Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الأعراف 7:1 – الأعراف 7:135

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. الأعراف 7:1
  2. الأعراف 7:2
  3. الأعراف 7:3
  4. الأعراف 7:4
  5. الأعراف 7:5
  6. الأعراف 7:6
  7. الأعراف 7:7
  8. الأعراف 7:8
  9. الأعراف 7:9
  10. الأعراف 7:10
  11. الأعراف 7:11
  12. الأعراف 7:12
  13. الأعراف 7:13
  14. الأعراف 7:14
  15. الأعراف 7:15
  16. الأعراف 7:16
  17. الأعراف 7:17
  18. الأعراف 7:18
  19. الأعراف 7:19
  20. الأعراف 7:20
  21. الأعراف 7:21
  22. الأعراف 7:22
  23. الأعراف 7:23
  24. الأعراف 7:24
  25. الأعراف 7:25
  26. الأعراف 7:26
  27. الأعراف 7:27
  28. الأعراف 7:28
  29. الأعراف 7:29
  30. الأعراف 7:30
  31. الأعراف 7:31
  32. الأعراف 7:32
  33. الأعراف 7:33
  34. الأعراف 7:34
  35. الأعراف 7:35
  36. الأعراف 7:36
  37. الأعراف 7:37
  38. الأعراف 7:38
  39. الأعراف 7:39
  40. الأعراف 7:40
  41. الأعراف 7:41
  42. الأعراف 7:42
  43. الأعراف 7:43
  44. الأعراف 7:44
  45. الأعراف 7:45
  46. الأعراف 7:46
  47. الأعراف 7:47
  48. الأعراف 7:48
  49. الأعراف 7:49
  50. الأعراف 7:50
  51. الأعراف 7:51
  52. الأعراف 7:52
  53. الأعراف 7:53
  54. الأعراف 7:54
  55. الأعراف 7:55
  56. الأعراف 7:56
  57. الأعراف 7:57
  58. الأعراف 7:58
  59. الأعراف 7:59
  60. الأعراف 7:60
  61. الأعراف 7:61
  62. الأعراف 7:62
  63. الأعراف 7:63
  64. الأعراف 7:64
  65. الأعراف 7:65
  66. الأعراف 7:66
  67. الأعراف 7:67
  68. الأعراف 7:68
  69. الأعراف 7:69
  70. الأعراف 7:70
  71. الأعراف 7:71
  72. الأعراف 7:72
  73. الأعراف 7:73
  74. الأعراف 7:74
  75. الأعراف 7:75
  76. الأعراف 7:76
  77. الأعراف 7:77
  78. الأعراف 7:78
  79. الأعراف 7:79
  80. الأعراف 7:80
  81. الأعراف 7:81
  82. الأعراف 7:82
  83. الأعراف 7:83
  84. الأعراف 7:84
  85. الأعراف 7:85
  86. الأعراف 7:86
  87. الأعراف 7:87
  88. الأعراف 7:88
  89. الأعراف 7:89
  90. الأعراف 7:90
  91. الأعراف 7:91
  92. الأعراف 7:92
  93. الأعراف 7:93
  94. الأعراف 7:94
  95. الأعراف 7:95
  96. الأعراف 7:96
  97. الأعراف 7:97
  98. الأعراف 7:98
  99. الأعراف 7:99
  100. الأعراف 7:100
  101. الأعراف 7:101
  102. الأعراف 7:102
  103. الأعراف 7:103
  104. الأعراف 7:104
  105. الأعراف 7:105
  106. الأعراف 7:106
  107. الأعراف 7:107
  108. الأعراف 7:108
  109. الأعراف 7:109
  110. الأعراف 7:110
  111. الأعراف 7:111
  112. الأعراف 7:112
  113. الأعراف 7:113
  114. الأعراف 7:114
  115. الأعراف 7:115
  116. الأعراف 7:116
  117. الأعراف 7:117
  118. الأعراف 7:118
  119. الأعراف 7:119
  120. الأعراف 7:120
  121. الأعراف 7:121
  122. الأعراف 7:122
  123. الأعراف 7:123
  124. الأعراف 7:124
  125. الأعراف 7:125
  126. الأعراف 7:126
  127. الأعراف 7:127
  128. الأعراف 7:128
  129. الأعراف 7:129
  130. الأعراف 7:130
  131. الأعراف 7:131
  132. الأعراف 7:132
  133. الأعراف 7:133
  134. الأعراف 7:134
  135. الأعراف 7:135

الأعراف 7:1

إما أن تكون مختصرة من المصطفى، على عادة العشاق يرمزون إلى ذكر بعض حروف المحبوب، اتقاء الرقباء، أي: يا أيها المصطفى المختار لرسالتنا هذا كتاب أنزل إليك، وإما أن تشير إلى العوالم الثلاثة: الجبروت والملكوت والملك. وزاد هنا الصاد، إشارة إلى صدقه فيما يخبر به من علم الغيوب، ولذلك ذكر هنا جملة من القصص والأخبار. وقال الورتجبي: كان الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يتكلم مع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بقصص الأنبياء، وما جرى عليهم في الدهور والأعصار، وشأنه معهم في الأسرار والحقائق والشرائع، وأراد أن يخصه صلى الله عليه وسلم بشريعته، وما يكون من طريقته الخاصة إلى حضرته، ويخبره بما كان وما يكون، أشار إلى هذه الأشياء بحروف التهجي، واعلمه سر ذلك بخفي الإشارة ولطيف الخطاب، وعلم تعالى أنه عليه الصلاة والسلام يعرف بتلك الإشارة مراده من علم سابق، ونبأ صادق، وعلم تعالى أن عموم أمته لا تعرف تلك الإشارة، فعبر عنها بسورة طويلة من القرآن ليعرفوا مراده سبحانه من خطابه، وخواص أمته ربما تطلع على سر بعضها، كالصحابة والتابعين والمتقدمين من العلماء والأولياء، كأن حروف المقطعات رموز ومعاني سور القرآن، لا يعرف تلك الرموز إلا الربانيون والأحبار من الصديقين. ه. ثم ذكر حكمة إنزال الكتاب، فقال: { كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج }.

الأعراف 7:2

قلت: { كتاب }: خبر، أي: هذا كتاب، و { أنزل }: صفته، والحرج: الضيق، و { لتنذر }: متعلق بأنزل، أو بلا يكن، لأنه إذا أيقن أنه من عند الله جسر على الإنذار، وكذا إذا لم يخفهم، و { ذكرى }: يحتمل النصب بإضمار فعل، أي: لتنذر ولتذكر ذكرى، والجر عطف على { لتنذر } ، أي: للإنذار والتذكير، والرفع عطف على { كتاب }. يقول الحق جل جلاله: هذا { كتاب أنزل إليك } من ربك، { فلا يكن في صدرك حرج منه } أي: ضيق وثقل من أجل تبليغه لمن يكذب به، مخافة أن تكذب فيه، أو مخافة أن تقصر على القيام بتبليغه، أو بحقوقه، وتوجيه النهي إلى الحرج للمبالغة، كقولك: لا أرينك ها هنا، كأنه قال: فلا يحرج صدرك منه، وإنما أنزلناه إليك لتنذر به من بلغه، { وذكرى للمؤمنين } أي: وتذكيرا وموعظة للمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بمواعظة. الإشارة: تذكير أهل الإنكار ووعظهم يحتاج إلى سياسة كبيرة وحلم كبير وصبر عظيم، لا يطيقه إلا الأكابر من أهل العلم بالله كالأنبياء والصديقين، لسعة معرفتهم، واتساع صدورهم لحمل الجفاء وتحمل الأذى، ونهيه تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام عن ضيق صدره: تشريع لورثته من بعده الداعون إلى الله عز وجل وإلا فهو صلى الله عليه وسلم بحر واسع، لا تكدره الدلاء، كما قال البوصيري. فهو البحر والأنام إضاء والله تعالى أعلم. ثم حض على الإتباع، فقال: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم }.

الأعراف 7:3

قلت: { قليلا }: صفة لمصدر، أو زمان محذوف، أي: تتذكرون تذكرا قليلا، أو زمانا قليلا، والعامل فيه: تذكرون، و { ما }: زائدة لتأكيد القلة. يقول الحق جل جلاله: { اتبعوا } أيها الناس { ما أنزل إليكم من ربكم } من أحكام القرآن والسنة إذ كله وحي يوحى، وما ينطق عن الهوى [النجم:3]، { ولا تتبعوا من دونه } أي: الله، { أولياء } من الجن والإنس يضلونكم عن دينه، أو: ولا تتبعوا من دون ما أنزل إليكم أولياء، تتبعونهم فيما يأمرونكم به وينهونكم، وتتركون ما أنزل إليكم من ربكم، { قليلا ما تذكرون }: تتعظون حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره، بعد كمال إنذاره ووضوح تذكاره، وذلك لانطماس البصيرة وعمي القلوب، والعياذ بالله. الإشارة: اتباع الحبيب في أمره ونهيه يدل على صحة دعوى المحبة، ومخالفته يدل على بطلانها. تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع وجمع المحبة في محبوب واحد يدل على كمالها، وتفرق المحبة يدل على ضعفها، ولذلك قال الشاعر: كانت لقلبي أهواء مفرقة فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي فلا تجتمع المحبة في محبوب واحد إلا بعد كمال معرفة المحبوب، وشهود أنوار جماله وكمال أسراره. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وبال من لم يتبع، فقال: { وكم من قرية أهلكناه }.

الأعراف 7:4

قلت: { كم }: خبرية، مفعول { أهلكنا } ، وهو على حذف الإرادة، أي: في الحال أردنا إهلاكها، و { بياتا أو هم قائلون }: حالان، أي: بائتين أو قائلين، وأغنى الضمير في { هم } عن واو الحال. يقول الحق جل جلاله: كثيرا من القرى { أهلكناها } لما عصت أمرنا، وخالفت ما جاءت به رسلنا، { فجاءها بأسنا } أي: عذابنا { بياتا } أي: ليلا، كقوم لوط قلبت مدينتهم، عاليها سافلها، وأرسلت عليهم الحجارة بالسحر، { أو هم قائلون } نصف النهار، كقوم شعيب، نزلت عليهم نار فأحرقتهم، وهو عذاب يوم الظلمة، وإنما خص الوقتين لأنهما وقت دعة واستراحة، فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع. { فما كان دعواهم } أي: دعاؤهم واستغاثتهم حين جاءهم بأسنا، { إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } أي: إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه، تحسرا، أو: ما كان دعاؤهم إلا قولهم: يا ويلنآ إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين [الأنبياء: 1415]: ميتين، فإذا أحييناهم وبعثناهم من قبورهم، فوالله { لنسألن الذين أرسل إليهم } عن قبول الرسالة وإجابة الرسل، { ولنسألن المرسلين } عما أجيبوا به، والمراد بهذا السؤال: توبيخ الكفرة وتقريعهم، وأما قوله تعالى: ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون [القصص:78]، فالمنفي: سؤال استعلام لأن الله أحاط بهم علما، أو الأول في موقف الحساب، وهذا عند حصول العقاب. { فلنقصن عليهم } أي: على الرسل والأمم، فنقص على الرسل ما قوبلوا به من تصديق أو تكذيب، وعلى الأمم ما قابلوا به الرسل من تعظيم أو إنكار، أو فلنقص على الرسل ما علمنا من قومهم حين يقولون: لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب [المائدة:109]. نقص ذلك عليهم { بعلم } وتحقيق لاطلاعنا على أحوالهم، وإحاطة علمنا بسرهم وعلانيتهم. { وما كنا غائبين } عنهم، فيخفى علينا شيء من أحوالهم، بل كنا حاضرين لديهم، محيطين بسرهم وعلانيتهم. الإشارة: ما أهلك الله قوما وعذبهم إلا بتضييع الشرائع أو إنكار الحقائق، فمن قام بهما معا كان مصحوبا بالسلامة، موصوفا بالكرامة في الدارين، ومن ضيعهما أو أحدهما لحقه الوبال في الدارين، فإذا لحقه إهلاك لم يسعه إلا الإقرار بالظلم والتقصير، حيث فاته الحزم والتشمير، فإذا ندم لم ينفعه الندم، حيث زلت به القدم، فالبدار البدار إلى التوبة والانكسار، والتمسك بشريعة النبي المختار، والتحقق بمعرفة الواحد القهار، وصحبة الصالحين الإبرار، والعارفين الكبار، قبل أن تصير إلى قبرك فتجده إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. وكما أن الحق تعالى يسأل الرسل عما أجيبوا به، يسأل خلفاءهم وهم الأولياء والعارفون عما إذا قوبلوا من تعظيم أو إنكار، فيرفع من عظمهم في أعلى عليين، ويحط من أنكرهم في محل أهل اليمين. وبالله التوفيق. ثم ذكر مقادير الأعمال ووزنها، فقال: { والوزن يومئذ الحق }.

الأعراف 7:5

قلت: { كم }: خبرية، مفعول { أهلكنا } ، وهو على حذف الإرادة، أي: في الحال أردنا إهلاكها، و { بياتا أو هم قائلون }: حالان، أي: بائتين أو قائلين، وأغنى الضمير في { هم } عن واو الحال. يقول الحق جل جلاله: كثيرا من القرى { أهلكناها } لما عصت أمرنا، وخالفت ما جاءت به رسلنا، { فجاءها بأسنا } أي: عذابنا { بياتا } أي: ليلا، كقوم لوط قلبت مدينتهم، عاليها سافلها، وأرسلت عليهم الحجارة بالسحر، { أو هم قائلون } نصف النهار، كقوم شعيب، نزلت عليهم نار فأحرقتهم، وهو عذاب يوم الظلمة، وإنما خص الوقتين لأنهما وقت دعة واستراحة، فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع. { فما كان دعواهم } أي: دعاؤهم واستغاثتهم حين جاءهم بأسنا، { إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } أي: إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه، تحسرا، أو: ما كان دعاؤهم إلا قولهم: يا ويلنآ إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين [الأنبياء: 1415]: ميتين، فإذا أحييناهم وبعثناهم من قبورهم، فوالله { لنسألن الذين أرسل إليهم } عن قبول الرسالة وإجابة الرسل، { ولنسألن المرسلين } عما أجيبوا به، والمراد بهذا السؤال: توبيخ الكفرة وتقريعهم، وأما قوله تعالى: ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون [القصص:78]، فالمنفي: سؤال استعلام لأن الله أحاط بهم علما، أو الأول في موقف الحساب، وهذا عند حصول العقاب. { فلنقصن عليهم } أي: على الرسل والأمم، فنقص على الرسل ما قوبلوا به من تصديق أو تكذيب، وعلى الأمم ما قابلوا به الرسل من تعظيم أو إنكار، أو فلنقص على الرسل ما علمنا من قومهم حين يقولون: لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب [المائدة:109]. نقص ذلك عليهم { بعلم } وتحقيق لاطلاعنا على أحوالهم، وإحاطة علمنا بسرهم وعلانيتهم. { وما كنا غائبين } عنهم، فيخفى علينا شيء من أحوالهم، بل كنا حاضرين لديهم، محيطين بسرهم وعلانيتهم. الإشارة: ما أهلك الله قوما وعذبهم إلا بتضييع الشرائع أو إنكار الحقائق، فمن قام بهما معا كان مصحوبا بالسلامة، موصوفا بالكرامة في الدارين، ومن ضيعهما أو أحدهما لحقه الوبال في الدارين، فإذا لحقه إهلاك لم يسعه إلا الإقرار بالظلم والتقصير، حيث فاته الحزم والتشمير، فإذا ندم لم ينفعه الندم، حيث زلت به القدم، فالبدار البدار إلى التوبة والانكسار، والتمسك بشريعة النبي المختار، والتحقق بمعرفة الواحد القهار، وصحبة الصالحين الإبرار، والعارفين الكبار، قبل أن تصير إلى قبرك فتجده إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. وكما أن الحق تعالى يسأل الرسل عما أجيبوا به، يسأل خلفاءهم وهم الأولياء والعارفون عما إذا قوبلوا من تعظيم أو إنكار، فيرفع من عظمهم في أعلى عليين، ويحط من أنكرهم في محل أهل اليمين. وبالله التوفيق. ثم ذكر مقادير الأعمال ووزنها، فقال: { والوزن يومئذ الحق }.

الأعراف 7:6

قلت: { كم }: خبرية، مفعول { أهلكنا } ، وهو على حذف الإرادة، أي: في الحال أردنا إهلاكها، و { بياتا أو هم قائلون }: حالان، أي: بائتين أو قائلين، وأغنى الضمير في { هم } عن واو الحال. يقول الحق جل جلاله: كثيرا من القرى { أهلكناها } لما عصت أمرنا، وخالفت ما جاءت به رسلنا، { فجاءها بأسنا } أي: عذابنا { بياتا } أي: ليلا، كقوم لوط قلبت مدينتهم، عاليها سافلها، وأرسلت عليهم الحجارة بالسحر، { أو هم قائلون } نصف النهار، كقوم شعيب، نزلت عليهم نار فأحرقتهم، وهو عذاب يوم الظلمة، وإنما خص الوقتين لأنهما وقت دعة واستراحة، فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع. { فما كان دعواهم } أي: دعاؤهم واستغاثتهم حين جاءهم بأسنا، { إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } أي: إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه، تحسرا، أو: ما كان دعاؤهم إلا قولهم: يا ويلنآ إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين [الأنبياء: 1415]: ميتين، فإذا أحييناهم وبعثناهم من قبورهم، فوالله { لنسألن الذين أرسل إليهم } عن قبول الرسالة وإجابة الرسل، { ولنسألن المرسلين } عما أجيبوا به، والمراد بهذا السؤال: توبيخ الكفرة وتقريعهم، وأما قوله تعالى: ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون [القصص:78]، فالمنفي: سؤال استعلام لأن الله أحاط بهم علما، أو الأول في موقف الحساب، وهذا عند حصول العقاب. { فلنقصن عليهم } أي: على الرسل والأمم، فنقص على الرسل ما قوبلوا به من تصديق أو تكذيب، وعلى الأمم ما قابلوا به الرسل من تعظيم أو إنكار، أو فلنقص على الرسل ما علمنا من قومهم حين يقولون: لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب [المائدة:109]. نقص ذلك عليهم { بعلم } وتحقيق لاطلاعنا على أحوالهم، وإحاطة علمنا بسرهم وعلانيتهم. { وما كنا غائبين } عنهم، فيخفى علينا شيء من أحوالهم، بل كنا حاضرين لديهم، محيطين بسرهم وعلانيتهم. الإشارة: ما أهلك الله قوما وعذبهم إلا بتضييع الشرائع أو إنكار الحقائق، فمن قام بهما معا كان مصحوبا بالسلامة، موصوفا بالكرامة في الدارين، ومن ضيعهما أو أحدهما لحقه الوبال في الدارين، فإذا لحقه إهلاك لم يسعه إلا الإقرار بالظلم والتقصير، حيث فاته الحزم والتشمير، فإذا ندم لم ينفعه الندم، حيث زلت به القدم، فالبدار البدار إلى التوبة والانكسار، والتمسك بشريعة النبي المختار، والتحقق بمعرفة الواحد القهار، وصحبة الصالحين الإبرار، والعارفين الكبار، قبل أن تصير إلى قبرك فتجده إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. وكما أن الحق تعالى يسأل الرسل عما أجيبوا به، يسأل خلفاءهم وهم الأولياء والعارفون عما إذا قوبلوا من تعظيم أو إنكار، فيرفع من عظمهم في أعلى عليين، ويحط من أنكرهم في محل أهل اليمين. وبالله التوفيق. ثم ذكر مقادير الأعمال ووزنها، فقال: { والوزن يومئذ الحق }.

الأعراف 7:7

قلت: { كم }: خبرية، مفعول { أهلكنا } ، وهو على حذف الإرادة، أي: في الحال أردنا إهلاكها، و { بياتا أو هم قائلون }: حالان، أي: بائتين أو قائلين، وأغنى الضمير في { هم } عن واو الحال. يقول الحق جل جلاله: كثيرا من القرى { أهلكناها } لما عصت أمرنا، وخالفت ما جاءت به رسلنا، { فجاءها بأسنا } أي: عذابنا { بياتا } أي: ليلا، كقوم لوط قلبت مدينتهم، عاليها سافلها، وأرسلت عليهم الحجارة بالسحر، { أو هم قائلون } نصف النهار، كقوم شعيب، نزلت عليهم نار فأحرقتهم، وهو عذاب يوم الظلمة، وإنما خص الوقتين لأنهما وقت دعة واستراحة، فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع. { فما كان دعواهم } أي: دعاؤهم واستغاثتهم حين جاءهم بأسنا، { إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } أي: إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه، تحسرا، أو: ما كان دعاؤهم إلا قولهم: يا ويلنآ إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين [الأنبياء: 1415]: ميتين، فإذا أحييناهم وبعثناهم من قبورهم، فوالله { لنسألن الذين أرسل إليهم } عن قبول الرسالة وإجابة الرسل، { ولنسألن المرسلين } عما أجيبوا به، والمراد بهذا السؤال: توبيخ الكفرة وتقريعهم، وأما قوله تعالى: ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون [القصص:78]، فالمنفي: سؤال استعلام لأن الله أحاط بهم علما، أو الأول في موقف الحساب، وهذا عند حصول العقاب. { فلنقصن عليهم } أي: على الرسل والأمم، فنقص على الرسل ما قوبلوا به من تصديق أو تكذيب، وعلى الأمم ما قابلوا به الرسل من تعظيم أو إنكار، أو فلنقص على الرسل ما علمنا من قومهم حين يقولون: لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب [المائدة:109]. نقص ذلك عليهم { بعلم } وتحقيق لاطلاعنا على أحوالهم، وإحاطة علمنا بسرهم وعلانيتهم. { وما كنا غائبين } عنهم، فيخفى علينا شيء من أحوالهم، بل كنا حاضرين لديهم، محيطين بسرهم وعلانيتهم. الإشارة: ما أهلك الله قوما وعذبهم إلا بتضييع الشرائع أو إنكار الحقائق، فمن قام بهما معا كان مصحوبا بالسلامة، موصوفا بالكرامة في الدارين، ومن ضيعهما أو أحدهما لحقه الوبال في الدارين، فإذا لحقه إهلاك لم يسعه إلا الإقرار بالظلم والتقصير، حيث فاته الحزم والتشمير، فإذا ندم لم ينفعه الندم، حيث زلت به القدم، فالبدار البدار إلى التوبة والانكسار، والتمسك بشريعة النبي المختار، والتحقق بمعرفة الواحد القهار، وصحبة الصالحين الإبرار، والعارفين الكبار، قبل أن تصير إلى قبرك فتجده إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. وكما أن الحق تعالى يسأل الرسل عما أجيبوا به، يسأل خلفاءهم وهم الأولياء والعارفون عما إذا قوبلوا من تعظيم أو إنكار، فيرفع من عظمهم في أعلى عليين، ويحط من أنكرهم في محل أهل اليمين. وبالله التوفيق. ثم ذكر مقادير الأعمال ووزنها، فقال: { والوزن يومئذ الحق }.

الأعراف 7:8

قلت: { الوزن }: مبتدأ، و { يومئذ }: خبره، و { الحق }: صفته، أي: الوزن العدل حاصل يومئذ. يقول الحق جل جلاله: { والوزن } أي: وزن الأعمال، على نعت الحق والعدل، حاصل يوم القيامة، حين يسأل الرسل والمرسل إليهم. والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان وكفتان، ينظر إليه الخلائق إظهارا للمعدلة وقطعا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم، ويؤيده ما روي: " أن الرجل يؤتى به إلى الميزان، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر، فتخرح له بطاقة فيها كلمة الشهادة، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلات ". وقيل: توزن الأشخاص لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة " والتحقيق: أن المراد به الإهانة والتصغير، وأنه لا يساوي عند الله شيئا لاتباعه الهوى. ثم فصل في الأعمال فقال: { فمن ثقلت موازينه } أي: حسناته، أو الميزان الذي يوزن به حسناته، وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن، فعلى الأول هو جمع موزون، وعلى الثاني جمع ميزان، فمن رجحت حسناته { فأولئك هم المفلحون } الفائزون بالنجاة والثواب الدائم، { ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم } بتضييع الفطرة السليمة التي فطروا عليها، واقتراف ما عرضها للهلاك، { بما كانوا بآياتنا يظلمون } حيث بدلوا التصديق بها بالتكذيب، والعمل فيها بالتفريط. نسأل الله تعالى الحفظ. الإشارة: العمل الذي يثقل على النفس كله ثقيل في الميزان لأنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا، والعمل الذي يخف على النفس كله خفيف لأنه فيه نوع من الهوى إذ لا يخف عليها إلا ما لها فيه حظ وهوى، وفي الحكم: " إذا التبس عليك أمران، فانظر أثقلها على النفس فاتبعه فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا ". وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله ما ثقل ميزان عبد إلا باتباعه الحق، وما خف إلا باتباعه الهوى. قال تعالى: { والوزن يومئذ الحق }. ه. بمعناه ذكره في القوت. وهذا في غير النفس المطمئنة، وأما هي فلا يثقل عليها شيء، وقد يثقل عليها الباطل، ويخف عليها الحق، لكمال رياضتها. والله تبارك وتعالى أعلم. ثم ذكرهم بالنعم، فقال: { ولقد مكناكم في الأرض }.

الأعراف 7:9

قلت: { الوزن }: مبتدأ، و { يومئذ }: خبره، و { الحق }: صفته، أي: الوزن العدل حاصل يومئذ. يقول الحق جل جلاله: { والوزن } أي: وزن الأعمال، على نعت الحق والعدل، حاصل يوم القيامة، حين يسأل الرسل والمرسل إليهم. والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان وكفتان، ينظر إليه الخلائق إظهارا للمعدلة وقطعا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم، ويؤيده ما روي: " أن الرجل يؤتى به إلى الميزان، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر، فتخرح له بطاقة فيها كلمة الشهادة، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلات ". وقيل: توزن الأشخاص لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة " والتحقيق: أن المراد به الإهانة والتصغير، وأنه لا يساوي عند الله شيئا لاتباعه الهوى. ثم فصل في الأعمال فقال: { فمن ثقلت موازينه } أي: حسناته، أو الميزان الذي يوزن به حسناته، وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن، فعلى الأول هو جمع موزون، وعلى الثاني جمع ميزان، فمن رجحت حسناته { فأولئك هم المفلحون } الفائزون بالنجاة والثواب الدائم، { ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم } بتضييع الفطرة السليمة التي فطروا عليها، واقتراف ما عرضها للهلاك، { بما كانوا بآياتنا يظلمون } حيث بدلوا التصديق بها بالتكذيب، والعمل فيها بالتفريط. نسأل الله تعالى الحفظ. الإشارة: العمل الذي يثقل على النفس كله ثقيل في الميزان لأنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا، والعمل الذي يخف على النفس كله خفيف لأنه فيه نوع من الهوى إذ لا يخف عليها إلا ما لها فيه حظ وهوى، وفي الحكم: " إذا التبس عليك أمران، فانظر أثقلها على النفس فاتبعه فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا ". وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله ما ثقل ميزان عبد إلا باتباعه الحق، وما خف إلا باتباعه الهوى. قال تعالى: { والوزن يومئذ الحق }. ه. بمعناه ذكره في القوت. وهذا في غير النفس المطمئنة، وأما هي فلا يثقل عليها شيء، وقد يثقل عليها الباطل، ويخف عليها الحق، لكمال رياضتها. والله تبارك وتعالى أعلم. ثم ذكرهم بالنعم، فقال: { ولقد مكناكم في الأرض }.

الأعراف 7:10

يقول الحق جل جلاله: { ولقد مكناكم في الأرض } تتصرفون فيها بالبناء والسكن، وبالغرس والحرث والزرع، وغير ذلك من أنواع التصرفات، { وجعلنا لكم فيها معايش }: أسبابا تعيشون بها كالتجارة وسائر الحرف، { قليلا ما تشكرون } على هذه النعم، فتقابلون المنعم بالكفر والعصيان، فأنتم جديرون بسلبها عنكم، وإبدالها بالنقم، لولا فضله ورحمته. الإشارة: نعمة التمكين في الأرض متحققة في أهل التجريد، والمنقطعين إلى الله تعالى، فهم يذهبون في الأرض حيث شاءوا، ومائدتهم ممدودة يأكلون منها حيث شاؤوا، فهم متمكنون من أمر دينهم لقلة عوائدهم، ومن أمر دنياهم لأنها قائمة بالله، تجري عليهم أرزاقهم من حيث لا يحتسبون، تخدمهم ولا يخدمونها " يا دنياي اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك ". فمن قصر منهم في الشكر توجه إليه العتاب بقوله: { ولقد مكناكم في الأرض } إلى قوله: { قليلا ما تشكرون } ، ومن تحقق شكره قيل له: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض [القصص: 56]. والله تعالى أعلم. ولما ذكر نعمة الإمداد أتبعه بنعمة الإيجاد، فقال: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم }.

الأعراف 7:11

يقول الحق جل جلاله: { ولقد خلقناكم } أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، { ثم صورناكم } أي: صورنا خلقة أبيكم آدم. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره لأنه المادة الأصلية، أي: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } تعظيما له، حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم، واختبارا له ليظهر من يخضع ممن لم يخضع، { فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } لآدم. { قال } له الحق تبارك وتعالى: { ما منعك ألا تسجد } أي: تسجد، فلا: زائدة، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود، وقيل: الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه، فكأنه قال: ما اضطرك إلى ترك السجود { إذ أمرتك }. وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور، فأجاب بقوله: { قال أنا خير منه } ، أي: المانع لي من السجود هو كوني أنا خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر به، فإبليس هو الذي سن التكبر، وقال بالتحسين والتقبيح العقليين أولا، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ ليس كفره كفر جحود. ثم بين وجه الأفضلية، فقال: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، فاعتقد أن النار خير من الطين، وقد غلط في ذلك، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار النتائج والثمرات، لا باعتبار العنصر والمادة فقط، ولا شك أن الطين ينشأ منه ما لا يحصى من الخيرات كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه. قال البيضاوي: رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى [ص:75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة، كما نبه عليه بقوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } وباعتبار الغاية، وهو ملاكه، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما تبين لهم أنه أعلم منهم، وأنه له خواصا ليست لغيره. ه. ولما تبين عناده قال له تعالى: { فاهبط منها } أي: من السماء أو من الجنة، { فما يكون لك } أي: فما يصح لك { أن تتكبر فيها } وتعصى فإنها موطن الخاشع المطيع، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة، فإنه تعالى إنما أنزله وأهبطه لتكبره لا لمجرد عصيانه، { فاخرج إنك من الصاغرين } أي: ممن أهانه الله لتكبره. قال صلى الله عليه وسلم: " من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله ". ولما تحقق إبليس أنه مطرود، سأل الإمهال فقال: { أنظرني } أي: أخرني، { إلى يوم يبعثون } فلا تمتني، ولا تعجل عقوبتي، { قال إنك من المنظرين } يقتضي أنه أجابه إلى ما سأل، لكنه محمول على ما في الآية الأخرى: إلى يوم الوقت المعلوم [الحجر:38] وهو نفخ الصور النخة الأولى، { قال فبما أغويتني } أي: بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني، بسبب إغوائك إياي، والله { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ، وهو الطريق الذي يوصلهم إليك، فأقعد فيه، وأردهم عنه، { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } فآتيهم من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه. قال ابن عباس: { من بين أيديهم }: الدنيا يزينها لهم، { ومن خلفهم }: الآخرة ينسيها لهم، { وعن أيمانهم }: الحسنات يثبطهم عنها، { وعن شمائلهم }: السيئات يزينها في أعينهم. ه. ولم يجعل له سبيلا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم لأن الرحمة تنزل من أعلى، فلم يحل بينهم وبينها، والإتيان من تحت موحش، وأيضا: السفليات محل للتواضع والخشوع، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لإن فوق: التوحيد، وتحت: الإسلام، ولا يمكن أن يأتي من توحيد ولا إسلام. ثم قال تعالى: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } مطيعين، قال بعض الصوفية: لو كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس فالشكر أعظم المقامات، وهو الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس، والشكر: هو ألا يعصى الله بنعمه، أو: صرف الجوارح كلها في طاعة الله، أو رؤية المنعم في النعمة، وإنما قال إبليس ذلك ظنا لقوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه [سبأ:20]، وسيأتي في الإشارة حقيقته. { قال } تعالى لإبليس: { اخرج منها } من السماء أو الجنة، { مذءوما } أي: مذموما، من ذامه، أي: ذمه، { مدحورا } أي: مطرودا. والله { لمن تبعك منهم } في الكفر { لأملان جهنم منكم أجمعين } أي: منك وممن تبعك. تنبيه: ذكر الفخر الرازي، في تفسيره، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم، فقال لهم: إني أسلم أن الله خالقي وموجدي، وهو موجد الخلق، ولكن لي على حكمته أسئلة: الأول: ما الحكمة في إيجاد خلقه، لا سيما وكان عالما بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود عليه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غيره واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته، فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته فلم لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره منه، وفيه أعظم الضرر؟ الخامس: لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوسة آدم؟ السادس: ثم لما فعل ذلك، فلم سلطني على أولاده. ومكنني من إغوائهم وإظلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا. ه. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله إليه من سرادقات الكبرياء: إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي، فأنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. قال الشهرستاني: اعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصا، أما إذا أجبنا بما أجاب به الحق سبحانه زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات. ه. قلت: من تشمرت فكرته بنور المعرفة، وعرف أسرار الحكمة والقدرة، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار: أما الحكمة في أيجاد خلقه فخلقهم ليعرف بهم. وفي الحديث القدسي: " كنت كنزا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقا لأعرف بهم " ، وليظهر بهم آثار قدرته وأسرار حكمته. وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه المنتقم. أما فائدة التكليف فلتقوم الحجة على العبيد، وليتميز من يستحق الإحسان ممن يستحق العذاب، فإذا عذبه لم يكن ظالما له ولا يظلم ربك أحدا [الكهف:49]، ولتظهر صورة العدل في الجملة. وأما تكليفه بالسجود لآدم فلأنه ادعى المحبة، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه، ولا تصعب إلا في الخضوع للجنس، أو من دونه، فأمره بالسجود لمن دونه في زعمه ليظهر كذبه في دعوى محبته، وأما لعنه وطرده فهو جزاء من كذب وعصى. وهذا الطرد كان في علمه تعالى، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات، فكان امتناعه واعتراضه سببا لإظهار ما سبق له في علم الله، كما كانت وسوسته لآدم سببا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. وأما تمكينه من دخول الجنة فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه لأن الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببا. أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلا تمسح به أوساخ الأقدار إذا إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كمال نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس أدبا مع الحضرة. وأما إمهاله فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم. وقوله: معلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا، مغالطة لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير الشر، وبهما وقع التجلي والظهور ليظهر آثار أسمائه تعالى فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله: إنك ما عرفتني... الخ.. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأكوان ظاهرها أغيار، وباطنها أنوار وأسرار، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار، ولعل إبليس لم ير في حال الأمر بالسجود من آدم إلا الأغيار، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار. ثم ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها، فقال: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة }.

الأعراف 7:12

يقول الحق جل جلاله: { ولقد خلقناكم } أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، { ثم صورناكم } أي: صورنا خلقة أبيكم آدم. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره لأنه المادة الأصلية، أي: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } تعظيما له، حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم، واختبارا له ليظهر من يخضع ممن لم يخضع، { فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } لآدم. { قال } له الحق تبارك وتعالى: { ما منعك ألا تسجد } أي: تسجد، فلا: زائدة، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود، وقيل: الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه، فكأنه قال: ما اضطرك إلى ترك السجود { إذ أمرتك }. وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور، فأجاب بقوله: { قال أنا خير منه } ، أي: المانع لي من السجود هو كوني أنا خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر به، فإبليس هو الذي سن التكبر، وقال بالتحسين والتقبيح العقليين أولا، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ ليس كفره كفر جحود. ثم بين وجه الأفضلية، فقال: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، فاعتقد أن النار خير من الطين، وقد غلط في ذلك، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار النتائج والثمرات، لا باعتبار العنصر والمادة فقط، ولا شك أن الطين ينشأ منه ما لا يحصى من الخيرات كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه. قال البيضاوي: رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى [ص:75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة، كما نبه عليه بقوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } وباعتبار الغاية، وهو ملاكه، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما تبين لهم أنه أعلم منهم، وأنه له خواصا ليست لغيره. ه. ولما تبين عناده قال له تعالى: { فاهبط منها } أي: من السماء أو من الجنة، { فما يكون لك } أي: فما يصح لك { أن تتكبر فيها } وتعصى فإنها موطن الخاشع المطيع، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة، فإنه تعالى إنما أنزله وأهبطه لتكبره لا لمجرد عصيانه، { فاخرج إنك من الصاغرين } أي: ممن أهانه الله لتكبره. قال صلى الله عليه وسلم: " من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله ". ولما تحقق إبليس أنه مطرود، سأل الإمهال فقال: { أنظرني } أي: أخرني، { إلى يوم يبعثون } فلا تمتني، ولا تعجل عقوبتي، { قال إنك من المنظرين } يقتضي أنه أجابه إلى ما سأل، لكنه محمول على ما في الآية الأخرى: إلى يوم الوقت المعلوم [الحجر:38] وهو نفخ الصور النخة الأولى، { قال فبما أغويتني } أي: بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني، بسبب إغوائك إياي، والله { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ، وهو الطريق الذي يوصلهم إليك، فأقعد فيه، وأردهم عنه، { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } فآتيهم من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه. قال ابن عباس: { من بين أيديهم }: الدنيا يزينها لهم، { ومن خلفهم }: الآخرة ينسيها لهم، { وعن أيمانهم }: الحسنات يثبطهم عنها، { وعن شمائلهم }: السيئات يزينها في أعينهم. ه. ولم يجعل له سبيلا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم لأن الرحمة تنزل من أعلى، فلم يحل بينهم وبينها، والإتيان من تحت موحش، وأيضا: السفليات محل للتواضع والخشوع، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لإن فوق: التوحيد، وتحت: الإسلام، ولا يمكن أن يأتي من توحيد ولا إسلام. ثم قال تعالى: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } مطيعين، قال بعض الصوفية: لو كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس فالشكر أعظم المقامات، وهو الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس، والشكر: هو ألا يعصى الله بنعمه، أو: صرف الجوارح كلها في طاعة الله، أو رؤية المنعم في النعمة، وإنما قال إبليس ذلك ظنا لقوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه [سبأ:20]، وسيأتي في الإشارة حقيقته. { قال } تعالى لإبليس: { اخرج منها } من السماء أو الجنة، { مذءوما } أي: مذموما، من ذامه، أي: ذمه، { مدحورا } أي: مطرودا. والله { لمن تبعك منهم } في الكفر { لأملان جهنم منكم أجمعين } أي: منك وممن تبعك. تنبيه: ذكر الفخر الرازي، في تفسيره، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم، فقال لهم: إني أسلم أن الله خالقي وموجدي، وهو موجد الخلق، ولكن لي على حكمته أسئلة: الأول: ما الحكمة في إيجاد خلقه، لا سيما وكان عالما بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود عليه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غيره واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته، فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته فلم لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره منه، وفيه أعظم الضرر؟ الخامس: لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوسة آدم؟ السادس: ثم لما فعل ذلك، فلم سلطني على أولاده. ومكنني من إغوائهم وإظلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا. ه. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله إليه من سرادقات الكبرياء: إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي، فأنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. قال الشهرستاني: اعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصا، أما إذا أجبنا بما أجاب به الحق سبحانه زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات. ه. قلت: من تشمرت فكرته بنور المعرفة، وعرف أسرار الحكمة والقدرة، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار: أما الحكمة في أيجاد خلقه فخلقهم ليعرف بهم. وفي الحديث القدسي: " كنت كنزا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقا لأعرف بهم " ، وليظهر بهم آثار قدرته وأسرار حكمته. وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه المنتقم. أما فائدة التكليف فلتقوم الحجة على العبيد، وليتميز من يستحق الإحسان ممن يستحق العذاب، فإذا عذبه لم يكن ظالما له ولا يظلم ربك أحدا [الكهف:49]، ولتظهر صورة العدل في الجملة. وأما تكليفه بالسجود لآدم فلأنه ادعى المحبة، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه، ولا تصعب إلا في الخضوع للجنس، أو من دونه، فأمره بالسجود لمن دونه في زعمه ليظهر كذبه في دعوى محبته، وأما لعنه وطرده فهو جزاء من كذب وعصى. وهذا الطرد كان في علمه تعالى، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات، فكان امتناعه واعتراضه سببا لإظهار ما سبق له في علم الله، كما كانت وسوسته لآدم سببا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. وأما تمكينه من دخول الجنة فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه لأن الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببا. أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلا تمسح به أوساخ الأقدار إذا إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كمال نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس أدبا مع الحضرة. وأما إمهاله فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم. وقوله: معلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا، مغالطة لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير الشر، وبهما وقع التجلي والظهور ليظهر آثار أسمائه تعالى فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله: إنك ما عرفتني... الخ.. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأكوان ظاهرها أغيار، وباطنها أنوار وأسرار، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار، ولعل إبليس لم ير في حال الأمر بالسجود من آدم إلا الأغيار، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار. ثم ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها، فقال: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة }.

الأعراف 7:13

يقول الحق جل جلاله: { ولقد خلقناكم } أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، { ثم صورناكم } أي: صورنا خلقة أبيكم آدم. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره لأنه المادة الأصلية، أي: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } تعظيما له، حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم، واختبارا له ليظهر من يخضع ممن لم يخضع، { فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } لآدم. { قال } له الحق تبارك وتعالى: { ما منعك ألا تسجد } أي: تسجد، فلا: زائدة، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود، وقيل: الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه، فكأنه قال: ما اضطرك إلى ترك السجود { إذ أمرتك }. وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور، فأجاب بقوله: { قال أنا خير منه } ، أي: المانع لي من السجود هو كوني أنا خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر به، فإبليس هو الذي سن التكبر، وقال بالتحسين والتقبيح العقليين أولا، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ ليس كفره كفر جحود. ثم بين وجه الأفضلية، فقال: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، فاعتقد أن النار خير من الطين، وقد غلط في ذلك، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار النتائج والثمرات، لا باعتبار العنصر والمادة فقط، ولا شك أن الطين ينشأ منه ما لا يحصى من الخيرات كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه. قال البيضاوي: رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى [ص:75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة، كما نبه عليه بقوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } وباعتبار الغاية، وهو ملاكه، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما تبين لهم أنه أعلم منهم، وأنه له خواصا ليست لغيره. ه. ولما تبين عناده قال له تعالى: { فاهبط منها } أي: من السماء أو من الجنة، { فما يكون لك } أي: فما يصح لك { أن تتكبر فيها } وتعصى فإنها موطن الخاشع المطيع، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة، فإنه تعالى إنما أنزله وأهبطه لتكبره لا لمجرد عصيانه، { فاخرج إنك من الصاغرين } أي: ممن أهانه الله لتكبره. قال صلى الله عليه وسلم: " من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله ". ولما تحقق إبليس أنه مطرود، سأل الإمهال فقال: { أنظرني } أي: أخرني، { إلى يوم يبعثون } فلا تمتني، ولا تعجل عقوبتي، { قال إنك من المنظرين } يقتضي أنه أجابه إلى ما سأل، لكنه محمول على ما في الآية الأخرى: إلى يوم الوقت المعلوم [الحجر:38] وهو نفخ الصور النخة الأولى، { قال فبما أغويتني } أي: بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني، بسبب إغوائك إياي، والله { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ، وهو الطريق الذي يوصلهم إليك، فأقعد فيه، وأردهم عنه، { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } فآتيهم من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه. قال ابن عباس: { من بين أيديهم }: الدنيا يزينها لهم، { ومن خلفهم }: الآخرة ينسيها لهم، { وعن أيمانهم }: الحسنات يثبطهم عنها، { وعن شمائلهم }: السيئات يزينها في أعينهم. ه. ولم يجعل له سبيلا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم لأن الرحمة تنزل من أعلى، فلم يحل بينهم وبينها، والإتيان من تحت موحش، وأيضا: السفليات محل للتواضع والخشوع، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لإن فوق: التوحيد، وتحت: الإسلام، ولا يمكن أن يأتي من توحيد ولا إسلام. ثم قال تعالى: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } مطيعين، قال بعض الصوفية: لو كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس فالشكر أعظم المقامات، وهو الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس، والشكر: هو ألا يعصى الله بنعمه، أو: صرف الجوارح كلها في طاعة الله، أو رؤية المنعم في النعمة، وإنما قال إبليس ذلك ظنا لقوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه [سبأ:20]، وسيأتي في الإشارة حقيقته. { قال } تعالى لإبليس: { اخرج منها } من السماء أو الجنة، { مذءوما } أي: مذموما، من ذامه، أي: ذمه، { مدحورا } أي: مطرودا. والله { لمن تبعك منهم } في الكفر { لأملان جهنم منكم أجمعين } أي: منك وممن تبعك. تنبيه: ذكر الفخر الرازي، في تفسيره، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم، فقال لهم: إني أسلم أن الله خالقي وموجدي، وهو موجد الخلق، ولكن لي على حكمته أسئلة: الأول: ما الحكمة في إيجاد خلقه، لا سيما وكان عالما بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود عليه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غيره واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته، فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته فلم لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره منه، وفيه أعظم الضرر؟ الخامس: لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوسة آدم؟ السادس: ثم لما فعل ذلك، فلم سلطني على أولاده. ومكنني من إغوائهم وإظلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا. ه. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله إليه من سرادقات الكبرياء: إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي، فأنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. قال الشهرستاني: اعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصا، أما إذا أجبنا بما أجاب به الحق سبحانه زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات. ه. قلت: من تشمرت فكرته بنور المعرفة، وعرف أسرار الحكمة والقدرة، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار: أما الحكمة في أيجاد خلقه فخلقهم ليعرف بهم. وفي الحديث القدسي: " كنت كنزا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقا لأعرف بهم " ، وليظهر بهم آثار قدرته وأسرار حكمته. وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه المنتقم. أما فائدة التكليف فلتقوم الحجة على العبيد، وليتميز من يستحق الإحسان ممن يستحق العذاب، فإذا عذبه لم يكن ظالما له ولا يظلم ربك أحدا [الكهف:49]، ولتظهر صورة العدل في الجملة. وأما تكليفه بالسجود لآدم فلأنه ادعى المحبة، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه، ولا تصعب إلا في الخضوع للجنس، أو من دونه، فأمره بالسجود لمن دونه في زعمه ليظهر كذبه في دعوى محبته، وأما لعنه وطرده فهو جزاء من كذب وعصى. وهذا الطرد كان في علمه تعالى، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات، فكان امتناعه واعتراضه سببا لإظهار ما سبق له في علم الله، كما كانت وسوسته لآدم سببا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. وأما تمكينه من دخول الجنة فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه لأن الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببا. أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلا تمسح به أوساخ الأقدار إذا إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كمال نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس أدبا مع الحضرة. وأما إمهاله فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم. وقوله: معلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا، مغالطة لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير الشر، وبهما وقع التجلي والظهور ليظهر آثار أسمائه تعالى فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله: إنك ما عرفتني... الخ.. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأكوان ظاهرها أغيار، وباطنها أنوار وأسرار، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار، ولعل إبليس لم ير في حال الأمر بالسجود من آدم إلا الأغيار، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار. ثم ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها، فقال: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة }.

الأعراف 7:14

يقول الحق جل جلاله: { ولقد خلقناكم } أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، { ثم صورناكم } أي: صورنا خلقة أبيكم آدم. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره لأنه المادة الأصلية، أي: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } تعظيما له، حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم، واختبارا له ليظهر من يخضع ممن لم يخضع، { فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } لآدم. { قال } له الحق تبارك وتعالى: { ما منعك ألا تسجد } أي: تسجد، فلا: زائدة، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود، وقيل: الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه، فكأنه قال: ما اضطرك إلى ترك السجود { إذ أمرتك }. وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور، فأجاب بقوله: { قال أنا خير منه } ، أي: المانع لي من السجود هو كوني أنا خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر به، فإبليس هو الذي سن التكبر، وقال بالتحسين والتقبيح العقليين أولا، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ ليس كفره كفر جحود. ثم بين وجه الأفضلية، فقال: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، فاعتقد أن النار خير من الطين، وقد غلط في ذلك، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار النتائج والثمرات، لا باعتبار العنصر والمادة فقط، ولا شك أن الطين ينشأ منه ما لا يحصى من الخيرات كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه. قال البيضاوي: رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى [ص:75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة، كما نبه عليه بقوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } وباعتبار الغاية، وهو ملاكه، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما تبين لهم أنه أعلم منهم، وأنه له خواصا ليست لغيره. ه. ولما تبين عناده قال له تعالى: { فاهبط منها } أي: من السماء أو من الجنة، { فما يكون لك } أي: فما يصح لك { أن تتكبر فيها } وتعصى فإنها موطن الخاشع المطيع، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة، فإنه تعالى إنما أنزله وأهبطه لتكبره لا لمجرد عصيانه، { فاخرج إنك من الصاغرين } أي: ممن أهانه الله لتكبره. قال صلى الله عليه وسلم: " من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله ". ولما تحقق إبليس أنه مطرود، سأل الإمهال فقال: { أنظرني } أي: أخرني، { إلى يوم يبعثون } فلا تمتني، ولا تعجل عقوبتي، { قال إنك من المنظرين } يقتضي أنه أجابه إلى ما سأل، لكنه محمول على ما في الآية الأخرى: إلى يوم الوقت المعلوم [الحجر:38] وهو نفخ الصور النخة الأولى، { قال فبما أغويتني } أي: بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني، بسبب إغوائك إياي، والله { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ، وهو الطريق الذي يوصلهم إليك، فأقعد فيه، وأردهم عنه، { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } فآتيهم من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه. قال ابن عباس: { من بين أيديهم }: الدنيا يزينها لهم، { ومن خلفهم }: الآخرة ينسيها لهم، { وعن أيمانهم }: الحسنات يثبطهم عنها، { وعن شمائلهم }: السيئات يزينها في أعينهم. ه. ولم يجعل له سبيلا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم لأن الرحمة تنزل من أعلى، فلم يحل بينهم وبينها، والإتيان من تحت موحش، وأيضا: السفليات محل للتواضع والخشوع، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لإن فوق: التوحيد، وتحت: الإسلام، ولا يمكن أن يأتي من توحيد ولا إسلام. ثم قال تعالى: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } مطيعين، قال بعض الصوفية: لو كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس فالشكر أعظم المقامات، وهو الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس، والشكر: هو ألا يعصى الله بنعمه، أو: صرف الجوارح كلها في طاعة الله، أو رؤية المنعم في النعمة، وإنما قال إبليس ذلك ظنا لقوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه [سبأ:20]، وسيأتي في الإشارة حقيقته. { قال } تعالى لإبليس: { اخرج منها } من السماء أو الجنة، { مذءوما } أي: مذموما، من ذامه، أي: ذمه، { مدحورا } أي: مطرودا. والله { لمن تبعك منهم } في الكفر { لأملان جهنم منكم أجمعين } أي: منك وممن تبعك. تنبيه: ذكر الفخر الرازي، في تفسيره، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم، فقال لهم: إني أسلم أن الله خالقي وموجدي، وهو موجد الخلق، ولكن لي على حكمته أسئلة: الأول: ما الحكمة في إيجاد خلقه، لا سيما وكان عالما بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود عليه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غيره واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته، فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته فلم لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره منه، وفيه أعظم الضرر؟ الخامس: لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوسة آدم؟ السادس: ثم لما فعل ذلك، فلم سلطني على أولاده. ومكنني من إغوائهم وإظلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا. ه. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله إليه من سرادقات الكبرياء: إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي، فأنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. قال الشهرستاني: اعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصا، أما إذا أجبنا بما أجاب به الحق سبحانه زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات. ه. قلت: من تشمرت فكرته بنور المعرفة، وعرف أسرار الحكمة والقدرة، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار: أما الحكمة في أيجاد خلقه فخلقهم ليعرف بهم. وفي الحديث القدسي: " كنت كنزا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقا لأعرف بهم " ، وليظهر بهم آثار قدرته وأسرار حكمته. وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه المنتقم. أما فائدة التكليف فلتقوم الحجة على العبيد، وليتميز من يستحق الإحسان ممن يستحق العذاب، فإذا عذبه لم يكن ظالما له ولا يظلم ربك أحدا [الكهف:49]، ولتظهر صورة العدل في الجملة. وأما تكليفه بالسجود لآدم فلأنه ادعى المحبة، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه، ولا تصعب إلا في الخضوع للجنس، أو من دونه، فأمره بالسجود لمن دونه في زعمه ليظهر كذبه في دعوى محبته، وأما لعنه وطرده فهو جزاء من كذب وعصى. وهذا الطرد كان في علمه تعالى، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات، فكان امتناعه واعتراضه سببا لإظهار ما سبق له في علم الله، كما كانت وسوسته لآدم سببا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. وأما تمكينه من دخول الجنة فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه لأن الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببا. أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلا تمسح به أوساخ الأقدار إذا إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كمال نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس أدبا مع الحضرة. وأما إمهاله فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم. وقوله: معلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا، مغالطة لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير الشر، وبهما وقع التجلي والظهور ليظهر آثار أسمائه تعالى فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله: إنك ما عرفتني... الخ.. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأكوان ظاهرها أغيار، وباطنها أنوار وأسرار، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار، ولعل إبليس لم ير في حال الأمر بالسجود من آدم إلا الأغيار، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار. ثم ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها، فقال: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة }.

الأعراف 7:15

يقول الحق جل جلاله: { ولقد خلقناكم } أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، { ثم صورناكم } أي: صورنا خلقة أبيكم آدم. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره لأنه المادة الأصلية، أي: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } تعظيما له، حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم، واختبارا له ليظهر من يخضع ممن لم يخضع، { فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } لآدم. { قال } له الحق تبارك وتعالى: { ما منعك ألا تسجد } أي: تسجد، فلا: زائدة، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود، وقيل: الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه، فكأنه قال: ما اضطرك إلى ترك السجود { إذ أمرتك }. وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور، فأجاب بقوله: { قال أنا خير منه } ، أي: المانع لي من السجود هو كوني أنا خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر به، فإبليس هو الذي سن التكبر، وقال بالتحسين والتقبيح العقليين أولا، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ ليس كفره كفر جحود. ثم بين وجه الأفضلية، فقال: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، فاعتقد أن النار خير من الطين، وقد غلط في ذلك، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار النتائج والثمرات، لا باعتبار العنصر والمادة فقط، ولا شك أن الطين ينشأ منه ما لا يحصى من الخيرات كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه. قال البيضاوي: رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى [ص:75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة، كما نبه عليه بقوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } وباعتبار الغاية، وهو ملاكه، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما تبين لهم أنه أعلم منهم، وأنه له خواصا ليست لغيره. ه. ولما تبين عناده قال له تعالى: { فاهبط منها } أي: من السماء أو من الجنة، { فما يكون لك } أي: فما يصح لك { أن تتكبر فيها } وتعصى فإنها موطن الخاشع المطيع، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة، فإنه تعالى إنما أنزله وأهبطه لتكبره لا لمجرد عصيانه، { فاخرج إنك من الصاغرين } أي: ممن أهانه الله لتكبره. قال صلى الله عليه وسلم: " من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله ". ولما تحقق إبليس أنه مطرود، سأل الإمهال فقال: { أنظرني } أي: أخرني، { إلى يوم يبعثون } فلا تمتني، ولا تعجل عقوبتي، { قال إنك من المنظرين } يقتضي أنه أجابه إلى ما سأل، لكنه محمول على ما في الآية الأخرى: إلى يوم الوقت المعلوم [الحجر:38] وهو نفخ الصور النخة الأولى، { قال فبما أغويتني } أي: بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني، بسبب إغوائك إياي، والله { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ، وهو الطريق الذي يوصلهم إليك، فأقعد فيه، وأردهم عنه، { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } فآتيهم من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه. قال ابن عباس: { من بين أيديهم }: الدنيا يزينها لهم، { ومن خلفهم }: الآخرة ينسيها لهم، { وعن أيمانهم }: الحسنات يثبطهم عنها، { وعن شمائلهم }: السيئات يزينها في أعينهم. ه. ولم يجعل له سبيلا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم لأن الرحمة تنزل من أعلى، فلم يحل بينهم وبينها، والإتيان من تحت موحش، وأيضا: السفليات محل للتواضع والخشوع، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لإن فوق: التوحيد، وتحت: الإسلام، ولا يمكن أن يأتي من توحيد ولا إسلام. ثم قال تعالى: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } مطيعين، قال بعض الصوفية: لو كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس فالشكر أعظم المقامات، وهو الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس، والشكر: هو ألا يعصى الله بنعمه، أو: صرف الجوارح كلها في طاعة الله، أو رؤية المنعم في النعمة، وإنما قال إبليس ذلك ظنا لقوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه [سبأ:20]، وسيأتي في الإشارة حقيقته. { قال } تعالى لإبليس: { اخرج منها } من السماء أو الجنة، { مذءوما } أي: مذموما، من ذامه، أي: ذمه، { مدحورا } أي: مطرودا. والله { لمن تبعك منهم } في الكفر { لأملان جهنم منكم أجمعين } أي: منك وممن تبعك. تنبيه: ذكر الفخر الرازي، في تفسيره، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم، فقال لهم: إني أسلم أن الله خالقي وموجدي، وهو موجد الخلق، ولكن لي على حكمته أسئلة: الأول: ما الحكمة في إيجاد خلقه، لا سيما وكان عالما بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود عليه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غيره واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته، فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته فلم لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره منه، وفيه أعظم الضرر؟ الخامس: لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوسة آدم؟ السادس: ثم لما فعل ذلك، فلم سلطني على أولاده. ومكنني من إغوائهم وإظلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا. ه. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله إليه من سرادقات الكبرياء: إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي، فأنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. قال الشهرستاني: اعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصا، أما إذا أجبنا بما أجاب به الحق سبحانه زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات. ه. قلت: من تشمرت فكرته بنور المعرفة، وعرف أسرار الحكمة والقدرة، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار: أما الحكمة في أيجاد خلقه فخلقهم ليعرف بهم. وفي الحديث القدسي: " كنت كنزا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقا لأعرف بهم " ، وليظهر بهم آثار قدرته وأسرار حكمته. وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه المنتقم. أما فائدة التكليف فلتقوم الحجة على العبيد، وليتميز من يستحق الإحسان ممن يستحق العذاب، فإذا عذبه لم يكن ظالما له ولا يظلم ربك أحدا [الكهف:49]، ولتظهر صورة العدل في الجملة. وأما تكليفه بالسجود لآدم فلأنه ادعى المحبة، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه، ولا تصعب إلا في الخضوع للجنس، أو من دونه، فأمره بالسجود لمن دونه في زعمه ليظهر كذبه في دعوى محبته، وأما لعنه وطرده فهو جزاء من كذب وعصى. وهذا الطرد كان في علمه تعالى، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات، فكان امتناعه واعتراضه سببا لإظهار ما سبق له في علم الله، كما كانت وسوسته لآدم سببا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. وأما تمكينه من دخول الجنة فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه لأن الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببا. أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلا تمسح به أوساخ الأقدار إذا إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كمال نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس أدبا مع الحضرة. وأما إمهاله فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم. وقوله: معلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا، مغالطة لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير الشر، وبهما وقع التجلي والظهور ليظهر آثار أسمائه تعالى فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله: إنك ما عرفتني... الخ.. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأكوان ظاهرها أغيار، وباطنها أنوار وأسرار، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار، ولعل إبليس لم ير في حال الأمر بالسجود من آدم إلا الأغيار، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار. ثم ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها، فقال: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة }.

الأعراف 7:16

يقول الحق جل جلاله: { ولقد خلقناكم } أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، { ثم صورناكم } أي: صورنا خلقة أبيكم آدم. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره لأنه المادة الأصلية، أي: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } تعظيما له، حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم، واختبارا له ليظهر من يخضع ممن لم يخضع، { فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } لآدم. { قال } له الحق تبارك وتعالى: { ما منعك ألا تسجد } أي: تسجد، فلا: زائدة، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود، وقيل: الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه، فكأنه قال: ما اضطرك إلى ترك السجود { إذ أمرتك }. وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور، فأجاب بقوله: { قال أنا خير منه } ، أي: المانع لي من السجود هو كوني أنا خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر به، فإبليس هو الذي سن التكبر، وقال بالتحسين والتقبيح العقليين أولا، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ ليس كفره كفر جحود. ثم بين وجه الأفضلية، فقال: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، فاعتقد أن النار خير من الطين، وقد غلط في ذلك، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار النتائج والثمرات، لا باعتبار العنصر والمادة فقط، ولا شك أن الطين ينشأ منه ما لا يحصى من الخيرات كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه. قال البيضاوي: رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى [ص:75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة، كما نبه عليه بقوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } وباعتبار الغاية، وهو ملاكه، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما تبين لهم أنه أعلم منهم، وأنه له خواصا ليست لغيره. ه. ولما تبين عناده قال له تعالى: { فاهبط منها } أي: من السماء أو من الجنة، { فما يكون لك } أي: فما يصح لك { أن تتكبر فيها } وتعصى فإنها موطن الخاشع المطيع، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة، فإنه تعالى إنما أنزله وأهبطه لتكبره لا لمجرد عصيانه، { فاخرج إنك من الصاغرين } أي: ممن أهانه الله لتكبره. قال صلى الله عليه وسلم: " من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله ". ولما تحقق إبليس أنه مطرود، سأل الإمهال فقال: { أنظرني } أي: أخرني، { إلى يوم يبعثون } فلا تمتني، ولا تعجل عقوبتي، { قال إنك من المنظرين } يقتضي أنه أجابه إلى ما سأل، لكنه محمول على ما في الآية الأخرى: إلى يوم الوقت المعلوم [الحجر:38] وهو نفخ الصور النخة الأولى، { قال فبما أغويتني } أي: بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني، بسبب إغوائك إياي، والله { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ، وهو الطريق الذي يوصلهم إليك، فأقعد فيه، وأردهم عنه، { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } فآتيهم من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه. قال ابن عباس: { من بين أيديهم }: الدنيا يزينها لهم، { ومن خلفهم }: الآخرة ينسيها لهم، { وعن أيمانهم }: الحسنات يثبطهم عنها، { وعن شمائلهم }: السيئات يزينها في أعينهم. ه. ولم يجعل له سبيلا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم لأن الرحمة تنزل من أعلى، فلم يحل بينهم وبينها، والإتيان من تحت موحش، وأيضا: السفليات محل للتواضع والخشوع، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لإن فوق: التوحيد، وتحت: الإسلام، ولا يمكن أن يأتي من توحيد ولا إسلام. ثم قال تعالى: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } مطيعين، قال بعض الصوفية: لو كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس فالشكر أعظم المقامات، وهو الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس، والشكر: هو ألا يعصى الله بنعمه، أو: صرف الجوارح كلها في طاعة الله، أو رؤية المنعم في النعمة، وإنما قال إبليس ذلك ظنا لقوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه [سبأ:20]، وسيأتي في الإشارة حقيقته. { قال } تعالى لإبليس: { اخرج منها } من السماء أو الجنة، { مذءوما } أي: مذموما، من ذامه، أي: ذمه، { مدحورا } أي: مطرودا. والله { لمن تبعك منهم } في الكفر { لأملان جهنم منكم أجمعين } أي: منك وممن تبعك. تنبيه: ذكر الفخر الرازي، في تفسيره، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم، فقال لهم: إني أسلم أن الله خالقي وموجدي، وهو موجد الخلق، ولكن لي على حكمته أسئلة: الأول: ما الحكمة في إيجاد خلقه، لا سيما وكان عالما بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود عليه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غيره واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته، فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته فلم لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره منه، وفيه أعظم الضرر؟ الخامس: لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوسة آدم؟ السادس: ثم لما فعل ذلك، فلم سلطني على أولاده. ومكنني من إغوائهم وإظلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا. ه. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله إليه من سرادقات الكبرياء: إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي، فأنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. قال الشهرستاني: اعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصا، أما إذا أجبنا بما أجاب به الحق سبحانه زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات. ه. قلت: من تشمرت فكرته بنور المعرفة، وعرف أسرار الحكمة والقدرة، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار: أما الحكمة في أيجاد خلقه فخلقهم ليعرف بهم. وفي الحديث القدسي: " كنت كنزا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقا لأعرف بهم " ، وليظهر بهم آثار قدرته وأسرار حكمته. وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه المنتقم. أما فائدة التكليف فلتقوم الحجة على العبيد، وليتميز من يستحق الإحسان ممن يستحق العذاب، فإذا عذبه لم يكن ظالما له ولا يظلم ربك أحدا [الكهف:49]، ولتظهر صورة العدل في الجملة. وأما تكليفه بالسجود لآدم فلأنه ادعى المحبة، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه، ولا تصعب إلا في الخضوع للجنس، أو من دونه، فأمره بالسجود لمن دونه في زعمه ليظهر كذبه في دعوى محبته، وأما لعنه وطرده فهو جزاء من كذب وعصى. وهذا الطرد كان في علمه تعالى، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات، فكان امتناعه واعتراضه سببا لإظهار ما سبق له في علم الله، كما كانت وسوسته لآدم سببا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. وأما تمكينه من دخول الجنة فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه لأن الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببا. أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلا تمسح به أوساخ الأقدار إذا إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كمال نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس أدبا مع الحضرة. وأما إمهاله فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم. وقوله: معلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا، مغالطة لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير الشر، وبهما وقع التجلي والظهور ليظهر آثار أسمائه تعالى فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله: إنك ما عرفتني... الخ.. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأكوان ظاهرها أغيار، وباطنها أنوار وأسرار، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار، ولعل إبليس لم ير في حال الأمر بالسجود من آدم إلا الأغيار، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار. ثم ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها، فقال: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة }.

الأعراف 7:17

يقول الحق جل جلاله: { ولقد خلقناكم } أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، { ثم صورناكم } أي: صورنا خلقة أبيكم آدم. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره لأنه المادة الأصلية، أي: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } تعظيما له، حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم، واختبارا له ليظهر من يخضع ممن لم يخضع، { فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } لآدم. { قال } له الحق تبارك وتعالى: { ما منعك ألا تسجد } أي: تسجد، فلا: زائدة، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود، وقيل: الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه، فكأنه قال: ما اضطرك إلى ترك السجود { إذ أمرتك }. وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور، فأجاب بقوله: { قال أنا خير منه } ، أي: المانع لي من السجود هو كوني أنا خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر به، فإبليس هو الذي سن التكبر، وقال بالتحسين والتقبيح العقليين أولا، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ ليس كفره كفر جحود. ثم بين وجه الأفضلية، فقال: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، فاعتقد أن النار خير من الطين، وقد غلط في ذلك، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار النتائج والثمرات، لا باعتبار العنصر والمادة فقط، ولا شك أن الطين ينشأ منه ما لا يحصى من الخيرات كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه. قال البيضاوي: رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى [ص:75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة، كما نبه عليه بقوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } وباعتبار الغاية، وهو ملاكه، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما تبين لهم أنه أعلم منهم، وأنه له خواصا ليست لغيره. ه. ولما تبين عناده قال له تعالى: { فاهبط منها } أي: من السماء أو من الجنة، { فما يكون لك } أي: فما يصح لك { أن تتكبر فيها } وتعصى فإنها موطن الخاشع المطيع، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة، فإنه تعالى إنما أنزله وأهبطه لتكبره لا لمجرد عصيانه، { فاخرج إنك من الصاغرين } أي: ممن أهانه الله لتكبره. قال صلى الله عليه وسلم: " من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله ". ولما تحقق إبليس أنه مطرود، سأل الإمهال فقال: { أنظرني } أي: أخرني، { إلى يوم يبعثون } فلا تمتني، ولا تعجل عقوبتي، { قال إنك من المنظرين } يقتضي أنه أجابه إلى ما سأل، لكنه محمول على ما في الآية الأخرى: إلى يوم الوقت المعلوم [الحجر:38] وهو نفخ الصور النخة الأولى، { قال فبما أغويتني } أي: بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني، بسبب إغوائك إياي، والله { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ، وهو الطريق الذي يوصلهم إليك، فأقعد فيه، وأردهم عنه، { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } فآتيهم من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه. قال ابن عباس: { من بين أيديهم }: الدنيا يزينها لهم، { ومن خلفهم }: الآخرة ينسيها لهم، { وعن أيمانهم }: الحسنات يثبطهم عنها، { وعن شمائلهم }: السيئات يزينها في أعينهم. ه. ولم يجعل له سبيلا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم لأن الرحمة تنزل من أعلى، فلم يحل بينهم وبينها، والإتيان من تحت موحش، وأيضا: السفليات محل للتواضع والخشوع، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لإن فوق: التوحيد، وتحت: الإسلام، ولا يمكن أن يأتي من توحيد ولا إسلام. ثم قال تعالى: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } مطيعين، قال بعض الصوفية: لو كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس فالشكر أعظم المقامات، وهو الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس، والشكر: هو ألا يعصى الله بنعمه، أو: صرف الجوارح كلها في طاعة الله، أو رؤية المنعم في النعمة، وإنما قال إبليس ذلك ظنا لقوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه [سبأ:20]، وسيأتي في الإشارة حقيقته. { قال } تعالى لإبليس: { اخرج منها } من السماء أو الجنة، { مذءوما } أي: مذموما، من ذامه، أي: ذمه، { مدحورا } أي: مطرودا. والله { لمن تبعك منهم } في الكفر { لأملان جهنم منكم أجمعين } أي: منك وممن تبعك. تنبيه: ذكر الفخر الرازي، في تفسيره، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم، فقال لهم: إني أسلم أن الله خالقي وموجدي، وهو موجد الخلق، ولكن لي على حكمته أسئلة: الأول: ما الحكمة في إيجاد خلقه، لا سيما وكان عالما بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود عليه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غيره واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته، فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته فلم لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره منه، وفيه أعظم الضرر؟ الخامس: لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوسة آدم؟ السادس: ثم لما فعل ذلك، فلم سلطني على أولاده. ومكنني من إغوائهم وإظلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا. ه. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله إليه من سرادقات الكبرياء: إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي، فأنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. قال الشهرستاني: اعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصا، أما إذا أجبنا بما أجاب به الحق سبحانه زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات. ه. قلت: من تشمرت فكرته بنور المعرفة، وعرف أسرار الحكمة والقدرة، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار: أما الحكمة في أيجاد خلقه فخلقهم ليعرف بهم. وفي الحديث القدسي: " كنت كنزا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقا لأعرف بهم " ، وليظهر بهم آثار قدرته وأسرار حكمته. وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه المنتقم. أما فائدة التكليف فلتقوم الحجة على العبيد، وليتميز من يستحق الإحسان ممن يستحق العذاب، فإذا عذبه لم يكن ظالما له ولا يظلم ربك أحدا [الكهف:49]، ولتظهر صورة العدل في الجملة. وأما تكليفه بالسجود لآدم فلأنه ادعى المحبة، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه، ولا تصعب إلا في الخضوع للجنس، أو من دونه، فأمره بالسجود لمن دونه في زعمه ليظهر كذبه في دعوى محبته، وأما لعنه وطرده فهو جزاء من كذب وعصى. وهذا الطرد كان في علمه تعالى، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات، فكان امتناعه واعتراضه سببا لإظهار ما سبق له في علم الله، كما كانت وسوسته لآدم سببا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. وأما تمكينه من دخول الجنة فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه لأن الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببا. أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلا تمسح به أوساخ الأقدار إذا إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كمال نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس أدبا مع الحضرة. وأما إمهاله فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم. وقوله: معلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا، مغالطة لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير الشر، وبهما وقع التجلي والظهور ليظهر آثار أسمائه تعالى فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله: إنك ما عرفتني... الخ.. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأكوان ظاهرها أغيار، وباطنها أنوار وأسرار، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار، ولعل إبليس لم ير في حال الأمر بالسجود من آدم إلا الأغيار، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار. ثم ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها، فقال: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة }.

الأعراف 7:18

يقول الحق جل جلاله: { ولقد خلقناكم } أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، { ثم صورناكم } أي: صورنا خلقة أبيكم آدم. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره لأنه المادة الأصلية، أي: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه، { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } تعظيما له، حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم، واختبارا له ليظهر من يخضع ممن لم يخضع، { فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } لآدم. { قال } له الحق تبارك وتعالى: { ما منعك ألا تسجد } أي: تسجد، فلا: زائدة، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود، وقيل: الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه، فكأنه قال: ما اضطرك إلى ترك السجود { إذ أمرتك }. وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور، فأجاب بقوله: { قال أنا خير منه } ، أي: المانع لي من السجود هو كوني أنا خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر به، فإبليس هو الذي سن التكبر، وقال بالتحسين والتقبيح العقليين أولا، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ ليس كفره كفر جحود. ثم بين وجه الأفضلية، فقال: { خلقتني من نار وخلقته من طين } ، فاعتقد أن النار خير من الطين، وقد غلط في ذلك، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار النتائج والثمرات، لا باعتبار العنصر والمادة فقط، ولا شك أن الطين ينشأ منه ما لا يحصى من الخيرات كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه. قال البيضاوي: رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى [ص:75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة، كما نبه عليه بقوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي } وباعتبار الغاية، وهو ملاكه، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما تبين لهم أنه أعلم منهم، وأنه له خواصا ليست لغيره. ه. ولما تبين عناده قال له تعالى: { فاهبط منها } أي: من السماء أو من الجنة، { فما يكون لك } أي: فما يصح لك { أن تتكبر فيها } وتعصى فإنها موطن الخاشع المطيع، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة، فإنه تعالى إنما أنزله وأهبطه لتكبره لا لمجرد عصيانه، { فاخرج إنك من الصاغرين } أي: ممن أهانه الله لتكبره. قال صلى الله عليه وسلم: " من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله ". ولما تحقق إبليس أنه مطرود، سأل الإمهال فقال: { أنظرني } أي: أخرني، { إلى يوم يبعثون } فلا تمتني، ولا تعجل عقوبتي، { قال إنك من المنظرين } يقتضي أنه أجابه إلى ما سأل، لكنه محمول على ما في الآية الأخرى: إلى يوم الوقت المعلوم [الحجر:38] وهو نفخ الصور النخة الأولى، { قال فبما أغويتني } أي: بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني، بسبب إغوائك إياي، والله { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ، وهو الطريق الذي يوصلهم إليك، فأقعد فيه، وأردهم عنه، { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } فآتيهم من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه. قال ابن عباس: { من بين أيديهم }: الدنيا يزينها لهم، { ومن خلفهم }: الآخرة ينسيها لهم، { وعن أيمانهم }: الحسنات يثبطهم عنها، { وعن شمائلهم }: السيئات يزينها في أعينهم. ه. ولم يجعل له سبيلا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم لأن الرحمة تنزل من أعلى، فلم يحل بينهم وبينها، والإتيان من تحت موحش، وأيضا: السفليات محل للتواضع والخشوع، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: لإن فوق: التوحيد، وتحت: الإسلام، ولا يمكن أن يأتي من توحيد ولا إسلام. ثم قال تعالى: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } مطيعين، قال بعض الصوفية: لو كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس فالشكر أعظم المقامات، وهو الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس، والشكر: هو ألا يعصى الله بنعمه، أو: صرف الجوارح كلها في طاعة الله، أو رؤية المنعم في النعمة، وإنما قال إبليس ذلك ظنا لقوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه [سبأ:20]، وسيأتي في الإشارة حقيقته. { قال } تعالى لإبليس: { اخرج منها } من السماء أو الجنة، { مذءوما } أي: مذموما، من ذامه، أي: ذمه، { مدحورا } أي: مطرودا. والله { لمن تبعك منهم } في الكفر { لأملان جهنم منكم أجمعين } أي: منك وممن تبعك. تنبيه: ذكر الفخر الرازي، في تفسيره، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم، فقال لهم: إني أسلم أن الله خالقي وموجدي، وهو موجد الخلق، ولكن لي على حكمته أسئلة: الأول: ما الحكمة في إيجاد خلقه، لا سيما وكان عالما بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود عليه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غيره واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته، فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته فلم لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره منه، وفيه أعظم الضرر؟ الخامس: لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوسة آدم؟ السادس: ثم لما فعل ذلك، فلم سلطني على أولاده. ومكنني من إغوائهم وإظلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا. ه. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله إليه من سرادقات الكبرياء: إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي، فأنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. قال الشهرستاني: اعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصا، أما إذا أجبنا بما أجاب به الحق سبحانه زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات. ه. قلت: من تشمرت فكرته بنور المعرفة، وعرف أسرار الحكمة والقدرة، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار: أما الحكمة في أيجاد خلقه فخلقهم ليعرف بهم. وفي الحديث القدسي: " كنت كنزا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقا لأعرف بهم " ، وليظهر بهم آثار قدرته وأسرار حكمته. وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه المنتقم. أما فائدة التكليف فلتقوم الحجة على العبيد، وليتميز من يستحق الإحسان ممن يستحق العذاب، فإذا عذبه لم يكن ظالما له ولا يظلم ربك أحدا [الكهف:49]، ولتظهر صورة العدل في الجملة. وأما تكليفه بالسجود لآدم فلأنه ادعى المحبة، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه، ولا تصعب إلا في الخضوع للجنس، أو من دونه، فأمره بالسجود لمن دونه في زعمه ليظهر كذبه في دعوى محبته، وأما لعنه وطرده فهو جزاء من كذب وعصى. وهذا الطرد كان في علمه تعالى، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات، فكان امتناعه واعتراضه سببا لإظهار ما سبق له في علم الله، كما كانت وسوسته لآدم سببا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. وأما تمكينه من دخول الجنة فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه لأن الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببا. أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلا تمسح به أوساخ الأقدار إذا إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كمال نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس أدبا مع الحضرة. وأما إمهاله فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم. وقوله: معلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا، مغالطة لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير الشر، وبهما وقع التجلي والظهور ليظهر آثار أسمائه تعالى فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله: إنك ما عرفتني... الخ.. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأكوان ظاهرها أغيار، وباطنها أنوار وأسرار، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار، ولعل إبليس لم ير في حال الأمر بالسجود من آدم إلا الأغيار، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار. ثم ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها، فقال: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة }.

الأعراف 7:19

يقول الحق جل جلاله: { ويا آدم اسكن أنت وزوجك } حواء { الجنة فكلا من حيث شئتما } من ثمارها، { ولا تقربا هذه الشجرة } التين أو العنب أو الحنطة، { فتكونا من الظالمين } لأنفسكما بمخالفتكما، { فوسوس لهما الشيطان } أي: فعل الوسوسة لأجلهما، وهوة الصوت الخفي، { ليبدي } أي: ليظهر { لهما ما ووري } أي: ما غطى { عنهما من سوآتهما } أي: عوارتهما، واللام: للعاقبة، أي: فعل الوسوسة لتكون عاقبتهما كشف عورتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحداهما من الآخر. وفيه دليل على أن كشف العورة، ولو عند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. { وقال } لهما: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا } كراهية { أن تكونا ملكين }. واستدل به من قال بفضل الملائكة على الأنبياء، وجوابه: أنه كان من المعلوم عندهما أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما فيما يحصل لهما من الغنى عن لطعام والشراب، فيمكن لهما الخلود في الجنة، ولذلك قال: { أو تكونا من الخالدين } الذين يخلدون في الجنة. ويؤخذ من قوله تعالى: { ما نهاكما ربكما } ، أن آدم عليه السلام لم يكن ناسيا للنهي، وإلا لما ذكره بقوله: { ما نهاكما ربكما } ، وقوله في سورة طه: { فنسي } ، أي: نسي أنه عدو له، ولذلك ركن إلى نصيحته، وقبل منه حتى تأول أن النهي عن عين الشجرة لا عن جنسهان فأكل من جنسها رغبة في الخلود، ولكنه غره من حيث الأخذ بالظواهر وترك الاحتياط. ولم يقصد إبليس إخراجهما من الجنة، وإنما قصد أسقاطهما من مرتبتهما، وإبعادهما كما بعد هو، فلم يلبغ قصده ولا أدرك مراده، بل ازداد سخينة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظن. قال الله تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه:122]، فصار عليه السلام خليفة لله في أرضه، بعد أن كان جارا له في داره، فكم بين الخليفة والجار؟ { وقاسمهما } أي: خلف لهما { إني لكما لمن الناصحين } فيما قلت لكما. وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين مبالغة لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته. { فدلاهما } ، أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة، { بغرور } أي: بما غرهما به من القسم، لأنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، { فلما ذاقا الشجرة } أي: وجدا طعمها، آخذين في الأكل منها، { بدت لهما سوآتهما } ، وتهافت عنهما ثيابهما، فظهرت لهما عوراتهما أدبا لهما. وقيل: كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النظر، فلما أكلا انكشف عنهما، وظهرت عورتهما، { وطفقا } أي: جعلا { يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي: أهذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة ليستترا به، قيل: كان ورق التين. فآدم أول من لبس المرقعه، { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } هذا عتاب على المخالفة، وتوبيخ على الاغترار بالعدو. وفيه دليل على ان مطلق النهي للتحريم. ثم صرحا بالتوبة فقالا: { ربنا ظلمنا أنفسنا } حين صدرناها للمعصية، وتعرضنا للإخراج من الجنة، { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بها. قال البيضاوي: فيه دليل على أن الصغائر يعاقب عليها إن لم تغفر، وقالت المعتزلة: لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر، ولذلك قالوا: إنما قالا ذلك على عادة المقربين في تعظيم الصغير من السيئات، واستحقار العظيم من الحسنات.ه. { قال اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو: لهما ولإبليس، وكرر الأمر له تبعا ليعلم أنهم قرناء له أبدا. حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي: متعادين، { ولكم في الأرض مستقر } أي: استقرار، { ومتاع } أي: تمتع، { إلى حين } انقضاء آجالكم، { قال فيها } أي: في الأرض { تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } للجزاء، بالنعيم، أو بالعذاب الأليم، على حسب سعيكم في هذه الدار الفانية. الإشارة: قال بعض العارفين: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو شجرة آدم، فمن دخل جنة المعارف، ثم غلبه القدر فأكل من تلك الشجرة وهي شجرة سوء الأدب أخرج منها، فإن كان ممن سبقت له العناية ألهم التوبة، فتاب عليه وهداه، وأهبطه إلى أرض العبودية ليكون خليفة الله في أرضه، فأنعم بها معصية أورثت الخلافة والزلفى. وفي الحكم: " ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ". وقال أيضا: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ". وقال بعضهم: كل سوء أدب يثمر لك أدبا فهو أدب. والله تعالى أعلم. ثم ذكرهم بنعمة اللباس، الذي عوضهم به في الدنيا عن لباس الجنة، فقال: { يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم }.

الأعراف 7:20

يقول الحق جل جلاله: { ويا آدم اسكن أنت وزوجك } حواء { الجنة فكلا من حيث شئتما } من ثمارها، { ولا تقربا هذه الشجرة } التين أو العنب أو الحنطة، { فتكونا من الظالمين } لأنفسكما بمخالفتكما، { فوسوس لهما الشيطان } أي: فعل الوسوسة لأجلهما، وهوة الصوت الخفي، { ليبدي } أي: ليظهر { لهما ما ووري } أي: ما غطى { عنهما من سوآتهما } أي: عوارتهما، واللام: للعاقبة، أي: فعل الوسوسة لتكون عاقبتهما كشف عورتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحداهما من الآخر. وفيه دليل على أن كشف العورة، ولو عند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. { وقال } لهما: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا } كراهية { أن تكونا ملكين }. واستدل به من قال بفضل الملائكة على الأنبياء، وجوابه: أنه كان من المعلوم عندهما أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما فيما يحصل لهما من الغنى عن لطعام والشراب، فيمكن لهما الخلود في الجنة، ولذلك قال: { أو تكونا من الخالدين } الذين يخلدون في الجنة. ويؤخذ من قوله تعالى: { ما نهاكما ربكما } ، أن آدم عليه السلام لم يكن ناسيا للنهي، وإلا لما ذكره بقوله: { ما نهاكما ربكما } ، وقوله في سورة طه: { فنسي } ، أي: نسي أنه عدو له، ولذلك ركن إلى نصيحته، وقبل منه حتى تأول أن النهي عن عين الشجرة لا عن جنسهان فأكل من جنسها رغبة في الخلود، ولكنه غره من حيث الأخذ بالظواهر وترك الاحتياط. ولم يقصد إبليس إخراجهما من الجنة، وإنما قصد أسقاطهما من مرتبتهما، وإبعادهما كما بعد هو، فلم يلبغ قصده ولا أدرك مراده، بل ازداد سخينة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظن. قال الله تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه:122]، فصار عليه السلام خليفة لله في أرضه، بعد أن كان جارا له في داره، فكم بين الخليفة والجار؟ { وقاسمهما } أي: خلف لهما { إني لكما لمن الناصحين } فيما قلت لكما. وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين مبالغة لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته. { فدلاهما } ، أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة، { بغرور } أي: بما غرهما به من القسم، لأنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، { فلما ذاقا الشجرة } أي: وجدا طعمها، آخذين في الأكل منها، { بدت لهما سوآتهما } ، وتهافت عنهما ثيابهما، فظهرت لهما عوراتهما أدبا لهما. وقيل: كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النظر، فلما أكلا انكشف عنهما، وظهرت عورتهما، { وطفقا } أي: جعلا { يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي: أهذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة ليستترا به، قيل: كان ورق التين. فآدم أول من لبس المرقعه، { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } هذا عتاب على المخالفة، وتوبيخ على الاغترار بالعدو. وفيه دليل على ان مطلق النهي للتحريم. ثم صرحا بالتوبة فقالا: { ربنا ظلمنا أنفسنا } حين صدرناها للمعصية، وتعرضنا للإخراج من الجنة، { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بها. قال البيضاوي: فيه دليل على أن الصغائر يعاقب عليها إن لم تغفر، وقالت المعتزلة: لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر، ولذلك قالوا: إنما قالا ذلك على عادة المقربين في تعظيم الصغير من السيئات، واستحقار العظيم من الحسنات.ه. { قال اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو: لهما ولإبليس، وكرر الأمر له تبعا ليعلم أنهم قرناء له أبدا. حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي: متعادين، { ولكم في الأرض مستقر } أي: استقرار، { ومتاع } أي: تمتع، { إلى حين } انقضاء آجالكم، { قال فيها } أي: في الأرض { تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } للجزاء، بالنعيم، أو بالعذاب الأليم، على حسب سعيكم في هذه الدار الفانية. الإشارة: قال بعض العارفين: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو شجرة آدم، فمن دخل جنة المعارف، ثم غلبه القدر فأكل من تلك الشجرة وهي شجرة سوء الأدب أخرج منها، فإن كان ممن سبقت له العناية ألهم التوبة، فتاب عليه وهداه، وأهبطه إلى أرض العبودية ليكون خليفة الله في أرضه، فأنعم بها معصية أورثت الخلافة والزلفى. وفي الحكم: " ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ". وقال أيضا: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ". وقال بعضهم: كل سوء أدب يثمر لك أدبا فهو أدب. والله تعالى أعلم. ثم ذكرهم بنعمة اللباس، الذي عوضهم به في الدنيا عن لباس الجنة، فقال: { يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم }.

الأعراف 7:21

يقول الحق جل جلاله: { ويا آدم اسكن أنت وزوجك } حواء { الجنة فكلا من حيث شئتما } من ثمارها، { ولا تقربا هذه الشجرة } التين أو العنب أو الحنطة، { فتكونا من الظالمين } لأنفسكما بمخالفتكما، { فوسوس لهما الشيطان } أي: فعل الوسوسة لأجلهما، وهوة الصوت الخفي، { ليبدي } أي: ليظهر { لهما ما ووري } أي: ما غطى { عنهما من سوآتهما } أي: عوارتهما، واللام: للعاقبة، أي: فعل الوسوسة لتكون عاقبتهما كشف عورتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحداهما من الآخر. وفيه دليل على أن كشف العورة، ولو عند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. { وقال } لهما: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا } كراهية { أن تكونا ملكين }. واستدل به من قال بفضل الملائكة على الأنبياء، وجوابه: أنه كان من المعلوم عندهما أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما فيما يحصل لهما من الغنى عن لطعام والشراب، فيمكن لهما الخلود في الجنة، ولذلك قال: { أو تكونا من الخالدين } الذين يخلدون في الجنة. ويؤخذ من قوله تعالى: { ما نهاكما ربكما } ، أن آدم عليه السلام لم يكن ناسيا للنهي، وإلا لما ذكره بقوله: { ما نهاكما ربكما } ، وقوله في سورة طه: { فنسي } ، أي: نسي أنه عدو له، ولذلك ركن إلى نصيحته، وقبل منه حتى تأول أن النهي عن عين الشجرة لا عن جنسهان فأكل من جنسها رغبة في الخلود، ولكنه غره من حيث الأخذ بالظواهر وترك الاحتياط. ولم يقصد إبليس إخراجهما من الجنة، وإنما قصد أسقاطهما من مرتبتهما، وإبعادهما كما بعد هو، فلم يلبغ قصده ولا أدرك مراده، بل ازداد سخينة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظن. قال الله تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه:122]، فصار عليه السلام خليفة لله في أرضه، بعد أن كان جارا له في داره، فكم بين الخليفة والجار؟ { وقاسمهما } أي: خلف لهما { إني لكما لمن الناصحين } فيما قلت لكما. وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين مبالغة لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته. { فدلاهما } ، أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة، { بغرور } أي: بما غرهما به من القسم، لأنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، { فلما ذاقا الشجرة } أي: وجدا طعمها، آخذين في الأكل منها، { بدت لهما سوآتهما } ، وتهافت عنهما ثيابهما، فظهرت لهما عوراتهما أدبا لهما. وقيل: كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النظر، فلما أكلا انكشف عنهما، وظهرت عورتهما، { وطفقا } أي: جعلا { يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي: أهذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة ليستترا به، قيل: كان ورق التين. فآدم أول من لبس المرقعه، { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } هذا عتاب على المخالفة، وتوبيخ على الاغترار بالعدو. وفيه دليل على ان مطلق النهي للتحريم. ثم صرحا بالتوبة فقالا: { ربنا ظلمنا أنفسنا } حين صدرناها للمعصية، وتعرضنا للإخراج من الجنة، { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بها. قال البيضاوي: فيه دليل على أن الصغائر يعاقب عليها إن لم تغفر، وقالت المعتزلة: لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر، ولذلك قالوا: إنما قالا ذلك على عادة المقربين في تعظيم الصغير من السيئات، واستحقار العظيم من الحسنات.ه. { قال اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو: لهما ولإبليس، وكرر الأمر له تبعا ليعلم أنهم قرناء له أبدا. حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي: متعادين، { ولكم في الأرض مستقر } أي: استقرار، { ومتاع } أي: تمتع، { إلى حين } انقضاء آجالكم، { قال فيها } أي: في الأرض { تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } للجزاء، بالنعيم، أو بالعذاب الأليم، على حسب سعيكم في هذه الدار الفانية. الإشارة: قال بعض العارفين: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو شجرة آدم، فمن دخل جنة المعارف، ثم غلبه القدر فأكل من تلك الشجرة وهي شجرة سوء الأدب أخرج منها، فإن كان ممن سبقت له العناية ألهم التوبة، فتاب عليه وهداه، وأهبطه إلى أرض العبودية ليكون خليفة الله في أرضه، فأنعم بها معصية أورثت الخلافة والزلفى. وفي الحكم: " ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ". وقال أيضا: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ". وقال بعضهم: كل سوء أدب يثمر لك أدبا فهو أدب. والله تعالى أعلم. ثم ذكرهم بنعمة اللباس، الذي عوضهم به في الدنيا عن لباس الجنة، فقال: { يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم }.

الأعراف 7:22

يقول الحق جل جلاله: { ويا آدم اسكن أنت وزوجك } حواء { الجنة فكلا من حيث شئتما } من ثمارها، { ولا تقربا هذه الشجرة } التين أو العنب أو الحنطة، { فتكونا من الظالمين } لأنفسكما بمخالفتكما، { فوسوس لهما الشيطان } أي: فعل الوسوسة لأجلهما، وهوة الصوت الخفي، { ليبدي } أي: ليظهر { لهما ما ووري } أي: ما غطى { عنهما من سوآتهما } أي: عوارتهما، واللام: للعاقبة، أي: فعل الوسوسة لتكون عاقبتهما كشف عورتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحداهما من الآخر. وفيه دليل على أن كشف العورة، ولو عند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. { وقال } لهما: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا } كراهية { أن تكونا ملكين }. واستدل به من قال بفضل الملائكة على الأنبياء، وجوابه: أنه كان من المعلوم عندهما أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما فيما يحصل لهما من الغنى عن لطعام والشراب، فيمكن لهما الخلود في الجنة، ولذلك قال: { أو تكونا من الخالدين } الذين يخلدون في الجنة. ويؤخذ من قوله تعالى: { ما نهاكما ربكما } ، أن آدم عليه السلام لم يكن ناسيا للنهي، وإلا لما ذكره بقوله: { ما نهاكما ربكما } ، وقوله في سورة طه: { فنسي } ، أي: نسي أنه عدو له، ولذلك ركن إلى نصيحته، وقبل منه حتى تأول أن النهي عن عين الشجرة لا عن جنسهان فأكل من جنسها رغبة في الخلود، ولكنه غره من حيث الأخذ بالظواهر وترك الاحتياط. ولم يقصد إبليس إخراجهما من الجنة، وإنما قصد أسقاطهما من مرتبتهما، وإبعادهما كما بعد هو، فلم يلبغ قصده ولا أدرك مراده، بل ازداد سخينة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظن. قال الله تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه:122]، فصار عليه السلام خليفة لله في أرضه، بعد أن كان جارا له في داره، فكم بين الخليفة والجار؟ { وقاسمهما } أي: خلف لهما { إني لكما لمن الناصحين } فيما قلت لكما. وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين مبالغة لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته. { فدلاهما } ، أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة، { بغرور } أي: بما غرهما به من القسم، لأنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، { فلما ذاقا الشجرة } أي: وجدا طعمها، آخذين في الأكل منها، { بدت لهما سوآتهما } ، وتهافت عنهما ثيابهما، فظهرت لهما عوراتهما أدبا لهما. وقيل: كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النظر، فلما أكلا انكشف عنهما، وظهرت عورتهما، { وطفقا } أي: جعلا { يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي: أهذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة ليستترا به، قيل: كان ورق التين. فآدم أول من لبس المرقعه، { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } هذا عتاب على المخالفة، وتوبيخ على الاغترار بالعدو. وفيه دليل على ان مطلق النهي للتحريم. ثم صرحا بالتوبة فقالا: { ربنا ظلمنا أنفسنا } حين صدرناها للمعصية، وتعرضنا للإخراج من الجنة، { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بها. قال البيضاوي: فيه دليل على أن الصغائر يعاقب عليها إن لم تغفر، وقالت المعتزلة: لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر، ولذلك قالوا: إنما قالا ذلك على عادة المقربين في تعظيم الصغير من السيئات، واستحقار العظيم من الحسنات.ه. { قال اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو: لهما ولإبليس، وكرر الأمر له تبعا ليعلم أنهم قرناء له أبدا. حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي: متعادين، { ولكم في الأرض مستقر } أي: استقرار، { ومتاع } أي: تمتع، { إلى حين } انقضاء آجالكم، { قال فيها } أي: في الأرض { تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } للجزاء، بالنعيم، أو بالعذاب الأليم، على حسب سعيكم في هذه الدار الفانية. الإشارة: قال بعض العارفين: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو شجرة آدم، فمن دخل جنة المعارف، ثم غلبه القدر فأكل من تلك الشجرة وهي شجرة سوء الأدب أخرج منها، فإن كان ممن سبقت له العناية ألهم التوبة، فتاب عليه وهداه، وأهبطه إلى أرض العبودية ليكون خليفة الله في أرضه، فأنعم بها معصية أورثت الخلافة والزلفى. وفي الحكم: " ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ". وقال أيضا: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ". وقال بعضهم: كل سوء أدب يثمر لك أدبا فهو أدب. والله تعالى أعلم. ثم ذكرهم بنعمة اللباس، الذي عوضهم به في الدنيا عن لباس الجنة، فقال: { يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم }.

الأعراف 7:23

يقول الحق جل جلاله: { ويا آدم اسكن أنت وزوجك } حواء { الجنة فكلا من حيث شئتما } من ثمارها، { ولا تقربا هذه الشجرة } التين أو العنب أو الحنطة، { فتكونا من الظالمين } لأنفسكما بمخالفتكما، { فوسوس لهما الشيطان } أي: فعل الوسوسة لأجلهما، وهوة الصوت الخفي، { ليبدي } أي: ليظهر { لهما ما ووري } أي: ما غطى { عنهما من سوآتهما } أي: عوارتهما، واللام: للعاقبة، أي: فعل الوسوسة لتكون عاقبتهما كشف عورتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحداهما من الآخر. وفيه دليل على أن كشف العورة، ولو عند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. { وقال } لهما: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا } كراهية { أن تكونا ملكين }. واستدل به من قال بفضل الملائكة على الأنبياء، وجوابه: أنه كان من المعلوم عندهما أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما فيما يحصل لهما من الغنى عن لطعام والشراب، فيمكن لهما الخلود في الجنة، ولذلك قال: { أو تكونا من الخالدين } الذين يخلدون في الجنة. ويؤخذ من قوله تعالى: { ما نهاكما ربكما } ، أن آدم عليه السلام لم يكن ناسيا للنهي، وإلا لما ذكره بقوله: { ما نهاكما ربكما } ، وقوله في سورة طه: { فنسي } ، أي: نسي أنه عدو له، ولذلك ركن إلى نصيحته، وقبل منه حتى تأول أن النهي عن عين الشجرة لا عن جنسهان فأكل من جنسها رغبة في الخلود، ولكنه غره من حيث الأخذ بالظواهر وترك الاحتياط. ولم يقصد إبليس إخراجهما من الجنة، وإنما قصد أسقاطهما من مرتبتهما، وإبعادهما كما بعد هو، فلم يلبغ قصده ولا أدرك مراده، بل ازداد سخينة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظن. قال الله تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه:122]، فصار عليه السلام خليفة لله في أرضه، بعد أن كان جارا له في داره، فكم بين الخليفة والجار؟ { وقاسمهما } أي: خلف لهما { إني لكما لمن الناصحين } فيما قلت لكما. وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين مبالغة لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته. { فدلاهما } ، أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة، { بغرور } أي: بما غرهما به من القسم، لأنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، { فلما ذاقا الشجرة } أي: وجدا طعمها، آخذين في الأكل منها، { بدت لهما سوآتهما } ، وتهافت عنهما ثيابهما، فظهرت لهما عوراتهما أدبا لهما. وقيل: كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النظر، فلما أكلا انكشف عنهما، وظهرت عورتهما، { وطفقا } أي: جعلا { يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي: أهذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة ليستترا به، قيل: كان ورق التين. فآدم أول من لبس المرقعه، { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } هذا عتاب على المخالفة، وتوبيخ على الاغترار بالعدو. وفيه دليل على ان مطلق النهي للتحريم. ثم صرحا بالتوبة فقالا: { ربنا ظلمنا أنفسنا } حين صدرناها للمعصية، وتعرضنا للإخراج من الجنة، { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بها. قال البيضاوي: فيه دليل على أن الصغائر يعاقب عليها إن لم تغفر، وقالت المعتزلة: لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر، ولذلك قالوا: إنما قالا ذلك على عادة المقربين في تعظيم الصغير من السيئات، واستحقار العظيم من الحسنات.ه. { قال اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو: لهما ولإبليس، وكرر الأمر له تبعا ليعلم أنهم قرناء له أبدا. حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي: متعادين، { ولكم في الأرض مستقر } أي: استقرار، { ومتاع } أي: تمتع، { إلى حين } انقضاء آجالكم، { قال فيها } أي: في الأرض { تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } للجزاء، بالنعيم، أو بالعذاب الأليم، على حسب سعيكم في هذه الدار الفانية. الإشارة: قال بعض العارفين: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو شجرة آدم، فمن دخل جنة المعارف، ثم غلبه القدر فأكل من تلك الشجرة وهي شجرة سوء الأدب أخرج منها، فإن كان ممن سبقت له العناية ألهم التوبة، فتاب عليه وهداه، وأهبطه إلى أرض العبودية ليكون خليفة الله في أرضه، فأنعم بها معصية أورثت الخلافة والزلفى. وفي الحكم: " ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ". وقال أيضا: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ". وقال بعضهم: كل سوء أدب يثمر لك أدبا فهو أدب. والله تعالى أعلم. ثم ذكرهم بنعمة اللباس، الذي عوضهم به في الدنيا عن لباس الجنة، فقال: { يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم }.

الأعراف 7:24

يقول الحق جل جلاله: { ويا آدم اسكن أنت وزوجك } حواء { الجنة فكلا من حيث شئتما } من ثمارها، { ولا تقربا هذه الشجرة } التين أو العنب أو الحنطة، { فتكونا من الظالمين } لأنفسكما بمخالفتكما، { فوسوس لهما الشيطان } أي: فعل الوسوسة لأجلهما، وهوة الصوت الخفي، { ليبدي } أي: ليظهر { لهما ما ووري } أي: ما غطى { عنهما من سوآتهما } أي: عوارتهما، واللام: للعاقبة، أي: فعل الوسوسة لتكون عاقبتهما كشف عورتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحداهما من الآخر. وفيه دليل على أن كشف العورة، ولو عند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. { وقال } لهما: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا } كراهية { أن تكونا ملكين }. واستدل به من قال بفضل الملائكة على الأنبياء، وجوابه: أنه كان من المعلوم عندهما أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما فيما يحصل لهما من الغنى عن لطعام والشراب، فيمكن لهما الخلود في الجنة، ولذلك قال: { أو تكونا من الخالدين } الذين يخلدون في الجنة. ويؤخذ من قوله تعالى: { ما نهاكما ربكما } ، أن آدم عليه السلام لم يكن ناسيا للنهي، وإلا لما ذكره بقوله: { ما نهاكما ربكما } ، وقوله في سورة طه: { فنسي } ، أي: نسي أنه عدو له، ولذلك ركن إلى نصيحته، وقبل منه حتى تأول أن النهي عن عين الشجرة لا عن جنسهان فأكل من جنسها رغبة في الخلود، ولكنه غره من حيث الأخذ بالظواهر وترك الاحتياط. ولم يقصد إبليس إخراجهما من الجنة، وإنما قصد أسقاطهما من مرتبتهما، وإبعادهما كما بعد هو، فلم يلبغ قصده ولا أدرك مراده، بل ازداد سخينة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظن. قال الله تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه:122]، فصار عليه السلام خليفة لله في أرضه، بعد أن كان جارا له في داره، فكم بين الخليفة والجار؟ { وقاسمهما } أي: خلف لهما { إني لكما لمن الناصحين } فيما قلت لكما. وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين مبالغة لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته. { فدلاهما } ، أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة، { بغرور } أي: بما غرهما به من القسم، لأنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، { فلما ذاقا الشجرة } أي: وجدا طعمها، آخذين في الأكل منها، { بدت لهما سوآتهما } ، وتهافت عنهما ثيابهما، فظهرت لهما عوراتهما أدبا لهما. وقيل: كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النظر، فلما أكلا انكشف عنهما، وظهرت عورتهما، { وطفقا } أي: جعلا { يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي: أهذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة ليستترا به، قيل: كان ورق التين. فآدم أول من لبس المرقعه، { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } هذا عتاب على المخالفة، وتوبيخ على الاغترار بالعدو. وفيه دليل على ان مطلق النهي للتحريم. ثم صرحا بالتوبة فقالا: { ربنا ظلمنا أنفسنا } حين صدرناها للمعصية، وتعرضنا للإخراج من الجنة، { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بها. قال البيضاوي: فيه دليل على أن الصغائر يعاقب عليها إن لم تغفر، وقالت المعتزلة: لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر، ولذلك قالوا: إنما قالا ذلك على عادة المقربين في تعظيم الصغير من السيئات، واستحقار العظيم من الحسنات.ه. { قال اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو: لهما ولإبليس، وكرر الأمر له تبعا ليعلم أنهم قرناء له أبدا. حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي: متعادين، { ولكم في الأرض مستقر } أي: استقرار، { ومتاع } أي: تمتع، { إلى حين } انقضاء آجالكم، { قال فيها } أي: في الأرض { تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } للجزاء، بالنعيم، أو بالعذاب الأليم، على حسب سعيكم في هذه الدار الفانية. الإشارة: قال بعض العارفين: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو شجرة آدم، فمن دخل جنة المعارف، ثم غلبه القدر فأكل من تلك الشجرة وهي شجرة سوء الأدب أخرج منها، فإن كان ممن سبقت له العناية ألهم التوبة، فتاب عليه وهداه، وأهبطه إلى أرض العبودية ليكون خليفة الله في أرضه، فأنعم بها معصية أورثت الخلافة والزلفى. وفي الحكم: " ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ". وقال أيضا: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ". وقال بعضهم: كل سوء أدب يثمر لك أدبا فهو أدب. والله تعالى أعلم. ثم ذكرهم بنعمة اللباس، الذي عوضهم به في الدنيا عن لباس الجنة، فقال: { يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم }.

الأعراف 7:25

يقول الحق جل جلاله: { ويا آدم اسكن أنت وزوجك } حواء { الجنة فكلا من حيث شئتما } من ثمارها، { ولا تقربا هذه الشجرة } التين أو العنب أو الحنطة، { فتكونا من الظالمين } لأنفسكما بمخالفتكما، { فوسوس لهما الشيطان } أي: فعل الوسوسة لأجلهما، وهوة الصوت الخفي، { ليبدي } أي: ليظهر { لهما ما ووري } أي: ما غطى { عنهما من سوآتهما } أي: عوارتهما، واللام: للعاقبة، أي: فعل الوسوسة لتكون عاقبتهما كشف عورتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحداهما من الآخر. وفيه دليل على أن كشف العورة، ولو عند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. { وقال } لهما: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا } كراهية { أن تكونا ملكين }. واستدل به من قال بفضل الملائكة على الأنبياء، وجوابه: أنه كان من المعلوم عندهما أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما فيما يحصل لهما من الغنى عن لطعام والشراب، فيمكن لهما الخلود في الجنة، ولذلك قال: { أو تكونا من الخالدين } الذين يخلدون في الجنة. ويؤخذ من قوله تعالى: { ما نهاكما ربكما } ، أن آدم عليه السلام لم يكن ناسيا للنهي، وإلا لما ذكره بقوله: { ما نهاكما ربكما } ، وقوله في سورة طه: { فنسي } ، أي: نسي أنه عدو له، ولذلك ركن إلى نصيحته، وقبل منه حتى تأول أن النهي عن عين الشجرة لا عن جنسهان فأكل من جنسها رغبة في الخلود، ولكنه غره من حيث الأخذ بالظواهر وترك الاحتياط. ولم يقصد إبليس إخراجهما من الجنة، وإنما قصد أسقاطهما من مرتبتهما، وإبعادهما كما بعد هو، فلم يلبغ قصده ولا أدرك مراده، بل ازداد سخينة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظن. قال الله تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [طه:122]، فصار عليه السلام خليفة لله في أرضه، بعد أن كان جارا له في داره، فكم بين الخليفة والجار؟ { وقاسمهما } أي: خلف لهما { إني لكما لمن الناصحين } فيما قلت لكما. وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين مبالغة لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته. { فدلاهما } ، أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة، { بغرور } أي: بما غرهما به من القسم، لأنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، { فلما ذاقا الشجرة } أي: وجدا طعمها، آخذين في الأكل منها، { بدت لهما سوآتهما } ، وتهافت عنهما ثيابهما، فظهرت لهما عوراتهما أدبا لهما. وقيل: كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النظر، فلما أكلا انكشف عنهما، وظهرت عورتهما، { وطفقا } أي: جعلا { يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي: أهذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة ليستترا به، قيل: كان ورق التين. فآدم أول من لبس المرقعه، { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } هذا عتاب على المخالفة، وتوبيخ على الاغترار بالعدو. وفيه دليل على ان مطلق النهي للتحريم. ثم صرحا بالتوبة فقالا: { ربنا ظلمنا أنفسنا } حين صدرناها للمعصية، وتعرضنا للإخراج من الجنة، { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بها. قال البيضاوي: فيه دليل على أن الصغائر يعاقب عليها إن لم تغفر، وقالت المعتزلة: لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر، ولذلك قالوا: إنما قالا ذلك على عادة المقربين في تعظيم الصغير من السيئات، واستحقار العظيم من الحسنات.ه. { قال اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو: لهما ولإبليس، وكرر الأمر له تبعا ليعلم أنهم قرناء له أبدا. حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي: متعادين، { ولكم في الأرض مستقر } أي: استقرار، { ومتاع } أي: تمتع، { إلى حين } انقضاء آجالكم، { قال فيها } أي: في الأرض { تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } للجزاء، بالنعيم، أو بالعذاب الأليم، على حسب سعيكم في هذه الدار الفانية. الإشارة: قال بعض العارفين: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو شجرة آدم، فمن دخل جنة المعارف، ثم غلبه القدر فأكل من تلك الشجرة وهي شجرة سوء الأدب أخرج منها، فإن كان ممن سبقت له العناية ألهم التوبة، فتاب عليه وهداه، وأهبطه إلى أرض العبودية ليكون خليفة الله في أرضه، فأنعم بها معصية أورثت الخلافة والزلفى. وفي الحكم: " ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ". وقال أيضا: " معصية أورثت ذلا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ". وقال بعضهم: كل سوء أدب يثمر لك أدبا فهو أدب. والله تعالى أعلم. ثم ذكرهم بنعمة اللباس، الذي عوضهم به في الدنيا عن لباس الجنة، فقال: { يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم }.

الأعراف 7:26

قلت: من قرأ: { لباس } بالرفع، فهو متبدأ، والجملة: خبر، والرابط: الإشارة، والريش: لباس الزينة، مستعار من ريش الطير. يقول الحق جل جلاله: { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا } أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة، ونظيره: قوله تعالى: وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج [الزمر:6]، وقوله تعالى: وأنزلنا الحديد [الحديد:25]. من صفة ذلك اللباس: { يواري } أي: يستر { سوآتكم } التي قصد إبليس إبداءها، ويغنيكم عن خصف الورق. روي أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا الله تعالى فيها، فنزلت. ولعل ذكر قصة آدم تقدمه لذلك حتى يعلم أن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان، وأنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم. قاله البيضاوي. { وريشا } أي: ولباسا فاخرا تتجملون به { ولباس } أي: وأنزلنا عليكم لباس { التقوى } ، وهي خشية الله تعالى، أو الإيمان، أو السمت الحسن، واستعار لها اللباس كقولهم: ألبسك الله لباس تقواه، وقيل: لباس الحرب. ومن قرأ بالرفع فخبره: { ذلك خير } أي: لباس التقوى خير من لباس الدنيا لبقائه في دار البقاء دون لباس الدنيا فإنه فان في دار الفناء، { ذلك } أي: إنزال اللباس من حيث هو خير { من آيات الله } الدالة على فضله ورحمته، { لعلهم يذكرون } فيعرفون نعمه، فيشكرون عليها، أو يتعظون فينزجرون عن القبائح. الإشارة: اللباس الذي يواري سوءات العبودية أي: نقائصها هي أوصاف الربوبية ونعوت الألوهية من عز وغنى، وعظمة وإجلال، وأنوار وأسرار، التي أشار إليها في الحكم بقوله: " لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك، ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبدا، ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه غطى وصفك بوصفه، ونعتك بنعته، فوصلك بما منه إليك، لا بما منك إليه ". والريش هو بهجة أسرار المعاني التي تغيب ظلمة الأواني، أو بهجة الأنوار التي تفني الأغيار، ولباس التقوى هي حفظه ورعايته لأوليائه في الظاهر والباطن مما يكدر صفاءهم أو يطمس أنوارهم. والله تعالى أعلم. ثم حذرهم من الشيطان، وأعملهم بسابق عداوته، فقال: { يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان }.

الأعراف 7:27

يقول الحق جل جلاله: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان } بأن يشغلكم عما يقربكم إلى الله، ويحملكم على ما يمنعكم من دخول جنته، { كما أخرج أبويكم من الجنة } بسبب غروره، والنهي، في اللفظ، للشيطان، والمراد: نهيهم عن اتباعه. حال كون أبويكم { ينزع } الشيطان { عنهما لباسهما } بسبب غروره لهما، وإسناد النزع إليه: مجاز للسببية { ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } ، وهو تعليل للنهي. وتحذير من فتنته، و { قبيله }: جنوده. ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا يقتصي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا، وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة فتحمل الآية على الأكثر والغالب. قال تعالى: { إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } بما أوجدنا بينهم من التناسب، أو بإرسالهم عليهم، وتمكينهم من خذلانهم، وحملهم على ما سولوا لهم، والآية هي مقصود القصة وفذلكة الحكاية. قاله البيضاوي. الإشارة: الحكمة في خلق الشيطان هي كونه منديلا تمسح فيه أوساخ الأقدار، وكونه يحوش أولياء الله إلى الله، كلما نخسهم بنزعه فزعوا إلى مولاهم، فلا يزال بهم كذلك حتى يوصلهم إلى حضرته، فحينئذ ينقاد إليهم، ويخدمهم بأولاده. وفي الحكم: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". قال محمد بن واسع: تمثل إلى الشيطان في طريق المسجد، فقال لي: يا ابن واسع، كلما أردتك وجدت بيني وبينك حجابا، فما ذلك؟ قال: أقرأ، كلما أصبحت: اللهم إنك سلطت علينا عدوا من أعدائنا، بصيرا بعيوبنا، مطلعا على عوراتنا، يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، اللهم آيسه منا كما آيسته من رحمتك، وقنطه منا كما قنطته من عفوك، وباعد بيننا وبينه كما باعدت بين المشرق والمغرب وفي رواية: كما باعدت بينه وبين جنتك إنك على كل شيء قدير. ه. ثم ذكر مساوئ أولياء الشيطان، فقال: { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا }.

الأعراف 7:28

يقول الحق جل جلاله: في وصف المشركين: { وإذا فعلوا فاحشة } أي: فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم، وكشف العورة في الطواف، احتجوا بفعل آبائهم فقالوا: { وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها } فاعتذروا بعذرين باطلين: أحدهما: تقليد آبائهم، والآخر: افتراؤهم على الله، فأعرض عن الأول لظهور فساده، ورد الثاني بقوله: { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } لأن الله تعالى جرت عادته على الأمر بمحاسن الأفعال ومكارم الخلال. ولا حجة فيه للمعتزلة. انظر البيضاوي. والآية كأنها جواب سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم: لم فعلتم هذه الفواحش؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا، فقيل: ومن أين أخذها آباؤكم؟ قالوا: الله أمرنا بها، فكذبهم الله بقوله: { إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } ، أي: أتتقولون على الله ما لا علم لكم به إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله. { قل أمر ربي بالقسط } أي: العدل، وهو الوسط من كل أمر، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط، وأمر بأن قال: { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } أي: افعلوا الصلاة في كل مكان يمكن في السجود إذا حضرتكم، ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. والمعنى: إباحة الصلاة في كل موضع، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " وقيل: المراد إحضار النية والإخلاص لله في كل صلاة بدليل قوله: { وادعوه } أي: اعبدوه { مخلصين له الدين } أي: الطاعة، فلا تعبدوا معه غيره، فإنكم راجعون إليه، { كما بدأكم تعودون } فيجازيكم على أعمالكم، فاحتج على البعث الأخروي بالبدأة الأولى لاشتراكهما في تعلق القدرة بهما، بل العود أسهل باعتبار العادة، وقيل: كما بدأكم من التراب، تعودون إليه، وقيل: كما بدأكم حفاة عراة غرلا، تعودون، وقيل: كما بدأكم مؤمنا وكافرا، يعيدكم. قاله البيضاوي. { فريقا هدى } بأن وفقهم للإيمان، { وفريقا حق عليهم الضلالة } بمقتضى القضاء السابق، أي: خذل فريقا حق عليهم الضلالة، { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء } يطيعونهم فيما يأمرونهم به، { من دون الله } ، وهذا تعليل لخذلانهم وتحقيق لضلالتهم، { ويحسبون } أي: يظنون { أنهم مهتدون } فهم على جهل مركب، وفيه دليل على أن الكافر المخطىء والمعاند: سواء في الذم واستحقاق العذاب إذ لا يعذر بالخطأ في أمر التوحيد. الإشارة: تقليد الآباء في المساوىء من أقبح المساوىء، واحتجاج العبد بتخليته مع هواه هو ممن اتخذ إلهه هواه، إن الله لا يأمر بالفحشاء، فإذا قال العبد في حال انهماكه: هكذا أحبني ربي، فهو خطأ في الاحتجاج بل يجاهد نفسه في الإقلاع، ويتضرع إلى مولاه في التوفيق فإن الحق تعالى إنما يأمر بالعدل والإحسان، ودوام الطاعة والإذعان، والخضوع لله في كل زمان ومكان، والتحقق بالإخلاص في كل أوان، وإفراد المحبة والولاية للكريم المنان. وبالله التوفيق. ثم أمرهم بستر العورة في الصلاة والطواف، فقال: { يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد }.

الأعراف 7:29

يقول الحق جل جلاله: في وصف المشركين: { وإذا فعلوا فاحشة } أي: فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم، وكشف العورة في الطواف، احتجوا بفعل آبائهم فقالوا: { وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها } فاعتذروا بعذرين باطلين: أحدهما: تقليد آبائهم، والآخر: افتراؤهم على الله، فأعرض عن الأول لظهور فساده، ورد الثاني بقوله: { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } لأن الله تعالى جرت عادته على الأمر بمحاسن الأفعال ومكارم الخلال. ولا حجة فيه للمعتزلة. انظر البيضاوي. والآية كأنها جواب سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم: لم فعلتم هذه الفواحش؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا، فقيل: ومن أين أخذها آباؤكم؟ قالوا: الله أمرنا بها، فكذبهم الله بقوله: { إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } ، أي: أتتقولون على الله ما لا علم لكم به إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله. { قل أمر ربي بالقسط } أي: العدل، وهو الوسط من كل أمر، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط، وأمر بأن قال: { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } أي: افعلوا الصلاة في كل مكان يمكن في السجود إذا حضرتكم، ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. والمعنى: إباحة الصلاة في كل موضع، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " وقيل: المراد إحضار النية والإخلاص لله في كل صلاة بدليل قوله: { وادعوه } أي: اعبدوه { مخلصين له الدين } أي: الطاعة، فلا تعبدوا معه غيره، فإنكم راجعون إليه، { كما بدأكم تعودون } فيجازيكم على أعمالكم، فاحتج على البعث الأخروي بالبدأة الأولى لاشتراكهما في تعلق القدرة بهما، بل العود أسهل باعتبار العادة، وقيل: كما بدأكم من التراب، تعودون إليه، وقيل: كما بدأكم حفاة عراة غرلا، تعودون، وقيل: كما بدأكم مؤمنا وكافرا، يعيدكم. قاله البيضاوي. { فريقا هدى } بأن وفقهم للإيمان، { وفريقا حق عليهم الضلالة } بمقتضى القضاء السابق، أي: خذل فريقا حق عليهم الضلالة، { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء } يطيعونهم فيما يأمرونهم به، { من دون الله } ، وهذا تعليل لخذلانهم وتحقيق لضلالتهم، { ويحسبون } أي: يظنون { أنهم مهتدون } فهم على جهل مركب، وفيه دليل على أن الكافر المخطىء والمعاند: سواء في الذم واستحقاق العذاب إذ لا يعذر بالخطأ في أمر التوحيد. الإشارة: تقليد الآباء في المساوىء من أقبح المساوىء، واحتجاج العبد بتخليته مع هواه هو ممن اتخذ إلهه هواه، إن الله لا يأمر بالفحشاء، فإذا قال العبد في حال انهماكه: هكذا أحبني ربي، فهو خطأ في الاحتجاج بل يجاهد نفسه في الإقلاع، ويتضرع إلى مولاه في التوفيق فإن الحق تعالى إنما يأمر بالعدل والإحسان، ودوام الطاعة والإذعان، والخضوع لله في كل زمان ومكان، والتحقق بالإخلاص في كل أوان، وإفراد المحبة والولاية للكريم المنان. وبالله التوفيق. ثم أمرهم بستر العورة في الصلاة والطواف، فقال: { يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد }.

الأعراف 7:30

يقول الحق جل جلاله: في وصف المشركين: { وإذا فعلوا فاحشة } أي: فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم، وكشف العورة في الطواف، احتجوا بفعل آبائهم فقالوا: { وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها } فاعتذروا بعذرين باطلين: أحدهما: تقليد آبائهم، والآخر: افتراؤهم على الله، فأعرض عن الأول لظهور فساده، ورد الثاني بقوله: { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } لأن الله تعالى جرت عادته على الأمر بمحاسن الأفعال ومكارم الخلال. ولا حجة فيه للمعتزلة. انظر البيضاوي. والآية كأنها جواب سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم: لم فعلتم هذه الفواحش؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا، فقيل: ومن أين أخذها آباؤكم؟ قالوا: الله أمرنا بها، فكذبهم الله بقوله: { إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } ، أي: أتتقولون على الله ما لا علم لكم به إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله. { قل أمر ربي بالقسط } أي: العدل، وهو الوسط من كل أمر، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط، وأمر بأن قال: { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } أي: افعلوا الصلاة في كل مكان يمكن في السجود إذا حضرتكم، ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. والمعنى: إباحة الصلاة في كل موضع، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " وقيل: المراد إحضار النية والإخلاص لله في كل صلاة بدليل قوله: { وادعوه } أي: اعبدوه { مخلصين له الدين } أي: الطاعة، فلا تعبدوا معه غيره، فإنكم راجعون إليه، { كما بدأكم تعودون } فيجازيكم على أعمالكم، فاحتج على البعث الأخروي بالبدأة الأولى لاشتراكهما في تعلق القدرة بهما، بل العود أسهل باعتبار العادة، وقيل: كما بدأكم من التراب، تعودون إليه، وقيل: كما بدأكم حفاة عراة غرلا، تعودون، وقيل: كما بدأكم مؤمنا وكافرا، يعيدكم. قاله البيضاوي. { فريقا هدى } بأن وفقهم للإيمان، { وفريقا حق عليهم الضلالة } بمقتضى القضاء السابق، أي: خذل فريقا حق عليهم الضلالة، { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء } يطيعونهم فيما يأمرونهم به، { من دون الله } ، وهذا تعليل لخذلانهم وتحقيق لضلالتهم، { ويحسبون } أي: يظنون { أنهم مهتدون } فهم على جهل مركب، وفيه دليل على أن الكافر المخطىء والمعاند: سواء في الذم واستحقاق العذاب إذ لا يعذر بالخطأ في أمر التوحيد. الإشارة: تقليد الآباء في المساوىء من أقبح المساوىء، واحتجاج العبد بتخليته مع هواه هو ممن اتخذ إلهه هواه، إن الله لا يأمر بالفحشاء، فإذا قال العبد في حال انهماكه: هكذا أحبني ربي، فهو خطأ في الاحتجاج بل يجاهد نفسه في الإقلاع، ويتضرع إلى مولاه في التوفيق فإن الحق تعالى إنما يأمر بالعدل والإحسان، ودوام الطاعة والإذعان، والخضوع لله في كل زمان ومكان، والتحقق بالإخلاص في كل أوان، وإفراد المحبة والولاية للكريم المنان. وبالله التوفيق. ثم أمرهم بستر العورة في الصلاة والطواف، فقال: { يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد }.

الأعراف 7:31

يقول الحق جل جلاله: { يا بني آدم خذوا زينتكم } أي: ثيابكم التي تستر عورتكم، { عند كل مسجد } لطواف أو صلاة، واحتج به من أوجب ستر العورة في الصلاة، ومن السنة أن يأخذ الرجل أحسن ثيابه للصلاة، وقيل: المراد بالزينة: زيادة على الستر، كالتجمل للجمعة بأحسن الثياب وبالسواك والطيب، { وكلوا واشربوا } أمر إباحة لما روي أن بني عامر، في أيام الحج، كانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتا، ولا يأكون دسما يعظمون بذلك حجهم، وهم المسلمون بذلك، فنزلت. { ولا تسرفوا } بتحريم الحلال، أو بالتقدم إلى الحرام، أو بإفراط الطعام والشره إليه، وقد عد في الإحياء من المهلكات: شره الطعام، وشره الوقاع، أي: الجماع؟ { إنه لا يحب المسرفين } لا يرتضي فعلهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة أي: تكبر. وقال علي بن الحسين بن واقد: جمع الله الطب في نصف آية فقال: { كلوا واشربوا ولا تسرفوا }. الإشارة: إنما أمر الحق جل جلاله بالتزين للصلاة والطواف لأن فيهما الوقوف بين يدي ملك الملوك، وقد جرت عادة الناس في ملاقاة الملوك: التهيىء لذلك بما يقدرون عليه من حسن الهيئة لأن ذلك زيادة تعظيم للملك، وتزيين البواطن بالمحبة والوداد أحسن من تزيين الظواهر وخراب البواطن " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " وملاقاة الملك بالذل والانكسار أحسن من ملاقاته بالتكبر والاستظهار. والله تعالى أعلم. ولما تعاهدت قريش، ومن دان دينها، أنهم لا يأكلون أيام الحج دسما ولا سمنا ولا إقطا ولا طعاما جاء من الحل، رد الله عليهم بقوله: { قل من حرم زينة الله }.

الأعراف 7:32

قلت: من قرأ: { خالصة } بالرفع، فخبر بعد خبر، أو خبر عن مضمر، ومن قرأ بالنصب، فحال. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { من حرم زينة الله } وهي ما يتجمل به من الثياب وغيرها، { التي أخرج لعباده } من النبات كالقطن والكتان، أو الحيوان كالحرير والصوف والوبر، والمعادن كالدروع والحلي، { و } قل أيضا: من حرم { الطيبات من الرزق } أي: المستلذات من المآكل والمشارب، ويدخل فيها المناكح إذ هي من أعظم الطيبات. وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات: الإباحة لان الاستفهام للإنكار، وبه رد مالك رحمه الله على من أنكر عليه من الصوفية، وقال له: اتق الله يا مالك بلغني أنك تلبس الرقيق، وتأكل الرقاق، فكتب إليه بالآية. قال تعالى: { قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } ، ويشاركهم فيها الكفار، ويوم القيامة تكون { خالصة } لهم دون غيرهم، { كذلك نفصل الآيات } أي: كتفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام { لقوم يعلمون } فينزلونها في محلها بخلاف الجهال. { قل إنما حرم ربي الفواحش } وهي ما تزايد قبحها من المعاصي، وقيل: ما يتعلق بالفروج، { ما ظهر منها وما بطن } أي: جهرها وسرها، أو ما يتعلق بالجوارح الظاهرة والعوالم الباطنية وهي القلوب، { والإثم } كقطع الرحم، أو عام في كل ذنب، { والبغي } وهو الظلم كقطع الطريق والغصب، وغير ذلك من ظلم العباد، أو التكبر على عباد الله وقوله: { بغير الحق }: تأكيد له في المعنى. { وأن تشركوا الله ما لم ينزل به سلطانا } أي: حجة على استحقاق العبادة، وهو تهكم بالمشركين، وتنبيه على تحريم ما لم يدل عليه برهان. { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } من الإلحاد في صفاته، والافتراء عليه كقولهم: والله أمرنا [الأعراف:28]، و لو شآء الله مآ أشركنا [الأنعام:148]. { ولكل أمة أجل } أي: مدة ووقت لنزول العذاب بها إن لم يؤمنوا، وهو تهديد لأهل مكة، { فإذا جاء أجلهم } أي: انقرضت مدتهم، أو دنى وقت هلاكهم، { لا يستأخرون ساعة } عنه { ولا يستقدمون } أي: لا يتأخرون ولا يتقدمون عنه أقصر وقت، أو لا يطيقون التقدم والتأخر لشدة الهول، وجعل بعضهم: { ولا يستقدمون } استئنافا لأن الأجل إذا جاء لا يتصور التقدم، وحينئذ يوقف على: { ساعة } ، ثم يقول: ولا هم يستقدمون عنه قبل وصوله. الإشارة: قال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: زينة الله التي أظهر لعباده هي لباس المعرفة، وهو نور التجلي، والطيبات من الرزق هي حلاوة الشهود. ه. وهي لمن كمل إيمانه وصدقه في الحياة الدنيا، وتصفو له إلى يوم القيامة، فهي حلال على أهل التجريد يتمتعون بها في الدارين، وإنما حرم عليهم ما يشغلهم عن ربهم من جهة الظاهر، وما يقطعهم عن شهوده من جهة الباطن، وسوء الأدب مع الله، والتعرض لعباد الله، والشرك بالله بأن يشهدوا معه سواه، وأن يقولوا على الله ما يوهم نقصا أو خللا في أنوار جماله وسناه. والله تعالى أعلم. ثم إن العباد والزهاد وأهل البداية من المريدين السائرين ينبغي لهم أن يزهدوا في زينة الدنيا وطيباتها لئلا تركن إليها نفوسهم، فيثبط سيرهم، وأما الواصلون فهم مع الله، لا مع شيء سواه، يأخذون من الله بالله، ويدفعون بالله، وقد اتسعت دائرة علمهم، فليسوا مع لباس ولا أكل ولا شرب ولا جوع ولا شبع، هم مع ما يبرز في الوقت من المقدورات. والله تعالى أعلم. ثم وصاهم على الإيمان بالرسل، عند ظهورهم، فقال: { يابني ءادم إما يأتينكم رسل منكم }.

الأعراف 7:33

قلت: من قرأ: { خالصة } بالرفع، فخبر بعد خبر، أو خبر عن مضمر، ومن قرأ بالنصب، فحال. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { من حرم زينة الله } وهي ما يتجمل به من الثياب وغيرها، { التي أخرج لعباده } من النبات كالقطن والكتان، أو الحيوان كالحرير والصوف والوبر، والمعادن كالدروع والحلي، { و } قل أيضا: من حرم { الطيبات من الرزق } أي: المستلذات من المآكل والمشارب، ويدخل فيها المناكح إذ هي من أعظم الطيبات. وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات: الإباحة لان الاستفهام للإنكار، وبه رد مالك رحمه الله على من أنكر عليه من الصوفية، وقال له: اتق الله يا مالك بلغني أنك تلبس الرقيق، وتأكل الرقاق، فكتب إليه بالآية. قال تعالى: { قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } ، ويشاركهم فيها الكفار، ويوم القيامة تكون { خالصة } لهم دون غيرهم، { كذلك نفصل الآيات } أي: كتفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام { لقوم يعلمون } فينزلونها في محلها بخلاف الجهال. { قل إنما حرم ربي الفواحش } وهي ما تزايد قبحها من المعاصي، وقيل: ما يتعلق بالفروج، { ما ظهر منها وما بطن } أي: جهرها وسرها، أو ما يتعلق بالجوارح الظاهرة والعوالم الباطنية وهي القلوب، { والإثم } كقطع الرحم، أو عام في كل ذنب، { والبغي } وهو الظلم كقطع الطريق والغصب، وغير ذلك من ظلم العباد، أو التكبر على عباد الله وقوله: { بغير الحق }: تأكيد له في المعنى. { وأن تشركوا الله ما لم ينزل به سلطانا } أي: حجة على استحقاق العبادة، وهو تهكم بالمشركين، وتنبيه على تحريم ما لم يدل عليه برهان. { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } من الإلحاد في صفاته، والافتراء عليه كقولهم: والله أمرنا [الأعراف:28]، و لو شآء الله مآ أشركنا [الأنعام:148]. { ولكل أمة أجل } أي: مدة ووقت لنزول العذاب بها إن لم يؤمنوا، وهو تهديد لأهل مكة، { فإذا جاء أجلهم } أي: انقرضت مدتهم، أو دنى وقت هلاكهم، { لا يستأخرون ساعة } عنه { ولا يستقدمون } أي: لا يتأخرون ولا يتقدمون عنه أقصر وقت، أو لا يطيقون التقدم والتأخر لشدة الهول، وجعل بعضهم: { ولا يستقدمون } استئنافا لأن الأجل إذا جاء لا يتصور التقدم، وحينئذ يوقف على: { ساعة } ، ثم يقول: ولا هم يستقدمون عنه قبل وصوله. الإشارة: قال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: زينة الله التي أظهر لعباده هي لباس المعرفة، وهو نور التجلي، والطيبات من الرزق هي حلاوة الشهود. ه. وهي لمن كمل إيمانه وصدقه في الحياة الدنيا، وتصفو له إلى يوم القيامة، فهي حلال على أهل التجريد يتمتعون بها في الدارين، وإنما حرم عليهم ما يشغلهم عن ربهم من جهة الظاهر، وما يقطعهم عن شهوده من جهة الباطن، وسوء الأدب مع الله، والتعرض لعباد الله، والشرك بالله بأن يشهدوا معه سواه، وأن يقولوا على الله ما يوهم نقصا أو خللا في أنوار جماله وسناه. والله تعالى أعلم. ثم إن العباد والزهاد وأهل البداية من المريدين السائرين ينبغي لهم أن يزهدوا في زينة الدنيا وطيباتها لئلا تركن إليها نفوسهم، فيثبط سيرهم، وأما الواصلون فهم مع الله، لا مع شيء سواه، يأخذون من الله بالله، ويدفعون بالله، وقد اتسعت دائرة علمهم، فليسوا مع لباس ولا أكل ولا شرب ولا جوع ولا شبع، هم مع ما يبرز في الوقت من المقدورات. والله تعالى أعلم. ثم وصاهم على الإيمان بالرسل، عند ظهورهم، فقال: { يابني ءادم إما يأتينكم رسل منكم }.

الأعراف 7:34

قلت: من قرأ: { خالصة } بالرفع، فخبر بعد خبر، أو خبر عن مضمر، ومن قرأ بالنصب، فحال. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { من حرم زينة الله } وهي ما يتجمل به من الثياب وغيرها، { التي أخرج لعباده } من النبات كالقطن والكتان، أو الحيوان كالحرير والصوف والوبر، والمعادن كالدروع والحلي، { و } قل أيضا: من حرم { الطيبات من الرزق } أي: المستلذات من المآكل والمشارب، ويدخل فيها المناكح إذ هي من أعظم الطيبات. وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات: الإباحة لان الاستفهام للإنكار، وبه رد مالك رحمه الله على من أنكر عليه من الصوفية، وقال له: اتق الله يا مالك بلغني أنك تلبس الرقيق، وتأكل الرقاق، فكتب إليه بالآية. قال تعالى: { قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } ، ويشاركهم فيها الكفار، ويوم القيامة تكون { خالصة } لهم دون غيرهم، { كذلك نفصل الآيات } أي: كتفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام { لقوم يعلمون } فينزلونها في محلها بخلاف الجهال. { قل إنما حرم ربي الفواحش } وهي ما تزايد قبحها من المعاصي، وقيل: ما يتعلق بالفروج، { ما ظهر منها وما بطن } أي: جهرها وسرها، أو ما يتعلق بالجوارح الظاهرة والعوالم الباطنية وهي القلوب، { والإثم } كقطع الرحم، أو عام في كل ذنب، { والبغي } وهو الظلم كقطع الطريق والغصب، وغير ذلك من ظلم العباد، أو التكبر على عباد الله وقوله: { بغير الحق }: تأكيد له في المعنى. { وأن تشركوا الله ما لم ينزل به سلطانا } أي: حجة على استحقاق العبادة، وهو تهكم بالمشركين، وتنبيه على تحريم ما لم يدل عليه برهان. { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } من الإلحاد في صفاته، والافتراء عليه كقولهم: والله أمرنا [الأعراف:28]، و لو شآء الله مآ أشركنا [الأنعام:148]. { ولكل أمة أجل } أي: مدة ووقت لنزول العذاب بها إن لم يؤمنوا، وهو تهديد لأهل مكة، { فإذا جاء أجلهم } أي: انقرضت مدتهم، أو دنى وقت هلاكهم، { لا يستأخرون ساعة } عنه { ولا يستقدمون } أي: لا يتأخرون ولا يتقدمون عنه أقصر وقت، أو لا يطيقون التقدم والتأخر لشدة الهول، وجعل بعضهم: { ولا يستقدمون } استئنافا لأن الأجل إذا جاء لا يتصور التقدم، وحينئذ يوقف على: { ساعة } ، ثم يقول: ولا هم يستقدمون عنه قبل وصوله. الإشارة: قال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: زينة الله التي أظهر لعباده هي لباس المعرفة، وهو نور التجلي، والطيبات من الرزق هي حلاوة الشهود. ه. وهي لمن كمل إيمانه وصدقه في الحياة الدنيا، وتصفو له إلى يوم القيامة، فهي حلال على أهل التجريد يتمتعون بها في الدارين، وإنما حرم عليهم ما يشغلهم عن ربهم من جهة الظاهر، وما يقطعهم عن شهوده من جهة الباطن، وسوء الأدب مع الله، والتعرض لعباد الله، والشرك بالله بأن يشهدوا معه سواه، وأن يقولوا على الله ما يوهم نقصا أو خللا في أنوار جماله وسناه. والله تعالى أعلم. ثم إن العباد والزهاد وأهل البداية من المريدين السائرين ينبغي لهم أن يزهدوا في زينة الدنيا وطيباتها لئلا تركن إليها نفوسهم، فيثبط سيرهم، وأما الواصلون فهم مع الله، لا مع شيء سواه، يأخذون من الله بالله، ويدفعون بالله، وقد اتسعت دائرة علمهم، فليسوا مع لباس ولا أكل ولا شرب ولا جوع ولا شبع، هم مع ما يبرز في الوقت من المقدورات. والله تعالى أعلم. ثم وصاهم على الإيمان بالرسل، عند ظهورهم، فقال: { يابني ءادم إما يأتينكم رسل منكم }.

الأعراف 7:35

قلت: { إما }: شرط مؤكد بما ذكره بحرف الشك للتنبيه على أن إتيان الرسل جائز، غير واجب، كما ظنه المعتزلة، وجوابه: { فمن اتقى... } الخ، وإدخال الفاء في الجواب الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { يا بني آدم } مهما { يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } الدالة على توحيدي ومعرفتي، { فمن اتقى } الشرك والتكذيب، و { أصلح } فيما بيني وبينه، منكم، بالعمل الصالح، { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. { والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ، فمن كمال الإيمان: أن يقدر الإنسان نفسه أن لو كان في زمان كل رسول، لكان أول من تبعه، ولكان من خواص أصحابه، هكذا يسير بعقله مع كل رسول من زمان آدم عليه السلام إلى مبعث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد جعل الله لكل نبي خلفاء يخلفونه في تبليغ أحكامه الظاهرة والباطنة، وهم العلماء الأتقياء، والأولياء العارفون الأصفياء، فمن أراد أن يكون ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فليتبع علماء أهل زمانه في الشريعة، وأولياء أهل عصره في تربية الحقيقة. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من استكبر، فقال: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا }.

الأعراف 7:36

قلت: { إما }: شرط مؤكد بما ذكره بحرف الشك للتنبيه على أن إتيان الرسل جائز، غير واجب، كما ظنه المعتزلة، وجوابه: { فمن اتقى... } الخ، وإدخال الفاء في الجواب الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد. قاله البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { يا بني آدم } مهما { يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } الدالة على توحيدي ومعرفتي، { فمن اتقى } الشرك والتكذيب، و { أصلح } فيما بيني وبينه، منكم، بالعمل الصالح، { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. { والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ، فمن كمال الإيمان: أن يقدر الإنسان نفسه أن لو كان في زمان كل رسول، لكان أول من تبعه، ولكان من خواص أصحابه، هكذا يسير بعقله مع كل رسول من زمان آدم عليه السلام إلى مبعث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد جعل الله لكل نبي خلفاء يخلفونه في تبليغ أحكامه الظاهرة والباطنة، وهم العلماء الأتقياء، والأولياء العارفون الأصفياء، فمن أراد أن يكون ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فليتبع علماء أهل زمانه في الشريعة، وأولياء أهل عصره في تربية الحقيقة. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من استكبر، فقال: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا }.

الأعراف 7:37

يقول الحق جل جلاله: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } بأن نسب إليه الولد والشريك، { أو كذب بآياته } التي جاءت بها الرسل من عنده، أي: لا أحد أظلم منه، أو تقول على الله ما لم يقله، وكذب بما قاله، { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } أي: يلحقهم نصيبهم مما كتب في اللوح المحفوظ من الأرزاق والآجال، { حتى إذا } انقضت أعمارهم و { جاءتهم رسلنا يتوفونهم } أي: يتوفون أرواحهم، { قالوا } لهم توبيخا: { أين ما كنتم تدعون من دون الله } أي: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله لتدفع عنكم العذاب؟ { قالوا ضلوا عنا } غابوا عنا { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } ، اعترفوا بأنهم كانوا ضالين فيما كانوا عليه، وندموا حيث لم ينفع الندم، وقد زلت بهم القدم. الإشارة: كل من أعرض عن خصوص أهل زمانه واشتغل بمتابعة حظوظه وهواه، ينال نصيبه من الدنيا الفانية وما قسم له فيها فإذا جاءت منيته ندم وتحسر، وقيل له: أين ما تمتعت به وشغلك عن مولاك؟ فيقول: قد غاب ذلك وفنى وانقضى، وكأنما كان برقا سرى، أو طيف كرى، والدهر كله هكذا لمن سدد نظرا، وعند الصباح يحمد القوم السرى، وستعلم، إذا انجلى الغبار، أفرس تحتك أم حمار. وقد قال صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه: " لا تخدعنكم زخارف دنيا دنية، عن مراتب جنات عالية فكان قد كشف القناع، وارتفع الارتياب، ولاقى كل امرىء مستقره، وعرف مثواه ومنقلبه " وفي حديث آخر: " من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبه من الآخرة، ولم يدرك منها ما يريد، ومن بدأ بنصيبه من الآخرة، وصل إليه نصيبه من الدنيا، وأدرك من الآخرة ما يريد ". ثم ذكر عذاب أهل التكذيب، فقال: { قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم }.

الأعراف 7:38

يقول الحق جل جلاله: { قال } الله تعالى أي: يوم القيامة للكفار، بواسطة ملك، أو بغيرها: { ادخلوا في } جملة { أمم } كاانوا من قبلكم { من الجن والإنس } متفقين معكم في الكفر والضلال، فادخلوا مصاحبين معهم { في النار }. قال تعالى، مخبرا عن حالهم: { كلما دخلت أمة } منهم في النار { لعنت أختها } التي ضلت بالاقتداء بها، { حتى إذا أداركوا } أي: تداركوا وتلاحقوا، { فيها جميعا قالت أخراهم } دخولا أو منزلة، وهم الأتباع السفلة، { لأولاهم } وهم المتبوعون الرؤساء أي: قالت لأجلهم لأن الخطاب مع الله لا معهم، قالوا: { ربنا هؤلاء } الرؤساء { أضلونا } حيث سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم، { فآتهم عذابا ضعفا } أي: مضاعفا { من النار } لأنهم ضلوا وأضلوا. { قال } تعالى: { لكل } واحد منكم { ضعف } أي: عذابا مضعفا، أما القادة فلكفرهم وتضليلهم، وأما الأتباع فلكفرهم وتقليدهم، { ولكن لا تعلمون } ما لكم، أو ما لكل فريق منكم. { وقالت أولاهم لأخراهم } أي: المتبوعون للأتباع: { فما كان لكم علينا من فضل } في الإيمان والتقوى توجب أن يكون عذابنا أشد من عذابكم، حتى يتضاعف علينا العذاب دونكم فإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب، { فذوقوا } أي: باشروا { العذاب بما كنتم تكسبون } هو من قول القادة، أو من قول الله تعالى لجميعهم. الإشارة: إذا قامت القيامة تحققت الحقائق، وتميزت الطرائق، للخاص والعام، فيرتفع المقربون في أعلى عليين، ويبقى أهل اليمين في أسفل منازل أهل الجنة مع عوام المسلمين، فيتعلق عوامهم بخواصهم، فيقولون لهم: أنتم رددتمونا عن صحبة هؤلاء، وأنتم خذلتمونا عنهم، ثم يقولون: ربنا هؤلاء أضلونا عن صحبة هؤلاء المقربين، فآتهم حجابا ضعفا مما لنا، قال: لكل ضعف من الحجاب، هم بتضليلهم لكم عن صحبتهم، وأنتم بتقليدكم لهم، ولكن لا تعلمون ما أعددت للمقربين حين صبروا على جفاكم، وتحملوا مشاق طاعتي ومعرفتي لأن كل آية في الكفر تجر ذيلها على أهل الغفلة من المؤمنين. والله تعالى أعلم. ثم حرم على الكفار دخول الجنة، فقال: { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها }.

الأعراف 7:39

يقول الحق جل جلاله: { قال } الله تعالى أي: يوم القيامة للكفار، بواسطة ملك، أو بغيرها: { ادخلوا في } جملة { أمم } كاانوا من قبلكم { من الجن والإنس } متفقين معكم في الكفر والضلال، فادخلوا مصاحبين معهم { في النار }. قال تعالى، مخبرا عن حالهم: { كلما دخلت أمة } منهم في النار { لعنت أختها } التي ضلت بالاقتداء بها، { حتى إذا أداركوا } أي: تداركوا وتلاحقوا، { فيها جميعا قالت أخراهم } دخولا أو منزلة، وهم الأتباع السفلة، { لأولاهم } وهم المتبوعون الرؤساء أي: قالت لأجلهم لأن الخطاب مع الله لا معهم، قالوا: { ربنا هؤلاء } الرؤساء { أضلونا } حيث سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم، { فآتهم عذابا ضعفا } أي: مضاعفا { من النار } لأنهم ضلوا وأضلوا. { قال } تعالى: { لكل } واحد منكم { ضعف } أي: عذابا مضعفا، أما القادة فلكفرهم وتضليلهم، وأما الأتباع فلكفرهم وتقليدهم، { ولكن لا تعلمون } ما لكم، أو ما لكل فريق منكم. { وقالت أولاهم لأخراهم } أي: المتبوعون للأتباع: { فما كان لكم علينا من فضل } في الإيمان والتقوى توجب أن يكون عذابنا أشد من عذابكم، حتى يتضاعف علينا العذاب دونكم فإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب، { فذوقوا } أي: باشروا { العذاب بما كنتم تكسبون } هو من قول القادة، أو من قول الله تعالى لجميعهم. الإشارة: إذا قامت القيامة تحققت الحقائق، وتميزت الطرائق، للخاص والعام، فيرتفع المقربون في أعلى عليين، ويبقى أهل اليمين في أسفل منازل أهل الجنة مع عوام المسلمين، فيتعلق عوامهم بخواصهم، فيقولون لهم: أنتم رددتمونا عن صحبة هؤلاء، وأنتم خذلتمونا عنهم، ثم يقولون: ربنا هؤلاء أضلونا عن صحبة هؤلاء المقربين، فآتهم حجابا ضعفا مما لنا، قال: لكل ضعف من الحجاب، هم بتضليلهم لكم عن صحبتهم، وأنتم بتقليدكم لهم، ولكن لا تعلمون ما أعددت للمقربين حين صبروا على جفاكم، وتحملوا مشاق طاعتي ومعرفتي لأن كل آية في الكفر تجر ذيلها على أهل الغفلة من المؤمنين. والله تعالى أعلم. ثم حرم على الكفار دخول الجنة، فقال: { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها }.

الأعراف 7:40

قلت: { سم الخياط }: عين الإبره، وفي السين: الفتح والكسر والضم، والخياط: ما يخاط به، على وزن حزام، والتنوين في { غواش }: للعوض عن الياء، عند سيبويه، وللصرف عند غيره. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا } عن: الإيمان بها، { لا تفتح لهم أبواب السماء } لأدعيتهم وأعمالهم فلا تقبل، أو لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا، بل تغلق دونها إذا وصلت بها الملائكة إليها، فيطرحونها فتسقط من السماء، بخلاف أرواح المؤمنين تفتح لهم أبواب السماء حتى يفضوا إلى سدرة المنتهى. { ولا يدخلون الجنة حتى يلج } أي: يدخل، { الجمل } وهو البعير { وفي سم الخياط } أي: في ثقب الإبرة، والمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبدا، فلا يدخلون الجنة أبدا، وقرأ ابن عباس { الجمل } ، بضم الجيم وسكون الميم، وهو حبل السفينة، الذي جمع بعضه إلى بعض حتى صار أغلظ ما يكون. ثم قال تعالى: { وكذلك نجزي المجرمين } أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي المجرمين، { لهم من جهنم مهاد } أي: فراش، { ومن فوقهم غواش } أي: أغطية من النار. { وكذلك نجزي الظالمين } عبر عنهم بالمجرمين تارة، وبالظالمين أخرى إشعارا بأنهم بتكذيبهم الآيات، اتصفوا بالجرم والظلم، وذكر مع الحرمان من الجنة: الجرم، ومع التعذيب بالنار: الظلم تنبيها على أن الظلم أعظم الإجرام. الإشارة: أهل التربية النبوية من الشيوخ العارفين: آية من آيات الله، من كذب بهم، واستكبر عن الخضوع لهم، لا تفتح لفكرته أبواب السماء، بل يبقى مسجونا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، ولا يدخل جنة المعارف أبدا، بل يحيط به الحجاب من فوقه ومن أسفله، فتنحصر روحه في الأكوان، ولم تفض إلى فضاء الشهود والعيان. وفي الحكم: " الكائن في الكون، ولم تفتح له ميادين الغيوب، مسجون بمحيطاته، محصور في هيكل ذاته ". وقال أيضا: " وسعك الكون من حيث جثمانيتك، ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك " ، فكل من لم تثبت له الروحانية: فهو محصور في الكون، وكل من ثبتت له الروحانية بأن استولى معناه على حسه، لم يسعه الكون، ولم يحصره عرش ولا فرش، وكذلك الصوفي لا تظله السماء ولا تقله الأرض، أي: لا يحصره الكون من حيث فكرته. والله تعالى أعلم. ثم شفع بضدهم فقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

الأعراف 7:41

قلت: { سم الخياط }: عين الإبره، وفي السين: الفتح والكسر والضم، والخياط: ما يخاط به، على وزن حزام، والتنوين في { غواش }: للعوض عن الياء، عند سيبويه، وللصرف عند غيره. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا } عن: الإيمان بها، { لا تفتح لهم أبواب السماء } لأدعيتهم وأعمالهم فلا تقبل، أو لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا، بل تغلق دونها إذا وصلت بها الملائكة إليها، فيطرحونها فتسقط من السماء، بخلاف أرواح المؤمنين تفتح لهم أبواب السماء حتى يفضوا إلى سدرة المنتهى. { ولا يدخلون الجنة حتى يلج } أي: يدخل، { الجمل } وهو البعير { وفي سم الخياط } أي: في ثقب الإبرة، والمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبدا، فلا يدخلون الجنة أبدا، وقرأ ابن عباس { الجمل } ، بضم الجيم وسكون الميم، وهو حبل السفينة، الذي جمع بعضه إلى بعض حتى صار أغلظ ما يكون. ثم قال تعالى: { وكذلك نجزي المجرمين } أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي المجرمين، { لهم من جهنم مهاد } أي: فراش، { ومن فوقهم غواش } أي: أغطية من النار. { وكذلك نجزي الظالمين } عبر عنهم بالمجرمين تارة، وبالظالمين أخرى إشعارا بأنهم بتكذيبهم الآيات، اتصفوا بالجرم والظلم، وذكر مع الحرمان من الجنة: الجرم، ومع التعذيب بالنار: الظلم تنبيها على أن الظلم أعظم الإجرام. الإشارة: أهل التربية النبوية من الشيوخ العارفين: آية من آيات الله، من كذب بهم، واستكبر عن الخضوع لهم، لا تفتح لفكرته أبواب السماء، بل يبقى مسجونا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، ولا يدخل جنة المعارف أبدا، بل يحيط به الحجاب من فوقه ومن أسفله، فتنحصر روحه في الأكوان، ولم تفض إلى فضاء الشهود والعيان. وفي الحكم: " الكائن في الكون، ولم تفتح له ميادين الغيوب، مسجون بمحيطاته، محصور في هيكل ذاته ". وقال أيضا: " وسعك الكون من حيث جثمانيتك، ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك " ، فكل من لم تثبت له الروحانية: فهو محصور في الكون، وكل من ثبتت له الروحانية بأن استولى معناه على حسه، لم يسعه الكون، ولم يحصره عرش ولا فرش، وكذلك الصوفي لا تظله السماء ولا تقله الأرض، أي: لا يحصره الكون من حيث فكرته. والله تعالى أعلم. ثم شفع بضدهم فقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات }.

الأعراف 7:42

قلت: جملة { لا نكلف }: معترضة بين المبتدأ والخبر للترغيب في اكتساب النعيم المقيم، بما تسعه طاقتهم، ويسهل عليهم، و { ما كنا لنهتدي }: اللام لتأكيد النفي، وجواب " لولا ": محذوف، أي: لولا هدايته إيانا ما اهتدينا. يقول الحق جل جلاله: { والذين آمنوا } بالرسل، { وعملوا } الأعمال { الصالحات } على قدر طاقتهم، { لا نكلف نفسا إلا وسعها } أي: ما تسعه طاقتها، فمن فعل ذلك ف { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غل } أي: نخرج من قلوبهم كل غل وعدواة، ونطهرها منه، حتى لا يكون بينهم إلا التودد، فيصيرون أحبابا وإخوانا، وإما عبر بالماضي لتحقق وقوعه، كأنه وقع ومضى، وكذلك ما يجيء بعدها، ثم وصف الجنة فقال: { تجري من تحتهم } أي: من تحت قصورهم، { الأنهار } من عسل وخمر وماء ولبن زيادة في لذتهم وسرورهم، فالقصور مرتفعة في الهواء، والأنهار تجري تحتها. { وقالوا } حينئذ: { الحمد لله الذي هدانا لهذا } أي: لما جزاؤه هذا النعيم من الإيمان في الدنيا والعمل الصالح، { وما كنا لنهتدي } بأنفسنا { لولا أن هدانا الله } بتوفيقه وإرادته، { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } فاهتدينا بإرشادهم، يقولون ذلك اغتباطا وتبجحا بأن ما عملوه في الدنيا يقينا، صار لهم عين اليقين في الآخرة، { ونودوا } أي: نادتهم الملائكة، أو الحق تعالى: { أن تلكم الجنة } أي: هذه الجنة { أورثتموها } أي: أعطيتموها { بما كنتم تعملون } أي: بسبب أعمالكم، وهذا باعتبار الشريعة، وأما باعتبار الحقيقة فكل شيء منه وإليه. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " لن يدخل الجنة أحدكم عمله، قالوا: ولا أنت، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته " فالشريعة تنسب العمل للعبد، والحقيقة تعزله عنه، وقد آذنت بها الآية قبله بقوله: { وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } ، فقد نطقوا بما تحققوا به يوم القيامة. وقال القشيري: إنما قال: { أورثتموها بما كنتم تعملون } تسكينا لقلوبهم، وتطييبا لهم، وإلا، فإذا رأوا تلك الدرجات، علموا أن أعمالهم المشوبة لم تبلغ تلك الدرجات. ه. وعن ابن مسعود أنه قال: يجوزون الصراط بعفو الله، ويدخلون الجنة برحمة الله، ويقتسمون المنازل بأعمالهم. ه. الإشارة: والذين آمنوا بطريق الخصوص، وعملوا الأعمال التي تناسبها، من خرق العوائد واكتساب الفوائد، والتخلية من الرذائل والتحلية بأنواع الفضائل على حسب الطاقة أولئك أصحاب جنة المعارف، هم فيها خالدون في الدنيا والآخرة، قد نزع الله من قلوبهم المساوىء والأكدار، وطهرها من جملة الأغيار، حتى صاروا إخوانا متحابين لا لغو بينهم ولا تأثيم، تجري من تحت أفكارهم أنهار العلوم، وتفتح لهم مخازن الفهوم، فإذا تمكنوا من هذه الحضرة قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، تحققوا أنهم محمولون بسابق العناية، محفوفون بعين الرعاية، فتحققوا بما جاءت به الرسل من عند الله، وما نالوه على يد أولياء الله من الذوق والوجدان، وكشف الغطاء عن عين العيان، منحنا الله من ذلك حظا وافرا، بمنه وكرمه. ثم ذكر تبجح أهل الجنة على أهل النار، فقال: { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار }.

الأعراف 7:43

قلت: جملة { لا نكلف }: معترضة بين المبتدأ والخبر للترغيب في اكتساب النعيم المقيم، بما تسعه طاقتهم، ويسهل عليهم، و { ما كنا لنهتدي }: اللام لتأكيد النفي، وجواب " لولا ": محذوف، أي: لولا هدايته إيانا ما اهتدينا. يقول الحق جل جلاله: { والذين آمنوا } بالرسل، { وعملوا } الأعمال { الصالحات } على قدر طاقتهم، { لا نكلف نفسا إلا وسعها } أي: ما تسعه طاقتها، فمن فعل ذلك ف { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غل } أي: نخرج من قلوبهم كل غل وعدواة، ونطهرها منه، حتى لا يكون بينهم إلا التودد، فيصيرون أحبابا وإخوانا، وإما عبر بالماضي لتحقق وقوعه، كأنه وقع ومضى، وكذلك ما يجيء بعدها، ثم وصف الجنة فقال: { تجري من تحتهم } أي: من تحت قصورهم، { الأنهار } من عسل وخمر وماء ولبن زيادة في لذتهم وسرورهم، فالقصور مرتفعة في الهواء، والأنهار تجري تحتها. { وقالوا } حينئذ: { الحمد لله الذي هدانا لهذا } أي: لما جزاؤه هذا النعيم من الإيمان في الدنيا والعمل الصالح، { وما كنا لنهتدي } بأنفسنا { لولا أن هدانا الله } بتوفيقه وإرادته، { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } فاهتدينا بإرشادهم، يقولون ذلك اغتباطا وتبجحا بأن ما عملوه في الدنيا يقينا، صار لهم عين اليقين في الآخرة، { ونودوا } أي: نادتهم الملائكة، أو الحق تعالى: { أن تلكم الجنة } أي: هذه الجنة { أورثتموها } أي: أعطيتموها { بما كنتم تعملون } أي: بسبب أعمالكم، وهذا باعتبار الشريعة، وأما باعتبار الحقيقة فكل شيء منه وإليه. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " لن يدخل الجنة أحدكم عمله، قالوا: ولا أنت، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته " فالشريعة تنسب العمل للعبد، والحقيقة تعزله عنه، وقد آذنت بها الآية قبله بقوله: { وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } ، فقد نطقوا بما تحققوا به يوم القيامة. وقال القشيري: إنما قال: { أورثتموها بما كنتم تعملون } تسكينا لقلوبهم، وتطييبا لهم، وإلا، فإذا رأوا تلك الدرجات، علموا أن أعمالهم المشوبة لم تبلغ تلك الدرجات. ه. وعن ابن مسعود أنه قال: يجوزون الصراط بعفو الله، ويدخلون الجنة برحمة الله، ويقتسمون المنازل بأعمالهم. ه. الإشارة: والذين آمنوا بطريق الخصوص، وعملوا الأعمال التي تناسبها، من خرق العوائد واكتساب الفوائد، والتخلية من الرذائل والتحلية بأنواع الفضائل على حسب الطاقة أولئك أصحاب جنة المعارف، هم فيها خالدون في الدنيا والآخرة، قد نزع الله من قلوبهم المساوىء والأكدار، وطهرها من جملة الأغيار، حتى صاروا إخوانا متحابين لا لغو بينهم ولا تأثيم، تجري من تحت أفكارهم أنهار العلوم، وتفتح لهم مخازن الفهوم، فإذا تمكنوا من هذه الحضرة قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، تحققوا أنهم محمولون بسابق العناية، محفوفون بعين الرعاية، فتحققوا بما جاءت به الرسل من عند الله، وما نالوه على يد أولياء الله من الذوق والوجدان، وكشف الغطاء عن عين العيان، منحنا الله من ذلك حظا وافرا، بمنه وكرمه. ثم ذكر تبجح أهل الجنة على أهل النار، فقال: { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار }.

الأعراف 7:44

قلت: { أن }: في هذه المواضع مخففة من الثقيلة، أو: تفسيرية، وحذف مفعول: { وعد } الثاني استغناء بمفعول وعد الأول، أو لإطلاق الوعد، فيتناول الثواب والعقاب. يقول الحق جل جلاله: { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا } من النعيم { حقا فهل وجدتم } أنتم { ما وعد ربكم } من البعث والحساب { حقا } ، إنما قال أهل الجنة ذلك تبجحا بحالهم، وشماتة بأصحاب النار، وتحسيرا لهم، فأجابهم أهل النار بقولهم: { نعم } ، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، { فأذن مؤذن بينهم } بين الفريقين: { أن لعنة الله على الظالمين } الكافرين، { الذين يصدون } الناس { عن سبيل الله } وهي الإسلام، { ويبغونها } أي: يطلبون لها { عوجا } ، زيغا وميلا عما هو عليه من الاستقامة، أو يطلبونها أن تكون ذات عوج، { وهم بالآخرة كافرون } أي: جاحدون. { وبينهما } أي: بين الفريقين { حجاب } ، أو بين الجنة والنار حجاب، يمنع دخول أثر أحدهما للأخرى، { وعلى الأعراف } وهو السور المضروب بين الجنة والنار، { رجال } طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيئاتهم، كما في الحديث. وقال في الإحياء: يشبه أن يكونوا من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، فلم تكن لهم معرفة ولا جحود ولا طاعة ولا معصية، فلا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، ولهم السلامة فقط، لا تقريب ولا تبعيد. ه. قلت: لكن سيأتي أنهم يدخلون الجنة. ثم وصفهم بقوله: { يعرفون كلا } من أهل الجنة والنار، { بسيماهم }: بعلامتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجوه من أهل الجنة، وسوادها في أهل النار، أو غير ذلك من العلامات. { ونادوا أصحاب الجنة } ، إذا نظروا إليهم، فقالوا لهم: { أن سلام عليكم } ، أي: نادوهم بالسلام عليهم، { لم يدخلوها } أي: الجنة، { وهم يطمعون } في دخولها. { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } أي: التفتوا إليهم على وجه القلة، تعوذوا من حالهم، { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } في النار. الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العي الكبير نادوا أهل البطالة والتقصير، فقالوا لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا من كشف الحجاب والدخول مع الأحباب، حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا كما وجدنا نحن؟ قالوا على وجه الدعوى والغلط: نعم، فأذن مؤذن بينهم، بلسان الحال: أن لعنة الله على الظالمين الذين بقوا مع حظوظ أنفسهم، ولم يخرقوا شيئا من عوائدهم، مع تراميهم على مراتب الرجال، وادعائهم بلوغ غاية الكمال، الذين يصدون عن طريق الخصوص ويبغونها عوجا، وهم بالخصلة الآخرة وهي إشراق نور الحقيقة على أهل التربية هم كافرون، وبينما حجاب كبير، وهو حجاب الغفلة، فلا يعرفون أهل اليقظة، وهم أهل مقام الإحسان، بل بينهما مفاوز ومهامه، كما قال الشاعر: تركنا البحور الزخرات وراءنا فمن أين يدري الناس أين توجهنا وعلى الأعراف وهو البرزخ الذي بين الحقيقة والشريعة، رجال من أهل الاستشراف، يعرفون كلا من العوام والخواص بسيماهم، ونادروا أصحاب الجنة أي: الواصلين إلى جنة المعارف: أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون، لأنهم في حالة السير وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار، أي: نار الحجاب والتعب، وهم العوام، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ثم ذكر شماتة أهل الأعراف بأهل النار، فقال: { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم }.

الأعراف 7:45

قلت: { أن }: في هذه المواضع مخففة من الثقيلة، أو: تفسيرية، وحذف مفعول: { وعد } الثاني استغناء بمفعول وعد الأول، أو لإطلاق الوعد، فيتناول الثواب والعقاب. يقول الحق جل جلاله: { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا } من النعيم { حقا فهل وجدتم } أنتم { ما وعد ربكم } من البعث والحساب { حقا } ، إنما قال أهل الجنة ذلك تبجحا بحالهم، وشماتة بأصحاب النار، وتحسيرا لهم، فأجابهم أهل النار بقولهم: { نعم } ، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، { فأذن مؤذن بينهم } بين الفريقين: { أن لعنة الله على الظالمين } الكافرين، { الذين يصدون } الناس { عن سبيل الله } وهي الإسلام، { ويبغونها } أي: يطلبون لها { عوجا } ، زيغا وميلا عما هو عليه من الاستقامة، أو يطلبونها أن تكون ذات عوج، { وهم بالآخرة كافرون } أي: جاحدون. { وبينهما } أي: بين الفريقين { حجاب } ، أو بين الجنة والنار حجاب، يمنع دخول أثر أحدهما للأخرى، { وعلى الأعراف } وهو السور المضروب بين الجنة والنار، { رجال } طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيئاتهم، كما في الحديث. وقال في الإحياء: يشبه أن يكونوا من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، فلم تكن لهم معرفة ولا جحود ولا طاعة ولا معصية، فلا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، ولهم السلامة فقط، لا تقريب ولا تبعيد. ه. قلت: لكن سيأتي أنهم يدخلون الجنة. ثم وصفهم بقوله: { يعرفون كلا } من أهل الجنة والنار، { بسيماهم }: بعلامتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجوه من أهل الجنة، وسوادها في أهل النار، أو غير ذلك من العلامات. { ونادوا أصحاب الجنة } ، إذا نظروا إليهم، فقالوا لهم: { أن سلام عليكم } ، أي: نادوهم بالسلام عليهم، { لم يدخلوها } أي: الجنة، { وهم يطمعون } في دخولها. { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } أي: التفتوا إليهم على وجه القلة، تعوذوا من حالهم، { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } في النار. الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العي الكبير نادوا أهل البطالة والتقصير، فقالوا لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا من كشف الحجاب والدخول مع الأحباب، حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا كما وجدنا نحن؟ قالوا على وجه الدعوى والغلط: نعم، فأذن مؤذن بينهم، بلسان الحال: أن لعنة الله على الظالمين الذين بقوا مع حظوظ أنفسهم، ولم يخرقوا شيئا من عوائدهم، مع تراميهم على مراتب الرجال، وادعائهم بلوغ غاية الكمال، الذين يصدون عن طريق الخصوص ويبغونها عوجا، وهم بالخصلة الآخرة وهي إشراق نور الحقيقة على أهل التربية هم كافرون، وبينما حجاب كبير، وهو حجاب الغفلة، فلا يعرفون أهل اليقظة، وهم أهل مقام الإحسان، بل بينهما مفاوز ومهامه، كما قال الشاعر: تركنا البحور الزخرات وراءنا فمن أين يدري الناس أين توجهنا وعلى الأعراف وهو البرزخ الذي بين الحقيقة والشريعة، رجال من أهل الاستشراف، يعرفون كلا من العوام والخواص بسيماهم، ونادروا أصحاب الجنة أي: الواصلين إلى جنة المعارف: أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون، لأنهم في حالة السير وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار، أي: نار الحجاب والتعب، وهم العوام، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ثم ذكر شماتة أهل الأعراف بأهل النار، فقال: { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم }.

الأعراف 7:46

قلت: { أن }: في هذه المواضع مخففة من الثقيلة، أو: تفسيرية، وحذف مفعول: { وعد } الثاني استغناء بمفعول وعد الأول، أو لإطلاق الوعد، فيتناول الثواب والعقاب. يقول الحق جل جلاله: { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا } من النعيم { حقا فهل وجدتم } أنتم { ما وعد ربكم } من البعث والحساب { حقا } ، إنما قال أهل الجنة ذلك تبجحا بحالهم، وشماتة بأصحاب النار، وتحسيرا لهم، فأجابهم أهل النار بقولهم: { نعم } ، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، { فأذن مؤذن بينهم } بين الفريقين: { أن لعنة الله على الظالمين } الكافرين، { الذين يصدون } الناس { عن سبيل الله } وهي الإسلام، { ويبغونها } أي: يطلبون لها { عوجا } ، زيغا وميلا عما هو عليه من الاستقامة، أو يطلبونها أن تكون ذات عوج، { وهم بالآخرة كافرون } أي: جاحدون. { وبينهما } أي: بين الفريقين { حجاب } ، أو بين الجنة والنار حجاب، يمنع دخول أثر أحدهما للأخرى، { وعلى الأعراف } وهو السور المضروب بين الجنة والنار، { رجال } طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيئاتهم، كما في الحديث. وقال في الإحياء: يشبه أن يكونوا من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، فلم تكن لهم معرفة ولا جحود ولا طاعة ولا معصية، فلا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، ولهم السلامة فقط، لا تقريب ولا تبعيد. ه. قلت: لكن سيأتي أنهم يدخلون الجنة. ثم وصفهم بقوله: { يعرفون كلا } من أهل الجنة والنار، { بسيماهم }: بعلامتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجوه من أهل الجنة، وسوادها في أهل النار، أو غير ذلك من العلامات. { ونادوا أصحاب الجنة } ، إذا نظروا إليهم، فقالوا لهم: { أن سلام عليكم } ، أي: نادوهم بالسلام عليهم، { لم يدخلوها } أي: الجنة، { وهم يطمعون } في دخولها. { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } أي: التفتوا إليهم على وجه القلة، تعوذوا من حالهم، { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } في النار. الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العي الكبير نادوا أهل البطالة والتقصير، فقالوا لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا من كشف الحجاب والدخول مع الأحباب، حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا كما وجدنا نحن؟ قالوا على وجه الدعوى والغلط: نعم، فأذن مؤذن بينهم، بلسان الحال: أن لعنة الله على الظالمين الذين بقوا مع حظوظ أنفسهم، ولم يخرقوا شيئا من عوائدهم، مع تراميهم على مراتب الرجال، وادعائهم بلوغ غاية الكمال، الذين يصدون عن طريق الخصوص ويبغونها عوجا، وهم بالخصلة الآخرة وهي إشراق نور الحقيقة على أهل التربية هم كافرون، وبينما حجاب كبير، وهو حجاب الغفلة، فلا يعرفون أهل اليقظة، وهم أهل مقام الإحسان، بل بينهما مفاوز ومهامه، كما قال الشاعر: تركنا البحور الزخرات وراءنا فمن أين يدري الناس أين توجهنا وعلى الأعراف وهو البرزخ الذي بين الحقيقة والشريعة، رجال من أهل الاستشراف، يعرفون كلا من العوام والخواص بسيماهم، ونادروا أصحاب الجنة أي: الواصلين إلى جنة المعارف: أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون، لأنهم في حالة السير وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار، أي: نار الحجاب والتعب، وهم العوام، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ثم ذكر شماتة أهل الأعراف بأهل النار، فقال: { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم }.

الأعراف 7:47

قلت: { أن }: في هذه المواضع مخففة من الثقيلة، أو: تفسيرية، وحذف مفعول: { وعد } الثاني استغناء بمفعول وعد الأول، أو لإطلاق الوعد، فيتناول الثواب والعقاب. يقول الحق جل جلاله: { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا } من النعيم { حقا فهل وجدتم } أنتم { ما وعد ربكم } من البعث والحساب { حقا } ، إنما قال أهل الجنة ذلك تبجحا بحالهم، وشماتة بأصحاب النار، وتحسيرا لهم، فأجابهم أهل النار بقولهم: { نعم } ، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، { فأذن مؤذن بينهم } بين الفريقين: { أن لعنة الله على الظالمين } الكافرين، { الذين يصدون } الناس { عن سبيل الله } وهي الإسلام، { ويبغونها } أي: يطلبون لها { عوجا } ، زيغا وميلا عما هو عليه من الاستقامة، أو يطلبونها أن تكون ذات عوج، { وهم بالآخرة كافرون } أي: جاحدون. { وبينهما } أي: بين الفريقين { حجاب } ، أو بين الجنة والنار حجاب، يمنع دخول أثر أحدهما للأخرى، { وعلى الأعراف } وهو السور المضروب بين الجنة والنار، { رجال } طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيئاتهم، كما في الحديث. وقال في الإحياء: يشبه أن يكونوا من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، فلم تكن لهم معرفة ولا جحود ولا طاعة ولا معصية، فلا وسيلة تقربهم، ولا جناية تبعدهم، ولهم السلامة فقط، لا تقريب ولا تبعيد. ه. قلت: لكن سيأتي أنهم يدخلون الجنة. ثم وصفهم بقوله: { يعرفون كلا } من أهل الجنة والنار، { بسيماهم }: بعلامتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجوه من أهل الجنة، وسوادها في أهل النار، أو غير ذلك من العلامات. { ونادوا أصحاب الجنة } ، إذا نظروا إليهم، فقالوا لهم: { أن سلام عليكم } ، أي: نادوهم بالسلام عليهم، { لم يدخلوها } أي: الجنة، { وهم يطمعون } في دخولها. { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } أي: التفتوا إليهم على وجه القلة، تعوذوا من حالهم، { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } في النار. الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العي الكبير نادوا أهل البطالة والتقصير، فقالوا لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا من كشف الحجاب والدخول مع الأحباب، حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا كما وجدنا نحن؟ قالوا على وجه الدعوى والغلط: نعم، فأذن مؤذن بينهم، بلسان الحال: أن لعنة الله على الظالمين الذين بقوا مع حظوظ أنفسهم، ولم يخرقوا شيئا من عوائدهم، مع تراميهم على مراتب الرجال، وادعائهم بلوغ غاية الكمال، الذين يصدون عن طريق الخصوص ويبغونها عوجا، وهم بالخصلة الآخرة وهي إشراق نور الحقيقة على أهل التربية هم كافرون، وبينما حجاب كبير، وهو حجاب الغفلة، فلا يعرفون أهل اليقظة، وهم أهل مقام الإحسان، بل بينهما مفاوز ومهامه، كما قال الشاعر: تركنا البحور الزخرات وراءنا فمن أين يدري الناس أين توجهنا وعلى الأعراف وهو البرزخ الذي بين الحقيقة والشريعة، رجال من أهل الاستشراف، يعرفون كلا من العوام والخواص بسيماهم، ونادروا أصحاب الجنة أي: الواصلين إلى جنة المعارف: أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون، لأنهم في حالة السير وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار، أي: نار الحجاب والتعب، وهم العوام، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ثم ذكر شماتة أهل الأعراف بأهل النار، فقال: { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم }.

الأعراف 7:48

قلت: { ما أغنى } استفهامية أو نافية، و { ما كنتم }: مصدرية، و { ادخلوا }: محكى بقول محذوف، أي: قيل لهم ادخلوا...الخ. يقول الحق جل جلاله: { ونادى أصحاب الأعراف رجالا } من رؤساء الكفرة، { يعرفونهم بسيماهم } بعلامة فيهم من سوء حالهم، { قالوا } لهم: { ما أغنى عنكم جمعكم } أي: كثرتكم، أو جمعكم للمال، شيئا أو أي شيء أغنى عنكم جمعكم، { وما كنتم تستكبرون }؟ أي: واستكباركم؟ { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } وهم ضعفاء المسلمين الذين كانت الكفرة تستحقرهم في الدنيا، ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة، قد قيل لهم: { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون }. أو تقول الملائكة لأهل الأعراف: { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } ، بعد أن حبسوا على الأعراف حتى أبصروا الفريقين وعرفوهم، وقالوا لهم ما قالوا، تفضل الله عليهم، فقيل لهم: ادخلوا الجنة. وقيل: لما عير أصحاب الأعراف أهل النار، أقسموا أي: أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، فقال لهم الله تعالى: { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم برحمة ادخلوا } يا أهل الأعراف { الجنة }. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب الأعراف: قوم من الصالحين حصل لهم محبة القوم، ليسوا من عوام أهل اليمين ولا من خواص المقربين، فإذا نظروا إلى أهل الطعن على الفقراء المتوجهين، والترفع عليهم، قالوا لهم: ما أغنى عنكم جمعكم واستكباركم، أهؤلاء الذين كنتم تطعنون عليهم، وأقسمتم أنهم ليسوا على شيء؟ قد قيل لهم: ادخلوا جنة المعارف لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، وأنتم حصل لكم الخيبة، والحرمان، والأسر في أيدي النفوس، والحصر في سجن الأكوان. عائذا بالله من ذلك. ثم ذكر استغاثة أهل النار بأهل الجنة، فقال: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة }.

الأعراف 7:49

قلت: { ما أغنى } استفهامية أو نافية، و { ما كنتم }: مصدرية، و { ادخلوا }: محكى بقول محذوف، أي: قيل لهم ادخلوا...الخ. يقول الحق جل جلاله: { ونادى أصحاب الأعراف رجالا } من رؤساء الكفرة، { يعرفونهم بسيماهم } بعلامة فيهم من سوء حالهم، { قالوا } لهم: { ما أغنى عنكم جمعكم } أي: كثرتكم، أو جمعكم للمال، شيئا أو أي شيء أغنى عنكم جمعكم، { وما كنتم تستكبرون }؟ أي: واستكباركم؟ { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } وهم ضعفاء المسلمين الذين كانت الكفرة تستحقرهم في الدنيا، ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة، قد قيل لهم: { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون }. أو تقول الملائكة لأهل الأعراف: { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } ، بعد أن حبسوا على الأعراف حتى أبصروا الفريقين وعرفوهم، وقالوا لهم ما قالوا، تفضل الله عليهم، فقيل لهم: ادخلوا الجنة. وقيل: لما عير أصحاب الأعراف أهل النار، أقسموا أي: أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، فقال لهم الله تعالى: { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم برحمة ادخلوا } يا أهل الأعراف { الجنة }. والله تعالى أعلم. الإشارة: أصحاب الأعراف: قوم من الصالحين حصل لهم محبة القوم، ليسوا من عوام أهل اليمين ولا من خواص المقربين، فإذا نظروا إلى أهل الطعن على الفقراء المتوجهين، والترفع عليهم، قالوا لهم: ما أغنى عنكم جمعكم واستكباركم، أهؤلاء الذين كنتم تطعنون عليهم، وأقسمتم أنهم ليسوا على شيء؟ قد قيل لهم: ادخلوا جنة المعارف لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، وأنتم حصل لكم الخيبة، والحرمان، والأسر في أيدي النفوس، والحصر في سجن الأكوان. عائذا بالله من ذلك. ثم ذكر استغاثة أهل النار بأهل الجنة، فقال: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة }.

الأعراف 7:50

قلت: { هدى ورحمة }: حال من مفعول { فصلناه } ، { فيشفعوا }: جواب الاستفهام، { أو نرد } بالنصب: عطف عليه، وبالرفع: استئناف، فعلى الأول: المسؤول أحد الأمرين إما الشفاعة أو الرد، وعلى الثاني: المسؤول الشفاعة فقط. يقول الحق جل جلاله: { ونادى } ، يوم القيامة، { أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا } أي: صبوا { علينا من الماء } ، وفيه دليل على أن الجنة فوق النار، أو: صبوا علينا مما رزقكم الله من سائر الأشربة، ليلائم قوله { أفيضوا } ، أو: من الطعام على حذف الفعل، أي: أو أعطونا مما رزقكم الله، { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } ، أي: منعهما عنهم، { الذين إتخذوا دينهم لهوا ولعبا } كتحريم البحائر والسوائب، والتصدية حول البيت، والطواف به عريانا، وغير ذلك مما أحدثوه، واللهو: صرف القلب إلى ما لا يحصل به نفع أخروي. واللعب: طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به لخلوه عن منفعة دينية، { وغرتهم الحياة الدنيا } بأن أنستهم القيامة، { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا } ، والكاف: أي: ننساهم لأجل نسيانهم لقاء يومهم هذا، فلم يخطروه ببالهم، ولم يستعدوا له، { وما كانوا بآياتنا يجحدون } أي: نهملهم لأجل إهمالهم الاستعداد للقاء، وإهمالهم آياتنا حتى جحدوا أنها من عند الله. { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم } أي: بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ، مفصلة { على علم } ، أي: عالمين بوجه تفصيله حتى جاء في غاية الإتقان، { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فإنهم المنتفعون بهدايته ورحمته دون غيرهم. { هل ينظرون } أي: ما ينتظر الكفار به { إلا تأويله } ، أي: ما يؤول إليه أمره من تبين صدقه، بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد، بقيام الساعة وما بعدها، { يوم يأتي تأويله } بظهور ما نطق به، { يقول الذين نسوه من قبل } ، ولم يؤمنوا به: { قد جاءت رسل ربنا بالحق } أي: قد تبين أنهم جاؤوا بالحق، وحصل لهم اليقين حيث لم ينفع، ثم طلبوا من يشفع فيهم فقالوا: { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا } اليوم، { أو نرد } أي: وهل نرد إلى الدنيا { فنعمل غير الذي كنا نعمل } فنستبدل الكفر بالإيمان، والعصيان بالطاعة والإذعان، أو: فيشفعوا لنا في أحد الأمرين: إما السلامة من العذاب، أو الرد إلى الدنيا فنستبدل الكفر بالإيمان. قال تعالى: { قد خسروا أنفسهم } أي: بخسوها بسوء أعمالهم وكفرهم، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي: غاب عنهم افتراؤهم فلم ينفعهم. الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العلي الكبير، وأفاض عليهم من ماء غيبه، حتى امتلأت قلوبهم وأسرارهم، فأثمر لهم العلوم اللدنية والأسرار الربانية ناداهم أهل البطالة والتقصير: أفيضوا علينا من الماء الذي سقاكم الله منه، أو مما رزقكم من العلوم والمعارف. قالوا: إن الله حرمهما على البطالين الذين اتخذوا طريق القوم لهوا ولعبا، وغرتهم الحياة الدنيا فقبضتهم في شبكتها، فيقول تعالى: فاليوم ننساهم من لذيذ مشاهدتي، وحلاوة معرفتي، كما نسوا لقائي بشهود ذاتي، وأنكروا على أوليائي وأهل معرفتي، وجحدوا وجود التربية وحجروا على قدرتي، ولقد جئناهم بكتاب فصلنا فيه كل شيء فقلنا فيه: ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منهآ أو مثلهآ [البقرة:106] إلى يوم القيامة، هل ينظرون إلا تأويله؟ يوم يأتي تأويله بظهور درجات المقربين، في أعلى عليين، حينئذ يحصل لهم اليقين بوجود المقربين، أو بالتربية النبوية في كل زمان وحين، فيطلب الشفاعة في اللحوق بهم، أو يرد إلى العمل بعملهم.. هيهات! قد بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، فخسر المبطلون، وفاز المجتهدون السابقون. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم عرف الحق جل جلاله بنفسه ليعرفه من أراد معرفته في الدنيا، فقال: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض }.

الأعراف 7:51

قلت: { هدى ورحمة }: حال من مفعول { فصلناه } ، { فيشفعوا }: جواب الاستفهام، { أو نرد } بالنصب: عطف عليه، وبالرفع: استئناف، فعلى الأول: المسؤول أحد الأمرين إما الشفاعة أو الرد، وعلى الثاني: المسؤول الشفاعة فقط. يقول الحق جل جلاله: { ونادى } ، يوم القيامة، { أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا } أي: صبوا { علينا من الماء } ، وفيه دليل على أن الجنة فوق النار، أو: صبوا علينا مما رزقكم الله من سائر الأشربة، ليلائم قوله { أفيضوا } ، أو: من الطعام على حذف الفعل، أي: أو أعطونا مما رزقكم الله، { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } ، أي: منعهما عنهم، { الذين إتخذوا دينهم لهوا ولعبا } كتحريم البحائر والسوائب، والتصدية حول البيت، والطواف به عريانا، وغير ذلك مما أحدثوه، واللهو: صرف القلب إلى ما لا يحصل به نفع أخروي. واللعب: طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به لخلوه عن منفعة دينية، { وغرتهم الحياة الدنيا } بأن أنستهم القيامة، { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا } ، والكاف: أي: ننساهم لأجل نسيانهم لقاء يومهم هذا، فلم يخطروه ببالهم، ولم يستعدوا له، { وما كانوا بآياتنا يجحدون } أي: نهملهم لأجل إهمالهم الاستعداد للقاء، وإهمالهم آياتنا حتى جحدوا أنها من عند الله. { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم } أي: بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ، مفصلة { على علم } ، أي: عالمين بوجه تفصيله حتى جاء في غاية الإتقان، { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فإنهم المنتفعون بهدايته ورحمته دون غيرهم. { هل ينظرون } أي: ما ينتظر الكفار به { إلا تأويله } ، أي: ما يؤول إليه أمره من تبين صدقه، بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد، بقيام الساعة وما بعدها، { يوم يأتي تأويله } بظهور ما نطق به، { يقول الذين نسوه من قبل } ، ولم يؤمنوا به: { قد جاءت رسل ربنا بالحق } أي: قد تبين أنهم جاؤوا بالحق، وحصل لهم اليقين حيث لم ينفع، ثم طلبوا من يشفع فيهم فقالوا: { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا } اليوم، { أو نرد } أي: وهل نرد إلى الدنيا { فنعمل غير الذي كنا نعمل } فنستبدل الكفر بالإيمان، والعصيان بالطاعة والإذعان، أو: فيشفعوا لنا في أحد الأمرين: إما السلامة من العذاب، أو الرد إلى الدنيا فنستبدل الكفر بالإيمان. قال تعالى: { قد خسروا أنفسهم } أي: بخسوها بسوء أعمالهم وكفرهم، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي: غاب عنهم افتراؤهم فلم ينفعهم. الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العلي الكبير، وأفاض عليهم من ماء غيبه، حتى امتلأت قلوبهم وأسرارهم، فأثمر لهم العلوم اللدنية والأسرار الربانية ناداهم أهل البطالة والتقصير: أفيضوا علينا من الماء الذي سقاكم الله منه، أو مما رزقكم من العلوم والمعارف. قالوا: إن الله حرمهما على البطالين الذين اتخذوا طريق القوم لهوا ولعبا، وغرتهم الحياة الدنيا فقبضتهم في شبكتها، فيقول تعالى: فاليوم ننساهم من لذيذ مشاهدتي، وحلاوة معرفتي، كما نسوا لقائي بشهود ذاتي، وأنكروا على أوليائي وأهل معرفتي، وجحدوا وجود التربية وحجروا على قدرتي، ولقد جئناهم بكتاب فصلنا فيه كل شيء فقلنا فيه: ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منهآ أو مثلهآ [البقرة:106] إلى يوم القيامة، هل ينظرون إلا تأويله؟ يوم يأتي تأويله بظهور درجات المقربين، في أعلى عليين، حينئذ يحصل لهم اليقين بوجود المقربين، أو بالتربية النبوية في كل زمان وحين، فيطلب الشفاعة في اللحوق بهم، أو يرد إلى العمل بعملهم.. هيهات! قد بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، فخسر المبطلون، وفاز المجتهدون السابقون. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم عرف الحق جل جلاله بنفسه ليعرفه من أراد معرفته في الدنيا، فقال: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض }.

الأعراف 7:52

قلت: { هدى ورحمة }: حال من مفعول { فصلناه } ، { فيشفعوا }: جواب الاستفهام، { أو نرد } بالنصب: عطف عليه، وبالرفع: استئناف، فعلى الأول: المسؤول أحد الأمرين إما الشفاعة أو الرد، وعلى الثاني: المسؤول الشفاعة فقط. يقول الحق جل جلاله: { ونادى } ، يوم القيامة، { أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا } أي: صبوا { علينا من الماء } ، وفيه دليل على أن الجنة فوق النار، أو: صبوا علينا مما رزقكم الله من سائر الأشربة، ليلائم قوله { أفيضوا } ، أو: من الطعام على حذف الفعل، أي: أو أعطونا مما رزقكم الله، { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } ، أي: منعهما عنهم، { الذين إتخذوا دينهم لهوا ولعبا } كتحريم البحائر والسوائب، والتصدية حول البيت، والطواف به عريانا، وغير ذلك مما أحدثوه، واللهو: صرف القلب إلى ما لا يحصل به نفع أخروي. واللعب: طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به لخلوه عن منفعة دينية، { وغرتهم الحياة الدنيا } بأن أنستهم القيامة، { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا } ، والكاف: أي: ننساهم لأجل نسيانهم لقاء يومهم هذا، فلم يخطروه ببالهم، ولم يستعدوا له، { وما كانوا بآياتنا يجحدون } أي: نهملهم لأجل إهمالهم الاستعداد للقاء، وإهمالهم آياتنا حتى جحدوا أنها من عند الله. { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم } أي: بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ، مفصلة { على علم } ، أي: عالمين بوجه تفصيله حتى جاء في غاية الإتقان، { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فإنهم المنتفعون بهدايته ورحمته دون غيرهم. { هل ينظرون } أي: ما ينتظر الكفار به { إلا تأويله } ، أي: ما يؤول إليه أمره من تبين صدقه، بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد، بقيام الساعة وما بعدها، { يوم يأتي تأويله } بظهور ما نطق به، { يقول الذين نسوه من قبل } ، ولم يؤمنوا به: { قد جاءت رسل ربنا بالحق } أي: قد تبين أنهم جاؤوا بالحق، وحصل لهم اليقين حيث لم ينفع، ثم طلبوا من يشفع فيهم فقالوا: { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا } اليوم، { أو نرد } أي: وهل نرد إلى الدنيا { فنعمل غير الذي كنا نعمل } فنستبدل الكفر بالإيمان، والعصيان بالطاعة والإذعان، أو: فيشفعوا لنا في أحد الأمرين: إما السلامة من العذاب، أو الرد إلى الدنيا فنستبدل الكفر بالإيمان. قال تعالى: { قد خسروا أنفسهم } أي: بخسوها بسوء أعمالهم وكفرهم، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي: غاب عنهم افتراؤهم فلم ينفعهم. الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العلي الكبير، وأفاض عليهم من ماء غيبه، حتى امتلأت قلوبهم وأسرارهم، فأثمر لهم العلوم اللدنية والأسرار الربانية ناداهم أهل البطالة والتقصير: أفيضوا علينا من الماء الذي سقاكم الله منه، أو مما رزقكم من العلوم والمعارف. قالوا: إن الله حرمهما على البطالين الذين اتخذوا طريق القوم لهوا ولعبا، وغرتهم الحياة الدنيا فقبضتهم في شبكتها، فيقول تعالى: فاليوم ننساهم من لذيذ مشاهدتي، وحلاوة معرفتي، كما نسوا لقائي بشهود ذاتي، وأنكروا على أوليائي وأهل معرفتي، وجحدوا وجود التربية وحجروا على قدرتي، ولقد جئناهم بكتاب فصلنا فيه كل شيء فقلنا فيه: ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منهآ أو مثلهآ [البقرة:106] إلى يوم القيامة، هل ينظرون إلا تأويله؟ يوم يأتي تأويله بظهور درجات المقربين، في أعلى عليين، حينئذ يحصل لهم اليقين بوجود المقربين، أو بالتربية النبوية في كل زمان وحين، فيطلب الشفاعة في اللحوق بهم، أو يرد إلى العمل بعملهم.. هيهات! قد بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، فخسر المبطلون، وفاز المجتهدون السابقون. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم عرف الحق جل جلاله بنفسه ليعرفه من أراد معرفته في الدنيا، فقال: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض }.

الأعراف 7:53

قلت: { هدى ورحمة }: حال من مفعول { فصلناه } ، { فيشفعوا }: جواب الاستفهام، { أو نرد } بالنصب: عطف عليه، وبالرفع: استئناف، فعلى الأول: المسؤول أحد الأمرين إما الشفاعة أو الرد، وعلى الثاني: المسؤول الشفاعة فقط. يقول الحق جل جلاله: { ونادى } ، يوم القيامة، { أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا } أي: صبوا { علينا من الماء } ، وفيه دليل على أن الجنة فوق النار، أو: صبوا علينا مما رزقكم الله من سائر الأشربة، ليلائم قوله { أفيضوا } ، أو: من الطعام على حذف الفعل، أي: أو أعطونا مما رزقكم الله، { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } ، أي: منعهما عنهم، { الذين إتخذوا دينهم لهوا ولعبا } كتحريم البحائر والسوائب، والتصدية حول البيت، والطواف به عريانا، وغير ذلك مما أحدثوه، واللهو: صرف القلب إلى ما لا يحصل به نفع أخروي. واللعب: طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به لخلوه عن منفعة دينية، { وغرتهم الحياة الدنيا } بأن أنستهم القيامة، { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا } ، والكاف: أي: ننساهم لأجل نسيانهم لقاء يومهم هذا، فلم يخطروه ببالهم، ولم يستعدوا له، { وما كانوا بآياتنا يجحدون } أي: نهملهم لأجل إهمالهم الاستعداد للقاء، وإهمالهم آياتنا حتى جحدوا أنها من عند الله. { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم } أي: بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ، مفصلة { على علم } ، أي: عالمين بوجه تفصيله حتى جاء في غاية الإتقان، { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فإنهم المنتفعون بهدايته ورحمته دون غيرهم. { هل ينظرون } أي: ما ينتظر الكفار به { إلا تأويله } ، أي: ما يؤول إليه أمره من تبين صدقه، بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد، بقيام الساعة وما بعدها، { يوم يأتي تأويله } بظهور ما نطق به، { يقول الذين نسوه من قبل } ، ولم يؤمنوا به: { قد جاءت رسل ربنا بالحق } أي: قد تبين أنهم جاؤوا بالحق، وحصل لهم اليقين حيث لم ينفع، ثم طلبوا من يشفع فيهم فقالوا: { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا } اليوم، { أو نرد } أي: وهل نرد إلى الدنيا { فنعمل غير الذي كنا نعمل } فنستبدل الكفر بالإيمان، والعصيان بالطاعة والإذعان، أو: فيشفعوا لنا في أحد الأمرين: إما السلامة من العذاب، أو الرد إلى الدنيا فنستبدل الكفر بالإيمان. قال تعالى: { قد خسروا أنفسهم } أي: بخسوها بسوء أعمالهم وكفرهم، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي: غاب عنهم افتراؤهم فلم ينفعهم. الإشارة: إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العلي الكبير، وأفاض عليهم من ماء غيبه، حتى امتلأت قلوبهم وأسرارهم، فأثمر لهم العلوم اللدنية والأسرار الربانية ناداهم أهل البطالة والتقصير: أفيضوا علينا من الماء الذي سقاكم الله منه، أو مما رزقكم من العلوم والمعارف. قالوا: إن الله حرمهما على البطالين الذين اتخذوا طريق القوم لهوا ولعبا، وغرتهم الحياة الدنيا فقبضتهم في شبكتها، فيقول تعالى: فاليوم ننساهم من لذيذ مشاهدتي، وحلاوة معرفتي، كما نسوا لقائي بشهود ذاتي، وأنكروا على أوليائي وأهل معرفتي، وجحدوا وجود التربية وحجروا على قدرتي، ولقد جئناهم بكتاب فصلنا فيه كل شيء فقلنا فيه: ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منهآ أو مثلهآ [البقرة:106] إلى يوم القيامة، هل ينظرون إلا تأويله؟ يوم يأتي تأويله بظهور درجات المقربين، في أعلى عليين، حينئذ يحصل لهم اليقين بوجود المقربين، أو بالتربية النبوية في كل زمان وحين، فيطلب الشفاعة في اللحوق بهم، أو يرد إلى العمل بعملهم.. هيهات! قد بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، فخسر المبطلون، وفاز المجتهدون السابقون. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم عرف الحق جل جلاله بنفسه ليعرفه من أراد معرفته في الدنيا، فقال: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض }.

الأعراف 7:54

قلت: { حثيثا } أي: سريعا صفة لمصدر محذوف، أي: طلبا حثيثان أو حال من الفاعل، أي: حاثا، و { مسخرات } حال فيمن نصب، وخبر فيمن رفع، و { تضرعا وخفية }: مصدران، حالان من الواو، وكذلك { خوفا وطمعا }. يقول الحق جل جلاله: { إن ربكم } الذي يستحق أن تعبدوه، وهو { الله } وحده { الذي خلق السماوات والأرض } أي: أظهرهما { في ستة أيام } أي: مقدار ستة أيام من أيام الدنيا إذ لم يكن ثم شمس، ولو شاء خلقهن في لمحة، والعدول إليه لتعليم خلقه التأني والتثبت. { ثم استوى على العرش } استواء يليق به، والعرش: جسم عظيم محيط بالأكوان. سمي به لارتفاعه، وللتشبيه بسرير الملك، فالأكوان في جوفه ممحوقة فقد استولى عليها ومحقها، كذلك أسرار معاني الربوبية الأزلية قد استولت عليه ومحقته، فيمكن أن يكون الحق تعالى عبر بالاستواء عن هذا الاستيلاء، وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء الله. وقال القشيري: ثم استوى على العرش، أي: توحد بجلال الكبرياء بوصف الملكوت، وملوكنا إذا أرادوا التجلي والظهور للحشم والرعية برزوا لهم على سرير ملكهم في إيوان مشاهدتهم. فأخبر الحق سبحانه وتعالى بما يقرب من فهم الخلق، بما ألقى إليهم من هذه الكلمات، بأنه استوى على العرش، ومعناه: اتصافه بعز الصمدية وجلال الأحدية، وانفراده بنعت الجبروت وجلاء الربوبية، وتقدس الجبار عن الأقطار، والمعبود عن الحدود. ه. { يغشي الليل النهار } أي: يغطي نور النهار بظلمة الليل، { يطلبه حثيثا } أي: يعقبه سريعا كالطالب له، لا يفصل بينهما شيء، { و } خلق { الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } أي: بقضائه وتصريفه، ومن عجائب تسخيرها أن جعلها مقرونة بأمور غيبية، دالة على ظهور شيء منها. والنهي عن النظر في النجوم أو تصديق المنجمين إنما هو لمن اعتقد التأثير لها مستقلة بنفسها، أو تصديقهم في تفصيل ما يخبرون به لأنهم إنما يقولون ذلك عن ظن وتخمين وجهل، فإن علم النجوم كان معجزة لبعض الأنبياء، ثم اندرس ذلك العلم، فلم يبق إلا ما هو مختلط، لا يتميز فيه الصواب من الخطأ، فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار يخلق الله تعالى بها في الأرض، وفي النبات والحيوان شيئا، يعني في الجملة ليس قادحا في الدين، بل هو الحق، ولكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل: قادح في الدين، فالكواكب ما خلقت عبثا، ولهذا نظر عليه الصلاة والسلام إلى السماء وقرأ قوله تعالى: ربنا ما خلقت هذا باطلا... [آل عمران:191] الآية. انظر الإحياء للغزالي. ثم قال تعالى: { إلا له الخلق والأمر } أي: الإيجاد والتصرف بالأمر والنهي، { تبارك الله رب العالمين } أي: تعاظم في ألوهيته، وتعالى في ربوبيته، وتفرد في وحدانيته. قال البيضاوي: وتحقيق الآية والله أعلم أن الكفرة كانوا متخذين أربابا، فبين لهم أن المستحق للربوبية واحد وهو الله تعالى لأنه الذي له الخلق والأمر، فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم، وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك العلوية، والأجرام السفلية، ثم بعد تمام خلق عالم الملك أخذ في تدبيره كالملك الجالس على عرشه وسريره لتدبير مملكته، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض، بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب، وتكوير الليالي والأيام، فله الخلق والأمر. وكذلك قال في آية السجدة بعد ذكر الخلق: ثم استوى على العرش يدبر الأمر [يونس:3، السجدة:4]، فرب الخلائق: من هذا صفته، لا غيره، انتهى المعنى. ثم أمرهم بأن يدعوه، متذللين مخلصين، فقال: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } أي: ذوي تضرع وخفاء فإن الإخفاء دليل الإخلاص، { إنه لا يحب المعتدين } المتجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره، ونبه على أن الداعي ينبغي ألا يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء، وقيل: الاعتداء في الدعاء، هو الصياح به، والتشدق، أو اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل. ثم قرأ { إنه لا يحب المعتدين } ". { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والمعاصي، { بعد إصلاحها } ببعث الأنبياء، وشرع الأحكام، أو: ولا تفسدوا في الأرض بالمعاصي الموجبة لفساد العالم بالقحط والفتن، بعد إصلاحها بالخصب والأمان، { وادعوه خوفا وطمعا } أي: خوفا من الرد لقصور الأعمال، وطمعا في القبول بالفضل والكرم { إن رحمة الله قريب من المحسنين } المخلصين. قال البيضاوي: هو ترجيح للطمع، وتنبيه على ما يتوصل به إلى الإجابة، وتذكير قريب لأن الرحمة بمعنى الترحم، أو لأنه صفة محذوف أي: أمر قريب، أو على تشبيه فعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو للفرق بين القريب من النسب، والقريب من غيره. ه. قلت: والأحسن أنه إنما ذكره لأن المراد بالرحمة هنا: سر الخصوصية، وهو مذكر، فراعى معنى اللفظ، كأنه قال: إن سر الولاية وهي الخصوصية قريب من المحسنين. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { في ستة أيام }: قال الورتجبي: في كل يوم من هذه الأيام: ظهور صفة من صفاته الست: أولها: العلم، والثاني: القدرة: والثالث: السمع، والرابع: والبصر، والخامس: الكلام، والسادس: الإرادة، كملت الأشياء بظهور أنوار الصفات الستة، ولما أتمها صارت الحدثان كجسد آدم بلا روح، فتجلى من صفته السابعة. وهي حياته القديمة الأزلية الباقية، المنزهة عن همهمة الأنفاس والمشابهة والقياس فقامت الأشياء بصفاته القائمة بذاته، ويكون إلى الأبد لحياتها بروح حياته، المقدسة عن الاتصال والانفصال. قلت: وهي المعبر عنها بالمعاني القائمة بالأواني. ثم قال: وفي أدق الإشارة: السماوات: الأرواح، والأرض: الأشباح، والعرش: القلوب، بدأ بكشف الصفات للأرواح، وبدأ بكشف الأفعال للأشباح، ثم بدأ بكشف الذات للقلوب لأن مناظر القلوب للغيوب، والغيوب من القلوب محل تجلي استواء القدم، استوى قهر القدم، بنعت الظهور للعدم، أي: فتلاشى العدم، ثم استوى تجلي الصفات على الأفعال، واستوى تجلي الذات على الصفات، فاستوى بنفسه لنفسه، المنزه عن المباشرة بالحدثان والاتصال والانفصال عن الأكوان. قلت: أي: إذ لا حدثان ولا أكوان لأنها لما قرنت بالقدم تلاشت، وما بقي إلا نعت القدم. ثم قال: خص السماوات والأرض بتجلي الصفات، وخص العرش بتجلي الذات. قلت: لأن المعاني المستولية على العرش باقية على أصلها، وهي أسرار الذات لم تترد برداء الكبرياء، وهو حجاب الحس الظاهر، بخلاف المعاني القائمة بالأواني، وهي أنوار الصفات، تجلت مرتدية بحجاب القهرية، فقيل لها: تجلي الصفات. ثم قال: السماوات والأرض جسد العالم، والعرش قلب العالم، والكرسي دماغ العالم، خص الجميع بالأفعال والصفات، وخص العرش بظهور الذات لأنه قلب الكل، وهو غيب الرحمن وعلمه وحكمته، رأيته في المكاشفة أنوارا شعشعانيا، بلا جسم ولا مكان ولا صورة، يتلألأ، فسألت عن ذلك، فقيل لي: هذا عالم يسمى عرشا. انتهى. قلت: وأقرب من هذا كله: أن العرش قد استولى على ما في جوفه من العوالم، حتى صارت في وسطه كلا شيء، ومعاني أسرار الربوبية، وهي العظمة الأصلية قد استولت عليه، وأحاطت به، ومحت وجوده، فعبر الحق جل جلاله عن استيلاء هذه العظمة التي هي أسرار الربوبية على العرش بالاستواء. وإلى هذا أشار في الحكم العطائية بقوله: " يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الآثار وهي العرش وما احتوى عليه بمحيطات أفلاك الأنوار " وهي أسرار الذات المحيطات بالآثار من العرش إلى الفرش، فعبر عن المعاني المستولية على العرش بالرحمانية لأن الرحمانية صفة الذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فافهم. قلت: ومن كحل عينه بإثمد توحيد الذات لا يستعبد أن يكون الحق جل جلاله يتجلى بتجل خاص من أسرار ذاته وأنوار صفاته، يستوي بتلك العظمة على العرش، كما يتجلى يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، إذ تجلياته لا تنحصر، بل كل ما ظهر في عالم الشهادة فإنما هو نور من تجلي ذاته وصفاته. وهذا القدر كاف لمن شم شيئا من أسرار التوحيد، وقد تكلم ابن جزي هنا على الخوف والرجاء، وأطال فيهما، ولكنه يجنح لتصوف أهل الظاهر، وقد تقرر في محله. وقوله تعالى: { إن رحمة الله قريب من المحسنين }: هو تقييد لقوله: { يختص برحمته من يشاء } فالمختص بالرحمة هم المحسنون. انظر لفظ الحكم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحق جل جلاله تصاريف قدرته المفهوم من قوله: { ألا له الخلق والأمر } ، فقال: { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته }.

الأعراف 7:55

قلت: { حثيثا } أي: سريعا صفة لمصدر محذوف، أي: طلبا حثيثان أو حال من الفاعل، أي: حاثا، و { مسخرات } حال فيمن نصب، وخبر فيمن رفع، و { تضرعا وخفية }: مصدران، حالان من الواو، وكذلك { خوفا وطمعا }. يقول الحق جل جلاله: { إن ربكم } الذي يستحق أن تعبدوه، وهو { الله } وحده { الذي خلق السماوات والأرض } أي: أظهرهما { في ستة أيام } أي: مقدار ستة أيام من أيام الدنيا إذ لم يكن ثم شمس، ولو شاء خلقهن في لمحة، والعدول إليه لتعليم خلقه التأني والتثبت. { ثم استوى على العرش } استواء يليق به، والعرش: جسم عظيم محيط بالأكوان. سمي به لارتفاعه، وللتشبيه بسرير الملك، فالأكوان في جوفه ممحوقة فقد استولى عليها ومحقها، كذلك أسرار معاني الربوبية الأزلية قد استولت عليه ومحقته، فيمكن أن يكون الحق تعالى عبر بالاستواء عن هذا الاستيلاء، وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء الله. وقال القشيري: ثم استوى على العرش، أي: توحد بجلال الكبرياء بوصف الملكوت، وملوكنا إذا أرادوا التجلي والظهور للحشم والرعية برزوا لهم على سرير ملكهم في إيوان مشاهدتهم. فأخبر الحق سبحانه وتعالى بما يقرب من فهم الخلق، بما ألقى إليهم من هذه الكلمات، بأنه استوى على العرش، ومعناه: اتصافه بعز الصمدية وجلال الأحدية، وانفراده بنعت الجبروت وجلاء الربوبية، وتقدس الجبار عن الأقطار، والمعبود عن الحدود. ه. { يغشي الليل النهار } أي: يغطي نور النهار بظلمة الليل، { يطلبه حثيثا } أي: يعقبه سريعا كالطالب له، لا يفصل بينهما شيء، { و } خلق { الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } أي: بقضائه وتصريفه، ومن عجائب تسخيرها أن جعلها مقرونة بأمور غيبية، دالة على ظهور شيء منها. والنهي عن النظر في النجوم أو تصديق المنجمين إنما هو لمن اعتقد التأثير لها مستقلة بنفسها، أو تصديقهم في تفصيل ما يخبرون به لأنهم إنما يقولون ذلك عن ظن وتخمين وجهل، فإن علم النجوم كان معجزة لبعض الأنبياء، ثم اندرس ذلك العلم، فلم يبق إلا ما هو مختلط، لا يتميز فيه الصواب من الخطأ، فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار يخلق الله تعالى بها في الأرض، وفي النبات والحيوان شيئا، يعني في الجملة ليس قادحا في الدين، بل هو الحق، ولكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل: قادح في الدين، فالكواكب ما خلقت عبثا، ولهذا نظر عليه الصلاة والسلام إلى السماء وقرأ قوله تعالى: ربنا ما خلقت هذا باطلا... [آل عمران:191] الآية. انظر الإحياء للغزالي. ثم قال تعالى: { إلا له الخلق والأمر } أي: الإيجاد والتصرف بالأمر والنهي، { تبارك الله رب العالمين } أي: تعاظم في ألوهيته، وتعالى في ربوبيته، وتفرد في وحدانيته. قال البيضاوي: وتحقيق الآية والله أعلم أن الكفرة كانوا متخذين أربابا، فبين لهم أن المستحق للربوبية واحد وهو الله تعالى لأنه الذي له الخلق والأمر، فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم، وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك العلوية، والأجرام السفلية، ثم بعد تمام خلق عالم الملك أخذ في تدبيره كالملك الجالس على عرشه وسريره لتدبير مملكته، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض، بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب، وتكوير الليالي والأيام، فله الخلق والأمر. وكذلك قال في آية السجدة بعد ذكر الخلق: ثم استوى على العرش يدبر الأمر [يونس:3، السجدة:4]، فرب الخلائق: من هذا صفته، لا غيره، انتهى المعنى. ثم أمرهم بأن يدعوه، متذللين مخلصين، فقال: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } أي: ذوي تضرع وخفاء فإن الإخفاء دليل الإخلاص، { إنه لا يحب المعتدين } المتجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره، ونبه على أن الداعي ينبغي ألا يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء، وقيل: الاعتداء في الدعاء، هو الصياح به، والتشدق، أو اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل. ثم قرأ { إنه لا يحب المعتدين } ". { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والمعاصي، { بعد إصلاحها } ببعث الأنبياء، وشرع الأحكام، أو: ولا تفسدوا في الأرض بالمعاصي الموجبة لفساد العالم بالقحط والفتن، بعد إصلاحها بالخصب والأمان، { وادعوه خوفا وطمعا } أي: خوفا من الرد لقصور الأعمال، وطمعا في القبول بالفضل والكرم { إن رحمة الله قريب من المحسنين } المخلصين. قال البيضاوي: هو ترجيح للطمع، وتنبيه على ما يتوصل به إلى الإجابة، وتذكير قريب لأن الرحمة بمعنى الترحم، أو لأنه صفة محذوف أي: أمر قريب، أو على تشبيه فعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو للفرق بين القريب من النسب، والقريب من غيره. ه. قلت: والأحسن أنه إنما ذكره لأن المراد بالرحمة هنا: سر الخصوصية، وهو مذكر، فراعى معنى اللفظ، كأنه قال: إن سر الولاية وهي الخصوصية قريب من المحسنين. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { في ستة أيام }: قال الورتجبي: في كل يوم من هذه الأيام: ظهور صفة من صفاته الست: أولها: العلم، والثاني: القدرة: والثالث: السمع، والرابع: والبصر، والخامس: الكلام، والسادس: الإرادة، كملت الأشياء بظهور أنوار الصفات الستة، ولما أتمها صارت الحدثان كجسد آدم بلا روح، فتجلى من صفته السابعة. وهي حياته القديمة الأزلية الباقية، المنزهة عن همهمة الأنفاس والمشابهة والقياس فقامت الأشياء بصفاته القائمة بذاته، ويكون إلى الأبد لحياتها بروح حياته، المقدسة عن الاتصال والانفصال. قلت: وهي المعبر عنها بالمعاني القائمة بالأواني. ثم قال: وفي أدق الإشارة: السماوات: الأرواح، والأرض: الأشباح، والعرش: القلوب، بدأ بكشف الصفات للأرواح، وبدأ بكشف الأفعال للأشباح، ثم بدأ بكشف الذات للقلوب لأن مناظر القلوب للغيوب، والغيوب من القلوب محل تجلي استواء القدم، استوى قهر القدم، بنعت الظهور للعدم، أي: فتلاشى العدم، ثم استوى تجلي الصفات على الأفعال، واستوى تجلي الذات على الصفات، فاستوى بنفسه لنفسه، المنزه عن المباشرة بالحدثان والاتصال والانفصال عن الأكوان. قلت: أي: إذ لا حدثان ولا أكوان لأنها لما قرنت بالقدم تلاشت، وما بقي إلا نعت القدم. ثم قال: خص السماوات والأرض بتجلي الصفات، وخص العرش بتجلي الذات. قلت: لأن المعاني المستولية على العرش باقية على أصلها، وهي أسرار الذات لم تترد برداء الكبرياء، وهو حجاب الحس الظاهر، بخلاف المعاني القائمة بالأواني، وهي أنوار الصفات، تجلت مرتدية بحجاب القهرية، فقيل لها: تجلي الصفات. ثم قال: السماوات والأرض جسد العالم، والعرش قلب العالم، والكرسي دماغ العالم، خص الجميع بالأفعال والصفات، وخص العرش بظهور الذات لأنه قلب الكل، وهو غيب الرحمن وعلمه وحكمته، رأيته في المكاشفة أنوارا شعشعانيا، بلا جسم ولا مكان ولا صورة، يتلألأ، فسألت عن ذلك، فقيل لي: هذا عالم يسمى عرشا. انتهى. قلت: وأقرب من هذا كله: أن العرش قد استولى على ما في جوفه من العوالم، حتى صارت في وسطه كلا شيء، ومعاني أسرار الربوبية، وهي العظمة الأصلية قد استولت عليه، وأحاطت به، ومحت وجوده، فعبر الحق جل جلاله عن استيلاء هذه العظمة التي هي أسرار الربوبية على العرش بالاستواء. وإلى هذا أشار في الحكم العطائية بقوله: " يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الآثار وهي العرش وما احتوى عليه بمحيطات أفلاك الأنوار " وهي أسرار الذات المحيطات بالآثار من العرش إلى الفرش، فعبر عن المعاني المستولية على العرش بالرحمانية لأن الرحمانية صفة الذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فافهم. قلت: ومن كحل عينه بإثمد توحيد الذات لا يستعبد أن يكون الحق جل جلاله يتجلى بتجل خاص من أسرار ذاته وأنوار صفاته، يستوي بتلك العظمة على العرش، كما يتجلى يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، إذ تجلياته لا تنحصر، بل كل ما ظهر في عالم الشهادة فإنما هو نور من تجلي ذاته وصفاته. وهذا القدر كاف لمن شم شيئا من أسرار التوحيد، وقد تكلم ابن جزي هنا على الخوف والرجاء، وأطال فيهما، ولكنه يجنح لتصوف أهل الظاهر، وقد تقرر في محله. وقوله تعالى: { إن رحمة الله قريب من المحسنين }: هو تقييد لقوله: { يختص برحمته من يشاء } فالمختص بالرحمة هم المحسنون. انظر لفظ الحكم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحق جل جلاله تصاريف قدرته المفهوم من قوله: { ألا له الخلق والأمر } ، فقال: { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته }.

الأعراف 7:56

قلت: { حثيثا } أي: سريعا صفة لمصدر محذوف، أي: طلبا حثيثان أو حال من الفاعل، أي: حاثا، و { مسخرات } حال فيمن نصب، وخبر فيمن رفع، و { تضرعا وخفية }: مصدران، حالان من الواو، وكذلك { خوفا وطمعا }. يقول الحق جل جلاله: { إن ربكم } الذي يستحق أن تعبدوه، وهو { الله } وحده { الذي خلق السماوات والأرض } أي: أظهرهما { في ستة أيام } أي: مقدار ستة أيام من أيام الدنيا إذ لم يكن ثم شمس، ولو شاء خلقهن في لمحة، والعدول إليه لتعليم خلقه التأني والتثبت. { ثم استوى على العرش } استواء يليق به، والعرش: جسم عظيم محيط بالأكوان. سمي به لارتفاعه، وللتشبيه بسرير الملك، فالأكوان في جوفه ممحوقة فقد استولى عليها ومحقها، كذلك أسرار معاني الربوبية الأزلية قد استولت عليه ومحقته، فيمكن أن يكون الحق تعالى عبر بالاستواء عن هذا الاستيلاء، وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء الله. وقال القشيري: ثم استوى على العرش، أي: توحد بجلال الكبرياء بوصف الملكوت، وملوكنا إذا أرادوا التجلي والظهور للحشم والرعية برزوا لهم على سرير ملكهم في إيوان مشاهدتهم. فأخبر الحق سبحانه وتعالى بما يقرب من فهم الخلق، بما ألقى إليهم من هذه الكلمات، بأنه استوى على العرش، ومعناه: اتصافه بعز الصمدية وجلال الأحدية، وانفراده بنعت الجبروت وجلاء الربوبية، وتقدس الجبار عن الأقطار، والمعبود عن الحدود. ه. { يغشي الليل النهار } أي: يغطي نور النهار بظلمة الليل، { يطلبه حثيثا } أي: يعقبه سريعا كالطالب له، لا يفصل بينهما شيء، { و } خلق { الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } أي: بقضائه وتصريفه، ومن عجائب تسخيرها أن جعلها مقرونة بأمور غيبية، دالة على ظهور شيء منها. والنهي عن النظر في النجوم أو تصديق المنجمين إنما هو لمن اعتقد التأثير لها مستقلة بنفسها، أو تصديقهم في تفصيل ما يخبرون به لأنهم إنما يقولون ذلك عن ظن وتخمين وجهل، فإن علم النجوم كان معجزة لبعض الأنبياء، ثم اندرس ذلك العلم، فلم يبق إلا ما هو مختلط، لا يتميز فيه الصواب من الخطأ، فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار يخلق الله تعالى بها في الأرض، وفي النبات والحيوان شيئا، يعني في الجملة ليس قادحا في الدين، بل هو الحق، ولكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل: قادح في الدين، فالكواكب ما خلقت عبثا، ولهذا نظر عليه الصلاة والسلام إلى السماء وقرأ قوله تعالى: ربنا ما خلقت هذا باطلا... [آل عمران:191] الآية. انظر الإحياء للغزالي. ثم قال تعالى: { إلا له الخلق والأمر } أي: الإيجاد والتصرف بالأمر والنهي، { تبارك الله رب العالمين } أي: تعاظم في ألوهيته، وتعالى في ربوبيته، وتفرد في وحدانيته. قال البيضاوي: وتحقيق الآية والله أعلم أن الكفرة كانوا متخذين أربابا، فبين لهم أن المستحق للربوبية واحد وهو الله تعالى لأنه الذي له الخلق والأمر، فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم، وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك العلوية، والأجرام السفلية، ثم بعد تمام خلق عالم الملك أخذ في تدبيره كالملك الجالس على عرشه وسريره لتدبير مملكته، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض، بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب، وتكوير الليالي والأيام، فله الخلق والأمر. وكذلك قال في آية السجدة بعد ذكر الخلق: ثم استوى على العرش يدبر الأمر [يونس:3، السجدة:4]، فرب الخلائق: من هذا صفته، لا غيره، انتهى المعنى. ثم أمرهم بأن يدعوه، متذللين مخلصين، فقال: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } أي: ذوي تضرع وخفاء فإن الإخفاء دليل الإخلاص، { إنه لا يحب المعتدين } المتجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره، ونبه على أن الداعي ينبغي ألا يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء، وقيل: الاعتداء في الدعاء، هو الصياح به، والتشدق، أو اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل. ثم قرأ { إنه لا يحب المعتدين } ". { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والمعاصي، { بعد إصلاحها } ببعث الأنبياء، وشرع الأحكام، أو: ولا تفسدوا في الأرض بالمعاصي الموجبة لفساد العالم بالقحط والفتن، بعد إصلاحها بالخصب والأمان، { وادعوه خوفا وطمعا } أي: خوفا من الرد لقصور الأعمال، وطمعا في القبول بالفضل والكرم { إن رحمة الله قريب من المحسنين } المخلصين. قال البيضاوي: هو ترجيح للطمع، وتنبيه على ما يتوصل به إلى الإجابة، وتذكير قريب لأن الرحمة بمعنى الترحم، أو لأنه صفة محذوف أي: أمر قريب، أو على تشبيه فعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو للفرق بين القريب من النسب، والقريب من غيره. ه. قلت: والأحسن أنه إنما ذكره لأن المراد بالرحمة هنا: سر الخصوصية، وهو مذكر، فراعى معنى اللفظ، كأنه قال: إن سر الولاية وهي الخصوصية قريب من المحسنين. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { في ستة أيام }: قال الورتجبي: في كل يوم من هذه الأيام: ظهور صفة من صفاته الست: أولها: العلم، والثاني: القدرة: والثالث: السمع، والرابع: والبصر، والخامس: الكلام، والسادس: الإرادة، كملت الأشياء بظهور أنوار الصفات الستة، ولما أتمها صارت الحدثان كجسد آدم بلا روح، فتجلى من صفته السابعة. وهي حياته القديمة الأزلية الباقية، المنزهة عن همهمة الأنفاس والمشابهة والقياس فقامت الأشياء بصفاته القائمة بذاته، ويكون إلى الأبد لحياتها بروح حياته، المقدسة عن الاتصال والانفصال. قلت: وهي المعبر عنها بالمعاني القائمة بالأواني. ثم قال: وفي أدق الإشارة: السماوات: الأرواح، والأرض: الأشباح، والعرش: القلوب، بدأ بكشف الصفات للأرواح، وبدأ بكشف الأفعال للأشباح، ثم بدأ بكشف الذات للقلوب لأن مناظر القلوب للغيوب، والغيوب من القلوب محل تجلي استواء القدم، استوى قهر القدم، بنعت الظهور للعدم، أي: فتلاشى العدم، ثم استوى تجلي الصفات على الأفعال، واستوى تجلي الذات على الصفات، فاستوى بنفسه لنفسه، المنزه عن المباشرة بالحدثان والاتصال والانفصال عن الأكوان. قلت: أي: إذ لا حدثان ولا أكوان لأنها لما قرنت بالقدم تلاشت، وما بقي إلا نعت القدم. ثم قال: خص السماوات والأرض بتجلي الصفات، وخص العرش بتجلي الذات. قلت: لأن المعاني المستولية على العرش باقية على أصلها، وهي أسرار الذات لم تترد برداء الكبرياء، وهو حجاب الحس الظاهر، بخلاف المعاني القائمة بالأواني، وهي أنوار الصفات، تجلت مرتدية بحجاب القهرية، فقيل لها: تجلي الصفات. ثم قال: السماوات والأرض جسد العالم، والعرش قلب العالم، والكرسي دماغ العالم، خص الجميع بالأفعال والصفات، وخص العرش بظهور الذات لأنه قلب الكل، وهو غيب الرحمن وعلمه وحكمته، رأيته في المكاشفة أنوارا شعشعانيا، بلا جسم ولا مكان ولا صورة، يتلألأ، فسألت عن ذلك، فقيل لي: هذا عالم يسمى عرشا. انتهى. قلت: وأقرب من هذا كله: أن العرش قد استولى على ما في جوفه من العوالم، حتى صارت في وسطه كلا شيء، ومعاني أسرار الربوبية، وهي العظمة الأصلية قد استولت عليه، وأحاطت به، ومحت وجوده، فعبر الحق جل جلاله عن استيلاء هذه العظمة التي هي أسرار الربوبية على العرش بالاستواء. وإلى هذا أشار في الحكم العطائية بقوله: " يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الآثار وهي العرش وما احتوى عليه بمحيطات أفلاك الأنوار " وهي أسرار الذات المحيطات بالآثار من العرش إلى الفرش، فعبر عن المعاني المستولية على العرش بالرحمانية لأن الرحمانية صفة الذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فافهم. قلت: ومن كحل عينه بإثمد توحيد الذات لا يستعبد أن يكون الحق جل جلاله يتجلى بتجل خاص من أسرار ذاته وأنوار صفاته، يستوي بتلك العظمة على العرش، كما يتجلى يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، إذ تجلياته لا تنحصر، بل كل ما ظهر في عالم الشهادة فإنما هو نور من تجلي ذاته وصفاته. وهذا القدر كاف لمن شم شيئا من أسرار التوحيد، وقد تكلم ابن جزي هنا على الخوف والرجاء، وأطال فيهما، ولكنه يجنح لتصوف أهل الظاهر، وقد تقرر في محله. وقوله تعالى: { إن رحمة الله قريب من المحسنين }: هو تقييد لقوله: { يختص برحمته من يشاء } فالمختص بالرحمة هم المحسنون. انظر لفظ الحكم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر الحق جل جلاله تصاريف قدرته المفهوم من قوله: { ألا له الخلق والأمر } ، فقال: { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته }.

الأعراف 7:57

قلت: نشرا: حال من الرياح، وهو جمع نشور، بمعنى ناشر، ومن قرأ بسكون الشين، فهو تخفيف منه، ومن قرأ بفتح النون، فمصدر في موضع الحال، بمعنى: ناشرات، أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان، ومن قرأه بالباء وسكون الشين فهو جمع بشير، مخفف، وأقلت: مشتق من القلة لأن الحامل للشيء يستقله، وثقالا: جمع لأن السحاب جمع بمعنى السحائب. يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي يرسل الرياح } أو الريح نشرا أي: تنشر السحاب، وتفرقه إلى الأرض التي أراد الله أن تمطر، أو بشارة بالمطر، { بين يدي رحمته } أي: قبل نزول المطر، فهي قدامه فإن الصبا تثير السحاب، والشمال تجمعه، والجنوب تذره، والدبور تفرقه. قاله البيضاوي. { حتى إذا أقلت } أي: حملت { سحابا ثقالا } بالماء لأنها تحمل الماء فتثقل به، { سقناه } أي: السحاب بما اشتمل عليه من الماء، { لبلد ميت } أي: لإحيائه أو لسقيه بعد يبسه، كأنه ميت، { فأنزلنا به } أي: بالبلد، أو بالسحاب، أو بالسوق، أو بالريح، { الماء } الذي في السحاب، { فأخرجنا به } أي: بالماء، { من كل الثمرات } من كل أنواعها وأصنافها، { كذلك نخرج الموتى } من القبور، أي: كما نحيي البلد بإحداث القوة النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات { كذلك نخرج الموتى } من الأجداث ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى الحسية. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: هو تمثيل لإخراج الموتى من القبور بإخراج الزرع من الأرض، وقد وقع ذلك في القرآن في مواضع منها: كذلك النشور [فاطر:9]، و كذلك الخروج [ق:11]. ه. { لعلكم تذكرون } فتعلمون أن من قدر على ذلك قدر على إحياء الموتى، إذ لا فرق. { والبلد الطيب } أي: الأرض الكريمة والتراب الجيد { يخرج نباته } بسهولة، حسنا قويا نضرا، { بإذن ربه } أي: بمشيئته وقدرته، { والذي خبث } من الأرض كالحرة والسبخة، { لا يخرج إلا نكدا } قليلا عديم النفع، أو عسيرا بمشقة، { كذلك نصرف الآيات } نكررها ونرددها { لقوم يشكرون } نعمة الله، فيتفكرون فيها، ويعتبرون بها. قال البيضاوي: والآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها، ولمن لم يرفع إليها رأسا ولم يتأثر بها، ومثله في البخاري في حديث طويل. وقال ابن عباس وغيره: هو ضرب مثل للمؤمن والكافر. وقال ابن جزي: يحتمل أن يكون المراد ما يقتضيه ظاهر اللفظ، فتكون متممة للمعنى الذي قبلها في المطر، وأن تكون تمثيلا للقلوب فالطيب: قلب المؤمن، والخبيث: قلب الكافر، وقيل: هما للفهم والبليد. ه. الإشارة: وهو الذي يرسل رياح الهداية، تنشر سحاب الواردات الإلهية والنفحات الربانية، بين يدي معرفته، أو تبشر بها قبل وصولها، حتى إذا أقلت سحابا ثقالا بالعلوم اللدنية، سقناه لقلب ميت بالجهل والهوى، فأنزلنا مما فيه من ماء ذلك الأمطار، فأخرجنا به من ثمرت العلوم وأزهار الحكم ونوار اليقين. وفي الحكم: " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته، فليس المقصود من السحابة الأمطار، وإنما المقصود وجود الأثمار ". { كذلك نخرج الموتى } أي: نحيي القلوب الموتى بالجهل، { لعلكم تذكرون }. والبلد الطيب، وهو القلب الطيب، إذا هبت عليه هذه الواردات، ونزلت فيه أمطار النفحات، يخرج نباته من العلوم والمعارف بإذن ربه، والذي خبث من القلوب لا يخرج ما فيه إلا نكدا أي: ضعيفا لعدم تأثره بالواردات والمواعظ. وقال الورتجبي: ذكر سبحانه القلب الذي هو بلد الله الذي مطر عليه من بحر امتنانه، ويخرج نبات ألوان الحالات والمقامات. ثم قال: وكل قلب بذره الهوى فنباته الشهوات. ه. ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء مع أممهم، تفصيلا لقوله: { وكم من قرية أهلكناها.... } الآية، فقال: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه }.

الأعراف 7:58

قلت: نشرا: حال من الرياح، وهو جمع نشور، بمعنى ناشر، ومن قرأ بسكون الشين، فهو تخفيف منه، ومن قرأ بفتح النون، فمصدر في موضع الحال، بمعنى: ناشرات، أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان، ومن قرأه بالباء وسكون الشين فهو جمع بشير، مخفف، وأقلت: مشتق من القلة لأن الحامل للشيء يستقله، وثقالا: جمع لأن السحاب جمع بمعنى السحائب. يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي يرسل الرياح } أو الريح نشرا أي: تنشر السحاب، وتفرقه إلى الأرض التي أراد الله أن تمطر، أو بشارة بالمطر، { بين يدي رحمته } أي: قبل نزول المطر، فهي قدامه فإن الصبا تثير السحاب، والشمال تجمعه، والجنوب تذره، والدبور تفرقه. قاله البيضاوي. { حتى إذا أقلت } أي: حملت { سحابا ثقالا } بالماء لأنها تحمل الماء فتثقل به، { سقناه } أي: السحاب بما اشتمل عليه من الماء، { لبلد ميت } أي: لإحيائه أو لسقيه بعد يبسه، كأنه ميت، { فأنزلنا به } أي: بالبلد، أو بالسحاب، أو بالسوق، أو بالريح، { الماء } الذي في السحاب، { فأخرجنا به } أي: بالماء، { من كل الثمرات } من كل أنواعها وأصنافها، { كذلك نخرج الموتى } من القبور، أي: كما نحيي البلد بإحداث القوة النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات { كذلك نخرج الموتى } من الأجداث ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى الحسية. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: هو تمثيل لإخراج الموتى من القبور بإخراج الزرع من الأرض، وقد وقع ذلك في القرآن في مواضع منها: كذلك النشور [فاطر:9]، و كذلك الخروج [ق:11]. ه. { لعلكم تذكرون } فتعلمون أن من قدر على ذلك قدر على إحياء الموتى، إذ لا فرق. { والبلد الطيب } أي: الأرض الكريمة والتراب الجيد { يخرج نباته } بسهولة، حسنا قويا نضرا، { بإذن ربه } أي: بمشيئته وقدرته، { والذي خبث } من الأرض كالحرة والسبخة، { لا يخرج إلا نكدا } قليلا عديم النفع، أو عسيرا بمشقة، { كذلك نصرف الآيات } نكررها ونرددها { لقوم يشكرون } نعمة الله، فيتفكرون فيها، ويعتبرون بها. قال البيضاوي: والآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها، ولمن لم يرفع إليها رأسا ولم يتأثر بها، ومثله في البخاري في حديث طويل. وقال ابن عباس وغيره: هو ضرب مثل للمؤمن والكافر. وقال ابن جزي: يحتمل أن يكون المراد ما يقتضيه ظاهر اللفظ، فتكون متممة للمعنى الذي قبلها في المطر، وأن تكون تمثيلا للقلوب فالطيب: قلب المؤمن، والخبيث: قلب الكافر، وقيل: هما للفهم والبليد. ه. الإشارة: وهو الذي يرسل رياح الهداية، تنشر سحاب الواردات الإلهية والنفحات الربانية، بين يدي معرفته، أو تبشر بها قبل وصولها، حتى إذا أقلت سحابا ثقالا بالعلوم اللدنية، سقناه لقلب ميت بالجهل والهوى، فأنزلنا مما فيه من ماء ذلك الأمطار، فأخرجنا به من ثمرت العلوم وأزهار الحكم ونوار اليقين. وفي الحكم: " لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته، فليس المقصود من السحابة الأمطار، وإنما المقصود وجود الأثمار ". { كذلك نخرج الموتى } أي: نحيي القلوب الموتى بالجهل، { لعلكم تذكرون }. والبلد الطيب، وهو القلب الطيب، إذا هبت عليه هذه الواردات، ونزلت فيه أمطار النفحات، يخرج نباته من العلوم والمعارف بإذن ربه، والذي خبث من القلوب لا يخرج ما فيه إلا نكدا أي: ضعيفا لعدم تأثره بالواردات والمواعظ. وقال الورتجبي: ذكر سبحانه القلب الذي هو بلد الله الذي مطر عليه من بحر امتنانه، ويخرج نبات ألوان الحالات والمقامات. ثم قال: وكل قلب بذره الهوى فنباته الشهوات. ه. ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء مع أممهم، تفصيلا لقوله: { وكم من قرية أهلكناها.... } الآية، فقال: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه }.

الأعراف 7:59

قلت: { أو عجبتم }: الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، أي: أكذبتم وعجبتم، و { في الفلك }: يتعلق بأنجينا، أو بمن معه، أو حال من الموصول. يقول الحق جل جلاله: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أدريس، نبىء بعده، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين، وعاش ألفا وثلاثمائة سنة، { فقال يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره } يستحق أن يعبد، { إني أخاف عليكم } ، إن لم تؤمنوا وتوحدوا الله { عذاب يوم عظيم } وهو يوم القيامة، أو يوم نزول الطوفان. { قال الملأ } أي: الأشراف { من قومه } لأنهم يملأون العيون عند رؤيتهم، قالوا له: { إنا لنراك في ضلال مبين } أي: في خطأ بين عن الحق، { قال يا قوم ليس بي ضلالة } أي: ليس بي شيء من الضلال، بالغ لهم في النفي كما بالغوا له في الإثبات، وعرض لهم به، وتلطف لهم في القول، { ولكني رسول من رب العالمين } أي: لست في ضلال كما اعتقدتم، ولكني في غاية من الهدى لأني رسول من رب العالمين، { أبلغكم رسالات ربي } كما أمرني، { وأنصح لكم } جهدي، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } من صفاته الجلالية والجمالية ومن رحمته وعذابه، أو من قدرته وشدة بطشه، أو أعلم من جهة وحيه أشياء لا علم لكم بها، وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، كعلم العقائد والمواعظ والأحكام. ثم قال لهم: { أو عجبتم } أي: أكذبتم وعجبتم من { أن جاءكم ذكر } أي: تذكير ووعظ { من ربكم } { على } لسان { رجل منكم } أي: من جملتكم، أو من جنسكم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون: ولو شآء الله لأنزل ملآئكة ما سمعنا بهذا في ءابآئنا الأولين [المؤمنون:24]، قال القشيري: عجبوا من كون شخص رسولا، ولم يعجبوا من كون الصنم شريكا لله، هذا فرط الجهالة وغاية الغواية. ه. وحكمة إرساله كونه جاءكم { لينذركم } عاقبة الكفر والمعاصي، { ولتتقوا } الله بسبب تلك الإنذار، { ولعلكم ترحمون } بتلك التقوى، وفائدة حرف الترجي التنبه على أن التقوى غير موجب للترحم بذاته، وإنما هو أي: الترحم فضل من الله، وأن المتقي ينبغي ألا يعتمد على تقواه، ولا يأمن من عذاب الله. { فكذبوه فأنجيناه والذين معه } هو ومن آمن به، وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية، حملناهم { في الفلك } أي: السفينة، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } بالطوفان { إنهم كانوا قوما عمين } أي: عمي القلوب، غير مستبصرين، وأصله: عميين، مخفف. قاله البيضاوي. الإشارة: الشريعة المحمدية: سفينة نوح عليه السلام، فمن ركب بحر الحقائق وحاد عنها حال بينه وبينها الموج فكان من المغرقين في بحر الزندقة والكفر، ومن تمسك بها في ذلك كان من الناجحين الفائزين. ثم ذكر قصة هود عليه السلام فقال: { وإلى عاد أخاهم هودا }.

الأعراف 7:60

قلت: { أو عجبتم }: الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، أي: أكذبتم وعجبتم، و { في الفلك }: يتعلق بأنجينا، أو بمن معه، أو حال من الموصول. يقول الحق جل جلاله: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أدريس، نبىء بعده، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين، وعاش ألفا وثلاثمائة سنة، { فقال يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره } يستحق أن يعبد، { إني أخاف عليكم } ، إن لم تؤمنوا وتوحدوا الله { عذاب يوم عظيم } وهو يوم القيامة، أو يوم نزول الطوفان. { قال الملأ } أي: الأشراف { من قومه } لأنهم يملأون العيون عند رؤيتهم، قالوا له: { إنا لنراك في ضلال مبين } أي: في خطأ بين عن الحق، { قال يا قوم ليس بي ضلالة } أي: ليس بي شيء من الضلال، بالغ لهم في النفي كما بالغوا له في الإثبات، وعرض لهم به، وتلطف لهم في القول، { ولكني رسول من رب العالمين } أي: لست في ضلال كما اعتقدتم، ولكني في غاية من الهدى لأني رسول من رب العالمين، { أبلغكم رسالات ربي } كما أمرني، { وأنصح لكم } جهدي، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } من صفاته الجلالية والجمالية ومن رحمته وعذابه، أو من قدرته وشدة بطشه، أو أعلم من جهة وحيه أشياء لا علم لكم بها، وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، كعلم العقائد والمواعظ والأحكام. ثم قال لهم: { أو عجبتم } أي: أكذبتم وعجبتم من { أن جاءكم ذكر } أي: تذكير ووعظ { من ربكم } { على } لسان { رجل منكم } أي: من جملتكم، أو من جنسكم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون: ولو شآء الله لأنزل ملآئكة ما سمعنا بهذا في ءابآئنا الأولين [المؤمنون:24]، قال القشيري: عجبوا من كون شخص رسولا، ولم يعجبوا من كون الصنم شريكا لله، هذا فرط الجهالة وغاية الغواية. ه. وحكمة إرساله كونه جاءكم { لينذركم } عاقبة الكفر والمعاصي، { ولتتقوا } الله بسبب تلك الإنذار، { ولعلكم ترحمون } بتلك التقوى، وفائدة حرف الترجي التنبه على أن التقوى غير موجب للترحم بذاته، وإنما هو أي: الترحم فضل من الله، وأن المتقي ينبغي ألا يعتمد على تقواه، ولا يأمن من عذاب الله. { فكذبوه فأنجيناه والذين معه } هو ومن آمن به، وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية، حملناهم { في الفلك } أي: السفينة، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } بالطوفان { إنهم كانوا قوما عمين } أي: عمي القلوب، غير مستبصرين، وأصله: عميين، مخفف. قاله البيضاوي. الإشارة: الشريعة المحمدية: سفينة نوح عليه السلام، فمن ركب بحر الحقائق وحاد عنها حال بينه وبينها الموج فكان من المغرقين في بحر الزندقة والكفر، ومن تمسك بها في ذلك كان من الناجحين الفائزين. ثم ذكر قصة هود عليه السلام فقال: { وإلى عاد أخاهم هودا }.

الأعراف 7:61

قلت: { أو عجبتم }: الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، أي: أكذبتم وعجبتم، و { في الفلك }: يتعلق بأنجينا، أو بمن معه، أو حال من الموصول. يقول الحق جل جلاله: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أدريس، نبىء بعده، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين، وعاش ألفا وثلاثمائة سنة، { فقال يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره } يستحق أن يعبد، { إني أخاف عليكم } ، إن لم تؤمنوا وتوحدوا الله { عذاب يوم عظيم } وهو يوم القيامة، أو يوم نزول الطوفان. { قال الملأ } أي: الأشراف { من قومه } لأنهم يملأون العيون عند رؤيتهم، قالوا له: { إنا لنراك في ضلال مبين } أي: في خطأ بين عن الحق، { قال يا قوم ليس بي ضلالة } أي: ليس بي شيء من الضلال، بالغ لهم في النفي كما بالغوا له في الإثبات، وعرض لهم به، وتلطف لهم في القول، { ولكني رسول من رب العالمين } أي: لست في ضلال كما اعتقدتم، ولكني في غاية من الهدى لأني رسول من رب العالمين، { أبلغكم رسالات ربي } كما أمرني، { وأنصح لكم } جهدي، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } من صفاته الجلالية والجمالية ومن رحمته وعذابه، أو من قدرته وشدة بطشه، أو أعلم من جهة وحيه أشياء لا علم لكم بها، وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، كعلم العقائد والمواعظ والأحكام. ثم قال لهم: { أو عجبتم } أي: أكذبتم وعجبتم من { أن جاءكم ذكر } أي: تذكير ووعظ { من ربكم } { على } لسان { رجل منكم } أي: من جملتكم، أو من جنسكم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون: ولو شآء الله لأنزل ملآئكة ما سمعنا بهذا في ءابآئنا الأولين [المؤمنون:24]، قال القشيري: عجبوا من كون شخص رسولا، ولم يعجبوا من كون الصنم شريكا لله، هذا فرط الجهالة وغاية الغواية. ه. وحكمة إرساله كونه جاءكم { لينذركم } عاقبة الكفر والمعاصي، { ولتتقوا } الله بسبب تلك الإنذار، { ولعلكم ترحمون } بتلك التقوى، وفائدة حرف الترجي التنبه على أن التقوى غير موجب للترحم بذاته، وإنما هو أي: الترحم فضل من الله، وأن المتقي ينبغي ألا يعتمد على تقواه، ولا يأمن من عذاب الله. { فكذبوه فأنجيناه والذين معه } هو ومن آمن به، وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية، حملناهم { في الفلك } أي: السفينة، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } بالطوفان { إنهم كانوا قوما عمين } أي: عمي القلوب، غير مستبصرين، وأصله: عميين، مخفف. قاله البيضاوي. الإشارة: الشريعة المحمدية: سفينة نوح عليه السلام، فمن ركب بحر الحقائق وحاد عنها حال بينه وبينها الموج فكان من المغرقين في بحر الزندقة والكفر، ومن تمسك بها في ذلك كان من الناجحين الفائزين. ثم ذكر قصة هود عليه السلام فقال: { وإلى عاد أخاهم هودا }.

الأعراف 7:62

قلت: { أو عجبتم }: الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، أي: أكذبتم وعجبتم، و { في الفلك }: يتعلق بأنجينا، أو بمن معه، أو حال من الموصول. يقول الحق جل جلاله: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أدريس، نبىء بعده، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين، وعاش ألفا وثلاثمائة سنة، { فقال يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره } يستحق أن يعبد، { إني أخاف عليكم } ، إن لم تؤمنوا وتوحدوا الله { عذاب يوم عظيم } وهو يوم القيامة، أو يوم نزول الطوفان. { قال الملأ } أي: الأشراف { من قومه } لأنهم يملأون العيون عند رؤيتهم، قالوا له: { إنا لنراك في ضلال مبين } أي: في خطأ بين عن الحق، { قال يا قوم ليس بي ضلالة } أي: ليس بي شيء من الضلال، بالغ لهم في النفي كما بالغوا له في الإثبات، وعرض لهم به، وتلطف لهم في القول، { ولكني رسول من رب العالمين } أي: لست في ضلال كما اعتقدتم، ولكني في غاية من الهدى لأني رسول من رب العالمين، { أبلغكم رسالات ربي } كما أمرني، { وأنصح لكم } جهدي، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } من صفاته الجلالية والجمالية ومن رحمته وعذابه، أو من قدرته وشدة بطشه، أو أعلم من جهة وحيه أشياء لا علم لكم بها، وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، كعلم العقائد والمواعظ والأحكام. ثم قال لهم: { أو عجبتم } أي: أكذبتم وعجبتم من { أن جاءكم ذكر } أي: تذكير ووعظ { من ربكم } { على } لسان { رجل منكم } أي: من جملتكم، أو من جنسكم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون: ولو شآء الله لأنزل ملآئكة ما سمعنا بهذا في ءابآئنا الأولين [المؤمنون:24]، قال القشيري: عجبوا من كون شخص رسولا، ولم يعجبوا من كون الصنم شريكا لله، هذا فرط الجهالة وغاية الغواية. ه. وحكمة إرساله كونه جاءكم { لينذركم } عاقبة الكفر والمعاصي، { ولتتقوا } الله بسبب تلك الإنذار، { ولعلكم ترحمون } بتلك التقوى، وفائدة حرف الترجي التنبه على أن التقوى غير موجب للترحم بذاته، وإنما هو أي: الترحم فضل من الله، وأن المتقي ينبغي ألا يعتمد على تقواه، ولا يأمن من عذاب الله. { فكذبوه فأنجيناه والذين معه } هو ومن آمن به، وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية، حملناهم { في الفلك } أي: السفينة، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } بالطوفان { إنهم كانوا قوما عمين } أي: عمي القلوب، غير مستبصرين، وأصله: عميين، مخفف. قاله البيضاوي. الإشارة: الشريعة المحمدية: سفينة نوح عليه السلام، فمن ركب بحر الحقائق وحاد عنها حال بينه وبينها الموج فكان من المغرقين في بحر الزندقة والكفر، ومن تمسك بها في ذلك كان من الناجحين الفائزين. ثم ذكر قصة هود عليه السلام فقال: { وإلى عاد أخاهم هودا }.

الأعراف 7:63

قلت: { أو عجبتم }: الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، أي: أكذبتم وعجبتم، و { في الفلك }: يتعلق بأنجينا، أو بمن معه، أو حال من الموصول. يقول الحق جل جلاله: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أدريس، نبىء بعده، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين، وعاش ألفا وثلاثمائة سنة، { فقال يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره } يستحق أن يعبد، { إني أخاف عليكم } ، إن لم تؤمنوا وتوحدوا الله { عذاب يوم عظيم } وهو يوم القيامة، أو يوم نزول الطوفان. { قال الملأ } أي: الأشراف { من قومه } لأنهم يملأون العيون عند رؤيتهم، قالوا له: { إنا لنراك في ضلال مبين } أي: في خطأ بين عن الحق، { قال يا قوم ليس بي ضلالة } أي: ليس بي شيء من الضلال، بالغ لهم في النفي كما بالغوا له في الإثبات، وعرض لهم به، وتلطف لهم في القول، { ولكني رسول من رب العالمين } أي: لست في ضلال كما اعتقدتم، ولكني في غاية من الهدى لأني رسول من رب العالمين، { أبلغكم رسالات ربي } كما أمرني، { وأنصح لكم } جهدي، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } من صفاته الجلالية والجمالية ومن رحمته وعذابه، أو من قدرته وشدة بطشه، أو أعلم من جهة وحيه أشياء لا علم لكم بها، وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، كعلم العقائد والمواعظ والأحكام. ثم قال لهم: { أو عجبتم } أي: أكذبتم وعجبتم من { أن جاءكم ذكر } أي: تذكير ووعظ { من ربكم } { على } لسان { رجل منكم } أي: من جملتكم، أو من جنسكم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون: ولو شآء الله لأنزل ملآئكة ما سمعنا بهذا في ءابآئنا الأولين [المؤمنون:24]، قال القشيري: عجبوا من كون شخص رسولا، ولم يعجبوا من كون الصنم شريكا لله، هذا فرط الجهالة وغاية الغواية. ه. وحكمة إرساله كونه جاءكم { لينذركم } عاقبة الكفر والمعاصي، { ولتتقوا } الله بسبب تلك الإنذار، { ولعلكم ترحمون } بتلك التقوى، وفائدة حرف الترجي التنبه على أن التقوى غير موجب للترحم بذاته، وإنما هو أي: الترحم فضل من الله، وأن المتقي ينبغي ألا يعتمد على تقواه، ولا يأمن من عذاب الله. { فكذبوه فأنجيناه والذين معه } هو ومن آمن به، وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية، حملناهم { في الفلك } أي: السفينة، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } بالطوفان { إنهم كانوا قوما عمين } أي: عمي القلوب، غير مستبصرين، وأصله: عميين، مخفف. قاله البيضاوي. الإشارة: الشريعة المحمدية: سفينة نوح عليه السلام، فمن ركب بحر الحقائق وحاد عنها حال بينه وبينها الموج فكان من المغرقين في بحر الزندقة والكفر، ومن تمسك بها في ذلك كان من الناجحين الفائزين. ثم ذكر قصة هود عليه السلام فقال: { وإلى عاد أخاهم هودا }.

الأعراف 7:64

قلت: { أو عجبتم }: الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، أي: أكذبتم وعجبتم، و { في الفلك }: يتعلق بأنجينا، أو بمن معه، أو حال من الموصول. يقول الحق جل جلاله: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أدريس، نبىء بعده، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين، وعاش ألفا وثلاثمائة سنة، { فقال يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره } يستحق أن يعبد، { إني أخاف عليكم } ، إن لم تؤمنوا وتوحدوا الله { عذاب يوم عظيم } وهو يوم القيامة، أو يوم نزول الطوفان. { قال الملأ } أي: الأشراف { من قومه } لأنهم يملأون العيون عند رؤيتهم، قالوا له: { إنا لنراك في ضلال مبين } أي: في خطأ بين عن الحق، { قال يا قوم ليس بي ضلالة } أي: ليس بي شيء من الضلال، بالغ لهم في النفي كما بالغوا له في الإثبات، وعرض لهم به، وتلطف لهم في القول، { ولكني رسول من رب العالمين } أي: لست في ضلال كما اعتقدتم، ولكني في غاية من الهدى لأني رسول من رب العالمين، { أبلغكم رسالات ربي } كما أمرني، { وأنصح لكم } جهدي، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } من صفاته الجلالية والجمالية ومن رحمته وعذابه، أو من قدرته وشدة بطشه، أو أعلم من جهة وحيه أشياء لا علم لكم بها، وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، كعلم العقائد والمواعظ والأحكام. ثم قال لهم: { أو عجبتم } أي: أكذبتم وعجبتم من { أن جاءكم ذكر } أي: تذكير ووعظ { من ربكم } { على } لسان { رجل منكم } أي: من جملتكم، أو من جنسكم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون: ولو شآء الله لأنزل ملآئكة ما سمعنا بهذا في ءابآئنا الأولين [المؤمنون:24]، قال القشيري: عجبوا من كون شخص رسولا، ولم يعجبوا من كون الصنم شريكا لله، هذا فرط الجهالة وغاية الغواية. ه. وحكمة إرساله كونه جاءكم { لينذركم } عاقبة الكفر والمعاصي، { ولتتقوا } الله بسبب تلك الإنذار، { ولعلكم ترحمون } بتلك التقوى، وفائدة حرف الترجي التنبه على أن التقوى غير موجب للترحم بذاته، وإنما هو أي: الترحم فضل من الله، وأن المتقي ينبغي ألا يعتمد على تقواه، ولا يأمن من عذاب الله. { فكذبوه فأنجيناه والذين معه } هو ومن آمن به، وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية، حملناهم { في الفلك } أي: السفينة، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } بالطوفان { إنهم كانوا قوما عمين } أي: عمي القلوب، غير مستبصرين، وأصله: عميين، مخفف. قاله البيضاوي. الإشارة: الشريعة المحمدية: سفينة نوح عليه السلام، فمن ركب بحر الحقائق وحاد عنها حال بينه وبينها الموج فكان من المغرقين في بحر الزندقة والكفر، ومن تمسك بها في ذلك كان من الناجحين الفائزين. ثم ذكر قصة هود عليه السلام فقال: { وإلى عاد أخاهم هودا }.

الأعراف 7:65

قلت: { أخاهم }: عطف على نوح، و { هودا }: عطف بيان أو بدل، وكذلك { أخاهم صالحا } وما بعده حيث وقع. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى } قبيلة { عاد أخاهم } أي: واحد من قبيلتهم، كقولهم: يا أخا العرب، فإنه هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: هو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فهو ابن عم أبي عاد، وإنما أرسل إليهم منهم لأنهم أفهم لقوله، وأعرف بحاله، وأرغب في أتباعه، ثم وعظهم فقال: { يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عذاب الله، { قال الملأ الذين كفروا من قومه } ، كان قومه أحسن من قوم نوح، إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد، ولذلك قيد الملأ بمن كفر، بخلاف قوم نوح لم يكن أحد منهم آمن به، فأطلق الملأ، قالوا لهود عليه السلام: { إنا لنراك في سفاهة } أي: متمكنا في خفة العقل، راسخا فيها، حيث فارقت دين قومك، { وإنا لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة. { قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } ، يحتمل أن يريد أمانته على الوحي، أو أنهم كانوا قد عرفوه بالأمانة والصدق قبل الرسالة. ثم قال: { أو عجبتم } من { أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } ، تقدم تفسيرها. قال البيضاوي: وفي ذكر إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا به والإعراض عن مقالتهم: كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: { وأنا لكم ناصح أمين }: تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. ه. ثم قال لهم: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } في مساكنهم، أو خلفاء في الأرض من بعدهم بأن جعلكم ملوكا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض، من رمل عالج إلى بحر عمان، خوفهم أولا من عقاب الله، ثم ذكرهم بإنعامه { وزادكم في الخلق بسطة } أي: قامة وقوة، فكانوا عظام الأجساد، فكان أصغرهم: ستين ذراعا، وأطولهم: مائة ذراع. { فاذكروا آلاء الله } أي: نعمه، تعميم بعد تخصيص، { لعلكم تفلحون } أي: لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح، ومن شكرها: الإيمان برسولهم. { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } من الأصنام، استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم انهماكا في التقليد، وحبا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية، ولذلك قال لهم هود عليه السلام: { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } ، بعد أن قالوا: { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من الصادقين } فيه. { قال قد وقع } أي: وجب { عليكم من ربكم رجس } عذاب { وغضب } إرادة الانتقام، { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: أتجادلونيي في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف. وأراد بقوله: { سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل، وهو معنى قوله: { ما نزل الله بها من سلطان } أي: حجة تدل على استحقاقها للعبادة، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها، أو في تسميتها آلهة، والمراد بالاسم على الأول المسمى، وعلى الثاني: التسمية. قاله ابن جزي: { فانتظروا } نزول العذاب، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد، { إني معكم من المنتظرين } نزوله. قال تعالى: { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } عليهم. قال القشيري: لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة، وقد أخبر سبحانه: أنه نجى هودا برحمته، وكذا نجى الذين آمنوا معه برحمته، ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الله سبحانه وتعالى. ه. { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي: استأصلناهم، { وما كانوا مؤمنين } ، تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك: هو الإيمان. روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودا فكذبوه، وزادوا عتوا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذ، مسلمهم ومشركهم، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه " قيل بن عنز " ، ومرثد بن سعد، في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاود بن سام، وسيدهم: معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه، وهو بظاهر مكة، أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر، وتغنى عليهم الجرادتان قينتان له فلما رأى ذهولهم عما بعثوا له أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر، وأمرهما أن تغنيا به وهما: ألا قيل ويحك، قم، فهينم لعل الله يسقينا الغماما فيسقي أرض عاد، إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما فلما غنيتا به أزعجهم ذلك، فقال مرثد: والله لا يسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله، سقيتم، فقالوا لمعاوية: أحبسه عنا، لا يقدمن معنا مكة فإنه قد أتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت إلىعاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم، فيها ريح عقيم، فأهلكتهم، روي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء، كأنها جراد، فاستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، شدخت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعا، ونجا هو والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا. قاله البيضاوي وغيره. وهاهنا بحث وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السلام حسبما في الصحيح، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها، وهود كان قبل إبراهيم، والبيت حينئذ خرب، كان خربه الطوفان، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن؟. ويمكن الجواب: بأنهم كانوا يلتجؤون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان لأن أول من بناه آدم عليه السلام فلما خربه الطوفان بقي أثره، فكانوا يتبركون به، وفي بعض التواريخ: أن العماليق بنوه قبل إبراهيم، فكانوا يطوفون به ويتبركون، ثم هدم، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. وبهذا إن صح - يزول الإشكال. والله تعالى أعلم. وأما من قال: إن هودا تعدد، فغير سديد. الإشارة: قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما: التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى: حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }.

الأعراف 7:66

قلت: { أخاهم }: عطف على نوح، و { هودا }: عطف بيان أو بدل، وكذلك { أخاهم صالحا } وما بعده حيث وقع. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى } قبيلة { عاد أخاهم } أي: واحد من قبيلتهم، كقولهم: يا أخا العرب، فإنه هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: هو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فهو ابن عم أبي عاد، وإنما أرسل إليهم منهم لأنهم أفهم لقوله، وأعرف بحاله، وأرغب في أتباعه، ثم وعظهم فقال: { يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عذاب الله، { قال الملأ الذين كفروا من قومه } ، كان قومه أحسن من قوم نوح، إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد، ولذلك قيد الملأ بمن كفر، بخلاف قوم نوح لم يكن أحد منهم آمن به، فأطلق الملأ، قالوا لهود عليه السلام: { إنا لنراك في سفاهة } أي: متمكنا في خفة العقل، راسخا فيها، حيث فارقت دين قومك، { وإنا لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة. { قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } ، يحتمل أن يريد أمانته على الوحي، أو أنهم كانوا قد عرفوه بالأمانة والصدق قبل الرسالة. ثم قال: { أو عجبتم } من { أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } ، تقدم تفسيرها. قال البيضاوي: وفي ذكر إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا به والإعراض عن مقالتهم: كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: { وأنا لكم ناصح أمين }: تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. ه. ثم قال لهم: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } في مساكنهم، أو خلفاء في الأرض من بعدهم بأن جعلكم ملوكا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض، من رمل عالج إلى بحر عمان، خوفهم أولا من عقاب الله، ثم ذكرهم بإنعامه { وزادكم في الخلق بسطة } أي: قامة وقوة، فكانوا عظام الأجساد، فكان أصغرهم: ستين ذراعا، وأطولهم: مائة ذراع. { فاذكروا آلاء الله } أي: نعمه، تعميم بعد تخصيص، { لعلكم تفلحون } أي: لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح، ومن شكرها: الإيمان برسولهم. { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } من الأصنام، استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم انهماكا في التقليد، وحبا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية، ولذلك قال لهم هود عليه السلام: { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } ، بعد أن قالوا: { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من الصادقين } فيه. { قال قد وقع } أي: وجب { عليكم من ربكم رجس } عذاب { وغضب } إرادة الانتقام، { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: أتجادلونيي في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف. وأراد بقوله: { سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل، وهو معنى قوله: { ما نزل الله بها من سلطان } أي: حجة تدل على استحقاقها للعبادة، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها، أو في تسميتها آلهة، والمراد بالاسم على الأول المسمى، وعلى الثاني: التسمية. قاله ابن جزي: { فانتظروا } نزول العذاب، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد، { إني معكم من المنتظرين } نزوله. قال تعالى: { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } عليهم. قال القشيري: لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة، وقد أخبر سبحانه: أنه نجى هودا برحمته، وكذا نجى الذين آمنوا معه برحمته، ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الله سبحانه وتعالى. ه. { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي: استأصلناهم، { وما كانوا مؤمنين } ، تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك: هو الإيمان. روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودا فكذبوه، وزادوا عتوا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذ، مسلمهم ومشركهم، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه " قيل بن عنز " ، ومرثد بن سعد، في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاود بن سام، وسيدهم: معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه، وهو بظاهر مكة، أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر، وتغنى عليهم الجرادتان قينتان له فلما رأى ذهولهم عما بعثوا له أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر، وأمرهما أن تغنيا به وهما: ألا قيل ويحك، قم، فهينم لعل الله يسقينا الغماما فيسقي أرض عاد، إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما فلما غنيتا به أزعجهم ذلك، فقال مرثد: والله لا يسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله، سقيتم، فقالوا لمعاوية: أحبسه عنا، لا يقدمن معنا مكة فإنه قد أتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت إلىعاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم، فيها ريح عقيم، فأهلكتهم، روي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء، كأنها جراد، فاستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، شدخت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعا، ونجا هو والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا. قاله البيضاوي وغيره. وهاهنا بحث وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السلام حسبما في الصحيح، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها، وهود كان قبل إبراهيم، والبيت حينئذ خرب، كان خربه الطوفان، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن؟. ويمكن الجواب: بأنهم كانوا يلتجؤون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان لأن أول من بناه آدم عليه السلام فلما خربه الطوفان بقي أثره، فكانوا يتبركون به، وفي بعض التواريخ: أن العماليق بنوه قبل إبراهيم، فكانوا يطوفون به ويتبركون، ثم هدم، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. وبهذا إن صح - يزول الإشكال. والله تعالى أعلم. وأما من قال: إن هودا تعدد، فغير سديد. الإشارة: قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما: التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى: حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }.

الأعراف 7:67

قلت: { أخاهم }: عطف على نوح، و { هودا }: عطف بيان أو بدل، وكذلك { أخاهم صالحا } وما بعده حيث وقع. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى } قبيلة { عاد أخاهم } أي: واحد من قبيلتهم، كقولهم: يا أخا العرب، فإنه هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: هو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فهو ابن عم أبي عاد، وإنما أرسل إليهم منهم لأنهم أفهم لقوله، وأعرف بحاله، وأرغب في أتباعه، ثم وعظهم فقال: { يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عذاب الله، { قال الملأ الذين كفروا من قومه } ، كان قومه أحسن من قوم نوح، إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد، ولذلك قيد الملأ بمن كفر، بخلاف قوم نوح لم يكن أحد منهم آمن به، فأطلق الملأ، قالوا لهود عليه السلام: { إنا لنراك في سفاهة } أي: متمكنا في خفة العقل، راسخا فيها، حيث فارقت دين قومك، { وإنا لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة. { قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } ، يحتمل أن يريد أمانته على الوحي، أو أنهم كانوا قد عرفوه بالأمانة والصدق قبل الرسالة. ثم قال: { أو عجبتم } من { أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } ، تقدم تفسيرها. قال البيضاوي: وفي ذكر إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا به والإعراض عن مقالتهم: كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: { وأنا لكم ناصح أمين }: تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. ه. ثم قال لهم: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } في مساكنهم، أو خلفاء في الأرض من بعدهم بأن جعلكم ملوكا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض، من رمل عالج إلى بحر عمان، خوفهم أولا من عقاب الله، ثم ذكرهم بإنعامه { وزادكم في الخلق بسطة } أي: قامة وقوة، فكانوا عظام الأجساد، فكان أصغرهم: ستين ذراعا، وأطولهم: مائة ذراع. { فاذكروا آلاء الله } أي: نعمه، تعميم بعد تخصيص، { لعلكم تفلحون } أي: لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح، ومن شكرها: الإيمان برسولهم. { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } من الأصنام، استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم انهماكا في التقليد، وحبا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية، ولذلك قال لهم هود عليه السلام: { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } ، بعد أن قالوا: { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من الصادقين } فيه. { قال قد وقع } أي: وجب { عليكم من ربكم رجس } عذاب { وغضب } إرادة الانتقام، { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: أتجادلونيي في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف. وأراد بقوله: { سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل، وهو معنى قوله: { ما نزل الله بها من سلطان } أي: حجة تدل على استحقاقها للعبادة، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها، أو في تسميتها آلهة، والمراد بالاسم على الأول المسمى، وعلى الثاني: التسمية. قاله ابن جزي: { فانتظروا } نزول العذاب، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد، { إني معكم من المنتظرين } نزوله. قال تعالى: { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } عليهم. قال القشيري: لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة، وقد أخبر سبحانه: أنه نجى هودا برحمته، وكذا نجى الذين آمنوا معه برحمته، ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الله سبحانه وتعالى. ه. { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي: استأصلناهم، { وما كانوا مؤمنين } ، تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك: هو الإيمان. روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودا فكذبوه، وزادوا عتوا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذ، مسلمهم ومشركهم، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه " قيل بن عنز " ، ومرثد بن سعد، في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاود بن سام، وسيدهم: معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه، وهو بظاهر مكة، أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر، وتغنى عليهم الجرادتان قينتان له فلما رأى ذهولهم عما بعثوا له أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر، وأمرهما أن تغنيا به وهما: ألا قيل ويحك، قم، فهينم لعل الله يسقينا الغماما فيسقي أرض عاد، إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما فلما غنيتا به أزعجهم ذلك، فقال مرثد: والله لا يسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله، سقيتم، فقالوا لمعاوية: أحبسه عنا، لا يقدمن معنا مكة فإنه قد أتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت إلىعاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم، فيها ريح عقيم، فأهلكتهم، روي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء، كأنها جراد، فاستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، شدخت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعا، ونجا هو والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا. قاله البيضاوي وغيره. وهاهنا بحث وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السلام حسبما في الصحيح، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها، وهود كان قبل إبراهيم، والبيت حينئذ خرب، كان خربه الطوفان، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن؟. ويمكن الجواب: بأنهم كانوا يلتجؤون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان لأن أول من بناه آدم عليه السلام فلما خربه الطوفان بقي أثره، فكانوا يتبركون به، وفي بعض التواريخ: أن العماليق بنوه قبل إبراهيم، فكانوا يطوفون به ويتبركون، ثم هدم، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. وبهذا إن صح - يزول الإشكال. والله تعالى أعلم. وأما من قال: إن هودا تعدد، فغير سديد. الإشارة: قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما: التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى: حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }.

الأعراف 7:68

قلت: { أخاهم }: عطف على نوح، و { هودا }: عطف بيان أو بدل، وكذلك { أخاهم صالحا } وما بعده حيث وقع. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى } قبيلة { عاد أخاهم } أي: واحد من قبيلتهم، كقولهم: يا أخا العرب، فإنه هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: هو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فهو ابن عم أبي عاد، وإنما أرسل إليهم منهم لأنهم أفهم لقوله، وأعرف بحاله، وأرغب في أتباعه، ثم وعظهم فقال: { يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عذاب الله، { قال الملأ الذين كفروا من قومه } ، كان قومه أحسن من قوم نوح، إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد، ولذلك قيد الملأ بمن كفر، بخلاف قوم نوح لم يكن أحد منهم آمن به، فأطلق الملأ، قالوا لهود عليه السلام: { إنا لنراك في سفاهة } أي: متمكنا في خفة العقل، راسخا فيها، حيث فارقت دين قومك، { وإنا لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة. { قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } ، يحتمل أن يريد أمانته على الوحي، أو أنهم كانوا قد عرفوه بالأمانة والصدق قبل الرسالة. ثم قال: { أو عجبتم } من { أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } ، تقدم تفسيرها. قال البيضاوي: وفي ذكر إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا به والإعراض عن مقالتهم: كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: { وأنا لكم ناصح أمين }: تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. ه. ثم قال لهم: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } في مساكنهم، أو خلفاء في الأرض من بعدهم بأن جعلكم ملوكا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض، من رمل عالج إلى بحر عمان، خوفهم أولا من عقاب الله، ثم ذكرهم بإنعامه { وزادكم في الخلق بسطة } أي: قامة وقوة، فكانوا عظام الأجساد، فكان أصغرهم: ستين ذراعا، وأطولهم: مائة ذراع. { فاذكروا آلاء الله } أي: نعمه، تعميم بعد تخصيص، { لعلكم تفلحون } أي: لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح، ومن شكرها: الإيمان برسولهم. { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } من الأصنام، استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم انهماكا في التقليد، وحبا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية، ولذلك قال لهم هود عليه السلام: { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } ، بعد أن قالوا: { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من الصادقين } فيه. { قال قد وقع } أي: وجب { عليكم من ربكم رجس } عذاب { وغضب } إرادة الانتقام، { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: أتجادلونيي في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف. وأراد بقوله: { سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل، وهو معنى قوله: { ما نزل الله بها من سلطان } أي: حجة تدل على استحقاقها للعبادة، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها، أو في تسميتها آلهة، والمراد بالاسم على الأول المسمى، وعلى الثاني: التسمية. قاله ابن جزي: { فانتظروا } نزول العذاب، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد، { إني معكم من المنتظرين } نزوله. قال تعالى: { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } عليهم. قال القشيري: لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة، وقد أخبر سبحانه: أنه نجى هودا برحمته، وكذا نجى الذين آمنوا معه برحمته، ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الله سبحانه وتعالى. ه. { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي: استأصلناهم، { وما كانوا مؤمنين } ، تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك: هو الإيمان. روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودا فكذبوه، وزادوا عتوا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذ، مسلمهم ومشركهم، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه " قيل بن عنز " ، ومرثد بن سعد، في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاود بن سام، وسيدهم: معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه، وهو بظاهر مكة، أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر، وتغنى عليهم الجرادتان قينتان له فلما رأى ذهولهم عما بعثوا له أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر، وأمرهما أن تغنيا به وهما: ألا قيل ويحك، قم، فهينم لعل الله يسقينا الغماما فيسقي أرض عاد، إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما فلما غنيتا به أزعجهم ذلك، فقال مرثد: والله لا يسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله، سقيتم، فقالوا لمعاوية: أحبسه عنا، لا يقدمن معنا مكة فإنه قد أتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت إلىعاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم، فيها ريح عقيم، فأهلكتهم، روي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء، كأنها جراد، فاستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، شدخت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعا، ونجا هو والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا. قاله البيضاوي وغيره. وهاهنا بحث وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السلام حسبما في الصحيح، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها، وهود كان قبل إبراهيم، والبيت حينئذ خرب، كان خربه الطوفان، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن؟. ويمكن الجواب: بأنهم كانوا يلتجؤون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان لأن أول من بناه آدم عليه السلام فلما خربه الطوفان بقي أثره، فكانوا يتبركون به، وفي بعض التواريخ: أن العماليق بنوه قبل إبراهيم، فكانوا يطوفون به ويتبركون، ثم هدم، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. وبهذا إن صح - يزول الإشكال. والله تعالى أعلم. وأما من قال: إن هودا تعدد، فغير سديد. الإشارة: قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما: التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى: حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }.

الأعراف 7:69

قلت: { أخاهم }: عطف على نوح، و { هودا }: عطف بيان أو بدل، وكذلك { أخاهم صالحا } وما بعده حيث وقع. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى } قبيلة { عاد أخاهم } أي: واحد من قبيلتهم، كقولهم: يا أخا العرب، فإنه هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: هو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فهو ابن عم أبي عاد، وإنما أرسل إليهم منهم لأنهم أفهم لقوله، وأعرف بحاله، وأرغب في أتباعه، ثم وعظهم فقال: { يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عذاب الله، { قال الملأ الذين كفروا من قومه } ، كان قومه أحسن من قوم نوح، إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد، ولذلك قيد الملأ بمن كفر، بخلاف قوم نوح لم يكن أحد منهم آمن به، فأطلق الملأ، قالوا لهود عليه السلام: { إنا لنراك في سفاهة } أي: متمكنا في خفة العقل، راسخا فيها، حيث فارقت دين قومك، { وإنا لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة. { قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } ، يحتمل أن يريد أمانته على الوحي، أو أنهم كانوا قد عرفوه بالأمانة والصدق قبل الرسالة. ثم قال: { أو عجبتم } من { أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } ، تقدم تفسيرها. قال البيضاوي: وفي ذكر إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا به والإعراض عن مقالتهم: كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: { وأنا لكم ناصح أمين }: تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. ه. ثم قال لهم: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } في مساكنهم، أو خلفاء في الأرض من بعدهم بأن جعلكم ملوكا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض، من رمل عالج إلى بحر عمان، خوفهم أولا من عقاب الله، ثم ذكرهم بإنعامه { وزادكم في الخلق بسطة } أي: قامة وقوة، فكانوا عظام الأجساد، فكان أصغرهم: ستين ذراعا، وأطولهم: مائة ذراع. { فاذكروا آلاء الله } أي: نعمه، تعميم بعد تخصيص، { لعلكم تفلحون } أي: لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح، ومن شكرها: الإيمان برسولهم. { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } من الأصنام، استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم انهماكا في التقليد، وحبا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية، ولذلك قال لهم هود عليه السلام: { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } ، بعد أن قالوا: { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من الصادقين } فيه. { قال قد وقع } أي: وجب { عليكم من ربكم رجس } عذاب { وغضب } إرادة الانتقام، { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: أتجادلونيي في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف. وأراد بقوله: { سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل، وهو معنى قوله: { ما نزل الله بها من سلطان } أي: حجة تدل على استحقاقها للعبادة، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها، أو في تسميتها آلهة، والمراد بالاسم على الأول المسمى، وعلى الثاني: التسمية. قاله ابن جزي: { فانتظروا } نزول العذاب، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد، { إني معكم من المنتظرين } نزوله. قال تعالى: { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } عليهم. قال القشيري: لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة، وقد أخبر سبحانه: أنه نجى هودا برحمته، وكذا نجى الذين آمنوا معه برحمته، ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الله سبحانه وتعالى. ه. { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي: استأصلناهم، { وما كانوا مؤمنين } ، تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك: هو الإيمان. روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودا فكذبوه، وزادوا عتوا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذ، مسلمهم ومشركهم، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه " قيل بن عنز " ، ومرثد بن سعد، في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاود بن سام، وسيدهم: معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه، وهو بظاهر مكة، أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر، وتغنى عليهم الجرادتان قينتان له فلما رأى ذهولهم عما بعثوا له أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر، وأمرهما أن تغنيا به وهما: ألا قيل ويحك، قم، فهينم لعل الله يسقينا الغماما فيسقي أرض عاد، إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما فلما غنيتا به أزعجهم ذلك، فقال مرثد: والله لا يسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله، سقيتم، فقالوا لمعاوية: أحبسه عنا، لا يقدمن معنا مكة فإنه قد أتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت إلىعاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم، فيها ريح عقيم، فأهلكتهم، روي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء، كأنها جراد، فاستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، شدخت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعا، ونجا هو والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا. قاله البيضاوي وغيره. وهاهنا بحث وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السلام حسبما في الصحيح، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها، وهود كان قبل إبراهيم، والبيت حينئذ خرب، كان خربه الطوفان، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن؟. ويمكن الجواب: بأنهم كانوا يلتجؤون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان لأن أول من بناه آدم عليه السلام فلما خربه الطوفان بقي أثره، فكانوا يتبركون به، وفي بعض التواريخ: أن العماليق بنوه قبل إبراهيم، فكانوا يطوفون به ويتبركون، ثم هدم، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. وبهذا إن صح - يزول الإشكال. والله تعالى أعلم. وأما من قال: إن هودا تعدد، فغير سديد. الإشارة: قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما: التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى: حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }.

الأعراف 7:70

قلت: { أخاهم }: عطف على نوح، و { هودا }: عطف بيان أو بدل، وكذلك { أخاهم صالحا } وما بعده حيث وقع. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى } قبيلة { عاد أخاهم } أي: واحد من قبيلتهم، كقولهم: يا أخا العرب، فإنه هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: هو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فهو ابن عم أبي عاد، وإنما أرسل إليهم منهم لأنهم أفهم لقوله، وأعرف بحاله، وأرغب في أتباعه، ثم وعظهم فقال: { يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عذاب الله، { قال الملأ الذين كفروا من قومه } ، كان قومه أحسن من قوم نوح، إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد، ولذلك قيد الملأ بمن كفر، بخلاف قوم نوح لم يكن أحد منهم آمن به، فأطلق الملأ، قالوا لهود عليه السلام: { إنا لنراك في سفاهة } أي: متمكنا في خفة العقل، راسخا فيها، حيث فارقت دين قومك، { وإنا لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة. { قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } ، يحتمل أن يريد أمانته على الوحي، أو أنهم كانوا قد عرفوه بالأمانة والصدق قبل الرسالة. ثم قال: { أو عجبتم } من { أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } ، تقدم تفسيرها. قال البيضاوي: وفي ذكر إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا به والإعراض عن مقالتهم: كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: { وأنا لكم ناصح أمين }: تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. ه. ثم قال لهم: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } في مساكنهم، أو خلفاء في الأرض من بعدهم بأن جعلكم ملوكا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض، من رمل عالج إلى بحر عمان، خوفهم أولا من عقاب الله، ثم ذكرهم بإنعامه { وزادكم في الخلق بسطة } أي: قامة وقوة، فكانوا عظام الأجساد، فكان أصغرهم: ستين ذراعا، وأطولهم: مائة ذراع. { فاذكروا آلاء الله } أي: نعمه، تعميم بعد تخصيص، { لعلكم تفلحون } أي: لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح، ومن شكرها: الإيمان برسولهم. { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } من الأصنام، استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم انهماكا في التقليد، وحبا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية، ولذلك قال لهم هود عليه السلام: { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } ، بعد أن قالوا: { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من الصادقين } فيه. { قال قد وقع } أي: وجب { عليكم من ربكم رجس } عذاب { وغضب } إرادة الانتقام، { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: أتجادلونيي في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف. وأراد بقوله: { سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل، وهو معنى قوله: { ما نزل الله بها من سلطان } أي: حجة تدل على استحقاقها للعبادة، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها، أو في تسميتها آلهة، والمراد بالاسم على الأول المسمى، وعلى الثاني: التسمية. قاله ابن جزي: { فانتظروا } نزول العذاب، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد، { إني معكم من المنتظرين } نزوله. قال تعالى: { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } عليهم. قال القشيري: لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة، وقد أخبر سبحانه: أنه نجى هودا برحمته، وكذا نجى الذين آمنوا معه برحمته، ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الله سبحانه وتعالى. ه. { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي: استأصلناهم، { وما كانوا مؤمنين } ، تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك: هو الإيمان. روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودا فكذبوه، وزادوا عتوا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذ، مسلمهم ومشركهم، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه " قيل بن عنز " ، ومرثد بن سعد، في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاود بن سام، وسيدهم: معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه، وهو بظاهر مكة، أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر، وتغنى عليهم الجرادتان قينتان له فلما رأى ذهولهم عما بعثوا له أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر، وأمرهما أن تغنيا به وهما: ألا قيل ويحك، قم، فهينم لعل الله يسقينا الغماما فيسقي أرض عاد، إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما فلما غنيتا به أزعجهم ذلك، فقال مرثد: والله لا يسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله، سقيتم، فقالوا لمعاوية: أحبسه عنا، لا يقدمن معنا مكة فإنه قد أتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت إلىعاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم، فيها ريح عقيم، فأهلكتهم، روي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء، كأنها جراد، فاستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، شدخت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعا، ونجا هو والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا. قاله البيضاوي وغيره. وهاهنا بحث وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السلام حسبما في الصحيح، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها، وهود كان قبل إبراهيم، والبيت حينئذ خرب، كان خربه الطوفان، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن؟. ويمكن الجواب: بأنهم كانوا يلتجؤون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان لأن أول من بناه آدم عليه السلام فلما خربه الطوفان بقي أثره، فكانوا يتبركون به، وفي بعض التواريخ: أن العماليق بنوه قبل إبراهيم، فكانوا يطوفون به ويتبركون، ثم هدم، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. وبهذا إن صح - يزول الإشكال. والله تعالى أعلم. وأما من قال: إن هودا تعدد، فغير سديد. الإشارة: قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما: التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى: حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }.

الأعراف 7:71

قلت: { أخاهم }: عطف على نوح، و { هودا }: عطف بيان أو بدل، وكذلك { أخاهم صالحا } وما بعده حيث وقع. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى } قبيلة { عاد أخاهم } أي: واحد من قبيلتهم، كقولهم: يا أخا العرب، فإنه هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: هو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فهو ابن عم أبي عاد، وإنما أرسل إليهم منهم لأنهم أفهم لقوله، وأعرف بحاله، وأرغب في أتباعه، ثم وعظهم فقال: { يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عذاب الله، { قال الملأ الذين كفروا من قومه } ، كان قومه أحسن من قوم نوح، إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد، ولذلك قيد الملأ بمن كفر، بخلاف قوم نوح لم يكن أحد منهم آمن به، فأطلق الملأ، قالوا لهود عليه السلام: { إنا لنراك في سفاهة } أي: متمكنا في خفة العقل، راسخا فيها، حيث فارقت دين قومك، { وإنا لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة. { قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } ، يحتمل أن يريد أمانته على الوحي، أو أنهم كانوا قد عرفوه بالأمانة والصدق قبل الرسالة. ثم قال: { أو عجبتم } من { أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } ، تقدم تفسيرها. قال البيضاوي: وفي ذكر إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا به والإعراض عن مقالتهم: كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: { وأنا لكم ناصح أمين }: تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. ه. ثم قال لهم: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } في مساكنهم، أو خلفاء في الأرض من بعدهم بأن جعلكم ملوكا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض، من رمل عالج إلى بحر عمان، خوفهم أولا من عقاب الله، ثم ذكرهم بإنعامه { وزادكم في الخلق بسطة } أي: قامة وقوة، فكانوا عظام الأجساد، فكان أصغرهم: ستين ذراعا، وأطولهم: مائة ذراع. { فاذكروا آلاء الله } أي: نعمه، تعميم بعد تخصيص، { لعلكم تفلحون } أي: لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح، ومن شكرها: الإيمان برسولهم. { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } من الأصنام، استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم انهماكا في التقليد، وحبا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية، ولذلك قال لهم هود عليه السلام: { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } ، بعد أن قالوا: { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من الصادقين } فيه. { قال قد وقع } أي: وجب { عليكم من ربكم رجس } عذاب { وغضب } إرادة الانتقام، { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: أتجادلونيي في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف. وأراد بقوله: { سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل، وهو معنى قوله: { ما نزل الله بها من سلطان } أي: حجة تدل على استحقاقها للعبادة، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها، أو في تسميتها آلهة، والمراد بالاسم على الأول المسمى، وعلى الثاني: التسمية. قاله ابن جزي: { فانتظروا } نزول العذاب، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد، { إني معكم من المنتظرين } نزوله. قال تعالى: { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } عليهم. قال القشيري: لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة، وقد أخبر سبحانه: أنه نجى هودا برحمته، وكذا نجى الذين آمنوا معه برحمته، ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الله سبحانه وتعالى. ه. { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي: استأصلناهم، { وما كانوا مؤمنين } ، تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك: هو الإيمان. روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودا فكذبوه، وزادوا عتوا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذ، مسلمهم ومشركهم، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه " قيل بن عنز " ، ومرثد بن سعد، في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاود بن سام، وسيدهم: معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه، وهو بظاهر مكة، أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر، وتغنى عليهم الجرادتان قينتان له فلما رأى ذهولهم عما بعثوا له أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر، وأمرهما أن تغنيا به وهما: ألا قيل ويحك، قم، فهينم لعل الله يسقينا الغماما فيسقي أرض عاد، إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما فلما غنيتا به أزعجهم ذلك، فقال مرثد: والله لا يسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله، سقيتم، فقالوا لمعاوية: أحبسه عنا، لا يقدمن معنا مكة فإنه قد أتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت إلىعاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم، فيها ريح عقيم، فأهلكتهم، روي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء، كأنها جراد، فاستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، شدخت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعا، ونجا هو والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا. قاله البيضاوي وغيره. وهاهنا بحث وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السلام حسبما في الصحيح، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها، وهود كان قبل إبراهيم، والبيت حينئذ خرب، كان خربه الطوفان، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن؟. ويمكن الجواب: بأنهم كانوا يلتجؤون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان لأن أول من بناه آدم عليه السلام فلما خربه الطوفان بقي أثره، فكانوا يتبركون به، وفي بعض التواريخ: أن العماليق بنوه قبل إبراهيم، فكانوا يطوفون به ويتبركون، ثم هدم، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. وبهذا إن صح - يزول الإشكال. والله تعالى أعلم. وأما من قال: إن هودا تعدد، فغير سديد. الإشارة: قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما: التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى: حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }.

الأعراف 7:72

قلت: { أخاهم }: عطف على نوح، و { هودا }: عطف بيان أو بدل، وكذلك { أخاهم صالحا } وما بعده حيث وقع. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى } قبيلة { عاد أخاهم } أي: واحد من قبيلتهم، كقولهم: يا أخا العرب، فإنه هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقيل: هو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فهو ابن عم أبي عاد، وإنما أرسل إليهم منهم لأنهم أفهم لقوله، وأعرف بحاله، وأرغب في أتباعه، ثم وعظهم فقال: { يا قوم اعبدوا الله } وحده { ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عذاب الله، { قال الملأ الذين كفروا من قومه } ، كان قومه أحسن من قوم نوح، إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد، ولذلك قيد الملأ بمن كفر، بخلاف قوم نوح لم يكن أحد منهم آمن به، فأطلق الملأ، قالوا لهود عليه السلام: { إنا لنراك في سفاهة } أي: متمكنا في خفة العقل، راسخا فيها، حيث فارقت دين قومك، { وإنا لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة. { قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } ، يحتمل أن يريد أمانته على الوحي، أو أنهم كانوا قد عرفوه بالأمانة والصدق قبل الرسالة. ثم قال: { أو عجبتم } من { أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } ، تقدم تفسيرها. قال البيضاوي: وفي ذكر إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا به والإعراض عن مقالتهم: كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: { وأنا لكم ناصح أمين }: تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. ه. ثم قال لهم: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } في مساكنهم، أو خلفاء في الأرض من بعدهم بأن جعلكم ملوكا، فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض، من رمل عالج إلى بحر عمان، خوفهم أولا من عقاب الله، ثم ذكرهم بإنعامه { وزادكم في الخلق بسطة } أي: قامة وقوة، فكانوا عظام الأجساد، فكان أصغرهم: ستين ذراعا، وأطولهم: مائة ذراع. { فاذكروا آلاء الله } أي: نعمه، تعميم بعد تخصيص، { لعلكم تفلحون } أي: لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح، ومن شكرها: الإيمان برسولهم. { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } من الأصنام، استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عما وجدوا عليه آباءهم انهماكا في التقليد، وحبا لما ألفوه مع اعترافهم بالربوبية، ولذلك قال لهم هود عليه السلام: { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } ، بعد أن قالوا: { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من الصادقين } فيه. { قال قد وقع } أي: وجب { عليكم من ربكم رجس } عذاب { وغضب } إرادة الانتقام، { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: أتجادلونيي في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف. وأراد بقوله: { سميتموها أنتم وآباؤكم } أي: جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل، وهو معنى قوله: { ما نزل الله بها من سلطان } أي: حجة تدل على استحقاقها للعبادة، فالمجادلة يحتمل أن تكون في عبادتها، أو في تسميتها آلهة، والمراد بالاسم على الأول المسمى، وعلى الثاني: التسمية. قاله ابن جزي: { فانتظروا } نزول العذاب، الذي طلبتم حين أصررتم على العناد، { إني معكم من المنتظرين } نزوله. قال تعالى: { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } عليهم. قال القشيري: لا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة، وقد أخبر سبحانه: أنه نجى هودا برحمته، وكذا نجى الذين آمنوا معه برحمته، ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، فما نجا من نجا إلا بفضل الله سبحانه وتعالى. ه. { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي: استأصلناهم، { وما كانوا مؤمنين } ، تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك: هو الإيمان. روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودا فكذبوه، وزادوا عتوا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذ، مسلمهم ومشركهم، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه " قيل بن عنز " ، ومرثد بن سعد، في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاود بن سام، وسيدهم: معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه، وهو بظاهر مكة، أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر، وتغنى عليهم الجرادتان قينتان له فلما رأى ذهولهم عما بعثوا له أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر، وأمرهما أن تغنيا به وهما: ألا قيل ويحك، قم، فهينم لعل الله يسقينا الغماما فيسقي أرض عاد، إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما فلما غنيتا به أزعجهم ذلك، فقال مرثد: والله لا يسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله، سقيتم، فقالوا لمعاوية: أحبسه عنا، لا يقدمن معنا مكة فإنه قد أتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت إلىعاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم، فيها ريح عقيم، فأهلكتهم، روي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء، كأنها جراد، فاستمرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، شدخت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعا، ونجا هو والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا. قاله البيضاوي وغيره. وهاهنا بحث وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السلام حسبما في الصحيح، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها، وهود كان قبل إبراهيم، والبيت حينئذ خرب، كان خربه الطوفان، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن؟. ويمكن الجواب: بأنهم كانوا يلتجؤون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان لأن أول من بناه آدم عليه السلام فلما خربه الطوفان بقي أثره، فكانوا يتبركون به، وفي بعض التواريخ: أن العماليق بنوه قبل إبراهيم، فكانوا يطوفون به ويتبركون، ثم هدم، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. وبهذا إن صح - يزول الإشكال. والله تعالى أعلم. وأما من قال: إن هودا تعدد، فغير سديد. الإشارة: قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما: التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى: حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }.

الأعراف 7:73

قلت: { آية }: حال، والعامل فيها: الإشارة، و { بيوتا }: حال من الجبال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى ثمود } قبيلة أخرى من العرب، سموا باسم أبيهم الأكبر: ثمود بن غابر بن إرم بن سام، وقيل: سموا به لقلة ما بهم من التثميد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر، بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". أرسلنا إليهم { أخاهم صالحا } ، وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وقال وهب بن منبه: بعث الله صالحا حين راهق الحلم. وقال الكواشي: أنه مات ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه ينذرهم عشرين. ه. { قال يا قوم اعبدوا ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي، وهي: { هذه ناقة الله لكم آية } لأنها جاءت من عند الله بلا وسائط وأسباب، على ما سيأتي، { فذروها } أي: اتركوها، { تأكل في أرض الله } العشب، { ولا تمسوها بسوء } ، نهى عن المس، الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر. قاله البيضاوي. { فيأخذكم } إن مستموها بسوء { عذاب أليم } ، وهو الهلاك بالصيحة. { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم } أي: هيأ لكم القرار { في الأرض } أي: أرض الحجاز، { تتخذون من سهولها قصورا } أي: تبنون مما انبسط منها قصورا، فالسهل ضد الجبل، { وتنحتون الجبال بيوتا } أي: تنجرون بيوتا من الجبال، وكانوا يسكنون القصور في الصيف والجبال في الشتاء. { فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } بالمعاصي والكفر. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } عن الإيمان، { للذين استضعفوا } أي: للذين استضعفوهم واستذلوهم أعني لمن آمن منهم : { أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه }؟، قالوه على وجه الاستهزاء، { قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون } ، لم يقولوا في الجواب: نعم تنبيها على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي رأي، وإنما الكلام فيمن آمن ومن كفر فلذلك قال: { قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون } على المقابلة، ووضعوا { آمنتم به } موضع { أرسل به } ردا لما جعلوه معلوما مسلما. { فعقروا الناقة } نحروها، أسند إلى جميعهم فعل بعضهم كما يأتي لأنه كان برضاهم، { وعتوا عن أمر ربهم } أي: استكبروا عن امتثال أمره، وهو ما بلغهم صالح بقوله: { فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء } ، { وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة } أي: صيحة جبريل، { فأصبحوا في دارهم جاثمين } باركين على ركبهم، ميتين. روي: أنهم بعد عاد عمروا بلادهم وخلفوهم، وكثروا، وعمروا أعمارا طوالا لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خصب وسعة، فتعوا وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحا من أشرافهم فأنذرهم، فسألوه آية، فقال لهم: أي آية تريدون؟ فقالوا: اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم، فدعوا أصنامهم فلم تجبهم، ثم أشار سيدهم " جندع بن عمرو " إلى صخرة منفردة يقال لها: " الكاثبة " ، قال له: أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، فإن فعلت صدقناك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلت ذلك لتؤمنن؟ قالوا: نعم، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء، جوفاء وبراء كما وصفوا، وهم ينظرون، ثم أنتجت ولدا مثلها في العظم، فآمن به جندع في جماعة، ومنع الناس من الإيمان: ذؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أصنامهم، ورباب كاهنهم. فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تنفحج، فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم، فزينت عقرها لهم " عنيزة أم غنم " وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، وعاقرها: الأحمر، واسمه قدار " استعان برجل آخر، فلما شربت أختبأ لها في جانب تل، فضربها صاحبه بالسهم، وعقرها قدار بسيفه، واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلا اسمه: قارة، فرغى ثلاثا، ودخل صخرة أمه، فقال لهم صالح عليه السلام: أدركوا الفصيل، عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه حيث دخل الصخرة بعد رغائه، فقال لهم صالح عليه السلام: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ويصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان ضحوة اليوم الرابع: تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } ، ظاهره: أن توليته عنهم بعد أن أبصرهم جاثمين ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر، وقال لهم: " قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ " أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما قص علينا الحق جل جلاله من قصص الأمم الماضية، فالمراد به: تخويف هذه الأمة المحمدية وزيادة في يقينهم، فالواجب على من أراد السلامة في الدارين أن يتمسك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، ويتحرى في ذلك جهده يقصد بذلك رضا الله ورسوله. ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم [آل عمران:101]، ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى النعيم المقيم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة }.

الأعراف 7:74

قلت: { آية }: حال، والعامل فيها: الإشارة، و { بيوتا }: حال من الجبال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى ثمود } قبيلة أخرى من العرب، سموا باسم أبيهم الأكبر: ثمود بن غابر بن إرم بن سام، وقيل: سموا به لقلة ما بهم من التثميد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر، بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". أرسلنا إليهم { أخاهم صالحا } ، وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وقال وهب بن منبه: بعث الله صالحا حين راهق الحلم. وقال الكواشي: أنه مات ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه ينذرهم عشرين. ه. { قال يا قوم اعبدوا ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي، وهي: { هذه ناقة الله لكم آية } لأنها جاءت من عند الله بلا وسائط وأسباب، على ما سيأتي، { فذروها } أي: اتركوها، { تأكل في أرض الله } العشب، { ولا تمسوها بسوء } ، نهى عن المس، الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر. قاله البيضاوي. { فيأخذكم } إن مستموها بسوء { عذاب أليم } ، وهو الهلاك بالصيحة. { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم } أي: هيأ لكم القرار { في الأرض } أي: أرض الحجاز، { تتخذون من سهولها قصورا } أي: تبنون مما انبسط منها قصورا، فالسهل ضد الجبل، { وتنحتون الجبال بيوتا } أي: تنجرون بيوتا من الجبال، وكانوا يسكنون القصور في الصيف والجبال في الشتاء. { فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } بالمعاصي والكفر. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } عن الإيمان، { للذين استضعفوا } أي: للذين استضعفوهم واستذلوهم أعني لمن آمن منهم : { أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه }؟، قالوه على وجه الاستهزاء، { قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون } ، لم يقولوا في الجواب: نعم تنبيها على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي رأي، وإنما الكلام فيمن آمن ومن كفر فلذلك قال: { قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون } على المقابلة، ووضعوا { آمنتم به } موضع { أرسل به } ردا لما جعلوه معلوما مسلما. { فعقروا الناقة } نحروها، أسند إلى جميعهم فعل بعضهم كما يأتي لأنه كان برضاهم، { وعتوا عن أمر ربهم } أي: استكبروا عن امتثال أمره، وهو ما بلغهم صالح بقوله: { فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء } ، { وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة } أي: صيحة جبريل، { فأصبحوا في دارهم جاثمين } باركين على ركبهم، ميتين. روي: أنهم بعد عاد عمروا بلادهم وخلفوهم، وكثروا، وعمروا أعمارا طوالا لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خصب وسعة، فتعوا وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحا من أشرافهم فأنذرهم، فسألوه آية، فقال لهم: أي آية تريدون؟ فقالوا: اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم، فدعوا أصنامهم فلم تجبهم، ثم أشار سيدهم " جندع بن عمرو " إلى صخرة منفردة يقال لها: " الكاثبة " ، قال له: أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، فإن فعلت صدقناك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلت ذلك لتؤمنن؟ قالوا: نعم، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء، جوفاء وبراء كما وصفوا، وهم ينظرون، ثم أنتجت ولدا مثلها في العظم، فآمن به جندع في جماعة، ومنع الناس من الإيمان: ذؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أصنامهم، ورباب كاهنهم. فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تنفحج، فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم، فزينت عقرها لهم " عنيزة أم غنم " وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، وعاقرها: الأحمر، واسمه قدار " استعان برجل آخر، فلما شربت أختبأ لها في جانب تل، فضربها صاحبه بالسهم، وعقرها قدار بسيفه، واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلا اسمه: قارة، فرغى ثلاثا، ودخل صخرة أمه، فقال لهم صالح عليه السلام: أدركوا الفصيل، عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه حيث دخل الصخرة بعد رغائه، فقال لهم صالح عليه السلام: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ويصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان ضحوة اليوم الرابع: تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } ، ظاهره: أن توليته عنهم بعد أن أبصرهم جاثمين ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر، وقال لهم: " قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ " أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما قص علينا الحق جل جلاله من قصص الأمم الماضية، فالمراد به: تخويف هذه الأمة المحمدية وزيادة في يقينهم، فالواجب على من أراد السلامة في الدارين أن يتمسك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، ويتحرى في ذلك جهده يقصد بذلك رضا الله ورسوله. ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم [آل عمران:101]، ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى النعيم المقيم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة }.

الأعراف 7:75

قلت: { آية }: حال، والعامل فيها: الإشارة، و { بيوتا }: حال من الجبال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى ثمود } قبيلة أخرى من العرب، سموا باسم أبيهم الأكبر: ثمود بن غابر بن إرم بن سام، وقيل: سموا به لقلة ما بهم من التثميد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر، بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". أرسلنا إليهم { أخاهم صالحا } ، وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وقال وهب بن منبه: بعث الله صالحا حين راهق الحلم. وقال الكواشي: أنه مات ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه ينذرهم عشرين. ه. { قال يا قوم اعبدوا ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي، وهي: { هذه ناقة الله لكم آية } لأنها جاءت من عند الله بلا وسائط وأسباب، على ما سيأتي، { فذروها } أي: اتركوها، { تأكل في أرض الله } العشب، { ولا تمسوها بسوء } ، نهى عن المس، الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر. قاله البيضاوي. { فيأخذكم } إن مستموها بسوء { عذاب أليم } ، وهو الهلاك بالصيحة. { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم } أي: هيأ لكم القرار { في الأرض } أي: أرض الحجاز، { تتخذون من سهولها قصورا } أي: تبنون مما انبسط منها قصورا، فالسهل ضد الجبل، { وتنحتون الجبال بيوتا } أي: تنجرون بيوتا من الجبال، وكانوا يسكنون القصور في الصيف والجبال في الشتاء. { فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } بالمعاصي والكفر. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } عن الإيمان، { للذين استضعفوا } أي: للذين استضعفوهم واستذلوهم أعني لمن آمن منهم : { أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه }؟، قالوه على وجه الاستهزاء، { قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون } ، لم يقولوا في الجواب: نعم تنبيها على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي رأي، وإنما الكلام فيمن آمن ومن كفر فلذلك قال: { قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون } على المقابلة، ووضعوا { آمنتم به } موضع { أرسل به } ردا لما جعلوه معلوما مسلما. { فعقروا الناقة } نحروها، أسند إلى جميعهم فعل بعضهم كما يأتي لأنه كان برضاهم، { وعتوا عن أمر ربهم } أي: استكبروا عن امتثال أمره، وهو ما بلغهم صالح بقوله: { فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء } ، { وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة } أي: صيحة جبريل، { فأصبحوا في دارهم جاثمين } باركين على ركبهم، ميتين. روي: أنهم بعد عاد عمروا بلادهم وخلفوهم، وكثروا، وعمروا أعمارا طوالا لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خصب وسعة، فتعوا وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحا من أشرافهم فأنذرهم، فسألوه آية، فقال لهم: أي آية تريدون؟ فقالوا: اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم، فدعوا أصنامهم فلم تجبهم، ثم أشار سيدهم " جندع بن عمرو " إلى صخرة منفردة يقال لها: " الكاثبة " ، قال له: أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، فإن فعلت صدقناك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلت ذلك لتؤمنن؟ قالوا: نعم، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء، جوفاء وبراء كما وصفوا، وهم ينظرون، ثم أنتجت ولدا مثلها في العظم، فآمن به جندع في جماعة، ومنع الناس من الإيمان: ذؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أصنامهم، ورباب كاهنهم. فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تنفحج، فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم، فزينت عقرها لهم " عنيزة أم غنم " وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، وعاقرها: الأحمر، واسمه قدار " استعان برجل آخر، فلما شربت أختبأ لها في جانب تل، فضربها صاحبه بالسهم، وعقرها قدار بسيفه، واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلا اسمه: قارة، فرغى ثلاثا، ودخل صخرة أمه، فقال لهم صالح عليه السلام: أدركوا الفصيل، عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه حيث دخل الصخرة بعد رغائه، فقال لهم صالح عليه السلام: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ويصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان ضحوة اليوم الرابع: تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } ، ظاهره: أن توليته عنهم بعد أن أبصرهم جاثمين ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر، وقال لهم: " قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ " أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما قص علينا الحق جل جلاله من قصص الأمم الماضية، فالمراد به: تخويف هذه الأمة المحمدية وزيادة في يقينهم، فالواجب على من أراد السلامة في الدارين أن يتمسك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، ويتحرى في ذلك جهده يقصد بذلك رضا الله ورسوله. ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم [آل عمران:101]، ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى النعيم المقيم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة }.

الأعراف 7:76

قلت: { آية }: حال، والعامل فيها: الإشارة، و { بيوتا }: حال من الجبال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى ثمود } قبيلة أخرى من العرب، سموا باسم أبيهم الأكبر: ثمود بن غابر بن إرم بن سام، وقيل: سموا به لقلة ما بهم من التثميد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر، بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". أرسلنا إليهم { أخاهم صالحا } ، وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وقال وهب بن منبه: بعث الله صالحا حين راهق الحلم. وقال الكواشي: أنه مات ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه ينذرهم عشرين. ه. { قال يا قوم اعبدوا ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي، وهي: { هذه ناقة الله لكم آية } لأنها جاءت من عند الله بلا وسائط وأسباب، على ما سيأتي، { فذروها } أي: اتركوها، { تأكل في أرض الله } العشب، { ولا تمسوها بسوء } ، نهى عن المس، الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر. قاله البيضاوي. { فيأخذكم } إن مستموها بسوء { عذاب أليم } ، وهو الهلاك بالصيحة. { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم } أي: هيأ لكم القرار { في الأرض } أي: أرض الحجاز، { تتخذون من سهولها قصورا } أي: تبنون مما انبسط منها قصورا، فالسهل ضد الجبل، { وتنحتون الجبال بيوتا } أي: تنجرون بيوتا من الجبال، وكانوا يسكنون القصور في الصيف والجبال في الشتاء. { فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } بالمعاصي والكفر. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } عن الإيمان، { للذين استضعفوا } أي: للذين استضعفوهم واستذلوهم أعني لمن آمن منهم : { أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه }؟، قالوه على وجه الاستهزاء، { قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون } ، لم يقولوا في الجواب: نعم تنبيها على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي رأي، وإنما الكلام فيمن آمن ومن كفر فلذلك قال: { قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون } على المقابلة، ووضعوا { آمنتم به } موضع { أرسل به } ردا لما جعلوه معلوما مسلما. { فعقروا الناقة } نحروها، أسند إلى جميعهم فعل بعضهم كما يأتي لأنه كان برضاهم، { وعتوا عن أمر ربهم } أي: استكبروا عن امتثال أمره، وهو ما بلغهم صالح بقوله: { فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء } ، { وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة } أي: صيحة جبريل، { فأصبحوا في دارهم جاثمين } باركين على ركبهم، ميتين. روي: أنهم بعد عاد عمروا بلادهم وخلفوهم، وكثروا، وعمروا أعمارا طوالا لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خصب وسعة، فتعوا وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحا من أشرافهم فأنذرهم، فسألوه آية، فقال لهم: أي آية تريدون؟ فقالوا: اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم، فدعوا أصنامهم فلم تجبهم، ثم أشار سيدهم " جندع بن عمرو " إلى صخرة منفردة يقال لها: " الكاثبة " ، قال له: أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، فإن فعلت صدقناك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلت ذلك لتؤمنن؟ قالوا: نعم، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء، جوفاء وبراء كما وصفوا، وهم ينظرون، ثم أنتجت ولدا مثلها في العظم، فآمن به جندع في جماعة، ومنع الناس من الإيمان: ذؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أصنامهم، ورباب كاهنهم. فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تنفحج، فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم، فزينت عقرها لهم " عنيزة أم غنم " وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، وعاقرها: الأحمر، واسمه قدار " استعان برجل آخر، فلما شربت أختبأ لها في جانب تل، فضربها صاحبه بالسهم، وعقرها قدار بسيفه، واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلا اسمه: قارة، فرغى ثلاثا، ودخل صخرة أمه، فقال لهم صالح عليه السلام: أدركوا الفصيل، عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه حيث دخل الصخرة بعد رغائه، فقال لهم صالح عليه السلام: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ويصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان ضحوة اليوم الرابع: تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } ، ظاهره: أن توليته عنهم بعد أن أبصرهم جاثمين ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر، وقال لهم: " قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ " أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما قص علينا الحق جل جلاله من قصص الأمم الماضية، فالمراد به: تخويف هذه الأمة المحمدية وزيادة في يقينهم، فالواجب على من أراد السلامة في الدارين أن يتمسك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، ويتحرى في ذلك جهده يقصد بذلك رضا الله ورسوله. ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم [آل عمران:101]، ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى النعيم المقيم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة }.

الأعراف 7:77

قلت: { آية }: حال، والعامل فيها: الإشارة، و { بيوتا }: حال من الجبال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى ثمود } قبيلة أخرى من العرب، سموا باسم أبيهم الأكبر: ثمود بن غابر بن إرم بن سام، وقيل: سموا به لقلة ما بهم من التثميد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر، بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". أرسلنا إليهم { أخاهم صالحا } ، وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وقال وهب بن منبه: بعث الله صالحا حين راهق الحلم. وقال الكواشي: أنه مات ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه ينذرهم عشرين. ه. { قال يا قوم اعبدوا ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي، وهي: { هذه ناقة الله لكم آية } لأنها جاءت من عند الله بلا وسائط وأسباب، على ما سيأتي، { فذروها } أي: اتركوها، { تأكل في أرض الله } العشب، { ولا تمسوها بسوء } ، نهى عن المس، الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر. قاله البيضاوي. { فيأخذكم } إن مستموها بسوء { عذاب أليم } ، وهو الهلاك بالصيحة. { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم } أي: هيأ لكم القرار { في الأرض } أي: أرض الحجاز، { تتخذون من سهولها قصورا } أي: تبنون مما انبسط منها قصورا، فالسهل ضد الجبل، { وتنحتون الجبال بيوتا } أي: تنجرون بيوتا من الجبال، وكانوا يسكنون القصور في الصيف والجبال في الشتاء. { فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } بالمعاصي والكفر. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } عن الإيمان، { للذين استضعفوا } أي: للذين استضعفوهم واستذلوهم أعني لمن آمن منهم : { أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه }؟، قالوه على وجه الاستهزاء، { قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون } ، لم يقولوا في الجواب: نعم تنبيها على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي رأي، وإنما الكلام فيمن آمن ومن كفر فلذلك قال: { قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون } على المقابلة، ووضعوا { آمنتم به } موضع { أرسل به } ردا لما جعلوه معلوما مسلما. { فعقروا الناقة } نحروها، أسند إلى جميعهم فعل بعضهم كما يأتي لأنه كان برضاهم، { وعتوا عن أمر ربهم } أي: استكبروا عن امتثال أمره، وهو ما بلغهم صالح بقوله: { فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء } ، { وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة } أي: صيحة جبريل، { فأصبحوا في دارهم جاثمين } باركين على ركبهم، ميتين. روي: أنهم بعد عاد عمروا بلادهم وخلفوهم، وكثروا، وعمروا أعمارا طوالا لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خصب وسعة، فتعوا وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحا من أشرافهم فأنذرهم، فسألوه آية، فقال لهم: أي آية تريدون؟ فقالوا: اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم، فدعوا أصنامهم فلم تجبهم، ثم أشار سيدهم " جندع بن عمرو " إلى صخرة منفردة يقال لها: " الكاثبة " ، قال له: أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، فإن فعلت صدقناك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلت ذلك لتؤمنن؟ قالوا: نعم، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء، جوفاء وبراء كما وصفوا، وهم ينظرون، ثم أنتجت ولدا مثلها في العظم، فآمن به جندع في جماعة، ومنع الناس من الإيمان: ذؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أصنامهم، ورباب كاهنهم. فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تنفحج، فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم، فزينت عقرها لهم " عنيزة أم غنم " وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، وعاقرها: الأحمر، واسمه قدار " استعان برجل آخر، فلما شربت أختبأ لها في جانب تل، فضربها صاحبه بالسهم، وعقرها قدار بسيفه، واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلا اسمه: قارة، فرغى ثلاثا، ودخل صخرة أمه، فقال لهم صالح عليه السلام: أدركوا الفصيل، عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه حيث دخل الصخرة بعد رغائه، فقال لهم صالح عليه السلام: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ويصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان ضحوة اليوم الرابع: تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } ، ظاهره: أن توليته عنهم بعد أن أبصرهم جاثمين ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر، وقال لهم: " قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ " أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما قص علينا الحق جل جلاله من قصص الأمم الماضية، فالمراد به: تخويف هذه الأمة المحمدية وزيادة في يقينهم، فالواجب على من أراد السلامة في الدارين أن يتمسك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، ويتحرى في ذلك جهده يقصد بذلك رضا الله ورسوله. ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم [آل عمران:101]، ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى النعيم المقيم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة }.

الأعراف 7:78

قلت: { آية }: حال، والعامل فيها: الإشارة، و { بيوتا }: حال من الجبال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى ثمود } قبيلة أخرى من العرب، سموا باسم أبيهم الأكبر: ثمود بن غابر بن إرم بن سام، وقيل: سموا به لقلة ما بهم من التثميد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر، بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". أرسلنا إليهم { أخاهم صالحا } ، وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وقال وهب بن منبه: بعث الله صالحا حين راهق الحلم. وقال الكواشي: أنه مات ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه ينذرهم عشرين. ه. { قال يا قوم اعبدوا ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي، وهي: { هذه ناقة الله لكم آية } لأنها جاءت من عند الله بلا وسائط وأسباب، على ما سيأتي، { فذروها } أي: اتركوها، { تأكل في أرض الله } العشب، { ولا تمسوها بسوء } ، نهى عن المس، الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر. قاله البيضاوي. { فيأخذكم } إن مستموها بسوء { عذاب أليم } ، وهو الهلاك بالصيحة. { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم } أي: هيأ لكم القرار { في الأرض } أي: أرض الحجاز، { تتخذون من سهولها قصورا } أي: تبنون مما انبسط منها قصورا، فالسهل ضد الجبل، { وتنحتون الجبال بيوتا } أي: تنجرون بيوتا من الجبال، وكانوا يسكنون القصور في الصيف والجبال في الشتاء. { فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } بالمعاصي والكفر. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } عن الإيمان، { للذين استضعفوا } أي: للذين استضعفوهم واستذلوهم أعني لمن آمن منهم : { أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه }؟، قالوه على وجه الاستهزاء، { قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون } ، لم يقولوا في الجواب: نعم تنبيها على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي رأي، وإنما الكلام فيمن آمن ومن كفر فلذلك قال: { قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون } على المقابلة، ووضعوا { آمنتم به } موضع { أرسل به } ردا لما جعلوه معلوما مسلما. { فعقروا الناقة } نحروها، أسند إلى جميعهم فعل بعضهم كما يأتي لأنه كان برضاهم، { وعتوا عن أمر ربهم } أي: استكبروا عن امتثال أمره، وهو ما بلغهم صالح بقوله: { فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء } ، { وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة } أي: صيحة جبريل، { فأصبحوا في دارهم جاثمين } باركين على ركبهم، ميتين. روي: أنهم بعد عاد عمروا بلادهم وخلفوهم، وكثروا، وعمروا أعمارا طوالا لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خصب وسعة، فتعوا وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحا من أشرافهم فأنذرهم، فسألوه آية، فقال لهم: أي آية تريدون؟ فقالوا: اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم، فدعوا أصنامهم فلم تجبهم، ثم أشار سيدهم " جندع بن عمرو " إلى صخرة منفردة يقال لها: " الكاثبة " ، قال له: أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، فإن فعلت صدقناك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلت ذلك لتؤمنن؟ قالوا: نعم، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء، جوفاء وبراء كما وصفوا، وهم ينظرون، ثم أنتجت ولدا مثلها في العظم، فآمن به جندع في جماعة، ومنع الناس من الإيمان: ذؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أصنامهم، ورباب كاهنهم. فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تنفحج، فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم، فزينت عقرها لهم " عنيزة أم غنم " وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، وعاقرها: الأحمر، واسمه قدار " استعان برجل آخر، فلما شربت أختبأ لها في جانب تل، فضربها صاحبه بالسهم، وعقرها قدار بسيفه، واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلا اسمه: قارة، فرغى ثلاثا، ودخل صخرة أمه، فقال لهم صالح عليه السلام: أدركوا الفصيل، عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه حيث دخل الصخرة بعد رغائه، فقال لهم صالح عليه السلام: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ويصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان ضحوة اليوم الرابع: تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } ، ظاهره: أن توليته عنهم بعد أن أبصرهم جاثمين ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر، وقال لهم: " قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ " أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما قص علينا الحق جل جلاله من قصص الأمم الماضية، فالمراد به: تخويف هذه الأمة المحمدية وزيادة في يقينهم، فالواجب على من أراد السلامة في الدارين أن يتمسك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، ويتحرى في ذلك جهده يقصد بذلك رضا الله ورسوله. ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم [آل عمران:101]، ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى النعيم المقيم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة }.

الأعراف 7:79

قلت: { آية }: حال، والعامل فيها: الإشارة، و { بيوتا }: حال من الجبال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى ثمود } قبيلة أخرى من العرب، سموا باسم أبيهم الأكبر: ثمود بن غابر بن إرم بن سام، وقيل: سموا به لقلة ما بهم من التثميد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر، بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين مخافة أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". أرسلنا إليهم { أخاهم صالحا } ، وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وقال وهب بن منبه: بعث الله صالحا حين راهق الحلم. وقال الكواشي: أنه مات ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه ينذرهم عشرين. ه. { قال يا قوم اعبدوا ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي، وهي: { هذه ناقة الله لكم آية } لأنها جاءت من عند الله بلا وسائط وأسباب، على ما سيأتي، { فذروها } أي: اتركوها، { تأكل في أرض الله } العشب، { ولا تمسوها بسوء } ، نهى عن المس، الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر. قاله البيضاوي. { فيأخذكم } إن مستموها بسوء { عذاب أليم } ، وهو الهلاك بالصيحة. { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم } أي: هيأ لكم القرار { في الأرض } أي: أرض الحجاز، { تتخذون من سهولها قصورا } أي: تبنون مما انبسط منها قصورا، فالسهل ضد الجبل، { وتنحتون الجبال بيوتا } أي: تنجرون بيوتا من الجبال، وكانوا يسكنون القصور في الصيف والجبال في الشتاء. { فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } بالمعاصي والكفر. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } عن الإيمان، { للذين استضعفوا } أي: للذين استضعفوهم واستذلوهم أعني لمن آمن منهم : { أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه }؟، قالوه على وجه الاستهزاء، { قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون } ، لم يقولوا في الجواب: نعم تنبيها على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي رأي، وإنما الكلام فيمن آمن ومن كفر فلذلك قال: { قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون } على المقابلة، ووضعوا { آمنتم به } موضع { أرسل به } ردا لما جعلوه معلوما مسلما. { فعقروا الناقة } نحروها، أسند إلى جميعهم فعل بعضهم كما يأتي لأنه كان برضاهم، { وعتوا عن أمر ربهم } أي: استكبروا عن امتثال أمره، وهو ما بلغهم صالح بقوله: { فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء } ، { وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة } أي: صيحة جبريل، { فأصبحوا في دارهم جاثمين } باركين على ركبهم، ميتين. روي: أنهم بعد عاد عمروا بلادهم وخلفوهم، وكثروا، وعمروا أعمارا طوالا لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خصب وسعة، فتعوا وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحا من أشرافهم فأنذرهم، فسألوه آية، فقال لهم: أي آية تريدون؟ فقالوا: اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم، فدعوا أصنامهم فلم تجبهم، ثم أشار سيدهم " جندع بن عمرو " إلى صخرة منفردة يقال لها: " الكاثبة " ، قال له: أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، فإن فعلت صدقناك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلت ذلك لتؤمنن؟ قالوا: نعم، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء، جوفاء وبراء كما وصفوا، وهم ينظرون، ثم أنتجت ولدا مثلها في العظم، فآمن به جندع في جماعة، ومنع الناس من الإيمان: ذؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أصنامهم، ورباب كاهنهم. فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تنفحج، فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم، فزينت عقرها لهم " عنيزة أم غنم " وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، وعاقرها: الأحمر، واسمه قدار " استعان برجل آخر، فلما شربت أختبأ لها في جانب تل، فضربها صاحبه بالسهم، وعقرها قدار بسيفه، واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلا اسمه: قارة، فرغى ثلاثا، ودخل صخرة أمه، فقال لهم صالح عليه السلام: أدركوا الفصيل، عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه حيث دخل الصخرة بعد رغائه، فقال لهم صالح عليه السلام: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ويصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان ضحوة اليوم الرابع: تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } ، ظاهره: أن توليته عنهم بعد أن أبصرهم جاثمين ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر، وقال لهم: " قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ " أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما قص علينا الحق جل جلاله من قصص الأمم الماضية، فالمراد به: تخويف هذه الأمة المحمدية وزيادة في يقينهم، فالواجب على من أراد السلامة في الدارين أن يتمسك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، ويتحرى في ذلك جهده يقصد بذلك رضا الله ورسوله. ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم [آل عمران:101]، ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى النعيم المقيم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة }.

الأعراف 7:80

قلت: { شهوة }: مفعول له، أو مصدر في موضع الحال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { لوطا إذ قال لقومه } ، واعظا لهم: { أتأتون الفاحشة } أي: اللواط توبيخا وتقريعا على تلك الفعلة المتناهية في القبح، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } أي: ما فعلها أحد قبلكم، وبخهم على أمرين: إتيان الفاحشة، واختراعها أولا، ثم قال لهم: { إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء } ، وصفهم بالشهوة البهيمية، وفيه تنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة: طلب الولد وإبقاء النوع لا قضاء الوطر، { بل أنتم قوم مسرفون } أي: عادتكم السرف في كل شيء، حتى تجاوزتم ما أحل الله لكم من النساء إلى ما حرم عليكم من إيتان الذكور، وهو إضراب عن الإنكار إلى الإخبار بحالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها وهي اعتياد الإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم لم على جميع معايبهم، أو عن محذوف، مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف. قاله البيضاوي. { وما كان جواب قومه } له حين وعظهم، { إلا أن قالوا أخرجوهم } أي: لوط ومن آمن به، { من قريتكم } أي: ما أجابوه بشيء يصلح للجواب، لكن قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه من قريتهم، والاستهزاء بهم، حيث قالوا: { إنهم أناس يتطهرون } من الفواحش. قال تعالى: { فأنجيناه وأهله } أي: من آمن معه، { إلا امرأته } فإنها كانت تسر الكفر { كانت من الغابرين } أي: الباقين في ديارهم فهلكوا وهلكت معهم. { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: نوعا عجيبا من المطر، بينه بقوله: وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل [الحجر:74] { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين }. روي أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر عمه إبراهيم إلى الشام، ونزل بالأردن، وكان هاجر هو معه، أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، ليدعوهم إلى الله، وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة، فلم ينتهوا عنها، فقلع جيريل مدينتهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر الحجارة على ما قربهم من القرى، وسيأتي في سورة هود بقية قصتهم، إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما أهلك الله قوم لوط حيث آثروا شهوة نفوسهم على عبودية ربهم، وغلبهم الطبع البهيمي على مقتضى العقل الصافي، وقد تقدم الغزالي: إن الشره إلى الوقاع من جملة المهلكات. فعلى المريد أن يصفي قصده، ولا ينزل إلى أرض الحظوظ إلا بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين، ولا ينزل بالشهوة والمتعة. وقد قال عليه السلام: " المؤمن يأكل بشهوة أهله " فلا يأتي ما أحل الله له من متعة النساء إلا قياما بحق الغير وطلبا للنسل. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

الأعراف 7:81

قلت: { شهوة }: مفعول له، أو مصدر في موضع الحال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { لوطا إذ قال لقومه } ، واعظا لهم: { أتأتون الفاحشة } أي: اللواط توبيخا وتقريعا على تلك الفعلة المتناهية في القبح، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } أي: ما فعلها أحد قبلكم، وبخهم على أمرين: إتيان الفاحشة، واختراعها أولا، ثم قال لهم: { إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء } ، وصفهم بالشهوة البهيمية، وفيه تنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة: طلب الولد وإبقاء النوع لا قضاء الوطر، { بل أنتم قوم مسرفون } أي: عادتكم السرف في كل شيء، حتى تجاوزتم ما أحل الله لكم من النساء إلى ما حرم عليكم من إيتان الذكور، وهو إضراب عن الإنكار إلى الإخبار بحالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها وهي اعتياد الإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم لم على جميع معايبهم، أو عن محذوف، مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف. قاله البيضاوي. { وما كان جواب قومه } له حين وعظهم، { إلا أن قالوا أخرجوهم } أي: لوط ومن آمن به، { من قريتكم } أي: ما أجابوه بشيء يصلح للجواب، لكن قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه من قريتهم، والاستهزاء بهم، حيث قالوا: { إنهم أناس يتطهرون } من الفواحش. قال تعالى: { فأنجيناه وأهله } أي: من آمن معه، { إلا امرأته } فإنها كانت تسر الكفر { كانت من الغابرين } أي: الباقين في ديارهم فهلكوا وهلكت معهم. { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: نوعا عجيبا من المطر، بينه بقوله: وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل [الحجر:74] { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين }. روي أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر عمه إبراهيم إلى الشام، ونزل بالأردن، وكان هاجر هو معه، أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، ليدعوهم إلى الله، وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة، فلم ينتهوا عنها، فقلع جيريل مدينتهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر الحجارة على ما قربهم من القرى، وسيأتي في سورة هود بقية قصتهم، إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما أهلك الله قوم لوط حيث آثروا شهوة نفوسهم على عبودية ربهم، وغلبهم الطبع البهيمي على مقتضى العقل الصافي، وقد تقدم الغزالي: إن الشره إلى الوقاع من جملة المهلكات. فعلى المريد أن يصفي قصده، ولا ينزل إلى أرض الحظوظ إلا بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين، ولا ينزل بالشهوة والمتعة. وقد قال عليه السلام: " المؤمن يأكل بشهوة أهله " فلا يأتي ما أحل الله له من متعة النساء إلا قياما بحق الغير وطلبا للنسل. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

الأعراف 7:82

قلت: { شهوة }: مفعول له، أو مصدر في موضع الحال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { لوطا إذ قال لقومه } ، واعظا لهم: { أتأتون الفاحشة } أي: اللواط توبيخا وتقريعا على تلك الفعلة المتناهية في القبح، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } أي: ما فعلها أحد قبلكم، وبخهم على أمرين: إتيان الفاحشة، واختراعها أولا، ثم قال لهم: { إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء } ، وصفهم بالشهوة البهيمية، وفيه تنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة: طلب الولد وإبقاء النوع لا قضاء الوطر، { بل أنتم قوم مسرفون } أي: عادتكم السرف في كل شيء، حتى تجاوزتم ما أحل الله لكم من النساء إلى ما حرم عليكم من إيتان الذكور، وهو إضراب عن الإنكار إلى الإخبار بحالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها وهي اعتياد الإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم لم على جميع معايبهم، أو عن محذوف، مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف. قاله البيضاوي. { وما كان جواب قومه } له حين وعظهم، { إلا أن قالوا أخرجوهم } أي: لوط ومن آمن به، { من قريتكم } أي: ما أجابوه بشيء يصلح للجواب، لكن قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه من قريتهم، والاستهزاء بهم، حيث قالوا: { إنهم أناس يتطهرون } من الفواحش. قال تعالى: { فأنجيناه وأهله } أي: من آمن معه، { إلا امرأته } فإنها كانت تسر الكفر { كانت من الغابرين } أي: الباقين في ديارهم فهلكوا وهلكت معهم. { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: نوعا عجيبا من المطر، بينه بقوله: وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل [الحجر:74] { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين }. روي أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر عمه إبراهيم إلى الشام، ونزل بالأردن، وكان هاجر هو معه، أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، ليدعوهم إلى الله، وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة، فلم ينتهوا عنها، فقلع جيريل مدينتهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر الحجارة على ما قربهم من القرى، وسيأتي في سورة هود بقية قصتهم، إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما أهلك الله قوم لوط حيث آثروا شهوة نفوسهم على عبودية ربهم، وغلبهم الطبع البهيمي على مقتضى العقل الصافي، وقد تقدم الغزالي: إن الشره إلى الوقاع من جملة المهلكات. فعلى المريد أن يصفي قصده، ولا ينزل إلى أرض الحظوظ إلا بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين، ولا ينزل بالشهوة والمتعة. وقد قال عليه السلام: " المؤمن يأكل بشهوة أهله " فلا يأتي ما أحل الله له من متعة النساء إلا قياما بحق الغير وطلبا للنسل. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

الأعراف 7:83

قلت: { شهوة }: مفعول له، أو مصدر في موضع الحال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { لوطا إذ قال لقومه } ، واعظا لهم: { أتأتون الفاحشة } أي: اللواط توبيخا وتقريعا على تلك الفعلة المتناهية في القبح، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } أي: ما فعلها أحد قبلكم، وبخهم على أمرين: إتيان الفاحشة، واختراعها أولا، ثم قال لهم: { إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء } ، وصفهم بالشهوة البهيمية، وفيه تنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة: طلب الولد وإبقاء النوع لا قضاء الوطر، { بل أنتم قوم مسرفون } أي: عادتكم السرف في كل شيء، حتى تجاوزتم ما أحل الله لكم من النساء إلى ما حرم عليكم من إيتان الذكور، وهو إضراب عن الإنكار إلى الإخبار بحالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها وهي اعتياد الإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم لم على جميع معايبهم، أو عن محذوف، مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف. قاله البيضاوي. { وما كان جواب قومه } له حين وعظهم، { إلا أن قالوا أخرجوهم } أي: لوط ومن آمن به، { من قريتكم } أي: ما أجابوه بشيء يصلح للجواب، لكن قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه من قريتهم، والاستهزاء بهم، حيث قالوا: { إنهم أناس يتطهرون } من الفواحش. قال تعالى: { فأنجيناه وأهله } أي: من آمن معه، { إلا امرأته } فإنها كانت تسر الكفر { كانت من الغابرين } أي: الباقين في ديارهم فهلكوا وهلكت معهم. { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: نوعا عجيبا من المطر، بينه بقوله: وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل [الحجر:74] { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين }. روي أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر عمه إبراهيم إلى الشام، ونزل بالأردن، وكان هاجر هو معه، أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، ليدعوهم إلى الله، وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة، فلم ينتهوا عنها، فقلع جيريل مدينتهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر الحجارة على ما قربهم من القرى، وسيأتي في سورة هود بقية قصتهم، إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما أهلك الله قوم لوط حيث آثروا شهوة نفوسهم على عبودية ربهم، وغلبهم الطبع البهيمي على مقتضى العقل الصافي، وقد تقدم الغزالي: إن الشره إلى الوقاع من جملة المهلكات. فعلى المريد أن يصفي قصده، ولا ينزل إلى أرض الحظوظ إلا بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين، ولا ينزل بالشهوة والمتعة. وقد قال عليه السلام: " المؤمن يأكل بشهوة أهله " فلا يأتي ما أحل الله له من متعة النساء إلا قياما بحق الغير وطلبا للنسل. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

الأعراف 7:84

قلت: { شهوة }: مفعول له، أو مصدر في موضع الحال. يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { لوطا إذ قال لقومه } ، واعظا لهم: { أتأتون الفاحشة } أي: اللواط توبيخا وتقريعا على تلك الفعلة المتناهية في القبح، { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } أي: ما فعلها أحد قبلكم، وبخهم على أمرين: إتيان الفاحشة، واختراعها أولا، ثم قال لهم: { إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء } ، وصفهم بالشهوة البهيمية، وفيه تنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة: طلب الولد وإبقاء النوع لا قضاء الوطر، { بل أنتم قوم مسرفون } أي: عادتكم السرف في كل شيء، حتى تجاوزتم ما أحل الله لكم من النساء إلى ما حرم عليكم من إيتان الذكور، وهو إضراب عن الإنكار إلى الإخبار بحالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها وهي اعتياد الإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم لم على جميع معايبهم، أو عن محذوف، مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف. قاله البيضاوي. { وما كان جواب قومه } له حين وعظهم، { إلا أن قالوا أخرجوهم } أي: لوط ومن آمن به، { من قريتكم } أي: ما أجابوه بشيء يصلح للجواب، لكن قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه من قريتهم، والاستهزاء بهم، حيث قالوا: { إنهم أناس يتطهرون } من الفواحش. قال تعالى: { فأنجيناه وأهله } أي: من آمن معه، { إلا امرأته } فإنها كانت تسر الكفر { كانت من الغابرين } أي: الباقين في ديارهم فهلكوا وهلكت معهم. { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: نوعا عجيبا من المطر، بينه بقوله: وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل [الحجر:74] { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين }. روي أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر عمه إبراهيم إلى الشام، ونزل بالأردن، وكان هاجر هو معه، أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، ليدعوهم إلى الله، وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة، فلم ينتهوا عنها، فقلع جيريل مدينتهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر الحجارة على ما قربهم من القرى، وسيأتي في سورة هود بقية قصتهم، إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما أهلك الله قوم لوط حيث آثروا شهوة نفوسهم على عبودية ربهم، وغلبهم الطبع البهيمي على مقتضى العقل الصافي، وقد تقدم الغزالي: إن الشره إلى الوقاع من جملة المهلكات. فعلى المريد أن يصفي قصده، ولا ينزل إلى أرض الحظوظ إلا بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين، ولا ينزل بالشهوة والمتعة. وقد قال عليه السلام: " المؤمن يأكل بشهوة أهله " فلا يأتي ما أحل الله له من متعة النساء إلا قياما بحق الغير وطلبا للنسل. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام فقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }.

الأعراف 7:85

يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما روي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. ه. وفيه نظر لأن هذه وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السلام، وفي حديث البخاري: " ما بعث الله نبيا إلا وآتاه ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها لظاهر الحديث. ثم قال لهم: { فأوفوا الكيل والميزان } ، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها بدليل قوله: { والميزان } الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي الكيل والوزن. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: { أشياءهم } ، للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والظلم، { بعد إصلاحها } بإقامة الشرائع وظهور العدل، { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقا إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي. { ولا تقعدوا بكل صراط } أي: طريق { توعدون } من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق. { وتصدون عن سبيل الله } أي: تصدون الناس عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: { من آمن به } من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة كانوا يصدونه عن العمل، { وتبغونها عوجا } أي: وتطلبون لطريق الله عوجا بإلقاء الشبه فيها، أو بوصفها للناس بأنها معوجة. { واذكروا إذ كنتم قليلا } عددكم وعددكم { فكثركم } بالبركة في النسل والمال، { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم. { وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا } أي: تربصوا { حتى يحكم الله بيننا } أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، { وهو خير الحاكمين } إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } في جوابه عن وعظه: { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } أي: ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر مطلقا، لكنهم غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: { قال أو لو كنا كارهين }. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجهنميين: " قد عادوا حمما " أي: صاروا. ثم قال شعيب عليه السلام: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإدارة المغيبة، والعلم المحيط، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟ قاله أدبا مع الربوبية، واستسلاما لقهر الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " { وسع ربنا كل شيء علما } أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، { على الله توكلنا } في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. { ربنا افتح بيننا } أي: احكم بيننا { وبين قومنا بالحق } بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، { وأنت خير الفاتحين } أي الفاصلين. { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا } وتركتم دينكم { إنكم إذا } أي: إذا اتبعتموه { لخاسرون } لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. { فأخذتهم الرجفة } أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. { الصيحة } ، ولعلها كانت من مبادئها، { فأصبحوا في دارهم } أي: في مدينتهم { جاثمين } باركين ميتين. { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } دينا ودنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } ، قاله بعد هلاكهم، تأسفا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: { فكيف آسى على قوم كافرين } ليسوا أهلا للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم. الإشارة: يؤخذ من قوله: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها. ويؤخذ من قوله: { ولا تقعدوا بكل صراط... } الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله. ويؤخذ من قوله: { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية: " يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمنتك، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم. ولما سرد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم، فقال: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي }.

الأعراف 7:86

يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما روي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. ه. وفيه نظر لأن هذه وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السلام، وفي حديث البخاري: " ما بعث الله نبيا إلا وآتاه ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها لظاهر الحديث. ثم قال لهم: { فأوفوا الكيل والميزان } ، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها بدليل قوله: { والميزان } الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي الكيل والوزن. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: { أشياءهم } ، للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والظلم، { بعد إصلاحها } بإقامة الشرائع وظهور العدل، { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقا إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي. { ولا تقعدوا بكل صراط } أي: طريق { توعدون } من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق. { وتصدون عن سبيل الله } أي: تصدون الناس عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: { من آمن به } من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة كانوا يصدونه عن العمل، { وتبغونها عوجا } أي: وتطلبون لطريق الله عوجا بإلقاء الشبه فيها، أو بوصفها للناس بأنها معوجة. { واذكروا إذ كنتم قليلا } عددكم وعددكم { فكثركم } بالبركة في النسل والمال، { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم. { وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا } أي: تربصوا { حتى يحكم الله بيننا } أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، { وهو خير الحاكمين } إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } في جوابه عن وعظه: { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } أي: ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر مطلقا، لكنهم غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: { قال أو لو كنا كارهين }. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجهنميين: " قد عادوا حمما " أي: صاروا. ثم قال شعيب عليه السلام: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإدارة المغيبة، والعلم المحيط، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟ قاله أدبا مع الربوبية، واستسلاما لقهر الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " { وسع ربنا كل شيء علما } أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، { على الله توكلنا } في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. { ربنا افتح بيننا } أي: احكم بيننا { وبين قومنا بالحق } بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، { وأنت خير الفاتحين } أي الفاصلين. { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا } وتركتم دينكم { إنكم إذا } أي: إذا اتبعتموه { لخاسرون } لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. { فأخذتهم الرجفة } أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. { الصيحة } ، ولعلها كانت من مبادئها، { فأصبحوا في دارهم } أي: في مدينتهم { جاثمين } باركين ميتين. { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } دينا ودنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } ، قاله بعد هلاكهم، تأسفا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: { فكيف آسى على قوم كافرين } ليسوا أهلا للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم. الإشارة: يؤخذ من قوله: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها. ويؤخذ من قوله: { ولا تقعدوا بكل صراط... } الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله. ويؤخذ من قوله: { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية: " يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمنتك، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم. ولما سرد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم، فقال: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي }.

الأعراف 7:87

يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما روي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. ه. وفيه نظر لأن هذه وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السلام، وفي حديث البخاري: " ما بعث الله نبيا إلا وآتاه ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها لظاهر الحديث. ثم قال لهم: { فأوفوا الكيل والميزان } ، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها بدليل قوله: { والميزان } الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي الكيل والوزن. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: { أشياءهم } ، للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والظلم، { بعد إصلاحها } بإقامة الشرائع وظهور العدل، { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقا إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي. { ولا تقعدوا بكل صراط } أي: طريق { توعدون } من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق. { وتصدون عن سبيل الله } أي: تصدون الناس عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: { من آمن به } من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة كانوا يصدونه عن العمل، { وتبغونها عوجا } أي: وتطلبون لطريق الله عوجا بإلقاء الشبه فيها، أو بوصفها للناس بأنها معوجة. { واذكروا إذ كنتم قليلا } عددكم وعددكم { فكثركم } بالبركة في النسل والمال، { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم. { وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا } أي: تربصوا { حتى يحكم الله بيننا } أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، { وهو خير الحاكمين } إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } في جوابه عن وعظه: { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } أي: ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر مطلقا، لكنهم غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: { قال أو لو كنا كارهين }. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجهنميين: " قد عادوا حمما " أي: صاروا. ثم قال شعيب عليه السلام: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإدارة المغيبة، والعلم المحيط، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟ قاله أدبا مع الربوبية، واستسلاما لقهر الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " { وسع ربنا كل شيء علما } أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، { على الله توكلنا } في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. { ربنا افتح بيننا } أي: احكم بيننا { وبين قومنا بالحق } بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، { وأنت خير الفاتحين } أي الفاصلين. { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا } وتركتم دينكم { إنكم إذا } أي: إذا اتبعتموه { لخاسرون } لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. { فأخذتهم الرجفة } أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. { الصيحة } ، ولعلها كانت من مبادئها، { فأصبحوا في دارهم } أي: في مدينتهم { جاثمين } باركين ميتين. { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } دينا ودنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } ، قاله بعد هلاكهم، تأسفا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: { فكيف آسى على قوم كافرين } ليسوا أهلا للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم. الإشارة: يؤخذ من قوله: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها. ويؤخذ من قوله: { ولا تقعدوا بكل صراط... } الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله. ويؤخذ من قوله: { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية: " يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمنتك، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم. ولما سرد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم، فقال: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي }.

الأعراف 7:88

يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما روي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. ه. وفيه نظر لأن هذه وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السلام، وفي حديث البخاري: " ما بعث الله نبيا إلا وآتاه ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها لظاهر الحديث. ثم قال لهم: { فأوفوا الكيل والميزان } ، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها بدليل قوله: { والميزان } الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي الكيل والوزن. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: { أشياءهم } ، للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والظلم، { بعد إصلاحها } بإقامة الشرائع وظهور العدل، { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقا إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي. { ولا تقعدوا بكل صراط } أي: طريق { توعدون } من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق. { وتصدون عن سبيل الله } أي: تصدون الناس عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: { من آمن به } من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة كانوا يصدونه عن العمل، { وتبغونها عوجا } أي: وتطلبون لطريق الله عوجا بإلقاء الشبه فيها، أو بوصفها للناس بأنها معوجة. { واذكروا إذ كنتم قليلا } عددكم وعددكم { فكثركم } بالبركة في النسل والمال، { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم. { وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا } أي: تربصوا { حتى يحكم الله بيننا } أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، { وهو خير الحاكمين } إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } في جوابه عن وعظه: { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } أي: ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر مطلقا، لكنهم غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: { قال أو لو كنا كارهين }. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجهنميين: " قد عادوا حمما " أي: صاروا. ثم قال شعيب عليه السلام: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإدارة المغيبة، والعلم المحيط، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟ قاله أدبا مع الربوبية، واستسلاما لقهر الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " { وسع ربنا كل شيء علما } أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، { على الله توكلنا } في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. { ربنا افتح بيننا } أي: احكم بيننا { وبين قومنا بالحق } بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، { وأنت خير الفاتحين } أي الفاصلين. { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا } وتركتم دينكم { إنكم إذا } أي: إذا اتبعتموه { لخاسرون } لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. { فأخذتهم الرجفة } أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. { الصيحة } ، ولعلها كانت من مبادئها، { فأصبحوا في دارهم } أي: في مدينتهم { جاثمين } باركين ميتين. { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } دينا ودنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } ، قاله بعد هلاكهم، تأسفا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: { فكيف آسى على قوم كافرين } ليسوا أهلا للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم. الإشارة: يؤخذ من قوله: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها. ويؤخذ من قوله: { ولا تقعدوا بكل صراط... } الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله. ويؤخذ من قوله: { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية: " يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمنتك، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم. ولما سرد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم، فقال: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي }.

الأعراف 7:89

يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما روي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. ه. وفيه نظر لأن هذه وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السلام، وفي حديث البخاري: " ما بعث الله نبيا إلا وآتاه ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها لظاهر الحديث. ثم قال لهم: { فأوفوا الكيل والميزان } ، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها بدليل قوله: { والميزان } الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي الكيل والوزن. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: { أشياءهم } ، للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والظلم، { بعد إصلاحها } بإقامة الشرائع وظهور العدل، { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقا إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي. { ولا تقعدوا بكل صراط } أي: طريق { توعدون } من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق. { وتصدون عن سبيل الله } أي: تصدون الناس عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: { من آمن به } من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة كانوا يصدونه عن العمل، { وتبغونها عوجا } أي: وتطلبون لطريق الله عوجا بإلقاء الشبه فيها، أو بوصفها للناس بأنها معوجة. { واذكروا إذ كنتم قليلا } عددكم وعددكم { فكثركم } بالبركة في النسل والمال، { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم. { وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا } أي: تربصوا { حتى يحكم الله بيننا } أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، { وهو خير الحاكمين } إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } في جوابه عن وعظه: { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } أي: ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر مطلقا، لكنهم غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: { قال أو لو كنا كارهين }. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجهنميين: " قد عادوا حمما " أي: صاروا. ثم قال شعيب عليه السلام: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإدارة المغيبة، والعلم المحيط، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟ قاله أدبا مع الربوبية، واستسلاما لقهر الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " { وسع ربنا كل شيء علما } أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، { على الله توكلنا } في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. { ربنا افتح بيننا } أي: احكم بيننا { وبين قومنا بالحق } بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، { وأنت خير الفاتحين } أي الفاصلين. { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا } وتركتم دينكم { إنكم إذا } أي: إذا اتبعتموه { لخاسرون } لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. { فأخذتهم الرجفة } أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. { الصيحة } ، ولعلها كانت من مبادئها، { فأصبحوا في دارهم } أي: في مدينتهم { جاثمين } باركين ميتين. { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } دينا ودنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } ، قاله بعد هلاكهم، تأسفا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: { فكيف آسى على قوم كافرين } ليسوا أهلا للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم. الإشارة: يؤخذ من قوله: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها. ويؤخذ من قوله: { ولا تقعدوا بكل صراط... } الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله. ويؤخذ من قوله: { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية: " يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمنتك، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم. ولما سرد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم، فقال: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي }.

الأعراف 7:90

يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما روي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. ه. وفيه نظر لأن هذه وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السلام، وفي حديث البخاري: " ما بعث الله نبيا إلا وآتاه ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها لظاهر الحديث. ثم قال لهم: { فأوفوا الكيل والميزان } ، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها بدليل قوله: { والميزان } الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي الكيل والوزن. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: { أشياءهم } ، للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والظلم، { بعد إصلاحها } بإقامة الشرائع وظهور العدل، { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقا إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي. { ولا تقعدوا بكل صراط } أي: طريق { توعدون } من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق. { وتصدون عن سبيل الله } أي: تصدون الناس عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: { من آمن به } من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة كانوا يصدونه عن العمل، { وتبغونها عوجا } أي: وتطلبون لطريق الله عوجا بإلقاء الشبه فيها، أو بوصفها للناس بأنها معوجة. { واذكروا إذ كنتم قليلا } عددكم وعددكم { فكثركم } بالبركة في النسل والمال، { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم. { وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا } أي: تربصوا { حتى يحكم الله بيننا } أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، { وهو خير الحاكمين } إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } في جوابه عن وعظه: { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } أي: ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر مطلقا، لكنهم غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: { قال أو لو كنا كارهين }. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجهنميين: " قد عادوا حمما " أي: صاروا. ثم قال شعيب عليه السلام: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإدارة المغيبة، والعلم المحيط، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟ قاله أدبا مع الربوبية، واستسلاما لقهر الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " { وسع ربنا كل شيء علما } أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، { على الله توكلنا } في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. { ربنا افتح بيننا } أي: احكم بيننا { وبين قومنا بالحق } بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، { وأنت خير الفاتحين } أي الفاصلين. { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا } وتركتم دينكم { إنكم إذا } أي: إذا اتبعتموه { لخاسرون } لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. { فأخذتهم الرجفة } أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. { الصيحة } ، ولعلها كانت من مبادئها، { فأصبحوا في دارهم } أي: في مدينتهم { جاثمين } باركين ميتين. { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } دينا ودنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } ، قاله بعد هلاكهم، تأسفا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: { فكيف آسى على قوم كافرين } ليسوا أهلا للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم. الإشارة: يؤخذ من قوله: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها. ويؤخذ من قوله: { ولا تقعدوا بكل صراط... } الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله. ويؤخذ من قوله: { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية: " يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمنتك، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم. ولما سرد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم، فقال: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي }.

الأعراف 7:91

يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما روي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. ه. وفيه نظر لأن هذه وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السلام، وفي حديث البخاري: " ما بعث الله نبيا إلا وآتاه ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها لظاهر الحديث. ثم قال لهم: { فأوفوا الكيل والميزان } ، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها بدليل قوله: { والميزان } الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي الكيل والوزن. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: { أشياءهم } ، للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والظلم، { بعد إصلاحها } بإقامة الشرائع وظهور العدل، { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقا إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي. { ولا تقعدوا بكل صراط } أي: طريق { توعدون } من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق. { وتصدون عن سبيل الله } أي: تصدون الناس عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: { من آمن به } من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة كانوا يصدونه عن العمل، { وتبغونها عوجا } أي: وتطلبون لطريق الله عوجا بإلقاء الشبه فيها، أو بوصفها للناس بأنها معوجة. { واذكروا إذ كنتم قليلا } عددكم وعددكم { فكثركم } بالبركة في النسل والمال، { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم. { وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا } أي: تربصوا { حتى يحكم الله بيننا } أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، { وهو خير الحاكمين } إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } في جوابه عن وعظه: { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } أي: ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر مطلقا، لكنهم غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: { قال أو لو كنا كارهين }. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجهنميين: " قد عادوا حمما " أي: صاروا. ثم قال شعيب عليه السلام: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإدارة المغيبة، والعلم المحيط، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟ قاله أدبا مع الربوبية، واستسلاما لقهر الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " { وسع ربنا كل شيء علما } أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، { على الله توكلنا } في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. { ربنا افتح بيننا } أي: احكم بيننا { وبين قومنا بالحق } بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، { وأنت خير الفاتحين } أي الفاصلين. { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا } وتركتم دينكم { إنكم إذا } أي: إذا اتبعتموه { لخاسرون } لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. { فأخذتهم الرجفة } أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. { الصيحة } ، ولعلها كانت من مبادئها، { فأصبحوا في دارهم } أي: في مدينتهم { جاثمين } باركين ميتين. { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } دينا ودنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } ، قاله بعد هلاكهم، تأسفا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: { فكيف آسى على قوم كافرين } ليسوا أهلا للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم. الإشارة: يؤخذ من قوله: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها. ويؤخذ من قوله: { ولا تقعدوا بكل صراط... } الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله. ويؤخذ من قوله: { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية: " يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمنتك، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم. ولما سرد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم، فقال: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي }.

الأعراف 7:92

يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما روي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. ه. وفيه نظر لأن هذه وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السلام، وفي حديث البخاري: " ما بعث الله نبيا إلا وآتاه ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها لظاهر الحديث. ثم قال لهم: { فأوفوا الكيل والميزان } ، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها بدليل قوله: { والميزان } الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي الكيل والوزن. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: { أشياءهم } ، للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والظلم، { بعد إصلاحها } بإقامة الشرائع وظهور العدل، { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقا إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي. { ولا تقعدوا بكل صراط } أي: طريق { توعدون } من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق. { وتصدون عن سبيل الله } أي: تصدون الناس عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: { من آمن به } من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة كانوا يصدونه عن العمل، { وتبغونها عوجا } أي: وتطلبون لطريق الله عوجا بإلقاء الشبه فيها، أو بوصفها للناس بأنها معوجة. { واذكروا إذ كنتم قليلا } عددكم وعددكم { فكثركم } بالبركة في النسل والمال، { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم. { وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا } أي: تربصوا { حتى يحكم الله بيننا } أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، { وهو خير الحاكمين } إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } في جوابه عن وعظه: { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } أي: ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر مطلقا، لكنهم غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: { قال أو لو كنا كارهين }. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجهنميين: " قد عادوا حمما " أي: صاروا. ثم قال شعيب عليه السلام: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإدارة المغيبة، والعلم المحيط، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟ قاله أدبا مع الربوبية، واستسلاما لقهر الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " { وسع ربنا كل شيء علما } أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، { على الله توكلنا } في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. { ربنا افتح بيننا } أي: احكم بيننا { وبين قومنا بالحق } بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، { وأنت خير الفاتحين } أي الفاصلين. { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا } وتركتم دينكم { إنكم إذا } أي: إذا اتبعتموه { لخاسرون } لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. { فأخذتهم الرجفة } أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. { الصيحة } ، ولعلها كانت من مبادئها، { فأصبحوا في دارهم } أي: في مدينتهم { جاثمين } باركين ميتين. { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } دينا ودنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } ، قاله بعد هلاكهم، تأسفا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: { فكيف آسى على قوم كافرين } ليسوا أهلا للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم. الإشارة: يؤخذ من قوله: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها. ويؤخذ من قوله: { ولا تقعدوا بكل صراط... } الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله. ويؤخذ من قوله: { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية: " يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمنتك، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم. ولما سرد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم، فقال: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي }.

الأعراف 7:93

يقول الحق جل جلاله: { و } أرسلنا { إلى مدين أخاهم شعيبا } ، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما روي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. ه. وفيه نظر لأن هذه وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السلام، وفي حديث البخاري: " ما بعث الله نبيا إلا وآتاه ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها لظاهر الحديث. ثم قال لهم: { فأوفوا الكيل والميزان } ، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها بدليل قوله: { والميزان } الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي الكيل والوزن. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: { أشياءهم } ، للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. { ولا تفسدوا في الأرض } بالكفر والظلم، { بعد إصلاحها } بإقامة الشرائع وظهور العدل، { ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقا إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي. { ولا تقعدوا بكل صراط } أي: طريق { توعدون } من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق. { وتصدون عن سبيل الله } أي: تصدون الناس عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: { من آمن به } من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة كانوا يصدونه عن العمل، { وتبغونها عوجا } أي: وتطلبون لطريق الله عوجا بإلقاء الشبه فيها، أو بوصفها للناس بأنها معوجة. { واذكروا إذ كنتم قليلا } عددكم وعددكم { فكثركم } بالبركة في النسل والمال، { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم. { وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا } أي: تربصوا { حتى يحكم الله بيننا } أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، { وهو خير الحاكمين } إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه. { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } في جوابه عن وعظه: { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } أي: ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر مطلقا، لكنهم غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: { قال أو لو كنا كارهين }. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجهنميين: " قد عادوا حمما " أي: صاروا. ثم قال شعيب عليه السلام: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإدارة المغيبة، والعلم المحيط، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟ قاله أدبا مع الربوبية، واستسلاما لقهر الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " { وسع ربنا كل شيء علما } أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، { على الله توكلنا } في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. { ربنا افتح بيننا } أي: احكم بيننا { وبين قومنا بالحق } بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، { وأنت خير الفاتحين } أي الفاصلين. { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا } وتركتم دينكم { إنكم إذا } أي: إذا اتبعتموه { لخاسرون } لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. { فأخذتهم الرجفة } أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. { الصيحة } ، ولعلها كانت من مبادئها، { فأصبحوا في دارهم } أي: في مدينتهم { جاثمين } باركين ميتين. { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } دينا ودنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين. { فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } ، قاله بعد هلاكهم، تأسفا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: { فكيف آسى على قوم كافرين } ليسوا أهلا للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم. الإشارة: يؤخذ من قوله: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها. ويؤخذ من قوله: { ولا تقعدوا بكل صراط... } الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله. ويؤخذ من قوله: { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية: " يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمنتك، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم. ولما سرد قصص الأمم السالفة ذكر حاله معهم، فقال: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي }.

الأعراف 7:94

يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } أي: رسول { إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } أي: بالبؤس والضر، كالقحط والأمراض، { لعلهم يضرعون } أي: يتضرعون ويتذللون، { ثم بدلنا مكان } الحالة { السيئة } الحالة { الحسنة } أي: أعطيناهم، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة، السلامة والسعة، { حتى عفوا }: كثروا عددا وعددا، يقال: عفا النبات: إذا كثر، ومنه: " اعفو اللحى " { وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء } كفرا لنعمة الله عليهم، ونسيانا لذكره، واعتقادا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس بين السراء والضراء، فقد مس آباءنا منه شيء مثل ما مسنا، { فأخذناهم بغتة }: فجأة { وهم لا يشعرون } بنزول العذاب. { ولو أن أهل القرى } المتقدمة في قوله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } وقيل: مكة وما حولها. وقيل: مطلقا، { آمنوا واتقوا } مكان كفرهم وعصيانهم، { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } لوسعنا عليهم الخير، ويسرناه لهم من كل جانب. وقيل: المراد: المطر والنبات. { ولكن كذبوا } بالرسل، وكفروا النعم، { فأخذناهم بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعاصي. { أفأمن أهل القرى } أي: أبعد ذلك أمن أهل القرى { أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون }؟ أي: ليلا، في حال نومهم. { أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا } أيضا { ضحى } ضحوة النهار { وهم يلعبون } من فرط الغفلة، أو يشتغلون بما لا ينفعهم، { أفأمنوا مكر الله } وهو أن يستدرجهم بالنعم حتى يأخذهم بغتة؟ { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } الذين خسروا أنفسهم، بترك النظر والاعتبار، حتى هلكوا، فلم ينفعهم حينئذ الندم. الإشارة: إظهار المحن والمنن وتعاقبهما على الإنسان، حكمتها: الرجوع إلى الله، وتضرع العبد إلى مولاه، فمن فعل ذلك كان معتمدا عليه في الحالتين، مغترفا من بحر المنة بكلتا اليدين، ومن نزلت به المحن ثم أعقبته لطائف المنن، فلم يرجع إلى مولاه، ولا شكره على ما خوله من نعماه، بل قال: هذه عادة الزمان يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان، فهذا عبد منهمك في غفلته، قد اتسعت دائرة حسه، وانطمست بصيرة قدسه، يصدق عليه قوله تعالى: أولئك كالأنعام بل أضل أولئك هم الغافلون [الأعراف:179]. وقال القشيري في قوله تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية: أي: لو آمنوا بالله واتقوا الشرك { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } بأسباب العطاء، فإن سبق بخلافه القضاء فأبواب الرضا، والرضا أتم من العطاء. ويقال: ليس العبرة بالنعمة العبرة بالبركة في النعمة. ه. قوله تعالى: { ولكن كذبوا } أي: شكوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان والتقوى حتى يتركوا الأسباب، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: للناس أسباب، وسببنا الإيمان والتقوى، ثم تلا هذه الآية: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية، وقد تقدم عند قوله: الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام:82]. ما يتعلق بالأمن من مكر الله. ولما ذكر هلال الأمم الماضية، خوف من خلفهم بعدهم إلى يوم القيامة، فقال: { أولم يهد للذين يرثون الأرض }.

الأعراف 7:95

يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } أي: رسول { إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } أي: بالبؤس والضر، كالقحط والأمراض، { لعلهم يضرعون } أي: يتضرعون ويتذللون، { ثم بدلنا مكان } الحالة { السيئة } الحالة { الحسنة } أي: أعطيناهم، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة، السلامة والسعة، { حتى عفوا }: كثروا عددا وعددا، يقال: عفا النبات: إذا كثر، ومنه: " اعفو اللحى " { وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء } كفرا لنعمة الله عليهم، ونسيانا لذكره، واعتقادا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس بين السراء والضراء، فقد مس آباءنا منه شيء مثل ما مسنا، { فأخذناهم بغتة }: فجأة { وهم لا يشعرون } بنزول العذاب. { ولو أن أهل القرى } المتقدمة في قوله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } وقيل: مكة وما حولها. وقيل: مطلقا، { آمنوا واتقوا } مكان كفرهم وعصيانهم، { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } لوسعنا عليهم الخير، ويسرناه لهم من كل جانب. وقيل: المراد: المطر والنبات. { ولكن كذبوا } بالرسل، وكفروا النعم، { فأخذناهم بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعاصي. { أفأمن أهل القرى } أي: أبعد ذلك أمن أهل القرى { أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون }؟ أي: ليلا، في حال نومهم. { أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا } أيضا { ضحى } ضحوة النهار { وهم يلعبون } من فرط الغفلة، أو يشتغلون بما لا ينفعهم، { أفأمنوا مكر الله } وهو أن يستدرجهم بالنعم حتى يأخذهم بغتة؟ { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } الذين خسروا أنفسهم، بترك النظر والاعتبار، حتى هلكوا، فلم ينفعهم حينئذ الندم. الإشارة: إظهار المحن والمنن وتعاقبهما على الإنسان، حكمتها: الرجوع إلى الله، وتضرع العبد إلى مولاه، فمن فعل ذلك كان معتمدا عليه في الحالتين، مغترفا من بحر المنة بكلتا اليدين، ومن نزلت به المحن ثم أعقبته لطائف المنن، فلم يرجع إلى مولاه، ولا شكره على ما خوله من نعماه، بل قال: هذه عادة الزمان يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان، فهذا عبد منهمك في غفلته، قد اتسعت دائرة حسه، وانطمست بصيرة قدسه، يصدق عليه قوله تعالى: أولئك كالأنعام بل أضل أولئك هم الغافلون [الأعراف:179]. وقال القشيري في قوله تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية: أي: لو آمنوا بالله واتقوا الشرك { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } بأسباب العطاء، فإن سبق بخلافه القضاء فأبواب الرضا، والرضا أتم من العطاء. ويقال: ليس العبرة بالنعمة العبرة بالبركة في النعمة. ه. قوله تعالى: { ولكن كذبوا } أي: شكوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان والتقوى حتى يتركوا الأسباب، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: للناس أسباب، وسببنا الإيمان والتقوى، ثم تلا هذه الآية: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية، وقد تقدم عند قوله: الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام:82]. ما يتعلق بالأمن من مكر الله. ولما ذكر هلال الأمم الماضية، خوف من خلفهم بعدهم إلى يوم القيامة، فقال: { أولم يهد للذين يرثون الأرض }.

الأعراف 7:96

يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } أي: رسول { إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } أي: بالبؤس والضر، كالقحط والأمراض، { لعلهم يضرعون } أي: يتضرعون ويتذللون، { ثم بدلنا مكان } الحالة { السيئة } الحالة { الحسنة } أي: أعطيناهم، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة، السلامة والسعة، { حتى عفوا }: كثروا عددا وعددا، يقال: عفا النبات: إذا كثر، ومنه: " اعفو اللحى " { وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء } كفرا لنعمة الله عليهم، ونسيانا لذكره، واعتقادا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس بين السراء والضراء، فقد مس آباءنا منه شيء مثل ما مسنا، { فأخذناهم بغتة }: فجأة { وهم لا يشعرون } بنزول العذاب. { ولو أن أهل القرى } المتقدمة في قوله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } وقيل: مكة وما حولها. وقيل: مطلقا، { آمنوا واتقوا } مكان كفرهم وعصيانهم، { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } لوسعنا عليهم الخير، ويسرناه لهم من كل جانب. وقيل: المراد: المطر والنبات. { ولكن كذبوا } بالرسل، وكفروا النعم، { فأخذناهم بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعاصي. { أفأمن أهل القرى } أي: أبعد ذلك أمن أهل القرى { أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون }؟ أي: ليلا، في حال نومهم. { أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا } أيضا { ضحى } ضحوة النهار { وهم يلعبون } من فرط الغفلة، أو يشتغلون بما لا ينفعهم، { أفأمنوا مكر الله } وهو أن يستدرجهم بالنعم حتى يأخذهم بغتة؟ { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } الذين خسروا أنفسهم، بترك النظر والاعتبار، حتى هلكوا، فلم ينفعهم حينئذ الندم. الإشارة: إظهار المحن والمنن وتعاقبهما على الإنسان، حكمتها: الرجوع إلى الله، وتضرع العبد إلى مولاه، فمن فعل ذلك كان معتمدا عليه في الحالتين، مغترفا من بحر المنة بكلتا اليدين، ومن نزلت به المحن ثم أعقبته لطائف المنن، فلم يرجع إلى مولاه، ولا شكره على ما خوله من نعماه، بل قال: هذه عادة الزمان يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان، فهذا عبد منهمك في غفلته، قد اتسعت دائرة حسه، وانطمست بصيرة قدسه، يصدق عليه قوله تعالى: أولئك كالأنعام بل أضل أولئك هم الغافلون [الأعراف:179]. وقال القشيري في قوله تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية: أي: لو آمنوا بالله واتقوا الشرك { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } بأسباب العطاء، فإن سبق بخلافه القضاء فأبواب الرضا، والرضا أتم من العطاء. ويقال: ليس العبرة بالنعمة العبرة بالبركة في النعمة. ه. قوله تعالى: { ولكن كذبوا } أي: شكوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان والتقوى حتى يتركوا الأسباب، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: للناس أسباب، وسببنا الإيمان والتقوى، ثم تلا هذه الآية: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية، وقد تقدم عند قوله: الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام:82]. ما يتعلق بالأمن من مكر الله. ولما ذكر هلال الأمم الماضية، خوف من خلفهم بعدهم إلى يوم القيامة، فقال: { أولم يهد للذين يرثون الأرض }.

الأعراف 7:97

يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } أي: رسول { إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } أي: بالبؤس والضر، كالقحط والأمراض، { لعلهم يضرعون } أي: يتضرعون ويتذللون، { ثم بدلنا مكان } الحالة { السيئة } الحالة { الحسنة } أي: أعطيناهم، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة، السلامة والسعة، { حتى عفوا }: كثروا عددا وعددا، يقال: عفا النبات: إذا كثر، ومنه: " اعفو اللحى " { وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء } كفرا لنعمة الله عليهم، ونسيانا لذكره، واعتقادا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس بين السراء والضراء، فقد مس آباءنا منه شيء مثل ما مسنا، { فأخذناهم بغتة }: فجأة { وهم لا يشعرون } بنزول العذاب. { ولو أن أهل القرى } المتقدمة في قوله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } وقيل: مكة وما حولها. وقيل: مطلقا، { آمنوا واتقوا } مكان كفرهم وعصيانهم، { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } لوسعنا عليهم الخير، ويسرناه لهم من كل جانب. وقيل: المراد: المطر والنبات. { ولكن كذبوا } بالرسل، وكفروا النعم، { فأخذناهم بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعاصي. { أفأمن أهل القرى } أي: أبعد ذلك أمن أهل القرى { أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون }؟ أي: ليلا، في حال نومهم. { أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا } أيضا { ضحى } ضحوة النهار { وهم يلعبون } من فرط الغفلة، أو يشتغلون بما لا ينفعهم، { أفأمنوا مكر الله } وهو أن يستدرجهم بالنعم حتى يأخذهم بغتة؟ { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } الذين خسروا أنفسهم، بترك النظر والاعتبار، حتى هلكوا، فلم ينفعهم حينئذ الندم. الإشارة: إظهار المحن والمنن وتعاقبهما على الإنسان، حكمتها: الرجوع إلى الله، وتضرع العبد إلى مولاه، فمن فعل ذلك كان معتمدا عليه في الحالتين، مغترفا من بحر المنة بكلتا اليدين، ومن نزلت به المحن ثم أعقبته لطائف المنن، فلم يرجع إلى مولاه، ولا شكره على ما خوله من نعماه، بل قال: هذه عادة الزمان يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان، فهذا عبد منهمك في غفلته، قد اتسعت دائرة حسه، وانطمست بصيرة قدسه، يصدق عليه قوله تعالى: أولئك كالأنعام بل أضل أولئك هم الغافلون [الأعراف:179]. وقال القشيري في قوله تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية: أي: لو آمنوا بالله واتقوا الشرك { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } بأسباب العطاء، فإن سبق بخلافه القضاء فأبواب الرضا، والرضا أتم من العطاء. ويقال: ليس العبرة بالنعمة العبرة بالبركة في النعمة. ه. قوله تعالى: { ولكن كذبوا } أي: شكوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان والتقوى حتى يتركوا الأسباب، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: للناس أسباب، وسببنا الإيمان والتقوى، ثم تلا هذه الآية: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية، وقد تقدم عند قوله: الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام:82]. ما يتعلق بالأمن من مكر الله. ولما ذكر هلال الأمم الماضية، خوف من خلفهم بعدهم إلى يوم القيامة، فقال: { أولم يهد للذين يرثون الأرض }.

الأعراف 7:98

يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } أي: رسول { إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } أي: بالبؤس والضر، كالقحط والأمراض، { لعلهم يضرعون } أي: يتضرعون ويتذللون، { ثم بدلنا مكان } الحالة { السيئة } الحالة { الحسنة } أي: أعطيناهم، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة، السلامة والسعة، { حتى عفوا }: كثروا عددا وعددا، يقال: عفا النبات: إذا كثر، ومنه: " اعفو اللحى " { وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء } كفرا لنعمة الله عليهم، ونسيانا لذكره، واعتقادا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس بين السراء والضراء، فقد مس آباءنا منه شيء مثل ما مسنا، { فأخذناهم بغتة }: فجأة { وهم لا يشعرون } بنزول العذاب. { ولو أن أهل القرى } المتقدمة في قوله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } وقيل: مكة وما حولها. وقيل: مطلقا، { آمنوا واتقوا } مكان كفرهم وعصيانهم، { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } لوسعنا عليهم الخير، ويسرناه لهم من كل جانب. وقيل: المراد: المطر والنبات. { ولكن كذبوا } بالرسل، وكفروا النعم، { فأخذناهم بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعاصي. { أفأمن أهل القرى } أي: أبعد ذلك أمن أهل القرى { أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون }؟ أي: ليلا، في حال نومهم. { أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا } أيضا { ضحى } ضحوة النهار { وهم يلعبون } من فرط الغفلة، أو يشتغلون بما لا ينفعهم، { أفأمنوا مكر الله } وهو أن يستدرجهم بالنعم حتى يأخذهم بغتة؟ { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } الذين خسروا أنفسهم، بترك النظر والاعتبار، حتى هلكوا، فلم ينفعهم حينئذ الندم. الإشارة: إظهار المحن والمنن وتعاقبهما على الإنسان، حكمتها: الرجوع إلى الله، وتضرع العبد إلى مولاه، فمن فعل ذلك كان معتمدا عليه في الحالتين، مغترفا من بحر المنة بكلتا اليدين، ومن نزلت به المحن ثم أعقبته لطائف المنن، فلم يرجع إلى مولاه، ولا شكره على ما خوله من نعماه، بل قال: هذه عادة الزمان يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان، فهذا عبد منهمك في غفلته، قد اتسعت دائرة حسه، وانطمست بصيرة قدسه، يصدق عليه قوله تعالى: أولئك كالأنعام بل أضل أولئك هم الغافلون [الأعراف:179]. وقال القشيري في قوله تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية: أي: لو آمنوا بالله واتقوا الشرك { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } بأسباب العطاء، فإن سبق بخلافه القضاء فأبواب الرضا، والرضا أتم من العطاء. ويقال: ليس العبرة بالنعمة العبرة بالبركة في النعمة. ه. قوله تعالى: { ولكن كذبوا } أي: شكوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان والتقوى حتى يتركوا الأسباب، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: للناس أسباب، وسببنا الإيمان والتقوى، ثم تلا هذه الآية: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية، وقد تقدم عند قوله: الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام:82]. ما يتعلق بالأمن من مكر الله. ولما ذكر هلال الأمم الماضية، خوف من خلفهم بعدهم إلى يوم القيامة، فقال: { أولم يهد للذين يرثون الأرض }.

الأعراف 7:99

يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } أي: رسول { إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } أي: بالبؤس والضر، كالقحط والأمراض، { لعلهم يضرعون } أي: يتضرعون ويتذللون، { ثم بدلنا مكان } الحالة { السيئة } الحالة { الحسنة } أي: أعطيناهم، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة، السلامة والسعة، { حتى عفوا }: كثروا عددا وعددا، يقال: عفا النبات: إذا كثر، ومنه: " اعفو اللحى " { وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء } كفرا لنعمة الله عليهم، ونسيانا لذكره، واعتقادا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس بين السراء والضراء، فقد مس آباءنا منه شيء مثل ما مسنا، { فأخذناهم بغتة }: فجأة { وهم لا يشعرون } بنزول العذاب. { ولو أن أهل القرى } المتقدمة في قوله: { وما أرسلنا في قرية من نبي } وقيل: مكة وما حولها. وقيل: مطلقا، { آمنوا واتقوا } مكان كفرهم وعصيانهم، { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } لوسعنا عليهم الخير، ويسرناه لهم من كل جانب. وقيل: المراد: المطر والنبات. { ولكن كذبوا } بالرسل، وكفروا النعم، { فأخذناهم بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعاصي. { أفأمن أهل القرى } أي: أبعد ذلك أمن أهل القرى { أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون }؟ أي: ليلا، في حال نومهم. { أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا } أيضا { ضحى } ضحوة النهار { وهم يلعبون } من فرط الغفلة، أو يشتغلون بما لا ينفعهم، { أفأمنوا مكر الله } وهو أن يستدرجهم بالنعم حتى يأخذهم بغتة؟ { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } الذين خسروا أنفسهم، بترك النظر والاعتبار، حتى هلكوا، فلم ينفعهم حينئذ الندم. الإشارة: إظهار المحن والمنن وتعاقبهما على الإنسان، حكمتها: الرجوع إلى الله، وتضرع العبد إلى مولاه، فمن فعل ذلك كان معتمدا عليه في الحالتين، مغترفا من بحر المنة بكلتا اليدين، ومن نزلت به المحن ثم أعقبته لطائف المنن، فلم يرجع إلى مولاه، ولا شكره على ما خوله من نعماه، بل قال: هذه عادة الزمان يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان، فهذا عبد منهمك في غفلته، قد اتسعت دائرة حسه، وانطمست بصيرة قدسه، يصدق عليه قوله تعالى: أولئك كالأنعام بل أضل أولئك هم الغافلون [الأعراف:179]. وقال القشيري في قوله تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية: أي: لو آمنوا بالله واتقوا الشرك { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } بأسباب العطاء، فإن سبق بخلافه القضاء فأبواب الرضا، والرضا أتم من العطاء. ويقال: ليس العبرة بالنعمة العبرة بالبركة في النعمة. ه. قوله تعالى: { ولكن كذبوا } أي: شكوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان والتقوى حتى يتركوا الأسباب، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: للناس أسباب، وسببنا الإيمان والتقوى، ثم تلا هذه الآية: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... } الآية، وقد تقدم عند قوله: الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام:82]. ما يتعلق بالأمن من مكر الله. ولما ذكر هلال الأمم الماضية، خوف من خلفهم بعدهم إلى يوم القيامة، فقال: { أولم يهد للذين يرثون الأرض }.

الأعراف 7:100

قلت: { أن لو نشاء }: " أن " مخففة، وهي وما بعدها: فاعل { يهد } أي: أو لم يتبين لهم قدرتنا على إهلاكهم لو نشاء ذلك؟ وإنما عدى " يهدي " باللام لأنه بمعنى يتبين، و { نطبع }: استئناف، أي: ونحن نطبع على قلوبهم. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يهد } أي: يتبين { للذين يرثون الأرض من بعد أهلها } أي: يخلفون من قبلهم ويرثون ديارهم وأموالهم، { أن لو نشاء أصبناهم } أي: أهلكناهم { بذنوبهم } بسبب ذنوبهم، كم أهلكنا من قبلهم، لكن أمهلناهم ولم نهملهم، { و } نحن { نطبع على قلوبهم } بالغفلة والانهماك في العصيان، { فهم لا يسمعون } سماع تدبر واعتبار. { تلك القرى } ، التي قصصنا عليك آنفا، { نقص عليك من أنبائها } من أخبارها، أي: بعض أخبارها، ولها أبناء غيرها لا نقصها عليك { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات }: بالمعجزات، { فما كانوا ليؤمنوا } عند مجيئهم، بها { بما كذبوا من قبل } مجيئها، يعني: أن ظهور المعجزات لم ينفعهم، بل الشي الذي كذبوا به قبل مجيئها، وهو التوحيد وتصديق الرسل استمروا عليه بعد مجيئها. أو: { فما كانوا ليؤمنوا } مدة عمرهم بما كذبوا به أولا، حيث جاءتهم الرسل، فلم تؤثر فيهم دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة. { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر. { وما وجدنا لأكثرهم } أي: لأكثر أهل القرى { من عهد } ، بل جلهم نقضوا ما عهدناهم عليه من الإيمان والتقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج، { وإن وجدنا أكثرهم } أي: علمناهم { لفاسقين } ، و " إن " مخففة، واللام: فارقة. الإشارة: ينبغي لمن فتح الله بصيرته أن ينظر بعين الاعتبار فيمن سلف قبله، كيف تركوا الدنيا ورحلوا عنها، ولم يأخذوا منها إلا ما قدموا أمامهم؟ قدموا على ما قدموا، وندموا على ما خلفوا، ولم ينفعهم الندم وقد زلت بهم القدم، فالدهر خطيب يسمع القاصي والقريب، وهو ينادي بلسان فصيح، عادلا عن الكتابة إلى التصريح، قائلا: أما حصل لكم الإنذار؟ أما كفاكم ما تشاهدون في الاعتبار؟ أين من سلف قبلكم؟. أو ما كانوا أشد منكم أو مثلكم؟ قد نما ذكرهم وعلا قدرهم، وخسف بعد الكمال بدرهم، فكأنهم ما كانوا، وعن قريب مضوا وبانوا، أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا، فيا أيها الغافلون، أنتم بمن مضى لاحقون، ويا أيها الباقون أنتم إليهم تساقون، قضاء مبرم، وحكم ملزم، ليس عند محيد لأحد من العبيد. ثم شرع في قصص موسى عليه السلام فقال: { ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنآ }.

الأعراف 7:101

قلت: { أن لو نشاء }: " أن " مخففة، وهي وما بعدها: فاعل { يهد } أي: أو لم يتبين لهم قدرتنا على إهلاكهم لو نشاء ذلك؟ وإنما عدى " يهدي " باللام لأنه بمعنى يتبين، و { نطبع }: استئناف، أي: ونحن نطبع على قلوبهم. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يهد } أي: يتبين { للذين يرثون الأرض من بعد أهلها } أي: يخلفون من قبلهم ويرثون ديارهم وأموالهم، { أن لو نشاء أصبناهم } أي: أهلكناهم { بذنوبهم } بسبب ذنوبهم، كم أهلكنا من قبلهم، لكن أمهلناهم ولم نهملهم، { و } نحن { نطبع على قلوبهم } بالغفلة والانهماك في العصيان، { فهم لا يسمعون } سماع تدبر واعتبار. { تلك القرى } ، التي قصصنا عليك آنفا، { نقص عليك من أنبائها } من أخبارها، أي: بعض أخبارها، ولها أبناء غيرها لا نقصها عليك { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات }: بالمعجزات، { فما كانوا ليؤمنوا } عند مجيئهم، بها { بما كذبوا من قبل } مجيئها، يعني: أن ظهور المعجزات لم ينفعهم، بل الشي الذي كذبوا به قبل مجيئها، وهو التوحيد وتصديق الرسل استمروا عليه بعد مجيئها. أو: { فما كانوا ليؤمنوا } مدة عمرهم بما كذبوا به أولا، حيث جاءتهم الرسل، فلم تؤثر فيهم دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة. { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر. { وما وجدنا لأكثرهم } أي: لأكثر أهل القرى { من عهد } ، بل جلهم نقضوا ما عهدناهم عليه من الإيمان والتقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج، { وإن وجدنا أكثرهم } أي: علمناهم { لفاسقين } ، و " إن " مخففة، واللام: فارقة. الإشارة: ينبغي لمن فتح الله بصيرته أن ينظر بعين الاعتبار فيمن سلف قبله، كيف تركوا الدنيا ورحلوا عنها، ولم يأخذوا منها إلا ما قدموا أمامهم؟ قدموا على ما قدموا، وندموا على ما خلفوا، ولم ينفعهم الندم وقد زلت بهم القدم، فالدهر خطيب يسمع القاصي والقريب، وهو ينادي بلسان فصيح، عادلا عن الكتابة إلى التصريح، قائلا: أما حصل لكم الإنذار؟ أما كفاكم ما تشاهدون في الاعتبار؟ أين من سلف قبلكم؟. أو ما كانوا أشد منكم أو مثلكم؟ قد نما ذكرهم وعلا قدرهم، وخسف بعد الكمال بدرهم، فكأنهم ما كانوا، وعن قريب مضوا وبانوا، أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا، فيا أيها الغافلون، أنتم بمن مضى لاحقون، ويا أيها الباقون أنتم إليهم تساقون، قضاء مبرم، وحكم ملزم، ليس عند محيد لأحد من العبيد. ثم شرع في قصص موسى عليه السلام فقال: { ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنآ }.

الأعراف 7:102

قلت: { أن لو نشاء }: " أن " مخففة، وهي وما بعدها: فاعل { يهد } أي: أو لم يتبين لهم قدرتنا على إهلاكهم لو نشاء ذلك؟ وإنما عدى " يهدي " باللام لأنه بمعنى يتبين، و { نطبع }: استئناف، أي: ونحن نطبع على قلوبهم. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يهد } أي: يتبين { للذين يرثون الأرض من بعد أهلها } أي: يخلفون من قبلهم ويرثون ديارهم وأموالهم، { أن لو نشاء أصبناهم } أي: أهلكناهم { بذنوبهم } بسبب ذنوبهم، كم أهلكنا من قبلهم، لكن أمهلناهم ولم نهملهم، { و } نحن { نطبع على قلوبهم } بالغفلة والانهماك في العصيان، { فهم لا يسمعون } سماع تدبر واعتبار. { تلك القرى } ، التي قصصنا عليك آنفا، { نقص عليك من أنبائها } من أخبارها، أي: بعض أخبارها، ولها أبناء غيرها لا نقصها عليك { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات }: بالمعجزات، { فما كانوا ليؤمنوا } عند مجيئهم، بها { بما كذبوا من قبل } مجيئها، يعني: أن ظهور المعجزات لم ينفعهم، بل الشي الذي كذبوا به قبل مجيئها، وهو التوحيد وتصديق الرسل استمروا عليه بعد مجيئها. أو: { فما كانوا ليؤمنوا } مدة عمرهم بما كذبوا به أولا، حيث جاءتهم الرسل، فلم تؤثر فيهم دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة. { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر. { وما وجدنا لأكثرهم } أي: لأكثر أهل القرى { من عهد } ، بل جلهم نقضوا ما عهدناهم عليه من الإيمان والتقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج، { وإن وجدنا أكثرهم } أي: علمناهم { لفاسقين } ، و " إن " مخففة، واللام: فارقة. الإشارة: ينبغي لمن فتح الله بصيرته أن ينظر بعين الاعتبار فيمن سلف قبله، كيف تركوا الدنيا ورحلوا عنها، ولم يأخذوا منها إلا ما قدموا أمامهم؟ قدموا على ما قدموا، وندموا على ما خلفوا، ولم ينفعهم الندم وقد زلت بهم القدم، فالدهر خطيب يسمع القاصي والقريب، وهو ينادي بلسان فصيح، عادلا عن الكتابة إلى التصريح، قائلا: أما حصل لكم الإنذار؟ أما كفاكم ما تشاهدون في الاعتبار؟ أين من سلف قبلكم؟. أو ما كانوا أشد منكم أو مثلكم؟ قد نما ذكرهم وعلا قدرهم، وخسف بعد الكمال بدرهم، فكأنهم ما كانوا، وعن قريب مضوا وبانوا، أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا، فيا أيها الغافلون، أنتم بمن مضى لاحقون، ويا أيها الباقون أنتم إليهم تساقون، قضاء مبرم، وحكم ملزم، ليس عند محيد لأحد من العبيد. ثم شرع في قصص موسى عليه السلام فقال: { ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنآ }.

الأعراف 7:103

يقول الحق جل جلاله: { ثم بعثنا } من بعد الرسل المتقدمين { موسى } بن عمران { بآياتنا }: بمعجزاتنا الدالة على صدقه، { إلى فرعون وملئه فظلموا بها } أي: طغوا بسببها، وزادوا عتوا على عتوهم، { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } كيف غرقوا عن آخرهم، وأكلهم البحر. الإشارة: إذا أراد الله تعالى أن يهلك قوما بعث إليهم من يذكرهم، فإذا زادوا في العتو والطغيان عاجلهم بالعقوبة. ذكر الشعراني: أن مدينة بالمشرق صنعوا وليمة يتنزهون فيها، فخرجوا إلى بستان، فلما صنعوا الطعام دخل عليهم فقير، فقال: أعطوني، فأعطوه، ثم قال: أعطوني فزادوه، ثم قال أعطوني، فجروه حتى أخرجوه، فأرسل عليهم من أخرجهم من تلك المدينة وخربها، فهي خربة إلى اليوم. سبحان المدبر الحكيم الواحد القهار!. ثم ذكر دعوة موسى إلى فرعون وما كان من أمره معه، فقال: { وقال موسى يفرعون }.

الأعراف 7:104

قلت: من قرأ: علي بشد الياء، فحقيق: مبتدأ، و علي: متعلق به، و ألا أقول: خبره، أي: حقيق علي قول الحق. ومن قرأ: { على } بالتخفيف، فحقيق: صفة لرسول، و على: حرف جر، و ألا أقول: مجرور، أي: إني رسول حقيق على قول الحق، وعداه بعلى لتضمنه معنى حريص، أو تكون على بمعنى الباء أي: حقيق بقول الحق، وقد يبقى على أصله لأمن الالتباس والمعنى: حقيق على قول الحق أنا أكون أنا قائله، لا يرضى إلا مثله ناطقا به. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق } واجب { على أن لا أقول على الله إلا الحق } لأنني معصوم من النطق بغيره، فإن كذبتني فقد { جئتكم ببينة من ربكم } أي: بمعجزة واضحة، تدل على صدقي، وهي العصا: { فأرسل معي بني إسرائيل } أي: فخل سبيلهم، حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة: التي هي وطن آبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة وذلك أنه لما توفي يوسف عليه السلام غلب عليهم فرعون واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى رسولا إلى فرعون: أربعمائة عام. ثم طلب منه إظهار المعجزة، فقال: { قال إن كنت جئت بآية }.

الأعراف 7:105

قلت: من قرأ: علي بشد الياء، فحقيق: مبتدأ، و علي: متعلق به، و ألا أقول: خبره، أي: حقيق علي قول الحق. ومن قرأ: { على } بالتخفيف، فحقيق: صفة لرسول، و على: حرف جر، و ألا أقول: مجرور، أي: إني رسول حقيق على قول الحق، وعداه بعلى لتضمنه معنى حريص، أو تكون على بمعنى الباء أي: حقيق بقول الحق، وقد يبقى على أصله لأمن الالتباس والمعنى: حقيق على قول الحق أنا أكون أنا قائله، لا يرضى إلا مثله ناطقا به. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق } واجب { على أن لا أقول على الله إلا الحق } لأنني معصوم من النطق بغيره، فإن كذبتني فقد { جئتكم ببينة من ربكم } أي: بمعجزة واضحة، تدل على صدقي، وهي العصا: { فأرسل معي بني إسرائيل } أي: فخل سبيلهم، حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة: التي هي وطن آبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة وذلك أنه لما توفي يوسف عليه السلام غلب عليهم فرعون واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى رسولا إلى فرعون: أربعمائة عام. ثم طلب منه إظهار المعجزة، فقال: { قال إن كنت جئت بآية }.

الأعراف 7:106

قلت: يقال: أرجأ، بالهمز، يرجىء بمعنى آخر فمن قرأ بالهمزة فعلى الأصل، ومن قرأه بغير الهمزة فيحتمل أن يكون بمعنى المهموز، وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء، أي: أطمعه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلغة أجرى فيها الوصل مجرى الوقف. وقد تتبع البيضاوي توجيه القراءات، فانظره إن شئت. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون لموسى عليه السلام: { إن كنت جئت بآية } من عند من أرسلك، كما ذكرت، { فأت بها } وأحضرها ليثبت بها صدقك { إن كنت من الصادقين } في دعواك، { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي: ظاهر أمره، لا يشك في أنه ثعبان، وهي الحية العظيمة. روي أنه لما ألقاها صار ثعبانا أشعر، فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب منه وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، وصاح فرعون: يا موسى، أنشدك الذي أرسلك خذه، وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصا. قاله البيضاوي. ثم أظهر له معجزة أخرى: { ونزع يده } من جيبه، أو من تحت إبطه، { فإذا هي بيضاء للناظرين } أي: بيضاء بياضا خارجا عن العادة، يجتمع عليها النظارة، أو بيضاء للنظار، لا أنها كانت بيضاء في خلقتها، بل كانت شديدة الأدمة كلون صاحبها. روي أنه كان شديد الأدمة فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعها شعاع الشمس. { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم } ، قيل: هو وأشراف قومه، على سبيل المشاورة في أمره، فحكى عنه في سورة الشعراء، وعنهم هنا، أو قاله هو ووافقوه عليه، كعادة جلساء الملوك مع أتباعهم. { يريد أن يخرجكم من أرضكم } بالحيل، أو بالقتال، أو بإخراج بني إسرائيل، وكانوا خداما لهم، فتخرب البلد من بعدهم، لأنهم خدامها وعمارها. قال فرعون: { فماذا تأمرون } أي: تشيرون علي أن أفعل؟ { قالوا أرجه } أي: أخره { وأخاه } أي: أخرهما حتى تنظر في أمرهما، وقيل: أمروه بسجنهما، { وأرسل في المدائن } أي: مدائن عمالتك { حاشرين } يحشرون لك السحرة، { يأتوك بكل ساحر عليم }. ثم ذكر مجيئهم، وما كان من أمرهم مع موسى عليه السلام، فقال: { وجآء السحرة فرعون }.

الأعراف 7:107

قلت: يقال: أرجأ، بالهمز، يرجىء بمعنى آخر فمن قرأ بالهمزة فعلى الأصل، ومن قرأه بغير الهمزة فيحتمل أن يكون بمعنى المهموز، وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء، أي: أطمعه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلغة أجرى فيها الوصل مجرى الوقف. وقد تتبع البيضاوي توجيه القراءات، فانظره إن شئت. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون لموسى عليه السلام: { إن كنت جئت بآية } من عند من أرسلك، كما ذكرت، { فأت بها } وأحضرها ليثبت بها صدقك { إن كنت من الصادقين } في دعواك، { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي: ظاهر أمره، لا يشك في أنه ثعبان، وهي الحية العظيمة. روي أنه لما ألقاها صار ثعبانا أشعر، فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب منه وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، وصاح فرعون: يا موسى، أنشدك الذي أرسلك خذه، وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصا. قاله البيضاوي. ثم أظهر له معجزة أخرى: { ونزع يده } من جيبه، أو من تحت إبطه، { فإذا هي بيضاء للناظرين } أي: بيضاء بياضا خارجا عن العادة، يجتمع عليها النظارة، أو بيضاء للنظار، لا أنها كانت بيضاء في خلقتها، بل كانت شديدة الأدمة كلون صاحبها. روي أنه كان شديد الأدمة فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعها شعاع الشمس. { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم } ، قيل: هو وأشراف قومه، على سبيل المشاورة في أمره، فحكى عنه في سورة الشعراء، وعنهم هنا، أو قاله هو ووافقوه عليه، كعادة جلساء الملوك مع أتباعهم. { يريد أن يخرجكم من أرضكم } بالحيل، أو بالقتال، أو بإخراج بني إسرائيل، وكانوا خداما لهم، فتخرب البلد من بعدهم، لأنهم خدامها وعمارها. قال فرعون: { فماذا تأمرون } أي: تشيرون علي أن أفعل؟ { قالوا أرجه } أي: أخره { وأخاه } أي: أخرهما حتى تنظر في أمرهما، وقيل: أمروه بسجنهما، { وأرسل في المدائن } أي: مدائن عمالتك { حاشرين } يحشرون لك السحرة، { يأتوك بكل ساحر عليم }. ثم ذكر مجيئهم، وما كان من أمرهم مع موسى عليه السلام، فقال: { وجآء السحرة فرعون }.

الأعراف 7:108

قلت: يقال: أرجأ، بالهمز، يرجىء بمعنى آخر فمن قرأ بالهمزة فعلى الأصل، ومن قرأه بغير الهمزة فيحتمل أن يكون بمعنى المهموز، وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء، أي: أطمعه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلغة أجرى فيها الوصل مجرى الوقف. وقد تتبع البيضاوي توجيه القراءات، فانظره إن شئت. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون لموسى عليه السلام: { إن كنت جئت بآية } من عند من أرسلك، كما ذكرت، { فأت بها } وأحضرها ليثبت بها صدقك { إن كنت من الصادقين } في دعواك، { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي: ظاهر أمره، لا يشك في أنه ثعبان، وهي الحية العظيمة. روي أنه لما ألقاها صار ثعبانا أشعر، فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب منه وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، وصاح فرعون: يا موسى، أنشدك الذي أرسلك خذه، وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصا. قاله البيضاوي. ثم أظهر له معجزة أخرى: { ونزع يده } من جيبه، أو من تحت إبطه، { فإذا هي بيضاء للناظرين } أي: بيضاء بياضا خارجا عن العادة، يجتمع عليها النظارة، أو بيضاء للنظار، لا أنها كانت بيضاء في خلقتها، بل كانت شديدة الأدمة كلون صاحبها. روي أنه كان شديد الأدمة فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعها شعاع الشمس. { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم } ، قيل: هو وأشراف قومه، على سبيل المشاورة في أمره، فحكى عنه في سورة الشعراء، وعنهم هنا، أو قاله هو ووافقوه عليه، كعادة جلساء الملوك مع أتباعهم. { يريد أن يخرجكم من أرضكم } بالحيل، أو بالقتال، أو بإخراج بني إسرائيل، وكانوا خداما لهم، فتخرب البلد من بعدهم، لأنهم خدامها وعمارها. قال فرعون: { فماذا تأمرون } أي: تشيرون علي أن أفعل؟ { قالوا أرجه } أي: أخره { وأخاه } أي: أخرهما حتى تنظر في أمرهما، وقيل: أمروه بسجنهما، { وأرسل في المدائن } أي: مدائن عمالتك { حاشرين } يحشرون لك السحرة، { يأتوك بكل ساحر عليم }. ثم ذكر مجيئهم، وما كان من أمرهم مع موسى عليه السلام، فقال: { وجآء السحرة فرعون }.

الأعراف 7:109

قلت: يقال: أرجأ، بالهمز، يرجىء بمعنى آخر فمن قرأ بالهمزة فعلى الأصل، ومن قرأه بغير الهمزة فيحتمل أن يكون بمعنى المهموز، وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء، أي: أطمعه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلغة أجرى فيها الوصل مجرى الوقف. وقد تتبع البيضاوي توجيه القراءات، فانظره إن شئت. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون لموسى عليه السلام: { إن كنت جئت بآية } من عند من أرسلك، كما ذكرت، { فأت بها } وأحضرها ليثبت بها صدقك { إن كنت من الصادقين } في دعواك، { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي: ظاهر أمره، لا يشك في أنه ثعبان، وهي الحية العظيمة. روي أنه لما ألقاها صار ثعبانا أشعر، فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب منه وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، وصاح فرعون: يا موسى، أنشدك الذي أرسلك خذه، وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصا. قاله البيضاوي. ثم أظهر له معجزة أخرى: { ونزع يده } من جيبه، أو من تحت إبطه، { فإذا هي بيضاء للناظرين } أي: بيضاء بياضا خارجا عن العادة، يجتمع عليها النظارة، أو بيضاء للنظار، لا أنها كانت بيضاء في خلقتها، بل كانت شديدة الأدمة كلون صاحبها. روي أنه كان شديد الأدمة فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعها شعاع الشمس. { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم } ، قيل: هو وأشراف قومه، على سبيل المشاورة في أمره، فحكى عنه في سورة الشعراء، وعنهم هنا، أو قاله هو ووافقوه عليه، كعادة جلساء الملوك مع أتباعهم. { يريد أن يخرجكم من أرضكم } بالحيل، أو بالقتال، أو بإخراج بني إسرائيل، وكانوا خداما لهم، فتخرب البلد من بعدهم، لأنهم خدامها وعمارها. قال فرعون: { فماذا تأمرون } أي: تشيرون علي أن أفعل؟ { قالوا أرجه } أي: أخره { وأخاه } أي: أخرهما حتى تنظر في أمرهما، وقيل: أمروه بسجنهما، { وأرسل في المدائن } أي: مدائن عمالتك { حاشرين } يحشرون لك السحرة، { يأتوك بكل ساحر عليم }. ثم ذكر مجيئهم، وما كان من أمرهم مع موسى عليه السلام، فقال: { وجآء السحرة فرعون }.

الأعراف 7:110

قلت: يقال: أرجأ، بالهمز، يرجىء بمعنى آخر فمن قرأ بالهمزة فعلى الأصل، ومن قرأه بغير الهمزة فيحتمل أن يكون بمعنى المهموز، وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء، أي: أطمعه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلغة أجرى فيها الوصل مجرى الوقف. وقد تتبع البيضاوي توجيه القراءات، فانظره إن شئت. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون لموسى عليه السلام: { إن كنت جئت بآية } من عند من أرسلك، كما ذكرت، { فأت بها } وأحضرها ليثبت بها صدقك { إن كنت من الصادقين } في دعواك، { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي: ظاهر أمره، لا يشك في أنه ثعبان، وهي الحية العظيمة. روي أنه لما ألقاها صار ثعبانا أشعر، فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب منه وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، وصاح فرعون: يا موسى، أنشدك الذي أرسلك خذه، وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصا. قاله البيضاوي. ثم أظهر له معجزة أخرى: { ونزع يده } من جيبه، أو من تحت إبطه، { فإذا هي بيضاء للناظرين } أي: بيضاء بياضا خارجا عن العادة، يجتمع عليها النظارة، أو بيضاء للنظار، لا أنها كانت بيضاء في خلقتها، بل كانت شديدة الأدمة كلون صاحبها. روي أنه كان شديد الأدمة فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعها شعاع الشمس. { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم } ، قيل: هو وأشراف قومه، على سبيل المشاورة في أمره، فحكى عنه في سورة الشعراء، وعنهم هنا، أو قاله هو ووافقوه عليه، كعادة جلساء الملوك مع أتباعهم. { يريد أن يخرجكم من أرضكم } بالحيل، أو بالقتال، أو بإخراج بني إسرائيل، وكانوا خداما لهم، فتخرب البلد من بعدهم، لأنهم خدامها وعمارها. قال فرعون: { فماذا تأمرون } أي: تشيرون علي أن أفعل؟ { قالوا أرجه } أي: أخره { وأخاه } أي: أخرهما حتى تنظر في أمرهما، وقيل: أمروه بسجنهما، { وأرسل في المدائن } أي: مدائن عمالتك { حاشرين } يحشرون لك السحرة، { يأتوك بكل ساحر عليم }. ثم ذكر مجيئهم، وما كان من أمرهم مع موسى عليه السلام، فقال: { وجآء السحرة فرعون }.

الأعراف 7:111

قلت: يقال: أرجأ، بالهمز، يرجىء بمعنى آخر فمن قرأ بالهمزة فعلى الأصل، ومن قرأه بغير الهمزة فيحتمل أن يكون بمعنى المهموز، وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء، أي: أطمعه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلغة أجرى فيها الوصل مجرى الوقف. وقد تتبع البيضاوي توجيه القراءات، فانظره إن شئت. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون لموسى عليه السلام: { إن كنت جئت بآية } من عند من أرسلك، كما ذكرت، { فأت بها } وأحضرها ليثبت بها صدقك { إن كنت من الصادقين } في دعواك، { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي: ظاهر أمره، لا يشك في أنه ثعبان، وهي الحية العظيمة. روي أنه لما ألقاها صار ثعبانا أشعر، فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب منه وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، وصاح فرعون: يا موسى، أنشدك الذي أرسلك خذه، وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصا. قاله البيضاوي. ثم أظهر له معجزة أخرى: { ونزع يده } من جيبه، أو من تحت إبطه، { فإذا هي بيضاء للناظرين } أي: بيضاء بياضا خارجا عن العادة، يجتمع عليها النظارة، أو بيضاء للنظار، لا أنها كانت بيضاء في خلقتها، بل كانت شديدة الأدمة كلون صاحبها. روي أنه كان شديد الأدمة فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعها شعاع الشمس. { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم } ، قيل: هو وأشراف قومه، على سبيل المشاورة في أمره، فحكى عنه في سورة الشعراء، وعنهم هنا، أو قاله هو ووافقوه عليه، كعادة جلساء الملوك مع أتباعهم. { يريد أن يخرجكم من أرضكم } بالحيل، أو بالقتال، أو بإخراج بني إسرائيل، وكانوا خداما لهم، فتخرب البلد من بعدهم، لأنهم خدامها وعمارها. قال فرعون: { فماذا تأمرون } أي: تشيرون علي أن أفعل؟ { قالوا أرجه } أي: أخره { وأخاه } أي: أخرهما حتى تنظر في أمرهما، وقيل: أمروه بسجنهما، { وأرسل في المدائن } أي: مدائن عمالتك { حاشرين } يحشرون لك السحرة، { يأتوك بكل ساحر عليم }. ثم ذكر مجيئهم، وما كان من أمرهم مع موسى عليه السلام، فقال: { وجآء السحرة فرعون }.

الأعراف 7:112

قلت: يقال: أرجأ، بالهمز، يرجىء بمعنى آخر فمن قرأ بالهمزة فعلى الأصل، ومن قرأه بغير الهمزة فيحتمل أن يكون بمعنى المهموز، وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء، أي: أطمعه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلغة أجرى فيها الوصل مجرى الوقف. وقد تتبع البيضاوي توجيه القراءات، فانظره إن شئت. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون لموسى عليه السلام: { إن كنت جئت بآية } من عند من أرسلك، كما ذكرت، { فأت بها } وأحضرها ليثبت بها صدقك { إن كنت من الصادقين } في دعواك، { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي: ظاهر أمره، لا يشك في أنه ثعبان، وهي الحية العظيمة. روي أنه لما ألقاها صار ثعبانا أشعر، فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب منه وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، وصاح فرعون: يا موسى، أنشدك الذي أرسلك خذه، وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصا. قاله البيضاوي. ثم أظهر له معجزة أخرى: { ونزع يده } من جيبه، أو من تحت إبطه، { فإذا هي بيضاء للناظرين } أي: بيضاء بياضا خارجا عن العادة، يجتمع عليها النظارة، أو بيضاء للنظار، لا أنها كانت بيضاء في خلقتها، بل كانت شديدة الأدمة كلون صاحبها. روي أنه كان شديد الأدمة فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعها شعاع الشمس. { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم } ، قيل: هو وأشراف قومه، على سبيل المشاورة في أمره، فحكى عنه في سورة الشعراء، وعنهم هنا، أو قاله هو ووافقوه عليه، كعادة جلساء الملوك مع أتباعهم. { يريد أن يخرجكم من أرضكم } بالحيل، أو بالقتال، أو بإخراج بني إسرائيل، وكانوا خداما لهم، فتخرب البلد من بعدهم، لأنهم خدامها وعمارها. قال فرعون: { فماذا تأمرون } أي: تشيرون علي أن أفعل؟ { قالوا أرجه } أي: أخره { وأخاه } أي: أخرهما حتى تنظر في أمرهما، وقيل: أمروه بسجنهما، { وأرسل في المدائن } أي: مدائن عمالتك { حاشرين } يحشرون لك السحرة، { يأتوك بكل ساحر عليم }. ثم ذكر مجيئهم، وما كان من أمرهم مع موسى عليه السلام، فقال: { وجآء السحرة فرعون }.

الأعراف 7:113

قلت: من قرأ: أئن بهمزتين، فهو اسم استفهام، ومن قرأ بهمزة واحدة، فيحتمل أن يكون خبرا، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، أو استفهاما حذفت منه الهمزة، والتنكير للتعظيم، واستأنف الجملة، كأنها جواب عن سائل قال: فماذا قالوا إذ جاؤوا؟ قالوا: إن لنا لأجرا...الخ، وإنكم: عطف على ما سد مسده نعم، من تمام الجواب، كأنه قال: نعم نعطيكم الأجر ونقربكم. يقول الحق جل جلاله: { وجاء السحرة فرعون } بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم، { قالوا } لما وصلوا إليه: { إن } أئن { لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } إن لكم أجرا { وإنكم لمن المقربين } إلي. فأنعم لهم بالأجر، وزادهم التقريب منه والجاه عنده تحريضا لهم. واختلف في عدد السحرة اختلافا متباينا، من سبعين رجلا إلى سبعين ألفا، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل. ولما خرجوا إلى الصحراء لمقابلته { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين } خيروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، ولذلك عبروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم بالجملة الاسمية، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. ولذلك أسعفهم، { قال ألقوا } أسعفهم كرما ومسامحة وازدراء بهم، { فلما ألقوا سحروا أعين الناس } ، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر، { واسترهبوهم } أي: خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر، { وجاؤوا بسحر عظيم } في فنه. روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، كأنها حيات، ملأت الوادي، وركب بعضها بعضا. { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك } ، فألقاها، فصارت ثعبانا عظيما، على قدر الجبل، وقيل: إنه طال حتى جاوز النيل، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع { ما يأفكون } ما يزورونه من إفكهم وكذبهم، روي أنها لما ابتلعت حبالهم وعصيهم، وكانت ملأت الوادي، فابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت، فقال السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا. { فوقع الحق } أي: ثبت بظهور أمره، { وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } أي: صاروا أذلاء مبهوتين، أو انقلبوا إلى المدينة مقهورين. ولما رأى السحرة ذلك علموا أنه ليس من طوق البشر، وليس هو من السحر، فتحققوا أنه من عند الله، فآمنوا، كما أشار إليه بقوله: { وألقي السحرة ساجدين }.

الأعراف 7:114

قلت: من قرأ: أئن بهمزتين، فهو اسم استفهام، ومن قرأ بهمزة واحدة، فيحتمل أن يكون خبرا، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، أو استفهاما حذفت منه الهمزة، والتنكير للتعظيم، واستأنف الجملة، كأنها جواب عن سائل قال: فماذا قالوا إذ جاؤوا؟ قالوا: إن لنا لأجرا...الخ، وإنكم: عطف على ما سد مسده نعم، من تمام الجواب، كأنه قال: نعم نعطيكم الأجر ونقربكم. يقول الحق جل جلاله: { وجاء السحرة فرعون } بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم، { قالوا } لما وصلوا إليه: { إن } أئن { لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } إن لكم أجرا { وإنكم لمن المقربين } إلي. فأنعم لهم بالأجر، وزادهم التقريب منه والجاه عنده تحريضا لهم. واختلف في عدد السحرة اختلافا متباينا، من سبعين رجلا إلى سبعين ألفا، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل. ولما خرجوا إلى الصحراء لمقابلته { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين } خيروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، ولذلك عبروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم بالجملة الاسمية، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. ولذلك أسعفهم، { قال ألقوا } أسعفهم كرما ومسامحة وازدراء بهم، { فلما ألقوا سحروا أعين الناس } ، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر، { واسترهبوهم } أي: خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر، { وجاؤوا بسحر عظيم } في فنه. روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، كأنها حيات، ملأت الوادي، وركب بعضها بعضا. { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك } ، فألقاها، فصارت ثعبانا عظيما، على قدر الجبل، وقيل: إنه طال حتى جاوز النيل، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع { ما يأفكون } ما يزورونه من إفكهم وكذبهم، روي أنها لما ابتلعت حبالهم وعصيهم، وكانت ملأت الوادي، فابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت، فقال السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا. { فوقع الحق } أي: ثبت بظهور أمره، { وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } أي: صاروا أذلاء مبهوتين، أو انقلبوا إلى المدينة مقهورين. ولما رأى السحرة ذلك علموا أنه ليس من طوق البشر، وليس هو من السحر، فتحققوا أنه من عند الله، فآمنوا، كما أشار إليه بقوله: { وألقي السحرة ساجدين }.

الأعراف 7:115

قلت: من قرأ: أئن بهمزتين، فهو اسم استفهام، ومن قرأ بهمزة واحدة، فيحتمل أن يكون خبرا، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، أو استفهاما حذفت منه الهمزة، والتنكير للتعظيم، واستأنف الجملة، كأنها جواب عن سائل قال: فماذا قالوا إذ جاؤوا؟ قالوا: إن لنا لأجرا...الخ، وإنكم: عطف على ما سد مسده نعم، من تمام الجواب، كأنه قال: نعم نعطيكم الأجر ونقربكم. يقول الحق جل جلاله: { وجاء السحرة فرعون } بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم، { قالوا } لما وصلوا إليه: { إن } أئن { لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } إن لكم أجرا { وإنكم لمن المقربين } إلي. فأنعم لهم بالأجر، وزادهم التقريب منه والجاه عنده تحريضا لهم. واختلف في عدد السحرة اختلافا متباينا، من سبعين رجلا إلى سبعين ألفا، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل. ولما خرجوا إلى الصحراء لمقابلته { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين } خيروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، ولذلك عبروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم بالجملة الاسمية، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. ولذلك أسعفهم، { قال ألقوا } أسعفهم كرما ومسامحة وازدراء بهم، { فلما ألقوا سحروا أعين الناس } ، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر، { واسترهبوهم } أي: خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر، { وجاؤوا بسحر عظيم } في فنه. روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، كأنها حيات، ملأت الوادي، وركب بعضها بعضا. { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك } ، فألقاها، فصارت ثعبانا عظيما، على قدر الجبل، وقيل: إنه طال حتى جاوز النيل، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع { ما يأفكون } ما يزورونه من إفكهم وكذبهم، روي أنها لما ابتلعت حبالهم وعصيهم، وكانت ملأت الوادي، فابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت، فقال السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا. { فوقع الحق } أي: ثبت بظهور أمره، { وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } أي: صاروا أذلاء مبهوتين، أو انقلبوا إلى المدينة مقهورين. ولما رأى السحرة ذلك علموا أنه ليس من طوق البشر، وليس هو من السحر، فتحققوا أنه من عند الله، فآمنوا، كما أشار إليه بقوله: { وألقي السحرة ساجدين }.

الأعراف 7:116

قلت: من قرأ: أئن بهمزتين، فهو اسم استفهام، ومن قرأ بهمزة واحدة، فيحتمل أن يكون خبرا، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، أو استفهاما حذفت منه الهمزة، والتنكير للتعظيم، واستأنف الجملة، كأنها جواب عن سائل قال: فماذا قالوا إذ جاؤوا؟ قالوا: إن لنا لأجرا...الخ، وإنكم: عطف على ما سد مسده نعم، من تمام الجواب، كأنه قال: نعم نعطيكم الأجر ونقربكم. يقول الحق جل جلاله: { وجاء السحرة فرعون } بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم، { قالوا } لما وصلوا إليه: { إن } أئن { لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } إن لكم أجرا { وإنكم لمن المقربين } إلي. فأنعم لهم بالأجر، وزادهم التقريب منه والجاه عنده تحريضا لهم. واختلف في عدد السحرة اختلافا متباينا، من سبعين رجلا إلى سبعين ألفا، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل. ولما خرجوا إلى الصحراء لمقابلته { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين } خيروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، ولذلك عبروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم بالجملة الاسمية، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. ولذلك أسعفهم، { قال ألقوا } أسعفهم كرما ومسامحة وازدراء بهم، { فلما ألقوا سحروا أعين الناس } ، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر، { واسترهبوهم } أي: خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر، { وجاؤوا بسحر عظيم } في فنه. روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، كأنها حيات، ملأت الوادي، وركب بعضها بعضا. { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك } ، فألقاها، فصارت ثعبانا عظيما، على قدر الجبل، وقيل: إنه طال حتى جاوز النيل، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع { ما يأفكون } ما يزورونه من إفكهم وكذبهم، روي أنها لما ابتلعت حبالهم وعصيهم، وكانت ملأت الوادي، فابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت، فقال السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا. { فوقع الحق } أي: ثبت بظهور أمره، { وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } أي: صاروا أذلاء مبهوتين، أو انقلبوا إلى المدينة مقهورين. ولما رأى السحرة ذلك علموا أنه ليس من طوق البشر، وليس هو من السحر، فتحققوا أنه من عند الله، فآمنوا، كما أشار إليه بقوله: { وألقي السحرة ساجدين }.

الأعراف 7:117

قلت: من قرأ: أئن بهمزتين، فهو اسم استفهام، ومن قرأ بهمزة واحدة، فيحتمل أن يكون خبرا، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، أو استفهاما حذفت منه الهمزة، والتنكير للتعظيم، واستأنف الجملة، كأنها جواب عن سائل قال: فماذا قالوا إذ جاؤوا؟ قالوا: إن لنا لأجرا...الخ، وإنكم: عطف على ما سد مسده نعم، من تمام الجواب، كأنه قال: نعم نعطيكم الأجر ونقربكم. يقول الحق جل جلاله: { وجاء السحرة فرعون } بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم، { قالوا } لما وصلوا إليه: { إن } أئن { لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } إن لكم أجرا { وإنكم لمن المقربين } إلي. فأنعم لهم بالأجر، وزادهم التقريب منه والجاه عنده تحريضا لهم. واختلف في عدد السحرة اختلافا متباينا، من سبعين رجلا إلى سبعين ألفا، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل. ولما خرجوا إلى الصحراء لمقابلته { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين } خيروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، ولذلك عبروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم بالجملة الاسمية، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. ولذلك أسعفهم، { قال ألقوا } أسعفهم كرما ومسامحة وازدراء بهم، { فلما ألقوا سحروا أعين الناس } ، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر، { واسترهبوهم } أي: خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر، { وجاؤوا بسحر عظيم } في فنه. روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، كأنها حيات، ملأت الوادي، وركب بعضها بعضا. { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك } ، فألقاها، فصارت ثعبانا عظيما، على قدر الجبل، وقيل: إنه طال حتى جاوز النيل، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع { ما يأفكون } ما يزورونه من إفكهم وكذبهم، روي أنها لما ابتلعت حبالهم وعصيهم، وكانت ملأت الوادي، فابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت، فقال السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا. { فوقع الحق } أي: ثبت بظهور أمره، { وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } أي: صاروا أذلاء مبهوتين، أو انقلبوا إلى المدينة مقهورين. ولما رأى السحرة ذلك علموا أنه ليس من طوق البشر، وليس هو من السحر، فتحققوا أنه من عند الله، فآمنوا، كما أشار إليه بقوله: { وألقي السحرة ساجدين }.

الأعراف 7:118

قلت: من قرأ: أئن بهمزتين، فهو اسم استفهام، ومن قرأ بهمزة واحدة، فيحتمل أن يكون خبرا، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، أو استفهاما حذفت منه الهمزة، والتنكير للتعظيم، واستأنف الجملة، كأنها جواب عن سائل قال: فماذا قالوا إذ جاؤوا؟ قالوا: إن لنا لأجرا...الخ، وإنكم: عطف على ما سد مسده نعم، من تمام الجواب، كأنه قال: نعم نعطيكم الأجر ونقربكم. يقول الحق جل جلاله: { وجاء السحرة فرعون } بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم، { قالوا } لما وصلوا إليه: { إن } أئن { لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } إن لكم أجرا { وإنكم لمن المقربين } إلي. فأنعم لهم بالأجر، وزادهم التقريب منه والجاه عنده تحريضا لهم. واختلف في عدد السحرة اختلافا متباينا، من سبعين رجلا إلى سبعين ألفا، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل. ولما خرجوا إلى الصحراء لمقابلته { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين } خيروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، ولذلك عبروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم بالجملة الاسمية، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. ولذلك أسعفهم، { قال ألقوا } أسعفهم كرما ومسامحة وازدراء بهم، { فلما ألقوا سحروا أعين الناس } ، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر، { واسترهبوهم } أي: خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر، { وجاؤوا بسحر عظيم } في فنه. روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، كأنها حيات، ملأت الوادي، وركب بعضها بعضا. { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك } ، فألقاها، فصارت ثعبانا عظيما، على قدر الجبل، وقيل: إنه طال حتى جاوز النيل، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع { ما يأفكون } ما يزورونه من إفكهم وكذبهم، روي أنها لما ابتلعت حبالهم وعصيهم، وكانت ملأت الوادي، فابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت، فقال السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا. { فوقع الحق } أي: ثبت بظهور أمره، { وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } أي: صاروا أذلاء مبهوتين، أو انقلبوا إلى المدينة مقهورين. ولما رأى السحرة ذلك علموا أنه ليس من طوق البشر، وليس هو من السحر، فتحققوا أنه من عند الله، فآمنوا، كما أشار إليه بقوله: { وألقي السحرة ساجدين }.

الأعراف 7:119

قلت: من قرأ: أئن بهمزتين، فهو اسم استفهام، ومن قرأ بهمزة واحدة، فيحتمل أن يكون خبرا، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، أو استفهاما حذفت منه الهمزة، والتنكير للتعظيم، واستأنف الجملة، كأنها جواب عن سائل قال: فماذا قالوا إذ جاؤوا؟ قالوا: إن لنا لأجرا...الخ، وإنكم: عطف على ما سد مسده نعم، من تمام الجواب، كأنه قال: نعم نعطيكم الأجر ونقربكم. يقول الحق جل جلاله: { وجاء السحرة فرعون } بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم، { قالوا } لما وصلوا إليه: { إن } أئن { لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } إن لكم أجرا { وإنكم لمن المقربين } إلي. فأنعم لهم بالأجر، وزادهم التقريب منه والجاه عنده تحريضا لهم. واختلف في عدد السحرة اختلافا متباينا، من سبعين رجلا إلى سبعين ألفا، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل. ولما خرجوا إلى الصحراء لمقابلته { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين } خيروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، ولذلك عبروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم بالجملة الاسمية، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. ولذلك أسعفهم، { قال ألقوا } أسعفهم كرما ومسامحة وازدراء بهم، { فلما ألقوا سحروا أعين الناس } ، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر، { واسترهبوهم } أي: خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر، { وجاؤوا بسحر عظيم } في فنه. روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، كأنها حيات، ملأت الوادي، وركب بعضها بعضا. { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك } ، فألقاها، فصارت ثعبانا عظيما، على قدر الجبل، وقيل: إنه طال حتى جاوز النيل، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع { ما يأفكون } ما يزورونه من إفكهم وكذبهم، روي أنها لما ابتلعت حبالهم وعصيهم، وكانت ملأت الوادي، فابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت، فقال السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا. { فوقع الحق } أي: ثبت بظهور أمره، { وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } أي: صاروا أذلاء مبهوتين، أو انقلبوا إلى المدينة مقهورين. ولما رأى السحرة ذلك علموا أنه ليس من طوق البشر، وليس هو من السحر، فتحققوا أنه من عند الله، فآمنوا، كما أشار إليه بقوله: { وألقي السحرة ساجدين }.

الأعراف 7:120

يقول الحق جل جلاله: { وألقى السحرة } على وجوهم { ساجدين } لما عرفوا الحق وتحققوا به، فآمنوا لأن الحق بهرهم، واضطرهم إلى السجود بحيث لم يتمالكوا، أو ألهمهم الله ذلك وحملهم عليه، حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسف موسى، وينقلب الأمر عليه. { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. { قال فرعون آمنتم به } أي: بالله أو بموسى، { قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه } أي: إن هذه لحيلة صنعتموها أنتم وموسى { في المدينة } في مصر، ودبرتموها قبل أن تخرجوا للميعاد { لتخرجوا منها أهلها } أي: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، { فسوف تعلمون } عاقبة ما صنعتم. ثم فصل ما هددهم به، فقال: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } من كل شق عضو، كيد ورجل من كل واحد { ثم لأصلبنكم أجمعين } تفضيحا لكم وتنكيلا لأمثالكم، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكن روي عن ابن عباس وغيره أنه فعله. قيل: إنه أول من سن ذلك أي: القطع من خلاف فشرعه الله للقطاع تعظيما لجرمهم، فلذلك سماه الله محاربة لله ورسوله. { قالوا } أي: السحرة لما خوفهم: { إنا إلى ربنا منقلبون } بالموت، فيكرم مثوانا، فلا نبالي بوعيدك، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء، فهان عليهم وعيده، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فيحكم بيننا وبينك، { وما تنقم منا } أي: وما تعيب علينا { إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا } ، وهو لا يعاب عند العقلاء، لأنه خير الأعمال، وأصل المناقب ومحاسن الخلال، ثم فزعوا إلى الله فقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: اصبب علينا صبرا يغمرنا، كما يفرغ الماء على الشيء فيغمره، { وتوفنا مسلمين } ثابتين على الإسلام. قال البيضاوي: قيل إنه فعل بهم ذلك، وقيل: إنه لم يقدر عليه، لقوله: أنتما ومن اتبعكما الغالبون [القصص:35]. ه. وقد تقدم قول ابن عباس وغيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر من سبقت له العناية، هؤلاء السحرة جاؤوا يحادون الله فأمسوا أولياء الله، فكم من خصوص تخرج من اللصوص، وانظر أيضا صبرهم وثباتهم على دينهم، وعدم مبالاتهم بعدوهم، هكذا ينبغي أن يكون من مراده مولاه، لا يلتفت إلى شيء سواه، وعند هذه التصرفات يفتضح المدعون ويثبت الصادقون، عند الامتحان يعز المرء أو يهان. ثم قال تعالى في تتمة قصة موسى عليه السلام: { وقال الملأ من قوم فرعون }.

الأعراف 7:121

يقول الحق جل جلاله: { وألقى السحرة } على وجوهم { ساجدين } لما عرفوا الحق وتحققوا به، فآمنوا لأن الحق بهرهم، واضطرهم إلى السجود بحيث لم يتمالكوا، أو ألهمهم الله ذلك وحملهم عليه، حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسف موسى، وينقلب الأمر عليه. { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. { قال فرعون آمنتم به } أي: بالله أو بموسى، { قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه } أي: إن هذه لحيلة صنعتموها أنتم وموسى { في المدينة } في مصر، ودبرتموها قبل أن تخرجوا للميعاد { لتخرجوا منها أهلها } أي: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، { فسوف تعلمون } عاقبة ما صنعتم. ثم فصل ما هددهم به، فقال: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } من كل شق عضو، كيد ورجل من كل واحد { ثم لأصلبنكم أجمعين } تفضيحا لكم وتنكيلا لأمثالكم، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكن روي عن ابن عباس وغيره أنه فعله. قيل: إنه أول من سن ذلك أي: القطع من خلاف فشرعه الله للقطاع تعظيما لجرمهم، فلذلك سماه الله محاربة لله ورسوله. { قالوا } أي: السحرة لما خوفهم: { إنا إلى ربنا منقلبون } بالموت، فيكرم مثوانا، فلا نبالي بوعيدك، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء، فهان عليهم وعيده، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فيحكم بيننا وبينك، { وما تنقم منا } أي: وما تعيب علينا { إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا } ، وهو لا يعاب عند العقلاء، لأنه خير الأعمال، وأصل المناقب ومحاسن الخلال، ثم فزعوا إلى الله فقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: اصبب علينا صبرا يغمرنا، كما يفرغ الماء على الشيء فيغمره، { وتوفنا مسلمين } ثابتين على الإسلام. قال البيضاوي: قيل إنه فعل بهم ذلك، وقيل: إنه لم يقدر عليه، لقوله: أنتما ومن اتبعكما الغالبون [القصص:35]. ه. وقد تقدم قول ابن عباس وغيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر من سبقت له العناية، هؤلاء السحرة جاؤوا يحادون الله فأمسوا أولياء الله، فكم من خصوص تخرج من اللصوص، وانظر أيضا صبرهم وثباتهم على دينهم، وعدم مبالاتهم بعدوهم، هكذا ينبغي أن يكون من مراده مولاه، لا يلتفت إلى شيء سواه، وعند هذه التصرفات يفتضح المدعون ويثبت الصادقون، عند الامتحان يعز المرء أو يهان. ثم قال تعالى في تتمة قصة موسى عليه السلام: { وقال الملأ من قوم فرعون }.

الأعراف 7:122

يقول الحق جل جلاله: { وألقى السحرة } على وجوهم { ساجدين } لما عرفوا الحق وتحققوا به، فآمنوا لأن الحق بهرهم، واضطرهم إلى السجود بحيث لم يتمالكوا، أو ألهمهم الله ذلك وحملهم عليه، حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسف موسى، وينقلب الأمر عليه. { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. { قال فرعون آمنتم به } أي: بالله أو بموسى، { قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه } أي: إن هذه لحيلة صنعتموها أنتم وموسى { في المدينة } في مصر، ودبرتموها قبل أن تخرجوا للميعاد { لتخرجوا منها أهلها } أي: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، { فسوف تعلمون } عاقبة ما صنعتم. ثم فصل ما هددهم به، فقال: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } من كل شق عضو، كيد ورجل من كل واحد { ثم لأصلبنكم أجمعين } تفضيحا لكم وتنكيلا لأمثالكم، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكن روي عن ابن عباس وغيره أنه فعله. قيل: إنه أول من سن ذلك أي: القطع من خلاف فشرعه الله للقطاع تعظيما لجرمهم، فلذلك سماه الله محاربة لله ورسوله. { قالوا } أي: السحرة لما خوفهم: { إنا إلى ربنا منقلبون } بالموت، فيكرم مثوانا، فلا نبالي بوعيدك، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء، فهان عليهم وعيده، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فيحكم بيننا وبينك، { وما تنقم منا } أي: وما تعيب علينا { إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا } ، وهو لا يعاب عند العقلاء، لأنه خير الأعمال، وأصل المناقب ومحاسن الخلال، ثم فزعوا إلى الله فقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: اصبب علينا صبرا يغمرنا، كما يفرغ الماء على الشيء فيغمره، { وتوفنا مسلمين } ثابتين على الإسلام. قال البيضاوي: قيل إنه فعل بهم ذلك، وقيل: إنه لم يقدر عليه، لقوله: أنتما ومن اتبعكما الغالبون [القصص:35]. ه. وقد تقدم قول ابن عباس وغيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر من سبقت له العناية، هؤلاء السحرة جاؤوا يحادون الله فأمسوا أولياء الله، فكم من خصوص تخرج من اللصوص، وانظر أيضا صبرهم وثباتهم على دينهم، وعدم مبالاتهم بعدوهم، هكذا ينبغي أن يكون من مراده مولاه، لا يلتفت إلى شيء سواه، وعند هذه التصرفات يفتضح المدعون ويثبت الصادقون، عند الامتحان يعز المرء أو يهان. ثم قال تعالى في تتمة قصة موسى عليه السلام: { وقال الملأ من قوم فرعون }.

الأعراف 7:123

يقول الحق جل جلاله: { وألقى السحرة } على وجوهم { ساجدين } لما عرفوا الحق وتحققوا به، فآمنوا لأن الحق بهرهم، واضطرهم إلى السجود بحيث لم يتمالكوا، أو ألهمهم الله ذلك وحملهم عليه، حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسف موسى، وينقلب الأمر عليه. { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. { قال فرعون آمنتم به } أي: بالله أو بموسى، { قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه } أي: إن هذه لحيلة صنعتموها أنتم وموسى { في المدينة } في مصر، ودبرتموها قبل أن تخرجوا للميعاد { لتخرجوا منها أهلها } أي: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، { فسوف تعلمون } عاقبة ما صنعتم. ثم فصل ما هددهم به، فقال: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } من كل شق عضو، كيد ورجل من كل واحد { ثم لأصلبنكم أجمعين } تفضيحا لكم وتنكيلا لأمثالكم، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكن روي عن ابن عباس وغيره أنه فعله. قيل: إنه أول من سن ذلك أي: القطع من خلاف فشرعه الله للقطاع تعظيما لجرمهم، فلذلك سماه الله محاربة لله ورسوله. { قالوا } أي: السحرة لما خوفهم: { إنا إلى ربنا منقلبون } بالموت، فيكرم مثوانا، فلا نبالي بوعيدك، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء، فهان عليهم وعيده، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فيحكم بيننا وبينك، { وما تنقم منا } أي: وما تعيب علينا { إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا } ، وهو لا يعاب عند العقلاء، لأنه خير الأعمال، وأصل المناقب ومحاسن الخلال، ثم فزعوا إلى الله فقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: اصبب علينا صبرا يغمرنا، كما يفرغ الماء على الشيء فيغمره، { وتوفنا مسلمين } ثابتين على الإسلام. قال البيضاوي: قيل إنه فعل بهم ذلك، وقيل: إنه لم يقدر عليه، لقوله: أنتما ومن اتبعكما الغالبون [القصص:35]. ه. وقد تقدم قول ابن عباس وغيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر من سبقت له العناية، هؤلاء السحرة جاؤوا يحادون الله فأمسوا أولياء الله، فكم من خصوص تخرج من اللصوص، وانظر أيضا صبرهم وثباتهم على دينهم، وعدم مبالاتهم بعدوهم، هكذا ينبغي أن يكون من مراده مولاه، لا يلتفت إلى شيء سواه، وعند هذه التصرفات يفتضح المدعون ويثبت الصادقون، عند الامتحان يعز المرء أو يهان. ثم قال تعالى في تتمة قصة موسى عليه السلام: { وقال الملأ من قوم فرعون }.

الأعراف 7:124

يقول الحق جل جلاله: { وألقى السحرة } على وجوهم { ساجدين } لما عرفوا الحق وتحققوا به، فآمنوا لأن الحق بهرهم، واضطرهم إلى السجود بحيث لم يتمالكوا، أو ألهمهم الله ذلك وحملهم عليه، حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسف موسى، وينقلب الأمر عليه. { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. { قال فرعون آمنتم به } أي: بالله أو بموسى، { قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه } أي: إن هذه لحيلة صنعتموها أنتم وموسى { في المدينة } في مصر، ودبرتموها قبل أن تخرجوا للميعاد { لتخرجوا منها أهلها } أي: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، { فسوف تعلمون } عاقبة ما صنعتم. ثم فصل ما هددهم به، فقال: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } من كل شق عضو، كيد ورجل من كل واحد { ثم لأصلبنكم أجمعين } تفضيحا لكم وتنكيلا لأمثالكم، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكن روي عن ابن عباس وغيره أنه فعله. قيل: إنه أول من سن ذلك أي: القطع من خلاف فشرعه الله للقطاع تعظيما لجرمهم، فلذلك سماه الله محاربة لله ورسوله. { قالوا } أي: السحرة لما خوفهم: { إنا إلى ربنا منقلبون } بالموت، فيكرم مثوانا، فلا نبالي بوعيدك، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء، فهان عليهم وعيده، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فيحكم بيننا وبينك، { وما تنقم منا } أي: وما تعيب علينا { إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا } ، وهو لا يعاب عند العقلاء، لأنه خير الأعمال، وأصل المناقب ومحاسن الخلال، ثم فزعوا إلى الله فقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: اصبب علينا صبرا يغمرنا، كما يفرغ الماء على الشيء فيغمره، { وتوفنا مسلمين } ثابتين على الإسلام. قال البيضاوي: قيل إنه فعل بهم ذلك، وقيل: إنه لم يقدر عليه، لقوله: أنتما ومن اتبعكما الغالبون [القصص:35]. ه. وقد تقدم قول ابن عباس وغيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر من سبقت له العناية، هؤلاء السحرة جاؤوا يحادون الله فأمسوا أولياء الله، فكم من خصوص تخرج من اللصوص، وانظر أيضا صبرهم وثباتهم على دينهم، وعدم مبالاتهم بعدوهم، هكذا ينبغي أن يكون من مراده مولاه، لا يلتفت إلى شيء سواه، وعند هذه التصرفات يفتضح المدعون ويثبت الصادقون، عند الامتحان يعز المرء أو يهان. ثم قال تعالى في تتمة قصة موسى عليه السلام: { وقال الملأ من قوم فرعون }.

الأعراف 7:125

يقول الحق جل جلاله: { وألقى السحرة } على وجوهم { ساجدين } لما عرفوا الحق وتحققوا به، فآمنوا لأن الحق بهرهم، واضطرهم إلى السجود بحيث لم يتمالكوا، أو ألهمهم الله ذلك وحملهم عليه، حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسف موسى، وينقلب الأمر عليه. { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. { قال فرعون آمنتم به } أي: بالله أو بموسى، { قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه } أي: إن هذه لحيلة صنعتموها أنتم وموسى { في المدينة } في مصر، ودبرتموها قبل أن تخرجوا للميعاد { لتخرجوا منها أهلها } أي: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، { فسوف تعلمون } عاقبة ما صنعتم. ثم فصل ما هددهم به، فقال: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } من كل شق عضو، كيد ورجل من كل واحد { ثم لأصلبنكم أجمعين } تفضيحا لكم وتنكيلا لأمثالكم، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكن روي عن ابن عباس وغيره أنه فعله. قيل: إنه أول من سن ذلك أي: القطع من خلاف فشرعه الله للقطاع تعظيما لجرمهم، فلذلك سماه الله محاربة لله ورسوله. { قالوا } أي: السحرة لما خوفهم: { إنا إلى ربنا منقلبون } بالموت، فيكرم مثوانا، فلا نبالي بوعيدك، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء، فهان عليهم وعيده، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فيحكم بيننا وبينك، { وما تنقم منا } أي: وما تعيب علينا { إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا } ، وهو لا يعاب عند العقلاء، لأنه خير الأعمال، وأصل المناقب ومحاسن الخلال، ثم فزعوا إلى الله فقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: اصبب علينا صبرا يغمرنا، كما يفرغ الماء على الشيء فيغمره، { وتوفنا مسلمين } ثابتين على الإسلام. قال البيضاوي: قيل إنه فعل بهم ذلك، وقيل: إنه لم يقدر عليه، لقوله: أنتما ومن اتبعكما الغالبون [القصص:35]. ه. وقد تقدم قول ابن عباس وغيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر من سبقت له العناية، هؤلاء السحرة جاؤوا يحادون الله فأمسوا أولياء الله، فكم من خصوص تخرج من اللصوص، وانظر أيضا صبرهم وثباتهم على دينهم، وعدم مبالاتهم بعدوهم، هكذا ينبغي أن يكون من مراده مولاه، لا يلتفت إلى شيء سواه، وعند هذه التصرفات يفتضح المدعون ويثبت الصادقون، عند الامتحان يعز المرء أو يهان. ثم قال تعالى في تتمة قصة موسى عليه السلام: { وقال الملأ من قوم فرعون }.

الأعراف 7:126

يقول الحق جل جلاله: { وألقى السحرة } على وجوهم { ساجدين } لما عرفوا الحق وتحققوا به، فآمنوا لأن الحق بهرهم، واضطرهم إلى السجود بحيث لم يتمالكوا، أو ألهمهم الله ذلك وحملهم عليه، حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسف موسى، وينقلب الأمر عليه. { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. { قال فرعون آمنتم به } أي: بالله أو بموسى، { قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه } أي: إن هذه لحيلة صنعتموها أنتم وموسى { في المدينة } في مصر، ودبرتموها قبل أن تخرجوا للميعاد { لتخرجوا منها أهلها } أي: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، { فسوف تعلمون } عاقبة ما صنعتم. ثم فصل ما هددهم به، فقال: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } من كل شق عضو، كيد ورجل من كل واحد { ثم لأصلبنكم أجمعين } تفضيحا لكم وتنكيلا لأمثالكم، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكن روي عن ابن عباس وغيره أنه فعله. قيل: إنه أول من سن ذلك أي: القطع من خلاف فشرعه الله للقطاع تعظيما لجرمهم، فلذلك سماه الله محاربة لله ورسوله. { قالوا } أي: السحرة لما خوفهم: { إنا إلى ربنا منقلبون } بالموت، فيكرم مثوانا، فلا نبالي بوعيدك، كأنهم اشتاقوا إلى اللقاء، فهان عليهم وعيده، أو إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فيحكم بيننا وبينك، { وما تنقم منا } أي: وما تعيب علينا { إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا } ، وهو لا يعاب عند العقلاء، لأنه خير الأعمال، وأصل المناقب ومحاسن الخلال، ثم فزعوا إلى الله فقالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: اصبب علينا صبرا يغمرنا، كما يفرغ الماء على الشيء فيغمره، { وتوفنا مسلمين } ثابتين على الإسلام. قال البيضاوي: قيل إنه فعل بهم ذلك، وقيل: إنه لم يقدر عليه، لقوله: أنتما ومن اتبعكما الغالبون [القصص:35]. ه. وقد تقدم قول ابن عباس وغيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر من سبقت له العناية، هؤلاء السحرة جاؤوا يحادون الله فأمسوا أولياء الله، فكم من خصوص تخرج من اللصوص، وانظر أيضا صبرهم وثباتهم على دينهم، وعدم مبالاتهم بعدوهم، هكذا ينبغي أن يكون من مراده مولاه، لا يلتفت إلى شيء سواه، وعند هذه التصرفات يفتضح المدعون ويثبت الصادقون، عند الامتحان يعز المرء أو يهان. ثم قال تعالى في تتمة قصة موسى عليه السلام: { وقال الملأ من قوم فرعون }.

الأعراف 7:127

يقول الحق جل جلاله: { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه } أي: تتركهم يخالفون دينك { ليفسدوا في الأرض } أي: يخربوا ملكك بتغيير دينك ودعوتهم إلى مخالفتك، { ويذرك وآلهتك } أي: يترك موسى دينك ومعبوداتك التي تعبد، قيل: كان يعبد الكواكب، وقيل: صنع لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها تقربا إليه. ولذلك قال: أنا ربكم الأعلى [النازعات:24]. قال فرعون في جوابهم: { سنقتل أبناءهم } أي: ذكورهم { ونستحي نساءهم } أي: بناتهم، كما كنا نفعل من قبل، ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه. { وإنا فوقهم قاهرون } غالبون، وهم مقهورون تحت أيدينا. { قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا } ، قاله تسكينا لهم حين سمعوا قول فرعون وما هددهم به، ثم قال لهم: { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده } وسيورثها لكم إن صبرتم وآمنتم. { والعاقبة للمتقين } ، فتكون العاقبة لكم إن اتقيتم، وهو وعد لهم بالنصر والعز، وتذكير بما وعدم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وملكهم. { قالوا } أي: بنوا إسرائيل: { أوذينا من قبل أن تأتينا } بقتل الأبناء، { ومن بعد ما جئتنا } بإعادته، فلم يرتفع عنا الذل بمجيئك، { قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض } ، تصريحا بما كنى عنه أولا، لما رأى أنهم لم يتسلوا بذلك، ولعله أتى بحرف الطمع، أي: الترجي لعدم جزمه بأنهم المستخلفون بأعيانهم، أو أولادهم، وقد روي أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود عليه السلام، قاله البيضاوي. { فينظر كيف تعملون } أي: فإذا استخلفكم يرى ما تعملون من شكر أو كفران، أو طاعة أو عصيان، فيجازيكم على حسب ما يوجد منكم من كفر أو إحسان. الإشارة: ما وقع للأنبياء مع قومهم وقع مثله لأشياخ هذه الأمة وفقرائها مع أهل زمانهم، ولما كثرت الأحوال من الفقر أو خرق العوائد، وظهروا بتخريب ظواهرهم، وقعت بهم الشكاية إلى السلطان، وقالوا له: هؤلاء يخربون ملكك، فآل على نفسه إن مكنه الله منهم لا يترك منهم أحدا، فكفى الله بأسه، فاستعانوا بالله وصبروا، واشتغلوا بذكر الله، وغابوا عمن سواه، فكانت العاقبة للمتقين. ثم ذكر ابتلاءه لقوم فرعون، فقال: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين }.

الأعراف 7:128

يقول الحق جل جلاله: { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه } أي: تتركهم يخالفون دينك { ليفسدوا في الأرض } أي: يخربوا ملكك بتغيير دينك ودعوتهم إلى مخالفتك، { ويذرك وآلهتك } أي: يترك موسى دينك ومعبوداتك التي تعبد، قيل: كان يعبد الكواكب، وقيل: صنع لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها تقربا إليه. ولذلك قال: أنا ربكم الأعلى [النازعات:24]. قال فرعون في جوابهم: { سنقتل أبناءهم } أي: ذكورهم { ونستحي نساءهم } أي: بناتهم، كما كنا نفعل من قبل، ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه. { وإنا فوقهم قاهرون } غالبون، وهم مقهورون تحت أيدينا. { قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا } ، قاله تسكينا لهم حين سمعوا قول فرعون وما هددهم به، ثم قال لهم: { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده } وسيورثها لكم إن صبرتم وآمنتم. { والعاقبة للمتقين } ، فتكون العاقبة لكم إن اتقيتم، وهو وعد لهم بالنصر والعز، وتذكير بما وعدم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وملكهم. { قالوا } أي: بنوا إسرائيل: { أوذينا من قبل أن تأتينا } بقتل الأبناء، { ومن بعد ما جئتنا } بإعادته، فلم يرتفع عنا الذل بمجيئك، { قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض } ، تصريحا بما كنى عنه أولا، لما رأى أنهم لم يتسلوا بذلك، ولعله أتى بحرف الطمع، أي: الترجي لعدم جزمه بأنهم المستخلفون بأعيانهم، أو أولادهم، وقد روي أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود عليه السلام، قاله البيضاوي. { فينظر كيف تعملون } أي: فإذا استخلفكم يرى ما تعملون من شكر أو كفران، أو طاعة أو عصيان، فيجازيكم على حسب ما يوجد منكم من كفر أو إحسان. الإشارة: ما وقع للأنبياء مع قومهم وقع مثله لأشياخ هذه الأمة وفقرائها مع أهل زمانهم، ولما كثرت الأحوال من الفقر أو خرق العوائد، وظهروا بتخريب ظواهرهم، وقعت بهم الشكاية إلى السلطان، وقالوا له: هؤلاء يخربون ملكك، فآل على نفسه إن مكنه الله منهم لا يترك منهم أحدا، فكفى الله بأسه، فاستعانوا بالله وصبروا، واشتغلوا بذكر الله، وغابوا عمن سواه، فكانت العاقبة للمتقين. ثم ذكر ابتلاءه لقوم فرعون، فقال: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين }.

الأعراف 7:129

يقول الحق جل جلاله: { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه } أي: تتركهم يخالفون دينك { ليفسدوا في الأرض } أي: يخربوا ملكك بتغيير دينك ودعوتهم إلى مخالفتك، { ويذرك وآلهتك } أي: يترك موسى دينك ومعبوداتك التي تعبد، قيل: كان يعبد الكواكب، وقيل: صنع لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها تقربا إليه. ولذلك قال: أنا ربكم الأعلى [النازعات:24]. قال فرعون في جوابهم: { سنقتل أبناءهم } أي: ذكورهم { ونستحي نساءهم } أي: بناتهم، كما كنا نفعل من قبل، ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه. { وإنا فوقهم قاهرون } غالبون، وهم مقهورون تحت أيدينا. { قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا } ، قاله تسكينا لهم حين سمعوا قول فرعون وما هددهم به، ثم قال لهم: { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده } وسيورثها لكم إن صبرتم وآمنتم. { والعاقبة للمتقين } ، فتكون العاقبة لكم إن اتقيتم، وهو وعد لهم بالنصر والعز، وتذكير بما وعدم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وملكهم. { قالوا } أي: بنوا إسرائيل: { أوذينا من قبل أن تأتينا } بقتل الأبناء، { ومن بعد ما جئتنا } بإعادته، فلم يرتفع عنا الذل بمجيئك، { قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض } ، تصريحا بما كنى عنه أولا، لما رأى أنهم لم يتسلوا بذلك، ولعله أتى بحرف الطمع، أي: الترجي لعدم جزمه بأنهم المستخلفون بأعيانهم، أو أولادهم، وقد روي أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود عليه السلام، قاله البيضاوي. { فينظر كيف تعملون } أي: فإذا استخلفكم يرى ما تعملون من شكر أو كفران، أو طاعة أو عصيان، فيجازيكم على حسب ما يوجد منكم من كفر أو إحسان. الإشارة: ما وقع للأنبياء مع قومهم وقع مثله لأشياخ هذه الأمة وفقرائها مع أهل زمانهم، ولما كثرت الأحوال من الفقر أو خرق العوائد، وظهروا بتخريب ظواهرهم، وقعت بهم الشكاية إلى السلطان، وقالوا له: هؤلاء يخربون ملكك، فآل على نفسه إن مكنه الله منهم لا يترك منهم أحدا، فكفى الله بأسه، فاستعانوا بالله وصبروا، واشتغلوا بذكر الله، وغابوا عمن سواه، فكانت العاقبة للمتقين. ثم ذكر ابتلاءه لقوم فرعون، فقال: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين }.

الأعراف 7:130

قلت: عبر في جانب الحسنة بإذاء المفيدة للتحقيق، وعرف الحسنة لكثرة وقوعها، وعبر في جانب السيئة بإن المفيدة للشك، ونكر السيئة لندورها. يقول الحق جل جلاله: { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين } أي: بالجدب والقحط لقلة الأمطار والمياه، { ونقص من الثمرات } بكثرة العاهات، { لعلهم يذكرون } أي: لكي ينتبهوا أن ذلك من شؤم كفرهم ومعاصيهم، ويتعظوا، وترق قلوبهم بالشدائد، فيفزعوا إلى الله، ويرغبوا فيما عنده. { فإذا جاءتهم الحسنة } ، من الخصب والسعة والرخاء، { قالوا لنا هذه } أي: قالوا: هذه لنا ولسعودنا، ونحن مستحقون له. { وإن تصبهم سيئة }: جدب وبلاء { يطيروا بموسى ومن معه } أي: يتشاءموا بهم، ويقولون: ما أصابتنا إلا بشؤمهم، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة فإن الشدائد ترقق القلوب، وتذلل العرائك أي: الطبائع، وتزيل التماسك، سيما بعد مشاهدة الآيات، وهي لم تؤثر فيهم، بل زادوا عندها عتوا وانهماكا في الغي. قال تعالى: { ألا إنما طائرهم عند الله } أي: سبب طائرهم وشرهم عنده، وهو حكمه ومشيئه، أو سبب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها التي ساقت إليهم ما يسؤوهم. قال ابن جزي: أي: حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند الله، وهو مأخوذ من زجر الطير، ثم سمى به ما يصيب الإنسان، ومقصود الآية: الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم. ه، { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن ما يصيبهم من الله تعالى بلا واسطة، أو من شؤم أعمالهم. الإشارة: هذه الخصلة جارية أيضا في هذه الأمة، أعني التطاير، ترى العوام إذا نزل بهم بلاء أو شدة قالوا: بظهور هؤلاء وقع بنا ما وقع، ولقد سمعت ممن حكى لي هذه المقالة عن العامة وقت ابتداء ظهور الفقراء، وذلك أنهم آذوهم أذى شديدا، فأرسل الله عليهم كثرة الأمطار كادت أن تكون طوفانا، فقالوا: ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذه المرقعات التي ظهرت، ولم يدروا أن ذلك منهم لإذايتهم أهل الله. والله تعالى أعلم. ثم ذكر عتو آل فرعون، وعقوبته لهم، فقال: { وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا }.

الأعراف 7:131

قلت: عبر في جانب الحسنة بإذاء المفيدة للتحقيق، وعرف الحسنة لكثرة وقوعها، وعبر في جانب السيئة بإن المفيدة للشك، ونكر السيئة لندورها. يقول الحق جل جلاله: { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين } أي: بالجدب والقحط لقلة الأمطار والمياه، { ونقص من الثمرات } بكثرة العاهات، { لعلهم يذكرون } أي: لكي ينتبهوا أن ذلك من شؤم كفرهم ومعاصيهم، ويتعظوا، وترق قلوبهم بالشدائد، فيفزعوا إلى الله، ويرغبوا فيما عنده. { فإذا جاءتهم الحسنة } ، من الخصب والسعة والرخاء، { قالوا لنا هذه } أي: قالوا: هذه لنا ولسعودنا، ونحن مستحقون له. { وإن تصبهم سيئة }: جدب وبلاء { يطيروا بموسى ومن معه } أي: يتشاءموا بهم، ويقولون: ما أصابتنا إلا بشؤمهم، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة فإن الشدائد ترقق القلوب، وتذلل العرائك أي: الطبائع، وتزيل التماسك، سيما بعد مشاهدة الآيات، وهي لم تؤثر فيهم، بل زادوا عندها عتوا وانهماكا في الغي. قال تعالى: { ألا إنما طائرهم عند الله } أي: سبب طائرهم وشرهم عنده، وهو حكمه ومشيئه، أو سبب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها التي ساقت إليهم ما يسؤوهم. قال ابن جزي: أي: حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند الله، وهو مأخوذ من زجر الطير، ثم سمى به ما يصيب الإنسان، ومقصود الآية: الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم. ه، { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن ما يصيبهم من الله تعالى بلا واسطة، أو من شؤم أعمالهم. الإشارة: هذه الخصلة جارية أيضا في هذه الأمة، أعني التطاير، ترى العوام إذا نزل بهم بلاء أو شدة قالوا: بظهور هؤلاء وقع بنا ما وقع، ولقد سمعت ممن حكى لي هذه المقالة عن العامة وقت ابتداء ظهور الفقراء، وذلك أنهم آذوهم أذى شديدا، فأرسل الله عليهم كثرة الأمطار كادت أن تكون طوفانا، فقالوا: ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذه المرقعات التي ظهرت، ولم يدروا أن ذلك منهم لإذايتهم أهل الله. والله تعالى أعلم. ثم ذكر عتو آل فرعون، وعقوبته لهم، فقال: { وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا }.

الأعراف 7:132

قلت: { مهما }: اسم شرط جازم، و { تأتنا }: شرطها، وجملة { فما نحن }:جوابها، قيل: مركبة، وأصلها: " ما " الشرطية، ضمت إليها " ما " الزائدة، نحو: أينما، ثم قلبت الألف هاء، والمشهور: أنها بسيطة، ومحلها: رفع بالابتداء، أو نصب بفعل يفسره: " تأتنا " والضمير في: " به " عائد على " مهما ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: فرعون وقومه: { مهما تأتنا به من آية } ، وإنما سموها آية على زعم موسى، لا لاعتقادهم، ولذلك قالوا: { لتسحرنا بها } أي: لتسحر بها أعيينا وتشبه علينا، { فما نحن لك بمؤمنين }. وهذا من عظيم عتوهم وانهماكهم في الكفر. قال تعالى: { فأرسلنا عليهم الطوفان } وهو مطر شديد نزل بهم مع فيض النيل، حتى هدم بيوتهم وكادوا يهلكون، وامتنعوا من الزراعة، وقيل: الطاعون، وقيل: الجدري، وقيل الموتان، { والجراد } وهو المعروف، أكل زروعهم وثمارهم، حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم، { والقمل } قيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، وقيل: البراغيث، وقيل السوس، والتحقيق: أنه صغار القراد، دخل ثيابهم وشعورهم ولحاهم، وقرىء: " القمل " بفتح القاف وهو القمل المعروف، دخل ثيابهم وامتلأت منها، { والضفادع } ، وهي المعروفة، كثرت عندهم حتى امتلأت بها فروشهم وأوانيهم، وإذا تكلم أحدهم وثب الضفدع إلى فيه. { والدم } صارت مياههم دما، فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد، فيخرج ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء. قال البيضاوي: روي أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل متصلة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركب على أرضهم فمنعتهم من الحرث والتصرف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعا، فقالوا لموسى عليه السلام: أدع لنا ربك بما عهد عندك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا الله فكشف عنهم، ونبت لهم من الكلأ والزرع والثمار ما لم يعهد مثله، ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زرعهم وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ففزعوا إليه ثانيا، فدعا، وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها، فلم يؤمنوا، فسلط عليهم القمل وأكل ما أبقاه الجراد، فكان يقع في أطعمتهم ويدخل في ثيابهم وجلودهم فيمصها، ففزعوا إليه فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا ينكشف ثوب ولا طعام إلا وجدت فيه، وكانت تملأ مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وأفواههم عند التكلم، ففزعوا وتضرعوا، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دما، حتى يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على الماء، فيكون ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإسرائيلي فيصير دما في فيه، وقيل: سلط عليهم الرعاف. ه. { آيات } أي: حال كون ما تقدم آيات { مفصلات } ، مبينات، لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته. قيل: كان بين كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة أسبوعا، وقيل: إن موسى ثبت فيهم، بعد ما غلب السحرة، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل، { فاستكبروا } عن الإيمان { وكانوا قوما مجرمين } أي: عادتهم الإجرام. { ولما وقع عليهم الرجز } يعني: العذاب المفصل، أو الطاعون الذي أرسله عليهم بعد ذلك، { قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } أي: بعهده عندك، وهو النبوة، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والمعنى: ادع الله متوسلا إليه بما عهد عندك من النبوة والجاه، أو بدعائك إليه ووسائلك، { لئن كشفت عنا الرجز }: العذاب { لنؤمنن لك } أي: أقسمنا بعهد الله لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك { ولنرسلن معك بني إسرائيل } كما طلبت، قال تعالى: { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه } إلى حد من الزمان هم بالغوه ثم يهلكون، وهو وقت الغرق أو الموت، وقيل: إلى أجل عينوه لإيمانهم، { إذا هم ينكثون } جواب " لما " أي: فلما كشفنا عنهم جاؤوا بالنكث من غير تأمل ولا توقف، { فانتقمنا منهم } أي: فأردنا الانتقام منهم، { فأغرقناهم في اليم } أي: البحر الذي لا يدرك قعره أو لجته، { بأنهم } أي: بسبب أنهم { كذبوا بآياتنا } التي أرسلناها عليهم. { وكانوا عنها غافلين } أي: أغرقناهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها. { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } بالاستعباد وذبح الأبناء { مشارق الإرض ومغاربها } يعني: أرض الشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكنوا من نواحيها { التي باركنا فيها } بالخصب وسعة العيش، وهي أرض الشام. وزاد ابن جزي: ومصر. { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل } أي: نفذت ومضت واستقرت، والكلمة هنا: ما قضى في الأزل من إنقاذهم من عدوهم، وقيل: قوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض [القصص:5] وكانت حسنى لما فيها من النصر والعز، { بما صبروا } أي: بسبب صبرهم على الشدائد { ودمرنا } أي: خربنا { ما كان يصنع فرعون وقومه } من القصور والعمارات، { وما كانوا يعرشون } من البنيان المرتفع كصرح هامان، أو ما كانوا يرفعون من الكروم في البساتين على العرشان، فالأول من العرش والثاني من العريش. الإشارة: قد جرت عادة الله في خلقه أن يظهر الخواص من عباده، فينكروا أو يستضعفوا، حتى إذا طهروا من البقايا وتمكنوا من شهود الحق، من الله عليهم بالعز والنصر والتمكين، فمنهم من يمكن من التصرف في الحس والمعنى، ويقره الوجود بأسره، ومنهم من يمكن من التصرف في الكون بهمته، ولكنه تحت أستار الخمول، لا يعرفه إلا من اصطفاه لحضرته، وهذا من شهداء الملكوت، ضن به الحق تعالى فلم يظهره لخلقه. والله تعالى أعلم وأحكم. ثم ذكر نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وخروجهم إلى الشام، فقال: { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر }.

الأعراف 7:133

قلت: { مهما }: اسم شرط جازم، و { تأتنا }: شرطها، وجملة { فما نحن }:جوابها، قيل: مركبة، وأصلها: " ما " الشرطية، ضمت إليها " ما " الزائدة، نحو: أينما، ثم قلبت الألف هاء، والمشهور: أنها بسيطة، ومحلها: رفع بالابتداء، أو نصب بفعل يفسره: " تأتنا " والضمير في: " به " عائد على " مهما ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: فرعون وقومه: { مهما تأتنا به من آية } ، وإنما سموها آية على زعم موسى، لا لاعتقادهم، ولذلك قالوا: { لتسحرنا بها } أي: لتسحر بها أعيينا وتشبه علينا، { فما نحن لك بمؤمنين }. وهذا من عظيم عتوهم وانهماكهم في الكفر. قال تعالى: { فأرسلنا عليهم الطوفان } وهو مطر شديد نزل بهم مع فيض النيل، حتى هدم بيوتهم وكادوا يهلكون، وامتنعوا من الزراعة، وقيل: الطاعون، وقيل: الجدري، وقيل الموتان، { والجراد } وهو المعروف، أكل زروعهم وثمارهم، حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم، { والقمل } قيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، وقيل: البراغيث، وقيل السوس، والتحقيق: أنه صغار القراد، دخل ثيابهم وشعورهم ولحاهم، وقرىء: " القمل " بفتح القاف وهو القمل المعروف، دخل ثيابهم وامتلأت منها، { والضفادع } ، وهي المعروفة، كثرت عندهم حتى امتلأت بها فروشهم وأوانيهم، وإذا تكلم أحدهم وثب الضفدع إلى فيه. { والدم } صارت مياههم دما، فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد، فيخرج ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء. قال البيضاوي: روي أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل متصلة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركب على أرضهم فمنعتهم من الحرث والتصرف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعا، فقالوا لموسى عليه السلام: أدع لنا ربك بما عهد عندك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا الله فكشف عنهم، ونبت لهم من الكلأ والزرع والثمار ما لم يعهد مثله، ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زرعهم وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ففزعوا إليه ثانيا، فدعا، وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها، فلم يؤمنوا، فسلط عليهم القمل وأكل ما أبقاه الجراد، فكان يقع في أطعمتهم ويدخل في ثيابهم وجلودهم فيمصها، ففزعوا إليه فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا ينكشف ثوب ولا طعام إلا وجدت فيه، وكانت تملأ مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وأفواههم عند التكلم، ففزعوا وتضرعوا، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دما، حتى يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على الماء، فيكون ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإسرائيلي فيصير دما في فيه، وقيل: سلط عليهم الرعاف. ه. { آيات } أي: حال كون ما تقدم آيات { مفصلات } ، مبينات، لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته. قيل: كان بين كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة أسبوعا، وقيل: إن موسى ثبت فيهم، بعد ما غلب السحرة، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل، { فاستكبروا } عن الإيمان { وكانوا قوما مجرمين } أي: عادتهم الإجرام. { ولما وقع عليهم الرجز } يعني: العذاب المفصل، أو الطاعون الذي أرسله عليهم بعد ذلك، { قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } أي: بعهده عندك، وهو النبوة، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والمعنى: ادع الله متوسلا إليه بما عهد عندك من النبوة والجاه، أو بدعائك إليه ووسائلك، { لئن كشفت عنا الرجز }: العذاب { لنؤمنن لك } أي: أقسمنا بعهد الله لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك { ولنرسلن معك بني إسرائيل } كما طلبت، قال تعالى: { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه } إلى حد من الزمان هم بالغوه ثم يهلكون، وهو وقت الغرق أو الموت، وقيل: إلى أجل عينوه لإيمانهم، { إذا هم ينكثون } جواب " لما " أي: فلما كشفنا عنهم جاؤوا بالنكث من غير تأمل ولا توقف، { فانتقمنا منهم } أي: فأردنا الانتقام منهم، { فأغرقناهم في اليم } أي: البحر الذي لا يدرك قعره أو لجته، { بأنهم } أي: بسبب أنهم { كذبوا بآياتنا } التي أرسلناها عليهم. { وكانوا عنها غافلين } أي: أغرقناهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها. { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } بالاستعباد وذبح الأبناء { مشارق الإرض ومغاربها } يعني: أرض الشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكنوا من نواحيها { التي باركنا فيها } بالخصب وسعة العيش، وهي أرض الشام. وزاد ابن جزي: ومصر. { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل } أي: نفذت ومضت واستقرت، والكلمة هنا: ما قضى في الأزل من إنقاذهم من عدوهم، وقيل: قوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض [القصص:5] وكانت حسنى لما فيها من النصر والعز، { بما صبروا } أي: بسبب صبرهم على الشدائد { ودمرنا } أي: خربنا { ما كان يصنع فرعون وقومه } من القصور والعمارات، { وما كانوا يعرشون } من البنيان المرتفع كصرح هامان، أو ما كانوا يرفعون من الكروم في البساتين على العرشان، فالأول من العرش والثاني من العريش. الإشارة: قد جرت عادة الله في خلقه أن يظهر الخواص من عباده، فينكروا أو يستضعفوا، حتى إذا طهروا من البقايا وتمكنوا من شهود الحق، من الله عليهم بالعز والنصر والتمكين، فمنهم من يمكن من التصرف في الحس والمعنى، ويقره الوجود بأسره، ومنهم من يمكن من التصرف في الكون بهمته، ولكنه تحت أستار الخمول، لا يعرفه إلا من اصطفاه لحضرته، وهذا من شهداء الملكوت، ضن به الحق تعالى فلم يظهره لخلقه. والله تعالى أعلم وأحكم. ثم ذكر نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وخروجهم إلى الشام، فقال: { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر }.

الأعراف 7:134

قلت: { مهما }: اسم شرط جازم، و { تأتنا }: شرطها، وجملة { فما نحن }:جوابها، قيل: مركبة، وأصلها: " ما " الشرطية، ضمت إليها " ما " الزائدة، نحو: أينما، ثم قلبت الألف هاء، والمشهور: أنها بسيطة، ومحلها: رفع بالابتداء، أو نصب بفعل يفسره: " تأتنا " والضمير في: " به " عائد على " مهما ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: فرعون وقومه: { مهما تأتنا به من آية } ، وإنما سموها آية على زعم موسى، لا لاعتقادهم، ولذلك قالوا: { لتسحرنا بها } أي: لتسحر بها أعيينا وتشبه علينا، { فما نحن لك بمؤمنين }. وهذا من عظيم عتوهم وانهماكهم في الكفر. قال تعالى: { فأرسلنا عليهم الطوفان } وهو مطر شديد نزل بهم مع فيض النيل، حتى هدم بيوتهم وكادوا يهلكون، وامتنعوا من الزراعة، وقيل: الطاعون، وقيل: الجدري، وقيل الموتان، { والجراد } وهو المعروف، أكل زروعهم وثمارهم، حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم، { والقمل } قيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، وقيل: البراغيث، وقيل السوس، والتحقيق: أنه صغار القراد، دخل ثيابهم وشعورهم ولحاهم، وقرىء: " القمل " بفتح القاف وهو القمل المعروف، دخل ثيابهم وامتلأت منها، { والضفادع } ، وهي المعروفة، كثرت عندهم حتى امتلأت بها فروشهم وأوانيهم، وإذا تكلم أحدهم وثب الضفدع إلى فيه. { والدم } صارت مياههم دما، فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد، فيخرج ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء. قال البيضاوي: روي أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل متصلة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركب على أرضهم فمنعتهم من الحرث والتصرف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعا، فقالوا لموسى عليه السلام: أدع لنا ربك بما عهد عندك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا الله فكشف عنهم، ونبت لهم من الكلأ والزرع والثمار ما لم يعهد مثله، ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زرعهم وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ففزعوا إليه ثانيا، فدعا، وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها، فلم يؤمنوا، فسلط عليهم القمل وأكل ما أبقاه الجراد، فكان يقع في أطعمتهم ويدخل في ثيابهم وجلودهم فيمصها، ففزعوا إليه فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا ينكشف ثوب ولا طعام إلا وجدت فيه، وكانت تملأ مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وأفواههم عند التكلم، ففزعوا وتضرعوا، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دما، حتى يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على الماء، فيكون ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإسرائيلي فيصير دما في فيه، وقيل: سلط عليهم الرعاف. ه. { آيات } أي: حال كون ما تقدم آيات { مفصلات } ، مبينات، لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته. قيل: كان بين كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة أسبوعا، وقيل: إن موسى ثبت فيهم، بعد ما غلب السحرة، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل، { فاستكبروا } عن الإيمان { وكانوا قوما مجرمين } أي: عادتهم الإجرام. { ولما وقع عليهم الرجز } يعني: العذاب المفصل، أو الطاعون الذي أرسله عليهم بعد ذلك، { قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } أي: بعهده عندك، وهو النبوة، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والمعنى: ادع الله متوسلا إليه بما عهد عندك من النبوة والجاه، أو بدعائك إليه ووسائلك، { لئن كشفت عنا الرجز }: العذاب { لنؤمنن لك } أي: أقسمنا بعهد الله لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك { ولنرسلن معك بني إسرائيل } كما طلبت، قال تعالى: { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه } إلى حد من الزمان هم بالغوه ثم يهلكون، وهو وقت الغرق أو الموت، وقيل: إلى أجل عينوه لإيمانهم، { إذا هم ينكثون } جواب " لما " أي: فلما كشفنا عنهم جاؤوا بالنكث من غير تأمل ولا توقف، { فانتقمنا منهم } أي: فأردنا الانتقام منهم، { فأغرقناهم في اليم } أي: البحر الذي لا يدرك قعره أو لجته، { بأنهم } أي: بسبب أنهم { كذبوا بآياتنا } التي أرسلناها عليهم. { وكانوا عنها غافلين } أي: أغرقناهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها. { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } بالاستعباد وذبح الأبناء { مشارق الإرض ومغاربها } يعني: أرض الشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكنوا من نواحيها { التي باركنا فيها } بالخصب وسعة العيش، وهي أرض الشام. وزاد ابن جزي: ومصر. { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل } أي: نفذت ومضت واستقرت، والكلمة هنا: ما قضى في الأزل من إنقاذهم من عدوهم، وقيل: قوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض [القصص:5] وكانت حسنى لما فيها من النصر والعز، { بما صبروا } أي: بسبب صبرهم على الشدائد { ودمرنا } أي: خربنا { ما كان يصنع فرعون وقومه } من القصور والعمارات، { وما كانوا يعرشون } من البنيان المرتفع كصرح هامان، أو ما كانوا يرفعون من الكروم في البساتين على العرشان، فالأول من العرش والثاني من العريش. الإشارة: قد جرت عادة الله في خلقه أن يظهر الخواص من عباده، فينكروا أو يستضعفوا، حتى إذا طهروا من البقايا وتمكنوا من شهود الحق، من الله عليهم بالعز والنصر والتمكين، فمنهم من يمكن من التصرف في الحس والمعنى، ويقره الوجود بأسره، ومنهم من يمكن من التصرف في الكون بهمته، ولكنه تحت أستار الخمول، لا يعرفه إلا من اصطفاه لحضرته، وهذا من شهداء الملكوت، ضن به الحق تعالى فلم يظهره لخلقه. والله تعالى أعلم وأحكم. ثم ذكر نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وخروجهم إلى الشام، فقال: { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر }.

الأعراف 7:135

قلت: { مهما }: اسم شرط جازم، و { تأتنا }: شرطها، وجملة { فما نحن }:جوابها، قيل: مركبة، وأصلها: " ما " الشرطية، ضمت إليها " ما " الزائدة، نحو: أينما، ثم قلبت الألف هاء، والمشهور: أنها بسيطة، ومحلها: رفع بالابتداء، أو نصب بفعل يفسره: " تأتنا " والضمير في: " به " عائد على " مهما ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: فرعون وقومه: { مهما تأتنا به من آية } ، وإنما سموها آية على زعم موسى، لا لاعتقادهم، ولذلك قالوا: { لتسحرنا بها } أي: لتسحر بها أعيينا وتشبه علينا، { فما نحن لك بمؤمنين }. وهذا من عظيم عتوهم وانهماكهم في الكفر. قال تعالى: { فأرسلنا عليهم الطوفان } وهو مطر شديد نزل بهم مع فيض النيل، حتى هدم بيوتهم وكادوا يهلكون، وامتنعوا من الزراعة، وقيل: الطاعون، وقيل: الجدري، وقيل الموتان، { والجراد } وهو المعروف، أكل زروعهم وثمارهم، حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم، { والقمل } قيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، وقيل: البراغيث، وقيل السوس، والتحقيق: أنه صغار القراد، دخل ثيابهم وشعورهم ولحاهم، وقرىء: " القمل " بفتح القاف وهو القمل المعروف، دخل ثيابهم وامتلأت منها، { والضفادع } ، وهي المعروفة، كثرت عندهم حتى امتلأت بها فروشهم وأوانيهم، وإذا تكلم أحدهم وثب الضفدع إلى فيه. { والدم } صارت مياههم دما، فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد، فيخرج ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء. قال البيضاوي: روي أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل متصلة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركب على أرضهم فمنعتهم من الحرث والتصرف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعا، فقالوا لموسى عليه السلام: أدع لنا ربك بما عهد عندك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا الله فكشف عنهم، ونبت لهم من الكلأ والزرع والثمار ما لم يعهد مثله، ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زرعهم وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ففزعوا إليه ثانيا، فدعا، وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها، فلم يؤمنوا، فسلط عليهم القمل وأكل ما أبقاه الجراد، فكان يقع في أطعمتهم ويدخل في ثيابهم وجلودهم فيمصها، ففزعوا إليه فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا ينكشف ثوب ولا طعام إلا وجدت فيه، وكانت تملأ مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وأفواههم عند التكلم، ففزعوا وتضرعوا، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دما، حتى يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على الماء، فيكون ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإسرائيلي فيصير دما في فيه، وقيل: سلط عليهم الرعاف. ه. { آيات } أي: حال كون ما تقدم آيات { مفصلات } ، مبينات، لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته. قيل: كان بين كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة أسبوعا، وقيل: إن موسى ثبت فيهم، بعد ما غلب السحرة، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل، { فاستكبروا } عن الإيمان { وكانوا قوما مجرمين } أي: عادتهم الإجرام. { ولما وقع عليهم الرجز } يعني: العذاب المفصل، أو الطاعون الذي أرسله عليهم بعد ذلك، { قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } أي: بعهده عندك، وهو النبوة، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والمعنى: ادع الله متوسلا إليه بما عهد عندك من النبوة والجاه، أو بدعائك إليه ووسائلك، { لئن كشفت عنا الرجز }: العذاب { لنؤمنن لك } أي: أقسمنا بعهد الله لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك { ولنرسلن معك بني إسرائيل } كما طلبت، قال تعالى: { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه } إلى حد من الزمان هم بالغوه ثم يهلكون، وهو وقت الغرق أو الموت، وقيل: إلى أجل عينوه لإيمانهم، { إذا هم ينكثون } جواب " لما " أي: فلما كشفنا عنهم جاؤوا بالنكث من غير تأمل ولا توقف، { فانتقمنا منهم } أي: فأردنا الانتقام منهم، { فأغرقناهم في اليم } أي: البحر الذي لا يدرك قعره أو لجته، { بأنهم } أي: بسبب أنهم { كذبوا بآياتنا } التي أرسلناها عليهم. { وكانوا عنها غافلين } أي: أغرقناهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها. { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } بالاستعباد وذبح الأبناء { مشارق الإرض ومغاربها } يعني: أرض الشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكنوا من نواحيها { التي باركنا فيها } بالخصب وسعة العيش، وهي أرض الشام. وزاد ابن جزي: ومصر. { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل } أي: نفذت ومضت واستقرت، والكلمة هنا: ما قضى في الأزل من إنقاذهم من عدوهم، وقيل: قوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض [القصص:5] وكانت حسنى لما فيها من النصر والعز، { بما صبروا } أي: بسبب صبرهم على الشدائد { ودمرنا } أي: خربنا { ما كان يصنع فرعون وقومه } من القصور والعمارات، { وما كانوا يعرشون } من البنيان المرتفع كصرح هامان، أو ما كانوا يرفعون من الكروم في البساتين على العرشان، فالأول من العرش والثاني من العريش. الإشارة: قد جرت عادة الله في خلقه أن يظهر الخواص من عباده، فينكروا أو يستضعفوا، حتى إذا طهروا من البقايا وتمكنوا من شهود الحق، من الله عليهم بالعز والنصر والتمكين، فمنهم من يمكن من التصرف في الحس والمعنى، ويقره الوجود بأسره، ومنهم من يمكن من التصرف في الكون بهمته، ولكنه تحت أستار الخمول، لا يعرفه إلا من اصطفاه لحضرته، وهذا من شهداء الملكوت، ضن به الحق تعالى فلم يظهره لخلقه. والله تعالى أعلم وأحكم. ثم ذكر نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وخروجهم إلى الشام، فقال: { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر }.