Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الإسراء 17:87 – الكهف 18:62

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. الإسراء 17:87
  2. الإسراء 17:88
  3. الإسراء 17:89
  4. الإسراء 17:90
  5. الإسراء 17:91
  6. الإسراء 17:92
  7. الإسراء 17:93
  8. الإسراء 17:94
  9. الإسراء 17:95
  10. الإسراء 17:96
  11. الإسراء 17:97
  12. الإسراء 17:98
  13. الإسراء 17:99
  14. الإسراء 17:100
  15. الإسراء 17:101
  16. الإسراء 17:102
  17. الإسراء 17:103
  18. الإسراء 17:104
  19. الإسراء 17:105
  20. الإسراء 17:106
  21. الإسراء 17:107
  22. الإسراء 17:108
  23. الإسراء 17:109
  24. الإسراء 17:110
  25. الإسراء 17:111
  26. الكهف 18:1
  27. الكهف 18:2
  28. الكهف 18:3
  29. الكهف 18:4
  30. الكهف 18:5
  31. الكهف 18:6
  32. الكهف 18:7
  33. الكهف 18:8
  34. الكهف 18:9
  35. الكهف 18:10
  36. الكهف 18:11
  37. الكهف 18:12
  38. الكهف 18:13
  39. الكهف 18:14
  40. الكهف 18:15
  41. الكهف 18:16
  42. الكهف 18:17
  43. الكهف 18:18
  44. الكهف 18:19
  45. الكهف 18:20
  46. الكهف 18:21
  47. الكهف 18:22
  48. الكهف 18:23
  49. الكهف 18:24
  50. الكهف 18:25
  51. الكهف 18:26
  52. الكهف 18:27
  53. الكهف 18:28
  54. الكهف 18:29
  55. الكهف 18:30
  56. الكهف 18:31
  57. الكهف 18:32
  58. الكهف 18:33
  59. الكهف 18:34
  60. الكهف 18:35
  61. الكهف 18:36
  62. الكهف 18:37
  63. الكهف 18:38
  64. الكهف 18:39
  65. الكهف 18:40
  66. الكهف 18:41
  67. الكهف 18:42
  68. الكهف 18:43
  69. الكهف 18:44
  70. الكهف 18:45
  71. الكهف 18:46
  72. الكهف 18:47
  73. الكهف 18:48
  74. الكهف 18:49
  75. الكهف 18:50
  76. الكهف 18:51
  77. الكهف 18:52
  78. الكهف 18:53
  79. الكهف 18:54
  80. الكهف 18:55
  81. الكهف 18:56
  82. الكهف 18:57
  83. الكهف 18:58
  84. الكهف 18:59
  85. الكهف 18:60
  86. الكهف 18:61
  87. الكهف 18:62

الإسراء 17:87

قلت: قال ابن جزي: هذه الآية متصلة المعنى بقوله: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } أي: في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا إليك، فلا يبقى عندكم شيء من العلم. ه. { إلا رحمة }: يحتمل أن يكون متصلا، أي: لا تجد من يتوكل برده إلا رحمة ربك. أو منقطعا، أي: لو شئنا لذهبنا بالقرآن، لكن رحمة من ربك تمسكه من الذهاب، و { لا يأتون }: جواب القسم الدال عليه اللام الموطئة، وسد مسد جواب الشرط. ولولا اللام لكان جوابا للشرط، ولم يجزم لكون الشرط ماضيا، كقول زهير: فإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب ما لي ولا حرم و { إلا كفورا }: استثناء مفرغ منصوب بأبى لأنه في معنى النفي، أي: ما رضي أكثرهم إلا الكفر به. يقول الحق جل جلاله: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } أي: بالقرآن الذي هو منبع العلوم التي أوتيتموها، ومقتبس الأنوار، فلا يبقى عندكم من العلم إلا قليلا. والمراد بالإذهاب: المحو من المصاحف والصدور. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم: الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين قوم ولا دين لهم. وإن هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء. فقال رجل: كيف ذلك، وقد أثبتناه في قلوبنا، ودوناه في مصاحفنا، وعلمناه أبناءنا، وأبناؤنا يعلمه أبناءهم؟! فقال: يسري عليه، ليلا، فيصبح الناس منه فقراء، ترفع المصاحف، وينزع ما في القلوب. { ثم } إن رفعناه { لا تجد لك به } أي: القرآن { علينا وكيلا } أي: من يتوكل علينا استرداده مسطورا محفوظا، { إلا رحمة من ربك } فإنها إن تأتك لعلها تسترده، أو: لكن رحمة من ربك أمسكته فلم يذهب. { إن فضله كان عليك كبيرا } ، كإرسالك للناس كافة وإنزال الكتاب عليك، وإنعامه في حفظك، وغير ذلك مما لا يحصى. ثم نوه بقدر الكتاب الذي أنزله فقال: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } ، واتفقوا { على أن يأتوا بمثل هذا القرآن } المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في البلاغة، وحسن النظم، وكمال المعنى، { لا يأتون بمثله } أبدا لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين الواضحة، والمعاني العجيبة، التي لم يكن لأحد بها علم، ثم جاءت فيه على الكمال، ولذلك عجزوا عن معارضته. وقال أكثر الناس: إنما عجزوا عنه لفصاحته، وبراعته، وحسن نظمه. ووجوه إعجازه كثيرة. وإنما خص الثقلين بالذكر، لأن المنكر كونه من عند الله منهما، لا لأن غيرهما قادر على المعارضة. وإنما أظهر في محل الإضمار، ولم يقل: لا يأتون به لئلا يتوهم أن له مثلا معينا، وإيذانا بأن المراد نفي الإتيان بمثل ما، أي: لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات البديعة، وفيهم العرب العاربة، أرباب البراعة والبيان. فلا يقدرون على الإتيان بمثله { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } أي: ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان بمثله ما قدروا. وهو عطف على مقدر، أي: لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا لبعض، ولو كان... الخ. ومحله النصب على الحالية، أي: لا يأتون بمثله على كل حال مفروض، ولو على هذه الحالة. ثم قال تعالى: { ولقد صرفنا } أي: كررنا ورددنا على أنحاء مختلفة، توجب زيادة تقرير وبيان، ووكادة رسوخ واطمئنان، { للناس في هذا القرآن } المنعوت بما ذكر من النعوت الفاضلة، { من كل مثل } من كل معنى بديع، هو، في الحسن والغرابة واستجلاب الأنفس، كالمثل ليتلقوه بالقبول، أو بينا لهم كل شيء محتاجون إليه من العلوم النافعة، والبراهين القاطعة، والحجج الواضحة. وهذا يدل على أن إعجاز القرآن هو بما فيه من المعاني والعلوم، { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } إلا جحودا وامتناعا من قبوله. وفيه من المبالغة ما ليس في نفي مطلق الإيمان لأن فيه دلالة على أنهم لم يرضوا بخصلة سوى الكفور والجحود، وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإباء. وبالله التوفيق. الإشارة: كما وقع التخويف بإذهاب خصوصية النبوة والرسالة، يقع التخويف بإذهاب خصوصية الولاية والمعرفة العيانية، فإن القلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء. والخصوصية أمانة مودعة في القلوب، فإذا شاء رفعها رفعها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره. وما زالت الأكابر يخافون من السلب بعد العطاء، ويشدون أيديهم على الأدب لأن سوء الأدب هو سبب رفع الخصوصية، والعياذ بالله. قال القشيري: سنة الحق مع خيار خواصه أن يديم هم شهود افتقارهم إليه ليكونوا في جميع الأحوال منقادين بجريان حكمه، ثم قال: والمراد والمقصود: إدامة تفرد سر حبيبه به، دون غيره. ه. وأما سلب الأولياء بعضهم لبعض فلا يكون في خصوصية المعرفة بعد التمكين، إذ لا مانع لما أعطى الكريم، وإنما يكون في خصوصية التصريف وسر الأسماء، إذا كان أحدهما متمكنا فيه، وقابل من لم يتمكن، قد ينجذب إلى القوى بإذن الله، وقد يزال منه إذا طغى به. والله تعالى أعلم. ثم أظهر الحق تعالى جمودهم وعتوهم

الإسراء 17:88

قلت: قال ابن جزي: هذه الآية متصلة المعنى بقوله: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } أي: في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا إليك، فلا يبقى عندكم شيء من العلم. ه. { إلا رحمة }: يحتمل أن يكون متصلا، أي: لا تجد من يتوكل برده إلا رحمة ربك. أو منقطعا، أي: لو شئنا لذهبنا بالقرآن، لكن رحمة من ربك تمسكه من الذهاب، و { لا يأتون }: جواب القسم الدال عليه اللام الموطئة، وسد مسد جواب الشرط. ولولا اللام لكان جوابا للشرط، ولم يجزم لكون الشرط ماضيا، كقول زهير: فإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب ما لي ولا حرم و { إلا كفورا }: استثناء مفرغ منصوب بأبى لأنه في معنى النفي، أي: ما رضي أكثرهم إلا الكفر به. يقول الحق جل جلاله: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } أي: بالقرآن الذي هو منبع العلوم التي أوتيتموها، ومقتبس الأنوار، فلا يبقى عندكم من العلم إلا قليلا. والمراد بالإذهاب: المحو من المصاحف والصدور. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم: الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين قوم ولا دين لهم. وإن هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء. فقال رجل: كيف ذلك، وقد أثبتناه في قلوبنا، ودوناه في مصاحفنا، وعلمناه أبناءنا، وأبناؤنا يعلمه أبناءهم؟! فقال: يسري عليه، ليلا، فيصبح الناس منه فقراء، ترفع المصاحف، وينزع ما في القلوب. { ثم } إن رفعناه { لا تجد لك به } أي: القرآن { علينا وكيلا } أي: من يتوكل علينا استرداده مسطورا محفوظا، { إلا رحمة من ربك } فإنها إن تأتك لعلها تسترده، أو: لكن رحمة من ربك أمسكته فلم يذهب. { إن فضله كان عليك كبيرا } ، كإرسالك للناس كافة وإنزال الكتاب عليك، وإنعامه في حفظك، وغير ذلك مما لا يحصى. ثم نوه بقدر الكتاب الذي أنزله فقال: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } ، واتفقوا { على أن يأتوا بمثل هذا القرآن } المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في البلاغة، وحسن النظم، وكمال المعنى، { لا يأتون بمثله } أبدا لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين الواضحة، والمعاني العجيبة، التي لم يكن لأحد بها علم، ثم جاءت فيه على الكمال، ولذلك عجزوا عن معارضته. وقال أكثر الناس: إنما عجزوا عنه لفصاحته، وبراعته، وحسن نظمه. ووجوه إعجازه كثيرة. وإنما خص الثقلين بالذكر، لأن المنكر كونه من عند الله منهما، لا لأن غيرهما قادر على المعارضة. وإنما أظهر في محل الإضمار، ولم يقل: لا يأتون به لئلا يتوهم أن له مثلا معينا، وإيذانا بأن المراد نفي الإتيان بمثل ما، أي: لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات البديعة، وفيهم العرب العاربة، أرباب البراعة والبيان. فلا يقدرون على الإتيان بمثله { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } أي: ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان بمثله ما قدروا. وهو عطف على مقدر، أي: لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا لبعض، ولو كان... الخ. ومحله النصب على الحالية، أي: لا يأتون بمثله على كل حال مفروض، ولو على هذه الحالة. ثم قال تعالى: { ولقد صرفنا } أي: كررنا ورددنا على أنحاء مختلفة، توجب زيادة تقرير وبيان، ووكادة رسوخ واطمئنان، { للناس في هذا القرآن } المنعوت بما ذكر من النعوت الفاضلة، { من كل مثل } من كل معنى بديع، هو، في الحسن والغرابة واستجلاب الأنفس، كالمثل ليتلقوه بالقبول، أو بينا لهم كل شيء محتاجون إليه من العلوم النافعة، والبراهين القاطعة، والحجج الواضحة. وهذا يدل على أن إعجاز القرآن هو بما فيه من المعاني والعلوم، { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } إلا جحودا وامتناعا من قبوله. وفيه من المبالغة ما ليس في نفي مطلق الإيمان لأن فيه دلالة على أنهم لم يرضوا بخصلة سوى الكفور والجحود، وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإباء. وبالله التوفيق. الإشارة: كما وقع التخويف بإذهاب خصوصية النبوة والرسالة، يقع التخويف بإذهاب خصوصية الولاية والمعرفة العيانية، فإن القلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء. والخصوصية أمانة مودعة في القلوب، فإذا شاء رفعها رفعها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره. وما زالت الأكابر يخافون من السلب بعد العطاء، ويشدون أيديهم على الأدب لأن سوء الأدب هو سبب رفع الخصوصية، والعياذ بالله. قال القشيري: سنة الحق مع خيار خواصه أن يديم هم شهود افتقارهم إليه ليكونوا في جميع الأحوال منقادين بجريان حكمه، ثم قال: والمراد والمقصود: إدامة تفرد سر حبيبه به، دون غيره. ه. وأما سلب الأولياء بعضهم لبعض فلا يكون في خصوصية المعرفة بعد التمكين، إذ لا مانع لما أعطى الكريم، وإنما يكون في خصوصية التصريف وسر الأسماء، إذا كان أحدهما متمكنا فيه، وقابل من لم يتمكن، قد ينجذب إلى القوى بإذن الله، وقد يزال منه إذا طغى به. والله تعالى أعلم. ثم أظهر الحق تعالى جمودهم وعتوهم

الإسراء 17:89

قلت: قال ابن جزي: هذه الآية متصلة المعنى بقوله: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } أي: في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا إليك، فلا يبقى عندكم شيء من العلم. ه. { إلا رحمة }: يحتمل أن يكون متصلا، أي: لا تجد من يتوكل برده إلا رحمة ربك. أو منقطعا، أي: لو شئنا لذهبنا بالقرآن، لكن رحمة من ربك تمسكه من الذهاب، و { لا يأتون }: جواب القسم الدال عليه اللام الموطئة، وسد مسد جواب الشرط. ولولا اللام لكان جوابا للشرط، ولم يجزم لكون الشرط ماضيا، كقول زهير: فإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب ما لي ولا حرم و { إلا كفورا }: استثناء مفرغ منصوب بأبى لأنه في معنى النفي، أي: ما رضي أكثرهم إلا الكفر به. يقول الحق جل جلاله: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } أي: بالقرآن الذي هو منبع العلوم التي أوتيتموها، ومقتبس الأنوار، فلا يبقى عندكم من العلم إلا قليلا. والمراد بالإذهاب: المحو من المصاحف والصدور. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم: الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين قوم ولا دين لهم. وإن هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء. فقال رجل: كيف ذلك، وقد أثبتناه في قلوبنا، ودوناه في مصاحفنا، وعلمناه أبناءنا، وأبناؤنا يعلمه أبناءهم؟! فقال: يسري عليه، ليلا، فيصبح الناس منه فقراء، ترفع المصاحف، وينزع ما في القلوب. { ثم } إن رفعناه { لا تجد لك به } أي: القرآن { علينا وكيلا } أي: من يتوكل علينا استرداده مسطورا محفوظا، { إلا رحمة من ربك } فإنها إن تأتك لعلها تسترده، أو: لكن رحمة من ربك أمسكته فلم يذهب. { إن فضله كان عليك كبيرا } ، كإرسالك للناس كافة وإنزال الكتاب عليك، وإنعامه في حفظك، وغير ذلك مما لا يحصى. ثم نوه بقدر الكتاب الذي أنزله فقال: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } ، واتفقوا { على أن يأتوا بمثل هذا القرآن } المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في البلاغة، وحسن النظم، وكمال المعنى، { لا يأتون بمثله } أبدا لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين الواضحة، والمعاني العجيبة، التي لم يكن لأحد بها علم، ثم جاءت فيه على الكمال، ولذلك عجزوا عن معارضته. وقال أكثر الناس: إنما عجزوا عنه لفصاحته، وبراعته، وحسن نظمه. ووجوه إعجازه كثيرة. وإنما خص الثقلين بالذكر، لأن المنكر كونه من عند الله منهما، لا لأن غيرهما قادر على المعارضة. وإنما أظهر في محل الإضمار، ولم يقل: لا يأتون به لئلا يتوهم أن له مثلا معينا، وإيذانا بأن المراد نفي الإتيان بمثل ما، أي: لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات البديعة، وفيهم العرب العاربة، أرباب البراعة والبيان. فلا يقدرون على الإتيان بمثله { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } أي: ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان بمثله ما قدروا. وهو عطف على مقدر، أي: لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا لبعض، ولو كان... الخ. ومحله النصب على الحالية، أي: لا يأتون بمثله على كل حال مفروض، ولو على هذه الحالة. ثم قال تعالى: { ولقد صرفنا } أي: كررنا ورددنا على أنحاء مختلفة، توجب زيادة تقرير وبيان، ووكادة رسوخ واطمئنان، { للناس في هذا القرآن } المنعوت بما ذكر من النعوت الفاضلة، { من كل مثل } من كل معنى بديع، هو، في الحسن والغرابة واستجلاب الأنفس، كالمثل ليتلقوه بالقبول، أو بينا لهم كل شيء محتاجون إليه من العلوم النافعة، والبراهين القاطعة، والحجج الواضحة. وهذا يدل على أن إعجاز القرآن هو بما فيه من المعاني والعلوم، { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } إلا جحودا وامتناعا من قبوله. وفيه من المبالغة ما ليس في نفي مطلق الإيمان لأن فيه دلالة على أنهم لم يرضوا بخصلة سوى الكفور والجحود، وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإباء. وبالله التوفيق. الإشارة: كما وقع التخويف بإذهاب خصوصية النبوة والرسالة، يقع التخويف بإذهاب خصوصية الولاية والمعرفة العيانية، فإن القلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء. والخصوصية أمانة مودعة في القلوب، فإذا شاء رفعها رفعها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره. وما زالت الأكابر يخافون من السلب بعد العطاء، ويشدون أيديهم على الأدب لأن سوء الأدب هو سبب رفع الخصوصية، والعياذ بالله. قال القشيري: سنة الحق مع خيار خواصه أن يديم هم شهود افتقارهم إليه ليكونوا في جميع الأحوال منقادين بجريان حكمه، ثم قال: والمراد والمقصود: إدامة تفرد سر حبيبه به، دون غيره. ه. وأما سلب الأولياء بعضهم لبعض فلا يكون في خصوصية المعرفة بعد التمكين، إذ لا مانع لما أعطى الكريم، وإنما يكون في خصوصية التصريف وسر الأسماء، إذا كان أحدهما متمكنا فيه، وقابل من لم يتمكن، قد ينجذب إلى القوى بإذن الله، وقد يزال منه إذا طغى به. والله تعالى أعلم. ثم أظهر الحق تعالى جمودهم وعتوهم

الإسراء 17:90

قلت: من قرأ " كسفا " بالتحريك: فهو جمع. ومن قرأ بالسكون: فمفرد. و { قبيلا }: حال من " الله ". وحذف حال الملائكة لدلالة الأول عليه. و { أن يؤمنوا }: مفعول ثان لمنع. و { إلا أن قالوا }: فاعل " منع ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار قريش، عند ظهور عجزهم، ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي، وغيره من المعجزات الباهرة، معللين بما لا يمكن في العادة وجوده، ولا تقتضي الحكمة وقوعه، من الأمور الخارقة للعادة، كما هو ديدن المبهوت المحجوج، قالوا للنبي - عليه الصلاة والسلام - في جمع من أشرافهم: إن مكة قليلة الماء، ففجر لنا فيها عينا من ماء، وهو معنى قوله تعالى: { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض } أرض مكة { ينبوعا } عينا لا ينشف ماؤها. وينبوع: يفعول، من نبع الماء إذا خرج. { أو تكون لك جنة } أي: بستان يستر أشجاره ما تحتها من العرصة، { من نخيل وعنب فتفجر الأنهار } أي: تجريها بقوة، { خلالها } في وسطها { تفجيرا } كثيرا، والمراد: إما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها، أو إدامة إجرائها، كما ينبئ عنه " الفاء " ، { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } قطعا متعددة، أو قطعا واحدا، و { كما زعمت }: يعنون بذلك قوله تعالى: إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء [سبأ: 9]، { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } أي: مقابلا نعاينه جهرا، أو ضامنا وكفيلا يشهد بصحة ما تدعيه، { أو يكون لك بيت من زخرف } أي: ذهب. وقرئ به. وأصل الزخرفة: الزينة، { أو ترقى في السماء } أي: في معارجها فحذف المضاف. { ولن نؤمن لرقيك } أي: لأجل رقيك فيها وحده { حتى تنزل } منها { علينا كتابا } فيه تصديقك، { نقرؤه } نحن، من غير أن يتلقى من قبلك. وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال عبد الله بن أمية لرسول صلى الله عليه وسلم - وكان ابن عمته -: لن أؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها، وتأتي معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول. ه. ثم أسلم عبد الله بعد ذلك. ولم يقصدوا بتلك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج. ولو أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من الآيات، ما زادهم ذلك إلا مكابرة. وإلا فقد يكفيهم بعض ما شهدوا من المعجزات، التي تخر لها صم الجبال. قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { قل } تعجبا من شدة شكيمتهم. وفي رواية " قال ": { سبحان ربي } تنزيها له من أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في قدرته. أو تنزيها لساحته - سبحانه - عما لا يليق بها، من مثل هذه الاقتراحات الشنيعة، التي تكاد السماوات يتفطرن منها، أو عن طلب ذلك، تنبيها على بطلان ما قالوه، { هل كنت إلا بشرا } لا ملكا، حتى يتصور مني الرقي في السماء ونحوه، { رسولا } مأمورا من قبل ربي بتبليغ الرسالة، كسائر الرسل. وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم، حسبما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكموا على ربهم بشيء منها. { وما منع الناس } أي: الذين حكيت أباطيلهم، { أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } أي: الوحي، وهو ظرف لمنع، أو يؤمنوا، أي: وما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات المستدعية للإيمان، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك، { إلا أن قالوا } أي: إلا قولهم: { أبعث الله بشرا رسولا } ، منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر. وليس المراد أن هذا القول صدر من بعضهم فمنع بعضا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع بهذا المقول منهم. وإنما عبر عنه بالقول إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير روية، ولا مصداق له في الخارج. وقصر المانع من الإيمان فيما ذكر، مع أن لهم موانع شتى، إما لأنه معظمها، أو لأنه المانع بحسب الحال، أعني: عند سماع الجواب بقوله تعالى: { هل كنت إلا بشرا رسولا } إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ، من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية. { قل } لهم من قبلنا تثبيتا للحكمة، وتحقيقا للحق المزيح للريب: { لو كان } أي: لو وجد واستقر { في الأرض } بدل البشر { ملائكة يمشون مطمئنين } قارين ساكنين فيها، { لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } يهديهم إلى الحق لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه. وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة مع الملائكة لأنها منوطة بالتناسب والتجانس، فبعث الملائكة إليهم مناقض للحكمة التي يدور عليها أمر التكوين والتشريع. وإنما يبعث الملك إلى الخواص، المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدة بالقوة القدسية، فيتلقون منهم ويبلغون إلى البشر. { قل كفى بالله } وحده { شهيدا } على أني أديت ما علي من مواجب الرسالة، وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد. فهو شهيد { بيني وبينكم } ، وكفى به شهيدا، ولم يقل: بيننا تحقيقا للمفارقة، وإبانة للمباينة، { إنه كان بعباده } من الرسل والمرسل إليهم، { خبيرا بصيرا } محيطا بظواهر أعمالهم وبواطنها، فيجازيهم على ذلك. وهو تعليل للكفاية. وفيه تسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام - وتهديد للكفار، والله تعالى أعلم. الإشارة: طلب الكرامات من الأولياء جهل بطريق الولاية، وسوء الظن بهم، إذ لا يشترط في تحقيق الولاية ظهور الكرامة، وأي كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقا، وارتفعت عنهم الشكوك والأوهام، وصار شهود الحق عندهم ضروريا، ووجود السوى محالا ضروريا، فلا كرامة أعظم من هذه؟ وكلامنا مع العارفين، وأما الصالحون والعباد والزهاد فهم محتاجون إلى الكرامة ليزداد إيقانهم، وتطمئن نفوسهم إذ لم يرتفع عنهم الحجاب، ولم تنقشع عنهم سحابة الأثر. والهداية بيد الله تعالى: { من يهد الله فهو المهتد... }

الإسراء 17:91

قلت: من قرأ " كسفا " بالتحريك: فهو جمع. ومن قرأ بالسكون: فمفرد. و { قبيلا }: حال من " الله ". وحذف حال الملائكة لدلالة الأول عليه. و { أن يؤمنوا }: مفعول ثان لمنع. و { إلا أن قالوا }: فاعل " منع ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار قريش، عند ظهور عجزهم، ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي، وغيره من المعجزات الباهرة، معللين بما لا يمكن في العادة وجوده، ولا تقتضي الحكمة وقوعه، من الأمور الخارقة للعادة، كما هو ديدن المبهوت المحجوج، قالوا للنبي - عليه الصلاة والسلام - في جمع من أشرافهم: إن مكة قليلة الماء، ففجر لنا فيها عينا من ماء، وهو معنى قوله تعالى: { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض } أرض مكة { ينبوعا } عينا لا ينشف ماؤها. وينبوع: يفعول، من نبع الماء إذا خرج. { أو تكون لك جنة } أي: بستان يستر أشجاره ما تحتها من العرصة، { من نخيل وعنب فتفجر الأنهار } أي: تجريها بقوة، { خلالها } في وسطها { تفجيرا } كثيرا، والمراد: إما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها، أو إدامة إجرائها، كما ينبئ عنه " الفاء " ، { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } قطعا متعددة، أو قطعا واحدا، و { كما زعمت }: يعنون بذلك قوله تعالى: إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء [سبأ: 9]، { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } أي: مقابلا نعاينه جهرا، أو ضامنا وكفيلا يشهد بصحة ما تدعيه، { أو يكون لك بيت من زخرف } أي: ذهب. وقرئ به. وأصل الزخرفة: الزينة، { أو ترقى في السماء } أي: في معارجها فحذف المضاف. { ولن نؤمن لرقيك } أي: لأجل رقيك فيها وحده { حتى تنزل } منها { علينا كتابا } فيه تصديقك، { نقرؤه } نحن، من غير أن يتلقى من قبلك. وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال عبد الله بن أمية لرسول صلى الله عليه وسلم - وكان ابن عمته -: لن أؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها، وتأتي معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول. ه. ثم أسلم عبد الله بعد ذلك. ولم يقصدوا بتلك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج. ولو أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من الآيات، ما زادهم ذلك إلا مكابرة. وإلا فقد يكفيهم بعض ما شهدوا من المعجزات، التي تخر لها صم الجبال. قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { قل } تعجبا من شدة شكيمتهم. وفي رواية " قال ": { سبحان ربي } تنزيها له من أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في قدرته. أو تنزيها لساحته - سبحانه - عما لا يليق بها، من مثل هذه الاقتراحات الشنيعة، التي تكاد السماوات يتفطرن منها، أو عن طلب ذلك، تنبيها على بطلان ما قالوه، { هل كنت إلا بشرا } لا ملكا، حتى يتصور مني الرقي في السماء ونحوه، { رسولا } مأمورا من قبل ربي بتبليغ الرسالة، كسائر الرسل. وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم، حسبما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكموا على ربهم بشيء منها. { وما منع الناس } أي: الذين حكيت أباطيلهم، { أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } أي: الوحي، وهو ظرف لمنع، أو يؤمنوا، أي: وما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات المستدعية للإيمان، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك، { إلا أن قالوا } أي: إلا قولهم: { أبعث الله بشرا رسولا } ، منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر. وليس المراد أن هذا القول صدر من بعضهم فمنع بعضا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع بهذا المقول منهم. وإنما عبر عنه بالقول إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير روية، ولا مصداق له في الخارج. وقصر المانع من الإيمان فيما ذكر، مع أن لهم موانع شتى، إما لأنه معظمها، أو لأنه المانع بحسب الحال، أعني: عند سماع الجواب بقوله تعالى: { هل كنت إلا بشرا رسولا } إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ، من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية. { قل } لهم من قبلنا تثبيتا للحكمة، وتحقيقا للحق المزيح للريب: { لو كان } أي: لو وجد واستقر { في الأرض } بدل البشر { ملائكة يمشون مطمئنين } قارين ساكنين فيها، { لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } يهديهم إلى الحق لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه. وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة مع الملائكة لأنها منوطة بالتناسب والتجانس، فبعث الملائكة إليهم مناقض للحكمة التي يدور عليها أمر التكوين والتشريع. وإنما يبعث الملك إلى الخواص، المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدة بالقوة القدسية، فيتلقون منهم ويبلغون إلى البشر. { قل كفى بالله } وحده { شهيدا } على أني أديت ما علي من مواجب الرسالة، وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد. فهو شهيد { بيني وبينكم } ، وكفى به شهيدا، ولم يقل: بيننا تحقيقا للمفارقة، وإبانة للمباينة، { إنه كان بعباده } من الرسل والمرسل إليهم، { خبيرا بصيرا } محيطا بظواهر أعمالهم وبواطنها، فيجازيهم على ذلك. وهو تعليل للكفاية. وفيه تسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام - وتهديد للكفار، والله تعالى أعلم. الإشارة: طلب الكرامات من الأولياء جهل بطريق الولاية، وسوء الظن بهم، إذ لا يشترط في تحقيق الولاية ظهور الكرامة، وأي كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقا، وارتفعت عنهم الشكوك والأوهام، وصار شهود الحق عندهم ضروريا، ووجود السوى محالا ضروريا، فلا كرامة أعظم من هذه؟ وكلامنا مع العارفين، وأما الصالحون والعباد والزهاد فهم محتاجون إلى الكرامة ليزداد إيقانهم، وتطمئن نفوسهم إذ لم يرتفع عنهم الحجاب، ولم تنقشع عنهم سحابة الأثر. والهداية بيد الله تعالى: { من يهد الله فهو المهتد... }

الإسراء 17:92

قلت: من قرأ " كسفا " بالتحريك: فهو جمع. ومن قرأ بالسكون: فمفرد. و { قبيلا }: حال من " الله ". وحذف حال الملائكة لدلالة الأول عليه. و { أن يؤمنوا }: مفعول ثان لمنع. و { إلا أن قالوا }: فاعل " منع ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار قريش، عند ظهور عجزهم، ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي، وغيره من المعجزات الباهرة، معللين بما لا يمكن في العادة وجوده، ولا تقتضي الحكمة وقوعه، من الأمور الخارقة للعادة، كما هو ديدن المبهوت المحجوج، قالوا للنبي - عليه الصلاة والسلام - في جمع من أشرافهم: إن مكة قليلة الماء، ففجر لنا فيها عينا من ماء، وهو معنى قوله تعالى: { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض } أرض مكة { ينبوعا } عينا لا ينشف ماؤها. وينبوع: يفعول، من نبع الماء إذا خرج. { أو تكون لك جنة } أي: بستان يستر أشجاره ما تحتها من العرصة، { من نخيل وعنب فتفجر الأنهار } أي: تجريها بقوة، { خلالها } في وسطها { تفجيرا } كثيرا، والمراد: إما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها، أو إدامة إجرائها، كما ينبئ عنه " الفاء " ، { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } قطعا متعددة، أو قطعا واحدا، و { كما زعمت }: يعنون بذلك قوله تعالى: إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء [سبأ: 9]، { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } أي: مقابلا نعاينه جهرا، أو ضامنا وكفيلا يشهد بصحة ما تدعيه، { أو يكون لك بيت من زخرف } أي: ذهب. وقرئ به. وأصل الزخرفة: الزينة، { أو ترقى في السماء } أي: في معارجها فحذف المضاف. { ولن نؤمن لرقيك } أي: لأجل رقيك فيها وحده { حتى تنزل } منها { علينا كتابا } فيه تصديقك، { نقرؤه } نحن، من غير أن يتلقى من قبلك. وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال عبد الله بن أمية لرسول صلى الله عليه وسلم - وكان ابن عمته -: لن أؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها، وتأتي معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول. ه. ثم أسلم عبد الله بعد ذلك. ولم يقصدوا بتلك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج. ولو أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من الآيات، ما زادهم ذلك إلا مكابرة. وإلا فقد يكفيهم بعض ما شهدوا من المعجزات، التي تخر لها صم الجبال. قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { قل } تعجبا من شدة شكيمتهم. وفي رواية " قال ": { سبحان ربي } تنزيها له من أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في قدرته. أو تنزيها لساحته - سبحانه - عما لا يليق بها، من مثل هذه الاقتراحات الشنيعة، التي تكاد السماوات يتفطرن منها، أو عن طلب ذلك، تنبيها على بطلان ما قالوه، { هل كنت إلا بشرا } لا ملكا، حتى يتصور مني الرقي في السماء ونحوه، { رسولا } مأمورا من قبل ربي بتبليغ الرسالة، كسائر الرسل. وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم، حسبما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكموا على ربهم بشيء منها. { وما منع الناس } أي: الذين حكيت أباطيلهم، { أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } أي: الوحي، وهو ظرف لمنع، أو يؤمنوا، أي: وما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات المستدعية للإيمان، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك، { إلا أن قالوا } أي: إلا قولهم: { أبعث الله بشرا رسولا } ، منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر. وليس المراد أن هذا القول صدر من بعضهم فمنع بعضا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع بهذا المقول منهم. وإنما عبر عنه بالقول إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير روية، ولا مصداق له في الخارج. وقصر المانع من الإيمان فيما ذكر، مع أن لهم موانع شتى، إما لأنه معظمها، أو لأنه المانع بحسب الحال، أعني: عند سماع الجواب بقوله تعالى: { هل كنت إلا بشرا رسولا } إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ، من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية. { قل } لهم من قبلنا تثبيتا للحكمة، وتحقيقا للحق المزيح للريب: { لو كان } أي: لو وجد واستقر { في الأرض } بدل البشر { ملائكة يمشون مطمئنين } قارين ساكنين فيها، { لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } يهديهم إلى الحق لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه. وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة مع الملائكة لأنها منوطة بالتناسب والتجانس، فبعث الملائكة إليهم مناقض للحكمة التي يدور عليها أمر التكوين والتشريع. وإنما يبعث الملك إلى الخواص، المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدة بالقوة القدسية، فيتلقون منهم ويبلغون إلى البشر. { قل كفى بالله } وحده { شهيدا } على أني أديت ما علي من مواجب الرسالة، وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد. فهو شهيد { بيني وبينكم } ، وكفى به شهيدا، ولم يقل: بيننا تحقيقا للمفارقة، وإبانة للمباينة، { إنه كان بعباده } من الرسل والمرسل إليهم، { خبيرا بصيرا } محيطا بظواهر أعمالهم وبواطنها، فيجازيهم على ذلك. وهو تعليل للكفاية. وفيه تسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام - وتهديد للكفار، والله تعالى أعلم. الإشارة: طلب الكرامات من الأولياء جهل بطريق الولاية، وسوء الظن بهم، إذ لا يشترط في تحقيق الولاية ظهور الكرامة، وأي كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقا، وارتفعت عنهم الشكوك والأوهام، وصار شهود الحق عندهم ضروريا، ووجود السوى محالا ضروريا، فلا كرامة أعظم من هذه؟ وكلامنا مع العارفين، وأما الصالحون والعباد والزهاد فهم محتاجون إلى الكرامة ليزداد إيقانهم، وتطمئن نفوسهم إذ لم يرتفع عنهم الحجاب، ولم تنقشع عنهم سحابة الأثر. والهداية بيد الله تعالى: { من يهد الله فهو المهتد... }

الإسراء 17:93

قلت: من قرأ " كسفا " بالتحريك: فهو جمع. ومن قرأ بالسكون: فمفرد. و { قبيلا }: حال من " الله ". وحذف حال الملائكة لدلالة الأول عليه. و { أن يؤمنوا }: مفعول ثان لمنع. و { إلا أن قالوا }: فاعل " منع ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار قريش، عند ظهور عجزهم، ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي، وغيره من المعجزات الباهرة، معللين بما لا يمكن في العادة وجوده، ولا تقتضي الحكمة وقوعه، من الأمور الخارقة للعادة، كما هو ديدن المبهوت المحجوج، قالوا للنبي - عليه الصلاة والسلام - في جمع من أشرافهم: إن مكة قليلة الماء، ففجر لنا فيها عينا من ماء، وهو معنى قوله تعالى: { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض } أرض مكة { ينبوعا } عينا لا ينشف ماؤها. وينبوع: يفعول، من نبع الماء إذا خرج. { أو تكون لك جنة } أي: بستان يستر أشجاره ما تحتها من العرصة، { من نخيل وعنب فتفجر الأنهار } أي: تجريها بقوة، { خلالها } في وسطها { تفجيرا } كثيرا، والمراد: إما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها، أو إدامة إجرائها، كما ينبئ عنه " الفاء " ، { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } قطعا متعددة، أو قطعا واحدا، و { كما زعمت }: يعنون بذلك قوله تعالى: إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء [سبأ: 9]، { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } أي: مقابلا نعاينه جهرا، أو ضامنا وكفيلا يشهد بصحة ما تدعيه، { أو يكون لك بيت من زخرف } أي: ذهب. وقرئ به. وأصل الزخرفة: الزينة، { أو ترقى في السماء } أي: في معارجها فحذف المضاف. { ولن نؤمن لرقيك } أي: لأجل رقيك فيها وحده { حتى تنزل } منها { علينا كتابا } فيه تصديقك، { نقرؤه } نحن، من غير أن يتلقى من قبلك. وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال عبد الله بن أمية لرسول صلى الله عليه وسلم - وكان ابن عمته -: لن أؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها، وتأتي معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول. ه. ثم أسلم عبد الله بعد ذلك. ولم يقصدوا بتلك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج. ولو أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من الآيات، ما زادهم ذلك إلا مكابرة. وإلا فقد يكفيهم بعض ما شهدوا من المعجزات، التي تخر لها صم الجبال. قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { قل } تعجبا من شدة شكيمتهم. وفي رواية " قال ": { سبحان ربي } تنزيها له من أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في قدرته. أو تنزيها لساحته - سبحانه - عما لا يليق بها، من مثل هذه الاقتراحات الشنيعة، التي تكاد السماوات يتفطرن منها، أو عن طلب ذلك، تنبيها على بطلان ما قالوه، { هل كنت إلا بشرا } لا ملكا، حتى يتصور مني الرقي في السماء ونحوه، { رسولا } مأمورا من قبل ربي بتبليغ الرسالة، كسائر الرسل. وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم، حسبما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكموا على ربهم بشيء منها. { وما منع الناس } أي: الذين حكيت أباطيلهم، { أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } أي: الوحي، وهو ظرف لمنع، أو يؤمنوا، أي: وما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات المستدعية للإيمان، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك، { إلا أن قالوا } أي: إلا قولهم: { أبعث الله بشرا رسولا } ، منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر. وليس المراد أن هذا القول صدر من بعضهم فمنع بعضا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع بهذا المقول منهم. وإنما عبر عنه بالقول إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير روية، ولا مصداق له في الخارج. وقصر المانع من الإيمان فيما ذكر، مع أن لهم موانع شتى، إما لأنه معظمها، أو لأنه المانع بحسب الحال، أعني: عند سماع الجواب بقوله تعالى: { هل كنت إلا بشرا رسولا } إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ، من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية. { قل } لهم من قبلنا تثبيتا للحكمة، وتحقيقا للحق المزيح للريب: { لو كان } أي: لو وجد واستقر { في الأرض } بدل البشر { ملائكة يمشون مطمئنين } قارين ساكنين فيها، { لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } يهديهم إلى الحق لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه. وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة مع الملائكة لأنها منوطة بالتناسب والتجانس، فبعث الملائكة إليهم مناقض للحكمة التي يدور عليها أمر التكوين والتشريع. وإنما يبعث الملك إلى الخواص، المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدة بالقوة القدسية، فيتلقون منهم ويبلغون إلى البشر. { قل كفى بالله } وحده { شهيدا } على أني أديت ما علي من مواجب الرسالة، وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد. فهو شهيد { بيني وبينكم } ، وكفى به شهيدا، ولم يقل: بيننا تحقيقا للمفارقة، وإبانة للمباينة، { إنه كان بعباده } من الرسل والمرسل إليهم، { خبيرا بصيرا } محيطا بظواهر أعمالهم وبواطنها، فيجازيهم على ذلك. وهو تعليل للكفاية. وفيه تسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام - وتهديد للكفار، والله تعالى أعلم. الإشارة: طلب الكرامات من الأولياء جهل بطريق الولاية، وسوء الظن بهم، إذ لا يشترط في تحقيق الولاية ظهور الكرامة، وأي كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقا، وارتفعت عنهم الشكوك والأوهام، وصار شهود الحق عندهم ضروريا، ووجود السوى محالا ضروريا، فلا كرامة أعظم من هذه؟ وكلامنا مع العارفين، وأما الصالحون والعباد والزهاد فهم محتاجون إلى الكرامة ليزداد إيقانهم، وتطمئن نفوسهم إذ لم يرتفع عنهم الحجاب، ولم تنقشع عنهم سحابة الأثر. والهداية بيد الله تعالى: { من يهد الله فهو المهتد... }

الإسراء 17:94

قلت: من قرأ " كسفا " بالتحريك: فهو جمع. ومن قرأ بالسكون: فمفرد. و { قبيلا }: حال من " الله ". وحذف حال الملائكة لدلالة الأول عليه. و { أن يؤمنوا }: مفعول ثان لمنع. و { إلا أن قالوا }: فاعل " منع ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار قريش، عند ظهور عجزهم، ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي، وغيره من المعجزات الباهرة، معللين بما لا يمكن في العادة وجوده، ولا تقتضي الحكمة وقوعه، من الأمور الخارقة للعادة، كما هو ديدن المبهوت المحجوج، قالوا للنبي - عليه الصلاة والسلام - في جمع من أشرافهم: إن مكة قليلة الماء، ففجر لنا فيها عينا من ماء، وهو معنى قوله تعالى: { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض } أرض مكة { ينبوعا } عينا لا ينشف ماؤها. وينبوع: يفعول، من نبع الماء إذا خرج. { أو تكون لك جنة } أي: بستان يستر أشجاره ما تحتها من العرصة، { من نخيل وعنب فتفجر الأنهار } أي: تجريها بقوة، { خلالها } في وسطها { تفجيرا } كثيرا، والمراد: إما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها، أو إدامة إجرائها، كما ينبئ عنه " الفاء " ، { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } قطعا متعددة، أو قطعا واحدا، و { كما زعمت }: يعنون بذلك قوله تعالى: إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء [سبأ: 9]، { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } أي: مقابلا نعاينه جهرا، أو ضامنا وكفيلا يشهد بصحة ما تدعيه، { أو يكون لك بيت من زخرف } أي: ذهب. وقرئ به. وأصل الزخرفة: الزينة، { أو ترقى في السماء } أي: في معارجها فحذف المضاف. { ولن نؤمن لرقيك } أي: لأجل رقيك فيها وحده { حتى تنزل } منها { علينا كتابا } فيه تصديقك، { نقرؤه } نحن، من غير أن يتلقى من قبلك. وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال عبد الله بن أمية لرسول صلى الله عليه وسلم - وكان ابن عمته -: لن أؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها، وتأتي معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول. ه. ثم أسلم عبد الله بعد ذلك. ولم يقصدوا بتلك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج. ولو أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من الآيات، ما زادهم ذلك إلا مكابرة. وإلا فقد يكفيهم بعض ما شهدوا من المعجزات، التي تخر لها صم الجبال. قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { قل } تعجبا من شدة شكيمتهم. وفي رواية " قال ": { سبحان ربي } تنزيها له من أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في قدرته. أو تنزيها لساحته - سبحانه - عما لا يليق بها، من مثل هذه الاقتراحات الشنيعة، التي تكاد السماوات يتفطرن منها، أو عن طلب ذلك، تنبيها على بطلان ما قالوه، { هل كنت إلا بشرا } لا ملكا، حتى يتصور مني الرقي في السماء ونحوه، { رسولا } مأمورا من قبل ربي بتبليغ الرسالة، كسائر الرسل. وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم، حسبما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكموا على ربهم بشيء منها. { وما منع الناس } أي: الذين حكيت أباطيلهم، { أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } أي: الوحي، وهو ظرف لمنع، أو يؤمنوا، أي: وما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات المستدعية للإيمان، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك، { إلا أن قالوا } أي: إلا قولهم: { أبعث الله بشرا رسولا } ، منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر. وليس المراد أن هذا القول صدر من بعضهم فمنع بعضا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع بهذا المقول منهم. وإنما عبر عنه بالقول إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير روية، ولا مصداق له في الخارج. وقصر المانع من الإيمان فيما ذكر، مع أن لهم موانع شتى، إما لأنه معظمها، أو لأنه المانع بحسب الحال، أعني: عند سماع الجواب بقوله تعالى: { هل كنت إلا بشرا رسولا } إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ، من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية. { قل } لهم من قبلنا تثبيتا للحكمة، وتحقيقا للحق المزيح للريب: { لو كان } أي: لو وجد واستقر { في الأرض } بدل البشر { ملائكة يمشون مطمئنين } قارين ساكنين فيها، { لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } يهديهم إلى الحق لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه. وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة مع الملائكة لأنها منوطة بالتناسب والتجانس، فبعث الملائكة إليهم مناقض للحكمة التي يدور عليها أمر التكوين والتشريع. وإنما يبعث الملك إلى الخواص، المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدة بالقوة القدسية، فيتلقون منهم ويبلغون إلى البشر. { قل كفى بالله } وحده { شهيدا } على أني أديت ما علي من مواجب الرسالة، وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد. فهو شهيد { بيني وبينكم } ، وكفى به شهيدا، ولم يقل: بيننا تحقيقا للمفارقة، وإبانة للمباينة، { إنه كان بعباده } من الرسل والمرسل إليهم، { خبيرا بصيرا } محيطا بظواهر أعمالهم وبواطنها، فيجازيهم على ذلك. وهو تعليل للكفاية. وفيه تسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام - وتهديد للكفار، والله تعالى أعلم. الإشارة: طلب الكرامات من الأولياء جهل بطريق الولاية، وسوء الظن بهم، إذ لا يشترط في تحقيق الولاية ظهور الكرامة، وأي كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقا، وارتفعت عنهم الشكوك والأوهام، وصار شهود الحق عندهم ضروريا، ووجود السوى محالا ضروريا، فلا كرامة أعظم من هذه؟ وكلامنا مع العارفين، وأما الصالحون والعباد والزهاد فهم محتاجون إلى الكرامة ليزداد إيقانهم، وتطمئن نفوسهم إذ لم يرتفع عنهم الحجاب، ولم تنقشع عنهم سحابة الأثر. والهداية بيد الله تعالى: { من يهد الله فهو المهتد... }

الإسراء 17:95

قلت: من قرأ " كسفا " بالتحريك: فهو جمع. ومن قرأ بالسكون: فمفرد. و { قبيلا }: حال من " الله ". وحذف حال الملائكة لدلالة الأول عليه. و { أن يؤمنوا }: مفعول ثان لمنع. و { إلا أن قالوا }: فاعل " منع ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار قريش، عند ظهور عجزهم، ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي، وغيره من المعجزات الباهرة، معللين بما لا يمكن في العادة وجوده، ولا تقتضي الحكمة وقوعه، من الأمور الخارقة للعادة، كما هو ديدن المبهوت المحجوج، قالوا للنبي - عليه الصلاة والسلام - في جمع من أشرافهم: إن مكة قليلة الماء، ففجر لنا فيها عينا من ماء، وهو معنى قوله تعالى: { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض } أرض مكة { ينبوعا } عينا لا ينشف ماؤها. وينبوع: يفعول، من نبع الماء إذا خرج. { أو تكون لك جنة } أي: بستان يستر أشجاره ما تحتها من العرصة، { من نخيل وعنب فتفجر الأنهار } أي: تجريها بقوة، { خلالها } في وسطها { تفجيرا } كثيرا، والمراد: إما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها، أو إدامة إجرائها، كما ينبئ عنه " الفاء " ، { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } قطعا متعددة، أو قطعا واحدا، و { كما زعمت }: يعنون بذلك قوله تعالى: إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء [سبأ: 9]، { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } أي: مقابلا نعاينه جهرا، أو ضامنا وكفيلا يشهد بصحة ما تدعيه، { أو يكون لك بيت من زخرف } أي: ذهب. وقرئ به. وأصل الزخرفة: الزينة، { أو ترقى في السماء } أي: في معارجها فحذف المضاف. { ولن نؤمن لرقيك } أي: لأجل رقيك فيها وحده { حتى تنزل } منها { علينا كتابا } فيه تصديقك، { نقرؤه } نحن، من غير أن يتلقى من قبلك. وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال عبد الله بن أمية لرسول صلى الله عليه وسلم - وكان ابن عمته -: لن أؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها، وتأتي معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول. ه. ثم أسلم عبد الله بعد ذلك. ولم يقصدوا بتلك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج. ولو أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من الآيات، ما زادهم ذلك إلا مكابرة. وإلا فقد يكفيهم بعض ما شهدوا من المعجزات، التي تخر لها صم الجبال. قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { قل } تعجبا من شدة شكيمتهم. وفي رواية " قال ": { سبحان ربي } تنزيها له من أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في قدرته. أو تنزيها لساحته - سبحانه - عما لا يليق بها، من مثل هذه الاقتراحات الشنيعة، التي تكاد السماوات يتفطرن منها، أو عن طلب ذلك، تنبيها على بطلان ما قالوه، { هل كنت إلا بشرا } لا ملكا، حتى يتصور مني الرقي في السماء ونحوه، { رسولا } مأمورا من قبل ربي بتبليغ الرسالة، كسائر الرسل. وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم، حسبما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكموا على ربهم بشيء منها. { وما منع الناس } أي: الذين حكيت أباطيلهم، { أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } أي: الوحي، وهو ظرف لمنع، أو يؤمنوا، أي: وما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات المستدعية للإيمان، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك، { إلا أن قالوا } أي: إلا قولهم: { أبعث الله بشرا رسولا } ، منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر. وليس المراد أن هذا القول صدر من بعضهم فمنع بعضا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع بهذا المقول منهم. وإنما عبر عنه بالقول إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير روية، ولا مصداق له في الخارج. وقصر المانع من الإيمان فيما ذكر، مع أن لهم موانع شتى، إما لأنه معظمها، أو لأنه المانع بحسب الحال، أعني: عند سماع الجواب بقوله تعالى: { هل كنت إلا بشرا رسولا } إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ، من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية. { قل } لهم من قبلنا تثبيتا للحكمة، وتحقيقا للحق المزيح للريب: { لو كان } أي: لو وجد واستقر { في الأرض } بدل البشر { ملائكة يمشون مطمئنين } قارين ساكنين فيها، { لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } يهديهم إلى الحق لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه. وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة مع الملائكة لأنها منوطة بالتناسب والتجانس، فبعث الملائكة إليهم مناقض للحكمة التي يدور عليها أمر التكوين والتشريع. وإنما يبعث الملك إلى الخواص، المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدة بالقوة القدسية، فيتلقون منهم ويبلغون إلى البشر. { قل كفى بالله } وحده { شهيدا } على أني أديت ما علي من مواجب الرسالة، وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد. فهو شهيد { بيني وبينكم } ، وكفى به شهيدا، ولم يقل: بيننا تحقيقا للمفارقة، وإبانة للمباينة، { إنه كان بعباده } من الرسل والمرسل إليهم، { خبيرا بصيرا } محيطا بظواهر أعمالهم وبواطنها، فيجازيهم على ذلك. وهو تعليل للكفاية. وفيه تسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام - وتهديد للكفار، والله تعالى أعلم. الإشارة: طلب الكرامات من الأولياء جهل بطريق الولاية، وسوء الظن بهم، إذ لا يشترط في تحقيق الولاية ظهور الكرامة، وأي كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقا، وارتفعت عنهم الشكوك والأوهام، وصار شهود الحق عندهم ضروريا، ووجود السوى محالا ضروريا، فلا كرامة أعظم من هذه؟ وكلامنا مع العارفين، وأما الصالحون والعباد والزهاد فهم محتاجون إلى الكرامة ليزداد إيقانهم، وتطمئن نفوسهم إذ لم يرتفع عنهم الحجاب، ولم تنقشع عنهم سحابة الأثر. والهداية بيد الله تعالى: { من يهد الله فهو المهتد... }

الإسراء 17:96

قلت: من قرأ " كسفا " بالتحريك: فهو جمع. ومن قرأ بالسكون: فمفرد. و { قبيلا }: حال من " الله ". وحذف حال الملائكة لدلالة الأول عليه. و { أن يؤمنوا }: مفعول ثان لمنع. و { إلا أن قالوا }: فاعل " منع ". يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار قريش، عند ظهور عجزهم، ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي، وغيره من المعجزات الباهرة، معللين بما لا يمكن في العادة وجوده، ولا تقتضي الحكمة وقوعه، من الأمور الخارقة للعادة، كما هو ديدن المبهوت المحجوج، قالوا للنبي - عليه الصلاة والسلام - في جمع من أشرافهم: إن مكة قليلة الماء، ففجر لنا فيها عينا من ماء، وهو معنى قوله تعالى: { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض } أرض مكة { ينبوعا } عينا لا ينشف ماؤها. وينبوع: يفعول، من نبع الماء إذا خرج. { أو تكون لك جنة } أي: بستان يستر أشجاره ما تحتها من العرصة، { من نخيل وعنب فتفجر الأنهار } أي: تجريها بقوة، { خلالها } في وسطها { تفجيرا } كثيرا، والمراد: إما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها، أو إدامة إجرائها، كما ينبئ عنه " الفاء " ، { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } قطعا متعددة، أو قطعا واحدا، و { كما زعمت }: يعنون بذلك قوله تعالى: إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء [سبأ: 9]، { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } أي: مقابلا نعاينه جهرا، أو ضامنا وكفيلا يشهد بصحة ما تدعيه، { أو يكون لك بيت من زخرف } أي: ذهب. وقرئ به. وأصل الزخرفة: الزينة، { أو ترقى في السماء } أي: في معارجها فحذف المضاف. { ولن نؤمن لرقيك } أي: لأجل رقيك فيها وحده { حتى تنزل } منها { علينا كتابا } فيه تصديقك، { نقرؤه } نحن، من غير أن يتلقى من قبلك. وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال عبد الله بن أمية لرسول صلى الله عليه وسلم - وكان ابن عمته -: لن أؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها، وتأتي معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول. ه. ثم أسلم عبد الله بعد ذلك. ولم يقصدوا بتلك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج. ولو أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من الآيات، ما زادهم ذلك إلا مكابرة. وإلا فقد يكفيهم بعض ما شهدوا من المعجزات، التي تخر لها صم الجبال. قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { قل } تعجبا من شدة شكيمتهم. وفي رواية " قال ": { سبحان ربي } تنزيها له من أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في قدرته. أو تنزيها لساحته - سبحانه - عما لا يليق بها، من مثل هذه الاقتراحات الشنيعة، التي تكاد السماوات يتفطرن منها، أو عن طلب ذلك، تنبيها على بطلان ما قالوه، { هل كنت إلا بشرا } لا ملكا، حتى يتصور مني الرقي في السماء ونحوه، { رسولا } مأمورا من قبل ربي بتبليغ الرسالة، كسائر الرسل. وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم، حسبما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكموا على ربهم بشيء منها. { وما منع الناس } أي: الذين حكيت أباطيلهم، { أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } أي: الوحي، وهو ظرف لمنع، أو يؤمنوا، أي: وما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات المستدعية للإيمان، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك، { إلا أن قالوا } أي: إلا قولهم: { أبعث الله بشرا رسولا } ، منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر. وليس المراد أن هذا القول صدر من بعضهم فمنع بعضا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع بهذا المقول منهم. وإنما عبر عنه بالقول إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير روية، ولا مصداق له في الخارج. وقصر المانع من الإيمان فيما ذكر، مع أن لهم موانع شتى، إما لأنه معظمها، أو لأنه المانع بحسب الحال، أعني: عند سماع الجواب بقوله تعالى: { هل كنت إلا بشرا رسولا } إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ، من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية. { قل } لهم من قبلنا تثبيتا للحكمة، وتحقيقا للحق المزيح للريب: { لو كان } أي: لو وجد واستقر { في الأرض } بدل البشر { ملائكة يمشون مطمئنين } قارين ساكنين فيها، { لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } يهديهم إلى الحق لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه. وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة مع الملائكة لأنها منوطة بالتناسب والتجانس، فبعث الملائكة إليهم مناقض للحكمة التي يدور عليها أمر التكوين والتشريع. وإنما يبعث الملك إلى الخواص، المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدة بالقوة القدسية، فيتلقون منهم ويبلغون إلى البشر. { قل كفى بالله } وحده { شهيدا } على أني أديت ما علي من مواجب الرسالة، وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد. فهو شهيد { بيني وبينكم } ، وكفى به شهيدا، ولم يقل: بيننا تحقيقا للمفارقة، وإبانة للمباينة، { إنه كان بعباده } من الرسل والمرسل إليهم، { خبيرا بصيرا } محيطا بظواهر أعمالهم وبواطنها، فيجازيهم على ذلك. وهو تعليل للكفاية. وفيه تسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام - وتهديد للكفار، والله تعالى أعلم. الإشارة: طلب الكرامات من الأولياء جهل بطريق الولاية، وسوء الظن بهم، إذ لا يشترط في تحقيق الولاية ظهور الكرامة، وأي كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقا، وارتفعت عنهم الشكوك والأوهام، وصار شهود الحق عندهم ضروريا، ووجود السوى محالا ضروريا، فلا كرامة أعظم من هذه؟ وكلامنا مع العارفين، وأما الصالحون والعباد والزهاد فهم محتاجون إلى الكرامة ليزداد إيقانهم، وتطمئن نفوسهم إذ لم يرتفع عنهم الحجاب، ولم تنقشع عنهم سحابة الأثر. والهداية بيد الله تعالى: { من يهد الله فهو المهتد... }

الإسراء 17:97

قلت: { على وجوههم }: حال من ضمير " نحشرهم ". و { عميا } الخ: حال أيضا من ضمير " وجوههم ". و { مأواهم }: استئناف، وكذا: { كلما } الخ. يقول الحق جل جلاله: { ومن يهد الله } إلى الحق الذي جاء من قبله على أيدي الرسل، { فهو المهتد } إليه، وإلى ما يؤدي إليه من الثواب، أو فهو المهتدي إلى كل مطلوب، { ومن يضلل } أي: يخلق فيه الضلال، كهؤلاء المعاندين، { فلن تجد لهم أولياء من دونه } ينصرونهم من عذابه، أو يهدونهم إلى طريقه، ويوصلونهم إلى مطالبهم الدنيوية والأخروية. ووحد الضمير أولا في قوله: { فهو المهتد }: مراعاة للفظ " من " ، وجمع ثانيا في { لهم } مراعاة لمعناها: تلويحا بوحدة طريق الحق، وتعدد طرق الضلال. { ونحشرهم } ، فيه التفات من الغيبة إلى التكلم إيذانا بكمال الاعتناء بأمر الحشر، أي: ونسوقهم { يوم القيامة على وجوههم } أي: كابين عليها سحبا، كقوله يوم يسحبون في النار على وجوههم [القمر: 48]، أو: مشيا إلى المحشر بعد القيام، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: " الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " حال كونهم { عميا وبكما وصما } لا يبصرون ما يقر أعينهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، لما كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالآيات والعبر، ولا ينطقون بالحق ولا يستمعونه. ويجوز أن يحشروا، بعد الحساب، من الموقف إلى النار، مؤوفي القوى والحواس. وأن يحشروا كذلك، ثم تعاد إليهم قواهم وحواسهم، فإن إدراكاتهم بهذه المشاعر في بعض المواطن مما لا ريب فيه. { مأواهم جهنم } هي مسكنهم، { كلما خبت } خمدت { زدناهم سعيرا } توقدا، أي: كلما سكن لهبها، وأكلت جلودهم ولحومهم، ولم يبق فيهم ما تتعلق به النار وتحرقه، زدناهم توقدا بأن بدلناهم جلودا غيرها فعادت ملتهبة ومسعرة. ولعل ذلك عقوبة على إنكارهم البعث مرة بعد مرة، ليروها عيانا، حيث لم يعلموها برهانا، كما يفصح عنه قوله: { ذلك } أي ذلك العذاب { جزاؤهم بأنهم } بسبب أنهم { كفروا بآياتنا } العقلية والنقلية، الدالة على وقوع الإعادة دلالة واضحة. { وقالوا } منكرين البعث أشد الإنكار: { أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا } أي: أنوجد خلقا جديدا بعد أن صرنا ترابا؟ و " خلقا ": إما مصدر مؤكد من غير لفظه، أي: لمبعوثون مبعثا جديدا، أو حال، أي: مخلوقين مستأنفين. الإشارة: من يهده الله إلى صريح المعرفة وسر الخصوصية فهو المهتد إليها، يهديه أولا إلى صحبة أهلها، فإذا تربى وتهذب أشرقت عليه أنوارها. ومن يضلله عنها، فلا ينظر ولا يهتدي إلى صحبة أهلها، فيحشر يوم القيامة محجوبا عن الله، كما عاش محجوبا. يموت المرء على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، لا يبصر أسرار الذات في مظاهر النعيم، ولا ينطق بالمكالمة مع الرحمن الرحيم، ولا يسمع مكالمة الحق مع المقربين وذلك بسبب إنكاره لأهل التربية في زمانه، وقال: لا يمكن أن يبعث الله من يحيي الأرواح الميتة بالجهل بالمعرفة الكاملة. وفيه إنكار لعموم القدرة الأزلية، وتحجير على الحق. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دلائل عموم قدرته.

الإسراء 17:98

قلت: { على وجوههم }: حال من ضمير " نحشرهم ". و { عميا } الخ: حال أيضا من ضمير " وجوههم ". و { مأواهم }: استئناف، وكذا: { كلما } الخ. يقول الحق جل جلاله: { ومن يهد الله } إلى الحق الذي جاء من قبله على أيدي الرسل، { فهو المهتد } إليه، وإلى ما يؤدي إليه من الثواب، أو فهو المهتدي إلى كل مطلوب، { ومن يضلل } أي: يخلق فيه الضلال، كهؤلاء المعاندين، { فلن تجد لهم أولياء من دونه } ينصرونهم من عذابه، أو يهدونهم إلى طريقه، ويوصلونهم إلى مطالبهم الدنيوية والأخروية. ووحد الضمير أولا في قوله: { فهو المهتد }: مراعاة للفظ " من " ، وجمع ثانيا في { لهم } مراعاة لمعناها: تلويحا بوحدة طريق الحق، وتعدد طرق الضلال. { ونحشرهم } ، فيه التفات من الغيبة إلى التكلم إيذانا بكمال الاعتناء بأمر الحشر، أي: ونسوقهم { يوم القيامة على وجوههم } أي: كابين عليها سحبا، كقوله يوم يسحبون في النار على وجوههم [القمر: 48]، أو: مشيا إلى المحشر بعد القيام، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: " الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " حال كونهم { عميا وبكما وصما } لا يبصرون ما يقر أعينهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، لما كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالآيات والعبر، ولا ينطقون بالحق ولا يستمعونه. ويجوز أن يحشروا، بعد الحساب، من الموقف إلى النار، مؤوفي القوى والحواس. وأن يحشروا كذلك، ثم تعاد إليهم قواهم وحواسهم، فإن إدراكاتهم بهذه المشاعر في بعض المواطن مما لا ريب فيه. { مأواهم جهنم } هي مسكنهم، { كلما خبت } خمدت { زدناهم سعيرا } توقدا، أي: كلما سكن لهبها، وأكلت جلودهم ولحومهم، ولم يبق فيهم ما تتعلق به النار وتحرقه، زدناهم توقدا بأن بدلناهم جلودا غيرها فعادت ملتهبة ومسعرة. ولعل ذلك عقوبة على إنكارهم البعث مرة بعد مرة، ليروها عيانا، حيث لم يعلموها برهانا، كما يفصح عنه قوله: { ذلك } أي ذلك العذاب { جزاؤهم بأنهم } بسبب أنهم { كفروا بآياتنا } العقلية والنقلية، الدالة على وقوع الإعادة دلالة واضحة. { وقالوا } منكرين البعث أشد الإنكار: { أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا } أي: أنوجد خلقا جديدا بعد أن صرنا ترابا؟ و " خلقا ": إما مصدر مؤكد من غير لفظه، أي: لمبعوثون مبعثا جديدا، أو حال، أي: مخلوقين مستأنفين. الإشارة: من يهده الله إلى صريح المعرفة وسر الخصوصية فهو المهتد إليها، يهديه أولا إلى صحبة أهلها، فإذا تربى وتهذب أشرقت عليه أنوارها. ومن يضلله عنها، فلا ينظر ولا يهتدي إلى صحبة أهلها، فيحشر يوم القيامة محجوبا عن الله، كما عاش محجوبا. يموت المرء على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، لا يبصر أسرار الذات في مظاهر النعيم، ولا ينطق بالمكالمة مع الرحمن الرحيم، ولا يسمع مكالمة الحق مع المقربين وذلك بسبب إنكاره لأهل التربية في زمانه، وقال: لا يمكن أن يبعث الله من يحيي الأرواح الميتة بالجهل بالمعرفة الكاملة. وفيه إنكار لعموم القدرة الأزلية، وتحجير على الحق. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دلائل عموم قدرته.

الإسراء 17:99

قلت: { وجعل }: عطف على " قادر " لأنه في قوة قدر، أو استئناف. و { لو أنتم }: الضمير: فاعل بفعل يفسره ما بعده، كقول حاتم: لو ذات سوار لطمتني وفائدة ذلك الحذف والتفسير للدلالة على الاختصاص والمبالغة. وقيل في إعرابه غير هذا. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يروا } أي: أو لم يتفكروا ولم يعلموا { أن الله الذي خلق السماوات والأرض } من غير مادة، مع عظمها، { قادر على أن يخلق مثلهم } في الصغر والحقارة. على أن المثل مقحم، أي: على أن يخلقهم خلقا جديدا فإنهم ليسوا أشد خلقا منهم، ولا الإعادة بأصعب من الإبداء، { وجعل لهم } أي: لموتهم وبعثهم { أجلا } محققا { لا ريب فيه } وهو: القيامة. { فأبى الظالمون إلا كفورا } إلا جحودا، وضع الظاهر موضع الضمير تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيه. { قل } لهم: { لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي } خزائن رزقه وسائر نعمه التي أفاضها على كافة الموجودات، { إذا لأمسكتم } لبخلتم، { خشية الإنفاق } مخافة النفاد بالإنفاق، إذ ليس في الدنيا أحد إلا وهو يختار النفع لنفسه، ولو آثر غيره بشيء فإنما يؤثره لغرض يفوقه، فهو إذا بخيل بالإضافة إلى وجود الله سبحانه، إلا من تخلق بخلق الرحمن من الأنبياء وأكابر الصوفية. { وكان الإنسان قتورا } مبالغا في البخل لأن مبني أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه، وملاحظة العوض فيما يبذل. يعني: أن طبع الإنسان ومنتهى نظره: أن الأشياء تتناهى وتفنى، وهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تقف دون البعث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى، فهو يخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الأرزاق ما يريد، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته. وبهذا النظر تتصل الآية بما قبلها. انظر ابن عطية. قلت: ويمكن أن تتصل في المعنى بقوله: { أبعث الله بشرا رسولا } ، فكأن الحق تعالى يقول لهم: لو كانت بيدكم خزائن رحمته، لخصصتم بالنبوة من تريدون، لكن ليست بيدكم، ولو كانت بيدكم تقديرا، لأمسكتم خشية الإنفاق لأن طبع الإنسان البخل وخوف الفقر، فهو كقوله تعالى: أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب [ص: 9]، بعد قوله: وعجبوا أن جآءهم منذر منهم [ص: 4]. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحق تعالى قادر على أن يخلق ألف عالم في لحظة، وأن يفنى ألف عالم في لحظة، فلا يعجزه شيء من الممكنات. وكما قدر أن يحيي الإنسان بعد موته الحسي هو قادر على أن يحييه بعد موته المعنوي بالجهل والغفلة، على حسب ما سبق له في المشيئة، وجعل لذلك أجلا لا ريب فيه، فلا يجحد هذا إلا من كان ظالما كفورا. قل لمن يخصص الولاية بنفسه، أو بأسلافه، وينكر أن يفتح الله على قوم كانوا جهالا: لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم الخصوصية عندكم خشية أن ينفد ما عندكم، وكان الإنسان قتورا، لا يحب الخير إلا لنفسه. ثم سلى رسوله عما اقترحوا عليه من الآيات

الإسراء 17:100

قلت: { وجعل }: عطف على " قادر " لأنه في قوة قدر، أو استئناف. و { لو أنتم }: الضمير: فاعل بفعل يفسره ما بعده، كقول حاتم: لو ذات سوار لطمتني وفائدة ذلك الحذف والتفسير للدلالة على الاختصاص والمبالغة. وقيل في إعرابه غير هذا. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يروا } أي: أو لم يتفكروا ولم يعلموا { أن الله الذي خلق السماوات والأرض } من غير مادة، مع عظمها، { قادر على أن يخلق مثلهم } في الصغر والحقارة. على أن المثل مقحم، أي: على أن يخلقهم خلقا جديدا فإنهم ليسوا أشد خلقا منهم، ولا الإعادة بأصعب من الإبداء، { وجعل لهم } أي: لموتهم وبعثهم { أجلا } محققا { لا ريب فيه } وهو: القيامة. { فأبى الظالمون إلا كفورا } إلا جحودا، وضع الظاهر موضع الضمير تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيه. { قل } لهم: { لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي } خزائن رزقه وسائر نعمه التي أفاضها على كافة الموجودات، { إذا لأمسكتم } لبخلتم، { خشية الإنفاق } مخافة النفاد بالإنفاق، إذ ليس في الدنيا أحد إلا وهو يختار النفع لنفسه، ولو آثر غيره بشيء فإنما يؤثره لغرض يفوقه، فهو إذا بخيل بالإضافة إلى وجود الله سبحانه، إلا من تخلق بخلق الرحمن من الأنبياء وأكابر الصوفية. { وكان الإنسان قتورا } مبالغا في البخل لأن مبني أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه، وملاحظة العوض فيما يبذل. يعني: أن طبع الإنسان ومنتهى نظره: أن الأشياء تتناهى وتفنى، وهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تقف دون البعث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى، فهو يخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الأرزاق ما يريد، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته. وبهذا النظر تتصل الآية بما قبلها. انظر ابن عطية. قلت: ويمكن أن تتصل في المعنى بقوله: { أبعث الله بشرا رسولا } ، فكأن الحق تعالى يقول لهم: لو كانت بيدكم خزائن رحمته، لخصصتم بالنبوة من تريدون، لكن ليست بيدكم، ولو كانت بيدكم تقديرا، لأمسكتم خشية الإنفاق لأن طبع الإنسان البخل وخوف الفقر، فهو كقوله تعالى: أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب [ص: 9]، بعد قوله: وعجبوا أن جآءهم منذر منهم [ص: 4]. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحق تعالى قادر على أن يخلق ألف عالم في لحظة، وأن يفنى ألف عالم في لحظة، فلا يعجزه شيء من الممكنات. وكما قدر أن يحيي الإنسان بعد موته الحسي هو قادر على أن يحييه بعد موته المعنوي بالجهل والغفلة، على حسب ما سبق له في المشيئة، وجعل لذلك أجلا لا ريب فيه، فلا يجحد هذا إلا من كان ظالما كفورا. قل لمن يخصص الولاية بنفسه، أو بأسلافه، وينكر أن يفتح الله على قوم كانوا جهالا: لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم الخصوصية عندكم خشية أن ينفد ما عندكم، وكان الإنسان قتورا، لا يحب الخير إلا لنفسه. ثم سلى رسوله عما اقترحوا عليه من الآيات

الإسراء 17:101

قلت: قال في الأساس: ثبره الله: أهلكه هلاكا دائما، لا ينتعش بعده، ومن ثم يدعو أهل النار: واثبوراه. وما ثبرك عن حاجتك: ما ثبطك عنها. وهذا مثبر فلانة: لمكان ولادتها، حيث يثبرها النفاس. وفي القاموس: الثبر: الحبس والمنع، كالتثبير والصرف عن الأمر وعن الحبيب، واللعن والطرد. والثبور: الهلاك والويل والإهلاك. ه. و { إذا جاءهم }: إما متعلق بآياتنا، أو بقلنا محذوف. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } واضحات الدلالة على نبوته، وصحة ما جاء به من عند الله. وهي: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطوفان، والسنون، ونقص الثمرات. وقيل: انفجار الماء من الحجر، ونتق الطور، وانفلاق البحر، بدل الثلاث. وفيه نظر فإن هذه الثلاث لم تكن لفرعون، وإنما كانت بعد خروج سيدنا موسى عليه السلام. وعن صفوان بن عسال: أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: " ألا تشركوا به شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم، خاصة اليهود، ألا تعدوا في السبت " فقبل اليهودي يده ورجله - عليه الصلاة والسلام. قلت: ولعل الحق تعالى أظهر لهم تسعا، وكلفهم بتسع، شكرا لما أظهر لهم، فأخبر - عليه الصلاة والسلام - السائل عما كلفهم به لأنه أهم، وسكت عما أظهر لهم لأنه معلوم. وإنما قبل السائل يده لموافقته لما في التوراة، وقد علم أنه ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي، وقوله عليه الصلاة والسلام: " وعليكم، خاصة اليهود، ألا تعدوا " ، حكم مستأنف زائد على الجواب، ولذلك غير فيه سياق الكلام. قال تعالى: { فسل بني إسرائيل } أي: سل، يا محمد، بني إسرائيل المعاصرين لك عما ذكرنا من قصة موسى لتزداد يقينا وطمأنينة، أو: ليظهر صدقك لعامة الناس، أو: قلنا لموسى: سل بني إسرائيل من فرعون، أي: اطلبهم منه ليرسلهم معك، أو سل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك. ويؤيد هذا: قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فسال " على صيغة الماضي، بغير همز، وهي لغة قريش. { إذ جاءهم } أي: آتينا موسى تسع آيات حين جاءهم بالرسالة، أو قلنا له: سل بني إسرائيل حين جاءهم بالوحي. { فقال له فرعون } حين أظهر له ما آتيناه من الآيات، وبلغة ما أرسل به: { إني لأظنك يا موسى مسحورا } أي: سحرت فتخبط عقلك. { قال } له موسى: { لقد علمت } يا فرعون، { ما أنزل هؤلاء } الآيات التي ظهرت على يدي { إلا رب السماوات والأرض } خالقهما ومدبرهما، ولا يقدر عليها غيره، حال كونها { بصائر } بينات تبصرك صدقي، ولكنك تعاند وتكابر، وقد استيقنتها أنفسكم، فجحدتم ظلما وعلوا، { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } أي: مهلكا مقطوعا دابرك، أو مغلوبا مقهورا، أو مصروفا عن الخير. قابل موسى عليه السلام قول فرعون: { إني لأظنك يا موسى مسحورا } بقوله: { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } وشتان ما بين الظنين ظن فرعون إفك مبين، وظن موسى حق اليقين لأنه بوحي من رب العالمين، أو من تظاهر أماراته. { فأراد فرعون أن يستفزهم } أي: يستخفهم ويزعجهم { من الأرض } أرض مصر، { فأغرقناه ومن معه جميعا } فعكسنا عليه علمه ومكره، فاستفززناه وقومه من بلده بالإغراق. { وقلنا من بعده } من بعد إغراقه { لبني إسرائيل اسكنوا الأرض } التي أراد أن يستفزكم هو منها. أو أرض الشام. وهو الأظهر، إذ لم يصح أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بالسكنى. وانظر عند قوله: وأورثناها بني إسرائيل [الشعراء: 59] { فإذا جاء وعد الآخرة } أي: الحياة الآخرة، أو الدار الآخرة، أي: قيام الآخرة، { جئنا بكم لفيفا } مختلطين إياكم وإياهم، ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم. واللفيف: الجماعات من قبائل شتى. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينفع في أهل الحسد والعناد ظهور معجزة ولا آية، ولا يتوقف عليها من سبقت له العناية، لكنها تزيد تأييدا، وطمأنينة لأهل اليقين، وتزيد نفورا وعنادا، لأهل الحسد من المعاندين. وبالله التوفيق. ولما ذكر آية موسى ذكر آية نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وهو القرآن

الإسراء 17:102

قلت: قال في الأساس: ثبره الله: أهلكه هلاكا دائما، لا ينتعش بعده، ومن ثم يدعو أهل النار: واثبوراه. وما ثبرك عن حاجتك: ما ثبطك عنها. وهذا مثبر فلانة: لمكان ولادتها، حيث يثبرها النفاس. وفي القاموس: الثبر: الحبس والمنع، كالتثبير والصرف عن الأمر وعن الحبيب، واللعن والطرد. والثبور: الهلاك والويل والإهلاك. ه. و { إذا جاءهم }: إما متعلق بآياتنا، أو بقلنا محذوف. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } واضحات الدلالة على نبوته، وصحة ما جاء به من عند الله. وهي: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطوفان، والسنون، ونقص الثمرات. وقيل: انفجار الماء من الحجر، ونتق الطور، وانفلاق البحر، بدل الثلاث. وفيه نظر فإن هذه الثلاث لم تكن لفرعون، وإنما كانت بعد خروج سيدنا موسى عليه السلام. وعن صفوان بن عسال: أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: " ألا تشركوا به شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم، خاصة اليهود، ألا تعدوا في السبت " فقبل اليهودي يده ورجله - عليه الصلاة والسلام. قلت: ولعل الحق تعالى أظهر لهم تسعا، وكلفهم بتسع، شكرا لما أظهر لهم، فأخبر - عليه الصلاة والسلام - السائل عما كلفهم به لأنه أهم، وسكت عما أظهر لهم لأنه معلوم. وإنما قبل السائل يده لموافقته لما في التوراة، وقد علم أنه ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي، وقوله عليه الصلاة والسلام: " وعليكم، خاصة اليهود، ألا تعدوا " ، حكم مستأنف زائد على الجواب، ولذلك غير فيه سياق الكلام. قال تعالى: { فسل بني إسرائيل } أي: سل، يا محمد، بني إسرائيل المعاصرين لك عما ذكرنا من قصة موسى لتزداد يقينا وطمأنينة، أو: ليظهر صدقك لعامة الناس، أو: قلنا لموسى: سل بني إسرائيل من فرعون، أي: اطلبهم منه ليرسلهم معك، أو سل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك. ويؤيد هذا: قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فسال " على صيغة الماضي، بغير همز، وهي لغة قريش. { إذ جاءهم } أي: آتينا موسى تسع آيات حين جاءهم بالرسالة، أو قلنا له: سل بني إسرائيل حين جاءهم بالوحي. { فقال له فرعون } حين أظهر له ما آتيناه من الآيات، وبلغة ما أرسل به: { إني لأظنك يا موسى مسحورا } أي: سحرت فتخبط عقلك. { قال } له موسى: { لقد علمت } يا فرعون، { ما أنزل هؤلاء } الآيات التي ظهرت على يدي { إلا رب السماوات والأرض } خالقهما ومدبرهما، ولا يقدر عليها غيره، حال كونها { بصائر } بينات تبصرك صدقي، ولكنك تعاند وتكابر، وقد استيقنتها أنفسكم، فجحدتم ظلما وعلوا، { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } أي: مهلكا مقطوعا دابرك، أو مغلوبا مقهورا، أو مصروفا عن الخير. قابل موسى عليه السلام قول فرعون: { إني لأظنك يا موسى مسحورا } بقوله: { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } وشتان ما بين الظنين ظن فرعون إفك مبين، وظن موسى حق اليقين لأنه بوحي من رب العالمين، أو من تظاهر أماراته. { فأراد فرعون أن يستفزهم } أي: يستخفهم ويزعجهم { من الأرض } أرض مصر، { فأغرقناه ومن معه جميعا } فعكسنا عليه علمه ومكره، فاستفززناه وقومه من بلده بالإغراق. { وقلنا من بعده } من بعد إغراقه { لبني إسرائيل اسكنوا الأرض } التي أراد أن يستفزكم هو منها. أو أرض الشام. وهو الأظهر، إذ لم يصح أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بالسكنى. وانظر عند قوله: وأورثناها بني إسرائيل [الشعراء: 59] { فإذا جاء وعد الآخرة } أي: الحياة الآخرة، أو الدار الآخرة، أي: قيام الآخرة، { جئنا بكم لفيفا } مختلطين إياكم وإياهم، ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم. واللفيف: الجماعات من قبائل شتى. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينفع في أهل الحسد والعناد ظهور معجزة ولا آية، ولا يتوقف عليها من سبقت له العناية، لكنها تزيد تأييدا، وطمأنينة لأهل اليقين، وتزيد نفورا وعنادا، لأهل الحسد من المعاندين. وبالله التوفيق. ولما ذكر آية موسى ذكر آية نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وهو القرآن

الإسراء 17:103

قلت: قال في الأساس: ثبره الله: أهلكه هلاكا دائما، لا ينتعش بعده، ومن ثم يدعو أهل النار: واثبوراه. وما ثبرك عن حاجتك: ما ثبطك عنها. وهذا مثبر فلانة: لمكان ولادتها، حيث يثبرها النفاس. وفي القاموس: الثبر: الحبس والمنع، كالتثبير والصرف عن الأمر وعن الحبيب، واللعن والطرد. والثبور: الهلاك والويل والإهلاك. ه. و { إذا جاءهم }: إما متعلق بآياتنا، أو بقلنا محذوف. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } واضحات الدلالة على نبوته، وصحة ما جاء به من عند الله. وهي: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطوفان، والسنون، ونقص الثمرات. وقيل: انفجار الماء من الحجر، ونتق الطور، وانفلاق البحر، بدل الثلاث. وفيه نظر فإن هذه الثلاث لم تكن لفرعون، وإنما كانت بعد خروج سيدنا موسى عليه السلام. وعن صفوان بن عسال: أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: " ألا تشركوا به شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم، خاصة اليهود، ألا تعدوا في السبت " فقبل اليهودي يده ورجله - عليه الصلاة والسلام. قلت: ولعل الحق تعالى أظهر لهم تسعا، وكلفهم بتسع، شكرا لما أظهر لهم، فأخبر - عليه الصلاة والسلام - السائل عما كلفهم به لأنه أهم، وسكت عما أظهر لهم لأنه معلوم. وإنما قبل السائل يده لموافقته لما في التوراة، وقد علم أنه ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي، وقوله عليه الصلاة والسلام: " وعليكم، خاصة اليهود، ألا تعدوا " ، حكم مستأنف زائد على الجواب، ولذلك غير فيه سياق الكلام. قال تعالى: { فسل بني إسرائيل } أي: سل، يا محمد، بني إسرائيل المعاصرين لك عما ذكرنا من قصة موسى لتزداد يقينا وطمأنينة، أو: ليظهر صدقك لعامة الناس، أو: قلنا لموسى: سل بني إسرائيل من فرعون، أي: اطلبهم منه ليرسلهم معك، أو سل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك. ويؤيد هذا: قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فسال " على صيغة الماضي، بغير همز، وهي لغة قريش. { إذ جاءهم } أي: آتينا موسى تسع آيات حين جاءهم بالرسالة، أو قلنا له: سل بني إسرائيل حين جاءهم بالوحي. { فقال له فرعون } حين أظهر له ما آتيناه من الآيات، وبلغة ما أرسل به: { إني لأظنك يا موسى مسحورا } أي: سحرت فتخبط عقلك. { قال } له موسى: { لقد علمت } يا فرعون، { ما أنزل هؤلاء } الآيات التي ظهرت على يدي { إلا رب السماوات والأرض } خالقهما ومدبرهما، ولا يقدر عليها غيره، حال كونها { بصائر } بينات تبصرك صدقي، ولكنك تعاند وتكابر، وقد استيقنتها أنفسكم، فجحدتم ظلما وعلوا، { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } أي: مهلكا مقطوعا دابرك، أو مغلوبا مقهورا، أو مصروفا عن الخير. قابل موسى عليه السلام قول فرعون: { إني لأظنك يا موسى مسحورا } بقوله: { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } وشتان ما بين الظنين ظن فرعون إفك مبين، وظن موسى حق اليقين لأنه بوحي من رب العالمين، أو من تظاهر أماراته. { فأراد فرعون أن يستفزهم } أي: يستخفهم ويزعجهم { من الأرض } أرض مصر، { فأغرقناه ومن معه جميعا } فعكسنا عليه علمه ومكره، فاستفززناه وقومه من بلده بالإغراق. { وقلنا من بعده } من بعد إغراقه { لبني إسرائيل اسكنوا الأرض } التي أراد أن يستفزكم هو منها. أو أرض الشام. وهو الأظهر، إذ لم يصح أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بالسكنى. وانظر عند قوله: وأورثناها بني إسرائيل [الشعراء: 59] { فإذا جاء وعد الآخرة } أي: الحياة الآخرة، أو الدار الآخرة، أي: قيام الآخرة، { جئنا بكم لفيفا } مختلطين إياكم وإياهم، ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم. واللفيف: الجماعات من قبائل شتى. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينفع في أهل الحسد والعناد ظهور معجزة ولا آية، ولا يتوقف عليها من سبقت له العناية، لكنها تزيد تأييدا، وطمأنينة لأهل اليقين، وتزيد نفورا وعنادا، لأهل الحسد من المعاندين. وبالله التوفيق. ولما ذكر آية موسى ذكر آية نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وهو القرآن

الإسراء 17:104

قلت: قال في الأساس: ثبره الله: أهلكه هلاكا دائما، لا ينتعش بعده، ومن ثم يدعو أهل النار: واثبوراه. وما ثبرك عن حاجتك: ما ثبطك عنها. وهذا مثبر فلانة: لمكان ولادتها، حيث يثبرها النفاس. وفي القاموس: الثبر: الحبس والمنع، كالتثبير والصرف عن الأمر وعن الحبيب، واللعن والطرد. والثبور: الهلاك والويل والإهلاك. ه. و { إذا جاءهم }: إما متعلق بآياتنا، أو بقلنا محذوف. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } واضحات الدلالة على نبوته، وصحة ما جاء به من عند الله. وهي: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطوفان، والسنون، ونقص الثمرات. وقيل: انفجار الماء من الحجر، ونتق الطور، وانفلاق البحر، بدل الثلاث. وفيه نظر فإن هذه الثلاث لم تكن لفرعون، وإنما كانت بعد خروج سيدنا موسى عليه السلام. وعن صفوان بن عسال: أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: " ألا تشركوا به شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم، خاصة اليهود، ألا تعدوا في السبت " فقبل اليهودي يده ورجله - عليه الصلاة والسلام. قلت: ولعل الحق تعالى أظهر لهم تسعا، وكلفهم بتسع، شكرا لما أظهر لهم، فأخبر - عليه الصلاة والسلام - السائل عما كلفهم به لأنه أهم، وسكت عما أظهر لهم لأنه معلوم. وإنما قبل السائل يده لموافقته لما في التوراة، وقد علم أنه ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي، وقوله عليه الصلاة والسلام: " وعليكم، خاصة اليهود، ألا تعدوا " ، حكم مستأنف زائد على الجواب، ولذلك غير فيه سياق الكلام. قال تعالى: { فسل بني إسرائيل } أي: سل، يا محمد، بني إسرائيل المعاصرين لك عما ذكرنا من قصة موسى لتزداد يقينا وطمأنينة، أو: ليظهر صدقك لعامة الناس، أو: قلنا لموسى: سل بني إسرائيل من فرعون، أي: اطلبهم منه ليرسلهم معك، أو سل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك. ويؤيد هذا: قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فسال " على صيغة الماضي، بغير همز، وهي لغة قريش. { إذ جاءهم } أي: آتينا موسى تسع آيات حين جاءهم بالرسالة، أو قلنا له: سل بني إسرائيل حين جاءهم بالوحي. { فقال له فرعون } حين أظهر له ما آتيناه من الآيات، وبلغة ما أرسل به: { إني لأظنك يا موسى مسحورا } أي: سحرت فتخبط عقلك. { قال } له موسى: { لقد علمت } يا فرعون، { ما أنزل هؤلاء } الآيات التي ظهرت على يدي { إلا رب السماوات والأرض } خالقهما ومدبرهما، ولا يقدر عليها غيره، حال كونها { بصائر } بينات تبصرك صدقي، ولكنك تعاند وتكابر، وقد استيقنتها أنفسكم، فجحدتم ظلما وعلوا، { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } أي: مهلكا مقطوعا دابرك، أو مغلوبا مقهورا، أو مصروفا عن الخير. قابل موسى عليه السلام قول فرعون: { إني لأظنك يا موسى مسحورا } بقوله: { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } وشتان ما بين الظنين ظن فرعون إفك مبين، وظن موسى حق اليقين لأنه بوحي من رب العالمين، أو من تظاهر أماراته. { فأراد فرعون أن يستفزهم } أي: يستخفهم ويزعجهم { من الأرض } أرض مصر، { فأغرقناه ومن معه جميعا } فعكسنا عليه علمه ومكره، فاستفززناه وقومه من بلده بالإغراق. { وقلنا من بعده } من بعد إغراقه { لبني إسرائيل اسكنوا الأرض } التي أراد أن يستفزكم هو منها. أو أرض الشام. وهو الأظهر، إذ لم يصح أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بالسكنى. وانظر عند قوله: وأورثناها بني إسرائيل [الشعراء: 59] { فإذا جاء وعد الآخرة } أي: الحياة الآخرة، أو الدار الآخرة، أي: قيام الآخرة، { جئنا بكم لفيفا } مختلطين إياكم وإياهم، ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم. واللفيف: الجماعات من قبائل شتى. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينفع في أهل الحسد والعناد ظهور معجزة ولا آية، ولا يتوقف عليها من سبقت له العناية، لكنها تزيد تأييدا، وطمأنينة لأهل اليقين، وتزيد نفورا وعنادا، لأهل الحسد من المعاندين. وبالله التوفيق. ولما ذكر آية موسى ذكر آية نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وهو القرآن

الإسراء 17:105

قلت: تقديم المعمول، هو { بالحق }: يؤذن بالحصر. و { قرآنا }: مفعول بمحذوف يفسره ما بعده. يقول الحق جل جلاله: في شأن القرآن: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } أي: ما أنزلنا القرآن إلا ملتبسا بالحق، المقتضي لإنزاله، وما نزل إلا بالحق الذي اشتمل عليه من الأمر والنهي، والمعنى: أنزلناه حقا مشتملا على الحق. أو: ما أنزلناه من السماء إلا محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا من تخليط الشياطين. ولعل المراد: عدم اعتراء البطلان له أولا وآخرا. { وما أرسلناك إلا مبشرا } للمطيعين بالثواب، { ونذيرا } للعاصين بالعقاب، وهو تحقيق لحقية بعثه - عليه الصلاة والسلام - إثر تحقيق حقية إنزال القرآن. { وقرآنا فرقناه } أي: أنزلناه مفرقا منجما في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين. قال القشيري: فرق القرآن ليهون حفظه، ويكثر تردد الرسول عليه من ربه، وليكون نزوله في كل وقت، وفي كل حادثة وواقعة دليلا على أنه ليس مما أعانه عليه غيره. ه. { لتقرأه على الناس على مكث } على مهل وتؤدة وتثبت فإنه أيسر للحفظ، وأعون على الفهم، { ونزلناه تنزيلا } على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، والحوادث الواقعة. { قل } للذين كفروا: { آمنوا به أو لا تؤمنوا } ، فإن إيمانكم لا يزيده كمالا، وامتناعكم منه لا يزيده نقصانا. أو: أمر باحتقارهم وعدم الاكتراث بهم، كأنه يقول: سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا لأنكم لستم بحجة، وإنما الحجة لأهل العلم، وهم: المؤمنون من أهل الكتاب، الذين أشار إليهم بقوله: { إن الذين أوتوا العلم من قبله } أي: العلماء الذين قرأوا الكتب السالفة من قبل تنزيله، وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، { إذا يتلى عليهم } القرآن { يخرون للأذقان } أي: يسقطون على وجوههم { سجدا } تعظيما لأمر الله، أو شكرا لإنجازه ما وعد في تلك الكتب من نعتك، وإظهارك، وإنزال القرآن عليك. والأذقان: جمع ذقن، وهو: أسفل الوجه حيث اللحية. وخصها بالذكر لأنها أول ما تلقى في الأرض من وجه الساجد. والجملة: تعليل لما قبلها من قوله: { آمنوا به أو لا تؤمنوا } من عدم المبالاة. والمعنى: إن لم تؤمنوا فقد آمن من هو أعلى منكم وأحسن إيمانا منكم. ويجوز أن يكون تعليلا لقل، على سبيل التسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام -، كأنه يقول: تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة، ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم. { ويقولون } في سجودهم: { سبحان ربنا } عن خلف وعده { إن كان وعد ربنا لمفعولا } أي: إن الأمر والشأن كان وعد ربنا مفعولا لا محالة، { ويخرون للأذقان } كرره لاختلاف السبب، فإن الأول: لتعظيم الله وشكر إنجاز وعده. والثاني: لما أثر فيهم من مواعظ القرآن، { يبكون }: حال، أي: حال كونهم باكين من خشية الله، { ويزيدهم } القرآن { خشوعا } ، كما يزيدهم علما بالله تعالى. الإشارة: وبالحق أنزلناه، أي بالتعريف بأسرار الربوبية، وبالحق نزل لتعليم آداب العبودية. أو: بالحق أنزلناه، يعني: علم الحقيقة، وبالحق نزل علم الشريعة والطريقة. وما أرسلناك إلا مبشرا لأهل الإخلاص بالوصول والاختصاص، ونذيرا لأهل الخوض بالطرد والبعد. وقرآنا فرقناه، لتقرأه نيابة عنا، كي يسمعوه منا بلا واسطة، عند فناء الرسوم والأشكال، ونزلناه، للتعريف بنا تنزيلا، قل آمنوا به لتدخلوا حضرتنا، أو لا تؤمنوا، فإن أهل العلم بنا قائمون بحقه، خاشعون عند تلاوته، متنعمون بشهودنا عند سماعه منا. وبالله التوفيق. ولما كان القرآن مشتملا على أسماء كثيرة من أسماء الله الحسنى، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه: " يا الله، يا رحمن " ، قالوا: إنه ينهانا عن عبادة إلهين، وهو يدعو إلها آخر. وقالت اليهود: إنك لتقل ذكر الرحمن، وقد أكثر الله تعالى ذكره في التوراة، فأنزل الله ردا على الفريقين. { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى... } قلت: " أي " شرطية، و { ما }: زائدة تأكيدا لما في " أيا " من الإبهام، وتقدير المضاف: أي الأسماء تدعو به فأنت مصيب. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا ممد للمؤمنين: { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } نادوه بأيهما شئتم، أو سموه بأيهما أردتم. والمراد: إما التسوية بين اللفظين فإنهما عبارتان عن ذات واحد، وإن اختلف الاعتبار، والتوحيد إنما هو للذات، الذي هو المعبود بالحق، وإما أنهما سيان في حسن الإطلاق والوصول إلى المقصود، فلذلك قال: { أيا ما تدعو } أي اسم تدعو به تصب، { فله الأسماء الحسنى } فيكون الجواب محذوفا، دل عليه الكلام. وقيل: التقدير أيا ما تدعو به فهو حسن، فوضع موضعه: { فله الأسماء الحسنى } للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه إذ حسن جميع الأسماء يستدعي حسن ذينك الاسمين، وكونها حسنى لدلالتها على صفات الكمال من الجلال والجمال إذ كلها راجعة إلى حسن ذاتها، وكمالها جمالا وجلالا. قال في شرح المواقف: ورد في الصحيحين: " إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة " ، وليس فيها تعيين تلك الأسماء. لكن الترمذي والبيهقي عيناها. وهي الطريقة المشهورة، ورواية الترمذي: " الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ المصور، الغفار القهار، الوهاب الرزاق، الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف الخبير، الحليم العظيم، الغفور الشكور، العلي الكبير، الحفيظ المقيت، الحسيب الجليل، الكريم الرقيب، المجيب، الواسع الحكيم، الودود المجيد، الباعث الشهيد، الحق الوكيل، القوي المتين، الولي الحميد، المحصي المبدئ المعيد، المحيي المميت، الحي القيوم، الواجد الماجد، الواحد، الأحد الصمد، القادر المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعالي، البر التواب، المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغني المغني المانع، الضار النافع، النور الهادي، البديع الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور ". وقد ورد التوقيف بغيرها، أما في القرآن فكالمولى، والنصير والغالب، والقاهر والقريب، والرب والأعلى، والناصر والأكرم، وأحسن الخالقين، وأرحم الراحمين، وذي الطول، وذي القوة، وذي المعارج، وغير ذلك. وأما في الحديث، فكالمنان، والحنان، وقد ورد في رواية ابن ماجة أسماء ليست في الرواية المشهورة كالقائم، والقديم، والوتر، والشديد، والكافي، وغيرها. وإحصاؤها: إما حفظها لأنه إما يحصل بتكرار مجموعها وتعدادها مرارا، وإما ضبطها حصرا وعلما وإيمانا وقياما بحقوقها، وإما تعلقا وتخلقا وتحققا. وقد ذكرنا في شرح الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها. وفي ابن حجر: أن أسماء الله مائة، استأثر الله بواحد، وهو الاسم الأعظم، فلم يطلع عليه أحدا، فكأنه قيل: مائة لكن واحد منها عند الله. وقال غيره: ليس الاسم الذي يكمل المائة مخفيا، بل هو الجلالة. وممن جزم بذلك البيهقي، فقال: الأسماء الحسنى مائة، على عدد درجات الجنة، والذي يكمل المائة: " الله " ، ويؤيده قوله تعالى: ولله الأسمآء الحسنى [الأعراف: 180]. فالتسعة والتسعون لله فهي زائدة عليه وبه تكمل المائة. ه. قلت: ولعله ذكر اسما آخر يكمل التسعة والتسعين. وإلا فهو مذكور في الرواية المتقدمة من التسعة والتسعين. والله تعالى أعلم. الإشارة: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } ، قال الورتجبي: إن الله سبحانه دعا عباده إلى معرفة الاسمين الخاصين، الذين فيهما أسرار جميع الأسماء والصفات والذات، والنعوت والأفعال فالله اسمه، وهو اسم عين جمع الجمع، والرحمن اسم عين الجمع فالرحمن مندرج تحت اسمه: " الله " لأنه عين الكل، وإذا قلت: الله ذكرت عين الكل. ثم قال: وإذا قال " الله " يفنى الكل، وإذا قال: " الرحمن " يبقى الكل، من حيث الاتصاف والاتحاد، فالاتصاف بالرحمانية يكون، والاتحاد بالألوهية يكون. ثم قال: عن الأستاذ: من عظيم نعمه سبحانه على أوليائه: أنه ينزههم بأسرارهم في رياض ذكره بتعداد أسمائه الحسنى، فيتنقلون من روضة إلى روضة، ومن مأنس إلى مأنس، ويقال: الأغنياء تنزههم في بساتينهم، وتنزههم في منابت رياحينهم. والفقراء تنزههم في مشاهد تسبيحهم، ويستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله. ه. قلت: والعارفون تنزههم في مشاهدة أسرار محبوبهم، وما يكشف لهم من روض جماله وجلاله. وبالله التوفيق. ثم أمر باخفاء قراءته عن المشركين

الإسراء 17:106

قلت: تقديم المعمول، هو { بالحق }: يؤذن بالحصر. و { قرآنا }: مفعول بمحذوف يفسره ما بعده. يقول الحق جل جلاله: في شأن القرآن: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } أي: ما أنزلنا القرآن إلا ملتبسا بالحق، المقتضي لإنزاله، وما نزل إلا بالحق الذي اشتمل عليه من الأمر والنهي، والمعنى: أنزلناه حقا مشتملا على الحق. أو: ما أنزلناه من السماء إلا محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا من تخليط الشياطين. ولعل المراد: عدم اعتراء البطلان له أولا وآخرا. { وما أرسلناك إلا مبشرا } للمطيعين بالثواب، { ونذيرا } للعاصين بالعقاب، وهو تحقيق لحقية بعثه - عليه الصلاة والسلام - إثر تحقيق حقية إنزال القرآن. { وقرآنا فرقناه } أي: أنزلناه مفرقا منجما في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين. قال القشيري: فرق القرآن ليهون حفظه، ويكثر تردد الرسول عليه من ربه، وليكون نزوله في كل وقت، وفي كل حادثة وواقعة دليلا على أنه ليس مما أعانه عليه غيره. ه. { لتقرأه على الناس على مكث } على مهل وتؤدة وتثبت فإنه أيسر للحفظ، وأعون على الفهم، { ونزلناه تنزيلا } على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، والحوادث الواقعة. { قل } للذين كفروا: { آمنوا به أو لا تؤمنوا } ، فإن إيمانكم لا يزيده كمالا، وامتناعكم منه لا يزيده نقصانا. أو: أمر باحتقارهم وعدم الاكتراث بهم، كأنه يقول: سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا لأنكم لستم بحجة، وإنما الحجة لأهل العلم، وهم: المؤمنون من أهل الكتاب، الذين أشار إليهم بقوله: { إن الذين أوتوا العلم من قبله } أي: العلماء الذين قرأوا الكتب السالفة من قبل تنزيله، وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، { إذا يتلى عليهم } القرآن { يخرون للأذقان } أي: يسقطون على وجوههم { سجدا } تعظيما لأمر الله، أو شكرا لإنجازه ما وعد في تلك الكتب من نعتك، وإظهارك، وإنزال القرآن عليك. والأذقان: جمع ذقن، وهو: أسفل الوجه حيث اللحية. وخصها بالذكر لأنها أول ما تلقى في الأرض من وجه الساجد. والجملة: تعليل لما قبلها من قوله: { آمنوا به أو لا تؤمنوا } من عدم المبالاة. والمعنى: إن لم تؤمنوا فقد آمن من هو أعلى منكم وأحسن إيمانا منكم. ويجوز أن يكون تعليلا لقل، على سبيل التسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام -، كأنه يقول: تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة، ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم. { ويقولون } في سجودهم: { سبحان ربنا } عن خلف وعده { إن كان وعد ربنا لمفعولا } أي: إن الأمر والشأن كان وعد ربنا مفعولا لا محالة، { ويخرون للأذقان } كرره لاختلاف السبب، فإن الأول: لتعظيم الله وشكر إنجاز وعده. والثاني: لما أثر فيهم من مواعظ القرآن، { يبكون }: حال، أي: حال كونهم باكين من خشية الله، { ويزيدهم } القرآن { خشوعا } ، كما يزيدهم علما بالله تعالى. الإشارة: وبالحق أنزلناه، أي بالتعريف بأسرار الربوبية، وبالحق نزل لتعليم آداب العبودية. أو: بالحق أنزلناه، يعني: علم الحقيقة، وبالحق نزل علم الشريعة والطريقة. وما أرسلناك إلا مبشرا لأهل الإخلاص بالوصول والاختصاص، ونذيرا لأهل الخوض بالطرد والبعد. وقرآنا فرقناه، لتقرأه نيابة عنا، كي يسمعوه منا بلا واسطة، عند فناء الرسوم والأشكال، ونزلناه، للتعريف بنا تنزيلا، قل آمنوا به لتدخلوا حضرتنا، أو لا تؤمنوا، فإن أهل العلم بنا قائمون بحقه، خاشعون عند تلاوته، متنعمون بشهودنا عند سماعه منا. وبالله التوفيق. ولما كان القرآن مشتملا على أسماء كثيرة من أسماء الله الحسنى، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه: " يا الله، يا رحمن " ، قالوا: إنه ينهانا عن عبادة إلهين، وهو يدعو إلها آخر. وقالت اليهود: إنك لتقل ذكر الرحمن، وقد أكثر الله تعالى ذكره في التوراة، فأنزل الله ردا على الفريقين. { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى... } قلت: " أي " شرطية، و { ما }: زائدة تأكيدا لما في " أيا " من الإبهام، وتقدير المضاف: أي الأسماء تدعو به فأنت مصيب. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا ممد للمؤمنين: { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } نادوه بأيهما شئتم، أو سموه بأيهما أردتم. والمراد: إما التسوية بين اللفظين فإنهما عبارتان عن ذات واحد، وإن اختلف الاعتبار، والتوحيد إنما هو للذات، الذي هو المعبود بالحق، وإما أنهما سيان في حسن الإطلاق والوصول إلى المقصود، فلذلك قال: { أيا ما تدعو } أي اسم تدعو به تصب، { فله الأسماء الحسنى } فيكون الجواب محذوفا، دل عليه الكلام. وقيل: التقدير أيا ما تدعو به فهو حسن، فوضع موضعه: { فله الأسماء الحسنى } للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه إذ حسن جميع الأسماء يستدعي حسن ذينك الاسمين، وكونها حسنى لدلالتها على صفات الكمال من الجلال والجمال إذ كلها راجعة إلى حسن ذاتها، وكمالها جمالا وجلالا. قال في شرح المواقف: ورد في الصحيحين: " إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة " ، وليس فيها تعيين تلك الأسماء. لكن الترمذي والبيهقي عيناها. وهي الطريقة المشهورة، ورواية الترمذي: " الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ المصور، الغفار القهار، الوهاب الرزاق، الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف الخبير، الحليم العظيم، الغفور الشكور، العلي الكبير، الحفيظ المقيت، الحسيب الجليل، الكريم الرقيب، المجيب، الواسع الحكيم، الودود المجيد، الباعث الشهيد، الحق الوكيل، القوي المتين، الولي الحميد، المحصي المبدئ المعيد، المحيي المميت، الحي القيوم، الواجد الماجد، الواحد، الأحد الصمد، القادر المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعالي، البر التواب، المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغني المغني المانع، الضار النافع، النور الهادي، البديع الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور ". وقد ورد التوقيف بغيرها، أما في القرآن فكالمولى، والنصير والغالب، والقاهر والقريب، والرب والأعلى، والناصر والأكرم، وأحسن الخالقين، وأرحم الراحمين، وذي الطول، وذي القوة، وذي المعارج، وغير ذلك. وأما في الحديث، فكالمنان، والحنان، وقد ورد في رواية ابن ماجة أسماء ليست في الرواية المشهورة كالقائم، والقديم، والوتر، والشديد، والكافي، وغيرها. وإحصاؤها: إما حفظها لأنه إما يحصل بتكرار مجموعها وتعدادها مرارا، وإما ضبطها حصرا وعلما وإيمانا وقياما بحقوقها، وإما تعلقا وتخلقا وتحققا. وقد ذكرنا في شرح الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها. وفي ابن حجر: أن أسماء الله مائة، استأثر الله بواحد، وهو الاسم الأعظم، فلم يطلع عليه أحدا، فكأنه قيل: مائة لكن واحد منها عند الله. وقال غيره: ليس الاسم الذي يكمل المائة مخفيا، بل هو الجلالة. وممن جزم بذلك البيهقي، فقال: الأسماء الحسنى مائة، على عدد درجات الجنة، والذي يكمل المائة: " الله " ، ويؤيده قوله تعالى: ولله الأسمآء الحسنى [الأعراف: 180]. فالتسعة والتسعون لله فهي زائدة عليه وبه تكمل المائة. ه. قلت: ولعله ذكر اسما آخر يكمل التسعة والتسعين. وإلا فهو مذكور في الرواية المتقدمة من التسعة والتسعين. والله تعالى أعلم. الإشارة: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } ، قال الورتجبي: إن الله سبحانه دعا عباده إلى معرفة الاسمين الخاصين، الذين فيهما أسرار جميع الأسماء والصفات والذات، والنعوت والأفعال فالله اسمه، وهو اسم عين جمع الجمع، والرحمن اسم عين الجمع فالرحمن مندرج تحت اسمه: " الله " لأنه عين الكل، وإذا قلت: الله ذكرت عين الكل. ثم قال: وإذا قال " الله " يفنى الكل، وإذا قال: " الرحمن " يبقى الكل، من حيث الاتصاف والاتحاد، فالاتصاف بالرحمانية يكون، والاتحاد بالألوهية يكون. ثم قال: عن الأستاذ: من عظيم نعمه سبحانه على أوليائه: أنه ينزههم بأسرارهم في رياض ذكره بتعداد أسمائه الحسنى، فيتنقلون من روضة إلى روضة، ومن مأنس إلى مأنس، ويقال: الأغنياء تنزههم في بساتينهم، وتنزههم في منابت رياحينهم. والفقراء تنزههم في مشاهد تسبيحهم، ويستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله. ه. قلت: والعارفون تنزههم في مشاهدة أسرار محبوبهم، وما يكشف لهم من روض جماله وجلاله. وبالله التوفيق. ثم أمر باخفاء قراءته عن المشركين

الإسراء 17:107

قلت: تقديم المعمول، هو { بالحق }: يؤذن بالحصر. و { قرآنا }: مفعول بمحذوف يفسره ما بعده. يقول الحق جل جلاله: في شأن القرآن: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } أي: ما أنزلنا القرآن إلا ملتبسا بالحق، المقتضي لإنزاله، وما نزل إلا بالحق الذي اشتمل عليه من الأمر والنهي، والمعنى: أنزلناه حقا مشتملا على الحق. أو: ما أنزلناه من السماء إلا محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا من تخليط الشياطين. ولعل المراد: عدم اعتراء البطلان له أولا وآخرا. { وما أرسلناك إلا مبشرا } للمطيعين بالثواب، { ونذيرا } للعاصين بالعقاب، وهو تحقيق لحقية بعثه - عليه الصلاة والسلام - إثر تحقيق حقية إنزال القرآن. { وقرآنا فرقناه } أي: أنزلناه مفرقا منجما في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين. قال القشيري: فرق القرآن ليهون حفظه، ويكثر تردد الرسول عليه من ربه، وليكون نزوله في كل وقت، وفي كل حادثة وواقعة دليلا على أنه ليس مما أعانه عليه غيره. ه. { لتقرأه على الناس على مكث } على مهل وتؤدة وتثبت فإنه أيسر للحفظ، وأعون على الفهم، { ونزلناه تنزيلا } على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، والحوادث الواقعة. { قل } للذين كفروا: { آمنوا به أو لا تؤمنوا } ، فإن إيمانكم لا يزيده كمالا، وامتناعكم منه لا يزيده نقصانا. أو: أمر باحتقارهم وعدم الاكتراث بهم، كأنه يقول: سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا لأنكم لستم بحجة، وإنما الحجة لأهل العلم، وهم: المؤمنون من أهل الكتاب، الذين أشار إليهم بقوله: { إن الذين أوتوا العلم من قبله } أي: العلماء الذين قرأوا الكتب السالفة من قبل تنزيله، وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، { إذا يتلى عليهم } القرآن { يخرون للأذقان } أي: يسقطون على وجوههم { سجدا } تعظيما لأمر الله، أو شكرا لإنجازه ما وعد في تلك الكتب من نعتك، وإظهارك، وإنزال القرآن عليك. والأذقان: جمع ذقن، وهو: أسفل الوجه حيث اللحية. وخصها بالذكر لأنها أول ما تلقى في الأرض من وجه الساجد. والجملة: تعليل لما قبلها من قوله: { آمنوا به أو لا تؤمنوا } من عدم المبالاة. والمعنى: إن لم تؤمنوا فقد آمن من هو أعلى منكم وأحسن إيمانا منكم. ويجوز أن يكون تعليلا لقل، على سبيل التسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام -، كأنه يقول: تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة، ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم. { ويقولون } في سجودهم: { سبحان ربنا } عن خلف وعده { إن كان وعد ربنا لمفعولا } أي: إن الأمر والشأن كان وعد ربنا مفعولا لا محالة، { ويخرون للأذقان } كرره لاختلاف السبب، فإن الأول: لتعظيم الله وشكر إنجاز وعده. والثاني: لما أثر فيهم من مواعظ القرآن، { يبكون }: حال، أي: حال كونهم باكين من خشية الله، { ويزيدهم } القرآن { خشوعا } ، كما يزيدهم علما بالله تعالى. الإشارة: وبالحق أنزلناه، أي بالتعريف بأسرار الربوبية، وبالحق نزل لتعليم آداب العبودية. أو: بالحق أنزلناه، يعني: علم الحقيقة، وبالحق نزل علم الشريعة والطريقة. وما أرسلناك إلا مبشرا لأهل الإخلاص بالوصول والاختصاص، ونذيرا لأهل الخوض بالطرد والبعد. وقرآنا فرقناه، لتقرأه نيابة عنا، كي يسمعوه منا بلا واسطة، عند فناء الرسوم والأشكال، ونزلناه، للتعريف بنا تنزيلا، قل آمنوا به لتدخلوا حضرتنا، أو لا تؤمنوا، فإن أهل العلم بنا قائمون بحقه، خاشعون عند تلاوته، متنعمون بشهودنا عند سماعه منا. وبالله التوفيق. ولما كان القرآن مشتملا على أسماء كثيرة من أسماء الله الحسنى، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه: " يا الله، يا رحمن " ، قالوا: إنه ينهانا عن عبادة إلهين، وهو يدعو إلها آخر. وقالت اليهود: إنك لتقل ذكر الرحمن، وقد أكثر الله تعالى ذكره في التوراة، فأنزل الله ردا على الفريقين. { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى... } قلت: " أي " شرطية، و { ما }: زائدة تأكيدا لما في " أيا " من الإبهام، وتقدير المضاف: أي الأسماء تدعو به فأنت مصيب. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا ممد للمؤمنين: { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } نادوه بأيهما شئتم، أو سموه بأيهما أردتم. والمراد: إما التسوية بين اللفظين فإنهما عبارتان عن ذات واحد، وإن اختلف الاعتبار، والتوحيد إنما هو للذات، الذي هو المعبود بالحق، وإما أنهما سيان في حسن الإطلاق والوصول إلى المقصود، فلذلك قال: { أيا ما تدعو } أي اسم تدعو به تصب، { فله الأسماء الحسنى } فيكون الجواب محذوفا، دل عليه الكلام. وقيل: التقدير أيا ما تدعو به فهو حسن، فوضع موضعه: { فله الأسماء الحسنى } للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه إذ حسن جميع الأسماء يستدعي حسن ذينك الاسمين، وكونها حسنى لدلالتها على صفات الكمال من الجلال والجمال إذ كلها راجعة إلى حسن ذاتها، وكمالها جمالا وجلالا. قال في شرح المواقف: ورد في الصحيحين: " إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة " ، وليس فيها تعيين تلك الأسماء. لكن الترمذي والبيهقي عيناها. وهي الطريقة المشهورة، ورواية الترمذي: " الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ المصور، الغفار القهار، الوهاب الرزاق، الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف الخبير، الحليم العظيم، الغفور الشكور، العلي الكبير، الحفيظ المقيت، الحسيب الجليل، الكريم الرقيب، المجيب، الواسع الحكيم، الودود المجيد، الباعث الشهيد، الحق الوكيل، القوي المتين، الولي الحميد، المحصي المبدئ المعيد، المحيي المميت، الحي القيوم، الواجد الماجد، الواحد، الأحد الصمد، القادر المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعالي، البر التواب، المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغني المغني المانع، الضار النافع، النور الهادي، البديع الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور ". وقد ورد التوقيف بغيرها، أما في القرآن فكالمولى، والنصير والغالب، والقاهر والقريب، والرب والأعلى، والناصر والأكرم، وأحسن الخالقين، وأرحم الراحمين، وذي الطول، وذي القوة، وذي المعارج، وغير ذلك. وأما في الحديث، فكالمنان، والحنان، وقد ورد في رواية ابن ماجة أسماء ليست في الرواية المشهورة كالقائم، والقديم، والوتر، والشديد، والكافي، وغيرها. وإحصاؤها: إما حفظها لأنه إما يحصل بتكرار مجموعها وتعدادها مرارا، وإما ضبطها حصرا وعلما وإيمانا وقياما بحقوقها، وإما تعلقا وتخلقا وتحققا. وقد ذكرنا في شرح الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها. وفي ابن حجر: أن أسماء الله مائة، استأثر الله بواحد، وهو الاسم الأعظم، فلم يطلع عليه أحدا، فكأنه قيل: مائة لكن واحد منها عند الله. وقال غيره: ليس الاسم الذي يكمل المائة مخفيا، بل هو الجلالة. وممن جزم بذلك البيهقي، فقال: الأسماء الحسنى مائة، على عدد درجات الجنة، والذي يكمل المائة: " الله " ، ويؤيده قوله تعالى: ولله الأسمآء الحسنى [الأعراف: 180]. فالتسعة والتسعون لله فهي زائدة عليه وبه تكمل المائة. ه. قلت: ولعله ذكر اسما آخر يكمل التسعة والتسعين. وإلا فهو مذكور في الرواية المتقدمة من التسعة والتسعين. والله تعالى أعلم. الإشارة: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } ، قال الورتجبي: إن الله سبحانه دعا عباده إلى معرفة الاسمين الخاصين، الذين فيهما أسرار جميع الأسماء والصفات والذات، والنعوت والأفعال فالله اسمه، وهو اسم عين جمع الجمع، والرحمن اسم عين الجمع فالرحمن مندرج تحت اسمه: " الله " لأنه عين الكل، وإذا قلت: الله ذكرت عين الكل. ثم قال: وإذا قال " الله " يفنى الكل، وإذا قال: " الرحمن " يبقى الكل، من حيث الاتصاف والاتحاد، فالاتصاف بالرحمانية يكون، والاتحاد بالألوهية يكون. ثم قال: عن الأستاذ: من عظيم نعمه سبحانه على أوليائه: أنه ينزههم بأسرارهم في رياض ذكره بتعداد أسمائه الحسنى، فيتنقلون من روضة إلى روضة، ومن مأنس إلى مأنس، ويقال: الأغنياء تنزههم في بساتينهم، وتنزههم في منابت رياحينهم. والفقراء تنزههم في مشاهد تسبيحهم، ويستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله. ه. قلت: والعارفون تنزههم في مشاهدة أسرار محبوبهم، وما يكشف لهم من روض جماله وجلاله. وبالله التوفيق. ثم أمر باخفاء قراءته عن المشركين

الإسراء 17:108

قلت: تقديم المعمول، هو { بالحق }: يؤذن بالحصر. و { قرآنا }: مفعول بمحذوف يفسره ما بعده. يقول الحق جل جلاله: في شأن القرآن: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } أي: ما أنزلنا القرآن إلا ملتبسا بالحق، المقتضي لإنزاله، وما نزل إلا بالحق الذي اشتمل عليه من الأمر والنهي، والمعنى: أنزلناه حقا مشتملا على الحق. أو: ما أنزلناه من السماء إلا محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا من تخليط الشياطين. ولعل المراد: عدم اعتراء البطلان له أولا وآخرا. { وما أرسلناك إلا مبشرا } للمطيعين بالثواب، { ونذيرا } للعاصين بالعقاب، وهو تحقيق لحقية بعثه - عليه الصلاة والسلام - إثر تحقيق حقية إنزال القرآن. { وقرآنا فرقناه } أي: أنزلناه مفرقا منجما في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين. قال القشيري: فرق القرآن ليهون حفظه، ويكثر تردد الرسول عليه من ربه، وليكون نزوله في كل وقت، وفي كل حادثة وواقعة دليلا على أنه ليس مما أعانه عليه غيره. ه. { لتقرأه على الناس على مكث } على مهل وتؤدة وتثبت فإنه أيسر للحفظ، وأعون على الفهم، { ونزلناه تنزيلا } على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، والحوادث الواقعة. { قل } للذين كفروا: { آمنوا به أو لا تؤمنوا } ، فإن إيمانكم لا يزيده كمالا، وامتناعكم منه لا يزيده نقصانا. أو: أمر باحتقارهم وعدم الاكتراث بهم، كأنه يقول: سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا لأنكم لستم بحجة، وإنما الحجة لأهل العلم، وهم: المؤمنون من أهل الكتاب، الذين أشار إليهم بقوله: { إن الذين أوتوا العلم من قبله } أي: العلماء الذين قرأوا الكتب السالفة من قبل تنزيله، وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، { إذا يتلى عليهم } القرآن { يخرون للأذقان } أي: يسقطون على وجوههم { سجدا } تعظيما لأمر الله، أو شكرا لإنجازه ما وعد في تلك الكتب من نعتك، وإظهارك، وإنزال القرآن عليك. والأذقان: جمع ذقن، وهو: أسفل الوجه حيث اللحية. وخصها بالذكر لأنها أول ما تلقى في الأرض من وجه الساجد. والجملة: تعليل لما قبلها من قوله: { آمنوا به أو لا تؤمنوا } من عدم المبالاة. والمعنى: إن لم تؤمنوا فقد آمن من هو أعلى منكم وأحسن إيمانا منكم. ويجوز أن يكون تعليلا لقل، على سبيل التسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام -، كأنه يقول: تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة، ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم. { ويقولون } في سجودهم: { سبحان ربنا } عن خلف وعده { إن كان وعد ربنا لمفعولا } أي: إن الأمر والشأن كان وعد ربنا مفعولا لا محالة، { ويخرون للأذقان } كرره لاختلاف السبب، فإن الأول: لتعظيم الله وشكر إنجاز وعده. والثاني: لما أثر فيهم من مواعظ القرآن، { يبكون }: حال، أي: حال كونهم باكين من خشية الله، { ويزيدهم } القرآن { خشوعا } ، كما يزيدهم علما بالله تعالى. الإشارة: وبالحق أنزلناه، أي بالتعريف بأسرار الربوبية، وبالحق نزل لتعليم آداب العبودية. أو: بالحق أنزلناه، يعني: علم الحقيقة، وبالحق نزل علم الشريعة والطريقة. وما أرسلناك إلا مبشرا لأهل الإخلاص بالوصول والاختصاص، ونذيرا لأهل الخوض بالطرد والبعد. وقرآنا فرقناه، لتقرأه نيابة عنا، كي يسمعوه منا بلا واسطة، عند فناء الرسوم والأشكال، ونزلناه، للتعريف بنا تنزيلا، قل آمنوا به لتدخلوا حضرتنا، أو لا تؤمنوا، فإن أهل العلم بنا قائمون بحقه، خاشعون عند تلاوته، متنعمون بشهودنا عند سماعه منا. وبالله التوفيق. ولما كان القرآن مشتملا على أسماء كثيرة من أسماء الله الحسنى، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه: " يا الله، يا رحمن " ، قالوا: إنه ينهانا عن عبادة إلهين، وهو يدعو إلها آخر. وقالت اليهود: إنك لتقل ذكر الرحمن، وقد أكثر الله تعالى ذكره في التوراة، فأنزل الله ردا على الفريقين. { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى... } قلت: " أي " شرطية، و { ما }: زائدة تأكيدا لما في " أيا " من الإبهام، وتقدير المضاف: أي الأسماء تدعو به فأنت مصيب. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا ممد للمؤمنين: { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } نادوه بأيهما شئتم، أو سموه بأيهما أردتم. والمراد: إما التسوية بين اللفظين فإنهما عبارتان عن ذات واحد، وإن اختلف الاعتبار، والتوحيد إنما هو للذات، الذي هو المعبود بالحق، وإما أنهما سيان في حسن الإطلاق والوصول إلى المقصود، فلذلك قال: { أيا ما تدعو } أي اسم تدعو به تصب، { فله الأسماء الحسنى } فيكون الجواب محذوفا، دل عليه الكلام. وقيل: التقدير أيا ما تدعو به فهو حسن، فوضع موضعه: { فله الأسماء الحسنى } للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه إذ حسن جميع الأسماء يستدعي حسن ذينك الاسمين، وكونها حسنى لدلالتها على صفات الكمال من الجلال والجمال إذ كلها راجعة إلى حسن ذاتها، وكمالها جمالا وجلالا. قال في شرح المواقف: ورد في الصحيحين: " إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة " ، وليس فيها تعيين تلك الأسماء. لكن الترمذي والبيهقي عيناها. وهي الطريقة المشهورة، ورواية الترمذي: " الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ المصور، الغفار القهار، الوهاب الرزاق، الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف الخبير، الحليم العظيم، الغفور الشكور، العلي الكبير، الحفيظ المقيت، الحسيب الجليل، الكريم الرقيب، المجيب، الواسع الحكيم، الودود المجيد، الباعث الشهيد، الحق الوكيل، القوي المتين، الولي الحميد، المحصي المبدئ المعيد، المحيي المميت، الحي القيوم، الواجد الماجد، الواحد، الأحد الصمد، القادر المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعالي، البر التواب، المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغني المغني المانع، الضار النافع، النور الهادي، البديع الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور ". وقد ورد التوقيف بغيرها، أما في القرآن فكالمولى، والنصير والغالب، والقاهر والقريب، والرب والأعلى، والناصر والأكرم، وأحسن الخالقين، وأرحم الراحمين، وذي الطول، وذي القوة، وذي المعارج، وغير ذلك. وأما في الحديث، فكالمنان، والحنان، وقد ورد في رواية ابن ماجة أسماء ليست في الرواية المشهورة كالقائم، والقديم، والوتر، والشديد، والكافي، وغيرها. وإحصاؤها: إما حفظها لأنه إما يحصل بتكرار مجموعها وتعدادها مرارا، وإما ضبطها حصرا وعلما وإيمانا وقياما بحقوقها، وإما تعلقا وتخلقا وتحققا. وقد ذكرنا في شرح الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها. وفي ابن حجر: أن أسماء الله مائة، استأثر الله بواحد، وهو الاسم الأعظم، فلم يطلع عليه أحدا، فكأنه قيل: مائة لكن واحد منها عند الله. وقال غيره: ليس الاسم الذي يكمل المائة مخفيا، بل هو الجلالة. وممن جزم بذلك البيهقي، فقال: الأسماء الحسنى مائة، على عدد درجات الجنة، والذي يكمل المائة: " الله " ، ويؤيده قوله تعالى: ولله الأسمآء الحسنى [الأعراف: 180]. فالتسعة والتسعون لله فهي زائدة عليه وبه تكمل المائة. ه. قلت: ولعله ذكر اسما آخر يكمل التسعة والتسعين. وإلا فهو مذكور في الرواية المتقدمة من التسعة والتسعين. والله تعالى أعلم. الإشارة: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } ، قال الورتجبي: إن الله سبحانه دعا عباده إلى معرفة الاسمين الخاصين، الذين فيهما أسرار جميع الأسماء والصفات والذات، والنعوت والأفعال فالله اسمه، وهو اسم عين جمع الجمع، والرحمن اسم عين الجمع فالرحمن مندرج تحت اسمه: " الله " لأنه عين الكل، وإذا قلت: الله ذكرت عين الكل. ثم قال: وإذا قال " الله " يفنى الكل، وإذا قال: " الرحمن " يبقى الكل، من حيث الاتصاف والاتحاد، فالاتصاف بالرحمانية يكون، والاتحاد بالألوهية يكون. ثم قال: عن الأستاذ: من عظيم نعمه سبحانه على أوليائه: أنه ينزههم بأسرارهم في رياض ذكره بتعداد أسمائه الحسنى، فيتنقلون من روضة إلى روضة، ومن مأنس إلى مأنس، ويقال: الأغنياء تنزههم في بساتينهم، وتنزههم في منابت رياحينهم. والفقراء تنزههم في مشاهد تسبيحهم، ويستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله. ه. قلت: والعارفون تنزههم في مشاهدة أسرار محبوبهم، وما يكشف لهم من روض جماله وجلاله. وبالله التوفيق. ثم أمر باخفاء قراءته عن المشركين

الإسراء 17:109

قلت: تقديم المعمول، هو { بالحق }: يؤذن بالحصر. و { قرآنا }: مفعول بمحذوف يفسره ما بعده. يقول الحق جل جلاله: في شأن القرآن: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } أي: ما أنزلنا القرآن إلا ملتبسا بالحق، المقتضي لإنزاله، وما نزل إلا بالحق الذي اشتمل عليه من الأمر والنهي، والمعنى: أنزلناه حقا مشتملا على الحق. أو: ما أنزلناه من السماء إلا محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا من تخليط الشياطين. ولعل المراد: عدم اعتراء البطلان له أولا وآخرا. { وما أرسلناك إلا مبشرا } للمطيعين بالثواب، { ونذيرا } للعاصين بالعقاب، وهو تحقيق لحقية بعثه - عليه الصلاة والسلام - إثر تحقيق حقية إنزال القرآن. { وقرآنا فرقناه } أي: أنزلناه مفرقا منجما في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين. قال القشيري: فرق القرآن ليهون حفظه، ويكثر تردد الرسول عليه من ربه، وليكون نزوله في كل وقت، وفي كل حادثة وواقعة دليلا على أنه ليس مما أعانه عليه غيره. ه. { لتقرأه على الناس على مكث } على مهل وتؤدة وتثبت فإنه أيسر للحفظ، وأعون على الفهم، { ونزلناه تنزيلا } على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، والحوادث الواقعة. { قل } للذين كفروا: { آمنوا به أو لا تؤمنوا } ، فإن إيمانكم لا يزيده كمالا، وامتناعكم منه لا يزيده نقصانا. أو: أمر باحتقارهم وعدم الاكتراث بهم، كأنه يقول: سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا لأنكم لستم بحجة، وإنما الحجة لأهل العلم، وهم: المؤمنون من أهل الكتاب، الذين أشار إليهم بقوله: { إن الذين أوتوا العلم من قبله } أي: العلماء الذين قرأوا الكتب السالفة من قبل تنزيله، وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، { إذا يتلى عليهم } القرآن { يخرون للأذقان } أي: يسقطون على وجوههم { سجدا } تعظيما لأمر الله، أو شكرا لإنجازه ما وعد في تلك الكتب من نعتك، وإظهارك، وإنزال القرآن عليك. والأذقان: جمع ذقن، وهو: أسفل الوجه حيث اللحية. وخصها بالذكر لأنها أول ما تلقى في الأرض من وجه الساجد. والجملة: تعليل لما قبلها من قوله: { آمنوا به أو لا تؤمنوا } من عدم المبالاة. والمعنى: إن لم تؤمنوا فقد آمن من هو أعلى منكم وأحسن إيمانا منكم. ويجوز أن يكون تعليلا لقل، على سبيل التسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام -، كأنه يقول: تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة، ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم. { ويقولون } في سجودهم: { سبحان ربنا } عن خلف وعده { إن كان وعد ربنا لمفعولا } أي: إن الأمر والشأن كان وعد ربنا مفعولا لا محالة، { ويخرون للأذقان } كرره لاختلاف السبب، فإن الأول: لتعظيم الله وشكر إنجاز وعده. والثاني: لما أثر فيهم من مواعظ القرآن، { يبكون }: حال، أي: حال كونهم باكين من خشية الله، { ويزيدهم } القرآن { خشوعا } ، كما يزيدهم علما بالله تعالى. الإشارة: وبالحق أنزلناه، أي بالتعريف بأسرار الربوبية، وبالحق نزل لتعليم آداب العبودية. أو: بالحق أنزلناه، يعني: علم الحقيقة، وبالحق نزل علم الشريعة والطريقة. وما أرسلناك إلا مبشرا لأهل الإخلاص بالوصول والاختصاص، ونذيرا لأهل الخوض بالطرد والبعد. وقرآنا فرقناه، لتقرأه نيابة عنا، كي يسمعوه منا بلا واسطة، عند فناء الرسوم والأشكال، ونزلناه، للتعريف بنا تنزيلا، قل آمنوا به لتدخلوا حضرتنا، أو لا تؤمنوا، فإن أهل العلم بنا قائمون بحقه، خاشعون عند تلاوته، متنعمون بشهودنا عند سماعه منا. وبالله التوفيق. ولما كان القرآن مشتملا على أسماء كثيرة من أسماء الله الحسنى، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه: " يا الله، يا رحمن " ، قالوا: إنه ينهانا عن عبادة إلهين، وهو يدعو إلها آخر. وقالت اليهود: إنك لتقل ذكر الرحمن، وقد أكثر الله تعالى ذكره في التوراة، فأنزل الله ردا على الفريقين. { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى... } قلت: " أي " شرطية، و { ما }: زائدة تأكيدا لما في " أيا " من الإبهام، وتقدير المضاف: أي الأسماء تدعو به فأنت مصيب. يقول الحق جل جلاله: { قل } يا ممد للمؤمنين: { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } نادوه بأيهما شئتم، أو سموه بأيهما أردتم. والمراد: إما التسوية بين اللفظين فإنهما عبارتان عن ذات واحد، وإن اختلف الاعتبار، والتوحيد إنما هو للذات، الذي هو المعبود بالحق، وإما أنهما سيان في حسن الإطلاق والوصول إلى المقصود، فلذلك قال: { أيا ما تدعو } أي اسم تدعو به تصب، { فله الأسماء الحسنى } فيكون الجواب محذوفا، دل عليه الكلام. وقيل: التقدير أيا ما تدعو به فهو حسن، فوضع موضعه: { فله الأسماء الحسنى } للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه إذ حسن جميع الأسماء يستدعي حسن ذينك الاسمين، وكونها حسنى لدلالتها على صفات الكمال من الجلال والجمال إذ كلها راجعة إلى حسن ذاتها، وكمالها جمالا وجلالا. قال في شرح المواقف: ورد في الصحيحين: " إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة " ، وليس فيها تعيين تلك الأسماء. لكن الترمذي والبيهقي عيناها. وهي الطريقة المشهورة، ورواية الترمذي: " الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ المصور، الغفار القهار، الوهاب الرزاق، الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف الخبير، الحليم العظيم، الغفور الشكور، العلي الكبير، الحفيظ المقيت، الحسيب الجليل، الكريم الرقيب، المجيب، الواسع الحكيم، الودود المجيد، الباعث الشهيد، الحق الوكيل، القوي المتين، الولي الحميد، المحصي المبدئ المعيد، المحيي المميت، الحي القيوم، الواجد الماجد، الواحد، الأحد الصمد، القادر المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعالي، البر التواب، المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغني المغني المانع، الضار النافع، النور الهادي، البديع الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور ". وقد ورد التوقيف بغيرها، أما في القرآن فكالمولى، والنصير والغالب، والقاهر والقريب، والرب والأعلى، والناصر والأكرم، وأحسن الخالقين، وأرحم الراحمين، وذي الطول، وذي القوة، وذي المعارج، وغير ذلك. وأما في الحديث، فكالمنان، والحنان، وقد ورد في رواية ابن ماجة أسماء ليست في الرواية المشهورة كالقائم، والقديم، والوتر، والشديد، والكافي، وغيرها. وإحصاؤها: إما حفظها لأنه إما يحصل بتكرار مجموعها وتعدادها مرارا، وإما ضبطها حصرا وعلما وإيمانا وقياما بحقوقها، وإما تعلقا وتخلقا وتحققا. وقد ذكرنا في شرح الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها. وفي ابن حجر: أن أسماء الله مائة، استأثر الله بواحد، وهو الاسم الأعظم، فلم يطلع عليه أحدا، فكأنه قيل: مائة لكن واحد منها عند الله. وقال غيره: ليس الاسم الذي يكمل المائة مخفيا، بل هو الجلالة. وممن جزم بذلك البيهقي، فقال: الأسماء الحسنى مائة، على عدد درجات الجنة، والذي يكمل المائة: " الله " ، ويؤيده قوله تعالى: ولله الأسمآء الحسنى [الأعراف: 180]. فالتسعة والتسعون لله فهي زائدة عليه وبه تكمل المائة. ه. قلت: ولعله ذكر اسما آخر يكمل التسعة والتسعين. وإلا فهو مذكور في الرواية المتقدمة من التسعة والتسعين. والله تعالى أعلم. الإشارة: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } ، قال الورتجبي: إن الله سبحانه دعا عباده إلى معرفة الاسمين الخاصين، الذين فيهما أسرار جميع الأسماء والصفات والذات، والنعوت والأفعال فالله اسمه، وهو اسم عين جمع الجمع، والرحمن اسم عين الجمع فالرحمن مندرج تحت اسمه: " الله " لأنه عين الكل، وإذا قلت: الله ذكرت عين الكل. ثم قال: وإذا قال " الله " يفنى الكل، وإذا قال: " الرحمن " يبقى الكل، من حيث الاتصاف والاتحاد، فالاتصاف بالرحمانية يكون، والاتحاد بالألوهية يكون. ثم قال: عن الأستاذ: من عظيم نعمه سبحانه على أوليائه: أنه ينزههم بأسرارهم في رياض ذكره بتعداد أسمائه الحسنى، فيتنقلون من روضة إلى روضة، ومن مأنس إلى مأنس، ويقال: الأغنياء تنزههم في بساتينهم، وتنزههم في منابت رياحينهم. والفقراء تنزههم في مشاهد تسبيحهم، ويستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله. ه. قلت: والعارفون تنزههم في مشاهدة أسرار محبوبهم، وما يكشف لهم من روض جماله وجلاله. وبالله التوفيق. ثم أمر باخفاء قراءته عن المشركين

الإسراء 17:110

يقول الحق جل جلاله: { ولا تجهر } بقراءة صلاتك، بحيث تسمع المشركين، فإن ذلك يحملهم على السب واللغو فيها، { ولا تخافت } أي: تسر { بها } حتى لا تسمع من خلفك من المؤمنين، { وابتغ بين ذلك سبيلا } واطلب بين المخافتة والإجهار طريقا قصدا، فإن خير الأمور أوسطها. والتعبير عن ذلك بالسبيل باعتبار أنه طريق يتوجه إليه المتوجهون، ويؤمه المقتدون ليوصلهم إلى المطلوب. روي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يخفت، ويقول: أناجي ربي، وقد علم حاجتي. وعمر رضي الله عنه كان يجهر، ويقول: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان. فلما نزلت، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يجهر قليلا، وعمر أن يخفض قليلا. وقيل: المعنى: { ولا تجهر بصلاتك } كلها، { ولا تخافت بها } بأسرها، { وابتغ بين ذلك سبيلا } بالمخافتة نهارا والجهر ليلا. وقيل: { بصلاتك } بدعائك. وذهب قوم إلى أنها منسوخة لزوال علة السب واللغو بإظهار الدين وإخفاء الشرك وبطلانه فالحمد لله على ذلك كما قال تعالى: { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } كما يزعم اليهود والنصارى وبنو مدلج حيث قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، { ولم يكن له شريك في الملك } في الألوهية كما تقول الثنوية القائلون بتعدد الآلهة. { ولم يكن له ولي من الذل } أي: لم يكن له ناصر ينصره { من الذل } أي: لم يذل فيحتاج إلى ولي يواليه ليدفع ذلك عنه. وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من هذه نعوته، دون غيره إذ بذلك يتم الكمال، وما عداه ناقص حقير، ولذلك عطف عليه: { وكبره تكبيرا } عظيما، وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد، واجتهد في العبادة والتحميد، ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه في ذلك. روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية: وقل الحمد لله... الخ. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإجهار بالذكر والقراءة والدعاء، مباح لأهل البدايات، لمن وجد قلبه في ذلك، وأما النهي الذي في الآية فمنسوخ لأن الصحابة، حين هاجروا من مكة، رفعوا أصواتهم بالقراءة والتكبير. لكن المداومة عليه من شأن أهل البعد عن الحضرة، وأما أهل القرب فالغالب عليهم السكوت أو المخافتة قال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه: 108]. وأما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي بكر رضي الله عنه بالإجهار قليلا، وعمر بالخفض قليلا فإخراج لهم عن مرادهم تربية لهم. وختم السورة بآية العز إشارة إلى أن من أسرى بروحه، أو بجسده إلى الملأ الأعلى كان عاقبته العز والرفعة في الدارين.

الإسراء 17:111

يقول الحق جل جلاله: { ولا تجهر } بقراءة صلاتك، بحيث تسمع المشركين، فإن ذلك يحملهم على السب واللغو فيها، { ولا تخافت } أي: تسر { بها } حتى لا تسمع من خلفك من المؤمنين، { وابتغ بين ذلك سبيلا } واطلب بين المخافتة والإجهار طريقا قصدا، فإن خير الأمور أوسطها. والتعبير عن ذلك بالسبيل باعتبار أنه طريق يتوجه إليه المتوجهون، ويؤمه المقتدون ليوصلهم إلى المطلوب. روي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يخفت، ويقول: أناجي ربي، وقد علم حاجتي. وعمر رضي الله عنه كان يجهر، ويقول: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان. فلما نزلت، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يجهر قليلا، وعمر أن يخفض قليلا. وقيل: المعنى: { ولا تجهر بصلاتك } كلها، { ولا تخافت بها } بأسرها، { وابتغ بين ذلك سبيلا } بالمخافتة نهارا والجهر ليلا. وقيل: { بصلاتك } بدعائك. وذهب قوم إلى أنها منسوخة لزوال علة السب واللغو بإظهار الدين وإخفاء الشرك وبطلانه فالحمد لله على ذلك كما قال تعالى: { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } كما يزعم اليهود والنصارى وبنو مدلج حيث قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، { ولم يكن له شريك في الملك } في الألوهية كما تقول الثنوية القائلون بتعدد الآلهة. { ولم يكن له ولي من الذل } أي: لم يكن له ناصر ينصره { من الذل } أي: لم يذل فيحتاج إلى ولي يواليه ليدفع ذلك عنه. وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من هذه نعوته، دون غيره إذ بذلك يتم الكمال، وما عداه ناقص حقير، ولذلك عطف عليه: { وكبره تكبيرا } عظيما، وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد، واجتهد في العبادة والتحميد، ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه في ذلك. روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية: وقل الحمد لله... الخ. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإجهار بالذكر والقراءة والدعاء، مباح لأهل البدايات، لمن وجد قلبه في ذلك، وأما النهي الذي في الآية فمنسوخ لأن الصحابة، حين هاجروا من مكة، رفعوا أصواتهم بالقراءة والتكبير. لكن المداومة عليه من شأن أهل البعد عن الحضرة، وأما أهل القرب فالغالب عليهم السكوت أو المخافتة قال تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه: 108]. وأما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي بكر رضي الله عنه بالإجهار قليلا، وعمر بالخفض قليلا فإخراج لهم عن مرادهم تربية لهم. وختم السورة بآية العز إشارة إلى أن من أسرى بروحه، أو بجسده إلى الملأ الأعلى كان عاقبته العز والرفعة في الدارين.

الكهف 18:1

قلت: { قيما }: حال من الكتاب، والعامل فيه: " أنزل " ، ومنعه الزمخشري للفصل بين الحال وذي الحال، واختار أن العامل فيه مضمر، تقديره: جعله قيما، و " لينذر ": يتعلق بأنزل، أو بقيما. والفاعل: ضمير الكتاب، أو النبي صلى الله عليه وسلم، و " بأسا ": مفعول ثان، وحذف الأول، أي: لينذر الناس بأسا، كما حذف الثاني من قوله: { وينذر الذين قالوا... } الخ لدلالة هذا عليه، و { من علم }: مبتدأ مجرور بحرف زائد، أو فاعل بالمجرور لاعتماده على النفي، و " كلمة ": تمييز. يقول الحق جل جلاله: { الحمد لله } أي: الثناء الجميل حاصل لله، والمراد: الإعلام بذلك للإيمان به، أو الثناء على نفسه، أو هما معا. ثم ذكر وجه استحقاقه له، فقال: { الذي أنزل على عبده الكتاب } أي: الكتاب الكامل المعروف بذلك من بين سائر الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب، وهو جميع القرآن. رتب استحقاق الحمد على إنزاله تنبيها على أنه أعظم نعمائه، وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد. وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضمير الجلالة تنبيه على بلوغه صلى الله عليه وسلم إلى معاريج العبادة وكمال العبودية أقصى غاية الكمال، حيث كان فانيا عن حظوظه، قائما بحقوقه، خالصا في عبوديته لربه. { ولم يجعل له } أي: للكتاب { عوجا } شيئا من العوج، باختلاف في اللفظ، وتناقض في المعنى، وانحراف في الدعوة. قال القشيري: صانه عن التناقض والتعارض، فهو كتاب عزيز من رب عزيز، ينزل على عبد عزيز. قيما: مستقيما متناهيا في الاستقامة، معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط، فهو تأكيد لما دل عليه نفي العوج، مع إفادته كون ذلك من صفاته الذاتية، حسبما تنبئ عنه الصيغة. أو قيما بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد، على ما ينبئ عنه ما بعده من الإنذار والتبشير، فيكون وصفا له بالتكميل، بعد وصفه بالكمال، أو: قيما على ما قبله من الكتب السماوية، وشاهدا بصحتها ومهيمنا عليها. { لينذر }: ليخوف الله تعالى به، أو الكتاب، والأول أولى لتناسب المعطوفين بعده، أي: أنزل الكتاب لينذر بما فيه الذين كفروا { بأسا }: عذابا { شديدا من لدنه } أي: صادرا من عنده، نازلا من قبله، في مقابلة كفرهم وتكذيبهم. { ويبشر } بالتشديد والتخفيف، { المؤمنين }: المصدقين به، { الذين يعملون } أي: العمال { الصالحات } التي تنبث في تضاعيفه { أن لهم } أي: بأن لهم في مقابلة إيمانهم وأعمالهم { أجرا حسنا } ، هو الجنة وما فيها من المثوبات الحسنى، { ماكثين فيه } أي: في ذلك الأجر { أبدا } على سبيل الخلود. والتعبير بالمضارع في الصلة - أعني: الذين يعملون - للإشعار بتجدد الأعمال الصالحات واستمرارها، وإجراء الموصول على الموصوف بالإيمان إيماء بأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان. وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر الكفار عما هم عليه، مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية. وتكرير الإنذار بقوله تعالى: { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا }: متعلق بفرقة خاصة، ممن عمه الإنذار السابق، من مستحقي البأس الشديد للإيذان بكمال فظاعة حالهم، لغاية شناعة كفرهم وضلالهم، أي: وينذر، من بين سائر الكفرة، هؤلاء المتفوهين بمثل هذه القولة العظيمة، وهم كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود القائلون: عزير ابن الله، والنصارى القائلون: المسيح ابن الله. { ما لهم به من علم } أي: ما لهم باتخاذه الولد شيء من علم أصلا لضلالهم وإضلالهم، { ولا لآبائهم } الذين قلدوهم، فتاهوا جميعا في تيه الجهالة والضلالة، أو: ما لهم علم بما قالوا، أصواب أم خطأ، بل إنما قالوه رميا بقول عن عمى وجهالة، من غير فكر ولا روية، كقوله تعالى: وخرقوا له بنين وبنات بغير علم [الأنعام: 100]. أو: ما لهم علم بحقيقة ما قالوا، وبعظم رتبته في الشناعة، كقوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه [مريم: 88-90]، وهو الأنسب لقوله: { كبرت كلمة } أي: عظمت مقالتهم هذه في الكفر والافتراء لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب كبريائه لما فيه من التشبيه والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه. فما أقبحها مقالة { تخرج من أفواههم } أي: يتفوهون بها من غير حقيقة ولا تحقيق لمعناها، { إن يقولون إلا كذبا }: ما يقولون في ذلك إلا قولا كذبا، لا يكاد يدخل فيه إمكان الصدق أصلا. الإشارة: من كملت عبوديته لله، وصار حرا مما سواه، بحيث تحرر من رق الأكوان، وأفضى إلى مقام الشهود والعيان، أنزل الله على قلبه علم التحقيق، وسلك به منهاج أهل التوفيق، منهاجا قيما، لا إفراط فيه ولا تفريط، محفوظا في باطنه من الزيغ والإلحاد، وفي ظاهره من الفساد والعناد، قد تولى الله أمره وأخذه عنه، فهو على بينة من ربه فيما يأخذ ويذر. فإن أذن له في التذكير وقع في مسامع الخلق عبارته، وجليت إليهم إشارته، فبشر وأنذر، ورغب وحذر، يبشر أهل التوحيد والتنزيه بنعيم الجنان، وبالنظر إلى وجه الرحمن، وينذر أهل الشرك بعذاب النيران، وبالذل والهوان، نعوذ بالله من موارد الفتن. ولما كانت قريش تتفوه بشيء من هذه الكلمات التي شنع الله على من تفوه بها

الكهف 18:2

قلت: { قيما }: حال من الكتاب، والعامل فيه: " أنزل " ، ومنعه الزمخشري للفصل بين الحال وذي الحال، واختار أن العامل فيه مضمر، تقديره: جعله قيما، و " لينذر ": يتعلق بأنزل، أو بقيما. والفاعل: ضمير الكتاب، أو النبي صلى الله عليه وسلم، و " بأسا ": مفعول ثان، وحذف الأول، أي: لينذر الناس بأسا، كما حذف الثاني من قوله: { وينذر الذين قالوا... } الخ لدلالة هذا عليه، و { من علم }: مبتدأ مجرور بحرف زائد، أو فاعل بالمجرور لاعتماده على النفي، و " كلمة ": تمييز. يقول الحق جل جلاله: { الحمد لله } أي: الثناء الجميل حاصل لله، والمراد: الإعلام بذلك للإيمان به، أو الثناء على نفسه، أو هما معا. ثم ذكر وجه استحقاقه له، فقال: { الذي أنزل على عبده الكتاب } أي: الكتاب الكامل المعروف بذلك من بين سائر الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب، وهو جميع القرآن. رتب استحقاق الحمد على إنزاله تنبيها على أنه أعظم نعمائه، وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد. وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضمير الجلالة تنبيه على بلوغه صلى الله عليه وسلم إلى معاريج العبادة وكمال العبودية أقصى غاية الكمال، حيث كان فانيا عن حظوظه، قائما بحقوقه، خالصا في عبوديته لربه. { ولم يجعل له } أي: للكتاب { عوجا } شيئا من العوج، باختلاف في اللفظ، وتناقض في المعنى، وانحراف في الدعوة. قال القشيري: صانه عن التناقض والتعارض، فهو كتاب عزيز من رب عزيز، ينزل على عبد عزيز. قيما: مستقيما متناهيا في الاستقامة، معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط، فهو تأكيد لما دل عليه نفي العوج، مع إفادته كون ذلك من صفاته الذاتية، حسبما تنبئ عنه الصيغة. أو قيما بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد، على ما ينبئ عنه ما بعده من الإنذار والتبشير، فيكون وصفا له بالتكميل، بعد وصفه بالكمال، أو: قيما على ما قبله من الكتب السماوية، وشاهدا بصحتها ومهيمنا عليها. { لينذر }: ليخوف الله تعالى به، أو الكتاب، والأول أولى لتناسب المعطوفين بعده، أي: أنزل الكتاب لينذر بما فيه الذين كفروا { بأسا }: عذابا { شديدا من لدنه } أي: صادرا من عنده، نازلا من قبله، في مقابلة كفرهم وتكذيبهم. { ويبشر } بالتشديد والتخفيف، { المؤمنين }: المصدقين به، { الذين يعملون } أي: العمال { الصالحات } التي تنبث في تضاعيفه { أن لهم } أي: بأن لهم في مقابلة إيمانهم وأعمالهم { أجرا حسنا } ، هو الجنة وما فيها من المثوبات الحسنى، { ماكثين فيه } أي: في ذلك الأجر { أبدا } على سبيل الخلود. والتعبير بالمضارع في الصلة - أعني: الذين يعملون - للإشعار بتجدد الأعمال الصالحات واستمرارها، وإجراء الموصول على الموصوف بالإيمان إيماء بأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان. وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر الكفار عما هم عليه، مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية. وتكرير الإنذار بقوله تعالى: { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا }: متعلق بفرقة خاصة، ممن عمه الإنذار السابق، من مستحقي البأس الشديد للإيذان بكمال فظاعة حالهم، لغاية شناعة كفرهم وضلالهم، أي: وينذر، من بين سائر الكفرة، هؤلاء المتفوهين بمثل هذه القولة العظيمة، وهم كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود القائلون: عزير ابن الله، والنصارى القائلون: المسيح ابن الله. { ما لهم به من علم } أي: ما لهم باتخاذه الولد شيء من علم أصلا لضلالهم وإضلالهم، { ولا لآبائهم } الذين قلدوهم، فتاهوا جميعا في تيه الجهالة والضلالة، أو: ما لهم علم بما قالوا، أصواب أم خطأ، بل إنما قالوه رميا بقول عن عمى وجهالة، من غير فكر ولا روية، كقوله تعالى: وخرقوا له بنين وبنات بغير علم [الأنعام: 100]. أو: ما لهم علم بحقيقة ما قالوا، وبعظم رتبته في الشناعة، كقوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه [مريم: 88-90]، وهو الأنسب لقوله: { كبرت كلمة } أي: عظمت مقالتهم هذه في الكفر والافتراء لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب كبريائه لما فيه من التشبيه والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه. فما أقبحها مقالة { تخرج من أفواههم } أي: يتفوهون بها من غير حقيقة ولا تحقيق لمعناها، { إن يقولون إلا كذبا }: ما يقولون في ذلك إلا قولا كذبا، لا يكاد يدخل فيه إمكان الصدق أصلا. الإشارة: من كملت عبوديته لله، وصار حرا مما سواه، بحيث تحرر من رق الأكوان، وأفضى إلى مقام الشهود والعيان، أنزل الله على قلبه علم التحقيق، وسلك به منهاج أهل التوفيق، منهاجا قيما، لا إفراط فيه ولا تفريط، محفوظا في باطنه من الزيغ والإلحاد، وفي ظاهره من الفساد والعناد، قد تولى الله أمره وأخذه عنه، فهو على بينة من ربه فيما يأخذ ويذر. فإن أذن له في التذكير وقع في مسامع الخلق عبارته، وجليت إليهم إشارته، فبشر وأنذر، ورغب وحذر، يبشر أهل التوحيد والتنزيه بنعيم الجنان، وبالنظر إلى وجه الرحمن، وينذر أهل الشرك بعذاب النيران، وبالذل والهوان، نعوذ بالله من موارد الفتن. ولما كانت قريش تتفوه بشيء من هذه الكلمات التي شنع الله على من تفوه بها

الكهف 18:3

قلت: { قيما }: حال من الكتاب، والعامل فيه: " أنزل " ، ومنعه الزمخشري للفصل بين الحال وذي الحال، واختار أن العامل فيه مضمر، تقديره: جعله قيما، و " لينذر ": يتعلق بأنزل، أو بقيما. والفاعل: ضمير الكتاب، أو النبي صلى الله عليه وسلم، و " بأسا ": مفعول ثان، وحذف الأول، أي: لينذر الناس بأسا، كما حذف الثاني من قوله: { وينذر الذين قالوا... } الخ لدلالة هذا عليه، و { من علم }: مبتدأ مجرور بحرف زائد، أو فاعل بالمجرور لاعتماده على النفي، و " كلمة ": تمييز. يقول الحق جل جلاله: { الحمد لله } أي: الثناء الجميل حاصل لله، والمراد: الإعلام بذلك للإيمان به، أو الثناء على نفسه، أو هما معا. ثم ذكر وجه استحقاقه له، فقال: { الذي أنزل على عبده الكتاب } أي: الكتاب الكامل المعروف بذلك من بين سائر الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب، وهو جميع القرآن. رتب استحقاق الحمد على إنزاله تنبيها على أنه أعظم نعمائه، وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد. وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضمير الجلالة تنبيه على بلوغه صلى الله عليه وسلم إلى معاريج العبادة وكمال العبودية أقصى غاية الكمال، حيث كان فانيا عن حظوظه، قائما بحقوقه، خالصا في عبوديته لربه. { ولم يجعل له } أي: للكتاب { عوجا } شيئا من العوج، باختلاف في اللفظ، وتناقض في المعنى، وانحراف في الدعوة. قال القشيري: صانه عن التناقض والتعارض، فهو كتاب عزيز من رب عزيز، ينزل على عبد عزيز. قيما: مستقيما متناهيا في الاستقامة، معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط، فهو تأكيد لما دل عليه نفي العوج، مع إفادته كون ذلك من صفاته الذاتية، حسبما تنبئ عنه الصيغة. أو قيما بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد، على ما ينبئ عنه ما بعده من الإنذار والتبشير، فيكون وصفا له بالتكميل، بعد وصفه بالكمال، أو: قيما على ما قبله من الكتب السماوية، وشاهدا بصحتها ومهيمنا عليها. { لينذر }: ليخوف الله تعالى به، أو الكتاب، والأول أولى لتناسب المعطوفين بعده، أي: أنزل الكتاب لينذر بما فيه الذين كفروا { بأسا }: عذابا { شديدا من لدنه } أي: صادرا من عنده، نازلا من قبله، في مقابلة كفرهم وتكذيبهم. { ويبشر } بالتشديد والتخفيف، { المؤمنين }: المصدقين به، { الذين يعملون } أي: العمال { الصالحات } التي تنبث في تضاعيفه { أن لهم } أي: بأن لهم في مقابلة إيمانهم وأعمالهم { أجرا حسنا } ، هو الجنة وما فيها من المثوبات الحسنى، { ماكثين فيه } أي: في ذلك الأجر { أبدا } على سبيل الخلود. والتعبير بالمضارع في الصلة - أعني: الذين يعملون - للإشعار بتجدد الأعمال الصالحات واستمرارها، وإجراء الموصول على الموصوف بالإيمان إيماء بأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان. وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر الكفار عما هم عليه، مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية. وتكرير الإنذار بقوله تعالى: { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا }: متعلق بفرقة خاصة، ممن عمه الإنذار السابق، من مستحقي البأس الشديد للإيذان بكمال فظاعة حالهم، لغاية شناعة كفرهم وضلالهم، أي: وينذر، من بين سائر الكفرة، هؤلاء المتفوهين بمثل هذه القولة العظيمة، وهم كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود القائلون: عزير ابن الله، والنصارى القائلون: المسيح ابن الله. { ما لهم به من علم } أي: ما لهم باتخاذه الولد شيء من علم أصلا لضلالهم وإضلالهم، { ولا لآبائهم } الذين قلدوهم، فتاهوا جميعا في تيه الجهالة والضلالة، أو: ما لهم علم بما قالوا، أصواب أم خطأ، بل إنما قالوه رميا بقول عن عمى وجهالة، من غير فكر ولا روية، كقوله تعالى: وخرقوا له بنين وبنات بغير علم [الأنعام: 100]. أو: ما لهم علم بحقيقة ما قالوا، وبعظم رتبته في الشناعة، كقوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه [مريم: 88-90]، وهو الأنسب لقوله: { كبرت كلمة } أي: عظمت مقالتهم هذه في الكفر والافتراء لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب كبريائه لما فيه من التشبيه والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه. فما أقبحها مقالة { تخرج من أفواههم } أي: يتفوهون بها من غير حقيقة ولا تحقيق لمعناها، { إن يقولون إلا كذبا }: ما يقولون في ذلك إلا قولا كذبا، لا يكاد يدخل فيه إمكان الصدق أصلا. الإشارة: من كملت عبوديته لله، وصار حرا مما سواه، بحيث تحرر من رق الأكوان، وأفضى إلى مقام الشهود والعيان، أنزل الله على قلبه علم التحقيق، وسلك به منهاج أهل التوفيق، منهاجا قيما، لا إفراط فيه ولا تفريط، محفوظا في باطنه من الزيغ والإلحاد، وفي ظاهره من الفساد والعناد، قد تولى الله أمره وأخذه عنه، فهو على بينة من ربه فيما يأخذ ويذر. فإن أذن له في التذكير وقع في مسامع الخلق عبارته، وجليت إليهم إشارته، فبشر وأنذر، ورغب وحذر، يبشر أهل التوحيد والتنزيه بنعيم الجنان، وبالنظر إلى وجه الرحمن، وينذر أهل الشرك بعذاب النيران، وبالذل والهوان، نعوذ بالله من موارد الفتن. ولما كانت قريش تتفوه بشيء من هذه الكلمات التي شنع الله على من تفوه بها

الكهف 18:4

قلت: { قيما }: حال من الكتاب، والعامل فيه: " أنزل " ، ومنعه الزمخشري للفصل بين الحال وذي الحال، واختار أن العامل فيه مضمر، تقديره: جعله قيما، و " لينذر ": يتعلق بأنزل، أو بقيما. والفاعل: ضمير الكتاب، أو النبي صلى الله عليه وسلم، و " بأسا ": مفعول ثان، وحذف الأول، أي: لينذر الناس بأسا، كما حذف الثاني من قوله: { وينذر الذين قالوا... } الخ لدلالة هذا عليه، و { من علم }: مبتدأ مجرور بحرف زائد، أو فاعل بالمجرور لاعتماده على النفي، و " كلمة ": تمييز. يقول الحق جل جلاله: { الحمد لله } أي: الثناء الجميل حاصل لله، والمراد: الإعلام بذلك للإيمان به، أو الثناء على نفسه، أو هما معا. ثم ذكر وجه استحقاقه له، فقال: { الذي أنزل على عبده الكتاب } أي: الكتاب الكامل المعروف بذلك من بين سائر الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب، وهو جميع القرآن. رتب استحقاق الحمد على إنزاله تنبيها على أنه أعظم نعمائه، وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد. وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضمير الجلالة تنبيه على بلوغه صلى الله عليه وسلم إلى معاريج العبادة وكمال العبودية أقصى غاية الكمال، حيث كان فانيا عن حظوظه، قائما بحقوقه، خالصا في عبوديته لربه. { ولم يجعل له } أي: للكتاب { عوجا } شيئا من العوج، باختلاف في اللفظ، وتناقض في المعنى، وانحراف في الدعوة. قال القشيري: صانه عن التناقض والتعارض، فهو كتاب عزيز من رب عزيز، ينزل على عبد عزيز. قيما: مستقيما متناهيا في الاستقامة، معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط، فهو تأكيد لما دل عليه نفي العوج، مع إفادته كون ذلك من صفاته الذاتية، حسبما تنبئ عنه الصيغة. أو قيما بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد، على ما ينبئ عنه ما بعده من الإنذار والتبشير، فيكون وصفا له بالتكميل، بعد وصفه بالكمال، أو: قيما على ما قبله من الكتب السماوية، وشاهدا بصحتها ومهيمنا عليها. { لينذر }: ليخوف الله تعالى به، أو الكتاب، والأول أولى لتناسب المعطوفين بعده، أي: أنزل الكتاب لينذر بما فيه الذين كفروا { بأسا }: عذابا { شديدا من لدنه } أي: صادرا من عنده، نازلا من قبله، في مقابلة كفرهم وتكذيبهم. { ويبشر } بالتشديد والتخفيف، { المؤمنين }: المصدقين به، { الذين يعملون } أي: العمال { الصالحات } التي تنبث في تضاعيفه { أن لهم } أي: بأن لهم في مقابلة إيمانهم وأعمالهم { أجرا حسنا } ، هو الجنة وما فيها من المثوبات الحسنى، { ماكثين فيه } أي: في ذلك الأجر { أبدا } على سبيل الخلود. والتعبير بالمضارع في الصلة - أعني: الذين يعملون - للإشعار بتجدد الأعمال الصالحات واستمرارها، وإجراء الموصول على الموصوف بالإيمان إيماء بأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان. وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر الكفار عما هم عليه، مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية. وتكرير الإنذار بقوله تعالى: { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا }: متعلق بفرقة خاصة، ممن عمه الإنذار السابق، من مستحقي البأس الشديد للإيذان بكمال فظاعة حالهم، لغاية شناعة كفرهم وضلالهم، أي: وينذر، من بين سائر الكفرة، هؤلاء المتفوهين بمثل هذه القولة العظيمة، وهم كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود القائلون: عزير ابن الله، والنصارى القائلون: المسيح ابن الله. { ما لهم به من علم } أي: ما لهم باتخاذه الولد شيء من علم أصلا لضلالهم وإضلالهم، { ولا لآبائهم } الذين قلدوهم، فتاهوا جميعا في تيه الجهالة والضلالة، أو: ما لهم علم بما قالوا، أصواب أم خطأ، بل إنما قالوه رميا بقول عن عمى وجهالة، من غير فكر ولا روية، كقوله تعالى: وخرقوا له بنين وبنات بغير علم [الأنعام: 100]. أو: ما لهم علم بحقيقة ما قالوا، وبعظم رتبته في الشناعة، كقوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه [مريم: 88-90]، وهو الأنسب لقوله: { كبرت كلمة } أي: عظمت مقالتهم هذه في الكفر والافتراء لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب كبريائه لما فيه من التشبيه والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه. فما أقبحها مقالة { تخرج من أفواههم } أي: يتفوهون بها من غير حقيقة ولا تحقيق لمعناها، { إن يقولون إلا كذبا }: ما يقولون في ذلك إلا قولا كذبا، لا يكاد يدخل فيه إمكان الصدق أصلا. الإشارة: من كملت عبوديته لله، وصار حرا مما سواه، بحيث تحرر من رق الأكوان، وأفضى إلى مقام الشهود والعيان، أنزل الله على قلبه علم التحقيق، وسلك به منهاج أهل التوفيق، منهاجا قيما، لا إفراط فيه ولا تفريط، محفوظا في باطنه من الزيغ والإلحاد، وفي ظاهره من الفساد والعناد، قد تولى الله أمره وأخذه عنه، فهو على بينة من ربه فيما يأخذ ويذر. فإن أذن له في التذكير وقع في مسامع الخلق عبارته، وجليت إليهم إشارته، فبشر وأنذر، ورغب وحذر، يبشر أهل التوحيد والتنزيه بنعيم الجنان، وبالنظر إلى وجه الرحمن، وينذر أهل الشرك بعذاب النيران، وبالذل والهوان، نعوذ بالله من موارد الفتن. ولما كانت قريش تتفوه بشيء من هذه الكلمات التي شنع الله على من تفوه بها

الكهف 18:5

قلت: { قيما }: حال من الكتاب، والعامل فيه: " أنزل " ، ومنعه الزمخشري للفصل بين الحال وذي الحال، واختار أن العامل فيه مضمر، تقديره: جعله قيما، و " لينذر ": يتعلق بأنزل، أو بقيما. والفاعل: ضمير الكتاب، أو النبي صلى الله عليه وسلم، و " بأسا ": مفعول ثان، وحذف الأول، أي: لينذر الناس بأسا، كما حذف الثاني من قوله: { وينذر الذين قالوا... } الخ لدلالة هذا عليه، و { من علم }: مبتدأ مجرور بحرف زائد، أو فاعل بالمجرور لاعتماده على النفي، و " كلمة ": تمييز. يقول الحق جل جلاله: { الحمد لله } أي: الثناء الجميل حاصل لله، والمراد: الإعلام بذلك للإيمان به، أو الثناء على نفسه، أو هما معا. ثم ذكر وجه استحقاقه له، فقال: { الذي أنزل على عبده الكتاب } أي: الكتاب الكامل المعروف بذلك من بين سائر الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب، وهو جميع القرآن. رتب استحقاق الحمد على إنزاله تنبيها على أنه أعظم نعمائه، وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد. وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضمير الجلالة تنبيه على بلوغه صلى الله عليه وسلم إلى معاريج العبادة وكمال العبودية أقصى غاية الكمال، حيث كان فانيا عن حظوظه، قائما بحقوقه، خالصا في عبوديته لربه. { ولم يجعل له } أي: للكتاب { عوجا } شيئا من العوج، باختلاف في اللفظ، وتناقض في المعنى، وانحراف في الدعوة. قال القشيري: صانه عن التناقض والتعارض، فهو كتاب عزيز من رب عزيز، ينزل على عبد عزيز. قيما: مستقيما متناهيا في الاستقامة، معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط، فهو تأكيد لما دل عليه نفي العوج، مع إفادته كون ذلك من صفاته الذاتية، حسبما تنبئ عنه الصيغة. أو قيما بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد، على ما ينبئ عنه ما بعده من الإنذار والتبشير، فيكون وصفا له بالتكميل، بعد وصفه بالكمال، أو: قيما على ما قبله من الكتب السماوية، وشاهدا بصحتها ومهيمنا عليها. { لينذر }: ليخوف الله تعالى به، أو الكتاب، والأول أولى لتناسب المعطوفين بعده، أي: أنزل الكتاب لينذر بما فيه الذين كفروا { بأسا }: عذابا { شديدا من لدنه } أي: صادرا من عنده، نازلا من قبله، في مقابلة كفرهم وتكذيبهم. { ويبشر } بالتشديد والتخفيف، { المؤمنين }: المصدقين به، { الذين يعملون } أي: العمال { الصالحات } التي تنبث في تضاعيفه { أن لهم } أي: بأن لهم في مقابلة إيمانهم وأعمالهم { أجرا حسنا } ، هو الجنة وما فيها من المثوبات الحسنى، { ماكثين فيه } أي: في ذلك الأجر { أبدا } على سبيل الخلود. والتعبير بالمضارع في الصلة - أعني: الذين يعملون - للإشعار بتجدد الأعمال الصالحات واستمرارها، وإجراء الموصول على الموصوف بالإيمان إيماء بأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان. وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر الكفار عما هم عليه، مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية. وتكرير الإنذار بقوله تعالى: { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا }: متعلق بفرقة خاصة، ممن عمه الإنذار السابق، من مستحقي البأس الشديد للإيذان بكمال فظاعة حالهم، لغاية شناعة كفرهم وضلالهم، أي: وينذر، من بين سائر الكفرة، هؤلاء المتفوهين بمثل هذه القولة العظيمة، وهم كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود القائلون: عزير ابن الله، والنصارى القائلون: المسيح ابن الله. { ما لهم به من علم } أي: ما لهم باتخاذه الولد شيء من علم أصلا لضلالهم وإضلالهم، { ولا لآبائهم } الذين قلدوهم، فتاهوا جميعا في تيه الجهالة والضلالة، أو: ما لهم علم بما قالوا، أصواب أم خطأ، بل إنما قالوه رميا بقول عن عمى وجهالة، من غير فكر ولا روية، كقوله تعالى: وخرقوا له بنين وبنات بغير علم [الأنعام: 100]. أو: ما لهم علم بحقيقة ما قالوا، وبعظم رتبته في الشناعة، كقوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه [مريم: 88-90]، وهو الأنسب لقوله: { كبرت كلمة } أي: عظمت مقالتهم هذه في الكفر والافتراء لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب كبريائه لما فيه من التشبيه والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه. فما أقبحها مقالة { تخرج من أفواههم } أي: يتفوهون بها من غير حقيقة ولا تحقيق لمعناها، { إن يقولون إلا كذبا }: ما يقولون في ذلك إلا قولا كذبا، لا يكاد يدخل فيه إمكان الصدق أصلا. الإشارة: من كملت عبوديته لله، وصار حرا مما سواه، بحيث تحرر من رق الأكوان، وأفضى إلى مقام الشهود والعيان، أنزل الله على قلبه علم التحقيق، وسلك به منهاج أهل التوفيق، منهاجا قيما، لا إفراط فيه ولا تفريط، محفوظا في باطنه من الزيغ والإلحاد، وفي ظاهره من الفساد والعناد، قد تولى الله أمره وأخذه عنه، فهو على بينة من ربه فيما يأخذ ويذر. فإن أذن له في التذكير وقع في مسامع الخلق عبارته، وجليت إليهم إشارته، فبشر وأنذر، ورغب وحذر، يبشر أهل التوحيد والتنزيه بنعيم الجنان، وبالنظر إلى وجه الرحمن، وينذر أهل الشرك بعذاب النيران، وبالذل والهوان، نعوذ بالله من موارد الفتن. ولما كانت قريش تتفوه بشيء من هذه الكلمات التي شنع الله على من تفوه بها

الكهف 18:6

قلت: { أسفا }: مفعول من أجله لباخع، أو حال، أي: متأسفا، وجواب " إن ": محذوف، أي: إن لم يؤمنوا فعلك باخع نفسك. يقول الحق جل جلاله: { فلعلك } يا محمد { باخع }: مهلك { نفسك } وقاتلها بالغم والأسف على تخلف قومك عن الإيمان وفراقهم عنك، { على آثارهم } إذا تولوا عنك، عندما تدعوهم إلى الله. شبهه، لأجل ما تداخله من الوجد على توليتهم، بمن فارقته أعزته، وهو يتحسر على آثارهم، ويبخع نفسه وجدا عليهم. { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } أي: القرآن الذي عبر عنه في صدر السورة بالكتاب، صدر ذلك منك { أسفا } أي: بفرط الحزن والتأسف عليهم. ثم علل وجه إدبارهم عن الإيمان، وهو اغترارهم بزهرة الدنيا، فقال: { إنا جعلنا ما على الأرض } من الأشجار والأزهار والثمار، وما اشتملت عليه من المعادن، وأنواع الملابس والمطاعم، والمراكب والمناكح، { زينة لها } أي: مبهجة لها، يستمتع بها الناظرون، وينتفعون بها مأكلا وملبسا، ونظرا واعتبارا، حتى إن الحيات والعقارب من حيث تذكيرها بعذاب الآخرة، من قبيل المنافع، بل كل حادث داخل تحت الزينة من حيث دلالته على الصانع، وكذلك الأزواج والأولاد، بل هم من أعظم زينتها، داخلون تحت الابتلاء. جعلنا ذلك { لنبلوهم }: لنختبرهم، حتى يظهر ذلك للعيان، { أيهم أحسن عملا } ، أيهم أزهد فيها، وأقبلهم على الله بالعمل الصالح إذ لا عمل أحسن من الزهد في الدنيا إذ هو سبب للتفرغ لأنواع العبادة، بدنية وقلبية. قال أبو السعود: وحسن العمل: الزهد فيها، وعدم الاكتراث بها، والقناعة باليسير منها، وصرفها على ما ينبغي، والتأمل في شأنها، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها، والتمتع بها حسبما أذن الشرع، وأداء حقوقها، والشكر على نعمها، لا جعلها وسيلة إلى الشهوات، والأغراض الفاسدة، كما يفعله الكفرة وأهل الأهواء... انظر بقية كلامه. { وإنا لجاعلون ما عليها } عند تناهي الدنيا { صعيدا جرزا } أي: ترابا يابسا، لا نبات فيه، بعدما كان يتعجب من بهجته النظار، ويتشرف بمشاهدته الأبصار، فلا يغتر بما يذهب ويفنى إلا من لا عقل له، فلا تستغرب إدبارهم، إذ لا عقل لهم. ويحتمل أن يكون تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنه أرشده إلى شهود تدبير الحق، فيسلو، بذلك عن إعراضهم لغيبته في المصور المدبر عن الصور، وعن الزينة في المزين فالكون مظهر الصفات ومرآتها، ويغيب في الذات - التي هي معدنها - بإفناء الظاهر، وإفناء الأفعال، كما نبه عليه بقوله: { وإنا لجاعلون... } الخ. الإشارة: الخصوصية - من حيث هي - لها بداية ونهاية، فمن شأن أهل بدايتها: الحرص على الخير لهم ولعباد الله، فيتمنون أن الناس كلهم خصوص أو صالحون، فإذا رأوا الناس أعرضوا عنها تأسفوا عليهم، وإذا أقبلوا عليهم فرحوا من أجلهم، زيادة في الهداية لعباد الله، فإذا تمكنوا منها ورسخت أقدامهم فيها، وحصل لهم الفناء الأكبر، لم يحرصوا على شيء، ولم يتأسفوا من فوات شيء، لهم ولغيرهم. وقد يتوجه العتاب لهم على الحرص في بدايتهم تكميلا لهم، وترقية إلى المقام الأكمل. وقوله تعالى: { إنا جعلنا ما على الأرض... } الخ، هو حكمة تخلف الناس عن الخصوصية، حتى يتميز الطالب لها من المعرض عنها، فمن أقبل على زينة الدنيا وزهرتها، فاتته الخصوصية، وبقي من عوام الناس، ومن أعرض عنها وعن بهجتها، وتوجه بقلبه إلى الله، كان من المخصوصين بها، المقربين عند الله. وهذا هو أحسن الأعمال التي اختبر الله به عباده بقوله: { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } ، وفي الحديث: " الدنيا مال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له. وعليها يعادي من لا علم عنده " وفي الزهد والترغيب أحاديث كثيرة مفردة بالتأليف، وبالله التوفيق. ثم شرع في قصة أهل الكهف المقصودة بالذات

الكهف 18:7

قلت: { أسفا }: مفعول من أجله لباخع، أو حال، أي: متأسفا، وجواب " إن ": محذوف، أي: إن لم يؤمنوا فعلك باخع نفسك. يقول الحق جل جلاله: { فلعلك } يا محمد { باخع }: مهلك { نفسك } وقاتلها بالغم والأسف على تخلف قومك عن الإيمان وفراقهم عنك، { على آثارهم } إذا تولوا عنك، عندما تدعوهم إلى الله. شبهه، لأجل ما تداخله من الوجد على توليتهم، بمن فارقته أعزته، وهو يتحسر على آثارهم، ويبخع نفسه وجدا عليهم. { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } أي: القرآن الذي عبر عنه في صدر السورة بالكتاب، صدر ذلك منك { أسفا } أي: بفرط الحزن والتأسف عليهم. ثم علل وجه إدبارهم عن الإيمان، وهو اغترارهم بزهرة الدنيا، فقال: { إنا جعلنا ما على الأرض } من الأشجار والأزهار والثمار، وما اشتملت عليه من المعادن، وأنواع الملابس والمطاعم، والمراكب والمناكح، { زينة لها } أي: مبهجة لها، يستمتع بها الناظرون، وينتفعون بها مأكلا وملبسا، ونظرا واعتبارا، حتى إن الحيات والعقارب من حيث تذكيرها بعذاب الآخرة، من قبيل المنافع، بل كل حادث داخل تحت الزينة من حيث دلالته على الصانع، وكذلك الأزواج والأولاد، بل هم من أعظم زينتها، داخلون تحت الابتلاء. جعلنا ذلك { لنبلوهم }: لنختبرهم، حتى يظهر ذلك للعيان، { أيهم أحسن عملا } ، أيهم أزهد فيها، وأقبلهم على الله بالعمل الصالح إذ لا عمل أحسن من الزهد في الدنيا إذ هو سبب للتفرغ لأنواع العبادة، بدنية وقلبية. قال أبو السعود: وحسن العمل: الزهد فيها، وعدم الاكتراث بها، والقناعة باليسير منها، وصرفها على ما ينبغي، والتأمل في شأنها، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها، والتمتع بها حسبما أذن الشرع، وأداء حقوقها، والشكر على نعمها، لا جعلها وسيلة إلى الشهوات، والأغراض الفاسدة، كما يفعله الكفرة وأهل الأهواء... انظر بقية كلامه. { وإنا لجاعلون ما عليها } عند تناهي الدنيا { صعيدا جرزا } أي: ترابا يابسا، لا نبات فيه، بعدما كان يتعجب من بهجته النظار، ويتشرف بمشاهدته الأبصار، فلا يغتر بما يذهب ويفنى إلا من لا عقل له، فلا تستغرب إدبارهم، إذ لا عقل لهم. ويحتمل أن يكون تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنه أرشده إلى شهود تدبير الحق، فيسلو، بذلك عن إعراضهم لغيبته في المصور المدبر عن الصور، وعن الزينة في المزين فالكون مظهر الصفات ومرآتها، ويغيب في الذات - التي هي معدنها - بإفناء الظاهر، وإفناء الأفعال، كما نبه عليه بقوله: { وإنا لجاعلون... } الخ. الإشارة: الخصوصية - من حيث هي - لها بداية ونهاية، فمن شأن أهل بدايتها: الحرص على الخير لهم ولعباد الله، فيتمنون أن الناس كلهم خصوص أو صالحون، فإذا رأوا الناس أعرضوا عنها تأسفوا عليهم، وإذا أقبلوا عليهم فرحوا من أجلهم، زيادة في الهداية لعباد الله، فإذا تمكنوا منها ورسخت أقدامهم فيها، وحصل لهم الفناء الأكبر، لم يحرصوا على شيء، ولم يتأسفوا من فوات شيء، لهم ولغيرهم. وقد يتوجه العتاب لهم على الحرص في بدايتهم تكميلا لهم، وترقية إلى المقام الأكمل. وقوله تعالى: { إنا جعلنا ما على الأرض... } الخ، هو حكمة تخلف الناس عن الخصوصية، حتى يتميز الطالب لها من المعرض عنها، فمن أقبل على زينة الدنيا وزهرتها، فاتته الخصوصية، وبقي من عوام الناس، ومن أعرض عنها وعن بهجتها، وتوجه بقلبه إلى الله، كان من المخصوصين بها، المقربين عند الله. وهذا هو أحسن الأعمال التي اختبر الله به عباده بقوله: { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } ، وفي الحديث: " الدنيا مال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له. وعليها يعادي من لا علم عنده " وفي الزهد والترغيب أحاديث كثيرة مفردة بالتأليف، وبالله التوفيق. ثم شرع في قصة أهل الكهف المقصودة بالذات

الكهف 18:8

قلت: { أسفا }: مفعول من أجله لباخع، أو حال، أي: متأسفا، وجواب " إن ": محذوف، أي: إن لم يؤمنوا فعلك باخع نفسك. يقول الحق جل جلاله: { فلعلك } يا محمد { باخع }: مهلك { نفسك } وقاتلها بالغم والأسف على تخلف قومك عن الإيمان وفراقهم عنك، { على آثارهم } إذا تولوا عنك، عندما تدعوهم إلى الله. شبهه، لأجل ما تداخله من الوجد على توليتهم، بمن فارقته أعزته، وهو يتحسر على آثارهم، ويبخع نفسه وجدا عليهم. { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } أي: القرآن الذي عبر عنه في صدر السورة بالكتاب، صدر ذلك منك { أسفا } أي: بفرط الحزن والتأسف عليهم. ثم علل وجه إدبارهم عن الإيمان، وهو اغترارهم بزهرة الدنيا، فقال: { إنا جعلنا ما على الأرض } من الأشجار والأزهار والثمار، وما اشتملت عليه من المعادن، وأنواع الملابس والمطاعم، والمراكب والمناكح، { زينة لها } أي: مبهجة لها، يستمتع بها الناظرون، وينتفعون بها مأكلا وملبسا، ونظرا واعتبارا، حتى إن الحيات والعقارب من حيث تذكيرها بعذاب الآخرة، من قبيل المنافع، بل كل حادث داخل تحت الزينة من حيث دلالته على الصانع، وكذلك الأزواج والأولاد، بل هم من أعظم زينتها، داخلون تحت الابتلاء. جعلنا ذلك { لنبلوهم }: لنختبرهم، حتى يظهر ذلك للعيان، { أيهم أحسن عملا } ، أيهم أزهد فيها، وأقبلهم على الله بالعمل الصالح إذ لا عمل أحسن من الزهد في الدنيا إذ هو سبب للتفرغ لأنواع العبادة، بدنية وقلبية. قال أبو السعود: وحسن العمل: الزهد فيها، وعدم الاكتراث بها، والقناعة باليسير منها، وصرفها على ما ينبغي، والتأمل في شأنها، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها، والتمتع بها حسبما أذن الشرع، وأداء حقوقها، والشكر على نعمها، لا جعلها وسيلة إلى الشهوات، والأغراض الفاسدة، كما يفعله الكفرة وأهل الأهواء... انظر بقية كلامه. { وإنا لجاعلون ما عليها } عند تناهي الدنيا { صعيدا جرزا } أي: ترابا يابسا، لا نبات فيه، بعدما كان يتعجب من بهجته النظار، ويتشرف بمشاهدته الأبصار، فلا يغتر بما يذهب ويفنى إلا من لا عقل له، فلا تستغرب إدبارهم، إذ لا عقل لهم. ويحتمل أن يكون تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنه أرشده إلى شهود تدبير الحق، فيسلو، بذلك عن إعراضهم لغيبته في المصور المدبر عن الصور، وعن الزينة في المزين فالكون مظهر الصفات ومرآتها، ويغيب في الذات - التي هي معدنها - بإفناء الظاهر، وإفناء الأفعال، كما نبه عليه بقوله: { وإنا لجاعلون... } الخ. الإشارة: الخصوصية - من حيث هي - لها بداية ونهاية، فمن شأن أهل بدايتها: الحرص على الخير لهم ولعباد الله، فيتمنون أن الناس كلهم خصوص أو صالحون، فإذا رأوا الناس أعرضوا عنها تأسفوا عليهم، وإذا أقبلوا عليهم فرحوا من أجلهم، زيادة في الهداية لعباد الله، فإذا تمكنوا منها ورسخت أقدامهم فيها، وحصل لهم الفناء الأكبر، لم يحرصوا على شيء، ولم يتأسفوا من فوات شيء، لهم ولغيرهم. وقد يتوجه العتاب لهم على الحرص في بدايتهم تكميلا لهم، وترقية إلى المقام الأكمل. وقوله تعالى: { إنا جعلنا ما على الأرض... } الخ، هو حكمة تخلف الناس عن الخصوصية، حتى يتميز الطالب لها من المعرض عنها، فمن أقبل على زينة الدنيا وزهرتها، فاتته الخصوصية، وبقي من عوام الناس، ومن أعرض عنها وعن بهجتها، وتوجه بقلبه إلى الله، كان من المخصوصين بها، المقربين عند الله. وهذا هو أحسن الأعمال التي اختبر الله به عباده بقوله: { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } ، وفي الحديث: " الدنيا مال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له. وعليها يعادي من لا علم عنده " وفي الزهد والترغيب أحاديث كثيرة مفردة بالتأليف، وبالله التوفيق. ثم شرع في قصة أهل الكهف المقصودة بالذات

الكهف 18:9

قلت: { أم }: منقطعة مقدرة ببل، التي هي للانتقال من حديث إلى حديث، لا للإبطال، والهمزة: للاستفهام عند الجمهور، وبمعنى " بل " ، فقط، عند غيرهم، و { عجبا }: خبر كان، و { من آياتنا }: حال منه، و { إذ أوى }: ظرف لعجبا، لا لحسبت، أو مفعول اذكر، أي: اذكر هذا الوقت العجيب، وهو حين التجأ الفتية إلى الكهف، و { لنا } و { من أمرنا }: يتعلق ب { هيئ } ، و { أي الحزبين }: معلق لنعلم عن المفعولين لما فيه من معنى الاستفهام، وهو مبتدأ، و " أحصى ": خبره، وهو فعل ماض، و { أمدا }: مفعوله. و { لما لبثوا }: حال منه، أو مفعول " أحصى " ، واللام زائدة، و { ما }: موصولة، و { أمدا }: تمييز، وقيل: { أحصى }: اسم تفضيل، من الإحصاء بحذف الزوائد، و { أمدا }: منصوب بفعل دل عليه أحصى، أي: يحصى كقوله: وأضرب منا بالسيوف القوانسا لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به، إجماعا، ويجوز أن يكون تمييزا بعد اسم التفضيل. يقول الحق جل جلاله: { أم حسبت } أي: ظننت يا محمد، والمراد: حسبان أمته { أن أصحاب الكهف } ، وهو الغار الواسع في الجبل. واختلف في موضعه فقيل: بقرب فلسطين، وقيل: بالأندلس بمقربة من لوشة في جهة غرناطة. وذكر ابن عطية أنه دخل كهفهم، وفيه موتى، ومعهم كلبهم، وعليهم مسجد، وقريب منه بناء يقال له الرقيم، قد بقي موضع جدرانه، وفي تلك الجهة آثار يقال لها: مدينة " دقيوس " ، والله أعلم. وقال ابن جزي: ومما يبعد ذلك ما روي أن معاوية مر عليهم، وأراد الدخول إليهم ولم يدخل، هيبة، ومعاوية لم يدخل الأندلس قط، وأيضأ: فإن الموتى في لوشة يراهم الناس، ولا يدرك أحد الرعب الذي ذكر الله في أهل الكهف. ه. والمشهور: أن الرقيم هو اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم، وكان جعل ذلك الكتاب في خزانة الملك، وهو لوح من رصاص أو حجر، أمر بكتب أسمائهم فيه لما شكا قومهم فقدهم. وقيل: اسم كلبهم. أي: أظننت أنهم { كانوا } في قصتهم { من } بين { آياتنا عجبا } أي: كانوا عجبا دون باقي آياتنا، ليس الأمر كذلك. والمعنى: أن قصتهم، وإن كانت خارقة للعادة، ليست بعجيبة، بالنسبة إلى سائر الآيات التي من تعاجيبها ما ذكر من خلق الله تعالى على الأرض، من الأجناس والأنواع الفائتة الحصر من مادة واحدة، بل هي عندها كالنزر الحقير. وقال القشيري: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم، بما أضاف إلى نفسه بقوله: { من آياتنا } ، وقلب العادة من قبل الله غير مستنكر ولا مبتدع. ه. ثم ذكر أول قصتهم، فقال: { إذ أوى الفتية }: جمع فتى، وهو الشاب الكامل، أي: اذكر حين التجأ الفتية إلى الكهف، هاربين بدينهم، خائفين على إيمانهم من كفار قومهم، ورأسهم " دقيانوس " ، على ما يأتي في قصتهم. { فقالوا } حين دخلوا الغار: { ربنا آتنا من لدنك } من مستبطن أمورك وخزائن رحمتك الخاصة المكنونة عن أعين العادات، { رحمة } خاصة تستوجب الرفق والأمن من الأعداء، { وهيئ }: أصلح { لنا من أمرنا } الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ومهاجرتهم، { رشدا }: هداية نصير بها راشدين مهتدين، أو: اجعل أمرنا كله رشدا وصوابا، كقولك: لقيت منك أسدا، فتكون من باب التجريد، أو: إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب، وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء. { فضربنا على آذانهم } أي: أنمناهم، شبه الإنامة الثقيلة المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها، وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك سائر المشاعر لها في الحجب عن الشعور عند النوم لأنها تحتاج إلى الحجب أكثر، إذ هي الطريقة للتيقظ غالبا. والفاء في { فضربنا }: مثلها في قوله: فاستجبنا له [الأنبياء: 90]، بعد قوله: { إذ نادى } ، فإن الضرب المذكور، وما ترتب عليه من التقليب ذات اليمين وذات الشمال، والبعث، وغير ذلك، إيتاء رحمة لدنية خفية عن أبصار المستمسكين بالأسباب العادية استجابة لدعوتهم، أي: فاستجبنا لهم وأنمناهم، { في الكهف سنين عددا } أي: ذوات عدد، أو تعد عددا، أو معدودة، ووصف السنين بذلك: إما للتكثير، وهو الأنسب بكمال القدرة، أو التقليل، وهو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجبا من سائر الآيات العجيبة فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده تعالى. { ثم بعثناهم } أيقظناهم من تلك النومة الشبيهة بالموت، { لنعلم } علم مشاهدة، أي: ليتعلق علمنا تعلقا حاليا كتعلقه أولا تعلقا استقباليا، { أي الحزبين }: الفريقين المختلفين في مدة لبثهم المذكور في قوله: { قالوا لبثنا يوما... } الخ، { أحصى } أي: أضبط { لما لبثوا }: للبثهم، { أمدا } أي: غاية، فيظهر بذلك عجزهم، ويفوضوا ذلك إلى العليم الخبير، ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، من حفظ أبدانهم وأديانهم، فيزدادوا يقينا بكمال قدرته وعلمه، وليتيقنوا به أمر البعث، ويكون ذلك لطفا بمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفارهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم، فهذه حكم إيقاظهم بعد نومهم، والله عليم حكيم. الإشارة: عادته تعالى فيمن انقطع إليه بكليته، وآوى إلى كهف رعايته، وآيس من رفق مخلوقاته، أن يكلأه بعين عنايته، ويرعاه بحفظ رعايته، ويغيب سمع قلبه عن صوت الأكدار، ويصون عين بصيرته عن رؤية الأغيار، حين انحاشوا إلى حمى رحمته المانع، وتظللوا تحت ظل رشده الواسع. وبالله التوفيق. ثم تمم قصتهم فقال: { نحن نقص عليك نبأهم... }

الكهف 18:10

قلت: { أم }: منقطعة مقدرة ببل، التي هي للانتقال من حديث إلى حديث، لا للإبطال، والهمزة: للاستفهام عند الجمهور، وبمعنى " بل " ، فقط، عند غيرهم، و { عجبا }: خبر كان، و { من آياتنا }: حال منه، و { إذ أوى }: ظرف لعجبا، لا لحسبت، أو مفعول اذكر، أي: اذكر هذا الوقت العجيب، وهو حين التجأ الفتية إلى الكهف، و { لنا } و { من أمرنا }: يتعلق ب { هيئ } ، و { أي الحزبين }: معلق لنعلم عن المفعولين لما فيه من معنى الاستفهام، وهو مبتدأ، و " أحصى ": خبره، وهو فعل ماض، و { أمدا }: مفعوله. و { لما لبثوا }: حال منه، أو مفعول " أحصى " ، واللام زائدة، و { ما }: موصولة، و { أمدا }: تمييز، وقيل: { أحصى }: اسم تفضيل، من الإحصاء بحذف الزوائد، و { أمدا }: منصوب بفعل دل عليه أحصى، أي: يحصى كقوله: وأضرب منا بالسيوف القوانسا لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به، إجماعا، ويجوز أن يكون تمييزا بعد اسم التفضيل. يقول الحق جل جلاله: { أم حسبت } أي: ظننت يا محمد، والمراد: حسبان أمته { أن أصحاب الكهف } ، وهو الغار الواسع في الجبل. واختلف في موضعه فقيل: بقرب فلسطين، وقيل: بالأندلس بمقربة من لوشة في جهة غرناطة. وذكر ابن عطية أنه دخل كهفهم، وفيه موتى، ومعهم كلبهم، وعليهم مسجد، وقريب منه بناء يقال له الرقيم، قد بقي موضع جدرانه، وفي تلك الجهة آثار يقال لها: مدينة " دقيوس " ، والله أعلم. وقال ابن جزي: ومما يبعد ذلك ما روي أن معاوية مر عليهم، وأراد الدخول إليهم ولم يدخل، هيبة، ومعاوية لم يدخل الأندلس قط، وأيضأ: فإن الموتى في لوشة يراهم الناس، ولا يدرك أحد الرعب الذي ذكر الله في أهل الكهف. ه. والمشهور: أن الرقيم هو اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم، وكان جعل ذلك الكتاب في خزانة الملك، وهو لوح من رصاص أو حجر، أمر بكتب أسمائهم فيه لما شكا قومهم فقدهم. وقيل: اسم كلبهم. أي: أظننت أنهم { كانوا } في قصتهم { من } بين { آياتنا عجبا } أي: كانوا عجبا دون باقي آياتنا، ليس الأمر كذلك. والمعنى: أن قصتهم، وإن كانت خارقة للعادة، ليست بعجيبة، بالنسبة إلى سائر الآيات التي من تعاجيبها ما ذكر من خلق الله تعالى على الأرض، من الأجناس والأنواع الفائتة الحصر من مادة واحدة، بل هي عندها كالنزر الحقير. وقال القشيري: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم، بما أضاف إلى نفسه بقوله: { من آياتنا } ، وقلب العادة من قبل الله غير مستنكر ولا مبتدع. ه. ثم ذكر أول قصتهم، فقال: { إذ أوى الفتية }: جمع فتى، وهو الشاب الكامل، أي: اذكر حين التجأ الفتية إلى الكهف، هاربين بدينهم، خائفين على إيمانهم من كفار قومهم، ورأسهم " دقيانوس " ، على ما يأتي في قصتهم. { فقالوا } حين دخلوا الغار: { ربنا آتنا من لدنك } من مستبطن أمورك وخزائن رحمتك الخاصة المكنونة عن أعين العادات، { رحمة } خاصة تستوجب الرفق والأمن من الأعداء، { وهيئ }: أصلح { لنا من أمرنا } الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ومهاجرتهم، { رشدا }: هداية نصير بها راشدين مهتدين، أو: اجعل أمرنا كله رشدا وصوابا، كقولك: لقيت منك أسدا، فتكون من باب التجريد، أو: إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب، وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء. { فضربنا على آذانهم } أي: أنمناهم، شبه الإنامة الثقيلة المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها، وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك سائر المشاعر لها في الحجب عن الشعور عند النوم لأنها تحتاج إلى الحجب أكثر، إذ هي الطريقة للتيقظ غالبا. والفاء في { فضربنا }: مثلها في قوله: فاستجبنا له [الأنبياء: 90]، بعد قوله: { إذ نادى } ، فإن الضرب المذكور، وما ترتب عليه من التقليب ذات اليمين وذات الشمال، والبعث، وغير ذلك، إيتاء رحمة لدنية خفية عن أبصار المستمسكين بالأسباب العادية استجابة لدعوتهم، أي: فاستجبنا لهم وأنمناهم، { في الكهف سنين عددا } أي: ذوات عدد، أو تعد عددا، أو معدودة، ووصف السنين بذلك: إما للتكثير، وهو الأنسب بكمال القدرة، أو التقليل، وهو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجبا من سائر الآيات العجيبة فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده تعالى. { ثم بعثناهم } أيقظناهم من تلك النومة الشبيهة بالموت، { لنعلم } علم مشاهدة، أي: ليتعلق علمنا تعلقا حاليا كتعلقه أولا تعلقا استقباليا، { أي الحزبين }: الفريقين المختلفين في مدة لبثهم المذكور في قوله: { قالوا لبثنا يوما... } الخ، { أحصى } أي: أضبط { لما لبثوا }: للبثهم، { أمدا } أي: غاية، فيظهر بذلك عجزهم، ويفوضوا ذلك إلى العليم الخبير، ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، من حفظ أبدانهم وأديانهم، فيزدادوا يقينا بكمال قدرته وعلمه، وليتيقنوا به أمر البعث، ويكون ذلك لطفا بمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفارهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم، فهذه حكم إيقاظهم بعد نومهم، والله عليم حكيم. الإشارة: عادته تعالى فيمن انقطع إليه بكليته، وآوى إلى كهف رعايته، وآيس من رفق مخلوقاته، أن يكلأه بعين عنايته، ويرعاه بحفظ رعايته، ويغيب سمع قلبه عن صوت الأكدار، ويصون عين بصيرته عن رؤية الأغيار، حين انحاشوا إلى حمى رحمته المانع، وتظللوا تحت ظل رشده الواسع. وبالله التوفيق. ثم تمم قصتهم فقال: { نحن نقص عليك نبأهم... }

الكهف 18:11

قلت: { أم }: منقطعة مقدرة ببل، التي هي للانتقال من حديث إلى حديث، لا للإبطال، والهمزة: للاستفهام عند الجمهور، وبمعنى " بل " ، فقط، عند غيرهم، و { عجبا }: خبر كان، و { من آياتنا }: حال منه، و { إذ أوى }: ظرف لعجبا، لا لحسبت، أو مفعول اذكر، أي: اذكر هذا الوقت العجيب، وهو حين التجأ الفتية إلى الكهف، و { لنا } و { من أمرنا }: يتعلق ب { هيئ } ، و { أي الحزبين }: معلق لنعلم عن المفعولين لما فيه من معنى الاستفهام، وهو مبتدأ، و " أحصى ": خبره، وهو فعل ماض، و { أمدا }: مفعوله. و { لما لبثوا }: حال منه، أو مفعول " أحصى " ، واللام زائدة، و { ما }: موصولة، و { أمدا }: تمييز، وقيل: { أحصى }: اسم تفضيل، من الإحصاء بحذف الزوائد، و { أمدا }: منصوب بفعل دل عليه أحصى، أي: يحصى كقوله: وأضرب منا بالسيوف القوانسا لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به، إجماعا، ويجوز أن يكون تمييزا بعد اسم التفضيل. يقول الحق جل جلاله: { أم حسبت } أي: ظننت يا محمد، والمراد: حسبان أمته { أن أصحاب الكهف } ، وهو الغار الواسع في الجبل. واختلف في موضعه فقيل: بقرب فلسطين، وقيل: بالأندلس بمقربة من لوشة في جهة غرناطة. وذكر ابن عطية أنه دخل كهفهم، وفيه موتى، ومعهم كلبهم، وعليهم مسجد، وقريب منه بناء يقال له الرقيم، قد بقي موضع جدرانه، وفي تلك الجهة آثار يقال لها: مدينة " دقيوس " ، والله أعلم. وقال ابن جزي: ومما يبعد ذلك ما روي أن معاوية مر عليهم، وأراد الدخول إليهم ولم يدخل، هيبة، ومعاوية لم يدخل الأندلس قط، وأيضأ: فإن الموتى في لوشة يراهم الناس، ولا يدرك أحد الرعب الذي ذكر الله في أهل الكهف. ه. والمشهور: أن الرقيم هو اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم، وكان جعل ذلك الكتاب في خزانة الملك، وهو لوح من رصاص أو حجر، أمر بكتب أسمائهم فيه لما شكا قومهم فقدهم. وقيل: اسم كلبهم. أي: أظننت أنهم { كانوا } في قصتهم { من } بين { آياتنا عجبا } أي: كانوا عجبا دون باقي آياتنا، ليس الأمر كذلك. والمعنى: أن قصتهم، وإن كانت خارقة للعادة، ليست بعجيبة، بالنسبة إلى سائر الآيات التي من تعاجيبها ما ذكر من خلق الله تعالى على الأرض، من الأجناس والأنواع الفائتة الحصر من مادة واحدة، بل هي عندها كالنزر الحقير. وقال القشيري: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم، بما أضاف إلى نفسه بقوله: { من آياتنا } ، وقلب العادة من قبل الله غير مستنكر ولا مبتدع. ه. ثم ذكر أول قصتهم، فقال: { إذ أوى الفتية }: جمع فتى، وهو الشاب الكامل، أي: اذكر حين التجأ الفتية إلى الكهف، هاربين بدينهم، خائفين على إيمانهم من كفار قومهم، ورأسهم " دقيانوس " ، على ما يأتي في قصتهم. { فقالوا } حين دخلوا الغار: { ربنا آتنا من لدنك } من مستبطن أمورك وخزائن رحمتك الخاصة المكنونة عن أعين العادات، { رحمة } خاصة تستوجب الرفق والأمن من الأعداء، { وهيئ }: أصلح { لنا من أمرنا } الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ومهاجرتهم، { رشدا }: هداية نصير بها راشدين مهتدين، أو: اجعل أمرنا كله رشدا وصوابا، كقولك: لقيت منك أسدا، فتكون من باب التجريد، أو: إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب، وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء. { فضربنا على آذانهم } أي: أنمناهم، شبه الإنامة الثقيلة المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها، وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك سائر المشاعر لها في الحجب عن الشعور عند النوم لأنها تحتاج إلى الحجب أكثر، إذ هي الطريقة للتيقظ غالبا. والفاء في { فضربنا }: مثلها في قوله: فاستجبنا له [الأنبياء: 90]، بعد قوله: { إذ نادى } ، فإن الضرب المذكور، وما ترتب عليه من التقليب ذات اليمين وذات الشمال، والبعث، وغير ذلك، إيتاء رحمة لدنية خفية عن أبصار المستمسكين بالأسباب العادية استجابة لدعوتهم، أي: فاستجبنا لهم وأنمناهم، { في الكهف سنين عددا } أي: ذوات عدد، أو تعد عددا، أو معدودة، ووصف السنين بذلك: إما للتكثير، وهو الأنسب بكمال القدرة، أو التقليل، وهو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجبا من سائر الآيات العجيبة فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده تعالى. { ثم بعثناهم } أيقظناهم من تلك النومة الشبيهة بالموت، { لنعلم } علم مشاهدة، أي: ليتعلق علمنا تعلقا حاليا كتعلقه أولا تعلقا استقباليا، { أي الحزبين }: الفريقين المختلفين في مدة لبثهم المذكور في قوله: { قالوا لبثنا يوما... } الخ، { أحصى } أي: أضبط { لما لبثوا }: للبثهم، { أمدا } أي: غاية، فيظهر بذلك عجزهم، ويفوضوا ذلك إلى العليم الخبير، ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، من حفظ أبدانهم وأديانهم، فيزدادوا يقينا بكمال قدرته وعلمه، وليتيقنوا به أمر البعث، ويكون ذلك لطفا بمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفارهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم، فهذه حكم إيقاظهم بعد نومهم، والله عليم حكيم. الإشارة: عادته تعالى فيمن انقطع إليه بكليته، وآوى إلى كهف رعايته، وآيس من رفق مخلوقاته، أن يكلأه بعين عنايته، ويرعاه بحفظ رعايته، ويغيب سمع قلبه عن صوت الأكدار، ويصون عين بصيرته عن رؤية الأغيار، حين انحاشوا إلى حمى رحمته المانع، وتظللوا تحت ظل رشده الواسع. وبالله التوفيق. ثم تمم قصتهم فقال: { نحن نقص عليك نبأهم... }

الكهف 18:12

قلت: { أم }: منقطعة مقدرة ببل، التي هي للانتقال من حديث إلى حديث، لا للإبطال، والهمزة: للاستفهام عند الجمهور، وبمعنى " بل " ، فقط، عند غيرهم، و { عجبا }: خبر كان، و { من آياتنا }: حال منه، و { إذ أوى }: ظرف لعجبا، لا لحسبت، أو مفعول اذكر، أي: اذكر هذا الوقت العجيب، وهو حين التجأ الفتية إلى الكهف، و { لنا } و { من أمرنا }: يتعلق ب { هيئ } ، و { أي الحزبين }: معلق لنعلم عن المفعولين لما فيه من معنى الاستفهام، وهو مبتدأ، و " أحصى ": خبره، وهو فعل ماض، و { أمدا }: مفعوله. و { لما لبثوا }: حال منه، أو مفعول " أحصى " ، واللام زائدة، و { ما }: موصولة، و { أمدا }: تمييز، وقيل: { أحصى }: اسم تفضيل، من الإحصاء بحذف الزوائد، و { أمدا }: منصوب بفعل دل عليه أحصى، أي: يحصى كقوله: وأضرب منا بالسيوف القوانسا لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به، إجماعا، ويجوز أن يكون تمييزا بعد اسم التفضيل. يقول الحق جل جلاله: { أم حسبت } أي: ظننت يا محمد، والمراد: حسبان أمته { أن أصحاب الكهف } ، وهو الغار الواسع في الجبل. واختلف في موضعه فقيل: بقرب فلسطين، وقيل: بالأندلس بمقربة من لوشة في جهة غرناطة. وذكر ابن عطية أنه دخل كهفهم، وفيه موتى، ومعهم كلبهم، وعليهم مسجد، وقريب منه بناء يقال له الرقيم، قد بقي موضع جدرانه، وفي تلك الجهة آثار يقال لها: مدينة " دقيوس " ، والله أعلم. وقال ابن جزي: ومما يبعد ذلك ما روي أن معاوية مر عليهم، وأراد الدخول إليهم ولم يدخل، هيبة، ومعاوية لم يدخل الأندلس قط، وأيضأ: فإن الموتى في لوشة يراهم الناس، ولا يدرك أحد الرعب الذي ذكر الله في أهل الكهف. ه. والمشهور: أن الرقيم هو اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم، وكان جعل ذلك الكتاب في خزانة الملك، وهو لوح من رصاص أو حجر، أمر بكتب أسمائهم فيه لما شكا قومهم فقدهم. وقيل: اسم كلبهم. أي: أظننت أنهم { كانوا } في قصتهم { من } بين { آياتنا عجبا } أي: كانوا عجبا دون باقي آياتنا، ليس الأمر كذلك. والمعنى: أن قصتهم، وإن كانت خارقة للعادة، ليست بعجيبة، بالنسبة إلى سائر الآيات التي من تعاجيبها ما ذكر من خلق الله تعالى على الأرض، من الأجناس والأنواع الفائتة الحصر من مادة واحدة، بل هي عندها كالنزر الحقير. وقال القشيري: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم، بما أضاف إلى نفسه بقوله: { من آياتنا } ، وقلب العادة من قبل الله غير مستنكر ولا مبتدع. ه. ثم ذكر أول قصتهم، فقال: { إذ أوى الفتية }: جمع فتى، وهو الشاب الكامل، أي: اذكر حين التجأ الفتية إلى الكهف، هاربين بدينهم، خائفين على إيمانهم من كفار قومهم، ورأسهم " دقيانوس " ، على ما يأتي في قصتهم. { فقالوا } حين دخلوا الغار: { ربنا آتنا من لدنك } من مستبطن أمورك وخزائن رحمتك الخاصة المكنونة عن أعين العادات، { رحمة } خاصة تستوجب الرفق والأمن من الأعداء، { وهيئ }: أصلح { لنا من أمرنا } الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ومهاجرتهم، { رشدا }: هداية نصير بها راشدين مهتدين، أو: اجعل أمرنا كله رشدا وصوابا، كقولك: لقيت منك أسدا، فتكون من باب التجريد، أو: إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب، وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء. { فضربنا على آذانهم } أي: أنمناهم، شبه الإنامة الثقيلة المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها، وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك سائر المشاعر لها في الحجب عن الشعور عند النوم لأنها تحتاج إلى الحجب أكثر، إذ هي الطريقة للتيقظ غالبا. والفاء في { فضربنا }: مثلها في قوله: فاستجبنا له [الأنبياء: 90]، بعد قوله: { إذ نادى } ، فإن الضرب المذكور، وما ترتب عليه من التقليب ذات اليمين وذات الشمال، والبعث، وغير ذلك، إيتاء رحمة لدنية خفية عن أبصار المستمسكين بالأسباب العادية استجابة لدعوتهم، أي: فاستجبنا لهم وأنمناهم، { في الكهف سنين عددا } أي: ذوات عدد، أو تعد عددا، أو معدودة، ووصف السنين بذلك: إما للتكثير، وهو الأنسب بكمال القدرة، أو التقليل، وهو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجبا من سائر الآيات العجيبة فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده تعالى. { ثم بعثناهم } أيقظناهم من تلك النومة الشبيهة بالموت، { لنعلم } علم مشاهدة، أي: ليتعلق علمنا تعلقا حاليا كتعلقه أولا تعلقا استقباليا، { أي الحزبين }: الفريقين المختلفين في مدة لبثهم المذكور في قوله: { قالوا لبثنا يوما... } الخ، { أحصى } أي: أضبط { لما لبثوا }: للبثهم، { أمدا } أي: غاية، فيظهر بذلك عجزهم، ويفوضوا ذلك إلى العليم الخبير، ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، من حفظ أبدانهم وأديانهم، فيزدادوا يقينا بكمال قدرته وعلمه، وليتيقنوا به أمر البعث، ويكون ذلك لطفا بمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفارهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم، فهذه حكم إيقاظهم بعد نومهم، والله عليم حكيم. الإشارة: عادته تعالى فيمن انقطع إليه بكليته، وآوى إلى كهف رعايته، وآيس من رفق مخلوقاته، أن يكلأه بعين عنايته، ويرعاه بحفظ رعايته، ويغيب سمع قلبه عن صوت الأكدار، ويصون عين بصيرته عن رؤية الأغيار، حين انحاشوا إلى حمى رحمته المانع، وتظللوا تحت ظل رشده الواسع. وبالله التوفيق. ثم تمم قصتهم فقال: { نحن نقص عليك نبأهم... }

الكهف 18:13

قلت: { بالحق }: إما صفة لمصدر محذوف، أو حال من ضمير " نقص " ، أو من " نبأهم " ، أو صفة له، على رأي من يرى حذف الموصول مع بعض صلته، أي: نقص قصصا ملتبسا بالحق، أو نقصه متلبسين بالحق، أو نقص نبأهم ملتبسا بالحق، أو نبأهم الذي هو ملتبس بالحق. و { إذ قاموا }: ظرف لربطنا، { وشططا }: صفة لمحذوف، أي: قولا شططا، أي: ذا شطط، وصف به للمبالغة. و { هؤلاء }: مبتدأ، وفي اسم الإشارة تحقير لهم، و { قومنا }: عطف بيان له. و { اتخذوا }: خبر، و { ما يعبدون }: موصول، عطف على الضمير المنصوب، أو مصدرية، أي: وإذ اعتزلتموهم ومعبوديهم إلا الله، أو عبادتهم إلا عبادة الله، وعلى التقديرين: فالاستثناء متصل على تقدير أنهم كانوا مشركين يعبدون الله والأصنام. ومنقطع على تقدير تمحضهم بعبادة الأوثان، ويجوز أن تكون { ما } نافية على أنه إخبار من الله - تعالى - عن الفتية بالتوحيد، معترض بين " إذ " وجوابه العامل فيها. يقول الحق جل جلاله: { نحن نقص عليك نبأهم } ، والنبأ: الخبر الذي له شأن وخطر، قصصا ملتبسا { بالحق }: بالصدق الذي لا يطرقه كذب ولا ريبة. وخبرهم، حسبما ذكر محمد بن إسحاق: أنه قد مرج أهل الإنجيل، وظهرت فيهم الخطايا، وطغت ملوكهم، فعبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وكان من بالغ في ذلك وعتا عتوا كبيرا: " دقيانوس " فإنه غلا فيه غلوا كبيرا، فجاس خلال الديار والبلاد بالعبث والفساد، وقتل من خالفه ممن تمسك بدين المسيح، وكان يتتبع الناس فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فمن رغب في الحياة الدنيا الدنية: تبعه وصنع ما يصنع، ومن آثر عليها الحياة الأبدية: قتله وقطع آرابه، وعلقها بسور المدينة وأبوابها. فلما رأى الفتية ذلك، وكانوا عظماء مدينتهم، وكانوا بني الملوك، قاموا فتضرعوا إلى الله تعالى، واشتغلوا بالصلاة والدعاء، فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوان الجبار، فأحضروهم بين يديه، فقال لهم ما قال، فخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فقالوا: إن لنا إلها ملأ السماوات والأرض عظمة وجبروتا، لن ندعو من دونه أحدا، ولن نقر بما تدعونا إليه أبدا، فاقض ما أنت قاض، فأمر بنزع ما عليهم من الثياب الفاخرة، وأخرجهم من عنده. زاد في رواية: وضمنهم أهلهم، وخرج إلى مدينة نينوى لبعض شأنه، وأمهلهم إلى رجوعه ليتأملوا في أمرهم، وإلا فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين. فأجمعت الفتية على الفرار والالتجاء إلى الكهف الحصين، فأخذ كل منهم من بيت أبيه شيئا، فتصدقوا ببعضه، وتزودوا بالباقي، فأووا إلى الكهف. وفي رواية: أنهم مروا بكلب فتبعهم، على ما يأتي في شأنه، فجعلوا يصلون في ذلك الكهف آناء الليل وأطراف النهار، ويبتهلون إلى الله - سبحانه - بالأنين والجؤار، ففوضوا أمر نفقتهم إلى " يمليخا " ، فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابه الحسان، ويلبس ثياب المساكين، ويدخل المدينة ويشتري ما يهمهم، ويتحسس ما فيها من الأخبار، ويعود إلى أصحابه، فلبثوا على ذلك إلى أن قدم الجبار المدينة فطلبهم، وأحضر آباءهم، فاعتذروا بأنهم عصوهم ونهبوا أموالهم، وبذروها في الأسواق، وفروا إلى الجبل. فلما رأى " يمليخا " ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي، ومعه قليل من الزاد، فأخبرهم بما شهد من الهول، ففزعوا إلى الله - عز وجل - وخروا له سجدا، ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم، فبينما هم كذلك إذ ضرب الله على آذانهم فناموا، ونفقتهم عند رؤوسهم. فخرج " دقيانوس " في طلبهم بخيله ورجله، فوجدهم قد دخلوا الكهف، فأمر بإخراجهم فلم يطق أحد منهم أن يدخله، فلما ضاق بهم ذرعا، قال قائل منهم: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعا وعطشا، ففعل فكان شأنهم ما قص الله تعالى، إذ قال: { إنهم فتية } ، استئناف بياني، كأن سائلا سأل عن حالهم، فقال: إنهم فتية شبان كاملون في الفتوة { آمنوا بربهم } ، فيه التفات إلى ذكر الربوبية التي اقتضت تربيتهم وحفظهم، { وزدناهم هدى } بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه، وأظهرنا لهم من مكنونات محاسننا ما آثروا به الفناء على البقاء. وفيه التفات إلى التكلم لزيادة الاعتناء بشأنهم، { وربطنا على قلوبهم } أي: قويناهم، حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والأوطان، والنعيم والإخوان، واجترأوا على الصدع بالحق من غير خوف ولا حذر، والرد على دقيانوس الجبار { إذ قاموا } أي: انتصبوا لإظهار شعار الدين، قال مجاهد: خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعاد. فقال أكبرهم: إني لأجد في نفسي شيئا، إن ربي هو رب السماوات والأرض، فقالوا: نحن أيضا كذلك، فقاموا جميعا { فقالوا ربنا رب السماوات والأرض } ، وعزموا على التصميم بذلك. وقيل: قاموا بين يدي الجبار من غير مبالاة به، حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى: { هؤلاء... } الخ: منقطعا صادرا عنهم، بعد خروجهم من عنده. ثم قالوا: { لن ندعو من دونه إلها } ، لا استقلالا ولا اشتراكا، ولم يقولوا: ربا للتصميم على الرد على المخالفين، حيث كانوا يسمون أصنامهم آلهة، وللإشعار بأن مدار العبودية على وصف الألوهية. { لقد قلنا إذا شططا }: قولا ذا شطط، وهو الجور والتعدي، أي: لقد جرنا وأفرطنا في الكفر، وقلنا قولا خارجا عن حد المعقول، إن دعونا إلها غير الله جزما. { هؤلاء قومنا } قد { اتخذوا من دونه آلهة } ، فيه معنى الإنكار، { لولا }: هلا { يأتون عليهم }: على ألوهيتهم { بسلطان بين }: بحجة ظاهرة، { فمن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بنسبة الشريك إليه فإنه أظلم من كل ظالم. { وإذ اعتزلتموهم } أي: فارقتموهم { و } فارقتم { ما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف }: فالتجئوا إليه، والمعنى: وإذا اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا، { ينشر لكم ربكم }: يبسط لكم ويوسع عليكم { من رحمته } في الدارين، { ويهيئ لكم من أمركم } الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين، { مرفقا }: ما ترتفقون به، أي: تنتفعون، وجزمهم بذلك لنصوع يقينهم، وقوة وثوقهم بفضل الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد وصف الله - تعالى - أهل الكهف بخمسة أوصاف هي من شعار الصوفية الإيمان، الذي هو الأساس، وزيادة الاهتداء بتربية الإيقان إلى الوصول إلى صريح العرفان، وربط القلب في حضرة الرب، والقيام في إظهار الحق أو لداعي الوجد، والصدع بالحق من غير مبالاة بأحد من الخلق. وقال الورتجبي في قوله تعالى: { وزدناهم هدى }: أي: زدناهم نورا من جمالي، فاهتدوا به طرق معارف ذاتي وصفاتي، وذلك النور لهم على مزيد الوضوح إلى الأبد لأن نوري لا نهاية له. وقال عند قوله: { إذ قاموا }: قد استدل بهذه الآية بعض المشايخ على حركة الواجدين في وقت السماع والذكر لأن القلوب إذا كانت مربوطة بالملكوت ومحل القدس حركها أنواع الأذكار وما يرد عليها من فنون السماع. والأصل قوله: { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا } ، نعم هذا المعنى إذا كان القيام قياما بالصورة، أي: الحسية في القيام الحسي، وإذا كان القيام من جهة الحفظ والرعاية، والربط من جهة النقل من محل التلوين إلى محل التمكين، فالاستدلال بها في السكون في الوجد أحسن، إذا كان الربط بمعنى التسكين والقيام بمعنى الاستقامة. ه. قلت: الحاصل: أنا إذا حملنا القيام على الحسي ففيه دليل لأهل البداية على القيام في الذكر والسماع. وإذا حملناه على القيام المعنوي، وهو النهوض في الشيء، أو الاستقامة عليه كان فيه دلالة لأهل النهاية على السكون وعدم التحرك، وكأنه يشير إلى قضية الجنيد في بدايته ونهايته. والله تعالى أعلم. وقال ابن لب: قد اشتهر الخلاف بين العلماء في القيام لذكر الله - تعالى - وقد أباحته الصوفية، وفعلته ودامت عليه، واستفادوه من كتاب الله تعالى من قوله - عز وجل - في أصحاب الكهف: { إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض } ، وإن كانت الآية لها محامل أخرى سوى هذا. ه. قلت: وقوله تعالى: الذين يذكرون الله قياما وقعودا [آل عمران: 191]: صريح في الجواز. وقال في القوت: وقد روينا أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يظهر التأوه والوجد، فقال من كان معه: أتراه يا رسول الله مرائيا؟ فقال: " لا، بل أواه منيب " ، وقال لآخر: أظهر صوته بالآية: " أسمع الله عز وجل ولا تسمع " ، فأنكر عليه بما شهد فيه، ولم ينكر على أبي موسى قوله: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به، ولذا كل من كان له حسن قصد، ونية خير، في إظهار عمل، فليس من السمعة والرياء في شيء لتجرده من الآفة الدنيوية، وهي الطمع والمدح. ه. ثم ذكر حالهم في الكهف فقال: { وترى الشمس إذا طلعت تزاور... }

الكهف 18:14

قلت: { بالحق }: إما صفة لمصدر محذوف، أو حال من ضمير " نقص " ، أو من " نبأهم " ، أو صفة له، على رأي من يرى حذف الموصول مع بعض صلته، أي: نقص قصصا ملتبسا بالحق، أو نقصه متلبسين بالحق، أو نقص نبأهم ملتبسا بالحق، أو نبأهم الذي هو ملتبس بالحق. و { إذ قاموا }: ظرف لربطنا، { وشططا }: صفة لمحذوف، أي: قولا شططا، أي: ذا شطط، وصف به للمبالغة. و { هؤلاء }: مبتدأ، وفي اسم الإشارة تحقير لهم، و { قومنا }: عطف بيان له. و { اتخذوا }: خبر، و { ما يعبدون }: موصول، عطف على الضمير المنصوب، أو مصدرية، أي: وإذ اعتزلتموهم ومعبوديهم إلا الله، أو عبادتهم إلا عبادة الله، وعلى التقديرين: فالاستثناء متصل على تقدير أنهم كانوا مشركين يعبدون الله والأصنام. ومنقطع على تقدير تمحضهم بعبادة الأوثان، ويجوز أن تكون { ما } نافية على أنه إخبار من الله - تعالى - عن الفتية بالتوحيد، معترض بين " إذ " وجوابه العامل فيها. يقول الحق جل جلاله: { نحن نقص عليك نبأهم } ، والنبأ: الخبر الذي له شأن وخطر، قصصا ملتبسا { بالحق }: بالصدق الذي لا يطرقه كذب ولا ريبة. وخبرهم، حسبما ذكر محمد بن إسحاق: أنه قد مرج أهل الإنجيل، وظهرت فيهم الخطايا، وطغت ملوكهم، فعبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وكان من بالغ في ذلك وعتا عتوا كبيرا: " دقيانوس " فإنه غلا فيه غلوا كبيرا، فجاس خلال الديار والبلاد بالعبث والفساد، وقتل من خالفه ممن تمسك بدين المسيح، وكان يتتبع الناس فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فمن رغب في الحياة الدنيا الدنية: تبعه وصنع ما يصنع، ومن آثر عليها الحياة الأبدية: قتله وقطع آرابه، وعلقها بسور المدينة وأبوابها. فلما رأى الفتية ذلك، وكانوا عظماء مدينتهم، وكانوا بني الملوك، قاموا فتضرعوا إلى الله تعالى، واشتغلوا بالصلاة والدعاء، فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوان الجبار، فأحضروهم بين يديه، فقال لهم ما قال، فخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فقالوا: إن لنا إلها ملأ السماوات والأرض عظمة وجبروتا، لن ندعو من دونه أحدا، ولن نقر بما تدعونا إليه أبدا، فاقض ما أنت قاض، فأمر بنزع ما عليهم من الثياب الفاخرة، وأخرجهم من عنده. زاد في رواية: وضمنهم أهلهم، وخرج إلى مدينة نينوى لبعض شأنه، وأمهلهم إلى رجوعه ليتأملوا في أمرهم، وإلا فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين. فأجمعت الفتية على الفرار والالتجاء إلى الكهف الحصين، فأخذ كل منهم من بيت أبيه شيئا، فتصدقوا ببعضه، وتزودوا بالباقي، فأووا إلى الكهف. وفي رواية: أنهم مروا بكلب فتبعهم، على ما يأتي في شأنه، فجعلوا يصلون في ذلك الكهف آناء الليل وأطراف النهار، ويبتهلون إلى الله - سبحانه - بالأنين والجؤار، ففوضوا أمر نفقتهم إلى " يمليخا " ، فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابه الحسان، ويلبس ثياب المساكين، ويدخل المدينة ويشتري ما يهمهم، ويتحسس ما فيها من الأخبار، ويعود إلى أصحابه، فلبثوا على ذلك إلى أن قدم الجبار المدينة فطلبهم، وأحضر آباءهم، فاعتذروا بأنهم عصوهم ونهبوا أموالهم، وبذروها في الأسواق، وفروا إلى الجبل. فلما رأى " يمليخا " ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي، ومعه قليل من الزاد، فأخبرهم بما شهد من الهول، ففزعوا إلى الله - عز وجل - وخروا له سجدا، ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم، فبينما هم كذلك إذ ضرب الله على آذانهم فناموا، ونفقتهم عند رؤوسهم. فخرج " دقيانوس " في طلبهم بخيله ورجله، فوجدهم قد دخلوا الكهف، فأمر بإخراجهم فلم يطق أحد منهم أن يدخله، فلما ضاق بهم ذرعا، قال قائل منهم: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعا وعطشا، ففعل فكان شأنهم ما قص الله تعالى، إذ قال: { إنهم فتية } ، استئناف بياني، كأن سائلا سأل عن حالهم، فقال: إنهم فتية شبان كاملون في الفتوة { آمنوا بربهم } ، فيه التفات إلى ذكر الربوبية التي اقتضت تربيتهم وحفظهم، { وزدناهم هدى } بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه، وأظهرنا لهم من مكنونات محاسننا ما آثروا به الفناء على البقاء. وفيه التفات إلى التكلم لزيادة الاعتناء بشأنهم، { وربطنا على قلوبهم } أي: قويناهم، حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والأوطان، والنعيم والإخوان، واجترأوا على الصدع بالحق من غير خوف ولا حذر، والرد على دقيانوس الجبار { إذ قاموا } أي: انتصبوا لإظهار شعار الدين، قال مجاهد: خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعاد. فقال أكبرهم: إني لأجد في نفسي شيئا، إن ربي هو رب السماوات والأرض، فقالوا: نحن أيضا كذلك، فقاموا جميعا { فقالوا ربنا رب السماوات والأرض } ، وعزموا على التصميم بذلك. وقيل: قاموا بين يدي الجبار من غير مبالاة به، حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى: { هؤلاء... } الخ: منقطعا صادرا عنهم، بعد خروجهم من عنده. ثم قالوا: { لن ندعو من دونه إلها } ، لا استقلالا ولا اشتراكا، ولم يقولوا: ربا للتصميم على الرد على المخالفين، حيث كانوا يسمون أصنامهم آلهة، وللإشعار بأن مدار العبودية على وصف الألوهية. { لقد قلنا إذا شططا }: قولا ذا شطط، وهو الجور والتعدي، أي: لقد جرنا وأفرطنا في الكفر، وقلنا قولا خارجا عن حد المعقول، إن دعونا إلها غير الله جزما. { هؤلاء قومنا } قد { اتخذوا من دونه آلهة } ، فيه معنى الإنكار، { لولا }: هلا { يأتون عليهم }: على ألوهيتهم { بسلطان بين }: بحجة ظاهرة، { فمن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بنسبة الشريك إليه فإنه أظلم من كل ظالم. { وإذ اعتزلتموهم } أي: فارقتموهم { و } فارقتم { ما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف }: فالتجئوا إليه، والمعنى: وإذا اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا، { ينشر لكم ربكم }: يبسط لكم ويوسع عليكم { من رحمته } في الدارين، { ويهيئ لكم من أمركم } الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين، { مرفقا }: ما ترتفقون به، أي: تنتفعون، وجزمهم بذلك لنصوع يقينهم، وقوة وثوقهم بفضل الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد وصف الله - تعالى - أهل الكهف بخمسة أوصاف هي من شعار الصوفية الإيمان، الذي هو الأساس، وزيادة الاهتداء بتربية الإيقان إلى الوصول إلى صريح العرفان، وربط القلب في حضرة الرب، والقيام في إظهار الحق أو لداعي الوجد، والصدع بالحق من غير مبالاة بأحد من الخلق. وقال الورتجبي في قوله تعالى: { وزدناهم هدى }: أي: زدناهم نورا من جمالي، فاهتدوا به طرق معارف ذاتي وصفاتي، وذلك النور لهم على مزيد الوضوح إلى الأبد لأن نوري لا نهاية له. وقال عند قوله: { إذ قاموا }: قد استدل بهذه الآية بعض المشايخ على حركة الواجدين في وقت السماع والذكر لأن القلوب إذا كانت مربوطة بالملكوت ومحل القدس حركها أنواع الأذكار وما يرد عليها من فنون السماع. والأصل قوله: { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا } ، نعم هذا المعنى إذا كان القيام قياما بالصورة، أي: الحسية في القيام الحسي، وإذا كان القيام من جهة الحفظ والرعاية، والربط من جهة النقل من محل التلوين إلى محل التمكين، فالاستدلال بها في السكون في الوجد أحسن، إذا كان الربط بمعنى التسكين والقيام بمعنى الاستقامة. ه. قلت: الحاصل: أنا إذا حملنا القيام على الحسي ففيه دليل لأهل البداية على القيام في الذكر والسماع. وإذا حملناه على القيام المعنوي، وهو النهوض في الشيء، أو الاستقامة عليه كان فيه دلالة لأهل النهاية على السكون وعدم التحرك، وكأنه يشير إلى قضية الجنيد في بدايته ونهايته. والله تعالى أعلم. وقال ابن لب: قد اشتهر الخلاف بين العلماء في القيام لذكر الله - تعالى - وقد أباحته الصوفية، وفعلته ودامت عليه، واستفادوه من كتاب الله تعالى من قوله - عز وجل - في أصحاب الكهف: { إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض } ، وإن كانت الآية لها محامل أخرى سوى هذا. ه. قلت: وقوله تعالى: الذين يذكرون الله قياما وقعودا [آل عمران: 191]: صريح في الجواز. وقال في القوت: وقد روينا أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يظهر التأوه والوجد، فقال من كان معه: أتراه يا رسول الله مرائيا؟ فقال: " لا، بل أواه منيب " ، وقال لآخر: أظهر صوته بالآية: " أسمع الله عز وجل ولا تسمع " ، فأنكر عليه بما شهد فيه، ولم ينكر على أبي موسى قوله: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به، ولذا كل من كان له حسن قصد، ونية خير، في إظهار عمل، فليس من السمعة والرياء في شيء لتجرده من الآفة الدنيوية، وهي الطمع والمدح. ه. ثم ذكر حالهم في الكهف فقال: { وترى الشمس إذا طلعت تزاور... }

الكهف 18:15

قلت: { بالحق }: إما صفة لمصدر محذوف، أو حال من ضمير " نقص " ، أو من " نبأهم " ، أو صفة له، على رأي من يرى حذف الموصول مع بعض صلته، أي: نقص قصصا ملتبسا بالحق، أو نقصه متلبسين بالحق، أو نقص نبأهم ملتبسا بالحق، أو نبأهم الذي هو ملتبس بالحق. و { إذ قاموا }: ظرف لربطنا، { وشططا }: صفة لمحذوف، أي: قولا شططا، أي: ذا شطط، وصف به للمبالغة. و { هؤلاء }: مبتدأ، وفي اسم الإشارة تحقير لهم، و { قومنا }: عطف بيان له. و { اتخذوا }: خبر، و { ما يعبدون }: موصول، عطف على الضمير المنصوب، أو مصدرية، أي: وإذ اعتزلتموهم ومعبوديهم إلا الله، أو عبادتهم إلا عبادة الله، وعلى التقديرين: فالاستثناء متصل على تقدير أنهم كانوا مشركين يعبدون الله والأصنام. ومنقطع على تقدير تمحضهم بعبادة الأوثان، ويجوز أن تكون { ما } نافية على أنه إخبار من الله - تعالى - عن الفتية بالتوحيد، معترض بين " إذ " وجوابه العامل فيها. يقول الحق جل جلاله: { نحن نقص عليك نبأهم } ، والنبأ: الخبر الذي له شأن وخطر، قصصا ملتبسا { بالحق }: بالصدق الذي لا يطرقه كذب ولا ريبة. وخبرهم، حسبما ذكر محمد بن إسحاق: أنه قد مرج أهل الإنجيل، وظهرت فيهم الخطايا، وطغت ملوكهم، فعبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وكان من بالغ في ذلك وعتا عتوا كبيرا: " دقيانوس " فإنه غلا فيه غلوا كبيرا، فجاس خلال الديار والبلاد بالعبث والفساد، وقتل من خالفه ممن تمسك بدين المسيح، وكان يتتبع الناس فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فمن رغب في الحياة الدنيا الدنية: تبعه وصنع ما يصنع، ومن آثر عليها الحياة الأبدية: قتله وقطع آرابه، وعلقها بسور المدينة وأبوابها. فلما رأى الفتية ذلك، وكانوا عظماء مدينتهم، وكانوا بني الملوك، قاموا فتضرعوا إلى الله تعالى، واشتغلوا بالصلاة والدعاء، فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوان الجبار، فأحضروهم بين يديه، فقال لهم ما قال، فخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فقالوا: إن لنا إلها ملأ السماوات والأرض عظمة وجبروتا، لن ندعو من دونه أحدا، ولن نقر بما تدعونا إليه أبدا، فاقض ما أنت قاض، فأمر بنزع ما عليهم من الثياب الفاخرة، وأخرجهم من عنده. زاد في رواية: وضمنهم أهلهم، وخرج إلى مدينة نينوى لبعض شأنه، وأمهلهم إلى رجوعه ليتأملوا في أمرهم، وإلا فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين. فأجمعت الفتية على الفرار والالتجاء إلى الكهف الحصين، فأخذ كل منهم من بيت أبيه شيئا، فتصدقوا ببعضه، وتزودوا بالباقي، فأووا إلى الكهف. وفي رواية: أنهم مروا بكلب فتبعهم، على ما يأتي في شأنه، فجعلوا يصلون في ذلك الكهف آناء الليل وأطراف النهار، ويبتهلون إلى الله - سبحانه - بالأنين والجؤار، ففوضوا أمر نفقتهم إلى " يمليخا " ، فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابه الحسان، ويلبس ثياب المساكين، ويدخل المدينة ويشتري ما يهمهم، ويتحسس ما فيها من الأخبار، ويعود إلى أصحابه، فلبثوا على ذلك إلى أن قدم الجبار المدينة فطلبهم، وأحضر آباءهم، فاعتذروا بأنهم عصوهم ونهبوا أموالهم، وبذروها في الأسواق، وفروا إلى الجبل. فلما رأى " يمليخا " ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي، ومعه قليل من الزاد، فأخبرهم بما شهد من الهول، ففزعوا إلى الله - عز وجل - وخروا له سجدا، ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم، فبينما هم كذلك إذ ضرب الله على آذانهم فناموا، ونفقتهم عند رؤوسهم. فخرج " دقيانوس " في طلبهم بخيله ورجله، فوجدهم قد دخلوا الكهف، فأمر بإخراجهم فلم يطق أحد منهم أن يدخله، فلما ضاق بهم ذرعا، قال قائل منهم: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعا وعطشا، ففعل فكان شأنهم ما قص الله تعالى، إذ قال: { إنهم فتية } ، استئناف بياني، كأن سائلا سأل عن حالهم، فقال: إنهم فتية شبان كاملون في الفتوة { آمنوا بربهم } ، فيه التفات إلى ذكر الربوبية التي اقتضت تربيتهم وحفظهم، { وزدناهم هدى } بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه، وأظهرنا لهم من مكنونات محاسننا ما آثروا به الفناء على البقاء. وفيه التفات إلى التكلم لزيادة الاعتناء بشأنهم، { وربطنا على قلوبهم } أي: قويناهم، حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والأوطان، والنعيم والإخوان، واجترأوا على الصدع بالحق من غير خوف ولا حذر، والرد على دقيانوس الجبار { إذ قاموا } أي: انتصبوا لإظهار شعار الدين، قال مجاهد: خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعاد. فقال أكبرهم: إني لأجد في نفسي شيئا، إن ربي هو رب السماوات والأرض، فقالوا: نحن أيضا كذلك، فقاموا جميعا { فقالوا ربنا رب السماوات والأرض } ، وعزموا على التصميم بذلك. وقيل: قاموا بين يدي الجبار من غير مبالاة به، حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى: { هؤلاء... } الخ: منقطعا صادرا عنهم، بعد خروجهم من عنده. ثم قالوا: { لن ندعو من دونه إلها } ، لا استقلالا ولا اشتراكا، ولم يقولوا: ربا للتصميم على الرد على المخالفين، حيث كانوا يسمون أصنامهم آلهة، وللإشعار بأن مدار العبودية على وصف الألوهية. { لقد قلنا إذا شططا }: قولا ذا شطط، وهو الجور والتعدي، أي: لقد جرنا وأفرطنا في الكفر، وقلنا قولا خارجا عن حد المعقول، إن دعونا إلها غير الله جزما. { هؤلاء قومنا } قد { اتخذوا من دونه آلهة } ، فيه معنى الإنكار، { لولا }: هلا { يأتون عليهم }: على ألوهيتهم { بسلطان بين }: بحجة ظاهرة، { فمن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بنسبة الشريك إليه فإنه أظلم من كل ظالم. { وإذ اعتزلتموهم } أي: فارقتموهم { و } فارقتم { ما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف }: فالتجئوا إليه، والمعنى: وإذا اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا، { ينشر لكم ربكم }: يبسط لكم ويوسع عليكم { من رحمته } في الدارين، { ويهيئ لكم من أمركم } الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين، { مرفقا }: ما ترتفقون به، أي: تنتفعون، وجزمهم بذلك لنصوع يقينهم، وقوة وثوقهم بفضل الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد وصف الله - تعالى - أهل الكهف بخمسة أوصاف هي من شعار الصوفية الإيمان، الذي هو الأساس، وزيادة الاهتداء بتربية الإيقان إلى الوصول إلى صريح العرفان، وربط القلب في حضرة الرب، والقيام في إظهار الحق أو لداعي الوجد، والصدع بالحق من غير مبالاة بأحد من الخلق. وقال الورتجبي في قوله تعالى: { وزدناهم هدى }: أي: زدناهم نورا من جمالي، فاهتدوا به طرق معارف ذاتي وصفاتي، وذلك النور لهم على مزيد الوضوح إلى الأبد لأن نوري لا نهاية له. وقال عند قوله: { إذ قاموا }: قد استدل بهذه الآية بعض المشايخ على حركة الواجدين في وقت السماع والذكر لأن القلوب إذا كانت مربوطة بالملكوت ومحل القدس حركها أنواع الأذكار وما يرد عليها من فنون السماع. والأصل قوله: { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا } ، نعم هذا المعنى إذا كان القيام قياما بالصورة، أي: الحسية في القيام الحسي، وإذا كان القيام من جهة الحفظ والرعاية، والربط من جهة النقل من محل التلوين إلى محل التمكين، فالاستدلال بها في السكون في الوجد أحسن، إذا كان الربط بمعنى التسكين والقيام بمعنى الاستقامة. ه. قلت: الحاصل: أنا إذا حملنا القيام على الحسي ففيه دليل لأهل البداية على القيام في الذكر والسماع. وإذا حملناه على القيام المعنوي، وهو النهوض في الشيء، أو الاستقامة عليه كان فيه دلالة لأهل النهاية على السكون وعدم التحرك، وكأنه يشير إلى قضية الجنيد في بدايته ونهايته. والله تعالى أعلم. وقال ابن لب: قد اشتهر الخلاف بين العلماء في القيام لذكر الله - تعالى - وقد أباحته الصوفية، وفعلته ودامت عليه، واستفادوه من كتاب الله تعالى من قوله - عز وجل - في أصحاب الكهف: { إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض } ، وإن كانت الآية لها محامل أخرى سوى هذا. ه. قلت: وقوله تعالى: الذين يذكرون الله قياما وقعودا [آل عمران: 191]: صريح في الجواز. وقال في القوت: وقد روينا أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يظهر التأوه والوجد، فقال من كان معه: أتراه يا رسول الله مرائيا؟ فقال: " لا، بل أواه منيب " ، وقال لآخر: أظهر صوته بالآية: " أسمع الله عز وجل ولا تسمع " ، فأنكر عليه بما شهد فيه، ولم ينكر على أبي موسى قوله: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به، ولذا كل من كان له حسن قصد، ونية خير، في إظهار عمل، فليس من السمعة والرياء في شيء لتجرده من الآفة الدنيوية، وهي الطمع والمدح. ه. ثم ذكر حالهم في الكهف فقال: { وترى الشمس إذا طلعت تزاور... }

الكهف 18:16

قلت: { بالحق }: إما صفة لمصدر محذوف، أو حال من ضمير " نقص " ، أو من " نبأهم " ، أو صفة له، على رأي من يرى حذف الموصول مع بعض صلته، أي: نقص قصصا ملتبسا بالحق، أو نقصه متلبسين بالحق، أو نقص نبأهم ملتبسا بالحق، أو نبأهم الذي هو ملتبس بالحق. و { إذ قاموا }: ظرف لربطنا، { وشططا }: صفة لمحذوف، أي: قولا شططا، أي: ذا شطط، وصف به للمبالغة. و { هؤلاء }: مبتدأ، وفي اسم الإشارة تحقير لهم، و { قومنا }: عطف بيان له. و { اتخذوا }: خبر، و { ما يعبدون }: موصول، عطف على الضمير المنصوب، أو مصدرية، أي: وإذ اعتزلتموهم ومعبوديهم إلا الله، أو عبادتهم إلا عبادة الله، وعلى التقديرين: فالاستثناء متصل على تقدير أنهم كانوا مشركين يعبدون الله والأصنام. ومنقطع على تقدير تمحضهم بعبادة الأوثان، ويجوز أن تكون { ما } نافية على أنه إخبار من الله - تعالى - عن الفتية بالتوحيد، معترض بين " إذ " وجوابه العامل فيها. يقول الحق جل جلاله: { نحن نقص عليك نبأهم } ، والنبأ: الخبر الذي له شأن وخطر، قصصا ملتبسا { بالحق }: بالصدق الذي لا يطرقه كذب ولا ريبة. وخبرهم، حسبما ذكر محمد بن إسحاق: أنه قد مرج أهل الإنجيل، وظهرت فيهم الخطايا، وطغت ملوكهم، فعبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وكان من بالغ في ذلك وعتا عتوا كبيرا: " دقيانوس " فإنه غلا فيه غلوا كبيرا، فجاس خلال الديار والبلاد بالعبث والفساد، وقتل من خالفه ممن تمسك بدين المسيح، وكان يتتبع الناس فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فمن رغب في الحياة الدنيا الدنية: تبعه وصنع ما يصنع، ومن آثر عليها الحياة الأبدية: قتله وقطع آرابه، وعلقها بسور المدينة وأبوابها. فلما رأى الفتية ذلك، وكانوا عظماء مدينتهم، وكانوا بني الملوك، قاموا فتضرعوا إلى الله تعالى، واشتغلوا بالصلاة والدعاء، فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوان الجبار، فأحضروهم بين يديه، فقال لهم ما قال، فخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فقالوا: إن لنا إلها ملأ السماوات والأرض عظمة وجبروتا، لن ندعو من دونه أحدا، ولن نقر بما تدعونا إليه أبدا، فاقض ما أنت قاض، فأمر بنزع ما عليهم من الثياب الفاخرة، وأخرجهم من عنده. زاد في رواية: وضمنهم أهلهم، وخرج إلى مدينة نينوى لبعض شأنه، وأمهلهم إلى رجوعه ليتأملوا في أمرهم، وإلا فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين. فأجمعت الفتية على الفرار والالتجاء إلى الكهف الحصين، فأخذ كل منهم من بيت أبيه شيئا، فتصدقوا ببعضه، وتزودوا بالباقي، فأووا إلى الكهف. وفي رواية: أنهم مروا بكلب فتبعهم، على ما يأتي في شأنه، فجعلوا يصلون في ذلك الكهف آناء الليل وأطراف النهار، ويبتهلون إلى الله - سبحانه - بالأنين والجؤار، ففوضوا أمر نفقتهم إلى " يمليخا " ، فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابه الحسان، ويلبس ثياب المساكين، ويدخل المدينة ويشتري ما يهمهم، ويتحسس ما فيها من الأخبار، ويعود إلى أصحابه، فلبثوا على ذلك إلى أن قدم الجبار المدينة فطلبهم، وأحضر آباءهم، فاعتذروا بأنهم عصوهم ونهبوا أموالهم، وبذروها في الأسواق، وفروا إلى الجبل. فلما رأى " يمليخا " ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي، ومعه قليل من الزاد، فأخبرهم بما شهد من الهول، ففزعوا إلى الله - عز وجل - وخروا له سجدا، ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم، فبينما هم كذلك إذ ضرب الله على آذانهم فناموا، ونفقتهم عند رؤوسهم. فخرج " دقيانوس " في طلبهم بخيله ورجله، فوجدهم قد دخلوا الكهف، فأمر بإخراجهم فلم يطق أحد منهم أن يدخله، فلما ضاق بهم ذرعا، قال قائل منهم: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعا وعطشا، ففعل فكان شأنهم ما قص الله تعالى، إذ قال: { إنهم فتية } ، استئناف بياني، كأن سائلا سأل عن حالهم، فقال: إنهم فتية شبان كاملون في الفتوة { آمنوا بربهم } ، فيه التفات إلى ذكر الربوبية التي اقتضت تربيتهم وحفظهم، { وزدناهم هدى } بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه، وأظهرنا لهم من مكنونات محاسننا ما آثروا به الفناء على البقاء. وفيه التفات إلى التكلم لزيادة الاعتناء بشأنهم، { وربطنا على قلوبهم } أي: قويناهم، حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والأوطان، والنعيم والإخوان، واجترأوا على الصدع بالحق من غير خوف ولا حذر، والرد على دقيانوس الجبار { إذ قاموا } أي: انتصبوا لإظهار شعار الدين، قال مجاهد: خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعاد. فقال أكبرهم: إني لأجد في نفسي شيئا، إن ربي هو رب السماوات والأرض، فقالوا: نحن أيضا كذلك، فقاموا جميعا { فقالوا ربنا رب السماوات والأرض } ، وعزموا على التصميم بذلك. وقيل: قاموا بين يدي الجبار من غير مبالاة به، حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى: { هؤلاء... } الخ: منقطعا صادرا عنهم، بعد خروجهم من عنده. ثم قالوا: { لن ندعو من دونه إلها } ، لا استقلالا ولا اشتراكا، ولم يقولوا: ربا للتصميم على الرد على المخالفين، حيث كانوا يسمون أصنامهم آلهة، وللإشعار بأن مدار العبودية على وصف الألوهية. { لقد قلنا إذا شططا }: قولا ذا شطط، وهو الجور والتعدي، أي: لقد جرنا وأفرطنا في الكفر، وقلنا قولا خارجا عن حد المعقول، إن دعونا إلها غير الله جزما. { هؤلاء قومنا } قد { اتخذوا من دونه آلهة } ، فيه معنى الإنكار، { لولا }: هلا { يأتون عليهم }: على ألوهيتهم { بسلطان بين }: بحجة ظاهرة، { فمن أظلم } أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بنسبة الشريك إليه فإنه أظلم من كل ظالم. { وإذ اعتزلتموهم } أي: فارقتموهم { و } فارقتم { ما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف }: فالتجئوا إليه، والمعنى: وإذا اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا، { ينشر لكم ربكم }: يبسط لكم ويوسع عليكم { من رحمته } في الدارين، { ويهيئ لكم من أمركم } الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين، { مرفقا }: ما ترتفقون به، أي: تنتفعون، وجزمهم بذلك لنصوع يقينهم، وقوة وثوقهم بفضل الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد وصف الله - تعالى - أهل الكهف بخمسة أوصاف هي من شعار الصوفية الإيمان، الذي هو الأساس، وزيادة الاهتداء بتربية الإيقان إلى الوصول إلى صريح العرفان، وربط القلب في حضرة الرب، والقيام في إظهار الحق أو لداعي الوجد، والصدع بالحق من غير مبالاة بأحد من الخلق. وقال الورتجبي في قوله تعالى: { وزدناهم هدى }: أي: زدناهم نورا من جمالي، فاهتدوا به طرق معارف ذاتي وصفاتي، وذلك النور لهم على مزيد الوضوح إلى الأبد لأن نوري لا نهاية له. وقال عند قوله: { إذ قاموا }: قد استدل بهذه الآية بعض المشايخ على حركة الواجدين في وقت السماع والذكر لأن القلوب إذا كانت مربوطة بالملكوت ومحل القدس حركها أنواع الأذكار وما يرد عليها من فنون السماع. والأصل قوله: { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا } ، نعم هذا المعنى إذا كان القيام قياما بالصورة، أي: الحسية في القيام الحسي، وإذا كان القيام من جهة الحفظ والرعاية، والربط من جهة النقل من محل التلوين إلى محل التمكين، فالاستدلال بها في السكون في الوجد أحسن، إذا كان الربط بمعنى التسكين والقيام بمعنى الاستقامة. ه. قلت: الحاصل: أنا إذا حملنا القيام على الحسي ففيه دليل لأهل البداية على القيام في الذكر والسماع. وإذا حملناه على القيام المعنوي، وهو النهوض في الشيء، أو الاستقامة عليه كان فيه دلالة لأهل النهاية على السكون وعدم التحرك، وكأنه يشير إلى قضية الجنيد في بدايته ونهايته. والله تعالى أعلم. وقال ابن لب: قد اشتهر الخلاف بين العلماء في القيام لذكر الله - تعالى - وقد أباحته الصوفية، وفعلته ودامت عليه، واستفادوه من كتاب الله تعالى من قوله - عز وجل - في أصحاب الكهف: { إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض } ، وإن كانت الآية لها محامل أخرى سوى هذا. ه. قلت: وقوله تعالى: الذين يذكرون الله قياما وقعودا [آل عمران: 191]: صريح في الجواز. وقال في القوت: وقد روينا أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يظهر التأوه والوجد، فقال من كان معه: أتراه يا رسول الله مرائيا؟ فقال: " لا، بل أواه منيب " ، وقال لآخر: أظهر صوته بالآية: " أسمع الله عز وجل ولا تسمع " ، فأنكر عليه بما شهد فيه، ولم ينكر على أبي موسى قوله: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به، ولذا كل من كان له حسن قصد، ونية خير، في إظهار عمل، فليس من السمعة والرياء في شيء لتجرده من الآفة الدنيوية، وهي الطمع والمدح. ه. ثم ذكر حالهم في الكهف فقال: { وترى الشمس إذا طلعت تزاور... }

الكهف 18:17

قلت: { تزاور } أصله: تتزاور، فأدغمت التاء في الزاي. وقرأ الكوفيون بحذفها، وابن عامر ويعقوب: " تزور " كتمرد، كلها من الزور بمعنى الميل. و { ذات اليمين }: ظرف بمعنى الجهة. وجملة: { وهم في فجوة }: حال، و { ذراعيه }: مفعول " باسط " لأنه حكاية حال، أي: يبسط، و { فرارا }: مصدر لأنه عبارة عن معنى التولية، أو حال، أي: لوليت فارا، و { رعبا }: مفعول ثان لملئت، أو تمييز. يقول الحق جل جلاله: في بيان حالهم بعدما أووا إلى الكهف: { وترى الشمس إذا طلعت تزاور } أي: تنتحي وتميل { عن كهفهم } الذي أووا إليه، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب. وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقا، بل الإنباء بكون الكهف بحيث لو رأيته ترى الشمس إذا طلعت تميل عن كهفهم { ذات اليمين } أي: جهة ذات يمين الكهف، عند الداخل إلى قعره، { وإذا غربت } أي: وتراها إذا غربت { تقرضهم } أي: تقطعهم وتتعدى عنهم { ذات الشمال } أي: جهته وجانبه الذي يلي المشرق. وكان ذلك بتصريف الله تعالى على منهاج خرق العادة كرامة لهم. وقيل: كان باب الكهف شماليا يستقبل بنات نعش، { وهم في فجوة منه }: في موضع واسع منه، وذلك موقع لإصابة الشمس، ومع ذلك ينحيها الله عنهم. { ذلك من آيات الله } أي: ما صنع الله بهم من ميل الشمس عنهم عند طلوعها وغروبها، من آيات الله العجيبة الدالة على كمال علمه وقدرته، وفضيلة التوحيد وكرامة أهله عنده سبحانه. قال بعضهم: هذا قبل سد دقيانوس باب الكهف، قلت: كان قبل السد وبعد هدم السد لأنه هدم بعد، فما قام أهل الكهف حتى وجدوه مهدوما. وظاهر الآية يرجح من قال: إنه من باب خرق العادة. { من يهد الله فهو المهتد } الذي أصاب الفلاح. والمراد: إما الثناء عليهم، والشهادة بإصابة المطلوب، والإخبار بتحقيق ما أملوه من نشر الرحمة وتهيئة المرافق، أو التنبيه على أن أمثال هذه الآية كثيرة، ولكن المنتفع بها هو من وفقه الله وهداه للاستبصار بها، { ومن يضلل } أي: يخلق فيه الضلال بصرف اختياره إليه، { فلن تجد له } ، ولو بالغت في التتبع والاستقصاء، { وليا }: ناصرا { مرشدا } ، يهديه إلى ما ذكر من الفلاح. والجملة معترضة بين أجزاء القصة. ثم قال: { وتحسبهم } بالفتح والكسر، أي: تظنهم { أيقاظا } ، لانفتاح أعينهم، أو لكثرة تقلبهم، وهو جمع " يقظ " بظم القاف وكسرها، { وهم رقود } أي: نيام، { ونقلبهم } في رقودهم { ذات اليمين } أي: جهة تلي أيمانهم، { وذات الشمال } أي: جهة تلي شمائلهم لكي لا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم. قال ابن عباس رضي الله عنه: لو لم يتقلبوا لأكلتهم الأرض. قيل: كانوا يتقلبون مرتين في السنة. وقيل: مرة يوم عاشوراء. وقيل: في تسع سنين. { وكلبهم باسط ذراعيه } ، حكاية حال ماضية أي: يبسط ذراعيه، وهو من المرفق إلى رأس الأصابع. { بالوصيد } أي: بموضع من الكهف، وقيل: بالفناء من الكهف، وقيل: العتبة. وهذا الكلب، قيل: هو كلب مروا به فتبعهم، فطردوه مرارا، فلم يرجع، فأنطقه الله، فقال: يا أولياء الله لا تخشوا إصابتي فإني أحب أحباء الله، فناموا حتى أحرسكم. وقيل: هو كلب راع مروا به فتبعهم على دينهم، ومر معه كلبه، ويؤيده قراءة: وكالبهم أي: وصاحب كلبهم، وقيل: هو كلب صيد لهم أو زرع، واختلف في لونه قيل أحمر، وقيل: أصفر، وقيل: أصهب. { لو اطلعت عليهم } أي: لو عاينتهم وشاهدتهم. والاطلاع: الإشراف على الشيء بالمعاينة والمشاهدة، { لوليت منهم فرارا }: هربا بما شاهدت منهم، { ولملئت منهم رعبا } ، أي: خوفا يملأ الصدور برعبه، لما ألبسهم الله من الرهبة، أو لعظم أجرامهم وانفتاح أعينهم، وكانت منفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم. وعن معاوية: أنه غزا الروم فمر بالكهف، فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس لك ذلك قد منع الله تعالى من هو خير منك، حيث قال: { لو اطلعت عليهم... } الآية، فلم يسمع، وقال: ما أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث ناسا، وقال: اذهبوا فانظروا، ففعلوا، فلما دخلوا بعث الله ريحا فأحرقتهم. ه. الإشارة: للصوفية - رضي الله عنهم - تشبه قوي بأهل الكهف، في الانقطاع إلى الله، والتجرد عن كل ما سواه، والانحياش إلى الله، والفرار من كل ما يشغل عن الله، والتماس الرحمة الخاصة من الله، وطلب التهيئة لكل رشد وصواب، ولهذا المعنى ختم الشيخ القطب ابن مشيش تصليته المشهورة بما دعوا به، حين أووا إلى كهف الإيواء تشبها بهم في مطلق الانقطاع والفرار من مواطن الحس. ولذلك لما تشبهوا بهم حفظهم الله - أي: الصوفية - ممن رام أذاهم، وغيبهم عن حس أنفسهم، وأشهدهم عجائب لطفه وقدرته، ومن تمام التشبه بهم: أنك قل أن تجد فرقة تسافر منهم إلا ويتبعهم كلب يكون معهم، حتى شهدت ذلك في جل أسفارنا مع الفقراء تحقيقا لكمال التشبيه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر بعثهم بعد نومهم

الكهف 18:18

قلت: { تزاور } أصله: تتزاور، فأدغمت التاء في الزاي. وقرأ الكوفيون بحذفها، وابن عامر ويعقوب: " تزور " كتمرد، كلها من الزور بمعنى الميل. و { ذات اليمين }: ظرف بمعنى الجهة. وجملة: { وهم في فجوة }: حال، و { ذراعيه }: مفعول " باسط " لأنه حكاية حال، أي: يبسط، و { فرارا }: مصدر لأنه عبارة عن معنى التولية، أو حال، أي: لوليت فارا، و { رعبا }: مفعول ثان لملئت، أو تمييز. يقول الحق جل جلاله: في بيان حالهم بعدما أووا إلى الكهف: { وترى الشمس إذا طلعت تزاور } أي: تنتحي وتميل { عن كهفهم } الذي أووا إليه، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب. وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقا، بل الإنباء بكون الكهف بحيث لو رأيته ترى الشمس إذا طلعت تميل عن كهفهم { ذات اليمين } أي: جهة ذات يمين الكهف، عند الداخل إلى قعره، { وإذا غربت } أي: وتراها إذا غربت { تقرضهم } أي: تقطعهم وتتعدى عنهم { ذات الشمال } أي: جهته وجانبه الذي يلي المشرق. وكان ذلك بتصريف الله تعالى على منهاج خرق العادة كرامة لهم. وقيل: كان باب الكهف شماليا يستقبل بنات نعش، { وهم في فجوة منه }: في موضع واسع منه، وذلك موقع لإصابة الشمس، ومع ذلك ينحيها الله عنهم. { ذلك من آيات الله } أي: ما صنع الله بهم من ميل الشمس عنهم عند طلوعها وغروبها، من آيات الله العجيبة الدالة على كمال علمه وقدرته، وفضيلة التوحيد وكرامة أهله عنده سبحانه. قال بعضهم: هذا قبل سد دقيانوس باب الكهف، قلت: كان قبل السد وبعد هدم السد لأنه هدم بعد، فما قام أهل الكهف حتى وجدوه مهدوما. وظاهر الآية يرجح من قال: إنه من باب خرق العادة. { من يهد الله فهو المهتد } الذي أصاب الفلاح. والمراد: إما الثناء عليهم، والشهادة بإصابة المطلوب، والإخبار بتحقيق ما أملوه من نشر الرحمة وتهيئة المرافق، أو التنبيه على أن أمثال هذه الآية كثيرة، ولكن المنتفع بها هو من وفقه الله وهداه للاستبصار بها، { ومن يضلل } أي: يخلق فيه الضلال بصرف اختياره إليه، { فلن تجد له } ، ولو بالغت في التتبع والاستقصاء، { وليا }: ناصرا { مرشدا } ، يهديه إلى ما ذكر من الفلاح. والجملة معترضة بين أجزاء القصة. ثم قال: { وتحسبهم } بالفتح والكسر، أي: تظنهم { أيقاظا } ، لانفتاح أعينهم، أو لكثرة تقلبهم، وهو جمع " يقظ " بظم القاف وكسرها، { وهم رقود } أي: نيام، { ونقلبهم } في رقودهم { ذات اليمين } أي: جهة تلي أيمانهم، { وذات الشمال } أي: جهة تلي شمائلهم لكي لا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم. قال ابن عباس رضي الله عنه: لو لم يتقلبوا لأكلتهم الأرض. قيل: كانوا يتقلبون مرتين في السنة. وقيل: مرة يوم عاشوراء. وقيل: في تسع سنين. { وكلبهم باسط ذراعيه } ، حكاية حال ماضية أي: يبسط ذراعيه، وهو من المرفق إلى رأس الأصابع. { بالوصيد } أي: بموضع من الكهف، وقيل: بالفناء من الكهف، وقيل: العتبة. وهذا الكلب، قيل: هو كلب مروا به فتبعهم، فطردوه مرارا، فلم يرجع، فأنطقه الله، فقال: يا أولياء الله لا تخشوا إصابتي فإني أحب أحباء الله، فناموا حتى أحرسكم. وقيل: هو كلب راع مروا به فتبعهم على دينهم، ومر معه كلبه، ويؤيده قراءة: وكالبهم أي: وصاحب كلبهم، وقيل: هو كلب صيد لهم أو زرع، واختلف في لونه قيل أحمر، وقيل: أصفر، وقيل: أصهب. { لو اطلعت عليهم } أي: لو عاينتهم وشاهدتهم. والاطلاع: الإشراف على الشيء بالمعاينة والمشاهدة، { لوليت منهم فرارا }: هربا بما شاهدت منهم، { ولملئت منهم رعبا } ، أي: خوفا يملأ الصدور برعبه، لما ألبسهم الله من الرهبة، أو لعظم أجرامهم وانفتاح أعينهم، وكانت منفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم. وعن معاوية: أنه غزا الروم فمر بالكهف، فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس لك ذلك قد منع الله تعالى من هو خير منك، حيث قال: { لو اطلعت عليهم... } الآية، فلم يسمع، وقال: ما أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث ناسا، وقال: اذهبوا فانظروا، ففعلوا، فلما دخلوا بعث الله ريحا فأحرقتهم. ه. الإشارة: للصوفية - رضي الله عنهم - تشبه قوي بأهل الكهف، في الانقطاع إلى الله، والتجرد عن كل ما سواه، والانحياش إلى الله، والفرار من كل ما يشغل عن الله، والتماس الرحمة الخاصة من الله، وطلب التهيئة لكل رشد وصواب، ولهذا المعنى ختم الشيخ القطب ابن مشيش تصليته المشهورة بما دعوا به، حين أووا إلى كهف الإيواء تشبها بهم في مطلق الانقطاع والفرار من مواطن الحس. ولذلك لما تشبهوا بهم حفظهم الله - أي: الصوفية - ممن رام أذاهم، وغيبهم عن حس أنفسهم، وأشهدهم عجائب لطفه وقدرته، ومن تمام التشبه بهم: أنك قل أن تجد فرقة تسافر منهم إلا ويتبعهم كلب يكون معهم، حتى شهدت ذلك في جل أسفارنا مع الفقراء تحقيقا لكمال التشبيه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر بعثهم بعد نومهم

الكهف 18:19

يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: وكما أنمناهم وحفظنا أجسادهم من البلاء والتحلل، وكان ذلك آية دالة على كمال قدرتنا، { بعثناهم } من النوم { ليتساءلوا بينهم } أي: ليسأل بعضهم بعضا، فيترتب عليه ما فصل من الحكم البالغة، أو: ليتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيزدادوا يقينا على كمال قدرة الله، ويستبصروا أمر البعث، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم. { قال قائل منهم } هو رئيسهم، واسمه: " مكسليمنيا ": { كم لبثتم } في منامكم؟ لعله قال ذلك لما رأى من مخالفة حالهم، لما هو المعتاد في الجملة، { قالوا } أي: بعضهم: { لبثنا يوما أو بعض يوم } ، قيل: إنما قالوا ذلك لأنهم دخلوا الكهف غدوة، وكان انتباههم آخر النهار، فقالوا: { لبثنا يوما } ، فلما رأوا أن الشمس لم تغرب بعد قالوا: { أو بعض يوم } ، وكان ذلك إخبارا عن ظن غالب، فلم يعزوا إلى الكذب. { قالوا } أي: بعض آخر منهم، بما سنح له من الأدلة، ولما رأى من طول أظافرهم وشعورهم: { ربكم أعلم بما لبثتم } أي: أنتم لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها الله - سبحانه -، وهذا رد منهم على الأولين بأجمل ما يكون من حسن الأدب، { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة } ، أعرضوا عن البحث عن المدة، وأقبلوا على ما يهم في الوقت، والورق: الفضة، مضروبة أو غير مضروبة، ووصفها باسم الإشارة يقتضي أنها كانت معينة ليشتري بها قوت ذلك اليوم، وحملها دليل على أن التزود لا ينافي التوكل، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يتزود لغار حراء ليتعبد فيه. ثم قالوا: { فلينظر أيها } أي: أي أهلها { أزكى طعاما } أي: أحل وأطيب، أو أكثر وأرخص، { فليأتكم برزق منه } أي: من ذلك الأزكى طعاما، { وليتلطف }: وليتكلف اللطف في دخول المدينة وشراء الطعام، لئلا يعرف، { ولا يشعرن بكم أحدا } ولا يخبر بكم ولا بمكانكم أحدا من أهل المدينة، أو: لا يفعل ما يؤدي إلى ذلك. ثم علل النهي بقوله: { إنهم إن يظهروا عليكم }: يطلعوا عليكم، أو يظفروا بكم، والضمير: للأهل المقدر في " أيها " ، أي: إن أهل المدينة إن يظفروا بكم { يرجموكم } إن ثبتم على ما أنتم عليه، { أو يعيدوكم في ملتهم } أي: يصيروكم إليها ويدخلوكم فيها كرها، كقوله تعالى: أو لتعودن في ملتنا [إبراهيم: 13]، وقيل: كانوا على ملتهم ثم خالفوهم للحق. { ولن تفلحوا إذا } إن دخلتم فيها، ولو بالكره والجبر، { أبدا } ، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وفيه من التشديد والتحذير ما لا يخفى. الإشارة: وكذلك بعثنا من توجه إلينا من نوم الغفلة والجهالة ليتساءلوا بينهم ليتعرفوا ما أنعم الله به عليهم من اليقظة والنجاة من البطالة، فإذا انتبهوا من نوم الغفلة، استصغروا أيام البطالة لأن أيام الغفلة قليلة أمدادها، وإن كثرت آمادها، وفي الحكم: " رب عمر اتسعت آماده، وقلت أمداده " ، بخلاف زمان اليقظة، فإنه كثيرة أمداده، وإن قلت آماده، فهو طويل معنى، وإن قل حسا، ولذلك قال في الحكم أيضا: " ورب عمر قليلة آماده، كثيرة أمداده ". وقال أيضا: " من بورك له في عمره: أدرك في يسير من الزمان من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة ". فإن توقفوا على قوت أشباحهم التمسوا أطيبه وأزكاه وأحله، فإن أكل الحلال ينور القلوب وينشط الأعضاء للطاعة، وتلطفوا في أخذه من غير مزاحمة ولا حرص ولا تعب، فإن أطلعهم الله على سره المكنون من أسرار ذاته بالغوا في إخفائه، حتى لا يشعروا به أحدا من خلقه، غير من هو أهل له لأنهم، إن أظهروه لغيرهم، رجموهم أو أعادوهم إلى ملتهم، بأن يقهروهم إلى الرجوع عن طريق القوم، ولن يفلحوا إذا أبدا. وبالله التوفيق. ثم ذكر اطلاع قوم أهل الكهف عليهم

الكهف 18:20

يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: وكما أنمناهم وحفظنا أجسادهم من البلاء والتحلل، وكان ذلك آية دالة على كمال قدرتنا، { بعثناهم } من النوم { ليتساءلوا بينهم } أي: ليسأل بعضهم بعضا، فيترتب عليه ما فصل من الحكم البالغة، أو: ليتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيزدادوا يقينا على كمال قدرة الله، ويستبصروا أمر البعث، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم. { قال قائل منهم } هو رئيسهم، واسمه: " مكسليمنيا ": { كم لبثتم } في منامكم؟ لعله قال ذلك لما رأى من مخالفة حالهم، لما هو المعتاد في الجملة، { قالوا } أي: بعضهم: { لبثنا يوما أو بعض يوم } ، قيل: إنما قالوا ذلك لأنهم دخلوا الكهف غدوة، وكان انتباههم آخر النهار، فقالوا: { لبثنا يوما } ، فلما رأوا أن الشمس لم تغرب بعد قالوا: { أو بعض يوم } ، وكان ذلك إخبارا عن ظن غالب، فلم يعزوا إلى الكذب. { قالوا } أي: بعض آخر منهم، بما سنح له من الأدلة، ولما رأى من طول أظافرهم وشعورهم: { ربكم أعلم بما لبثتم } أي: أنتم لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها الله - سبحانه -، وهذا رد منهم على الأولين بأجمل ما يكون من حسن الأدب، { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة } ، أعرضوا عن البحث عن المدة، وأقبلوا على ما يهم في الوقت، والورق: الفضة، مضروبة أو غير مضروبة، ووصفها باسم الإشارة يقتضي أنها كانت معينة ليشتري بها قوت ذلك اليوم، وحملها دليل على أن التزود لا ينافي التوكل، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يتزود لغار حراء ليتعبد فيه. ثم قالوا: { فلينظر أيها } أي: أي أهلها { أزكى طعاما } أي: أحل وأطيب، أو أكثر وأرخص، { فليأتكم برزق منه } أي: من ذلك الأزكى طعاما، { وليتلطف }: وليتكلف اللطف في دخول المدينة وشراء الطعام، لئلا يعرف، { ولا يشعرن بكم أحدا } ولا يخبر بكم ولا بمكانكم أحدا من أهل المدينة، أو: لا يفعل ما يؤدي إلى ذلك. ثم علل النهي بقوله: { إنهم إن يظهروا عليكم }: يطلعوا عليكم، أو يظفروا بكم، والضمير: للأهل المقدر في " أيها " ، أي: إن أهل المدينة إن يظفروا بكم { يرجموكم } إن ثبتم على ما أنتم عليه، { أو يعيدوكم في ملتهم } أي: يصيروكم إليها ويدخلوكم فيها كرها، كقوله تعالى: أو لتعودن في ملتنا [إبراهيم: 13]، وقيل: كانوا على ملتهم ثم خالفوهم للحق. { ولن تفلحوا إذا } إن دخلتم فيها، ولو بالكره والجبر، { أبدا } ، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وفيه من التشديد والتحذير ما لا يخفى. الإشارة: وكذلك بعثنا من توجه إلينا من نوم الغفلة والجهالة ليتساءلوا بينهم ليتعرفوا ما أنعم الله به عليهم من اليقظة والنجاة من البطالة، فإذا انتبهوا من نوم الغفلة، استصغروا أيام البطالة لأن أيام الغفلة قليلة أمدادها، وإن كثرت آمادها، وفي الحكم: " رب عمر اتسعت آماده، وقلت أمداده " ، بخلاف زمان اليقظة، فإنه كثيرة أمداده، وإن قلت آماده، فهو طويل معنى، وإن قل حسا، ولذلك قال في الحكم أيضا: " ورب عمر قليلة آماده، كثيرة أمداده ". وقال أيضا: " من بورك له في عمره: أدرك في يسير من الزمان من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة ". فإن توقفوا على قوت أشباحهم التمسوا أطيبه وأزكاه وأحله، فإن أكل الحلال ينور القلوب وينشط الأعضاء للطاعة، وتلطفوا في أخذه من غير مزاحمة ولا حرص ولا تعب، فإن أطلعهم الله على سره المكنون من أسرار ذاته بالغوا في إخفائه، حتى لا يشعروا به أحدا من خلقه، غير من هو أهل له لأنهم، إن أظهروه لغيرهم، رجموهم أو أعادوهم إلى ملتهم، بأن يقهروهم إلى الرجوع عن طريق القوم، ولن يفلحوا إذا أبدا. وبالله التوفيق. ثم ذكر اطلاع قوم أهل الكهف عليهم

الكهف 18:21

قلت: { إذ يتنازعون }: ظرف لقوله: { أعثرنا } ، لا ليعلموا، أي: أعثرنا هم عليهم حين يتنازعون بينهم... الخ، و { رجما }: حال، أي: راجمين بالغيب، أو مفعول مطلق، أي: يرجمون رجما. يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: وكما أنمناهم وبعثناهم لازدياد يقينهم { أعثرنا عليهم }: أطلعنا الناس عليهم { ليعلموا } أي: ليعلم القوم الذين كانوا في ذلك الوقت { أن وعد الله } أي: وعده بالبعث والثواب والعقاب { حق } صادق لا خلف فيه، أو: ثابت لا مرد له لأن نومهم وانتباههم كحال من يموت ثم يبعث، { وأن الساعة } أي: القيامة، التي هي عبارة عن وقت بعث الخلائق جميعا للحساب والجزاء، { لا ريب فيها }: لا شك في قيامها، فإن من شاهد أنه جل وعلا توفى نفوسهم وأمسكها ثلاثمائة سنة وأكثر، حافظا لأبدانها من التحلل والفساد، ثم أرسلها كما كانت، لا يبقى معه ريب، ولا يختلجه شك، في أن وعده تعالى حق، وأنه يبعث من في القبور، ويجازيهم بأعمالهم. وكان ذلك الإعثار { إذ يتنازعون }: حين كانوا يتنازعون { بينهم أمرهم } ، في أمر البعث مختلفين فيه ففرقة أقرت، وفرقة جحدت، وقائل يقول: تبعث الأرواح فقط، وآخر يقول: تبعث جميع الأجسام بالأرواح، قيل: كان ملك المدينة حينئذ رجلا صالحا، ملكها ثمانيا وعشرين سنة، ثم اختلف أهل مملكته في البعث كما تقدم، فدخل الملك بيته وغلق الباب، ولبس مسحا وجلس على رماد، وسأل ربه أن يظهر الحق، فألقى الله - عز وجل - في نفس رجل من ذلك البلد الذي فيه الكهف، أن يهدم بنيان فم الكهف، فهدم ما سد به " دقيانوس " باب الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه، فعند ذلك بعثهم الله - تعالى - فجرى بينهم من التقاول ما جرى. روي أن المبعوث لما دخل المدينة ليشتري الطعام، أخرج دراهمه، وكانت على ضرب دقيانوس، فاتهموه أنه وجد كنزا، فذهبوا به إلى الملك، فقص عليه القصة، فقال بعضهم: إن آباءنا أخبرونا أن فتية فروا بدينهم من دقيانوس، فلعلهم هؤلاء، فانطلق الملك وأهل المدينة من مسلم وكافر، فدخلوا عليهم وكلموهم، ثم قالت الفتية للملك: نودعك الله ونعيذك به من الإنس والجن، ثم رجعوا إلى مضاجعهم، فماتوا، فألقى الملك عليهم ثيابه، وجعل لكل منهم تابوتا من ذهب، فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجدا. وقيل: لما انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى: مكانكم حتى أدخل أولا لئلا يفزعوا، فدخل، فعمي عليهم المدخل، فبنوا ثمة مسجدا. وقيل: المتنازع فيه: أمر الفتية قبل بعثهم، أي: أعثرنا عليهم حين يتذاكرون بينهم أمرهم، وما جرى بينهم وبين دقيانوس من الأحوال والأهوال، ويتلقون ذلك من الأساطير وأفواه الرجال. وعلى التقديرين: فالفاء في قوله: { فقالوا ابنوا } فصيحة، أي: أعثرنا عليهم فرأوا ما رأوا، ثم ماتوا، فقال بعضهم: { ابنوا عليهم }: على باب كهفهم { بنيانا } لئلا يتطرق إليهم الناس، ففعلوا ذلك ضنا بمقامهم ومحافظة عليهم. ثم قالوا: { ربهم أعلم بهم } ، كأنهم لما عجزوا عن إدراك حقيقة حالهم من حيث النسبة، ومن حيث العدد، ومن حيث بعد اللبث في الكهف، قالوا ذلك تفويضا إلى علام الغيوب. أو: يكون من كلامه سبحانه ردا لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، { قال الذين غلبوا على أمرهم } ، وهو الملك والمسلمون، وكانوا غالبين في ذلك الوقت: { لنتخذن عليهم مسجدا } ، فذكر في القصة أنه جعل على باب الكهف مسجدا يصلي فيه. ثم وقع الخوض في عهد نبينا - عليه الصلاة والسلام - بين نصارى نجران حين قدموا المدينة، فجرى بينهم ذكر أهل الكهف وبين المسلمين في عددهم، كما قال تعالى: { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } ، وهو قول اليعقوبية من النصارى، وكبيرهم السيد، وقيل: قالته اليهود، { ويقولون خمسة سادسهم كلبهم } ، هو قول النسطورية منهم، وكبيرهم العاقب، { رجما بالغيب }: رميا بالخبر من غير اطلاع على حقيقة الأمر، أو ظنا بالغيب من غير تحقيق، { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } ، وهو ما يقوله المسلمون بطريق التلقي من هذا الوحي، وعدم نظمه في سلك الرجم بالغيب، وتغيير سبكه بزيادة الواو المفيدة لزيادة تأكيد النسبة فيما بين طرفيها، يقضي بصحته. قال تعالى: { قل } يا محمد تحقيقا للحق، وردا على الأولين: { ربي أعلم بعدتهم } أي: ربي أقوى علما بعدتهم، { ما يعلمهم } أي: ما يعلم عددهم { إلا قليل } من الناس، قد وفقهم الله تعالى للاطلاع عليهم بالدلائل أو بالإلهام. قال ابن عباس رضي الله عنه: " أنا من ذلك القليل " ، قال: حين وقعت الواو انقطعت العدة، وأيضا حين سكت عنه تعالى ولم يقل: رجما بالغيب، علم أنه حق. وعن علي - كرم الله وجهه -: أنهم سبعة، أسماؤهم: يمليخا، وهو الذي ذهب بورقهم، ومكسيلمينيا، وهو أكبرهم والمتكلم عنهم، ومشلينا، وفي رواية الطبري: ومجسيسيا بدله، وهؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش ودبرنوش وجشاذنوس، وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، و السابع: الراعي الذي تبعهم حين هربوا من دقيانوس، واسمه: كفشططيوش. وذكر ابن عطية عن الطبري غير هؤلاء، وكلهم عجميون، قال: والسند في معرفتهم واه. والله تعالى أعلم. الإشارة: عادة الحق تعالى في أوليائه أن يخفيهم أولا عن أعين الناس، رحمة بهم إذ لو أظهرهم في البدايات لفتنوهم وردوهم إلى ما كانوا عليه، حتى إذا تخلصوا من البقايا، وتمكنوا من معرفة الحق وشهوده، أعثر عليهم من أراد سعادته ووصوله إلى حضرته ليعلموا أن وعد الله بإبقاء العدد الذين يحفظ الله بهم نظام العالم في كل زمان حق، وأن خراب العالم بانقراضهم، وقيام الساعة لا ريب فيه. وفي الآية تنبيه على ذم الخوض بما لا علم للعبد به، ومدح من رد العلم إلى الله في كل شيء. والله تعالى أعلم. ثم نهى نبنه عن المجادلة بعد وضوح الحق

الكهف 18:22

قلت: { إلا أن يشاء }: استثناء مفرغ من النهي، أي: لا تقولن في حال من الأحوال، إلا حال ملابسة بمشيئته تعالى على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو: في وقت من الأوقات، إلا وقت إن شاء الله. يقول الحق جل جلاله: { فلا تمار } أي: لا تجادل { فيهم } في شأن أهل الكهف { إلا مراء ظاهرا } قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم، من غير زيادة عليه، مع تفويض العلم إلى الله، فلا تصرح بجهلهم، ولا تفضح خطأهم، فإنه يخل بمكارم الأخلاق، { ولا تستفت فيهم }: في شأنهم { منهم } من الخائضين { أحدا } فإن فيما أوحي إليك لمندوحة عن ذلك، مع أنهم لا علم لهم بذلك. { ولا تقولن لشيء } أي: لأجل شيء تعزم عليه: { إني فاعل ذلك } الشيء { غدا }: فيما يستقبل من الزمان مطلقا، فيصدق بالغد وما بعده لأنه نزل حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين. فسألوه صلى الله عليه وسلم فقال: " غدا أخبركم " ، ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي، حتى شق عليه، وكذبته قريش، ثم نزلت السورة بعد أربعة عشر يوما، أو قريبا منها، على ما ذكره أهل السير، أي: لا تقل إني فاعل شيئا في حال من الأحوال إلا متلبسا بمشيئته على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات، إن شاء الله أن تقوله، بمعنى: أن يأذن لك فيه، فإن النسيان بمشيئته تعالى. { واذكر ربك } بقولك: إلا أن يشاء الله مستدركا له، { إذا نسيت }: إذا فرط منك نسيان ثم ذكرته. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ولو بعد سنة ما لم يحنث. ولذلك جوز تأخير الاستثناء. وعامة الفقهاء على خلافه، إذ لو صح ذلك لما تقرر طلاق ولا عتاق، ولم يعلم صدق ولا كذب، وقال القرطبي: هذا في تدارك الترك والتخلص من الإثم، وأما الاستثناء المغير للحكم فلا يكون إلا متصلا به، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه، أو: اذكر ربك إذا اعتراك نسيان لتستدرك ما فات، وحمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. وسيأتي في الإشارة بقية الكلام عليها. { وقل عسى أن يهدين ربي }: يوفقني { لأقرب من هذا } أي: لنبأ أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف، من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي، { رشدا } أي: إرشادا للناس ودلالة على ذلك. وقد فعل عز وجل ذلك حيث آتاه من البينات ما هو أعظم وأبين لقصص الأنبياء، المتباعدة أيامهم، والإخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعمار المستقبلة إلى قيام الساعة. أو: لأقرب رشدا وأدنى خيرا من المنسي، أي: عسى أن يدلني على ما هو أصلح لي من الذي نسيته إذ يجوز أن يكون نسيانه خيرا له من ذكره إذ فيه إظهار قهريته تعالى، وغناه عن خلقه، وعدم مبالاته بإدبار من أدبر وإقبال من أقبل، أو: الطريق الأقرب من هذا الذي هدى إليه أهل الكهف رشدا وصوابا، وقد فعل ذلك حيث هداه إلى الدين القيم الذي أظهره على الأديان كلها، ولو كره المشركون. { ولبثوا في كهفهم } أحياء، مضروبا على آذانهم، { ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا } ، روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية، والله تعالى ذكر السنة القمرية، والتفاوت بينهما في كل مائة ثلاث سنين، فيكون ثلاث مائة سنة وتسع سنين. ه. { قل الله أعلم بما لبثوا } أي: الزمان الذي لبثوا فيه. { له غيب السماوات والأرض } أي: ما غاب فيهما، وخفي من أحوال أهلها، { أبصر به وأسمع } أي: ما أسمعه وما أبصره. دل بصيغة التعجب على أن سمعه تعالى وبصره خارج عما عليه إدراك المدركين لأنه تعالى لا يحجبه شيء، ولا يحول دونه حائل، ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيف والكثيف، والصغير والكبير، والخفي والجلي. والتعجب في حقه تعالى مجاز لأنه إنما يكون مما خفي سببه، ولأنه دهشة وروعة تلحق المتعجب عند معاينة ما لم يعتده، وهو تعالى منزه عن ذلك، فيؤول بأنه مبالغة في إحاطة سمعه وبصره بكل شيء، كما تقدم. { ما لهم من دونه من ولي } أي: ما لأهل السماوات والأرض من دونه تعالى من ولي يتولى أمورهم وينصرهم إلا هو سبحانه، { ولا يشرك في حكمه }: في قضائه في علم الغيب { أحدا } منهم، ولا يجعل له فيه مدخلا، وقرئ بالخطاب لكل أحد، أي: ولا تشرك أيها السامع في حكمه وتدبيره أحدا من خلقه، فإنه لا فعل له ولا تدبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت إشارة الآية خمس خصال من خصال الصوفية: الأولى: ترك المراء والجدال، إلا ما كان على وجه المذاكرة والمناظرة في استخراج الحق أو تحقيقه، من غير ملاججة ولا مخاصمة، في سهولة وليونة وسلامة القلوب. الثانية: استفتاء القلوب فيما يعرض من الأمور قال صلى الله عليه وسلم " استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون وأفتوك، فالبر ما اطمأن القلب وسكن إليه، والإثم ما حاك في الصدر وتردد " ، والمراد بالقلوب التي تستفتى. القلوب الصافية المنورة بذكر الله، الزاهدة فيما سوى الله، فإنها إذا كانت بهذه الصفة لا يتجلى فيها إلا الحق، ولا تسكن إلا إلى الحق، بخلاف القلوب المخوضة بحب الدنيا والهوى، فلا تفتي إلا بما يوافق هواها. الثالثة: التفويض إلى مشيئة الله وتدبيره، والرضا بما يبرز به القضاء، بحيث لا يعقد على شيء، ولا يجزم بفعل شيء، إلا ملتبسا بمشيئة الله، فينظر ما يفعل الله، فالعاقل إذا أصبح نظر ما يفعل الله به، والجاهل إذا أصبح نظر ما يفعل بنفسه، كما قال صاحب الحكم. الرابعة: الاشتغال بالذكر والفكر، حتى يغيب عما سوى المذكور قال تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } أي: إذا نسيت ما سواه، حينئذ تكون ذاكرا حقيقة، فالذكر الحقيقي: هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسه، حتى يكون الحق تعالى هو المتكلم على لسانه لشدة غيبته فيه، وهذا أمر مشاهد لمن عثر على شيخ التربية والتزم صحبته. الخامسة: التماس الترقي والزيادة في الاهتداء واليقين، فكل مقام يدركه ينبغي أن يطلب مقاما أعلى منه، ولا نهاية لعلمه تعالى ولا لعظمته، { وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا } ، وبالله التوفيق. ثم أمره بتلاوة كتابه الذي هو أصل كل رشد وصواب

الكهف 18:23

قلت: { إلا أن يشاء }: استثناء مفرغ من النهي، أي: لا تقولن في حال من الأحوال، إلا حال ملابسة بمشيئته تعالى على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو: في وقت من الأوقات، إلا وقت إن شاء الله. يقول الحق جل جلاله: { فلا تمار } أي: لا تجادل { فيهم } في شأن أهل الكهف { إلا مراء ظاهرا } قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم، من غير زيادة عليه، مع تفويض العلم إلى الله، فلا تصرح بجهلهم، ولا تفضح خطأهم، فإنه يخل بمكارم الأخلاق، { ولا تستفت فيهم }: في شأنهم { منهم } من الخائضين { أحدا } فإن فيما أوحي إليك لمندوحة عن ذلك، مع أنهم لا علم لهم بذلك. { ولا تقولن لشيء } أي: لأجل شيء تعزم عليه: { إني فاعل ذلك } الشيء { غدا }: فيما يستقبل من الزمان مطلقا، فيصدق بالغد وما بعده لأنه نزل حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين. فسألوه صلى الله عليه وسلم فقال: " غدا أخبركم " ، ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي، حتى شق عليه، وكذبته قريش، ثم نزلت السورة بعد أربعة عشر يوما، أو قريبا منها، على ما ذكره أهل السير، أي: لا تقل إني فاعل شيئا في حال من الأحوال إلا متلبسا بمشيئته على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات، إن شاء الله أن تقوله، بمعنى: أن يأذن لك فيه، فإن النسيان بمشيئته تعالى. { واذكر ربك } بقولك: إلا أن يشاء الله مستدركا له، { إذا نسيت }: إذا فرط منك نسيان ثم ذكرته. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ولو بعد سنة ما لم يحنث. ولذلك جوز تأخير الاستثناء. وعامة الفقهاء على خلافه، إذ لو صح ذلك لما تقرر طلاق ولا عتاق، ولم يعلم صدق ولا كذب، وقال القرطبي: هذا في تدارك الترك والتخلص من الإثم، وأما الاستثناء المغير للحكم فلا يكون إلا متصلا به، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه، أو: اذكر ربك إذا اعتراك نسيان لتستدرك ما فات، وحمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. وسيأتي في الإشارة بقية الكلام عليها. { وقل عسى أن يهدين ربي }: يوفقني { لأقرب من هذا } أي: لنبأ أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف، من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي، { رشدا } أي: إرشادا للناس ودلالة على ذلك. وقد فعل عز وجل ذلك حيث آتاه من البينات ما هو أعظم وأبين لقصص الأنبياء، المتباعدة أيامهم، والإخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعمار المستقبلة إلى قيام الساعة. أو: لأقرب رشدا وأدنى خيرا من المنسي، أي: عسى أن يدلني على ما هو أصلح لي من الذي نسيته إذ يجوز أن يكون نسيانه خيرا له من ذكره إذ فيه إظهار قهريته تعالى، وغناه عن خلقه، وعدم مبالاته بإدبار من أدبر وإقبال من أقبل، أو: الطريق الأقرب من هذا الذي هدى إليه أهل الكهف رشدا وصوابا، وقد فعل ذلك حيث هداه إلى الدين القيم الذي أظهره على الأديان كلها، ولو كره المشركون. { ولبثوا في كهفهم } أحياء، مضروبا على آذانهم، { ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا } ، روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية، والله تعالى ذكر السنة القمرية، والتفاوت بينهما في كل مائة ثلاث سنين، فيكون ثلاث مائة سنة وتسع سنين. ه. { قل الله أعلم بما لبثوا } أي: الزمان الذي لبثوا فيه. { له غيب السماوات والأرض } أي: ما غاب فيهما، وخفي من أحوال أهلها، { أبصر به وأسمع } أي: ما أسمعه وما أبصره. دل بصيغة التعجب على أن سمعه تعالى وبصره خارج عما عليه إدراك المدركين لأنه تعالى لا يحجبه شيء، ولا يحول دونه حائل، ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيف والكثيف، والصغير والكبير، والخفي والجلي. والتعجب في حقه تعالى مجاز لأنه إنما يكون مما خفي سببه، ولأنه دهشة وروعة تلحق المتعجب عند معاينة ما لم يعتده، وهو تعالى منزه عن ذلك، فيؤول بأنه مبالغة في إحاطة سمعه وبصره بكل شيء، كما تقدم. { ما لهم من دونه من ولي } أي: ما لأهل السماوات والأرض من دونه تعالى من ولي يتولى أمورهم وينصرهم إلا هو سبحانه، { ولا يشرك في حكمه }: في قضائه في علم الغيب { أحدا } منهم، ولا يجعل له فيه مدخلا، وقرئ بالخطاب لكل أحد، أي: ولا تشرك أيها السامع في حكمه وتدبيره أحدا من خلقه، فإنه لا فعل له ولا تدبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت إشارة الآية خمس خصال من خصال الصوفية: الأولى: ترك المراء والجدال، إلا ما كان على وجه المذاكرة والمناظرة في استخراج الحق أو تحقيقه، من غير ملاججة ولا مخاصمة، في سهولة وليونة وسلامة القلوب. الثانية: استفتاء القلوب فيما يعرض من الأمور قال صلى الله عليه وسلم " استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون وأفتوك، فالبر ما اطمأن القلب وسكن إليه، والإثم ما حاك في الصدر وتردد " ، والمراد بالقلوب التي تستفتى. القلوب الصافية المنورة بذكر الله، الزاهدة فيما سوى الله، فإنها إذا كانت بهذه الصفة لا يتجلى فيها إلا الحق، ولا تسكن إلا إلى الحق، بخلاف القلوب المخوضة بحب الدنيا والهوى، فلا تفتي إلا بما يوافق هواها. الثالثة: التفويض إلى مشيئة الله وتدبيره، والرضا بما يبرز به القضاء، بحيث لا يعقد على شيء، ولا يجزم بفعل شيء، إلا ملتبسا بمشيئة الله، فينظر ما يفعل الله، فالعاقل إذا أصبح نظر ما يفعل الله به، والجاهل إذا أصبح نظر ما يفعل بنفسه، كما قال صاحب الحكم. الرابعة: الاشتغال بالذكر والفكر، حتى يغيب عما سوى المذكور قال تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } أي: إذا نسيت ما سواه، حينئذ تكون ذاكرا حقيقة، فالذكر الحقيقي: هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسه، حتى يكون الحق تعالى هو المتكلم على لسانه لشدة غيبته فيه، وهذا أمر مشاهد لمن عثر على شيخ التربية والتزم صحبته. الخامسة: التماس الترقي والزيادة في الاهتداء واليقين، فكل مقام يدركه ينبغي أن يطلب مقاما أعلى منه، ولا نهاية لعلمه تعالى ولا لعظمته، { وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا } ، وبالله التوفيق. ثم أمره بتلاوة كتابه الذي هو أصل كل رشد وصواب

الكهف 18:24

قلت: { إلا أن يشاء }: استثناء مفرغ من النهي، أي: لا تقولن في حال من الأحوال، إلا حال ملابسة بمشيئته تعالى على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو: في وقت من الأوقات، إلا وقت إن شاء الله. يقول الحق جل جلاله: { فلا تمار } أي: لا تجادل { فيهم } في شأن أهل الكهف { إلا مراء ظاهرا } قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم، من غير زيادة عليه، مع تفويض العلم إلى الله، فلا تصرح بجهلهم، ولا تفضح خطأهم، فإنه يخل بمكارم الأخلاق، { ولا تستفت فيهم }: في شأنهم { منهم } من الخائضين { أحدا } فإن فيما أوحي إليك لمندوحة عن ذلك، مع أنهم لا علم لهم بذلك. { ولا تقولن لشيء } أي: لأجل شيء تعزم عليه: { إني فاعل ذلك } الشيء { غدا }: فيما يستقبل من الزمان مطلقا، فيصدق بالغد وما بعده لأنه نزل حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين. فسألوه صلى الله عليه وسلم فقال: " غدا أخبركم " ، ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي، حتى شق عليه، وكذبته قريش، ثم نزلت السورة بعد أربعة عشر يوما، أو قريبا منها، على ما ذكره أهل السير، أي: لا تقل إني فاعل شيئا في حال من الأحوال إلا متلبسا بمشيئته على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات، إن شاء الله أن تقوله، بمعنى: أن يأذن لك فيه، فإن النسيان بمشيئته تعالى. { واذكر ربك } بقولك: إلا أن يشاء الله مستدركا له، { إذا نسيت }: إذا فرط منك نسيان ثم ذكرته. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ولو بعد سنة ما لم يحنث. ولذلك جوز تأخير الاستثناء. وعامة الفقهاء على خلافه، إذ لو صح ذلك لما تقرر طلاق ولا عتاق، ولم يعلم صدق ولا كذب، وقال القرطبي: هذا في تدارك الترك والتخلص من الإثم، وأما الاستثناء المغير للحكم فلا يكون إلا متصلا به، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه، أو: اذكر ربك إذا اعتراك نسيان لتستدرك ما فات، وحمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. وسيأتي في الإشارة بقية الكلام عليها. { وقل عسى أن يهدين ربي }: يوفقني { لأقرب من هذا } أي: لنبأ أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف، من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي، { رشدا } أي: إرشادا للناس ودلالة على ذلك. وقد فعل عز وجل ذلك حيث آتاه من البينات ما هو أعظم وأبين لقصص الأنبياء، المتباعدة أيامهم، والإخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعمار المستقبلة إلى قيام الساعة. أو: لأقرب رشدا وأدنى خيرا من المنسي، أي: عسى أن يدلني على ما هو أصلح لي من الذي نسيته إذ يجوز أن يكون نسيانه خيرا له من ذكره إذ فيه إظهار قهريته تعالى، وغناه عن خلقه، وعدم مبالاته بإدبار من أدبر وإقبال من أقبل، أو: الطريق الأقرب من هذا الذي هدى إليه أهل الكهف رشدا وصوابا، وقد فعل ذلك حيث هداه إلى الدين القيم الذي أظهره على الأديان كلها، ولو كره المشركون. { ولبثوا في كهفهم } أحياء، مضروبا على آذانهم، { ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا } ، روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية، والله تعالى ذكر السنة القمرية، والتفاوت بينهما في كل مائة ثلاث سنين، فيكون ثلاث مائة سنة وتسع سنين. ه. { قل الله أعلم بما لبثوا } أي: الزمان الذي لبثوا فيه. { له غيب السماوات والأرض } أي: ما غاب فيهما، وخفي من أحوال أهلها، { أبصر به وأسمع } أي: ما أسمعه وما أبصره. دل بصيغة التعجب على أن سمعه تعالى وبصره خارج عما عليه إدراك المدركين لأنه تعالى لا يحجبه شيء، ولا يحول دونه حائل، ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيف والكثيف، والصغير والكبير، والخفي والجلي. والتعجب في حقه تعالى مجاز لأنه إنما يكون مما خفي سببه، ولأنه دهشة وروعة تلحق المتعجب عند معاينة ما لم يعتده، وهو تعالى منزه عن ذلك، فيؤول بأنه مبالغة في إحاطة سمعه وبصره بكل شيء، كما تقدم. { ما لهم من دونه من ولي } أي: ما لأهل السماوات والأرض من دونه تعالى من ولي يتولى أمورهم وينصرهم إلا هو سبحانه، { ولا يشرك في حكمه }: في قضائه في علم الغيب { أحدا } منهم، ولا يجعل له فيه مدخلا، وقرئ بالخطاب لكل أحد، أي: ولا تشرك أيها السامع في حكمه وتدبيره أحدا من خلقه، فإنه لا فعل له ولا تدبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت إشارة الآية خمس خصال من خصال الصوفية: الأولى: ترك المراء والجدال، إلا ما كان على وجه المذاكرة والمناظرة في استخراج الحق أو تحقيقه، من غير ملاججة ولا مخاصمة، في سهولة وليونة وسلامة القلوب. الثانية: استفتاء القلوب فيما يعرض من الأمور قال صلى الله عليه وسلم " استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون وأفتوك، فالبر ما اطمأن القلب وسكن إليه، والإثم ما حاك في الصدر وتردد " ، والمراد بالقلوب التي تستفتى. القلوب الصافية المنورة بذكر الله، الزاهدة فيما سوى الله، فإنها إذا كانت بهذه الصفة لا يتجلى فيها إلا الحق، ولا تسكن إلا إلى الحق، بخلاف القلوب المخوضة بحب الدنيا والهوى، فلا تفتي إلا بما يوافق هواها. الثالثة: التفويض إلى مشيئة الله وتدبيره، والرضا بما يبرز به القضاء، بحيث لا يعقد على شيء، ولا يجزم بفعل شيء، إلا ملتبسا بمشيئة الله، فينظر ما يفعل الله، فالعاقل إذا أصبح نظر ما يفعل الله به، والجاهل إذا أصبح نظر ما يفعل بنفسه، كما قال صاحب الحكم. الرابعة: الاشتغال بالذكر والفكر، حتى يغيب عما سوى المذكور قال تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } أي: إذا نسيت ما سواه، حينئذ تكون ذاكرا حقيقة، فالذكر الحقيقي: هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسه، حتى يكون الحق تعالى هو المتكلم على لسانه لشدة غيبته فيه، وهذا أمر مشاهد لمن عثر على شيخ التربية والتزم صحبته. الخامسة: التماس الترقي والزيادة في الاهتداء واليقين، فكل مقام يدركه ينبغي أن يطلب مقاما أعلى منه، ولا نهاية لعلمه تعالى ولا لعظمته، { وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا } ، وبالله التوفيق. ثم أمره بتلاوة كتابه الذي هو أصل كل رشد وصواب

الكهف 18:25

قلت: { إلا أن يشاء }: استثناء مفرغ من النهي، أي: لا تقولن في حال من الأحوال، إلا حال ملابسة بمشيئته تعالى على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو: في وقت من الأوقات، إلا وقت إن شاء الله. يقول الحق جل جلاله: { فلا تمار } أي: لا تجادل { فيهم } في شأن أهل الكهف { إلا مراء ظاهرا } قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم، من غير زيادة عليه، مع تفويض العلم إلى الله، فلا تصرح بجهلهم، ولا تفضح خطأهم، فإنه يخل بمكارم الأخلاق، { ولا تستفت فيهم }: في شأنهم { منهم } من الخائضين { أحدا } فإن فيما أوحي إليك لمندوحة عن ذلك، مع أنهم لا علم لهم بذلك. { ولا تقولن لشيء } أي: لأجل شيء تعزم عليه: { إني فاعل ذلك } الشيء { غدا }: فيما يستقبل من الزمان مطلقا، فيصدق بالغد وما بعده لأنه نزل حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين. فسألوه صلى الله عليه وسلم فقال: " غدا أخبركم " ، ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي، حتى شق عليه، وكذبته قريش، ثم نزلت السورة بعد أربعة عشر يوما، أو قريبا منها، على ما ذكره أهل السير، أي: لا تقل إني فاعل شيئا في حال من الأحوال إلا متلبسا بمشيئته على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات، إن شاء الله أن تقوله، بمعنى: أن يأذن لك فيه، فإن النسيان بمشيئته تعالى. { واذكر ربك } بقولك: إلا أن يشاء الله مستدركا له، { إذا نسيت }: إذا فرط منك نسيان ثم ذكرته. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ولو بعد سنة ما لم يحنث. ولذلك جوز تأخير الاستثناء. وعامة الفقهاء على خلافه، إذ لو صح ذلك لما تقرر طلاق ولا عتاق، ولم يعلم صدق ولا كذب، وقال القرطبي: هذا في تدارك الترك والتخلص من الإثم، وأما الاستثناء المغير للحكم فلا يكون إلا متصلا به، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه، أو: اذكر ربك إذا اعتراك نسيان لتستدرك ما فات، وحمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. وسيأتي في الإشارة بقية الكلام عليها. { وقل عسى أن يهدين ربي }: يوفقني { لأقرب من هذا } أي: لنبأ أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف، من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي، { رشدا } أي: إرشادا للناس ودلالة على ذلك. وقد فعل عز وجل ذلك حيث آتاه من البينات ما هو أعظم وأبين لقصص الأنبياء، المتباعدة أيامهم، والإخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعمار المستقبلة إلى قيام الساعة. أو: لأقرب رشدا وأدنى خيرا من المنسي، أي: عسى أن يدلني على ما هو أصلح لي من الذي نسيته إذ يجوز أن يكون نسيانه خيرا له من ذكره إذ فيه إظهار قهريته تعالى، وغناه عن خلقه، وعدم مبالاته بإدبار من أدبر وإقبال من أقبل، أو: الطريق الأقرب من هذا الذي هدى إليه أهل الكهف رشدا وصوابا، وقد فعل ذلك حيث هداه إلى الدين القيم الذي أظهره على الأديان كلها، ولو كره المشركون. { ولبثوا في كهفهم } أحياء، مضروبا على آذانهم، { ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا } ، روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية، والله تعالى ذكر السنة القمرية، والتفاوت بينهما في كل مائة ثلاث سنين، فيكون ثلاث مائة سنة وتسع سنين. ه. { قل الله أعلم بما لبثوا } أي: الزمان الذي لبثوا فيه. { له غيب السماوات والأرض } أي: ما غاب فيهما، وخفي من أحوال أهلها، { أبصر به وأسمع } أي: ما أسمعه وما أبصره. دل بصيغة التعجب على أن سمعه تعالى وبصره خارج عما عليه إدراك المدركين لأنه تعالى لا يحجبه شيء، ولا يحول دونه حائل، ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيف والكثيف، والصغير والكبير، والخفي والجلي. والتعجب في حقه تعالى مجاز لأنه إنما يكون مما خفي سببه، ولأنه دهشة وروعة تلحق المتعجب عند معاينة ما لم يعتده، وهو تعالى منزه عن ذلك، فيؤول بأنه مبالغة في إحاطة سمعه وبصره بكل شيء، كما تقدم. { ما لهم من دونه من ولي } أي: ما لأهل السماوات والأرض من دونه تعالى من ولي يتولى أمورهم وينصرهم إلا هو سبحانه، { ولا يشرك في حكمه }: في قضائه في علم الغيب { أحدا } منهم، ولا يجعل له فيه مدخلا، وقرئ بالخطاب لكل أحد، أي: ولا تشرك أيها السامع في حكمه وتدبيره أحدا من خلقه، فإنه لا فعل له ولا تدبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت إشارة الآية خمس خصال من خصال الصوفية: الأولى: ترك المراء والجدال، إلا ما كان على وجه المذاكرة والمناظرة في استخراج الحق أو تحقيقه، من غير ملاججة ولا مخاصمة، في سهولة وليونة وسلامة القلوب. الثانية: استفتاء القلوب فيما يعرض من الأمور قال صلى الله عليه وسلم " استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون وأفتوك، فالبر ما اطمأن القلب وسكن إليه، والإثم ما حاك في الصدر وتردد " ، والمراد بالقلوب التي تستفتى. القلوب الصافية المنورة بذكر الله، الزاهدة فيما سوى الله، فإنها إذا كانت بهذه الصفة لا يتجلى فيها إلا الحق، ولا تسكن إلا إلى الحق، بخلاف القلوب المخوضة بحب الدنيا والهوى، فلا تفتي إلا بما يوافق هواها. الثالثة: التفويض إلى مشيئة الله وتدبيره، والرضا بما يبرز به القضاء، بحيث لا يعقد على شيء، ولا يجزم بفعل شيء، إلا ملتبسا بمشيئة الله، فينظر ما يفعل الله، فالعاقل إذا أصبح نظر ما يفعل الله به، والجاهل إذا أصبح نظر ما يفعل بنفسه، كما قال صاحب الحكم. الرابعة: الاشتغال بالذكر والفكر، حتى يغيب عما سوى المذكور قال تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } أي: إذا نسيت ما سواه، حينئذ تكون ذاكرا حقيقة، فالذكر الحقيقي: هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسه، حتى يكون الحق تعالى هو المتكلم على لسانه لشدة غيبته فيه، وهذا أمر مشاهد لمن عثر على شيخ التربية والتزم صحبته. الخامسة: التماس الترقي والزيادة في الاهتداء واليقين، فكل مقام يدركه ينبغي أن يطلب مقاما أعلى منه، ولا نهاية لعلمه تعالى ولا لعظمته، { وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا } ، وبالله التوفيق. ثم أمره بتلاوة كتابه الذي هو أصل كل رشد وصواب

الكهف 18:26

قلت: { إلا أن يشاء }: استثناء مفرغ من النهي، أي: لا تقولن في حال من الأحوال، إلا حال ملابسة بمشيئته تعالى على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو: في وقت من الأوقات، إلا وقت إن شاء الله. يقول الحق جل جلاله: { فلا تمار } أي: لا تجادل { فيهم } في شأن أهل الكهف { إلا مراء ظاهرا } قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم، من غير زيادة عليه، مع تفويض العلم إلى الله، فلا تصرح بجهلهم، ولا تفضح خطأهم، فإنه يخل بمكارم الأخلاق، { ولا تستفت فيهم }: في شأنهم { منهم } من الخائضين { أحدا } فإن فيما أوحي إليك لمندوحة عن ذلك، مع أنهم لا علم لهم بذلك. { ولا تقولن لشيء } أي: لأجل شيء تعزم عليه: { إني فاعل ذلك } الشيء { غدا }: فيما يستقبل من الزمان مطلقا، فيصدق بالغد وما بعده لأنه نزل حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين. فسألوه صلى الله عليه وسلم فقال: " غدا أخبركم " ، ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي، حتى شق عليه، وكذبته قريش، ثم نزلت السورة بعد أربعة عشر يوما، أو قريبا منها، على ما ذكره أهل السير، أي: لا تقل إني فاعل شيئا في حال من الأحوال إلا متلبسا بمشيئته على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات، إن شاء الله أن تقوله، بمعنى: أن يأذن لك فيه، فإن النسيان بمشيئته تعالى. { واذكر ربك } بقولك: إلا أن يشاء الله مستدركا له، { إذا نسيت }: إذا فرط منك نسيان ثم ذكرته. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ولو بعد سنة ما لم يحنث. ولذلك جوز تأخير الاستثناء. وعامة الفقهاء على خلافه، إذ لو صح ذلك لما تقرر طلاق ولا عتاق، ولم يعلم صدق ولا كذب، وقال القرطبي: هذا في تدارك الترك والتخلص من الإثم، وأما الاستثناء المغير للحكم فلا يكون إلا متصلا به، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه، أو: اذكر ربك إذا اعتراك نسيان لتستدرك ما فات، وحمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. وسيأتي في الإشارة بقية الكلام عليها. { وقل عسى أن يهدين ربي }: يوفقني { لأقرب من هذا } أي: لنبأ أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف، من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي، { رشدا } أي: إرشادا للناس ودلالة على ذلك. وقد فعل عز وجل ذلك حيث آتاه من البينات ما هو أعظم وأبين لقصص الأنبياء، المتباعدة أيامهم، والإخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعمار المستقبلة إلى قيام الساعة. أو: لأقرب رشدا وأدنى خيرا من المنسي، أي: عسى أن يدلني على ما هو أصلح لي من الذي نسيته إذ يجوز أن يكون نسيانه خيرا له من ذكره إذ فيه إظهار قهريته تعالى، وغناه عن خلقه، وعدم مبالاته بإدبار من أدبر وإقبال من أقبل، أو: الطريق الأقرب من هذا الذي هدى إليه أهل الكهف رشدا وصوابا، وقد فعل ذلك حيث هداه إلى الدين القيم الذي أظهره على الأديان كلها، ولو كره المشركون. { ولبثوا في كهفهم } أحياء، مضروبا على آذانهم، { ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا } ، روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية، والله تعالى ذكر السنة القمرية، والتفاوت بينهما في كل مائة ثلاث سنين، فيكون ثلاث مائة سنة وتسع سنين. ه. { قل الله أعلم بما لبثوا } أي: الزمان الذي لبثوا فيه. { له غيب السماوات والأرض } أي: ما غاب فيهما، وخفي من أحوال أهلها، { أبصر به وأسمع } أي: ما أسمعه وما أبصره. دل بصيغة التعجب على أن سمعه تعالى وبصره خارج عما عليه إدراك المدركين لأنه تعالى لا يحجبه شيء، ولا يحول دونه حائل، ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيف والكثيف، والصغير والكبير، والخفي والجلي. والتعجب في حقه تعالى مجاز لأنه إنما يكون مما خفي سببه، ولأنه دهشة وروعة تلحق المتعجب عند معاينة ما لم يعتده، وهو تعالى منزه عن ذلك، فيؤول بأنه مبالغة في إحاطة سمعه وبصره بكل شيء، كما تقدم. { ما لهم من دونه من ولي } أي: ما لأهل السماوات والأرض من دونه تعالى من ولي يتولى أمورهم وينصرهم إلا هو سبحانه، { ولا يشرك في حكمه }: في قضائه في علم الغيب { أحدا } منهم، ولا يجعل له فيه مدخلا، وقرئ بالخطاب لكل أحد، أي: ولا تشرك أيها السامع في حكمه وتدبيره أحدا من خلقه، فإنه لا فعل له ولا تدبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت إشارة الآية خمس خصال من خصال الصوفية: الأولى: ترك المراء والجدال، إلا ما كان على وجه المذاكرة والمناظرة في استخراج الحق أو تحقيقه، من غير ملاججة ولا مخاصمة، في سهولة وليونة وسلامة القلوب. الثانية: استفتاء القلوب فيما يعرض من الأمور قال صلى الله عليه وسلم " استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون وأفتوك، فالبر ما اطمأن القلب وسكن إليه، والإثم ما حاك في الصدر وتردد " ، والمراد بالقلوب التي تستفتى. القلوب الصافية المنورة بذكر الله، الزاهدة فيما سوى الله، فإنها إذا كانت بهذه الصفة لا يتجلى فيها إلا الحق، ولا تسكن إلا إلى الحق، بخلاف القلوب المخوضة بحب الدنيا والهوى، فلا تفتي إلا بما يوافق هواها. الثالثة: التفويض إلى مشيئة الله وتدبيره، والرضا بما يبرز به القضاء، بحيث لا يعقد على شيء، ولا يجزم بفعل شيء، إلا ملتبسا بمشيئة الله، فينظر ما يفعل الله، فالعاقل إذا أصبح نظر ما يفعل الله به، والجاهل إذا أصبح نظر ما يفعل بنفسه، كما قال صاحب الحكم. الرابعة: الاشتغال بالذكر والفكر، حتى يغيب عما سوى المذكور قال تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } أي: إذا نسيت ما سواه، حينئذ تكون ذاكرا حقيقة، فالذكر الحقيقي: هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسه، حتى يكون الحق تعالى هو المتكلم على لسانه لشدة غيبته فيه، وهذا أمر مشاهد لمن عثر على شيخ التربية والتزم صحبته. الخامسة: التماس الترقي والزيادة في الاهتداء واليقين، فكل مقام يدركه ينبغي أن يطلب مقاما أعلى منه، ولا نهاية لعلمه تعالى ولا لعظمته، { وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا } ، وبالله التوفيق. ثم أمره بتلاوة كتابه الذي هو أصل كل رشد وصواب

الكهف 18:27

يقول الحق جل جلاله: { واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك } أي: أسرده على ما نزل، ولا تسمع لقولهم ائت بقرآن غير هذآ [يونس: 15]، أو اتبع أحكامه، { لا مبدل لكلماته }: لا قادر على تبديله غيره، أو: لا مغير لما وعد بكلماته للمخالفين له، { ولن تجد } أبدا { من دونه ملتحدا } أي: ملجأ، تعدل إليه عند إلمام ملمة، أو: لن تجد، إن بدلت تقديرا، وخالفت ما أنزل إليك، ملتحدا: ملجأ تميل إليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: القرآن شفاء لكل داء فمن نزلت به شدة حسية أو معنوية، دنيوية أو دينية، ففزع إليه بالتلاوة أو الصلاة به، رأى فرجا، وقريبا، فالالتجاء إلى كلام الله هو الالتجاء إلى الله، فإن الحق تعالى يتجلى في كلامه للقلوب على قدر صفائها، وأما من التجأ إلى غير الله فقد خاب رجاؤه وبطل سعيه قال تعالى: { ولن تجد من دونه ملتحدا } تميل إليه فيأويك. والله تعالى أعلم. ثم أمر بصحبة الفقراء الذين يعينونه

الكهف 18:28

قلت: { ولا تعد }: نهي مجزوم بحذف الواو، و { عيناك }: فاعل، و { تريد }: حال من الكاف، أو من فاعل { تعد }. يقول الحق جل جلاله: { واصبر نفسك } أي: احبسها { مع الذين يدعون ربهم } أي: يعبدونه { بالغداة والعشي } ، قيل: الصلوات الخمس، فالغداة: الصبح، والعشي: الظهر وما بعده، وقيل: الصبح والعصر، قلت: والأظهر أنها الصلاة التي كانوا يصلونها قبل فرض الصلاة، وهي ركعتان بالغداة والعشي. قال ابن عطية: ويدخل في الآية من يدعو في غير صلاة، ومن يجمع لمذاكرة علم، وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لذكر الله بالغداة والعشي أفضل من حطم السيوف في سبيل الله، ومن إعطاء المال سحا " وقيل: { يدعون ربهم } في جميع الأوقات، وفي طرفي النهار، والمراد بهم فقراء المؤمنين كعمار وصهيب وخباب وبلال، روي أن رؤساء الكفرة من قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك وصحبناك، وقالوا: إن ريح جبابهم تؤذينا، فنزلت الآية. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت خرج إليهم وجلس بينهم، وقال: " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه " وقيل: نزلت في بيان أهل الصفة، وكانوا نحو سبعمائة، فتكون الآية مدنية. ثم وصفهم بالإخلاص، فقال: { يريدون وجهه } أي: معرفة ذاته، لا جنة ولا نجاة من نار، { ولا تعد عيناك عنهم } أي: لا تجاوزهم بنظرك إلى غيرهم، من عداه: إذا جاوزه، وفي الوجيز: ولا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة، { تريد زينة الحياة الدنيا } أي: تطلب مجالسة الأشراف والأغنياء وأصحاب الدنيا. { ولا تطع } في تنحية الفقراء عن مجلسك { من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } أي: جعلناه غافلا عن الذكر وعن الاستعداد له، كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراء عن مجلسك، فإنهم غافلون عن ذكرنا، على خلاف ما عليه المؤمنون من الدعاء في مجامع الأوقات، وفيه تنبيه على أن الباعث على ذلك الدعاء غفلة قلبية عن جناب الله - سبحانه - حتى خفي عليه أن الشرف إنما هو بتحلية القلب بالفضائل، لا بتحلية الجسد بالملابس والمآكل. { واتبع هواه }: ما تهواه نفسه، { وكان أمره فرطا }: ضياعا وهلاكا، وهو من التفريط والتضييع، أو من الإفراط والإسراف، فإن الغفلة عن ذكر الله - تعالى - تؤدي إلى اتباع الهوى المؤدي إلى التجاوز والتباعد عن الحق والصواب. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية حث على صحبة الفقراء والمكث معهم، وفي صحبتهم أسرار كبيرة ومواهب غزيرة، إذ بصحبتهم يكتسب الفقير آداب الطريق، وبصحبتهم يقع التهذيب والتأديب، حتى يتأهل لحضرة التقريب، وبصحبتهم تدوم حياة الطريق، ويصل العبد إلى معالم التحقيق، وفي ذلك يقول الشيخ أبو مدين رضي الله عنه: ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا هم السلاطين والسادات والأمرا فاصحبهم وتأدب في مجالسهم وخل حظك مهما خلفوك ورا إلى آخر كلامه. وقوله تعالى: { واصبر نفسك } قال القشيري: لم يقل: واصبر قلبك لأن قلبه كان مع الحق تعالى، فأمره بصحبة الفقراء جهرا بجهر، واستخلص قلبه لنفسه سرا بسر. ه. قال الورتجبي: اصبر نفسك مع هؤلاء الفقراء، العاشقين لجمالي، المشتاقين إلى جلالي، الذين هم في جميع الأوقات يسألون متى لقاء وجهي الكريم، ويريدون أن يطيروا بجناح المحبة إلى عالم وصلي، حتى يكونوا متسلين بصحبتك عن مقام الوصال، وفي رؤيتهم لك رؤية ذلك الجمال. ه. وقوله تعالى: { يريدون وجهه } ، بين أن دعاءهم وسؤالهم إنما هو رؤيته ولقاؤه، شوقا إليه ومحبة فيه، من غير تعلق بغيره، أو شغل بسواه، بل همتهم الله لا غيره، وإلا لما صدق قصر إرادتهم عليه. قال في الإحياء: من يعمل اتقاء من النار خوفا، أو رغبة في الجنة رجاء، فهو من جملة النيات الصحيحة لأنه ميل إلى الموعود في الآخرة، وإن كان نازلا بالإضافة إلى قصد طاعة الله وتعظيمه لذاته ولجلاله، لا لأمر سواه. ثم قال: وقول رويم: الإخلاص: ألا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين، هو إشارة لإخلاص الصديقين، وهو الإخلاص المطلق، وغيره إخلاص بالإضافة إلى حظوظ العاجلة. ه. من الحاشية. ثم أمر بالصدع بالحق

الكهف 18:29

قلت: { الحق }: خبر، أي: هذا الذي أوحي إلي الحق. يقول الحق جل جلاله: { وقل }: يا محمد لأولئك الغافلين المتبعين أهواءهم، أو: لمن جاءك من الناس: هذا الذي جئتكم به من عند ربي هو { الحق من ربكم } أي: من جهة ربكم، لا من جهتي، حتى يتصور فيه التبديل، أو يمكن التردد في اتباعه. { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ، وهو تهديد، أي: فمن شاء أن يؤمن فليؤمن كسائر المؤمنين، ولا يتعلل بما لا يكاد يصلح للتعليل، ومن شاء أن يكفر فليفعل، وفيه مع التهديد الاستغناء عن متابعتهم، وعدم المبالاة بهم وبإيمانهم. ثم أوعدهم على الكفر، فقال: { إنا أعتدنا للظالمين } أي: هيأنا للكافرين بالحق، بعد ما جاء من الله سبحانه، والتعبير عنهم بالظالمين للتنبيه على أن اختيارهم الكفر ظلم وتجاوز عن الحد، ووضع للشيء في غير محله، أي: هيأنا لهم { نارا } عظيمة { أحاط بهم } أي: محيط بهم { سرادقها } أي: سورها المحيط بها، والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه، والسرادق: ما يحيط بالشيء، كالجدار ونحوه. قيل: هو حائط من نار، وقيل: دخانها. { وإن يستغيثوا } من العطش { يغاثوا بماء كالمهل }: كمذاب الحديد والرصاص في الحرارة. وقيل: كرديء الزيت في اللون، { يشوي الوجوه } إذا قدم ليشرب بحرارته. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هو كعكر الزيت، فإذا قرب من الكافر سقطت فروة وجهه فيه، فإذا شربه تقطعت أمعاؤه " { بئس الشراب } ذلك، { وساءت } النار { مرتفقا }: متكا، وأصل الارتفاق: نصب المرفق تحت الخد ليتكئ عليه، وأنى ذلك في النار، وإنما هو بمقابلة قوله في المؤمنين: { وحسنت مرتفقا }. الإشارة: ينبغي للواعظ، أو المذكر، أو العالم، ألا يحرص على الناس، بل يستغني بالله في أموره كلها، وإنما يبين الحق من الباطل، ويقول: هذا الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن يشاء فليكفر. هذا إذا كان لعامة الناس، وأما إن كان لخاصتهم كأهل الرئاسة والجاه، فاختلف فيه فقال بعضهم: يسلك هذا المنهاج يبين الحق ولا يبالي، محتجا بالآية، قال: نحن أمة محمدية، قال تعالى له: { وقل الحق من ربكم... } الآية، وقال بعضهم: ينبغي أن يلين لهم القول لقوله تعالى: فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [طه: 44]، وهو الأليق بطريق السياسة، فمن أعرض عن الوعظ، وبقي على ظلمه، فالآية تجر ذيلها عليه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضدهم فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات... }

الكهف 18:30

قلت: جملة: { إنا لا نضيع }: خبر " إن " ، والعائد محذوف، أي: أحسن عملا، أو: وقع الظاهر موقعه فإن من أحسن عملا في الحقيقة هو الذي آمن وعمل صالحا. و { أولئك }: استئناف لبيان الأجر، أو: خبر " إن " ، وما بينهما اعتراض، أو خبر بعد خبر. و { من أساور }: ابتدائية، و { من ذهب }: بيانية، و { أساور }: جمع أسورة، أو أسوار جمع سوار، فهو جمع الجمع. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } أي: اختاروا الإيمان، من قوله: { فمن شاء فليؤمن } ، وكأنه في المعنى عطف على قوله: { أعتدنا للظالمين } ، أي: والذين آمنوا هيأنا لهم كذا وكذا، ولعل تغيير سبكه: للإيذان بكمال تنافي مآلي الفريقين، أي: إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحي إليك { وعملوا } الأعمال { الصالحات } ، حسبما بين فيما أوحي إليك، { إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ، وأتقنه على ما تقتضيه الشريعة. { أولئك } المنعوتون بهذه النعوت الجليلة { لهم جنات عدن تجري } من تحت قصورهم { الأنهار } من ماء ولبن وخمر وعسل، { يحلون فيها من أساور من ذهب } أي: كل واحد يحلى بسوارين من ذهب. وكانت الأساور عند العرب من زينة الملوك، { ويلبسون ثيابا خضرا } ، وخصت الخضرة بثيابهم لأنها أحسن الألوان وأكثرها طراوة. وتلك الثياب { من سندس وإستبرق } ، السندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، جمع النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، { متكئين فيها على الأرائك } جمع أريكة، وهو السرير في الحجال، أي: متكئين على الأسرة المزينة بالستور الرفيعة، كحال العرائس المتنعمين. { نعم الثواب } ذلك، { وحسنت مرتفقا }: متكأ. والآية عامة وإن نزلت في خصوص الصحابة رضي الله عنهم، وأماتنا على منهاجهم. آمين. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا الأعمال التي تقرب إلى حضرة القدوس وهي تحمل ما يثقل على النفوس، أولئك لهم جنات المعارف، تجري من تحت قلوبهم أنهار العلوم والمواهب، يحلون فيها بمقامات اليقين، ويلبسون ثياب العز والنصر والتمكين، متكئين على سرر الهنا والسرور، قد انقضت عنهم أيام المحن والشرور، جعلنا الله فيهم بمنه وكرمه. ثم ضرب مثلا لمن اغتر بدنياه ولمن زهد فيها

الكهف 18:31

قلت: جملة: { إنا لا نضيع }: خبر " إن " ، والعائد محذوف، أي: أحسن عملا، أو: وقع الظاهر موقعه فإن من أحسن عملا في الحقيقة هو الذي آمن وعمل صالحا. و { أولئك }: استئناف لبيان الأجر، أو: خبر " إن " ، وما بينهما اعتراض، أو خبر بعد خبر. و { من أساور }: ابتدائية، و { من ذهب }: بيانية، و { أساور }: جمع أسورة، أو أسوار جمع سوار، فهو جمع الجمع. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } أي: اختاروا الإيمان، من قوله: { فمن شاء فليؤمن } ، وكأنه في المعنى عطف على قوله: { أعتدنا للظالمين } ، أي: والذين آمنوا هيأنا لهم كذا وكذا، ولعل تغيير سبكه: للإيذان بكمال تنافي مآلي الفريقين، أي: إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحي إليك { وعملوا } الأعمال { الصالحات } ، حسبما بين فيما أوحي إليك، { إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ، وأتقنه على ما تقتضيه الشريعة. { أولئك } المنعوتون بهذه النعوت الجليلة { لهم جنات عدن تجري } من تحت قصورهم { الأنهار } من ماء ولبن وخمر وعسل، { يحلون فيها من أساور من ذهب } أي: كل واحد يحلى بسوارين من ذهب. وكانت الأساور عند العرب من زينة الملوك، { ويلبسون ثيابا خضرا } ، وخصت الخضرة بثيابهم لأنها أحسن الألوان وأكثرها طراوة. وتلك الثياب { من سندس وإستبرق } ، السندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، جمع النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، { متكئين فيها على الأرائك } جمع أريكة، وهو السرير في الحجال، أي: متكئين على الأسرة المزينة بالستور الرفيعة، كحال العرائس المتنعمين. { نعم الثواب } ذلك، { وحسنت مرتفقا }: متكأ. والآية عامة وإن نزلت في خصوص الصحابة رضي الله عنهم، وأماتنا على منهاجهم. آمين. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا الأعمال التي تقرب إلى حضرة القدوس وهي تحمل ما يثقل على النفوس، أولئك لهم جنات المعارف، تجري من تحت قلوبهم أنهار العلوم والمواهب، يحلون فيها بمقامات اليقين، ويلبسون ثياب العز والنصر والتمكين، متكئين على سرر الهنا والسرور، قد انقضت عنهم أيام المحن والشرور، جعلنا الله فيهم بمنه وكرمه. ثم ضرب مثلا لمن اغتر بدنياه ولمن زهد فيها

الكهف 18:32

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:33

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:34

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:35

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:36

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:37

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:38

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:39

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:40

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:41

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:42

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:43

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:44

قلت: { رجلين }: بدل من " مثلا " ، وجملة { جعلنا... } بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و { ما شاء الله }: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أي: أي شيء شاء الله كان، و { هنالك }: ظرف مقدم، و { الولاية }: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم } أي: للفريقين فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، { مثلا } من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مشاق الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي { رجلين } مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. روي: أن الكافر اشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانا اشترى أرضا بألف، وإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارا بألف، وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادما ومتاعا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلانا اشترى خادما ومتاعا بألف، وإني أشتري منك خادما ومتاعا من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئا، فلما توفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: قال قآئل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين [الصافات: 51، 52] الآية. وبين حالهما في الدنيا بقوله: { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر، { جنتين }: بساتين { من أعناب }: من كروم متنوعة، { وحففناهما بنخل } أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظا بها كرومهما، { وجعلنا بينهما }: وسطهما { زرعا } ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. { كلتا الجنتين آتت أكلها }: ثمرها وبلغ مبلغا صالحا للأكل، { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من أكلها شيئا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبا تكثر في عام وتقل في عام، { وفجرنا خلالهما }: فيما بين كل من الجنتين { نهرا } على حدة، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. { وكان له ثمر } أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثمر ماله: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. { فقال لصاحبه } المؤمن، أخيه أو شريكه، { وهو يحاوره }: يراجعه في الكلام، من حار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمته بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: حشما وأعوانا وأولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه. { ودخل جنته }: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحد واحد. فدخله { وهو ظالم لنفسه } ضار لها بعجبه وكفره، { قال } حين دخوله: { ما أظن أن تبيد هذه } الجنة، أي: تفنى { أبدا } لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة فيما سيأتي، { ولئن رددت إلى ربي } بالبعث عند قيامها، كما تقول، { لأجدن } حينئذ { خيرا منها }: من الجنتين { منقلبا } أي: مرجعا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه لذاته، وكرامته عليه، ولم يدر أن ذلك استدراج. { قال له صاحبه } أخوه المسلم { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } أي: أصلك { من تراب } ، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء مجانسا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه عليه السلام من تراب خلقا للكل منه، { ثم من نطفة } هي مادتك القريبة، { ثم سواك رجلا } أي: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، أو صيرك رجلا، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرا بالله لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. ه. ثم قال أخوه المسلم: { لكنا } أصله: لكن أنا، وقرئ به، فحذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، { هو الله ربي } ، " هو ": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: " هو الله ربي " ، وتلك الجملة: خبر " أنا " ، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات " أنا " في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: { أكفرت } ، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، { ولا أشرك بربي أحدا } ، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: { ولولا إذ دخلت... } الآية، ومن قوله: { يا ليتني لم أشرك... } الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: قرأت في تسعين كتابا من كتب الله أن من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. ه. { ولولا إذ دخلت جنتك }: بستانك، { قلت ما شاء الله } أي: هلا قلت عند دخولها: { ما شاء الله } أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، { لا قوة إلا بالله } أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء " وقال لأبي هريرة: " ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال: لا قوة إلا بالله، إن قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم " وقال لعبد الله بن قيس: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". ثم قال له أخوه المسلم: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، { فعسى ربي أن يؤتين } في الآخرة أو في الدنيا { خيرا من جنتك } والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، { ويرسل عليها حسبانا }: عذابا { من السماء } يذهبها، من برد أو صاعقة، وهو جمع: حسبانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضا، في اللغة، على سهام ترمى دفعة واحدة، { فتصبح صعيدا زلقا } أي: أرضا ملساء، يزلق عليها الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، { أو يصبح ماؤها } أي: النهر الذي خلالها { غورا }: غائرا ذاهبا في الأرض، و " زلقا " و " غورا ": مصدران، عبر بهما عن الوصف مبالغة. { فلن تستطيع له طلبا } أي: لن تستطيع أبدا للماء الغائر طلبا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلا عن وجدانه ورده. { وأحيط بثمره } أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، روي أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها. { فأصبح يقلب كفيه } ظهرا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم { على ما أنفق فيها } أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. { وهي } أي: الجنة { خاوية }: ساقطة { على عروشها } أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولا ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إما لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. { ويقول } أي: يقلب وهو يقول: { يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } ، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما أتي من قبل شركه، فتمنى أن لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه. { ولم تكن له فئة }: جماعة { ينصرونه }: يقدرون على نصره بدفع الهلاك عن أمواله، { من دون الله } ، فإنه القادر على ذلك وحده، { وما كان منتصرا } أي: وما كان في نفسه ممنوعا بقوته من انتقامه سبحانه منه. { هنالك } في ذلك المقام، وفي تلك الحال { الولاية لله الحق } أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقرئ: " الحق " بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويحتمل أن يكون: { هنالك } ظرفا لمنتصرا، أي: وما كان ممتنعا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: { يا ليتني لم أشرك }: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: { الولاية لله الحق } أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: { ولم تكن له فئة }: رد لقوله: { وأعز نفرا } أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبته الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: { هنالك } عند ذلك، يعني: يوم القيامة { الولاية لله الحق } يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، { هو خير ثوابا } أي: خير من يرجى ثوابه، { وخير عقبا } أي: عاقبة لأوليائه. والعقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعقباه وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلا لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أو لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل، فأخبر الله عنه بقوله: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا... } الآية. ولكن ادخلها كما بين لك، وقل كما رضي لك: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفي رواية أخرى: " كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها

الكهف 18:45

قلت: { كماء }: خبر عن مضمر، أي: هي كماء، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا لاضرب، على أنه بمعنى " صير ". يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا } أي: واذكر لهم ما يشبهها في زهرتها ونضارتها، وسرعة انقراضها وفنائها لئلا يطمئنوا إليها ويغفلوا عن الآخرة، هي { كماء أنزلناه من السماء } وهو المطر، { فاختلط به } أي: بسببه { نبات الأرض } بحيث التف وخالط بعضه بعضا من كثرته وتكاثفه، ثم مرت مدة قليلة { فأصبح هشيما } أي: مهشوما مكسورا، { تذروه الرياح } أي: تفرقه وتطيره، كأن لم يغن بالأمس، { وكان الله على كل شيء مقتدرا }: قادرا، ومن جملة الأشياء: الإفناء والإنشاء. { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } أي: مما تذروه رياح الأقدار، ويلحقه الفناء والبوار، ويدخل في الزينة: الجاه، وجميع ما فيه للنفس حظ فإنه يفنى ويبيد، ثم ذكر ما لا يفنى فقال: { والباقيات الصالحات } وهي أعمال الخير بأسرها، أو: الصلوات الخمس، أو: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " ، زاد بعضهم: " ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". قال عليه الصلاة والسلام: " هي من كنز الجنة، وصفايا الكلام، وهن الباقيات الصالحات، يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ". أو: الهمات العالية والنيات الصالحة إذ بها ترفع الأعمال وتقبل. أو: كل ما أريد به وجه الله، وسميت باقية: لبقاء ثوابها عند فناء كل ما تطمح إليه النفس من حظوظ الدنيا وزينتها الفانية. قال في الإحياء: كل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا، كالمال والجاه مما ينقضي على القرب، وكل ما لا يقطعه الموت فهو الباقيات الصالحات، كالعلم والحرية لبقائهما كمالا فيه، ووسيلة إلى القرب من الله تعالى، أما الحرية من الشهوات فتقطع عن غير الله، وتجرده عن سواه، وأما العلم الحقيقي فيفرده بالله ويجمعه عليه. ه. وهي، أي: الباقيات الصالحات { خير عند ربك } أي: في الآخرة { ثوابا } أي: عائدة تعود على صاحبها، بخلاف ما شأنه الفناء من المال والبنين فإنه يفنى ويبيد. وهذا كقوله تعالى: ما عندكم ينفد وما عند الله باق [النحل: 96]. وقوله: { عند ربك }: بيان لما يظهر فيه خيريتها، لا لأفضليتها من المال والبنين مع مشاركتها لها في الخيرية إذ لا مشاركة لهما في الخيرية في الآخرة. ثم قال تعالى: { وخير أملا } أي: ما يؤمله الإنسان ويرجوه عند الله تعالى حيث ينال صاحبها في الآخرة كل ما كان يؤمله في الدنيا، وأما ما مر من المال والبنين فليس لصاحبه فيه أمل يناله. وتكرير " خير " للإشعار باختلاف حيثيتي الخيرية والمبالغة فيه. الإشارة: قد تقدم، مرارا، التحذير من الوقوف مع بهجة الدنيا وزخارفها الغرارة لسرعة ذهابها وانقراضها. " روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا هريرة تريد أن أريك الدنيا؟ قلت: نعم، فأخذ بيدي، وانطلق، حتى وقف بي على مزبلة، رؤوس الآدميين ملقاة، وبقايا عظام نخرة، وخرق بالية قد تمزقت وتلوثت بنجاسات الآدميين، فقال: يا أبا هريرة هذه رؤوس الآدميين التي تراها، كانت مثل رؤوسكم، مملوءة من الحرص والاجتهاد على جمع الدنيا، وكانوا يرجون من طول الأعمار ما ترجون، وكانوا يجدون في جمع المال وعمارة الدنيا كما تجدون، فاليوم قد تعرت عظامهم، وتلاشت أجسامهم كما ترى، وهذه الخرق كانت أثوابهم التي كانوا يتزينون بها، وقت التجمل ووقت الرعونة والتزين، فاليوم قد ألقتها الرياح في النجاسات، وهذه عظام دوابهم التي كانوا يطوفون أقطار الأرض على ظهورها، وهذه النجاسات كانت أطعمتهم اللذيذة التي كانوا يحتالون في تحصيلها، وينهبها بعضهم من بعض، قد ألقوها عنهم بهذه الفضيحة التي لا يقربها أحد من نتنها، فهذه جملة أحوال الدنيا كما تشاهد وترى، فمن أراد أن يبكي على الدنيا فليبك، فإنها موضع البكاء " قال أبو هريرة رضي الله عنه: فبكى جماعة الحاضرين ". ثم ذكر ما يكون بعد فناء الدنيا

الكهف 18:46

قلت: { كماء }: خبر عن مضمر، أي: هي كماء، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا لاضرب، على أنه بمعنى " صير ". يقول الحق جل جلاله: { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا } أي: واذكر لهم ما يشبهها في زهرتها ونضارتها، وسرعة انقراضها وفنائها لئلا يطمئنوا إليها ويغفلوا عن الآخرة، هي { كماء أنزلناه من السماء } وهو المطر، { فاختلط به } أي: بسببه { نبات الأرض } بحيث التف وخالط بعضه بعضا من كثرته وتكاثفه، ثم مرت مدة قليلة { فأصبح هشيما } أي: مهشوما مكسورا، { تذروه الرياح } أي: تفرقه وتطيره، كأن لم يغن بالأمس، { وكان الله على كل شيء مقتدرا }: قادرا، ومن جملة الأشياء: الإفناء والإنشاء. { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } أي: مما تذروه رياح الأقدار، ويلحقه الفناء والبوار، ويدخل في الزينة: الجاه، وجميع ما فيه للنفس حظ فإنه يفنى ويبيد، ثم ذكر ما لا يفنى فقال: { والباقيات الصالحات } وهي أعمال الخير بأسرها، أو: الصلوات الخمس، أو: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر " ، زاد بعضهم: " ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". قال عليه الصلاة والسلام: " هي من كنز الجنة، وصفايا الكلام، وهن الباقيات الصالحات، يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ". أو: الهمات العالية والنيات الصالحة إذ بها ترفع الأعمال وتقبل. أو: كل ما أريد به وجه الله، وسميت باقية: لبقاء ثوابها عند فناء كل ما تطمح إليه النفس من حظوظ الدنيا وزينتها الفانية. قال في الإحياء: كل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا، كالمال والجاه مما ينقضي على القرب، وكل ما لا يقطعه الموت فهو الباقيات الصالحات، كالعلم والحرية لبقائهما كمالا فيه، ووسيلة إلى القرب من الله تعالى، أما الحرية من الشهوات فتقطع عن غير الله، وتجرده عن سواه، وأما العلم الحقيقي فيفرده بالله ويجمعه عليه. ه. وهي، أي: الباقيات الصالحات { خير عند ربك } أي: في الآخرة { ثوابا } أي: عائدة تعود على صاحبها، بخلاف ما شأنه الفناء من المال والبنين فإنه يفنى ويبيد. وهذا كقوله تعالى: ما عندكم ينفد وما عند الله باق [النحل: 96]. وقوله: { عند ربك }: بيان لما يظهر فيه خيريتها، لا لأفضليتها من المال والبنين مع مشاركتها لها في الخيرية إذ لا مشاركة لهما في الخيرية في الآخرة. ثم قال تعالى: { وخير أملا } أي: ما يؤمله الإنسان ويرجوه عند الله تعالى حيث ينال صاحبها في الآخرة كل ما كان يؤمله في الدنيا، وأما ما مر من المال والبنين فليس لصاحبه فيه أمل يناله. وتكرير " خير " للإشعار باختلاف حيثيتي الخيرية والمبالغة فيه. الإشارة: قد تقدم، مرارا، التحذير من الوقوف مع بهجة الدنيا وزخارفها الغرارة لسرعة ذهابها وانقراضها. " روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا هريرة تريد أن أريك الدنيا؟ قلت: نعم، فأخذ بيدي، وانطلق، حتى وقف بي على مزبلة، رؤوس الآدميين ملقاة، وبقايا عظام نخرة، وخرق بالية قد تمزقت وتلوثت بنجاسات الآدميين، فقال: يا أبا هريرة هذه رؤوس الآدميين التي تراها، كانت مثل رؤوسكم، مملوءة من الحرص والاجتهاد على جمع الدنيا، وكانوا يرجون من طول الأعمار ما ترجون، وكانوا يجدون في جمع المال وعمارة الدنيا كما تجدون، فاليوم قد تعرت عظامهم، وتلاشت أجسامهم كما ترى، وهذه الخرق كانت أثوابهم التي كانوا يتزينون بها، وقت التجمل ووقت الرعونة والتزين، فاليوم قد ألقتها الرياح في النجاسات، وهذه عظام دوابهم التي كانوا يطوفون أقطار الأرض على ظهورها، وهذه النجاسات كانت أطعمتهم اللذيذة التي كانوا يحتالون في تحصيلها، وينهبها بعضهم من بعض، قد ألقوها عنهم بهذه الفضيحة التي لا يقربها أحد من نتنها، فهذه جملة أحوال الدنيا كما تشاهد وترى، فمن أراد أن يبكي على الدنيا فليبك، فإنها موضع البكاء " قال أبو هريرة رضي الله عنه: فبكى جماعة الحاضرين ". ثم ذكر ما يكون بعد فناء الدنيا

الكهف 18:47

قلت: { ويوم }: معمول لمحذوف، أي: واذكر، أو عطف على قوله: " عند ربك " ، أي: والباقيات الصالحات خير عند ربك ويوم القيامة، و { حشرناهم }: عطف على { نسير } للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المشركون، وعليه يدور أمر الجزاء، وكذا الكلام فيما عطف عليه، منفيا وموجبا، وقيل: هو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ليعاينوا تلك الأهوال، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك. و { نغادر }: نترك، يقال: غادره وأغدره: إذا تركه، ومنه: الغدير لما يتركه السيل في الأرض من الماء، و { صفا }: حال، أي: مصطفين. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نسير الجبال } أي: حين نقلعها من أماكنها ونسيرها في الجو، على هيئتها، كما ينبئ عنه قوله تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب [النمل: 88] أو: نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباء منثورا، والمراد من ذكره: تحذير الغافلين مما فيه من الأهوال، وقرئ: " تسير " بالبناء للمفعول جريا على سنن الكبرياء، وإيذانا بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لظهور تعينه، ثم قال: { وترى الأرض } أي: جميع جوانبها، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يسمع، { بارزة }: ظاهرة، ليس عليها جبل ولا غيره. بل تكون فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا [طه: 106، 107]. { وحشرناهم }: جمعناهم إلى الموقف من كل حدب، مؤمنين وكافرين، { فلم نغادر } أي: لم نترك { منهم أحدا }. { وعرضوا على ربك } ، شبهت حالتهم بحال جند عرض على السلطان، ليأمر فيهم بما يأمر. وفي الالتفات إلى الغيبة، وبناء الفعل للمفعول، مع التعرض لعنوان الربوبية، والإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - من تربية المهابة، والجري على سنن الكبراء، وإظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم - ما لا يخفى. قاله أبو السعود. { صفا } أي: مصطفين غير متفرقين ولا مختلطين، كل أمة صف، وفي الحديث الصحيح: " يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، صفوفا، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر... " الحديث بطوله. وفي حديث آخر: " أهل الجنة، يوم القيامة، مائة وعشرون صفا، أنتم منها ثمانون صفا ". يقال لهم - أي: للكفرة منهم: { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } ، وتركتم ما خولناكم وما أعطيناكم من الأموال وراء ظهوركم. أو: حفاة عراة غرلا، كما في الحديث. وهذه المخاطبة، بهذا التقريع، إنما هي للكفار المنكرين للبعث، وأما المؤمنون المقرون بالبعث فلا تتوجه إليهم هذه المخاطبة، ويدل عليه ما بعده من قوله: { بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا } أي: زعمتم في الدنيا أنه، أي: الأمر والشأن، لن نجعل لكم وقتا يتنجز فيه ما وعدته من البعث وما يتبعه. وهو إضراب وانتقال من كلام، إلى كلام، كلاهما للتوبيخ والتقريع. { ووضع الكتاب } أي: كتاب كل أحد، إما في يمينه أو شماله، وهو عطف على: { عرضوا } ، داخل تحت الأمور الهائلة التي أريد بذكرها تذكير وقتها، وأورد فيه ما أورد في أمثاله من صيغة الماضي لتحقق وقوعه، وإيثار الإفراد للاكتفاء بالجنس، والمراد: صحائف أعمال العباد. ووضعها إما في أيدي أصحابها يمينا وشمالا، أو في الميزان. { فترى المجرمين } قاطبة، المنكرون للبعث وغيرهم، { مشفقين }: خائفين { مما فيه } من الجرائم والذنوب، { ويقولون } ، عند وقوفهم على ما في تضاعيفه نقيرا أو قطميرا: { يا ويلتنا } أي: ينادون بتهلكتهم التي هلكوها من بين التهلكات، ومستدعين لها ليهلكوا، ولا يرون تلك الأهوال، أي: يا ويلتنا احضري فهذا أوان حضورك، يقولون: { ما لهذا الكتاب لا يغادر }: لا يترك { صغيرة ولا كبيرة } من ذنوبنا { إلا أحصاها } أي: حواها وضبطها، وجملة { لا يغادر }: حال محققة لما في الاستفهام من التعجب، أو استئنافية مبنية على سؤال مقدر، كأنه قيل: ما شأنه حتى يتعجب منه؟ فقال: لا يغادر سيئة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، { ووجدوا ما عملوا } في الدنيا من السيئات، أو جزاء ما عملوا { حاضرا }: مسطورا عتيدا، { ولا يظلم ربك أحدا } ، فيكتب ما لم يعمل من السيئات، أو يزيد في عقابه المستحق له. والله تعالى أعلم. الإشارة: ويوم نسير جبال الحس، أو الوهم، عن بساط المعاني، وترى أرض العظمة بارزة ظاهرة لا تخفى على أحد، إلا على أكمه لا يبصر القمر في حال كماله، وحشرناهم إلى الحضرة القدسية، فلم نغادر منهم، أي: ممن ذهب عنه الحس والوهم، أحدا، وعرضوا على ربك لشهود أنوار جماله وجلاله، صفا، للقيام بين يديه، فيقول لهم: لقد جئتمونا من باب التجريد، كما خلقناكم أول مرة، مطهرين من الدنس الحسي، غائبين عن العلائق والعوائق، وكنتم تزعمون أن هذا اللقاء لا يكون في الدنيا، وإنما موعده الجنة، ومن مات عن شهود حسه، وعن حظوظه، حصل له الشهود واللقاء قبل الموت الحسي، ووضع الكتاب في حق أهل الحجاب، فترى المجرمين من أهل الذنوب مشفقين مما فيه، ووجود العبد: ذنب لا يقاس به ذنب، فنصب الموازين، ومناقشة الحساب إنما هو لأهل الحجاب، وأما العارفون الفانون عن أنفسهم، الباقون بربهم، لم يبق لهم ما يحاسبون عليه إذ لا يشهدون لهم فعلا، ولا يرون لأحد قوة ولا حولا. والله تعالى أعلم. ولما كان سبب العذاب ووجود الحجاب هو التكبر على رب الأرباب، ذكر وباله بإثر الحشر والحساب، أو تقول: لما ذكر قصة الرجلين ذكر قبح صنيع من افتخر بنفسه، وأنه شبيه بإبليس، وكل من افتخر واستنكف عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين كان داخلا في حزبه. وقال الواحدي ثم الله تعالى نبيه أن يذكر لهؤلاء المتكبرين عن مجالسة

الكهف 18:48

قلت: { ويوم }: معمول لمحذوف، أي: واذكر، أو عطف على قوله: " عند ربك " ، أي: والباقيات الصالحات خير عند ربك ويوم القيامة، و { حشرناهم }: عطف على { نسير } للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المشركون، وعليه يدور أمر الجزاء، وكذا الكلام فيما عطف عليه، منفيا وموجبا، وقيل: هو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ليعاينوا تلك الأهوال، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك. و { نغادر }: نترك، يقال: غادره وأغدره: إذا تركه، ومنه: الغدير لما يتركه السيل في الأرض من الماء، و { صفا }: حال، أي: مصطفين. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نسير الجبال } أي: حين نقلعها من أماكنها ونسيرها في الجو، على هيئتها، كما ينبئ عنه قوله تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب [النمل: 88] أو: نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباء منثورا، والمراد من ذكره: تحذير الغافلين مما فيه من الأهوال، وقرئ: " تسير " بالبناء للمفعول جريا على سنن الكبرياء، وإيذانا بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لظهور تعينه، ثم قال: { وترى الأرض } أي: جميع جوانبها، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يسمع، { بارزة }: ظاهرة، ليس عليها جبل ولا غيره. بل تكون فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا [طه: 106، 107]. { وحشرناهم }: جمعناهم إلى الموقف من كل حدب، مؤمنين وكافرين، { فلم نغادر } أي: لم نترك { منهم أحدا }. { وعرضوا على ربك } ، شبهت حالتهم بحال جند عرض على السلطان، ليأمر فيهم بما يأمر. وفي الالتفات إلى الغيبة، وبناء الفعل للمفعول، مع التعرض لعنوان الربوبية، والإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - من تربية المهابة، والجري على سنن الكبراء، وإظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم - ما لا يخفى. قاله أبو السعود. { صفا } أي: مصطفين غير متفرقين ولا مختلطين، كل أمة صف، وفي الحديث الصحيح: " يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، صفوفا، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر... " الحديث بطوله. وفي حديث آخر: " أهل الجنة، يوم القيامة، مائة وعشرون صفا، أنتم منها ثمانون صفا ". يقال لهم - أي: للكفرة منهم: { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } ، وتركتم ما خولناكم وما أعطيناكم من الأموال وراء ظهوركم. أو: حفاة عراة غرلا، كما في الحديث. وهذه المخاطبة، بهذا التقريع، إنما هي للكفار المنكرين للبعث، وأما المؤمنون المقرون بالبعث فلا تتوجه إليهم هذه المخاطبة، ويدل عليه ما بعده من قوله: { بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا } أي: زعمتم في الدنيا أنه، أي: الأمر والشأن، لن نجعل لكم وقتا يتنجز فيه ما وعدته من البعث وما يتبعه. وهو إضراب وانتقال من كلام، إلى كلام، كلاهما للتوبيخ والتقريع. { ووضع الكتاب } أي: كتاب كل أحد، إما في يمينه أو شماله، وهو عطف على: { عرضوا } ، داخل تحت الأمور الهائلة التي أريد بذكرها تذكير وقتها، وأورد فيه ما أورد في أمثاله من صيغة الماضي لتحقق وقوعه، وإيثار الإفراد للاكتفاء بالجنس، والمراد: صحائف أعمال العباد. ووضعها إما في أيدي أصحابها يمينا وشمالا، أو في الميزان. { فترى المجرمين } قاطبة، المنكرون للبعث وغيرهم، { مشفقين }: خائفين { مما فيه } من الجرائم والذنوب، { ويقولون } ، عند وقوفهم على ما في تضاعيفه نقيرا أو قطميرا: { يا ويلتنا } أي: ينادون بتهلكتهم التي هلكوها من بين التهلكات، ومستدعين لها ليهلكوا، ولا يرون تلك الأهوال، أي: يا ويلتنا احضري فهذا أوان حضورك، يقولون: { ما لهذا الكتاب لا يغادر }: لا يترك { صغيرة ولا كبيرة } من ذنوبنا { إلا أحصاها } أي: حواها وضبطها، وجملة { لا يغادر }: حال محققة لما في الاستفهام من التعجب، أو استئنافية مبنية على سؤال مقدر، كأنه قيل: ما شأنه حتى يتعجب منه؟ فقال: لا يغادر سيئة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، { ووجدوا ما عملوا } في الدنيا من السيئات، أو جزاء ما عملوا { حاضرا }: مسطورا عتيدا، { ولا يظلم ربك أحدا } ، فيكتب ما لم يعمل من السيئات، أو يزيد في عقابه المستحق له. والله تعالى أعلم. الإشارة: ويوم نسير جبال الحس، أو الوهم، عن بساط المعاني، وترى أرض العظمة بارزة ظاهرة لا تخفى على أحد، إلا على أكمه لا يبصر القمر في حال كماله، وحشرناهم إلى الحضرة القدسية، فلم نغادر منهم، أي: ممن ذهب عنه الحس والوهم، أحدا، وعرضوا على ربك لشهود أنوار جماله وجلاله، صفا، للقيام بين يديه، فيقول لهم: لقد جئتمونا من باب التجريد، كما خلقناكم أول مرة، مطهرين من الدنس الحسي، غائبين عن العلائق والعوائق، وكنتم تزعمون أن هذا اللقاء لا يكون في الدنيا، وإنما موعده الجنة، ومن مات عن شهود حسه، وعن حظوظه، حصل له الشهود واللقاء قبل الموت الحسي، ووضع الكتاب في حق أهل الحجاب، فترى المجرمين من أهل الذنوب مشفقين مما فيه، ووجود العبد: ذنب لا يقاس به ذنب، فنصب الموازين، ومناقشة الحساب إنما هو لأهل الحجاب، وأما العارفون الفانون عن أنفسهم، الباقون بربهم، لم يبق لهم ما يحاسبون عليه إذ لا يشهدون لهم فعلا، ولا يرون لأحد قوة ولا حولا. والله تعالى أعلم. ولما كان سبب العذاب ووجود الحجاب هو التكبر على رب الأرباب، ذكر وباله بإثر الحشر والحساب، أو تقول: لما ذكر قصة الرجلين ذكر قبح صنيع من افتخر بنفسه، وأنه شبيه بإبليس، وكل من افتخر واستنكف عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين كان داخلا في حزبه. وقال الواحدي ثم الله تعالى نبيه أن يذكر لهؤلاء المتكبرين عن مجالسة

الكهف 18:49

قلت: { ويوم }: معمول لمحذوف، أي: واذكر، أو عطف على قوله: " عند ربك " ، أي: والباقيات الصالحات خير عند ربك ويوم القيامة، و { حشرناهم }: عطف على { نسير } للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المشركون، وعليه يدور أمر الجزاء، وكذا الكلام فيما عطف عليه، منفيا وموجبا، وقيل: هو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ليعاينوا تلك الأهوال، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك. و { نغادر }: نترك، يقال: غادره وأغدره: إذا تركه، ومنه: الغدير لما يتركه السيل في الأرض من الماء، و { صفا }: حال، أي: مصطفين. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نسير الجبال } أي: حين نقلعها من أماكنها ونسيرها في الجو، على هيئتها، كما ينبئ عنه قوله تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب [النمل: 88] أو: نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباء منثورا، والمراد من ذكره: تحذير الغافلين مما فيه من الأهوال، وقرئ: " تسير " بالبناء للمفعول جريا على سنن الكبرياء، وإيذانا بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لظهور تعينه، ثم قال: { وترى الأرض } أي: جميع جوانبها، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يسمع، { بارزة }: ظاهرة، ليس عليها جبل ولا غيره. بل تكون فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا [طه: 106، 107]. { وحشرناهم }: جمعناهم إلى الموقف من كل حدب، مؤمنين وكافرين، { فلم نغادر } أي: لم نترك { منهم أحدا }. { وعرضوا على ربك } ، شبهت حالتهم بحال جند عرض على السلطان، ليأمر فيهم بما يأمر. وفي الالتفات إلى الغيبة، وبناء الفعل للمفعول، مع التعرض لعنوان الربوبية، والإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - من تربية المهابة، والجري على سنن الكبراء، وإظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم - ما لا يخفى. قاله أبو السعود. { صفا } أي: مصطفين غير متفرقين ولا مختلطين، كل أمة صف، وفي الحديث الصحيح: " يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، صفوفا، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر... " الحديث بطوله. وفي حديث آخر: " أهل الجنة، يوم القيامة، مائة وعشرون صفا، أنتم منها ثمانون صفا ". يقال لهم - أي: للكفرة منهم: { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } ، وتركتم ما خولناكم وما أعطيناكم من الأموال وراء ظهوركم. أو: حفاة عراة غرلا، كما في الحديث. وهذه المخاطبة، بهذا التقريع، إنما هي للكفار المنكرين للبعث، وأما المؤمنون المقرون بالبعث فلا تتوجه إليهم هذه المخاطبة، ويدل عليه ما بعده من قوله: { بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا } أي: زعمتم في الدنيا أنه، أي: الأمر والشأن، لن نجعل لكم وقتا يتنجز فيه ما وعدته من البعث وما يتبعه. وهو إضراب وانتقال من كلام، إلى كلام، كلاهما للتوبيخ والتقريع. { ووضع الكتاب } أي: كتاب كل أحد، إما في يمينه أو شماله، وهو عطف على: { عرضوا } ، داخل تحت الأمور الهائلة التي أريد بذكرها تذكير وقتها، وأورد فيه ما أورد في أمثاله من صيغة الماضي لتحقق وقوعه، وإيثار الإفراد للاكتفاء بالجنس، والمراد: صحائف أعمال العباد. ووضعها إما في أيدي أصحابها يمينا وشمالا، أو في الميزان. { فترى المجرمين } قاطبة، المنكرون للبعث وغيرهم، { مشفقين }: خائفين { مما فيه } من الجرائم والذنوب، { ويقولون } ، عند وقوفهم على ما في تضاعيفه نقيرا أو قطميرا: { يا ويلتنا } أي: ينادون بتهلكتهم التي هلكوها من بين التهلكات، ومستدعين لها ليهلكوا، ولا يرون تلك الأهوال، أي: يا ويلتنا احضري فهذا أوان حضورك، يقولون: { ما لهذا الكتاب لا يغادر }: لا يترك { صغيرة ولا كبيرة } من ذنوبنا { إلا أحصاها } أي: حواها وضبطها، وجملة { لا يغادر }: حال محققة لما في الاستفهام من التعجب، أو استئنافية مبنية على سؤال مقدر، كأنه قيل: ما شأنه حتى يتعجب منه؟ فقال: لا يغادر سيئة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، { ووجدوا ما عملوا } في الدنيا من السيئات، أو جزاء ما عملوا { حاضرا }: مسطورا عتيدا، { ولا يظلم ربك أحدا } ، فيكتب ما لم يعمل من السيئات، أو يزيد في عقابه المستحق له. والله تعالى أعلم. الإشارة: ويوم نسير جبال الحس، أو الوهم، عن بساط المعاني، وترى أرض العظمة بارزة ظاهرة لا تخفى على أحد، إلا على أكمه لا يبصر القمر في حال كماله، وحشرناهم إلى الحضرة القدسية، فلم نغادر منهم، أي: ممن ذهب عنه الحس والوهم، أحدا، وعرضوا على ربك لشهود أنوار جماله وجلاله، صفا، للقيام بين يديه، فيقول لهم: لقد جئتمونا من باب التجريد، كما خلقناكم أول مرة، مطهرين من الدنس الحسي، غائبين عن العلائق والعوائق، وكنتم تزعمون أن هذا اللقاء لا يكون في الدنيا، وإنما موعده الجنة، ومن مات عن شهود حسه، وعن حظوظه، حصل له الشهود واللقاء قبل الموت الحسي، ووضع الكتاب في حق أهل الحجاب، فترى المجرمين من أهل الذنوب مشفقين مما فيه، ووجود العبد: ذنب لا يقاس به ذنب، فنصب الموازين، ومناقشة الحساب إنما هو لأهل الحجاب، وأما العارفون الفانون عن أنفسهم، الباقون بربهم، لم يبق لهم ما يحاسبون عليه إذ لا يشهدون لهم فعلا، ولا يرون لأحد قوة ولا حولا. والله تعالى أعلم. ولما كان سبب العذاب ووجود الحجاب هو التكبر على رب الأرباب، ذكر وباله بإثر الحشر والحساب، أو تقول: لما ذكر قصة الرجلين ذكر قبح صنيع من افتخر بنفسه، وأنه شبيه بإبليس، وكل من افتخر واستنكف عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين كان داخلا في حزبه. وقال الواحدي ثم الله تعالى نبيه أن يذكر لهؤلاء المتكبرين عن مجالسة

الكهف 18:50

قلت: { إلا إبليس }: استثناء منقطع، إذا قلنا: إن إبليس لم يكن من الملائكة، وإذا قلنا: إنه منهم يكون متصلا، ويكون معنى " كان " صار، أي: إلا إبليس صار من الجن لما امتنع من السجود، أو بأن الملائكة كان منهم قوم يقال لهم الجن، وهم الذين خلقوا من النار. وجملة { كان من الجن }: استئنافية سيقت مساق التعليل، كأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان أصله جنيا. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قلنا للملائكة } أي: وقت قولنا لهم: { اسجدوا لآدم } سجود تحية وتكريم، { فسجدوا } جميعا امتثالا للأمر، { إلا إبليس } أبى واستكبر لأنه { كان من الجن } ، وكان رئيسهم في الأرض، فلما أفسدوا أرسل الله عليهم جندا من الملائكة، فغزوهم، فهربوا في أقطار الأرض، وأخذ إبليس أسيرا، فعرجوا به إلى السماء، فأسلم وتعبد في أقطار السماوات، فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع ونزع لأصله، { ففسق } أي: خرج { عن أمر ربه } أي: عن طاعته، أو صار فاسقا كافرا بسبب أمر الله تعالى إذ لولا ذلك لما أبى، والتعرض لوصف الربوبية المنافية للفسق لبيان كمال قبح ما فعله. قال تعالى: { أفتتخذونه وذريته } أي: أولاده، أو أتباعه، وهم الشياطين، جعلوا ذرية مجازا. وقال قتادة: إنهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم. وقيل: يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين. والهمزة للإنكار والتعجب، والفاء للتعقيب، أي: أعقب علمكم بصدور تلك القبائح منه، تتخذونه وذريته { أولياء } أحبار { من دوني } فتستبدلونهم، وتطيعونهم بدل طاعتي، والحال أنهم، أي: إبليس وذريته { لكم عدو } أي: أعداء. وأفرد تشبيها له بالمصدر، كالقبول والولوع، { بئس للظالمين }: الواضعين للشيء في غير محله، { بدلا } استبدلوه من الله تعالى، وهو إبليس وذريته. وفي الالتفات إلى الغيبة، مع وضع الظاهر موضع الضمير، من الإيذان بكمال السخط، والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلم قبيح، ما لا يخفى. { ما أشهدتهم } أي: ما أحضرت إبليس وذريته، أو: جميع الكفار { خلق السماوات والأرض } ، حيث خلقتهما قبل خلقهم، { ولا خلق أنفسهم }: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض: كقوله: ولا تقتلوا أنفسكم [النساء: 29]. قاله البيضاوي. قلت: الظاهر إبقاء الأنفس على ظاهرها، أي: ما أحضرتهم خلق أنفسهم، أي: ما كانوا حاضرين حين خلقت أنفسهم، بل هم محدثون في غاية العجز والجهل، فكيف تتخذونهم أولياء من دوني؟ وفي الآية رد على المنجمين الذين يخوضون في أسرار غيب السماوات بالتخمين، وعلى الطبائعيين من الأطباء ومن سواهم، من كل متخوض في هذه الأشياء، وعلى الكهان وكل من يتطلع على الغيب بطريق الحدس، والمصدقين لهم. انظر ابن عطية. قال تعالى: { وما كنت متخذ المضلين } من الشياطين { عضدا } أي: أعوانا في شأن الخلق، أو في شأن من شؤوني، حتى تتخذوهم أولياء وتشركوهم في عبادتي، وكان الأصل أن يقول: وما كنت متخذهم، فوقع المظهر موقع الضمير ذما لهم، وتسجيلا عليهم بالإضلال، وتأكيدا لما سبق من إنكار اتخاذهم أولياء، وفيه تهكم بهم وإيذان بكمال ركاكة عقولهم وسخافة آرائهم حيث لا يفهمون هذا الأمر الجلي الذي لا يكاد يشتبه على أبلد الصبيان، فيحتاجون إلى التصريح به. انظر أبا السعود. الإشارة: في الآية تنفير من الاستكبار والترفع على عباد الله تشبها بإبليس، وحث على التواضع والخضوع لله في خلقه وتجلياته كيفما كانت، وفيها أيضا الحض على إفراد الوجهة والمحبة لله، والتبري من كل ما سواه مما يشغل عن الله، وفيها أيضا: النهي عن التطلع إلى ما لم يرد به من أسرار القدر نص صريح في كتاب الله ولا في سنة رسول الله من أسرار القدر، وفيها أيضا: النهي عن الاستعانة بأعداء الله في شأن كان. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من اتخذ وليا غير الله

الكهف 18:51

قلت: { إلا إبليس }: استثناء منقطع، إذا قلنا: إن إبليس لم يكن من الملائكة، وإذا قلنا: إنه منهم يكون متصلا، ويكون معنى " كان " صار، أي: إلا إبليس صار من الجن لما امتنع من السجود، أو بأن الملائكة كان منهم قوم يقال لهم الجن، وهم الذين خلقوا من النار. وجملة { كان من الجن }: استئنافية سيقت مساق التعليل، كأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان أصله جنيا. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قلنا للملائكة } أي: وقت قولنا لهم: { اسجدوا لآدم } سجود تحية وتكريم، { فسجدوا } جميعا امتثالا للأمر، { إلا إبليس } أبى واستكبر لأنه { كان من الجن } ، وكان رئيسهم في الأرض، فلما أفسدوا أرسل الله عليهم جندا من الملائكة، فغزوهم، فهربوا في أقطار الأرض، وأخذ إبليس أسيرا، فعرجوا به إلى السماء، فأسلم وتعبد في أقطار السماوات، فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع ونزع لأصله، { ففسق } أي: خرج { عن أمر ربه } أي: عن طاعته، أو صار فاسقا كافرا بسبب أمر الله تعالى إذ لولا ذلك لما أبى، والتعرض لوصف الربوبية المنافية للفسق لبيان كمال قبح ما فعله. قال تعالى: { أفتتخذونه وذريته } أي: أولاده، أو أتباعه، وهم الشياطين، جعلوا ذرية مجازا. وقال قتادة: إنهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم. وقيل: يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين. والهمزة للإنكار والتعجب، والفاء للتعقيب، أي: أعقب علمكم بصدور تلك القبائح منه، تتخذونه وذريته { أولياء } أحبار { من دوني } فتستبدلونهم، وتطيعونهم بدل طاعتي، والحال أنهم، أي: إبليس وذريته { لكم عدو } أي: أعداء. وأفرد تشبيها له بالمصدر، كالقبول والولوع، { بئس للظالمين }: الواضعين للشيء في غير محله، { بدلا } استبدلوه من الله تعالى، وهو إبليس وذريته. وفي الالتفات إلى الغيبة، مع وضع الظاهر موضع الضمير، من الإيذان بكمال السخط، والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلم قبيح، ما لا يخفى. { ما أشهدتهم } أي: ما أحضرت إبليس وذريته، أو: جميع الكفار { خلق السماوات والأرض } ، حيث خلقتهما قبل خلقهم، { ولا خلق أنفسهم }: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض: كقوله: ولا تقتلوا أنفسكم [النساء: 29]. قاله البيضاوي. قلت: الظاهر إبقاء الأنفس على ظاهرها، أي: ما أحضرتهم خلق أنفسهم، أي: ما كانوا حاضرين حين خلقت أنفسهم، بل هم محدثون في غاية العجز والجهل، فكيف تتخذونهم أولياء من دوني؟ وفي الآية رد على المنجمين الذين يخوضون في أسرار غيب السماوات بالتخمين، وعلى الطبائعيين من الأطباء ومن سواهم، من كل متخوض في هذه الأشياء، وعلى الكهان وكل من يتطلع على الغيب بطريق الحدس، والمصدقين لهم. انظر ابن عطية. قال تعالى: { وما كنت متخذ المضلين } من الشياطين { عضدا } أي: أعوانا في شأن الخلق، أو في شأن من شؤوني، حتى تتخذوهم أولياء وتشركوهم في عبادتي، وكان الأصل أن يقول: وما كنت متخذهم، فوقع المظهر موقع الضمير ذما لهم، وتسجيلا عليهم بالإضلال، وتأكيدا لما سبق من إنكار اتخاذهم أولياء، وفيه تهكم بهم وإيذان بكمال ركاكة عقولهم وسخافة آرائهم حيث لا يفهمون هذا الأمر الجلي الذي لا يكاد يشتبه على أبلد الصبيان، فيحتاجون إلى التصريح به. انظر أبا السعود. الإشارة: في الآية تنفير من الاستكبار والترفع على عباد الله تشبها بإبليس، وحث على التواضع والخضوع لله في خلقه وتجلياته كيفما كانت، وفيها أيضا الحض على إفراد الوجهة والمحبة لله، والتبري من كل ما سواه مما يشغل عن الله، وفيها أيضا: النهي عن التطلع إلى ما لم يرد به من أسرار القدر نص صريح في كتاب الله ولا في سنة رسول الله من أسرار القدر، وفيها أيضا: النهي عن الاستعانة بأعداء الله في شأن كان. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال من اتخذ وليا غير الله

الكهف 18:52

قلت: { موبقا }: اسم مكان، أو مصدر، من: وبق وبوقا، كوثب وثوبا، ووبق وبقا، كفرح فرحا. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم يقول } الحق تعالى للكفار توبيخا وتعجيزا لهم: { نادوا شركائي الذين زعمتم } أنهم شفعاؤكم ليشفعوا لكم، والمراد بهم كل ما عبد من دون الله، أو إبليس وذريته، { فدعوهم } أي: نادوهم للإغاثة، { فلم يستجيبوا لهم }: فلم يغيثوهم، { وجعلنا بينهم } أي: بين الداعين والمدعوين { موبقا } أي: مهلكا يهلكون فيه جميعا، وهو النار، وقيل: العداوة، وهي نوع من الهلاك، لقول عمر رضي الله عنه: " لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا ". وقيل: المراد بالبين: الوصل، أي: وجعلنا وصلهم في الدنيا هلاكا في الآخرة، كقوله: لقد تقطع بينكم [الأنعام: 94]، وقيل: المراد بالشركاء: الملائكة، وعزير، وعيسى - عليهم السلام -، ويراد حينئذ بالموبق: البرزخ البعيد، أي: وجعلنا بينهم وبين من عبدوهم برزخا بعيدا لأنهم في قعر جهنم، وهم في أعلى عليين. { ورأى المجرمون النار } ، وضع المظهر موضع المضمر تصريحا بإجرامهم، وذما لهم، أي: ورأوا النار { فظنوا } أي: أيقنوا { أنهم مواقعوها } مخالطوها وواقعون فيها، { ولم يجدوا عنها مصرفا } أي: انصرافا ومعدلا ينصرفون إليه، نسأل الله السلامة من مواقع الهلاك. الإشارة: من اتخذ الله وليا، بموالاة طاعته وإفراد محبته، كان الله له وليا ونصيرا عند احتياجه وفاقته، ومجيبا له عند دعائه واستغاثته، ومن اتخذ وليا غير الله خاب ظنه ومناه، فإذا استغاث به جعل بينه وبين المستغيث به موبقا وبرزخا بعيدا، ومن والى أولياء الله فإنما والى الله، إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10]. وبالله التوفيق. ثم ذكر كفرهم بالقرآن مع كونه آية واضحة للعيان

الكهف 18:53

قلت: { موبقا }: اسم مكان، أو مصدر، من: وبق وبوقا، كوثب وثوبا، ووبق وبقا، كفرح فرحا. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم يقول } الحق تعالى للكفار توبيخا وتعجيزا لهم: { نادوا شركائي الذين زعمتم } أنهم شفعاؤكم ليشفعوا لكم، والمراد بهم كل ما عبد من دون الله، أو إبليس وذريته، { فدعوهم } أي: نادوهم للإغاثة، { فلم يستجيبوا لهم }: فلم يغيثوهم، { وجعلنا بينهم } أي: بين الداعين والمدعوين { موبقا } أي: مهلكا يهلكون فيه جميعا، وهو النار، وقيل: العداوة، وهي نوع من الهلاك، لقول عمر رضي الله عنه: " لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا ". وقيل: المراد بالبين: الوصل، أي: وجعلنا وصلهم في الدنيا هلاكا في الآخرة، كقوله: لقد تقطع بينكم [الأنعام: 94]، وقيل: المراد بالشركاء: الملائكة، وعزير، وعيسى - عليهم السلام -، ويراد حينئذ بالموبق: البرزخ البعيد، أي: وجعلنا بينهم وبين من عبدوهم برزخا بعيدا لأنهم في قعر جهنم، وهم في أعلى عليين. { ورأى المجرمون النار } ، وضع المظهر موضع المضمر تصريحا بإجرامهم، وذما لهم، أي: ورأوا النار { فظنوا } أي: أيقنوا { أنهم مواقعوها } مخالطوها وواقعون فيها، { ولم يجدوا عنها مصرفا } أي: انصرافا ومعدلا ينصرفون إليه، نسأل الله السلامة من مواقع الهلاك. الإشارة: من اتخذ الله وليا، بموالاة طاعته وإفراد محبته، كان الله له وليا ونصيرا عند احتياجه وفاقته، ومجيبا له عند دعائه واستغاثته، ومن اتخذ وليا غير الله خاب ظنه ومناه، فإذا استغاث به جعل بينه وبين المستغيث به موبقا وبرزخا بعيدا، ومن والى أولياء الله فإنما والى الله، إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10]. وبالله التوفيق. ثم ذكر كفرهم بالقرآن مع كونه آية واضحة للعيان

الكهف 18:54

قلت: { جدلا }: تمييز، و { ربك }: مبتدأ و { الغفور }: خبره، و { ذو الرحمة }: خبر بعد خبر، وقيل: الخبر: { لو يؤاخذهم } ، و { الغفور ذو الرحمة }: صفتان للمبتدأ، وإيراد المغفرة على جهة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب، وأيضا: المغفرة ترك المؤاخذة، وهي غير متناهية، والرحمة فعل، وهو متناهي، وتقديم الوصف الأول لأن التخلية قبل التحلية، و المهلك بضم الميم وفتح اللام: اسم مصدر، من أهلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للمفعول لأن الفعل متعد، وقرئ بفتح الميم، من هلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للفاعل. يقول الحق جل جلاله: { ولقد صرفنا } أي: كررنا وأوردنا على وجوه كثيرة من النظر العجيب، { في هذا القرآن للناس } لمصلحتهم ومنفعتهم، { من كل مثل } من كل خبر يحتاجون إليه، أو: من كل مثل مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين، ومثل الحياة الدنيا. أو: من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب، ليتلقوه بالقبول، فلم يفعلوا. { وكان الإنسان } بحسب جبلته { أكثر شيء جدلا } أي: أكثر الأشياء، التي يتأتى منها الجدل، جدلا، وهو هنا شدة الخصومة بالباطل، والمعنى: أن جدله أكثر من جدل كل مجادل، وفيها ذم الجدل. وسببها: مجادلة النضر بن الحارث كما قيل، وهي عامة. { وما منع الناس } أي: أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم، من { أن يؤمنوا } بالله تعالى، ويتركوا ما هم فيه من الإشراك، { إذ جاءهم الهدى } أي: حين جاءهم القرآن الهادي إلى الإيمان، بسبب ما فيه من فنون العلوم وأنواع الإعجاز، فيؤمنوا، { ويستغفروا ربهم } عما فرط منهم من أنواع الذنوب، التي من جملتها: مجادلتهم للحق بالباطل، { إلا أن تأتيهم سنة الأولين } أي: ما منعهم إلا إتيان سنة الأولين، وهو نزول العذاب المستأصل أو انتظاره، فيكون على حذف مضاف، أي: انتظار سنة الأولين، وهو الهلاك. قال ابن جزي: معناها أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن تأتيهم سنة الأمم المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب أي: عذاب الآخرة. ه. قلت: والظاهر أن معنى الآية: ما منعهم من الإيمان إلا انتظار آية يرونها عيانا، كعادة الأمم الماضية، فيهلكوا كما هي سنة الله في خلقه، أو: عذاب ينزل بهم جهرا، وهو معنى قوله: { أو يأتيهم العذاب قبلا } أي: مقابلة وعيانا. قال تعالى: { وما نرسل المرسلين } إلى الأمم { إلا مبشرين ومنذرين } أي: مبشرين للمؤمنين بالثواب، ومنذرين للكافرين بالعقاب، دون إظهار الآيات واقتراح المعجزات، { ويجادل الذين كفروا بالباطل } باقتراح الآيات كالسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها. يفعلون ذلك { ليدحضوا به } أي: بالجدال { الحق } ، أي: يزيلونه عن مركزه ويبطلونه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها. وجدالهم: قولهم لرسلهم عليهم السلام: مآ أنتم إلا بشر مثلنا [يس: 15]، ولو شآء الله لأنزل ملائكة [المؤمنون: 24]، ونحوها. { واتخذوا آياتي } التي تخر لها صم الجبال، وهو القرآن، { وما أنذروا } أي: وإنذاري لهم، أو: الذي أنذروا به من العذاب والعقاب، { هزوا } مهزوءا به، أو محل استهزاء. { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه } وهو القرآن العظيم، { فأعرض عنها } فلم يتدبرها ولم يؤمن بها، أي: لا أحد أظلم منه لأنه أظلم من كل ظالم حيث ضم إلى المجادلة التكذيب والإعراض، { ونسي ما قدمت يداه } من الكفر والمعاصي، ولم يتفكر في عاقبتها، { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة }: أغطية كثيرة تمنعهم من التدبر في الآيات، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، فعل ذلك بهم كراهة { أن يفقهوه } ، أو: منعناهم أن يقفوا على كنهه. { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } أي: ثقلا يمنعهم من استماعه، { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } أي: فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف للطبع المتقدم على قلوبهم، وهذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء. و " إذا ": حرف جزاء وجواب، وهو، هنا، عن سؤال من النبي صلى الله عليه وسلم المدلول عليه بكمال عنايته بإسلامهم، كأنه قال صلى الله عليه وسلم: " ما لي لا أدعوهم " ؟ فقال: إن تدعهم... الخ. وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في هذه المواضع الخمسة باعتبار معناه، كما أن إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار اللفظ. { وربك الغفور }: البليغ المغفرة { ذو الرحمة } الموصوف بها، { لو يؤاخذهم بما كسبوا } من المعاصي، التي من جملتها: ما حكي عنهم من مجادلتهم بالباطل، وإعراضهم عن آيات ربهم، وعدم مبالاتهم بما اجترحوا من الموبقات، { لعجل لهم العذاب } قبل يوم القيامة لاستجلاب أعمالهم لذلك، والمراد: إمهال قريش، مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، { بل لهم موعد } وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، والمعطوف عليه ببل: محذوف، أي: لكنهم ليسوا بمؤاخذين، { بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } أي: ملجأ يلتجئون إليه، أو منجى ينجون به، يقال: وأل: أي: نجا، ووأل إليه: أي: التجأ إليه. { وتلك القرى } أي: قرى عاد وثمود وأضرابها، أي: وأهل تلك القرى { أهلكناهم } بالعذاب { لما ظلموا } أي: وقت ظلمهم، كما فعلت قريش بما حكى عنهم، { وجعلنا لمهلكهم } أي: عينا لهلاكهم { موعدا } أي: وقتا معينا، لا محيد لهم عن ذلك، فلتعتبر قريش بذلك ولا تغتر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد صرف الله في كتابه العزيز كل ما يحتاج إليه العباد، من علم الظاهر والباطن، لكن خوض القلوب فيما لا يعني، وكثرة مجادلتها بالباطل، صرفتها عن فهم أسرار الكتاب واستخراج غوامضه. فمن صفت مرآة قلبه أدرك ذلك منه. وتصفيتها بصحبة أهل الصفاء، وهم العارفون بالله، ولا تخلو الأرض منهم حتى يأتي أمر الله، وما منع الناس من الإيمان بهم وتصديقهم إلا انتظارهم ظهور كرامتهم، ونزول العذاب على من آذاهم، وهو جهل بطريق الولاية لأنهم رحمة للعباد، أرسلهم الحق تعالى في كل زمان، يذكرون الناس بالتحذير والتبشير، وبملاطفة الوعظ والتذكير، فاتخذهم الناس وما ذكروا به هزوا ولعبا، حيث حادوا عن تذكيرهم، ونفروا عن صحبتهم، فلا أحد أظلم ممن ذكر بالله وبآياته فأعرض واستكبر ونسي ما قدمت يداه من المعاصي والأوزار، سبب ذلك: جعل الأكنة على القلوب، وسفح ران المعاصي والذنوب، فلا يفقهون وعظا ولا تذكيرا، ولا يستمعون تحذيرا ولا تبشيرا، وإن تدعهم إلى الهدى والرجوع عن طريق الردى، فلن يهتدوا إذا أبدا لما سبق لهم في سابق القضاء، فلولا مغفرته العامة، ورحمته التامة، لعجل لهم العذاب، لكن له وقت معلوم، وأجل محتوم، لا محيد عنه إذا جاء، ولا ملجأ منه ولا منجا. نسأل الله العصمة بمنه وكرمه.

الكهف 18:55

قلت: { جدلا }: تمييز، و { ربك }: مبتدأ و { الغفور }: خبره، و { ذو الرحمة }: خبر بعد خبر، وقيل: الخبر: { لو يؤاخذهم } ، و { الغفور ذو الرحمة }: صفتان للمبتدأ، وإيراد المغفرة على جهة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب، وأيضا: المغفرة ترك المؤاخذة، وهي غير متناهية، والرحمة فعل، وهو متناهي، وتقديم الوصف الأول لأن التخلية قبل التحلية، و المهلك بضم الميم وفتح اللام: اسم مصدر، من أهلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للمفعول لأن الفعل متعد، وقرئ بفتح الميم، من هلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للفاعل. يقول الحق جل جلاله: { ولقد صرفنا } أي: كررنا وأوردنا على وجوه كثيرة من النظر العجيب، { في هذا القرآن للناس } لمصلحتهم ومنفعتهم، { من كل مثل } من كل خبر يحتاجون إليه، أو: من كل مثل مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين، ومثل الحياة الدنيا. أو: من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب، ليتلقوه بالقبول، فلم يفعلوا. { وكان الإنسان } بحسب جبلته { أكثر شيء جدلا } أي: أكثر الأشياء، التي يتأتى منها الجدل، جدلا، وهو هنا شدة الخصومة بالباطل، والمعنى: أن جدله أكثر من جدل كل مجادل، وفيها ذم الجدل. وسببها: مجادلة النضر بن الحارث كما قيل، وهي عامة. { وما منع الناس } أي: أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم، من { أن يؤمنوا } بالله تعالى، ويتركوا ما هم فيه من الإشراك، { إذ جاءهم الهدى } أي: حين جاءهم القرآن الهادي إلى الإيمان، بسبب ما فيه من فنون العلوم وأنواع الإعجاز، فيؤمنوا، { ويستغفروا ربهم } عما فرط منهم من أنواع الذنوب، التي من جملتها: مجادلتهم للحق بالباطل، { إلا أن تأتيهم سنة الأولين } أي: ما منعهم إلا إتيان سنة الأولين، وهو نزول العذاب المستأصل أو انتظاره، فيكون على حذف مضاف، أي: انتظار سنة الأولين، وهو الهلاك. قال ابن جزي: معناها أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن تأتيهم سنة الأمم المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب أي: عذاب الآخرة. ه. قلت: والظاهر أن معنى الآية: ما منعهم من الإيمان إلا انتظار آية يرونها عيانا، كعادة الأمم الماضية، فيهلكوا كما هي سنة الله في خلقه، أو: عذاب ينزل بهم جهرا، وهو معنى قوله: { أو يأتيهم العذاب قبلا } أي: مقابلة وعيانا. قال تعالى: { وما نرسل المرسلين } إلى الأمم { إلا مبشرين ومنذرين } أي: مبشرين للمؤمنين بالثواب، ومنذرين للكافرين بالعقاب، دون إظهار الآيات واقتراح المعجزات، { ويجادل الذين كفروا بالباطل } باقتراح الآيات كالسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها. يفعلون ذلك { ليدحضوا به } أي: بالجدال { الحق } ، أي: يزيلونه عن مركزه ويبطلونه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها. وجدالهم: قولهم لرسلهم عليهم السلام: مآ أنتم إلا بشر مثلنا [يس: 15]، ولو شآء الله لأنزل ملائكة [المؤمنون: 24]، ونحوها. { واتخذوا آياتي } التي تخر لها صم الجبال، وهو القرآن، { وما أنذروا } أي: وإنذاري لهم، أو: الذي أنذروا به من العذاب والعقاب، { هزوا } مهزوءا به، أو محل استهزاء. { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه } وهو القرآن العظيم، { فأعرض عنها } فلم يتدبرها ولم يؤمن بها، أي: لا أحد أظلم منه لأنه أظلم من كل ظالم حيث ضم إلى المجادلة التكذيب والإعراض، { ونسي ما قدمت يداه } من الكفر والمعاصي، ولم يتفكر في عاقبتها، { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة }: أغطية كثيرة تمنعهم من التدبر في الآيات، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، فعل ذلك بهم كراهة { أن يفقهوه } ، أو: منعناهم أن يقفوا على كنهه. { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } أي: ثقلا يمنعهم من استماعه، { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } أي: فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف للطبع المتقدم على قلوبهم، وهذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء. و " إذا ": حرف جزاء وجواب، وهو، هنا، عن سؤال من النبي صلى الله عليه وسلم المدلول عليه بكمال عنايته بإسلامهم، كأنه قال صلى الله عليه وسلم: " ما لي لا أدعوهم " ؟ فقال: إن تدعهم... الخ. وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في هذه المواضع الخمسة باعتبار معناه، كما أن إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار اللفظ. { وربك الغفور }: البليغ المغفرة { ذو الرحمة } الموصوف بها، { لو يؤاخذهم بما كسبوا } من المعاصي، التي من جملتها: ما حكي عنهم من مجادلتهم بالباطل، وإعراضهم عن آيات ربهم، وعدم مبالاتهم بما اجترحوا من الموبقات، { لعجل لهم العذاب } قبل يوم القيامة لاستجلاب أعمالهم لذلك، والمراد: إمهال قريش، مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، { بل لهم موعد } وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، والمعطوف عليه ببل: محذوف، أي: لكنهم ليسوا بمؤاخذين، { بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } أي: ملجأ يلتجئون إليه، أو منجى ينجون به، يقال: وأل: أي: نجا، ووأل إليه: أي: التجأ إليه. { وتلك القرى } أي: قرى عاد وثمود وأضرابها، أي: وأهل تلك القرى { أهلكناهم } بالعذاب { لما ظلموا } أي: وقت ظلمهم، كما فعلت قريش بما حكى عنهم، { وجعلنا لمهلكهم } أي: عينا لهلاكهم { موعدا } أي: وقتا معينا، لا محيد لهم عن ذلك، فلتعتبر قريش بذلك ولا تغتر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد صرف الله في كتابه العزيز كل ما يحتاج إليه العباد، من علم الظاهر والباطن، لكن خوض القلوب فيما لا يعني، وكثرة مجادلتها بالباطل، صرفتها عن فهم أسرار الكتاب واستخراج غوامضه. فمن صفت مرآة قلبه أدرك ذلك منه. وتصفيتها بصحبة أهل الصفاء، وهم العارفون بالله، ولا تخلو الأرض منهم حتى يأتي أمر الله، وما منع الناس من الإيمان بهم وتصديقهم إلا انتظارهم ظهور كرامتهم، ونزول العذاب على من آذاهم، وهو جهل بطريق الولاية لأنهم رحمة للعباد، أرسلهم الحق تعالى في كل زمان، يذكرون الناس بالتحذير والتبشير، وبملاطفة الوعظ والتذكير، فاتخذهم الناس وما ذكروا به هزوا ولعبا، حيث حادوا عن تذكيرهم، ونفروا عن صحبتهم، فلا أحد أظلم ممن ذكر بالله وبآياته فأعرض واستكبر ونسي ما قدمت يداه من المعاصي والأوزار، سبب ذلك: جعل الأكنة على القلوب، وسفح ران المعاصي والذنوب، فلا يفقهون وعظا ولا تذكيرا، ولا يستمعون تحذيرا ولا تبشيرا، وإن تدعهم إلى الهدى والرجوع عن طريق الردى، فلن يهتدوا إذا أبدا لما سبق لهم في سابق القضاء، فلولا مغفرته العامة، ورحمته التامة، لعجل لهم العذاب، لكن له وقت معلوم، وأجل محتوم، لا محيد عنه إذا جاء، ولا ملجأ منه ولا منجا. نسأل الله العصمة بمنه وكرمه.

الكهف 18:56

قلت: { جدلا }: تمييز، و { ربك }: مبتدأ و { الغفور }: خبره، و { ذو الرحمة }: خبر بعد خبر، وقيل: الخبر: { لو يؤاخذهم } ، و { الغفور ذو الرحمة }: صفتان للمبتدأ، وإيراد المغفرة على جهة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب، وأيضا: المغفرة ترك المؤاخذة، وهي غير متناهية، والرحمة فعل، وهو متناهي، وتقديم الوصف الأول لأن التخلية قبل التحلية، و المهلك بضم الميم وفتح اللام: اسم مصدر، من أهلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للمفعول لأن الفعل متعد، وقرئ بفتح الميم، من هلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للفاعل. يقول الحق جل جلاله: { ولقد صرفنا } أي: كررنا وأوردنا على وجوه كثيرة من النظر العجيب، { في هذا القرآن للناس } لمصلحتهم ومنفعتهم، { من كل مثل } من كل خبر يحتاجون إليه، أو: من كل مثل مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين، ومثل الحياة الدنيا. أو: من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب، ليتلقوه بالقبول، فلم يفعلوا. { وكان الإنسان } بحسب جبلته { أكثر شيء جدلا } أي: أكثر الأشياء، التي يتأتى منها الجدل، جدلا، وهو هنا شدة الخصومة بالباطل، والمعنى: أن جدله أكثر من جدل كل مجادل، وفيها ذم الجدل. وسببها: مجادلة النضر بن الحارث كما قيل، وهي عامة. { وما منع الناس } أي: أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم، من { أن يؤمنوا } بالله تعالى، ويتركوا ما هم فيه من الإشراك، { إذ جاءهم الهدى } أي: حين جاءهم القرآن الهادي إلى الإيمان، بسبب ما فيه من فنون العلوم وأنواع الإعجاز، فيؤمنوا، { ويستغفروا ربهم } عما فرط منهم من أنواع الذنوب، التي من جملتها: مجادلتهم للحق بالباطل، { إلا أن تأتيهم سنة الأولين } أي: ما منعهم إلا إتيان سنة الأولين، وهو نزول العذاب المستأصل أو انتظاره، فيكون على حذف مضاف، أي: انتظار سنة الأولين، وهو الهلاك. قال ابن جزي: معناها أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن تأتيهم سنة الأمم المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب أي: عذاب الآخرة. ه. قلت: والظاهر أن معنى الآية: ما منعهم من الإيمان إلا انتظار آية يرونها عيانا، كعادة الأمم الماضية، فيهلكوا كما هي سنة الله في خلقه، أو: عذاب ينزل بهم جهرا، وهو معنى قوله: { أو يأتيهم العذاب قبلا } أي: مقابلة وعيانا. قال تعالى: { وما نرسل المرسلين } إلى الأمم { إلا مبشرين ومنذرين } أي: مبشرين للمؤمنين بالثواب، ومنذرين للكافرين بالعقاب، دون إظهار الآيات واقتراح المعجزات، { ويجادل الذين كفروا بالباطل } باقتراح الآيات كالسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها. يفعلون ذلك { ليدحضوا به } أي: بالجدال { الحق } ، أي: يزيلونه عن مركزه ويبطلونه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها. وجدالهم: قولهم لرسلهم عليهم السلام: مآ أنتم إلا بشر مثلنا [يس: 15]، ولو شآء الله لأنزل ملائكة [المؤمنون: 24]، ونحوها. { واتخذوا آياتي } التي تخر لها صم الجبال، وهو القرآن، { وما أنذروا } أي: وإنذاري لهم، أو: الذي أنذروا به من العذاب والعقاب، { هزوا } مهزوءا به، أو محل استهزاء. { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه } وهو القرآن العظيم، { فأعرض عنها } فلم يتدبرها ولم يؤمن بها، أي: لا أحد أظلم منه لأنه أظلم من كل ظالم حيث ضم إلى المجادلة التكذيب والإعراض، { ونسي ما قدمت يداه } من الكفر والمعاصي، ولم يتفكر في عاقبتها، { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة }: أغطية كثيرة تمنعهم من التدبر في الآيات، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، فعل ذلك بهم كراهة { أن يفقهوه } ، أو: منعناهم أن يقفوا على كنهه. { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } أي: ثقلا يمنعهم من استماعه، { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } أي: فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف للطبع المتقدم على قلوبهم، وهذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء. و " إذا ": حرف جزاء وجواب، وهو، هنا، عن سؤال من النبي صلى الله عليه وسلم المدلول عليه بكمال عنايته بإسلامهم، كأنه قال صلى الله عليه وسلم: " ما لي لا أدعوهم " ؟ فقال: إن تدعهم... الخ. وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في هذه المواضع الخمسة باعتبار معناه، كما أن إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار اللفظ. { وربك الغفور }: البليغ المغفرة { ذو الرحمة } الموصوف بها، { لو يؤاخذهم بما كسبوا } من المعاصي، التي من جملتها: ما حكي عنهم من مجادلتهم بالباطل، وإعراضهم عن آيات ربهم، وعدم مبالاتهم بما اجترحوا من الموبقات، { لعجل لهم العذاب } قبل يوم القيامة لاستجلاب أعمالهم لذلك، والمراد: إمهال قريش، مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، { بل لهم موعد } وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، والمعطوف عليه ببل: محذوف، أي: لكنهم ليسوا بمؤاخذين، { بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } أي: ملجأ يلتجئون إليه، أو منجى ينجون به، يقال: وأل: أي: نجا، ووأل إليه: أي: التجأ إليه. { وتلك القرى } أي: قرى عاد وثمود وأضرابها، أي: وأهل تلك القرى { أهلكناهم } بالعذاب { لما ظلموا } أي: وقت ظلمهم، كما فعلت قريش بما حكى عنهم، { وجعلنا لمهلكهم } أي: عينا لهلاكهم { موعدا } أي: وقتا معينا، لا محيد لهم عن ذلك، فلتعتبر قريش بذلك ولا تغتر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد صرف الله في كتابه العزيز كل ما يحتاج إليه العباد، من علم الظاهر والباطن، لكن خوض القلوب فيما لا يعني، وكثرة مجادلتها بالباطل، صرفتها عن فهم أسرار الكتاب واستخراج غوامضه. فمن صفت مرآة قلبه أدرك ذلك منه. وتصفيتها بصحبة أهل الصفاء، وهم العارفون بالله، ولا تخلو الأرض منهم حتى يأتي أمر الله، وما منع الناس من الإيمان بهم وتصديقهم إلا انتظارهم ظهور كرامتهم، ونزول العذاب على من آذاهم، وهو جهل بطريق الولاية لأنهم رحمة للعباد، أرسلهم الحق تعالى في كل زمان، يذكرون الناس بالتحذير والتبشير، وبملاطفة الوعظ والتذكير، فاتخذهم الناس وما ذكروا به هزوا ولعبا، حيث حادوا عن تذكيرهم، ونفروا عن صحبتهم، فلا أحد أظلم ممن ذكر بالله وبآياته فأعرض واستكبر ونسي ما قدمت يداه من المعاصي والأوزار، سبب ذلك: جعل الأكنة على القلوب، وسفح ران المعاصي والذنوب، فلا يفقهون وعظا ولا تذكيرا، ولا يستمعون تحذيرا ولا تبشيرا، وإن تدعهم إلى الهدى والرجوع عن طريق الردى، فلن يهتدوا إذا أبدا لما سبق لهم في سابق القضاء، فلولا مغفرته العامة، ورحمته التامة، لعجل لهم العذاب، لكن له وقت معلوم، وأجل محتوم، لا محيد عنه إذا جاء، ولا ملجأ منه ولا منجا. نسأل الله العصمة بمنه وكرمه.

الكهف 18:57

قلت: { جدلا }: تمييز، و { ربك }: مبتدأ و { الغفور }: خبره، و { ذو الرحمة }: خبر بعد خبر، وقيل: الخبر: { لو يؤاخذهم } ، و { الغفور ذو الرحمة }: صفتان للمبتدأ، وإيراد المغفرة على جهة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب، وأيضا: المغفرة ترك المؤاخذة، وهي غير متناهية، والرحمة فعل، وهو متناهي، وتقديم الوصف الأول لأن التخلية قبل التحلية، و المهلك بضم الميم وفتح اللام: اسم مصدر، من أهلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للمفعول لأن الفعل متعد، وقرئ بفتح الميم، من هلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للفاعل. يقول الحق جل جلاله: { ولقد صرفنا } أي: كررنا وأوردنا على وجوه كثيرة من النظر العجيب، { في هذا القرآن للناس } لمصلحتهم ومنفعتهم، { من كل مثل } من كل خبر يحتاجون إليه، أو: من كل مثل مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين، ومثل الحياة الدنيا. أو: من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب، ليتلقوه بالقبول، فلم يفعلوا. { وكان الإنسان } بحسب جبلته { أكثر شيء جدلا } أي: أكثر الأشياء، التي يتأتى منها الجدل، جدلا، وهو هنا شدة الخصومة بالباطل، والمعنى: أن جدله أكثر من جدل كل مجادل، وفيها ذم الجدل. وسببها: مجادلة النضر بن الحارث كما قيل، وهي عامة. { وما منع الناس } أي: أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم، من { أن يؤمنوا } بالله تعالى، ويتركوا ما هم فيه من الإشراك، { إذ جاءهم الهدى } أي: حين جاءهم القرآن الهادي إلى الإيمان، بسبب ما فيه من فنون العلوم وأنواع الإعجاز، فيؤمنوا، { ويستغفروا ربهم } عما فرط منهم من أنواع الذنوب، التي من جملتها: مجادلتهم للحق بالباطل، { إلا أن تأتيهم سنة الأولين } أي: ما منعهم إلا إتيان سنة الأولين، وهو نزول العذاب المستأصل أو انتظاره، فيكون على حذف مضاف، أي: انتظار سنة الأولين، وهو الهلاك. قال ابن جزي: معناها أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن تأتيهم سنة الأمم المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب أي: عذاب الآخرة. ه. قلت: والظاهر أن معنى الآية: ما منعهم من الإيمان إلا انتظار آية يرونها عيانا، كعادة الأمم الماضية، فيهلكوا كما هي سنة الله في خلقه، أو: عذاب ينزل بهم جهرا، وهو معنى قوله: { أو يأتيهم العذاب قبلا } أي: مقابلة وعيانا. قال تعالى: { وما نرسل المرسلين } إلى الأمم { إلا مبشرين ومنذرين } أي: مبشرين للمؤمنين بالثواب، ومنذرين للكافرين بالعقاب، دون إظهار الآيات واقتراح المعجزات، { ويجادل الذين كفروا بالباطل } باقتراح الآيات كالسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها. يفعلون ذلك { ليدحضوا به } أي: بالجدال { الحق } ، أي: يزيلونه عن مركزه ويبطلونه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها. وجدالهم: قولهم لرسلهم عليهم السلام: مآ أنتم إلا بشر مثلنا [يس: 15]، ولو شآء الله لأنزل ملائكة [المؤمنون: 24]، ونحوها. { واتخذوا آياتي } التي تخر لها صم الجبال، وهو القرآن، { وما أنذروا } أي: وإنذاري لهم، أو: الذي أنذروا به من العذاب والعقاب، { هزوا } مهزوءا به، أو محل استهزاء. { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه } وهو القرآن العظيم، { فأعرض عنها } فلم يتدبرها ولم يؤمن بها، أي: لا أحد أظلم منه لأنه أظلم من كل ظالم حيث ضم إلى المجادلة التكذيب والإعراض، { ونسي ما قدمت يداه } من الكفر والمعاصي، ولم يتفكر في عاقبتها، { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة }: أغطية كثيرة تمنعهم من التدبر في الآيات، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، فعل ذلك بهم كراهة { أن يفقهوه } ، أو: منعناهم أن يقفوا على كنهه. { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } أي: ثقلا يمنعهم من استماعه، { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } أي: فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف للطبع المتقدم على قلوبهم، وهذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء. و " إذا ": حرف جزاء وجواب، وهو، هنا، عن سؤال من النبي صلى الله عليه وسلم المدلول عليه بكمال عنايته بإسلامهم، كأنه قال صلى الله عليه وسلم: " ما لي لا أدعوهم " ؟ فقال: إن تدعهم... الخ. وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في هذه المواضع الخمسة باعتبار معناه، كما أن إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار اللفظ. { وربك الغفور }: البليغ المغفرة { ذو الرحمة } الموصوف بها، { لو يؤاخذهم بما كسبوا } من المعاصي، التي من جملتها: ما حكي عنهم من مجادلتهم بالباطل، وإعراضهم عن آيات ربهم، وعدم مبالاتهم بما اجترحوا من الموبقات، { لعجل لهم العذاب } قبل يوم القيامة لاستجلاب أعمالهم لذلك، والمراد: إمهال قريش، مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، { بل لهم موعد } وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، والمعطوف عليه ببل: محذوف، أي: لكنهم ليسوا بمؤاخذين، { بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } أي: ملجأ يلتجئون إليه، أو منجى ينجون به، يقال: وأل: أي: نجا، ووأل إليه: أي: التجأ إليه. { وتلك القرى } أي: قرى عاد وثمود وأضرابها، أي: وأهل تلك القرى { أهلكناهم } بالعذاب { لما ظلموا } أي: وقت ظلمهم، كما فعلت قريش بما حكى عنهم، { وجعلنا لمهلكهم } أي: عينا لهلاكهم { موعدا } أي: وقتا معينا، لا محيد لهم عن ذلك، فلتعتبر قريش بذلك ولا تغتر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد صرف الله في كتابه العزيز كل ما يحتاج إليه العباد، من علم الظاهر والباطن، لكن خوض القلوب فيما لا يعني، وكثرة مجادلتها بالباطل، صرفتها عن فهم أسرار الكتاب واستخراج غوامضه. فمن صفت مرآة قلبه أدرك ذلك منه. وتصفيتها بصحبة أهل الصفاء، وهم العارفون بالله، ولا تخلو الأرض منهم حتى يأتي أمر الله، وما منع الناس من الإيمان بهم وتصديقهم إلا انتظارهم ظهور كرامتهم، ونزول العذاب على من آذاهم، وهو جهل بطريق الولاية لأنهم رحمة للعباد، أرسلهم الحق تعالى في كل زمان، يذكرون الناس بالتحذير والتبشير، وبملاطفة الوعظ والتذكير، فاتخذهم الناس وما ذكروا به هزوا ولعبا، حيث حادوا عن تذكيرهم، ونفروا عن صحبتهم، فلا أحد أظلم ممن ذكر بالله وبآياته فأعرض واستكبر ونسي ما قدمت يداه من المعاصي والأوزار، سبب ذلك: جعل الأكنة على القلوب، وسفح ران المعاصي والذنوب، فلا يفقهون وعظا ولا تذكيرا، ولا يستمعون تحذيرا ولا تبشيرا، وإن تدعهم إلى الهدى والرجوع عن طريق الردى، فلن يهتدوا إذا أبدا لما سبق لهم في سابق القضاء، فلولا مغفرته العامة، ورحمته التامة، لعجل لهم العذاب، لكن له وقت معلوم، وأجل محتوم، لا محيد عنه إذا جاء، ولا ملجأ منه ولا منجا. نسأل الله العصمة بمنه وكرمه.

الكهف 18:58

قلت: { جدلا }: تمييز، و { ربك }: مبتدأ و { الغفور }: خبره، و { ذو الرحمة }: خبر بعد خبر، وقيل: الخبر: { لو يؤاخذهم } ، و { الغفور ذو الرحمة }: صفتان للمبتدأ، وإيراد المغفرة على جهة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب، وأيضا: المغفرة ترك المؤاخذة، وهي غير متناهية، والرحمة فعل، وهو متناهي، وتقديم الوصف الأول لأن التخلية قبل التحلية، و المهلك بضم الميم وفتح اللام: اسم مصدر، من أهلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للمفعول لأن الفعل متعد، وقرئ بفتح الميم، من هلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للفاعل. يقول الحق جل جلاله: { ولقد صرفنا } أي: كررنا وأوردنا على وجوه كثيرة من النظر العجيب، { في هذا القرآن للناس } لمصلحتهم ومنفعتهم، { من كل مثل } من كل خبر يحتاجون إليه، أو: من كل مثل مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين، ومثل الحياة الدنيا. أو: من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب، ليتلقوه بالقبول، فلم يفعلوا. { وكان الإنسان } بحسب جبلته { أكثر شيء جدلا } أي: أكثر الأشياء، التي يتأتى منها الجدل، جدلا، وهو هنا شدة الخصومة بالباطل، والمعنى: أن جدله أكثر من جدل كل مجادل، وفيها ذم الجدل. وسببها: مجادلة النضر بن الحارث كما قيل، وهي عامة. { وما منع الناس } أي: أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم، من { أن يؤمنوا } بالله تعالى، ويتركوا ما هم فيه من الإشراك، { إذ جاءهم الهدى } أي: حين جاءهم القرآن الهادي إلى الإيمان، بسبب ما فيه من فنون العلوم وأنواع الإعجاز، فيؤمنوا، { ويستغفروا ربهم } عما فرط منهم من أنواع الذنوب، التي من جملتها: مجادلتهم للحق بالباطل، { إلا أن تأتيهم سنة الأولين } أي: ما منعهم إلا إتيان سنة الأولين، وهو نزول العذاب المستأصل أو انتظاره، فيكون على حذف مضاف، أي: انتظار سنة الأولين، وهو الهلاك. قال ابن جزي: معناها أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن تأتيهم سنة الأمم المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب أي: عذاب الآخرة. ه. قلت: والظاهر أن معنى الآية: ما منعهم من الإيمان إلا انتظار آية يرونها عيانا، كعادة الأمم الماضية، فيهلكوا كما هي سنة الله في خلقه، أو: عذاب ينزل بهم جهرا، وهو معنى قوله: { أو يأتيهم العذاب قبلا } أي: مقابلة وعيانا. قال تعالى: { وما نرسل المرسلين } إلى الأمم { إلا مبشرين ومنذرين } أي: مبشرين للمؤمنين بالثواب، ومنذرين للكافرين بالعقاب، دون إظهار الآيات واقتراح المعجزات، { ويجادل الذين كفروا بالباطل } باقتراح الآيات كالسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها. يفعلون ذلك { ليدحضوا به } أي: بالجدال { الحق } ، أي: يزيلونه عن مركزه ويبطلونه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها. وجدالهم: قولهم لرسلهم عليهم السلام: مآ أنتم إلا بشر مثلنا [يس: 15]، ولو شآء الله لأنزل ملائكة [المؤمنون: 24]، ونحوها. { واتخذوا آياتي } التي تخر لها صم الجبال، وهو القرآن، { وما أنذروا } أي: وإنذاري لهم، أو: الذي أنذروا به من العذاب والعقاب، { هزوا } مهزوءا به، أو محل استهزاء. { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه } وهو القرآن العظيم، { فأعرض عنها } فلم يتدبرها ولم يؤمن بها، أي: لا أحد أظلم منه لأنه أظلم من كل ظالم حيث ضم إلى المجادلة التكذيب والإعراض، { ونسي ما قدمت يداه } من الكفر والمعاصي، ولم يتفكر في عاقبتها، { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة }: أغطية كثيرة تمنعهم من التدبر في الآيات، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، فعل ذلك بهم كراهة { أن يفقهوه } ، أو: منعناهم أن يقفوا على كنهه. { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } أي: ثقلا يمنعهم من استماعه، { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } أي: فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف للطبع المتقدم على قلوبهم، وهذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء. و " إذا ": حرف جزاء وجواب، وهو، هنا، عن سؤال من النبي صلى الله عليه وسلم المدلول عليه بكمال عنايته بإسلامهم، كأنه قال صلى الله عليه وسلم: " ما لي لا أدعوهم " ؟ فقال: إن تدعهم... الخ. وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في هذه المواضع الخمسة باعتبار معناه، كما أن إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار اللفظ. { وربك الغفور }: البليغ المغفرة { ذو الرحمة } الموصوف بها، { لو يؤاخذهم بما كسبوا } من المعاصي، التي من جملتها: ما حكي عنهم من مجادلتهم بالباطل، وإعراضهم عن آيات ربهم، وعدم مبالاتهم بما اجترحوا من الموبقات، { لعجل لهم العذاب } قبل يوم القيامة لاستجلاب أعمالهم لذلك، والمراد: إمهال قريش، مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، { بل لهم موعد } وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، والمعطوف عليه ببل: محذوف، أي: لكنهم ليسوا بمؤاخذين، { بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } أي: ملجأ يلتجئون إليه، أو منجى ينجون به، يقال: وأل: أي: نجا، ووأل إليه: أي: التجأ إليه. { وتلك القرى } أي: قرى عاد وثمود وأضرابها، أي: وأهل تلك القرى { أهلكناهم } بالعذاب { لما ظلموا } أي: وقت ظلمهم، كما فعلت قريش بما حكى عنهم، { وجعلنا لمهلكهم } أي: عينا لهلاكهم { موعدا } أي: وقتا معينا، لا محيد لهم عن ذلك، فلتعتبر قريش بذلك ولا تغتر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد صرف الله في كتابه العزيز كل ما يحتاج إليه العباد، من علم الظاهر والباطن، لكن خوض القلوب فيما لا يعني، وكثرة مجادلتها بالباطل، صرفتها عن فهم أسرار الكتاب واستخراج غوامضه. فمن صفت مرآة قلبه أدرك ذلك منه. وتصفيتها بصحبة أهل الصفاء، وهم العارفون بالله، ولا تخلو الأرض منهم حتى يأتي أمر الله، وما منع الناس من الإيمان بهم وتصديقهم إلا انتظارهم ظهور كرامتهم، ونزول العذاب على من آذاهم، وهو جهل بطريق الولاية لأنهم رحمة للعباد، أرسلهم الحق تعالى في كل زمان، يذكرون الناس بالتحذير والتبشير، وبملاطفة الوعظ والتذكير، فاتخذهم الناس وما ذكروا به هزوا ولعبا، حيث حادوا عن تذكيرهم، ونفروا عن صحبتهم، فلا أحد أظلم ممن ذكر بالله وبآياته فأعرض واستكبر ونسي ما قدمت يداه من المعاصي والأوزار، سبب ذلك: جعل الأكنة على القلوب، وسفح ران المعاصي والذنوب، فلا يفقهون وعظا ولا تذكيرا، ولا يستمعون تحذيرا ولا تبشيرا، وإن تدعهم إلى الهدى والرجوع عن طريق الردى، فلن يهتدوا إذا أبدا لما سبق لهم في سابق القضاء، فلولا مغفرته العامة، ورحمته التامة، لعجل لهم العذاب، لكن له وقت معلوم، وأجل محتوم، لا محيد عنه إذا جاء، ولا ملجأ منه ولا منجا. نسأل الله العصمة بمنه وكرمه.

الكهف 18:59

قلت: { جدلا }: تمييز، و { ربك }: مبتدأ و { الغفور }: خبره، و { ذو الرحمة }: خبر بعد خبر، وقيل: الخبر: { لو يؤاخذهم } ، و { الغفور ذو الرحمة }: صفتان للمبتدأ، وإيراد المغفرة على جهة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب، وأيضا: المغفرة ترك المؤاخذة، وهي غير متناهية، والرحمة فعل، وهو متناهي، وتقديم الوصف الأول لأن التخلية قبل التحلية، و المهلك بضم الميم وفتح اللام: اسم مصدر، من أهلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للمفعول لأن الفعل متعد، وقرئ بفتح الميم، من هلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للفاعل. يقول الحق جل جلاله: { ولقد صرفنا } أي: كررنا وأوردنا على وجوه كثيرة من النظر العجيب، { في هذا القرآن للناس } لمصلحتهم ومنفعتهم، { من كل مثل } من كل خبر يحتاجون إليه، أو: من كل مثل مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين، ومثل الحياة الدنيا. أو: من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب، ليتلقوه بالقبول، فلم يفعلوا. { وكان الإنسان } بحسب جبلته { أكثر شيء جدلا } أي: أكثر الأشياء، التي يتأتى منها الجدل، جدلا، وهو هنا شدة الخصومة بالباطل، والمعنى: أن جدله أكثر من جدل كل مجادل، وفيها ذم الجدل. وسببها: مجادلة النضر بن الحارث كما قيل، وهي عامة. { وما منع الناس } أي: أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم، من { أن يؤمنوا } بالله تعالى، ويتركوا ما هم فيه من الإشراك، { إذ جاءهم الهدى } أي: حين جاءهم القرآن الهادي إلى الإيمان، بسبب ما فيه من فنون العلوم وأنواع الإعجاز، فيؤمنوا، { ويستغفروا ربهم } عما فرط منهم من أنواع الذنوب، التي من جملتها: مجادلتهم للحق بالباطل، { إلا أن تأتيهم سنة الأولين } أي: ما منعهم إلا إتيان سنة الأولين، وهو نزول العذاب المستأصل أو انتظاره، فيكون على حذف مضاف، أي: انتظار سنة الأولين، وهو الهلاك. قال ابن جزي: معناها أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن تأتيهم سنة الأمم المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب أي: عذاب الآخرة. ه. قلت: والظاهر أن معنى الآية: ما منعهم من الإيمان إلا انتظار آية يرونها عيانا، كعادة الأمم الماضية، فيهلكوا كما هي سنة الله في خلقه، أو: عذاب ينزل بهم جهرا، وهو معنى قوله: { أو يأتيهم العذاب قبلا } أي: مقابلة وعيانا. قال تعالى: { وما نرسل المرسلين } إلى الأمم { إلا مبشرين ومنذرين } أي: مبشرين للمؤمنين بالثواب، ومنذرين للكافرين بالعقاب، دون إظهار الآيات واقتراح المعجزات، { ويجادل الذين كفروا بالباطل } باقتراح الآيات كالسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها. يفعلون ذلك { ليدحضوا به } أي: بالجدال { الحق } ، أي: يزيلونه عن مركزه ويبطلونه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها. وجدالهم: قولهم لرسلهم عليهم السلام: مآ أنتم إلا بشر مثلنا [يس: 15]، ولو شآء الله لأنزل ملائكة [المؤمنون: 24]، ونحوها. { واتخذوا آياتي } التي تخر لها صم الجبال، وهو القرآن، { وما أنذروا } أي: وإنذاري لهم، أو: الذي أنذروا به من العذاب والعقاب، { هزوا } مهزوءا به، أو محل استهزاء. { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه } وهو القرآن العظيم، { فأعرض عنها } فلم يتدبرها ولم يؤمن بها، أي: لا أحد أظلم منه لأنه أظلم من كل ظالم حيث ضم إلى المجادلة التكذيب والإعراض، { ونسي ما قدمت يداه } من الكفر والمعاصي، ولم يتفكر في عاقبتها، { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة }: أغطية كثيرة تمنعهم من التدبر في الآيات، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، فعل ذلك بهم كراهة { أن يفقهوه } ، أو: منعناهم أن يقفوا على كنهه. { و } جعلنا { في آذانهم وقرا } أي: ثقلا يمنعهم من استماعه، { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } أي: فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف للطبع المتقدم على قلوبهم، وهذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء. و " إذا ": حرف جزاء وجواب، وهو، هنا، عن سؤال من النبي صلى الله عليه وسلم المدلول عليه بكمال عنايته بإسلامهم، كأنه قال صلى الله عليه وسلم: " ما لي لا أدعوهم " ؟ فقال: إن تدعهم... الخ. وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في هذه المواضع الخمسة باعتبار معناه، كما أن إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار اللفظ. { وربك الغفور }: البليغ المغفرة { ذو الرحمة } الموصوف بها، { لو يؤاخذهم بما كسبوا } من المعاصي، التي من جملتها: ما حكي عنهم من مجادلتهم بالباطل، وإعراضهم عن آيات ربهم، وعدم مبالاتهم بما اجترحوا من الموبقات، { لعجل لهم العذاب } قبل يوم القيامة لاستجلاب أعمالهم لذلك، والمراد: إمهال قريش، مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، { بل لهم موعد } وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، والمعطوف عليه ببل: محذوف، أي: لكنهم ليسوا بمؤاخذين، { بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } أي: ملجأ يلتجئون إليه، أو منجى ينجون به، يقال: وأل: أي: نجا، ووأل إليه: أي: التجأ إليه. { وتلك القرى } أي: قرى عاد وثمود وأضرابها، أي: وأهل تلك القرى { أهلكناهم } بالعذاب { لما ظلموا } أي: وقت ظلمهم، كما فعلت قريش بما حكى عنهم، { وجعلنا لمهلكهم } أي: عينا لهلاكهم { موعدا } أي: وقتا معينا، لا محيد لهم عن ذلك، فلتعتبر قريش بذلك ولا تغتر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد صرف الله في كتابه العزيز كل ما يحتاج إليه العباد، من علم الظاهر والباطن، لكن خوض القلوب فيما لا يعني، وكثرة مجادلتها بالباطل، صرفتها عن فهم أسرار الكتاب واستخراج غوامضه. فمن صفت مرآة قلبه أدرك ذلك منه. وتصفيتها بصحبة أهل الصفاء، وهم العارفون بالله، ولا تخلو الأرض منهم حتى يأتي أمر الله، وما منع الناس من الإيمان بهم وتصديقهم إلا انتظارهم ظهور كرامتهم، ونزول العذاب على من آذاهم، وهو جهل بطريق الولاية لأنهم رحمة للعباد، أرسلهم الحق تعالى في كل زمان، يذكرون الناس بالتحذير والتبشير، وبملاطفة الوعظ والتذكير، فاتخذهم الناس وما ذكروا به هزوا ولعبا، حيث حادوا عن تذكيرهم، ونفروا عن صحبتهم، فلا أحد أظلم ممن ذكر بالله وبآياته فأعرض واستكبر ونسي ما قدمت يداه من المعاصي والأوزار، سبب ذلك: جعل الأكنة على القلوب، وسفح ران المعاصي والذنوب، فلا يفقهون وعظا ولا تذكيرا، ولا يستمعون تحذيرا ولا تبشيرا، وإن تدعهم إلى الهدى والرجوع عن طريق الردى، فلن يهتدوا إذا أبدا لما سبق لهم في سابق القضاء، فلولا مغفرته العامة، ورحمته التامة، لعجل لهم العذاب، لكن له وقت معلوم، وأجل محتوم، لا محيد عنه إذا جاء، ولا ملجأ منه ولا منجا. نسأل الله العصمة بمنه وكرمه.

الكهف 18:60

ولما ذكر الحق جل جلاله قصة أهل الكهف، وكان وقع فيها عتاب للرسول - عليه الصلاة والسلام - حيث لم يستثن بتأخير الوحي، وبقوله: { ولا تقولن لشيء... } الخ، ذكر هنا قصة موسى مع الخضر - عليهما السلام - وكان سببها عتاب الحق لموسى عليه السلام حيث لم يرد العلم إليه، حين قال له القائل: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال: لا، فذكر الحق تعالى قصتهما تسلية لنبينا عليه الصلاة والسلام بمشاركة العتاب. قلت: { لا أبرح }: ناقصة، وخبرها: محذوف: اعتمادا على قرينة الحال إذ كان ذلك عن التوجه إلى السفر، أي: لا أبرح أسير في سفري هذا، ويجوز أن تكون تامة، من زال يزول، أي: لا أفارق ما أنا بصدده حتى أبلغ... الخ. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إذ قال موسى لفتاه } يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه السلام، وكان ابن أخته، سمي فتاه إذ كان يخدمه ويتبعه ويتعلم منه العلم. والفتى في لغة العرب: الشاب، ولما كانت الخدمة أكثر ما تكون من الفتيان، قيل للخادم: فتى، ويقال للتلميذ: فتى، وإن كان شيخا، إذا كان في خدمة شيخه، فقال موسى عليه السلام: { لا أبرح }: لا أزال أسير في طلب هذا الرجل، يعني: الخضر عليه السلام، { حتى أبلغ مجمع البحرين } ، وهو ملتقى بحر فارس والروم مما يلي المشرق، وهذا مذهب الأكثر. وقال ابن جزي: مجمع البحرين: عند " طنجة " حيث يتجمع البحر المحيط والبحر الخارج منه، وهو بحر الأندلس. قلت: وهو قول كعب بن محمد القرضي. { أو أمضي حقبا } أي: زمنا طويلا أتيقن معه فوات الطلب. والحقب: الدهر، أو ثمانون سنة، أو سبعون. وسبب هذا السفر: أن موسى عليه السلام لما ظهر على مصر، بعد هلاك القبط، أمره الله تعالى أن يذكر قومه هذه النعمة، فقام فيهم خطيبا بخطبة بليغة، رقت بها القلوب، وذرفت منها العيون، فقالوا له: من أعلم الناس؟ فقال: أنا. وفي رواية: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال: لا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه عز وجل، فأوحى الله إليه: " أعلم منك عبد لي بمجمع البحرين، وهو الخضر " ، وكان قبل موسى عليه السلام، وكان في مقدمة ذي القرنين، فبقي إلى زمن موسى عليه السلام، وسيأتي ذكر التعريف به في محله، إن شاء الله. وقال ابن عباس رضي الله عنه: إن موسى عليه السلام سأل ربه: أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يستقي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى، أو ترده عن ردى، قال: يا رب إن كان في عبادك من هو أعلم مني فدلني عليه؟ قال: أعلم منك الخضر، قال: أين أطلبه؟ قال: على ساحل البحر عند الصخرة. قال: يا رب، كيف لي به؟ قال: خذ حوتا في مكتل، فحيثما فقدته فهو هناك، فأخذ حوتا مشويا، فجعله في مكتل، فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، وذهبا يمشيان إلى أن اتصلا بالخضر، على ما يأتي تمامه، إن شاء الله تعالى. وحديث الخطبة هو الذي في صحيح البخاري وغيره. والله تعالى أعلم أي ذلك كان. الإشارة: قصة سيدنا موسى مع الخضر - عليهما السلام - هي السبب في ظهور التمييز بين أهل الظاهر وأهل الباطن، فأهل الظاهر قائمون بإصلاح الظواهر، وأهل الباطن قائمون بتحقيق البواطن. أهل الظاهر مغترفون من بحر الشرائع، وأهل الباطن مغترفون من بحر الحقائق. قيل: هو المراد بمجمع البحرين، حيث اجتمع سيدنا موسى، الذي هو بحر الشرائع، والخضر عليه السلام، الذي هو بحر الحقائق، ولا يفهم أن سيدنا موسى عليه السلام خال من بحر الحقائق، بل كان جامعا كاملا، وإنما أراد الحق تعالى أن ينزله إلى كمال الشرف، بالتواضع في طلب زيادة العلم تأديبا له وتربية، حيث ادعى القوة في نسبته العلم إلى نفسه، وفي الحكم: " منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين! ". وهذه عادة الله تعالى مع خواص أحبائه، إذا أظهروا شيئا من القوة، أو خرجوا عن حد العبودية، ولو أنملة، أدبهم بأصغر منهم علما وحالا عناية بهم، وتشريفا لهم لئلا يقفوا دون ذروة الكمال، كقضية الشاذلي مع المرأة التي قالت له: تمن على ربك بجوع ثمانين يوما، وأنا لي تسعة أشهر ما ذقت شيئا. وكقضية الجنيد والسري في جماعة من الصوفية، حيث تكلموا في المحبة، وفاض كل واحد على قدر اتساع بحره فيها، فقامت امرأة بالباب، عليها جبة صوف، فردت على كل واحد ما قال، حيث أظهروا قوة علمهم، فأدبهم بامرأة. ويؤخذ من طلب موسى الخضر - عليهما السلام - والسفر إليه: الترغيب في العلم، ولا سيما علم الباطن، فطلبه أمر مؤكد. قال الغزالي رضي الله عنه: هو فرض عين إذ لا يخلو أحد من عيب إو إصرار على ذنب، إلا الأنبياء - عليهم السلام - وقد قال الشاذلي رضي الله عنه: من لم يغلغل في علمنا هذا مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر. وبالله التوفيق. ثم ذكر بقية القصة

الكهف 18:61

قلت: { بينهما }: ظرف مضاف إليه اتساعا، أو بمعنى الوصل، و { سربا }: مفعول ثان لاتخذ، و { إذ أوينا }: متعلق بمحذوف، أي: أخبرني ما دهاني حين أويت إلى الصخرة حتى لم أخبرك بأمر الحوت، فإني نسيت أن أذكر لك أمره. و { أن أذكره }: بدل من الهاء في { أنسانيه } بدل اشتمال للمبالغة، و { عجبا }: مفعول ثان لاتخذ، وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: { في البحر } ، ثم ابتدأ التعجب فقال: { عجبا } أي: أعجب عجبا، وهو بعيد. قاله ابن جزي. قلت: وهذا البعيد هو الذي ارتكب الهبطي. و { قصصا }: مصدر، أي: يقصان قصصا. يقول الحق جل جلاله: ثم إن موسى ويوشع - عليهما السلام - حملا حوتا مشويا وخبزا، وسارا يلتمسان الخضر، { فلما بلغا مجمع بينهما } بين البحرين، أو مجمع وصل بعضهما ببعض، وجدا صخرة هناك، وعندها عين الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلا حيي بإذن الله، وكانا وصلا إليها ليلا، فناما، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطرب في المكتل، ودخل البحر، وقد كانا أكلا منه، وكان ذلك بعد استيقاظ يوشع، وقيل: توضأ عليه السلام من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فحيى ودخل البحر، فاستيقظ موسى، وذهبا، و { نسيا حوتهما } أي: نسيا تفقد أمره وما يكون منه، أو نسي يوشع أن يعلمه، وموسى عليه السلام أن يأمر فيه بشيء، { فاتخذ } الحوت { سبيله } أي: طريقه { في البحر سربا } مسلكا كالطاق، قيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت فجمد، حتى صار كالطاق في الماء معجزة لموسى أو الخضر - عليهما السلام -. فلما جاوزا مجمع البحرين، الذي جعل موعدا للملاقاة، وسارا بقية ليلتهما ويومهما إلى الظهر، وجد موسى عليه السلام حر الجوع، ف { قال لفتاه آتنا غداءنا } أي: ما نتغدى به، وهو الحوت، كما ينبئ عنه الجواب، { لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا }: تعبا وإعياء. قيل: لم ينصب موسى ولم يجع قبل ذلك، ويدل عليه الإتيان بالإشارة، وجملة { لقد لقينا }: تعليل للأمر بإيتاء الغذاء، إما باعتبار أن النصب إنما يعتري بسبب الضعف الناشئ عن الجوع، وإما باعتبار ما في أثناء التغذي من استراحة ما. { قال } فتاه عليه السلام: { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة } أي: التجأنا إليها ونمنا عندها، { فإني نسيت الحوت } أي: أخبرني ما دهاني حتى لم أذكر لك أمر الحوت، فإني نسيت أن أذكر لك أمره، ومراده بالاستفهام تعجيب موسى عليه السلام مما اعتراه من النسيان، مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى، { وما أنسانيه إلا الشيطان } بوسوسته الشاغلة له عن ذلك، { أن أذكره } ، ونسبته للشيطان هضما لنفسه، واستعمال الأدب في نسبة النقائص إلى الشيطان، وإن كان الكل من عند الله. وهذه الحالة، وإن كانت غريبة لا يعهد نسيانها، لكنه قد تعود بمشاهدة أمثالها من الخوارق مع موسى عليه السلام، وألفها قبل اهتمامه بالمحافظة عليها، أو لاستغراقه وانجذاب سره إلى جناب القدس، حتى غاب عن الإخبار بها. { قلت }: والظاهر أن نسيانه كان أمرا إلهيا قهريا بلا سبب، وحكمته ما لقي من النصب لتعظم حلاوة العلم الذي يأخذه عن الخضر عليه السلام، فإن المساق بعد التعب ألذ من المساق بغير تعب، ولذلك: " حفت الجنة بالمكاره ". ثم قال: { واتخذ } الحوت { سبيله في البحر عجبا } ، فيه حذف، أي فحيى الحوت، واضطرب، ووقع في البحر، واتخذ سبيله فيه سبيلا عجبا، أو اتخاذا عجبا يتعجب منه، وهو كون مسلكه كالطاق، { قال } موسى عليه السلام: { ذلك ما كنا نبغ } أي: ذلك الذي ذكرت من أمر الحوت هو الذي كنا نطلبه لكونه أمارة للفوز بالمرام، { فارتدا } أي: رجعا { على } طريقهما الذي جاءا منه، يقصان. يتبعان { آثارهما قصصا } ، حتى أتيا الصخرة { فوجدا عبدا من عبادنا } ، التنكير للتفخيم والإضافة للتعظيم، وهو الخضر عليه السلام عند الجمهور، واسمه: بليا بن ملكان يعصوا، والخضر لقب له لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء، كما في حديث أبي هريرة - عنه - صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: سمي خضرا لأنه كان إذا صلى خضر ما حوله، ثم قال: وهو ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان أبوه ملكا. ه. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قصة الخضر، فقال: " كان ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فأبى وهرب، ولحق بجزائر البحر، فلم يقدر عليه " قيل إنه شرب من عين الحياة فمتع بطول الحياة. روي أن موسى عليه السلام حين انتهى إلى الصخرة رأى الخضر عليه السلام على طنفسة - أي: بساط - على وجه الماء، فسلم عليه. وعنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: " انتهى موسى إلى الخضر، وهو نائم مسجى عليه ثوب، فسلم عليه فاستوى جالسا، وقال: عليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى: من أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ قال: الذي أدراك بي، ودلك علي " قال تعالى في حق الخضر: { آتيناه رحمة من عندنا } ، هي الوحي والنبوة، كما يشعر به تنكير الرحمة، وإضافتها إلى جناب الكبرياء، وقيل: هي سر الخصوصية، وهي الولاية. { وعلمناه من لدنا علما } خاصا، لا يكتنه كنهه، ولا يقدر قدره، وهو علم الغيوب، أو أسرار الحقيقة، أو علم الذات والصفات، علما حقيقيا. فالخضر عليه السلام قيل: إنه نبي بدليل قوله فيما يأتي: { وما فعلته عن أمري } ، وقيل: ولي، واختلف: هل مات، أو هو حي؟ وجمهور الأولياء: أنه حي، وقد لقيه كثير من الصلحاء والأولياء، حتى تواتر عنهم حياته. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما صار الحوت دليلا لسيدنا موسى عليه السلام بعد موته وخروجه عن إلفه، ثم حيى حياة خصوصية لما أنفق عليه من عين الحياة، كذلك العارف لا يكون دالا على الله، وإماما يقتدى به حتى يموت عن شهود حسه، ويخرق عوائد نفسه، ويفنى عن بشريته، ويبقى بربه، حينئذ تحيا روحه بشهود عظمة ربه، ويصير إماما ودليلا موصلا إليه، ويظهر منه خرق العوائد، كما ظهر من الحوت، حيث أمسك عن الماء الجرية فصار كالطاق، وذلك اقتدار، وإلى ذلك تشير أحوال الخضر، فكان الحوت مظهرا لحاله في تلك القصة. قاله في الحاشية بمعناه. وقال قبل ذلك في قوله: واتخذ سبيله في البحر عجبا: أي اتخذ الحوت، وجوز كون فاعل اتخذ: موسى، أي: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا وخرق عادة بأن مشى على الماء في طريق الحوت، حتى وجد الخضر على كبد البحر. ثم قال: وعلى الجملة: فالقضية تشير من جهة الخضر: للاقتدار وإسقاط الأسباب، ومن جهة موسى: لإثبات الأسباب حكمة، وحالة الاقتدار أشرف، وصاحب الحكمة أكمل ونفعه عام، بخلاف الآخر، فإن نفعه خاص. ه. وقوله تعالى: { وعلمناه من لدنا علما } ، العلم اللدني: هو الذي يفيض على القلب من غير اكتساب ولا تعلم، قال عليه الصلاة والسلام: " من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم " وذلك بعد تطهير القلب من النقائص والرذائل، وتفرغه من العلائق والشواغل، فإذا كمل تطهير القلب، وانجذب إلى حضرة الرب، فاضت عليه العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، منها ما تفهمها العقول وتدخل تحت دائرة النقول، ومنها ما لا تفهمها العقول ولا تحيط بها النقول، بل تسلم لأربابها، من غير أن يقتدى بهم في أمرها، ومنها ما تفيض عليهم في جانب علم الغيوب كمواقع القدر وحدوث الكائنات المستقبلة، ومنها ما تفيض عليهم في علوم الشرائع وأسرار الأحكام، ومنها في أسرار الحروف وخواص الأشياء، إلى غير ذلك من علوم الله تعالى. وبالله التوفيق. ثم تمم قصتهما بعد التقائهما

الكهف 18:62

قلت: { بينهما }: ظرف مضاف إليه اتساعا، أو بمعنى الوصل، و { سربا }: مفعول ثان لاتخذ، و { إذ أوينا }: متعلق بمحذوف، أي: أخبرني ما دهاني حين أويت إلى الصخرة حتى لم أخبرك بأمر الحوت، فإني نسيت أن أذكر لك أمره. و { أن أذكره }: بدل من الهاء في { أنسانيه } بدل اشتمال للمبالغة، و { عجبا }: مفعول ثان لاتخذ، وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: { في البحر } ، ثم ابتدأ التعجب فقال: { عجبا } أي: أعجب عجبا، وهو بعيد. قاله ابن جزي. قلت: وهذا البعيد هو الذي ارتكب الهبطي. و { قصصا }: مصدر، أي: يقصان قصصا. يقول الحق جل جلاله: ثم إن موسى ويوشع - عليهما السلام - حملا حوتا مشويا وخبزا، وسارا يلتمسان الخضر، { فلما بلغا مجمع بينهما } بين البحرين، أو مجمع وصل بعضهما ببعض، وجدا صخرة هناك، وعندها عين الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلا حيي بإذن الله، وكانا وصلا إليها ليلا، فناما، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطرب في المكتل، ودخل البحر، وقد كانا أكلا منه، وكان ذلك بعد استيقاظ يوشع، وقيل: توضأ عليه السلام من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فحيى ودخل البحر، فاستيقظ موسى، وذهبا، و { نسيا حوتهما } أي: نسيا تفقد أمره وما يكون منه، أو نسي يوشع أن يعلمه، وموسى عليه السلام أن يأمر فيه بشيء، { فاتخذ } الحوت { سبيله } أي: طريقه { في البحر سربا } مسلكا كالطاق، قيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت فجمد، حتى صار كالطاق في الماء معجزة لموسى أو الخضر - عليهما السلام -. فلما جاوزا مجمع البحرين، الذي جعل موعدا للملاقاة، وسارا بقية ليلتهما ويومهما إلى الظهر، وجد موسى عليه السلام حر الجوع، ف { قال لفتاه آتنا غداءنا } أي: ما نتغدى به، وهو الحوت، كما ينبئ عنه الجواب، { لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا }: تعبا وإعياء. قيل: لم ينصب موسى ولم يجع قبل ذلك، ويدل عليه الإتيان بالإشارة، وجملة { لقد لقينا }: تعليل للأمر بإيتاء الغذاء، إما باعتبار أن النصب إنما يعتري بسبب الضعف الناشئ عن الجوع، وإما باعتبار ما في أثناء التغذي من استراحة ما. { قال } فتاه عليه السلام: { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة } أي: التجأنا إليها ونمنا عندها، { فإني نسيت الحوت } أي: أخبرني ما دهاني حتى لم أذكر لك أمر الحوت، فإني نسيت أن أذكر لك أمره، ومراده بالاستفهام تعجيب موسى عليه السلام مما اعتراه من النسيان، مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى، { وما أنسانيه إلا الشيطان } بوسوسته الشاغلة له عن ذلك، { أن أذكره } ، ونسبته للشيطان هضما لنفسه، واستعمال الأدب في نسبة النقائص إلى الشيطان، وإن كان الكل من عند الله. وهذه الحالة، وإن كانت غريبة لا يعهد نسيانها، لكنه قد تعود بمشاهدة أمثالها من الخوارق مع موسى عليه السلام، وألفها قبل اهتمامه بالمحافظة عليها، أو لاستغراقه وانجذاب سره إلى جناب القدس، حتى غاب عن الإخبار بها. { قلت }: والظاهر أن نسيانه كان أمرا إلهيا قهريا بلا سبب، وحكمته ما لقي من النصب لتعظم حلاوة العلم الذي يأخذه عن الخضر عليه السلام، فإن المساق بعد التعب ألذ من المساق بغير تعب، ولذلك: " حفت الجنة بالمكاره ". ثم قال: { واتخذ } الحوت { سبيله في البحر عجبا } ، فيه حذف، أي فحيى الحوت، واضطرب، ووقع في البحر، واتخذ سبيله فيه سبيلا عجبا، أو اتخاذا عجبا يتعجب منه، وهو كون مسلكه كالطاق، { قال } موسى عليه السلام: { ذلك ما كنا نبغ } أي: ذلك الذي ذكرت من أمر الحوت هو الذي كنا نطلبه لكونه أمارة للفوز بالمرام، { فارتدا } أي: رجعا { على } طريقهما الذي جاءا منه، يقصان. يتبعان { آثارهما قصصا } ، حتى أتيا الصخرة { فوجدا عبدا من عبادنا } ، التنكير للتفخيم والإضافة للتعظيم، وهو الخضر عليه السلام عند الجمهور، واسمه: بليا بن ملكان يعصوا، والخضر لقب له لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء، كما في حديث أبي هريرة - عنه - صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: سمي خضرا لأنه كان إذا صلى خضر ما حوله، ثم قال: وهو ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان أبوه ملكا. ه. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قصة الخضر، فقال: " كان ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فأبى وهرب، ولحق بجزائر البحر، فلم يقدر عليه " قيل إنه شرب من عين الحياة فمتع بطول الحياة. روي أن موسى عليه السلام حين انتهى إلى الصخرة رأى الخضر عليه السلام على طنفسة - أي: بساط - على وجه الماء، فسلم عليه. وعنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: " انتهى موسى إلى الخضر، وهو نائم مسجى عليه ثوب، فسلم عليه فاستوى جالسا، وقال: عليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى: من أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ قال: الذي أدراك بي، ودلك علي " قال تعالى في حق الخضر: { آتيناه رحمة من عندنا } ، هي الوحي والنبوة، كما يشعر به تنكير الرحمة، وإضافتها إلى جناب الكبرياء، وقيل: هي سر الخصوصية، وهي الولاية. { وعلمناه من لدنا علما } خاصا، لا يكتنه كنهه، ولا يقدر قدره، وهو علم الغيوب، أو أسرار الحقيقة، أو علم الذات والصفات، علما حقيقيا. فالخضر عليه السلام قيل: إنه نبي بدليل قوله فيما يأتي: { وما فعلته عن أمري } ، وقيل: ولي، واختلف: هل مات، أو هو حي؟ وجمهور الأولياء: أنه حي، وقد لقيه كثير من الصلحاء والأولياء، حتى تواتر عنهم حياته. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما صار الحوت دليلا لسيدنا موسى عليه السلام بعد موته وخروجه عن إلفه، ثم حيى حياة خصوصية لما أنفق عليه من عين الحياة، كذلك العارف لا يكون دالا على الله، وإماما يقتدى به حتى يموت عن شهود حسه، ويخرق عوائد نفسه، ويفنى عن بشريته، ويبقى بربه، حينئذ تحيا روحه بشهود عظمة ربه، ويصير إماما ودليلا موصلا إليه، ويظهر منه خرق العوائد، كما ظهر من الحوت، حيث أمسك عن الماء الجرية فصار كالطاق، وذلك اقتدار، وإلى ذلك تشير أحوال الخضر، فكان الحوت مظهرا لحاله في تلك القصة. قاله في الحاشية بمعناه. وقال قبل ذلك في قوله: واتخذ سبيله في البحر عجبا: أي اتخذ الحوت، وجوز كون فاعل اتخذ: موسى، أي: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا وخرق عادة بأن مشى على الماء في طريق الحوت، حتى وجد الخضر على كبد البحر. ثم قال: وعلى الجملة: فالقضية تشير من جهة الخضر: للاقتدار وإسقاط الأسباب، ومن جهة موسى: لإثبات الأسباب حكمة، وحالة الاقتدار أشرف، وصاحب الحكمة أكمل ونفعه عام، بخلاف الآخر، فإن نفعه خاص. ه. وقوله تعالى: { وعلمناه من لدنا علما } ، العلم اللدني: هو الذي يفيض على القلب من غير اكتساب ولا تعلم، قال عليه الصلاة والسلام: " من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم " وذلك بعد تطهير القلب من النقائص والرذائل، وتفرغه من العلائق والشواغل، فإذا كمل تطهير القلب، وانجذب إلى حضرة الرب، فاضت عليه العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، منها ما تفهمها العقول وتدخل تحت دائرة النقول، ومنها ما لا تفهمها العقول ولا تحيط بها النقول، بل تسلم لأربابها، من غير أن يقتدى بهم في أمرها، ومنها ما تفيض عليهم في جانب علم الغيوب كمواقع القدر وحدوث الكائنات المستقبلة، ومنها ما تفيض عليهم في علوم الشرائع وأسرار الأحكام، ومنها في أسرار الحروف وخواص الأشياء، إلى غير ذلك من علوم الله تعالى. وبالله التوفيق. ثم تمم قصتهما بعد التقائهما