البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الأعراف 7:136 – الأنفال 8:75
المحتويات
- الأعراف 7:136
- الأعراف 7:137
- الأعراف 7:138
- الأعراف 7:139
- الأعراف 7:140
- الأعراف 7:141
- الأعراف 7:142
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:147
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:151
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:153
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:161
- الأعراف 7:162
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:166
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:186
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:192
- الأعراف 7:193
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:196
- الأعراف 7:197
- الأعراف 7:198
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:200
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:202
- الأعراف 7:203
- الأعراف 7:204
- الأعراف 7:205
- الأعراف 7:206
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:3
- الأنفال 8:4
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:6
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:8
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:13
- الأنفال 8:14
- الأنفال 8:15
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:18
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:20
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:26
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:36
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:40
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:43
- الأنفال 8:44
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:47
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:49
- الأنفال 8:50
- الأنفال 8:51
- الأنفال 8:52
- الأنفال 8:53
- الأنفال 8:54
- الأنفال 8:55
- الأنفال 8:56
- الأنفال 8:57
- الأنفال 8:58
- الأنفال 8:59
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:62
- الأنفال 8:63
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:66
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:70
- الأنفال 8:71
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:73
- الأنفال 8:74
- الأنفال 8:75
الأعراف 7:136
قلت: { مهما }: اسم شرط جازم، و { تأتنا }: شرطها، وجملة { فما نحن }:جوابها، قيل: مركبة، وأصلها: " ما " الشرطية، ضمت إليها " ما " الزائدة، نحو: أينما، ثم قلبت الألف هاء، والمشهور: أنها بسيطة، ومحلها: رفع بالابتداء، أو نصب بفعل يفسره: " تأتنا " والضمير في: " به " عائد على " مهما ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: فرعون وقومه: { مهما تأتنا به من آية } ، وإنما سموها آية على زعم موسى، لا لاعتقادهم، ولذلك قالوا: { لتسحرنا بها } أي: لتسحر بها أعيينا وتشبه علينا، { فما نحن لك بمؤمنين }. وهذا من عظيم عتوهم وانهماكهم في الكفر. قال تعالى: { فأرسلنا عليهم الطوفان } وهو مطر شديد نزل بهم مع فيض النيل، حتى هدم بيوتهم وكادوا يهلكون، وامتنعوا من الزراعة، وقيل: الطاعون، وقيل: الجدري، وقيل الموتان، { والجراد } وهو المعروف، أكل زروعهم وثمارهم، حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم، { والقمل } قيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، وقيل: البراغيث، وقيل السوس، والتحقيق: أنه صغار القراد، دخل ثيابهم وشعورهم ولحاهم، وقرىء: " القمل " بفتح القاف وهو القمل المعروف، دخل ثيابهم وامتلأت منها، { والضفادع } ، وهي المعروفة، كثرت عندهم حتى امتلأت بها فروشهم وأوانيهم، وإذا تكلم أحدهم وثب الضفدع إلى فيه. { والدم } صارت مياههم دما، فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد، فيخرج ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء. قال البيضاوي: روي أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل متصلة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركب على أرضهم فمنعتهم من الحرث والتصرف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعا، فقالوا لموسى عليه السلام: أدع لنا ربك بما عهد عندك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا الله فكشف عنهم، ونبت لهم من الكلأ والزرع والثمار ما لم يعهد مثله، ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زرعهم وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ففزعوا إليه ثانيا، فدعا، وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها، فلم يؤمنوا، فسلط عليهم القمل وأكل ما أبقاه الجراد، فكان يقع في أطعمتهم ويدخل في ثيابهم وجلودهم فيمصها، ففزعوا إليه فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا ينكشف ثوب ولا طعام إلا وجدت فيه، وكانت تملأ مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وأفواههم عند التكلم، ففزعوا وتضرعوا، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دما، حتى يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على الماء، فيكون ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإسرائيلي فيصير دما في فيه، وقيل: سلط عليهم الرعاف.
ه. { آيات } أي: حال كون ما تقدم آيات { مفصلات } ، مبينات، لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته. قيل: كان بين كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة أسبوعا، وقيل: إن موسى ثبت فيهم، بعد ما غلب السحرة، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل، { فاستكبروا } عن الإيمان { وكانوا قوما مجرمين } أي: عادتهم الإجرام. { ولما وقع عليهم الرجز } يعني: العذاب المفصل، أو الطاعون الذي أرسله عليهم بعد ذلك، { قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } أي: بعهده عندك، وهو النبوة، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والمعنى: ادع الله متوسلا إليه بما عهد عندك من النبوة والجاه، أو بدعائك إليه ووسائلك، { لئن كشفت عنا الرجز }: العذاب { لنؤمنن لك } أي: أقسمنا بعهد الله لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك { ولنرسلن معك بني إسرائيل } كما طلبت، قال تعالى: { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه } إلى حد من الزمان هم بالغوه ثم يهلكون، وهو وقت الغرق أو الموت، وقيل: إلى أجل عينوه لإيمانهم، { إذا هم ينكثون } جواب " لما " أي: فلما كشفنا عنهم جاؤوا بالنكث من غير تأمل ولا توقف، { فانتقمنا منهم } أي: فأردنا الانتقام منهم، { فأغرقناهم في اليم } أي: البحر الذي لا يدرك قعره أو لجته، { بأنهم } أي: بسبب أنهم { كذبوا بآياتنا } التي أرسلناها عليهم. { وكانوا عنها غافلين } أي: أغرقناهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها. { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } بالاستعباد وذبح الأبناء { مشارق الإرض ومغاربها } يعني: أرض الشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكنوا من نواحيها { التي باركنا فيها } بالخصب وسعة العيش، وهي أرض الشام. وزاد ابن جزي: ومصر. { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل } أي: نفذت ومضت واستقرت، والكلمة هنا: ما قضى في الأزل من إنقاذهم من عدوهم، وقيل: قوله:
ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض
[القصص:5] وكانت حسنى لما فيها من النصر والعز، { بما صبروا } أي: بسبب صبرهم على الشدائد { ودمرنا } أي: خربنا { ما كان يصنع فرعون وقومه } من القصور والعمارات، { وما كانوا يعرشون } من البنيان المرتفع كصرح هامان، أو ما كانوا يرفعون من الكروم في البساتين على العرشان، فالأول من العرش والثاني من العريش. الإشارة: قد جرت عادة الله في خلقه أن يظهر الخواص من عباده، فينكروا أو يستضعفوا، حتى إذا طهروا من البقايا وتمكنوا من شهود الحق، من الله عليهم بالعز والنصر والتمكين، فمنهم من يمكن من التصرف في الحس والمعنى، ويقره الوجود بأسره، ومنهم من يمكن من التصرف في الكون بهمته، ولكنه تحت أستار الخمول، لا يعرفه إلا من اصطفاه لحضرته، وهذا من شهداء الملكوت، ضن به الحق تعالى فلم يظهره لخلقه. والله تعالى أعلم وأحكم. ثم ذكر نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وخروجهم إلى الشام، فقال: { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر }.
الأعراف 7:137
قلت: { مهما }: اسم شرط جازم، و { تأتنا }: شرطها، وجملة { فما نحن }:جوابها، قيل: مركبة، وأصلها: " ما " الشرطية، ضمت إليها " ما " الزائدة، نحو: أينما، ثم قلبت الألف هاء، والمشهور: أنها بسيطة، ومحلها: رفع بالابتداء، أو نصب بفعل يفسره: " تأتنا " والضمير في: " به " عائد على " مهما ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: فرعون وقومه: { مهما تأتنا به من آية } ، وإنما سموها آية على زعم موسى، لا لاعتقادهم، ولذلك قالوا: { لتسحرنا بها } أي: لتسحر بها أعيينا وتشبه علينا، { فما نحن لك بمؤمنين }. وهذا من عظيم عتوهم وانهماكهم في الكفر. قال تعالى: { فأرسلنا عليهم الطوفان } وهو مطر شديد نزل بهم مع فيض النيل، حتى هدم بيوتهم وكادوا يهلكون، وامتنعوا من الزراعة، وقيل: الطاعون، وقيل: الجدري، وقيل الموتان، { والجراد } وهو المعروف، أكل زروعهم وثمارهم، حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم، { والقمل } قيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، وقيل: البراغيث، وقيل السوس، والتحقيق: أنه صغار القراد، دخل ثيابهم وشعورهم ولحاهم، وقرىء: " القمل " بفتح القاف وهو القمل المعروف، دخل ثيابهم وامتلأت منها، { والضفادع } ، وهي المعروفة، كثرت عندهم حتى امتلأت بها فروشهم وأوانيهم، وإذا تكلم أحدهم وثب الضفدع إلى فيه. { والدم } صارت مياههم دما، فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد، فيخرج ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء. قال البيضاوي: روي أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل متصلة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركب على أرضهم فمنعتهم من الحرث والتصرف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعا، فقالوا لموسى عليه السلام: أدع لنا ربك بما عهد عندك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا الله فكشف عنهم، ونبت لهم من الكلأ والزرع والثمار ما لم يعهد مثله، ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زرعهم وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ففزعوا إليه ثانيا، فدعا، وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها، فلم يؤمنوا، فسلط عليهم القمل وأكل ما أبقاه الجراد، فكان يقع في أطعمتهم ويدخل في ثيابهم وجلودهم فيمصها، ففزعوا إليه فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا ينكشف ثوب ولا طعام إلا وجدت فيه، وكانت تملأ مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي وأفواههم عند التكلم، ففزعوا وتضرعوا، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دما، حتى يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على الماء، فيكون ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإسرائيلي فيصير دما في فيه، وقيل: سلط عليهم الرعاف.
ه. { آيات } أي: حال كون ما تقدم آيات { مفصلات } ، مبينات، لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته. قيل: كان بين كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة منها شهر، وامتداد كل واحدة أسبوعا، وقيل: إن موسى ثبت فيهم، بعد ما غلب السحرة، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل، { فاستكبروا } عن الإيمان { وكانوا قوما مجرمين } أي: عادتهم الإجرام. { ولما وقع عليهم الرجز } يعني: العذاب المفصل، أو الطاعون الذي أرسله عليهم بعد ذلك، { قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } أي: بعهده عندك، وهو النبوة، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك. والمعنى: ادع الله متوسلا إليه بما عهد عندك من النبوة والجاه، أو بدعائك إليه ووسائلك، { لئن كشفت عنا الرجز }: العذاب { لنؤمنن لك } أي: أقسمنا بعهد الله لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك { ولنرسلن معك بني إسرائيل } كما طلبت، قال تعالى: { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه } إلى حد من الزمان هم بالغوه ثم يهلكون، وهو وقت الغرق أو الموت، وقيل: إلى أجل عينوه لإيمانهم، { إذا هم ينكثون } جواب " لما " أي: فلما كشفنا عنهم جاؤوا بالنكث من غير تأمل ولا توقف، { فانتقمنا منهم } أي: فأردنا الانتقام منهم، { فأغرقناهم في اليم } أي: البحر الذي لا يدرك قعره أو لجته، { بأنهم } أي: بسبب أنهم { كذبوا بآياتنا } التي أرسلناها عليهم. { وكانوا عنها غافلين } أي: أغرقناهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها. { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } بالاستعباد وذبح الأبناء { مشارق الإرض ومغاربها } يعني: أرض الشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكنوا من نواحيها { التي باركنا فيها } بالخصب وسعة العيش، وهي أرض الشام. وزاد ابن جزي: ومصر. { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل } أي: نفذت ومضت واستقرت، والكلمة هنا: ما قضى في الأزل من إنقاذهم من عدوهم، وقيل: قوله:
ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض
[القصص:5] وكانت حسنى لما فيها من النصر والعز، { بما صبروا } أي: بسبب صبرهم على الشدائد { ودمرنا } أي: خربنا { ما كان يصنع فرعون وقومه } من القصور والعمارات، { وما كانوا يعرشون } من البنيان المرتفع كصرح هامان، أو ما كانوا يرفعون من الكروم في البساتين على العرشان، فالأول من العرش والثاني من العريش. الإشارة: قد جرت عادة الله في خلقه أن يظهر الخواص من عباده، فينكروا أو يستضعفوا، حتى إذا طهروا من البقايا وتمكنوا من شهود الحق، من الله عليهم بالعز والنصر والتمكين، فمنهم من يمكن من التصرف في الحس والمعنى، ويقره الوجود بأسره، ومنهم من يمكن من التصرف في الكون بهمته، ولكنه تحت أستار الخمول، لا يعرفه إلا من اصطفاه لحضرته، وهذا من شهداء الملكوت، ضن به الحق تعالى فلم يظهره لخلقه. والله تعالى أعلم وأحكم. ثم ذكر نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وخروجهم إلى الشام، فقال: { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر }.
الأعراف 7:138
يقول الحق جل جلاله: { وجاوزنا ببني إسرائيل } أي: قطعنا بهم { البحر } ، روي أنهم عبروه يوم عاشوراء، بعد مهلك فرعون، فصاموه شكرا، { فأتوا على قوم } أي: مروا على قوم من العمالقة، وقيل: من لخم، { يعكفون على أصنام لهم } أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل البقر، وذلك أول شأن عبادة العجل، وهؤلاء القوم، قيل: هم الجبارون الذين أمر موسى بقتالهم بعد وصوله إلى الشام، ولما رأهم بنو إسرائيل { قالوا يا موسى اجعل لنا إلها } أي: مثالا نعبده { كما لهم آلهة } يعبدونها، { قال } لهم موسى عليه السلام: { إنكم قوم تجهلون } ، وصفهم بالجهل المطلق، وأكده بإن لبعد ما صدر منهم، بعد ما رأوا من الآيات الكبرى. قال البيضاوي: ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن من الله تعالى عليهم بالنعم الجسام، وآراهم من الآيات العظام، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرى منهم ويلقى من التشغيب، وإيقاظا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم. ه. وذكر في " القوت " أن يهوديا قال لعلي رضي الله عنه: كيف اختلفتم وضربتم وجوه بعضكم بالسيف، ونبيكم قريب عهد بكم؟ فقال: أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم: { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة }. ه. ثم قال لهم موسى رضي الله عنه: { إن هؤلاء متبر }: مدمر هالك { ما هم فيه } يعني: أن الله تعالى يهدم دينهم الذي هم فيه، ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضا. { وباطل } مضمحل { ما كانوا يعملون } من عبادتها، وإن قصدوا بها التقرب إلى الله تعالى، وإنما بالغ في هذا الكلام تنفيرا وتحذيرا عما طلبوا. { قال أغير الله أبغيكم } أطلب لكم { إلها } أي: معبودا { وهو فضلكم على العالمين } أي: والحال أنه قد خصكم بنعم لم يعطها غيركم، وفيه تنبيه على سوء مقابلتهم حيث قابلوا تخصيص الله لهم بما استحقوه تفضلا، بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شيء من مخلوقاته وأبلده، وهو البقر. { وإذ أنجيناكم من آل فرعون } أي: واذكروا صنعه معكم في هذا الوقت حيث نجاكم من فرعون ورهطه { يسومونكم } أي: يذيقونكم { سوء العذاب } ، ثم بينه بقوله: { يقتلون أبناءكم } ذكورهم { ويستحيون نساءكم } أي: بناتكم، { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } أي: وفي ذلك القتل امتحان عظيم، أو في ذلك الإنجاء نعمة عظيمة وامتنان عظيم. الإشارة: من جاوز بحر التوحيد وحاد عنه، ولم يغرق فيه، لا يخلو من طلب شرك جلي أو خفي لأن النفس ما دامت لم تغرق في بحر الوحدة، ولم تسبها جمال المعاني، قطعا تميل إلى شيء من جمال الحس، لأن الروح في أصلها عشاقة، إن لم تعشق جمال الحضرة تعشق جمال الحس، ومن ركن إلى شيء مما سوى الله فهو شرك عند الموحدين من المحققين، ويؤخذ من الآية أن شكر النعم هو تلخيص التوحيد، وانفراد الوجهة إلى الله تعالى لأن بني إسرائيل لما أنعم الله عليهم بالإنجاء وفلق البحر قابلوا ذلك بطلب الشرك، فسقطوا من عين الله واستمر ذلهم إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما استقر بنو إسرائيل بالشام طلبو من نبيهم نزول الكتاب وتقرير الشرائع، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة }.
الأعراف 7:139
يقول الحق جل جلاله: { وجاوزنا ببني إسرائيل } أي: قطعنا بهم { البحر } ، روي أنهم عبروه يوم عاشوراء، بعد مهلك فرعون، فصاموه شكرا، { فأتوا على قوم } أي: مروا على قوم من العمالقة، وقيل: من لخم، { يعكفون على أصنام لهم } أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل البقر، وذلك أول شأن عبادة العجل، وهؤلاء القوم، قيل: هم الجبارون الذين أمر موسى بقتالهم بعد وصوله إلى الشام، ولما رأهم بنو إسرائيل { قالوا يا موسى اجعل لنا إلها } أي: مثالا نعبده { كما لهم آلهة } يعبدونها، { قال } لهم موسى عليه السلام: { إنكم قوم تجهلون } ، وصفهم بالجهل المطلق، وأكده بإن لبعد ما صدر منهم، بعد ما رأوا من الآيات الكبرى. قال البيضاوي: ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن من الله تعالى عليهم بالنعم الجسام، وآراهم من الآيات العظام، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرى منهم ويلقى من التشغيب، وإيقاظا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم. ه. وذكر في " القوت " أن يهوديا قال لعلي رضي الله عنه: كيف اختلفتم وضربتم وجوه بعضكم بالسيف، ونبيكم قريب عهد بكم؟ فقال: أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم: { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة }. ه. ثم قال لهم موسى رضي الله عنه: { إن هؤلاء متبر }: مدمر هالك { ما هم فيه } يعني: أن الله تعالى يهدم دينهم الذي هم فيه، ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضا. { وباطل } مضمحل { ما كانوا يعملون } من عبادتها، وإن قصدوا بها التقرب إلى الله تعالى، وإنما بالغ في هذا الكلام تنفيرا وتحذيرا عما طلبوا. { قال أغير الله أبغيكم } أطلب لكم { إلها } أي: معبودا { وهو فضلكم على العالمين } أي: والحال أنه قد خصكم بنعم لم يعطها غيركم، وفيه تنبيه على سوء مقابلتهم حيث قابلوا تخصيص الله لهم بما استحقوه تفضلا، بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شيء من مخلوقاته وأبلده، وهو البقر. { وإذ أنجيناكم من آل فرعون } أي: واذكروا صنعه معكم في هذا الوقت حيث نجاكم من فرعون ورهطه { يسومونكم } أي: يذيقونكم { سوء العذاب } ، ثم بينه بقوله: { يقتلون أبناءكم } ذكورهم { ويستحيون نساءكم } أي: بناتكم، { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } أي: وفي ذلك القتل امتحان عظيم، أو في ذلك الإنجاء نعمة عظيمة وامتنان عظيم. الإشارة: من جاوز بحر التوحيد وحاد عنه، ولم يغرق فيه، لا يخلو من طلب شرك جلي أو خفي لأن النفس ما دامت لم تغرق في بحر الوحدة، ولم تسبها جمال المعاني، قطعا تميل إلى شيء من جمال الحس، لأن الروح في أصلها عشاقة، إن لم تعشق جمال الحضرة تعشق جمال الحس، ومن ركن إلى شيء مما سوى الله فهو شرك عند الموحدين من المحققين، ويؤخذ من الآية أن شكر النعم هو تلخيص التوحيد، وانفراد الوجهة إلى الله تعالى لأن بني إسرائيل لما أنعم الله عليهم بالإنجاء وفلق البحر قابلوا ذلك بطلب الشرك، فسقطوا من عين الله واستمر ذلهم إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما استقر بنو إسرائيل بالشام طلبو من نبيهم نزول الكتاب وتقرير الشرائع، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة }.
الأعراف 7:140
يقول الحق جل جلاله: { وجاوزنا ببني إسرائيل } أي: قطعنا بهم { البحر } ، روي أنهم عبروه يوم عاشوراء، بعد مهلك فرعون، فصاموه شكرا، { فأتوا على قوم } أي: مروا على قوم من العمالقة، وقيل: من لخم، { يعكفون على أصنام لهم } أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل البقر، وذلك أول شأن عبادة العجل، وهؤلاء القوم، قيل: هم الجبارون الذين أمر موسى بقتالهم بعد وصوله إلى الشام، ولما رأهم بنو إسرائيل { قالوا يا موسى اجعل لنا إلها } أي: مثالا نعبده { كما لهم آلهة } يعبدونها، { قال } لهم موسى عليه السلام: { إنكم قوم تجهلون } ، وصفهم بالجهل المطلق، وأكده بإن لبعد ما صدر منهم، بعد ما رأوا من الآيات الكبرى. قال البيضاوي: ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن من الله تعالى عليهم بالنعم الجسام، وآراهم من الآيات العظام، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرى منهم ويلقى من التشغيب، وإيقاظا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم. ه. وذكر في " القوت " أن يهوديا قال لعلي رضي الله عنه: كيف اختلفتم وضربتم وجوه بعضكم بالسيف، ونبيكم قريب عهد بكم؟ فقال: أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم: { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة }. ه. ثم قال لهم موسى رضي الله عنه: { إن هؤلاء متبر }: مدمر هالك { ما هم فيه } يعني: أن الله تعالى يهدم دينهم الذي هم فيه، ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضا. { وباطل } مضمحل { ما كانوا يعملون } من عبادتها، وإن قصدوا بها التقرب إلى الله تعالى، وإنما بالغ في هذا الكلام تنفيرا وتحذيرا عما طلبوا. { قال أغير الله أبغيكم } أطلب لكم { إلها } أي: معبودا { وهو فضلكم على العالمين } أي: والحال أنه قد خصكم بنعم لم يعطها غيركم، وفيه تنبيه على سوء مقابلتهم حيث قابلوا تخصيص الله لهم بما استحقوه تفضلا، بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شيء من مخلوقاته وأبلده، وهو البقر. { وإذ أنجيناكم من آل فرعون } أي: واذكروا صنعه معكم في هذا الوقت حيث نجاكم من فرعون ورهطه { يسومونكم } أي: يذيقونكم { سوء العذاب } ، ثم بينه بقوله: { يقتلون أبناءكم } ذكورهم { ويستحيون نساءكم } أي: بناتكم، { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } أي: وفي ذلك القتل امتحان عظيم، أو في ذلك الإنجاء نعمة عظيمة وامتنان عظيم. الإشارة: من جاوز بحر التوحيد وحاد عنه، ولم يغرق فيه، لا يخلو من طلب شرك جلي أو خفي لأن النفس ما دامت لم تغرق في بحر الوحدة، ولم تسبها جمال المعاني، قطعا تميل إلى شيء من جمال الحس، لأن الروح في أصلها عشاقة، إن لم تعشق جمال الحضرة تعشق جمال الحس، ومن ركن إلى شيء مما سوى الله فهو شرك عند الموحدين من المحققين، ويؤخذ من الآية أن شكر النعم هو تلخيص التوحيد، وانفراد الوجهة إلى الله تعالى لأن بني إسرائيل لما أنعم الله عليهم بالإنجاء وفلق البحر قابلوا ذلك بطلب الشرك، فسقطوا من عين الله واستمر ذلهم إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما استقر بنو إسرائيل بالشام طلبو من نبيهم نزول الكتاب وتقرير الشرائع، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة }.
الأعراف 7:141
يقول الحق جل جلاله: { وجاوزنا ببني إسرائيل } أي: قطعنا بهم { البحر } ، روي أنهم عبروه يوم عاشوراء، بعد مهلك فرعون، فصاموه شكرا، { فأتوا على قوم } أي: مروا على قوم من العمالقة، وقيل: من لخم، { يعكفون على أصنام لهم } أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل البقر، وذلك أول شأن عبادة العجل، وهؤلاء القوم، قيل: هم الجبارون الذين أمر موسى بقتالهم بعد وصوله إلى الشام، ولما رأهم بنو إسرائيل { قالوا يا موسى اجعل لنا إلها } أي: مثالا نعبده { كما لهم آلهة } يعبدونها، { قال } لهم موسى عليه السلام: { إنكم قوم تجهلون } ، وصفهم بالجهل المطلق، وأكده بإن لبعد ما صدر منهم، بعد ما رأوا من الآيات الكبرى. قال البيضاوي: ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن من الله تعالى عليهم بالنعم الجسام، وآراهم من الآيات العظام، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرى منهم ويلقى من التشغيب، وإيقاظا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم. ه. وذكر في " القوت " أن يهوديا قال لعلي رضي الله عنه: كيف اختلفتم وضربتم وجوه بعضكم بالسيف، ونبيكم قريب عهد بكم؟ فقال: أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم: { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة }. ه. ثم قال لهم موسى رضي الله عنه: { إن هؤلاء متبر }: مدمر هالك { ما هم فيه } يعني: أن الله تعالى يهدم دينهم الذي هم فيه، ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضا. { وباطل } مضمحل { ما كانوا يعملون } من عبادتها، وإن قصدوا بها التقرب إلى الله تعالى، وإنما بالغ في هذا الكلام تنفيرا وتحذيرا عما طلبوا. { قال أغير الله أبغيكم } أطلب لكم { إلها } أي: معبودا { وهو فضلكم على العالمين } أي: والحال أنه قد خصكم بنعم لم يعطها غيركم، وفيه تنبيه على سوء مقابلتهم حيث قابلوا تخصيص الله لهم بما استحقوه تفضلا، بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شيء من مخلوقاته وأبلده، وهو البقر. { وإذ أنجيناكم من آل فرعون } أي: واذكروا صنعه معكم في هذا الوقت حيث نجاكم من فرعون ورهطه { يسومونكم } أي: يذيقونكم { سوء العذاب } ، ثم بينه بقوله: { يقتلون أبناءكم } ذكورهم { ويستحيون نساءكم } أي: بناتكم، { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } أي: وفي ذلك القتل امتحان عظيم، أو في ذلك الإنجاء نعمة عظيمة وامتنان عظيم. الإشارة: من جاوز بحر التوحيد وحاد عنه، ولم يغرق فيه، لا يخلو من طلب شرك جلي أو خفي لأن النفس ما دامت لم تغرق في بحر الوحدة، ولم تسبها جمال المعاني، قطعا تميل إلى شيء من جمال الحس، لأن الروح في أصلها عشاقة، إن لم تعشق جمال الحضرة تعشق جمال الحس، ومن ركن إلى شيء مما سوى الله فهو شرك عند الموحدين من المحققين، ويؤخذ من الآية أن شكر النعم هو تلخيص التوحيد، وانفراد الوجهة إلى الله تعالى لأن بني إسرائيل لما أنعم الله عليهم بالإنجاء وفلق البحر قابلوا ذلك بطلب الشرك، فسقطوا من عين الله واستمر ذلهم إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما استقر بنو إسرائيل بالشام طلبو من نبيهم نزول الكتاب وتقرير الشرائع، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة }.
الأعراف 7:142
يقول الحق جل جلاله: { وواعدنا موسى } لإنزال الكتاب { ثلاثين ليلة } من ذي القعدة، { وأتممناها بعشر } من ذي الحجة، { فتم ميقات ربه } بالغا { أربعين ليلة } ، روي أنه عليه السلام وعد بني إسرائيل، بمصر، أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب الله تعالى، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خلوف فيه فتسوك، فقالت الملائكة: كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليه عشرا، ثم أنزل عليه التوراة. { وقال موسى لأخيه هارون } ، عند ذهابه إلى الطور للمناجاة: { أخلفني في قومي } أي: كن خليفتي فيهم { وأصلح } ما يجب أن يصلح من أمورهم، أو كن مصلحا، { ولا تتبع سبيل المفسدين } أي: لا تتبع سبيل من يسلك الإفساد، ولا تطع من دعاك إليه. الإشارة: كل من انقطع إلى الله تعالى بكليته واعتزل عن الخلق، وأخلى قلبه عما سوى الحق، حصلت له المناجاة والمكالمة، كما وقعت للكليم عليه السلام، وكل ما منحه الله للأنبياء يكون منه نصيب للأولياء من هذه الأمة، والله تعالى أعلم. وفي الحديث:
" من أخلص أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ".
قال بعض الحكماء: والسر في ذلك أن الله تعالى أمر بطينة آدم فخمرت في الماء أربعين يوما، فتربى فيها أربعون حجابا، فلولا تلك الحجب ما استطاع المقام في الأرض، فمن أيده الله على زوالها تشبه بالملأ الأعلى، وخرقت له العوائد، وأشرق النور من قلبه. ولهذا المعنى بقي داود عليه السلام ساجدا أربعين يوما، فقبلت توبته، ومكث إبراهيم عليه السلام في نار النمرود أربعين يوما، فاتخذه الله خليلا، وكان بعد ذلك يقول: ما رأيت أحلى من تلك الأيام، فمن أخلص في عبادته وأزال تلك الحجب عن قلبه كان ربانيا. قال تعالى:
ولكن كونوا ربانين
[آل عمران:79]. انظر الشطيبي. ويؤخذ من الآية أن الشيخ إذ أراد أن يسافر من زاويته ينبغي له أن يخلف خليفة عنه ليقوم له بنظام الزاوية، إذ لا خير في قوم ليس فيهم من يعظهم في الله. وبالله التوفيق. ولما سمع سيدنا موسى عليه السلام كلام الحق بلا واسطة، طمع في الرؤية بلا واسطة، كما قال تعالى: { ولما جآء موسى لميقاتنا }.
الأعراف 7:143
يقول الحق جل جلاله: { ولما جاء موسى لميقاتنا } الذي وقتنا له { وكلمه ربه } من غير واسطة كما يكلم الملائكة. وفيما روي: أنه كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة، وفيه تنبيه على أن سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام المحدثين. قاله البيضاوي. وقال الورتجبي: أي أسمع عجائب كلامه كليمه ليعرفه بكلامه لأن كلامه مفاتيح كنوز الصفات والذات. ه. وقال ابن جزي: لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها، كما قال الشاعر:
وأبرح ما يكون الشوق يوما إذا دنت الديار من الديار
{ قال رب أرني أنظر إليك } أي: أرني نفسك أنظر إليك، بأن تكشف الحجب عني، حتى أنظر إلى ذاتك المقدسة من غير واسطة، كما أسمعتني كلامك من غير واسطة. قال البيضاوي: وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، وخصوصا ما يقتضي الجهل بالله، ولذلك رده بقوله تعالى: { لن تراني } دون لن أرى ولن أريك، ولن تنظر إلي، تنبيها على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على حال في الرائي، لم توجد فيه بعد، وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا:
أرنا الله جهرة
[النساء:153] خطأ، إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيح شبههم، كما فعل بهم حين قالوا:
أجعل لنآ إلها
[الأعراف:138]، والاستدلال بالواجب على استحالتها أشد خطأ، إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته أياه على أنه لا يراه أبدا، وألا يراه غيره أصلا، فضلا عن أن يدل على استحالتها. ودعوى الضرورة فيه مكابرة وجهالة بحقيقة الرؤية. ه. وهو تعريض بالزمخشري ورد عليه، فإنه أطلق لسانه في أهل السنة عفا الله عنه . والتحقيق: أن رؤيته تعالى برداء الكبرياء وهي أنوار الصفات جائرة واقعة ، وأما رؤية أسرار الذات وهي المعاني الأزلية، التي هي كنه الربوبية فغير جائزة إذ لو ظهرت تلك الأسرار لتلاشت الأكوان واضمحلت، ولعل هذا المعنى هو الذي طلب سيدنا موسى عليه السلام، فلذلك قال له: { لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه } عند تجلي هذه الأسرار له، { فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل } أي: أظهر له شيئا من أنوار الربوبية التي هي أسرار المعاني الأزلية، { جعله دكا } أي: مدكوكا مفتتا، والدك والدق واحد، وقرأ حمزة: " دكاء " بالمد، أي: أرضا مستوية، ومنه: ناقة دكاء لا سنم لها. { وخر موسى صعقا } مغشيا عليه من هول ما رأى، { فلما أفاق قال } تعظيما لما رأى: { سبحانك تبت إليك } من الجرأة والإقدام على السؤال بغير إذن، وقال بعضهم: تبت إليك من عدم الاكتفاء بقوله: { لن تراني } حتى نظر إلى الجبل، { وأنا أول المؤمنين } أنك لا ترى بلا واسطة نور الصفات، أو أول أهل زماني إيمانا.
الإشارة: رؤية الحق جائزة واقعة عند الصوفية في الدارين، ولكن لا ينالها في هذه الدار إلا خواص الخواص، ويعبرون عنها بالشهود والعيان، ولا يكون ذلك إلا بعد الفناء، وفناء الفناء بعد موت النفس وقتلها، ثم الغيبة عن حسها ورسمها، تكون بعد التهذيب والتدريب والتربية على يد شيخ كامل، لا يزال يسير به ويقطع به في المقامات، ويغيبه عن نفسه ورؤية وجوده، حتى يقول له: ها أنت وربك، وذلك أن الحق جل جلاله تجلى لعباده بأسرار المعاني خلف رداء الأواني، وهو حس الأكوان، فأسرار المعاني لا يمكن ظهورها إلا بواسطة الأواني، أو تقول: أسرار الذات لا تظهر إلا في أنوار الصفات، فلو ظهرت أسرار الذات بلا واسطة لاضمحلت الأشياء واحترقت، كما في الحديث:
" حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أنتهى إليه بصره من خلقه ".
فالمراد بالنور نور الصفات، وهو الأواني الحاملة للمعاني، لو كشف ذلك النور حتى تظهر أسرار الذات لأحرقت كل شيء أدركه بصره. والواسطة عند المحققين هي عين عين الموسوط، فلا يزال المريد يفنى عن عين الواسطة في شهود الموسوط حتى يغيب عن الواسطة بالكلية، أو تقول: لا يزال يغيب عن الأواني بشهود المعاني حتى تشرق شمس العرفان، فتغيب الأواني في ظهور المعاني، فيقع العيان على فقد الأعيان، " كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان " ، " ما حجبك عن الحق وجود موجود معه، إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه ". والحاصل: أن الحق تعالى تكون رؤيته أولا بالبصيرة دون البصر، لأن البصيرة تدرك المعاني، والبصر يدرك الحسيات، فإذا انفتحت البصيرة استولى نورها على نور البصر، فلا يرى البصر حينئذ إلا ما تراه البصيرة. قال بعض العارفين: هذه المزية العظمى وهي رؤية الحق تعالى في الدنيا على هذا الوجه: خاص بخواص الأمة المحمدية دون سائر الأمم وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، فإنه خص بالرؤية دون غيره من الأنبياء. وإلى ذلك أشار ابن الفارص في تائيته، مترجما بلسان الحقيقة المحمدية، حيث قال:
ودونك بحرا خضته، وقف الألي بساحله، صونا لموضع حرمتي ولا تقربوا مال اليتيم إشارة لكف يد صدت له، إذ تصدت وما نال شيئا منه غيري سوى فتى على قدمي في القبض والبسط ما فتى
قال شارحه القاشاني: أراد بهذا البحر: الرؤية التي منع منها موسى عليه السلام، وخص بها محمد عليه الصلاة والسلام وأفراد من أتباعه. ثم قال: ورد في الخبر: أنه لما أفاق موسى عليه السلام من صعقته قيل له: ليس ذلك لك، ذلك ليتيم يأتي من بعدك، ثم قال: سبحانك تبت إليك عما تعديت لما ليس لي، وأنا أول المؤمنين بتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بهذا المقام.
ه. وقيل في قوله: { فلما تجلى ربه للجبل } أي: جبل العقل، بحيث طمس نوره بنور شمس العرفان، وخر موسى صعقا، أي: ذهب وجوده في وجود محبوبه، وحصل له الزوال في مكان الفناء والسكر، فلما أفاق ورجع إلى البقاء تمسك بمقام العبودية والأدب مع الربوبية فقال: { سبحانك تبت إليك } من رؤية جبل الحس قبل شهود نور المعنى، وأنا أول المؤمنين بأن نور المعاني خلف رداء الأواني، لا يدرك إلا بعد الصعقة، والله تعالى أعلم. ثم ذكر نزول التوراة، فقال: { قال يموسى إني اصطفيتك على الناس }.
الأعراف 7:144
قلت: الرشد والرشد: لغتان، قرىء بهما. يقول الحق جل جلاله: { قال يا موسى إني اصطفيتك } اخترتك { على الناس } الموجودين في زمانك، وهارون، وإن كان نبيا، كان مأمورا باتباعه، ولم يكن كليما ولا صاحب شرع. فقد اصطفيتك على أهل زمانك { برسالتي } لك إليهم، ومن قرأ بالجمع فالمراد: أوقات التبليغ بأنواع الأحكام أو أسفار التوراة، { و } خصصتك { بكلامي } ، وقد شاركه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع زيادة الرؤية، { فخذ ما آتيتك } أي: أعطيتك من الرسالة والتكليم، وأقنع بهما ولا تطلب غير ذلك، { وكن من الشاكرين } على هذه النعمة، وفيه نوع تأديب له. روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وأعطاه التوراة يوم النحر. قال تعالى: { وكتبنا له في الألواح من كل شيء } يحتاجون إليه { موعظة } أي: تذكيرا { وتفصيلا لكل شيء } يتوقفون عليه في الأحكام والوعظ. واختلف في الألواح: هل كانت سبعة أو عشرة أو اثنين، وهل كانت من زمرد أو زبرجد أو ياقوت أحمر، أو خشب، أو صخرة صماء، شقها الله تعالى لموسى عليه السلام فقطعها بيده، وكان فيها التوراة. قال تعالى لموسى عليه السلام: { فخذها } أي: الألواح أو الرسالة { بقوة } أي: بجد واجتهاد، { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } بأحسن ما فيها، فإن فيها ما هو حسن وأحسن منه كالقصاص مع العفو، أو بواجباتها، فإن الواجب أفضل من المندوب، وهذا كقوله في كتابنا:
واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم
[الزمر:55]، ويجوز أن يراد بالأحسن: البالغ في الحسن مطلقا، لا بالإضافة إلى غيره، كقولهم: الصيف أحر من الشتاء، فيكون الأمر بأخذ كل ما فيها لأنه بالغ الحسن، ثم بشرهم بخراب ملك عدوهم، فقال: { سأريكم دار الفاسقين } أي: دار فرعون وقومه خاوية على عروشها، أي: أريكم كيف أقفرت منهم لما هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم، لتعتبروا بها، وقيل: جهنم. وقرأ ابن عباس: " سأورثكم " بالثاء المثلثة، كقوله:
وأورثناها بنى إسرآءيل
[الشعراء:59]. { سأصرف عن آياتي } المنصوبة في الآفاق والأنفس الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا من عجائب المصنوعات فلا يتفكرون فيها، أو القرآن وغيره من الكتب، أصرف عنها { الذين يتكبرون في الأرض } بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون، ولا يؤمنون بها، عقوبة لهم على تكبرهم، وقيل: الصرف: منعهم من إبطالها وإطفاء نورها، وإن اجتهدوا، كما فعل فرعون وغيره، فعاد عليهم بإعلائها وإظهار نورها، وذلك التكبر صدر منهم { بغير الحق } أي: تكبروا بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل. { وإن يروا كل آية } منزلة أو معجزة { لا يؤمنوا بها } لعنادهم، واختلال نظرهم، بسبب انهماكهم في الهوى وحب الجاه، { وإن يروا سبيل الرشد } أي: طريق الصواب والحق { لا يتخذوه سبيلا } لاستيلاء الشيطان عليهم، { وإن يروا سبيل الغي } أي: الظلال { يتخذوه سبيلا } أي: يسلكونه ويتبعونه، لأن سجيتهم الضلال، { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم الآيات.
{ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } أي: وبلقائهم الدار الآخرة، أو: ما وعد الله في الآخرة، { حبطت أعمالهم } لا ينتفعون بها، { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي: لا يجزون إلا مقدار أعمالهم
ولا يظلم ربك أحدا
[الكهف:49]. الإشارة: كل من أقامه الله في مقام من المقامات، أو حال من الأحوال، كيفما كان، يقال له: خذ ما آتيتك، واقنع بما أوليتك، وكن من الشاكرين عليه، وإلا سلبناك ما أعطيناك، فالرضا بالقسمة واجب، وطلب باب الفضل والكرم لازب، والأمر مبهم، والعواقب مغيبة، ومنتهى المقام على التعيين لا يعلم إلا بعد الموت. وقوله تعالى: { فخذها بقوة } أي: بجد واجتهاد. قال في الإحياء: الأخذ بالجد أن يكون القارىء متجردا لله عند قراءته، منصرف الهمة إليه عن غيره، وهو يشير للحضور. وقول تعالى: { يأخذوا بأحسنها } قال الورتجبي: يأخذون بأبينها لهم، وهي المحكمات التي توجب العبودية، ويأخذون بمتشابهها التي هي وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها، لأن علومها وحقائقها لا تكشف إلا للربانيين. قال تعالى:
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم...
[آل عمران:7] الآية. ه. وقوله تعالى: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض }. قال القشيري: سأحرم المتكبرين بركة الاتباع، حتى لا يتلقوا الآيات التي يكاشفون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يخاطبون به بسمع الإيمان. ه. ثم شرع في ذكر مساوئ بني إسرائيل فبدأ بعبادتهم العجل، فقال: { واتخذ قوم موسى من بعده }.
الأعراف 7:145
قلت: الرشد والرشد: لغتان، قرىء بهما. يقول الحق جل جلاله: { قال يا موسى إني اصطفيتك } اخترتك { على الناس } الموجودين في زمانك، وهارون، وإن كان نبيا، كان مأمورا باتباعه، ولم يكن كليما ولا صاحب شرع. فقد اصطفيتك على أهل زمانك { برسالتي } لك إليهم، ومن قرأ بالجمع فالمراد: أوقات التبليغ بأنواع الأحكام أو أسفار التوراة، { و } خصصتك { بكلامي } ، وقد شاركه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع زيادة الرؤية، { فخذ ما آتيتك } أي: أعطيتك من الرسالة والتكليم، وأقنع بهما ولا تطلب غير ذلك، { وكن من الشاكرين } على هذه النعمة، وفيه نوع تأديب له. روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وأعطاه التوراة يوم النحر. قال تعالى: { وكتبنا له في الألواح من كل شيء } يحتاجون إليه { موعظة } أي: تذكيرا { وتفصيلا لكل شيء } يتوقفون عليه في الأحكام والوعظ. واختلف في الألواح: هل كانت سبعة أو عشرة أو اثنين، وهل كانت من زمرد أو زبرجد أو ياقوت أحمر، أو خشب، أو صخرة صماء، شقها الله تعالى لموسى عليه السلام فقطعها بيده، وكان فيها التوراة. قال تعالى لموسى عليه السلام: { فخذها } أي: الألواح أو الرسالة { بقوة } أي: بجد واجتهاد، { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } بأحسن ما فيها، فإن فيها ما هو حسن وأحسن منه كالقصاص مع العفو، أو بواجباتها، فإن الواجب أفضل من المندوب، وهذا كقوله في كتابنا:
واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم
[الزمر:55]، ويجوز أن يراد بالأحسن: البالغ في الحسن مطلقا، لا بالإضافة إلى غيره، كقولهم: الصيف أحر من الشتاء، فيكون الأمر بأخذ كل ما فيها لأنه بالغ الحسن، ثم بشرهم بخراب ملك عدوهم، فقال: { سأريكم دار الفاسقين } أي: دار فرعون وقومه خاوية على عروشها، أي: أريكم كيف أقفرت منهم لما هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم، لتعتبروا بها، وقيل: جهنم. وقرأ ابن عباس: " سأورثكم " بالثاء المثلثة، كقوله:
وأورثناها بنى إسرآءيل
[الشعراء:59]. { سأصرف عن آياتي } المنصوبة في الآفاق والأنفس الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا من عجائب المصنوعات فلا يتفكرون فيها، أو القرآن وغيره من الكتب، أصرف عنها { الذين يتكبرون في الأرض } بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون، ولا يؤمنون بها، عقوبة لهم على تكبرهم، وقيل: الصرف: منعهم من إبطالها وإطفاء نورها، وإن اجتهدوا، كما فعل فرعون وغيره، فعاد عليهم بإعلائها وإظهار نورها، وذلك التكبر صدر منهم { بغير الحق } أي: تكبروا بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل. { وإن يروا كل آية } منزلة أو معجزة { لا يؤمنوا بها } لعنادهم، واختلال نظرهم، بسبب انهماكهم في الهوى وحب الجاه، { وإن يروا سبيل الرشد } أي: طريق الصواب والحق { لا يتخذوه سبيلا } لاستيلاء الشيطان عليهم، { وإن يروا سبيل الغي } أي: الظلال { يتخذوه سبيلا } أي: يسلكونه ويتبعونه، لأن سجيتهم الضلال، { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم الآيات.
{ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } أي: وبلقائهم الدار الآخرة، أو: ما وعد الله في الآخرة، { حبطت أعمالهم } لا ينتفعون بها، { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي: لا يجزون إلا مقدار أعمالهم
ولا يظلم ربك أحدا
[الكهف:49]. الإشارة: كل من أقامه الله في مقام من المقامات، أو حال من الأحوال، كيفما كان، يقال له: خذ ما آتيتك، واقنع بما أوليتك، وكن من الشاكرين عليه، وإلا سلبناك ما أعطيناك، فالرضا بالقسمة واجب، وطلب باب الفضل والكرم لازب، والأمر مبهم، والعواقب مغيبة، ومنتهى المقام على التعيين لا يعلم إلا بعد الموت. وقوله تعالى: { فخذها بقوة } أي: بجد واجتهاد. قال في الإحياء: الأخذ بالجد أن يكون القارىء متجردا لله عند قراءته، منصرف الهمة إليه عن غيره، وهو يشير للحضور. وقول تعالى: { يأخذوا بأحسنها } قال الورتجبي: يأخذون بأبينها لهم، وهي المحكمات التي توجب العبودية، ويأخذون بمتشابهها التي هي وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها، لأن علومها وحقائقها لا تكشف إلا للربانيين. قال تعالى:
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم...
[آل عمران:7] الآية. ه. وقوله تعالى: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض }. قال القشيري: سأحرم المتكبرين بركة الاتباع، حتى لا يتلقوا الآيات التي يكاشفون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يخاطبون به بسمع الإيمان. ه. ثم شرع في ذكر مساوئ بني إسرائيل فبدأ بعبادتهم العجل، فقال: { واتخذ قوم موسى من بعده }.
الأعراف 7:146
قلت: الرشد والرشد: لغتان، قرىء بهما. يقول الحق جل جلاله: { قال يا موسى إني اصطفيتك } اخترتك { على الناس } الموجودين في زمانك، وهارون، وإن كان نبيا، كان مأمورا باتباعه، ولم يكن كليما ولا صاحب شرع. فقد اصطفيتك على أهل زمانك { برسالتي } لك إليهم، ومن قرأ بالجمع فالمراد: أوقات التبليغ بأنواع الأحكام أو أسفار التوراة، { و } خصصتك { بكلامي } ، وقد شاركه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع زيادة الرؤية، { فخذ ما آتيتك } أي: أعطيتك من الرسالة والتكليم، وأقنع بهما ولا تطلب غير ذلك، { وكن من الشاكرين } على هذه النعمة، وفيه نوع تأديب له. روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وأعطاه التوراة يوم النحر. قال تعالى: { وكتبنا له في الألواح من كل شيء } يحتاجون إليه { موعظة } أي: تذكيرا { وتفصيلا لكل شيء } يتوقفون عليه في الأحكام والوعظ. واختلف في الألواح: هل كانت سبعة أو عشرة أو اثنين، وهل كانت من زمرد أو زبرجد أو ياقوت أحمر، أو خشب، أو صخرة صماء، شقها الله تعالى لموسى عليه السلام فقطعها بيده، وكان فيها التوراة. قال تعالى لموسى عليه السلام: { فخذها } أي: الألواح أو الرسالة { بقوة } أي: بجد واجتهاد، { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } بأحسن ما فيها، فإن فيها ما هو حسن وأحسن منه كالقصاص مع العفو، أو بواجباتها، فإن الواجب أفضل من المندوب، وهذا كقوله في كتابنا:
واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم
[الزمر:55]، ويجوز أن يراد بالأحسن: البالغ في الحسن مطلقا، لا بالإضافة إلى غيره، كقولهم: الصيف أحر من الشتاء، فيكون الأمر بأخذ كل ما فيها لأنه بالغ الحسن، ثم بشرهم بخراب ملك عدوهم، فقال: { سأريكم دار الفاسقين } أي: دار فرعون وقومه خاوية على عروشها، أي: أريكم كيف أقفرت منهم لما هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم، لتعتبروا بها، وقيل: جهنم. وقرأ ابن عباس: " سأورثكم " بالثاء المثلثة، كقوله:
وأورثناها بنى إسرآءيل
[الشعراء:59]. { سأصرف عن آياتي } المنصوبة في الآفاق والأنفس الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا من عجائب المصنوعات فلا يتفكرون فيها، أو القرآن وغيره من الكتب، أصرف عنها { الذين يتكبرون في الأرض } بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون، ولا يؤمنون بها، عقوبة لهم على تكبرهم، وقيل: الصرف: منعهم من إبطالها وإطفاء نورها، وإن اجتهدوا، كما فعل فرعون وغيره، فعاد عليهم بإعلائها وإظهار نورها، وذلك التكبر صدر منهم { بغير الحق } أي: تكبروا بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل. { وإن يروا كل آية } منزلة أو معجزة { لا يؤمنوا بها } لعنادهم، واختلال نظرهم، بسبب انهماكهم في الهوى وحب الجاه، { وإن يروا سبيل الرشد } أي: طريق الصواب والحق { لا يتخذوه سبيلا } لاستيلاء الشيطان عليهم، { وإن يروا سبيل الغي } أي: الظلال { يتخذوه سبيلا } أي: يسلكونه ويتبعونه، لأن سجيتهم الضلال، { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم الآيات.
{ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } أي: وبلقائهم الدار الآخرة، أو: ما وعد الله في الآخرة، { حبطت أعمالهم } لا ينتفعون بها، { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي: لا يجزون إلا مقدار أعمالهم
ولا يظلم ربك أحدا
[الكهف:49]. الإشارة: كل من أقامه الله في مقام من المقامات، أو حال من الأحوال، كيفما كان، يقال له: خذ ما آتيتك، واقنع بما أوليتك، وكن من الشاكرين عليه، وإلا سلبناك ما أعطيناك، فالرضا بالقسمة واجب، وطلب باب الفضل والكرم لازب، والأمر مبهم، والعواقب مغيبة، ومنتهى المقام على التعيين لا يعلم إلا بعد الموت. وقوله تعالى: { فخذها بقوة } أي: بجد واجتهاد. قال في الإحياء: الأخذ بالجد أن يكون القارىء متجردا لله عند قراءته، منصرف الهمة إليه عن غيره، وهو يشير للحضور. وقول تعالى: { يأخذوا بأحسنها } قال الورتجبي: يأخذون بأبينها لهم، وهي المحكمات التي توجب العبودية، ويأخذون بمتشابهها التي هي وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها، لأن علومها وحقائقها لا تكشف إلا للربانيين. قال تعالى:
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم...
[آل عمران:7] الآية. ه. وقوله تعالى: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض }. قال القشيري: سأحرم المتكبرين بركة الاتباع، حتى لا يتلقوا الآيات التي يكاشفون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يخاطبون به بسمع الإيمان. ه. ثم شرع في ذكر مساوئ بني إسرائيل فبدأ بعبادتهم العجل، فقال: { واتخذ قوم موسى من بعده }.
الأعراف 7:147
قلت: الرشد والرشد: لغتان، قرىء بهما. يقول الحق جل جلاله: { قال يا موسى إني اصطفيتك } اخترتك { على الناس } الموجودين في زمانك، وهارون، وإن كان نبيا، كان مأمورا باتباعه، ولم يكن كليما ولا صاحب شرع. فقد اصطفيتك على أهل زمانك { برسالتي } لك إليهم، ومن قرأ بالجمع فالمراد: أوقات التبليغ بأنواع الأحكام أو أسفار التوراة، { و } خصصتك { بكلامي } ، وقد شاركه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع زيادة الرؤية، { فخذ ما آتيتك } أي: أعطيتك من الرسالة والتكليم، وأقنع بهما ولا تطلب غير ذلك، { وكن من الشاكرين } على هذه النعمة، وفيه نوع تأديب له. روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وأعطاه التوراة يوم النحر. قال تعالى: { وكتبنا له في الألواح من كل شيء } يحتاجون إليه { موعظة } أي: تذكيرا { وتفصيلا لكل شيء } يتوقفون عليه في الأحكام والوعظ. واختلف في الألواح: هل كانت سبعة أو عشرة أو اثنين، وهل كانت من زمرد أو زبرجد أو ياقوت أحمر، أو خشب، أو صخرة صماء، شقها الله تعالى لموسى عليه السلام فقطعها بيده، وكان فيها التوراة. قال تعالى لموسى عليه السلام: { فخذها } أي: الألواح أو الرسالة { بقوة } أي: بجد واجتهاد، { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } بأحسن ما فيها، فإن فيها ما هو حسن وأحسن منه كالقصاص مع العفو، أو بواجباتها، فإن الواجب أفضل من المندوب، وهذا كقوله في كتابنا:
واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم
[الزمر:55]، ويجوز أن يراد بالأحسن: البالغ في الحسن مطلقا، لا بالإضافة إلى غيره، كقولهم: الصيف أحر من الشتاء، فيكون الأمر بأخذ كل ما فيها لأنه بالغ الحسن، ثم بشرهم بخراب ملك عدوهم، فقال: { سأريكم دار الفاسقين } أي: دار فرعون وقومه خاوية على عروشها، أي: أريكم كيف أقفرت منهم لما هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم، لتعتبروا بها، وقيل: جهنم. وقرأ ابن عباس: " سأورثكم " بالثاء المثلثة، كقوله:
وأورثناها بنى إسرآءيل
[الشعراء:59]. { سأصرف عن آياتي } المنصوبة في الآفاق والأنفس الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا من عجائب المصنوعات فلا يتفكرون فيها، أو القرآن وغيره من الكتب، أصرف عنها { الذين يتكبرون في الأرض } بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون، ولا يؤمنون بها، عقوبة لهم على تكبرهم، وقيل: الصرف: منعهم من إبطالها وإطفاء نورها، وإن اجتهدوا، كما فعل فرعون وغيره، فعاد عليهم بإعلائها وإظهار نورها، وذلك التكبر صدر منهم { بغير الحق } أي: تكبروا بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل. { وإن يروا كل آية } منزلة أو معجزة { لا يؤمنوا بها } لعنادهم، واختلال نظرهم، بسبب انهماكهم في الهوى وحب الجاه، { وإن يروا سبيل الرشد } أي: طريق الصواب والحق { لا يتخذوه سبيلا } لاستيلاء الشيطان عليهم، { وإن يروا سبيل الغي } أي: الظلال { يتخذوه سبيلا } أي: يسلكونه ويتبعونه، لأن سجيتهم الضلال، { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم الآيات.
{ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } أي: وبلقائهم الدار الآخرة، أو: ما وعد الله في الآخرة، { حبطت أعمالهم } لا ينتفعون بها، { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي: لا يجزون إلا مقدار أعمالهم
ولا يظلم ربك أحدا
[الكهف:49]. الإشارة: كل من أقامه الله في مقام من المقامات، أو حال من الأحوال، كيفما كان، يقال له: خذ ما آتيتك، واقنع بما أوليتك، وكن من الشاكرين عليه، وإلا سلبناك ما أعطيناك، فالرضا بالقسمة واجب، وطلب باب الفضل والكرم لازب، والأمر مبهم، والعواقب مغيبة، ومنتهى المقام على التعيين لا يعلم إلا بعد الموت. وقوله تعالى: { فخذها بقوة } أي: بجد واجتهاد. قال في الإحياء: الأخذ بالجد أن يكون القارىء متجردا لله عند قراءته، منصرف الهمة إليه عن غيره، وهو يشير للحضور. وقول تعالى: { يأخذوا بأحسنها } قال الورتجبي: يأخذون بأبينها لهم، وهي المحكمات التي توجب العبودية، ويأخذون بمتشابهها التي هي وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها، لأن علومها وحقائقها لا تكشف إلا للربانيين. قال تعالى:
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم...
[آل عمران:7] الآية. ه. وقوله تعالى: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض }. قال القشيري: سأحرم المتكبرين بركة الاتباع، حتى لا يتلقوا الآيات التي يكاشفون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يخاطبون به بسمع الإيمان. ه. ثم شرع في ذكر مساوئ بني إسرائيل فبدأ بعبادتهم العجل، فقال: { واتخذ قوم موسى من بعده }.
الأعراف 7:148
قلت: { عجلا }: مفعول أول لاتخذ، و { جسدا }: بدل منه، وحذف الثاني أي: " إلها " لدلالة أوله، و { له خوار }: نعت له. يقول الحق جل جلاله: { واتخذ قوم موسى من بعده } أي: من بعد ذهابه للميقات، { من حليهم } التي كانوا استعاروها من القبط، حين هموا بالخروج من مصر، وإضافتها إليهم لأنها كانت تحت أيديهم، فصنع لهم منها السامري { عجلا جسدا } بلا روح، فألقى في جوفه من تراب أثر فرس جبريل، فصار { له خوار } ، فقال لهم: { هذا إلهكم وإله موسى } ، فعكفوا على عبادته، واتخذوه إلها. قال تعالى: { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا } أي: ألم يروا، حين اتخذوه إلها، أنه لا يقدر على كلام، ولا على إرشاد سبيل، كآحاد البشر، حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقوى والقدر، وهذا تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنظر. قال تعالى: { اتخذوه } إلها { وكانوا ظالمين } في اتخاذه، وضعوا الأشياء في غير محلها، أي: كانت عادتهم الظلم، فلم يكن اتخاذ العجل بدعا منهم. { ولما سقط في أيديهم } كناية عن اشتداد ندمهم، فإن النادم المتحسر يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها. أو يسقط رأسه، أي: يطأطئها لبعض يده. وقال الدمياميني: العرب تضرب الأمثال بالأعضاء، ولا تريد أعيانها، تقول للنادم: يسقط في يده، وفي الذليل: رغم أنفه. ه. أي: ولما ندموا على ما فعلوا، { ورأوا } أي: علموا { أنهم قد ضلوا } باتخاذ العجل، { قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا } بالتجاوز عن خطيئتنا، { لنكونن من الخاسرين } دنيا وأخرى. الإشارة: كل من ركن إلى شيء وعكف على محبته من دون الله فهو في حقه عجل يعبده من دون الله، " ما أحببت شيئا إلا وكنت عبدا له، وهو لا يحب أن تكون عبدا لغيره ". عافانا الله من ذلك. ثم ذكر رجوع موسى عليه السلام من الطور، فقال: { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا }.
الأعراف 7:149
قلت: { عجلا }: مفعول أول لاتخذ، و { جسدا }: بدل منه، وحذف الثاني أي: " إلها " لدلالة أوله، و { له خوار }: نعت له. يقول الحق جل جلاله: { واتخذ قوم موسى من بعده } أي: من بعد ذهابه للميقات، { من حليهم } التي كانوا استعاروها من القبط، حين هموا بالخروج من مصر، وإضافتها إليهم لأنها كانت تحت أيديهم، فصنع لهم منها السامري { عجلا جسدا } بلا روح، فألقى في جوفه من تراب أثر فرس جبريل، فصار { له خوار } ، فقال لهم: { هذا إلهكم وإله موسى } ، فعكفوا على عبادته، واتخذوه إلها. قال تعالى: { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا } أي: ألم يروا، حين اتخذوه إلها، أنه لا يقدر على كلام، ولا على إرشاد سبيل، كآحاد البشر، حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقوى والقدر، وهذا تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنظر. قال تعالى: { اتخذوه } إلها { وكانوا ظالمين } في اتخاذه، وضعوا الأشياء في غير محلها، أي: كانت عادتهم الظلم، فلم يكن اتخاذ العجل بدعا منهم. { ولما سقط في أيديهم } كناية عن اشتداد ندمهم، فإن النادم المتحسر يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها. أو يسقط رأسه، أي: يطأطئها لبعض يده. وقال الدمياميني: العرب تضرب الأمثال بالأعضاء، ولا تريد أعيانها، تقول للنادم: يسقط في يده، وفي الذليل: رغم أنفه. ه. أي: ولما ندموا على ما فعلوا، { ورأوا } أي: علموا { أنهم قد ضلوا } باتخاذ العجل، { قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا } بالتجاوز عن خطيئتنا، { لنكونن من الخاسرين } دنيا وأخرى. الإشارة: كل من ركن إلى شيء وعكف على محبته من دون الله فهو في حقه عجل يعبده من دون الله، " ما أحببت شيئا إلا وكنت عبدا له، وهو لا يحب أن تكون عبدا لغيره ". عافانا الله من ذلك. ثم ذكر رجوع موسى عليه السلام من الطور، فقال: { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا }.
الأعراف 7:150
الإشارة: { بئسما }: " ما " نكرة موصوفة: تمييز، تفسير للضمير المستكن في بئس، والمخصوص: محذوف، أي: بئس شيئا خلفتموني خلافتكم هذه، و { ابن أم }: منادى مضاف، منصوب بفتحة مقدرة قبل ياء المتكلم، وأصله: ابن أمي، فحذفت الياء، وفتحت الميم تخفيفا. يقول الحق جل جلاله: { ولما رجع موسى } من ميقاته { إلى قومه غضبان } على قومه، { أسفا } أي: حزينا عليهم حيث ضلوا، { قال } لهم، أو لأخيه ومن معه من المؤمنين: { بئسما خلفتموني من بعدي } أي: من بعد انطلاقي إلى المناجاة، { أعجلتم أمر ربكم } أي: أسابقتم قضاء ربكم ووعده، واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدر فيه، أو أعجلتم عقوبة ربكم وإهلاكه لكم حيث عبدتم غيره. { وألقى الألواح } طرحها من شدة الغضب حمية للدين، روي أن التوراة كانت سبعة أسفار في سبعة ألواح، فلما ألقاها انكسرت، فرفع ستة أسباعها، وكان فيها تفصيل كل شيء، وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام، { وأخذ برأس أخيه }: بشعر رأسه { يجره إليه } توهما في أنه قصر في زجرهم، وهارون كان أكبر منه بثلاث سنين، وكان حمولا لينا، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل، ولما رأى هارون ما يفعل به أخروه { قال ابن أم } ذكر الأم ليرققه، وكان شقيقا له، { إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني } حين أنكرت عليهم، فقد بذلت جهدي في كفهم، وقهروني حتى قاربوا قتلي، فلم أقصر، { فلا تشمت بي الأعداء } فلا تفعل بي ما يشمتون بي، أي: يستشفون بي لأجله، { ولا تجعلني مع القوم الظالمين } معدودا في عدادهم بالمؤاخذة، أو نسبة التقصير. { قال } موسى: { رب أغفر لي } ما صنعت بأخي، { ولأخي } إن فرط في كفهم، { وأدخلنا في رحمتك } بمزيد الإنعام علينا، { وأنت أرحم الراحمين } فأنت أرحم منا على أنفسنا. قال تعالى: { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم } وهو ما أمرهم من قتل أنفسهم، أو الطاعون الذي سلط عليهم، { وذلة في الحياة الدنيا } وهي ضرب الجزية والهوان إلى يوم القيامة، { وكذلك نجزي المفترين } على الله، ولا فرية أعظم من فريتهم، حيث { قالوا هذا إلهكم وإله موسى } ، ولعله لم يفتر أحد مثلها قبلهم ولا بعدهم، حيث جعلوا البقر إلههم وإله الرسول، نسأل الله الحفظ. ثم ذكر توبتهم، فقال: { والذين عملوا السيئات } من الكفر والمعاصي، { ثم تابوا من بعدها } من بعد السيئات { وآمنوا } واشتغلوا بما يقتضيه الإيمان من الأعمال الصالحات، { إن ربك من بعدها } من بعد التوبة { لغفور رحيم } وإن عظم الذنب كجريمة عبدة العجل وكثر كجرائم بني إسرائيل. الإشارة: الغضب لله وبالله، والأسف على دين الله، من أمارة الغيرة على دين الله، لكن صاحب هذا المقام مالك نفسه، يظهر الغلظة ويبطن الرحمة، قياما بشهود الحكمة والقدرة، وأما ما صدر من سيدنا موسى عليه السلام فتشريع لأهل التشريع، لئلا يقع التساهل في تغيير المناكر.
وساق الإمام الهروي هذه الآية في منازل السائرين في باب المراد، وهو المخصوص من ربه بما لم يرده هو ولا خطر بباله، والإشارة بذلك إلى الضنائن الذين ورد فيهم الخبر:
" إن لله ضنائن من خلقه، ألبسهم النور الساطع، وغذاهم في رحمته، وفعل بهم وفعل... "
أورده الإمام أو نعيم في الحلية. وحاصله: أن المرادين هم قوم مخصوصون، ملطوف بهم، محمول عنهم، ومنه:
وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك
[القصص:86] فقد خص عليه الصلاة والسلام بما لم يخطر على باله قبل النبوة. قال الهروي: والمراد: ثلاث درجات: الدرجة الأولى: أن يعصم العبد وهو مستشرف للجفا اضطرارا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ، وسد مسالك المعاطب عليه، إكراما، والدرجة الثانية: أن توضع عن العبد عوارض النقص، ويعافيه من سمة اللائمة، ويملكه عواقب الهفوات، كما فعل لسليمان عليه السلام في قتل الخيل حمله على الريح الرخاء، فأغناه عن الخيل، وكما فعل لموسى عليه السلام حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه لم يعتب عليه كما عتب على آدم ونوح وداود ويونس عليهم السلام . ه. قال شارحه الإمام عبد المعطي السكندري: وهذه الدرجة أتم في الحمل على الأعمال وركوب الأهوال، والتلطف في تعليم الإقبال مما قبلها، فإن ما قبلها منع من الشهوات وصيانة عن الآفات جبرا وقهرا وحفظا، وهذا حفظ عنها بإظهار صفح برفق وإكرام ولطف، فتقوى المحبة في القلب، فيحمل ذلك على سرعة الموافقة، ومتى عرف العبد تقصيره في حق مولاه، ورأى مع ذلك تجاوزه عنه، وإحسانه إليه، فضلا عن ترك مؤاخذته بما جناه، انغرس في قلبه محبته، وقوى بذلك نشاطه، وخفت عليه الأعمال، وقويت منه الأحوال، فكلاهما محفوظ معان، إلا أن الأول قهر مع تعلقه، وهذا إكرام ولطف بعد جريان هفوته، ثم ذكر الدرجة الثالثة، فانظره. ه. بنقل المحشي. ثم كمل القصة، فقال: { ولما سكت عن موسى الغضب }.
الأعراف 7:151
الإشارة: { بئسما }: " ما " نكرة موصوفة: تمييز، تفسير للضمير المستكن في بئس، والمخصوص: محذوف، أي: بئس شيئا خلفتموني خلافتكم هذه، و { ابن أم }: منادى مضاف، منصوب بفتحة مقدرة قبل ياء المتكلم، وأصله: ابن أمي، فحذفت الياء، وفتحت الميم تخفيفا. يقول الحق جل جلاله: { ولما رجع موسى } من ميقاته { إلى قومه غضبان } على قومه، { أسفا } أي: حزينا عليهم حيث ضلوا، { قال } لهم، أو لأخيه ومن معه من المؤمنين: { بئسما خلفتموني من بعدي } أي: من بعد انطلاقي إلى المناجاة، { أعجلتم أمر ربكم } أي: أسابقتم قضاء ربكم ووعده، واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدر فيه، أو أعجلتم عقوبة ربكم وإهلاكه لكم حيث عبدتم غيره. { وألقى الألواح } طرحها من شدة الغضب حمية للدين، روي أن التوراة كانت سبعة أسفار في سبعة ألواح، فلما ألقاها انكسرت، فرفع ستة أسباعها، وكان فيها تفصيل كل شيء، وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام، { وأخذ برأس أخيه }: بشعر رأسه { يجره إليه } توهما في أنه قصر في زجرهم، وهارون كان أكبر منه بثلاث سنين، وكان حمولا لينا، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل، ولما رأى هارون ما يفعل به أخروه { قال ابن أم } ذكر الأم ليرققه، وكان شقيقا له، { إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني } حين أنكرت عليهم، فقد بذلت جهدي في كفهم، وقهروني حتى قاربوا قتلي، فلم أقصر، { فلا تشمت بي الأعداء } فلا تفعل بي ما يشمتون بي، أي: يستشفون بي لأجله، { ولا تجعلني مع القوم الظالمين } معدودا في عدادهم بالمؤاخذة، أو نسبة التقصير. { قال } موسى: { رب أغفر لي } ما صنعت بأخي، { ولأخي } إن فرط في كفهم، { وأدخلنا في رحمتك } بمزيد الإنعام علينا، { وأنت أرحم الراحمين } فأنت أرحم منا على أنفسنا. قال تعالى: { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم } وهو ما أمرهم من قتل أنفسهم، أو الطاعون الذي سلط عليهم، { وذلة في الحياة الدنيا } وهي ضرب الجزية والهوان إلى يوم القيامة، { وكذلك نجزي المفترين } على الله، ولا فرية أعظم من فريتهم، حيث { قالوا هذا إلهكم وإله موسى } ، ولعله لم يفتر أحد مثلها قبلهم ولا بعدهم، حيث جعلوا البقر إلههم وإله الرسول، نسأل الله الحفظ. ثم ذكر توبتهم، فقال: { والذين عملوا السيئات } من الكفر والمعاصي، { ثم تابوا من بعدها } من بعد السيئات { وآمنوا } واشتغلوا بما يقتضيه الإيمان من الأعمال الصالحات، { إن ربك من بعدها } من بعد التوبة { لغفور رحيم } وإن عظم الذنب كجريمة عبدة العجل وكثر كجرائم بني إسرائيل. الإشارة: الغضب لله وبالله، والأسف على دين الله، من أمارة الغيرة على دين الله، لكن صاحب هذا المقام مالك نفسه، يظهر الغلظة ويبطن الرحمة، قياما بشهود الحكمة والقدرة، وأما ما صدر من سيدنا موسى عليه السلام فتشريع لأهل التشريع، لئلا يقع التساهل في تغيير المناكر.
وساق الإمام الهروي هذه الآية في منازل السائرين في باب المراد، وهو المخصوص من ربه بما لم يرده هو ولا خطر بباله، والإشارة بذلك إلى الضنائن الذين ورد فيهم الخبر:
" إن لله ضنائن من خلقه، ألبسهم النور الساطع، وغذاهم في رحمته، وفعل بهم وفعل... "
أورده الإمام أو نعيم في الحلية. وحاصله: أن المرادين هم قوم مخصوصون، ملطوف بهم، محمول عنهم، ومنه:
وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك
[القصص:86] فقد خص عليه الصلاة والسلام بما لم يخطر على باله قبل النبوة. قال الهروي: والمراد: ثلاث درجات: الدرجة الأولى: أن يعصم العبد وهو مستشرف للجفا اضطرارا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ، وسد مسالك المعاطب عليه، إكراما، والدرجة الثانية: أن توضع عن العبد عوارض النقص، ويعافيه من سمة اللائمة، ويملكه عواقب الهفوات، كما فعل لسليمان عليه السلام في قتل الخيل حمله على الريح الرخاء، فأغناه عن الخيل، وكما فعل لموسى عليه السلام حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه لم يعتب عليه كما عتب على آدم ونوح وداود ويونس عليهم السلام . ه. قال شارحه الإمام عبد المعطي السكندري: وهذه الدرجة أتم في الحمل على الأعمال وركوب الأهوال، والتلطف في تعليم الإقبال مما قبلها، فإن ما قبلها منع من الشهوات وصيانة عن الآفات جبرا وقهرا وحفظا، وهذا حفظ عنها بإظهار صفح برفق وإكرام ولطف، فتقوى المحبة في القلب، فيحمل ذلك على سرعة الموافقة، ومتى عرف العبد تقصيره في حق مولاه، ورأى مع ذلك تجاوزه عنه، وإحسانه إليه، فضلا عن ترك مؤاخذته بما جناه، انغرس في قلبه محبته، وقوى بذلك نشاطه، وخفت عليه الأعمال، وقويت منه الأحوال، فكلاهما محفوظ معان، إلا أن الأول قهر مع تعلقه، وهذا إكرام ولطف بعد جريان هفوته، ثم ذكر الدرجة الثالثة، فانظره. ه. بنقل المحشي. ثم كمل القصة، فقال: { ولما سكت عن موسى الغضب }.
الأعراف 7:152
الإشارة: { بئسما }: " ما " نكرة موصوفة: تمييز، تفسير للضمير المستكن في بئس، والمخصوص: محذوف، أي: بئس شيئا خلفتموني خلافتكم هذه، و { ابن أم }: منادى مضاف، منصوب بفتحة مقدرة قبل ياء المتكلم، وأصله: ابن أمي، فحذفت الياء، وفتحت الميم تخفيفا. يقول الحق جل جلاله: { ولما رجع موسى } من ميقاته { إلى قومه غضبان } على قومه، { أسفا } أي: حزينا عليهم حيث ضلوا، { قال } لهم، أو لأخيه ومن معه من المؤمنين: { بئسما خلفتموني من بعدي } أي: من بعد انطلاقي إلى المناجاة، { أعجلتم أمر ربكم } أي: أسابقتم قضاء ربكم ووعده، واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدر فيه، أو أعجلتم عقوبة ربكم وإهلاكه لكم حيث عبدتم غيره. { وألقى الألواح } طرحها من شدة الغضب حمية للدين، روي أن التوراة كانت سبعة أسفار في سبعة ألواح، فلما ألقاها انكسرت، فرفع ستة أسباعها، وكان فيها تفصيل كل شيء، وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام، { وأخذ برأس أخيه }: بشعر رأسه { يجره إليه } توهما في أنه قصر في زجرهم، وهارون كان أكبر منه بثلاث سنين، وكان حمولا لينا، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل، ولما رأى هارون ما يفعل به أخروه { قال ابن أم } ذكر الأم ليرققه، وكان شقيقا له، { إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني } حين أنكرت عليهم، فقد بذلت جهدي في كفهم، وقهروني حتى قاربوا قتلي، فلم أقصر، { فلا تشمت بي الأعداء } فلا تفعل بي ما يشمتون بي، أي: يستشفون بي لأجله، { ولا تجعلني مع القوم الظالمين } معدودا في عدادهم بالمؤاخذة، أو نسبة التقصير. { قال } موسى: { رب أغفر لي } ما صنعت بأخي، { ولأخي } إن فرط في كفهم، { وأدخلنا في رحمتك } بمزيد الإنعام علينا، { وأنت أرحم الراحمين } فأنت أرحم منا على أنفسنا. قال تعالى: { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم } وهو ما أمرهم من قتل أنفسهم، أو الطاعون الذي سلط عليهم، { وذلة في الحياة الدنيا } وهي ضرب الجزية والهوان إلى يوم القيامة، { وكذلك نجزي المفترين } على الله، ولا فرية أعظم من فريتهم، حيث { قالوا هذا إلهكم وإله موسى } ، ولعله لم يفتر أحد مثلها قبلهم ولا بعدهم، حيث جعلوا البقر إلههم وإله الرسول، نسأل الله الحفظ. ثم ذكر توبتهم، فقال: { والذين عملوا السيئات } من الكفر والمعاصي، { ثم تابوا من بعدها } من بعد السيئات { وآمنوا } واشتغلوا بما يقتضيه الإيمان من الأعمال الصالحات، { إن ربك من بعدها } من بعد التوبة { لغفور رحيم } وإن عظم الذنب كجريمة عبدة العجل وكثر كجرائم بني إسرائيل. الإشارة: الغضب لله وبالله، والأسف على دين الله، من أمارة الغيرة على دين الله، لكن صاحب هذا المقام مالك نفسه، يظهر الغلظة ويبطن الرحمة، قياما بشهود الحكمة والقدرة، وأما ما صدر من سيدنا موسى عليه السلام فتشريع لأهل التشريع، لئلا يقع التساهل في تغيير المناكر.
وساق الإمام الهروي هذه الآية في منازل السائرين في باب المراد، وهو المخصوص من ربه بما لم يرده هو ولا خطر بباله، والإشارة بذلك إلى الضنائن الذين ورد فيهم الخبر:
" إن لله ضنائن من خلقه، ألبسهم النور الساطع، وغذاهم في رحمته، وفعل بهم وفعل... "
أورده الإمام أو نعيم في الحلية. وحاصله: أن المرادين هم قوم مخصوصون، ملطوف بهم، محمول عنهم، ومنه:
وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك
[القصص:86] فقد خص عليه الصلاة والسلام بما لم يخطر على باله قبل النبوة. قال الهروي: والمراد: ثلاث درجات: الدرجة الأولى: أن يعصم العبد وهو مستشرف للجفا اضطرارا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ، وسد مسالك المعاطب عليه، إكراما، والدرجة الثانية: أن توضع عن العبد عوارض النقص، ويعافيه من سمة اللائمة، ويملكه عواقب الهفوات، كما فعل لسليمان عليه السلام في قتل الخيل حمله على الريح الرخاء، فأغناه عن الخيل، وكما فعل لموسى عليه السلام حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه لم يعتب عليه كما عتب على آدم ونوح وداود ويونس عليهم السلام . ه. قال شارحه الإمام عبد المعطي السكندري: وهذه الدرجة أتم في الحمل على الأعمال وركوب الأهوال، والتلطف في تعليم الإقبال مما قبلها، فإن ما قبلها منع من الشهوات وصيانة عن الآفات جبرا وقهرا وحفظا، وهذا حفظ عنها بإظهار صفح برفق وإكرام ولطف، فتقوى المحبة في القلب، فيحمل ذلك على سرعة الموافقة، ومتى عرف العبد تقصيره في حق مولاه، ورأى مع ذلك تجاوزه عنه، وإحسانه إليه، فضلا عن ترك مؤاخذته بما جناه، انغرس في قلبه محبته، وقوى بذلك نشاطه، وخفت عليه الأعمال، وقويت منه الأحوال، فكلاهما محفوظ معان، إلا أن الأول قهر مع تعلقه، وهذا إكرام ولطف بعد جريان هفوته، ثم ذكر الدرجة الثالثة، فانظره. ه. بنقل المحشي. ثم كمل القصة، فقال: { ولما سكت عن موسى الغضب }.
الأعراف 7:153
الإشارة: { بئسما }: " ما " نكرة موصوفة: تمييز، تفسير للضمير المستكن في بئس، والمخصوص: محذوف، أي: بئس شيئا خلفتموني خلافتكم هذه، و { ابن أم }: منادى مضاف، منصوب بفتحة مقدرة قبل ياء المتكلم، وأصله: ابن أمي، فحذفت الياء، وفتحت الميم تخفيفا. يقول الحق جل جلاله: { ولما رجع موسى } من ميقاته { إلى قومه غضبان } على قومه، { أسفا } أي: حزينا عليهم حيث ضلوا، { قال } لهم، أو لأخيه ومن معه من المؤمنين: { بئسما خلفتموني من بعدي } أي: من بعد انطلاقي إلى المناجاة، { أعجلتم أمر ربكم } أي: أسابقتم قضاء ربكم ووعده، واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدر فيه، أو أعجلتم عقوبة ربكم وإهلاكه لكم حيث عبدتم غيره. { وألقى الألواح } طرحها من شدة الغضب حمية للدين، روي أن التوراة كانت سبعة أسفار في سبعة ألواح، فلما ألقاها انكسرت، فرفع ستة أسباعها، وكان فيها تفصيل كل شيء، وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام، { وأخذ برأس أخيه }: بشعر رأسه { يجره إليه } توهما في أنه قصر في زجرهم، وهارون كان أكبر منه بثلاث سنين، وكان حمولا لينا، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل، ولما رأى هارون ما يفعل به أخروه { قال ابن أم } ذكر الأم ليرققه، وكان شقيقا له، { إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني } حين أنكرت عليهم، فقد بذلت جهدي في كفهم، وقهروني حتى قاربوا قتلي، فلم أقصر، { فلا تشمت بي الأعداء } فلا تفعل بي ما يشمتون بي، أي: يستشفون بي لأجله، { ولا تجعلني مع القوم الظالمين } معدودا في عدادهم بالمؤاخذة، أو نسبة التقصير. { قال } موسى: { رب أغفر لي } ما صنعت بأخي، { ولأخي } إن فرط في كفهم، { وأدخلنا في رحمتك } بمزيد الإنعام علينا، { وأنت أرحم الراحمين } فأنت أرحم منا على أنفسنا. قال تعالى: { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم } وهو ما أمرهم من قتل أنفسهم، أو الطاعون الذي سلط عليهم، { وذلة في الحياة الدنيا } وهي ضرب الجزية والهوان إلى يوم القيامة، { وكذلك نجزي المفترين } على الله، ولا فرية أعظم من فريتهم، حيث { قالوا هذا إلهكم وإله موسى } ، ولعله لم يفتر أحد مثلها قبلهم ولا بعدهم، حيث جعلوا البقر إلههم وإله الرسول، نسأل الله الحفظ. ثم ذكر توبتهم، فقال: { والذين عملوا السيئات } من الكفر والمعاصي، { ثم تابوا من بعدها } من بعد السيئات { وآمنوا } واشتغلوا بما يقتضيه الإيمان من الأعمال الصالحات، { إن ربك من بعدها } من بعد التوبة { لغفور رحيم } وإن عظم الذنب كجريمة عبدة العجل وكثر كجرائم بني إسرائيل. الإشارة: الغضب لله وبالله، والأسف على دين الله، من أمارة الغيرة على دين الله، لكن صاحب هذا المقام مالك نفسه، يظهر الغلظة ويبطن الرحمة، قياما بشهود الحكمة والقدرة، وأما ما صدر من سيدنا موسى عليه السلام فتشريع لأهل التشريع، لئلا يقع التساهل في تغيير المناكر.
وساق الإمام الهروي هذه الآية في منازل السائرين في باب المراد، وهو المخصوص من ربه بما لم يرده هو ولا خطر بباله، والإشارة بذلك إلى الضنائن الذين ورد فيهم الخبر:
" إن لله ضنائن من خلقه، ألبسهم النور الساطع، وغذاهم في رحمته، وفعل بهم وفعل... "
أورده الإمام أو نعيم في الحلية. وحاصله: أن المرادين هم قوم مخصوصون، ملطوف بهم، محمول عنهم، ومنه:
وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك
[القصص:86] فقد خص عليه الصلاة والسلام بما لم يخطر على باله قبل النبوة. قال الهروي: والمراد: ثلاث درجات: الدرجة الأولى: أن يعصم العبد وهو مستشرف للجفا اضطرارا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ، وسد مسالك المعاطب عليه، إكراما، والدرجة الثانية: أن توضع عن العبد عوارض النقص، ويعافيه من سمة اللائمة، ويملكه عواقب الهفوات، كما فعل لسليمان عليه السلام في قتل الخيل حمله على الريح الرخاء، فأغناه عن الخيل، وكما فعل لموسى عليه السلام حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه لم يعتب عليه كما عتب على آدم ونوح وداود ويونس عليهم السلام . ه. قال شارحه الإمام عبد المعطي السكندري: وهذه الدرجة أتم في الحمل على الأعمال وركوب الأهوال، والتلطف في تعليم الإقبال مما قبلها، فإن ما قبلها منع من الشهوات وصيانة عن الآفات جبرا وقهرا وحفظا، وهذا حفظ عنها بإظهار صفح برفق وإكرام ولطف، فتقوى المحبة في القلب، فيحمل ذلك على سرعة الموافقة، ومتى عرف العبد تقصيره في حق مولاه، ورأى مع ذلك تجاوزه عنه، وإحسانه إليه، فضلا عن ترك مؤاخذته بما جناه، انغرس في قلبه محبته، وقوى بذلك نشاطه، وخفت عليه الأعمال، وقويت منه الأحوال، فكلاهما محفوظ معان، إلا أن الأول قهر مع تعلقه، وهذا إكرام ولطف بعد جريان هفوته، ثم ذكر الدرجة الثالثة، فانظره. ه. بنقل المحشي. ثم كمل القصة، فقال: { ولما سكت عن موسى الغضب }.
الأعراف 7:154
يقول الحق جل جلاله: { لما سكت } أي: سكن { عن موسى الغضب } لما كان الغضب هو الحامل له على ما فعل صار كأنه كان يأمره به ويغريه عليه، حتى عبر عن سكونه بالسكوت، أي: لما سكن غضبه { أخذ الألواح } التي ألقاها، { وفي نسختها } أي: وفيما نسخ فيها، أي: كتب { هدى ورحمة } أي: بيان للحق وإرشاد إلى الصلاح والخير، { للذين هم لربهم يرهبون } أي: للذين يخافون ربهم ويهابونههم المنتفعون بها، ودخلت اللام في المفعول لضعف العامل بتأخره. الإشارة: الغضب لأجل النفس يفسد الإيمان، كالحنظل مع العسل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام للذي قال له: أوصني، قال: " لا تغضب " ، ثم كرر عليه: أوصني، قال: " لا تغضب " ، ثلاثا، لأن الغضب المفرط يغطي نور العقل، فيصدر من صاحبه أمور منكرة، قد يخرج بها عن الإيمان بالكلية، وقد يؤدي إلى قتل نفسه والعياذ بالله، والغضب معيار الصوفية قال بعضهم: إذا أردت أن تعرف الرجل فغضبه وانظر ما يخرج منه، إلى غير ذلك مما ورد فيه، فإن كان غضبه لله أو بالله فلا كلام عليه، وهو حال الأنبياء وأكابر الأولياء رضي الله عنهم . ولما انقضت قضية العجل أراد سيدنا موسى عليه السلام أن يذهب بقوم، يعتذرون عن عبادة العجل، كما قال تعالى: { واختار موسى قومه سبعين رجلا }.
الأعراف 7:155
{ واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنآ إليك... } يقول الحق جل جلاله: { واختار موسى قومه } من قومه { سبعين رجلا } يعتذرون عن قومهم في عبادة العجل، { لميقاتنا } الذي وقتنا لهم يأتون إليه، وقيل: إن الله تعالى أمره به بأن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فاختار من كل سبط ستة، فزاد على السبعين اثنان، فقال: يتخلف منكم رجلان، فتشاجروا، فقال: إن لمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع، وذهب معه الباقون، فلما دنوا من الجبل غشية غمام، فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجدا، فسمعوه يكلم موسى، يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه، وقالوا:
لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة
[البقرة:55]، { فأخذتهم الرجفة } أي: الصعقة، أو رجفة الجبل، عقابا لهم على قولهم، فصعقوا منها، يحتمل أن تكن رجفة موت أو إغماء. والأول أظهر لقوله:
ثم بعثناكم من بعد موتكم
[البقرة:56]. { فلما أخذتهم الرجفة قال } موسى: { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } ، تمنى هلاكهم وهلاكه قبل ذلك الوقت، لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه، إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين، ربما قالوا: عرضهم للهلاك، أو يكون قال ذلك على وجه الاستسلام والانقياد للقضاء، أي: لو شئت أن تهلكنا من قبل ذلك لفعلت، فإنا عبيدك وتحت قهرك تفعل بنا ما تشاء، أو يكون قاله على وجه التضرع والرغبة، أي: لو ئشت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت، لكنك عافيتنا وأنقذتنا وأغرقت عدونا، فافعل بنا الآن كما عودتنا، وأحيي هؤلاء الذي أمتهم، إذ ليس ببعيد من عميم إحسانك، { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } من العناد والتجاسر على طلب الرؤية، أو بما فعل السفهاء من عبادة العجل. { إن هي إلا فتنتك } أي: ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك، حتى طمعوا في الرؤية، أو فتنتك لهم بأن أجريت الصوت من العجل حتى افتتنوا به، وهذا اعتراف بالقدر، ورجوع إلى قوله:
فإنا قد فتنا قومك من بعدك...
[طه:85] الآية، ولذلك قيل: إنه قال له تعالى: نعم هي فتنتي يا حكيم الحكماء. ه. أي: ما هذه الأمور كلها التي صدرت من بني إسرائيل إلا فتنتك { تضل بها من تشاء } ضلالته، باتباع المخايل، { وتهدي من تشاء } هدايته، فيقوي بها إيمانه، وهو اعتذار عن فعل السفهاء فإنه كان بقضاء الله ومشيئته. { أنت ولينا } القائم بأمرنا، أو ناصرنا من الوقوع في أسباب المهالك، { فاغفر لنا } ما قارفنا من الذنوب، { وارحمنا } أي: اعصمنا من الوقوع في مثله، { وأنت خير الغافرين } تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة، { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } أي:حالة حسنة من حسن معيشة وتوفيق طاعة، { وفي الآخرة } حسنة نعيم الجنة، { إنا هدنا إليك } أي: تبنا إليك، من هاد يهود: إذا رجع، أي: رجعنا إليك بالتوبة مما سلف منا.
الإشارة: السلامة من العطب هو في مقام الهيبة والأدب، ولذلك قيل: قف بالبساط، وإياك والانبساط. وأما مقام الإدلال فلا يصح إلا من أكابر الأنبياء، والأولياء المحققين بمقام المحبوبية، المتحفين بغاية الخصوصية، ومنه قول سيدنا موسى عليه السلام: { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } ، كما قال في الإحياء. والإدلال: هو انبساط يثور من مقام الأنس والتحقق بالمحبة الخاصة، ولا يتفق إلا من محبوب مأخوذ عنه، ليس عليه بغية من نفسه، ولا شعور بوجوده وأنانيته، وإلا رد في وجهه وكان سبب عطبه. ومن الإدلال: ما وقع لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه في حزبه الكبير، من قوله: وليس من الكرم إلا تحسن إلا لمن أحسن إليك...الخ. وقد وقع لغيره من المحبوبين. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق سبحانه وتعالى سؤال موسى عليه السلام في قوله: { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } فقال: {...قال عذابي أصيب به من أشآء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } يقول الحق جل جلاله: في جواب سيدنا موسى عليه السلام: { قال عذابي أصيب به من أشاء } ممن أخذته الرجفة وغيرهم، { ورحمتي وسعت كل شيء } في الدنيا للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة مخصوصة بالمؤمنين، { فسأكتبها } كتابة خاصة لا تليق بكم يا بني إسرائيل، إنما تليق بالأمة المحمدية الموسومة بالآداب المرضية، الذين { يتقون } الكفر والمعاصي، وإن وقعت هفوة بادروا إلى التوبة، { ويؤتون الزكاة } ، خصصها بالذكر لأنها كانت أشق عليهم. { والذين هم بآياتنا يؤمنون } فلا يكفرون بشيء منها، بل يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء، وليس ذلك لغيرهم. ولذلك خصهم الله بهذه الرحمة فنصرهم على جميع الأمم، وأعلى دينهم على جميع الأديان، ومكن لهم ما لم يمكن لغيرهم. { الذين يتبعون الرسول } صلى الله عليه وسلم { النبي الأمي } وهو نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، وكونه أميا شرف له، إذ الكتابة وسيلة للعلوم، وقد أعطي منها ما لم يعط أحد من العالمين، من غير تعب تعلمها، ولارتفاع الارتياب في نبوته صلى الله عليه وسلم، فهي من جملة معجزاته قال تعالى:
وما كنت تتلوا من قبله من كتاب...
[العنكبوت:48] الآية. قال بعضهم: لما قال الله تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء } طمع فيها كل أحد، حتى إبليس، فلما قال: { فسأكتبها للذين يتقون } يئس إبليس، وبقيت اليهود والنصارى، فلما قال: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } يئس اليهود والنصارى. ه. { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } اسما وصفة، ونص ما في التوراة على ما في صحيح البخاري، عن عبد الله بن سلام:
" يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجازي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا ".
ومما في التوراة أيضا، وهو مما أجمع عليه أهل الكتاب، وهو باق في أيديهم إلى الآن أن الملك قد نزل على إبراهيم، فقال له: في هذا العام يولد لك غلام اسمه إسحاق، فقال إبراهيم: يا رب ليت إسماعيل يعيش يخدمك، فقال الله لإبراهيم: ذلك لك، قد استجيب لك في إسماعيل، وأنا أباركه، وأنميه، وأكثره، وأعظمه بما ذماذ، وتفسيره: محمد صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك مما في التوراة أيضا: أن الرب تعالى جاء من طور سيناء، وطلع على " ساغين " ، وظهر من جبل فاران، ويعني طور سيناء: موضع مناجاة موسى، وساغين موضع عيسى، وفاران هي مكة، موضع مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التوراة أيضا: أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة، تراءى لها ملك، فقال لها: يا هاجر، أين تريدين، ومن أين أقبلت؟ فقالت: أهرب من سيدتي سارة، فقال لها: يا هاجر، ارجعي إلى سارة، وستحملين وتلدين ولدا اسمه إسماعيل، وهو يكون عين الناس، وتكون يده فوق الجميع، وتكون يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع. ه. وهذا الذي وعدها الملك إنما ظهر بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وظهور دينه وعلو مكانه، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره من أولاده، لكن الأصل يشرف بشرف فرعه، وفي التوراة أيضا: أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام: قد أجبت دعاءك في إسماعيل، وباركت عليه، وسيلد اثني عشر عظيما، وأجعله لأمة عظيمة. وفي بعض كتبهم: لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود، وامتلأت الأرض من حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته. ه. ونص ما في الإنجيل: أن المسيح قال للحواريين: إني ذاهب عنكم، وسيأتيكم الفارقليط، الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما يقول كما يقال له. ه. والفارقليط بالعبرانية: اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل معناه: الشافع المشفع.
وعن شهر بن حوشب في قصة إسلام كعب الأحبار، وهو من اليمن من حمير: أن كعبا أخبره بأمره، وكيف كان ذلك، وكان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل ظهوره، قال كعب: وكان أبي من أعلم الناس بالتوراة وكتب الأنبياء، ولم يكن يدخر عني شيئا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعاني فقال: يا بني، قد علمت أني لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم، إلا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث، وقد أطل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكاذبين فتتبعه، وقد قطعتهما من كتابي، وجعلتهما في هذه الكوة التي ترى، وطينت عليهما، فلا تتعرض لهما حتى يخرج هذا النبي، فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما، فإن الله تعالى يزيدك بهذا خيرا، فلما مات والدي لم يكن شيء أحب إلي من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين، فإذا فيهما:
" محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين لا نبي بعده، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمادون، الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال، وتذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء، ويتأزرون على أوساطهم، وأناجيلهم في صدورهم، ويأكلون قربانهم في بطونهم، ويؤجرون عليها، وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، وهم السابقون المقربون، والشافعون المشفع فيهم "
ثم أسلم على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. يقول الحق جل جلاله: في بقية أوصاف نبينا عليه الصلاة والسلام : { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات } مما حرم على اليهود كالشحوم وغيرها، { ويحرم عليهم الخبائث } كالدم والحم الخنزير وسائر الخبائث، أو كالربا والرشوة وغيرهما من المحرمات. قال ابن جزي: مذهب مالك أن الطيبات هي الحلال، وأن الخبائث هي الحرام. ومذهب الشافعي: أن الطيبات هي المستلذات، إلا ما حرمه الشرع منها، كالخمر والخنزير، وأن الخبائث هي المستقذرات كالخنافس والعقارب. ه. { ويضع عنهم إصرهم } أي: الثقل الذي عليهم، وهو مثال لما كلفوا به أي: بنو إسرائيل في شرعهم من المشقات كقتل الأنفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة من الثوب، وتعيين القصاص في العمد والخطأ. { والأغلآل التي كانت عليهم } عبارة عما منعت منه شريعتهم، كتحريم الشحوم، وتحريم العمل يوم السبت وشبه ذلك. { فالذين آمنوا به وعزروه } أي: منعوه وحفظوه من عدوه، حتى لا يقوى عليه، أو عظموه بالتقوية حتى انتصر، وأصله: المنع، ومنه التعزير، { ونصروه } حتى أظهروا دينه في حياته وبعد مماته، { واتبعوا النور الذي أنزل معه } وهو القرآن، وإنما سماه نورا لأنه بإعجازه ظاهر أمره ومظهر غيره، أو لأنه كاشف للحقائق مظهر لها.
{ أولئك هم المفلحون } الفائزون بالرحمة الأبدية، وهذا آخر جواب سيدنا موسى عليه السلام. الإشارة: قوله تعالى { ورحمتي وسعت كل شيء } ، قال القشيري: لم يعلقها بالمشيئة يعني: كما قال في العذاب لأنها نفس المشيئة، ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم، فلما كان العذاب من صفات الفعل علقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات. ويقال في قوله تعالى: { وسعت كل شيء }: مجال لآمال العصاة لأنهم، وإن لم يكونوا من جملة المطيعين العابدين والعارفين، فهم " شيء ". ه. قلت: وبهذا العموم تشبث إبليس في قضية له مع سهل، وذلك أنه لما تراءى له، ضحك، فقال له: كيف تضحك وقد أبلست من رحمة الله؟ فقال له: قال تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء } وأنا شيء فسكت سهل، ثم تذكر تمام الآية، فقال: قال تعالى: { فسأكتبها للذين يتقون } ، فهي مقيدة لا مطلقة، فقال له: التقوى فعل العبد، والرحمة صفة الرب، ولا يتغير وصف الحق بفعل العبد، فعجز سهل. قلت: والجواب: أن إبليس جاء من جهة الفرق، ولو نظر للجمع لوجد الرحمة وصفه، والتقوى فعله، وفعله يغير وصفه، والكل منه وإليه. والله تعالى أعلم. وقال الورتجبي: جميع الخلائق مستغرقون في بحر الرحمة، لأن إيجاد الحق إياهم، على أي: وصف كانوا، عين رحمته، حيث دخلوا تحت نظره وسلطانه وربوبيته، ومباشرة قدرته فيهم، ثم إن الخلق بالتفاوت في الرحمة فالجمادات مستغرقة في نور فعله، وهي الرحمة الفعلية، والحيوانات مستغرفة في نور صفاته، وهي الرحمة الصفاتية، والعقلاء من الجن والإنس والملائكة مستغرقون في نور ذاته، وهي الرحمة القديمة الذاتية من جهة تعريفهم ربوبيته ووحدانيته، وهم من جهة الأجسام وما يجري عليها، في الرحمة العامة، ومن جهة الأرواح وما يجري عليها، في الرحمة الخاصة، وهم فيها بالتفاوت، فبعضهم في رؤية العظمة ذابوا، وبعضهم في رؤية القدم والبقاء تاهوا، وبعضهم في رؤية الجلال والجمال عشقوا وطاشوا، ومن خرج من مقام الرحمة إلى أصل الصفة، ومن الصفة إلى أصل الذات استغرق في الراحم، وفنى عن الرحمة، فصار رحمة للعالمين، وهذا وصف نبينا عليه الصلاة والسلام ، لأنه وصل بالكل إلى الكل، فوصفه برحمة الكل بقوله:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء:107]، ثم خص رحمته الخاصة الصفاتية، بعد أن عم الكل برحمته العامة للمنفردين بالله عن غير الله، القانتين بعظمته في عظمة الذين بذلوا وجوههم لحق ربوبيته عليهم بقوله: { فسأكتبها للذين يتقون... }. ه. قال في الحاشية: واعتبر قوله: { فسأكتبها } ، فإنه يقتضي كون الرحمة السابقة مطلقة، والتغيير طارىء، والطارىء لا ينافي الذات.
ه. قلت: فتكون على هذا الرحمة التي وسعت كل شيء رحمة عامة، إذ لا يخلو مخلوق من رحمته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فالخلق كلهم مرحومون إيجادا وإمدادا، وأما في الآخرة فما من عذاب إلا والله أشد منه في قدرته، والرحمة التي كتبت للمتقين رحمة خاصة، ويدل على هذا ما في القوت على قوله: { فسأكتبها للذين يتقون } ، قال: معناه خصوص الرحمة وصفوها لا كلها، إذ لا نهاية للرحمة، لأنها صفة الراحم الذي لا حد له، ولأنه لم يخرج من رحمته شيء، كما لم يخرج من حكمته وقدرته شيء. ه. وقال السيوطي: فسأكتبها في الآخرة، ووجه تخصيصها في الآخرة بالمؤمنين: تمحضها هنالك من غير شوب بضد، ولا كذلك في الدنيا، وإن كانت غالبة، والكافر عمته في الدنيا عموما ظاهرا، وسلب منها في الآخرة بحسب الظاهر، وإن لم يخل عنها في الجملة، لأن عضبه تعالى لا حد له لولا رحمته. وحاصله: أنه لم تفي جهنم بغضبه، لأنه لا يفي المتناهي بغير المتناهي ورحمته عمت الكافر في الدنيا لإمهاله وبسط نعمه عليه، وفي الإمهال فسحة في الحال وأمل الإقلاع في المآل، وقد يتفق كثيرا، أي: الإقلاع، فلا يتعين أن يكون الإمهال استدراجا، على أنه إنما يتجلى تجليا أوليا ذاتيا برحمة مطلقة من غير تفصيل، إذ لا تعدد في الذات، وإنما يظهر التفصيل بالصفات، وإن كان يسري إليها من الذات، ولكن الرحمة تظهر أولا من الذات، مع قطع النظر عن الصفات لظهورها، ولا تظهر النقمة إلا من الصفات، وهي خفية في تجلي الذات المطلق، ولذلك قال: { ورحمتي وسعت كل شيء } ، وعلق العذاب على المشيئة، فخص به دونها. ه. من الحاشية مع زيادة بيان. ثم أمره بالدعاء إلى الإيمان، فقال: { قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا }.
الأعراف 7:156
{ واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنآ إليك... } يقول الحق جل جلاله: { واختار موسى قومه } من قومه { سبعين رجلا } يعتذرون عن قومهم في عبادة العجل، { لميقاتنا } الذي وقتنا لهم يأتون إليه، وقيل: إن الله تعالى أمره به بأن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فاختار من كل سبط ستة، فزاد على السبعين اثنان، فقال: يتخلف منكم رجلان، فتشاجروا، فقال: إن لمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع، وذهب معه الباقون، فلما دنوا من الجبل غشية غمام، فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجدا، فسمعوه يكلم موسى، يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه، وقالوا:
لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة
[البقرة:55]، { فأخذتهم الرجفة } أي: الصعقة، أو رجفة الجبل، عقابا لهم على قولهم، فصعقوا منها، يحتمل أن تكن رجفة موت أو إغماء. والأول أظهر لقوله:
ثم بعثناكم من بعد موتكم
[البقرة:56]. { فلما أخذتهم الرجفة قال } موسى: { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } ، تمنى هلاكهم وهلاكه قبل ذلك الوقت، لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه، إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين، ربما قالوا: عرضهم للهلاك، أو يكون قال ذلك على وجه الاستسلام والانقياد للقضاء، أي: لو شئت أن تهلكنا من قبل ذلك لفعلت، فإنا عبيدك وتحت قهرك تفعل بنا ما تشاء، أو يكون قاله على وجه التضرع والرغبة، أي: لو ئشت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت، لكنك عافيتنا وأنقذتنا وأغرقت عدونا، فافعل بنا الآن كما عودتنا، وأحيي هؤلاء الذي أمتهم، إذ ليس ببعيد من عميم إحسانك، { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } من العناد والتجاسر على طلب الرؤية، أو بما فعل السفهاء من عبادة العجل. { إن هي إلا فتنتك } أي: ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك، حتى طمعوا في الرؤية، أو فتنتك لهم بأن أجريت الصوت من العجل حتى افتتنوا به، وهذا اعتراف بالقدر، ورجوع إلى قوله:
فإنا قد فتنا قومك من بعدك...
[طه:85] الآية، ولذلك قيل: إنه قال له تعالى: نعم هي فتنتي يا حكيم الحكماء. ه. أي: ما هذه الأمور كلها التي صدرت من بني إسرائيل إلا فتنتك { تضل بها من تشاء } ضلالته، باتباع المخايل، { وتهدي من تشاء } هدايته، فيقوي بها إيمانه، وهو اعتذار عن فعل السفهاء فإنه كان بقضاء الله ومشيئته. { أنت ولينا } القائم بأمرنا، أو ناصرنا من الوقوع في أسباب المهالك، { فاغفر لنا } ما قارفنا من الذنوب، { وارحمنا } أي: اعصمنا من الوقوع في مثله، { وأنت خير الغافرين } تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة، { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } أي:حالة حسنة من حسن معيشة وتوفيق طاعة، { وفي الآخرة } حسنة نعيم الجنة، { إنا هدنا إليك } أي: تبنا إليك، من هاد يهود: إذا رجع، أي: رجعنا إليك بالتوبة مما سلف منا.
الإشارة: السلامة من العطب هو في مقام الهيبة والأدب، ولذلك قيل: قف بالبساط، وإياك والانبساط. وأما مقام الإدلال فلا يصح إلا من أكابر الأنبياء، والأولياء المحققين بمقام المحبوبية، المتحفين بغاية الخصوصية، ومنه قول سيدنا موسى عليه السلام: { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } ، كما قال في الإحياء. والإدلال: هو انبساط يثور من مقام الأنس والتحقق بالمحبة الخاصة، ولا يتفق إلا من محبوب مأخوذ عنه، ليس عليه بغية من نفسه، ولا شعور بوجوده وأنانيته، وإلا رد في وجهه وكان سبب عطبه. ومن الإدلال: ما وقع لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه في حزبه الكبير، من قوله: وليس من الكرم إلا تحسن إلا لمن أحسن إليك...الخ. وقد وقع لغيره من المحبوبين. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق سبحانه وتعالى سؤال موسى عليه السلام في قوله: { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } فقال: {...قال عذابي أصيب به من أشآء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } يقول الحق جل جلاله: في جواب سيدنا موسى عليه السلام: { قال عذابي أصيب به من أشاء } ممن أخذته الرجفة وغيرهم، { ورحمتي وسعت كل شيء } في الدنيا للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة مخصوصة بالمؤمنين، { فسأكتبها } كتابة خاصة لا تليق بكم يا بني إسرائيل، إنما تليق بالأمة المحمدية الموسومة بالآداب المرضية، الذين { يتقون } الكفر والمعاصي، وإن وقعت هفوة بادروا إلى التوبة، { ويؤتون الزكاة } ، خصصها بالذكر لأنها كانت أشق عليهم. { والذين هم بآياتنا يؤمنون } فلا يكفرون بشيء منها، بل يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء، وليس ذلك لغيرهم. ولذلك خصهم الله بهذه الرحمة فنصرهم على جميع الأمم، وأعلى دينهم على جميع الأديان، ومكن لهم ما لم يمكن لغيرهم. { الذين يتبعون الرسول } صلى الله عليه وسلم { النبي الأمي } وهو نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، وكونه أميا شرف له، إذ الكتابة وسيلة للعلوم، وقد أعطي منها ما لم يعط أحد من العالمين، من غير تعب تعلمها، ولارتفاع الارتياب في نبوته صلى الله عليه وسلم، فهي من جملة معجزاته قال تعالى:
وما كنت تتلوا من قبله من كتاب...
[العنكبوت:48] الآية. قال بعضهم: لما قال الله تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء } طمع فيها كل أحد، حتى إبليس، فلما قال: { فسأكتبها للذين يتقون } يئس إبليس، وبقيت اليهود والنصارى، فلما قال: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } يئس اليهود والنصارى. ه. { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } اسما وصفة، ونص ما في التوراة على ما في صحيح البخاري، عن عبد الله بن سلام:
" يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجازي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا ".
ومما في التوراة أيضا، وهو مما أجمع عليه أهل الكتاب، وهو باق في أيديهم إلى الآن أن الملك قد نزل على إبراهيم، فقال له: في هذا العام يولد لك غلام اسمه إسحاق، فقال إبراهيم: يا رب ليت إسماعيل يعيش يخدمك، فقال الله لإبراهيم: ذلك لك، قد استجيب لك في إسماعيل، وأنا أباركه، وأنميه، وأكثره، وأعظمه بما ذماذ، وتفسيره: محمد صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك مما في التوراة أيضا: أن الرب تعالى جاء من طور سيناء، وطلع على " ساغين " ، وظهر من جبل فاران، ويعني طور سيناء: موضع مناجاة موسى، وساغين موضع عيسى، وفاران هي مكة، موضع مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التوراة أيضا: أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة، تراءى لها ملك، فقال لها: يا هاجر، أين تريدين، ومن أين أقبلت؟ فقالت: أهرب من سيدتي سارة، فقال لها: يا هاجر، ارجعي إلى سارة، وستحملين وتلدين ولدا اسمه إسماعيل، وهو يكون عين الناس، وتكون يده فوق الجميع، وتكون يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع. ه. وهذا الذي وعدها الملك إنما ظهر بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وظهور دينه وعلو مكانه، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره من أولاده، لكن الأصل يشرف بشرف فرعه، وفي التوراة أيضا: أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام: قد أجبت دعاءك في إسماعيل، وباركت عليه، وسيلد اثني عشر عظيما، وأجعله لأمة عظيمة. وفي بعض كتبهم: لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود، وامتلأت الأرض من حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته. ه. ونص ما في الإنجيل: أن المسيح قال للحواريين: إني ذاهب عنكم، وسيأتيكم الفارقليط، الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما يقول كما يقال له. ه. والفارقليط بالعبرانية: اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل معناه: الشافع المشفع.
وعن شهر بن حوشب في قصة إسلام كعب الأحبار، وهو من اليمن من حمير: أن كعبا أخبره بأمره، وكيف كان ذلك، وكان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل ظهوره، قال كعب: وكان أبي من أعلم الناس بالتوراة وكتب الأنبياء، ولم يكن يدخر عني شيئا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعاني فقال: يا بني، قد علمت أني لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم، إلا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث، وقد أطل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكاذبين فتتبعه، وقد قطعتهما من كتابي، وجعلتهما في هذه الكوة التي ترى، وطينت عليهما، فلا تتعرض لهما حتى يخرج هذا النبي، فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما، فإن الله تعالى يزيدك بهذا خيرا، فلما مات والدي لم يكن شيء أحب إلي من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين، فإذا فيهما:
" محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين لا نبي بعده، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمادون، الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال، وتذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء، ويتأزرون على أوساطهم، وأناجيلهم في صدورهم، ويأكلون قربانهم في بطونهم، ويؤجرون عليها، وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، وهم السابقون المقربون، والشافعون المشفع فيهم "
ثم أسلم على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. يقول الحق جل جلاله: في بقية أوصاف نبينا عليه الصلاة والسلام : { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات } مما حرم على اليهود كالشحوم وغيرها، { ويحرم عليهم الخبائث } كالدم والحم الخنزير وسائر الخبائث، أو كالربا والرشوة وغيرهما من المحرمات. قال ابن جزي: مذهب مالك أن الطيبات هي الحلال، وأن الخبائث هي الحرام. ومذهب الشافعي: أن الطيبات هي المستلذات، إلا ما حرمه الشرع منها، كالخمر والخنزير، وأن الخبائث هي المستقذرات كالخنافس والعقارب. ه. { ويضع عنهم إصرهم } أي: الثقل الذي عليهم، وهو مثال لما كلفوا به أي: بنو إسرائيل في شرعهم من المشقات كقتل الأنفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة من الثوب، وتعيين القصاص في العمد والخطأ. { والأغلآل التي كانت عليهم } عبارة عما منعت منه شريعتهم، كتحريم الشحوم، وتحريم العمل يوم السبت وشبه ذلك. { فالذين آمنوا به وعزروه } أي: منعوه وحفظوه من عدوه، حتى لا يقوى عليه، أو عظموه بالتقوية حتى انتصر، وأصله: المنع، ومنه التعزير، { ونصروه } حتى أظهروا دينه في حياته وبعد مماته، { واتبعوا النور الذي أنزل معه } وهو القرآن، وإنما سماه نورا لأنه بإعجازه ظاهر أمره ومظهر غيره، أو لأنه كاشف للحقائق مظهر لها.
{ أولئك هم المفلحون } الفائزون بالرحمة الأبدية، وهذا آخر جواب سيدنا موسى عليه السلام. الإشارة: قوله تعالى { ورحمتي وسعت كل شيء } ، قال القشيري: لم يعلقها بالمشيئة يعني: كما قال في العذاب لأنها نفس المشيئة، ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم، فلما كان العذاب من صفات الفعل علقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات. ويقال في قوله تعالى: { وسعت كل شيء }: مجال لآمال العصاة لأنهم، وإن لم يكونوا من جملة المطيعين العابدين والعارفين، فهم " شيء ". ه. قلت: وبهذا العموم تشبث إبليس في قضية له مع سهل، وذلك أنه لما تراءى له، ضحك، فقال له: كيف تضحك وقد أبلست من رحمة الله؟ فقال له: قال تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء } وأنا شيء فسكت سهل، ثم تذكر تمام الآية، فقال: قال تعالى: { فسأكتبها للذين يتقون } ، فهي مقيدة لا مطلقة، فقال له: التقوى فعل العبد، والرحمة صفة الرب، ولا يتغير وصف الحق بفعل العبد، فعجز سهل. قلت: والجواب: أن إبليس جاء من جهة الفرق، ولو نظر للجمع لوجد الرحمة وصفه، والتقوى فعله، وفعله يغير وصفه، والكل منه وإليه. والله تعالى أعلم. وقال الورتجبي: جميع الخلائق مستغرقون في بحر الرحمة، لأن إيجاد الحق إياهم، على أي: وصف كانوا، عين رحمته، حيث دخلوا تحت نظره وسلطانه وربوبيته، ومباشرة قدرته فيهم، ثم إن الخلق بالتفاوت في الرحمة فالجمادات مستغرقة في نور فعله، وهي الرحمة الفعلية، والحيوانات مستغرفة في نور صفاته، وهي الرحمة الصفاتية، والعقلاء من الجن والإنس والملائكة مستغرقون في نور ذاته، وهي الرحمة القديمة الذاتية من جهة تعريفهم ربوبيته ووحدانيته، وهم من جهة الأجسام وما يجري عليها، في الرحمة العامة، ومن جهة الأرواح وما يجري عليها، في الرحمة الخاصة، وهم فيها بالتفاوت، فبعضهم في رؤية العظمة ذابوا، وبعضهم في رؤية القدم والبقاء تاهوا، وبعضهم في رؤية الجلال والجمال عشقوا وطاشوا، ومن خرج من مقام الرحمة إلى أصل الصفة، ومن الصفة إلى أصل الذات استغرق في الراحم، وفنى عن الرحمة، فصار رحمة للعالمين، وهذا وصف نبينا عليه الصلاة والسلام ، لأنه وصل بالكل إلى الكل، فوصفه برحمة الكل بقوله:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء:107]، ثم خص رحمته الخاصة الصفاتية، بعد أن عم الكل برحمته العامة للمنفردين بالله عن غير الله، القانتين بعظمته في عظمة الذين بذلوا وجوههم لحق ربوبيته عليهم بقوله: { فسأكتبها للذين يتقون... }. ه. قال في الحاشية: واعتبر قوله: { فسأكتبها } ، فإنه يقتضي كون الرحمة السابقة مطلقة، والتغيير طارىء، والطارىء لا ينافي الذات.
ه. قلت: فتكون على هذا الرحمة التي وسعت كل شيء رحمة عامة، إذ لا يخلو مخلوق من رحمته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فالخلق كلهم مرحومون إيجادا وإمدادا، وأما في الآخرة فما من عذاب إلا والله أشد منه في قدرته، والرحمة التي كتبت للمتقين رحمة خاصة، ويدل على هذا ما في القوت على قوله: { فسأكتبها للذين يتقون } ، قال: معناه خصوص الرحمة وصفوها لا كلها، إذ لا نهاية للرحمة، لأنها صفة الراحم الذي لا حد له، ولأنه لم يخرج من رحمته شيء، كما لم يخرج من حكمته وقدرته شيء. ه. وقال السيوطي: فسأكتبها في الآخرة، ووجه تخصيصها في الآخرة بالمؤمنين: تمحضها هنالك من غير شوب بضد، ولا كذلك في الدنيا، وإن كانت غالبة، والكافر عمته في الدنيا عموما ظاهرا، وسلب منها في الآخرة بحسب الظاهر، وإن لم يخل عنها في الجملة، لأن عضبه تعالى لا حد له لولا رحمته. وحاصله: أنه لم تفي جهنم بغضبه، لأنه لا يفي المتناهي بغير المتناهي ورحمته عمت الكافر في الدنيا لإمهاله وبسط نعمه عليه، وفي الإمهال فسحة في الحال وأمل الإقلاع في المآل، وقد يتفق كثيرا، أي: الإقلاع، فلا يتعين أن يكون الإمهال استدراجا، على أنه إنما يتجلى تجليا أوليا ذاتيا برحمة مطلقة من غير تفصيل، إذ لا تعدد في الذات، وإنما يظهر التفصيل بالصفات، وإن كان يسري إليها من الذات، ولكن الرحمة تظهر أولا من الذات، مع قطع النظر عن الصفات لظهورها، ولا تظهر النقمة إلا من الصفات، وهي خفية في تجلي الذات المطلق، ولذلك قال: { ورحمتي وسعت كل شيء } ، وعلق العذاب على المشيئة، فخص به دونها. ه. من الحاشية مع زيادة بيان. ثم أمره بالدعاء إلى الإيمان، فقال: { قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا }.
الأعراف 7:157
{ واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنآ إليك... } يقول الحق جل جلاله: { واختار موسى قومه } من قومه { سبعين رجلا } يعتذرون عن قومهم في عبادة العجل، { لميقاتنا } الذي وقتنا لهم يأتون إليه، وقيل: إن الله تعالى أمره به بأن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فاختار من كل سبط ستة، فزاد على السبعين اثنان، فقال: يتخلف منكم رجلان، فتشاجروا، فقال: إن لمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع، وذهب معه الباقون، فلما دنوا من الجبل غشية غمام، فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجدا، فسمعوه يكلم موسى، يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه، وقالوا:
لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة
[البقرة:55]، { فأخذتهم الرجفة } أي: الصعقة، أو رجفة الجبل، عقابا لهم على قولهم، فصعقوا منها، يحتمل أن تكن رجفة موت أو إغماء. والأول أظهر لقوله:
ثم بعثناكم من بعد موتكم
[البقرة:56]. { فلما أخذتهم الرجفة قال } موسى: { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } ، تمنى هلاكهم وهلاكه قبل ذلك الوقت، لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه، إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين، ربما قالوا: عرضهم للهلاك، أو يكون قال ذلك على وجه الاستسلام والانقياد للقضاء، أي: لو شئت أن تهلكنا من قبل ذلك لفعلت، فإنا عبيدك وتحت قهرك تفعل بنا ما تشاء، أو يكون قاله على وجه التضرع والرغبة، أي: لو ئشت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت، لكنك عافيتنا وأنقذتنا وأغرقت عدونا، فافعل بنا الآن كما عودتنا، وأحيي هؤلاء الذي أمتهم، إذ ليس ببعيد من عميم إحسانك، { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } من العناد والتجاسر على طلب الرؤية، أو بما فعل السفهاء من عبادة العجل. { إن هي إلا فتنتك } أي: ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك، حتى طمعوا في الرؤية، أو فتنتك لهم بأن أجريت الصوت من العجل حتى افتتنوا به، وهذا اعتراف بالقدر، ورجوع إلى قوله:
فإنا قد فتنا قومك من بعدك...
[طه:85] الآية، ولذلك قيل: إنه قال له تعالى: نعم هي فتنتي يا حكيم الحكماء. ه. أي: ما هذه الأمور كلها التي صدرت من بني إسرائيل إلا فتنتك { تضل بها من تشاء } ضلالته، باتباع المخايل، { وتهدي من تشاء } هدايته، فيقوي بها إيمانه، وهو اعتذار عن فعل السفهاء فإنه كان بقضاء الله ومشيئته. { أنت ولينا } القائم بأمرنا، أو ناصرنا من الوقوع في أسباب المهالك، { فاغفر لنا } ما قارفنا من الذنوب، { وارحمنا } أي: اعصمنا من الوقوع في مثله، { وأنت خير الغافرين } تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة، { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } أي:حالة حسنة من حسن معيشة وتوفيق طاعة، { وفي الآخرة } حسنة نعيم الجنة، { إنا هدنا إليك } أي: تبنا إليك، من هاد يهود: إذا رجع، أي: رجعنا إليك بالتوبة مما سلف منا.
الإشارة: السلامة من العطب هو في مقام الهيبة والأدب، ولذلك قيل: قف بالبساط، وإياك والانبساط. وأما مقام الإدلال فلا يصح إلا من أكابر الأنبياء، والأولياء المحققين بمقام المحبوبية، المتحفين بغاية الخصوصية، ومنه قول سيدنا موسى عليه السلام: { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } ، كما قال في الإحياء. والإدلال: هو انبساط يثور من مقام الأنس والتحقق بالمحبة الخاصة، ولا يتفق إلا من محبوب مأخوذ عنه، ليس عليه بغية من نفسه، ولا شعور بوجوده وأنانيته، وإلا رد في وجهه وكان سبب عطبه. ومن الإدلال: ما وقع لأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه في حزبه الكبير، من قوله: وليس من الكرم إلا تحسن إلا لمن أحسن إليك...الخ. وقد وقع لغيره من المحبوبين. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق سبحانه وتعالى سؤال موسى عليه السلام في قوله: { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } فقال: {...قال عذابي أصيب به من أشآء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } يقول الحق جل جلاله: في جواب سيدنا موسى عليه السلام: { قال عذابي أصيب به من أشاء } ممن أخذته الرجفة وغيرهم، { ورحمتي وسعت كل شيء } في الدنيا للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة مخصوصة بالمؤمنين، { فسأكتبها } كتابة خاصة لا تليق بكم يا بني إسرائيل، إنما تليق بالأمة المحمدية الموسومة بالآداب المرضية، الذين { يتقون } الكفر والمعاصي، وإن وقعت هفوة بادروا إلى التوبة، { ويؤتون الزكاة } ، خصصها بالذكر لأنها كانت أشق عليهم. { والذين هم بآياتنا يؤمنون } فلا يكفرون بشيء منها، بل يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء، وليس ذلك لغيرهم. ولذلك خصهم الله بهذه الرحمة فنصرهم على جميع الأمم، وأعلى دينهم على جميع الأديان، ومكن لهم ما لم يمكن لغيرهم. { الذين يتبعون الرسول } صلى الله عليه وسلم { النبي الأمي } وهو نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، وكونه أميا شرف له، إذ الكتابة وسيلة للعلوم، وقد أعطي منها ما لم يعط أحد من العالمين، من غير تعب تعلمها، ولارتفاع الارتياب في نبوته صلى الله عليه وسلم، فهي من جملة معجزاته قال تعالى:
وما كنت تتلوا من قبله من كتاب...
[العنكبوت:48] الآية. قال بعضهم: لما قال الله تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء } طمع فيها كل أحد، حتى إبليس، فلما قال: { فسأكتبها للذين يتقون } يئس إبليس، وبقيت اليهود والنصارى، فلما قال: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } يئس اليهود والنصارى. ه. { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } اسما وصفة، ونص ما في التوراة على ما في صحيح البخاري، عن عبد الله بن سلام:
" يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجازي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا ".
ومما في التوراة أيضا، وهو مما أجمع عليه أهل الكتاب، وهو باق في أيديهم إلى الآن أن الملك قد نزل على إبراهيم، فقال له: في هذا العام يولد لك غلام اسمه إسحاق، فقال إبراهيم: يا رب ليت إسماعيل يعيش يخدمك، فقال الله لإبراهيم: ذلك لك، قد استجيب لك في إسماعيل، وأنا أباركه، وأنميه، وأكثره، وأعظمه بما ذماذ، وتفسيره: محمد صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك مما في التوراة أيضا: أن الرب تعالى جاء من طور سيناء، وطلع على " ساغين " ، وظهر من جبل فاران، ويعني طور سيناء: موضع مناجاة موسى، وساغين موضع عيسى، وفاران هي مكة، موضع مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التوراة أيضا: أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة، تراءى لها ملك، فقال لها: يا هاجر، أين تريدين، ومن أين أقبلت؟ فقالت: أهرب من سيدتي سارة، فقال لها: يا هاجر، ارجعي إلى سارة، وستحملين وتلدين ولدا اسمه إسماعيل، وهو يكون عين الناس، وتكون يده فوق الجميع، وتكون يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع. ه. وهذا الذي وعدها الملك إنما ظهر بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وظهور دينه وعلو مكانه، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره من أولاده، لكن الأصل يشرف بشرف فرعه، وفي التوراة أيضا: أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام: قد أجبت دعاءك في إسماعيل، وباركت عليه، وسيلد اثني عشر عظيما، وأجعله لأمة عظيمة. وفي بعض كتبهم: لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود، وامتلأت الأرض من حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته. ه. ونص ما في الإنجيل: أن المسيح قال للحواريين: إني ذاهب عنكم، وسيأتيكم الفارقليط، الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما يقول كما يقال له. ه. والفارقليط بالعبرانية: اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل معناه: الشافع المشفع.
وعن شهر بن حوشب في قصة إسلام كعب الأحبار، وهو من اليمن من حمير: أن كعبا أخبره بأمره، وكيف كان ذلك، وكان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل ظهوره، قال كعب: وكان أبي من أعلم الناس بالتوراة وكتب الأنبياء، ولم يكن يدخر عني شيئا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعاني فقال: يا بني، قد علمت أني لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم، إلا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث، وقد أطل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكاذبين فتتبعه، وقد قطعتهما من كتابي، وجعلتهما في هذه الكوة التي ترى، وطينت عليهما، فلا تتعرض لهما حتى يخرج هذا النبي، فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما، فإن الله تعالى يزيدك بهذا خيرا، فلما مات والدي لم يكن شيء أحب إلي من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين، فإذا فيهما:
" محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين لا نبي بعده، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمادون، الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال، وتذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء، ويتأزرون على أوساطهم، وأناجيلهم في صدورهم، ويأكلون قربانهم في بطونهم، ويؤجرون عليها، وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، وهم السابقون المقربون، والشافعون المشفع فيهم "
ثم أسلم على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. يقول الحق جل جلاله: في بقية أوصاف نبينا عليه الصلاة والسلام : { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات } مما حرم على اليهود كالشحوم وغيرها، { ويحرم عليهم الخبائث } كالدم والحم الخنزير وسائر الخبائث، أو كالربا والرشوة وغيرهما من المحرمات. قال ابن جزي: مذهب مالك أن الطيبات هي الحلال، وأن الخبائث هي الحرام. ومذهب الشافعي: أن الطيبات هي المستلذات، إلا ما حرمه الشرع منها، كالخمر والخنزير، وأن الخبائث هي المستقذرات كالخنافس والعقارب. ه. { ويضع عنهم إصرهم } أي: الثقل الذي عليهم، وهو مثال لما كلفوا به أي: بنو إسرائيل في شرعهم من المشقات كقتل الأنفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة من الثوب، وتعيين القصاص في العمد والخطأ. { والأغلآل التي كانت عليهم } عبارة عما منعت منه شريعتهم، كتحريم الشحوم، وتحريم العمل يوم السبت وشبه ذلك. { فالذين آمنوا به وعزروه } أي: منعوه وحفظوه من عدوه، حتى لا يقوى عليه، أو عظموه بالتقوية حتى انتصر، وأصله: المنع، ومنه التعزير، { ونصروه } حتى أظهروا دينه في حياته وبعد مماته، { واتبعوا النور الذي أنزل معه } وهو القرآن، وإنما سماه نورا لأنه بإعجازه ظاهر أمره ومظهر غيره، أو لأنه كاشف للحقائق مظهر لها.
{ أولئك هم المفلحون } الفائزون بالرحمة الأبدية، وهذا آخر جواب سيدنا موسى عليه السلام. الإشارة: قوله تعالى { ورحمتي وسعت كل شيء } ، قال القشيري: لم يعلقها بالمشيئة يعني: كما قال في العذاب لأنها نفس المشيئة، ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم، فلما كان العذاب من صفات الفعل علقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات. ويقال في قوله تعالى: { وسعت كل شيء }: مجال لآمال العصاة لأنهم، وإن لم يكونوا من جملة المطيعين العابدين والعارفين، فهم " شيء ". ه. قلت: وبهذا العموم تشبث إبليس في قضية له مع سهل، وذلك أنه لما تراءى له، ضحك، فقال له: كيف تضحك وقد أبلست من رحمة الله؟ فقال له: قال تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء } وأنا شيء فسكت سهل، ثم تذكر تمام الآية، فقال: قال تعالى: { فسأكتبها للذين يتقون } ، فهي مقيدة لا مطلقة، فقال له: التقوى فعل العبد، والرحمة صفة الرب، ولا يتغير وصف الحق بفعل العبد، فعجز سهل. قلت: والجواب: أن إبليس جاء من جهة الفرق، ولو نظر للجمع لوجد الرحمة وصفه، والتقوى فعله، وفعله يغير وصفه، والكل منه وإليه. والله تعالى أعلم. وقال الورتجبي: جميع الخلائق مستغرقون في بحر الرحمة، لأن إيجاد الحق إياهم، على أي: وصف كانوا، عين رحمته، حيث دخلوا تحت نظره وسلطانه وربوبيته، ومباشرة قدرته فيهم، ثم إن الخلق بالتفاوت في الرحمة فالجمادات مستغرقة في نور فعله، وهي الرحمة الفعلية، والحيوانات مستغرفة في نور صفاته، وهي الرحمة الصفاتية، والعقلاء من الجن والإنس والملائكة مستغرقون في نور ذاته، وهي الرحمة القديمة الذاتية من جهة تعريفهم ربوبيته ووحدانيته، وهم من جهة الأجسام وما يجري عليها، في الرحمة العامة، ومن جهة الأرواح وما يجري عليها، في الرحمة الخاصة، وهم فيها بالتفاوت، فبعضهم في رؤية العظمة ذابوا، وبعضهم في رؤية القدم والبقاء تاهوا، وبعضهم في رؤية الجلال والجمال عشقوا وطاشوا، ومن خرج من مقام الرحمة إلى أصل الصفة، ومن الصفة إلى أصل الذات استغرق في الراحم، وفنى عن الرحمة، فصار رحمة للعالمين، وهذا وصف نبينا عليه الصلاة والسلام ، لأنه وصل بالكل إلى الكل، فوصفه برحمة الكل بقوله:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء:107]، ثم خص رحمته الخاصة الصفاتية، بعد أن عم الكل برحمته العامة للمنفردين بالله عن غير الله، القانتين بعظمته في عظمة الذين بذلوا وجوههم لحق ربوبيته عليهم بقوله: { فسأكتبها للذين يتقون... }. ه. قال في الحاشية: واعتبر قوله: { فسأكتبها } ، فإنه يقتضي كون الرحمة السابقة مطلقة، والتغيير طارىء، والطارىء لا ينافي الذات.
ه. قلت: فتكون على هذا الرحمة التي وسعت كل شيء رحمة عامة، إذ لا يخلو مخلوق من رحمته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فالخلق كلهم مرحومون إيجادا وإمدادا، وأما في الآخرة فما من عذاب إلا والله أشد منه في قدرته، والرحمة التي كتبت للمتقين رحمة خاصة، ويدل على هذا ما في القوت على قوله: { فسأكتبها للذين يتقون } ، قال: معناه خصوص الرحمة وصفوها لا كلها، إذ لا نهاية للرحمة، لأنها صفة الراحم الذي لا حد له، ولأنه لم يخرج من رحمته شيء، كما لم يخرج من حكمته وقدرته شيء. ه. وقال السيوطي: فسأكتبها في الآخرة، ووجه تخصيصها في الآخرة بالمؤمنين: تمحضها هنالك من غير شوب بضد، ولا كذلك في الدنيا، وإن كانت غالبة، والكافر عمته في الدنيا عموما ظاهرا، وسلب منها في الآخرة بحسب الظاهر، وإن لم يخل عنها في الجملة، لأن عضبه تعالى لا حد له لولا رحمته. وحاصله: أنه لم تفي جهنم بغضبه، لأنه لا يفي المتناهي بغير المتناهي ورحمته عمت الكافر في الدنيا لإمهاله وبسط نعمه عليه، وفي الإمهال فسحة في الحال وأمل الإقلاع في المآل، وقد يتفق كثيرا، أي: الإقلاع، فلا يتعين أن يكون الإمهال استدراجا، على أنه إنما يتجلى تجليا أوليا ذاتيا برحمة مطلقة من غير تفصيل، إذ لا تعدد في الذات، وإنما يظهر التفصيل بالصفات، وإن كان يسري إليها من الذات، ولكن الرحمة تظهر أولا من الذات، مع قطع النظر عن الصفات لظهورها، ولا تظهر النقمة إلا من الصفات، وهي خفية في تجلي الذات المطلق، ولذلك قال: { ورحمتي وسعت كل شيء } ، وعلق العذاب على المشيئة، فخص به دونها. ه. من الحاشية مع زيادة بيان. ثم أمره بالدعاء إلى الإيمان، فقال: { قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا }.
الأعراف 7:158
يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } الأحمر والأسود، والعرب والعجم، والإنس والجن، خص بهذه الدعوة العامة، وإنما بعثت الرسل إلى قومها خاصة. فادع الناس أيها الرسول إلى الله تعالى، { الذي له ملك السماوات والأرض } يتصرف فيهما كيفما شاء، { لا إله إلا هو } لأن من ملك العالم كان هو الإله لا غير، { يحيي ويميت } لعموم قدرته ونفوذ أمره، { فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته } أي: ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل قبله من كتبه ووحيه. وإنما عدل عن التكلم إلى الغيبة، أي: ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل قبله من كتبه ووحيه. وإنما عدل عن التكلم إلى الغيبة، أي: لم يقل: فآمنوا بالله وآمنوا لإجراء هذه الصفات عليه، الداعية إلى الإيمان به وأتباعه، ولذلك قال: { واتبعوه لعلكم تهتدون } إلى طريق الحق والرشد، جعل رجاء الاهتداء آثر الأمرين تنبيها على أن من صدقه، ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو يعد في خطط الضلالة. قاله البيضاوي. الإشارة: لا غنى للمريد عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو بلغ ما بلغ، لقوله تعالى: { واتبعوه لعلكم تهتدون } ، وغاية الاهتداء غير متناهية، لأن آدب العبودية مقرون مع عظمة الربوبية، فكما أن الترقي في مشاهدة الربوبية لا نهاية له، كذلك أدب العبودية لا نهاية له، ولا تعرف كيفية الأدب إلا بواسطة تعليمه عليه الصلاة والسلام، فواسطة النبي صلى الله عليه وسلم لا تفارق العبد، ولو عرف ما عرف، وبلغ ما بلغ. والله تعالى أعلم. ثم رجع الحق تعالى إلى الكلام مع بني إسرائيل، فقال: { ومن قوم موسى أمة يهدون }.
الأعراف 7:159
يقول الحق جل جلاله: { ومن قوم موسى } ، يعني بني إسرائيل، { أمة } طائعة { يهدون } الناس بكلمة الحق، أو متلبسين { بالحق } وهم الذين ثبتوا حين افتتن الناس بعباده العجل، والأحبار الذين تمسكوا بالتوراة من غير تحريف، أو الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، { وبه } أي: بالحق { يعدلون } في أحكامهم وقضاياهم. قال البيضاوي: أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن تنبيها على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل أمر مستمر. ه. الإشارة: في كل أمة، وفي كل عصر، أمة صالحة، يبصرون الناس بالحق، ويدعون إلى الله، فمنهم من يهدي إلى تزيين الظواهر بالشرائع، وهم العلماء الأتقياء، ومنهم من يهدي إلى تنوير السرائر بالحقائق، وهم الصوفية الأولياء، المحققون بمعرفة الله. وبالله التوفيق. ثم ذكر أحوال بني إسرائيل، فقالوا: { وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا }.
الأعراف 7:160
قلت: { أسباطا }: بدل لا تمييز لأن تمييز العدد يكون مفردا، والتمييز محذوف، أي: فرقة أسباطا. وقال الزمخشري: يصح تمييزا لأن كل قبيلة أسباط لا سبط. ه. فكأنه قال: وقطعناهم اثنتي عشر سبطا سبطا. والسبط في بني إسرائيل كالقبيلة عند العرب، و { أمما }: بدل بعد بدل على الأول، وعلى الثاني بدل من أسباط. يقول الحق جل جلاله: { وقطعناهم } أي: بني إسرائيل: فرقناهم { أثنتي عشر أسباطا } أثني عشر سبطا، { أمما }: متميزة، كل سبط أمة مستقلة، { وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه } في التيه، { أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست } انفجرت، إلا أن الانبجاس أخف من الانفجار، أي: فضرب فانبجست، وحذفه للإيماء إلى أن موسى لم يتوقف في الامتثال، وأن ضربه لم يكن مؤثرا يتوقف عليه الفعل ذاته، بل سبب عادي وحكمة جارية، والفعل إنما هو القدرة الإلهية، أي: نبعت { منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس } كل سبط { مشربهم وظللنا عليهم الغمام } لتقيهم من حر الشمس، { وأنزلنا عليهم المن والسلوى } ، وقلنا لهم: { كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } سبق في سورة البقرة، وكذلك الإشارة. ثم قال: { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية }.
الأعراف 7:161
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا { إذ قيل } لبني إسرائيل: { اسكنوا هذه القرية } بيت المقدس، { وكلوا منها حيث شئتم وقولوا }: أمرنا { حطة وادخلوا الباب سجدا } سجود أنحناء، { نغفر لكم خطيئاتكم } التي سلفت، { سنزيد المحسنين } وعد بالغفران والزيادة عليه، وإنما أخرج الثاني مخرج الاستئناف، يعني: سنزيد، ولم يقل: وسنزيد للدلالة على أنه تفضل محض، ليس في مقابلة ما أمروا به، { فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم } قالوا: حبة في شعرة، مكان حطة، لأنهم حملوا الحطة على الحنطة. { فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون } قد مر تفسيره، وإشارته، في سورة البقرة. تنبيه: وقع اختلاف كثير في اللفظ بين هذا الموضع من هذه السورة وبين سورة البقرة، في { انفجرت } و { انبجست } ، وقوله: { وإذ قلنا ادخلوا } و { إذا قيل لهم اسكنوا } ، وقوله هنا: { وكلوا } ، وهناك { فكلوا }. فقال الزمخشري: لا بأس باختلاف العبارتين، إذا لم يكن هناك تناقض. ووجه بعضهم الفرق بأن ما في هذه السورة سيق في محل الغضب والعقاب على عبادة العجل، وما في سورة البقرة سيق في محل الامتنان، فلذلك عبر هنا بانبجست لأنه أقل من انفجرت، وعبر هنا بقيل مبنيا للمجهول تحقيرا لهم أن يذكر نفسه لهم، وعبر هنا بالسكنى لأنه أشق من الدخول ويستلزمه، وعبر هنا بالواو لأن السكنى تجامع الأكل، بخلاف الدخول، فإن الأكل مسبب عنه، فعبر بالفاء، وزاد في البقرة الواو في: { سنزيد } ، كأنه نعمة أخرى، بخلاف هذا، وزاد هنا { منهم } لتقدم ذكرهم في قوله: { وإذ قيل لهم } ، وعبر هنا بالظلم لأنه أعم من الفسق وغيره. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اعتداءهم في السبت وما ترتب عليه، فقال: { وسئلهم عن القرية }.
الأعراف 7:162
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا { إذ قيل } لبني إسرائيل: { اسكنوا هذه القرية } بيت المقدس، { وكلوا منها حيث شئتم وقولوا }: أمرنا { حطة وادخلوا الباب سجدا } سجود أنحناء، { نغفر لكم خطيئاتكم } التي سلفت، { سنزيد المحسنين } وعد بالغفران والزيادة عليه، وإنما أخرج الثاني مخرج الاستئناف، يعني: سنزيد، ولم يقل: وسنزيد للدلالة على أنه تفضل محض، ليس في مقابلة ما أمروا به، { فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم } قالوا: حبة في شعرة، مكان حطة، لأنهم حملوا الحطة على الحنطة. { فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون } قد مر تفسيره، وإشارته، في سورة البقرة. تنبيه: وقع اختلاف كثير في اللفظ بين هذا الموضع من هذه السورة وبين سورة البقرة، في { انفجرت } و { انبجست } ، وقوله: { وإذ قلنا ادخلوا } و { إذا قيل لهم اسكنوا } ، وقوله هنا: { وكلوا } ، وهناك { فكلوا }. فقال الزمخشري: لا بأس باختلاف العبارتين، إذا لم يكن هناك تناقض. ووجه بعضهم الفرق بأن ما في هذه السورة سيق في محل الغضب والعقاب على عبادة العجل، وما في سورة البقرة سيق في محل الامتنان، فلذلك عبر هنا بانبجست لأنه أقل من انفجرت، وعبر هنا بقيل مبنيا للمجهول تحقيرا لهم أن يذكر نفسه لهم، وعبر هنا بالسكنى لأنه أشق من الدخول ويستلزمه، وعبر هنا بالواو لأن السكنى تجامع الأكل، بخلاف الدخول، فإن الأكل مسبب عنه، فعبر بالفاء، وزاد في البقرة الواو في: { سنزيد } ، كأنه نعمة أخرى، بخلاف هذا، وزاد هنا { منهم } لتقدم ذكرهم في قوله: { وإذ قيل لهم } ، وعبر هنا بالظلم لأنه أعم من الفسق وغيره. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اعتداءهم في السبت وما ترتب عليه، فقال: { وسئلهم عن القرية }.
الأعراف 7:163
قلت: { إذ يعدون }: بدل من { القرية } ، بدل اشتمال، أو منصوب بكانت، أو بحاضرة و { إذ تأتيهم }: منصوب بيعدون، و { سبتهم }: مصدر مضاف للفاعل، يقال: سبت اليهود سبتا: إذا عظم يوم السبت وقطع شغله فيه، و { شرعا }: حال، ومعناه: ظاهرة قريبة منهم، يقال: شرع منه فلان إذا دنا منه. يقول الحق جل جلاله: { واسألهم عن القرية } أي: اليهود، سؤال تقرير وتوبيخ على تقديم عصيانهم وعما هو من معلومهم، الذي لا يعلم إلا بتعليم أو وحي، وقد تحققوا أنك أمي، فيكون ذلك معجزة وحجة عليهم، { عن القرية } أي: عن خبرها وما وقع لها، { التي كانت حاضرة البحر } قريبة منه، وهي " إيلة " ، قرية بين مدين والطور، على شاطىء البحر، وقيل: مدين، وقيل: طبرية، { إذ يعدون في السبت }: يتجاوزون حدود الله بالاصطياد في يوم السبت، وكان حراما عليهم لاشتغالهم عنه بالعبادة، { إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا }: ظاهرة على وجه الماء، دانية منهم، { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } بل تغوص كلها في البحر، { كذلك } أي: مثل هذا البلاء الشديد { نبلوهم بما كانوا يفسقون } أي: بسبب فسقهم. وقيل " كذلك ": متصل بما قبله، أي: لا تأتيهم مثل ذلك الإتيان الذي تأتيه يوم السبت. ثم افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عصت بالصيد يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت القوم، وفرقة سكتت واعتزلت فلم تنه ولم تعص. { وإذ قالت أمة منهم } ، وهي التي لم تنه ولم تعص. لما رأت مهاجرة الناهية وطغيان العاصية: { لم تعظون قوما الله مهلكهم } بالموت بصاعقة، { أو معذبهم عذابا شديدا } في الآخرة؟ { قالوا }: نهينا لهم { معذرة إلى ربكم } أي: عذرا إلى الله تعالى، حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، { ولعلهم يتقون } فينزجرون عن العصيان، إذ اليأس منهم لا يحصل إلا بالهلاك. { فلما نسوا ما ذكروا به } أي: تركوا ما وعظوا به ترك الناسي، { أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا } بالاعتياد ومخالفة أمر الله، { بعذاب بئيس }: شديد، من بؤس يبؤس بؤسا، وقرىء بيئس على وزن ضيغم، و " بئس " بالكسر والسكون، كحذر، وبيس بتخفيف الهمزة، ومعناها واحد، أي: بما عاقبناهم بالمسخ، { بما كانوا يفسقون } أي: بسبب فسقهم. قال ابن عباس: لا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ وقال عكرمة: لم تهلك لأنها كرهت ما فعلوه. ورجع إليه ابن عباس وأعجبه، لأن كراهيتها تغيير المنكر في الجملة، مع قيام الفرقة الناهية به لأنه فرض كفاية. قال تعالى: { فلما عتوا عما نهوا عنه } تكبرا عن ترك ما نهوا عنه، { قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } أذلاء صاغرين.
قال البيضاوي: { قلنا لهم كونوا } ، وهو كقوله:
إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون
[النحل:40]، والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك، فمسخهم قردة وخنازير، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا للأولى. روي أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين، كرهوا مساكنتهم، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق، فأصبحوا يوما ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين، فقالوا: إن لهم شأنا، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة، فلم يعرفوا أنسباءهم، ولكن القردة تعرفهم، فجعلت تأتي أنسباءهم وتشم ثيابهم، وتدور باكية حولهم، ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام. ه. الإشارة: المسخ على ثلاثة أقسام: مسخ الأشباح، ومسخ القلوب، ومسخ الأرواح، فمسخ الأشباح هو الذي وقع لبني إسرائيل، قيل: إنه مرفوع عن هذه الآمة، والصحيح: أنه يقع في آخر الزمان، ومسخ القلوب يكون بالانهماك في الذنوب، والإصرارعلى المعاصي، وعلامته: الفرح بتيسير العصيان، وعدم التأسف على ما فاته من الطاعة والإحسان، ومسخ الأرواح: الانهماك في الشهوات، والوقوف مع ظواهر الحسيات، أو تكثيف الحجاب، والوقوف مع العوائد والأسباب، دون مشاهدة رب الأرباب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر عقوبة بني إسرائيل في الدنيا، فقال: { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم }.
الأعراف 7:164
قلت: { إذ يعدون }: بدل من { القرية } ، بدل اشتمال، أو منصوب بكانت، أو بحاضرة و { إذ تأتيهم }: منصوب بيعدون، و { سبتهم }: مصدر مضاف للفاعل، يقال: سبت اليهود سبتا: إذا عظم يوم السبت وقطع شغله فيه، و { شرعا }: حال، ومعناه: ظاهرة قريبة منهم، يقال: شرع منه فلان إذا دنا منه. يقول الحق جل جلاله: { واسألهم عن القرية } أي: اليهود، سؤال تقرير وتوبيخ على تقديم عصيانهم وعما هو من معلومهم، الذي لا يعلم إلا بتعليم أو وحي، وقد تحققوا أنك أمي، فيكون ذلك معجزة وحجة عليهم، { عن القرية } أي: عن خبرها وما وقع لها، { التي كانت حاضرة البحر } قريبة منه، وهي " إيلة " ، قرية بين مدين والطور، على شاطىء البحر، وقيل: مدين، وقيل: طبرية، { إذ يعدون في السبت }: يتجاوزون حدود الله بالاصطياد في يوم السبت، وكان حراما عليهم لاشتغالهم عنه بالعبادة، { إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا }: ظاهرة على وجه الماء، دانية منهم، { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } بل تغوص كلها في البحر، { كذلك } أي: مثل هذا البلاء الشديد { نبلوهم بما كانوا يفسقون } أي: بسبب فسقهم. وقيل " كذلك ": متصل بما قبله، أي: لا تأتيهم مثل ذلك الإتيان الذي تأتيه يوم السبت. ثم افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عصت بالصيد يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت القوم، وفرقة سكتت واعتزلت فلم تنه ولم تعص. { وإذ قالت أمة منهم } ، وهي التي لم تنه ولم تعص. لما رأت مهاجرة الناهية وطغيان العاصية: { لم تعظون قوما الله مهلكهم } بالموت بصاعقة، { أو معذبهم عذابا شديدا } في الآخرة؟ { قالوا }: نهينا لهم { معذرة إلى ربكم } أي: عذرا إلى الله تعالى، حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، { ولعلهم يتقون } فينزجرون عن العصيان، إذ اليأس منهم لا يحصل إلا بالهلاك. { فلما نسوا ما ذكروا به } أي: تركوا ما وعظوا به ترك الناسي، { أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا } بالاعتياد ومخالفة أمر الله، { بعذاب بئيس }: شديد، من بؤس يبؤس بؤسا، وقرىء بيئس على وزن ضيغم، و " بئس " بالكسر والسكون، كحذر، وبيس بتخفيف الهمزة، ومعناها واحد، أي: بما عاقبناهم بالمسخ، { بما كانوا يفسقون } أي: بسبب فسقهم. قال ابن عباس: لا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ وقال عكرمة: لم تهلك لأنها كرهت ما فعلوه. ورجع إليه ابن عباس وأعجبه، لأن كراهيتها تغيير المنكر في الجملة، مع قيام الفرقة الناهية به لأنه فرض كفاية. قال تعالى: { فلما عتوا عما نهوا عنه } تكبرا عن ترك ما نهوا عنه، { قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } أذلاء صاغرين.
قال البيضاوي: { قلنا لهم كونوا } ، وهو كقوله:
إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون
[النحل:40]، والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك، فمسخهم قردة وخنازير، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا للأولى. روي أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين، كرهوا مساكنتهم، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق، فأصبحوا يوما ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين، فقالوا: إن لهم شأنا، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة، فلم يعرفوا أنسباءهم، ولكن القردة تعرفهم، فجعلت تأتي أنسباءهم وتشم ثيابهم، وتدور باكية حولهم، ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام. ه. الإشارة: المسخ على ثلاثة أقسام: مسخ الأشباح، ومسخ القلوب، ومسخ الأرواح، فمسخ الأشباح هو الذي وقع لبني إسرائيل، قيل: إنه مرفوع عن هذه الآمة، والصحيح: أنه يقع في آخر الزمان، ومسخ القلوب يكون بالانهماك في الذنوب، والإصرارعلى المعاصي، وعلامته: الفرح بتيسير العصيان، وعدم التأسف على ما فاته من الطاعة والإحسان، ومسخ الأرواح: الانهماك في الشهوات، والوقوف مع ظواهر الحسيات، أو تكثيف الحجاب، والوقوف مع العوائد والأسباب، دون مشاهدة رب الأرباب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر عقوبة بني إسرائيل في الدنيا، فقال: { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم }.
الأعراف 7:165
قلت: { إذ يعدون }: بدل من { القرية } ، بدل اشتمال، أو منصوب بكانت، أو بحاضرة و { إذ تأتيهم }: منصوب بيعدون، و { سبتهم }: مصدر مضاف للفاعل، يقال: سبت اليهود سبتا: إذا عظم يوم السبت وقطع شغله فيه، و { شرعا }: حال، ومعناه: ظاهرة قريبة منهم، يقال: شرع منه فلان إذا دنا منه. يقول الحق جل جلاله: { واسألهم عن القرية } أي: اليهود، سؤال تقرير وتوبيخ على تقديم عصيانهم وعما هو من معلومهم، الذي لا يعلم إلا بتعليم أو وحي، وقد تحققوا أنك أمي، فيكون ذلك معجزة وحجة عليهم، { عن القرية } أي: عن خبرها وما وقع لها، { التي كانت حاضرة البحر } قريبة منه، وهي " إيلة " ، قرية بين مدين والطور، على شاطىء البحر، وقيل: مدين، وقيل: طبرية، { إذ يعدون في السبت }: يتجاوزون حدود الله بالاصطياد في يوم السبت، وكان حراما عليهم لاشتغالهم عنه بالعبادة، { إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا }: ظاهرة على وجه الماء، دانية منهم، { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } بل تغوص كلها في البحر، { كذلك } أي: مثل هذا البلاء الشديد { نبلوهم بما كانوا يفسقون } أي: بسبب فسقهم. وقيل " كذلك ": متصل بما قبله، أي: لا تأتيهم مثل ذلك الإتيان الذي تأتيه يوم السبت. ثم افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عصت بالصيد يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت القوم، وفرقة سكتت واعتزلت فلم تنه ولم تعص. { وإذ قالت أمة منهم } ، وهي التي لم تنه ولم تعص. لما رأت مهاجرة الناهية وطغيان العاصية: { لم تعظون قوما الله مهلكهم } بالموت بصاعقة، { أو معذبهم عذابا شديدا } في الآخرة؟ { قالوا }: نهينا لهم { معذرة إلى ربكم } أي: عذرا إلى الله تعالى، حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، { ولعلهم يتقون } فينزجرون عن العصيان، إذ اليأس منهم لا يحصل إلا بالهلاك. { فلما نسوا ما ذكروا به } أي: تركوا ما وعظوا به ترك الناسي، { أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا } بالاعتياد ومخالفة أمر الله، { بعذاب بئيس }: شديد، من بؤس يبؤس بؤسا، وقرىء بيئس على وزن ضيغم، و " بئس " بالكسر والسكون، كحذر، وبيس بتخفيف الهمزة، ومعناها واحد، أي: بما عاقبناهم بالمسخ، { بما كانوا يفسقون } أي: بسبب فسقهم. قال ابن عباس: لا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ وقال عكرمة: لم تهلك لأنها كرهت ما فعلوه. ورجع إليه ابن عباس وأعجبه، لأن كراهيتها تغيير المنكر في الجملة، مع قيام الفرقة الناهية به لأنه فرض كفاية. قال تعالى: { فلما عتوا عما نهوا عنه } تكبرا عن ترك ما نهوا عنه، { قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } أذلاء صاغرين.
قال البيضاوي: { قلنا لهم كونوا } ، وهو كقوله:
إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون
[النحل:40]، والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك، فمسخهم قردة وخنازير، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا للأولى. روي أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين، كرهوا مساكنتهم، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق، فأصبحوا يوما ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين، فقالوا: إن لهم شأنا، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة، فلم يعرفوا أنسباءهم، ولكن القردة تعرفهم، فجعلت تأتي أنسباءهم وتشم ثيابهم، وتدور باكية حولهم، ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام. ه. الإشارة: المسخ على ثلاثة أقسام: مسخ الأشباح، ومسخ القلوب، ومسخ الأرواح، فمسخ الأشباح هو الذي وقع لبني إسرائيل، قيل: إنه مرفوع عن هذه الآمة، والصحيح: أنه يقع في آخر الزمان، ومسخ القلوب يكون بالانهماك في الذنوب، والإصرارعلى المعاصي، وعلامته: الفرح بتيسير العصيان، وعدم التأسف على ما فاته من الطاعة والإحسان، ومسخ الأرواح: الانهماك في الشهوات، والوقوف مع ظواهر الحسيات، أو تكثيف الحجاب، والوقوف مع العوائد والأسباب، دون مشاهدة رب الأرباب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر عقوبة بني إسرائيل في الدنيا، فقال: { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم }.
الأعراف 7:166
قلت: { إذ يعدون }: بدل من { القرية } ، بدل اشتمال، أو منصوب بكانت، أو بحاضرة و { إذ تأتيهم }: منصوب بيعدون، و { سبتهم }: مصدر مضاف للفاعل، يقال: سبت اليهود سبتا: إذا عظم يوم السبت وقطع شغله فيه، و { شرعا }: حال، ومعناه: ظاهرة قريبة منهم، يقال: شرع منه فلان إذا دنا منه. يقول الحق جل جلاله: { واسألهم عن القرية } أي: اليهود، سؤال تقرير وتوبيخ على تقديم عصيانهم وعما هو من معلومهم، الذي لا يعلم إلا بتعليم أو وحي، وقد تحققوا أنك أمي، فيكون ذلك معجزة وحجة عليهم، { عن القرية } أي: عن خبرها وما وقع لها، { التي كانت حاضرة البحر } قريبة منه، وهي " إيلة " ، قرية بين مدين والطور، على شاطىء البحر، وقيل: مدين، وقيل: طبرية، { إذ يعدون في السبت }: يتجاوزون حدود الله بالاصطياد في يوم السبت، وكان حراما عليهم لاشتغالهم عنه بالعبادة، { إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا }: ظاهرة على وجه الماء، دانية منهم، { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } بل تغوص كلها في البحر، { كذلك } أي: مثل هذا البلاء الشديد { نبلوهم بما كانوا يفسقون } أي: بسبب فسقهم. وقيل " كذلك ": متصل بما قبله، أي: لا تأتيهم مثل ذلك الإتيان الذي تأتيه يوم السبت. ثم افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عصت بالصيد يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت القوم، وفرقة سكتت واعتزلت فلم تنه ولم تعص. { وإذ قالت أمة منهم } ، وهي التي لم تنه ولم تعص. لما رأت مهاجرة الناهية وطغيان العاصية: { لم تعظون قوما الله مهلكهم } بالموت بصاعقة، { أو معذبهم عذابا شديدا } في الآخرة؟ { قالوا }: نهينا لهم { معذرة إلى ربكم } أي: عذرا إلى الله تعالى، حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، { ولعلهم يتقون } فينزجرون عن العصيان، إذ اليأس منهم لا يحصل إلا بالهلاك. { فلما نسوا ما ذكروا به } أي: تركوا ما وعظوا به ترك الناسي، { أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا } بالاعتياد ومخالفة أمر الله، { بعذاب بئيس }: شديد، من بؤس يبؤس بؤسا، وقرىء بيئس على وزن ضيغم، و " بئس " بالكسر والسكون، كحذر، وبيس بتخفيف الهمزة، ومعناها واحد، أي: بما عاقبناهم بالمسخ، { بما كانوا يفسقون } أي: بسبب فسقهم. قال ابن عباس: لا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ وقال عكرمة: لم تهلك لأنها كرهت ما فعلوه. ورجع إليه ابن عباس وأعجبه، لأن كراهيتها تغيير المنكر في الجملة، مع قيام الفرقة الناهية به لأنه فرض كفاية. قال تعالى: { فلما عتوا عما نهوا عنه } تكبرا عن ترك ما نهوا عنه، { قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } أذلاء صاغرين.
قال البيضاوي: { قلنا لهم كونوا } ، وهو كقوله:
إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون
[النحل:40]، والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك، فمسخهم قردة وخنازير، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا للأولى. روي أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين، كرهوا مساكنتهم، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق، فأصبحوا يوما ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين، فقالوا: إن لهم شأنا، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة، فلم يعرفوا أنسباءهم، ولكن القردة تعرفهم، فجعلت تأتي أنسباءهم وتشم ثيابهم، وتدور باكية حولهم، ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام. ه. الإشارة: المسخ على ثلاثة أقسام: مسخ الأشباح، ومسخ القلوب، ومسخ الأرواح، فمسخ الأشباح هو الذي وقع لبني إسرائيل، قيل: إنه مرفوع عن هذه الآمة، والصحيح: أنه يقع في آخر الزمان، ومسخ القلوب يكون بالانهماك في الذنوب، والإصرارعلى المعاصي، وعلامته: الفرح بتيسير العصيان، وعدم التأسف على ما فاته من الطاعة والإحسان، ومسخ الأرواح: الانهماك في الشهوات، والوقوف مع ظواهر الحسيات، أو تكثيف الحجاب، والوقوف مع العوائد والأسباب، دون مشاهدة رب الأرباب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر عقوبة بني إسرائيل في الدنيا، فقال: { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم }.
الأعراف 7:167
قلت: { تأذن }: أعلم، وهي تفعل، وهي من الإيذان بمعنى الإعلام، كتوعد وأوعد، أو: عزم، لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله، وأجرى مجرى القسم كعلم الله وشهد الله، ولذلك أجيب باللام القسمية. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا { إذ تأذن ربك } أي: أعلم وأظهر ذلك في عالم الشهادة، { ليبعثن } على بني إسرائيل، أي: ليسلطن { عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب } كالإذلال وضرب الجزية، وقد بعث الله عليهم بعد سليمان عليه السلام بختنصر، فخرب ديارهم، وقتل مقاتلتهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدونها إلى المجوس، حتى بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ففعل بهم ما فعل، في بني قريظة والنضير وخبير، ثم ضرب الله عليهم الجزية إلى آخر الدهر، { إن ربك لسريع العقاب } فعاقبهم في الدنيا، { وإنه لغفور رحيم } لمن تاب وآمن، وإنما أكد هنا الخبر باللام دون ما في آخر الأنعام، لأن ما هنا في اليهود، وما في آخر الأنعام في المؤمنين، فأكد ما هنا باللام، فقال: { لسريع العقاب } زيادة في توبيخهم ونكالهم. الإشارة: مواطن الذل والهوان هو الانهماك في المخالفة والعدوان، وقد ينسحب ذلك في الذرية إلى آخر الزمان، فإن الله تعالى يقول: أنا الملك الودود، أعاقب الأحفاد بمعاصي الجدود، ومواطن العز والحرمة والأمان: هو الطاعة والتعظيم والإحسان، ينسحب ذلك على الأحفاد، إلى منتهى الزمان، فإن الله تعالى يحفظ الأولاد ببركة الأجداد. وقد تذاكر بعض التابعين ما يكون في آخر الزمان من الفتن والفساد، فقال بعضهم: يا ليتني كنت عقيما أو لم أتزوج، فقال له من هو أكبر منه: ألا أدلك على ما يحفظ الله عقبك؟ قال: نعم، دلني، قال: قوله تعالى:
وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا...
[النساء:9] الآية. وبالله التوفيق. ثم قال تعالى في شأن اليهود: { وقطعناهم في الأرض أمما }.
الأعراف 7:168
قلت: { أمما }: مفعول ثان لقطعنا، أو حال، وجملة { منهم الصالحون }: صفة، وجملة { يأخذون }: حال من فاعل ورثوا، و { يقولون } عطف على { يأخذون } ، أو حال، والفعل من { سيغفر }: مسند إلى الجار والمجرور، أو إلى مصدر { يأخذون } ، و { أن لا يقولوا }: عطف بيان من { ميثاق الكتاب } ، أو تفسير له، أو متعلق به، أي: لأن لا يقولوا، و { درسوا }: عطف على { ألم يؤخذ } من حيث المعنى، أي: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ولم يدرسوا ما فيه، أو حال، أي: وقد درسوا، و { الذين يمسكون }: مبتدأ، وجملة: { إنا لا نضيع أجر المصلحين }: خبر، والرابط: ما في المصلحين من العموم، فوضع موضع الضمير تنبيها على أن الإصلاح كالمانع من التضييع، أو حذف العائد، أي: منهم، ويحتمل أن يكون عطفا على { الذين يتقون } أي: خير للمتقين والذين يتمسكون بالكتاب. يقول الحق جل جلاله: { وقطعناهم } أي: فرقناهم { في الأرض أمما }: فرقا، ففي كل بلد من البلدان فرقة منهم، فليس لهم إقليم يملكونه، تتمة لإذلالهم، حتى لا تكون لهم شوكة قط، { منهم الصالحون } وهو من تمسك بدين التوراة، ولم يحرف، ولم يفرق، أو من آمن منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في زمانه وبعده، { ومنهم دون ذلك } أي: ومنهم ناس دون ذلك، أي: منحطون عن الصلاح، وهم كفرتهم وفسقتهم، { وبلوناهم } أي: اختبرناهم { بالحسنات والسيئات } أي: بالنعم والنقم، { لعلهم يرجعون } ينتبهون فينزجرون عما هم عليه. { فخلف من بعدهم خلف } أي: فخلف، من بعد الأولين، خلف، أي: بدل سوء، وهو مصدر نعت به، فالخلف، بالسكون، شائع في الشر، يقال: جعل الله منك خلفا صالحا. والمراد بالخلف في الآية: اليهود الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، { ورثوا الكتاب } التوراة، من أسلافهم، يقرؤونها ويقفون على ما فيها، { يأخذون عرض هذا الأدنى } حطام هذا الشيء الحقير، من الدنو، أو من الدناءة، وهو ما كانوا يأخذون من الرشا في الأحكام، وعلى تحريف الكلام، { ويقولون سيغفر لنا } لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه، اغترارا وحمقا. { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } أي: يرجون المغفرة، والحال أنهم مصرون على الذنب، عائدون إلى مثله، غير تائبين منه، { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب } أي: في الكتاب، وهو التوراة، { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } ، وهو تكذيب لهم في قولهم: { سيغفر لنا } ، والمراد: توبيخهم على القطع بالمغفرة مع عدم التوبة، والدلالة على أنه افتراء على الله وخروج عن ميثاق الكتاب، { ودرسوا ما فيه } أي: وقد درسوا ما فيه، وعلموا ما أخذ عليهم فيه من المواثيق، ثم تجرأوا على الله، { والدار الآخرة خير للذين يتقون } مما يأخذ هؤلاء من العرض الفاني.
{ أفلا يعقلون } فيعلموا ذلك، ولا يستبدلوا الأدنى الحقير المؤدي إلى العقاب بالنعيم الكبير المخلد في دار الثواب، ومن قرأ بالخطاب فهو لهم، من باب التلوين في الكلام. { والذين يمسكون بالكتاب } أي: يتمسكون بالتوراة، { وأقاموا الصلاة } المفروضة عليهم، { إنا لا نضيع أجر المصلحين } منهم. وهذا فيمن مات قبل ظهور الإسلام، أو: والذين يمسكون بالقرآن، { وأقاموا الصلاة } مع المسلمين، { إن لا نضيع أجر المصلحين }. الإشارة: تفريق النسب في البلدان، إن كان في الذل والهوان، فهو من شؤم المخالفة والعصيان، وإن كان مع العز وحفظ الحرمة، فقد يكون لقصد الخير والبركة، أراد الله أن ينمي تلك البلاد، بنقل ذلك إليها، كأولاد الصالحين والعلماء وأهل البيت. ويؤخذ من قبوله: { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } ، أن العبد مأمور بالرجوع إلى الله في السراء والضراء، في السراء بالحمد والشكر، وفي الضراء بالتسليم والصبر. ويؤخذ من مفهوم قوله: { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } ، أن من عقد التوبة وحل عقدة الإصرار غفر له ما مضى من الأوزار. وفي قوله: { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب... } الآية، تحذير لعلماء السوء. وقوله: { والذين يمسكون بالكتاب... } الآية، أي: والذين يمسكون بظاهر الكتاب وأقاموا صلاة الجوارح، { إنا لا نضيع أجر المصلحين } مع عامة أهل اليمين، والذين يمسكون بباطن الكتاب وأقاموا صلاة القلوب التي هي العكوف في الحضرة حضرة الغيوب إنا لا نضيع أجر المصلحين لقلوبهم، وهو شهود رب العالمين مع المقربين، في حضرة الأنبياء والمرسلين، جعلنا الله منهم وفي حزبهم، آمين. ولما ذكر من تمسك بالكتاب طوعا، ذكر من تمسك به كرها من أسلاف اليهود، فقال: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم }.
الأعراف 7:169
قلت: { أمما }: مفعول ثان لقطعنا، أو حال، وجملة { منهم الصالحون }: صفة، وجملة { يأخذون }: حال من فاعل ورثوا، و { يقولون } عطف على { يأخذون } ، أو حال، والفعل من { سيغفر }: مسند إلى الجار والمجرور، أو إلى مصدر { يأخذون } ، و { أن لا يقولوا }: عطف بيان من { ميثاق الكتاب } ، أو تفسير له، أو متعلق به، أي: لأن لا يقولوا، و { درسوا }: عطف على { ألم يؤخذ } من حيث المعنى، أي: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ولم يدرسوا ما فيه، أو حال، أي: وقد درسوا، و { الذين يمسكون }: مبتدأ، وجملة: { إنا لا نضيع أجر المصلحين }: خبر، والرابط: ما في المصلحين من العموم، فوضع موضع الضمير تنبيها على أن الإصلاح كالمانع من التضييع، أو حذف العائد، أي: منهم، ويحتمل أن يكون عطفا على { الذين يتقون } أي: خير للمتقين والذين يتمسكون بالكتاب. يقول الحق جل جلاله: { وقطعناهم } أي: فرقناهم { في الأرض أمما }: فرقا، ففي كل بلد من البلدان فرقة منهم، فليس لهم إقليم يملكونه، تتمة لإذلالهم، حتى لا تكون لهم شوكة قط، { منهم الصالحون } وهو من تمسك بدين التوراة، ولم يحرف، ولم يفرق، أو من آمن منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في زمانه وبعده، { ومنهم دون ذلك } أي: ومنهم ناس دون ذلك، أي: منحطون عن الصلاح، وهم كفرتهم وفسقتهم، { وبلوناهم } أي: اختبرناهم { بالحسنات والسيئات } أي: بالنعم والنقم، { لعلهم يرجعون } ينتبهون فينزجرون عما هم عليه. { فخلف من بعدهم خلف } أي: فخلف، من بعد الأولين، خلف، أي: بدل سوء، وهو مصدر نعت به، فالخلف، بالسكون، شائع في الشر، يقال: جعل الله منك خلفا صالحا. والمراد بالخلف في الآية: اليهود الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، { ورثوا الكتاب } التوراة، من أسلافهم، يقرؤونها ويقفون على ما فيها، { يأخذون عرض هذا الأدنى } حطام هذا الشيء الحقير، من الدنو، أو من الدناءة، وهو ما كانوا يأخذون من الرشا في الأحكام، وعلى تحريف الكلام، { ويقولون سيغفر لنا } لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه، اغترارا وحمقا. { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } أي: يرجون المغفرة، والحال أنهم مصرون على الذنب، عائدون إلى مثله، غير تائبين منه، { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب } أي: في الكتاب، وهو التوراة، { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } ، وهو تكذيب لهم في قولهم: { سيغفر لنا } ، والمراد: توبيخهم على القطع بالمغفرة مع عدم التوبة، والدلالة على أنه افتراء على الله وخروج عن ميثاق الكتاب، { ودرسوا ما فيه } أي: وقد درسوا ما فيه، وعلموا ما أخذ عليهم فيه من المواثيق، ثم تجرأوا على الله، { والدار الآخرة خير للذين يتقون } مما يأخذ هؤلاء من العرض الفاني.
{ أفلا يعقلون } فيعلموا ذلك، ولا يستبدلوا الأدنى الحقير المؤدي إلى العقاب بالنعيم الكبير المخلد في دار الثواب، ومن قرأ بالخطاب فهو لهم، من باب التلوين في الكلام. { والذين يمسكون بالكتاب } أي: يتمسكون بالتوراة، { وأقاموا الصلاة } المفروضة عليهم، { إنا لا نضيع أجر المصلحين } منهم. وهذا فيمن مات قبل ظهور الإسلام، أو: والذين يمسكون بالقرآن، { وأقاموا الصلاة } مع المسلمين، { إن لا نضيع أجر المصلحين }. الإشارة: تفريق النسب في البلدان، إن كان في الذل والهوان، فهو من شؤم المخالفة والعصيان، وإن كان مع العز وحفظ الحرمة، فقد يكون لقصد الخير والبركة، أراد الله أن ينمي تلك البلاد، بنقل ذلك إليها، كأولاد الصالحين والعلماء وأهل البيت. ويؤخذ من قبوله: { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } ، أن العبد مأمور بالرجوع إلى الله في السراء والضراء، في السراء بالحمد والشكر، وفي الضراء بالتسليم والصبر. ويؤخذ من مفهوم قوله: { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } ، أن من عقد التوبة وحل عقدة الإصرار غفر له ما مضى من الأوزار. وفي قوله: { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب... } الآية، تحذير لعلماء السوء. وقوله: { والذين يمسكون بالكتاب... } الآية، أي: والذين يمسكون بظاهر الكتاب وأقاموا صلاة الجوارح، { إنا لا نضيع أجر المصلحين } مع عامة أهل اليمين، والذين يمسكون بباطن الكتاب وأقاموا صلاة القلوب التي هي العكوف في الحضرة حضرة الغيوب إنا لا نضيع أجر المصلحين لقلوبهم، وهو شهود رب العالمين مع المقربين، في حضرة الأنبياء والمرسلين، جعلنا الله منهم وفي حزبهم، آمين. ولما ذكر من تمسك بالكتاب طوعا، ذكر من تمسك به كرها من أسلاف اليهود، فقال: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم }.
الأعراف 7:170
قلت: { أمما }: مفعول ثان لقطعنا، أو حال، وجملة { منهم الصالحون }: صفة، وجملة { يأخذون }: حال من فاعل ورثوا، و { يقولون } عطف على { يأخذون } ، أو حال، والفعل من { سيغفر }: مسند إلى الجار والمجرور، أو إلى مصدر { يأخذون } ، و { أن لا يقولوا }: عطف بيان من { ميثاق الكتاب } ، أو تفسير له، أو متعلق به، أي: لأن لا يقولوا، و { درسوا }: عطف على { ألم يؤخذ } من حيث المعنى، أي: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ولم يدرسوا ما فيه، أو حال، أي: وقد درسوا، و { الذين يمسكون }: مبتدأ، وجملة: { إنا لا نضيع أجر المصلحين }: خبر، والرابط: ما في المصلحين من العموم، فوضع موضع الضمير تنبيها على أن الإصلاح كالمانع من التضييع، أو حذف العائد، أي: منهم، ويحتمل أن يكون عطفا على { الذين يتقون } أي: خير للمتقين والذين يتمسكون بالكتاب. يقول الحق جل جلاله: { وقطعناهم } أي: فرقناهم { في الأرض أمما }: فرقا، ففي كل بلد من البلدان فرقة منهم، فليس لهم إقليم يملكونه، تتمة لإذلالهم، حتى لا تكون لهم شوكة قط، { منهم الصالحون } وهو من تمسك بدين التوراة، ولم يحرف، ولم يفرق، أو من آمن منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في زمانه وبعده، { ومنهم دون ذلك } أي: ومنهم ناس دون ذلك، أي: منحطون عن الصلاح، وهم كفرتهم وفسقتهم، { وبلوناهم } أي: اختبرناهم { بالحسنات والسيئات } أي: بالنعم والنقم، { لعلهم يرجعون } ينتبهون فينزجرون عما هم عليه. { فخلف من بعدهم خلف } أي: فخلف، من بعد الأولين، خلف، أي: بدل سوء، وهو مصدر نعت به، فالخلف، بالسكون، شائع في الشر، يقال: جعل الله منك خلفا صالحا. والمراد بالخلف في الآية: اليهود الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، { ورثوا الكتاب } التوراة، من أسلافهم، يقرؤونها ويقفون على ما فيها، { يأخذون عرض هذا الأدنى } حطام هذا الشيء الحقير، من الدنو، أو من الدناءة، وهو ما كانوا يأخذون من الرشا في الأحكام، وعلى تحريف الكلام، { ويقولون سيغفر لنا } لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه، اغترارا وحمقا. { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } أي: يرجون المغفرة، والحال أنهم مصرون على الذنب، عائدون إلى مثله، غير تائبين منه، { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب } أي: في الكتاب، وهو التوراة، { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } ، وهو تكذيب لهم في قولهم: { سيغفر لنا } ، والمراد: توبيخهم على القطع بالمغفرة مع عدم التوبة، والدلالة على أنه افتراء على الله وخروج عن ميثاق الكتاب، { ودرسوا ما فيه } أي: وقد درسوا ما فيه، وعلموا ما أخذ عليهم فيه من المواثيق، ثم تجرأوا على الله، { والدار الآخرة خير للذين يتقون } مما يأخذ هؤلاء من العرض الفاني.
{ أفلا يعقلون } فيعلموا ذلك، ولا يستبدلوا الأدنى الحقير المؤدي إلى العقاب بالنعيم الكبير المخلد في دار الثواب، ومن قرأ بالخطاب فهو لهم، من باب التلوين في الكلام. { والذين يمسكون بالكتاب } أي: يتمسكون بالتوراة، { وأقاموا الصلاة } المفروضة عليهم، { إنا لا نضيع أجر المصلحين } منهم. وهذا فيمن مات قبل ظهور الإسلام، أو: والذين يمسكون بالقرآن، { وأقاموا الصلاة } مع المسلمين، { إن لا نضيع أجر المصلحين }. الإشارة: تفريق النسب في البلدان، إن كان في الذل والهوان، فهو من شؤم المخالفة والعصيان، وإن كان مع العز وحفظ الحرمة، فقد يكون لقصد الخير والبركة، أراد الله أن ينمي تلك البلاد، بنقل ذلك إليها، كأولاد الصالحين والعلماء وأهل البيت. ويؤخذ من قبوله: { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } ، أن العبد مأمور بالرجوع إلى الله في السراء والضراء، في السراء بالحمد والشكر، وفي الضراء بالتسليم والصبر. ويؤخذ من مفهوم قوله: { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } ، أن من عقد التوبة وحل عقدة الإصرار غفر له ما مضى من الأوزار. وفي قوله: { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب... } الآية، تحذير لعلماء السوء. وقوله: { والذين يمسكون بالكتاب... } الآية، أي: والذين يمسكون بظاهر الكتاب وأقاموا صلاة الجوارح، { إنا لا نضيع أجر المصلحين } مع عامة أهل اليمين، والذين يمسكون بباطن الكتاب وأقاموا صلاة القلوب التي هي العكوف في الحضرة حضرة الغيوب إنا لا نضيع أجر المصلحين لقلوبهم، وهو شهود رب العالمين مع المقربين، في حضرة الأنبياء والمرسلين، جعلنا الله منهم وفي حزبهم، آمين. ولما ذكر من تمسك بالكتاب طوعا، ذكر من تمسك به كرها من أسلاف اليهود، فقال: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم }.
الأعراف 7:171
قلت: جملة { خذوا }: محكية، أي: وقولنا لهم: خذوا. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ نتقنا } أي: قلعنا ورفعنا { الجبل فوقهم } أي: فوق بني إسرائيل، { كأنه ظلة } أي: سقيفة، والظلة: كل ما أظلك، { وظنوا } أي: تيقنوا { أنه واقع بهم } أي: ساقط عليهم بسبب عصيانهم لأن الجبل لا يثبت في الجو لأنهم كانوا يوعدون به، وإنما عبر بالظن لأنه لم يقع بالفعل حين الظن، وسبب نتق الجبل أنهم امتنعوا من أحكام التوراة، فلم يقبلوها لثقلها، فرفع الله الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم ما فيها وإلا ليقعن عليكم، فقلنا لهم حين الرفع: { خذوا ما آتيناكم } من الأحكام { بقوة واذكروا ما فيه } بالعمل به، ولا تتركوه كالمنسى، { لعلكم تتقون } قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق. الإشارة: من لم ينقد إلى الله بملاطفة الإحسان، قيد إليه بسلاسل الامتحان، عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل. ولما ذكر الميثاق الخاص، ذكر الميثاق العام، فقال: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم }.
الأعراف 7:172
قلت: { من ظهورهم }: بدل من { بني آدم } ، أي: من ظهور بني آدم، و { ذريتهم }: مفعول به، و { بلى }: حرف جواب، يجاب بها عن الهمزة إذا دخلت على منفي، فخرجت عن الاستفهام إلى التقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي، نحو:
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح:1]، فيجاب ببلى، أي: شرحت، وكذا نظائرها، ومنه: { إلست بربكم... } الآية. وقد يجاب بها الاستفهام المجرد عن النفي، كما في الحديث:
" أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى "
ولكنه قليل، فلا يقاس عليه، بل يوقف على ما سمع، والكثر: أنها جواب للنفي، ومعناها: إثبات ما نفي، ورفع النفي، لا إثباته وتقريره، بخلاف " نعم " فإنها تقرر ما قبلها من إثبات أو نفي، ولذا قال ابن عباس: ولو قالوا: نعم، لكفروا، وقد تقدم الفرق بينهما في سورة البقرة، ثم الكثير: مراعاة صورة النفي، فيجاب ببلى، وقد ينظر للمعنى وما يفيده الاستفهام الإنكاري من نفيه للنفي، فيصير الكلام إيجابا، فيصح الجواب بنعم في الجملة، لكن لما كان محتملا امتنع في الآية: انظر المغني. وقوله: { أن تقولوا }: مفعول من أجله. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا { إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم } من ظهور بني آدم { ذريتهم } وذلك أن الله تعالى لما خلق آدم، وأهبطه إلى الأرض، أخرج من صلبه نسيم بنيه، بعضهم من صلب بعض، على نحو ما يتوالدون، قرنا بعد قرن كالذر، وكان آدم بنعمان، وهو جبل يواجه عرفة، وقال لهم حين أخرجهم: { ألست بربكم }؟ فأقروا كلهم، و { قالوا بلى } أنت ربنا، { شهدنا } بذلك على أنفسنا، لأن الأرواح حينئذ كانت كلها على الفطرة، علامة دراكة، فلما ركبت في هذا القالب نسيت الشهادة، فبعث الله الأنبياء والرسل يذكرون الناس ذلك العهد، فمن أقر به نجا، ومن أنكره هلك، ويحتمل أن يكون ذلك من باب التمثيل، وأن أخذ الذرية من الظهر عبارة عن أيجادهم في الدنيا، وأما إشهادهم فمعناه: أن الله نصب لبني آدم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال: { ألست بربكم }؟ وكأنهم قالوا بلسان الحال: أنت ربنا. والأول هو الصحيح لتواتر الأخبار به، فقوله: { شهدنا }: هو من تمام الجواب، فهو تحقيق لربوبيته وأداء لشهادتهم بذلك، فينبغي أن يوقف عليه، وقيل: إن { شهدنا }: من قول الله أو الملائكة، فيوقف على { بلى } ، لكنه ضعيف. ثم ذكر حكمة هذا الأخذ، فقال: { إن تقولوا } أي: فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا { يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } ، أو كراهية أن تقولوا: { إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم } فاقتدينا بهم، { أفتهلكنا بما فعل المبطلون } ، يعني: آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك، ولا بد من حذف كلام هنا لتتم الححجة، والتقدير: أخذنا ذلك العهد في عالم الأرواح، وبعثنا الرسل يجددونه في عالم الأشباح، كراهة أن تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين، ويدل على هذا قوله تعالى:
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا...
[الإسراء:15] الآية. وقوله:
رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة
[النساء:165]، ولا يكفي مجرد الإشهاد الروحاني في قيام الحجة لأن ذلك العهد نسيته الأرواح حين دخلت في عالم الأشباح، فلا تهتدي إليه إلا بدليل يذكرها ذلك. قال البيضاوي: والمقصود من إيراد هذا الكلام ها هنا: إلزام اليهود مقتضى الميثاق العام، بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية، ومنعهم من التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال، كما قال تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } الدالة على وحدانيتنا سمعا وعقلا، { ولعلهم يرجعون } عن التقليد واتباع الباطل. الإشارة: أخذ الحق جل جلاله العهد على الأرواح أن تعرفه وتوحده مرتين، أحدهما: قبل ظهور الكائنات، والثاني: بعد ظهورها. والأول أخذه عليها في معرفة الربوبية، والثاني تجديدا له مع القيام بآداب العبودية. قال بعضهم: أخذ الأول على الأرواح يوم المقادير، وذلك قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم أخذ الثاني على النفوس بعد ظهورها في عالم الأشباح، كما نبهت عليه الآية والأحاديث. وقال ابن الفارض في تائيته:
وسابق عهد لم يحل مذ عهدته ولا حق عقد جل عن حل فتره
قال القاشاني: أراد بالعهد السابق: ما أخذه الله على الأرواح والإنسانية المستخرجة من صلب الروح الأعضم، الذي هو آدم الكبير، في صور المثل، قبل تعلقها بالأشباح، وهو عقد المحبة بين الرب والمربوب، في قوله سبحانه: { وإذ أخذ ربك... } الآية. وبالعهد اللاحق: ما أخذه عليهم بواسطة الأنبياء، من عقد الإسلام بعد التعلق بالأبدان، وهو توكيد للعهد الأول، وتوثيقه بالتزام أحكام الربوبية والتزامها. ه. وقال في الحاشية: كلام ابن الفارض ينظر إلى العهد الأول، الروحاني، وكلام غيره ينظر إلى الثاني النفساني، وهو ظاهر الآية. ه. قلت: وفيه نظر، فإن كلام ابن الفارض مشتمل على العهدين معا، الروحاني في الشطر الأولى، والنفساني في الشطر الثاني. والحاصل مما تقدم: أن العهد أخذ على الأرواح ثلاث مرات، أحدها: حين استخرجت من صلب الروح الأعظم الذي هو آدم الكبير، وهو معنى القبضة النورانية، التي آخذت من عالم الجبروت. والثاني: حينن استخرجت من صلب آدم الأصغر، كالذر، والثالث: حيث دخلت في عالم الأشباح، على ألسنة الرسل، ومن ناب عنهم، فالمذكور في الآية هو الثاني، وهو أحسن من حمل القاشاني الآية على الأول. فالحاصل: أن الأخذ الأول كان على الأرواح مجردة عن مادة التطوير والتمثيل، بإقرارها إقرار النفوس، لا إقرار الألسنة، والأخذ الثاني كان على الأرواح بعد خروجها من الوجود العلمي إلى الوجود العيني، فتطورت الأرواح بصفاتها الذاتية، من سمع وبصر ولسان وغيرها، في عالم المثال، بصور مقالية لتبصر بها ظهور الرب، وتسمع خطابه، وتجيب سؤاله، بإقرارها حينئذ إقرار الألسنة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية.
وأما العهد الذي أخذه بواسطة الأنبياء في ظهور عالم الأشباح فإنما هو تذكير للعهدين وتجديد لهما وهو الذي تقوم به الحجة عليها، فلا بد من انضمامه إلى الأولين في قيام الحجة، كما تقدم. فالموجدات ثلاث: علمي، ثم خيالي مثالي، ثم نوعي حسي. فأخذ على كل واحد عهد من الأولين بلا واسطة، والثالث بواسطة الرسل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وبال من نقض هذا العهد، مع تمكنه من العلم به، فقال: { واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا }.
الأعراف 7:173
قلت: { من ظهورهم }: بدل من { بني آدم } ، أي: من ظهور بني آدم، و { ذريتهم }: مفعول به، و { بلى }: حرف جواب، يجاب بها عن الهمزة إذا دخلت على منفي، فخرجت عن الاستفهام إلى التقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي، نحو:
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح:1]، فيجاب ببلى، أي: شرحت، وكذا نظائرها، ومنه: { إلست بربكم... } الآية. وقد يجاب بها الاستفهام المجرد عن النفي، كما في الحديث:
" أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى "
ولكنه قليل، فلا يقاس عليه، بل يوقف على ما سمع، والكثر: أنها جواب للنفي، ومعناها: إثبات ما نفي، ورفع النفي، لا إثباته وتقريره، بخلاف " نعم " فإنها تقرر ما قبلها من إثبات أو نفي، ولذا قال ابن عباس: ولو قالوا: نعم، لكفروا، وقد تقدم الفرق بينهما في سورة البقرة، ثم الكثير: مراعاة صورة النفي، فيجاب ببلى، وقد ينظر للمعنى وما يفيده الاستفهام الإنكاري من نفيه للنفي، فيصير الكلام إيجابا، فيصح الجواب بنعم في الجملة، لكن لما كان محتملا امتنع في الآية: انظر المغني. وقوله: { أن تقولوا }: مفعول من أجله. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا { إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم } من ظهور بني آدم { ذريتهم } وذلك أن الله تعالى لما خلق آدم، وأهبطه إلى الأرض، أخرج من صلبه نسيم بنيه، بعضهم من صلب بعض، على نحو ما يتوالدون، قرنا بعد قرن كالذر، وكان آدم بنعمان، وهو جبل يواجه عرفة، وقال لهم حين أخرجهم: { ألست بربكم }؟ فأقروا كلهم، و { قالوا بلى } أنت ربنا، { شهدنا } بذلك على أنفسنا، لأن الأرواح حينئذ كانت كلها على الفطرة، علامة دراكة، فلما ركبت في هذا القالب نسيت الشهادة، فبعث الله الأنبياء والرسل يذكرون الناس ذلك العهد، فمن أقر به نجا، ومن أنكره هلك، ويحتمل أن يكون ذلك من باب التمثيل، وأن أخذ الذرية من الظهر عبارة عن أيجادهم في الدنيا، وأما إشهادهم فمعناه: أن الله نصب لبني آدم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال: { ألست بربكم }؟ وكأنهم قالوا بلسان الحال: أنت ربنا. والأول هو الصحيح لتواتر الأخبار به، فقوله: { شهدنا }: هو من تمام الجواب، فهو تحقيق لربوبيته وأداء لشهادتهم بذلك، فينبغي أن يوقف عليه، وقيل: إن { شهدنا }: من قول الله أو الملائكة، فيوقف على { بلى } ، لكنه ضعيف. ثم ذكر حكمة هذا الأخذ، فقال: { إن تقولوا } أي: فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا { يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } ، أو كراهية أن تقولوا: { إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم } فاقتدينا بهم، { أفتهلكنا بما فعل المبطلون } ، يعني: آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك، ولا بد من حذف كلام هنا لتتم الححجة، والتقدير: أخذنا ذلك العهد في عالم الأرواح، وبعثنا الرسل يجددونه في عالم الأشباح، كراهة أن تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين، ويدل على هذا قوله تعالى:
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا...
[الإسراء:15] الآية. وقوله:
رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة
[النساء:165]، ولا يكفي مجرد الإشهاد الروحاني في قيام الحجة لأن ذلك العهد نسيته الأرواح حين دخلت في عالم الأشباح، فلا تهتدي إليه إلا بدليل يذكرها ذلك. قال البيضاوي: والمقصود من إيراد هذا الكلام ها هنا: إلزام اليهود مقتضى الميثاق العام، بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية، ومنعهم من التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال، كما قال تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } الدالة على وحدانيتنا سمعا وعقلا، { ولعلهم يرجعون } عن التقليد واتباع الباطل. الإشارة: أخذ الحق جل جلاله العهد على الأرواح أن تعرفه وتوحده مرتين، أحدهما: قبل ظهور الكائنات، والثاني: بعد ظهورها. والأول أخذه عليها في معرفة الربوبية، والثاني تجديدا له مع القيام بآداب العبودية. قال بعضهم: أخذ الأول على الأرواح يوم المقادير، وذلك قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم أخذ الثاني على النفوس بعد ظهورها في عالم الأشباح، كما نبهت عليه الآية والأحاديث. وقال ابن الفارض في تائيته:
وسابق عهد لم يحل مذ عهدته ولا حق عقد جل عن حل فتره
قال القاشاني: أراد بالعهد السابق: ما أخذه الله على الأرواح والإنسانية المستخرجة من صلب الروح الأعضم، الذي هو آدم الكبير، في صور المثل، قبل تعلقها بالأشباح، وهو عقد المحبة بين الرب والمربوب، في قوله سبحانه: { وإذ أخذ ربك... } الآية. وبالعهد اللاحق: ما أخذه عليهم بواسطة الأنبياء، من عقد الإسلام بعد التعلق بالأبدان، وهو توكيد للعهد الأول، وتوثيقه بالتزام أحكام الربوبية والتزامها. ه. وقال في الحاشية: كلام ابن الفارض ينظر إلى العهد الأول، الروحاني، وكلام غيره ينظر إلى الثاني النفساني، وهو ظاهر الآية. ه. قلت: وفيه نظر، فإن كلام ابن الفارض مشتمل على العهدين معا، الروحاني في الشطر الأولى، والنفساني في الشطر الثاني. والحاصل مما تقدم: أن العهد أخذ على الأرواح ثلاث مرات، أحدها: حين استخرجت من صلب الروح الأعظم الذي هو آدم الكبير، وهو معنى القبضة النورانية، التي آخذت من عالم الجبروت. والثاني: حينن استخرجت من صلب آدم الأصغر، كالذر، والثالث: حيث دخلت في عالم الأشباح، على ألسنة الرسل، ومن ناب عنهم، فالمذكور في الآية هو الثاني، وهو أحسن من حمل القاشاني الآية على الأول. فالحاصل: أن الأخذ الأول كان على الأرواح مجردة عن مادة التطوير والتمثيل، بإقرارها إقرار النفوس، لا إقرار الألسنة، والأخذ الثاني كان على الأرواح بعد خروجها من الوجود العلمي إلى الوجود العيني، فتطورت الأرواح بصفاتها الذاتية، من سمع وبصر ولسان وغيرها، في عالم المثال، بصور مقالية لتبصر بها ظهور الرب، وتسمع خطابه، وتجيب سؤاله، بإقرارها حينئذ إقرار الألسنة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية.
وأما العهد الذي أخذه بواسطة الأنبياء في ظهور عالم الأشباح فإنما هو تذكير للعهدين وتجديد لهما وهو الذي تقوم به الحجة عليها، فلا بد من انضمامه إلى الأولين في قيام الحجة، كما تقدم. فالموجدات ثلاث: علمي، ثم خيالي مثالي، ثم نوعي حسي. فأخذ على كل واحد عهد من الأولين بلا واسطة، والثالث بواسطة الرسل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وبال من نقض هذا العهد، مع تمكنه من العلم به، فقال: { واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا }.
الأعراف 7:174
قلت: { من ظهورهم }: بدل من { بني آدم } ، أي: من ظهور بني آدم، و { ذريتهم }: مفعول به، و { بلى }: حرف جواب، يجاب بها عن الهمزة إذا دخلت على منفي، فخرجت عن الاستفهام إلى التقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي، نحو:
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح:1]، فيجاب ببلى، أي: شرحت، وكذا نظائرها، ومنه: { إلست بربكم... } الآية. وقد يجاب بها الاستفهام المجرد عن النفي، كما في الحديث:
" أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى "
ولكنه قليل، فلا يقاس عليه، بل يوقف على ما سمع، والكثر: أنها جواب للنفي، ومعناها: إثبات ما نفي، ورفع النفي، لا إثباته وتقريره، بخلاف " نعم " فإنها تقرر ما قبلها من إثبات أو نفي، ولذا قال ابن عباس: ولو قالوا: نعم، لكفروا، وقد تقدم الفرق بينهما في سورة البقرة، ثم الكثير: مراعاة صورة النفي، فيجاب ببلى، وقد ينظر للمعنى وما يفيده الاستفهام الإنكاري من نفيه للنفي، فيصير الكلام إيجابا، فيصح الجواب بنعم في الجملة، لكن لما كان محتملا امتنع في الآية: انظر المغني. وقوله: { أن تقولوا }: مفعول من أجله. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا { إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم } من ظهور بني آدم { ذريتهم } وذلك أن الله تعالى لما خلق آدم، وأهبطه إلى الأرض، أخرج من صلبه نسيم بنيه، بعضهم من صلب بعض، على نحو ما يتوالدون، قرنا بعد قرن كالذر، وكان آدم بنعمان، وهو جبل يواجه عرفة، وقال لهم حين أخرجهم: { ألست بربكم }؟ فأقروا كلهم، و { قالوا بلى } أنت ربنا، { شهدنا } بذلك على أنفسنا، لأن الأرواح حينئذ كانت كلها على الفطرة، علامة دراكة، فلما ركبت في هذا القالب نسيت الشهادة، فبعث الله الأنبياء والرسل يذكرون الناس ذلك العهد، فمن أقر به نجا، ومن أنكره هلك، ويحتمل أن يكون ذلك من باب التمثيل، وأن أخذ الذرية من الظهر عبارة عن أيجادهم في الدنيا، وأما إشهادهم فمعناه: أن الله نصب لبني آدم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال: { ألست بربكم }؟ وكأنهم قالوا بلسان الحال: أنت ربنا. والأول هو الصحيح لتواتر الأخبار به، فقوله: { شهدنا }: هو من تمام الجواب، فهو تحقيق لربوبيته وأداء لشهادتهم بذلك، فينبغي أن يوقف عليه، وقيل: إن { شهدنا }: من قول الله أو الملائكة، فيوقف على { بلى } ، لكنه ضعيف. ثم ذكر حكمة هذا الأخذ، فقال: { إن تقولوا } أي: فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا { يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } ، أو كراهية أن تقولوا: { إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم } فاقتدينا بهم، { أفتهلكنا بما فعل المبطلون } ، يعني: آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك، ولا بد من حذف كلام هنا لتتم الححجة، والتقدير: أخذنا ذلك العهد في عالم الأرواح، وبعثنا الرسل يجددونه في عالم الأشباح، كراهة أن تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين، ويدل على هذا قوله تعالى:
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا...
[الإسراء:15] الآية. وقوله:
رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة
[النساء:165]، ولا يكفي مجرد الإشهاد الروحاني في قيام الحجة لأن ذلك العهد نسيته الأرواح حين دخلت في عالم الأشباح، فلا تهتدي إليه إلا بدليل يذكرها ذلك. قال البيضاوي: والمقصود من إيراد هذا الكلام ها هنا: إلزام اليهود مقتضى الميثاق العام، بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية، ومنعهم من التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال، كما قال تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } الدالة على وحدانيتنا سمعا وعقلا، { ولعلهم يرجعون } عن التقليد واتباع الباطل. الإشارة: أخذ الحق جل جلاله العهد على الأرواح أن تعرفه وتوحده مرتين، أحدهما: قبل ظهور الكائنات، والثاني: بعد ظهورها. والأول أخذه عليها في معرفة الربوبية، والثاني تجديدا له مع القيام بآداب العبودية. قال بعضهم: أخذ الأول على الأرواح يوم المقادير، وذلك قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم أخذ الثاني على النفوس بعد ظهورها في عالم الأشباح، كما نبهت عليه الآية والأحاديث. وقال ابن الفارض في تائيته:
وسابق عهد لم يحل مذ عهدته ولا حق عقد جل عن حل فتره
قال القاشاني: أراد بالعهد السابق: ما أخذه الله على الأرواح والإنسانية المستخرجة من صلب الروح الأعضم، الذي هو آدم الكبير، في صور المثل، قبل تعلقها بالأشباح، وهو عقد المحبة بين الرب والمربوب، في قوله سبحانه: { وإذ أخذ ربك... } الآية. وبالعهد اللاحق: ما أخذه عليهم بواسطة الأنبياء، من عقد الإسلام بعد التعلق بالأبدان، وهو توكيد للعهد الأول، وتوثيقه بالتزام أحكام الربوبية والتزامها. ه. وقال في الحاشية: كلام ابن الفارض ينظر إلى العهد الأول، الروحاني، وكلام غيره ينظر إلى الثاني النفساني، وهو ظاهر الآية. ه. قلت: وفيه نظر، فإن كلام ابن الفارض مشتمل على العهدين معا، الروحاني في الشطر الأولى، والنفساني في الشطر الثاني. والحاصل مما تقدم: أن العهد أخذ على الأرواح ثلاث مرات، أحدها: حين استخرجت من صلب الروح الأعظم الذي هو آدم الكبير، وهو معنى القبضة النورانية، التي آخذت من عالم الجبروت. والثاني: حينن استخرجت من صلب آدم الأصغر، كالذر، والثالث: حيث دخلت في عالم الأشباح، على ألسنة الرسل، ومن ناب عنهم، فالمذكور في الآية هو الثاني، وهو أحسن من حمل القاشاني الآية على الأول. فالحاصل: أن الأخذ الأول كان على الأرواح مجردة عن مادة التطوير والتمثيل، بإقرارها إقرار النفوس، لا إقرار الألسنة، والأخذ الثاني كان على الأرواح بعد خروجها من الوجود العلمي إلى الوجود العيني، فتطورت الأرواح بصفاتها الذاتية، من سمع وبصر ولسان وغيرها، في عالم المثال، بصور مقالية لتبصر بها ظهور الرب، وتسمع خطابه، وتجيب سؤاله، بإقرارها حينئذ إقرار الألسنة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية.
وأما العهد الذي أخذه بواسطة الأنبياء في ظهور عالم الأشباح فإنما هو تذكير للعهدين وتجديد لهما وهو الذي تقوم به الحجة عليها، فلا بد من انضمامه إلى الأولين في قيام الحجة، كما تقدم. فالموجدات ثلاث: علمي، ثم خيالي مثالي، ثم نوعي حسي. فأخذ على كل واحد عهد من الأولين بلا واسطة، والثالث بواسطة الرسل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وبال من نقض هذا العهد، مع تمكنه من العلم به، فقال: { واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا }.
الأعراف 7:175
قلت: أتبعه الشيطان: أدركه، يقال: أتبع القوم: لحقهم، ومنه:
فأتبعهم فرعون وجنوده
[يونس:90]، أي: لحق بني إسرائيل. قاله في الأساس. يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } على اليهود { نبأ } أي: خبر { الذي آتيناه آياينا } علما بكتابنا، { فانسلخ منها } بأن كفر بها، وأعرض، { فأتبعه الشيطان } فأدركه { فكان من الغاوين }. قال عبد الله بن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين، داعيا إلى الله، فرشاه الملك، وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى، ويتابع الملك على دينه، ففعل وأضل الناس على ذلك. وقال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين، اسمه: " بلعم " ، كان عنده الاسم الأعظم، فلما أراد موسى قتل الكنعانيين، وهم الجبارون، سألوه أن يدعو على موسى باسم الله الأعظم، فأبى، فألحوا عليه حتى دعا ألا يدخل المدينة، ودعا موسى عليه. فالآيات التي أعطيها، على هذا: اسم الله الأعظم، وعلى قول ابن مسعود: هو ما علمه موسى من الشريعة. قيل: كان عنده من صحف إبراهيم. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد أوتي علما وحكمة، وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك ومات كافرا، وكان قد قرأ الكتب، وخالط الرهبان، وسمع منهم أن الله تعالى مرسل رسولا في ذلك الزمان، فرجا أن يكون هو، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده، وقال: ما كنت لأؤمن لرسول من ثقيف. قال تعالى: { ولو شئنا لرفعناه } إلى منازل الأبرار { بها } أي: بسبب تلك الآيات وملازمتها، { ولكنه أخلد إلى الأرض } أي: مال إلى الدنيا وحطامها، أي: أخلد إلى أرض الشهوات، { واتبع هواه } في إيثار الدنيا واسترضاء قومه، أو صيانة رئاسته وجاهه. قال البيضاوي: وكان من حقه أن يقول: ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه: { أخلد إلى الأرض واتبع هواه } مبالغة وتنبيها على ما حمله عليه، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. ه. { فمثله } أي: فصفته التي هي مثل في الخسة، { كمثل الكلب } أي: كصفته في أخس أحواله، وهو { إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } أي: يلهث دائما، سواء حمل عليه بالزجر والطرد، أو ترك ولم يتعرض له، بخلاف سائر الحيوانات لضعف فؤاده، واللهث: إدلاع اللسان من التنفس الشدد، والمراد: لازم اللهث، وهو نفي الرفع ووضع المنزلة. قال ابن جزي: اللهث: هو تنفس بسرعة، وتحريك أعضاء الفم، وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات عند الحر والتعب، وهي حالة دائمة للكلب، ومعنى " إن تحمل عليه ": أن تفعل معه ما يشق عليه، من طرد أو غيره، أو تتركه دون أن تحمل عليه، فهو يلهث على كل حال.
ووجه تشبيه ذلك الرجل به أنه إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، فضلالته على كل حال. ه. وقال الواحدي: وذلك أنه زجر في المنام عن الدعاء على موسى، فلم ينزجر، وترك عن الزجر، فلم يهتد. ه. وقيل. ه. أن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره، فصار مثل الكلب، وصورته ولهثه حقيقة. ه. وفعل به ذلك حين دعا على موسى عليه السلام. وفي ابن عطية: ذكر " المعتمد " أن موسى قتله. قال تعالى: { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } صفتهم كصفة الكلب في لهثه وخسته، أو كصفة الرجل المشبه به، لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا، وإن تركوا لم يهتدوا. أو شبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما عنده من الآيات. وقال الواحدي: يعني: أهل مكة كانوا متمنين هاديا يهديهم، فلما جاءهم من لا يشكون في صدقه كذبوه، فلم يهتدوا لما تركوا، ولم يهتدوا أيضا لما دعوا بالرسول، فكانوا ضالين عن الرسول في الحالتين. ه. { فاقصص القصص } المذكور على اليهود، فإنها نحو قصصهم، { لعلهم يتفكرون } تفكرا يؤدي إلى الاتعاظ، فيؤمنوا به، فإن هذه القصص لا توجد عند من لم يقرأ إلا بوحي، فيتيقنوا نبوتك. { ساء } أي: قبح { مثلا } مثل { القوم الذين كذبوا بآياتنا } حيث شبهوا بالكلاب اللاهثة، { وأنفسهم كانوا يظلمون } بتعريضها للهلاك. قال البيضاوي: إما أن يكون داخلا في الصلة، معطوفا على { الذين كذبوا } ، بمعنى: الذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم، أو منقطعا عنها، بمعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، فإن وباله لا يتخطاها ولذلك قدم المفعول. ه. { من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون } ، هو تصريح بأن الهدى والضلال بيد الله تعالى، وأن هداية الله يخص بها بعضا دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء، والإفراد في الأول والجمع في الثاني لاعتبار اللفظ والمعنى، تنبيها على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين. والاقتصار في الإخبار عمن هداه الله بالمهتدي: تعظيم لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه، في نفسه، كمال جسيم، ونفع عظيم، لو لم يحصل له غيره لكفاه، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها. قاله البيضاوي. الإشارة: في الحديث:
" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه "
والعلم النافع هو الذي تصحبه الخشية والمراقبة والتعظيم والإجلال، ويوجب لصاحبه الزهد والسخاء والتواضع والأنكسار، وهو علم التوحيد الخاص، الذي هو مشاهدة الحق. وقال الورتجبي في قوله: { آتيناه آياتنا فانسلخ منها }: ذكر أنه تعالى أعطاه أياته، ولو أعطاه قرب مشاهدته ما انسلخ منه، لأن من رآه أحبه، ومن أحب استأنس به واستوحش مما سواه، فمن ذلك تبين أنه كان مستدرجا بوجدان آياته، وتصديق ذلك ما أخبر سبحانه من ارتداده عن دينه، واشتغاله بهواه وعداوة كليمه بقوله: { فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين } ، ولو ذاق طعم حبه لم يلتفت إلى غيره، مكر به في الأزل، فكان مكره مستداما إلى الأبد، فالكرامات الظاهرة عارضه للامتحان بين الأزل والأبد، وعند الأصل القديم لا يعتبر العرض الطارىء.
ه. وقال في الإحياء: إن بلعم أوتي كتاب الله تعالى فأخلد إلى الشهوات، فشبه بالكلب، أي: سواء أوتي الحكمة أو لم يؤتها فهو يلهث إلى الشهوات. ه. وفي ذكر قصته تحذير لعلماء هذه الأمة وصلحائها. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: من أخلدت نفسه إلى أرض الشهوات، وغلبته عن النهوض إلى الطاعات، فدواؤه في حرفين، أحدهما: أن يذكر منة الله عليه بنعمة الإيمان والإسلام، ويقيد هذه النعمة بالشكر، لئلا تفلت من يده، والثاني: أن يتوجه إلى الله بالتضرع والاضطرار، آناء الليل والنهار، وفي رمضان راجيا الإجابة، قائلا: اللهم سلم سلم. فإن أهمل هاتين الخصلتين فالشقاوة لازمة له. ه. بالمعنى لطول العهد به. وبالله التوفيق. ثم ذكر علامة أهل الضلالة والخسران، فقال: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس }.
الأعراف 7:176
قلت: أتبعه الشيطان: أدركه، يقال: أتبع القوم: لحقهم، ومنه:
فأتبعهم فرعون وجنوده
[يونس:90]، أي: لحق بني إسرائيل. قاله في الأساس. يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } على اليهود { نبأ } أي: خبر { الذي آتيناه آياينا } علما بكتابنا، { فانسلخ منها } بأن كفر بها، وأعرض، { فأتبعه الشيطان } فأدركه { فكان من الغاوين }. قال عبد الله بن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين، داعيا إلى الله، فرشاه الملك، وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى، ويتابع الملك على دينه، ففعل وأضل الناس على ذلك. وقال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين، اسمه: " بلعم " ، كان عنده الاسم الأعظم، فلما أراد موسى قتل الكنعانيين، وهم الجبارون، سألوه أن يدعو على موسى باسم الله الأعظم، فأبى، فألحوا عليه حتى دعا ألا يدخل المدينة، ودعا موسى عليه. فالآيات التي أعطيها، على هذا: اسم الله الأعظم، وعلى قول ابن مسعود: هو ما علمه موسى من الشريعة. قيل: كان عنده من صحف إبراهيم. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد أوتي علما وحكمة، وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك ومات كافرا، وكان قد قرأ الكتب، وخالط الرهبان، وسمع منهم أن الله تعالى مرسل رسولا في ذلك الزمان، فرجا أن يكون هو، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده، وقال: ما كنت لأؤمن لرسول من ثقيف. قال تعالى: { ولو شئنا لرفعناه } إلى منازل الأبرار { بها } أي: بسبب تلك الآيات وملازمتها، { ولكنه أخلد إلى الأرض } أي: مال إلى الدنيا وحطامها، أي: أخلد إلى أرض الشهوات، { واتبع هواه } في إيثار الدنيا واسترضاء قومه، أو صيانة رئاسته وجاهه. قال البيضاوي: وكان من حقه أن يقول: ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه: { أخلد إلى الأرض واتبع هواه } مبالغة وتنبيها على ما حمله عليه، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. ه. { فمثله } أي: فصفته التي هي مثل في الخسة، { كمثل الكلب } أي: كصفته في أخس أحواله، وهو { إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } أي: يلهث دائما، سواء حمل عليه بالزجر والطرد، أو ترك ولم يتعرض له، بخلاف سائر الحيوانات لضعف فؤاده، واللهث: إدلاع اللسان من التنفس الشدد، والمراد: لازم اللهث، وهو نفي الرفع ووضع المنزلة. قال ابن جزي: اللهث: هو تنفس بسرعة، وتحريك أعضاء الفم، وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات عند الحر والتعب، وهي حالة دائمة للكلب، ومعنى " إن تحمل عليه ": أن تفعل معه ما يشق عليه، من طرد أو غيره، أو تتركه دون أن تحمل عليه، فهو يلهث على كل حال.
ووجه تشبيه ذلك الرجل به أنه إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، فضلالته على كل حال. ه. وقال الواحدي: وذلك أنه زجر في المنام عن الدعاء على موسى، فلم ينزجر، وترك عن الزجر، فلم يهتد. ه. وقيل. ه. أن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره، فصار مثل الكلب، وصورته ولهثه حقيقة. ه. وفعل به ذلك حين دعا على موسى عليه السلام. وفي ابن عطية: ذكر " المعتمد " أن موسى قتله. قال تعالى: { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } صفتهم كصفة الكلب في لهثه وخسته، أو كصفة الرجل المشبه به، لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا، وإن تركوا لم يهتدوا. أو شبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما عنده من الآيات. وقال الواحدي: يعني: أهل مكة كانوا متمنين هاديا يهديهم، فلما جاءهم من لا يشكون في صدقه كذبوه، فلم يهتدوا لما تركوا، ولم يهتدوا أيضا لما دعوا بالرسول، فكانوا ضالين عن الرسول في الحالتين. ه. { فاقصص القصص } المذكور على اليهود، فإنها نحو قصصهم، { لعلهم يتفكرون } تفكرا يؤدي إلى الاتعاظ، فيؤمنوا به، فإن هذه القصص لا توجد عند من لم يقرأ إلا بوحي، فيتيقنوا نبوتك. { ساء } أي: قبح { مثلا } مثل { القوم الذين كذبوا بآياتنا } حيث شبهوا بالكلاب اللاهثة، { وأنفسهم كانوا يظلمون } بتعريضها للهلاك. قال البيضاوي: إما أن يكون داخلا في الصلة، معطوفا على { الذين كذبوا } ، بمعنى: الذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم، أو منقطعا عنها، بمعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، فإن وباله لا يتخطاها ولذلك قدم المفعول. ه. { من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون } ، هو تصريح بأن الهدى والضلال بيد الله تعالى، وأن هداية الله يخص بها بعضا دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء، والإفراد في الأول والجمع في الثاني لاعتبار اللفظ والمعنى، تنبيها على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين. والاقتصار في الإخبار عمن هداه الله بالمهتدي: تعظيم لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه، في نفسه، كمال جسيم، ونفع عظيم، لو لم يحصل له غيره لكفاه، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها. قاله البيضاوي. الإشارة: في الحديث:
" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه "
والعلم النافع هو الذي تصحبه الخشية والمراقبة والتعظيم والإجلال، ويوجب لصاحبه الزهد والسخاء والتواضع والأنكسار، وهو علم التوحيد الخاص، الذي هو مشاهدة الحق. وقال الورتجبي في قوله: { آتيناه آياتنا فانسلخ منها }: ذكر أنه تعالى أعطاه أياته، ولو أعطاه قرب مشاهدته ما انسلخ منه، لأن من رآه أحبه، ومن أحب استأنس به واستوحش مما سواه، فمن ذلك تبين أنه كان مستدرجا بوجدان آياته، وتصديق ذلك ما أخبر سبحانه من ارتداده عن دينه، واشتغاله بهواه وعداوة كليمه بقوله: { فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين } ، ولو ذاق طعم حبه لم يلتفت إلى غيره، مكر به في الأزل، فكان مكره مستداما إلى الأبد، فالكرامات الظاهرة عارضه للامتحان بين الأزل والأبد، وعند الأصل القديم لا يعتبر العرض الطارىء.
ه. وقال في الإحياء: إن بلعم أوتي كتاب الله تعالى فأخلد إلى الشهوات، فشبه بالكلب، أي: سواء أوتي الحكمة أو لم يؤتها فهو يلهث إلى الشهوات. ه. وفي ذكر قصته تحذير لعلماء هذه الأمة وصلحائها. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: من أخلدت نفسه إلى أرض الشهوات، وغلبته عن النهوض إلى الطاعات، فدواؤه في حرفين، أحدهما: أن يذكر منة الله عليه بنعمة الإيمان والإسلام، ويقيد هذه النعمة بالشكر، لئلا تفلت من يده، والثاني: أن يتوجه إلى الله بالتضرع والاضطرار، آناء الليل والنهار، وفي رمضان راجيا الإجابة، قائلا: اللهم سلم سلم. فإن أهمل هاتين الخصلتين فالشقاوة لازمة له. ه. بالمعنى لطول العهد به. وبالله التوفيق. ثم ذكر علامة أهل الضلالة والخسران، فقال: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس }.
الأعراف 7:177
قلت: أتبعه الشيطان: أدركه، يقال: أتبع القوم: لحقهم، ومنه:
فأتبعهم فرعون وجنوده
[يونس:90]، أي: لحق بني إسرائيل. قاله في الأساس. يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } على اليهود { نبأ } أي: خبر { الذي آتيناه آياينا } علما بكتابنا، { فانسلخ منها } بأن كفر بها، وأعرض، { فأتبعه الشيطان } فأدركه { فكان من الغاوين }. قال عبد الله بن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين، داعيا إلى الله، فرشاه الملك، وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى، ويتابع الملك على دينه، ففعل وأضل الناس على ذلك. وقال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين، اسمه: " بلعم " ، كان عنده الاسم الأعظم، فلما أراد موسى قتل الكنعانيين، وهم الجبارون، سألوه أن يدعو على موسى باسم الله الأعظم، فأبى، فألحوا عليه حتى دعا ألا يدخل المدينة، ودعا موسى عليه. فالآيات التي أعطيها، على هذا: اسم الله الأعظم، وعلى قول ابن مسعود: هو ما علمه موسى من الشريعة. قيل: كان عنده من صحف إبراهيم. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد أوتي علما وحكمة، وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك ومات كافرا، وكان قد قرأ الكتب، وخالط الرهبان، وسمع منهم أن الله تعالى مرسل رسولا في ذلك الزمان، فرجا أن يكون هو، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده، وقال: ما كنت لأؤمن لرسول من ثقيف. قال تعالى: { ولو شئنا لرفعناه } إلى منازل الأبرار { بها } أي: بسبب تلك الآيات وملازمتها، { ولكنه أخلد إلى الأرض } أي: مال إلى الدنيا وحطامها، أي: أخلد إلى أرض الشهوات، { واتبع هواه } في إيثار الدنيا واسترضاء قومه، أو صيانة رئاسته وجاهه. قال البيضاوي: وكان من حقه أن يقول: ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه: { أخلد إلى الأرض واتبع هواه } مبالغة وتنبيها على ما حمله عليه، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. ه. { فمثله } أي: فصفته التي هي مثل في الخسة، { كمثل الكلب } أي: كصفته في أخس أحواله، وهو { إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } أي: يلهث دائما، سواء حمل عليه بالزجر والطرد، أو ترك ولم يتعرض له، بخلاف سائر الحيوانات لضعف فؤاده، واللهث: إدلاع اللسان من التنفس الشدد، والمراد: لازم اللهث، وهو نفي الرفع ووضع المنزلة. قال ابن جزي: اللهث: هو تنفس بسرعة، وتحريك أعضاء الفم، وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات عند الحر والتعب، وهي حالة دائمة للكلب، ومعنى " إن تحمل عليه ": أن تفعل معه ما يشق عليه، من طرد أو غيره، أو تتركه دون أن تحمل عليه، فهو يلهث على كل حال.
ووجه تشبيه ذلك الرجل به أنه إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، فضلالته على كل حال. ه. وقال الواحدي: وذلك أنه زجر في المنام عن الدعاء على موسى، فلم ينزجر، وترك عن الزجر، فلم يهتد. ه. وقيل. ه. أن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره، فصار مثل الكلب، وصورته ولهثه حقيقة. ه. وفعل به ذلك حين دعا على موسى عليه السلام. وفي ابن عطية: ذكر " المعتمد " أن موسى قتله. قال تعالى: { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } صفتهم كصفة الكلب في لهثه وخسته، أو كصفة الرجل المشبه به، لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا، وإن تركوا لم يهتدوا. أو شبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما عنده من الآيات. وقال الواحدي: يعني: أهل مكة كانوا متمنين هاديا يهديهم، فلما جاءهم من لا يشكون في صدقه كذبوه، فلم يهتدوا لما تركوا، ولم يهتدوا أيضا لما دعوا بالرسول، فكانوا ضالين عن الرسول في الحالتين. ه. { فاقصص القصص } المذكور على اليهود، فإنها نحو قصصهم، { لعلهم يتفكرون } تفكرا يؤدي إلى الاتعاظ، فيؤمنوا به، فإن هذه القصص لا توجد عند من لم يقرأ إلا بوحي، فيتيقنوا نبوتك. { ساء } أي: قبح { مثلا } مثل { القوم الذين كذبوا بآياتنا } حيث شبهوا بالكلاب اللاهثة، { وأنفسهم كانوا يظلمون } بتعريضها للهلاك. قال البيضاوي: إما أن يكون داخلا في الصلة، معطوفا على { الذين كذبوا } ، بمعنى: الذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم، أو منقطعا عنها، بمعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، فإن وباله لا يتخطاها ولذلك قدم المفعول. ه. { من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون } ، هو تصريح بأن الهدى والضلال بيد الله تعالى، وأن هداية الله يخص بها بعضا دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء، والإفراد في الأول والجمع في الثاني لاعتبار اللفظ والمعنى، تنبيها على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين. والاقتصار في الإخبار عمن هداه الله بالمهتدي: تعظيم لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه، في نفسه، كمال جسيم، ونفع عظيم، لو لم يحصل له غيره لكفاه، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها. قاله البيضاوي. الإشارة: في الحديث:
" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه "
والعلم النافع هو الذي تصحبه الخشية والمراقبة والتعظيم والإجلال، ويوجب لصاحبه الزهد والسخاء والتواضع والأنكسار، وهو علم التوحيد الخاص، الذي هو مشاهدة الحق. وقال الورتجبي في قوله: { آتيناه آياتنا فانسلخ منها }: ذكر أنه تعالى أعطاه أياته، ولو أعطاه قرب مشاهدته ما انسلخ منه، لأن من رآه أحبه، ومن أحب استأنس به واستوحش مما سواه، فمن ذلك تبين أنه كان مستدرجا بوجدان آياته، وتصديق ذلك ما أخبر سبحانه من ارتداده عن دينه، واشتغاله بهواه وعداوة كليمه بقوله: { فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين } ، ولو ذاق طعم حبه لم يلتفت إلى غيره، مكر به في الأزل، فكان مكره مستداما إلى الأبد، فالكرامات الظاهرة عارضه للامتحان بين الأزل والأبد، وعند الأصل القديم لا يعتبر العرض الطارىء.
ه. وقال في الإحياء: إن بلعم أوتي كتاب الله تعالى فأخلد إلى الشهوات، فشبه بالكلب، أي: سواء أوتي الحكمة أو لم يؤتها فهو يلهث إلى الشهوات. ه. وفي ذكر قصته تحذير لعلماء هذه الأمة وصلحائها. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: من أخلدت نفسه إلى أرض الشهوات، وغلبته عن النهوض إلى الطاعات، فدواؤه في حرفين، أحدهما: أن يذكر منة الله عليه بنعمة الإيمان والإسلام، ويقيد هذه النعمة بالشكر، لئلا تفلت من يده، والثاني: أن يتوجه إلى الله بالتضرع والاضطرار، آناء الليل والنهار، وفي رمضان راجيا الإجابة، قائلا: اللهم سلم سلم. فإن أهمل هاتين الخصلتين فالشقاوة لازمة له. ه. بالمعنى لطول العهد به. وبالله التوفيق. ثم ذكر علامة أهل الضلالة والخسران، فقال: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس }.
الأعراف 7:178
قلت: أتبعه الشيطان: أدركه، يقال: أتبع القوم: لحقهم، ومنه:
فأتبعهم فرعون وجنوده
[يونس:90]، أي: لحق بني إسرائيل. قاله في الأساس. يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } على اليهود { نبأ } أي: خبر { الذي آتيناه آياينا } علما بكتابنا، { فانسلخ منها } بأن كفر بها، وأعرض، { فأتبعه الشيطان } فأدركه { فكان من الغاوين }. قال عبد الله بن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين، داعيا إلى الله، فرشاه الملك، وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى، ويتابع الملك على دينه، ففعل وأضل الناس على ذلك. وقال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين، اسمه: " بلعم " ، كان عنده الاسم الأعظم، فلما أراد موسى قتل الكنعانيين، وهم الجبارون، سألوه أن يدعو على موسى باسم الله الأعظم، فأبى، فألحوا عليه حتى دعا ألا يدخل المدينة، ودعا موسى عليه. فالآيات التي أعطيها، على هذا: اسم الله الأعظم، وعلى قول ابن مسعود: هو ما علمه موسى من الشريعة. قيل: كان عنده من صحف إبراهيم. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد أوتي علما وحكمة، وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك ومات كافرا، وكان قد قرأ الكتب، وخالط الرهبان، وسمع منهم أن الله تعالى مرسل رسولا في ذلك الزمان، فرجا أن يكون هو، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده، وقال: ما كنت لأؤمن لرسول من ثقيف. قال تعالى: { ولو شئنا لرفعناه } إلى منازل الأبرار { بها } أي: بسبب تلك الآيات وملازمتها، { ولكنه أخلد إلى الأرض } أي: مال إلى الدنيا وحطامها، أي: أخلد إلى أرض الشهوات، { واتبع هواه } في إيثار الدنيا واسترضاء قومه، أو صيانة رئاسته وجاهه. قال البيضاوي: وكان من حقه أن يقول: ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه: { أخلد إلى الأرض واتبع هواه } مبالغة وتنبيها على ما حمله عليه، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. ه. { فمثله } أي: فصفته التي هي مثل في الخسة، { كمثل الكلب } أي: كصفته في أخس أحواله، وهو { إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } أي: يلهث دائما، سواء حمل عليه بالزجر والطرد، أو ترك ولم يتعرض له، بخلاف سائر الحيوانات لضعف فؤاده، واللهث: إدلاع اللسان من التنفس الشدد، والمراد: لازم اللهث، وهو نفي الرفع ووضع المنزلة. قال ابن جزي: اللهث: هو تنفس بسرعة، وتحريك أعضاء الفم، وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات عند الحر والتعب، وهي حالة دائمة للكلب، ومعنى " إن تحمل عليه ": أن تفعل معه ما يشق عليه، من طرد أو غيره، أو تتركه دون أن تحمل عليه، فهو يلهث على كل حال.
ووجه تشبيه ذلك الرجل به أنه إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، فضلالته على كل حال. ه. وقال الواحدي: وذلك أنه زجر في المنام عن الدعاء على موسى، فلم ينزجر، وترك عن الزجر، فلم يهتد. ه. وقيل. ه. أن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره، فصار مثل الكلب، وصورته ولهثه حقيقة. ه. وفعل به ذلك حين دعا على موسى عليه السلام. وفي ابن عطية: ذكر " المعتمد " أن موسى قتله. قال تعالى: { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } صفتهم كصفة الكلب في لهثه وخسته، أو كصفة الرجل المشبه به، لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا، وإن تركوا لم يهتدوا. أو شبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما عنده من الآيات. وقال الواحدي: يعني: أهل مكة كانوا متمنين هاديا يهديهم، فلما جاءهم من لا يشكون في صدقه كذبوه، فلم يهتدوا لما تركوا، ولم يهتدوا أيضا لما دعوا بالرسول، فكانوا ضالين عن الرسول في الحالتين. ه. { فاقصص القصص } المذكور على اليهود، فإنها نحو قصصهم، { لعلهم يتفكرون } تفكرا يؤدي إلى الاتعاظ، فيؤمنوا به، فإن هذه القصص لا توجد عند من لم يقرأ إلا بوحي، فيتيقنوا نبوتك. { ساء } أي: قبح { مثلا } مثل { القوم الذين كذبوا بآياتنا } حيث شبهوا بالكلاب اللاهثة، { وأنفسهم كانوا يظلمون } بتعريضها للهلاك. قال البيضاوي: إما أن يكون داخلا في الصلة، معطوفا على { الذين كذبوا } ، بمعنى: الذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم، أو منقطعا عنها، بمعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، فإن وباله لا يتخطاها ولذلك قدم المفعول. ه. { من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون } ، هو تصريح بأن الهدى والضلال بيد الله تعالى، وأن هداية الله يخص بها بعضا دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء، والإفراد في الأول والجمع في الثاني لاعتبار اللفظ والمعنى، تنبيها على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين. والاقتصار في الإخبار عمن هداه الله بالمهتدي: تعظيم لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه، في نفسه، كمال جسيم، ونفع عظيم، لو لم يحصل له غيره لكفاه، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها. قاله البيضاوي. الإشارة: في الحديث:
" أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه "
والعلم النافع هو الذي تصحبه الخشية والمراقبة والتعظيم والإجلال، ويوجب لصاحبه الزهد والسخاء والتواضع والأنكسار، وهو علم التوحيد الخاص، الذي هو مشاهدة الحق. وقال الورتجبي في قوله: { آتيناه آياتنا فانسلخ منها }: ذكر أنه تعالى أعطاه أياته، ولو أعطاه قرب مشاهدته ما انسلخ منه، لأن من رآه أحبه، ومن أحب استأنس به واستوحش مما سواه، فمن ذلك تبين أنه كان مستدرجا بوجدان آياته، وتصديق ذلك ما أخبر سبحانه من ارتداده عن دينه، واشتغاله بهواه وعداوة كليمه بقوله: { فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين } ، ولو ذاق طعم حبه لم يلتفت إلى غيره، مكر به في الأزل، فكان مكره مستداما إلى الأبد، فالكرامات الظاهرة عارضه للامتحان بين الأزل والأبد، وعند الأصل القديم لا يعتبر العرض الطارىء.
ه. وقال في الإحياء: إن بلعم أوتي كتاب الله تعالى فأخلد إلى الشهوات، فشبه بالكلب، أي: سواء أوتي الحكمة أو لم يؤتها فهو يلهث إلى الشهوات. ه. وفي ذكر قصته تحذير لعلماء هذه الأمة وصلحائها. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: من أخلدت نفسه إلى أرض الشهوات، وغلبته عن النهوض إلى الطاعات، فدواؤه في حرفين، أحدهما: أن يذكر منة الله عليه بنعمة الإيمان والإسلام، ويقيد هذه النعمة بالشكر، لئلا تفلت من يده، والثاني: أن يتوجه إلى الله بالتضرع والاضطرار، آناء الليل والنهار، وفي رمضان راجيا الإجابة، قائلا: اللهم سلم سلم. فإن أهمل هاتين الخصلتين فالشقاوة لازمة له. ه. بالمعنى لطول العهد به. وبالله التوفيق. ثم ذكر علامة أهل الضلالة والخسران، فقال: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس }.
الأعراف 7:179
يقول الحق جل جلاله: { ولقد ذرأنا } خلقنا { لجهنم كثيرا من الجن والإنس } كتبنا عليهم الشقاء في سابق الأزل، فهم من قبضة أهل النار، كما قال:
" هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي ".
ثم ذكر علامتهم فقال: { لهم قلوب لا يفقهون بها } المواعظ والتذكير للأكنة التي جعلت عليها، { ولهم أعين لا يبصرون بها } دلائل وحدانيتنا وكمال قدرتنا، فلا ينظرون بها نظر اعتبار، { ولهم آذان لا يسمعون بها } الآيات والمواعظ، سماع تأمل وتدبير، { أولئك كالأنعام } في عدم التفقه والاستبصار، أو في أن هممهم ومشاعرهم متوجهة إلى أسباب التعيش، مقصورة عليها، فهممهم في بطونهم وفروجهم، { بل هم أضل } من الأنعام، لأنها تطلب منافعها وتهرب من مضارها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة، وأيضا: الأنعام رفع عنها التكليف فلا تعذب، يخلاف الكافر، وأيضا: البهائم تقبل الرياضة والتأديب لما يراد بها، والكافر عاص على الدوام، { أولئك هم الغافلون } الكاملون في الغفلة المنهمكون فيها. الإشارة: النار على قسمين: حسية ومعنوية، كما أن الجنة كذلك، فالنار الحسية لتعذيب الأشباح، والنار المعنوية لتعذيب الأرواح، والجنة الحسية لنعيم الأشباح، والمعنوية لنعيم الأرواح. النار الحسية معلومة. والنار المعنوية هي نار القطيعة وغم الحجاب، وأهلها هم أهل الغفلة، وهم كثير من الجن والإنس، ليس لهم قلوب تجول في معاني التوحيد، وليس لم أعين تنظر بعين الاعتبار، وليس لهم آذان تسمع المواعظ والتذكار، إن هم إلا كالأنعام، غير أن الله تعالى تفضل عليهم برسم الإسلام. والجنة الحسية هي جنة الزخارف، والجنة المعنوية هي جنة المعارف، وأعدها الله لقلوب تجول في الأنوار والأسرار، ولأعين تنظر بعين الأعتبار والاستبصار، حتى تشاهد أنوار الواحد القهار، ولآذان تسمع المواعظ والتذكار، وتعي ما تسمع من الحكم والأسرار، وبالله التوفيق. ثم عرف بذاته بتعريف أسمائه، فقال: { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها }.
الأعراف 7:180
يقول الحق جل جلاله: { ولله الأسماء الحسنى } تسعة وتسعين، { فادعوه بها } أي: سموه بها. قال ابن جزي: أي: سموه بأسمائه، وهذا إباحة لإطلاق الأسماء على الله سبحانه، فأما ما ورد منها في القرآن والحديث فيجوز إطلاقه على الله إجماعا، وأما ما لم يرد، وفيه مدح ولا تتعلق به شبهة، فأجاز أبو بكر بن الطيب إطلاقه على الله، ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره، ورأوا أن أسماء الله تعالى موقوفة على ما ورد في القرآن والحديث. وقد ورد في حديث الترمذي عدتها، أعني: تعيين التسعة والتسعين. واختلفت أهل الحديث: هل هي مرفوعة أو موقوفة على أبي هريرة؟ والذي في الصحيح:
" إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة "
وهل الإحصاء بالحفظ أو بالعلم أو بالتخلق أو بالتعلق أو بالتحقق؟ أقوال. قلت: كونها موقوفة بعيد جدا إذ ليس هذا مما يقال بالرأي. وسبب نزول الآية: إن أبا جهل سمع بعض الصحابة يقرأ، فيذكر الله مرة، والرحمن أخرى، فقال: يزعم محمد أن الإله واحد، وها هو يعبد آلهة كثيرة، فنزلت الآية مبينة أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمى واحد، { الحسنى }: مصدر وصف به، أو تأنيث أحسن، وحسن أسماء الله هي أنها صفة مدح وتعظيم وتحميد، وقيل: الدعاء بها: التوسل بكل واحد منها. قال تعالى: { وذروا } أي: اتركوا { الذين يلحدون } أي: يميلون { في أسمائه } عن الكمال إما بتعطيلها، أو إنكار شيء منها، وإما بزيادة فيها، مما يوهم نقصا أو فسادا. قال القشيري: الإلحاد: هو الميل عن القصد، وذلك على وجهين: بالزيادة والنقصان فأهل التمثيل زادوا فألحدوا، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا. ه. قال البيضاوي: أي: اتركوا تسمية الزائغين فيها، الذين يسمونه بما لا توقيف فيه، إذ ربما يوهم معنى فاسدا، كقولهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، أو لا تبالوا بإنكارهم ما سمى به نفسه، كقولهم ما نعرف إلا رحمان اليمامة، أو: وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام، واشتقاقها منه كاللات من الله، والعزى من العزيز، فلا توافقوهم عليه، أو أعرضوا عنهم ولا تحاوروهم. ه. قال ابن جزي: قيل: معنى { ذروا }: اتركوهم فلا تجادلوهم ولا تتعرضوا لهم، فالآية، على هذا، منسوخة بالقتال، وقيل: معنى { ذروا } للوعيد والتهديد، كقوله:
وذرني والمكذبين
[المزمل:11]، وهو الأظهر. ه. قلت: وهو أليق بقوله بعده: { سيجزون ما كانوا يعملون } من الإلحاد وغيره. الإشارة: قال القشيري بعد كلام: ويقال إن الله سبحانه وقف الخلق بأسمائه، فهم يذكرونها قالة، وتعزز بذاته، والعقول وإن صفت لا تهجم على حقائق الإشراف إذ الإدراك لا يجوز على الحق، فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عن التعرض للإدراك، وطلبه في أحوال الرؤية. والحق سبحانه عزيز باستحقاق نعوت التعالي متفرد. ه. قلت: وأسماء الله الحسنى كلها تتجلى في مظاهر الإنسان، وتتوارد عليه انفرادا واجتماعا، وقد تجتمع في واحد إذا كان عارفا، كلها بحيث يتخلق بها، غير أن تجلياتها تختلف عليه، تارة ملكا قدوسا، وتارة رحمانيا رحيما، وهكذا. وقد تقدم بيان كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها، في شرحنا: الفاتحة الكبير، والله تعالى أعلم. ولما ذكر فيما تقدم خواص قوم سيدنا موسى، ذكر هنا هذه الأمة المحمدية، فقال: { وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق }.
الأعراف 7:181
يقول الحق جل جلاله: { وممن خلقنا } أي: ومن جملة ما خلقنا: { أمة }: طائفة { يهدون } الناس { بالحق } ويحملونهم عليه، { وبه يعدلون } في حكوماتهم وقضاياهم. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" هذه الآية لكم، وقد تقدم مثلها لقوم موسى ".
قال البيضاوي: ذكر ذلك بعدما ما بين أنه خلق للنار طائفة ضالين، ملحدين عن الحق، للدلالة على أنه خلق أيضا للجنة أمة، هادين بالحق، عادلين في الأمر، واستدل به على صحة الإجماع، لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة لقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا تزال من أمتي طائفة على الحق، إلى أن يأتي أمر الله "
إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة، فإنه معلوم. ه. الإشارة: هذه الأمة التي خلقها الله لهداية خلقه، وهي اطائفة التي لا تزال على الحق، وهي مؤلفة من العلماء الأتقياء على اختلاف أصنافهم وعلومهم، ومن الأولياء العارفين، بالعلماء يهدون إلى التمسك بالشرائع وإتقانها، والأولياء العارفون يهدون إلى التحقق بالحقائق وأذواقها، فالعلماء داعون إلى أحكام الله، والعارفون داعون إلى معرفة ذات الله، العلماء لإصلاح الظواهر، والأولياء لإصلاح البواطن، ولا يقوم هذا إلا بهذا، فالظاهر من غير باطن فسق، والباطن من غير ظاهر إلحاد، وسيأتي عند قوله:
فلولا نفر من كل فرقة...
[التوبة:122] الآية، تمثيل منزلتهم عند الله، والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضدهم، فقال: { والذين كذبوا بآياتنا }.
الأعراف 7:182
قلت: أصل الاستدراج: الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة، ومعناه: نسوقهم إلى الهلاك شيئا فشيئا. يقول الحق جل جلاله: { والذين كذبوا بآياتنا } ، وألحدوا في أسمائنا، { سنستدرجهم } أي: ندرجهم إلى الهلاك شيئا فشيئا، { من حيث لا يعلمون } ما نريد بهم، وذلك أن تتواتر النعم عليهم، فيظنوا أنها لطف من الله بهم، فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغي، حتى تحق عليه كلمة العذاب. { وأملي لهم } أي: وأمهلهم، أي: وأمدهم بالأموال والبنين والعدة والعدد، حتى نأخذهم بغتة، { إن كيدي متين } أي: أخذي شديد، وإنما سماه كيدا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان. الإشارة: قال الشيخ زروق رضي الله عنه: الاستدراج: هو كمون المحنة في عين المنة، وهو من درج الصبي إذا أخذ في المشي شيئا بعد شيء، ومنه: الدرج الذي يرتقي عليه إلى العلو، كذلك المستدرج هو الذي تؤخذ منه النعمة شيئا بعد شيء وهو لا يشعر. قال تعالى: { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون }. ه. فالاستدراج ليس خاصا بالكفار، بل يكون في المؤمنين خواصهم وعوامهم. قال في الحكم: " خف من وجود إحسانه إليك، ودوام إساءتك معه، أن يكون ذلك استدراجا لك { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ". وقال سهل بن عبدالله رضي الله عنه: نمدهم بالنعم، وننسيهم الشكر عليها، فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم: أخذوا. وقال ابن عطاء رضي الله عنه: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: الخوف من الاستدراج بالنعم من صفة المؤمنين، وعدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفة الكافرين. يقال: من أمارات الاستدراج: ركوب السيئة والاغترار بزمن المهلة، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة، وهذا من المكر الخفي. قال تعالى: { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } أي: لا يشعرون بذلك، وهو أن يلقي في أوهامهم أنهم على شيء، وليسوا كذلك، يستدرجهم في ذلك شيئا فشيئا، حتى يأخذهم بغتة، كما قال تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به } إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم، بعدما رأوا من الشدة، { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } أي: فتحنا عليهم أسباب العوافي وأبواب الرفاهية، { حتى إذا فرحوا بما أوتوا } من الحظوظ الدنيوية، ولم يشكروا عليها برجوعهم منها إلينا، { أخذناهم بغتة } أي: فجأة،
فإذا هم مبلسون
[الأنعام:44] آيسون قانطون من الرحمة. ه. ثم ندبهم إلى التفكر، فقال: { أولم يتفكروا ما بصاحبهم }.
الأعراف 7:183
قلت: أصل الاستدراج: الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة، ومعناه: نسوقهم إلى الهلاك شيئا فشيئا. يقول الحق جل جلاله: { والذين كذبوا بآياتنا } ، وألحدوا في أسمائنا، { سنستدرجهم } أي: ندرجهم إلى الهلاك شيئا فشيئا، { من حيث لا يعلمون } ما نريد بهم، وذلك أن تتواتر النعم عليهم، فيظنوا أنها لطف من الله بهم، فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغي، حتى تحق عليه كلمة العذاب. { وأملي لهم } أي: وأمهلهم، أي: وأمدهم بالأموال والبنين والعدة والعدد، حتى نأخذهم بغتة، { إن كيدي متين } أي: أخذي شديد، وإنما سماه كيدا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان. الإشارة: قال الشيخ زروق رضي الله عنه: الاستدراج: هو كمون المحنة في عين المنة، وهو من درج الصبي إذا أخذ في المشي شيئا بعد شيء، ومنه: الدرج الذي يرتقي عليه إلى العلو، كذلك المستدرج هو الذي تؤخذ منه النعمة شيئا بعد شيء وهو لا يشعر. قال تعالى: { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون }. ه. فالاستدراج ليس خاصا بالكفار، بل يكون في المؤمنين خواصهم وعوامهم. قال في الحكم: " خف من وجود إحسانه إليك، ودوام إساءتك معه، أن يكون ذلك استدراجا لك { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ". وقال سهل بن عبدالله رضي الله عنه: نمدهم بالنعم، وننسيهم الشكر عليها، فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم: أخذوا. وقال ابن عطاء رضي الله عنه: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: الخوف من الاستدراج بالنعم من صفة المؤمنين، وعدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفة الكافرين. يقال: من أمارات الاستدراج: ركوب السيئة والاغترار بزمن المهلة، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة، وهذا من المكر الخفي. قال تعالى: { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } أي: لا يشعرون بذلك، وهو أن يلقي في أوهامهم أنهم على شيء، وليسوا كذلك، يستدرجهم في ذلك شيئا فشيئا، حتى يأخذهم بغتة، كما قال تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به } إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم، بعدما رأوا من الشدة، { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } أي: فتحنا عليهم أسباب العوافي وأبواب الرفاهية، { حتى إذا فرحوا بما أوتوا } من الحظوظ الدنيوية، ولم يشكروا عليها برجوعهم منها إلينا، { أخذناهم بغتة } أي: فجأة،
فإذا هم مبلسون
[الأنعام:44] آيسون قانطون من الرحمة. ه. ثم ندبهم إلى التفكر، فقال: { أولم يتفكروا ما بصاحبهم }.
الأعراف 7:184
قلت: { وما خلق }: عطف على { ملكوت } ، و { أن عسى }: مخففة، و { أن يكون }: مصدرية، أو عطف على { ملكوت } أيضا. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يتفكروا } في أمر محمد صلى الله عليه وسلم حتى يتحققوا أنه { ما بصاحبهم من جنة } يعني: نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما أمر بالإنذار صعد الصفا، فدعاهم، فخذا فخذا، يحذرهم بأس الله تعالى، فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون، بات يصوت إلى الصباح، فنزلت. { إن هو إلا نذير مبين } أي: بين الإنذار واضح أمره، لا يخفى على ناظر. { أو لم ينظروا } نظر استدلال { في ملكوت السماوات والأرض } أي: في عظمتهما وما اشتملتا عليه من العجائب، { وما خلق الله من شيء } أي: وينظروا فيما خلق الله من شيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها، لتدلهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها، وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } أي: أو لم ينظروا أيضا في اقتراب أجلهم وتوقع حلول الموت بهم، فيسارعوا إلى طلب الحق، والتوجه إلى ما ينجيهم من عذابه، قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب. { فبأي حديث بعده } أي: بعد القرآن، { يؤمنون } إن لم يؤمنوا به، وهو النهاية في البيان؟ كأنه إخبار عنهم بالطبع على القلوب والتصميم على الكفر، بعد إلزام الحجة والإرشاد إلى النظر، وقيل: هو متعلق بقوله: { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون بالإيمان بالقرآن، وماذا ينتظرون بعد وضوحه؟ وإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا به؟!.. قاله البيضاوي. ثم بين أن أمرهم بيده، فقال: { من يضلل الله فلا هادي له } أصلا، ولا يقدر أحد عليه، { ونذرهم في طغيانهم يعمهون }: يتحيرون. ومن قرأ بالياء فمناسب لقوله: { من يضلل } ، ومن جزمه فعطف على محل: { فلا هادي له } لأنه جواب الشرط. الإشارة: قد أرشد الحق تعالى عباده إلى التفكر والاعتبار، وقد تقدم الكلام عليه في " آل عمران " ، وقد علم هنا أهل الاستدلال كيفيته وهو أن ينظر الإنسان في آمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ظهر على يديه من المعجزات وخوارق العادات، وأعظمها القرآن العظيم، ثم ما أتى به من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، وما نطق به من الحكم العجيبة، وما أخبر به من قصص الأمم الدارسة والشرائع المتقدمة، مع كونه أميا لم يقرأ ولم يكتب، ولم يجالس أحدا ممن له خبرة بذلك، فتطلع عليه شمس المعرفة به حتى لا يخالطه وهم، ولا يخطر بساحته خاطر سوء، ثم يتفكر في عجائب ملكوت السماوات والأرض، وما اشتملتا عليه من ضروب المصنوعات، وعجائب المخلوقات، فيتحقق بوجود الصانع القادر على كل شيء، هذا إن لم يجد شيخا يخرجه من سجن الدليل، وإن وجده استغنى عن هذا بإشراق شمس العرفان، والخروج إلى فضاء الشهود والعيان. ثم ذكر أمر الساعة، التي خوفهم بها بقوله: { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } ، فقال: { يسألونك عن الساعة أيان مرساها }.
الأعراف 7:185
قلت: { وما خلق }: عطف على { ملكوت } ، و { أن عسى }: مخففة، و { أن يكون }: مصدرية، أو عطف على { ملكوت } أيضا. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يتفكروا } في أمر محمد صلى الله عليه وسلم حتى يتحققوا أنه { ما بصاحبهم من جنة } يعني: نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما أمر بالإنذار صعد الصفا، فدعاهم، فخذا فخذا، يحذرهم بأس الله تعالى، فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون، بات يصوت إلى الصباح، فنزلت. { إن هو إلا نذير مبين } أي: بين الإنذار واضح أمره، لا يخفى على ناظر. { أو لم ينظروا } نظر استدلال { في ملكوت السماوات والأرض } أي: في عظمتهما وما اشتملتا عليه من العجائب، { وما خلق الله من شيء } أي: وينظروا فيما خلق الله من شيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها، لتدلهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها، وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } أي: أو لم ينظروا أيضا في اقتراب أجلهم وتوقع حلول الموت بهم، فيسارعوا إلى طلب الحق، والتوجه إلى ما ينجيهم من عذابه، قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب. { فبأي حديث بعده } أي: بعد القرآن، { يؤمنون } إن لم يؤمنوا به، وهو النهاية في البيان؟ كأنه إخبار عنهم بالطبع على القلوب والتصميم على الكفر، بعد إلزام الحجة والإرشاد إلى النظر، وقيل: هو متعلق بقوله: { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون بالإيمان بالقرآن، وماذا ينتظرون بعد وضوحه؟ وإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا به؟!.. قاله البيضاوي. ثم بين أن أمرهم بيده، فقال: { من يضلل الله فلا هادي له } أصلا، ولا يقدر أحد عليه، { ونذرهم في طغيانهم يعمهون }: يتحيرون. ومن قرأ بالياء فمناسب لقوله: { من يضلل } ، ومن جزمه فعطف على محل: { فلا هادي له } لأنه جواب الشرط. الإشارة: قد أرشد الحق تعالى عباده إلى التفكر والاعتبار، وقد تقدم الكلام عليه في " آل عمران " ، وقد علم هنا أهل الاستدلال كيفيته وهو أن ينظر الإنسان في آمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ظهر على يديه من المعجزات وخوارق العادات، وأعظمها القرآن العظيم، ثم ما أتى به من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، وما نطق به من الحكم العجيبة، وما أخبر به من قصص الأمم الدارسة والشرائع المتقدمة، مع كونه أميا لم يقرأ ولم يكتب، ولم يجالس أحدا ممن له خبرة بذلك، فتطلع عليه شمس المعرفة به حتى لا يخالطه وهم، ولا يخطر بساحته خاطر سوء، ثم يتفكر في عجائب ملكوت السماوات والأرض، وما اشتملتا عليه من ضروب المصنوعات، وعجائب المخلوقات، فيتحقق بوجود الصانع القادر على كل شيء، هذا إن لم يجد شيخا يخرجه من سجن الدليل، وإن وجده استغنى عن هذا بإشراق شمس العرفان، والخروج إلى فضاء الشهود والعيان. ثم ذكر أمر الساعة، التي خوفهم بها بقوله: { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } ، فقال: { يسألونك عن الساعة أيان مرساها }.
الأعراف 7:186
قلت: { وما خلق }: عطف على { ملكوت } ، و { أن عسى }: مخففة، و { أن يكون }: مصدرية، أو عطف على { ملكوت } أيضا. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يتفكروا } في أمر محمد صلى الله عليه وسلم حتى يتحققوا أنه { ما بصاحبهم من جنة } يعني: نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما أمر بالإنذار صعد الصفا، فدعاهم، فخذا فخذا، يحذرهم بأس الله تعالى، فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون، بات يصوت إلى الصباح، فنزلت. { إن هو إلا نذير مبين } أي: بين الإنذار واضح أمره، لا يخفى على ناظر. { أو لم ينظروا } نظر استدلال { في ملكوت السماوات والأرض } أي: في عظمتهما وما اشتملتا عليه من العجائب، { وما خلق الله من شيء } أي: وينظروا فيما خلق الله من شيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها، لتدلهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها، وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } أي: أو لم ينظروا أيضا في اقتراب أجلهم وتوقع حلول الموت بهم، فيسارعوا إلى طلب الحق، والتوجه إلى ما ينجيهم من عذابه، قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب. { فبأي حديث بعده } أي: بعد القرآن، { يؤمنون } إن لم يؤمنوا به، وهو النهاية في البيان؟ كأنه إخبار عنهم بالطبع على القلوب والتصميم على الكفر، بعد إلزام الحجة والإرشاد إلى النظر، وقيل: هو متعلق بقوله: { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون بالإيمان بالقرآن، وماذا ينتظرون بعد وضوحه؟ وإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا به؟!.. قاله البيضاوي. ثم بين أن أمرهم بيده، فقال: { من يضلل الله فلا هادي له } أصلا، ولا يقدر أحد عليه، { ونذرهم في طغيانهم يعمهون }: يتحيرون. ومن قرأ بالياء فمناسب لقوله: { من يضلل } ، ومن جزمه فعطف على محل: { فلا هادي له } لأنه جواب الشرط. الإشارة: قد أرشد الحق تعالى عباده إلى التفكر والاعتبار، وقد تقدم الكلام عليه في " آل عمران " ، وقد علم هنا أهل الاستدلال كيفيته وهو أن ينظر الإنسان في آمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ظهر على يديه من المعجزات وخوارق العادات، وأعظمها القرآن العظيم، ثم ما أتى به من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، وما نطق به من الحكم العجيبة، وما أخبر به من قصص الأمم الدارسة والشرائع المتقدمة، مع كونه أميا لم يقرأ ولم يكتب، ولم يجالس أحدا ممن له خبرة بذلك، فتطلع عليه شمس المعرفة به حتى لا يخالطه وهم، ولا يخطر بساحته خاطر سوء، ثم يتفكر في عجائب ملكوت السماوات والأرض، وما اشتملتا عليه من ضروب المصنوعات، وعجائب المخلوقات، فيتحقق بوجود الصانع القادر على كل شيء، هذا إن لم يجد شيخا يخرجه من سجن الدليل، وإن وجده استغنى عن هذا بإشراق شمس العرفان، والخروج إلى فضاء الشهود والعيان. ثم ذكر أمر الساعة، التي خوفهم بها بقوله: { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } ، فقال: { يسألونك عن الساعة أيان مرساها }.
الأعراف 7:187
قلت: إنما سميت القيامة ساعة: لسرعة حسابها، أو وقوعها، لقوله:
ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب
[النحل:77]. يقول الحق جل جلاله: { يسألونك } أي: قريش، { عن الساعة } أي: قيام الناس من قبورهم للحساب، { أيان مرساها } أي: متى إرساؤها، أي: ثبوتها ووقوعها؟ { قل إنما علمها عند ربي } استأثر بعلمها، لم يطلع عليها ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا { لا يجليها لوقتها } أي: لا يظهرها عند وقت وقوعها، { إلا هو } ، والمعنى إن إخفاءها يستمر إلى وقت وقوعها، { ثقلت في السماوات والأرض } عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها، وكأنه إشارة إلى الحكمة في إخفائها. أو ثقلت على السماوات والأرض أنفسهما لتبدلهما وتغير حالهما، { لا تأتيكم إلا بغتة }: فجأة على غفلة، كما قال صلى الله عليه وسلم
" إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه "
والمراد: النفخ في الصور للصعق، لأن الساعة مرتبة عليه وقريبة منه. { يسألونك كأنك حفي عنها } أي: عالم بها، من حفى على الشيء: إذا سأل عنه، فإن من بالغ في السؤال عن الشيء، والبحث عنه، استحكم علمه فيه، أي: يسألونك عن وقت قيامها، كأنك بليغ في السؤال عنها فعلمتها، وليس كما يزعمون، وأما قوله:
فيم أنت من ذكراهآ
[النازعات:43]: فقيل: معناه: التعجب عن كثرة اهتمامه بالسؤال، أي: في أي شغل أنت من ذكراها والسؤال عنها؟ ولا يعارض ما هنا لأنه استغنى عن ذلك بتلك الآية، وبعدها نزلت هذه، والله أعلم. وقيل: " عنها ": يتعلق ب { يسألونك } ، أي: يسألونك عنها كأنك حفي بهم، أي: شفيق بهم، قيل: إن قريشا قالوا: إن بيننا وبينك قرابة، فقل لنا: متى الساعة؟ فقال له الحق تعالى: { قل إنما علمها عند الله } لا يعلمها غيره، وكرره لتكرر " يسألونك ". { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن علمها عند الله لم يؤته أحدا من خلقه. الإشارة: إذا أشرق نور اليقين في القلب صارت الأمور المستقبلة حاصلة، والغائبة حاضرة، والآجلة عاجلة، فأهل اليقين الكبير قدموا ما كان آتيا، فحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ووزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليهم، وجازوا الصراط بسلوكهم المنهاج المستقيم، ودخلوا جنة المعارف قبل حصول جنة الزخارف، فالموت في حقهم إنما هو انتقال من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، ومن دار الغرور إلى دار الهناء والسرور. وفي الحكم: " لو أشرق لك نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها، ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها ". قال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: نور اليقين تتراءىء به حقائق الأمور على ما هي عليه، فيحق به الحق، ويبطل به الباطل، والآخرة حق، والدنيا باطل، فإذا أشرق نور اليقين في قلب العبد أبصر به الآخرة التي كانت غائبة عنه حاضرة لديه، حتى كأنها لم تزل، فكانت أقرب إليه من أن يرتحل إليها، فحق بذلك حقها عنده، وأبصر الدنيا الحاضرة لديه، قد انكسف نورها وأسرع إليها الفناء والذهاب، فغابت عن نظره بعد أن كانت حاضرة، فظهر له بطلانها، حتى كأنها لم تكن، فيوجب له هذا النظر اليقيني الزهادة في الدنيا والتجافي في زهرتها، والإقبال على الآخرة، والتهيؤ لنزول حضرتها، ووجدان العبد لهذا هو علامة انشراح صدره بذلك النور.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح "
،وقيل يا رسول الله: هل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال:
" نعم. التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم . وعند ذلك تموت شهواته وتذهب دواعي نفسه، فلا تأمره بسوء، ولا تطالبه بارتكاب منهي، ولا تكون لهم همة إلا المسارعة إلى الخيرات، والمبادرة لاغتنام الساعات والأوقات، وذلك لاستشعاره حلول الأجل، وفوات صالح العمل، وإلى هذا الإشارة بحديثي حارثة ومعاذ رضي الله عنهما . روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي إذ استقبله شاب من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
" كيف أصبحت يا حارثة؟ "
قال: أصبحت مؤمنا بالله حقا، قال:
" انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة؟ "
فقال: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها، فقال:
" أبصرت فالزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه.. "
إلى آخر الحديث. وروى أنس رضي الله عنه أيضا: أن معاذ بن جبل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال له:
" كيف أصبحت يا معاذ؟ "
فقال: أصبحت بالله مؤمنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن لكل قول مصداقا، ولكل حق حقيقة، فما مصداق ما تقول؟ "
فقال: يا نبي الله، ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمسي، ولا أمسيت قط إلا ظننت إني لا أصبح، ولا خطوت خطوة قط إلا ظننت أني لا أتبعها أخرى، وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها، معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله، وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النار وثواب أهل الجنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" عرفت فالزم "
انظر بقية كلامه رضي الله عنه. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاعتراف بالتقصير عن علم الغيب، الذي اختص الله به كعلم الساعة وغيرها، فقال: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا }.
الأعراف 7:188
قلت: { وما مسني السوء }: عطف على " استكثرت " ، أي: لو علمت الغيب لاستكثرت الخير واحترست من السوء، أو استئناف، فيوقف على ما قبله، ويراد حينئذ بالسوء: الجنون، والأول أحسن لاتصاله بما قبله، و { لقوم }: يجوز أن يتعلق ببشير ونذير، أي: أبشر المؤمنين وأنذرهم، وخصهم بالبشارة والنذارة لانتفاعهم بهما، ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها، فيوقف على { نذير } ، ويكون المتعلق بنذير محذوف، أي: نذير للكافرين، والأول أحسن. قاله ابن جزي. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: أنا { لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا } أي: لا أجلب لها نفعا ولا أدفع عنها ضررا، { إلا ما شاء الله } من ذلك، فيعلمني به، ويوقفني عليه، وهو إظهار للعبودية والتبري من ادعاء العلم بالغيوب، { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء } أي: لو كنت أعلم ما يستقبلني من الأمور المغيبة كشدائد الزمان وأهواله، لاستعددت له قبل نزوله باستكثار الخير والاحتراس من الشر، حتى لا يمسني سوء، { إن أنا إلا نذير وبشير } أي: ما أنا إلا عبد مرسل بالإنذار والبشارة { لقوم يؤمنون } فإنهم المنتفعون بهما، أو نذير لمن خالفني بالعذاب الأليم، وبشير لمن تبعني بالنعيم المقيم. الإشارة: العبودية محل الجهل وسائر النقائص، والربوبية محل العلم وسائر الكمالات، فمن آداب العبد أن يعرف قدره، ولا يتعدى طوره، فإن ورد عليه شيء من الكمالات فهو وارد من الله عليه، وإن ورد عليه شيء من النقائص فهو أصله ومحله، فلا يستوحش منه، وكان شيخنا يقول: إن علمنا فمن ربنا، وإن جهلنا فمن أصلنا وفصلنا. أو كلام هذا معناه، فالاستشراف إلى الاطلاع على علم الغيوب من أكبر الفضول، وموجب للمقت من علام الغيوب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أصل النشأة، ليدل على نقص العبد وجهله، فقال: { هو الذي خلقكم من نفس واحدة }.
الأعراف 7:189
يقول الحق جل جلاله: { هو الذي خلقكم من نفس واحدة } آدم عليه السلام، { وجعل منها زوجها } أي: خلق من ضلعها زوجها حواء، سلها منه وهو نائم، { ليسكن إليها } ليستأنس بها، ويطمئن بها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه. { فلما تغشاها } أي: جامعها حين ركبت فيه الشهوة، { حملت حملا خفيفا } أي: خف عليها، ولم تلق منه ما تلقى بعض الحبالى من حملهن من الأذى والكرب، أو حملا خفيفا، يعني النطفة قبل تصورها، { فمرت به } أي: ذهبت وجاءت به، مخففة، واستمرت إلى حين ميلاده، { فلما أثقلت } أي: ثقل حملها وصارت به ثقيلة لكبره في بطنها، { دعوا الله ربهما } آدم وحواء، قائلين: { لئن آتيتنا } ولدا { صالحا } أي: سويا سالما في بدنه، تام الخلقة، { لنكونن } لك { من الشاكرين } على هذه النعمة المجددة. { فلما آتاهما } ولدا { صالحا } كما سألا، جعل أولادهما { له شركاء فيما آتاهما } ، فسموا عبد العزى وعبد مناف وعبد الدار. فالآية إخبار بالغيب في أحوال بني آدم ممن كفر منهم وأشرك، ولا يصح في آدم وحواء هذا الشرك لعصمة الأنبياء، وهذا هو الصحيح. وقد يعاتب الملك الأب على ما فعل أولاده، كما إذا خرجوا عن طاعته فيقول له: أولادك فعلوا وفعلوا، على عادة الملوك. وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة الرجل، فقال لها: وما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب، وما يدريك من أين يخرج؟ فخافت من ذلك، ثم قال لها: إن أطعتيني، وسميته عبد الحارث، فسأخلصه لك، وكان اسم إبليس في الملائكة: الحارث، وإن عطيتني قتلته، فأخبرت بذلك آدم، فقال لها: إنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة أخرى، فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة ثالثة، فسمياه عبد الحارث طمعا في حياته فقوله: { جعلا له شركاء فيما آتاهما } أي: في التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله. والقول الأول أصح، لثلاثة أوجه: أحدها: أنه يقتضي براءة آدم وحواء من الشرك، قليله وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء عليه السلام . والثاني: أن جمع الضمير في قوله: { فتعالى الله عما يشركون } ، يقتضي أن الشرك وقع من أولادهما، لا منهما. الثالث: أن هذه القصة تفتقر إلى نقل صحيح، وهو غير موجود. انظر: ابن جزي. الإشارة: قال الورتجبي: في قوله { ليسكن إليها }: لم يجد آدم عليه السلام في الجنة إلا سنا تجلى الحق، فكاد أن يضمحل بنور التجلي، لتراكمه عليه، فعلم الله سبحانه أنه لا يتحمل أثقال التجلي، وعرف أنه يذوب في نور حسنه، وكل ما في الجنة مستغرق في ذلك النور، فيزيد عليه ضوء الجبروت والملكوت، فخلق منه حواء ليسكن آدم إليها، ويستوحش بها سويعات من سطوات التجلي، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها :
" كلميني يا حميراء "
ثم قال: وقال بعضهم: خلقها ليسكن آدم إليها، فلما سكن إليها غفل عن مخاطبة الحقيقة، بسكونه إليها، فوقع فيما وقع من تناول الشجرة. ه. فكل من سكن إلى غير الله تعالى كان سكونه بلاء في حقه، يخرجه من جنة معارفه. والله تعالى أعلم. ثم رد على من أشرك من بني آدم، فقال: { أيشركون ما لا يخلق }.
الأعراف 7:190
يقول الحق جل جلاله: { هو الذي خلقكم من نفس واحدة } آدم عليه السلام، { وجعل منها زوجها } أي: خلق من ضلعها زوجها حواء، سلها منه وهو نائم، { ليسكن إليها } ليستأنس بها، ويطمئن بها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه. { فلما تغشاها } أي: جامعها حين ركبت فيه الشهوة، { حملت حملا خفيفا } أي: خف عليها، ولم تلق منه ما تلقى بعض الحبالى من حملهن من الأذى والكرب، أو حملا خفيفا، يعني النطفة قبل تصورها، { فمرت به } أي: ذهبت وجاءت به، مخففة، واستمرت إلى حين ميلاده، { فلما أثقلت } أي: ثقل حملها وصارت به ثقيلة لكبره في بطنها، { دعوا الله ربهما } آدم وحواء، قائلين: { لئن آتيتنا } ولدا { صالحا } أي: سويا سالما في بدنه، تام الخلقة، { لنكونن } لك { من الشاكرين } على هذه النعمة المجددة. { فلما آتاهما } ولدا { صالحا } كما سألا، جعل أولادهما { له شركاء فيما آتاهما } ، فسموا عبد العزى وعبد مناف وعبد الدار. فالآية إخبار بالغيب في أحوال بني آدم ممن كفر منهم وأشرك، ولا يصح في آدم وحواء هذا الشرك لعصمة الأنبياء، وهذا هو الصحيح. وقد يعاتب الملك الأب على ما فعل أولاده، كما إذا خرجوا عن طاعته فيقول له: أولادك فعلوا وفعلوا، على عادة الملوك. وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة الرجل، فقال لها: وما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب، وما يدريك من أين يخرج؟ فخافت من ذلك، ثم قال لها: إن أطعتيني، وسميته عبد الحارث، فسأخلصه لك، وكان اسم إبليس في الملائكة: الحارث، وإن عطيتني قتلته، فأخبرت بذلك آدم، فقال لها: إنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة أخرى، فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة ثالثة، فسمياه عبد الحارث طمعا في حياته فقوله: { جعلا له شركاء فيما آتاهما } أي: في التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله. والقول الأول أصح، لثلاثة أوجه: أحدها: أنه يقتضي براءة آدم وحواء من الشرك، قليله وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء عليه السلام . والثاني: أن جمع الضمير في قوله: { فتعالى الله عما يشركون } ، يقتضي أن الشرك وقع من أولادهما، لا منهما. الثالث: أن هذه القصة تفتقر إلى نقل صحيح، وهو غير موجود. انظر: ابن جزي. الإشارة: قال الورتجبي: في قوله { ليسكن إليها }: لم يجد آدم عليه السلام في الجنة إلا سنا تجلى الحق، فكاد أن يضمحل بنور التجلي، لتراكمه عليه، فعلم الله سبحانه أنه لا يتحمل أثقال التجلي، وعرف أنه يذوب في نور حسنه، وكل ما في الجنة مستغرق في ذلك النور، فيزيد عليه ضوء الجبروت والملكوت، فخلق منه حواء ليسكن آدم إليها، ويستوحش بها سويعات من سطوات التجلي، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها :
" كلميني يا حميراء "
ثم قال: وقال بعضهم: خلقها ليسكن آدم إليها، فلما سكن إليها غفل عن مخاطبة الحقيقة، بسكونه إليها، فوقع فيما وقع من تناول الشجرة. ه. فكل من سكن إلى غير الله تعالى كان سكونه بلاء في حقه، يخرجه من جنة معارفه. والله تعالى أعلم. ثم رد على من أشرك من بني آدم، فقال: { أيشركون ما لا يخلق }.
الأعراف 7:191
يقول الحق جل جلاله: { أيشركون } مع الله أصناما جامدة، لا يخلقون شيئا { وهم يخلقون } ، فهي مخلوقة غير خالقة. والله تعالى خالق غير مخلوق، { ولا يستطيعون لهم نصرا } أي: لا يقدرون أن ينصروا من عبدهم، { ولا أنفسهم ينصرون } فيدفعون عنها ما يعتريها، فهي في غاية العجز والذلة، فكيف تكون آلهة؟. { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } أي: وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا تجيبكم، فلا تهتدي إلى ما دعيت إليه لأنها جمادات، أو: وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى الحق لا تجيبكم، { سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } عن دعائهم، فالدعاء في حقهم وعدمه سواء، وإنما لم يقل: أم صمتم ليفيد الاستمرار على عدم إجابتهم: لأن الجملة الاسمية تقتضي الاستمرار. ثم قال تعالى: { إن الذين تدعون من دون الله } أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله، هم { عباد أمثالكم } من حيث أنها مسخرة مملوكة، فكيف يعبد العبد مع ربه، { فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } في أنها تستحق أن تعبد، والأمر للتعجيز لأن الأصنام لا تقدر أن تجيب فلا تستحق أن تعبد. ثم عاد عليهم بالنقض فقال: { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبشطون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها } ، ومعناه: أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة، ومن كان كذلك لا يكون إلها، فإن من وصف الإله الإدراك والحياة والقدرة. وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام لأن المشركين مقرون أن أصنامهم لا تمشي، ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تسمع، فلزمتهم الحجة، والهمزة في قوله: { ألهم }: للاستفهام مع التوبيخ، و { أم } ، في المواضع الثلاثة: تضمنت معنى الهمزة ومعنى بل، وليس عاطفة. قاله ابن جزي: { قل ادعوا شركاءكم } استعينوا بهم في عداوتي، { ثم كيدون فلا تنظرون } أي: لا تؤخرون، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي وكيدي، ومفهوم الآية: الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة. الإشارة: كل ما سوى الله قد عمه العجز والتقصير، فليس بيده نفع ولا ضر، وفي الحديث:
" لو اجتمع الإنس والجن على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قدره الله عليك "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فالخلق كلهم في قبضة القهر، مصروفون بقدرة الواحد القهار، ليس لهم أرجل يمشون بها، ولا أيد يبطشون بها، ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها، وإنما هم مجبورون في قوالب المختارين، فلا تركن إليهم أيها العبد في شيء، إذ ليس بيدهم شيء، ولا تخف منهم في شيء، إذ لا يقدرون على شيء. قال ابن جزي: وفيها أي: في الآية إشارة إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء. ثم أفصح بذلك فقال: { إن وليي الله الذي نزل الكتاب }.
الأعراف 7:192
يقول الحق جل جلاله: { أيشركون } مع الله أصناما جامدة، لا يخلقون شيئا { وهم يخلقون } ، فهي مخلوقة غير خالقة. والله تعالى خالق غير مخلوق، { ولا يستطيعون لهم نصرا } أي: لا يقدرون أن ينصروا من عبدهم، { ولا أنفسهم ينصرون } فيدفعون عنها ما يعتريها، فهي في غاية العجز والذلة، فكيف تكون آلهة؟. { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } أي: وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا تجيبكم، فلا تهتدي إلى ما دعيت إليه لأنها جمادات، أو: وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى الحق لا تجيبكم، { سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } عن دعائهم، فالدعاء في حقهم وعدمه سواء، وإنما لم يقل: أم صمتم ليفيد الاستمرار على عدم إجابتهم: لأن الجملة الاسمية تقتضي الاستمرار. ثم قال تعالى: { إن الذين تدعون من دون الله } أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله، هم { عباد أمثالكم } من حيث أنها مسخرة مملوكة، فكيف يعبد العبد مع ربه، { فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } في أنها تستحق أن تعبد، والأمر للتعجيز لأن الأصنام لا تقدر أن تجيب فلا تستحق أن تعبد. ثم عاد عليهم بالنقض فقال: { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبشطون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها } ، ومعناه: أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة، ومن كان كذلك لا يكون إلها، فإن من وصف الإله الإدراك والحياة والقدرة. وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام لأن المشركين مقرون أن أصنامهم لا تمشي، ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تسمع، فلزمتهم الحجة، والهمزة في قوله: { ألهم }: للاستفهام مع التوبيخ، و { أم } ، في المواضع الثلاثة: تضمنت معنى الهمزة ومعنى بل، وليس عاطفة. قاله ابن جزي: { قل ادعوا شركاءكم } استعينوا بهم في عداوتي، { ثم كيدون فلا تنظرون } أي: لا تؤخرون، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي وكيدي، ومفهوم الآية: الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة. الإشارة: كل ما سوى الله قد عمه العجز والتقصير، فليس بيده نفع ولا ضر، وفي الحديث:
" لو اجتمع الإنس والجن على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قدره الله عليك "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فالخلق كلهم في قبضة القهر، مصروفون بقدرة الواحد القهار، ليس لهم أرجل يمشون بها، ولا أيد يبطشون بها، ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها، وإنما هم مجبورون في قوالب المختارين، فلا تركن إليهم أيها العبد في شيء، إذ ليس بيدهم شيء، ولا تخف منهم في شيء، إذ لا يقدرون على شيء. قال ابن جزي: وفيها أي: في الآية إشارة إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء. ثم أفصح بذلك فقال: { إن وليي الله الذي نزل الكتاب }.
الأعراف 7:193
يقول الحق جل جلاله: { أيشركون } مع الله أصناما جامدة، لا يخلقون شيئا { وهم يخلقون } ، فهي مخلوقة غير خالقة. والله تعالى خالق غير مخلوق، { ولا يستطيعون لهم نصرا } أي: لا يقدرون أن ينصروا من عبدهم، { ولا أنفسهم ينصرون } فيدفعون عنها ما يعتريها، فهي في غاية العجز والذلة، فكيف تكون آلهة؟. { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } أي: وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا تجيبكم، فلا تهتدي إلى ما دعيت إليه لأنها جمادات، أو: وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى الحق لا تجيبكم، { سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } عن دعائهم، فالدعاء في حقهم وعدمه سواء، وإنما لم يقل: أم صمتم ليفيد الاستمرار على عدم إجابتهم: لأن الجملة الاسمية تقتضي الاستمرار. ثم قال تعالى: { إن الذين تدعون من دون الله } أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله، هم { عباد أمثالكم } من حيث أنها مسخرة مملوكة، فكيف يعبد العبد مع ربه، { فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } في أنها تستحق أن تعبد، والأمر للتعجيز لأن الأصنام لا تقدر أن تجيب فلا تستحق أن تعبد. ثم عاد عليهم بالنقض فقال: { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبشطون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها } ، ومعناه: أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة، ومن كان كذلك لا يكون إلها، فإن من وصف الإله الإدراك والحياة والقدرة. وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام لأن المشركين مقرون أن أصنامهم لا تمشي، ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تسمع، فلزمتهم الحجة، والهمزة في قوله: { ألهم }: للاستفهام مع التوبيخ، و { أم } ، في المواضع الثلاثة: تضمنت معنى الهمزة ومعنى بل، وليس عاطفة. قاله ابن جزي: { قل ادعوا شركاءكم } استعينوا بهم في عداوتي، { ثم كيدون فلا تنظرون } أي: لا تؤخرون، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي وكيدي، ومفهوم الآية: الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة. الإشارة: كل ما سوى الله قد عمه العجز والتقصير، فليس بيده نفع ولا ضر، وفي الحديث:
" لو اجتمع الإنس والجن على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قدره الله عليك "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فالخلق كلهم في قبضة القهر، مصروفون بقدرة الواحد القهار، ليس لهم أرجل يمشون بها، ولا أيد يبطشون بها، ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها، وإنما هم مجبورون في قوالب المختارين، فلا تركن إليهم أيها العبد في شيء، إذ ليس بيدهم شيء، ولا تخف منهم في شيء، إذ لا يقدرون على شيء. قال ابن جزي: وفيها أي: في الآية إشارة إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء. ثم أفصح بذلك فقال: { إن وليي الله الذي نزل الكتاب }.
الأعراف 7:194
يقول الحق جل جلاله: { أيشركون } مع الله أصناما جامدة، لا يخلقون شيئا { وهم يخلقون } ، فهي مخلوقة غير خالقة. والله تعالى خالق غير مخلوق، { ولا يستطيعون لهم نصرا } أي: لا يقدرون أن ينصروا من عبدهم، { ولا أنفسهم ينصرون } فيدفعون عنها ما يعتريها، فهي في غاية العجز والذلة، فكيف تكون آلهة؟. { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } أي: وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا تجيبكم، فلا تهتدي إلى ما دعيت إليه لأنها جمادات، أو: وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى الحق لا تجيبكم، { سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } عن دعائهم، فالدعاء في حقهم وعدمه سواء، وإنما لم يقل: أم صمتم ليفيد الاستمرار على عدم إجابتهم: لأن الجملة الاسمية تقتضي الاستمرار. ثم قال تعالى: { إن الذين تدعون من دون الله } أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله، هم { عباد أمثالكم } من حيث أنها مسخرة مملوكة، فكيف يعبد العبد مع ربه، { فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } في أنها تستحق أن تعبد، والأمر للتعجيز لأن الأصنام لا تقدر أن تجيب فلا تستحق أن تعبد. ثم عاد عليهم بالنقض فقال: { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبشطون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها } ، ومعناه: أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة، ومن كان كذلك لا يكون إلها، فإن من وصف الإله الإدراك والحياة والقدرة. وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام لأن المشركين مقرون أن أصنامهم لا تمشي، ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تسمع، فلزمتهم الحجة، والهمزة في قوله: { ألهم }: للاستفهام مع التوبيخ، و { أم } ، في المواضع الثلاثة: تضمنت معنى الهمزة ومعنى بل، وليس عاطفة. قاله ابن جزي: { قل ادعوا شركاءكم } استعينوا بهم في عداوتي، { ثم كيدون فلا تنظرون } أي: لا تؤخرون، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي وكيدي، ومفهوم الآية: الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة. الإشارة: كل ما سوى الله قد عمه العجز والتقصير، فليس بيده نفع ولا ضر، وفي الحديث:
" لو اجتمع الإنس والجن على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قدره الله عليك "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فالخلق كلهم في قبضة القهر، مصروفون بقدرة الواحد القهار، ليس لهم أرجل يمشون بها، ولا أيد يبطشون بها، ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها، وإنما هم مجبورون في قوالب المختارين، فلا تركن إليهم أيها العبد في شيء، إذ ليس بيدهم شيء، ولا تخف منهم في شيء، إذ لا يقدرون على شيء. قال ابن جزي: وفيها أي: في الآية إشارة إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء. ثم أفصح بذلك فقال: { إن وليي الله الذي نزل الكتاب }.
الأعراف 7:195
يقول الحق جل جلاله: { أيشركون } مع الله أصناما جامدة، لا يخلقون شيئا { وهم يخلقون } ، فهي مخلوقة غير خالقة. والله تعالى خالق غير مخلوق، { ولا يستطيعون لهم نصرا } أي: لا يقدرون أن ينصروا من عبدهم، { ولا أنفسهم ينصرون } فيدفعون عنها ما يعتريها، فهي في غاية العجز والذلة، فكيف تكون آلهة؟. { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } أي: وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا تجيبكم، فلا تهتدي إلى ما دعيت إليه لأنها جمادات، أو: وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى الحق لا تجيبكم، { سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } عن دعائهم، فالدعاء في حقهم وعدمه سواء، وإنما لم يقل: أم صمتم ليفيد الاستمرار على عدم إجابتهم: لأن الجملة الاسمية تقتضي الاستمرار. ثم قال تعالى: { إن الذين تدعون من دون الله } أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله، هم { عباد أمثالكم } من حيث أنها مسخرة مملوكة، فكيف يعبد العبد مع ربه، { فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } في أنها تستحق أن تعبد، والأمر للتعجيز لأن الأصنام لا تقدر أن تجيب فلا تستحق أن تعبد. ثم عاد عليهم بالنقض فقال: { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبشطون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها } ، ومعناه: أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة، ومن كان كذلك لا يكون إلها، فإن من وصف الإله الإدراك والحياة والقدرة. وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام لأن المشركين مقرون أن أصنامهم لا تمشي، ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تسمع، فلزمتهم الحجة، والهمزة في قوله: { ألهم }: للاستفهام مع التوبيخ، و { أم } ، في المواضع الثلاثة: تضمنت معنى الهمزة ومعنى بل، وليس عاطفة. قاله ابن جزي: { قل ادعوا شركاءكم } استعينوا بهم في عداوتي، { ثم كيدون فلا تنظرون } أي: لا تؤخرون، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي وكيدي، ومفهوم الآية: الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة. الإشارة: كل ما سوى الله قد عمه العجز والتقصير، فليس بيده نفع ولا ضر، وفي الحديث:
" لو اجتمع الإنس والجن على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قدره الله عليك "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فالخلق كلهم في قبضة القهر، مصروفون بقدرة الواحد القهار، ليس لهم أرجل يمشون بها، ولا أيد يبطشون بها، ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها، وإنما هم مجبورون في قوالب المختارين، فلا تركن إليهم أيها العبد في شيء، إذ ليس بيدهم شيء، ولا تخف منهم في شيء، إذ لا يقدرون على شيء. قال ابن جزي: وفيها أي: في الآية إشارة إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء. ثم أفصح بذلك فقال: { إن وليي الله الذي نزل الكتاب }.
الأعراف 7:196
يقول الحق جل جلاله: قل لهم أيضا يا محمد: { إن وليي الله } أي: هو ناصري وحافظني منكم، فلا تضرونني ولو حرصتم أنتم وآلهتكم، { الذي نزل الكتاب } أي: القرآن، { وهو يتولى الصالحين } أي: ومن عادته تعالى أن يتولى الصالحين من عباده فضلا عن أنبيائه، فلا أخافكم بعد أن تولى حفظي منكم. الإشارة: قال القشيري: من قام بحق الله تولى أموره على وجه الكفاية، فلا يحوجه إلى أمثاله، ولا يدع شيئا من أحواله إلا أجراه على ما يريد بحسن إفضاله، فإن لم يفعل ما يريده جعل العبد راضيا بما يفعله، فروح الرضا على الأسرار أتم من راحة العطاء على القلوب. ه. ثم قال تعالى: { والذين تدعون من دونه }.
الأعراف 7:197
يقول الحق جل جلاله: في إتمام الرد على المشركين: { والذين تدعون من دونه } أي: تعبدونها من دونه، { لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون } ، فلا تبال بهم أيها الرسول، { إن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا } ، يحتمل أن يريد الأصنام، فيكون تحقيرا لها، وردا على من عبدها فإنها جماد موات لا تسمع شيئا، أو يريد الكفار، ووصفهم بأنهم لا يسمعون، يعني: سمعا ينتفعون به، لإفراط نفورهم، أو لأن الله طبع على قلوبهم، { وتراهم } أي: الأصنام، { ينظرون إليك وهم لا يبصرون } لأنهم مصورورن بصورة من ينظر، فقوله: { وتراهم ينظرون إليك }: مجاز، { وهم لا يبصرون } حقيقة، لأن لهم صورة الأعين، وهم لا يرون بها شيئا، هذا إن جعلنا وصفا للأصنام، وإن كان وصفا للكفار فقوله: { وتراهم ينظرون إليك } حقيقة، { وهم لا يبصرون } مجاز، لأن الأبصار وقع منهم في الحس، لكن لما لم ينفعهم لعمى قلوبهم، نفاه عنهم كأنه لم يكن. قال المحشي: شاهدوا بأبصار رؤوسهم، لكنهم حجبوا عن الرؤية ببصائر أسرارهم وقلوبهم، فلم يعتد برؤيتهم. ه. الإشارة: في الآية تحويش للعبد إلى الأعتماد على الله واستنصاره به جميع أموره، فلا يركن إلى شيء سواه، ولا يخاف إلا من مولاه، إذ لا شيء مع الله. وقوله تعالى: { وتراهم ينظرون إليك... } الآية. قال المحشي: يقال: رؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم، لكن لما يحصل للقلوب من مكاشفة الغيوب، وذلك على مقدار الاحترام وحضور الإيمان. ه. يعني: أن النظر إلى الأكابر، من العارفين بالله، ليست مقصودة لرؤية أشخاصهم، وإنما هي مقصودة لفيضان أمدادهم، وذلك على قدر التعظيم والاحترام، وصدق المحبة والاحتشام، فكل واحد من الناظرين إليهم يغرف على قدر محبته وتعظيمه. روي أن بعض الملوك زار قبر أبي يزيد البسطامي، فقال: هل هنا أحد ممن أدرك الشيخ أبا يزيد البسطامي؟ فأتى بشيخ كبير، فقال: أنت أدركته، فقال: ما سمعته يقول؟ فقال: سمعته يقول: من رآني لا تأكله النار. فقال الملك: هذا لم يكن للنبي عليه الصلاة والسلام فقد رآه كثير من الكفار فدخلوا النار، فكيف يكون لغيره؟ فقال له الشيخ: يا هذا، الكفار لم يروه صلى الله عليه وسلم على أنه رسول الله، وإنما رأوه على أنه محمد بن عبد الله، فسكت. والله تعالى أعلم. ثم أمر نبيه بمكارم الأخلاق، فقال: { خذ العفو وأمر بالعرف }.
الأعراف 7:198
يقول الحق جل جلاله: في إتمام الرد على المشركين: { والذين تدعون من دونه } أي: تعبدونها من دونه، { لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون } ، فلا تبال بهم أيها الرسول، { إن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا } ، يحتمل أن يريد الأصنام، فيكون تحقيرا لها، وردا على من عبدها فإنها جماد موات لا تسمع شيئا، أو يريد الكفار، ووصفهم بأنهم لا يسمعون، يعني: سمعا ينتفعون به، لإفراط نفورهم، أو لأن الله طبع على قلوبهم، { وتراهم } أي: الأصنام، { ينظرون إليك وهم لا يبصرون } لأنهم مصورورن بصورة من ينظر، فقوله: { وتراهم ينظرون إليك }: مجاز، { وهم لا يبصرون } حقيقة، لأن لهم صورة الأعين، وهم لا يرون بها شيئا، هذا إن جعلنا وصفا للأصنام، وإن كان وصفا للكفار فقوله: { وتراهم ينظرون إليك } حقيقة، { وهم لا يبصرون } مجاز، لأن الأبصار وقع منهم في الحس، لكن لما لم ينفعهم لعمى قلوبهم، نفاه عنهم كأنه لم يكن. قال المحشي: شاهدوا بأبصار رؤوسهم، لكنهم حجبوا عن الرؤية ببصائر أسرارهم وقلوبهم، فلم يعتد برؤيتهم. ه. الإشارة: في الآية تحويش للعبد إلى الأعتماد على الله واستنصاره به جميع أموره، فلا يركن إلى شيء سواه، ولا يخاف إلا من مولاه، إذ لا شيء مع الله. وقوله تعالى: { وتراهم ينظرون إليك... } الآية. قال المحشي: يقال: رؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم، لكن لما يحصل للقلوب من مكاشفة الغيوب، وذلك على مقدار الاحترام وحضور الإيمان. ه. يعني: أن النظر إلى الأكابر، من العارفين بالله، ليست مقصودة لرؤية أشخاصهم، وإنما هي مقصودة لفيضان أمدادهم، وذلك على قدر التعظيم والاحترام، وصدق المحبة والاحتشام، فكل واحد من الناظرين إليهم يغرف على قدر محبته وتعظيمه. روي أن بعض الملوك زار قبر أبي يزيد البسطامي، فقال: هل هنا أحد ممن أدرك الشيخ أبا يزيد البسطامي؟ فأتى بشيخ كبير، فقال: أنت أدركته، فقال: ما سمعته يقول؟ فقال: سمعته يقول: من رآني لا تأكله النار. فقال الملك: هذا لم يكن للنبي عليه الصلاة والسلام فقد رآه كثير من الكفار فدخلوا النار، فكيف يكون لغيره؟ فقال له الشيخ: يا هذا، الكفار لم يروه صلى الله عليه وسلم على أنه رسول الله، وإنما رأوه على أنه محمد بن عبد الله، فسكت. والله تعالى أعلم. ثم أمر نبيه بمكارم الأخلاق، فقال: { خذ العفو وأمر بالعرف }.
الأعراف 7:199
يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم: { خذ العفو } أي: اليسر من أخلاق الناس ولا تبحث عنها، أو: خذ من الناس، في أخلاقهم وأموالهم ومعاشرتهم، ما سهل وتيسر مما لا يشق عليهم لئلا ينفروا. فهو كقول الشاعر:
خذ العفو مني تستديمي مودتي...
أو: خذ في الصدقات ما سهل على الناس من أموالهم وهو الوسط، ولا تأخذ كرائم أموالهم مما يشق عليهم، أو تمسك بالعفو عمن ظلمك ولا تعاقبه، وهذا أوفق لتفسير جبريل الآتي، { وأمر بالعرف } أي: المعروف، وهو أفعال الخير، أو العرف الجاري بين الناس. واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعرف الذي يجري بين الناس. { وأعرض عن الجاهلين } أي: لا تكافىء السفهاء على قولهم أو فعلهم، واحلم عليهم. ولما نزلت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عنها، فقال: " لا أدري حتى أسأل، فعرج، ثم رجع فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك ". وعن جعفر الصادق: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها بمكارم الأخلاق ، وهي على هذا ثابتة الحكم، وهو الصحيح. وقيل: كانت مداراة للكفار، ثم نسخت بالقتال. { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } ينخسنك منه نخس، أي: وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به كاعتراء غضب، ومقابلة سفيه، { فاستعذ بالله } والتجىء إليه { إنه سميع عليم } يسمع استعاذتك، ويعلم ما فيه صلاح أمرك، فالاستعاذة عند تحريك النفس مشروعة، وفي الحديث: أن رجلا اشتد غضبه، فقال صلى الله عليه وسلم:
" إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما به أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".
الإشارة: كل ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم تؤمر به أمته، وخصوصا ورثته من الصوفية، فهم مطالبون بالتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم أكثر من غيرهم، لأن غيرهم لم يبلغ درجتهم. وقال الورتجبي: { خذ العفو }: أي: فاعف عنهم من قلة عرفانهم حقك، { وأمر العرف } أي: تلطف عليهم في أمرك ونهيك لهم، فإنهم ضعفاء عن حمل وارد أحكام شرائعك وحقائقك، { وأعرض عن الجاهلين } الذي ليس لهم استعداد النظر إليك، ولا يعرفون حقوقك، فإن منكر معجزات أنبيائي وكرامات أوليائي لا يبلغ إلى درجة القوم. قال بعض المشايخ حين ذكر أهل الظاهر: دع هؤلاء الثقلاء. ه. فوصف علماء الظاهر بالثقلاء لثقل ظهورهم بعلم الرسوم، فلم ينهضوا إلى حقائق العلوم ودقائق الفهوم، وفي تائية ابن الفارض:
وجز مثقلا لو خف طف موكلا بمنقول أحكام ومعقول حكمه
قال شارحه: أمره بالمجاوزة عن المثقلين بأثقال العلوم الظاهرة، من الفقهاء، والمتكلمين بأحكام المنقولات، والفلاسفة الموكلين بالمعقولات والحكمة، ووصف مثقلا بأنه: لو خف طفا، أي: لأنه لو كان خفيفا بوضع الأثقال عنه كان طفيفا، لا يرى لنفسه قدرا، واللازم منتف فالملزوم مثله. ه. ثم إن البشر لا بد أن تعتريه أحكام البشرية، كالغضب وشبهه، كما بينه الحق تعالى بقوله: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف }.
الأعراف 7:200
يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم: { خذ العفو } أي: اليسر من أخلاق الناس ولا تبحث عنها، أو: خذ من الناس، في أخلاقهم وأموالهم ومعاشرتهم، ما سهل وتيسر مما لا يشق عليهم لئلا ينفروا. فهو كقول الشاعر:
خذ العفو مني تستديمي مودتي...
أو: خذ في الصدقات ما سهل على الناس من أموالهم وهو الوسط، ولا تأخذ كرائم أموالهم مما يشق عليهم، أو تمسك بالعفو عمن ظلمك ولا تعاقبه، وهذا أوفق لتفسير جبريل الآتي، { وأمر بالعرف } أي: المعروف، وهو أفعال الخير، أو العرف الجاري بين الناس. واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعرف الذي يجري بين الناس. { وأعرض عن الجاهلين } أي: لا تكافىء السفهاء على قولهم أو فعلهم، واحلم عليهم. ولما نزلت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عنها، فقال: " لا أدري حتى أسأل، فعرج، ثم رجع فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك ". وعن جعفر الصادق: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها بمكارم الأخلاق ، وهي على هذا ثابتة الحكم، وهو الصحيح. وقيل: كانت مداراة للكفار، ثم نسخت بالقتال. { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } ينخسنك منه نخس، أي: وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به كاعتراء غضب، ومقابلة سفيه، { فاستعذ بالله } والتجىء إليه { إنه سميع عليم } يسمع استعاذتك، ويعلم ما فيه صلاح أمرك، فالاستعاذة عند تحريك النفس مشروعة، وفي الحديث: أن رجلا اشتد غضبه، فقال صلى الله عليه وسلم:
" إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما به أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".
الإشارة: كل ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم تؤمر به أمته، وخصوصا ورثته من الصوفية، فهم مطالبون بالتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم أكثر من غيرهم، لأن غيرهم لم يبلغ درجتهم. وقال الورتجبي: { خذ العفو }: أي: فاعف عنهم من قلة عرفانهم حقك، { وأمر العرف } أي: تلطف عليهم في أمرك ونهيك لهم، فإنهم ضعفاء عن حمل وارد أحكام شرائعك وحقائقك، { وأعرض عن الجاهلين } الذي ليس لهم استعداد النظر إليك، ولا يعرفون حقوقك، فإن منكر معجزات أنبيائي وكرامات أوليائي لا يبلغ إلى درجة القوم. قال بعض المشايخ حين ذكر أهل الظاهر: دع هؤلاء الثقلاء. ه. فوصف علماء الظاهر بالثقلاء لثقل ظهورهم بعلم الرسوم، فلم ينهضوا إلى حقائق العلوم ودقائق الفهوم، وفي تائية ابن الفارض:
وجز مثقلا لو خف طف موكلا بمنقول أحكام ومعقول حكمه
قال شارحه: أمره بالمجاوزة عن المثقلين بأثقال العلوم الظاهرة، من الفقهاء، والمتكلمين بأحكام المنقولات، والفلاسفة الموكلين بالمعقولات والحكمة، ووصف مثقلا بأنه: لو خف طفا، أي: لأنه لو كان خفيفا بوضع الأثقال عنه كان طفيفا، لا يرى لنفسه قدرا، واللازم منتف فالملزوم مثله. ه. ثم إن البشر لا بد أن تعتريه أحكام البشرية، كالغضب وشبهه، كما بينه الحق تعالى بقوله: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف }.
الأعراف 7:201
قلت: الطيف بسكون الياء : مصدر طاف به الخيال يطيف طيفا، أو مخفف من طيف كهين ولين وميت. ومن قرأ { طائف }: فاسم فاعل، والمراد به: لمة الشيطان ووسوسته. وحذف مفعول { تذكروا } للعموم على ما يأتي في المعنى. وقوله: { فإذا هم مبصرون }: أتى بإذا الفجائية ليقتضي سرعة تيقظهم، وبالجملة الاسمية ولم يقل: تذكروا فأبصروا ليفيد أنهم كانوا على البصرى، وإنما السنة طرقتهم ثم رجعوا عنها. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين اتقوا } الشرك والمعاصي، { إذا مسهم طائف من الشيطان } أي: لمة منه، كما في الحديث:
" إن للشيطان لمة وللملك لمة... "
الخ، فإذا أخذتهم تلك السنة وغفلوا { تذكروا } عقاب الله وغضبه، أو ثواب الله وإنعامه، أو مراقبته والحياء منه، أو مننه وإحسانه، أو طرده وإبعاده، أو حجبه وإهماله، أو عدواة الشيطان وإغواءه، كل على قدر مقامه، فلما تذكروا ذلك { فإذا هم مبصرون } بسبب ذلك التذكر، أي: فإذا هم على بصيرة من ربهم التي كانوا عليها قبل المس، أو: فإذا هم مبصرون مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فيحترزون منها، ولا يعودون إليها بخلاف المنهمكين في الغفلة، كما قال تعالى: { وإخوانهم يمدونهم في الغي } أي: وإخوان الشياطين، الذين لم يتقوا، يمدونهم، أي: ينصرونهم، ويكونون مددا لهم في الضلال والغي بالتزيين والحمل عليه، { ثم لا يقصرون } لا يمسكون عن إغوائهم حتى يوردوهم النار، أو: لا يقصر الكفار عن غيهم وضلالهم حتى يهلكوا. الإشارة: البصيرة حارسة للقلب، الذي هو بيت الرب، فإذا نامت طرقها الشيطان، فإن كان نومها خفيفا أحست به وطردته، وهذه بصيرة المتقين، الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: { إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا } ، وإذا كان نومها ثقيلا سرق الشيطان ما فيها، ولم تفطن به، وهذه بصيرة الغافلين، الذين هم أخوان الشياطين. قال القشيري: إنما يمس المتقين طيف الشيطان في ساعات غفلتهم عن ذكر الله، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسهم طائف الشيطان، فإن الشيطان لا يقرب قلبا في حال شهوده الله لأنه يخنس عند ذلك، ولكل عازم فترة، ولكل عالم هفوة، ولكل عابد شدة، ولكل قاصد فترة، ولكل سائر وقفة، ولكل عارف حجبة. قال عليه الصلاة والسلام :
" الحدة تعتري خيار أمتي "
فأخبر بأن خيار الأمة، وإن جلت رتبتهم، لا يتخلصون عن حدة تعتريهم في بعض أحوالهم، فتخرجهم عن دوام الحلم. ه. وكأنه يشير إلى أن طائف الشيطان يمس الواصلين والسائرين، وهو كذلك بدليل أول الآية في قوله: { وإما ينزغنك... } الآية، ومسه للسائر أو الواصل زيادة به، وترقية له، وتحويش له إلى ربه، والله تعالى أعلم. ثم رد الله على من طلب الآيات، فقال: { وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها }.
الأعراف 7:202
قلت: الطيف بسكون الياء : مصدر طاف به الخيال يطيف طيفا، أو مخفف من طيف كهين ولين وميت. ومن قرأ { طائف }: فاسم فاعل، والمراد به: لمة الشيطان ووسوسته. وحذف مفعول { تذكروا } للعموم على ما يأتي في المعنى. وقوله: { فإذا هم مبصرون }: أتى بإذا الفجائية ليقتضي سرعة تيقظهم، وبالجملة الاسمية ولم يقل: تذكروا فأبصروا ليفيد أنهم كانوا على البصرى، وإنما السنة طرقتهم ثم رجعوا عنها. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين اتقوا } الشرك والمعاصي، { إذا مسهم طائف من الشيطان } أي: لمة منه، كما في الحديث:
" إن للشيطان لمة وللملك لمة... "
الخ، فإذا أخذتهم تلك السنة وغفلوا { تذكروا } عقاب الله وغضبه، أو ثواب الله وإنعامه، أو مراقبته والحياء منه، أو مننه وإحسانه، أو طرده وإبعاده، أو حجبه وإهماله، أو عدواة الشيطان وإغواءه، كل على قدر مقامه، فلما تذكروا ذلك { فإذا هم مبصرون } بسبب ذلك التذكر، أي: فإذا هم على بصيرة من ربهم التي كانوا عليها قبل المس، أو: فإذا هم مبصرون مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فيحترزون منها، ولا يعودون إليها بخلاف المنهمكين في الغفلة، كما قال تعالى: { وإخوانهم يمدونهم في الغي } أي: وإخوان الشياطين، الذين لم يتقوا، يمدونهم، أي: ينصرونهم، ويكونون مددا لهم في الضلال والغي بالتزيين والحمل عليه، { ثم لا يقصرون } لا يمسكون عن إغوائهم حتى يوردوهم النار، أو: لا يقصر الكفار عن غيهم وضلالهم حتى يهلكوا. الإشارة: البصيرة حارسة للقلب، الذي هو بيت الرب، فإذا نامت طرقها الشيطان، فإن كان نومها خفيفا أحست به وطردته، وهذه بصيرة المتقين، الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: { إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا } ، وإذا كان نومها ثقيلا سرق الشيطان ما فيها، ولم تفطن به، وهذه بصيرة الغافلين، الذين هم أخوان الشياطين. قال القشيري: إنما يمس المتقين طيف الشيطان في ساعات غفلتهم عن ذكر الله، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسهم طائف الشيطان، فإن الشيطان لا يقرب قلبا في حال شهوده الله لأنه يخنس عند ذلك، ولكل عازم فترة، ولكل عالم هفوة، ولكل عابد شدة، ولكل قاصد فترة، ولكل سائر وقفة، ولكل عارف حجبة. قال عليه الصلاة والسلام :
" الحدة تعتري خيار أمتي "
فأخبر بأن خيار الأمة، وإن جلت رتبتهم، لا يتخلصون عن حدة تعتريهم في بعض أحوالهم، فتخرجهم عن دوام الحلم. ه. وكأنه يشير إلى أن طائف الشيطان يمس الواصلين والسائرين، وهو كذلك بدليل أول الآية في قوله: { وإما ينزغنك... } الآية، ومسه للسائر أو الواصل زيادة به، وترقية له، وتحويش له إلى ربه، والله تعالى أعلم. ثم رد الله على من طلب الآيات، فقال: { وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها }.
الأعراف 7:203
يقول الحق جل جلاله: { وإذا لم تأتهم } أي: الكفار، { بآية } بمعجزة مما اقترحوا، أو من القرآن حين يتأخر الوحي، { قالوا لولا } هلا { اجتبيتها } أي: تخيرتها وطلبتها من ربك، أو هلا اخترعتها وتقولتها من نفسك كسائر ما تقرأ؟ { قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } فلا أطلب منه آية،
فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف:29]، أو: لا أخترع القرآن من عند نفسي، بل أتبع ما يوحى إلي من ربي. { هذا } القرآن { بصائر } للقلوب { من ربكم } ، أي: من عند ربكم، بها تبصر الحق وتدرك الصواب، { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } وإرشاد أو طمأنينة لقلوب المؤمنين. الإشارة: قد تقدم مرارا ما في طلب الآيات من ضعف اليقين، وعدم الصدق بطريق المقربين، وإنما على الأولياء أن يقولوا: { هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } بطريق المخصوصين. وبالله التوفيق. ثم أمر بالإنصات للقرآن، الذي هو أعظم الآيات، فقال: { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له }.
الأعراف 7:204
يقول الحق جل جلاله: { وإذا قرىء القرآن } ، مطلقا، { فاستمعوا له وأنصتوا } لكي تعتبروا وتتدبروا، فإنما نزل لذلك، وهل على الوجوب أو الاستحباب وهو الراجح؟ قولان: وقيل: الاستماع المأمور به لقراءة الإمام في الصلاة، وقيل: في الخطبة، والأول الراجح، لوجهين: أحدهما: عموم اللفظ، ولا دليل على تخصيصه، والثاني: أن الآية مكية، والخطبة إنما شرعت بالمدينة، وقوله تعالى: { لعلكم ترحمون } أي: بسبب ما تكتسبه القلوب من الرقة والخشية عند استماع القرآن، قال بعضهم: الرحمة أقرب شيء إلى مستمع القرآن لهذه الآية. قاله ابن جزي. الإشارة: الاستماع لكلام الحبيب أشهى للقلوب من كل حبيب، لا سيما لمن سمعه بلا واسطة، فكل واحد ينال من لذة الكلام على قدر حضوره مع المتكلم، وكل واحد ينال من لذة شهود المتكلم على قدر الحجاب عن المستمع، والله تعالى أعلم. ثم أمر بالذكر القلبي. فقال: { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة }.
الأعراف 7:205
يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن تبعه: { واذكر ربك في نفسك } أي: في قلبك بحركة لسان القلب، أو في نفسك سرا بحركة لسان الحس، { تضرعا وخيفة } أي: متضرعا وخائفا، { ودون الجهر من القول } أي: متكلما كلاما فوق السر ودون الجهر، فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص، ولا حجة فيه لمن منع الذكر جهرا لأن الآية مكية حين كان الكفر غالبا، فكانوا يسبون الذاكر والمذكور، ولما هاجر المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، جهر الصحابة بالتكبير والذكر. فالآية منسوخة. انظر: الحاوي في الفتاوى للإمام السيوطي. فقد أجاب عن الآية بأجوبة. فقوله: { بالغدو والآصال } أي: في الصباح والعشي، حين تتيقظ من نومك الشبيه بالبعث، وحين تريد النوم الشبيه بالموت، وقيل: المراد صلاة العصر والصبح، وقيل: صلاة المسلمين، قبل فرض الخمس، وقيل: للاستغراق، وإنما خص الوقتين لأنهما محل الاشتغال، فأولى غيرهما. { ولا تكن من الغافلين } عن ذكر الله. { إن الذين عند ربك } يعني ملائكة الملأ الأعلى، { لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه } ينزهونه عما لا يليق به، { وله يسجدون } أي: يخصونه بالعبادة والتذلل، لا يشركون به غيره، وهو تعريض بالكفار، وتحريض للمؤمنين على التشبه بالملأ الأعلى، ولذلك شرع السجود عند قراءتها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار ".
الإشارة: اعلم أن الذكر على خمسة أقسام: ذكر اللسان فقط لعوام المسلمين، وذكر اللسان مع القلب، لخواص الصالحين وأول المتوجهين، وذكر القلب فقط للأقوياء من السائرين، وذكر الروح لخواص أهل الفناء من الموحدين، وذكر السر لأهل الشهود والعيان من المتمكنين، وفي قطع هذه المقامات يقع السير للسائرين، فيترقى من مقام، إلى مقام، حتى يبلغ إلى ذكر السر، فيكون ذكر اللسان في حقه غفلة. وفي هذا المقام قال الواسطي رضي الله عنه: الذاكرون في حال ذكره أشد غفلة من التاركين لذكره لأن ذكره سواه. وفيه أيضا قال الغزالي: ذكر اللسان يوجب كثرة الذنوب. وقال الشاعر:
ما إن ذكرتك إلا هم يلعنني سري، وقلبي، وروحي، عند ذكراك حتى كأن رقيبا منك يهتف بي: إياك، ويحك، والتذكار إياك أما ترى الحق قد لآحت شواهده وواصل الكل من معناه معناك
وقوله تعالى: { إن الذين عند ربك }... الآية، قال القشيري: أثبت لهم عندية الكرامة، وحفظ عليهم أحكام العبودية كي لا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم وهذه سنة الله تعالى مع خواص عباده، يلقاهم بخصائص عين الجمع، ويحفظ عليهم حقائق عين الفرق، لئلا يخلوا بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة. ه.
الأعراف 7:206
يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن تبعه: { واذكر ربك في نفسك } أي: في قلبك بحركة لسان القلب، أو في نفسك سرا بحركة لسان الحس، { تضرعا وخيفة } أي: متضرعا وخائفا، { ودون الجهر من القول } أي: متكلما كلاما فوق السر ودون الجهر، فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص، ولا حجة فيه لمن منع الذكر جهرا لأن الآية مكية حين كان الكفر غالبا، فكانوا يسبون الذاكر والمذكور، ولما هاجر المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، جهر الصحابة بالتكبير والذكر. فالآية منسوخة. انظر: الحاوي في الفتاوى للإمام السيوطي. فقد أجاب عن الآية بأجوبة. فقوله: { بالغدو والآصال } أي: في الصباح والعشي، حين تتيقظ من نومك الشبيه بالبعث، وحين تريد النوم الشبيه بالموت، وقيل: المراد صلاة العصر والصبح، وقيل: صلاة المسلمين، قبل فرض الخمس، وقيل: للاستغراق، وإنما خص الوقتين لأنهما محل الاشتغال، فأولى غيرهما. { ولا تكن من الغافلين } عن ذكر الله. { إن الذين عند ربك } يعني ملائكة الملأ الأعلى، { لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه } ينزهونه عما لا يليق به، { وله يسجدون } أي: يخصونه بالعبادة والتذلل، لا يشركون به غيره، وهو تعريض بالكفار، وتحريض للمؤمنين على التشبه بالملأ الأعلى، ولذلك شرع السجود عند قراءتها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار ".
الإشارة: اعلم أن الذكر على خمسة أقسام: ذكر اللسان فقط لعوام المسلمين، وذكر اللسان مع القلب، لخواص الصالحين وأول المتوجهين، وذكر القلب فقط للأقوياء من السائرين، وذكر الروح لخواص أهل الفناء من الموحدين، وذكر السر لأهل الشهود والعيان من المتمكنين، وفي قطع هذه المقامات يقع السير للسائرين، فيترقى من مقام، إلى مقام، حتى يبلغ إلى ذكر السر، فيكون ذكر اللسان في حقه غفلة. وفي هذا المقام قال الواسطي رضي الله عنه: الذاكرون في حال ذكره أشد غفلة من التاركين لذكره لأن ذكره سواه. وفيه أيضا قال الغزالي: ذكر اللسان يوجب كثرة الذنوب. وقال الشاعر:
ما إن ذكرتك إلا هم يلعنني سري، وقلبي، وروحي، عند ذكراك حتى كأن رقيبا منك يهتف بي: إياك، ويحك، والتذكار إياك أما ترى الحق قد لآحت شواهده وواصل الكل من معناه معناك
وقوله تعالى: { إن الذين عند ربك }... الآية، قال القشيري: أثبت لهم عندية الكرامة، وحفظ عليهم أحكام العبودية كي لا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم وهذه سنة الله تعالى مع خواص عباده، يلقاهم بخصائص عين الجمع، ويحفظ عليهم حقائق عين الفرق، لئلا يخلوا بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة. ه.
الأنفال 8:1
يقول الحق جل جلاله: { يسألونك عن } قسمة { الأنفال } وهي الغنائم، سميت الغنيمة نفلا لأنها عطية من الله تعالى، وزيادة فضل، كما يسمى ما يشترط الإمام للشجاع المقتحم خطرا، نفلا لأنه عطية له زيادة على سهمه، وكما سمى يعقوب عليه السلام نافلة لأنه عطية زائدة على ولد إبراهيم عليه السلام، حيث كان حفيده، ثم أجابهم الحق تعالى فقال: { قل الأنفال لله والرسول } أي: أمرها إلى الله ورسوله، يقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يأمره الله تعالى، وفي الوضع الذي يعينه له. وسبب نزولها: اختلاف المسلمين في غنائم بدر كيف تقسم، هل في المهاجرين لفقرهم، أو في الأنصار لنصرهم، أو فيهما معا. قال ابن جزي: وذلك أنهم كانوا يوم بدر ثلاث فرق: فرقة مع النبي صلى الله عليه وسلم في العريش تحرسه وتؤنسه، وفرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس، ورأت كل فرقة أنها بالغنيمة من غيرها، اختلفوا فيما بينهم. فنزلت الآية.ه. وقيل: شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان له غناء أن ينفله، فتسارع شبابهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثم طلبوا نفلهم، وكان المال قليلا، فقال الشيخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا رداءا لكم، وفئة تنحازون إلينا، فلا تختصوا بشيء دوننا، فنزلت، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء. ولهذا قيل: لا يلزم الإمام الوفاء بما وعد، وهذا قول الشافعي رضي الله عنه. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه وأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستوهبته منه، فقال:
" ليس هذا لي، ولكن ضعه في القبض ".
فطرحته، وفي قلبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزتها إلا قليلا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم
" سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه ".
{ فاتقوا الله } في المشاجرة والاختلاف، { وأصلحوا ذات بينكم } أي أصلحوا الحال التي بينكم بالمواساة والمواددة وسلامة الصدور، ولمساعدة فيما رزقكم الله، وتسليم أمره إلى الله تعالى ورسوله، { وأطيعوا الله ورسوله } فيما يأمركم به { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي الاستماع والاتباع، أو إن كنتم كاملي الإيمان فإن كمال الإيمان يقتضي التمسك بهذه الخصال الثلاث: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان. ثم ذكر شروط كمال الإيمان، فقال: { إنما المؤمنون } الكاملون في الإيمان: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } خافت واقشعرت لذكره استعظاما له وهيبة من جلاله، وقيل: هو الرجل يهم بالمعصية فقال له اتق الله، فينزع عنها خوفا من عقابه، { وإذا تليت عليهم آياته } القرآنية { زادتهم إيمانا } أي: يقينا وطمأنينة بتظاهر الأدلة التي اشتملت عليها، أو بالعمل بموجبها.
وهو دليل على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بناء على أن العمل داخل فيه، والتحقيق: أن العمل خارج عنه، لكن نوره يتقوى به وينقص بنقصانه أو بالمعصية وسيأتي في الإشارة الكلام عليه. ومن أوصاف أهل الإيمان: التوكل على الله والاعتماد عليه، كما قال: { وعلى ربهم يتوكلون } وقد تقدم في " آل عمران " الكلام على التوكل، ثم وصفهم بإقامة الدين فقال: { الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } في الواجب والتطوع. { أولئك هم المؤمنون حقا } لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلب، من الخشية والإخلاص والتوكل، ومحاسن أعمال الجوارح التي هي العيار عليها، كالصلاة والصدقة، { لهم درجات عند ربهم } أي كرامات وعلو منزلة، أو درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم، { ومغفرة } لما فرط من ذنوبهم، { ورزق كريم } أعده لهم في الجنة، لا ينقطع مدده، ولا ينتهي أمده، بمحض الفضل والكرم. الإشارة: الانفال الحقيقة هي المواهب التي ترد على القلوب، من حضرة الغيوب من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، لا تزال تتوالى على القلوب، حتى تغيب عما سوى المحبوب، فيستغني غناء لا فقر معه أبدا، وهذه غنائم خصوص الخصوص، وغنائم الخصوص: هي القرب من الحبيب، ومراقبة الرقيب، بكمال الطاعة والجد والاجتهاد، وهذه غنائم العباد والزهاد، وغنائم عوام أهل اليمين: مغفرة الذنوب، والستر على العيوب، والنجاة من النار، ومرافقة الأبرار، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من قال عند نومه: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر الله ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر، وعدد أيام الدنيا ".
قال الشيخ زروق: وهذه هي الغنيمة الباردة، وهذه الأمور بيد الله وبواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معنى قوله { قل الأنفال لله والرسول } ثم دل على موجباتها فقال: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم... } الآية، وقوله تعالى: { زادتهم إيمانا }: اعلم أن الإيمان على ثلاثة أقسام: إيمان لا يزيد ولا ينقص وهو إيمان الملائكة، وإيمان يزيد وينقص، وهو إيمان عامة المسلمين، وإيمان يزيد ولا ينقص وهو إيمان الأنبياء والرسل، ومن كان على قدمهم من العارفين الروحانيين الراسخين في علم اليقين، ومن تعلق بهم من المريدين السائرين، بالطاعة والمعصية لتيقظهم وكمال توحيدهم، وفي الحكم: " وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول " وقال أيضا: " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " والله تعالى أعلم. ثم تكلم على الخروج إلى غزوة بدر، فقال: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق }.
الأنفال 8:2
يقول الحق جل جلاله: { يسألونك عن } قسمة { الأنفال } وهي الغنائم، سميت الغنيمة نفلا لأنها عطية من الله تعالى، وزيادة فضل، كما يسمى ما يشترط الإمام للشجاع المقتحم خطرا، نفلا لأنه عطية له زيادة على سهمه، وكما سمى يعقوب عليه السلام نافلة لأنه عطية زائدة على ولد إبراهيم عليه السلام، حيث كان حفيده، ثم أجابهم الحق تعالى فقال: { قل الأنفال لله والرسول } أي: أمرها إلى الله ورسوله، يقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يأمره الله تعالى، وفي الوضع الذي يعينه له. وسبب نزولها: اختلاف المسلمين في غنائم بدر كيف تقسم، هل في المهاجرين لفقرهم، أو في الأنصار لنصرهم، أو فيهما معا. قال ابن جزي: وذلك أنهم كانوا يوم بدر ثلاث فرق: فرقة مع النبي صلى الله عليه وسلم في العريش تحرسه وتؤنسه، وفرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس، ورأت كل فرقة أنها بالغنيمة من غيرها، اختلفوا فيما بينهم. فنزلت الآية.ه. وقيل: شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان له غناء أن ينفله، فتسارع شبابهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثم طلبوا نفلهم، وكان المال قليلا، فقال الشيخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا رداءا لكم، وفئة تنحازون إلينا، فلا تختصوا بشيء دوننا، فنزلت، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء. ولهذا قيل: لا يلزم الإمام الوفاء بما وعد، وهذا قول الشافعي رضي الله عنه. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه وأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستوهبته منه، فقال:
" ليس هذا لي، ولكن ضعه في القبض ".
فطرحته، وفي قلبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزتها إلا قليلا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم
" سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه ".
{ فاتقوا الله } في المشاجرة والاختلاف، { وأصلحوا ذات بينكم } أي أصلحوا الحال التي بينكم بالمواساة والمواددة وسلامة الصدور، ولمساعدة فيما رزقكم الله، وتسليم أمره إلى الله تعالى ورسوله، { وأطيعوا الله ورسوله } فيما يأمركم به { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي الاستماع والاتباع، أو إن كنتم كاملي الإيمان فإن كمال الإيمان يقتضي التمسك بهذه الخصال الثلاث: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان. ثم ذكر شروط كمال الإيمان، فقال: { إنما المؤمنون } الكاملون في الإيمان: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } خافت واقشعرت لذكره استعظاما له وهيبة من جلاله، وقيل: هو الرجل يهم بالمعصية فقال له اتق الله، فينزع عنها خوفا من عقابه، { وإذا تليت عليهم آياته } القرآنية { زادتهم إيمانا } أي: يقينا وطمأنينة بتظاهر الأدلة التي اشتملت عليها، أو بالعمل بموجبها.
وهو دليل على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بناء على أن العمل داخل فيه، والتحقيق: أن العمل خارج عنه، لكن نوره يتقوى به وينقص بنقصانه أو بالمعصية وسيأتي في الإشارة الكلام عليه. ومن أوصاف أهل الإيمان: التوكل على الله والاعتماد عليه، كما قال: { وعلى ربهم يتوكلون } وقد تقدم في " آل عمران " الكلام على التوكل، ثم وصفهم بإقامة الدين فقال: { الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } في الواجب والتطوع. { أولئك هم المؤمنون حقا } لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلب، من الخشية والإخلاص والتوكل، ومحاسن أعمال الجوارح التي هي العيار عليها، كالصلاة والصدقة، { لهم درجات عند ربهم } أي كرامات وعلو منزلة، أو درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم، { ومغفرة } لما فرط من ذنوبهم، { ورزق كريم } أعده لهم في الجنة، لا ينقطع مدده، ولا ينتهي أمده، بمحض الفضل والكرم. الإشارة: الانفال الحقيقة هي المواهب التي ترد على القلوب، من حضرة الغيوب من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، لا تزال تتوالى على القلوب، حتى تغيب عما سوى المحبوب، فيستغني غناء لا فقر معه أبدا، وهذه غنائم خصوص الخصوص، وغنائم الخصوص: هي القرب من الحبيب، ومراقبة الرقيب، بكمال الطاعة والجد والاجتهاد، وهذه غنائم العباد والزهاد، وغنائم عوام أهل اليمين: مغفرة الذنوب، والستر على العيوب، والنجاة من النار، ومرافقة الأبرار، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من قال عند نومه: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر الله ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر، وعدد أيام الدنيا ".
قال الشيخ زروق: وهذه هي الغنيمة الباردة، وهذه الأمور بيد الله وبواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معنى قوله { قل الأنفال لله والرسول } ثم دل على موجباتها فقال: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم... } الآية، وقوله تعالى: { زادتهم إيمانا }: اعلم أن الإيمان على ثلاثة أقسام: إيمان لا يزيد ولا ينقص وهو إيمان الملائكة، وإيمان يزيد وينقص، وهو إيمان عامة المسلمين، وإيمان يزيد ولا ينقص وهو إيمان الأنبياء والرسل، ومن كان على قدمهم من العارفين الروحانيين الراسخين في علم اليقين، ومن تعلق بهم من المريدين السائرين، بالطاعة والمعصية لتيقظهم وكمال توحيدهم، وفي الحكم: " وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول " وقال أيضا: " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " والله تعالى أعلم. ثم تكلم على الخروج إلى غزوة بدر، فقال: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق }.
الأنفال 8:3
يقول الحق جل جلاله: { يسألونك عن } قسمة { الأنفال } وهي الغنائم، سميت الغنيمة نفلا لأنها عطية من الله تعالى، وزيادة فضل، كما يسمى ما يشترط الإمام للشجاع المقتحم خطرا، نفلا لأنه عطية له زيادة على سهمه، وكما سمى يعقوب عليه السلام نافلة لأنه عطية زائدة على ولد إبراهيم عليه السلام، حيث كان حفيده، ثم أجابهم الحق تعالى فقال: { قل الأنفال لله والرسول } أي: أمرها إلى الله ورسوله، يقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يأمره الله تعالى، وفي الوضع الذي يعينه له. وسبب نزولها: اختلاف المسلمين في غنائم بدر كيف تقسم، هل في المهاجرين لفقرهم، أو في الأنصار لنصرهم، أو فيهما معا. قال ابن جزي: وذلك أنهم كانوا يوم بدر ثلاث فرق: فرقة مع النبي صلى الله عليه وسلم في العريش تحرسه وتؤنسه، وفرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس، ورأت كل فرقة أنها بالغنيمة من غيرها، اختلفوا فيما بينهم. فنزلت الآية.ه. وقيل: شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان له غناء أن ينفله، فتسارع شبابهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثم طلبوا نفلهم، وكان المال قليلا، فقال الشيخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا رداءا لكم، وفئة تنحازون إلينا، فلا تختصوا بشيء دوننا، فنزلت، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء. ولهذا قيل: لا يلزم الإمام الوفاء بما وعد، وهذا قول الشافعي رضي الله عنه. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه وأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستوهبته منه، فقال:
" ليس هذا لي، ولكن ضعه في القبض ".
فطرحته، وفي قلبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزتها إلا قليلا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم
" سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه ".
{ فاتقوا الله } في المشاجرة والاختلاف، { وأصلحوا ذات بينكم } أي أصلحوا الحال التي بينكم بالمواساة والمواددة وسلامة الصدور، ولمساعدة فيما رزقكم الله، وتسليم أمره إلى الله تعالى ورسوله، { وأطيعوا الله ورسوله } فيما يأمركم به { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي الاستماع والاتباع، أو إن كنتم كاملي الإيمان فإن كمال الإيمان يقتضي التمسك بهذه الخصال الثلاث: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان. ثم ذكر شروط كمال الإيمان، فقال: { إنما المؤمنون } الكاملون في الإيمان: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } خافت واقشعرت لذكره استعظاما له وهيبة من جلاله، وقيل: هو الرجل يهم بالمعصية فقال له اتق الله، فينزع عنها خوفا من عقابه، { وإذا تليت عليهم آياته } القرآنية { زادتهم إيمانا } أي: يقينا وطمأنينة بتظاهر الأدلة التي اشتملت عليها، أو بالعمل بموجبها.
وهو دليل على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بناء على أن العمل داخل فيه، والتحقيق: أن العمل خارج عنه، لكن نوره يتقوى به وينقص بنقصانه أو بالمعصية وسيأتي في الإشارة الكلام عليه. ومن أوصاف أهل الإيمان: التوكل على الله والاعتماد عليه، كما قال: { وعلى ربهم يتوكلون } وقد تقدم في " آل عمران " الكلام على التوكل، ثم وصفهم بإقامة الدين فقال: { الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } في الواجب والتطوع. { أولئك هم المؤمنون حقا } لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلب، من الخشية والإخلاص والتوكل، ومحاسن أعمال الجوارح التي هي العيار عليها، كالصلاة والصدقة، { لهم درجات عند ربهم } أي كرامات وعلو منزلة، أو درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم، { ومغفرة } لما فرط من ذنوبهم، { ورزق كريم } أعده لهم في الجنة، لا ينقطع مدده، ولا ينتهي أمده، بمحض الفضل والكرم. الإشارة: الانفال الحقيقة هي المواهب التي ترد على القلوب، من حضرة الغيوب من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، لا تزال تتوالى على القلوب، حتى تغيب عما سوى المحبوب، فيستغني غناء لا فقر معه أبدا، وهذه غنائم خصوص الخصوص، وغنائم الخصوص: هي القرب من الحبيب، ومراقبة الرقيب، بكمال الطاعة والجد والاجتهاد، وهذه غنائم العباد والزهاد، وغنائم عوام أهل اليمين: مغفرة الذنوب، والستر على العيوب، والنجاة من النار، ومرافقة الأبرار، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من قال عند نومه: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر الله ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر، وعدد أيام الدنيا ".
قال الشيخ زروق: وهذه هي الغنيمة الباردة، وهذه الأمور بيد الله وبواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معنى قوله { قل الأنفال لله والرسول } ثم دل على موجباتها فقال: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم... } الآية، وقوله تعالى: { زادتهم إيمانا }: اعلم أن الإيمان على ثلاثة أقسام: إيمان لا يزيد ولا ينقص وهو إيمان الملائكة، وإيمان يزيد وينقص، وهو إيمان عامة المسلمين، وإيمان يزيد ولا ينقص وهو إيمان الأنبياء والرسل، ومن كان على قدمهم من العارفين الروحانيين الراسخين في علم اليقين، ومن تعلق بهم من المريدين السائرين، بالطاعة والمعصية لتيقظهم وكمال توحيدهم، وفي الحكم: " وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول " وقال أيضا: " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " والله تعالى أعلم. ثم تكلم على الخروج إلى غزوة بدر، فقال: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق }.
الأنفال 8:4
يقول الحق جل جلاله: { يسألونك عن } قسمة { الأنفال } وهي الغنائم، سميت الغنيمة نفلا لأنها عطية من الله تعالى، وزيادة فضل، كما يسمى ما يشترط الإمام للشجاع المقتحم خطرا، نفلا لأنه عطية له زيادة على سهمه، وكما سمى يعقوب عليه السلام نافلة لأنه عطية زائدة على ولد إبراهيم عليه السلام، حيث كان حفيده، ثم أجابهم الحق تعالى فقال: { قل الأنفال لله والرسول } أي: أمرها إلى الله ورسوله، يقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يأمره الله تعالى، وفي الوضع الذي يعينه له. وسبب نزولها: اختلاف المسلمين في غنائم بدر كيف تقسم، هل في المهاجرين لفقرهم، أو في الأنصار لنصرهم، أو فيهما معا. قال ابن جزي: وذلك أنهم كانوا يوم بدر ثلاث فرق: فرقة مع النبي صلى الله عليه وسلم في العريش تحرسه وتؤنسه، وفرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس، ورأت كل فرقة أنها بالغنيمة من غيرها، اختلفوا فيما بينهم. فنزلت الآية.ه. وقيل: شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان له غناء أن ينفله، فتسارع شبابهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثم طلبوا نفلهم، وكان المال قليلا، فقال الشيخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا رداءا لكم، وفئة تنحازون إلينا، فلا تختصوا بشيء دوننا، فنزلت، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء. ولهذا قيل: لا يلزم الإمام الوفاء بما وعد، وهذا قول الشافعي رضي الله عنه. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه وأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستوهبته منه، فقال:
" ليس هذا لي، ولكن ضعه في القبض ".
فطرحته، وفي قلبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزتها إلا قليلا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم
" سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه ".
{ فاتقوا الله } في المشاجرة والاختلاف، { وأصلحوا ذات بينكم } أي أصلحوا الحال التي بينكم بالمواساة والمواددة وسلامة الصدور، ولمساعدة فيما رزقكم الله، وتسليم أمره إلى الله تعالى ورسوله، { وأطيعوا الله ورسوله } فيما يأمركم به { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يقتضي الاستماع والاتباع، أو إن كنتم كاملي الإيمان فإن كمال الإيمان يقتضي التمسك بهذه الخصال الثلاث: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان. ثم ذكر شروط كمال الإيمان، فقال: { إنما المؤمنون } الكاملون في الإيمان: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } خافت واقشعرت لذكره استعظاما له وهيبة من جلاله، وقيل: هو الرجل يهم بالمعصية فقال له اتق الله، فينزع عنها خوفا من عقابه، { وإذا تليت عليهم آياته } القرآنية { زادتهم إيمانا } أي: يقينا وطمأنينة بتظاهر الأدلة التي اشتملت عليها، أو بالعمل بموجبها.
وهو دليل على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بناء على أن العمل داخل فيه، والتحقيق: أن العمل خارج عنه، لكن نوره يتقوى به وينقص بنقصانه أو بالمعصية وسيأتي في الإشارة الكلام عليه. ومن أوصاف أهل الإيمان: التوكل على الله والاعتماد عليه، كما قال: { وعلى ربهم يتوكلون } وقد تقدم في " آل عمران " الكلام على التوكل، ثم وصفهم بإقامة الدين فقال: { الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } في الواجب والتطوع. { أولئك هم المؤمنون حقا } لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلب، من الخشية والإخلاص والتوكل، ومحاسن أعمال الجوارح التي هي العيار عليها، كالصلاة والصدقة، { لهم درجات عند ربهم } أي كرامات وعلو منزلة، أو درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم، { ومغفرة } لما فرط من ذنوبهم، { ورزق كريم } أعده لهم في الجنة، لا ينقطع مدده، ولا ينتهي أمده، بمحض الفضل والكرم. الإشارة: الانفال الحقيقة هي المواهب التي ترد على القلوب، من حضرة الغيوب من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، لا تزال تتوالى على القلوب، حتى تغيب عما سوى المحبوب، فيستغني غناء لا فقر معه أبدا، وهذه غنائم خصوص الخصوص، وغنائم الخصوص: هي القرب من الحبيب، ومراقبة الرقيب، بكمال الطاعة والجد والاجتهاد، وهذه غنائم العباد والزهاد، وغنائم عوام أهل اليمين: مغفرة الذنوب، والستر على العيوب، والنجاة من النار، ومرافقة الأبرار، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من قال عند نومه: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر الله ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر، وعدد أيام الدنيا ".
قال الشيخ زروق: وهذه هي الغنيمة الباردة، وهذه الأمور بيد الله وبواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معنى قوله { قل الأنفال لله والرسول } ثم دل على موجباتها فقال: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم... } الآية، وقوله تعالى: { زادتهم إيمانا }: اعلم أن الإيمان على ثلاثة أقسام: إيمان لا يزيد ولا ينقص وهو إيمان الملائكة، وإيمان يزيد وينقص، وهو إيمان عامة المسلمين، وإيمان يزيد ولا ينقص وهو إيمان الأنبياء والرسل، ومن كان على قدمهم من العارفين الروحانيين الراسخين في علم اليقين، ومن تعلق بهم من المريدين السائرين، بالطاعة والمعصية لتيقظهم وكمال توحيدهم، وفي الحكم: " وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول " وقال أيضا: " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " والله تعالى أعلم. ثم تكلم على الخروج إلى غزوة بدر، فقال: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق }.
الأنفال 8:5
قلت: { كما أخرجك } خبر عن مبتدأ محذوف، أي: هذه الحال، وهي عزلهم عن تولية الأنفال في كراهتهم لها، كحال إخراجك في الحرب في كراهتهم لها، أو حالهم في كراهية ما رأيت من تنفيلك للغزاة، مثل حالهم في كراهية خروجك، أو صفة لمصدر الفعل المقدر في قوله: { لله والرسول } أي: الأنفال تثبت لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، مع كراهتهم، ثباتا مثل ثبات إخراجك ربك من بيتك، يعني المدينة لأنها مسكنه أو بيته منها، وجملة: { وإن فريقا } حال من أخرجك، أي: أخرجك في حال كراهية فريق من المؤمنين. يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قد كره أصحابك قسمتك للأنفال كما كرهوا إخراجك { ربك من بيتك بالحق } لقتال العدو، والحال أن { فريقا من المؤمنين لكارهون } خروجك لذلك، وتلك الكراهية من قبل النفس وطبع البشرية، لا من قبل الإنكار في قلوبهم لأمر الله ورسوله، فإنهم راضون مستسلمون، غير أن الطبع ينزع لحظه، والعبد مأمور بمخالفته وجهاده. وذلك الفريق الذي كره خروجك للقتال { يجادلونك في الحق } أي: يخاصمونك في إيثارك الجهاد لإظهار الحق، حيث أرادوا الرجوع للمدينة، وقالوا: إنا لم نخرج لقتال، قالوا ذلك { بعد ما تبين } لهم أنهم منصرون أينما توجهوا، بإعلام الرسول لهم، لكن الطبع البشري ينزع إلى مواطن السلامة { كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } أي: يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت، وهو يشاهد أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم، إذ روي أنهم كانوا رجالة، وما كان فيهم إلا فارسان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج لقصد الجهاد، وإنما لملاقاة عير قريش، لما سمع أنها قدمت من الشام، وفيها تجارة عظيمة، ومعها أربعون راكبا، فيهم أبو سفيان، وعمرو بن العاص، ومخرفة بن نوفل، وعمروبن هشام، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعرض لها ويأخذها غنيمة، حيث أخبره جبريل بقدومها من الشام، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين، فأعجبهم تلقيها، لكثرة المال وقلة الرجال، فلما خرجوا، بلغ الخبر أبا سفيان، فسلك بالعير طريق الساحل، واستأجر من يذهب إلى مكة يستنفرها، فلما بلغهم خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعيرهم، نادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة، النجاء، النجاء على كل صعب وذلول، عيركم وأموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدا. وقد رأت، قبل ذلك بثلاث ليال، عاتكة بنت المطلب، رؤيا وهو أن رجلا تمثل على جبل قبيس فنادى: يا آل لكع، اخرجوا إلى مصارعكم، ثم تمثل على الكعبة، فنادى مثل ذلك، ثم أخذ حجرا فضرب به، فلم يبق بيت في مكة إلا دخلة شيء من ذلك الحجر، فحدثت بها العباس، وبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أما ترضى رجالهم أن يتنبؤوا حتى تتنبأ نساؤهم؟ لنتربص ثلاثا، فإن لم يظهر ما تقول لنكتبن عليكم يا بني هاشم أنكم أكذب بيت في العرب، فلما مضت ثلاث ليال جاء رسول أبي سفيان ليستنفرهم.
فخرج أبو جهل بجموع أهل مكة، ومضى بهم إلى بدر، وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يوما في السنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي ذفران، فنزل عليه جبريل بالوعد بإحدى الطائفتين: إما العير وإما قريش، فاستشار فيه أصحابه، فقال بعضهم: ما خرجنا لقتال ولا تهيأنا له، وردد عليهم وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله، عليك بالعير ودع العدو، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر وعمر فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر في أمرك، وامض، فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف رجل من الأنصار، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: امض يا رسول الله لما أمرك ربك، فإنا معك حيثما أحببت، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل:
فاذهب أنت وربك فقتلا إنا ههنا قاعدون
[المائدة: 24]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
" أشيروا علي أيها الناس "
، يريد الأنصار لأنهم كانوا عددهم، وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم برءاء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فتخوف ألا يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد بن معاذ وقال:لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال: أجل، فقال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق فأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا، وإنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فنشطه قوله، ثم قال:
" سيرواعلى بركة الله، وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ".
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأصحابه آخر مياه من مياه بدر، فبني له هناك عريش، فجلس فيه هو وأبو بكر، فلما انتشب القتال أخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه، فلم تبق عين من الكفار إلا وقع فيها شيء منها، ونزلت الملائكة في العنان، أي: السماء، فقتل منهم سبعون، وأسر سبعون، وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من غزوة بدر، قيل له: عليك بالعير، فقال العباس وقد أعطاك ما وعدك، فكره بعضهم قوله، ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منصورا فرحا مسرورا، وقد أنجزه الله ما وعده.
الإشارة: من حكمته تعالى الجارية في عبادة أن كل ما يثقل على النفوس ويشق عليها في بدايته تكون عاقبته الفتح والنصر، والهناء والسرور، فكل ما تكرهه النفوس فغايته حضرة القدوس، وما تحقق سير السائرين إلا بمحاربة نفوسهم ومخالفة عوائدهم. وفي الحديث عنه صلىالله عليه وسلم، قال لابن عباس في حديث طويل:
" وفي الصبر على ما تكره خير كثير "
والله تعالى أعلم. ثم ذكر بقية قصة بدر، فقال: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين }.
الأنفال 8:6
قلت: { كما أخرجك } خبر عن مبتدأ محذوف، أي: هذه الحال، وهي عزلهم عن تولية الأنفال في كراهتهم لها، كحال إخراجك في الحرب في كراهتهم لها، أو حالهم في كراهية ما رأيت من تنفيلك للغزاة، مثل حالهم في كراهية خروجك، أو صفة لمصدر الفعل المقدر في قوله: { لله والرسول } أي: الأنفال تثبت لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، مع كراهتهم، ثباتا مثل ثبات إخراجك ربك من بيتك، يعني المدينة لأنها مسكنه أو بيته منها، وجملة: { وإن فريقا } حال من أخرجك، أي: أخرجك في حال كراهية فريق من المؤمنين. يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قد كره أصحابك قسمتك للأنفال كما كرهوا إخراجك { ربك من بيتك بالحق } لقتال العدو، والحال أن { فريقا من المؤمنين لكارهون } خروجك لذلك، وتلك الكراهية من قبل النفس وطبع البشرية، لا من قبل الإنكار في قلوبهم لأمر الله ورسوله، فإنهم راضون مستسلمون، غير أن الطبع ينزع لحظه، والعبد مأمور بمخالفته وجهاده. وذلك الفريق الذي كره خروجك للقتال { يجادلونك في الحق } أي: يخاصمونك في إيثارك الجهاد لإظهار الحق، حيث أرادوا الرجوع للمدينة، وقالوا: إنا لم نخرج لقتال، قالوا ذلك { بعد ما تبين } لهم أنهم منصرون أينما توجهوا، بإعلام الرسول لهم، لكن الطبع البشري ينزع إلى مواطن السلامة { كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } أي: يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت، وهو يشاهد أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم، إذ روي أنهم كانوا رجالة، وما كان فيهم إلا فارسان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج لقصد الجهاد، وإنما لملاقاة عير قريش، لما سمع أنها قدمت من الشام، وفيها تجارة عظيمة، ومعها أربعون راكبا، فيهم أبو سفيان، وعمرو بن العاص، ومخرفة بن نوفل، وعمروبن هشام، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعرض لها ويأخذها غنيمة، حيث أخبره جبريل بقدومها من الشام، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين، فأعجبهم تلقيها، لكثرة المال وقلة الرجال، فلما خرجوا، بلغ الخبر أبا سفيان، فسلك بالعير طريق الساحل، واستأجر من يذهب إلى مكة يستنفرها، فلما بلغهم خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعيرهم، نادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة، النجاء، النجاء على كل صعب وذلول، عيركم وأموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدا. وقد رأت، قبل ذلك بثلاث ليال، عاتكة بنت المطلب، رؤيا وهو أن رجلا تمثل على جبل قبيس فنادى: يا آل لكع، اخرجوا إلى مصارعكم، ثم تمثل على الكعبة، فنادى مثل ذلك، ثم أخذ حجرا فضرب به، فلم يبق بيت في مكة إلا دخلة شيء من ذلك الحجر، فحدثت بها العباس، وبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أما ترضى رجالهم أن يتنبؤوا حتى تتنبأ نساؤهم؟ لنتربص ثلاثا، فإن لم يظهر ما تقول لنكتبن عليكم يا بني هاشم أنكم أكذب بيت في العرب، فلما مضت ثلاث ليال جاء رسول أبي سفيان ليستنفرهم.
فخرج أبو جهل بجموع أهل مكة، ومضى بهم إلى بدر، وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يوما في السنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي ذفران، فنزل عليه جبريل بالوعد بإحدى الطائفتين: إما العير وإما قريش، فاستشار فيه أصحابه، فقال بعضهم: ما خرجنا لقتال ولا تهيأنا له، وردد عليهم وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله، عليك بالعير ودع العدو، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر وعمر فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر في أمرك، وامض، فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف رجل من الأنصار، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: امض يا رسول الله لما أمرك ربك، فإنا معك حيثما أحببت، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل:
فاذهب أنت وربك فقتلا إنا ههنا قاعدون
[المائدة: 24]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
" أشيروا علي أيها الناس "
، يريد الأنصار لأنهم كانوا عددهم، وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم برءاء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فتخوف ألا يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد بن معاذ وقال:لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال: أجل، فقال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق فأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا، وإنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فنشطه قوله، ثم قال:
" سيرواعلى بركة الله، وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ".
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأصحابه آخر مياه من مياه بدر، فبني له هناك عريش، فجلس فيه هو وأبو بكر، فلما انتشب القتال أخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه، فلم تبق عين من الكفار إلا وقع فيها شيء منها، ونزلت الملائكة في العنان، أي: السماء، فقتل منهم سبعون، وأسر سبعون، وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من غزوة بدر، قيل له: عليك بالعير، فقال العباس وقد أعطاك ما وعدك، فكره بعضهم قوله، ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منصورا فرحا مسرورا، وقد أنجزه الله ما وعده.
الإشارة: من حكمته تعالى الجارية في عبادة أن كل ما يثقل على النفوس ويشق عليها في بدايته تكون عاقبته الفتح والنصر، والهناء والسرور، فكل ما تكرهه النفوس فغايته حضرة القدوس، وما تحقق سير السائرين إلا بمحاربة نفوسهم ومخالفة عوائدهم. وفي الحديث عنه صلىالله عليه وسلم، قال لابن عباس في حديث طويل:
" وفي الصبر على ما تكره خير كثير "
والله تعالى أعلم. ثم ذكر بقية قصة بدر، فقال: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين }.
الأنفال 8:7
قلت: { وإذ }: ظرف لاذكر، محذوفة، و { أنها لكم }: بدل اشتمال من { إحدى الطائفتين } والشوكة: الحدة، مستعارة من واحد الشوك، وسميت الحرب شوكة لحدة سلاحها. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا { إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين } قريشا أو عيرهم، وعدكم { أنها لكم وتودون } وتتمنون { أن غير ذات الشوكة } أي: ذات الحرب { تكون لكم } وهي العير، فإنها لم يكن فيها إلا أربعون رجلا، وتكرهون ملاقاة النفير لكثرة عددهم وعددهم، { ويريد الله أن يحق الحق } أي: يظهر الحق، وهو الإسلام، بقتل الكفار وهلاكهم في تلك الغزوة، { بكلماته } أي: بإظهار كلماته العليا، أو بكلماته التي أوحى بها في هذه الحال، أو بأوامره للملائكة بالأمداد، أو بنفود كلماته الصادقة بهلاكهم، { ويقطع دابر الكافرين } أي: يستأصلهم ويقطع شوكتهم. ومعنى الآية: أنكم تريدون أن تصيبوا مالا ولا تلقوا مكروها، والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق، وما يحصل لكم من فوز الدارين، وإنما فعل ما فعل من سوقكم إلى القتال { ليحق الحق ويبطل الباطل } أي: ليظهر الدين ويبطل الكفر. قال البيضاوي: وليس بتكرار لأن الأول لبيان المراد، وما بينه وبين مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول صلى الله عليه وسلم على اختيار ذات الشوكة وقصره عليها. ه. وقال ابن جزي: ليس تكرار للأول لأن الأول مفعول يريد، هذا تعليل لفعل الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالحق الأول الوعد بالنصرة، وبالحق الثاني الإسلام، فيكون المعنى: أنه نصرهم ليظهر الإسلام، ويؤيد هذا قوله: { ويبطل الباطل } أي: يبطل الكفر، { ولو كره المجرمون } ذلك، فإن الله لا بد أن يظهر دينه على الدين كله، ولو كره الكافرون. الإشارة: وعد الله المتوجهين إليه بالوصول إلى سر الخصوصية، وهي الولاية، لكن بعد المجاهدة والمحاربة للنفوس لأن الحضرة لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتدريب، وترى كثيرا من الناس يتمنون أن تكون لهم من غير حرب ولا قتال، ويريد الله أن يحق الحق بكشف الحجب عن القلوب، حتى لا يشاهدوا إلا الحق، ويبطل الباطل، وهو السوي، ولا يكون في العادة إلا بعد موت النفوس وتهذيبها وتطهيرها بالرياضة على شيخ عارف. قال الششتري مترجما عن لسان الحقيقة:
أن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله
ثم ذكر إمدادهم بالملائكة، فقال: { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم }.
الأنفال 8:8
قلت: { وإذ }: ظرف لاذكر، محذوفة، و { أنها لكم }: بدل اشتمال من { إحدى الطائفتين } والشوكة: الحدة، مستعارة من واحد الشوك، وسميت الحرب شوكة لحدة سلاحها. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكروا { إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين } قريشا أو عيرهم، وعدكم { أنها لكم وتودون } وتتمنون { أن غير ذات الشوكة } أي: ذات الحرب { تكون لكم } وهي العير، فإنها لم يكن فيها إلا أربعون رجلا، وتكرهون ملاقاة النفير لكثرة عددهم وعددهم، { ويريد الله أن يحق الحق } أي: يظهر الحق، وهو الإسلام، بقتل الكفار وهلاكهم في تلك الغزوة، { بكلماته } أي: بإظهار كلماته العليا، أو بكلماته التي أوحى بها في هذه الحال، أو بأوامره للملائكة بالأمداد، أو بنفود كلماته الصادقة بهلاكهم، { ويقطع دابر الكافرين } أي: يستأصلهم ويقطع شوكتهم. ومعنى الآية: أنكم تريدون أن تصيبوا مالا ولا تلقوا مكروها، والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق، وما يحصل لكم من فوز الدارين، وإنما فعل ما فعل من سوقكم إلى القتال { ليحق الحق ويبطل الباطل } أي: ليظهر الدين ويبطل الكفر. قال البيضاوي: وليس بتكرار لأن الأول لبيان المراد، وما بينه وبين مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول صلى الله عليه وسلم على اختيار ذات الشوكة وقصره عليها. ه. وقال ابن جزي: ليس تكرار للأول لأن الأول مفعول يريد، هذا تعليل لفعل الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالحق الأول الوعد بالنصرة، وبالحق الثاني الإسلام، فيكون المعنى: أنه نصرهم ليظهر الإسلام، ويؤيد هذا قوله: { ويبطل الباطل } أي: يبطل الكفر، { ولو كره المجرمون } ذلك، فإن الله لا بد أن يظهر دينه على الدين كله، ولو كره الكافرون. الإشارة: وعد الله المتوجهين إليه بالوصول إلى سر الخصوصية، وهي الولاية، لكن بعد المجاهدة والمحاربة للنفوس لأن الحضرة لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتدريب، وترى كثيرا من الناس يتمنون أن تكون لهم من غير حرب ولا قتال، ويريد الله أن يحق الحق بكشف الحجب عن القلوب، حتى لا يشاهدوا إلا الحق، ويبطل الباطل، وهو السوي، ولا يكون في العادة إلا بعد موت النفوس وتهذيبها وتطهيرها بالرياضة على شيخ عارف. قال الششتري مترجما عن لسان الحقيقة:
أن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله
ثم ذكر إمدادهم بالملائكة، فقال: { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم }.
الأنفال 8:9
قلت: { إذ }: بدل من { إذ يعدكم } أو متعلق بقوله: { ليحق الحق } أو باذكر. يقول الحق جلاله: واذكروا حين كنتم { تستغيثون ربكم } وتدعون بالغوث والنصر، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما علموا ألا محيص لهم عن القتال أخذوا يقولون: ربنا انصرنا على عدوك، يا غياث المستغيثين أغثنا. وعن عمر رضي الله عنه: أنه نظر إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعوه:
" اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض "
، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فقال أبو بكر، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك ".وقد تقدم أن الأنبياء وكبراء الأولياء لا يقفون مع ظاهر الوعد والوعيد لسعة دائرة علمهم، بل لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، ولعل ذلك الوعد يكون متوقفا على شروط أخفاها الحق تعالى لتظهر قهريته وانفراده بالعلم المحيط. ولما استغاثوا بالله وأظهروا الحاجة إليه أجابهم فقال: { فاستجاب لكم أني ممدكم } مقويكم ومكثركم { بألف من الملائكة مردفين } يتبع بعضهم بعضا، ويتبع المؤمين، فكانوا خلفهم ردءا لهم، فمن قرأ بفتح الدال فهو اسم مفعول، ومن قرأه بالكسر فاسم فاعل، وصح معنى القراءتين، لأن الملائكة المنزلين يتبع بعضهم بعضا، فمنهم تابعون ومتبوعون، ومن قرأ بالفتح فالمراد مردفين بالمؤمنين، فكانوا مقدمة الجيش، ومن قرأ بالكسر فالمراد مردفين للمؤمنين تابعين لهم، فكانوا ساقة للجيش. ثم ذكر حكمة الإمداد بقوله: { وما جعله الله } أي: الإمداد { إلا بشرى } أي: بشارة بالنصر، { ولتطمئن به قلوبكم } فيزول ما بها من الوجل لقلتكم، { وما النصر إلا من عند الله } لا يتوقف على سبب، { إن الله عزيز } لا يغلب { حكيم } في تدبير الأسباب وترتيبها رداء للقدرة الأزلية، فإمداد الملائكة، وكثرة العدد، والتأهب، وسائط، لا تأثير لها، فلا تحسبوا النصر منها، ولا تيأسوا منه بفقدها، فحكم الأزل جل أن يضاف إلى العلل. الإشارة: إظهار الفاقة الابتهال لا يقدح في صحة التوكل على الكبيرالمتعال، بل هو شرف للإنسان، وتقريب من الكريم المنان، بل من شأن العارف الكامل الرجوع إلى الله في كل شيء، والتعلق به في كل حال، ولو وعده بالنصر أو الإجابة، لا يقطع عنه السؤال، عبودية وتملقا بين يدي الحبيب. وقد اختلف الصوفية: أي الحالين أشرف: هل الدعاء والتضرع؟ أو السكوت والرضى تحت مجاري الأقدار؟ وقال بعضهم: يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه، صاحب رضى بقلبه، ليجمع بين الأمرين. قال القشيري: والأولى أن يقال: إن الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل، وإنما يعرف ذلك في الوقت لأن علم الوقت يحصل في الوقت، فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء منه أولى، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم. ه. وقد تقدم في آل عمران إشارة الإمداد. وبالله التوفيق. ثم ذكر تأمينهم، فقال: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه }.
الأنفال 8:10
قلت: { إذ }: بدل من { إذ يعدكم } أو متعلق بقوله: { ليحق الحق } أو باذكر. يقول الحق جلاله: واذكروا حين كنتم { تستغيثون ربكم } وتدعون بالغوث والنصر، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما علموا ألا محيص لهم عن القتال أخذوا يقولون: ربنا انصرنا على عدوك، يا غياث المستغيثين أغثنا. وعن عمر رضي الله عنه: أنه نظر إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعوه:
" اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض "
، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فقال أبو بكر، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك ".وقد تقدم أن الأنبياء وكبراء الأولياء لا يقفون مع ظاهر الوعد والوعيد لسعة دائرة علمهم، بل لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، ولعل ذلك الوعد يكون متوقفا على شروط أخفاها الحق تعالى لتظهر قهريته وانفراده بالعلم المحيط. ولما استغاثوا بالله وأظهروا الحاجة إليه أجابهم فقال: { فاستجاب لكم أني ممدكم } مقويكم ومكثركم { بألف من الملائكة مردفين } يتبع بعضهم بعضا، ويتبع المؤمين، فكانوا خلفهم ردءا لهم، فمن قرأ بفتح الدال فهو اسم مفعول، ومن قرأه بالكسر فاسم فاعل، وصح معنى القراءتين، لأن الملائكة المنزلين يتبع بعضهم بعضا، فمنهم تابعون ومتبوعون، ومن قرأ بالفتح فالمراد مردفين بالمؤمنين، فكانوا مقدمة الجيش، ومن قرأ بالكسر فالمراد مردفين للمؤمنين تابعين لهم، فكانوا ساقة للجيش. ثم ذكر حكمة الإمداد بقوله: { وما جعله الله } أي: الإمداد { إلا بشرى } أي: بشارة بالنصر، { ولتطمئن به قلوبكم } فيزول ما بها من الوجل لقلتكم، { وما النصر إلا من عند الله } لا يتوقف على سبب، { إن الله عزيز } لا يغلب { حكيم } في تدبير الأسباب وترتيبها رداء للقدرة الأزلية، فإمداد الملائكة، وكثرة العدد، والتأهب، وسائط، لا تأثير لها، فلا تحسبوا النصر منها، ولا تيأسوا منه بفقدها، فحكم الأزل جل أن يضاف إلى العلل. الإشارة: إظهار الفاقة الابتهال لا يقدح في صحة التوكل على الكبيرالمتعال، بل هو شرف للإنسان، وتقريب من الكريم المنان، بل من شأن العارف الكامل الرجوع إلى الله في كل شيء، والتعلق به في كل حال، ولو وعده بالنصر أو الإجابة، لا يقطع عنه السؤال، عبودية وتملقا بين يدي الحبيب. وقد اختلف الصوفية: أي الحالين أشرف: هل الدعاء والتضرع؟ أو السكوت والرضى تحت مجاري الأقدار؟ وقال بعضهم: يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه، صاحب رضى بقلبه، ليجمع بين الأمرين. قال القشيري: والأولى أن يقال: إن الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل، وإنما يعرف ذلك في الوقت لأن علم الوقت يحصل في الوقت، فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء منه أولى، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم. ه. وقد تقدم في آل عمران إشارة الإمداد. وبالله التوفيق. ثم ذكر تأمينهم، فقال: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه }.
الأنفال 8:11
قلت: إذا بدل ثان من إذ يعدكم، أو متعلق بالنصر، لما في عند الله من معنى الفعل، أو بإضمار اذكروا، ومن قرأ بضم الياء، فهو من أغشى، أي: غطى، ومن قرأ بالتشديد، فهو من غشي المضعف، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين، الكاف الأول والنعاس الثاني، ومن قرأ بالفتح والتخفيف، فهو من غشى يغشى المتعدي إلى واحد ووأمنة: مفعول من أجلة. يقول الحق جل جلاله: واذكروا { إذ يغشيكم } ، أي: حين كان يغشيكم { النعاس } وأنتم في القتال، حين ينزل عليكم الأمن من العدو بعد شدة الخوف، وذلك لأجل الأمن الذي نزل من الله عليكم بعد شدة خوفكم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: النعاس عند حضور القتال علامة أمن من العدو. ثم ذكرهم بمنة أخرى، فقال: { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } من الحدث والجنابة، { ويذهب عنكم رجز الشيطان } أي: وسوسته وتخويفه إياهم من العطش، روي أنهم نزلوا في كثيب رمل دهس، تسوخ فيه الأقدام على ماء قليل، وناموا فاحتلم أكثرهم، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: كيف تنصرون وأنتم تصلون محدثين مجنبين، وتزعمون أنكم أولياء الله فيكم رسوله؟ فأشفقوا، فأنزل الله المطر، فمطروا ليلا حتى جرى الوادي، فاتخذوا الحياض على عدوته، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو، حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الدهوسة، وهذا معنى قوله: { وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام } أي وليربط على قلوبكم بالوثوق على لطف وزوال ما وسوس إليهم الشيطان، وذهاب الكسل عنها. { ويثبت به الأقدام } حتى لا تسوخ في الرمل، أو بالربط على القلوب حتى تثبت في مداحض الحرب. واذكروا أيضا: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم } أي: أثبت أقدامكم حين أوحي إلى الملائكة أني معكم في نصر المؤمنين وتثبيتهم { فثبتوا الذين آمنوا } بتكثير عددهم، أو بالبشارة لهم، أو بمحاربة أعدائهم، على قول من قال: إنهم باشروا القتال. { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } والجزع حتى لا يثبتوا لقتالكم، يحتمل أن يكون من خطاب الله للملائكة، أو استئناف إخبارا للمؤمنين عما يفعله بعدوهم عاجلا وآجلا. ثم قال للملائكة أو للمؤمنين: { فاضربوا فوق الأعناق } أي: أعاليها التي هي المذابح والرؤوس، { واضربوا منهم كل بنان } أي: أصابعهم، أي: جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم. الإشارة: كان شيخ شيخنا يشير على الفقراء، إذا كثرت عليهم الخواطر والهواجس، بالنوم، ويقول من تشوش خاطره فليرقد حتى يشبع من النعاس، فإنه يجد قلبه لأن النعاس أمنة من الله يذهب به رجز الشيطان وثقله، ويربط على القلوب في الحضرة لأنه زوال، وإذا زال العبد ظهر الحق وزهق الباطل. وقوله تعالى: { وينزل عليكم من السماء ماء }: هو ماء الغيب الذي يطهر القوب من شهود السوى، ويذهب به رجز الشيطان، وهي ظلمة الأكوان، التي تنعقد في القلب من حب الهوى الذي هو من تزيين الشيطان، ويثبت به الأقدام، حتى تثبت عند مصادمة أنوار الحضرة، التي هي تجلي الذات، فلا يثبت لها إلا الشجعان والأبطال وأكابر الرجال. والله تعالى أعلم. ثم ذكر علة أمرهم بقتل الكفار، فقال: { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله }.
الأنفال 8:12
قلت: إذا بدل ثان من إذ يعدكم، أو متعلق بالنصر، لما في عند الله من معنى الفعل، أو بإضمار اذكروا، ومن قرأ بضم الياء، فهو من أغشى، أي: غطى، ومن قرأ بالتشديد، فهو من غشي المضعف، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين، الكاف الأول والنعاس الثاني، ومن قرأ بالفتح والتخفيف، فهو من غشى يغشى المتعدي إلى واحد ووأمنة: مفعول من أجلة. يقول الحق جل جلاله: واذكروا { إذ يغشيكم } ، أي: حين كان يغشيكم { النعاس } وأنتم في القتال، حين ينزل عليكم الأمن من العدو بعد شدة الخوف، وذلك لأجل الأمن الذي نزل من الله عليكم بعد شدة خوفكم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: النعاس عند حضور القتال علامة أمن من العدو. ثم ذكرهم بمنة أخرى، فقال: { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } من الحدث والجنابة، { ويذهب عنكم رجز الشيطان } أي: وسوسته وتخويفه إياهم من العطش، روي أنهم نزلوا في كثيب رمل دهس، تسوخ فيه الأقدام على ماء قليل، وناموا فاحتلم أكثرهم، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: كيف تنصرون وأنتم تصلون محدثين مجنبين، وتزعمون أنكم أولياء الله فيكم رسوله؟ فأشفقوا، فأنزل الله المطر، فمطروا ليلا حتى جرى الوادي، فاتخذوا الحياض على عدوته، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو، حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الدهوسة، وهذا معنى قوله: { وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام } أي وليربط على قلوبكم بالوثوق على لطف وزوال ما وسوس إليهم الشيطان، وذهاب الكسل عنها. { ويثبت به الأقدام } حتى لا تسوخ في الرمل، أو بالربط على القلوب حتى تثبت في مداحض الحرب. واذكروا أيضا: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم } أي: أثبت أقدامكم حين أوحي إلى الملائكة أني معكم في نصر المؤمنين وتثبيتهم { فثبتوا الذين آمنوا } بتكثير عددهم، أو بالبشارة لهم، أو بمحاربة أعدائهم، على قول من قال: إنهم باشروا القتال. { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } والجزع حتى لا يثبتوا لقتالكم، يحتمل أن يكون من خطاب الله للملائكة، أو استئناف إخبارا للمؤمنين عما يفعله بعدوهم عاجلا وآجلا. ثم قال للملائكة أو للمؤمنين: { فاضربوا فوق الأعناق } أي: أعاليها التي هي المذابح والرؤوس، { واضربوا منهم كل بنان } أي: أصابعهم، أي: جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم. الإشارة: كان شيخ شيخنا يشير على الفقراء، إذا كثرت عليهم الخواطر والهواجس، بالنوم، ويقول من تشوش خاطره فليرقد حتى يشبع من النعاس، فإنه يجد قلبه لأن النعاس أمنة من الله يذهب به رجز الشيطان وثقله، ويربط على القلوب في الحضرة لأنه زوال، وإذا زال العبد ظهر الحق وزهق الباطل. وقوله تعالى: { وينزل عليكم من السماء ماء }: هو ماء الغيب الذي يطهر القوب من شهود السوى، ويذهب به رجز الشيطان، وهي ظلمة الأكوان، التي تنعقد في القلب من حب الهوى الذي هو من تزيين الشيطان، ويثبت به الأقدام، حتى تثبت عند مصادمة أنوار الحضرة، التي هي تجلي الذات، فلا يثبت لها إلا الشجعان والأبطال وأكابر الرجال. والله تعالى أعلم. ثم ذكر علة أمرهم بقتل الكفار، فقال: { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله }.
الأنفال 8:13
قلت: ذلكم: مبتدأ حذف خبره، أي: ذلكم العقاب أو العذاب، أو خبر، أي: الأمر ذلكم، أو منصوب بمضمر يفسره فذوقوه، والكافرون: عطف على ذلكم، أو نصب على المفعول معه، وقرئ بالكسر استئنافا. يقول الحق جل جلاله: { ذاك } الضرب لأعناق الكفار، أو الأمر به { بأنهم } بسبب أنهم { شاقوا } أي: خالفوا { الله ورسوله } ، وصاروا كأنهم في شق وهو في شق مبالغة في المخالفة والمباعدة، { ومن يشاقق الله ورسوله } ويبعد عنهما { فإن الله شديد العقاب } لكم من خالفه أو خالف رسوله، وهو تقرير للتعليل، أو وعيد بما أعد الله لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا، { ذلكم } العذاب { فذوقوه } وباشروا مرارته، { وأن للكافرين عذاب النار } ، والمعنى: ذوقوا ما عجل لكم من النقمة في الدنيا مع ما يحل عليكم في الآخرة من عذاب النار، ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن الكفر سبب العذاب العاجل والآجل. الإشارة: مخالفة الله ورسوله توجب الطرد والبعاد، وموافقة الله ورسوله توجب القربة والوداد، وهذا الموافقة التي توجب للعبد المحبة والوداد تحصل بخمسة أشياء: امتثال أمره، واجتناب نهيه، والإكثار من ذكره، الاستسلام لقهره، والاقتداء بنبيه صلىالله عليه وسلم والتأدب بآدابه، والتخلق بأخلاقه، وبأضداد هذه الأشياء يحصل للعبد المخالفة التي توجب طرده وبعده، وهي مخالفة أمره، وارتكاب نهيه، والغفلة عن ذكره، والتسخط عند نزول قهره، وعدم الاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم بارتكاب البدع المحرمة والمكروهة، حتى يفضى به الحال إلى المشاققة والمباعدة، { ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } بالله التوفيق. ثم نهى عن الفرار في الحرب، فقال: { يآأيها الذين آمنوا إذا لقيتم }.
الأنفال 8:14
قلت: ذلكم: مبتدأ حذف خبره، أي: ذلكم العقاب أو العذاب، أو خبر، أي: الأمر ذلكم، أو منصوب بمضمر يفسره فذوقوه، والكافرون: عطف على ذلكم، أو نصب على المفعول معه، وقرئ بالكسر استئنافا. يقول الحق جل جلاله: { ذاك } الضرب لأعناق الكفار، أو الأمر به { بأنهم } بسبب أنهم { شاقوا } أي: خالفوا { الله ورسوله } ، وصاروا كأنهم في شق وهو في شق مبالغة في المخالفة والمباعدة، { ومن يشاقق الله ورسوله } ويبعد عنهما { فإن الله شديد العقاب } لكم من خالفه أو خالف رسوله، وهو تقرير للتعليل، أو وعيد بما أعد الله لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا، { ذلكم } العذاب { فذوقوه } وباشروا مرارته، { وأن للكافرين عذاب النار } ، والمعنى: ذوقوا ما عجل لكم من النقمة في الدنيا مع ما يحل عليكم في الآخرة من عذاب النار، ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن الكفر سبب العذاب العاجل والآجل. الإشارة: مخالفة الله ورسوله توجب الطرد والبعاد، وموافقة الله ورسوله توجب القربة والوداد، وهذا الموافقة التي توجب للعبد المحبة والوداد تحصل بخمسة أشياء: امتثال أمره، واجتناب نهيه، والإكثار من ذكره، الاستسلام لقهره، والاقتداء بنبيه صلىالله عليه وسلم والتأدب بآدابه، والتخلق بأخلاقه، وبأضداد هذه الأشياء يحصل للعبد المخالفة التي توجب طرده وبعده، وهي مخالفة أمره، وارتكاب نهيه، والغفلة عن ذكره، والتسخط عند نزول قهره، وعدم الاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم بارتكاب البدع المحرمة والمكروهة، حتى يفضى به الحال إلى المشاققة والمباعدة، { ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } بالله التوفيق. ثم نهى عن الفرار في الحرب، فقال: { يآأيها الذين آمنوا إذا لقيتم }.
الأنفال 8:15
قلت: زحفا: مصدر، وزحف الصبي إذا دب على مقعده قليلا قليلا، سمى به الجيش المقابل للقتال لأنه يندفع للقتال شيئا فشيئا، ونصبه على الحال من فاعل " لقيتم " أو " من الذين كفروا " ومتحرفا ومتحيزا: حالان، وإلا ملغاة، ووزن متحيز: متفيعل، لا متفعل، وإلا كان متحوزا لأنه من حاز يحوز. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا } زاحفين لهم، تدبون إليهم ويدبون إليكم، تريدون قتالهم متوجهين إليهم، { فلا تولوهم الأدبار } بالانهزام عنهم، فإنه حرام، وهو من الكبائر، ويفيد بألا يكون الكفار أكثر من ثلثي المسلمين، فإن زادوا على ثلثي المسلمين حل الفرار، وأن يكون المسلمون مسلحين، وإلا جاز الفرار ممن هو بالسلاح دونه، { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال } ، وهو أن يكر راجعا أمام العدو ليرى عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهو من مكائد الحرب، { أو متحيزا إلى فئة } أي: منحازا إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم، فإن كانت الجماعة حاضرة في الحرب، أو قريبة فالتحيز إليها جائز باتفاق، واختلف في التحيز إلى المدينة، والإمام والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضرا. ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أنا فئة لكل مسلم. وروي عن ابن عمر: أنه كان في سرية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففروا إلى المدينة، فقلت: يا رسول الله، نحن الفرارون، فقال:
" أنتم الكرارون، وأنا فئتكم ".
فمن فر من الجهاد بالشرط المتقدم { فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير } ، ومن هذا يفهم أنه من الكبائر. قال البيضاوي: وهذا إذا لم يزد العدو على الضعف لقوله
الئن خفف الله عنكم...
[الأنفال: 66] الآية، وقيل: الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرون معه في الحرب. ه. الإشارة: يقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه بالمجاهدة والمكابدة: إذا لقيتم أعداءكم من القواطع كالحظوظ، والشهوات، وسائر العلائق، فاثبتوا حتى تظفروا، ولا ترجعوا وتولوهم الأدبار فيظفروا بكم، إلا متحرفا لقتال بإيثار بعض الرخص، ليقوى على ما هو أشد منها مشقة عليها، أو متحيزا إلى جماعة من أكابر العارفين، فإنهم يغنونه بالمشاهدة عن المجاهدة، إذا ملكهم زمام نفسه، وفعل كل ما يشيرون به عليه، فإن ذلك يفضي به إلى الراحة بعد التعب، والمشاهدة بعد المجاهدة، إذا لا تجتمع المجاهدة في الظاهر مع مشاهدة الباطن عند أهل الذوق. قال القشيري بعد كلامه على الآية: فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خدمهم من نعمهم، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هممهم يجبرون كسرهم وينوبون عنهم، ويساعدونهم بحسن إرشادهم، ومن أهمل مريدا وهو يعرف صدقه، أو خالف شيخا وهو يعرف فضله، وحقه، فقد باء من الله بسخط، والله تعالى حسيبه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه. ه. ثم عزلهم عن الحول والقوة، فقال: { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم }.
الأنفال 8:16
قلت: زحفا: مصدر، وزحف الصبي إذا دب على مقعده قليلا قليلا، سمى به الجيش المقابل للقتال لأنه يندفع للقتال شيئا فشيئا، ونصبه على الحال من فاعل " لقيتم " أو " من الذين كفروا " ومتحرفا ومتحيزا: حالان، وإلا ملغاة، ووزن متحيز: متفيعل، لا متفعل، وإلا كان متحوزا لأنه من حاز يحوز. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا } زاحفين لهم، تدبون إليهم ويدبون إليكم، تريدون قتالهم متوجهين إليهم، { فلا تولوهم الأدبار } بالانهزام عنهم، فإنه حرام، وهو من الكبائر، ويفيد بألا يكون الكفار أكثر من ثلثي المسلمين، فإن زادوا على ثلثي المسلمين حل الفرار، وأن يكون المسلمون مسلحين، وإلا جاز الفرار ممن هو بالسلاح دونه، { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال } ، وهو أن يكر راجعا أمام العدو ليرى عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهو من مكائد الحرب، { أو متحيزا إلى فئة } أي: منحازا إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم، فإن كانت الجماعة حاضرة في الحرب، أو قريبة فالتحيز إليها جائز باتفاق، واختلف في التحيز إلى المدينة، والإمام والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضرا. ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أنا فئة لكل مسلم. وروي عن ابن عمر: أنه كان في سرية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففروا إلى المدينة، فقلت: يا رسول الله، نحن الفرارون، فقال:
" أنتم الكرارون، وأنا فئتكم ".
فمن فر من الجهاد بالشرط المتقدم { فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير } ، ومن هذا يفهم أنه من الكبائر. قال البيضاوي: وهذا إذا لم يزد العدو على الضعف لقوله
الئن خفف الله عنكم...
[الأنفال: 66] الآية، وقيل: الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرون معه في الحرب. ه. الإشارة: يقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه بالمجاهدة والمكابدة: إذا لقيتم أعداءكم من القواطع كالحظوظ، والشهوات، وسائر العلائق، فاثبتوا حتى تظفروا، ولا ترجعوا وتولوهم الأدبار فيظفروا بكم، إلا متحرفا لقتال بإيثار بعض الرخص، ليقوى على ما هو أشد منها مشقة عليها، أو متحيزا إلى جماعة من أكابر العارفين، فإنهم يغنونه بالمشاهدة عن المجاهدة، إذا ملكهم زمام نفسه، وفعل كل ما يشيرون به عليه، فإن ذلك يفضي به إلى الراحة بعد التعب، والمشاهدة بعد المجاهدة، إذا لا تجتمع المجاهدة في الظاهر مع مشاهدة الباطن عند أهل الذوق. قال القشيري بعد كلامه على الآية: فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خدمهم من نعمهم، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هممهم يجبرون كسرهم وينوبون عنهم، ويساعدونهم بحسن إرشادهم، ومن أهمل مريدا وهو يعرف صدقه، أو خالف شيخا وهو يعرف فضله، وحقه، فقد باء من الله بسخط، والله تعالى حسيبه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه. ه. ثم عزلهم عن الحول والقوة، فقال: { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم }.
الأنفال 8:17
يقول الحق جل جلاله: فلم تقتلوا الكفار بحولكم وقوتكم وذلتكم، وقلة عدتكم وعددكم، وكثرة عدوكم وعدتهم، { ولكن الله قتلهم } بواسطة مباشرتكم، حيث أيدكم وسلطكم عليهم، وإمداد الملائكة لكم، وإلقاء الرعب في قلوب عدوكم. قال البيضاوي: روي أنه لما أطلت قريش من العقنقل اسم جبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها، يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني "
، فأتاه جبريل، وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعأن تناول كفا من الحصباء فرمى بها في وجوههم، وقال: " شاهت الوجوه " فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا. وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر، فيقول الرجل: قتلت وأسرت، فنزلت الآية، وإلغاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، { وما رميت } يا محمد رميا توصلها إلى أعينهم. ولم تقدر عليه { إذ رميت } أي: حين ألقيت صورة الرمي، { ولكن الله رمى } ، أتى بما هو غاية الرمي، فأوصلها إلى أعينهم جميعا، حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم. ه. فالرمي، حقيقة، إنما وقع من الله تعالى، وإن ظهر حسا من النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما فعل ذلك ليقطع طرفا من الكفار، ويحد شوكتهم، { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } أي: ليختبر المؤمنين منه اختبارا حسنا، ليظهر شكرهم على هذه النعمة، أو لينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات، { إن الله سميع } لاستغاثتهم ودعائهم، { عليم } بنياتهم وأحوالهم. { ذلكم } أي: البلاء الحسن، أو القتل، أو الرمي، واقع لا محالة، أو الأمر ذلكم، { وأن الله موهن كيد الكافرين } أي: مضعف كيد الكافرين، ومبطل حيلهم، أي: المقصود بذلك القتل أو الرمي إبلاء المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله للمريدين المتوجهين لحضرة محبوبهم: فلم تقتلوا نفوسكم بمجاهدتكم إذ لا طاقة لكم عليها، ولكن الله قتلها بالنصر والتأييد، حتى حييت بمعرفته، ويقول الشيخ: وما رميت القلوب بمحبتي ومعرفتي، ولكن الله رمى تلك القلوب بشيء من ذلك، وإنما أنت واسطة وسبب من الأسباب العادية، لا تأثير لك في شيء من ذلك. حكي أن الحلاج، لما كان محبوسا للقتل، سأله الشبلي عن المحبة، فقال: الغيبة عما سوى المحبوب، ثم قال: يا شبلي، ألست تقرأ كتاب الله؟ فقال الشبلي: بلى، فقال: قد قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ، يا شبلي إذ رمى الله قلب عبده بحبة من حبه، نادى عليه مدى الأزمان بلسان العتاب. ه. والمقصود بذلك: تخصيص أوليائه المقربين بالمحبة والمعرفة والتمكين، وتوهين كيد الغافلين المنكرين لخصوصية المقربين. والله تعالى أعلم. ولما أرادت قريش الخروج إلى غزوة بدر، تعلقوا بأستار الكعبة، وطلبوا الفتح، وقالوا: اللهم أنصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله: { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح }.
الأنفال 8:18
يقول الحق جل جلاله: فلم تقتلوا الكفار بحولكم وقوتكم وذلتكم، وقلة عدتكم وعددكم، وكثرة عدوكم وعدتهم، { ولكن الله قتلهم } بواسطة مباشرتكم، حيث أيدكم وسلطكم عليهم، وإمداد الملائكة لكم، وإلقاء الرعب في قلوب عدوكم. قال البيضاوي: روي أنه لما أطلت قريش من العقنقل اسم جبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها، يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني "
، فأتاه جبريل، وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعأن تناول كفا من الحصباء فرمى بها في وجوههم، وقال: " شاهت الوجوه " فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا. وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر، فيقول الرجل: قتلت وأسرت، فنزلت الآية، وإلغاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، { وما رميت } يا محمد رميا توصلها إلى أعينهم. ولم تقدر عليه { إذ رميت } أي: حين ألقيت صورة الرمي، { ولكن الله رمى } ، أتى بما هو غاية الرمي، فأوصلها إلى أعينهم جميعا، حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم. ه. فالرمي، حقيقة، إنما وقع من الله تعالى، وإن ظهر حسا من النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما فعل ذلك ليقطع طرفا من الكفار، ويحد شوكتهم، { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } أي: ليختبر المؤمنين منه اختبارا حسنا، ليظهر شكرهم على هذه النعمة، أو لينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات، { إن الله سميع } لاستغاثتهم ودعائهم، { عليم } بنياتهم وأحوالهم. { ذلكم } أي: البلاء الحسن، أو القتل، أو الرمي، واقع لا محالة، أو الأمر ذلكم، { وأن الله موهن كيد الكافرين } أي: مضعف كيد الكافرين، ومبطل حيلهم، أي: المقصود بذلك القتل أو الرمي إبلاء المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله للمريدين المتوجهين لحضرة محبوبهم: فلم تقتلوا نفوسكم بمجاهدتكم إذ لا طاقة لكم عليها، ولكن الله قتلها بالنصر والتأييد، حتى حييت بمعرفته، ويقول الشيخ: وما رميت القلوب بمحبتي ومعرفتي، ولكن الله رمى تلك القلوب بشيء من ذلك، وإنما أنت واسطة وسبب من الأسباب العادية، لا تأثير لك في شيء من ذلك. حكي أن الحلاج، لما كان محبوسا للقتل، سأله الشبلي عن المحبة، فقال: الغيبة عما سوى المحبوب، ثم قال: يا شبلي، ألست تقرأ كتاب الله؟ فقال الشبلي: بلى، فقال: قد قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ، يا شبلي إذ رمى الله قلب عبده بحبة من حبه، نادى عليه مدى الأزمان بلسان العتاب. ه. والمقصود بذلك: تخصيص أوليائه المقربين بالمحبة والمعرفة والتمكين، وتوهين كيد الغافلين المنكرين لخصوصية المقربين. والله تعالى أعلم. ولما أرادت قريش الخروج إلى غزوة بدر، تعلقوا بأستار الكعبة، وطلبوا الفتح، وقالوا: اللهم أنصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله: { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح }.
الأنفال 8:19
يقول الحق جل جلاله لكفار مكة على جهة التهكم: { إن تستفتحوا } أي: تطلبواالفتح، أي: الحكم على أهدى الفئتين وأعلى الجندين وأكرم الحزبين { فقد جاءكم } الحكم كما طلبتم، فقد نصر الله أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه، { وإن تنتهوا } عن الكفر ومعاداة الرسول، { فهو خير لكم } لتضمنه سلامة الدارين وخير المنزلين، { وإن تعودوا } لمحاربته { نعد } لنصره، { ولن تغني } تدفع { عنكم فئتكم } جماعتكم { شيئا } من المضار { ولو كثرت } فئتكم، إذ العبرة بالنصرة لا بالكثره، { وإن الله مع المؤمنين } بالنصر والمعونة. ومن قرأ بالفتح فعلى حذف الجار، أي: ولأن الله مع المؤمنين، وقيل: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن التكاسل في القتال، والرغبة عما يختاره الرسول، فهو خير لكم، وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار، أو تهييج العدو، ولن تغني، حينئذ عنكم كثرتكم إذ لم يكن الله معكم بالنصر، فإنه مع الكاملين في إيمانهم. قال البيضاوي. الإشارة: إن تستفتحوا أيها المتوجهون، أي تطلبوا الفتح من الله في معرفته، فقد جاءكم الفتح، حيث صح توجهكم وتركتم حظوظكم وعلائقكم، لأن البدايات مجلاة النهايات، من وجد ثمرة عمله عاجلا فهو علامة القبول آجلا، وإن تنتهوا عن حظوظكم وعوائقكم فهو خير لكم، وبه يقرب فتحكم، وإن تعودوا إليها نعد إليكم بالتأديب والإبعاد، ولن تغني عنكم جماعتكم شيئا في دفع التأديب، أو البعد ولو كثرت، وأن الله مع المؤمنين الكاملين في الإيمان بالنصر والرعاية. ثم أمر بالسمع والطاعة، فقال: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله }.
الأنفال 8:20
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه، { ورسوله } فيما ندبكم إليه من الجهاد وغيره، { ولا تولوا } أي: تعرضوا عن الرسول { وأنتم تسمعون } القرآن يأمركم بالتمسك به، والاقتداء بهديه. والمراد بالآية: النهي عن الإعراض عن الرسول. وذكر طاعة الله إما هو للتوطئة والتنبيه على أن طاعة الله في طاعة الرسول، لقوله:
من يطع الرسول فقد أطاع الله
[النساء: 80]، ثم أكد النهي بقوله: { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا } بآذاننا، كالكفرة والمنافقين، ادعوا السماع، { وهم لا يسمعون } سماعا ينتفعون به، فكأنهم لا يسمعون رأسا. الإشارة: لما غاب عليه الصلاة والسلام بقي خلفاؤه في الظاهر والباطن وهم العلماء الأتقياء، والعارفون الأصفياء. فمن تمسك بهم، واستمع لقولهم، فقد تمسك بالرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عنه صلى الله عليه وسلم، فمن تمسك بما جاءت به العلماء، فاز بالشريعة المحمدية، وكان من الناجين الفائزين. ومن تمسك بالأولياء العارفين، واستمع لهم، وتبع إرشادهم، فاز بالحقيقة الربانية، وكان من المقربين. ومن سمع منهم الوعظ والتذكير، ثم صرفه عن نفسه إلى غيره، يصدق عليه القوله تعالى { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } وكان من شر الدواب التي أشار أليها تعالى بقوله: { إن شر الدواب عند الله الصم البكم }.
الأنفال 8:21
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه، { ورسوله } فيما ندبكم إليه من الجهاد وغيره، { ولا تولوا } أي: تعرضوا عن الرسول { وأنتم تسمعون } القرآن يأمركم بالتمسك به، والاقتداء بهديه. والمراد بالآية: النهي عن الإعراض عن الرسول. وذكر طاعة الله إما هو للتوطئة والتنبيه على أن طاعة الله في طاعة الرسول، لقوله:
من يطع الرسول فقد أطاع الله
[النساء: 80]، ثم أكد النهي بقوله: { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا } بآذاننا، كالكفرة والمنافقين، ادعوا السماع، { وهم لا يسمعون } سماعا ينتفعون به، فكأنهم لا يسمعون رأسا. الإشارة: لما غاب عليه الصلاة والسلام بقي خلفاؤه في الظاهر والباطن وهم العلماء الأتقياء، والعارفون الأصفياء. فمن تمسك بهم، واستمع لقولهم، فقد تمسك بالرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عنه صلى الله عليه وسلم، فمن تمسك بما جاءت به العلماء، فاز بالشريعة المحمدية، وكان من الناجين الفائزين. ومن تمسك بالأولياء العارفين، واستمع لهم، وتبع إرشادهم، فاز بالحقيقة الربانية، وكان من المقربين. ومن سمع منهم الوعظ والتذكير، ثم صرفه عن نفسه إلى غيره، يصدق عليه القوله تعالى { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } وكان من شر الدواب التي أشار أليها تعالى بقوله: { إن شر الدواب عند الله الصم البكم }.
الأنفال 8:22
يقول الحق جل جلاله: { إن شر الدواب عند الله } وهو كل من يدب على وجه الأرض، { الصم } عن سماع الحق، { البكم } عن النطق به، { الذين لا يعقلون } الحق ولا يعرفونه، عدهم من البهائم ثم جعلهم شرها لإبطالهم ما ميزوا به وفضلوا لأجله، وهو استعمال العقل فيما ينفعهم من التفكر والاعتبار. قال ابن قتيبة: نزلت هذه الآية في بني عبد الدار، فإنهم جدوا في القتال مع المشركين، يعني يوم بدر، وحكمها عام. { ولو علم الله فيهم خيرا } سعادة كتبت لهم، أو انتفاعا بالآيات، { لأسمعهم } سماع تفهم، { ولو أسمعهم } ، مع كونه قد علم الأخير فيهم، { لتولوا } عنه، ولم ينتفعوا به، وارتدوا بعد التصديق والقبول، { وهم معرضون } عنه لعنادهم، وقيل: إنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحيي لهم قصي بن كلاب، ويشهد له بالرسالة، حتى يسمعوا منه ذلك، فأنزل الله: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } كلامه بعد إحيائه، { ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } ، لسبق الشقاوة في حقهم. الإشارة: اعلم أن الأمر الذي شرف به الآدمي وفضل غيره هو معرفة خالقه، واستعمال العقل فيما يقربه إليه، وسماع الوعظ الذي يزجره عن غيه، فإذا فقد هذا كان كالبهائم أو أضل، ولله در ابن البنا، حيث يقول في مباحثه:
واعلم أن عصبة الجهال بهائم في صور الرجال
واعلم أيضا أن بعض القلوب لا تقبل علم الحقائق، فأشغلها بعلم الشرائع، ولو علم فيها خيرا لأسمعها تلك الأسرار، ولو أسمعها، مع علمه بعدم قبولها، لتولت عنها وأعرضت لضيق صدرها وعدم التفرغ لها. ثم دل على ما فيه حاية القلوب، فقال: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول }.
الأنفال 8:23
يقول الحق جل جلاله: { إن شر الدواب عند الله } وهو كل من يدب على وجه الأرض، { الصم } عن سماع الحق، { البكم } عن النطق به، { الذين لا يعقلون } الحق ولا يعرفونه، عدهم من البهائم ثم جعلهم شرها لإبطالهم ما ميزوا به وفضلوا لأجله، وهو استعمال العقل فيما ينفعهم من التفكر والاعتبار. قال ابن قتيبة: نزلت هذه الآية في بني عبد الدار، فإنهم جدوا في القتال مع المشركين، يعني يوم بدر، وحكمها عام. { ولو علم الله فيهم خيرا } سعادة كتبت لهم، أو انتفاعا بالآيات، { لأسمعهم } سماع تفهم، { ولو أسمعهم } ، مع كونه قد علم الأخير فيهم، { لتولوا } عنه، ولم ينتفعوا به، وارتدوا بعد التصديق والقبول، { وهم معرضون } عنه لعنادهم، وقيل: إنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحيي لهم قصي بن كلاب، ويشهد له بالرسالة، حتى يسمعوا منه ذلك، فأنزل الله: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } كلامه بعد إحيائه، { ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } ، لسبق الشقاوة في حقهم. الإشارة: اعلم أن الأمر الذي شرف به الآدمي وفضل غيره هو معرفة خالقه، واستعمال العقل فيما يقربه إليه، وسماع الوعظ الذي يزجره عن غيه، فإذا فقد هذا كان كالبهائم أو أضل، ولله در ابن البنا، حيث يقول في مباحثه:
واعلم أن عصبة الجهال بهائم في صور الرجال
واعلم أيضا أن بعض القلوب لا تقبل علم الحقائق، فأشغلها بعلم الشرائع، ولو علم فيها خيرا لأسمعها تلك الأسرار، ولو أسمعها، مع علمه بعدم قبولها، لتولت عنها وأعرضت لضيق صدرها وعدم التفرغ لها. ثم دل على ما فيه حاية القلوب، فقال: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول }.
الأنفال 8:24
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله } أي: أجيبوا فيما دعاكم إليه، { وللرسول } فيما دلكم عليه من الطاعة والإحسان، { إذا دعاكم لما يحييكم } من العلوم الدينية فإنها حياة القلب، كما أن الجهل موته، أو { إذا دعاكم لما يحييكم } الحياة الأبدية، في النعيم الدائم، من العقائد والأعمال، أو من الجهاد، فإنه سبب بقائكم إذ تركتموه لغلبكم العدو وقتلكم، أو الشهادة، لقوله تعالى:
أحياء عند ربهم يرزقون
[آل عمران: 169]، ووحد الضمير في قوله: { إذا دعاكم } باعتبار ما ذكر، أو لأن دعوة الله تسمع من الرسول. وفي البخاري: أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا أبي بن كعب، وهو في الصلاة، فلم يجب، فلما فرغ أجاب، فقال له صلى الله عليه وسلم:
" ما منعك أن تجيبني "
فقال: كنت أصلي، فقال:
" ألم تسمع قوله: { استجيتوا لله وللرسول } "
فاختلف فيه العلماء، فقيل لأن إجابته صلى الله عليه وسلم لا تقطع الصلاة، فيجيب، ويبقى على صلاته، وقيل: إن دعاءه كان لأمر لا يقبل التأخير، وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله، كإنقاذ أعمى وشبهه. ثم قال تعالى: { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } فينقله من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن اليقين إلى الشك ومن الشك إلى اليقين، ومن الصفاء إلى الكدر، ومن الكدر إلى الصفاء. وقيل البيضاوي: هو تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله تعالى:
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
[ق: 16]، وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب، مما عسى أن يغفل عنها صاحبها، أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها، قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه فيفسخ عزائمه، ويغير مقاصده، ويحول بينه وبين الكفر، إن أراد سعادته، وبينه وبين الإيمان، إن قضى شقاوته. ه. { و } اعلموا أيضا { أنه إليه تحشرون } فيجازيكم بأعمالكم وعقائدكم. الإشارة: قد جعل الله، من فضله ورحمته، في كل زمان وعصر، دعاة يدعون الناس إلى ما تحيا به قلوبهم، حتى تصلح لدخول حضرة محبوبهم، فهم خلفاء عن الله ورسوله، فمن استجاب لهم وصحبهم حيي قلبه، وتطهر سره ولبه، ومن تنكب عنهم ماتت روحه في أودية الخواطر والأوهام.
وقوله تعالى: { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } حيلولة الحق تعالى بين المرء وهو تغطيته وحجبه عن شهود أسرار ذاته وأنوار صفاته، بالوقوف مع الحس، وشهود الفرق بلا جمع، ويعبر عنه أهل الفن بفقد القلب، فإذا قال أحدهم: فقدت قلبي، فمعناه: أنه رجع لشهود حسه ووجود نفسه، ووجدان القلب هو احتضاره بشهود معاني أسرار الذات وأنوار الصفات، فيغيب عن نفسه وحسه، وعن سائر الأكوان الحسية، وفقدان القلب يكون بسبب سوء الأدب، وقد يكون بلا سبب اختبارا من الحق تعالى، هل يفزع إليه في فقدان أو يبقى مع حاله.
وقد تكلم الغزالي على القلب فقال، في أول شرح عجائب القلب من الإحياء: إن المطيع بالحقيقة لله هو القلب، وهو العالم بالله، وهو الساعي إلى الله، والمتقرب إليه، المكاشف بما عند الله ولديه، وإنما الجوارح أتباع، والقلب هو المقبول عند الله، إذا سلم من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقا في غير الله وهو المطالب والمخاطب، وهو المعاتب والمعاقب، وهو الذي يسعد بالقرب من الله، فيفلح إذا زكاه، ويخيب ويشقى إذا دنسه ودساه. ثم قال: وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه، وإذا جهله فقد جهل نفسه، وإذا جهل نفسه، جهل ربه، ومن جهل قلبه فهو لغيره أجهل، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وقد حيل بينهم وبين أنفسهم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته، ومعرفة صفاته، وكيفية تقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، إلى أعلى عليين، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين، ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه، ويترصد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه، فهو ممن قال الله تعالى فيهم:
نسوا الله فأنساهم أنفسهم
[الحشر: 19] الآية.ه. وقد أنشد من وجد قلبه، وعرف ربه، وغنى بما وجد، فقال:
أنا القرآن والسبع المثاني وروح الروح لا روح الأواني فؤادي عند معلوم مقيم تناجيه وعندكم لساني فلا ننظر بطرفك نحو جسمي وعد عن التنعيم الأواني فأسراري تراءت مبهمات مسترة بأنوار المعاني فمن فهم الإشارة فليصنها وإلا سوف يقتل بالسنان كحلاج المحبة إذ تبدت له شمس الحقيقة بالتداني
ومن أسباب تشتت القلب وفقده دخول الفتنة عليه، الذي أشار أليه بقوله: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا }.
الأنفال 8:25
قلت: دخلت النون في لا تصيبن لأنه في معنى النهي، على حد قوله:
لا يحطمنكم سليمان
[النمل: 18] انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { واتقوا فتنة } ، إن نزلت { لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ، بل تعم الظالم وغيره، ثم يبعث الناس على نيتهم، وذلك كإقرار المنكر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، واقتراف الكبائر، وظهور البدع، والتكاسل في الجهاد، وعن الفرائض، وغير ذلك من أنواع الذنوب، وفي الحديث:
" لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر،أو ليعمنكم الله بعذابه "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة رضي الله عنها: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:
" نعم، إذا كثر الخبث ".
قال القشيري. في معنى الآية: احذروا أن ترتكبوا زلة توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها، بل يعم شؤمها من تعاطاها ومن لم يتعاطاها. وغير المجرم لا يؤخذ بجرم من أذنب، ولكن قد ينفرد واحد بجرم فيحمل أقوام من المختصين بفاعل هذا الجرم، كأن يتعصبوا له إذا أخذ بحكم ذلك الجرم، فبعد ألا يكونوا ظالمين يصيرون ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم فتكون فتنة لا تختص بمن كان ظالما في الحا ل، بل تصيب أيضا ظالما في المستقبل بسبب تعصبه لهذا الظالم، ورضاه به. ه. وسيأتي تمامه في الإشارة. وحكى الطبري أنها نزلت في علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وطلحة والزبير، وأن الفتنة ما جرى لهم يوم الجمل.ه. قال تعالى { واعلموا أن الله شديد العقاب } لمن ارتكب معاصيه وتسبب في فتنة غيره. الإشارة: في القشيري، لما تكلم على تفسير الظاهر، قال: وأما من جهة الإشارة فإن العبد إذا باشر زلة بنفسه عادت إلى القلب منها الفتنة، وهي العقوبة المعجلة، ونصيب النفس من الفتنة العقوبة، والقلب إذا حصلت منه فتنة، وهو همه بما لا يجوز، تعدت فتنته إلى السر وهي الحجبة. وكذلك المقدم في شأنه، إذا فعل ما لا يجوز، انقطعت البركات التي كانت تتعدى منه إلى متبعيه وتلامذته، فكان انقطاع تلك البركات عنهم نصيبهم من الفتنة، وهم لم يعملوا ذنبا، ويقال: إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر أصابتهم فتنة بتركهم الإنكار عليهم فيما فعلوا من الإجرام. ثم قال: ويقال: إن الزاهد إذا انحط إلى رخصة الشرع في اخذ الزيادة من الدنيا بما فوق الكفاية وإن كانت من وجه حلال تعدت فتنته إلى من يتخرج على يديه من المبتدئين، فيحمله على ما رأى منه على الرغبة في الدنيا، وترك التقلل، فيؤديه إلى الانهماك في أودية الغفلة في الأشغال الدنيوية، والعابد إذا جنح إلى سوء ترك الأوراد تعدى ذلك إلى ما كان ينشط في المجاهدة به، ويتوطن الكسل، ثم يحمله الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات فيصير كما قيل:
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسده
فهذا يكون نصيبهم من الفتنة، والعارف إذا رجع إلى ما فيه حظ له، نظر إليه المريد فتتداخله فتنة فترة فيما هو به من الصدق المنازلة، فيكون ذلك نصيبه من فتنة العارف. وبالجملة: إذا غفل الملك، وتشاغل عن سياسة رعيته، تعطل الجند والرعية، وعظم فيهم الخلل والبلية، وفي معناه أنشدوا:
رعاتك ضيعوا بالجهل منهم غنيمات فساستها ذئاب
انتهى كلامه رضي الله عنه. ثم ذكرهم، فقال: { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض }.
الأنفال 8:26
يقول الحق جل جلاله: { واذكروا إذ أنتم قليل } أي اذكروا هذه النعمة، حيث كنتم بمكة وأنتم قليل عددكم مع كثرة عدوكم، { مستضعفون في الأرض } أي: أرض مكة، يستضعفكم قريش ويعذبونكم ويضيقون عليكم، { تخافون أن يتخطفكم الناس } أي: قريش، أو من عداهم، { فآواكم } إلى المدينة، وجعلها لكم مأوى تتحصنون بها من أعدائكم، { وأيدكم } أي: قواكم { بنصره } على الكفار، أو بمظاهرة الأنصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر، { ورزقكم من الطيبات } من الغنائم، { لعلكم تشكرون } هذه النعم. والخطاب للمهاجرين، وقيل: للعرب كافة فإنهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والروم، يخافون أن يتخطفهم الناس من كثرة الفتن، فكان القوي يأكل الضعيف منهم، فآواهم الله إلى الإسلام، فحصل بينهم الأمن والأمان، وأيدهم بنصره، حيث نصرهم على جميع الأديان، وأعزهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ورزقهم من الطيبات، حيث فتح عليهم البلاد، وملكوا ملك فارس والروم، فملكوا ديارهم وأموالهم، ونكحوا نساءهم وبناتهم، لعلهم يشكرون. الإشارة: التذكير بهذه النعمة يتوجه إلى خصوص هذه الأمة، وهم الفقراء المتوجهون إلى الله، فهم قليل في كل زمان، مستضعفون في كل أوان، حتى إذا تمكنوا وتهذبوا، وطهروا من البقايا من عليهم بالنصر والعز والتأييد، كما وعدهم بقوله:
ونريد أن نمن على الذين فى الأرض...
[القصص:5] الآية، والغالب عليهم شكر هذه النعم، لما خصهم به من كمال المعرفة. والله تعالى أعلم. ثم نهاهنم عن الخيانة، فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول }.
الأنفال 8:27
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله } بتضييع أوامره، وارتكاب نواهيه، { والرسول } بمخالفة أمره وترك سنته، أو بالغلول في الغنائم، أو بأن تبطنوا خلاف ما تظهرون. قيل: نزلت في أبي لبابة في قصة بني قريظة. روي أنه صلى الله عليه وسلم حاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير، على أن يصيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من الشام، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل لنا أبا لبابة، وكان مناصحا لهم لأن عياله وماله في أيديهم، فبعثه إليهم، فقالوا: ما ترى؟ هل ننزل على حكم سعد؟ فأشار إلى حلقه، أنه الذبح، فقال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، فنزل وشد نفسه إلى سارية في المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت، أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه فقيل له تيب عليك فحل نفسك، فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله، فقال صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله، فقال: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال صلى الله عليه وسلم:
" يجزيك الثلث أن تتصدق به ".
ثم قال تعالى: { وتخونوا أماناتكم } فيما بينكم، أو فيما أسر الرسول إليكم من السر فتفشوه، { وأنتم تعلمون } أن الخيانة ليست من شأن الكرام، بل هي من شأن اللئام، كما قال الشاعر:
لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة فالسر عند خيار الناس مكتوم
أو: وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح. { واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } لأنه سبب الوقوع في الإثم والعقاب، أو محنة من الله ليبلوكم فيهم، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة، كما فعل أبو لبابة. { وأن الله عنده أجر عظيم } لمن آثر رضا الله ومحبته عليهم، وراعى حدود الله فيهم، فعلقوا هممكم بما يؤديكم إلى أجره العظيم، ورضاه العميم، حتى تفوزوا بالخير الجسيم. الإشارة: خيانة الله ورسوله تكون بإظهار الموافقة وإبطان المخالفة، بحيث يكون ظاهره حسن وباطنه قبيح، وهذا من أقبح الخيانة، وينخرط فيه إبطان الاعتراض على المشايخ وإظهار الوفاق، فمن فعل ذلك فسيف الشريعة فوق رأسه، إذا كان سالكا غير مجذوب، لأن من أفشى سر الملك استحق القتل، وكان خائنا، ومن كان خائنا لا يؤمن على السر، فهو حقيق أن ينزع منه، إن لم يقتل أو يتب، ولله در القائل:
سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي ولا أنثر الدر النفيس على البهم فإن قدر الله الكريم بلطفه ولا أهلا للعلوم وللحكم بذلت علومي واستنفدت علومهم وإلا فمخزون لدي ومكتتم
ثم دلهم على ما فيه دواء القلوب ومحو العيوب، فقال: { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا }.
الأنفال 8:28
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله } بتضييع أوامره، وارتكاب نواهيه، { والرسول } بمخالفة أمره وترك سنته، أو بالغلول في الغنائم، أو بأن تبطنوا خلاف ما تظهرون. قيل: نزلت في أبي لبابة في قصة بني قريظة. روي أنه صلى الله عليه وسلم حاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير، على أن يصيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من الشام، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل لنا أبا لبابة، وكان مناصحا لهم لأن عياله وماله في أيديهم، فبعثه إليهم، فقالوا: ما ترى؟ هل ننزل على حكم سعد؟ فأشار إلى حلقه، أنه الذبح، فقال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، فنزل وشد نفسه إلى سارية في المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت، أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه فقيل له تيب عليك فحل نفسك، فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله، فقال صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله، فقال: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال صلى الله عليه وسلم:
" يجزيك الثلث أن تتصدق به ".
ثم قال تعالى: { وتخونوا أماناتكم } فيما بينكم، أو فيما أسر الرسول إليكم من السر فتفشوه، { وأنتم تعلمون } أن الخيانة ليست من شأن الكرام، بل هي من شأن اللئام، كما قال الشاعر:
لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة فالسر عند خيار الناس مكتوم
أو: وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح. { واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } لأنه سبب الوقوع في الإثم والعقاب، أو محنة من الله ليبلوكم فيهم، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة، كما فعل أبو لبابة. { وأن الله عنده أجر عظيم } لمن آثر رضا الله ومحبته عليهم، وراعى حدود الله فيهم، فعلقوا هممكم بما يؤديكم إلى أجره العظيم، ورضاه العميم، حتى تفوزوا بالخير الجسيم. الإشارة: خيانة الله ورسوله تكون بإظهار الموافقة وإبطان المخالفة، بحيث يكون ظاهره حسن وباطنه قبيح، وهذا من أقبح الخيانة، وينخرط فيه إبطان الاعتراض على المشايخ وإظهار الوفاق، فمن فعل ذلك فسيف الشريعة فوق رأسه، إذا كان سالكا غير مجذوب، لأن من أفشى سر الملك استحق القتل، وكان خائنا، ومن كان خائنا لا يؤمن على السر، فهو حقيق أن ينزع منه، إن لم يقتل أو يتب، ولله در القائل:
سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي ولا أنثر الدر النفيس على البهم فإن قدر الله الكريم بلطفه ولا أهلا للعلوم وللحكم بذلت علومي واستنفدت علومهم وإلا فمخزون لدي ومكتتم
ثم دلهم على ما فيه دواء القلوب ومحو العيوب، فقال: { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا }.
الأنفال 8:29
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله } ، كما أمركم، { يجعل لكم فرقانا } نورا في قلوبكم، تفرقون به بين الحق والباطل، والحسن والقبيح. قال ابن جزي: وذلك دليل على أن التقوى تنور القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة. ه. أو: نصرا يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين، أو مخرجا من الشبهات، أو نجاة مما تحذرون في الدارين من المكروهات، أو ظهورا يشهر أمركم ويثبت صيتكم، من قولهم: سطع فرقان الصبح، أي نوره، { ويكفر عنكم سيئاتكم } أي: يسترها، فلا يفضحكم يوم القيامة، { ويغفر لكم } يتجاوز عن مساوئكم، أو يكفر صغائركم ويغفر كبائركم، أو يكفر ما تقدم ويغفر ما تأخر، { والله ذوالفضل العظيم } ، ففضله أعظم من كل ذنب، وفيه تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه وإحسان، لا أن تقواهم أو جبت ذلك عليه، كالسيد إذا ما وعده عبده أن يعطيه شيئا في مقابلة عمل امره به، مع أنه واجب عليه لا محيد له عنه. والله تعالى أعلم. الإشارة: الفرقان الذي يلقيه الله في قلوب المتقين من المتوجهين هو نور الواردات الإلهية، التي ترد على القلوب من حضرة الغيوب، وهي ثلاثة أقسام: وارد الانتباه: وهو نور يفرق به بين الغفلة واليقظة، وبين البطالة والنهوض إلى الطاعة، فيترك غفلته وهواه، وينهض إلى مولاه، ووارد الإقبال: وهو نور يفرق به بين الوقوف مع ظلمة الحجاب وبين السير إلى شهود الأحباب، ووارد الوصال: وهو نور يفرق به بين ظلمة الأكوان، ونور الشهود، أو بين ظلمة سحاب الأثر وشهود شمس العرفان. وإلى هذه الواردات الثلاثة أشار في الحكم بقوله: " إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا، أورد عليك الوارد ليسلمك من يد الأغيار، ويحررك من رق الآثار، أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك ". ثم ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم بما فعل معه من الحفظ والرعاية من أعدائه اللئام، فقال: { وإذ يمكر بك الذين كفروا }.
الأنفال 8:30
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر، يا محمد، نعمة الله عليك بحفظه ورعايته لك { إذ يمكر بك الذين كفروا } من قريش، حين اجتمعوا في دار الندوة { ليثبتوك } أي: يحبسوك في الوثاق والسجن { أو يقتلوك } بسيوفهم، { أو يخرجوك } من مكة. وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار ومبايعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، خافوا على أنفسهم، واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ، وقال: أنا من نجد، سمعت اجتماعكم فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأيا ونصحا، فقال أبو البحتري: أرى أن تحبسوه في بيت، وتسدوا منافذه، غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه فيها، حتى يموت، فقال الشيخ: بئس الرأي، يأتيكم من يقاتلكم من قومه، ويخلصه من أيديكم. فقال هشام بن عمرو: أرى أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم، فلا يضركم ما صنع، فقال الشيخ: بئس الرأي، يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم. فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما، وتعطوه سيفا، فتضربوه ضربة واحدة، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإن طلبوا العقل عقلناه. فقال الشيخ: صدق هذا الفتى، فتفرقوا على رأيه، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، وأمره بالهجرة فبيت عليا رضي الله عنه على مضجعه، وخرج مع أبي بكر إلى الغار، ثم سافر مهاجرا إلى المدينة. قال تعالى: { ويمكرون ويمكر الله } برد مكرهم عليهم، أو مجازاتهم عليه، أو بمعاملة الماكرين معهم، بأن أخرجهم إلى بدر، وقلل المسلمين في أعينهم، حتى تجرأوا على قتالهم، فقتلوا وأسروا، { والله خير الماكرين } إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره، وإسناد أمثال هذا مما يحسن للمزاوجة، ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم. قاله البيضاوي. الإشارة: وإذ يمكر بك أيها القلب الذين كفروا، وهم القواطع من العلائق والحظوظ والشهوات، ليحبسوك في سجن الأكوان، مسجونا بمحيطاتك، محصورا في هيكل ذاتك، أو يقتلوك بالغفلة والجهل وتوارد الخواطر والأوهام، أو يخرجوك من حضرة ربك إلى شهود نفسك، أو من صحبة العارفين إلى مخالطة الغافلين، أو من حصن طاعته إلى محل الهلاك من موطن معصيته، أو من دائرة الإسلام إلى الزيغ والإلحاد، عائذا بالله من المحن، والله خير الماكرين، فيرد كيد الماكرين، وينصر أولياءه المتوجهين والواصلين، وبالله التوفيق. ثم ذكر مساوئ أهل المكر، فقال: { وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا }.
الأنفال 8:31
قلت: " إذا ": ظرفية شرطية، خافضة لشرطها، معمولة لجوابها، أي قالوا وقت تلاوة الآيات: لو نشاء... لخ. يقول الحق جل جلاله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا } القرآنية { قالوا قد سمعنا } ما تتلوه علينا { لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين } أي: اخبارهم المسطورة أو أكاذيبهم المختلقة. قال البيضاوي وهذا قول النضر بن الحارث، وإسناده إلى الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنه كان قاصهم، أي: يقص عليهم أخبار فارس والروم، فإذا سمع القرآن يقص أخبار الأنبياء قال: لو شئت لقلت مثل هذا، أو قول الذين ائتمروا في شأنه: وهذا غاية مكائدهم، وفرط عنادهم، إذ لو استطاعوا ذلك لسارعوا إليه، فما منعهم أن يشاؤوا وقد تحداهم وقرعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم يعارضوا، مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا، خصوصا في باب البيان؟ ه. بالمعنى. الإشارة: هذه المقالة بقيت سنة في أهل الإنكار على أهل الخصوصية، إذا سمعوا منهم علوما لدنية، أو أسرارا ربانية، أو حكما قدسية، قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا، وهم لا يقدرون على كلمة واحدة من تلك الأسرار، وهذا الغالب على المعاصرين لأهل الخصوصية، دون من تأخر عنهم، فإنهم مغرورون عنده
ولن تجد لسنت الله تحويلا
[فاطر: 43]. ثم ذكر استعجالهم للعذاب عنادا وعتوا، فقال: { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق }.
الأنفال 8:32
قلت: " الحق ": خبر كان. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قالوا اللهم إن كان هذا } الذي أتى به محمد { هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } كأصحاب لوط، { أو ائتنا بعذاب أليم } ، قيل: القائل هذا هو النضر بن الحارث، وهو أبلغ في الجحود. روي أنه لما قال: { إن هذا أساطير الأولين } ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
" ويلك إنه كلام الله "
فقال هذه المقالة. والذي في صحيحي البخاري ومسلم: أن القائل هو أبو جهل، وقيل: سائر قريش لما كذبوا الني صلى الله عليه وسلم دعوا على أنفسهم، زيادة في تكذيبهم وعتوهم. وقال الزمخشري: ليس بدعاء، وإنما هو جحود، أي: إن كان هو الحق فأمطر علينا، لكنه ليس بحق فلا نستوجب عقابا. بالمعنى. الإشارة: قد وقعت هذه المقالة لبعض المنكرين على الأولياء، فعجلت عقوبته، ولعل ذلك الولي لم تتسع دائرة حلمه ومعرفته، وإلا لكان على قدم نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تعالى في شأنه: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم }.
الأنفال 8:33
يقول الحق جل جلاله: { وما كان الله ليعذبهم وأنت } موجود { فيهم } ، ونازل بين أظهرهم، وقد جعلتلك رحمة للعالمين، خصوصا عشيرتك الأقربين، { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } قيل: كانوا يقولون: غفرانك اللهم، فلما تركوه عذبوا يوم بدر، وقيل: وفيهم من يستغفر، وهو من بقي فيهم من المؤمنين، فلما هاجروا كلهم عذبوا، وقيل: على الفرض والتقدير، أي: ما كان الله ليعذبهم لو آمنوا واستغفروا. قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب: النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم ذهب الأمان الواحد وبقي الآخر، والمقصود من الآية: بيان ما كان الموجب لإمهاله لهم والتوقف على إجابة دعائهم، وهو وجوده صلى الله عليه وسلم أو من يستغفر فيهم. ثم قال تعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله } أي: وأي شيء يمنع من عذابهم؟ وكيف لا يعذبون { وهم يصدون } الناس { عن المسجد الحرام }؟ أي: يمنعون المتقين من المسجد الحرام، ويصدون رسوله عن الوصول إليه. { وما كانوا أولياءه } المستحقين لولايته مع شركهم وكفرهم، وهو رد لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت الحرام فنصد من نشاء وندخل من نشاء. قال تعالى: { إن أولياؤه إلا المتقون } أي: ما المستحقون لولايته إلا المتقون، الذين يتقون الشرك والمعاصي ولا يعبدون فيه إلا الله، ويعظمونه، حق تعظيمه. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن لا ولاية لهم عليه، وإنما الولاية لأهل الإيمان، وكأنه نبه بالأكثر على أن منهم من يعلم ذلك ويعاند أو أراد به الكل، كما يراد بالقلة العدم. قاله البيضاوي. الإشارة: قد جعل الله رسوله صلى الله عليه وسلم أمانا لأمته ما دام حيا، فلما مات صلى الله عليه وسلم بقيت سنته أمانا لأمته، فإذا أميتت سنته أتاهم ما يوعدون من البلاء والفتن، وكذلك خواص خلفائه، وهم العارفون الكبار، فوجودهم أمان للناس. فقد قالوا: إن الإقليم الذي يكون فيه القطب لا يصيبه قحط ولا بلاء، ولا هرج ولا فتن لأنه أمان لذلك الإقليم، خلافة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر تلاعبهم بالذين، فقال: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية }.
الأنفال 8:34
يقول الحق جل جلاله: { وما كان الله ليعذبهم وأنت } موجود { فيهم } ، ونازل بين أظهرهم، وقد جعلتلك رحمة للعالمين، خصوصا عشيرتك الأقربين، { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } قيل: كانوا يقولون: غفرانك اللهم، فلما تركوه عذبوا يوم بدر، وقيل: وفيهم من يستغفر، وهو من بقي فيهم من المؤمنين، فلما هاجروا كلهم عذبوا، وقيل: على الفرض والتقدير، أي: ما كان الله ليعذبهم لو آمنوا واستغفروا. قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب: النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم ذهب الأمان الواحد وبقي الآخر، والمقصود من الآية: بيان ما كان الموجب لإمهاله لهم والتوقف على إجابة دعائهم، وهو وجوده صلى الله عليه وسلم أو من يستغفر فيهم. ثم قال تعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله } أي: وأي شيء يمنع من عذابهم؟ وكيف لا يعذبون { وهم يصدون } الناس { عن المسجد الحرام }؟ أي: يمنعون المتقين من المسجد الحرام، ويصدون رسوله عن الوصول إليه. { وما كانوا أولياءه } المستحقين لولايته مع شركهم وكفرهم، وهو رد لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت الحرام فنصد من نشاء وندخل من نشاء. قال تعالى: { إن أولياؤه إلا المتقون } أي: ما المستحقون لولايته إلا المتقون، الذين يتقون الشرك والمعاصي ولا يعبدون فيه إلا الله، ويعظمونه، حق تعظيمه. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن لا ولاية لهم عليه، وإنما الولاية لأهل الإيمان، وكأنه نبه بالأكثر على أن منهم من يعلم ذلك ويعاند أو أراد به الكل، كما يراد بالقلة العدم. قاله البيضاوي. الإشارة: قد جعل الله رسوله صلى الله عليه وسلم أمانا لأمته ما دام حيا، فلما مات صلى الله عليه وسلم بقيت سنته أمانا لأمته، فإذا أميتت سنته أتاهم ما يوعدون من البلاء والفتن، وكذلك خواص خلفائه، وهم العارفون الكبار، فوجودهم أمان للناس. فقد قالوا: إن الإقليم الذي يكون فيه القطب لا يصيبه قحط ولا بلاء، ولا هرج ولا فتن لأنه أمان لذلك الإقليم، خلافة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر تلاعبهم بالذين، فقال: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية }.
الأنفال 8:35
يقول الحق جل جلاله: { وما كان صلاتهم } التي يصلونها في بيت الله الحرام، ويسمونها صلاة، أو ما يضعون موضعها، { إلا مكاء } أي: تصفيرا بالفم، كما يفعله الرعاة، { وتصدية } أي: تصفيقا باليد، الذي هو من شأن النساء، مأخوذ من الصدى، وهو صوت الجبال والجدران. قال ابن جزي: كانوا يفعلون ذلك إذا صلى المسلمون، ليخلطوا عليهم صلاتهم. وقال البيضاوي: روي أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، مشبكين بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، وقيل: كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي، يخلطون عليه، ويرون أنهم يصلون أيضا، ومساق الآية: تقرير استحقاقهم العذاب المتقدم في قوله: { وما لهم ألا يعذبهم الله } ، أو عدم ولايتهم للمسجد، فإنها لا تليق بمن هذه صلاته.ه. قال تعالى: { فذوقوا العذاب } الذي طلبتم، وهو القتل والأسر يوم بدر، فاللام للعهد، والمعهود: أو ائتنا بعذاب أليم، أو عذاب الآخرة، { بما كنتم تكفرون } أي: بسبب كفركم اعتقادا وعملا. الإشارة: وما كان صلاة أهل الغفلة عند بيت قلوبهم إلا ملعبة للخواطر والهواجس، وتصفيقا للوسواس والشيطان، وذلك لخراب بواطنهم من النور، حتى سكنتها الشياطين واستحوذت عليها، والعياذ بالله، فيقال لهم: ذوقوا عذاب الحجاب والقطيعة، بما كنتم تكفرون بطريق الخصوص وتبعدون عنهم. والله تعالى أعلم. ولما سلمت عير قريش من النبي صلى الله عليه وسلم، ووقعت غزوة بدر، وكان مات فيها صناديدهم، حبس أبو سفيان ذلك المال، وأنفقه في حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله في ذلك، وفي غيره، ممن أنفق في إعانة الكفار على حرب المسلمين قوله: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله }.
الأنفال 8:36
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا } بذلك { عن سبيل الله } ، ويحاربون الله ورسوله. قيل: نزلت في أصحاب العير فإنه لما أصيب قريش ببدر قيل لهم: أعينوا بهذا المال على حرب محمد، لعلنا ندرك منه ثأرنا، ففعلوا، وقيل: في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا من قريش، يطعم كل واحد منهم، كل يوم، عشر جزر، وقيل: في أبي سفيان، استأجر ليوم أحد ألفين من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية. قال تعالى: { فسينفقونها } بتمامها، { ثم تكون عليهم حسرة } يتأسفون على إنفاقها من غير فائدة، فيصير إنفاقها ندما وغما، لفواتها من غير حصول المقصود، وجعل ذاتها تصير حسرة، وهي عاقبة إنفاقها مبالغة. قال البيضاوي: ولعل الأول إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال، وهو إنفاق بدر، والثاني عن إنفاقها فيما يستقبل، وهو إنفاق غزوة أحد، ويحتمل أن يراد بهما واحد، على أن مساق الأول لبيان غرض الإنفاق، ومساق الثاني لبيان عاقبته، وهو لم يقع بعد. ه. قلت: وهذا الأخير هو الأحسن. ثم ذكر وعيدهم فقال: { والذين كفروا } أي الذين ثبتوا على الكفر منهم إذ أسلم بعضهم، { إلى جهنم يحشرون } يضمون ويساقون، { ليميز الله الخبيث من الطيب } الكافرين من المؤمنين، أو الفساد من الصلاح، أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أنفقه المسلمون في نصرته، أي: حشرهم إليه ليفرق بين الخبيث والطيب، { يجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه } أي: يجمعه، أو يضم بعضه إلى بعض، حتى يتراكمون من فرط ازدحامهم، { فيجعله في جهنم } كله، { أولئك هم الخاسرون } الكاملون في الخسران، لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم، والإشارة تعود على الخبيث لأنه بمعنى الفريق الخبيث، أو على المنفقين ليصدوا عن سبيل الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من أنفق ماله في لهو الدنيا، وفرجتها، من غير قصد حسن، بل لمجرد الحظ والهوى، تكون عليه حسرة وندامة، تنقضي لذاته وتبقى تبعاته، وهو من كفران نعمة المال، فهو معرض للزوال، وإن بقي فهو استدراج، وعلامة إنفاقه في الهوى: أنه أتاه فقير يسأله درهما منعه، وينفق في النزهة والفرجة الثلاثين والأربعين، فهذا يكون إنفاقه حسرة عليه، والعياذ بالله. ثم ندب إلى التوبة، فقال: { قل للذين كفروا إن ينتهوا }.
الأنفال 8:37
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا } بذلك { عن سبيل الله } ، ويحاربون الله ورسوله. قيل: نزلت في أصحاب العير فإنه لما أصيب قريش ببدر قيل لهم: أعينوا بهذا المال على حرب محمد، لعلنا ندرك منه ثأرنا، ففعلوا، وقيل: في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا من قريش، يطعم كل واحد منهم، كل يوم، عشر جزر، وقيل: في أبي سفيان، استأجر ليوم أحد ألفين من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية. قال تعالى: { فسينفقونها } بتمامها، { ثم تكون عليهم حسرة } يتأسفون على إنفاقها من غير فائدة، فيصير إنفاقها ندما وغما، لفواتها من غير حصول المقصود، وجعل ذاتها تصير حسرة، وهي عاقبة إنفاقها مبالغة. قال البيضاوي: ولعل الأول إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال، وهو إنفاق بدر، والثاني عن إنفاقها فيما يستقبل، وهو إنفاق غزوة أحد، ويحتمل أن يراد بهما واحد، على أن مساق الأول لبيان غرض الإنفاق، ومساق الثاني لبيان عاقبته، وهو لم يقع بعد. ه. قلت: وهذا الأخير هو الأحسن. ثم ذكر وعيدهم فقال: { والذين كفروا } أي الذين ثبتوا على الكفر منهم إذ أسلم بعضهم، { إلى جهنم يحشرون } يضمون ويساقون، { ليميز الله الخبيث من الطيب } الكافرين من المؤمنين، أو الفساد من الصلاح، أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أنفقه المسلمون في نصرته، أي: حشرهم إليه ليفرق بين الخبيث والطيب، { يجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه } أي: يجمعه، أو يضم بعضه إلى بعض، حتى يتراكمون من فرط ازدحامهم، { فيجعله في جهنم } كله، { أولئك هم الخاسرون } الكاملون في الخسران، لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم، والإشارة تعود على الخبيث لأنه بمعنى الفريق الخبيث، أو على المنفقين ليصدوا عن سبيل الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من أنفق ماله في لهو الدنيا، وفرجتها، من غير قصد حسن، بل لمجرد الحظ والهوى، تكون عليه حسرة وندامة، تنقضي لذاته وتبقى تبعاته، وهو من كفران نعمة المال، فهو معرض للزوال، وإن بقي فهو استدراج، وعلامة إنفاقه في الهوى: أنه أتاه فقير يسأله درهما منعه، وينفق في النزهة والفرجة الثلاثين والأربعين، فهذا يكون إنفاقه حسرة عليه، والعياذ بالله. ثم ندب إلى التوبة، فقال: { قل للذين كفروا إن ينتهوا }.
الأنفال 8:38
يقول الحق جل جلاله: { قل للذين كفروا } كقريش وغيرهم: { إن ينتهوا } عن الكفر ومعاداة الرسول بالدخول في الإسلام، { يغفر لهم ما قد سلف } من ذنوبهم، ولو عظمت، { وإن يعودوا } إلى الكفر وقتاله { فقد مضت سنت الأولين } أي: مضت عادتي مع الذين تحزبوا على الأنبياء بالتدمير والهلاك، كعاد وثمود وأضرابهم، وكما فعل بهم يوم بدر، فليتوقعوا مثل ذلك، وهو تهديد وتخويف. الإشارة: قل للمنهمكين في الذنوب والمعاصي: لا تقنطوا من رحمتي، فإني لا يتعاظمني ذنب أغفره، فإن تنتهوا أغفر لكم ما قد سلف، وأنشدوا:
يستوجب العفو الفتى، إذا اعترف بما جنى، وما أتى، وما اقترف لقوله: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
وللشافعي رضي الله عنه:
فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي، فلما قرنته بعفوك ربي، كان عفوك أعظما فما زلت ذا جود وفضل ومنة تجود وتعفو منه وتكرما
فإن لم ينته المنهمك في الهوى فقد مضت سنة الله فيه بالطرد والإبعاد، ويخاف عليه سوء الختام، والعياذ بالله. ثم أمر بجهاد من لم ينته عن كفره، فقال: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة }.
الأنفال 8:39
يقول الحق جل جلاله: وقاتلوا من لم ينته عن كفره { حتى لا تكون فتنة } ، أي: حتى لا يوجد منهم شرك، فهو كقوله عليه السلام:
" أمرت أن أقاتل حتى يقولوا: لا إله إلا الله ".
{ ويكون الدين كله لله } بحيث تضمحل الأديان الباطلة ويظهر الدين الحق، { فإن انتهوا } عن الكفر وأسلموا، { فإن الله بما يعملون بصير } فيجازيهم على انتهائهم، وقرأ يعقوب بتاء الخطاب على معنى: { فإن الله بما تعملون } يا معشر المسلمين من الجهاد، والدعوة إلى الإسلام، والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، { بصير } فيجازيهم، ويضاعف أجوركم بمن أسلم على أيديكم. { وإن تولوا } ، ولم ينتهوا عن كفرهم، { فاعلموا أن الله مولاكم } ناصركم، فثقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم، { نعم المولى } فلا يضيع من تولاه، { ونعم النصير } فلا يغلب من نصره. الإشارة: يؤمر المريد بجهاد القواطع والعلائق والخواطر، حتى لا يبقى في قلبه فتنة بشيء من الحس، ويكون القلب كله لله، فإن انتهت القواطع فإن الله بصير به، يجازيه على جهاده، ومجازاته: إدخاله الحضرة المقدسة، مع المقربين، وإن لم ينته فليستمر على مجاهداته وانقطاعه إلى ربه، وليستنصر به في مجاهدته، فإن الله مولاه وناصره، وهو نعم المولى ونعم النصير. ثم ذكر قسم الغنائم التي تنشأ عن القتال، فقال: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول }.
الأنفال 8:40
يقول الحق جل جلاله: وقاتلوا من لم ينته عن كفره { حتى لا تكون فتنة } ، أي: حتى لا يوجد منهم شرك، فهو كقوله عليه السلام:
" أمرت أن أقاتل حتى يقولوا: لا إله إلا الله ".
{ ويكون الدين كله لله } بحيث تضمحل الأديان الباطلة ويظهر الدين الحق، { فإن انتهوا } عن الكفر وأسلموا، { فإن الله بما يعملون بصير } فيجازيهم على انتهائهم، وقرأ يعقوب بتاء الخطاب على معنى: { فإن الله بما تعملون } يا معشر المسلمين من الجهاد، والدعوة إلى الإسلام، والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، { بصير } فيجازيهم، ويضاعف أجوركم بمن أسلم على أيديكم. { وإن تولوا } ، ولم ينتهوا عن كفرهم، { فاعلموا أن الله مولاكم } ناصركم، فثقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم، { نعم المولى } فلا يضيع من تولاه، { ونعم النصير } فلا يغلب من نصره. الإشارة: يؤمر المريد بجهاد القواطع والعلائق والخواطر، حتى لا يبقى في قلبه فتنة بشيء من الحس، ويكون القلب كله لله، فإن انتهت القواطع فإن الله بصير به، يجازيه على جهاده، ومجازاته: إدخاله الحضرة المقدسة، مع المقربين، وإن لم ينته فليستمر على مجاهداته وانقطاعه إلى ربه، وليستنصر به في مجاهدته، فإن الله مولاه وناصره، وهو نعم المولى ونعم النصير. ثم ذكر قسم الغنائم التي تنشأ عن القتال، فقال: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول }.
الأنفال 8:41
قلت: فأن لله: مبتدأ حذف خبره، أي: فكون خمسة لله ثابت، أو خبر، أي: فالواجب كون خمسه لله. يقول الحق جل جلاله: { واعلموا أنما غنمتم من شيء } مما أخذتموه من الكفار قهرا بالقتال، لا الذي هربوا عنه بلا قتال، فكله للإمام فيء، يأخذ حاجته ويصرف باقيه في مصالح المسلمين، ولا الذي طرحه العدو خوف الغرق، فلواجده، بلا تخميس، وكذا ما أخذه من كان ببلاد العرب على وجه التلصيص، فأما ما أخذه بالقتال: فلله { خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } الجمهور على أن ذكر الله للتعظيم كقوله:
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة: 62]، وإنما المراد: قسم الخمس على الخمسة الباقية. واختلف العلماء في الخمسة، فقال مالك: الرأي للإمام، يلحقه ببيت الفيء، ويعطي من ذلك البيت لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه، كما يعطي منه اليتامى والمساكين، وغيرهم، وإنما ذكر من ذكر على جهة التنبيه عليهم، لأنهم من أهم ما يدفع إليهم. وقال الشافعي: يعطي للخمسة المعطوفة على الله، ولا يجعل لله سهما مختصا، وإنما ذكر ابتداء تعظيما، لأن الكل ملكه، وسهم الرسول يأخذه الإمام، يصرفه في المصالح، فيعطي للأربعة المعطوفة على الرسول، ويفضل أهل الحاجة. وقال مالك: لا يجب التعميم، فله أن يعطي الأحوج، وإن حرم غيره، ومبني الخلاف: هل اللام لبيان المصرف أو للاستحقاق، كما في آية الزكاة. وقال أبو حنيفة: على ثلاثة أسهم، لليتامى والمساكين وابن السبيل، قال: وسقط الرسول وذوو القربى بوفاته عليه الصلاة والسلام. وقال أبو العالية: يقسم على ستة، أخذا بظاهر الآية، ويصرف سهم الله إلى الكعبة، وسهم الرسول في مصالح المسلمين، وسهم ذوي القربى لأهل البيت الذين لا تحل لهم الزكاة، ثم يعطى سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل. قال البيضاوي: وذوو القربى: بنو هاشم، وبنو المطلب، لما روي: أنه صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذوي القربى عليهما، فقال عثمان وجبير بن مطعم: هؤلاء إخوانك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب، أعطيتهم وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
" إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام "
وشبك بين أصابعه. وقيل: بنو هاشم وحدهم. قلت: وهو مشهور مذهب مالك وقيل: جميع قريش.ه. ثم قال تعالى: { إن كنتم آمنتم بالله } ، أي: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء، فسلموه إليه، واقنعوا بالأخماس الأربعة، { وما } وكذا إن كنتم آمنتم بما { أنزلنا على عبدنا } محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن، في شأن الأنفال، ومن النصر والملائكة، { يوم الفرقان } يوم بدر، فإنه فرق فيه بين الحق والباطل، { يوم التقى الجمعان } المسلمون والكفار، { والله على كل شيء قدير } فيقدر على نصر القليل على الكثير، بالإمداد بالملائكة، وبلا إمداد، ولكن حكمته اقتضت وجود الأسباب والوسائط، والله حكيم عليم.
الإشارة: واعلموا أنما غنمتم من شيء من العلوم اللدنية، والمواهب القدسية، والأسرار الربانية، بعد مجاهدة العلائق والعوائق، حتى صار دين القلب كله لله، فلله خمسه فناء، وللرسول بقاء، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل تعظيما وآدابا. يعني: أن العلم بالله يقتضي القيام بهذه الوظائف: الفناء في الله، بالغيبة عما سواه، وشهود الداعي الأعظم، وهو رسول الله، والأدب مع عباد الله، ليتحقق الأدب مع الله. ثم تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم بين يوم الفرقان، فقال: { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى }.
الأنفال 8:42
قلت: إذ: بدل من يوم الفرقان، أو ظرف لالتقى، أو لاذكر، محذوفة، والعدوة مثلث العين: شاطئ الوادي و الدنيا أي: القربى، نعت له، و القصوى: تأنيث الأقصى، وكان قياسه: قلب الواو ياء، كالدنيا والعليا تفرقة بين الاسم والصفة، فجاء على الأصل، كالقود، وسمع فيه: " القصيا " على الأصل، وهو شاذ. و الركب: مبتدأ، و أسفل: ظرف خبره. يقول الحق جل جلاله: واذكروا { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } أي بعدوة الوادي القريبة من المدينة، { وهم } أي: كفار قريش، { بالعدوة القصوى } أي: البعيدة منها، { والركب } أي: العير التي قصدتكم، { أسفل منكم } أي: في مكان أسفل منكم، يعني الساحل، ثم جمع الله بينكم على غير ميعاد، { ولو تواعدتم } لهذا الجمع، أنتم وهم للقتال، ثم علمتم حالكم وحالهم { لاختلفتم في الميعاد } هيبة منهم لكثرتهم وقلتكم، لتتحققوا أن ما اتفق لكم من الفتح والظفر ليس إلا صنيعا من الله تعالى خارقا للعادة، فتزدادوا إيمانا وشكرا، { ولكن } الله جمع بينكم من غير ميعاد { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } سابقا في الأزل، وهو نصر أوليائه وقهرا أعدائه في ذلك اليوم، لا يختلف عنه ساعة. { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } ، أي: قدر ذلك الأمر العجيب ليموت من يموت عن بينة عاينها، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها، لئلا يكون له حجة ومعذرة، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة، فكل من عاينها ولم يؤمن قامت الحجة عليه. أو ليهلك بالكفر من هلك عن بينة وحجة قائمة عليه، ويحيى بالإيمان من حي به عن بينة من ربه، { وإن الله لسميع عليم } بكفر من كفر وإيمان من أمن، فيجازي كلا على فعله. ولعل الجمع بين صفة السمع والعلم لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد. واذكر أيضا { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } ، كان صلى الله عليه وسلم قد رأى الكفار في نومه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فقويت نفوسهم وتجرؤوا على قتالهم، وكانوا قليلا في المعنى، { ولو أراكهم كثيرا } في الحس { لفشلتم } لجبنتم، { ولتنازعتم في الأمر } في أمر القتال، وتفرقت آراؤكم، { ولكن الله سلم } أي: أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع { إنه عليم بذات الصدور } أي: يعلم ما يكون فيها من الخواطر وما يغير أحوالها. { و } اذكر أيضا { إذ يريكموهم } أي: يريكم الله الكفار، { إذ التقيتم في أعينكم قليلا } ، حتى قال ابن مسعود لمن إلى جنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة، تثبتا وتصديقا لرؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم، { ويقللكم في أعينهم } ، حتى قال أبو جهل: إن محمدا وأصحابه أكله جزور بفتح الهمزة والكاف جمع آكل ، أي: قدر ما يكفيهم جذور في أكلهم.
قال البيضاوي: قللهم في أعينهم قبل التحام القتال ليجترئوا عليهم ولا يستعدوا لهم، ثم كثرهم حين رأوهم مثليهم لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم، وهذا من عظائم آيات الله في تلك الوقعة، فإن البصر، وإن كان قد يرى الكثير قليلا والقليل كثيرا، لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد، وإنما يتصور ذلك بصد الله الأبصار عن إبصار بعض، مع التساوي في المرئي. ه. وإنما فعل ذلك في الجهتين { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } أي: ليظهر الله أمرا كان سبق به القضاء والقدر، فكان مفعولا في سابق العلم، لا محيد عنه، ومن شأن الحكمة إظهار الأسباب والعلل، كما أن من شأن القدرة إبراز ما سبق في الأزل، وإنما كرره لاختلاف الفعل المعلل به لأن الأول علة لالتقائهم من غير ميعاد، وهنا لتقليلهم في أعين الكفرة، أو للتنبيه على أن المطلوب من العبد هو النظر إلى سابق القدر، ليخف عليه ما يبرز منه من الشدائد والأهوال، ولذلك قال أثره: { وإلى الله ترجع الأمور } ، وإذا كانت الأمور كلها راجعة إلى الله تعالى فلا يسع العبد إلا الرضا والتسليم لكل ما يبرز منها، فكل ما يبرز من عند الحبيب حبيب. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأرواح والأسرار بالعدوة القريبة من بحر الحقائق، ليس بينها وبينه إلا إظهار أدب العبودية، وهو الذي بين بحر الحقيقة والشريعة، والأنفس وسائر القواطع بالعدوة القصوى منه، والقلب، الذي هو الركب المنازع فيه، بينهما، أسفل من الروح، وفوق مقام النفس، الروح تريد أن تجذبه إليها ليسكن الحضرة، والنفس وجنودها تريد أن تميله إليها ليسكن وطن الغفلة معها، والحرب بينهما سجال تارة ترد عليه الواردات الإلهية، التي هي جند الروح، فتنزل عليه بغتة من غير ميعاد، فتجذبه إلى الحضرة. وتارة ترد عليه الخواطر والهواجس الردية فتحطه إلى أرض الحظوظ بغتة، ليقضي الله أمرا كان مفعولا في سابق علمه، فإذا أراد الله عناية عبد قلل عنه مدد الأغيار، حتى يراها كل شيء، وقواه بمدد الأنوار حتى يغيب عنه كل شيء فتذهب عنه ظلمة الأغيار وإذا أراد الله خذلان عبد قطع عنه مدد الأنوار، وقوى عليه مدد الأغيار، حتى ينحط إلى الدرك الأسفل من النار، والعياذ بالله من سوء القضاء والقدر، وإليه الإشارة بقوله: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } الآية. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما يقوي مدد الأنواع، وهو الصبر والذكر، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة }.
الأنفال 8:43
قلت: إذ: بدل من يوم الفرقان، أو ظرف لالتقى، أو لاذكر، محذوفة، والعدوة مثلث العين: شاطئ الوادي و الدنيا أي: القربى، نعت له، و القصوى: تأنيث الأقصى، وكان قياسه: قلب الواو ياء، كالدنيا والعليا تفرقة بين الاسم والصفة، فجاء على الأصل، كالقود، وسمع فيه: " القصيا " على الأصل، وهو شاذ. و الركب: مبتدأ، و أسفل: ظرف خبره. يقول الحق جل جلاله: واذكروا { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } أي بعدوة الوادي القريبة من المدينة، { وهم } أي: كفار قريش، { بالعدوة القصوى } أي: البعيدة منها، { والركب } أي: العير التي قصدتكم، { أسفل منكم } أي: في مكان أسفل منكم، يعني الساحل، ثم جمع الله بينكم على غير ميعاد، { ولو تواعدتم } لهذا الجمع، أنتم وهم للقتال، ثم علمتم حالكم وحالهم { لاختلفتم في الميعاد } هيبة منهم لكثرتهم وقلتكم، لتتحققوا أن ما اتفق لكم من الفتح والظفر ليس إلا صنيعا من الله تعالى خارقا للعادة، فتزدادوا إيمانا وشكرا، { ولكن } الله جمع بينكم من غير ميعاد { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } سابقا في الأزل، وهو نصر أوليائه وقهرا أعدائه في ذلك اليوم، لا يختلف عنه ساعة. { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } ، أي: قدر ذلك الأمر العجيب ليموت من يموت عن بينة عاينها، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها، لئلا يكون له حجة ومعذرة، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة، فكل من عاينها ولم يؤمن قامت الحجة عليه. أو ليهلك بالكفر من هلك عن بينة وحجة قائمة عليه، ويحيى بالإيمان من حي به عن بينة من ربه، { وإن الله لسميع عليم } بكفر من كفر وإيمان من أمن، فيجازي كلا على فعله. ولعل الجمع بين صفة السمع والعلم لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد. واذكر أيضا { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } ، كان صلى الله عليه وسلم قد رأى الكفار في نومه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فقويت نفوسهم وتجرؤوا على قتالهم، وكانوا قليلا في المعنى، { ولو أراكهم كثيرا } في الحس { لفشلتم } لجبنتم، { ولتنازعتم في الأمر } في أمر القتال، وتفرقت آراؤكم، { ولكن الله سلم } أي: أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع { إنه عليم بذات الصدور } أي: يعلم ما يكون فيها من الخواطر وما يغير أحوالها. { و } اذكر أيضا { إذ يريكموهم } أي: يريكم الله الكفار، { إذ التقيتم في أعينكم قليلا } ، حتى قال ابن مسعود لمن إلى جنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة، تثبتا وتصديقا لرؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم، { ويقللكم في أعينهم } ، حتى قال أبو جهل: إن محمدا وأصحابه أكله جزور بفتح الهمزة والكاف جمع آكل ، أي: قدر ما يكفيهم جذور في أكلهم.
قال البيضاوي: قللهم في أعينهم قبل التحام القتال ليجترئوا عليهم ولا يستعدوا لهم، ثم كثرهم حين رأوهم مثليهم لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم، وهذا من عظائم آيات الله في تلك الوقعة، فإن البصر، وإن كان قد يرى الكثير قليلا والقليل كثيرا، لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد، وإنما يتصور ذلك بصد الله الأبصار عن إبصار بعض، مع التساوي في المرئي. ه. وإنما فعل ذلك في الجهتين { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } أي: ليظهر الله أمرا كان سبق به القضاء والقدر، فكان مفعولا في سابق العلم، لا محيد عنه، ومن شأن الحكمة إظهار الأسباب والعلل، كما أن من شأن القدرة إبراز ما سبق في الأزل، وإنما كرره لاختلاف الفعل المعلل به لأن الأول علة لالتقائهم من غير ميعاد، وهنا لتقليلهم في أعين الكفرة، أو للتنبيه على أن المطلوب من العبد هو النظر إلى سابق القدر، ليخف عليه ما يبرز منه من الشدائد والأهوال، ولذلك قال أثره: { وإلى الله ترجع الأمور } ، وإذا كانت الأمور كلها راجعة إلى الله تعالى فلا يسع العبد إلا الرضا والتسليم لكل ما يبرز منها، فكل ما يبرز من عند الحبيب حبيب. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأرواح والأسرار بالعدوة القريبة من بحر الحقائق، ليس بينها وبينه إلا إظهار أدب العبودية، وهو الذي بين بحر الحقيقة والشريعة، والأنفس وسائر القواطع بالعدوة القصوى منه، والقلب، الذي هو الركب المنازع فيه، بينهما، أسفل من الروح، وفوق مقام النفس، الروح تريد أن تجذبه إليها ليسكن الحضرة، والنفس وجنودها تريد أن تميله إليها ليسكن وطن الغفلة معها، والحرب بينهما سجال تارة ترد عليه الواردات الإلهية، التي هي جند الروح، فتنزل عليه بغتة من غير ميعاد، فتجذبه إلى الحضرة. وتارة ترد عليه الخواطر والهواجس الردية فتحطه إلى أرض الحظوظ بغتة، ليقضي الله أمرا كان مفعولا في سابق علمه، فإذا أراد الله عناية عبد قلل عنه مدد الأغيار، حتى يراها كل شيء، وقواه بمدد الأنوار حتى يغيب عنه كل شيء فتذهب عنه ظلمة الأغيار وإذا أراد الله خذلان عبد قطع عنه مدد الأنوار، وقوى عليه مدد الأغيار، حتى ينحط إلى الدرك الأسفل من النار، والعياذ بالله من سوء القضاء والقدر، وإليه الإشارة بقوله: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } الآية. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما يقوي مدد الأنواع، وهو الصبر والذكر، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة }.
الأنفال 8:44
قلت: إذ: بدل من يوم الفرقان، أو ظرف لالتقى، أو لاذكر، محذوفة، والعدوة مثلث العين: شاطئ الوادي و الدنيا أي: القربى، نعت له، و القصوى: تأنيث الأقصى، وكان قياسه: قلب الواو ياء، كالدنيا والعليا تفرقة بين الاسم والصفة، فجاء على الأصل، كالقود، وسمع فيه: " القصيا " على الأصل، وهو شاذ. و الركب: مبتدأ، و أسفل: ظرف خبره. يقول الحق جل جلاله: واذكروا { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } أي بعدوة الوادي القريبة من المدينة، { وهم } أي: كفار قريش، { بالعدوة القصوى } أي: البعيدة منها، { والركب } أي: العير التي قصدتكم، { أسفل منكم } أي: في مكان أسفل منكم، يعني الساحل، ثم جمع الله بينكم على غير ميعاد، { ولو تواعدتم } لهذا الجمع، أنتم وهم للقتال، ثم علمتم حالكم وحالهم { لاختلفتم في الميعاد } هيبة منهم لكثرتهم وقلتكم، لتتحققوا أن ما اتفق لكم من الفتح والظفر ليس إلا صنيعا من الله تعالى خارقا للعادة، فتزدادوا إيمانا وشكرا، { ولكن } الله جمع بينكم من غير ميعاد { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } سابقا في الأزل، وهو نصر أوليائه وقهرا أعدائه في ذلك اليوم، لا يختلف عنه ساعة. { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } ، أي: قدر ذلك الأمر العجيب ليموت من يموت عن بينة عاينها، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها، لئلا يكون له حجة ومعذرة، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة، فكل من عاينها ولم يؤمن قامت الحجة عليه. أو ليهلك بالكفر من هلك عن بينة وحجة قائمة عليه، ويحيى بالإيمان من حي به عن بينة من ربه، { وإن الله لسميع عليم } بكفر من كفر وإيمان من أمن، فيجازي كلا على فعله. ولعل الجمع بين صفة السمع والعلم لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد. واذكر أيضا { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } ، كان صلى الله عليه وسلم قد رأى الكفار في نومه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فقويت نفوسهم وتجرؤوا على قتالهم، وكانوا قليلا في المعنى، { ولو أراكهم كثيرا } في الحس { لفشلتم } لجبنتم، { ولتنازعتم في الأمر } في أمر القتال، وتفرقت آراؤكم، { ولكن الله سلم } أي: أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع { إنه عليم بذات الصدور } أي: يعلم ما يكون فيها من الخواطر وما يغير أحوالها. { و } اذكر أيضا { إذ يريكموهم } أي: يريكم الله الكفار، { إذ التقيتم في أعينكم قليلا } ، حتى قال ابن مسعود لمن إلى جنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة، تثبتا وتصديقا لرؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم، { ويقللكم في أعينهم } ، حتى قال أبو جهل: إن محمدا وأصحابه أكله جزور بفتح الهمزة والكاف جمع آكل ، أي: قدر ما يكفيهم جذور في أكلهم.
قال البيضاوي: قللهم في أعينهم قبل التحام القتال ليجترئوا عليهم ولا يستعدوا لهم، ثم كثرهم حين رأوهم مثليهم لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم، وهذا من عظائم آيات الله في تلك الوقعة، فإن البصر، وإن كان قد يرى الكثير قليلا والقليل كثيرا، لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد، وإنما يتصور ذلك بصد الله الأبصار عن إبصار بعض، مع التساوي في المرئي. ه. وإنما فعل ذلك في الجهتين { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } أي: ليظهر الله أمرا كان سبق به القضاء والقدر، فكان مفعولا في سابق العلم، لا محيد عنه، ومن شأن الحكمة إظهار الأسباب والعلل، كما أن من شأن القدرة إبراز ما سبق في الأزل، وإنما كرره لاختلاف الفعل المعلل به لأن الأول علة لالتقائهم من غير ميعاد، وهنا لتقليلهم في أعين الكفرة، أو للتنبيه على أن المطلوب من العبد هو النظر إلى سابق القدر، ليخف عليه ما يبرز منه من الشدائد والأهوال، ولذلك قال أثره: { وإلى الله ترجع الأمور } ، وإذا كانت الأمور كلها راجعة إلى الله تعالى فلا يسع العبد إلا الرضا والتسليم لكل ما يبرز منها، فكل ما يبرز من عند الحبيب حبيب. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأرواح والأسرار بالعدوة القريبة من بحر الحقائق، ليس بينها وبينه إلا إظهار أدب العبودية، وهو الذي بين بحر الحقيقة والشريعة، والأنفس وسائر القواطع بالعدوة القصوى منه، والقلب، الذي هو الركب المنازع فيه، بينهما، أسفل من الروح، وفوق مقام النفس، الروح تريد أن تجذبه إليها ليسكن الحضرة، والنفس وجنودها تريد أن تميله إليها ليسكن وطن الغفلة معها، والحرب بينهما سجال تارة ترد عليه الواردات الإلهية، التي هي جند الروح، فتنزل عليه بغتة من غير ميعاد، فتجذبه إلى الحضرة. وتارة ترد عليه الخواطر والهواجس الردية فتحطه إلى أرض الحظوظ بغتة، ليقضي الله أمرا كان مفعولا في سابق علمه، فإذا أراد الله عناية عبد قلل عنه مدد الأغيار، حتى يراها كل شيء، وقواه بمدد الأنوار حتى يغيب عنه كل شيء فتذهب عنه ظلمة الأغيار وإذا أراد الله خذلان عبد قطع عنه مدد الأنوار، وقوى عليه مدد الأغيار، حتى ينحط إلى الدرك الأسفل من النار، والعياذ بالله من سوء القضاء والقدر، وإليه الإشارة بقوله: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } الآية. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما يقوي مدد الأنواع، وهو الصبر والذكر، فقال: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة }.
الأنفال 8:45
قلت: بطرا ورئاء: مصدران في موضع الحال، أي: بطرين ومراءين، أو مفعول لأجله، وويصدون: عطف على بطرا على الوجهين، أي: صادين، أو للصد. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها آمنوا إذا لقيتم فئة } جماعة من الكفار عند الحرب { فاثبتوا } للقائهم، ولا تفروا، { واذكروا الله } في تلك الحال سرا داعين له، مستظهرين بذكره، متوجهين لنصره، معتمدين على حوله وقوته، غير ذاهلين عنه بهجوم الأحوال وشدائد الأهوال إذ لا يذكر الله تعالى في ذلك الحال إلا الأبطال من الرجال { لعلكم تفلحون } بالظفر وعظيم النوال. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي ألا يشغله شيء عن ذكر الله، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد ويقبل عليه بشراشره، فارغ البال، واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في جميع الأحوال. ه. { وأطيعوا الله ورسوله } فيما يأمركم به وينهاكم عنه فإن الطاعة مفتاح الخيرات، { ولا تنازعوا } باختلاف الآراء كما فعلتم في شأن الأنفال، { فتفشلوا } وتجبنوا، { وتذهب ريحكم } أي: ريح نصركم بانقطاع دولتكم، شبه النصر والدولة بهبوب الريح من حيث إنها تمشي على مرادها، لا يقدر أحد أن يردها، وقيل: المراد بها الريح حقيقة، فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثه الله من ناحية المنصور تذهب إلى ناحية المخذول. وفي الحديث:
" نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ".
{ واصبروا إن الله مع الصابرين } بالمعونة والكلاءة والنصر. { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم } ، يعني: أهل مكة، خرجوا { بطرا } أي: فخرا وشرا { ورئاء الناس } ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة أتاهم رسول أبي سفيان، يقول لهم: ارجعوا فقد سلمت عيركم، فقال أبو جهل: لا والله حتى نأتي بدرا، ونشرب بها الخمور، وتغني علينا القيان، ونطعم بها من حضرنا من العرب، فتسمع بنا سائر العرب، فتهابنا، فوافوها، ولكن سقوا بها كأس المنايا، وناحت عليهم النوائح مما نزل بهم من البلايا، فنهى الله المؤمنين أن يكون أمثالهم بطرين مراءين، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص، لأن النهي عن الشيء امر بضده. { ويصدون عن سبيل الله } أي: خرجوا ليصدوا الناس عن طريق الله، باتباع طريقهم، { والله بما يعملون محيط } فيجازيهم عليه. الإشارة: خاطب الله المتوجهين إليه، السائرين إلى حضرته، وأمرهم بالثبوت ودوام السير، وبالصبر ولزوم الذكر عند ملاقاة القواطع والشواغب، وكل ما يصدهم عن طريق الحضرة، وذلك بالغيبة عنه والاشتغال بالله عنه، وعدم الإصغاء إلى خوضه وتكديره، فمن صبر ظفر، ومن دام على السير وصل، وأمرهم ايضا بطاعة الله ورسوله، ومن يدلهم على الوصول إليه، ممن هو خليفة عنه في أرضه، وأمرهم بعدم المنازعة والملاججة، فإن التنازع يوجب تفرق القلوب والأبدان، ويوجب الفشل والوهن، ويذهب بريح النصر والإعزاز، كما أن الوفاق يوجب النصر ودوام العز. ونهاهم عن التشبه بأهل الخوض والتكدير، ممن أولع بالطعن والتنكير، بل يكونون على خلافهم مخلصين في أعمالهم وأحوالهم، دالين على الله، داعين إلى طريق الله، يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، وهذه صفة أهل الله. نفعنا الله بذكرهم. آمين. ثم ذكر الباعث على خروج الكفار لغزوة بدر، فقال: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم }.
الأنفال 8:46
قلت: بطرا ورئاء: مصدران في موضع الحال، أي: بطرين ومراءين، أو مفعول لأجله، وويصدون: عطف على بطرا على الوجهين، أي: صادين، أو للصد. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها آمنوا إذا لقيتم فئة } جماعة من الكفار عند الحرب { فاثبتوا } للقائهم، ولا تفروا، { واذكروا الله } في تلك الحال سرا داعين له، مستظهرين بذكره، متوجهين لنصره، معتمدين على حوله وقوته، غير ذاهلين عنه بهجوم الأحوال وشدائد الأهوال إذ لا يذكر الله تعالى في ذلك الحال إلا الأبطال من الرجال { لعلكم تفلحون } بالظفر وعظيم النوال. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي ألا يشغله شيء عن ذكر الله، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد ويقبل عليه بشراشره، فارغ البال، واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في جميع الأحوال. ه. { وأطيعوا الله ورسوله } فيما يأمركم به وينهاكم عنه فإن الطاعة مفتاح الخيرات، { ولا تنازعوا } باختلاف الآراء كما فعلتم في شأن الأنفال، { فتفشلوا } وتجبنوا، { وتذهب ريحكم } أي: ريح نصركم بانقطاع دولتكم، شبه النصر والدولة بهبوب الريح من حيث إنها تمشي على مرادها، لا يقدر أحد أن يردها، وقيل: المراد بها الريح حقيقة، فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثه الله من ناحية المنصور تذهب إلى ناحية المخذول. وفي الحديث:
" نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ".
{ واصبروا إن الله مع الصابرين } بالمعونة والكلاءة والنصر. { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم } ، يعني: أهل مكة، خرجوا { بطرا } أي: فخرا وشرا { ورئاء الناس } ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة أتاهم رسول أبي سفيان، يقول لهم: ارجعوا فقد سلمت عيركم، فقال أبو جهل: لا والله حتى نأتي بدرا، ونشرب بها الخمور، وتغني علينا القيان، ونطعم بها من حضرنا من العرب، فتسمع بنا سائر العرب، فتهابنا، فوافوها، ولكن سقوا بها كأس المنايا، وناحت عليهم النوائح مما نزل بهم من البلايا، فنهى الله المؤمنين أن يكون أمثالهم بطرين مراءين، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص، لأن النهي عن الشيء امر بضده. { ويصدون عن سبيل الله } أي: خرجوا ليصدوا الناس عن طريق الله، باتباع طريقهم، { والله بما يعملون محيط } فيجازيهم عليه. الإشارة: خاطب الله المتوجهين إليه، السائرين إلى حضرته، وأمرهم بالثبوت ودوام السير، وبالصبر ولزوم الذكر عند ملاقاة القواطع والشواغب، وكل ما يصدهم عن طريق الحضرة، وذلك بالغيبة عنه والاشتغال بالله عنه، وعدم الإصغاء إلى خوضه وتكديره، فمن صبر ظفر، ومن دام على السير وصل، وأمرهم ايضا بطاعة الله ورسوله، ومن يدلهم على الوصول إليه، ممن هو خليفة عنه في أرضه، وأمرهم بعدم المنازعة والملاججة، فإن التنازع يوجب تفرق القلوب والأبدان، ويوجب الفشل والوهن، ويذهب بريح النصر والإعزاز، كما أن الوفاق يوجب النصر ودوام العز. ونهاهم عن التشبه بأهل الخوض والتكدير، ممن أولع بالطعن والتنكير، بل يكونون على خلافهم مخلصين في أعمالهم وأحوالهم، دالين على الله، داعين إلى طريق الله، يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، وهذه صفة أهل الله. نفعنا الله بذكرهم. آمين. ثم ذكر الباعث على خروج الكفار لغزوة بدر، فقال: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم }.
الأنفال 8:47
قلت: بطرا ورئاء: مصدران في موضع الحال، أي: بطرين ومراءين، أو مفعول لأجله، وويصدون: عطف على بطرا على الوجهين، أي: صادين، أو للصد. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها آمنوا إذا لقيتم فئة } جماعة من الكفار عند الحرب { فاثبتوا } للقائهم، ولا تفروا، { واذكروا الله } في تلك الحال سرا داعين له، مستظهرين بذكره، متوجهين لنصره، معتمدين على حوله وقوته، غير ذاهلين عنه بهجوم الأحوال وشدائد الأهوال إذ لا يذكر الله تعالى في ذلك الحال إلا الأبطال من الرجال { لعلكم تفلحون } بالظفر وعظيم النوال. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي ألا يشغله شيء عن ذكر الله، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد ويقبل عليه بشراشره، فارغ البال، واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في جميع الأحوال. ه. { وأطيعوا الله ورسوله } فيما يأمركم به وينهاكم عنه فإن الطاعة مفتاح الخيرات، { ولا تنازعوا } باختلاف الآراء كما فعلتم في شأن الأنفال، { فتفشلوا } وتجبنوا، { وتذهب ريحكم } أي: ريح نصركم بانقطاع دولتكم، شبه النصر والدولة بهبوب الريح من حيث إنها تمشي على مرادها، لا يقدر أحد أن يردها، وقيل: المراد بها الريح حقيقة، فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثه الله من ناحية المنصور تذهب إلى ناحية المخذول. وفي الحديث:
" نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ".
{ واصبروا إن الله مع الصابرين } بالمعونة والكلاءة والنصر. { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم } ، يعني: أهل مكة، خرجوا { بطرا } أي: فخرا وشرا { ورئاء الناس } ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة أتاهم رسول أبي سفيان، يقول لهم: ارجعوا فقد سلمت عيركم، فقال أبو جهل: لا والله حتى نأتي بدرا، ونشرب بها الخمور، وتغني علينا القيان، ونطعم بها من حضرنا من العرب، فتسمع بنا سائر العرب، فتهابنا، فوافوها، ولكن سقوا بها كأس المنايا، وناحت عليهم النوائح مما نزل بهم من البلايا، فنهى الله المؤمنين أن يكون أمثالهم بطرين مراءين، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص، لأن النهي عن الشيء امر بضده. { ويصدون عن سبيل الله } أي: خرجوا ليصدوا الناس عن طريق الله، باتباع طريقهم، { والله بما يعملون محيط } فيجازيهم عليه. الإشارة: خاطب الله المتوجهين إليه، السائرين إلى حضرته، وأمرهم بالثبوت ودوام السير، وبالصبر ولزوم الذكر عند ملاقاة القواطع والشواغب، وكل ما يصدهم عن طريق الحضرة، وذلك بالغيبة عنه والاشتغال بالله عنه، وعدم الإصغاء إلى خوضه وتكديره، فمن صبر ظفر، ومن دام على السير وصل، وأمرهم ايضا بطاعة الله ورسوله، ومن يدلهم على الوصول إليه، ممن هو خليفة عنه في أرضه، وأمرهم بعدم المنازعة والملاججة، فإن التنازع يوجب تفرق القلوب والأبدان، ويوجب الفشل والوهن، ويذهب بريح النصر والإعزاز، كما أن الوفاق يوجب النصر ودوام العز. ونهاهم عن التشبه بأهل الخوض والتكدير، ممن أولع بالطعن والتنكير، بل يكونون على خلافهم مخلصين في أعمالهم وأحوالهم، دالين على الله، داعين إلى طريق الله، يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، وهذه صفة أهل الله. نفعنا الله بذكرهم. آمين. ثم ذكر الباعث على خروج الكفار لغزوة بدر، فقال: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم }.
الأنفال 8:48
يقول الحق جل جلاله: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } السيئة، ومن جملتها: خروجهم إلى حربك بأن وسوس لهم، { وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } قيل: قال لهم ذلك مقالة نفسانية، بأن ألقي في روعهم، وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، لكثرة عددهم وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه في ذلك قربة مجيرة لهم من المكاره. { فلما تراءت الفئتان } أي: تلاقي الفريقان، ورأى بعضهم بعضا، { نكص على عقبيه } رجع القهقري، أي: بطل كيده، وعاد ما خيل لهم أنه مجير لهم سبب هلاكهم، { وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله } ، أي: تبرأ منهم وخاف عليهم، وأيس من حولهم، لما رأى إمداد المسلمين بالملائكة. وقيل: إن هذه المقالة كانت حقيقة لسانية. روي أن قريشا لما اجتمعت على المسير إلى بدر، ذكرت ما بينهم وبين بني كنانة من العداوة، فهموا بالرجوع عن المسير، فمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك الكناني، وقال: لا غالب لكم اليوم وإني جار لكم، وإني مجيركم من بني كنانة، فلما رأى الملائكة تنزل نكص على عقبيه، وكانت يده في يد الحارث بن هشام، فقال له: إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، ودفع في صدر الحارث، فانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة، قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغه ذلك، فقال: والله ما شعرت بسيركم حتى بلغني هزيمتكم! فلما أسلموا علموا أنه الشيطان. وعلى هذا، يحتمل أن يكون معنى قوله: { إني أخاف الله } أي: أخاف أن يصيبني مكروها من الملائكة، أو يهلكني، ويكون هذا الوقت هو الوقت الموعود، إذ رأى فيه ما لم ير قبله. والأول: ما قاله الحسن، واختاره ابن حجر. وقال الورتجبي: أي: إني أخاف عذاب الله، وذلك بعد رؤية البأس، ولا ينفع ذلك، ولو كان متحققا في خوفه ما عصى الله طرفة عين. ه. وذكر ابن حجر عن البيهقي، عن علي كرم الله وجهه ، قال: هبت ريح شديدة، فلم أر مثلها، ثم هبت ريح شديدة، وأظنه ذكر ثالثة، فكانت الأولى جبريل، والثانية: ميكائيل، والثالثة: إسرافيل، وكان ميكائيل عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره، وأنا فيها. وعن علي ايضا: قيل لي ولأبي بكر يوم بدر: مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل وإسرافيل ملك عظيم يحضر لصف ويشهد القتال. انتهى. وقوله تعالى: { والله شديد العقاب } ، يجوز أن يكون من كلام إبليس، وأن يكون مستأنفا. الإشارة: عادة الشيطان مع العوام أن يغريهم على الطعن والإنكار على أولياء الله، وإيذائهم لهم، فإذا رأى غيرة الله على أوليائه نكص على عقبيه، وقال: إني منكم بريء إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. ثم ذكر مقالة المنافقين في شأن المسلمين، حيث خرجوا لغزوة بدر، فقال: { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض }.
الأنفال 8:49
يقول الحق جل جلاله: واذكروا { إذ يقول المنافقون } من أهل المدينة، أو نفر من قريش كانوا أسلموا وبقوا بمكة، فخرجوا يوم بدر مع الكفار، منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو القيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن ربيعة بن الأسود، وعلي بن أمية بن خلف، { و } هم { الذين في قلوبهم مرض } أي: شك لم تطمئن قلوبهم، بل بقي فيها شبهة، قالوا: { غر هؤلاء دينهم } أي: اغتر المسلمون بدينهم، فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف. فأجابهم الحق تعالى بقوله: { ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز } أي: غالب لا يذل من استجار به، وإن قل، { حكيم } يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل، ويعجز عن دركه الفهم. الإشارة: إذا عظم اليقين في قلوب أهل التقى أقدموا على أمور عظام، تستغرب العادة إدراكها، أو يغلب العطب فيها، فيقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: غر هؤلاء طريقتهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز لا يغلب، ولا يغلب من انتسب إليه، وتوكل في أموره عليه، حكيم فلا يخرج عن حكمته وقدرته شيء، أو عزيز لا يذل من استجار به، ولا يضيع من لاذ به، والتجأ إلى ذماره، حكيم لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره، قاله في الإحياء. ثم قال: وكل ما ذكر في القرآن من التوحيد هو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار، والتوكل على الواحد القهار. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر عاقبة أهل النفاق والريب، فقال: { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا }.
الأنفال 8:50
قلت: جواب لو محذوف أي: لرأيت أمرا عظيما، والملائكة: فاعل يتوفى فلا يوقف على ما قبله، ويرجحه قراءة ابن عامر بالتاء، ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله، و الملائكة مبتدأ، و يضربون: خبر، والجملة: حال من الذين كفروا، والرابط: ضمير الواو، وعلى هذا فيوقف على ما قبله، وعلى الأول يضربون: حال من الملائكة، وذوقوا: عطف على يضربون على حذف القول، أي: ويقولون ذوقوا. و ذلك: مبتدأ، بما قدمت: خبر، و أن الله: عطف على " ما " للدلالة على أن مقيدة بانضمامه إليه. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { ولو ترى } يا محمد، أو يا من تصح منكم الرؤية، حال { الذين كفروا } حين تتوفاهم { الملائكة } ببدر، أو مطلقا، وهم { يضربون وجوههم وأدبارهم } ، أو حين يتوفاهم الله ويقبض أرواحهم، حال كونهم الملائكة يضربون وجوههم وظهورهم، أو أستاههم، لرأيت أمرا فظيعا. { و } يقولون لهم: { ذوقوا } أي: باشروا { عذاب الحريق } يوم القيامة بشارة لهم بما يلقون من العذاب في الآخرة. وقيل: تكون معهم مقامع من حديد، كلما ضربوا التهبت النار منها، { ذلك } العذاب إنما وقع بكم { بما } بسبب { قدمت أيديكم } أي: بما كسبتم من الكفر والمعاصي، { وأن الله ليس بظلام للعبيد } حتى يعذب بلا سبب، أو يهمل العباد بلا جزاء. الإشارة: قد ذكر الحق جل جلاله حال الكاملين في العصيان في هذه الآية، وذكر في سورة النحل الكاملين في الطاعة بقوله:
الذين تتوفاهم الملائكة طيبين
[النحل:32] الآية، وسكت عن المخلطين، ولعلهم يرون طرفا من هذا أو طرفا من هذا، والله تعالى أعلم. ثم ذكر حال المتقدمين من الجبابرة، فقال: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم }.
الأنفال 8:51
قلت: جواب لو محذوف أي: لرأيت أمرا عظيما، والملائكة: فاعل يتوفى فلا يوقف على ما قبله، ويرجحه قراءة ابن عامر بالتاء، ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله، و الملائكة مبتدأ، و يضربون: خبر، والجملة: حال من الذين كفروا، والرابط: ضمير الواو، وعلى هذا فيوقف على ما قبله، وعلى الأول يضربون: حال من الملائكة، وذوقوا: عطف على يضربون على حذف القول، أي: ويقولون ذوقوا. و ذلك: مبتدأ، بما قدمت: خبر، و أن الله: عطف على " ما " للدلالة على أن مقيدة بانضمامه إليه. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { ولو ترى } يا محمد، أو يا من تصح منكم الرؤية، حال { الذين كفروا } حين تتوفاهم { الملائكة } ببدر، أو مطلقا، وهم { يضربون وجوههم وأدبارهم } ، أو حين يتوفاهم الله ويقبض أرواحهم، حال كونهم الملائكة يضربون وجوههم وظهورهم، أو أستاههم، لرأيت أمرا فظيعا. { و } يقولون لهم: { ذوقوا } أي: باشروا { عذاب الحريق } يوم القيامة بشارة لهم بما يلقون من العذاب في الآخرة. وقيل: تكون معهم مقامع من حديد، كلما ضربوا التهبت النار منها، { ذلك } العذاب إنما وقع بكم { بما } بسبب { قدمت أيديكم } أي: بما كسبتم من الكفر والمعاصي، { وأن الله ليس بظلام للعبيد } حتى يعذب بلا سبب، أو يهمل العباد بلا جزاء. الإشارة: قد ذكر الحق جل جلاله حال الكاملين في العصيان في هذه الآية، وذكر في سورة النحل الكاملين في الطاعة بقوله:
الذين تتوفاهم الملائكة طيبين
[النحل:32] الآية، وسكت عن المخلطين، ولعلهم يرون طرفا من هذا أو طرفا من هذا، والله تعالى أعلم. ثم ذكر حال المتقدمين من الجبابرة، فقال: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم }.
الأنفال 8:52
قلت: كدأب: خبر عن مضمر، أي: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، وهو عملهم وطريقتهم، التي دأبوا فيها، أي: داموا عليها ذلك مبتدأ، وبأن الله: خبر، وقال سيبويه: خبر، أي: الأمر ذلك، والفاء سببية. يقول الحق جل جلاله: عادة هؤلاء الكفرة العاصين المعاصرين لك، في استمرارهم على الكفر والمعاصي، كعادة { آل فرعون والذين } مضوا { من قبلهم } ، ثم فسر دأبهم فقال: { كفروا بآيات الله } الدالة على توحيده، المنزلة على رسله، { فأخذهم الله بذنوبهم } كما أخذ هؤلاء، { إن الله قوي شديد العقاب } لا يغلبه في دفعه شيء. { ذلك } العذاب الذي حل بهم، بسبب ذنوبهم وكفرهم لأن { الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم } فيبدلها بالنقمة، { حتى يغيروا ما بأنفسهم } أي: حتى يبدلوا ما بأنفسهم، من حال الشكر إلى حال الكفر، أو من حال الطاعة إلى حال المعصية، كتغيير قريش حالهم: من صلة الرحم، والكف عن التعرض لإيذاء الرسول ومن تبعه، بمعاداة الرسول، والسعي في إراقة دم من تبعه، والتكذيب بالآيات والاستهزاء بها. إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد البعثة، { وأن الله سميع } لما يقولون: { عليم } بما يفعلون. دأبهم في ذلك التغيير { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون } لما بدلوا وغيروا، ولم يشكروا ما بأيديهم من النعم، { وكل } من الفرق المكذبة { كانوا ظالمين } فأغرقنا آل فرعون، وقتلنا صناديد قريش بظلمهم وما كنا ظالمين. الإشارة: إذا أنعم الله على قوم بنعم ظاهرة أو باطنة، ثم لم يشكروا الله عليها، بل قابلوها بالكفران، وبارزوا المنعم بالذنوب والعصيان، فاعلم أن الله تعالى أراد أن يسلبهم تلك النعم، ويبدلها بأضدادها من النقم، فمن شكر النعم فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكرها فقد تعرض لزوالها. فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود، فمن أعطي ولم يشكر، سلب منها ولم يشعر، والشكر ألا يعصى الله بنعمه، كما قال الجنيد رضي الله عنه. والله تعالى أعلم. ومن جملة كفران النعم، نقض العهد، كما أبان ذلك بقوله: { إن شر الدواب عند الله }.
الأنفال 8:53
قلت: كدأب: خبر عن مضمر، أي: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، وهو عملهم وطريقتهم، التي دأبوا فيها، أي: داموا عليها ذلك مبتدأ، وبأن الله: خبر، وقال سيبويه: خبر، أي: الأمر ذلك، والفاء سببية. يقول الحق جل جلاله: عادة هؤلاء الكفرة العاصين المعاصرين لك، في استمرارهم على الكفر والمعاصي، كعادة { آل فرعون والذين } مضوا { من قبلهم } ، ثم فسر دأبهم فقال: { كفروا بآيات الله } الدالة على توحيده، المنزلة على رسله، { فأخذهم الله بذنوبهم } كما أخذ هؤلاء، { إن الله قوي شديد العقاب } لا يغلبه في دفعه شيء. { ذلك } العذاب الذي حل بهم، بسبب ذنوبهم وكفرهم لأن { الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم } فيبدلها بالنقمة، { حتى يغيروا ما بأنفسهم } أي: حتى يبدلوا ما بأنفسهم، من حال الشكر إلى حال الكفر، أو من حال الطاعة إلى حال المعصية، كتغيير قريش حالهم: من صلة الرحم، والكف عن التعرض لإيذاء الرسول ومن تبعه، بمعاداة الرسول، والسعي في إراقة دم من تبعه، والتكذيب بالآيات والاستهزاء بها. إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد البعثة، { وأن الله سميع } لما يقولون: { عليم } بما يفعلون. دأبهم في ذلك التغيير { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون } لما بدلوا وغيروا، ولم يشكروا ما بأيديهم من النعم، { وكل } من الفرق المكذبة { كانوا ظالمين } فأغرقنا آل فرعون، وقتلنا صناديد قريش بظلمهم وما كنا ظالمين. الإشارة: إذا أنعم الله على قوم بنعم ظاهرة أو باطنة، ثم لم يشكروا الله عليها، بل قابلوها بالكفران، وبارزوا المنعم بالذنوب والعصيان، فاعلم أن الله تعالى أراد أن يسلبهم تلك النعم، ويبدلها بأضدادها من النقم، فمن شكر النعم فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكرها فقد تعرض لزوالها. فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود، فمن أعطي ولم يشكر، سلب منها ولم يشعر، والشكر ألا يعصى الله بنعمه، كما قال الجنيد رضي الله عنه. والله تعالى أعلم. ومن جملة كفران النعم، نقض العهد، كما أبان ذلك بقوله: { إن شر الدواب عند الله }.
الأنفال 8:54
قلت: كدأب: خبر عن مضمر، أي: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، وهو عملهم وطريقتهم، التي دأبوا فيها، أي: داموا عليها ذلك مبتدأ، وبأن الله: خبر، وقال سيبويه: خبر، أي: الأمر ذلك، والفاء سببية. يقول الحق جل جلاله: عادة هؤلاء الكفرة العاصين المعاصرين لك، في استمرارهم على الكفر والمعاصي، كعادة { آل فرعون والذين } مضوا { من قبلهم } ، ثم فسر دأبهم فقال: { كفروا بآيات الله } الدالة على توحيده، المنزلة على رسله، { فأخذهم الله بذنوبهم } كما أخذ هؤلاء، { إن الله قوي شديد العقاب } لا يغلبه في دفعه شيء. { ذلك } العذاب الذي حل بهم، بسبب ذنوبهم وكفرهم لأن { الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم } فيبدلها بالنقمة، { حتى يغيروا ما بأنفسهم } أي: حتى يبدلوا ما بأنفسهم، من حال الشكر إلى حال الكفر، أو من حال الطاعة إلى حال المعصية، كتغيير قريش حالهم: من صلة الرحم، والكف عن التعرض لإيذاء الرسول ومن تبعه، بمعاداة الرسول، والسعي في إراقة دم من تبعه، والتكذيب بالآيات والاستهزاء بها. إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد البعثة، { وأن الله سميع } لما يقولون: { عليم } بما يفعلون. دأبهم في ذلك التغيير { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون } لما بدلوا وغيروا، ولم يشكروا ما بأيديهم من النعم، { وكل } من الفرق المكذبة { كانوا ظالمين } فأغرقنا آل فرعون، وقتلنا صناديد قريش بظلمهم وما كنا ظالمين. الإشارة: إذا أنعم الله على قوم بنعم ظاهرة أو باطنة، ثم لم يشكروا الله عليها، بل قابلوها بالكفران، وبارزوا المنعم بالذنوب والعصيان، فاعلم أن الله تعالى أراد أن يسلبهم تلك النعم، ويبدلها بأضدادها من النقم، فمن شكر النعم فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكرها فقد تعرض لزوالها. فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود، فمن أعطي ولم يشكر، سلب منها ولم يشعر، والشكر ألا يعصى الله بنعمه، كما قال الجنيد رضي الله عنه. والله تعالى أعلم. ومن جملة كفران النعم، نقض العهد، كما أبان ذلك بقوله: { إن شر الدواب عند الله }.
الأنفال 8:55
قلت: فهم لا يؤمنون: جملة معطوفة على جملة الصلة، والفاء للتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف، والذين عاهدت: بدل بعض من الذين كفروا، وفشرد: جواب إما، والتشريد: تفريق على اضطراب. يقول الحق جل جلاله: { إن شر الدواب عند الله } منزلة { الذين كفروا } ، تحقق كفرهم، وسبق به القدر، { فهم لا يؤمنون } أبدا لما سبق لهم من الشقاء. نزلت في قوم مخصوصين، وهم بنو قريظة، { الذين عاهدت منهم } أي: أخذت عليهم العهد ألا يعاونوا عليك الكفار، { ثم ينقصون عهدهم في كل مرة } أي: يخونون عهدك المرة بعد المرة، فأعانوا المشركين بالسلاح يوم أحد، وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم، فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف في ملأ منهم إلى مكة، فحالفوا المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل مقاتلتهم سبا ذراريهم، { وهم لا يتقون } شؤم الغدر وتبعته، أو: لا يتقون الله في الغدر ونصرته للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم. قال تعالى لنبيه الصلاة والسلام: { فإما تثقفنهم } أي: مهما تصادفهم وتظفر بهم { في الحرب فشرد بهم } أي: فرق عنك من يناصبك بسبب تنكيلهم وقتلهم، أو نكل بهم { من خلفهم } بأن تفعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم { لعلهم يذكرون } أي: لعل من خلفهم يتعظون فينزجروا عن حربك. { وإما تخافن من قوم } معاهدين { خيانة } أي: نقص عهد بأمارات تلوح لك، { فانبذ إليهم } أي: فاطرح إليهم عهدهم { على سواء } أي: على عدل وطريق قصد في العداوة، ولا تناجزهم بالحرب قبل العلم بالنبذ، فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في العلم بنقض العهد، فتستوي معهم في العلم بنقض العهد، { إن الله لا يحب الخائنين } أي: لا يرضى فعلهم، وهو تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال. { ولا تحسبن } ، يا محمد، { الذين كفروا سبقوا } قدرتنا، ونجوا من نكالنا { إنهم لا يعجزون } أي: لا يفوتون في الدنيا والآخرة، فلا يعجزون قدرتنا، أو لا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم، بل الله محيط بهم أينما حلوا. والله تعالى أعلم. الإشارة: شرف الإنسان وكماله في خمسة أشياء: الإيمان بالله، وبسائر ما يتوقف الإيمان عليه، والوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، والرضى بالموجود، والصبر على المفقود. وقال القشيري في قوله تعالى: { فإما تثقفهم في الحرب... } الآية، أي: إن صادفت واحدا من هؤلاء الذين دأبهم نقص العهد، فاجعلهم عبرة لمن يأتي بعدهم، لئلا يسلكوا طريقهم، فيستوجبوا عقوبتهم. كذلك من فسخ عقده مع الله بقلبه، برجوعه إلى رخص التأويلات، ونزول إلى السكون مع العادات، يجعله الله نكالا لمن بعده، بحرمان ما كان خوله وتنغيصه عليه. ثم قال عند قوله: { وإما تخافن من قوم خيانة } ، يريد إذا تحققت خيانة قوم منهم، فصرح بأن لا عهد بينك وبينهم، فإذا حصلت الخيانة زال سمت الأمانة، وخيانة كل أحد على ما يليق بحاله. ه. ثم أمر بالاستعداد للحرب لمن نقض العهد، فقال: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل }.
الأنفال 8:56
قلت: فهم لا يؤمنون: جملة معطوفة على جملة الصلة، والفاء للتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف، والذين عاهدت: بدل بعض من الذين كفروا، وفشرد: جواب إما، والتشريد: تفريق على اضطراب. يقول الحق جل جلاله: { إن شر الدواب عند الله } منزلة { الذين كفروا } ، تحقق كفرهم، وسبق به القدر، { فهم لا يؤمنون } أبدا لما سبق لهم من الشقاء. نزلت في قوم مخصوصين، وهم بنو قريظة، { الذين عاهدت منهم } أي: أخذت عليهم العهد ألا يعاونوا عليك الكفار، { ثم ينقصون عهدهم في كل مرة } أي: يخونون عهدك المرة بعد المرة، فأعانوا المشركين بالسلاح يوم أحد، وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم، فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف في ملأ منهم إلى مكة، فحالفوا المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل مقاتلتهم سبا ذراريهم، { وهم لا يتقون } شؤم الغدر وتبعته، أو: لا يتقون الله في الغدر ونصرته للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم. قال تعالى لنبيه الصلاة والسلام: { فإما تثقفنهم } أي: مهما تصادفهم وتظفر بهم { في الحرب فشرد بهم } أي: فرق عنك من يناصبك بسبب تنكيلهم وقتلهم، أو نكل بهم { من خلفهم } بأن تفعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم { لعلهم يذكرون } أي: لعل من خلفهم يتعظون فينزجروا عن حربك. { وإما تخافن من قوم } معاهدين { خيانة } أي: نقص عهد بأمارات تلوح لك، { فانبذ إليهم } أي: فاطرح إليهم عهدهم { على سواء } أي: على عدل وطريق قصد في العداوة، ولا تناجزهم بالحرب قبل العلم بالنبذ، فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في العلم بنقض العهد، فتستوي معهم في العلم بنقض العهد، { إن الله لا يحب الخائنين } أي: لا يرضى فعلهم، وهو تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال. { ولا تحسبن } ، يا محمد، { الذين كفروا سبقوا } قدرتنا، ونجوا من نكالنا { إنهم لا يعجزون } أي: لا يفوتون في الدنيا والآخرة، فلا يعجزون قدرتنا، أو لا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم، بل الله محيط بهم أينما حلوا. والله تعالى أعلم. الإشارة: شرف الإنسان وكماله في خمسة أشياء: الإيمان بالله، وبسائر ما يتوقف الإيمان عليه، والوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، والرضى بالموجود، والصبر على المفقود. وقال القشيري في قوله تعالى: { فإما تثقفهم في الحرب... } الآية، أي: إن صادفت واحدا من هؤلاء الذين دأبهم نقص العهد، فاجعلهم عبرة لمن يأتي بعدهم، لئلا يسلكوا طريقهم، فيستوجبوا عقوبتهم. كذلك من فسخ عقده مع الله بقلبه، برجوعه إلى رخص التأويلات، ونزول إلى السكون مع العادات، يجعله الله نكالا لمن بعده، بحرمان ما كان خوله وتنغيصه عليه. ثم قال عند قوله: { وإما تخافن من قوم خيانة } ، يريد إذا تحققت خيانة قوم منهم، فصرح بأن لا عهد بينك وبينهم، فإذا حصلت الخيانة زال سمت الأمانة، وخيانة كل أحد على ما يليق بحاله. ه. ثم أمر بالاستعداد للحرب لمن نقض العهد، فقال: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل }.
الأنفال 8:57
قلت: فهم لا يؤمنون: جملة معطوفة على جملة الصلة، والفاء للتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف، والذين عاهدت: بدل بعض من الذين كفروا، وفشرد: جواب إما، والتشريد: تفريق على اضطراب. يقول الحق جل جلاله: { إن شر الدواب عند الله } منزلة { الذين كفروا } ، تحقق كفرهم، وسبق به القدر، { فهم لا يؤمنون } أبدا لما سبق لهم من الشقاء. نزلت في قوم مخصوصين، وهم بنو قريظة، { الذين عاهدت منهم } أي: أخذت عليهم العهد ألا يعاونوا عليك الكفار، { ثم ينقصون عهدهم في كل مرة } أي: يخونون عهدك المرة بعد المرة، فأعانوا المشركين بالسلاح يوم أحد، وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم، فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف في ملأ منهم إلى مكة، فحالفوا المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل مقاتلتهم سبا ذراريهم، { وهم لا يتقون } شؤم الغدر وتبعته، أو: لا يتقون الله في الغدر ونصرته للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم. قال تعالى لنبيه الصلاة والسلام: { فإما تثقفنهم } أي: مهما تصادفهم وتظفر بهم { في الحرب فشرد بهم } أي: فرق عنك من يناصبك بسبب تنكيلهم وقتلهم، أو نكل بهم { من خلفهم } بأن تفعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم { لعلهم يذكرون } أي: لعل من خلفهم يتعظون فينزجروا عن حربك. { وإما تخافن من قوم } معاهدين { خيانة } أي: نقص عهد بأمارات تلوح لك، { فانبذ إليهم } أي: فاطرح إليهم عهدهم { على سواء } أي: على عدل وطريق قصد في العداوة، ولا تناجزهم بالحرب قبل العلم بالنبذ، فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في العلم بنقض العهد، فتستوي معهم في العلم بنقض العهد، { إن الله لا يحب الخائنين } أي: لا يرضى فعلهم، وهو تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال. { ولا تحسبن } ، يا محمد، { الذين كفروا سبقوا } قدرتنا، ونجوا من نكالنا { إنهم لا يعجزون } أي: لا يفوتون في الدنيا والآخرة، فلا يعجزون قدرتنا، أو لا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم، بل الله محيط بهم أينما حلوا. والله تعالى أعلم. الإشارة: شرف الإنسان وكماله في خمسة أشياء: الإيمان بالله، وبسائر ما يتوقف الإيمان عليه، والوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، والرضى بالموجود، والصبر على المفقود. وقال القشيري في قوله تعالى: { فإما تثقفهم في الحرب... } الآية، أي: إن صادفت واحدا من هؤلاء الذين دأبهم نقص العهد، فاجعلهم عبرة لمن يأتي بعدهم، لئلا يسلكوا طريقهم، فيستوجبوا عقوبتهم. كذلك من فسخ عقده مع الله بقلبه، برجوعه إلى رخص التأويلات، ونزول إلى السكون مع العادات، يجعله الله نكالا لمن بعده، بحرمان ما كان خوله وتنغيصه عليه. ثم قال عند قوله: { وإما تخافن من قوم خيانة } ، يريد إذا تحققت خيانة قوم منهم، فصرح بأن لا عهد بينك وبينهم، فإذا حصلت الخيانة زال سمت الأمانة، وخيانة كل أحد على ما يليق بحاله. ه. ثم أمر بالاستعداد للحرب لمن نقض العهد، فقال: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل }.
الأنفال 8:58
قلت: فهم لا يؤمنون: جملة معطوفة على جملة الصلة، والفاء للتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف، والذين عاهدت: بدل بعض من الذين كفروا، وفشرد: جواب إما، والتشريد: تفريق على اضطراب. يقول الحق جل جلاله: { إن شر الدواب عند الله } منزلة { الذين كفروا } ، تحقق كفرهم، وسبق به القدر، { فهم لا يؤمنون } أبدا لما سبق لهم من الشقاء. نزلت في قوم مخصوصين، وهم بنو قريظة، { الذين عاهدت منهم } أي: أخذت عليهم العهد ألا يعاونوا عليك الكفار، { ثم ينقصون عهدهم في كل مرة } أي: يخونون عهدك المرة بعد المرة، فأعانوا المشركين بالسلاح يوم أحد، وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم، فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف في ملأ منهم إلى مكة، فحالفوا المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل مقاتلتهم سبا ذراريهم، { وهم لا يتقون } شؤم الغدر وتبعته، أو: لا يتقون الله في الغدر ونصرته للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم. قال تعالى لنبيه الصلاة والسلام: { فإما تثقفنهم } أي: مهما تصادفهم وتظفر بهم { في الحرب فشرد بهم } أي: فرق عنك من يناصبك بسبب تنكيلهم وقتلهم، أو نكل بهم { من خلفهم } بأن تفعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم { لعلهم يذكرون } أي: لعل من خلفهم يتعظون فينزجروا عن حربك. { وإما تخافن من قوم } معاهدين { خيانة } أي: نقص عهد بأمارات تلوح لك، { فانبذ إليهم } أي: فاطرح إليهم عهدهم { على سواء } أي: على عدل وطريق قصد في العداوة، ولا تناجزهم بالحرب قبل العلم بالنبذ، فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في العلم بنقض العهد، فتستوي معهم في العلم بنقض العهد، { إن الله لا يحب الخائنين } أي: لا يرضى فعلهم، وهو تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال. { ولا تحسبن } ، يا محمد، { الذين كفروا سبقوا } قدرتنا، ونجوا من نكالنا { إنهم لا يعجزون } أي: لا يفوتون في الدنيا والآخرة، فلا يعجزون قدرتنا، أو لا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم، بل الله محيط بهم أينما حلوا. والله تعالى أعلم. الإشارة: شرف الإنسان وكماله في خمسة أشياء: الإيمان بالله، وبسائر ما يتوقف الإيمان عليه، والوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، والرضى بالموجود، والصبر على المفقود. وقال القشيري في قوله تعالى: { فإما تثقفهم في الحرب... } الآية، أي: إن صادفت واحدا من هؤلاء الذين دأبهم نقص العهد، فاجعلهم عبرة لمن يأتي بعدهم، لئلا يسلكوا طريقهم، فيستوجبوا عقوبتهم. كذلك من فسخ عقده مع الله بقلبه، برجوعه إلى رخص التأويلات، ونزول إلى السكون مع العادات، يجعله الله نكالا لمن بعده، بحرمان ما كان خوله وتنغيصه عليه. ثم قال عند قوله: { وإما تخافن من قوم خيانة } ، يريد إذا تحققت خيانة قوم منهم، فصرح بأن لا عهد بينك وبينهم، فإذا حصلت الخيانة زال سمت الأمانة، وخيانة كل أحد على ما يليق بحاله. ه. ثم أمر بالاستعداد للحرب لمن نقض العهد، فقال: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل }.
الأنفال 8:59
قلت: فهم لا يؤمنون: جملة معطوفة على جملة الصلة، والفاء للتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف، والذين عاهدت: بدل بعض من الذين كفروا، وفشرد: جواب إما، والتشريد: تفريق على اضطراب. يقول الحق جل جلاله: { إن شر الدواب عند الله } منزلة { الذين كفروا } ، تحقق كفرهم، وسبق به القدر، { فهم لا يؤمنون } أبدا لما سبق لهم من الشقاء. نزلت في قوم مخصوصين، وهم بنو قريظة، { الذين عاهدت منهم } أي: أخذت عليهم العهد ألا يعاونوا عليك الكفار، { ثم ينقصون عهدهم في كل مرة } أي: يخونون عهدك المرة بعد المرة، فأعانوا المشركين بالسلاح يوم أحد، وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم، فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف في ملأ منهم إلى مكة، فحالفوا المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل مقاتلتهم سبا ذراريهم، { وهم لا يتقون } شؤم الغدر وتبعته، أو: لا يتقون الله في الغدر ونصرته للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم. قال تعالى لنبيه الصلاة والسلام: { فإما تثقفنهم } أي: مهما تصادفهم وتظفر بهم { في الحرب فشرد بهم } أي: فرق عنك من يناصبك بسبب تنكيلهم وقتلهم، أو نكل بهم { من خلفهم } بأن تفعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم { لعلهم يذكرون } أي: لعل من خلفهم يتعظون فينزجروا عن حربك. { وإما تخافن من قوم } معاهدين { خيانة } أي: نقص عهد بأمارات تلوح لك، { فانبذ إليهم } أي: فاطرح إليهم عهدهم { على سواء } أي: على عدل وطريق قصد في العداوة، ولا تناجزهم بالحرب قبل العلم بالنبذ، فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في العلم بنقض العهد، فتستوي معهم في العلم بنقض العهد، { إن الله لا يحب الخائنين } أي: لا يرضى فعلهم، وهو تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال. { ولا تحسبن } ، يا محمد، { الذين كفروا سبقوا } قدرتنا، ونجوا من نكالنا { إنهم لا يعجزون } أي: لا يفوتون في الدنيا والآخرة، فلا يعجزون قدرتنا، أو لا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم، بل الله محيط بهم أينما حلوا. والله تعالى أعلم. الإشارة: شرف الإنسان وكماله في خمسة أشياء: الإيمان بالله، وبسائر ما يتوقف الإيمان عليه، والوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، والرضى بالموجود، والصبر على المفقود. وقال القشيري في قوله تعالى: { فإما تثقفهم في الحرب... } الآية، أي: إن صادفت واحدا من هؤلاء الذين دأبهم نقص العهد، فاجعلهم عبرة لمن يأتي بعدهم، لئلا يسلكوا طريقهم، فيستوجبوا عقوبتهم. كذلك من فسخ عقده مع الله بقلبه، برجوعه إلى رخص التأويلات، ونزول إلى السكون مع العادات، يجعله الله نكالا لمن بعده، بحرمان ما كان خوله وتنغيصه عليه. ثم قال عند قوله: { وإما تخافن من قوم خيانة } ، يريد إذا تحققت خيانة قوم منهم، فصرح بأن لا عهد بينك وبينهم، فإذا حصلت الخيانة زال سمت الأمانة، وخيانة كل أحد على ما يليق بحاله. ه. ثم أمر بالاستعداد للحرب لمن نقض العهد، فقال: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل }.
الأنفال 8:60
يقول الحق جل جلاله: { وأعدوا لهم } ، أي: لناقضي العهد، أو لمطلق الكفار، { ما استطعتم من قوة } ، أي: ما قدرتم عليه من كل ما يتقوى به في الحرب. وعن عقبة ابن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر:
" ألا إن القوة الرمي "
قالها ثلاثا، ولعله عليه الصلاة والسلام خصه بالذكر لأنه أعظم القوى، { و } أعدوا لهم أيضا { من رباط الخيل } اي: من الخيل المربوطة للجهاد، وهو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، بمعنى مفعول، أو مصدر، أو جمع ربيط كفصيل وفصال. والمراد: الحث على استعداد الخيل العتاق التي تربط وتعلف بقصد الجهاد، وهو من جملة القوة، فهو من عطف الخاص على العام، للاعتناء بأمر الخيل لما فيها من الإرهاب. ولذلك قال: { ترهبون به } أي: تخوفون بذلك الأعداء، أو بما ذكر من الخيل المربوطة، { عدو الله وعدوكم } يعني كفار مكة، { وآخرين من دونهم } أي: من غيرهم من الكفرة، كفارس والروم وسائر الكفرة، { لا تعلمونهم } ، أي لا تعرفونهم اليوم، { الله يعلمهم } ،وسيمكنكم منهم، فتقاتلونهم وتملكون ملكهم، { وما تنفقوا من شيء في سبيل الله } ، في شأن الاستعداد، وغيره مما يستعان به على الجهاد، { يوف إليكم } جزاؤه، { وأنتم لا تظلمون } بتضييع عمل أو نقص أجر، بل يضاعفه لكم أضعافا كثيرة، بسبعمائة أو أكثر. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأعدوا لجهاد القواطع والعلائق التي تعوقكم عن الحضرة، ما استطعتم من قوة، وهو العزم على السير من غير التفات، ومن رباط القلوب في حضرة الحق، ترهبون به عدو الله، وهو الشيطان، وعدوكم، وهي النفس، وآخرين من دونهم: الحظوظ واللحوظ وخفايا خدع النفوس، لا تعلمونهم، الله يعلمهم كالرياء والشرك الخفي، فإنه يدب دبيب النمل، وما تنفقوا من شيء يوف إليكم أضعافا مضاعفة، بالعز الدائم والغنى الأكبر، وأنتم لا تظلمون. وقال الورتجبي: أعلم الله المؤمنين والعارفين استعداد قتل أعداء الله، وسمى آلة القتال بقوة، وتلك القوة قوة الإلهية التي لا ينالها العارف من الله إلا بخضوعه بين يديه، بنعت الفناء في جلاله، فإذا كان كذلك يلبسه الله لباس عظمته ونور كبريائه وهيبته، ويغريه إلى الدعاء عليهم، ويجعله منبسطا، حتى يقول في سره: إلهي خذهم، فيأخذهم بلحظة، ويسقطهم صرعى بين يديه بعونه وكرمه، ويسلي قلب وليه بتفريجه من شرور معارضيه ومنكريه، وذلك سهم رمى نفوس الهمة عن كنانة الغيرة، كما رمى نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى منكريه حين قال:
" شاهت الوجوه "
وهذا الرمي من الله بقوله: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }. سمعت أن ذا النون المصري رضي الله عنه كان في غزو، وغلب المشركون على المؤمنين، فقيل له: لو دعوت الله، فنزل عن دابته وسجد، فهزم المشركون في لحظة،وأخذوا جميعا، وأسروا، وقتلوا.
وأيضا: وأعدوا: أي اقتبسوا من الله قوة من قوى صفاته لنفوسكم حتى يقويكم في محاربتها. قال أبو علي الروذباري، في قوله: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ، فقال: القوة هي الثقة بالله، قيل ظاهر الآية: إنه الرمي بسهام القسي. وفي الحقيقة: رمي سهام الليالي في الغيب بالخضوع والاستكانة، ورمي القلب إلى الحق معتمدا عليه، راجعا إليه عما سواه. ه. ثم بين أن المعول على الله ونصرته، لا على السلاح والآلات بقوله: { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } ، أي: قواك بقوته الأزلية، ونصرك بنصرته الأبدية، ووفق المؤمنين بإعانتك على عدوك. ثم بين سبحانه أن نصرة المؤمنين لم تكن إلا بتأليفه بين قلوبهم، وجمعهم على محبة الله ومحبة رسوله، بعد تباينها بتفريقة الهموم في أودية الامتحان، بقوله: { وألف بين قلوبهم }. وقال القشيري: الإشارة بقوله: { ترهبون }: إلى أنه لا يجاهد على رجاء غنيمة ينالها، أو إشفاء صدر عن قضية حقد، بل قصده أن تكون كلمة الله هي العليا. ه. ثم دل على الصلح لمصلحة، فقال: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها }.
الأنفال 8:61
يقول الحق جل جلاله: { وإن جنحوا للسلم } أي: وإن مالوا للصلح { فاجنح لها } أي فصالحهم، ومل إلى المعاهدة معهم، وتوكل على الله فلا تخف منهم أن يكونوا أبطنوا خداعا فإن الله يعصمك من مكرهم
ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله
[فاطر:42]، { إنه هو السميع } لأقوالهم، { العليم } بأحوالهم. { وإن يريدوا أن يخدعوك } بعد الصلح { فإن حسبك الله } أي: فحسبك الله وكافيك شرهم، { هو الذي أيدك } أي: قواك ونصرك { بنصره } تحقيقا، { وبالمؤمنين } تشريفا، أو { بنصره } قدرة، { وبالمؤمنين } حكمة، والقدرة والحكمة منه وإليه، فلا دليل عليه للمعتزلة حيث نسبوا الفعل للعبد، وقالوا: العطف يقتضي المغايرة. { وألف بين قلوبهم } مع ما كان فيها من زمن الجاهلية من المعصية والضغائن والتهالك على الانتقام، حتى لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، ثم صاروا كنفس واحدة، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: { لو أنفقت ما في الأرض جميعا } ، في إصلاح ما بينهم، { ما ألفت بين قلوبهم } لتناهي عداوتهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة بينهم، { ولكن الله ألف بينهم } بقدرته البالغة فإنه المالك للقلوب يقبلها كيف يشاء. { إنه عزيز } تام القدرة، لا يعصي عليه ما يريده، { حكيم } يعلم كيف ينبغي أن يفعل ما يريده. قيل: إن الآية نزلت في الأوس والخزرج، كان بينهم إحن وضغائن لا أمد لها، ووقائع هلكت فيها ساداتهم، فأنساهم الله ذلك، وألف بينهم بالإسلام، حتى تصادقوا وصاروا أنصار الدين. وبالله التوفيق. الإشارة: وإن مالت النفس وجنودها إلى الصلح مع صاحبها بأن ألقت السلاح، ومالت إلى فعل كل ما فيه خير وصلاح، وعقدت الرجوع عن هواها، والدؤوب على طاعة مولاها، فالواجب عقد الصلح معها، وتصديقها فيما تأمر به أو تنهى عنه، مما يرد عليها، مع التوكل على مولاها، فإن خدعت بعد ذلك، أو رجعت إلى مألوفها، فالله يكفي أمرها، ويقوي صاحبها على درها، إما بسبب شيخ كامل، أو أخ صالح، فإن الصحبة فيها سر كبير، لا سيما مع أهل الصفاء، الذين صفت قلوبهم، وألف الله بينهم بالمحبة والوداد، وحسن الظن والاعتقاد، وإما بسابق عناية ربانية وقوة إلهية. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه بالاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه، فقال: { يأيها النبي حسبك الله }.
الأنفال 8:62
يقول الحق جل جلاله: { وإن جنحوا للسلم } أي: وإن مالوا للصلح { فاجنح لها } أي فصالحهم، ومل إلى المعاهدة معهم، وتوكل على الله فلا تخف منهم أن يكونوا أبطنوا خداعا فإن الله يعصمك من مكرهم
ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله
[فاطر:42]، { إنه هو السميع } لأقوالهم، { العليم } بأحوالهم. { وإن يريدوا أن يخدعوك } بعد الصلح { فإن حسبك الله } أي: فحسبك الله وكافيك شرهم، { هو الذي أيدك } أي: قواك ونصرك { بنصره } تحقيقا، { وبالمؤمنين } تشريفا، أو { بنصره } قدرة، { وبالمؤمنين } حكمة، والقدرة والحكمة منه وإليه، فلا دليل عليه للمعتزلة حيث نسبوا الفعل للعبد، وقالوا: العطف يقتضي المغايرة. { وألف بين قلوبهم } مع ما كان فيها من زمن الجاهلية من المعصية والضغائن والتهالك على الانتقام، حتى لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، ثم صاروا كنفس واحدة، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: { لو أنفقت ما في الأرض جميعا } ، في إصلاح ما بينهم، { ما ألفت بين قلوبهم } لتناهي عداوتهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة بينهم، { ولكن الله ألف بينهم } بقدرته البالغة فإنه المالك للقلوب يقبلها كيف يشاء. { إنه عزيز } تام القدرة، لا يعصي عليه ما يريده، { حكيم } يعلم كيف ينبغي أن يفعل ما يريده. قيل: إن الآية نزلت في الأوس والخزرج، كان بينهم إحن وضغائن لا أمد لها، ووقائع هلكت فيها ساداتهم، فأنساهم الله ذلك، وألف بينهم بالإسلام، حتى تصادقوا وصاروا أنصار الدين. وبالله التوفيق. الإشارة: وإن مالت النفس وجنودها إلى الصلح مع صاحبها بأن ألقت السلاح، ومالت إلى فعل كل ما فيه خير وصلاح، وعقدت الرجوع عن هواها، والدؤوب على طاعة مولاها، فالواجب عقد الصلح معها، وتصديقها فيما تأمر به أو تنهى عنه، مما يرد عليها، مع التوكل على مولاها، فإن خدعت بعد ذلك، أو رجعت إلى مألوفها، فالله يكفي أمرها، ويقوي صاحبها على درها، إما بسبب شيخ كامل، أو أخ صالح، فإن الصحبة فيها سر كبير، لا سيما مع أهل الصفاء، الذين صفت قلوبهم، وألف الله بينهم بالمحبة والوداد، وحسن الظن والاعتقاد، وإما بسابق عناية ربانية وقوة إلهية. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه بالاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه، فقال: { يأيها النبي حسبك الله }.
الأنفال 8:63
يقول الحق جل جلاله: { وإن جنحوا للسلم } أي: وإن مالوا للصلح { فاجنح لها } أي فصالحهم، ومل إلى المعاهدة معهم، وتوكل على الله فلا تخف منهم أن يكونوا أبطنوا خداعا فإن الله يعصمك من مكرهم
ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله
[فاطر:42]، { إنه هو السميع } لأقوالهم، { العليم } بأحوالهم. { وإن يريدوا أن يخدعوك } بعد الصلح { فإن حسبك الله } أي: فحسبك الله وكافيك شرهم، { هو الذي أيدك } أي: قواك ونصرك { بنصره } تحقيقا، { وبالمؤمنين } تشريفا، أو { بنصره } قدرة، { وبالمؤمنين } حكمة، والقدرة والحكمة منه وإليه، فلا دليل عليه للمعتزلة حيث نسبوا الفعل للعبد، وقالوا: العطف يقتضي المغايرة. { وألف بين قلوبهم } مع ما كان فيها من زمن الجاهلية من المعصية والضغائن والتهالك على الانتقام، حتى لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، ثم صاروا كنفس واحدة، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: { لو أنفقت ما في الأرض جميعا } ، في إصلاح ما بينهم، { ما ألفت بين قلوبهم } لتناهي عداوتهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة بينهم، { ولكن الله ألف بينهم } بقدرته البالغة فإنه المالك للقلوب يقبلها كيف يشاء. { إنه عزيز } تام القدرة، لا يعصي عليه ما يريده، { حكيم } يعلم كيف ينبغي أن يفعل ما يريده. قيل: إن الآية نزلت في الأوس والخزرج، كان بينهم إحن وضغائن لا أمد لها، ووقائع هلكت فيها ساداتهم، فأنساهم الله ذلك، وألف بينهم بالإسلام، حتى تصادقوا وصاروا أنصار الدين. وبالله التوفيق. الإشارة: وإن مالت النفس وجنودها إلى الصلح مع صاحبها بأن ألقت السلاح، ومالت إلى فعل كل ما فيه خير وصلاح، وعقدت الرجوع عن هواها، والدؤوب على طاعة مولاها، فالواجب عقد الصلح معها، وتصديقها فيما تأمر به أو تنهى عنه، مما يرد عليها، مع التوكل على مولاها، فإن خدعت بعد ذلك، أو رجعت إلى مألوفها، فالله يكفي أمرها، ويقوي صاحبها على درها، إما بسبب شيخ كامل، أو أخ صالح، فإن الصحبة فيها سر كبير، لا سيما مع أهل الصفاء، الذين صفت قلوبهم، وألف الله بينهم بالمحبة والوداد، وحسن الظن والاعتقاد، وإما بسابق عناية ربانية وقوة إلهية. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه بالاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه، فقال: { يأيها النبي حسبك الله }.
الأنفال 8:64
قلت: حسبك: مبتدأ، والله: خبر، ويصح العكس، ومن اتبعك: إما عطف على الله، أي: كفاك الله والمؤمنون، أو في محل نصب على المفعول معه، أو في محل جر عطف على الضمير، على مذهب الكوفيين، أي: حسبك وحسب من اتبعك الله، والأول: أصح. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي حسبك الله } أي: كافيك الله، فلا تلتفت إلى شي سواه، أي: لما مننت عليك بائتلاف قلوب المؤمنين في نصرتك، فلا تلتفت إليهم في محل التوحيد، فإني حسبك وحدي بغير معاونة الخلق، فينبغي أن تفرد القدم عن الحدوث في سيرك مني إلي، وأنا حسب المؤمنين عن كل ما دوني، وإن كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا، ولا ينبغي في حقيقة التوحيد النظر إلى غيري، إنما أيدتك بواسطة المؤمنين، وذكرتهم معي تشريفا لأمتك، وسترا لقدرتي، وإظهار لكمال حكمتي، وإلا فقدرتي لا يفوتها شيء، ولا تتوقف على شيء " جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ". قال البيضاوي: نزلت الآية تأييدا في غزوة بدر، وقيل: أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، ثم أسلم عمر رضي الله عنه. فنزلت. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في إسلامه. الإشارة: ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب به ورثته الكرام، من الاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه، وتصحيح عقد التوحيد، والاعتماد على الكريم المجيد. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتحريض على الجهاد، فقال: { يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال }.
الأنفال 8:65
قلت: التحريض: هو الحث على الشيء والمبالغة في طلبه، وهو من الحرض، الذي هو الإشفاء على الهلاك. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي حرض المؤمنين } أي: حثهم { على القتال } أي: الجهاد. ثم أمرهم بالصبر والثبات للعدو بقوله: { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا } ، وهذا خبر بمعنى الأمر، أي: يقاتل العشرون منكم المائتين، والمائة الألف، وليثبتوا لهم، ولا يصح أن يكون خبرا محضا إذ لو كان خبرا محضا لما تخلف في الواقع، ولو في جزئية إذ خبره تعالى لا يخلف. قال الفخر الرازي: حسن هذا التكليف لما كان مسبوقا بقوله: { حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلا لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إذايته.ه. وإنما كان القليل من المؤمنين يقاوم الكثير من الكفار { بأنهم } بسبب أنهم { قوم لا يفقهون } ، أي: لأنهم جهلة بالله واليوم الآخر، فلا يثبتون ثبات المؤمنين، رجاء الثواب والترقي في الدرجات، قتلوا أو ماتوا، بخلاف الكفار فلا يستحقون من الله إلا الهوان والخذلان. ولما كلفهم بهذا في أول الإسلام، وشق ذلك عليهم، خفف عنهم فقال: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فلا يقاوم الواحد منكم العشرة، ولا المائة الألف، { فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله } أمرهم بمقاومة الواحد لاثنين. وقيل: كان فيهم قلة، فلما كثروا خفف عنهم، وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد، والضعف: ضعف البدن، لا ضعف القلب. قال بعض الصحابة رضي الله عنهم : لما نزل التخفيف ذهب من الصبر تسعة أعشار، وبقي العشر. ولذلك قال تعالى هنا: { والله مع الصابرين } أي: بالنصر والمعونة، فكيف لا يغلب من يقاومهم ولو كثر عدده؟. الإشارة: ينبغي لأهل التذكير أن يحرضوا الناس على جهاد نفوسهم، الذي هو الجهاد الأكبر، وإنما كان أكبر لأن العدد الحسي يقابلك وتقابله، بخلاف النفس فإنها جاءت تحت الرماية خفية عدو حبيب، فلا يتقدم لجهادها إلا الرجال، فينبغي للشيوخ أن يحضوا المريدين على جهادها، ويهونوا لهم شأنها، فإن النفس لا يهول أمرها إلا قبل رمي اليد فيها، فإذا رميت يدك فيها بالعزم على قتلها ضعفت ولانت، وسهل علاجها، وإذا خفت منها، وسوفت لها، طالت عليك وملكتك، ولا بد في جهادها من شيخ يريك مساوئها، ويعينك بهمته على قتلها، وإلا بقيت في العنت معها، والشغل بمعاناتها حتى تموت بلا حصول نتيجة جهادها، وهي المعرفة بسيدها وخالقها. والله تعالى أعلم. ثم عاتبهم على أخذ الفداء من الأسارى، فقال: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى }.
الأنفال 8:66
قلت: التحريض: هو الحث على الشيء والمبالغة في طلبه، وهو من الحرض، الذي هو الإشفاء على الهلاك. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي حرض المؤمنين } أي: حثهم { على القتال } أي: الجهاد. ثم أمرهم بالصبر والثبات للعدو بقوله: { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا } ، وهذا خبر بمعنى الأمر، أي: يقاتل العشرون منكم المائتين، والمائة الألف، وليثبتوا لهم، ولا يصح أن يكون خبرا محضا إذ لو كان خبرا محضا لما تخلف في الواقع، ولو في جزئية إذ خبره تعالى لا يخلف. قال الفخر الرازي: حسن هذا التكليف لما كان مسبوقا بقوله: { حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلا لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إذايته.ه. وإنما كان القليل من المؤمنين يقاوم الكثير من الكفار { بأنهم } بسبب أنهم { قوم لا يفقهون } ، أي: لأنهم جهلة بالله واليوم الآخر، فلا يثبتون ثبات المؤمنين، رجاء الثواب والترقي في الدرجات، قتلوا أو ماتوا، بخلاف الكفار فلا يستحقون من الله إلا الهوان والخذلان. ولما كلفهم بهذا في أول الإسلام، وشق ذلك عليهم، خفف عنهم فقال: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فلا يقاوم الواحد منكم العشرة، ولا المائة الألف، { فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله } أمرهم بمقاومة الواحد لاثنين. وقيل: كان فيهم قلة، فلما كثروا خفف عنهم، وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد، والضعف: ضعف البدن، لا ضعف القلب. قال بعض الصحابة رضي الله عنهم : لما نزل التخفيف ذهب من الصبر تسعة أعشار، وبقي العشر. ولذلك قال تعالى هنا: { والله مع الصابرين } أي: بالنصر والمعونة، فكيف لا يغلب من يقاومهم ولو كثر عدده؟. الإشارة: ينبغي لأهل التذكير أن يحرضوا الناس على جهاد نفوسهم، الذي هو الجهاد الأكبر، وإنما كان أكبر لأن العدد الحسي يقابلك وتقابله، بخلاف النفس فإنها جاءت تحت الرماية خفية عدو حبيب، فلا يتقدم لجهادها إلا الرجال، فينبغي للشيوخ أن يحضوا المريدين على جهادها، ويهونوا لهم شأنها، فإن النفس لا يهول أمرها إلا قبل رمي اليد فيها، فإذا رميت يدك فيها بالعزم على قتلها ضعفت ولانت، وسهل علاجها، وإذا خفت منها، وسوفت لها، طالت عليك وملكتك، ولا بد في جهادها من شيخ يريك مساوئها، ويعينك بهمته على قتلها، وإلا بقيت في العنت معها، والشغل بمعاناتها حتى تموت بلا حصول نتيجة جهادها، وهي المعرفة بسيدها وخالقها. والله تعالى أعلم. ثم عاتبهم على أخذ الفداء من الأسارى، فقال: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى }.
الأنفال 8:67
يقول الحق جل جلاله: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } يقبضها { حتى يثخن } أي: يبالغ { في الأرض } بالقتل حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولي أهله. { تريدون } بقبض الأسارى { عرض الدنيا } حطامها بأخذ الفداء منهم، { والله يريد الآخرة } أي: يريد لكم ثواب الآخرة، الذي يدوم ويبقى، أو يريد سبب نيل الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه، { والله عزيز } يغلب أولياءه على أعدائه، { حكيم } يعلم ما يليق بكمال حالهم ويخصهم بها، كما أمر بالإثخان، ومنع من أخذ الفداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخير بينه وبين المن لما تحولت الحال، وصارت الغلبة للمؤمنين. روي أنه عليه الصلاة والسلام أتي يوم بدر بسبعين أسيرا، فيهم العباس وعقيل بن أبي طالب، فاستأذن فيهم فقال أبو بكر رضي الله عنه: قومك وأهلك، استبقهم، لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك. وقال عمر رضي الله عنهم: اضرب أعناقهم، فإنهم أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، فمكني من فلان لنسيب له ومكن عليا وحمزة من أخويهما، فلنضرب أعناقهم فلم يهو ذلك رسول الله صلى عليه وسلم، وقال:
" إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من كل لين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم "
، قال:
فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم
[إبراهيم: 36]، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال:
رب لا تذر علىالأرض من الكفرين ديارا
[نوح: 26]. فخير أصحابه، فأخذوا الفداء، فنزلت، فدخل عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله:أخبرني، فإن أجد بكاء بكيت، وإلا تباكيت؟ فقال:
" أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة "
لشجرة قريبة. والآية دليل على أن الأنبياء عليهم السلام يجتهدون، وأنه قد يكون الخطأ، ولكن لا يقرون عليه. قاله البيضاوي. قال القشيري: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر منهم الفداء، وكان ذلك جائزا لوجوب العصمة، ولكن قتلهم كان أولى. ه. وقال ابن عطية: إنما توجه العتاب للصحابة على استبقاء الرجال دون قتلهم، لا على الفداء لأن الله تعالى قد كان خيرهم، فاختاروا الفداء على أن يقتل منهم سبعين، كما تقدم في سورة آل عمران. ثم قال: والنبي عليه الصلاة السلام خارج عن ذلك الاستبقاء. انظر تمامه في الحاشية. فإن قلت: إذا كان الحق تعالى خيرهم فكيف عاتبهم، وهم لم يرتكبوا محظورا؟ فالجواب: أن العتاب تابع لعلو المقام، فالخواص يعاتبون على المباح، إن كان فعله مرجوحا، والحق تعالى إنما عاتبهم على رغبتهم في أمر دنيوي، وهو الفداء، حتى آثروا قتل أنفسهم على أخذه، ويدل عليه قوله: { تريدون عرض الدنيا } ، وهذا إنما كان في بعضهم، وجلهم إنما اختاروا الفداء استبقاء لقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام.
والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى في تمام عتابهم: { لولا كتاب من الله سبق } أي: لولا حكم الله سبق إثباته في اللوح المحظوظ، وهو ألا يعاقب المخطئ في اجتهاده، أو أنه سيحل لكم الغنائم، أو ما سبق في الأزل من العفو عنكم، { لمسكم فيما أخذتم } من الفداء أو من الأسارى، { عذاب عظيم }. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال، حيث نزلت:
" لو نزل العذاب ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ "
وذلك لأنه أيضا أشار بالإثخان. ثم أباح لهم الغنائم وأخذ الفداء فقال: { فكلوا مما غنمتم } من الكفار، ومن جملته: الفدية، فإنها من الغنائم، { حلالا طيبا } أي: أكلا حلالا، فائدته: إزاحة ما وقع في نفوسهم بسبب تلك المعاتبة، أو حرمتها على المتقدمين. روي أنه لما عاتبهم أمسكوا عنها حتى نزلت: { فكلوا مما غنمتم } ، ووصفة بالطيب تسكينا لقلوبهم، وزيادة في حليتها. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" أعطيت خمسا لي لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: أحلت لي الغنائم، ونصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأعطيت الشفاعة، وخصصت بجوامع الكلم "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم قال تعالى: { واتقوا الله } في مخالفته { إن الله غفور رحيم } أي: يغفر لكم ما فرط، ويرحمكم بإباحة ما حرم على غيركم توسعة عليكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما ينبغي للفقير المتوجه أن يكون له أتباع يتصرف فيهم ويستفيد منهم، عوضا عن الدنيا، حتى يبالغ في قتل نفسه وتموت، ويأمن عليها الرجوع إلى وطنها من حب الرئاسة والجاة، أو جمع المال، والتمتع بالحظوظ، فإن تعاطي ذلك قبل موت نفسه كان ذلك سبب طرده، وتعجيل العقوبة له، حتى إذا تداركه الله بلطفه، وسبقت له عناية من ربه، فيقال له حينئذ: لولا كتاب من الله سبق لمسك فيما أخذت عذاب عظيم. ثم بشر الأسارى بخلف ما أخذ منهم من الفداء بأكثر منه، فقال: { يأيها النبي قل لمن في أيديكم }.
الأنفال 8:68
يقول الحق جل جلاله: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } يقبضها { حتى يثخن } أي: يبالغ { في الأرض } بالقتل حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولي أهله. { تريدون } بقبض الأسارى { عرض الدنيا } حطامها بأخذ الفداء منهم، { والله يريد الآخرة } أي: يريد لكم ثواب الآخرة، الذي يدوم ويبقى، أو يريد سبب نيل الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه، { والله عزيز } يغلب أولياءه على أعدائه، { حكيم } يعلم ما يليق بكمال حالهم ويخصهم بها، كما أمر بالإثخان، ومنع من أخذ الفداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخير بينه وبين المن لما تحولت الحال، وصارت الغلبة للمؤمنين. روي أنه عليه الصلاة والسلام أتي يوم بدر بسبعين أسيرا، فيهم العباس وعقيل بن أبي طالب، فاستأذن فيهم فقال أبو بكر رضي الله عنه: قومك وأهلك، استبقهم، لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك. وقال عمر رضي الله عنهم: اضرب أعناقهم، فإنهم أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، فمكني من فلان لنسيب له ومكن عليا وحمزة من أخويهما، فلنضرب أعناقهم فلم يهو ذلك رسول الله صلى عليه وسلم، وقال:
" إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من كل لين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم "
، قال:
فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم
[إبراهيم: 36]، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال:
رب لا تذر علىالأرض من الكفرين ديارا
[نوح: 26]. فخير أصحابه، فأخذوا الفداء، فنزلت، فدخل عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله:أخبرني، فإن أجد بكاء بكيت، وإلا تباكيت؟ فقال:
" أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة "
لشجرة قريبة. والآية دليل على أن الأنبياء عليهم السلام يجتهدون، وأنه قد يكون الخطأ، ولكن لا يقرون عليه. قاله البيضاوي. قال القشيري: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر منهم الفداء، وكان ذلك جائزا لوجوب العصمة، ولكن قتلهم كان أولى. ه. وقال ابن عطية: إنما توجه العتاب للصحابة على استبقاء الرجال دون قتلهم، لا على الفداء لأن الله تعالى قد كان خيرهم، فاختاروا الفداء على أن يقتل منهم سبعين، كما تقدم في سورة آل عمران. ثم قال: والنبي عليه الصلاة السلام خارج عن ذلك الاستبقاء. انظر تمامه في الحاشية. فإن قلت: إذا كان الحق تعالى خيرهم فكيف عاتبهم، وهم لم يرتكبوا محظورا؟ فالجواب: أن العتاب تابع لعلو المقام، فالخواص يعاتبون على المباح، إن كان فعله مرجوحا، والحق تعالى إنما عاتبهم على رغبتهم في أمر دنيوي، وهو الفداء، حتى آثروا قتل أنفسهم على أخذه، ويدل عليه قوله: { تريدون عرض الدنيا } ، وهذا إنما كان في بعضهم، وجلهم إنما اختاروا الفداء استبقاء لقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام.
والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى في تمام عتابهم: { لولا كتاب من الله سبق } أي: لولا حكم الله سبق إثباته في اللوح المحظوظ، وهو ألا يعاقب المخطئ في اجتهاده، أو أنه سيحل لكم الغنائم، أو ما سبق في الأزل من العفو عنكم، { لمسكم فيما أخذتم } من الفداء أو من الأسارى، { عذاب عظيم }. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال، حيث نزلت:
" لو نزل العذاب ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ "
وذلك لأنه أيضا أشار بالإثخان. ثم أباح لهم الغنائم وأخذ الفداء فقال: { فكلوا مما غنمتم } من الكفار، ومن جملته: الفدية، فإنها من الغنائم، { حلالا طيبا } أي: أكلا حلالا، فائدته: إزاحة ما وقع في نفوسهم بسبب تلك المعاتبة، أو حرمتها على المتقدمين. روي أنه لما عاتبهم أمسكوا عنها حتى نزلت: { فكلوا مما غنمتم } ، ووصفة بالطيب تسكينا لقلوبهم، وزيادة في حليتها. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" أعطيت خمسا لي لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: أحلت لي الغنائم، ونصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأعطيت الشفاعة، وخصصت بجوامع الكلم "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم قال تعالى: { واتقوا الله } في مخالفته { إن الله غفور رحيم } أي: يغفر لكم ما فرط، ويرحمكم بإباحة ما حرم على غيركم توسعة عليكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما ينبغي للفقير المتوجه أن يكون له أتباع يتصرف فيهم ويستفيد منهم، عوضا عن الدنيا، حتى يبالغ في قتل نفسه وتموت، ويأمن عليها الرجوع إلى وطنها من حب الرئاسة والجاة، أو جمع المال، والتمتع بالحظوظ، فإن تعاطي ذلك قبل موت نفسه كان ذلك سبب طرده، وتعجيل العقوبة له، حتى إذا تداركه الله بلطفه، وسبقت له عناية من ربه، فيقال له حينئذ: لولا كتاب من الله سبق لمسك فيما أخذت عذاب عظيم. ثم بشر الأسارى بخلف ما أخذ منهم من الفداء بأكثر منه، فقال: { يأيها النبي قل لمن في أيديكم }.
الأنفال 8:69
يقول الحق جل جلاله: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } يقبضها { حتى يثخن } أي: يبالغ { في الأرض } بالقتل حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولي أهله. { تريدون } بقبض الأسارى { عرض الدنيا } حطامها بأخذ الفداء منهم، { والله يريد الآخرة } أي: يريد لكم ثواب الآخرة، الذي يدوم ويبقى، أو يريد سبب نيل الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه، { والله عزيز } يغلب أولياءه على أعدائه، { حكيم } يعلم ما يليق بكمال حالهم ويخصهم بها، كما أمر بالإثخان، ومنع من أخذ الفداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخير بينه وبين المن لما تحولت الحال، وصارت الغلبة للمؤمنين. روي أنه عليه الصلاة والسلام أتي يوم بدر بسبعين أسيرا، فيهم العباس وعقيل بن أبي طالب، فاستأذن فيهم فقال أبو بكر رضي الله عنه: قومك وأهلك، استبقهم، لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك. وقال عمر رضي الله عنهم: اضرب أعناقهم، فإنهم أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، فمكني من فلان لنسيب له ومكن عليا وحمزة من أخويهما، فلنضرب أعناقهم فلم يهو ذلك رسول الله صلى عليه وسلم، وقال:
" إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من كل لين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم "
، قال:
فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم
[إبراهيم: 36]، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال:
رب لا تذر علىالأرض من الكفرين ديارا
[نوح: 26]. فخير أصحابه، فأخذوا الفداء، فنزلت، فدخل عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله:أخبرني، فإن أجد بكاء بكيت، وإلا تباكيت؟ فقال:
" أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة "
لشجرة قريبة. والآية دليل على أن الأنبياء عليهم السلام يجتهدون، وأنه قد يكون الخطأ، ولكن لا يقرون عليه. قاله البيضاوي. قال القشيري: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر منهم الفداء، وكان ذلك جائزا لوجوب العصمة، ولكن قتلهم كان أولى. ه. وقال ابن عطية: إنما توجه العتاب للصحابة على استبقاء الرجال دون قتلهم، لا على الفداء لأن الله تعالى قد كان خيرهم، فاختاروا الفداء على أن يقتل منهم سبعين، كما تقدم في سورة آل عمران. ثم قال: والنبي عليه الصلاة السلام خارج عن ذلك الاستبقاء. انظر تمامه في الحاشية. فإن قلت: إذا كان الحق تعالى خيرهم فكيف عاتبهم، وهم لم يرتكبوا محظورا؟ فالجواب: أن العتاب تابع لعلو المقام، فالخواص يعاتبون على المباح، إن كان فعله مرجوحا، والحق تعالى إنما عاتبهم على رغبتهم في أمر دنيوي، وهو الفداء، حتى آثروا قتل أنفسهم على أخذه، ويدل عليه قوله: { تريدون عرض الدنيا } ، وهذا إنما كان في بعضهم، وجلهم إنما اختاروا الفداء استبقاء لقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام.
والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى في تمام عتابهم: { لولا كتاب من الله سبق } أي: لولا حكم الله سبق إثباته في اللوح المحظوظ، وهو ألا يعاقب المخطئ في اجتهاده، أو أنه سيحل لكم الغنائم، أو ما سبق في الأزل من العفو عنكم، { لمسكم فيما أخذتم } من الفداء أو من الأسارى، { عذاب عظيم }. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال، حيث نزلت:
" لو نزل العذاب ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ "
وذلك لأنه أيضا أشار بالإثخان. ثم أباح لهم الغنائم وأخذ الفداء فقال: { فكلوا مما غنمتم } من الكفار، ومن جملته: الفدية، فإنها من الغنائم، { حلالا طيبا } أي: أكلا حلالا، فائدته: إزاحة ما وقع في نفوسهم بسبب تلك المعاتبة، أو حرمتها على المتقدمين. روي أنه لما عاتبهم أمسكوا عنها حتى نزلت: { فكلوا مما غنمتم } ، ووصفة بالطيب تسكينا لقلوبهم، وزيادة في حليتها. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" أعطيت خمسا لي لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: أحلت لي الغنائم، ونصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأعطيت الشفاعة، وخصصت بجوامع الكلم "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم قال تعالى: { واتقوا الله } في مخالفته { إن الله غفور رحيم } أي: يغفر لكم ما فرط، ويرحمكم بإباحة ما حرم على غيركم توسعة عليكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما ينبغي للفقير المتوجه أن يكون له أتباع يتصرف فيهم ويستفيد منهم، عوضا عن الدنيا، حتى يبالغ في قتل نفسه وتموت، ويأمن عليها الرجوع إلى وطنها من حب الرئاسة والجاة، أو جمع المال، والتمتع بالحظوظ، فإن تعاطي ذلك قبل موت نفسه كان ذلك سبب طرده، وتعجيل العقوبة له، حتى إذا تداركه الله بلطفه، وسبقت له عناية من ربه، فيقال له حينئذ: لولا كتاب من الله سبق لمسك فيما أخذت عذاب عظيم. ثم بشر الأسارى بخلف ما أخذ منهم من الفداء بأكثر منه، فقال: { يأيها النبي قل لمن في أيديكم }.
الأنفال 8:70
قلت: أسرى: جمع أسير، ويجمع على أسارى. وقرئ بهما، و خيرا مما: اسم تفضيل، وأصله: أخير، فاستغنى عنه بخير، وكذلك شر أصله: أشر، قال في الكافية:
وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم: أخير منه وأشر
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى } الذين أخذتم منهم الفداء: { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا } من الفداء. روي أنها نزلت في العباس رضي الله عنه كلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفدي نفسه، وابني أخويه: عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال: يا محمد، تركتني أتكفف قريشا ما بقيت، فقال له عليه الصلاة والسلام: وأين الذهب الذي دفعته لأم الفضل وقت خروجك، وقلت لها: لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث فهو لك، ولعبد الله، وعبيد الله، والفضل، وقثم، قال له وما يدريك؟ قال: أخبرني به ربي تعالى، قال: فأشهد أنك صادق، وأن لا اله إلا الله، وأنك رسول الله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل. قال العباس: فأبدلني الله خيرا من ذلك، أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال الذي قدم من البحرين ما لم أقدر على حمله، ولي الآن عشرون عبدا، إن أدناهم يضرب أي: يتجر في عشرين ألفا، وأعطاني زمزم، ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفره من ربكم، يعني: الموعود بقوله تعالى: { ويغفر لكم والله غفور رحيم }. { وإن يريدوا } الأسارى { خيانتك } بنقض ما عهدوك به، { فقد خانوا الله من قبل } بالكفر والمعاصي { فأمكن منهم } وأمكنك من ناصيتهم، فقبضوا وأسروا ببدر، { والله عليم } لا يخفى عليه شيء، { حكيم } فيما دبر وأمضى. الإشارة: يقال للفقراء المتوجهين إلى الله، الذين بذلوا أموالهم ومهجهم، وقتلوا نفوسهم في طلب محبوبهم: إن يعلم الله في قلوبكم خيرا، كصدق وإخلاص، يؤتكم أفضل مما أخذ منكم، من ذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس. وهو الغناء الأكبر، والسر الأشهر، الذي هو الفناء في الله، والغيببة عما سواه، وثمرته: المشاهدة التي تصحبها المكالمة، وهذا هو الإكسير والغنا الكبير، فكل من باع نفسه في طلب هذا فقد ربحت صفقته، وزكت تجارته، مع غفران الذنوب، وتغطية المساوئ والعيوب. وبالله التوفيق. ثم بين فضائل المهاجرين والانصار، ومنزلة من آمن ولم يهاجر، والذين هاجروا بعد الحديبية، تتميما للتحريض على الجهاد، فبدأ أولا بالمهاجرين والأنصار، فقال: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم }.
الأنفال 8:71
قلت: أسرى: جمع أسير، ويجمع على أسارى. وقرئ بهما، و خيرا مما: اسم تفضيل، وأصله: أخير، فاستغنى عنه بخير، وكذلك شر أصله: أشر، قال في الكافية:
وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم: أخير منه وأشر
يقول الحق جل جلاله: { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى } الذين أخذتم منهم الفداء: { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا } من الفداء. روي أنها نزلت في العباس رضي الله عنه كلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفدي نفسه، وابني أخويه: عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال: يا محمد، تركتني أتكفف قريشا ما بقيت، فقال له عليه الصلاة والسلام: وأين الذهب الذي دفعته لأم الفضل وقت خروجك، وقلت لها: لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث فهو لك، ولعبد الله، وعبيد الله، والفضل، وقثم، قال له وما يدريك؟ قال: أخبرني به ربي تعالى، قال: فأشهد أنك صادق، وأن لا اله إلا الله، وأنك رسول الله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل. قال العباس: فأبدلني الله خيرا من ذلك، أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال الذي قدم من البحرين ما لم أقدر على حمله، ولي الآن عشرون عبدا، إن أدناهم يضرب أي: يتجر في عشرين ألفا، وأعطاني زمزم، ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفره من ربكم، يعني: الموعود بقوله تعالى: { ويغفر لكم والله غفور رحيم }. { وإن يريدوا } الأسارى { خيانتك } بنقض ما عهدوك به، { فقد خانوا الله من قبل } بالكفر والمعاصي { فأمكن منهم } وأمكنك من ناصيتهم، فقبضوا وأسروا ببدر، { والله عليم } لا يخفى عليه شيء، { حكيم } فيما دبر وأمضى. الإشارة: يقال للفقراء المتوجهين إلى الله، الذين بذلوا أموالهم ومهجهم، وقتلوا نفوسهم في طلب محبوبهم: إن يعلم الله في قلوبكم خيرا، كصدق وإخلاص، يؤتكم أفضل مما أخذ منكم، من ذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس. وهو الغناء الأكبر، والسر الأشهر، الذي هو الفناء في الله، والغيببة عما سواه، وثمرته: المشاهدة التي تصحبها المكالمة، وهذا هو الإكسير والغنا الكبير، فكل من باع نفسه في طلب هذا فقد ربحت صفقته، وزكت تجارته، مع غفران الذنوب، وتغطية المساوئ والعيوب. وبالله التوفيق. ثم بين فضائل المهاجرين والانصار، ومنزلة من آمن ولم يهاجر، والذين هاجروا بعد الحديبية، تتميما للتحريض على الجهاد، فبدأ أولا بالمهاجرين والأنصار، فقال: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم }.
الأنفال 8:72
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا وهاجروا } أوطانهم في الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنصرة الدين بالجهاد، { وجاهدوا بأموالهم } فصرفوها في الإعداد للجهاد، كالكراع والسلاح، وأنفقوها على المجاريح، { وأنفسهم في سبيل الله } بمباشرة القتال، { والذين آووا } رسول الله ومن هاجر معه، وواسوهم بأموالهم { ونصروا } دين الله ورسوله، { أولئك بعضهم أولياء بعض } في التعاون والتناصر، أو في الميراث. وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب، حتى نسخ بقوله:
وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض
[الأحزاب: 6]. ثم ذكر من لم يهاجر فقال: { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء } لا في النصرة، ولا في الميراث، { حتى يهاجروا } إليكم، { وإن استنصروكم } على المشركين { في } إظهار { الدين فعليكم النصر } أي: فواجب عليكم نصرهم وإعانتهم، لئلا يستولي الكفر على الإيمان، { إلا على قوم } كان { بينكم وبينهم } عهد { ميثاق } ، فلا تنقضوا عهدهم بنصرهم. فإن الخيانة ليست من شأن أهل الإيمان، { والله بما تعملون بصير } لا يخفى عليه من أوفى ومن نقص. { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } في الميراث. ويدل بمفهومه، على منع التوراث والمؤازرة بينهم وبين المسلمين. { إلا تفعلوه } أي: إلا تفعلوه ما أمرتم به من موالاة المؤمنين ونصرتهم، أو نصرة من استنصر بكم ممن لم يهاجر، { تكن فتنة في الأرض } باستيلاء المشركين على المؤمنين، { وفساد كبير } بإحلال المشركين أموال المؤمنين وفروجهم، أو: إلا تفعلوا ما أمرتم به من حفظ الميثاق، تكن فتنة في الأرض، فلا يفي أحد بعهد أبدا، وفساد كبير بنهب الأموال والأنفس. الإشارة: أهل التجريد، ظاهرا وباطنا، هم الذين آمنوا وهاجروا حظوظهم، وجاهدوا نفوسهم بسيوف المخالفة وآووا من نزل أو التجأ إليهم من إخوانهم أو غيرهم، أو آووا أشياخهم وقاموا بأمورهم، ونصروا الدين بالتذكير والإرشاد والدلالة على الله، أينما حلوا من البلاد، أولئك بعضهم أولياء بعض في العلوم والأسرار، وكذلك في الأموال. فقد قال بعض الصوفية: الفقراء: لا رزق مقسوم، ولا سر مكتوم. وهذا في حق أهل الصفاء من المتحابين في الله. والذين آمنوا ولم يهاجروا هم أهل الأسباب من المنتسبين، فقد نهى الله عن موالاتهم في علوم الأسرار وغوامض التوحيد لأنهم لا يطيقون ذلك لشغل فكرتهم الأسباب أو بالعلوم الرسمية، نعم، إن وقعوا في شبهة أو حيرة، وجب نصرهم بما يزيل إشكالهم، لئلا تقع بهم فتنة أو فساد كبير في اعتقادهم. والله تعالى أعلم. ثم أثنى على المهاجرين والأنصار، فقال: { والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله }.
الأنفال 8:73
يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا وهاجروا } أوطانهم في الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنصرة الدين بالجهاد، { وجاهدوا بأموالهم } فصرفوها في الإعداد للجهاد، كالكراع والسلاح، وأنفقوها على المجاريح، { وأنفسهم في سبيل الله } بمباشرة القتال، { والذين آووا } رسول الله ومن هاجر معه، وواسوهم بأموالهم { ونصروا } دين الله ورسوله، { أولئك بعضهم أولياء بعض } في التعاون والتناصر، أو في الميراث. وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب، حتى نسخ بقوله:
وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض
[الأحزاب: 6]. ثم ذكر من لم يهاجر فقال: { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء } لا في النصرة، ولا في الميراث، { حتى يهاجروا } إليكم، { وإن استنصروكم } على المشركين { في } إظهار { الدين فعليكم النصر } أي: فواجب عليكم نصرهم وإعانتهم، لئلا يستولي الكفر على الإيمان، { إلا على قوم } كان { بينكم وبينهم } عهد { ميثاق } ، فلا تنقضوا عهدهم بنصرهم. فإن الخيانة ليست من شأن أهل الإيمان، { والله بما تعملون بصير } لا يخفى عليه من أوفى ومن نقص. { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } في الميراث. ويدل بمفهومه، على منع التوراث والمؤازرة بينهم وبين المسلمين. { إلا تفعلوه } أي: إلا تفعلوه ما أمرتم به من موالاة المؤمنين ونصرتهم، أو نصرة من استنصر بكم ممن لم يهاجر، { تكن فتنة في الأرض } باستيلاء المشركين على المؤمنين، { وفساد كبير } بإحلال المشركين أموال المؤمنين وفروجهم، أو: إلا تفعلوا ما أمرتم به من حفظ الميثاق، تكن فتنة في الأرض، فلا يفي أحد بعهد أبدا، وفساد كبير بنهب الأموال والأنفس. الإشارة: أهل التجريد، ظاهرا وباطنا، هم الذين آمنوا وهاجروا حظوظهم، وجاهدوا نفوسهم بسيوف المخالفة وآووا من نزل أو التجأ إليهم من إخوانهم أو غيرهم، أو آووا أشياخهم وقاموا بأمورهم، ونصروا الدين بالتذكير والإرشاد والدلالة على الله، أينما حلوا من البلاد، أولئك بعضهم أولياء بعض في العلوم والأسرار، وكذلك في الأموال. فقد قال بعض الصوفية: الفقراء: لا رزق مقسوم، ولا سر مكتوم. وهذا في حق أهل الصفاء من المتحابين في الله. والذين آمنوا ولم يهاجروا هم أهل الأسباب من المنتسبين، فقد نهى الله عن موالاتهم في علوم الأسرار وغوامض التوحيد لأنهم لا يطيقون ذلك لشغل فكرتهم الأسباب أو بالعلوم الرسمية، نعم، إن وقعوا في شبهة أو حيرة، وجب نصرهم بما يزيل إشكالهم، لئلا تقع بهم فتنة أو فساد كبير في اعتقادهم. والله تعالى أعلم. ثم أثنى على المهاجرين والأنصار، فقال: { والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله }.
الأنفال 8:74
قال البيضاوي: لما قسم المؤمنين ثلاثة أقسام، أي: مهاجرين، وأنصار، ومن آمن ولم يهاجر بين أن الكاملين في الإيمان منهم هم الذين حققوا إيمانهم، بتحصيل مقتضاه من الهجرة، والجهاد، وبذل المال، ونصرة الحق، ووعد لهم الوعد الكريم، فقال: { لهم مغفرة ورزق كريم } لا تبعة له، ولا فتنة فيه. ثم ألحق بهم في الأمرين من يلتحق بهم ويتسم بسمتهم فقال: { والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجهدوا معكم فأولئك منكم... } أي: من جملتكم أيها المهاجرين والأنصار. ه. ثم نسخ الميراث المتقدم، فقال: {... وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم }. يقول الحق جل جلاله: { وأولوا الأرحام } من قرابة النسب، { بعضهم أولى ببعض } في التوارث من الأجانب، وظاهره: توريث ذوي الأرحام، كالخال والعمة وسائر ذوي الأرحام، وبه قال أبو حنيفة، ومنعه مالك، ورأى أن الآية منسوخة بآية المواريث التي في النساء، أو يراد بالأولية: غير الميراث، كالنصرة وغيرها. وقوله: { في كتاب الله } أي: في القرآن، أو اللوح المحفوظ. { إن الله بكل شيء عليم } من أمر المواريث وغيرها، أو عليم بحكمة إناطتها بنسبة الإسلام والمظاهرة أولا، بالقربة ثانيا، والله تعالى أعلم. الإشارة: الناس ثلاثة: عوام، وخواص، وخواص الخواص. فالعوام: هم الذين لا شيخ لهم يصلح للتربية. والخواص: هم الذين صحبوا شيخ التربية، ولم ينهضوا إلى مقام التجريد. وخواص الخواص: هم الذين صحبوا شيخ التربية وتجردوا ظاهرا وباطنا، خربوا ظواهرهم، وعموا بواطنهم، وهم الذين خاضوا بحار التوحيد، وذاقوا أسرار التفريد. وهم الذين أشار المجذوب إلى مقاومهم بقوله:
يا قارئين علم التوحيد هنا البحور الي تغبي هذامقام أهل التجريد الواقفين مع ربي
فأهل التجريد، كالمهاجرين والأنصار، وأهل الأسباب من أهل النسبة، كمن لم يهاجر من الصحابة، ومن تجرد بعد ودخل معهم، والتحق بهم. قال تعالى قا ل تعالى { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } ، ومن لا نسبة له كمن لا صحبة له، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله، وصحبه، وسلم تسليما، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الأنفال 8:75
قال البيضاوي: لما قسم المؤمنين ثلاثة أقسام، أي: مهاجرين، وأنصار، ومن آمن ولم يهاجر بين أن الكاملين في الإيمان منهم هم الذين حققوا إيمانهم، بتحصيل مقتضاه من الهجرة، والجهاد، وبذل المال، ونصرة الحق، ووعد لهم الوعد الكريم، فقال: { لهم مغفرة ورزق كريم } لا تبعة له، ولا فتنة فيه. ثم ألحق بهم في الأمرين من يلتحق بهم ويتسم بسمتهم فقال: { والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجهدوا معكم فأولئك منكم... } أي: من جملتكم أيها المهاجرين والأنصار. ه. ثم نسخ الميراث المتقدم، فقال: {... وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم }. يقول الحق جل جلاله: { وأولوا الأرحام } من قرابة النسب، { بعضهم أولى ببعض } في التوارث من الأجانب، وظاهره: توريث ذوي الأرحام، كالخال والعمة وسائر ذوي الأرحام، وبه قال أبو حنيفة، ومنعه مالك، ورأى أن الآية منسوخة بآية المواريث التي في النساء، أو يراد بالأولية: غير الميراث، كالنصرة وغيرها. وقوله: { في كتاب الله } أي: في القرآن، أو اللوح المحفوظ. { إن الله بكل شيء عليم } من أمر المواريث وغيرها، أو عليم بحكمة إناطتها بنسبة الإسلام والمظاهرة أولا، بالقربة ثانيا، والله تعالى أعلم. الإشارة: الناس ثلاثة: عوام، وخواص، وخواص الخواص. فالعوام: هم الذين لا شيخ لهم يصلح للتربية. والخواص: هم الذين صحبوا شيخ التربية، ولم ينهضوا إلى مقام التجريد. وخواص الخواص: هم الذين صحبوا شيخ التربية وتجردوا ظاهرا وباطنا، خربوا ظواهرهم، وعموا بواطنهم، وهم الذين خاضوا بحار التوحيد، وذاقوا أسرار التفريد. وهم الذين أشار المجذوب إلى مقاومهم بقوله:
يا قارئين علم التوحيد هنا البحور الي تغبي هذامقام أهل التجريد الواقفين مع ربي
فأهل التجريد، كالمهاجرين والأنصار، وأهل الأسباب من أهل النسبة، كمن لم يهاجر من الصحابة، ومن تجرد بعد ودخل معهم، والتحق بهم. قال تعالى قا ل تعالى { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } ، ومن لا نسبة له كمن لا صحبة له، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله، وصحبه، وسلم تسليما، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.