Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — النحل 16:82 – الإسراء 17:86

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. النحل 16:82
  2. النحل 16:83
  3. النحل 16:84
  4. النحل 16:85
  5. النحل 16:86
  6. النحل 16:87
  7. النحل 16:88
  8. النحل 16:89
  9. النحل 16:90
  10. النحل 16:91
  11. النحل 16:92
  12. النحل 16:93
  13. النحل 16:94
  14. النحل 16:95
  15. النحل 16:96
  16. النحل 16:97
  17. النحل 16:98
  18. النحل 16:99
  19. النحل 16:100
  20. النحل 16:101
  21. النحل 16:102
  22. النحل 16:103
  23. النحل 16:104
  24. النحل 16:105
  25. النحل 16:106
  26. النحل 16:107
  27. النحل 16:108
  28. النحل 16:109
  29. النحل 16:110
  30. النحل 16:111
  31. النحل 16:112
  32. النحل 16:113
  33. النحل 16:114
  34. النحل 16:115
  35. النحل 16:116
  36. النحل 16:117
  37. النحل 16:118
  38. النحل 16:119
  39. النحل 16:120
  40. النحل 16:121
  41. النحل 16:122
  42. النحل 16:123
  43. النحل 16:124
  44. النحل 16:125
  45. النحل 16:126
  46. النحل 16:127
  47. النحل 16:128
  48. الإسراء 17:1
  49. الإسراء 17:2
  50. الإسراء 17:3
  51. الإسراء 17:4
  52. الإسراء 17:5
  53. الإسراء 17:6
  54. الإسراء 17:7
  55. الإسراء 17:8
  56. الإسراء 17:9
  57. الإسراء 17:10
  58. الإسراء 17:11
  59. الإسراء 17:12
  60. الإسراء 17:13
  61. الإسراء 17:14
  62. الإسراء 17:15
  63. الإسراء 17:16
  64. الإسراء 17:17
  65. الإسراء 17:18
  66. الإسراء 17:19
  67. الإسراء 17:20
  68. الإسراء 17:21
  69. الإسراء 17:22
  70. الإسراء 17:23
  71. الإسراء 17:24
  72. الإسراء 17:25
  73. الإسراء 17:26
  74. الإسراء 17:27
  75. الإسراء 17:28
  76. الإسراء 17:29
  77. الإسراء 17:30
  78. الإسراء 17:31
  79. الإسراء 17:32
  80. الإسراء 17:33
  81. الإسراء 17:34
  82. الإسراء 17:35
  83. الإسراء 17:36
  84. الإسراء 17:37
  85. الإسراء 17:38
  86. الإسراء 17:39
  87. الإسراء 17:40
  88. الإسراء 17:41
  89. الإسراء 17:42
  90. الإسراء 17:43
  91. الإسراء 17:44
  92. الإسراء 17:45
  93. الإسراء 17:46
  94. الإسراء 17:47
  95. الإسراء 17:48
  96. الإسراء 17:49
  97. الإسراء 17:50
  98. الإسراء 17:51
  99. الإسراء 17:52
  100. الإسراء 17:53
  101. الإسراء 17:54
  102. الإسراء 17:55
  103. الإسراء 17:56
  104. الإسراء 17:57
  105. الإسراء 17:58
  106. الإسراء 17:59
  107. الإسراء 17:60
  108. الإسراء 17:61
  109. الإسراء 17:62
  110. الإسراء 17:63
  111. الإسراء 17:64
  112. الإسراء 17:65
  113. الإسراء 17:66
  114. الإسراء 17:67
  115. الإسراء 17:68
  116. الإسراء 17:69
  117. الإسراء 17:70
  118. الإسراء 17:71
  119. الإسراء 17:72
  120. الإسراء 17:73
  121. الإسراء 17:74
  122. الإسراء 17:75
  123. الإسراء 17:76
  124. الإسراء 17:77
  125. الإسراء 17:78
  126. الإسراء 17:79
  127. الإسراء 17:80
  128. الإسراء 17:81
  129. الإسراء 17:82
  130. الإسراء 17:83
  131. الإسراء 17:84
  132. الإسراء 17:85
  133. الإسراء 17:86

النحل 16:82

قلت: { مسخرات }: حال من { الطير } ، و { سكنا }: مصدر وصف به، أي: شيئا سكنا، أو: فعل بمعنى مفعول. و { أثاثا }: مفعول بمحذوف، أي: وجعل من أوبارها أثاثا. يقول الحق جل جلاله: { ألم يروا } ، وفي قراءة: { ألم تروا } بتوجيه الخطاب لعامة الناس، { إلى الطير مسخرات }: مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية، { في جو السماء } في الهواء المتباعد من الأرض. { ما يمسكهن } فيه { إلا الله } فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها، { إن في } تسخيره { ذلك } لها { لآيات } لعبرا ودلالة على قدرته تعالى إذ لا فاعل سواه فإن إمساك الطيران في الهواء هو على خلاف طباعها، لولا أن القدرة تحملها، ففيه آيات { لقوم يؤمنون } لأنهم هم المنتفعون بها. { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا }: موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم، كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر. و " من " للبيان، أي: جعل لكم سكنا، أي: موضعا تسكنونه، وهو بيوتكم، { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا } ، هي القباب المتخذة من الأدم، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر، فإنها، من حيث إنها نابتة على جلودها، كأنها من جلودها، { تستخفونها } أي: تجدونها خفيفة، يخف عليكم حملها وثقلها { يوم ظعنكم } أي: سفركم، وفيه لغتان: الفتح والسكون، { ويوم إقامتكم }: حضوركم، أو نزولكم، { و } جعل { من أصوافها } أي: الغنم، { وأوبارها } أي: الإبل، { وأشعارها } أي: المعز، { أثاثا }: متاعا لبيوتكم كالبسط والأكسية، { ومتاعا } تمتعون به { إلى حين } إلى مدة من الزمان، فإنها، لصلابتها، تبقى مدة مديدة، أو: إلى مماتكم، أو: إلى أن تقضوا منها أوطاركم، أو: إلى أن تبلى. { والله جعل لكم مما خلق } من الشجر والجبال والأبنية، وغيرها، { ظلالا } تتقون بها حر الشمس، { وجعل لكم من الجبال أكنانا } جمع: كن، ما تكنون، أي: تستترون به من الحر والبرد، كالكهوف والغيران والبيوت المجوفة فيها، { وجعل لكم سرابيل } جمع: سربال ثيابا من الصوف والكتان والقطن وغيرها، { تقيكم الحر } والبرد، وخص الحر بالذكر، اكتفاء بأحد الضدين، أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم. { وسرابيل تقيكم بأسكم }: حربكم، كالطعن والضرب. وهي: الدروع، وتسمى: الجواشن، جمع جوشن، وهو الدرع، { كذلك } كإتمام هذه النعم بخلق هذه الأشياء المتقدمة، { يتم نعمته عليكم } في الدنيا بخلق ما تحتاجون إليه، { لعلكم } يا أهل مكة { تسلمون } أي: تنظرون في نعمه، فتؤمنون به، أو تنقادون لحكمه. وفي قراءة: بفتح التاء، أي: تسلمون من العذاب بالإيمان، أو تنظرون فيها، فتوحدون، وتسلمون من الشرك، أو من الجراح بلبس الدروع. { فإن تولوا }: أعرضوا، ولم يقبلوا منك، أو لم يسلموا. { فإنما عليك } يا محمد { البلاغ المبين } أي: الإبلاغ البين، فلا يضرك إعراضهم حيث بلغتهم. { يعرفون نعمت الله } أي: يقرون بأنها من عنده، { ثم ينكرونها } بإشراكهم وعبادتهم غير المنعم بها، وبقولهم: إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا، أو بإعراضهم عن حقوقها. وقيل: نعمة الله: نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، عرفوها بالمعجزات، ثم أنكروها عنادا. { وأكثرهم الكافرون } الجاحدون عنادا. وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتفريطه في النظر، أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو كان فيهم من داخله الإسلام، ومن أسلم بعد ذلك. وإما لأنه أقام الأكثر مقام الكل، كقوله: بل أكثرهم لا يعلمون [النحل: 75]. قال بعضه البيضاوي. الإشارة: قال الورتجبي: بين الحق تعالى قدرته في إمساكه أطيار الأرواح في هواء الملكوت وسماء الجبروت، حتى ترفرفت بأجنحة العرفان والإيقان،على سرادق مجده وبساط كبريائه، مسخرات بأنوار جذبه، ما يمسكهن إلا الله، بكشف جماله لها، أمسكها به عن قهر سلطانه وسبحات جلاله، حتى لا تفنى - أي: تتلاشى - في بهائه. ه. والله جعل لكم من بيوتكم سكنا - وهي العبودية -، تسكنون فيها وتأوون إليها، بعد طيران الفكرة في جو أنوار الملكوت، وميادين أسرار الجبروت. أو الحضرة تسكن فيها قلوبكم، فتصير معشش أرواحكم، إليها تأوون، وفيها تسكنون. وجعل لكم منازل تنزلون فيها عند السير إلى حضرة ربكم، وهي المقامات التي يقطعها المريد، ينزل فيها ويرتحل عنها. وجعل لكم من أردية الأكوان وألوانها واختلاف أصنافها، تمتعا بشهود أنوار مكونها فيها، إلى انطوائها وظهور أضدادها بقيام الساعة، فتظهر القدرة وتبطن الحكمة، ويظهر المعنى ويبطن الحس. والله جعل لكم مما خلق من الأكوان ظلالا، والظلال لا وجود لها من ذاتها، فكذلك الأكوان لا وجود لها مع الحق، وإنما هي ظلال. والظلال ليست بموجودة ولا مفقودة. وجعل لكم من جبال العقل أكنانا، تستترون بنوره من جذب الاصطلام بمواجهة أنوار الحضرة. وجعل لكم سرابيل الشرائع تقيكم حر الحقيقة، وسرابيل الحقائق تقيكم بأس سهام الأقدار، فإن من عرف الله حقيقة هان عليه ما يواجه به من المكاره. وفي هذا المعنى أنشد بعضهم: نلبس عمام من الماء ونشدها شد مائل ونلبس من الثلج برنس إذا حمت القوائل ونشعل من الريح قنديل ومن الضباب فتائل والمراد بعمامة الماء: كناية عن الحقيقة لأنها كالماء لحياة النفوس. وميل شدها: كناية عن قوتها، وتكبيرها على الشريعة. والمراد ببرنس الثلج: برد التشريع، فإذا قويت الحقيقة، وخاف من الاحتراق، نزل إلى برد التشريع. والمراد بالريح: هبوب نسيم الواردات الإلهية، يشعل منها قنديل الفكرة - التي هي سراج القلب -، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهذه حالة السائر، وأما الواصل فقد سكن النور في قلبه، فلا يحتاج إلى سراج غيره تعالى. وفي ذلك يقول الشاعر: كل بيت أنت ساكنه غير محتاج إلى سرج وجهك المحمود حجتنا يوم يأتي الناس بالحجج والمراد بالضباب: وجود السوى، فإنه يحترق عند اشتعال الفكرة. والله تعالى أعلم. وباقي الآية ظاهر إشارته. ثم ذكر وعيد من أعرض عن هذه النعم، التي هي دلائل قدرته.

النحل 16:83

قلت: { مسخرات }: حال من { الطير } ، و { سكنا }: مصدر وصف به، أي: شيئا سكنا، أو: فعل بمعنى مفعول. و { أثاثا }: مفعول بمحذوف، أي: وجعل من أوبارها أثاثا. يقول الحق جل جلاله: { ألم يروا } ، وفي قراءة: { ألم تروا } بتوجيه الخطاب لعامة الناس، { إلى الطير مسخرات }: مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية، { في جو السماء } في الهواء المتباعد من الأرض. { ما يمسكهن } فيه { إلا الله } فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها، { إن في } تسخيره { ذلك } لها { لآيات } لعبرا ودلالة على قدرته تعالى إذ لا فاعل سواه فإن إمساك الطيران في الهواء هو على خلاف طباعها، لولا أن القدرة تحملها، ففيه آيات { لقوم يؤمنون } لأنهم هم المنتفعون بها. { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا }: موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم، كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر. و " من " للبيان، أي: جعل لكم سكنا، أي: موضعا تسكنونه، وهو بيوتكم، { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا } ، هي القباب المتخذة من الأدم، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر، فإنها، من حيث إنها نابتة على جلودها، كأنها من جلودها، { تستخفونها } أي: تجدونها خفيفة، يخف عليكم حملها وثقلها { يوم ظعنكم } أي: سفركم، وفيه لغتان: الفتح والسكون، { ويوم إقامتكم }: حضوركم، أو نزولكم، { و } جعل { من أصوافها } أي: الغنم، { وأوبارها } أي: الإبل، { وأشعارها } أي: المعز، { أثاثا }: متاعا لبيوتكم كالبسط والأكسية، { ومتاعا } تمتعون به { إلى حين } إلى مدة من الزمان، فإنها، لصلابتها، تبقى مدة مديدة، أو: إلى مماتكم، أو: إلى أن تقضوا منها أوطاركم، أو: إلى أن تبلى. { والله جعل لكم مما خلق } من الشجر والجبال والأبنية، وغيرها، { ظلالا } تتقون بها حر الشمس، { وجعل لكم من الجبال أكنانا } جمع: كن، ما تكنون، أي: تستترون به من الحر والبرد، كالكهوف والغيران والبيوت المجوفة فيها، { وجعل لكم سرابيل } جمع: سربال ثيابا من الصوف والكتان والقطن وغيرها، { تقيكم الحر } والبرد، وخص الحر بالذكر، اكتفاء بأحد الضدين، أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم. { وسرابيل تقيكم بأسكم }: حربكم، كالطعن والضرب. وهي: الدروع، وتسمى: الجواشن، جمع جوشن، وهو الدرع، { كذلك } كإتمام هذه النعم بخلق هذه الأشياء المتقدمة، { يتم نعمته عليكم } في الدنيا بخلق ما تحتاجون إليه، { لعلكم } يا أهل مكة { تسلمون } أي: تنظرون في نعمه، فتؤمنون به، أو تنقادون لحكمه. وفي قراءة: بفتح التاء، أي: تسلمون من العذاب بالإيمان، أو تنظرون فيها، فتوحدون، وتسلمون من الشرك، أو من الجراح بلبس الدروع. { فإن تولوا }: أعرضوا، ولم يقبلوا منك، أو لم يسلموا. { فإنما عليك } يا محمد { البلاغ المبين } أي: الإبلاغ البين، فلا يضرك إعراضهم حيث بلغتهم. { يعرفون نعمت الله } أي: يقرون بأنها من عنده، { ثم ينكرونها } بإشراكهم وعبادتهم غير المنعم بها، وبقولهم: إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا، أو بإعراضهم عن حقوقها. وقيل: نعمة الله: نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، عرفوها بالمعجزات، ثم أنكروها عنادا. { وأكثرهم الكافرون } الجاحدون عنادا. وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتفريطه في النظر، أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو كان فيهم من داخله الإسلام، ومن أسلم بعد ذلك. وإما لأنه أقام الأكثر مقام الكل، كقوله: بل أكثرهم لا يعلمون [النحل: 75]. قال بعضه البيضاوي. الإشارة: قال الورتجبي: بين الحق تعالى قدرته في إمساكه أطيار الأرواح في هواء الملكوت وسماء الجبروت، حتى ترفرفت بأجنحة العرفان والإيقان،على سرادق مجده وبساط كبريائه، مسخرات بأنوار جذبه، ما يمسكهن إلا الله، بكشف جماله لها، أمسكها به عن قهر سلطانه وسبحات جلاله، حتى لا تفنى - أي: تتلاشى - في بهائه. ه. والله جعل لكم من بيوتكم سكنا - وهي العبودية -، تسكنون فيها وتأوون إليها، بعد طيران الفكرة في جو أنوار الملكوت، وميادين أسرار الجبروت. أو الحضرة تسكن فيها قلوبكم، فتصير معشش أرواحكم، إليها تأوون، وفيها تسكنون. وجعل لكم منازل تنزلون فيها عند السير إلى حضرة ربكم، وهي المقامات التي يقطعها المريد، ينزل فيها ويرتحل عنها. وجعل لكم من أردية الأكوان وألوانها واختلاف أصنافها، تمتعا بشهود أنوار مكونها فيها، إلى انطوائها وظهور أضدادها بقيام الساعة، فتظهر القدرة وتبطن الحكمة، ويظهر المعنى ويبطن الحس. والله جعل لكم مما خلق من الأكوان ظلالا، والظلال لا وجود لها من ذاتها، فكذلك الأكوان لا وجود لها مع الحق، وإنما هي ظلال. والظلال ليست بموجودة ولا مفقودة. وجعل لكم من جبال العقل أكنانا، تستترون بنوره من جذب الاصطلام بمواجهة أنوار الحضرة. وجعل لكم سرابيل الشرائع تقيكم حر الحقيقة، وسرابيل الحقائق تقيكم بأس سهام الأقدار، فإن من عرف الله حقيقة هان عليه ما يواجه به من المكاره. وفي هذا المعنى أنشد بعضهم: نلبس عمام من الماء ونشدها شد مائل ونلبس من الثلج برنس إذا حمت القوائل ونشعل من الريح قنديل ومن الضباب فتائل والمراد بعمامة الماء: كناية عن الحقيقة لأنها كالماء لحياة النفوس. وميل شدها: كناية عن قوتها، وتكبيرها على الشريعة. والمراد ببرنس الثلج: برد التشريع، فإذا قويت الحقيقة، وخاف من الاحتراق، نزل إلى برد التشريع. والمراد بالريح: هبوب نسيم الواردات الإلهية، يشعل منها قنديل الفكرة - التي هي سراج القلب -، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهذه حالة السائر، وأما الواصل فقد سكن النور في قلبه، فلا يحتاج إلى سراج غيره تعالى. وفي ذلك يقول الشاعر: كل بيت أنت ساكنه غير محتاج إلى سرج وجهك المحمود حجتنا يوم يأتي الناس بالحجج والمراد بالضباب: وجود السوى، فإنه يحترق عند اشتعال الفكرة. والله تعالى أعلم. وباقي الآية ظاهر إشارته. ثم ذكر وعيد من أعرض عن هذه النعم، التي هي دلائل قدرته.

النحل 16:84

قلت: { تبيانا }: حال من الكتاب، وهو مصدر، قال في القاموس: والتبيان: مصدر شاذ. وفي ابن عطية: والتبيان: اسم، لا مصدر. والمصادر في مثله مفتوحة، كالترداد والتكرار. ه. وقال في الصحاح: لم يجيء على الكسر إلا هذا، والتلقاء. ه. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نبعث من كل أمة } من الأمم { شهيدا } أي: رسولا يشهد لها أو عليها، بالإيمان أو بالكفر، وهو يوم القيامة، { ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار إذ لا عذر لهم. أو: في الرجوع إلى الدنيا. وعبر بثم لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع من الاعتذار، مع ما فيه من الإقناط الكلي. { ولا هم يستعتبون }: لا يطلب منهم العتبى، أي: الرجوع إلى ما يرضي الله. والمعنى: أنهم لا يؤذن لهم في الاعتذار عما فرطوا فيه مما يرضي الله، ولا يطلب منهم الرجوع إلى تحصيله. { وإذا رأى الذين ظلموا }: كفروا { العذاب }: جهنم { فلا يخفف عنهم } العذاب { ولا هم ينظرون } يمهلون عنه إذا رأوه. { وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم }: أوثانهم التي دعوها شركاء الله، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه، { قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك } أي: نعبدهم ونطيعهم من دونك. وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك. { فألقوا إليهم القول } قالوا لهم: { إنكم لكاذبون } أي: أجابوا بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم عبدوهم حقيقة، وإنما عبدوا أهواءهم كقوله: كلا سيكفرون بعبادتهم [مريم: 82]، وقوله: ما كانوا إيانا يعبدون [القصص: 63]، أو لأنهم، لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن لهم. { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } أي: الاستسلام، أي: استسلموا لحكمه { يومئذ } ، بعد أن تكبروا عنه في الدنيا، ولا ينفع يومئذ، { وضل عنهم } أي: غاب وضاع وبطل { ما كانوا يفترون } من أن آلهتهم تنصرهم وتشفع لهم. { الذين كفروا وصدوا } الناس { عن سبيل الله } بالمنع من الإسلام، والحمل على الكفر، { زدناهم عذابا } بصدهم، { فوق العذاب } المستحق بكفرهم. قال ابن مسعود: " عقارب، أنيابها كالنخل الطوال، تلسعهم ". وعن عبيد بن عمير: عقارب كالبغال الدلم - أي: السود جدا -، والأدلم: الشديد السواد. وذلك العذاب { بما كانوا يفسدون } أي: بكونهم مفسدين بصدهم عما فيه صلاح العالم. { و } اذكر أيضا: { يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم } يعني: نبيهم فإن نبي كل أمة بعث منها. { وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على هؤلاء } على أمتك، أو على هؤلاء الشهداء، { ونزلنا عليك الكتاب }: القرآن { تبيانا } بيانا بليغا { لكل شيء } من أمور الدين على التفصيل، أو الإجمال بالإحالة على السنة أو القياس. { وهدى } من الضلالة، { ورحمة } بنور الهداية لجميع الخلق. وإنما حرم المحروم لتفريطه، { وبشرى } بالجنة، وغيرها، { للمسلمين } الموحدين خاصة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد بعث الله في كل دهر وعصر شهيدا يشهد على أهله، ويكون حجة عليهم يوم القيامة، وهم صنفان: صنف يشهد على من فرط في أحكام الشريعة، وهم: العلماء الأتقياء، وصنف يشهد على من فرط في أسرار الحقيقة، وهم: الأولياء الكبراء، أعني: العارفين بالله، فمن فرط في شيء منهما قامت عليه الحجة فإذا اعتذر لا ينفعه، وإذا طلب الرجوع لا يجده، وإذا أحاط به عذاب الحجاب لا ينفك عنه. وكل من أحب شيئا من دون الله، تبرأ منه يوم القيامة، وكل من أنكر الخصوصية على أولياء زمانه، وصد الناس عنه تضاعف عذابه، وكثف حجابه يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما ذكر أن القرآن تبيان كل شيء ذكر آية تضمنت أصول الاحكام

النحل 16:85

قلت: { تبيانا }: حال من الكتاب، وهو مصدر، قال في القاموس: والتبيان: مصدر شاذ. وفي ابن عطية: والتبيان: اسم، لا مصدر. والمصادر في مثله مفتوحة، كالترداد والتكرار. ه. وقال في الصحاح: لم يجيء على الكسر إلا هذا، والتلقاء. ه. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نبعث من كل أمة } من الأمم { شهيدا } أي: رسولا يشهد لها أو عليها، بالإيمان أو بالكفر، وهو يوم القيامة، { ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار إذ لا عذر لهم. أو: في الرجوع إلى الدنيا. وعبر بثم لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع من الاعتذار، مع ما فيه من الإقناط الكلي. { ولا هم يستعتبون }: لا يطلب منهم العتبى، أي: الرجوع إلى ما يرضي الله. والمعنى: أنهم لا يؤذن لهم في الاعتذار عما فرطوا فيه مما يرضي الله، ولا يطلب منهم الرجوع إلى تحصيله. { وإذا رأى الذين ظلموا }: كفروا { العذاب }: جهنم { فلا يخفف عنهم } العذاب { ولا هم ينظرون } يمهلون عنه إذا رأوه. { وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم }: أوثانهم التي دعوها شركاء الله، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه، { قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك } أي: نعبدهم ونطيعهم من دونك. وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك. { فألقوا إليهم القول } قالوا لهم: { إنكم لكاذبون } أي: أجابوا بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم عبدوهم حقيقة، وإنما عبدوا أهواءهم كقوله: كلا سيكفرون بعبادتهم [مريم: 82]، وقوله: ما كانوا إيانا يعبدون [القصص: 63]، أو لأنهم، لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن لهم. { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } أي: الاستسلام، أي: استسلموا لحكمه { يومئذ } ، بعد أن تكبروا عنه في الدنيا، ولا ينفع يومئذ، { وضل عنهم } أي: غاب وضاع وبطل { ما كانوا يفترون } من أن آلهتهم تنصرهم وتشفع لهم. { الذين كفروا وصدوا } الناس { عن سبيل الله } بالمنع من الإسلام، والحمل على الكفر، { زدناهم عذابا } بصدهم، { فوق العذاب } المستحق بكفرهم. قال ابن مسعود: " عقارب، أنيابها كالنخل الطوال، تلسعهم ". وعن عبيد بن عمير: عقارب كالبغال الدلم - أي: السود جدا -، والأدلم: الشديد السواد. وذلك العذاب { بما كانوا يفسدون } أي: بكونهم مفسدين بصدهم عما فيه صلاح العالم. { و } اذكر أيضا: { يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم } يعني: نبيهم فإن نبي كل أمة بعث منها. { وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على هؤلاء } على أمتك، أو على هؤلاء الشهداء، { ونزلنا عليك الكتاب }: القرآن { تبيانا } بيانا بليغا { لكل شيء } من أمور الدين على التفصيل، أو الإجمال بالإحالة على السنة أو القياس. { وهدى } من الضلالة، { ورحمة } بنور الهداية لجميع الخلق. وإنما حرم المحروم لتفريطه، { وبشرى } بالجنة، وغيرها، { للمسلمين } الموحدين خاصة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد بعث الله في كل دهر وعصر شهيدا يشهد على أهله، ويكون حجة عليهم يوم القيامة، وهم صنفان: صنف يشهد على من فرط في أحكام الشريعة، وهم: العلماء الأتقياء، وصنف يشهد على من فرط في أسرار الحقيقة، وهم: الأولياء الكبراء، أعني: العارفين بالله، فمن فرط في شيء منهما قامت عليه الحجة فإذا اعتذر لا ينفعه، وإذا طلب الرجوع لا يجده، وإذا أحاط به عذاب الحجاب لا ينفك عنه. وكل من أحب شيئا من دون الله، تبرأ منه يوم القيامة، وكل من أنكر الخصوصية على أولياء زمانه، وصد الناس عنه تضاعف عذابه، وكثف حجابه يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما ذكر أن القرآن تبيان كل شيء ذكر آية تضمنت أصول الاحكام

النحل 16:86

قلت: { تبيانا }: حال من الكتاب، وهو مصدر، قال في القاموس: والتبيان: مصدر شاذ. وفي ابن عطية: والتبيان: اسم، لا مصدر. والمصادر في مثله مفتوحة، كالترداد والتكرار. ه. وقال في الصحاح: لم يجيء على الكسر إلا هذا، والتلقاء. ه. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نبعث من كل أمة } من الأمم { شهيدا } أي: رسولا يشهد لها أو عليها، بالإيمان أو بالكفر، وهو يوم القيامة، { ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار إذ لا عذر لهم. أو: في الرجوع إلى الدنيا. وعبر بثم لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع من الاعتذار، مع ما فيه من الإقناط الكلي. { ولا هم يستعتبون }: لا يطلب منهم العتبى، أي: الرجوع إلى ما يرضي الله. والمعنى: أنهم لا يؤذن لهم في الاعتذار عما فرطوا فيه مما يرضي الله، ولا يطلب منهم الرجوع إلى تحصيله. { وإذا رأى الذين ظلموا }: كفروا { العذاب }: جهنم { فلا يخفف عنهم } العذاب { ولا هم ينظرون } يمهلون عنه إذا رأوه. { وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم }: أوثانهم التي دعوها شركاء الله، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه، { قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك } أي: نعبدهم ونطيعهم من دونك. وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك. { فألقوا إليهم القول } قالوا لهم: { إنكم لكاذبون } أي: أجابوا بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم عبدوهم حقيقة، وإنما عبدوا أهواءهم كقوله: كلا سيكفرون بعبادتهم [مريم: 82]، وقوله: ما كانوا إيانا يعبدون [القصص: 63]، أو لأنهم، لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن لهم. { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } أي: الاستسلام، أي: استسلموا لحكمه { يومئذ } ، بعد أن تكبروا عنه في الدنيا، ولا ينفع يومئذ، { وضل عنهم } أي: غاب وضاع وبطل { ما كانوا يفترون } من أن آلهتهم تنصرهم وتشفع لهم. { الذين كفروا وصدوا } الناس { عن سبيل الله } بالمنع من الإسلام، والحمل على الكفر، { زدناهم عذابا } بصدهم، { فوق العذاب } المستحق بكفرهم. قال ابن مسعود: " عقارب، أنيابها كالنخل الطوال، تلسعهم ". وعن عبيد بن عمير: عقارب كالبغال الدلم - أي: السود جدا -، والأدلم: الشديد السواد. وذلك العذاب { بما كانوا يفسدون } أي: بكونهم مفسدين بصدهم عما فيه صلاح العالم. { و } اذكر أيضا: { يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم } يعني: نبيهم فإن نبي كل أمة بعث منها. { وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على هؤلاء } على أمتك، أو على هؤلاء الشهداء، { ونزلنا عليك الكتاب }: القرآن { تبيانا } بيانا بليغا { لكل شيء } من أمور الدين على التفصيل، أو الإجمال بالإحالة على السنة أو القياس. { وهدى } من الضلالة، { ورحمة } بنور الهداية لجميع الخلق. وإنما حرم المحروم لتفريطه، { وبشرى } بالجنة، وغيرها، { للمسلمين } الموحدين خاصة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد بعث الله في كل دهر وعصر شهيدا يشهد على أهله، ويكون حجة عليهم يوم القيامة، وهم صنفان: صنف يشهد على من فرط في أحكام الشريعة، وهم: العلماء الأتقياء، وصنف يشهد على من فرط في أسرار الحقيقة، وهم: الأولياء الكبراء، أعني: العارفين بالله، فمن فرط في شيء منهما قامت عليه الحجة فإذا اعتذر لا ينفعه، وإذا طلب الرجوع لا يجده، وإذا أحاط به عذاب الحجاب لا ينفك عنه. وكل من أحب شيئا من دون الله، تبرأ منه يوم القيامة، وكل من أنكر الخصوصية على أولياء زمانه، وصد الناس عنه تضاعف عذابه، وكثف حجابه يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما ذكر أن القرآن تبيان كل شيء ذكر آية تضمنت أصول الاحكام

النحل 16:87

قلت: { تبيانا }: حال من الكتاب، وهو مصدر، قال في القاموس: والتبيان: مصدر شاذ. وفي ابن عطية: والتبيان: اسم، لا مصدر. والمصادر في مثله مفتوحة، كالترداد والتكرار. ه. وقال في الصحاح: لم يجيء على الكسر إلا هذا، والتلقاء. ه. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نبعث من كل أمة } من الأمم { شهيدا } أي: رسولا يشهد لها أو عليها، بالإيمان أو بالكفر، وهو يوم القيامة، { ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار إذ لا عذر لهم. أو: في الرجوع إلى الدنيا. وعبر بثم لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع من الاعتذار، مع ما فيه من الإقناط الكلي. { ولا هم يستعتبون }: لا يطلب منهم العتبى، أي: الرجوع إلى ما يرضي الله. والمعنى: أنهم لا يؤذن لهم في الاعتذار عما فرطوا فيه مما يرضي الله، ولا يطلب منهم الرجوع إلى تحصيله. { وإذا رأى الذين ظلموا }: كفروا { العذاب }: جهنم { فلا يخفف عنهم } العذاب { ولا هم ينظرون } يمهلون عنه إذا رأوه. { وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم }: أوثانهم التي دعوها شركاء الله، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه، { قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك } أي: نعبدهم ونطيعهم من دونك. وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك. { فألقوا إليهم القول } قالوا لهم: { إنكم لكاذبون } أي: أجابوا بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم عبدوهم حقيقة، وإنما عبدوا أهواءهم كقوله: كلا سيكفرون بعبادتهم [مريم: 82]، وقوله: ما كانوا إيانا يعبدون [القصص: 63]، أو لأنهم، لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن لهم. { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } أي: الاستسلام، أي: استسلموا لحكمه { يومئذ } ، بعد أن تكبروا عنه في الدنيا، ولا ينفع يومئذ، { وضل عنهم } أي: غاب وضاع وبطل { ما كانوا يفترون } من أن آلهتهم تنصرهم وتشفع لهم. { الذين كفروا وصدوا } الناس { عن سبيل الله } بالمنع من الإسلام، والحمل على الكفر، { زدناهم عذابا } بصدهم، { فوق العذاب } المستحق بكفرهم. قال ابن مسعود: " عقارب، أنيابها كالنخل الطوال، تلسعهم ". وعن عبيد بن عمير: عقارب كالبغال الدلم - أي: السود جدا -، والأدلم: الشديد السواد. وذلك العذاب { بما كانوا يفسدون } أي: بكونهم مفسدين بصدهم عما فيه صلاح العالم. { و } اذكر أيضا: { يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم } يعني: نبيهم فإن نبي كل أمة بعث منها. { وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على هؤلاء } على أمتك، أو على هؤلاء الشهداء، { ونزلنا عليك الكتاب }: القرآن { تبيانا } بيانا بليغا { لكل شيء } من أمور الدين على التفصيل، أو الإجمال بالإحالة على السنة أو القياس. { وهدى } من الضلالة، { ورحمة } بنور الهداية لجميع الخلق. وإنما حرم المحروم لتفريطه، { وبشرى } بالجنة، وغيرها، { للمسلمين } الموحدين خاصة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد بعث الله في كل دهر وعصر شهيدا يشهد على أهله، ويكون حجة عليهم يوم القيامة، وهم صنفان: صنف يشهد على من فرط في أحكام الشريعة، وهم: العلماء الأتقياء، وصنف يشهد على من فرط في أسرار الحقيقة، وهم: الأولياء الكبراء، أعني: العارفين بالله، فمن فرط في شيء منهما قامت عليه الحجة فإذا اعتذر لا ينفعه، وإذا طلب الرجوع لا يجده، وإذا أحاط به عذاب الحجاب لا ينفك عنه. وكل من أحب شيئا من دون الله، تبرأ منه يوم القيامة، وكل من أنكر الخصوصية على أولياء زمانه، وصد الناس عنه تضاعف عذابه، وكثف حجابه يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما ذكر أن القرآن تبيان كل شيء ذكر آية تضمنت أصول الاحكام

النحل 16:88

قلت: { تبيانا }: حال من الكتاب، وهو مصدر، قال في القاموس: والتبيان: مصدر شاذ. وفي ابن عطية: والتبيان: اسم، لا مصدر. والمصادر في مثله مفتوحة، كالترداد والتكرار. ه. وقال في الصحاح: لم يجيء على الكسر إلا هذا، والتلقاء. ه. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نبعث من كل أمة } من الأمم { شهيدا } أي: رسولا يشهد لها أو عليها، بالإيمان أو بالكفر، وهو يوم القيامة، { ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار إذ لا عذر لهم. أو: في الرجوع إلى الدنيا. وعبر بثم لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع من الاعتذار، مع ما فيه من الإقناط الكلي. { ولا هم يستعتبون }: لا يطلب منهم العتبى، أي: الرجوع إلى ما يرضي الله. والمعنى: أنهم لا يؤذن لهم في الاعتذار عما فرطوا فيه مما يرضي الله، ولا يطلب منهم الرجوع إلى تحصيله. { وإذا رأى الذين ظلموا }: كفروا { العذاب }: جهنم { فلا يخفف عنهم } العذاب { ولا هم ينظرون } يمهلون عنه إذا رأوه. { وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم }: أوثانهم التي دعوها شركاء الله، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه، { قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك } أي: نعبدهم ونطيعهم من دونك. وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك. { فألقوا إليهم القول } قالوا لهم: { إنكم لكاذبون } أي: أجابوا بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم عبدوهم حقيقة، وإنما عبدوا أهواءهم كقوله: كلا سيكفرون بعبادتهم [مريم: 82]، وقوله: ما كانوا إيانا يعبدون [القصص: 63]، أو لأنهم، لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن لهم. { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } أي: الاستسلام، أي: استسلموا لحكمه { يومئذ } ، بعد أن تكبروا عنه في الدنيا، ولا ينفع يومئذ، { وضل عنهم } أي: غاب وضاع وبطل { ما كانوا يفترون } من أن آلهتهم تنصرهم وتشفع لهم. { الذين كفروا وصدوا } الناس { عن سبيل الله } بالمنع من الإسلام، والحمل على الكفر، { زدناهم عذابا } بصدهم، { فوق العذاب } المستحق بكفرهم. قال ابن مسعود: " عقارب، أنيابها كالنخل الطوال، تلسعهم ". وعن عبيد بن عمير: عقارب كالبغال الدلم - أي: السود جدا -، والأدلم: الشديد السواد. وذلك العذاب { بما كانوا يفسدون } أي: بكونهم مفسدين بصدهم عما فيه صلاح العالم. { و } اذكر أيضا: { يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم } يعني: نبيهم فإن نبي كل أمة بعث منها. { وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على هؤلاء } على أمتك، أو على هؤلاء الشهداء، { ونزلنا عليك الكتاب }: القرآن { تبيانا } بيانا بليغا { لكل شيء } من أمور الدين على التفصيل، أو الإجمال بالإحالة على السنة أو القياس. { وهدى } من الضلالة، { ورحمة } بنور الهداية لجميع الخلق. وإنما حرم المحروم لتفريطه، { وبشرى } بالجنة، وغيرها، { للمسلمين } الموحدين خاصة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد بعث الله في كل دهر وعصر شهيدا يشهد على أهله، ويكون حجة عليهم يوم القيامة، وهم صنفان: صنف يشهد على من فرط في أحكام الشريعة، وهم: العلماء الأتقياء، وصنف يشهد على من فرط في أسرار الحقيقة، وهم: الأولياء الكبراء، أعني: العارفين بالله، فمن فرط في شيء منهما قامت عليه الحجة فإذا اعتذر لا ينفعه، وإذا طلب الرجوع لا يجده، وإذا أحاط به عذاب الحجاب لا ينفك عنه. وكل من أحب شيئا من دون الله، تبرأ منه يوم القيامة، وكل من أنكر الخصوصية على أولياء زمانه، وصد الناس عنه تضاعف عذابه، وكثف حجابه يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما ذكر أن القرآن تبيان كل شيء ذكر آية تضمنت أصول الاحكام

النحل 16:89

قلت: { تبيانا }: حال من الكتاب، وهو مصدر، قال في القاموس: والتبيان: مصدر شاذ. وفي ابن عطية: والتبيان: اسم، لا مصدر. والمصادر في مثله مفتوحة، كالترداد والتكرار. ه. وقال في الصحاح: لم يجيء على الكسر إلا هذا، والتلقاء. ه. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نبعث من كل أمة } من الأمم { شهيدا } أي: رسولا يشهد لها أو عليها، بالإيمان أو بالكفر، وهو يوم القيامة، { ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار إذ لا عذر لهم. أو: في الرجوع إلى الدنيا. وعبر بثم لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع من الاعتذار، مع ما فيه من الإقناط الكلي. { ولا هم يستعتبون }: لا يطلب منهم العتبى، أي: الرجوع إلى ما يرضي الله. والمعنى: أنهم لا يؤذن لهم في الاعتذار عما فرطوا فيه مما يرضي الله، ولا يطلب منهم الرجوع إلى تحصيله. { وإذا رأى الذين ظلموا }: كفروا { العذاب }: جهنم { فلا يخفف عنهم } العذاب { ولا هم ينظرون } يمهلون عنه إذا رأوه. { وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم }: أوثانهم التي دعوها شركاء الله، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه، { قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك } أي: نعبدهم ونطيعهم من دونك. وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك. { فألقوا إليهم القول } قالوا لهم: { إنكم لكاذبون } أي: أجابوا بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم عبدوهم حقيقة، وإنما عبدوا أهواءهم كقوله: كلا سيكفرون بعبادتهم [مريم: 82]، وقوله: ما كانوا إيانا يعبدون [القصص: 63]، أو لأنهم، لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن لهم. { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } أي: الاستسلام، أي: استسلموا لحكمه { يومئذ } ، بعد أن تكبروا عنه في الدنيا، ولا ينفع يومئذ، { وضل عنهم } أي: غاب وضاع وبطل { ما كانوا يفترون } من أن آلهتهم تنصرهم وتشفع لهم. { الذين كفروا وصدوا } الناس { عن سبيل الله } بالمنع من الإسلام، والحمل على الكفر، { زدناهم عذابا } بصدهم، { فوق العذاب } المستحق بكفرهم. قال ابن مسعود: " عقارب، أنيابها كالنخل الطوال، تلسعهم ". وعن عبيد بن عمير: عقارب كالبغال الدلم - أي: السود جدا -، والأدلم: الشديد السواد. وذلك العذاب { بما كانوا يفسدون } أي: بكونهم مفسدين بصدهم عما فيه صلاح العالم. { و } اذكر أيضا: { يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم } يعني: نبيهم فإن نبي كل أمة بعث منها. { وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على هؤلاء } على أمتك، أو على هؤلاء الشهداء، { ونزلنا عليك الكتاب }: القرآن { تبيانا } بيانا بليغا { لكل شيء } من أمور الدين على التفصيل، أو الإجمال بالإحالة على السنة أو القياس. { وهدى } من الضلالة، { ورحمة } بنور الهداية لجميع الخلق. وإنما حرم المحروم لتفريطه، { وبشرى } بالجنة، وغيرها، { للمسلمين } الموحدين خاصة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد بعث الله في كل دهر وعصر شهيدا يشهد على أهله، ويكون حجة عليهم يوم القيامة، وهم صنفان: صنف يشهد على من فرط في أحكام الشريعة، وهم: العلماء الأتقياء، وصنف يشهد على من فرط في أسرار الحقيقة، وهم: الأولياء الكبراء، أعني: العارفين بالله، فمن فرط في شيء منهما قامت عليه الحجة فإذا اعتذر لا ينفعه، وإذا طلب الرجوع لا يجده، وإذا أحاط به عذاب الحجاب لا ينفك عنه. وكل من أحب شيئا من دون الله، تبرأ منه يوم القيامة، وكل من أنكر الخصوصية على أولياء زمانه، وصد الناس عنه تضاعف عذابه، وكثف حجابه يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما ذكر أن القرآن تبيان كل شيء ذكر آية تضمنت أصول الاحكام

النحل 16:90

يقول الحق جل جلاله: { إن الله يأمر بالعدل } أي: التوحيد، أو الإنصاف، أو فعل الفرائض، { والإحسان } ، وهو: فعل المندوبات. وذلك في حقوق الله تعالى، وفي حق عباده، أو العدل في الأحكام، كل واحد فيما ولي فيه " كلكم راع ". والإحسان إلى عباد الله برهم وفاجرهم. قال ابن عطية: العدل: هو فعل كل مفروض من عقائد وشرائع، وسير مع الناس في أداء الأمانات، وترك الظلم، والإنصاف، وإعطاء الحق. والإحسان هو: فعل كل مندوب إليه. وقال البيضاوي: { إن الله يأمر بالعدل }: بالتوسط في الأمور اعتقادا، كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب، المتوسط بين محض الجبر والقدر، وعملا، كالتعبد بأداء الواجبات، المتوسط بين البطالة والترهب، وخلقا، كالجود المتوسط بين البخل والتبذير، والإحسان: إحسان الطاعات، وهو إما بحسب الكمية، كالتطوع بالنوافل، أو بحسب الكيفية، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " { وإيتاء ذي القربى }: وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه، وهو تخصيص بعد تعميم للمبالغة. { وينهى عن الفحشاء }: عن الإفراط في متابعة القوة الشهوية، كالزنى فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها، { والمنكر }: ما ينكر على متعاطيه في إيثاره القوة الغضبية، { والبغي }: الاستعلاء والاستيلاء على الناس، والتجبر عليهم، فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية، ولا يوجد من الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام، صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: " هي أجمع آية في القرآن للخير والشر ". وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون، فلو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء، وهدى ورحمة للعالمين، ولعل إيرادها عقب قوله: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } للتنبيه عليه. ه. وفي القوت: هي قطب القرآن. ه. وعن عثمان بن مظعون: أنه قال: لما نزلت هذه الآية قرأتها على أبي طالب، فعجب، وقال: آل غالب، اتبعوه تفلحوا، فوالله إن الله أرسله ليأمر بمكارم الأخلاق. ه. قال ابن عطية: { وإيتاء ذي القربى }: لفظ يقتضي صلة الرحم، ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة، وتركه مبهما أبلغ لأن كل من وصل في ذلك إلى غاية - وإن علت - يرى أنه مقصر، وهذا المعنى المأمور به في جانب ذي القربى داخل تحت العدل والإحسان، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به وحضا عليه. ه. { يعظكم } بما ذكر من التمييز بين الأمر والنهي، والخير والشر، { لعلكم تذكرون }: تتعظون فتنهضون إلى ما أمرتكم به وندبتكم إليه، وتنكفوا عما نهيتكم عنه وحذرتكم منه. الإشارة: { إن الله يأمر بالعدل } بالتوسط في الأمور كلها، كالتوسط في السير والمجاهدة فإن الإسراف يوقع في الملل، قال - عليه الصلاة والسلام-: " لا يكن أحدكم كالمنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى " وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: " إن الله لا يمل حتى تملوا " والله ما رأيت أحدا أسرف في الأحوال فوصل إلى ما قصد، إلا النادر، وخير الأمور أوسطها. ويأمر بالإحسان، وهو: مقام الشهود والعيان. { وإيتاء ذي القربى } قرابة الدين، وهم: الإخوان في الله، ما يستحقونه من النصح والإرشاد، { وينهى عن الفحشاء }: الركون لغير الله، { والمنكر }: التكبر على عباد الله، { والبغي }: ظلم أحد من خلق الله، من الفيل إلى الذرة. وقال في الإحياء: بين التبذير والإقتار المذمومين وسط، وهو المحمود المأمور به، والواجب منه شيئان: واجب بالشرع، وواجب بالمروءة. والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة، فإن منع واحدا منهما فهو بخيل، كالذي يمنع أداء الزكاة، ويمنع أهله وعياله النفقة، أو يؤديها لا بطيب نفسه، بل بتكلف، ومشقة. وكالذي يتيمم الخبيث من ماله، ولا يعطي من أطيبه وأوسطه، فهذا كله بخل. وأما واجب المروءة فهو: ترك المضايفة والاستقصاء في المحقرات، وذلك يختلف فيستقبح من الغني ما لا يستقبح من الفقير، ويستقبح من الرجل مع أقاربه ما لا يستقبح مع الأجانب، وكذلك الجار والمماليك والضيف. ه. وقال الورتجبي: إن الله تعالى دعا عباده إلى الاتصاف بصفته، منها: العدل والإحسان والشفقة والرحمة، والقدس، والطهارة عما لا يليق به. فهو العادل والمحسن، والرحمن الرحيم، غير ظالم جائر، وهو منزه عن جميع العلل، فمن كسي أنوار هذه الصفات، بنعت الذوق والمباشرة، واستحلى تربيتها يخرج عادلا محسنا، رؤوفا رحيما، طاهرا مطهرا، صادقا مصدقا، وليا، حبيبا محبوبا، مريدا مرادا، مراعى محفوظا، يعدل بنفسه فيدفعها عن الشك والشرك، ورؤية الغير وطلب العوض في العبودية، ويأخذ منها الإنصاف بينها وبين عباد الله، ويحسن إلى من أساء إليه، ويعبد الله بوصف الرؤية وشهود غيبه، ويراعي ذوي القرابة، في المعرفة والمحبة من المريدين والصادقين، ويرحم الجهال من المسلمين، وينهى نفسه عن مباشرة فواحش الأنانية، ومباشرة الهوى والشهوة، ويدفعها عن الظلم باستكباره عن العبودية، ويأمرها بإذعانها عند تراب أقدام أولياء الله لتكون مطمئنة في عبودية الحق، ذاكرة لسلطان ربوبيته، وقهر جبروته وملكوته وإحاطته بكل ذرة، وفناء الخليقة في حقيقته. ه. ومن مكارم الأخلاق الداخلة تحت العدل الوفاء بالعهد

النحل 16:91

قلت: { وقد جعلتم }: حال، و { أنكاثا }: حال من الغزل، وهو: جمع نكث - بالكسر - بمعنى منكوث، أي: منقوض. و { أن تكون }: مفعول من أجله، و { تتخذون }: جملة حالية من ضمير " تكونوا ". يقول الحق جل جلالة: { وأوفوا بعهد الله } كالبيعة للرسول - عليه الصلاة والسلام - وللأمراء، والأيمان، والنذور، وغيرها، { إذا عاهدتم } الله على شيء من ذلك، { ولا تنقضوا الأيمان } أيمان البيعة، أو مطلق الأيمان، { بعد توكيدها } بعد توثيقها بذكر الله، أو صفته، أو أسمائه، { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } شاهدا ورقيبا، بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول رقيب عليه، { إن الله يعلم ما تفعلون } في نقض الأيمان والعهود. وهو تهديد لمن ينقض العهد، وهذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير، وأما ما كان تركه أولى فيكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير، كما في الحديث. { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها }: أفسدته { من بعد قوة } أي: إبرام وإحكام { أنكاثا } أي: طاقات، أي: صيرته طاقات كما كان قبل الغزل، بحيث حلت إحكامه وإبرامه، حتى صار كما كان، والمراد: تشبيه الناقض بمن هذا شأنه، وقيل: هي " ريطة بنت سعد القرشية " فإنها كانت خرقاء - أي: حمقاء - تغزل طول يومها ثم تنقضه، فكانت العرب تضرب به المثل لمن قال ولم يوف، أو حلف ولم يبر في يمينه. { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } أي: لا تكونوا متشبهين بامرأة خرقاء، متخذين أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم. وأصل الدخل: ما يدخل الشيء، ولم يكن منه، يقال: فيه الدخل والدغل، وهو قصد الخديعة. تفعلون ذلك النقض لأجل { أن تكون أمة هي أربى من أمة }: بأن تكون جماعة أزيد عددا وأوفر مالا، من جماعة أخرى، فتنقضون عهد الأولى لأجل الثانية لكثرتها. نزلت في العرب، كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها، غدرت الأولى، وحالفت الثانية. وقيل: الإشارة بالأربى هنا إلى كفار قريش إذ كانوا حينئذ أكثر من المسلمين، فحذر من بايع على الإسلام أن ينقضه لما يرى من قوة كفار قريش. { إنما يبلوكم }: يختبركم { الله به } بما أمر من الوفاء بالعهد لينظر المطيع منكم والعاصي. أو: بكون أمة هي أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم؟ { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } في الدنيا حين يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب. { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } أهل دين واحد متفقين على الإسلام، { ولكن يضل من يشاء } بعدله، { ويهدي من يشاء } بفضله، { ولتسألن يوم القيامة } سؤال تبكيت ومجازاة، { عما كنتم تعملون } في الدنيا لتجازوا عليه. { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } ، كرره تأكيدا مبالغة في قبح المنهي عنه من نقض العهود، { فتزل قدم } عن محجة الإسلام { بعد ثبوتها }: استقامتها عليه، والمراد: أقدامهم، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحد عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟ { وتذوقوا السوء }: العذاب في الدنيا { بما صددتم عن سبيل الله } أي: بصدكم عن الوفاء بعهد الله، أو بصدكم غيركم عنه فإن من نقض البيعة، وارتد، جعل ذلك سنة لغيره، { ولكم عذاب عظيم } في الآخرة. { ولا تشتروا بعهد الله } أي: لا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله صلى الله عليه وسلم بأخذكم { ثمنا قليلا }: عرضا يسيرا من الدنيا، بأن تنقضوا العهد لأجله. قيل: هو ما كانت قريش يعدونه لضعفاء المسلمين، ويشترطون لهم على الارتداد، { إنما عند الله } من النصر والعز، وأخذ الغنائم في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، { هو خير لكم } مما يعدونكم، { إن كنتم تعلمون } ذلك فلا تنقضوا، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز. { ما عندكم } من أعراض الدنيا { ينفذ } ينقضي ويفنى، { وما عند الله } من خزائن رحمته، وجزيل نعمته { باق } لا يفنى، وهو تعليل للنهي عن نقض العهد طمعا في العرض الفاني، { وليجزين الذين صبروا } على الوفاء بالعهود، أو على الفاقات وأذى الكفار، أو مشاق التكاليف، { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } بما يرجح فعله من أعمالهم، كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين: فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى: كل يوم هو في شأن [الرحمن: 29]، فهم يتلونون مع الشؤون البارزة من السر المكنون فمن عقد معهم عقدا، أو أخذ منهم عهدا، فلا يعول على شيء من ذلك إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصا في حقهم، بل هو كمال لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلا فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم. وهذه الحالة التي اقامهم الحق تعالى فيها هي الحياة الطيبة

النحل 16:92

قلت: { وقد جعلتم }: حال، و { أنكاثا }: حال من الغزل، وهو: جمع نكث - بالكسر - بمعنى منكوث، أي: منقوض. و { أن تكون }: مفعول من أجله، و { تتخذون }: جملة حالية من ضمير " تكونوا ". يقول الحق جل جلالة: { وأوفوا بعهد الله } كالبيعة للرسول - عليه الصلاة والسلام - وللأمراء، والأيمان، والنذور، وغيرها، { إذا عاهدتم } الله على شيء من ذلك، { ولا تنقضوا الأيمان } أيمان البيعة، أو مطلق الأيمان، { بعد توكيدها } بعد توثيقها بذكر الله، أو صفته، أو أسمائه، { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } شاهدا ورقيبا، بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول رقيب عليه، { إن الله يعلم ما تفعلون } في نقض الأيمان والعهود. وهو تهديد لمن ينقض العهد، وهذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير، وأما ما كان تركه أولى فيكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير، كما في الحديث. { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها }: أفسدته { من بعد قوة } أي: إبرام وإحكام { أنكاثا } أي: طاقات، أي: صيرته طاقات كما كان قبل الغزل، بحيث حلت إحكامه وإبرامه، حتى صار كما كان، والمراد: تشبيه الناقض بمن هذا شأنه، وقيل: هي " ريطة بنت سعد القرشية " فإنها كانت خرقاء - أي: حمقاء - تغزل طول يومها ثم تنقضه، فكانت العرب تضرب به المثل لمن قال ولم يوف، أو حلف ولم يبر في يمينه. { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } أي: لا تكونوا متشبهين بامرأة خرقاء، متخذين أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم. وأصل الدخل: ما يدخل الشيء، ولم يكن منه، يقال: فيه الدخل والدغل، وهو قصد الخديعة. تفعلون ذلك النقض لأجل { أن تكون أمة هي أربى من أمة }: بأن تكون جماعة أزيد عددا وأوفر مالا، من جماعة أخرى، فتنقضون عهد الأولى لأجل الثانية لكثرتها. نزلت في العرب، كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها، غدرت الأولى، وحالفت الثانية. وقيل: الإشارة بالأربى هنا إلى كفار قريش إذ كانوا حينئذ أكثر من المسلمين، فحذر من بايع على الإسلام أن ينقضه لما يرى من قوة كفار قريش. { إنما يبلوكم }: يختبركم { الله به } بما أمر من الوفاء بالعهد لينظر المطيع منكم والعاصي. أو: بكون أمة هي أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم؟ { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } في الدنيا حين يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب. { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } أهل دين واحد متفقين على الإسلام، { ولكن يضل من يشاء } بعدله، { ويهدي من يشاء } بفضله، { ولتسألن يوم القيامة } سؤال تبكيت ومجازاة، { عما كنتم تعملون } في الدنيا لتجازوا عليه. { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } ، كرره تأكيدا مبالغة في قبح المنهي عنه من نقض العهود، { فتزل قدم } عن محجة الإسلام { بعد ثبوتها }: استقامتها عليه، والمراد: أقدامهم، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحد عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟ { وتذوقوا السوء }: العذاب في الدنيا { بما صددتم عن سبيل الله } أي: بصدكم عن الوفاء بعهد الله، أو بصدكم غيركم عنه فإن من نقض البيعة، وارتد، جعل ذلك سنة لغيره، { ولكم عذاب عظيم } في الآخرة. { ولا تشتروا بعهد الله } أي: لا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله صلى الله عليه وسلم بأخذكم { ثمنا قليلا }: عرضا يسيرا من الدنيا، بأن تنقضوا العهد لأجله. قيل: هو ما كانت قريش يعدونه لضعفاء المسلمين، ويشترطون لهم على الارتداد، { إنما عند الله } من النصر والعز، وأخذ الغنائم في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، { هو خير لكم } مما يعدونكم، { إن كنتم تعلمون } ذلك فلا تنقضوا، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز. { ما عندكم } من أعراض الدنيا { ينفذ } ينقضي ويفنى، { وما عند الله } من خزائن رحمته، وجزيل نعمته { باق } لا يفنى، وهو تعليل للنهي عن نقض العهد طمعا في العرض الفاني، { وليجزين الذين صبروا } على الوفاء بالعهود، أو على الفاقات وأذى الكفار، أو مشاق التكاليف، { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } بما يرجح فعله من أعمالهم، كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين: فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى: كل يوم هو في شأن [الرحمن: 29]، فهم يتلونون مع الشؤون البارزة من السر المكنون فمن عقد معهم عقدا، أو أخذ منهم عهدا، فلا يعول على شيء من ذلك إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصا في حقهم، بل هو كمال لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلا فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم. وهذه الحالة التي اقامهم الحق تعالى فيها هي الحياة الطيبة

النحل 16:93

قلت: { وقد جعلتم }: حال، و { أنكاثا }: حال من الغزل، وهو: جمع نكث - بالكسر - بمعنى منكوث، أي: منقوض. و { أن تكون }: مفعول من أجله، و { تتخذون }: جملة حالية من ضمير " تكونوا ". يقول الحق جل جلالة: { وأوفوا بعهد الله } كالبيعة للرسول - عليه الصلاة والسلام - وللأمراء، والأيمان، والنذور، وغيرها، { إذا عاهدتم } الله على شيء من ذلك، { ولا تنقضوا الأيمان } أيمان البيعة، أو مطلق الأيمان، { بعد توكيدها } بعد توثيقها بذكر الله، أو صفته، أو أسمائه، { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } شاهدا ورقيبا، بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول رقيب عليه، { إن الله يعلم ما تفعلون } في نقض الأيمان والعهود. وهو تهديد لمن ينقض العهد، وهذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير، وأما ما كان تركه أولى فيكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير، كما في الحديث. { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها }: أفسدته { من بعد قوة } أي: إبرام وإحكام { أنكاثا } أي: طاقات، أي: صيرته طاقات كما كان قبل الغزل، بحيث حلت إحكامه وإبرامه، حتى صار كما كان، والمراد: تشبيه الناقض بمن هذا شأنه، وقيل: هي " ريطة بنت سعد القرشية " فإنها كانت خرقاء - أي: حمقاء - تغزل طول يومها ثم تنقضه، فكانت العرب تضرب به المثل لمن قال ولم يوف، أو حلف ولم يبر في يمينه. { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } أي: لا تكونوا متشبهين بامرأة خرقاء، متخذين أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم. وأصل الدخل: ما يدخل الشيء، ولم يكن منه، يقال: فيه الدخل والدغل، وهو قصد الخديعة. تفعلون ذلك النقض لأجل { أن تكون أمة هي أربى من أمة }: بأن تكون جماعة أزيد عددا وأوفر مالا، من جماعة أخرى، فتنقضون عهد الأولى لأجل الثانية لكثرتها. نزلت في العرب، كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها، غدرت الأولى، وحالفت الثانية. وقيل: الإشارة بالأربى هنا إلى كفار قريش إذ كانوا حينئذ أكثر من المسلمين، فحذر من بايع على الإسلام أن ينقضه لما يرى من قوة كفار قريش. { إنما يبلوكم }: يختبركم { الله به } بما أمر من الوفاء بالعهد لينظر المطيع منكم والعاصي. أو: بكون أمة هي أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم؟ { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } في الدنيا حين يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب. { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } أهل دين واحد متفقين على الإسلام، { ولكن يضل من يشاء } بعدله، { ويهدي من يشاء } بفضله، { ولتسألن يوم القيامة } سؤال تبكيت ومجازاة، { عما كنتم تعملون } في الدنيا لتجازوا عليه. { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } ، كرره تأكيدا مبالغة في قبح المنهي عنه من نقض العهود، { فتزل قدم } عن محجة الإسلام { بعد ثبوتها }: استقامتها عليه، والمراد: أقدامهم، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحد عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟ { وتذوقوا السوء }: العذاب في الدنيا { بما صددتم عن سبيل الله } أي: بصدكم عن الوفاء بعهد الله، أو بصدكم غيركم عنه فإن من نقض البيعة، وارتد، جعل ذلك سنة لغيره، { ولكم عذاب عظيم } في الآخرة. { ولا تشتروا بعهد الله } أي: لا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله صلى الله عليه وسلم بأخذكم { ثمنا قليلا }: عرضا يسيرا من الدنيا، بأن تنقضوا العهد لأجله. قيل: هو ما كانت قريش يعدونه لضعفاء المسلمين، ويشترطون لهم على الارتداد، { إنما عند الله } من النصر والعز، وأخذ الغنائم في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، { هو خير لكم } مما يعدونكم، { إن كنتم تعلمون } ذلك فلا تنقضوا، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز. { ما عندكم } من أعراض الدنيا { ينفذ } ينقضي ويفنى، { وما عند الله } من خزائن رحمته، وجزيل نعمته { باق } لا يفنى، وهو تعليل للنهي عن نقض العهد طمعا في العرض الفاني، { وليجزين الذين صبروا } على الوفاء بالعهود، أو على الفاقات وأذى الكفار، أو مشاق التكاليف، { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } بما يرجح فعله من أعمالهم، كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين: فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى: كل يوم هو في شأن [الرحمن: 29]، فهم يتلونون مع الشؤون البارزة من السر المكنون فمن عقد معهم عقدا، أو أخذ منهم عهدا، فلا يعول على شيء من ذلك إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصا في حقهم، بل هو كمال لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلا فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم. وهذه الحالة التي اقامهم الحق تعالى فيها هي الحياة الطيبة

النحل 16:94

قلت: { وقد جعلتم }: حال، و { أنكاثا }: حال من الغزل، وهو: جمع نكث - بالكسر - بمعنى منكوث، أي: منقوض. و { أن تكون }: مفعول من أجله، و { تتخذون }: جملة حالية من ضمير " تكونوا ". يقول الحق جل جلالة: { وأوفوا بعهد الله } كالبيعة للرسول - عليه الصلاة والسلام - وللأمراء، والأيمان، والنذور، وغيرها، { إذا عاهدتم } الله على شيء من ذلك، { ولا تنقضوا الأيمان } أيمان البيعة، أو مطلق الأيمان، { بعد توكيدها } بعد توثيقها بذكر الله، أو صفته، أو أسمائه، { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } شاهدا ورقيبا، بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول رقيب عليه، { إن الله يعلم ما تفعلون } في نقض الأيمان والعهود. وهو تهديد لمن ينقض العهد، وهذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير، وأما ما كان تركه أولى فيكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير، كما في الحديث. { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها }: أفسدته { من بعد قوة } أي: إبرام وإحكام { أنكاثا } أي: طاقات، أي: صيرته طاقات كما كان قبل الغزل، بحيث حلت إحكامه وإبرامه، حتى صار كما كان، والمراد: تشبيه الناقض بمن هذا شأنه، وقيل: هي " ريطة بنت سعد القرشية " فإنها كانت خرقاء - أي: حمقاء - تغزل طول يومها ثم تنقضه، فكانت العرب تضرب به المثل لمن قال ولم يوف، أو حلف ولم يبر في يمينه. { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } أي: لا تكونوا متشبهين بامرأة خرقاء، متخذين أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم. وأصل الدخل: ما يدخل الشيء، ولم يكن منه، يقال: فيه الدخل والدغل، وهو قصد الخديعة. تفعلون ذلك النقض لأجل { أن تكون أمة هي أربى من أمة }: بأن تكون جماعة أزيد عددا وأوفر مالا، من جماعة أخرى، فتنقضون عهد الأولى لأجل الثانية لكثرتها. نزلت في العرب، كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها، غدرت الأولى، وحالفت الثانية. وقيل: الإشارة بالأربى هنا إلى كفار قريش إذ كانوا حينئذ أكثر من المسلمين، فحذر من بايع على الإسلام أن ينقضه لما يرى من قوة كفار قريش. { إنما يبلوكم }: يختبركم { الله به } بما أمر من الوفاء بالعهد لينظر المطيع منكم والعاصي. أو: بكون أمة هي أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم؟ { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } في الدنيا حين يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب. { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } أهل دين واحد متفقين على الإسلام، { ولكن يضل من يشاء } بعدله، { ويهدي من يشاء } بفضله، { ولتسألن يوم القيامة } سؤال تبكيت ومجازاة، { عما كنتم تعملون } في الدنيا لتجازوا عليه. { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } ، كرره تأكيدا مبالغة في قبح المنهي عنه من نقض العهود، { فتزل قدم } عن محجة الإسلام { بعد ثبوتها }: استقامتها عليه، والمراد: أقدامهم، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحد عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟ { وتذوقوا السوء }: العذاب في الدنيا { بما صددتم عن سبيل الله } أي: بصدكم عن الوفاء بعهد الله، أو بصدكم غيركم عنه فإن من نقض البيعة، وارتد، جعل ذلك سنة لغيره، { ولكم عذاب عظيم } في الآخرة. { ولا تشتروا بعهد الله } أي: لا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله صلى الله عليه وسلم بأخذكم { ثمنا قليلا }: عرضا يسيرا من الدنيا، بأن تنقضوا العهد لأجله. قيل: هو ما كانت قريش يعدونه لضعفاء المسلمين، ويشترطون لهم على الارتداد، { إنما عند الله } من النصر والعز، وأخذ الغنائم في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، { هو خير لكم } مما يعدونكم، { إن كنتم تعلمون } ذلك فلا تنقضوا، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز. { ما عندكم } من أعراض الدنيا { ينفذ } ينقضي ويفنى، { وما عند الله } من خزائن رحمته، وجزيل نعمته { باق } لا يفنى، وهو تعليل للنهي عن نقض العهد طمعا في العرض الفاني، { وليجزين الذين صبروا } على الوفاء بالعهود، أو على الفاقات وأذى الكفار، أو مشاق التكاليف، { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } بما يرجح فعله من أعمالهم، كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين: فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى: كل يوم هو في شأن [الرحمن: 29]، فهم يتلونون مع الشؤون البارزة من السر المكنون فمن عقد معهم عقدا، أو أخذ منهم عهدا، فلا يعول على شيء من ذلك إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصا في حقهم، بل هو كمال لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلا فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم. وهذه الحالة التي اقامهم الحق تعالى فيها هي الحياة الطيبة

النحل 16:95

قلت: { وقد جعلتم }: حال، و { أنكاثا }: حال من الغزل، وهو: جمع نكث - بالكسر - بمعنى منكوث، أي: منقوض. و { أن تكون }: مفعول من أجله، و { تتخذون }: جملة حالية من ضمير " تكونوا ". يقول الحق جل جلالة: { وأوفوا بعهد الله } كالبيعة للرسول - عليه الصلاة والسلام - وللأمراء، والأيمان، والنذور، وغيرها، { إذا عاهدتم } الله على شيء من ذلك، { ولا تنقضوا الأيمان } أيمان البيعة، أو مطلق الأيمان، { بعد توكيدها } بعد توثيقها بذكر الله، أو صفته، أو أسمائه، { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } شاهدا ورقيبا، بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول رقيب عليه، { إن الله يعلم ما تفعلون } في نقض الأيمان والعهود. وهو تهديد لمن ينقض العهد، وهذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير، وأما ما كان تركه أولى فيكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير، كما في الحديث. { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها }: أفسدته { من بعد قوة } أي: إبرام وإحكام { أنكاثا } أي: طاقات، أي: صيرته طاقات كما كان قبل الغزل، بحيث حلت إحكامه وإبرامه، حتى صار كما كان، والمراد: تشبيه الناقض بمن هذا شأنه، وقيل: هي " ريطة بنت سعد القرشية " فإنها كانت خرقاء - أي: حمقاء - تغزل طول يومها ثم تنقضه، فكانت العرب تضرب به المثل لمن قال ولم يوف، أو حلف ولم يبر في يمينه. { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } أي: لا تكونوا متشبهين بامرأة خرقاء، متخذين أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم. وأصل الدخل: ما يدخل الشيء، ولم يكن منه، يقال: فيه الدخل والدغل، وهو قصد الخديعة. تفعلون ذلك النقض لأجل { أن تكون أمة هي أربى من أمة }: بأن تكون جماعة أزيد عددا وأوفر مالا، من جماعة أخرى، فتنقضون عهد الأولى لأجل الثانية لكثرتها. نزلت في العرب، كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها، غدرت الأولى، وحالفت الثانية. وقيل: الإشارة بالأربى هنا إلى كفار قريش إذ كانوا حينئذ أكثر من المسلمين، فحذر من بايع على الإسلام أن ينقضه لما يرى من قوة كفار قريش. { إنما يبلوكم }: يختبركم { الله به } بما أمر من الوفاء بالعهد لينظر المطيع منكم والعاصي. أو: بكون أمة هي أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم؟ { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } في الدنيا حين يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب. { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } أهل دين واحد متفقين على الإسلام، { ولكن يضل من يشاء } بعدله، { ويهدي من يشاء } بفضله، { ولتسألن يوم القيامة } سؤال تبكيت ومجازاة، { عما كنتم تعملون } في الدنيا لتجازوا عليه. { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } ، كرره تأكيدا مبالغة في قبح المنهي عنه من نقض العهود، { فتزل قدم } عن محجة الإسلام { بعد ثبوتها }: استقامتها عليه، والمراد: أقدامهم، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحد عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟ { وتذوقوا السوء }: العذاب في الدنيا { بما صددتم عن سبيل الله } أي: بصدكم عن الوفاء بعهد الله، أو بصدكم غيركم عنه فإن من نقض البيعة، وارتد، جعل ذلك سنة لغيره، { ولكم عذاب عظيم } في الآخرة. { ولا تشتروا بعهد الله } أي: لا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله صلى الله عليه وسلم بأخذكم { ثمنا قليلا }: عرضا يسيرا من الدنيا، بأن تنقضوا العهد لأجله. قيل: هو ما كانت قريش يعدونه لضعفاء المسلمين، ويشترطون لهم على الارتداد، { إنما عند الله } من النصر والعز، وأخذ الغنائم في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، { هو خير لكم } مما يعدونكم، { إن كنتم تعلمون } ذلك فلا تنقضوا، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز. { ما عندكم } من أعراض الدنيا { ينفذ } ينقضي ويفنى، { وما عند الله } من خزائن رحمته، وجزيل نعمته { باق } لا يفنى، وهو تعليل للنهي عن نقض العهد طمعا في العرض الفاني، { وليجزين الذين صبروا } على الوفاء بالعهود، أو على الفاقات وأذى الكفار، أو مشاق التكاليف، { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } بما يرجح فعله من أعمالهم، كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين: فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى: كل يوم هو في شأن [الرحمن: 29]، فهم يتلونون مع الشؤون البارزة من السر المكنون فمن عقد معهم عقدا، أو أخذ منهم عهدا، فلا يعول على شيء من ذلك إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصا في حقهم، بل هو كمال لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلا فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم. وهذه الحالة التي اقامهم الحق تعالى فيها هي الحياة الطيبة

النحل 16:96

قلت: { وقد جعلتم }: حال، و { أنكاثا }: حال من الغزل، وهو: جمع نكث - بالكسر - بمعنى منكوث، أي: منقوض. و { أن تكون }: مفعول من أجله، و { تتخذون }: جملة حالية من ضمير " تكونوا ". يقول الحق جل جلالة: { وأوفوا بعهد الله } كالبيعة للرسول - عليه الصلاة والسلام - وللأمراء، والأيمان، والنذور، وغيرها، { إذا عاهدتم } الله على شيء من ذلك، { ولا تنقضوا الأيمان } أيمان البيعة، أو مطلق الأيمان، { بعد توكيدها } بعد توثيقها بذكر الله، أو صفته، أو أسمائه، { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } شاهدا ورقيبا، بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول رقيب عليه، { إن الله يعلم ما تفعلون } في نقض الأيمان والعهود. وهو تهديد لمن ينقض العهد، وهذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير، وأما ما كان تركه أولى فيكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير، كما في الحديث. { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها }: أفسدته { من بعد قوة } أي: إبرام وإحكام { أنكاثا } أي: طاقات، أي: صيرته طاقات كما كان قبل الغزل، بحيث حلت إحكامه وإبرامه، حتى صار كما كان، والمراد: تشبيه الناقض بمن هذا شأنه، وقيل: هي " ريطة بنت سعد القرشية " فإنها كانت خرقاء - أي: حمقاء - تغزل طول يومها ثم تنقضه، فكانت العرب تضرب به المثل لمن قال ولم يوف، أو حلف ولم يبر في يمينه. { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } أي: لا تكونوا متشبهين بامرأة خرقاء، متخذين أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم. وأصل الدخل: ما يدخل الشيء، ولم يكن منه، يقال: فيه الدخل والدغل، وهو قصد الخديعة. تفعلون ذلك النقض لأجل { أن تكون أمة هي أربى من أمة }: بأن تكون جماعة أزيد عددا وأوفر مالا، من جماعة أخرى، فتنقضون عهد الأولى لأجل الثانية لكثرتها. نزلت في العرب، كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها، غدرت الأولى، وحالفت الثانية. وقيل: الإشارة بالأربى هنا إلى كفار قريش إذ كانوا حينئذ أكثر من المسلمين، فحذر من بايع على الإسلام أن ينقضه لما يرى من قوة كفار قريش. { إنما يبلوكم }: يختبركم { الله به } بما أمر من الوفاء بالعهد لينظر المطيع منكم والعاصي. أو: بكون أمة هي أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم؟ { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } في الدنيا حين يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب. { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } أهل دين واحد متفقين على الإسلام، { ولكن يضل من يشاء } بعدله، { ويهدي من يشاء } بفضله، { ولتسألن يوم القيامة } سؤال تبكيت ومجازاة، { عما كنتم تعملون } في الدنيا لتجازوا عليه. { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } ، كرره تأكيدا مبالغة في قبح المنهي عنه من نقض العهود، { فتزل قدم } عن محجة الإسلام { بعد ثبوتها }: استقامتها عليه، والمراد: أقدامهم، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحد عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟ { وتذوقوا السوء }: العذاب في الدنيا { بما صددتم عن سبيل الله } أي: بصدكم عن الوفاء بعهد الله، أو بصدكم غيركم عنه فإن من نقض البيعة، وارتد، جعل ذلك سنة لغيره، { ولكم عذاب عظيم } في الآخرة. { ولا تشتروا بعهد الله } أي: لا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله صلى الله عليه وسلم بأخذكم { ثمنا قليلا }: عرضا يسيرا من الدنيا، بأن تنقضوا العهد لأجله. قيل: هو ما كانت قريش يعدونه لضعفاء المسلمين، ويشترطون لهم على الارتداد، { إنما عند الله } من النصر والعز، وأخذ الغنائم في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، { هو خير لكم } مما يعدونكم، { إن كنتم تعلمون } ذلك فلا تنقضوا، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز. { ما عندكم } من أعراض الدنيا { ينفذ } ينقضي ويفنى، { وما عند الله } من خزائن رحمته، وجزيل نعمته { باق } لا يفنى، وهو تعليل للنهي عن نقض العهد طمعا في العرض الفاني، { وليجزين الذين صبروا } على الوفاء بالعهود، أو على الفاقات وأذى الكفار، أو مشاق التكاليف، { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } بما يرجح فعله من أعمالهم، كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين: فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى: كل يوم هو في شأن [الرحمن: 29]، فهم يتلونون مع الشؤون البارزة من السر المكنون فمن عقد معهم عقدا، أو أخذ منهم عهدا، فلا يعول على شيء من ذلك إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصا في حقهم، بل هو كمال لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلا فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم. وهذه الحالة التي اقامهم الحق تعالى فيها هي الحياة الطيبة

النحل 16:97

يقول الحق جل جلاله: { من عمل صالحا } بأن صحبه الإخلاص، وتوفرت فيه شروط القبول، { من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب، وإنما المتوقع عليها تحقيق العقاب، { فلنحيينه حياة طيبة } في الدنيا، بالقناعة والكفاية مع التوفيق والهداية. قال البيضاوي: يعيش عيشا طيبا، فإنه، إن كان موسرا، فظاهر، وإن كان معسرا يطيب عيشه بالقناعة، والرضا بالقسمة، وتوقع الأجر العظيم، بخلاف الكافر، فإنه، إن كان معسرا فظاهر، وإن كان موسرا لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يهنأ بعيشه، وقيل: في الآخرة، أي: في الجنة. ه. { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } من الطاعة، فيجازيهم على الحسن بجزاء الأحسن. وبالله التوفيق. الإشارة: الحياة الطيبة إنما تتحقق بكمالها عند أهل التجريد حيث انقطعت عنهم الشواغل في الظاهر، والعلائق في الباطن، فاطمأنت قلوبهم بالله، وسكنت أرواحهم في حضرة الله، وتحققت أسرارهم بشهود الله، فدام سرورهم، واتصل حبورهم بحلاوة معرفة محبوبهم، وهذه نتيجة شرب الخمرة الأزلية، كما قال ابن الفارض في مدحها: وإن خطرت يوما على خاطر امرىء أقامت به الأفراح وارتحل الهم هذا في الخطور، فما بالك بالسكون ودوام الحضور؟ وقال أيضا في شأنها: فما سكنت والهم يوما بموضع كذلك لا يسكن مع النغم الغم وإنما تحقق لهم هذا الأمر العظيم لرسوخ قدمهم في مقام الإحسان، وسكونهم في جنة العرفان، فهب عليهم نسيم الرضا والرضوان، وترقت أرواحهم إلى مقام الروح والريحان، فقلوبهم بحار زاخرة لا تكدرها الدلاء، وأرواحهم أنوار ساطعة لا يؤثر فيها ليل القبض والابتلاء، وأسرارهم بأنوار المواجهة مشرقة، فدام سرورها بكل ما يبرز من عنصر القضاء. والحاصل: أن أهل هذا المقام عندهم من الإكسير والقوة ما يقلبون به الأعيان، فيقلبون الشريات خيريات، والمعاصي طاعات، والإساءة إحسانا، والجلال جمالا... وهكذا، فأنى تغير قلوب هؤلاء الأكدار؟ وأنى تنزل بساحتهم الأغيار، وهم في حضرة الكريم الغفار؟ نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم، آمين. ومن جملة الحياة الطيبة التنعم بحلاوة القرآن ولا يتحقق ذلك إلا بالبعد والحفظ من خوض الشيطان

النحل 16:98

يقول الحق جل جلاله: { فإذا قرأت القرآن } أردت قراءته، كقوله: إذا قمتم إلى الصلاة [المائدة: 6]، { فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } أي: فسل الله أن يعيذك من وسواسه لئلا يوسوسك في القراءة، فيحرمك حلاوة التلاوة فإنه عدو لا يحب لابن آدم الربح أبدا، والجمهور على أنه مستحق عند التلاوة، وعن عطاء: أنه واجب. ومذهب مالك: أنه لا يتعوذ في الصلاة. وعند الشافعي وأبي حنيفة: يتعوذ في كل ركعة تمسكا بظاهر الآية لأن الحكم المرتب على شرط يتكرر بتكرره، وأخذ مالك بعمل أهل المدينة في ترك التعوذ في الصلاة. وهو تابع للقراءة في السر والجهر، وعن ابن مسعود: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: " قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". ثم قال تعالى: { إنه ليس له سلطان } أي: تسلط وولاية { على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } أي: لا تسلط له على أولياء الله المؤمنين به، والمتوكلين عليه، فإنهم لا يطيعون أوامره، ولا يصغون إلى وساوسه، إلا فيما يحتقر، على ندور وغفلة. { إنما سلطانه } أي: تسلطه { على الذين يتولونه }: يحبونه ويطيعونه، { والذين هم به } أي: بالله، أو: بسبب الشيطان، { مشركون } حيث حملهم على الشرك فأطاعوه. الإشارة: الاستعاذة الحقيقية من الشيطان هي: الغيبة عنه في ذكر الله أو شهوده، فلا ينجح في دفع الشيطان إلا الفرار منه إلى الرحمن. قال تعالى: ففروا إلى الله [الذاريات: 50]. فإن الشيطان كالكلب، كلما اشتغلت بدفعه قوي نبحه عليك، فإما أن يخرق الثياب، أو يقطع الإهاب، فإذا رفعت أمره إلى مولاه كفه عنك. وقد قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه: عداوة العدو حقا هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو، فاتتك محبة الحبيب، ونال مراده منك. ه. فالعاقل هو الذي يشتغل بذكر الله باللسان، ثم بالقلب، ثم بالروح، ثم بالسر، فحينئذ يذوب الشيطان ولا يبقى له أثر قط، أو يذعن له ويسلم شيطانه، فإنما حركه عليك ليوحشك إليه. وفي الحكم: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". فإذا تعلقت بالقوي المتين، هرب عنك الشيطان اللعين. وسيأتي مزيد كلام إن شاء الله عند قوله تعالى: إن الشيطان لكم عدو... [فاطر: 6] الآية. وبالله التوفيق. ومن أقبح وسوسة الشيطان الطعن في القرآن كما أنان ذلك الحق

النحل 16:99

يقول الحق جل جلاله: { فإذا قرأت القرآن } أردت قراءته، كقوله: إذا قمتم إلى الصلاة [المائدة: 6]، { فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } أي: فسل الله أن يعيذك من وسواسه لئلا يوسوسك في القراءة، فيحرمك حلاوة التلاوة فإنه عدو لا يحب لابن آدم الربح أبدا، والجمهور على أنه مستحق عند التلاوة، وعن عطاء: أنه واجب. ومذهب مالك: أنه لا يتعوذ في الصلاة. وعند الشافعي وأبي حنيفة: يتعوذ في كل ركعة تمسكا بظاهر الآية لأن الحكم المرتب على شرط يتكرر بتكرره، وأخذ مالك بعمل أهل المدينة في ترك التعوذ في الصلاة. وهو تابع للقراءة في السر والجهر، وعن ابن مسعود: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: " قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". ثم قال تعالى: { إنه ليس له سلطان } أي: تسلط وولاية { على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } أي: لا تسلط له على أولياء الله المؤمنين به، والمتوكلين عليه، فإنهم لا يطيعون أوامره، ولا يصغون إلى وساوسه، إلا فيما يحتقر، على ندور وغفلة. { إنما سلطانه } أي: تسلطه { على الذين يتولونه }: يحبونه ويطيعونه، { والذين هم به } أي: بالله، أو: بسبب الشيطان، { مشركون } حيث حملهم على الشرك فأطاعوه. الإشارة: الاستعاذة الحقيقية من الشيطان هي: الغيبة عنه في ذكر الله أو شهوده، فلا ينجح في دفع الشيطان إلا الفرار منه إلى الرحمن. قال تعالى: ففروا إلى الله [الذاريات: 50]. فإن الشيطان كالكلب، كلما اشتغلت بدفعه قوي نبحه عليك، فإما أن يخرق الثياب، أو يقطع الإهاب، فإذا رفعت أمره إلى مولاه كفه عنك. وقد قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه: عداوة العدو حقا هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو، فاتتك محبة الحبيب، ونال مراده منك. ه. فالعاقل هو الذي يشتغل بذكر الله باللسان، ثم بالقلب، ثم بالروح، ثم بالسر، فحينئذ يذوب الشيطان ولا يبقى له أثر قط، أو يذعن له ويسلم شيطانه، فإنما حركه عليك ليوحشك إليه. وفي الحكم: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". فإذا تعلقت بالقوي المتين، هرب عنك الشيطان اللعين. وسيأتي مزيد كلام إن شاء الله عند قوله تعالى: إن الشيطان لكم عدو... [فاطر: 6] الآية. وبالله التوفيق. ومن أقبح وسوسة الشيطان الطعن في القرآن كما أنان ذلك الحق

النحل 16:100

يقول الحق جل جلاله: { فإذا قرأت القرآن } أردت قراءته، كقوله: إذا قمتم إلى الصلاة [المائدة: 6]، { فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } أي: فسل الله أن يعيذك من وسواسه لئلا يوسوسك في القراءة، فيحرمك حلاوة التلاوة فإنه عدو لا يحب لابن آدم الربح أبدا، والجمهور على أنه مستحق عند التلاوة، وعن عطاء: أنه واجب. ومذهب مالك: أنه لا يتعوذ في الصلاة. وعند الشافعي وأبي حنيفة: يتعوذ في كل ركعة تمسكا بظاهر الآية لأن الحكم المرتب على شرط يتكرر بتكرره، وأخذ مالك بعمل أهل المدينة في ترك التعوذ في الصلاة. وهو تابع للقراءة في السر والجهر، وعن ابن مسعود: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: " قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". ثم قال تعالى: { إنه ليس له سلطان } أي: تسلط وولاية { على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } أي: لا تسلط له على أولياء الله المؤمنين به، والمتوكلين عليه، فإنهم لا يطيعون أوامره، ولا يصغون إلى وساوسه، إلا فيما يحتقر، على ندور وغفلة. { إنما سلطانه } أي: تسلطه { على الذين يتولونه }: يحبونه ويطيعونه، { والذين هم به } أي: بالله، أو: بسبب الشيطان، { مشركون } حيث حملهم على الشرك فأطاعوه. الإشارة: الاستعاذة الحقيقية من الشيطان هي: الغيبة عنه في ذكر الله أو شهوده، فلا ينجح في دفع الشيطان إلا الفرار منه إلى الرحمن. قال تعالى: ففروا إلى الله [الذاريات: 50]. فإن الشيطان كالكلب، كلما اشتغلت بدفعه قوي نبحه عليك، فإما أن يخرق الثياب، أو يقطع الإهاب، فإذا رفعت أمره إلى مولاه كفه عنك. وقد قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه: عداوة العدو حقا هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو، فاتتك محبة الحبيب، ونال مراده منك. ه. فالعاقل هو الذي يشتغل بذكر الله باللسان، ثم بالقلب، ثم بالروح، ثم بالسر، فحينئذ يذوب الشيطان ولا يبقى له أثر قط، أو يذعن له ويسلم شيطانه، فإنما حركه عليك ليوحشك إليه. وفي الحكم: " إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده ". فإذا تعلقت بالقوي المتين، هرب عنك الشيطان اللعين. وسيأتي مزيد كلام إن شاء الله عند قوله تعالى: إن الشيطان لكم عدو... [فاطر: 6] الآية. وبالله التوفيق. ومن أقبح وسوسة الشيطان الطعن في القرآن كما أنان ذلك الحق

النحل 16:101

قلت: { والله أعلم بما ينزل }: معترض بين الشرط، وهو: { إذا } وجوابه، وهو: { قالوا } لتوبيخ الكفار، والتنبيه على فساد سندهم. و { هدى وبشرى }: عطف على: " ليثبت ". يقول الحق جل جلاله: { وإذا بدلنا آية مكان آية } بأن نسخنا الأولى لفظا أو حكما، وجعلنا الثانية مكانها، { والله أعلم بما ينزل } من المصالح، فلعل ما يكون في وقت، يصير مفسدة بعده، فينسخه، وما لا يكون مصلحة حينئذ، يكون مصلحة الآن، فيثبته مكانه. فإذا نسخ، لهذه المصلحة، { قالوا } أي: الكفرة: { إنما أنت مفتر }: كذاب متقول على الله، تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، قال تعالى: { بل أكثرهم لا يعلمون } حكمة النسخ ولا حقيقة القرآن، ولا يميزون الخطأ من الصواب. { قل نزله روح القدس } يعني: جبريل. والقدس: الطهر والتنزيه لأنه روح منزه عن لوث البشرية. نزله { من ربك } ملتبسا { بالحق }: بالحكمة الباهرة، أو مع الحق في أمره ونهيه وإخباره، أو أنزله حقا، { ليثبت الذين آمنوا } على الإيمان لأنه كلام الله، ولأنهم إذا سمعوا الناسخ والمنسوخ، وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح، رسخت عقائدهم، واطمأنت قلوبهم. { و } أنزله { هدى وبشرى للمسلمين } المنقادين لأحكامه، أي: نزله تثبيتا وهداية وبشارة للمسلمين. { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } يعنون: غلاما نصرانيا اسمه: جبر، وقيل: يعيش. قيل: كانا غلامين، اسم أحدهما: جبر، والآخر يسار، وكانا يصنعان السيوف، ويقرآن التوراة والإنجيل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إليهما، ويدعوهما إلى الإسلام، فقالت قريش: هذان هما اللذان يعلمان محمدا ما يقول. قال تعالى في الرد عليهم: { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } أي: لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه، وينسبون إليه تعليم القرآن، أعجمي، { وهذا } القرآن { لسان عربي مبين } ذو بيان وفصاحة. قال البيضاوي: والجملتان مستأنفتان لإبطال طعنهم، وتقريره يحتمل وجهين أحدهما: أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم، والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون، - أي: القرآن - ما تلقفه منه؟ وثانيهما: هب أنه تلقف منه المعنى باستماع كلامه، لكن لم يتلقف منه اللفظ لأن ذلك أعجمي وهذا عربي، والقرآن، كما هو معجز باعتبار المعنى، معجز باعتبار اللفظ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة، فكيف يعلم جميع ذلك من غلام سوقي، سمع منه، بعض أوقات، كليمات عجمية، لعله لم يعرف معناها؟! فطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم. ه. الإشارة: كما وقع النسخ في وحي أحكام، يقع في وحي إلهام فقد يتجلى في قلب الولي شيء من الأخبار الغيبية، أو يأمر بشيء يليق، في الوقت، بالتربية، ثم يخبر أو يأمر بخلافه لوقوع النسخ أو المحو، فيظن من لا معرفة له بطريق الولاية أنه كذب، فيطعن أن يشك، فيكون ذلك قدحا في بصيرته، وإخمادا لنور سريرته، إن كان داخلا تحت تربيته. والله تعالى ىأعلم. ثم ذكر وبال من طعن في كلام الله

النحل 16:102

قلت: { والله أعلم بما ينزل }: معترض بين الشرط، وهو: { إذا } وجوابه، وهو: { قالوا } لتوبيخ الكفار، والتنبيه على فساد سندهم. و { هدى وبشرى }: عطف على: " ليثبت ". يقول الحق جل جلاله: { وإذا بدلنا آية مكان آية } بأن نسخنا الأولى لفظا أو حكما، وجعلنا الثانية مكانها، { والله أعلم بما ينزل } من المصالح، فلعل ما يكون في وقت، يصير مفسدة بعده، فينسخه، وما لا يكون مصلحة حينئذ، يكون مصلحة الآن، فيثبته مكانه. فإذا نسخ، لهذه المصلحة، { قالوا } أي: الكفرة: { إنما أنت مفتر }: كذاب متقول على الله، تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، قال تعالى: { بل أكثرهم لا يعلمون } حكمة النسخ ولا حقيقة القرآن، ولا يميزون الخطأ من الصواب. { قل نزله روح القدس } يعني: جبريل. والقدس: الطهر والتنزيه لأنه روح منزه عن لوث البشرية. نزله { من ربك } ملتبسا { بالحق }: بالحكمة الباهرة، أو مع الحق في أمره ونهيه وإخباره، أو أنزله حقا، { ليثبت الذين آمنوا } على الإيمان لأنه كلام الله، ولأنهم إذا سمعوا الناسخ والمنسوخ، وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح، رسخت عقائدهم، واطمأنت قلوبهم. { و } أنزله { هدى وبشرى للمسلمين } المنقادين لأحكامه، أي: نزله تثبيتا وهداية وبشارة للمسلمين. { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } يعنون: غلاما نصرانيا اسمه: جبر، وقيل: يعيش. قيل: كانا غلامين، اسم أحدهما: جبر، والآخر يسار، وكانا يصنعان السيوف، ويقرآن التوراة والإنجيل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إليهما، ويدعوهما إلى الإسلام، فقالت قريش: هذان هما اللذان يعلمان محمدا ما يقول. قال تعالى في الرد عليهم: { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } أي: لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه، وينسبون إليه تعليم القرآن، أعجمي، { وهذا } القرآن { لسان عربي مبين } ذو بيان وفصاحة. قال البيضاوي: والجملتان مستأنفتان لإبطال طعنهم، وتقريره يحتمل وجهين أحدهما: أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم، والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون، - أي: القرآن - ما تلقفه منه؟ وثانيهما: هب أنه تلقف منه المعنى باستماع كلامه، لكن لم يتلقف منه اللفظ لأن ذلك أعجمي وهذا عربي، والقرآن، كما هو معجز باعتبار المعنى، معجز باعتبار اللفظ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة، فكيف يعلم جميع ذلك من غلام سوقي، سمع منه، بعض أوقات، كليمات عجمية، لعله لم يعرف معناها؟! فطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم. ه. الإشارة: كما وقع النسخ في وحي أحكام، يقع في وحي إلهام فقد يتجلى في قلب الولي شيء من الأخبار الغيبية، أو يأمر بشيء يليق، في الوقت، بالتربية، ثم يخبر أو يأمر بخلافه لوقوع النسخ أو المحو، فيظن من لا معرفة له بطريق الولاية أنه كذب، فيطعن أن يشك، فيكون ذلك قدحا في بصيرته، وإخمادا لنور سريرته، إن كان داخلا تحت تربيته. والله تعالى ىأعلم. ثم ذكر وبال من طعن في كلام الله

النحل 16:103

قلت: { والله أعلم بما ينزل }: معترض بين الشرط، وهو: { إذا } وجوابه، وهو: { قالوا } لتوبيخ الكفار، والتنبيه على فساد سندهم. و { هدى وبشرى }: عطف على: " ليثبت ". يقول الحق جل جلاله: { وإذا بدلنا آية مكان آية } بأن نسخنا الأولى لفظا أو حكما، وجعلنا الثانية مكانها، { والله أعلم بما ينزل } من المصالح، فلعل ما يكون في وقت، يصير مفسدة بعده، فينسخه، وما لا يكون مصلحة حينئذ، يكون مصلحة الآن، فيثبته مكانه. فإذا نسخ، لهذه المصلحة، { قالوا } أي: الكفرة: { إنما أنت مفتر }: كذاب متقول على الله، تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، قال تعالى: { بل أكثرهم لا يعلمون } حكمة النسخ ولا حقيقة القرآن، ولا يميزون الخطأ من الصواب. { قل نزله روح القدس } يعني: جبريل. والقدس: الطهر والتنزيه لأنه روح منزه عن لوث البشرية. نزله { من ربك } ملتبسا { بالحق }: بالحكمة الباهرة، أو مع الحق في أمره ونهيه وإخباره، أو أنزله حقا، { ليثبت الذين آمنوا } على الإيمان لأنه كلام الله، ولأنهم إذا سمعوا الناسخ والمنسوخ، وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح، رسخت عقائدهم، واطمأنت قلوبهم. { و } أنزله { هدى وبشرى للمسلمين } المنقادين لأحكامه، أي: نزله تثبيتا وهداية وبشارة للمسلمين. { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } يعنون: غلاما نصرانيا اسمه: جبر، وقيل: يعيش. قيل: كانا غلامين، اسم أحدهما: جبر، والآخر يسار، وكانا يصنعان السيوف، ويقرآن التوراة والإنجيل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إليهما، ويدعوهما إلى الإسلام، فقالت قريش: هذان هما اللذان يعلمان محمدا ما يقول. قال تعالى في الرد عليهم: { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } أي: لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه، وينسبون إليه تعليم القرآن، أعجمي، { وهذا } القرآن { لسان عربي مبين } ذو بيان وفصاحة. قال البيضاوي: والجملتان مستأنفتان لإبطال طعنهم، وتقريره يحتمل وجهين أحدهما: أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم، والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون، - أي: القرآن - ما تلقفه منه؟ وثانيهما: هب أنه تلقف منه المعنى باستماع كلامه، لكن لم يتلقف منه اللفظ لأن ذلك أعجمي وهذا عربي، والقرآن، كما هو معجز باعتبار المعنى، معجز باعتبار اللفظ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة، فكيف يعلم جميع ذلك من غلام سوقي، سمع منه، بعض أوقات، كليمات عجمية، لعله لم يعرف معناها؟! فطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم. ه. الإشارة: كما وقع النسخ في وحي أحكام، يقع في وحي إلهام فقد يتجلى في قلب الولي شيء من الأخبار الغيبية، أو يأمر بشيء يليق، في الوقت، بالتربية، ثم يخبر أو يأمر بخلافه لوقوع النسخ أو المحو، فيظن من لا معرفة له بطريق الولاية أنه كذب، فيطعن أن يشك، فيكون ذلك قدحا في بصيرته، وإخمادا لنور سريرته، إن كان داخلا تحت تربيته. والله تعالى ىأعلم. ثم ذكر وبال من طعن في كلام الله

النحل 16:104

قلت: { من كفر }: شرطية مبتدأ، وكذلك { من شرح }. و { فعليهم غضب }: جواب عن الأولى والثانية لأنهما بمعنى واحد، ويكون جوابا للثانية، وجواب الأولى: محذوف يدل عليه جواب الثانية. وقيل: { من كفر }: بدل من { الذين لا يؤمنون } ، أو من المبتدأ في قوله: { أولئك هم الكاذبون } ، أو من الخبر. و { إلا من أكره }: استئناف من قوله: { من كفر }. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين لا يؤمنون } لا يصدقون { بآيات الله } ، ويقولون: هي من عند غيره، { لا يهديهم الله } إلى سبيل النجاة، أو إلى اتباع الحق، أو إلى الجنة. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. وهذا في قوم علم أنهم لا يؤمنون، كقوله: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون [يونس: 96]. وقال ابن عطية: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله. ولكنه قدم وأخر تهمما بتقبيح أفعالهم. ه. قال البيضاوي: هددهم على كفرهم، بعد ما أماط شبهتهم، ورد طعنهم فيه، ثم قلب الأمر عليهم، فقال: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } لأنهم لا يخافون عذابا يردعهم عنه، { وأولئك هم الكاذبون } على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله، والطعن فيها، بهذه الخرافات أعظم الكذب. وأولئك الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة. أو الكاذبون في قولهم: { إنما أنت مفتر } ، { إنما يعلمه بشر }. ه. والكلام كله مع كفار قريش. ثم ذكر حكم من ارتد عن الإيمان طوعا أو كرها، فقال: { من كفر بالله من بعد إيمانه } فعليهم غضب من الله، { إلا من أكره } على التلفظ بالكفر، أو على الافتراء على الله، { وقلبه مطمئن بالإيمان } لم تتغير عقيدته، { ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي: فتحه ووسعه، فاعتقده، وطابت به نفسه، { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } إذ لا أعظم من جرمه. روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه - وهما ياسر وسمية - على الارتداد، فربطوا سمية بين بعيرين، وطعنوها بحربة في قلبها، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال، فماتت - رحمة الله عليها - وقتلوا ياسرا زوجها، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال: " كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه " فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه، ويقول: " ما لك، إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ". وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه. وإن كان الأفضل أن يجتنب عنه، إعزازا للدين، كما فعل أبواه. لما روي أن مسيلمة أخذ رجلين، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله. وقال: ما تقول في؟ فقال: أنت أيضا، فخلى سبيله، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله، فقال: ما تقول في؟ فقال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: " أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الآخر فقد صدع بالحق، فهنيئا له " ه. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: وهذا الحكم فيمن أكره على النطق بالكفر، وأما الإكراه على فعل وهو كفر، كالسجود للصنم، فاختلف هل يجوز الإجابة إليه أو لا؟ فأجازه الجمهور، ومنعه قوم. وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين، ولا طلاق، ولا عتاق، ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز له الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله. ه. وذكر ابن عطية أنواعا من الأمور المكره بها، فذكر عن مالك: أن القيد إكراه، والسجن إكراه، والوعيد المخوف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي، وإنفاذه فيما يتوعد به. ثم ذكر خلافا في الحنث في حق من حلف للدرء عن ماله، لظالم، بخلاف الدرء عن النفس والبدن، فإنه لا يحنث، قولا واحدا، إلا إذا تبرع باليمين، ففي لزومه خلاف. وانظر المختصر في الطلاق. ثم علل نزول العذاب بهم، فقال: { ذلك } الوعيد { بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة } أي: بسبب أنهم آثروها عليها، { وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } ، الذين سبق لهم الشقاء، فلا يهديهم إلى ما يوجب ثبات الإيمان في قلوبهم، ولا يعصمهم من الزيغ. { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم } فغابت عن إدراك الحق والتدبر فيه، { وأولئك هم الغافلون } الكاملون في الغفلة، حتى أغفلتهم الحالة الزائفة عن التأمل في العواقب. { لا جرم }: لا شك { أنهم في الآخرة هم الخاسرون } حيث ضيعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد. قاله البيضاوي. الإشارة: من سبق له البعاد لا ينفعه الكد والاجتهاد، ومن سبقت له العناية لا تضره الجناية. ففي التحقيق: ما ثم إلا سابقة التوفيق. فمن كان في عداد المريدين السالكين، ثم أكره على الرجوع إلى طريق الغافلين، { فمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ، أي: بالتصديق بطريق الخصوص، وهو مصمم على الرجوع إليها فلا بأس عليه أن ينطق بلسانه، ما يرى أنه رجع إليهم. فإذا وجد فسحة فر بدينه. وكذلك إذا أخذه ضعف أو فشل وقت القهرية، ثم أنهضته العناية، ففر إلى الله، التحق بأولياء الله، وأما من شرح صدره بالرجوع عن طريق القوم، وطال مقامه مع العوام، فلا يفلح أبدا في طريق الخصوص، والتحق بأقبح العوام، إلا إن بقي في قلبه شيء من محبة الشيوخ والفقراء، فلعله يحشر معهم، ودرجته مع العوام. قال القشيري: إذا علم الله صدق عبده بقلبه، وإخلاصه في عقده، ثم لحقته ضرورة في حاله، خفف عنه حكمه، ورفع عنه عناءه، فإذا تلفظ بكلمة الكفر مكرها، وهو بالتوحيد محقق، عذر فيما بينه وبين ربه. وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، وتجردوا لسلوك طريق الله، ثم اعترضت لهم أسباب، فاتفقت لهم أعذار، فنفذ ما يوجبه الحال، وكان لهم ببعض الأسباب اشتغال، أو إلى شيء من العلوم رجوع، لم يقدح ذلك في حجة إرادتهم، ولا يعد ذلك منهم شكا وفسخا لعهودهم، ولا تنتفي عنهم سمة الفيئة إلى الله. ه. قلت: هذا إن بقوا في صحبة الشيوخ، ملازمين لهم، أو واصلين إليهم، وأما إن تركوا الصحبة، أو الوصول، فلا شك في رجوعهم إلى العمومية. ثم قال في قوله: { ولكن من شرح بالكفر صدرا }: من رجع باختياره، ووضع قدما في غير طريق الله، بحكم هواه، فقد نقض عهد إرادته لله، وفسخ عقد قصده إلى الله، وهو مستوجب الحجبة، إلى أن تتداركه الرحمة. ه. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، ما نصه: وفي مكاتبة لشيخنا العارف أبي المحاسن يوسف بن محمد: فإن اختلفت الأشكال، وتراكمت الفتن والأهوال، وتصدعت الأحوال، ربما ظهر على العارف وصف لم يكن معهودا، وأمر لم يكن بالذات مقصودا، فيكون معه قصور في جانب الحق، لا في جانب الحقيقة، فلا يضر، إن رجع في ذلك لمولاه فرارا، وإلى ربه اضطرارا. { ففروا إلى الله }. ه. ثم رغب في التوبة فقال: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا... }

النحل 16:105

قلت: { من كفر }: شرطية مبتدأ، وكذلك { من شرح }. و { فعليهم غضب }: جواب عن الأولى والثانية لأنهما بمعنى واحد، ويكون جوابا للثانية، وجواب الأولى: محذوف يدل عليه جواب الثانية. وقيل: { من كفر }: بدل من { الذين لا يؤمنون } ، أو من المبتدأ في قوله: { أولئك هم الكاذبون } ، أو من الخبر. و { إلا من أكره }: استئناف من قوله: { من كفر }. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين لا يؤمنون } لا يصدقون { بآيات الله } ، ويقولون: هي من عند غيره، { لا يهديهم الله } إلى سبيل النجاة، أو إلى اتباع الحق، أو إلى الجنة. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. وهذا في قوم علم أنهم لا يؤمنون، كقوله: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون [يونس: 96]. وقال ابن عطية: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله. ولكنه قدم وأخر تهمما بتقبيح أفعالهم. ه. قال البيضاوي: هددهم على كفرهم، بعد ما أماط شبهتهم، ورد طعنهم فيه، ثم قلب الأمر عليهم، فقال: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } لأنهم لا يخافون عذابا يردعهم عنه، { وأولئك هم الكاذبون } على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله، والطعن فيها، بهذه الخرافات أعظم الكذب. وأولئك الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة. أو الكاذبون في قولهم: { إنما أنت مفتر } ، { إنما يعلمه بشر }. ه. والكلام كله مع كفار قريش. ثم ذكر حكم من ارتد عن الإيمان طوعا أو كرها، فقال: { من كفر بالله من بعد إيمانه } فعليهم غضب من الله، { إلا من أكره } على التلفظ بالكفر، أو على الافتراء على الله، { وقلبه مطمئن بالإيمان } لم تتغير عقيدته، { ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي: فتحه ووسعه، فاعتقده، وطابت به نفسه، { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } إذ لا أعظم من جرمه. روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه - وهما ياسر وسمية - على الارتداد، فربطوا سمية بين بعيرين، وطعنوها بحربة في قلبها، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال، فماتت - رحمة الله عليها - وقتلوا ياسرا زوجها، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال: " كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه " فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه، ويقول: " ما لك، إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ". وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه. وإن كان الأفضل أن يجتنب عنه، إعزازا للدين، كما فعل أبواه. لما روي أن مسيلمة أخذ رجلين، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله. وقال: ما تقول في؟ فقال: أنت أيضا، فخلى سبيله، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله، فقال: ما تقول في؟ فقال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: " أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الآخر فقد صدع بالحق، فهنيئا له " ه. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: وهذا الحكم فيمن أكره على النطق بالكفر، وأما الإكراه على فعل وهو كفر، كالسجود للصنم، فاختلف هل يجوز الإجابة إليه أو لا؟ فأجازه الجمهور، ومنعه قوم. وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين، ولا طلاق، ولا عتاق، ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز له الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله. ه. وذكر ابن عطية أنواعا من الأمور المكره بها، فذكر عن مالك: أن القيد إكراه، والسجن إكراه، والوعيد المخوف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي، وإنفاذه فيما يتوعد به. ثم ذكر خلافا في الحنث في حق من حلف للدرء عن ماله، لظالم، بخلاف الدرء عن النفس والبدن، فإنه لا يحنث، قولا واحدا، إلا إذا تبرع باليمين، ففي لزومه خلاف. وانظر المختصر في الطلاق. ثم علل نزول العذاب بهم، فقال: { ذلك } الوعيد { بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة } أي: بسبب أنهم آثروها عليها، { وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } ، الذين سبق لهم الشقاء، فلا يهديهم إلى ما يوجب ثبات الإيمان في قلوبهم، ولا يعصمهم من الزيغ. { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم } فغابت عن إدراك الحق والتدبر فيه، { وأولئك هم الغافلون } الكاملون في الغفلة، حتى أغفلتهم الحالة الزائفة عن التأمل في العواقب. { لا جرم }: لا شك { أنهم في الآخرة هم الخاسرون } حيث ضيعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد. قاله البيضاوي. الإشارة: من سبق له البعاد لا ينفعه الكد والاجتهاد، ومن سبقت له العناية لا تضره الجناية. ففي التحقيق: ما ثم إلا سابقة التوفيق. فمن كان في عداد المريدين السالكين، ثم أكره على الرجوع إلى طريق الغافلين، { فمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ، أي: بالتصديق بطريق الخصوص، وهو مصمم على الرجوع إليها فلا بأس عليه أن ينطق بلسانه، ما يرى أنه رجع إليهم. فإذا وجد فسحة فر بدينه. وكذلك إذا أخذه ضعف أو فشل وقت القهرية، ثم أنهضته العناية، ففر إلى الله، التحق بأولياء الله، وأما من شرح صدره بالرجوع عن طريق القوم، وطال مقامه مع العوام، فلا يفلح أبدا في طريق الخصوص، والتحق بأقبح العوام، إلا إن بقي في قلبه شيء من محبة الشيوخ والفقراء، فلعله يحشر معهم، ودرجته مع العوام. قال القشيري: إذا علم الله صدق عبده بقلبه، وإخلاصه في عقده، ثم لحقته ضرورة في حاله، خفف عنه حكمه، ورفع عنه عناءه، فإذا تلفظ بكلمة الكفر مكرها، وهو بالتوحيد محقق، عذر فيما بينه وبين ربه. وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، وتجردوا لسلوك طريق الله، ثم اعترضت لهم أسباب، فاتفقت لهم أعذار، فنفذ ما يوجبه الحال، وكان لهم ببعض الأسباب اشتغال، أو إلى شيء من العلوم رجوع، لم يقدح ذلك في حجة إرادتهم، ولا يعد ذلك منهم شكا وفسخا لعهودهم، ولا تنتفي عنهم سمة الفيئة إلى الله. ه. قلت: هذا إن بقوا في صحبة الشيوخ، ملازمين لهم، أو واصلين إليهم، وأما إن تركوا الصحبة، أو الوصول، فلا شك في رجوعهم إلى العمومية. ثم قال في قوله: { ولكن من شرح بالكفر صدرا }: من رجع باختياره، ووضع قدما في غير طريق الله، بحكم هواه، فقد نقض عهد إرادته لله، وفسخ عقد قصده إلى الله، وهو مستوجب الحجبة، إلى أن تتداركه الرحمة. ه. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، ما نصه: وفي مكاتبة لشيخنا العارف أبي المحاسن يوسف بن محمد: فإن اختلفت الأشكال، وتراكمت الفتن والأهوال، وتصدعت الأحوال، ربما ظهر على العارف وصف لم يكن معهودا، وأمر لم يكن بالذات مقصودا، فيكون معه قصور في جانب الحق، لا في جانب الحقيقة، فلا يضر، إن رجع في ذلك لمولاه فرارا، وإلى ربه اضطرارا. { ففروا إلى الله }. ه. ثم رغب في التوبة فقال: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا... }

النحل 16:106

قلت: { من كفر }: شرطية مبتدأ، وكذلك { من شرح }. و { فعليهم غضب }: جواب عن الأولى والثانية لأنهما بمعنى واحد، ويكون جوابا للثانية، وجواب الأولى: محذوف يدل عليه جواب الثانية. وقيل: { من كفر }: بدل من { الذين لا يؤمنون } ، أو من المبتدأ في قوله: { أولئك هم الكاذبون } ، أو من الخبر. و { إلا من أكره }: استئناف من قوله: { من كفر }. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين لا يؤمنون } لا يصدقون { بآيات الله } ، ويقولون: هي من عند غيره، { لا يهديهم الله } إلى سبيل النجاة، أو إلى اتباع الحق، أو إلى الجنة. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. وهذا في قوم علم أنهم لا يؤمنون، كقوله: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون [يونس: 96]. وقال ابن عطية: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله. ولكنه قدم وأخر تهمما بتقبيح أفعالهم. ه. قال البيضاوي: هددهم على كفرهم، بعد ما أماط شبهتهم، ورد طعنهم فيه، ثم قلب الأمر عليهم، فقال: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } لأنهم لا يخافون عذابا يردعهم عنه، { وأولئك هم الكاذبون } على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله، والطعن فيها، بهذه الخرافات أعظم الكذب. وأولئك الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة. أو الكاذبون في قولهم: { إنما أنت مفتر } ، { إنما يعلمه بشر }. ه. والكلام كله مع كفار قريش. ثم ذكر حكم من ارتد عن الإيمان طوعا أو كرها، فقال: { من كفر بالله من بعد إيمانه } فعليهم غضب من الله، { إلا من أكره } على التلفظ بالكفر، أو على الافتراء على الله، { وقلبه مطمئن بالإيمان } لم تتغير عقيدته، { ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي: فتحه ووسعه، فاعتقده، وطابت به نفسه، { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } إذ لا أعظم من جرمه. روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه - وهما ياسر وسمية - على الارتداد، فربطوا سمية بين بعيرين، وطعنوها بحربة في قلبها، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال، فماتت - رحمة الله عليها - وقتلوا ياسرا زوجها، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال: " كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه " فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه، ويقول: " ما لك، إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ". وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه. وإن كان الأفضل أن يجتنب عنه، إعزازا للدين، كما فعل أبواه. لما روي أن مسيلمة أخذ رجلين، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله. وقال: ما تقول في؟ فقال: أنت أيضا، فخلى سبيله، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله، فقال: ما تقول في؟ فقال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: " أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الآخر فقد صدع بالحق، فهنيئا له " ه. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: وهذا الحكم فيمن أكره على النطق بالكفر، وأما الإكراه على فعل وهو كفر، كالسجود للصنم، فاختلف هل يجوز الإجابة إليه أو لا؟ فأجازه الجمهور، ومنعه قوم. وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين، ولا طلاق، ولا عتاق، ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز له الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله. ه. وذكر ابن عطية أنواعا من الأمور المكره بها، فذكر عن مالك: أن القيد إكراه، والسجن إكراه، والوعيد المخوف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي، وإنفاذه فيما يتوعد به. ثم ذكر خلافا في الحنث في حق من حلف للدرء عن ماله، لظالم، بخلاف الدرء عن النفس والبدن، فإنه لا يحنث، قولا واحدا، إلا إذا تبرع باليمين، ففي لزومه خلاف. وانظر المختصر في الطلاق. ثم علل نزول العذاب بهم، فقال: { ذلك } الوعيد { بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة } أي: بسبب أنهم آثروها عليها، { وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } ، الذين سبق لهم الشقاء، فلا يهديهم إلى ما يوجب ثبات الإيمان في قلوبهم، ولا يعصمهم من الزيغ. { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم } فغابت عن إدراك الحق والتدبر فيه، { وأولئك هم الغافلون } الكاملون في الغفلة، حتى أغفلتهم الحالة الزائفة عن التأمل في العواقب. { لا جرم }: لا شك { أنهم في الآخرة هم الخاسرون } حيث ضيعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد. قاله البيضاوي. الإشارة: من سبق له البعاد لا ينفعه الكد والاجتهاد، ومن سبقت له العناية لا تضره الجناية. ففي التحقيق: ما ثم إلا سابقة التوفيق. فمن كان في عداد المريدين السالكين، ثم أكره على الرجوع إلى طريق الغافلين، { فمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ، أي: بالتصديق بطريق الخصوص، وهو مصمم على الرجوع إليها فلا بأس عليه أن ينطق بلسانه، ما يرى أنه رجع إليهم. فإذا وجد فسحة فر بدينه. وكذلك إذا أخذه ضعف أو فشل وقت القهرية، ثم أنهضته العناية، ففر إلى الله، التحق بأولياء الله، وأما من شرح صدره بالرجوع عن طريق القوم، وطال مقامه مع العوام، فلا يفلح أبدا في طريق الخصوص، والتحق بأقبح العوام، إلا إن بقي في قلبه شيء من محبة الشيوخ والفقراء، فلعله يحشر معهم، ودرجته مع العوام. قال القشيري: إذا علم الله صدق عبده بقلبه، وإخلاصه في عقده، ثم لحقته ضرورة في حاله، خفف عنه حكمه، ورفع عنه عناءه، فإذا تلفظ بكلمة الكفر مكرها، وهو بالتوحيد محقق، عذر فيما بينه وبين ربه. وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، وتجردوا لسلوك طريق الله، ثم اعترضت لهم أسباب، فاتفقت لهم أعذار، فنفذ ما يوجبه الحال، وكان لهم ببعض الأسباب اشتغال، أو إلى شيء من العلوم رجوع، لم يقدح ذلك في حجة إرادتهم، ولا يعد ذلك منهم شكا وفسخا لعهودهم، ولا تنتفي عنهم سمة الفيئة إلى الله. ه. قلت: هذا إن بقوا في صحبة الشيوخ، ملازمين لهم، أو واصلين إليهم، وأما إن تركوا الصحبة، أو الوصول، فلا شك في رجوعهم إلى العمومية. ثم قال في قوله: { ولكن من شرح بالكفر صدرا }: من رجع باختياره، ووضع قدما في غير طريق الله، بحكم هواه، فقد نقض عهد إرادته لله، وفسخ عقد قصده إلى الله، وهو مستوجب الحجبة، إلى أن تتداركه الرحمة. ه. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، ما نصه: وفي مكاتبة لشيخنا العارف أبي المحاسن يوسف بن محمد: فإن اختلفت الأشكال، وتراكمت الفتن والأهوال، وتصدعت الأحوال، ربما ظهر على العارف وصف لم يكن معهودا، وأمر لم يكن بالذات مقصودا، فيكون معه قصور في جانب الحق، لا في جانب الحقيقة، فلا يضر، إن رجع في ذلك لمولاه فرارا، وإلى ربه اضطرارا. { ففروا إلى الله }. ه. ثم رغب في التوبة فقال: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا... }

النحل 16:107

قلت: { من كفر }: شرطية مبتدأ، وكذلك { من شرح }. و { فعليهم غضب }: جواب عن الأولى والثانية لأنهما بمعنى واحد، ويكون جوابا للثانية، وجواب الأولى: محذوف يدل عليه جواب الثانية. وقيل: { من كفر }: بدل من { الذين لا يؤمنون } ، أو من المبتدأ في قوله: { أولئك هم الكاذبون } ، أو من الخبر. و { إلا من أكره }: استئناف من قوله: { من كفر }. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين لا يؤمنون } لا يصدقون { بآيات الله } ، ويقولون: هي من عند غيره، { لا يهديهم الله } إلى سبيل النجاة، أو إلى اتباع الحق، أو إلى الجنة. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. وهذا في قوم علم أنهم لا يؤمنون، كقوله: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون [يونس: 96]. وقال ابن عطية: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله. ولكنه قدم وأخر تهمما بتقبيح أفعالهم. ه. قال البيضاوي: هددهم على كفرهم، بعد ما أماط شبهتهم، ورد طعنهم فيه، ثم قلب الأمر عليهم، فقال: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } لأنهم لا يخافون عذابا يردعهم عنه، { وأولئك هم الكاذبون } على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله، والطعن فيها، بهذه الخرافات أعظم الكذب. وأولئك الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة. أو الكاذبون في قولهم: { إنما أنت مفتر } ، { إنما يعلمه بشر }. ه. والكلام كله مع كفار قريش. ثم ذكر حكم من ارتد عن الإيمان طوعا أو كرها، فقال: { من كفر بالله من بعد إيمانه } فعليهم غضب من الله، { إلا من أكره } على التلفظ بالكفر، أو على الافتراء على الله، { وقلبه مطمئن بالإيمان } لم تتغير عقيدته، { ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي: فتحه ووسعه، فاعتقده، وطابت به نفسه، { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } إذ لا أعظم من جرمه. روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه - وهما ياسر وسمية - على الارتداد، فربطوا سمية بين بعيرين، وطعنوها بحربة في قلبها، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال، فماتت - رحمة الله عليها - وقتلوا ياسرا زوجها، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال: " كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه " فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه، ويقول: " ما لك، إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ". وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه. وإن كان الأفضل أن يجتنب عنه، إعزازا للدين، كما فعل أبواه. لما روي أن مسيلمة أخذ رجلين، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله. وقال: ما تقول في؟ فقال: أنت أيضا، فخلى سبيله، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله، فقال: ما تقول في؟ فقال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: " أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الآخر فقد صدع بالحق، فهنيئا له " ه. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: وهذا الحكم فيمن أكره على النطق بالكفر، وأما الإكراه على فعل وهو كفر، كالسجود للصنم، فاختلف هل يجوز الإجابة إليه أو لا؟ فأجازه الجمهور، ومنعه قوم. وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين، ولا طلاق، ولا عتاق، ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز له الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله. ه. وذكر ابن عطية أنواعا من الأمور المكره بها، فذكر عن مالك: أن القيد إكراه، والسجن إكراه، والوعيد المخوف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي، وإنفاذه فيما يتوعد به. ثم ذكر خلافا في الحنث في حق من حلف للدرء عن ماله، لظالم، بخلاف الدرء عن النفس والبدن، فإنه لا يحنث، قولا واحدا، إلا إذا تبرع باليمين، ففي لزومه خلاف. وانظر المختصر في الطلاق. ثم علل نزول العذاب بهم، فقال: { ذلك } الوعيد { بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة } أي: بسبب أنهم آثروها عليها، { وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } ، الذين سبق لهم الشقاء، فلا يهديهم إلى ما يوجب ثبات الإيمان في قلوبهم، ولا يعصمهم من الزيغ. { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم } فغابت عن إدراك الحق والتدبر فيه، { وأولئك هم الغافلون } الكاملون في الغفلة، حتى أغفلتهم الحالة الزائفة عن التأمل في العواقب. { لا جرم }: لا شك { أنهم في الآخرة هم الخاسرون } حيث ضيعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد. قاله البيضاوي. الإشارة: من سبق له البعاد لا ينفعه الكد والاجتهاد، ومن سبقت له العناية لا تضره الجناية. ففي التحقيق: ما ثم إلا سابقة التوفيق. فمن كان في عداد المريدين السالكين، ثم أكره على الرجوع إلى طريق الغافلين، { فمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ، أي: بالتصديق بطريق الخصوص، وهو مصمم على الرجوع إليها فلا بأس عليه أن ينطق بلسانه، ما يرى أنه رجع إليهم. فإذا وجد فسحة فر بدينه. وكذلك إذا أخذه ضعف أو فشل وقت القهرية، ثم أنهضته العناية، ففر إلى الله، التحق بأولياء الله، وأما من شرح صدره بالرجوع عن طريق القوم، وطال مقامه مع العوام، فلا يفلح أبدا في طريق الخصوص، والتحق بأقبح العوام، إلا إن بقي في قلبه شيء من محبة الشيوخ والفقراء، فلعله يحشر معهم، ودرجته مع العوام. قال القشيري: إذا علم الله صدق عبده بقلبه، وإخلاصه في عقده، ثم لحقته ضرورة في حاله، خفف عنه حكمه، ورفع عنه عناءه، فإذا تلفظ بكلمة الكفر مكرها، وهو بالتوحيد محقق، عذر فيما بينه وبين ربه. وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، وتجردوا لسلوك طريق الله، ثم اعترضت لهم أسباب، فاتفقت لهم أعذار، فنفذ ما يوجبه الحال، وكان لهم ببعض الأسباب اشتغال، أو إلى شيء من العلوم رجوع، لم يقدح ذلك في حجة إرادتهم، ولا يعد ذلك منهم شكا وفسخا لعهودهم، ولا تنتفي عنهم سمة الفيئة إلى الله. ه. قلت: هذا إن بقوا في صحبة الشيوخ، ملازمين لهم، أو واصلين إليهم، وأما إن تركوا الصحبة، أو الوصول، فلا شك في رجوعهم إلى العمومية. ثم قال في قوله: { ولكن من شرح بالكفر صدرا }: من رجع باختياره، ووضع قدما في غير طريق الله، بحكم هواه، فقد نقض عهد إرادته لله، وفسخ عقد قصده إلى الله، وهو مستوجب الحجبة، إلى أن تتداركه الرحمة. ه. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، ما نصه: وفي مكاتبة لشيخنا العارف أبي المحاسن يوسف بن محمد: فإن اختلفت الأشكال، وتراكمت الفتن والأهوال، وتصدعت الأحوال، ربما ظهر على العارف وصف لم يكن معهودا، وأمر لم يكن بالذات مقصودا، فيكون معه قصور في جانب الحق، لا في جانب الحقيقة، فلا يضر، إن رجع في ذلك لمولاه فرارا، وإلى ربه اضطرارا. { ففروا إلى الله }. ه. ثم رغب في التوبة فقال: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا... }

النحل 16:108

قلت: { من كفر }: شرطية مبتدأ، وكذلك { من شرح }. و { فعليهم غضب }: جواب عن الأولى والثانية لأنهما بمعنى واحد، ويكون جوابا للثانية، وجواب الأولى: محذوف يدل عليه جواب الثانية. وقيل: { من كفر }: بدل من { الذين لا يؤمنون } ، أو من المبتدأ في قوله: { أولئك هم الكاذبون } ، أو من الخبر. و { إلا من أكره }: استئناف من قوله: { من كفر }. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين لا يؤمنون } لا يصدقون { بآيات الله } ، ويقولون: هي من عند غيره، { لا يهديهم الله } إلى سبيل النجاة، أو إلى اتباع الحق، أو إلى الجنة. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. وهذا في قوم علم أنهم لا يؤمنون، كقوله: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون [يونس: 96]. وقال ابن عطية: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله. ولكنه قدم وأخر تهمما بتقبيح أفعالهم. ه. قال البيضاوي: هددهم على كفرهم، بعد ما أماط شبهتهم، ورد طعنهم فيه، ثم قلب الأمر عليهم، فقال: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } لأنهم لا يخافون عذابا يردعهم عنه، { وأولئك هم الكاذبون } على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله، والطعن فيها، بهذه الخرافات أعظم الكذب. وأولئك الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة. أو الكاذبون في قولهم: { إنما أنت مفتر } ، { إنما يعلمه بشر }. ه. والكلام كله مع كفار قريش. ثم ذكر حكم من ارتد عن الإيمان طوعا أو كرها، فقال: { من كفر بالله من بعد إيمانه } فعليهم غضب من الله، { إلا من أكره } على التلفظ بالكفر، أو على الافتراء على الله، { وقلبه مطمئن بالإيمان } لم تتغير عقيدته، { ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي: فتحه ووسعه، فاعتقده، وطابت به نفسه، { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } إذ لا أعظم من جرمه. روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه - وهما ياسر وسمية - على الارتداد، فربطوا سمية بين بعيرين، وطعنوها بحربة في قلبها، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال، فماتت - رحمة الله عليها - وقتلوا ياسرا زوجها، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال: " كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه " فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه، ويقول: " ما لك، إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ". وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه. وإن كان الأفضل أن يجتنب عنه، إعزازا للدين، كما فعل أبواه. لما روي أن مسيلمة أخذ رجلين، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله. وقال: ما تقول في؟ فقال: أنت أيضا، فخلى سبيله، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله، فقال: ما تقول في؟ فقال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: " أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الآخر فقد صدع بالحق، فهنيئا له " ه. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: وهذا الحكم فيمن أكره على النطق بالكفر، وأما الإكراه على فعل وهو كفر، كالسجود للصنم، فاختلف هل يجوز الإجابة إليه أو لا؟ فأجازه الجمهور، ومنعه قوم. وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين، ولا طلاق، ولا عتاق، ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز له الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله. ه. وذكر ابن عطية أنواعا من الأمور المكره بها، فذكر عن مالك: أن القيد إكراه، والسجن إكراه، والوعيد المخوف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي، وإنفاذه فيما يتوعد به. ثم ذكر خلافا في الحنث في حق من حلف للدرء عن ماله، لظالم، بخلاف الدرء عن النفس والبدن، فإنه لا يحنث، قولا واحدا، إلا إذا تبرع باليمين، ففي لزومه خلاف. وانظر المختصر في الطلاق. ثم علل نزول العذاب بهم، فقال: { ذلك } الوعيد { بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة } أي: بسبب أنهم آثروها عليها، { وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } ، الذين سبق لهم الشقاء، فلا يهديهم إلى ما يوجب ثبات الإيمان في قلوبهم، ولا يعصمهم من الزيغ. { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم } فغابت عن إدراك الحق والتدبر فيه، { وأولئك هم الغافلون } الكاملون في الغفلة، حتى أغفلتهم الحالة الزائفة عن التأمل في العواقب. { لا جرم }: لا شك { أنهم في الآخرة هم الخاسرون } حيث ضيعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد. قاله البيضاوي. الإشارة: من سبق له البعاد لا ينفعه الكد والاجتهاد، ومن سبقت له العناية لا تضره الجناية. ففي التحقيق: ما ثم إلا سابقة التوفيق. فمن كان في عداد المريدين السالكين، ثم أكره على الرجوع إلى طريق الغافلين، { فمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ، أي: بالتصديق بطريق الخصوص، وهو مصمم على الرجوع إليها فلا بأس عليه أن ينطق بلسانه، ما يرى أنه رجع إليهم. فإذا وجد فسحة فر بدينه. وكذلك إذا أخذه ضعف أو فشل وقت القهرية، ثم أنهضته العناية، ففر إلى الله، التحق بأولياء الله، وأما من شرح صدره بالرجوع عن طريق القوم، وطال مقامه مع العوام، فلا يفلح أبدا في طريق الخصوص، والتحق بأقبح العوام، إلا إن بقي في قلبه شيء من محبة الشيوخ والفقراء، فلعله يحشر معهم، ودرجته مع العوام. قال القشيري: إذا علم الله صدق عبده بقلبه، وإخلاصه في عقده، ثم لحقته ضرورة في حاله، خفف عنه حكمه، ورفع عنه عناءه، فإذا تلفظ بكلمة الكفر مكرها، وهو بالتوحيد محقق، عذر فيما بينه وبين ربه. وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، وتجردوا لسلوك طريق الله، ثم اعترضت لهم أسباب، فاتفقت لهم أعذار، فنفذ ما يوجبه الحال، وكان لهم ببعض الأسباب اشتغال، أو إلى شيء من العلوم رجوع، لم يقدح ذلك في حجة إرادتهم، ولا يعد ذلك منهم شكا وفسخا لعهودهم، ولا تنتفي عنهم سمة الفيئة إلى الله. ه. قلت: هذا إن بقوا في صحبة الشيوخ، ملازمين لهم، أو واصلين إليهم، وأما إن تركوا الصحبة، أو الوصول، فلا شك في رجوعهم إلى العمومية. ثم قال في قوله: { ولكن من شرح بالكفر صدرا }: من رجع باختياره، ووضع قدما في غير طريق الله، بحكم هواه، فقد نقض عهد إرادته لله، وفسخ عقد قصده إلى الله، وهو مستوجب الحجبة، إلى أن تتداركه الرحمة. ه. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، ما نصه: وفي مكاتبة لشيخنا العارف أبي المحاسن يوسف بن محمد: فإن اختلفت الأشكال، وتراكمت الفتن والأهوال، وتصدعت الأحوال، ربما ظهر على العارف وصف لم يكن معهودا، وأمر لم يكن بالذات مقصودا، فيكون معه قصور في جانب الحق، لا في جانب الحقيقة، فلا يضر، إن رجع في ذلك لمولاه فرارا، وإلى ربه اضطرارا. { ففروا إلى الله }. ه. ثم رغب في التوبة فقال: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا... }

النحل 16:109

قلت: { من كفر }: شرطية مبتدأ، وكذلك { من شرح }. و { فعليهم غضب }: جواب عن الأولى والثانية لأنهما بمعنى واحد، ويكون جوابا للثانية، وجواب الأولى: محذوف يدل عليه جواب الثانية. وقيل: { من كفر }: بدل من { الذين لا يؤمنون } ، أو من المبتدأ في قوله: { أولئك هم الكاذبون } ، أو من الخبر. و { إلا من أكره }: استئناف من قوله: { من كفر }. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين لا يؤمنون } لا يصدقون { بآيات الله } ، ويقولون: هي من عند غيره، { لا يهديهم الله } إلى سبيل النجاة، أو إلى اتباع الحق، أو إلى الجنة. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. وهذا في قوم علم أنهم لا يؤمنون، كقوله: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون [يونس: 96]. وقال ابن عطية: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله. ولكنه قدم وأخر تهمما بتقبيح أفعالهم. ه. قال البيضاوي: هددهم على كفرهم، بعد ما أماط شبهتهم، ورد طعنهم فيه، ثم قلب الأمر عليهم، فقال: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } لأنهم لا يخافون عذابا يردعهم عنه، { وأولئك هم الكاذبون } على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله، والطعن فيها، بهذه الخرافات أعظم الكذب. وأولئك الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة. أو الكاذبون في قولهم: { إنما أنت مفتر } ، { إنما يعلمه بشر }. ه. والكلام كله مع كفار قريش. ثم ذكر حكم من ارتد عن الإيمان طوعا أو كرها، فقال: { من كفر بالله من بعد إيمانه } فعليهم غضب من الله، { إلا من أكره } على التلفظ بالكفر، أو على الافتراء على الله، { وقلبه مطمئن بالإيمان } لم تتغير عقيدته، { ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي: فتحه ووسعه، فاعتقده، وطابت به نفسه، { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } إذ لا أعظم من جرمه. روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه - وهما ياسر وسمية - على الارتداد، فربطوا سمية بين بعيرين، وطعنوها بحربة في قلبها، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال، فماتت - رحمة الله عليها - وقتلوا ياسرا زوجها، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال: " كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه " فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه، ويقول: " ما لك، إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ". وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه. وإن كان الأفضل أن يجتنب عنه، إعزازا للدين، كما فعل أبواه. لما روي أن مسيلمة أخذ رجلين، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله. وقال: ما تقول في؟ فقال: أنت أيضا، فخلى سبيله، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله، فقال: ما تقول في؟ فقال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: " أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الآخر فقد صدع بالحق، فهنيئا له " ه. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: وهذا الحكم فيمن أكره على النطق بالكفر، وأما الإكراه على فعل وهو كفر، كالسجود للصنم، فاختلف هل يجوز الإجابة إليه أو لا؟ فأجازه الجمهور، ومنعه قوم. وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين، ولا طلاق، ولا عتاق، ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز له الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله. ه. وذكر ابن عطية أنواعا من الأمور المكره بها، فذكر عن مالك: أن القيد إكراه، والسجن إكراه، والوعيد المخوف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي، وإنفاذه فيما يتوعد به. ثم ذكر خلافا في الحنث في حق من حلف للدرء عن ماله، لظالم، بخلاف الدرء عن النفس والبدن، فإنه لا يحنث، قولا واحدا، إلا إذا تبرع باليمين، ففي لزومه خلاف. وانظر المختصر في الطلاق. ثم علل نزول العذاب بهم، فقال: { ذلك } الوعيد { بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة } أي: بسبب أنهم آثروها عليها، { وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } ، الذين سبق لهم الشقاء، فلا يهديهم إلى ما يوجب ثبات الإيمان في قلوبهم، ولا يعصمهم من الزيغ. { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم } فغابت عن إدراك الحق والتدبر فيه، { وأولئك هم الغافلون } الكاملون في الغفلة، حتى أغفلتهم الحالة الزائفة عن التأمل في العواقب. { لا جرم }: لا شك { أنهم في الآخرة هم الخاسرون } حيث ضيعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد. قاله البيضاوي. الإشارة: من سبق له البعاد لا ينفعه الكد والاجتهاد، ومن سبقت له العناية لا تضره الجناية. ففي التحقيق: ما ثم إلا سابقة التوفيق. فمن كان في عداد المريدين السالكين، ثم أكره على الرجوع إلى طريق الغافلين، { فمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ، أي: بالتصديق بطريق الخصوص، وهو مصمم على الرجوع إليها فلا بأس عليه أن ينطق بلسانه، ما يرى أنه رجع إليهم. فإذا وجد فسحة فر بدينه. وكذلك إذا أخذه ضعف أو فشل وقت القهرية، ثم أنهضته العناية، ففر إلى الله، التحق بأولياء الله، وأما من شرح صدره بالرجوع عن طريق القوم، وطال مقامه مع العوام، فلا يفلح أبدا في طريق الخصوص، والتحق بأقبح العوام، إلا إن بقي في قلبه شيء من محبة الشيوخ والفقراء، فلعله يحشر معهم، ودرجته مع العوام. قال القشيري: إذا علم الله صدق عبده بقلبه، وإخلاصه في عقده، ثم لحقته ضرورة في حاله، خفف عنه حكمه، ورفع عنه عناءه، فإذا تلفظ بكلمة الكفر مكرها، وهو بالتوحيد محقق، عذر فيما بينه وبين ربه. وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، وتجردوا لسلوك طريق الله، ثم اعترضت لهم أسباب، فاتفقت لهم أعذار، فنفذ ما يوجبه الحال، وكان لهم ببعض الأسباب اشتغال، أو إلى شيء من العلوم رجوع، لم يقدح ذلك في حجة إرادتهم، ولا يعد ذلك منهم شكا وفسخا لعهودهم، ولا تنتفي عنهم سمة الفيئة إلى الله. ه. قلت: هذا إن بقوا في صحبة الشيوخ، ملازمين لهم، أو واصلين إليهم، وأما إن تركوا الصحبة، أو الوصول، فلا شك في رجوعهم إلى العمومية. ثم قال في قوله: { ولكن من شرح بالكفر صدرا }: من رجع باختياره، ووضع قدما في غير طريق الله، بحكم هواه، فقد نقض عهد إرادته لله، وفسخ عقد قصده إلى الله، وهو مستوجب الحجبة، إلى أن تتداركه الرحمة. ه. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، ما نصه: وفي مكاتبة لشيخنا العارف أبي المحاسن يوسف بن محمد: فإن اختلفت الأشكال، وتراكمت الفتن والأهوال، وتصدعت الأحوال، ربما ظهر على العارف وصف لم يكن معهودا، وأمر لم يكن بالذات مقصودا، فيكون معه قصور في جانب الحق، لا في جانب الحقيقة، فلا يضر، إن رجع في ذلك لمولاه فرارا، وإلى ربه اضطرارا. { ففروا إلى الله }. ه. ثم رغب في التوبة فقال: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا... }

النحل 16:110

قلت: { إن } الثانية: تأكيد، والخبر للأول. يقول الحق جل جلاله: { ثم إن ربك للذين هاجروا } من دار الكفر إلى المدينة { من بعد ما فتنوا } أي: عذبوا على الإسلام كعمار بن ياسر، وأشباهه من المعذبين على الإسلام. هذا على قراءة الضم. وقرأ ابن عامر: " فتنوا " بفتح التاء، أي: فتنوا المسلمين وعذبوهم، فتكون فيمن عذب المسلمين، ثم أسلم وهاجر وجاهد، كعامر بن الحضرمي، أكره مولاه جبرا حتى ارتد، ثم أسلما وهاجرا ثم جاهدا، وصبرا على الجهاد وما أصابهم من المشاق، { إن ربك من بعدها } من بعد الهجرة والجهاد والصبر، { لغفور رحيم } أي: لغفور لما مضى قبل، رحيم يجازيهم على ما صنعوا بعد. الإشارة: من نزلت به قهرية، أو حصلت له فترة، حتى رجع عن طريق القوم، ثم تاب وهاجر من موطن حظوظه وهواه، وجاهد نفسه في ترك شواغل دنياه، واستعمل السير إلى من كان يدله على الله { إن ربك من بعدها لغفور رحيم } يغفر له ما مضى من فترته، ويلحقه بأصحابه وأبناء جنسه. وبالله التوفيق. ثم ذكر يوم الجزاء لمن صبر وهاجر أو الخسران لمن جحد وكفر

النحل 16:111

قلت: { يوم }: منصوب باذكر، أو بغفور رحيم. يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } عن ذاتها، وتسعى في خلاصها، لا يهمها شأن غيرها يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه [عبس: 34-36]، { وتوفى كل نفس } جزاء { ما عملت } على التمام، { وهم لا يظلمون }: لا ينقصون من أجورهم مثقال ذرة. الإشارة: النفس التي تجادل عن نفسها، وتوفى ما عملت من خير أو شر، إنما هي النفس الأمارة أو اللوامة. وأما النفس المطمئنة بالله، الفانية في شهود ذات الله، لا ترى وجودا مع الله فلا يتوجه عليها عتاب، ولا يترتب عليه حساب إذ لم يبق لها فعل تحاسب عليه. وعلى تقدير وجوده فقد حاسبت قبل أن تحاسب، بل هي في عداد السبعين ألفا، الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وهم المتوكلون. أو تقول: هي في عداد من يلقى الله بالله، فليس لها شيء سوى الله، فحجته، يوم تجادل النفوس، هو الله. كما قال الشاعر: وجهك المحمود حجتنا يوم يأتي الناس بالحجج وبالله التوفيق. ثم ضرب مثلا لمن كفر النعم

النحل 16:112

قلت: { قرية }: بدل من: { مثلا }. يقول الحق جل جلاله: { وضرب الله مثلا } ، ثم فسره بقوله: { قرية }: مكة، وقيل: غيرها. { كانت آمنة } من الغارات، لا تهاج، { مطمئنة } لا تحتاج إلى الانتقال عند الضيق أو الخوف، { يأتيها رزقها }: أقواتها { رغدا }: واسعا { من كل مكان } من نواحيها، { فكفرت بأنعم الله } بطرت بها، أو بنبي الله، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } ، استعار الذوق لإدراك أثر الضرر، واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف، أما الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا حتى صارت كالحقيقة، وأما اللباس فقد يستعيرونه لما يشتمل على الشيء ويستره يقول الشاعر: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال فقد استعار الرداء للمعروف، فإنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه، والمعنى: أنهم لما كفروا النعم أنزل الله بهم النقم، فأحاط بهم الخوف والجوع إحاطة الثوب بمن يستتر به، فإن كانت مكة، فالخوف من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم وغاراته عليهم، وإن كان غيرها، فمن كل عدو، وذلك بسبب ما كانوا يصنعون من الكفر والتكذيب. { ولقد جاءهم رسول منهم } ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، والضمير لأهل مكة. عاد إلى ذكرهم بعد ذكر مثلهم. { فكذبوه فأخذهم العذاب }: الجوع والقحط، ووقعة بدر، { وهم ظالمون } ملتبسون بالظلم، غير تائبين منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ضرب الله مثلا قلبا كان آمنا مطمئنا بالله، تأتيه أرزاق العلوم والمواهب من كل مكان، فكفر نعمة الشيخ، وخرج من يده قبل كماله، فأذاقه الله لباس الفقر بعد الغنى بالله، والخوف من الخلق، وفوات الرزق، بعد اليقين بسبب ما صنع من سوء الأدب وإنكار الواسطة، ولو خرج إلى من هو أعلى منه لأن من بان فضله عليك وجبت خدمته عليك، ومن رزق من باب لزمه. وهذا أمر مجرب عند أهل الذوق بالعيان، وليس الخبر كالعيان، هذا إن كان أهلا للتربية، مأذونا له فيها، جامعا بين الحقيقة والشريعة، وإلا انتقل عنه إلى من هو أهل لها، وبالله التوفيق. ثم أمر بالشكر الذي هو قيد النعم

النحل 16:113

قلت: { قرية }: بدل من: { مثلا }. يقول الحق جل جلاله: { وضرب الله مثلا } ، ثم فسره بقوله: { قرية }: مكة، وقيل: غيرها. { كانت آمنة } من الغارات، لا تهاج، { مطمئنة } لا تحتاج إلى الانتقال عند الضيق أو الخوف، { يأتيها رزقها }: أقواتها { رغدا }: واسعا { من كل مكان } من نواحيها، { فكفرت بأنعم الله } بطرت بها، أو بنبي الله، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } ، استعار الذوق لإدراك أثر الضرر، واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف، أما الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا حتى صارت كالحقيقة، وأما اللباس فقد يستعيرونه لما يشتمل على الشيء ويستره يقول الشاعر: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال فقد استعار الرداء للمعروف، فإنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه، والمعنى: أنهم لما كفروا النعم أنزل الله بهم النقم، فأحاط بهم الخوف والجوع إحاطة الثوب بمن يستتر به، فإن كانت مكة، فالخوف من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم وغاراته عليهم، وإن كان غيرها، فمن كل عدو، وذلك بسبب ما كانوا يصنعون من الكفر والتكذيب. { ولقد جاءهم رسول منهم } ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، والضمير لأهل مكة. عاد إلى ذكرهم بعد ذكر مثلهم. { فكذبوه فأخذهم العذاب }: الجوع والقحط، ووقعة بدر، { وهم ظالمون } ملتبسون بالظلم، غير تائبين منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ضرب الله مثلا قلبا كان آمنا مطمئنا بالله، تأتيه أرزاق العلوم والمواهب من كل مكان، فكفر نعمة الشيخ، وخرج من يده قبل كماله، فأذاقه الله لباس الفقر بعد الغنى بالله، والخوف من الخلق، وفوات الرزق، بعد اليقين بسبب ما صنع من سوء الأدب وإنكار الواسطة، ولو خرج إلى من هو أعلى منه لأن من بان فضله عليك وجبت خدمته عليك، ومن رزق من باب لزمه. وهذا أمر مجرب عند أهل الذوق بالعيان، وليس الخبر كالعيان، هذا إن كان أهلا للتربية، مأذونا له فيها، جامعا بين الحقيقة والشريعة، وإلا انتقل عنه إلى من هو أهل لها، وبالله التوفيق. ثم أمر بالشكر الذي هو قيد النعم

النحل 16:114

قلت: { الكذب }: مفعول بتقولوا، و { هذا حلال وهذا حرام }: بدل منه، أي: لا تقولوا الكذب، وهو قولكم: { هذا حلال وهذا حرام } ، و { ما } في قوله: { لما تصف } ويجوز أن ينتصب الكذب ب { تصف } ، ويكون " ما " مصدرية. ويكون قوله: { هذا حلال وهذا حرام } معمولا لتقولوا، أي: لا تقولوا: هذا كذا وهذا كذا لأجل وصف ألسنتكم الكذب. يقول الحق جل جلاله: { فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } ، أمرهم بأكل ما أحل لهم، وشكر ما أنعم عليهم، بعد ما زجرهم عن الكفر، وهددهم عليه، بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم صدا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة. قاله البيضاوي: { واشكروا نعمت الله } لتدوم لكم { إن كنتم إياه تعبدون } فلا تنسبوا نعمه إلى غيره، كشفاعة الأصنام وغيرها. { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } ، تقدم تفسيرها في البقرة والمائدة. قال البيضاوي: أمرهم بتناول ما أحل لهم، وعدد عليهم محرماته، ليعلم أن ما عداها حل لهم. ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم بقوله: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } لما لم يحله الله ولم يحرمه، كما قالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا... [الأنعام: 139] الآية. ه. تقولون ذلك { لتفتروا على الله الكذب } بنسبة ذلك إليه. { إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } أبدا لأنهم تعجلوا فلاح الدنيا بتحصيل أهوائهم، فحرموا فلاح الآخرة، ولذلك قال: { متاع قليل } أي: لهم تمتع في الدنيا قليل، يفنى ويزول. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } في سورة الأنعام بقوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر [الأنعام: 146] الآية، { وما ظلمناهم } بالتحريم، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. ذكر الحق تعالى ما حرم على المسلمين، وما حرم على اليهود ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراء على الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق - جل جلاله -، لمن بقي على العهد من شكر النعم بالإقرار بفضل الواسطة: { فكلوا مما رزقكم الله } من قوت اليقين وفواكه العلوم، { واشكروا نعمة الله } إن كنتم تخصونه بالعبادة وإفراد الوجهة. إنما حرم عليكم ما يشغلكم عنه، كجيفة الدنيا والتهارج عليها، ونجاسة الغفلة، وما يورث القساوة والبلادة، وقلة الغيرة على الحق، وما قبض من غير يد الله، أو ما قصد به غير وجه الله، إلا وقت الضرورة فإنها تبيح المحذور. والله تعالى أعلم. ثم حض على التوبة لمن وقع في شيء من هذا

النحل 16:115

قلت: { الكذب }: مفعول بتقولوا، و { هذا حلال وهذا حرام }: بدل منه، أي: لا تقولوا الكذب، وهو قولكم: { هذا حلال وهذا حرام } ، و { ما } في قوله: { لما تصف } ويجوز أن ينتصب الكذب ب { تصف } ، ويكون " ما " مصدرية. ويكون قوله: { هذا حلال وهذا حرام } معمولا لتقولوا، أي: لا تقولوا: هذا كذا وهذا كذا لأجل وصف ألسنتكم الكذب. يقول الحق جل جلاله: { فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } ، أمرهم بأكل ما أحل لهم، وشكر ما أنعم عليهم، بعد ما زجرهم عن الكفر، وهددهم عليه، بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم صدا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة. قاله البيضاوي: { واشكروا نعمت الله } لتدوم لكم { إن كنتم إياه تعبدون } فلا تنسبوا نعمه إلى غيره، كشفاعة الأصنام وغيرها. { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } ، تقدم تفسيرها في البقرة والمائدة. قال البيضاوي: أمرهم بتناول ما أحل لهم، وعدد عليهم محرماته، ليعلم أن ما عداها حل لهم. ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم بقوله: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } لما لم يحله الله ولم يحرمه، كما قالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا... [الأنعام: 139] الآية. ه. تقولون ذلك { لتفتروا على الله الكذب } بنسبة ذلك إليه. { إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } أبدا لأنهم تعجلوا فلاح الدنيا بتحصيل أهوائهم، فحرموا فلاح الآخرة، ولذلك قال: { متاع قليل } أي: لهم تمتع في الدنيا قليل، يفنى ويزول. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } في سورة الأنعام بقوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر [الأنعام: 146] الآية، { وما ظلمناهم } بالتحريم، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. ذكر الحق تعالى ما حرم على المسلمين، وما حرم على اليهود ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراء على الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق - جل جلاله -، لمن بقي على العهد من شكر النعم بالإقرار بفضل الواسطة: { فكلوا مما رزقكم الله } من قوت اليقين وفواكه العلوم، { واشكروا نعمة الله } إن كنتم تخصونه بالعبادة وإفراد الوجهة. إنما حرم عليكم ما يشغلكم عنه، كجيفة الدنيا والتهارج عليها، ونجاسة الغفلة، وما يورث القساوة والبلادة، وقلة الغيرة على الحق، وما قبض من غير يد الله، أو ما قصد به غير وجه الله، إلا وقت الضرورة فإنها تبيح المحذور. والله تعالى أعلم. ثم حض على التوبة لمن وقع في شيء من هذا

النحل 16:116

قلت: { الكذب }: مفعول بتقولوا، و { هذا حلال وهذا حرام }: بدل منه، أي: لا تقولوا الكذب، وهو قولكم: { هذا حلال وهذا حرام } ، و { ما } في قوله: { لما تصف } ويجوز أن ينتصب الكذب ب { تصف } ، ويكون " ما " مصدرية. ويكون قوله: { هذا حلال وهذا حرام } معمولا لتقولوا، أي: لا تقولوا: هذا كذا وهذا كذا لأجل وصف ألسنتكم الكذب. يقول الحق جل جلاله: { فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } ، أمرهم بأكل ما أحل لهم، وشكر ما أنعم عليهم، بعد ما زجرهم عن الكفر، وهددهم عليه، بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم صدا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة. قاله البيضاوي: { واشكروا نعمت الله } لتدوم لكم { إن كنتم إياه تعبدون } فلا تنسبوا نعمه إلى غيره، كشفاعة الأصنام وغيرها. { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } ، تقدم تفسيرها في البقرة والمائدة. قال البيضاوي: أمرهم بتناول ما أحل لهم، وعدد عليهم محرماته، ليعلم أن ما عداها حل لهم. ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم بقوله: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } لما لم يحله الله ولم يحرمه، كما قالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا... [الأنعام: 139] الآية. ه. تقولون ذلك { لتفتروا على الله الكذب } بنسبة ذلك إليه. { إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } أبدا لأنهم تعجلوا فلاح الدنيا بتحصيل أهوائهم، فحرموا فلاح الآخرة، ولذلك قال: { متاع قليل } أي: لهم تمتع في الدنيا قليل، يفنى ويزول. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } في سورة الأنعام بقوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر [الأنعام: 146] الآية، { وما ظلمناهم } بالتحريم، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. ذكر الحق تعالى ما حرم على المسلمين، وما حرم على اليهود ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراء على الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق - جل جلاله -، لمن بقي على العهد من شكر النعم بالإقرار بفضل الواسطة: { فكلوا مما رزقكم الله } من قوت اليقين وفواكه العلوم، { واشكروا نعمة الله } إن كنتم تخصونه بالعبادة وإفراد الوجهة. إنما حرم عليكم ما يشغلكم عنه، كجيفة الدنيا والتهارج عليها، ونجاسة الغفلة، وما يورث القساوة والبلادة، وقلة الغيرة على الحق، وما قبض من غير يد الله، أو ما قصد به غير وجه الله، إلا وقت الضرورة فإنها تبيح المحذور. والله تعالى أعلم. ثم حض على التوبة لمن وقع في شيء من هذا

النحل 16:117

قلت: { الكذب }: مفعول بتقولوا، و { هذا حلال وهذا حرام }: بدل منه، أي: لا تقولوا الكذب، وهو قولكم: { هذا حلال وهذا حرام } ، و { ما } في قوله: { لما تصف } ويجوز أن ينتصب الكذب ب { تصف } ، ويكون " ما " مصدرية. ويكون قوله: { هذا حلال وهذا حرام } معمولا لتقولوا، أي: لا تقولوا: هذا كذا وهذا كذا لأجل وصف ألسنتكم الكذب. يقول الحق جل جلاله: { فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } ، أمرهم بأكل ما أحل لهم، وشكر ما أنعم عليهم، بعد ما زجرهم عن الكفر، وهددهم عليه، بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم صدا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة. قاله البيضاوي: { واشكروا نعمت الله } لتدوم لكم { إن كنتم إياه تعبدون } فلا تنسبوا نعمه إلى غيره، كشفاعة الأصنام وغيرها. { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } ، تقدم تفسيرها في البقرة والمائدة. قال البيضاوي: أمرهم بتناول ما أحل لهم، وعدد عليهم محرماته، ليعلم أن ما عداها حل لهم. ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم بقوله: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } لما لم يحله الله ولم يحرمه، كما قالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا... [الأنعام: 139] الآية. ه. تقولون ذلك { لتفتروا على الله الكذب } بنسبة ذلك إليه. { إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } أبدا لأنهم تعجلوا فلاح الدنيا بتحصيل أهوائهم، فحرموا فلاح الآخرة، ولذلك قال: { متاع قليل } أي: لهم تمتع في الدنيا قليل، يفنى ويزول. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } في سورة الأنعام بقوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر [الأنعام: 146] الآية، { وما ظلمناهم } بالتحريم، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. ذكر الحق تعالى ما حرم على المسلمين، وما حرم على اليهود ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراء على الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق - جل جلاله -، لمن بقي على العهد من شكر النعم بالإقرار بفضل الواسطة: { فكلوا مما رزقكم الله } من قوت اليقين وفواكه العلوم، { واشكروا نعمة الله } إن كنتم تخصونه بالعبادة وإفراد الوجهة. إنما حرم عليكم ما يشغلكم عنه، كجيفة الدنيا والتهارج عليها، ونجاسة الغفلة، وما يورث القساوة والبلادة، وقلة الغيرة على الحق، وما قبض من غير يد الله، أو ما قصد به غير وجه الله، إلا وقت الضرورة فإنها تبيح المحذور. والله تعالى أعلم. ثم حض على التوبة لمن وقع في شيء من هذا

النحل 16:118

قلت: { الكذب }: مفعول بتقولوا، و { هذا حلال وهذا حرام }: بدل منه، أي: لا تقولوا الكذب، وهو قولكم: { هذا حلال وهذا حرام } ، و { ما } في قوله: { لما تصف } ويجوز أن ينتصب الكذب ب { تصف } ، ويكون " ما " مصدرية. ويكون قوله: { هذا حلال وهذا حرام } معمولا لتقولوا، أي: لا تقولوا: هذا كذا وهذا كذا لأجل وصف ألسنتكم الكذب. يقول الحق جل جلاله: { فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } ، أمرهم بأكل ما أحل لهم، وشكر ما أنعم عليهم، بعد ما زجرهم عن الكفر، وهددهم عليه، بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم صدا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة. قاله البيضاوي: { واشكروا نعمت الله } لتدوم لكم { إن كنتم إياه تعبدون } فلا تنسبوا نعمه إلى غيره، كشفاعة الأصنام وغيرها. { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } ، تقدم تفسيرها في البقرة والمائدة. قال البيضاوي: أمرهم بتناول ما أحل لهم، وعدد عليهم محرماته، ليعلم أن ما عداها حل لهم. ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم بقوله: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } لما لم يحله الله ولم يحرمه، كما قالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا... [الأنعام: 139] الآية. ه. تقولون ذلك { لتفتروا على الله الكذب } بنسبة ذلك إليه. { إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } أبدا لأنهم تعجلوا فلاح الدنيا بتحصيل أهوائهم، فحرموا فلاح الآخرة، ولذلك قال: { متاع قليل } أي: لهم تمتع في الدنيا قليل، يفنى ويزول. { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } في سورة الأنعام بقوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر [الأنعام: 146] الآية، { وما ظلمناهم } بالتحريم، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. ذكر الحق تعالى ما حرم على المسلمين، وما حرم على اليهود ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراء على الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق - جل جلاله -، لمن بقي على العهد من شكر النعم بالإقرار بفضل الواسطة: { فكلوا مما رزقكم الله } من قوت اليقين وفواكه العلوم، { واشكروا نعمة الله } إن كنتم تخصونه بالعبادة وإفراد الوجهة. إنما حرم عليكم ما يشغلكم عنه، كجيفة الدنيا والتهارج عليها، ونجاسة الغفلة، وما يورث القساوة والبلادة، وقلة الغيرة على الحق، وما قبض من غير يد الله، أو ما قصد به غير وجه الله، إلا وقت الضرورة فإنها تبيح المحذور. والله تعالى أعلم. ثم حض على التوبة لمن وقع في شيء من هذا

النحل 16:119

يقول الحق جل جلاله: { ثم إن ربك للذين عملوا السوء } كالشرك، والافتراء على الله، وغير ذلك، { بجهالة } أي: ملتبسين في حال العمل بجهالة، كالجهل بالله وبعقابه، وعدم التدبر في عواقبه لغلبة الشهوة عليه، { ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا } عملهم، { إن ربك من بعدها } أي: التوبة، أو الجهالة، { لغفور } لذلك السوء، { رحيم } بهم يثيبهم على الإنابة. الإشارة: كل من أساء الأدب، ثم تاب وأناب، التحق بالأحباب. قال بعضهم: " كل سوء أدب يثمر أدبا فهو أدب ". والتوبة تتبع المقامات فتوبة العوام: من الهفوات، وتوبة الخواص: من الغفلات، وتوبة خواص الخواص: من الفترات عن شهود الحضرات. وبالله التوفيق. ولما رغب في الشكر ذكرانه من ملة خليله إبراهيم ومن حبيبه عليه أفضل الصلاة

النحل 16:120

يقول الحق جل جلاله: { إن إبراهيم كان أمة } أي: إماما قدوة قال تعالى: إني جاعلك للناس إماما [البقرة: 124]، قال ابن مسعود: " الأمة: معلم الناس الخير " ، أو أمة وحده، اجتمع فيه ما افترق في غيره، فكان وحده أمة من الأمم لكماله واستجماعه لخصال الكمال التي لا تكاد تجتمع إلا في أشخاص كثيرة، كقول الشاعر: وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد وهو رئيس الموحدين، وقدوة المحققين، جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائفة بالحجج الدامغة. ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين. أو: لأنه كان وحده مؤمنا وسائر الناس كفارا. قاله البيضاوي. وكان { قانتا لله } مطيعا قائما بأوامره، { حنيفا } مائلا عن الباطل، { ولم يك من المشركين } ، وأنتم يا معشر قريش تزعمون أنكم على دينه، وأنتم مشركون. وكان { شاكرا لأنعمه } ، لا يخل بشكر قليل منها ولا كثير. ولذلك ذكرها بلفظ جمع القلة، { اجتباه }: اختاره للنبوة والرسالة والخلة. { وهداه إلى صراط مستقيم } التي توصل إلى حضرة النعيم، ودعا إليها، { وآتيناه في الدنيا حسنة } بأن حببناه إلى كافة الخلق، ورزقناه الثناء الحسن في الملل كلها، حتى إن أرباب الملك والجبابرة يتولونه ويثنون عليه. ورزقناه أولادا طيبة، وعمرا طويلا في الطاعة والمعرفة، ومالا حلالا. { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لحضرتنا، المقربين عندنا، الذين لهم الدرجات العلا كما سأله ذلك بقوله: وألحقني بالصالحين [الشعراء: 83]. { ثم أوحينا إليك } يا محمد { أن اتبع ملة إبراهيم } دينه ومنهاجه في التوحيد، والدعوة إليه بالرفق، والمجادلة بالتي هي أحسن، كل واحد بحسب فهمه. وكان { حنيفا } مائلا عما سوى الله، { وما كان من المشركين } ، بل كان قدوة الموحدين. كرره ردا على اليهود والنصارى والمشركين في زعمهم أنهم على دينه مع إشراكهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من تمسك بطاعة الله ظاهرا، أو مال عما سوى الله باطنا، وشكر الله دائما، ودعا الناس إلى هذا الأمر العظيم: كان وليا إبراهيميا، محمديا، خليلا حبيبا، مقربا، قد اجتباه الحق تعالى إلى حضرته، وهداه إلى صراط مستقيم، وعاش في الدنيا سعيدا، ومات شهيدا، وألحق بالصالحين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ولما ادعت اليهود أنهم على ملة إبراهيم دون غيرهم رد الله عليهم

النحل 16:121

يقول الحق جل جلاله: { إن إبراهيم كان أمة } أي: إماما قدوة قال تعالى: إني جاعلك للناس إماما [البقرة: 124]، قال ابن مسعود: " الأمة: معلم الناس الخير " ، أو أمة وحده، اجتمع فيه ما افترق في غيره، فكان وحده أمة من الأمم لكماله واستجماعه لخصال الكمال التي لا تكاد تجتمع إلا في أشخاص كثيرة، كقول الشاعر: وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد وهو رئيس الموحدين، وقدوة المحققين، جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائفة بالحجج الدامغة. ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين. أو: لأنه كان وحده مؤمنا وسائر الناس كفارا. قاله البيضاوي. وكان { قانتا لله } مطيعا قائما بأوامره، { حنيفا } مائلا عن الباطل، { ولم يك من المشركين } ، وأنتم يا معشر قريش تزعمون أنكم على دينه، وأنتم مشركون. وكان { شاكرا لأنعمه } ، لا يخل بشكر قليل منها ولا كثير. ولذلك ذكرها بلفظ جمع القلة، { اجتباه }: اختاره للنبوة والرسالة والخلة. { وهداه إلى صراط مستقيم } التي توصل إلى حضرة النعيم، ودعا إليها، { وآتيناه في الدنيا حسنة } بأن حببناه إلى كافة الخلق، ورزقناه الثناء الحسن في الملل كلها، حتى إن أرباب الملك والجبابرة يتولونه ويثنون عليه. ورزقناه أولادا طيبة، وعمرا طويلا في الطاعة والمعرفة، ومالا حلالا. { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لحضرتنا، المقربين عندنا، الذين لهم الدرجات العلا كما سأله ذلك بقوله: وألحقني بالصالحين [الشعراء: 83]. { ثم أوحينا إليك } يا محمد { أن اتبع ملة إبراهيم } دينه ومنهاجه في التوحيد، والدعوة إليه بالرفق، والمجادلة بالتي هي أحسن، كل واحد بحسب فهمه. وكان { حنيفا } مائلا عما سوى الله، { وما كان من المشركين } ، بل كان قدوة الموحدين. كرره ردا على اليهود والنصارى والمشركين في زعمهم أنهم على دينه مع إشراكهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من تمسك بطاعة الله ظاهرا، أو مال عما سوى الله باطنا، وشكر الله دائما، ودعا الناس إلى هذا الأمر العظيم: كان وليا إبراهيميا، محمديا، خليلا حبيبا، مقربا، قد اجتباه الحق تعالى إلى حضرته، وهداه إلى صراط مستقيم، وعاش في الدنيا سعيدا، ومات شهيدا، وألحق بالصالحين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ولما ادعت اليهود أنهم على ملة إبراهيم دون غيرهم رد الله عليهم

النحل 16:122

يقول الحق جل جلاله: { إن إبراهيم كان أمة } أي: إماما قدوة قال تعالى: إني جاعلك للناس إماما [البقرة: 124]، قال ابن مسعود: " الأمة: معلم الناس الخير " ، أو أمة وحده، اجتمع فيه ما افترق في غيره، فكان وحده أمة من الأمم لكماله واستجماعه لخصال الكمال التي لا تكاد تجتمع إلا في أشخاص كثيرة، كقول الشاعر: وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد وهو رئيس الموحدين، وقدوة المحققين، جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائفة بالحجج الدامغة. ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين. أو: لأنه كان وحده مؤمنا وسائر الناس كفارا. قاله البيضاوي. وكان { قانتا لله } مطيعا قائما بأوامره، { حنيفا } مائلا عن الباطل، { ولم يك من المشركين } ، وأنتم يا معشر قريش تزعمون أنكم على دينه، وأنتم مشركون. وكان { شاكرا لأنعمه } ، لا يخل بشكر قليل منها ولا كثير. ولذلك ذكرها بلفظ جمع القلة، { اجتباه }: اختاره للنبوة والرسالة والخلة. { وهداه إلى صراط مستقيم } التي توصل إلى حضرة النعيم، ودعا إليها، { وآتيناه في الدنيا حسنة } بأن حببناه إلى كافة الخلق، ورزقناه الثناء الحسن في الملل كلها، حتى إن أرباب الملك والجبابرة يتولونه ويثنون عليه. ورزقناه أولادا طيبة، وعمرا طويلا في الطاعة والمعرفة، ومالا حلالا. { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لحضرتنا، المقربين عندنا، الذين لهم الدرجات العلا كما سأله ذلك بقوله: وألحقني بالصالحين [الشعراء: 83]. { ثم أوحينا إليك } يا محمد { أن اتبع ملة إبراهيم } دينه ومنهاجه في التوحيد، والدعوة إليه بالرفق، والمجادلة بالتي هي أحسن، كل واحد بحسب فهمه. وكان { حنيفا } مائلا عما سوى الله، { وما كان من المشركين } ، بل كان قدوة الموحدين. كرره ردا على اليهود والنصارى والمشركين في زعمهم أنهم على دينه مع إشراكهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من تمسك بطاعة الله ظاهرا، أو مال عما سوى الله باطنا، وشكر الله دائما، ودعا الناس إلى هذا الأمر العظيم: كان وليا إبراهيميا، محمديا، خليلا حبيبا، مقربا، قد اجتباه الحق تعالى إلى حضرته، وهداه إلى صراط مستقيم، وعاش في الدنيا سعيدا، ومات شهيدا، وألحق بالصالحين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ولما ادعت اليهود أنهم على ملة إبراهيم دون غيرهم رد الله عليهم

النحل 16:123

يقول الحق جل جلاله: { إن إبراهيم كان أمة } أي: إماما قدوة قال تعالى: إني جاعلك للناس إماما [البقرة: 124]، قال ابن مسعود: " الأمة: معلم الناس الخير " ، أو أمة وحده، اجتمع فيه ما افترق في غيره، فكان وحده أمة من الأمم لكماله واستجماعه لخصال الكمال التي لا تكاد تجتمع إلا في أشخاص كثيرة، كقول الشاعر: وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد وهو رئيس الموحدين، وقدوة المحققين، جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائفة بالحجج الدامغة. ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين. أو: لأنه كان وحده مؤمنا وسائر الناس كفارا. قاله البيضاوي. وكان { قانتا لله } مطيعا قائما بأوامره، { حنيفا } مائلا عن الباطل، { ولم يك من المشركين } ، وأنتم يا معشر قريش تزعمون أنكم على دينه، وأنتم مشركون. وكان { شاكرا لأنعمه } ، لا يخل بشكر قليل منها ولا كثير. ولذلك ذكرها بلفظ جمع القلة، { اجتباه }: اختاره للنبوة والرسالة والخلة. { وهداه إلى صراط مستقيم } التي توصل إلى حضرة النعيم، ودعا إليها، { وآتيناه في الدنيا حسنة } بأن حببناه إلى كافة الخلق، ورزقناه الثناء الحسن في الملل كلها، حتى إن أرباب الملك والجبابرة يتولونه ويثنون عليه. ورزقناه أولادا طيبة، وعمرا طويلا في الطاعة والمعرفة، ومالا حلالا. { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لحضرتنا، المقربين عندنا، الذين لهم الدرجات العلا كما سأله ذلك بقوله: وألحقني بالصالحين [الشعراء: 83]. { ثم أوحينا إليك } يا محمد { أن اتبع ملة إبراهيم } دينه ومنهاجه في التوحيد، والدعوة إليه بالرفق، والمجادلة بالتي هي أحسن، كل واحد بحسب فهمه. وكان { حنيفا } مائلا عما سوى الله، { وما كان من المشركين } ، بل كان قدوة الموحدين. كرره ردا على اليهود والنصارى والمشركين في زعمهم أنهم على دينه مع إشراكهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من تمسك بطاعة الله ظاهرا، أو مال عما سوى الله باطنا، وشكر الله دائما، ودعا الناس إلى هذا الأمر العظيم: كان وليا إبراهيميا، محمديا، خليلا حبيبا، مقربا، قد اجتباه الحق تعالى إلى حضرته، وهداه إلى صراط مستقيم، وعاش في الدنيا سعيدا، ومات شهيدا، وألحق بالصالحين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ولما ادعت اليهود أنهم على ملة إبراهيم دون غيرهم رد الله عليهم

النحل 16:124

يقول الحق جل جلاله: { إنما جعل السبت } أي: فرض تعظيمه وإفراده للعبادة، { على الذين اختلفوا فيه } على نبيهم، وهم: اليهود أمرهم موسى عليه السلام أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة، فأبوا وقالوا: نريد يوم السبت لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السماوات والأرض، فألزمهم الله السبت، وشدد عليهم فيه. وقيل: لما أمرهم بيوم الجمعة، قبل بعضهم، وأبى أكثرهم، فاختلفوا فيه. وقيل: اختلافهم: هو أن منهم من حرم الصيد فيه، ومنهم من أحله، فعاقبهم الله بالمسخ. والتقدير على هذا: إنما جعل وبال السبت - وهو المسخ -، { على الذين اختلفوا } فأحلوا فيه الصيد تارة، وحرموه أخرى، أو أحله بعضهم، وحرمه بعضهم، وذكرهم هنا تهديدا للمشركين، كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله، { وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } فيجازي كل فريق بما يستحقه، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي. الإشارة: الاختلاف على الأكابر كالشيوخ والعلماء، والتقدم بين أيديهم بالرأي والكلام، من أقبح المساوئ، وسوء الأدب يوجب لصاحبه العطب كالقطع عن الله، والبعد من ساحة حضرته. قال بعضهم: إذا جالست الكبراء فدع ما تعلم لما لا تعلم لتفوز بالسر المكنون. والله تعالى أعلم. ثم أمر نبيه بالدعوة إلى الله

النحل 16:125

يقول الحق جل جلاله: { ادع } يا محمد الناس { إلى سبيل ربك } إلى طريقه الموصل إليه، وهو: الإسلام والإيمان، والإحسان لمن قدر عليه، { بالحكمة } بسياسة النبوة، أو بالمقالة المحكمة، وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة، { والموعظة الحسنة } مواعظ القرآن ورقائقه، أو الخطابات المقنعة والعبر النافعة، { وجادلهم } أي: جادل معاندتهم { بالتي هي أحسن } بالطرق التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين، وإيثار الوجه الأيسر، والمقدمات التي هي أشهر فإن ذلك أنفع في تليين لهبهم، وتبيين شغبهم، فالأولى: لدعوة خواص الأمة الطالبين للحق. والثانية: لدعوة عوامهم، والثالثة: لدعوة معاندهم. قال ابن جزي: الحكمة هي: الكلام الذي يظهر جوابه، والموعظة: هي: الترغيب والترهيب. والجدال هو: الرد على الخصم. وهذه الأشياء الثلاثة يسميها أهل العلوم العقلية بالبرهان والخطابة والجدل، وهذه الآية تقتضي مهادنة نسخت بالسيف. وقيل: إن الدعاء بهذه الطريقة، من التلطف والرفق، غير منسوخ، وإنما السيف لمن لا تنفعه هذه الموعظة من الكفار، وأما العصاة فهي في حقهم محكمة إلى يوم القيامة باتفاق. ه. { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } أي: إنما عليك البلاغ والدعوة. وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فليس من شأنك، بل الله أعلم بالضالين والمهتدين، وهو المجازي للجميع. الإشارة: الدعاء بالحكمة هو الدعاء بالهمة والحال، يكون من أهل الحق والتحقيق لأهل الصدق والتصديق. والدعاء بالموعظة الحسنة هو الدعاء بالمقال من طريق الترغيب والتشويق، يكون لأهل التردد في سلوك الطريق. والدعاء بالمجادلة الحسنة هو الدعاء بالوعظ والتذكير. وذكر بيان الطريق، وفضيلة علم التحقيق، يكون لأهل الإنكار إن وصلوا إلى أهل التحقيق. والحاصل: أن الدعاء بالحكمة لأهل المحبة والتصديق. والدعاء بالموعظة: لأهل التردد في الطريق. والدعاء بالمجادلة: لأهل الإنكار حتى يعرفوا الحق من الباطل. وإن شئت قلت: الدعاء بالحكمة هو للعارفين الكبار، والدعاء بالموعظة الحسنة هو لأهل الوعظ والتذكار من الصالحين الأبرار، والدعاء بالمجادلة الحسنة هو للعلماء الأخيار. وقد تجتمع في واحد إن جمع بين الظاهر والباطن. والله تعالى أعلم. ولما أمره بالدعوة العامة أمره بالصبر العام لأن الدعوة لا تنفك عن الأذى، فيحتاج صاحبها إلى صبر كبير. ولما أمره بالدعوة العامة أمره بالصبر العام

النحل 16:126

يقول الحق جل جلاله: { وإن عاقبتم } من آذاكم { فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } أي: إن صنع بكم صنيع سوء فافعلوا مثله، ولا تزيدوا عليه. والعقوبة، في الحقيقة، إنما هي في الثانية. وسميت الأولى عقوبة لمشاكلة اللفظ. وقال الجمهور: إن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب، لما بقر المشركون بطنه يوم أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم " فنزلت الآية، فكفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه، وترك ما أراد من المثلة. ولا خلاف أن المثلة حرام، وقد وردت أحاديث بذلك. ومقتضى هذا: أن الآية مدنية. ويحتمل أن تكون الآية عامة، ويكون ذكرهم حمزة على وجه المثال. وتكون، على هذا، مكية كسائر السورة. واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال، ثم ائتمن عليه، هل يجوز خيانته، في القدر الذي ظلمه فيه؟ فأجاز ذلك قوم لظاهر الآية، ومنعه مالك لقوله صلى الله عليه وسلم: " أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك " قاله ابن جزي. { ولئن صبرتم } ، ولم تعاقبوا من أساء إليكم، { لهو } أي: الصبر { خير للصابرين } فإن العقوبة مباحة، والصبر أفضل من الانتقام، ويحتمل أن يريد بالصابرين هنا العموم، أو يريد المخاطبين، كأنه قال: فهو خير لكم. ثم صرح بالأمر لرسوله به لأنه أولى الناس به لزيادة علمه بالله، فقال: { واصبر وما صبرك إلا بالله } إلا بتوفيقه وتثبيته. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " أما أنا فأصبر كما أمرت، فماذا تصنعون؟ " قالوا: نصبر كما ندبنا. { ولا تحزن عليهم } على الكافرين حيث لم يؤمنوا حرصا عليهم. أو على المؤمنين لأجل ما فعل بهم. { ولا تك في ضيق مما يمكرون } أي: لا يضيق صدرك بمكرهم، ولا تهتم بشأنهم، فأنا ناصرك عليهم. والضيق - بفتح الضاد مخففا - من ضيق كميت وميت. وقرئ بالكسر، وهو مصدر. ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين، معا، لضاق. { إن الله مع الذين اتقوا } الكفر والمعاصي، { والذين هم محسنون } في أعمالهم، فهو معهم بالولاية والنصر والرعاية والحفظ. أو مع الذين اتقوا الله بتعظيم أمره. والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه. أو مع الذين اتقوا ما يقطعهم عن الله، والذين هم محسنون بشهود الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " فهو معهم بالمحبة والوداد " فإذا أحببته كنت له ". والله تعلى أعلم. الإشارة: من شأن الصوفية: الأخذ بالعزائم، والتمسك بالأحسن في كل شيء، متمثلين لقوله تعالى: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 18]. ولذلك قالوا: الصوفي: دمه هدر، وماله مباح لأنه لا ينتصر لنفسه، بل يدفع بالتي هي أحسن السيئة. فالصبر دأبهم، والرضى والتسليم خلقهم. وحقيقة الصبر هي: حبس القلب على حكم الرب، من غير جزع ولا شكوى. ومواطنه أربعة: الطاعة، والمعصية، والنعمة، والبلية. فالصبر على الطاعة: بالمبادرة إليها، وعن المعصية: بتركها، وعلى النعمة: بشكرها، وأداء حق الله فيها، وعلى البلية: بالرضى وعدم الشكوى بها. وأقسام الصبر ستة: صبر في الله، وصبر لله، وصبر مع الله، وصبر بالله، وصبر على الله، وصبر عن الله. أما الصبر في الله: فهو الصبر في طلب الوصول إلى الله، بارتكاب مشاق المجاهدات والرياضات. وهو صبر الطالبين والسائرين. وأما الصبر لله: فهو الصبر على مشاق الطاعات وترك المنهيات ونزول البليات، يكون ذلك ابتغاء مرضاة الله، لا لطلب أجر ولا نيل حظ. وهو صبر المخلصين. وأما الصبر مع الله: فهو الصبر على حضور القلب مع الله، على سبيل الدوام مراقبة أو مشاهدة. فالأول: صبر المحبين، والثاني: صبر المحبوبين. وأما الصبر بالله: فهو الصبر على ما ينزل به من المقادير، لكنه بالله لا بنفسه، وهو صبر أهل الفناء من العارفين المجذوبين السالكين. وأما الصبر على الله: فهو الصبر على كتمان أسرار الربوبية عن غير أهلها، أو الصبر على دوام شهود الله. وأما الصبر عن الله: فهو الصبر على الوقوف بالباب عند جفاء الأحباب، فإذا كان العبد في مقام القرب واجدا لحلاوة الأنس، مشاهدا لأسرار المعاني، ثم فقد ذلك من قلبه، وأحس بالبعد والطرد - والعياذ بالله - فليصبر، وليلزم الباب حتى يمن الكريم الوهاب، ولا يتزلزل، ولا يتضعضع، ولا يبرح عن مكانه، مبتهلا، داعيا إلى الله، راجيا كرم مولاه، فإذا استعمل هذا فقد استعمل الصبر قياما بأدب العبودية. وهو أشد الصبر وأصعبه، لا يطيقه إلا العارفون المتمكنون، الذين كملت عبوديتهم، فكانوا عبيدا لله في جميع الحالات، قربهم أو أبعدهم. روي أن رجلا دخل على الشبلي رضي الله عنه، فقال: أي صبر أشد على الصابر؟ فقال له الشبلي: الصبر في الله، قال: لا، قال: الصبر لله، قال: لا، قال: الصبر مع الله، قال: لا، فقال له: وأي شيء هو؟ فقال: الصبر عن الله. فصاح الشبلي صيحة عظيمة، كادت تتلف فيها روحه. ه. لأن الحبيب لا يصبر عن حبيبه. لكن إذا جفا الحبيب لا يمكن إلا الصبر والوقوف بالباب، كما قال الشاعر: إن شكوت الهوى فما أنت منا أحمل الصد والجفا يا معنا وقال رجل لأبي محمد الحريري رضي الله عنه: كنت على بساط الأنس، وفتح على طريق البسط، فزللت زلة، فحجبت عن مقامي، فكيف السبيل إليه؟ دلني على الوصول إلى ما كنت عليه. فبكى أبو محمد وقال: يا أخي، الكل في قهر هذه الخطة، لكني أنشدك أبياتا لبعضهم، فأنشأ يقول: قف بالديار فهذه آثارهم تبكي الأحبة حسرة وتشوقا كم قد وقفت بربعها مستخبرا عن أهله أو سائلا أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمها فارقت من تهوى فعز الملتقى ومن هذا المعنى قضية الرجل الذي بقي في الحرم أربعين سنة يقول: لبيك. فيقول له الهاتف: لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك. فقيل له في ذلك، فقال: هذه بابه، وهل ثم باب أخرى أقصده منها؟ فقبله الحق تعالى، ولبى دعوته. وكذلك قضية الرجل الذي قيل له، من قبل الوحي: إنك من أهل النار فزاد في العبادة والاجتهاد. فهذا كله يصدق عليه الصبر عن الله. لكن لا يفهم كماله إلا من كملت معرفته، وتحقق بمقام الفناء، فحينئذ قد يسهل عليه أمره لكمال عبوديته، كما قال القائل: وكنت قديما أطلب الوصل منهم فلما أتاني العلم وارتفع الجهل تيقنت أن العبد لا طلب له فإن قربوا فضل وإن بعدوا عدل وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم وإن ستروا فالستر من أجلهم يحلو وأما من لم تكمل معرفته، فقد ينكره ويذمه، كالعباد والزهاد والعشاق، فإنهم لا يطيقونه، فإما أن يختل عقلهم، أو يرجعون إلى الانهماك في البطالة. والله تعالى أعلم. وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النحل 16:127

يقول الحق جل جلاله: { وإن عاقبتم } من آذاكم { فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } أي: إن صنع بكم صنيع سوء فافعلوا مثله، ولا تزيدوا عليه. والعقوبة، في الحقيقة، إنما هي في الثانية. وسميت الأولى عقوبة لمشاكلة اللفظ. وقال الجمهور: إن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب، لما بقر المشركون بطنه يوم أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم " فنزلت الآية، فكفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه، وترك ما أراد من المثلة. ولا خلاف أن المثلة حرام، وقد وردت أحاديث بذلك. ومقتضى هذا: أن الآية مدنية. ويحتمل أن تكون الآية عامة، ويكون ذكرهم حمزة على وجه المثال. وتكون، على هذا، مكية كسائر السورة. واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال، ثم ائتمن عليه، هل يجوز خيانته، في القدر الذي ظلمه فيه؟ فأجاز ذلك قوم لظاهر الآية، ومنعه مالك لقوله صلى الله عليه وسلم: " أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك " قاله ابن جزي. { ولئن صبرتم } ، ولم تعاقبوا من أساء إليكم، { لهو } أي: الصبر { خير للصابرين } فإن العقوبة مباحة، والصبر أفضل من الانتقام، ويحتمل أن يريد بالصابرين هنا العموم، أو يريد المخاطبين، كأنه قال: فهو خير لكم. ثم صرح بالأمر لرسوله به لأنه أولى الناس به لزيادة علمه بالله، فقال: { واصبر وما صبرك إلا بالله } إلا بتوفيقه وتثبيته. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " أما أنا فأصبر كما أمرت، فماذا تصنعون؟ " قالوا: نصبر كما ندبنا. { ولا تحزن عليهم } على الكافرين حيث لم يؤمنوا حرصا عليهم. أو على المؤمنين لأجل ما فعل بهم. { ولا تك في ضيق مما يمكرون } أي: لا يضيق صدرك بمكرهم، ولا تهتم بشأنهم، فأنا ناصرك عليهم. والضيق - بفتح الضاد مخففا - من ضيق كميت وميت. وقرئ بالكسر، وهو مصدر. ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين، معا، لضاق. { إن الله مع الذين اتقوا } الكفر والمعاصي، { والذين هم محسنون } في أعمالهم، فهو معهم بالولاية والنصر والرعاية والحفظ. أو مع الذين اتقوا الله بتعظيم أمره. والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه. أو مع الذين اتقوا ما يقطعهم عن الله، والذين هم محسنون بشهود الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " فهو معهم بالمحبة والوداد " فإذا أحببته كنت له ". والله تعلى أعلم. الإشارة: من شأن الصوفية: الأخذ بالعزائم، والتمسك بالأحسن في كل شيء، متمثلين لقوله تعالى: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 18]. ولذلك قالوا: الصوفي: دمه هدر، وماله مباح لأنه لا ينتصر لنفسه، بل يدفع بالتي هي أحسن السيئة. فالصبر دأبهم، والرضى والتسليم خلقهم. وحقيقة الصبر هي: حبس القلب على حكم الرب، من غير جزع ولا شكوى. ومواطنه أربعة: الطاعة، والمعصية، والنعمة، والبلية. فالصبر على الطاعة: بالمبادرة إليها، وعن المعصية: بتركها، وعلى النعمة: بشكرها، وأداء حق الله فيها، وعلى البلية: بالرضى وعدم الشكوى بها. وأقسام الصبر ستة: صبر في الله، وصبر لله، وصبر مع الله، وصبر بالله، وصبر على الله، وصبر عن الله. أما الصبر في الله: فهو الصبر في طلب الوصول إلى الله، بارتكاب مشاق المجاهدات والرياضات. وهو صبر الطالبين والسائرين. وأما الصبر لله: فهو الصبر على مشاق الطاعات وترك المنهيات ونزول البليات، يكون ذلك ابتغاء مرضاة الله، لا لطلب أجر ولا نيل حظ. وهو صبر المخلصين. وأما الصبر مع الله: فهو الصبر على حضور القلب مع الله، على سبيل الدوام مراقبة أو مشاهدة. فالأول: صبر المحبين، والثاني: صبر المحبوبين. وأما الصبر بالله: فهو الصبر على ما ينزل به من المقادير، لكنه بالله لا بنفسه، وهو صبر أهل الفناء من العارفين المجذوبين السالكين. وأما الصبر على الله: فهو الصبر على كتمان أسرار الربوبية عن غير أهلها، أو الصبر على دوام شهود الله. وأما الصبر عن الله: فهو الصبر على الوقوف بالباب عند جفاء الأحباب، فإذا كان العبد في مقام القرب واجدا لحلاوة الأنس، مشاهدا لأسرار المعاني، ثم فقد ذلك من قلبه، وأحس بالبعد والطرد - والعياذ بالله - فليصبر، وليلزم الباب حتى يمن الكريم الوهاب، ولا يتزلزل، ولا يتضعضع، ولا يبرح عن مكانه، مبتهلا، داعيا إلى الله، راجيا كرم مولاه، فإذا استعمل هذا فقد استعمل الصبر قياما بأدب العبودية. وهو أشد الصبر وأصعبه، لا يطيقه إلا العارفون المتمكنون، الذين كملت عبوديتهم، فكانوا عبيدا لله في جميع الحالات، قربهم أو أبعدهم. روي أن رجلا دخل على الشبلي رضي الله عنه، فقال: أي صبر أشد على الصابر؟ فقال له الشبلي: الصبر في الله، قال: لا، قال: الصبر لله، قال: لا، قال: الصبر مع الله، قال: لا، فقال له: وأي شيء هو؟ فقال: الصبر عن الله. فصاح الشبلي صيحة عظيمة، كادت تتلف فيها روحه. ه. لأن الحبيب لا يصبر عن حبيبه. لكن إذا جفا الحبيب لا يمكن إلا الصبر والوقوف بالباب، كما قال الشاعر: إن شكوت الهوى فما أنت منا أحمل الصد والجفا يا معنا وقال رجل لأبي محمد الحريري رضي الله عنه: كنت على بساط الأنس، وفتح على طريق البسط، فزللت زلة، فحجبت عن مقامي، فكيف السبيل إليه؟ دلني على الوصول إلى ما كنت عليه. فبكى أبو محمد وقال: يا أخي، الكل في قهر هذه الخطة، لكني أنشدك أبياتا لبعضهم، فأنشأ يقول: قف بالديار فهذه آثارهم تبكي الأحبة حسرة وتشوقا كم قد وقفت بربعها مستخبرا عن أهله أو سائلا أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمها فارقت من تهوى فعز الملتقى ومن هذا المعنى قضية الرجل الذي بقي في الحرم أربعين سنة يقول: لبيك. فيقول له الهاتف: لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك. فقيل له في ذلك، فقال: هذه بابه، وهل ثم باب أخرى أقصده منها؟ فقبله الحق تعالى، ولبى دعوته. وكذلك قضية الرجل الذي قيل له، من قبل الوحي: إنك من أهل النار فزاد في العبادة والاجتهاد. فهذا كله يصدق عليه الصبر عن الله. لكن لا يفهم كماله إلا من كملت معرفته، وتحقق بمقام الفناء، فحينئذ قد يسهل عليه أمره لكمال عبوديته، كما قال القائل: وكنت قديما أطلب الوصل منهم فلما أتاني العلم وارتفع الجهل تيقنت أن العبد لا طلب له فإن قربوا فضل وإن بعدوا عدل وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم وإن ستروا فالستر من أجلهم يحلو وأما من لم تكمل معرفته، فقد ينكره ويذمه، كالعباد والزهاد والعشاق، فإنهم لا يطيقونه، فإما أن يختل عقلهم، أو يرجعون إلى الانهماك في البطالة. والله تعالى أعلم. وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النحل 16:128

يقول الحق جل جلاله: { وإن عاقبتم } من آذاكم { فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } أي: إن صنع بكم صنيع سوء فافعلوا مثله، ولا تزيدوا عليه. والعقوبة، في الحقيقة، إنما هي في الثانية. وسميت الأولى عقوبة لمشاكلة اللفظ. وقال الجمهور: إن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب، لما بقر المشركون بطنه يوم أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم " فنزلت الآية، فكفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه، وترك ما أراد من المثلة. ولا خلاف أن المثلة حرام، وقد وردت أحاديث بذلك. ومقتضى هذا: أن الآية مدنية. ويحتمل أن تكون الآية عامة، ويكون ذكرهم حمزة على وجه المثال. وتكون، على هذا، مكية كسائر السورة. واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال، ثم ائتمن عليه، هل يجوز خيانته، في القدر الذي ظلمه فيه؟ فأجاز ذلك قوم لظاهر الآية، ومنعه مالك لقوله صلى الله عليه وسلم: " أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك " قاله ابن جزي. { ولئن صبرتم } ، ولم تعاقبوا من أساء إليكم، { لهو } أي: الصبر { خير للصابرين } فإن العقوبة مباحة، والصبر أفضل من الانتقام، ويحتمل أن يريد بالصابرين هنا العموم، أو يريد المخاطبين، كأنه قال: فهو خير لكم. ثم صرح بالأمر لرسوله به لأنه أولى الناس به لزيادة علمه بالله، فقال: { واصبر وما صبرك إلا بالله } إلا بتوفيقه وتثبيته. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " أما أنا فأصبر كما أمرت، فماذا تصنعون؟ " قالوا: نصبر كما ندبنا. { ولا تحزن عليهم } على الكافرين حيث لم يؤمنوا حرصا عليهم. أو على المؤمنين لأجل ما فعل بهم. { ولا تك في ضيق مما يمكرون } أي: لا يضيق صدرك بمكرهم، ولا تهتم بشأنهم، فأنا ناصرك عليهم. والضيق - بفتح الضاد مخففا - من ضيق كميت وميت. وقرئ بالكسر، وهو مصدر. ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين، معا، لضاق. { إن الله مع الذين اتقوا } الكفر والمعاصي، { والذين هم محسنون } في أعمالهم، فهو معهم بالولاية والنصر والرعاية والحفظ. أو مع الذين اتقوا الله بتعظيم أمره. والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه. أو مع الذين اتقوا ما يقطعهم عن الله، والذين هم محسنون بشهود الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " فهو معهم بالمحبة والوداد " فإذا أحببته كنت له ". والله تعلى أعلم. الإشارة: من شأن الصوفية: الأخذ بالعزائم، والتمسك بالأحسن في كل شيء، متمثلين لقوله تعالى: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 18]. ولذلك قالوا: الصوفي: دمه هدر، وماله مباح لأنه لا ينتصر لنفسه، بل يدفع بالتي هي أحسن السيئة. فالصبر دأبهم، والرضى والتسليم خلقهم. وحقيقة الصبر هي: حبس القلب على حكم الرب، من غير جزع ولا شكوى. ومواطنه أربعة: الطاعة، والمعصية، والنعمة، والبلية. فالصبر على الطاعة: بالمبادرة إليها، وعن المعصية: بتركها، وعلى النعمة: بشكرها، وأداء حق الله فيها، وعلى البلية: بالرضى وعدم الشكوى بها. وأقسام الصبر ستة: صبر في الله، وصبر لله، وصبر مع الله، وصبر بالله، وصبر على الله، وصبر عن الله. أما الصبر في الله: فهو الصبر في طلب الوصول إلى الله، بارتكاب مشاق المجاهدات والرياضات. وهو صبر الطالبين والسائرين. وأما الصبر لله: فهو الصبر على مشاق الطاعات وترك المنهيات ونزول البليات، يكون ذلك ابتغاء مرضاة الله، لا لطلب أجر ولا نيل حظ. وهو صبر المخلصين. وأما الصبر مع الله: فهو الصبر على حضور القلب مع الله، على سبيل الدوام مراقبة أو مشاهدة. فالأول: صبر المحبين، والثاني: صبر المحبوبين. وأما الصبر بالله: فهو الصبر على ما ينزل به من المقادير، لكنه بالله لا بنفسه، وهو صبر أهل الفناء من العارفين المجذوبين السالكين. وأما الصبر على الله: فهو الصبر على كتمان أسرار الربوبية عن غير أهلها، أو الصبر على دوام شهود الله. وأما الصبر عن الله: فهو الصبر على الوقوف بالباب عند جفاء الأحباب، فإذا كان العبد في مقام القرب واجدا لحلاوة الأنس، مشاهدا لأسرار المعاني، ثم فقد ذلك من قلبه، وأحس بالبعد والطرد - والعياذ بالله - فليصبر، وليلزم الباب حتى يمن الكريم الوهاب، ولا يتزلزل، ولا يتضعضع، ولا يبرح عن مكانه، مبتهلا، داعيا إلى الله، راجيا كرم مولاه، فإذا استعمل هذا فقد استعمل الصبر قياما بأدب العبودية. وهو أشد الصبر وأصعبه، لا يطيقه إلا العارفون المتمكنون، الذين كملت عبوديتهم، فكانوا عبيدا لله في جميع الحالات، قربهم أو أبعدهم. روي أن رجلا دخل على الشبلي رضي الله عنه، فقال: أي صبر أشد على الصابر؟ فقال له الشبلي: الصبر في الله، قال: لا، قال: الصبر لله، قال: لا، قال: الصبر مع الله، قال: لا، فقال له: وأي شيء هو؟ فقال: الصبر عن الله. فصاح الشبلي صيحة عظيمة، كادت تتلف فيها روحه. ه. لأن الحبيب لا يصبر عن حبيبه. لكن إذا جفا الحبيب لا يمكن إلا الصبر والوقوف بالباب، كما قال الشاعر: إن شكوت الهوى فما أنت منا أحمل الصد والجفا يا معنا وقال رجل لأبي محمد الحريري رضي الله عنه: كنت على بساط الأنس، وفتح على طريق البسط، فزللت زلة، فحجبت عن مقامي، فكيف السبيل إليه؟ دلني على الوصول إلى ما كنت عليه. فبكى أبو محمد وقال: يا أخي، الكل في قهر هذه الخطة، لكني أنشدك أبياتا لبعضهم، فأنشأ يقول: قف بالديار فهذه آثارهم تبكي الأحبة حسرة وتشوقا كم قد وقفت بربعها مستخبرا عن أهله أو سائلا أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمها فارقت من تهوى فعز الملتقى ومن هذا المعنى قضية الرجل الذي بقي في الحرم أربعين سنة يقول: لبيك. فيقول له الهاتف: لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك. فقيل له في ذلك، فقال: هذه بابه، وهل ثم باب أخرى أقصده منها؟ فقبله الحق تعالى، ولبى دعوته. وكذلك قضية الرجل الذي قيل له، من قبل الوحي: إنك من أهل النار فزاد في العبادة والاجتهاد. فهذا كله يصدق عليه الصبر عن الله. لكن لا يفهم كماله إلا من كملت معرفته، وتحقق بمقام الفناء، فحينئذ قد يسهل عليه أمره لكمال عبوديته، كما قال القائل: وكنت قديما أطلب الوصل منهم فلما أتاني العلم وارتفع الجهل تيقنت أن العبد لا طلب له فإن قربوا فضل وإن بعدوا عدل وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم وإن ستروا فالستر من أجلهم يحلو وأما من لم تكمل معرفته، فقد ينكره ويذمه، كالعباد والزهاد والعشاق، فإنهم لا يطيقونه، فإما أن يختل عقلهم، أو يرجعون إلى الانهماك في البطالة. والله تعالى أعلم. وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الإسراء 17:1

قلت: { سبحان }: مصدر غير متصرف، منصوب بفعل واجب الحذف، أي أسبح سبحان. وهو بمعنى التسبيح، أي: التنزيه، وقد يستعمل علما له، فيقطع عن الإضافة ويمنع الصرف، كقول الشاعر: قد أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر و { ليلا }: منصوب على الظرفية لأسرى. وفائدة ذكره، مع أن السرى هو السير بالليل، ليفيد التقليل، ولذلك نكره، كأنه قال: أسرى بعبده مسيرة أربعين ليلة في بعض الليل، وذلك ابلغ في المعجزة. ويقال: أسرى وسرى، رباعيا وثلاثيا. يقول الحق جل جلاله: { سبحان الذي أسرى بعبده } وهو: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أي: تنزيها له عن الأماكن والحدود والجهات، إذ هو أقرب من كل شيء إلى كل شيء. وإنما وقع الإسراء برسوله - عليه الصلاة والسلام - ليقتبس أهل العالم العلوي، كما اقتبس منه أهل العالم السفلي، فأسرى به { ليلا من المسجد الحرام } بعينه لما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: " بينما أنا في المسجد الحرام في الحجر، عند البيت، بين النائم واليقظان، إذ أتاني جبريل بالبراق ". أو: من الحرم لما روي أنه كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء، فأسري به، وسماه مسجدا لأن الحرم كله مسجد. قاله البيضاوي. قلت: والظاهر أنه وقع مرتين: مرة بجسده من البيت، ومرة بروحه من بيت أم هانئ. والله تعالى أعلم بما كان. قال في المستخرج من تفسير الغزنوني وغيره: قيل: كان رؤيا صادقة، وقيل: أسرى بروحه، وهو خلاف القرآن، وإن أسند إلى عائشة - رضي الله عنها -، والجمهور على ما رواه عامة الصحابة، دخل كلام بعضهم في بعض، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أتاني جبريل عليه السلام، وإذا دابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها مد بصرها، فمر بي بين السماء والأرض إلى بيت المقدس، فنشر لي رهط من الأنبياء، فصليت بهم. وإذا أنا بالمعراج، وهو أحسن ما رأيت، فعرج بي، فرأيت في سماء الدنيا رجلا أعظم الناس وجها وهيكلا، فقيل: هذا أبوك آدم، وفي السماء الثانية شابين، فقيل: هما يحيى وعيسى، وفي الثالثة رجلا أفضل الناس حسنا، فقيل: أخوك يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم - صلوات الله على جميعهم -. فانتهيت إلى سدرة المنتهى، فغشيتها ملائكة، كأنهم جراد من ذهب، فرأيت جبريل عليه السلام يتضاءل كأنه صعوة - أي: عصفور - فتخلف، وقال: وما منا إلا له مقام معلوم، فجاوزت سبعين حجابا، ثم احتملني الرفرف إلى العرش، فنوديت: حي ربك. فقلت: لا احصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ". فلما أخبر بما رأى كذبه أهل مكة، ولو كان في النوم ما أنكره المشركون. وقيل: كانا معراجين، بمكة والمدينة، في النوم واليقظة. ه. قلت: وقوع المعراج بالمدينة غريب. قال المهدوي: مرتبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات العلية خاصة بنبينا، لم يكن لغيره من الأنبياء. وعده السيوطي من الخصائص. قال ابن جزي: وحجة الجمهور: أنه لو كان مناما، لم تنكره قريش، ولم يكن في ذلك ما يكذب، ألا ترى أن أم هانئ قالت له - عليه الصلاة والسلام-: لا تخبر بذلك أحدا. وحجة من قال إنه كان مناما: قوله تعالى: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك [الإسراء: 60]، وإنما يقال: الرؤيا، في المنام، ويقال، فيما يرى بالعين: رؤية، وقوله، في آخر حديث الإسراء: " فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام " ، ثم قال: وقد يجمع بينهما بأنه وقع مرتين. ه. وقوله تعالى: { إلى المسجد الأقصى } هو: بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، { الذي باركنا حوله } ببركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء، ومحفوف بالأنهار والأشجار والثمار. أسرينا به { لنريه من آياتنا } الدالة على عجائب قدرتنا، ونكشف له عن أسرار ذاتنا، فأطلعه الله على عجائب الملكوت، وأراه سنا الجبروت. روى عكرمة عن ابن عباس: أنه قال: قد رأى محمد ربه، قلت: أليس الله يقول: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار [الأنعام: 103]، قال: ويحك، ذلك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين. ه. قلت: معنى كلامه: أنه إذا تجلى بنوره الأصلي، من غير واسطة، لا يمكن إدراكه، وأما إذا تجلى بواسطة المظهر فإنه يمكن إدراكه، والحاصل: أن الحق تعالى إنما يتجلى على قدر الرائي، لا على قدره إذ لا يطيقه أحد. وسيأتي، في الإشارة، بقية الكلام عليه، إن شاء الله. { إنه هو السميع البصير } أي: السميع لأقوال حبيبه في حال مناجاته، البصير بأحواله، فيكرمه ويقربه على حسب ذلك. الإشارة: قال بعض الصوفية: إنما قال تعالى: { بعبده } ، ولم يقل: بنبيه: ولا برسوله ليدل على أن كل من كملت عبوديته كان له نصيب من الإسراء. غير أن الإسراء بالجسد مخصوص به - عليه الصلاة والسلام -، وأما الإسراء بالروح فيقع للأولياء على قدر تصفية الروح، وغيبتها عن هذا العالم الحسي، فتعرج أفكارهم وأرواحهم إلى ما وراء العرش، وتخوض في بحار الجبروت، وأنوار الملكوت، كل على قدر تخليته وتحليته. وإنما خص الإسراء بالليل لكونه محل فراغ المناجاة والمواصلات، ولذلك رتب بعثه مقاما محمودا على التهجد بالليل في هذه السورة. قاله المحشي. وقوله تعالى: { سبحان الذي أسرى } ، قال الورتجبي: أي: تنزه عن إشارة الجهات والأماكن في الفوقية، وما يتوهم الخلق من أنه إذ أوصل عبده إلى وراء الوراء، أنه كان في مكان، أي: لا تتوهموا برفع عبده إلى ملكوت السماوات، أنه رفع إلى مكان، أو هو في مكان، فإن الأكوان والمكان أقل من خردلة في وادي قدرته، أي: في بحر عظمته ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: " الكون في يمين الرحمن أقل من خردلة " والعندية والفوقية منه، ونزه نفسه عن أوهام المشبهات، حيث توهموا أنه أسرى به إلى المكان، أي: سبحان من تنزه عن هذه التهمة. ه. وقال القشيري: أرسله الحق تعالى ليتعلم أهل الأرض منه العبادة، ثم رقاه إلى السماء ليتعلم منه الملائكة - عليهم السلام - آداب العبادة، قال تعالى: ما زاغ البصر وما طغى [النجم: 17]، وما التفت يمينا ولا شمالا، ما طمع في مقام، ولا في إكرام، تحرر عن كل طلب وأرب، تلك الليلة. ه. قلت: ولذلك أكرمه الله تعالى بالرؤية، التي منع منها نبيه موسى عليه السلام، حيث وقع منه الطلب " ربما دلهم الأدب على ترك الطلب " ، وقال الورتجبي: أسرى به عن رؤية فعله وآياته، إلى رؤية صفاته، ومن رؤية صفاته إلى رؤية ذاته، وأشهده مشاهد جماله، فرأى الحق بالحق، وصار هنالك موصوفا بوصف الحق، فكان صورته روحه، وروحه عقله، وعقله قلبه، وقلبه سره، فرأى الحق بجميع وجوده لأن وجوده فان بجميعه، فصار عينا من عيون الحق، فرأى الحق بجميع العيون، وسمع خطابه بجميع الأسماع، وعرف الحق بجميع القلوب. ه. وقال، في قوله تعالى: { إلى المسجد الأقصى }: سبب بداية المعراج بالذهاب إلى المسجد الأقصى، لأن هناك الآية الكبرى من بركة أنوار تجليه لأرواح الأنبياء وأشباحهم، وهناك بقربه طور سيناء، وطور زيتا، والمصيصة، ومقام إبراهيم وموسى وعيسى، وفي تلك الجبال مواضع كشوف الحق، ولذلك قال: { باركنا حوله } ، انظر تمامه. ولما كان لسيدنا موسى عليه السلام مزيد كلام ومراجعة مع نبينا عليه الصلاة والسلام

الإسراء 17:2

قلت: { ذرية }: منادى، أي: يا ذرية من حملنا مع نوح، والمراد: بني إسرائيل. وفي ندائهم بذلك: تلطف وتذكير بالنعم، وقيل: مفعول أول بتتخذوا، أي: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلا، فتكون كقوله: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا [آل عمران: 80]. يقول الحق جل جلاله: { وآتينا موسى الكتاب } التوراة { وجعلناه } أي: التوراة { هدى لبني إسرائيل } ، وقلنا: { ألا تتخذوا من دوني وكيلا } تفوضون إليه أموركم، وتطيعونه فيما يأمركم. بل فوضوا أموركم إلى الله، واقصدوا بطاعتكم وجه الله، يا { ذرية من حملنا مع نوح } ، فاذكروا نعمة الإنجاء من الغرق، وحمل أسلافكم في سفينة نوح، { إنه كان عبدا شكورا } يحمد الله ويشكره في جميع حالاته. وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره، وحث للذرية على الاقتداء به. والله تعالى أعلم. الإشارة: المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو، إفراد الوجهة إلى الحق، ورفع الهمة عن الخلق، حتى لا يبقى الركون إلا إليه، ولا الاعتماد إلا عليه، وهو مقتضى التوحيد. قال تعالى لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [المزمل: 9]. وبالله التوفيق. ثم ذكر ما أحدث بنو اسرائيل وما جرى عليهم في القضاء

الإسراء 17:3

قلت: { ذرية }: منادى، أي: يا ذرية من حملنا مع نوح، والمراد: بني إسرائيل. وفي ندائهم بذلك: تلطف وتذكير بالنعم، وقيل: مفعول أول بتتخذوا، أي: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلا، فتكون كقوله: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا [آل عمران: 80]. يقول الحق جل جلاله: { وآتينا موسى الكتاب } التوراة { وجعلناه } أي: التوراة { هدى لبني إسرائيل } ، وقلنا: { ألا تتخذوا من دوني وكيلا } تفوضون إليه أموركم، وتطيعونه فيما يأمركم. بل فوضوا أموركم إلى الله، واقصدوا بطاعتكم وجه الله، يا { ذرية من حملنا مع نوح } ، فاذكروا نعمة الإنجاء من الغرق، وحمل أسلافكم في سفينة نوح، { إنه كان عبدا شكورا } يحمد الله ويشكره في جميع حالاته. وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره، وحث للذرية على الاقتداء به. والله تعالى أعلم. الإشارة: المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو، إفراد الوجهة إلى الحق، ورفع الهمة عن الخلق، حتى لا يبقى الركون إلا إليه، ولا الاعتماد إلا عليه، وهو مقتضى التوحيد. قال تعالى لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [المزمل: 9]. وبالله التوفيق. ثم ذكر ما أحدث بنو اسرائيل وما جرى عليهم في القضاء

الإسراء 17:4

يقول الحق جل جلاله: { وقضينا إلى بني إسرائيل } أي: أخبرناهم وأوحينا إليهم { في الكتاب } التوراة، وقلنا: والله { لتفسدن في الأرض مرتين } الخ. أو: قضينا عليهم { في الكتاب } اللوح المحفوظ، { لتفسدن في الأرض مرتين } الخ. أو: قضينا عليهم { في الكتاب }: اللوح المحفوظ، { لتفسدن في الأرض مرتين } أي: إفسادتين، أولاهما: مخالفة أحكام التوراة وقتل أشعياء، وقيل: أرمياء. وثانيتهما: قتل زكريا ويحيى، وقصد قتل عيسى عليه السلام، { ولتعلن علوا كبيرا } ولتستكبرن عن طاعة الله، أو لتظلمن الناس وتستعلون عليهم علوا كبيرا. { فإذا جاء وعد } عقاب { أولاهما } أي: أول مرتي الإفساد بأن أفسدوا في الأرض المرة الأولى { بعثنا عليكم عبادا لنا } بختنصر وجنوده { أولي بأس شديد } ذوي قوة وبطش في الحرب شديد، { فجاسوا } فترددوا لطلبكم { خلال الديار } وسطه للقتل أو الغارة، فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم، وحرقوا التوراة، وخربوا المسجد. وفي التذكرة للقرطبي: أنه سلط عليهم في المرة الأولى بختنصر، فسباهم، ونقل ذخائر بيت المقدس على سبعين ألف عجلة، وبقوا في يده مائة سنة. ثم رحمهم الله تعالى وأنقذهم من يده، على يد ملك من ملوك فارس، ثم عصوا، فسلط عليهم ملك الروم قيصر. ه. قال تعالى: { وكان وعدا مفعولا } أي: وكان وعد عقابهم وعدا مقضيا لا بد أن يفعل. { ثم رددنا لكم الكرة } أي: الدولة والغلبة { عليهم } أي: على الذين بعثوا عليكم، فرجع الملك إلى بني إسرائيل، واستنقذوا أسراهم، فقيل: على يد " بهمن بن إسفنديار " ملك فارس، فاستنقذهم، ورد أسراهم إلى الشام، وملك دانيال عليهم، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر، وقيل: على يد داود عليه السلام حين قتل جالوت. قال تعالى: { وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } أي: عددا مما كنتم. والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه، وقيل: جمع نفر، وهم: المجتمعون للذهاب إلى الغزو. ثم قال تعالى لهم: { إن أحسنتم } بفعل الطاعة والعمل الصالح، { أحسنتم لأنفسكم } لأن ثوابه لها، { وإن أسأتم فلها } فإن وبالها عليها. وذكر باللام للازدواج. { فإذا جاء وعد الآخرة } أي: وعد عقوبة المرة الأخيرة، بأن أفسدوا في المرة الآخرة، بعثنا عليكم عبادا لنا آخرين، أولي بأس شديد { ليسؤوا وجوهكم } ، يجعلوها تظهر فيها آثار السوء والشر، كالكآبة والحزن، كقوله: سيئت وجوه الذين كفروا [الملك: 27] { وليدخلوا المسجد } بيت المقدس { كما دخلوه أول مرة وليتبروا } وليهلكوا { ما علوا } عليه { تتبيرا } إهلاكا، أو مدة علوهم. قال البيضاوي: وذلك بأن الله سلط عليهم الفرس مرة أخرى، فغزاهم ملك بابل، اسمه " حردون " ، وقيل: " حردوس " ، قيل: دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم، فوجد دما يغلي، فسأل عنه، فقالوا: دم قربان لم يقبل منا. فقال: ما صدقتموني، فقتل عليه ألوفا منهم، فلم يهدأ الدم. ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا، فقالوا: دم يحيى، فقال: لمثل هذا ينتقم منكم ربكم، ثم قال: يا يحيى، قد علم ربي وربك ما أصاب قومك، فاهدأ بإذن الله، قبل ألا أبقي منهم أحدا، فهدأ. ه. وقال السهيلي في كتاب " التعريف والإعلام ": المبعوث في المرة الأولى هم أهل بابل، وكان إذ ذاك عليهم " بختنصر " ، حين كذبوا أرمياء وجرحوه وحبسوه. وأما في المرة الأخيرة: فقد اختلف فيمن كان المبعوث عليهم، وأن ذلك كان بسبب قتل يحيى بن زكريا. فقيل: بختنصر، وهذا لا يصح لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بزمان طويل. ه. وقول الجلال السيوطي: وقد أفسدوا في الأولى بقتل زكريا، فبعث عليهم جالوت وجنوده، ولا يصح لأنه يقتضي أن داود تأخر عن زكريا، وهو باطل. ثم قال تعالى لبني إسرائيل: { عسى ربكم أن يرحمكم } بعد المرة الأخرى ويجبر كسركم، { وإن عدتم عدنا } إلى عقوبتكم، وقد عادوا بتكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقصد قتله، فعاد إليهم بتسليطه عليهم، فقتل من بني قريظة سبعمائة في يوم واحد، وسبى ذراريهم، وباعهم في الأسواق، وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين. هذا في الدنيا، { وجعلنا جهنم للكافرين } منهم ومن غيرهم { حصيرا } محبسا، لا يقدرون على الخروج منها، أبد الآباد. وقيل: بساطا كبسط الحصير، كقوله: لهم من جهنم مهاد [الأعراف: 41]. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد قضى الحق جل جلاله ما كان وما يكون في سابق علمه، فما من نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه. فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته، إذا أصبح نظر ما يفعل الله به. فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها، وأبهم على عباده أمرها، فلو ظهرت لبطل سر التكليف. ولذلك لما سئل عنه سيدنا علي - كرم الله وجهه - قال للسائل: بحر عميق لا تطيقه، فأعاد عليه السؤال، فقال: طريق مظلم لا تسلكه لأنه لا يفهم سر القضاء والقدر، إلا من دخل مقام الفناء والبقاء، وفرق بين القدرة والحكمة، وبين العبودية والربوبية، فإذا تحقق العارف بالوحدة، علم أن الحق تعالى أظهر من خلقه مظاهر أعدهم للإكرام، وأظهر خلقا أعدهم للانتقام، وأبهم الأمر عليهم، ثم خلق فيهم كسبا واختيارا فيما يظهر لهم، وكلفهم لتقوم الحجة عليهم، وتظهر صورة العدل فيهم. { ولا يظلم ربك أحدا }. فالقدرة تبرز ما سبق في الأزل، والحكمة تستر أسرار القدر. لكن جعل للسعادة علامات كالتوفيق والهداية للإيمان، وللشقاوة علامات كالخذلان والكفران. نعوذ بالله من سوء القضاء وحرمان الرضا. آمين. ومن علامة السعادة التمسك بما جاء به القرآن العظيم

الإسراء 17:5

يقول الحق جل جلاله: { وقضينا إلى بني إسرائيل } أي: أخبرناهم وأوحينا إليهم { في الكتاب } التوراة، وقلنا: والله { لتفسدن في الأرض مرتين } الخ. أو: قضينا عليهم { في الكتاب } اللوح المحفوظ، { لتفسدن في الأرض مرتين } الخ. أو: قضينا عليهم { في الكتاب }: اللوح المحفوظ، { لتفسدن في الأرض مرتين } أي: إفسادتين، أولاهما: مخالفة أحكام التوراة وقتل أشعياء، وقيل: أرمياء. وثانيتهما: قتل زكريا ويحيى، وقصد قتل عيسى عليه السلام، { ولتعلن علوا كبيرا } ولتستكبرن عن طاعة الله، أو لتظلمن الناس وتستعلون عليهم علوا كبيرا. { فإذا جاء وعد } عقاب { أولاهما } أي: أول مرتي الإفساد بأن أفسدوا في الأرض المرة الأولى { بعثنا عليكم عبادا لنا } بختنصر وجنوده { أولي بأس شديد } ذوي قوة وبطش في الحرب شديد، { فجاسوا } فترددوا لطلبكم { خلال الديار } وسطه للقتل أو الغارة، فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم، وحرقوا التوراة، وخربوا المسجد. وفي التذكرة للقرطبي: أنه سلط عليهم في المرة الأولى بختنصر، فسباهم، ونقل ذخائر بيت المقدس على سبعين ألف عجلة، وبقوا في يده مائة سنة. ثم رحمهم الله تعالى وأنقذهم من يده، على يد ملك من ملوك فارس، ثم عصوا، فسلط عليهم ملك الروم قيصر. ه. قال تعالى: { وكان وعدا مفعولا } أي: وكان وعد عقابهم وعدا مقضيا لا بد أن يفعل. { ثم رددنا لكم الكرة } أي: الدولة والغلبة { عليهم } أي: على الذين بعثوا عليكم، فرجع الملك إلى بني إسرائيل، واستنقذوا أسراهم، فقيل: على يد " بهمن بن إسفنديار " ملك فارس، فاستنقذهم، ورد أسراهم إلى الشام، وملك دانيال عليهم، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر، وقيل: على يد داود عليه السلام حين قتل جالوت. قال تعالى: { وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } أي: عددا مما كنتم. والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه، وقيل: جمع نفر، وهم: المجتمعون للذهاب إلى الغزو. ثم قال تعالى لهم: { إن أحسنتم } بفعل الطاعة والعمل الصالح، { أحسنتم لأنفسكم } لأن ثوابه لها، { وإن أسأتم فلها } فإن وبالها عليها. وذكر باللام للازدواج. { فإذا جاء وعد الآخرة } أي: وعد عقوبة المرة الأخيرة، بأن أفسدوا في المرة الآخرة، بعثنا عليكم عبادا لنا آخرين، أولي بأس شديد { ليسؤوا وجوهكم } ، يجعلوها تظهر فيها آثار السوء والشر، كالكآبة والحزن، كقوله: سيئت وجوه الذين كفروا [الملك: 27] { وليدخلوا المسجد } بيت المقدس { كما دخلوه أول مرة وليتبروا } وليهلكوا { ما علوا } عليه { تتبيرا } إهلاكا، أو مدة علوهم. قال البيضاوي: وذلك بأن الله سلط عليهم الفرس مرة أخرى، فغزاهم ملك بابل، اسمه " حردون " ، وقيل: " حردوس " ، قيل: دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم، فوجد دما يغلي، فسأل عنه، فقالوا: دم قربان لم يقبل منا. فقال: ما صدقتموني، فقتل عليه ألوفا منهم، فلم يهدأ الدم. ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا، فقالوا: دم يحيى، فقال: لمثل هذا ينتقم منكم ربكم، ثم قال: يا يحيى، قد علم ربي وربك ما أصاب قومك، فاهدأ بإذن الله، قبل ألا أبقي منهم أحدا، فهدأ. ه. وقال السهيلي في كتاب " التعريف والإعلام ": المبعوث في المرة الأولى هم أهل بابل، وكان إذ ذاك عليهم " بختنصر " ، حين كذبوا أرمياء وجرحوه وحبسوه. وأما في المرة الأخيرة: فقد اختلف فيمن كان المبعوث عليهم، وأن ذلك كان بسبب قتل يحيى بن زكريا. فقيل: بختنصر، وهذا لا يصح لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بزمان طويل. ه. وقول الجلال السيوطي: وقد أفسدوا في الأولى بقتل زكريا، فبعث عليهم جالوت وجنوده، ولا يصح لأنه يقتضي أن داود تأخر عن زكريا، وهو باطل. ثم قال تعالى لبني إسرائيل: { عسى ربكم أن يرحمكم } بعد المرة الأخرى ويجبر كسركم، { وإن عدتم عدنا } إلى عقوبتكم، وقد عادوا بتكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقصد قتله، فعاد إليهم بتسليطه عليهم، فقتل من بني قريظة سبعمائة في يوم واحد، وسبى ذراريهم، وباعهم في الأسواق، وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين. هذا في الدنيا، { وجعلنا جهنم للكافرين } منهم ومن غيرهم { حصيرا } محبسا، لا يقدرون على الخروج منها، أبد الآباد. وقيل: بساطا كبسط الحصير، كقوله: لهم من جهنم مهاد [الأعراف: 41]. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد قضى الحق جل جلاله ما كان وما يكون في سابق علمه، فما من نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه. فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته، إذا أصبح نظر ما يفعل الله به. فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها، وأبهم على عباده أمرها، فلو ظهرت لبطل سر التكليف. ولذلك لما سئل عنه سيدنا علي - كرم الله وجهه - قال للسائل: بحر عميق لا تطيقه، فأعاد عليه السؤال، فقال: طريق مظلم لا تسلكه لأنه لا يفهم سر القضاء والقدر، إلا من دخل مقام الفناء والبقاء، وفرق بين القدرة والحكمة، وبين العبودية والربوبية، فإذا تحقق العارف بالوحدة، علم أن الحق تعالى أظهر من خلقه مظاهر أعدهم للإكرام، وأظهر خلقا أعدهم للانتقام، وأبهم الأمر عليهم، ثم خلق فيهم كسبا واختيارا فيما يظهر لهم، وكلفهم لتقوم الحجة عليهم، وتظهر صورة العدل فيهم. { ولا يظلم ربك أحدا }. فالقدرة تبرز ما سبق في الأزل، والحكمة تستر أسرار القدر. لكن جعل للسعادة علامات كالتوفيق والهداية للإيمان، وللشقاوة علامات كالخذلان والكفران. نعوذ بالله من سوء القضاء وحرمان الرضا. آمين. ومن علامة السعادة التمسك بما جاء به القرآن العظيم

الإسراء 17:6

يقول الحق جل جلاله: { وقضينا إلى بني إسرائيل } أي: أخبرناهم وأوحينا إليهم { في الكتاب } التوراة، وقلنا: والله { لتفسدن في الأرض مرتين } الخ. أو: قضينا عليهم { في الكتاب } اللوح المحفوظ، { لتفسدن في الأرض مرتين } الخ. أو: قضينا عليهم { في الكتاب }: اللوح المحفوظ، { لتفسدن في الأرض مرتين } أي: إفسادتين، أولاهما: مخالفة أحكام التوراة وقتل أشعياء، وقيل: أرمياء. وثانيتهما: قتل زكريا ويحيى، وقصد قتل عيسى عليه السلام، { ولتعلن علوا كبيرا } ولتستكبرن عن طاعة الله، أو لتظلمن الناس وتستعلون عليهم علوا كبيرا. { فإذا جاء وعد } عقاب { أولاهما } أي: أول مرتي الإفساد بأن أفسدوا في الأرض المرة الأولى { بعثنا عليكم عبادا لنا } بختنصر وجنوده { أولي بأس شديد } ذوي قوة وبطش في الحرب شديد، { فجاسوا } فترددوا لطلبكم { خلال الديار } وسطه للقتل أو الغارة، فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم، وحرقوا التوراة، وخربوا المسجد. وفي التذكرة للقرطبي: أنه سلط عليهم في المرة الأولى بختنصر، فسباهم، ونقل ذخائر بيت المقدس على سبعين ألف عجلة، وبقوا في يده مائة سنة. ثم رحمهم الله تعالى وأنقذهم من يده، على يد ملك من ملوك فارس، ثم عصوا، فسلط عليهم ملك الروم قيصر. ه. قال تعالى: { وكان وعدا مفعولا } أي: وكان وعد عقابهم وعدا مقضيا لا بد أن يفعل. { ثم رددنا لكم الكرة } أي: الدولة والغلبة { عليهم } أي: على الذين بعثوا عليكم، فرجع الملك إلى بني إسرائيل، واستنقذوا أسراهم، فقيل: على يد " بهمن بن إسفنديار " ملك فارس، فاستنقذهم، ورد أسراهم إلى الشام، وملك دانيال عليهم، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر، وقيل: على يد داود عليه السلام حين قتل جالوت. قال تعالى: { وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } أي: عددا مما كنتم. والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه، وقيل: جمع نفر، وهم: المجتمعون للذهاب إلى الغزو. ثم قال تعالى لهم: { إن أحسنتم } بفعل الطاعة والعمل الصالح، { أحسنتم لأنفسكم } لأن ثوابه لها، { وإن أسأتم فلها } فإن وبالها عليها. وذكر باللام للازدواج. { فإذا جاء وعد الآخرة } أي: وعد عقوبة المرة الأخيرة، بأن أفسدوا في المرة الآخرة، بعثنا عليكم عبادا لنا آخرين، أولي بأس شديد { ليسؤوا وجوهكم } ، يجعلوها تظهر فيها آثار السوء والشر، كالكآبة والحزن، كقوله: سيئت وجوه الذين كفروا [الملك: 27] { وليدخلوا المسجد } بيت المقدس { كما دخلوه أول مرة وليتبروا } وليهلكوا { ما علوا } عليه { تتبيرا } إهلاكا، أو مدة علوهم. قال البيضاوي: وذلك بأن الله سلط عليهم الفرس مرة أخرى، فغزاهم ملك بابل، اسمه " حردون " ، وقيل: " حردوس " ، قيل: دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم، فوجد دما يغلي، فسأل عنه، فقالوا: دم قربان لم يقبل منا. فقال: ما صدقتموني، فقتل عليه ألوفا منهم، فلم يهدأ الدم. ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا، فقالوا: دم يحيى، فقال: لمثل هذا ينتقم منكم ربكم، ثم قال: يا يحيى، قد علم ربي وربك ما أصاب قومك، فاهدأ بإذن الله، قبل ألا أبقي منهم أحدا، فهدأ. ه. وقال السهيلي في كتاب " التعريف والإعلام ": المبعوث في المرة الأولى هم أهل بابل، وكان إذ ذاك عليهم " بختنصر " ، حين كذبوا أرمياء وجرحوه وحبسوه. وأما في المرة الأخيرة: فقد اختلف فيمن كان المبعوث عليهم، وأن ذلك كان بسبب قتل يحيى بن زكريا. فقيل: بختنصر، وهذا لا يصح لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بزمان طويل. ه. وقول الجلال السيوطي: وقد أفسدوا في الأولى بقتل زكريا، فبعث عليهم جالوت وجنوده، ولا يصح لأنه يقتضي أن داود تأخر عن زكريا، وهو باطل. ثم قال تعالى لبني إسرائيل: { عسى ربكم أن يرحمكم } بعد المرة الأخرى ويجبر كسركم، { وإن عدتم عدنا } إلى عقوبتكم، وقد عادوا بتكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقصد قتله، فعاد إليهم بتسليطه عليهم، فقتل من بني قريظة سبعمائة في يوم واحد، وسبى ذراريهم، وباعهم في الأسواق، وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين. هذا في الدنيا، { وجعلنا جهنم للكافرين } منهم ومن غيرهم { حصيرا } محبسا، لا يقدرون على الخروج منها، أبد الآباد. وقيل: بساطا كبسط الحصير، كقوله: لهم من جهنم مهاد [الأعراف: 41]. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد قضى الحق جل جلاله ما كان وما يكون في سابق علمه، فما من نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه. فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته، إذا أصبح نظر ما يفعل الله به. فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها، وأبهم على عباده أمرها، فلو ظهرت لبطل سر التكليف. ولذلك لما سئل عنه سيدنا علي - كرم الله وجهه - قال للسائل: بحر عميق لا تطيقه، فأعاد عليه السؤال، فقال: طريق مظلم لا تسلكه لأنه لا يفهم سر القضاء والقدر، إلا من دخل مقام الفناء والبقاء، وفرق بين القدرة والحكمة، وبين العبودية والربوبية، فإذا تحقق العارف بالوحدة، علم أن الحق تعالى أظهر من خلقه مظاهر أعدهم للإكرام، وأظهر خلقا أعدهم للانتقام، وأبهم الأمر عليهم، ثم خلق فيهم كسبا واختيارا فيما يظهر لهم، وكلفهم لتقوم الحجة عليهم، وتظهر صورة العدل فيهم. { ولا يظلم ربك أحدا }. فالقدرة تبرز ما سبق في الأزل، والحكمة تستر أسرار القدر. لكن جعل للسعادة علامات كالتوفيق والهداية للإيمان، وللشقاوة علامات كالخذلان والكفران. نعوذ بالله من سوء القضاء وحرمان الرضا. آمين. ومن علامة السعادة التمسك بما جاء به القرآن العظيم

الإسراء 17:7

يقول الحق جل جلاله: { وقضينا إلى بني إسرائيل } أي: أخبرناهم وأوحينا إليهم { في الكتاب } التوراة، وقلنا: والله { لتفسدن في الأرض مرتين } الخ. أو: قضينا عليهم { في الكتاب } اللوح المحفوظ، { لتفسدن في الأرض مرتين } الخ. أو: قضينا عليهم { في الكتاب }: اللوح المحفوظ، { لتفسدن في الأرض مرتين } أي: إفسادتين، أولاهما: مخالفة أحكام التوراة وقتل أشعياء، وقيل: أرمياء. وثانيتهما: قتل زكريا ويحيى، وقصد قتل عيسى عليه السلام، { ولتعلن علوا كبيرا } ولتستكبرن عن طاعة الله، أو لتظلمن الناس وتستعلون عليهم علوا كبيرا. { فإذا جاء وعد } عقاب { أولاهما } أي: أول مرتي الإفساد بأن أفسدوا في الأرض المرة الأولى { بعثنا عليكم عبادا لنا } بختنصر وجنوده { أولي بأس شديد } ذوي قوة وبطش في الحرب شديد، { فجاسوا } فترددوا لطلبكم { خلال الديار } وسطه للقتل أو الغارة، فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم، وحرقوا التوراة، وخربوا المسجد. وفي التذكرة للقرطبي: أنه سلط عليهم في المرة الأولى بختنصر، فسباهم، ونقل ذخائر بيت المقدس على سبعين ألف عجلة، وبقوا في يده مائة سنة. ثم رحمهم الله تعالى وأنقذهم من يده، على يد ملك من ملوك فارس، ثم عصوا، فسلط عليهم ملك الروم قيصر. ه. قال تعالى: { وكان وعدا مفعولا } أي: وكان وعد عقابهم وعدا مقضيا لا بد أن يفعل. { ثم رددنا لكم الكرة } أي: الدولة والغلبة { عليهم } أي: على الذين بعثوا عليكم، فرجع الملك إلى بني إسرائيل، واستنقذوا أسراهم، فقيل: على يد " بهمن بن إسفنديار " ملك فارس، فاستنقذهم، ورد أسراهم إلى الشام، وملك دانيال عليهم، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر، وقيل: على يد داود عليه السلام حين قتل جالوت. قال تعالى: { وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } أي: عددا مما كنتم. والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه، وقيل: جمع نفر، وهم: المجتمعون للذهاب إلى الغزو. ثم قال تعالى لهم: { إن أحسنتم } بفعل الطاعة والعمل الصالح، { أحسنتم لأنفسكم } لأن ثوابه لها، { وإن أسأتم فلها } فإن وبالها عليها. وذكر باللام للازدواج. { فإذا جاء وعد الآخرة } أي: وعد عقوبة المرة الأخيرة، بأن أفسدوا في المرة الآخرة، بعثنا عليكم عبادا لنا آخرين، أولي بأس شديد { ليسؤوا وجوهكم } ، يجعلوها تظهر فيها آثار السوء والشر، كالكآبة والحزن، كقوله: سيئت وجوه الذين كفروا [الملك: 27] { وليدخلوا المسجد } بيت المقدس { كما دخلوه أول مرة وليتبروا } وليهلكوا { ما علوا } عليه { تتبيرا } إهلاكا، أو مدة علوهم. قال البيضاوي: وذلك بأن الله سلط عليهم الفرس مرة أخرى، فغزاهم ملك بابل، اسمه " حردون " ، وقيل: " حردوس " ، قيل: دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم، فوجد دما يغلي، فسأل عنه، فقالوا: دم قربان لم يقبل منا. فقال: ما صدقتموني، فقتل عليه ألوفا منهم، فلم يهدأ الدم. ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا، فقالوا: دم يحيى، فقال: لمثل هذا ينتقم منكم ربكم، ثم قال: يا يحيى، قد علم ربي وربك ما أصاب قومك، فاهدأ بإذن الله، قبل ألا أبقي منهم أحدا، فهدأ. ه. وقال السهيلي في كتاب " التعريف والإعلام ": المبعوث في المرة الأولى هم أهل بابل، وكان إذ ذاك عليهم " بختنصر " ، حين كذبوا أرمياء وجرحوه وحبسوه. وأما في المرة الأخيرة: فقد اختلف فيمن كان المبعوث عليهم، وأن ذلك كان بسبب قتل يحيى بن زكريا. فقيل: بختنصر، وهذا لا يصح لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بزمان طويل. ه. وقول الجلال السيوطي: وقد أفسدوا في الأولى بقتل زكريا، فبعث عليهم جالوت وجنوده، ولا يصح لأنه يقتضي أن داود تأخر عن زكريا، وهو باطل. ثم قال تعالى لبني إسرائيل: { عسى ربكم أن يرحمكم } بعد المرة الأخرى ويجبر كسركم، { وإن عدتم عدنا } إلى عقوبتكم، وقد عادوا بتكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقصد قتله، فعاد إليهم بتسليطه عليهم، فقتل من بني قريظة سبعمائة في يوم واحد، وسبى ذراريهم، وباعهم في الأسواق، وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين. هذا في الدنيا، { وجعلنا جهنم للكافرين } منهم ومن غيرهم { حصيرا } محبسا، لا يقدرون على الخروج منها، أبد الآباد. وقيل: بساطا كبسط الحصير، كقوله: لهم من جهنم مهاد [الأعراف: 41]. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد قضى الحق جل جلاله ما كان وما يكون في سابق علمه، فما من نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه. فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته، إذا أصبح نظر ما يفعل الله به. فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها، وأبهم على عباده أمرها، فلو ظهرت لبطل سر التكليف. ولذلك لما سئل عنه سيدنا علي - كرم الله وجهه - قال للسائل: بحر عميق لا تطيقه، فأعاد عليه السؤال، فقال: طريق مظلم لا تسلكه لأنه لا يفهم سر القضاء والقدر، إلا من دخل مقام الفناء والبقاء، وفرق بين القدرة والحكمة، وبين العبودية والربوبية، فإذا تحقق العارف بالوحدة، علم أن الحق تعالى أظهر من خلقه مظاهر أعدهم للإكرام، وأظهر خلقا أعدهم للانتقام، وأبهم الأمر عليهم، ثم خلق فيهم كسبا واختيارا فيما يظهر لهم، وكلفهم لتقوم الحجة عليهم، وتظهر صورة العدل فيهم. { ولا يظلم ربك أحدا }. فالقدرة تبرز ما سبق في الأزل، والحكمة تستر أسرار القدر. لكن جعل للسعادة علامات كالتوفيق والهداية للإيمان، وللشقاوة علامات كالخذلان والكفران. نعوذ بالله من سوء القضاء وحرمان الرضا. آمين. ومن علامة السعادة التمسك بما جاء به القرآن العظيم

الإسراء 17:8

يقول الحق جل جلاله: { وقضينا إلى بني إسرائيل } أي: أخبرناهم وأوحينا إليهم { في الكتاب } التوراة، وقلنا: والله { لتفسدن في الأرض مرتين } الخ. أو: قضينا عليهم { في الكتاب } اللوح المحفوظ، { لتفسدن في الأرض مرتين } الخ. أو: قضينا عليهم { في الكتاب }: اللوح المحفوظ، { لتفسدن في الأرض مرتين } أي: إفسادتين، أولاهما: مخالفة أحكام التوراة وقتل أشعياء، وقيل: أرمياء. وثانيتهما: قتل زكريا ويحيى، وقصد قتل عيسى عليه السلام، { ولتعلن علوا كبيرا } ولتستكبرن عن طاعة الله، أو لتظلمن الناس وتستعلون عليهم علوا كبيرا. { فإذا جاء وعد } عقاب { أولاهما } أي: أول مرتي الإفساد بأن أفسدوا في الأرض المرة الأولى { بعثنا عليكم عبادا لنا } بختنصر وجنوده { أولي بأس شديد } ذوي قوة وبطش في الحرب شديد، { فجاسوا } فترددوا لطلبكم { خلال الديار } وسطه للقتل أو الغارة، فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم، وحرقوا التوراة، وخربوا المسجد. وفي التذكرة للقرطبي: أنه سلط عليهم في المرة الأولى بختنصر، فسباهم، ونقل ذخائر بيت المقدس على سبعين ألف عجلة، وبقوا في يده مائة سنة. ثم رحمهم الله تعالى وأنقذهم من يده، على يد ملك من ملوك فارس، ثم عصوا، فسلط عليهم ملك الروم قيصر. ه. قال تعالى: { وكان وعدا مفعولا } أي: وكان وعد عقابهم وعدا مقضيا لا بد أن يفعل. { ثم رددنا لكم الكرة } أي: الدولة والغلبة { عليهم } أي: على الذين بعثوا عليكم، فرجع الملك إلى بني إسرائيل، واستنقذوا أسراهم، فقيل: على يد " بهمن بن إسفنديار " ملك فارس، فاستنقذهم، ورد أسراهم إلى الشام، وملك دانيال عليهم، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر، وقيل: على يد داود عليه السلام حين قتل جالوت. قال تعالى: { وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } أي: عددا مما كنتم. والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه، وقيل: جمع نفر، وهم: المجتمعون للذهاب إلى الغزو. ثم قال تعالى لهم: { إن أحسنتم } بفعل الطاعة والعمل الصالح، { أحسنتم لأنفسكم } لأن ثوابه لها، { وإن أسأتم فلها } فإن وبالها عليها. وذكر باللام للازدواج. { فإذا جاء وعد الآخرة } أي: وعد عقوبة المرة الأخيرة، بأن أفسدوا في المرة الآخرة، بعثنا عليكم عبادا لنا آخرين، أولي بأس شديد { ليسؤوا وجوهكم } ، يجعلوها تظهر فيها آثار السوء والشر، كالكآبة والحزن، كقوله: سيئت وجوه الذين كفروا [الملك: 27] { وليدخلوا المسجد } بيت المقدس { كما دخلوه أول مرة وليتبروا } وليهلكوا { ما علوا } عليه { تتبيرا } إهلاكا، أو مدة علوهم. قال البيضاوي: وذلك بأن الله سلط عليهم الفرس مرة أخرى، فغزاهم ملك بابل، اسمه " حردون " ، وقيل: " حردوس " ، قيل: دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم، فوجد دما يغلي، فسأل عنه، فقالوا: دم قربان لم يقبل منا. فقال: ما صدقتموني، فقتل عليه ألوفا منهم، فلم يهدأ الدم. ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا، فقالوا: دم يحيى، فقال: لمثل هذا ينتقم منكم ربكم، ثم قال: يا يحيى، قد علم ربي وربك ما أصاب قومك، فاهدأ بإذن الله، قبل ألا أبقي منهم أحدا، فهدأ. ه. وقال السهيلي في كتاب " التعريف والإعلام ": المبعوث في المرة الأولى هم أهل بابل، وكان إذ ذاك عليهم " بختنصر " ، حين كذبوا أرمياء وجرحوه وحبسوه. وأما في المرة الأخيرة: فقد اختلف فيمن كان المبعوث عليهم، وأن ذلك كان بسبب قتل يحيى بن زكريا. فقيل: بختنصر، وهذا لا يصح لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بزمان طويل. ه. وقول الجلال السيوطي: وقد أفسدوا في الأولى بقتل زكريا، فبعث عليهم جالوت وجنوده، ولا يصح لأنه يقتضي أن داود تأخر عن زكريا، وهو باطل. ثم قال تعالى لبني إسرائيل: { عسى ربكم أن يرحمكم } بعد المرة الأخرى ويجبر كسركم، { وإن عدتم عدنا } إلى عقوبتكم، وقد عادوا بتكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقصد قتله، فعاد إليهم بتسليطه عليهم، فقتل من بني قريظة سبعمائة في يوم واحد، وسبى ذراريهم، وباعهم في الأسواق، وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين. هذا في الدنيا، { وجعلنا جهنم للكافرين } منهم ومن غيرهم { حصيرا } محبسا، لا يقدرون على الخروج منها، أبد الآباد. وقيل: بساطا كبسط الحصير، كقوله: لهم من جهنم مهاد [الأعراف: 41]. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد قضى الحق جل جلاله ما كان وما يكون في سابق علمه، فما من نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه. فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته، إذا أصبح نظر ما يفعل الله به. فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها، وأبهم على عباده أمرها، فلو ظهرت لبطل سر التكليف. ولذلك لما سئل عنه سيدنا علي - كرم الله وجهه - قال للسائل: بحر عميق لا تطيقه، فأعاد عليه السؤال، فقال: طريق مظلم لا تسلكه لأنه لا يفهم سر القضاء والقدر، إلا من دخل مقام الفناء والبقاء، وفرق بين القدرة والحكمة، وبين العبودية والربوبية، فإذا تحقق العارف بالوحدة، علم أن الحق تعالى أظهر من خلقه مظاهر أعدهم للإكرام، وأظهر خلقا أعدهم للانتقام، وأبهم الأمر عليهم، ثم خلق فيهم كسبا واختيارا فيما يظهر لهم، وكلفهم لتقوم الحجة عليهم، وتظهر صورة العدل فيهم. { ولا يظلم ربك أحدا }. فالقدرة تبرز ما سبق في الأزل، والحكمة تستر أسرار القدر. لكن جعل للسعادة علامات كالتوفيق والهداية للإيمان، وللشقاوة علامات كالخذلان والكفران. نعوذ بالله من سوء القضاء وحرمان الرضا. آمين. ومن علامة السعادة التمسك بما جاء به القرآن العظيم

الإسراء 17:9

قلت: " وأن الذين ": إما عطف على " أن " الأولى، أو على " ويبشر " بإضمار يخبر. يقول الحق جل جلاله: { إن هذا القرآن يهدي للتي } للطريق التي { هي أقوم } الطرق وأعدلها، { ويبشر المؤمنين الذين يعملون } الأعمال { الصالحات أن لهم أجرا كبيرا } وهو: الخلود في النعيم المقيم، وزيادة النظر إلى وجهه الكريم. { و } يخبر { أن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا } أي: أعددنا { لهم عذابا أليما } ، أو: ويبشر المؤمنين ببشارتين: ثوابهم، وعقاب أعدائهم. الإشارة: لا شك أن القرآن يهدي إلى طريق الحق إما إلى طريق توصل إلى نعم جنانه، أو إلى طريق توصل إلى شهوده ودوام رضوانه، فالأولى طريق الشرائع والأحكام، والثانية طريق الحقائق والإلهام، لكن لا يدرك هذا من القرآن إلا من صفت مرآة قلبه بالمجاهدة والذكر الدائم، ولذلك أمر شيوخ التربية المريد بالاشتغال بالذكر المجرد، حتى يشرق قلبه بأنوار المعارف، ويرجع من الفناء إلى البقاء، ثم بعد ذلك يمر بالتلاوة، ليذوق حلاوة القرآن، ويتمتع بأنواره وأسراره، وقد أنكر بعض من لا معرفة له بطريق التربية على الفقراء هذا الأمر - أعني: ترك التلاوة في بدايتهم - محتجا بهذه الآية، ولا دليل فيها عليهم، لأن كون القرآن يهدي للتي هي أقوم يعني: التمسك والتدبر في معانيه، دليل فيها عليهم لأن كون القرآن يهدي للتي هي أقوم يعني: التمسك والتدبر في معانيه، ولا يصح ذلك على الكمال إلا بعد تصفية القلوب، كما هو مجرب، ولا ينكر هذا إلا من لا ذوق له في علوم القوم، وربما يذكر وجود التربية من أصلها، ويسد الباب في وجوه الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا اتصل العبد بأهل هذا الطريق ثم تأخر الفتح عنه فلا يقنط

الإسراء 17:10

قلت: " وأن الذين ": إما عطف على " أن " الأولى، أو على " ويبشر " بإضمار يخبر. يقول الحق جل جلاله: { إن هذا القرآن يهدي للتي } للطريق التي { هي أقوم } الطرق وأعدلها، { ويبشر المؤمنين الذين يعملون } الأعمال { الصالحات أن لهم أجرا كبيرا } وهو: الخلود في النعيم المقيم، وزيادة النظر إلى وجهه الكريم. { و } يخبر { أن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا } أي: أعددنا { لهم عذابا أليما } ، أو: ويبشر المؤمنين ببشارتين: ثوابهم، وعقاب أعدائهم. الإشارة: لا شك أن القرآن يهدي إلى طريق الحق إما إلى طريق توصل إلى نعم جنانه، أو إلى طريق توصل إلى شهوده ودوام رضوانه، فالأولى طريق الشرائع والأحكام، والثانية طريق الحقائق والإلهام، لكن لا يدرك هذا من القرآن إلا من صفت مرآة قلبه بالمجاهدة والذكر الدائم، ولذلك أمر شيوخ التربية المريد بالاشتغال بالذكر المجرد، حتى يشرق قلبه بأنوار المعارف، ويرجع من الفناء إلى البقاء، ثم بعد ذلك يمر بالتلاوة، ليذوق حلاوة القرآن، ويتمتع بأنواره وأسراره، وقد أنكر بعض من لا معرفة له بطريق التربية على الفقراء هذا الأمر - أعني: ترك التلاوة في بدايتهم - محتجا بهذه الآية، ولا دليل فيها عليهم، لأن كون القرآن يهدي للتي هي أقوم يعني: التمسك والتدبر في معانيه، دليل فيها عليهم لأن كون القرآن يهدي للتي هي أقوم يعني: التمسك والتدبر في معانيه، ولا يصح ذلك على الكمال إلا بعد تصفية القلوب، كما هو مجرب، ولا ينكر هذا إلا من لا ذوق له في علوم القوم، وربما يذكر وجود التربية من أصلها، ويسد الباب في وجوه الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا اتصل العبد بأهل هذا الطريق ثم تأخر الفتح عنه فلا يقنط

الإسراء 17:11

قلت: { دعاءه }: مفعول مطلق. والإضافة في قوله: { آية الليل } و { آية النهار }: بيانية، أي: فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. وإذا أريد بالآيتين الشمس والقمر تكون للتخصيص، أي: وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين، أو: وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين... الخ، و { كل شيء }: منصوب بفعل مضمر، يفسره ما بعده، وكذا: { وكل إنسان } و { يلقاه منشورا }: صفتان لكتاب. يقول الحق جل جلاله: { ويدع الإنسان } على نفسه وولده وماله { بالشر } عند الغضب والقنط. { دعاءه بالخير } مثل دعائه بالخير. وهو ذم له يدل على عدم صبره، وربما وافق وقت الإجابة فيهلك، { وكان الإنسان عجولا } يسارع إلى كل ما يخطر بباله، لا ينظر عاقبته. ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر، وبالدعاء استعجاله بالعذاب استهزاء، كقول النضر بن الحارث: اللهم انصر خير الحزبين اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء [الأنفال: 32] الآية. وقيل: المراد بالإنسان: آدم عليه السلام، فإنه لما انتهى الروح إلى سرته ذهب ليقوم، فسقط، وهو بعيد. فإذا نزلت بالإنسان قهرية فلا يقنط ولا يستعجل، فإن وقت الفرج محدود، فالليل والنهار مطيتان، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود. ولذا قال تعالى إثره: { وجعلنا الليل والنهار آيتين } دالتين على كمال قدرتنا، وباهر حكمتنا، يتعاقبان على الإنسان، يقربان له كل بعيد، ويأتيان له بكل موعود. { فمحونا آية الليل } أي: فمحونا الآية التي هي الليل بأن جعلناها مظلمة، لتسكنوا فيه، { وجعلنا آية النهار مبصرة } أي: مضيئة مشرقة لتبتغوا من فضله، أو: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، وهما: الشمس والقمر، { فمحونا آية الليل } ، وهو القمر بأن جعلناه أطلس، لا نور فيه من ذاته، بل نوره مستمد من نور الشمس، { وجعلنا آية النهار } ، وهي الشمس { مبصرة } للناس، أو مبصرا فيها بالضوء الذاتي، { لتبتغوا فضلا من ربكم } لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم، { ولتعلموا } باختلافهما وبحركتهما، { عدد السنين والحساب } وحساب الأوقات من الأشهر والأيام، في معاملتكم وتصرفاتكم، { وكل شيء } تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا { فصلناه تفصيلا } بيناه تبيينا لا لبس فيه، أو: وكل شيء يظهر في الوجود، فصلناه وقدرناه في اللوح المحفوظ تفصيلا، فلا يظهر في عالم الشهادة إلا ما فصل في عالم الغيب. { وكل إنسان ألزمناه طائره } أي: حظه وما قدر له من خير وشر، فهو لازم { في عنقه } لا ينفك عنه. ويقال لكل ما لزم الإنسان: قد لزم عنقه. وإنما قيل للحظ المقدر في الأزل من الخير والشر: طائر لقول العرب: جرى لفلان الطائر بكذا من الخير والشر، على طريق الفأل والطيرة، فخاطبهم الله بما يستعملون، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو ملزم لأعناقهم، لا محيد لهم عنه، كالسلسلة اللازمة للعنق، يجر بها إلى ما يراد منه. ومثله: ألآ إنما طائرهم عند الله [الأعراف: 131]، وقال مجاهد: " ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة، مكتوب فيها شقي أو سعيد ". أو: وكل إنسان ألزمناه عمله يحمله في عنقه، { ونخرج له يوم القيامة كتابا } مكتوب فيه عمله، وهو صحيفته. { يلقاه منشورا } ، ويقال له: { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } محاسبا، لا تحاسبك إلا نفسك، أو: رقيبا وشهيدا علىعملك، أو: لا يعد عليك أعمالك إلا نفسك. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للإنسان أن يكون داعيا بلسانه، مفوضا لله في قلبه، لا يعقد على شيء من الحظوظ والمآرب، فقد يدعو بالخير في زعمه، وهو شر في نفس الأمر في حقه، وقد يدعو بالشر وهو خير. وقد تأتيه المضار من حيث يرتقب المسار، وقد تأتيه المسار من حيث يخاف الضرر { والله يعلم وأنتم لا تعلمون }. فالتأني والسكون من علامة العقل، والشرة والعجلة من علامة الحمق. فما كان من قسمتك لا بد يأتيك في وقته المقدر له، وما ليس من قسمتك لا يأتيك، ولو حرصت كل الحرص. فكل شيء سبق تفصيله وتقديره، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه.

الإسراء 17:12

قلت: { دعاءه }: مفعول مطلق. والإضافة في قوله: { آية الليل } و { آية النهار }: بيانية، أي: فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. وإذا أريد بالآيتين الشمس والقمر تكون للتخصيص، أي: وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين، أو: وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين... الخ، و { كل شيء }: منصوب بفعل مضمر، يفسره ما بعده، وكذا: { وكل إنسان } و { يلقاه منشورا }: صفتان لكتاب. يقول الحق جل جلاله: { ويدع الإنسان } على نفسه وولده وماله { بالشر } عند الغضب والقنط. { دعاءه بالخير } مثل دعائه بالخير. وهو ذم له يدل على عدم صبره، وربما وافق وقت الإجابة فيهلك، { وكان الإنسان عجولا } يسارع إلى كل ما يخطر بباله، لا ينظر عاقبته. ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر، وبالدعاء استعجاله بالعذاب استهزاء، كقول النضر بن الحارث: اللهم انصر خير الحزبين اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء [الأنفال: 32] الآية. وقيل: المراد بالإنسان: آدم عليه السلام، فإنه لما انتهى الروح إلى سرته ذهب ليقوم، فسقط، وهو بعيد. فإذا نزلت بالإنسان قهرية فلا يقنط ولا يستعجل، فإن وقت الفرج محدود، فالليل والنهار مطيتان، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود. ولذا قال تعالى إثره: { وجعلنا الليل والنهار آيتين } دالتين على كمال قدرتنا، وباهر حكمتنا، يتعاقبان على الإنسان، يقربان له كل بعيد، ويأتيان له بكل موعود. { فمحونا آية الليل } أي: فمحونا الآية التي هي الليل بأن جعلناها مظلمة، لتسكنوا فيه، { وجعلنا آية النهار مبصرة } أي: مضيئة مشرقة لتبتغوا من فضله، أو: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، وهما: الشمس والقمر، { فمحونا آية الليل } ، وهو القمر بأن جعلناه أطلس، لا نور فيه من ذاته، بل نوره مستمد من نور الشمس، { وجعلنا آية النهار } ، وهي الشمس { مبصرة } للناس، أو مبصرا فيها بالضوء الذاتي، { لتبتغوا فضلا من ربكم } لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم، { ولتعلموا } باختلافهما وبحركتهما، { عدد السنين والحساب } وحساب الأوقات من الأشهر والأيام، في معاملتكم وتصرفاتكم، { وكل شيء } تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا { فصلناه تفصيلا } بيناه تبيينا لا لبس فيه، أو: وكل شيء يظهر في الوجود، فصلناه وقدرناه في اللوح المحفوظ تفصيلا، فلا يظهر في عالم الشهادة إلا ما فصل في عالم الغيب. { وكل إنسان ألزمناه طائره } أي: حظه وما قدر له من خير وشر، فهو لازم { في عنقه } لا ينفك عنه. ويقال لكل ما لزم الإنسان: قد لزم عنقه. وإنما قيل للحظ المقدر في الأزل من الخير والشر: طائر لقول العرب: جرى لفلان الطائر بكذا من الخير والشر، على طريق الفأل والطيرة، فخاطبهم الله بما يستعملون، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو ملزم لأعناقهم، لا محيد لهم عنه، كالسلسلة اللازمة للعنق، يجر بها إلى ما يراد منه. ومثله: ألآ إنما طائرهم عند الله [الأعراف: 131]، وقال مجاهد: " ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة، مكتوب فيها شقي أو سعيد ". أو: وكل إنسان ألزمناه عمله يحمله في عنقه، { ونخرج له يوم القيامة كتابا } مكتوب فيه عمله، وهو صحيفته. { يلقاه منشورا } ، ويقال له: { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } محاسبا، لا تحاسبك إلا نفسك، أو: رقيبا وشهيدا علىعملك، أو: لا يعد عليك أعمالك إلا نفسك. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للإنسان أن يكون داعيا بلسانه، مفوضا لله في قلبه، لا يعقد على شيء من الحظوظ والمآرب، فقد يدعو بالخير في زعمه، وهو شر في نفس الأمر في حقه، وقد يدعو بالشر وهو خير. وقد تأتيه المضار من حيث يرتقب المسار، وقد تأتيه المسار من حيث يخاف الضرر { والله يعلم وأنتم لا تعلمون }. فالتأني والسكون من علامة العقل، والشرة والعجلة من علامة الحمق. فما كان من قسمتك لا بد يأتيك في وقته المقدر له، وما ليس من قسمتك لا يأتيك، ولو حرصت كل الحرص. فكل شيء سبق تفصيله وتقديره، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه.

الإسراء 17:13

قلت: { دعاءه }: مفعول مطلق. والإضافة في قوله: { آية الليل } و { آية النهار }: بيانية، أي: فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. وإذا أريد بالآيتين الشمس والقمر تكون للتخصيص، أي: وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين، أو: وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين... الخ، و { كل شيء }: منصوب بفعل مضمر، يفسره ما بعده، وكذا: { وكل إنسان } و { يلقاه منشورا }: صفتان لكتاب. يقول الحق جل جلاله: { ويدع الإنسان } على نفسه وولده وماله { بالشر } عند الغضب والقنط. { دعاءه بالخير } مثل دعائه بالخير. وهو ذم له يدل على عدم صبره، وربما وافق وقت الإجابة فيهلك، { وكان الإنسان عجولا } يسارع إلى كل ما يخطر بباله، لا ينظر عاقبته. ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر، وبالدعاء استعجاله بالعذاب استهزاء، كقول النضر بن الحارث: اللهم انصر خير الحزبين اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء [الأنفال: 32] الآية. وقيل: المراد بالإنسان: آدم عليه السلام، فإنه لما انتهى الروح إلى سرته ذهب ليقوم، فسقط، وهو بعيد. فإذا نزلت بالإنسان قهرية فلا يقنط ولا يستعجل، فإن وقت الفرج محدود، فالليل والنهار مطيتان، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود. ولذا قال تعالى إثره: { وجعلنا الليل والنهار آيتين } دالتين على كمال قدرتنا، وباهر حكمتنا، يتعاقبان على الإنسان، يقربان له كل بعيد، ويأتيان له بكل موعود. { فمحونا آية الليل } أي: فمحونا الآية التي هي الليل بأن جعلناها مظلمة، لتسكنوا فيه، { وجعلنا آية النهار مبصرة } أي: مضيئة مشرقة لتبتغوا من فضله، أو: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، وهما: الشمس والقمر، { فمحونا آية الليل } ، وهو القمر بأن جعلناه أطلس، لا نور فيه من ذاته، بل نوره مستمد من نور الشمس، { وجعلنا آية النهار } ، وهي الشمس { مبصرة } للناس، أو مبصرا فيها بالضوء الذاتي، { لتبتغوا فضلا من ربكم } لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم، { ولتعلموا } باختلافهما وبحركتهما، { عدد السنين والحساب } وحساب الأوقات من الأشهر والأيام، في معاملتكم وتصرفاتكم، { وكل شيء } تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا { فصلناه تفصيلا } بيناه تبيينا لا لبس فيه، أو: وكل شيء يظهر في الوجود، فصلناه وقدرناه في اللوح المحفوظ تفصيلا، فلا يظهر في عالم الشهادة إلا ما فصل في عالم الغيب. { وكل إنسان ألزمناه طائره } أي: حظه وما قدر له من خير وشر، فهو لازم { في عنقه } لا ينفك عنه. ويقال لكل ما لزم الإنسان: قد لزم عنقه. وإنما قيل للحظ المقدر في الأزل من الخير والشر: طائر لقول العرب: جرى لفلان الطائر بكذا من الخير والشر، على طريق الفأل والطيرة، فخاطبهم الله بما يستعملون، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو ملزم لأعناقهم، لا محيد لهم عنه، كالسلسلة اللازمة للعنق، يجر بها إلى ما يراد منه. ومثله: ألآ إنما طائرهم عند الله [الأعراف: 131]، وقال مجاهد: " ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة، مكتوب فيها شقي أو سعيد ". أو: وكل إنسان ألزمناه عمله يحمله في عنقه، { ونخرج له يوم القيامة كتابا } مكتوب فيه عمله، وهو صحيفته. { يلقاه منشورا } ، ويقال له: { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } محاسبا، لا تحاسبك إلا نفسك، أو: رقيبا وشهيدا علىعملك، أو: لا يعد عليك أعمالك إلا نفسك. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للإنسان أن يكون داعيا بلسانه، مفوضا لله في قلبه، لا يعقد على شيء من الحظوظ والمآرب، فقد يدعو بالخير في زعمه، وهو شر في نفس الأمر في حقه، وقد يدعو بالشر وهو خير. وقد تأتيه المضار من حيث يرتقب المسار، وقد تأتيه المسار من حيث يخاف الضرر { والله يعلم وأنتم لا تعلمون }. فالتأني والسكون من علامة العقل، والشرة والعجلة من علامة الحمق. فما كان من قسمتك لا بد يأتيك في وقته المقدر له، وما ليس من قسمتك لا يأتيك، ولو حرصت كل الحرص. فكل شيء سبق تفصيله وتقديره، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه.

الإسراء 17:14

قلت: { دعاءه }: مفعول مطلق. والإضافة في قوله: { آية الليل } و { آية النهار }: بيانية، أي: فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. وإذا أريد بالآيتين الشمس والقمر تكون للتخصيص، أي: وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين، أو: وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين... الخ، و { كل شيء }: منصوب بفعل مضمر، يفسره ما بعده، وكذا: { وكل إنسان } و { يلقاه منشورا }: صفتان لكتاب. يقول الحق جل جلاله: { ويدع الإنسان } على نفسه وولده وماله { بالشر } عند الغضب والقنط. { دعاءه بالخير } مثل دعائه بالخير. وهو ذم له يدل على عدم صبره، وربما وافق وقت الإجابة فيهلك، { وكان الإنسان عجولا } يسارع إلى كل ما يخطر بباله، لا ينظر عاقبته. ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر، وبالدعاء استعجاله بالعذاب استهزاء، كقول النضر بن الحارث: اللهم انصر خير الحزبين اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء [الأنفال: 32] الآية. وقيل: المراد بالإنسان: آدم عليه السلام، فإنه لما انتهى الروح إلى سرته ذهب ليقوم، فسقط، وهو بعيد. فإذا نزلت بالإنسان قهرية فلا يقنط ولا يستعجل، فإن وقت الفرج محدود، فالليل والنهار مطيتان، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود. ولذا قال تعالى إثره: { وجعلنا الليل والنهار آيتين } دالتين على كمال قدرتنا، وباهر حكمتنا، يتعاقبان على الإنسان، يقربان له كل بعيد، ويأتيان له بكل موعود. { فمحونا آية الليل } أي: فمحونا الآية التي هي الليل بأن جعلناها مظلمة، لتسكنوا فيه، { وجعلنا آية النهار مبصرة } أي: مضيئة مشرقة لتبتغوا من فضله، أو: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، وهما: الشمس والقمر، { فمحونا آية الليل } ، وهو القمر بأن جعلناه أطلس، لا نور فيه من ذاته، بل نوره مستمد من نور الشمس، { وجعلنا آية النهار } ، وهي الشمس { مبصرة } للناس، أو مبصرا فيها بالضوء الذاتي، { لتبتغوا فضلا من ربكم } لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم، { ولتعلموا } باختلافهما وبحركتهما، { عدد السنين والحساب } وحساب الأوقات من الأشهر والأيام، في معاملتكم وتصرفاتكم، { وكل شيء } تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا { فصلناه تفصيلا } بيناه تبيينا لا لبس فيه، أو: وكل شيء يظهر في الوجود، فصلناه وقدرناه في اللوح المحفوظ تفصيلا، فلا يظهر في عالم الشهادة إلا ما فصل في عالم الغيب. { وكل إنسان ألزمناه طائره } أي: حظه وما قدر له من خير وشر، فهو لازم { في عنقه } لا ينفك عنه. ويقال لكل ما لزم الإنسان: قد لزم عنقه. وإنما قيل للحظ المقدر في الأزل من الخير والشر: طائر لقول العرب: جرى لفلان الطائر بكذا من الخير والشر، على طريق الفأل والطيرة، فخاطبهم الله بما يستعملون، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو ملزم لأعناقهم، لا محيد لهم عنه، كالسلسلة اللازمة للعنق، يجر بها إلى ما يراد منه. ومثله: ألآ إنما طائرهم عند الله [الأعراف: 131]، وقال مجاهد: " ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة، مكتوب فيها شقي أو سعيد ". أو: وكل إنسان ألزمناه عمله يحمله في عنقه، { ونخرج له يوم القيامة كتابا } مكتوب فيه عمله، وهو صحيفته. { يلقاه منشورا } ، ويقال له: { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } محاسبا، لا تحاسبك إلا نفسك، أو: رقيبا وشهيدا علىعملك، أو: لا يعد عليك أعمالك إلا نفسك. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للإنسان أن يكون داعيا بلسانه، مفوضا لله في قلبه، لا يعقد على شيء من الحظوظ والمآرب، فقد يدعو بالخير في زعمه، وهو شر في نفس الأمر في حقه، وقد يدعو بالشر وهو خير. وقد تأتيه المضار من حيث يرتقب المسار، وقد تأتيه المسار من حيث يخاف الضرر { والله يعلم وأنتم لا تعلمون }. فالتأني والسكون من علامة العقل، والشرة والعجلة من علامة الحمق. فما كان من قسمتك لا بد يأتيك في وقته المقدر له، وما ليس من قسمتك لا يأتيك، ولو حرصت كل الحرص. فكل شيء سبق تفصيله وتقديره، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه.

الإسراء 17:15

يقول الحق جل جلاله: { من اهتدى } وآمن بالله وبما جاءت به الرسل { فإنما يهتدي لنفسه } لأن ثواب اهتدائه له، لا ينجي اهتداؤه غيره، { ومن ضل } عن طريق الله { فإنما يضل عليها } لأن إثم إضلاله على نفسه، لا يضر به غيره في الآخرة { ولا تزر } أي: لا تحمل نفس { وازرة } آثمة { وزر } نفس { أخرى } أي: ذنوب نفس أخرى، بل إنما تحمل وزرها، إلا من كان إماما في الضلالة، فيحمل وزره ووزر من تبعه، على ما يأتي في آية أخرى: وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [العنكبوت: 13]. ومن كمال عدله تعالى: أنه لا يعذب حتى ينذر ويعذر على ألسنة الرسل، كما قال تعالى: { وما كنا معذبين } أحدا في الدنيا ولا في الآخرة { حتى نبعث رسولا } يبين الحجج ويمهد الشرائع، ويلزمهم الحجة. وفيه دليل على أن لا حكم قبل الشرع، بل الأمر موقوف إلى وروده، فمن بلغته دعوته، وخالف أمره، واستكبر عن أتباعه، عذبناه بما يستحقه. وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام - عليهم السلام - في جميع الأمم، قال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا [النحل: 36]، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [فاطر: 24]، فإن دعوتهم إلى الله قد انتشرت، وعمت الأقطار، واشتهرت، انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام: ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة [ص: 7] فإنه يفهم منه أنهم سمعوه في الملة الأولى، فمن بلغته دعوة أحد منهم، بوجه من الوجوه فقصر، فهو كافر مستحق للعذاب. فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل الفترة، مع إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن آباءهم، الذين مضوا في الجاهلية، في النار، وأن ما يدحرج من الجعل، خير منهم، إلى غير ذلك من الأخبار. قاله البقاعي. وقال الإمام أبو عبد الله الحليمي - أحد أجلاء الشافعية، وعظماء أئمة الإسلام - في أول منهاجه، في باب: " من لم تبلغه الدعوة ": وإنما قلنا: إن من كان منهم عاقلا مميزا إذا رأى ونظر، إلا أنه لا يعتقد دينا فهو كافر لأنه، وإن لم يكن سمع دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا شك أنه سمع دعوة أحد من الأنبياء قبله، على كثرتهم وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور مدد الذين آمنوا واتبعوهم، والذين كفروا بهم وخالفوهم، فإن الخبر قد يبلغ على لسان المخالف، كما يبلغ على لسان الموافق، وإذا سمع آية دعوة كانت إلى الله تعالى، فترك أن يستدل بعقله، كان معرضا عن الدعوة فكفر، والله أعلم. وإن أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين، ولا بدعوة نبي، ولا عرف أن في العالم من يثبت إلها، وما نرى أن ذلك يكون، فأمره على الاختلاف، يعني: عند من يوجب الإيمان بمجرد العقل، ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل. ه. وقال الزركشي، في آخر باب النيات، من شرحه على المنهاج: وقد أشار الشافعي إلى عسر تصور عدم بلوغ الدعوة، حيث قال: وما أظن أحدا إلا بلغته الدعوة، إلا أن يكون قوم من وراء النهر. وقال الدميري: وقال الشافعي: ولم يبق أحد لم تبلغه الدعوة. انتهى على نقل شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه. ثم قال تعالى: { وإذا أردنا أن نهلك قرية } أي: تعلقت إرادتنا بإهلاكها لإنفاذ قضائنا السابق، ودنا وقت إهلاكها، { أمرنا مترفيها } منعميها، بمعنى رؤسائها بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده، فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة، لقوله: { ففسقوا فيها } خرجوا عن أمرنا. وقيل: أمرناهم: ألهمناهم الفسق وحملناهم عليه، أو: جعلنا لهم أسباب حملهم على الفسق بأن صببنا عليهم من النعم ما أبطرهم، وأفضى بهم إلى الفسوق، { فحق عليها القول } وجب عليها كلمة العذاب السابق بحلوله، أو بظهور معاصيهم. { فدمرناها تدميرا } أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريبها. { وكم أهلكنا } أي: كثيرا أهلكنا { من القرون } أي: الأمم { من بعد نوح } كعاد وثمود وأصحاب الأيكة، { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا } عالما ببواطنها وظواهرها، فيعاقب عليها أو يعفو. وبالله التوفيق. الإشارة: من اهتدى إلى حضرة قدسنا فإنما يهتدي لينعم نفسه بأسرار قدسنا، ومن ضل عنها فإنما يضل عليها حيث حرمها لذيذ المعرفة. فإن كان في رفقة السائرين، ثم غلبه القضاء، فلا يتعدى وبال رجوعه إلى غيره، بل ما كان يصل إليه من المدد يرجع إلى أصحابه، وما كنا معذبين أحدا بإسدال الحجاب بيننا وبينه، حتى نبعث من يعرف بنا، ويكشف الحجاب بيننا وبين من يريد حضرتنا. والمراد بالحجاب: حجاب الوهم بإثبات حس الكائنات، فلو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان، ولو أشرق نور الإيقان لغطى وجود الأكوان. وإذا أردنا أن نتلف قلوبا أمرنا أربابها بالتنعم بالحظوظ والشهوات، فخرجوا عن طريق المجاهدة والرياضة، فحق عليها القول بغم الحجاب، فدمرناها تدميرا، أي: تركناها تجول في أودية الخواطر والشكوك، فتلفت وهلكت، نعوذ بالله من شر الفتن ودرك المحن. وسبب الهلاك هو حب الدنيا

الإسراء 17:16

يقول الحق جل جلاله: { من اهتدى } وآمن بالله وبما جاءت به الرسل { فإنما يهتدي لنفسه } لأن ثواب اهتدائه له، لا ينجي اهتداؤه غيره، { ومن ضل } عن طريق الله { فإنما يضل عليها } لأن إثم إضلاله على نفسه، لا يضر به غيره في الآخرة { ولا تزر } أي: لا تحمل نفس { وازرة } آثمة { وزر } نفس { أخرى } أي: ذنوب نفس أخرى، بل إنما تحمل وزرها، إلا من كان إماما في الضلالة، فيحمل وزره ووزر من تبعه، على ما يأتي في آية أخرى: وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [العنكبوت: 13]. ومن كمال عدله تعالى: أنه لا يعذب حتى ينذر ويعذر على ألسنة الرسل، كما قال تعالى: { وما كنا معذبين } أحدا في الدنيا ولا في الآخرة { حتى نبعث رسولا } يبين الحجج ويمهد الشرائع، ويلزمهم الحجة. وفيه دليل على أن لا حكم قبل الشرع، بل الأمر موقوف إلى وروده، فمن بلغته دعوته، وخالف أمره، واستكبر عن أتباعه، عذبناه بما يستحقه. وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام - عليهم السلام - في جميع الأمم، قال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا [النحل: 36]، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [فاطر: 24]، فإن دعوتهم إلى الله قد انتشرت، وعمت الأقطار، واشتهرت، انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام: ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة [ص: 7] فإنه يفهم منه أنهم سمعوه في الملة الأولى، فمن بلغته دعوة أحد منهم، بوجه من الوجوه فقصر، فهو كافر مستحق للعذاب. فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل الفترة، مع إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن آباءهم، الذين مضوا في الجاهلية، في النار، وأن ما يدحرج من الجعل، خير منهم، إلى غير ذلك من الأخبار. قاله البقاعي. وقال الإمام أبو عبد الله الحليمي - أحد أجلاء الشافعية، وعظماء أئمة الإسلام - في أول منهاجه، في باب: " من لم تبلغه الدعوة ": وإنما قلنا: إن من كان منهم عاقلا مميزا إذا رأى ونظر، إلا أنه لا يعتقد دينا فهو كافر لأنه، وإن لم يكن سمع دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا شك أنه سمع دعوة أحد من الأنبياء قبله، على كثرتهم وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور مدد الذين آمنوا واتبعوهم، والذين كفروا بهم وخالفوهم، فإن الخبر قد يبلغ على لسان المخالف، كما يبلغ على لسان الموافق، وإذا سمع آية دعوة كانت إلى الله تعالى، فترك أن يستدل بعقله، كان معرضا عن الدعوة فكفر، والله أعلم. وإن أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين، ولا بدعوة نبي، ولا عرف أن في العالم من يثبت إلها، وما نرى أن ذلك يكون، فأمره على الاختلاف، يعني: عند من يوجب الإيمان بمجرد العقل، ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل. ه. وقال الزركشي، في آخر باب النيات، من شرحه على المنهاج: وقد أشار الشافعي إلى عسر تصور عدم بلوغ الدعوة، حيث قال: وما أظن أحدا إلا بلغته الدعوة، إلا أن يكون قوم من وراء النهر. وقال الدميري: وقال الشافعي: ولم يبق أحد لم تبلغه الدعوة. انتهى على نقل شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه. ثم قال تعالى: { وإذا أردنا أن نهلك قرية } أي: تعلقت إرادتنا بإهلاكها لإنفاذ قضائنا السابق، ودنا وقت إهلاكها، { أمرنا مترفيها } منعميها، بمعنى رؤسائها بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده، فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة، لقوله: { ففسقوا فيها } خرجوا عن أمرنا. وقيل: أمرناهم: ألهمناهم الفسق وحملناهم عليه، أو: جعلنا لهم أسباب حملهم على الفسق بأن صببنا عليهم من النعم ما أبطرهم، وأفضى بهم إلى الفسوق، { فحق عليها القول } وجب عليها كلمة العذاب السابق بحلوله، أو بظهور معاصيهم. { فدمرناها تدميرا } أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريبها. { وكم أهلكنا } أي: كثيرا أهلكنا { من القرون } أي: الأمم { من بعد نوح } كعاد وثمود وأصحاب الأيكة، { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا } عالما ببواطنها وظواهرها، فيعاقب عليها أو يعفو. وبالله التوفيق. الإشارة: من اهتدى إلى حضرة قدسنا فإنما يهتدي لينعم نفسه بأسرار قدسنا، ومن ضل عنها فإنما يضل عليها حيث حرمها لذيذ المعرفة. فإن كان في رفقة السائرين، ثم غلبه القضاء، فلا يتعدى وبال رجوعه إلى غيره، بل ما كان يصل إليه من المدد يرجع إلى أصحابه، وما كنا معذبين أحدا بإسدال الحجاب بيننا وبينه، حتى نبعث من يعرف بنا، ويكشف الحجاب بيننا وبين من يريد حضرتنا. والمراد بالحجاب: حجاب الوهم بإثبات حس الكائنات، فلو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان، ولو أشرق نور الإيقان لغطى وجود الأكوان. وإذا أردنا أن نتلف قلوبا أمرنا أربابها بالتنعم بالحظوظ والشهوات، فخرجوا عن طريق المجاهدة والرياضة، فحق عليها القول بغم الحجاب، فدمرناها تدميرا، أي: تركناها تجول في أودية الخواطر والشكوك، فتلفت وهلكت، نعوذ بالله من شر الفتن ودرك المحن. وسبب الهلاك هو حب الدنيا

الإسراء 17:17

يقول الحق جل جلاله: { من اهتدى } وآمن بالله وبما جاءت به الرسل { فإنما يهتدي لنفسه } لأن ثواب اهتدائه له، لا ينجي اهتداؤه غيره، { ومن ضل } عن طريق الله { فإنما يضل عليها } لأن إثم إضلاله على نفسه، لا يضر به غيره في الآخرة { ولا تزر } أي: لا تحمل نفس { وازرة } آثمة { وزر } نفس { أخرى } أي: ذنوب نفس أخرى، بل إنما تحمل وزرها، إلا من كان إماما في الضلالة، فيحمل وزره ووزر من تبعه، على ما يأتي في آية أخرى: وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [العنكبوت: 13]. ومن كمال عدله تعالى: أنه لا يعذب حتى ينذر ويعذر على ألسنة الرسل، كما قال تعالى: { وما كنا معذبين } أحدا في الدنيا ولا في الآخرة { حتى نبعث رسولا } يبين الحجج ويمهد الشرائع، ويلزمهم الحجة. وفيه دليل على أن لا حكم قبل الشرع، بل الأمر موقوف إلى وروده، فمن بلغته دعوته، وخالف أمره، واستكبر عن أتباعه، عذبناه بما يستحقه. وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام - عليهم السلام - في جميع الأمم، قال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا [النحل: 36]، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [فاطر: 24]، فإن دعوتهم إلى الله قد انتشرت، وعمت الأقطار، واشتهرت، انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام: ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة [ص: 7] فإنه يفهم منه أنهم سمعوه في الملة الأولى، فمن بلغته دعوة أحد منهم، بوجه من الوجوه فقصر، فهو كافر مستحق للعذاب. فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل الفترة، مع إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن آباءهم، الذين مضوا في الجاهلية، في النار، وأن ما يدحرج من الجعل، خير منهم، إلى غير ذلك من الأخبار. قاله البقاعي. وقال الإمام أبو عبد الله الحليمي - أحد أجلاء الشافعية، وعظماء أئمة الإسلام - في أول منهاجه، في باب: " من لم تبلغه الدعوة ": وإنما قلنا: إن من كان منهم عاقلا مميزا إذا رأى ونظر، إلا أنه لا يعتقد دينا فهو كافر لأنه، وإن لم يكن سمع دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا شك أنه سمع دعوة أحد من الأنبياء قبله، على كثرتهم وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور مدد الذين آمنوا واتبعوهم، والذين كفروا بهم وخالفوهم، فإن الخبر قد يبلغ على لسان المخالف، كما يبلغ على لسان الموافق، وإذا سمع آية دعوة كانت إلى الله تعالى، فترك أن يستدل بعقله، كان معرضا عن الدعوة فكفر، والله أعلم. وإن أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين، ولا بدعوة نبي، ولا عرف أن في العالم من يثبت إلها، وما نرى أن ذلك يكون، فأمره على الاختلاف، يعني: عند من يوجب الإيمان بمجرد العقل، ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل. ه. وقال الزركشي، في آخر باب النيات، من شرحه على المنهاج: وقد أشار الشافعي إلى عسر تصور عدم بلوغ الدعوة، حيث قال: وما أظن أحدا إلا بلغته الدعوة، إلا أن يكون قوم من وراء النهر. وقال الدميري: وقال الشافعي: ولم يبق أحد لم تبلغه الدعوة. انتهى على نقل شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه. ثم قال تعالى: { وإذا أردنا أن نهلك قرية } أي: تعلقت إرادتنا بإهلاكها لإنفاذ قضائنا السابق، ودنا وقت إهلاكها، { أمرنا مترفيها } منعميها، بمعنى رؤسائها بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده، فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة، لقوله: { ففسقوا فيها } خرجوا عن أمرنا. وقيل: أمرناهم: ألهمناهم الفسق وحملناهم عليه، أو: جعلنا لهم أسباب حملهم على الفسق بأن صببنا عليهم من النعم ما أبطرهم، وأفضى بهم إلى الفسوق، { فحق عليها القول } وجب عليها كلمة العذاب السابق بحلوله، أو بظهور معاصيهم. { فدمرناها تدميرا } أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريبها. { وكم أهلكنا } أي: كثيرا أهلكنا { من القرون } أي: الأمم { من بعد نوح } كعاد وثمود وأصحاب الأيكة، { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا } عالما ببواطنها وظواهرها، فيعاقب عليها أو يعفو. وبالله التوفيق. الإشارة: من اهتدى إلى حضرة قدسنا فإنما يهتدي لينعم نفسه بأسرار قدسنا، ومن ضل عنها فإنما يضل عليها حيث حرمها لذيذ المعرفة. فإن كان في رفقة السائرين، ثم غلبه القضاء، فلا يتعدى وبال رجوعه إلى غيره، بل ما كان يصل إليه من المدد يرجع إلى أصحابه، وما كنا معذبين أحدا بإسدال الحجاب بيننا وبينه، حتى نبعث من يعرف بنا، ويكشف الحجاب بيننا وبين من يريد حضرتنا. والمراد بالحجاب: حجاب الوهم بإثبات حس الكائنات، فلو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان، ولو أشرق نور الإيقان لغطى وجود الأكوان. وإذا أردنا أن نتلف قلوبا أمرنا أربابها بالتنعم بالحظوظ والشهوات، فخرجوا عن طريق المجاهدة والرياضة، فحق عليها القول بغم الحجاب، فدمرناها تدميرا، أي: تركناها تجول في أودية الخواطر والشكوك، فتلفت وهلكت، نعوذ بالله من شر الفتن ودرك المحن. وسبب الهلاك هو حب الدنيا

الإسراء 17:18

قلت: { لمن نريد }: بدل من ضمير { له } بدل بعض من كل. و { كلا }: مفعول { نمد } ، و { هؤلاء }: بدل منه. و { كيف }: حال، و { درجات } و { تفضيلا }: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { من كان يريد } بعمله الدنيا { العاجلة } ، مقصورا عليها همه، { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } التعجيل له. قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه. قاله البيضاوي: { ثم جعلنا له } في الآخرة { جهنم يصلاها } يدخلها ويحترق بها، حال كونه { مذموما مدحورا } مطرودا من رحمة الله. والآية في الكفار، وقيل: في المنافقين، الذين يغزون مع المسلمين لقصد الغنائم. والأصح: أنها تعم كل من اتصف بهذا الوصف. { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } عمل لها عملها اللائق بها، وهو: الإتيان بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، لا التقرب بما يخترعون بآرائهم. وفائدة اللام في قوله: " لها ": اعتبار النية والإخلاص. والحال أن العامل { مؤمن } إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب، فإنه العمدة، { فأولئك } الجامعون للشروط الثلاثة { كان سعيهم مشكورا } عند الله، مقبولا مثابا عليه فإن شكر الله هو الثواب على الطاعة. { كلا نمد } أي: كل واحد من الفريقين نمد بالعطاء مرة بعد أخرى، { هؤلاء } المريدين للدنيا، { وهؤلاء } المريدين للآخرة، نمد كلا { من عطاء ربك } في الدنيا، { وما كان عطاء ربك } فيها { محظورا } ممنوعا من أحد، لا يمنعه في الدنيا مؤمن ولا كافر، تفضلا منه تعالى. { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الرزق والجاه، { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } من الدنيا، فينبغي الاعتناء بها دونها، والتفاوت في الآخرة حاصل للفريقين، فكما تفاوتت الدرجات في الجنة تفاوتت الدركات في النار. وسبب التفاوت: زيادة اليقين، والترقي في أسرار التوحيد لأهل الإيمان، أو الانهماك في الكفر والشرك لأهل الكفران. ولذلك قال تعالى: { لا تجعل مع الله إلها آخر } تعبده. والخطاب لكل سامع، أو للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، { فتقعد } فتصير حينئذ { مذموما مخذولا } جامعا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين، والخذلان من الله. ومفهومه: أن الموحد يكون ممدوحا منصورا في الدارين. الإشارة: قال صلى الله عليه وسلم: " من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له. ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة " ، واعلم أن الناس على قسمين قوم أقامهم الحق لخدمته، وهم: العباد والزهاد، وقوم اختصهم بمحبته، وهم: العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، قال تعالى: { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الكرامات والأنوار، وفي المعارف والأسرار. وفضل العارفين على غيرهم كفضل الشمس على سائر الكواكب، هذا في الدنيا، { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } ، يقع ذلك بالترقي في معارج أسرار التوحيد، وبتفاوت اليقين في معرفة رب العالمين. وقال القشيري في تفسير الآية: منهم من لا يغيب عن الحضرة لحظة، ثم يجتمعون في الرؤية، ويتفاوتون في النصيب لكل. وليس كل أحد يراه بالعين الذي يراه به صاحبه. وأنشدوا: لو يسمعون كما سمعت حديثها خروا لعزة ركعا وسجودا وقال الورتجبي: فضل العابدين بعضهم على بعض في الدنيا بالطاعات، وفضل العارفين بعضهم على بعض بالمعارف والمشاهدات، فالعباد في الآخرة في درجات الجنان متفاوتون، والعارفون في درجات وصال الرحمن متفاوتون. وقال القشيري أيضا: من كانت مشاهدته اليوم على الدوام، كانت رؤيته غدا على الدوام، ومن لا فلا. ه. وقد تقدم تفاوت الناس في الرؤية بأبسط من هذا، عند قوله تعالى: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]. والله تعالى أعلم. ثم بين السعي للآخرة

الإسراء 17:19

قلت: { لمن نريد }: بدل من ضمير { له } بدل بعض من كل. و { كلا }: مفعول { نمد } ، و { هؤلاء }: بدل منه. و { كيف }: حال، و { درجات } و { تفضيلا }: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { من كان يريد } بعمله الدنيا { العاجلة } ، مقصورا عليها همه، { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } التعجيل له. قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه. قاله البيضاوي: { ثم جعلنا له } في الآخرة { جهنم يصلاها } يدخلها ويحترق بها، حال كونه { مذموما مدحورا } مطرودا من رحمة الله. والآية في الكفار، وقيل: في المنافقين، الذين يغزون مع المسلمين لقصد الغنائم. والأصح: أنها تعم كل من اتصف بهذا الوصف. { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } عمل لها عملها اللائق بها، وهو: الإتيان بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، لا التقرب بما يخترعون بآرائهم. وفائدة اللام في قوله: " لها ": اعتبار النية والإخلاص. والحال أن العامل { مؤمن } إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب، فإنه العمدة، { فأولئك } الجامعون للشروط الثلاثة { كان سعيهم مشكورا } عند الله، مقبولا مثابا عليه فإن شكر الله هو الثواب على الطاعة. { كلا نمد } أي: كل واحد من الفريقين نمد بالعطاء مرة بعد أخرى، { هؤلاء } المريدين للدنيا، { وهؤلاء } المريدين للآخرة، نمد كلا { من عطاء ربك } في الدنيا، { وما كان عطاء ربك } فيها { محظورا } ممنوعا من أحد، لا يمنعه في الدنيا مؤمن ولا كافر، تفضلا منه تعالى. { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الرزق والجاه، { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } من الدنيا، فينبغي الاعتناء بها دونها، والتفاوت في الآخرة حاصل للفريقين، فكما تفاوتت الدرجات في الجنة تفاوتت الدركات في النار. وسبب التفاوت: زيادة اليقين، والترقي في أسرار التوحيد لأهل الإيمان، أو الانهماك في الكفر والشرك لأهل الكفران. ولذلك قال تعالى: { لا تجعل مع الله إلها آخر } تعبده. والخطاب لكل سامع، أو للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، { فتقعد } فتصير حينئذ { مذموما مخذولا } جامعا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين، والخذلان من الله. ومفهومه: أن الموحد يكون ممدوحا منصورا في الدارين. الإشارة: قال صلى الله عليه وسلم: " من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له. ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة " ، واعلم أن الناس على قسمين قوم أقامهم الحق لخدمته، وهم: العباد والزهاد، وقوم اختصهم بمحبته، وهم: العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، قال تعالى: { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الكرامات والأنوار، وفي المعارف والأسرار. وفضل العارفين على غيرهم كفضل الشمس على سائر الكواكب، هذا في الدنيا، { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } ، يقع ذلك بالترقي في معارج أسرار التوحيد، وبتفاوت اليقين في معرفة رب العالمين. وقال القشيري في تفسير الآية: منهم من لا يغيب عن الحضرة لحظة، ثم يجتمعون في الرؤية، ويتفاوتون في النصيب لكل. وليس كل أحد يراه بالعين الذي يراه به صاحبه. وأنشدوا: لو يسمعون كما سمعت حديثها خروا لعزة ركعا وسجودا وقال الورتجبي: فضل العابدين بعضهم على بعض في الدنيا بالطاعات، وفضل العارفين بعضهم على بعض بالمعارف والمشاهدات، فالعباد في الآخرة في درجات الجنان متفاوتون، والعارفون في درجات وصال الرحمن متفاوتون. وقال القشيري أيضا: من كانت مشاهدته اليوم على الدوام، كانت رؤيته غدا على الدوام، ومن لا فلا. ه. وقد تقدم تفاوت الناس في الرؤية بأبسط من هذا، عند قوله تعالى: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]. والله تعالى أعلم. ثم بين السعي للآخرة

الإسراء 17:20

قلت: { لمن نريد }: بدل من ضمير { له } بدل بعض من كل. و { كلا }: مفعول { نمد } ، و { هؤلاء }: بدل منه. و { كيف }: حال، و { درجات } و { تفضيلا }: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { من كان يريد } بعمله الدنيا { العاجلة } ، مقصورا عليها همه، { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } التعجيل له. قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه. قاله البيضاوي: { ثم جعلنا له } في الآخرة { جهنم يصلاها } يدخلها ويحترق بها، حال كونه { مذموما مدحورا } مطرودا من رحمة الله. والآية في الكفار، وقيل: في المنافقين، الذين يغزون مع المسلمين لقصد الغنائم. والأصح: أنها تعم كل من اتصف بهذا الوصف. { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } عمل لها عملها اللائق بها، وهو: الإتيان بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، لا التقرب بما يخترعون بآرائهم. وفائدة اللام في قوله: " لها ": اعتبار النية والإخلاص. والحال أن العامل { مؤمن } إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب، فإنه العمدة، { فأولئك } الجامعون للشروط الثلاثة { كان سعيهم مشكورا } عند الله، مقبولا مثابا عليه فإن شكر الله هو الثواب على الطاعة. { كلا نمد } أي: كل واحد من الفريقين نمد بالعطاء مرة بعد أخرى، { هؤلاء } المريدين للدنيا، { وهؤلاء } المريدين للآخرة، نمد كلا { من عطاء ربك } في الدنيا، { وما كان عطاء ربك } فيها { محظورا } ممنوعا من أحد، لا يمنعه في الدنيا مؤمن ولا كافر، تفضلا منه تعالى. { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الرزق والجاه، { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } من الدنيا، فينبغي الاعتناء بها دونها، والتفاوت في الآخرة حاصل للفريقين، فكما تفاوتت الدرجات في الجنة تفاوتت الدركات في النار. وسبب التفاوت: زيادة اليقين، والترقي في أسرار التوحيد لأهل الإيمان، أو الانهماك في الكفر والشرك لأهل الكفران. ولذلك قال تعالى: { لا تجعل مع الله إلها آخر } تعبده. والخطاب لكل سامع، أو للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، { فتقعد } فتصير حينئذ { مذموما مخذولا } جامعا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين، والخذلان من الله. ومفهومه: أن الموحد يكون ممدوحا منصورا في الدارين. الإشارة: قال صلى الله عليه وسلم: " من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له. ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة " ، واعلم أن الناس على قسمين قوم أقامهم الحق لخدمته، وهم: العباد والزهاد، وقوم اختصهم بمحبته، وهم: العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، قال تعالى: { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الكرامات والأنوار، وفي المعارف والأسرار. وفضل العارفين على غيرهم كفضل الشمس على سائر الكواكب، هذا في الدنيا، { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } ، يقع ذلك بالترقي في معارج أسرار التوحيد، وبتفاوت اليقين في معرفة رب العالمين. وقال القشيري في تفسير الآية: منهم من لا يغيب عن الحضرة لحظة، ثم يجتمعون في الرؤية، ويتفاوتون في النصيب لكل. وليس كل أحد يراه بالعين الذي يراه به صاحبه. وأنشدوا: لو يسمعون كما سمعت حديثها خروا لعزة ركعا وسجودا وقال الورتجبي: فضل العابدين بعضهم على بعض في الدنيا بالطاعات، وفضل العارفين بعضهم على بعض بالمعارف والمشاهدات، فالعباد في الآخرة في درجات الجنان متفاوتون، والعارفون في درجات وصال الرحمن متفاوتون. وقال القشيري أيضا: من كانت مشاهدته اليوم على الدوام، كانت رؤيته غدا على الدوام، ومن لا فلا. ه. وقد تقدم تفاوت الناس في الرؤية بأبسط من هذا، عند قوله تعالى: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]. والله تعالى أعلم. ثم بين السعي للآخرة

الإسراء 17:21

قلت: { لمن نريد }: بدل من ضمير { له } بدل بعض من كل. و { كلا }: مفعول { نمد } ، و { هؤلاء }: بدل منه. و { كيف }: حال، و { درجات } و { تفضيلا }: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { من كان يريد } بعمله الدنيا { العاجلة } ، مقصورا عليها همه، { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } التعجيل له. قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه. قاله البيضاوي: { ثم جعلنا له } في الآخرة { جهنم يصلاها } يدخلها ويحترق بها، حال كونه { مذموما مدحورا } مطرودا من رحمة الله. والآية في الكفار، وقيل: في المنافقين، الذين يغزون مع المسلمين لقصد الغنائم. والأصح: أنها تعم كل من اتصف بهذا الوصف. { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } عمل لها عملها اللائق بها، وهو: الإتيان بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، لا التقرب بما يخترعون بآرائهم. وفائدة اللام في قوله: " لها ": اعتبار النية والإخلاص. والحال أن العامل { مؤمن } إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب، فإنه العمدة، { فأولئك } الجامعون للشروط الثلاثة { كان سعيهم مشكورا } عند الله، مقبولا مثابا عليه فإن شكر الله هو الثواب على الطاعة. { كلا نمد } أي: كل واحد من الفريقين نمد بالعطاء مرة بعد أخرى، { هؤلاء } المريدين للدنيا، { وهؤلاء } المريدين للآخرة، نمد كلا { من عطاء ربك } في الدنيا، { وما كان عطاء ربك } فيها { محظورا } ممنوعا من أحد، لا يمنعه في الدنيا مؤمن ولا كافر، تفضلا منه تعالى. { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الرزق والجاه، { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } من الدنيا، فينبغي الاعتناء بها دونها، والتفاوت في الآخرة حاصل للفريقين، فكما تفاوتت الدرجات في الجنة تفاوتت الدركات في النار. وسبب التفاوت: زيادة اليقين، والترقي في أسرار التوحيد لأهل الإيمان، أو الانهماك في الكفر والشرك لأهل الكفران. ولذلك قال تعالى: { لا تجعل مع الله إلها آخر } تعبده. والخطاب لكل سامع، أو للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، { فتقعد } فتصير حينئذ { مذموما مخذولا } جامعا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين، والخذلان من الله. ومفهومه: أن الموحد يكون ممدوحا منصورا في الدارين. الإشارة: قال صلى الله عليه وسلم: " من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له. ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة " ، واعلم أن الناس على قسمين قوم أقامهم الحق لخدمته، وهم: العباد والزهاد، وقوم اختصهم بمحبته، وهم: العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، قال تعالى: { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الكرامات والأنوار، وفي المعارف والأسرار. وفضل العارفين على غيرهم كفضل الشمس على سائر الكواكب، هذا في الدنيا، { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } ، يقع ذلك بالترقي في معارج أسرار التوحيد، وبتفاوت اليقين في معرفة رب العالمين. وقال القشيري في تفسير الآية: منهم من لا يغيب عن الحضرة لحظة، ثم يجتمعون في الرؤية، ويتفاوتون في النصيب لكل. وليس كل أحد يراه بالعين الذي يراه به صاحبه. وأنشدوا: لو يسمعون كما سمعت حديثها خروا لعزة ركعا وسجودا وقال الورتجبي: فضل العابدين بعضهم على بعض في الدنيا بالطاعات، وفضل العارفين بعضهم على بعض بالمعارف والمشاهدات، فالعباد في الآخرة في درجات الجنان متفاوتون، والعارفون في درجات وصال الرحمن متفاوتون. وقال القشيري أيضا: من كانت مشاهدته اليوم على الدوام، كانت رؤيته غدا على الدوام، ومن لا فلا. ه. وقد تقدم تفاوت الناس في الرؤية بأبسط من هذا، عند قوله تعالى: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]. والله تعالى أعلم. ثم بين السعي للآخرة

الإسراء 17:22

قلت: { لمن نريد }: بدل من ضمير { له } بدل بعض من كل. و { كلا }: مفعول { نمد } ، و { هؤلاء }: بدل منه. و { كيف }: حال، و { درجات } و { تفضيلا }: تمييز. يقول الحق جل جلاله: { من كان يريد } بعمله الدنيا { العاجلة } ، مقصورا عليها همه، { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } التعجيل له. قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه. قاله البيضاوي: { ثم جعلنا له } في الآخرة { جهنم يصلاها } يدخلها ويحترق بها، حال كونه { مذموما مدحورا } مطرودا من رحمة الله. والآية في الكفار، وقيل: في المنافقين، الذين يغزون مع المسلمين لقصد الغنائم. والأصح: أنها تعم كل من اتصف بهذا الوصف. { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } عمل لها عملها اللائق بها، وهو: الإتيان بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، لا التقرب بما يخترعون بآرائهم. وفائدة اللام في قوله: " لها ": اعتبار النية والإخلاص. والحال أن العامل { مؤمن } إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب، فإنه العمدة، { فأولئك } الجامعون للشروط الثلاثة { كان سعيهم مشكورا } عند الله، مقبولا مثابا عليه فإن شكر الله هو الثواب على الطاعة. { كلا نمد } أي: كل واحد من الفريقين نمد بالعطاء مرة بعد أخرى، { هؤلاء } المريدين للدنيا، { وهؤلاء } المريدين للآخرة، نمد كلا { من عطاء ربك } في الدنيا، { وما كان عطاء ربك } فيها { محظورا } ممنوعا من أحد، لا يمنعه في الدنيا مؤمن ولا كافر، تفضلا منه تعالى. { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الرزق والجاه، { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } من الدنيا، فينبغي الاعتناء بها دونها، والتفاوت في الآخرة حاصل للفريقين، فكما تفاوتت الدرجات في الجنة تفاوتت الدركات في النار. وسبب التفاوت: زيادة اليقين، والترقي في أسرار التوحيد لأهل الإيمان، أو الانهماك في الكفر والشرك لأهل الكفران. ولذلك قال تعالى: { لا تجعل مع الله إلها آخر } تعبده. والخطاب لكل سامع، أو للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، { فتقعد } فتصير حينئذ { مذموما مخذولا } جامعا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين، والخذلان من الله. ومفهومه: أن الموحد يكون ممدوحا منصورا في الدارين. الإشارة: قال صلى الله عليه وسلم: " من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له. ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة " ، واعلم أن الناس على قسمين قوم أقامهم الحق لخدمته، وهم: العباد والزهاد، وقوم اختصهم بمحبته، وهم: العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، قال تعالى: { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } في الكرامات والأنوار، وفي المعارف والأسرار. وفضل العارفين على غيرهم كفضل الشمس على سائر الكواكب، هذا في الدنيا، { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } ، يقع ذلك بالترقي في معارج أسرار التوحيد، وبتفاوت اليقين في معرفة رب العالمين. وقال القشيري في تفسير الآية: منهم من لا يغيب عن الحضرة لحظة، ثم يجتمعون في الرؤية، ويتفاوتون في النصيب لكل. وليس كل أحد يراه بالعين الذي يراه به صاحبه. وأنشدوا: لو يسمعون كما سمعت حديثها خروا لعزة ركعا وسجودا وقال الورتجبي: فضل العابدين بعضهم على بعض في الدنيا بالطاعات، وفضل العارفين بعضهم على بعض بالمعارف والمشاهدات، فالعباد في الآخرة في درجات الجنان متفاوتون، والعارفون في درجات وصال الرحمن متفاوتون. وقال القشيري أيضا: من كانت مشاهدته اليوم على الدوام، كانت رؤيته غدا على الدوام، ومن لا فلا. ه. وقد تقدم تفاوت الناس في الرؤية بأبسط من هذا، عند قوله تعالى: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103]. والله تعالى أعلم. ثم بين السعي للآخرة

الإسراء 17:23

قلت: { قضى } ، هنا، بمعنى حكم وأوجب وأمر، لا بمعنى القضاء إذ لو كان كذلك لما عبد غير الله. وفي مصحف ابن مسعود: " ووصى ربك ألا تعبدوا ". و أن: مفسرة، أو مصدرية، أي: بأن لا تعبدوا، و { إما }: إن الشرطية دخلت عليها " ما " المؤكدة. و { فلا تقل }: جوابها. وتوحيد ضمير الخطاب في { عندك } ، وفيما سبق - مع أن ما سبق ضمير الجمع - للاحتراز عن التباس المراد، فإن المقصود نهي كل أحد عن تأفيف والديه ونهرهما. ولو قوبل الجمع بالجمع، أو بالتثنية، لم يحصل هذا المرام. و " أف ": اسم فعل، معناها: قول مكروه، يقال عند الضجر ونحوه. قال الهروي: أي: لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم، ويقال لكل ما يضجر منه ويستثقل: أف له. وقال في القاموس: أف، يؤف، ويئف: تأفف من كرب أو ضجر. وأف: كلمة تكره، وأفف تأفيفا، وتأفف، قالها، ولغتها أربعون، ثم ذكرها. وحركتها للبناء، وتنوينها للتنكير. يقول الحق جل جلاله: { وقضى ربك } أمر أمرا مقطوعا به، ب { ألا تعبدوا إلا إياه } لأن غاية التعظيم لا يكون إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام، وهو الله وحده، { و } أحسنوا { بالوالدين إحسانا } لأنهما السبب الظاهر في وجود العبد، وبهما قامت نعمة الإمداد من التربية والحفظ في مظاهر الحكمة، وإلا فما ثم إلا تربية الحق تعالى، ظهرت في مظاهر الوالدين، لكن أمر بشكر الواسطة " من لم يشكر الناس لم يشكر الله ". ثم أمر ببرهما، فقال: { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } أي: مهما بلغ زمن الكبر، وهما عندك في كفالتك، هما أو أحدهما، { فلا تقل لهما أف } أي: فلا تضجر فيما يستقذر منهما ويستثقل من مؤنتهما، ولا تنطق بأدنى كلمة توجعهما، فأحرى ألا يقول لهما ما فوق ذلك. فالنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا بطريق الأخرى. وقال في الإحياء: الأف: وسخ الظفر، والتف: وسخ الأذن، أي: لا تصفهما بما تحت الظفر من الوسخ، فأحرى غيره، وقيل: لا تتأذ بهما كما يتأذى بما تحت الظفر. ه. { ولا تنهرهما } ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ، فإن كان لإرشاد ديني فبرفق ولين. { وقل لهما قولا كريما } جميلا لينا لا غلظ فيه، { واخفض لهما جناح الذل } ألن لهما جانبك الذليل، وتذلل لهما وتواضع. استعار للذل جناحا، وأضافه إليه مبالغة فإن الطير إذا تذلل أرخى جناحه إلى الأرض، كذلك الولد، ينبغي أن يخضع لأبويه، ويلين جانبه، ويتذلل لهما غاية جهده. وذلك { من الرحمة } أي: من إفراط الرحمة لهما والرقة والشفقة عليهما. { وقل رب ارحمهما } أي: وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك الفانية، وإن كانا كافرين لأن من الرحمة أن يهديهما للإسلام، فقل اللهم ارحمهما { كما ربياني صغيرا } أي: رحمة مثل رحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري، وفاء بعهدك للراحمين. فالكاف في محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: رحمة مثل تربيتهما، أو مثل رحمتهما لي، على أن التربية رحمة. ويجوز أن يكون لهما الرحمة والتربية معا، وقد ذكر أحدهما في أحد الجانبين والآخر في الآخر، كما يلوح له التعرض لعنوان الربوبية، كأنه قيل: رب ارحمهما، وربهما كما ربياني صغيرا. ويجوز أن يكون الكاف للتعليل، كقوله: واذكروه كما هداكم [البقرة: 198]. ولقد بالغ الحق تعالى في التوصية بالوالدين حيث شفع الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه، ونظمهما في سلك القضاء بعبادته، ثم ضيق في برهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تتفلت من المتضجر، وختمها بأن جعل رحمته التي وسعت كل شيء مشبهة بتربيتهما. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما " " وروي: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبوي بلغا من الكبر إلى أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما حقهما؟ قال: لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما " وروي أن شيخا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابني هذا له مال كثير، ولا ينفق علي من ماله شيئا، فنزل جبريل وقال: إن هذا الشيخ أنشأ في ابنه أبياتا، ما قرع سمع بمثلها، فاستنشدها، فأنشدها الشيخ، فقال: غذوتك مولودا ومنتك يافعا تعل بما أجري عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا باكيا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دونى وعيني تمهل فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل ومن تمام برهما: زيارتهما بعد موتهما، والدعاء لهما، والتصدق عليهما، ففي الحديث: " إنما الميت في قبره كالغريق، ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها " وروى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان يقال: إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده، وأشار بيده نحو السماء، وهو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: من طريق أبي هريرة قال: " إن الله ليرفع العبد الدرجة، فيقول: يا رب، أنى لي بها؟! فيقول: باستغفار ابنك لك " ، وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به، بعد موتهما؟ فقال: " نعم... الصلاة عليهما - أي: الترحم والاستغفار لهما -، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما ". قال تعالى: { ربكم أعلم بما في نفوسكم } من قصد البر إليهما، واعتقاد ما يجب لهما من التوقير. وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالا، { إن تكونوا صالحين } قاصدين للصلاح، أو طائعين لله، { فإنه كان للأوابين }: التوابين، أو الرجاعين إلى طاعته، { غفورا } لما فرط منهم عند حرج الصدر من إذاية ظاهرة أو باطنة، أو تقصير في حقهما. ويجوز أن يكون عاما لكل تائب، ويندرج فيه الجاني على أبويه اندراجا أوليا. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما أوحى الله تعالى به في حق والدي البشرية، يجري مثله في والد الروحانية، وهو الشيخ، ويزيد لأنه أوكد منه لأن أب البشرية كان السبب في خروجه إلى دار الدنيا، معرضا للعطب أو السلامة، وأب الروحانية كان سببا في خروجه من ظلمة الجهل إلى نور العلم والوصلة، وهما السبب في التخليد في النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد. وقد تقدم في سورة النساء تمام هذه الإشارة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالإحسان إلى القرابة لقربهما من الوالدين

الإسراء 17:24

قلت: { قضى } ، هنا، بمعنى حكم وأوجب وأمر، لا بمعنى القضاء إذ لو كان كذلك لما عبد غير الله. وفي مصحف ابن مسعود: " ووصى ربك ألا تعبدوا ". و أن: مفسرة، أو مصدرية، أي: بأن لا تعبدوا، و { إما }: إن الشرطية دخلت عليها " ما " المؤكدة. و { فلا تقل }: جوابها. وتوحيد ضمير الخطاب في { عندك } ، وفيما سبق - مع أن ما سبق ضمير الجمع - للاحتراز عن التباس المراد، فإن المقصود نهي كل أحد عن تأفيف والديه ونهرهما. ولو قوبل الجمع بالجمع، أو بالتثنية، لم يحصل هذا المرام. و " أف ": اسم فعل، معناها: قول مكروه، يقال عند الضجر ونحوه. قال الهروي: أي: لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم، ويقال لكل ما يضجر منه ويستثقل: أف له. وقال في القاموس: أف، يؤف، ويئف: تأفف من كرب أو ضجر. وأف: كلمة تكره، وأفف تأفيفا، وتأفف، قالها، ولغتها أربعون، ثم ذكرها. وحركتها للبناء، وتنوينها للتنكير. يقول الحق جل جلاله: { وقضى ربك } أمر أمرا مقطوعا به، ب { ألا تعبدوا إلا إياه } لأن غاية التعظيم لا يكون إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام، وهو الله وحده، { و } أحسنوا { بالوالدين إحسانا } لأنهما السبب الظاهر في وجود العبد، وبهما قامت نعمة الإمداد من التربية والحفظ في مظاهر الحكمة، وإلا فما ثم إلا تربية الحق تعالى، ظهرت في مظاهر الوالدين، لكن أمر بشكر الواسطة " من لم يشكر الناس لم يشكر الله ". ثم أمر ببرهما، فقال: { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } أي: مهما بلغ زمن الكبر، وهما عندك في كفالتك، هما أو أحدهما، { فلا تقل لهما أف } أي: فلا تضجر فيما يستقذر منهما ويستثقل من مؤنتهما، ولا تنطق بأدنى كلمة توجعهما، فأحرى ألا يقول لهما ما فوق ذلك. فالنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا بطريق الأخرى. وقال في الإحياء: الأف: وسخ الظفر، والتف: وسخ الأذن، أي: لا تصفهما بما تحت الظفر من الوسخ، فأحرى غيره، وقيل: لا تتأذ بهما كما يتأذى بما تحت الظفر. ه. { ولا تنهرهما } ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ، فإن كان لإرشاد ديني فبرفق ولين. { وقل لهما قولا كريما } جميلا لينا لا غلظ فيه، { واخفض لهما جناح الذل } ألن لهما جانبك الذليل، وتذلل لهما وتواضع. استعار للذل جناحا، وأضافه إليه مبالغة فإن الطير إذا تذلل أرخى جناحه إلى الأرض، كذلك الولد، ينبغي أن يخضع لأبويه، ويلين جانبه، ويتذلل لهما غاية جهده. وذلك { من الرحمة } أي: من إفراط الرحمة لهما والرقة والشفقة عليهما. { وقل رب ارحمهما } أي: وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك الفانية، وإن كانا كافرين لأن من الرحمة أن يهديهما للإسلام، فقل اللهم ارحمهما { كما ربياني صغيرا } أي: رحمة مثل رحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري، وفاء بعهدك للراحمين. فالكاف في محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: رحمة مثل تربيتهما، أو مثل رحمتهما لي، على أن التربية رحمة. ويجوز أن يكون لهما الرحمة والتربية معا، وقد ذكر أحدهما في أحد الجانبين والآخر في الآخر، كما يلوح له التعرض لعنوان الربوبية، كأنه قيل: رب ارحمهما، وربهما كما ربياني صغيرا. ويجوز أن يكون الكاف للتعليل، كقوله: واذكروه كما هداكم [البقرة: 198]. ولقد بالغ الحق تعالى في التوصية بالوالدين حيث شفع الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه، ونظمهما في سلك القضاء بعبادته، ثم ضيق في برهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تتفلت من المتضجر، وختمها بأن جعل رحمته التي وسعت كل شيء مشبهة بتربيتهما. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما " " وروي: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبوي بلغا من الكبر إلى أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما حقهما؟ قال: لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما " وروي أن شيخا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابني هذا له مال كثير، ولا ينفق علي من ماله شيئا، فنزل جبريل وقال: إن هذا الشيخ أنشأ في ابنه أبياتا، ما قرع سمع بمثلها، فاستنشدها، فأنشدها الشيخ، فقال: غذوتك مولودا ومنتك يافعا تعل بما أجري عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا باكيا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دونى وعيني تمهل فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل ومن تمام برهما: زيارتهما بعد موتهما، والدعاء لهما، والتصدق عليهما، ففي الحديث: " إنما الميت في قبره كالغريق، ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها " وروى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان يقال: إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده، وأشار بيده نحو السماء، وهو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: من طريق أبي هريرة قال: " إن الله ليرفع العبد الدرجة، فيقول: يا رب، أنى لي بها؟! فيقول: باستغفار ابنك لك " ، وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به، بعد موتهما؟ فقال: " نعم... الصلاة عليهما - أي: الترحم والاستغفار لهما -، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما ". قال تعالى: { ربكم أعلم بما في نفوسكم } من قصد البر إليهما، واعتقاد ما يجب لهما من التوقير. وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالا، { إن تكونوا صالحين } قاصدين للصلاح، أو طائعين لله، { فإنه كان للأوابين }: التوابين، أو الرجاعين إلى طاعته، { غفورا } لما فرط منهم عند حرج الصدر من إذاية ظاهرة أو باطنة، أو تقصير في حقهما. ويجوز أن يكون عاما لكل تائب، ويندرج فيه الجاني على أبويه اندراجا أوليا. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما أوحى الله تعالى به في حق والدي البشرية، يجري مثله في والد الروحانية، وهو الشيخ، ويزيد لأنه أوكد منه لأن أب البشرية كان السبب في خروجه إلى دار الدنيا، معرضا للعطب أو السلامة، وأب الروحانية كان سببا في خروجه من ظلمة الجهل إلى نور العلم والوصلة، وهما السبب في التخليد في النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد. وقد تقدم في سورة النساء تمام هذه الإشارة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالإحسان إلى القرابة لقربهما من الوالدين

الإسراء 17:25

قلت: { قضى } ، هنا، بمعنى حكم وأوجب وأمر، لا بمعنى القضاء إذ لو كان كذلك لما عبد غير الله. وفي مصحف ابن مسعود: " ووصى ربك ألا تعبدوا ". و أن: مفسرة، أو مصدرية، أي: بأن لا تعبدوا، و { إما }: إن الشرطية دخلت عليها " ما " المؤكدة. و { فلا تقل }: جوابها. وتوحيد ضمير الخطاب في { عندك } ، وفيما سبق - مع أن ما سبق ضمير الجمع - للاحتراز عن التباس المراد، فإن المقصود نهي كل أحد عن تأفيف والديه ونهرهما. ولو قوبل الجمع بالجمع، أو بالتثنية، لم يحصل هذا المرام. و " أف ": اسم فعل، معناها: قول مكروه، يقال عند الضجر ونحوه. قال الهروي: أي: لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم، ويقال لكل ما يضجر منه ويستثقل: أف له. وقال في القاموس: أف، يؤف، ويئف: تأفف من كرب أو ضجر. وأف: كلمة تكره، وأفف تأفيفا، وتأفف، قالها، ولغتها أربعون، ثم ذكرها. وحركتها للبناء، وتنوينها للتنكير. يقول الحق جل جلاله: { وقضى ربك } أمر أمرا مقطوعا به، ب { ألا تعبدوا إلا إياه } لأن غاية التعظيم لا يكون إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام، وهو الله وحده، { و } أحسنوا { بالوالدين إحسانا } لأنهما السبب الظاهر في وجود العبد، وبهما قامت نعمة الإمداد من التربية والحفظ في مظاهر الحكمة، وإلا فما ثم إلا تربية الحق تعالى، ظهرت في مظاهر الوالدين، لكن أمر بشكر الواسطة " من لم يشكر الناس لم يشكر الله ". ثم أمر ببرهما، فقال: { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } أي: مهما بلغ زمن الكبر، وهما عندك في كفالتك، هما أو أحدهما، { فلا تقل لهما أف } أي: فلا تضجر فيما يستقذر منهما ويستثقل من مؤنتهما، ولا تنطق بأدنى كلمة توجعهما، فأحرى ألا يقول لهما ما فوق ذلك. فالنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا بطريق الأخرى. وقال في الإحياء: الأف: وسخ الظفر، والتف: وسخ الأذن، أي: لا تصفهما بما تحت الظفر من الوسخ، فأحرى غيره، وقيل: لا تتأذ بهما كما يتأذى بما تحت الظفر. ه. { ولا تنهرهما } ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ، فإن كان لإرشاد ديني فبرفق ولين. { وقل لهما قولا كريما } جميلا لينا لا غلظ فيه، { واخفض لهما جناح الذل } ألن لهما جانبك الذليل، وتذلل لهما وتواضع. استعار للذل جناحا، وأضافه إليه مبالغة فإن الطير إذا تذلل أرخى جناحه إلى الأرض، كذلك الولد، ينبغي أن يخضع لأبويه، ويلين جانبه، ويتذلل لهما غاية جهده. وذلك { من الرحمة } أي: من إفراط الرحمة لهما والرقة والشفقة عليهما. { وقل رب ارحمهما } أي: وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك الفانية، وإن كانا كافرين لأن من الرحمة أن يهديهما للإسلام، فقل اللهم ارحمهما { كما ربياني صغيرا } أي: رحمة مثل رحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري، وفاء بعهدك للراحمين. فالكاف في محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: رحمة مثل تربيتهما، أو مثل رحمتهما لي، على أن التربية رحمة. ويجوز أن يكون لهما الرحمة والتربية معا، وقد ذكر أحدهما في أحد الجانبين والآخر في الآخر، كما يلوح له التعرض لعنوان الربوبية، كأنه قيل: رب ارحمهما، وربهما كما ربياني صغيرا. ويجوز أن يكون الكاف للتعليل، كقوله: واذكروه كما هداكم [البقرة: 198]. ولقد بالغ الحق تعالى في التوصية بالوالدين حيث شفع الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه، ونظمهما في سلك القضاء بعبادته، ثم ضيق في برهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تتفلت من المتضجر، وختمها بأن جعل رحمته التي وسعت كل شيء مشبهة بتربيتهما. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما " " وروي: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبوي بلغا من الكبر إلى أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما حقهما؟ قال: لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما " وروي أن شيخا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابني هذا له مال كثير، ولا ينفق علي من ماله شيئا، فنزل جبريل وقال: إن هذا الشيخ أنشأ في ابنه أبياتا، ما قرع سمع بمثلها، فاستنشدها، فأنشدها الشيخ، فقال: غذوتك مولودا ومنتك يافعا تعل بما أجري عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا باكيا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دونى وعيني تمهل فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل ومن تمام برهما: زيارتهما بعد موتهما، والدعاء لهما، والتصدق عليهما، ففي الحديث: " إنما الميت في قبره كالغريق، ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها " وروى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان يقال: إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده، وأشار بيده نحو السماء، وهو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: من طريق أبي هريرة قال: " إن الله ليرفع العبد الدرجة، فيقول: يا رب، أنى لي بها؟! فيقول: باستغفار ابنك لك " ، وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به، بعد موتهما؟ فقال: " نعم... الصلاة عليهما - أي: الترحم والاستغفار لهما -، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما ". قال تعالى: { ربكم أعلم بما في نفوسكم } من قصد البر إليهما، واعتقاد ما يجب لهما من التوقير. وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالا، { إن تكونوا صالحين } قاصدين للصلاح، أو طائعين لله، { فإنه كان للأوابين }: التوابين، أو الرجاعين إلى طاعته، { غفورا } لما فرط منهم عند حرج الصدر من إذاية ظاهرة أو باطنة، أو تقصير في حقهما. ويجوز أن يكون عاما لكل تائب، ويندرج فيه الجاني على أبويه اندراجا أوليا. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل ما أوحى الله تعالى به في حق والدي البشرية، يجري مثله في والد الروحانية، وهو الشيخ، ويزيد لأنه أوكد منه لأن أب البشرية كان السبب في خروجه إلى دار الدنيا، معرضا للعطب أو السلامة، وأب الروحانية كان سببا في خروجه من ظلمة الجهل إلى نور العلم والوصلة، وهما السبب في التخليد في النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد. وقد تقدم في سورة النساء تمام هذه الإشارة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالإحسان إلى القرابة لقربهما من الوالدين

الإسراء 17:26

يقول الحق جل جلاله: { وآت ذا القربى حقه } أي: أعط ذا القربة حقه من البر، وصلة الرحم، وحسن المعاشرة. وقال أبو حنيفة: إذا كانوا محاويج فقراء: أن ينفق عليهم. وقيل: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤتى قرابته من بيت المال، { و } آت { المسكين } حقه { وابن السبيل } الغريب، من برهما والإحسان إليهما، { ولا تبذر تبذيرا } بصرف المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه السرف. قال ابن عزيز: التبذير في النفقة: الإسراف فيها، وتفريقها في غير ما أحل الله. ه. وأصل التبذير: التفريق. " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد، وهو يتوضأ: ما هذا السرف؟ فقال: أو في الوضوء سرف؟ فقال: " نعم، وإن كنت على نهر جار ". { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } أي: أمثالهم في الشر فإن التضييع والإتلاف شر. أو: على طريقتهم، أو: أصدقاؤهم وأتباعهم لأنهم يطيعونهم في الإسراف، روي أنهم كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها - أي: يتقامرون - من الميسر، وهو القمار - ويبذرون أموالهم - في السمعة، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بالإنفاق في القرابات. { وكان الشيطان لربه كفورا } مبالغا في الكفر، فينبغي ألا يطاع. { وإما تعرضن عنهم } أي: وإن أعرضت عما ذكر من ذوي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد، حيث لم تجد ما تعطيهم، { ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } أي: لطلب رزق تنتظره يأتيك لتعطيهم منه، { فقل لهم قولا ميسورا } فقل لهم قولا لينا سهلا، بأن تعدهم بالعطاء عند مجيء الرزق، وكان صلى الله عليه وسلم إذا سأله أحد، ولم يجد ما يعطيه، أعرض عنه، حياء منه. فأمر بحسن القول مع ذلك، مثل: رزقنا الله وإياكم، والله يغنيكم من فضله، وشبه ذلك ثم أمره بالتوسط في العطاء، فقال: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } أي: لا تمسكها عن الإنفاق كل الإمساك، { ولا تبسطها كل البسط } ، وهو استعارة لغاية الجود، فنهى الحق تعالى عن الطرفين، وأمر بالتوسط فيهما، كقوله: إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا... [الفرقان: 67] الآية. { فتقعد ملوما محسورا } أي: فتصير، إذا أسرفت، ملوما عند الله وعند الناس بالإسراف وسوء التبذير، محسورا: منقطعا بك، لا شيء عندك. وهو من قولهم: حسر السفر بالبعير: إذا أتعبه، ولم يبق له قوة. وعن جابر رضي الله عنه: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، أتاه صبي، فقال له: إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه، وقعد عريانا، وأذن بلال، وانتظره للصلاة، فلم يخرج، فأنزل الله: { ولا تجعل يدك } الآية. ثم سلاه بقوله: { إن ربك يبسط الرزق } يوسعه { لمن يشاء ويقدر } يضيقه على من يشاء. فكل ما يصيبك من الضيق فإنما هو لمصلحة باطنية، { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } يعلم سرهم وعلانيتهم، فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم فيرزقهم على حسب مصالحهم، ويضيق عليهم على قدر صبرهم. والحاصل: أنه يعطي كل واحد ما يصلح به، والله أعلم. الإشارة: أمر الحق - جل جلاله - رسوله صلى الله عليه وسلم، وخلفاءه ممن كان على قدمه، أن يعطوا حق الواردين عليهم من قرابة الدين والنسب، والمساكين والغرباء، من البر والإحسان حسا ومعنى كتعظيم ملاقاته، وإرشادهم إلى ما ينفع بواطنهم، والإنفاق عليهم، من أحسن ما يجد، حسا ومعنى، وخصوصا الإخوان في الله. فكل ما ينفق عليهم فهو قليل في حقهم، ولا يعد سرفا، ولو أنفق ملء الأرض ذهبا. قال في القوت: دعا إبراهيم بن أدهم الثوري وأصحابه إلى طعام، فأكثر منه، فقال له سفيان: يا أبا إسحاق أما تخاف أن يكون هذا سرفا؟ فقال إبراهيم: ليس في الطعام سرف. ه. قلت: هذا إن قدمه إلى الإخوان الذاكرين الله قاصدا وجه الله، وأما إن قدمه مفاخرة ومباهاة دخله السرف. قاله في الحاشية الفاسية، ومثله في تفسير القشيري، وأنه لا سرف فيما كان لله، ولو أنفق ما أنفق. بخلاف ما كان لدواعي النفس ولو فلسا. ه. وأما الخروج عن المال كله فمذموم، إلا من قوي يقينه، كالصديق، ومن كان على قدمه. وكذلك الاستقراض على الله، واشتراؤه بالدين من غير مادة معلومة، إن كان قوي اليقين، وجرب معاملته مع الحق، فلا بأس بفعل ذلك وإلا فليكف لئلا يتعرض لإتلاف أموال الناس فيتلفه الله. وبالله التوفيق. ولما أمر بما يقربها إليه نهى عما يبعدنا عنه

الإسراء 17:27

يقول الحق جل جلاله: { وآت ذا القربى حقه } أي: أعط ذا القربة حقه من البر، وصلة الرحم، وحسن المعاشرة. وقال أبو حنيفة: إذا كانوا محاويج فقراء: أن ينفق عليهم. وقيل: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤتى قرابته من بيت المال، { و } آت { المسكين } حقه { وابن السبيل } الغريب، من برهما والإحسان إليهما، { ولا تبذر تبذيرا } بصرف المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه السرف. قال ابن عزيز: التبذير في النفقة: الإسراف فيها، وتفريقها في غير ما أحل الله. ه. وأصل التبذير: التفريق. " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد، وهو يتوضأ: ما هذا السرف؟ فقال: أو في الوضوء سرف؟ فقال: " نعم، وإن كنت على نهر جار ". { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } أي: أمثالهم في الشر فإن التضييع والإتلاف شر. أو: على طريقتهم، أو: أصدقاؤهم وأتباعهم لأنهم يطيعونهم في الإسراف، روي أنهم كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها - أي: يتقامرون - من الميسر، وهو القمار - ويبذرون أموالهم - في السمعة، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بالإنفاق في القرابات. { وكان الشيطان لربه كفورا } مبالغا في الكفر، فينبغي ألا يطاع. { وإما تعرضن عنهم } أي: وإن أعرضت عما ذكر من ذوي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد، حيث لم تجد ما تعطيهم، { ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } أي: لطلب رزق تنتظره يأتيك لتعطيهم منه، { فقل لهم قولا ميسورا } فقل لهم قولا لينا سهلا، بأن تعدهم بالعطاء عند مجيء الرزق، وكان صلى الله عليه وسلم إذا سأله أحد، ولم يجد ما يعطيه، أعرض عنه، حياء منه. فأمر بحسن القول مع ذلك، مثل: رزقنا الله وإياكم، والله يغنيكم من فضله، وشبه ذلك ثم أمره بالتوسط في العطاء، فقال: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } أي: لا تمسكها عن الإنفاق كل الإمساك، { ولا تبسطها كل البسط } ، وهو استعارة لغاية الجود، فنهى الحق تعالى عن الطرفين، وأمر بالتوسط فيهما، كقوله: إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا... [الفرقان: 67] الآية. { فتقعد ملوما محسورا } أي: فتصير، إذا أسرفت، ملوما عند الله وعند الناس بالإسراف وسوء التبذير، محسورا: منقطعا بك، لا شيء عندك. وهو من قولهم: حسر السفر بالبعير: إذا أتعبه، ولم يبق له قوة. وعن جابر رضي الله عنه: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، أتاه صبي، فقال له: إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه، وقعد عريانا، وأذن بلال، وانتظره للصلاة، فلم يخرج، فأنزل الله: { ولا تجعل يدك } الآية. ثم سلاه بقوله: { إن ربك يبسط الرزق } يوسعه { لمن يشاء ويقدر } يضيقه على من يشاء. فكل ما يصيبك من الضيق فإنما هو لمصلحة باطنية، { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } يعلم سرهم وعلانيتهم، فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم فيرزقهم على حسب مصالحهم، ويضيق عليهم على قدر صبرهم. والحاصل: أنه يعطي كل واحد ما يصلح به، والله أعلم. الإشارة: أمر الحق - جل جلاله - رسوله صلى الله عليه وسلم، وخلفاءه ممن كان على قدمه، أن يعطوا حق الواردين عليهم من قرابة الدين والنسب، والمساكين والغرباء، من البر والإحسان حسا ومعنى كتعظيم ملاقاته، وإرشادهم إلى ما ينفع بواطنهم، والإنفاق عليهم، من أحسن ما يجد، حسا ومعنى، وخصوصا الإخوان في الله. فكل ما ينفق عليهم فهو قليل في حقهم، ولا يعد سرفا، ولو أنفق ملء الأرض ذهبا. قال في القوت: دعا إبراهيم بن أدهم الثوري وأصحابه إلى طعام، فأكثر منه، فقال له سفيان: يا أبا إسحاق أما تخاف أن يكون هذا سرفا؟ فقال إبراهيم: ليس في الطعام سرف. ه. قلت: هذا إن قدمه إلى الإخوان الذاكرين الله قاصدا وجه الله، وأما إن قدمه مفاخرة ومباهاة دخله السرف. قاله في الحاشية الفاسية، ومثله في تفسير القشيري، وأنه لا سرف فيما كان لله، ولو أنفق ما أنفق. بخلاف ما كان لدواعي النفس ولو فلسا. ه. وأما الخروج عن المال كله فمذموم، إلا من قوي يقينه، كالصديق، ومن كان على قدمه. وكذلك الاستقراض على الله، واشتراؤه بالدين من غير مادة معلومة، إن كان قوي اليقين، وجرب معاملته مع الحق، فلا بأس بفعل ذلك وإلا فليكف لئلا يتعرض لإتلاف أموال الناس فيتلفه الله. وبالله التوفيق. ولما أمر بما يقربها إليه نهى عما يبعدنا عنه

الإسراء 17:28

يقول الحق جل جلاله: { وآت ذا القربى حقه } أي: أعط ذا القربة حقه من البر، وصلة الرحم، وحسن المعاشرة. وقال أبو حنيفة: إذا كانوا محاويج فقراء: أن ينفق عليهم. وقيل: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤتى قرابته من بيت المال، { و } آت { المسكين } حقه { وابن السبيل } الغريب، من برهما والإحسان إليهما، { ولا تبذر تبذيرا } بصرف المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه السرف. قال ابن عزيز: التبذير في النفقة: الإسراف فيها، وتفريقها في غير ما أحل الله. ه. وأصل التبذير: التفريق. " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد، وهو يتوضأ: ما هذا السرف؟ فقال: أو في الوضوء سرف؟ فقال: " نعم، وإن كنت على نهر جار ". { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } أي: أمثالهم في الشر فإن التضييع والإتلاف شر. أو: على طريقتهم، أو: أصدقاؤهم وأتباعهم لأنهم يطيعونهم في الإسراف، روي أنهم كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها - أي: يتقامرون - من الميسر، وهو القمار - ويبذرون أموالهم - في السمعة، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بالإنفاق في القرابات. { وكان الشيطان لربه كفورا } مبالغا في الكفر، فينبغي ألا يطاع. { وإما تعرضن عنهم } أي: وإن أعرضت عما ذكر من ذوي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد، حيث لم تجد ما تعطيهم، { ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } أي: لطلب رزق تنتظره يأتيك لتعطيهم منه، { فقل لهم قولا ميسورا } فقل لهم قولا لينا سهلا، بأن تعدهم بالعطاء عند مجيء الرزق، وكان صلى الله عليه وسلم إذا سأله أحد، ولم يجد ما يعطيه، أعرض عنه، حياء منه. فأمر بحسن القول مع ذلك، مثل: رزقنا الله وإياكم، والله يغنيكم من فضله، وشبه ذلك ثم أمره بالتوسط في العطاء، فقال: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } أي: لا تمسكها عن الإنفاق كل الإمساك، { ولا تبسطها كل البسط } ، وهو استعارة لغاية الجود، فنهى الحق تعالى عن الطرفين، وأمر بالتوسط فيهما، كقوله: إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا... [الفرقان: 67] الآية. { فتقعد ملوما محسورا } أي: فتصير، إذا أسرفت، ملوما عند الله وعند الناس بالإسراف وسوء التبذير، محسورا: منقطعا بك، لا شيء عندك. وهو من قولهم: حسر السفر بالبعير: إذا أتعبه، ولم يبق له قوة. وعن جابر رضي الله عنه: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، أتاه صبي، فقال له: إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه، وقعد عريانا، وأذن بلال، وانتظره للصلاة، فلم يخرج، فأنزل الله: { ولا تجعل يدك } الآية. ثم سلاه بقوله: { إن ربك يبسط الرزق } يوسعه { لمن يشاء ويقدر } يضيقه على من يشاء. فكل ما يصيبك من الضيق فإنما هو لمصلحة باطنية، { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } يعلم سرهم وعلانيتهم، فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم فيرزقهم على حسب مصالحهم، ويضيق عليهم على قدر صبرهم. والحاصل: أنه يعطي كل واحد ما يصلح به، والله أعلم. الإشارة: أمر الحق - جل جلاله - رسوله صلى الله عليه وسلم، وخلفاءه ممن كان على قدمه، أن يعطوا حق الواردين عليهم من قرابة الدين والنسب، والمساكين والغرباء، من البر والإحسان حسا ومعنى كتعظيم ملاقاته، وإرشادهم إلى ما ينفع بواطنهم، والإنفاق عليهم، من أحسن ما يجد، حسا ومعنى، وخصوصا الإخوان في الله. فكل ما ينفق عليهم فهو قليل في حقهم، ولا يعد سرفا، ولو أنفق ملء الأرض ذهبا. قال في القوت: دعا إبراهيم بن أدهم الثوري وأصحابه إلى طعام، فأكثر منه، فقال له سفيان: يا أبا إسحاق أما تخاف أن يكون هذا سرفا؟ فقال إبراهيم: ليس في الطعام سرف. ه. قلت: هذا إن قدمه إلى الإخوان الذاكرين الله قاصدا وجه الله، وأما إن قدمه مفاخرة ومباهاة دخله السرف. قاله في الحاشية الفاسية، ومثله في تفسير القشيري، وأنه لا سرف فيما كان لله، ولو أنفق ما أنفق. بخلاف ما كان لدواعي النفس ولو فلسا. ه. وأما الخروج عن المال كله فمذموم، إلا من قوي يقينه، كالصديق، ومن كان على قدمه. وكذلك الاستقراض على الله، واشتراؤه بالدين من غير مادة معلومة، إن كان قوي اليقين، وجرب معاملته مع الحق، فلا بأس بفعل ذلك وإلا فليكف لئلا يتعرض لإتلاف أموال الناس فيتلفه الله. وبالله التوفيق. ولما أمر بما يقربها إليه نهى عما يبعدنا عنه

الإسراء 17:29

يقول الحق جل جلاله: { وآت ذا القربى حقه } أي: أعط ذا القربة حقه من البر، وصلة الرحم، وحسن المعاشرة. وقال أبو حنيفة: إذا كانوا محاويج فقراء: أن ينفق عليهم. وقيل: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤتى قرابته من بيت المال، { و } آت { المسكين } حقه { وابن السبيل } الغريب، من برهما والإحسان إليهما، { ولا تبذر تبذيرا } بصرف المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه السرف. قال ابن عزيز: التبذير في النفقة: الإسراف فيها، وتفريقها في غير ما أحل الله. ه. وأصل التبذير: التفريق. " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد، وهو يتوضأ: ما هذا السرف؟ فقال: أو في الوضوء سرف؟ فقال: " نعم، وإن كنت على نهر جار ". { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } أي: أمثالهم في الشر فإن التضييع والإتلاف شر. أو: على طريقتهم، أو: أصدقاؤهم وأتباعهم لأنهم يطيعونهم في الإسراف، روي أنهم كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها - أي: يتقامرون - من الميسر، وهو القمار - ويبذرون أموالهم - في السمعة، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بالإنفاق في القرابات. { وكان الشيطان لربه كفورا } مبالغا في الكفر، فينبغي ألا يطاع. { وإما تعرضن عنهم } أي: وإن أعرضت عما ذكر من ذوي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد، حيث لم تجد ما تعطيهم، { ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } أي: لطلب رزق تنتظره يأتيك لتعطيهم منه، { فقل لهم قولا ميسورا } فقل لهم قولا لينا سهلا، بأن تعدهم بالعطاء عند مجيء الرزق، وكان صلى الله عليه وسلم إذا سأله أحد، ولم يجد ما يعطيه، أعرض عنه، حياء منه. فأمر بحسن القول مع ذلك، مثل: رزقنا الله وإياكم، والله يغنيكم من فضله، وشبه ذلك ثم أمره بالتوسط في العطاء، فقال: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } أي: لا تمسكها عن الإنفاق كل الإمساك، { ولا تبسطها كل البسط } ، وهو استعارة لغاية الجود، فنهى الحق تعالى عن الطرفين، وأمر بالتوسط فيهما، كقوله: إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا... [الفرقان: 67] الآية. { فتقعد ملوما محسورا } أي: فتصير، إذا أسرفت، ملوما عند الله وعند الناس بالإسراف وسوء التبذير، محسورا: منقطعا بك، لا شيء عندك. وهو من قولهم: حسر السفر بالبعير: إذا أتعبه، ولم يبق له قوة. وعن جابر رضي الله عنه: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، أتاه صبي، فقال له: إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه، وقعد عريانا، وأذن بلال، وانتظره للصلاة، فلم يخرج، فأنزل الله: { ولا تجعل يدك } الآية. ثم سلاه بقوله: { إن ربك يبسط الرزق } يوسعه { لمن يشاء ويقدر } يضيقه على من يشاء. فكل ما يصيبك من الضيق فإنما هو لمصلحة باطنية، { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } يعلم سرهم وعلانيتهم، فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم فيرزقهم على حسب مصالحهم، ويضيق عليهم على قدر صبرهم. والحاصل: أنه يعطي كل واحد ما يصلح به، والله أعلم. الإشارة: أمر الحق - جل جلاله - رسوله صلى الله عليه وسلم، وخلفاءه ممن كان على قدمه، أن يعطوا حق الواردين عليهم من قرابة الدين والنسب، والمساكين والغرباء، من البر والإحسان حسا ومعنى كتعظيم ملاقاته، وإرشادهم إلى ما ينفع بواطنهم، والإنفاق عليهم، من أحسن ما يجد، حسا ومعنى، وخصوصا الإخوان في الله. فكل ما ينفق عليهم فهو قليل في حقهم، ولا يعد سرفا، ولو أنفق ملء الأرض ذهبا. قال في القوت: دعا إبراهيم بن أدهم الثوري وأصحابه إلى طعام، فأكثر منه، فقال له سفيان: يا أبا إسحاق أما تخاف أن يكون هذا سرفا؟ فقال إبراهيم: ليس في الطعام سرف. ه. قلت: هذا إن قدمه إلى الإخوان الذاكرين الله قاصدا وجه الله، وأما إن قدمه مفاخرة ومباهاة دخله السرف. قاله في الحاشية الفاسية، ومثله في تفسير القشيري، وأنه لا سرف فيما كان لله، ولو أنفق ما أنفق. بخلاف ما كان لدواعي النفس ولو فلسا. ه. وأما الخروج عن المال كله فمذموم، إلا من قوي يقينه، كالصديق، ومن كان على قدمه. وكذلك الاستقراض على الله، واشتراؤه بالدين من غير مادة معلومة، إن كان قوي اليقين، وجرب معاملته مع الحق، فلا بأس بفعل ذلك وإلا فليكف لئلا يتعرض لإتلاف أموال الناس فيتلفه الله. وبالله التوفيق. ولما أمر بما يقربها إليه نهى عما يبعدنا عنه

الإسراء 17:30

يقول الحق جل جلاله: { وآت ذا القربى حقه } أي: أعط ذا القربة حقه من البر، وصلة الرحم، وحسن المعاشرة. وقال أبو حنيفة: إذا كانوا محاويج فقراء: أن ينفق عليهم. وقيل: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤتى قرابته من بيت المال، { و } آت { المسكين } حقه { وابن السبيل } الغريب، من برهما والإحسان إليهما، { ولا تبذر تبذيرا } بصرف المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه السرف. قال ابن عزيز: التبذير في النفقة: الإسراف فيها، وتفريقها في غير ما أحل الله. ه. وأصل التبذير: التفريق. " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد، وهو يتوضأ: ما هذا السرف؟ فقال: أو في الوضوء سرف؟ فقال: " نعم، وإن كنت على نهر جار ". { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } أي: أمثالهم في الشر فإن التضييع والإتلاف شر. أو: على طريقتهم، أو: أصدقاؤهم وأتباعهم لأنهم يطيعونهم في الإسراف، روي أنهم كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها - أي: يتقامرون - من الميسر، وهو القمار - ويبذرون أموالهم - في السمعة، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بالإنفاق في القرابات. { وكان الشيطان لربه كفورا } مبالغا في الكفر، فينبغي ألا يطاع. { وإما تعرضن عنهم } أي: وإن أعرضت عما ذكر من ذوي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد، حيث لم تجد ما تعطيهم، { ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } أي: لطلب رزق تنتظره يأتيك لتعطيهم منه، { فقل لهم قولا ميسورا } فقل لهم قولا لينا سهلا، بأن تعدهم بالعطاء عند مجيء الرزق، وكان صلى الله عليه وسلم إذا سأله أحد، ولم يجد ما يعطيه، أعرض عنه، حياء منه. فأمر بحسن القول مع ذلك، مثل: رزقنا الله وإياكم، والله يغنيكم من فضله، وشبه ذلك ثم أمره بالتوسط في العطاء، فقال: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } أي: لا تمسكها عن الإنفاق كل الإمساك، { ولا تبسطها كل البسط } ، وهو استعارة لغاية الجود، فنهى الحق تعالى عن الطرفين، وأمر بالتوسط فيهما، كقوله: إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا... [الفرقان: 67] الآية. { فتقعد ملوما محسورا } أي: فتصير، إذا أسرفت، ملوما عند الله وعند الناس بالإسراف وسوء التبذير، محسورا: منقطعا بك، لا شيء عندك. وهو من قولهم: حسر السفر بالبعير: إذا أتعبه، ولم يبق له قوة. وعن جابر رضي الله عنه: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، أتاه صبي، فقال له: إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه، وقعد عريانا، وأذن بلال، وانتظره للصلاة، فلم يخرج، فأنزل الله: { ولا تجعل يدك } الآية. ثم سلاه بقوله: { إن ربك يبسط الرزق } يوسعه { لمن يشاء ويقدر } يضيقه على من يشاء. فكل ما يصيبك من الضيق فإنما هو لمصلحة باطنية، { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } يعلم سرهم وعلانيتهم، فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم فيرزقهم على حسب مصالحهم، ويضيق عليهم على قدر صبرهم. والحاصل: أنه يعطي كل واحد ما يصلح به، والله أعلم. الإشارة: أمر الحق - جل جلاله - رسوله صلى الله عليه وسلم، وخلفاءه ممن كان على قدمه، أن يعطوا حق الواردين عليهم من قرابة الدين والنسب، والمساكين والغرباء، من البر والإحسان حسا ومعنى كتعظيم ملاقاته، وإرشادهم إلى ما ينفع بواطنهم، والإنفاق عليهم، من أحسن ما يجد، حسا ومعنى، وخصوصا الإخوان في الله. فكل ما ينفق عليهم فهو قليل في حقهم، ولا يعد سرفا، ولو أنفق ملء الأرض ذهبا. قال في القوت: دعا إبراهيم بن أدهم الثوري وأصحابه إلى طعام، فأكثر منه، فقال له سفيان: يا أبا إسحاق أما تخاف أن يكون هذا سرفا؟ فقال إبراهيم: ليس في الطعام سرف. ه. قلت: هذا إن قدمه إلى الإخوان الذاكرين الله قاصدا وجه الله، وأما إن قدمه مفاخرة ومباهاة دخله السرف. قاله في الحاشية الفاسية، ومثله في تفسير القشيري، وأنه لا سرف فيما كان لله، ولو أنفق ما أنفق. بخلاف ما كان لدواعي النفس ولو فلسا. ه. وأما الخروج عن المال كله فمذموم، إلا من قوي يقينه، كالصديق، ومن كان على قدمه. وكذلك الاستقراض على الله، واشتراؤه بالدين من غير مادة معلومة، إن كان قوي اليقين، وجرب معاملته مع الحق، فلا بأس بفعل ذلك وإلا فليكف لئلا يتعرض لإتلاف أموال الناس فيتلفه الله. وبالله التوفيق. ولما أمر بما يقربها إليه نهى عما يبعدنا عنه

الإسراء 17:31

قلت: { خشية }: مفعول من أجله لأن الخشية قلبية، بخلاف الإملاق، فإنه حسي فجر بمن في سورة الأنعام. وهذه الآية في أغنياء العرب، الذين كانوا يخشون وقوع الفقر، وما في " الأنعام " نزلت في فقرائهم، الذين كان الفقر واقعا بهم، ولذلك قدم هناك كاف الخطاب، وأخره هنا، فتأمله. و " خطا " يقال: خطئ خطأ، كأثم إثما. وقرأ ابن عامر: " خطأ " ، بفتحتين، فهو إما اسم مصدر أخطأ، أو لغة في خطئ، كمثل ومثل، وحذر وحذر. وقرأ ابن كثير: " خطاء " بالمد، إما لغة، أو مصدر خاطأ. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { ولا تقتلوا أولادكم } مخافة الفاقة المستقبلة، وقد كانوا يقتلون البنات - وهو الوأد - مخافة الفقر، فنهاهم، عن ذلك، وضمن لهم أرزاقهم، فقال: { نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ } إثما { كبيرا } لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع وإيلام الروح. { ولا تقربوا الزنا } ، نهى عن مقاربته بالمقدمات. كالعزم والنظر وشبهه، فأحرى مباشرته، { إنه كان فاحشة } أي: فعلة ظاهرا فحشها وقبحها، { وساء سبيلا } قبح طريقا طريقه، وهو غصب الأبضاع لما فيه من اختلاط الأنساب وهتك محارم الناس، وتهييج الفتن. { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل مؤمن معصوم عمدا، كما في الحديث. ويلحق بها أشياء في معناها: كالحرابة، وترك الصلاة، ومنع الزكاة. { ومن قتل مظلوما } أي: غير مستوجب للقتل { فقد جعلنا لوليه } أي: الذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث، { سلطانا } تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل بأخذ الدية، أو القصاص، وقوله: { مظلوما }: يدل على أن القتل عمد لأن الخطأ لا يسمى ظلما. أو: جعلنا له حجة غالبة، { فلا يسرف في القتل } بأن يقتل من لا يحق قتله، أو بالمثلة، أو قتل غير القاتل، { إنه } أي: الولي { كان منصورا } حيث وجب القصاص له، وأمر الولاة بمعونته. أو: إنه، أي: المقتول، كان منصورا في الدنيا بثبوت القصاص ممن قتله، وفي الآخرة بالثواب. { ولا تقربوا مال اليتيم } فضلا عن أن تتصرفوا فيه { إلا بالتي هي أحسن } إلا بالطريقة التي هي أحسن، كالحفظ والتنمية، { حتى يبلغ أشده } حتى يتم رشده، ثم يدفع له، فإن دفعه لمن يتصرف فيه بالمصلحة فلا بأس، { وأوفوا بالعهد } إذا عاهدتم الله أو الناس، { إن العهد كان مسؤولا } أي: مطلوبا الوفاء به، فيطلب من المعاهد ألا يضيعه، أو: مسؤولا عنه، فيسأل عنه الناكث ويعاتب عليه، أو: يسأل العهد نفسه لم نكثت، تبكيتا للناكث، { وأوفوا الكيل إذا كلتم } ولا تبخسوا فيه، { وزنوا بالقسطاس المستقيم } بالميزان السوي. والقسطاس: لغة رومية، ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لأن غير العربي، إذا استعملته العرب، فأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير، صار عربيا. قاله البيضاوي. { ذلك خير وأحسن تأويلا } أي: أحسن عاقبة ومآلا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ولا تقتلوا ما أنتجته الأفكار الصافية من العلوم بإهمال القلوب في طلب رزق الأشباح، خشية لحوق الفقر، فإن الله ضامن لرزق الأشباح والأرواح. ولا تميلوا إلى الحظوظ، التي تخرجكم عن حضرة الحق فإن ذلك من أقبح الفواحش. ولا تقتلوا النفس بتوالي الغفلة والجهل، التي حرم الله قتلها وإهمالها، وأمر بإحيائها بالذكر والعلم، ومن قتل بذلك مظلوما بحيث غلبته نفسه، ولم تساعده الأقدار، فقد جعلنا لعقله سلطانا، أي: تسلطا عليها بمجاهدتها وقتلها وردها إلى مولاها، فلا يسرف في قتلها، بل بسياسة وحيلة، كما قال القائل: واحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصر من قبيله إنه كان منصورا، إن انتصر بمولاه، وآوى بها إلى شيخ كامل، قد فرغ من تأديب نفسه وهواه. وقد تقدم باقي الإشارة في سورة الأنعام وغيرها. وبالله التوفيق.

الإسراء 17:32

قلت: { خشية }: مفعول من أجله لأن الخشية قلبية، بخلاف الإملاق، فإنه حسي فجر بمن في سورة الأنعام. وهذه الآية في أغنياء العرب، الذين كانوا يخشون وقوع الفقر، وما في " الأنعام " نزلت في فقرائهم، الذين كان الفقر واقعا بهم، ولذلك قدم هناك كاف الخطاب، وأخره هنا، فتأمله. و " خطا " يقال: خطئ خطأ، كأثم إثما. وقرأ ابن عامر: " خطأ " ، بفتحتين، فهو إما اسم مصدر أخطأ، أو لغة في خطئ، كمثل ومثل، وحذر وحذر. وقرأ ابن كثير: " خطاء " بالمد، إما لغة، أو مصدر خاطأ. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { ولا تقتلوا أولادكم } مخافة الفاقة المستقبلة، وقد كانوا يقتلون البنات - وهو الوأد - مخافة الفقر، فنهاهم، عن ذلك، وضمن لهم أرزاقهم، فقال: { نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ } إثما { كبيرا } لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع وإيلام الروح. { ولا تقربوا الزنا } ، نهى عن مقاربته بالمقدمات. كالعزم والنظر وشبهه، فأحرى مباشرته، { إنه كان فاحشة } أي: فعلة ظاهرا فحشها وقبحها، { وساء سبيلا } قبح طريقا طريقه، وهو غصب الأبضاع لما فيه من اختلاط الأنساب وهتك محارم الناس، وتهييج الفتن. { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل مؤمن معصوم عمدا، كما في الحديث. ويلحق بها أشياء في معناها: كالحرابة، وترك الصلاة، ومنع الزكاة. { ومن قتل مظلوما } أي: غير مستوجب للقتل { فقد جعلنا لوليه } أي: الذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث، { سلطانا } تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل بأخذ الدية، أو القصاص، وقوله: { مظلوما }: يدل على أن القتل عمد لأن الخطأ لا يسمى ظلما. أو: جعلنا له حجة غالبة، { فلا يسرف في القتل } بأن يقتل من لا يحق قتله، أو بالمثلة، أو قتل غير القاتل، { إنه } أي: الولي { كان منصورا } حيث وجب القصاص له، وأمر الولاة بمعونته. أو: إنه، أي: المقتول، كان منصورا في الدنيا بثبوت القصاص ممن قتله، وفي الآخرة بالثواب. { ولا تقربوا مال اليتيم } فضلا عن أن تتصرفوا فيه { إلا بالتي هي أحسن } إلا بالطريقة التي هي أحسن، كالحفظ والتنمية، { حتى يبلغ أشده } حتى يتم رشده، ثم يدفع له، فإن دفعه لمن يتصرف فيه بالمصلحة فلا بأس، { وأوفوا بالعهد } إذا عاهدتم الله أو الناس، { إن العهد كان مسؤولا } أي: مطلوبا الوفاء به، فيطلب من المعاهد ألا يضيعه، أو: مسؤولا عنه، فيسأل عنه الناكث ويعاتب عليه، أو: يسأل العهد نفسه لم نكثت، تبكيتا للناكث، { وأوفوا الكيل إذا كلتم } ولا تبخسوا فيه، { وزنوا بالقسطاس المستقيم } بالميزان السوي. والقسطاس: لغة رومية، ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لأن غير العربي، إذا استعملته العرب، فأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير، صار عربيا. قاله البيضاوي. { ذلك خير وأحسن تأويلا } أي: أحسن عاقبة ومآلا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ولا تقتلوا ما أنتجته الأفكار الصافية من العلوم بإهمال القلوب في طلب رزق الأشباح، خشية لحوق الفقر، فإن الله ضامن لرزق الأشباح والأرواح. ولا تميلوا إلى الحظوظ، التي تخرجكم عن حضرة الحق فإن ذلك من أقبح الفواحش. ولا تقتلوا النفس بتوالي الغفلة والجهل، التي حرم الله قتلها وإهمالها، وأمر بإحيائها بالذكر والعلم، ومن قتل بذلك مظلوما بحيث غلبته نفسه، ولم تساعده الأقدار، فقد جعلنا لعقله سلطانا، أي: تسلطا عليها بمجاهدتها وقتلها وردها إلى مولاها، فلا يسرف في قتلها، بل بسياسة وحيلة، كما قال القائل: واحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصر من قبيله إنه كان منصورا، إن انتصر بمولاه، وآوى بها إلى شيخ كامل، قد فرغ من تأديب نفسه وهواه. وقد تقدم باقي الإشارة في سورة الأنعام وغيرها. وبالله التوفيق.

الإسراء 17:33

قلت: { خشية }: مفعول من أجله لأن الخشية قلبية، بخلاف الإملاق، فإنه حسي فجر بمن في سورة الأنعام. وهذه الآية في أغنياء العرب، الذين كانوا يخشون وقوع الفقر، وما في " الأنعام " نزلت في فقرائهم، الذين كان الفقر واقعا بهم، ولذلك قدم هناك كاف الخطاب، وأخره هنا، فتأمله. و " خطا " يقال: خطئ خطأ، كأثم إثما. وقرأ ابن عامر: " خطأ " ، بفتحتين، فهو إما اسم مصدر أخطأ، أو لغة في خطئ، كمثل ومثل، وحذر وحذر. وقرأ ابن كثير: " خطاء " بالمد، إما لغة، أو مصدر خاطأ. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { ولا تقتلوا أولادكم } مخافة الفاقة المستقبلة، وقد كانوا يقتلون البنات - وهو الوأد - مخافة الفقر، فنهاهم، عن ذلك، وضمن لهم أرزاقهم، فقال: { نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ } إثما { كبيرا } لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع وإيلام الروح. { ولا تقربوا الزنا } ، نهى عن مقاربته بالمقدمات. كالعزم والنظر وشبهه، فأحرى مباشرته، { إنه كان فاحشة } أي: فعلة ظاهرا فحشها وقبحها، { وساء سبيلا } قبح طريقا طريقه، وهو غصب الأبضاع لما فيه من اختلاط الأنساب وهتك محارم الناس، وتهييج الفتن. { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل مؤمن معصوم عمدا، كما في الحديث. ويلحق بها أشياء في معناها: كالحرابة، وترك الصلاة، ومنع الزكاة. { ومن قتل مظلوما } أي: غير مستوجب للقتل { فقد جعلنا لوليه } أي: الذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث، { سلطانا } تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل بأخذ الدية، أو القصاص، وقوله: { مظلوما }: يدل على أن القتل عمد لأن الخطأ لا يسمى ظلما. أو: جعلنا له حجة غالبة، { فلا يسرف في القتل } بأن يقتل من لا يحق قتله، أو بالمثلة، أو قتل غير القاتل، { إنه } أي: الولي { كان منصورا } حيث وجب القصاص له، وأمر الولاة بمعونته. أو: إنه، أي: المقتول، كان منصورا في الدنيا بثبوت القصاص ممن قتله، وفي الآخرة بالثواب. { ولا تقربوا مال اليتيم } فضلا عن أن تتصرفوا فيه { إلا بالتي هي أحسن } إلا بالطريقة التي هي أحسن، كالحفظ والتنمية، { حتى يبلغ أشده } حتى يتم رشده، ثم يدفع له، فإن دفعه لمن يتصرف فيه بالمصلحة فلا بأس، { وأوفوا بالعهد } إذا عاهدتم الله أو الناس، { إن العهد كان مسؤولا } أي: مطلوبا الوفاء به، فيطلب من المعاهد ألا يضيعه، أو: مسؤولا عنه، فيسأل عنه الناكث ويعاتب عليه، أو: يسأل العهد نفسه لم نكثت، تبكيتا للناكث، { وأوفوا الكيل إذا كلتم } ولا تبخسوا فيه، { وزنوا بالقسطاس المستقيم } بالميزان السوي. والقسطاس: لغة رومية، ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لأن غير العربي، إذا استعملته العرب، فأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير، صار عربيا. قاله البيضاوي. { ذلك خير وأحسن تأويلا } أي: أحسن عاقبة ومآلا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ولا تقتلوا ما أنتجته الأفكار الصافية من العلوم بإهمال القلوب في طلب رزق الأشباح، خشية لحوق الفقر، فإن الله ضامن لرزق الأشباح والأرواح. ولا تميلوا إلى الحظوظ، التي تخرجكم عن حضرة الحق فإن ذلك من أقبح الفواحش. ولا تقتلوا النفس بتوالي الغفلة والجهل، التي حرم الله قتلها وإهمالها، وأمر بإحيائها بالذكر والعلم، ومن قتل بذلك مظلوما بحيث غلبته نفسه، ولم تساعده الأقدار، فقد جعلنا لعقله سلطانا، أي: تسلطا عليها بمجاهدتها وقتلها وردها إلى مولاها، فلا يسرف في قتلها، بل بسياسة وحيلة، كما قال القائل: واحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصر من قبيله إنه كان منصورا، إن انتصر بمولاه، وآوى بها إلى شيخ كامل، قد فرغ من تأديب نفسه وهواه. وقد تقدم باقي الإشارة في سورة الأنعام وغيرها. وبالله التوفيق.

الإسراء 17:34

قلت: { خشية }: مفعول من أجله لأن الخشية قلبية، بخلاف الإملاق، فإنه حسي فجر بمن في سورة الأنعام. وهذه الآية في أغنياء العرب، الذين كانوا يخشون وقوع الفقر، وما في " الأنعام " نزلت في فقرائهم، الذين كان الفقر واقعا بهم، ولذلك قدم هناك كاف الخطاب، وأخره هنا، فتأمله. و " خطا " يقال: خطئ خطأ، كأثم إثما. وقرأ ابن عامر: " خطأ " ، بفتحتين، فهو إما اسم مصدر أخطأ، أو لغة في خطئ، كمثل ومثل، وحذر وحذر. وقرأ ابن كثير: " خطاء " بالمد، إما لغة، أو مصدر خاطأ. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { ولا تقتلوا أولادكم } مخافة الفاقة المستقبلة، وقد كانوا يقتلون البنات - وهو الوأد - مخافة الفقر، فنهاهم، عن ذلك، وضمن لهم أرزاقهم، فقال: { نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ } إثما { كبيرا } لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع وإيلام الروح. { ولا تقربوا الزنا } ، نهى عن مقاربته بالمقدمات. كالعزم والنظر وشبهه، فأحرى مباشرته، { إنه كان فاحشة } أي: فعلة ظاهرا فحشها وقبحها، { وساء سبيلا } قبح طريقا طريقه، وهو غصب الأبضاع لما فيه من اختلاط الأنساب وهتك محارم الناس، وتهييج الفتن. { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل مؤمن معصوم عمدا، كما في الحديث. ويلحق بها أشياء في معناها: كالحرابة، وترك الصلاة، ومنع الزكاة. { ومن قتل مظلوما } أي: غير مستوجب للقتل { فقد جعلنا لوليه } أي: الذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث، { سلطانا } تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل بأخذ الدية، أو القصاص، وقوله: { مظلوما }: يدل على أن القتل عمد لأن الخطأ لا يسمى ظلما. أو: جعلنا له حجة غالبة، { فلا يسرف في القتل } بأن يقتل من لا يحق قتله، أو بالمثلة، أو قتل غير القاتل، { إنه } أي: الولي { كان منصورا } حيث وجب القصاص له، وأمر الولاة بمعونته. أو: إنه، أي: المقتول، كان منصورا في الدنيا بثبوت القصاص ممن قتله، وفي الآخرة بالثواب. { ولا تقربوا مال اليتيم } فضلا عن أن تتصرفوا فيه { إلا بالتي هي أحسن } إلا بالطريقة التي هي أحسن، كالحفظ والتنمية، { حتى يبلغ أشده } حتى يتم رشده، ثم يدفع له، فإن دفعه لمن يتصرف فيه بالمصلحة فلا بأس، { وأوفوا بالعهد } إذا عاهدتم الله أو الناس، { إن العهد كان مسؤولا } أي: مطلوبا الوفاء به، فيطلب من المعاهد ألا يضيعه، أو: مسؤولا عنه، فيسأل عنه الناكث ويعاتب عليه، أو: يسأل العهد نفسه لم نكثت، تبكيتا للناكث، { وأوفوا الكيل إذا كلتم } ولا تبخسوا فيه، { وزنوا بالقسطاس المستقيم } بالميزان السوي. والقسطاس: لغة رومية، ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لأن غير العربي، إذا استعملته العرب، فأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير، صار عربيا. قاله البيضاوي. { ذلك خير وأحسن تأويلا } أي: أحسن عاقبة ومآلا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ولا تقتلوا ما أنتجته الأفكار الصافية من العلوم بإهمال القلوب في طلب رزق الأشباح، خشية لحوق الفقر، فإن الله ضامن لرزق الأشباح والأرواح. ولا تميلوا إلى الحظوظ، التي تخرجكم عن حضرة الحق فإن ذلك من أقبح الفواحش. ولا تقتلوا النفس بتوالي الغفلة والجهل، التي حرم الله قتلها وإهمالها، وأمر بإحيائها بالذكر والعلم، ومن قتل بذلك مظلوما بحيث غلبته نفسه، ولم تساعده الأقدار، فقد جعلنا لعقله سلطانا، أي: تسلطا عليها بمجاهدتها وقتلها وردها إلى مولاها، فلا يسرف في قتلها، بل بسياسة وحيلة، كما قال القائل: واحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصر من قبيله إنه كان منصورا، إن انتصر بمولاه، وآوى بها إلى شيخ كامل، قد فرغ من تأديب نفسه وهواه. وقد تقدم باقي الإشارة في سورة الأنعام وغيرها. وبالله التوفيق.

الإسراء 17:35

قلت: { خشية }: مفعول من أجله لأن الخشية قلبية، بخلاف الإملاق، فإنه حسي فجر بمن في سورة الأنعام. وهذه الآية في أغنياء العرب، الذين كانوا يخشون وقوع الفقر، وما في " الأنعام " نزلت في فقرائهم، الذين كان الفقر واقعا بهم، ولذلك قدم هناك كاف الخطاب، وأخره هنا، فتأمله. و " خطا " يقال: خطئ خطأ، كأثم إثما. وقرأ ابن عامر: " خطأ " ، بفتحتين، فهو إما اسم مصدر أخطأ، أو لغة في خطئ، كمثل ومثل، وحذر وحذر. وقرأ ابن كثير: " خطاء " بالمد، إما لغة، أو مصدر خاطأ. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: { ولا تقتلوا أولادكم } مخافة الفاقة المستقبلة، وقد كانوا يقتلون البنات - وهو الوأد - مخافة الفقر، فنهاهم، عن ذلك، وضمن لهم أرزاقهم، فقال: { نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ } إثما { كبيرا } لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع وإيلام الروح. { ولا تقربوا الزنا } ، نهى عن مقاربته بالمقدمات. كالعزم والنظر وشبهه، فأحرى مباشرته، { إنه كان فاحشة } أي: فعلة ظاهرا فحشها وقبحها، { وساء سبيلا } قبح طريقا طريقه، وهو غصب الأبضاع لما فيه من اختلاط الأنساب وهتك محارم الناس، وتهييج الفتن. { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل مؤمن معصوم عمدا، كما في الحديث. ويلحق بها أشياء في معناها: كالحرابة، وترك الصلاة، ومنع الزكاة. { ومن قتل مظلوما } أي: غير مستوجب للقتل { فقد جعلنا لوليه } أي: الذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث، { سلطانا } تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل بأخذ الدية، أو القصاص، وقوله: { مظلوما }: يدل على أن القتل عمد لأن الخطأ لا يسمى ظلما. أو: جعلنا له حجة غالبة، { فلا يسرف في القتل } بأن يقتل من لا يحق قتله، أو بالمثلة، أو قتل غير القاتل، { إنه } أي: الولي { كان منصورا } حيث وجب القصاص له، وأمر الولاة بمعونته. أو: إنه، أي: المقتول، كان منصورا في الدنيا بثبوت القصاص ممن قتله، وفي الآخرة بالثواب. { ولا تقربوا مال اليتيم } فضلا عن أن تتصرفوا فيه { إلا بالتي هي أحسن } إلا بالطريقة التي هي أحسن، كالحفظ والتنمية، { حتى يبلغ أشده } حتى يتم رشده، ثم يدفع له، فإن دفعه لمن يتصرف فيه بالمصلحة فلا بأس، { وأوفوا بالعهد } إذا عاهدتم الله أو الناس، { إن العهد كان مسؤولا } أي: مطلوبا الوفاء به، فيطلب من المعاهد ألا يضيعه، أو: مسؤولا عنه، فيسأل عنه الناكث ويعاتب عليه، أو: يسأل العهد نفسه لم نكثت، تبكيتا للناكث، { وأوفوا الكيل إذا كلتم } ولا تبخسوا فيه، { وزنوا بالقسطاس المستقيم } بالميزان السوي. والقسطاس: لغة رومية، ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لأن غير العربي، إذا استعملته العرب، فأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير، صار عربيا. قاله البيضاوي. { ذلك خير وأحسن تأويلا } أي: أحسن عاقبة ومآلا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ولا تقتلوا ما أنتجته الأفكار الصافية من العلوم بإهمال القلوب في طلب رزق الأشباح، خشية لحوق الفقر، فإن الله ضامن لرزق الأشباح والأرواح. ولا تميلوا إلى الحظوظ، التي تخرجكم عن حضرة الحق فإن ذلك من أقبح الفواحش. ولا تقتلوا النفس بتوالي الغفلة والجهل، التي حرم الله قتلها وإهمالها، وأمر بإحيائها بالذكر والعلم، ومن قتل بذلك مظلوما بحيث غلبته نفسه، ولم تساعده الأقدار، فقد جعلنا لعقله سلطانا، أي: تسلطا عليها بمجاهدتها وقتلها وردها إلى مولاها، فلا يسرف في قتلها، بل بسياسة وحيلة، كما قال القائل: واحتل على النفس فرب حيله أنفع في النصر من قبيله إنه كان منصورا، إن انتصر بمولاه، وآوى بها إلى شيخ كامل، قد فرغ من تأديب نفسه وهواه. وقد تقدم باقي الإشارة في سورة الأنعام وغيرها. وبالله التوفيق.

الإسراء 17:36

قلت: قفا الشيء يقفوه: تبعه. والضمير في " عنه ": يجوز أن يعود لمصدر " لا تقف " ، أو لصاحب السمع والبصر. وقيل: إن " مسؤولا " مسند إلى " عنه " كقوله تعالى: غير المغضوب عليهم ولا الضآلين [الفاتحة: 7]، والمعنى: يسأل صاحبه عنه، وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: الإشارة في " أولئك ": إلى السمع والبصر والفؤاد، وإنما عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بأولئك لأنها حواس لها إدراك، والضمير في " عنه ": يعود على " كل " ، ويتعلق " عنه " بمسؤولا. ه. وضمير الغائب يعود على المصدر المفهوم من " مسؤولا ". و { مرحا }: مصدر في موضع الحال. و { مكروها }: نعت لسيئة، أو بدل منها، أو خبر ثان لكان. يقول الحق جل جلاله: { ولا تقف } تتبع { ما ليس لك به علم } ، فلا تقل ما لا تحقيق لك به من ذم الناس ورميهم بالغيب. فإذا قلت: سمعت كذا، أو رأيت كذا، أو تحقق عندي كذا، مما فيه نقص لأحد، فإنك تسأل يوم القيامة عن سند ذلك وتحقيقه. وهذا معنى قوله: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا }. قال البيضاوي: ولا تتبع ما لم يتعلق علمك به تقليدا، أو رجما بالغيب. واحتج به من منع اتباع الظن، وجوابه: أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند، سواء كان قطعيا أو ظنيا إذ استعماله بهذا المعنى شائع. وقيل: إنه مخصوص بالعقائد. وقيل: بالرمي وشهادة الزور، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: " من قفا مؤمنا بما ليس فيه، حبسه الله في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج " { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك } أي: كل هذه الأعضاء الثلاثة { كان عنه مسؤولا } كل واحد منها مسؤول عن نفسه، يعني: عما فعل به صاحبه. ه. مختصرا. { ولا تمش في الأرض مرحا } أي: ذا مرح، وهو: التكبر والاختيال، { إنك لن تخرق الأرض } لن تجعل فيها خرقا لشدة وطأتك { ولن تبلغ الجبال طولا } تتطاول عليها عزا وعلوا، وهو تهكم بالمختال، وتعليل للنهي، أي: إذا كنت لا تقدر على هذا، فلا يناسبك إلا التواضع والتذلل بين يدي خالقك، { كل ذلك } المذكور، من قوله: { لا تجعل مع الله إلها آخر } إلى هنا، وهي: خمس وعشرون خصلة، قال ابن عباس: إنها المكتوبة في ألواح موسى، فكل ما ذكر { كان سيئة عند ربك } أي: خصلة قبيحة { مكروها } أي: مذموما مبغوضا. والمراد بما ذكر: من المنهيات دون المأمورات. { ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة } التي هي علم الشرائع، أو معرفة الحق لذاته، والعلم للعمل به. { ولا تجعل مع الله إلها آخر } ، كرره، للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، وأنه رأس الحكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه علومه وحكمه، ولو جمع أساطير الحكماء، ولو بلغت عنان السماء. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد: غيره ممن يتصور منه ذلك. ورتب عليه، أولا: ما هو عاقبة الشرك في الدنيا، وهو: الذم والخذلان، وثانيا: ما هو نتيجته في العقبى. فقال: { فتلقى في جهنم ملوما } تلوم نفسك، وتلومك الملائكة والناس، { مدحورا } مطرودا من رحمة الله. ثم قبح رأيهم في الشرك، فقال: { أفأصفاكم ربكم بالبنين } ، وهو خطاب لمن قال: الملائكة بنات الله. والهمزة للإنكار، أي: أفخصكم ربكم بأفضل الأولاد، وهم البنون، { واتخذ من الملائكة إناثا } بنات لنفسه، { إنكم لتقولون قولا عظيما } أي: عظيم النكر والشناعة، لا يقدر قدره في إيجاب العقوبة لخرمه لقضايا العقول، بحيث لا يجترئ عليه أحد حيث تجعلونه تعالى من قبيل الأجسام المتجانسة السريعة الزوال، ثم تضيفون إليه ما تكرهونه، وتفضلون عليه أنفسكم بالبنين، ثم جعلتم الملائكة، الذين هم أشرف الخلق، أدونهم، تعالى الله عن قولكم علوا كبيرا. الإشارة: ينبغي للإنسان الكامل أن يكون في أموره كلها على بينة من ربه، فيحكم على ظاهره الشريعة المحمدية، وعلى باطنه الحقيقة القدسية، فإذا تجلى في باطنه شيء من الواردات أو الخواطر فليعرضه على الكتاب والسنة، فإن قبلاه أظهره وفعله، وإلا رده وكتمه، كان ذلك الأمر قوليا أو فعليا، أو تركا او عقدا فقد انعقد الإجماع على أنه لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وإليه الإشارة بقوله: { ولا تقف ما ليس لك به علم } ، فإن لم يجد نصا في الكتاب أو السنة فليستفت قلبه، إن صفا من خوض الحس، وإن لم يصف فليرجع إلى أهل الصفاء، وهم أهل الذكر. قال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43]، ولا يستفت أهل الظنون، وهم أهل الظاهر، قال تعالى: إن الظن لا يغني من الحق شيئا [يونس: 36]. وقال القشيري في تفسير الآية هنا: { ولا تقف ما ليس لك به علم } أي: جانب محاذاة الظنون، وما لم يطلعك الله عليه، فلا تتكلف الوقوف عليه من غير برهان. فإذا أشكل عليك شيء في حكم الوقت، فارجع إلى الله، فإن لاح لقلبك وجه من التحقيق فكن مع ما أريد، وإن بقي الحال على حد الالتباس فكل علمه إلى الله، وقف حيثما وقفت. ويقال: الفرق بين من قام بالعلم، ومن قام بالحق: أن العلماء يعرفون الشيء أولا، ثم يعملون بعلمهم، وأصحاب الحقائق يجري، بحكم التصريف عليهم، شيء، ولا علم لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يكشف لهم وجهه، فربما يجري على لسانهم شيء لا يدرون وجهه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما قالوه من شواهد العلم إذ يتحقق ذلك بجريان الحال في ثاني الوقت. انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى أشار في الحكم العطائية بقوله: " الحقائق ترد في حال التجلي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان، { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } ". قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا } ، ورد في بعض الأخبار، في صفة مشي الصوفية: أنهم يدبون على أقدامهم دبيب النمل، متواضعين خاشعين، ليس فيه إسراع مخل بالمروءة، ولا اختيال مخل بالتواضع. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالرجوع إلى كتابه فقال: { ولقد صرفنا في هذا القرآن... }

الإسراء 17:37

قلت: قفا الشيء يقفوه: تبعه. والضمير في " عنه ": يجوز أن يعود لمصدر " لا تقف " ، أو لصاحب السمع والبصر. وقيل: إن " مسؤولا " مسند إلى " عنه " كقوله تعالى: غير المغضوب عليهم ولا الضآلين [الفاتحة: 7]، والمعنى: يسأل صاحبه عنه، وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: الإشارة في " أولئك ": إلى السمع والبصر والفؤاد، وإنما عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بأولئك لأنها حواس لها إدراك، والضمير في " عنه ": يعود على " كل " ، ويتعلق " عنه " بمسؤولا. ه. وضمير الغائب يعود على المصدر المفهوم من " مسؤولا ". و { مرحا }: مصدر في موضع الحال. و { مكروها }: نعت لسيئة، أو بدل منها، أو خبر ثان لكان. يقول الحق جل جلاله: { ولا تقف } تتبع { ما ليس لك به علم } ، فلا تقل ما لا تحقيق لك به من ذم الناس ورميهم بالغيب. فإذا قلت: سمعت كذا، أو رأيت كذا، أو تحقق عندي كذا، مما فيه نقص لأحد، فإنك تسأل يوم القيامة عن سند ذلك وتحقيقه. وهذا معنى قوله: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا }. قال البيضاوي: ولا تتبع ما لم يتعلق علمك به تقليدا، أو رجما بالغيب. واحتج به من منع اتباع الظن، وجوابه: أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند، سواء كان قطعيا أو ظنيا إذ استعماله بهذا المعنى شائع. وقيل: إنه مخصوص بالعقائد. وقيل: بالرمي وشهادة الزور، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: " من قفا مؤمنا بما ليس فيه، حبسه الله في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج " { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك } أي: كل هذه الأعضاء الثلاثة { كان عنه مسؤولا } كل واحد منها مسؤول عن نفسه، يعني: عما فعل به صاحبه. ه. مختصرا. { ولا تمش في الأرض مرحا } أي: ذا مرح، وهو: التكبر والاختيال، { إنك لن تخرق الأرض } لن تجعل فيها خرقا لشدة وطأتك { ولن تبلغ الجبال طولا } تتطاول عليها عزا وعلوا، وهو تهكم بالمختال، وتعليل للنهي، أي: إذا كنت لا تقدر على هذا، فلا يناسبك إلا التواضع والتذلل بين يدي خالقك، { كل ذلك } المذكور، من قوله: { لا تجعل مع الله إلها آخر } إلى هنا، وهي: خمس وعشرون خصلة، قال ابن عباس: إنها المكتوبة في ألواح موسى، فكل ما ذكر { كان سيئة عند ربك } أي: خصلة قبيحة { مكروها } أي: مذموما مبغوضا. والمراد بما ذكر: من المنهيات دون المأمورات. { ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة } التي هي علم الشرائع، أو معرفة الحق لذاته، والعلم للعمل به. { ولا تجعل مع الله إلها آخر } ، كرره، للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، وأنه رأس الحكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه علومه وحكمه، ولو جمع أساطير الحكماء، ولو بلغت عنان السماء. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد: غيره ممن يتصور منه ذلك. ورتب عليه، أولا: ما هو عاقبة الشرك في الدنيا، وهو: الذم والخذلان، وثانيا: ما هو نتيجته في العقبى. فقال: { فتلقى في جهنم ملوما } تلوم نفسك، وتلومك الملائكة والناس، { مدحورا } مطرودا من رحمة الله. ثم قبح رأيهم في الشرك، فقال: { أفأصفاكم ربكم بالبنين } ، وهو خطاب لمن قال: الملائكة بنات الله. والهمزة للإنكار، أي: أفخصكم ربكم بأفضل الأولاد، وهم البنون، { واتخذ من الملائكة إناثا } بنات لنفسه، { إنكم لتقولون قولا عظيما } أي: عظيم النكر والشناعة، لا يقدر قدره في إيجاب العقوبة لخرمه لقضايا العقول، بحيث لا يجترئ عليه أحد حيث تجعلونه تعالى من قبيل الأجسام المتجانسة السريعة الزوال، ثم تضيفون إليه ما تكرهونه، وتفضلون عليه أنفسكم بالبنين، ثم جعلتم الملائكة، الذين هم أشرف الخلق، أدونهم، تعالى الله عن قولكم علوا كبيرا. الإشارة: ينبغي للإنسان الكامل أن يكون في أموره كلها على بينة من ربه، فيحكم على ظاهره الشريعة المحمدية، وعلى باطنه الحقيقة القدسية، فإذا تجلى في باطنه شيء من الواردات أو الخواطر فليعرضه على الكتاب والسنة، فإن قبلاه أظهره وفعله، وإلا رده وكتمه، كان ذلك الأمر قوليا أو فعليا، أو تركا او عقدا فقد انعقد الإجماع على أنه لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وإليه الإشارة بقوله: { ولا تقف ما ليس لك به علم } ، فإن لم يجد نصا في الكتاب أو السنة فليستفت قلبه، إن صفا من خوض الحس، وإن لم يصف فليرجع إلى أهل الصفاء، وهم أهل الذكر. قال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43]، ولا يستفت أهل الظنون، وهم أهل الظاهر، قال تعالى: إن الظن لا يغني من الحق شيئا [يونس: 36]. وقال القشيري في تفسير الآية هنا: { ولا تقف ما ليس لك به علم } أي: جانب محاذاة الظنون، وما لم يطلعك الله عليه، فلا تتكلف الوقوف عليه من غير برهان. فإذا أشكل عليك شيء في حكم الوقت، فارجع إلى الله، فإن لاح لقلبك وجه من التحقيق فكن مع ما أريد، وإن بقي الحال على حد الالتباس فكل علمه إلى الله، وقف حيثما وقفت. ويقال: الفرق بين من قام بالعلم، ومن قام بالحق: أن العلماء يعرفون الشيء أولا، ثم يعملون بعلمهم، وأصحاب الحقائق يجري، بحكم التصريف عليهم، شيء، ولا علم لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يكشف لهم وجهه، فربما يجري على لسانهم شيء لا يدرون وجهه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما قالوه من شواهد العلم إذ يتحقق ذلك بجريان الحال في ثاني الوقت. انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى أشار في الحكم العطائية بقوله: " الحقائق ترد في حال التجلي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان، { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } ". قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا } ، ورد في بعض الأخبار، في صفة مشي الصوفية: أنهم يدبون على أقدامهم دبيب النمل، متواضعين خاشعين، ليس فيه إسراع مخل بالمروءة، ولا اختيال مخل بالتواضع. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالرجوع إلى كتابه فقال: { ولقد صرفنا في هذا القرآن... }

الإسراء 17:38

قلت: قفا الشيء يقفوه: تبعه. والضمير في " عنه ": يجوز أن يعود لمصدر " لا تقف " ، أو لصاحب السمع والبصر. وقيل: إن " مسؤولا " مسند إلى " عنه " كقوله تعالى: غير المغضوب عليهم ولا الضآلين [الفاتحة: 7]، والمعنى: يسأل صاحبه عنه، وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: الإشارة في " أولئك ": إلى السمع والبصر والفؤاد، وإنما عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بأولئك لأنها حواس لها إدراك، والضمير في " عنه ": يعود على " كل " ، ويتعلق " عنه " بمسؤولا. ه. وضمير الغائب يعود على المصدر المفهوم من " مسؤولا ". و { مرحا }: مصدر في موضع الحال. و { مكروها }: نعت لسيئة، أو بدل منها، أو خبر ثان لكان. يقول الحق جل جلاله: { ولا تقف } تتبع { ما ليس لك به علم } ، فلا تقل ما لا تحقيق لك به من ذم الناس ورميهم بالغيب. فإذا قلت: سمعت كذا، أو رأيت كذا، أو تحقق عندي كذا، مما فيه نقص لأحد، فإنك تسأل يوم القيامة عن سند ذلك وتحقيقه. وهذا معنى قوله: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا }. قال البيضاوي: ولا تتبع ما لم يتعلق علمك به تقليدا، أو رجما بالغيب. واحتج به من منع اتباع الظن، وجوابه: أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند، سواء كان قطعيا أو ظنيا إذ استعماله بهذا المعنى شائع. وقيل: إنه مخصوص بالعقائد. وقيل: بالرمي وشهادة الزور، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: " من قفا مؤمنا بما ليس فيه، حبسه الله في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج " { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك } أي: كل هذه الأعضاء الثلاثة { كان عنه مسؤولا } كل واحد منها مسؤول عن نفسه، يعني: عما فعل به صاحبه. ه. مختصرا. { ولا تمش في الأرض مرحا } أي: ذا مرح، وهو: التكبر والاختيال، { إنك لن تخرق الأرض } لن تجعل فيها خرقا لشدة وطأتك { ولن تبلغ الجبال طولا } تتطاول عليها عزا وعلوا، وهو تهكم بالمختال، وتعليل للنهي، أي: إذا كنت لا تقدر على هذا، فلا يناسبك إلا التواضع والتذلل بين يدي خالقك، { كل ذلك } المذكور، من قوله: { لا تجعل مع الله إلها آخر } إلى هنا، وهي: خمس وعشرون خصلة، قال ابن عباس: إنها المكتوبة في ألواح موسى، فكل ما ذكر { كان سيئة عند ربك } أي: خصلة قبيحة { مكروها } أي: مذموما مبغوضا. والمراد بما ذكر: من المنهيات دون المأمورات. { ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة } التي هي علم الشرائع، أو معرفة الحق لذاته، والعلم للعمل به. { ولا تجعل مع الله إلها آخر } ، كرره، للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، وأنه رأس الحكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه علومه وحكمه، ولو جمع أساطير الحكماء، ولو بلغت عنان السماء. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد: غيره ممن يتصور منه ذلك. ورتب عليه، أولا: ما هو عاقبة الشرك في الدنيا، وهو: الذم والخذلان، وثانيا: ما هو نتيجته في العقبى. فقال: { فتلقى في جهنم ملوما } تلوم نفسك، وتلومك الملائكة والناس، { مدحورا } مطرودا من رحمة الله. ثم قبح رأيهم في الشرك، فقال: { أفأصفاكم ربكم بالبنين } ، وهو خطاب لمن قال: الملائكة بنات الله. والهمزة للإنكار، أي: أفخصكم ربكم بأفضل الأولاد، وهم البنون، { واتخذ من الملائكة إناثا } بنات لنفسه، { إنكم لتقولون قولا عظيما } أي: عظيم النكر والشناعة، لا يقدر قدره في إيجاب العقوبة لخرمه لقضايا العقول، بحيث لا يجترئ عليه أحد حيث تجعلونه تعالى من قبيل الأجسام المتجانسة السريعة الزوال، ثم تضيفون إليه ما تكرهونه، وتفضلون عليه أنفسكم بالبنين، ثم جعلتم الملائكة، الذين هم أشرف الخلق، أدونهم، تعالى الله عن قولكم علوا كبيرا. الإشارة: ينبغي للإنسان الكامل أن يكون في أموره كلها على بينة من ربه، فيحكم على ظاهره الشريعة المحمدية، وعلى باطنه الحقيقة القدسية، فإذا تجلى في باطنه شيء من الواردات أو الخواطر فليعرضه على الكتاب والسنة، فإن قبلاه أظهره وفعله، وإلا رده وكتمه، كان ذلك الأمر قوليا أو فعليا، أو تركا او عقدا فقد انعقد الإجماع على أنه لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وإليه الإشارة بقوله: { ولا تقف ما ليس لك به علم } ، فإن لم يجد نصا في الكتاب أو السنة فليستفت قلبه، إن صفا من خوض الحس، وإن لم يصف فليرجع إلى أهل الصفاء، وهم أهل الذكر. قال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43]، ولا يستفت أهل الظنون، وهم أهل الظاهر، قال تعالى: إن الظن لا يغني من الحق شيئا [يونس: 36]. وقال القشيري في تفسير الآية هنا: { ولا تقف ما ليس لك به علم } أي: جانب محاذاة الظنون، وما لم يطلعك الله عليه، فلا تتكلف الوقوف عليه من غير برهان. فإذا أشكل عليك شيء في حكم الوقت، فارجع إلى الله، فإن لاح لقلبك وجه من التحقيق فكن مع ما أريد، وإن بقي الحال على حد الالتباس فكل علمه إلى الله، وقف حيثما وقفت. ويقال: الفرق بين من قام بالعلم، ومن قام بالحق: أن العلماء يعرفون الشيء أولا، ثم يعملون بعلمهم، وأصحاب الحقائق يجري، بحكم التصريف عليهم، شيء، ولا علم لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يكشف لهم وجهه، فربما يجري على لسانهم شيء لا يدرون وجهه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما قالوه من شواهد العلم إذ يتحقق ذلك بجريان الحال في ثاني الوقت. انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى أشار في الحكم العطائية بقوله: " الحقائق ترد في حال التجلي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان، { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } ". قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا } ، ورد في بعض الأخبار، في صفة مشي الصوفية: أنهم يدبون على أقدامهم دبيب النمل، متواضعين خاشعين، ليس فيه إسراع مخل بالمروءة، ولا اختيال مخل بالتواضع. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالرجوع إلى كتابه فقال: { ولقد صرفنا في هذا القرآن... }

الإسراء 17:39

قلت: قفا الشيء يقفوه: تبعه. والضمير في " عنه ": يجوز أن يعود لمصدر " لا تقف " ، أو لصاحب السمع والبصر. وقيل: إن " مسؤولا " مسند إلى " عنه " كقوله تعالى: غير المغضوب عليهم ولا الضآلين [الفاتحة: 7]، والمعنى: يسأل صاحبه عنه، وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: الإشارة في " أولئك ": إلى السمع والبصر والفؤاد، وإنما عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بأولئك لأنها حواس لها إدراك، والضمير في " عنه ": يعود على " كل " ، ويتعلق " عنه " بمسؤولا. ه. وضمير الغائب يعود على المصدر المفهوم من " مسؤولا ". و { مرحا }: مصدر في موضع الحال. و { مكروها }: نعت لسيئة، أو بدل منها، أو خبر ثان لكان. يقول الحق جل جلاله: { ولا تقف } تتبع { ما ليس لك به علم } ، فلا تقل ما لا تحقيق لك به من ذم الناس ورميهم بالغيب. فإذا قلت: سمعت كذا، أو رأيت كذا، أو تحقق عندي كذا، مما فيه نقص لأحد، فإنك تسأل يوم القيامة عن سند ذلك وتحقيقه. وهذا معنى قوله: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا }. قال البيضاوي: ولا تتبع ما لم يتعلق علمك به تقليدا، أو رجما بالغيب. واحتج به من منع اتباع الظن، وجوابه: أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند، سواء كان قطعيا أو ظنيا إذ استعماله بهذا المعنى شائع. وقيل: إنه مخصوص بالعقائد. وقيل: بالرمي وشهادة الزور، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: " من قفا مؤمنا بما ليس فيه، حبسه الله في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج " { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك } أي: كل هذه الأعضاء الثلاثة { كان عنه مسؤولا } كل واحد منها مسؤول عن نفسه، يعني: عما فعل به صاحبه. ه. مختصرا. { ولا تمش في الأرض مرحا } أي: ذا مرح، وهو: التكبر والاختيال، { إنك لن تخرق الأرض } لن تجعل فيها خرقا لشدة وطأتك { ولن تبلغ الجبال طولا } تتطاول عليها عزا وعلوا، وهو تهكم بالمختال، وتعليل للنهي، أي: إذا كنت لا تقدر على هذا، فلا يناسبك إلا التواضع والتذلل بين يدي خالقك، { كل ذلك } المذكور، من قوله: { لا تجعل مع الله إلها آخر } إلى هنا، وهي: خمس وعشرون خصلة، قال ابن عباس: إنها المكتوبة في ألواح موسى، فكل ما ذكر { كان سيئة عند ربك } أي: خصلة قبيحة { مكروها } أي: مذموما مبغوضا. والمراد بما ذكر: من المنهيات دون المأمورات. { ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة } التي هي علم الشرائع، أو معرفة الحق لذاته، والعلم للعمل به. { ولا تجعل مع الله إلها آخر } ، كرره، للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، وأنه رأس الحكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه علومه وحكمه، ولو جمع أساطير الحكماء، ولو بلغت عنان السماء. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد: غيره ممن يتصور منه ذلك. ورتب عليه، أولا: ما هو عاقبة الشرك في الدنيا، وهو: الذم والخذلان، وثانيا: ما هو نتيجته في العقبى. فقال: { فتلقى في جهنم ملوما } تلوم نفسك، وتلومك الملائكة والناس، { مدحورا } مطرودا من رحمة الله. ثم قبح رأيهم في الشرك، فقال: { أفأصفاكم ربكم بالبنين } ، وهو خطاب لمن قال: الملائكة بنات الله. والهمزة للإنكار، أي: أفخصكم ربكم بأفضل الأولاد، وهم البنون، { واتخذ من الملائكة إناثا } بنات لنفسه، { إنكم لتقولون قولا عظيما } أي: عظيم النكر والشناعة، لا يقدر قدره في إيجاب العقوبة لخرمه لقضايا العقول، بحيث لا يجترئ عليه أحد حيث تجعلونه تعالى من قبيل الأجسام المتجانسة السريعة الزوال، ثم تضيفون إليه ما تكرهونه، وتفضلون عليه أنفسكم بالبنين، ثم جعلتم الملائكة، الذين هم أشرف الخلق، أدونهم، تعالى الله عن قولكم علوا كبيرا. الإشارة: ينبغي للإنسان الكامل أن يكون في أموره كلها على بينة من ربه، فيحكم على ظاهره الشريعة المحمدية، وعلى باطنه الحقيقة القدسية، فإذا تجلى في باطنه شيء من الواردات أو الخواطر فليعرضه على الكتاب والسنة، فإن قبلاه أظهره وفعله، وإلا رده وكتمه، كان ذلك الأمر قوليا أو فعليا، أو تركا او عقدا فقد انعقد الإجماع على أنه لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وإليه الإشارة بقوله: { ولا تقف ما ليس لك به علم } ، فإن لم يجد نصا في الكتاب أو السنة فليستفت قلبه، إن صفا من خوض الحس، وإن لم يصف فليرجع إلى أهل الصفاء، وهم أهل الذكر. قال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43]، ولا يستفت أهل الظنون، وهم أهل الظاهر، قال تعالى: إن الظن لا يغني من الحق شيئا [يونس: 36]. وقال القشيري في تفسير الآية هنا: { ولا تقف ما ليس لك به علم } أي: جانب محاذاة الظنون، وما لم يطلعك الله عليه، فلا تتكلف الوقوف عليه من غير برهان. فإذا أشكل عليك شيء في حكم الوقت، فارجع إلى الله، فإن لاح لقلبك وجه من التحقيق فكن مع ما أريد، وإن بقي الحال على حد الالتباس فكل علمه إلى الله، وقف حيثما وقفت. ويقال: الفرق بين من قام بالعلم، ومن قام بالحق: أن العلماء يعرفون الشيء أولا، ثم يعملون بعلمهم، وأصحاب الحقائق يجري، بحكم التصريف عليهم، شيء، ولا علم لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يكشف لهم وجهه، فربما يجري على لسانهم شيء لا يدرون وجهه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما قالوه من شواهد العلم إذ يتحقق ذلك بجريان الحال في ثاني الوقت. انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى أشار في الحكم العطائية بقوله: " الحقائق ترد في حال التجلي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان، { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } ". قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا } ، ورد في بعض الأخبار، في صفة مشي الصوفية: أنهم يدبون على أقدامهم دبيب النمل، متواضعين خاشعين، ليس فيه إسراع مخل بالمروءة، ولا اختيال مخل بالتواضع. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالرجوع إلى كتابه فقال: { ولقد صرفنا في هذا القرآن... }

الإسراء 17:40

قلت: قفا الشيء يقفوه: تبعه. والضمير في " عنه ": يجوز أن يعود لمصدر " لا تقف " ، أو لصاحب السمع والبصر. وقيل: إن " مسؤولا " مسند إلى " عنه " كقوله تعالى: غير المغضوب عليهم ولا الضآلين [الفاتحة: 7]، والمعنى: يسأل صاحبه عنه، وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: الإشارة في " أولئك ": إلى السمع والبصر والفؤاد، وإنما عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بأولئك لأنها حواس لها إدراك، والضمير في " عنه ": يعود على " كل " ، ويتعلق " عنه " بمسؤولا. ه. وضمير الغائب يعود على المصدر المفهوم من " مسؤولا ". و { مرحا }: مصدر في موضع الحال. و { مكروها }: نعت لسيئة، أو بدل منها، أو خبر ثان لكان. يقول الحق جل جلاله: { ولا تقف } تتبع { ما ليس لك به علم } ، فلا تقل ما لا تحقيق لك به من ذم الناس ورميهم بالغيب. فإذا قلت: سمعت كذا، أو رأيت كذا، أو تحقق عندي كذا، مما فيه نقص لأحد، فإنك تسأل يوم القيامة عن سند ذلك وتحقيقه. وهذا معنى قوله: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا }. قال البيضاوي: ولا تتبع ما لم يتعلق علمك به تقليدا، أو رجما بالغيب. واحتج به من منع اتباع الظن، وجوابه: أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند، سواء كان قطعيا أو ظنيا إذ استعماله بهذا المعنى شائع. وقيل: إنه مخصوص بالعقائد. وقيل: بالرمي وشهادة الزور، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: " من قفا مؤمنا بما ليس فيه، حبسه الله في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج " { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك } أي: كل هذه الأعضاء الثلاثة { كان عنه مسؤولا } كل واحد منها مسؤول عن نفسه، يعني: عما فعل به صاحبه. ه. مختصرا. { ولا تمش في الأرض مرحا } أي: ذا مرح، وهو: التكبر والاختيال، { إنك لن تخرق الأرض } لن تجعل فيها خرقا لشدة وطأتك { ولن تبلغ الجبال طولا } تتطاول عليها عزا وعلوا، وهو تهكم بالمختال، وتعليل للنهي، أي: إذا كنت لا تقدر على هذا، فلا يناسبك إلا التواضع والتذلل بين يدي خالقك، { كل ذلك } المذكور، من قوله: { لا تجعل مع الله إلها آخر } إلى هنا، وهي: خمس وعشرون خصلة، قال ابن عباس: إنها المكتوبة في ألواح موسى، فكل ما ذكر { كان سيئة عند ربك } أي: خصلة قبيحة { مكروها } أي: مذموما مبغوضا. والمراد بما ذكر: من المنهيات دون المأمورات. { ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة } التي هي علم الشرائع، أو معرفة الحق لذاته، والعلم للعمل به. { ولا تجعل مع الله إلها آخر } ، كرره، للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، وأنه رأس الحكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه علومه وحكمه، ولو جمع أساطير الحكماء، ولو بلغت عنان السماء. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد: غيره ممن يتصور منه ذلك. ورتب عليه، أولا: ما هو عاقبة الشرك في الدنيا، وهو: الذم والخذلان، وثانيا: ما هو نتيجته في العقبى. فقال: { فتلقى في جهنم ملوما } تلوم نفسك، وتلومك الملائكة والناس، { مدحورا } مطرودا من رحمة الله. ثم قبح رأيهم في الشرك، فقال: { أفأصفاكم ربكم بالبنين } ، وهو خطاب لمن قال: الملائكة بنات الله. والهمزة للإنكار، أي: أفخصكم ربكم بأفضل الأولاد، وهم البنون، { واتخذ من الملائكة إناثا } بنات لنفسه، { إنكم لتقولون قولا عظيما } أي: عظيم النكر والشناعة، لا يقدر قدره في إيجاب العقوبة لخرمه لقضايا العقول، بحيث لا يجترئ عليه أحد حيث تجعلونه تعالى من قبيل الأجسام المتجانسة السريعة الزوال، ثم تضيفون إليه ما تكرهونه، وتفضلون عليه أنفسكم بالبنين، ثم جعلتم الملائكة، الذين هم أشرف الخلق، أدونهم، تعالى الله عن قولكم علوا كبيرا. الإشارة: ينبغي للإنسان الكامل أن يكون في أموره كلها على بينة من ربه، فيحكم على ظاهره الشريعة المحمدية، وعلى باطنه الحقيقة القدسية، فإذا تجلى في باطنه شيء من الواردات أو الخواطر فليعرضه على الكتاب والسنة، فإن قبلاه أظهره وفعله، وإلا رده وكتمه، كان ذلك الأمر قوليا أو فعليا، أو تركا او عقدا فقد انعقد الإجماع على أنه لا يحل لامرئ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وإليه الإشارة بقوله: { ولا تقف ما ليس لك به علم } ، فإن لم يجد نصا في الكتاب أو السنة فليستفت قلبه، إن صفا من خوض الحس، وإن لم يصف فليرجع إلى أهل الصفاء، وهم أهل الذكر. قال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43]، ولا يستفت أهل الظنون، وهم أهل الظاهر، قال تعالى: إن الظن لا يغني من الحق شيئا [يونس: 36]. وقال القشيري في تفسير الآية هنا: { ولا تقف ما ليس لك به علم } أي: جانب محاذاة الظنون، وما لم يطلعك الله عليه، فلا تتكلف الوقوف عليه من غير برهان. فإذا أشكل عليك شيء في حكم الوقت، فارجع إلى الله، فإن لاح لقلبك وجه من التحقيق فكن مع ما أريد، وإن بقي الحال على حد الالتباس فكل علمه إلى الله، وقف حيثما وقفت. ويقال: الفرق بين من قام بالعلم، ومن قام بالحق: أن العلماء يعرفون الشيء أولا، ثم يعملون بعلمهم، وأصحاب الحقائق يجري، بحكم التصريف عليهم، شيء، ولا علم لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يكشف لهم وجهه، فربما يجري على لسانهم شيء لا يدرون وجهه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما قالوه من شواهد العلم إذ يتحقق ذلك بجريان الحال في ثاني الوقت. انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى أشار في الحكم العطائية بقوله: " الحقائق ترد في حال التجلي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان، { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } ". قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا } ، ورد في بعض الأخبار، في صفة مشي الصوفية: أنهم يدبون على أقدامهم دبيب النمل، متواضعين خاشعين، ليس فيه إسراع مخل بالمروءة، ولا اختيال مخل بالتواضع. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالرجوع إلى كتابه فقال: { ولقد صرفنا في هذا القرآن... }

الإسراء 17:41

يقول الحق جل جلاله: { ولقد صرفنا } بينا { في هذا القرآن } من الأمثال والعبر، والوعد والوعيد { ليذكروا } ليتعظوا به، { وما يزيدهم } ذلك { إلا نفورا } عن الحق وعنادا له. الإشارة: من شأن القلوب الصافية: إذا سمعت كلام الحبيب فرحت واهتزت، أو خشعت واقشعرت من هيبة المتكلم، كل على ما يليق بمقامه، ومن شأن القلوب الخبيثة المكدرة: نفورها من كلام الحق إذ الباطل لا يقاوم الحق، ولا يطيق مواجهته. والله تعالى أعلم. ثم ابطل فذهب اهل الشرك

الإسراء 17:42

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { لو كان معه } في الوجود { آلهة } تستحق أن تعبد، { كما تقولون } أيها المشركون، أو كما يقول المشركون أيها الرسول، { إذا لابتغوا } لطلبوا { إلى ذي العرش سبيلا } طريقا يقاتلونه. وهذا جواب عن مقالتهم الشنعاء. والمعنى: لطلبوا إلى من هو ملك الملك طريقا بالمعاداة، كما تفعل الملوك بعضهم مع بعض. وهذا كقوله: إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض [المؤمنون: 91]. وقيل: لابتغوا إليه سبيلا بالتقرب إليه والطاعة لعلمهم بقدرته، وتحققهم بعجزهم، كقوله: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة [الإسراء: 57]. ثم نزه نفسه عن ذلك فقال: { سبحانه } تنزيها له { وتعالى } ترافع { عما يقولون } من الشركاء، { علوا } تعاليا { كبيرا } لا غاية وراءه. كيف لا وهو تعالى في أقصى غاية الوجود! وهو الوجوب الذاتي، وما يقولونه من أن له تعالى شركاء وأولادا، في أبعد مراتب العدم، أعني: الامتناع لأنه من خواص المحدثات الفانية. { يسبح له السماوات السبع } أي: تنزهه، { والأرض ومن فيهن } كلها تدل على تنزيهه عن الشريك والولد، { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } ينزهه عما هو من لوازم الإمكان، وتوابع الحدوث، بلسان الحال، حيث تدل بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم، الواجب لذاته. قاله البيضاوي. وظاهره: أن تسبيح الأشياء حالي لا مقالي، والراجح أنه مقالي. ثم مع كونه مقاليا لا يختص بقول مخصوص، كما قال الجلال السيوطي، أي: تقول: سبحان الله وبحمده. بل كل أحد يسبح بما يناسب حاله. وإلى هذا يرشد كلام أهل الكاشف، حتى ذكر الحاتمي: أن من لم يسمعها مختلفة التسبيح لم يسمعها، وإنما سمع الحالة الغالبة عليه. وورد في الحديث: " ما اصطيد حوت في البحر، ولا طائر يطير، إلا بما ضيع من تسبيح الله تعالى " وفي الحديث أيضا: " ما تطلع الشمس فيبقى خلق من خلق الله، إلا يسبح الله بحمده، إلا ما كان من الشيطان وأعتى بني آدم ". ومذهب أهل السنة: عدم اشتراط البنية للعلم والحياة، فيصح الخشوع من الجماد، والخشية لله والتسبيح منه له. وقد قال ابن حجر على حديث حنين الجذع: فيه دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكا كالحيوان، بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لمن يحمل قوله: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } على ظاهره. ه. وقال ابن عطية: اختلف أهل العلم في هذا التسبيح فقالت فرقة: هو تجوز، ومعناه: أن كل شيء تبدو فيه صفة الصانع الدالة عليه، فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر. وقالت فرقة: قوله: { من شيء }: لفظه عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات الميتة. فمن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح، والاسطوانة لا تسبح. قال يزيد الرقاشي للحسن - وهما في طعام، وقد قدم الخوان-: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مدة. يريد أن الشجرة، في زمان نموها واغتذائها، تسبح. وقد صارت خوانا أو نحوه، أي: صارت جمادا. وقالت فرقة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء، على العموم، يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه أثر الصنعة، لكان أمرا مفهوما، والآية تنطق بأنه لا يفقه، وينفصل عنه بأن يريد بقوله: { لا تفقهون }: الكفار والغفلة، أي: أنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله في الأشياء. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: وربما يدل للعموم تسبيح الحصى في يده - عليه الصلاة والسلام -، وكذا حنين الجذع ومحبة أحد، وكذا تسبيح الطعام. وأما التخصيص بالناميات من نبات غير يابس، وحجر متصل بموضعه، فهو خصوص تسبيح بالاستمداد إلى الحياة، ولا ينتفي مطلق الاستمداد لأن الجماد يستمد الوجود وبقاءه من الله، فهو عام، وقد قال تعالى: يجبال أوبي معه [سبأ: 10]، وتدبر حنين الجذع. ه. وسيأتي في الإشارة بقية كلام عليه، وقال البيضاوي أيضا في قوله: { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } أيها المشركون لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم التسبيح. ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك من اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه اللفظ، وإلى ما لا يتصور منه، وعليهما، أي: ويحمل - عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه. ه. { إنه كان حليما } حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، مع ما أنتم عليه من موجباتها من الإعراض عن النظر في الدلائل الواضحة، الدالة على التوحيد، والانهماك في الكفر والإشراك، { غفورا } لمن تاب منكم. وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما دخل عالم التكوين من العرش إلى الفرش، أو ما قدر وجوده من غيرهما كله قائم بين حس ومعنى، بين عبودية وربوبية، بين قدرة وحكمة. فالحس محل العبودية، فيه تظهر قهرية الربوبية، والمعنى هو أسرار الربوبية القائمة بالأشياء، فالأشياء كلها تنادي بلسان معناها، وتقول: سبحانه ما أعظم شأنه، ولكن لا يفقه هذا التسبيح إلا من خاض بحار التوحيد، وغاص في أسرار التفريد. فالأشياء ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، قائمة من حيث حسها، ممحوة من حيث معناها، ولا وجود للحس من ذاته، وإنما هو رداء لكبرياء ذاته. وفي الحديث، في وصف أهل الجنة: " وليس بينهم وبين أن ينظروا إلى الرحمن إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " فمن خرق حجاب الوهم، وفنى عن دائرة الحس في دار الدنيا، لم يحتجب الحق تعالى عنه في الدارين طرفة عين. فتحصل أن الأشياء كلها تسبح من جهة معناها بلسان المقال، ومن جهة حسها بلسان الحال، وتسبيحها كما ذكرنا. ولا يذوق هذا إلا من صحب العارفين الكبار، حتى يخرجوه عن دائرة حس الأكوان إلى شهود المكون. وحسب من لم يصحبهم التسليم، كما قال القائل: إذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار والله تعالى أعلم. وسبب عدم فقه التسبيح الأشياء غفلة القلوب وطبع الأكنة.

الإسراء 17:43

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { لو كان معه } في الوجود { آلهة } تستحق أن تعبد، { كما تقولون } أيها المشركون، أو كما يقول المشركون أيها الرسول، { إذا لابتغوا } لطلبوا { إلى ذي العرش سبيلا } طريقا يقاتلونه. وهذا جواب عن مقالتهم الشنعاء. والمعنى: لطلبوا إلى من هو ملك الملك طريقا بالمعاداة، كما تفعل الملوك بعضهم مع بعض. وهذا كقوله: إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض [المؤمنون: 91]. وقيل: لابتغوا إليه سبيلا بالتقرب إليه والطاعة لعلمهم بقدرته، وتحققهم بعجزهم، كقوله: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة [الإسراء: 57]. ثم نزه نفسه عن ذلك فقال: { سبحانه } تنزيها له { وتعالى } ترافع { عما يقولون } من الشركاء، { علوا } تعاليا { كبيرا } لا غاية وراءه. كيف لا وهو تعالى في أقصى غاية الوجود! وهو الوجوب الذاتي، وما يقولونه من أن له تعالى شركاء وأولادا، في أبعد مراتب العدم، أعني: الامتناع لأنه من خواص المحدثات الفانية. { يسبح له السماوات السبع } أي: تنزهه، { والأرض ومن فيهن } كلها تدل على تنزيهه عن الشريك والولد، { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } ينزهه عما هو من لوازم الإمكان، وتوابع الحدوث، بلسان الحال، حيث تدل بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم، الواجب لذاته. قاله البيضاوي. وظاهره: أن تسبيح الأشياء حالي لا مقالي، والراجح أنه مقالي. ثم مع كونه مقاليا لا يختص بقول مخصوص، كما قال الجلال السيوطي، أي: تقول: سبحان الله وبحمده. بل كل أحد يسبح بما يناسب حاله. وإلى هذا يرشد كلام أهل الكاشف، حتى ذكر الحاتمي: أن من لم يسمعها مختلفة التسبيح لم يسمعها، وإنما سمع الحالة الغالبة عليه. وورد في الحديث: " ما اصطيد حوت في البحر، ولا طائر يطير، إلا بما ضيع من تسبيح الله تعالى " وفي الحديث أيضا: " ما تطلع الشمس فيبقى خلق من خلق الله، إلا يسبح الله بحمده، إلا ما كان من الشيطان وأعتى بني آدم ". ومذهب أهل السنة: عدم اشتراط البنية للعلم والحياة، فيصح الخشوع من الجماد، والخشية لله والتسبيح منه له. وقد قال ابن حجر على حديث حنين الجذع: فيه دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكا كالحيوان، بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لمن يحمل قوله: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } على ظاهره. ه. وقال ابن عطية: اختلف أهل العلم في هذا التسبيح فقالت فرقة: هو تجوز، ومعناه: أن كل شيء تبدو فيه صفة الصانع الدالة عليه، فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر. وقالت فرقة: قوله: { من شيء }: لفظه عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات الميتة. فمن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح، والاسطوانة لا تسبح. قال يزيد الرقاشي للحسن - وهما في طعام، وقد قدم الخوان-: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مدة. يريد أن الشجرة، في زمان نموها واغتذائها، تسبح. وقد صارت خوانا أو نحوه، أي: صارت جمادا. وقالت فرقة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء، على العموم، يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه أثر الصنعة، لكان أمرا مفهوما، والآية تنطق بأنه لا يفقه، وينفصل عنه بأن يريد بقوله: { لا تفقهون }: الكفار والغفلة، أي: أنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله في الأشياء. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: وربما يدل للعموم تسبيح الحصى في يده - عليه الصلاة والسلام -، وكذا حنين الجذع ومحبة أحد، وكذا تسبيح الطعام. وأما التخصيص بالناميات من نبات غير يابس، وحجر متصل بموضعه، فهو خصوص تسبيح بالاستمداد إلى الحياة، ولا ينتفي مطلق الاستمداد لأن الجماد يستمد الوجود وبقاءه من الله، فهو عام، وقد قال تعالى: يجبال أوبي معه [سبأ: 10]، وتدبر حنين الجذع. ه. وسيأتي في الإشارة بقية كلام عليه، وقال البيضاوي أيضا في قوله: { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } أيها المشركون لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم التسبيح. ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك من اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه اللفظ، وإلى ما لا يتصور منه، وعليهما، أي: ويحمل - عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه. ه. { إنه كان حليما } حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، مع ما أنتم عليه من موجباتها من الإعراض عن النظر في الدلائل الواضحة، الدالة على التوحيد، والانهماك في الكفر والإشراك، { غفورا } لمن تاب منكم. وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما دخل عالم التكوين من العرش إلى الفرش، أو ما قدر وجوده من غيرهما كله قائم بين حس ومعنى، بين عبودية وربوبية، بين قدرة وحكمة. فالحس محل العبودية، فيه تظهر قهرية الربوبية، والمعنى هو أسرار الربوبية القائمة بالأشياء، فالأشياء كلها تنادي بلسان معناها، وتقول: سبحانه ما أعظم شأنه، ولكن لا يفقه هذا التسبيح إلا من خاض بحار التوحيد، وغاص في أسرار التفريد. فالأشياء ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، قائمة من حيث حسها، ممحوة من حيث معناها، ولا وجود للحس من ذاته، وإنما هو رداء لكبرياء ذاته. وفي الحديث، في وصف أهل الجنة: " وليس بينهم وبين أن ينظروا إلى الرحمن إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " فمن خرق حجاب الوهم، وفنى عن دائرة الحس في دار الدنيا، لم يحتجب الحق تعالى عنه في الدارين طرفة عين. فتحصل أن الأشياء كلها تسبح من جهة معناها بلسان المقال، ومن جهة حسها بلسان الحال، وتسبيحها كما ذكرنا. ولا يذوق هذا إلا من صحب العارفين الكبار، حتى يخرجوه عن دائرة حس الأكوان إلى شهود المكون. وحسب من لم يصحبهم التسليم، كما قال القائل: إذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار والله تعالى أعلم. وسبب عدم فقه التسبيح الأشياء غفلة القلوب وطبع الأكنة.

الإسراء 17:44

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { لو كان معه } في الوجود { آلهة } تستحق أن تعبد، { كما تقولون } أيها المشركون، أو كما يقول المشركون أيها الرسول، { إذا لابتغوا } لطلبوا { إلى ذي العرش سبيلا } طريقا يقاتلونه. وهذا جواب عن مقالتهم الشنعاء. والمعنى: لطلبوا إلى من هو ملك الملك طريقا بالمعاداة، كما تفعل الملوك بعضهم مع بعض. وهذا كقوله: إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض [المؤمنون: 91]. وقيل: لابتغوا إليه سبيلا بالتقرب إليه والطاعة لعلمهم بقدرته، وتحققهم بعجزهم، كقوله: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة [الإسراء: 57]. ثم نزه نفسه عن ذلك فقال: { سبحانه } تنزيها له { وتعالى } ترافع { عما يقولون } من الشركاء، { علوا } تعاليا { كبيرا } لا غاية وراءه. كيف لا وهو تعالى في أقصى غاية الوجود! وهو الوجوب الذاتي، وما يقولونه من أن له تعالى شركاء وأولادا، في أبعد مراتب العدم، أعني: الامتناع لأنه من خواص المحدثات الفانية. { يسبح له السماوات السبع } أي: تنزهه، { والأرض ومن فيهن } كلها تدل على تنزيهه عن الشريك والولد، { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } ينزهه عما هو من لوازم الإمكان، وتوابع الحدوث، بلسان الحال، حيث تدل بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم، الواجب لذاته. قاله البيضاوي. وظاهره: أن تسبيح الأشياء حالي لا مقالي، والراجح أنه مقالي. ثم مع كونه مقاليا لا يختص بقول مخصوص، كما قال الجلال السيوطي، أي: تقول: سبحان الله وبحمده. بل كل أحد يسبح بما يناسب حاله. وإلى هذا يرشد كلام أهل الكاشف، حتى ذكر الحاتمي: أن من لم يسمعها مختلفة التسبيح لم يسمعها، وإنما سمع الحالة الغالبة عليه. وورد في الحديث: " ما اصطيد حوت في البحر، ولا طائر يطير، إلا بما ضيع من تسبيح الله تعالى " وفي الحديث أيضا: " ما تطلع الشمس فيبقى خلق من خلق الله، إلا يسبح الله بحمده، إلا ما كان من الشيطان وأعتى بني آدم ". ومذهب أهل السنة: عدم اشتراط البنية للعلم والحياة، فيصح الخشوع من الجماد، والخشية لله والتسبيح منه له. وقد قال ابن حجر على حديث حنين الجذع: فيه دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكا كالحيوان، بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لمن يحمل قوله: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } على ظاهره. ه. وقال ابن عطية: اختلف أهل العلم في هذا التسبيح فقالت فرقة: هو تجوز، ومعناه: أن كل شيء تبدو فيه صفة الصانع الدالة عليه، فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر. وقالت فرقة: قوله: { من شيء }: لفظه عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات الميتة. فمن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح، والاسطوانة لا تسبح. قال يزيد الرقاشي للحسن - وهما في طعام، وقد قدم الخوان-: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مدة. يريد أن الشجرة، في زمان نموها واغتذائها، تسبح. وقد صارت خوانا أو نحوه، أي: صارت جمادا. وقالت فرقة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء، على العموم، يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه أثر الصنعة، لكان أمرا مفهوما، والآية تنطق بأنه لا يفقه، وينفصل عنه بأن يريد بقوله: { لا تفقهون }: الكفار والغفلة، أي: أنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله في الأشياء. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: وربما يدل للعموم تسبيح الحصى في يده - عليه الصلاة والسلام -، وكذا حنين الجذع ومحبة أحد، وكذا تسبيح الطعام. وأما التخصيص بالناميات من نبات غير يابس، وحجر متصل بموضعه، فهو خصوص تسبيح بالاستمداد إلى الحياة، ولا ينتفي مطلق الاستمداد لأن الجماد يستمد الوجود وبقاءه من الله، فهو عام، وقد قال تعالى: يجبال أوبي معه [سبأ: 10]، وتدبر حنين الجذع. ه. وسيأتي في الإشارة بقية كلام عليه، وقال البيضاوي أيضا في قوله: { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } أيها المشركون لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم التسبيح. ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك من اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه اللفظ، وإلى ما لا يتصور منه، وعليهما، أي: ويحمل - عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه. ه. { إنه كان حليما } حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، مع ما أنتم عليه من موجباتها من الإعراض عن النظر في الدلائل الواضحة، الدالة على التوحيد، والانهماك في الكفر والإشراك، { غفورا } لمن تاب منكم. وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما دخل عالم التكوين من العرش إلى الفرش، أو ما قدر وجوده من غيرهما كله قائم بين حس ومعنى، بين عبودية وربوبية، بين قدرة وحكمة. فالحس محل العبودية، فيه تظهر قهرية الربوبية، والمعنى هو أسرار الربوبية القائمة بالأشياء، فالأشياء كلها تنادي بلسان معناها، وتقول: سبحانه ما أعظم شأنه، ولكن لا يفقه هذا التسبيح إلا من خاض بحار التوحيد، وغاص في أسرار التفريد. فالأشياء ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، قائمة من حيث حسها، ممحوة من حيث معناها، ولا وجود للحس من ذاته، وإنما هو رداء لكبرياء ذاته. وفي الحديث، في وصف أهل الجنة: " وليس بينهم وبين أن ينظروا إلى الرحمن إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " فمن خرق حجاب الوهم، وفنى عن دائرة الحس في دار الدنيا، لم يحتجب الحق تعالى عنه في الدارين طرفة عين. فتحصل أن الأشياء كلها تسبح من جهة معناها بلسان المقال، ومن جهة حسها بلسان الحال، وتسبيحها كما ذكرنا. ولا يذوق هذا إلا من صحب العارفين الكبار، حتى يخرجوه عن دائرة حس الأكوان إلى شهود المكون. وحسب من لم يصحبهم التسليم، كما قال القائل: إذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار والله تعالى أعلم. وسبب عدم فقه التسبيح الأشياء غفلة القلوب وطبع الأكنة.

الإسراء 17:45

قلت: { أن يفقهوه }: مفعول من أجله، أي كراهة أن يفقهوه، و { نفورا }: مصدر في موضع الحال. والضمير في { به }: يعود على " ما " ، أي: نحن أعلم بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء والسخرية. يقول الحق جل جلاله: { وإذا قرأت القرآن } الناطق بالتنزيه والتسبيح، ودعوتهم إلى العمل بما فيه من التوحيد، ورفض الشرك، وغير ذلك من الشرائع، { جعلنا } بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على دواعي الحكم الخفية { بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة } ، خص الآخرة بالذكر من بين سائر ما كفروا به دلالة على أنها معظم ما أمروا بالإيمان به، وتمهيدا لما سينقل عنهم من إنكار البعث، أي: جعلنا بينك وبينهم { حجابا } يمنعهم عن فهمه والتدبر فيه، { مستورا } عن الحس، خفيا، معنويا، وهو الران الذي يسبح على قلوبهم من الكفر، والانهماك في الغفلة. أو: ذا ستر، كقوله: وعده مأتيا [مريم: 61]، أي: آتيا، فهو ساتر لقلوبهم عن الفهم والتدبر. نفى عنهم فقه الآيات، بعد ما نفى عنهم فقه الدلالات المنصوبة في الأشياء بيانا لكونهم مطبوعين على الضلالة، كما صرح به في قوله: { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أغطية تكنها، وتحول بينها وبين إدراك الحق وقبوله. فعلنا ذلك بهم كراهة { أن يفقهوه } ، { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } ثقلا وصمما يمنعهم من استماعه. ولما كان القرآن معجزا من حيث اللفظ والمعنى، أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ. قاله البيضاوي. { وإذ ذكرت ربك في القرآن وحده } أي: واحدا غير مشفوع به آلهتهم، { ولوا على أدبارهم نفورا } هربا من استماع التوحيد، والمعنى: وإذا ذكرت في القرآن وحدانية الله تعالى، فر المشركون عن ذلك لما في ذلك من رفض آلهتهم وذمها. قال تعالى: { نحن أعلم بما يستمعون به } أي: بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء، وكانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء، { وإذ هم نجوى } أي: ونحن أعلم بغرضهم، حين هم جماعة ذات نجوى، يتناجون بينهم ويخفون ذلك. ثم فسر نجواهم بقوله: { إذ يقول الظالمون } ، وضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا محض ظلم، أي: إذ يقولون: { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } مجنونا قد سحر حتى زال عقله. { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } ، مثلوك بالساحر، والشاعر، والكاهن، والمجنون، { فضلوا } عن الحق في جميع ذلك، { فلا يستطيعون سبيلا } إلى الهدى، أو إلى الطعن فيما جئت به بوجه فهم يتهافتون، ويخبطون، كالمتحير في أمره لا يدري ما يفعل. ونزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه من الكفار. { وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا } ، أنكروا البعث، واستبعدوا أن يجعلهم خلقا جديدا، بعد فنائهم وجعلهم ترابا. والرفات: الذي بلي، حتى صار غبارا وفتاتا. و " أئذا ": ظرف، والعامل فيه: ما دل عليه قوله: { لمبعوثون } ، لا نفسه لأن ما بعد " إن " والهمزة، لا يعمل فيما قبله، أي: أنبعث إذا كنا عظاما... الخ. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم في سورة " الأنعام " تفسير الأكنة التي تمنع من فهم القرآن والتدبر فيه، والتي تمنع من الشهود والعيان، فراجعه، إن شئت. وفي الآية تسلية لمن أوذي من الصوفية فرمي بالسحر أو غيره. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه بالجواب كما أنكروه من البعث

الإسراء 17:46

قلت: { أن يفقهوه }: مفعول من أجله، أي كراهة أن يفقهوه، و { نفورا }: مصدر في موضع الحال. والضمير في { به }: يعود على " ما " ، أي: نحن أعلم بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء والسخرية. يقول الحق جل جلاله: { وإذا قرأت القرآن } الناطق بالتنزيه والتسبيح، ودعوتهم إلى العمل بما فيه من التوحيد، ورفض الشرك، وغير ذلك من الشرائع، { جعلنا } بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على دواعي الحكم الخفية { بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة } ، خص الآخرة بالذكر من بين سائر ما كفروا به دلالة على أنها معظم ما أمروا بالإيمان به، وتمهيدا لما سينقل عنهم من إنكار البعث، أي: جعلنا بينك وبينهم { حجابا } يمنعهم عن فهمه والتدبر فيه، { مستورا } عن الحس، خفيا، معنويا، وهو الران الذي يسبح على قلوبهم من الكفر، والانهماك في الغفلة. أو: ذا ستر، كقوله: وعده مأتيا [مريم: 61]، أي: آتيا، فهو ساتر لقلوبهم عن الفهم والتدبر. نفى عنهم فقه الآيات، بعد ما نفى عنهم فقه الدلالات المنصوبة في الأشياء بيانا لكونهم مطبوعين على الضلالة، كما صرح به في قوله: { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أغطية تكنها، وتحول بينها وبين إدراك الحق وقبوله. فعلنا ذلك بهم كراهة { أن يفقهوه } ، { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } ثقلا وصمما يمنعهم من استماعه. ولما كان القرآن معجزا من حيث اللفظ والمعنى، أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ. قاله البيضاوي. { وإذ ذكرت ربك في القرآن وحده } أي: واحدا غير مشفوع به آلهتهم، { ولوا على أدبارهم نفورا } هربا من استماع التوحيد، والمعنى: وإذا ذكرت في القرآن وحدانية الله تعالى، فر المشركون عن ذلك لما في ذلك من رفض آلهتهم وذمها. قال تعالى: { نحن أعلم بما يستمعون به } أي: بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء، وكانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء، { وإذ هم نجوى } أي: ونحن أعلم بغرضهم، حين هم جماعة ذات نجوى، يتناجون بينهم ويخفون ذلك. ثم فسر نجواهم بقوله: { إذ يقول الظالمون } ، وضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا محض ظلم، أي: إذ يقولون: { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } مجنونا قد سحر حتى زال عقله. { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } ، مثلوك بالساحر، والشاعر، والكاهن، والمجنون، { فضلوا } عن الحق في جميع ذلك، { فلا يستطيعون سبيلا } إلى الهدى، أو إلى الطعن فيما جئت به بوجه فهم يتهافتون، ويخبطون، كالمتحير في أمره لا يدري ما يفعل. ونزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه من الكفار. { وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا } ، أنكروا البعث، واستبعدوا أن يجعلهم خلقا جديدا، بعد فنائهم وجعلهم ترابا. والرفات: الذي بلي، حتى صار غبارا وفتاتا. و " أئذا ": ظرف، والعامل فيه: ما دل عليه قوله: { لمبعوثون } ، لا نفسه لأن ما بعد " إن " والهمزة، لا يعمل فيما قبله، أي: أنبعث إذا كنا عظاما... الخ. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم في سورة " الأنعام " تفسير الأكنة التي تمنع من فهم القرآن والتدبر فيه، والتي تمنع من الشهود والعيان، فراجعه، إن شئت. وفي الآية تسلية لمن أوذي من الصوفية فرمي بالسحر أو غيره. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه بالجواب كما أنكروه من البعث

الإسراء 17:47

قلت: { أن يفقهوه }: مفعول من أجله، أي كراهة أن يفقهوه، و { نفورا }: مصدر في موضع الحال. والضمير في { به }: يعود على " ما " ، أي: نحن أعلم بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء والسخرية. يقول الحق جل جلاله: { وإذا قرأت القرآن } الناطق بالتنزيه والتسبيح، ودعوتهم إلى العمل بما فيه من التوحيد، ورفض الشرك، وغير ذلك من الشرائع، { جعلنا } بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على دواعي الحكم الخفية { بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة } ، خص الآخرة بالذكر من بين سائر ما كفروا به دلالة على أنها معظم ما أمروا بالإيمان به، وتمهيدا لما سينقل عنهم من إنكار البعث، أي: جعلنا بينك وبينهم { حجابا } يمنعهم عن فهمه والتدبر فيه، { مستورا } عن الحس، خفيا، معنويا، وهو الران الذي يسبح على قلوبهم من الكفر، والانهماك في الغفلة. أو: ذا ستر، كقوله: وعده مأتيا [مريم: 61]، أي: آتيا، فهو ساتر لقلوبهم عن الفهم والتدبر. نفى عنهم فقه الآيات، بعد ما نفى عنهم فقه الدلالات المنصوبة في الأشياء بيانا لكونهم مطبوعين على الضلالة، كما صرح به في قوله: { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أغطية تكنها، وتحول بينها وبين إدراك الحق وقبوله. فعلنا ذلك بهم كراهة { أن يفقهوه } ، { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } ثقلا وصمما يمنعهم من استماعه. ولما كان القرآن معجزا من حيث اللفظ والمعنى، أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ. قاله البيضاوي. { وإذ ذكرت ربك في القرآن وحده } أي: واحدا غير مشفوع به آلهتهم، { ولوا على أدبارهم نفورا } هربا من استماع التوحيد، والمعنى: وإذا ذكرت في القرآن وحدانية الله تعالى، فر المشركون عن ذلك لما في ذلك من رفض آلهتهم وذمها. قال تعالى: { نحن أعلم بما يستمعون به } أي: بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء، وكانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء، { وإذ هم نجوى } أي: ونحن أعلم بغرضهم، حين هم جماعة ذات نجوى، يتناجون بينهم ويخفون ذلك. ثم فسر نجواهم بقوله: { إذ يقول الظالمون } ، وضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا محض ظلم، أي: إذ يقولون: { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } مجنونا قد سحر حتى زال عقله. { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } ، مثلوك بالساحر، والشاعر، والكاهن، والمجنون، { فضلوا } عن الحق في جميع ذلك، { فلا يستطيعون سبيلا } إلى الهدى، أو إلى الطعن فيما جئت به بوجه فهم يتهافتون، ويخبطون، كالمتحير في أمره لا يدري ما يفعل. ونزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه من الكفار. { وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا } ، أنكروا البعث، واستبعدوا أن يجعلهم خلقا جديدا، بعد فنائهم وجعلهم ترابا. والرفات: الذي بلي، حتى صار غبارا وفتاتا. و " أئذا ": ظرف، والعامل فيه: ما دل عليه قوله: { لمبعوثون } ، لا نفسه لأن ما بعد " إن " والهمزة، لا يعمل فيما قبله، أي: أنبعث إذا كنا عظاما... الخ. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم في سورة " الأنعام " تفسير الأكنة التي تمنع من فهم القرآن والتدبر فيه، والتي تمنع من الشهود والعيان، فراجعه، إن شئت. وفي الآية تسلية لمن أوذي من الصوفية فرمي بالسحر أو غيره. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه بالجواب كما أنكروه من البعث

الإسراء 17:48

قلت: { أن يفقهوه }: مفعول من أجله، أي كراهة أن يفقهوه، و { نفورا }: مصدر في موضع الحال. والضمير في { به }: يعود على " ما " ، أي: نحن أعلم بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء والسخرية. يقول الحق جل جلاله: { وإذا قرأت القرآن } الناطق بالتنزيه والتسبيح، ودعوتهم إلى العمل بما فيه من التوحيد، ورفض الشرك، وغير ذلك من الشرائع، { جعلنا } بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على دواعي الحكم الخفية { بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة } ، خص الآخرة بالذكر من بين سائر ما كفروا به دلالة على أنها معظم ما أمروا بالإيمان به، وتمهيدا لما سينقل عنهم من إنكار البعث، أي: جعلنا بينك وبينهم { حجابا } يمنعهم عن فهمه والتدبر فيه، { مستورا } عن الحس، خفيا، معنويا، وهو الران الذي يسبح على قلوبهم من الكفر، والانهماك في الغفلة. أو: ذا ستر، كقوله: وعده مأتيا [مريم: 61]، أي: آتيا، فهو ساتر لقلوبهم عن الفهم والتدبر. نفى عنهم فقه الآيات، بعد ما نفى عنهم فقه الدلالات المنصوبة في الأشياء بيانا لكونهم مطبوعين على الضلالة، كما صرح به في قوله: { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أغطية تكنها، وتحول بينها وبين إدراك الحق وقبوله. فعلنا ذلك بهم كراهة { أن يفقهوه } ، { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } ثقلا وصمما يمنعهم من استماعه. ولما كان القرآن معجزا من حيث اللفظ والمعنى، أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ. قاله البيضاوي. { وإذ ذكرت ربك في القرآن وحده } أي: واحدا غير مشفوع به آلهتهم، { ولوا على أدبارهم نفورا } هربا من استماع التوحيد، والمعنى: وإذا ذكرت في القرآن وحدانية الله تعالى، فر المشركون عن ذلك لما في ذلك من رفض آلهتهم وذمها. قال تعالى: { نحن أعلم بما يستمعون به } أي: بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء، وكانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء، { وإذ هم نجوى } أي: ونحن أعلم بغرضهم، حين هم جماعة ذات نجوى، يتناجون بينهم ويخفون ذلك. ثم فسر نجواهم بقوله: { إذ يقول الظالمون } ، وضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا محض ظلم، أي: إذ يقولون: { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } مجنونا قد سحر حتى زال عقله. { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } ، مثلوك بالساحر، والشاعر، والكاهن، والمجنون، { فضلوا } عن الحق في جميع ذلك، { فلا يستطيعون سبيلا } إلى الهدى، أو إلى الطعن فيما جئت به بوجه فهم يتهافتون، ويخبطون، كالمتحير في أمره لا يدري ما يفعل. ونزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه من الكفار. { وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا } ، أنكروا البعث، واستبعدوا أن يجعلهم خلقا جديدا، بعد فنائهم وجعلهم ترابا. والرفات: الذي بلي، حتى صار غبارا وفتاتا. و " أئذا ": ظرف، والعامل فيه: ما دل عليه قوله: { لمبعوثون } ، لا نفسه لأن ما بعد " إن " والهمزة، لا يعمل فيما قبله، أي: أنبعث إذا كنا عظاما... الخ. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم في سورة " الأنعام " تفسير الأكنة التي تمنع من فهم القرآن والتدبر فيه، والتي تمنع من الشهود والعيان، فراجعه، إن شئت. وفي الآية تسلية لمن أوذي من الصوفية فرمي بالسحر أو غيره. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه بالجواب كما أنكروه من البعث

الإسراء 17:49

قلت: { أن يفقهوه }: مفعول من أجله، أي كراهة أن يفقهوه، و { نفورا }: مصدر في موضع الحال. والضمير في { به }: يعود على " ما " ، أي: نحن أعلم بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء والسخرية. يقول الحق جل جلاله: { وإذا قرأت القرآن } الناطق بالتنزيه والتسبيح، ودعوتهم إلى العمل بما فيه من التوحيد، ورفض الشرك، وغير ذلك من الشرائع، { جعلنا } بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على دواعي الحكم الخفية { بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة } ، خص الآخرة بالذكر من بين سائر ما كفروا به دلالة على أنها معظم ما أمروا بالإيمان به، وتمهيدا لما سينقل عنهم من إنكار البعث، أي: جعلنا بينك وبينهم { حجابا } يمنعهم عن فهمه والتدبر فيه، { مستورا } عن الحس، خفيا، معنويا، وهو الران الذي يسبح على قلوبهم من الكفر، والانهماك في الغفلة. أو: ذا ستر، كقوله: وعده مأتيا [مريم: 61]، أي: آتيا، فهو ساتر لقلوبهم عن الفهم والتدبر. نفى عنهم فقه الآيات، بعد ما نفى عنهم فقه الدلالات المنصوبة في الأشياء بيانا لكونهم مطبوعين على الضلالة، كما صرح به في قوله: { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أغطية تكنها، وتحول بينها وبين إدراك الحق وقبوله. فعلنا ذلك بهم كراهة { أن يفقهوه } ، { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } ثقلا وصمما يمنعهم من استماعه. ولما كان القرآن معجزا من حيث اللفظ والمعنى، أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ. قاله البيضاوي. { وإذ ذكرت ربك في القرآن وحده } أي: واحدا غير مشفوع به آلهتهم، { ولوا على أدبارهم نفورا } هربا من استماع التوحيد، والمعنى: وإذا ذكرت في القرآن وحدانية الله تعالى، فر المشركون عن ذلك لما في ذلك من رفض آلهتهم وذمها. قال تعالى: { نحن أعلم بما يستمعون به } أي: بالأمر الذي يستمعون به من الاستهزاء، وكانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء، { وإذ هم نجوى } أي: ونحن أعلم بغرضهم، حين هم جماعة ذات نجوى، يتناجون بينهم ويخفون ذلك. ثم فسر نجواهم بقوله: { إذ يقول الظالمون } ، وضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا محض ظلم، أي: إذ يقولون: { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } مجنونا قد سحر حتى زال عقله. { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } ، مثلوك بالساحر، والشاعر، والكاهن، والمجنون، { فضلوا } عن الحق في جميع ذلك، { فلا يستطيعون سبيلا } إلى الهدى، أو إلى الطعن فيما جئت به بوجه فهم يتهافتون، ويخبطون، كالمتحير في أمره لا يدري ما يفعل. ونزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه من الكفار. { وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا } ، أنكروا البعث، واستبعدوا أن يجعلهم خلقا جديدا، بعد فنائهم وجعلهم ترابا. والرفات: الذي بلي، حتى صار غبارا وفتاتا. و " أئذا ": ظرف، والعامل فيه: ما دل عليه قوله: { لمبعوثون } ، لا نفسه لأن ما بعد " إن " والهمزة، لا يعمل فيما قبله، أي: أنبعث إذا كنا عظاما... الخ. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تقدم في سورة " الأنعام " تفسير الأكنة التي تمنع من فهم القرآن والتدبر فيه، والتي تمنع من الشهود والعيان، فراجعه، إن شئت. وفي الآية تسلية لمن أوذي من الصوفية فرمي بالسحر أو غيره. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه بالجواب كما أنكروه من البعث

الإسراء 17:50

قلت: { قريبا }: خبر كان، أو ظرف له على أن " كان " تامة، أي: عسى أن يقع في زمن قريب. و { أن يكون }: إما: اسم " عسى " وهي تامة، أو خبرها، والاسم مضمر، أي: عسى أن يكون البعث قريبا، أو: عسى أن يقع في زمن قريب. و { يوم يدعوكم }: منصوب بمحذوف اذكروا يوم يدعوكم. أو: بدل من " قريب " على أنه ظرف. انظر أبا السعود. و { بحمده }: حال من ضمير { تستجيبون } ، أي: منقادين له، حامدين له، لما فعل بكم. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لمن أنكر البعث: { كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا } آخر { مما يكبر } أي: يعظم { في صدوركم } عن قبول الحياة، فإنكم مبعوثون ومعادون لا محالة، أي: لو كنتم حجارة أو حديدا، أو شيئا أكبر عندكم من ذلك، وأبعد من الحياة، لقدرنا على بعثكم إذ القدرة صالحة لكل ممكن. ومعنى الأمر هنا: التقدير، وليس للتعجيز، كما قال بعضهم. انظر ابن جزي، { فسيقولون من يعيدنا } إلى الحياة مرة أخرى، مع ما بيننا وبين الإعادة، من مثل هذه المباعدة؟ { قل الذي فطركم أول مرة } ولم تكونوا شيئا لأن القادر على البدء قادر على الإعادة، بل هي أهون، { فسينغضون } يحركون { إليك رؤوسهم } تعجبا واستهزاء، { ويقولون } استهزاء: { متى هو } أي: البعث، { قل عسى أن يكون قريبا } ، فإن كل ما هو آت قريب. واذكروا { يوم يدعوكم } يناديكم من القبور على لسان إسرافيل، { فتستجيبون } أي: فتبعثون من القبور { بحمده } بأمره، أو ملتبسين بحمده، حامدين له على كمال قدرته، عند مشاهدة آثارها، ومعاينة أحكامها، كما قيل: إنهم يقومون ينفضون التراب عن رؤوسهم، ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، { وتظنون إن لبثتم } ما لبثتم في الدنيا { إلا قليلا } لما ترون من الهول، أو تستقصرون مدة لبثكم في القبور، كالذي مر على قرية. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان قلبه أقسى من الحجارة والحديد، واستغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود جهالته وغفلته، فقل لهم: كونوا حجارة أو حديدا، أو خلقا أكبر من ذلك، فإن الله قادر على أن يحيي قلوبكم بمعرفته، ويلينها بعد القساوة، بسبب شرب خمرته. فسيقولون: من يعيدنا إلى هذه الحالة؟ قل: الذي فطركم على توحيده أول مرة، حين أقررتم بربوبيته، يوم أخذ الميثاق. فسينغضون إليك رؤوسهم تعجبا واستغرابا، ويقولون: متى هو هذا الفتح؟! قل: عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم إلى حضرته بشوق مقلق، أو خوف مزعج، بواسطة شيخ عارف، أو بغير واسطة، فتستجيبون بحمده ومنته، وتظنون إن لبثتم في أيام الغفلة إلا قليلا فتلين قلوبكم، وتطمئن نفوسكم، وتنشرح صدوركم، وتحسن أخلاقكم، فلا تخاطبون العباد إلا بالتي هي أحسن.

الإسراء 17:51

قلت: { قريبا }: خبر كان، أو ظرف له على أن " كان " تامة، أي: عسى أن يقع في زمن قريب. و { أن يكون }: إما: اسم " عسى " وهي تامة، أو خبرها، والاسم مضمر، أي: عسى أن يكون البعث قريبا، أو: عسى أن يقع في زمن قريب. و { يوم يدعوكم }: منصوب بمحذوف اذكروا يوم يدعوكم. أو: بدل من " قريب " على أنه ظرف. انظر أبا السعود. و { بحمده }: حال من ضمير { تستجيبون } ، أي: منقادين له، حامدين له، لما فعل بكم. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لمن أنكر البعث: { كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا } آخر { مما يكبر } أي: يعظم { في صدوركم } عن قبول الحياة، فإنكم مبعوثون ومعادون لا محالة، أي: لو كنتم حجارة أو حديدا، أو شيئا أكبر عندكم من ذلك، وأبعد من الحياة، لقدرنا على بعثكم إذ القدرة صالحة لكل ممكن. ومعنى الأمر هنا: التقدير، وليس للتعجيز، كما قال بعضهم. انظر ابن جزي، { فسيقولون من يعيدنا } إلى الحياة مرة أخرى، مع ما بيننا وبين الإعادة، من مثل هذه المباعدة؟ { قل الذي فطركم أول مرة } ولم تكونوا شيئا لأن القادر على البدء قادر على الإعادة، بل هي أهون، { فسينغضون } يحركون { إليك رؤوسهم } تعجبا واستهزاء، { ويقولون } استهزاء: { متى هو } أي: البعث، { قل عسى أن يكون قريبا } ، فإن كل ما هو آت قريب. واذكروا { يوم يدعوكم } يناديكم من القبور على لسان إسرافيل، { فتستجيبون } أي: فتبعثون من القبور { بحمده } بأمره، أو ملتبسين بحمده، حامدين له على كمال قدرته، عند مشاهدة آثارها، ومعاينة أحكامها، كما قيل: إنهم يقومون ينفضون التراب عن رؤوسهم، ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، { وتظنون إن لبثتم } ما لبثتم في الدنيا { إلا قليلا } لما ترون من الهول، أو تستقصرون مدة لبثكم في القبور، كالذي مر على قرية. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان قلبه أقسى من الحجارة والحديد، واستغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود جهالته وغفلته، فقل لهم: كونوا حجارة أو حديدا، أو خلقا أكبر من ذلك، فإن الله قادر على أن يحيي قلوبكم بمعرفته، ويلينها بعد القساوة، بسبب شرب خمرته. فسيقولون: من يعيدنا إلى هذه الحالة؟ قل: الذي فطركم على توحيده أول مرة، حين أقررتم بربوبيته، يوم أخذ الميثاق. فسينغضون إليك رؤوسهم تعجبا واستغرابا، ويقولون: متى هو هذا الفتح؟! قل: عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم إلى حضرته بشوق مقلق، أو خوف مزعج، بواسطة شيخ عارف، أو بغير واسطة، فتستجيبون بحمده ومنته، وتظنون إن لبثتم في أيام الغفلة إلا قليلا فتلين قلوبكم، وتطمئن نفوسكم، وتنشرح صدوركم، وتحسن أخلاقكم، فلا تخاطبون العباد إلا بالتي هي أحسن.

الإسراء 17:52

قلت: { قريبا }: خبر كان، أو ظرف له على أن " كان " تامة، أي: عسى أن يقع في زمن قريب. و { أن يكون }: إما: اسم " عسى " وهي تامة، أو خبرها، والاسم مضمر، أي: عسى أن يكون البعث قريبا، أو: عسى أن يقع في زمن قريب. و { يوم يدعوكم }: منصوب بمحذوف اذكروا يوم يدعوكم. أو: بدل من " قريب " على أنه ظرف. انظر أبا السعود. و { بحمده }: حال من ضمير { تستجيبون } ، أي: منقادين له، حامدين له، لما فعل بكم. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد لمن أنكر البعث: { كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا } آخر { مما يكبر } أي: يعظم { في صدوركم } عن قبول الحياة، فإنكم مبعوثون ومعادون لا محالة، أي: لو كنتم حجارة أو حديدا، أو شيئا أكبر عندكم من ذلك، وأبعد من الحياة، لقدرنا على بعثكم إذ القدرة صالحة لكل ممكن. ومعنى الأمر هنا: التقدير، وليس للتعجيز، كما قال بعضهم. انظر ابن جزي، { فسيقولون من يعيدنا } إلى الحياة مرة أخرى، مع ما بيننا وبين الإعادة، من مثل هذه المباعدة؟ { قل الذي فطركم أول مرة } ولم تكونوا شيئا لأن القادر على البدء قادر على الإعادة، بل هي أهون، { فسينغضون } يحركون { إليك رؤوسهم } تعجبا واستهزاء، { ويقولون } استهزاء: { متى هو } أي: البعث، { قل عسى أن يكون قريبا } ، فإن كل ما هو آت قريب. واذكروا { يوم يدعوكم } يناديكم من القبور على لسان إسرافيل، { فتستجيبون } أي: فتبعثون من القبور { بحمده } بأمره، أو ملتبسين بحمده، حامدين له على كمال قدرته، عند مشاهدة آثارها، ومعاينة أحكامها، كما قيل: إنهم يقومون ينفضون التراب عن رؤوسهم، ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، { وتظنون إن لبثتم } ما لبثتم في الدنيا { إلا قليلا } لما ترون من الهول، أو تستقصرون مدة لبثكم في القبور، كالذي مر على قرية. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان قلبه أقسى من الحجارة والحديد، واستغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود جهالته وغفلته، فقل لهم: كونوا حجارة أو حديدا، أو خلقا أكبر من ذلك، فإن الله قادر على أن يحيي قلوبكم بمعرفته، ويلينها بعد القساوة، بسبب شرب خمرته. فسيقولون: من يعيدنا إلى هذه الحالة؟ قل: الذي فطركم على توحيده أول مرة، حين أقررتم بربوبيته، يوم أخذ الميثاق. فسينغضون إليك رؤوسهم تعجبا واستغرابا، ويقولون: متى هو هذا الفتح؟! قل: عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم إلى حضرته بشوق مقلق، أو خوف مزعج، بواسطة شيخ عارف، أو بغير واسطة، فتستجيبون بحمده ومنته، وتظنون إن لبثتم في أيام الغفلة إلا قليلا فتلين قلوبكم، وتطمئن نفوسكم، وتنشرح صدوركم، وتحسن أخلاقكم، فلا تخاطبون العباد إلا بالتي هي أحسن.

الإسراء 17:53

يقول الحق جل جلاله: { وقل لعبادي } المؤمنين: { يقولوا } للمشركين الكلمة { التي هي أحسن } ولا تخاشنوهم، { إن الشيطان ينزغ بينهم } يهيج بينهم الجدال والشر، فلعل المخاشنة لهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد. وكان هذا بمكة، قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ. وقيل: في الخطاب من المؤمنين بعضهم لبعض، أمرهم أن يقولوا، فيما بينهم، كلاما لينا حسنا. { إن الشيطان ينزغ بينهم } العداوة والبغضاء { إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } ظاهر العداوة. يقولون لهم في المخاطبة الحسنة: { ربكم أعلم إن يشأ يرحمكم } بالتوبة والإيمان، { أو إن يشأ يعذبكم } بالموت على الكفر. وهذا تفسير للكلمة التي هي أحسن، وما بينهما اعتراض، أي: قولوا هذه الكلمة ونحوها، ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه يثير الشر، مع أن ختام أمرهم غيب. { وما أرسلناك عليهم وكيلا } موكولا إليك أمرهم، فتجبرهم على الإيمان، وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا، فدارهم، ومر أصحابك باحتمال الأذى منهم. روي أن المشركين أفرطوا في إيذائهم فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وقيل: شتم رجل عمر رضي الله عنه، فهم به، فأمره الله بالعفو. { وربك أعلم بمن في السماوات والأرض } وبأحوالهم، فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء. وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيا، وأن يكون العراة الجياع أصحابه. { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } بالفضائل النفسانية، والتفرغ من العلائق الجسمانية، لا بكثرة الأموال والأتباع، حتى يستبعدوا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لقلة ماله، وضعف أصحابه فإن سيدنا داود عليه السلام كان مثله في قلة ماله وأتباعه، ثم قواه بالملك والنبوة. ولذا قال: { وآتينا داود زبورا } وقيل: هو إشارة إلى تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مذكور في الزبور، وهو أنه خاتم الأنبياء، وأمته خير الأمم، وأنهم يرثون الأرض بالفتح عليهم قال تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون [الأنبياء: 105]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من أوصاف الصوفية - رضي الله عنهم - أنهم هينون لينون كلفة حرير، لا ينطقون إلا بالكلام الحسن، ولا يفعلون إلا ما هو حسن، ويفرحون ولا يحزنون وينبسطون ولا ينقبضون. من رأوه مقبوضا بسطوه، ومن رأوه حزينا فرحوه، ومن رأوه جاهلا أرشدوه بالتي هي أحسن. وهم متفاوتون في هذا الأمر، مفضل بعضهم على بعض في الأخلاق والولاية، فكل من زاد في الأخلاق الحسنة زاد تفضيله عند الله. وفي الحديث: " إن الرجل ليدرك بحسن الخلق، درجة الصائم النهار، القائم الليل " وبالله التوفيق. ثم رجع إلى الكلام مع المشرعين والرد عليهم

الإسراء 17:54

يقول الحق جل جلاله: { وقل لعبادي } المؤمنين: { يقولوا } للمشركين الكلمة { التي هي أحسن } ولا تخاشنوهم، { إن الشيطان ينزغ بينهم } يهيج بينهم الجدال والشر، فلعل المخاشنة لهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد. وكان هذا بمكة، قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ. وقيل: في الخطاب من المؤمنين بعضهم لبعض، أمرهم أن يقولوا، فيما بينهم، كلاما لينا حسنا. { إن الشيطان ينزغ بينهم } العداوة والبغضاء { إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } ظاهر العداوة. يقولون لهم في المخاطبة الحسنة: { ربكم أعلم إن يشأ يرحمكم } بالتوبة والإيمان، { أو إن يشأ يعذبكم } بالموت على الكفر. وهذا تفسير للكلمة التي هي أحسن، وما بينهما اعتراض، أي: قولوا هذه الكلمة ونحوها، ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه يثير الشر، مع أن ختام أمرهم غيب. { وما أرسلناك عليهم وكيلا } موكولا إليك أمرهم، فتجبرهم على الإيمان، وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا، فدارهم، ومر أصحابك باحتمال الأذى منهم. روي أن المشركين أفرطوا في إيذائهم فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وقيل: شتم رجل عمر رضي الله عنه، فهم به، فأمره الله بالعفو. { وربك أعلم بمن في السماوات والأرض } وبأحوالهم، فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء. وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيا، وأن يكون العراة الجياع أصحابه. { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } بالفضائل النفسانية، والتفرغ من العلائق الجسمانية، لا بكثرة الأموال والأتباع، حتى يستبعدوا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لقلة ماله، وضعف أصحابه فإن سيدنا داود عليه السلام كان مثله في قلة ماله وأتباعه، ثم قواه بالملك والنبوة. ولذا قال: { وآتينا داود زبورا } وقيل: هو إشارة إلى تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مذكور في الزبور، وهو أنه خاتم الأنبياء، وأمته خير الأمم، وأنهم يرثون الأرض بالفتح عليهم قال تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون [الأنبياء: 105]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من أوصاف الصوفية - رضي الله عنهم - أنهم هينون لينون كلفة حرير، لا ينطقون إلا بالكلام الحسن، ولا يفعلون إلا ما هو حسن، ويفرحون ولا يحزنون وينبسطون ولا ينقبضون. من رأوه مقبوضا بسطوه، ومن رأوه حزينا فرحوه، ومن رأوه جاهلا أرشدوه بالتي هي أحسن. وهم متفاوتون في هذا الأمر، مفضل بعضهم على بعض في الأخلاق والولاية، فكل من زاد في الأخلاق الحسنة زاد تفضيله عند الله. وفي الحديث: " إن الرجل ليدرك بحسن الخلق، درجة الصائم النهار، القائم الليل " وبالله التوفيق. ثم رجع إلى الكلام مع المشرعين والرد عليهم

الإسراء 17:55

يقول الحق جل جلاله: { وقل لعبادي } المؤمنين: { يقولوا } للمشركين الكلمة { التي هي أحسن } ولا تخاشنوهم، { إن الشيطان ينزغ بينهم } يهيج بينهم الجدال والشر، فلعل المخاشنة لهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد. وكان هذا بمكة، قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ. وقيل: في الخطاب من المؤمنين بعضهم لبعض، أمرهم أن يقولوا، فيما بينهم، كلاما لينا حسنا. { إن الشيطان ينزغ بينهم } العداوة والبغضاء { إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } ظاهر العداوة. يقولون لهم في المخاطبة الحسنة: { ربكم أعلم إن يشأ يرحمكم } بالتوبة والإيمان، { أو إن يشأ يعذبكم } بالموت على الكفر. وهذا تفسير للكلمة التي هي أحسن، وما بينهما اعتراض، أي: قولوا هذه الكلمة ونحوها، ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه يثير الشر، مع أن ختام أمرهم غيب. { وما أرسلناك عليهم وكيلا } موكولا إليك أمرهم، فتجبرهم على الإيمان، وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا، فدارهم، ومر أصحابك باحتمال الأذى منهم. روي أن المشركين أفرطوا في إيذائهم فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وقيل: شتم رجل عمر رضي الله عنه، فهم به، فأمره الله بالعفو. { وربك أعلم بمن في السماوات والأرض } وبأحوالهم، فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء. وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيا، وأن يكون العراة الجياع أصحابه. { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } بالفضائل النفسانية، والتفرغ من العلائق الجسمانية، لا بكثرة الأموال والأتباع، حتى يستبعدوا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لقلة ماله، وضعف أصحابه فإن سيدنا داود عليه السلام كان مثله في قلة ماله وأتباعه، ثم قواه بالملك والنبوة. ولذا قال: { وآتينا داود زبورا } وقيل: هو إشارة إلى تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مذكور في الزبور، وهو أنه خاتم الأنبياء، وأمته خير الأمم، وأنهم يرثون الأرض بالفتح عليهم قال تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون [الأنبياء: 105]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من أوصاف الصوفية - رضي الله عنهم - أنهم هينون لينون كلفة حرير، لا ينطقون إلا بالكلام الحسن، ولا يفعلون إلا ما هو حسن، ويفرحون ولا يحزنون وينبسطون ولا ينقبضون. من رأوه مقبوضا بسطوه، ومن رأوه حزينا فرحوه، ومن رأوه جاهلا أرشدوه بالتي هي أحسن. وهم متفاوتون في هذا الأمر، مفضل بعضهم على بعض في الأخلاق والولاية، فكل من زاد في الأخلاق الحسنة زاد تفضيله عند الله. وفي الحديث: " إن الرجل ليدرك بحسن الخلق، درجة الصائم النهار، القائم الليل " وبالله التوفيق. ثم رجع إلى الكلام مع المشرعين والرد عليهم

الإسراء 17:56

قلت: { أولئك }: مبتدأ، و { الذين يدعون }: صفته، و { يبتغون }: خبره. وضمير " يدعون ": للكفار، وفي " يبتغون ": للآلهة المعبودين، وقيل: الضمير في " يدعون " و " يبتغون ": للأنبياء المذكورين قبل في قوله: { فضلنا بعض النبيين على بعض } ، والوسيلة: ما يتوسل به ويتقرب إلى الله، و { أيهم }: بدل من فاعل { يبتغون } ، و " أي ": والوسيلة: ما يتوسل به ويتقرب إلى الله، و { أيهم }: بدل من فاعل { يبتغون } ، و " أي ": موصولة، أي: يبتغي من هو أقرب إليه تعالى -الوسيلة -، فكيف بمن دونه؟ أو ضمن معنى يبتغون: يحرصون، أي: يحرصون أيهم يكون إليه تعالى أقرب؟ يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { ادعوا الذين زعمتم } أنهم آلهة تعبدونهم { من دونه } كالملائكة والمسيح وعزير، أو كالأصنام والأوثان، { فلا يملكون } لا يستطيعون { كشف الضر عنكم } ، كالمرض والفقر والقحط، { ولا تحويلا } لذلك عنكم إلى غيركم، قال تعالى: { أولئك الذين يدعون } أنهم آلهة، هم في غاية الافتقار إلى الله والتوسل إليه، كلهم { يبتغون إلى ربهم الوسيلة } أي: التقرب بالطاعة، ويحرصون { أيهم أقرب } إلى الله من غيره، فكيف يكونون آلهة؟ أو: أولئك الذين يدعونهم آلهة، يطلبون إلى ربهم الوسيلة بالطاعة، يطلبها أيهم أقرب، أي: الذي هو أقرب، فكيف بغير الأقرب؟ { ويرجون رحمته ويخافون عذابه } كسائر العباد، فكيف يزعمون أنهم آلهة؟ { إن عذاب ربك كان محذورا } مخوفا، أي: حقيقا بأن يحذره كل أحد، حتى الرسل والملائكة. أعاذنا الله من جميعه. آمين. الإشارة: كل ما دخل عالم التكوين لزمته القهرية والعبودية، فهو عاجز عن إصلاح نفسه، فكيف يصلح غيره؟ ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه، فكيف يدفع عن غيره؟ فارفع همتك، أيها العبد، إلى مولاك، وأنزل حوائجك كلها به دون أحد سواه، فكل ما سواه مفتقر إليه، والفقير المضطر لا ينفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ والله يتولى هداك. ثم بين قهريته تعالى

الإسراء 17:57

قلت: { أولئك }: مبتدأ، و { الذين يدعون }: صفته، و { يبتغون }: خبره. وضمير " يدعون ": للكفار، وفي " يبتغون ": للآلهة المعبودين، وقيل: الضمير في " يدعون " و " يبتغون ": للأنبياء المذكورين قبل في قوله: { فضلنا بعض النبيين على بعض } ، والوسيلة: ما يتوسل به ويتقرب إلى الله، و { أيهم }: بدل من فاعل { يبتغون } ، و " أي ": والوسيلة: ما يتوسل به ويتقرب إلى الله، و { أيهم }: بدل من فاعل { يبتغون } ، و " أي ": موصولة، أي: يبتغي من هو أقرب إليه تعالى -الوسيلة -، فكيف بمن دونه؟ أو ضمن معنى يبتغون: يحرصون، أي: يحرصون أيهم يكون إليه تعالى أقرب؟ يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم: { ادعوا الذين زعمتم } أنهم آلهة تعبدونهم { من دونه } كالملائكة والمسيح وعزير، أو كالأصنام والأوثان، { فلا يملكون } لا يستطيعون { كشف الضر عنكم } ، كالمرض والفقر والقحط، { ولا تحويلا } لذلك عنكم إلى غيركم، قال تعالى: { أولئك الذين يدعون } أنهم آلهة، هم في غاية الافتقار إلى الله والتوسل إليه، كلهم { يبتغون إلى ربهم الوسيلة } أي: التقرب بالطاعة، ويحرصون { أيهم أقرب } إلى الله من غيره، فكيف يكونون آلهة؟ أو: أولئك الذين يدعونهم آلهة، يطلبون إلى ربهم الوسيلة بالطاعة، يطلبها أيهم أقرب، أي: الذي هو أقرب، فكيف بغير الأقرب؟ { ويرجون رحمته ويخافون عذابه } كسائر العباد، فكيف يزعمون أنهم آلهة؟ { إن عذاب ربك كان محذورا } مخوفا، أي: حقيقا بأن يحذره كل أحد، حتى الرسل والملائكة. أعاذنا الله من جميعه. آمين. الإشارة: كل ما دخل عالم التكوين لزمته القهرية والعبودية، فهو عاجز عن إصلاح نفسه، فكيف يصلح غيره؟ ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه، فكيف يدفع عن غيره؟ فارفع همتك، أيها العبد، إلى مولاك، وأنزل حوائجك كلها به دون أحد سواه، فكل ما سواه مفتقر إليه، والفقير المضطر لا ينفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ والله يتولى هداك. ثم بين قهريته تعالى

الإسراء 17:58

يقول الحق جل جلاله: { وإن من قرية } أي: أهلها، { إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة } بالموت والاستئصال، { أو معذبوها عذابا شديدا } بالقتل وغيره، { كان ذلك في الكتاب } في اللوح المحفوظ { مسطورا } مكتوبا. وقال في المستخرج: وإن من قرية إلا نحن مهلكوها الصالحة بالإفناء، والطالحة بالبلاء، أو معذبوها بالسيف إذا ظهر فيهم الزنى والربا. ه. قال ابن جزي: روي أن هلاك مكة بالحبشة، والمدينة بالجوع، والكوفة بالترك، والأندلس بالخيل. ثم قال: وأما هلاك قرطبة وأشبيلية وطليطلة وغيرها، فبأخذ الروم لها. ه. قلت: قد استولى العدو على الأندلس كلها فهو خرابها. أعاد الله عمارتها بالإسلام. آمين. وقال في حسن المحاضرة: وأخرج الحاكم في المستدرك عن كعب قال: الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية - والجزيرة أرض بالبصرة، وموضع باليمامة، لا جزيرة الأندلس - ثم قال: ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة: والكوفة آمنة من الخراب حتى تخرب مصر، ولا تكون الملحمة حتى تخرب الكوفة، ولا تفتح مدينة الكفر حتى تكون الملحمة، ولا يخرج الدجال حتى تفتح مدينة الكفر. قال: وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، وأورده القرطبي في التذكرة من حديث حذيفة مرفوعا: يبدو الخراب في أطراف الأرض، حتى تخرب مصر، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب البصرة، وخراب البصرة من العراق، وخراب مصر من جفاف النيل، وخراب مكة من الحبشة، وخراب المدينة من الجوع، وخراب اليمن من الجراد، وخراب الأبلة من الحصار، وخراب فارس من الصعاليك، وخراب الترك من الديلم، وخراب الديلم من الأرمن، وخراب الأرمن من الخرز، وخراب الخرز من الترك، وخراب الترك من الصواعق، وخراب السند من الهند، وخراب الهند من الصين، وخراب الصين من الرمل، وخراب الحبشة من الرجفة، وخراب العراق من القحط. ه. قلت: وسكت عن المغرب، ولعله المعني بقوله عليه الصلاة والسلام: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله " زاد في رواية: وهم أهل المغرب، ورجحه صاحب المدخل، قال: لأنهم متمسكون بالسنة أكثر من المشرق. والله تعالى أعلم بغيبه. الإشارة: القرية محل تقرر السر، وهو القلب، فإما أن يهلكه الله بالتلف والضلال، وإما أن يعذبه عذابا شديدا بالمجاهدات والمكابدات، ثم ينعمه نعيما كبيرا بالمشاهدات والمناجاة. كان ذلك في الكتاب مسطورا، فريق في الجنة وفريق في السعير. ثم أجاب عن تأخر الآيات بعد اقتراحها

الإسراء 17:59

قلت: { أن نرسل }: مفعول " منعنا " ، و { إلا أن كذب }: فاعل. يقول الحق جل جلاله: وما صرفنا عن إرسال الآيات التي اقترحتها قريش بقولهم: اجعل لنا الصفا ذهبا، إلا تكذيب الأولين بها، فهلكوا، وهم أمثالهم في الطبع، كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوها، فيهلكوا أمثالهم، كما مضت به سنتنا، وقد قضينا في أزلنا ألا نستأصلهم لأن فيهم من يؤمن، أو يلد من يؤمن. ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة فقال: { وآتينا ثمود الناقة } بسبب سؤالهم، { مبصرة } بينة ذات إبصار، أو بصائر واضحة الدلالة، يدركها كل من يبصرها. { فظلموا بها } فكفروا بها، أو: فظلموا أنفسهم بسبب عقرها، فهلكوا، { وما نرسل بالآيات } المقترحة { إلا تخويفا } من نزول العذاب المستأصل، فإن لم يخافوا نزل بهم، أو: وما نرسل بالآيات غير المقترحة، كالمعجزات وآيات القرآن، إلا تخويفا بعذاب الآخرة فإن أمر من بعث إليهم مؤخر إلى يوم القيامة. قاله البيضاوي. قال في الحاشية: ومقتضى حديث الكسوف، وقوله فيه: " ذلك يخوف بهما عبادة ": أن التخويف لا يختص بالخوارق، بل يعم غيرها، مما هو معتاد نفيه، ويأتي غبا. وفي الوجيز: بالآيات أي: العبر والدلالات. وفي الورتجبي: الآيات هي: الشباب والكهولة والشيبة، وتقلب الأحوال بك، لعلك تعتبر بحال، أو تتعظ بوقت. ه. الإشارة: إمساك الكرامات عن المريد السائر أو الولي: رحمة واعتناء به، فلعله حين تظهر له، يقف معها ويستحسن حاله، أو يزكي نفسه ويرفع عنها عصا التأديب، فيقف عن السير، ويحرم الوصول إلى غاية الكمال، وفي الحكم: " ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها، إلا نادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك ". وقال الششتري رضي الله عنه: ومهما ترى كل المراتب تجتلي عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنى ولما نزه تعالى نفسه في أول السورة عن الجهة، التي توهمها قضية الإسراء، صرح هنا بأنه محيط بكل مكان وزمان، لا يختص بمكان دون مكان.

الإسراء 17:60

يقول الحق جل جلاله: { وإذ قلنا لك } فيما أوحينا إليك { إن ربك أحاط بالناس } علما وقدرة، وأسرارا وأنوارا، كما يليق بجلاله وتجليه، فلا يختص بمكان ولا زمان، بل هو مظهر الزمان والمكان، وقد كان ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك } في قضية الإسراء، قال ابن عباس: " هي رؤيا عين " حيث رأى أنوار جبروته في أعلى عليين، وشاهد أسرار ذاته أريناك ذلك في ذلك المكان { إلا فتنة للناس } اختبارا لهم، من يصدق بذلك ولا يكيف، ومن يجحده من الكفرة. ومن يقف مع ظاهره، فيقع في التجسيم والتحييز، ومن تنهضه السابقة إلى التعشق فيجاهد نفسه حتى تعرج روحه إلى عالم الملكوت، فتكاشف بإحاطة أسرار الذات بكل شيء. وإنما خص الحق تعالى إحاطته بالناس، مع أنه محيط بكل شيء، كما في الآية الأخرى: ألآ إنه بكل شيء محيط [فصلت: 54] لأنهم المقصودون بالذات من هذا العالم، وما خلق إلا لأجلهم. فاكتفى بالإحاطة بهم عن إحاطته بكل شيء. ثم قال تعالى: { والشجرة الملعونة في القرآن } وهي: شجرة الزقوم، أي: ما جعلناها إلا فتنة للناس. وذلك أن قريشا لما سمعوا أن في جهنم شجرة الزقوم، سخروا من ذلك، فافتتنوا بها، حيث أنكروها، وكفروا بالقرآن، وقالوا: كيف تكون شجرة في النار، والنار تحرق الشجر؟! وقفوا مع الإلف والعادة، ولم ينفذوا إلى عموم تعلق القدرة. ومن قدر على حفظ وبر السمندل منها، وهو يمشي فيها، قدر على أن يخلق في النار شجرة، ولم تحرقها. وقال أبو جهل: ما أعرف الزقوم إلا التمر بالزبد. فإن قيل: أين لعنت شجرة الزقوم في القرآن؟ فالجواب: أن المراد لعنة آكلها، وقيل: إن اللعنة هنا بمعنى الإبعاد، وهي في أصل الجحيم. قال تعالى: { ونخوفهم } بأنواع التخويف، أو بالزقوم، { فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } عنوا مجاوزا للحد. الإشارة: الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته. فإذا انمحت الأكوان ثبتت وحدة المكون. " كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه " ، من قامت به الأشياء، وهو وجودها ونور ذاتها، ومحيط بها، كيف تحصره، أو تحيزه، أو تحول بينه وبين موجوداته؟ قيل لسيدنا علي - كرم الله وجهه -: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين كان ربنا قبل خلق الأشياء؟ فتغير وجهه، وسكت، ثم قال: قولكم: أين؟ يقتضي المكان، وكان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. ه. وقال الشيخ الشاذلي: قيل لي: يا علي بي قل، وعلي دل، وأنا الكل. وفي الحديث: " لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر، بيده الليل والنهار " ، ولا يفهم هذا على التحقيق إلا أهل الذوق، بصحبة أهل الذوق. وإلا فسلم تسلم، واعتقد التنزيه وبطلان التشبيه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم بين عداوة ابليس المتقدمة: { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا... }

الإسراء 17:61

قلت: { طينا }: منصوب على إسقاط الخافض، أو: حال من الراجع إلى الموصول، و { أرأيتك }: الكاف للخطاب، لا موضع لها. وتقدم الكلام عليه في سورة الأنعام. و { هذا }: مفعول " أرأيت " ، و { جزاء }: مصدر، والعامل فيه: " جزاؤكم " ، فإن المصدر ينصب بمثله أو فعله أو وصفه، وقيل: حال موطئة لقوله: " موفورا ". يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس } امتنع، و { قال أأسجد لمن خلقت طينا } أي: من طين فهو أصله من الطين، وأنا أصلي من النار، فكيف أسجد له وأنا خير منه؟! ثم { قال } إبليس: { أرأيتك هذا الذي كرمت علي } أي: أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له، لم كرمته علي؟ { لئن أخرتن } أي: والله لئن أخرتن { إلى يوم القيامة لأحتنكن } لأستأصلن من احتنكت السنة أموالهم أي: استأصلتها. أي: لأهلكن { ذريته } بالإغواء والإضلال، { إلا قليلا } أو: لأميلنهم وأقودنهم، مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل فتنقاد. أي: لأقودنهم إلى عصيانك، إلا قليلا، فلا أقدر أن أقاوم شكيمتهم لما سبق لهم من العناية. قال ابن عطية: وحكم إبليس على ذرية آدم بهذا الحكم من حيث رأى الخلقة مجوفة مختلفة الأجزاء، وما اقترن بها من الشهوات والعوارض كالغضب ونحوه، ثم استثنى القليل لعلمه أنه لا بد أن يكون في ذريته من يصلب في طاعة الله. ه. قلت: إنما يحتاج إلى هذا: من وقف مع ظاهر الحكمة في عالم الحس، وأما من نفذ إلى شهود القدرة في عالم المعاني: فلا. { قال } تعالى: { اذهب } امض لما قصدته، وهو طرد وتخلية لما بينه وبين ما سولت له نفسه. { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم } التفت إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال: جزاؤهم، بضمير الغيبة ليرجع إلى { من تبعك } ، لكنه غلب المخاطب ليدخل إبليس معهم، فتجازون على ما فعلتم { جزاء موفورا } وافرا مكملا، لا نقص فيه. { واستفزز } استخفف، أو اخدع { من استطعت منهم } أن تستفز { بصوتك } بدعائك إلى الفساد، { وأجلب عليهم } أي: صح عليهم، من الجلبة، وهي: الصياح، { بخيلك ورجلك } أي: بأعوانك من راكب وراجل، قيل: هو مجاز، أي: افعل بهم جهدك. وقيل: إن له من الشياطين خيلا ورجالا. وقيل: المراد: بيان الراكبين في طلب المعاصي، والماشين إليها بأرجلهم. { وشاركهم في الأموال } بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام، والتصرف فيها على ما لا ينبغي، كإنفاقها في المعاصي، { والأولاد } بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب الحرام، كالزنى وشبهه من فساد الأنكحة، وكتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث وعبد العزى. وقال في الإحياء: قال يونس بن زيد: بلغنا أنه يولد مع أبناء الإنس من أبناء الجن، ثم ينشأون معهم. قال ابن عطية: وما أدخله النقاش من وطء الجن، وأنه يحبل المرأة من الإنس، فضعيف كله. ه. قال في الحاشية: وضعفه ظاهر، والآية مشيرة لرده لأنها إنما أثبتت المشاركة في الولد، لا في الإيلاء، فإنه لم يرد، ولو قيل به لكان ذريعة لفساد كبير، ولكان شبهة يدرأ بها الحد، ولا قائل بذلك. وانظر الثعالبي الجزائري فقد ذكر حكاية في المشاركة في الوطء عمن اتفق له ذلك، فالله أعلم. وأما عكس ذلك إيلاء الإنسي الجنية، فأمر لا يحيله العقل، وقد جاء الخبر به في أمر بلقيس. قاله المحشي الفاسي. { وعدهم } بأن لا بعث ولا حساب، أو المواعد الباطلة كشفاعة الآلهة. والاتكال على كرامة الآباء، وتأخير التوبة، وطول الأمل، { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } وباطلا. والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب. قاله البيضاوي. الإشارة: ينبغي لك أيها الإنسان أن تكون مضادا للشيطان، فإذا امتنع من الخضوع لآدم فاخضع أنت لأولاد آدم بالتواضع واللين، وإذا كان هو مجتهدا في إغواء بني آدم بما يقدر عليه، فاجتهد أنت في نصحهم وإرشادهم، وتعليمهم ووعظهم وتذكيرهم، بقدر ما يمكنك، واستعمل السير إليهم بخيلك ورجلك، حتى تنقذهم من غروره وكيده. وإذا كان هو يدلهم على الشرك الجلي والخفي، في أموالهم وأولادهم، فدلهم أنت على التوحيد، والإخلاص، في اعتقادهم وأعمالهم وأموالهم. وإذا كان يعدهم بالمواعد الكاذبة، فعدهم أنت بالمواعد الصادقة كحسن الظن بالله، إن صحبه العمل بما يرضيه. فإن فعلت هذا كنت من عباد الله الذين ليس له عليهم سلطان. كما أشار إليهم

الإسراء 17:62

قلت: { طينا }: منصوب على إسقاط الخافض، أو: حال من الراجع إلى الموصول، و { أرأيتك }: الكاف للخطاب، لا موضع لها. وتقدم الكلام عليه في سورة الأنعام. و { هذا }: مفعول " أرأيت " ، و { جزاء }: مصدر، والعامل فيه: " جزاؤكم " ، فإن المصدر ينصب بمثله أو فعله أو وصفه، وقيل: حال موطئة لقوله: " موفورا ". يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس } امتنع، و { قال أأسجد لمن خلقت طينا } أي: من طين فهو أصله من الطين، وأنا أصلي من النار، فكيف أسجد له وأنا خير منه؟! ثم { قال } إبليس: { أرأيتك هذا الذي كرمت علي } أي: أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له، لم كرمته علي؟ { لئن أخرتن } أي: والله لئن أخرتن { إلى يوم القيامة لأحتنكن } لأستأصلن من احتنكت السنة أموالهم أي: استأصلتها. أي: لأهلكن { ذريته } بالإغواء والإضلال، { إلا قليلا } أو: لأميلنهم وأقودنهم، مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل فتنقاد. أي: لأقودنهم إلى عصيانك، إلا قليلا، فلا أقدر أن أقاوم شكيمتهم لما سبق لهم من العناية. قال ابن عطية: وحكم إبليس على ذرية آدم بهذا الحكم من حيث رأى الخلقة مجوفة مختلفة الأجزاء، وما اقترن بها من الشهوات والعوارض كالغضب ونحوه، ثم استثنى القليل لعلمه أنه لا بد أن يكون في ذريته من يصلب في طاعة الله. ه. قلت: إنما يحتاج إلى هذا: من وقف مع ظاهر الحكمة في عالم الحس، وأما من نفذ إلى شهود القدرة في عالم المعاني: فلا. { قال } تعالى: { اذهب } امض لما قصدته، وهو طرد وتخلية لما بينه وبين ما سولت له نفسه. { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم } التفت إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال: جزاؤهم، بضمير الغيبة ليرجع إلى { من تبعك } ، لكنه غلب المخاطب ليدخل إبليس معهم، فتجازون على ما فعلتم { جزاء موفورا } وافرا مكملا، لا نقص فيه. { واستفزز } استخفف، أو اخدع { من استطعت منهم } أن تستفز { بصوتك } بدعائك إلى الفساد، { وأجلب عليهم } أي: صح عليهم، من الجلبة، وهي: الصياح، { بخيلك ورجلك } أي: بأعوانك من راكب وراجل، قيل: هو مجاز، أي: افعل بهم جهدك. وقيل: إن له من الشياطين خيلا ورجالا. وقيل: المراد: بيان الراكبين في طلب المعاصي، والماشين إليها بأرجلهم. { وشاركهم في الأموال } بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام، والتصرف فيها على ما لا ينبغي، كإنفاقها في المعاصي، { والأولاد } بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب الحرام، كالزنى وشبهه من فساد الأنكحة، وكتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث وعبد العزى. وقال في الإحياء: قال يونس بن زيد: بلغنا أنه يولد مع أبناء الإنس من أبناء الجن، ثم ينشأون معهم. قال ابن عطية: وما أدخله النقاش من وطء الجن، وأنه يحبل المرأة من الإنس، فضعيف كله. ه. قال في الحاشية: وضعفه ظاهر، والآية مشيرة لرده لأنها إنما أثبتت المشاركة في الولد، لا في الإيلاء، فإنه لم يرد، ولو قيل به لكان ذريعة لفساد كبير، ولكان شبهة يدرأ بها الحد، ولا قائل بذلك. وانظر الثعالبي الجزائري فقد ذكر حكاية في المشاركة في الوطء عمن اتفق له ذلك، فالله أعلم. وأما عكس ذلك إيلاء الإنسي الجنية، فأمر لا يحيله العقل، وقد جاء الخبر به في أمر بلقيس. قاله المحشي الفاسي. { وعدهم } بأن لا بعث ولا حساب، أو المواعد الباطلة كشفاعة الآلهة. والاتكال على كرامة الآباء، وتأخير التوبة، وطول الأمل، { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } وباطلا. والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب. قاله البيضاوي. الإشارة: ينبغي لك أيها الإنسان أن تكون مضادا للشيطان، فإذا امتنع من الخضوع لآدم فاخضع أنت لأولاد آدم بالتواضع واللين، وإذا كان هو مجتهدا في إغواء بني آدم بما يقدر عليه، فاجتهد أنت في نصحهم وإرشادهم، وتعليمهم ووعظهم وتذكيرهم، بقدر ما يمكنك، واستعمل السير إليهم بخيلك ورجلك، حتى تنقذهم من غروره وكيده. وإذا كان هو يدلهم على الشرك الجلي والخفي، في أموالهم وأولادهم، فدلهم أنت على التوحيد، والإخلاص، في اعتقادهم وأعمالهم وأموالهم. وإذا كان يعدهم بالمواعد الكاذبة، فعدهم أنت بالمواعد الصادقة كحسن الظن بالله، إن صحبه العمل بما يرضيه. فإن فعلت هذا كنت من عباد الله الذين ليس له عليهم سلطان. كما أشار إليهم

الإسراء 17:63

قلت: { طينا }: منصوب على إسقاط الخافض، أو: حال من الراجع إلى الموصول، و { أرأيتك }: الكاف للخطاب، لا موضع لها. وتقدم الكلام عليه في سورة الأنعام. و { هذا }: مفعول " أرأيت " ، و { جزاء }: مصدر، والعامل فيه: " جزاؤكم " ، فإن المصدر ينصب بمثله أو فعله أو وصفه، وقيل: حال موطئة لقوله: " موفورا ". يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس } امتنع، و { قال أأسجد لمن خلقت طينا } أي: من طين فهو أصله من الطين، وأنا أصلي من النار، فكيف أسجد له وأنا خير منه؟! ثم { قال } إبليس: { أرأيتك هذا الذي كرمت علي } أي: أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له، لم كرمته علي؟ { لئن أخرتن } أي: والله لئن أخرتن { إلى يوم القيامة لأحتنكن } لأستأصلن من احتنكت السنة أموالهم أي: استأصلتها. أي: لأهلكن { ذريته } بالإغواء والإضلال، { إلا قليلا } أو: لأميلنهم وأقودنهم، مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل فتنقاد. أي: لأقودنهم إلى عصيانك، إلا قليلا، فلا أقدر أن أقاوم شكيمتهم لما سبق لهم من العناية. قال ابن عطية: وحكم إبليس على ذرية آدم بهذا الحكم من حيث رأى الخلقة مجوفة مختلفة الأجزاء، وما اقترن بها من الشهوات والعوارض كالغضب ونحوه، ثم استثنى القليل لعلمه أنه لا بد أن يكون في ذريته من يصلب في طاعة الله. ه. قلت: إنما يحتاج إلى هذا: من وقف مع ظاهر الحكمة في عالم الحس، وأما من نفذ إلى شهود القدرة في عالم المعاني: فلا. { قال } تعالى: { اذهب } امض لما قصدته، وهو طرد وتخلية لما بينه وبين ما سولت له نفسه. { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم } التفت إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال: جزاؤهم، بضمير الغيبة ليرجع إلى { من تبعك } ، لكنه غلب المخاطب ليدخل إبليس معهم، فتجازون على ما فعلتم { جزاء موفورا } وافرا مكملا، لا نقص فيه. { واستفزز } استخفف، أو اخدع { من استطعت منهم } أن تستفز { بصوتك } بدعائك إلى الفساد، { وأجلب عليهم } أي: صح عليهم، من الجلبة، وهي: الصياح، { بخيلك ورجلك } أي: بأعوانك من راكب وراجل، قيل: هو مجاز، أي: افعل بهم جهدك. وقيل: إن له من الشياطين خيلا ورجالا. وقيل: المراد: بيان الراكبين في طلب المعاصي، والماشين إليها بأرجلهم. { وشاركهم في الأموال } بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام، والتصرف فيها على ما لا ينبغي، كإنفاقها في المعاصي، { والأولاد } بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب الحرام، كالزنى وشبهه من فساد الأنكحة، وكتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث وعبد العزى. وقال في الإحياء: قال يونس بن زيد: بلغنا أنه يولد مع أبناء الإنس من أبناء الجن، ثم ينشأون معهم. قال ابن عطية: وما أدخله النقاش من وطء الجن، وأنه يحبل المرأة من الإنس، فضعيف كله. ه. قال في الحاشية: وضعفه ظاهر، والآية مشيرة لرده لأنها إنما أثبتت المشاركة في الولد، لا في الإيلاء، فإنه لم يرد، ولو قيل به لكان ذريعة لفساد كبير، ولكان شبهة يدرأ بها الحد، ولا قائل بذلك. وانظر الثعالبي الجزائري فقد ذكر حكاية في المشاركة في الوطء عمن اتفق له ذلك، فالله أعلم. وأما عكس ذلك إيلاء الإنسي الجنية، فأمر لا يحيله العقل، وقد جاء الخبر به في أمر بلقيس. قاله المحشي الفاسي. { وعدهم } بأن لا بعث ولا حساب، أو المواعد الباطلة كشفاعة الآلهة. والاتكال على كرامة الآباء، وتأخير التوبة، وطول الأمل، { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } وباطلا. والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب. قاله البيضاوي. الإشارة: ينبغي لك أيها الإنسان أن تكون مضادا للشيطان، فإذا امتنع من الخضوع لآدم فاخضع أنت لأولاد آدم بالتواضع واللين، وإذا كان هو مجتهدا في إغواء بني آدم بما يقدر عليه، فاجتهد أنت في نصحهم وإرشادهم، وتعليمهم ووعظهم وتذكيرهم، بقدر ما يمكنك، واستعمل السير إليهم بخيلك ورجلك، حتى تنقذهم من غروره وكيده. وإذا كان هو يدلهم على الشرك الجلي والخفي، في أموالهم وأولادهم، فدلهم أنت على التوحيد، والإخلاص، في اعتقادهم وأعمالهم وأموالهم. وإذا كان يعدهم بالمواعد الكاذبة، فعدهم أنت بالمواعد الصادقة كحسن الظن بالله، إن صحبه العمل بما يرضيه. فإن فعلت هذا كنت من عباد الله الذين ليس له عليهم سلطان. كما أشار إليهم

الإسراء 17:64

قلت: { طينا }: منصوب على إسقاط الخافض، أو: حال من الراجع إلى الموصول، و { أرأيتك }: الكاف للخطاب، لا موضع لها. وتقدم الكلام عليه في سورة الأنعام. و { هذا }: مفعول " أرأيت " ، و { جزاء }: مصدر، والعامل فيه: " جزاؤكم " ، فإن المصدر ينصب بمثله أو فعله أو وصفه، وقيل: حال موطئة لقوله: " موفورا ". يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس } امتنع، و { قال أأسجد لمن خلقت طينا } أي: من طين فهو أصله من الطين، وأنا أصلي من النار، فكيف أسجد له وأنا خير منه؟! ثم { قال } إبليس: { أرأيتك هذا الذي كرمت علي } أي: أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له، لم كرمته علي؟ { لئن أخرتن } أي: والله لئن أخرتن { إلى يوم القيامة لأحتنكن } لأستأصلن من احتنكت السنة أموالهم أي: استأصلتها. أي: لأهلكن { ذريته } بالإغواء والإضلال، { إلا قليلا } أو: لأميلنهم وأقودنهم، مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل فتنقاد. أي: لأقودنهم إلى عصيانك، إلا قليلا، فلا أقدر أن أقاوم شكيمتهم لما سبق لهم من العناية. قال ابن عطية: وحكم إبليس على ذرية آدم بهذا الحكم من حيث رأى الخلقة مجوفة مختلفة الأجزاء، وما اقترن بها من الشهوات والعوارض كالغضب ونحوه، ثم استثنى القليل لعلمه أنه لا بد أن يكون في ذريته من يصلب في طاعة الله. ه. قلت: إنما يحتاج إلى هذا: من وقف مع ظاهر الحكمة في عالم الحس، وأما من نفذ إلى شهود القدرة في عالم المعاني: فلا. { قال } تعالى: { اذهب } امض لما قصدته، وهو طرد وتخلية لما بينه وبين ما سولت له نفسه. { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم } التفت إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال: جزاؤهم، بضمير الغيبة ليرجع إلى { من تبعك } ، لكنه غلب المخاطب ليدخل إبليس معهم، فتجازون على ما فعلتم { جزاء موفورا } وافرا مكملا، لا نقص فيه. { واستفزز } استخفف، أو اخدع { من استطعت منهم } أن تستفز { بصوتك } بدعائك إلى الفساد، { وأجلب عليهم } أي: صح عليهم، من الجلبة، وهي: الصياح، { بخيلك ورجلك } أي: بأعوانك من راكب وراجل، قيل: هو مجاز، أي: افعل بهم جهدك. وقيل: إن له من الشياطين خيلا ورجالا. وقيل: المراد: بيان الراكبين في طلب المعاصي، والماشين إليها بأرجلهم. { وشاركهم في الأموال } بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام، والتصرف فيها على ما لا ينبغي، كإنفاقها في المعاصي، { والأولاد } بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب الحرام، كالزنى وشبهه من فساد الأنكحة، وكتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث وعبد العزى. وقال في الإحياء: قال يونس بن زيد: بلغنا أنه يولد مع أبناء الإنس من أبناء الجن، ثم ينشأون معهم. قال ابن عطية: وما أدخله النقاش من وطء الجن، وأنه يحبل المرأة من الإنس، فضعيف كله. ه. قال في الحاشية: وضعفه ظاهر، والآية مشيرة لرده لأنها إنما أثبتت المشاركة في الولد، لا في الإيلاء، فإنه لم يرد، ولو قيل به لكان ذريعة لفساد كبير، ولكان شبهة يدرأ بها الحد، ولا قائل بذلك. وانظر الثعالبي الجزائري فقد ذكر حكاية في المشاركة في الوطء عمن اتفق له ذلك، فالله أعلم. وأما عكس ذلك إيلاء الإنسي الجنية، فأمر لا يحيله العقل، وقد جاء الخبر به في أمر بلقيس. قاله المحشي الفاسي. { وعدهم } بأن لا بعث ولا حساب، أو المواعد الباطلة كشفاعة الآلهة. والاتكال على كرامة الآباء، وتأخير التوبة، وطول الأمل، { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } وباطلا. والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب. قاله البيضاوي. الإشارة: ينبغي لك أيها الإنسان أن تكون مضادا للشيطان، فإذا امتنع من الخضوع لآدم فاخضع أنت لأولاد آدم بالتواضع واللين، وإذا كان هو مجتهدا في إغواء بني آدم بما يقدر عليه، فاجتهد أنت في نصحهم وإرشادهم، وتعليمهم ووعظهم وتذكيرهم، بقدر ما يمكنك، واستعمل السير إليهم بخيلك ورجلك، حتى تنقذهم من غروره وكيده. وإذا كان هو يدلهم على الشرك الجلي والخفي، في أموالهم وأولادهم، فدلهم أنت على التوحيد، والإخلاص، في اعتقادهم وأعمالهم وأموالهم. وإذا كان يعدهم بالمواعد الكاذبة، فعدهم أنت بالمواعد الصادقة كحسن الظن بالله، إن صحبه العمل بما يرضيه. فإن فعلت هذا كنت من عباد الله الذين ليس له عليهم سلطان. كما أشار إليهم

الإسراء 17:65

قلت: { أفأمنتم }: الهمزة للتوبيخ، والفاء للعطف على محذوف، أي: أنجوتم من البحر فأمنتم. يقول الحق جل جلاله: { إن عبادي } المخلصين، الذين يتوكلون علي في جميع أمورهم، { ليس لك عليهم سلطان } أي: تسلط وقدرة على إغوائهم حيث التجأوا إلي، واتخذوني وكيلا { وكفى بربك وكيلا } حافظا لمن توكل عليه، فيحفظهم منك ومن أتباعك. ثم ذكر ما يحث على التعلق به، والتوكل عليه في جميع الأحوال الدينية والدنيوية، فقال: { ربكم الذي يزجي } يجري { لكم الفلك } ويسيرها { في البحر لتبتغوا من فضله } بالتجارة والربح، وجلب أنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم، { إنه كان بكم رحيما } في تسخيرها لكم حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه في سيرها، وسهل عليكم ما يعسر من أسباب معاشكم ومعادكم. { وإذا مسكم الضر في البحر } يعني: خوف الغرق، { ضل } غاب عنكم { من تدعون }من تعبدون من الآلهة. أو: من تستغيثون به في حوادثكم، { إلا إياه } وحده، فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه، ولا تدعون، لكشفه، إلا إياه، فكيف تعبدون غيره، وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلا إياه؟ { فلما نجاكم } من الغرق { إلى البر أعرضتم } عن التوحيد، أو عن شكر النعمة، { وكان الإنسان كفورا } بالنعم، جحودا لها، إلا القليل، وهو كالتعليل للإعراض. { أفأمنتم } أي: أنجوتم من البحر، وأمنتم { أن يخسف بكم جانب البر } بأن يقلبه عليكم وأنتم عليه، أو يخسف بكم في جوفه، كما فعل بقارون، { أو يرسل عليكم حاصبا } أي: ريحا حاصبا، يرميكم بحصباء كقوم لوط، { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } حافظا لكم منه، فإنه لا راد لفعله. { أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى } بأن يخلق فيكم دواعي تحملكم إلى أن ترجعوا لتركبوا فيه { فيرسل عليكم قاصفا من الريح } أي: ريحا شديدة، لا تمر بشيء إلا قصفته، أي: كسرته، { فيغرقكم } ، وعن يعقوب: " فتغرقكم " على إسناده إلى ضمير الريح. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بنون التكلم في الخمسة. يفعل ذلك بكم { بما كفرتم } بكفركم، أي: بسبب إشراككم، أو كفرانكم نعمة الإنجاء، { ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } مطالبا يتبعنا بثأركم، كقوله: ولا يخاف عقباها [الشمس: 15]، أو: لا تجدوا نصيرا ينصركم منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: العباد الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، هم الذين أضافهم إلى نفسه بأن اصطفاهم لحضرة قدسه، وشغلهم بذكره وأنسه، لم يركنوا إلى شيء سواه، ولم يلتجئوا إلا إلى حماه. فلا جرم أنه يحفظهم برعايته، ويكلؤهم بسابق عنايته. فظواهرهم قائمة بآداب العبودية، وبواطنهم مستغرقة في شهود عظمة الربوبية. فلما قاموا بخدمة الرحمن، حال بينهم وبين كيد الشيطان، وقال لهم: ربكم الذي يزجي لكم فلك الفكرة في بحر الوحدة لتبتغوا الوصول إلى حضرة الأحدية، إنه كان بكم رحيما. ثم إذا غلب عليكم بحر الحقيقة، وغرقتم في تيار الذات، غاب عنكم كل ما سواه، وطلبتم منه الرجوع إلى بر الشريعة، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم عن شهود السوى، وجحدتم وجوده، لكن القلوب بيد الرحمن، يقلبها كيف شاء فلا يأمن العارف من المكر، ولو بلغ ما بلغ، ولذلك قال: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر فتغرقون في الحس، وتشتغلون بعبادة الحس، أو يرسل عليكم حاصبا: واردا قهاريا، يخرجكم عن حد الاعتدال، أم أمنتم أن يعيدكم في بحر الحقيقة، تارة أخرى، بعد الرجوع للبقاء، فيرسل عليكم واردا قهاريا يخرجكم عن حد الاعتدال، ويحطكم عن ذروة الكمال، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر كرامة بني آدم وتفضيلهم ردا لقول الشيطان

الإسراء 17:66

قلت: { أفأمنتم }: الهمزة للتوبيخ، والفاء للعطف على محذوف، أي: أنجوتم من البحر فأمنتم. يقول الحق جل جلاله: { إن عبادي } المخلصين، الذين يتوكلون علي في جميع أمورهم، { ليس لك عليهم سلطان } أي: تسلط وقدرة على إغوائهم حيث التجأوا إلي، واتخذوني وكيلا { وكفى بربك وكيلا } حافظا لمن توكل عليه، فيحفظهم منك ومن أتباعك. ثم ذكر ما يحث على التعلق به، والتوكل عليه في جميع الأحوال الدينية والدنيوية، فقال: { ربكم الذي يزجي } يجري { لكم الفلك } ويسيرها { في البحر لتبتغوا من فضله } بالتجارة والربح، وجلب أنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم، { إنه كان بكم رحيما } في تسخيرها لكم حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه في سيرها، وسهل عليكم ما يعسر من أسباب معاشكم ومعادكم. { وإذا مسكم الضر في البحر } يعني: خوف الغرق، { ضل } غاب عنكم { من تدعون }من تعبدون من الآلهة. أو: من تستغيثون به في حوادثكم، { إلا إياه } وحده، فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه، ولا تدعون، لكشفه، إلا إياه، فكيف تعبدون غيره، وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلا إياه؟ { فلما نجاكم } من الغرق { إلى البر أعرضتم } عن التوحيد، أو عن شكر النعمة، { وكان الإنسان كفورا } بالنعم، جحودا لها، إلا القليل، وهو كالتعليل للإعراض. { أفأمنتم } أي: أنجوتم من البحر، وأمنتم { أن يخسف بكم جانب البر } بأن يقلبه عليكم وأنتم عليه، أو يخسف بكم في جوفه، كما فعل بقارون، { أو يرسل عليكم حاصبا } أي: ريحا حاصبا، يرميكم بحصباء كقوم لوط، { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } حافظا لكم منه، فإنه لا راد لفعله. { أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى } بأن يخلق فيكم دواعي تحملكم إلى أن ترجعوا لتركبوا فيه { فيرسل عليكم قاصفا من الريح } أي: ريحا شديدة، لا تمر بشيء إلا قصفته، أي: كسرته، { فيغرقكم } ، وعن يعقوب: " فتغرقكم " على إسناده إلى ضمير الريح. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بنون التكلم في الخمسة. يفعل ذلك بكم { بما كفرتم } بكفركم، أي: بسبب إشراككم، أو كفرانكم نعمة الإنجاء، { ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } مطالبا يتبعنا بثأركم، كقوله: ولا يخاف عقباها [الشمس: 15]، أو: لا تجدوا نصيرا ينصركم منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: العباد الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، هم الذين أضافهم إلى نفسه بأن اصطفاهم لحضرة قدسه، وشغلهم بذكره وأنسه، لم يركنوا إلى شيء سواه، ولم يلتجئوا إلا إلى حماه. فلا جرم أنه يحفظهم برعايته، ويكلؤهم بسابق عنايته. فظواهرهم قائمة بآداب العبودية، وبواطنهم مستغرقة في شهود عظمة الربوبية. فلما قاموا بخدمة الرحمن، حال بينهم وبين كيد الشيطان، وقال لهم: ربكم الذي يزجي لكم فلك الفكرة في بحر الوحدة لتبتغوا الوصول إلى حضرة الأحدية، إنه كان بكم رحيما. ثم إذا غلب عليكم بحر الحقيقة، وغرقتم في تيار الذات، غاب عنكم كل ما سواه، وطلبتم منه الرجوع إلى بر الشريعة، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم عن شهود السوى، وجحدتم وجوده، لكن القلوب بيد الرحمن، يقلبها كيف شاء فلا يأمن العارف من المكر، ولو بلغ ما بلغ، ولذلك قال: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر فتغرقون في الحس، وتشتغلون بعبادة الحس، أو يرسل عليكم حاصبا: واردا قهاريا، يخرجكم عن حد الاعتدال، أم أمنتم أن يعيدكم في بحر الحقيقة، تارة أخرى، بعد الرجوع للبقاء، فيرسل عليكم واردا قهاريا يخرجكم عن حد الاعتدال، ويحطكم عن ذروة الكمال، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر كرامة بني آدم وتفضيلهم ردا لقول الشيطان

الإسراء 17:67

قلت: { أفأمنتم }: الهمزة للتوبيخ، والفاء للعطف على محذوف، أي: أنجوتم من البحر فأمنتم. يقول الحق جل جلاله: { إن عبادي } المخلصين، الذين يتوكلون علي في جميع أمورهم، { ليس لك عليهم سلطان } أي: تسلط وقدرة على إغوائهم حيث التجأوا إلي، واتخذوني وكيلا { وكفى بربك وكيلا } حافظا لمن توكل عليه، فيحفظهم منك ومن أتباعك. ثم ذكر ما يحث على التعلق به، والتوكل عليه في جميع الأحوال الدينية والدنيوية، فقال: { ربكم الذي يزجي } يجري { لكم الفلك } ويسيرها { في البحر لتبتغوا من فضله } بالتجارة والربح، وجلب أنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم، { إنه كان بكم رحيما } في تسخيرها لكم حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه في سيرها، وسهل عليكم ما يعسر من أسباب معاشكم ومعادكم. { وإذا مسكم الضر في البحر } يعني: خوف الغرق، { ضل } غاب عنكم { من تدعون }من تعبدون من الآلهة. أو: من تستغيثون به في حوادثكم، { إلا إياه } وحده، فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه، ولا تدعون، لكشفه، إلا إياه، فكيف تعبدون غيره، وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلا إياه؟ { فلما نجاكم } من الغرق { إلى البر أعرضتم } عن التوحيد، أو عن شكر النعمة، { وكان الإنسان كفورا } بالنعم، جحودا لها، إلا القليل، وهو كالتعليل للإعراض. { أفأمنتم } أي: أنجوتم من البحر، وأمنتم { أن يخسف بكم جانب البر } بأن يقلبه عليكم وأنتم عليه، أو يخسف بكم في جوفه، كما فعل بقارون، { أو يرسل عليكم حاصبا } أي: ريحا حاصبا، يرميكم بحصباء كقوم لوط، { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } حافظا لكم منه، فإنه لا راد لفعله. { أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى } بأن يخلق فيكم دواعي تحملكم إلى أن ترجعوا لتركبوا فيه { فيرسل عليكم قاصفا من الريح } أي: ريحا شديدة، لا تمر بشيء إلا قصفته، أي: كسرته، { فيغرقكم } ، وعن يعقوب: " فتغرقكم " على إسناده إلى ضمير الريح. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بنون التكلم في الخمسة. يفعل ذلك بكم { بما كفرتم } بكفركم، أي: بسبب إشراككم، أو كفرانكم نعمة الإنجاء، { ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } مطالبا يتبعنا بثأركم، كقوله: ولا يخاف عقباها [الشمس: 15]، أو: لا تجدوا نصيرا ينصركم منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: العباد الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، هم الذين أضافهم إلى نفسه بأن اصطفاهم لحضرة قدسه، وشغلهم بذكره وأنسه، لم يركنوا إلى شيء سواه، ولم يلتجئوا إلا إلى حماه. فلا جرم أنه يحفظهم برعايته، ويكلؤهم بسابق عنايته. فظواهرهم قائمة بآداب العبودية، وبواطنهم مستغرقة في شهود عظمة الربوبية. فلما قاموا بخدمة الرحمن، حال بينهم وبين كيد الشيطان، وقال لهم: ربكم الذي يزجي لكم فلك الفكرة في بحر الوحدة لتبتغوا الوصول إلى حضرة الأحدية، إنه كان بكم رحيما. ثم إذا غلب عليكم بحر الحقيقة، وغرقتم في تيار الذات، غاب عنكم كل ما سواه، وطلبتم منه الرجوع إلى بر الشريعة، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم عن شهود السوى، وجحدتم وجوده، لكن القلوب بيد الرحمن، يقلبها كيف شاء فلا يأمن العارف من المكر، ولو بلغ ما بلغ، ولذلك قال: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر فتغرقون في الحس، وتشتغلون بعبادة الحس، أو يرسل عليكم حاصبا: واردا قهاريا، يخرجكم عن حد الاعتدال، أم أمنتم أن يعيدكم في بحر الحقيقة، تارة أخرى، بعد الرجوع للبقاء، فيرسل عليكم واردا قهاريا يخرجكم عن حد الاعتدال، ويحطكم عن ذروة الكمال، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر كرامة بني آدم وتفضيلهم ردا لقول الشيطان

الإسراء 17:68

قلت: { أفأمنتم }: الهمزة للتوبيخ، والفاء للعطف على محذوف، أي: أنجوتم من البحر فأمنتم. يقول الحق جل جلاله: { إن عبادي } المخلصين، الذين يتوكلون علي في جميع أمورهم، { ليس لك عليهم سلطان } أي: تسلط وقدرة على إغوائهم حيث التجأوا إلي، واتخذوني وكيلا { وكفى بربك وكيلا } حافظا لمن توكل عليه، فيحفظهم منك ومن أتباعك. ثم ذكر ما يحث على التعلق به، والتوكل عليه في جميع الأحوال الدينية والدنيوية، فقال: { ربكم الذي يزجي } يجري { لكم الفلك } ويسيرها { في البحر لتبتغوا من فضله } بالتجارة والربح، وجلب أنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم، { إنه كان بكم رحيما } في تسخيرها لكم حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه في سيرها، وسهل عليكم ما يعسر من أسباب معاشكم ومعادكم. { وإذا مسكم الضر في البحر } يعني: خوف الغرق، { ضل } غاب عنكم { من تدعون }من تعبدون من الآلهة. أو: من تستغيثون به في حوادثكم، { إلا إياه } وحده، فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه، ولا تدعون، لكشفه، إلا إياه، فكيف تعبدون غيره، وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلا إياه؟ { فلما نجاكم } من الغرق { إلى البر أعرضتم } عن التوحيد، أو عن شكر النعمة، { وكان الإنسان كفورا } بالنعم، جحودا لها، إلا القليل، وهو كالتعليل للإعراض. { أفأمنتم } أي: أنجوتم من البحر، وأمنتم { أن يخسف بكم جانب البر } بأن يقلبه عليكم وأنتم عليه، أو يخسف بكم في جوفه، كما فعل بقارون، { أو يرسل عليكم حاصبا } أي: ريحا حاصبا، يرميكم بحصباء كقوم لوط، { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } حافظا لكم منه، فإنه لا راد لفعله. { أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى } بأن يخلق فيكم دواعي تحملكم إلى أن ترجعوا لتركبوا فيه { فيرسل عليكم قاصفا من الريح } أي: ريحا شديدة، لا تمر بشيء إلا قصفته، أي: كسرته، { فيغرقكم } ، وعن يعقوب: " فتغرقكم " على إسناده إلى ضمير الريح. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بنون التكلم في الخمسة. يفعل ذلك بكم { بما كفرتم } بكفركم، أي: بسبب إشراككم، أو كفرانكم نعمة الإنجاء، { ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } مطالبا يتبعنا بثأركم، كقوله: ولا يخاف عقباها [الشمس: 15]، أو: لا تجدوا نصيرا ينصركم منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: العباد الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، هم الذين أضافهم إلى نفسه بأن اصطفاهم لحضرة قدسه، وشغلهم بذكره وأنسه، لم يركنوا إلى شيء سواه، ولم يلتجئوا إلا إلى حماه. فلا جرم أنه يحفظهم برعايته، ويكلؤهم بسابق عنايته. فظواهرهم قائمة بآداب العبودية، وبواطنهم مستغرقة في شهود عظمة الربوبية. فلما قاموا بخدمة الرحمن، حال بينهم وبين كيد الشيطان، وقال لهم: ربكم الذي يزجي لكم فلك الفكرة في بحر الوحدة لتبتغوا الوصول إلى حضرة الأحدية، إنه كان بكم رحيما. ثم إذا غلب عليكم بحر الحقيقة، وغرقتم في تيار الذات، غاب عنكم كل ما سواه، وطلبتم منه الرجوع إلى بر الشريعة، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم عن شهود السوى، وجحدتم وجوده، لكن القلوب بيد الرحمن، يقلبها كيف شاء فلا يأمن العارف من المكر، ولو بلغ ما بلغ، ولذلك قال: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر فتغرقون في الحس، وتشتغلون بعبادة الحس، أو يرسل عليكم حاصبا: واردا قهاريا، يخرجكم عن حد الاعتدال، أم أمنتم أن يعيدكم في بحر الحقيقة، تارة أخرى، بعد الرجوع للبقاء، فيرسل عليكم واردا قهاريا يخرجكم عن حد الاعتدال، ويحطكم عن ذروة الكمال، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر كرامة بني آدم وتفضيلهم ردا لقول الشيطان

الإسراء 17:69

قلت: { أفأمنتم }: الهمزة للتوبيخ، والفاء للعطف على محذوف، أي: أنجوتم من البحر فأمنتم. يقول الحق جل جلاله: { إن عبادي } المخلصين، الذين يتوكلون علي في جميع أمورهم، { ليس لك عليهم سلطان } أي: تسلط وقدرة على إغوائهم حيث التجأوا إلي، واتخذوني وكيلا { وكفى بربك وكيلا } حافظا لمن توكل عليه، فيحفظهم منك ومن أتباعك. ثم ذكر ما يحث على التعلق به، والتوكل عليه في جميع الأحوال الدينية والدنيوية، فقال: { ربكم الذي يزجي } يجري { لكم الفلك } ويسيرها { في البحر لتبتغوا من فضله } بالتجارة والربح، وجلب أنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم، { إنه كان بكم رحيما } في تسخيرها لكم حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه في سيرها، وسهل عليكم ما يعسر من أسباب معاشكم ومعادكم. { وإذا مسكم الضر في البحر } يعني: خوف الغرق، { ضل } غاب عنكم { من تدعون }من تعبدون من الآلهة. أو: من تستغيثون به في حوادثكم، { إلا إياه } وحده، فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه، ولا تدعون، لكشفه، إلا إياه، فكيف تعبدون غيره، وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلا إياه؟ { فلما نجاكم } من الغرق { إلى البر أعرضتم } عن التوحيد، أو عن شكر النعمة، { وكان الإنسان كفورا } بالنعم، جحودا لها، إلا القليل، وهو كالتعليل للإعراض. { أفأمنتم } أي: أنجوتم من البحر، وأمنتم { أن يخسف بكم جانب البر } بأن يقلبه عليكم وأنتم عليه، أو يخسف بكم في جوفه، كما فعل بقارون، { أو يرسل عليكم حاصبا } أي: ريحا حاصبا، يرميكم بحصباء كقوم لوط، { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } حافظا لكم منه، فإنه لا راد لفعله. { أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى } بأن يخلق فيكم دواعي تحملكم إلى أن ترجعوا لتركبوا فيه { فيرسل عليكم قاصفا من الريح } أي: ريحا شديدة، لا تمر بشيء إلا قصفته، أي: كسرته، { فيغرقكم } ، وعن يعقوب: " فتغرقكم " على إسناده إلى ضمير الريح. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بنون التكلم في الخمسة. يفعل ذلك بكم { بما كفرتم } بكفركم، أي: بسبب إشراككم، أو كفرانكم نعمة الإنجاء، { ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } مطالبا يتبعنا بثأركم، كقوله: ولا يخاف عقباها [الشمس: 15]، أو: لا تجدوا نصيرا ينصركم منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: العباد الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، هم الذين أضافهم إلى نفسه بأن اصطفاهم لحضرة قدسه، وشغلهم بذكره وأنسه، لم يركنوا إلى شيء سواه، ولم يلتجئوا إلا إلى حماه. فلا جرم أنه يحفظهم برعايته، ويكلؤهم بسابق عنايته. فظواهرهم قائمة بآداب العبودية، وبواطنهم مستغرقة في شهود عظمة الربوبية. فلما قاموا بخدمة الرحمن، حال بينهم وبين كيد الشيطان، وقال لهم: ربكم الذي يزجي لكم فلك الفكرة في بحر الوحدة لتبتغوا الوصول إلى حضرة الأحدية، إنه كان بكم رحيما. ثم إذا غلب عليكم بحر الحقيقة، وغرقتم في تيار الذات، غاب عنكم كل ما سواه، وطلبتم منه الرجوع إلى بر الشريعة، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم عن شهود السوى، وجحدتم وجوده، لكن القلوب بيد الرحمن، يقلبها كيف شاء فلا يأمن العارف من المكر، ولو بلغ ما بلغ، ولذلك قال: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر فتغرقون في الحس، وتشتغلون بعبادة الحس، أو يرسل عليكم حاصبا: واردا قهاريا، يخرجكم عن حد الاعتدال، أم أمنتم أن يعيدكم في بحر الحقيقة، تارة أخرى، بعد الرجوع للبقاء، فيرسل عليكم واردا قهاريا يخرجكم عن حد الاعتدال، ويحطكم عن ذروة الكمال، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر كرامة بني آدم وتفضيلهم ردا لقول الشيطان

الإسراء 17:70

يقول الحق جل جلاله: { ولقد كرمنا بني آدم } قاطبة، برهم وفاجرهم، أي: كرمناهم بالصورة الحسنة، والقامة المعتدلة، والتمييز بالعقل، والإفهام بالكلام، والإشارة والخط، والتهدي إلى أسباب المعاش والمعاد، والتسلط على ما في الأرض، والتمتع به، والتمكن من الصناعات، وغير ذلك مما لا يكاد يحيط به نطاق العبارة. ومن جملته: ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه من أن كل حيوان يتناول طعامه بفيه، إلا الإنسان يرفعه إليه بيده، وأما القرد فيده بمنزلة رجله لأنه يطأ بها القاذورات فسقطت حرمتها. { وحملناهم } أي: بني آدم، { في البر والبحر } على الدواب والسفن فيمشون محمولين في البر والبحر. يقال: حملته حملا: إذا جعلت له ما يركب. { ورزقناهم من الطيبات } من فنون النعم، وضروب المستلذات مما يحصل بصنعهم وبغير صنعهم، { وفضلناهم } بالعلوم والإدراكات، مما ركبنا فيهم { على كثير ممن خلقنا } وهم: من عدا الملائكة - عليهم السلام -. { تفضيلا } عظيما، فحق عليهم أن يشكروا هذه النعم ولا يكفروها، ويستعملوا قواهم في تحصيل العقائد الحقية، ويرفضوا ما هم عليه من الشرك، الذي لا يقبله أحد ممن له أدنى تمييز، فضلا عمن فضل على من عدا الملأ الأعلى، والمستثنى جنس الملائكة، أو الخواص منهم، ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدم تفضيل جنس بني آدم على الملائكة، عدم تفضيل بعض أجزائه كالأنبياء والرسل، فإنهم أفضل من خواص الملائكة، وخواص الملائكة - كالمقربين مثلا - أفضل من خواص بني آدم، كالأولياء، والأولياء أفضل من عوام الملائكة. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد كرم الله هذا الآدمي، وشرفه على خلقه بخصائص جعلها فيه، منها: أنه جعله نسخة من الوجود، فيه ما في الوجود، وزيادة، قد انطوت فيه العوالم بأسرها، من عرشها إلى فرشها، وإلى هذا المعنى أشار ابن البنا، في مباحثه، حيث قال: يا سابقا في موكب الإبداع ولاحقا في جيش الاختراع اعقل فانت نسخة الوجود لله ما أعلاك من موجود أليس فيك العرش والكرسي والعالم العلوي والسفلي ما الكون إلا رجل كبير وأنت كون مثله صغير وقال آخر: إذا كنت كرسيا وعرشا وجنة ونارا وأفلاكا تدور وأملاكا وكنت من السر المصون حقيقة وأدركت هذا بالحقيقة إدراكا ففيم التأني في الحضيض تثبطا مقيما مع الأسرى أما آن إسراكا ومنها: أنه جعله خليفة في ملكه، وجعل الوجود بأسره خادما له، ومنتفعا به، الأرض تقله، والسماء تظله، والجهات تكتنفه، والحيوانات تخدمه، والملائكة تستغفر له، إلى غير ذلك مما لا يعلمه الخلق. قال تعالى: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه [الجاثية: 13]. ومنها: أن جعل ذاته مشتملة على الضدين: النور والظلمة، الكثافة واللطافة، الروحانية والبشرية، الحس والمعنى، القدرة والحكمة، العبودية وأسرار الربوبية، إلى غير ذلك. ولذلك خصه بحمل الأمانة. ومنها: أنه جعله قلب الوجود، هو المنظور إليه من هذا العالم، وهو المقصود الأعظم من إيجاد هذا الكون، فهو المنعم دون غيره، إن أطاع الله، ألا ترى قوله تعالى: وترى الملائكة حآفين من حول العرش [الزمر: 75]، فنعيم الجنان خاص بهذا الإنسان، أو: من التحق به من مؤمني الجان. وقال الورتجبي: كرامة الله تعالى لبني آدم سابقة على كون الخلق جميعا لأنها من صفاته، واختياره، ومشيئته الأولية. أوجد الخلق برحمته، وخلق آدم وذريته بكرامته، الخلق كلهم في حيز الرحمة، وآدم وذريته في حيز الكرامة. الرحمة للعموم، والكرامة للخصوص. خلق الكل لآدم وذريته، وخلق آدم وذريته لنفسه، ولذلك قال: واصطنعتك لنفسي [طه: 41]، جعل آدم خليفته، وجعل ذريته خلفاء أبيهم، الملائكة والجن في خدمتهم، والأمر والنهي والخطاب معهم، والكتاب أنزل إليهم، والجنة والنار والسماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم، وجميع الآيات، خلق لهم. والخلق كلهم طفيل لهم، ألا ترى الله يقول لحبيبه صلى الله عليه وسلم: " لولاك ما خلقت الكون " ؟ ولهم كرامة الظاهر، وهي: تسوية خلقهم، وظرافة صورهم، وحسن نظرتهم، وجمال وجوههم، حيث خلق فيها السمع والأبصار والألسنة، واستواء القامة، وحسن المشي، والبطش، وإسماع الكلام، والتكلم باللسان، والنظر بالبصر، وجميع ذلك ميراث فطرة آدم، التي صدرت من حسن اصطناع صورته. الذي قال: خلقت بيدي [ص: 75]، فنور وجوههم من معادن نور الصفة، وأنوار الصفات نورت آدم وذريته، فتكون نورا من حيث الصفات والهيئات، والحسن والجمال، متصفون متخلقون بالصفات الأزلية، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: " خلق آدم على صورته " ، من حيث التخلق لا من حيث التشبيه. انظر تمامه. والحاصل أنه فضلهم بالخلق والخلق، وذلك يجمع محاسن الصورة الظاهرة والباطنة. ه. قاله المحشي الفاسي. ثم ذكر محل ظهور كرامة بني آدم وهو يوم القيامة

الإسراء 17:71

قلت: يجوز في { أعمى } - الثاني -: أن يكون وصفا كالأول، وأن يكون من أفعل التفضيل، وهو أرجح لعطف " وأضل " عليه، الذي هو للتفضيل. وقال سيبويه: لا يجوز أن يقال: هو أعمى من كذا، وإنما يقال: هو أشد عمى، لكن إنما يمتنع ذلك في عمى البصر، لا في عمى القلب. قاله ابن جزي. يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم ندعو كل أناس بإمامهم } بنبيهم. فيقال: يا أمة فلان، يا أمة فلان، احضروا للحساب. أو: بكتاب أعمالهم، فيقال: يا صاحب الخير ويا صاحب الشر، فهو مناسب لقوله: { فمن أوتي... } الخ. وقال محمد بن كعب القرظي: بأسماء أمهاتهم، فيكون جمع " أم " ، كخف وخفاف، لكن في الحديث: " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم " ، ولعل ما قاله القرظي مخصوص بأولاد الزنا. وفي البيضاوي: قيل: بأمهاتهم، والحكمة في ذلك: إجلال عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين، وألا يفتضح أولاد الزنى. ه. وقال أبو الحسن الصغير: قيل لأبي عمران: هل يدعى الناس بأمهاتهم يوم القيامة أو بآبائهم؟ قال: قد جاء في ذلك شيء أنهم يدعون بأمهاتهم فلا يفتضحوا. وفي البخاري - باب يدعى الناس بآبائهم -، وساق حديث ابن عمر: " ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة. يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان " ، فظاهر الحديث أنهم يدعون بآبائهم، وهو الراجح، إلا فيمن لا أب له. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: { فمن أوتي كتابه بيمينه } أي: فمن أوتي صحيفة أعماله، يومئذ، من أولئك المدعوين بيمينه إظهارا لخطر الكتاب، وتشريفا لصاحبه، وتبشيرا له من أول الأمر، { فأولئك يقرؤون كتابهم } المؤتى لهم. والإشارة إلى " من ": باعتبار معناها لأنها واقعة على الجمع إيذانا بأنهم حزب مجتمعون على شأن جليل، وإشعارا بأن قراءتهم لكتبهم يكون على وجه الاجتماع، لا على وجه الانفراد كما في حال الدنيا. وأتى بإشارة البعيد إشعارا برفع درجاتهم، أي: أولئك المختصون بتلك الكرامة، التي يشعر بها الإيتاء المذكور، يقرأون كتابهم { ولا يظلمون فتيلا } ولا ينقصون من أجور أعمالهم المرسومة في صحيفتهم أدنى شيء، فإن الفتيل - وهو: قشر النواة - مثل في القلة والحقارة. ثم ذكر أهل الأخذ بالشمال فقال: { ومن كان في هذه } الدنيا، التي فعل بهم ما فعل من فنون التكريم والتفضيل، { أعمى } فاقد البصيرة، لا يهتدي إلى رشده، ولا يعرف ما أوليناه من نعمة التكرمة والتفضيل، فضلا عن شكرها والقيام بحقوقها، ولا يستعمل ما أودعنا فيه من العقل والقوى، فيما خلق له من العلوم والمعارف، { فهو في الآخرة أعمى } كذلك، لا يهتدي إلى ما ينجيه مما يرديه لأن النجاة من العذاب والتنعم بأنواع النعم الأخروية مرتب على العمل في الدنيا، ومعرفة الحق، ومن عمي عنه في الدنيا فهو في الآخرة أشد عمى عما ينجيه، { وأضل سبيلا } عنه لزوال الاستعداد الممكن لسلوك طريق النجاة. وهذا بعينه هو الذي أخذ كتابه بشماله، بدلالة ما سبق من القبيل المقابل، ولعل العدول عن التصريح به إلى ذكره بهذا العنوان للإشعار بالعلة الموجبة له، فإن العمى عن الحق والضلال هو السبب في الأخذ بالشمال، وهذا كقوله في الواقعة: وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين [الواقعة: 92]، بعد قوله: وأمآ إن كان من أصحاب اليمين [الواقعة: 90]. والله تعالى أعلم. الإشارة: يدعو الحق تعالى، يوم القيامة، الأمم إلى الحساب بأنبيائها ورسلها، ثم يدعوهم، ثانيا، للكرامة بأشياخها وأئمتها التي كانت تدعوهم إلى الحق على الهدي المحمدي. فيقال: يا أصحاب فلان، ويا أصحاب فلان، اذهبوا إلى الجنة، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. وهذا في حق أهل الحق والتحقيق، الدالين على سلوك الشريعة، والتمسك بأنوار الحقيقة ذوقا وكشفا، فكل من تبعهم وسلك منهاجهم، كان من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وهم: أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأما من لم يكن من حزبهم، ولم يدخل تحت تربيتهم، فإن استعمل عقله وقواه فيما ينجيه يوم القيامة كان من الذين يؤتون كتابهم بيمينهم، ولا يظلمون فتيلا. ومن أهمل عقله واستعمل قواه في البطالة والهوى، كان من القبيل الذي عاش في الدنيا أعمى، ويكون في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، والعياذ بالله. ثم ذكر نوعا من هذا القبيل الذي أعمى الله بصيرته

الإسراء 17:72

قلت: يجوز في { أعمى } - الثاني -: أن يكون وصفا كالأول، وأن يكون من أفعل التفضيل، وهو أرجح لعطف " وأضل " عليه، الذي هو للتفضيل. وقال سيبويه: لا يجوز أن يقال: هو أعمى من كذا، وإنما يقال: هو أشد عمى، لكن إنما يمتنع ذلك في عمى البصر، لا في عمى القلب. قاله ابن جزي. يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم ندعو كل أناس بإمامهم } بنبيهم. فيقال: يا أمة فلان، يا أمة فلان، احضروا للحساب. أو: بكتاب أعمالهم، فيقال: يا صاحب الخير ويا صاحب الشر، فهو مناسب لقوله: { فمن أوتي... } الخ. وقال محمد بن كعب القرظي: بأسماء أمهاتهم، فيكون جمع " أم " ، كخف وخفاف، لكن في الحديث: " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم " ، ولعل ما قاله القرظي مخصوص بأولاد الزنا. وفي البيضاوي: قيل: بأمهاتهم، والحكمة في ذلك: إجلال عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين، وألا يفتضح أولاد الزنى. ه. وقال أبو الحسن الصغير: قيل لأبي عمران: هل يدعى الناس بأمهاتهم يوم القيامة أو بآبائهم؟ قال: قد جاء في ذلك شيء أنهم يدعون بأمهاتهم فلا يفتضحوا. وفي البخاري - باب يدعى الناس بآبائهم -، وساق حديث ابن عمر: " ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة. يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان " ، فظاهر الحديث أنهم يدعون بآبائهم، وهو الراجح، إلا فيمن لا أب له. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: { فمن أوتي كتابه بيمينه } أي: فمن أوتي صحيفة أعماله، يومئذ، من أولئك المدعوين بيمينه إظهارا لخطر الكتاب، وتشريفا لصاحبه، وتبشيرا له من أول الأمر، { فأولئك يقرؤون كتابهم } المؤتى لهم. والإشارة إلى " من ": باعتبار معناها لأنها واقعة على الجمع إيذانا بأنهم حزب مجتمعون على شأن جليل، وإشعارا بأن قراءتهم لكتبهم يكون على وجه الاجتماع، لا على وجه الانفراد كما في حال الدنيا. وأتى بإشارة البعيد إشعارا برفع درجاتهم، أي: أولئك المختصون بتلك الكرامة، التي يشعر بها الإيتاء المذكور، يقرأون كتابهم { ولا يظلمون فتيلا } ولا ينقصون من أجور أعمالهم المرسومة في صحيفتهم أدنى شيء، فإن الفتيل - وهو: قشر النواة - مثل في القلة والحقارة. ثم ذكر أهل الأخذ بالشمال فقال: { ومن كان في هذه } الدنيا، التي فعل بهم ما فعل من فنون التكريم والتفضيل، { أعمى } فاقد البصيرة، لا يهتدي إلى رشده، ولا يعرف ما أوليناه من نعمة التكرمة والتفضيل، فضلا عن شكرها والقيام بحقوقها، ولا يستعمل ما أودعنا فيه من العقل والقوى، فيما خلق له من العلوم والمعارف، { فهو في الآخرة أعمى } كذلك، لا يهتدي إلى ما ينجيه مما يرديه لأن النجاة من العذاب والتنعم بأنواع النعم الأخروية مرتب على العمل في الدنيا، ومعرفة الحق، ومن عمي عنه في الدنيا فهو في الآخرة أشد عمى عما ينجيه، { وأضل سبيلا } عنه لزوال الاستعداد الممكن لسلوك طريق النجاة. وهذا بعينه هو الذي أخذ كتابه بشماله، بدلالة ما سبق من القبيل المقابل، ولعل العدول عن التصريح به إلى ذكره بهذا العنوان للإشعار بالعلة الموجبة له، فإن العمى عن الحق والضلال هو السبب في الأخذ بالشمال، وهذا كقوله في الواقعة: وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين [الواقعة: 92]، بعد قوله: وأمآ إن كان من أصحاب اليمين [الواقعة: 90]. والله تعالى أعلم. الإشارة: يدعو الحق تعالى، يوم القيامة، الأمم إلى الحساب بأنبيائها ورسلها، ثم يدعوهم، ثانيا، للكرامة بأشياخها وأئمتها التي كانت تدعوهم إلى الحق على الهدي المحمدي. فيقال: يا أصحاب فلان، ويا أصحاب فلان، اذهبوا إلى الجنة، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. وهذا في حق أهل الحق والتحقيق، الدالين على سلوك الشريعة، والتمسك بأنوار الحقيقة ذوقا وكشفا، فكل من تبعهم وسلك منهاجهم، كان من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وهم: أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأما من لم يكن من حزبهم، ولم يدخل تحت تربيتهم، فإن استعمل عقله وقواه فيما ينجيه يوم القيامة كان من الذين يؤتون كتابهم بيمينهم، ولا يظلمون فتيلا. ومن أهمل عقله واستعمل قواه في البطالة والهوى، كان من القبيل الذي عاش في الدنيا أعمى، ويكون في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، والعياذ بالله. ثم ذكر نوعا من هذا القبيل الذي أعمى الله بصيرته

الإسراء 17:73

قلت: { وإن }: مخففة من الثقيلة في الموضعين، واسمها: ضمير الشأن، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي: إن الشأن قاربوا أن يفتنوك. و { سنة }: مفعول مطلق، أي: سن الله ذلك سنة. يقول الحق جل جلاله: { وإن كادوا } أي: كفار العرب، { ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك } من أمرنا ونهينا، ووعدنا ووعيدنا، { لتفتري علينا غيره } لتقول ما لم أقل لك، مما اقترحوا عليك. نزلت في ثقيف، إذ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا نحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع، وأن تمتعنا باللات سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإذا قالت العرب: لم فعلت؟ فقل: الله أمرني بذلك. فأبى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيب سعيهم. فالآية، على هذا، مدنية. وقيل: في قريش، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نمكنك من استلام الحجر، حتى تلم بآلهتنا، وتمسها بيدك. وقيل: قالوا: اقبل بعض أمرنا، نقبل بعض أمرك، والآية، حينئذ، مكية كجميع السورة. { وإذا لاتخذوك خليلا } أي: لو فعلت ما أرادوا منك لصرت لهم وليا وحبيبا، ولخرجت من ولايتي، { ولولا أن ثبتناك } على ما أنت عليه من الحق بعصمتنا لك، { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } من الركون، الذي هو أدنى ميل، أي: لولا أن عصمناك، لقاربت أن تميل إليهم لقوة خدعهم، وشدة احتيالهم. لكن عصمتنا منعتك من المقاربة. وهو صريح في أنه - عليه الصلاة والسلام - ما هم بإجابتهم، مع قوة الداعي إليها، ولا قارب ذلك. وهو دليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه، قاله البيضاوي. وفيه رد على ابن عطية، حيث قال: قيل: إنه هم بموافقتهم، لكن كان ذلك خطرة، والصواب: عدم ذلك لأن التثبيت والعصمة مانع من ذلك. وقد أجاد القشيري في ذلك، ونصه: ضربنا عليك سرادقات العصمة، وآويناك في كنف الرعاية، وحفظناك عن خطر اتباع هواك، فالزلل منك محال، والافتراء في نعتك غير موهوم، ولو جنحت لحظة إلى جانب الخلاف لتضاعفت عليك شدائد البلاء لكمال قدرك وعلو شأنك فإن كل من هو أعلى درجة فذنبه - لو حصل - أشد تأثيرا. { ولولا أن ثبتناك... } الآية: لو وكلناك ونفسك، ورفعنا عنك ظل العصمة، لقاربت الإلمام بشيء مما لا يجوز من مخالفة أمرنا، ولكنا أفردناك بالحفظ، بما لا تتقاصر عنك آثاره، ولا تغرب عن ساحتك أنواره. { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } ، هبوط الأكابر على قدر صعودهم. ه. { إذا } أي: لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون { لأذقناك ضعف } عذاب { الحياة } { وضعف } عذاب { الممات } ، أي: مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة لأن خطأ الخطير أخطر. وكأن أصل الكلام: عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات، أي: مضاعفا، ثم حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت إضافة موصوفها. وقيل: الضعف من أسماء العذاب. وقيل: المراد بضعف الحياة: عذاب الآخرة لأن حياته دائمة، وبضعف الممات: عذاب القبر. { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } يدفع عنك العذاب. { وإن كادوا } أي: كاد أهل مكة { ليستفزونك } ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم { من الأرض } التي أنت فيها. وهي: أرض مكة، { ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا } إلا زمنا قليلا. وقد كان كذلك، فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، وقيل: نزلت في اليهود فإنهم حسدوا مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا: الشام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيا فالحق بها حتى نؤمن بك. فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم، فخرج مرحلة، فنزلت، فرجع صلى الله عليه وسلم، ثم قتل منهم بني قريظة، وأجلى بني النضير بقليل، { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } أي: عادته تعالى: أن يهلك من أخرجت رسلهم من بين أظهرهم، فقد سن ذلك في خلقه، وأضافها إلى الرسل لأنها سنت لأجلهم. { ولا تجد لسنتنا تحويلا } أي: تغييرا وتبديلا. الإشارة: من شأن العارف الكامل أن يأخذ بالعزائم، ويأمر بما يقتل النفوس، ويوصل إلى حضرة القدوس، وهو كل ما يثقل على النفوس، فإن أتاه من يفتنه ويرده إلى الهوى، حفظته العناية، واكتنفته الرعاية، فيقال له: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك وحي إلهام، لتفتري علينا غيره، فتأمر بالنزول إلى الرخص والتأويلات وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك بالحفظ والرعاية، لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، وهي: خواطر تخطر ولا تثبت. إذا لأذقناك ضعف الحياة، وهو: الذل والحرص والطمع. وضعف الممات، وهو: السقوط عن مقام المقربين، أهل الروح والريحان. وإن كادوا ليستفزونك من أرض العبودية، ليخرجوك منها إلى إظهار الحرية من العز والجاه، وإذا لا يلبثون خلافك ممن اتبعك إلا قليلا لأن من رجع إلى مباشرة الدنيا والحس قل مدده، فيقل انتفاعه، فلا يتبعه إلا القليل. هذه سنة الله في أوليائه، ولن تجد لسنة الله تحويلا. ثم أمر بمراسم الشريعة التي هي عنوان العناية

الإسراء 17:74

قلت: { وإن }: مخففة من الثقيلة في الموضعين، واسمها: ضمير الشأن، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي: إن الشأن قاربوا أن يفتنوك. و { سنة }: مفعول مطلق، أي: سن الله ذلك سنة. يقول الحق جل جلاله: { وإن كادوا } أي: كفار العرب، { ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك } من أمرنا ونهينا، ووعدنا ووعيدنا، { لتفتري علينا غيره } لتقول ما لم أقل لك، مما اقترحوا عليك. نزلت في ثقيف، إذ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا نحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع، وأن تمتعنا باللات سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإذا قالت العرب: لم فعلت؟ فقل: الله أمرني بذلك. فأبى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيب سعيهم. فالآية، على هذا، مدنية. وقيل: في قريش، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نمكنك من استلام الحجر، حتى تلم بآلهتنا، وتمسها بيدك. وقيل: قالوا: اقبل بعض أمرنا، نقبل بعض أمرك، والآية، حينئذ، مكية كجميع السورة. { وإذا لاتخذوك خليلا } أي: لو فعلت ما أرادوا منك لصرت لهم وليا وحبيبا، ولخرجت من ولايتي، { ولولا أن ثبتناك } على ما أنت عليه من الحق بعصمتنا لك، { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } من الركون، الذي هو أدنى ميل، أي: لولا أن عصمناك، لقاربت أن تميل إليهم لقوة خدعهم، وشدة احتيالهم. لكن عصمتنا منعتك من المقاربة. وهو صريح في أنه - عليه الصلاة والسلام - ما هم بإجابتهم، مع قوة الداعي إليها، ولا قارب ذلك. وهو دليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه، قاله البيضاوي. وفيه رد على ابن عطية، حيث قال: قيل: إنه هم بموافقتهم، لكن كان ذلك خطرة، والصواب: عدم ذلك لأن التثبيت والعصمة مانع من ذلك. وقد أجاد القشيري في ذلك، ونصه: ضربنا عليك سرادقات العصمة، وآويناك في كنف الرعاية، وحفظناك عن خطر اتباع هواك، فالزلل منك محال، والافتراء في نعتك غير موهوم، ولو جنحت لحظة إلى جانب الخلاف لتضاعفت عليك شدائد البلاء لكمال قدرك وعلو شأنك فإن كل من هو أعلى درجة فذنبه - لو حصل - أشد تأثيرا. { ولولا أن ثبتناك... } الآية: لو وكلناك ونفسك، ورفعنا عنك ظل العصمة، لقاربت الإلمام بشيء مما لا يجوز من مخالفة أمرنا، ولكنا أفردناك بالحفظ، بما لا تتقاصر عنك آثاره، ولا تغرب عن ساحتك أنواره. { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } ، هبوط الأكابر على قدر صعودهم. ه. { إذا } أي: لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون { لأذقناك ضعف } عذاب { الحياة } { وضعف } عذاب { الممات } ، أي: مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة لأن خطأ الخطير أخطر. وكأن أصل الكلام: عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات، أي: مضاعفا، ثم حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت إضافة موصوفها. وقيل: الضعف من أسماء العذاب. وقيل: المراد بضعف الحياة: عذاب الآخرة لأن حياته دائمة، وبضعف الممات: عذاب القبر. { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } يدفع عنك العذاب. { وإن كادوا } أي: كاد أهل مكة { ليستفزونك } ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم { من الأرض } التي أنت فيها. وهي: أرض مكة، { ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا } إلا زمنا قليلا. وقد كان كذلك، فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، وقيل: نزلت في اليهود فإنهم حسدوا مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا: الشام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيا فالحق بها حتى نؤمن بك. فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم، فخرج مرحلة، فنزلت، فرجع صلى الله عليه وسلم، ثم قتل منهم بني قريظة، وأجلى بني النضير بقليل، { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } أي: عادته تعالى: أن يهلك من أخرجت رسلهم من بين أظهرهم، فقد سن ذلك في خلقه، وأضافها إلى الرسل لأنها سنت لأجلهم. { ولا تجد لسنتنا تحويلا } أي: تغييرا وتبديلا. الإشارة: من شأن العارف الكامل أن يأخذ بالعزائم، ويأمر بما يقتل النفوس، ويوصل إلى حضرة القدوس، وهو كل ما يثقل على النفوس، فإن أتاه من يفتنه ويرده إلى الهوى، حفظته العناية، واكتنفته الرعاية، فيقال له: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك وحي إلهام، لتفتري علينا غيره، فتأمر بالنزول إلى الرخص والتأويلات وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك بالحفظ والرعاية، لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، وهي: خواطر تخطر ولا تثبت. إذا لأذقناك ضعف الحياة، وهو: الذل والحرص والطمع. وضعف الممات، وهو: السقوط عن مقام المقربين، أهل الروح والريحان. وإن كادوا ليستفزونك من أرض العبودية، ليخرجوك منها إلى إظهار الحرية من العز والجاه، وإذا لا يلبثون خلافك ممن اتبعك إلا قليلا لأن من رجع إلى مباشرة الدنيا والحس قل مدده، فيقل انتفاعه، فلا يتبعه إلا القليل. هذه سنة الله في أوليائه، ولن تجد لسنة الله تحويلا. ثم أمر بمراسم الشريعة التي هي عنوان العناية

الإسراء 17:75

قلت: { وإن }: مخففة من الثقيلة في الموضعين، واسمها: ضمير الشأن، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي: إن الشأن قاربوا أن يفتنوك. و { سنة }: مفعول مطلق، أي: سن الله ذلك سنة. يقول الحق جل جلاله: { وإن كادوا } أي: كفار العرب، { ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك } من أمرنا ونهينا، ووعدنا ووعيدنا، { لتفتري علينا غيره } لتقول ما لم أقل لك، مما اقترحوا عليك. نزلت في ثقيف، إذ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا نحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع، وأن تمتعنا باللات سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإذا قالت العرب: لم فعلت؟ فقل: الله أمرني بذلك. فأبى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيب سعيهم. فالآية، على هذا، مدنية. وقيل: في قريش، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نمكنك من استلام الحجر، حتى تلم بآلهتنا، وتمسها بيدك. وقيل: قالوا: اقبل بعض أمرنا، نقبل بعض أمرك، والآية، حينئذ، مكية كجميع السورة. { وإذا لاتخذوك خليلا } أي: لو فعلت ما أرادوا منك لصرت لهم وليا وحبيبا، ولخرجت من ولايتي، { ولولا أن ثبتناك } على ما أنت عليه من الحق بعصمتنا لك، { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } من الركون، الذي هو أدنى ميل، أي: لولا أن عصمناك، لقاربت أن تميل إليهم لقوة خدعهم، وشدة احتيالهم. لكن عصمتنا منعتك من المقاربة. وهو صريح في أنه - عليه الصلاة والسلام - ما هم بإجابتهم، مع قوة الداعي إليها، ولا قارب ذلك. وهو دليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه، قاله البيضاوي. وفيه رد على ابن عطية، حيث قال: قيل: إنه هم بموافقتهم، لكن كان ذلك خطرة، والصواب: عدم ذلك لأن التثبيت والعصمة مانع من ذلك. وقد أجاد القشيري في ذلك، ونصه: ضربنا عليك سرادقات العصمة، وآويناك في كنف الرعاية، وحفظناك عن خطر اتباع هواك، فالزلل منك محال، والافتراء في نعتك غير موهوم، ولو جنحت لحظة إلى جانب الخلاف لتضاعفت عليك شدائد البلاء لكمال قدرك وعلو شأنك فإن كل من هو أعلى درجة فذنبه - لو حصل - أشد تأثيرا. { ولولا أن ثبتناك... } الآية: لو وكلناك ونفسك، ورفعنا عنك ظل العصمة، لقاربت الإلمام بشيء مما لا يجوز من مخالفة أمرنا، ولكنا أفردناك بالحفظ، بما لا تتقاصر عنك آثاره، ولا تغرب عن ساحتك أنواره. { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } ، هبوط الأكابر على قدر صعودهم. ه. { إذا } أي: لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون { لأذقناك ضعف } عذاب { الحياة } { وضعف } عذاب { الممات } ، أي: مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة لأن خطأ الخطير أخطر. وكأن أصل الكلام: عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات، أي: مضاعفا، ثم حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت إضافة موصوفها. وقيل: الضعف من أسماء العذاب. وقيل: المراد بضعف الحياة: عذاب الآخرة لأن حياته دائمة، وبضعف الممات: عذاب القبر. { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } يدفع عنك العذاب. { وإن كادوا } أي: كاد أهل مكة { ليستفزونك } ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم { من الأرض } التي أنت فيها. وهي: أرض مكة، { ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا } إلا زمنا قليلا. وقد كان كذلك، فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، وقيل: نزلت في اليهود فإنهم حسدوا مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا: الشام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيا فالحق بها حتى نؤمن بك. فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم، فخرج مرحلة، فنزلت، فرجع صلى الله عليه وسلم، ثم قتل منهم بني قريظة، وأجلى بني النضير بقليل، { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } أي: عادته تعالى: أن يهلك من أخرجت رسلهم من بين أظهرهم، فقد سن ذلك في خلقه، وأضافها إلى الرسل لأنها سنت لأجلهم. { ولا تجد لسنتنا تحويلا } أي: تغييرا وتبديلا. الإشارة: من شأن العارف الكامل أن يأخذ بالعزائم، ويأمر بما يقتل النفوس، ويوصل إلى حضرة القدوس، وهو كل ما يثقل على النفوس، فإن أتاه من يفتنه ويرده إلى الهوى، حفظته العناية، واكتنفته الرعاية، فيقال له: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك وحي إلهام، لتفتري علينا غيره، فتأمر بالنزول إلى الرخص والتأويلات وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك بالحفظ والرعاية، لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، وهي: خواطر تخطر ولا تثبت. إذا لأذقناك ضعف الحياة، وهو: الذل والحرص والطمع. وضعف الممات، وهو: السقوط عن مقام المقربين، أهل الروح والريحان. وإن كادوا ليستفزونك من أرض العبودية، ليخرجوك منها إلى إظهار الحرية من العز والجاه، وإذا لا يلبثون خلافك ممن اتبعك إلا قليلا لأن من رجع إلى مباشرة الدنيا والحس قل مدده، فيقل انتفاعه، فلا يتبعه إلا القليل. هذه سنة الله في أوليائه، ولن تجد لسنة الله تحويلا. ثم أمر بمراسم الشريعة التي هي عنوان العناية

الإسراء 17:76

قلت: { وإن }: مخففة من الثقيلة في الموضعين، واسمها: ضمير الشأن، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي: إن الشأن قاربوا أن يفتنوك. و { سنة }: مفعول مطلق، أي: سن الله ذلك سنة. يقول الحق جل جلاله: { وإن كادوا } أي: كفار العرب، { ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك } من أمرنا ونهينا، ووعدنا ووعيدنا، { لتفتري علينا غيره } لتقول ما لم أقل لك، مما اقترحوا عليك. نزلت في ثقيف، إذ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا نحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع، وأن تمتعنا باللات سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإذا قالت العرب: لم فعلت؟ فقل: الله أمرني بذلك. فأبى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيب سعيهم. فالآية، على هذا، مدنية. وقيل: في قريش، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نمكنك من استلام الحجر، حتى تلم بآلهتنا، وتمسها بيدك. وقيل: قالوا: اقبل بعض أمرنا، نقبل بعض أمرك، والآية، حينئذ، مكية كجميع السورة. { وإذا لاتخذوك خليلا } أي: لو فعلت ما أرادوا منك لصرت لهم وليا وحبيبا، ولخرجت من ولايتي، { ولولا أن ثبتناك } على ما أنت عليه من الحق بعصمتنا لك، { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } من الركون، الذي هو أدنى ميل، أي: لولا أن عصمناك، لقاربت أن تميل إليهم لقوة خدعهم، وشدة احتيالهم. لكن عصمتنا منعتك من المقاربة. وهو صريح في أنه - عليه الصلاة والسلام - ما هم بإجابتهم، مع قوة الداعي إليها، ولا قارب ذلك. وهو دليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه، قاله البيضاوي. وفيه رد على ابن عطية، حيث قال: قيل: إنه هم بموافقتهم، لكن كان ذلك خطرة، والصواب: عدم ذلك لأن التثبيت والعصمة مانع من ذلك. وقد أجاد القشيري في ذلك، ونصه: ضربنا عليك سرادقات العصمة، وآويناك في كنف الرعاية، وحفظناك عن خطر اتباع هواك، فالزلل منك محال، والافتراء في نعتك غير موهوم، ولو جنحت لحظة إلى جانب الخلاف لتضاعفت عليك شدائد البلاء لكمال قدرك وعلو شأنك فإن كل من هو أعلى درجة فذنبه - لو حصل - أشد تأثيرا. { ولولا أن ثبتناك... } الآية: لو وكلناك ونفسك، ورفعنا عنك ظل العصمة، لقاربت الإلمام بشيء مما لا يجوز من مخالفة أمرنا، ولكنا أفردناك بالحفظ، بما لا تتقاصر عنك آثاره، ولا تغرب عن ساحتك أنواره. { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } ، هبوط الأكابر على قدر صعودهم. ه. { إذا } أي: لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون { لأذقناك ضعف } عذاب { الحياة } { وضعف } عذاب { الممات } ، أي: مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة لأن خطأ الخطير أخطر. وكأن أصل الكلام: عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات، أي: مضاعفا، ثم حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت إضافة موصوفها. وقيل: الضعف من أسماء العذاب. وقيل: المراد بضعف الحياة: عذاب الآخرة لأن حياته دائمة، وبضعف الممات: عذاب القبر. { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } يدفع عنك العذاب. { وإن كادوا } أي: كاد أهل مكة { ليستفزونك } ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم { من الأرض } التي أنت فيها. وهي: أرض مكة، { ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا } إلا زمنا قليلا. وقد كان كذلك، فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، وقيل: نزلت في اليهود فإنهم حسدوا مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا: الشام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيا فالحق بها حتى نؤمن بك. فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم، فخرج مرحلة، فنزلت، فرجع صلى الله عليه وسلم، ثم قتل منهم بني قريظة، وأجلى بني النضير بقليل، { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } أي: عادته تعالى: أن يهلك من أخرجت رسلهم من بين أظهرهم، فقد سن ذلك في خلقه، وأضافها إلى الرسل لأنها سنت لأجلهم. { ولا تجد لسنتنا تحويلا } أي: تغييرا وتبديلا. الإشارة: من شأن العارف الكامل أن يأخذ بالعزائم، ويأمر بما يقتل النفوس، ويوصل إلى حضرة القدوس، وهو كل ما يثقل على النفوس، فإن أتاه من يفتنه ويرده إلى الهوى، حفظته العناية، واكتنفته الرعاية، فيقال له: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك وحي إلهام، لتفتري علينا غيره، فتأمر بالنزول إلى الرخص والتأويلات وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك بالحفظ والرعاية، لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، وهي: خواطر تخطر ولا تثبت. إذا لأذقناك ضعف الحياة، وهو: الذل والحرص والطمع. وضعف الممات، وهو: السقوط عن مقام المقربين، أهل الروح والريحان. وإن كادوا ليستفزونك من أرض العبودية، ليخرجوك منها إلى إظهار الحرية من العز والجاه، وإذا لا يلبثون خلافك ممن اتبعك إلا قليلا لأن من رجع إلى مباشرة الدنيا والحس قل مدده، فيقل انتفاعه، فلا يتبعه إلا القليل. هذه سنة الله في أوليائه، ولن تجد لسنة الله تحويلا. ثم أمر بمراسم الشريعة التي هي عنوان العناية

الإسراء 17:77

قلت: { وإن }: مخففة من الثقيلة في الموضعين، واسمها: ضمير الشأن، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي: إن الشأن قاربوا أن يفتنوك. و { سنة }: مفعول مطلق، أي: سن الله ذلك سنة. يقول الحق جل جلاله: { وإن كادوا } أي: كفار العرب، { ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك } من أمرنا ونهينا، ووعدنا ووعيدنا، { لتفتري علينا غيره } لتقول ما لم أقل لك، مما اقترحوا عليك. نزلت في ثقيف، إذ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا نحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع، وأن تمتعنا باللات سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإذا قالت العرب: لم فعلت؟ فقل: الله أمرني بذلك. فأبى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيب سعيهم. فالآية، على هذا، مدنية. وقيل: في قريش، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نمكنك من استلام الحجر، حتى تلم بآلهتنا، وتمسها بيدك. وقيل: قالوا: اقبل بعض أمرنا، نقبل بعض أمرك، والآية، حينئذ، مكية كجميع السورة. { وإذا لاتخذوك خليلا } أي: لو فعلت ما أرادوا منك لصرت لهم وليا وحبيبا، ولخرجت من ولايتي، { ولولا أن ثبتناك } على ما أنت عليه من الحق بعصمتنا لك، { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } من الركون، الذي هو أدنى ميل، أي: لولا أن عصمناك، لقاربت أن تميل إليهم لقوة خدعهم، وشدة احتيالهم. لكن عصمتنا منعتك من المقاربة. وهو صريح في أنه - عليه الصلاة والسلام - ما هم بإجابتهم، مع قوة الداعي إليها، ولا قارب ذلك. وهو دليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه، قاله البيضاوي. وفيه رد على ابن عطية، حيث قال: قيل: إنه هم بموافقتهم، لكن كان ذلك خطرة، والصواب: عدم ذلك لأن التثبيت والعصمة مانع من ذلك. وقد أجاد القشيري في ذلك، ونصه: ضربنا عليك سرادقات العصمة، وآويناك في كنف الرعاية، وحفظناك عن خطر اتباع هواك، فالزلل منك محال، والافتراء في نعتك غير موهوم، ولو جنحت لحظة إلى جانب الخلاف لتضاعفت عليك شدائد البلاء لكمال قدرك وعلو شأنك فإن كل من هو أعلى درجة فذنبه - لو حصل - أشد تأثيرا. { ولولا أن ثبتناك... } الآية: لو وكلناك ونفسك، ورفعنا عنك ظل العصمة، لقاربت الإلمام بشيء مما لا يجوز من مخالفة أمرنا، ولكنا أفردناك بالحفظ، بما لا تتقاصر عنك آثاره، ولا تغرب عن ساحتك أنواره. { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } ، هبوط الأكابر على قدر صعودهم. ه. { إذا } أي: لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون { لأذقناك ضعف } عذاب { الحياة } { وضعف } عذاب { الممات } ، أي: مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة لأن خطأ الخطير أخطر. وكأن أصل الكلام: عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات، أي: مضاعفا، ثم حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت إضافة موصوفها. وقيل: الضعف من أسماء العذاب. وقيل: المراد بضعف الحياة: عذاب الآخرة لأن حياته دائمة، وبضعف الممات: عذاب القبر. { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } يدفع عنك العذاب. { وإن كادوا } أي: كاد أهل مكة { ليستفزونك } ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم { من الأرض } التي أنت فيها. وهي: أرض مكة، { ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا } إلا زمنا قليلا. وقد كان كذلك، فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، وقيل: نزلت في اليهود فإنهم حسدوا مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا: الشام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيا فالحق بها حتى نؤمن بك. فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم، فخرج مرحلة، فنزلت، فرجع صلى الله عليه وسلم، ثم قتل منهم بني قريظة، وأجلى بني النضير بقليل، { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } أي: عادته تعالى: أن يهلك من أخرجت رسلهم من بين أظهرهم، فقد سن ذلك في خلقه، وأضافها إلى الرسل لأنها سنت لأجلهم. { ولا تجد لسنتنا تحويلا } أي: تغييرا وتبديلا. الإشارة: من شأن العارف الكامل أن يأخذ بالعزائم، ويأمر بما يقتل النفوس، ويوصل إلى حضرة القدوس، وهو كل ما يثقل على النفوس، فإن أتاه من يفتنه ويرده إلى الهوى، حفظته العناية، واكتنفته الرعاية، فيقال له: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك وحي إلهام، لتفتري علينا غيره، فتأمر بالنزول إلى الرخص والتأويلات وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك بالحفظ والرعاية، لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، وهي: خواطر تخطر ولا تثبت. إذا لأذقناك ضعف الحياة، وهو: الذل والحرص والطمع. وضعف الممات، وهو: السقوط عن مقام المقربين، أهل الروح والريحان. وإن كادوا ليستفزونك من أرض العبودية، ليخرجوك منها إلى إظهار الحرية من العز والجاه، وإذا لا يلبثون خلافك ممن اتبعك إلا قليلا لأن من رجع إلى مباشرة الدنيا والحس قل مدده، فيقل انتفاعه، فلا يتبعه إلا القليل. هذه سنة الله في أوليائه، ولن تجد لسنة الله تحويلا. ثم أمر بمراسم الشريعة التي هي عنوان العناية

الإسراء 17:78

قلت: الدلوك: الميل. واشتقاقه من الدلك لأن من نظر إليها حينئذ يدلك عينه. واللام للتأقيت بمعنى: عند. و { قرآن }: عطف على { الصلاة } ، أو منصوب بفعل مضمر، أي: اقرأ قرآن الفجر، أو على الإغراء. يقول الحق جل جلاله: { أقم الصلاة لدلوك } أي: عند زوال { الشمس } ، وهو إشارة إلى إقامة الصلوات الخمس، فدلوك الشمس: زوالها وهو إشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل: ظلمته، وهو إشارة إلى المغرب والعشاء، { وقرآن الفجر } صلاة الصبح، وإنما عبر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر لأن القرآن يقرأ فيها أكثر من غيرها لأنها تصلى بسورتين طويلتين، ثم مدحها بقوله: { إن قرآن الفجر كان مشهودا } تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، أو: يشهده الجم الغفير من المصلين، أو فيه شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء، والنوم، الذي هو آخو الموت، بالانتباه. ثم أمر بقيام الليل فقال: { ومن الليل } أي: بعض الليل { فتهجد به } أي: اترك الهجود، الذي هو النوم فيه، للصلاة بالقرآن، { نافلة لك } أي: فريضة زائدة لك على الصلوات الخمس، أو فريضة زائدة لك لاختصاص وجوبها بك، أو نافلة زائدة لك على الفرائض غير واجبة. وكأنه، لما أمر بالفرائض، أمر بعدها بالنوافل. وتطوعه - عليه الصلاة والسلام - لزيادة الدرجات، لا لجبر خلل أو تكفير ذنب لأنه مغفور له ما تقدم وما تأخر. و " من ": للتبعيض، والضمير في " به ": للقرآن. والتهجد: السهر، وهو: ترك الهجود، أي: النوم. فالتفعل هنا للإزالة كالتأثم والتحرج، لإزالة الإثم والحرج. ثم ذكر ثوابه في حقه - عليه الصلاة والسلام - فقال: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } عندك وعند جميع الناس، وهي: الشفاعة العظمى. وفيه تهوين لمشقة قيام الليل. روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " وقال ابن عباس رضي الله عنه: مقاما محمودا يحمده فيه الأولون والآخرون، ويشرف فيه على جميع الخلائق، يسأل فيعطى، ويشفع فيشفع. وعن حذيفة: يجمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلم فيه نفس إلا بإذنه، فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: " لبيك وسعديك. والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت " ثم يأذن له في الشفاعة. والله تعالى أعلم. وقال ابن العربي المعافري في أحكامه: واختلف في وجه كون قيام الليل سببا للمقام المحمود على قولين، فقيل: إن البارئ تعالى يجعل ما يشاء من فضله سببا لفضله، من غير معرفة منا بوجه الحكمة. وقيل: إن قيام الليل فيه الخلوة به تعالى، والمناجاة معه دون الناس، فيعطي الخلوة به والمناجاة في القيامة، فيكون مقاما محمودا، ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم. وأجلهم فيه درجة: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيعطى من المحامد ما لم يعط قبل، ويشفع فيشفع. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وقد يقال: إن ذلك مرتب على قوله: { أقم الصلاة... } الآية، ولا يخص بقيام الليل، والصلاة، مطلقا مفاتحة للدخول على الله ومناجاة له، ولذلك جاء في حديث الشفاعة افتتاحه بأن " يخر ساجدا حامدا، فيؤذن حينئذ بالشفاعة ". ومن تواضع رفعه الله. ه. الإشارة: قوم اعتنوا بإقامة صلاة الجوارح، وهم: الصالحون الأبرار، وقوم اعتنوا بإقامة صلاة القلوب، التي هي الصلاة الدائمة، وهم العارفون الكبار، وقوم اعتنوا بسهر الليل في الركوع والسجود، وهم العباد والزهاد والصالحون، أولو الجد والاجتهاد. وقوم اعتنوا بسهره في فكرة العيان والشهود، وهم المقربون عند الملك الودود. الأولون يوفون أجرهم على التمام بالحور والولدان، والآخرون يكشف لهم الحجاب ويتمتعون بالنظر على الدوام، الأولون محبون، والآخرون محبوبون، الأولون يشفعون في أقاربهم ومن تعلق بهم، والآخرون قد يشفع واحد منهم في أهل عصره. وما ذلك على الله بعزيز. ولما أمره بالقيام بوظائف العبودية أمره بالتعلق في أموره عليها

الإسراء 17:79

قلت: الدلوك: الميل. واشتقاقه من الدلك لأن من نظر إليها حينئذ يدلك عينه. واللام للتأقيت بمعنى: عند. و { قرآن }: عطف على { الصلاة } ، أو منصوب بفعل مضمر، أي: اقرأ قرآن الفجر، أو على الإغراء. يقول الحق جل جلاله: { أقم الصلاة لدلوك } أي: عند زوال { الشمس } ، وهو إشارة إلى إقامة الصلوات الخمس، فدلوك الشمس: زوالها وهو إشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل: ظلمته، وهو إشارة إلى المغرب والعشاء، { وقرآن الفجر } صلاة الصبح، وإنما عبر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر لأن القرآن يقرأ فيها أكثر من غيرها لأنها تصلى بسورتين طويلتين، ثم مدحها بقوله: { إن قرآن الفجر كان مشهودا } تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، أو: يشهده الجم الغفير من المصلين، أو فيه شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء، والنوم، الذي هو آخو الموت، بالانتباه. ثم أمر بقيام الليل فقال: { ومن الليل } أي: بعض الليل { فتهجد به } أي: اترك الهجود، الذي هو النوم فيه، للصلاة بالقرآن، { نافلة لك } أي: فريضة زائدة لك على الصلوات الخمس، أو فريضة زائدة لك لاختصاص وجوبها بك، أو نافلة زائدة لك على الفرائض غير واجبة. وكأنه، لما أمر بالفرائض، أمر بعدها بالنوافل. وتطوعه - عليه الصلاة والسلام - لزيادة الدرجات، لا لجبر خلل أو تكفير ذنب لأنه مغفور له ما تقدم وما تأخر. و " من ": للتبعيض، والضمير في " به ": للقرآن. والتهجد: السهر، وهو: ترك الهجود، أي: النوم. فالتفعل هنا للإزالة كالتأثم والتحرج، لإزالة الإثم والحرج. ثم ذكر ثوابه في حقه - عليه الصلاة والسلام - فقال: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } عندك وعند جميع الناس، وهي: الشفاعة العظمى. وفيه تهوين لمشقة قيام الليل. روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " وقال ابن عباس رضي الله عنه: مقاما محمودا يحمده فيه الأولون والآخرون، ويشرف فيه على جميع الخلائق، يسأل فيعطى، ويشفع فيشفع. وعن حذيفة: يجمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلم فيه نفس إلا بإذنه، فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: " لبيك وسعديك. والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت " ثم يأذن له في الشفاعة. والله تعالى أعلم. وقال ابن العربي المعافري في أحكامه: واختلف في وجه كون قيام الليل سببا للمقام المحمود على قولين، فقيل: إن البارئ تعالى يجعل ما يشاء من فضله سببا لفضله، من غير معرفة منا بوجه الحكمة. وقيل: إن قيام الليل فيه الخلوة به تعالى، والمناجاة معه دون الناس، فيعطي الخلوة به والمناجاة في القيامة، فيكون مقاما محمودا، ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم. وأجلهم فيه درجة: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيعطى من المحامد ما لم يعط قبل، ويشفع فيشفع. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وقد يقال: إن ذلك مرتب على قوله: { أقم الصلاة... } الآية، ولا يخص بقيام الليل، والصلاة، مطلقا مفاتحة للدخول على الله ومناجاة له، ولذلك جاء في حديث الشفاعة افتتاحه بأن " يخر ساجدا حامدا، فيؤذن حينئذ بالشفاعة ". ومن تواضع رفعه الله. ه. الإشارة: قوم اعتنوا بإقامة صلاة الجوارح، وهم: الصالحون الأبرار، وقوم اعتنوا بإقامة صلاة القلوب، التي هي الصلاة الدائمة، وهم العارفون الكبار، وقوم اعتنوا بسهر الليل في الركوع والسجود، وهم العباد والزهاد والصالحون، أولو الجد والاجتهاد. وقوم اعتنوا بسهره في فكرة العيان والشهود، وهم المقربون عند الملك الودود. الأولون يوفون أجرهم على التمام بالحور والولدان، والآخرون يكشف لهم الحجاب ويتمتعون بالنظر على الدوام، الأولون محبون، والآخرون محبوبون، الأولون يشفعون في أقاربهم ومن تعلق بهم، والآخرون قد يشفع واحد منهم في أهل عصره. وما ذلك على الله بعزيز. ولما أمره بالقيام بوظائف العبودية أمره بالتعلق في أموره عليها

الإسراء 17:80

يقول الحق جل جلاله: { وقل } يا محمد: { رب أدخلني } في الأمور كلها { مدخل صدق } بأن أدخل فيها بك لا بنفسي، { وأخرجني } منها { مخرج صدق } كذلك، مصحوبا بالفهم عنك، والإذن منك في إدخالي وإخراجي. وقيل: أدخلني قبري مدخل صدق راضيا مرضيا، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق، أي: إخراجا مرضيا ملقى بالكرامة. فيكون تلقينا للدعاء بما وعده من البعث، المقرون بالإقامة للمقام المحمود، التي لا كرامة فوقها. وقيل: المراد: إدخال المدينة، والإخراج من مكة. وقيل: إدخاله - عليه الصلاة والسلام - مكة ظاهرا عليها، وإخراجه منها آمنا من المشركين. وقيل: إدخاله الغار، وإخراجه منه سالما. وقيل: إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة، وإخراجه منه مؤديا حقه. وقيل: إدخاله في كل ما يلائمه من مكان أو أمر، وإخراجه منه بالحفظ والرعاية، بحيث يدخل بالله ويخرج بالله. وهو الراجح كما قدمناه. { واجعل لي من لدنك } أي: من مستبطن أمورك، { سلطانا نصيرا } أي حجة ظاهرة، تنصرني على من يخالفني ويعاديني، أو: عزا ناصرا للإسلام، مظهرا له على الكفر. فأجيبت دعوته - عليه الصلاة والسلام - بقوله: فإن حزب الله هم الغالبون [المائدة: 56]، ليظهره على الدين كله [التوبة: 33]، وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض... [النور: 55] الآية، وبقوله: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون [الصافات: 171، 172] الآية. وذلك حين يظهر الحق، ويزهق الباطل، كما قال: { وقل جاء الحق } أي: الإسلام أو الوحي، { وزهق الباطل } ذهب، وهلك الكفر والشرك، وتسويلات الشيطان { إن الباطل } كائنا ما { كان زهوقا } أي: شأنه أن يكون مضمحلا غير ثابت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعن بمخصرة كانت بيده في عين كل واحد، ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل " ، فينكب لوجهه، حتى ألقى جميعها، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة، وكان من صفر، فقال: " يا علي، ارم به " فصعد إليه، ورمى به، فكسره. ه. الإشارة: إذا تمكن العارفون من شهود حضرة القدس ومحل الأنس، وصارت معشش قلوبهم كان نزولهم إلى سماء الحقوق وأرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين. فلم ينزلوا إلى سماء الحقوق بسوء الأدب والغفلة، ولا إلى أرض الحظوظ بالشهوة والمتعة، بل دخلوا في ذلك بالله ولله، ومن الله وإلى الله، كما في الحكم. ثم قال: { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق } ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني، وانقيادي إليك إذا أخرجتني. { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } ينصرني ولا ينصر علي، ينصرني على شهود نفسي، حتى أغيب عنها وعن متعتها وهواها، ويفنيني عن دائرة حسي، حتى تتسع علي دائرة المعاني عندي، وأفضي إلى فضاء الشهود والعيان، فحينئذ يزهق الباطل، وهو ما سوى الله، ويجيء الحق، وهو وجود الحق وحده، فأقول حينئذ: { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } ، وإنما أثبته الوهم والجهل، وإلا فلا ثبوت له ابتداء وانتهاء. وثبوت الوهم والجهل في القلب مرض من الأمراض وشفاؤه في التمسك بما جاء به القرآن العظيم

الإسراء 17:81

يقول الحق جل جلاله: { وقل } يا محمد: { رب أدخلني } في الأمور كلها { مدخل صدق } بأن أدخل فيها بك لا بنفسي، { وأخرجني } منها { مخرج صدق } كذلك، مصحوبا بالفهم عنك، والإذن منك في إدخالي وإخراجي. وقيل: أدخلني قبري مدخل صدق راضيا مرضيا، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق، أي: إخراجا مرضيا ملقى بالكرامة. فيكون تلقينا للدعاء بما وعده من البعث، المقرون بالإقامة للمقام المحمود، التي لا كرامة فوقها. وقيل: المراد: إدخال المدينة، والإخراج من مكة. وقيل: إدخاله - عليه الصلاة والسلام - مكة ظاهرا عليها، وإخراجه منها آمنا من المشركين. وقيل: إدخاله الغار، وإخراجه منه سالما. وقيل: إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة، وإخراجه منه مؤديا حقه. وقيل: إدخاله في كل ما يلائمه من مكان أو أمر، وإخراجه منه بالحفظ والرعاية، بحيث يدخل بالله ويخرج بالله. وهو الراجح كما قدمناه. { واجعل لي من لدنك } أي: من مستبطن أمورك، { سلطانا نصيرا } أي حجة ظاهرة، تنصرني على من يخالفني ويعاديني، أو: عزا ناصرا للإسلام، مظهرا له على الكفر. فأجيبت دعوته - عليه الصلاة والسلام - بقوله: فإن حزب الله هم الغالبون [المائدة: 56]، ليظهره على الدين كله [التوبة: 33]، وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض... [النور: 55] الآية، وبقوله: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون [الصافات: 171، 172] الآية. وذلك حين يظهر الحق، ويزهق الباطل، كما قال: { وقل جاء الحق } أي: الإسلام أو الوحي، { وزهق الباطل } ذهب، وهلك الكفر والشرك، وتسويلات الشيطان { إن الباطل } كائنا ما { كان زهوقا } أي: شأنه أن يكون مضمحلا غير ثابت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعن بمخصرة كانت بيده في عين كل واحد، ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل " ، فينكب لوجهه، حتى ألقى جميعها، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة، وكان من صفر، فقال: " يا علي، ارم به " فصعد إليه، ورمى به، فكسره. ه. الإشارة: إذا تمكن العارفون من شهود حضرة القدس ومحل الأنس، وصارت معشش قلوبهم كان نزولهم إلى سماء الحقوق وأرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين. فلم ينزلوا إلى سماء الحقوق بسوء الأدب والغفلة، ولا إلى أرض الحظوظ بالشهوة والمتعة، بل دخلوا في ذلك بالله ولله، ومن الله وإلى الله، كما في الحكم. ثم قال: { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق } ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني، وانقيادي إليك إذا أخرجتني. { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } ينصرني ولا ينصر علي، ينصرني على شهود نفسي، حتى أغيب عنها وعن متعتها وهواها، ويفنيني عن دائرة حسي، حتى تتسع علي دائرة المعاني عندي، وأفضي إلى فضاء الشهود والعيان، فحينئذ يزهق الباطل، وهو ما سوى الله، ويجيء الحق، وهو وجود الحق وحده، فأقول حينئذ: { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } ، وإنما أثبته الوهم والجهل، وإلا فلا ثبوت له ابتداء وانتهاء. وثبوت الوهم والجهل في القلب مرض من الأمراض وشفاؤه في التمسك بما جاء به القرآن العظيم

الإسراء 17:82

قلت: { من }: للبيان، قدمت على المبين اعتناء، فالقرآن كله شفاء. وقيل: للتبعيض، والمعنى: أن منه ما يشفي من المرض الحسي، كالفاتحة وآية الشفاء، ومن المرض المعنوي، كآيات كثيرة. يقول الحق جل جلاله: { وننزل من القرآن ما هو شفاء } لما في الصدور، ومن سقام الريب والجهل، وأدواء الأوهام والشكوك، { ورحمة للمؤمنين } به، العالمين بما احتوى عليه من عجائب الأسرار وغرائب العلوم، المستعملين أفكارهم وقرائحهم في الغوص على درره ويواقيته، أي: وننزل ما هو تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم، ورفع الأوهام والشكوك عنهم، كالدواء الشافي للمرض، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " من لم يستشف بالقرآن لا شفاه الله " { ولا يزيد الظالمين } الكافرين المكذبين، الواضعين الأشياء في غير محلها، مع كونه في نفسه شفاء من الأسقام، { إلا خسارا } إلا هلاكا بكفرهم وتكذيبهم به. ولا يفسر الخسران هنا بالنقصان فإن ما بهم من داء الكفر والضلال حقيق بأن يعبر عنه بالهلاك، لا بالنقصان المنبئ عن حصول بعض مبادئ الإسلام، فهم في الزيادة في مراتب الهلاك، من حيث إنهم، كلما جددوا الكفر والتكذيب بالآيات النازلة ازدادوا بذلك هلاكا. وفيه إيماء إلى أن ما بالمؤمنين من الشبه والشكوك المعترية لهم في أثناء الاهتداء والاسترشاد، بمنزلة الأمراض، وما بالكفرة من الجهل والعناد بمنزلة الموت والهلاك، وإسناد زيادة الخسران إلى القرآن، مع أنهم هم المزدادون في ذلك بسوء صنيعهم باعتبار كونه سببا لذلك، حيث كذبوا به، وفيه تعجيب من أمره حيث جعله مدار الشفاء والهلاك. قاله أبو السعود. الإشارة: لا يحصل الاستشفاء بالقرآن إلا بعد التصفية والتطهير للقلب، بالتخلية والتحلية، على يد شيخ كامل، عارف بأدواء النفوس، حتى يتفرغ القلب من الأغيار والأكدار، ويذهب عنه وساوس النفوس وخواطر القلوب ليتفرغ لسماع القرآن والتدبر في معانيه. وأما إن كان القلب محشوا بصور الأكوان، مصروفا إلى الخواطر والأغيار، لا يذوق له حلاوة، ولا يدري ما يقول، فلا يهتدي لما فيه من الشفاء، إذ لا يستشفي بالقرآن إلا من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولأجل ذلك كان من شأن شيوخ التربية أن يأمروا المريد بالذكر المجرد، حتى تشرق عليه أنواره، وتذهب به عنه أغياره. وحينئذ يأمره بتلاوة القرآن ليذوق حلاوته، فإذا كمل تطهيره، تمتع بحلاوة شهود المتكلم، فيسمعه من الحق بلا واسطة، وهو المراد بالرحمة المذكورة بعد الشفاء. والله تعالى أعلم. وإذا أدرك العبد هذه النعمة العظمى وجب عليه دوام الشكر

الإسراء 17:83

يقول الحق جل جلاله: { وإذا أنعمنا على الإنسان }: بالصحة والعافية والنعمة، { أعرض } عن ذكرنا، فضلا عن القيام بالشكر، { ونأى } أي: تباعد { بجانبه } لوى عطفه وبعد بنفسه. فالنأي بالجانب: أن يلوي عن الشيء عطفه ويوليه عرض وجهه، فهو تأكيد للإعراض. أو عبارة عن التكبر لأنه من ديدن المستكبرين، { وإذا مسه الشر } من فقر، أو مرض، أو نازلة من النوازل، { كان يؤوسا } شديد اليأس من روحنا وفرجنا. وفي إسناد المس إلى الشر، بعد إسناد الإنعام إلى ضمير الجلالة إيذان بأن الخير مراد بالذات، والشر ليس كذلك. وهذا الوصف المذكور هنا هو وصف للإنسان باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذا الوصف، ولا ينافيه قوله تعالى: وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض [فصلت: 51]، ونظائره فإن ذلك في نوع آخر من جنس الإنسان. وقيل: أريد به الوليد بن المغيرة. قال تعالى: { قل كل } أي: كل واحد منكم وممن هو على خلافكم { يعمل على شاكلته } على طريقته التي تشاكل حاله من الهدى والضلالة، { فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } أي: فربكم، الذي يراكم على هذه الأحوال والطرق، أعلم بمن هو أسد طريقا وأبين منهاجا. وقد فسرت الشاكلة أيضا بالطبيعة والعادة والدين والنية. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للمؤمن المشفق على نفسه أن يمعن النظر في كلام سيده، فإذا وجده مدح قوما بعمل، بادر إلى فعله، أو بوصف، بادر إلى التخلق به، وإذا وجده ذم قوما، بسبب عمل، تباعد عنه جهده، أو بوصف تطهر منه بالكلية. وقد ذم الحق تعالى هنا من بطر بالنعمة وغفل عن القيام بشكرها، ومن جزع عند المصيبة وأيس من ذهابها، فليكن المؤمن على عكس هذا، فإذا أصابته مصيبة أو بلية تضرع إلى مولاه، ورجى فضله ونواله، وإذا أصابته نعمة دنيوية أو دينية أكثر من شكرها، وشهد المنعم بها في أخذها وصرفها، ولا سيما نعمة الإيمان والمعرفة، وتصفية الروح من غبش الحس والوهم، حتى ترجع لأصلها، الذي هو سر من أسرار الله. الذي أشار إليه بقوله: { ويسألونك عن الروح... }

الإسراء 17:84

يقول الحق جل جلاله: { وإذا أنعمنا على الإنسان }: بالصحة والعافية والنعمة، { أعرض } عن ذكرنا، فضلا عن القيام بالشكر، { ونأى } أي: تباعد { بجانبه } لوى عطفه وبعد بنفسه. فالنأي بالجانب: أن يلوي عن الشيء عطفه ويوليه عرض وجهه، فهو تأكيد للإعراض. أو عبارة عن التكبر لأنه من ديدن المستكبرين، { وإذا مسه الشر } من فقر، أو مرض، أو نازلة من النوازل، { كان يؤوسا } شديد اليأس من روحنا وفرجنا. وفي إسناد المس إلى الشر، بعد إسناد الإنعام إلى ضمير الجلالة إيذان بأن الخير مراد بالذات، والشر ليس كذلك. وهذا الوصف المذكور هنا هو وصف للإنسان باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذا الوصف، ولا ينافيه قوله تعالى: وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض [فصلت: 51]، ونظائره فإن ذلك في نوع آخر من جنس الإنسان. وقيل: أريد به الوليد بن المغيرة. قال تعالى: { قل كل } أي: كل واحد منكم وممن هو على خلافكم { يعمل على شاكلته } على طريقته التي تشاكل حاله من الهدى والضلالة، { فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } أي: فربكم، الذي يراكم على هذه الأحوال والطرق، أعلم بمن هو أسد طريقا وأبين منهاجا. وقد فسرت الشاكلة أيضا بالطبيعة والعادة والدين والنية. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للمؤمن المشفق على نفسه أن يمعن النظر في كلام سيده، فإذا وجده مدح قوما بعمل، بادر إلى فعله، أو بوصف، بادر إلى التخلق به، وإذا وجده ذم قوما، بسبب عمل، تباعد عنه جهده، أو بوصف تطهر منه بالكلية. وقد ذم الحق تعالى هنا من بطر بالنعمة وغفل عن القيام بشكرها، ومن جزع عند المصيبة وأيس من ذهابها، فليكن المؤمن على عكس هذا، فإذا أصابته مصيبة أو بلية تضرع إلى مولاه، ورجى فضله ونواله، وإذا أصابته نعمة دنيوية أو دينية أكثر من شكرها، وشهد المنعم بها في أخذها وصرفها، ولا سيما نعمة الإيمان والمعرفة، وتصفية الروح من غبش الحس والوهم، حتى ترجع لأصلها، الذي هو سر من أسرار الله. الذي أشار إليه بقوله: { ويسألونك عن الروح... }

الإسراء 17:85

يقول الحق جل جلاله: { ويسألونك عن الروح } أي: عن حقيقة الروح، الذي هو مدبر البدن الإنساني، ومبدأ حياته. روي أن اليهود قالوا لقريش: سلوه عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن أجاب عنها كلها أو سكت فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي. فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح، وهو مبهم في التوراة، فقال: { قل الروح من أمر ربي } ، أظهر في مقام الإضمار إظهارا لكمال الاعتناء بشرفه، أي: هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأسرار الخفية، التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر. { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } لا يمكن تعلقه بأمثال هذه الأسرار. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك، قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب، قال عليه الصلاة والسلام: " بل نحن وأنتم ". فقالوا: ما أعجب شأنك، ساعة تقول: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [البقرة: 269]، وتارة تقول هذا، فنزلت: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي [الكهف: 109] الآية. ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام... [لقمان: 27] الآية. وهذا من ركاكة عقولهم فإن من الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير ما تسعه الطاقة البشرية، بل ما نيط به المعاش والمعاد، وذلك بالإضافة إلى ما لا نهاية له من متعلقات علمه سبحانه، قليل ينال به خير: كثير في نفسه. وقال ابن حجر: أخرج الطبراني عن ابن عباس أنهم قالوا: أخبرنا عن الروح، وكيف تعذب الروح في الجسد، وإنما الروح من الله؟. ه. قلت: يجاب بأنها لما برزت لعالم الشهادة لحقتها العبودية، وأحاطت به القهرية. وقال القشيري: أرادوا أن يغالطوه فيما به يجيب، فأمره أن ينطق بأمر يفصح عن أقسام الروح، لأن ما يطلق عليه لفظ " الروح " يدخل تحت قوله: { قل الروح من أمر ربي } ، ثم قال: وفي الجملة: الروح مخلوقة، والحق أجرى العادة بأن يخلق الحياة للعبد، ما دام الروح في جسده، والروح لطيفة تقرب للكثافة في طهارتها ولطافتها. وهي مخلوقة قبل الأجساد بألوف من السنين. وقيل: إن أدركها التكليف، كان للروح صفاء التسبيح، ضياء المواصلة، ويمن التعريف بالحق. ه. وقيل: المراد بالروح خلق عظيم روحاني من أعظم الملائكة، وقيل جبريل عليه السلام، وقيل: القرآن. ومعنى { من أمر ربي } من وحيه وكلامه، لا من كلام البشر. والله تعالى أعلم بمراده. الإشارة: قد أكثر الناس الكلام في شأن الروح، فرأى بعضهم أن الإمساك عنها أولى لأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لم يجب عنها. وبين الحق تعالى أنها من أمر الله وسر من أسراره. ورأى بعضهم أن النهي لم يرد عن الخوض فيها صريحا، فتكلم على قدر فهمه. فقال بعضهم: حقيقة الروح: جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأرطب، وقال صاحب الرموز في فتح الكنوز على حديث: " من عرف نفسه فقد عرف ربه " قد ظهر لي من سر هذا الحديث ما يجب كشفه ويستحسن وصفه، وهو: أن الله، سبحانه، وضع هذا الروح في هذه الجثة الجثمانية، لطيفة لاهوتية، في كثيفة ناسوتية، دالة على وحدانيته تعالى وربانيته، ووجه الاستدلال من عشرة أوجه: الأول: أن هذا الهيكل الإنساني لما كان مفتقرا إلى محرك ومدبر، وهذا الروح هو الذي يدبره ويحركه، علمنا أن هذا العالم لا بد له من محرك ومدبر. الثاني: لما كان مدبر الجسد واحدا علمنا أن مدبر هذا العالم واحد لا شريك له في تدبيره وتقديره. قال تعالى لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22]، الثالث: لما كان لا يتحرك هذا الجسم إلا بتحريك الروح وإرادته علمنا أنه لا يتحرك بخير أو شر إلا بتحريك الله وقدرته وإرادته. الرابع: لما كان لا يتحرك في الجسد شيء إلا بعلم الروح وشعورها، لا يخفي على الروح من حركة الجسد شيء، علمنا أنه تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. الخامس: لما كان هذا الجسد لم يكن فيه شيء أقرب إلى الروح من شيء علمنا أنه تعالى قريب إلى كل شيء، ليس شيء أقرب إليه من شيء، ولا شيء أبعد إليه من شيء، لا بمعنى قرب المسافة لأنه منزه عن ذلك. السادس: لما كان الروح موجودا قبل الجسد، ويكون موجودا بعد عدمه علمنا أنه تعالى موجود قبل خلقه، ويكون موجودا بعد عدمهم، ما زال، ولا يزال، وتقدس عن الزوال. السابع: لما كان الروح في الجسد لا تعرف له كيفية علمنا أنه تعالى مقدس عن الكيفية. الثامن: لما كان الروح في الجسد لا تعرف له كيفية ولا أينية، بل الروح موجود في سائر الجسد، ما خلا منه شيء في الجسد. كذلك الحق سبحانه موجود في كل مكان، وتنزه عن المكان والزمان التاسع: لما كان الروح في الجسد لا يحس ولا يجس ولا يمس، علمنا أنه تعالى منزه عن الحس والجس والمس. العاشر: لما كان الروح في الجسد لا يدرك بالبصر، ولا يمثل بالصور، علمنا أنه تعالى لا تدركه الأبصار، ولا يمثل بالصور والآثار، ولا يشبه بالشموس والأقمار، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11]. ه. وحديث: " من عرف نفسه... " الخ، قال النووي: غير ثابت، وقال السمعاني: هو من كلام يحيى بن معاذ الرازي. والله تعالى أعلم. وسئل أبو سعيد الخراز عن الروح، أمخلوقة هي؟ قال: نعم. ولولا ذلك لما أقرت بالربوبية حتى قالت: " بلى ". قلت: لما انفصلت عن الأصل كستها أردية العبودية، فأقرت بالربوبية. وقال الورتجبي: الروح: شعاع الحقيقة، يختلف آثارها في الأجساد. قال: ومن خاصيتها أنها تميل إلى كل حسن ومستحسن، وكل صوت طيب، وكل رائحة طيبة لحسن جوهرها وروح وجودها، ظاهرها غيب الله، وباطنها سر الله، مصورة بصورة آدم. فإذا أراد الله خلق آدمي أحضر روحه، فصور صورته بصورة الروح فلذلك قال عليه الصلاة والسلام إشارة وإبهاما: " خلق الله آدم على صورته " ه. قلت: يعني: أن إظهار الروح من بحر الجبروت، في التجلي الأول، كان على صورة آدم، ثم خلق آدم على صورة الروح الأعظم، وهو التجلي الأول من بحر المعاني، فكانت أول التجليات من ذات الرحمن، فقال في حديث آخر: " إن الله خلق آدم على صورة الرحمن " والله تعالى أعلم. وقيل: الصوت الطيب روحاني، ولتشاكله مع الروح، صار يهيج الروح ويحثها للرجوع لأصلها، إذا كان صاحبها له ذوق سليم، يسمع من صوت طيب كريم. سمع أبو يزيد نغمة، فقال: أجد النغم نداء منه تعالى. وقيل: إن الروح لم تدخل في جسد آدم إلا بالسماع، فصارت لا تخرج من سجنه إلا بالسماع. والله تعالى أعلم. ثم بين قوله { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا }

الإسراء 17:86

قلت: قال ابن جزي: هذه الآية متصلة المعنى بقوله: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } أي: في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا إليك، فلا يبقى عندكم شيء من العلم. ه. { إلا رحمة }: يحتمل أن يكون متصلا، أي: لا تجد من يتوكل برده إلا رحمة ربك. أو منقطعا، أي: لو شئنا لذهبنا بالقرآن، لكن رحمة من ربك تمسكه من الذهاب، و { لا يأتون }: جواب القسم الدال عليه اللام الموطئة، وسد مسد جواب الشرط. ولولا اللام لكان جوابا للشرط، ولم يجزم لكون الشرط ماضيا، كقول زهير: فإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب ما لي ولا حرم و { إلا كفورا }: استثناء مفرغ منصوب بأبى لأنه في معنى النفي، أي: ما رضي أكثرهم إلا الكفر به. يقول الحق جل جلاله: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } أي: بالقرآن الذي هو منبع العلوم التي أوتيتموها، ومقتبس الأنوار، فلا يبقى عندكم من العلم إلا قليلا. والمراد بالإذهاب: المحو من المصاحف والصدور. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم: الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين قوم ولا دين لهم. وإن هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء. فقال رجل: كيف ذلك، وقد أثبتناه في قلوبنا، ودوناه في مصاحفنا، وعلمناه أبناءنا، وأبناؤنا يعلمه أبناءهم؟! فقال: يسري عليه، ليلا، فيصبح الناس منه فقراء، ترفع المصاحف، وينزع ما في القلوب. { ثم } إن رفعناه { لا تجد لك به } أي: القرآن { علينا وكيلا } أي: من يتوكل علينا استرداده مسطورا محفوظا، { إلا رحمة من ربك } فإنها إن تأتك لعلها تسترده، أو: لكن رحمة من ربك أمسكته فلم يذهب. { إن فضله كان عليك كبيرا } ، كإرسالك للناس كافة وإنزال الكتاب عليك، وإنعامه في حفظك، وغير ذلك مما لا يحصى. ثم نوه بقدر الكتاب الذي أنزله فقال: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } ، واتفقوا { على أن يأتوا بمثل هذا القرآن } المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في البلاغة، وحسن النظم، وكمال المعنى، { لا يأتون بمثله } أبدا لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين الواضحة، والمعاني العجيبة، التي لم يكن لأحد بها علم، ثم جاءت فيه على الكمال، ولذلك عجزوا عن معارضته. وقال أكثر الناس: إنما عجزوا عنه لفصاحته، وبراعته، وحسن نظمه. ووجوه إعجازه كثيرة. وإنما خص الثقلين بالذكر، لأن المنكر كونه من عند الله منهما، لا لأن غيرهما قادر على المعارضة. وإنما أظهر في محل الإضمار، ولم يقل: لا يأتون به لئلا يتوهم أن له مثلا معينا، وإيذانا بأن المراد نفي الإتيان بمثل ما، أي: لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات البديعة، وفيهم العرب العاربة، أرباب البراعة والبيان. فلا يقدرون على الإتيان بمثله { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } أي: ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان بمثله ما قدروا. وهو عطف على مقدر، أي: لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا لبعض، ولو كان... الخ. ومحله النصب على الحالية، أي: لا يأتون بمثله على كل حال مفروض، ولو على هذه الحالة. ثم قال تعالى: { ولقد صرفنا } أي: كررنا ورددنا على أنحاء مختلفة، توجب زيادة تقرير وبيان، ووكادة رسوخ واطمئنان، { للناس في هذا القرآن } المنعوت بما ذكر من النعوت الفاضلة، { من كل مثل } من كل معنى بديع، هو، في الحسن والغرابة واستجلاب الأنفس، كالمثل ليتلقوه بالقبول، أو بينا لهم كل شيء محتاجون إليه من العلوم النافعة، والبراهين القاطعة، والحجج الواضحة. وهذا يدل على أن إعجاز القرآن هو بما فيه من المعاني والعلوم، { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } إلا جحودا وامتناعا من قبوله. وفيه من المبالغة ما ليس في نفي مطلق الإيمان لأن فيه دلالة على أنهم لم يرضوا بخصلة سوى الكفور والجحود، وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإباء. وبالله التوفيق. الإشارة: كما وقع التخويف بإذهاب خصوصية النبوة والرسالة، يقع التخويف بإذهاب خصوصية الولاية والمعرفة العيانية، فإن القلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء. والخصوصية أمانة مودعة في القلوب، فإذا شاء رفعها رفعها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره. وما زالت الأكابر يخافون من السلب بعد العطاء، ويشدون أيديهم على الأدب لأن سوء الأدب هو سبب رفع الخصوصية، والعياذ بالله. قال القشيري: سنة الحق مع خيار خواصه أن يديم هم شهود افتقارهم إليه ليكونوا في جميع الأحوال منقادين بجريان حكمه، ثم قال: والمراد والمقصود: إدامة تفرد سر حبيبه به، دون غيره. ه. وأما سلب الأولياء بعضهم لبعض فلا يكون في خصوصية المعرفة بعد التمكين، إذ لا مانع لما أعطى الكريم، وإنما يكون في خصوصية التصريف وسر الأسماء، إذا كان أحدهما متمكنا فيه، وقابل من لم يتمكن، قد ينجذب إلى القوى بإذن الله، وقد يزال منه إذا طغى به. والله تعالى أعلم. ثم أظهر الحق تعالى جمودهم وعتوهم