البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الحجر 15:87 – النحل 16:81
المحتويات
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:89
- الحجر 15:90
- الحجر 15:91
- الحجر 15:92
- الحجر 15:93
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:96
- الحجر 15:97
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
- النحل 16:1
- النحل 16:2
- النحل 16:3
- النحل 16:4
- النحل 16:5
- النحل 16:6
- النحل 16:7
- النحل 16:8
- النحل 16:9
- النحل 16:10
- النحل 16:11
- النحل 16:12
- النحل 16:13
- النحل 16:14
- النحل 16:15
- النحل 16:16
- النحل 16:17
- النحل 16:18
- النحل 16:19
- النحل 16:20
- النحل 16:21
- النحل 16:22
- النحل 16:23
- النحل 16:24
- النحل 16:25
- النحل 16:26
- النحل 16:27
- النحل 16:28
- النحل 16:29
- النحل 16:30
- النحل 16:31
- النحل 16:32
- النحل 16:33
- النحل 16:34
- النحل 16:35
- النحل 16:36
- النحل 16:37
- النحل 16:38
- النحل 16:39
- النحل 16:40
- النحل 16:41
- النحل 16:42
- النحل 16:43
- النحل 16:44
- النحل 16:45
- النحل 16:46
- النحل 16:47
- النحل 16:48
- النحل 16:49
- النحل 16:50
- النحل 16:51
- النحل 16:52
- النحل 16:53
- النحل 16:54
- النحل 16:55
- النحل 16:56
- النحل 16:57
- النحل 16:58
- النحل 16:59
- النحل 16:60
- النحل 16:61
- النحل 16:62
- النحل 16:63
- النحل 16:64
- النحل 16:65
- النحل 16:66
- النحل 16:67
- النحل 16:68
- النحل 16:69
- النحل 16:70
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:73
- النحل 16:74
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:78
- النحل 16:79
- النحل 16:80
- النحل 16:81
الحجر 15:87
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:88
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:89
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:90
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:91
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:92
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:93
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:94
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:95
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:96
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:97
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:98
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
الحجر 15:99
قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، ومن المثاني: للبيان، وعطف القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و أنزلنا: نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: ولقد آتيناك فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالا مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. وعضين: جمع عضة. وأصله: عضوة، من عضوت الشيء: فرقته، حذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزة وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عضهه عضها: رماه بالبهتان. وقد أعضهت، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق جل جلاله: لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } ، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى أي تكرر في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن في الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسلمة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هي الحواميم السبع. { و } آتيناك { القرآن العظيم } ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء. { لا تمدن عينيك }: لا تطمح ببصرك طموح راغب { إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ". قال ابن جزي: لا تنظر إلى ما متعنا به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. ه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وافى مع أصحابه أذرعات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البر، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:
" قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ".
{ ولا تحزن عليهم }: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، { وأخفض جناحك للمؤمنين } أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. { وقل إني انا النذير المبين }: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
وفي الحديث:
" أنا النذير، وأنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا "
وفي الحديث:
" أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وفي حديث آخر:
" أنا النذير العريان "
وكانت العرب إذا رأى أحدهم جيشا يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. { كما أنزلنا على المقتسمين } ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلا، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليبيتوا صالحا، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، { الذين جعلوا القرآن عضين } ، أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فقالوا عنادا وكفرا: بعضه موافق للتوراة والأنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفارقريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتانا متعددا، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث:
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة "
أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: " لنسألنهم عن لا إله إلا الله ". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39] فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فاصدع بما تؤمر }: فاجهر، وصرح به، وأنفذه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. أو: فرق بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، و { ما }: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. { وأعرض عن المشركين } فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. { إنا كفيناك المستهزئين } بك، وبما أنزلنا إليك، بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعي من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء به، فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت بأن أكفيكهم " فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظما، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات. وأومأ إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله. وقيل: هم الذين قتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } يعبدونه من دون الله { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلى نبيه عن أذاهم فقال: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. { فسبح بحمد ربك } أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، { وكن من الساجدين } أي: المصلين، أو: فافرغ إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. { وكن من الساجدين } من المصلين، يكفك ويكشف الغم عنك، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة "
، أو: فنزهه عما يقولون، حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكرا. { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقينا تجوزا. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيبا سمي يقينا. والمعنى: فاعبده ما دمت حيا، ولا تخل بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" إن الله لم يوح إلي أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إلي أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "
أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتجهد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:
" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه "
هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من منزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته. ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس، الواققين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين اجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ يما تؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحدا في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. فسبح بحمد ربك أي: نزهه عن شهود السوى معه، حامدا الله على ما أولاك من نعمة توحيده. وكن من الساجدين لله شكرا، وقياما برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين. وفي الورتجبي، في قوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، قال: واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأى منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم.ه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق
النحل 16:1
يقول الحق جل جلاله: { أتى أمر الله } أي: البعث والحساب. وعبر بالماضي لتحقق وقوعه، أو: ثبت أمره وقضاؤه، وقد جف القلم بما يكون لا عن سؤال واستعجال، وتدبير من الخلق، ولو كان كذلك لنافى انفراده بتدبير ملكه، ولذلك نزه نفسه بقوله: { سبحانه وتعالى عما يشركون }. أو: إهلاك الله إياهم يوم بدر، وكانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول من قيام الساعة، وإهلاكهم ونصره عليهم، استهزاء وتكذيبا ولذلك قال: { فلا تستعجلوه } ، والمعنى: أن الأمر الموعود به بمنزلة الماضي، لتحقق وقوعه من حيث إنه واجب الوقوع فلا تستعجلوا وقوعه، فإنه لا خير لكم فيه، ولا خلاص لكم منه. وروي لما نزل قوله: { أتى أمر الله } ، وثب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، ورفع الناس رؤوسهم، فلما قال: { فلا تستعجلوه } ، سكن. وكان المشركون يقولون: إن صح ما يقول محمد من قيام الساعة، فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا، فقال تعالى: { سبحانه وتعالى عما يشركون } أي: تنزه وجل عن أن يكون له شريك، فيدفع ما أراد بهم. ه. وقرأ الأخوان بالخطاب، على وفق قوله: { فلا تستعجلوه } ، والباقون بالغيب، على تلوين الخطاب، أو على أن الخطاب للمؤمنين، أي: أتى أمر الله أيها المؤمنون فلا تستعجلوه، سبحانه وتعالى عما يشركه به المشركون. أو: لهم ولغيرهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا أشرق نور اليقين في صميم القلوب تحقق وقوع ما وعد الله به من أمر الغيوب، فصار الماضي آتيا، والمستقبل واقعا. وفي الحكم: " لو أشرق نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت الدنيا وكسفة الفناء ظاهرة عليها ". وكذلك المقادير المستقبلة والمواعيد الغيبية، كلها عند أهل اليقين محققة الوقوع، واجبة الحصول، ينتظرون وقوعها في مواقيتها، شيئا فشيئا، ويتلقونها بالمعرفة والأدب فإن كانت جلالية فبالرضى والتسليم، وإن كانت جمالية فبالحمد والشكر، هكذا نظرهم دائما إلى ما يبرز من عنصر القدرة، ليس لهم وقت دون ما هم فيه، ولا أمل دون ما أقامهم الحق تعالى فيه، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار، ولا يستعجلون ما تأخر وقوعه من أقداره، ولا يشركون مع الله في تدبيره واختياره. قد هجم عليهم اليقين، فهم، في عموم أوقاتهم، مستغرقون في شهود المحبوب، غائبون عن كل مرغوب ومطلوب، سوى شهود وجه المحبوب، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. آمين. وسبب وجود هذا في قلوبهم حياة روحهم بالإيمان التام
النحل 16:2
قلت: { أن أنذروا }: مفسرة، بمعنى أي لأن الوحي فيه معنى القول. أو مصدرية في موضع الجر، بدلا من الروح، أو النصب بنزع الخافض، أو مخففة من الثقيلة. وقوله: { لا إله إلا أنا } جرى على المعنى، ولم يجر على اللفظ، وإلا لقال: لا إله إلا الله. انظر ابن عطية. قال المحشى الفاسي: وسر ذلك هنا: التصريح بالمقصود، وأن الإله الواحد هو المتكلم لا غيره، كما قيل في قوله:
إنما هو إله واحد فإياى فارهبون
[النحل: 51]، أي: ولم يقل: فإياه فارهبوا، بل نقل الكلام من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب، وتصريحا بالمقصود، كأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإياي فارهبون لا غير. ه. قلت: وكأنه قال هنا: ينزل الملائكة بالوحي أن أعلموا أنه لا يعبد إلا إله واحد، وأنا ذلك الواحد. يقول الحق جل جلاله: تحقيقا لما وعدهم به، وأن ذلك الوعد، مع دنوه وقربه بالوحي، فلا خلف فيه، فقال: { ينزل الملائكة } أي: جبريل، جمعه تعظيما، أو: لأنه قد ينزل معه غيره من الملائكة، فيحضرون الوحي حرسا له. أو: لأنه قد ينزل بالوحي غيره من الملائكة، كما في صحيح مسلم:
" إن سورة الحمد نزل بها ملك لم ينزل إلى الأرض قبل ذلك "
وقال عليه الصلاة والسلام:
" إن إسرافيل وكل بي في ثلاث سنين، فكان يأتيني بالكلمة والكلمتين، ثم كان جبريل يأتيني بالقرآن في كل وقت "
وروي أن خالد بن سنان كان نبيا، وكان يأتيه بالوحي مالك خازن النار، وكان بعد عيسى عليه السلام، ولم يبق في النبوة إلا عشرين يوما، ثم مات، فلقصر مدته لم يعد نبيا، بعد عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت فترة خمسمائة عام. وذكر ابن العربي أن ذا القرنين كان ينزل عليه ملك، يقال له: رفائيل، فكان يلقي إليه الوحي، ويطوي له الأرض. هكذا نقل الشطيبي عنه في اللباب، فانظره. وقوله: { بالروح } أي: بالوحي، أو القرآن فإنه سبب حياة القلوب والأرواح الميتة بالجهل والحجاب، أو سبب حياة الدين بعد موته واندراسه بالكفر فإن الوحي يقوم في الدين مقام الروح من الجسد. ينزل ذلك { من أمره } أي: من أجل أمره وبيان شأنه، أو بأمره وإذنه، { على من يشاء من عباده } أن يصطفيه للرسالة، قائلا لهم: { أن أنذروا }: خوفوا أهل الشرك، أو أعلموا عبادي { أنه } أي: الأمر والشأن، { لا إله إلا أنا فاتقون } بترك الكفر والمعاصي، أي: اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية، بأن توحدوه، وتطيعوه فيما أمر به. قال البيضاوي: والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة، وأن حاصله: التنبيه على التوحيد، الذي هو القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمالات القوة العملية.
وأن النبوة عطائية - أي: لا كسبية-، والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته، من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه، على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريك لقدر على ذلك، فيلزم التمانع. ه. الإشارة: قوله تعالى: { بالروح }: قال الورتجبي: الوحي الإلهي، سماه بالروح لأن كلامه صدر من ذاته، وهو حياة قلوب الصديقين من المكلمين والمحدثين، وهو سبب حياة قلوب المؤمنين، يحييهم بعلمه من موت الجهالة. ه. وقال القشيري في قوله: { على من يشاء من عباده }: على الأنبياء بالوحي والرسالة، وعلى أسرار أرباب التوحيد، وهم المحدثون بالتعريف والعلم. فالتعريف للأولياء من حيث الإلهام والخواطر، أي: الواردات. وإنزال الملائكة على قلوبهم غير ممنوع، ولكنهم لا يؤمرون أن يتكلموا بذلك، ولا يحملون الرسالة إلى الخلق. ه. قلت: وكأنه ينظر إلى قوله - عليه الصلاة والسلام -:
" علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل "
، فهم يشاركون الأنبياء في الوحي الإلهامي، ولا يبلغون ذلك إلا لمن صدقهم وتبعهم في طريقهم. والله تعالى أعلم. ثم عرف بنفسه بما أظهر من تجلياته العلوية والسفلية
النحل 16:3
قلت: { والأنعام }: منصوب بمحذوف، يفسره: { خلقها } ، أو معطوف على " الإنسان " و { خلقها لكم }: بيان لما خلقت لأجله، وما بعده تفصيل له. و { منها تأكلون }: إنما قدم المعمول للمحافظة على رؤوس الآي، أو: لأن الأكل منها هو المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من غيرها من سائر الحيوانات المأكولات فعلى سبيل التداوي والتفكه. قاله البيضاوي. قلت: ولعله، عند مالك، للاختصاص، أي: منها تأكلون لا من غيرها إذ لا يؤكل عنده غيرها من البهائم الإنسية. وقوله: { لكم }: يحتمل أن يتعلق بما قبلها أو بما بعدها، ويختلف الوقف باختلاف ذلك. { إلا بشق }: فيه لغتان: الكسر والفتح، بمعنى التعب والكلفة، وقيل: المفتوح مصدر شق الأمر عليه، أي: صعب، والمكسور بمعنى: النصف، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. { والخيل }: عطف على " الأنعام ". و { زينة }: مفعول من أجله، عطف على موضع " لتركبوها ": أي: للركوب والزينة، أو مفعول مطلق، أي: لتتزينوا بها زينة. يقول الحق جل جلاله: { خلق السماوات والأرض }: أوجدهما { بالحق } أي: ملتبسا بالحق لتدل على وحدانية الحق، وكمال قدرته وباهر حكمته، حيث أوجدهما على مقدار مخصوص، وشكل بديع، وأوضاع مختلفة، وهيئات متعددة. أو: خلقهما بقضائه وتدبيره الحق، لا بمشاركة وتدبير أحد معه، ولا بمعاونة شريك ولا ظهير، ولذلك نزه نفسه بقوله: { تعالى عما يشركون } ، كما نزه نفسه، ابتداء، لما نفى الاستعجال لأنه من تدبير الخلق أيضا والصدور عن رأيهم، وفي معناه: تنزيل الوحي على ما يشاء لا على ما يشاء غيره لانفراده أيضا في ملكه. وفي إبرازه ذلك، على ما يخالف آراء الخلق، أدل دليل على وحدانيته في ملكه، وإنما وضع كل شيء ودبره دلالة على وحدانيته وهدايته لخلقه إليه. ثم شفع بخلق الإنسان فقال: { خلق الإنسان } أي: جنسه { من نطفة }: من ماء مهين يخرج من مكان مهين، { فإذا هو خصيم مبين }: مجادل، كثير الجدل والخصام، مبين لحجته، أو: خصيم: مكافح لخالقه، قائل: { من يحيي العظام وهي رميم }.
" روي أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم، فقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟ فقال: نعم "
فنزلت. فعلى الأول: تكون الآية عامة لكل إنسان، وعلى الثاني: خاصة بالكافر. والأول أظهر. ولما ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد، فقال: { والأنعام } وهي: الإبل والبقر والغنم، { خلقها }: أوجدها { لكم فيها دفء } ما يدفأ به فيقي البرد، يعني: ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب، { و } لكم فيها أيضا { منافع } أخر كنسلها وظهورها. وإنما عبر بالمنافع ليتناول عوضها. { ومنها تأكلون } أي: تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان.
{ ولكم فيها جمال } أي: زينة وبهجة { حين تريحون } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي، { وحين تسرحون } تخرجونها إلى المرعى بالغداة فإن الأفنية والمشارع والطرق تتزين بها في الذهاب والرواح، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها. وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر لأنها تقبل ملأى البطون، حاملة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. { وتحمل أثقالكم }: أحمالكم عليها من الأمتعة وغيرها { إلى بلد } بعيد، { لم تكونوا بالغيه } عليها، فضلا عن أن تحملوها على ظهوركم، { إلا بشق الأنفس } إلا بكلفة ومشقة فديحة، أو: إلا بذهاب شقها، أي: نصف قوتها من التعب. { إن ربكم لرؤوف رحيم } حيث رحمكم بخلقها وذللها للحمل، والركوب عليها، وأنعم عليكم بالكل من لحومها وألبانها. { و } خلق لكم { الخيل والبغال والحمير لتركبوها } ، { و } تتزينوا بها { زينة } ، أو للركوب والزينة. قال البيضاوي: وتغيير النظم - أي: حيث لم يقل: وللزينة - لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب من فعل المخلوق - أي: باعتبار الحكمة -، ولأن المقصود خلقها للركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض. وقرئ بغير واو، فيحتمل أن يكون علة لركوبها، أو مصدرا في موضع الحال من الضمير، أي: متزينين، أو متزينا بها. واستدل به على حرمة لحومها، ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه، غالبا، ألا يقصد منه غيره أصلا، ويدل عليه أن الآية مكية. وعامة المفسرين والمحدثين أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. ه. { ويخلق ما لا تعلمون } مما لا يحيط البشر بعلمها من عجائب المخلوقات، وضروب المصنوعات، مما يؤكل ومما لا يؤكل، وما خلق في الجنة والنار، مما لا يخطر على قلب بشر. { وعلى الله قصد السبيل } أي: وعلى الله بيان السبيل القصد، أي: الطريق الموصل إلى المقصود. أو: على الله تقويم طريق الهدى بنصب الأدلة وبعث الرسل، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: السبيل القصد، أي: القاصد المستقيم الموصل إلى المطلوب كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه. والمراد من السبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليه القصد، وقال: { ومنها جائر } عن القصد، أو عن الله، كطريق اليهود والنصارى وغيرهم. والسبيل بمعنى الطريق، يذكر ويؤنث، وأنث هنا. وتغيير الأسلوب - أي: حيث لم يقل: قصد السبيل والجائر - لأنه ليس بحق على الله أن يبين طريق الضلالة، ولأن المقصود، بالأصالة، بيان سبيله، وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. { ولو شاء لهداكم أجمعين } أي: ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل، هداية مستلزمة للاهتداء. قاله البيضاوي. الإشارة: هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نصبت للآدمي، وخلقت من أجله، السماوات تظله، والأرض تقله، والحيوانات تخدمه وتنفعه، يتصرف فيها خليفة عن الله في ملكه.
فالواجب عليه شكر هذه النعم، وألا يقف معها، ويشتغل بها عن خدمة خالقها. يقول الحق تعالى، في بعض كلامه بلسان الحال أو المقال:
" يا ابن آدم، خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما خلق لأجلك عما خلقت لأجله "
والواجب عليه أيضا من طريق الخصوص: ألا يقف مع حس أجرامها، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ومظهرها لئلا يبقى مسجونا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر المعاني، المحيط بالأواني، والمفني لها، بصحبة شيخ كامل، يخرجه من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون. وبالله التوفيق. وقوله: { وعلى الله قصد السبيل }: اعلم أن الحق - جل جلاله - بين طريق الوصول إلى نعيمه الحسي والفوز برضوانه، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل شهوده وعيانه، وأرسل الرسل ببيان الطريقين. فوكل ببيان الأولى العلماء، ووكل ببيان الثانية الأولياء. فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى نعيم الأشباح، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم الأرواح، وهو النعيم الأكبر قال تعالى:
ورضوان من الله أكبر
[التوبة: 72]. فالرضوان على قسمين: قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدل الحجاب، وهم أهل الشرائع، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب، وهم أهل الحقائق، وهم المقربون، نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. ثم ذكر بقية التجليات فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:4
قلت: { والأنعام }: منصوب بمحذوف، يفسره: { خلقها } ، أو معطوف على " الإنسان " و { خلقها لكم }: بيان لما خلقت لأجله، وما بعده تفصيل له. و { منها تأكلون }: إنما قدم المعمول للمحافظة على رؤوس الآي، أو: لأن الأكل منها هو المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من غيرها من سائر الحيوانات المأكولات فعلى سبيل التداوي والتفكه. قاله البيضاوي. قلت: ولعله، عند مالك، للاختصاص، أي: منها تأكلون لا من غيرها إذ لا يؤكل عنده غيرها من البهائم الإنسية. وقوله: { لكم }: يحتمل أن يتعلق بما قبلها أو بما بعدها، ويختلف الوقف باختلاف ذلك. { إلا بشق }: فيه لغتان: الكسر والفتح، بمعنى التعب والكلفة، وقيل: المفتوح مصدر شق الأمر عليه، أي: صعب، والمكسور بمعنى: النصف، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. { والخيل }: عطف على " الأنعام ". و { زينة }: مفعول من أجله، عطف على موضع " لتركبوها ": أي: للركوب والزينة، أو مفعول مطلق، أي: لتتزينوا بها زينة. يقول الحق جل جلاله: { خلق السماوات والأرض }: أوجدهما { بالحق } أي: ملتبسا بالحق لتدل على وحدانية الحق، وكمال قدرته وباهر حكمته، حيث أوجدهما على مقدار مخصوص، وشكل بديع، وأوضاع مختلفة، وهيئات متعددة. أو: خلقهما بقضائه وتدبيره الحق، لا بمشاركة وتدبير أحد معه، ولا بمعاونة شريك ولا ظهير، ولذلك نزه نفسه بقوله: { تعالى عما يشركون } ، كما نزه نفسه، ابتداء، لما نفى الاستعجال لأنه من تدبير الخلق أيضا والصدور عن رأيهم، وفي معناه: تنزيل الوحي على ما يشاء لا على ما يشاء غيره لانفراده أيضا في ملكه. وفي إبرازه ذلك، على ما يخالف آراء الخلق، أدل دليل على وحدانيته في ملكه، وإنما وضع كل شيء ودبره دلالة على وحدانيته وهدايته لخلقه إليه. ثم شفع بخلق الإنسان فقال: { خلق الإنسان } أي: جنسه { من نطفة }: من ماء مهين يخرج من مكان مهين، { فإذا هو خصيم مبين }: مجادل، كثير الجدل والخصام، مبين لحجته، أو: خصيم: مكافح لخالقه، قائل: { من يحيي العظام وهي رميم }.
" روي أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم، فقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟ فقال: نعم "
فنزلت. فعلى الأول: تكون الآية عامة لكل إنسان، وعلى الثاني: خاصة بالكافر. والأول أظهر. ولما ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد، فقال: { والأنعام } وهي: الإبل والبقر والغنم، { خلقها }: أوجدها { لكم فيها دفء } ما يدفأ به فيقي البرد، يعني: ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب، { و } لكم فيها أيضا { منافع } أخر كنسلها وظهورها. وإنما عبر بالمنافع ليتناول عوضها. { ومنها تأكلون } أي: تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان.
{ ولكم فيها جمال } أي: زينة وبهجة { حين تريحون } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي، { وحين تسرحون } تخرجونها إلى المرعى بالغداة فإن الأفنية والمشارع والطرق تتزين بها في الذهاب والرواح، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها. وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر لأنها تقبل ملأى البطون، حاملة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. { وتحمل أثقالكم }: أحمالكم عليها من الأمتعة وغيرها { إلى بلد } بعيد، { لم تكونوا بالغيه } عليها، فضلا عن أن تحملوها على ظهوركم، { إلا بشق الأنفس } إلا بكلفة ومشقة فديحة، أو: إلا بذهاب شقها، أي: نصف قوتها من التعب. { إن ربكم لرؤوف رحيم } حيث رحمكم بخلقها وذللها للحمل، والركوب عليها، وأنعم عليكم بالكل من لحومها وألبانها. { و } خلق لكم { الخيل والبغال والحمير لتركبوها } ، { و } تتزينوا بها { زينة } ، أو للركوب والزينة. قال البيضاوي: وتغيير النظم - أي: حيث لم يقل: وللزينة - لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب من فعل المخلوق - أي: باعتبار الحكمة -، ولأن المقصود خلقها للركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض. وقرئ بغير واو، فيحتمل أن يكون علة لركوبها، أو مصدرا في موضع الحال من الضمير، أي: متزينين، أو متزينا بها. واستدل به على حرمة لحومها، ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه، غالبا، ألا يقصد منه غيره أصلا، ويدل عليه أن الآية مكية. وعامة المفسرين والمحدثين أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. ه. { ويخلق ما لا تعلمون } مما لا يحيط البشر بعلمها من عجائب المخلوقات، وضروب المصنوعات، مما يؤكل ومما لا يؤكل، وما خلق في الجنة والنار، مما لا يخطر على قلب بشر. { وعلى الله قصد السبيل } أي: وعلى الله بيان السبيل القصد، أي: الطريق الموصل إلى المقصود. أو: على الله تقويم طريق الهدى بنصب الأدلة وبعث الرسل، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: السبيل القصد، أي: القاصد المستقيم الموصل إلى المطلوب كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه. والمراد من السبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليه القصد، وقال: { ومنها جائر } عن القصد، أو عن الله، كطريق اليهود والنصارى وغيرهم. والسبيل بمعنى الطريق، يذكر ويؤنث، وأنث هنا. وتغيير الأسلوب - أي: حيث لم يقل: قصد السبيل والجائر - لأنه ليس بحق على الله أن يبين طريق الضلالة، ولأن المقصود، بالأصالة، بيان سبيله، وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. { ولو شاء لهداكم أجمعين } أي: ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل، هداية مستلزمة للاهتداء. قاله البيضاوي. الإشارة: هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نصبت للآدمي، وخلقت من أجله، السماوات تظله، والأرض تقله، والحيوانات تخدمه وتنفعه، يتصرف فيها خليفة عن الله في ملكه.
فالواجب عليه شكر هذه النعم، وألا يقف معها، ويشتغل بها عن خدمة خالقها. يقول الحق تعالى، في بعض كلامه بلسان الحال أو المقال:
" يا ابن آدم، خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما خلق لأجلك عما خلقت لأجله "
والواجب عليه أيضا من طريق الخصوص: ألا يقف مع حس أجرامها، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ومظهرها لئلا يبقى مسجونا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر المعاني، المحيط بالأواني، والمفني لها، بصحبة شيخ كامل، يخرجه من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون. وبالله التوفيق. وقوله: { وعلى الله قصد السبيل }: اعلم أن الحق - جل جلاله - بين طريق الوصول إلى نعيمه الحسي والفوز برضوانه، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل شهوده وعيانه، وأرسل الرسل ببيان الطريقين. فوكل ببيان الأولى العلماء، ووكل ببيان الثانية الأولياء. فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى نعيم الأشباح، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم الأرواح، وهو النعيم الأكبر قال تعالى:
ورضوان من الله أكبر
[التوبة: 72]. فالرضوان على قسمين: قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدل الحجاب، وهم أهل الشرائع، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب، وهم أهل الحقائق، وهم المقربون، نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. ثم ذكر بقية التجليات فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:5
قلت: { والأنعام }: منصوب بمحذوف، يفسره: { خلقها } ، أو معطوف على " الإنسان " و { خلقها لكم }: بيان لما خلقت لأجله، وما بعده تفصيل له. و { منها تأكلون }: إنما قدم المعمول للمحافظة على رؤوس الآي، أو: لأن الأكل منها هو المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من غيرها من سائر الحيوانات المأكولات فعلى سبيل التداوي والتفكه. قاله البيضاوي. قلت: ولعله، عند مالك، للاختصاص، أي: منها تأكلون لا من غيرها إذ لا يؤكل عنده غيرها من البهائم الإنسية. وقوله: { لكم }: يحتمل أن يتعلق بما قبلها أو بما بعدها، ويختلف الوقف باختلاف ذلك. { إلا بشق }: فيه لغتان: الكسر والفتح، بمعنى التعب والكلفة، وقيل: المفتوح مصدر شق الأمر عليه، أي: صعب، والمكسور بمعنى: النصف، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. { والخيل }: عطف على " الأنعام ". و { زينة }: مفعول من أجله، عطف على موضع " لتركبوها ": أي: للركوب والزينة، أو مفعول مطلق، أي: لتتزينوا بها زينة. يقول الحق جل جلاله: { خلق السماوات والأرض }: أوجدهما { بالحق } أي: ملتبسا بالحق لتدل على وحدانية الحق، وكمال قدرته وباهر حكمته، حيث أوجدهما على مقدار مخصوص، وشكل بديع، وأوضاع مختلفة، وهيئات متعددة. أو: خلقهما بقضائه وتدبيره الحق، لا بمشاركة وتدبير أحد معه، ولا بمعاونة شريك ولا ظهير، ولذلك نزه نفسه بقوله: { تعالى عما يشركون } ، كما نزه نفسه، ابتداء، لما نفى الاستعجال لأنه من تدبير الخلق أيضا والصدور عن رأيهم، وفي معناه: تنزيل الوحي على ما يشاء لا على ما يشاء غيره لانفراده أيضا في ملكه. وفي إبرازه ذلك، على ما يخالف آراء الخلق، أدل دليل على وحدانيته في ملكه، وإنما وضع كل شيء ودبره دلالة على وحدانيته وهدايته لخلقه إليه. ثم شفع بخلق الإنسان فقال: { خلق الإنسان } أي: جنسه { من نطفة }: من ماء مهين يخرج من مكان مهين، { فإذا هو خصيم مبين }: مجادل، كثير الجدل والخصام، مبين لحجته، أو: خصيم: مكافح لخالقه، قائل: { من يحيي العظام وهي رميم }.
" روي أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم، فقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟ فقال: نعم "
فنزلت. فعلى الأول: تكون الآية عامة لكل إنسان، وعلى الثاني: خاصة بالكافر. والأول أظهر. ولما ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد، فقال: { والأنعام } وهي: الإبل والبقر والغنم، { خلقها }: أوجدها { لكم فيها دفء } ما يدفأ به فيقي البرد، يعني: ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب، { و } لكم فيها أيضا { منافع } أخر كنسلها وظهورها. وإنما عبر بالمنافع ليتناول عوضها. { ومنها تأكلون } أي: تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان.
{ ولكم فيها جمال } أي: زينة وبهجة { حين تريحون } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي، { وحين تسرحون } تخرجونها إلى المرعى بالغداة فإن الأفنية والمشارع والطرق تتزين بها في الذهاب والرواح، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها. وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر لأنها تقبل ملأى البطون، حاملة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. { وتحمل أثقالكم }: أحمالكم عليها من الأمتعة وغيرها { إلى بلد } بعيد، { لم تكونوا بالغيه } عليها، فضلا عن أن تحملوها على ظهوركم، { إلا بشق الأنفس } إلا بكلفة ومشقة فديحة، أو: إلا بذهاب شقها، أي: نصف قوتها من التعب. { إن ربكم لرؤوف رحيم } حيث رحمكم بخلقها وذللها للحمل، والركوب عليها، وأنعم عليكم بالكل من لحومها وألبانها. { و } خلق لكم { الخيل والبغال والحمير لتركبوها } ، { و } تتزينوا بها { زينة } ، أو للركوب والزينة. قال البيضاوي: وتغيير النظم - أي: حيث لم يقل: وللزينة - لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب من فعل المخلوق - أي: باعتبار الحكمة -، ولأن المقصود خلقها للركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض. وقرئ بغير واو، فيحتمل أن يكون علة لركوبها، أو مصدرا في موضع الحال من الضمير، أي: متزينين، أو متزينا بها. واستدل به على حرمة لحومها، ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه، غالبا، ألا يقصد منه غيره أصلا، ويدل عليه أن الآية مكية. وعامة المفسرين والمحدثين أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. ه. { ويخلق ما لا تعلمون } مما لا يحيط البشر بعلمها من عجائب المخلوقات، وضروب المصنوعات، مما يؤكل ومما لا يؤكل، وما خلق في الجنة والنار، مما لا يخطر على قلب بشر. { وعلى الله قصد السبيل } أي: وعلى الله بيان السبيل القصد، أي: الطريق الموصل إلى المقصود. أو: على الله تقويم طريق الهدى بنصب الأدلة وبعث الرسل، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: السبيل القصد، أي: القاصد المستقيم الموصل إلى المطلوب كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه. والمراد من السبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليه القصد، وقال: { ومنها جائر } عن القصد، أو عن الله، كطريق اليهود والنصارى وغيرهم. والسبيل بمعنى الطريق، يذكر ويؤنث، وأنث هنا. وتغيير الأسلوب - أي: حيث لم يقل: قصد السبيل والجائر - لأنه ليس بحق على الله أن يبين طريق الضلالة، ولأن المقصود، بالأصالة، بيان سبيله، وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. { ولو شاء لهداكم أجمعين } أي: ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل، هداية مستلزمة للاهتداء. قاله البيضاوي. الإشارة: هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نصبت للآدمي، وخلقت من أجله، السماوات تظله، والأرض تقله، والحيوانات تخدمه وتنفعه، يتصرف فيها خليفة عن الله في ملكه.
فالواجب عليه شكر هذه النعم، وألا يقف معها، ويشتغل بها عن خدمة خالقها. يقول الحق تعالى، في بعض كلامه بلسان الحال أو المقال:
" يا ابن آدم، خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما خلق لأجلك عما خلقت لأجله "
والواجب عليه أيضا من طريق الخصوص: ألا يقف مع حس أجرامها، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ومظهرها لئلا يبقى مسجونا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر المعاني، المحيط بالأواني، والمفني لها، بصحبة شيخ كامل، يخرجه من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون. وبالله التوفيق. وقوله: { وعلى الله قصد السبيل }: اعلم أن الحق - جل جلاله - بين طريق الوصول إلى نعيمه الحسي والفوز برضوانه، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل شهوده وعيانه، وأرسل الرسل ببيان الطريقين. فوكل ببيان الأولى العلماء، ووكل ببيان الثانية الأولياء. فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى نعيم الأشباح، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم الأرواح، وهو النعيم الأكبر قال تعالى:
ورضوان من الله أكبر
[التوبة: 72]. فالرضوان على قسمين: قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدل الحجاب، وهم أهل الشرائع، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب، وهم أهل الحقائق، وهم المقربون، نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. ثم ذكر بقية التجليات فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:6
قلت: { والأنعام }: منصوب بمحذوف، يفسره: { خلقها } ، أو معطوف على " الإنسان " و { خلقها لكم }: بيان لما خلقت لأجله، وما بعده تفصيل له. و { منها تأكلون }: إنما قدم المعمول للمحافظة على رؤوس الآي، أو: لأن الأكل منها هو المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من غيرها من سائر الحيوانات المأكولات فعلى سبيل التداوي والتفكه. قاله البيضاوي. قلت: ولعله، عند مالك، للاختصاص، أي: منها تأكلون لا من غيرها إذ لا يؤكل عنده غيرها من البهائم الإنسية. وقوله: { لكم }: يحتمل أن يتعلق بما قبلها أو بما بعدها، ويختلف الوقف باختلاف ذلك. { إلا بشق }: فيه لغتان: الكسر والفتح، بمعنى التعب والكلفة، وقيل: المفتوح مصدر شق الأمر عليه، أي: صعب، والمكسور بمعنى: النصف، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. { والخيل }: عطف على " الأنعام ". و { زينة }: مفعول من أجله، عطف على موضع " لتركبوها ": أي: للركوب والزينة، أو مفعول مطلق، أي: لتتزينوا بها زينة. يقول الحق جل جلاله: { خلق السماوات والأرض }: أوجدهما { بالحق } أي: ملتبسا بالحق لتدل على وحدانية الحق، وكمال قدرته وباهر حكمته، حيث أوجدهما على مقدار مخصوص، وشكل بديع، وأوضاع مختلفة، وهيئات متعددة. أو: خلقهما بقضائه وتدبيره الحق، لا بمشاركة وتدبير أحد معه، ولا بمعاونة شريك ولا ظهير، ولذلك نزه نفسه بقوله: { تعالى عما يشركون } ، كما نزه نفسه، ابتداء، لما نفى الاستعجال لأنه من تدبير الخلق أيضا والصدور عن رأيهم، وفي معناه: تنزيل الوحي على ما يشاء لا على ما يشاء غيره لانفراده أيضا في ملكه. وفي إبرازه ذلك، على ما يخالف آراء الخلق، أدل دليل على وحدانيته في ملكه، وإنما وضع كل شيء ودبره دلالة على وحدانيته وهدايته لخلقه إليه. ثم شفع بخلق الإنسان فقال: { خلق الإنسان } أي: جنسه { من نطفة }: من ماء مهين يخرج من مكان مهين، { فإذا هو خصيم مبين }: مجادل، كثير الجدل والخصام، مبين لحجته، أو: خصيم: مكافح لخالقه، قائل: { من يحيي العظام وهي رميم }.
" روي أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم، فقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟ فقال: نعم "
فنزلت. فعلى الأول: تكون الآية عامة لكل إنسان، وعلى الثاني: خاصة بالكافر. والأول أظهر. ولما ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد، فقال: { والأنعام } وهي: الإبل والبقر والغنم، { خلقها }: أوجدها { لكم فيها دفء } ما يدفأ به فيقي البرد، يعني: ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب، { و } لكم فيها أيضا { منافع } أخر كنسلها وظهورها. وإنما عبر بالمنافع ليتناول عوضها. { ومنها تأكلون } أي: تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان.
{ ولكم فيها جمال } أي: زينة وبهجة { حين تريحون } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي، { وحين تسرحون } تخرجونها إلى المرعى بالغداة فإن الأفنية والمشارع والطرق تتزين بها في الذهاب والرواح، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها. وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر لأنها تقبل ملأى البطون، حاملة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. { وتحمل أثقالكم }: أحمالكم عليها من الأمتعة وغيرها { إلى بلد } بعيد، { لم تكونوا بالغيه } عليها، فضلا عن أن تحملوها على ظهوركم، { إلا بشق الأنفس } إلا بكلفة ومشقة فديحة، أو: إلا بذهاب شقها، أي: نصف قوتها من التعب. { إن ربكم لرؤوف رحيم } حيث رحمكم بخلقها وذللها للحمل، والركوب عليها، وأنعم عليكم بالكل من لحومها وألبانها. { و } خلق لكم { الخيل والبغال والحمير لتركبوها } ، { و } تتزينوا بها { زينة } ، أو للركوب والزينة. قال البيضاوي: وتغيير النظم - أي: حيث لم يقل: وللزينة - لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب من فعل المخلوق - أي: باعتبار الحكمة -، ولأن المقصود خلقها للركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض. وقرئ بغير واو، فيحتمل أن يكون علة لركوبها، أو مصدرا في موضع الحال من الضمير، أي: متزينين، أو متزينا بها. واستدل به على حرمة لحومها، ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه، غالبا، ألا يقصد منه غيره أصلا، ويدل عليه أن الآية مكية. وعامة المفسرين والمحدثين أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. ه. { ويخلق ما لا تعلمون } مما لا يحيط البشر بعلمها من عجائب المخلوقات، وضروب المصنوعات، مما يؤكل ومما لا يؤكل، وما خلق في الجنة والنار، مما لا يخطر على قلب بشر. { وعلى الله قصد السبيل } أي: وعلى الله بيان السبيل القصد، أي: الطريق الموصل إلى المقصود. أو: على الله تقويم طريق الهدى بنصب الأدلة وبعث الرسل، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: السبيل القصد، أي: القاصد المستقيم الموصل إلى المطلوب كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه. والمراد من السبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليه القصد، وقال: { ومنها جائر } عن القصد، أو عن الله، كطريق اليهود والنصارى وغيرهم. والسبيل بمعنى الطريق، يذكر ويؤنث، وأنث هنا. وتغيير الأسلوب - أي: حيث لم يقل: قصد السبيل والجائر - لأنه ليس بحق على الله أن يبين طريق الضلالة، ولأن المقصود، بالأصالة، بيان سبيله، وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. { ولو شاء لهداكم أجمعين } أي: ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل، هداية مستلزمة للاهتداء. قاله البيضاوي. الإشارة: هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نصبت للآدمي، وخلقت من أجله، السماوات تظله، والأرض تقله، والحيوانات تخدمه وتنفعه، يتصرف فيها خليفة عن الله في ملكه.
فالواجب عليه شكر هذه النعم، وألا يقف معها، ويشتغل بها عن خدمة خالقها. يقول الحق تعالى، في بعض كلامه بلسان الحال أو المقال:
" يا ابن آدم، خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما خلق لأجلك عما خلقت لأجله "
والواجب عليه أيضا من طريق الخصوص: ألا يقف مع حس أجرامها، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ومظهرها لئلا يبقى مسجونا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر المعاني، المحيط بالأواني، والمفني لها، بصحبة شيخ كامل، يخرجه من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون. وبالله التوفيق. وقوله: { وعلى الله قصد السبيل }: اعلم أن الحق - جل جلاله - بين طريق الوصول إلى نعيمه الحسي والفوز برضوانه، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل شهوده وعيانه، وأرسل الرسل ببيان الطريقين. فوكل ببيان الأولى العلماء، ووكل ببيان الثانية الأولياء. فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى نعيم الأشباح، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم الأرواح، وهو النعيم الأكبر قال تعالى:
ورضوان من الله أكبر
[التوبة: 72]. فالرضوان على قسمين: قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدل الحجاب، وهم أهل الشرائع، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب، وهم أهل الحقائق، وهم المقربون، نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. ثم ذكر بقية التجليات فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:7
قلت: { والأنعام }: منصوب بمحذوف، يفسره: { خلقها } ، أو معطوف على " الإنسان " و { خلقها لكم }: بيان لما خلقت لأجله، وما بعده تفصيل له. و { منها تأكلون }: إنما قدم المعمول للمحافظة على رؤوس الآي، أو: لأن الأكل منها هو المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من غيرها من سائر الحيوانات المأكولات فعلى سبيل التداوي والتفكه. قاله البيضاوي. قلت: ولعله، عند مالك، للاختصاص، أي: منها تأكلون لا من غيرها إذ لا يؤكل عنده غيرها من البهائم الإنسية. وقوله: { لكم }: يحتمل أن يتعلق بما قبلها أو بما بعدها، ويختلف الوقف باختلاف ذلك. { إلا بشق }: فيه لغتان: الكسر والفتح، بمعنى التعب والكلفة، وقيل: المفتوح مصدر شق الأمر عليه، أي: صعب، والمكسور بمعنى: النصف، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. { والخيل }: عطف على " الأنعام ". و { زينة }: مفعول من أجله، عطف على موضع " لتركبوها ": أي: للركوب والزينة، أو مفعول مطلق، أي: لتتزينوا بها زينة. يقول الحق جل جلاله: { خلق السماوات والأرض }: أوجدهما { بالحق } أي: ملتبسا بالحق لتدل على وحدانية الحق، وكمال قدرته وباهر حكمته، حيث أوجدهما على مقدار مخصوص، وشكل بديع، وأوضاع مختلفة، وهيئات متعددة. أو: خلقهما بقضائه وتدبيره الحق، لا بمشاركة وتدبير أحد معه، ولا بمعاونة شريك ولا ظهير، ولذلك نزه نفسه بقوله: { تعالى عما يشركون } ، كما نزه نفسه، ابتداء، لما نفى الاستعجال لأنه من تدبير الخلق أيضا والصدور عن رأيهم، وفي معناه: تنزيل الوحي على ما يشاء لا على ما يشاء غيره لانفراده أيضا في ملكه. وفي إبرازه ذلك، على ما يخالف آراء الخلق، أدل دليل على وحدانيته في ملكه، وإنما وضع كل شيء ودبره دلالة على وحدانيته وهدايته لخلقه إليه. ثم شفع بخلق الإنسان فقال: { خلق الإنسان } أي: جنسه { من نطفة }: من ماء مهين يخرج من مكان مهين، { فإذا هو خصيم مبين }: مجادل، كثير الجدل والخصام، مبين لحجته، أو: خصيم: مكافح لخالقه، قائل: { من يحيي العظام وهي رميم }.
" روي أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم، فقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟ فقال: نعم "
فنزلت. فعلى الأول: تكون الآية عامة لكل إنسان، وعلى الثاني: خاصة بالكافر. والأول أظهر. ولما ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد، فقال: { والأنعام } وهي: الإبل والبقر والغنم، { خلقها }: أوجدها { لكم فيها دفء } ما يدفأ به فيقي البرد، يعني: ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب، { و } لكم فيها أيضا { منافع } أخر كنسلها وظهورها. وإنما عبر بالمنافع ليتناول عوضها. { ومنها تأكلون } أي: تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان.
{ ولكم فيها جمال } أي: زينة وبهجة { حين تريحون } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي، { وحين تسرحون } تخرجونها إلى المرعى بالغداة فإن الأفنية والمشارع والطرق تتزين بها في الذهاب والرواح، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها. وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر لأنها تقبل ملأى البطون، حاملة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. { وتحمل أثقالكم }: أحمالكم عليها من الأمتعة وغيرها { إلى بلد } بعيد، { لم تكونوا بالغيه } عليها، فضلا عن أن تحملوها على ظهوركم، { إلا بشق الأنفس } إلا بكلفة ومشقة فديحة، أو: إلا بذهاب شقها، أي: نصف قوتها من التعب. { إن ربكم لرؤوف رحيم } حيث رحمكم بخلقها وذللها للحمل، والركوب عليها، وأنعم عليكم بالكل من لحومها وألبانها. { و } خلق لكم { الخيل والبغال والحمير لتركبوها } ، { و } تتزينوا بها { زينة } ، أو للركوب والزينة. قال البيضاوي: وتغيير النظم - أي: حيث لم يقل: وللزينة - لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب من فعل المخلوق - أي: باعتبار الحكمة -، ولأن المقصود خلقها للركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض. وقرئ بغير واو، فيحتمل أن يكون علة لركوبها، أو مصدرا في موضع الحال من الضمير، أي: متزينين، أو متزينا بها. واستدل به على حرمة لحومها، ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه، غالبا، ألا يقصد منه غيره أصلا، ويدل عليه أن الآية مكية. وعامة المفسرين والمحدثين أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. ه. { ويخلق ما لا تعلمون } مما لا يحيط البشر بعلمها من عجائب المخلوقات، وضروب المصنوعات، مما يؤكل ومما لا يؤكل، وما خلق في الجنة والنار، مما لا يخطر على قلب بشر. { وعلى الله قصد السبيل } أي: وعلى الله بيان السبيل القصد، أي: الطريق الموصل إلى المقصود. أو: على الله تقويم طريق الهدى بنصب الأدلة وبعث الرسل، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: السبيل القصد، أي: القاصد المستقيم الموصل إلى المطلوب كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه. والمراد من السبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليه القصد، وقال: { ومنها جائر } عن القصد، أو عن الله، كطريق اليهود والنصارى وغيرهم. والسبيل بمعنى الطريق، يذكر ويؤنث، وأنث هنا. وتغيير الأسلوب - أي: حيث لم يقل: قصد السبيل والجائر - لأنه ليس بحق على الله أن يبين طريق الضلالة، ولأن المقصود، بالأصالة، بيان سبيله، وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. { ولو شاء لهداكم أجمعين } أي: ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل، هداية مستلزمة للاهتداء. قاله البيضاوي. الإشارة: هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نصبت للآدمي، وخلقت من أجله، السماوات تظله، والأرض تقله، والحيوانات تخدمه وتنفعه، يتصرف فيها خليفة عن الله في ملكه.
فالواجب عليه شكر هذه النعم، وألا يقف معها، ويشتغل بها عن خدمة خالقها. يقول الحق تعالى، في بعض كلامه بلسان الحال أو المقال:
" يا ابن آدم، خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما خلق لأجلك عما خلقت لأجله "
والواجب عليه أيضا من طريق الخصوص: ألا يقف مع حس أجرامها، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ومظهرها لئلا يبقى مسجونا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر المعاني، المحيط بالأواني، والمفني لها، بصحبة شيخ كامل، يخرجه من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون. وبالله التوفيق. وقوله: { وعلى الله قصد السبيل }: اعلم أن الحق - جل جلاله - بين طريق الوصول إلى نعيمه الحسي والفوز برضوانه، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل شهوده وعيانه، وأرسل الرسل ببيان الطريقين. فوكل ببيان الأولى العلماء، ووكل ببيان الثانية الأولياء. فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى نعيم الأشباح، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم الأرواح، وهو النعيم الأكبر قال تعالى:
ورضوان من الله أكبر
[التوبة: 72]. فالرضوان على قسمين: قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدل الحجاب، وهم أهل الشرائع، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب، وهم أهل الحقائق، وهم المقربون، نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. ثم ذكر بقية التجليات فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:8
قلت: { والأنعام }: منصوب بمحذوف، يفسره: { خلقها } ، أو معطوف على " الإنسان " و { خلقها لكم }: بيان لما خلقت لأجله، وما بعده تفصيل له. و { منها تأكلون }: إنما قدم المعمول للمحافظة على رؤوس الآي، أو: لأن الأكل منها هو المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من غيرها من سائر الحيوانات المأكولات فعلى سبيل التداوي والتفكه. قاله البيضاوي. قلت: ولعله، عند مالك، للاختصاص، أي: منها تأكلون لا من غيرها إذ لا يؤكل عنده غيرها من البهائم الإنسية. وقوله: { لكم }: يحتمل أن يتعلق بما قبلها أو بما بعدها، ويختلف الوقف باختلاف ذلك. { إلا بشق }: فيه لغتان: الكسر والفتح، بمعنى التعب والكلفة، وقيل: المفتوح مصدر شق الأمر عليه، أي: صعب، والمكسور بمعنى: النصف، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. { والخيل }: عطف على " الأنعام ". و { زينة }: مفعول من أجله، عطف على موضع " لتركبوها ": أي: للركوب والزينة، أو مفعول مطلق، أي: لتتزينوا بها زينة. يقول الحق جل جلاله: { خلق السماوات والأرض }: أوجدهما { بالحق } أي: ملتبسا بالحق لتدل على وحدانية الحق، وكمال قدرته وباهر حكمته، حيث أوجدهما على مقدار مخصوص، وشكل بديع، وأوضاع مختلفة، وهيئات متعددة. أو: خلقهما بقضائه وتدبيره الحق، لا بمشاركة وتدبير أحد معه، ولا بمعاونة شريك ولا ظهير، ولذلك نزه نفسه بقوله: { تعالى عما يشركون } ، كما نزه نفسه، ابتداء، لما نفى الاستعجال لأنه من تدبير الخلق أيضا والصدور عن رأيهم، وفي معناه: تنزيل الوحي على ما يشاء لا على ما يشاء غيره لانفراده أيضا في ملكه. وفي إبرازه ذلك، على ما يخالف آراء الخلق، أدل دليل على وحدانيته في ملكه، وإنما وضع كل شيء ودبره دلالة على وحدانيته وهدايته لخلقه إليه. ثم شفع بخلق الإنسان فقال: { خلق الإنسان } أي: جنسه { من نطفة }: من ماء مهين يخرج من مكان مهين، { فإذا هو خصيم مبين }: مجادل، كثير الجدل والخصام، مبين لحجته، أو: خصيم: مكافح لخالقه، قائل: { من يحيي العظام وهي رميم }.
" روي أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم، فقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟ فقال: نعم "
فنزلت. فعلى الأول: تكون الآية عامة لكل إنسان، وعلى الثاني: خاصة بالكافر. والأول أظهر. ولما ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد، فقال: { والأنعام } وهي: الإبل والبقر والغنم، { خلقها }: أوجدها { لكم فيها دفء } ما يدفأ به فيقي البرد، يعني: ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب، { و } لكم فيها أيضا { منافع } أخر كنسلها وظهورها. وإنما عبر بالمنافع ليتناول عوضها. { ومنها تأكلون } أي: تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان.
{ ولكم فيها جمال } أي: زينة وبهجة { حين تريحون } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي، { وحين تسرحون } تخرجونها إلى المرعى بالغداة فإن الأفنية والمشارع والطرق تتزين بها في الذهاب والرواح، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها. وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر لأنها تقبل ملأى البطون، حاملة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. { وتحمل أثقالكم }: أحمالكم عليها من الأمتعة وغيرها { إلى بلد } بعيد، { لم تكونوا بالغيه } عليها، فضلا عن أن تحملوها على ظهوركم، { إلا بشق الأنفس } إلا بكلفة ومشقة فديحة، أو: إلا بذهاب شقها، أي: نصف قوتها من التعب. { إن ربكم لرؤوف رحيم } حيث رحمكم بخلقها وذللها للحمل، والركوب عليها، وأنعم عليكم بالكل من لحومها وألبانها. { و } خلق لكم { الخيل والبغال والحمير لتركبوها } ، { و } تتزينوا بها { زينة } ، أو للركوب والزينة. قال البيضاوي: وتغيير النظم - أي: حيث لم يقل: وللزينة - لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب من فعل المخلوق - أي: باعتبار الحكمة -، ولأن المقصود خلقها للركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض. وقرئ بغير واو، فيحتمل أن يكون علة لركوبها، أو مصدرا في موضع الحال من الضمير، أي: متزينين، أو متزينا بها. واستدل به على حرمة لحومها، ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه، غالبا، ألا يقصد منه غيره أصلا، ويدل عليه أن الآية مكية. وعامة المفسرين والمحدثين أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. ه. { ويخلق ما لا تعلمون } مما لا يحيط البشر بعلمها من عجائب المخلوقات، وضروب المصنوعات، مما يؤكل ومما لا يؤكل، وما خلق في الجنة والنار، مما لا يخطر على قلب بشر. { وعلى الله قصد السبيل } أي: وعلى الله بيان السبيل القصد، أي: الطريق الموصل إلى المقصود. أو: على الله تقويم طريق الهدى بنصب الأدلة وبعث الرسل، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: السبيل القصد، أي: القاصد المستقيم الموصل إلى المطلوب كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه. والمراد من السبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليه القصد، وقال: { ومنها جائر } عن القصد، أو عن الله، كطريق اليهود والنصارى وغيرهم. والسبيل بمعنى الطريق، يذكر ويؤنث، وأنث هنا. وتغيير الأسلوب - أي: حيث لم يقل: قصد السبيل والجائر - لأنه ليس بحق على الله أن يبين طريق الضلالة، ولأن المقصود، بالأصالة، بيان سبيله، وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. { ولو شاء لهداكم أجمعين } أي: ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل، هداية مستلزمة للاهتداء. قاله البيضاوي. الإشارة: هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نصبت للآدمي، وخلقت من أجله، السماوات تظله، والأرض تقله، والحيوانات تخدمه وتنفعه، يتصرف فيها خليفة عن الله في ملكه.
فالواجب عليه شكر هذه النعم، وألا يقف معها، ويشتغل بها عن خدمة خالقها. يقول الحق تعالى، في بعض كلامه بلسان الحال أو المقال:
" يا ابن آدم، خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما خلق لأجلك عما خلقت لأجله "
والواجب عليه أيضا من طريق الخصوص: ألا يقف مع حس أجرامها، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ومظهرها لئلا يبقى مسجونا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر المعاني، المحيط بالأواني، والمفني لها، بصحبة شيخ كامل، يخرجه من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون. وبالله التوفيق. وقوله: { وعلى الله قصد السبيل }: اعلم أن الحق - جل جلاله - بين طريق الوصول إلى نعيمه الحسي والفوز برضوانه، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل شهوده وعيانه، وأرسل الرسل ببيان الطريقين. فوكل ببيان الأولى العلماء، ووكل ببيان الثانية الأولياء. فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى نعيم الأشباح، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم الأرواح، وهو النعيم الأكبر قال تعالى:
ورضوان من الله أكبر
[التوبة: 72]. فالرضوان على قسمين: قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدل الحجاب، وهم أهل الشرائع، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب، وهم أهل الحقائق، وهم المقربون، نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. ثم ذكر بقية التجليات فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:9
قلت: { والأنعام }: منصوب بمحذوف، يفسره: { خلقها } ، أو معطوف على " الإنسان " و { خلقها لكم }: بيان لما خلقت لأجله، وما بعده تفصيل له. و { منها تأكلون }: إنما قدم المعمول للمحافظة على رؤوس الآي، أو: لأن الأكل منها هو المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من غيرها من سائر الحيوانات المأكولات فعلى سبيل التداوي والتفكه. قاله البيضاوي. قلت: ولعله، عند مالك، للاختصاص، أي: منها تأكلون لا من غيرها إذ لا يؤكل عنده غيرها من البهائم الإنسية. وقوله: { لكم }: يحتمل أن يتعلق بما قبلها أو بما بعدها، ويختلف الوقف باختلاف ذلك. { إلا بشق }: فيه لغتان: الكسر والفتح، بمعنى التعب والكلفة، وقيل: المفتوح مصدر شق الأمر عليه، أي: صعب، والمكسور بمعنى: النصف، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. { والخيل }: عطف على " الأنعام ". و { زينة }: مفعول من أجله، عطف على موضع " لتركبوها ": أي: للركوب والزينة، أو مفعول مطلق، أي: لتتزينوا بها زينة. يقول الحق جل جلاله: { خلق السماوات والأرض }: أوجدهما { بالحق } أي: ملتبسا بالحق لتدل على وحدانية الحق، وكمال قدرته وباهر حكمته، حيث أوجدهما على مقدار مخصوص، وشكل بديع، وأوضاع مختلفة، وهيئات متعددة. أو: خلقهما بقضائه وتدبيره الحق، لا بمشاركة وتدبير أحد معه، ولا بمعاونة شريك ولا ظهير، ولذلك نزه نفسه بقوله: { تعالى عما يشركون } ، كما نزه نفسه، ابتداء، لما نفى الاستعجال لأنه من تدبير الخلق أيضا والصدور عن رأيهم، وفي معناه: تنزيل الوحي على ما يشاء لا على ما يشاء غيره لانفراده أيضا في ملكه. وفي إبرازه ذلك، على ما يخالف آراء الخلق، أدل دليل على وحدانيته في ملكه، وإنما وضع كل شيء ودبره دلالة على وحدانيته وهدايته لخلقه إليه. ثم شفع بخلق الإنسان فقال: { خلق الإنسان } أي: جنسه { من نطفة }: من ماء مهين يخرج من مكان مهين، { فإذا هو خصيم مبين }: مجادل، كثير الجدل والخصام، مبين لحجته، أو: خصيم: مكافح لخالقه، قائل: { من يحيي العظام وهي رميم }.
" روي أن أبي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم، فقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟ فقال: نعم "
فنزلت. فعلى الأول: تكون الآية عامة لكل إنسان، وعلى الثاني: خاصة بالكافر. والأول أظهر. ولما ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد، فقال: { والأنعام } وهي: الإبل والبقر والغنم، { خلقها }: أوجدها { لكم فيها دفء } ما يدفأ به فيقي البرد، يعني: ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب، { و } لكم فيها أيضا { منافع } أخر كنسلها وظهورها. وإنما عبر بالمنافع ليتناول عوضها. { ومنها تأكلون } أي: تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان.
{ ولكم فيها جمال } أي: زينة وبهجة { حين تريحون } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي، { وحين تسرحون } تخرجونها إلى المرعى بالغداة فإن الأفنية والمشارع والطرق تتزين بها في الذهاب والرواح، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها. وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر لأنها تقبل ملأى البطون، حاملة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. { وتحمل أثقالكم }: أحمالكم عليها من الأمتعة وغيرها { إلى بلد } بعيد، { لم تكونوا بالغيه } عليها، فضلا عن أن تحملوها على ظهوركم، { إلا بشق الأنفس } إلا بكلفة ومشقة فديحة، أو: إلا بذهاب شقها، أي: نصف قوتها من التعب. { إن ربكم لرؤوف رحيم } حيث رحمكم بخلقها وذللها للحمل، والركوب عليها، وأنعم عليكم بالكل من لحومها وألبانها. { و } خلق لكم { الخيل والبغال والحمير لتركبوها } ، { و } تتزينوا بها { زينة } ، أو للركوب والزينة. قال البيضاوي: وتغيير النظم - أي: حيث لم يقل: وللزينة - لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب من فعل المخلوق - أي: باعتبار الحكمة -، ولأن المقصود خلقها للركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض. وقرئ بغير واو، فيحتمل أن يكون علة لركوبها، أو مصدرا في موضع الحال من الضمير، أي: متزينين، أو متزينا بها. واستدل به على حرمة لحومها، ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه، غالبا، ألا يقصد منه غيره أصلا، ويدل عليه أن الآية مكية. وعامة المفسرين والمحدثين أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. ه. { ويخلق ما لا تعلمون } مما لا يحيط البشر بعلمها من عجائب المخلوقات، وضروب المصنوعات، مما يؤكل ومما لا يؤكل، وما خلق في الجنة والنار، مما لا يخطر على قلب بشر. { وعلى الله قصد السبيل } أي: وعلى الله بيان السبيل القصد، أي: الطريق الموصل إلى المقصود. أو: على الله تقويم طريق الهدى بنصب الأدلة وبعث الرسل، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: السبيل القصد، أي: القاصد المستقيم الموصل إلى المطلوب كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه. والمراد من السبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليه القصد، وقال: { ومنها جائر } عن القصد، أو عن الله، كطريق اليهود والنصارى وغيرهم. والسبيل بمعنى الطريق، يذكر ويؤنث، وأنث هنا. وتغيير الأسلوب - أي: حيث لم يقل: قصد السبيل والجائر - لأنه ليس بحق على الله أن يبين طريق الضلالة، ولأن المقصود، بالأصالة، بيان سبيله، وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. { ولو شاء لهداكم أجمعين } أي: ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل، هداية مستلزمة للاهتداء. قاله البيضاوي. الإشارة: هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نصبت للآدمي، وخلقت من أجله، السماوات تظله، والأرض تقله، والحيوانات تخدمه وتنفعه، يتصرف فيها خليفة عن الله في ملكه.
فالواجب عليه شكر هذه النعم، وألا يقف معها، ويشتغل بها عن خدمة خالقها. يقول الحق تعالى، في بعض كلامه بلسان الحال أو المقال:
" يا ابن آدم، خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما خلق لأجلك عما خلقت لأجله "
والواجب عليه أيضا من طريق الخصوص: ألا يقف مع حس أجرامها، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ومظهرها لئلا يبقى مسجونا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر المعاني، المحيط بالأواني، والمفني لها، بصحبة شيخ كامل، يخرجه من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكون. وبالله التوفيق. وقوله: { وعلى الله قصد السبيل }: اعلم أن الحق - جل جلاله - بين طريق الوصول إلى نعيمه الحسي والفوز برضوانه، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل شهوده وعيانه، وأرسل الرسل ببيان الطريقين. فوكل ببيان الأولى العلماء، ووكل ببيان الثانية الأولياء. فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى نعيم الأشباح، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم الأرواح، وهو النعيم الأكبر قال تعالى:
ورضوان من الله أكبر
[التوبة: 72]. فالرضوان على قسمين: قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدل الحجاب، وهم أهل الشرائع، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب، وهم أهل الحقائق، وهم المقربون، نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. ثم ذكر بقية التجليات فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:10
قلت: { لكم منه شراب }: يحتمل أن يتعلق بأنزل، أو يكون في موضع خبر { شراب } ، أو صفة لماء و { مواخر }: جمع ماخرة، يقال: مخرت السفينة الماء مخرا: شقته، وقيل: المخر: صوت جرى الفلك في البحر من هبوب الريح. وقيل: معناه: تجيء وتذهب بريح واحدة. و { لتبتغوا }: عطف على " لتأكلوا " ، و { أن تميد }: مفعول من أجله، أي: كراهة أن تميد بكم. و { أنهارا وسبلا }: مفعول بمحذوف، أي: وخلق أو وجعل أنهارا، وقيل: معطوف على " رواسي " لأن ألقى، فيه معنى الجعل، و { علامات }: عطف على { أنهارا وسبلا } ، أو نصب على المصدر، أي: ألقى ذلك لعلكم تعتبرون، وعلامات دالة على وحدانيته. يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أنزل من السماء } أي: السحاب، أو جانب السماء، { ماء }: مطرا { لكم منه شراب } تشربونه بلا واسطة، أو بواسطة العيون والأنهار والآبار لأنه يحبس فيها، ثم يشرب منها، لقوله:
فسلكه ينابيع فى الأرض
[الزمر: 21]، وقوله:
فأسكناه فى الأرض
[المؤمنون: 18]، { ومنه شجر } أي: ومنه يكون شجر، يعني: الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: كل ما نبت على الأرض فهو شجر، { فيه تسيمون }: ترعون مواشيكم، من أسام الماشية: رعاها، وأصلها: السومة، التي هي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات. { ينبت لكم به الرزع } وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم، { والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } أي: ومن بعض كل الثمرات إذ لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار. قال البيضاوي: ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيا هو أشرف الأغذية - يعني اللحم -، ومن هذا: تقديم الزرع، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. ه. { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } ، فيستدلون على وجود الصانع وباهر قدرته، فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض يابسة، ويصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها، ويخرج منه ساق الشجر، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها، ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطبائع، مع اتحاد المواد، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار، مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد، ولعل وصل الآية به لذلك. قاله البيضاوي باختصار. { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم } بأن هيأها لمنافعكم، { مسخرات بأمره } ، أي: مذللات لما يريد منها، وهو حال من الجميع، أي: نفعكم بها حال كونها مسخرات لله، منقادة لحكمه، أو لما خلقن له، { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي: لأهل العقول السليمة الصافية من ظلمة الغفلة والشهوات، وإنما جمع هنا، دون ما قبله وما بعده لأن الأولى راجعة إلى إنزال المطر، وهو متحد، والثالثة راجعة إلى ما ذرأ في الأرض، وهو متحد في الجنس والهيئة، بخلاف العوالم العلوية، فإنها مختلفة في الجنس والهيئة.
وقال البيضاوي: جمع الآية وذكر العقل لأنها تتضمن أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة، غير محوجة إلى استيفاء فكر، كأحوال النبات. ه. { وما ذرأ } أي: وسخر لكم ما ذرأ، فهو عطف على الليل، أي: سخر لكم ما خلق لكم في الأرض من حيوانات ونبات، { مختلفا ألوانه } أبيض وأسود، أحمر وأصفر، مع اتحاد المادة، فالماء واحد والزهر ألوان، { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } يتذكرون أن اختلافها في الألوان والطبائع، والهيئات والمناظر، ليس إلا بصنع صانع حكيم. { وهو الذي سخر البحر }: ذلله بحيث هيأه للتمكن من الانتفاع به بالركوب فيه، والاصطياد، والغوص، { لتأكلوا منه لحما طريا } هو السمك، ووصفة بالطراوة لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع إلى أكله طريا، ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق أجاج، واحتج به مالك على أن من حلف ألا يأكل لحما حنث بأكل السمك، وأجيب بأن مبني الأيمان على العرف، وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ألا ترى أن الله سمى الكافر دابة، ولا يحنث من حلف ألا يركب دابة بركوبه. قاله البيضاوي. ويجاب بالاحتياط فالحنث يقع بأدنى شيء، بخلاف البر، لا يقع إلا بأتم الأشياء. { وتستخرجوا منه حلية } كاللؤلؤ والمرجان، { تلبسونها } يلبسها نساؤكم، وأسند اللباس إليهم لأن لباس النساء تزين للرجال، فكأنه مقصود لهم، { وترى الفلك }: السفن { مواخر فيه } جواري فيه تمخر الماء، أي: تشقه، أو تصوت من هبوب الريح، { ولتبتغوا من فضله }: من سعة رزقه بركوبه للتجارة، أو: وترى الفلك جواري فيه لتركبوها، ولتبتغوا من سعة رزقه. قال ابن عطية: فيه إباحة ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح. ه. { ولعلكم تشكرون } أي: تعرفون نعم الله فتقوموا بشكرها. ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الإنعام من حيث جعل المهالك سببا للانتفاع، وتحصيل المعاش. قاله البيضاوي. { وألقى في الأرض رواسي } جبالا رواسي أرست الأرض كراهة { أن تميد بكم } تميل وتضطرب لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة، وكان من حقها أن تتحرك كالسفينة على البحر، فلما خلقت الجبال تقاومت جوانبها بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل: لما خلق الله الأرض جعلت تمور - أي: تتحرك - فقالت الملائكة: ما يستقر أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. { وأنهارا } أي: وجعل فيها أنهارا تطرد لسقي الناس والبهائم، وسائر المنافع، وذكره بعد الجبال لأن الغالب انفجارها منها، { وسبلا } أي: وجعل فيها طرقا { لعلكم تهتدون } لمقاصدكم، أو لمعرفة ربكم، بالنظر في دلالة هذه المصنوعات المتقدمة، على صانعها. { و } جعل فيها { علامات }: معالم يستدل بها السابلة على معرفة الطرق من الجبال، والمناهل، والرياح، وغير ذلك، { وبالنجم هم يهتدون } إلى الطرق بالليل، في البراري والبحار، والمراد بالنجم: الجنس، بدليل قراءة: " وبالنجم " بضمتين على الجمع.
وقيل: المراد: الثريا، والفرقدان وبنات نعش، والجدي. والضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة، مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب، وتقديم النجم، وإقحام الضمير للتخصيص، كأنه قيل: وبالنجم خصوصا، هؤلاء خصوصا يهتدون، يعني: قريشا، فالاعتبار بذلك، والشكر عليهم ألزم لهم وأوجب عليهم. ه. وأصله للزمخشري. الإشارة: هو الذي أنزل من سماء الغيوب ماء، أي: علما لدنيا تحيا به القلوب، وتتطهر به النفوس من أدناس العيوب. لكم منه شراب، خمرة تحيا بها الأرواح، وتغيب عن حضرة الأشباح، ويخرج منه على الجوارح أشجار العمل، تثمر بالأذواق، فيه تسيمون، أي: في أذواق العمل ترعون بنفوسكم وقلوبكم، ثم ترحلون عنه إلى حلاوة شهود ربكم، فمن وقف مع حلاوة العمل، أو المقامات أو الكرامات، بقي محجوبا عن ربه، وعليه نبه صاحب البردة بقوله:
وراعها، وهي في الأعمال سائمة وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
وقال في الحكم: " ربما وقفت القلوب مع الأنوار، كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار ". وقال الششتري:
وقد تحجب الأنوار للعبد مثل ما تبعد من إظلام نفس حوت ضغنا
ينبت بذلك العلم طعام نفوسكم من قوت الشريعة، ومصباح قلوبكم من عمل الطريقة، وثمرة الأعمال في عوالم الحقيقة، وفواكه العلوم من مخازن الفهوم. وسخر لكم ليل القبض، ونهار البسط لتسكنوا فيه لما خصكم فيه من مقام التسليم والرضا، ولتبتغوا من فضله من فيض العلوم وكشف الغطاء، فتشرق حينئذ شمس العرفان، ويستنير قمر الإيمان، وتطلع نجوم العلم، كل مسخر في محله، لا يستتر أحد بنور غيره، وهذا مقام أهل التمكين، يستعملون كل شيء في محله. وما ذرأ لكم في أرض نفوسكم من أنواع العبادات وأحوال العبودية، متلونة باعتبار الأزمنة والأمكنة، وهو الذي سخر بحر المعاني لتأكلوا منه لحما طريا علما جديدا لم يخطر على قلب بشر، وتستخرجوا منه جواهر ويواقيت من الحكم، تلبسونها وتتزين قلوبكم وألسنتكم بها. وترى الفلك، أي: سفن الفكرة، فيه مواخر عائمة في بحر الوحدة، بين أنوار الملكوت وأسرار الجبروت لتبتغوا من فضله، وهي معرفة الحق بذاته وأسمائه وصفاته، ولعلكم تشكرون، فتقيدوا هذه النعم الجسام لئلا تزول. وألقى في أرض البشرية جبال العقول لئلا يلعب بها ريح الهوى، وأجرى عليها أنهارا من العلوم حين انزجرت عن هواها، وجعل لها طرقا تهتدي بها إلى معرفة ربها، فتهتدي أولا إلى نجم الإسلام، ثم إلى قمر توحيد البرهان، ثم إلى شهود شمس العرفان. وبالله التوفيق. ولما ذكر دلائل التوحيد أنكره من اشرك بعد هذا البيان. ثم ذكر بقية التجليات، فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:11
قلت: { لكم منه شراب }: يحتمل أن يتعلق بأنزل، أو يكون في موضع خبر { شراب } ، أو صفة لماء و { مواخر }: جمع ماخرة، يقال: مخرت السفينة الماء مخرا: شقته، وقيل: المخر: صوت جرى الفلك في البحر من هبوب الريح. وقيل: معناه: تجيء وتذهب بريح واحدة. و { لتبتغوا }: عطف على " لتأكلوا " ، و { أن تميد }: مفعول من أجله، أي: كراهة أن تميد بكم. و { أنهارا وسبلا }: مفعول بمحذوف، أي: وخلق أو وجعل أنهارا، وقيل: معطوف على " رواسي " لأن ألقى، فيه معنى الجعل، و { علامات }: عطف على { أنهارا وسبلا } ، أو نصب على المصدر، أي: ألقى ذلك لعلكم تعتبرون، وعلامات دالة على وحدانيته. يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أنزل من السماء } أي: السحاب، أو جانب السماء، { ماء }: مطرا { لكم منه شراب } تشربونه بلا واسطة، أو بواسطة العيون والأنهار والآبار لأنه يحبس فيها، ثم يشرب منها، لقوله:
فسلكه ينابيع فى الأرض
[الزمر: 21]، وقوله:
فأسكناه فى الأرض
[المؤمنون: 18]، { ومنه شجر } أي: ومنه يكون شجر، يعني: الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: كل ما نبت على الأرض فهو شجر، { فيه تسيمون }: ترعون مواشيكم، من أسام الماشية: رعاها، وأصلها: السومة، التي هي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات. { ينبت لكم به الرزع } وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم، { والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } أي: ومن بعض كل الثمرات إذ لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار. قال البيضاوي: ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيا هو أشرف الأغذية - يعني اللحم -، ومن هذا: تقديم الزرع، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. ه. { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } ، فيستدلون على وجود الصانع وباهر قدرته، فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض يابسة، ويصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها، ويخرج منه ساق الشجر، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها، ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطبائع، مع اتحاد المواد، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار، مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد، ولعل وصل الآية به لذلك. قاله البيضاوي باختصار. { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم } بأن هيأها لمنافعكم، { مسخرات بأمره } ، أي: مذللات لما يريد منها، وهو حال من الجميع، أي: نفعكم بها حال كونها مسخرات لله، منقادة لحكمه، أو لما خلقن له، { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي: لأهل العقول السليمة الصافية من ظلمة الغفلة والشهوات، وإنما جمع هنا، دون ما قبله وما بعده لأن الأولى راجعة إلى إنزال المطر، وهو متحد، والثالثة راجعة إلى ما ذرأ في الأرض، وهو متحد في الجنس والهيئة، بخلاف العوالم العلوية، فإنها مختلفة في الجنس والهيئة.
وقال البيضاوي: جمع الآية وذكر العقل لأنها تتضمن أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة، غير محوجة إلى استيفاء فكر، كأحوال النبات. ه. { وما ذرأ } أي: وسخر لكم ما ذرأ، فهو عطف على الليل، أي: سخر لكم ما خلق لكم في الأرض من حيوانات ونبات، { مختلفا ألوانه } أبيض وأسود، أحمر وأصفر، مع اتحاد المادة، فالماء واحد والزهر ألوان، { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } يتذكرون أن اختلافها في الألوان والطبائع، والهيئات والمناظر، ليس إلا بصنع صانع حكيم. { وهو الذي سخر البحر }: ذلله بحيث هيأه للتمكن من الانتفاع به بالركوب فيه، والاصطياد، والغوص، { لتأكلوا منه لحما طريا } هو السمك، ووصفة بالطراوة لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع إلى أكله طريا، ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق أجاج، واحتج به مالك على أن من حلف ألا يأكل لحما حنث بأكل السمك، وأجيب بأن مبني الأيمان على العرف، وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ألا ترى أن الله سمى الكافر دابة، ولا يحنث من حلف ألا يركب دابة بركوبه. قاله البيضاوي. ويجاب بالاحتياط فالحنث يقع بأدنى شيء، بخلاف البر، لا يقع إلا بأتم الأشياء. { وتستخرجوا منه حلية } كاللؤلؤ والمرجان، { تلبسونها } يلبسها نساؤكم، وأسند اللباس إليهم لأن لباس النساء تزين للرجال، فكأنه مقصود لهم، { وترى الفلك }: السفن { مواخر فيه } جواري فيه تمخر الماء، أي: تشقه، أو تصوت من هبوب الريح، { ولتبتغوا من فضله }: من سعة رزقه بركوبه للتجارة، أو: وترى الفلك جواري فيه لتركبوها، ولتبتغوا من سعة رزقه. قال ابن عطية: فيه إباحة ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح. ه. { ولعلكم تشكرون } أي: تعرفون نعم الله فتقوموا بشكرها. ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الإنعام من حيث جعل المهالك سببا للانتفاع، وتحصيل المعاش. قاله البيضاوي. { وألقى في الأرض رواسي } جبالا رواسي أرست الأرض كراهة { أن تميد بكم } تميل وتضطرب لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة، وكان من حقها أن تتحرك كالسفينة على البحر، فلما خلقت الجبال تقاومت جوانبها بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل: لما خلق الله الأرض جعلت تمور - أي: تتحرك - فقالت الملائكة: ما يستقر أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. { وأنهارا } أي: وجعل فيها أنهارا تطرد لسقي الناس والبهائم، وسائر المنافع، وذكره بعد الجبال لأن الغالب انفجارها منها، { وسبلا } أي: وجعل فيها طرقا { لعلكم تهتدون } لمقاصدكم، أو لمعرفة ربكم، بالنظر في دلالة هذه المصنوعات المتقدمة، على صانعها. { و } جعل فيها { علامات }: معالم يستدل بها السابلة على معرفة الطرق من الجبال، والمناهل، والرياح، وغير ذلك، { وبالنجم هم يهتدون } إلى الطرق بالليل، في البراري والبحار، والمراد بالنجم: الجنس، بدليل قراءة: " وبالنجم " بضمتين على الجمع.
وقيل: المراد: الثريا، والفرقدان وبنات نعش، والجدي. والضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة، مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب، وتقديم النجم، وإقحام الضمير للتخصيص، كأنه قيل: وبالنجم خصوصا، هؤلاء خصوصا يهتدون، يعني: قريشا، فالاعتبار بذلك، والشكر عليهم ألزم لهم وأوجب عليهم. ه. وأصله للزمخشري. الإشارة: هو الذي أنزل من سماء الغيوب ماء، أي: علما لدنيا تحيا به القلوب، وتتطهر به النفوس من أدناس العيوب. لكم منه شراب، خمرة تحيا بها الأرواح، وتغيب عن حضرة الأشباح، ويخرج منه على الجوارح أشجار العمل، تثمر بالأذواق، فيه تسيمون، أي: في أذواق العمل ترعون بنفوسكم وقلوبكم، ثم ترحلون عنه إلى حلاوة شهود ربكم، فمن وقف مع حلاوة العمل، أو المقامات أو الكرامات، بقي محجوبا عن ربه، وعليه نبه صاحب البردة بقوله:
وراعها، وهي في الأعمال سائمة وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
وقال في الحكم: " ربما وقفت القلوب مع الأنوار، كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار ". وقال الششتري:
وقد تحجب الأنوار للعبد مثل ما تبعد من إظلام نفس حوت ضغنا
ينبت بذلك العلم طعام نفوسكم من قوت الشريعة، ومصباح قلوبكم من عمل الطريقة، وثمرة الأعمال في عوالم الحقيقة، وفواكه العلوم من مخازن الفهوم. وسخر لكم ليل القبض، ونهار البسط لتسكنوا فيه لما خصكم فيه من مقام التسليم والرضا، ولتبتغوا من فضله من فيض العلوم وكشف الغطاء، فتشرق حينئذ شمس العرفان، ويستنير قمر الإيمان، وتطلع نجوم العلم، كل مسخر في محله، لا يستتر أحد بنور غيره، وهذا مقام أهل التمكين، يستعملون كل شيء في محله. وما ذرأ لكم في أرض نفوسكم من أنواع العبادات وأحوال العبودية، متلونة باعتبار الأزمنة والأمكنة، وهو الذي سخر بحر المعاني لتأكلوا منه لحما طريا علما جديدا لم يخطر على قلب بشر، وتستخرجوا منه جواهر ويواقيت من الحكم، تلبسونها وتتزين قلوبكم وألسنتكم بها. وترى الفلك، أي: سفن الفكرة، فيه مواخر عائمة في بحر الوحدة، بين أنوار الملكوت وأسرار الجبروت لتبتغوا من فضله، وهي معرفة الحق بذاته وأسمائه وصفاته، ولعلكم تشكرون، فتقيدوا هذه النعم الجسام لئلا تزول. وألقى في أرض البشرية جبال العقول لئلا يلعب بها ريح الهوى، وأجرى عليها أنهارا من العلوم حين انزجرت عن هواها، وجعل لها طرقا تهتدي بها إلى معرفة ربها، فتهتدي أولا إلى نجم الإسلام، ثم إلى قمر توحيد البرهان، ثم إلى شهود شمس العرفان. وبالله التوفيق. ولما ذكر دلائل التوحيد أنكره من اشرك بعد هذا البيان. ثم ذكر بقية التجليات، فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:12
قلت: { لكم منه شراب }: يحتمل أن يتعلق بأنزل، أو يكون في موضع خبر { شراب } ، أو صفة لماء و { مواخر }: جمع ماخرة، يقال: مخرت السفينة الماء مخرا: شقته، وقيل: المخر: صوت جرى الفلك في البحر من هبوب الريح. وقيل: معناه: تجيء وتذهب بريح واحدة. و { لتبتغوا }: عطف على " لتأكلوا " ، و { أن تميد }: مفعول من أجله، أي: كراهة أن تميد بكم. و { أنهارا وسبلا }: مفعول بمحذوف، أي: وخلق أو وجعل أنهارا، وقيل: معطوف على " رواسي " لأن ألقى، فيه معنى الجعل، و { علامات }: عطف على { أنهارا وسبلا } ، أو نصب على المصدر، أي: ألقى ذلك لعلكم تعتبرون، وعلامات دالة على وحدانيته. يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أنزل من السماء } أي: السحاب، أو جانب السماء، { ماء }: مطرا { لكم منه شراب } تشربونه بلا واسطة، أو بواسطة العيون والأنهار والآبار لأنه يحبس فيها، ثم يشرب منها، لقوله:
فسلكه ينابيع فى الأرض
[الزمر: 21]، وقوله:
فأسكناه فى الأرض
[المؤمنون: 18]، { ومنه شجر } أي: ومنه يكون شجر، يعني: الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: كل ما نبت على الأرض فهو شجر، { فيه تسيمون }: ترعون مواشيكم، من أسام الماشية: رعاها، وأصلها: السومة، التي هي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات. { ينبت لكم به الرزع } وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم، { والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } أي: ومن بعض كل الثمرات إذ لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار. قال البيضاوي: ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيا هو أشرف الأغذية - يعني اللحم -، ومن هذا: تقديم الزرع، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. ه. { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } ، فيستدلون على وجود الصانع وباهر قدرته، فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض يابسة، ويصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها، ويخرج منه ساق الشجر، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها، ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطبائع، مع اتحاد المواد، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار، مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد، ولعل وصل الآية به لذلك. قاله البيضاوي باختصار. { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم } بأن هيأها لمنافعكم، { مسخرات بأمره } ، أي: مذللات لما يريد منها، وهو حال من الجميع، أي: نفعكم بها حال كونها مسخرات لله، منقادة لحكمه، أو لما خلقن له، { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي: لأهل العقول السليمة الصافية من ظلمة الغفلة والشهوات، وإنما جمع هنا، دون ما قبله وما بعده لأن الأولى راجعة إلى إنزال المطر، وهو متحد، والثالثة راجعة إلى ما ذرأ في الأرض، وهو متحد في الجنس والهيئة، بخلاف العوالم العلوية، فإنها مختلفة في الجنس والهيئة.
وقال البيضاوي: جمع الآية وذكر العقل لأنها تتضمن أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة، غير محوجة إلى استيفاء فكر، كأحوال النبات. ه. { وما ذرأ } أي: وسخر لكم ما ذرأ، فهو عطف على الليل، أي: سخر لكم ما خلق لكم في الأرض من حيوانات ونبات، { مختلفا ألوانه } أبيض وأسود، أحمر وأصفر، مع اتحاد المادة، فالماء واحد والزهر ألوان، { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } يتذكرون أن اختلافها في الألوان والطبائع، والهيئات والمناظر، ليس إلا بصنع صانع حكيم. { وهو الذي سخر البحر }: ذلله بحيث هيأه للتمكن من الانتفاع به بالركوب فيه، والاصطياد، والغوص، { لتأكلوا منه لحما طريا } هو السمك، ووصفة بالطراوة لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع إلى أكله طريا، ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق أجاج، واحتج به مالك على أن من حلف ألا يأكل لحما حنث بأكل السمك، وأجيب بأن مبني الأيمان على العرف، وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ألا ترى أن الله سمى الكافر دابة، ولا يحنث من حلف ألا يركب دابة بركوبه. قاله البيضاوي. ويجاب بالاحتياط فالحنث يقع بأدنى شيء، بخلاف البر، لا يقع إلا بأتم الأشياء. { وتستخرجوا منه حلية } كاللؤلؤ والمرجان، { تلبسونها } يلبسها نساؤكم، وأسند اللباس إليهم لأن لباس النساء تزين للرجال، فكأنه مقصود لهم، { وترى الفلك }: السفن { مواخر فيه } جواري فيه تمخر الماء، أي: تشقه، أو تصوت من هبوب الريح، { ولتبتغوا من فضله }: من سعة رزقه بركوبه للتجارة، أو: وترى الفلك جواري فيه لتركبوها، ولتبتغوا من سعة رزقه. قال ابن عطية: فيه إباحة ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح. ه. { ولعلكم تشكرون } أي: تعرفون نعم الله فتقوموا بشكرها. ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الإنعام من حيث جعل المهالك سببا للانتفاع، وتحصيل المعاش. قاله البيضاوي. { وألقى في الأرض رواسي } جبالا رواسي أرست الأرض كراهة { أن تميد بكم } تميل وتضطرب لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة، وكان من حقها أن تتحرك كالسفينة على البحر، فلما خلقت الجبال تقاومت جوانبها بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل: لما خلق الله الأرض جعلت تمور - أي: تتحرك - فقالت الملائكة: ما يستقر أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. { وأنهارا } أي: وجعل فيها أنهارا تطرد لسقي الناس والبهائم، وسائر المنافع، وذكره بعد الجبال لأن الغالب انفجارها منها، { وسبلا } أي: وجعل فيها طرقا { لعلكم تهتدون } لمقاصدكم، أو لمعرفة ربكم، بالنظر في دلالة هذه المصنوعات المتقدمة، على صانعها. { و } جعل فيها { علامات }: معالم يستدل بها السابلة على معرفة الطرق من الجبال، والمناهل، والرياح، وغير ذلك، { وبالنجم هم يهتدون } إلى الطرق بالليل، في البراري والبحار، والمراد بالنجم: الجنس، بدليل قراءة: " وبالنجم " بضمتين على الجمع.
وقيل: المراد: الثريا، والفرقدان وبنات نعش، والجدي. والضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة، مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب، وتقديم النجم، وإقحام الضمير للتخصيص، كأنه قيل: وبالنجم خصوصا، هؤلاء خصوصا يهتدون، يعني: قريشا، فالاعتبار بذلك، والشكر عليهم ألزم لهم وأوجب عليهم. ه. وأصله للزمخشري. الإشارة: هو الذي أنزل من سماء الغيوب ماء، أي: علما لدنيا تحيا به القلوب، وتتطهر به النفوس من أدناس العيوب. لكم منه شراب، خمرة تحيا بها الأرواح، وتغيب عن حضرة الأشباح، ويخرج منه على الجوارح أشجار العمل، تثمر بالأذواق، فيه تسيمون، أي: في أذواق العمل ترعون بنفوسكم وقلوبكم، ثم ترحلون عنه إلى حلاوة شهود ربكم، فمن وقف مع حلاوة العمل، أو المقامات أو الكرامات، بقي محجوبا عن ربه، وعليه نبه صاحب البردة بقوله:
وراعها، وهي في الأعمال سائمة وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
وقال في الحكم: " ربما وقفت القلوب مع الأنوار، كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار ". وقال الششتري:
وقد تحجب الأنوار للعبد مثل ما تبعد من إظلام نفس حوت ضغنا
ينبت بذلك العلم طعام نفوسكم من قوت الشريعة، ومصباح قلوبكم من عمل الطريقة، وثمرة الأعمال في عوالم الحقيقة، وفواكه العلوم من مخازن الفهوم. وسخر لكم ليل القبض، ونهار البسط لتسكنوا فيه لما خصكم فيه من مقام التسليم والرضا، ولتبتغوا من فضله من فيض العلوم وكشف الغطاء، فتشرق حينئذ شمس العرفان، ويستنير قمر الإيمان، وتطلع نجوم العلم، كل مسخر في محله، لا يستتر أحد بنور غيره، وهذا مقام أهل التمكين، يستعملون كل شيء في محله. وما ذرأ لكم في أرض نفوسكم من أنواع العبادات وأحوال العبودية، متلونة باعتبار الأزمنة والأمكنة، وهو الذي سخر بحر المعاني لتأكلوا منه لحما طريا علما جديدا لم يخطر على قلب بشر، وتستخرجوا منه جواهر ويواقيت من الحكم، تلبسونها وتتزين قلوبكم وألسنتكم بها. وترى الفلك، أي: سفن الفكرة، فيه مواخر عائمة في بحر الوحدة، بين أنوار الملكوت وأسرار الجبروت لتبتغوا من فضله، وهي معرفة الحق بذاته وأسمائه وصفاته، ولعلكم تشكرون، فتقيدوا هذه النعم الجسام لئلا تزول. وألقى في أرض البشرية جبال العقول لئلا يلعب بها ريح الهوى، وأجرى عليها أنهارا من العلوم حين انزجرت عن هواها، وجعل لها طرقا تهتدي بها إلى معرفة ربها، فتهتدي أولا إلى نجم الإسلام، ثم إلى قمر توحيد البرهان، ثم إلى شهود شمس العرفان. وبالله التوفيق. ولما ذكر دلائل التوحيد أنكره من اشرك بعد هذا البيان. ثم ذكر بقية التجليات، فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:13
قلت: { لكم منه شراب }: يحتمل أن يتعلق بأنزل، أو يكون في موضع خبر { شراب } ، أو صفة لماء و { مواخر }: جمع ماخرة، يقال: مخرت السفينة الماء مخرا: شقته، وقيل: المخر: صوت جرى الفلك في البحر من هبوب الريح. وقيل: معناه: تجيء وتذهب بريح واحدة. و { لتبتغوا }: عطف على " لتأكلوا " ، و { أن تميد }: مفعول من أجله، أي: كراهة أن تميد بكم. و { أنهارا وسبلا }: مفعول بمحذوف، أي: وخلق أو وجعل أنهارا، وقيل: معطوف على " رواسي " لأن ألقى، فيه معنى الجعل، و { علامات }: عطف على { أنهارا وسبلا } ، أو نصب على المصدر، أي: ألقى ذلك لعلكم تعتبرون، وعلامات دالة على وحدانيته. يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أنزل من السماء } أي: السحاب، أو جانب السماء، { ماء }: مطرا { لكم منه شراب } تشربونه بلا واسطة، أو بواسطة العيون والأنهار والآبار لأنه يحبس فيها، ثم يشرب منها، لقوله:
فسلكه ينابيع فى الأرض
[الزمر: 21]، وقوله:
فأسكناه فى الأرض
[المؤمنون: 18]، { ومنه شجر } أي: ومنه يكون شجر، يعني: الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: كل ما نبت على الأرض فهو شجر، { فيه تسيمون }: ترعون مواشيكم، من أسام الماشية: رعاها، وأصلها: السومة، التي هي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات. { ينبت لكم به الرزع } وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم، { والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } أي: ومن بعض كل الثمرات إذ لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار. قال البيضاوي: ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيا هو أشرف الأغذية - يعني اللحم -، ومن هذا: تقديم الزرع، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. ه. { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } ، فيستدلون على وجود الصانع وباهر قدرته، فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض يابسة، ويصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها، ويخرج منه ساق الشجر، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها، ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطبائع، مع اتحاد المواد، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار، مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد، ولعل وصل الآية به لذلك. قاله البيضاوي باختصار. { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم } بأن هيأها لمنافعكم، { مسخرات بأمره } ، أي: مذللات لما يريد منها، وهو حال من الجميع، أي: نفعكم بها حال كونها مسخرات لله، منقادة لحكمه، أو لما خلقن له، { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي: لأهل العقول السليمة الصافية من ظلمة الغفلة والشهوات، وإنما جمع هنا، دون ما قبله وما بعده لأن الأولى راجعة إلى إنزال المطر، وهو متحد، والثالثة راجعة إلى ما ذرأ في الأرض، وهو متحد في الجنس والهيئة، بخلاف العوالم العلوية، فإنها مختلفة في الجنس والهيئة.
وقال البيضاوي: جمع الآية وذكر العقل لأنها تتضمن أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة، غير محوجة إلى استيفاء فكر، كأحوال النبات. ه. { وما ذرأ } أي: وسخر لكم ما ذرأ، فهو عطف على الليل، أي: سخر لكم ما خلق لكم في الأرض من حيوانات ونبات، { مختلفا ألوانه } أبيض وأسود، أحمر وأصفر، مع اتحاد المادة، فالماء واحد والزهر ألوان، { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } يتذكرون أن اختلافها في الألوان والطبائع، والهيئات والمناظر، ليس إلا بصنع صانع حكيم. { وهو الذي سخر البحر }: ذلله بحيث هيأه للتمكن من الانتفاع به بالركوب فيه، والاصطياد، والغوص، { لتأكلوا منه لحما طريا } هو السمك، ووصفة بالطراوة لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع إلى أكله طريا، ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق أجاج، واحتج به مالك على أن من حلف ألا يأكل لحما حنث بأكل السمك، وأجيب بأن مبني الأيمان على العرف، وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ألا ترى أن الله سمى الكافر دابة، ولا يحنث من حلف ألا يركب دابة بركوبه. قاله البيضاوي. ويجاب بالاحتياط فالحنث يقع بأدنى شيء، بخلاف البر، لا يقع إلا بأتم الأشياء. { وتستخرجوا منه حلية } كاللؤلؤ والمرجان، { تلبسونها } يلبسها نساؤكم، وأسند اللباس إليهم لأن لباس النساء تزين للرجال، فكأنه مقصود لهم، { وترى الفلك }: السفن { مواخر فيه } جواري فيه تمخر الماء، أي: تشقه، أو تصوت من هبوب الريح، { ولتبتغوا من فضله }: من سعة رزقه بركوبه للتجارة، أو: وترى الفلك جواري فيه لتركبوها، ولتبتغوا من سعة رزقه. قال ابن عطية: فيه إباحة ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح. ه. { ولعلكم تشكرون } أي: تعرفون نعم الله فتقوموا بشكرها. ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الإنعام من حيث جعل المهالك سببا للانتفاع، وتحصيل المعاش. قاله البيضاوي. { وألقى في الأرض رواسي } جبالا رواسي أرست الأرض كراهة { أن تميد بكم } تميل وتضطرب لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة، وكان من حقها أن تتحرك كالسفينة على البحر، فلما خلقت الجبال تقاومت جوانبها بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل: لما خلق الله الأرض جعلت تمور - أي: تتحرك - فقالت الملائكة: ما يستقر أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. { وأنهارا } أي: وجعل فيها أنهارا تطرد لسقي الناس والبهائم، وسائر المنافع، وذكره بعد الجبال لأن الغالب انفجارها منها، { وسبلا } أي: وجعل فيها طرقا { لعلكم تهتدون } لمقاصدكم، أو لمعرفة ربكم، بالنظر في دلالة هذه المصنوعات المتقدمة، على صانعها. { و } جعل فيها { علامات }: معالم يستدل بها السابلة على معرفة الطرق من الجبال، والمناهل، والرياح، وغير ذلك، { وبالنجم هم يهتدون } إلى الطرق بالليل، في البراري والبحار، والمراد بالنجم: الجنس، بدليل قراءة: " وبالنجم " بضمتين على الجمع.
وقيل: المراد: الثريا، والفرقدان وبنات نعش، والجدي. والضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة، مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب، وتقديم النجم، وإقحام الضمير للتخصيص، كأنه قيل: وبالنجم خصوصا، هؤلاء خصوصا يهتدون، يعني: قريشا، فالاعتبار بذلك، والشكر عليهم ألزم لهم وأوجب عليهم. ه. وأصله للزمخشري. الإشارة: هو الذي أنزل من سماء الغيوب ماء، أي: علما لدنيا تحيا به القلوب، وتتطهر به النفوس من أدناس العيوب. لكم منه شراب، خمرة تحيا بها الأرواح، وتغيب عن حضرة الأشباح، ويخرج منه على الجوارح أشجار العمل، تثمر بالأذواق، فيه تسيمون، أي: في أذواق العمل ترعون بنفوسكم وقلوبكم، ثم ترحلون عنه إلى حلاوة شهود ربكم، فمن وقف مع حلاوة العمل، أو المقامات أو الكرامات، بقي محجوبا عن ربه، وعليه نبه صاحب البردة بقوله:
وراعها، وهي في الأعمال سائمة وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
وقال في الحكم: " ربما وقفت القلوب مع الأنوار، كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار ". وقال الششتري:
وقد تحجب الأنوار للعبد مثل ما تبعد من إظلام نفس حوت ضغنا
ينبت بذلك العلم طعام نفوسكم من قوت الشريعة، ومصباح قلوبكم من عمل الطريقة، وثمرة الأعمال في عوالم الحقيقة، وفواكه العلوم من مخازن الفهوم. وسخر لكم ليل القبض، ونهار البسط لتسكنوا فيه لما خصكم فيه من مقام التسليم والرضا، ولتبتغوا من فضله من فيض العلوم وكشف الغطاء، فتشرق حينئذ شمس العرفان، ويستنير قمر الإيمان، وتطلع نجوم العلم، كل مسخر في محله، لا يستتر أحد بنور غيره، وهذا مقام أهل التمكين، يستعملون كل شيء في محله. وما ذرأ لكم في أرض نفوسكم من أنواع العبادات وأحوال العبودية، متلونة باعتبار الأزمنة والأمكنة، وهو الذي سخر بحر المعاني لتأكلوا منه لحما طريا علما جديدا لم يخطر على قلب بشر، وتستخرجوا منه جواهر ويواقيت من الحكم، تلبسونها وتتزين قلوبكم وألسنتكم بها. وترى الفلك، أي: سفن الفكرة، فيه مواخر عائمة في بحر الوحدة، بين أنوار الملكوت وأسرار الجبروت لتبتغوا من فضله، وهي معرفة الحق بذاته وأسمائه وصفاته، ولعلكم تشكرون، فتقيدوا هذه النعم الجسام لئلا تزول. وألقى في أرض البشرية جبال العقول لئلا يلعب بها ريح الهوى، وأجرى عليها أنهارا من العلوم حين انزجرت عن هواها، وجعل لها طرقا تهتدي بها إلى معرفة ربها، فتهتدي أولا إلى نجم الإسلام، ثم إلى قمر توحيد البرهان، ثم إلى شهود شمس العرفان. وبالله التوفيق. ولما ذكر دلائل التوحيد أنكره من اشرك بعد هذا البيان. ثم ذكر بقية التجليات، فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:14
قلت: { لكم منه شراب }: يحتمل أن يتعلق بأنزل، أو يكون في موضع خبر { شراب } ، أو صفة لماء و { مواخر }: جمع ماخرة، يقال: مخرت السفينة الماء مخرا: شقته، وقيل: المخر: صوت جرى الفلك في البحر من هبوب الريح. وقيل: معناه: تجيء وتذهب بريح واحدة. و { لتبتغوا }: عطف على " لتأكلوا " ، و { أن تميد }: مفعول من أجله، أي: كراهة أن تميد بكم. و { أنهارا وسبلا }: مفعول بمحذوف، أي: وخلق أو وجعل أنهارا، وقيل: معطوف على " رواسي " لأن ألقى، فيه معنى الجعل، و { علامات }: عطف على { أنهارا وسبلا } ، أو نصب على المصدر، أي: ألقى ذلك لعلكم تعتبرون، وعلامات دالة على وحدانيته. يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أنزل من السماء } أي: السحاب، أو جانب السماء، { ماء }: مطرا { لكم منه شراب } تشربونه بلا واسطة، أو بواسطة العيون والأنهار والآبار لأنه يحبس فيها، ثم يشرب منها، لقوله:
فسلكه ينابيع فى الأرض
[الزمر: 21]، وقوله:
فأسكناه فى الأرض
[المؤمنون: 18]، { ومنه شجر } أي: ومنه يكون شجر، يعني: الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: كل ما نبت على الأرض فهو شجر، { فيه تسيمون }: ترعون مواشيكم، من أسام الماشية: رعاها، وأصلها: السومة، التي هي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات. { ينبت لكم به الرزع } وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم، { والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } أي: ومن بعض كل الثمرات إذ لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار. قال البيضاوي: ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيا هو أشرف الأغذية - يعني اللحم -، ومن هذا: تقديم الزرع، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. ه. { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } ، فيستدلون على وجود الصانع وباهر قدرته، فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض يابسة، ويصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها، ويخرج منه ساق الشجر، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها، ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطبائع، مع اتحاد المواد، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار، مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد، ولعل وصل الآية به لذلك. قاله البيضاوي باختصار. { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم } بأن هيأها لمنافعكم، { مسخرات بأمره } ، أي: مذللات لما يريد منها، وهو حال من الجميع، أي: نفعكم بها حال كونها مسخرات لله، منقادة لحكمه، أو لما خلقن له، { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي: لأهل العقول السليمة الصافية من ظلمة الغفلة والشهوات، وإنما جمع هنا، دون ما قبله وما بعده لأن الأولى راجعة إلى إنزال المطر، وهو متحد، والثالثة راجعة إلى ما ذرأ في الأرض، وهو متحد في الجنس والهيئة، بخلاف العوالم العلوية، فإنها مختلفة في الجنس والهيئة.
وقال البيضاوي: جمع الآية وذكر العقل لأنها تتضمن أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة، غير محوجة إلى استيفاء فكر، كأحوال النبات. ه. { وما ذرأ } أي: وسخر لكم ما ذرأ، فهو عطف على الليل، أي: سخر لكم ما خلق لكم في الأرض من حيوانات ونبات، { مختلفا ألوانه } أبيض وأسود، أحمر وأصفر، مع اتحاد المادة، فالماء واحد والزهر ألوان، { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } يتذكرون أن اختلافها في الألوان والطبائع، والهيئات والمناظر، ليس إلا بصنع صانع حكيم. { وهو الذي سخر البحر }: ذلله بحيث هيأه للتمكن من الانتفاع به بالركوب فيه، والاصطياد، والغوص، { لتأكلوا منه لحما طريا } هو السمك، ووصفة بالطراوة لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع إلى أكله طريا، ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق أجاج، واحتج به مالك على أن من حلف ألا يأكل لحما حنث بأكل السمك، وأجيب بأن مبني الأيمان على العرف، وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ألا ترى أن الله سمى الكافر دابة، ولا يحنث من حلف ألا يركب دابة بركوبه. قاله البيضاوي. ويجاب بالاحتياط فالحنث يقع بأدنى شيء، بخلاف البر، لا يقع إلا بأتم الأشياء. { وتستخرجوا منه حلية } كاللؤلؤ والمرجان، { تلبسونها } يلبسها نساؤكم، وأسند اللباس إليهم لأن لباس النساء تزين للرجال، فكأنه مقصود لهم، { وترى الفلك }: السفن { مواخر فيه } جواري فيه تمخر الماء، أي: تشقه، أو تصوت من هبوب الريح، { ولتبتغوا من فضله }: من سعة رزقه بركوبه للتجارة، أو: وترى الفلك جواري فيه لتركبوها، ولتبتغوا من سعة رزقه. قال ابن عطية: فيه إباحة ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح. ه. { ولعلكم تشكرون } أي: تعرفون نعم الله فتقوموا بشكرها. ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الإنعام من حيث جعل المهالك سببا للانتفاع، وتحصيل المعاش. قاله البيضاوي. { وألقى في الأرض رواسي } جبالا رواسي أرست الأرض كراهة { أن تميد بكم } تميل وتضطرب لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة، وكان من حقها أن تتحرك كالسفينة على البحر، فلما خلقت الجبال تقاومت جوانبها بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل: لما خلق الله الأرض جعلت تمور - أي: تتحرك - فقالت الملائكة: ما يستقر أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. { وأنهارا } أي: وجعل فيها أنهارا تطرد لسقي الناس والبهائم، وسائر المنافع، وذكره بعد الجبال لأن الغالب انفجارها منها، { وسبلا } أي: وجعل فيها طرقا { لعلكم تهتدون } لمقاصدكم، أو لمعرفة ربكم، بالنظر في دلالة هذه المصنوعات المتقدمة، على صانعها. { و } جعل فيها { علامات }: معالم يستدل بها السابلة على معرفة الطرق من الجبال، والمناهل، والرياح، وغير ذلك، { وبالنجم هم يهتدون } إلى الطرق بالليل، في البراري والبحار، والمراد بالنجم: الجنس، بدليل قراءة: " وبالنجم " بضمتين على الجمع.
وقيل: المراد: الثريا، والفرقدان وبنات نعش، والجدي. والضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة، مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب، وتقديم النجم، وإقحام الضمير للتخصيص، كأنه قيل: وبالنجم خصوصا، هؤلاء خصوصا يهتدون، يعني: قريشا، فالاعتبار بذلك، والشكر عليهم ألزم لهم وأوجب عليهم. ه. وأصله للزمخشري. الإشارة: هو الذي أنزل من سماء الغيوب ماء، أي: علما لدنيا تحيا به القلوب، وتتطهر به النفوس من أدناس العيوب. لكم منه شراب، خمرة تحيا بها الأرواح، وتغيب عن حضرة الأشباح، ويخرج منه على الجوارح أشجار العمل، تثمر بالأذواق، فيه تسيمون، أي: في أذواق العمل ترعون بنفوسكم وقلوبكم، ثم ترحلون عنه إلى حلاوة شهود ربكم، فمن وقف مع حلاوة العمل، أو المقامات أو الكرامات، بقي محجوبا عن ربه، وعليه نبه صاحب البردة بقوله:
وراعها، وهي في الأعمال سائمة وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
وقال في الحكم: " ربما وقفت القلوب مع الأنوار، كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار ". وقال الششتري:
وقد تحجب الأنوار للعبد مثل ما تبعد من إظلام نفس حوت ضغنا
ينبت بذلك العلم طعام نفوسكم من قوت الشريعة، ومصباح قلوبكم من عمل الطريقة، وثمرة الأعمال في عوالم الحقيقة، وفواكه العلوم من مخازن الفهوم. وسخر لكم ليل القبض، ونهار البسط لتسكنوا فيه لما خصكم فيه من مقام التسليم والرضا، ولتبتغوا من فضله من فيض العلوم وكشف الغطاء، فتشرق حينئذ شمس العرفان، ويستنير قمر الإيمان، وتطلع نجوم العلم، كل مسخر في محله، لا يستتر أحد بنور غيره، وهذا مقام أهل التمكين، يستعملون كل شيء في محله. وما ذرأ لكم في أرض نفوسكم من أنواع العبادات وأحوال العبودية، متلونة باعتبار الأزمنة والأمكنة، وهو الذي سخر بحر المعاني لتأكلوا منه لحما طريا علما جديدا لم يخطر على قلب بشر، وتستخرجوا منه جواهر ويواقيت من الحكم، تلبسونها وتتزين قلوبكم وألسنتكم بها. وترى الفلك، أي: سفن الفكرة، فيه مواخر عائمة في بحر الوحدة، بين أنوار الملكوت وأسرار الجبروت لتبتغوا من فضله، وهي معرفة الحق بذاته وأسمائه وصفاته، ولعلكم تشكرون، فتقيدوا هذه النعم الجسام لئلا تزول. وألقى في أرض البشرية جبال العقول لئلا يلعب بها ريح الهوى، وأجرى عليها أنهارا من العلوم حين انزجرت عن هواها، وجعل لها طرقا تهتدي بها إلى معرفة ربها، فتهتدي أولا إلى نجم الإسلام، ثم إلى قمر توحيد البرهان، ثم إلى شهود شمس العرفان. وبالله التوفيق. ولما ذكر دلائل التوحيد أنكره من اشرك بعد هذا البيان. ثم ذكر بقية التجليات، فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:15
قلت: { لكم منه شراب }: يحتمل أن يتعلق بأنزل، أو يكون في موضع خبر { شراب } ، أو صفة لماء و { مواخر }: جمع ماخرة، يقال: مخرت السفينة الماء مخرا: شقته، وقيل: المخر: صوت جرى الفلك في البحر من هبوب الريح. وقيل: معناه: تجيء وتذهب بريح واحدة. و { لتبتغوا }: عطف على " لتأكلوا " ، و { أن تميد }: مفعول من أجله، أي: كراهة أن تميد بكم. و { أنهارا وسبلا }: مفعول بمحذوف، أي: وخلق أو وجعل أنهارا، وقيل: معطوف على " رواسي " لأن ألقى، فيه معنى الجعل، و { علامات }: عطف على { أنهارا وسبلا } ، أو نصب على المصدر، أي: ألقى ذلك لعلكم تعتبرون، وعلامات دالة على وحدانيته. يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أنزل من السماء } أي: السحاب، أو جانب السماء، { ماء }: مطرا { لكم منه شراب } تشربونه بلا واسطة، أو بواسطة العيون والأنهار والآبار لأنه يحبس فيها، ثم يشرب منها، لقوله:
فسلكه ينابيع فى الأرض
[الزمر: 21]، وقوله:
فأسكناه فى الأرض
[المؤمنون: 18]، { ومنه شجر } أي: ومنه يكون شجر، يعني: الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: كل ما نبت على الأرض فهو شجر، { فيه تسيمون }: ترعون مواشيكم، من أسام الماشية: رعاها، وأصلها: السومة، التي هي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات. { ينبت لكم به الرزع } وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم، { والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } أي: ومن بعض كل الثمرات إذ لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار. قال البيضاوي: ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيا هو أشرف الأغذية - يعني اللحم -، ومن هذا: تقديم الزرع، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. ه. { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } ، فيستدلون على وجود الصانع وباهر قدرته، فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض يابسة، ويصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها، ويخرج منه ساق الشجر، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها، ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطبائع، مع اتحاد المواد، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار، مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد، ولعل وصل الآية به لذلك. قاله البيضاوي باختصار. { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم } بأن هيأها لمنافعكم، { مسخرات بأمره } ، أي: مذللات لما يريد منها، وهو حال من الجميع، أي: نفعكم بها حال كونها مسخرات لله، منقادة لحكمه، أو لما خلقن له، { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي: لأهل العقول السليمة الصافية من ظلمة الغفلة والشهوات، وإنما جمع هنا، دون ما قبله وما بعده لأن الأولى راجعة إلى إنزال المطر، وهو متحد، والثالثة راجعة إلى ما ذرأ في الأرض، وهو متحد في الجنس والهيئة، بخلاف العوالم العلوية، فإنها مختلفة في الجنس والهيئة.
وقال البيضاوي: جمع الآية وذكر العقل لأنها تتضمن أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة، غير محوجة إلى استيفاء فكر، كأحوال النبات. ه. { وما ذرأ } أي: وسخر لكم ما ذرأ، فهو عطف على الليل، أي: سخر لكم ما خلق لكم في الأرض من حيوانات ونبات، { مختلفا ألوانه } أبيض وأسود، أحمر وأصفر، مع اتحاد المادة، فالماء واحد والزهر ألوان، { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } يتذكرون أن اختلافها في الألوان والطبائع، والهيئات والمناظر، ليس إلا بصنع صانع حكيم. { وهو الذي سخر البحر }: ذلله بحيث هيأه للتمكن من الانتفاع به بالركوب فيه، والاصطياد، والغوص، { لتأكلوا منه لحما طريا } هو السمك، ووصفة بالطراوة لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع إلى أكله طريا، ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق أجاج، واحتج به مالك على أن من حلف ألا يأكل لحما حنث بأكل السمك، وأجيب بأن مبني الأيمان على العرف، وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ألا ترى أن الله سمى الكافر دابة، ولا يحنث من حلف ألا يركب دابة بركوبه. قاله البيضاوي. ويجاب بالاحتياط فالحنث يقع بأدنى شيء، بخلاف البر، لا يقع إلا بأتم الأشياء. { وتستخرجوا منه حلية } كاللؤلؤ والمرجان، { تلبسونها } يلبسها نساؤكم، وأسند اللباس إليهم لأن لباس النساء تزين للرجال، فكأنه مقصود لهم، { وترى الفلك }: السفن { مواخر فيه } جواري فيه تمخر الماء، أي: تشقه، أو تصوت من هبوب الريح، { ولتبتغوا من فضله }: من سعة رزقه بركوبه للتجارة، أو: وترى الفلك جواري فيه لتركبوها، ولتبتغوا من سعة رزقه. قال ابن عطية: فيه إباحة ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح. ه. { ولعلكم تشكرون } أي: تعرفون نعم الله فتقوموا بشكرها. ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الإنعام من حيث جعل المهالك سببا للانتفاع، وتحصيل المعاش. قاله البيضاوي. { وألقى في الأرض رواسي } جبالا رواسي أرست الأرض كراهة { أن تميد بكم } تميل وتضطرب لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة، وكان من حقها أن تتحرك كالسفينة على البحر، فلما خلقت الجبال تقاومت جوانبها بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل: لما خلق الله الأرض جعلت تمور - أي: تتحرك - فقالت الملائكة: ما يستقر أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. { وأنهارا } أي: وجعل فيها أنهارا تطرد لسقي الناس والبهائم، وسائر المنافع، وذكره بعد الجبال لأن الغالب انفجارها منها، { وسبلا } أي: وجعل فيها طرقا { لعلكم تهتدون } لمقاصدكم، أو لمعرفة ربكم، بالنظر في دلالة هذه المصنوعات المتقدمة، على صانعها. { و } جعل فيها { علامات }: معالم يستدل بها السابلة على معرفة الطرق من الجبال، والمناهل، والرياح، وغير ذلك، { وبالنجم هم يهتدون } إلى الطرق بالليل، في البراري والبحار، والمراد بالنجم: الجنس، بدليل قراءة: " وبالنجم " بضمتين على الجمع.
وقيل: المراد: الثريا، والفرقدان وبنات نعش، والجدي. والضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة، مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب، وتقديم النجم، وإقحام الضمير للتخصيص، كأنه قيل: وبالنجم خصوصا، هؤلاء خصوصا يهتدون، يعني: قريشا، فالاعتبار بذلك، والشكر عليهم ألزم لهم وأوجب عليهم. ه. وأصله للزمخشري. الإشارة: هو الذي أنزل من سماء الغيوب ماء، أي: علما لدنيا تحيا به القلوب، وتتطهر به النفوس من أدناس العيوب. لكم منه شراب، خمرة تحيا بها الأرواح، وتغيب عن حضرة الأشباح، ويخرج منه على الجوارح أشجار العمل، تثمر بالأذواق، فيه تسيمون، أي: في أذواق العمل ترعون بنفوسكم وقلوبكم، ثم ترحلون عنه إلى حلاوة شهود ربكم، فمن وقف مع حلاوة العمل، أو المقامات أو الكرامات، بقي محجوبا عن ربه، وعليه نبه صاحب البردة بقوله:
وراعها، وهي في الأعمال سائمة وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
وقال في الحكم: " ربما وقفت القلوب مع الأنوار، كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار ". وقال الششتري:
وقد تحجب الأنوار للعبد مثل ما تبعد من إظلام نفس حوت ضغنا
ينبت بذلك العلم طعام نفوسكم من قوت الشريعة، ومصباح قلوبكم من عمل الطريقة، وثمرة الأعمال في عوالم الحقيقة، وفواكه العلوم من مخازن الفهوم. وسخر لكم ليل القبض، ونهار البسط لتسكنوا فيه لما خصكم فيه من مقام التسليم والرضا، ولتبتغوا من فضله من فيض العلوم وكشف الغطاء، فتشرق حينئذ شمس العرفان، ويستنير قمر الإيمان، وتطلع نجوم العلم، كل مسخر في محله، لا يستتر أحد بنور غيره، وهذا مقام أهل التمكين، يستعملون كل شيء في محله. وما ذرأ لكم في أرض نفوسكم من أنواع العبادات وأحوال العبودية، متلونة باعتبار الأزمنة والأمكنة، وهو الذي سخر بحر المعاني لتأكلوا منه لحما طريا علما جديدا لم يخطر على قلب بشر، وتستخرجوا منه جواهر ويواقيت من الحكم، تلبسونها وتتزين قلوبكم وألسنتكم بها. وترى الفلك، أي: سفن الفكرة، فيه مواخر عائمة في بحر الوحدة، بين أنوار الملكوت وأسرار الجبروت لتبتغوا من فضله، وهي معرفة الحق بذاته وأسمائه وصفاته، ولعلكم تشكرون، فتقيدوا هذه النعم الجسام لئلا تزول. وألقى في أرض البشرية جبال العقول لئلا يلعب بها ريح الهوى، وأجرى عليها أنهارا من العلوم حين انزجرت عن هواها، وجعل لها طرقا تهتدي بها إلى معرفة ربها، فتهتدي أولا إلى نجم الإسلام، ثم إلى قمر توحيد البرهان، ثم إلى شهود شمس العرفان. وبالله التوفيق. ولما ذكر دلائل التوحيد أنكره من اشرك بعد هذا البيان. ثم ذكر بقية التجليات، فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:16
قلت: { لكم منه شراب }: يحتمل أن يتعلق بأنزل، أو يكون في موضع خبر { شراب } ، أو صفة لماء و { مواخر }: جمع ماخرة، يقال: مخرت السفينة الماء مخرا: شقته، وقيل: المخر: صوت جرى الفلك في البحر من هبوب الريح. وقيل: معناه: تجيء وتذهب بريح واحدة. و { لتبتغوا }: عطف على " لتأكلوا " ، و { أن تميد }: مفعول من أجله، أي: كراهة أن تميد بكم. و { أنهارا وسبلا }: مفعول بمحذوف، أي: وخلق أو وجعل أنهارا، وقيل: معطوف على " رواسي " لأن ألقى، فيه معنى الجعل، و { علامات }: عطف على { أنهارا وسبلا } ، أو نصب على المصدر، أي: ألقى ذلك لعلكم تعتبرون، وعلامات دالة على وحدانيته. يقول الحق جل جلاله: { هو الذي أنزل من السماء } أي: السحاب، أو جانب السماء، { ماء }: مطرا { لكم منه شراب } تشربونه بلا واسطة، أو بواسطة العيون والأنهار والآبار لأنه يحبس فيها، ثم يشرب منها، لقوله:
فسلكه ينابيع فى الأرض
[الزمر: 21]، وقوله:
فأسكناه فى الأرض
[المؤمنون: 18]، { ومنه شجر } أي: ومنه يكون شجر، يعني: الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: كل ما نبت على الأرض فهو شجر، { فيه تسيمون }: ترعون مواشيكم، من أسام الماشية: رعاها، وأصلها: السومة، التي هي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات. { ينبت لكم به الرزع } وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم، { والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } أي: ومن بعض كل الثمرات إذ لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار. قال البيضاوي: ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيا هو أشرف الأغذية - يعني اللحم -، ومن هذا: تقديم الزرع، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. ه. { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } ، فيستدلون على وجود الصانع وباهر قدرته، فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض يابسة، ويصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها، ويخرج منه ساق الشجر، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها، ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطبائع، مع اتحاد المواد، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار، مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد، ولعل وصل الآية به لذلك. قاله البيضاوي باختصار. { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم } بأن هيأها لمنافعكم، { مسخرات بأمره } ، أي: مذللات لما يريد منها، وهو حال من الجميع، أي: نفعكم بها حال كونها مسخرات لله، منقادة لحكمه، أو لما خلقن له، { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي: لأهل العقول السليمة الصافية من ظلمة الغفلة والشهوات، وإنما جمع هنا، دون ما قبله وما بعده لأن الأولى راجعة إلى إنزال المطر، وهو متحد، والثالثة راجعة إلى ما ذرأ في الأرض، وهو متحد في الجنس والهيئة، بخلاف العوالم العلوية، فإنها مختلفة في الجنس والهيئة.
وقال البيضاوي: جمع الآية وذكر العقل لأنها تتضمن أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة، غير محوجة إلى استيفاء فكر، كأحوال النبات. ه. { وما ذرأ } أي: وسخر لكم ما ذرأ، فهو عطف على الليل، أي: سخر لكم ما خلق لكم في الأرض من حيوانات ونبات، { مختلفا ألوانه } أبيض وأسود، أحمر وأصفر، مع اتحاد المادة، فالماء واحد والزهر ألوان، { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } يتذكرون أن اختلافها في الألوان والطبائع، والهيئات والمناظر، ليس إلا بصنع صانع حكيم. { وهو الذي سخر البحر }: ذلله بحيث هيأه للتمكن من الانتفاع به بالركوب فيه، والاصطياد، والغوص، { لتأكلوا منه لحما طريا } هو السمك، ووصفة بالطراوة لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع إلى أكله طريا، ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق أجاج، واحتج به مالك على أن من حلف ألا يأكل لحما حنث بأكل السمك، وأجيب بأن مبني الأيمان على العرف، وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ألا ترى أن الله سمى الكافر دابة، ولا يحنث من حلف ألا يركب دابة بركوبه. قاله البيضاوي. ويجاب بالاحتياط فالحنث يقع بأدنى شيء، بخلاف البر، لا يقع إلا بأتم الأشياء. { وتستخرجوا منه حلية } كاللؤلؤ والمرجان، { تلبسونها } يلبسها نساؤكم، وأسند اللباس إليهم لأن لباس النساء تزين للرجال، فكأنه مقصود لهم، { وترى الفلك }: السفن { مواخر فيه } جواري فيه تمخر الماء، أي: تشقه، أو تصوت من هبوب الريح، { ولتبتغوا من فضله }: من سعة رزقه بركوبه للتجارة، أو: وترى الفلك جواري فيه لتركبوها، ولتبتغوا من سعة رزقه. قال ابن عطية: فيه إباحة ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح. ه. { ولعلكم تشكرون } أي: تعرفون نعم الله فتقوموا بشكرها. ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الإنعام من حيث جعل المهالك سببا للانتفاع، وتحصيل المعاش. قاله البيضاوي. { وألقى في الأرض رواسي } جبالا رواسي أرست الأرض كراهة { أن تميد بكم } تميل وتضطرب لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة، وكان من حقها أن تتحرك كالسفينة على البحر، فلما خلقت الجبال تقاومت جوانبها بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل: لما خلق الله الأرض جعلت تمور - أي: تتحرك - فقالت الملائكة: ما يستقر أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. { وأنهارا } أي: وجعل فيها أنهارا تطرد لسقي الناس والبهائم، وسائر المنافع، وذكره بعد الجبال لأن الغالب انفجارها منها، { وسبلا } أي: وجعل فيها طرقا { لعلكم تهتدون } لمقاصدكم، أو لمعرفة ربكم، بالنظر في دلالة هذه المصنوعات المتقدمة، على صانعها. { و } جعل فيها { علامات }: معالم يستدل بها السابلة على معرفة الطرق من الجبال، والمناهل، والرياح، وغير ذلك، { وبالنجم هم يهتدون } إلى الطرق بالليل، في البراري والبحار، والمراد بالنجم: الجنس، بدليل قراءة: " وبالنجم " بضمتين على الجمع.
وقيل: المراد: الثريا، والفرقدان وبنات نعش، والجدي. والضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة، مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب، وتقديم النجم، وإقحام الضمير للتخصيص، كأنه قيل: وبالنجم خصوصا، هؤلاء خصوصا يهتدون، يعني: قريشا، فالاعتبار بذلك، والشكر عليهم ألزم لهم وأوجب عليهم. ه. وأصله للزمخشري. الإشارة: هو الذي أنزل من سماء الغيوب ماء، أي: علما لدنيا تحيا به القلوب، وتتطهر به النفوس من أدناس العيوب. لكم منه شراب، خمرة تحيا بها الأرواح، وتغيب عن حضرة الأشباح، ويخرج منه على الجوارح أشجار العمل، تثمر بالأذواق، فيه تسيمون، أي: في أذواق العمل ترعون بنفوسكم وقلوبكم، ثم ترحلون عنه إلى حلاوة شهود ربكم، فمن وقف مع حلاوة العمل، أو المقامات أو الكرامات، بقي محجوبا عن ربه، وعليه نبه صاحب البردة بقوله:
وراعها، وهي في الأعمال سائمة وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
وقال في الحكم: " ربما وقفت القلوب مع الأنوار، كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار ". وقال الششتري:
وقد تحجب الأنوار للعبد مثل ما تبعد من إظلام نفس حوت ضغنا
ينبت بذلك العلم طعام نفوسكم من قوت الشريعة، ومصباح قلوبكم من عمل الطريقة، وثمرة الأعمال في عوالم الحقيقة، وفواكه العلوم من مخازن الفهوم. وسخر لكم ليل القبض، ونهار البسط لتسكنوا فيه لما خصكم فيه من مقام التسليم والرضا، ولتبتغوا من فضله من فيض العلوم وكشف الغطاء، فتشرق حينئذ شمس العرفان، ويستنير قمر الإيمان، وتطلع نجوم العلم، كل مسخر في محله، لا يستتر أحد بنور غيره، وهذا مقام أهل التمكين، يستعملون كل شيء في محله. وما ذرأ لكم في أرض نفوسكم من أنواع العبادات وأحوال العبودية، متلونة باعتبار الأزمنة والأمكنة، وهو الذي سخر بحر المعاني لتأكلوا منه لحما طريا علما جديدا لم يخطر على قلب بشر، وتستخرجوا منه جواهر ويواقيت من الحكم، تلبسونها وتتزين قلوبكم وألسنتكم بها. وترى الفلك، أي: سفن الفكرة، فيه مواخر عائمة في بحر الوحدة، بين أنوار الملكوت وأسرار الجبروت لتبتغوا من فضله، وهي معرفة الحق بذاته وأسمائه وصفاته، ولعلكم تشكرون، فتقيدوا هذه النعم الجسام لئلا تزول. وألقى في أرض البشرية جبال العقول لئلا يلعب بها ريح الهوى، وأجرى عليها أنهارا من العلوم حين انزجرت عن هواها، وجعل لها طرقا تهتدي بها إلى معرفة ربها، فتهتدي أولا إلى نجم الإسلام، ثم إلى قمر توحيد البرهان، ثم إلى شهود شمس العرفان. وبالله التوفيق. ولما ذكر دلائل التوحيد أنكره من اشرك بعد هذا البيان. ثم ذكر بقية التجليات، فقال: { هو الذي أنزل من السماء... }
النحل 16:17
قلت: { وما يشعرون أيان يبعثون } ، الضمير الأول للأصنام، والثاني للكفار الذين عبدوهم، وقيل: للأصنام فيهما، وقيل: للكفار فيهما، و { لا جرم }: إما أن يكون بمعنى لا شك، أو لا بد، أو تكون " لا " نفيا لما تقدم. و " جرم ": فعل، بمعنى وجب، أو حق، و { أن الله }: فاعل بجرم. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يخلق } كل شيء، ويقدر على كل شيء، { كمن لا يخلق } شيئا، ولا يقدر على شيء، بل هو أعجز من كل شيء؟ وهو إنكار على من أشرك مع الله غيره، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وباهر حكمته، بذكر ما تقدم من أنواع المخلوقات وبدائع المصنوعات، وكان حق الكلام: أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس تنبيها على أنهم، بالإشراك بالله، جعلوه من جنس المخلوقات العجزة، شبيها بها. والمراد بمن لا يخلق، كل ما عبد من دون الله، وغلب أولي العلم منهم، فعبر بمن، أو يريد الأصنام، وأجراها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة، ومن حق الإله أن يعلم، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق. { أفلا تذكرون } فتعرفوا فساد ذلك فإنه لظهوره كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات. ولما ذكر أنواعا من المخلوقات على وجه الاستدلال على وحدانيته - وفي ضمنها: تعداد النعم على خلقه - أعقبها بقوله: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } أي: لا تطيقوا عدها، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها. ثم أعقبها بقوله: { إن الله لغفور رحيم } تنبيها على أن العبد في محل التقصير، لولا أن الله يغفر له تقصيره في أداء شكر نعمه، ويرحمه ببقائها مع تقصيره في شكرها. { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد لمن كفر النعم وأشرك مع الله غيره، سرا أو علانية، ثم قال تعالى: { والذين تدعون } أي: والأصنام الذين تعبدونهم { من دون الله لا يخلقون شيئا } لظهور عجزهم. لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق، بين أنها لا تخلق شيئا ليتحقق نفي الألوهية عنها ضرورة. ثم علل عجزها، وعدم استحقاقها للألوهية بقوله: { وهم يخلقون } أي: وهم مخلوقون مفتقرون في وجودهم إلى التخليق، والإله لا بد أن يكون واجب الوجود. وهم، أيضا، { أموات غير أحياء } أي: لم تكن لهم حياة قط، ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدمت له حياة، ثم مات. والإله ينبغي أن يكون حيا بالذات لا يعتريه الممات. { وما يشعرون أيان يبعثون } أي: لا يعلمون وقت بعثهم، أو بعث عبدتهم، فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه من عبدهم، والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، قادرا على الجزاء لمن عبده؟ وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف.
قاله البيضاوي. قال ابن جزي: نفى عن الأصنام صفة الربوبية، وأثبت لهم أضدادها وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين وقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم، أثبت الربوبية لله وحده، فقال: { إلهكم إله واحد }. ه. وهو تصريح بما أقام عليه الحجج والبراهين بما تقدم. ثم ذكر سبب إصرارهم على الكفر - وهو إنكار البعث والتكبر - فقال: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } أي: فالمنكرون للبعث قلوبهم منكرة لوحدانيته تعالى، وهم مستكبرون عن اتباع الرسل فيما جاؤوا به، والخضوع لهم لأن المؤمن بالآخرة يكون طالبا للدلائل، متأملا فميا يسمع، فينتفع به، خاضعا للحق، متبعا لمن جاء به، بخلاف الكافر، يكون حاله بالعكس منهمكا في الغفلة، متبعا للهوى، ينكر بقلبه ما لا يعرف إلا بالبرهان، اتباعا للأسلاف، وتقليدا لهم، وركونا إلى المالوف. قال تعالى: تهديدا لمن هذا وصفه: { لا جرم }: لا بد، أو لا شك، أو حق { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فيجازيهم عليه { إنه لا يحب المستكبرين } مطلقا، فضلا عن الذين استكبروا عن توحيده واتباع رسوله. ومفهومه: أنه يحب المتواضعين الخاضعين للحق، ولمن جاء به، وهم المؤمنون. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت الآية ثلاث خصال من خصال أهل التوحيد: الأولى: رفع الهمة عن الخلق، وتعلقها بالخالق في جميع المطالب والمآرب إذ لا يترك العبد من هو خالق كل شيء، قادر على كل شي، دائم لا يموت، ويتعلق بعبد عاجز ضعيف، لا يقدر على نفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ، { والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء }. وأنشدوا في هذا المعنى:
حرام على من وحد الله ربه وأفرده أن يحتذي أحدا رفدا فيا صاحبي قف بي على الحق وقفة أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا وقل لملوك الأرض تجهد جهدها فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى
والخصلة الثانية: تذكر البعث وما بعده، وتقريبه وجعله نصب العين إذ بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية، والاستعداد والتأهب للدار الباقية، وبه تلين القلوب، وتتحقق بعلم الغيوب، وبه يحصل الخضوع للحق، والتعظيم لمن جاء به. بخلاف من أنكره، أو استبعده، قال تعالى: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون }. الخصلة الثالثة: التواضع والخضوع لله، ولمن دعا إلى الله، وهو سبب المحبة من الله، ورفع الدرجات عند الله قال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه الله "
وقال أيضا:
" من تواضع دون قدره، رفعه الله فوق قدره "
بخلاف المتكبر فإنه ممقوت عند الله، مطرود عن باب الله قال تعالى: { إنه لا يحب المستكبرين }. وفي الحديث:
" لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر "
، أو كما قال صلى الله عليه وسلم،
" والتكبر: بطر الحق وغمط الناس "
، أي: جحد الحق، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم.
النحل 16:18
قلت: { وما يشعرون أيان يبعثون } ، الضمير الأول للأصنام، والثاني للكفار الذين عبدوهم، وقيل: للأصنام فيهما، وقيل: للكفار فيهما، و { لا جرم }: إما أن يكون بمعنى لا شك، أو لا بد، أو تكون " لا " نفيا لما تقدم. و " جرم ": فعل، بمعنى وجب، أو حق، و { أن الله }: فاعل بجرم. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يخلق } كل شيء، ويقدر على كل شيء، { كمن لا يخلق } شيئا، ولا يقدر على شيء، بل هو أعجز من كل شيء؟ وهو إنكار على من أشرك مع الله غيره، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وباهر حكمته، بذكر ما تقدم من أنواع المخلوقات وبدائع المصنوعات، وكان حق الكلام: أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس تنبيها على أنهم، بالإشراك بالله، جعلوه من جنس المخلوقات العجزة، شبيها بها. والمراد بمن لا يخلق، كل ما عبد من دون الله، وغلب أولي العلم منهم، فعبر بمن، أو يريد الأصنام، وأجراها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة، ومن حق الإله أن يعلم، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق. { أفلا تذكرون } فتعرفوا فساد ذلك فإنه لظهوره كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات. ولما ذكر أنواعا من المخلوقات على وجه الاستدلال على وحدانيته - وفي ضمنها: تعداد النعم على خلقه - أعقبها بقوله: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } أي: لا تطيقوا عدها، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها. ثم أعقبها بقوله: { إن الله لغفور رحيم } تنبيها على أن العبد في محل التقصير، لولا أن الله يغفر له تقصيره في أداء شكر نعمه، ويرحمه ببقائها مع تقصيره في شكرها. { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد لمن كفر النعم وأشرك مع الله غيره، سرا أو علانية، ثم قال تعالى: { والذين تدعون } أي: والأصنام الذين تعبدونهم { من دون الله لا يخلقون شيئا } لظهور عجزهم. لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق، بين أنها لا تخلق شيئا ليتحقق نفي الألوهية عنها ضرورة. ثم علل عجزها، وعدم استحقاقها للألوهية بقوله: { وهم يخلقون } أي: وهم مخلوقون مفتقرون في وجودهم إلى التخليق، والإله لا بد أن يكون واجب الوجود. وهم، أيضا، { أموات غير أحياء } أي: لم تكن لهم حياة قط، ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدمت له حياة، ثم مات. والإله ينبغي أن يكون حيا بالذات لا يعتريه الممات. { وما يشعرون أيان يبعثون } أي: لا يعلمون وقت بعثهم، أو بعث عبدتهم، فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه من عبدهم، والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، قادرا على الجزاء لمن عبده؟ وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف.
قاله البيضاوي. قال ابن جزي: نفى عن الأصنام صفة الربوبية، وأثبت لهم أضدادها وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين وقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم، أثبت الربوبية لله وحده، فقال: { إلهكم إله واحد }. ه. وهو تصريح بما أقام عليه الحجج والبراهين بما تقدم. ثم ذكر سبب إصرارهم على الكفر - وهو إنكار البعث والتكبر - فقال: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } أي: فالمنكرون للبعث قلوبهم منكرة لوحدانيته تعالى، وهم مستكبرون عن اتباع الرسل فيما جاؤوا به، والخضوع لهم لأن المؤمن بالآخرة يكون طالبا للدلائل، متأملا فميا يسمع، فينتفع به، خاضعا للحق، متبعا لمن جاء به، بخلاف الكافر، يكون حاله بالعكس منهمكا في الغفلة، متبعا للهوى، ينكر بقلبه ما لا يعرف إلا بالبرهان، اتباعا للأسلاف، وتقليدا لهم، وركونا إلى المالوف. قال تعالى: تهديدا لمن هذا وصفه: { لا جرم }: لا بد، أو لا شك، أو حق { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فيجازيهم عليه { إنه لا يحب المستكبرين } مطلقا، فضلا عن الذين استكبروا عن توحيده واتباع رسوله. ومفهومه: أنه يحب المتواضعين الخاضعين للحق، ولمن جاء به، وهم المؤمنون. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت الآية ثلاث خصال من خصال أهل التوحيد: الأولى: رفع الهمة عن الخلق، وتعلقها بالخالق في جميع المطالب والمآرب إذ لا يترك العبد من هو خالق كل شيء، قادر على كل شي، دائم لا يموت، ويتعلق بعبد عاجز ضعيف، لا يقدر على نفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ، { والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء }. وأنشدوا في هذا المعنى:
حرام على من وحد الله ربه وأفرده أن يحتذي أحدا رفدا فيا صاحبي قف بي على الحق وقفة أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا وقل لملوك الأرض تجهد جهدها فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى
والخصلة الثانية: تذكر البعث وما بعده، وتقريبه وجعله نصب العين إذ بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية، والاستعداد والتأهب للدار الباقية، وبه تلين القلوب، وتتحقق بعلم الغيوب، وبه يحصل الخضوع للحق، والتعظيم لمن جاء به. بخلاف من أنكره، أو استبعده، قال تعالى: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون }. الخصلة الثالثة: التواضع والخضوع لله، ولمن دعا إلى الله، وهو سبب المحبة من الله، ورفع الدرجات عند الله قال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه الله "
وقال أيضا:
" من تواضع دون قدره، رفعه الله فوق قدره "
بخلاف المتكبر فإنه ممقوت عند الله، مطرود عن باب الله قال تعالى: { إنه لا يحب المستكبرين }. وفي الحديث:
" لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر "
، أو كما قال صلى الله عليه وسلم،
" والتكبر: بطر الحق وغمط الناس "
، أي: جحد الحق، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم.
النحل 16:19
قلت: { وما يشعرون أيان يبعثون } ، الضمير الأول للأصنام، والثاني للكفار الذين عبدوهم، وقيل: للأصنام فيهما، وقيل: للكفار فيهما، و { لا جرم }: إما أن يكون بمعنى لا شك، أو لا بد، أو تكون " لا " نفيا لما تقدم. و " جرم ": فعل، بمعنى وجب، أو حق، و { أن الله }: فاعل بجرم. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يخلق } كل شيء، ويقدر على كل شيء، { كمن لا يخلق } شيئا، ولا يقدر على شيء، بل هو أعجز من كل شيء؟ وهو إنكار على من أشرك مع الله غيره، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وباهر حكمته، بذكر ما تقدم من أنواع المخلوقات وبدائع المصنوعات، وكان حق الكلام: أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس تنبيها على أنهم، بالإشراك بالله، جعلوه من جنس المخلوقات العجزة، شبيها بها. والمراد بمن لا يخلق، كل ما عبد من دون الله، وغلب أولي العلم منهم، فعبر بمن، أو يريد الأصنام، وأجراها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة، ومن حق الإله أن يعلم، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق. { أفلا تذكرون } فتعرفوا فساد ذلك فإنه لظهوره كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات. ولما ذكر أنواعا من المخلوقات على وجه الاستدلال على وحدانيته - وفي ضمنها: تعداد النعم على خلقه - أعقبها بقوله: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } أي: لا تطيقوا عدها، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها. ثم أعقبها بقوله: { إن الله لغفور رحيم } تنبيها على أن العبد في محل التقصير، لولا أن الله يغفر له تقصيره في أداء شكر نعمه، ويرحمه ببقائها مع تقصيره في شكرها. { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد لمن كفر النعم وأشرك مع الله غيره، سرا أو علانية، ثم قال تعالى: { والذين تدعون } أي: والأصنام الذين تعبدونهم { من دون الله لا يخلقون شيئا } لظهور عجزهم. لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق، بين أنها لا تخلق شيئا ليتحقق نفي الألوهية عنها ضرورة. ثم علل عجزها، وعدم استحقاقها للألوهية بقوله: { وهم يخلقون } أي: وهم مخلوقون مفتقرون في وجودهم إلى التخليق، والإله لا بد أن يكون واجب الوجود. وهم، أيضا، { أموات غير أحياء } أي: لم تكن لهم حياة قط، ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدمت له حياة، ثم مات. والإله ينبغي أن يكون حيا بالذات لا يعتريه الممات. { وما يشعرون أيان يبعثون } أي: لا يعلمون وقت بعثهم، أو بعث عبدتهم، فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه من عبدهم، والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، قادرا على الجزاء لمن عبده؟ وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف.
قاله البيضاوي. قال ابن جزي: نفى عن الأصنام صفة الربوبية، وأثبت لهم أضدادها وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين وقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم، أثبت الربوبية لله وحده، فقال: { إلهكم إله واحد }. ه. وهو تصريح بما أقام عليه الحجج والبراهين بما تقدم. ثم ذكر سبب إصرارهم على الكفر - وهو إنكار البعث والتكبر - فقال: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } أي: فالمنكرون للبعث قلوبهم منكرة لوحدانيته تعالى، وهم مستكبرون عن اتباع الرسل فيما جاؤوا به، والخضوع لهم لأن المؤمن بالآخرة يكون طالبا للدلائل، متأملا فميا يسمع، فينتفع به، خاضعا للحق، متبعا لمن جاء به، بخلاف الكافر، يكون حاله بالعكس منهمكا في الغفلة، متبعا للهوى، ينكر بقلبه ما لا يعرف إلا بالبرهان، اتباعا للأسلاف، وتقليدا لهم، وركونا إلى المالوف. قال تعالى: تهديدا لمن هذا وصفه: { لا جرم }: لا بد، أو لا شك، أو حق { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فيجازيهم عليه { إنه لا يحب المستكبرين } مطلقا، فضلا عن الذين استكبروا عن توحيده واتباع رسوله. ومفهومه: أنه يحب المتواضعين الخاضعين للحق، ولمن جاء به، وهم المؤمنون. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت الآية ثلاث خصال من خصال أهل التوحيد: الأولى: رفع الهمة عن الخلق، وتعلقها بالخالق في جميع المطالب والمآرب إذ لا يترك العبد من هو خالق كل شيء، قادر على كل شي، دائم لا يموت، ويتعلق بعبد عاجز ضعيف، لا يقدر على نفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ، { والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء }. وأنشدوا في هذا المعنى:
حرام على من وحد الله ربه وأفرده أن يحتذي أحدا رفدا فيا صاحبي قف بي على الحق وقفة أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا وقل لملوك الأرض تجهد جهدها فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى
والخصلة الثانية: تذكر البعث وما بعده، وتقريبه وجعله نصب العين إذ بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية، والاستعداد والتأهب للدار الباقية، وبه تلين القلوب، وتتحقق بعلم الغيوب، وبه يحصل الخضوع للحق، والتعظيم لمن جاء به. بخلاف من أنكره، أو استبعده، قال تعالى: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون }. الخصلة الثالثة: التواضع والخضوع لله، ولمن دعا إلى الله، وهو سبب المحبة من الله، ورفع الدرجات عند الله قال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه الله "
وقال أيضا:
" من تواضع دون قدره، رفعه الله فوق قدره "
بخلاف المتكبر فإنه ممقوت عند الله، مطرود عن باب الله قال تعالى: { إنه لا يحب المستكبرين }. وفي الحديث:
" لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر "
، أو كما قال صلى الله عليه وسلم،
" والتكبر: بطر الحق وغمط الناس "
، أي: جحد الحق، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم.
النحل 16:20
قلت: { وما يشعرون أيان يبعثون } ، الضمير الأول للأصنام، والثاني للكفار الذين عبدوهم، وقيل: للأصنام فيهما، وقيل: للكفار فيهما، و { لا جرم }: إما أن يكون بمعنى لا شك، أو لا بد، أو تكون " لا " نفيا لما تقدم. و " جرم ": فعل، بمعنى وجب، أو حق، و { أن الله }: فاعل بجرم. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يخلق } كل شيء، ويقدر على كل شيء، { كمن لا يخلق } شيئا، ولا يقدر على شيء، بل هو أعجز من كل شيء؟ وهو إنكار على من أشرك مع الله غيره، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وباهر حكمته، بذكر ما تقدم من أنواع المخلوقات وبدائع المصنوعات، وكان حق الكلام: أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس تنبيها على أنهم، بالإشراك بالله، جعلوه من جنس المخلوقات العجزة، شبيها بها. والمراد بمن لا يخلق، كل ما عبد من دون الله، وغلب أولي العلم منهم، فعبر بمن، أو يريد الأصنام، وأجراها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة، ومن حق الإله أن يعلم، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق. { أفلا تذكرون } فتعرفوا فساد ذلك فإنه لظهوره كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات. ولما ذكر أنواعا من المخلوقات على وجه الاستدلال على وحدانيته - وفي ضمنها: تعداد النعم على خلقه - أعقبها بقوله: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } أي: لا تطيقوا عدها، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها. ثم أعقبها بقوله: { إن الله لغفور رحيم } تنبيها على أن العبد في محل التقصير، لولا أن الله يغفر له تقصيره في أداء شكر نعمه، ويرحمه ببقائها مع تقصيره في شكرها. { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد لمن كفر النعم وأشرك مع الله غيره، سرا أو علانية، ثم قال تعالى: { والذين تدعون } أي: والأصنام الذين تعبدونهم { من دون الله لا يخلقون شيئا } لظهور عجزهم. لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق، بين أنها لا تخلق شيئا ليتحقق نفي الألوهية عنها ضرورة. ثم علل عجزها، وعدم استحقاقها للألوهية بقوله: { وهم يخلقون } أي: وهم مخلوقون مفتقرون في وجودهم إلى التخليق، والإله لا بد أن يكون واجب الوجود. وهم، أيضا، { أموات غير أحياء } أي: لم تكن لهم حياة قط، ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدمت له حياة، ثم مات. والإله ينبغي أن يكون حيا بالذات لا يعتريه الممات. { وما يشعرون أيان يبعثون } أي: لا يعلمون وقت بعثهم، أو بعث عبدتهم، فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه من عبدهم، والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، قادرا على الجزاء لمن عبده؟ وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف.
قاله البيضاوي. قال ابن جزي: نفى عن الأصنام صفة الربوبية، وأثبت لهم أضدادها وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين وقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم، أثبت الربوبية لله وحده، فقال: { إلهكم إله واحد }. ه. وهو تصريح بما أقام عليه الحجج والبراهين بما تقدم. ثم ذكر سبب إصرارهم على الكفر - وهو إنكار البعث والتكبر - فقال: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } أي: فالمنكرون للبعث قلوبهم منكرة لوحدانيته تعالى، وهم مستكبرون عن اتباع الرسل فيما جاؤوا به، والخضوع لهم لأن المؤمن بالآخرة يكون طالبا للدلائل، متأملا فميا يسمع، فينتفع به، خاضعا للحق، متبعا لمن جاء به، بخلاف الكافر، يكون حاله بالعكس منهمكا في الغفلة، متبعا للهوى، ينكر بقلبه ما لا يعرف إلا بالبرهان، اتباعا للأسلاف، وتقليدا لهم، وركونا إلى المالوف. قال تعالى: تهديدا لمن هذا وصفه: { لا جرم }: لا بد، أو لا شك، أو حق { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فيجازيهم عليه { إنه لا يحب المستكبرين } مطلقا، فضلا عن الذين استكبروا عن توحيده واتباع رسوله. ومفهومه: أنه يحب المتواضعين الخاضعين للحق، ولمن جاء به، وهم المؤمنون. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت الآية ثلاث خصال من خصال أهل التوحيد: الأولى: رفع الهمة عن الخلق، وتعلقها بالخالق في جميع المطالب والمآرب إذ لا يترك العبد من هو خالق كل شيء، قادر على كل شي، دائم لا يموت، ويتعلق بعبد عاجز ضعيف، لا يقدر على نفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ، { والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء }. وأنشدوا في هذا المعنى:
حرام على من وحد الله ربه وأفرده أن يحتذي أحدا رفدا فيا صاحبي قف بي على الحق وقفة أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا وقل لملوك الأرض تجهد جهدها فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى
والخصلة الثانية: تذكر البعث وما بعده، وتقريبه وجعله نصب العين إذ بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية، والاستعداد والتأهب للدار الباقية، وبه تلين القلوب، وتتحقق بعلم الغيوب، وبه يحصل الخضوع للحق، والتعظيم لمن جاء به. بخلاف من أنكره، أو استبعده، قال تعالى: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون }. الخصلة الثالثة: التواضع والخضوع لله، ولمن دعا إلى الله، وهو سبب المحبة من الله، ورفع الدرجات عند الله قال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه الله "
وقال أيضا:
" من تواضع دون قدره، رفعه الله فوق قدره "
بخلاف المتكبر فإنه ممقوت عند الله، مطرود عن باب الله قال تعالى: { إنه لا يحب المستكبرين }. وفي الحديث:
" لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر "
، أو كما قال صلى الله عليه وسلم،
" والتكبر: بطر الحق وغمط الناس "
، أي: جحد الحق، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم.
النحل 16:21
قلت: { وما يشعرون أيان يبعثون } ، الضمير الأول للأصنام، والثاني للكفار الذين عبدوهم، وقيل: للأصنام فيهما، وقيل: للكفار فيهما، و { لا جرم }: إما أن يكون بمعنى لا شك، أو لا بد، أو تكون " لا " نفيا لما تقدم. و " جرم ": فعل، بمعنى وجب، أو حق، و { أن الله }: فاعل بجرم. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يخلق } كل شيء، ويقدر على كل شيء، { كمن لا يخلق } شيئا، ولا يقدر على شيء، بل هو أعجز من كل شيء؟ وهو إنكار على من أشرك مع الله غيره، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وباهر حكمته، بذكر ما تقدم من أنواع المخلوقات وبدائع المصنوعات، وكان حق الكلام: أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس تنبيها على أنهم، بالإشراك بالله، جعلوه من جنس المخلوقات العجزة، شبيها بها. والمراد بمن لا يخلق، كل ما عبد من دون الله، وغلب أولي العلم منهم، فعبر بمن، أو يريد الأصنام، وأجراها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة، ومن حق الإله أن يعلم، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق. { أفلا تذكرون } فتعرفوا فساد ذلك فإنه لظهوره كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات. ولما ذكر أنواعا من المخلوقات على وجه الاستدلال على وحدانيته - وفي ضمنها: تعداد النعم على خلقه - أعقبها بقوله: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } أي: لا تطيقوا عدها، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها. ثم أعقبها بقوله: { إن الله لغفور رحيم } تنبيها على أن العبد في محل التقصير، لولا أن الله يغفر له تقصيره في أداء شكر نعمه، ويرحمه ببقائها مع تقصيره في شكرها. { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد لمن كفر النعم وأشرك مع الله غيره، سرا أو علانية، ثم قال تعالى: { والذين تدعون } أي: والأصنام الذين تعبدونهم { من دون الله لا يخلقون شيئا } لظهور عجزهم. لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق، بين أنها لا تخلق شيئا ليتحقق نفي الألوهية عنها ضرورة. ثم علل عجزها، وعدم استحقاقها للألوهية بقوله: { وهم يخلقون } أي: وهم مخلوقون مفتقرون في وجودهم إلى التخليق، والإله لا بد أن يكون واجب الوجود. وهم، أيضا، { أموات غير أحياء } أي: لم تكن لهم حياة قط، ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدمت له حياة، ثم مات. والإله ينبغي أن يكون حيا بالذات لا يعتريه الممات. { وما يشعرون أيان يبعثون } أي: لا يعلمون وقت بعثهم، أو بعث عبدتهم، فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه من عبدهم، والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، قادرا على الجزاء لمن عبده؟ وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف.
قاله البيضاوي. قال ابن جزي: نفى عن الأصنام صفة الربوبية، وأثبت لهم أضدادها وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين وقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم، أثبت الربوبية لله وحده، فقال: { إلهكم إله واحد }. ه. وهو تصريح بما أقام عليه الحجج والبراهين بما تقدم. ثم ذكر سبب إصرارهم على الكفر - وهو إنكار البعث والتكبر - فقال: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } أي: فالمنكرون للبعث قلوبهم منكرة لوحدانيته تعالى، وهم مستكبرون عن اتباع الرسل فيما جاؤوا به، والخضوع لهم لأن المؤمن بالآخرة يكون طالبا للدلائل، متأملا فميا يسمع، فينتفع به، خاضعا للحق، متبعا لمن جاء به، بخلاف الكافر، يكون حاله بالعكس منهمكا في الغفلة، متبعا للهوى، ينكر بقلبه ما لا يعرف إلا بالبرهان، اتباعا للأسلاف، وتقليدا لهم، وركونا إلى المالوف. قال تعالى: تهديدا لمن هذا وصفه: { لا جرم }: لا بد، أو لا شك، أو حق { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فيجازيهم عليه { إنه لا يحب المستكبرين } مطلقا، فضلا عن الذين استكبروا عن توحيده واتباع رسوله. ومفهومه: أنه يحب المتواضعين الخاضعين للحق، ولمن جاء به، وهم المؤمنون. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت الآية ثلاث خصال من خصال أهل التوحيد: الأولى: رفع الهمة عن الخلق، وتعلقها بالخالق في جميع المطالب والمآرب إذ لا يترك العبد من هو خالق كل شيء، قادر على كل شي، دائم لا يموت، ويتعلق بعبد عاجز ضعيف، لا يقدر على نفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ، { والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء }. وأنشدوا في هذا المعنى:
حرام على من وحد الله ربه وأفرده أن يحتذي أحدا رفدا فيا صاحبي قف بي على الحق وقفة أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا وقل لملوك الأرض تجهد جهدها فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى
والخصلة الثانية: تذكر البعث وما بعده، وتقريبه وجعله نصب العين إذ بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية، والاستعداد والتأهب للدار الباقية، وبه تلين القلوب، وتتحقق بعلم الغيوب، وبه يحصل الخضوع للحق، والتعظيم لمن جاء به. بخلاف من أنكره، أو استبعده، قال تعالى: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون }. الخصلة الثالثة: التواضع والخضوع لله، ولمن دعا إلى الله، وهو سبب المحبة من الله، ورفع الدرجات عند الله قال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه الله "
وقال أيضا:
" من تواضع دون قدره، رفعه الله فوق قدره "
بخلاف المتكبر فإنه ممقوت عند الله، مطرود عن باب الله قال تعالى: { إنه لا يحب المستكبرين }. وفي الحديث:
" لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر "
، أو كما قال صلى الله عليه وسلم،
" والتكبر: بطر الحق وغمط الناس "
، أي: جحد الحق، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم.
النحل 16:22
قلت: { وما يشعرون أيان يبعثون } ، الضمير الأول للأصنام، والثاني للكفار الذين عبدوهم، وقيل: للأصنام فيهما، وقيل: للكفار فيهما، و { لا جرم }: إما أن يكون بمعنى لا شك، أو لا بد، أو تكون " لا " نفيا لما تقدم. و " جرم ": فعل، بمعنى وجب، أو حق، و { أن الله }: فاعل بجرم. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يخلق } كل شيء، ويقدر على كل شيء، { كمن لا يخلق } شيئا، ولا يقدر على شيء، بل هو أعجز من كل شيء؟ وهو إنكار على من أشرك مع الله غيره، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وباهر حكمته، بذكر ما تقدم من أنواع المخلوقات وبدائع المصنوعات، وكان حق الكلام: أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس تنبيها على أنهم، بالإشراك بالله، جعلوه من جنس المخلوقات العجزة، شبيها بها. والمراد بمن لا يخلق، كل ما عبد من دون الله، وغلب أولي العلم منهم، فعبر بمن، أو يريد الأصنام، وأجراها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة، ومن حق الإله أن يعلم، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق. { أفلا تذكرون } فتعرفوا فساد ذلك فإنه لظهوره كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات. ولما ذكر أنواعا من المخلوقات على وجه الاستدلال على وحدانيته - وفي ضمنها: تعداد النعم على خلقه - أعقبها بقوله: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } أي: لا تطيقوا عدها، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها. ثم أعقبها بقوله: { إن الله لغفور رحيم } تنبيها على أن العبد في محل التقصير، لولا أن الله يغفر له تقصيره في أداء شكر نعمه، ويرحمه ببقائها مع تقصيره في شكرها. { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد لمن كفر النعم وأشرك مع الله غيره، سرا أو علانية، ثم قال تعالى: { والذين تدعون } أي: والأصنام الذين تعبدونهم { من دون الله لا يخلقون شيئا } لظهور عجزهم. لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق، بين أنها لا تخلق شيئا ليتحقق نفي الألوهية عنها ضرورة. ثم علل عجزها، وعدم استحقاقها للألوهية بقوله: { وهم يخلقون } أي: وهم مخلوقون مفتقرون في وجودهم إلى التخليق، والإله لا بد أن يكون واجب الوجود. وهم، أيضا، { أموات غير أحياء } أي: لم تكن لهم حياة قط، ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدمت له حياة، ثم مات. والإله ينبغي أن يكون حيا بالذات لا يعتريه الممات. { وما يشعرون أيان يبعثون } أي: لا يعلمون وقت بعثهم، أو بعث عبدتهم، فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه من عبدهم، والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، قادرا على الجزاء لمن عبده؟ وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف.
قاله البيضاوي. قال ابن جزي: نفى عن الأصنام صفة الربوبية، وأثبت لهم أضدادها وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين وقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم، أثبت الربوبية لله وحده، فقال: { إلهكم إله واحد }. ه. وهو تصريح بما أقام عليه الحجج والبراهين بما تقدم. ثم ذكر سبب إصرارهم على الكفر - وهو إنكار البعث والتكبر - فقال: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } أي: فالمنكرون للبعث قلوبهم منكرة لوحدانيته تعالى، وهم مستكبرون عن اتباع الرسل فيما جاؤوا به، والخضوع لهم لأن المؤمن بالآخرة يكون طالبا للدلائل، متأملا فميا يسمع، فينتفع به، خاضعا للحق، متبعا لمن جاء به، بخلاف الكافر، يكون حاله بالعكس منهمكا في الغفلة، متبعا للهوى، ينكر بقلبه ما لا يعرف إلا بالبرهان، اتباعا للأسلاف، وتقليدا لهم، وركونا إلى المالوف. قال تعالى: تهديدا لمن هذا وصفه: { لا جرم }: لا بد، أو لا شك، أو حق { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فيجازيهم عليه { إنه لا يحب المستكبرين } مطلقا، فضلا عن الذين استكبروا عن توحيده واتباع رسوله. ومفهومه: أنه يحب المتواضعين الخاضعين للحق، ولمن جاء به، وهم المؤمنون. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت الآية ثلاث خصال من خصال أهل التوحيد: الأولى: رفع الهمة عن الخلق، وتعلقها بالخالق في جميع المطالب والمآرب إذ لا يترك العبد من هو خالق كل شيء، قادر على كل شي، دائم لا يموت، ويتعلق بعبد عاجز ضعيف، لا يقدر على نفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ، { والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء }. وأنشدوا في هذا المعنى:
حرام على من وحد الله ربه وأفرده أن يحتذي أحدا رفدا فيا صاحبي قف بي على الحق وقفة أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا وقل لملوك الأرض تجهد جهدها فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى
والخصلة الثانية: تذكر البعث وما بعده، وتقريبه وجعله نصب العين إذ بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية، والاستعداد والتأهب للدار الباقية، وبه تلين القلوب، وتتحقق بعلم الغيوب، وبه يحصل الخضوع للحق، والتعظيم لمن جاء به. بخلاف من أنكره، أو استبعده، قال تعالى: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون }. الخصلة الثالثة: التواضع والخضوع لله، ولمن دعا إلى الله، وهو سبب المحبة من الله، ورفع الدرجات عند الله قال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه الله "
وقال أيضا:
" من تواضع دون قدره، رفعه الله فوق قدره "
بخلاف المتكبر فإنه ممقوت عند الله، مطرود عن باب الله قال تعالى: { إنه لا يحب المستكبرين }. وفي الحديث:
" لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر "
، أو كما قال صلى الله عليه وسلم،
" والتكبر: بطر الحق وغمط الناس "
، أي: جحد الحق، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم.
النحل 16:23
قلت: { وما يشعرون أيان يبعثون } ، الضمير الأول للأصنام، والثاني للكفار الذين عبدوهم، وقيل: للأصنام فيهما، وقيل: للكفار فيهما، و { لا جرم }: إما أن يكون بمعنى لا شك، أو لا بد، أو تكون " لا " نفيا لما تقدم. و " جرم ": فعل، بمعنى وجب، أو حق، و { أن الله }: فاعل بجرم. يقول الحق جل جلاله: { أفمن يخلق } كل شيء، ويقدر على كل شيء، { كمن لا يخلق } شيئا، ولا يقدر على شيء، بل هو أعجز من كل شيء؟ وهو إنكار على من أشرك مع الله غيره، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وباهر حكمته، بذكر ما تقدم من أنواع المخلوقات وبدائع المصنوعات، وكان حق الكلام: أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس تنبيها على أنهم، بالإشراك بالله، جعلوه من جنس المخلوقات العجزة، شبيها بها. والمراد بمن لا يخلق، كل ما عبد من دون الله، وغلب أولي العلم منهم، فعبر بمن، أو يريد الأصنام، وأجراها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة، ومن حق الإله أن يعلم، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق. { أفلا تذكرون } فتعرفوا فساد ذلك فإنه لظهوره كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات. ولما ذكر أنواعا من المخلوقات على وجه الاستدلال على وحدانيته - وفي ضمنها: تعداد النعم على خلقه - أعقبها بقوله: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } أي: لا تطيقوا عدها، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها. ثم أعقبها بقوله: { إن الله لغفور رحيم } تنبيها على أن العبد في محل التقصير، لولا أن الله يغفر له تقصيره في أداء شكر نعمه، ويرحمه ببقائها مع تقصيره في شكرها. { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد لمن كفر النعم وأشرك مع الله غيره، سرا أو علانية، ثم قال تعالى: { والذين تدعون } أي: والأصنام الذين تعبدونهم { من دون الله لا يخلقون شيئا } لظهور عجزهم. لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق، بين أنها لا تخلق شيئا ليتحقق نفي الألوهية عنها ضرورة. ثم علل عجزها، وعدم استحقاقها للألوهية بقوله: { وهم يخلقون } أي: وهم مخلوقون مفتقرون في وجودهم إلى التخليق، والإله لا بد أن يكون واجب الوجود. وهم، أيضا، { أموات غير أحياء } أي: لم تكن لهم حياة قط، ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدمت له حياة، ثم مات. والإله ينبغي أن يكون حيا بالذات لا يعتريه الممات. { وما يشعرون أيان يبعثون } أي: لا يعلمون وقت بعثهم، أو بعث عبدتهم، فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه من عبدهم، والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، قادرا على الجزاء لمن عبده؟ وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف.
قاله البيضاوي. قال ابن جزي: نفى عن الأصنام صفة الربوبية، وأثبت لهم أضدادها وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين وقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم، أثبت الربوبية لله وحده، فقال: { إلهكم إله واحد }. ه. وهو تصريح بما أقام عليه الحجج والبراهين بما تقدم. ثم ذكر سبب إصرارهم على الكفر - وهو إنكار البعث والتكبر - فقال: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } أي: فالمنكرون للبعث قلوبهم منكرة لوحدانيته تعالى، وهم مستكبرون عن اتباع الرسل فيما جاؤوا به، والخضوع لهم لأن المؤمن بالآخرة يكون طالبا للدلائل، متأملا فميا يسمع، فينتفع به، خاضعا للحق، متبعا لمن جاء به، بخلاف الكافر، يكون حاله بالعكس منهمكا في الغفلة، متبعا للهوى، ينكر بقلبه ما لا يعرف إلا بالبرهان، اتباعا للأسلاف، وتقليدا لهم، وركونا إلى المالوف. قال تعالى: تهديدا لمن هذا وصفه: { لا جرم }: لا بد، أو لا شك، أو حق { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ، فيجازيهم عليه { إنه لا يحب المستكبرين } مطلقا، فضلا عن الذين استكبروا عن توحيده واتباع رسوله. ومفهومه: أنه يحب المتواضعين الخاضعين للحق، ولمن جاء به، وهم المؤمنون. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت الآية ثلاث خصال من خصال أهل التوحيد: الأولى: رفع الهمة عن الخلق، وتعلقها بالخالق في جميع المطالب والمآرب إذ لا يترك العبد من هو خالق كل شيء، قادر على كل شي، دائم لا يموت، ويتعلق بعبد عاجز ضعيف، لا يقدر على نفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } ، { والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء }. وأنشدوا في هذا المعنى:
حرام على من وحد الله ربه وأفرده أن يحتذي أحدا رفدا فيا صاحبي قف بي على الحق وقفة أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا وقل لملوك الأرض تجهد جهدها فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى
والخصلة الثانية: تذكر البعث وما بعده، وتقريبه وجعله نصب العين إذ بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية، والاستعداد والتأهب للدار الباقية، وبه تلين القلوب، وتتحقق بعلم الغيوب، وبه يحصل الخضوع للحق، والتعظيم لمن جاء به. بخلاف من أنكره، أو استبعده، قال تعالى: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون }. الخصلة الثالثة: التواضع والخضوع لله، ولمن دعا إلى الله، وهو سبب المحبة من الله، ورفع الدرجات عند الله قال صلى الله عليه وسلم:
" من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه الله "
وقال أيضا:
" من تواضع دون قدره، رفعه الله فوق قدره "
بخلاف المتكبر فإنه ممقوت عند الله، مطرود عن باب الله قال تعالى: { إنه لا يحب المستكبرين }. وفي الحديث:
" لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر "
، أو كما قال صلى الله عليه وسلم،
" والتكبر: بطر الحق وغمط الناس "
، أي: جحد الحق، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم.
النحل 16:24
قلت: { ماذا } ، يجوز أن يكون اسما واحدا مركبا منصوبا ب { أنزل } ، وأن تكون ما: استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و ذا: بمعنى " الذي ": خبر، وفي أنزل ضمير محذوف، أي: ما الذي أنزله ربكم؟ واللام في { ليحملوا }: لام العاقبة والصيرورة، أي: قالوا: هو أساطير الأولين فأوجب ذلك أن يحملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، وقيل: لام الأمر، و { بغير علم }: حال من المفعول في { يضلونهم } ، أو من الفاعل، و { تشاقون }: من قرأه بالكسر فالمفعول: ضمير المتكلم، وهو الله تعالى، ومن قرأه بالفتح فالمفعول محذوف، أي: تشاقون المؤمنين من أجلهم. و { ظالمي أنفسهم }: حال من ضمير المفعول في: " تتوفاهم ". يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل لهم } أي: كفار قريش: { ماذا أنزل ربكم } على رسوله محمد - عليه الصلاة والسلام -؟ { قالوا }: هو { أساطير الأولين } أي: ما سطره الأولون وكتبوه من الخرافات. وكان النضر بن الحارث قد اتخذ كتب التواريخ، ويقول: إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه. والقائل لهم هم المقتسمون، وتسميته، حينئذ، منزلا إما على وجه التهكم، أو على الفرض والتقدير، أي: على تقدير أنه منزل، فهو أساطير لا تحقيق فيه. ويحتمل أن يكون القائل لهم المؤمنين، فلا يحتاج إلى تأويل. { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } أي: قالوا ذلك ليضلوا الناس، فكان عاقبتهم أن حملوا أوزار ضلالهم كاملة، { ومن أوزار الذين يضلونهم }: وبعض أوزار ضلال من كانوا يضلونهم - وهو حصة التسبب في الوقوع في الضلال - حال كونهم { بغير علم } أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال. وفيه دليل على أن الجاهل في العقائد غير معذور إذ كان يجب عليه أن يبحث عن الحق وأهله، وينظر في دلائله وحججه. قال البيضاوي: { بغير علم }: حال من المفعول أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وفائدتها: الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم إذ كان عليهم أن يبحثوا، ويميزوا بين المحق والمبطل. ه. وقال المحشي: ففيه ذم تقليد المبطل، وأن مقلده غير معذور، بخلاف تقليد المحق الذي قام بشاهد صدقه المعجزة، أو غير ذلك، كدليل العقل والنقل فيما تعتبر دلالته. ه. قلت: ويجوز أن يكون حالا من الفاعل، أي: يضلون في حال خلوهم من العلم، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال. قال تعالى في شأن أهل الإضلال: { ألا ساء ما يزرون } ، أي: بئس شيئا يزرونه فعلهم هذا. { قد مكر الذين من قبلهم } أي: دبروا أمورا ليمكروا بها الرسل، { فأتى الله بنيانهم من القواعد } أي: قصد ما دبروه من أصله، فهدمه، { فخر عليهم السقف من فوقهم } ، وصار ما دبروه، وبنوه من المكر، سبب هلاكهم، { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } لا يحتسبون ولا يتوقعون، وهو على سبيل التمثيل.
وقال ابن عباس وغيره: المراد به نمرود بن كنعان، بنى الصرح ببابل، سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء، فبعث الله ريحا فهدمته، فخر عليه وعلى قومه، فهلكوا، وقيل: إن جبريل عليه السلام هدمه، فألقى أعلاه في البحر، وانجعف من أسفله. { ثم يوم القيامة يخزيهم }: يذلهم ويعذبهم بالنار، { ويقول أين شركائي } ، أضافها إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإضافتهم إياها إليه في الدنيا زيادة في توبيخهم، أي: أين الشركاء { الذين كنتم تشاقون فيهم }: تعادون المؤمنين في شأنهم، أو تشاقونني في شأنهم فإن مشاقة المؤمنين كمشاقته، أو تحاربون وتخارجون، فتكونون في شق والحق في شق، { قال الذين أوتوا العلم } وهم الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد، فيشاققونهم ويتكبرون عليهم، أو الملائكة: { إن الخزي اليوم والسوء }: الذلة والعذاب { على الكافرين }. وفائدة قولهم ذلك لهم: إظهار الشماتة وزيادة الإهانة، وحكايته، ليكون لطفا لمن سمعه من المؤمنين، فيزيد حذرا وحزما في الطاعة، وقال الواحدي: إن الخزي اليوم والسوء عليهم لا علينا. ه. أي: فيقولونه اعترافا واستبشارا بإنجاز ما وعدهم الله، كما قالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذه الهداية. ثم وصفهم بقوله: { الذين تتوفاهم الملائكة } تقبض أرواحهم { ظالمي أنفسهم } بأن عرضوها للعذاب المخلد، { فألقوا السلم } أي: استسلموا، وألقوا القياد من أنفسهم، حين عاينوا الموت، قائلين: { ما كنا نعمل من سوء }: من كفر وعدوان، يحتمل أن يكون قولهم ذلك قصدوا به الكذب اعتصاما به، كقولهم:
والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23]، أو يكونوا أخبروا على حساب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر. قال الحسن: هي مواطن، فمرة يقرون على أنفسهم، كما قال تعالى:
وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين
[الأنعام: 130]، ومرة يجحدون كهذه الآية، فتجيبهم الملائكة بقولهم: { بلى } قد كنتم تعملون السوء والعدوان، { إن الله عليم بما كنتم تعملون } فهو يجازيكم عليه. وقيل: إن قوله: { فألقوا السلم } إلى آخر الآية، راجع إلى شرح حالهم يوم القيامة، فيتصل في المعنى بقوله عز وجل: { أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم } إلخ، فيكون الراد عليهم بقوله: { بلى، هو الله تعالى، أو: أولو العلم، ويقوي هذا قوله بعده { فادخلوا أبواب جهنم } لأن دخولها لا يكون إلا بعد البعث والحساب، لا بعد الموت إذ لا يكون بعد الموت إلا العرض عليها غدوا وعشيا، والمراد بدخول أبوابها، أي: التي تفضي إلى طبقاتها، التي هي بعضها على بعض، وأبوابها كذلك، كل صنف يدخل من بابه المعد له، { خالدين فيها فلبئس مثوى } أي: مقام { المتكبرين } جهنم. الإشارة: وإذا قيل لأهل الغفلة والإنكار: ماذا أنزل ربكم، على قلوب أولياء زمانكم من المواهب وأسرار الخصوصية؟ قالوا: أساطير الأولين، ثم عوقوا الناس عن الدخول في طريقهم لتطهير قلوبهم، فيحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة حيث ماتوا مصرين على الكبائر وهم لا يشعرون.
ويحملون من أوزار الذين يضلونهم عن طريق الخصوص بغير علم، بل جهلا وعنادا وحسدا، ألا ساء ما يزرون. قلت: الذي أتلف العوام عن الدين ثلاثة أصناف: علماء السوء، وفقراء السوء - وهم أهل الزوايا والنسبة -، وقراء السوء لأن هؤلاء هم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فإذا رأوهم أقبلوا على الدنيا، وقصروا في الدين، تبعوهم على ذلك فضلوا معهم، فقد ضلوا وأضلوا، وإذا أنكروا على أولياء الله، ومكروا بهم، اقتدوا بهم في ذلك فيتولى الله حفظ أوليائه، ويهدم مكرهم قال تعالى: { فأتى الله بنيانهم من القواعد }... الآية، فإذا كان يوم القيامة أبعدهم عن حضرته، وأسكنهم مع عوام خلقه. فإذا أنكروا ما فعلوا في الدنيا، يقال لهم: { بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } ، فيخلدون في عذاب القطيعة والحجاب، فبئس مثوى المتكبرين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اضدادهم فقال: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم }
النحل 16:25
قلت: { ماذا } ، يجوز أن يكون اسما واحدا مركبا منصوبا ب { أنزل } ، وأن تكون ما: استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و ذا: بمعنى " الذي ": خبر، وفي أنزل ضمير محذوف، أي: ما الذي أنزله ربكم؟ واللام في { ليحملوا }: لام العاقبة والصيرورة، أي: قالوا: هو أساطير الأولين فأوجب ذلك أن يحملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، وقيل: لام الأمر، و { بغير علم }: حال من المفعول في { يضلونهم } ، أو من الفاعل، و { تشاقون }: من قرأه بالكسر فالمفعول: ضمير المتكلم، وهو الله تعالى، ومن قرأه بالفتح فالمفعول محذوف، أي: تشاقون المؤمنين من أجلهم. و { ظالمي أنفسهم }: حال من ضمير المفعول في: " تتوفاهم ". يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل لهم } أي: كفار قريش: { ماذا أنزل ربكم } على رسوله محمد - عليه الصلاة والسلام -؟ { قالوا }: هو { أساطير الأولين } أي: ما سطره الأولون وكتبوه من الخرافات. وكان النضر بن الحارث قد اتخذ كتب التواريخ، ويقول: إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه. والقائل لهم هم المقتسمون، وتسميته، حينئذ، منزلا إما على وجه التهكم، أو على الفرض والتقدير، أي: على تقدير أنه منزل، فهو أساطير لا تحقيق فيه. ويحتمل أن يكون القائل لهم المؤمنين، فلا يحتاج إلى تأويل. { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } أي: قالوا ذلك ليضلوا الناس، فكان عاقبتهم أن حملوا أوزار ضلالهم كاملة، { ومن أوزار الذين يضلونهم }: وبعض أوزار ضلال من كانوا يضلونهم - وهو حصة التسبب في الوقوع في الضلال - حال كونهم { بغير علم } أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال. وفيه دليل على أن الجاهل في العقائد غير معذور إذ كان يجب عليه أن يبحث عن الحق وأهله، وينظر في دلائله وحججه. قال البيضاوي: { بغير علم }: حال من المفعول أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وفائدتها: الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم إذ كان عليهم أن يبحثوا، ويميزوا بين المحق والمبطل. ه. وقال المحشي: ففيه ذم تقليد المبطل، وأن مقلده غير معذور، بخلاف تقليد المحق الذي قام بشاهد صدقه المعجزة، أو غير ذلك، كدليل العقل والنقل فيما تعتبر دلالته. ه. قلت: ويجوز أن يكون حالا من الفاعل، أي: يضلون في حال خلوهم من العلم، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال. قال تعالى في شأن أهل الإضلال: { ألا ساء ما يزرون } ، أي: بئس شيئا يزرونه فعلهم هذا. { قد مكر الذين من قبلهم } أي: دبروا أمورا ليمكروا بها الرسل، { فأتى الله بنيانهم من القواعد } أي: قصد ما دبروه من أصله، فهدمه، { فخر عليهم السقف من فوقهم } ، وصار ما دبروه، وبنوه من المكر، سبب هلاكهم، { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } لا يحتسبون ولا يتوقعون، وهو على سبيل التمثيل.
وقال ابن عباس وغيره: المراد به نمرود بن كنعان، بنى الصرح ببابل، سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء، فبعث الله ريحا فهدمته، فخر عليه وعلى قومه، فهلكوا، وقيل: إن جبريل عليه السلام هدمه، فألقى أعلاه في البحر، وانجعف من أسفله. { ثم يوم القيامة يخزيهم }: يذلهم ويعذبهم بالنار، { ويقول أين شركائي } ، أضافها إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإضافتهم إياها إليه في الدنيا زيادة في توبيخهم، أي: أين الشركاء { الذين كنتم تشاقون فيهم }: تعادون المؤمنين في شأنهم، أو تشاقونني في شأنهم فإن مشاقة المؤمنين كمشاقته، أو تحاربون وتخارجون، فتكونون في شق والحق في شق، { قال الذين أوتوا العلم } وهم الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد، فيشاققونهم ويتكبرون عليهم، أو الملائكة: { إن الخزي اليوم والسوء }: الذلة والعذاب { على الكافرين }. وفائدة قولهم ذلك لهم: إظهار الشماتة وزيادة الإهانة، وحكايته، ليكون لطفا لمن سمعه من المؤمنين، فيزيد حذرا وحزما في الطاعة، وقال الواحدي: إن الخزي اليوم والسوء عليهم لا علينا. ه. أي: فيقولونه اعترافا واستبشارا بإنجاز ما وعدهم الله، كما قالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذه الهداية. ثم وصفهم بقوله: { الذين تتوفاهم الملائكة } تقبض أرواحهم { ظالمي أنفسهم } بأن عرضوها للعذاب المخلد، { فألقوا السلم } أي: استسلموا، وألقوا القياد من أنفسهم، حين عاينوا الموت، قائلين: { ما كنا نعمل من سوء }: من كفر وعدوان، يحتمل أن يكون قولهم ذلك قصدوا به الكذب اعتصاما به، كقولهم:
والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23]، أو يكونوا أخبروا على حساب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر. قال الحسن: هي مواطن، فمرة يقرون على أنفسهم، كما قال تعالى:
وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين
[الأنعام: 130]، ومرة يجحدون كهذه الآية، فتجيبهم الملائكة بقولهم: { بلى } قد كنتم تعملون السوء والعدوان، { إن الله عليم بما كنتم تعملون } فهو يجازيكم عليه. وقيل: إن قوله: { فألقوا السلم } إلى آخر الآية، راجع إلى شرح حالهم يوم القيامة، فيتصل في المعنى بقوله عز وجل: { أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم } إلخ، فيكون الراد عليهم بقوله: { بلى، هو الله تعالى، أو: أولو العلم، ويقوي هذا قوله بعده { فادخلوا أبواب جهنم } لأن دخولها لا يكون إلا بعد البعث والحساب، لا بعد الموت إذ لا يكون بعد الموت إلا العرض عليها غدوا وعشيا، والمراد بدخول أبوابها، أي: التي تفضي إلى طبقاتها، التي هي بعضها على بعض، وأبوابها كذلك، كل صنف يدخل من بابه المعد له، { خالدين فيها فلبئس مثوى } أي: مقام { المتكبرين } جهنم. الإشارة: وإذا قيل لأهل الغفلة والإنكار: ماذا أنزل ربكم، على قلوب أولياء زمانكم من المواهب وأسرار الخصوصية؟ قالوا: أساطير الأولين، ثم عوقوا الناس عن الدخول في طريقهم لتطهير قلوبهم، فيحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة حيث ماتوا مصرين على الكبائر وهم لا يشعرون.
ويحملون من أوزار الذين يضلونهم عن طريق الخصوص بغير علم، بل جهلا وعنادا وحسدا، ألا ساء ما يزرون. قلت: الذي أتلف العوام عن الدين ثلاثة أصناف: علماء السوء، وفقراء السوء - وهم أهل الزوايا والنسبة -، وقراء السوء لأن هؤلاء هم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فإذا رأوهم أقبلوا على الدنيا، وقصروا في الدين، تبعوهم على ذلك فضلوا معهم، فقد ضلوا وأضلوا، وإذا أنكروا على أولياء الله، ومكروا بهم، اقتدوا بهم في ذلك فيتولى الله حفظ أوليائه، ويهدم مكرهم قال تعالى: { فأتى الله بنيانهم من القواعد }... الآية، فإذا كان يوم القيامة أبعدهم عن حضرته، وأسكنهم مع عوام خلقه. فإذا أنكروا ما فعلوا في الدنيا، يقال لهم: { بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } ، فيخلدون في عذاب القطيعة والحجاب، فبئس مثوى المتكبرين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اضدادهم فقال: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم }
النحل 16:26
قلت: { ماذا } ، يجوز أن يكون اسما واحدا مركبا منصوبا ب { أنزل } ، وأن تكون ما: استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و ذا: بمعنى " الذي ": خبر، وفي أنزل ضمير محذوف، أي: ما الذي أنزله ربكم؟ واللام في { ليحملوا }: لام العاقبة والصيرورة، أي: قالوا: هو أساطير الأولين فأوجب ذلك أن يحملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، وقيل: لام الأمر، و { بغير علم }: حال من المفعول في { يضلونهم } ، أو من الفاعل، و { تشاقون }: من قرأه بالكسر فالمفعول: ضمير المتكلم، وهو الله تعالى، ومن قرأه بالفتح فالمفعول محذوف، أي: تشاقون المؤمنين من أجلهم. و { ظالمي أنفسهم }: حال من ضمير المفعول في: " تتوفاهم ". يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل لهم } أي: كفار قريش: { ماذا أنزل ربكم } على رسوله محمد - عليه الصلاة والسلام -؟ { قالوا }: هو { أساطير الأولين } أي: ما سطره الأولون وكتبوه من الخرافات. وكان النضر بن الحارث قد اتخذ كتب التواريخ، ويقول: إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه. والقائل لهم هم المقتسمون، وتسميته، حينئذ، منزلا إما على وجه التهكم، أو على الفرض والتقدير، أي: على تقدير أنه منزل، فهو أساطير لا تحقيق فيه. ويحتمل أن يكون القائل لهم المؤمنين، فلا يحتاج إلى تأويل. { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } أي: قالوا ذلك ليضلوا الناس، فكان عاقبتهم أن حملوا أوزار ضلالهم كاملة، { ومن أوزار الذين يضلونهم }: وبعض أوزار ضلال من كانوا يضلونهم - وهو حصة التسبب في الوقوع في الضلال - حال كونهم { بغير علم } أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال. وفيه دليل على أن الجاهل في العقائد غير معذور إذ كان يجب عليه أن يبحث عن الحق وأهله، وينظر في دلائله وحججه. قال البيضاوي: { بغير علم }: حال من المفعول أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وفائدتها: الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم إذ كان عليهم أن يبحثوا، ويميزوا بين المحق والمبطل. ه. وقال المحشي: ففيه ذم تقليد المبطل، وأن مقلده غير معذور، بخلاف تقليد المحق الذي قام بشاهد صدقه المعجزة، أو غير ذلك، كدليل العقل والنقل فيما تعتبر دلالته. ه. قلت: ويجوز أن يكون حالا من الفاعل، أي: يضلون في حال خلوهم من العلم، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال. قال تعالى في شأن أهل الإضلال: { ألا ساء ما يزرون } ، أي: بئس شيئا يزرونه فعلهم هذا. { قد مكر الذين من قبلهم } أي: دبروا أمورا ليمكروا بها الرسل، { فأتى الله بنيانهم من القواعد } أي: قصد ما دبروه من أصله، فهدمه، { فخر عليهم السقف من فوقهم } ، وصار ما دبروه، وبنوه من المكر، سبب هلاكهم، { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } لا يحتسبون ولا يتوقعون، وهو على سبيل التمثيل.
وقال ابن عباس وغيره: المراد به نمرود بن كنعان، بنى الصرح ببابل، سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء، فبعث الله ريحا فهدمته، فخر عليه وعلى قومه، فهلكوا، وقيل: إن جبريل عليه السلام هدمه، فألقى أعلاه في البحر، وانجعف من أسفله. { ثم يوم القيامة يخزيهم }: يذلهم ويعذبهم بالنار، { ويقول أين شركائي } ، أضافها إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإضافتهم إياها إليه في الدنيا زيادة في توبيخهم، أي: أين الشركاء { الذين كنتم تشاقون فيهم }: تعادون المؤمنين في شأنهم، أو تشاقونني في شأنهم فإن مشاقة المؤمنين كمشاقته، أو تحاربون وتخارجون، فتكونون في شق والحق في شق، { قال الذين أوتوا العلم } وهم الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد، فيشاققونهم ويتكبرون عليهم، أو الملائكة: { إن الخزي اليوم والسوء }: الذلة والعذاب { على الكافرين }. وفائدة قولهم ذلك لهم: إظهار الشماتة وزيادة الإهانة، وحكايته، ليكون لطفا لمن سمعه من المؤمنين، فيزيد حذرا وحزما في الطاعة، وقال الواحدي: إن الخزي اليوم والسوء عليهم لا علينا. ه. أي: فيقولونه اعترافا واستبشارا بإنجاز ما وعدهم الله، كما قالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذه الهداية. ثم وصفهم بقوله: { الذين تتوفاهم الملائكة } تقبض أرواحهم { ظالمي أنفسهم } بأن عرضوها للعذاب المخلد، { فألقوا السلم } أي: استسلموا، وألقوا القياد من أنفسهم، حين عاينوا الموت، قائلين: { ما كنا نعمل من سوء }: من كفر وعدوان، يحتمل أن يكون قولهم ذلك قصدوا به الكذب اعتصاما به، كقولهم:
والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23]، أو يكونوا أخبروا على حساب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر. قال الحسن: هي مواطن، فمرة يقرون على أنفسهم، كما قال تعالى:
وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين
[الأنعام: 130]، ومرة يجحدون كهذه الآية، فتجيبهم الملائكة بقولهم: { بلى } قد كنتم تعملون السوء والعدوان، { إن الله عليم بما كنتم تعملون } فهو يجازيكم عليه. وقيل: إن قوله: { فألقوا السلم } إلى آخر الآية، راجع إلى شرح حالهم يوم القيامة، فيتصل في المعنى بقوله عز وجل: { أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم } إلخ، فيكون الراد عليهم بقوله: { بلى، هو الله تعالى، أو: أولو العلم، ويقوي هذا قوله بعده { فادخلوا أبواب جهنم } لأن دخولها لا يكون إلا بعد البعث والحساب، لا بعد الموت إذ لا يكون بعد الموت إلا العرض عليها غدوا وعشيا، والمراد بدخول أبوابها، أي: التي تفضي إلى طبقاتها، التي هي بعضها على بعض، وأبوابها كذلك، كل صنف يدخل من بابه المعد له، { خالدين فيها فلبئس مثوى } أي: مقام { المتكبرين } جهنم. الإشارة: وإذا قيل لأهل الغفلة والإنكار: ماذا أنزل ربكم، على قلوب أولياء زمانكم من المواهب وأسرار الخصوصية؟ قالوا: أساطير الأولين، ثم عوقوا الناس عن الدخول في طريقهم لتطهير قلوبهم، فيحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة حيث ماتوا مصرين على الكبائر وهم لا يشعرون.
ويحملون من أوزار الذين يضلونهم عن طريق الخصوص بغير علم، بل جهلا وعنادا وحسدا، ألا ساء ما يزرون. قلت: الذي أتلف العوام عن الدين ثلاثة أصناف: علماء السوء، وفقراء السوء - وهم أهل الزوايا والنسبة -، وقراء السوء لأن هؤلاء هم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فإذا رأوهم أقبلوا على الدنيا، وقصروا في الدين، تبعوهم على ذلك فضلوا معهم، فقد ضلوا وأضلوا، وإذا أنكروا على أولياء الله، ومكروا بهم، اقتدوا بهم في ذلك فيتولى الله حفظ أوليائه، ويهدم مكرهم قال تعالى: { فأتى الله بنيانهم من القواعد }... الآية، فإذا كان يوم القيامة أبعدهم عن حضرته، وأسكنهم مع عوام خلقه. فإذا أنكروا ما فعلوا في الدنيا، يقال لهم: { بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } ، فيخلدون في عذاب القطيعة والحجاب، فبئس مثوى المتكبرين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اضدادهم فقال: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم }
النحل 16:27
قلت: { ماذا } ، يجوز أن يكون اسما واحدا مركبا منصوبا ب { أنزل } ، وأن تكون ما: استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و ذا: بمعنى " الذي ": خبر، وفي أنزل ضمير محذوف، أي: ما الذي أنزله ربكم؟ واللام في { ليحملوا }: لام العاقبة والصيرورة، أي: قالوا: هو أساطير الأولين فأوجب ذلك أن يحملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، وقيل: لام الأمر، و { بغير علم }: حال من المفعول في { يضلونهم } ، أو من الفاعل، و { تشاقون }: من قرأه بالكسر فالمفعول: ضمير المتكلم، وهو الله تعالى، ومن قرأه بالفتح فالمفعول محذوف، أي: تشاقون المؤمنين من أجلهم. و { ظالمي أنفسهم }: حال من ضمير المفعول في: " تتوفاهم ". يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل لهم } أي: كفار قريش: { ماذا أنزل ربكم } على رسوله محمد - عليه الصلاة والسلام -؟ { قالوا }: هو { أساطير الأولين } أي: ما سطره الأولون وكتبوه من الخرافات. وكان النضر بن الحارث قد اتخذ كتب التواريخ، ويقول: إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه. والقائل لهم هم المقتسمون، وتسميته، حينئذ، منزلا إما على وجه التهكم، أو على الفرض والتقدير، أي: على تقدير أنه منزل، فهو أساطير لا تحقيق فيه. ويحتمل أن يكون القائل لهم المؤمنين، فلا يحتاج إلى تأويل. { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } أي: قالوا ذلك ليضلوا الناس، فكان عاقبتهم أن حملوا أوزار ضلالهم كاملة، { ومن أوزار الذين يضلونهم }: وبعض أوزار ضلال من كانوا يضلونهم - وهو حصة التسبب في الوقوع في الضلال - حال كونهم { بغير علم } أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال. وفيه دليل على أن الجاهل في العقائد غير معذور إذ كان يجب عليه أن يبحث عن الحق وأهله، وينظر في دلائله وحججه. قال البيضاوي: { بغير علم }: حال من المفعول أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وفائدتها: الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم إذ كان عليهم أن يبحثوا، ويميزوا بين المحق والمبطل. ه. وقال المحشي: ففيه ذم تقليد المبطل، وأن مقلده غير معذور، بخلاف تقليد المحق الذي قام بشاهد صدقه المعجزة، أو غير ذلك، كدليل العقل والنقل فيما تعتبر دلالته. ه. قلت: ويجوز أن يكون حالا من الفاعل، أي: يضلون في حال خلوهم من العلم، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال. قال تعالى في شأن أهل الإضلال: { ألا ساء ما يزرون } ، أي: بئس شيئا يزرونه فعلهم هذا. { قد مكر الذين من قبلهم } أي: دبروا أمورا ليمكروا بها الرسل، { فأتى الله بنيانهم من القواعد } أي: قصد ما دبروه من أصله، فهدمه، { فخر عليهم السقف من فوقهم } ، وصار ما دبروه، وبنوه من المكر، سبب هلاكهم، { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } لا يحتسبون ولا يتوقعون، وهو على سبيل التمثيل.
وقال ابن عباس وغيره: المراد به نمرود بن كنعان، بنى الصرح ببابل، سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء، فبعث الله ريحا فهدمته، فخر عليه وعلى قومه، فهلكوا، وقيل: إن جبريل عليه السلام هدمه، فألقى أعلاه في البحر، وانجعف من أسفله. { ثم يوم القيامة يخزيهم }: يذلهم ويعذبهم بالنار، { ويقول أين شركائي } ، أضافها إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإضافتهم إياها إليه في الدنيا زيادة في توبيخهم، أي: أين الشركاء { الذين كنتم تشاقون فيهم }: تعادون المؤمنين في شأنهم، أو تشاقونني في شأنهم فإن مشاقة المؤمنين كمشاقته، أو تحاربون وتخارجون، فتكونون في شق والحق في شق، { قال الذين أوتوا العلم } وهم الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد، فيشاققونهم ويتكبرون عليهم، أو الملائكة: { إن الخزي اليوم والسوء }: الذلة والعذاب { على الكافرين }. وفائدة قولهم ذلك لهم: إظهار الشماتة وزيادة الإهانة، وحكايته، ليكون لطفا لمن سمعه من المؤمنين، فيزيد حذرا وحزما في الطاعة، وقال الواحدي: إن الخزي اليوم والسوء عليهم لا علينا. ه. أي: فيقولونه اعترافا واستبشارا بإنجاز ما وعدهم الله، كما قالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذه الهداية. ثم وصفهم بقوله: { الذين تتوفاهم الملائكة } تقبض أرواحهم { ظالمي أنفسهم } بأن عرضوها للعذاب المخلد، { فألقوا السلم } أي: استسلموا، وألقوا القياد من أنفسهم، حين عاينوا الموت، قائلين: { ما كنا نعمل من سوء }: من كفر وعدوان، يحتمل أن يكون قولهم ذلك قصدوا به الكذب اعتصاما به، كقولهم:
والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23]، أو يكونوا أخبروا على حساب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر. قال الحسن: هي مواطن، فمرة يقرون على أنفسهم، كما قال تعالى:
وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين
[الأنعام: 130]، ومرة يجحدون كهذه الآية، فتجيبهم الملائكة بقولهم: { بلى } قد كنتم تعملون السوء والعدوان، { إن الله عليم بما كنتم تعملون } فهو يجازيكم عليه. وقيل: إن قوله: { فألقوا السلم } إلى آخر الآية، راجع إلى شرح حالهم يوم القيامة، فيتصل في المعنى بقوله عز وجل: { أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم } إلخ، فيكون الراد عليهم بقوله: { بلى، هو الله تعالى، أو: أولو العلم، ويقوي هذا قوله بعده { فادخلوا أبواب جهنم } لأن دخولها لا يكون إلا بعد البعث والحساب، لا بعد الموت إذ لا يكون بعد الموت إلا العرض عليها غدوا وعشيا، والمراد بدخول أبوابها، أي: التي تفضي إلى طبقاتها، التي هي بعضها على بعض، وأبوابها كذلك، كل صنف يدخل من بابه المعد له، { خالدين فيها فلبئس مثوى } أي: مقام { المتكبرين } جهنم. الإشارة: وإذا قيل لأهل الغفلة والإنكار: ماذا أنزل ربكم، على قلوب أولياء زمانكم من المواهب وأسرار الخصوصية؟ قالوا: أساطير الأولين، ثم عوقوا الناس عن الدخول في طريقهم لتطهير قلوبهم، فيحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة حيث ماتوا مصرين على الكبائر وهم لا يشعرون.
ويحملون من أوزار الذين يضلونهم عن طريق الخصوص بغير علم، بل جهلا وعنادا وحسدا، ألا ساء ما يزرون. قلت: الذي أتلف العوام عن الدين ثلاثة أصناف: علماء السوء، وفقراء السوء - وهم أهل الزوايا والنسبة -، وقراء السوء لأن هؤلاء هم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فإذا رأوهم أقبلوا على الدنيا، وقصروا في الدين، تبعوهم على ذلك فضلوا معهم، فقد ضلوا وأضلوا، وإذا أنكروا على أولياء الله، ومكروا بهم، اقتدوا بهم في ذلك فيتولى الله حفظ أوليائه، ويهدم مكرهم قال تعالى: { فأتى الله بنيانهم من القواعد }... الآية، فإذا كان يوم القيامة أبعدهم عن حضرته، وأسكنهم مع عوام خلقه. فإذا أنكروا ما فعلوا في الدنيا، يقال لهم: { بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } ، فيخلدون في عذاب القطيعة والحجاب، فبئس مثوى المتكبرين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اضدادهم فقال: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم }
النحل 16:28
قلت: { ماذا } ، يجوز أن يكون اسما واحدا مركبا منصوبا ب { أنزل } ، وأن تكون ما: استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و ذا: بمعنى " الذي ": خبر، وفي أنزل ضمير محذوف، أي: ما الذي أنزله ربكم؟ واللام في { ليحملوا }: لام العاقبة والصيرورة، أي: قالوا: هو أساطير الأولين فأوجب ذلك أن يحملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، وقيل: لام الأمر، و { بغير علم }: حال من المفعول في { يضلونهم } ، أو من الفاعل، و { تشاقون }: من قرأه بالكسر فالمفعول: ضمير المتكلم، وهو الله تعالى، ومن قرأه بالفتح فالمفعول محذوف، أي: تشاقون المؤمنين من أجلهم. و { ظالمي أنفسهم }: حال من ضمير المفعول في: " تتوفاهم ". يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل لهم } أي: كفار قريش: { ماذا أنزل ربكم } على رسوله محمد - عليه الصلاة والسلام -؟ { قالوا }: هو { أساطير الأولين } أي: ما سطره الأولون وكتبوه من الخرافات. وكان النضر بن الحارث قد اتخذ كتب التواريخ، ويقول: إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه. والقائل لهم هم المقتسمون، وتسميته، حينئذ، منزلا إما على وجه التهكم، أو على الفرض والتقدير، أي: على تقدير أنه منزل، فهو أساطير لا تحقيق فيه. ويحتمل أن يكون القائل لهم المؤمنين، فلا يحتاج إلى تأويل. { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } أي: قالوا ذلك ليضلوا الناس، فكان عاقبتهم أن حملوا أوزار ضلالهم كاملة، { ومن أوزار الذين يضلونهم }: وبعض أوزار ضلال من كانوا يضلونهم - وهو حصة التسبب في الوقوع في الضلال - حال كونهم { بغير علم } أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال. وفيه دليل على أن الجاهل في العقائد غير معذور إذ كان يجب عليه أن يبحث عن الحق وأهله، وينظر في دلائله وحججه. قال البيضاوي: { بغير علم }: حال من المفعول أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وفائدتها: الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم إذ كان عليهم أن يبحثوا، ويميزوا بين المحق والمبطل. ه. وقال المحشي: ففيه ذم تقليد المبطل، وأن مقلده غير معذور، بخلاف تقليد المحق الذي قام بشاهد صدقه المعجزة، أو غير ذلك، كدليل العقل والنقل فيما تعتبر دلالته. ه. قلت: ويجوز أن يكون حالا من الفاعل، أي: يضلون في حال خلوهم من العلم، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال. قال تعالى في شأن أهل الإضلال: { ألا ساء ما يزرون } ، أي: بئس شيئا يزرونه فعلهم هذا. { قد مكر الذين من قبلهم } أي: دبروا أمورا ليمكروا بها الرسل، { فأتى الله بنيانهم من القواعد } أي: قصد ما دبروه من أصله، فهدمه، { فخر عليهم السقف من فوقهم } ، وصار ما دبروه، وبنوه من المكر، سبب هلاكهم، { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } لا يحتسبون ولا يتوقعون، وهو على سبيل التمثيل.
وقال ابن عباس وغيره: المراد به نمرود بن كنعان، بنى الصرح ببابل، سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء، فبعث الله ريحا فهدمته، فخر عليه وعلى قومه، فهلكوا، وقيل: إن جبريل عليه السلام هدمه، فألقى أعلاه في البحر، وانجعف من أسفله. { ثم يوم القيامة يخزيهم }: يذلهم ويعذبهم بالنار، { ويقول أين شركائي } ، أضافها إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإضافتهم إياها إليه في الدنيا زيادة في توبيخهم، أي: أين الشركاء { الذين كنتم تشاقون فيهم }: تعادون المؤمنين في شأنهم، أو تشاقونني في شأنهم فإن مشاقة المؤمنين كمشاقته، أو تحاربون وتخارجون، فتكونون في شق والحق في شق، { قال الذين أوتوا العلم } وهم الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد، فيشاققونهم ويتكبرون عليهم، أو الملائكة: { إن الخزي اليوم والسوء }: الذلة والعذاب { على الكافرين }. وفائدة قولهم ذلك لهم: إظهار الشماتة وزيادة الإهانة، وحكايته، ليكون لطفا لمن سمعه من المؤمنين، فيزيد حذرا وحزما في الطاعة، وقال الواحدي: إن الخزي اليوم والسوء عليهم لا علينا. ه. أي: فيقولونه اعترافا واستبشارا بإنجاز ما وعدهم الله، كما قالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذه الهداية. ثم وصفهم بقوله: { الذين تتوفاهم الملائكة } تقبض أرواحهم { ظالمي أنفسهم } بأن عرضوها للعذاب المخلد، { فألقوا السلم } أي: استسلموا، وألقوا القياد من أنفسهم، حين عاينوا الموت، قائلين: { ما كنا نعمل من سوء }: من كفر وعدوان، يحتمل أن يكون قولهم ذلك قصدوا به الكذب اعتصاما به، كقولهم:
والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23]، أو يكونوا أخبروا على حساب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر. قال الحسن: هي مواطن، فمرة يقرون على أنفسهم، كما قال تعالى:
وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين
[الأنعام: 130]، ومرة يجحدون كهذه الآية، فتجيبهم الملائكة بقولهم: { بلى } قد كنتم تعملون السوء والعدوان، { إن الله عليم بما كنتم تعملون } فهو يجازيكم عليه. وقيل: إن قوله: { فألقوا السلم } إلى آخر الآية، راجع إلى شرح حالهم يوم القيامة، فيتصل في المعنى بقوله عز وجل: { أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم } إلخ، فيكون الراد عليهم بقوله: { بلى، هو الله تعالى، أو: أولو العلم، ويقوي هذا قوله بعده { فادخلوا أبواب جهنم } لأن دخولها لا يكون إلا بعد البعث والحساب، لا بعد الموت إذ لا يكون بعد الموت إلا العرض عليها غدوا وعشيا، والمراد بدخول أبوابها، أي: التي تفضي إلى طبقاتها، التي هي بعضها على بعض، وأبوابها كذلك، كل صنف يدخل من بابه المعد له، { خالدين فيها فلبئس مثوى } أي: مقام { المتكبرين } جهنم. الإشارة: وإذا قيل لأهل الغفلة والإنكار: ماذا أنزل ربكم، على قلوب أولياء زمانكم من المواهب وأسرار الخصوصية؟ قالوا: أساطير الأولين، ثم عوقوا الناس عن الدخول في طريقهم لتطهير قلوبهم، فيحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة حيث ماتوا مصرين على الكبائر وهم لا يشعرون.
ويحملون من أوزار الذين يضلونهم عن طريق الخصوص بغير علم، بل جهلا وعنادا وحسدا، ألا ساء ما يزرون. قلت: الذي أتلف العوام عن الدين ثلاثة أصناف: علماء السوء، وفقراء السوء - وهم أهل الزوايا والنسبة -، وقراء السوء لأن هؤلاء هم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فإذا رأوهم أقبلوا على الدنيا، وقصروا في الدين، تبعوهم على ذلك فضلوا معهم، فقد ضلوا وأضلوا، وإذا أنكروا على أولياء الله، ومكروا بهم، اقتدوا بهم في ذلك فيتولى الله حفظ أوليائه، ويهدم مكرهم قال تعالى: { فأتى الله بنيانهم من القواعد }... الآية، فإذا كان يوم القيامة أبعدهم عن حضرته، وأسكنهم مع عوام خلقه. فإذا أنكروا ما فعلوا في الدنيا، يقال لهم: { بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } ، فيخلدون في عذاب القطيعة والحجاب، فبئس مثوى المتكبرين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اضدادهم فقال: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم }
النحل 16:29
قلت: { ماذا } ، يجوز أن يكون اسما واحدا مركبا منصوبا ب { أنزل } ، وأن تكون ما: استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و ذا: بمعنى " الذي ": خبر، وفي أنزل ضمير محذوف، أي: ما الذي أنزله ربكم؟ واللام في { ليحملوا }: لام العاقبة والصيرورة، أي: قالوا: هو أساطير الأولين فأوجب ذلك أن يحملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، وقيل: لام الأمر، و { بغير علم }: حال من المفعول في { يضلونهم } ، أو من الفاعل، و { تشاقون }: من قرأه بالكسر فالمفعول: ضمير المتكلم، وهو الله تعالى، ومن قرأه بالفتح فالمفعول محذوف، أي: تشاقون المؤمنين من أجلهم. و { ظالمي أنفسهم }: حال من ضمير المفعول في: " تتوفاهم ". يقول الحق جل جلاله: { وإذا قيل لهم } أي: كفار قريش: { ماذا أنزل ربكم } على رسوله محمد - عليه الصلاة والسلام -؟ { قالوا }: هو { أساطير الأولين } أي: ما سطره الأولون وكتبوه من الخرافات. وكان النضر بن الحارث قد اتخذ كتب التواريخ، ويقول: إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه. والقائل لهم هم المقتسمون، وتسميته، حينئذ، منزلا إما على وجه التهكم، أو على الفرض والتقدير، أي: على تقدير أنه منزل، فهو أساطير لا تحقيق فيه. ويحتمل أن يكون القائل لهم المؤمنين، فلا يحتاج إلى تأويل. { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } أي: قالوا ذلك ليضلوا الناس، فكان عاقبتهم أن حملوا أوزار ضلالهم كاملة، { ومن أوزار الذين يضلونهم }: وبعض أوزار ضلال من كانوا يضلونهم - وهو حصة التسبب في الوقوع في الضلال - حال كونهم { بغير علم } أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال. وفيه دليل على أن الجاهل في العقائد غير معذور إذ كان يجب عليه أن يبحث عن الحق وأهله، وينظر في دلائله وحججه. قال البيضاوي: { بغير علم }: حال من المفعول أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وفائدتها: الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم إذ كان عليهم أن يبحثوا، ويميزوا بين المحق والمبطل. ه. وقال المحشي: ففيه ذم تقليد المبطل، وأن مقلده غير معذور، بخلاف تقليد المحق الذي قام بشاهد صدقه المعجزة، أو غير ذلك، كدليل العقل والنقل فيما تعتبر دلالته. ه. قلت: ويجوز أن يكون حالا من الفاعل، أي: يضلون في حال خلوهم من العلم، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال. قال تعالى في شأن أهل الإضلال: { ألا ساء ما يزرون } ، أي: بئس شيئا يزرونه فعلهم هذا. { قد مكر الذين من قبلهم } أي: دبروا أمورا ليمكروا بها الرسل، { فأتى الله بنيانهم من القواعد } أي: قصد ما دبروه من أصله، فهدمه، { فخر عليهم السقف من فوقهم } ، وصار ما دبروه، وبنوه من المكر، سبب هلاكهم، { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } لا يحتسبون ولا يتوقعون، وهو على سبيل التمثيل.
وقال ابن عباس وغيره: المراد به نمرود بن كنعان، بنى الصرح ببابل، سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء، فبعث الله ريحا فهدمته، فخر عليه وعلى قومه، فهلكوا، وقيل: إن جبريل عليه السلام هدمه، فألقى أعلاه في البحر، وانجعف من أسفله. { ثم يوم القيامة يخزيهم }: يذلهم ويعذبهم بالنار، { ويقول أين شركائي } ، أضافها إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإضافتهم إياها إليه في الدنيا زيادة في توبيخهم، أي: أين الشركاء { الذين كنتم تشاقون فيهم }: تعادون المؤمنين في شأنهم، أو تشاقونني في شأنهم فإن مشاقة المؤمنين كمشاقته، أو تحاربون وتخارجون، فتكونون في شق والحق في شق، { قال الذين أوتوا العلم } وهم الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد، فيشاققونهم ويتكبرون عليهم، أو الملائكة: { إن الخزي اليوم والسوء }: الذلة والعذاب { على الكافرين }. وفائدة قولهم ذلك لهم: إظهار الشماتة وزيادة الإهانة، وحكايته، ليكون لطفا لمن سمعه من المؤمنين، فيزيد حذرا وحزما في الطاعة، وقال الواحدي: إن الخزي اليوم والسوء عليهم لا علينا. ه. أي: فيقولونه اعترافا واستبشارا بإنجاز ما وعدهم الله، كما قالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذه الهداية. ثم وصفهم بقوله: { الذين تتوفاهم الملائكة } تقبض أرواحهم { ظالمي أنفسهم } بأن عرضوها للعذاب المخلد، { فألقوا السلم } أي: استسلموا، وألقوا القياد من أنفسهم، حين عاينوا الموت، قائلين: { ما كنا نعمل من سوء }: من كفر وعدوان، يحتمل أن يكون قولهم ذلك قصدوا به الكذب اعتصاما به، كقولهم:
والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23]، أو يكونوا أخبروا على حساب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر. قال الحسن: هي مواطن، فمرة يقرون على أنفسهم، كما قال تعالى:
وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين
[الأنعام: 130]، ومرة يجحدون كهذه الآية، فتجيبهم الملائكة بقولهم: { بلى } قد كنتم تعملون السوء والعدوان، { إن الله عليم بما كنتم تعملون } فهو يجازيكم عليه. وقيل: إن قوله: { فألقوا السلم } إلى آخر الآية، راجع إلى شرح حالهم يوم القيامة، فيتصل في المعنى بقوله عز وجل: { أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم } إلخ، فيكون الراد عليهم بقوله: { بلى، هو الله تعالى، أو: أولو العلم، ويقوي هذا قوله بعده { فادخلوا أبواب جهنم } لأن دخولها لا يكون إلا بعد البعث والحساب، لا بعد الموت إذ لا يكون بعد الموت إلا العرض عليها غدوا وعشيا، والمراد بدخول أبوابها، أي: التي تفضي إلى طبقاتها، التي هي بعضها على بعض، وأبوابها كذلك، كل صنف يدخل من بابه المعد له، { خالدين فيها فلبئس مثوى } أي: مقام { المتكبرين } جهنم. الإشارة: وإذا قيل لأهل الغفلة والإنكار: ماذا أنزل ربكم، على قلوب أولياء زمانكم من المواهب وأسرار الخصوصية؟ قالوا: أساطير الأولين، ثم عوقوا الناس عن الدخول في طريقهم لتطهير قلوبهم، فيحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة حيث ماتوا مصرين على الكبائر وهم لا يشعرون.
ويحملون من أوزار الذين يضلونهم عن طريق الخصوص بغير علم، بل جهلا وعنادا وحسدا، ألا ساء ما يزرون. قلت: الذي أتلف العوام عن الدين ثلاثة أصناف: علماء السوء، وفقراء السوء - وهم أهل الزوايا والنسبة -، وقراء السوء لأن هؤلاء هم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فإذا رأوهم أقبلوا على الدنيا، وقصروا في الدين، تبعوهم على ذلك فضلوا معهم، فقد ضلوا وأضلوا، وإذا أنكروا على أولياء الله، ومكروا بهم، اقتدوا بهم في ذلك فيتولى الله حفظ أوليائه، ويهدم مكرهم قال تعالى: { فأتى الله بنيانهم من القواعد }... الآية، فإذا كان يوم القيامة أبعدهم عن حضرته، وأسكنهم مع عوام خلقه. فإذا أنكروا ما فعلوا في الدنيا، يقال لهم: { بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } ، فيخلدون في عذاب القطيعة والحجاب، فبئس مثوى المتكبرين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اضدادهم فقال: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم }
النحل 16:30
قلت: { خيرا }: منصوب بفعل محذوف، أي: أنزل خيرا، فهو مطابق للسؤال لأن المؤمنين معترفون بالإنزال، بخلاف قوله: { أساطير الأولين } فهو مرفوع على الخبر لأنهم لا يقرون بالإنزال، فلا يصح تقدير فعله. وإنما عدلوا بالجواب عن السؤال لإنكارهم له، وقالوا: هو أساطير الأولين ولم ينزله الله. و { للذين }: خبر، و { حسنة }: مبتدأ، والجملة: بدل من { خيرا } ، أو تفسير الخير الذي قالوه، والظاهر أنه استئناف من كلام الحق. { جنات عدن }: يحتمل أن يكون هو المخصوص بالمدح، فيكون مبتدأ، وخبره فيما قبله، أو خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ، وخبره: { يدخلونها } ، أو محذوف، أي: لهم جنات عدن. و { طيبين }: حال من مفعول " توفاهم ". يقول الحق جل جلاله: { وقيل للذين اتقوا } الشرك، وهم المؤمنون: { ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } ، أي: أنزل خيرا، مقرين بالإنزال، غير مترددين فيه ولا متلعثمين عنه، على خلاف الكفرة لما ذكر الحق تعالى مقالة الكفار الذين قالوا: أساطير الأولين، عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لكل فريق ما يستحق من العقاب أو الثواب، روي أن العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الوفد، وسأل المقتسمين، من الكفار، قالوا له: أساطير الأولين، وإذا سال المؤمنين: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: خيرا. فنزلت الآية في شأن الفريقين. ثم ذكر جزاء المؤمنين فقال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا } بالإيمان والطاعة، { حسنة } أي: حالة حسنة من النصر، والعز، والتمكين في البلاد، مع الهداية للمعرفة والاسترشاد. { ولدار الآخرة خير } أي: ولثواب الآخرة خير مما قدم لهم في الدنيا لدوامه، وصفائه، وعظيم شأنه، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجازى بها في الآخرة "
{ ولنعم دار المتقين } دار الآخرة، حذفت، لتقدم ذكرها، أو هي: { جنات عدن يدخلونها } على الأبد، { تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون } من أنواع المشتهيات حسية ومعنوية، وفي تقديم الظرف في قوله: { فيها } تنبيه على أن الإنسان لا يجد جميع ما يريد إلا في الجنة. قاله البيضاوي. { كذلك يجزي الله المتقين } الذين قالوا خيرا وفعلوا خيرا، وأحسنوا في دار الدنيا حتى ماتوا على الإحسان، كما قال: { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين }: طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم، وقيل: فرحين لبشارة الملائكة إياهم بالجنة، أو طيبين بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى الحضرة القدسية. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: { طيبين }: عبارة عن صلاح حالهم، واستعدادهم للموت. وهذا بخلاف ما قال في الكفرة:
ظالمي أنفسهم
[النساء: 97 والنحل: 28]، والطيب لا خبث معه، ومنه قوله تعالى: { طبتم فادخلوها } [الزمر: 73]. ه. وقال الترمذي الحكيم: { طيبين } أي: مستعدين للقاء، يسلم عليهم، ويقال لهم: ادخلوا الجنة بلا هول ولا حساب، بخلاف غير المستعد للقاء، فإنما يسلم عليه، ويقال له: ادخل الجنة بعد أهوال القبر وأهوال القيامة. ه. وهذا معنى قوله: { يقولون سلام عليكم } لا يلحقكم بعد مكروه. وهذا لأجل الاستعداد كما تقدم. ثم تقول لهم: { ادخلوا الجنة } بعد بعثكم، أو بأرواحكم في عالم البرزخ، إن كانوا من الشهداء أو الصديقين، { بما كنتم تعملون } في دار الدنيا. فإن قلت: كيف التوفيق بين الآية وبين الحديث:
" لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته "
؟ فالجواب: أن الهداية لصالح العمل، والتوفيق له، هو برحمة الله أيضا، فالعمل الصالح رحمة من رحمات الله، فما دخل أحد الجنة إلا برحمته، فرجعت الآية إلى الحديث. ومقصد الحديث: نفي وجوب ذلك على الله تعالى بالعقل، كما ذهب إليه فريق من المعتزلة. وهنا جواب آخر صوفي وهو الجمع بين الحقيقة والشريعة، فنسبة العمل إلى العبد شريعة، ونفيه عنه، بإجراء الله ذلك عليه، حقيقة. فالآية سلكت مسلك الشريعة في نسبة العمل للعبد فضلا ونعمة " من تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك ". والحديث سلك مسلك الحقيقة لأن الدين كله دائر بين حقيقة وشريعة، فإذا شرع القرآن حققته السنة، وإذا شرعت السنة حققها القرآن. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقيل للذين اتقوا التقوى الكاملة: ماذا أنزل ربكم من المقادير؟ قالوا: خيرا، فكل ما ينزل بهم من قدر الله وقضائه، جلاليا كان أو جماليا، جعلوه خيرا، وتلقوه بالرضا والتسليم. يقولون: إذا كنت أنت المبتلي فافعل ما شئت، لا يتضعضعون ولا يسأمون، ولا يشكون لأحد سوى محبوبهم لأن الشكوى تنافي دعوى المحبة، كما قال الشاعر:
إن شكوت الهوى فما أنت منا احمل الصد والجفا يا معنا تدعي مذهب الهوى ثم تشكو أين دعواك في الهوى قل لي أينا؟ لو وجدناك صابرا لهوانا لأعطيناك كل ما تتمنى
وإنما قالوا، في كل ما ينزل بهم: خيرا، أو جعلوه لطفا وبرا لما يجدون في قلوبهم، بسببه، من المزيد والألطاف، والتقريب وطي مسافة النفس، ما لا يجدونه في كثير من الصلاة والصيام سنين لأن الصلاة والصيام من أعمال الجوارح، وما يحصل في القلب من الرضا والتسليم، وحلاوة القرب من الحبيب، من أعمال القلوب، وذرة منها خير من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. وفي الخبر:
" إذا أحب الله عبد ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه "
وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له "
وفي البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر له من سيئاته "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط به عنه سيئاته كما تحط الشجرة ورقها "
وروي عن عيسى عليه السلام أنه كان يقول: لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله لما يرجو بذلك من كفارة خطاياه. ه. فتحصل أن ما ينزل بالمؤمن كله خير، فإذا سئل: ماذا أنزل ربكم؟ قال خيرا. ثم قال تعالى: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا } أي: بالرضا عني في جميع الأحوال، والاشتغال بذكري في كل حال، لهم في الدنيا { حسنة }: حلاوة المعرفة، ودوام المشاهدة، { ولدار الآخرة خير } لصفاء المشاهدة فيها، واتصالها بلا كدر إذ ليس فيها من شواغل الحس ما يكدرها، بخلاف الدنيا لأن أحكام البشرية لا ينفك الطبع عنها، كغلبة النوم، وتشويش المرض وغيره، بخلاف الجنة، ليس فيها شيء من الكدر، ولذلك مدحها بقوله: { ولنعم دار المتقين }. ثم قال: { كذلك يجزي الله المتقين } لكل ما يشغل عن الله الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، طاهرين، مطهرين من شوائب الحس، ودنس العيوب، طيبة نفوسهم بحب اللقاء، قد طيبوا أشباحهم بحسن المعاملة، وقلوبهم بحسن المراقبة، وأرواحهم بتحقيق المشاهدة. تقول لهم الملائكة الكرام: سلام عليكم، ادخلوا جنة المعارف إثر موتكم، وجنة الزخارف إثر بعثكم بما كنتم تعملون من تطهير أجسامكم من الزلات، وتطهير قلوبكم من الغفلات، وتطهير أرواحكم من الفترات. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد اضدادهم الذين قالوا فيما انزل لهم اساطير الأولين
النحل 16:31
قلت: { خيرا }: منصوب بفعل محذوف، أي: أنزل خيرا، فهو مطابق للسؤال لأن المؤمنين معترفون بالإنزال، بخلاف قوله: { أساطير الأولين } فهو مرفوع على الخبر لأنهم لا يقرون بالإنزال، فلا يصح تقدير فعله. وإنما عدلوا بالجواب عن السؤال لإنكارهم له، وقالوا: هو أساطير الأولين ولم ينزله الله. و { للذين }: خبر، و { حسنة }: مبتدأ، والجملة: بدل من { خيرا } ، أو تفسير الخير الذي قالوه، والظاهر أنه استئناف من كلام الحق. { جنات عدن }: يحتمل أن يكون هو المخصوص بالمدح، فيكون مبتدأ، وخبره فيما قبله، أو خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ، وخبره: { يدخلونها } ، أو محذوف، أي: لهم جنات عدن. و { طيبين }: حال من مفعول " توفاهم ". يقول الحق جل جلاله: { وقيل للذين اتقوا } الشرك، وهم المؤمنون: { ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } ، أي: أنزل خيرا، مقرين بالإنزال، غير مترددين فيه ولا متلعثمين عنه، على خلاف الكفرة لما ذكر الحق تعالى مقالة الكفار الذين قالوا: أساطير الأولين، عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لكل فريق ما يستحق من العقاب أو الثواب، روي أن العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الوفد، وسأل المقتسمين، من الكفار، قالوا له: أساطير الأولين، وإذا سال المؤمنين: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: خيرا. فنزلت الآية في شأن الفريقين. ثم ذكر جزاء المؤمنين فقال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا } بالإيمان والطاعة، { حسنة } أي: حالة حسنة من النصر، والعز، والتمكين في البلاد، مع الهداية للمعرفة والاسترشاد. { ولدار الآخرة خير } أي: ولثواب الآخرة خير مما قدم لهم في الدنيا لدوامه، وصفائه، وعظيم شأنه، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجازى بها في الآخرة "
{ ولنعم دار المتقين } دار الآخرة، حذفت، لتقدم ذكرها، أو هي: { جنات عدن يدخلونها } على الأبد، { تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون } من أنواع المشتهيات حسية ومعنوية، وفي تقديم الظرف في قوله: { فيها } تنبيه على أن الإنسان لا يجد جميع ما يريد إلا في الجنة. قاله البيضاوي. { كذلك يجزي الله المتقين } الذين قالوا خيرا وفعلوا خيرا، وأحسنوا في دار الدنيا حتى ماتوا على الإحسان، كما قال: { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين }: طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم، وقيل: فرحين لبشارة الملائكة إياهم بالجنة، أو طيبين بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى الحضرة القدسية. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: { طيبين }: عبارة عن صلاح حالهم، واستعدادهم للموت. وهذا بخلاف ما قال في الكفرة:
ظالمي أنفسهم
[النساء: 97 والنحل: 28]، والطيب لا خبث معه، ومنه قوله تعالى: { طبتم فادخلوها } [الزمر: 73]. ه. وقال الترمذي الحكيم: { طيبين } أي: مستعدين للقاء، يسلم عليهم، ويقال لهم: ادخلوا الجنة بلا هول ولا حساب، بخلاف غير المستعد للقاء، فإنما يسلم عليه، ويقال له: ادخل الجنة بعد أهوال القبر وأهوال القيامة. ه. وهذا معنى قوله: { يقولون سلام عليكم } لا يلحقكم بعد مكروه. وهذا لأجل الاستعداد كما تقدم. ثم تقول لهم: { ادخلوا الجنة } بعد بعثكم، أو بأرواحكم في عالم البرزخ، إن كانوا من الشهداء أو الصديقين، { بما كنتم تعملون } في دار الدنيا. فإن قلت: كيف التوفيق بين الآية وبين الحديث:
" لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته "
؟ فالجواب: أن الهداية لصالح العمل، والتوفيق له، هو برحمة الله أيضا، فالعمل الصالح رحمة من رحمات الله، فما دخل أحد الجنة إلا برحمته، فرجعت الآية إلى الحديث. ومقصد الحديث: نفي وجوب ذلك على الله تعالى بالعقل، كما ذهب إليه فريق من المعتزلة. وهنا جواب آخر صوفي وهو الجمع بين الحقيقة والشريعة، فنسبة العمل إلى العبد شريعة، ونفيه عنه، بإجراء الله ذلك عليه، حقيقة. فالآية سلكت مسلك الشريعة في نسبة العمل للعبد فضلا ونعمة " من تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك ". والحديث سلك مسلك الحقيقة لأن الدين كله دائر بين حقيقة وشريعة، فإذا شرع القرآن حققته السنة، وإذا شرعت السنة حققها القرآن. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقيل للذين اتقوا التقوى الكاملة: ماذا أنزل ربكم من المقادير؟ قالوا: خيرا، فكل ما ينزل بهم من قدر الله وقضائه، جلاليا كان أو جماليا، جعلوه خيرا، وتلقوه بالرضا والتسليم. يقولون: إذا كنت أنت المبتلي فافعل ما شئت، لا يتضعضعون ولا يسأمون، ولا يشكون لأحد سوى محبوبهم لأن الشكوى تنافي دعوى المحبة، كما قال الشاعر:
إن شكوت الهوى فما أنت منا احمل الصد والجفا يا معنا تدعي مذهب الهوى ثم تشكو أين دعواك في الهوى قل لي أينا؟ لو وجدناك صابرا لهوانا لأعطيناك كل ما تتمنى
وإنما قالوا، في كل ما ينزل بهم: خيرا، أو جعلوه لطفا وبرا لما يجدون في قلوبهم، بسببه، من المزيد والألطاف، والتقريب وطي مسافة النفس، ما لا يجدونه في كثير من الصلاة والصيام سنين لأن الصلاة والصيام من أعمال الجوارح، وما يحصل في القلب من الرضا والتسليم، وحلاوة القرب من الحبيب، من أعمال القلوب، وذرة منها خير من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. وفي الخبر:
" إذا أحب الله عبد ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه "
وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له "
وفي البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر له من سيئاته "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط به عنه سيئاته كما تحط الشجرة ورقها "
وروي عن عيسى عليه السلام أنه كان يقول: لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله لما يرجو بذلك من كفارة خطاياه. ه. فتحصل أن ما ينزل بالمؤمن كله خير، فإذا سئل: ماذا أنزل ربكم؟ قال خيرا. ثم قال تعالى: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا } أي: بالرضا عني في جميع الأحوال، والاشتغال بذكري في كل حال، لهم في الدنيا { حسنة }: حلاوة المعرفة، ودوام المشاهدة، { ولدار الآخرة خير } لصفاء المشاهدة فيها، واتصالها بلا كدر إذ ليس فيها من شواغل الحس ما يكدرها، بخلاف الدنيا لأن أحكام البشرية لا ينفك الطبع عنها، كغلبة النوم، وتشويش المرض وغيره، بخلاف الجنة، ليس فيها شيء من الكدر، ولذلك مدحها بقوله: { ولنعم دار المتقين }. ثم قال: { كذلك يجزي الله المتقين } لكل ما يشغل عن الله الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، طاهرين، مطهرين من شوائب الحس، ودنس العيوب، طيبة نفوسهم بحب اللقاء، قد طيبوا أشباحهم بحسن المعاملة، وقلوبهم بحسن المراقبة، وأرواحهم بتحقيق المشاهدة. تقول لهم الملائكة الكرام: سلام عليكم، ادخلوا جنة المعارف إثر موتكم، وجنة الزخارف إثر بعثكم بما كنتم تعملون من تطهير أجسامكم من الزلات، وتطهير قلوبكم من الغفلات، وتطهير أرواحكم من الفترات. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد اضدادهم الذين قالوا فيما انزل لهم اساطير الأولين
النحل 16:32
قلت: { خيرا }: منصوب بفعل محذوف، أي: أنزل خيرا، فهو مطابق للسؤال لأن المؤمنين معترفون بالإنزال، بخلاف قوله: { أساطير الأولين } فهو مرفوع على الخبر لأنهم لا يقرون بالإنزال، فلا يصح تقدير فعله. وإنما عدلوا بالجواب عن السؤال لإنكارهم له، وقالوا: هو أساطير الأولين ولم ينزله الله. و { للذين }: خبر، و { حسنة }: مبتدأ، والجملة: بدل من { خيرا } ، أو تفسير الخير الذي قالوه، والظاهر أنه استئناف من كلام الحق. { جنات عدن }: يحتمل أن يكون هو المخصوص بالمدح، فيكون مبتدأ، وخبره فيما قبله، أو خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ، وخبره: { يدخلونها } ، أو محذوف، أي: لهم جنات عدن. و { طيبين }: حال من مفعول " توفاهم ". يقول الحق جل جلاله: { وقيل للذين اتقوا } الشرك، وهم المؤمنون: { ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } ، أي: أنزل خيرا، مقرين بالإنزال، غير مترددين فيه ولا متلعثمين عنه، على خلاف الكفرة لما ذكر الحق تعالى مقالة الكفار الذين قالوا: أساطير الأولين، عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لكل فريق ما يستحق من العقاب أو الثواب، روي أن العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الوفد، وسأل المقتسمين، من الكفار، قالوا له: أساطير الأولين، وإذا سال المؤمنين: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: خيرا. فنزلت الآية في شأن الفريقين. ثم ذكر جزاء المؤمنين فقال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا } بالإيمان والطاعة، { حسنة } أي: حالة حسنة من النصر، والعز، والتمكين في البلاد، مع الهداية للمعرفة والاسترشاد. { ولدار الآخرة خير } أي: ولثواب الآخرة خير مما قدم لهم في الدنيا لدوامه، وصفائه، وعظيم شأنه، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجازى بها في الآخرة "
{ ولنعم دار المتقين } دار الآخرة، حذفت، لتقدم ذكرها، أو هي: { جنات عدن يدخلونها } على الأبد، { تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون } من أنواع المشتهيات حسية ومعنوية، وفي تقديم الظرف في قوله: { فيها } تنبيه على أن الإنسان لا يجد جميع ما يريد إلا في الجنة. قاله البيضاوي. { كذلك يجزي الله المتقين } الذين قالوا خيرا وفعلوا خيرا، وأحسنوا في دار الدنيا حتى ماتوا على الإحسان، كما قال: { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين }: طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم، وقيل: فرحين لبشارة الملائكة إياهم بالجنة، أو طيبين بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى الحضرة القدسية. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: { طيبين }: عبارة عن صلاح حالهم، واستعدادهم للموت. وهذا بخلاف ما قال في الكفرة:
ظالمي أنفسهم
[النساء: 97 والنحل: 28]، والطيب لا خبث معه، ومنه قوله تعالى: { طبتم فادخلوها } [الزمر: 73]. ه. وقال الترمذي الحكيم: { طيبين } أي: مستعدين للقاء، يسلم عليهم، ويقال لهم: ادخلوا الجنة بلا هول ولا حساب، بخلاف غير المستعد للقاء، فإنما يسلم عليه، ويقال له: ادخل الجنة بعد أهوال القبر وأهوال القيامة. ه. وهذا معنى قوله: { يقولون سلام عليكم } لا يلحقكم بعد مكروه. وهذا لأجل الاستعداد كما تقدم. ثم تقول لهم: { ادخلوا الجنة } بعد بعثكم، أو بأرواحكم في عالم البرزخ، إن كانوا من الشهداء أو الصديقين، { بما كنتم تعملون } في دار الدنيا. فإن قلت: كيف التوفيق بين الآية وبين الحديث:
" لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته "
؟ فالجواب: أن الهداية لصالح العمل، والتوفيق له، هو برحمة الله أيضا، فالعمل الصالح رحمة من رحمات الله، فما دخل أحد الجنة إلا برحمته، فرجعت الآية إلى الحديث. ومقصد الحديث: نفي وجوب ذلك على الله تعالى بالعقل، كما ذهب إليه فريق من المعتزلة. وهنا جواب آخر صوفي وهو الجمع بين الحقيقة والشريعة، فنسبة العمل إلى العبد شريعة، ونفيه عنه، بإجراء الله ذلك عليه، حقيقة. فالآية سلكت مسلك الشريعة في نسبة العمل للعبد فضلا ونعمة " من تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك ". والحديث سلك مسلك الحقيقة لأن الدين كله دائر بين حقيقة وشريعة، فإذا شرع القرآن حققته السنة، وإذا شرعت السنة حققها القرآن. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقيل للذين اتقوا التقوى الكاملة: ماذا أنزل ربكم من المقادير؟ قالوا: خيرا، فكل ما ينزل بهم من قدر الله وقضائه، جلاليا كان أو جماليا، جعلوه خيرا، وتلقوه بالرضا والتسليم. يقولون: إذا كنت أنت المبتلي فافعل ما شئت، لا يتضعضعون ولا يسأمون، ولا يشكون لأحد سوى محبوبهم لأن الشكوى تنافي دعوى المحبة، كما قال الشاعر:
إن شكوت الهوى فما أنت منا احمل الصد والجفا يا معنا تدعي مذهب الهوى ثم تشكو أين دعواك في الهوى قل لي أينا؟ لو وجدناك صابرا لهوانا لأعطيناك كل ما تتمنى
وإنما قالوا، في كل ما ينزل بهم: خيرا، أو جعلوه لطفا وبرا لما يجدون في قلوبهم، بسببه، من المزيد والألطاف، والتقريب وطي مسافة النفس، ما لا يجدونه في كثير من الصلاة والصيام سنين لأن الصلاة والصيام من أعمال الجوارح، وما يحصل في القلب من الرضا والتسليم، وحلاوة القرب من الحبيب، من أعمال القلوب، وذرة منها خير من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. وفي الخبر:
" إذا أحب الله عبد ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه "
وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له "
وفي البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر له من سيئاته "
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم:
" ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط به عنه سيئاته كما تحط الشجرة ورقها "
وروي عن عيسى عليه السلام أنه كان يقول: لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله لما يرجو بذلك من كفارة خطاياه. ه. فتحصل أن ما ينزل بالمؤمن كله خير، فإذا سئل: ماذا أنزل ربكم؟ قال خيرا. ثم قال تعالى: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا } أي: بالرضا عني في جميع الأحوال، والاشتغال بذكري في كل حال، لهم في الدنيا { حسنة }: حلاوة المعرفة، ودوام المشاهدة، { ولدار الآخرة خير } لصفاء المشاهدة فيها، واتصالها بلا كدر إذ ليس فيها من شواغل الحس ما يكدرها، بخلاف الدنيا لأن أحكام البشرية لا ينفك الطبع عنها، كغلبة النوم، وتشويش المرض وغيره، بخلاف الجنة، ليس فيها شيء من الكدر، ولذلك مدحها بقوله: { ولنعم دار المتقين }. ثم قال: { كذلك يجزي الله المتقين } لكل ما يشغل عن الله الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، طاهرين، مطهرين من شوائب الحس، ودنس العيوب، طيبة نفوسهم بحب اللقاء، قد طيبوا أشباحهم بحسن المعاملة، وقلوبهم بحسن المراقبة، وأرواحهم بتحقيق المشاهدة. تقول لهم الملائكة الكرام: سلام عليكم، ادخلوا جنة المعارف إثر موتكم، وجنة الزخارف إثر بعثكم بما كنتم تعملون من تطهير أجسامكم من الزلات، وتطهير قلوبكم من الغفلات، وتطهير أرواحكم من الفترات. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد اضدادهم الذين قالوا فيما انزل لهم اساطير الأولين
النحل 16:33
يقول الحق جل جلاله: { هل ينظرون } أي: ما ينظر هؤلاء الكفرة، الذين قالوا فيما أنزل الله من الوحي: هو أساطير الأولين، { إلا أن تأتيهم الملائكة } لقبض أرواحهم، { أو يأتي أمر ربك }: قيام الساعة، أو العذاب المستأصل لهم في الدنيا، { كذلك } أي: مثل ذلك التكذيب والشرك، { فعل الذين من قبلهم } ، فأصابهم ما أصابهم، { وما ظلمهم الله } بإهلاكهم، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } لكفرهم ومعاصيهم، المؤدية إلى عذابهم. { فأصابهم } جزاء { سيئات ما عملوا } من الكفر والمعاصي، وهو العذاب، { وحاق } أي: وأحاط { بهم ما كانوا به يستهزئون } أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به. والحيق لا يكون إلا في الشر. { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء } كالبحائر والسوائب والحوامي. قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة، والاحتجاج على صحة فعلهم، أي: إن فعلنا هو بمشيئة الله، فهو صواب، ولو شاء الله ألا نفعله ما فعلناه. والجواب: أن الاحتجاج بالقدر لا يصح في دار التكليف، وقد بعث الله الرسل بالنهي عن الشرك، وتحريم ما أحل الله، ونحن مكلفون باتباع الشريعة، لا بالنظر إلى فعل الحقيقة من غير شريعة فإنه زندقة فالشريعة رداء الحقيقة، فمن خرق رداء الشريعة، وتمسك بالحقيقة وحدها، فقد استحق العقاب، ولذلك قال تعالى: { كذلك فعل الذين من قبلهم } فأشركوا بالله، وحرموا ما أحل الله، وردوا رسله. { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } أي: الإبلاغ الموضح للحق فمن تمسك بما جاؤوا به فهو على صواب، ومن أعرض عنه فهو على ضلال، ولا ينفعه تمسكه بالحقيقة من غير اتباع الشريعة. والحقيقة هي أنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد، طاعة كان أو معصية، كفرا أو إيمانا، لكن الأمر غير تابع للإرادة، ونحن مكلفون باتباع الأمر فقط. ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم الماضية، جعلها سببا لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة الضلال لمن أراد إضلاله، كالغذاء الصالح، فإنه ينفع المزاج السوي - أي: المعتدل - ويقويه، ويضر المزاج المنحرف ويعييه، فقال: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا } قائلا: { أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } أي: يأمر بعبادة الله وحده واجتناب ما سواه، { فمنهم من هدى الله } وفقهم للإيمان وأرشدهم إليه، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } فلم يوفقهم، ولم يرد إرشادهم فليس كل من تمسك بشيء وأمهل فيه يدل أنه على صواب، كما ظن المشركون، بل النظر إلى ما جاءت به الرسل من الشرائع، وكلها متفقة على وجوب التوحيد وإبطال الشرك. ثم أمرهم بالنظر والاعتبار بحال من أشرك وكذب الرسل، فقال: { فسيروا في الأرض } يا معشر قريش، { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } كعاد وثمود وغيرهم، لعلكم تعتبرون.
ثم نهى نبيه عن الحرص عليهم فقال: { إن تحرص } يا محمد { على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل } أي: من يريد إضلاله وقضى بشقائه وهو الذي حقت عليه الضلالة، وقرأ غير الكوفيين بالبناء للمفعول، وهو أبلغ، أي: فإن الله لا يهدي من يضله، أي: لا يهدي غير الله من يريد الله إضلاله. { وما لهم من ناصرين } ليس لهم من ينصرهم يدفع العذاب عنهم. الإشارة: هل ينظر من عكف على دنياه، وأكب على متابعة حظوظه وهواه، إلا أن تنزل الملائكة لقبض روحه، فيندم حيث لا ينفع الندم، وقد زلت به القدم، فيتمنى ساعة تزاد في عمره فلا يجدها، أو يأتي أمر ربك أمر يحول بينه وبين العمل الصالح كمرض مزمن، أو فتنة مضلة. كذلك فعل من قبله، اغتر بدنياه حتى اختطف لأخراه. وما ظلمهم الله، بل بعث الرسل وأخلفهم بأهل الوعظ والتذكير، فحادوا عنهم، فأصابهم جزاء سيئات ما عملوا من الغفلة والبطالة، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، من وبال التقصير، وفوات مقام أهل الجد والتشمير. وقال الذين أشركوا في محبة الله سواه من الحظوظ وزهرة الدنيا: لو شاء الله ما فعلنا ذلك، محتجين بالقدر، مع الإقامة على البطالة والخذلان. كذلك فعل من قبلهم من أهل الغفلة، فهل على الرسل وخلفائهم إلا البلاغ المبين؟ فقد حذروا من متابعة الدنيا، وبلغوا أن الله غيور لا يحب من أشرك معه غيره في محبته، فقد بعث في كل أمة وعصر نذيرا، يأمر بعبادة الله وحده، واجتناب كل ما سواه فمنهم من هداه الله، فاختاره لحضرته، فلم يحب سواه. ومنهم من حقت عليه الضلالة عن مقام الخصوص، فبقي في مقام البعد مكذبا بطريق الخصوص. فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين كان عاقبتهم الحرمان ولزوم الخذلان. ويقال للعارف المذكر لمثل هؤلاء: { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل }... الآية. وبالله التوفيق.
النحل 16:34
يقول الحق جل جلاله: { هل ينظرون } أي: ما ينظر هؤلاء الكفرة، الذين قالوا فيما أنزل الله من الوحي: هو أساطير الأولين، { إلا أن تأتيهم الملائكة } لقبض أرواحهم، { أو يأتي أمر ربك }: قيام الساعة، أو العذاب المستأصل لهم في الدنيا، { كذلك } أي: مثل ذلك التكذيب والشرك، { فعل الذين من قبلهم } ، فأصابهم ما أصابهم، { وما ظلمهم الله } بإهلاكهم، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } لكفرهم ومعاصيهم، المؤدية إلى عذابهم. { فأصابهم } جزاء { سيئات ما عملوا } من الكفر والمعاصي، وهو العذاب، { وحاق } أي: وأحاط { بهم ما كانوا به يستهزئون } أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به. والحيق لا يكون إلا في الشر. { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء } كالبحائر والسوائب والحوامي. قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة، والاحتجاج على صحة فعلهم، أي: إن فعلنا هو بمشيئة الله، فهو صواب، ولو شاء الله ألا نفعله ما فعلناه. والجواب: أن الاحتجاج بالقدر لا يصح في دار التكليف، وقد بعث الله الرسل بالنهي عن الشرك، وتحريم ما أحل الله، ونحن مكلفون باتباع الشريعة، لا بالنظر إلى فعل الحقيقة من غير شريعة فإنه زندقة فالشريعة رداء الحقيقة، فمن خرق رداء الشريعة، وتمسك بالحقيقة وحدها، فقد استحق العقاب، ولذلك قال تعالى: { كذلك فعل الذين من قبلهم } فأشركوا بالله، وحرموا ما أحل الله، وردوا رسله. { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } أي: الإبلاغ الموضح للحق فمن تمسك بما جاؤوا به فهو على صواب، ومن أعرض عنه فهو على ضلال، ولا ينفعه تمسكه بالحقيقة من غير اتباع الشريعة. والحقيقة هي أنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد، طاعة كان أو معصية، كفرا أو إيمانا، لكن الأمر غير تابع للإرادة، ونحن مكلفون باتباع الأمر فقط. ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم الماضية، جعلها سببا لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة الضلال لمن أراد إضلاله، كالغذاء الصالح، فإنه ينفع المزاج السوي - أي: المعتدل - ويقويه، ويضر المزاج المنحرف ويعييه، فقال: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا } قائلا: { أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } أي: يأمر بعبادة الله وحده واجتناب ما سواه، { فمنهم من هدى الله } وفقهم للإيمان وأرشدهم إليه، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } فلم يوفقهم، ولم يرد إرشادهم فليس كل من تمسك بشيء وأمهل فيه يدل أنه على صواب، كما ظن المشركون، بل النظر إلى ما جاءت به الرسل من الشرائع، وكلها متفقة على وجوب التوحيد وإبطال الشرك. ثم أمرهم بالنظر والاعتبار بحال من أشرك وكذب الرسل، فقال: { فسيروا في الأرض } يا معشر قريش، { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } كعاد وثمود وغيرهم، لعلكم تعتبرون.
ثم نهى نبيه عن الحرص عليهم فقال: { إن تحرص } يا محمد { على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل } أي: من يريد إضلاله وقضى بشقائه وهو الذي حقت عليه الضلالة، وقرأ غير الكوفيين بالبناء للمفعول، وهو أبلغ، أي: فإن الله لا يهدي من يضله، أي: لا يهدي غير الله من يريد الله إضلاله. { وما لهم من ناصرين } ليس لهم من ينصرهم يدفع العذاب عنهم. الإشارة: هل ينظر من عكف على دنياه، وأكب على متابعة حظوظه وهواه، إلا أن تنزل الملائكة لقبض روحه، فيندم حيث لا ينفع الندم، وقد زلت به القدم، فيتمنى ساعة تزاد في عمره فلا يجدها، أو يأتي أمر ربك أمر يحول بينه وبين العمل الصالح كمرض مزمن، أو فتنة مضلة. كذلك فعل من قبله، اغتر بدنياه حتى اختطف لأخراه. وما ظلمهم الله، بل بعث الرسل وأخلفهم بأهل الوعظ والتذكير، فحادوا عنهم، فأصابهم جزاء سيئات ما عملوا من الغفلة والبطالة، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، من وبال التقصير، وفوات مقام أهل الجد والتشمير. وقال الذين أشركوا في محبة الله سواه من الحظوظ وزهرة الدنيا: لو شاء الله ما فعلنا ذلك، محتجين بالقدر، مع الإقامة على البطالة والخذلان. كذلك فعل من قبلهم من أهل الغفلة، فهل على الرسل وخلفائهم إلا البلاغ المبين؟ فقد حذروا من متابعة الدنيا، وبلغوا أن الله غيور لا يحب من أشرك معه غيره في محبته، فقد بعث في كل أمة وعصر نذيرا، يأمر بعبادة الله وحده، واجتناب كل ما سواه فمنهم من هداه الله، فاختاره لحضرته، فلم يحب سواه. ومنهم من حقت عليه الضلالة عن مقام الخصوص، فبقي في مقام البعد مكذبا بطريق الخصوص. فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين كان عاقبتهم الحرمان ولزوم الخذلان. ويقال للعارف المذكر لمثل هؤلاء: { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل }... الآية. وبالله التوفيق.
النحل 16:35
يقول الحق جل جلاله: { هل ينظرون } أي: ما ينظر هؤلاء الكفرة، الذين قالوا فيما أنزل الله من الوحي: هو أساطير الأولين، { إلا أن تأتيهم الملائكة } لقبض أرواحهم، { أو يأتي أمر ربك }: قيام الساعة، أو العذاب المستأصل لهم في الدنيا، { كذلك } أي: مثل ذلك التكذيب والشرك، { فعل الذين من قبلهم } ، فأصابهم ما أصابهم، { وما ظلمهم الله } بإهلاكهم، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } لكفرهم ومعاصيهم، المؤدية إلى عذابهم. { فأصابهم } جزاء { سيئات ما عملوا } من الكفر والمعاصي، وهو العذاب، { وحاق } أي: وأحاط { بهم ما كانوا به يستهزئون } أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به. والحيق لا يكون إلا في الشر. { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء } كالبحائر والسوائب والحوامي. قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة، والاحتجاج على صحة فعلهم، أي: إن فعلنا هو بمشيئة الله، فهو صواب، ولو شاء الله ألا نفعله ما فعلناه. والجواب: أن الاحتجاج بالقدر لا يصح في دار التكليف، وقد بعث الله الرسل بالنهي عن الشرك، وتحريم ما أحل الله، ونحن مكلفون باتباع الشريعة، لا بالنظر إلى فعل الحقيقة من غير شريعة فإنه زندقة فالشريعة رداء الحقيقة، فمن خرق رداء الشريعة، وتمسك بالحقيقة وحدها، فقد استحق العقاب، ولذلك قال تعالى: { كذلك فعل الذين من قبلهم } فأشركوا بالله، وحرموا ما أحل الله، وردوا رسله. { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } أي: الإبلاغ الموضح للحق فمن تمسك بما جاؤوا به فهو على صواب، ومن أعرض عنه فهو على ضلال، ولا ينفعه تمسكه بالحقيقة من غير اتباع الشريعة. والحقيقة هي أنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد، طاعة كان أو معصية، كفرا أو إيمانا، لكن الأمر غير تابع للإرادة، ونحن مكلفون باتباع الأمر فقط. ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم الماضية، جعلها سببا لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة الضلال لمن أراد إضلاله، كالغذاء الصالح، فإنه ينفع المزاج السوي - أي: المعتدل - ويقويه، ويضر المزاج المنحرف ويعييه، فقال: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا } قائلا: { أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } أي: يأمر بعبادة الله وحده واجتناب ما سواه، { فمنهم من هدى الله } وفقهم للإيمان وأرشدهم إليه، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } فلم يوفقهم، ولم يرد إرشادهم فليس كل من تمسك بشيء وأمهل فيه يدل أنه على صواب، كما ظن المشركون، بل النظر إلى ما جاءت به الرسل من الشرائع، وكلها متفقة على وجوب التوحيد وإبطال الشرك. ثم أمرهم بالنظر والاعتبار بحال من أشرك وكذب الرسل، فقال: { فسيروا في الأرض } يا معشر قريش، { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } كعاد وثمود وغيرهم، لعلكم تعتبرون.
ثم نهى نبيه عن الحرص عليهم فقال: { إن تحرص } يا محمد { على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل } أي: من يريد إضلاله وقضى بشقائه وهو الذي حقت عليه الضلالة، وقرأ غير الكوفيين بالبناء للمفعول، وهو أبلغ، أي: فإن الله لا يهدي من يضله، أي: لا يهدي غير الله من يريد الله إضلاله. { وما لهم من ناصرين } ليس لهم من ينصرهم يدفع العذاب عنهم. الإشارة: هل ينظر من عكف على دنياه، وأكب على متابعة حظوظه وهواه، إلا أن تنزل الملائكة لقبض روحه، فيندم حيث لا ينفع الندم، وقد زلت به القدم، فيتمنى ساعة تزاد في عمره فلا يجدها، أو يأتي أمر ربك أمر يحول بينه وبين العمل الصالح كمرض مزمن، أو فتنة مضلة. كذلك فعل من قبله، اغتر بدنياه حتى اختطف لأخراه. وما ظلمهم الله، بل بعث الرسل وأخلفهم بأهل الوعظ والتذكير، فحادوا عنهم، فأصابهم جزاء سيئات ما عملوا من الغفلة والبطالة، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، من وبال التقصير، وفوات مقام أهل الجد والتشمير. وقال الذين أشركوا في محبة الله سواه من الحظوظ وزهرة الدنيا: لو شاء الله ما فعلنا ذلك، محتجين بالقدر، مع الإقامة على البطالة والخذلان. كذلك فعل من قبلهم من أهل الغفلة، فهل على الرسل وخلفائهم إلا البلاغ المبين؟ فقد حذروا من متابعة الدنيا، وبلغوا أن الله غيور لا يحب من أشرك معه غيره في محبته، فقد بعث في كل أمة وعصر نذيرا، يأمر بعبادة الله وحده، واجتناب كل ما سواه فمنهم من هداه الله، فاختاره لحضرته، فلم يحب سواه. ومنهم من حقت عليه الضلالة عن مقام الخصوص، فبقي في مقام البعد مكذبا بطريق الخصوص. فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين كان عاقبتهم الحرمان ولزوم الخذلان. ويقال للعارف المذكر لمثل هؤلاء: { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل }... الآية. وبالله التوفيق.
النحل 16:36
يقول الحق جل جلاله: { هل ينظرون } أي: ما ينظر هؤلاء الكفرة، الذين قالوا فيما أنزل الله من الوحي: هو أساطير الأولين، { إلا أن تأتيهم الملائكة } لقبض أرواحهم، { أو يأتي أمر ربك }: قيام الساعة، أو العذاب المستأصل لهم في الدنيا، { كذلك } أي: مثل ذلك التكذيب والشرك، { فعل الذين من قبلهم } ، فأصابهم ما أصابهم، { وما ظلمهم الله } بإهلاكهم، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } لكفرهم ومعاصيهم، المؤدية إلى عذابهم. { فأصابهم } جزاء { سيئات ما عملوا } من الكفر والمعاصي، وهو العذاب، { وحاق } أي: وأحاط { بهم ما كانوا به يستهزئون } أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به. والحيق لا يكون إلا في الشر. { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء } كالبحائر والسوائب والحوامي. قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة، والاحتجاج على صحة فعلهم، أي: إن فعلنا هو بمشيئة الله، فهو صواب، ولو شاء الله ألا نفعله ما فعلناه. والجواب: أن الاحتجاج بالقدر لا يصح في دار التكليف، وقد بعث الله الرسل بالنهي عن الشرك، وتحريم ما أحل الله، ونحن مكلفون باتباع الشريعة، لا بالنظر إلى فعل الحقيقة من غير شريعة فإنه زندقة فالشريعة رداء الحقيقة، فمن خرق رداء الشريعة، وتمسك بالحقيقة وحدها، فقد استحق العقاب، ولذلك قال تعالى: { كذلك فعل الذين من قبلهم } فأشركوا بالله، وحرموا ما أحل الله، وردوا رسله. { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } أي: الإبلاغ الموضح للحق فمن تمسك بما جاؤوا به فهو على صواب، ومن أعرض عنه فهو على ضلال، ولا ينفعه تمسكه بالحقيقة من غير اتباع الشريعة. والحقيقة هي أنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد، طاعة كان أو معصية، كفرا أو إيمانا، لكن الأمر غير تابع للإرادة، ونحن مكلفون باتباع الأمر فقط. ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم الماضية، جعلها سببا لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة الضلال لمن أراد إضلاله، كالغذاء الصالح، فإنه ينفع المزاج السوي - أي: المعتدل - ويقويه، ويضر المزاج المنحرف ويعييه، فقال: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا } قائلا: { أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } أي: يأمر بعبادة الله وحده واجتناب ما سواه، { فمنهم من هدى الله } وفقهم للإيمان وأرشدهم إليه، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } فلم يوفقهم، ولم يرد إرشادهم فليس كل من تمسك بشيء وأمهل فيه يدل أنه على صواب، كما ظن المشركون، بل النظر إلى ما جاءت به الرسل من الشرائع، وكلها متفقة على وجوب التوحيد وإبطال الشرك. ثم أمرهم بالنظر والاعتبار بحال من أشرك وكذب الرسل، فقال: { فسيروا في الأرض } يا معشر قريش، { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } كعاد وثمود وغيرهم، لعلكم تعتبرون.
ثم نهى نبيه عن الحرص عليهم فقال: { إن تحرص } يا محمد { على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل } أي: من يريد إضلاله وقضى بشقائه وهو الذي حقت عليه الضلالة، وقرأ غير الكوفيين بالبناء للمفعول، وهو أبلغ، أي: فإن الله لا يهدي من يضله، أي: لا يهدي غير الله من يريد الله إضلاله. { وما لهم من ناصرين } ليس لهم من ينصرهم يدفع العذاب عنهم. الإشارة: هل ينظر من عكف على دنياه، وأكب على متابعة حظوظه وهواه، إلا أن تنزل الملائكة لقبض روحه، فيندم حيث لا ينفع الندم، وقد زلت به القدم، فيتمنى ساعة تزاد في عمره فلا يجدها، أو يأتي أمر ربك أمر يحول بينه وبين العمل الصالح كمرض مزمن، أو فتنة مضلة. كذلك فعل من قبله، اغتر بدنياه حتى اختطف لأخراه. وما ظلمهم الله، بل بعث الرسل وأخلفهم بأهل الوعظ والتذكير، فحادوا عنهم، فأصابهم جزاء سيئات ما عملوا من الغفلة والبطالة، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، من وبال التقصير، وفوات مقام أهل الجد والتشمير. وقال الذين أشركوا في محبة الله سواه من الحظوظ وزهرة الدنيا: لو شاء الله ما فعلنا ذلك، محتجين بالقدر، مع الإقامة على البطالة والخذلان. كذلك فعل من قبلهم من أهل الغفلة، فهل على الرسل وخلفائهم إلا البلاغ المبين؟ فقد حذروا من متابعة الدنيا، وبلغوا أن الله غيور لا يحب من أشرك معه غيره في محبته، فقد بعث في كل أمة وعصر نذيرا، يأمر بعبادة الله وحده، واجتناب كل ما سواه فمنهم من هداه الله، فاختاره لحضرته، فلم يحب سواه. ومنهم من حقت عليه الضلالة عن مقام الخصوص، فبقي في مقام البعد مكذبا بطريق الخصوص. فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين كان عاقبتهم الحرمان ولزوم الخذلان. ويقال للعارف المذكر لمثل هؤلاء: { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل }... الآية. وبالله التوفيق.
النحل 16:37
يقول الحق جل جلاله: { هل ينظرون } أي: ما ينظر هؤلاء الكفرة، الذين قالوا فيما أنزل الله من الوحي: هو أساطير الأولين، { إلا أن تأتيهم الملائكة } لقبض أرواحهم، { أو يأتي أمر ربك }: قيام الساعة، أو العذاب المستأصل لهم في الدنيا، { كذلك } أي: مثل ذلك التكذيب والشرك، { فعل الذين من قبلهم } ، فأصابهم ما أصابهم، { وما ظلمهم الله } بإهلاكهم، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } لكفرهم ومعاصيهم، المؤدية إلى عذابهم. { فأصابهم } جزاء { سيئات ما عملوا } من الكفر والمعاصي، وهو العذاب، { وحاق } أي: وأحاط { بهم ما كانوا به يستهزئون } أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به. والحيق لا يكون إلا في الشر. { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء } كالبحائر والسوائب والحوامي. قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة، والاحتجاج على صحة فعلهم، أي: إن فعلنا هو بمشيئة الله، فهو صواب، ولو شاء الله ألا نفعله ما فعلناه. والجواب: أن الاحتجاج بالقدر لا يصح في دار التكليف، وقد بعث الله الرسل بالنهي عن الشرك، وتحريم ما أحل الله، ونحن مكلفون باتباع الشريعة، لا بالنظر إلى فعل الحقيقة من غير شريعة فإنه زندقة فالشريعة رداء الحقيقة، فمن خرق رداء الشريعة، وتمسك بالحقيقة وحدها، فقد استحق العقاب، ولذلك قال تعالى: { كذلك فعل الذين من قبلهم } فأشركوا بالله، وحرموا ما أحل الله، وردوا رسله. { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } أي: الإبلاغ الموضح للحق فمن تمسك بما جاؤوا به فهو على صواب، ومن أعرض عنه فهو على ضلال، ولا ينفعه تمسكه بالحقيقة من غير اتباع الشريعة. والحقيقة هي أنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد، طاعة كان أو معصية، كفرا أو إيمانا، لكن الأمر غير تابع للإرادة، ونحن مكلفون باتباع الأمر فقط. ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم الماضية، جعلها سببا لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة الضلال لمن أراد إضلاله، كالغذاء الصالح، فإنه ينفع المزاج السوي - أي: المعتدل - ويقويه، ويضر المزاج المنحرف ويعييه، فقال: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا } قائلا: { أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } أي: يأمر بعبادة الله وحده واجتناب ما سواه، { فمنهم من هدى الله } وفقهم للإيمان وأرشدهم إليه، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } فلم يوفقهم، ولم يرد إرشادهم فليس كل من تمسك بشيء وأمهل فيه يدل أنه على صواب، كما ظن المشركون، بل النظر إلى ما جاءت به الرسل من الشرائع، وكلها متفقة على وجوب التوحيد وإبطال الشرك. ثم أمرهم بالنظر والاعتبار بحال من أشرك وكذب الرسل، فقال: { فسيروا في الأرض } يا معشر قريش، { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } كعاد وثمود وغيرهم، لعلكم تعتبرون.
ثم نهى نبيه عن الحرص عليهم فقال: { إن تحرص } يا محمد { على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل } أي: من يريد إضلاله وقضى بشقائه وهو الذي حقت عليه الضلالة، وقرأ غير الكوفيين بالبناء للمفعول، وهو أبلغ، أي: فإن الله لا يهدي من يضله، أي: لا يهدي غير الله من يريد الله إضلاله. { وما لهم من ناصرين } ليس لهم من ينصرهم يدفع العذاب عنهم. الإشارة: هل ينظر من عكف على دنياه، وأكب على متابعة حظوظه وهواه، إلا أن تنزل الملائكة لقبض روحه، فيندم حيث لا ينفع الندم، وقد زلت به القدم، فيتمنى ساعة تزاد في عمره فلا يجدها، أو يأتي أمر ربك أمر يحول بينه وبين العمل الصالح كمرض مزمن، أو فتنة مضلة. كذلك فعل من قبله، اغتر بدنياه حتى اختطف لأخراه. وما ظلمهم الله، بل بعث الرسل وأخلفهم بأهل الوعظ والتذكير، فحادوا عنهم، فأصابهم جزاء سيئات ما عملوا من الغفلة والبطالة، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، من وبال التقصير، وفوات مقام أهل الجد والتشمير. وقال الذين أشركوا في محبة الله سواه من الحظوظ وزهرة الدنيا: لو شاء الله ما فعلنا ذلك، محتجين بالقدر، مع الإقامة على البطالة والخذلان. كذلك فعل من قبلهم من أهل الغفلة، فهل على الرسل وخلفائهم إلا البلاغ المبين؟ فقد حذروا من متابعة الدنيا، وبلغوا أن الله غيور لا يحب من أشرك معه غيره في محبته، فقد بعث في كل أمة وعصر نذيرا، يأمر بعبادة الله وحده، واجتناب كل ما سواه فمنهم من هداه الله، فاختاره لحضرته، فلم يحب سواه. ومنهم من حقت عليه الضلالة عن مقام الخصوص، فبقي في مقام البعد مكذبا بطريق الخصوص. فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين كان عاقبتهم الحرمان ولزوم الخذلان. ويقال للعارف المذكر لمثل هؤلاء: { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل }... الآية. وبالله التوفيق.
النحل 16:38
قلت: { وأقسموا }: عطف على { وقال الذين أشركوا } إيذانا بأنهم، كما أنكروا التوحيد، أنكروا البعث، مقسمين عليه زيادة في القطع على فساده، فرد الله عليهم بأبلغ رد، فقال: { بلى }. قاله البيضاوي. وتقدم الكلام على " بلى " ، في البقرة والأعراف، و { وعدا }: مصدر مؤكد لنفسه، وهو ما دل عليه { بلى } فإن { يبعث } وعد، أي: بلى، وعدهم ذلك وعدا حقا، ونصب ابن عامر، فيكون عطفا على { نقول } ، أو جوابا للأمر. يقول الحق جل جلاله: { وأقسموا } أي: المشركون، { بالله جهد أيمانهم } أي: أبلغها وأوكدها، { لا يبعث الله من يموت } ، فرد الله عليهم بأبلغ رد، فقال: { بلى } يبعثهم { وعدا عليه } إنجازه { حقا } ، لا يخلف لامتناع الخلف في وعده، أو: لأن البعث مقتضى حكمته لتنزيه فعله عن العبث، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أنهم يبعثون، إما لعدم علمهم بأنه من موجبات الحكمة، التي جرت عادته بمراعاتها، وإما لقصور نظرهم باعتبار المألوف، ووقوفهم مع العوائد، فتوهموا امتناعه، وقالوا:
أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد
[الرعد: 5]، ولم ينظروا إلى قدرة الله التي لا يعجزها شيء. ثم بين حكمة البعث، فقال: { ليبين لهم } أي: يبعثهم ليبين لهم { الذي يختلفون فيه } وهو الحق من الباطل فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم فيبعثهم الله ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه، فيظهر من كان على الحق ممن كان على الباطل، { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } فيما كانوا يزعمون من عدم البعث، وتمسكهم بالحق، وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث، المقتضي له من حيث الحكمة، وهو التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل. ثم بين كمال قدرته الموجبة للبعث وغيره فقال: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ، فأمره بين الكاف والنون، فإذا كان إيجاد الأشياء من العدم بلفظ " كن " ، فأولى إعادتها. وكون أمره بين الكاف والنون كناية عن السرعة، وإلا فلا يحتاج إلى لفظ " كن " ، بل مهما أراد شيئا، أظهره أقرب من لحظ العيون، وإنما جاءت العبارة على قدر ما تفهم العقول، وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما تعسفه ابن عطية وغيره من كون القول في الأزل، وإظهاره فيما لا يزال - يعني: في وقت إظهاره - فإن الكلام إنما خرج مخرج الاستعارة أو المجاز، فلا يتوقف إيجاد الأشياء على " كن ". والله تعالى أعلم. الإشارة: ترى بعض الجهال يقسمون بالله جهد أيمانهم: أن الله لا يفتح على فلان، لما يرون فيه من الجهل والغباوة، أو من الطغيان والمعاصي، فلا يبعث الله روحه بإحيائها بعد موتها، وتلفها في عالم الحس، مع أن القدرة صالحة قال في الحكم: " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدرا ".
فإن سبقت له العناية يقل الحق تعالى في شأنه: بلى، يبعثه، ويحيي روحه بالمعرفة واليقين، وعدا عليه حقا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن قدرته عامة. فكم من جاهل غبي يخرج منه عالم ولي، وكم من خصوص خرجوا من اللصوص، والله يختص برحمته من يشاء. يبعثهم ليبين لهم الذي يختلفون فيه من نفوذ قدرته تعالى وعموم تعلقها، وليعلم الذين كفروا بطريق الخصوص أنهم كانوا كاذبين فيما زعموا { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون }.
النحل 16:39
قلت: { وأقسموا }: عطف على { وقال الذين أشركوا } إيذانا بأنهم، كما أنكروا التوحيد، أنكروا البعث، مقسمين عليه زيادة في القطع على فساده، فرد الله عليهم بأبلغ رد، فقال: { بلى }. قاله البيضاوي. وتقدم الكلام على " بلى " ، في البقرة والأعراف، و { وعدا }: مصدر مؤكد لنفسه، وهو ما دل عليه { بلى } فإن { يبعث } وعد، أي: بلى، وعدهم ذلك وعدا حقا، ونصب ابن عامر، فيكون عطفا على { نقول } ، أو جوابا للأمر. يقول الحق جل جلاله: { وأقسموا } أي: المشركون، { بالله جهد أيمانهم } أي: أبلغها وأوكدها، { لا يبعث الله من يموت } ، فرد الله عليهم بأبلغ رد، فقال: { بلى } يبعثهم { وعدا عليه } إنجازه { حقا } ، لا يخلف لامتناع الخلف في وعده، أو: لأن البعث مقتضى حكمته لتنزيه فعله عن العبث، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أنهم يبعثون، إما لعدم علمهم بأنه من موجبات الحكمة، التي جرت عادته بمراعاتها، وإما لقصور نظرهم باعتبار المألوف، ووقوفهم مع العوائد، فتوهموا امتناعه، وقالوا:
أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد
[الرعد: 5]، ولم ينظروا إلى قدرة الله التي لا يعجزها شيء. ثم بين حكمة البعث، فقال: { ليبين لهم } أي: يبعثهم ليبين لهم { الذي يختلفون فيه } وهو الحق من الباطل فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم فيبعثهم الله ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه، فيظهر من كان على الحق ممن كان على الباطل، { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } فيما كانوا يزعمون من عدم البعث، وتمسكهم بالحق، وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث، المقتضي له من حيث الحكمة، وهو التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل. ثم بين كمال قدرته الموجبة للبعث وغيره فقال: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ، فأمره بين الكاف والنون، فإذا كان إيجاد الأشياء من العدم بلفظ " كن " ، فأولى إعادتها. وكون أمره بين الكاف والنون كناية عن السرعة، وإلا فلا يحتاج إلى لفظ " كن " ، بل مهما أراد شيئا، أظهره أقرب من لحظ العيون، وإنما جاءت العبارة على قدر ما تفهم العقول، وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما تعسفه ابن عطية وغيره من كون القول في الأزل، وإظهاره فيما لا يزال - يعني: في وقت إظهاره - فإن الكلام إنما خرج مخرج الاستعارة أو المجاز، فلا يتوقف إيجاد الأشياء على " كن ". والله تعالى أعلم. الإشارة: ترى بعض الجهال يقسمون بالله جهد أيمانهم: أن الله لا يفتح على فلان، لما يرون فيه من الجهل والغباوة، أو من الطغيان والمعاصي، فلا يبعث الله روحه بإحيائها بعد موتها، وتلفها في عالم الحس، مع أن القدرة صالحة قال في الحكم: " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدرا ".
فإن سبقت له العناية يقل الحق تعالى في شأنه: بلى، يبعثه، ويحيي روحه بالمعرفة واليقين، وعدا عليه حقا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن قدرته عامة. فكم من جاهل غبي يخرج منه عالم ولي، وكم من خصوص خرجوا من اللصوص، والله يختص برحمته من يشاء. يبعثهم ليبين لهم الذي يختلفون فيه من نفوذ قدرته تعالى وعموم تعلقها، وليعلم الذين كفروا بطريق الخصوص أنهم كانوا كاذبين فيما زعموا { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون }.
النحل 16:40
قلت: { وأقسموا }: عطف على { وقال الذين أشركوا } إيذانا بأنهم، كما أنكروا التوحيد، أنكروا البعث، مقسمين عليه زيادة في القطع على فساده، فرد الله عليهم بأبلغ رد، فقال: { بلى }. قاله البيضاوي. وتقدم الكلام على " بلى " ، في البقرة والأعراف، و { وعدا }: مصدر مؤكد لنفسه، وهو ما دل عليه { بلى } فإن { يبعث } وعد، أي: بلى، وعدهم ذلك وعدا حقا، ونصب ابن عامر، فيكون عطفا على { نقول } ، أو جوابا للأمر. يقول الحق جل جلاله: { وأقسموا } أي: المشركون، { بالله جهد أيمانهم } أي: أبلغها وأوكدها، { لا يبعث الله من يموت } ، فرد الله عليهم بأبلغ رد، فقال: { بلى } يبعثهم { وعدا عليه } إنجازه { حقا } ، لا يخلف لامتناع الخلف في وعده، أو: لأن البعث مقتضى حكمته لتنزيه فعله عن العبث، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أنهم يبعثون، إما لعدم علمهم بأنه من موجبات الحكمة، التي جرت عادته بمراعاتها، وإما لقصور نظرهم باعتبار المألوف، ووقوفهم مع العوائد، فتوهموا امتناعه، وقالوا:
أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد
[الرعد: 5]، ولم ينظروا إلى قدرة الله التي لا يعجزها شيء. ثم بين حكمة البعث، فقال: { ليبين لهم } أي: يبعثهم ليبين لهم { الذي يختلفون فيه } وهو الحق من الباطل فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم فيبعثهم الله ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه، فيظهر من كان على الحق ممن كان على الباطل، { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } فيما كانوا يزعمون من عدم البعث، وتمسكهم بالحق، وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث، المقتضي له من حيث الحكمة، وهو التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل. ثم بين كمال قدرته الموجبة للبعث وغيره فقال: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ، فأمره بين الكاف والنون، فإذا كان إيجاد الأشياء من العدم بلفظ " كن " ، فأولى إعادتها. وكون أمره بين الكاف والنون كناية عن السرعة، وإلا فلا يحتاج إلى لفظ " كن " ، بل مهما أراد شيئا، أظهره أقرب من لحظ العيون، وإنما جاءت العبارة على قدر ما تفهم العقول، وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما تعسفه ابن عطية وغيره من كون القول في الأزل، وإظهاره فيما لا يزال - يعني: في وقت إظهاره - فإن الكلام إنما خرج مخرج الاستعارة أو المجاز، فلا يتوقف إيجاد الأشياء على " كن ". والله تعالى أعلم. الإشارة: ترى بعض الجهال يقسمون بالله جهد أيمانهم: أن الله لا يفتح على فلان، لما يرون فيه من الجهل والغباوة، أو من الطغيان والمعاصي، فلا يبعث الله روحه بإحيائها بعد موتها، وتلفها في عالم الحس، مع أن القدرة صالحة قال في الحكم: " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدرا ".
فإن سبقت له العناية يقل الحق تعالى في شأنه: بلى، يبعثه، ويحيي روحه بالمعرفة واليقين، وعدا عليه حقا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن قدرته عامة. فكم من جاهل غبي يخرج منه عالم ولي، وكم من خصوص خرجوا من اللصوص، والله يختص برحمته من يشاء. يبعثهم ليبين لهم الذي يختلفون فيه من نفوذ قدرته تعالى وعموم تعلقها، وليعلم الذين كفروا بطريق الخصوص أنهم كانوا كاذبين فيما زعموا { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون }.
النحل 16:41
قلت: { الذين صبروا }: نعت للذين هاجروا، أو على تقدير: هم، أو نصب على المدح. يقول الحق جل جلاله: { والذين هاجروا في الله } أي: طلب رضا الله، أو: في نصر دينه، أو: طلب معرفته، { من بعد ما ظلموا } من بعد ما ظلمهم الكفار بالإيذاء والتضييق، وهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون. ظلمهم قريش وضيقوا عليهم، فهاجر بعضهم إلى الحبشة، وبعضهم إلى المدينة. قال ابن عطية: الجمهور أنها نزلت في الذين هاجروا إلى أرض الحبشة لأن الآية مكية، وهجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية. ه. قلت: والمختار: العموم، ويكون من جملة الإخبار بما سيقع، أو: هم المحبوسون المعذبون بمكة، بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، وأبو جندل بن سهيل أو: كل من هاجر من بلده لإقامة دينه. { لنبوئنهم في الدنيا حسنة } أي: لننزلنهم في الدنيا بقعة حسنة، وهي المدينة، أو منزلة حسنة، وهي العز والتمكين في البلاد، وكل أمل بلغه المهاجرون، أو حياة حسنة، وهي الاستقامة والمعرفة. { ولأجر الآخرة أكبر } مما يعجل لهم في الدنيا من سعة الأموال، وتعظيم الشأن والحال، وهو النعيم الدائم. وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان، إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاءه من قسم الغنائم، يقول له: خذ، بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل. والضمير في قوله: { لو كانوا يعلمون } لكفار قريش، أي: لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم. أو للمهاجرين، أي: لو علموا أن أجر الآخرة خير مما عجل لهم لزادوا في اجتهادهم وصبرهم. ثم وصفهم بالصبر والتوكل فقال: { الذين صبروا } على الشدائد، كأذى الكفرة، ومفارقة الوطن، ونزول الفاقة، { وعلى ربهم يتوكلون } فيما نزل بهم، منقطعين إلى الله، مفوضين إليه الأمر كله، فآواهم إليه، وكفاهم كل مؤونة، ورزقهم من حيث لا يحتسبون. الإشارة: والذين هاجروا حظوظهم وهواهم وكل ما نهى الله عنه ابتغاء مرضات الله، أو فارقوا أوطانهم وديارهم في طلب معرفة الله، كما فعل كثير من الصوفية، فقل أن تجد وليا إلا وهاجر من بلده لإقامة دينه وجبر قلبه، وإفراغ سره لربه، من بعد ما ظلموا بإيذاء الخلق - كما هو سنة الله في خواصه - لنبوئنهم في الدنيا حسنة، وهي معرفة الشهود والعيان في الباطن، واستقامة الدين والعافية في الظاهر. هذا في الدنيا، ولأجر الآخرة أكبر وأكبر إذ فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. الذين صبروا على مجاهدة النفوس، وحط الرؤوس، ودفع الفلوس، أو على ضروب الفاقات، ونزول البليات، وركوب الأهوال والآفات، إذ لا يأتي الجمال إلا بعد الجلال، ولا تأتي الحلاوة إلا بعد المرارة:
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله@_ لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وعلى ربهم يتوكلون، أي: مفوضين في أمورهم كلها لله، ليس لهم مع الله اختيار، ولا لهم عن أنفسهم إخبار، بل هم كالميت بين يدي الغاسل. حققنا الله من هذا المقام بالحظ الأوفر... آمين.
النحل 16:42
قلت: { الذين صبروا }: نعت للذين هاجروا، أو على تقدير: هم، أو نصب على المدح. يقول الحق جل جلاله: { والذين هاجروا في الله } أي: طلب رضا الله، أو: في نصر دينه، أو: طلب معرفته، { من بعد ما ظلموا } من بعد ما ظلمهم الكفار بالإيذاء والتضييق، وهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون. ظلمهم قريش وضيقوا عليهم، فهاجر بعضهم إلى الحبشة، وبعضهم إلى المدينة. قال ابن عطية: الجمهور أنها نزلت في الذين هاجروا إلى أرض الحبشة لأن الآية مكية، وهجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية. ه. قلت: والمختار: العموم، ويكون من جملة الإخبار بما سيقع، أو: هم المحبوسون المعذبون بمكة، بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، وأبو جندل بن سهيل أو: كل من هاجر من بلده لإقامة دينه. { لنبوئنهم في الدنيا حسنة } أي: لننزلنهم في الدنيا بقعة حسنة، وهي المدينة، أو منزلة حسنة، وهي العز والتمكين في البلاد، وكل أمل بلغه المهاجرون، أو حياة حسنة، وهي الاستقامة والمعرفة. { ولأجر الآخرة أكبر } مما يعجل لهم في الدنيا من سعة الأموال، وتعظيم الشأن والحال، وهو النعيم الدائم. وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان، إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاءه من قسم الغنائم، يقول له: خذ، بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل. والضمير في قوله: { لو كانوا يعلمون } لكفار قريش، أي: لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم. أو للمهاجرين، أي: لو علموا أن أجر الآخرة خير مما عجل لهم لزادوا في اجتهادهم وصبرهم. ثم وصفهم بالصبر والتوكل فقال: { الذين صبروا } على الشدائد، كأذى الكفرة، ومفارقة الوطن، ونزول الفاقة، { وعلى ربهم يتوكلون } فيما نزل بهم، منقطعين إلى الله، مفوضين إليه الأمر كله، فآواهم إليه، وكفاهم كل مؤونة، ورزقهم من حيث لا يحتسبون. الإشارة: والذين هاجروا حظوظهم وهواهم وكل ما نهى الله عنه ابتغاء مرضات الله، أو فارقوا أوطانهم وديارهم في طلب معرفة الله، كما فعل كثير من الصوفية، فقل أن تجد وليا إلا وهاجر من بلده لإقامة دينه وجبر قلبه، وإفراغ سره لربه، من بعد ما ظلموا بإيذاء الخلق - كما هو سنة الله في خواصه - لنبوئنهم في الدنيا حسنة، وهي معرفة الشهود والعيان في الباطن، واستقامة الدين والعافية في الظاهر. هذا في الدنيا، ولأجر الآخرة أكبر وأكبر إذ فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. الذين صبروا على مجاهدة النفوس، وحط الرؤوس، ودفع الفلوس، أو على ضروب الفاقات، ونزول البليات، وركوب الأهوال والآفات، إذ لا يأتي الجمال إلا بعد الجلال، ولا تأتي الحلاوة إلا بعد المرارة:
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله@_ لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وعلى ربهم يتوكلون، أي: مفوضين في أمورهم كلها لله، ليس لهم مع الله اختيار، ولا لهم عن أنفسهم إخبار، بل هم كالميت بين يدي الغاسل. حققنا الله من هذا المقام بالحظ الأوفر... آمين.
النحل 16:43
قلت: { بالبينات }: يتعلق بأرسلنا الذي في أول الآية، على التقديم والتأخير، أي: وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات، فاسألوا أهل الذكر، أو بأرسلنا مضمرا، وكأنه جواب سائل قال: بم أرسلوا به؟ فقال: بالبينات، أو: صفة لرجال، أي: رجالا ملتبسين بالبينات، أو: بيوحى. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: في الرد على قريش، حيث قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا: وما أرسلنا من قبلك يا محمد { إلا رجالا } بشرا، { يوحى إليهم } كما يوحى إليك. فليس ببدع أن يكون الرسول بشرا، بل جرت السنة الإلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشرا يوحى إليه على ألسنة الملائكة إذ لا يطيق كل البشر رؤية الملائكة ولا التلقي منهم. فإن شككتم { فاسألوا أهل الذكر }: أهل الكتاب، أو علماءهم الأحبار، أي: الذين لم يسلموا، لأنهم لا يتهمون في شهادتهم، من حيث إنهم مدافعون في صدر ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنتم إلى تصديق من لم يؤمن من أهل الكتاب أقرب من تصديقكم المؤمنين منهم، فاسألوهم ليخبروكم: هل كانت الرسل ملائكة أو بشرا، { إن كنتم لا تعلمون } ذلك. قال البيضاوي: وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكا للدعوة العامة. وأما قوله:
جاعل الملائكة رسلا
[فاطر: 1] فمعناه: رسلا إلى الأنبياء. وقيل: لم يبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال. ورد بما روي أنه عليه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين. وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم. ه. ومفهوم قوله: " الدعوة العامة " أن الدعوة الخاصة كالأنبياء - عليهم السلام-، فإن الله يبعث إليهم الملك ليعلمهم أمر دينهم. ثم قال تعالى: { بالبينات والزبر } أي: أرسلناهم بالمعجزات والكتب. { وأنزلنا إليك الذكر } أي: القرآن لأنه تذكير ووعظ، { لتبين للناس ما نزل إليهم } من الأحكام، مما أمروا به ونهوا عنه، ومما تشابه عليهم منه. والتبيين أعم من أن ينص على المقصود، أو يرشد إلى ما يدل عليه، كالقياس ودليل العقل. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: يحتمل أن يريد: لتبين القرآن بسردك نصه وتعليمه، أو لتبين معانيه بتفسير مشكله، فيدخل في هذا ما سنته السنة من الشريعة. ه. { ولعلهم يتفكرون } في عجائبه وأسراره، فيخوضون بسفن أفكارهم في تيار بحر معانيه وأنواره، فينتبهون للحقائق والشرائع. الإشارة: كما لم يبعث الله في الدعوة العامة - وهي دعوة الرسالة - إلا رجالا من البشر، كذلك لم يبعث الله في الدعوة الخاصة - وهي دعوة الولاية إلى سر الخصوصية - إلا رجالا من البشر أحياء، يربون التربية النبوية العرفية، فلا يصلح للتربية النساء لقلة عقلهن، ولا الجن لانحرافه عن الاعتدال الذي في البشر، ولا الميت لعدم وجود بشريته فإن بشرية الحي تمد البشرية، والروحانية تمد الروحانية.
فلا تتهذب البشرية إلا بشهود بشرية الشيخ، ولا تصفى الروحانية إلا بالقرب من روحانية الشيخ. ولذلك قالوا: الثدي الميتة لا ترضع. وقولنا: " التربية العرفية " أعني: بالصحبة العرفية، وأما التربية الغيبية، على وجه خرق العادة، كطيران الشيخ إلى المريد، أو المريد إلى الشيخ، فلا تجد صاحب هذه التربية إلا منحرفا لإحدى الجهتين، إما إلى الحقيقة أو إلى الشريعة، بخلاف التربية العرفية، فلا يكون صاحبها، في الغالب، إلا معتدلا كاملا. وقوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر } هم العارفون بالله، فإذا أشكل علينا أمر من أمر القلوب كأسرار التوحيد، وأمر الخواطر، رجعنا إليهم لأنهم أهل الذوق والكشف، يجيبون سائلهم بالهمة والحال، حتى يقلعوا عروق ما أشكل على السائل، إن أتاهم متعطشا لهفانا، وكذا ما أشكل في أمر الدنيا، من فعل تريد أن تفعله أو تتركه، فينبغي الرجوع إليهم لأنهم ينظرون بنور الله، فلا ينطقهم الله إلا بما هو حق سبق به القدر. وأما أمور الدين، فإن كان له علم بالشريعة الظاهرة فالرجوع إليه، وإن لم يكن له علم بالظاهر، فالعلماء قائمون بهذا الأمر. وقوله تعالى: { إن كنتم لا تعلمون } يفهم منه أن من كان من أهل الفهم عن الله، يأخذ العلم عن الله بإلهام أو تجل حقيقي، فلا يحتاج إلى سؤالهم، حيث صفت مرآة قلبه، وقد يكون الولي ذاكرا، باعتبار قوم، وغير ذاكر، باعتبار آخرين، الذين هم أنهض منه حالا، وأصوب مقالا. والله تعالى أعلم.
النحل 16:44
قلت: { بالبينات }: يتعلق بأرسلنا الذي في أول الآية، على التقديم والتأخير، أي: وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات، فاسألوا أهل الذكر، أو بأرسلنا مضمرا، وكأنه جواب سائل قال: بم أرسلوا به؟ فقال: بالبينات، أو: صفة لرجال، أي: رجالا ملتبسين بالبينات، أو: بيوحى. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: في الرد على قريش، حيث قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا: وما أرسلنا من قبلك يا محمد { إلا رجالا } بشرا، { يوحى إليهم } كما يوحى إليك. فليس ببدع أن يكون الرسول بشرا، بل جرت السنة الإلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشرا يوحى إليه على ألسنة الملائكة إذ لا يطيق كل البشر رؤية الملائكة ولا التلقي منهم. فإن شككتم { فاسألوا أهل الذكر }: أهل الكتاب، أو علماءهم الأحبار، أي: الذين لم يسلموا، لأنهم لا يتهمون في شهادتهم، من حيث إنهم مدافعون في صدر ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنتم إلى تصديق من لم يؤمن من أهل الكتاب أقرب من تصديقكم المؤمنين منهم، فاسألوهم ليخبروكم: هل كانت الرسل ملائكة أو بشرا، { إن كنتم لا تعلمون } ذلك. قال البيضاوي: وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكا للدعوة العامة. وأما قوله:
جاعل الملائكة رسلا
[فاطر: 1] فمعناه: رسلا إلى الأنبياء. وقيل: لم يبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال. ورد بما روي أنه عليه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين. وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم. ه. ومفهوم قوله: " الدعوة العامة " أن الدعوة الخاصة كالأنبياء - عليهم السلام-، فإن الله يبعث إليهم الملك ليعلمهم أمر دينهم. ثم قال تعالى: { بالبينات والزبر } أي: أرسلناهم بالمعجزات والكتب. { وأنزلنا إليك الذكر } أي: القرآن لأنه تذكير ووعظ، { لتبين للناس ما نزل إليهم } من الأحكام، مما أمروا به ونهوا عنه، ومما تشابه عليهم منه. والتبيين أعم من أن ينص على المقصود، أو يرشد إلى ما يدل عليه، كالقياس ودليل العقل. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: يحتمل أن يريد: لتبين القرآن بسردك نصه وتعليمه، أو لتبين معانيه بتفسير مشكله، فيدخل في هذا ما سنته السنة من الشريعة. ه. { ولعلهم يتفكرون } في عجائبه وأسراره، فيخوضون بسفن أفكارهم في تيار بحر معانيه وأنواره، فينتبهون للحقائق والشرائع. الإشارة: كما لم يبعث الله في الدعوة العامة - وهي دعوة الرسالة - إلا رجالا من البشر، كذلك لم يبعث الله في الدعوة الخاصة - وهي دعوة الولاية إلى سر الخصوصية - إلا رجالا من البشر أحياء، يربون التربية النبوية العرفية، فلا يصلح للتربية النساء لقلة عقلهن، ولا الجن لانحرافه عن الاعتدال الذي في البشر، ولا الميت لعدم وجود بشريته فإن بشرية الحي تمد البشرية، والروحانية تمد الروحانية.
فلا تتهذب البشرية إلا بشهود بشرية الشيخ، ولا تصفى الروحانية إلا بالقرب من روحانية الشيخ. ولذلك قالوا: الثدي الميتة لا ترضع. وقولنا: " التربية العرفية " أعني: بالصحبة العرفية، وأما التربية الغيبية، على وجه خرق العادة، كطيران الشيخ إلى المريد، أو المريد إلى الشيخ، فلا تجد صاحب هذه التربية إلا منحرفا لإحدى الجهتين، إما إلى الحقيقة أو إلى الشريعة، بخلاف التربية العرفية، فلا يكون صاحبها، في الغالب، إلا معتدلا كاملا. وقوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر } هم العارفون بالله، فإذا أشكل علينا أمر من أمر القلوب كأسرار التوحيد، وأمر الخواطر، رجعنا إليهم لأنهم أهل الذوق والكشف، يجيبون سائلهم بالهمة والحال، حتى يقلعوا عروق ما أشكل على السائل، إن أتاهم متعطشا لهفانا، وكذا ما أشكل في أمر الدنيا، من فعل تريد أن تفعله أو تتركه، فينبغي الرجوع إليهم لأنهم ينظرون بنور الله، فلا ينطقهم الله إلا بما هو حق سبق به القدر. وأما أمور الدين، فإن كان له علم بالشريعة الظاهرة فالرجوع إليه، وإن لم يكن له علم بالظاهر، فالعلماء قائمون بهذا الأمر. وقوله تعالى: { إن كنتم لا تعلمون } يفهم منه أن من كان من أهل الفهم عن الله، يأخذ العلم عن الله بإلهام أو تجل حقيقي، فلا يحتاج إلى سؤالهم، حيث صفت مرآة قلبه، وقد يكون الولي ذاكرا، باعتبار قوم، وغير ذاكر، باعتبار آخرين، الذين هم أنهض منه حالا، وأصوب مقالا. والله تعالى أعلم.
النحل 16:45
قلت: { مكروا السيئات }: صفة لمحذوف، أي: المكرات السيئات، والتخوف، قيل: معناه: التنقص، وهو أن تنقصهم شيئا فشيئا. روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم توقف في معناها، فقال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص. فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم. قال شاعرنا أبو كثير يصف ناقته:
تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن
فقال عمر: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ه. يقول الحق جل جلاله: { أفأمن الذين مكروا } المكرات السيئات برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، حيث قصدوا رد دينه، وصدوا الناس عن طريقه، { أن يخسف الله بهم الأرض } كما خسف بقارون، { أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } أي: بغتة من حيث لا يظنون، كما فعل بقوم لوط، { أو يأخذهم في تقلبهم } في متاجرهم ومسايرهم في طلب معاشهم، { فما هم بمعجزين } بفائتين قدرتنا حتى نعجز عن أخذهم، { أو يأخذهم على تخوف }: على تنقص، بأن ينقص أموالهم وأنفسهم، شيئا فشيئا، حتى يهلكوا جميعا، من غير أن يهلكهم جملة واحدة. وعليه يترتب قوله: { فإن ربكم لرؤوف رحيم } حيث لم يهلكهم دفعة واحدة، أو: على تخوف: على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم، فيتخوفوا، فيأتيهم العذاب وهم متخوفون. وهو قسيم قوله: { وهم لا يشعرون } ، وقوله: { فإن ربكم لرؤوف رحيم } أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما خوف به أهل المكر بالأنبياء والرسل، يخوف به أهل المكر بالأولياء والمنتسبين، وقد تقدم هذا مرارا. ثم أمر بالتفكر والاختيار لأنه سبب النجاة من الاغترار
النحل 16:46
قلت: { مكروا السيئات }: صفة لمحذوف، أي: المكرات السيئات، والتخوف، قيل: معناه: التنقص، وهو أن تنقصهم شيئا فشيئا. روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم توقف في معناها، فقال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص. فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم. قال شاعرنا أبو كثير يصف ناقته:
تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن
فقال عمر: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ه. يقول الحق جل جلاله: { أفأمن الذين مكروا } المكرات السيئات برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، حيث قصدوا رد دينه، وصدوا الناس عن طريقه، { أن يخسف الله بهم الأرض } كما خسف بقارون، { أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } أي: بغتة من حيث لا يظنون، كما فعل بقوم لوط، { أو يأخذهم في تقلبهم } في متاجرهم ومسايرهم في طلب معاشهم، { فما هم بمعجزين } بفائتين قدرتنا حتى نعجز عن أخذهم، { أو يأخذهم على تخوف }: على تنقص، بأن ينقص أموالهم وأنفسهم، شيئا فشيئا، حتى يهلكوا جميعا، من غير أن يهلكهم جملة واحدة. وعليه يترتب قوله: { فإن ربكم لرؤوف رحيم } حيث لم يهلكهم دفعة واحدة، أو: على تخوف: على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم، فيتخوفوا، فيأتيهم العذاب وهم متخوفون. وهو قسيم قوله: { وهم لا يشعرون } ، وقوله: { فإن ربكم لرؤوف رحيم } أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما خوف به أهل المكر بالأنبياء والرسل، يخوف به أهل المكر بالأولياء والمنتسبين، وقد تقدم هذا مرارا. ثم أمر بالتفكر والاختيار لأنه سبب النجاة من الاغترار
النحل 16:47
قلت: { مكروا السيئات }: صفة لمحذوف، أي: المكرات السيئات، والتخوف، قيل: معناه: التنقص، وهو أن تنقصهم شيئا فشيئا. روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم توقف في معناها، فقال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص. فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم. قال شاعرنا أبو كثير يصف ناقته:
تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن
فقال عمر: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ه. يقول الحق جل جلاله: { أفأمن الذين مكروا } المكرات السيئات برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، حيث قصدوا رد دينه، وصدوا الناس عن طريقه، { أن يخسف الله بهم الأرض } كما خسف بقارون، { أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } أي: بغتة من حيث لا يظنون، كما فعل بقوم لوط، { أو يأخذهم في تقلبهم } في متاجرهم ومسايرهم في طلب معاشهم، { فما هم بمعجزين } بفائتين قدرتنا حتى نعجز عن أخذهم، { أو يأخذهم على تخوف }: على تنقص، بأن ينقص أموالهم وأنفسهم، شيئا فشيئا، حتى يهلكوا جميعا، من غير أن يهلكهم جملة واحدة. وعليه يترتب قوله: { فإن ربكم لرؤوف رحيم } حيث لم يهلكهم دفعة واحدة، أو: على تخوف: على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم، فيتخوفوا، فيأتيهم العذاب وهم متخوفون. وهو قسيم قوله: { وهم لا يشعرون } ، وقوله: { فإن ربكم لرؤوف رحيم } أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما خوف به أهل المكر بالأنبياء والرسل، يخوف به أهل المكر بالأولياء والمنتسبين، وقد تقدم هذا مرارا. ثم أمر بالتفكر والاختيار لأنه سبب النجاة من الاغترار
النحل 16:48
قلت: الاستفهام للإنكار، و { من شيء }: بيان ل " ما ". والضمير في { ظلاله } يعود على { ما } ، أو على { شيء }. و { سجدا }: حال من الظلال، وكذا جملة: { وهم داخرون } ، وجمعه بالواو لأنه من صفة العقلاء. وقال الزمخشري: هما حالان من الضمير في { ظلاله } إذ هو بمعنى الجمع لأنه يعود على قوله: { من شيء } ، فعلى الأول يكون السجود من صفة الظلال، وعلى الثاني يكون من صفة الأجرام. و { من دابة }: يحتمل أن يكون بيانا ل { ما في السماوات وما في الأرض } معا لأن كل حيوان يصح أن يوصف بأنه يدب، ويحتمل أن يكون بيانا ل { ما في الأرض } خاصة، فعلى الأولى: يكون عطف الملائكة عليه، من عطف الخاص على العام تشريفا لهم، وعلى الثاني: من عطف المباين. يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا } أي: أهل المكر والخدع بالرسل والمؤمنين، { إلى ما خلق الله من شيء } من الأجرام والأشكال كالجبال والأشجار والبحار ليظهر لهم كمال قدرته وقهره، فيخافوا سطوته وبطشه، حتى لا يمكروا بخواصه. حال كون ما خلق من الأجرام { يتفيؤا } أي: يميل { ظلاله عن اليمين والشمائل } أي: يرجع الظل من جانب إلى حانب، أي: يميل عن الأيمان والشمائل، وذلك أن الظل من وقت طلوع الشمس إلى الزوال يكون إلى جهة، ومن الزوال إلى الغروب يكون إلى جهة أخرى. ثم يمتد الظل ويعم بالليل إلى طلوع الشمس. والتفيؤ: من الفيء، وهو: الظل الذي يرجع بعكس ما كان غدوة. وقال رؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال: ظل وفيء، ولا يقال قبله إلا ظل. ففي لفظ " يتفيأ " ، هنا، تجوز. وقال في سلوة الأحزان: فاء الظل: معناه: رجع بعكس ما كان من بكرة إلى الزوال وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى الزوال، إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها، فإذا زالت، ابتدأ رجوع الظل العام، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس فيعم. والظل الممدود في الجنة لم يذكر الله تعالى فيها فيئا لأنه لا مذهب له، ولا تكون الفيأة إلا بعد ذهاب الظل، ولا ذهاب لظل الجنة، فلا يتعقل له فيأة. ه. واستعمال اليمين والشمال، في غير الإنسان، تجوز فإنهما في الحقيقة خاص بالإنسان. ه. حال كون تلك الأجرام، أو الظلال { سجدا لله } ، قيل: حقيقة. قال الضحاك: إذا زالت الشمس سجد كل شيء قبل القبلة، من نبات أو شجر، ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت. وقال مجاهد: إنما تسجد الظلال، لا الأشخاص. وقيل: هو عبارة عن الخضوع والطاعة، وميلان الظلال ودورانها بالسجود، كما يقال للمشير برأسه نحو الأرض، على جهة الخضوع: ساجدا، ثم استشهد لذلك.
ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والمتجه: أنه خضوع وطاعة للمشيئة وانقياد، لا حقيقة لأنه لا يقال فيه، كذلك: أو لم يروا، وإنما يرى الانقياد. وخص الظل لأنه مشهود ذلك فيه، ولو حاول صاحبه عدمه أو ضده، لم يستطع، بخلاف الأفعال الاختيارية، فإن الجبر فيها غير محسوس، فظهر سر الإشارة للظلال. والله أعلم. ه. قال البيضاوي: المراد من السجود: الاستسلام، سواء كان بالطبع أو الاختيار، يقال: سجدت النخلة، إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير، إذا طأطأ رأسه ليركب. أو { سجدا }: حال من الظلال { وهم داخرون }: حال من الضمير، والمعنى: ترجع الظلال، بارتفاع الشمس وانحدارها، بتقدير الله تعالى، من جانب إلى جانب، منقادة إلى ما قدر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض، ملتصقة بها، على هيئة الساجد، والأجرام في أنفسها أيضا داخرة، أي: صاغرة منقادة لأفعال الله. ه. { ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض } أي: ينقاد لإرادته، وتأثير قدرته طبعا، ولتكليفه وأمره طوعا ليصح إسناده إلى عامة أهل السماوات والأرض. وقوله: { من دابة }: بيان لهما لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية، سواء كان في أرض أو سماء، { والملائكة } عطف على المبين به، عطف خاص على عام، أو عطف المجردات على الجسمانيات، وبه احتج من قال: إن الملائكة أرواح مجردة. قاله البيضاوي. قلت: وهو خلاف الجمهور. بل الملائكة: أجسام لطيفة نورانية متحيزة، لها مادة نورانية وتشكيل مخصوص، غير أن الله تعالى أعطاها قوة التشكيل لأنها قريبة من أسرار المعاني الأزلية. وعبر الحق تعالى ب " ما " ليشمل العقلاء وغيرهم. ثم قال تعالى في وصف الملائكة: { وهم لا يستكبرون } عن عبادته، { يخافون ربهم من فوقهم } هو تقرير وبيان لنفي الاستكبار عنهم، أي: يخافون عظمة ربهم من فوقهم إذ هم محاطون بأفلاك أسرار الجبروت، مقهورون تحت القدرة والمشيئة أو: يخافون عذاب ربهم أن يرسل عليهم من فوقهم، أو: يخافون ربهم وهو من فوقهم بالقهر والغلبة. والجملة: حال من الضمير في { يستكبرون } ، أو بيان له وتقرير لأن من خاف ربه لم يستكبر عن عبادته، { ويفعلون ما يؤمرون } من الطاعة وتدبير الأمور التي أمرهم بتدبيرها. وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما دخل تحت عالم التكوين لزمته العبودية، وأحاطت به القهرية، فلا بد من الخضوع لأحكام الواحد القهار، تكليفية كانت أو تعريفية، فمن لم ينقد لها بملاطفة الإحسان، قيد بسلاسل الامتحان. وبهذا امتاز الخصوص من العموم، فالخصوص علموا أن سلسلة الأقدار في عنقهم، تجرهم إلى مراد ربهم، فاستسلموا لها، وانقادوا، وخضعوا، وتأدبوا لها، فاستحقوا التقريب والاصطفائية. والعموم جهلوا هذه السلسلة، أو علموها، ولم يقدروا على الاستسلام لها فاستحقوا البعد من حضرة الحق إذ لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتأديب. وبالله التوفيق. ثم نهى عن الشرك الجلي والخفي فقال: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين... }
النحل 16:49
قلت: الاستفهام للإنكار، و { من شيء }: بيان ل " ما ". والضمير في { ظلاله } يعود على { ما } ، أو على { شيء }. و { سجدا }: حال من الظلال، وكذا جملة: { وهم داخرون } ، وجمعه بالواو لأنه من صفة العقلاء. وقال الزمخشري: هما حالان من الضمير في { ظلاله } إذ هو بمعنى الجمع لأنه يعود على قوله: { من شيء } ، فعلى الأول يكون السجود من صفة الظلال، وعلى الثاني يكون من صفة الأجرام. و { من دابة }: يحتمل أن يكون بيانا ل { ما في السماوات وما في الأرض } معا لأن كل حيوان يصح أن يوصف بأنه يدب، ويحتمل أن يكون بيانا ل { ما في الأرض } خاصة، فعلى الأولى: يكون عطف الملائكة عليه، من عطف الخاص على العام تشريفا لهم، وعلى الثاني: من عطف المباين. يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا } أي: أهل المكر والخدع بالرسل والمؤمنين، { إلى ما خلق الله من شيء } من الأجرام والأشكال كالجبال والأشجار والبحار ليظهر لهم كمال قدرته وقهره، فيخافوا سطوته وبطشه، حتى لا يمكروا بخواصه. حال كون ما خلق من الأجرام { يتفيؤا } أي: يميل { ظلاله عن اليمين والشمائل } أي: يرجع الظل من جانب إلى حانب، أي: يميل عن الأيمان والشمائل، وذلك أن الظل من وقت طلوع الشمس إلى الزوال يكون إلى جهة، ومن الزوال إلى الغروب يكون إلى جهة أخرى. ثم يمتد الظل ويعم بالليل إلى طلوع الشمس. والتفيؤ: من الفيء، وهو: الظل الذي يرجع بعكس ما كان غدوة. وقال رؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال: ظل وفيء، ولا يقال قبله إلا ظل. ففي لفظ " يتفيأ " ، هنا، تجوز. وقال في سلوة الأحزان: فاء الظل: معناه: رجع بعكس ما كان من بكرة إلى الزوال وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى الزوال، إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها، فإذا زالت، ابتدأ رجوع الظل العام، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس فيعم. والظل الممدود في الجنة لم يذكر الله تعالى فيها فيئا لأنه لا مذهب له، ولا تكون الفيأة إلا بعد ذهاب الظل، ولا ذهاب لظل الجنة، فلا يتعقل له فيأة. ه. واستعمال اليمين والشمال، في غير الإنسان، تجوز فإنهما في الحقيقة خاص بالإنسان. ه. حال كون تلك الأجرام، أو الظلال { سجدا لله } ، قيل: حقيقة. قال الضحاك: إذا زالت الشمس سجد كل شيء قبل القبلة، من نبات أو شجر، ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت. وقال مجاهد: إنما تسجد الظلال، لا الأشخاص. وقيل: هو عبارة عن الخضوع والطاعة، وميلان الظلال ودورانها بالسجود، كما يقال للمشير برأسه نحو الأرض، على جهة الخضوع: ساجدا، ثم استشهد لذلك.
ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والمتجه: أنه خضوع وطاعة للمشيئة وانقياد، لا حقيقة لأنه لا يقال فيه، كذلك: أو لم يروا، وإنما يرى الانقياد. وخص الظل لأنه مشهود ذلك فيه، ولو حاول صاحبه عدمه أو ضده، لم يستطع، بخلاف الأفعال الاختيارية، فإن الجبر فيها غير محسوس، فظهر سر الإشارة للظلال. والله أعلم. ه. قال البيضاوي: المراد من السجود: الاستسلام، سواء كان بالطبع أو الاختيار، يقال: سجدت النخلة، إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير، إذا طأطأ رأسه ليركب. أو { سجدا }: حال من الظلال { وهم داخرون }: حال من الضمير، والمعنى: ترجع الظلال، بارتفاع الشمس وانحدارها، بتقدير الله تعالى، من جانب إلى جانب، منقادة إلى ما قدر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض، ملتصقة بها، على هيئة الساجد، والأجرام في أنفسها أيضا داخرة، أي: صاغرة منقادة لأفعال الله. ه. { ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض } أي: ينقاد لإرادته، وتأثير قدرته طبعا، ولتكليفه وأمره طوعا ليصح إسناده إلى عامة أهل السماوات والأرض. وقوله: { من دابة }: بيان لهما لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية، سواء كان في أرض أو سماء، { والملائكة } عطف على المبين به، عطف خاص على عام، أو عطف المجردات على الجسمانيات، وبه احتج من قال: إن الملائكة أرواح مجردة. قاله البيضاوي. قلت: وهو خلاف الجمهور. بل الملائكة: أجسام لطيفة نورانية متحيزة، لها مادة نورانية وتشكيل مخصوص، غير أن الله تعالى أعطاها قوة التشكيل لأنها قريبة من أسرار المعاني الأزلية. وعبر الحق تعالى ب " ما " ليشمل العقلاء وغيرهم. ثم قال تعالى في وصف الملائكة: { وهم لا يستكبرون } عن عبادته، { يخافون ربهم من فوقهم } هو تقرير وبيان لنفي الاستكبار عنهم، أي: يخافون عظمة ربهم من فوقهم إذ هم محاطون بأفلاك أسرار الجبروت، مقهورون تحت القدرة والمشيئة أو: يخافون عذاب ربهم أن يرسل عليهم من فوقهم، أو: يخافون ربهم وهو من فوقهم بالقهر والغلبة. والجملة: حال من الضمير في { يستكبرون } ، أو بيان له وتقرير لأن من خاف ربه لم يستكبر عن عبادته، { ويفعلون ما يؤمرون } من الطاعة وتدبير الأمور التي أمرهم بتدبيرها. وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما دخل تحت عالم التكوين لزمته العبودية، وأحاطت به القهرية، فلا بد من الخضوع لأحكام الواحد القهار، تكليفية كانت أو تعريفية، فمن لم ينقد لها بملاطفة الإحسان، قيد بسلاسل الامتحان. وبهذا امتاز الخصوص من العموم، فالخصوص علموا أن سلسلة الأقدار في عنقهم، تجرهم إلى مراد ربهم، فاستسلموا لها، وانقادوا، وخضعوا، وتأدبوا لها، فاستحقوا التقريب والاصطفائية. والعموم جهلوا هذه السلسلة، أو علموها، ولم يقدروا على الاستسلام لها فاستحقوا البعد من حضرة الحق إذ لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتأديب. وبالله التوفيق. ثم نهى عن الشرك الجلي والخفي فقال: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين... }
النحل 16:50
قلت: الاستفهام للإنكار، و { من شيء }: بيان ل " ما ". والضمير في { ظلاله } يعود على { ما } ، أو على { شيء }. و { سجدا }: حال من الظلال، وكذا جملة: { وهم داخرون } ، وجمعه بالواو لأنه من صفة العقلاء. وقال الزمخشري: هما حالان من الضمير في { ظلاله } إذ هو بمعنى الجمع لأنه يعود على قوله: { من شيء } ، فعلى الأول يكون السجود من صفة الظلال، وعلى الثاني يكون من صفة الأجرام. و { من دابة }: يحتمل أن يكون بيانا ل { ما في السماوات وما في الأرض } معا لأن كل حيوان يصح أن يوصف بأنه يدب، ويحتمل أن يكون بيانا ل { ما في الأرض } خاصة، فعلى الأولى: يكون عطف الملائكة عليه، من عطف الخاص على العام تشريفا لهم، وعلى الثاني: من عطف المباين. يقول الحق جل جلاله: { أولم يروا } أي: أهل المكر والخدع بالرسل والمؤمنين، { إلى ما خلق الله من شيء } من الأجرام والأشكال كالجبال والأشجار والبحار ليظهر لهم كمال قدرته وقهره، فيخافوا سطوته وبطشه، حتى لا يمكروا بخواصه. حال كون ما خلق من الأجرام { يتفيؤا } أي: يميل { ظلاله عن اليمين والشمائل } أي: يرجع الظل من جانب إلى حانب، أي: يميل عن الأيمان والشمائل، وذلك أن الظل من وقت طلوع الشمس إلى الزوال يكون إلى جهة، ومن الزوال إلى الغروب يكون إلى جهة أخرى. ثم يمتد الظل ويعم بالليل إلى طلوع الشمس. والتفيؤ: من الفيء، وهو: الظل الذي يرجع بعكس ما كان غدوة. وقال رؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال: ظل وفيء، ولا يقال قبله إلا ظل. ففي لفظ " يتفيأ " ، هنا، تجوز. وقال في سلوة الأحزان: فاء الظل: معناه: رجع بعكس ما كان من بكرة إلى الزوال وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى الزوال، إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها، فإذا زالت، ابتدأ رجوع الظل العام، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس فيعم. والظل الممدود في الجنة لم يذكر الله تعالى فيها فيئا لأنه لا مذهب له، ولا تكون الفيأة إلا بعد ذهاب الظل، ولا ذهاب لظل الجنة، فلا يتعقل له فيأة. ه. واستعمال اليمين والشمال، في غير الإنسان، تجوز فإنهما في الحقيقة خاص بالإنسان. ه. حال كون تلك الأجرام، أو الظلال { سجدا لله } ، قيل: حقيقة. قال الضحاك: إذا زالت الشمس سجد كل شيء قبل القبلة، من نبات أو شجر، ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت. وقال مجاهد: إنما تسجد الظلال، لا الأشخاص. وقيل: هو عبارة عن الخضوع والطاعة، وميلان الظلال ودورانها بالسجود، كما يقال للمشير برأسه نحو الأرض، على جهة الخضوع: ساجدا، ثم استشهد لذلك.
ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والمتجه: أنه خضوع وطاعة للمشيئة وانقياد، لا حقيقة لأنه لا يقال فيه، كذلك: أو لم يروا، وإنما يرى الانقياد. وخص الظل لأنه مشهود ذلك فيه، ولو حاول صاحبه عدمه أو ضده، لم يستطع، بخلاف الأفعال الاختيارية، فإن الجبر فيها غير محسوس، فظهر سر الإشارة للظلال. والله أعلم. ه. قال البيضاوي: المراد من السجود: الاستسلام، سواء كان بالطبع أو الاختيار، يقال: سجدت النخلة، إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير، إذا طأطأ رأسه ليركب. أو { سجدا }: حال من الظلال { وهم داخرون }: حال من الضمير، والمعنى: ترجع الظلال، بارتفاع الشمس وانحدارها، بتقدير الله تعالى، من جانب إلى جانب، منقادة إلى ما قدر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض، ملتصقة بها، على هيئة الساجد، والأجرام في أنفسها أيضا داخرة، أي: صاغرة منقادة لأفعال الله. ه. { ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض } أي: ينقاد لإرادته، وتأثير قدرته طبعا، ولتكليفه وأمره طوعا ليصح إسناده إلى عامة أهل السماوات والأرض. وقوله: { من دابة }: بيان لهما لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية، سواء كان في أرض أو سماء، { والملائكة } عطف على المبين به، عطف خاص على عام، أو عطف المجردات على الجسمانيات، وبه احتج من قال: إن الملائكة أرواح مجردة. قاله البيضاوي. قلت: وهو خلاف الجمهور. بل الملائكة: أجسام لطيفة نورانية متحيزة، لها مادة نورانية وتشكيل مخصوص، غير أن الله تعالى أعطاها قوة التشكيل لأنها قريبة من أسرار المعاني الأزلية. وعبر الحق تعالى ب " ما " ليشمل العقلاء وغيرهم. ثم قال تعالى في وصف الملائكة: { وهم لا يستكبرون } عن عبادته، { يخافون ربهم من فوقهم } هو تقرير وبيان لنفي الاستكبار عنهم، أي: يخافون عظمة ربهم من فوقهم إذ هم محاطون بأفلاك أسرار الجبروت، مقهورون تحت القدرة والمشيئة أو: يخافون عذاب ربهم أن يرسل عليهم من فوقهم، أو: يخافون ربهم وهو من فوقهم بالقهر والغلبة. والجملة: حال من الضمير في { يستكبرون } ، أو بيان له وتقرير لأن من خاف ربه لم يستكبر عن عبادته، { ويفعلون ما يؤمرون } من الطاعة وتدبير الأمور التي أمرهم بتدبيرها. وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما دخل تحت عالم التكوين لزمته العبودية، وأحاطت به القهرية، فلا بد من الخضوع لأحكام الواحد القهار، تكليفية كانت أو تعريفية، فمن لم ينقد لها بملاطفة الإحسان، قيد بسلاسل الامتحان. وبهذا امتاز الخصوص من العموم، فالخصوص علموا أن سلسلة الأقدار في عنقهم، تجرهم إلى مراد ربهم، فاستسلموا لها، وانقادوا، وخضعوا، وتأدبوا لها، فاستحقوا التقريب والاصطفائية. والعموم جهلوا هذه السلسلة، أو علموها، ولم يقدروا على الاستسلام لها فاستحقوا البعد من حضرة الحق إذ لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتأديب. وبالله التوفيق. ثم نهى عن الشرك الجلي والخفي فقال: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين... }
النحل 16:51
قلت: { إلهين اثنين } ، إلهين: مفعول أول، واثنين: تأكيد، والثاني: محذوف، أي: معبودين لكم، وفائدة التأكيد: التنبيه على أن المقصود هو النهي عن الإثنينية تنبيها على أن الإثنينية تنافي الألوهية، كما ذكر الواحد في قوله: { إنما هو إله واحد } إثبات الوحدانية دون الإلهية. قاله البيضاوي. وعبارة صاحب المطول: لفظ إلهين حامل لمعنى الجنسية - أعني: الإلهية - ومعنى العدد - أعني: الإثنينية - وكذا لفظ " الله " حامل لمعنى الجنسية والوحدة، والغرض المسوق له الكلام في الأول: النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله لا إثبات جنسه، فوصف الإلهين باثنين وإله بواحد إيضاحا لهذا الغرض وتفسيرا له. ه. ويحتمل أن يكون " اثنين " مفعولا أولا، و " إلهين " مفعولا ثانيا. وقوله: { فإياي }: مفعول بفعل محذوف، أي: ارهبوا، ولا يعمل فيه ارهبون لأنه أخذ مفعوله، وهو: ياء المتكلم، و { واصبا }: حال من { الدين }. و { ما بكم }: إما شرطية، أو موصولة متضمنة معنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول فإن استقرار النعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنها من الله، لا سببا لحصولها منه لأن جواب الشرط يكون مسببا عن فعله، واستقرار النعمة بهم ليس سببا في حصولها من الله، وإنما هو سبب في الإخبار بأنها من الله. فتأمله. وأصله للبيضاوي، والجملة: يحتمل أن تكون استئنافية، أو حالية، فيتصل الكلام بما قبله، أي: كيف تتقون غير الله، والحال أن ما بكم من نعمة فمنه وحده؟ واللام في { ليكفروا }: لام الأمر على وجه التهديد، كقوله بعد: { فتمتعوا } فعلى هذا يبتدأ بها، وقيل: هي لام العاقبة، فعلى هذا توصف بما قبلها لأنها في الأصل لام كي، وهو بعيد. يقول الحق جل جلاله: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } ، بأن تعبدوا الله تعالى، وتعبدوا معه الأصنام، { إنما هو إله واحد } لا شريك له ولا ظهير، ولا معين ولا وزير، { فإياي فارهبون } ، عدل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب، وتصريحا بالمقصود، كأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإياي فارهبون، لا غيري، { وله ما في السماوات والأرض } خلقا وملكا وعبيدا، { وله الدين } أي: الطاعة والانقياد { واصبا }: لازما، أو: واجبا وثابتا لما تقرر أنه الإله وحده، والحقيق بأن يرهب منه فلا يدان لأحد إلا هو. وقيل: { وله الدين } أي: الجزاء { واصبا } أي: دائما، فلا ينقطع ثوابه لمن آمن، ولا عقابه لمن كفر. { أفغير الله تتقون } مع أنه ليس بيد غيره نفع ولا ضر؟! كما قال: { وما بكم من نعمة فمن الله } أي: وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله وحده، { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } أي: فلا تتضرعون عند الشدة إلا إليه، ولا تستغيثون إلا به.
والجؤار: رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة، { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } وهم: كفاركم، ففي وقت الشدة ينسون أصنامهم، وفي الرخاء يرجعون إليها. فعلوا ذلك { ليكفروا بما آتيناهم } من نعمة الكشف عنهم، كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة، أو يكون تهديدا، أي: ليكفروا ما شاؤوا فسوف يعلمون، كقوله: { فتمتعوا } بكفركم { فسوف تعلمون } عاقبة أمركم. الإشارة: قال في التنوير: أبى المحققون أن يشهدوا غير الله لما حققهم به من شهود القيومية، وإحاطة الديمومية. ه. فمن فتح الله بصيرته، لم يشهد مع الحق سواه إذ الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فما حجبك عن الحق وجود موجود معه إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه ". فمن غاب عن ثنوية نفسه غاب عن ثنوية الأكوان، ووقع على عين الشهود والعيان. فما ظهر في الوجود إلا أسرار ذاته وأنوار صفاته. وبالله التوفيق. ثم ذكر أهل الشرك وسفاهة رأيهم
النحل 16:52
قلت: { إلهين اثنين } ، إلهين: مفعول أول، واثنين: تأكيد، والثاني: محذوف، أي: معبودين لكم، وفائدة التأكيد: التنبيه على أن المقصود هو النهي عن الإثنينية تنبيها على أن الإثنينية تنافي الألوهية، كما ذكر الواحد في قوله: { إنما هو إله واحد } إثبات الوحدانية دون الإلهية. قاله البيضاوي. وعبارة صاحب المطول: لفظ إلهين حامل لمعنى الجنسية - أعني: الإلهية - ومعنى العدد - أعني: الإثنينية - وكذا لفظ " الله " حامل لمعنى الجنسية والوحدة، والغرض المسوق له الكلام في الأول: النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله لا إثبات جنسه، فوصف الإلهين باثنين وإله بواحد إيضاحا لهذا الغرض وتفسيرا له. ه. ويحتمل أن يكون " اثنين " مفعولا أولا، و " إلهين " مفعولا ثانيا. وقوله: { فإياي }: مفعول بفعل محذوف، أي: ارهبوا، ولا يعمل فيه ارهبون لأنه أخذ مفعوله، وهو: ياء المتكلم، و { واصبا }: حال من { الدين }. و { ما بكم }: إما شرطية، أو موصولة متضمنة معنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول فإن استقرار النعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنها من الله، لا سببا لحصولها منه لأن جواب الشرط يكون مسببا عن فعله، واستقرار النعمة بهم ليس سببا في حصولها من الله، وإنما هو سبب في الإخبار بأنها من الله. فتأمله. وأصله للبيضاوي، والجملة: يحتمل أن تكون استئنافية، أو حالية، فيتصل الكلام بما قبله، أي: كيف تتقون غير الله، والحال أن ما بكم من نعمة فمنه وحده؟ واللام في { ليكفروا }: لام الأمر على وجه التهديد، كقوله بعد: { فتمتعوا } فعلى هذا يبتدأ بها، وقيل: هي لام العاقبة، فعلى هذا توصف بما قبلها لأنها في الأصل لام كي، وهو بعيد. يقول الحق جل جلاله: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } ، بأن تعبدوا الله تعالى، وتعبدوا معه الأصنام، { إنما هو إله واحد } لا شريك له ولا ظهير، ولا معين ولا وزير، { فإياي فارهبون } ، عدل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب، وتصريحا بالمقصود، كأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإياي فارهبون، لا غيري، { وله ما في السماوات والأرض } خلقا وملكا وعبيدا، { وله الدين } أي: الطاعة والانقياد { واصبا }: لازما، أو: واجبا وثابتا لما تقرر أنه الإله وحده، والحقيق بأن يرهب منه فلا يدان لأحد إلا هو. وقيل: { وله الدين } أي: الجزاء { واصبا } أي: دائما، فلا ينقطع ثوابه لمن آمن، ولا عقابه لمن كفر. { أفغير الله تتقون } مع أنه ليس بيد غيره نفع ولا ضر؟! كما قال: { وما بكم من نعمة فمن الله } أي: وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله وحده، { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } أي: فلا تتضرعون عند الشدة إلا إليه، ولا تستغيثون إلا به.
والجؤار: رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة، { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } وهم: كفاركم، ففي وقت الشدة ينسون أصنامهم، وفي الرخاء يرجعون إليها. فعلوا ذلك { ليكفروا بما آتيناهم } من نعمة الكشف عنهم، كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة، أو يكون تهديدا، أي: ليكفروا ما شاؤوا فسوف يعلمون، كقوله: { فتمتعوا } بكفركم { فسوف تعلمون } عاقبة أمركم. الإشارة: قال في التنوير: أبى المحققون أن يشهدوا غير الله لما حققهم به من شهود القيومية، وإحاطة الديمومية. ه. فمن فتح الله بصيرته، لم يشهد مع الحق سواه إذ الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فما حجبك عن الحق وجود موجود معه إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه ". فمن غاب عن ثنوية نفسه غاب عن ثنوية الأكوان، ووقع على عين الشهود والعيان. فما ظهر في الوجود إلا أسرار ذاته وأنوار صفاته. وبالله التوفيق. ثم ذكر أهل الشرك وسفاهة رأيهم
النحل 16:53
قلت: { إلهين اثنين } ، إلهين: مفعول أول، واثنين: تأكيد، والثاني: محذوف، أي: معبودين لكم، وفائدة التأكيد: التنبيه على أن المقصود هو النهي عن الإثنينية تنبيها على أن الإثنينية تنافي الألوهية، كما ذكر الواحد في قوله: { إنما هو إله واحد } إثبات الوحدانية دون الإلهية. قاله البيضاوي. وعبارة صاحب المطول: لفظ إلهين حامل لمعنى الجنسية - أعني: الإلهية - ومعنى العدد - أعني: الإثنينية - وكذا لفظ " الله " حامل لمعنى الجنسية والوحدة، والغرض المسوق له الكلام في الأول: النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله لا إثبات جنسه، فوصف الإلهين باثنين وإله بواحد إيضاحا لهذا الغرض وتفسيرا له. ه. ويحتمل أن يكون " اثنين " مفعولا أولا، و " إلهين " مفعولا ثانيا. وقوله: { فإياي }: مفعول بفعل محذوف، أي: ارهبوا، ولا يعمل فيه ارهبون لأنه أخذ مفعوله، وهو: ياء المتكلم، و { واصبا }: حال من { الدين }. و { ما بكم }: إما شرطية، أو موصولة متضمنة معنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول فإن استقرار النعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنها من الله، لا سببا لحصولها منه لأن جواب الشرط يكون مسببا عن فعله، واستقرار النعمة بهم ليس سببا في حصولها من الله، وإنما هو سبب في الإخبار بأنها من الله. فتأمله. وأصله للبيضاوي، والجملة: يحتمل أن تكون استئنافية، أو حالية، فيتصل الكلام بما قبله، أي: كيف تتقون غير الله، والحال أن ما بكم من نعمة فمنه وحده؟ واللام في { ليكفروا }: لام الأمر على وجه التهديد، كقوله بعد: { فتمتعوا } فعلى هذا يبتدأ بها، وقيل: هي لام العاقبة، فعلى هذا توصف بما قبلها لأنها في الأصل لام كي، وهو بعيد. يقول الحق جل جلاله: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } ، بأن تعبدوا الله تعالى، وتعبدوا معه الأصنام، { إنما هو إله واحد } لا شريك له ولا ظهير، ولا معين ولا وزير، { فإياي فارهبون } ، عدل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب، وتصريحا بالمقصود، كأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإياي فارهبون، لا غيري، { وله ما في السماوات والأرض } خلقا وملكا وعبيدا، { وله الدين } أي: الطاعة والانقياد { واصبا }: لازما، أو: واجبا وثابتا لما تقرر أنه الإله وحده، والحقيق بأن يرهب منه فلا يدان لأحد إلا هو. وقيل: { وله الدين } أي: الجزاء { واصبا } أي: دائما، فلا ينقطع ثوابه لمن آمن، ولا عقابه لمن كفر. { أفغير الله تتقون } مع أنه ليس بيد غيره نفع ولا ضر؟! كما قال: { وما بكم من نعمة فمن الله } أي: وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله وحده، { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } أي: فلا تتضرعون عند الشدة إلا إليه، ولا تستغيثون إلا به.
والجؤار: رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة، { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } وهم: كفاركم، ففي وقت الشدة ينسون أصنامهم، وفي الرخاء يرجعون إليها. فعلوا ذلك { ليكفروا بما آتيناهم } من نعمة الكشف عنهم، كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة، أو يكون تهديدا، أي: ليكفروا ما شاؤوا فسوف يعلمون، كقوله: { فتمتعوا } بكفركم { فسوف تعلمون } عاقبة أمركم. الإشارة: قال في التنوير: أبى المحققون أن يشهدوا غير الله لما حققهم به من شهود القيومية، وإحاطة الديمومية. ه. فمن فتح الله بصيرته، لم يشهد مع الحق سواه إذ الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فما حجبك عن الحق وجود موجود معه إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه ". فمن غاب عن ثنوية نفسه غاب عن ثنوية الأكوان، ووقع على عين الشهود والعيان. فما ظهر في الوجود إلا أسرار ذاته وأنوار صفاته. وبالله التوفيق. ثم ذكر أهل الشرك وسفاهة رأيهم
النحل 16:54
قلت: { إلهين اثنين } ، إلهين: مفعول أول، واثنين: تأكيد، والثاني: محذوف، أي: معبودين لكم، وفائدة التأكيد: التنبيه على أن المقصود هو النهي عن الإثنينية تنبيها على أن الإثنينية تنافي الألوهية، كما ذكر الواحد في قوله: { إنما هو إله واحد } إثبات الوحدانية دون الإلهية. قاله البيضاوي. وعبارة صاحب المطول: لفظ إلهين حامل لمعنى الجنسية - أعني: الإلهية - ومعنى العدد - أعني: الإثنينية - وكذا لفظ " الله " حامل لمعنى الجنسية والوحدة، والغرض المسوق له الكلام في الأول: النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله لا إثبات جنسه، فوصف الإلهين باثنين وإله بواحد إيضاحا لهذا الغرض وتفسيرا له. ه. ويحتمل أن يكون " اثنين " مفعولا أولا، و " إلهين " مفعولا ثانيا. وقوله: { فإياي }: مفعول بفعل محذوف، أي: ارهبوا، ولا يعمل فيه ارهبون لأنه أخذ مفعوله، وهو: ياء المتكلم، و { واصبا }: حال من { الدين }. و { ما بكم }: إما شرطية، أو موصولة متضمنة معنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول فإن استقرار النعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنها من الله، لا سببا لحصولها منه لأن جواب الشرط يكون مسببا عن فعله، واستقرار النعمة بهم ليس سببا في حصولها من الله، وإنما هو سبب في الإخبار بأنها من الله. فتأمله. وأصله للبيضاوي، والجملة: يحتمل أن تكون استئنافية، أو حالية، فيتصل الكلام بما قبله، أي: كيف تتقون غير الله، والحال أن ما بكم من نعمة فمنه وحده؟ واللام في { ليكفروا }: لام الأمر على وجه التهديد، كقوله بعد: { فتمتعوا } فعلى هذا يبتدأ بها، وقيل: هي لام العاقبة، فعلى هذا توصف بما قبلها لأنها في الأصل لام كي، وهو بعيد. يقول الحق جل جلاله: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } ، بأن تعبدوا الله تعالى، وتعبدوا معه الأصنام، { إنما هو إله واحد } لا شريك له ولا ظهير، ولا معين ولا وزير، { فإياي فارهبون } ، عدل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب، وتصريحا بالمقصود، كأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإياي فارهبون، لا غيري، { وله ما في السماوات والأرض } خلقا وملكا وعبيدا، { وله الدين } أي: الطاعة والانقياد { واصبا }: لازما، أو: واجبا وثابتا لما تقرر أنه الإله وحده، والحقيق بأن يرهب منه فلا يدان لأحد إلا هو. وقيل: { وله الدين } أي: الجزاء { واصبا } أي: دائما، فلا ينقطع ثوابه لمن آمن، ولا عقابه لمن كفر. { أفغير الله تتقون } مع أنه ليس بيد غيره نفع ولا ضر؟! كما قال: { وما بكم من نعمة فمن الله } أي: وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله وحده، { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } أي: فلا تتضرعون عند الشدة إلا إليه، ولا تستغيثون إلا به.
والجؤار: رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة، { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } وهم: كفاركم، ففي وقت الشدة ينسون أصنامهم، وفي الرخاء يرجعون إليها. فعلوا ذلك { ليكفروا بما آتيناهم } من نعمة الكشف عنهم، كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة، أو يكون تهديدا، أي: ليكفروا ما شاؤوا فسوف يعلمون، كقوله: { فتمتعوا } بكفركم { فسوف تعلمون } عاقبة أمركم. الإشارة: قال في التنوير: أبى المحققون أن يشهدوا غير الله لما حققهم به من شهود القيومية، وإحاطة الديمومية. ه. فمن فتح الله بصيرته، لم يشهد مع الحق سواه إذ الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فما حجبك عن الحق وجود موجود معه إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه ". فمن غاب عن ثنوية نفسه غاب عن ثنوية الأكوان، ووقع على عين الشهود والعيان. فما ظهر في الوجود إلا أسرار ذاته وأنوار صفاته. وبالله التوفيق. ثم ذكر أهل الشرك وسفاهة رأيهم
النحل 16:55
قلت: { إلهين اثنين } ، إلهين: مفعول أول، واثنين: تأكيد، والثاني: محذوف، أي: معبودين لكم، وفائدة التأكيد: التنبيه على أن المقصود هو النهي عن الإثنينية تنبيها على أن الإثنينية تنافي الألوهية، كما ذكر الواحد في قوله: { إنما هو إله واحد } إثبات الوحدانية دون الإلهية. قاله البيضاوي. وعبارة صاحب المطول: لفظ إلهين حامل لمعنى الجنسية - أعني: الإلهية - ومعنى العدد - أعني: الإثنينية - وكذا لفظ " الله " حامل لمعنى الجنسية والوحدة، والغرض المسوق له الكلام في الأول: النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله لا إثبات جنسه، فوصف الإلهين باثنين وإله بواحد إيضاحا لهذا الغرض وتفسيرا له. ه. ويحتمل أن يكون " اثنين " مفعولا أولا، و " إلهين " مفعولا ثانيا. وقوله: { فإياي }: مفعول بفعل محذوف، أي: ارهبوا، ولا يعمل فيه ارهبون لأنه أخذ مفعوله، وهو: ياء المتكلم، و { واصبا }: حال من { الدين }. و { ما بكم }: إما شرطية، أو موصولة متضمنة معنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول فإن استقرار النعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنها من الله، لا سببا لحصولها منه لأن جواب الشرط يكون مسببا عن فعله، واستقرار النعمة بهم ليس سببا في حصولها من الله، وإنما هو سبب في الإخبار بأنها من الله. فتأمله. وأصله للبيضاوي، والجملة: يحتمل أن تكون استئنافية، أو حالية، فيتصل الكلام بما قبله، أي: كيف تتقون غير الله، والحال أن ما بكم من نعمة فمنه وحده؟ واللام في { ليكفروا }: لام الأمر على وجه التهديد، كقوله بعد: { فتمتعوا } فعلى هذا يبتدأ بها، وقيل: هي لام العاقبة، فعلى هذا توصف بما قبلها لأنها في الأصل لام كي، وهو بعيد. يقول الحق جل جلاله: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } ، بأن تعبدوا الله تعالى، وتعبدوا معه الأصنام، { إنما هو إله واحد } لا شريك له ولا ظهير، ولا معين ولا وزير، { فإياي فارهبون } ، عدل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب، وتصريحا بالمقصود، كأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإياي فارهبون، لا غيري، { وله ما في السماوات والأرض } خلقا وملكا وعبيدا، { وله الدين } أي: الطاعة والانقياد { واصبا }: لازما، أو: واجبا وثابتا لما تقرر أنه الإله وحده، والحقيق بأن يرهب منه فلا يدان لأحد إلا هو. وقيل: { وله الدين } أي: الجزاء { واصبا } أي: دائما، فلا ينقطع ثوابه لمن آمن، ولا عقابه لمن كفر. { أفغير الله تتقون } مع أنه ليس بيد غيره نفع ولا ضر؟! كما قال: { وما بكم من نعمة فمن الله } أي: وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله وحده، { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } أي: فلا تتضرعون عند الشدة إلا إليه، ولا تستغيثون إلا به.
والجؤار: رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة، { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } وهم: كفاركم، ففي وقت الشدة ينسون أصنامهم، وفي الرخاء يرجعون إليها. فعلوا ذلك { ليكفروا بما آتيناهم } من نعمة الكشف عنهم، كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة، أو يكون تهديدا، أي: ليكفروا ما شاؤوا فسوف يعلمون، كقوله: { فتمتعوا } بكفركم { فسوف تعلمون } عاقبة أمركم. الإشارة: قال في التنوير: أبى المحققون أن يشهدوا غير الله لما حققهم به من شهود القيومية، وإحاطة الديمومية. ه. فمن فتح الله بصيرته، لم يشهد مع الحق سواه إذ الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فما حجبك عن الحق وجود موجود معه إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه ". فمن غاب عن ثنوية نفسه غاب عن ثنوية الأكوان، ووقع على عين الشهود والعيان. فما ظهر في الوجود إلا أسرار ذاته وأنوار صفاته. وبالله التوفيق. ثم ذكر أهل الشرك وسفاهة رأيهم
النحل 16:56
قلت: الضمير في { يجعلون } للكفار، وفي { يعملون } لهم، أو للأصنام. و { لهم ما يشتهون }: يجوز أن يكون { ما يشتهون } مبتدأ، وخبره: { لهم } ، وأن يكون مفعولا بفعل مضمر، أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن يكون معطوفا على البنات، وهذا منعه البصريون لاتحاد الفاعل والمفعول، وهو الواو، وضمير لهم في الغيبة، فلا يقال: زيد ضربه، وإنما يقال: ضرب نفسه، ولا يقال: أنا ضربتني، ويجوز ذلك في أفعال القلوب. وقال البيضاوي: ولا يبعد تجويزه في المعطوف، كما في الآية. يقول الحق جل جلاله: { ويجعلون } أي: كفار العرب { لما لا يعلمون } إلاهيتهم ببرهان ولا حجة، وهم الأصنام. أو: لما لا علم لهم من الجمادات التي يعبدونها، { نصيبا مما رزقناهم } من الزرع والأنعام، بقولهم: هذا لله وهذا لشركائنا، { تالله لتسألن } سؤال توبيخ وعتاب { عما كنتم تفترون } من أنها آلهة بالتقرب إليها، أو عما كنتم تفترون على الله من أنه أمركم بذلك. { ويجعلون لله البنات } من قولهم: الملائكة بنات الله، وكانت خزاعة وكنانة يقولون ذلك. { سبحانه } تنزيها له عن ذلك، { ولهم ما يشتهون } أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وهم البنون، والمعنى: أنهم يجعلون لله البنات التي يكرهونها - وهو منزه عن الولد -، ويختارون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أي: أخبر بولادتها عنده، { ظل } أي صار { وجهه مسودا }: متغيرا تغير مغتم من الكآبة والحياء من الناس، { وهو كظيم }: ممتلئ غيظا، { يتوارى } يختفي { من القوم } أي: من قومه حياء منهم، { من سوء ما بشر به } من قبح المبشر به، متفكرا في نفسه، { أيمسكه على هون } أي: يتركه، عنده، على ذل وهوان، { أم يدسه في التراب } أي: يخفيه فيه ويئده، وهي: الموؤودة، وتذكير الضمير للفظ " ما " ، { ألا ساء }: بئس { ما يحكمون } حكمهم هذا حيث نسبوا لله تعالى البنات، التي هي عندهم بهذا المحل. { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } أي: صفة السوء، وهي: الحاجة إلى الولد المنادية بالموت، واستبقاء الذكور استظهارا بهم، وكراهة البنات ووأدهن خشية الإملاق، { ولله المثل الأعلى } أي: الصفة العليا، وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق، والجود الفائق، والنزاهة عن صفات المخلوقين، والوحدانية في الذات والصفات والأفعال. وقال الأزهري: المثل الأعلى، أي: التوحيد والخلق والأمر، ونفى كل إله سواه. ويترجم عن هذا كله بقول: " لا إله إلا الله ". ه. { وهو العزيز } في ملكه، { الحكيم } في صنعه، أي: المنفرد بكمال القدرة والحكمة، فالقدرة مظهرة للأشياء في أوقاتها، والحكمة تسترها برداء أسبابها وشروطها. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل التوحيد الكامل أن يتنزهوا عن شبهة الشرك في أعمالهم وأموالهم، فلا يشركون فيما رزقهم الله، من الأموال، أحدا من المخلوقين، يجعلون لهم نصيبا في أموالهم، على قصد الحفظ، أو إصلاح النتاج، كما تفعله العامة مع الصالحين، فإن ذلك مما يقدح في صفاء التوحيد إذ لا فاعل سواه.
وقوله تعالى: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى... } الآية، فيه ذم وتهديد لمن يكره البنات، وينقبض من زيادتهن لأن فيه نزغة من فعل الجاهلية، بل ينبغي إظهار البسط والبرور بهن أكثر من الذكور، ولا شك أن النفقة عليهن أكثر ثوابا من الذكور، وفي الحديث:
" من ابتلي بهذه البنات، فأحسن إليهن، كن له حجابا من النار "
إلى غير ذلك من أحاديث كثيرة ترغب في الإحسان إليهن. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة امهاله تعالى للكفار فقال: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك... }
النحل 16:57
قلت: الضمير في { يجعلون } للكفار، وفي { يعملون } لهم، أو للأصنام. و { لهم ما يشتهون }: يجوز أن يكون { ما يشتهون } مبتدأ، وخبره: { لهم } ، وأن يكون مفعولا بفعل مضمر، أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن يكون معطوفا على البنات، وهذا منعه البصريون لاتحاد الفاعل والمفعول، وهو الواو، وضمير لهم في الغيبة، فلا يقال: زيد ضربه، وإنما يقال: ضرب نفسه، ولا يقال: أنا ضربتني، ويجوز ذلك في أفعال القلوب. وقال البيضاوي: ولا يبعد تجويزه في المعطوف، كما في الآية. يقول الحق جل جلاله: { ويجعلون } أي: كفار العرب { لما لا يعلمون } إلاهيتهم ببرهان ولا حجة، وهم الأصنام. أو: لما لا علم لهم من الجمادات التي يعبدونها، { نصيبا مما رزقناهم } من الزرع والأنعام، بقولهم: هذا لله وهذا لشركائنا، { تالله لتسألن } سؤال توبيخ وعتاب { عما كنتم تفترون } من أنها آلهة بالتقرب إليها، أو عما كنتم تفترون على الله من أنه أمركم بذلك. { ويجعلون لله البنات } من قولهم: الملائكة بنات الله، وكانت خزاعة وكنانة يقولون ذلك. { سبحانه } تنزيها له عن ذلك، { ولهم ما يشتهون } أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وهم البنون، والمعنى: أنهم يجعلون لله البنات التي يكرهونها - وهو منزه عن الولد -، ويختارون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أي: أخبر بولادتها عنده، { ظل } أي صار { وجهه مسودا }: متغيرا تغير مغتم من الكآبة والحياء من الناس، { وهو كظيم }: ممتلئ غيظا، { يتوارى } يختفي { من القوم } أي: من قومه حياء منهم، { من سوء ما بشر به } من قبح المبشر به، متفكرا في نفسه، { أيمسكه على هون } أي: يتركه، عنده، على ذل وهوان، { أم يدسه في التراب } أي: يخفيه فيه ويئده، وهي: الموؤودة، وتذكير الضمير للفظ " ما " ، { ألا ساء }: بئس { ما يحكمون } حكمهم هذا حيث نسبوا لله تعالى البنات، التي هي عندهم بهذا المحل. { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } أي: صفة السوء، وهي: الحاجة إلى الولد المنادية بالموت، واستبقاء الذكور استظهارا بهم، وكراهة البنات ووأدهن خشية الإملاق، { ولله المثل الأعلى } أي: الصفة العليا، وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق، والجود الفائق، والنزاهة عن صفات المخلوقين، والوحدانية في الذات والصفات والأفعال. وقال الأزهري: المثل الأعلى، أي: التوحيد والخلق والأمر، ونفى كل إله سواه. ويترجم عن هذا كله بقول: " لا إله إلا الله ". ه. { وهو العزيز } في ملكه، { الحكيم } في صنعه، أي: المنفرد بكمال القدرة والحكمة، فالقدرة مظهرة للأشياء في أوقاتها، والحكمة تسترها برداء أسبابها وشروطها. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل التوحيد الكامل أن يتنزهوا عن شبهة الشرك في أعمالهم وأموالهم، فلا يشركون فيما رزقهم الله، من الأموال، أحدا من المخلوقين، يجعلون لهم نصيبا في أموالهم، على قصد الحفظ، أو إصلاح النتاج، كما تفعله العامة مع الصالحين، فإن ذلك مما يقدح في صفاء التوحيد إذ لا فاعل سواه.
وقوله تعالى: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى... } الآية، فيه ذم وتهديد لمن يكره البنات، وينقبض من زيادتهن لأن فيه نزغة من فعل الجاهلية، بل ينبغي إظهار البسط والبرور بهن أكثر من الذكور، ولا شك أن النفقة عليهن أكثر ثوابا من الذكور، وفي الحديث:
" من ابتلي بهذه البنات، فأحسن إليهن، كن له حجابا من النار "
إلى غير ذلك من أحاديث كثيرة ترغب في الإحسان إليهن. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة امهاله تعالى للكفار فقال: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك... }
النحل 16:58
قلت: الضمير في { يجعلون } للكفار، وفي { يعملون } لهم، أو للأصنام. و { لهم ما يشتهون }: يجوز أن يكون { ما يشتهون } مبتدأ، وخبره: { لهم } ، وأن يكون مفعولا بفعل مضمر، أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن يكون معطوفا على البنات، وهذا منعه البصريون لاتحاد الفاعل والمفعول، وهو الواو، وضمير لهم في الغيبة، فلا يقال: زيد ضربه، وإنما يقال: ضرب نفسه، ولا يقال: أنا ضربتني، ويجوز ذلك في أفعال القلوب. وقال البيضاوي: ولا يبعد تجويزه في المعطوف، كما في الآية. يقول الحق جل جلاله: { ويجعلون } أي: كفار العرب { لما لا يعلمون } إلاهيتهم ببرهان ولا حجة، وهم الأصنام. أو: لما لا علم لهم من الجمادات التي يعبدونها، { نصيبا مما رزقناهم } من الزرع والأنعام، بقولهم: هذا لله وهذا لشركائنا، { تالله لتسألن } سؤال توبيخ وعتاب { عما كنتم تفترون } من أنها آلهة بالتقرب إليها، أو عما كنتم تفترون على الله من أنه أمركم بذلك. { ويجعلون لله البنات } من قولهم: الملائكة بنات الله، وكانت خزاعة وكنانة يقولون ذلك. { سبحانه } تنزيها له عن ذلك، { ولهم ما يشتهون } أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وهم البنون، والمعنى: أنهم يجعلون لله البنات التي يكرهونها - وهو منزه عن الولد -، ويختارون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أي: أخبر بولادتها عنده، { ظل } أي صار { وجهه مسودا }: متغيرا تغير مغتم من الكآبة والحياء من الناس، { وهو كظيم }: ممتلئ غيظا، { يتوارى } يختفي { من القوم } أي: من قومه حياء منهم، { من سوء ما بشر به } من قبح المبشر به، متفكرا في نفسه، { أيمسكه على هون } أي: يتركه، عنده، على ذل وهوان، { أم يدسه في التراب } أي: يخفيه فيه ويئده، وهي: الموؤودة، وتذكير الضمير للفظ " ما " ، { ألا ساء }: بئس { ما يحكمون } حكمهم هذا حيث نسبوا لله تعالى البنات، التي هي عندهم بهذا المحل. { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } أي: صفة السوء، وهي: الحاجة إلى الولد المنادية بالموت، واستبقاء الذكور استظهارا بهم، وكراهة البنات ووأدهن خشية الإملاق، { ولله المثل الأعلى } أي: الصفة العليا، وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق، والجود الفائق، والنزاهة عن صفات المخلوقين، والوحدانية في الذات والصفات والأفعال. وقال الأزهري: المثل الأعلى، أي: التوحيد والخلق والأمر، ونفى كل إله سواه. ويترجم عن هذا كله بقول: " لا إله إلا الله ". ه. { وهو العزيز } في ملكه، { الحكيم } في صنعه، أي: المنفرد بكمال القدرة والحكمة، فالقدرة مظهرة للأشياء في أوقاتها، والحكمة تسترها برداء أسبابها وشروطها. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل التوحيد الكامل أن يتنزهوا عن شبهة الشرك في أعمالهم وأموالهم، فلا يشركون فيما رزقهم الله، من الأموال، أحدا من المخلوقين، يجعلون لهم نصيبا في أموالهم، على قصد الحفظ، أو إصلاح النتاج، كما تفعله العامة مع الصالحين، فإن ذلك مما يقدح في صفاء التوحيد إذ لا فاعل سواه.
وقوله تعالى: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى... } الآية، فيه ذم وتهديد لمن يكره البنات، وينقبض من زيادتهن لأن فيه نزغة من فعل الجاهلية، بل ينبغي إظهار البسط والبرور بهن أكثر من الذكور، ولا شك أن النفقة عليهن أكثر ثوابا من الذكور، وفي الحديث:
" من ابتلي بهذه البنات، فأحسن إليهن، كن له حجابا من النار "
إلى غير ذلك من أحاديث كثيرة ترغب في الإحسان إليهن. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة امهاله تعالى للكفار فقال: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك... }
النحل 16:59
قلت: الضمير في { يجعلون } للكفار، وفي { يعملون } لهم، أو للأصنام. و { لهم ما يشتهون }: يجوز أن يكون { ما يشتهون } مبتدأ، وخبره: { لهم } ، وأن يكون مفعولا بفعل مضمر، أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن يكون معطوفا على البنات، وهذا منعه البصريون لاتحاد الفاعل والمفعول، وهو الواو، وضمير لهم في الغيبة، فلا يقال: زيد ضربه، وإنما يقال: ضرب نفسه، ولا يقال: أنا ضربتني، ويجوز ذلك في أفعال القلوب. وقال البيضاوي: ولا يبعد تجويزه في المعطوف، كما في الآية. يقول الحق جل جلاله: { ويجعلون } أي: كفار العرب { لما لا يعلمون } إلاهيتهم ببرهان ولا حجة، وهم الأصنام. أو: لما لا علم لهم من الجمادات التي يعبدونها، { نصيبا مما رزقناهم } من الزرع والأنعام، بقولهم: هذا لله وهذا لشركائنا، { تالله لتسألن } سؤال توبيخ وعتاب { عما كنتم تفترون } من أنها آلهة بالتقرب إليها، أو عما كنتم تفترون على الله من أنه أمركم بذلك. { ويجعلون لله البنات } من قولهم: الملائكة بنات الله، وكانت خزاعة وكنانة يقولون ذلك. { سبحانه } تنزيها له عن ذلك، { ولهم ما يشتهون } أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وهم البنون، والمعنى: أنهم يجعلون لله البنات التي يكرهونها - وهو منزه عن الولد -، ويختارون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أي: أخبر بولادتها عنده، { ظل } أي صار { وجهه مسودا }: متغيرا تغير مغتم من الكآبة والحياء من الناس، { وهو كظيم }: ممتلئ غيظا، { يتوارى } يختفي { من القوم } أي: من قومه حياء منهم، { من سوء ما بشر به } من قبح المبشر به، متفكرا في نفسه، { أيمسكه على هون } أي: يتركه، عنده، على ذل وهوان، { أم يدسه في التراب } أي: يخفيه فيه ويئده، وهي: الموؤودة، وتذكير الضمير للفظ " ما " ، { ألا ساء }: بئس { ما يحكمون } حكمهم هذا حيث نسبوا لله تعالى البنات، التي هي عندهم بهذا المحل. { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } أي: صفة السوء، وهي: الحاجة إلى الولد المنادية بالموت، واستبقاء الذكور استظهارا بهم، وكراهة البنات ووأدهن خشية الإملاق، { ولله المثل الأعلى } أي: الصفة العليا، وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق، والجود الفائق، والنزاهة عن صفات المخلوقين، والوحدانية في الذات والصفات والأفعال. وقال الأزهري: المثل الأعلى، أي: التوحيد والخلق والأمر، ونفى كل إله سواه. ويترجم عن هذا كله بقول: " لا إله إلا الله ". ه. { وهو العزيز } في ملكه، { الحكيم } في صنعه، أي: المنفرد بكمال القدرة والحكمة، فالقدرة مظهرة للأشياء في أوقاتها، والحكمة تسترها برداء أسبابها وشروطها. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل التوحيد الكامل أن يتنزهوا عن شبهة الشرك في أعمالهم وأموالهم، فلا يشركون فيما رزقهم الله، من الأموال، أحدا من المخلوقين، يجعلون لهم نصيبا في أموالهم، على قصد الحفظ، أو إصلاح النتاج، كما تفعله العامة مع الصالحين، فإن ذلك مما يقدح في صفاء التوحيد إذ لا فاعل سواه.
وقوله تعالى: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى... } الآية، فيه ذم وتهديد لمن يكره البنات، وينقبض من زيادتهن لأن فيه نزغة من فعل الجاهلية، بل ينبغي إظهار البسط والبرور بهن أكثر من الذكور، ولا شك أن النفقة عليهن أكثر ثوابا من الذكور، وفي الحديث:
" من ابتلي بهذه البنات، فأحسن إليهن، كن له حجابا من النار "
إلى غير ذلك من أحاديث كثيرة ترغب في الإحسان إليهن. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة امهاله تعالى للكفار فقال: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك... }
النحل 16:60
قلت: الضمير في { يجعلون } للكفار، وفي { يعملون } لهم، أو للأصنام. و { لهم ما يشتهون }: يجوز أن يكون { ما يشتهون } مبتدأ، وخبره: { لهم } ، وأن يكون مفعولا بفعل مضمر، أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن يكون معطوفا على البنات، وهذا منعه البصريون لاتحاد الفاعل والمفعول، وهو الواو، وضمير لهم في الغيبة، فلا يقال: زيد ضربه، وإنما يقال: ضرب نفسه، ولا يقال: أنا ضربتني، ويجوز ذلك في أفعال القلوب. وقال البيضاوي: ولا يبعد تجويزه في المعطوف، كما في الآية. يقول الحق جل جلاله: { ويجعلون } أي: كفار العرب { لما لا يعلمون } إلاهيتهم ببرهان ولا حجة، وهم الأصنام. أو: لما لا علم لهم من الجمادات التي يعبدونها، { نصيبا مما رزقناهم } من الزرع والأنعام، بقولهم: هذا لله وهذا لشركائنا، { تالله لتسألن } سؤال توبيخ وعتاب { عما كنتم تفترون } من أنها آلهة بالتقرب إليها، أو عما كنتم تفترون على الله من أنه أمركم بذلك. { ويجعلون لله البنات } من قولهم: الملائكة بنات الله، وكانت خزاعة وكنانة يقولون ذلك. { سبحانه } تنزيها له عن ذلك، { ولهم ما يشتهون } أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وهم البنون، والمعنى: أنهم يجعلون لله البنات التي يكرهونها - وهو منزه عن الولد -، ويختارون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } أي: أخبر بولادتها عنده، { ظل } أي صار { وجهه مسودا }: متغيرا تغير مغتم من الكآبة والحياء من الناس، { وهو كظيم }: ممتلئ غيظا، { يتوارى } يختفي { من القوم } أي: من قومه حياء منهم، { من سوء ما بشر به } من قبح المبشر به، متفكرا في نفسه، { أيمسكه على هون } أي: يتركه، عنده، على ذل وهوان، { أم يدسه في التراب } أي: يخفيه فيه ويئده، وهي: الموؤودة، وتذكير الضمير للفظ " ما " ، { ألا ساء }: بئس { ما يحكمون } حكمهم هذا حيث نسبوا لله تعالى البنات، التي هي عندهم بهذا المحل. { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } أي: صفة السوء، وهي: الحاجة إلى الولد المنادية بالموت، واستبقاء الذكور استظهارا بهم، وكراهة البنات ووأدهن خشية الإملاق، { ولله المثل الأعلى } أي: الصفة العليا، وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق، والجود الفائق، والنزاهة عن صفات المخلوقين، والوحدانية في الذات والصفات والأفعال. وقال الأزهري: المثل الأعلى، أي: التوحيد والخلق والأمر، ونفى كل إله سواه. ويترجم عن هذا كله بقول: " لا إله إلا الله ". ه. { وهو العزيز } في ملكه، { الحكيم } في صنعه، أي: المنفرد بكمال القدرة والحكمة، فالقدرة مظهرة للأشياء في أوقاتها، والحكمة تسترها برداء أسبابها وشروطها. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل التوحيد الكامل أن يتنزهوا عن شبهة الشرك في أعمالهم وأموالهم، فلا يشركون فيما رزقهم الله، من الأموال، أحدا من المخلوقين، يجعلون لهم نصيبا في أموالهم، على قصد الحفظ، أو إصلاح النتاج، كما تفعله العامة مع الصالحين، فإن ذلك مما يقدح في صفاء التوحيد إذ لا فاعل سواه.
وقوله تعالى: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى... } الآية، فيه ذم وتهديد لمن يكره البنات، وينقبض من زيادتهن لأن فيه نزغة من فعل الجاهلية، بل ينبغي إظهار البسط والبرور بهن أكثر من الذكور، ولا شك أن النفقة عليهن أكثر ثوابا من الذكور، وفي الحديث:
" من ابتلي بهذه البنات، فأحسن إليهن، كن له حجابا من النار "
إلى غير ذلك من أحاديث كثيرة ترغب في الإحسان إليهن. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة امهاله تعالى للكفار فقال: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك... }
النحل 16:61
يقول الحق جل جلاله: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } أي: بكفرهم ومعاصيهم الصادرة من بعضهم، { كما ترك عليها } أي: على الأرض { من دابة }: نسمة تدب عليها، بشؤم ظلمهم. وعن ابن مسعود: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم. وقيل: لو هلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء، { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } سماه لأعمارهم، أو لعذابهم، { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون } عنه { ساعة ولا يستقدمون } عليه، بل يهلكون، أو يعذبون حينئذ لا محالة، فالحكمة في إمهال أهل الكفر والمعاصي لئلا يعم العذاب، كقوله:
واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة
[الأنفال: 25]، و لعل الله تعالى يخرج من أصلابهم من يوحد الله }. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الله يهم أن ينزل إلى أهل الأرض عذابا لما يرى فيهم من كثرة الظلم والفجور، فإذا رأى حلق الذكر ومجالس العلم رفع عنهم العذاب. وفي بعض الأخبار:
" لولا شيوخ ركع، وصبيان رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا ".
ثم ذكر وعيد الكفار فقال: { ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم... }.
النحل 16:62
قلت: { أن لهم الحسنى }: بدل من { الكذب } ، ومن قرأ { مفرطون } بالكسر، فاسم فاعل من الإفراط، وهو: تجاوز الحد، ومن قرأها بالفتح فاسم مفعول، من أفرط في طلب الماء، إذا قدمه. ومن قرأ بالتشديد فمن التفريط. يقول الحق جل جلاله: { ويجعلون لله ما يكرهون } لأنفسهم من البنات، والشركاء في الرئاسة وأراذل الأموال، { وتصف ألسنتهم الكذب } مع ذلك، وهو { أن لهم الحسنى } عند الله، وهي الجنة. وهذا كقوله:
ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى
[فصلت: 50]. قال تعالى: { لا جرم أن لهم النار } أي: لا شك، أو حقا أن لهم النار، { وأنهم مفرطون } مقدمون إليها، أو متركون فيها، أو مفرطون في المعاصي والظلم، متجاوزون الحد في ذلك. أو مفرطون في الطاعة من التفريط. الإشارة: الواجب في حق الأدب أن ما كان من الكمالات ينسب إلى الله تعالى، كائنا ما كان، وما كان من النقائص ينسب إلى العبد، وإن كان، في الإيجاد والاختراع، كل من عند الله، وهو بهذا الاعتبار في غاية الحسن. كما قال صاحب العينية رضي الله عنه:
وكل قبيح إن نسبت لحسنه أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمل نقصان القبيح جماله فما ثم نقصان ولا ثم باشع
ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك... }.
النحل 16:63
قلت: { وهدى ورحمة }: معطوفتان على " لتبين " ، وانتصبا على المفعولية من أجله، أي: لأجل البيان والهدى والرحمة. يقول الحق جل جلاله: { تالله لقد أرسلنا } رسلا { إلى أمم من قبلك } يا محمد، { فزين لهم الشيطان أعمالهم } السوء، فرأوها حسنة، فأسروا على قبائحها، وكذبوا الرسل، فصبروا حتى نصروا. فاصبر كما صبروا، حتى تنصر كما انتصروا. فكان عاقبة من اتبع الشيطان الهلاك والوقوع في العذاب، { فهو وليهم } أي: متولي أمورهم { اليوم } في الدنيا، { ولهم عذاب أليم } في الآخرة، أو: فهو وليهم يوم القيامة، على أنه حكاية حال آتية، أي: لا ولي لهم غيره في ذلك اليوم، وهو عاجز عن نصر نفسه، فكيف ينصر غيره؟ { وما أنزلنا عليك الكتاب }: القرآن { إلا لتبين لهم }: للناس { الذي اختلفوا فيه } من التوحيد، والقدر، وأحوال المعاد، وأحكام الأفعال، { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } به، فإنهم المنتفعون بإنزاله. الإشارة: كل من وقف دون الوصول إلى مشاهدة الحق، فهو مزين له في عمله، مستدرج به وهو لا يشعر، وحظه يوم القيامة الندم والأسف. وفي ذلك يقول أبو المواهب:
من فاته منك وصل حظه الندم ومن تكن همه تسمو به الهمم وناظر في سوى معناك حق له يقتص من جفنه بالدمع وهو دم والسمع إن جال فيه من يحدثه سوى حديثك أمسى وقره الصمم
فهذه علامات الوصول إلى الحق، بحيث ترتفع همته إلى حضرة الحق، ويصرف نظره في معاني أسرار التوحيد، وسمعه فيما يقرب إلى صريح التفريد، ومن لم يبلغ هذا المقام، لم ينقطع عنه تزيين الشيطان، فيزين له عمله، فيقف معه. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل توحيد وباهر قدرته ومن معرفتهما معرفة ذاته
النحل 16:64
قلت: { وهدى ورحمة }: معطوفتان على " لتبين " ، وانتصبا على المفعولية من أجله، أي: لأجل البيان والهدى والرحمة. يقول الحق جل جلاله: { تالله لقد أرسلنا } رسلا { إلى أمم من قبلك } يا محمد، { فزين لهم الشيطان أعمالهم } السوء، فرأوها حسنة، فأسروا على قبائحها، وكذبوا الرسل، فصبروا حتى نصروا. فاصبر كما صبروا، حتى تنصر كما انتصروا. فكان عاقبة من اتبع الشيطان الهلاك والوقوع في العذاب، { فهو وليهم } أي: متولي أمورهم { اليوم } في الدنيا، { ولهم عذاب أليم } في الآخرة، أو: فهو وليهم يوم القيامة، على أنه حكاية حال آتية، أي: لا ولي لهم غيره في ذلك اليوم، وهو عاجز عن نصر نفسه، فكيف ينصر غيره؟ { وما أنزلنا عليك الكتاب }: القرآن { إلا لتبين لهم }: للناس { الذي اختلفوا فيه } من التوحيد، والقدر، وأحوال المعاد، وأحكام الأفعال، { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } به، فإنهم المنتفعون بإنزاله. الإشارة: كل من وقف دون الوصول إلى مشاهدة الحق، فهو مزين له في عمله، مستدرج به وهو لا يشعر، وحظه يوم القيامة الندم والأسف. وفي ذلك يقول أبو المواهب:
من فاته منك وصل حظه الندم ومن تكن همه تسمو به الهمم وناظر في سوى معناك حق له يقتص من جفنه بالدمع وهو دم والسمع إن جال فيه من يحدثه سوى حديثك أمسى وقره الصمم
فهذه علامات الوصول إلى الحق، بحيث ترتفع همته إلى حضرة الحق، ويصرف نظره في معاني أسرار التوحيد، وسمعه فيما يقرب إلى صريح التفريد، ومن لم يبلغ هذا المقام، لم ينقطع عنه تزيين الشيطان، فيزين له عمله، فيقف معه. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل توحيد وباهر قدرته ومن معرفتهما معرفة ذاته
النحل 16:65
يقول الحق جل جلاله: { والله أنزل من السماء ماء مطرا { فأحيا به الأرض بعد موتها } أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها، فكانت هامدة غبراء، غير منبتة، شبيهة بالميت، فصارت، بعد إنزال المطر، مخضرة مهتزة رابية شبيهة بالحي. { إن في ذلك لآية لقوم يسمعون } سماع تدبر وإنصاف فإن هذه الآية ظاهرة، تدرك بأدنى تنبيه وسماع، غير محتاجة إلى كثرة تفكر واعتبار. الإشارة: والله أنزل من سماء الغيوب ماء العلوم النافعة، فأحيا به أرض النفوس الميتة بالغفلة والجهل، فصارت مبتهجة بأنوار التوحيد وأسرار التفريد، وفي ذلك يقول الشاعر:
إن عرفان ذي الجلال لعز وضياء وبهجة وسرور وعلى العارفين أيضا بهاء وعليهم من المحبة نور فهنيئا لمن عرفك إلهي هو والله دهره مسرور
ثم ذكر دليلا آخر.
النحل 16:66
قلت: سقى وأسقى: لغتان، على المشهور. والضمير في { بطونه }: للأنعام، وذكره باعتبار ما ذكر، كقوله:
كلا إنها تذكرة فمن شآء ذكره
[عبس: 11، 12]، أو: باعتبار الجنس، وعده سيبويه في المفردات المبنية على: أفعال، كأخلاق وأكباش، فهو، عنده، اسم جمع، كقوم ورهط، فلفظه مفرد ومعناه جمع، فذكره هنا مراعاة للفظه، وأنثه، في سورة المؤمنين مراعاة لمعناه. ومن قال: إنه جمع " نعم " ، جعل الضمير للبعض فإن اللبن لبعضها دون جميعها. و { من } في قوله: " مما " للتبعيض، و { من بين فرث } لابتداء الغاية، و { من ثمرات }: يتعلق بمحذوف، أي: ونسقيكم من ثمرات النخيل، يدل عليه { نسقيكم } الأول. و { تتخذون }: استئناف لبيان الإسقاء، أو يكون { ثمرات }: عطفا على { مما في بطونه } ، أو يتعلق { من ثمرات } بتتخذون، أي: تتخذون من ثمرات النخيل سكرا. وكرر { منه } للتأكيد، أو يكون { تتخذون }: صفة لمحذوف، أي: شيء تتخذون منه سكرا. يقول الحق جل جلاله: { وإن لكم } أيها الناس، { في الأنعام } وهي: الإبل والبقر والغنم، { لعبرة } ظاهرة تدل على كمال قدرته، وعجائب حكمته، وهي أنا { نسقيكم مما في بطونه } أي: بعض ما استقر في بطونه من الغذاء، { من بين فرث } وهو ما في الكرش من القذر، { ودم } وهو ما تولد من لباب الغذاء، { لبنا خالصا } من روائح الفرث، صافيا من لون الدم. والمعنى: أن الله يخلق اللبن متوسطا بين الفرث والدم يكتنفانه، ومع ذلك فلا يغير له لونا ولا طعما ولا رائحة. وعن ابن عباس: " إن البهيمة إذا اعتلفت، وانطبخ العلف في كرشها، كان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما. ثم وصفه بقوله: { سائغا للشاربين } سهل المرور في حلقهم، حتى قيل: لم يغص أحد قط من اللبن. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. { و } نسقيكم، أيضا، { من ثمرات النخيل والأعناب } أي: من عصيرهما. ثم بين كيفية الإسقاء فقال: { تتخذون منه } أي: مما ذكر { سكرا } يعني: الخمر، سميت بالمصدر، ونزل قبل تحريم الخمر، فهي منسوخة بالتحريم. وقيل: هي على وجه المنة بالمنفعة التي في الخمر، ولا تعرض فيها لتحليل الخمر ولا تحريم، وهذا هو الصحيح. وفي دعوى النسخ نظر لأن النسخ إنما يكون في الأحكام المشروعة المقررة، وهنا ليس كذلك، إنما فيه امتنان واعتبار فقط. { و } تتخذون من ثمراتها { رزقا حسنا } كالتمر، والزبيب، والدبس - وهو ما يسيل من الرطب -، والخل، والرب، وقيل: السكر: المائع من هاتين الشجرتين كالخل، والرب، والرزق الحسن: العنب والتمر. { إن في ذلك لآية } دالة على كمال قدرته تعالى، { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم بالتأمل، والنظر في الآيات. الإشارة: كما استخرج الحق، جل جلاله، من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين، استخرج مذهب أهل السنة، القائلين بالكسب، من بين مذهب الجبرية ومذهب المعتزلة، بين قوم أفرطوا، وقوم فرطوا.
واستخرج أيضا مذهب الصوفية - أعني: المحققين منهم - من بين الواقفين مع ظاهر الشريعة والمتمسكين بمجرد الحقيقة، بين قوم تفسقوا وقوم تزندقوا، بين قوم وقفوا مع عالم الحكمة، وقوم وقفوا مع شهود القدرة من غير حكمة، وهو، إن لم يكن عن غلبة سكر، كفر. واستخرج، أيضا، مذهب أهل التربية من بين سلوك محض وجذب محض، فاهل السلوك المحض محجوبون عن الله، وأهل الجذب المحض غائبون عن طريق الله، وأهل التربية برزخ بين بحرين، الجذب في بواطنهم، والسلوك على ظواهرهم. ولا يعرف هذا إلا من شرب مشربهم، قد أخذوا من ثمرات نخيل الشرائع وأعناب الحقائق، سكرا في قلوبهم، بشهود محبوبهم، ورزقا حسنا معرفة في أسرارهم، وعبودية في ظواهرهم، فصاروا جامعين بين جذب الحقائق وسلوك الشرائع، كل واحد في محله. وبالله التوفيق. ثم ذكر دليلا آخر فقال: { وأوحى ربك إلى النحل... }
النحل 16:67
قلت: سقى وأسقى: لغتان، على المشهور. والضمير في { بطونه }: للأنعام، وذكره باعتبار ما ذكر، كقوله:
كلا إنها تذكرة فمن شآء ذكره
[عبس: 11، 12]، أو: باعتبار الجنس، وعده سيبويه في المفردات المبنية على: أفعال، كأخلاق وأكباش، فهو، عنده، اسم جمع، كقوم ورهط، فلفظه مفرد ومعناه جمع، فذكره هنا مراعاة للفظه، وأنثه، في سورة المؤمنين مراعاة لمعناه. ومن قال: إنه جمع " نعم " ، جعل الضمير للبعض فإن اللبن لبعضها دون جميعها. و { من } في قوله: " مما " للتبعيض، و { من بين فرث } لابتداء الغاية، و { من ثمرات }: يتعلق بمحذوف، أي: ونسقيكم من ثمرات النخيل، يدل عليه { نسقيكم } الأول. و { تتخذون }: استئناف لبيان الإسقاء، أو يكون { ثمرات }: عطفا على { مما في بطونه } ، أو يتعلق { من ثمرات } بتتخذون، أي: تتخذون من ثمرات النخيل سكرا. وكرر { منه } للتأكيد، أو يكون { تتخذون }: صفة لمحذوف، أي: شيء تتخذون منه سكرا. يقول الحق جل جلاله: { وإن لكم } أيها الناس، { في الأنعام } وهي: الإبل والبقر والغنم، { لعبرة } ظاهرة تدل على كمال قدرته، وعجائب حكمته، وهي أنا { نسقيكم مما في بطونه } أي: بعض ما استقر في بطونه من الغذاء، { من بين فرث } وهو ما في الكرش من القذر، { ودم } وهو ما تولد من لباب الغذاء، { لبنا خالصا } من روائح الفرث، صافيا من لون الدم. والمعنى: أن الله يخلق اللبن متوسطا بين الفرث والدم يكتنفانه، ومع ذلك فلا يغير له لونا ولا طعما ولا رائحة. وعن ابن عباس: " إن البهيمة إذا اعتلفت، وانطبخ العلف في كرشها، كان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما. ثم وصفه بقوله: { سائغا للشاربين } سهل المرور في حلقهم، حتى قيل: لم يغص أحد قط من اللبن. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. { و } نسقيكم، أيضا، { من ثمرات النخيل والأعناب } أي: من عصيرهما. ثم بين كيفية الإسقاء فقال: { تتخذون منه } أي: مما ذكر { سكرا } يعني: الخمر، سميت بالمصدر، ونزل قبل تحريم الخمر، فهي منسوخة بالتحريم. وقيل: هي على وجه المنة بالمنفعة التي في الخمر، ولا تعرض فيها لتحليل الخمر ولا تحريم، وهذا هو الصحيح. وفي دعوى النسخ نظر لأن النسخ إنما يكون في الأحكام المشروعة المقررة، وهنا ليس كذلك، إنما فيه امتنان واعتبار فقط. { و } تتخذون من ثمراتها { رزقا حسنا } كالتمر، والزبيب، والدبس - وهو ما يسيل من الرطب -، والخل، والرب، وقيل: السكر: المائع من هاتين الشجرتين كالخل، والرب، والرزق الحسن: العنب والتمر. { إن في ذلك لآية } دالة على كمال قدرته تعالى، { لقوم يعقلون } يستعملون عقولهم بالتأمل، والنظر في الآيات. الإشارة: كما استخرج الحق، جل جلاله، من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين، استخرج مذهب أهل السنة، القائلين بالكسب، من بين مذهب الجبرية ومذهب المعتزلة، بين قوم أفرطوا، وقوم فرطوا.
واستخرج أيضا مذهب الصوفية - أعني: المحققين منهم - من بين الواقفين مع ظاهر الشريعة والمتمسكين بمجرد الحقيقة، بين قوم تفسقوا وقوم تزندقوا، بين قوم وقفوا مع عالم الحكمة، وقوم وقفوا مع شهود القدرة من غير حكمة، وهو، إن لم يكن عن غلبة سكر، كفر. واستخرج، أيضا، مذهب أهل التربية من بين سلوك محض وجذب محض، فاهل السلوك المحض محجوبون عن الله، وأهل الجذب المحض غائبون عن طريق الله، وأهل التربية برزخ بين بحرين، الجذب في بواطنهم، والسلوك على ظواهرهم. ولا يعرف هذا إلا من شرب مشربهم، قد أخذوا من ثمرات نخيل الشرائع وأعناب الحقائق، سكرا في قلوبهم، بشهود محبوبهم، ورزقا حسنا معرفة في أسرارهم، وعبودية في ظواهرهم، فصاروا جامعين بين جذب الحقائق وسلوك الشرائع، كل واحد في محله. وبالله التوفيق. ثم ذكر دليلا آخر فقال: { وأوحى ربك إلى النحل... }
النحل 16:68
قلت: { أن اتخذي }: مفسرة للوحي الذي أوحي إلى النحل، أو مصدرية، أي: بأن اتخذي. و { من }: للتبعيض في الثلاثة مواضع، { ثم كلي }: عطف على { اتخذي }. و { من }: للتبعيض لأنها لا تأكل من جميع الشجر، وقيل: من كل الثمرات التي تشتهيها، فتكون للبيان. و { ذللا }: حال من السبل، أو من الضمير في { اسلكي }. يقول الحق جل جلاله: { وأوحى ربك إلى النحل } أي: ألهمها، وقذف في قلوبها ذلك. والوحي على ثلاثة أقسام: وحي إلهام، ووحي منام ووحي أحكام. وقال الراغب: أصل الوحي: الإشارة السريعة، إما بالكلام رمزا، وإما بصوت مجرد عن التركيب، أو بإشارة ببعض الجوارح، والكناية. ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى الأنبياء: وحي، وذلك أضرب إما برسول مشاهد، وإما بسماع كلام من غير معاينة، كسماع موسى كلام الله، وإما بإلقاء في الروع، وإما بإلهام، نحو:
وأوحينآ إلى أم موسى
[القصص: 7]، وإما تسخير، كقوله: { وأوحى ربك إلى النحل } ، أو بمنام، كقوله صلى الله عليه وسلم:
" انقطع الوحي، وبقي المبشرات رؤيا المؤمن "
ثم بين ما أوحي إليها فقال: { أن اتخذي } ، أو بأن اتخذي { من الجبال بيوتا } تأوين إليها، كالكهوف ونحوها، { ومن الشجر } بيوتا، كالأجباح ونحوها، { ومما يعرشون } أي: يهيئون، أو يبنون لك الناس من الأماكن، وإلا لم تأو إليها. وذكرها بحرف التبعيض لأنها لا تبنى في كل جبل، وكل شجر، وكل ما يعرش من كرم أو سقف، ولا في كل مكان منها. وإنما سمي ما تبنيه، لتتعسل فيه، بيتا تشبيها ببناء الإنسان لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة، التي لا يقوى عليها حذاق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة. ولعل ذكره: للتنبيه على ذلك. قاله البيضاوي. قلت: وليس للنحل فعل في الحقيقة، وإنما هو صنع العليم الحكيم في مظاهر النحل. ثم قال لها: { ثم كلي من كل الثمرات } التي تشتهيها، حلوها ومرها. قيل: إنها ترعى من جميع النوار إلا الدفلة. { فاسلكي } أي: ادخلي { سبل ربك } طرقه في طلب المرعى، أو: فاسلكي راجعة إلى بيوتك، سبل ربك، لا تتوعر عليك ولا تلتبس. وأضافها إليه لأنها خلقه وملكه. { ذللا }: مطيعة منقادة لما يراد منك، أو اسلكي طرقه مذللة مسخرة لك، فلا تعسر عليك وإن توعرت، ولا تضل عن العود منها وإن بعدت. قال مجاهد: لم يتوعر على النحل قط طريق. { يخرج من بطونها شراب } وهو العسل، عدل عن خطاب النحل إلى خطاب الناس: لأنه محل الإنعام عليهم، والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم. وسماه شرابا لأنه مما يشرب. وظاهر الآية أن العسل يخرج من بطون النحل، وهو ظاهر كلام سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تحقيره للدنيا، قال: أشرف لباس ابن آدم فيها نفثة دود، وأشرف شراب فيها رجيع نحلة - أو قيء نحلة-، وأشرف لذة فيها مبال في مبال.
وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل. قاله ابن عطية. قلت: والذي ألفيناه، ممن يتعاطاهم، أنه يخرج من دبرهم. وقوله: { مختلف ألوانه } أي: أبيض، وأحمر، وأسود، وأصفر، بحسب اختلاف سن النحل، ومراعيها. وقد يختلف طعمه ورائحته باختلاف مرعاه. ومنه قول عائشة للنبي - عليه الصلاة والسلام -: جرست نحله العرفط وهو نبت منتن الرائحة، شبهت رائحته برائحة المغافير. ثم قال تعالى: { فيه شفاء للناس } إما بنفسه، كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره، كما في سائر الأمراض، إذ قلما ما يكون معجون إلا والعسل جزء منه. قاله البيضاوي. قال السيوطي: قيل: لبعضها، كما دل عليه تنكير شفاء، أو لكلها بضميمة إلى غيره - أقول: وبدونها، بنية - وقد أمر به صلى الله عليه وسلم من استطلق بطنه، رواه الشيخان. ه. قال ابن جزي: لأن أكثر الأدوية مستعملة من العسل كالمعاجن، والأشربة النافعة من الأمراض. وكان ابن عمر يتداوى به من كل شيء، فكأنه أخذه من العموم. وعلى ذلك يدل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أن رجلا جاء إليه فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال:
" اسقه عسلا، فذهب ثم رجع، فقال: قد سقيته فما نفع، قال: " فاذهب فاسقه عسلا، فقد صدق الله وكذب بطن أخيك "
، فسقاه فشفاه الله عز وجل ". { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر، علم، قطعا، أنه لا بد له من قادر مدبر حكيم، يلهمها ذلك ويحملها عليه، وهو الحق تعالى. الإشارة: إنما كان العسل فيه شفاء للناس لأن النحل ترعى من جميع العشب، فتأخذ خواص منافعها. وكذلك العارف الكامل يأخذ النصيب من كل شيء، ويعرف الله في كل شيء، فإذا كان بهذه المنزلة، كان فيه شفاء للقلوب، كل من صحبه، بصدق ومحبة، شفاه الله، وكل من رآه، بتعظيم وصدق، أحياه الله. وقد قالوا في صفة العارف: هو الذي يأخذ النصيب من كل شيء، ولا يأخذ النصيب منه شيئا، يصفو به كدر كل شيء، ولا يكدر صفوه شيء، قد شغله واحد عن كل شيء، ولم يشغله عن الواحد شيء... إلى غير ذلك من نعوته. وقال الورتجبي: قال أبو بكر الوراق: النحلة لما تبعت الأمر، وسلكت سبيلها على ما أمرت به، جعل لعابها شفاء للناس، كذلك المؤمن، إذا اتبع الأمر، وحفظ السر، وأقبل على مولاه، جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاء للخلق، ومن نظر إليه اعتبر، ومن سمع كلامه اتعظ، ومن جالسه سعد. ه. ثم ذكر دلالة أخرى على قدرته وهي الإحياء والإماتة: { والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر... }
النحل 16:69
قلت: { أن اتخذي }: مفسرة للوحي الذي أوحي إلى النحل، أو مصدرية، أي: بأن اتخذي. و { من }: للتبعيض في الثلاثة مواضع، { ثم كلي }: عطف على { اتخذي }. و { من }: للتبعيض لأنها لا تأكل من جميع الشجر، وقيل: من كل الثمرات التي تشتهيها، فتكون للبيان. و { ذللا }: حال من السبل، أو من الضمير في { اسلكي }. يقول الحق جل جلاله: { وأوحى ربك إلى النحل } أي: ألهمها، وقذف في قلوبها ذلك. والوحي على ثلاثة أقسام: وحي إلهام، ووحي منام ووحي أحكام. وقال الراغب: أصل الوحي: الإشارة السريعة، إما بالكلام رمزا، وإما بصوت مجرد عن التركيب، أو بإشارة ببعض الجوارح، والكناية. ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى الأنبياء: وحي، وذلك أضرب إما برسول مشاهد، وإما بسماع كلام من غير معاينة، كسماع موسى كلام الله، وإما بإلقاء في الروع، وإما بإلهام، نحو:
وأوحينآ إلى أم موسى
[القصص: 7]، وإما تسخير، كقوله: { وأوحى ربك إلى النحل } ، أو بمنام، كقوله صلى الله عليه وسلم:
" انقطع الوحي، وبقي المبشرات رؤيا المؤمن "
ثم بين ما أوحي إليها فقال: { أن اتخذي } ، أو بأن اتخذي { من الجبال بيوتا } تأوين إليها، كالكهوف ونحوها، { ومن الشجر } بيوتا، كالأجباح ونحوها، { ومما يعرشون } أي: يهيئون، أو يبنون لك الناس من الأماكن، وإلا لم تأو إليها. وذكرها بحرف التبعيض لأنها لا تبنى في كل جبل، وكل شجر، وكل ما يعرش من كرم أو سقف، ولا في كل مكان منها. وإنما سمي ما تبنيه، لتتعسل فيه، بيتا تشبيها ببناء الإنسان لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة، التي لا يقوى عليها حذاق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة. ولعل ذكره: للتنبيه على ذلك. قاله البيضاوي. قلت: وليس للنحل فعل في الحقيقة، وإنما هو صنع العليم الحكيم في مظاهر النحل. ثم قال لها: { ثم كلي من كل الثمرات } التي تشتهيها، حلوها ومرها. قيل: إنها ترعى من جميع النوار إلا الدفلة. { فاسلكي } أي: ادخلي { سبل ربك } طرقه في طلب المرعى، أو: فاسلكي راجعة إلى بيوتك، سبل ربك، لا تتوعر عليك ولا تلتبس. وأضافها إليه لأنها خلقه وملكه. { ذللا }: مطيعة منقادة لما يراد منك، أو اسلكي طرقه مذللة مسخرة لك، فلا تعسر عليك وإن توعرت، ولا تضل عن العود منها وإن بعدت. قال مجاهد: لم يتوعر على النحل قط طريق. { يخرج من بطونها شراب } وهو العسل، عدل عن خطاب النحل إلى خطاب الناس: لأنه محل الإنعام عليهم، والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم. وسماه شرابا لأنه مما يشرب. وظاهر الآية أن العسل يخرج من بطون النحل، وهو ظاهر كلام سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تحقيره للدنيا، قال: أشرف لباس ابن آدم فيها نفثة دود، وأشرف شراب فيها رجيع نحلة - أو قيء نحلة-، وأشرف لذة فيها مبال في مبال.
وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل. قاله ابن عطية. قلت: والذي ألفيناه، ممن يتعاطاهم، أنه يخرج من دبرهم. وقوله: { مختلف ألوانه } أي: أبيض، وأحمر، وأسود، وأصفر، بحسب اختلاف سن النحل، ومراعيها. وقد يختلف طعمه ورائحته باختلاف مرعاه. ومنه قول عائشة للنبي - عليه الصلاة والسلام -: جرست نحله العرفط وهو نبت منتن الرائحة، شبهت رائحته برائحة المغافير. ثم قال تعالى: { فيه شفاء للناس } إما بنفسه، كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره، كما في سائر الأمراض، إذ قلما ما يكون معجون إلا والعسل جزء منه. قاله البيضاوي. قال السيوطي: قيل: لبعضها، كما دل عليه تنكير شفاء، أو لكلها بضميمة إلى غيره - أقول: وبدونها، بنية - وقد أمر به صلى الله عليه وسلم من استطلق بطنه، رواه الشيخان. ه. قال ابن جزي: لأن أكثر الأدوية مستعملة من العسل كالمعاجن، والأشربة النافعة من الأمراض. وكان ابن عمر يتداوى به من كل شيء، فكأنه أخذه من العموم. وعلى ذلك يدل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أن رجلا جاء إليه فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال:
" اسقه عسلا، فذهب ثم رجع، فقال: قد سقيته فما نفع، قال: " فاذهب فاسقه عسلا، فقد صدق الله وكذب بطن أخيك "
، فسقاه فشفاه الله عز وجل ". { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر، علم، قطعا، أنه لا بد له من قادر مدبر حكيم، يلهمها ذلك ويحملها عليه، وهو الحق تعالى. الإشارة: إنما كان العسل فيه شفاء للناس لأن النحل ترعى من جميع العشب، فتأخذ خواص منافعها. وكذلك العارف الكامل يأخذ النصيب من كل شيء، ويعرف الله في كل شيء، فإذا كان بهذه المنزلة، كان فيه شفاء للقلوب، كل من صحبه، بصدق ومحبة، شفاه الله، وكل من رآه، بتعظيم وصدق، أحياه الله. وقد قالوا في صفة العارف: هو الذي يأخذ النصيب من كل شيء، ولا يأخذ النصيب منه شيئا، يصفو به كدر كل شيء، ولا يكدر صفوه شيء، قد شغله واحد عن كل شيء، ولم يشغله عن الواحد شيء... إلى غير ذلك من نعوته. وقال الورتجبي: قال أبو بكر الوراق: النحلة لما تبعت الأمر، وسلكت سبيلها على ما أمرت به، جعل لعابها شفاء للناس، كذلك المؤمن، إذا اتبع الأمر، وحفظ السر، وأقبل على مولاه، جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاء للخلق، ومن نظر إليه اعتبر، ومن سمع كلامه اتعظ، ومن جالسه سعد. ه. ثم ذكر دلالة أخرى على قدرته وهي الإحياء والإماتة: { والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر... }
النحل 16:70
يقول الحق جل جلاله: { والله خلقكم }: أظهركم إلى عالم الشهادة، { ثم يتوفاكم }: يردكم إلى عالم الغيب عند انتهاء آجالكم، { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } أي: أخسه، يعني: الهرم والخرف، الذي يشابه الطفولية في نقصان القوة والعقل. وقيل: هو خمس وتسعون سنة، وقيل: خمس وسبعون سنة، والتحقيق: أن ذلك لا ينضبط بسن. { لكي لا يعلم بعد علم شيئا } ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية، في نقصان العقل والنسيان وسوء الفهم. وليس المراد نفي العلم بالكلية، بل عبارة عن قلة العلم لغلبة النسيان. وقيل: المعنى: لئلا يعلم زيادة على علمه شيئا. قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه المنزلة. قلت: جاء في بعض الأحاديث ما يقتضي تخصيص القارئ للقرآن بالمتبع له، وأنه الذي يمتعه الله بعقله حتى يموت، وهو الذي يشهد له الحس، أي: الوجود في الخارج، بالصدق، لوجود الخرف في كثير ممن يحفظه. قاله في الحاشية. { إن الله عليم قدير } أي: عليم بمقادير الأشياء وأوقاتها، قدير على إيجاد الأشياء وإعدامها، عند انتهاء آجالها، فيميت الشاب النشط عند تمام أجله، ويبقى الهرم الفاني إلى انقضاء أجله. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن تفاوت أعمار الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم، ركب أبنيتهم، وعدل أمزجتهم، على قدر معلوم، ولو كان في ذلك بمقتضى الطبائع لم يقع التفاوت إلى هذا المبلغ. ه. الإشارة: الخلق والتوفي هو من جملة الظهور والبطون، عند أهل التوحيد الخاص، والرد إلى أرذل العمر لا يلحق العارفين بالله. وقد قيل، في استثناء قوله:
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
[العصر: 3] من الرد إلى أسفل سافلين: إن الصالح لا يدركه الخرف وإن أدركه الهرم. وذلك دليل على سعادته، وعدم تشويه صورته في الآخرة، والله تعالى قادر على وقاية أوليائه مما يشين به أعداءه عاجلا. وفي الحديث:
" إذا قرأ الرجل القرآن، واحتشى من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي: امتلأ - وكانت هناك غزيرة - يعني: فقه نفس ومعرفة -، كان خليفة من خلفاء الأنبياء ".
ثم سفه رأي من أشرك بعد هذه الدلائل فقال: { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق... }.
النحل 16:71
يقول الحق جل جلاله: { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } ، فمنكم غني ومنكم فقير، ومنكم ملوك مستغنون عن غيرهم، ومنكم مماليك محتاجون إلى غيرهم، { فما الذين فضلوا } وهم الموالي، أي: السادات، { برادي رزقهم }: بمعطي رزقهم { على ما ملكت أيمانهم }: على مماليكهم، أي: ليس الموالي بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها، شركة بينهم وبين مماليكهم، { فهم } أي: المماليك { فيه سواء } مع ساداتهم. وهو احتجاج على وحدانيته تعالى، وإنكار ورد على المشركين، فكأنه يقول: أنتم لا تسوون بين أنفسكم وبين مماليككم في الزرق، ولا تجعلونهم شركاء لكم، بل تأنفون من ذلك، فكيف تجعلون عبيدي شركاء لي في ألوهيتي؟! وهذا كقوله:
ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم
[الروم: 28]. ويحتمل أن يكون ذما وعتابا لمن لا يحسن إلى مملوكه، حتى يرد ما رزقه الله عليه، كما في الحديث:
" أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون ".
{ أفبنعمة الله يجحدون } ، حيث يجعلون له شركاء، فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم، ويجحدوا أنه من عند الله، أو حيث أنكروا هذه الحجج، بعد ما أنعم الله عليهم بإيضاحها، أو حيث بخسوا مماليكهم مما يجب لهم من الإنفاق. على التفسير الثاني. الإشارة: والله فضل بعضكم على بعض في أرزاق العلوم، والأسرار والمواهب، فمنكم غني بالله، ومنكم فقير منه في قلبه، ومنكم عالم به ومنكم جاهل، ومنكم قوي اليقين ومنكم ضعيف، فما الذين فضلوا بالعلوم اللدنية والأسرار الربانية برادي تلك العلوم على الجهلة وضعفاء اليقين، بأن يطلعوهم على أسرار الربوبية قبل استحقاقها - فإن ذلك بخس بحقها - حتى يرونهم أهلا لها بأن يبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم، ويملكون لهم رقابهم يتصرفون فيها تصرف المالك في مملوكه، فحينئذ يشاركونهم فيما منحهم الله من أرزاق العلوم وأسرار الفهوم، وقد قيل: لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي ولا أنثر الدر النفيس على البهم فإن قدر الله الكريم بلطفه ولاقيت أهلا للعلوم وللحكم بذلت علومي واستفدت علومهم وإلا فمخزون لدي ومكتتم فمن منح الجهال علما أضاعه من منع المستوجبين فقد ظلم
ثم ذكرهم بالنعم التي لا قدرة لأحد عليها
النحل 16:72
قلت: الحفدة: جمع حافد، وهو الخديم المسرع في الخدمة، والحفد في اللغة: الخدمة، ومنه في القنوت: " وإليك نسعى ونحفد " ، أي: نسرع في خدمتك. وسموا أولاد الأولاد حفدة لأنهم يسرعون في خدمة جدهم، حين كبر ولزم الدار، وقيل: هم البنات لأنهن يخدمن الدار. يقول الحق جل جلاله: { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } حيث خلق حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطفة الرجال، والنساء خلقهن لكم، لتتأنسوا بهن، ولتتمتعوا بهن في الحلال، وليكون أولادكم مثلكم. { وجعل لكم من أزواجكم بنين } من صلبكم { وحفدة } أولاد أولادكم أو بناتكم فإن البنات يخدمن في البيوت أشد الخدمة، أو الأصهار من قبل النساء، أو الخدم، { ورزقكم من الطيبات } من اللذائذ والمشتهيات كأنواع الثمار والحبوب والفواكه، والحيوان أكلا وركوبا وزينة، أو الحلالات، و " من ": للتبعيض فإن طيبات الدنيا أنموذج من نعيم الآخرة. { أفبالباطل يؤمنون } وهو أن الأصنام تنفعهم لأن الأصنام باطلة لا حقيقة لوجودها، وإضافة النفع لها: كفر بنعمة الله، ولذلك قال: { وبنعمة الله هم يكفرون } حيث أضافوها إلى أصنامهم، أو حيث حرموا منها ما أحله الله لهم كالبحائر والسوائب. والله تعالى أعلم. الإشارة: والله جعل لكم من أنفسكم المطهرة أصنافا من العلوم اللدنية. قال أبو سليمان الداراني: إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، ثم عادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة، من غير أن يؤدي إليها عالم علما. وجعل لكم من تلك العلوم بنين روحانيين، وهو التلامذة، يحملون تلك العلوم، وحفدة: من ينقل ذلك عنهم إلى يوم القيامة، ورزقكم من الطيبات، وهي حلاوة المعرفة عند العارفين، وحلاوة الطاعات عند المجتهدين. أفبالباطل - وهو ما سوى الله - يؤمنون، فيقفون مع الوسائط والأسباب، ويغيبون عن مسبب الأسباب، وبنعمة الله - التي هي شهود الحق بلا وسائط - هم يكفرون. ثم عاب على من وقف مع غير الله فقال: { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا... }
النحل 16:73
قلت: { رزقا }: مفعول بيملك، فيحتمل أن يكون مصدرا، أو اسما لما يرزق، فإن كان مصدرا، فشيئا مفعول به لأن المصدر ينصب المفعول، وإن كان اسما، فشيئا بدل منه. وجمع الضمير في { يستطيعون } ، وأفرده في { يملك } لأن { ما } مفردة لفظا، واقعة على الآلهة، فراعى أولا اللفظ، وفي الثاني المعنى. يقول الحق جل جلاله: { ويعبدون من دون الله } أي: غيره { ما لا يملك لهم رزقا من السماوات } بالمطر { والأرض } بالنبات، فلا يرزقونهم من ذلك { شيئا ولا يستطيعون }: لا يقدرون على شيء من ذلك لعجزهم، وهم الأصنام، { فلا تضربوا لله الأمثال } لا تجعلوا له أشباها تشركونهم به، أو تقيسونهم عليه، فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال، { إن الله يعلم } ألا مثل له، أو فساد ما يقولون عليه من القياس، { وأنتم لا تعلمون } ذلك، ولو علمتموه لما تجرأتم عليه، فهو تعليل للنهي، أي: إنه يعلم كنه الأشياء، وأنتم لا تعلمون، فدعوا رأيكم، وقفوا عندما ما حد لكم. الإشارة: كل من ركن إلى شيء دون الحق تعالى، أو اعتمد عليه في إيصال المنافع أو دفع المضار، تصدق عليه الآية، وتجر ذيلها عليه، فلا تجعلوا لله أمثالا تعتمدون عليهم وتركنون إليهم، فالله يعلم من هو أولى بالاعتماد عليه والركون إليه، وأنتم لا تعلمون ذلك، أو تعلمون ولا تعملون، ولقد قال من علم ذلك وتحقق به:
حرام على من وحد الله ربه وأفرده أن يجتدي أحدا رفدا فيا صاحبي قف على الحق وقفة أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا وقل لملوك الأرض تجهد فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى
قال سهل رضي الله عنه: " ما من قلب ولا نفس إلا والله مطلع عليه في ساعات الليل والنهار، فايما نفس أو قلب رأى فيه حاجة إلى غيره، سلط عليه إبليس ". وقال الأستاذ أبو علي الدقاق رضي الله عنه: من علامة المعرفة: ألا تسأل حوائجك، قلت أو كثرت، إلا من الله سبحانه، مثل موسى عليه السلام اشتاق إلى الرؤية، فقال: رب أرني أنظر إليك، واحتاج مرة إلى رغيف، فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير. ه. وقال في التنوير: اعلم، رحمك الله، أن رفع الهمة عن المخلوقين، وعدم التعرض لهم، أزين لهم من الحلي للعروس، وهم أحوج إليه من الماء لحياة النفوس... الخ كلامه رضي الله عنه. ثم ضرب مثلا ولمن يعبد معه
النحل 16:74
قلت: { رزقا }: مفعول بيملك، فيحتمل أن يكون مصدرا، أو اسما لما يرزق، فإن كان مصدرا، فشيئا مفعول به لأن المصدر ينصب المفعول، وإن كان اسما، فشيئا بدل منه. وجمع الضمير في { يستطيعون } ، وأفرده في { يملك } لأن { ما } مفردة لفظا، واقعة على الآلهة، فراعى أولا اللفظ، وفي الثاني المعنى. يقول الحق جل جلاله: { ويعبدون من دون الله } أي: غيره { ما لا يملك لهم رزقا من السماوات } بالمطر { والأرض } بالنبات، فلا يرزقونهم من ذلك { شيئا ولا يستطيعون }: لا يقدرون على شيء من ذلك لعجزهم، وهم الأصنام، { فلا تضربوا لله الأمثال } لا تجعلوا له أشباها تشركونهم به، أو تقيسونهم عليه، فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال، { إن الله يعلم } ألا مثل له، أو فساد ما يقولون عليه من القياس، { وأنتم لا تعلمون } ذلك، ولو علمتموه لما تجرأتم عليه، فهو تعليل للنهي، أي: إنه يعلم كنه الأشياء، وأنتم لا تعلمون، فدعوا رأيكم، وقفوا عندما ما حد لكم. الإشارة: كل من ركن إلى شيء دون الحق تعالى، أو اعتمد عليه في إيصال المنافع أو دفع المضار، تصدق عليه الآية، وتجر ذيلها عليه، فلا تجعلوا لله أمثالا تعتمدون عليهم وتركنون إليهم، فالله يعلم من هو أولى بالاعتماد عليه والركون إليه، وأنتم لا تعلمون ذلك، أو تعلمون ولا تعملون، ولقد قال من علم ذلك وتحقق به:
حرام على من وحد الله ربه وأفرده أن يجتدي أحدا رفدا فيا صاحبي قف على الحق وقفة أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا وقل لملوك الأرض تجهد فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى
قال سهل رضي الله عنه: " ما من قلب ولا نفس إلا والله مطلع عليه في ساعات الليل والنهار، فايما نفس أو قلب رأى فيه حاجة إلى غيره، سلط عليه إبليس ". وقال الأستاذ أبو علي الدقاق رضي الله عنه: من علامة المعرفة: ألا تسأل حوائجك، قلت أو كثرت، إلا من الله سبحانه، مثل موسى عليه السلام اشتاق إلى الرؤية، فقال: رب أرني أنظر إليك، واحتاج مرة إلى رغيف، فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير. ه. وقال في التنوير: اعلم، رحمك الله، أن رفع الهمة عن المخلوقين، وعدم التعرض لهم، أزين لهم من الحلي للعروس، وهم أحوج إليه من الماء لحياة النفوس... الخ كلامه رضي الله عنه. ثم ضرب مثلا ولمن يعبد معه
النحل 16:75
قلت: { عبدا }: بدل من { مثلا } ، و { من }: نكرة موصوفة، أي: عبدا مملوكا، وحرا رزقناه منا رزقا حسنا، وقيل: موصولة. و { سرا وجهرا }: على إسقاط الخافض، وجمع الضمير في { يستوون } لأنه للجنسين، و { رجلين }: بدل من: { مثلا }. يقول الحق جل جلاله: { ضرب الله مثلا } لضعف العبودية، وعظمة الربوبية، ثم بينه فقال: { عبدا مملوكا لا يقدر على شيء } ، وهذا مثال للعبد، { ومن رزقناه } أي: وحرا رزقناه { منا رزقا حسنا فهو } يتصرف فيه كيف يشاء، { ينفق منه سرا وجهرا } ، وهذا: مثال للرب تبارك وتعالى، مثل ما يشرك به من الأصنام بالمملوك العاجز عن التصرف رأسا، ومثل لنفسه بالحر المالك الذي له مال كثير، فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف شاء. وقيل: هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق. وتقييد العبد بالمملوك للتمييز من الحر فإنه أيضا عبد لله. وبسلب القدرة عن المكاتب والمأذون في التصرف، فإن الأصنام إنما تشبه العبد القن الذي لا شوب حرية فيه، بل هي أعجز منه بكثير، فكيف تضاهي الواحد القهار، الذي لا يعجزه مقدور؟ ولذلك قال: { هل يستوون }؟ أي: العبيد العجزة، والمتصرف بالإطلاق. { الحمد لله } على بيان الحق ووضوحه لأنها نعمة جليلة يجب الشكر عليها، أو الحمد كله لله لا يستحقه غيره، فضلا عن العبادة لأنه مولى النعم كلها. { بل أكثرهم لا يعلمون } أي: لا علم لهم: فيضيفون النعم إلى غيره ويعبدونه لأجلها، أو لا يعلمون ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون به. ثم ضرب الله مثلا آخر فقال: { وضرب الله مثلا } ، ثم بينه بقوله: { رجلين أحدهما أبكم } ولد أخرس، لا يفهم ولا يفهم، { لا يقدر على شيء } من الصنائع والتدابير لنقصان عقله، { وهو كل } أي: ثقيل عيال { على مولاه } الذي يلي أمره، { أينما يوجهه }: يرسله في حاجة أو أمر { لا يأت بخير } بنجح وكفاية مهم. وهذا مثال للأصنام. { هل يستوي هو } أي: الأبكم المذكور، { ومن يأمر بالعدل } ومن هو منطيق متكلم بحوائجه، ذو كفاية ورشد، ينفع الناس ويحثهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل، { وهو على صراط مستقيم } أي: وهو في نفسه على طريق مستقيم، لا يتوجه إلى مطلب إلا ويحصله بأقرب سعي؟ وهذا مثال للحق تعالى، فضرب هذا المثل لإبطال المشاركة بينه وبين الأصنام، وقيل: للكافر والمؤمن. والأصوب: كون المثلين معا في الله مع الأصنام لتكون الآية من معنى ما قبلها وما بعدها في تبيين أمر الله، والرد على أمر الأصنام. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحق تعالى موصوف بكمالات الربوبية، منعوت بعظمة الألوهية، وعبيده موسومون بنقائص العبودية، وقهرية الملكية. فمن أراد أن يمده الله في باطنه بكمالات الربوبية من قوة وعلم، وغنى وعز، ونصر وملك، فليتحقق في ظاهره بنقائص العبودية من ذل، وفقر، وضعف، وعجز، وجهل. فبقدر ما تجعل في ظاهرك من نقائص العبودية يمدك في باطنك بكمالات الربوبية " تحقق بوصفك يمدك بوصفه " ، والتحقق بالوصف إنما يكون ظاهرا بين خلقه، لا منفردا وحده إذ ليس فيه كبير مجاهدة إذ كل الناس يقدرون عليه، وإنما التحقق بالوصف - الذي هو ضامن للمدد الإلهي - هو الذي يظهر بين الأقران. وبالله التوفيق. ثم بين كمال علمه وقدرته بعد أن ذكر كمالات ذاته فقال: { ولله غيب السماوات والأرض ومآ أمر... }
النحل 16:76
قلت: { عبدا }: بدل من { مثلا } ، و { من }: نكرة موصوفة، أي: عبدا مملوكا، وحرا رزقناه منا رزقا حسنا، وقيل: موصولة. و { سرا وجهرا }: على إسقاط الخافض، وجمع الضمير في { يستوون } لأنه للجنسين، و { رجلين }: بدل من: { مثلا }. يقول الحق جل جلاله: { ضرب الله مثلا } لضعف العبودية، وعظمة الربوبية، ثم بينه فقال: { عبدا مملوكا لا يقدر على شيء } ، وهذا مثال للعبد، { ومن رزقناه } أي: وحرا رزقناه { منا رزقا حسنا فهو } يتصرف فيه كيف يشاء، { ينفق منه سرا وجهرا } ، وهذا: مثال للرب تبارك وتعالى، مثل ما يشرك به من الأصنام بالمملوك العاجز عن التصرف رأسا، ومثل لنفسه بالحر المالك الذي له مال كثير، فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف شاء. وقيل: هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق. وتقييد العبد بالمملوك للتمييز من الحر فإنه أيضا عبد لله. وبسلب القدرة عن المكاتب والمأذون في التصرف، فإن الأصنام إنما تشبه العبد القن الذي لا شوب حرية فيه، بل هي أعجز منه بكثير، فكيف تضاهي الواحد القهار، الذي لا يعجزه مقدور؟ ولذلك قال: { هل يستوون }؟ أي: العبيد العجزة، والمتصرف بالإطلاق. { الحمد لله } على بيان الحق ووضوحه لأنها نعمة جليلة يجب الشكر عليها، أو الحمد كله لله لا يستحقه غيره، فضلا عن العبادة لأنه مولى النعم كلها. { بل أكثرهم لا يعلمون } أي: لا علم لهم: فيضيفون النعم إلى غيره ويعبدونه لأجلها، أو لا يعلمون ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون به. ثم ضرب الله مثلا آخر فقال: { وضرب الله مثلا } ، ثم بينه بقوله: { رجلين أحدهما أبكم } ولد أخرس، لا يفهم ولا يفهم، { لا يقدر على شيء } من الصنائع والتدابير لنقصان عقله، { وهو كل } أي: ثقيل عيال { على مولاه } الذي يلي أمره، { أينما يوجهه }: يرسله في حاجة أو أمر { لا يأت بخير } بنجح وكفاية مهم. وهذا مثال للأصنام. { هل يستوي هو } أي: الأبكم المذكور، { ومن يأمر بالعدل } ومن هو منطيق متكلم بحوائجه، ذو كفاية ورشد، ينفع الناس ويحثهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل، { وهو على صراط مستقيم } أي: وهو في نفسه على طريق مستقيم، لا يتوجه إلى مطلب إلا ويحصله بأقرب سعي؟ وهذا مثال للحق تعالى، فضرب هذا المثل لإبطال المشاركة بينه وبين الأصنام، وقيل: للكافر والمؤمن. والأصوب: كون المثلين معا في الله مع الأصنام لتكون الآية من معنى ما قبلها وما بعدها في تبيين أمر الله، والرد على أمر الأصنام. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحق تعالى موصوف بكمالات الربوبية، منعوت بعظمة الألوهية، وعبيده موسومون بنقائص العبودية، وقهرية الملكية. فمن أراد أن يمده الله في باطنه بكمالات الربوبية من قوة وعلم، وغنى وعز، ونصر وملك، فليتحقق في ظاهره بنقائص العبودية من ذل، وفقر، وضعف، وعجز، وجهل. فبقدر ما تجعل في ظاهرك من نقائص العبودية يمدك في باطنك بكمالات الربوبية " تحقق بوصفك يمدك بوصفه " ، والتحقق بالوصف إنما يكون ظاهرا بين خلقه، لا منفردا وحده إذ ليس فيه كبير مجاهدة إذ كل الناس يقدرون عليه، وإنما التحقق بالوصف - الذي هو ضامن للمدد الإلهي - هو الذي يظهر بين الأقران. وبالله التوفيق. ثم بين كمال علمه وقدرته بعد أن ذكر كمالات ذاته فقال: { ولله غيب السماوات والأرض ومآ أمر... }
النحل 16:77
قلت: { أمهات }: جمع أم، زيدت فيه الهاء فرقا بين من يعقل ومن لا يعقل، قاله ابن جزي. والذي لغيره حتى ابن عطية: إنما زيدت لمبالغة والتأكيد. وقرئ بضم الهمزة، وبكسرها اتباعا للكسرة قبلها. يقول الحق جل جلاله: { ولله غيب السماوات والأرض } أي: يعلم ما غاب فيهما، كان محسوسا أو غير محسوس قد اختص به علمه، لا يعلمه غيره. ثم برهن على كمال قدرته فقال: { وما أمر الساعة } أي: قيام القيامة، في سرعته وسهولته، { إلا كلمح البصر } كرد البصر من أعلى الحدقة إلى أسفلها، { أو هو أقرب }: أو أمرها أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة، بل أقل لأن الحق تعالى يحيي الخلائق دفعة واحدة، في أقل من رمشة عين، و " أو " للتخيير، أو بمعنى بل. { إن الله على كل شيء قدير } فيقدر على أن يحيي الخلائق دفعة، كما قدر أن يوجدهم بالتدريج. ثم دل على قدرته فقال: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } جهالا، { وجعل لكم السمع } أي: الأسماع { والأبصار والأفئدة } أي: القلوب، فتكتسبون، بما تدركون من المحسوسات، العلوم البديهية، ثم تتمكنون من العلوم النظرية بالتفكر والاعتبار، ثم تدركون معرفة الخالق { لعلكم تشكرون } نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أظهركم أولا من العدم، ثم أمدكم ثانيا بضروب النعم، طورا بعد طور، حتى قدمتم عليه. وقدم في جميع القرآن نعمة السمع على البصر لأنه أنفع للقلب من البصر، وأشد تأثيرا فيه، وأعم نفعا منه في الدين إذ لو كانت الناس كلهم صما، ثم بعثت الرسل، فمن أين يدخل عليهم الإيمان والعلم؟ وكيف يدركون آداب العبودية وأحكام الشرائع؟ إذ الإشارة تتعذر في كثير من الأحكام، وإنما أفرده، وجمع الأبصار والأفئدة لأن متعلق السمع جنس واحد، وهي الأصوات، بخلاف متعلق البصر، فإنه يتعلق بالأجرام والألوان، والأنوار والظلمات، وسائر المحسوسات، وكذلك متعلق القلوب معاني ومحسوسات، فكانت دائرة متعلقهما أوسع مع متعلق السمع. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما غاب في سماوات الأرواح من علوم أسرار الربوبية، وفي أرض النفوس من علوم أحكام العبودية، هو في خزائن الله، يفتح منهما ما شاء على من يشاء إذ أمره تعالى بين الكاف والنون. وما أمر الساعة، التي يفتح الله فيها الفتح على عبده، بأن يميته عن نفسه، ثم يحييه بشهود طلعة ذاته، إلا كلمح البصر أو هو أقرب. لكن حكمته اقتضت الترتيب والتدريج، فيخرجه إلى هذا العالم جاهلا، ثم يفتح سمعه للتعلم والوعظ، وبصره للنظر والاعتبار، وقلبه للشهود والاستبصار، حتى يصير عالما عارفا بربه، من الشاكرين الذين يعبدون الله، شكرا وقياما برسم العبودية. وبالله التوفيق. ثم حض على التفكير الذي هو سبب المعرفة وشبكة العلوم
النحل 16:78
قلت: { أمهات }: جمع أم، زيدت فيه الهاء فرقا بين من يعقل ومن لا يعقل، قاله ابن جزي. والذي لغيره حتى ابن عطية: إنما زيدت لمبالغة والتأكيد. وقرئ بضم الهمزة، وبكسرها اتباعا للكسرة قبلها. يقول الحق جل جلاله: { ولله غيب السماوات والأرض } أي: يعلم ما غاب فيهما، كان محسوسا أو غير محسوس قد اختص به علمه، لا يعلمه غيره. ثم برهن على كمال قدرته فقال: { وما أمر الساعة } أي: قيام القيامة، في سرعته وسهولته، { إلا كلمح البصر } كرد البصر من أعلى الحدقة إلى أسفلها، { أو هو أقرب }: أو أمرها أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة، بل أقل لأن الحق تعالى يحيي الخلائق دفعة واحدة، في أقل من رمشة عين، و " أو " للتخيير، أو بمعنى بل. { إن الله على كل شيء قدير } فيقدر على أن يحيي الخلائق دفعة، كما قدر أن يوجدهم بالتدريج. ثم دل على قدرته فقال: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } جهالا، { وجعل لكم السمع } أي: الأسماع { والأبصار والأفئدة } أي: القلوب، فتكتسبون، بما تدركون من المحسوسات، العلوم البديهية، ثم تتمكنون من العلوم النظرية بالتفكر والاعتبار، ثم تدركون معرفة الخالق { لعلكم تشكرون } نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أظهركم أولا من العدم، ثم أمدكم ثانيا بضروب النعم، طورا بعد طور، حتى قدمتم عليه. وقدم في جميع القرآن نعمة السمع على البصر لأنه أنفع للقلب من البصر، وأشد تأثيرا فيه، وأعم نفعا منه في الدين إذ لو كانت الناس كلهم صما، ثم بعثت الرسل، فمن أين يدخل عليهم الإيمان والعلم؟ وكيف يدركون آداب العبودية وأحكام الشرائع؟ إذ الإشارة تتعذر في كثير من الأحكام، وإنما أفرده، وجمع الأبصار والأفئدة لأن متعلق السمع جنس واحد، وهي الأصوات، بخلاف متعلق البصر، فإنه يتعلق بالأجرام والألوان، والأنوار والظلمات، وسائر المحسوسات، وكذلك متعلق القلوب معاني ومحسوسات، فكانت دائرة متعلقهما أوسع مع متعلق السمع. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما غاب في سماوات الأرواح من علوم أسرار الربوبية، وفي أرض النفوس من علوم أحكام العبودية، هو في خزائن الله، يفتح منهما ما شاء على من يشاء إذ أمره تعالى بين الكاف والنون. وما أمر الساعة، التي يفتح الله فيها الفتح على عبده، بأن يميته عن نفسه، ثم يحييه بشهود طلعة ذاته، إلا كلمح البصر أو هو أقرب. لكن حكمته اقتضت الترتيب والتدريج، فيخرجه إلى هذا العالم جاهلا، ثم يفتح سمعه للتعلم والوعظ، وبصره للنظر والاعتبار، وقلبه للشهود والاستبصار، حتى يصير عالما عارفا بربه، من الشاكرين الذين يعبدون الله، شكرا وقياما برسم العبودية. وبالله التوفيق. ثم حض على التفكير الذي هو سبب المعرفة وشبكة العلوم
النحل 16:79
قلت: { مسخرات }: حال من { الطير } ، و { سكنا }: مصدر وصف به، أي: شيئا سكنا، أو: فعل بمعنى مفعول. و { أثاثا }: مفعول بمحذوف، أي: وجعل من أوبارها أثاثا. يقول الحق جل جلاله: { ألم يروا } ، وفي قراءة: { ألم تروا } بتوجيه الخطاب لعامة الناس، { إلى الطير مسخرات }: مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية، { في جو السماء } في الهواء المتباعد من الأرض. { ما يمسكهن } فيه { إلا الله } فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها، { إن في } تسخيره { ذلك } لها { لآيات } لعبرا ودلالة على قدرته تعالى إذ لا فاعل سواه فإن إمساك الطيران في الهواء هو على خلاف طباعها، لولا أن القدرة تحملها، ففيه آيات { لقوم يؤمنون } لأنهم هم المنتفعون بها. { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا }: موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم، كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر. و " من " للبيان، أي: جعل لكم سكنا، أي: موضعا تسكنونه، وهو بيوتكم، { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا } ، هي القباب المتخذة من الأدم، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر، فإنها، من حيث إنها نابتة على جلودها، كأنها من جلودها، { تستخفونها } أي: تجدونها خفيفة، يخف عليكم حملها وثقلها { يوم ظعنكم } أي: سفركم، وفيه لغتان: الفتح والسكون، { ويوم إقامتكم }: حضوركم، أو نزولكم، { و } جعل { من أصوافها } أي: الغنم، { وأوبارها } أي: الإبل، { وأشعارها } أي: المعز، { أثاثا }: متاعا لبيوتكم كالبسط والأكسية، { ومتاعا } تمتعون به { إلى حين } إلى مدة من الزمان، فإنها، لصلابتها، تبقى مدة مديدة، أو: إلى مماتكم، أو: إلى أن تقضوا منها أوطاركم، أو: إلى أن تبلى. { والله جعل لكم مما خلق } من الشجر والجبال والأبنية، وغيرها، { ظلالا } تتقون بها حر الشمس، { وجعل لكم من الجبال أكنانا } جمع: كن، ما تكنون، أي: تستترون به من الحر والبرد، كالكهوف والغيران والبيوت المجوفة فيها، { وجعل لكم سرابيل } جمع: سربال ثيابا من الصوف والكتان والقطن وغيرها، { تقيكم الحر } والبرد، وخص الحر بالذكر، اكتفاء بأحد الضدين، أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم. { وسرابيل تقيكم بأسكم }: حربكم، كالطعن والضرب. وهي: الدروع، وتسمى: الجواشن، جمع جوشن، وهو الدرع، { كذلك } كإتمام هذه النعم بخلق هذه الأشياء المتقدمة، { يتم نعمته عليكم } في الدنيا بخلق ما تحتاجون إليه، { لعلكم } يا أهل مكة { تسلمون } أي: تنظرون في نعمه، فتؤمنون به، أو تنقادون لحكمه. وفي قراءة: بفتح التاء، أي: تسلمون من العذاب بالإيمان، أو تنظرون فيها، فتوحدون، وتسلمون من الشرك، أو من الجراح بلبس الدروع. { فإن تولوا }: أعرضوا، ولم يقبلوا منك، أو لم يسلموا. { فإنما عليك } يا محمد { البلاغ المبين } أي: الإبلاغ البين، فلا يضرك إعراضهم حيث بلغتهم.
{ يعرفون نعمت الله } أي: يقرون بأنها من عنده، { ثم ينكرونها } بإشراكهم وعبادتهم غير المنعم بها، وبقولهم: إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا، أو بإعراضهم عن حقوقها. وقيل: نعمة الله: نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، عرفوها بالمعجزات، ثم أنكروها عنادا. { وأكثرهم الكافرون } الجاحدون عنادا. وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتفريطه في النظر، أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو كان فيهم من داخله الإسلام، ومن أسلم بعد ذلك. وإما لأنه أقام الأكثر مقام الكل، كقوله:
بل أكثرهم لا يعلمون
[النحل: 75]. قال بعضه البيضاوي. الإشارة: قال الورتجبي: بين الحق تعالى قدرته في إمساكه أطيار الأرواح في هواء الملكوت وسماء الجبروت، حتى ترفرفت بأجنحة العرفان والإيقان،على سرادق مجده وبساط كبريائه، مسخرات بأنوار جذبه، ما يمسكهن إلا الله، بكشف جماله لها، أمسكها به عن قهر سلطانه وسبحات جلاله، حتى لا تفنى - أي: تتلاشى - في بهائه. ه. والله جعل لكم من بيوتكم سكنا - وهي العبودية -، تسكنون فيها وتأوون إليها، بعد طيران الفكرة في جو أنوار الملكوت، وميادين أسرار الجبروت. أو الحضرة تسكن فيها قلوبكم، فتصير معشش أرواحكم، إليها تأوون، وفيها تسكنون. وجعل لكم منازل تنزلون فيها عند السير إلى حضرة ربكم، وهي المقامات التي يقطعها المريد، ينزل فيها ويرتحل عنها. وجعل لكم من أردية الأكوان وألوانها واختلاف أصنافها، تمتعا بشهود أنوار مكونها فيها، إلى انطوائها وظهور أضدادها بقيام الساعة، فتظهر القدرة وتبطن الحكمة، ويظهر المعنى ويبطن الحس. والله جعل لكم مما خلق من الأكوان ظلالا، والظلال لا وجود لها من ذاتها، فكذلك الأكوان لا وجود لها مع الحق، وإنما هي ظلال. والظلال ليست بموجودة ولا مفقودة. وجعل لكم من جبال العقل أكنانا، تستترون بنوره من جذب الاصطلام بمواجهة أنوار الحضرة. وجعل لكم سرابيل الشرائع تقيكم حر الحقيقة، وسرابيل الحقائق تقيكم بأس سهام الأقدار، فإن من عرف الله حقيقة هان عليه ما يواجه به من المكاره. وفي هذا المعنى أنشد بعضهم:
نلبس عمام من الماء ونشدها شد مائل ونلبس من الثلج برنس إذا حمت القوائل ونشعل من الريح قنديل ومن الضباب فتائل
والمراد بعمامة الماء: كناية عن الحقيقة لأنها كالماء لحياة النفوس. وميل شدها: كناية عن قوتها، وتكبيرها على الشريعة. والمراد ببرنس الثلج: برد التشريع، فإذا قويت الحقيقة، وخاف من الاحتراق، نزل إلى برد التشريع. والمراد بالريح: هبوب نسيم الواردات الإلهية، يشعل منها قنديل الفكرة - التي هي سراج القلب -، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهذه حالة السائر، وأما الواصل فقد سكن النور في قلبه، فلا يحتاج إلى سراج غيره تعالى. وفي ذلك يقول الشاعر:
كل بيت أنت ساكنه غير محتاج إلى سرج وجهك المحمود حجتنا يوم يأتي الناس بالحجج
والمراد بالضباب: وجود السوى، فإنه يحترق عند اشتعال الفكرة. والله تعالى أعلم. وباقي الآية ظاهر إشارته. ثم ذكر وعيد من أعرض عن هذه النعم، التي هي دلائل قدرته.
النحل 16:80
قلت: { مسخرات }: حال من { الطير } ، و { سكنا }: مصدر وصف به، أي: شيئا سكنا، أو: فعل بمعنى مفعول. و { أثاثا }: مفعول بمحذوف، أي: وجعل من أوبارها أثاثا. يقول الحق جل جلاله: { ألم يروا } ، وفي قراءة: { ألم تروا } بتوجيه الخطاب لعامة الناس، { إلى الطير مسخرات }: مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية، { في جو السماء } في الهواء المتباعد من الأرض. { ما يمسكهن } فيه { إلا الله } فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها، { إن في } تسخيره { ذلك } لها { لآيات } لعبرا ودلالة على قدرته تعالى إذ لا فاعل سواه فإن إمساك الطيران في الهواء هو على خلاف طباعها، لولا أن القدرة تحملها، ففيه آيات { لقوم يؤمنون } لأنهم هم المنتفعون بها. { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا }: موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم، كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر. و " من " للبيان، أي: جعل لكم سكنا، أي: موضعا تسكنونه، وهو بيوتكم، { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا } ، هي القباب المتخذة من الأدم، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر، فإنها، من حيث إنها نابتة على جلودها، كأنها من جلودها، { تستخفونها } أي: تجدونها خفيفة، يخف عليكم حملها وثقلها { يوم ظعنكم } أي: سفركم، وفيه لغتان: الفتح والسكون، { ويوم إقامتكم }: حضوركم، أو نزولكم، { و } جعل { من أصوافها } أي: الغنم، { وأوبارها } أي: الإبل، { وأشعارها } أي: المعز، { أثاثا }: متاعا لبيوتكم كالبسط والأكسية، { ومتاعا } تمتعون به { إلى حين } إلى مدة من الزمان، فإنها، لصلابتها، تبقى مدة مديدة، أو: إلى مماتكم، أو: إلى أن تقضوا منها أوطاركم، أو: إلى أن تبلى. { والله جعل لكم مما خلق } من الشجر والجبال والأبنية، وغيرها، { ظلالا } تتقون بها حر الشمس، { وجعل لكم من الجبال أكنانا } جمع: كن، ما تكنون، أي: تستترون به من الحر والبرد، كالكهوف والغيران والبيوت المجوفة فيها، { وجعل لكم سرابيل } جمع: سربال ثيابا من الصوف والكتان والقطن وغيرها، { تقيكم الحر } والبرد، وخص الحر بالذكر، اكتفاء بأحد الضدين، أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم. { وسرابيل تقيكم بأسكم }: حربكم، كالطعن والضرب. وهي: الدروع، وتسمى: الجواشن، جمع جوشن، وهو الدرع، { كذلك } كإتمام هذه النعم بخلق هذه الأشياء المتقدمة، { يتم نعمته عليكم } في الدنيا بخلق ما تحتاجون إليه، { لعلكم } يا أهل مكة { تسلمون } أي: تنظرون في نعمه، فتؤمنون به، أو تنقادون لحكمه. وفي قراءة: بفتح التاء، أي: تسلمون من العذاب بالإيمان، أو تنظرون فيها، فتوحدون، وتسلمون من الشرك، أو من الجراح بلبس الدروع. { فإن تولوا }: أعرضوا، ولم يقبلوا منك، أو لم يسلموا. { فإنما عليك } يا محمد { البلاغ المبين } أي: الإبلاغ البين، فلا يضرك إعراضهم حيث بلغتهم.
{ يعرفون نعمت الله } أي: يقرون بأنها من عنده، { ثم ينكرونها } بإشراكهم وعبادتهم غير المنعم بها، وبقولهم: إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا، أو بإعراضهم عن حقوقها. وقيل: نعمة الله: نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، عرفوها بالمعجزات، ثم أنكروها عنادا. { وأكثرهم الكافرون } الجاحدون عنادا. وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتفريطه في النظر، أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو كان فيهم من داخله الإسلام، ومن أسلم بعد ذلك. وإما لأنه أقام الأكثر مقام الكل، كقوله:
بل أكثرهم لا يعلمون
[النحل: 75]. قال بعضه البيضاوي. الإشارة: قال الورتجبي: بين الحق تعالى قدرته في إمساكه أطيار الأرواح في هواء الملكوت وسماء الجبروت، حتى ترفرفت بأجنحة العرفان والإيقان،على سرادق مجده وبساط كبريائه، مسخرات بأنوار جذبه، ما يمسكهن إلا الله، بكشف جماله لها، أمسكها به عن قهر سلطانه وسبحات جلاله، حتى لا تفنى - أي: تتلاشى - في بهائه. ه. والله جعل لكم من بيوتكم سكنا - وهي العبودية -، تسكنون فيها وتأوون إليها، بعد طيران الفكرة في جو أنوار الملكوت، وميادين أسرار الجبروت. أو الحضرة تسكن فيها قلوبكم، فتصير معشش أرواحكم، إليها تأوون، وفيها تسكنون. وجعل لكم منازل تنزلون فيها عند السير إلى حضرة ربكم، وهي المقامات التي يقطعها المريد، ينزل فيها ويرتحل عنها. وجعل لكم من أردية الأكوان وألوانها واختلاف أصنافها، تمتعا بشهود أنوار مكونها فيها، إلى انطوائها وظهور أضدادها بقيام الساعة، فتظهر القدرة وتبطن الحكمة، ويظهر المعنى ويبطن الحس. والله جعل لكم مما خلق من الأكوان ظلالا، والظلال لا وجود لها من ذاتها، فكذلك الأكوان لا وجود لها مع الحق، وإنما هي ظلال. والظلال ليست بموجودة ولا مفقودة. وجعل لكم من جبال العقل أكنانا، تستترون بنوره من جذب الاصطلام بمواجهة أنوار الحضرة. وجعل لكم سرابيل الشرائع تقيكم حر الحقيقة، وسرابيل الحقائق تقيكم بأس سهام الأقدار، فإن من عرف الله حقيقة هان عليه ما يواجه به من المكاره. وفي هذا المعنى أنشد بعضهم:
نلبس عمام من الماء ونشدها شد مائل ونلبس من الثلج برنس إذا حمت القوائل ونشعل من الريح قنديل ومن الضباب فتائل
والمراد بعمامة الماء: كناية عن الحقيقة لأنها كالماء لحياة النفوس. وميل شدها: كناية عن قوتها، وتكبيرها على الشريعة. والمراد ببرنس الثلج: برد التشريع، فإذا قويت الحقيقة، وخاف من الاحتراق، نزل إلى برد التشريع. والمراد بالريح: هبوب نسيم الواردات الإلهية، يشعل منها قنديل الفكرة - التي هي سراج القلب -، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهذه حالة السائر، وأما الواصل فقد سكن النور في قلبه، فلا يحتاج إلى سراج غيره تعالى. وفي ذلك يقول الشاعر:
كل بيت أنت ساكنه غير محتاج إلى سرج وجهك المحمود حجتنا يوم يأتي الناس بالحجج
والمراد بالضباب: وجود السوى، فإنه يحترق عند اشتعال الفكرة. والله تعالى أعلم. وباقي الآية ظاهر إشارته. ثم ذكر وعيد من أعرض عن هذه النعم، التي هي دلائل قدرته.
النحل 16:81
قلت: { مسخرات }: حال من { الطير } ، و { سكنا }: مصدر وصف به، أي: شيئا سكنا، أو: فعل بمعنى مفعول. و { أثاثا }: مفعول بمحذوف، أي: وجعل من أوبارها أثاثا. يقول الحق جل جلاله: { ألم يروا } ، وفي قراءة: { ألم تروا } بتوجيه الخطاب لعامة الناس، { إلى الطير مسخرات }: مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية، { في جو السماء } في الهواء المتباعد من الأرض. { ما يمسكهن } فيه { إلا الله } فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها، { إن في } تسخيره { ذلك } لها { لآيات } لعبرا ودلالة على قدرته تعالى إذ لا فاعل سواه فإن إمساك الطيران في الهواء هو على خلاف طباعها، لولا أن القدرة تحملها، ففيه آيات { لقوم يؤمنون } لأنهم هم المنتفعون بها. { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا }: موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم، كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر. و " من " للبيان، أي: جعل لكم سكنا، أي: موضعا تسكنونه، وهو بيوتكم، { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا } ، هي القباب المتخذة من الأدم، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر، فإنها، من حيث إنها نابتة على جلودها، كأنها من جلودها، { تستخفونها } أي: تجدونها خفيفة، يخف عليكم حملها وثقلها { يوم ظعنكم } أي: سفركم، وفيه لغتان: الفتح والسكون، { ويوم إقامتكم }: حضوركم، أو نزولكم، { و } جعل { من أصوافها } أي: الغنم، { وأوبارها } أي: الإبل، { وأشعارها } أي: المعز، { أثاثا }: متاعا لبيوتكم كالبسط والأكسية، { ومتاعا } تمتعون به { إلى حين } إلى مدة من الزمان، فإنها، لصلابتها، تبقى مدة مديدة، أو: إلى مماتكم، أو: إلى أن تقضوا منها أوطاركم، أو: إلى أن تبلى. { والله جعل لكم مما خلق } من الشجر والجبال والأبنية، وغيرها، { ظلالا } تتقون بها حر الشمس، { وجعل لكم من الجبال أكنانا } جمع: كن، ما تكنون، أي: تستترون به من الحر والبرد، كالكهوف والغيران والبيوت المجوفة فيها، { وجعل لكم سرابيل } جمع: سربال ثيابا من الصوف والكتان والقطن وغيرها، { تقيكم الحر } والبرد، وخص الحر بالذكر، اكتفاء بأحد الضدين، أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم. { وسرابيل تقيكم بأسكم }: حربكم، كالطعن والضرب. وهي: الدروع، وتسمى: الجواشن، جمع جوشن، وهو الدرع، { كذلك } كإتمام هذه النعم بخلق هذه الأشياء المتقدمة، { يتم نعمته عليكم } في الدنيا بخلق ما تحتاجون إليه، { لعلكم } يا أهل مكة { تسلمون } أي: تنظرون في نعمه، فتؤمنون به، أو تنقادون لحكمه. وفي قراءة: بفتح التاء، أي: تسلمون من العذاب بالإيمان، أو تنظرون فيها، فتوحدون، وتسلمون من الشرك، أو من الجراح بلبس الدروع. { فإن تولوا }: أعرضوا، ولم يقبلوا منك، أو لم يسلموا. { فإنما عليك } يا محمد { البلاغ المبين } أي: الإبلاغ البين، فلا يضرك إعراضهم حيث بلغتهم.
{ يعرفون نعمت الله } أي: يقرون بأنها من عنده، { ثم ينكرونها } بإشراكهم وعبادتهم غير المنعم بها، وبقولهم: إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا، أو بإعراضهم عن حقوقها. وقيل: نعمة الله: نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، عرفوها بالمعجزات، ثم أنكروها عنادا. { وأكثرهم الكافرون } الجاحدون عنادا. وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتفريطه في النظر، أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو كان فيهم من داخله الإسلام، ومن أسلم بعد ذلك. وإما لأنه أقام الأكثر مقام الكل، كقوله:
بل أكثرهم لا يعلمون
[النحل: 75]. قال بعضه البيضاوي. الإشارة: قال الورتجبي: بين الحق تعالى قدرته في إمساكه أطيار الأرواح في هواء الملكوت وسماء الجبروت، حتى ترفرفت بأجنحة العرفان والإيقان،على سرادق مجده وبساط كبريائه، مسخرات بأنوار جذبه، ما يمسكهن إلا الله، بكشف جماله لها، أمسكها به عن قهر سلطانه وسبحات جلاله، حتى لا تفنى - أي: تتلاشى - في بهائه. ه. والله جعل لكم من بيوتكم سكنا - وهي العبودية -، تسكنون فيها وتأوون إليها، بعد طيران الفكرة في جو أنوار الملكوت، وميادين أسرار الجبروت. أو الحضرة تسكن فيها قلوبكم، فتصير معشش أرواحكم، إليها تأوون، وفيها تسكنون. وجعل لكم منازل تنزلون فيها عند السير إلى حضرة ربكم، وهي المقامات التي يقطعها المريد، ينزل فيها ويرتحل عنها. وجعل لكم من أردية الأكوان وألوانها واختلاف أصنافها، تمتعا بشهود أنوار مكونها فيها، إلى انطوائها وظهور أضدادها بقيام الساعة، فتظهر القدرة وتبطن الحكمة، ويظهر المعنى ويبطن الحس. والله جعل لكم مما خلق من الأكوان ظلالا، والظلال لا وجود لها من ذاتها، فكذلك الأكوان لا وجود لها مع الحق، وإنما هي ظلال. والظلال ليست بموجودة ولا مفقودة. وجعل لكم من جبال العقل أكنانا، تستترون بنوره من جذب الاصطلام بمواجهة أنوار الحضرة. وجعل لكم سرابيل الشرائع تقيكم حر الحقيقة، وسرابيل الحقائق تقيكم بأس سهام الأقدار، فإن من عرف الله حقيقة هان عليه ما يواجه به من المكاره. وفي هذا المعنى أنشد بعضهم:
نلبس عمام من الماء ونشدها شد مائل ونلبس من الثلج برنس إذا حمت القوائل ونشعل من الريح قنديل ومن الضباب فتائل
والمراد بعمامة الماء: كناية عن الحقيقة لأنها كالماء لحياة النفوس. وميل شدها: كناية عن قوتها، وتكبيرها على الشريعة. والمراد ببرنس الثلج: برد التشريع، فإذا قويت الحقيقة، وخاف من الاحتراق، نزل إلى برد التشريع. والمراد بالريح: هبوب نسيم الواردات الإلهية، يشعل منها قنديل الفكرة - التي هي سراج القلب -، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهذه حالة السائر، وأما الواصل فقد سكن النور في قلبه، فلا يحتاج إلى سراج غيره تعالى. وفي ذلك يقول الشاعر:
كل بيت أنت ساكنه غير محتاج إلى سرج وجهك المحمود حجتنا يوم يأتي الناس بالحجج
والمراد بالضباب: وجود السوى، فإنه يحترق عند اشتعال الفكرة. والله تعالى أعلم. وباقي الآية ظاهر إشارته. ثم ذكر وعيد من أعرض عن هذه النعم، التي هي دلائل قدرته.