أي: متجاوز قدر الضرورة، { فإن ربك غفور رحيم } لا يؤاخذه. الإشارة: الأحوال كلها تتقوت منها الروح، إلا ما كان غير مباح في الشرع، فلا سير فيه، والمراد بالأحوال: خرق عوائدها، بكل ما يثقل عليها، وأما ما كان محرما في الشرع فلا بركة في تناوله لأنه رجس، وأجازه بعض الصوفية محتجا بقضية لص الحمام، وفيه مقال، فمن اضطر إلى تناوله، لغلبة حال عليه، غير قاصد لمخالفة الشرع، فإن الله غفور رحيم، وعليه حمل بعضهم قصة لص الحمام. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما حرم على بني إسرائيل، فقال: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر }.

الأنعام 6:146

قلت: { الحوايا } هي الأمعاء، أي: المصارين التي فيها البعر، وتسمى المباعر، جمع حوية، فعيلة، فوزنها على هذا: فعائل، فصنع بها ما صنع بهراوا، وقيل: جمع حاوية، فوزنها: فواعل، كقوارب، وهو عطف على ما في قوله: { إلا ما حملت }. يقول الحق جل جلاله: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } ماله أصبع، كالإبل والأوز والنعام، وغيرها من الحيوان، الذي هو غير منفرج الأصابع وله ظفر، وقيل: كل ذي مخلب وحافر، وسمي الحافر ظفرا مجازا. { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما } كالثروب وشحوم الكلى، { إلا ما حملت ظهورهما } أي: إلا ما علق من الشحم بظهور البقر والغنم، فهو حلال عليهم، لكنهم اليوم لا يأكلونه، حدثني شيخي الفقيه الجنوي أنه سأل بعض أحبارهم: هل هو حرام في كتابكم؟ فقال له: لا، لكنهم قاسوه سدا للذريعة. ه. فلما شددوا شدد الله عليهم، { أو الحوايا } أي: ما احتوت عليه الأمعاء والحشوة مما يتحوى في البطن من الشحوم، فهو حلال عليهم { أو ما اختلط بعظم } في جميع الجسد، فإنه حلال عليهم، لكنهم شددوا فحرموا الجميع عقوبة من الله { ذلك } التحريم جزاء { جزيناهم } به بسبب بغيهم، أي: ظلمهم، { وإنا لصادقون } فيما أخبرنا به من التحريم، وفي ذلك تعريض بكذب من حرم غير ما حرم الله. الإشارة: يؤخذ من الآية أن الذنوب والمعاصي تضيق على العبد لذائذ متعته، وتقتر عليه طيب رزق بشريته، وتضيق عليه آيضا حلاوة المعاملة في قلبه، ولذة الشهود في روحه وسره، لقوله تعالى: { ذلك جزيناهم ببغيهم }. وقال تعالى: ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض [الأعراف:96]، وقال في شأن القلب: إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا [الأنفال:29]، أي: نورا يفرق بين الحق والباطل، وقال تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله [البقرة:282]، أي: علما لدنيا، فالمعصية كلها تبعد العبد من الحضرة، إن لم يتب، والطاعة كلها تقرب من الحضرة. والتنعم إنما هو على قدر القرب، ونقصانه على قدر البعد. والله تعالى أعلم. ولما كانت المعصية توجب تعجيل العقوبة أخبر تعالى عن سعة حلمه، فقال: { فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة }.

الأنعام 6:147

يقول الحق جل جلاله: { فإن كذبوك } يا محمد، { فقل } لهم: { ربكم ذو رحمة واسعة } يمهلكم على التكذيب، فلا تغتروا بإمهاله فإنه يمهل ولا يهمل. ولذلك أعقبه بقوله: { ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } حين ينزل بهم، أو ذو رحمة واسعة على المطيعين، وذو بأس شديد على المجرمين، فأقام مقامه: { ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } ، لتضمنه التنبيه على إنزال البأس عليهم، مع الدلالة على أنه لازب لا يمكن رده. قاله البيضاوي. وفي ابن عطية: ولكن لا تغتروا بسعة رحمته، فإن له بأسا لا يرد عن القوم المجرمين. ه. الإشارة: يؤخذ من تقديم الرحمة الواسعة على البأس الشديد أن جانب الرجاء أقوى من جانب الخوف لأن حسن الظن بالله مطلوب من العبد على كل حال، لأن الرجاء وحسن الظن يستوجبان محبة العبد وإيحاشه إلى سيده بخلاف الخوف، وهذا مذهب الصوفية: أن تغليب الرجاء هو الأفضل في كل وقت، ومذهب الفقهاء أن حال الصحة ينبغي تغليب الخوف لينزجر عن العصيان، وحال المرض يغلب الرجاء إذ لا ينفع حينئذ، فالصوفية يرون أن العبد معزول عن الفعل، فليس له قدرة على فعل ولا ترك. وإنما ينظر ما تفعل به القدرة، فهو كحال المستشرف على الموت. والفقهاء يرون أن العبد له كسب واختيار. والله تعالى أعلم. ولا ينفع الاحتجاج بالقدر على كلا المذهبين، كما قال تعالى: { سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا }.

الأنعام 6:148

قلت: { هلم }: اسم فعل، وهو عند البصريين بسيط، وعند الكوفيين مركب. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { سيقول الذين آشركوا } في الاحتجاج لأنفسهم: { لو شاء الله } عدم شركنا { ما أشركنا ولا } أشرك { آباؤنا ولا حرمنا من شيء } من البحائر وغيرها، فلو لم نكن على حق مرضى عند الله ما أمهلنا ولا تركنا عليه فإمهاله لنا وتركه لنا على ما نحن فيه دليل على أنه أراده منا. والجواب عن شبهتهم: أنه خلاف ما أنزل الله على جميع رسله، والحق تعالى لم يتركهم على ذلك، بل بعث لهم الرسل يكلفهم بالخروج عنه، والإرادة خلاف التكليف، وأيضا: قولهم هذا لم يصدر منهم على وجه الاعتذار وإنما صدر منهم على وجه المخاصمة والاحتجاج. ولا يصح الاحتجاج بالقدر. والحاصل أنهم تمسكوا بالحقيقة ورفضوا الشريعة، وهو كفر وزندقة، إذ لا بد من الجمع بين الحقيقة في الباطن، والتمسك بما جاءت به الرسل من الشريعة في الظاهر، وإلا فهو على باطل. ولذلك رد الله تعالى عليهم بقوله: { كذلك كذب الذين من قبلهم } الرسل، فتمسكوا بالحقيقة الظلمانية، { حتى ذاقوا بأسنا } أي: عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم { قل } لهم: { هل عندكم من علم } يدل على أن الله أمركم بالشرك، وتحريم ما أحل، وأنه رضي ذلك لكم، { فتخرجوه } أي: فتظهروه { لنا } ، بل { إن تتبعون } في ذلك { إلا الظن } ولا تحقيق عندكم، { وإن أنتم إلا تخرصون } تكذبون على الله تعالى، وفيه دليل على أن الظن لا يكفي في العقائد. { قل } لهم: { فلله الحجة } على عباده، { البالغة } ، حيث بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وأمروا بتوحيد الله وطاعته، فكل من خالفهم قامت الحجة عليه، هذا باعتبار التشريع الظاهر، وأما باعتبار باطن الحقيقة، فالأمور كلها بيد الله يضل من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، { فلو شاء لهداكم أجمعين } ولكن شاء هداية قوم وضلال آخرين، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء:23]، فقول المشركين: { لو شاء الله... } الخ، حق في نفسه، لكنهم لم يعذروا لإهمالهم الشريعة. { قل هلم } أي: أحضروا، { شهداءكم } أي: كبراءكم وأئمتكم، { الذين يشهدون أن الله حرم هذا } ، استحضرهم ليلزمهم الحجة، ويظهر بانقطاعهم ضلالهم، وألا متمسك لهم في ذلك. ثم قال لنبيه عليه الصلاة والسلام : { فإن شهدوا } بشيء من ذلك، { فلا تشهد معهم } أي: لا تصدقهم وبين لهم فساده { ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا } ، والأصل أن يقول: ولا تتبع أهواءهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، للدلالة على أن مكذب الآية متبع للهوى لا غير، وأن متبع الحق لا يكون إلا مصدقا لها. { و } تتبع أيضا { الذين لا يؤمنون بالآخرة } كعبدة الأوثان، { وهم بربهم يعدلون } يجعلون له عديلا ومثيلا. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله كلف عباده في هذا الدار، بالقيام بوظيفتين: الشريعة والحقيقة، الشريعة محلها الظواهر، والحقيقة محلها البواطن، الشريعة تقتضي التكليف، والحقيقة تقتضي التعريف، الشريعة شهود الحكمة، والحقيقة شهود القدرة، وجعل الشريعة رداء الحقيقة ولباسا لها، ثم جعل سبحانه في القلب عينين، وتسمى البصيرة، إحداهما تنظر للحكمة فتقوم بالشرائع، والأخرى تنظر للقدرة فتقوم بالحقائق. فقوم فتحوا عين الحقيقة وأعموا عين الشريعة، وهم أهل الكفر والزندقة، ولذلك قالوا: { لو شاء الله ما أشركنا } ، وقوم فتحوا عين الشريعة وأهملوا عين الحقيقة، وهم عوام المسلمين من أهل اليمن، فلذلك طال خصمهم للمقادير الأزلية مع إقرارهم بها، فإن أنكروها فقد عميت بصيرتهم. وقوم أحبهم الله، ففتح لهم عين الحقيقة، فأسندوا الأفعال كلها إلى الله ولم يروا معه سواه، فتأدبوا في الباطن مع الأشياء كلها، وفتح لهم عين الشريعة فقاموا بوظائف العبودية على المنهاج الشرعي، وهم الأولياء العارفون بالله، فمن تمسك بالحقائق العلمية دون الشرائع كان زنديقا، ومن تمسك بالشرائع دون الحقائق كان فاسقا، ومن تمسك بهما كان صديقا، فمن رام تمسك بالشرائع، ولم تسعفه الأقدار، فإن كان عن سكر وجذب فهو معذور، وإن كان عن كسل فهو مخذول، وإن كان عن إنكار لها فهو مطرود معدود من حزب الشيطان، والعياذ بالله. ثم بين ما حرم عليهم، فقال: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم }.

الأنعام 6:149

قلت: { هلم }: اسم فعل، وهو عند البصريين بسيط، وعند الكوفيين مركب. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { سيقول الذين آشركوا } في الاحتجاج لأنفسهم: { لو شاء الله } عدم شركنا { ما أشركنا ولا } أشرك { آباؤنا ولا حرمنا من شيء } من البحائر وغيرها، فلو لم نكن على حق مرضى عند الله ما أمهلنا ولا تركنا عليه فإمهاله لنا وتركه لنا على ما نحن فيه دليل على أنه أراده منا. والجواب عن شبهتهم: أنه خلاف ما أنزل الله على جميع رسله، والحق تعالى لم يتركهم على ذلك، بل بعث لهم الرسل يكلفهم بالخروج عنه، والإرادة خلاف التكليف، وأيضا: قولهم هذا لم يصدر منهم على وجه الاعتذار وإنما صدر منهم على وجه المخاصمة والاحتجاج. ولا يصح الاحتجاج بالقدر. والحاصل أنهم تمسكوا بالحقيقة ورفضوا الشريعة، وهو كفر وزندقة، إذ لا بد من الجمع بين الحقيقة في الباطن، والتمسك بما جاءت به الرسل من الشريعة في الظاهر، وإلا فهو على باطل. ولذلك رد الله تعالى عليهم بقوله: { كذلك كذب الذين من قبلهم } الرسل، فتمسكوا بالحقيقة الظلمانية، { حتى ذاقوا بأسنا } أي: عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم { قل } لهم: { هل عندكم من علم } يدل على أن الله أمركم بالشرك، وتحريم ما أحل، وأنه رضي ذلك لكم، { فتخرجوه } أي: فتظهروه { لنا } ، بل { إن تتبعون } في ذلك { إلا الظن } ولا تحقيق عندكم، { وإن أنتم إلا تخرصون } تكذبون على الله تعالى، وفيه دليل على أن الظن لا يكفي في العقائد. { قل } لهم: { فلله الحجة } على عباده، { البالغة } ، حيث بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وأمروا بتوحيد الله وطاعته، فكل من خالفهم قامت الحجة عليه، هذا باعتبار التشريع الظاهر، وأما باعتبار باطن الحقيقة، فالأمور كلها بيد الله يضل من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، { فلو شاء لهداكم أجمعين } ولكن شاء هداية قوم وضلال آخرين، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء:23]، فقول المشركين: { لو شاء الله... } الخ، حق في نفسه، لكنهم لم يعذروا لإهمالهم الشريعة. { قل هلم } أي: أحضروا، { شهداءكم } أي: كبراءكم وأئمتكم، { الذين يشهدون أن الله حرم هذا } ، استحضرهم ليلزمهم الحجة، ويظهر بانقطاعهم ضلالهم، وألا متمسك لهم في ذلك. ثم قال لنبيه عليه الصلاة والسلام : { فإن شهدوا } بشيء من ذلك، { فلا تشهد معهم } أي: لا تصدقهم وبين لهم فساده { ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا } ، والأصل أن يقول: ولا تتبع أهواءهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، للدلالة على أن مكذب الآية متبع للهوى لا غير، وأن متبع الحق لا يكون إلا مصدقا لها. { و } تتبع أيضا { الذين لا يؤمنون بالآخرة } كعبدة الأوثان، { وهم بربهم يعدلون } يجعلون له عديلا ومثيلا. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله كلف عباده في هذا الدار، بالقيام بوظيفتين: الشريعة والحقيقة، الشريعة محلها الظواهر، والحقيقة محلها البواطن، الشريعة تقتضي التكليف، والحقيقة تقتضي التعريف، الشريعة شهود الحكمة، والحقيقة شهود القدرة، وجعل الشريعة رداء الحقيقة ولباسا لها، ثم جعل سبحانه في القلب عينين، وتسمى البصيرة، إحداهما تنظر للحكمة فتقوم بالشرائع، والأخرى تنظر للقدرة فتقوم بالحقائق. فقوم فتحوا عين الحقيقة وأعموا عين الشريعة، وهم أهل الكفر والزندقة، ولذلك قالوا: { لو شاء الله ما أشركنا } ، وقوم فتحوا عين الشريعة وأهملوا عين الحقيقة، وهم عوام المسلمين من أهل اليمن، فلذلك طال خصمهم للمقادير الأزلية مع إقرارهم بها، فإن أنكروها فقد عميت بصيرتهم. وقوم أحبهم الله، ففتح لهم عين الحقيقة، فأسندوا الأفعال كلها إلى الله ولم يروا معه سواه، فتأدبوا في الباطن مع الأشياء كلها، وفتح لهم عين الشريعة فقاموا بوظائف العبودية على المنهاج الشرعي، وهم الأولياء العارفون بالله، فمن تمسك بالحقائق العلمية دون الشرائع كان زنديقا، ومن تمسك بالشرائع دون الحقائق كان فاسقا، ومن تمسك بهما كان صديقا، فمن رام تمسك بالشرائع، ولم تسعفه الأقدار، فإن كان عن سكر وجذب فهو معذور، وإن كان عن كسل فهو مخذول، وإن كان عن إنكار لها فهو مطرود معدود من حزب الشيطان، والعياذ بالله. ثم بين ما حرم عليهم، فقال: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم }.

الأنعام 6:150

قلت: { هلم }: اسم فعل، وهو عند البصريين بسيط، وعند الكوفيين مركب. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { سيقول الذين آشركوا } في الاحتجاج لأنفسهم: { لو شاء الله } عدم شركنا { ما أشركنا ولا } أشرك { آباؤنا ولا حرمنا من شيء } من البحائر وغيرها، فلو لم نكن على حق مرضى عند الله ما أمهلنا ولا تركنا عليه فإمهاله لنا وتركه لنا على ما نحن فيه دليل على أنه أراده منا. والجواب عن شبهتهم: أنه خلاف ما أنزل الله على جميع رسله، والحق تعالى لم يتركهم على ذلك، بل بعث لهم الرسل يكلفهم بالخروج عنه، والإرادة خلاف التكليف، وأيضا: قولهم هذا لم يصدر منهم على وجه الاعتذار وإنما صدر منهم على وجه المخاصمة والاحتجاج. ولا يصح الاحتجاج بالقدر. والحاصل أنهم تمسكوا بالحقيقة ورفضوا الشريعة، وهو كفر وزندقة، إذ لا بد من الجمع بين الحقيقة في الباطن، والتمسك بما جاءت به الرسل من الشريعة في الظاهر، وإلا فهو على باطل. ولذلك رد الله تعالى عليهم بقوله: { كذلك كذب الذين من قبلهم } الرسل، فتمسكوا بالحقيقة الظلمانية، { حتى ذاقوا بأسنا } أي: عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم { قل } لهم: { هل عندكم من علم } يدل على أن الله أمركم بالشرك، وتحريم ما أحل، وأنه رضي ذلك لكم، { فتخرجوه } أي: فتظهروه { لنا } ، بل { إن تتبعون } في ذلك { إلا الظن } ولا تحقيق عندكم، { وإن أنتم إلا تخرصون } تكذبون على الله تعالى، وفيه دليل على أن الظن لا يكفي في العقائد. { قل } لهم: { فلله الحجة } على عباده، { البالغة } ، حيث بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وأمروا بتوحيد الله وطاعته، فكل من خالفهم قامت الحجة عليه، هذا باعتبار التشريع الظاهر، وأما باعتبار باطن الحقيقة، فالأمور كلها بيد الله يضل من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، { فلو شاء لهداكم أجمعين } ولكن شاء هداية قوم وضلال آخرين، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء:23]، فقول المشركين: { لو شاء الله... } الخ، حق في نفسه، لكنهم لم يعذروا لإهمالهم الشريعة. { قل هلم } أي: أحضروا، { شهداءكم } أي: كبراءكم وأئمتكم، { الذين يشهدون أن الله حرم هذا } ، استحضرهم ليلزمهم الحجة، ويظهر بانقطاعهم ضلالهم، وألا متمسك لهم في ذلك. ثم قال لنبيه عليه الصلاة والسلام : { فإن شهدوا } بشيء من ذلك، { فلا تشهد معهم } أي: لا تصدقهم وبين لهم فساده { ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا } ، والأصل أن يقول: ولا تتبع أهواءهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، للدلالة على أن مكذب الآية متبع للهوى لا غير، وأن متبع الحق لا يكون إلا مصدقا لها. { و } تتبع أيضا { الذين لا يؤمنون بالآخرة } كعبدة الأوثان، { وهم بربهم يعدلون } يجعلون له عديلا ومثيلا. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله كلف عباده في هذا الدار، بالقيام بوظيفتين: الشريعة والحقيقة، الشريعة محلها الظواهر، والحقيقة محلها البواطن، الشريعة تقتضي التكليف، والحقيقة تقتضي التعريف، الشريعة شهود الحكمة، والحقيقة شهود القدرة، وجعل الشريعة رداء الحقيقة ولباسا لها، ثم جعل سبحانه في القلب عينين، وتسمى البصيرة، إحداهما تنظر للحكمة فتقوم بالشرائع، والأخرى تنظر للقدرة فتقوم بالحقائق. فقوم فتحوا عين الحقيقة وأعموا عين الشريعة، وهم أهل الكفر والزندقة، ولذلك قالوا: { لو شاء الله ما أشركنا } ، وقوم فتحوا عين الشريعة وأهملوا عين الحقيقة، وهم عوام المسلمين من أهل اليمن، فلذلك طال خصمهم للمقادير الأزلية مع إقرارهم بها، فإن أنكروها فقد عميت بصيرتهم. وقوم أحبهم الله، ففتح لهم عين الحقيقة، فأسندوا الأفعال كلها إلى الله ولم يروا معه سواه، فتأدبوا في الباطن مع الأشياء كلها، وفتح لهم عين الشريعة فقاموا بوظائف العبودية على المنهاج الشرعي، وهم الأولياء العارفون بالله، فمن تمسك بالحقائق العلمية دون الشرائع كان زنديقا، ومن تمسك بالشرائع دون الحقائق كان فاسقا، ومن تمسك بهما كان صديقا، فمن رام تمسك بالشرائع، ولم تسعفه الأقدار، فإن كان عن سكر وجذب فهو معذور، وإن كان عن كسل فهو مخذول، وإن كان عن إنكار لها فهو مطرود معدود من حزب الشيطان، والعياذ بالله. ثم بين ما حرم عليهم، فقال: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم }.

الأنعام 6:151

قلت: { تعالوا }: أمر من التعالي، وأصله: أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل، فاتسع فيه بالتعميم في كل أمر بالقدوم، و { ألا تشركوا }: فيه تأويلات أحدها: أن تكون مفسرة لا موضع لها، و { لا }: ناهية جزمت الفعل، أو تكون مصدرية في موضع رفع، أي: الأمر ألا تشركوا، و { لا }: نافية حينئذ، أو بدل من { ما } و { لا }: زائدة، أو على حذف الإغراء، أي: عليكم إلا تشركوا. قال ابن جزي: والأحسن أن يكون ضمن { حرم } معنى وصى، وتكون { أن } مصدرية، و { لا } نافية، ولا تفسد المعنى لأن الوصية في المعنى تكون بتحريم وتحليل وبوجوب وندب، ويدل على هذا قوله بعد ذلك: { ذلكم وصاكم به } ولا ينكر أن يريد بالتحريم الوصية لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص، وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص، فتقدير الكلام على هذا: قل تعالوا أتل ما وصاكم به ربكم، ثم أبدل منه، على وجه التفسير والبيان، فقال: ألا تشركوا، ووصاكم بالإحسان بالوالدين، وهكذا.. فجمعت الوصية ترك الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين، وما بعد ذلك. انظر بقية كلامه. وإنما قال الحق سبحانه: { من إملاق } ، وقدم الكاف في قوله { نرزقكم } ، وفي الإسراء قال: خشية إملاق [الإسراء:31]، وأخر الكاف لأن ما هنا نزل في فقراء العرب، فكان الإملاق نازلا بهم وحاصلا لديهم، فلذلك قال: { من إملاق } ، وقدم الخطاب لأنه أهم. وفي الإسراء نزلت في أغنيائهم، فكانوا يقتلون خوفا من لحوق الفقر، لذلك قال: { خشية إملاق } ، وقدم الغيبة فقال: { نحن نرزقهم } حين نخلقهم وإياكم. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { تعالوا } أي: هلموا، { أتل } أي: أقرأ { ما حرم ربكم عليكم } ، واجتمعت عليه الشرائع قبلكم، ولم ينسخ قط في ملة من الملل، بل وصى به جميع الملل، و { ألا تشركوا به شيئا } بل توحدوه وتعبدوه وحده، { و } أن تحسنوا { بالوالدين إحسانا } ، ولا تسيئوا إليهما لأن من أساء إليهما لم يحسن إليهما. { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } أي: من أجل الفقر الحاصل بكم، وكانت العرب تقتل أولادها خوفا من الفقر فنزلت فيهم، فلا يفهم منه إباحة قتلهم لغيره، { نحن نرزقكم وإياهم } ، فلا تهتموا بأمرهم حتى تقتلوهم. { ولا تقربوا الفواحش } كبار الذنوب { ما ظهر منها } للناس { وما بطن } في خلوة، أو: ما ظهر منها على الجوارح، وما بطن في القلوب من العيوب، { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } كالقود، وقتل المرتد، ورجم المحصن. قال صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير نفس " { ذلكم } المتقدم، { وصاكم به لعلكم تعقلون } ، فتتدبرون فيما ينفعكم وما يضركم. { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي } بالخصلة التي { هي أحسن } كحفظه وتثميره. والنهي عن القرب: يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة لأنه إذا نهى عن القرب كان الأكل أولى، { حتى يبلغ أشده } وهو البلوغ مع الرشد، بحيث يعرف مصالح نفسه ويأمن عليه التبذير، فيدفع له، { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } بالعدل والتوفية، { لا نكلف نفسا إلا وسعها } إلا ما يسعها ولا يعسر عليها، ولما أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج أمر بالوسع في ذلك وعفا عما سواه. { وإذا قلتم } في حكومة ونحوها، { فاعدلوا ولو كان } المقول له في شهادة أو حكومة { ذا قربى } فيجب العدل في ذلك، { وبعهد الله أوفوا } أي: ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع، أو ما عاهدتم مع عباده، { ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } تتعظون به. { وأن هذا } أي: ما تقدم في السورة كلها، { صراطي مستقيما فاتبعوه } لأن السورة بأسرها إنما هي في إثبات التوحيد، والنبوة، وبيان الشريعة، { ولا تتبعوا السبل } الأديان المختلفة والطرق التابعة للهوى، فإن مقتضى الحجة واحد، ومقتضى الهوى متعدد لاختلاف الطبائع والعادات، ولذلك تفرقت. والمراد بالطرق: اليهودية والنصرانية وغيرهما من الأديان الباطلة، ويدخل فيه البدع والأهواء، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا، ثم قال: " هذا سبيل الله " ، ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال: " هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليها " { ذلكم } الاتباع { وصاكم به لعلكم تتقون } الضلال والتفرق عن الحق. وبالله التوفيق. الإشارة: قد وصى الحق جل جلاله على التخلص من الشرك، جليه وخفيه، ولا يكون إلا بتحقيق الإخلاص والتوحيد الخاص. وهو مطلب الصوفية، وبالإحسان بالوالدين الروحانيين والبشريين، أي: والد الأرواح وهو الشيخ المربي ووالد الأشباح، ولا بد للمريد من طاعتهما، إلا أنه يقدم طاعة الشيخ، كما تقدم عن الجنيد في سورة النساء. ووصى بعدم قتل الأولاد، وهم المواهب والعلوم بإهمال القلب في الغفلة، وعدم قرب الفواحش: الظاهرة الحسية، والباطنية القلبية كالحسد، والكبر، وحب الجاه والدنيا، وسائر العيوب. وعدم قتل النفس بالانهماك في الهوى والغفلة حتى تموت بالجهل عن المعرفة. وعدم قرب مال اليتيم، وهو الذي ليس له شيخ، فإن الغالب عليه عدم المسامحة، وسيأتي عند قوله تعالى: قال رب أرني أنظر إليك [الأعراف:143]، إشارة لها أرق من هذه، وعلى التوفية في الأمور كلها لأن الصوفي من أهل الصفاء والوفاء، وعلى الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال. وعلى الوفاء بالعهد، وأعظمها عهد الشيوخ المربين، وعلى اتباع طريق السلوك الموصلة للحضرة وهي ما عينه الشيوخ للمريدين، فلا يتعدى نظرهم ولو لحظة. وبالله التوفيق. ولما ذكر ما وصى به هذه الأمة، ذكر ما وصى به بني إسرائيل، فقال: { ثم آتينا موسى الكتاب }.

الأنعام 6:152

قلت: { تعالوا }: أمر من التعالي، وأصله: أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل، فاتسع فيه بالتعميم في كل أمر بالقدوم، و { ألا تشركوا }: فيه تأويلات أحدها: أن تكون مفسرة لا موضع لها، و { لا }: ناهية جزمت الفعل، أو تكون مصدرية في موضع رفع، أي: الأمر ألا تشركوا، و { لا }: نافية حينئذ، أو بدل من { ما } و { لا }: زائدة، أو على حذف الإغراء، أي: عليكم إلا تشركوا. قال ابن جزي: والأحسن أن يكون ضمن { حرم } معنى وصى، وتكون { أن } مصدرية، و { لا } نافية، ولا تفسد المعنى لأن الوصية في المعنى تكون بتحريم وتحليل وبوجوب وندب، ويدل على هذا قوله بعد ذلك: { ذلكم وصاكم به } ولا ينكر أن يريد بالتحريم الوصية لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص، وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص، فتقدير الكلام على هذا: قل تعالوا أتل ما وصاكم به ربكم، ثم أبدل منه، على وجه التفسير والبيان، فقال: ألا تشركوا، ووصاكم بالإحسان بالوالدين، وهكذا.. فجمعت الوصية ترك الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين، وما بعد ذلك. انظر بقية كلامه. وإنما قال الحق سبحانه: { من إملاق } ، وقدم الكاف في قوله { نرزقكم } ، وفي الإسراء قال: خشية إملاق [الإسراء:31]، وأخر الكاف لأن ما هنا نزل في فقراء العرب، فكان الإملاق نازلا بهم وحاصلا لديهم، فلذلك قال: { من إملاق } ، وقدم الخطاب لأنه أهم. وفي الإسراء نزلت في أغنيائهم، فكانوا يقتلون خوفا من لحوق الفقر، لذلك قال: { خشية إملاق } ، وقدم الغيبة فقال: { نحن نرزقهم } حين نخلقهم وإياكم. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { تعالوا } أي: هلموا، { أتل } أي: أقرأ { ما حرم ربكم عليكم } ، واجتمعت عليه الشرائع قبلكم، ولم ينسخ قط في ملة من الملل، بل وصى به جميع الملل، و { ألا تشركوا به شيئا } بل توحدوه وتعبدوه وحده، { و } أن تحسنوا { بالوالدين إحسانا } ، ولا تسيئوا إليهما لأن من أساء إليهما لم يحسن إليهما. { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } أي: من أجل الفقر الحاصل بكم، وكانت العرب تقتل أولادها خوفا من الفقر فنزلت فيهم، فلا يفهم منه إباحة قتلهم لغيره، { نحن نرزقكم وإياهم } ، فلا تهتموا بأمرهم حتى تقتلوهم. { ولا تقربوا الفواحش } كبار الذنوب { ما ظهر منها } للناس { وما بطن } في خلوة، أو: ما ظهر منها على الجوارح، وما بطن في القلوب من العيوب، { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } كالقود، وقتل المرتد، ورجم المحصن. قال صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير نفس " { ذلكم } المتقدم، { وصاكم به لعلكم تعقلون } ، فتتدبرون فيما ينفعكم وما يضركم. { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي } بالخصلة التي { هي أحسن } كحفظه وتثميره. والنهي عن القرب: يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة لأنه إذا نهى عن القرب كان الأكل أولى، { حتى يبلغ أشده } وهو البلوغ مع الرشد، بحيث يعرف مصالح نفسه ويأمن عليه التبذير، فيدفع له، { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } بالعدل والتوفية، { لا نكلف نفسا إلا وسعها } إلا ما يسعها ولا يعسر عليها، ولما أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج أمر بالوسع في ذلك وعفا عما سواه. { وإذا قلتم } في حكومة ونحوها، { فاعدلوا ولو كان } المقول له في شهادة أو حكومة { ذا قربى } فيجب العدل في ذلك، { وبعهد الله أوفوا } أي: ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع، أو ما عاهدتم مع عباده، { ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } تتعظون به. { وأن هذا } أي: ما تقدم في السورة كلها، { صراطي مستقيما فاتبعوه } لأن السورة بأسرها إنما هي في إثبات التوحيد، والنبوة، وبيان الشريعة، { ولا تتبعوا السبل } الأديان المختلفة والطرق التابعة للهوى، فإن مقتضى الحجة واحد، ومقتضى الهوى متعدد لاختلاف الطبائع والعادات، ولذلك تفرقت. والمراد بالطرق: اليهودية والنصرانية وغيرهما من الأديان الباطلة، ويدخل فيه البدع والأهواء، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا، ثم قال: " هذا سبيل الله " ، ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال: " هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليها " { ذلكم } الاتباع { وصاكم به لعلكم تتقون } الضلال والتفرق عن الحق. وبالله التوفيق. الإشارة: قد وصى الحق جل جلاله على التخلص من الشرك، جليه وخفيه، ولا يكون إلا بتحقيق الإخلاص والتوحيد الخاص. وهو مطلب الصوفية، وبالإحسان بالوالدين الروحانيين والبشريين، أي: والد الأرواح وهو الشيخ المربي ووالد الأشباح، ولا بد للمريد من طاعتهما، إلا أنه يقدم طاعة الشيخ، كما تقدم عن الجنيد في سورة النساء. ووصى بعدم قتل الأولاد، وهم المواهب والعلوم بإهمال القلب في الغفلة، وعدم قرب الفواحش: الظاهرة الحسية، والباطنية القلبية كالحسد، والكبر، وحب الجاه والدنيا، وسائر العيوب. وعدم قتل النفس بالانهماك في الهوى والغفلة حتى تموت بالجهل عن المعرفة. وعدم قرب مال اليتيم، وهو الذي ليس له شيخ، فإن الغالب عليه عدم المسامحة، وسيأتي عند قوله تعالى: قال رب أرني أنظر إليك [الأعراف:143]، إشارة لها أرق من هذه، وعلى التوفية في الأمور كلها لأن الصوفي من أهل الصفاء والوفاء، وعلى الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال. وعلى الوفاء بالعهد، وأعظمها عهد الشيوخ المربين، وعلى اتباع طريق السلوك الموصلة للحضرة وهي ما عينه الشيوخ للمريدين، فلا يتعدى نظرهم ولو لحظة. وبالله التوفيق. ولما ذكر ما وصى به هذه الأمة، ذكر ما وصى به بني إسرائيل، فقال: { ثم آتينا موسى الكتاب }.

الأنعام 6:153

قلت: { تعالوا }: أمر من التعالي، وأصله: أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل، فاتسع فيه بالتعميم في كل أمر بالقدوم، و { ألا تشركوا }: فيه تأويلات أحدها: أن تكون مفسرة لا موضع لها، و { لا }: ناهية جزمت الفعل، أو تكون مصدرية في موضع رفع، أي: الأمر ألا تشركوا، و { لا }: نافية حينئذ، أو بدل من { ما } و { لا }: زائدة، أو على حذف الإغراء، أي: عليكم إلا تشركوا. قال ابن جزي: والأحسن أن يكون ضمن { حرم } معنى وصى، وتكون { أن } مصدرية، و { لا } نافية، ولا تفسد المعنى لأن الوصية في المعنى تكون بتحريم وتحليل وبوجوب وندب، ويدل على هذا قوله بعد ذلك: { ذلكم وصاكم به } ولا ينكر أن يريد بالتحريم الوصية لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص، وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص، فتقدير الكلام على هذا: قل تعالوا أتل ما وصاكم به ربكم، ثم أبدل منه، على وجه التفسير والبيان، فقال: ألا تشركوا، ووصاكم بالإحسان بالوالدين، وهكذا.. فجمعت الوصية ترك الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين، وما بعد ذلك. انظر بقية كلامه. وإنما قال الحق سبحانه: { من إملاق } ، وقدم الكاف في قوله { نرزقكم } ، وفي الإسراء قال: خشية إملاق [الإسراء:31]، وأخر الكاف لأن ما هنا نزل في فقراء العرب، فكان الإملاق نازلا بهم وحاصلا لديهم، فلذلك قال: { من إملاق } ، وقدم الخطاب لأنه أهم. وفي الإسراء نزلت في أغنيائهم، فكانوا يقتلون خوفا من لحوق الفقر، لذلك قال: { خشية إملاق } ، وقدم الغيبة فقال: { نحن نرزقهم } حين نخلقهم وإياكم. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { تعالوا } أي: هلموا، { أتل } أي: أقرأ { ما حرم ربكم عليكم } ، واجتمعت عليه الشرائع قبلكم، ولم ينسخ قط في ملة من الملل، بل وصى به جميع الملل، و { ألا تشركوا به شيئا } بل توحدوه وتعبدوه وحده، { و } أن تحسنوا { بالوالدين إحسانا } ، ولا تسيئوا إليهما لأن من أساء إليهما لم يحسن إليهما. { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } أي: من أجل الفقر الحاصل بكم، وكانت العرب تقتل أولادها خوفا من الفقر فنزلت فيهم، فلا يفهم منه إباحة قتلهم لغيره، { نحن نرزقكم وإياهم } ، فلا تهتموا بأمرهم حتى تقتلوهم. { ولا تقربوا الفواحش } كبار الذنوب { ما ظهر منها } للناس { وما بطن } في خلوة، أو: ما ظهر منها على الجوارح، وما بطن في القلوب من العيوب، { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } كالقود، وقتل المرتد، ورجم المحصن. قال صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير نفس " { ذلكم } المتقدم، { وصاكم به لعلكم تعقلون } ، فتتدبرون فيما ينفعكم وما يضركم. { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي } بالخصلة التي { هي أحسن } كحفظه وتثميره. والنهي عن القرب: يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة لأنه إذا نهى عن القرب كان الأكل أولى، { حتى يبلغ أشده } وهو البلوغ مع الرشد، بحيث يعرف مصالح نفسه ويأمن عليه التبذير، فيدفع له، { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } بالعدل والتوفية، { لا نكلف نفسا إلا وسعها } إلا ما يسعها ولا يعسر عليها، ولما أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج أمر بالوسع في ذلك وعفا عما سواه. { وإذا قلتم } في حكومة ونحوها، { فاعدلوا ولو كان } المقول له في شهادة أو حكومة { ذا قربى } فيجب العدل في ذلك، { وبعهد الله أوفوا } أي: ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع، أو ما عاهدتم مع عباده، { ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } تتعظون به. { وأن هذا } أي: ما تقدم في السورة كلها، { صراطي مستقيما فاتبعوه } لأن السورة بأسرها إنما هي في إثبات التوحيد، والنبوة، وبيان الشريعة، { ولا تتبعوا السبل } الأديان المختلفة والطرق التابعة للهوى، فإن مقتضى الحجة واحد، ومقتضى الهوى متعدد لاختلاف الطبائع والعادات، ولذلك تفرقت. والمراد بالطرق: اليهودية والنصرانية وغيرهما من الأديان الباطلة، ويدخل فيه البدع والأهواء، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا، ثم قال: " هذا سبيل الله " ، ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال: " هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليها " { ذلكم } الاتباع { وصاكم به لعلكم تتقون } الضلال والتفرق عن الحق. وبالله التوفيق. الإشارة: قد وصى الحق جل جلاله على التخلص من الشرك، جليه وخفيه، ولا يكون إلا بتحقيق الإخلاص والتوحيد الخاص. وهو مطلب الصوفية، وبالإحسان بالوالدين الروحانيين والبشريين، أي: والد الأرواح وهو الشيخ المربي ووالد الأشباح، ولا بد للمريد من طاعتهما، إلا أنه يقدم طاعة الشيخ، كما تقدم عن الجنيد في سورة النساء. ووصى بعدم قتل الأولاد، وهم المواهب والعلوم بإهمال القلب في الغفلة، وعدم قرب الفواحش: الظاهرة الحسية، والباطنية القلبية كالحسد، والكبر، وحب الجاه والدنيا، وسائر العيوب. وعدم قتل النفس بالانهماك في الهوى والغفلة حتى تموت بالجهل عن المعرفة. وعدم قرب مال اليتيم، وهو الذي ليس له شيخ، فإن الغالب عليه عدم المسامحة، وسيأتي عند قوله تعالى: قال رب أرني أنظر إليك [الأعراف:143]، إشارة لها أرق من هذه، وعلى التوفية في الأمور كلها لأن الصوفي من أهل الصفاء والوفاء، وعلى الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال. وعلى الوفاء بالعهد، وأعظمها عهد الشيوخ المربين، وعلى اتباع طريق السلوك الموصلة للحضرة وهي ما عينه الشيوخ للمريدين، فلا يتعدى نظرهم ولو لحظة. وبالله التوفيق. ولما ذكر ما وصى به هذه الأمة، ذكر ما وصى به بني إسرائيل، فقال: { ثم آتينا موسى الكتاب }.

الأنعام 6:154

قلت: { ثم }: هنا للترتيب الإخباري، وقال ابن جزي: هذه الوصية قديمة لكل أمة على لسان نبيها، فصح الترتيب. وقال البيضاوي: { أو } للتفاوت في الرتبة، كأنه قيل: ذلكم وصاكم به قديما وحديثا، ثم أعظم من ذلك: أنا آتينا موسى الكتاب... الخ. وهو عطف على { وصاكم } ، و { تماما وتفصيلا }: حالان، أو علتان، أو مصدران. يقول الحق جل جلاله: { ثم } نخبرك أنا { آتينا موسى الكتاب } التوراة، { تماما على الذي أحسن } القيام به من بني إسرائيل، ويدل عليه قراءة: { أحسنوا } ، أي: تماما للنعمة على العاملين به، أو تماما على موسى الذي أحسن القيام به، أي: آتيناه الكتاب تفضلا وإتماما للنعمة جزاء على ما أحسن من طاعة ربه وتبليغ رسالته، ففاعل أحسن: ضمير موسى. أو: { تماما } أي: إكمالا على ما أحسن الله به إلى عباده، فالفاعل على هذا: ضمير الله تعالى، { وتفصيلا } أي: تبيينا { لكل شيء } يحتاجون إليه في الدين. { وهدى } أي: هداية للظواهر، { ورحمة } للقلوب، { لعلهم } أي: بني إسرائيل، { بلقاء ربهم } للجزاء، { يؤمنون } إيمانا صحيحا، وهو اللقاء بالأجسام والأرواح، والنعيم أو العذاب للأشباح. الله تعالى أعلم. الإشارة: كل من أحسن عبادة ربه في الظاهر، وحقق عبوديته في الباطن، أتم الله عليه نعمته بشهود ذاته وأنوار صفاته، ووهب له علوما لدنية تفصل له ما أشكل، يكون له هداية لزيادة الترقي، ورحمة يتهيأ بها قلبه لوحي الإلهام والتلقي. وبالله التوفيق. ثم ذكر فضل كتابه العزيز، فقال: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك }.

الأنعام 6:155

قلت: { أن تقولوا }: مفعول له، أي: كراهة أن تقولوا. يقول الحق جل جلاله: { وهذا } القرآن { كتاب أنزلناه مبارك } كثير النفع { فاتبعوه } في الأصول والفروع، { واتقوا } الشرك والمعاصي، { لعلكم ترحمون } ببركة أتباعه فتحيا به قلوبكم، وتنتعش به أرواحكم، وإنما أنزلناه كراهة { أن تقولوا يوم القيامة } في الحجة: { إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } اليهود والنصارى، وإنما خصهما بالذكر لشهرتهما دون الكتب السماوية، { وإن كنا } وإنه، أي: الأمر والشأن، كنا { عن دراستهم } أي: قراءتهم { لغافلين } أي: كنا غافلين عن قراءة أهل الكتاب، لا ندري ما هي ولا نعرف مثلها، أو لم ندرس مثل دراستهم، ولم نعرف ما درسوا من الكتب، فلا حجة علينا، فقد قامت الحجة عليكم بنزول القرآن. { أو } كراهة أن { تقولوا } أيضا: { لو أنا أنزل علينا الكتاب } كما أنزل إليهم، { لكنا أهدى منهم } لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا، ولذلك تلقفنا فنونا من العلم، كالقصص والأشعار والخطب والأنساب، مع كوننا أميين، قال تعالى لهم: { فقد جاءكم بينة من ربكم } وهو القرآن حجة واضحة تعرفونها { وهدى ورحمة } لمن تدبره وعمل به، { فمن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن كذب بآيات الله } بعد أن عرف صحتها، { وصدف } أعرض { عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب } ألمه وقبحه، { بما كانوا يصدفون } أي: يعرضون ويصدون عنها. الإشارة: جعل الله رحمة القلوب وحياة الأرواح في شيئين: في التمسك بالقرآن العظيم وتدبر معانيه، واتباع أوامره واجتناب نواهيه، وفي التحصن بالتقوى جهد استطاعته، فبقدر ما يتحقق بهذين الأمرين تقوى حياة قلبه وروحه وسره، حتى يتصل بالحياة السرمدية، وبقدر ما يخل بهما يحصل له موت قلبه وروحه، والإنسان إنما فضل وشرف بحياة قلبه وروحه، لا بحياة جسمه، ولا حجة له أن يقول: كنت مريضا ولم أجد من يعالجني، ففي كل زمان رجال تقوم الحجة بهم على عباد الله، فيقال لهم: قد جاءكم بينة من ربكم، وهو الولي العارف، وهدى ورحمة لأهل عصره، لمن تمسك به وصحبه، وأما من أعرض عنه بعد معرفته فلا أحد أظلم منه، { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها... } الآية. ثم هدد أهل الإعراض، فقال: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة }.

الأنعام 6:156

قلت: { أن تقولوا }: مفعول له، أي: كراهة أن تقولوا. يقول الحق جل جلاله: { وهذا } القرآن { كتاب أنزلناه مبارك } كثير النفع { فاتبعوه } في الأصول والفروع، { واتقوا } الشرك والمعاصي، { لعلكم ترحمون } ببركة أتباعه فتحيا به قلوبكم، وتنتعش به أرواحكم، وإنما أنزلناه كراهة { أن تقولوا يوم القيامة } في الحجة: { إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } اليهود والنصارى، وإنما خصهما بالذكر لشهرتهما دون الكتب السماوية، { وإن كنا } وإنه، أي: الأمر والشأن، كنا { عن دراستهم } أي: قراءتهم { لغافلين } أي: كنا غافلين عن قراءة أهل الكتاب، لا ندري ما هي ولا نعرف مثلها، أو لم ندرس مثل دراستهم، ولم نعرف ما درسوا من الكتب، فلا حجة علينا، فقد قامت الحجة عليكم بنزول القرآن. { أو } كراهة أن { تقولوا } أيضا: { لو أنا أنزل علينا الكتاب } كما أنزل إليهم، { لكنا أهدى منهم } لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا، ولذلك تلقفنا فنونا من العلم، كالقصص والأشعار والخطب والأنساب، مع كوننا أميين، قال تعالى لهم: { فقد جاءكم بينة من ربكم } وهو القرآن حجة واضحة تعرفونها { وهدى ورحمة } لمن تدبره وعمل به، { فمن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن كذب بآيات الله } بعد أن عرف صحتها، { وصدف } أعرض { عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب } ألمه وقبحه، { بما كانوا يصدفون } أي: يعرضون ويصدون عنها. الإشارة: جعل الله رحمة القلوب وحياة الأرواح في شيئين: في التمسك بالقرآن العظيم وتدبر معانيه، واتباع أوامره واجتناب نواهيه، وفي التحصن بالتقوى جهد استطاعته، فبقدر ما يتحقق بهذين الأمرين تقوى حياة قلبه وروحه وسره، حتى يتصل بالحياة السرمدية، وبقدر ما يخل بهما يحصل له موت قلبه وروحه، والإنسان إنما فضل وشرف بحياة قلبه وروحه، لا بحياة جسمه، ولا حجة له أن يقول: كنت مريضا ولم أجد من يعالجني، ففي كل زمان رجال تقوم الحجة بهم على عباد الله، فيقال لهم: قد جاءكم بينة من ربكم، وهو الولي العارف، وهدى ورحمة لأهل عصره، لمن تمسك به وصحبه، وأما من أعرض عنه بعد معرفته فلا أحد أظلم منه، { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها... } الآية. ثم هدد أهل الإعراض، فقال: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة }.

الأنعام 6:157

قلت: { أن تقولوا }: مفعول له، أي: كراهة أن تقولوا. يقول الحق جل جلاله: { وهذا } القرآن { كتاب أنزلناه مبارك } كثير النفع { فاتبعوه } في الأصول والفروع، { واتقوا } الشرك والمعاصي، { لعلكم ترحمون } ببركة أتباعه فتحيا به قلوبكم، وتنتعش به أرواحكم، وإنما أنزلناه كراهة { أن تقولوا يوم القيامة } في الحجة: { إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } اليهود والنصارى، وإنما خصهما بالذكر لشهرتهما دون الكتب السماوية، { وإن كنا } وإنه، أي: الأمر والشأن، كنا { عن دراستهم } أي: قراءتهم { لغافلين } أي: كنا غافلين عن قراءة أهل الكتاب، لا ندري ما هي ولا نعرف مثلها، أو لم ندرس مثل دراستهم، ولم نعرف ما درسوا من الكتب، فلا حجة علينا، فقد قامت الحجة عليكم بنزول القرآن. { أو } كراهة أن { تقولوا } أيضا: { لو أنا أنزل علينا الكتاب } كما أنزل إليهم، { لكنا أهدى منهم } لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا، ولذلك تلقفنا فنونا من العلم، كالقصص والأشعار والخطب والأنساب، مع كوننا أميين، قال تعالى لهم: { فقد جاءكم بينة من ربكم } وهو القرآن حجة واضحة تعرفونها { وهدى ورحمة } لمن تدبره وعمل به، { فمن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن كذب بآيات الله } بعد أن عرف صحتها، { وصدف } أعرض { عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب } ألمه وقبحه، { بما كانوا يصدفون } أي: يعرضون ويصدون عنها. الإشارة: جعل الله رحمة القلوب وحياة الأرواح في شيئين: في التمسك بالقرآن العظيم وتدبر معانيه، واتباع أوامره واجتناب نواهيه، وفي التحصن بالتقوى جهد استطاعته، فبقدر ما يتحقق بهذين الأمرين تقوى حياة قلبه وروحه وسره، حتى يتصل بالحياة السرمدية، وبقدر ما يخل بهما يحصل له موت قلبه وروحه، والإنسان إنما فضل وشرف بحياة قلبه وروحه، لا بحياة جسمه، ولا حجة له أن يقول: كنت مريضا ولم أجد من يعالجني، ففي كل زمان رجال تقوم الحجة بهم على عباد الله، فيقال لهم: قد جاءكم بينة من ربكم، وهو الولي العارف، وهدى ورحمة لأهل عصره، لمن تمسك به وصحبه، وأما من أعرض عنه بعد معرفته فلا أحد أظلم منه، { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها... } الآية. ثم هدد أهل الإعراض، فقال: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة }.

الأنعام 6:158

يقول الحق جل جلاله: { هل ينظرون } أي: ما ينتظر أهل مكة { إلا أن تأتيهم الملائكة } لقبض أرواحهم، أو بالعذاب، لأجل كفرهم، وهم لم يكونوا ينتظرون ذلك، ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بالمنتظرين، { أو يأتي ربك } أي: أمره بالعذاب، { أو يأتي بعض آيات ربك } يعني: أشراط الساعة. وعن حذيفة والبراء بن عازب: كنا نتذاكر الساعة، إذ أشرق علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ما تداكرون " قلنا: نتذاكر الساعة، فقال: " إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدجال ودابة الأرض، وخسفا بالمشرق، وخسفا بالمغرب، وخسفا بجزيرة العرب، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونارا تخرج من عدن ". { يوم يأتي بعض آيات ربك } ، وهو طلوع الشمس من مغربها، كما في حديث الصحيحين، قال الأقليشي: وذلك أن الله تعالى، إذا أراد طلوعها من مغربها، حبسها ليلة تحت العرش، فكلما سجدت وأستأذنت لم يجر لها جواب، حتى يحبسها مقدار ثلاث ليال، فيأتيها جبريل عليه السلام فيقول: إن الرب تعالى يأمرك أن ترجعي إلى مغربك فتطلعي منه، وأنه لا ضوء لك عندنا ولا نور، فتبكي عن ذلك بكاء يسمعها أهل السبع سماوات، ومن دونها، وأهل سرادقات العرش وحملته من فوقها، فيبكون لبكائها مما يخالطهم من خوف الموت، وخوف يوم القيامة، قال: فيبيت الناس ينتظرون طلوعها من المشرق، فتطلع الشمس والقمر خلف أقفيتهم من الغرب، أسودين مكدرين، كالقارتين، ولا ضوء للشمس ولا نور للقمر، فيتصايح أهل الدنيا، وتذهل الأمهات عن أولادها، والأحبة عن ثمرة قلوبها، فتشتغل كل نفس بنفسها، ولا ينفع التوحيد حينئذ. ه. وهو معنى قوله تعالى: { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها } كالمحتضر إذا صار الأمر عيانا، وإنما ينفع الإيمان بالغيب، وقد فات يومئذ، فلا ينفع الإيمان نفسا { لم تكن آمنت من قبل } ولا تنفع التوبة من المعاصي وترك الواجبات حينئذ لقوله: { أو كسبت في إيمانها خيرا } أي: لا ينفع نفسا مؤمنة لم تكن كسبت خيرا قبل ذلك اليوم، حيث كانت فرطت فيه قبل: وينفع اكتسابه بعد. والحاصل: أن طلوع الشمس من مغربها يغلق بعده باب التوبة فلا يقبل الإيمان من كافر، ولا التوبة من عاص، وأما الإيمان المجرد عن العمل، إذا كان حاصلا قبل ذلك اليوم، فإنه ينفع على مذهب أهل السنة، وكذلك العاصي بالبعض ينفعه بعض الذي كان يعمله، كالزاني مثلا، إذا كان يصلي، فتنفعه صلاته ويعاقب على العصيان، وهكذا، والمنفي قبوله: إنما هو الخير المتروك قبل ذلك اليوم، فلا ينفع استدراكه بعد. ثم قال تعالى: { قل انتظروا } إتيان أحد الثلاثة الملائكة بعذابكم، أو أمر الله تعالى بإهلاككم، أو بعض آياته، { إنا منتظرون } ذلك، لنا الفوز وعليكم الويل. الإشارة: ما ينتظر الغافلون والمنهمكون في اللذات والشهوات والإعراض عن الله إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم فجأة، فيموتون على الغفلة، فتنزل بهم الحسرة والندم، وقد زلت القدم بهم، أو يأتي أمر الله بطردهم والطبع على قلوبهم، فلا ينفعهم وعظ ولا تذكير، أو يأتي بعض آيات ربك مصيبة أو داهية تثقل قلوبهم عن التوجه إلى الله، وجوارحهم عن طاعة الله. فالغافل والعاصي بين هذه الثلاثة، إن لم يقلع ويتب. والله تعالى أعلم. ثم أمرهم بالإعراض عن أهل الإعراض، فقال: { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا }.

الأنعام 6:159

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين فرقوا دينهم } فآمنوا بالبعض وكفروا بالبعض، وهم اليهود والنصارى، وقيل: أهل الأهواء والبدع، فيكون إخبارا بغيب، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة " قيل: يا رسول الله، وما تلك الواحدة؟ قال: " من كان على ما أنا عليه وأصحابي ". وقرىء: " فارقوا " أي: تركوا دينهم، { وكانوا شيعا } جمع شيعة، أي: فرقا متشيعة، كل فرقة تتشيع لمذهبها وتتشيع إمامها، أي: تنتسب إليه. { لست منهم في شيء } أي: أنت بريء منهم، فلست في شيء من السؤال عنهم وعن تصرفهم، أو عن عقابهم، وقيل: هو نهي عن التعرض لهم فيكون منسوخا بآية السيف، { إنما أمرهم إلى الله } يتولى جزاءهم، { ثم ينبئهم بما كانوا يعملون } من التفرق فيعاقبهم عليه. الإشارة: الافتراق المذموم، إنما هو في الأصول كالتوحيد وسائر العقائد، فقد افترقت المعتزلة وأهل السنة في مسائل منه، فخرج من المعتزلة اثنان وسبعون فرقة، وأهل السنة هي الفرقة الناجية، وأما الاختلاف في الفروع فلا بأس به، بل هو رحمة لقوله عليه الصلاة والسلام : " خلاف أمتي رحمة " ، كاختلاف القراء في الروايات، واختلاف الصوفية في كيفية التربية، فكل ذلك رحمة وتوسعه على الأمة المحمدية، إذ كل من أخذ بمذهب منها فهو سالم، ما لم يتبع الرخص. وقال بعضهم: ما دامت الصوفية بخير ما افترقوا، فإذا اصطلحوا فلا خير فيهم. ومعنى ذلك: إنما هو في التناصح والإرشاد والنهي بعضهم لبعض عما لا يليق في طريق السير، فإذا سكت بعضهم عن بعض مداهنة وحياء فلا خير فيهم، وأما قلوبهم فلا بد أن تكون متفقة متوددة، لا بغض فيها ولا تحاسد، وإلا لم يكونوا صوفية. والله تعالى أعلم. ثم رغب في الخير قبل فوات إبانه، فقال: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها }.

الأنعام 6:160

يقول الحق جل جلاله: { من جاء بالحسنة } قولية أو فعلية أو قلبية، { فله عشر أمثالها } من الحسنات، فضلا من الله، وهذا أقل ما وعد من الأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة، وبغير حساب، ولذلك قيل: المراد بالعشر: الكثرة دون العدد، { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } قضية للعدل، { وهم لا يظلمون } بنفس الثواب وزيادة العقاب. الإشارة: إنما تضاعف أعمال الجوارح وما كان من قبل النيات، وأما أعمال القلوب فأجرها بغير حساب، قال تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر:10]، وقال صلى الله عليه وسلم: " تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة " وقا الشاعر: كل وقت من حبيبي قدره كألف حجه وقد تقدم هذا في سورة البقرة. ثم إن تضعيف الحسنات إنما يكون لمن تمسك بالدين القيم، وهو الذي أشار إليه بقوله: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم }.

الأنعام 6:161

قلت: { دينا }: بدل من محل، " صراط " لأن الأصل: هداني صراطا مستقيما دينا قيما، و { قيما }: فيعل من القيام، فهو أبلغ من مستقيم، ومن قرأ بكسر القاف: فهو مصدر وصف به للمبالغة، و { ملة إبراهيم }: عطف بيان الدين، { وحنيفا }: حال من إبراهيم. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } بالوحي والإرشاد إلى ما نصب من الحجج والآيات، { دينا قيما } مستقيما يوصل من تمسك به إلى جوار الكريم، في حضرة النعيم، وهو { ملة إبراهيم } أي: دينه، حال كونه { حنيفا }: مائلا عما سوى الله، { وما كان من المشركين } ، وهو تعريض لقريش، الذين يزعمون أنهم على دينه، وقد أشركوا بالله عبادة الأوثان. الإشارة: قد أخذ الصوفية من هذا الدين القيم، الذي هدى الله إليه نبيه عليه الصلاة والسلام خلاصته ولبابه، فأخذوا من عقائد التوحيد: الشهود والعيان على طريق الذوق والوجدان ولم يقنعوا بالدليل والبرهان، وأخذوا من الصلاة: صلاة القلوب، فهم على صلاتهم دائمون مع صلاة الجوارح، على نعت قوله: الذين هم في صلاتهم خاشعون [المؤمنون:2]، وأخذوا من الزكاة: زكاة نفوسهم بالرياضة والتأديب وإضافة الكل إليه. العبد وما كسب لسيده، مع أداء الزكاة الشرعية لمن وجبت عليه. وكان الشيخ أبو العباس السبتي رضي الله عنه يعطي تسعة أعشار زرعه، ويمسك العشر لنفسه. وأخذوا من الصيام: صيام الجوارح كلها، مع صيام القلب عن شهود السوى. وأخذوا من الحج: حج القلوب إلى حضرة علام الغيوب، فالكعبة تشتاق إليهم وتطوف بهم، كما تقدم في آل عمران، ومن الجهاد: الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفوس، وهكذا مراسم الشريعة كلها عندهم صافية خالصة من الشوائب، بخلاف غيرهم، فلم يأخذ منها إلا قشرها الظاهر وعمل الأشباح، فهي صور قائمة لا روح فيها لعدم الإخلاص والحضور فيها. والله تعالى أعلم. ثم بين مقام الإخلاص، فقال: { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي }.

الأنعام 6:162

قلت: ربا: حال من غير. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { إن صلاتي ونسكي } أي: عبادتي كلها، وقرباتي أو حجي، { ومحياي ومماتي } أي: وعملي في حياتي، وعند موتي من الإيمان والطاعة، أو الحياة والممات أنفسهما، { لله رب العالمين لا شريك له } أي: هي خالصة لله لا أشرك فيها غيره، { وبذلك } أي: بذلك القول والإخلاص، أمرني ربي، { وأنا أول المسلمين } لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته. { قل } لهم: { أغير الله أبغي ربا } فأشرك مع الله، { وهو رب كل شيء } لأن كل شيء مربوب لا يصلح للربوبية. وهو جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم. { ولا تكسب كل نفس } من شرك أو غيره { إلا عليها } وزره، فلا ينفعني ضمانكم وكفالتكم من عقاب ربي، وهو رد على الكفار حيث قالوا له: اعبد آلهتنا ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وأخراك، ثم أوضح ذلك بقوله: { ولا تزر } أي: تحمل نفس { وازرة } أي: آثمة { وزر } نفس { أخرى } أي: لا يحمل أحد ذنوب أحد، { ثم إلى ربكم مرجعكم } بالبعث والحساب، { فينبئكم } ، أي: يخبركم { بما كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين فيبين الرشد من الغي، والمحق من المبطل. الإشارة: الإخلاص سر من أسرار الله، يودعه القلب من أحب من عباده، وهو أخلاص العبودية لله وحده، ولا يتحقق ذلك للعبد إلا بعد تحرره من رق الهوى وخروجه من سجن وجود نفسه، وهذا شيء عزيز. ولذلك قيل: وقال الشيخ أبو طالب المكي رضي الله عنه: الإخلاص عند المخلصين: إخراج الخلق من معاملة الخالق، وأول الخلق: النفس، والإخلاص عند المحبين: ألا يعمل عملا لأجل النفس، وألا يدخل عليه مطالعة العوض، أو تشوف إلى حظ طبع، والإخلاص عند الموحدين: خروج الخلق من النظر إليهم، أي: لا يرون مع الله غيره في الأفعال، وترك السكون إليهم، والاستراحة إليهم في الأحوال. ه. وبالإخلاص تتفاوت الدرجات كما أبان ذلك بقوله: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض }.

الأنعام 6:163

قلت: ربا: حال من غير. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { إن صلاتي ونسكي } أي: عبادتي كلها، وقرباتي أو حجي، { ومحياي ومماتي } أي: وعملي في حياتي، وعند موتي من الإيمان والطاعة، أو الحياة والممات أنفسهما، { لله رب العالمين لا شريك له } أي: هي خالصة لله لا أشرك فيها غيره، { وبذلك } أي: بذلك القول والإخلاص، أمرني ربي، { وأنا أول المسلمين } لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته. { قل } لهم: { أغير الله أبغي ربا } فأشرك مع الله، { وهو رب كل شيء } لأن كل شيء مربوب لا يصلح للربوبية. وهو جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم. { ولا تكسب كل نفس } من شرك أو غيره { إلا عليها } وزره، فلا ينفعني ضمانكم وكفالتكم من عقاب ربي، وهو رد على الكفار حيث قالوا له: اعبد آلهتنا ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وأخراك، ثم أوضح ذلك بقوله: { ولا تزر } أي: تحمل نفس { وازرة } أي: آثمة { وزر } نفس { أخرى } أي: لا يحمل أحد ذنوب أحد، { ثم إلى ربكم مرجعكم } بالبعث والحساب، { فينبئكم } ، أي: يخبركم { بما كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين فيبين الرشد من الغي، والمحق من المبطل. الإشارة: الإخلاص سر من أسرار الله، يودعه القلب من أحب من عباده، وهو أخلاص العبودية لله وحده، ولا يتحقق ذلك للعبد إلا بعد تحرره من رق الهوى وخروجه من سجن وجود نفسه، وهذا شيء عزيز. ولذلك قيل: وقال الشيخ أبو طالب المكي رضي الله عنه: الإخلاص عند المخلصين: إخراج الخلق من معاملة الخالق، وأول الخلق: النفس، والإخلاص عند المحبين: ألا يعمل عملا لأجل النفس، وألا يدخل عليه مطالعة العوض، أو تشوف إلى حظ طبع، والإخلاص عند الموحدين: خروج الخلق من النظر إليهم، أي: لا يرون مع الله غيره في الأفعال، وترك السكون إليهم، والاستراحة إليهم في الأحوال. ه. وبالإخلاص تتفاوت الدرجات كما أبان ذلك بقوله: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض }.

الأنعام 6:164

قلت: ربا: حال من غير. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { إن صلاتي ونسكي } أي: عبادتي كلها، وقرباتي أو حجي، { ومحياي ومماتي } أي: وعملي في حياتي، وعند موتي من الإيمان والطاعة، أو الحياة والممات أنفسهما، { لله رب العالمين لا شريك له } أي: هي خالصة لله لا أشرك فيها غيره، { وبذلك } أي: بذلك القول والإخلاص، أمرني ربي، { وأنا أول المسلمين } لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته. { قل } لهم: { أغير الله أبغي ربا } فأشرك مع الله، { وهو رب كل شيء } لأن كل شيء مربوب لا يصلح للربوبية. وهو جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم. { ولا تكسب كل نفس } من شرك أو غيره { إلا عليها } وزره، فلا ينفعني ضمانكم وكفالتكم من عقاب ربي، وهو رد على الكفار حيث قالوا له: اعبد آلهتنا ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وأخراك، ثم أوضح ذلك بقوله: { ولا تزر } أي: تحمل نفس { وازرة } أي: آثمة { وزر } نفس { أخرى } أي: لا يحمل أحد ذنوب أحد، { ثم إلى ربكم مرجعكم } بالبعث والحساب، { فينبئكم } ، أي: يخبركم { بما كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين فيبين الرشد من الغي، والمحق من المبطل. الإشارة: الإخلاص سر من أسرار الله، يودعه القلب من أحب من عباده، وهو أخلاص العبودية لله وحده، ولا يتحقق ذلك للعبد إلا بعد تحرره من رق الهوى وخروجه من سجن وجود نفسه، وهذا شيء عزيز. ولذلك قيل: وقال الشيخ أبو طالب المكي رضي الله عنه: الإخلاص عند المخلصين: إخراج الخلق من معاملة الخالق، وأول الخلق: النفس، والإخلاص عند المحبين: ألا يعمل عملا لأجل النفس، وألا يدخل عليه مطالعة العوض، أو تشوف إلى حظ طبع، والإخلاص عند الموحدين: خروج الخلق من النظر إليهم، أي: لا يرون مع الله غيره في الأفعال، وترك السكون إليهم، والاستراحة إليهم في الأحوال. ه. وبالإخلاص تتفاوت الدرجات كما أبان ذلك بقوله: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض }.

الأنعام 6:165

يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } أي: يخلف بعضكم بعضا، أو خلفاء الله في أرضه تتصرفون فيها بإذنه، على أن الخطاب عام، أو خلفاء الأمم السابقة، على أن الخطاب للمسلمين، { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } في الشرف والغناء والقوة والجاه، وفي العلوم والأعمال والأحوال والإخلاص والمعارف، وغير ذلك مما يقع به التفاضل بين العباد، { ليبلوكم فيما آتاكم } أي: ليختبر شكركم على ما أعطاكم، وأعمالكم فيما مكنكم فيه من الخلافة. { إن ربك سريع العقاب } لمن كفر نعمه، إما في الدنيا لمن عجل أخذه لأن كل آت قريب، { وإنه لغفور رحيم } لمن شكر نعمه وآمن وعمل بطاعته، جمع بين التخويف والترجيه ليكون العبد بينهما. وبالله التوفيق. الإشارة: من شرف هذا الآدمي أن جعله خليفة عنه، في ملكه، يتصرف فيه بنيابته عنه، ثم إن هذا التصرف يتفاوت على قدر الهمم، فبقدر ما ترتفع الهمة عن هذا العالم يقع للروح التصرف في هذا الوجود، فالعوام إنما يتصرفون فيما ملكهم الله من الأملاك الحسية. والخواص يتصرفون بالهمة في الوجود بأسره، وخواص الخواص يتصرفون بالله، أمرهم بأمر الله، إن قالوا لشيء: كن يكون بإذن الله، مع إرادة الله وسابق علمه وقدره، وإلا فالهمم لا تخرق أسوار الأقدار، والحاصل: أن من بقي مع الأكوان شهودا وافتقارا، كان محبوسا معها، ومن كان مع المكون كانت الأكوان معه، يتصرف فيها بإذن الله، خليفة عنه فيها، وهم متفاوتون في ذلك كما تقدم. وقال تعالى: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } أي: خلفاء عنه تتصرفون في الوجود بأسره بأرواحكم، وأنتم في الأرض بأشباحكم، { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } من أقطاب وأوتاد ونجباء ونقباء وغير ذلك، مما هو مذكور في محله. خرطنا الله في سلكهم ومنحنا ما منحهم، بمنه وكرمه، وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حبيبه ونبيه. آمين والحمد لله رب العالمين.