البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — مريم 19:89 – طه 20:61
المحتويات
- مريم 19:89
- مريم 19:90
- مريم 19:91
- مريم 19:92
- مريم 19:93
- مريم 19:94
- مريم 19:95
- مريم 19:96
- مريم 19:97
- مريم 19:98
- طه 20:1
- طه 20:2
- طه 20:3
- طه 20:4
- طه 20:5
- طه 20:6
- طه 20:7
- طه 20:8
- طه 20:9
- طه 20:10
- طه 20:11
- طه 20:12
- طه 20:13
- طه 20:14
- طه 20:15
- طه 20:16
- طه 20:17
- طه 20:18
- طه 20:19
- طه 20:20
- طه 20:21
- طه 20:22
- طه 20:23
- طه 20:24
- طه 20:25
- طه 20:26
- طه 20:27
- طه 20:28
- طه 20:29
- طه 20:30
- طه 20:31
- طه 20:32
- طه 20:33
- طه 20:34
- طه 20:35
- طه 20:36
- طه 20:37
- طه 20:38
- طه 20:39
- طه 20:40
- طه 20:41
- طه 20:42
- طه 20:43
- طه 20:44
- طه 20:45
- طه 20:46
- طه 20:47
- طه 20:48
- طه 20:49
- طه 20:50
- طه 20:51
- طه 20:52
- طه 20:53
- طه 20:54
- طه 20:55
- طه 20:56
- طه 20:57
- طه 20:58
- طه 20:59
- طه 20:60
- طه 20:61
مريم 19:89
قلت: { هدا }: مصدر مؤكد لمحذوف، هو حال من الجبال، أي: تهد هدا. و { أن دعوا }: على حذف اللام، أي: لأن دعوا، وفيه احتمالات أخر. يقول الحق جل جلاله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } هذه المقالة صدرت من اليهود والنصارى، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله، لعن الله جميعهم، فسبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فحكى جنايتهم إثر جناية عبده الأصنام، وعطف القصة على القصة لاشتراكهم في الضلالة، قال تعالى في شأنهم: { لقد جئتم شيئا إدا } أي: فعلتم أمرا منكرا شديدا، لا يقادر قدره، فهو رد لمقالتهم الباطلة، وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بغاية الوقاحة والجهل. و { جاء } يستعمل بمعنى فعل، فيتعدى تعديته، والإد - بكسر الهمزة وفتحها، وقرئ بهما في الشاذ -: العظيم المنكر، الإد: الشدة، قيل: الأد: في كلام العرب: أعظم الدواهي. ثم وصفه وبين هوله فقال: { تكاد السماوات يتفطرن منه }: يتشققن مرة بعد أخرى، من عظم ذلك الأمر وشدة هوله، وهو أبلغ من " ينفطرن " كما قرئ به، { وتنشق الأرض } أي: وتكاد تنشق وتذهب، { وتخر الجبال } أي: تسقط وتنهدم { هدا } بحيث لا يبقى لها أثر. والمعنى: أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها، بحيث لو تصورت بصورة محسوسة، لم يطق سمعها تلك الأجرام العظام، ولتفتتت من شدة قبحها، أو: إن فظاعتها واستجلاب الغضب والسخط بها بحيث لولا حلمه تعالى، لخر العالم وتبددت قوائمه، غضبا على من تفوه بها. قال محمد بن كعب: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، يعني: لأن ما ذكر أوصاف الساعة. وذلك { أن دعوا للرحمن ولدا } أي: تكاد تنفطر السماوات وتنشق الأرض، وتنهدم الجبال لأجل أن دعوا، أي: نسبوا أو سموا للرحمن ولدا، { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أي: قالوا اتخذ الرحمن ولدا، أو دعوا له ولدا، والحال أنه مما لا يليق به تعالى اتخاذ الولد لاستحالته عليه تعالى. ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلية الحكم لأن كل ما سواه تعالى منعم عليه برحمته، أو نعمة من أثر الرحمة، فكيف يتصور أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولى أصولها وفروعها، حتى يتوهم أن يتخذه ولدا، وقد صرح به قوله عز قائلا: { إن كل من في السماوات والأرض } أي: ما منهم من أحد من الملائكة أو الثقلين { إلا آتي الرحمن عبدا } مملوكا لله في الحال بالانقياد وقهرية العبودية. { لقد أحصاهم } أي: حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من حيطة علمه، وقبضة قدرته وقهريته، ما وجد منهم وما سيوجد، وما يقدر وجوده لو وجد، كل ذلك في علمه وقضائه وقدره وتدبيره، لا خروج لشيء عنه، وفي ذلك تصوير لقيام ربوبيته على كل شيء، وأنه عالم بكل شيء جملة وتفصيلا، { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } أي: وكل واحد منهم يأتي يوم القيامة فردا من الأموال والأنصار والأتباع، متفردا بعمله، فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم كذلك فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئا منهم ولدا؟!.
وفي الحديث القدسي:
" قال الله تعالى: كذبني عبدي، ولم يكن له ذلك، وشتمني عبدي ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فأن يقول: من يعيدنا كما بدأنا؟ وأما شتمه إياي فأن يقول: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد "
وهو في البخاري. وفي صيغة اسم الفاعل في قوله: { آتيه } من الدلالة على إتيانهم كذلك ألبتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل يأتيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا علمت أيها المؤمن أن الحق جل جلاله يغضب هذا الغضب الكلي على من أشرك مع الله، أو اعتقد فيه ما ليس هو عليه من التنزيه وكمال الكمال، فينبغي لك أن تخلص مشرب توحيدك من الشرك الجلي والخفي، علما وعقدا وحالا وذوقا، حتى لا يبقى في قلبك محبة لشيء من الأشياء ولا خوف من شيء، ولا تعلق بشيء، ولا ركون لشيء، إلا لمولاك، وحينئذ يصفى مشرب توحيدك، وتكون عبدا لله خالصا حرا مما سواه، ومهما بقي فيك شيء من محبة الهوى نقص توحيدك بقدره، ولم تصل إليه ما دمت تميل إلى شيء سواه. وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه:
إن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله
فكن عبدا لله حقيقة، وانخرط في سلك قوله: { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا }. فحينئذ تكون حرا مما سواه، ويملكك الوجود بأسره، يكون عند أمرك ونهيك. وفي ذلك يقول القائل:
دعوني لملكهم فلما أجبتهم قالوا دعوناك للملك لا للملك
وإذا فتحت عين القدرة وعين الحكمة وضعت كل شيء في محله، فتتنزه بعين القدرة في رياض الملكوت وبحار الجبروت، وتتنزه بعين الحكمة في بهجة الملك وأسرار الحكمة. فعين القدرة تقول: كل من في السماوات والأرض عبد مملوك تحت قهرية ذاته، فاعرف الضدين، وأنزل كل واحد في محله، تكن عارفا بالله، فإن أردت أن تعرفه بضد واحد بقيت جاهلا به. فالحكمة تثبت العبودية صورة صونا لكنز الربوبية، والقدرة تغيبك عنها بشهود أسرار الربوبية، وفي الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". فالعبودية لازمة من حيث العبد، والغيبة عنها واجبة من حيث الرب، فإثبات العبودية، حكمة، فرق، والغيبة عنها في شهود أنوار الربوبية: جمع، فالعارف مجموع في فرقه، مفروق في جمعه. ولما ذكر قبائح الكفرة أتبعه بذكر محاسن المؤمنين.
مريم 19:90
قلت: { هدا }: مصدر مؤكد لمحذوف، هو حال من الجبال، أي: تهد هدا. و { أن دعوا }: على حذف اللام، أي: لأن دعوا، وفيه احتمالات أخر. يقول الحق جل جلاله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } هذه المقالة صدرت من اليهود والنصارى، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله، لعن الله جميعهم، فسبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فحكى جنايتهم إثر جناية عبده الأصنام، وعطف القصة على القصة لاشتراكهم في الضلالة، قال تعالى في شأنهم: { لقد جئتم شيئا إدا } أي: فعلتم أمرا منكرا شديدا، لا يقادر قدره، فهو رد لمقالتهم الباطلة، وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بغاية الوقاحة والجهل. و { جاء } يستعمل بمعنى فعل، فيتعدى تعديته، والإد - بكسر الهمزة وفتحها، وقرئ بهما في الشاذ -: العظيم المنكر، الإد: الشدة، قيل: الأد: في كلام العرب: أعظم الدواهي. ثم وصفه وبين هوله فقال: { تكاد السماوات يتفطرن منه }: يتشققن مرة بعد أخرى، من عظم ذلك الأمر وشدة هوله، وهو أبلغ من " ينفطرن " كما قرئ به، { وتنشق الأرض } أي: وتكاد تنشق وتذهب، { وتخر الجبال } أي: تسقط وتنهدم { هدا } بحيث لا يبقى لها أثر. والمعنى: أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها، بحيث لو تصورت بصورة محسوسة، لم يطق سمعها تلك الأجرام العظام، ولتفتتت من شدة قبحها، أو: إن فظاعتها واستجلاب الغضب والسخط بها بحيث لولا حلمه تعالى، لخر العالم وتبددت قوائمه، غضبا على من تفوه بها. قال محمد بن كعب: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، يعني: لأن ما ذكر أوصاف الساعة. وذلك { أن دعوا للرحمن ولدا } أي: تكاد تنفطر السماوات وتنشق الأرض، وتنهدم الجبال لأجل أن دعوا، أي: نسبوا أو سموا للرحمن ولدا، { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أي: قالوا اتخذ الرحمن ولدا، أو دعوا له ولدا، والحال أنه مما لا يليق به تعالى اتخاذ الولد لاستحالته عليه تعالى. ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلية الحكم لأن كل ما سواه تعالى منعم عليه برحمته، أو نعمة من أثر الرحمة، فكيف يتصور أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولى أصولها وفروعها، حتى يتوهم أن يتخذه ولدا، وقد صرح به قوله عز قائلا: { إن كل من في السماوات والأرض } أي: ما منهم من أحد من الملائكة أو الثقلين { إلا آتي الرحمن عبدا } مملوكا لله في الحال بالانقياد وقهرية العبودية. { لقد أحصاهم } أي: حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من حيطة علمه، وقبضة قدرته وقهريته، ما وجد منهم وما سيوجد، وما يقدر وجوده لو وجد، كل ذلك في علمه وقضائه وقدره وتدبيره، لا خروج لشيء عنه، وفي ذلك تصوير لقيام ربوبيته على كل شيء، وأنه عالم بكل شيء جملة وتفصيلا، { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } أي: وكل واحد منهم يأتي يوم القيامة فردا من الأموال والأنصار والأتباع، متفردا بعمله، فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم كذلك فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئا منهم ولدا؟!.
وفي الحديث القدسي:
" قال الله تعالى: كذبني عبدي، ولم يكن له ذلك، وشتمني عبدي ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فأن يقول: من يعيدنا كما بدأنا؟ وأما شتمه إياي فأن يقول: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد "
وهو في البخاري. وفي صيغة اسم الفاعل في قوله: { آتيه } من الدلالة على إتيانهم كذلك ألبتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل يأتيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا علمت أيها المؤمن أن الحق جل جلاله يغضب هذا الغضب الكلي على من أشرك مع الله، أو اعتقد فيه ما ليس هو عليه من التنزيه وكمال الكمال، فينبغي لك أن تخلص مشرب توحيدك من الشرك الجلي والخفي، علما وعقدا وحالا وذوقا، حتى لا يبقى في قلبك محبة لشيء من الأشياء ولا خوف من شيء، ولا تعلق بشيء، ولا ركون لشيء، إلا لمولاك، وحينئذ يصفى مشرب توحيدك، وتكون عبدا لله خالصا حرا مما سواه، ومهما بقي فيك شيء من محبة الهوى نقص توحيدك بقدره، ولم تصل إليه ما دمت تميل إلى شيء سواه. وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه:
إن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله
فكن عبدا لله حقيقة، وانخرط في سلك قوله: { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا }. فحينئذ تكون حرا مما سواه، ويملكك الوجود بأسره، يكون عند أمرك ونهيك. وفي ذلك يقول القائل:
دعوني لملكهم فلما أجبتهم قالوا دعوناك للملك لا للملك
وإذا فتحت عين القدرة وعين الحكمة وضعت كل شيء في محله، فتتنزه بعين القدرة في رياض الملكوت وبحار الجبروت، وتتنزه بعين الحكمة في بهجة الملك وأسرار الحكمة. فعين القدرة تقول: كل من في السماوات والأرض عبد مملوك تحت قهرية ذاته، فاعرف الضدين، وأنزل كل واحد في محله، تكن عارفا بالله، فإن أردت أن تعرفه بضد واحد بقيت جاهلا به. فالحكمة تثبت العبودية صورة صونا لكنز الربوبية، والقدرة تغيبك عنها بشهود أسرار الربوبية، وفي الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". فالعبودية لازمة من حيث العبد، والغيبة عنها واجبة من حيث الرب، فإثبات العبودية، حكمة، فرق، والغيبة عنها في شهود أنوار الربوبية: جمع، فالعارف مجموع في فرقه، مفروق في جمعه. ولما ذكر قبائح الكفرة أتبعه بذكر محاسن المؤمنين.
مريم 19:91
قلت: { هدا }: مصدر مؤكد لمحذوف، هو حال من الجبال، أي: تهد هدا. و { أن دعوا }: على حذف اللام، أي: لأن دعوا، وفيه احتمالات أخر. يقول الحق جل جلاله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } هذه المقالة صدرت من اليهود والنصارى، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله، لعن الله جميعهم، فسبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فحكى جنايتهم إثر جناية عبده الأصنام، وعطف القصة على القصة لاشتراكهم في الضلالة، قال تعالى في شأنهم: { لقد جئتم شيئا إدا } أي: فعلتم أمرا منكرا شديدا، لا يقادر قدره، فهو رد لمقالتهم الباطلة، وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بغاية الوقاحة والجهل. و { جاء } يستعمل بمعنى فعل، فيتعدى تعديته، والإد - بكسر الهمزة وفتحها، وقرئ بهما في الشاذ -: العظيم المنكر، الإد: الشدة، قيل: الأد: في كلام العرب: أعظم الدواهي. ثم وصفه وبين هوله فقال: { تكاد السماوات يتفطرن منه }: يتشققن مرة بعد أخرى، من عظم ذلك الأمر وشدة هوله، وهو أبلغ من " ينفطرن " كما قرئ به، { وتنشق الأرض } أي: وتكاد تنشق وتذهب، { وتخر الجبال } أي: تسقط وتنهدم { هدا } بحيث لا يبقى لها أثر. والمعنى: أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها، بحيث لو تصورت بصورة محسوسة، لم يطق سمعها تلك الأجرام العظام، ولتفتتت من شدة قبحها، أو: إن فظاعتها واستجلاب الغضب والسخط بها بحيث لولا حلمه تعالى، لخر العالم وتبددت قوائمه، غضبا على من تفوه بها. قال محمد بن كعب: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، يعني: لأن ما ذكر أوصاف الساعة. وذلك { أن دعوا للرحمن ولدا } أي: تكاد تنفطر السماوات وتنشق الأرض، وتنهدم الجبال لأجل أن دعوا، أي: نسبوا أو سموا للرحمن ولدا، { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أي: قالوا اتخذ الرحمن ولدا، أو دعوا له ولدا، والحال أنه مما لا يليق به تعالى اتخاذ الولد لاستحالته عليه تعالى. ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلية الحكم لأن كل ما سواه تعالى منعم عليه برحمته، أو نعمة من أثر الرحمة، فكيف يتصور أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولى أصولها وفروعها، حتى يتوهم أن يتخذه ولدا، وقد صرح به قوله عز قائلا: { إن كل من في السماوات والأرض } أي: ما منهم من أحد من الملائكة أو الثقلين { إلا آتي الرحمن عبدا } مملوكا لله في الحال بالانقياد وقهرية العبودية. { لقد أحصاهم } أي: حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من حيطة علمه، وقبضة قدرته وقهريته، ما وجد منهم وما سيوجد، وما يقدر وجوده لو وجد، كل ذلك في علمه وقضائه وقدره وتدبيره، لا خروج لشيء عنه، وفي ذلك تصوير لقيام ربوبيته على كل شيء، وأنه عالم بكل شيء جملة وتفصيلا، { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } أي: وكل واحد منهم يأتي يوم القيامة فردا من الأموال والأنصار والأتباع، متفردا بعمله، فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم كذلك فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئا منهم ولدا؟!.
وفي الحديث القدسي:
" قال الله تعالى: كذبني عبدي، ولم يكن له ذلك، وشتمني عبدي ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فأن يقول: من يعيدنا كما بدأنا؟ وأما شتمه إياي فأن يقول: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد "
وهو في البخاري. وفي صيغة اسم الفاعل في قوله: { آتيه } من الدلالة على إتيانهم كذلك ألبتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل يأتيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا علمت أيها المؤمن أن الحق جل جلاله يغضب هذا الغضب الكلي على من أشرك مع الله، أو اعتقد فيه ما ليس هو عليه من التنزيه وكمال الكمال، فينبغي لك أن تخلص مشرب توحيدك من الشرك الجلي والخفي، علما وعقدا وحالا وذوقا، حتى لا يبقى في قلبك محبة لشيء من الأشياء ولا خوف من شيء، ولا تعلق بشيء، ولا ركون لشيء، إلا لمولاك، وحينئذ يصفى مشرب توحيدك، وتكون عبدا لله خالصا حرا مما سواه، ومهما بقي فيك شيء من محبة الهوى نقص توحيدك بقدره، ولم تصل إليه ما دمت تميل إلى شيء سواه. وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه:
إن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله
فكن عبدا لله حقيقة، وانخرط في سلك قوله: { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا }. فحينئذ تكون حرا مما سواه، ويملكك الوجود بأسره، يكون عند أمرك ونهيك. وفي ذلك يقول القائل:
دعوني لملكهم فلما أجبتهم قالوا دعوناك للملك لا للملك
وإذا فتحت عين القدرة وعين الحكمة وضعت كل شيء في محله، فتتنزه بعين القدرة في رياض الملكوت وبحار الجبروت، وتتنزه بعين الحكمة في بهجة الملك وأسرار الحكمة. فعين القدرة تقول: كل من في السماوات والأرض عبد مملوك تحت قهرية ذاته، فاعرف الضدين، وأنزل كل واحد في محله، تكن عارفا بالله، فإن أردت أن تعرفه بضد واحد بقيت جاهلا به. فالحكمة تثبت العبودية صورة صونا لكنز الربوبية، والقدرة تغيبك عنها بشهود أسرار الربوبية، وفي الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". فالعبودية لازمة من حيث العبد، والغيبة عنها واجبة من حيث الرب، فإثبات العبودية، حكمة، فرق، والغيبة عنها في شهود أنوار الربوبية: جمع، فالعارف مجموع في فرقه، مفروق في جمعه. ولما ذكر قبائح الكفرة أتبعه بذكر محاسن المؤمنين.
مريم 19:92
قلت: { هدا }: مصدر مؤكد لمحذوف، هو حال من الجبال، أي: تهد هدا. و { أن دعوا }: على حذف اللام، أي: لأن دعوا، وفيه احتمالات أخر. يقول الحق جل جلاله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } هذه المقالة صدرت من اليهود والنصارى، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله، لعن الله جميعهم، فسبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فحكى جنايتهم إثر جناية عبده الأصنام، وعطف القصة على القصة لاشتراكهم في الضلالة، قال تعالى في شأنهم: { لقد جئتم شيئا إدا } أي: فعلتم أمرا منكرا شديدا، لا يقادر قدره، فهو رد لمقالتهم الباطلة، وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بغاية الوقاحة والجهل. و { جاء } يستعمل بمعنى فعل، فيتعدى تعديته، والإد - بكسر الهمزة وفتحها، وقرئ بهما في الشاذ -: العظيم المنكر، الإد: الشدة، قيل: الأد: في كلام العرب: أعظم الدواهي. ثم وصفه وبين هوله فقال: { تكاد السماوات يتفطرن منه }: يتشققن مرة بعد أخرى، من عظم ذلك الأمر وشدة هوله، وهو أبلغ من " ينفطرن " كما قرئ به، { وتنشق الأرض } أي: وتكاد تنشق وتذهب، { وتخر الجبال } أي: تسقط وتنهدم { هدا } بحيث لا يبقى لها أثر. والمعنى: أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها، بحيث لو تصورت بصورة محسوسة، لم يطق سمعها تلك الأجرام العظام، ولتفتتت من شدة قبحها، أو: إن فظاعتها واستجلاب الغضب والسخط بها بحيث لولا حلمه تعالى، لخر العالم وتبددت قوائمه، غضبا على من تفوه بها. قال محمد بن كعب: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، يعني: لأن ما ذكر أوصاف الساعة. وذلك { أن دعوا للرحمن ولدا } أي: تكاد تنفطر السماوات وتنشق الأرض، وتنهدم الجبال لأجل أن دعوا، أي: نسبوا أو سموا للرحمن ولدا، { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أي: قالوا اتخذ الرحمن ولدا، أو دعوا له ولدا، والحال أنه مما لا يليق به تعالى اتخاذ الولد لاستحالته عليه تعالى. ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلية الحكم لأن كل ما سواه تعالى منعم عليه برحمته، أو نعمة من أثر الرحمة، فكيف يتصور أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولى أصولها وفروعها، حتى يتوهم أن يتخذه ولدا، وقد صرح به قوله عز قائلا: { إن كل من في السماوات والأرض } أي: ما منهم من أحد من الملائكة أو الثقلين { إلا آتي الرحمن عبدا } مملوكا لله في الحال بالانقياد وقهرية العبودية. { لقد أحصاهم } أي: حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من حيطة علمه، وقبضة قدرته وقهريته، ما وجد منهم وما سيوجد، وما يقدر وجوده لو وجد، كل ذلك في علمه وقضائه وقدره وتدبيره، لا خروج لشيء عنه، وفي ذلك تصوير لقيام ربوبيته على كل شيء، وأنه عالم بكل شيء جملة وتفصيلا، { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } أي: وكل واحد منهم يأتي يوم القيامة فردا من الأموال والأنصار والأتباع، متفردا بعمله، فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم كذلك فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئا منهم ولدا؟!.
وفي الحديث القدسي:
" قال الله تعالى: كذبني عبدي، ولم يكن له ذلك، وشتمني عبدي ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فأن يقول: من يعيدنا كما بدأنا؟ وأما شتمه إياي فأن يقول: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد "
وهو في البخاري. وفي صيغة اسم الفاعل في قوله: { آتيه } من الدلالة على إتيانهم كذلك ألبتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل يأتيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا علمت أيها المؤمن أن الحق جل جلاله يغضب هذا الغضب الكلي على من أشرك مع الله، أو اعتقد فيه ما ليس هو عليه من التنزيه وكمال الكمال، فينبغي لك أن تخلص مشرب توحيدك من الشرك الجلي والخفي، علما وعقدا وحالا وذوقا، حتى لا يبقى في قلبك محبة لشيء من الأشياء ولا خوف من شيء، ولا تعلق بشيء، ولا ركون لشيء، إلا لمولاك، وحينئذ يصفى مشرب توحيدك، وتكون عبدا لله خالصا حرا مما سواه، ومهما بقي فيك شيء من محبة الهوى نقص توحيدك بقدره، ولم تصل إليه ما دمت تميل إلى شيء سواه. وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه:
إن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله
فكن عبدا لله حقيقة، وانخرط في سلك قوله: { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا }. فحينئذ تكون حرا مما سواه، ويملكك الوجود بأسره، يكون عند أمرك ونهيك. وفي ذلك يقول القائل:
دعوني لملكهم فلما أجبتهم قالوا دعوناك للملك لا للملك
وإذا فتحت عين القدرة وعين الحكمة وضعت كل شيء في محله، فتتنزه بعين القدرة في رياض الملكوت وبحار الجبروت، وتتنزه بعين الحكمة في بهجة الملك وأسرار الحكمة. فعين القدرة تقول: كل من في السماوات والأرض عبد مملوك تحت قهرية ذاته، فاعرف الضدين، وأنزل كل واحد في محله، تكن عارفا بالله، فإن أردت أن تعرفه بضد واحد بقيت جاهلا به. فالحكمة تثبت العبودية صورة صونا لكنز الربوبية، والقدرة تغيبك عنها بشهود أسرار الربوبية، وفي الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". فالعبودية لازمة من حيث العبد، والغيبة عنها واجبة من حيث الرب، فإثبات العبودية، حكمة، فرق، والغيبة عنها في شهود أنوار الربوبية: جمع، فالعارف مجموع في فرقه، مفروق في جمعه. ولما ذكر قبائح الكفرة أتبعه بذكر محاسن المؤمنين.
مريم 19:93
قلت: { هدا }: مصدر مؤكد لمحذوف، هو حال من الجبال، أي: تهد هدا. و { أن دعوا }: على حذف اللام، أي: لأن دعوا، وفيه احتمالات أخر. يقول الحق جل جلاله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } هذه المقالة صدرت من اليهود والنصارى، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله، لعن الله جميعهم، فسبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فحكى جنايتهم إثر جناية عبده الأصنام، وعطف القصة على القصة لاشتراكهم في الضلالة، قال تعالى في شأنهم: { لقد جئتم شيئا إدا } أي: فعلتم أمرا منكرا شديدا، لا يقادر قدره، فهو رد لمقالتهم الباطلة، وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بغاية الوقاحة والجهل. و { جاء } يستعمل بمعنى فعل، فيتعدى تعديته، والإد - بكسر الهمزة وفتحها، وقرئ بهما في الشاذ -: العظيم المنكر، الإد: الشدة، قيل: الأد: في كلام العرب: أعظم الدواهي. ثم وصفه وبين هوله فقال: { تكاد السماوات يتفطرن منه }: يتشققن مرة بعد أخرى، من عظم ذلك الأمر وشدة هوله، وهو أبلغ من " ينفطرن " كما قرئ به، { وتنشق الأرض } أي: وتكاد تنشق وتذهب، { وتخر الجبال } أي: تسقط وتنهدم { هدا } بحيث لا يبقى لها أثر. والمعنى: أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها، بحيث لو تصورت بصورة محسوسة، لم يطق سمعها تلك الأجرام العظام، ولتفتتت من شدة قبحها، أو: إن فظاعتها واستجلاب الغضب والسخط بها بحيث لولا حلمه تعالى، لخر العالم وتبددت قوائمه، غضبا على من تفوه بها. قال محمد بن كعب: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، يعني: لأن ما ذكر أوصاف الساعة. وذلك { أن دعوا للرحمن ولدا } أي: تكاد تنفطر السماوات وتنشق الأرض، وتنهدم الجبال لأجل أن دعوا، أي: نسبوا أو سموا للرحمن ولدا، { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أي: قالوا اتخذ الرحمن ولدا، أو دعوا له ولدا، والحال أنه مما لا يليق به تعالى اتخاذ الولد لاستحالته عليه تعالى. ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلية الحكم لأن كل ما سواه تعالى منعم عليه برحمته، أو نعمة من أثر الرحمة، فكيف يتصور أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولى أصولها وفروعها، حتى يتوهم أن يتخذه ولدا، وقد صرح به قوله عز قائلا: { إن كل من في السماوات والأرض } أي: ما منهم من أحد من الملائكة أو الثقلين { إلا آتي الرحمن عبدا } مملوكا لله في الحال بالانقياد وقهرية العبودية. { لقد أحصاهم } أي: حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من حيطة علمه، وقبضة قدرته وقهريته، ما وجد منهم وما سيوجد، وما يقدر وجوده لو وجد، كل ذلك في علمه وقضائه وقدره وتدبيره، لا خروج لشيء عنه، وفي ذلك تصوير لقيام ربوبيته على كل شيء، وأنه عالم بكل شيء جملة وتفصيلا، { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } أي: وكل واحد منهم يأتي يوم القيامة فردا من الأموال والأنصار والأتباع، متفردا بعمله، فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم كذلك فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئا منهم ولدا؟!.
وفي الحديث القدسي:
" قال الله تعالى: كذبني عبدي، ولم يكن له ذلك، وشتمني عبدي ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فأن يقول: من يعيدنا كما بدأنا؟ وأما شتمه إياي فأن يقول: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد "
وهو في البخاري. وفي صيغة اسم الفاعل في قوله: { آتيه } من الدلالة على إتيانهم كذلك ألبتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل يأتيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا علمت أيها المؤمن أن الحق جل جلاله يغضب هذا الغضب الكلي على من أشرك مع الله، أو اعتقد فيه ما ليس هو عليه من التنزيه وكمال الكمال، فينبغي لك أن تخلص مشرب توحيدك من الشرك الجلي والخفي، علما وعقدا وحالا وذوقا، حتى لا يبقى في قلبك محبة لشيء من الأشياء ولا خوف من شيء، ولا تعلق بشيء، ولا ركون لشيء، إلا لمولاك، وحينئذ يصفى مشرب توحيدك، وتكون عبدا لله خالصا حرا مما سواه، ومهما بقي فيك شيء من محبة الهوى نقص توحيدك بقدره، ولم تصل إليه ما دمت تميل إلى شيء سواه. وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه:
إن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله
فكن عبدا لله حقيقة، وانخرط في سلك قوله: { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا }. فحينئذ تكون حرا مما سواه، ويملكك الوجود بأسره، يكون عند أمرك ونهيك. وفي ذلك يقول القائل:
دعوني لملكهم فلما أجبتهم قالوا دعوناك للملك لا للملك
وإذا فتحت عين القدرة وعين الحكمة وضعت كل شيء في محله، فتتنزه بعين القدرة في رياض الملكوت وبحار الجبروت، وتتنزه بعين الحكمة في بهجة الملك وأسرار الحكمة. فعين القدرة تقول: كل من في السماوات والأرض عبد مملوك تحت قهرية ذاته، فاعرف الضدين، وأنزل كل واحد في محله، تكن عارفا بالله، فإن أردت أن تعرفه بضد واحد بقيت جاهلا به. فالحكمة تثبت العبودية صورة صونا لكنز الربوبية، والقدرة تغيبك عنها بشهود أسرار الربوبية، وفي الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". فالعبودية لازمة من حيث العبد، والغيبة عنها واجبة من حيث الرب، فإثبات العبودية، حكمة، فرق، والغيبة عنها في شهود أنوار الربوبية: جمع، فالعارف مجموع في فرقه، مفروق في جمعه. ولما ذكر قبائح الكفرة أتبعه بذكر محاسن المؤمنين.
مريم 19:94
قلت: { هدا }: مصدر مؤكد لمحذوف، هو حال من الجبال، أي: تهد هدا. و { أن دعوا }: على حذف اللام، أي: لأن دعوا، وفيه احتمالات أخر. يقول الحق جل جلاله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } هذه المقالة صدرت من اليهود والنصارى، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله، لعن الله جميعهم، فسبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فحكى جنايتهم إثر جناية عبده الأصنام، وعطف القصة على القصة لاشتراكهم في الضلالة، قال تعالى في شأنهم: { لقد جئتم شيئا إدا } أي: فعلتم أمرا منكرا شديدا، لا يقادر قدره، فهو رد لمقالتهم الباطلة، وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بغاية الوقاحة والجهل. و { جاء } يستعمل بمعنى فعل، فيتعدى تعديته، والإد - بكسر الهمزة وفتحها، وقرئ بهما في الشاذ -: العظيم المنكر، الإد: الشدة، قيل: الأد: في كلام العرب: أعظم الدواهي. ثم وصفه وبين هوله فقال: { تكاد السماوات يتفطرن منه }: يتشققن مرة بعد أخرى، من عظم ذلك الأمر وشدة هوله، وهو أبلغ من " ينفطرن " كما قرئ به، { وتنشق الأرض } أي: وتكاد تنشق وتذهب، { وتخر الجبال } أي: تسقط وتنهدم { هدا } بحيث لا يبقى لها أثر. والمعنى: أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها، بحيث لو تصورت بصورة محسوسة، لم يطق سمعها تلك الأجرام العظام، ولتفتتت من شدة قبحها، أو: إن فظاعتها واستجلاب الغضب والسخط بها بحيث لولا حلمه تعالى، لخر العالم وتبددت قوائمه، غضبا على من تفوه بها. قال محمد بن كعب: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، يعني: لأن ما ذكر أوصاف الساعة. وذلك { أن دعوا للرحمن ولدا } أي: تكاد تنفطر السماوات وتنشق الأرض، وتنهدم الجبال لأجل أن دعوا، أي: نسبوا أو سموا للرحمن ولدا، { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أي: قالوا اتخذ الرحمن ولدا، أو دعوا له ولدا، والحال أنه مما لا يليق به تعالى اتخاذ الولد لاستحالته عليه تعالى. ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلية الحكم لأن كل ما سواه تعالى منعم عليه برحمته، أو نعمة من أثر الرحمة، فكيف يتصور أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولى أصولها وفروعها، حتى يتوهم أن يتخذه ولدا، وقد صرح به قوله عز قائلا: { إن كل من في السماوات والأرض } أي: ما منهم من أحد من الملائكة أو الثقلين { إلا آتي الرحمن عبدا } مملوكا لله في الحال بالانقياد وقهرية العبودية. { لقد أحصاهم } أي: حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من حيطة علمه، وقبضة قدرته وقهريته، ما وجد منهم وما سيوجد، وما يقدر وجوده لو وجد، كل ذلك في علمه وقضائه وقدره وتدبيره، لا خروج لشيء عنه، وفي ذلك تصوير لقيام ربوبيته على كل شيء، وأنه عالم بكل شيء جملة وتفصيلا، { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } أي: وكل واحد منهم يأتي يوم القيامة فردا من الأموال والأنصار والأتباع، متفردا بعمله، فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم كذلك فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئا منهم ولدا؟!.
وفي الحديث القدسي:
" قال الله تعالى: كذبني عبدي، ولم يكن له ذلك، وشتمني عبدي ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فأن يقول: من يعيدنا كما بدأنا؟ وأما شتمه إياي فأن يقول: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد "
وهو في البخاري. وفي صيغة اسم الفاعل في قوله: { آتيه } من الدلالة على إتيانهم كذلك ألبتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل يأتيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا علمت أيها المؤمن أن الحق جل جلاله يغضب هذا الغضب الكلي على من أشرك مع الله، أو اعتقد فيه ما ليس هو عليه من التنزيه وكمال الكمال، فينبغي لك أن تخلص مشرب توحيدك من الشرك الجلي والخفي، علما وعقدا وحالا وذوقا، حتى لا يبقى في قلبك محبة لشيء من الأشياء ولا خوف من شيء، ولا تعلق بشيء، ولا ركون لشيء، إلا لمولاك، وحينئذ يصفى مشرب توحيدك، وتكون عبدا لله خالصا حرا مما سواه، ومهما بقي فيك شيء من محبة الهوى نقص توحيدك بقدره، ولم تصل إليه ما دمت تميل إلى شيء سواه. وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه:
إن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله
فكن عبدا لله حقيقة، وانخرط في سلك قوله: { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا }. فحينئذ تكون حرا مما سواه، ويملكك الوجود بأسره، يكون عند أمرك ونهيك. وفي ذلك يقول القائل:
دعوني لملكهم فلما أجبتهم قالوا دعوناك للملك لا للملك
وإذا فتحت عين القدرة وعين الحكمة وضعت كل شيء في محله، فتتنزه بعين القدرة في رياض الملكوت وبحار الجبروت، وتتنزه بعين الحكمة في بهجة الملك وأسرار الحكمة. فعين القدرة تقول: كل من في السماوات والأرض عبد مملوك تحت قهرية ذاته، فاعرف الضدين، وأنزل كل واحد في محله، تكن عارفا بالله، فإن أردت أن تعرفه بضد واحد بقيت جاهلا به. فالحكمة تثبت العبودية صورة صونا لكنز الربوبية، والقدرة تغيبك عنها بشهود أسرار الربوبية، وفي الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". فالعبودية لازمة من حيث العبد، والغيبة عنها واجبة من حيث الرب، فإثبات العبودية، حكمة، فرق، والغيبة عنها في شهود أنوار الربوبية: جمع، فالعارف مجموع في فرقه، مفروق في جمعه. ولما ذكر قبائح الكفرة أتبعه بذكر محاسن المؤمنين.
مريم 19:95
قلت: { هدا }: مصدر مؤكد لمحذوف، هو حال من الجبال، أي: تهد هدا. و { أن دعوا }: على حذف اللام، أي: لأن دعوا، وفيه احتمالات أخر. يقول الحق جل جلاله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } هذه المقالة صدرت من اليهود والنصارى، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله، لعن الله جميعهم، فسبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فحكى جنايتهم إثر جناية عبده الأصنام، وعطف القصة على القصة لاشتراكهم في الضلالة، قال تعالى في شأنهم: { لقد جئتم شيئا إدا } أي: فعلتم أمرا منكرا شديدا، لا يقادر قدره، فهو رد لمقالتهم الباطلة، وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بغاية الوقاحة والجهل. و { جاء } يستعمل بمعنى فعل، فيتعدى تعديته، والإد - بكسر الهمزة وفتحها، وقرئ بهما في الشاذ -: العظيم المنكر، الإد: الشدة، قيل: الأد: في كلام العرب: أعظم الدواهي. ثم وصفه وبين هوله فقال: { تكاد السماوات يتفطرن منه }: يتشققن مرة بعد أخرى، من عظم ذلك الأمر وشدة هوله، وهو أبلغ من " ينفطرن " كما قرئ به، { وتنشق الأرض } أي: وتكاد تنشق وتذهب، { وتخر الجبال } أي: تسقط وتنهدم { هدا } بحيث لا يبقى لها أثر. والمعنى: أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها، بحيث لو تصورت بصورة محسوسة، لم يطق سمعها تلك الأجرام العظام، ولتفتتت من شدة قبحها، أو: إن فظاعتها واستجلاب الغضب والسخط بها بحيث لولا حلمه تعالى، لخر العالم وتبددت قوائمه، غضبا على من تفوه بها. قال محمد بن كعب: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، يعني: لأن ما ذكر أوصاف الساعة. وذلك { أن دعوا للرحمن ولدا } أي: تكاد تنفطر السماوات وتنشق الأرض، وتنهدم الجبال لأجل أن دعوا، أي: نسبوا أو سموا للرحمن ولدا، { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أي: قالوا اتخذ الرحمن ولدا، أو دعوا له ولدا، والحال أنه مما لا يليق به تعالى اتخاذ الولد لاستحالته عليه تعالى. ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلية الحكم لأن كل ما سواه تعالى منعم عليه برحمته، أو نعمة من أثر الرحمة، فكيف يتصور أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولى أصولها وفروعها، حتى يتوهم أن يتخذه ولدا، وقد صرح به قوله عز قائلا: { إن كل من في السماوات والأرض } أي: ما منهم من أحد من الملائكة أو الثقلين { إلا آتي الرحمن عبدا } مملوكا لله في الحال بالانقياد وقهرية العبودية. { لقد أحصاهم } أي: حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من حيطة علمه، وقبضة قدرته وقهريته، ما وجد منهم وما سيوجد، وما يقدر وجوده لو وجد، كل ذلك في علمه وقضائه وقدره وتدبيره، لا خروج لشيء عنه، وفي ذلك تصوير لقيام ربوبيته على كل شيء، وأنه عالم بكل شيء جملة وتفصيلا، { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } أي: وكل واحد منهم يأتي يوم القيامة فردا من الأموال والأنصار والأتباع، متفردا بعمله، فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم كذلك فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئا منهم ولدا؟!.
وفي الحديث القدسي:
" قال الله تعالى: كذبني عبدي، ولم يكن له ذلك، وشتمني عبدي ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فأن يقول: من يعيدنا كما بدأنا؟ وأما شتمه إياي فأن يقول: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد "
وهو في البخاري. وفي صيغة اسم الفاعل في قوله: { آتيه } من الدلالة على إتيانهم كذلك ألبتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل يأتيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا علمت أيها المؤمن أن الحق جل جلاله يغضب هذا الغضب الكلي على من أشرك مع الله، أو اعتقد فيه ما ليس هو عليه من التنزيه وكمال الكمال، فينبغي لك أن تخلص مشرب توحيدك من الشرك الجلي والخفي، علما وعقدا وحالا وذوقا، حتى لا يبقى في قلبك محبة لشيء من الأشياء ولا خوف من شيء، ولا تعلق بشيء، ولا ركون لشيء، إلا لمولاك، وحينئذ يصفى مشرب توحيدك، وتكون عبدا لله خالصا حرا مما سواه، ومهما بقي فيك شيء من محبة الهوى نقص توحيدك بقدره، ولم تصل إليه ما دمت تميل إلى شيء سواه. وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه:
إن ترد وصلنا فموتك شرط لا ينال الوصال من فيه فضله
فكن عبدا لله حقيقة، وانخرط في سلك قوله: { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا }. فحينئذ تكون حرا مما سواه، ويملكك الوجود بأسره، يكون عند أمرك ونهيك. وفي ذلك يقول القائل:
دعوني لملكهم فلما أجبتهم قالوا دعوناك للملك لا للملك
وإذا فتحت عين القدرة وعين الحكمة وضعت كل شيء في محله، فتتنزه بعين القدرة في رياض الملكوت وبحار الجبروت، وتتنزه بعين الحكمة في بهجة الملك وأسرار الحكمة. فعين القدرة تقول: كل من في السماوات والأرض عبد مملوك تحت قهرية ذاته، فاعرف الضدين، وأنزل كل واحد في محله، تكن عارفا بالله، فإن أردت أن تعرفه بضد واحد بقيت جاهلا به. فالحكمة تثبت العبودية صورة صونا لكنز الربوبية، والقدرة تغيبك عنها بشهود أسرار الربوبية، وفي الحكم: " سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". فالعبودية لازمة من حيث العبد، والغيبة عنها واجبة من حيث الرب، فإثبات العبودية، حكمة، فرق، والغيبة عنها في شهود أنوار الربوبية: جمع، فالعارف مجموع في فرقه، مفروق في جمعه. ولما ذكر قبائح الكفرة أتبعه بذكر محاسن المؤمنين.
مريم 19:96
قلت: لما استحقر الكفرة أحوال المؤمنين حتى قالوا: { أينا خير مقاما وأحسن نديا } ، أخبر الله تعالى المؤمنين وبشرهم أنهم سيعزهم ويلقى مودتهم في قلوب عباده. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن } في قلوب الناس مودة وعطفا، حتى يحبهم كل من سمع بهم، فيحبهم ويحببهم إلى عباده من أهل السماوات والأرض، أي: سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض لأسبابها، سوى ما لهم من الإيمان والعمل الصالح، أو { ودا } فيما بينهم، فيتحابون ويتواددون ويحبهم الله. قال القشيري: يجعل في قلوبهم ودا لله، وهو نتيجة أعمالهم الخالصة، وفي الخبر: " لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى يحبني وأحبه ". والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن الموعود من آثارها، وأن مودتهم رحمة بهم وبمن أحبهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه:
" قل اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة "
فنزلت الآية. وفي حديث البخاري وغيره:
" إذا أحب الله عبدا قال لجبريل: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يضع له المحبة في الأرض ".
وقال قتادة: { سيجعل لهم الرحمن ودا } قال: أي والله ودا في قلوب أهل الإيمان. وإن هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد بقلبه على الله إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. قلت: ولفظ الحديث:
" ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل خير أسرع "
نقله في الترغيب. وفي حديث آخر:
" يعطى المؤمن ودا في صدور الأبرار، ومهابة في صدور الفجار "
فتودد الناس للعبد دليل على قبوله عند مولاه. أنتم شهداء الله في أرضه. وفي بعض الأثر: " لا يموت العبد الصالح حتى يملأ مسامعه مما يحب، ولا يموت الفاجر حتى يملأ مسامعه مما يكره ". بالمعنى. وأتى الحق جل جلاله بالسين لأن السورة مكية، وكانوا إذ ذلك ممقوتين عند الكفرة، فوعدهم ذلك، ثم أنجزه لهم حين جاء الإسلام، فعزوا وانتصروا، وتعشقت إليهم قلوب الخلق من كل جانب، كما هو مسطر في تواريخهم. وقيل: الموعود في القيامة، حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد كأنها أنوار الشمس الضاحية، ولعل إفراد هذا بالوعد من بين ما لهم من الكرامات السنية لأن الكفرة سيقع بينهم يومئذ تقاطع وتباغض وتضاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: سنة الله تعالى في أوليائه، في حال بدايتهم، أن يسلط عليهم الخلق، وينزل عليهم الخمول والذل بين عباده، حتى يمقتهم أقرب الناس إليهم، رحمة بهم واعتناء بقلوبهم لئلا تسكن إلى غيره.
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا... الخ. فإذا تطهروا من البقايا وكملت فيهم المزايا، وتمكنوا من معرفة الحق، أعزهم وألقى مودتهم في قلوب عباده، هذا دأبه معهم في الغالب، وقد يحكم على بعضهم بالخمول حتى يلقاه على ذلك، ولا يكون ذلك نقصا في حقه بل كمالا، وهم شهداء الملكوت، لم يأخذوا من أجرهم شيئا. والله تعالى أعلم. ولما ختم السورة الكريمة أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بتبليغها
مريم 19:97
قلت: الفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم، كأنه قيل - بعد إيحاء السورة الكريمة -: بلغ هذا المنزل عليك، وبشر به، وأنذر فإنما يسرناه... الخ، قاله أبو السعود. يقول الحق جل جلاله: { فإنما يسرناه } أي: القرآن { بلسانك } بأن أنزلناه على لغتك، والباء بمعنى " على " وقيل: ضمن التيسير معنى الإنزال، أي: يسرنا القرآن وأنزلناه بلغتك { لتبشر به المتقين } أي: السائرين إلى التقوى بامتثال ما فيه من الأمر والنهي، { وتنذر به } أي: تخوف به { قوما لدا } لا يؤمنون به، لجاجا وعنادا، واللد: جمع ألد، وهو الشديد الخصومة، اللجوج المعاند. { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } أي: كثيرا من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين، فهو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر على الكفرة ووعيد لهم بالهلاك، وحث له صلى الله عليه وسلم على الإنذار، أي: دم على إنذارك لهم، فسيهلكون كما أهلكنا من قبلهم من القرون، { هل تحس منهم أحد } أي: هل تشعر بأحد منهم، وترى له من باقية { أو تسمع لهم ركزا } أي: صوتا خفيا، هيهات قد انقطع دابرهم وهدأت أصواتهم، وخربت قصورهم وديارهم، وكذلك نفعل بغيرهم، والمعنى: أهلكناهم بالكلية، واستأصلناهم بحيث لا يرى منهم أحد، ولا يسمع لهم صوت خفي ولا جلي. وجملة: { هل تحس }: استئناف مقرر لمضمون ما قبله، وأصل الركز: الخفاء، ومنه: ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض، والركاز: المال المدفون المخفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أنزل الله القرآن وسهله على عباده إلا ليقع به الوعظ والتذكير، فأمر الله رسوله في حياته بالبشارة والإنذار به، وبقي الأمر لخلفائه، فالواجب على العلماء والأولياء أن يتصدوا للوعظ والتذكير، ولا يكفي عنه تعليم رسوم الشريعة، فإن الوعظ إنما هو التخويف والتبشير، كما قال تعالى: { لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا }. لكن لا يتصدى للوعظ إلا من له نور يمشي به في الناس، فيسبقه نور قلبه إلى القلوب المستمعة، فيقع كلامهم في قلوب السامعين. قال في الحكم: " تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيثما صار التنوير وصل التعبير ". هذا النور هو نور المعرفة الذي هي مقام الفناء، ويشترط فيه أيضا: أن يكن مأذونا له في الكلام من شيخ كامل، أو وحي إلهامي حقيقي، فحينئذ يقع كلامه في مسامع الخلق. وفي الحكم: " من أذن له في التعبير حسنت في مسامع الخلق عبارته، وجليت إليهم إشارته ". وقال أيضا: " ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار، إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار ". وفي أمثال هؤلاء المتصدين للوعظ والتذكير ورد الخبر القدسي:
" إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشون في الأرض بالنصيحة "
.. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما.
مريم 19:98
قلت: الفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم، كأنه قيل - بعد إيحاء السورة الكريمة -: بلغ هذا المنزل عليك، وبشر به، وأنذر فإنما يسرناه... الخ، قاله أبو السعود. يقول الحق جل جلاله: { فإنما يسرناه } أي: القرآن { بلسانك } بأن أنزلناه على لغتك، والباء بمعنى " على " وقيل: ضمن التيسير معنى الإنزال، أي: يسرنا القرآن وأنزلناه بلغتك { لتبشر به المتقين } أي: السائرين إلى التقوى بامتثال ما فيه من الأمر والنهي، { وتنذر به } أي: تخوف به { قوما لدا } لا يؤمنون به، لجاجا وعنادا، واللد: جمع ألد، وهو الشديد الخصومة، اللجوج المعاند. { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } أي: كثيرا من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين، فهو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر على الكفرة ووعيد لهم بالهلاك، وحث له صلى الله عليه وسلم على الإنذار، أي: دم على إنذارك لهم، فسيهلكون كما أهلكنا من قبلهم من القرون، { هل تحس منهم أحد } أي: هل تشعر بأحد منهم، وترى له من باقية { أو تسمع لهم ركزا } أي: صوتا خفيا، هيهات قد انقطع دابرهم وهدأت أصواتهم، وخربت قصورهم وديارهم، وكذلك نفعل بغيرهم، والمعنى: أهلكناهم بالكلية، واستأصلناهم بحيث لا يرى منهم أحد، ولا يسمع لهم صوت خفي ولا جلي. وجملة: { هل تحس }: استئناف مقرر لمضمون ما قبله، وأصل الركز: الخفاء، ومنه: ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض، والركاز: المال المدفون المخفي. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أنزل الله القرآن وسهله على عباده إلا ليقع به الوعظ والتذكير، فأمر الله رسوله في حياته بالبشارة والإنذار به، وبقي الأمر لخلفائه، فالواجب على العلماء والأولياء أن يتصدوا للوعظ والتذكير، ولا يكفي عنه تعليم رسوم الشريعة، فإن الوعظ إنما هو التخويف والتبشير، كما قال تعالى: { لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا }. لكن لا يتصدى للوعظ إلا من له نور يمشي به في الناس، فيسبقه نور قلبه إلى القلوب المستمعة، فيقع كلامهم في قلوب السامعين. قال في الحكم: " تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيثما صار التنوير وصل التعبير ". هذا النور هو نور المعرفة الذي هي مقام الفناء، ويشترط فيه أيضا: أن يكن مأذونا له في الكلام من شيخ كامل، أو وحي إلهامي حقيقي، فحينئذ يقع كلامه في مسامع الخلق. وفي الحكم: " من أذن له في التعبير حسنت في مسامع الخلق عبارته، وجليت إليهم إشارته ". وقال أيضا: " ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار، إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار ". وفي أمثال هؤلاء المتصدين للوعظ والتذكير ورد الخبر القدسي:
" إن أود الأوداء إلي من يحببني إلى عبادي، ويحبب عبادي إلي، ويمشون في الأرض بالنصيحة "
.. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما.
طه 20:1
قلت: عن ابن عباس أن " طه " من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: طوبى لمن هدى، وقيل: يا طاهر يا هادي، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه وسلم وتطهيره من دنس الحس، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه، وهدايته غيره إلى حضرة القدس. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لي عشرة أسماء... "
فذكر أن منها " طه ويس " ، وقيل: معناه: طئ الأرض بقدمك لأنه كان يرفع رجلا في الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده، فأبدل الهمزة ألفا، والضمير للأرض، ورد بأنه لو كان كذلك لكتبت بالألف، فإن الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم. وقيل: معناه: يا رجل. وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، وهو عندهم على اللغة النبطية، أو السريانية. قيل: من جعل معنى " طه " يا رجل، لم يقل على طه، وكذا من جعله اسما للنبي صلى الله عليه وسلم لأن النداء تنبيه على ما بعده، ومن جعلها افتتاحا، أو على وجه من الوجوه المذكورة في البقرة، وقف عليها، إلا في قول من جعلها قسما، فإنه لا يقف عليها لأن قوله: { ما أنزلنا... } الخ جواب قسم. قلت: المتبادر من سبب نزولها ومن قوله: { ما أنزلنا }: إما القسم أو النداء، فالقسم على أن ذلك من أسماء الله، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل، أو من أسمائه صلى الله عليه وسلم. وأما غير ذلك فبعيد، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافا بعد الوقف على " طه ". قاله في الحاشية. و { إلا تذكرة }: مفعول لأجله. والاستثناء منقطع، أي: ما أنزلناه لتتعب به، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ، و { تنزيلا }: مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، أي: أنزل تنزيلا، والأصح: أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه، وفيه معنى التأكيد لما قبله، أو هو نص في معناه، وإنما تلون الكلام بالالتفات، أو منصوب على المدح والاختصاص، أو مفعول بيخشى، أو حال من " القرآن " ، و { الرحمن }: رفع على المدح، وقد عرفت أن المرفوع مدحا، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها، وإن لم يكن تابعا له في الإعراب، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ ليكون في صورة متعلق من متعلقاته. وقرئ بالجر صفة للموصول، وما قيل من أن الموصولات لا توصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي، أو { الرحمن }: مبتدأ، و { على العرش }: خبره. و { على }: متعلقة باستوى، قدمت للفواصل. و { إن تجهر }: شرط، والجواب محذوف دل عليه { فإنه... } الخ، أي: فالله غني عن جهرك، فإنه.
.. الخ. يقول الحق جل جلاله: تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ترويحا له من التعب: يا محمد { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أي: لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل عليه السلام: " أبق على نفسك، فإن لها عليك حقا ". أي: ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة، و الشدائد الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. أو: ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم، كقوله:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3]، بل للتبليغ، وقد فعلت. وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع، ومنه قولهم: أشقى من رائض مهر، وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقي، حيث تركت دين آباءك، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى، فرد الله ذلك عليهم. والأول أظهر، والعموم أحسن، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة. { إلا تذكرة لمن يخشى } أي: ما أنزلناه لتتعب، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله - عز وجل -، ليتأثر بالإنذار، لرقة قلبه ولين عريكته، أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها. { تنزيلا } أي: أنزل تنزيلا، أو حال كون القرآن تنزيلا، أي: منزلا { ممن خلق الأرض والسماوات العلى } ، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله: { ما أنزلنا } لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما بالذكر لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعلى، وهو جمع " عليا " لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل. وكل ذلك إلى قوله: { له الأسماء الحسنى } ، مسوق لتعظيم المنزل - عز وجل - المستتبع بتعظيم المنزل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان. ثم قال تعالى: { الرحمن } أي: هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضا من رحمته - تعالى -، كما ينبئ عنه قوله عز من قائل:
الرحمن علم القرآن
[الرحمن: 1،2]. أو: { الرحمن على العرش استوى }: مبتدأ وخبر، وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب للإيذان بأن ذلك أمر بين لا خفاء فيه، غني عن الإخبار صريحا.
والاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان، يقال: استوى فلان على سرير الملك مرادا به ملك الملك والتصرف، وإن لم يقعد على سرير أصلا، والمراد: تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام. وسئل أحمد بن حنبل عن الاستواء، فقال: استواء من غلب وقهر، لا استواء كما يتوهم البشر. وسئل عنه مالك والشافعي - رضي الله عنهما - فقالا: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عن هذا بدعة وضلالة، آمنوا بلا تشبيه، وصدقوا بلا تمثيل، وأمسكوا عن الخوض في هذا كل الإمساك. وقال الجنيد رضي الله عنه: خلق الله العرش فوق سبع سماوات، وجعله قبلة لدعاء المخلوقات، وقابله بقلب عبده المؤمن، ليكون محلا للتجليات والتنزلات والمخاطبات. ه. وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيا. { له ما في السماوات وما في الأرض } ، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما، { وما بينهما } من الموجودات الكائنة في الجو دائما، كالهواء والسحاب، أو أكثريا كالطير، أي: له ذلك وحده دون غيره، لا شركة ولا استقلالا، كل ما ذكر هو له ملكا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما، { وما تحت الثرى }: وما وراء التراب المتصل بالهوى السفلى. وعن محمد بن كعب: أنه ما تحت الأرضين السبع. وعن السدي: أن الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض لزيادة التقرير. { وإن تجهر بالقول } أي: وإن تجهر بذكره تعالى - أو دعائه -، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك { فإنه يعلم السر وأخفى } أي: ما أسررته إلى غيرك، وشيئا أخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، من غير أن تتفوه به أصلا أو:: السر: ما أسررته في نفسك، وأخفى منه: ما ستسره في المستقبل. وهو إما نهي عن الحركة، كقوله تعالى:
واذكر ربك في نفسك
[الأعراف: 205]، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار. هذا والغرض من الآية: بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات. ثم بين الموصوف بتلك الكمالات، فقال: { الله } أي: ما ذكر من صفات الكمال، موصوفها الله المعبود بالحق، { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا مستحق للعبادة إلا هو. وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه، فإن ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله تعالى: { له الأسماء الحسنى } بيان لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية والمالكية والعالمية أسماءه تعالى وصفاته، من غير تعدد في ذاته تعالى فالأسماء والصفات كثيرة، والمسمى والموصوف واحد.
و { الحسنى }: تأنيث الأحسن، فعلى، يوصف به الواحد المؤنث، والجمع المذكر والمؤنث، ك
مآرب أخرى
[طه: 18]، و
آياتنا الكبرى
[طه: 23]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من تأمل القرآن العظيم، وما جاء به الرسول - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - وجده يدل على ما يفضي إلى الراحة دون التعب، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء، لكن لا يتوصل إلى الراحة إلا بعد التعب، ولا يفضي العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح، وأفضى حينئذ إلى روح وريحان، وجنة ورضوان، أعني جنة العرفان. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: " ليس شيخك من يدلك على تعبك، إنما شيخك من يريحك من تعبك " ، كما في لطائف المنن. وقال شيخنا القطب ابن مشيش: وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم:
" يسروا ولا تعسروا "
فقال: دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك. ه. فإذا دلك على الله غيبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى، كما تقدم في سورة هود. فمن اتخذ شيخا ثم لم ينقله من مقام التعب، ولم يرحله من مقام إلى مقام، فاعلم أنه غير صالح للتربية. وقوله تعالى: { إلا تذكرة لمن يخشى } ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: قيل: أنزل الله القرآن لتذكير سابق الوصال لأن الأرواح لما دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها، فأنزل الله القرآن تأنيسا لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه. وقال جعفر الصادق: أنزل الله القرآن موعظة للخائفين، ورحمة للمؤمنين، وأنسا للمحبين. وايضا: القرآن يذكر عظمة الله الموجبة خشيته، فهو مذهب للغفلة. ثم قال: وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفع المشقة، ووجدان الراحة بالطاعة، لكونه يصير محمولا، وقد قال:
وأقم الصلاة لذكري
[طه: 14]، أي: لشهودي فيها، وفي ذلك قرة عين، وراحة، وأنس، وتشابه حال المصلي بحال موسى، بجامع النجوى، فلذلك ذكر في سياقه. والله أعلم. ه. وقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } ، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحكم بقوله: " يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار، ومحت كل شيء، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، وهو السميع البصير. وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء. والله تعالى أعلم وأعظم. ثم ذكر قصص موسى عليه السلام وتسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم
طه 20:2
قلت: عن ابن عباس أن " طه " من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: طوبى لمن هدى، وقيل: يا طاهر يا هادي، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه وسلم وتطهيره من دنس الحس، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه، وهدايته غيره إلى حضرة القدس. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لي عشرة أسماء... "
فذكر أن منها " طه ويس " ، وقيل: معناه: طئ الأرض بقدمك لأنه كان يرفع رجلا في الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده، فأبدل الهمزة ألفا، والضمير للأرض، ورد بأنه لو كان كذلك لكتبت بالألف، فإن الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم. وقيل: معناه: يا رجل. وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، وهو عندهم على اللغة النبطية، أو السريانية. قيل: من جعل معنى " طه " يا رجل، لم يقل على طه، وكذا من جعله اسما للنبي صلى الله عليه وسلم لأن النداء تنبيه على ما بعده، ومن جعلها افتتاحا، أو على وجه من الوجوه المذكورة في البقرة، وقف عليها، إلا في قول من جعلها قسما، فإنه لا يقف عليها لأن قوله: { ما أنزلنا... } الخ جواب قسم. قلت: المتبادر من سبب نزولها ومن قوله: { ما أنزلنا }: إما القسم أو النداء، فالقسم على أن ذلك من أسماء الله، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل، أو من أسمائه صلى الله عليه وسلم. وأما غير ذلك فبعيد، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافا بعد الوقف على " طه ". قاله في الحاشية. و { إلا تذكرة }: مفعول لأجله. والاستثناء منقطع، أي: ما أنزلناه لتتعب به، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ، و { تنزيلا }: مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، أي: أنزل تنزيلا، والأصح: أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه، وفيه معنى التأكيد لما قبله، أو هو نص في معناه، وإنما تلون الكلام بالالتفات، أو منصوب على المدح والاختصاص، أو مفعول بيخشى، أو حال من " القرآن " ، و { الرحمن }: رفع على المدح، وقد عرفت أن المرفوع مدحا، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها، وإن لم يكن تابعا له في الإعراب، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ ليكون في صورة متعلق من متعلقاته. وقرئ بالجر صفة للموصول، وما قيل من أن الموصولات لا توصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي، أو { الرحمن }: مبتدأ، و { على العرش }: خبره. و { على }: متعلقة باستوى، قدمت للفواصل. و { إن تجهر }: شرط، والجواب محذوف دل عليه { فإنه... } الخ، أي: فالله غني عن جهرك، فإنه.
.. الخ. يقول الحق جل جلاله: تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ترويحا له من التعب: يا محمد { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أي: لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل عليه السلام: " أبق على نفسك، فإن لها عليك حقا ". أي: ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة، و الشدائد الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. أو: ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم، كقوله:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3]، بل للتبليغ، وقد فعلت. وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع، ومنه قولهم: أشقى من رائض مهر، وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقي، حيث تركت دين آباءك، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى، فرد الله ذلك عليهم. والأول أظهر، والعموم أحسن، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة. { إلا تذكرة لمن يخشى } أي: ما أنزلناه لتتعب، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله - عز وجل -، ليتأثر بالإنذار، لرقة قلبه ولين عريكته، أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها. { تنزيلا } أي: أنزل تنزيلا، أو حال كون القرآن تنزيلا، أي: منزلا { ممن خلق الأرض والسماوات العلى } ، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله: { ما أنزلنا } لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما بالذكر لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعلى، وهو جمع " عليا " لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل. وكل ذلك إلى قوله: { له الأسماء الحسنى } ، مسوق لتعظيم المنزل - عز وجل - المستتبع بتعظيم المنزل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان. ثم قال تعالى: { الرحمن } أي: هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضا من رحمته - تعالى -، كما ينبئ عنه قوله عز من قائل:
الرحمن علم القرآن
[الرحمن: 1،2]. أو: { الرحمن على العرش استوى }: مبتدأ وخبر، وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب للإيذان بأن ذلك أمر بين لا خفاء فيه، غني عن الإخبار صريحا.
والاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان، يقال: استوى فلان على سرير الملك مرادا به ملك الملك والتصرف، وإن لم يقعد على سرير أصلا، والمراد: تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام. وسئل أحمد بن حنبل عن الاستواء، فقال: استواء من غلب وقهر، لا استواء كما يتوهم البشر. وسئل عنه مالك والشافعي - رضي الله عنهما - فقالا: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عن هذا بدعة وضلالة، آمنوا بلا تشبيه، وصدقوا بلا تمثيل، وأمسكوا عن الخوض في هذا كل الإمساك. وقال الجنيد رضي الله عنه: خلق الله العرش فوق سبع سماوات، وجعله قبلة لدعاء المخلوقات، وقابله بقلب عبده المؤمن، ليكون محلا للتجليات والتنزلات والمخاطبات. ه. وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيا. { له ما في السماوات وما في الأرض } ، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما، { وما بينهما } من الموجودات الكائنة في الجو دائما، كالهواء والسحاب، أو أكثريا كالطير، أي: له ذلك وحده دون غيره، لا شركة ولا استقلالا، كل ما ذكر هو له ملكا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما، { وما تحت الثرى }: وما وراء التراب المتصل بالهوى السفلى. وعن محمد بن كعب: أنه ما تحت الأرضين السبع. وعن السدي: أن الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض لزيادة التقرير. { وإن تجهر بالقول } أي: وإن تجهر بذكره تعالى - أو دعائه -، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك { فإنه يعلم السر وأخفى } أي: ما أسررته إلى غيرك، وشيئا أخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، من غير أن تتفوه به أصلا أو:: السر: ما أسررته في نفسك، وأخفى منه: ما ستسره في المستقبل. وهو إما نهي عن الحركة، كقوله تعالى:
واذكر ربك في نفسك
[الأعراف: 205]، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار. هذا والغرض من الآية: بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات. ثم بين الموصوف بتلك الكمالات، فقال: { الله } أي: ما ذكر من صفات الكمال، موصوفها الله المعبود بالحق، { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا مستحق للعبادة إلا هو. وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه، فإن ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله تعالى: { له الأسماء الحسنى } بيان لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية والمالكية والعالمية أسماءه تعالى وصفاته، من غير تعدد في ذاته تعالى فالأسماء والصفات كثيرة، والمسمى والموصوف واحد.
و { الحسنى }: تأنيث الأحسن، فعلى، يوصف به الواحد المؤنث، والجمع المذكر والمؤنث، ك
مآرب أخرى
[طه: 18]، و
آياتنا الكبرى
[طه: 23]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من تأمل القرآن العظيم، وما جاء به الرسول - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - وجده يدل على ما يفضي إلى الراحة دون التعب، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء، لكن لا يتوصل إلى الراحة إلا بعد التعب، ولا يفضي العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح، وأفضى حينئذ إلى روح وريحان، وجنة ورضوان، أعني جنة العرفان. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: " ليس شيخك من يدلك على تعبك، إنما شيخك من يريحك من تعبك " ، كما في لطائف المنن. وقال شيخنا القطب ابن مشيش: وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم:
" يسروا ولا تعسروا "
فقال: دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك. ه. فإذا دلك على الله غيبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى، كما تقدم في سورة هود. فمن اتخذ شيخا ثم لم ينقله من مقام التعب، ولم يرحله من مقام إلى مقام، فاعلم أنه غير صالح للتربية. وقوله تعالى: { إلا تذكرة لمن يخشى } ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: قيل: أنزل الله القرآن لتذكير سابق الوصال لأن الأرواح لما دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها، فأنزل الله القرآن تأنيسا لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه. وقال جعفر الصادق: أنزل الله القرآن موعظة للخائفين، ورحمة للمؤمنين، وأنسا للمحبين. وايضا: القرآن يذكر عظمة الله الموجبة خشيته، فهو مذهب للغفلة. ثم قال: وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفع المشقة، ووجدان الراحة بالطاعة، لكونه يصير محمولا، وقد قال:
وأقم الصلاة لذكري
[طه: 14]، أي: لشهودي فيها، وفي ذلك قرة عين، وراحة، وأنس، وتشابه حال المصلي بحال موسى، بجامع النجوى، فلذلك ذكر في سياقه. والله أعلم. ه. وقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } ، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحكم بقوله: " يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار، ومحت كل شيء، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، وهو السميع البصير. وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء. والله تعالى أعلم وأعظم. ثم ذكر قصص موسى عليه السلام وتسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم
طه 20:3
قلت: عن ابن عباس أن " طه " من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: طوبى لمن هدى، وقيل: يا طاهر يا هادي، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه وسلم وتطهيره من دنس الحس، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه، وهدايته غيره إلى حضرة القدس. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لي عشرة أسماء... "
فذكر أن منها " طه ويس " ، وقيل: معناه: طئ الأرض بقدمك لأنه كان يرفع رجلا في الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده، فأبدل الهمزة ألفا، والضمير للأرض، ورد بأنه لو كان كذلك لكتبت بالألف، فإن الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم. وقيل: معناه: يا رجل. وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، وهو عندهم على اللغة النبطية، أو السريانية. قيل: من جعل معنى " طه " يا رجل، لم يقل على طه، وكذا من جعله اسما للنبي صلى الله عليه وسلم لأن النداء تنبيه على ما بعده، ومن جعلها افتتاحا، أو على وجه من الوجوه المذكورة في البقرة، وقف عليها، إلا في قول من جعلها قسما، فإنه لا يقف عليها لأن قوله: { ما أنزلنا... } الخ جواب قسم. قلت: المتبادر من سبب نزولها ومن قوله: { ما أنزلنا }: إما القسم أو النداء، فالقسم على أن ذلك من أسماء الله، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل، أو من أسمائه صلى الله عليه وسلم. وأما غير ذلك فبعيد، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافا بعد الوقف على " طه ". قاله في الحاشية. و { إلا تذكرة }: مفعول لأجله. والاستثناء منقطع، أي: ما أنزلناه لتتعب به، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ، و { تنزيلا }: مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، أي: أنزل تنزيلا، والأصح: أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه، وفيه معنى التأكيد لما قبله، أو هو نص في معناه، وإنما تلون الكلام بالالتفات، أو منصوب على المدح والاختصاص، أو مفعول بيخشى، أو حال من " القرآن " ، و { الرحمن }: رفع على المدح، وقد عرفت أن المرفوع مدحا، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها، وإن لم يكن تابعا له في الإعراب، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ ليكون في صورة متعلق من متعلقاته. وقرئ بالجر صفة للموصول، وما قيل من أن الموصولات لا توصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي، أو { الرحمن }: مبتدأ، و { على العرش }: خبره. و { على }: متعلقة باستوى، قدمت للفواصل. و { إن تجهر }: شرط، والجواب محذوف دل عليه { فإنه... } الخ، أي: فالله غني عن جهرك، فإنه.
.. الخ. يقول الحق جل جلاله: تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ترويحا له من التعب: يا محمد { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أي: لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل عليه السلام: " أبق على نفسك، فإن لها عليك حقا ". أي: ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة، و الشدائد الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. أو: ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم، كقوله:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3]، بل للتبليغ، وقد فعلت. وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع، ومنه قولهم: أشقى من رائض مهر، وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقي، حيث تركت دين آباءك، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى، فرد الله ذلك عليهم. والأول أظهر، والعموم أحسن، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة. { إلا تذكرة لمن يخشى } أي: ما أنزلناه لتتعب، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله - عز وجل -، ليتأثر بالإنذار، لرقة قلبه ولين عريكته، أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها. { تنزيلا } أي: أنزل تنزيلا، أو حال كون القرآن تنزيلا، أي: منزلا { ممن خلق الأرض والسماوات العلى } ، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله: { ما أنزلنا } لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما بالذكر لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعلى، وهو جمع " عليا " لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل. وكل ذلك إلى قوله: { له الأسماء الحسنى } ، مسوق لتعظيم المنزل - عز وجل - المستتبع بتعظيم المنزل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان. ثم قال تعالى: { الرحمن } أي: هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضا من رحمته - تعالى -، كما ينبئ عنه قوله عز من قائل:
الرحمن علم القرآن
[الرحمن: 1،2]. أو: { الرحمن على العرش استوى }: مبتدأ وخبر، وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب للإيذان بأن ذلك أمر بين لا خفاء فيه، غني عن الإخبار صريحا.
والاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان، يقال: استوى فلان على سرير الملك مرادا به ملك الملك والتصرف، وإن لم يقعد على سرير أصلا، والمراد: تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام. وسئل أحمد بن حنبل عن الاستواء، فقال: استواء من غلب وقهر، لا استواء كما يتوهم البشر. وسئل عنه مالك والشافعي - رضي الله عنهما - فقالا: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عن هذا بدعة وضلالة، آمنوا بلا تشبيه، وصدقوا بلا تمثيل، وأمسكوا عن الخوض في هذا كل الإمساك. وقال الجنيد رضي الله عنه: خلق الله العرش فوق سبع سماوات، وجعله قبلة لدعاء المخلوقات، وقابله بقلب عبده المؤمن، ليكون محلا للتجليات والتنزلات والمخاطبات. ه. وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيا. { له ما في السماوات وما في الأرض } ، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما، { وما بينهما } من الموجودات الكائنة في الجو دائما، كالهواء والسحاب، أو أكثريا كالطير، أي: له ذلك وحده دون غيره، لا شركة ولا استقلالا، كل ما ذكر هو له ملكا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما، { وما تحت الثرى }: وما وراء التراب المتصل بالهوى السفلى. وعن محمد بن كعب: أنه ما تحت الأرضين السبع. وعن السدي: أن الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض لزيادة التقرير. { وإن تجهر بالقول } أي: وإن تجهر بذكره تعالى - أو دعائه -، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك { فإنه يعلم السر وأخفى } أي: ما أسررته إلى غيرك، وشيئا أخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، من غير أن تتفوه به أصلا أو:: السر: ما أسررته في نفسك، وأخفى منه: ما ستسره في المستقبل. وهو إما نهي عن الحركة، كقوله تعالى:
واذكر ربك في نفسك
[الأعراف: 205]، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار. هذا والغرض من الآية: بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات. ثم بين الموصوف بتلك الكمالات، فقال: { الله } أي: ما ذكر من صفات الكمال، موصوفها الله المعبود بالحق، { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا مستحق للعبادة إلا هو. وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه، فإن ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله تعالى: { له الأسماء الحسنى } بيان لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية والمالكية والعالمية أسماءه تعالى وصفاته، من غير تعدد في ذاته تعالى فالأسماء والصفات كثيرة، والمسمى والموصوف واحد.
و { الحسنى }: تأنيث الأحسن، فعلى، يوصف به الواحد المؤنث، والجمع المذكر والمؤنث، ك
مآرب أخرى
[طه: 18]، و
آياتنا الكبرى
[طه: 23]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من تأمل القرآن العظيم، وما جاء به الرسول - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - وجده يدل على ما يفضي إلى الراحة دون التعب، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء، لكن لا يتوصل إلى الراحة إلا بعد التعب، ولا يفضي العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح، وأفضى حينئذ إلى روح وريحان، وجنة ورضوان، أعني جنة العرفان. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: " ليس شيخك من يدلك على تعبك، إنما شيخك من يريحك من تعبك " ، كما في لطائف المنن. وقال شيخنا القطب ابن مشيش: وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم:
" يسروا ولا تعسروا "
فقال: دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك. ه. فإذا دلك على الله غيبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى، كما تقدم في سورة هود. فمن اتخذ شيخا ثم لم ينقله من مقام التعب، ولم يرحله من مقام إلى مقام، فاعلم أنه غير صالح للتربية. وقوله تعالى: { إلا تذكرة لمن يخشى } ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: قيل: أنزل الله القرآن لتذكير سابق الوصال لأن الأرواح لما دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها، فأنزل الله القرآن تأنيسا لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه. وقال جعفر الصادق: أنزل الله القرآن موعظة للخائفين، ورحمة للمؤمنين، وأنسا للمحبين. وايضا: القرآن يذكر عظمة الله الموجبة خشيته، فهو مذهب للغفلة. ثم قال: وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفع المشقة، ووجدان الراحة بالطاعة، لكونه يصير محمولا، وقد قال:
وأقم الصلاة لذكري
[طه: 14]، أي: لشهودي فيها، وفي ذلك قرة عين، وراحة، وأنس، وتشابه حال المصلي بحال موسى، بجامع النجوى، فلذلك ذكر في سياقه. والله أعلم. ه. وقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } ، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحكم بقوله: " يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار، ومحت كل شيء، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، وهو السميع البصير. وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء. والله تعالى أعلم وأعظم. ثم ذكر قصص موسى عليه السلام وتسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم
طه 20:4
قلت: عن ابن عباس أن " طه " من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: طوبى لمن هدى، وقيل: يا طاهر يا هادي، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه وسلم وتطهيره من دنس الحس، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه، وهدايته غيره إلى حضرة القدس. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لي عشرة أسماء... "
فذكر أن منها " طه ويس " ، وقيل: معناه: طئ الأرض بقدمك لأنه كان يرفع رجلا في الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده، فأبدل الهمزة ألفا، والضمير للأرض، ورد بأنه لو كان كذلك لكتبت بالألف، فإن الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم. وقيل: معناه: يا رجل. وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، وهو عندهم على اللغة النبطية، أو السريانية. قيل: من جعل معنى " طه " يا رجل، لم يقل على طه، وكذا من جعله اسما للنبي صلى الله عليه وسلم لأن النداء تنبيه على ما بعده، ومن جعلها افتتاحا، أو على وجه من الوجوه المذكورة في البقرة، وقف عليها، إلا في قول من جعلها قسما، فإنه لا يقف عليها لأن قوله: { ما أنزلنا... } الخ جواب قسم. قلت: المتبادر من سبب نزولها ومن قوله: { ما أنزلنا }: إما القسم أو النداء، فالقسم على أن ذلك من أسماء الله، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل، أو من أسمائه صلى الله عليه وسلم. وأما غير ذلك فبعيد، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافا بعد الوقف على " طه ". قاله في الحاشية. و { إلا تذكرة }: مفعول لأجله. والاستثناء منقطع، أي: ما أنزلناه لتتعب به، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ، و { تنزيلا }: مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، أي: أنزل تنزيلا، والأصح: أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه، وفيه معنى التأكيد لما قبله، أو هو نص في معناه، وإنما تلون الكلام بالالتفات، أو منصوب على المدح والاختصاص، أو مفعول بيخشى، أو حال من " القرآن " ، و { الرحمن }: رفع على المدح، وقد عرفت أن المرفوع مدحا، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها، وإن لم يكن تابعا له في الإعراب، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ ليكون في صورة متعلق من متعلقاته. وقرئ بالجر صفة للموصول، وما قيل من أن الموصولات لا توصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي، أو { الرحمن }: مبتدأ، و { على العرش }: خبره. و { على }: متعلقة باستوى، قدمت للفواصل. و { إن تجهر }: شرط، والجواب محذوف دل عليه { فإنه... } الخ، أي: فالله غني عن جهرك، فإنه.
.. الخ. يقول الحق جل جلاله: تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ترويحا له من التعب: يا محمد { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أي: لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل عليه السلام: " أبق على نفسك، فإن لها عليك حقا ". أي: ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة، و الشدائد الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. أو: ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم، كقوله:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3]، بل للتبليغ، وقد فعلت. وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع، ومنه قولهم: أشقى من رائض مهر، وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقي، حيث تركت دين آباءك، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى، فرد الله ذلك عليهم. والأول أظهر، والعموم أحسن، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة. { إلا تذكرة لمن يخشى } أي: ما أنزلناه لتتعب، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله - عز وجل -، ليتأثر بالإنذار، لرقة قلبه ولين عريكته، أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها. { تنزيلا } أي: أنزل تنزيلا، أو حال كون القرآن تنزيلا، أي: منزلا { ممن خلق الأرض والسماوات العلى } ، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله: { ما أنزلنا } لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما بالذكر لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعلى، وهو جمع " عليا " لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل. وكل ذلك إلى قوله: { له الأسماء الحسنى } ، مسوق لتعظيم المنزل - عز وجل - المستتبع بتعظيم المنزل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان. ثم قال تعالى: { الرحمن } أي: هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضا من رحمته - تعالى -، كما ينبئ عنه قوله عز من قائل:
الرحمن علم القرآن
[الرحمن: 1،2]. أو: { الرحمن على العرش استوى }: مبتدأ وخبر، وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب للإيذان بأن ذلك أمر بين لا خفاء فيه، غني عن الإخبار صريحا.
والاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان، يقال: استوى فلان على سرير الملك مرادا به ملك الملك والتصرف، وإن لم يقعد على سرير أصلا، والمراد: تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام. وسئل أحمد بن حنبل عن الاستواء، فقال: استواء من غلب وقهر، لا استواء كما يتوهم البشر. وسئل عنه مالك والشافعي - رضي الله عنهما - فقالا: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عن هذا بدعة وضلالة، آمنوا بلا تشبيه، وصدقوا بلا تمثيل، وأمسكوا عن الخوض في هذا كل الإمساك. وقال الجنيد رضي الله عنه: خلق الله العرش فوق سبع سماوات، وجعله قبلة لدعاء المخلوقات، وقابله بقلب عبده المؤمن، ليكون محلا للتجليات والتنزلات والمخاطبات. ه. وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيا. { له ما في السماوات وما في الأرض } ، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما، { وما بينهما } من الموجودات الكائنة في الجو دائما، كالهواء والسحاب، أو أكثريا كالطير، أي: له ذلك وحده دون غيره، لا شركة ولا استقلالا، كل ما ذكر هو له ملكا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما، { وما تحت الثرى }: وما وراء التراب المتصل بالهوى السفلى. وعن محمد بن كعب: أنه ما تحت الأرضين السبع. وعن السدي: أن الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض لزيادة التقرير. { وإن تجهر بالقول } أي: وإن تجهر بذكره تعالى - أو دعائه -، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك { فإنه يعلم السر وأخفى } أي: ما أسررته إلى غيرك، وشيئا أخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، من غير أن تتفوه به أصلا أو:: السر: ما أسررته في نفسك، وأخفى منه: ما ستسره في المستقبل. وهو إما نهي عن الحركة، كقوله تعالى:
واذكر ربك في نفسك
[الأعراف: 205]، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار. هذا والغرض من الآية: بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات. ثم بين الموصوف بتلك الكمالات، فقال: { الله } أي: ما ذكر من صفات الكمال، موصوفها الله المعبود بالحق، { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا مستحق للعبادة إلا هو. وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه، فإن ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله تعالى: { له الأسماء الحسنى } بيان لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية والمالكية والعالمية أسماءه تعالى وصفاته، من غير تعدد في ذاته تعالى فالأسماء والصفات كثيرة، والمسمى والموصوف واحد.
و { الحسنى }: تأنيث الأحسن، فعلى، يوصف به الواحد المؤنث، والجمع المذكر والمؤنث، ك
مآرب أخرى
[طه: 18]، و
آياتنا الكبرى
[طه: 23]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من تأمل القرآن العظيم، وما جاء به الرسول - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - وجده يدل على ما يفضي إلى الراحة دون التعب، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء، لكن لا يتوصل إلى الراحة إلا بعد التعب، ولا يفضي العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح، وأفضى حينئذ إلى روح وريحان، وجنة ورضوان، أعني جنة العرفان. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: " ليس شيخك من يدلك على تعبك، إنما شيخك من يريحك من تعبك " ، كما في لطائف المنن. وقال شيخنا القطب ابن مشيش: وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم:
" يسروا ولا تعسروا "
فقال: دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك. ه. فإذا دلك على الله غيبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى، كما تقدم في سورة هود. فمن اتخذ شيخا ثم لم ينقله من مقام التعب، ولم يرحله من مقام إلى مقام، فاعلم أنه غير صالح للتربية. وقوله تعالى: { إلا تذكرة لمن يخشى } ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: قيل: أنزل الله القرآن لتذكير سابق الوصال لأن الأرواح لما دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها، فأنزل الله القرآن تأنيسا لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه. وقال جعفر الصادق: أنزل الله القرآن موعظة للخائفين، ورحمة للمؤمنين، وأنسا للمحبين. وايضا: القرآن يذكر عظمة الله الموجبة خشيته، فهو مذهب للغفلة. ثم قال: وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفع المشقة، ووجدان الراحة بالطاعة، لكونه يصير محمولا، وقد قال:
وأقم الصلاة لذكري
[طه: 14]، أي: لشهودي فيها، وفي ذلك قرة عين، وراحة، وأنس، وتشابه حال المصلي بحال موسى، بجامع النجوى، فلذلك ذكر في سياقه. والله أعلم. ه. وقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } ، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحكم بقوله: " يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار، ومحت كل شيء، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، وهو السميع البصير. وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء. والله تعالى أعلم وأعظم. ثم ذكر قصص موسى عليه السلام وتسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم
طه 20:5
قلت: عن ابن عباس أن " طه " من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: طوبى لمن هدى، وقيل: يا طاهر يا هادي، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه وسلم وتطهيره من دنس الحس، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه، وهدايته غيره إلى حضرة القدس. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لي عشرة أسماء... "
فذكر أن منها " طه ويس " ، وقيل: معناه: طئ الأرض بقدمك لأنه كان يرفع رجلا في الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده، فأبدل الهمزة ألفا، والضمير للأرض، ورد بأنه لو كان كذلك لكتبت بالألف، فإن الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم. وقيل: معناه: يا رجل. وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، وهو عندهم على اللغة النبطية، أو السريانية. قيل: من جعل معنى " طه " يا رجل، لم يقل على طه، وكذا من جعله اسما للنبي صلى الله عليه وسلم لأن النداء تنبيه على ما بعده، ومن جعلها افتتاحا، أو على وجه من الوجوه المذكورة في البقرة، وقف عليها، إلا في قول من جعلها قسما، فإنه لا يقف عليها لأن قوله: { ما أنزلنا... } الخ جواب قسم. قلت: المتبادر من سبب نزولها ومن قوله: { ما أنزلنا }: إما القسم أو النداء، فالقسم على أن ذلك من أسماء الله، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل، أو من أسمائه صلى الله عليه وسلم. وأما غير ذلك فبعيد، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافا بعد الوقف على " طه ". قاله في الحاشية. و { إلا تذكرة }: مفعول لأجله. والاستثناء منقطع، أي: ما أنزلناه لتتعب به، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ، و { تنزيلا }: مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، أي: أنزل تنزيلا، والأصح: أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه، وفيه معنى التأكيد لما قبله، أو هو نص في معناه، وإنما تلون الكلام بالالتفات، أو منصوب على المدح والاختصاص، أو مفعول بيخشى، أو حال من " القرآن " ، و { الرحمن }: رفع على المدح، وقد عرفت أن المرفوع مدحا، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها، وإن لم يكن تابعا له في الإعراب، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ ليكون في صورة متعلق من متعلقاته. وقرئ بالجر صفة للموصول، وما قيل من أن الموصولات لا توصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي، أو { الرحمن }: مبتدأ، و { على العرش }: خبره. و { على }: متعلقة باستوى، قدمت للفواصل. و { إن تجهر }: شرط، والجواب محذوف دل عليه { فإنه... } الخ، أي: فالله غني عن جهرك، فإنه.
.. الخ. يقول الحق جل جلاله: تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ترويحا له من التعب: يا محمد { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أي: لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل عليه السلام: " أبق على نفسك، فإن لها عليك حقا ". أي: ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة، و الشدائد الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. أو: ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم، كقوله:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3]، بل للتبليغ، وقد فعلت. وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع، ومنه قولهم: أشقى من رائض مهر، وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقي، حيث تركت دين آباءك، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى، فرد الله ذلك عليهم. والأول أظهر، والعموم أحسن، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة. { إلا تذكرة لمن يخشى } أي: ما أنزلناه لتتعب، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله - عز وجل -، ليتأثر بالإنذار، لرقة قلبه ولين عريكته، أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها. { تنزيلا } أي: أنزل تنزيلا، أو حال كون القرآن تنزيلا، أي: منزلا { ممن خلق الأرض والسماوات العلى } ، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله: { ما أنزلنا } لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما بالذكر لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعلى، وهو جمع " عليا " لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل. وكل ذلك إلى قوله: { له الأسماء الحسنى } ، مسوق لتعظيم المنزل - عز وجل - المستتبع بتعظيم المنزل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان. ثم قال تعالى: { الرحمن } أي: هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضا من رحمته - تعالى -، كما ينبئ عنه قوله عز من قائل:
الرحمن علم القرآن
[الرحمن: 1،2]. أو: { الرحمن على العرش استوى }: مبتدأ وخبر، وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب للإيذان بأن ذلك أمر بين لا خفاء فيه، غني عن الإخبار صريحا.
والاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان، يقال: استوى فلان على سرير الملك مرادا به ملك الملك والتصرف، وإن لم يقعد على سرير أصلا، والمراد: تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام. وسئل أحمد بن حنبل عن الاستواء، فقال: استواء من غلب وقهر، لا استواء كما يتوهم البشر. وسئل عنه مالك والشافعي - رضي الله عنهما - فقالا: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عن هذا بدعة وضلالة، آمنوا بلا تشبيه، وصدقوا بلا تمثيل، وأمسكوا عن الخوض في هذا كل الإمساك. وقال الجنيد رضي الله عنه: خلق الله العرش فوق سبع سماوات، وجعله قبلة لدعاء المخلوقات، وقابله بقلب عبده المؤمن، ليكون محلا للتجليات والتنزلات والمخاطبات. ه. وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيا. { له ما في السماوات وما في الأرض } ، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما، { وما بينهما } من الموجودات الكائنة في الجو دائما، كالهواء والسحاب، أو أكثريا كالطير، أي: له ذلك وحده دون غيره، لا شركة ولا استقلالا، كل ما ذكر هو له ملكا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما، { وما تحت الثرى }: وما وراء التراب المتصل بالهوى السفلى. وعن محمد بن كعب: أنه ما تحت الأرضين السبع. وعن السدي: أن الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض لزيادة التقرير. { وإن تجهر بالقول } أي: وإن تجهر بذكره تعالى - أو دعائه -، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك { فإنه يعلم السر وأخفى } أي: ما أسررته إلى غيرك، وشيئا أخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، من غير أن تتفوه به أصلا أو:: السر: ما أسررته في نفسك، وأخفى منه: ما ستسره في المستقبل. وهو إما نهي عن الحركة، كقوله تعالى:
واذكر ربك في نفسك
[الأعراف: 205]، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار. هذا والغرض من الآية: بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات. ثم بين الموصوف بتلك الكمالات، فقال: { الله } أي: ما ذكر من صفات الكمال، موصوفها الله المعبود بالحق، { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا مستحق للعبادة إلا هو. وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه، فإن ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله تعالى: { له الأسماء الحسنى } بيان لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية والمالكية والعالمية أسماءه تعالى وصفاته، من غير تعدد في ذاته تعالى فالأسماء والصفات كثيرة، والمسمى والموصوف واحد.
و { الحسنى }: تأنيث الأحسن، فعلى، يوصف به الواحد المؤنث، والجمع المذكر والمؤنث، ك
مآرب أخرى
[طه: 18]، و
آياتنا الكبرى
[طه: 23]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من تأمل القرآن العظيم، وما جاء به الرسول - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - وجده يدل على ما يفضي إلى الراحة دون التعب، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء، لكن لا يتوصل إلى الراحة إلا بعد التعب، ولا يفضي العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح، وأفضى حينئذ إلى روح وريحان، وجنة ورضوان، أعني جنة العرفان. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: " ليس شيخك من يدلك على تعبك، إنما شيخك من يريحك من تعبك " ، كما في لطائف المنن. وقال شيخنا القطب ابن مشيش: وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم:
" يسروا ولا تعسروا "
فقال: دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك. ه. فإذا دلك على الله غيبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى، كما تقدم في سورة هود. فمن اتخذ شيخا ثم لم ينقله من مقام التعب، ولم يرحله من مقام إلى مقام، فاعلم أنه غير صالح للتربية. وقوله تعالى: { إلا تذكرة لمن يخشى } ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: قيل: أنزل الله القرآن لتذكير سابق الوصال لأن الأرواح لما دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها، فأنزل الله القرآن تأنيسا لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه. وقال جعفر الصادق: أنزل الله القرآن موعظة للخائفين، ورحمة للمؤمنين، وأنسا للمحبين. وايضا: القرآن يذكر عظمة الله الموجبة خشيته، فهو مذهب للغفلة. ثم قال: وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفع المشقة، ووجدان الراحة بالطاعة، لكونه يصير محمولا، وقد قال:
وأقم الصلاة لذكري
[طه: 14]، أي: لشهودي فيها، وفي ذلك قرة عين، وراحة، وأنس، وتشابه حال المصلي بحال موسى، بجامع النجوى، فلذلك ذكر في سياقه. والله أعلم. ه. وقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } ، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحكم بقوله: " يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار، ومحت كل شيء، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، وهو السميع البصير. وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء. والله تعالى أعلم وأعظم. ثم ذكر قصص موسى عليه السلام وتسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم
طه 20:6
قلت: عن ابن عباس أن " طه " من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: طوبى لمن هدى، وقيل: يا طاهر يا هادي، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه وسلم وتطهيره من دنس الحس، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه، وهدايته غيره إلى حضرة القدس. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لي عشرة أسماء... "
فذكر أن منها " طه ويس " ، وقيل: معناه: طئ الأرض بقدمك لأنه كان يرفع رجلا في الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده، فأبدل الهمزة ألفا، والضمير للأرض، ورد بأنه لو كان كذلك لكتبت بالألف، فإن الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم. وقيل: معناه: يا رجل. وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، وهو عندهم على اللغة النبطية، أو السريانية. قيل: من جعل معنى " طه " يا رجل، لم يقل على طه، وكذا من جعله اسما للنبي صلى الله عليه وسلم لأن النداء تنبيه على ما بعده، ومن جعلها افتتاحا، أو على وجه من الوجوه المذكورة في البقرة، وقف عليها، إلا في قول من جعلها قسما، فإنه لا يقف عليها لأن قوله: { ما أنزلنا... } الخ جواب قسم. قلت: المتبادر من سبب نزولها ومن قوله: { ما أنزلنا }: إما القسم أو النداء، فالقسم على أن ذلك من أسماء الله، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل، أو من أسمائه صلى الله عليه وسلم. وأما غير ذلك فبعيد، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافا بعد الوقف على " طه ". قاله في الحاشية. و { إلا تذكرة }: مفعول لأجله. والاستثناء منقطع، أي: ما أنزلناه لتتعب به، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ، و { تنزيلا }: مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، أي: أنزل تنزيلا، والأصح: أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه، وفيه معنى التأكيد لما قبله، أو هو نص في معناه، وإنما تلون الكلام بالالتفات، أو منصوب على المدح والاختصاص، أو مفعول بيخشى، أو حال من " القرآن " ، و { الرحمن }: رفع على المدح، وقد عرفت أن المرفوع مدحا، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها، وإن لم يكن تابعا له في الإعراب، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ ليكون في صورة متعلق من متعلقاته. وقرئ بالجر صفة للموصول، وما قيل من أن الموصولات لا توصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي، أو { الرحمن }: مبتدأ، و { على العرش }: خبره. و { على }: متعلقة باستوى، قدمت للفواصل. و { إن تجهر }: شرط، والجواب محذوف دل عليه { فإنه... } الخ، أي: فالله غني عن جهرك، فإنه.
.. الخ. يقول الحق جل جلاله: تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ترويحا له من التعب: يا محمد { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أي: لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل عليه السلام: " أبق على نفسك، فإن لها عليك حقا ". أي: ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة، و الشدائد الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. أو: ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم، كقوله:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3]، بل للتبليغ، وقد فعلت. وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع، ومنه قولهم: أشقى من رائض مهر، وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقي، حيث تركت دين آباءك، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى، فرد الله ذلك عليهم. والأول أظهر، والعموم أحسن، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة. { إلا تذكرة لمن يخشى } أي: ما أنزلناه لتتعب، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله - عز وجل -، ليتأثر بالإنذار، لرقة قلبه ولين عريكته، أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها. { تنزيلا } أي: أنزل تنزيلا، أو حال كون القرآن تنزيلا، أي: منزلا { ممن خلق الأرض والسماوات العلى } ، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله: { ما أنزلنا } لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما بالذكر لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعلى، وهو جمع " عليا " لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل. وكل ذلك إلى قوله: { له الأسماء الحسنى } ، مسوق لتعظيم المنزل - عز وجل - المستتبع بتعظيم المنزل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان. ثم قال تعالى: { الرحمن } أي: هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضا من رحمته - تعالى -، كما ينبئ عنه قوله عز من قائل:
الرحمن علم القرآن
[الرحمن: 1،2]. أو: { الرحمن على العرش استوى }: مبتدأ وخبر، وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب للإيذان بأن ذلك أمر بين لا خفاء فيه، غني عن الإخبار صريحا.
والاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان، يقال: استوى فلان على سرير الملك مرادا به ملك الملك والتصرف، وإن لم يقعد على سرير أصلا، والمراد: تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام. وسئل أحمد بن حنبل عن الاستواء، فقال: استواء من غلب وقهر، لا استواء كما يتوهم البشر. وسئل عنه مالك والشافعي - رضي الله عنهما - فقالا: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عن هذا بدعة وضلالة، آمنوا بلا تشبيه، وصدقوا بلا تمثيل، وأمسكوا عن الخوض في هذا كل الإمساك. وقال الجنيد رضي الله عنه: خلق الله العرش فوق سبع سماوات، وجعله قبلة لدعاء المخلوقات، وقابله بقلب عبده المؤمن، ليكون محلا للتجليات والتنزلات والمخاطبات. ه. وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيا. { له ما في السماوات وما في الأرض } ، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما، { وما بينهما } من الموجودات الكائنة في الجو دائما، كالهواء والسحاب، أو أكثريا كالطير، أي: له ذلك وحده دون غيره، لا شركة ولا استقلالا، كل ما ذكر هو له ملكا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما، { وما تحت الثرى }: وما وراء التراب المتصل بالهوى السفلى. وعن محمد بن كعب: أنه ما تحت الأرضين السبع. وعن السدي: أن الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض لزيادة التقرير. { وإن تجهر بالقول } أي: وإن تجهر بذكره تعالى - أو دعائه -، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك { فإنه يعلم السر وأخفى } أي: ما أسررته إلى غيرك، وشيئا أخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، من غير أن تتفوه به أصلا أو:: السر: ما أسررته في نفسك، وأخفى منه: ما ستسره في المستقبل. وهو إما نهي عن الحركة، كقوله تعالى:
واذكر ربك في نفسك
[الأعراف: 205]، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار. هذا والغرض من الآية: بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات. ثم بين الموصوف بتلك الكمالات، فقال: { الله } أي: ما ذكر من صفات الكمال، موصوفها الله المعبود بالحق، { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا مستحق للعبادة إلا هو. وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه، فإن ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله تعالى: { له الأسماء الحسنى } بيان لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية والمالكية والعالمية أسماءه تعالى وصفاته، من غير تعدد في ذاته تعالى فالأسماء والصفات كثيرة، والمسمى والموصوف واحد.
و { الحسنى }: تأنيث الأحسن، فعلى، يوصف به الواحد المؤنث، والجمع المذكر والمؤنث، ك
مآرب أخرى
[طه: 18]، و
آياتنا الكبرى
[طه: 23]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من تأمل القرآن العظيم، وما جاء به الرسول - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - وجده يدل على ما يفضي إلى الراحة دون التعب، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء، لكن لا يتوصل إلى الراحة إلا بعد التعب، ولا يفضي العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح، وأفضى حينئذ إلى روح وريحان، وجنة ورضوان، أعني جنة العرفان. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: " ليس شيخك من يدلك على تعبك، إنما شيخك من يريحك من تعبك " ، كما في لطائف المنن. وقال شيخنا القطب ابن مشيش: وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم:
" يسروا ولا تعسروا "
فقال: دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك. ه. فإذا دلك على الله غيبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى، كما تقدم في سورة هود. فمن اتخذ شيخا ثم لم ينقله من مقام التعب، ولم يرحله من مقام إلى مقام، فاعلم أنه غير صالح للتربية. وقوله تعالى: { إلا تذكرة لمن يخشى } ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: قيل: أنزل الله القرآن لتذكير سابق الوصال لأن الأرواح لما دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها، فأنزل الله القرآن تأنيسا لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه. وقال جعفر الصادق: أنزل الله القرآن موعظة للخائفين، ورحمة للمؤمنين، وأنسا للمحبين. وايضا: القرآن يذكر عظمة الله الموجبة خشيته، فهو مذهب للغفلة. ثم قال: وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفع المشقة، ووجدان الراحة بالطاعة، لكونه يصير محمولا، وقد قال:
وأقم الصلاة لذكري
[طه: 14]، أي: لشهودي فيها، وفي ذلك قرة عين، وراحة، وأنس، وتشابه حال المصلي بحال موسى، بجامع النجوى، فلذلك ذكر في سياقه. والله أعلم. ه. وقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } ، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحكم بقوله: " يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار، ومحت كل شيء، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، وهو السميع البصير. وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء. والله تعالى أعلم وأعظم. ثم ذكر قصص موسى عليه السلام وتسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم
طه 20:7
قلت: عن ابن عباس أن " طه " من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: طوبى لمن هدى، وقيل: يا طاهر يا هادي، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه وسلم وتطهيره من دنس الحس، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه، وهدايته غيره إلى حضرة القدس. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لي عشرة أسماء... "
فذكر أن منها " طه ويس " ، وقيل: معناه: طئ الأرض بقدمك لأنه كان يرفع رجلا في الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده، فأبدل الهمزة ألفا، والضمير للأرض، ورد بأنه لو كان كذلك لكتبت بالألف، فإن الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم. وقيل: معناه: يا رجل. وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، وهو عندهم على اللغة النبطية، أو السريانية. قيل: من جعل معنى " طه " يا رجل، لم يقل على طه، وكذا من جعله اسما للنبي صلى الله عليه وسلم لأن النداء تنبيه على ما بعده، ومن جعلها افتتاحا، أو على وجه من الوجوه المذكورة في البقرة، وقف عليها، إلا في قول من جعلها قسما، فإنه لا يقف عليها لأن قوله: { ما أنزلنا... } الخ جواب قسم. قلت: المتبادر من سبب نزولها ومن قوله: { ما أنزلنا }: إما القسم أو النداء، فالقسم على أن ذلك من أسماء الله، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل، أو من أسمائه صلى الله عليه وسلم. وأما غير ذلك فبعيد، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافا بعد الوقف على " طه ". قاله في الحاشية. و { إلا تذكرة }: مفعول لأجله. والاستثناء منقطع، أي: ما أنزلناه لتتعب به، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ، و { تنزيلا }: مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، أي: أنزل تنزيلا، والأصح: أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه، وفيه معنى التأكيد لما قبله، أو هو نص في معناه، وإنما تلون الكلام بالالتفات، أو منصوب على المدح والاختصاص، أو مفعول بيخشى، أو حال من " القرآن " ، و { الرحمن }: رفع على المدح، وقد عرفت أن المرفوع مدحا، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها، وإن لم يكن تابعا له في الإعراب، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ ليكون في صورة متعلق من متعلقاته. وقرئ بالجر صفة للموصول، وما قيل من أن الموصولات لا توصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي، أو { الرحمن }: مبتدأ، و { على العرش }: خبره. و { على }: متعلقة باستوى، قدمت للفواصل. و { إن تجهر }: شرط، والجواب محذوف دل عليه { فإنه... } الخ، أي: فالله غني عن جهرك، فإنه.
.. الخ. يقول الحق جل جلاله: تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ترويحا له من التعب: يا محمد { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أي: لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل عليه السلام: " أبق على نفسك، فإن لها عليك حقا ". أي: ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة، و الشدائد الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. أو: ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم، كقوله:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3]، بل للتبليغ، وقد فعلت. وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع، ومنه قولهم: أشقى من رائض مهر، وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقي، حيث تركت دين آباءك، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى، فرد الله ذلك عليهم. والأول أظهر، والعموم أحسن، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة. { إلا تذكرة لمن يخشى } أي: ما أنزلناه لتتعب، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله - عز وجل -، ليتأثر بالإنذار، لرقة قلبه ولين عريكته، أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها. { تنزيلا } أي: أنزل تنزيلا، أو حال كون القرآن تنزيلا، أي: منزلا { ممن خلق الأرض والسماوات العلى } ، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله: { ما أنزلنا } لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما بالذكر لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعلى، وهو جمع " عليا " لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل. وكل ذلك إلى قوله: { له الأسماء الحسنى } ، مسوق لتعظيم المنزل - عز وجل - المستتبع بتعظيم المنزل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان. ثم قال تعالى: { الرحمن } أي: هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضا من رحمته - تعالى -، كما ينبئ عنه قوله عز من قائل:
الرحمن علم القرآن
[الرحمن: 1،2]. أو: { الرحمن على العرش استوى }: مبتدأ وخبر، وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب للإيذان بأن ذلك أمر بين لا خفاء فيه، غني عن الإخبار صريحا.
والاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان، يقال: استوى فلان على سرير الملك مرادا به ملك الملك والتصرف، وإن لم يقعد على سرير أصلا، والمراد: تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام. وسئل أحمد بن حنبل عن الاستواء، فقال: استواء من غلب وقهر، لا استواء كما يتوهم البشر. وسئل عنه مالك والشافعي - رضي الله عنهما - فقالا: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عن هذا بدعة وضلالة، آمنوا بلا تشبيه، وصدقوا بلا تمثيل، وأمسكوا عن الخوض في هذا كل الإمساك. وقال الجنيد رضي الله عنه: خلق الله العرش فوق سبع سماوات، وجعله قبلة لدعاء المخلوقات، وقابله بقلب عبده المؤمن، ليكون محلا للتجليات والتنزلات والمخاطبات. ه. وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيا. { له ما في السماوات وما في الأرض } ، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما، { وما بينهما } من الموجودات الكائنة في الجو دائما، كالهواء والسحاب، أو أكثريا كالطير، أي: له ذلك وحده دون غيره، لا شركة ولا استقلالا، كل ما ذكر هو له ملكا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما، { وما تحت الثرى }: وما وراء التراب المتصل بالهوى السفلى. وعن محمد بن كعب: أنه ما تحت الأرضين السبع. وعن السدي: أن الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض لزيادة التقرير. { وإن تجهر بالقول } أي: وإن تجهر بذكره تعالى - أو دعائه -، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك { فإنه يعلم السر وأخفى } أي: ما أسررته إلى غيرك، وشيئا أخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، من غير أن تتفوه به أصلا أو:: السر: ما أسررته في نفسك، وأخفى منه: ما ستسره في المستقبل. وهو إما نهي عن الحركة، كقوله تعالى:
واذكر ربك في نفسك
[الأعراف: 205]، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار. هذا والغرض من الآية: بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات. ثم بين الموصوف بتلك الكمالات، فقال: { الله } أي: ما ذكر من صفات الكمال، موصوفها الله المعبود بالحق، { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا مستحق للعبادة إلا هو. وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه، فإن ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله تعالى: { له الأسماء الحسنى } بيان لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية والمالكية والعالمية أسماءه تعالى وصفاته، من غير تعدد في ذاته تعالى فالأسماء والصفات كثيرة، والمسمى والموصوف واحد.
و { الحسنى }: تأنيث الأحسن، فعلى، يوصف به الواحد المؤنث، والجمع المذكر والمؤنث، ك
مآرب أخرى
[طه: 18]، و
آياتنا الكبرى
[طه: 23]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من تأمل القرآن العظيم، وما جاء به الرسول - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - وجده يدل على ما يفضي إلى الراحة دون التعب، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء، لكن لا يتوصل إلى الراحة إلا بعد التعب، ولا يفضي العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح، وأفضى حينئذ إلى روح وريحان، وجنة ورضوان، أعني جنة العرفان. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: " ليس شيخك من يدلك على تعبك، إنما شيخك من يريحك من تعبك " ، كما في لطائف المنن. وقال شيخنا القطب ابن مشيش: وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم:
" يسروا ولا تعسروا "
فقال: دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك. ه. فإذا دلك على الله غيبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى، كما تقدم في سورة هود. فمن اتخذ شيخا ثم لم ينقله من مقام التعب، ولم يرحله من مقام إلى مقام، فاعلم أنه غير صالح للتربية. وقوله تعالى: { إلا تذكرة لمن يخشى } ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: قيل: أنزل الله القرآن لتذكير سابق الوصال لأن الأرواح لما دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها، فأنزل الله القرآن تأنيسا لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه. وقال جعفر الصادق: أنزل الله القرآن موعظة للخائفين، ورحمة للمؤمنين، وأنسا للمحبين. وايضا: القرآن يذكر عظمة الله الموجبة خشيته، فهو مذهب للغفلة. ثم قال: وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفع المشقة، ووجدان الراحة بالطاعة، لكونه يصير محمولا، وقد قال:
وأقم الصلاة لذكري
[طه: 14]، أي: لشهودي فيها، وفي ذلك قرة عين، وراحة، وأنس، وتشابه حال المصلي بحال موسى، بجامع النجوى، فلذلك ذكر في سياقه. والله أعلم. ه. وقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } ، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحكم بقوله: " يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار، ومحت كل شيء، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، وهو السميع البصير. وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء. والله تعالى أعلم وأعظم. ثم ذكر قصص موسى عليه السلام وتسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم
طه 20:8
قلت: عن ابن عباس أن " طه " من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: طوبى لمن هدى، وقيل: يا طاهر يا هادي، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه وسلم وتطهيره من دنس الحس، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه، وهدايته غيره إلى حضرة القدس. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لي عشرة أسماء... "
فذكر أن منها " طه ويس " ، وقيل: معناه: طئ الأرض بقدمك لأنه كان يرفع رجلا في الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده، فأبدل الهمزة ألفا، والضمير للأرض، ورد بأنه لو كان كذلك لكتبت بالألف، فإن الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم. وقيل: معناه: يا رجل. وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، وهو عندهم على اللغة النبطية، أو السريانية. قيل: من جعل معنى " طه " يا رجل، لم يقل على طه، وكذا من جعله اسما للنبي صلى الله عليه وسلم لأن النداء تنبيه على ما بعده، ومن جعلها افتتاحا، أو على وجه من الوجوه المذكورة في البقرة، وقف عليها، إلا في قول من جعلها قسما، فإنه لا يقف عليها لأن قوله: { ما أنزلنا... } الخ جواب قسم. قلت: المتبادر من سبب نزولها ومن قوله: { ما أنزلنا }: إما القسم أو النداء، فالقسم على أن ذلك من أسماء الله، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل، أو من أسمائه صلى الله عليه وسلم. وأما غير ذلك فبعيد، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافا بعد الوقف على " طه ". قاله في الحاشية. و { إلا تذكرة }: مفعول لأجله. والاستثناء منقطع، أي: ما أنزلناه لتتعب به، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ، و { تنزيلا }: مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، أي: أنزل تنزيلا، والأصح: أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه، وفيه معنى التأكيد لما قبله، أو هو نص في معناه، وإنما تلون الكلام بالالتفات، أو منصوب على المدح والاختصاص، أو مفعول بيخشى، أو حال من " القرآن " ، و { الرحمن }: رفع على المدح، وقد عرفت أن المرفوع مدحا، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها، وإن لم يكن تابعا له في الإعراب، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ ليكون في صورة متعلق من متعلقاته. وقرئ بالجر صفة للموصول، وما قيل من أن الموصولات لا توصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي، أو { الرحمن }: مبتدأ، و { على العرش }: خبره. و { على }: متعلقة باستوى، قدمت للفواصل. و { إن تجهر }: شرط، والجواب محذوف دل عليه { فإنه... } الخ، أي: فالله غني عن جهرك، فإنه.
.. الخ. يقول الحق جل جلاله: تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ترويحا له من التعب: يا محمد { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أي: لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل عليه السلام: " أبق على نفسك، فإن لها عليك حقا ". أي: ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة، و الشدائد الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. أو: ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم، كقوله:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3]، بل للتبليغ، وقد فعلت. وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع، ومنه قولهم: أشقى من رائض مهر، وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقي، حيث تركت دين آباءك، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى، فرد الله ذلك عليهم. والأول أظهر، والعموم أحسن، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة. { إلا تذكرة لمن يخشى } أي: ما أنزلناه لتتعب، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله - عز وجل -، ليتأثر بالإنذار، لرقة قلبه ولين عريكته، أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها. { تنزيلا } أي: أنزل تنزيلا، أو حال كون القرآن تنزيلا، أي: منزلا { ممن خلق الأرض والسماوات العلى } ، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله: { ما أنزلنا } لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما بالذكر لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعلى، وهو جمع " عليا " لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل. وكل ذلك إلى قوله: { له الأسماء الحسنى } ، مسوق لتعظيم المنزل - عز وجل - المستتبع بتعظيم المنزل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان. ثم قال تعالى: { الرحمن } أي: هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضا من رحمته - تعالى -، كما ينبئ عنه قوله عز من قائل:
الرحمن علم القرآن
[الرحمن: 1،2]. أو: { الرحمن على العرش استوى }: مبتدأ وخبر، وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب للإيذان بأن ذلك أمر بين لا خفاء فيه، غني عن الإخبار صريحا.
والاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان، يقال: استوى فلان على سرير الملك مرادا به ملك الملك والتصرف، وإن لم يقعد على سرير أصلا، والمراد: تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام. وسئل أحمد بن حنبل عن الاستواء، فقال: استواء من غلب وقهر، لا استواء كما يتوهم البشر. وسئل عنه مالك والشافعي - رضي الله عنهما - فقالا: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عن هذا بدعة وضلالة، آمنوا بلا تشبيه، وصدقوا بلا تمثيل، وأمسكوا عن الخوض في هذا كل الإمساك. وقال الجنيد رضي الله عنه: خلق الله العرش فوق سبع سماوات، وجعله قبلة لدعاء المخلوقات، وقابله بقلب عبده المؤمن، ليكون محلا للتجليات والتنزلات والمخاطبات. ه. وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيا. { له ما في السماوات وما في الأرض } ، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما، { وما بينهما } من الموجودات الكائنة في الجو دائما، كالهواء والسحاب، أو أكثريا كالطير، أي: له ذلك وحده دون غيره، لا شركة ولا استقلالا، كل ما ذكر هو له ملكا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وإيجادا وإعداما، { وما تحت الثرى }: وما وراء التراب المتصل بالهوى السفلى. وعن محمد بن كعب: أنه ما تحت الأرضين السبع. وعن السدي: أن الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض لزيادة التقرير. { وإن تجهر بالقول } أي: وإن تجهر بذكره تعالى - أو دعائه -، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك { فإنه يعلم السر وأخفى } أي: ما أسررته إلى غيرك، وشيئا أخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، من غير أن تتفوه به أصلا أو:: السر: ما أسررته في نفسك، وأخفى منه: ما ستسره في المستقبل. وهو إما نهي عن الحركة، كقوله تعالى:
واذكر ربك في نفسك
[الأعراف: 205]، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار. هذا والغرض من الآية: بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات. ثم بين الموصوف بتلك الكمالات، فقال: { الله } أي: ما ذكر من صفات الكمال، موصوفها الله المعبود بالحق، { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا مستحق للعبادة إلا هو. وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه، فإن ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله تعالى: { له الأسماء الحسنى } بيان لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية والمالكية والعالمية أسماءه تعالى وصفاته، من غير تعدد في ذاته تعالى فالأسماء والصفات كثيرة، والمسمى والموصوف واحد.
و { الحسنى }: تأنيث الأحسن، فعلى، يوصف به الواحد المؤنث، والجمع المذكر والمؤنث، ك
مآرب أخرى
[طه: 18]، و
آياتنا الكبرى
[طه: 23]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من تأمل القرآن العظيم، وما جاء به الرسول - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - وجده يدل على ما يفضي إلى الراحة دون التعب، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء، لكن لا يتوصل إلى الراحة إلا بعد التعب، ولا يفضي العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح، وأفضى حينئذ إلى روح وريحان، وجنة ورضوان، أعني جنة العرفان. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: " ليس شيخك من يدلك على تعبك، إنما شيخك من يريحك من تعبك " ، كما في لطائف المنن. وقال شيخنا القطب ابن مشيش: وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم:
" يسروا ولا تعسروا "
فقال: دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك. ه. فإذا دلك على الله غيبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى، كما تقدم في سورة هود. فمن اتخذ شيخا ثم لم ينقله من مقام التعب، ولم يرحله من مقام إلى مقام، فاعلم أنه غير صالح للتربية. وقوله تعالى: { إلا تذكرة لمن يخشى } ، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: قيل: أنزل الله القرآن لتذكير سابق الوصال لأن الأرواح لما دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها، فأنزل الله القرآن تأنيسا لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه. وقال جعفر الصادق: أنزل الله القرآن موعظة للخائفين، ورحمة للمؤمنين، وأنسا للمحبين. وايضا: القرآن يذكر عظمة الله الموجبة خشيته، فهو مذهب للغفلة. ثم قال: وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفع المشقة، ووجدان الراحة بالطاعة، لكونه يصير محمولا، وقد قال:
وأقم الصلاة لذكري
[طه: 14]، أي: لشهودي فيها، وفي ذلك قرة عين، وراحة، وأنس، وتشابه حال المصلي بحال موسى، بجامع النجوى، فلذلك ذكر في سياقه. والله أعلم. ه. وقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } ، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحكم بقوله: " يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبا في عرشه، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار، ومحت كل شيء، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، وهو السميع البصير. وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء. والله تعالى أعلم وأعظم. ثم ذكر قصص موسى عليه السلام وتسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم
طه 20:9
قلت: قال القشيري: أجرى الله سنته في كتابه أن يذكر قصة موسى في أكثر المواضع التي يذكر فيها حديث نبينا - عليه الصلاة والسلام - يتبعه بذكر موسى، تنبيها على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور، فالتكرير في التفصيل يوجب التفضيل، في الوصف لأن القضية الواحدة إذا أعيدت مرارا كثيرة كانت في باب البلاغة أتم، ولا سيما في كل مرة فائدة زائدة. ه. قلت: ولعل وجه تناسقهما في الذكر قرب المنزلة، ومشاركة الصفة، وذلك باعتبار المعالجة وهداية الأمة، فإن أمة موسى عليه السلام كانت انتشرت فلم يقع لنبي هداية على يديه لقومه مثله، إلا لنبينا - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - فإن أمته انتشرت وشاعت مسير الشمس والقمر، وفي حديث البخاري ما يدل على هذا، حين عرضت عليه الأمم صلى الله عليه وسلم مرة، فرأى أمة موسى عليه السلام كثيرة، ثم رأى أمته قد سدت الأفق. فانظر لفظه فيه. وقال أبو السعود: المناسبة إنما هي تقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث، وبيان أنه مستمر فيما بين الأنبياء، كابرا عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه السلام، حيث قيل له: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ، وبه ختم عليه السلام مقاله، حيث قال:
إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو
[طه: 98]، ثم رد مناسبة التسلية بأن مساق النظم الكريم إنما هو لصرفه عليه السلام عن اقتحام المشاق. فانظره. و { هل }: لفظة استفهام، والمراد به التشويق لما يخبره به، أو التنبيه. و { إذ رأى }: ظرف للحديث لأن فيه معنى الفعل، أو لمضمر مؤخر، أي: حين رأى كان كيت وكيت، أو: لاذكر، أي: اذكر وقت رؤيته... الخ. يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك حديث موسى }: أي: قصته في معالجة فرعون، فإنا سنذكرها لك تسلية وتقريرا لأمر التوحيد، { إذ راى نارا } تلمع في الوادي، وذلك أنه عليه السلام استأذن شعيبا عليه السلام في الخروج إلى أمه وأخيه، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق، مخافة من ملوك الشام، فلما وافى وادي طوى، وهو بالجانب الغربي من الطور، ولد له ولد في ليلة مظلمة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، فقدح النار فلم تور المقدحة. فبينما هو في ذلك { إذ رأى نارا } على يسار الطريق من جانب الطور، { فقال لأهله امكثوا } أي: أقيموا مكانكم. أمرهم عليه السلام بذلك لئلا يتبعوه، كما هو المعتاد من النساء. والخطاب للمرأة والخادم والولد، وقيل: لها وحدها، والجمع للتعظيم، { إني آنست } أي: أبصرت { نارا } ، وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يؤنس به.
{ لعلي آتيكم منها بقبس } أي: بشعلة مقتبسة من معظم النار، وهو المراد بالجذوة في سورة القصص، وبالشهاب القبس، { أو أجد على النار هدى } هاديا يدلني إلى الطريق، فهو مصدر بمعنى الفاعل، و { أو } في الموضعين: لمنع الخلو، لا لمنع الجمع إذ يمكن أن يقتبس من النار ويجد هاديا. ومعنى الاستعلاء في قوله: { على النار } لأن أهلها يستعلون عليها عند الاصطلاء، ولما كان الإيتاء بها غير محقق، صدر الجملة بكلمة الترجي. { فلما أتاها } أي: النار التي آنسها. قال ابن عباس رضي الله عنه: رأى شجرة خضراء، حفت بها، من أسفلها إلى أعلاها، نار بيضاء، تتقد كأضوء ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها، روي أن الشجرة كانت عوسجة، وقيل: سمرة... بينما هو ينظر، { نودي } فقيل: { يا موسى إني أنا ربك } ، أو بأني أنا ربك، وتكرير الضمير لتأكيد الدلالة، وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. يروى أنه لما نودي يا موسى، قال عليه السلام: من المتكلم؟ فقال الله عز وجل: { أنا ربك } ، فوسوس إليه الخاطر: لعلك تسمع كلام شيطان، قال: فلما قال: { إنني أنا } ، عرفت أنه كلام الله عز وجل. قيل: إنه سمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء. ثم قال له: { فاخلع نعليك } لأنه أليق بحسن الأدب، ومنه أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر، وقيل: ليباشر الوادي المقدس بقدميه، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد، بخلعها ولو طاهرة، وقيل: إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل: النعلين: الكونين، أي: فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى: { إنك بالواد المقدس }: تعليل لوجوب الخلع، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. روي أنه عليه السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي، و { طوى }: بدل من الوادي، وهو اسم له. وقرئ منونا لتأوله بالمكان، وغير المنون لتأوله بالبقعة. { وأنا اخترتك } أي: اصطفيتك للنبوة والرسالة، وقرأ حمزة: { وإنا اخترناك } بنون العظمة، { فاستمع لما يوحى } أي: للذي يوحى إليك، أو لوحينا إليك، وهو: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } ، فالجملة بدل من " ما ". { فاعبدني } أفردني بالعبادة والخضوع، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى. { وأقم الصلاة لذكري }: لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، وأفردت بالذكر، مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها على سائر العبادات لما نيطت به من ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، فإن الذكر كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة. أو { لذكري }: لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي، بحيث لا ترائي بها غيري. وقيل: لذكري إياها، وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلوات، وقيل: لذكر صلاتي إذا نسيتها، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:
" من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها لأن الله تعالى يقول: " وأقم الصلاة لذكري "
قال بعضهم: أصول العمل ثلاثة: أقوال وأفعال وأحوال، فأفضل الأقوال: لا إله إلا الله، وأفضل الأفعال: الصلاة لله أو بالله، وأفضل الأحوال: الطمأنينة بشهود الله. { إن الساعة آتية }: كائنة لا محالة، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة، وإنما عبر بالإتيان تحقيقا لحصولها، بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين. { أكاد أخفيها } أي: لا أظهرها، بأن أقول: آتية فقط، فلا تأتي إلا بغتة، أو أكاد أظهرها بإيقاعها، من أخفاه، إذا أظهره، فأخفى - على هذا - من الأضداد. ورده ابن عطية، فإن الذي بمعنى الظهور هو: " خفى " الثلاثي، لا " أخفى ". وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات: أخفى بمعنى خفى، أي: ظهر، فلا اعتراض. ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف عن غيري؟ وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: فكيف يعلمها مخلوق، وفي بعض القراءات: وكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله تعالى عن نفسه، وهو خلق الأشياء؟ قلنا: إن الله تعالى كلم العرب بكلامهم الذي يعرفونه. انظر بقية كلامه. وظهور علاماتها لا يزيل إخفاءها. قال ابن عرفة في تفسيره: وإذا ظهرت عند وقوع الأشراط لم ينسلخ عنها معنى الخفاء المتقدم، غاية الأمر أنها بذكر الأشراط وسط بين الإخفاء والإظهار، فتكون مقاربة لكل واحد منهما. ه. وقوله تعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق بآتية، أو بأخفيها - على معنى: أظهرها -، لتجزى كل نفس بسعيها، أي: بعملها خيرا كان أو شرا. { فلا يصدنك عنها } أي: عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها { من لا يؤمن بها } حتى تكسل عن التزود لها. والنهي - وإن كان بحسب الظاهر متوجها للكافر عن صدر موسى عليه السلام - لكنه في الحقيقة نهى له عليه السلام عن الانصداد عنها، على أبلغ وجه، فإن النهي عن أسباب الشيء المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، كقوله تعالى:
لا يجرمنكم شقاقي
[هود: 89]، أي: لا تتبع في الصد عنها من لا يؤمن بها { واتبع هواه } أي: ما تهواه نفسه من اللذات الفانية، { فتردى }: فتهلك فإن الإغفال عنها، وعن تحصيل ما ينجي من أهوالها، مستتبع للهلاك لا محالة. وبالله التوفيق. الإشارة: وهل أتاك أيها العارف حديث موسى، كيف سار إلى نور الحبيب، ومناجاة القريب، إذ رأى نارا في مرأى العين، وهو نور تجلي الحبيب بلا بين، فقال لأهله ومن تعلق به: امكثوا، أقيموا في مقام الطلب، واصبروا وصابروا ورابطوا على قلوبكم، في نيل المطلب، إني آنست نارا، وهو نور وجه الحبيب في مرائي تجلياته، وهذا مقام الفناء، لعلي آتيكم منها بقبس، تقتبسون منه أنوارا لقلوبكم وأسراركم.
أو أجد على النار هدى يهديني إلى مقام البقاء والتمكين، فلما أتاها، وتمكن من شهودها، نودي يا موسى: إني أنا ربك، فلا نار ولا أثر، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر، في مرأى الأثر، فاخلع نعليك، أي: اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون، كما قال القائل:
واخلع النعلين إن جئت إلى ذلك الحي ففيه قدسنا وعن الكونين كن منخلعا وأزل ما بيننا من بيننا
إنك بالواد المقدس، أي: بحر حضرة القدس ومحل الأنس، قد طويت عنك الأكوان، وأبصرت نور الشهود والعيان، وأنا اخترتك لحضرتي، واصطفيتك لمناجاتي، فاستمع لما يوحى إليك مني، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي، فإذا تمكنت من شهودي، فانزل لمقام العبودية شكرا، وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية لا محالة، فأكرم مثواك، وأجل منصبك، وأرفعك مع المقربين، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهل العناد والجحود، فتسقط عن مقام القرب والأنس، وتصير في جوار أهل حجاب الحس، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابن الفارض، حيث قال في كلام له:
آنست في الحي نارا ليلا فبشرت أهلي قلت امكثوا فلعلي أجد هداي لعلي دنوت منها فكانت نار التكلم قبلي نوديت منها كفاحا ردوا ليالي وصلي حتى إذا مال تدانى ال ميقات في جمع شملي صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي ولاح سر خفي يدريه من كان مثلي فالموت فيه حياتي وفي حياتي قتلي وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي
قوله: " صارت جبالي دكا " أي: جبال وجوده، فحصل الزوال من هيبة نور المتجلي، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها، فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها، حياة لا موت بعدها. وقوله: " مذ صار بعضي كلي " ، يعني: إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه، فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به، وهو بحر المعاني المفني للأواني. وبالله التوفيق. ثم ذكر مكالمته مع كليمه موسى عليه السلام
طه 20:10
قلت: قال القشيري: أجرى الله سنته في كتابه أن يذكر قصة موسى في أكثر المواضع التي يذكر فيها حديث نبينا - عليه الصلاة والسلام - يتبعه بذكر موسى، تنبيها على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور، فالتكرير في التفصيل يوجب التفضيل، في الوصف لأن القضية الواحدة إذا أعيدت مرارا كثيرة كانت في باب البلاغة أتم، ولا سيما في كل مرة فائدة زائدة. ه. قلت: ولعل وجه تناسقهما في الذكر قرب المنزلة، ومشاركة الصفة، وذلك باعتبار المعالجة وهداية الأمة، فإن أمة موسى عليه السلام كانت انتشرت فلم يقع لنبي هداية على يديه لقومه مثله، إلا لنبينا - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - فإن أمته انتشرت وشاعت مسير الشمس والقمر، وفي حديث البخاري ما يدل على هذا، حين عرضت عليه الأمم صلى الله عليه وسلم مرة، فرأى أمة موسى عليه السلام كثيرة، ثم رأى أمته قد سدت الأفق. فانظر لفظه فيه. وقال أبو السعود: المناسبة إنما هي تقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث، وبيان أنه مستمر فيما بين الأنبياء، كابرا عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه السلام، حيث قيل له: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ، وبه ختم عليه السلام مقاله، حيث قال:
إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو
[طه: 98]، ثم رد مناسبة التسلية بأن مساق النظم الكريم إنما هو لصرفه عليه السلام عن اقتحام المشاق. فانظره. و { هل }: لفظة استفهام، والمراد به التشويق لما يخبره به، أو التنبيه. و { إذ رأى }: ظرف للحديث لأن فيه معنى الفعل، أو لمضمر مؤخر، أي: حين رأى كان كيت وكيت، أو: لاذكر، أي: اذكر وقت رؤيته... الخ. يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك حديث موسى }: أي: قصته في معالجة فرعون، فإنا سنذكرها لك تسلية وتقريرا لأمر التوحيد، { إذ راى نارا } تلمع في الوادي، وذلك أنه عليه السلام استأذن شعيبا عليه السلام في الخروج إلى أمه وأخيه، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق، مخافة من ملوك الشام، فلما وافى وادي طوى، وهو بالجانب الغربي من الطور، ولد له ولد في ليلة مظلمة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، فقدح النار فلم تور المقدحة. فبينما هو في ذلك { إذ رأى نارا } على يسار الطريق من جانب الطور، { فقال لأهله امكثوا } أي: أقيموا مكانكم. أمرهم عليه السلام بذلك لئلا يتبعوه، كما هو المعتاد من النساء. والخطاب للمرأة والخادم والولد، وقيل: لها وحدها، والجمع للتعظيم، { إني آنست } أي: أبصرت { نارا } ، وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يؤنس به.
{ لعلي آتيكم منها بقبس } أي: بشعلة مقتبسة من معظم النار، وهو المراد بالجذوة في سورة القصص، وبالشهاب القبس، { أو أجد على النار هدى } هاديا يدلني إلى الطريق، فهو مصدر بمعنى الفاعل، و { أو } في الموضعين: لمنع الخلو، لا لمنع الجمع إذ يمكن أن يقتبس من النار ويجد هاديا. ومعنى الاستعلاء في قوله: { على النار } لأن أهلها يستعلون عليها عند الاصطلاء، ولما كان الإيتاء بها غير محقق، صدر الجملة بكلمة الترجي. { فلما أتاها } أي: النار التي آنسها. قال ابن عباس رضي الله عنه: رأى شجرة خضراء، حفت بها، من أسفلها إلى أعلاها، نار بيضاء، تتقد كأضوء ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها، روي أن الشجرة كانت عوسجة، وقيل: سمرة... بينما هو ينظر، { نودي } فقيل: { يا موسى إني أنا ربك } ، أو بأني أنا ربك، وتكرير الضمير لتأكيد الدلالة، وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. يروى أنه لما نودي يا موسى، قال عليه السلام: من المتكلم؟ فقال الله عز وجل: { أنا ربك } ، فوسوس إليه الخاطر: لعلك تسمع كلام شيطان، قال: فلما قال: { إنني أنا } ، عرفت أنه كلام الله عز وجل. قيل: إنه سمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء. ثم قال له: { فاخلع نعليك } لأنه أليق بحسن الأدب، ومنه أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر، وقيل: ليباشر الوادي المقدس بقدميه، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد، بخلعها ولو طاهرة، وقيل: إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل: النعلين: الكونين، أي: فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى: { إنك بالواد المقدس }: تعليل لوجوب الخلع، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. روي أنه عليه السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي، و { طوى }: بدل من الوادي، وهو اسم له. وقرئ منونا لتأوله بالمكان، وغير المنون لتأوله بالبقعة. { وأنا اخترتك } أي: اصطفيتك للنبوة والرسالة، وقرأ حمزة: { وإنا اخترناك } بنون العظمة، { فاستمع لما يوحى } أي: للذي يوحى إليك، أو لوحينا إليك، وهو: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } ، فالجملة بدل من " ما ". { فاعبدني } أفردني بالعبادة والخضوع، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى. { وأقم الصلاة لذكري }: لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، وأفردت بالذكر، مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها على سائر العبادات لما نيطت به من ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، فإن الذكر كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة. أو { لذكري }: لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي، بحيث لا ترائي بها غيري. وقيل: لذكري إياها، وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلوات، وقيل: لذكر صلاتي إذا نسيتها، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:
" من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها لأن الله تعالى يقول: " وأقم الصلاة لذكري "
قال بعضهم: أصول العمل ثلاثة: أقوال وأفعال وأحوال، فأفضل الأقوال: لا إله إلا الله، وأفضل الأفعال: الصلاة لله أو بالله، وأفضل الأحوال: الطمأنينة بشهود الله. { إن الساعة آتية }: كائنة لا محالة، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة، وإنما عبر بالإتيان تحقيقا لحصولها، بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين. { أكاد أخفيها } أي: لا أظهرها، بأن أقول: آتية فقط، فلا تأتي إلا بغتة، أو أكاد أظهرها بإيقاعها، من أخفاه، إذا أظهره، فأخفى - على هذا - من الأضداد. ورده ابن عطية، فإن الذي بمعنى الظهور هو: " خفى " الثلاثي، لا " أخفى ". وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات: أخفى بمعنى خفى، أي: ظهر، فلا اعتراض. ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف عن غيري؟ وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: فكيف يعلمها مخلوق، وفي بعض القراءات: وكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله تعالى عن نفسه، وهو خلق الأشياء؟ قلنا: إن الله تعالى كلم العرب بكلامهم الذي يعرفونه. انظر بقية كلامه. وظهور علاماتها لا يزيل إخفاءها. قال ابن عرفة في تفسيره: وإذا ظهرت عند وقوع الأشراط لم ينسلخ عنها معنى الخفاء المتقدم، غاية الأمر أنها بذكر الأشراط وسط بين الإخفاء والإظهار، فتكون مقاربة لكل واحد منهما. ه. وقوله تعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق بآتية، أو بأخفيها - على معنى: أظهرها -، لتجزى كل نفس بسعيها، أي: بعملها خيرا كان أو شرا. { فلا يصدنك عنها } أي: عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها { من لا يؤمن بها } حتى تكسل عن التزود لها. والنهي - وإن كان بحسب الظاهر متوجها للكافر عن صدر موسى عليه السلام - لكنه في الحقيقة نهى له عليه السلام عن الانصداد عنها، على أبلغ وجه، فإن النهي عن أسباب الشيء المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، كقوله تعالى:
لا يجرمنكم شقاقي
[هود: 89]، أي: لا تتبع في الصد عنها من لا يؤمن بها { واتبع هواه } أي: ما تهواه نفسه من اللذات الفانية، { فتردى }: فتهلك فإن الإغفال عنها، وعن تحصيل ما ينجي من أهوالها، مستتبع للهلاك لا محالة. وبالله التوفيق. الإشارة: وهل أتاك أيها العارف حديث موسى، كيف سار إلى نور الحبيب، ومناجاة القريب، إذ رأى نارا في مرأى العين، وهو نور تجلي الحبيب بلا بين، فقال لأهله ومن تعلق به: امكثوا، أقيموا في مقام الطلب، واصبروا وصابروا ورابطوا على قلوبكم، في نيل المطلب، إني آنست نارا، وهو نور وجه الحبيب في مرائي تجلياته، وهذا مقام الفناء، لعلي آتيكم منها بقبس، تقتبسون منه أنوارا لقلوبكم وأسراركم.
أو أجد على النار هدى يهديني إلى مقام البقاء والتمكين، فلما أتاها، وتمكن من شهودها، نودي يا موسى: إني أنا ربك، فلا نار ولا أثر، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر، في مرأى الأثر، فاخلع نعليك، أي: اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون، كما قال القائل:
واخلع النعلين إن جئت إلى ذلك الحي ففيه قدسنا وعن الكونين كن منخلعا وأزل ما بيننا من بيننا
إنك بالواد المقدس، أي: بحر حضرة القدس ومحل الأنس، قد طويت عنك الأكوان، وأبصرت نور الشهود والعيان، وأنا اخترتك لحضرتي، واصطفيتك لمناجاتي، فاستمع لما يوحى إليك مني، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي، فإذا تمكنت من شهودي، فانزل لمقام العبودية شكرا، وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية لا محالة، فأكرم مثواك، وأجل منصبك، وأرفعك مع المقربين، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهل العناد والجحود، فتسقط عن مقام القرب والأنس، وتصير في جوار أهل حجاب الحس، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابن الفارض، حيث قال في كلام له:
آنست في الحي نارا ليلا فبشرت أهلي قلت امكثوا فلعلي أجد هداي لعلي دنوت منها فكانت نار التكلم قبلي نوديت منها كفاحا ردوا ليالي وصلي حتى إذا مال تدانى ال ميقات في جمع شملي صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي ولاح سر خفي يدريه من كان مثلي فالموت فيه حياتي وفي حياتي قتلي وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي
قوله: " صارت جبالي دكا " أي: جبال وجوده، فحصل الزوال من هيبة نور المتجلي، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها، فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها، حياة لا موت بعدها. وقوله: " مذ صار بعضي كلي " ، يعني: إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه، فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به، وهو بحر المعاني المفني للأواني. وبالله التوفيق. ثم ذكر مكالمته مع كليمه موسى عليه السلام
طه 20:11
قلت: قال القشيري: أجرى الله سنته في كتابه أن يذكر قصة موسى في أكثر المواضع التي يذكر فيها حديث نبينا - عليه الصلاة والسلام - يتبعه بذكر موسى، تنبيها على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور، فالتكرير في التفصيل يوجب التفضيل، في الوصف لأن القضية الواحدة إذا أعيدت مرارا كثيرة كانت في باب البلاغة أتم، ولا سيما في كل مرة فائدة زائدة. ه. قلت: ولعل وجه تناسقهما في الذكر قرب المنزلة، ومشاركة الصفة، وذلك باعتبار المعالجة وهداية الأمة، فإن أمة موسى عليه السلام كانت انتشرت فلم يقع لنبي هداية على يديه لقومه مثله، إلا لنبينا - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - فإن أمته انتشرت وشاعت مسير الشمس والقمر، وفي حديث البخاري ما يدل على هذا، حين عرضت عليه الأمم صلى الله عليه وسلم مرة، فرأى أمة موسى عليه السلام كثيرة، ثم رأى أمته قد سدت الأفق. فانظر لفظه فيه. وقال أبو السعود: المناسبة إنما هي تقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث، وبيان أنه مستمر فيما بين الأنبياء، كابرا عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه السلام، حيث قيل له: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ، وبه ختم عليه السلام مقاله، حيث قال:
إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو
[طه: 98]، ثم رد مناسبة التسلية بأن مساق النظم الكريم إنما هو لصرفه عليه السلام عن اقتحام المشاق. فانظره. و { هل }: لفظة استفهام، والمراد به التشويق لما يخبره به، أو التنبيه. و { إذ رأى }: ظرف للحديث لأن فيه معنى الفعل، أو لمضمر مؤخر، أي: حين رأى كان كيت وكيت، أو: لاذكر، أي: اذكر وقت رؤيته... الخ. يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك حديث موسى }: أي: قصته في معالجة فرعون، فإنا سنذكرها لك تسلية وتقريرا لأمر التوحيد، { إذ راى نارا } تلمع في الوادي، وذلك أنه عليه السلام استأذن شعيبا عليه السلام في الخروج إلى أمه وأخيه، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق، مخافة من ملوك الشام، فلما وافى وادي طوى، وهو بالجانب الغربي من الطور، ولد له ولد في ليلة مظلمة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، فقدح النار فلم تور المقدحة. فبينما هو في ذلك { إذ رأى نارا } على يسار الطريق من جانب الطور، { فقال لأهله امكثوا } أي: أقيموا مكانكم. أمرهم عليه السلام بذلك لئلا يتبعوه، كما هو المعتاد من النساء. والخطاب للمرأة والخادم والولد، وقيل: لها وحدها، والجمع للتعظيم، { إني آنست } أي: أبصرت { نارا } ، وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يؤنس به.
{ لعلي آتيكم منها بقبس } أي: بشعلة مقتبسة من معظم النار، وهو المراد بالجذوة في سورة القصص، وبالشهاب القبس، { أو أجد على النار هدى } هاديا يدلني إلى الطريق، فهو مصدر بمعنى الفاعل، و { أو } في الموضعين: لمنع الخلو، لا لمنع الجمع إذ يمكن أن يقتبس من النار ويجد هاديا. ومعنى الاستعلاء في قوله: { على النار } لأن أهلها يستعلون عليها عند الاصطلاء، ولما كان الإيتاء بها غير محقق، صدر الجملة بكلمة الترجي. { فلما أتاها } أي: النار التي آنسها. قال ابن عباس رضي الله عنه: رأى شجرة خضراء، حفت بها، من أسفلها إلى أعلاها، نار بيضاء، تتقد كأضوء ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها، روي أن الشجرة كانت عوسجة، وقيل: سمرة... بينما هو ينظر، { نودي } فقيل: { يا موسى إني أنا ربك } ، أو بأني أنا ربك، وتكرير الضمير لتأكيد الدلالة، وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. يروى أنه لما نودي يا موسى، قال عليه السلام: من المتكلم؟ فقال الله عز وجل: { أنا ربك } ، فوسوس إليه الخاطر: لعلك تسمع كلام شيطان، قال: فلما قال: { إنني أنا } ، عرفت أنه كلام الله عز وجل. قيل: إنه سمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء. ثم قال له: { فاخلع نعليك } لأنه أليق بحسن الأدب، ومنه أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر، وقيل: ليباشر الوادي المقدس بقدميه، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد، بخلعها ولو طاهرة، وقيل: إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل: النعلين: الكونين، أي: فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى: { إنك بالواد المقدس }: تعليل لوجوب الخلع، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. روي أنه عليه السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي، و { طوى }: بدل من الوادي، وهو اسم له. وقرئ منونا لتأوله بالمكان، وغير المنون لتأوله بالبقعة. { وأنا اخترتك } أي: اصطفيتك للنبوة والرسالة، وقرأ حمزة: { وإنا اخترناك } بنون العظمة، { فاستمع لما يوحى } أي: للذي يوحى إليك، أو لوحينا إليك، وهو: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } ، فالجملة بدل من " ما ". { فاعبدني } أفردني بالعبادة والخضوع، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى. { وأقم الصلاة لذكري }: لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، وأفردت بالذكر، مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها على سائر العبادات لما نيطت به من ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، فإن الذكر كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة. أو { لذكري }: لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي، بحيث لا ترائي بها غيري. وقيل: لذكري إياها، وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلوات، وقيل: لذكر صلاتي إذا نسيتها، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:
" من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها لأن الله تعالى يقول: " وأقم الصلاة لذكري "
قال بعضهم: أصول العمل ثلاثة: أقوال وأفعال وأحوال، فأفضل الأقوال: لا إله إلا الله، وأفضل الأفعال: الصلاة لله أو بالله، وأفضل الأحوال: الطمأنينة بشهود الله. { إن الساعة آتية }: كائنة لا محالة، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة، وإنما عبر بالإتيان تحقيقا لحصولها، بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين. { أكاد أخفيها } أي: لا أظهرها، بأن أقول: آتية فقط، فلا تأتي إلا بغتة، أو أكاد أظهرها بإيقاعها، من أخفاه، إذا أظهره، فأخفى - على هذا - من الأضداد. ورده ابن عطية، فإن الذي بمعنى الظهور هو: " خفى " الثلاثي، لا " أخفى ". وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات: أخفى بمعنى خفى، أي: ظهر، فلا اعتراض. ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف عن غيري؟ وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: فكيف يعلمها مخلوق، وفي بعض القراءات: وكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله تعالى عن نفسه، وهو خلق الأشياء؟ قلنا: إن الله تعالى كلم العرب بكلامهم الذي يعرفونه. انظر بقية كلامه. وظهور علاماتها لا يزيل إخفاءها. قال ابن عرفة في تفسيره: وإذا ظهرت عند وقوع الأشراط لم ينسلخ عنها معنى الخفاء المتقدم، غاية الأمر أنها بذكر الأشراط وسط بين الإخفاء والإظهار، فتكون مقاربة لكل واحد منهما. ه. وقوله تعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق بآتية، أو بأخفيها - على معنى: أظهرها -، لتجزى كل نفس بسعيها، أي: بعملها خيرا كان أو شرا. { فلا يصدنك عنها } أي: عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها { من لا يؤمن بها } حتى تكسل عن التزود لها. والنهي - وإن كان بحسب الظاهر متوجها للكافر عن صدر موسى عليه السلام - لكنه في الحقيقة نهى له عليه السلام عن الانصداد عنها، على أبلغ وجه، فإن النهي عن أسباب الشيء المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، كقوله تعالى:
لا يجرمنكم شقاقي
[هود: 89]، أي: لا تتبع في الصد عنها من لا يؤمن بها { واتبع هواه } أي: ما تهواه نفسه من اللذات الفانية، { فتردى }: فتهلك فإن الإغفال عنها، وعن تحصيل ما ينجي من أهوالها، مستتبع للهلاك لا محالة. وبالله التوفيق. الإشارة: وهل أتاك أيها العارف حديث موسى، كيف سار إلى نور الحبيب، ومناجاة القريب، إذ رأى نارا في مرأى العين، وهو نور تجلي الحبيب بلا بين، فقال لأهله ومن تعلق به: امكثوا، أقيموا في مقام الطلب، واصبروا وصابروا ورابطوا على قلوبكم، في نيل المطلب، إني آنست نارا، وهو نور وجه الحبيب في مرائي تجلياته، وهذا مقام الفناء، لعلي آتيكم منها بقبس، تقتبسون منه أنوارا لقلوبكم وأسراركم.
أو أجد على النار هدى يهديني إلى مقام البقاء والتمكين، فلما أتاها، وتمكن من شهودها، نودي يا موسى: إني أنا ربك، فلا نار ولا أثر، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر، في مرأى الأثر، فاخلع نعليك، أي: اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون، كما قال القائل:
واخلع النعلين إن جئت إلى ذلك الحي ففيه قدسنا وعن الكونين كن منخلعا وأزل ما بيننا من بيننا
إنك بالواد المقدس، أي: بحر حضرة القدس ومحل الأنس، قد طويت عنك الأكوان، وأبصرت نور الشهود والعيان، وأنا اخترتك لحضرتي، واصطفيتك لمناجاتي، فاستمع لما يوحى إليك مني، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي، فإذا تمكنت من شهودي، فانزل لمقام العبودية شكرا، وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية لا محالة، فأكرم مثواك، وأجل منصبك، وأرفعك مع المقربين، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهل العناد والجحود، فتسقط عن مقام القرب والأنس، وتصير في جوار أهل حجاب الحس، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابن الفارض، حيث قال في كلام له:
آنست في الحي نارا ليلا فبشرت أهلي قلت امكثوا فلعلي أجد هداي لعلي دنوت منها فكانت نار التكلم قبلي نوديت منها كفاحا ردوا ليالي وصلي حتى إذا مال تدانى ال ميقات في جمع شملي صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي ولاح سر خفي يدريه من كان مثلي فالموت فيه حياتي وفي حياتي قتلي وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي
قوله: " صارت جبالي دكا " أي: جبال وجوده، فحصل الزوال من هيبة نور المتجلي، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها، فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها، حياة لا موت بعدها. وقوله: " مذ صار بعضي كلي " ، يعني: إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه، فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به، وهو بحر المعاني المفني للأواني. وبالله التوفيق. ثم ذكر مكالمته مع كليمه موسى عليه السلام
طه 20:12
قلت: قال القشيري: أجرى الله سنته في كتابه أن يذكر قصة موسى في أكثر المواضع التي يذكر فيها حديث نبينا - عليه الصلاة والسلام - يتبعه بذكر موسى، تنبيها على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور، فالتكرير في التفصيل يوجب التفضيل، في الوصف لأن القضية الواحدة إذا أعيدت مرارا كثيرة كانت في باب البلاغة أتم، ولا سيما في كل مرة فائدة زائدة. ه. قلت: ولعل وجه تناسقهما في الذكر قرب المنزلة، ومشاركة الصفة، وذلك باعتبار المعالجة وهداية الأمة، فإن أمة موسى عليه السلام كانت انتشرت فلم يقع لنبي هداية على يديه لقومه مثله، إلا لنبينا - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - فإن أمته انتشرت وشاعت مسير الشمس والقمر، وفي حديث البخاري ما يدل على هذا، حين عرضت عليه الأمم صلى الله عليه وسلم مرة، فرأى أمة موسى عليه السلام كثيرة، ثم رأى أمته قد سدت الأفق. فانظر لفظه فيه. وقال أبو السعود: المناسبة إنما هي تقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث، وبيان أنه مستمر فيما بين الأنبياء، كابرا عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه السلام، حيث قيل له: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ، وبه ختم عليه السلام مقاله، حيث قال:
إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو
[طه: 98]، ثم رد مناسبة التسلية بأن مساق النظم الكريم إنما هو لصرفه عليه السلام عن اقتحام المشاق. فانظره. و { هل }: لفظة استفهام، والمراد به التشويق لما يخبره به، أو التنبيه. و { إذ رأى }: ظرف للحديث لأن فيه معنى الفعل، أو لمضمر مؤخر، أي: حين رأى كان كيت وكيت، أو: لاذكر، أي: اذكر وقت رؤيته... الخ. يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك حديث موسى }: أي: قصته في معالجة فرعون، فإنا سنذكرها لك تسلية وتقريرا لأمر التوحيد، { إذ راى نارا } تلمع في الوادي، وذلك أنه عليه السلام استأذن شعيبا عليه السلام في الخروج إلى أمه وأخيه، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق، مخافة من ملوك الشام، فلما وافى وادي طوى، وهو بالجانب الغربي من الطور، ولد له ولد في ليلة مظلمة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، فقدح النار فلم تور المقدحة. فبينما هو في ذلك { إذ رأى نارا } على يسار الطريق من جانب الطور، { فقال لأهله امكثوا } أي: أقيموا مكانكم. أمرهم عليه السلام بذلك لئلا يتبعوه، كما هو المعتاد من النساء. والخطاب للمرأة والخادم والولد، وقيل: لها وحدها، والجمع للتعظيم، { إني آنست } أي: أبصرت { نارا } ، وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يؤنس به.
{ لعلي آتيكم منها بقبس } أي: بشعلة مقتبسة من معظم النار، وهو المراد بالجذوة في سورة القصص، وبالشهاب القبس، { أو أجد على النار هدى } هاديا يدلني إلى الطريق، فهو مصدر بمعنى الفاعل، و { أو } في الموضعين: لمنع الخلو، لا لمنع الجمع إذ يمكن أن يقتبس من النار ويجد هاديا. ومعنى الاستعلاء في قوله: { على النار } لأن أهلها يستعلون عليها عند الاصطلاء، ولما كان الإيتاء بها غير محقق، صدر الجملة بكلمة الترجي. { فلما أتاها } أي: النار التي آنسها. قال ابن عباس رضي الله عنه: رأى شجرة خضراء، حفت بها، من أسفلها إلى أعلاها، نار بيضاء، تتقد كأضوء ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها، روي أن الشجرة كانت عوسجة، وقيل: سمرة... بينما هو ينظر، { نودي } فقيل: { يا موسى إني أنا ربك } ، أو بأني أنا ربك، وتكرير الضمير لتأكيد الدلالة، وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. يروى أنه لما نودي يا موسى، قال عليه السلام: من المتكلم؟ فقال الله عز وجل: { أنا ربك } ، فوسوس إليه الخاطر: لعلك تسمع كلام شيطان، قال: فلما قال: { إنني أنا } ، عرفت أنه كلام الله عز وجل. قيل: إنه سمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء. ثم قال له: { فاخلع نعليك } لأنه أليق بحسن الأدب، ومنه أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر، وقيل: ليباشر الوادي المقدس بقدميه، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد، بخلعها ولو طاهرة، وقيل: إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل: النعلين: الكونين، أي: فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى: { إنك بالواد المقدس }: تعليل لوجوب الخلع، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. روي أنه عليه السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي، و { طوى }: بدل من الوادي، وهو اسم له. وقرئ منونا لتأوله بالمكان، وغير المنون لتأوله بالبقعة. { وأنا اخترتك } أي: اصطفيتك للنبوة والرسالة، وقرأ حمزة: { وإنا اخترناك } بنون العظمة، { فاستمع لما يوحى } أي: للذي يوحى إليك، أو لوحينا إليك، وهو: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } ، فالجملة بدل من " ما ". { فاعبدني } أفردني بالعبادة والخضوع، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى. { وأقم الصلاة لذكري }: لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، وأفردت بالذكر، مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها على سائر العبادات لما نيطت به من ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، فإن الذكر كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة. أو { لذكري }: لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي، بحيث لا ترائي بها غيري. وقيل: لذكري إياها، وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلوات، وقيل: لذكر صلاتي إذا نسيتها، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:
" من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها لأن الله تعالى يقول: " وأقم الصلاة لذكري "
قال بعضهم: أصول العمل ثلاثة: أقوال وأفعال وأحوال، فأفضل الأقوال: لا إله إلا الله، وأفضل الأفعال: الصلاة لله أو بالله، وأفضل الأحوال: الطمأنينة بشهود الله. { إن الساعة آتية }: كائنة لا محالة، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة، وإنما عبر بالإتيان تحقيقا لحصولها، بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين. { أكاد أخفيها } أي: لا أظهرها، بأن أقول: آتية فقط، فلا تأتي إلا بغتة، أو أكاد أظهرها بإيقاعها، من أخفاه، إذا أظهره، فأخفى - على هذا - من الأضداد. ورده ابن عطية، فإن الذي بمعنى الظهور هو: " خفى " الثلاثي، لا " أخفى ". وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات: أخفى بمعنى خفى، أي: ظهر، فلا اعتراض. ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف عن غيري؟ وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: فكيف يعلمها مخلوق، وفي بعض القراءات: وكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله تعالى عن نفسه، وهو خلق الأشياء؟ قلنا: إن الله تعالى كلم العرب بكلامهم الذي يعرفونه. انظر بقية كلامه. وظهور علاماتها لا يزيل إخفاءها. قال ابن عرفة في تفسيره: وإذا ظهرت عند وقوع الأشراط لم ينسلخ عنها معنى الخفاء المتقدم، غاية الأمر أنها بذكر الأشراط وسط بين الإخفاء والإظهار، فتكون مقاربة لكل واحد منهما. ه. وقوله تعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق بآتية، أو بأخفيها - على معنى: أظهرها -، لتجزى كل نفس بسعيها، أي: بعملها خيرا كان أو شرا. { فلا يصدنك عنها } أي: عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها { من لا يؤمن بها } حتى تكسل عن التزود لها. والنهي - وإن كان بحسب الظاهر متوجها للكافر عن صدر موسى عليه السلام - لكنه في الحقيقة نهى له عليه السلام عن الانصداد عنها، على أبلغ وجه، فإن النهي عن أسباب الشيء المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، كقوله تعالى:
لا يجرمنكم شقاقي
[هود: 89]، أي: لا تتبع في الصد عنها من لا يؤمن بها { واتبع هواه } أي: ما تهواه نفسه من اللذات الفانية، { فتردى }: فتهلك فإن الإغفال عنها، وعن تحصيل ما ينجي من أهوالها، مستتبع للهلاك لا محالة. وبالله التوفيق. الإشارة: وهل أتاك أيها العارف حديث موسى، كيف سار إلى نور الحبيب، ومناجاة القريب، إذ رأى نارا في مرأى العين، وهو نور تجلي الحبيب بلا بين، فقال لأهله ومن تعلق به: امكثوا، أقيموا في مقام الطلب، واصبروا وصابروا ورابطوا على قلوبكم، في نيل المطلب، إني آنست نارا، وهو نور وجه الحبيب في مرائي تجلياته، وهذا مقام الفناء، لعلي آتيكم منها بقبس، تقتبسون منه أنوارا لقلوبكم وأسراركم.
أو أجد على النار هدى يهديني إلى مقام البقاء والتمكين، فلما أتاها، وتمكن من شهودها، نودي يا موسى: إني أنا ربك، فلا نار ولا أثر، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر، في مرأى الأثر، فاخلع نعليك، أي: اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون، كما قال القائل:
واخلع النعلين إن جئت إلى ذلك الحي ففيه قدسنا وعن الكونين كن منخلعا وأزل ما بيننا من بيننا
إنك بالواد المقدس، أي: بحر حضرة القدس ومحل الأنس، قد طويت عنك الأكوان، وأبصرت نور الشهود والعيان، وأنا اخترتك لحضرتي، واصطفيتك لمناجاتي، فاستمع لما يوحى إليك مني، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي، فإذا تمكنت من شهودي، فانزل لمقام العبودية شكرا، وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية لا محالة، فأكرم مثواك، وأجل منصبك، وأرفعك مع المقربين، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهل العناد والجحود، فتسقط عن مقام القرب والأنس، وتصير في جوار أهل حجاب الحس، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابن الفارض، حيث قال في كلام له:
آنست في الحي نارا ليلا فبشرت أهلي قلت امكثوا فلعلي أجد هداي لعلي دنوت منها فكانت نار التكلم قبلي نوديت منها كفاحا ردوا ليالي وصلي حتى إذا مال تدانى ال ميقات في جمع شملي صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي ولاح سر خفي يدريه من كان مثلي فالموت فيه حياتي وفي حياتي قتلي وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي
قوله: " صارت جبالي دكا " أي: جبال وجوده، فحصل الزوال من هيبة نور المتجلي، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها، فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها، حياة لا موت بعدها. وقوله: " مذ صار بعضي كلي " ، يعني: إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه، فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به، وهو بحر المعاني المفني للأواني. وبالله التوفيق. ثم ذكر مكالمته مع كليمه موسى عليه السلام
طه 20:13
قلت: قال القشيري: أجرى الله سنته في كتابه أن يذكر قصة موسى في أكثر المواضع التي يذكر فيها حديث نبينا - عليه الصلاة والسلام - يتبعه بذكر موسى، تنبيها على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور، فالتكرير في التفصيل يوجب التفضيل، في الوصف لأن القضية الواحدة إذا أعيدت مرارا كثيرة كانت في باب البلاغة أتم، ولا سيما في كل مرة فائدة زائدة. ه. قلت: ولعل وجه تناسقهما في الذكر قرب المنزلة، ومشاركة الصفة، وذلك باعتبار المعالجة وهداية الأمة، فإن أمة موسى عليه السلام كانت انتشرت فلم يقع لنبي هداية على يديه لقومه مثله، إلا لنبينا - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - فإن أمته انتشرت وشاعت مسير الشمس والقمر، وفي حديث البخاري ما يدل على هذا، حين عرضت عليه الأمم صلى الله عليه وسلم مرة، فرأى أمة موسى عليه السلام كثيرة، ثم رأى أمته قد سدت الأفق. فانظر لفظه فيه. وقال أبو السعود: المناسبة إنما هي تقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث، وبيان أنه مستمر فيما بين الأنبياء، كابرا عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه السلام، حيث قيل له: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ، وبه ختم عليه السلام مقاله، حيث قال:
إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو
[طه: 98]، ثم رد مناسبة التسلية بأن مساق النظم الكريم إنما هو لصرفه عليه السلام عن اقتحام المشاق. فانظره. و { هل }: لفظة استفهام، والمراد به التشويق لما يخبره به، أو التنبيه. و { إذ رأى }: ظرف للحديث لأن فيه معنى الفعل، أو لمضمر مؤخر، أي: حين رأى كان كيت وكيت، أو: لاذكر، أي: اذكر وقت رؤيته... الخ. يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك حديث موسى }: أي: قصته في معالجة فرعون، فإنا سنذكرها لك تسلية وتقريرا لأمر التوحيد، { إذ راى نارا } تلمع في الوادي، وذلك أنه عليه السلام استأذن شعيبا عليه السلام في الخروج إلى أمه وأخيه، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق، مخافة من ملوك الشام، فلما وافى وادي طوى، وهو بالجانب الغربي من الطور، ولد له ولد في ليلة مظلمة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، فقدح النار فلم تور المقدحة. فبينما هو في ذلك { إذ رأى نارا } على يسار الطريق من جانب الطور، { فقال لأهله امكثوا } أي: أقيموا مكانكم. أمرهم عليه السلام بذلك لئلا يتبعوه، كما هو المعتاد من النساء. والخطاب للمرأة والخادم والولد، وقيل: لها وحدها، والجمع للتعظيم، { إني آنست } أي: أبصرت { نارا } ، وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يؤنس به.
{ لعلي آتيكم منها بقبس } أي: بشعلة مقتبسة من معظم النار، وهو المراد بالجذوة في سورة القصص، وبالشهاب القبس، { أو أجد على النار هدى } هاديا يدلني إلى الطريق، فهو مصدر بمعنى الفاعل، و { أو } في الموضعين: لمنع الخلو، لا لمنع الجمع إذ يمكن أن يقتبس من النار ويجد هاديا. ومعنى الاستعلاء في قوله: { على النار } لأن أهلها يستعلون عليها عند الاصطلاء، ولما كان الإيتاء بها غير محقق، صدر الجملة بكلمة الترجي. { فلما أتاها } أي: النار التي آنسها. قال ابن عباس رضي الله عنه: رأى شجرة خضراء، حفت بها، من أسفلها إلى أعلاها، نار بيضاء، تتقد كأضوء ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها، روي أن الشجرة كانت عوسجة، وقيل: سمرة... بينما هو ينظر، { نودي } فقيل: { يا موسى إني أنا ربك } ، أو بأني أنا ربك، وتكرير الضمير لتأكيد الدلالة، وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. يروى أنه لما نودي يا موسى، قال عليه السلام: من المتكلم؟ فقال الله عز وجل: { أنا ربك } ، فوسوس إليه الخاطر: لعلك تسمع كلام شيطان، قال: فلما قال: { إنني أنا } ، عرفت أنه كلام الله عز وجل. قيل: إنه سمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء. ثم قال له: { فاخلع نعليك } لأنه أليق بحسن الأدب، ومنه أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر، وقيل: ليباشر الوادي المقدس بقدميه، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد، بخلعها ولو طاهرة، وقيل: إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل: النعلين: الكونين، أي: فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى: { إنك بالواد المقدس }: تعليل لوجوب الخلع، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. روي أنه عليه السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي، و { طوى }: بدل من الوادي، وهو اسم له. وقرئ منونا لتأوله بالمكان، وغير المنون لتأوله بالبقعة. { وأنا اخترتك } أي: اصطفيتك للنبوة والرسالة، وقرأ حمزة: { وإنا اخترناك } بنون العظمة، { فاستمع لما يوحى } أي: للذي يوحى إليك، أو لوحينا إليك، وهو: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } ، فالجملة بدل من " ما ". { فاعبدني } أفردني بالعبادة والخضوع، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى. { وأقم الصلاة لذكري }: لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، وأفردت بالذكر، مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها على سائر العبادات لما نيطت به من ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، فإن الذكر كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة. أو { لذكري }: لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي، بحيث لا ترائي بها غيري. وقيل: لذكري إياها، وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلوات، وقيل: لذكر صلاتي إذا نسيتها، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:
" من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها لأن الله تعالى يقول: " وأقم الصلاة لذكري "
قال بعضهم: أصول العمل ثلاثة: أقوال وأفعال وأحوال، فأفضل الأقوال: لا إله إلا الله، وأفضل الأفعال: الصلاة لله أو بالله، وأفضل الأحوال: الطمأنينة بشهود الله. { إن الساعة آتية }: كائنة لا محالة، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة، وإنما عبر بالإتيان تحقيقا لحصولها، بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين. { أكاد أخفيها } أي: لا أظهرها، بأن أقول: آتية فقط، فلا تأتي إلا بغتة، أو أكاد أظهرها بإيقاعها، من أخفاه، إذا أظهره، فأخفى - على هذا - من الأضداد. ورده ابن عطية، فإن الذي بمعنى الظهور هو: " خفى " الثلاثي، لا " أخفى ". وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات: أخفى بمعنى خفى، أي: ظهر، فلا اعتراض. ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف عن غيري؟ وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: فكيف يعلمها مخلوق، وفي بعض القراءات: وكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله تعالى عن نفسه، وهو خلق الأشياء؟ قلنا: إن الله تعالى كلم العرب بكلامهم الذي يعرفونه. انظر بقية كلامه. وظهور علاماتها لا يزيل إخفاءها. قال ابن عرفة في تفسيره: وإذا ظهرت عند وقوع الأشراط لم ينسلخ عنها معنى الخفاء المتقدم، غاية الأمر أنها بذكر الأشراط وسط بين الإخفاء والإظهار، فتكون مقاربة لكل واحد منهما. ه. وقوله تعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق بآتية، أو بأخفيها - على معنى: أظهرها -، لتجزى كل نفس بسعيها، أي: بعملها خيرا كان أو شرا. { فلا يصدنك عنها } أي: عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها { من لا يؤمن بها } حتى تكسل عن التزود لها. والنهي - وإن كان بحسب الظاهر متوجها للكافر عن صدر موسى عليه السلام - لكنه في الحقيقة نهى له عليه السلام عن الانصداد عنها، على أبلغ وجه، فإن النهي عن أسباب الشيء المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، كقوله تعالى:
لا يجرمنكم شقاقي
[هود: 89]، أي: لا تتبع في الصد عنها من لا يؤمن بها { واتبع هواه } أي: ما تهواه نفسه من اللذات الفانية، { فتردى }: فتهلك فإن الإغفال عنها، وعن تحصيل ما ينجي من أهوالها، مستتبع للهلاك لا محالة. وبالله التوفيق. الإشارة: وهل أتاك أيها العارف حديث موسى، كيف سار إلى نور الحبيب، ومناجاة القريب، إذ رأى نارا في مرأى العين، وهو نور تجلي الحبيب بلا بين، فقال لأهله ومن تعلق به: امكثوا، أقيموا في مقام الطلب، واصبروا وصابروا ورابطوا على قلوبكم، في نيل المطلب، إني آنست نارا، وهو نور وجه الحبيب في مرائي تجلياته، وهذا مقام الفناء، لعلي آتيكم منها بقبس، تقتبسون منه أنوارا لقلوبكم وأسراركم.
أو أجد على النار هدى يهديني إلى مقام البقاء والتمكين، فلما أتاها، وتمكن من شهودها، نودي يا موسى: إني أنا ربك، فلا نار ولا أثر، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر، في مرأى الأثر، فاخلع نعليك، أي: اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون، كما قال القائل:
واخلع النعلين إن جئت إلى ذلك الحي ففيه قدسنا وعن الكونين كن منخلعا وأزل ما بيننا من بيننا
إنك بالواد المقدس، أي: بحر حضرة القدس ومحل الأنس، قد طويت عنك الأكوان، وأبصرت نور الشهود والعيان، وأنا اخترتك لحضرتي، واصطفيتك لمناجاتي، فاستمع لما يوحى إليك مني، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي، فإذا تمكنت من شهودي، فانزل لمقام العبودية شكرا، وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية لا محالة، فأكرم مثواك، وأجل منصبك، وأرفعك مع المقربين، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهل العناد والجحود، فتسقط عن مقام القرب والأنس، وتصير في جوار أهل حجاب الحس، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابن الفارض، حيث قال في كلام له:
آنست في الحي نارا ليلا فبشرت أهلي قلت امكثوا فلعلي أجد هداي لعلي دنوت منها فكانت نار التكلم قبلي نوديت منها كفاحا ردوا ليالي وصلي حتى إذا مال تدانى ال ميقات في جمع شملي صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي ولاح سر خفي يدريه من كان مثلي فالموت فيه حياتي وفي حياتي قتلي وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي
قوله: " صارت جبالي دكا " أي: جبال وجوده، فحصل الزوال من هيبة نور المتجلي، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها، فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها، حياة لا موت بعدها. وقوله: " مذ صار بعضي كلي " ، يعني: إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه، فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به، وهو بحر المعاني المفني للأواني. وبالله التوفيق. ثم ذكر مكالمته مع كليمه موسى عليه السلام
طه 20:14
قلت: قال القشيري: أجرى الله سنته في كتابه أن يذكر قصة موسى في أكثر المواضع التي يذكر فيها حديث نبينا - عليه الصلاة والسلام - يتبعه بذكر موسى، تنبيها على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور، فالتكرير في التفصيل يوجب التفضيل، في الوصف لأن القضية الواحدة إذا أعيدت مرارا كثيرة كانت في باب البلاغة أتم، ولا سيما في كل مرة فائدة زائدة. ه. قلت: ولعل وجه تناسقهما في الذكر قرب المنزلة، ومشاركة الصفة، وذلك باعتبار المعالجة وهداية الأمة، فإن أمة موسى عليه السلام كانت انتشرت فلم يقع لنبي هداية على يديه لقومه مثله، إلا لنبينا - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - فإن أمته انتشرت وشاعت مسير الشمس والقمر، وفي حديث البخاري ما يدل على هذا، حين عرضت عليه الأمم صلى الله عليه وسلم مرة، فرأى أمة موسى عليه السلام كثيرة، ثم رأى أمته قد سدت الأفق. فانظر لفظه فيه. وقال أبو السعود: المناسبة إنما هي تقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث، وبيان أنه مستمر فيما بين الأنبياء، كابرا عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه السلام، حيث قيل له: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ، وبه ختم عليه السلام مقاله، حيث قال:
إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو
[طه: 98]، ثم رد مناسبة التسلية بأن مساق النظم الكريم إنما هو لصرفه عليه السلام عن اقتحام المشاق. فانظره. و { هل }: لفظة استفهام، والمراد به التشويق لما يخبره به، أو التنبيه. و { إذ رأى }: ظرف للحديث لأن فيه معنى الفعل، أو لمضمر مؤخر، أي: حين رأى كان كيت وكيت، أو: لاذكر، أي: اذكر وقت رؤيته... الخ. يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك حديث موسى }: أي: قصته في معالجة فرعون، فإنا سنذكرها لك تسلية وتقريرا لأمر التوحيد، { إذ راى نارا } تلمع في الوادي، وذلك أنه عليه السلام استأذن شعيبا عليه السلام في الخروج إلى أمه وأخيه، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق، مخافة من ملوك الشام، فلما وافى وادي طوى، وهو بالجانب الغربي من الطور، ولد له ولد في ليلة مظلمة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، فقدح النار فلم تور المقدحة. فبينما هو في ذلك { إذ رأى نارا } على يسار الطريق من جانب الطور، { فقال لأهله امكثوا } أي: أقيموا مكانكم. أمرهم عليه السلام بذلك لئلا يتبعوه، كما هو المعتاد من النساء. والخطاب للمرأة والخادم والولد، وقيل: لها وحدها، والجمع للتعظيم، { إني آنست } أي: أبصرت { نارا } ، وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يؤنس به.
{ لعلي آتيكم منها بقبس } أي: بشعلة مقتبسة من معظم النار، وهو المراد بالجذوة في سورة القصص، وبالشهاب القبس، { أو أجد على النار هدى } هاديا يدلني إلى الطريق، فهو مصدر بمعنى الفاعل، و { أو } في الموضعين: لمنع الخلو، لا لمنع الجمع إذ يمكن أن يقتبس من النار ويجد هاديا. ومعنى الاستعلاء في قوله: { على النار } لأن أهلها يستعلون عليها عند الاصطلاء، ولما كان الإيتاء بها غير محقق، صدر الجملة بكلمة الترجي. { فلما أتاها } أي: النار التي آنسها. قال ابن عباس رضي الله عنه: رأى شجرة خضراء، حفت بها، من أسفلها إلى أعلاها، نار بيضاء، تتقد كأضوء ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها، روي أن الشجرة كانت عوسجة، وقيل: سمرة... بينما هو ينظر، { نودي } فقيل: { يا موسى إني أنا ربك } ، أو بأني أنا ربك، وتكرير الضمير لتأكيد الدلالة، وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. يروى أنه لما نودي يا موسى، قال عليه السلام: من المتكلم؟ فقال الله عز وجل: { أنا ربك } ، فوسوس إليه الخاطر: لعلك تسمع كلام شيطان، قال: فلما قال: { إنني أنا } ، عرفت أنه كلام الله عز وجل. قيل: إنه سمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء. ثم قال له: { فاخلع نعليك } لأنه أليق بحسن الأدب، ومنه أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر، وقيل: ليباشر الوادي المقدس بقدميه، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد، بخلعها ولو طاهرة، وقيل: إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل: النعلين: الكونين، أي: فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى: { إنك بالواد المقدس }: تعليل لوجوب الخلع، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. روي أنه عليه السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي، و { طوى }: بدل من الوادي، وهو اسم له. وقرئ منونا لتأوله بالمكان، وغير المنون لتأوله بالبقعة. { وأنا اخترتك } أي: اصطفيتك للنبوة والرسالة، وقرأ حمزة: { وإنا اخترناك } بنون العظمة، { فاستمع لما يوحى } أي: للذي يوحى إليك، أو لوحينا إليك، وهو: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } ، فالجملة بدل من " ما ". { فاعبدني } أفردني بالعبادة والخضوع، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى. { وأقم الصلاة لذكري }: لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، وأفردت بالذكر، مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها على سائر العبادات لما نيطت به من ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، فإن الذكر كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة. أو { لذكري }: لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي، بحيث لا ترائي بها غيري. وقيل: لذكري إياها، وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلوات، وقيل: لذكر صلاتي إذا نسيتها، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:
" من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها لأن الله تعالى يقول: " وأقم الصلاة لذكري "
قال بعضهم: أصول العمل ثلاثة: أقوال وأفعال وأحوال، فأفضل الأقوال: لا إله إلا الله، وأفضل الأفعال: الصلاة لله أو بالله، وأفضل الأحوال: الطمأنينة بشهود الله. { إن الساعة آتية }: كائنة لا محالة، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة، وإنما عبر بالإتيان تحقيقا لحصولها، بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين. { أكاد أخفيها } أي: لا أظهرها، بأن أقول: آتية فقط، فلا تأتي إلا بغتة، أو أكاد أظهرها بإيقاعها، من أخفاه، إذا أظهره، فأخفى - على هذا - من الأضداد. ورده ابن عطية، فإن الذي بمعنى الظهور هو: " خفى " الثلاثي، لا " أخفى ". وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات: أخفى بمعنى خفى، أي: ظهر، فلا اعتراض. ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف عن غيري؟ وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: فكيف يعلمها مخلوق، وفي بعض القراءات: وكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله تعالى عن نفسه، وهو خلق الأشياء؟ قلنا: إن الله تعالى كلم العرب بكلامهم الذي يعرفونه. انظر بقية كلامه. وظهور علاماتها لا يزيل إخفاءها. قال ابن عرفة في تفسيره: وإذا ظهرت عند وقوع الأشراط لم ينسلخ عنها معنى الخفاء المتقدم، غاية الأمر أنها بذكر الأشراط وسط بين الإخفاء والإظهار، فتكون مقاربة لكل واحد منهما. ه. وقوله تعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق بآتية، أو بأخفيها - على معنى: أظهرها -، لتجزى كل نفس بسعيها، أي: بعملها خيرا كان أو شرا. { فلا يصدنك عنها } أي: عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها { من لا يؤمن بها } حتى تكسل عن التزود لها. والنهي - وإن كان بحسب الظاهر متوجها للكافر عن صدر موسى عليه السلام - لكنه في الحقيقة نهى له عليه السلام عن الانصداد عنها، على أبلغ وجه، فإن النهي عن أسباب الشيء المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، كقوله تعالى:
لا يجرمنكم شقاقي
[هود: 89]، أي: لا تتبع في الصد عنها من لا يؤمن بها { واتبع هواه } أي: ما تهواه نفسه من اللذات الفانية، { فتردى }: فتهلك فإن الإغفال عنها، وعن تحصيل ما ينجي من أهوالها، مستتبع للهلاك لا محالة. وبالله التوفيق. الإشارة: وهل أتاك أيها العارف حديث موسى، كيف سار إلى نور الحبيب، ومناجاة القريب، إذ رأى نارا في مرأى العين، وهو نور تجلي الحبيب بلا بين، فقال لأهله ومن تعلق به: امكثوا، أقيموا في مقام الطلب، واصبروا وصابروا ورابطوا على قلوبكم، في نيل المطلب، إني آنست نارا، وهو نور وجه الحبيب في مرائي تجلياته، وهذا مقام الفناء، لعلي آتيكم منها بقبس، تقتبسون منه أنوارا لقلوبكم وأسراركم.
أو أجد على النار هدى يهديني إلى مقام البقاء والتمكين، فلما أتاها، وتمكن من شهودها، نودي يا موسى: إني أنا ربك، فلا نار ولا أثر، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر، في مرأى الأثر، فاخلع نعليك، أي: اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون، كما قال القائل:
واخلع النعلين إن جئت إلى ذلك الحي ففيه قدسنا وعن الكونين كن منخلعا وأزل ما بيننا من بيننا
إنك بالواد المقدس، أي: بحر حضرة القدس ومحل الأنس، قد طويت عنك الأكوان، وأبصرت نور الشهود والعيان، وأنا اخترتك لحضرتي، واصطفيتك لمناجاتي، فاستمع لما يوحى إليك مني، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي، فإذا تمكنت من شهودي، فانزل لمقام العبودية شكرا، وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية لا محالة، فأكرم مثواك، وأجل منصبك، وأرفعك مع المقربين، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهل العناد والجحود، فتسقط عن مقام القرب والأنس، وتصير في جوار أهل حجاب الحس، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابن الفارض، حيث قال في كلام له:
آنست في الحي نارا ليلا فبشرت أهلي قلت امكثوا فلعلي أجد هداي لعلي دنوت منها فكانت نار التكلم قبلي نوديت منها كفاحا ردوا ليالي وصلي حتى إذا مال تدانى ال ميقات في جمع شملي صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي ولاح سر خفي يدريه من كان مثلي فالموت فيه حياتي وفي حياتي قتلي وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي
قوله: " صارت جبالي دكا " أي: جبال وجوده، فحصل الزوال من هيبة نور المتجلي، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها، فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها، حياة لا موت بعدها. وقوله: " مذ صار بعضي كلي " ، يعني: إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه، فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به، وهو بحر المعاني المفني للأواني. وبالله التوفيق. ثم ذكر مكالمته مع كليمه موسى عليه السلام
طه 20:15
قلت: قال القشيري: أجرى الله سنته في كتابه أن يذكر قصة موسى في أكثر المواضع التي يذكر فيها حديث نبينا - عليه الصلاة والسلام - يتبعه بذكر موسى، تنبيها على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور، فالتكرير في التفصيل يوجب التفضيل، في الوصف لأن القضية الواحدة إذا أعيدت مرارا كثيرة كانت في باب البلاغة أتم، ولا سيما في كل مرة فائدة زائدة. ه. قلت: ولعل وجه تناسقهما في الذكر قرب المنزلة، ومشاركة الصفة، وذلك باعتبار المعالجة وهداية الأمة، فإن أمة موسى عليه السلام كانت انتشرت فلم يقع لنبي هداية على يديه لقومه مثله، إلا لنبينا - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - فإن أمته انتشرت وشاعت مسير الشمس والقمر، وفي حديث البخاري ما يدل على هذا، حين عرضت عليه الأمم صلى الله عليه وسلم مرة، فرأى أمة موسى عليه السلام كثيرة، ثم رأى أمته قد سدت الأفق. فانظر لفظه فيه. وقال أبو السعود: المناسبة إنما هي تقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث، وبيان أنه مستمر فيما بين الأنبياء، كابرا عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه السلام، حيث قيل له: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ، وبه ختم عليه السلام مقاله، حيث قال:
إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو
[طه: 98]، ثم رد مناسبة التسلية بأن مساق النظم الكريم إنما هو لصرفه عليه السلام عن اقتحام المشاق. فانظره. و { هل }: لفظة استفهام، والمراد به التشويق لما يخبره به، أو التنبيه. و { إذ رأى }: ظرف للحديث لأن فيه معنى الفعل، أو لمضمر مؤخر، أي: حين رأى كان كيت وكيت، أو: لاذكر، أي: اذكر وقت رؤيته... الخ. يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك حديث موسى }: أي: قصته في معالجة فرعون، فإنا سنذكرها لك تسلية وتقريرا لأمر التوحيد، { إذ راى نارا } تلمع في الوادي، وذلك أنه عليه السلام استأذن شعيبا عليه السلام في الخروج إلى أمه وأخيه، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق، مخافة من ملوك الشام، فلما وافى وادي طوى، وهو بالجانب الغربي من الطور، ولد له ولد في ليلة مظلمة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، فقدح النار فلم تور المقدحة. فبينما هو في ذلك { إذ رأى نارا } على يسار الطريق من جانب الطور، { فقال لأهله امكثوا } أي: أقيموا مكانكم. أمرهم عليه السلام بذلك لئلا يتبعوه، كما هو المعتاد من النساء. والخطاب للمرأة والخادم والولد، وقيل: لها وحدها، والجمع للتعظيم، { إني آنست } أي: أبصرت { نارا } ، وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يؤنس به.
{ لعلي آتيكم منها بقبس } أي: بشعلة مقتبسة من معظم النار، وهو المراد بالجذوة في سورة القصص، وبالشهاب القبس، { أو أجد على النار هدى } هاديا يدلني إلى الطريق، فهو مصدر بمعنى الفاعل، و { أو } في الموضعين: لمنع الخلو، لا لمنع الجمع إذ يمكن أن يقتبس من النار ويجد هاديا. ومعنى الاستعلاء في قوله: { على النار } لأن أهلها يستعلون عليها عند الاصطلاء، ولما كان الإيتاء بها غير محقق، صدر الجملة بكلمة الترجي. { فلما أتاها } أي: النار التي آنسها. قال ابن عباس رضي الله عنه: رأى شجرة خضراء، حفت بها، من أسفلها إلى أعلاها، نار بيضاء، تتقد كأضوء ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها، روي أن الشجرة كانت عوسجة، وقيل: سمرة... بينما هو ينظر، { نودي } فقيل: { يا موسى إني أنا ربك } ، أو بأني أنا ربك، وتكرير الضمير لتأكيد الدلالة، وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. يروى أنه لما نودي يا موسى، قال عليه السلام: من المتكلم؟ فقال الله عز وجل: { أنا ربك } ، فوسوس إليه الخاطر: لعلك تسمع كلام شيطان، قال: فلما قال: { إنني أنا } ، عرفت أنه كلام الله عز وجل. قيل: إنه سمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء. ثم قال له: { فاخلع نعليك } لأنه أليق بحسن الأدب، ومنه أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر، وقيل: ليباشر الوادي المقدس بقدميه، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد، بخلعها ولو طاهرة، وقيل: إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل: النعلين: الكونين، أي: فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى: { إنك بالواد المقدس }: تعليل لوجوب الخلع، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. روي أنه عليه السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي، و { طوى }: بدل من الوادي، وهو اسم له. وقرئ منونا لتأوله بالمكان، وغير المنون لتأوله بالبقعة. { وأنا اخترتك } أي: اصطفيتك للنبوة والرسالة، وقرأ حمزة: { وإنا اخترناك } بنون العظمة، { فاستمع لما يوحى } أي: للذي يوحى إليك، أو لوحينا إليك، وهو: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } ، فالجملة بدل من " ما ". { فاعبدني } أفردني بالعبادة والخضوع، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى. { وأقم الصلاة لذكري }: لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، وأفردت بالذكر، مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها على سائر العبادات لما نيطت به من ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، فإن الذكر كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة. أو { لذكري }: لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي، بحيث لا ترائي بها غيري. وقيل: لذكري إياها، وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلوات، وقيل: لذكر صلاتي إذا نسيتها، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:
" من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها لأن الله تعالى يقول: " وأقم الصلاة لذكري "
قال بعضهم: أصول العمل ثلاثة: أقوال وأفعال وأحوال، فأفضل الأقوال: لا إله إلا الله، وأفضل الأفعال: الصلاة لله أو بالله، وأفضل الأحوال: الطمأنينة بشهود الله. { إن الساعة آتية }: كائنة لا محالة، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة، وإنما عبر بالإتيان تحقيقا لحصولها، بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين. { أكاد أخفيها } أي: لا أظهرها، بأن أقول: آتية فقط، فلا تأتي إلا بغتة، أو أكاد أظهرها بإيقاعها، من أخفاه، إذا أظهره، فأخفى - على هذا - من الأضداد. ورده ابن عطية، فإن الذي بمعنى الظهور هو: " خفى " الثلاثي، لا " أخفى ". وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات: أخفى بمعنى خفى، أي: ظهر، فلا اعتراض. ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف عن غيري؟ وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: فكيف يعلمها مخلوق، وفي بعض القراءات: وكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله تعالى عن نفسه، وهو خلق الأشياء؟ قلنا: إن الله تعالى كلم العرب بكلامهم الذي يعرفونه. انظر بقية كلامه. وظهور علاماتها لا يزيل إخفاءها. قال ابن عرفة في تفسيره: وإذا ظهرت عند وقوع الأشراط لم ينسلخ عنها معنى الخفاء المتقدم، غاية الأمر أنها بذكر الأشراط وسط بين الإخفاء والإظهار، فتكون مقاربة لكل واحد منهما. ه. وقوله تعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق بآتية، أو بأخفيها - على معنى: أظهرها -، لتجزى كل نفس بسعيها، أي: بعملها خيرا كان أو شرا. { فلا يصدنك عنها } أي: عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها { من لا يؤمن بها } حتى تكسل عن التزود لها. والنهي - وإن كان بحسب الظاهر متوجها للكافر عن صدر موسى عليه السلام - لكنه في الحقيقة نهى له عليه السلام عن الانصداد عنها، على أبلغ وجه، فإن النهي عن أسباب الشيء المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، كقوله تعالى:
لا يجرمنكم شقاقي
[هود: 89]، أي: لا تتبع في الصد عنها من لا يؤمن بها { واتبع هواه } أي: ما تهواه نفسه من اللذات الفانية، { فتردى }: فتهلك فإن الإغفال عنها، وعن تحصيل ما ينجي من أهوالها، مستتبع للهلاك لا محالة. وبالله التوفيق. الإشارة: وهل أتاك أيها العارف حديث موسى، كيف سار إلى نور الحبيب، ومناجاة القريب، إذ رأى نارا في مرأى العين، وهو نور تجلي الحبيب بلا بين، فقال لأهله ومن تعلق به: امكثوا، أقيموا في مقام الطلب، واصبروا وصابروا ورابطوا على قلوبكم، في نيل المطلب، إني آنست نارا، وهو نور وجه الحبيب في مرائي تجلياته، وهذا مقام الفناء، لعلي آتيكم منها بقبس، تقتبسون منه أنوارا لقلوبكم وأسراركم.
أو أجد على النار هدى يهديني إلى مقام البقاء والتمكين، فلما أتاها، وتمكن من شهودها، نودي يا موسى: إني أنا ربك، فلا نار ولا أثر، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر، في مرأى الأثر، فاخلع نعليك، أي: اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون، كما قال القائل:
واخلع النعلين إن جئت إلى ذلك الحي ففيه قدسنا وعن الكونين كن منخلعا وأزل ما بيننا من بيننا
إنك بالواد المقدس، أي: بحر حضرة القدس ومحل الأنس، قد طويت عنك الأكوان، وأبصرت نور الشهود والعيان، وأنا اخترتك لحضرتي، واصطفيتك لمناجاتي، فاستمع لما يوحى إليك مني، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي، فإذا تمكنت من شهودي، فانزل لمقام العبودية شكرا، وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية لا محالة، فأكرم مثواك، وأجل منصبك، وأرفعك مع المقربين، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهل العناد والجحود، فتسقط عن مقام القرب والأنس، وتصير في جوار أهل حجاب الحس، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابن الفارض، حيث قال في كلام له:
آنست في الحي نارا ليلا فبشرت أهلي قلت امكثوا فلعلي أجد هداي لعلي دنوت منها فكانت نار التكلم قبلي نوديت منها كفاحا ردوا ليالي وصلي حتى إذا مال تدانى ال ميقات في جمع شملي صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي ولاح سر خفي يدريه من كان مثلي فالموت فيه حياتي وفي حياتي قتلي وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي
قوله: " صارت جبالي دكا " أي: جبال وجوده، فحصل الزوال من هيبة نور المتجلي، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها، فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها، حياة لا موت بعدها. وقوله: " مذ صار بعضي كلي " ، يعني: إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه، فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به، وهو بحر المعاني المفني للأواني. وبالله التوفيق. ثم ذكر مكالمته مع كليمه موسى عليه السلام
طه 20:16
قلت: قال القشيري: أجرى الله سنته في كتابه أن يذكر قصة موسى في أكثر المواضع التي يذكر فيها حديث نبينا - عليه الصلاة والسلام - يتبعه بذكر موسى، تنبيها على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور، فالتكرير في التفصيل يوجب التفضيل، في الوصف لأن القضية الواحدة إذا أعيدت مرارا كثيرة كانت في باب البلاغة أتم، ولا سيما في كل مرة فائدة زائدة. ه. قلت: ولعل وجه تناسقهما في الذكر قرب المنزلة، ومشاركة الصفة، وذلك باعتبار المعالجة وهداية الأمة، فإن أمة موسى عليه السلام كانت انتشرت فلم يقع لنبي هداية على يديه لقومه مثله، إلا لنبينا - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - فإن أمته انتشرت وشاعت مسير الشمس والقمر، وفي حديث البخاري ما يدل على هذا، حين عرضت عليه الأمم صلى الله عليه وسلم مرة، فرأى أمة موسى عليه السلام كثيرة، ثم رأى أمته قد سدت الأفق. فانظر لفظه فيه. وقال أبو السعود: المناسبة إنما هي تقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث، وبيان أنه مستمر فيما بين الأنبياء، كابرا عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه السلام، حيث قيل له: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ، وبه ختم عليه السلام مقاله، حيث قال:
إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو
[طه: 98]، ثم رد مناسبة التسلية بأن مساق النظم الكريم إنما هو لصرفه عليه السلام عن اقتحام المشاق. فانظره. و { هل }: لفظة استفهام، والمراد به التشويق لما يخبره به، أو التنبيه. و { إذ رأى }: ظرف للحديث لأن فيه معنى الفعل، أو لمضمر مؤخر، أي: حين رأى كان كيت وكيت، أو: لاذكر، أي: اذكر وقت رؤيته... الخ. يقول الحق جل جلاله: { وهل أتاك حديث موسى }: أي: قصته في معالجة فرعون، فإنا سنذكرها لك تسلية وتقريرا لأمر التوحيد، { إذ راى نارا } تلمع في الوادي، وذلك أنه عليه السلام استأذن شعيبا عليه السلام في الخروج إلى أمه وأخيه، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق، مخافة من ملوك الشام، فلما وافى وادي طوى، وهو بالجانب الغربي من الطور، ولد له ولد في ليلة مظلمة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، فقدح النار فلم تور المقدحة. فبينما هو في ذلك { إذ رأى نارا } على يسار الطريق من جانب الطور، { فقال لأهله امكثوا } أي: أقيموا مكانكم. أمرهم عليه السلام بذلك لئلا يتبعوه، كما هو المعتاد من النساء. والخطاب للمرأة والخادم والولد، وقيل: لها وحدها، والجمع للتعظيم، { إني آنست } أي: أبصرت { نارا } ، وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يؤنس به.
{ لعلي آتيكم منها بقبس } أي: بشعلة مقتبسة من معظم النار، وهو المراد بالجذوة في سورة القصص، وبالشهاب القبس، { أو أجد على النار هدى } هاديا يدلني إلى الطريق، فهو مصدر بمعنى الفاعل، و { أو } في الموضعين: لمنع الخلو، لا لمنع الجمع إذ يمكن أن يقتبس من النار ويجد هاديا. ومعنى الاستعلاء في قوله: { على النار } لأن أهلها يستعلون عليها عند الاصطلاء، ولما كان الإيتاء بها غير محقق، صدر الجملة بكلمة الترجي. { فلما أتاها } أي: النار التي آنسها. قال ابن عباس رضي الله عنه: رأى شجرة خضراء، حفت بها، من أسفلها إلى أعلاها، نار بيضاء، تتقد كأضوء ما يكون، فوقف متعجبا من شدة ضوئها، روي أن الشجرة كانت عوسجة، وقيل: سمرة... بينما هو ينظر، { نودي } فقيل: { يا موسى إني أنا ربك } ، أو بأني أنا ربك، وتكرير الضمير لتأكيد الدلالة، وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. يروى أنه لما نودي يا موسى، قال عليه السلام: من المتكلم؟ فقال الله عز وجل: { أنا ربك } ، فوسوس إليه الخاطر: لعلك تسمع كلام شيطان، قال: فلما قال: { إنني أنا } ، عرفت أنه كلام الله عز وجل. قيل: إنه سمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء. ثم قال له: { فاخلع نعليك } لأنه أليق بحسن الأدب، ومنه أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر، وقيل: ليباشر الوادي المقدس بقدميه، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد، بخلعها ولو طاهرة، وقيل: إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل: النعلين: الكونين، أي: فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى: { إنك بالواد المقدس }: تعليل لوجوب الخلع، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. روي أنه عليه السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي، و { طوى }: بدل من الوادي، وهو اسم له. وقرئ منونا لتأوله بالمكان، وغير المنون لتأوله بالبقعة. { وأنا اخترتك } أي: اصطفيتك للنبوة والرسالة، وقرأ حمزة: { وإنا اخترناك } بنون العظمة، { فاستمع لما يوحى } أي: للذي يوحى إليك، أو لوحينا إليك، وهو: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } ، فالجملة بدل من " ما ". { فاعبدني } أفردني بالعبادة والخضوع، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى. { وأقم الصلاة لذكري }: لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، وأفردت بالذكر، مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها على سائر العبادات لما نيطت به من ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، فإن الذكر كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة. أو { لذكري }: لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي، بحيث لا ترائي بها غيري. وقيل: لذكري إياها، وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلوات، وقيل: لذكر صلاتي إذا نسيتها، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:
" من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها لأن الله تعالى يقول: " وأقم الصلاة لذكري "
قال بعضهم: أصول العمل ثلاثة: أقوال وأفعال وأحوال، فأفضل الأقوال: لا إله إلا الله، وأفضل الأفعال: الصلاة لله أو بالله، وأفضل الأحوال: الطمأنينة بشهود الله. { إن الساعة آتية }: كائنة لا محالة، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة، وإنما عبر بالإتيان تحقيقا لحصولها، بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين. { أكاد أخفيها } أي: لا أظهرها، بأن أقول: آتية فقط، فلا تأتي إلا بغتة، أو أكاد أظهرها بإيقاعها، من أخفاه، إذا أظهره، فأخفى - على هذا - من الأضداد. ورده ابن عطية، فإن الذي بمعنى الظهور هو: " خفى " الثلاثي، لا " أخفى ". وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات: أخفى بمعنى خفى، أي: ظهر، فلا اعتراض. ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف عن غيري؟ وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: فكيف يعلمها مخلوق، وفي بعض القراءات: وكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله تعالى عن نفسه، وهو خلق الأشياء؟ قلنا: إن الله تعالى كلم العرب بكلامهم الذي يعرفونه. انظر بقية كلامه. وظهور علاماتها لا يزيل إخفاءها. قال ابن عرفة في تفسيره: وإذا ظهرت عند وقوع الأشراط لم ينسلخ عنها معنى الخفاء المتقدم، غاية الأمر أنها بذكر الأشراط وسط بين الإخفاء والإظهار، فتكون مقاربة لكل واحد منهما. ه. وقوله تعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلق بآتية، أو بأخفيها - على معنى: أظهرها -، لتجزى كل نفس بسعيها، أي: بعملها خيرا كان أو شرا. { فلا يصدنك عنها } أي: عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها { من لا يؤمن بها } حتى تكسل عن التزود لها. والنهي - وإن كان بحسب الظاهر متوجها للكافر عن صدر موسى عليه السلام - لكنه في الحقيقة نهى له عليه السلام عن الانصداد عنها، على أبلغ وجه، فإن النهي عن أسباب الشيء المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، كقوله تعالى:
لا يجرمنكم شقاقي
[هود: 89]، أي: لا تتبع في الصد عنها من لا يؤمن بها { واتبع هواه } أي: ما تهواه نفسه من اللذات الفانية، { فتردى }: فتهلك فإن الإغفال عنها، وعن تحصيل ما ينجي من أهوالها، مستتبع للهلاك لا محالة. وبالله التوفيق. الإشارة: وهل أتاك أيها العارف حديث موسى، كيف سار إلى نور الحبيب، ومناجاة القريب، إذ رأى نارا في مرأى العين، وهو نور تجلي الحبيب بلا بين، فقال لأهله ومن تعلق به: امكثوا، أقيموا في مقام الطلب، واصبروا وصابروا ورابطوا على قلوبكم، في نيل المطلب، إني آنست نارا، وهو نور وجه الحبيب في مرائي تجلياته، وهذا مقام الفناء، لعلي آتيكم منها بقبس، تقتبسون منه أنوارا لقلوبكم وأسراركم.
أو أجد على النار هدى يهديني إلى مقام البقاء والتمكين، فلما أتاها، وتمكن من شهودها، نودي يا موسى: إني أنا ربك، فلا نار ولا أثر، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر، في مرأى الأثر، فاخلع نعليك، أي: اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون، كما قال القائل:
واخلع النعلين إن جئت إلى ذلك الحي ففيه قدسنا وعن الكونين كن منخلعا وأزل ما بيننا من بيننا
إنك بالواد المقدس، أي: بحر حضرة القدس ومحل الأنس، قد طويت عنك الأكوان، وأبصرت نور الشهود والعيان، وأنا اخترتك لحضرتي، واصطفيتك لمناجاتي، فاستمع لما يوحى إليك مني، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي، فإذا تمكنت من شهودي، فانزل لمقام العبودية شكرا، وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية لا محالة، فأكرم مثواك، وأجل منصبك، وأرفعك مع المقربين، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهل العناد والجحود، فتسقط عن مقام القرب والأنس، وتصير في جوار أهل حجاب الحس، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابن الفارض، حيث قال في كلام له:
آنست في الحي نارا ليلا فبشرت أهلي قلت امكثوا فلعلي أجد هداي لعلي دنوت منها فكانت نار التكلم قبلي نوديت منها كفاحا ردوا ليالي وصلي حتى إذا مال تدانى ال ميقات في جمع شملي صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي ولاح سر خفي يدريه من كان مثلي فالموت فيه حياتي وفي حياتي قتلي وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي
قوله: " صارت جبالي دكا " أي: جبال وجوده، فحصل الزوال من هيبة نور المتجلي، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها، فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها، حياة لا موت بعدها. وقوله: " مذ صار بعضي كلي " ، يعني: إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه، فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به، وهو بحر المعاني المفني للأواني. وبالله التوفيق. ثم ذكر مكالمته مع كليمه موسى عليه السلام
طه 20:17
قلت: { وما }: استفهامية، مبتدأ، و { تلك }: خبر، أو بالعكس، فما: خبر، وتلك: مبتدأ، وهو أوفق بالجواب. و { بيمينك }: متعلق بالاستقرار حالا، أي: وما تلك قارة أو مأخوذة بيمينك، والعامل معنى الإشارة. وقيل: { تلك }: موصولة، أي: وما التي هي بيمينك، والاستفهام هنا: إيقاظ وتنبيه له عليه السلام على مما سيبدو له من العجائب، وتكرير النداء لزيادة التأنيس والتنبيه. يقول الحق جل جلاله: { وما تلك بيمينك يا موسى } ، إنما سأله ليريه عظيم ما يفعل بها من قلبها حية، فمعنى السؤال: تقريره على أنها عصي، ليتبين له الفرق بين حالها قبل قلبها وبعده، وقيل: إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه، فأجابه بقوله: { هي عصاي } ، نسبها لنفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه، روي أنها كانت عصا آدم عليه السلام، فأعطاها له شعيب، حين قدمه لرعي غنمه، على ما يأتي في سورة القصص. وكان في رأسها شعبتان، وفي أسفلها سنان، واسمها نبعة، في قول مقاتل. { أتوكأ عليها } أي: أعتمد عليها إذا مشيت، وعند الإعياء، والوقوف على رأس قطيع الغنم، { وأهش } أي: أخبط { بها } الورق من الشجر ليسقط { على غنمي } فتأكله. وقرئ بالسين، وهو زجر الغنم، تقول العرب: هس هس، في زجرها، وعداه بعلى لتضمنه معنى الإقبال والتوجه. { ولي فيها مآرب أخرى } أي: حاجات أخرى من هذا الباب. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تأتيه وتحرسه، ويضرب بها الأرض فتخرج ما يأكل يومه، ويركز بها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب، وكان يرد بها عن غنمه ونعمه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الاستسقاء من البئر أدلاها، فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدول فيستقي بها، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل فيستضيء بها، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن تلك الشجرة، وأورقت وأثمرت. فهذه المآرب. وكأنه عليه السلام فهم أن المقصود من السؤال بيان حقيقتها، وتفصيل منافعها بطريق الاستقصاء، فلذلك أطنب في كلامه، فلما بدت منها خوارق بديعة علم أنها آية باهرة ومعجزات قاهرة، وأيضا: الإطناب في مناجاة الأحباب محمود. { قال } له تعالى: { ألقها يا موسى } لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك، قيل: إنما أمر بإلقائها قطعا للسكون إليها، لما كان فيها من المآرب، وبالغ الحق تعالى في ذلك بقلبها حية، حتى خاف منها، وحين قطعه عنها، وأخرجها من قلبه، بالفرار منها ردها إليه بقوله: { خذها ولا تخف } { فألقاها } على الأرض { فإذا هي حية تسعى } ، روي أنه عليه السلام ألقاها فانقلبت حية صفراء، في غلظ العصا، ثم انتفخت وعظمت، فلذلك شبهت بالجان تارة، وبالثعبان مرة أخرى، وعبر عنها هنا بالاسم العام للحالين، وقيل: انقلبت من أول الأمر ثعبانا، وهو أليق بالمقام، كما يفصح عنه قوله عز وجل:
فإذا هي ثعبان مبين
[الأعراف: 107]، وإنما سميت بالجان في الجلادة وسرعة المشي، لا في صغر الجثة. وقيل: الجان عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان عن انتهائه. { قال } تعالى: { خذها } يا موسى، { ولا تخف } ، قال ابن عباس رضي الله عنه: انقلبت ثعبانا ذكرا، يبتلع كل شيء من الصخر والشجر، فلما رآه كذلك خاف ونفر، ولحقه ما يلحق البشر عند مشاهدة الأهوال من الخوف والفزع، إذ لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. { سنعيدها سيرتها الأولى } أي: سنعيدها، بعد الأخذ، إلى حالتها الأولى التي كانت عليها عصا، قيل: بلغ عليه السلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها، ويأخذ بلحييها. فلما أخذها عادت عصا، وحكمة قلبها وأخذها هنا ليكون معها على ثقة عند مخاصمة فرعون، وطمأنينة من أمره، فلا يعتريه شائبة دهش ولا تزلزل. والسيرة: فعلة من السير، يجوز بها إلى الطريقة والهيئة، وانتصابها على نزع الخافض. ثم أراه معجزة أخرى، فقال: { واضمم يدك إلى جناحك } أي: أدخلها تحت عضدك، فجناح الإنسان: جنباه، مستعار من جناح الطير، { تخرج بيضاء }: جواب الأمر، أي: إن أدخلتها تخرج بيضاء شعاعية، { من غير سوء } أي: حال كونها كائنة من غير عيب بها كبرص ونحوه. روي أنه عليه السلام كان آدم اللون، فأخرج يده من مدرعته بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، تضيء حال كونها { آية أخرى } أي: معجزة أخرى غير العصا، { لنريك من آياتنا الكبرى } أي: فعلنا ما فعلنا، لنريك بعض أياتنا العظمى، أو: لنريك الكبرى من آياتنا. قال ابن عباس: " كانت يد موسى أكبر آياته ". والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير: وما تلك بيمينك أيها الفقير؟ فيقول: هي دنياي أعتمد عليها في معاشي وقيام أموري، وأنفق منها على عيالي، ولي فيها حوائج أخرى من الزينة والتصدق وفعل الخير، فيقال له: ألقها من يدك أيها الفقير، واخرج عنها، أو أخرجها من قلبك إن تيسر ذلك مع الغيبة عنها، فألقاها وخرج عنها، فيلقيها، فإذا هي حية كانت تلدغه وتسعى في هلاكه وهو لا يشعر. فلما تمكن من اليقين، وحصل على غاية التمكين، قيل له: خذها ولا تخف منها، حيث رفضت الأسباب، وعرفت مسبب الأسباب، فاستوى عندك وجودها وعدمها، ومنعها وإعطاؤها، سنعيدها سيرتها الأولى، تأخذ منها مأربك، وتخدمك ولا تخدمها. يقول الله تعالى:
" يا دنياي، اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك ".
وأما قوله تعالى: في حديث آخر مرفوعا:
" تمرري على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني "
، فالمراد بالمرارة: ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار، وإيذاء الفجار وغير ذلك.
وقد يلحقهم الفقر الظاهر شرفا لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" الفقر فخري وبه أفتخر "
، أو كما قال عليه السلام إن صح. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: الحديث الأول: في الصالحين المتوجهين من أهل الظاهر، والثاني - يعني تمرري... الخ - في الأولياء العارفين من أهل الباطن. ه. ويقال له أيضا - إن تجرد وألقى الدنيا من يده وقلبه -: اضمم يد فكرتك إلى قلبك، تخرج بيضاء نورانية صافية، لا تخليط فيها ولا نقص، هي آية أخرى، بعد آية التجريد والصبر على مشاقه. وقال في اللباب: اليد: يد الفكر، والجيب: جيب الفهم، وخروجها بيضاء بالعرفان. ه. قال الورتجبي: أرى الله موسى من يده أكبر آية، وذلك أنه ألبس أنوار يد قدرته يد موسى، فكان يد موسى يد قدرة الله، من حيث التخلق والاتصاف، كما في حديث:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا "
ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر ابتداء رسالة موسى عليه السلام
طه 20:18
قلت: { وما }: استفهامية، مبتدأ، و { تلك }: خبر، أو بالعكس، فما: خبر، وتلك: مبتدأ، وهو أوفق بالجواب. و { بيمينك }: متعلق بالاستقرار حالا، أي: وما تلك قارة أو مأخوذة بيمينك، والعامل معنى الإشارة. وقيل: { تلك }: موصولة، أي: وما التي هي بيمينك، والاستفهام هنا: إيقاظ وتنبيه له عليه السلام على مما سيبدو له من العجائب، وتكرير النداء لزيادة التأنيس والتنبيه. يقول الحق جل جلاله: { وما تلك بيمينك يا موسى } ، إنما سأله ليريه عظيم ما يفعل بها من قلبها حية، فمعنى السؤال: تقريره على أنها عصي، ليتبين له الفرق بين حالها قبل قلبها وبعده، وقيل: إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه، فأجابه بقوله: { هي عصاي } ، نسبها لنفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه، روي أنها كانت عصا آدم عليه السلام، فأعطاها له شعيب، حين قدمه لرعي غنمه، على ما يأتي في سورة القصص. وكان في رأسها شعبتان، وفي أسفلها سنان، واسمها نبعة، في قول مقاتل. { أتوكأ عليها } أي: أعتمد عليها إذا مشيت، وعند الإعياء، والوقوف على رأس قطيع الغنم، { وأهش } أي: أخبط { بها } الورق من الشجر ليسقط { على غنمي } فتأكله. وقرئ بالسين، وهو زجر الغنم، تقول العرب: هس هس، في زجرها، وعداه بعلى لتضمنه معنى الإقبال والتوجه. { ولي فيها مآرب أخرى } أي: حاجات أخرى من هذا الباب. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تأتيه وتحرسه، ويضرب بها الأرض فتخرج ما يأكل يومه، ويركز بها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب، وكان يرد بها عن غنمه ونعمه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الاستسقاء من البئر أدلاها، فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدول فيستقي بها، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل فيستضيء بها، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن تلك الشجرة، وأورقت وأثمرت. فهذه المآرب. وكأنه عليه السلام فهم أن المقصود من السؤال بيان حقيقتها، وتفصيل منافعها بطريق الاستقصاء، فلذلك أطنب في كلامه، فلما بدت منها خوارق بديعة علم أنها آية باهرة ومعجزات قاهرة، وأيضا: الإطناب في مناجاة الأحباب محمود. { قال } له تعالى: { ألقها يا موسى } لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك، قيل: إنما أمر بإلقائها قطعا للسكون إليها، لما كان فيها من المآرب، وبالغ الحق تعالى في ذلك بقلبها حية، حتى خاف منها، وحين قطعه عنها، وأخرجها من قلبه، بالفرار منها ردها إليه بقوله: { خذها ولا تخف } { فألقاها } على الأرض { فإذا هي حية تسعى } ، روي أنه عليه السلام ألقاها فانقلبت حية صفراء، في غلظ العصا، ثم انتفخت وعظمت، فلذلك شبهت بالجان تارة، وبالثعبان مرة أخرى، وعبر عنها هنا بالاسم العام للحالين، وقيل: انقلبت من أول الأمر ثعبانا، وهو أليق بالمقام، كما يفصح عنه قوله عز وجل:
فإذا هي ثعبان مبين
[الأعراف: 107]، وإنما سميت بالجان في الجلادة وسرعة المشي، لا في صغر الجثة. وقيل: الجان عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان عن انتهائه. { قال } تعالى: { خذها } يا موسى، { ولا تخف } ، قال ابن عباس رضي الله عنه: انقلبت ثعبانا ذكرا، يبتلع كل شيء من الصخر والشجر، فلما رآه كذلك خاف ونفر، ولحقه ما يلحق البشر عند مشاهدة الأهوال من الخوف والفزع، إذ لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. { سنعيدها سيرتها الأولى } أي: سنعيدها، بعد الأخذ، إلى حالتها الأولى التي كانت عليها عصا، قيل: بلغ عليه السلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها، ويأخذ بلحييها. فلما أخذها عادت عصا، وحكمة قلبها وأخذها هنا ليكون معها على ثقة عند مخاصمة فرعون، وطمأنينة من أمره، فلا يعتريه شائبة دهش ولا تزلزل. والسيرة: فعلة من السير، يجوز بها إلى الطريقة والهيئة، وانتصابها على نزع الخافض. ثم أراه معجزة أخرى، فقال: { واضمم يدك إلى جناحك } أي: أدخلها تحت عضدك، فجناح الإنسان: جنباه، مستعار من جناح الطير، { تخرج بيضاء }: جواب الأمر، أي: إن أدخلتها تخرج بيضاء شعاعية، { من غير سوء } أي: حال كونها كائنة من غير عيب بها كبرص ونحوه. روي أنه عليه السلام كان آدم اللون، فأخرج يده من مدرعته بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، تضيء حال كونها { آية أخرى } أي: معجزة أخرى غير العصا، { لنريك من آياتنا الكبرى } أي: فعلنا ما فعلنا، لنريك بعض أياتنا العظمى، أو: لنريك الكبرى من آياتنا. قال ابن عباس: " كانت يد موسى أكبر آياته ". والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير: وما تلك بيمينك أيها الفقير؟ فيقول: هي دنياي أعتمد عليها في معاشي وقيام أموري، وأنفق منها على عيالي، ولي فيها حوائج أخرى من الزينة والتصدق وفعل الخير، فيقال له: ألقها من يدك أيها الفقير، واخرج عنها، أو أخرجها من قلبك إن تيسر ذلك مع الغيبة عنها، فألقاها وخرج عنها، فيلقيها، فإذا هي حية كانت تلدغه وتسعى في هلاكه وهو لا يشعر. فلما تمكن من اليقين، وحصل على غاية التمكين، قيل له: خذها ولا تخف منها، حيث رفضت الأسباب، وعرفت مسبب الأسباب، فاستوى عندك وجودها وعدمها، ومنعها وإعطاؤها، سنعيدها سيرتها الأولى، تأخذ منها مأربك، وتخدمك ولا تخدمها. يقول الله تعالى:
" يا دنياي، اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك ".
وأما قوله تعالى: في حديث آخر مرفوعا:
" تمرري على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني "
، فالمراد بالمرارة: ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار، وإيذاء الفجار وغير ذلك.
وقد يلحقهم الفقر الظاهر شرفا لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" الفقر فخري وبه أفتخر "
، أو كما قال عليه السلام إن صح. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: الحديث الأول: في الصالحين المتوجهين من أهل الظاهر، والثاني - يعني تمرري... الخ - في الأولياء العارفين من أهل الباطن. ه. ويقال له أيضا - إن تجرد وألقى الدنيا من يده وقلبه -: اضمم يد فكرتك إلى قلبك، تخرج بيضاء نورانية صافية، لا تخليط فيها ولا نقص، هي آية أخرى، بعد آية التجريد والصبر على مشاقه. وقال في اللباب: اليد: يد الفكر، والجيب: جيب الفهم، وخروجها بيضاء بالعرفان. ه. قال الورتجبي: أرى الله موسى من يده أكبر آية، وذلك أنه ألبس أنوار يد قدرته يد موسى، فكان يد موسى يد قدرة الله، من حيث التخلق والاتصاف، كما في حديث:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا "
ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر ابتداء رسالة موسى عليه السلام
طه 20:19
قلت: { وما }: استفهامية، مبتدأ، و { تلك }: خبر، أو بالعكس، فما: خبر، وتلك: مبتدأ، وهو أوفق بالجواب. و { بيمينك }: متعلق بالاستقرار حالا، أي: وما تلك قارة أو مأخوذة بيمينك، والعامل معنى الإشارة. وقيل: { تلك }: موصولة، أي: وما التي هي بيمينك، والاستفهام هنا: إيقاظ وتنبيه له عليه السلام على مما سيبدو له من العجائب، وتكرير النداء لزيادة التأنيس والتنبيه. يقول الحق جل جلاله: { وما تلك بيمينك يا موسى } ، إنما سأله ليريه عظيم ما يفعل بها من قلبها حية، فمعنى السؤال: تقريره على أنها عصي، ليتبين له الفرق بين حالها قبل قلبها وبعده، وقيل: إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه، فأجابه بقوله: { هي عصاي } ، نسبها لنفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه، روي أنها كانت عصا آدم عليه السلام، فأعطاها له شعيب، حين قدمه لرعي غنمه، على ما يأتي في سورة القصص. وكان في رأسها شعبتان، وفي أسفلها سنان، واسمها نبعة، في قول مقاتل. { أتوكأ عليها } أي: أعتمد عليها إذا مشيت، وعند الإعياء، والوقوف على رأس قطيع الغنم، { وأهش } أي: أخبط { بها } الورق من الشجر ليسقط { على غنمي } فتأكله. وقرئ بالسين، وهو زجر الغنم، تقول العرب: هس هس، في زجرها، وعداه بعلى لتضمنه معنى الإقبال والتوجه. { ولي فيها مآرب أخرى } أي: حاجات أخرى من هذا الباب. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تأتيه وتحرسه، ويضرب بها الأرض فتخرج ما يأكل يومه، ويركز بها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب، وكان يرد بها عن غنمه ونعمه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الاستسقاء من البئر أدلاها، فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدول فيستقي بها، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل فيستضيء بها، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن تلك الشجرة، وأورقت وأثمرت. فهذه المآرب. وكأنه عليه السلام فهم أن المقصود من السؤال بيان حقيقتها، وتفصيل منافعها بطريق الاستقصاء، فلذلك أطنب في كلامه، فلما بدت منها خوارق بديعة علم أنها آية باهرة ومعجزات قاهرة، وأيضا: الإطناب في مناجاة الأحباب محمود. { قال } له تعالى: { ألقها يا موسى } لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك، قيل: إنما أمر بإلقائها قطعا للسكون إليها، لما كان فيها من المآرب، وبالغ الحق تعالى في ذلك بقلبها حية، حتى خاف منها، وحين قطعه عنها، وأخرجها من قلبه، بالفرار منها ردها إليه بقوله: { خذها ولا تخف } { فألقاها } على الأرض { فإذا هي حية تسعى } ، روي أنه عليه السلام ألقاها فانقلبت حية صفراء، في غلظ العصا، ثم انتفخت وعظمت، فلذلك شبهت بالجان تارة، وبالثعبان مرة أخرى، وعبر عنها هنا بالاسم العام للحالين، وقيل: انقلبت من أول الأمر ثعبانا، وهو أليق بالمقام، كما يفصح عنه قوله عز وجل:
فإذا هي ثعبان مبين
[الأعراف: 107]، وإنما سميت بالجان في الجلادة وسرعة المشي، لا في صغر الجثة. وقيل: الجان عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان عن انتهائه. { قال } تعالى: { خذها } يا موسى، { ولا تخف } ، قال ابن عباس رضي الله عنه: انقلبت ثعبانا ذكرا، يبتلع كل شيء من الصخر والشجر، فلما رآه كذلك خاف ونفر، ولحقه ما يلحق البشر عند مشاهدة الأهوال من الخوف والفزع، إذ لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. { سنعيدها سيرتها الأولى } أي: سنعيدها، بعد الأخذ، إلى حالتها الأولى التي كانت عليها عصا، قيل: بلغ عليه السلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها، ويأخذ بلحييها. فلما أخذها عادت عصا، وحكمة قلبها وأخذها هنا ليكون معها على ثقة عند مخاصمة فرعون، وطمأنينة من أمره، فلا يعتريه شائبة دهش ولا تزلزل. والسيرة: فعلة من السير، يجوز بها إلى الطريقة والهيئة، وانتصابها على نزع الخافض. ثم أراه معجزة أخرى، فقال: { واضمم يدك إلى جناحك } أي: أدخلها تحت عضدك، فجناح الإنسان: جنباه، مستعار من جناح الطير، { تخرج بيضاء }: جواب الأمر، أي: إن أدخلتها تخرج بيضاء شعاعية، { من غير سوء } أي: حال كونها كائنة من غير عيب بها كبرص ونحوه. روي أنه عليه السلام كان آدم اللون، فأخرج يده من مدرعته بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، تضيء حال كونها { آية أخرى } أي: معجزة أخرى غير العصا، { لنريك من آياتنا الكبرى } أي: فعلنا ما فعلنا، لنريك بعض أياتنا العظمى، أو: لنريك الكبرى من آياتنا. قال ابن عباس: " كانت يد موسى أكبر آياته ". والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير: وما تلك بيمينك أيها الفقير؟ فيقول: هي دنياي أعتمد عليها في معاشي وقيام أموري، وأنفق منها على عيالي، ولي فيها حوائج أخرى من الزينة والتصدق وفعل الخير، فيقال له: ألقها من يدك أيها الفقير، واخرج عنها، أو أخرجها من قلبك إن تيسر ذلك مع الغيبة عنها، فألقاها وخرج عنها، فيلقيها، فإذا هي حية كانت تلدغه وتسعى في هلاكه وهو لا يشعر. فلما تمكن من اليقين، وحصل على غاية التمكين، قيل له: خذها ولا تخف منها، حيث رفضت الأسباب، وعرفت مسبب الأسباب، فاستوى عندك وجودها وعدمها، ومنعها وإعطاؤها، سنعيدها سيرتها الأولى، تأخذ منها مأربك، وتخدمك ولا تخدمها. يقول الله تعالى:
" يا دنياي، اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك ".
وأما قوله تعالى: في حديث آخر مرفوعا:
" تمرري على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني "
، فالمراد بالمرارة: ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار، وإيذاء الفجار وغير ذلك.
وقد يلحقهم الفقر الظاهر شرفا لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" الفقر فخري وبه أفتخر "
، أو كما قال عليه السلام إن صح. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: الحديث الأول: في الصالحين المتوجهين من أهل الظاهر، والثاني - يعني تمرري... الخ - في الأولياء العارفين من أهل الباطن. ه. ويقال له أيضا - إن تجرد وألقى الدنيا من يده وقلبه -: اضمم يد فكرتك إلى قلبك، تخرج بيضاء نورانية صافية، لا تخليط فيها ولا نقص، هي آية أخرى، بعد آية التجريد والصبر على مشاقه. وقال في اللباب: اليد: يد الفكر، والجيب: جيب الفهم، وخروجها بيضاء بالعرفان. ه. قال الورتجبي: أرى الله موسى من يده أكبر آية، وذلك أنه ألبس أنوار يد قدرته يد موسى، فكان يد موسى يد قدرة الله، من حيث التخلق والاتصاف، كما في حديث:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا "
ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر ابتداء رسالة موسى عليه السلام
طه 20:20
قلت: { وما }: استفهامية، مبتدأ، و { تلك }: خبر، أو بالعكس، فما: خبر، وتلك: مبتدأ، وهو أوفق بالجواب. و { بيمينك }: متعلق بالاستقرار حالا، أي: وما تلك قارة أو مأخوذة بيمينك، والعامل معنى الإشارة. وقيل: { تلك }: موصولة، أي: وما التي هي بيمينك، والاستفهام هنا: إيقاظ وتنبيه له عليه السلام على مما سيبدو له من العجائب، وتكرير النداء لزيادة التأنيس والتنبيه. يقول الحق جل جلاله: { وما تلك بيمينك يا موسى } ، إنما سأله ليريه عظيم ما يفعل بها من قلبها حية، فمعنى السؤال: تقريره على أنها عصي، ليتبين له الفرق بين حالها قبل قلبها وبعده، وقيل: إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه، فأجابه بقوله: { هي عصاي } ، نسبها لنفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه، روي أنها كانت عصا آدم عليه السلام، فأعطاها له شعيب، حين قدمه لرعي غنمه، على ما يأتي في سورة القصص. وكان في رأسها شعبتان، وفي أسفلها سنان، واسمها نبعة، في قول مقاتل. { أتوكأ عليها } أي: أعتمد عليها إذا مشيت، وعند الإعياء، والوقوف على رأس قطيع الغنم، { وأهش } أي: أخبط { بها } الورق من الشجر ليسقط { على غنمي } فتأكله. وقرئ بالسين، وهو زجر الغنم، تقول العرب: هس هس، في زجرها، وعداه بعلى لتضمنه معنى الإقبال والتوجه. { ولي فيها مآرب أخرى } أي: حاجات أخرى من هذا الباب. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تأتيه وتحرسه، ويضرب بها الأرض فتخرج ما يأكل يومه، ويركز بها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب، وكان يرد بها عن غنمه ونعمه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الاستسقاء من البئر أدلاها، فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدول فيستقي بها، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل فيستضيء بها، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن تلك الشجرة، وأورقت وأثمرت. فهذه المآرب. وكأنه عليه السلام فهم أن المقصود من السؤال بيان حقيقتها، وتفصيل منافعها بطريق الاستقصاء، فلذلك أطنب في كلامه، فلما بدت منها خوارق بديعة علم أنها آية باهرة ومعجزات قاهرة، وأيضا: الإطناب في مناجاة الأحباب محمود. { قال } له تعالى: { ألقها يا موسى } لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك، قيل: إنما أمر بإلقائها قطعا للسكون إليها، لما كان فيها من المآرب، وبالغ الحق تعالى في ذلك بقلبها حية، حتى خاف منها، وحين قطعه عنها، وأخرجها من قلبه، بالفرار منها ردها إليه بقوله: { خذها ولا تخف } { فألقاها } على الأرض { فإذا هي حية تسعى } ، روي أنه عليه السلام ألقاها فانقلبت حية صفراء، في غلظ العصا، ثم انتفخت وعظمت، فلذلك شبهت بالجان تارة، وبالثعبان مرة أخرى، وعبر عنها هنا بالاسم العام للحالين، وقيل: انقلبت من أول الأمر ثعبانا، وهو أليق بالمقام، كما يفصح عنه قوله عز وجل:
فإذا هي ثعبان مبين
[الأعراف: 107]، وإنما سميت بالجان في الجلادة وسرعة المشي، لا في صغر الجثة. وقيل: الجان عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان عن انتهائه. { قال } تعالى: { خذها } يا موسى، { ولا تخف } ، قال ابن عباس رضي الله عنه: انقلبت ثعبانا ذكرا، يبتلع كل شيء من الصخر والشجر، فلما رآه كذلك خاف ونفر، ولحقه ما يلحق البشر عند مشاهدة الأهوال من الخوف والفزع، إذ لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. { سنعيدها سيرتها الأولى } أي: سنعيدها، بعد الأخذ، إلى حالتها الأولى التي كانت عليها عصا، قيل: بلغ عليه السلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها، ويأخذ بلحييها. فلما أخذها عادت عصا، وحكمة قلبها وأخذها هنا ليكون معها على ثقة عند مخاصمة فرعون، وطمأنينة من أمره، فلا يعتريه شائبة دهش ولا تزلزل. والسيرة: فعلة من السير، يجوز بها إلى الطريقة والهيئة، وانتصابها على نزع الخافض. ثم أراه معجزة أخرى، فقال: { واضمم يدك إلى جناحك } أي: أدخلها تحت عضدك، فجناح الإنسان: جنباه، مستعار من جناح الطير، { تخرج بيضاء }: جواب الأمر، أي: إن أدخلتها تخرج بيضاء شعاعية، { من غير سوء } أي: حال كونها كائنة من غير عيب بها كبرص ونحوه. روي أنه عليه السلام كان آدم اللون، فأخرج يده من مدرعته بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، تضيء حال كونها { آية أخرى } أي: معجزة أخرى غير العصا، { لنريك من آياتنا الكبرى } أي: فعلنا ما فعلنا، لنريك بعض أياتنا العظمى، أو: لنريك الكبرى من آياتنا. قال ابن عباس: " كانت يد موسى أكبر آياته ". والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير: وما تلك بيمينك أيها الفقير؟ فيقول: هي دنياي أعتمد عليها في معاشي وقيام أموري، وأنفق منها على عيالي، ولي فيها حوائج أخرى من الزينة والتصدق وفعل الخير، فيقال له: ألقها من يدك أيها الفقير، واخرج عنها، أو أخرجها من قلبك إن تيسر ذلك مع الغيبة عنها، فألقاها وخرج عنها، فيلقيها، فإذا هي حية كانت تلدغه وتسعى في هلاكه وهو لا يشعر. فلما تمكن من اليقين، وحصل على غاية التمكين، قيل له: خذها ولا تخف منها، حيث رفضت الأسباب، وعرفت مسبب الأسباب، فاستوى عندك وجودها وعدمها، ومنعها وإعطاؤها، سنعيدها سيرتها الأولى، تأخذ منها مأربك، وتخدمك ولا تخدمها. يقول الله تعالى:
" يا دنياي، اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك ".
وأما قوله تعالى: في حديث آخر مرفوعا:
" تمرري على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني "
، فالمراد بالمرارة: ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار، وإيذاء الفجار وغير ذلك.
وقد يلحقهم الفقر الظاهر شرفا لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" الفقر فخري وبه أفتخر "
، أو كما قال عليه السلام إن صح. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: الحديث الأول: في الصالحين المتوجهين من أهل الظاهر، والثاني - يعني تمرري... الخ - في الأولياء العارفين من أهل الباطن. ه. ويقال له أيضا - إن تجرد وألقى الدنيا من يده وقلبه -: اضمم يد فكرتك إلى قلبك، تخرج بيضاء نورانية صافية، لا تخليط فيها ولا نقص، هي آية أخرى، بعد آية التجريد والصبر على مشاقه. وقال في اللباب: اليد: يد الفكر، والجيب: جيب الفهم، وخروجها بيضاء بالعرفان. ه. قال الورتجبي: أرى الله موسى من يده أكبر آية، وذلك أنه ألبس أنوار يد قدرته يد موسى، فكان يد موسى يد قدرة الله، من حيث التخلق والاتصاف، كما في حديث:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا "
ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر ابتداء رسالة موسى عليه السلام
طه 20:21
قلت: { وما }: استفهامية، مبتدأ، و { تلك }: خبر، أو بالعكس، فما: خبر، وتلك: مبتدأ، وهو أوفق بالجواب. و { بيمينك }: متعلق بالاستقرار حالا، أي: وما تلك قارة أو مأخوذة بيمينك، والعامل معنى الإشارة. وقيل: { تلك }: موصولة، أي: وما التي هي بيمينك، والاستفهام هنا: إيقاظ وتنبيه له عليه السلام على مما سيبدو له من العجائب، وتكرير النداء لزيادة التأنيس والتنبيه. يقول الحق جل جلاله: { وما تلك بيمينك يا موسى } ، إنما سأله ليريه عظيم ما يفعل بها من قلبها حية، فمعنى السؤال: تقريره على أنها عصي، ليتبين له الفرق بين حالها قبل قلبها وبعده، وقيل: إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه، فأجابه بقوله: { هي عصاي } ، نسبها لنفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه، روي أنها كانت عصا آدم عليه السلام، فأعطاها له شعيب، حين قدمه لرعي غنمه، على ما يأتي في سورة القصص. وكان في رأسها شعبتان، وفي أسفلها سنان، واسمها نبعة، في قول مقاتل. { أتوكأ عليها } أي: أعتمد عليها إذا مشيت، وعند الإعياء، والوقوف على رأس قطيع الغنم، { وأهش } أي: أخبط { بها } الورق من الشجر ليسقط { على غنمي } فتأكله. وقرئ بالسين، وهو زجر الغنم، تقول العرب: هس هس، في زجرها، وعداه بعلى لتضمنه معنى الإقبال والتوجه. { ولي فيها مآرب أخرى } أي: حاجات أخرى من هذا الباب. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تأتيه وتحرسه، ويضرب بها الأرض فتخرج ما يأكل يومه، ويركز بها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب، وكان يرد بها عن غنمه ونعمه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الاستسقاء من البئر أدلاها، فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدول فيستقي بها، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل فيستضيء بها، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن تلك الشجرة، وأورقت وأثمرت. فهذه المآرب. وكأنه عليه السلام فهم أن المقصود من السؤال بيان حقيقتها، وتفصيل منافعها بطريق الاستقصاء، فلذلك أطنب في كلامه، فلما بدت منها خوارق بديعة علم أنها آية باهرة ومعجزات قاهرة، وأيضا: الإطناب في مناجاة الأحباب محمود. { قال } له تعالى: { ألقها يا موسى } لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك، قيل: إنما أمر بإلقائها قطعا للسكون إليها، لما كان فيها من المآرب، وبالغ الحق تعالى في ذلك بقلبها حية، حتى خاف منها، وحين قطعه عنها، وأخرجها من قلبه، بالفرار منها ردها إليه بقوله: { خذها ولا تخف } { فألقاها } على الأرض { فإذا هي حية تسعى } ، روي أنه عليه السلام ألقاها فانقلبت حية صفراء، في غلظ العصا، ثم انتفخت وعظمت، فلذلك شبهت بالجان تارة، وبالثعبان مرة أخرى، وعبر عنها هنا بالاسم العام للحالين، وقيل: انقلبت من أول الأمر ثعبانا، وهو أليق بالمقام، كما يفصح عنه قوله عز وجل:
فإذا هي ثعبان مبين
[الأعراف: 107]، وإنما سميت بالجان في الجلادة وسرعة المشي، لا في صغر الجثة. وقيل: الجان عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان عن انتهائه. { قال } تعالى: { خذها } يا موسى، { ولا تخف } ، قال ابن عباس رضي الله عنه: انقلبت ثعبانا ذكرا، يبتلع كل شيء من الصخر والشجر، فلما رآه كذلك خاف ونفر، ولحقه ما يلحق البشر عند مشاهدة الأهوال من الخوف والفزع، إذ لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. { سنعيدها سيرتها الأولى } أي: سنعيدها، بعد الأخذ، إلى حالتها الأولى التي كانت عليها عصا، قيل: بلغ عليه السلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها، ويأخذ بلحييها. فلما أخذها عادت عصا، وحكمة قلبها وأخذها هنا ليكون معها على ثقة عند مخاصمة فرعون، وطمأنينة من أمره، فلا يعتريه شائبة دهش ولا تزلزل. والسيرة: فعلة من السير، يجوز بها إلى الطريقة والهيئة، وانتصابها على نزع الخافض. ثم أراه معجزة أخرى، فقال: { واضمم يدك إلى جناحك } أي: أدخلها تحت عضدك، فجناح الإنسان: جنباه، مستعار من جناح الطير، { تخرج بيضاء }: جواب الأمر، أي: إن أدخلتها تخرج بيضاء شعاعية، { من غير سوء } أي: حال كونها كائنة من غير عيب بها كبرص ونحوه. روي أنه عليه السلام كان آدم اللون، فأخرج يده من مدرعته بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، تضيء حال كونها { آية أخرى } أي: معجزة أخرى غير العصا، { لنريك من آياتنا الكبرى } أي: فعلنا ما فعلنا، لنريك بعض أياتنا العظمى، أو: لنريك الكبرى من آياتنا. قال ابن عباس: " كانت يد موسى أكبر آياته ". والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير: وما تلك بيمينك أيها الفقير؟ فيقول: هي دنياي أعتمد عليها في معاشي وقيام أموري، وأنفق منها على عيالي، ولي فيها حوائج أخرى من الزينة والتصدق وفعل الخير، فيقال له: ألقها من يدك أيها الفقير، واخرج عنها، أو أخرجها من قلبك إن تيسر ذلك مع الغيبة عنها، فألقاها وخرج عنها، فيلقيها، فإذا هي حية كانت تلدغه وتسعى في هلاكه وهو لا يشعر. فلما تمكن من اليقين، وحصل على غاية التمكين، قيل له: خذها ولا تخف منها، حيث رفضت الأسباب، وعرفت مسبب الأسباب، فاستوى عندك وجودها وعدمها، ومنعها وإعطاؤها، سنعيدها سيرتها الأولى، تأخذ منها مأربك، وتخدمك ولا تخدمها. يقول الله تعالى:
" يا دنياي، اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك ".
وأما قوله تعالى: في حديث آخر مرفوعا:
" تمرري على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني "
، فالمراد بالمرارة: ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار، وإيذاء الفجار وغير ذلك.
وقد يلحقهم الفقر الظاهر شرفا لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" الفقر فخري وبه أفتخر "
، أو كما قال عليه السلام إن صح. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: الحديث الأول: في الصالحين المتوجهين من أهل الظاهر، والثاني - يعني تمرري... الخ - في الأولياء العارفين من أهل الباطن. ه. ويقال له أيضا - إن تجرد وألقى الدنيا من يده وقلبه -: اضمم يد فكرتك إلى قلبك، تخرج بيضاء نورانية صافية، لا تخليط فيها ولا نقص، هي آية أخرى، بعد آية التجريد والصبر على مشاقه. وقال في اللباب: اليد: يد الفكر، والجيب: جيب الفهم، وخروجها بيضاء بالعرفان. ه. قال الورتجبي: أرى الله موسى من يده أكبر آية، وذلك أنه ألبس أنوار يد قدرته يد موسى، فكان يد موسى يد قدرة الله، من حيث التخلق والاتصاف، كما في حديث:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا "
ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر ابتداء رسالة موسى عليه السلام
طه 20:22
قلت: { وما }: استفهامية، مبتدأ، و { تلك }: خبر، أو بالعكس، فما: خبر، وتلك: مبتدأ، وهو أوفق بالجواب. و { بيمينك }: متعلق بالاستقرار حالا، أي: وما تلك قارة أو مأخوذة بيمينك، والعامل معنى الإشارة. وقيل: { تلك }: موصولة، أي: وما التي هي بيمينك، والاستفهام هنا: إيقاظ وتنبيه له عليه السلام على مما سيبدو له من العجائب، وتكرير النداء لزيادة التأنيس والتنبيه. يقول الحق جل جلاله: { وما تلك بيمينك يا موسى } ، إنما سأله ليريه عظيم ما يفعل بها من قلبها حية، فمعنى السؤال: تقريره على أنها عصي، ليتبين له الفرق بين حالها قبل قلبها وبعده، وقيل: إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه، فأجابه بقوله: { هي عصاي } ، نسبها لنفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه، روي أنها كانت عصا آدم عليه السلام، فأعطاها له شعيب، حين قدمه لرعي غنمه، على ما يأتي في سورة القصص. وكان في رأسها شعبتان، وفي أسفلها سنان، واسمها نبعة، في قول مقاتل. { أتوكأ عليها } أي: أعتمد عليها إذا مشيت، وعند الإعياء، والوقوف على رأس قطيع الغنم، { وأهش } أي: أخبط { بها } الورق من الشجر ليسقط { على غنمي } فتأكله. وقرئ بالسين، وهو زجر الغنم، تقول العرب: هس هس، في زجرها، وعداه بعلى لتضمنه معنى الإقبال والتوجه. { ولي فيها مآرب أخرى } أي: حاجات أخرى من هذا الباب. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تأتيه وتحرسه، ويضرب بها الأرض فتخرج ما يأكل يومه، ويركز بها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب، وكان يرد بها عن غنمه ونعمه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الاستسقاء من البئر أدلاها، فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدول فيستقي بها، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل فيستضيء بها، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن تلك الشجرة، وأورقت وأثمرت. فهذه المآرب. وكأنه عليه السلام فهم أن المقصود من السؤال بيان حقيقتها، وتفصيل منافعها بطريق الاستقصاء، فلذلك أطنب في كلامه، فلما بدت منها خوارق بديعة علم أنها آية باهرة ومعجزات قاهرة، وأيضا: الإطناب في مناجاة الأحباب محمود. { قال } له تعالى: { ألقها يا موسى } لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك، قيل: إنما أمر بإلقائها قطعا للسكون إليها، لما كان فيها من المآرب، وبالغ الحق تعالى في ذلك بقلبها حية، حتى خاف منها، وحين قطعه عنها، وأخرجها من قلبه، بالفرار منها ردها إليه بقوله: { خذها ولا تخف } { فألقاها } على الأرض { فإذا هي حية تسعى } ، روي أنه عليه السلام ألقاها فانقلبت حية صفراء، في غلظ العصا، ثم انتفخت وعظمت، فلذلك شبهت بالجان تارة، وبالثعبان مرة أخرى، وعبر عنها هنا بالاسم العام للحالين، وقيل: انقلبت من أول الأمر ثعبانا، وهو أليق بالمقام، كما يفصح عنه قوله عز وجل:
فإذا هي ثعبان مبين
[الأعراف: 107]، وإنما سميت بالجان في الجلادة وسرعة المشي، لا في صغر الجثة. وقيل: الجان عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان عن انتهائه. { قال } تعالى: { خذها } يا موسى، { ولا تخف } ، قال ابن عباس رضي الله عنه: انقلبت ثعبانا ذكرا، يبتلع كل شيء من الصخر والشجر، فلما رآه كذلك خاف ونفر، ولحقه ما يلحق البشر عند مشاهدة الأهوال من الخوف والفزع، إذ لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. { سنعيدها سيرتها الأولى } أي: سنعيدها، بعد الأخذ، إلى حالتها الأولى التي كانت عليها عصا، قيل: بلغ عليه السلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها، ويأخذ بلحييها. فلما أخذها عادت عصا، وحكمة قلبها وأخذها هنا ليكون معها على ثقة عند مخاصمة فرعون، وطمأنينة من أمره، فلا يعتريه شائبة دهش ولا تزلزل. والسيرة: فعلة من السير، يجوز بها إلى الطريقة والهيئة، وانتصابها على نزع الخافض. ثم أراه معجزة أخرى، فقال: { واضمم يدك إلى جناحك } أي: أدخلها تحت عضدك، فجناح الإنسان: جنباه، مستعار من جناح الطير، { تخرج بيضاء }: جواب الأمر، أي: إن أدخلتها تخرج بيضاء شعاعية، { من غير سوء } أي: حال كونها كائنة من غير عيب بها كبرص ونحوه. روي أنه عليه السلام كان آدم اللون، فأخرج يده من مدرعته بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، تضيء حال كونها { آية أخرى } أي: معجزة أخرى غير العصا، { لنريك من آياتنا الكبرى } أي: فعلنا ما فعلنا، لنريك بعض أياتنا العظمى، أو: لنريك الكبرى من آياتنا. قال ابن عباس: " كانت يد موسى أكبر آياته ". والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير: وما تلك بيمينك أيها الفقير؟ فيقول: هي دنياي أعتمد عليها في معاشي وقيام أموري، وأنفق منها على عيالي، ولي فيها حوائج أخرى من الزينة والتصدق وفعل الخير، فيقال له: ألقها من يدك أيها الفقير، واخرج عنها، أو أخرجها من قلبك إن تيسر ذلك مع الغيبة عنها، فألقاها وخرج عنها، فيلقيها، فإذا هي حية كانت تلدغه وتسعى في هلاكه وهو لا يشعر. فلما تمكن من اليقين، وحصل على غاية التمكين، قيل له: خذها ولا تخف منها، حيث رفضت الأسباب، وعرفت مسبب الأسباب، فاستوى عندك وجودها وعدمها، ومنعها وإعطاؤها، سنعيدها سيرتها الأولى، تأخذ منها مأربك، وتخدمك ولا تخدمها. يقول الله تعالى:
" يا دنياي، اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك ".
وأما قوله تعالى: في حديث آخر مرفوعا:
" تمرري على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني "
، فالمراد بالمرارة: ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار، وإيذاء الفجار وغير ذلك.
وقد يلحقهم الفقر الظاهر شرفا لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" الفقر فخري وبه أفتخر "
، أو كما قال عليه السلام إن صح. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: الحديث الأول: في الصالحين المتوجهين من أهل الظاهر، والثاني - يعني تمرري... الخ - في الأولياء العارفين من أهل الباطن. ه. ويقال له أيضا - إن تجرد وألقى الدنيا من يده وقلبه -: اضمم يد فكرتك إلى قلبك، تخرج بيضاء نورانية صافية، لا تخليط فيها ولا نقص، هي آية أخرى، بعد آية التجريد والصبر على مشاقه. وقال في اللباب: اليد: يد الفكر، والجيب: جيب الفهم، وخروجها بيضاء بالعرفان. ه. قال الورتجبي: أرى الله موسى من يده أكبر آية، وذلك أنه ألبس أنوار يد قدرته يد موسى، فكان يد موسى يد قدرة الله، من حيث التخلق والاتصاف، كما في حديث:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا "
ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر ابتداء رسالة موسى عليه السلام
طه 20:23
قلت: { وما }: استفهامية، مبتدأ، و { تلك }: خبر، أو بالعكس، فما: خبر، وتلك: مبتدأ، وهو أوفق بالجواب. و { بيمينك }: متعلق بالاستقرار حالا، أي: وما تلك قارة أو مأخوذة بيمينك، والعامل معنى الإشارة. وقيل: { تلك }: موصولة، أي: وما التي هي بيمينك، والاستفهام هنا: إيقاظ وتنبيه له عليه السلام على مما سيبدو له من العجائب، وتكرير النداء لزيادة التأنيس والتنبيه. يقول الحق جل جلاله: { وما تلك بيمينك يا موسى } ، إنما سأله ليريه عظيم ما يفعل بها من قلبها حية، فمعنى السؤال: تقريره على أنها عصي، ليتبين له الفرق بين حالها قبل قلبها وبعده، وقيل: إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه، فأجابه بقوله: { هي عصاي } ، نسبها لنفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه، روي أنها كانت عصا آدم عليه السلام، فأعطاها له شعيب، حين قدمه لرعي غنمه، على ما يأتي في سورة القصص. وكان في رأسها شعبتان، وفي أسفلها سنان، واسمها نبعة، في قول مقاتل. { أتوكأ عليها } أي: أعتمد عليها إذا مشيت، وعند الإعياء، والوقوف على رأس قطيع الغنم، { وأهش } أي: أخبط { بها } الورق من الشجر ليسقط { على غنمي } فتأكله. وقرئ بالسين، وهو زجر الغنم، تقول العرب: هس هس، في زجرها، وعداه بعلى لتضمنه معنى الإقبال والتوجه. { ولي فيها مآرب أخرى } أي: حاجات أخرى من هذا الباب. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تأتيه وتحرسه، ويضرب بها الأرض فتخرج ما يأكل يومه، ويركز بها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب، وكان يرد بها عن غنمه ونعمه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الاستسقاء من البئر أدلاها، فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدول فيستقي بها، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل فيستضيء بها، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن تلك الشجرة، وأورقت وأثمرت. فهذه المآرب. وكأنه عليه السلام فهم أن المقصود من السؤال بيان حقيقتها، وتفصيل منافعها بطريق الاستقصاء، فلذلك أطنب في كلامه، فلما بدت منها خوارق بديعة علم أنها آية باهرة ومعجزات قاهرة، وأيضا: الإطناب في مناجاة الأحباب محمود. { قال } له تعالى: { ألقها يا موسى } لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك، قيل: إنما أمر بإلقائها قطعا للسكون إليها، لما كان فيها من المآرب، وبالغ الحق تعالى في ذلك بقلبها حية، حتى خاف منها، وحين قطعه عنها، وأخرجها من قلبه، بالفرار منها ردها إليه بقوله: { خذها ولا تخف } { فألقاها } على الأرض { فإذا هي حية تسعى } ، روي أنه عليه السلام ألقاها فانقلبت حية صفراء، في غلظ العصا، ثم انتفخت وعظمت، فلذلك شبهت بالجان تارة، وبالثعبان مرة أخرى، وعبر عنها هنا بالاسم العام للحالين، وقيل: انقلبت من أول الأمر ثعبانا، وهو أليق بالمقام، كما يفصح عنه قوله عز وجل:
فإذا هي ثعبان مبين
[الأعراف: 107]، وإنما سميت بالجان في الجلادة وسرعة المشي، لا في صغر الجثة. وقيل: الجان عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان عن انتهائه. { قال } تعالى: { خذها } يا موسى، { ولا تخف } ، قال ابن عباس رضي الله عنه: انقلبت ثعبانا ذكرا، يبتلع كل شيء من الصخر والشجر، فلما رآه كذلك خاف ونفر، ولحقه ما يلحق البشر عند مشاهدة الأهوال من الخوف والفزع، إذ لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. { سنعيدها سيرتها الأولى } أي: سنعيدها، بعد الأخذ، إلى حالتها الأولى التي كانت عليها عصا، قيل: بلغ عليه السلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها، ويأخذ بلحييها. فلما أخذها عادت عصا، وحكمة قلبها وأخذها هنا ليكون معها على ثقة عند مخاصمة فرعون، وطمأنينة من أمره، فلا يعتريه شائبة دهش ولا تزلزل. والسيرة: فعلة من السير، يجوز بها إلى الطريقة والهيئة، وانتصابها على نزع الخافض. ثم أراه معجزة أخرى، فقال: { واضمم يدك إلى جناحك } أي: أدخلها تحت عضدك، فجناح الإنسان: جنباه، مستعار من جناح الطير، { تخرج بيضاء }: جواب الأمر، أي: إن أدخلتها تخرج بيضاء شعاعية، { من غير سوء } أي: حال كونها كائنة من غير عيب بها كبرص ونحوه. روي أنه عليه السلام كان آدم اللون، فأخرج يده من مدرعته بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، تضيء حال كونها { آية أخرى } أي: معجزة أخرى غير العصا، { لنريك من آياتنا الكبرى } أي: فعلنا ما فعلنا، لنريك بعض أياتنا العظمى، أو: لنريك الكبرى من آياتنا. قال ابن عباس: " كانت يد موسى أكبر آياته ". والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير: وما تلك بيمينك أيها الفقير؟ فيقول: هي دنياي أعتمد عليها في معاشي وقيام أموري، وأنفق منها على عيالي، ولي فيها حوائج أخرى من الزينة والتصدق وفعل الخير، فيقال له: ألقها من يدك أيها الفقير، واخرج عنها، أو أخرجها من قلبك إن تيسر ذلك مع الغيبة عنها، فألقاها وخرج عنها، فيلقيها، فإذا هي حية كانت تلدغه وتسعى في هلاكه وهو لا يشعر. فلما تمكن من اليقين، وحصل على غاية التمكين، قيل له: خذها ولا تخف منها، حيث رفضت الأسباب، وعرفت مسبب الأسباب، فاستوى عندك وجودها وعدمها، ومنعها وإعطاؤها، سنعيدها سيرتها الأولى، تأخذ منها مأربك، وتخدمك ولا تخدمها. يقول الله تعالى:
" يا دنياي، اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك ".
وأما قوله تعالى: في حديث آخر مرفوعا:
" تمرري على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني "
، فالمراد بالمرارة: ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار، وإيذاء الفجار وغير ذلك.
وقد يلحقهم الفقر الظاهر شرفا لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" الفقر فخري وبه أفتخر "
، أو كما قال عليه السلام إن صح. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: الحديث الأول: في الصالحين المتوجهين من أهل الظاهر، والثاني - يعني تمرري... الخ - في الأولياء العارفين من أهل الباطن. ه. ويقال له أيضا - إن تجرد وألقى الدنيا من يده وقلبه -: اضمم يد فكرتك إلى قلبك، تخرج بيضاء نورانية صافية، لا تخليط فيها ولا نقص، هي آية أخرى، بعد آية التجريد والصبر على مشاقه. وقال في اللباب: اليد: يد الفكر، والجيب: جيب الفهم، وخروجها بيضاء بالعرفان. ه. قال الورتجبي: أرى الله موسى من يده أكبر آية، وذلك أنه ألبس أنوار يد قدرته يد موسى، فكان يد موسى يد قدرة الله، من حيث التخلق والاتصاف، كما في حديث:
" كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا "
ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر ابتداء رسالة موسى عليه السلام
طه 20:24
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:25
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:26
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:27
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:28
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:29
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:30
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:31
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:32
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:33
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:34
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:35
قلت: { هارون }: مفعول أول، و { وزيرا }: مفعول ثان، قدم اعتناء بشأن الوزارة، و { لي }: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف حال من { وزيرا } لأنه صفة له في الأصل. و { من أهلي }: إما صفة وزيرا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن { لي وزيرا }: مفعولا اجعل، و { هارون }: عطف بيان لوزير. و { أخي } في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحق جل جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: { اذهب إلى فرعون } بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، { إنه طغى } أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. { قال } موسى عليه السلام مستعينا بربه عز وجل: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، { ويسر لي أمري } أي: سهله حتى لا يصعب علي شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلا قال: فماذا قال عليه السلام، حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويفسح قلبه، ويجعله عليما بشؤون الناس وأحوالهم، حليما صفوحا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجل الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة { لي } ، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا، ثم تفسيرهما ثانيا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: { واحلل } أي: امشط وافسح { عقدة من لساني } ، روي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يا موسى } ، ومن لم يقل به احتج بقول:
هو أفصح مني لسانا
[القصص: 34]، وقوله تعالى:
ولا يكاد يبين
[الزخرف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكرها ووصفها بقوله: { من لساني } أي: عقدة كائنة من عقد لساني، { يفقهوا قولي } أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي.
{ واجعل لي وزيرا } أي: معينا ومقويا { من أهلي هارون أخي } ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. { أشدد به أزري } أي: ق به ظهري، { وأشركه في أمري } واجعله شريكا لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، { كي نسبحك كثيرا } ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: { واجعل لي وزيرا... } الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث:
" يد الله مع الجماعة "
، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كلا منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و { كثيرا }: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيها كثيرا، أو زمنا كثيرا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعون الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. { ونذكرك } بأن نصفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرا { كثيرا إنك كنت بنا بصيرا } أي: عالما بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و { بنا }: متعلق ببصيرا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البين، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأغرق في بحر الحقيقة شهوده، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر:
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن صمت فأنتم عقد إضماري
واجعل لي وزيرا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيها كثيرا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرا. قال الورتجبي: قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون... } الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم.
ثم قال: فطلب قوة الإلهية وتمكينا قادريا بقوله: { رب اشرح لي صدري } ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنت في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: " إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". ه. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثم أجاب الحق جل جلاله سؤاله
طه 20:36
قلت: { مرة }: منصوب على الظرفية الزمانية، وأصله: فعلة، من المرور، اسم للمرور الواحد، ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد أمثاله، ويقرب منها الكرة والرجعة. و { إذ }: ظرف لمننا، و { أن اقذفيه }: مفسرة، أو مصدرية، و { يأخذه }: جواب " أن اقذفيه ". و { لتصنع }: متعلق بألقيت، عطف على علة مضمرة، أي: ليتعطف عليك ولتربى على حفظي ورعايتي. و { إذ تمشي }: ظرف { لتصنع } على أن المراد وقت مشيها إلى بيت فرعون، وما يترتب عليه من القول والرجع إلى أمه. يقول الحق جل جلاله: { قال } الله تعالى لموسى عليه السلام: { قد أوتيت سؤلك } أي: أعطيت مسؤولك، وبلغنا لك مأمولك في كل ما طبلت منا. والإيتاء، هنا، عبارة عن تعلق الإرادة بوقوع تلك المطالب وحصولها، وإن كان وقوع بعضها مستقبلا، ولذلك قال:
سنشد عضدك بأخيك
[القصص: 35]، وإعادة النداء في قوله: { يا موسى } تشريفا له بتوجيه الخطاب بعد تشريفه بإجابة المطلب. ثم ذكره بنعمة أخرى قد سلفت، فقال: { ولقد مننا عليك مرة أخرى } قبل أن يكون منك لنا طلب، فكيف لا نجيبك بعد الطلب؟ وتلك المنة: { إذ أوحينا إلى أمك } حين تحيرت في أمرك، وخافت عليك من عدوك، فأوحينا إليها وحي منام أو إلهام أو بملك كريم - عليهما السلام - فقلنا لها: { أن اقذفيه في التابوت } أي: ضعيه فيه، وأغلقي عليه حتى لا يصل الماء عليه، { فاقذفيه في اليم } أي: ألقيه في البحر بتابوته، { فليلقه اليم بالساحل } أي: فسيرميه البحر بالساحل، ولما كان إلقاء البحر له بالساحل أمرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية به، جعل البحر كأنه مأمور بإلقائه، ذو تمييز، مطيع، فإن يلقه { يأخذه عدو لي وعدو له } وهو فرعون. ولا تخافي عليه
إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين
[القصص: 7]. وتكرير عداوته والتصريح بها للإشعار بأن عداوته له، مع تحققها، لا تضره، بل تؤدي إلى محبته، لأن الأمر بما فيه الهلاك من القذف في البحر، ووقوعه في يد العدو، مشعر بأن هناك ألطافا خفية، ومننا كامنة مندرجة تحت قهر صوري. وليس المراد بالساحل نفس الشاطئ، بل ما يقابل الوسط، وهو ما يلي الساحل من البحر، حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون، لما روي أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا، ووضعته فيه، ثم قيرته وألقته في اليم. وقيل: كان التابوت من البردى، صنعته أمه. وقال مقاتل: صنعه لها رجل مؤمن اسمه " حزقيل " ، ثم طلته بالقار - أي: الزفت - وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فدفعه الماء إليه، فأتى به إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا ثم مع آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجها، فأحبه فرعون حبا شديدا لا يكاد يتمالك الصبر عنه، وذلك قوله تعالى: { وألقيت عليك محبة مني } ، قال ابن عباس: " أحبه وحببه إلى خلقه ".
وقال قتادة: " ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلا عشقه " ، أي: وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة مني، قد زرعت في القلوب، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، ولذلك أحبك عدو الله وأهله، وذلك ليتعطف عليك. { ولتصنع على عيني } أي: ولتربى بالحنو والشفقة، وتغذى بمرأى مني، مصحوبا برعايتي وحفظي، في أحسن تربية ونشأة. وكان ابتداء ذلك: { إذ تمشي أختك } تتبع تابوتك، فلما أخرجت التمسوا لك المراضع، { فتقول } لفرعون وآسية، حين رأتهما يطلبان له مرضعة يقبل ثديها، وكان لا يقبل ثديا. وصيغة المضارع في الفعلين لحكاية الحال الماضية، والأصل: إذ مشت فقالت: { هل أدلكم على من يكفله }؟ يضمه إلى نفسه ويربيه، وذلك إنما يكون بقبول ثديها. روي أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل لا يرتضي ثدي امرأة، واضطروا إلى تتبع النساء، فخرجت أخته مريم لتتعرف خبره، فجاءت متنكرة، فقالت ما قالت، وقالوا: نعم، فجاءت بأمه فقبل ثديها. قال تعالى: { فرجعناك إلى أمك } وفاء بعهدنا، { كي تقر عينها } بلقائك، { ولا تحزن } أي: ولا يطرأ عليها حزن بفراقك بعد ذلك، { وقتلت } بعد ذلك { نفسا } ، وهي نفس القبطي الذي استغاثه الإسرائيلي عليه. قال كعب: كان إذ ذاك ابن ثنتي عشرة سنة، { فنجيناك من الغم } أي: غم قتله، خوفا من عقاب الله تعالى بالمغفرة، ومن اقتصاص فرعون، بوحينا إليك بالمهاجرة، { وفتناك فتونا } أي: ابتليناك ابتلاء عظيما، وخلصناك مرة بعد أخرى، حتى صلحت للنبوة والرسالة، وهو تحمل ما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن، ومفارقة الأحباب، والمشي راجلا، وفقد الزاد، بعد ما خلصه من الذبح، ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل. وسئل عنها ابن عباس، فقال: خلصناك من محنة بعد محنة، ولد في عام كان يقتل فيه الغلمان، فهذه فتنة، وألقته أمه في البحر، وهم فرعون بقتله، وقتل قبطيا، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، فكل واحدة من هذه فتنة. ه. لكن الذي يقتضيه النظم الكريم أن لا تعد إجارته نفسه وما بعدها من الفتون لأن المراد: ما وقع له قبل وصوله إلى مدين، بدليل قوله تعالى: { فلبثت سنين في أهل مدين } ، إذ لا ريب أن الإجارة وما بعدها كانت بعد وصوله إلى مدين، أي: لبثت عشر سنين في أهل مدين. وقال وهب: لبث عند شعيب ثمانيا وعشرين سنة، عشرا منها في مهر امرأته صفراء بنت شعيب، وثماني عشرة أقام عنده حتى ولد له.
وأشار باللبث في مدين، دون الوصول إليها، إلى ما أصابه في تضاعيفها، من فنون الشدائد والمكاره، التي كل واحد منها فتنة. و " مدين ": بلدة شعيب عليه السلام، على ثماني مراحل من مصر، ولم تبلغها مملكة فرعون، خوفا على نفسه من هيبة النبوة أو يصيبه ما أصاب من خالفه. { ثم جئت } إلى المكان الذي آنست فيه النار، ورأيت فيه الخوارق، وخصصت فيه بالرسالة، { على قدر } قدرته لك في الأزل، ووقت عينته لك، لأكلمك وأرسلك فيه إلى فرعون، فما جئت إلا على ذلك القدر، غير متقدم ولا متأخر، وقيل: على مقدار من الزمان، يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة. { واصطنعتك لنفسي } أي: اختصصتك بالرسالة والمحبة و المناجاة، وهو تذكير لقوله: { وأنا اخترتك } ، وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيدا بأخيه، حسبما طلب، بعد تذكيره المنن السالفة، زيادة في وثوقه عليه السلام بحصول نظائرهم اللاحقة، والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: { وفتناك } إلى تاء المتكلم لمناسبتها للنفس فإنها أدخل في تحقيق الاصطناع والاستخلاص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال قد أوتيت سؤلك أيها الفقير، حيث وصلناك إلى من يأخذ بيدك، ويرشدك إلى ربك ويربيك. ولقد مننا عليك مرة أخرى، حيث أنشأناك بين أبوين مسلمين، فقذفناك في تابوت الإسلام، ثم في نهر الإيمان، ثم رميناك في بحر العرفان، وألقينا عليك محبة منا، فأحببناك وأحببتنا، وألقينا محبتك في قلوب عبادنا، فتربيت في حفظنا ورعايتنا، فلما فارقت الأوطان وهجرت الإخوان، في طلب تحقيق العرفان، رددناك إليهم بعد التمكين، لتنهضهم إلى الله، فتقر أعينهم بطاعة رب العالمين، وقتلت نفسا كانت تحجبك عن ربك، فنجيناك من غم الحجاب، وأخرجناك من سجن الأكوان، إلى فضاء الشهود والعيان، وفتناك بمجاهدة نفسك فتونا عظاما، فتنة الفقر، ثم فتنة الذل، ثم فتنة هجر الأوطان، حتى تخلصت من حبس الأكوان، وجئت إلينا على قدر قدرناه لك، ووقت عيناه لفتحك، فاصطنعتك لنفسي، واجتبيتك لحضرتي بسابق عنايتي، من غير حول منك ولا قوة، فعنايتنا فيك سابقة، فأين كنت حين واجهتك عنايتنا، وقابلتك رعايتنا؟ لم يكن في أزلنا إخلاص أعمال، ولا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال ووجود النوال، كما في الحكم. وأنشدوا:
فلا عمل مني إليك اكتسبته سوى محض فضل لا بشئ يعلل
وقال آخر:
قد كنت أحسب أن وصلك يشترى بنفائس الأموال والأرباح وظننت جهلا أن حبك هين تفنى عليه كرائم الأرواح حتى رأيتك تجتبي وتخص من تختاره بلطائف الإمناح فعلمت أنك لا تنال بحيلة فلويت رأسي تحت طي جناح وجعلت في عش الغرام إقامتي أبدا وفيه توطني ورواح
ثم ارسلها الحق تعالى إلى فرعون
طه 20:37
قلت: { مرة }: منصوب على الظرفية الزمانية، وأصله: فعلة، من المرور، اسم للمرور الواحد، ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد أمثاله، ويقرب منها الكرة والرجعة. و { إذ }: ظرف لمننا، و { أن اقذفيه }: مفسرة، أو مصدرية، و { يأخذه }: جواب " أن اقذفيه ". و { لتصنع }: متعلق بألقيت، عطف على علة مضمرة، أي: ليتعطف عليك ولتربى على حفظي ورعايتي. و { إذ تمشي }: ظرف { لتصنع } على أن المراد وقت مشيها إلى بيت فرعون، وما يترتب عليه من القول والرجع إلى أمه. يقول الحق جل جلاله: { قال } الله تعالى لموسى عليه السلام: { قد أوتيت سؤلك } أي: أعطيت مسؤولك، وبلغنا لك مأمولك في كل ما طبلت منا. والإيتاء، هنا، عبارة عن تعلق الإرادة بوقوع تلك المطالب وحصولها، وإن كان وقوع بعضها مستقبلا، ولذلك قال:
سنشد عضدك بأخيك
[القصص: 35]، وإعادة النداء في قوله: { يا موسى } تشريفا له بتوجيه الخطاب بعد تشريفه بإجابة المطلب. ثم ذكره بنعمة أخرى قد سلفت، فقال: { ولقد مننا عليك مرة أخرى } قبل أن يكون منك لنا طلب، فكيف لا نجيبك بعد الطلب؟ وتلك المنة: { إذ أوحينا إلى أمك } حين تحيرت في أمرك، وخافت عليك من عدوك، فأوحينا إليها وحي منام أو إلهام أو بملك كريم - عليهما السلام - فقلنا لها: { أن اقذفيه في التابوت } أي: ضعيه فيه، وأغلقي عليه حتى لا يصل الماء عليه، { فاقذفيه في اليم } أي: ألقيه في البحر بتابوته، { فليلقه اليم بالساحل } أي: فسيرميه البحر بالساحل، ولما كان إلقاء البحر له بالساحل أمرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية به، جعل البحر كأنه مأمور بإلقائه، ذو تمييز، مطيع، فإن يلقه { يأخذه عدو لي وعدو له } وهو فرعون. ولا تخافي عليه
إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين
[القصص: 7]. وتكرير عداوته والتصريح بها للإشعار بأن عداوته له، مع تحققها، لا تضره، بل تؤدي إلى محبته، لأن الأمر بما فيه الهلاك من القذف في البحر، ووقوعه في يد العدو، مشعر بأن هناك ألطافا خفية، ومننا كامنة مندرجة تحت قهر صوري. وليس المراد بالساحل نفس الشاطئ، بل ما يقابل الوسط، وهو ما يلي الساحل من البحر، حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون، لما روي أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا، ووضعته فيه، ثم قيرته وألقته في اليم. وقيل: كان التابوت من البردى، صنعته أمه. وقال مقاتل: صنعه لها رجل مؤمن اسمه " حزقيل " ، ثم طلته بالقار - أي: الزفت - وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فدفعه الماء إليه، فأتى به إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا ثم مع آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجها، فأحبه فرعون حبا شديدا لا يكاد يتمالك الصبر عنه، وذلك قوله تعالى: { وألقيت عليك محبة مني } ، قال ابن عباس: " أحبه وحببه إلى خلقه ".
وقال قتادة: " ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلا عشقه " ، أي: وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة مني، قد زرعت في القلوب، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، ولذلك أحبك عدو الله وأهله، وذلك ليتعطف عليك. { ولتصنع على عيني } أي: ولتربى بالحنو والشفقة، وتغذى بمرأى مني، مصحوبا برعايتي وحفظي، في أحسن تربية ونشأة. وكان ابتداء ذلك: { إذ تمشي أختك } تتبع تابوتك، فلما أخرجت التمسوا لك المراضع، { فتقول } لفرعون وآسية، حين رأتهما يطلبان له مرضعة يقبل ثديها، وكان لا يقبل ثديا. وصيغة المضارع في الفعلين لحكاية الحال الماضية، والأصل: إذ مشت فقالت: { هل أدلكم على من يكفله }؟ يضمه إلى نفسه ويربيه، وذلك إنما يكون بقبول ثديها. روي أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل لا يرتضي ثدي امرأة، واضطروا إلى تتبع النساء، فخرجت أخته مريم لتتعرف خبره، فجاءت متنكرة، فقالت ما قالت، وقالوا: نعم، فجاءت بأمه فقبل ثديها. قال تعالى: { فرجعناك إلى أمك } وفاء بعهدنا، { كي تقر عينها } بلقائك، { ولا تحزن } أي: ولا يطرأ عليها حزن بفراقك بعد ذلك، { وقتلت } بعد ذلك { نفسا } ، وهي نفس القبطي الذي استغاثه الإسرائيلي عليه. قال كعب: كان إذ ذاك ابن ثنتي عشرة سنة، { فنجيناك من الغم } أي: غم قتله، خوفا من عقاب الله تعالى بالمغفرة، ومن اقتصاص فرعون، بوحينا إليك بالمهاجرة، { وفتناك فتونا } أي: ابتليناك ابتلاء عظيما، وخلصناك مرة بعد أخرى، حتى صلحت للنبوة والرسالة، وهو تحمل ما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن، ومفارقة الأحباب، والمشي راجلا، وفقد الزاد، بعد ما خلصه من الذبح، ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل. وسئل عنها ابن عباس، فقال: خلصناك من محنة بعد محنة، ولد في عام كان يقتل فيه الغلمان، فهذه فتنة، وألقته أمه في البحر، وهم فرعون بقتله، وقتل قبطيا، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، فكل واحدة من هذه فتنة. ه. لكن الذي يقتضيه النظم الكريم أن لا تعد إجارته نفسه وما بعدها من الفتون لأن المراد: ما وقع له قبل وصوله إلى مدين، بدليل قوله تعالى: { فلبثت سنين في أهل مدين } ، إذ لا ريب أن الإجارة وما بعدها كانت بعد وصوله إلى مدين، أي: لبثت عشر سنين في أهل مدين. وقال وهب: لبث عند شعيب ثمانيا وعشرين سنة، عشرا منها في مهر امرأته صفراء بنت شعيب، وثماني عشرة أقام عنده حتى ولد له.
وأشار باللبث في مدين، دون الوصول إليها، إلى ما أصابه في تضاعيفها، من فنون الشدائد والمكاره، التي كل واحد منها فتنة. و " مدين ": بلدة شعيب عليه السلام، على ثماني مراحل من مصر، ولم تبلغها مملكة فرعون، خوفا على نفسه من هيبة النبوة أو يصيبه ما أصاب من خالفه. { ثم جئت } إلى المكان الذي آنست فيه النار، ورأيت فيه الخوارق، وخصصت فيه بالرسالة، { على قدر } قدرته لك في الأزل، ووقت عينته لك، لأكلمك وأرسلك فيه إلى فرعون، فما جئت إلا على ذلك القدر، غير متقدم ولا متأخر، وقيل: على مقدار من الزمان، يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة. { واصطنعتك لنفسي } أي: اختصصتك بالرسالة والمحبة و المناجاة، وهو تذكير لقوله: { وأنا اخترتك } ، وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيدا بأخيه، حسبما طلب، بعد تذكيره المنن السالفة، زيادة في وثوقه عليه السلام بحصول نظائرهم اللاحقة، والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: { وفتناك } إلى تاء المتكلم لمناسبتها للنفس فإنها أدخل في تحقيق الاصطناع والاستخلاص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال قد أوتيت سؤلك أيها الفقير، حيث وصلناك إلى من يأخذ بيدك، ويرشدك إلى ربك ويربيك. ولقد مننا عليك مرة أخرى، حيث أنشأناك بين أبوين مسلمين، فقذفناك في تابوت الإسلام، ثم في نهر الإيمان، ثم رميناك في بحر العرفان، وألقينا عليك محبة منا، فأحببناك وأحببتنا، وألقينا محبتك في قلوب عبادنا، فتربيت في حفظنا ورعايتنا، فلما فارقت الأوطان وهجرت الإخوان، في طلب تحقيق العرفان، رددناك إليهم بعد التمكين، لتنهضهم إلى الله، فتقر أعينهم بطاعة رب العالمين، وقتلت نفسا كانت تحجبك عن ربك، فنجيناك من غم الحجاب، وأخرجناك من سجن الأكوان، إلى فضاء الشهود والعيان، وفتناك بمجاهدة نفسك فتونا عظاما، فتنة الفقر، ثم فتنة الذل، ثم فتنة هجر الأوطان، حتى تخلصت من حبس الأكوان، وجئت إلينا على قدر قدرناه لك، ووقت عيناه لفتحك، فاصطنعتك لنفسي، واجتبيتك لحضرتي بسابق عنايتي، من غير حول منك ولا قوة، فعنايتنا فيك سابقة، فأين كنت حين واجهتك عنايتنا، وقابلتك رعايتنا؟ لم يكن في أزلنا إخلاص أعمال، ولا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال ووجود النوال، كما في الحكم. وأنشدوا:
فلا عمل مني إليك اكتسبته سوى محض فضل لا بشئ يعلل
وقال آخر:
قد كنت أحسب أن وصلك يشترى بنفائس الأموال والأرباح وظننت جهلا أن حبك هين تفنى عليه كرائم الأرواح حتى رأيتك تجتبي وتخص من تختاره بلطائف الإمناح فعلمت أنك لا تنال بحيلة فلويت رأسي تحت طي جناح وجعلت في عش الغرام إقامتي أبدا وفيه توطني ورواح
ثم ارسلها الحق تعالى إلى فرعون
طه 20:38
قلت: { مرة }: منصوب على الظرفية الزمانية، وأصله: فعلة، من المرور، اسم للمرور الواحد، ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد أمثاله، ويقرب منها الكرة والرجعة. و { إذ }: ظرف لمننا، و { أن اقذفيه }: مفسرة، أو مصدرية، و { يأخذه }: جواب " أن اقذفيه ". و { لتصنع }: متعلق بألقيت، عطف على علة مضمرة، أي: ليتعطف عليك ولتربى على حفظي ورعايتي. و { إذ تمشي }: ظرف { لتصنع } على أن المراد وقت مشيها إلى بيت فرعون، وما يترتب عليه من القول والرجع إلى أمه. يقول الحق جل جلاله: { قال } الله تعالى لموسى عليه السلام: { قد أوتيت سؤلك } أي: أعطيت مسؤولك، وبلغنا لك مأمولك في كل ما طبلت منا. والإيتاء، هنا، عبارة عن تعلق الإرادة بوقوع تلك المطالب وحصولها، وإن كان وقوع بعضها مستقبلا، ولذلك قال:
سنشد عضدك بأخيك
[القصص: 35]، وإعادة النداء في قوله: { يا موسى } تشريفا له بتوجيه الخطاب بعد تشريفه بإجابة المطلب. ثم ذكره بنعمة أخرى قد سلفت، فقال: { ولقد مننا عليك مرة أخرى } قبل أن يكون منك لنا طلب، فكيف لا نجيبك بعد الطلب؟ وتلك المنة: { إذ أوحينا إلى أمك } حين تحيرت في أمرك، وخافت عليك من عدوك، فأوحينا إليها وحي منام أو إلهام أو بملك كريم - عليهما السلام - فقلنا لها: { أن اقذفيه في التابوت } أي: ضعيه فيه، وأغلقي عليه حتى لا يصل الماء عليه، { فاقذفيه في اليم } أي: ألقيه في البحر بتابوته، { فليلقه اليم بالساحل } أي: فسيرميه البحر بالساحل، ولما كان إلقاء البحر له بالساحل أمرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية به، جعل البحر كأنه مأمور بإلقائه، ذو تمييز، مطيع، فإن يلقه { يأخذه عدو لي وعدو له } وهو فرعون. ولا تخافي عليه
إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين
[القصص: 7]. وتكرير عداوته والتصريح بها للإشعار بأن عداوته له، مع تحققها، لا تضره، بل تؤدي إلى محبته، لأن الأمر بما فيه الهلاك من القذف في البحر، ووقوعه في يد العدو، مشعر بأن هناك ألطافا خفية، ومننا كامنة مندرجة تحت قهر صوري. وليس المراد بالساحل نفس الشاطئ، بل ما يقابل الوسط، وهو ما يلي الساحل من البحر، حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون، لما روي أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا، ووضعته فيه، ثم قيرته وألقته في اليم. وقيل: كان التابوت من البردى، صنعته أمه. وقال مقاتل: صنعه لها رجل مؤمن اسمه " حزقيل " ، ثم طلته بالقار - أي: الزفت - وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فدفعه الماء إليه، فأتى به إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا ثم مع آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجها، فأحبه فرعون حبا شديدا لا يكاد يتمالك الصبر عنه، وذلك قوله تعالى: { وألقيت عليك محبة مني } ، قال ابن عباس: " أحبه وحببه إلى خلقه ".
وقال قتادة: " ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلا عشقه " ، أي: وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة مني، قد زرعت في القلوب، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، ولذلك أحبك عدو الله وأهله، وذلك ليتعطف عليك. { ولتصنع على عيني } أي: ولتربى بالحنو والشفقة، وتغذى بمرأى مني، مصحوبا برعايتي وحفظي، في أحسن تربية ونشأة. وكان ابتداء ذلك: { إذ تمشي أختك } تتبع تابوتك، فلما أخرجت التمسوا لك المراضع، { فتقول } لفرعون وآسية، حين رأتهما يطلبان له مرضعة يقبل ثديها، وكان لا يقبل ثديا. وصيغة المضارع في الفعلين لحكاية الحال الماضية، والأصل: إذ مشت فقالت: { هل أدلكم على من يكفله }؟ يضمه إلى نفسه ويربيه، وذلك إنما يكون بقبول ثديها. روي أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل لا يرتضي ثدي امرأة، واضطروا إلى تتبع النساء، فخرجت أخته مريم لتتعرف خبره، فجاءت متنكرة، فقالت ما قالت، وقالوا: نعم، فجاءت بأمه فقبل ثديها. قال تعالى: { فرجعناك إلى أمك } وفاء بعهدنا، { كي تقر عينها } بلقائك، { ولا تحزن } أي: ولا يطرأ عليها حزن بفراقك بعد ذلك، { وقتلت } بعد ذلك { نفسا } ، وهي نفس القبطي الذي استغاثه الإسرائيلي عليه. قال كعب: كان إذ ذاك ابن ثنتي عشرة سنة، { فنجيناك من الغم } أي: غم قتله، خوفا من عقاب الله تعالى بالمغفرة، ومن اقتصاص فرعون، بوحينا إليك بالمهاجرة، { وفتناك فتونا } أي: ابتليناك ابتلاء عظيما، وخلصناك مرة بعد أخرى، حتى صلحت للنبوة والرسالة، وهو تحمل ما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن، ومفارقة الأحباب، والمشي راجلا، وفقد الزاد، بعد ما خلصه من الذبح، ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل. وسئل عنها ابن عباس، فقال: خلصناك من محنة بعد محنة، ولد في عام كان يقتل فيه الغلمان، فهذه فتنة، وألقته أمه في البحر، وهم فرعون بقتله، وقتل قبطيا، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، فكل واحدة من هذه فتنة. ه. لكن الذي يقتضيه النظم الكريم أن لا تعد إجارته نفسه وما بعدها من الفتون لأن المراد: ما وقع له قبل وصوله إلى مدين، بدليل قوله تعالى: { فلبثت سنين في أهل مدين } ، إذ لا ريب أن الإجارة وما بعدها كانت بعد وصوله إلى مدين، أي: لبثت عشر سنين في أهل مدين. وقال وهب: لبث عند شعيب ثمانيا وعشرين سنة، عشرا منها في مهر امرأته صفراء بنت شعيب، وثماني عشرة أقام عنده حتى ولد له.
وأشار باللبث في مدين، دون الوصول إليها، إلى ما أصابه في تضاعيفها، من فنون الشدائد والمكاره، التي كل واحد منها فتنة. و " مدين ": بلدة شعيب عليه السلام، على ثماني مراحل من مصر، ولم تبلغها مملكة فرعون، خوفا على نفسه من هيبة النبوة أو يصيبه ما أصاب من خالفه. { ثم جئت } إلى المكان الذي آنست فيه النار، ورأيت فيه الخوارق، وخصصت فيه بالرسالة، { على قدر } قدرته لك في الأزل، ووقت عينته لك، لأكلمك وأرسلك فيه إلى فرعون، فما جئت إلا على ذلك القدر، غير متقدم ولا متأخر، وقيل: على مقدار من الزمان، يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة. { واصطنعتك لنفسي } أي: اختصصتك بالرسالة والمحبة و المناجاة، وهو تذكير لقوله: { وأنا اخترتك } ، وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيدا بأخيه، حسبما طلب، بعد تذكيره المنن السالفة، زيادة في وثوقه عليه السلام بحصول نظائرهم اللاحقة، والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: { وفتناك } إلى تاء المتكلم لمناسبتها للنفس فإنها أدخل في تحقيق الاصطناع والاستخلاص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال قد أوتيت سؤلك أيها الفقير، حيث وصلناك إلى من يأخذ بيدك، ويرشدك إلى ربك ويربيك. ولقد مننا عليك مرة أخرى، حيث أنشأناك بين أبوين مسلمين، فقذفناك في تابوت الإسلام، ثم في نهر الإيمان، ثم رميناك في بحر العرفان، وألقينا عليك محبة منا، فأحببناك وأحببتنا، وألقينا محبتك في قلوب عبادنا، فتربيت في حفظنا ورعايتنا، فلما فارقت الأوطان وهجرت الإخوان، في طلب تحقيق العرفان، رددناك إليهم بعد التمكين، لتنهضهم إلى الله، فتقر أعينهم بطاعة رب العالمين، وقتلت نفسا كانت تحجبك عن ربك، فنجيناك من غم الحجاب، وأخرجناك من سجن الأكوان، إلى فضاء الشهود والعيان، وفتناك بمجاهدة نفسك فتونا عظاما، فتنة الفقر، ثم فتنة الذل، ثم فتنة هجر الأوطان، حتى تخلصت من حبس الأكوان، وجئت إلينا على قدر قدرناه لك، ووقت عيناه لفتحك، فاصطنعتك لنفسي، واجتبيتك لحضرتي بسابق عنايتي، من غير حول منك ولا قوة، فعنايتنا فيك سابقة، فأين كنت حين واجهتك عنايتنا، وقابلتك رعايتنا؟ لم يكن في أزلنا إخلاص أعمال، ولا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال ووجود النوال، كما في الحكم. وأنشدوا:
فلا عمل مني إليك اكتسبته سوى محض فضل لا بشئ يعلل
وقال آخر:
قد كنت أحسب أن وصلك يشترى بنفائس الأموال والأرباح وظننت جهلا أن حبك هين تفنى عليه كرائم الأرواح حتى رأيتك تجتبي وتخص من تختاره بلطائف الإمناح فعلمت أنك لا تنال بحيلة فلويت رأسي تحت طي جناح وجعلت في عش الغرام إقامتي أبدا وفيه توطني ورواح
ثم ارسلها الحق تعالى إلى فرعون
طه 20:39
قلت: { مرة }: منصوب على الظرفية الزمانية، وأصله: فعلة، من المرور، اسم للمرور الواحد، ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد أمثاله، ويقرب منها الكرة والرجعة. و { إذ }: ظرف لمننا، و { أن اقذفيه }: مفسرة، أو مصدرية، و { يأخذه }: جواب " أن اقذفيه ". و { لتصنع }: متعلق بألقيت، عطف على علة مضمرة، أي: ليتعطف عليك ولتربى على حفظي ورعايتي. و { إذ تمشي }: ظرف { لتصنع } على أن المراد وقت مشيها إلى بيت فرعون، وما يترتب عليه من القول والرجع إلى أمه. يقول الحق جل جلاله: { قال } الله تعالى لموسى عليه السلام: { قد أوتيت سؤلك } أي: أعطيت مسؤولك، وبلغنا لك مأمولك في كل ما طبلت منا. والإيتاء، هنا، عبارة عن تعلق الإرادة بوقوع تلك المطالب وحصولها، وإن كان وقوع بعضها مستقبلا، ولذلك قال:
سنشد عضدك بأخيك
[القصص: 35]، وإعادة النداء في قوله: { يا موسى } تشريفا له بتوجيه الخطاب بعد تشريفه بإجابة المطلب. ثم ذكره بنعمة أخرى قد سلفت، فقال: { ولقد مننا عليك مرة أخرى } قبل أن يكون منك لنا طلب، فكيف لا نجيبك بعد الطلب؟ وتلك المنة: { إذ أوحينا إلى أمك } حين تحيرت في أمرك، وخافت عليك من عدوك، فأوحينا إليها وحي منام أو إلهام أو بملك كريم - عليهما السلام - فقلنا لها: { أن اقذفيه في التابوت } أي: ضعيه فيه، وأغلقي عليه حتى لا يصل الماء عليه، { فاقذفيه في اليم } أي: ألقيه في البحر بتابوته، { فليلقه اليم بالساحل } أي: فسيرميه البحر بالساحل، ولما كان إلقاء البحر له بالساحل أمرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية به، جعل البحر كأنه مأمور بإلقائه، ذو تمييز، مطيع، فإن يلقه { يأخذه عدو لي وعدو له } وهو فرعون. ولا تخافي عليه
إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين
[القصص: 7]. وتكرير عداوته والتصريح بها للإشعار بأن عداوته له، مع تحققها، لا تضره، بل تؤدي إلى محبته، لأن الأمر بما فيه الهلاك من القذف في البحر، ووقوعه في يد العدو، مشعر بأن هناك ألطافا خفية، ومننا كامنة مندرجة تحت قهر صوري. وليس المراد بالساحل نفس الشاطئ، بل ما يقابل الوسط، وهو ما يلي الساحل من البحر، حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون، لما روي أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا، ووضعته فيه، ثم قيرته وألقته في اليم. وقيل: كان التابوت من البردى، صنعته أمه. وقال مقاتل: صنعه لها رجل مؤمن اسمه " حزقيل " ، ثم طلته بالقار - أي: الزفت - وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فدفعه الماء إليه، فأتى به إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا ثم مع آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجها، فأحبه فرعون حبا شديدا لا يكاد يتمالك الصبر عنه، وذلك قوله تعالى: { وألقيت عليك محبة مني } ، قال ابن عباس: " أحبه وحببه إلى خلقه ".
وقال قتادة: " ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلا عشقه " ، أي: وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة مني، قد زرعت في القلوب، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، ولذلك أحبك عدو الله وأهله، وذلك ليتعطف عليك. { ولتصنع على عيني } أي: ولتربى بالحنو والشفقة، وتغذى بمرأى مني، مصحوبا برعايتي وحفظي، في أحسن تربية ونشأة. وكان ابتداء ذلك: { إذ تمشي أختك } تتبع تابوتك، فلما أخرجت التمسوا لك المراضع، { فتقول } لفرعون وآسية، حين رأتهما يطلبان له مرضعة يقبل ثديها، وكان لا يقبل ثديا. وصيغة المضارع في الفعلين لحكاية الحال الماضية، والأصل: إذ مشت فقالت: { هل أدلكم على من يكفله }؟ يضمه إلى نفسه ويربيه، وذلك إنما يكون بقبول ثديها. روي أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل لا يرتضي ثدي امرأة، واضطروا إلى تتبع النساء، فخرجت أخته مريم لتتعرف خبره، فجاءت متنكرة، فقالت ما قالت، وقالوا: نعم، فجاءت بأمه فقبل ثديها. قال تعالى: { فرجعناك إلى أمك } وفاء بعهدنا، { كي تقر عينها } بلقائك، { ولا تحزن } أي: ولا يطرأ عليها حزن بفراقك بعد ذلك، { وقتلت } بعد ذلك { نفسا } ، وهي نفس القبطي الذي استغاثه الإسرائيلي عليه. قال كعب: كان إذ ذاك ابن ثنتي عشرة سنة، { فنجيناك من الغم } أي: غم قتله، خوفا من عقاب الله تعالى بالمغفرة، ومن اقتصاص فرعون، بوحينا إليك بالمهاجرة، { وفتناك فتونا } أي: ابتليناك ابتلاء عظيما، وخلصناك مرة بعد أخرى، حتى صلحت للنبوة والرسالة، وهو تحمل ما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن، ومفارقة الأحباب، والمشي راجلا، وفقد الزاد، بعد ما خلصه من الذبح، ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل. وسئل عنها ابن عباس، فقال: خلصناك من محنة بعد محنة، ولد في عام كان يقتل فيه الغلمان، فهذه فتنة، وألقته أمه في البحر، وهم فرعون بقتله، وقتل قبطيا، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، فكل واحدة من هذه فتنة. ه. لكن الذي يقتضيه النظم الكريم أن لا تعد إجارته نفسه وما بعدها من الفتون لأن المراد: ما وقع له قبل وصوله إلى مدين، بدليل قوله تعالى: { فلبثت سنين في أهل مدين } ، إذ لا ريب أن الإجارة وما بعدها كانت بعد وصوله إلى مدين، أي: لبثت عشر سنين في أهل مدين. وقال وهب: لبث عند شعيب ثمانيا وعشرين سنة، عشرا منها في مهر امرأته صفراء بنت شعيب، وثماني عشرة أقام عنده حتى ولد له.
وأشار باللبث في مدين، دون الوصول إليها، إلى ما أصابه في تضاعيفها، من فنون الشدائد والمكاره، التي كل واحد منها فتنة. و " مدين ": بلدة شعيب عليه السلام، على ثماني مراحل من مصر، ولم تبلغها مملكة فرعون، خوفا على نفسه من هيبة النبوة أو يصيبه ما أصاب من خالفه. { ثم جئت } إلى المكان الذي آنست فيه النار، ورأيت فيه الخوارق، وخصصت فيه بالرسالة، { على قدر } قدرته لك في الأزل، ووقت عينته لك، لأكلمك وأرسلك فيه إلى فرعون، فما جئت إلا على ذلك القدر، غير متقدم ولا متأخر، وقيل: على مقدار من الزمان، يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة. { واصطنعتك لنفسي } أي: اختصصتك بالرسالة والمحبة و المناجاة، وهو تذكير لقوله: { وأنا اخترتك } ، وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيدا بأخيه، حسبما طلب، بعد تذكيره المنن السالفة، زيادة في وثوقه عليه السلام بحصول نظائرهم اللاحقة، والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: { وفتناك } إلى تاء المتكلم لمناسبتها للنفس فإنها أدخل في تحقيق الاصطناع والاستخلاص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال قد أوتيت سؤلك أيها الفقير، حيث وصلناك إلى من يأخذ بيدك، ويرشدك إلى ربك ويربيك. ولقد مننا عليك مرة أخرى، حيث أنشأناك بين أبوين مسلمين، فقذفناك في تابوت الإسلام، ثم في نهر الإيمان، ثم رميناك في بحر العرفان، وألقينا عليك محبة منا، فأحببناك وأحببتنا، وألقينا محبتك في قلوب عبادنا، فتربيت في حفظنا ورعايتنا، فلما فارقت الأوطان وهجرت الإخوان، في طلب تحقيق العرفان، رددناك إليهم بعد التمكين، لتنهضهم إلى الله، فتقر أعينهم بطاعة رب العالمين، وقتلت نفسا كانت تحجبك عن ربك، فنجيناك من غم الحجاب، وأخرجناك من سجن الأكوان، إلى فضاء الشهود والعيان، وفتناك بمجاهدة نفسك فتونا عظاما، فتنة الفقر، ثم فتنة الذل، ثم فتنة هجر الأوطان، حتى تخلصت من حبس الأكوان، وجئت إلينا على قدر قدرناه لك، ووقت عيناه لفتحك، فاصطنعتك لنفسي، واجتبيتك لحضرتي بسابق عنايتي، من غير حول منك ولا قوة، فعنايتنا فيك سابقة، فأين كنت حين واجهتك عنايتنا، وقابلتك رعايتنا؟ لم يكن في أزلنا إخلاص أعمال، ولا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال ووجود النوال، كما في الحكم. وأنشدوا:
فلا عمل مني إليك اكتسبته سوى محض فضل لا بشئ يعلل
وقال آخر:
قد كنت أحسب أن وصلك يشترى بنفائس الأموال والأرباح وظننت جهلا أن حبك هين تفنى عليه كرائم الأرواح حتى رأيتك تجتبي وتخص من تختاره بلطائف الإمناح فعلمت أنك لا تنال بحيلة فلويت رأسي تحت طي جناح وجعلت في عش الغرام إقامتي أبدا وفيه توطني ورواح
ثم ارسلها الحق تعالى إلى فرعون
طه 20:40
قلت: { مرة }: منصوب على الظرفية الزمانية، وأصله: فعلة، من المرور، اسم للمرور الواحد، ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد أمثاله، ويقرب منها الكرة والرجعة. و { إذ }: ظرف لمننا، و { أن اقذفيه }: مفسرة، أو مصدرية، و { يأخذه }: جواب " أن اقذفيه ". و { لتصنع }: متعلق بألقيت، عطف على علة مضمرة، أي: ليتعطف عليك ولتربى على حفظي ورعايتي. و { إذ تمشي }: ظرف { لتصنع } على أن المراد وقت مشيها إلى بيت فرعون، وما يترتب عليه من القول والرجع إلى أمه. يقول الحق جل جلاله: { قال } الله تعالى لموسى عليه السلام: { قد أوتيت سؤلك } أي: أعطيت مسؤولك، وبلغنا لك مأمولك في كل ما طبلت منا. والإيتاء، هنا، عبارة عن تعلق الإرادة بوقوع تلك المطالب وحصولها، وإن كان وقوع بعضها مستقبلا، ولذلك قال:
سنشد عضدك بأخيك
[القصص: 35]، وإعادة النداء في قوله: { يا موسى } تشريفا له بتوجيه الخطاب بعد تشريفه بإجابة المطلب. ثم ذكره بنعمة أخرى قد سلفت، فقال: { ولقد مننا عليك مرة أخرى } قبل أن يكون منك لنا طلب، فكيف لا نجيبك بعد الطلب؟ وتلك المنة: { إذ أوحينا إلى أمك } حين تحيرت في أمرك، وخافت عليك من عدوك، فأوحينا إليها وحي منام أو إلهام أو بملك كريم - عليهما السلام - فقلنا لها: { أن اقذفيه في التابوت } أي: ضعيه فيه، وأغلقي عليه حتى لا يصل الماء عليه، { فاقذفيه في اليم } أي: ألقيه في البحر بتابوته، { فليلقه اليم بالساحل } أي: فسيرميه البحر بالساحل، ولما كان إلقاء البحر له بالساحل أمرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية به، جعل البحر كأنه مأمور بإلقائه، ذو تمييز، مطيع، فإن يلقه { يأخذه عدو لي وعدو له } وهو فرعون. ولا تخافي عليه
إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين
[القصص: 7]. وتكرير عداوته والتصريح بها للإشعار بأن عداوته له، مع تحققها، لا تضره، بل تؤدي إلى محبته، لأن الأمر بما فيه الهلاك من القذف في البحر، ووقوعه في يد العدو، مشعر بأن هناك ألطافا خفية، ومننا كامنة مندرجة تحت قهر صوري. وليس المراد بالساحل نفس الشاطئ، بل ما يقابل الوسط، وهو ما يلي الساحل من البحر، حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون، لما روي أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا، ووضعته فيه، ثم قيرته وألقته في اليم. وقيل: كان التابوت من البردى، صنعته أمه. وقال مقاتل: صنعه لها رجل مؤمن اسمه " حزقيل " ، ثم طلته بالقار - أي: الزفت - وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فدفعه الماء إليه، فأتى به إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا ثم مع آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجها، فأحبه فرعون حبا شديدا لا يكاد يتمالك الصبر عنه، وذلك قوله تعالى: { وألقيت عليك محبة مني } ، قال ابن عباس: " أحبه وحببه إلى خلقه ".
وقال قتادة: " ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلا عشقه " ، أي: وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة مني، قد زرعت في القلوب، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، ولذلك أحبك عدو الله وأهله، وذلك ليتعطف عليك. { ولتصنع على عيني } أي: ولتربى بالحنو والشفقة، وتغذى بمرأى مني، مصحوبا برعايتي وحفظي، في أحسن تربية ونشأة. وكان ابتداء ذلك: { إذ تمشي أختك } تتبع تابوتك، فلما أخرجت التمسوا لك المراضع، { فتقول } لفرعون وآسية، حين رأتهما يطلبان له مرضعة يقبل ثديها، وكان لا يقبل ثديا. وصيغة المضارع في الفعلين لحكاية الحال الماضية، والأصل: إذ مشت فقالت: { هل أدلكم على من يكفله }؟ يضمه إلى نفسه ويربيه، وذلك إنما يكون بقبول ثديها. روي أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل لا يرتضي ثدي امرأة، واضطروا إلى تتبع النساء، فخرجت أخته مريم لتتعرف خبره، فجاءت متنكرة، فقالت ما قالت، وقالوا: نعم، فجاءت بأمه فقبل ثديها. قال تعالى: { فرجعناك إلى أمك } وفاء بعهدنا، { كي تقر عينها } بلقائك، { ولا تحزن } أي: ولا يطرأ عليها حزن بفراقك بعد ذلك، { وقتلت } بعد ذلك { نفسا } ، وهي نفس القبطي الذي استغاثه الإسرائيلي عليه. قال كعب: كان إذ ذاك ابن ثنتي عشرة سنة، { فنجيناك من الغم } أي: غم قتله، خوفا من عقاب الله تعالى بالمغفرة، ومن اقتصاص فرعون، بوحينا إليك بالمهاجرة، { وفتناك فتونا } أي: ابتليناك ابتلاء عظيما، وخلصناك مرة بعد أخرى، حتى صلحت للنبوة والرسالة، وهو تحمل ما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن، ومفارقة الأحباب، والمشي راجلا، وفقد الزاد، بعد ما خلصه من الذبح، ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل. وسئل عنها ابن عباس، فقال: خلصناك من محنة بعد محنة، ولد في عام كان يقتل فيه الغلمان، فهذه فتنة، وألقته أمه في البحر، وهم فرعون بقتله، وقتل قبطيا، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، فكل واحدة من هذه فتنة. ه. لكن الذي يقتضيه النظم الكريم أن لا تعد إجارته نفسه وما بعدها من الفتون لأن المراد: ما وقع له قبل وصوله إلى مدين، بدليل قوله تعالى: { فلبثت سنين في أهل مدين } ، إذ لا ريب أن الإجارة وما بعدها كانت بعد وصوله إلى مدين، أي: لبثت عشر سنين في أهل مدين. وقال وهب: لبث عند شعيب ثمانيا وعشرين سنة، عشرا منها في مهر امرأته صفراء بنت شعيب، وثماني عشرة أقام عنده حتى ولد له.
وأشار باللبث في مدين، دون الوصول إليها، إلى ما أصابه في تضاعيفها، من فنون الشدائد والمكاره، التي كل واحد منها فتنة. و " مدين ": بلدة شعيب عليه السلام، على ثماني مراحل من مصر، ولم تبلغها مملكة فرعون، خوفا على نفسه من هيبة النبوة أو يصيبه ما أصاب من خالفه. { ثم جئت } إلى المكان الذي آنست فيه النار، ورأيت فيه الخوارق، وخصصت فيه بالرسالة، { على قدر } قدرته لك في الأزل، ووقت عينته لك، لأكلمك وأرسلك فيه إلى فرعون، فما جئت إلا على ذلك القدر، غير متقدم ولا متأخر، وقيل: على مقدار من الزمان، يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة. { واصطنعتك لنفسي } أي: اختصصتك بالرسالة والمحبة و المناجاة، وهو تذكير لقوله: { وأنا اخترتك } ، وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيدا بأخيه، حسبما طلب، بعد تذكيره المنن السالفة، زيادة في وثوقه عليه السلام بحصول نظائرهم اللاحقة، والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: { وفتناك } إلى تاء المتكلم لمناسبتها للنفس فإنها أدخل في تحقيق الاصطناع والاستخلاص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال قد أوتيت سؤلك أيها الفقير، حيث وصلناك إلى من يأخذ بيدك، ويرشدك إلى ربك ويربيك. ولقد مننا عليك مرة أخرى، حيث أنشأناك بين أبوين مسلمين، فقذفناك في تابوت الإسلام، ثم في نهر الإيمان، ثم رميناك في بحر العرفان، وألقينا عليك محبة منا، فأحببناك وأحببتنا، وألقينا محبتك في قلوب عبادنا، فتربيت في حفظنا ورعايتنا، فلما فارقت الأوطان وهجرت الإخوان، في طلب تحقيق العرفان، رددناك إليهم بعد التمكين، لتنهضهم إلى الله، فتقر أعينهم بطاعة رب العالمين، وقتلت نفسا كانت تحجبك عن ربك، فنجيناك من غم الحجاب، وأخرجناك من سجن الأكوان، إلى فضاء الشهود والعيان، وفتناك بمجاهدة نفسك فتونا عظاما، فتنة الفقر، ثم فتنة الذل، ثم فتنة هجر الأوطان، حتى تخلصت من حبس الأكوان، وجئت إلينا على قدر قدرناه لك، ووقت عيناه لفتحك، فاصطنعتك لنفسي، واجتبيتك لحضرتي بسابق عنايتي، من غير حول منك ولا قوة، فعنايتنا فيك سابقة، فأين كنت حين واجهتك عنايتنا، وقابلتك رعايتنا؟ لم يكن في أزلنا إخلاص أعمال، ولا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال ووجود النوال، كما في الحكم. وأنشدوا:
فلا عمل مني إليك اكتسبته سوى محض فضل لا بشئ يعلل
وقال آخر:
قد كنت أحسب أن وصلك يشترى بنفائس الأموال والأرباح وظننت جهلا أن حبك هين تفنى عليه كرائم الأرواح حتى رأيتك تجتبي وتخص من تختاره بلطائف الإمناح فعلمت أنك لا تنال بحيلة فلويت رأسي تحت طي جناح وجعلت في عش الغرام إقامتي أبدا وفيه توطني ورواح
ثم ارسلها الحق تعالى إلى فرعون
طه 20:41
قلت: { مرة }: منصوب على الظرفية الزمانية، وأصله: فعلة، من المرور، اسم للمرور الواحد، ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد أمثاله، ويقرب منها الكرة والرجعة. و { إذ }: ظرف لمننا، و { أن اقذفيه }: مفسرة، أو مصدرية، و { يأخذه }: جواب " أن اقذفيه ". و { لتصنع }: متعلق بألقيت، عطف على علة مضمرة، أي: ليتعطف عليك ولتربى على حفظي ورعايتي. و { إذ تمشي }: ظرف { لتصنع } على أن المراد وقت مشيها إلى بيت فرعون، وما يترتب عليه من القول والرجع إلى أمه. يقول الحق جل جلاله: { قال } الله تعالى لموسى عليه السلام: { قد أوتيت سؤلك } أي: أعطيت مسؤولك، وبلغنا لك مأمولك في كل ما طبلت منا. والإيتاء، هنا، عبارة عن تعلق الإرادة بوقوع تلك المطالب وحصولها، وإن كان وقوع بعضها مستقبلا، ولذلك قال:
سنشد عضدك بأخيك
[القصص: 35]، وإعادة النداء في قوله: { يا موسى } تشريفا له بتوجيه الخطاب بعد تشريفه بإجابة المطلب. ثم ذكره بنعمة أخرى قد سلفت، فقال: { ولقد مننا عليك مرة أخرى } قبل أن يكون منك لنا طلب، فكيف لا نجيبك بعد الطلب؟ وتلك المنة: { إذ أوحينا إلى أمك } حين تحيرت في أمرك، وخافت عليك من عدوك، فأوحينا إليها وحي منام أو إلهام أو بملك كريم - عليهما السلام - فقلنا لها: { أن اقذفيه في التابوت } أي: ضعيه فيه، وأغلقي عليه حتى لا يصل الماء عليه، { فاقذفيه في اليم } أي: ألقيه في البحر بتابوته، { فليلقه اليم بالساحل } أي: فسيرميه البحر بالساحل، ولما كان إلقاء البحر له بالساحل أمرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية به، جعل البحر كأنه مأمور بإلقائه، ذو تمييز، مطيع، فإن يلقه { يأخذه عدو لي وعدو له } وهو فرعون. ولا تخافي عليه
إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين
[القصص: 7]. وتكرير عداوته والتصريح بها للإشعار بأن عداوته له، مع تحققها، لا تضره، بل تؤدي إلى محبته، لأن الأمر بما فيه الهلاك من القذف في البحر، ووقوعه في يد العدو، مشعر بأن هناك ألطافا خفية، ومننا كامنة مندرجة تحت قهر صوري. وليس المراد بالساحل نفس الشاطئ، بل ما يقابل الوسط، وهو ما يلي الساحل من البحر، حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون، لما روي أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا، ووضعته فيه، ثم قيرته وألقته في اليم. وقيل: كان التابوت من البردى، صنعته أمه. وقال مقاتل: صنعه لها رجل مؤمن اسمه " حزقيل " ، ثم طلته بالقار - أي: الزفت - وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فدفعه الماء إليه، فأتى به إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا ثم مع آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجها، فأحبه فرعون حبا شديدا لا يكاد يتمالك الصبر عنه، وذلك قوله تعالى: { وألقيت عليك محبة مني } ، قال ابن عباس: " أحبه وحببه إلى خلقه ".
وقال قتادة: " ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلا عشقه " ، أي: وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة مني، قد زرعت في القلوب، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، ولذلك أحبك عدو الله وأهله، وذلك ليتعطف عليك. { ولتصنع على عيني } أي: ولتربى بالحنو والشفقة، وتغذى بمرأى مني، مصحوبا برعايتي وحفظي، في أحسن تربية ونشأة. وكان ابتداء ذلك: { إذ تمشي أختك } تتبع تابوتك، فلما أخرجت التمسوا لك المراضع، { فتقول } لفرعون وآسية، حين رأتهما يطلبان له مرضعة يقبل ثديها، وكان لا يقبل ثديا. وصيغة المضارع في الفعلين لحكاية الحال الماضية، والأصل: إذ مشت فقالت: { هل أدلكم على من يكفله }؟ يضمه إلى نفسه ويربيه، وذلك إنما يكون بقبول ثديها. روي أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل لا يرتضي ثدي امرأة، واضطروا إلى تتبع النساء، فخرجت أخته مريم لتتعرف خبره، فجاءت متنكرة، فقالت ما قالت، وقالوا: نعم، فجاءت بأمه فقبل ثديها. قال تعالى: { فرجعناك إلى أمك } وفاء بعهدنا، { كي تقر عينها } بلقائك، { ولا تحزن } أي: ولا يطرأ عليها حزن بفراقك بعد ذلك، { وقتلت } بعد ذلك { نفسا } ، وهي نفس القبطي الذي استغاثه الإسرائيلي عليه. قال كعب: كان إذ ذاك ابن ثنتي عشرة سنة، { فنجيناك من الغم } أي: غم قتله، خوفا من عقاب الله تعالى بالمغفرة، ومن اقتصاص فرعون، بوحينا إليك بالمهاجرة، { وفتناك فتونا } أي: ابتليناك ابتلاء عظيما، وخلصناك مرة بعد أخرى، حتى صلحت للنبوة والرسالة، وهو تحمل ما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن، ومفارقة الأحباب، والمشي راجلا، وفقد الزاد، بعد ما خلصه من الذبح، ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل. وسئل عنها ابن عباس، فقال: خلصناك من محنة بعد محنة، ولد في عام كان يقتل فيه الغلمان، فهذه فتنة، وألقته أمه في البحر، وهم فرعون بقتله، وقتل قبطيا، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، فكل واحدة من هذه فتنة. ه. لكن الذي يقتضيه النظم الكريم أن لا تعد إجارته نفسه وما بعدها من الفتون لأن المراد: ما وقع له قبل وصوله إلى مدين، بدليل قوله تعالى: { فلبثت سنين في أهل مدين } ، إذ لا ريب أن الإجارة وما بعدها كانت بعد وصوله إلى مدين، أي: لبثت عشر سنين في أهل مدين. وقال وهب: لبث عند شعيب ثمانيا وعشرين سنة، عشرا منها في مهر امرأته صفراء بنت شعيب، وثماني عشرة أقام عنده حتى ولد له.
وأشار باللبث في مدين، دون الوصول إليها، إلى ما أصابه في تضاعيفها، من فنون الشدائد والمكاره، التي كل واحد منها فتنة. و " مدين ": بلدة شعيب عليه السلام، على ثماني مراحل من مصر، ولم تبلغها مملكة فرعون، خوفا على نفسه من هيبة النبوة أو يصيبه ما أصاب من خالفه. { ثم جئت } إلى المكان الذي آنست فيه النار، ورأيت فيه الخوارق، وخصصت فيه بالرسالة، { على قدر } قدرته لك في الأزل، ووقت عينته لك، لأكلمك وأرسلك فيه إلى فرعون، فما جئت إلا على ذلك القدر، غير متقدم ولا متأخر، وقيل: على مقدار من الزمان، يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة. { واصطنعتك لنفسي } أي: اختصصتك بالرسالة والمحبة و المناجاة، وهو تذكير لقوله: { وأنا اخترتك } ، وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيدا بأخيه، حسبما طلب، بعد تذكيره المنن السالفة، زيادة في وثوقه عليه السلام بحصول نظائرهم اللاحقة، والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: { وفتناك } إلى تاء المتكلم لمناسبتها للنفس فإنها أدخل في تحقيق الاصطناع والاستخلاص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال قد أوتيت سؤلك أيها الفقير، حيث وصلناك إلى من يأخذ بيدك، ويرشدك إلى ربك ويربيك. ولقد مننا عليك مرة أخرى، حيث أنشأناك بين أبوين مسلمين، فقذفناك في تابوت الإسلام، ثم في نهر الإيمان، ثم رميناك في بحر العرفان، وألقينا عليك محبة منا، فأحببناك وأحببتنا، وألقينا محبتك في قلوب عبادنا، فتربيت في حفظنا ورعايتنا، فلما فارقت الأوطان وهجرت الإخوان، في طلب تحقيق العرفان، رددناك إليهم بعد التمكين، لتنهضهم إلى الله، فتقر أعينهم بطاعة رب العالمين، وقتلت نفسا كانت تحجبك عن ربك، فنجيناك من غم الحجاب، وأخرجناك من سجن الأكوان، إلى فضاء الشهود والعيان، وفتناك بمجاهدة نفسك فتونا عظاما، فتنة الفقر، ثم فتنة الذل، ثم فتنة هجر الأوطان، حتى تخلصت من حبس الأكوان، وجئت إلينا على قدر قدرناه لك، ووقت عيناه لفتحك، فاصطنعتك لنفسي، واجتبيتك لحضرتي بسابق عنايتي، من غير حول منك ولا قوة، فعنايتنا فيك سابقة، فأين كنت حين واجهتك عنايتنا، وقابلتك رعايتنا؟ لم يكن في أزلنا إخلاص أعمال، ولا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال ووجود النوال، كما في الحكم. وأنشدوا:
فلا عمل مني إليك اكتسبته سوى محض فضل لا بشئ يعلل
وقال آخر:
قد كنت أحسب أن وصلك يشترى بنفائس الأموال والأرباح وظننت جهلا أن حبك هين تفنى عليه كرائم الأرواح حتى رأيتك تجتبي وتخص من تختاره بلطائف الإمناح فعلمت أنك لا تنال بحيلة فلويت رأسي تحت طي جناح وجعلت في عش الغرام إقامتي أبدا وفيه توطني ورواح
ثم ارسلها الحق تعالى إلى فرعون
طه 20:42
يقول الحق جل جلاله: لسيدنا موسى عليه السلام: { اذهب أنت وأخوك } أي: ليذهب معك أخوك { بآياتي }: بمعجزاتي التي أريتكها، من اليد والعصا، فإنهما وإن كانتا اثنتين، لكن في كل واحدة منهما آيات، فإن في انقلاب العصا حيوانا: آية، وكونها ثعبانا عظيما: آية، وسرعة حركته، مع عظم جرمه: آية، وكذلك اليد فإن بياضها في نفسه آية، وشعاعها آية، ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية. والباء للمصاحبة، أي: اذهبا مصحوبين بمعجزاتنا، مستمسكين بها، { ولا تنيا }: لا تفترا ولا تقصرا { في ذكري } عند تبليغ رسالتي، ولا يشغلكما معاناة التبليغ عن ذكري، بما يليق بحالكما من ذكر لسان أو تفكر أو شهود، فلا تغيبا عن مشاهدتي باشتغالكما بأمري، حتى لا تكونا فاترين في عيني. { اذهبا إلى فرعون إنه طغى }: تجبر وعلا. ولم يكن هارون حاضرا وقت هذا الوحي، وإنما جمعهما تغليبا. روي أنه أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى - عليهما السلام -، وقيل: سمع بإقباله فتلقاه. { فقولا له قولا لينا } لأن تليين القول مما يكسر ثورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة. قال ابن عباس: أي: لا تعنفا في قولكما. وقيل: القول اللين: { هل لك إلى أن تزكى... } الخ، ويعارضه قوله بعد: { فقولا إنا رسولا ربك } وقيل: كنياه، وكان له ثلاثة كنى: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة. وقيل: عداه على قبول الإيمان شبابا لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى الموت، وقيل: اللطافة في القول فإنه رباك وأحسن تربيتك، وله عليك حق الأبوة، { لعله يتذكر } بما بلغتماه من ذكر، ويرغب فيما رغبتماه فيه، { أو يخشى } عقابي. ومحل الجملة: النصب على الحال من ضمير التثنية، أي: فقولا له قولا لينا، راجيين تذكرته، أي: باشرا وعظه مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر علمه ولا يخيب سعيه. وفائدة هذا الإبهام: الحث على المبالغة في وعظه. هذا جواب سيبويه عن الإشكال، وهو أنه تعالى علم أنه لا يؤمن، وقال: { لعله يتذكر } ، فصرف الرجاء إلى موسى وهارون، أي: اذهبا على رجائكما. وقال الوراق: قد تذكر حين ألجمه الغرق. وقال الزجاج: خاطبهم بما يعقلون. قلت: كونه تعالى علم أنه لا يؤمن هو من أسرار القدر الذي لا يكشف في هذه الدار، وهو من أسرار الحقيقة، وإنما بعثت الرسل بإظهار الشرائع، فخاطبهم الحق تعالى بما يناسب التبليغ في عالم الحكمة، والله تعالى أعلم. وجدوى إرسالهما إليه، مع العلم بإحالته، إلزام الحجة وقطع المعذرة. { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا } أي: يعجل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة. وهو من " فرط " إذا تقدم، ومنه: الفارط، للوليد الذي مات صغيرا.
وقرئ بضم الياء، من " أفرط " إذا حمله على العجلة، أي: نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار والخوف على الملك أو غيرهما، على المعاجلة والعقاب، { أو أن يطغى } يزداد طغيانا، كأن يقول في شأنك ما لا ينبغي، لكمال جرأته وقساوته، وإظهار " أن " لإظهار كمال الاعتناء بالأمر، والإشعار بتحقيق الخوف من كل منهما، وهذا القول يحتمل أن يكون قاله موسى ودخل هارون بالتبع، إيذانا بأصالة موسى عليه السلام في كل قول وفعل، وتبعية هارون عليه السلام، أو يكون هارون قال ذلك بعد تلاقيهما، فحكى الله قولهما عند نزول الآية، كما في قوله تعالى:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات
[المؤمنون: 51]، فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة الجمع، مع أن كلا من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد لاستحالة جمعهم في الوجود، فكيف باجتماعهم في الخطاب؟ { قال } تعالى لهما: { لا تخافا } ، وهو استئناف بياني، كأن قائلا قال: فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه؟ فقيل: قال: لا تخافا ما توهمتما من الأمرين، { إنني معكما } بحفظي ورعايتي ونصري ومعونتي، { أسمع وأرى } ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل في كل حال ما يليق بها من دفع ضر وشر، وجلب نفع وخير. { فأتياه } ، أمر بإتيانه، الذي هو عبارة عن الوصول إليه، بعد ما أمر بالذهاب إليه، فلا تكرار، { فقولا } له: { إنا رسولا ربك } إليك، أمر بذلك من أول الأمر، ليعرف الطاغية شأنهما، ويبني جوابه على ذلك، { فأرسل معنا بني إسرائيل } أي: أطلقهم من الأسر والقهر، وأخرجهم من تحت يدك العادية. وليس المراد إرسالهم معه إلى الشام، بدليل قوله: { ولا تعذبهم } بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب، فإنهم كانوا تحت مملكة القبط، يستخدمونهم في الأعمال الصعبة، من الحفر ونقل الأحجار، وضرب اللبن والطين، وبناء المدائن، وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ويقتلون ذكور أولادهم عاما دون عام، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وحده، وتسريح بني إسرائيل. روي أنه لما رغبه في الإيمان بذكر ما أعد الله لأهله من الخلود في الجنة والملك الدائم، أعجبه، فقال: حتى أستشير هامان، وكان غائبا، فقدم، فأخبره، فقال هامان: قد كنت أرى لك عقلا، بينما أنت رب تصير مربوبا، وبينما أنت تعبد تصير تعبد غيرك، فغلبه على رأيه. فقال له موسى: { قد جئناك بآية من ربك } ، قال فرعون: وما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه ثم أخرجها بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب منها، ولم يره العصا إلا بعد ذلك، يوم الزينة. قاله الثعلبي. قلت: والذي يظهر من سورة الشعراء - بل هو صريح فيها - أنه أراه العصا واليد. وإنما أفردت في اللفظ، هنا لأن المراد إثبات الحجة بصحة الرسالة، لا تعدد الآية، وكذلك قوله تعالى:
قد جئتكم بآية من ربكم
[آل عمران: 49]،
أولو جئتك بشيء مبين
[الشعراء: 30]، وأما قوله تعالى:
فأت بهآ إن كنت من الصادقين
[الأعراف: 106] فالظاهر أن المراد بها آية من الآيات. ثم قال له: { والسلام على من اتبع الهدى } أي: وسلام الله وملائكته والمؤمنين المقتضي سلامة الدارين، على من اتبع الهدى، بتصديق آيات الله تعالى الهادية إلى الحق، دون من اتبع الغي والهوى، وفيه من الترغيب، في اتباعها على ألطف وجه، ما لا يخفى. { إنا قد أوحي إلينا } من جهة ربنا، { أن العذاب } الدنيوي والأخروي { على من كذب } بآيات الله { وتولى } أي: أعرض عن قبولها، وفيه من التلطف في الوعيد حيث لم يصرح بحلول العذاب به ما لا مزيد عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل العلم ولأهل الوعظ والتذكير أن يتعاونوا على نشر العلم ووعظ العباد، ويتوجهوا إليهم في أقطار البلاد، فإن ذلك فرض كفاية على أهل العلم، ولا يشغلهم نشر العلم عن ذكر الله، ولا تذكير العباد عن شهود الله، كما قال الله تعالى: { ولا تنيا في ذكري } أي: ولا تغفلا عن شهودي وقت إرشاد عبادي، فإن توجهوا إلى الجبابرة والفراعنة فليلينوا لهم المقال، وليدعوهم إلى أسهل الخلال، فإن ذلك أدعى إلى الامتثال، خلافا لمن قال هذه ملة موسوية، وأما الملة المحمدية فقال تعالى فيها:
وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29] فإن بيان الحق لا ينافي أن يكون بملاطفة وإحسان، فإن خاف الواعظ من صولة المتجبر فإن الله معه، يحفظه ويرعاه، ويسمعه ويراه، فإن لم يسمع لقوله ولم يتعظ لوعظه، فقد بلغ ما عليه، وليقل بلسان الحال أو المقال: والسلام على من اتبع الهدى. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب فرعون: { قال فمن ربكما... }
طه 20:43
يقول الحق جل جلاله: لسيدنا موسى عليه السلام: { اذهب أنت وأخوك } أي: ليذهب معك أخوك { بآياتي }: بمعجزاتي التي أريتكها، من اليد والعصا، فإنهما وإن كانتا اثنتين، لكن في كل واحدة منهما آيات، فإن في انقلاب العصا حيوانا: آية، وكونها ثعبانا عظيما: آية، وسرعة حركته، مع عظم جرمه: آية، وكذلك اليد فإن بياضها في نفسه آية، وشعاعها آية، ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية. والباء للمصاحبة، أي: اذهبا مصحوبين بمعجزاتنا، مستمسكين بها، { ولا تنيا }: لا تفترا ولا تقصرا { في ذكري } عند تبليغ رسالتي، ولا يشغلكما معاناة التبليغ عن ذكري، بما يليق بحالكما من ذكر لسان أو تفكر أو شهود، فلا تغيبا عن مشاهدتي باشتغالكما بأمري، حتى لا تكونا فاترين في عيني. { اذهبا إلى فرعون إنه طغى }: تجبر وعلا. ولم يكن هارون حاضرا وقت هذا الوحي، وإنما جمعهما تغليبا. روي أنه أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى - عليهما السلام -، وقيل: سمع بإقباله فتلقاه. { فقولا له قولا لينا } لأن تليين القول مما يكسر ثورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة. قال ابن عباس: أي: لا تعنفا في قولكما. وقيل: القول اللين: { هل لك إلى أن تزكى... } الخ، ويعارضه قوله بعد: { فقولا إنا رسولا ربك } وقيل: كنياه، وكان له ثلاثة كنى: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة. وقيل: عداه على قبول الإيمان شبابا لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى الموت، وقيل: اللطافة في القول فإنه رباك وأحسن تربيتك، وله عليك حق الأبوة، { لعله يتذكر } بما بلغتماه من ذكر، ويرغب فيما رغبتماه فيه، { أو يخشى } عقابي. ومحل الجملة: النصب على الحال من ضمير التثنية، أي: فقولا له قولا لينا، راجيين تذكرته، أي: باشرا وعظه مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر علمه ولا يخيب سعيه. وفائدة هذا الإبهام: الحث على المبالغة في وعظه. هذا جواب سيبويه عن الإشكال، وهو أنه تعالى علم أنه لا يؤمن، وقال: { لعله يتذكر } ، فصرف الرجاء إلى موسى وهارون، أي: اذهبا على رجائكما. وقال الوراق: قد تذكر حين ألجمه الغرق. وقال الزجاج: خاطبهم بما يعقلون. قلت: كونه تعالى علم أنه لا يؤمن هو من أسرار القدر الذي لا يكشف في هذه الدار، وهو من أسرار الحقيقة، وإنما بعثت الرسل بإظهار الشرائع، فخاطبهم الحق تعالى بما يناسب التبليغ في عالم الحكمة، والله تعالى أعلم. وجدوى إرسالهما إليه، مع العلم بإحالته، إلزام الحجة وقطع المعذرة. { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا } أي: يعجل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة. وهو من " فرط " إذا تقدم، ومنه: الفارط، للوليد الذي مات صغيرا.
وقرئ بضم الياء، من " أفرط " إذا حمله على العجلة، أي: نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار والخوف على الملك أو غيرهما، على المعاجلة والعقاب، { أو أن يطغى } يزداد طغيانا، كأن يقول في شأنك ما لا ينبغي، لكمال جرأته وقساوته، وإظهار " أن " لإظهار كمال الاعتناء بالأمر، والإشعار بتحقيق الخوف من كل منهما، وهذا القول يحتمل أن يكون قاله موسى ودخل هارون بالتبع، إيذانا بأصالة موسى عليه السلام في كل قول وفعل، وتبعية هارون عليه السلام، أو يكون هارون قال ذلك بعد تلاقيهما، فحكى الله قولهما عند نزول الآية، كما في قوله تعالى:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات
[المؤمنون: 51]، فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة الجمع، مع أن كلا من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد لاستحالة جمعهم في الوجود، فكيف باجتماعهم في الخطاب؟ { قال } تعالى لهما: { لا تخافا } ، وهو استئناف بياني، كأن قائلا قال: فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه؟ فقيل: قال: لا تخافا ما توهمتما من الأمرين، { إنني معكما } بحفظي ورعايتي ونصري ومعونتي، { أسمع وأرى } ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل في كل حال ما يليق بها من دفع ضر وشر، وجلب نفع وخير. { فأتياه } ، أمر بإتيانه، الذي هو عبارة عن الوصول إليه، بعد ما أمر بالذهاب إليه، فلا تكرار، { فقولا } له: { إنا رسولا ربك } إليك، أمر بذلك من أول الأمر، ليعرف الطاغية شأنهما، ويبني جوابه على ذلك، { فأرسل معنا بني إسرائيل } أي: أطلقهم من الأسر والقهر، وأخرجهم من تحت يدك العادية. وليس المراد إرسالهم معه إلى الشام، بدليل قوله: { ولا تعذبهم } بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب، فإنهم كانوا تحت مملكة القبط، يستخدمونهم في الأعمال الصعبة، من الحفر ونقل الأحجار، وضرب اللبن والطين، وبناء المدائن، وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ويقتلون ذكور أولادهم عاما دون عام، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وحده، وتسريح بني إسرائيل. روي أنه لما رغبه في الإيمان بذكر ما أعد الله لأهله من الخلود في الجنة والملك الدائم، أعجبه، فقال: حتى أستشير هامان، وكان غائبا، فقدم، فأخبره، فقال هامان: قد كنت أرى لك عقلا، بينما أنت رب تصير مربوبا، وبينما أنت تعبد تصير تعبد غيرك، فغلبه على رأيه. فقال له موسى: { قد جئناك بآية من ربك } ، قال فرعون: وما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه ثم أخرجها بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب منها، ولم يره العصا إلا بعد ذلك، يوم الزينة. قاله الثعلبي. قلت: والذي يظهر من سورة الشعراء - بل هو صريح فيها - أنه أراه العصا واليد. وإنما أفردت في اللفظ، هنا لأن المراد إثبات الحجة بصحة الرسالة، لا تعدد الآية، وكذلك قوله تعالى:
قد جئتكم بآية من ربكم
[آل عمران: 49]،
أولو جئتك بشيء مبين
[الشعراء: 30]، وأما قوله تعالى:
فأت بهآ إن كنت من الصادقين
[الأعراف: 106] فالظاهر أن المراد بها آية من الآيات. ثم قال له: { والسلام على من اتبع الهدى } أي: وسلام الله وملائكته والمؤمنين المقتضي سلامة الدارين، على من اتبع الهدى، بتصديق آيات الله تعالى الهادية إلى الحق، دون من اتبع الغي والهوى، وفيه من الترغيب، في اتباعها على ألطف وجه، ما لا يخفى. { إنا قد أوحي إلينا } من جهة ربنا، { أن العذاب } الدنيوي والأخروي { على من كذب } بآيات الله { وتولى } أي: أعرض عن قبولها، وفيه من التلطف في الوعيد حيث لم يصرح بحلول العذاب به ما لا مزيد عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل العلم ولأهل الوعظ والتذكير أن يتعاونوا على نشر العلم ووعظ العباد، ويتوجهوا إليهم في أقطار البلاد، فإن ذلك فرض كفاية على أهل العلم، ولا يشغلهم نشر العلم عن ذكر الله، ولا تذكير العباد عن شهود الله، كما قال الله تعالى: { ولا تنيا في ذكري } أي: ولا تغفلا عن شهودي وقت إرشاد عبادي، فإن توجهوا إلى الجبابرة والفراعنة فليلينوا لهم المقال، وليدعوهم إلى أسهل الخلال، فإن ذلك أدعى إلى الامتثال، خلافا لمن قال هذه ملة موسوية، وأما الملة المحمدية فقال تعالى فيها:
وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29] فإن بيان الحق لا ينافي أن يكون بملاطفة وإحسان، فإن خاف الواعظ من صولة المتجبر فإن الله معه، يحفظه ويرعاه، ويسمعه ويراه، فإن لم يسمع لقوله ولم يتعظ لوعظه، فقد بلغ ما عليه، وليقل بلسان الحال أو المقال: والسلام على من اتبع الهدى. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب فرعون: { قال فمن ربكما... }
طه 20:44
يقول الحق جل جلاله: لسيدنا موسى عليه السلام: { اذهب أنت وأخوك } أي: ليذهب معك أخوك { بآياتي }: بمعجزاتي التي أريتكها، من اليد والعصا، فإنهما وإن كانتا اثنتين، لكن في كل واحدة منهما آيات، فإن في انقلاب العصا حيوانا: آية، وكونها ثعبانا عظيما: آية، وسرعة حركته، مع عظم جرمه: آية، وكذلك اليد فإن بياضها في نفسه آية، وشعاعها آية، ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية. والباء للمصاحبة، أي: اذهبا مصحوبين بمعجزاتنا، مستمسكين بها، { ولا تنيا }: لا تفترا ولا تقصرا { في ذكري } عند تبليغ رسالتي، ولا يشغلكما معاناة التبليغ عن ذكري، بما يليق بحالكما من ذكر لسان أو تفكر أو شهود، فلا تغيبا عن مشاهدتي باشتغالكما بأمري، حتى لا تكونا فاترين في عيني. { اذهبا إلى فرعون إنه طغى }: تجبر وعلا. ولم يكن هارون حاضرا وقت هذا الوحي، وإنما جمعهما تغليبا. روي أنه أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى - عليهما السلام -، وقيل: سمع بإقباله فتلقاه. { فقولا له قولا لينا } لأن تليين القول مما يكسر ثورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة. قال ابن عباس: أي: لا تعنفا في قولكما. وقيل: القول اللين: { هل لك إلى أن تزكى... } الخ، ويعارضه قوله بعد: { فقولا إنا رسولا ربك } وقيل: كنياه، وكان له ثلاثة كنى: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة. وقيل: عداه على قبول الإيمان شبابا لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى الموت، وقيل: اللطافة في القول فإنه رباك وأحسن تربيتك، وله عليك حق الأبوة، { لعله يتذكر } بما بلغتماه من ذكر، ويرغب فيما رغبتماه فيه، { أو يخشى } عقابي. ومحل الجملة: النصب على الحال من ضمير التثنية، أي: فقولا له قولا لينا، راجيين تذكرته، أي: باشرا وعظه مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر علمه ولا يخيب سعيه. وفائدة هذا الإبهام: الحث على المبالغة في وعظه. هذا جواب سيبويه عن الإشكال، وهو أنه تعالى علم أنه لا يؤمن، وقال: { لعله يتذكر } ، فصرف الرجاء إلى موسى وهارون، أي: اذهبا على رجائكما. وقال الوراق: قد تذكر حين ألجمه الغرق. وقال الزجاج: خاطبهم بما يعقلون. قلت: كونه تعالى علم أنه لا يؤمن هو من أسرار القدر الذي لا يكشف في هذه الدار، وهو من أسرار الحقيقة، وإنما بعثت الرسل بإظهار الشرائع، فخاطبهم الحق تعالى بما يناسب التبليغ في عالم الحكمة، والله تعالى أعلم. وجدوى إرسالهما إليه، مع العلم بإحالته، إلزام الحجة وقطع المعذرة. { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا } أي: يعجل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة. وهو من " فرط " إذا تقدم، ومنه: الفارط، للوليد الذي مات صغيرا.
وقرئ بضم الياء، من " أفرط " إذا حمله على العجلة، أي: نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار والخوف على الملك أو غيرهما، على المعاجلة والعقاب، { أو أن يطغى } يزداد طغيانا، كأن يقول في شأنك ما لا ينبغي، لكمال جرأته وقساوته، وإظهار " أن " لإظهار كمال الاعتناء بالأمر، والإشعار بتحقيق الخوف من كل منهما، وهذا القول يحتمل أن يكون قاله موسى ودخل هارون بالتبع، إيذانا بأصالة موسى عليه السلام في كل قول وفعل، وتبعية هارون عليه السلام، أو يكون هارون قال ذلك بعد تلاقيهما، فحكى الله قولهما عند نزول الآية، كما في قوله تعالى:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات
[المؤمنون: 51]، فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة الجمع، مع أن كلا من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد لاستحالة جمعهم في الوجود، فكيف باجتماعهم في الخطاب؟ { قال } تعالى لهما: { لا تخافا } ، وهو استئناف بياني، كأن قائلا قال: فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه؟ فقيل: قال: لا تخافا ما توهمتما من الأمرين، { إنني معكما } بحفظي ورعايتي ونصري ومعونتي، { أسمع وأرى } ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل في كل حال ما يليق بها من دفع ضر وشر، وجلب نفع وخير. { فأتياه } ، أمر بإتيانه، الذي هو عبارة عن الوصول إليه، بعد ما أمر بالذهاب إليه، فلا تكرار، { فقولا } له: { إنا رسولا ربك } إليك، أمر بذلك من أول الأمر، ليعرف الطاغية شأنهما، ويبني جوابه على ذلك، { فأرسل معنا بني إسرائيل } أي: أطلقهم من الأسر والقهر، وأخرجهم من تحت يدك العادية. وليس المراد إرسالهم معه إلى الشام، بدليل قوله: { ولا تعذبهم } بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب، فإنهم كانوا تحت مملكة القبط، يستخدمونهم في الأعمال الصعبة، من الحفر ونقل الأحجار، وضرب اللبن والطين، وبناء المدائن، وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ويقتلون ذكور أولادهم عاما دون عام، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وحده، وتسريح بني إسرائيل. روي أنه لما رغبه في الإيمان بذكر ما أعد الله لأهله من الخلود في الجنة والملك الدائم، أعجبه، فقال: حتى أستشير هامان، وكان غائبا، فقدم، فأخبره، فقال هامان: قد كنت أرى لك عقلا، بينما أنت رب تصير مربوبا، وبينما أنت تعبد تصير تعبد غيرك، فغلبه على رأيه. فقال له موسى: { قد جئناك بآية من ربك } ، قال فرعون: وما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه ثم أخرجها بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب منها، ولم يره العصا إلا بعد ذلك، يوم الزينة. قاله الثعلبي. قلت: والذي يظهر من سورة الشعراء - بل هو صريح فيها - أنه أراه العصا واليد. وإنما أفردت في اللفظ، هنا لأن المراد إثبات الحجة بصحة الرسالة، لا تعدد الآية، وكذلك قوله تعالى:
قد جئتكم بآية من ربكم
[آل عمران: 49]،
أولو جئتك بشيء مبين
[الشعراء: 30]، وأما قوله تعالى:
فأت بهآ إن كنت من الصادقين
[الأعراف: 106] فالظاهر أن المراد بها آية من الآيات. ثم قال له: { والسلام على من اتبع الهدى } أي: وسلام الله وملائكته والمؤمنين المقتضي سلامة الدارين، على من اتبع الهدى، بتصديق آيات الله تعالى الهادية إلى الحق، دون من اتبع الغي والهوى، وفيه من الترغيب، في اتباعها على ألطف وجه، ما لا يخفى. { إنا قد أوحي إلينا } من جهة ربنا، { أن العذاب } الدنيوي والأخروي { على من كذب } بآيات الله { وتولى } أي: أعرض عن قبولها، وفيه من التلطف في الوعيد حيث لم يصرح بحلول العذاب به ما لا مزيد عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل العلم ولأهل الوعظ والتذكير أن يتعاونوا على نشر العلم ووعظ العباد، ويتوجهوا إليهم في أقطار البلاد، فإن ذلك فرض كفاية على أهل العلم، ولا يشغلهم نشر العلم عن ذكر الله، ولا تذكير العباد عن شهود الله، كما قال الله تعالى: { ولا تنيا في ذكري } أي: ولا تغفلا عن شهودي وقت إرشاد عبادي، فإن توجهوا إلى الجبابرة والفراعنة فليلينوا لهم المقال، وليدعوهم إلى أسهل الخلال، فإن ذلك أدعى إلى الامتثال، خلافا لمن قال هذه ملة موسوية، وأما الملة المحمدية فقال تعالى فيها:
وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29] فإن بيان الحق لا ينافي أن يكون بملاطفة وإحسان، فإن خاف الواعظ من صولة المتجبر فإن الله معه، يحفظه ويرعاه، ويسمعه ويراه، فإن لم يسمع لقوله ولم يتعظ لوعظه، فقد بلغ ما عليه، وليقل بلسان الحال أو المقال: والسلام على من اتبع الهدى. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب فرعون: { قال فمن ربكما... }
طه 20:45
يقول الحق جل جلاله: لسيدنا موسى عليه السلام: { اذهب أنت وأخوك } أي: ليذهب معك أخوك { بآياتي }: بمعجزاتي التي أريتكها، من اليد والعصا، فإنهما وإن كانتا اثنتين، لكن في كل واحدة منهما آيات، فإن في انقلاب العصا حيوانا: آية، وكونها ثعبانا عظيما: آية، وسرعة حركته، مع عظم جرمه: آية، وكذلك اليد فإن بياضها في نفسه آية، وشعاعها آية، ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية. والباء للمصاحبة، أي: اذهبا مصحوبين بمعجزاتنا، مستمسكين بها، { ولا تنيا }: لا تفترا ولا تقصرا { في ذكري } عند تبليغ رسالتي، ولا يشغلكما معاناة التبليغ عن ذكري، بما يليق بحالكما من ذكر لسان أو تفكر أو شهود، فلا تغيبا عن مشاهدتي باشتغالكما بأمري، حتى لا تكونا فاترين في عيني. { اذهبا إلى فرعون إنه طغى }: تجبر وعلا. ولم يكن هارون حاضرا وقت هذا الوحي، وإنما جمعهما تغليبا. روي أنه أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى - عليهما السلام -، وقيل: سمع بإقباله فتلقاه. { فقولا له قولا لينا } لأن تليين القول مما يكسر ثورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة. قال ابن عباس: أي: لا تعنفا في قولكما. وقيل: القول اللين: { هل لك إلى أن تزكى... } الخ، ويعارضه قوله بعد: { فقولا إنا رسولا ربك } وقيل: كنياه، وكان له ثلاثة كنى: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة. وقيل: عداه على قبول الإيمان شبابا لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى الموت، وقيل: اللطافة في القول فإنه رباك وأحسن تربيتك، وله عليك حق الأبوة، { لعله يتذكر } بما بلغتماه من ذكر، ويرغب فيما رغبتماه فيه، { أو يخشى } عقابي. ومحل الجملة: النصب على الحال من ضمير التثنية، أي: فقولا له قولا لينا، راجيين تذكرته، أي: باشرا وعظه مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر علمه ولا يخيب سعيه. وفائدة هذا الإبهام: الحث على المبالغة في وعظه. هذا جواب سيبويه عن الإشكال، وهو أنه تعالى علم أنه لا يؤمن، وقال: { لعله يتذكر } ، فصرف الرجاء إلى موسى وهارون، أي: اذهبا على رجائكما. وقال الوراق: قد تذكر حين ألجمه الغرق. وقال الزجاج: خاطبهم بما يعقلون. قلت: كونه تعالى علم أنه لا يؤمن هو من أسرار القدر الذي لا يكشف في هذه الدار، وهو من أسرار الحقيقة، وإنما بعثت الرسل بإظهار الشرائع، فخاطبهم الحق تعالى بما يناسب التبليغ في عالم الحكمة، والله تعالى أعلم. وجدوى إرسالهما إليه، مع العلم بإحالته، إلزام الحجة وقطع المعذرة. { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا } أي: يعجل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة. وهو من " فرط " إذا تقدم، ومنه: الفارط، للوليد الذي مات صغيرا.
وقرئ بضم الياء، من " أفرط " إذا حمله على العجلة، أي: نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار والخوف على الملك أو غيرهما، على المعاجلة والعقاب، { أو أن يطغى } يزداد طغيانا، كأن يقول في شأنك ما لا ينبغي، لكمال جرأته وقساوته، وإظهار " أن " لإظهار كمال الاعتناء بالأمر، والإشعار بتحقيق الخوف من كل منهما، وهذا القول يحتمل أن يكون قاله موسى ودخل هارون بالتبع، إيذانا بأصالة موسى عليه السلام في كل قول وفعل، وتبعية هارون عليه السلام، أو يكون هارون قال ذلك بعد تلاقيهما، فحكى الله قولهما عند نزول الآية، كما في قوله تعالى:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات
[المؤمنون: 51]، فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة الجمع، مع أن كلا من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد لاستحالة جمعهم في الوجود، فكيف باجتماعهم في الخطاب؟ { قال } تعالى لهما: { لا تخافا } ، وهو استئناف بياني، كأن قائلا قال: فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه؟ فقيل: قال: لا تخافا ما توهمتما من الأمرين، { إنني معكما } بحفظي ورعايتي ونصري ومعونتي، { أسمع وأرى } ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل في كل حال ما يليق بها من دفع ضر وشر، وجلب نفع وخير. { فأتياه } ، أمر بإتيانه، الذي هو عبارة عن الوصول إليه، بعد ما أمر بالذهاب إليه، فلا تكرار، { فقولا } له: { إنا رسولا ربك } إليك، أمر بذلك من أول الأمر، ليعرف الطاغية شأنهما، ويبني جوابه على ذلك، { فأرسل معنا بني إسرائيل } أي: أطلقهم من الأسر والقهر، وأخرجهم من تحت يدك العادية. وليس المراد إرسالهم معه إلى الشام، بدليل قوله: { ولا تعذبهم } بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب، فإنهم كانوا تحت مملكة القبط، يستخدمونهم في الأعمال الصعبة، من الحفر ونقل الأحجار، وضرب اللبن والطين، وبناء المدائن، وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ويقتلون ذكور أولادهم عاما دون عام، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وحده، وتسريح بني إسرائيل. روي أنه لما رغبه في الإيمان بذكر ما أعد الله لأهله من الخلود في الجنة والملك الدائم، أعجبه، فقال: حتى أستشير هامان، وكان غائبا، فقدم، فأخبره، فقال هامان: قد كنت أرى لك عقلا، بينما أنت رب تصير مربوبا، وبينما أنت تعبد تصير تعبد غيرك، فغلبه على رأيه. فقال له موسى: { قد جئناك بآية من ربك } ، قال فرعون: وما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه ثم أخرجها بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب منها، ولم يره العصا إلا بعد ذلك، يوم الزينة. قاله الثعلبي. قلت: والذي يظهر من سورة الشعراء - بل هو صريح فيها - أنه أراه العصا واليد. وإنما أفردت في اللفظ، هنا لأن المراد إثبات الحجة بصحة الرسالة، لا تعدد الآية، وكذلك قوله تعالى:
قد جئتكم بآية من ربكم
[آل عمران: 49]،
أولو جئتك بشيء مبين
[الشعراء: 30]، وأما قوله تعالى:
فأت بهآ إن كنت من الصادقين
[الأعراف: 106] فالظاهر أن المراد بها آية من الآيات. ثم قال له: { والسلام على من اتبع الهدى } أي: وسلام الله وملائكته والمؤمنين المقتضي سلامة الدارين، على من اتبع الهدى، بتصديق آيات الله تعالى الهادية إلى الحق، دون من اتبع الغي والهوى، وفيه من الترغيب، في اتباعها على ألطف وجه، ما لا يخفى. { إنا قد أوحي إلينا } من جهة ربنا، { أن العذاب } الدنيوي والأخروي { على من كذب } بآيات الله { وتولى } أي: أعرض عن قبولها، وفيه من التلطف في الوعيد حيث لم يصرح بحلول العذاب به ما لا مزيد عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل العلم ولأهل الوعظ والتذكير أن يتعاونوا على نشر العلم ووعظ العباد، ويتوجهوا إليهم في أقطار البلاد، فإن ذلك فرض كفاية على أهل العلم، ولا يشغلهم نشر العلم عن ذكر الله، ولا تذكير العباد عن شهود الله، كما قال الله تعالى: { ولا تنيا في ذكري } أي: ولا تغفلا عن شهودي وقت إرشاد عبادي، فإن توجهوا إلى الجبابرة والفراعنة فليلينوا لهم المقال، وليدعوهم إلى أسهل الخلال، فإن ذلك أدعى إلى الامتثال، خلافا لمن قال هذه ملة موسوية، وأما الملة المحمدية فقال تعالى فيها:
وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29] فإن بيان الحق لا ينافي أن يكون بملاطفة وإحسان، فإن خاف الواعظ من صولة المتجبر فإن الله معه، يحفظه ويرعاه، ويسمعه ويراه، فإن لم يسمع لقوله ولم يتعظ لوعظه، فقد بلغ ما عليه، وليقل بلسان الحال أو المقال: والسلام على من اتبع الهدى. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب فرعون: { قال فمن ربكما... }
طه 20:46
يقول الحق جل جلاله: لسيدنا موسى عليه السلام: { اذهب أنت وأخوك } أي: ليذهب معك أخوك { بآياتي }: بمعجزاتي التي أريتكها، من اليد والعصا، فإنهما وإن كانتا اثنتين، لكن في كل واحدة منهما آيات، فإن في انقلاب العصا حيوانا: آية، وكونها ثعبانا عظيما: آية، وسرعة حركته، مع عظم جرمه: آية، وكذلك اليد فإن بياضها في نفسه آية، وشعاعها آية، ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية. والباء للمصاحبة، أي: اذهبا مصحوبين بمعجزاتنا، مستمسكين بها، { ولا تنيا }: لا تفترا ولا تقصرا { في ذكري } عند تبليغ رسالتي، ولا يشغلكما معاناة التبليغ عن ذكري، بما يليق بحالكما من ذكر لسان أو تفكر أو شهود، فلا تغيبا عن مشاهدتي باشتغالكما بأمري، حتى لا تكونا فاترين في عيني. { اذهبا إلى فرعون إنه طغى }: تجبر وعلا. ولم يكن هارون حاضرا وقت هذا الوحي، وإنما جمعهما تغليبا. روي أنه أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى - عليهما السلام -، وقيل: سمع بإقباله فتلقاه. { فقولا له قولا لينا } لأن تليين القول مما يكسر ثورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة. قال ابن عباس: أي: لا تعنفا في قولكما. وقيل: القول اللين: { هل لك إلى أن تزكى... } الخ، ويعارضه قوله بعد: { فقولا إنا رسولا ربك } وقيل: كنياه، وكان له ثلاثة كنى: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة. وقيل: عداه على قبول الإيمان شبابا لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى الموت، وقيل: اللطافة في القول فإنه رباك وأحسن تربيتك، وله عليك حق الأبوة، { لعله يتذكر } بما بلغتماه من ذكر، ويرغب فيما رغبتماه فيه، { أو يخشى } عقابي. ومحل الجملة: النصب على الحال من ضمير التثنية، أي: فقولا له قولا لينا، راجيين تذكرته، أي: باشرا وعظه مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر علمه ولا يخيب سعيه. وفائدة هذا الإبهام: الحث على المبالغة في وعظه. هذا جواب سيبويه عن الإشكال، وهو أنه تعالى علم أنه لا يؤمن، وقال: { لعله يتذكر } ، فصرف الرجاء إلى موسى وهارون، أي: اذهبا على رجائكما. وقال الوراق: قد تذكر حين ألجمه الغرق. وقال الزجاج: خاطبهم بما يعقلون. قلت: كونه تعالى علم أنه لا يؤمن هو من أسرار القدر الذي لا يكشف في هذه الدار، وهو من أسرار الحقيقة، وإنما بعثت الرسل بإظهار الشرائع، فخاطبهم الحق تعالى بما يناسب التبليغ في عالم الحكمة، والله تعالى أعلم. وجدوى إرسالهما إليه، مع العلم بإحالته، إلزام الحجة وقطع المعذرة. { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا } أي: يعجل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة. وهو من " فرط " إذا تقدم، ومنه: الفارط، للوليد الذي مات صغيرا.
وقرئ بضم الياء، من " أفرط " إذا حمله على العجلة، أي: نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار والخوف على الملك أو غيرهما، على المعاجلة والعقاب، { أو أن يطغى } يزداد طغيانا، كأن يقول في شأنك ما لا ينبغي، لكمال جرأته وقساوته، وإظهار " أن " لإظهار كمال الاعتناء بالأمر، والإشعار بتحقيق الخوف من كل منهما، وهذا القول يحتمل أن يكون قاله موسى ودخل هارون بالتبع، إيذانا بأصالة موسى عليه السلام في كل قول وفعل، وتبعية هارون عليه السلام، أو يكون هارون قال ذلك بعد تلاقيهما، فحكى الله قولهما عند نزول الآية، كما في قوله تعالى:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات
[المؤمنون: 51]، فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة الجمع، مع أن كلا من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد لاستحالة جمعهم في الوجود، فكيف باجتماعهم في الخطاب؟ { قال } تعالى لهما: { لا تخافا } ، وهو استئناف بياني، كأن قائلا قال: فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه؟ فقيل: قال: لا تخافا ما توهمتما من الأمرين، { إنني معكما } بحفظي ورعايتي ونصري ومعونتي، { أسمع وأرى } ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل في كل حال ما يليق بها من دفع ضر وشر، وجلب نفع وخير. { فأتياه } ، أمر بإتيانه، الذي هو عبارة عن الوصول إليه، بعد ما أمر بالذهاب إليه، فلا تكرار، { فقولا } له: { إنا رسولا ربك } إليك، أمر بذلك من أول الأمر، ليعرف الطاغية شأنهما، ويبني جوابه على ذلك، { فأرسل معنا بني إسرائيل } أي: أطلقهم من الأسر والقهر، وأخرجهم من تحت يدك العادية. وليس المراد إرسالهم معه إلى الشام، بدليل قوله: { ولا تعذبهم } بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب، فإنهم كانوا تحت مملكة القبط، يستخدمونهم في الأعمال الصعبة، من الحفر ونقل الأحجار، وضرب اللبن والطين، وبناء المدائن، وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ويقتلون ذكور أولادهم عاما دون عام، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وحده، وتسريح بني إسرائيل. روي أنه لما رغبه في الإيمان بذكر ما أعد الله لأهله من الخلود في الجنة والملك الدائم، أعجبه، فقال: حتى أستشير هامان، وكان غائبا، فقدم، فأخبره، فقال هامان: قد كنت أرى لك عقلا، بينما أنت رب تصير مربوبا، وبينما أنت تعبد تصير تعبد غيرك، فغلبه على رأيه. فقال له موسى: { قد جئناك بآية من ربك } ، قال فرعون: وما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه ثم أخرجها بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب منها، ولم يره العصا إلا بعد ذلك، يوم الزينة. قاله الثعلبي. قلت: والذي يظهر من سورة الشعراء - بل هو صريح فيها - أنه أراه العصا واليد. وإنما أفردت في اللفظ، هنا لأن المراد إثبات الحجة بصحة الرسالة، لا تعدد الآية، وكذلك قوله تعالى:
قد جئتكم بآية من ربكم
[آل عمران: 49]،
أولو جئتك بشيء مبين
[الشعراء: 30]، وأما قوله تعالى:
فأت بهآ إن كنت من الصادقين
[الأعراف: 106] فالظاهر أن المراد بها آية من الآيات. ثم قال له: { والسلام على من اتبع الهدى } أي: وسلام الله وملائكته والمؤمنين المقتضي سلامة الدارين، على من اتبع الهدى، بتصديق آيات الله تعالى الهادية إلى الحق، دون من اتبع الغي والهوى، وفيه من الترغيب، في اتباعها على ألطف وجه، ما لا يخفى. { إنا قد أوحي إلينا } من جهة ربنا، { أن العذاب } الدنيوي والأخروي { على من كذب } بآيات الله { وتولى } أي: أعرض عن قبولها، وفيه من التلطف في الوعيد حيث لم يصرح بحلول العذاب به ما لا مزيد عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل العلم ولأهل الوعظ والتذكير أن يتعاونوا على نشر العلم ووعظ العباد، ويتوجهوا إليهم في أقطار البلاد، فإن ذلك فرض كفاية على أهل العلم، ولا يشغلهم نشر العلم عن ذكر الله، ولا تذكير العباد عن شهود الله، كما قال الله تعالى: { ولا تنيا في ذكري } أي: ولا تغفلا عن شهودي وقت إرشاد عبادي، فإن توجهوا إلى الجبابرة والفراعنة فليلينوا لهم المقال، وليدعوهم إلى أسهل الخلال، فإن ذلك أدعى إلى الامتثال، خلافا لمن قال هذه ملة موسوية، وأما الملة المحمدية فقال تعالى فيها:
وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29] فإن بيان الحق لا ينافي أن يكون بملاطفة وإحسان، فإن خاف الواعظ من صولة المتجبر فإن الله معه، يحفظه ويرعاه، ويسمعه ويراه، فإن لم يسمع لقوله ولم يتعظ لوعظه، فقد بلغ ما عليه، وليقل بلسان الحال أو المقال: والسلام على من اتبع الهدى. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب فرعون: { قال فمن ربكما... }
طه 20:47
يقول الحق جل جلاله: لسيدنا موسى عليه السلام: { اذهب أنت وأخوك } أي: ليذهب معك أخوك { بآياتي }: بمعجزاتي التي أريتكها، من اليد والعصا، فإنهما وإن كانتا اثنتين، لكن في كل واحدة منهما آيات، فإن في انقلاب العصا حيوانا: آية، وكونها ثعبانا عظيما: آية، وسرعة حركته، مع عظم جرمه: آية، وكذلك اليد فإن بياضها في نفسه آية، وشعاعها آية، ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية. والباء للمصاحبة، أي: اذهبا مصحوبين بمعجزاتنا، مستمسكين بها، { ولا تنيا }: لا تفترا ولا تقصرا { في ذكري } عند تبليغ رسالتي، ولا يشغلكما معاناة التبليغ عن ذكري، بما يليق بحالكما من ذكر لسان أو تفكر أو شهود، فلا تغيبا عن مشاهدتي باشتغالكما بأمري، حتى لا تكونا فاترين في عيني. { اذهبا إلى فرعون إنه طغى }: تجبر وعلا. ولم يكن هارون حاضرا وقت هذا الوحي، وإنما جمعهما تغليبا. روي أنه أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى - عليهما السلام -، وقيل: سمع بإقباله فتلقاه. { فقولا له قولا لينا } لأن تليين القول مما يكسر ثورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة. قال ابن عباس: أي: لا تعنفا في قولكما. وقيل: القول اللين: { هل لك إلى أن تزكى... } الخ، ويعارضه قوله بعد: { فقولا إنا رسولا ربك } وقيل: كنياه، وكان له ثلاثة كنى: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة. وقيل: عداه على قبول الإيمان شبابا لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى الموت، وقيل: اللطافة في القول فإنه رباك وأحسن تربيتك، وله عليك حق الأبوة، { لعله يتذكر } بما بلغتماه من ذكر، ويرغب فيما رغبتماه فيه، { أو يخشى } عقابي. ومحل الجملة: النصب على الحال من ضمير التثنية، أي: فقولا له قولا لينا، راجيين تذكرته، أي: باشرا وعظه مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر علمه ولا يخيب سعيه. وفائدة هذا الإبهام: الحث على المبالغة في وعظه. هذا جواب سيبويه عن الإشكال، وهو أنه تعالى علم أنه لا يؤمن، وقال: { لعله يتذكر } ، فصرف الرجاء إلى موسى وهارون، أي: اذهبا على رجائكما. وقال الوراق: قد تذكر حين ألجمه الغرق. وقال الزجاج: خاطبهم بما يعقلون. قلت: كونه تعالى علم أنه لا يؤمن هو من أسرار القدر الذي لا يكشف في هذه الدار، وهو من أسرار الحقيقة، وإنما بعثت الرسل بإظهار الشرائع، فخاطبهم الحق تعالى بما يناسب التبليغ في عالم الحكمة، والله تعالى أعلم. وجدوى إرسالهما إليه، مع العلم بإحالته، إلزام الحجة وقطع المعذرة. { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا } أي: يعجل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة. وهو من " فرط " إذا تقدم، ومنه: الفارط، للوليد الذي مات صغيرا.
وقرئ بضم الياء، من " أفرط " إذا حمله على العجلة، أي: نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار والخوف على الملك أو غيرهما، على المعاجلة والعقاب، { أو أن يطغى } يزداد طغيانا، كأن يقول في شأنك ما لا ينبغي، لكمال جرأته وقساوته، وإظهار " أن " لإظهار كمال الاعتناء بالأمر، والإشعار بتحقيق الخوف من كل منهما، وهذا القول يحتمل أن يكون قاله موسى ودخل هارون بالتبع، إيذانا بأصالة موسى عليه السلام في كل قول وفعل، وتبعية هارون عليه السلام، أو يكون هارون قال ذلك بعد تلاقيهما، فحكى الله قولهما عند نزول الآية، كما في قوله تعالى:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات
[المؤمنون: 51]، فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة الجمع، مع أن كلا من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد لاستحالة جمعهم في الوجود، فكيف باجتماعهم في الخطاب؟ { قال } تعالى لهما: { لا تخافا } ، وهو استئناف بياني، كأن قائلا قال: فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه؟ فقيل: قال: لا تخافا ما توهمتما من الأمرين، { إنني معكما } بحفظي ورعايتي ونصري ومعونتي، { أسمع وأرى } ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل في كل حال ما يليق بها من دفع ضر وشر، وجلب نفع وخير. { فأتياه } ، أمر بإتيانه، الذي هو عبارة عن الوصول إليه، بعد ما أمر بالذهاب إليه، فلا تكرار، { فقولا } له: { إنا رسولا ربك } إليك، أمر بذلك من أول الأمر، ليعرف الطاغية شأنهما، ويبني جوابه على ذلك، { فأرسل معنا بني إسرائيل } أي: أطلقهم من الأسر والقهر، وأخرجهم من تحت يدك العادية. وليس المراد إرسالهم معه إلى الشام، بدليل قوله: { ولا تعذبهم } بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب، فإنهم كانوا تحت مملكة القبط، يستخدمونهم في الأعمال الصعبة، من الحفر ونقل الأحجار، وضرب اللبن والطين، وبناء المدائن، وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ويقتلون ذكور أولادهم عاما دون عام، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وحده، وتسريح بني إسرائيل. روي أنه لما رغبه في الإيمان بذكر ما أعد الله لأهله من الخلود في الجنة والملك الدائم، أعجبه، فقال: حتى أستشير هامان، وكان غائبا، فقدم، فأخبره، فقال هامان: قد كنت أرى لك عقلا، بينما أنت رب تصير مربوبا، وبينما أنت تعبد تصير تعبد غيرك، فغلبه على رأيه. فقال له موسى: { قد جئناك بآية من ربك } ، قال فرعون: وما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه ثم أخرجها بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب منها، ولم يره العصا إلا بعد ذلك، يوم الزينة. قاله الثعلبي. قلت: والذي يظهر من سورة الشعراء - بل هو صريح فيها - أنه أراه العصا واليد. وإنما أفردت في اللفظ، هنا لأن المراد إثبات الحجة بصحة الرسالة، لا تعدد الآية، وكذلك قوله تعالى:
قد جئتكم بآية من ربكم
[آل عمران: 49]،
أولو جئتك بشيء مبين
[الشعراء: 30]، وأما قوله تعالى:
فأت بهآ إن كنت من الصادقين
[الأعراف: 106] فالظاهر أن المراد بها آية من الآيات. ثم قال له: { والسلام على من اتبع الهدى } أي: وسلام الله وملائكته والمؤمنين المقتضي سلامة الدارين، على من اتبع الهدى، بتصديق آيات الله تعالى الهادية إلى الحق، دون من اتبع الغي والهوى، وفيه من الترغيب، في اتباعها على ألطف وجه، ما لا يخفى. { إنا قد أوحي إلينا } من جهة ربنا، { أن العذاب } الدنيوي والأخروي { على من كذب } بآيات الله { وتولى } أي: أعرض عن قبولها، وفيه من التلطف في الوعيد حيث لم يصرح بحلول العذاب به ما لا مزيد عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل العلم ولأهل الوعظ والتذكير أن يتعاونوا على نشر العلم ووعظ العباد، ويتوجهوا إليهم في أقطار البلاد، فإن ذلك فرض كفاية على أهل العلم، ولا يشغلهم نشر العلم عن ذكر الله، ولا تذكير العباد عن شهود الله، كما قال الله تعالى: { ولا تنيا في ذكري } أي: ولا تغفلا عن شهودي وقت إرشاد عبادي، فإن توجهوا إلى الجبابرة والفراعنة فليلينوا لهم المقال، وليدعوهم إلى أسهل الخلال، فإن ذلك أدعى إلى الامتثال، خلافا لمن قال هذه ملة موسوية، وأما الملة المحمدية فقال تعالى فيها:
وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29] فإن بيان الحق لا ينافي أن يكون بملاطفة وإحسان، فإن خاف الواعظ من صولة المتجبر فإن الله معه، يحفظه ويرعاه، ويسمعه ويراه، فإن لم يسمع لقوله ولم يتعظ لوعظه، فقد بلغ ما عليه، وليقل بلسان الحال أو المقال: والسلام على من اتبع الهدى. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب فرعون: { قال فمن ربكما... }
طه 20:48
يقول الحق جل جلاله: لسيدنا موسى عليه السلام: { اذهب أنت وأخوك } أي: ليذهب معك أخوك { بآياتي }: بمعجزاتي التي أريتكها، من اليد والعصا، فإنهما وإن كانتا اثنتين، لكن في كل واحدة منهما آيات، فإن في انقلاب العصا حيوانا: آية، وكونها ثعبانا عظيما: آية، وسرعة حركته، مع عظم جرمه: آية، وكذلك اليد فإن بياضها في نفسه آية، وشعاعها آية، ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية. والباء للمصاحبة، أي: اذهبا مصحوبين بمعجزاتنا، مستمسكين بها، { ولا تنيا }: لا تفترا ولا تقصرا { في ذكري } عند تبليغ رسالتي، ولا يشغلكما معاناة التبليغ عن ذكري، بما يليق بحالكما من ذكر لسان أو تفكر أو شهود، فلا تغيبا عن مشاهدتي باشتغالكما بأمري، حتى لا تكونا فاترين في عيني. { اذهبا إلى فرعون إنه طغى }: تجبر وعلا. ولم يكن هارون حاضرا وقت هذا الوحي، وإنما جمعهما تغليبا. روي أنه أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى - عليهما السلام -، وقيل: سمع بإقباله فتلقاه. { فقولا له قولا لينا } لأن تليين القول مما يكسر ثورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة. قال ابن عباس: أي: لا تعنفا في قولكما. وقيل: القول اللين: { هل لك إلى أن تزكى... } الخ، ويعارضه قوله بعد: { فقولا إنا رسولا ربك } وقيل: كنياه، وكان له ثلاثة كنى: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة. وقيل: عداه على قبول الإيمان شبابا لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى الموت، وقيل: اللطافة في القول فإنه رباك وأحسن تربيتك، وله عليك حق الأبوة، { لعله يتذكر } بما بلغتماه من ذكر، ويرغب فيما رغبتماه فيه، { أو يخشى } عقابي. ومحل الجملة: النصب على الحال من ضمير التثنية، أي: فقولا له قولا لينا، راجيين تذكرته، أي: باشرا وعظه مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر علمه ولا يخيب سعيه. وفائدة هذا الإبهام: الحث على المبالغة في وعظه. هذا جواب سيبويه عن الإشكال، وهو أنه تعالى علم أنه لا يؤمن، وقال: { لعله يتذكر } ، فصرف الرجاء إلى موسى وهارون، أي: اذهبا على رجائكما. وقال الوراق: قد تذكر حين ألجمه الغرق. وقال الزجاج: خاطبهم بما يعقلون. قلت: كونه تعالى علم أنه لا يؤمن هو من أسرار القدر الذي لا يكشف في هذه الدار، وهو من أسرار الحقيقة، وإنما بعثت الرسل بإظهار الشرائع، فخاطبهم الحق تعالى بما يناسب التبليغ في عالم الحكمة، والله تعالى أعلم. وجدوى إرسالهما إليه، مع العلم بإحالته، إلزام الحجة وقطع المعذرة. { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا } أي: يعجل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة. وهو من " فرط " إذا تقدم، ومنه: الفارط، للوليد الذي مات صغيرا.
وقرئ بضم الياء، من " أفرط " إذا حمله على العجلة، أي: نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار والخوف على الملك أو غيرهما، على المعاجلة والعقاب، { أو أن يطغى } يزداد طغيانا، كأن يقول في شأنك ما لا ينبغي، لكمال جرأته وقساوته، وإظهار " أن " لإظهار كمال الاعتناء بالأمر، والإشعار بتحقيق الخوف من كل منهما، وهذا القول يحتمل أن يكون قاله موسى ودخل هارون بالتبع، إيذانا بأصالة موسى عليه السلام في كل قول وفعل، وتبعية هارون عليه السلام، أو يكون هارون قال ذلك بعد تلاقيهما، فحكى الله قولهما عند نزول الآية، كما في قوله تعالى:
يأيها الرسل كلوا من الطيبات
[المؤمنون: 51]، فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة الجمع، مع أن كلا من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد لاستحالة جمعهم في الوجود، فكيف باجتماعهم في الخطاب؟ { قال } تعالى لهما: { لا تخافا } ، وهو استئناف بياني، كأن قائلا قال: فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه؟ فقيل: قال: لا تخافا ما توهمتما من الأمرين، { إنني معكما } بحفظي ورعايتي ونصري ومعونتي، { أسمع وأرى } ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل في كل حال ما يليق بها من دفع ضر وشر، وجلب نفع وخير. { فأتياه } ، أمر بإتيانه، الذي هو عبارة عن الوصول إليه، بعد ما أمر بالذهاب إليه، فلا تكرار، { فقولا } له: { إنا رسولا ربك } إليك، أمر بذلك من أول الأمر، ليعرف الطاغية شأنهما، ويبني جوابه على ذلك، { فأرسل معنا بني إسرائيل } أي: أطلقهم من الأسر والقهر، وأخرجهم من تحت يدك العادية. وليس المراد إرسالهم معه إلى الشام، بدليل قوله: { ولا تعذبهم } بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب، فإنهم كانوا تحت مملكة القبط، يستخدمونهم في الأعمال الصعبة، من الحفر ونقل الأحجار، وضرب اللبن والطين، وبناء المدائن، وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ويقتلون ذكور أولادهم عاما دون عام، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وحده، وتسريح بني إسرائيل. روي أنه لما رغبه في الإيمان بذكر ما أعد الله لأهله من الخلود في الجنة والملك الدائم، أعجبه، فقال: حتى أستشير هامان، وكان غائبا، فقدم، فأخبره، فقال هامان: قد كنت أرى لك عقلا، بينما أنت رب تصير مربوبا، وبينما أنت تعبد تصير تعبد غيرك، فغلبه على رأيه. فقال له موسى: { قد جئناك بآية من ربك } ، قال فرعون: وما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه ثم أخرجها بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب منها، ولم يره العصا إلا بعد ذلك، يوم الزينة. قاله الثعلبي. قلت: والذي يظهر من سورة الشعراء - بل هو صريح فيها - أنه أراه العصا واليد. وإنما أفردت في اللفظ، هنا لأن المراد إثبات الحجة بصحة الرسالة، لا تعدد الآية، وكذلك قوله تعالى:
قد جئتكم بآية من ربكم
[آل عمران: 49]،
أولو جئتك بشيء مبين
[الشعراء: 30]، وأما قوله تعالى:
فأت بهآ إن كنت من الصادقين
[الأعراف: 106] فالظاهر أن المراد بها آية من الآيات. ثم قال له: { والسلام على من اتبع الهدى } أي: وسلام الله وملائكته والمؤمنين المقتضي سلامة الدارين، على من اتبع الهدى، بتصديق آيات الله تعالى الهادية إلى الحق، دون من اتبع الغي والهوى، وفيه من الترغيب، في اتباعها على ألطف وجه، ما لا يخفى. { إنا قد أوحي إلينا } من جهة ربنا، { أن العذاب } الدنيوي والأخروي { على من كذب } بآيات الله { وتولى } أي: أعرض عن قبولها، وفيه من التلطف في الوعيد حيث لم يصرح بحلول العذاب به ما لا مزيد عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل العلم ولأهل الوعظ والتذكير أن يتعاونوا على نشر العلم ووعظ العباد، ويتوجهوا إليهم في أقطار البلاد، فإن ذلك فرض كفاية على أهل العلم، ولا يشغلهم نشر العلم عن ذكر الله، ولا تذكير العباد عن شهود الله، كما قال الله تعالى: { ولا تنيا في ذكري } أي: ولا تغفلا عن شهودي وقت إرشاد عبادي، فإن توجهوا إلى الجبابرة والفراعنة فليلينوا لهم المقال، وليدعوهم إلى أسهل الخلال، فإن ذلك أدعى إلى الامتثال، خلافا لمن قال هذه ملة موسوية، وأما الملة المحمدية فقال تعالى فيها:
وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29] فإن بيان الحق لا ينافي أن يكون بملاطفة وإحسان، فإن خاف الواعظ من صولة المتجبر فإن الله معه، يحفظه ويرعاه، ويسمعه ويراه، فإن لم يسمع لقوله ولم يتعظ لوعظه، فقد بلغ ما عليه، وليقل بلسان الحال أو المقال: والسلام على من اتبع الهدى. وبالله التوفيق. ثم ذكر جواب فرعون: { قال فمن ربكما... }
طه 20:49
قلت: { خلقه }: يحتمل أن يكون اسما بمعنى المخلوق، فيكون مفعولا أولا، و { كل شيء }: مفعولا ثانيا، أو يكون مصدرا بمعنى الخلقة، فيكون مفعولا ثانيا، أي: أعطى كل شيء خلقته وصورته التي هو عليها. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون في جواب موسى، لما أتاه مع أخيه وبلغا الرسالة، وقالا له ما أمرهما به ربهما، وإنما حذفه للإيجاز، وللإشعار بأنهما لما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال من غير تلعثم، أو بأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به، فقال لهما فرعون: { فمن ربكما يا موسى }؟ لم يضف الرب إلى نفسه لغاية عتوه وطغيانه، بل أضافه إليهما، وفي الشعراء:
وما رب العالمين
[الشعراء: 23]، والجمع بينهما تعدد الدعوة، ففي كل مرة حكى لنا ما قال. وتخصيص النداء بموسى، مع توجيه الخطاب إليهما لأنه الأصل في الرسالة، وهارون وزيره. { قال } موسى عليه السلام مجيبا له: { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه } أي: ربنا هو الذي أعطى كل شيء خلقه، أي: مخلوقاته مما يحتاجون إليه ويرتفقون به في قوام أبدانهم ومعايشهم، أو أعطى كل شيء خلقته وصورته التي يختص بها، ولم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان. ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا. أو أعطى كل شيء فعله وتصرفه، فاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، أو أعطى كل شيء شكله من جنسه، للإنسان زوجة، وللبعير ناقة، وللفرس رمكة، وللحمار أتانا. { ثم هدى } إلى طريق الانتفاع والارتقاء، بما أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله، فألهمه الرضاع والأكل والشرب والجماع، وطلب الرعي وتوفي المهالك، وكيف يأتي الذكر الأنثى. ولما كان الخلق - الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام - مقدما على الهداية، التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجسام، عطف بثم المفيدة للتراخي. ولقد ساق عليه السلام جوابه على نمط رائق، وأسلوب لائق حيث بين أنه تعالى عالم قادر بالذات، خالق لجميع الكائنات، منعم عليهم بجميع النعم السابغات، هاد لهم إلى طرق المرتفقات. { قال } فرعون: { فما بال القرون الأولى } أي: ما حالها بعد الموت، وما فعل الله بها؟ فقال له موسى: هذا غيب لا يعلمه إلا الله، وهو معنى قوله: { علمها عند ربي } ، أو ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ فأجابه عليه السلام بأن العلم بأحوالهم مفصلة مما لا ملامسة له بمنصب الرسالة، وإنما علمها عند الله عز وجل. وكأن عدو الله، لما خاف أن يبهت، ويفتضح، ويظهر للناس حجة موسى عليه السلام، أراد أن يصرفه عليه السلام إلى ما لا يعني، من ذكر الحكايات التي لا مسيس لها بمنصب الرسالة فلذلك أعرض عنه، و { قال علمها عند ربي } ، وهذا أحسن من الأول لأنه لو كان سؤاله عن أحوالها بعد الموت لأمكن أن يقول له: من اتبع الهدى منهم فقد سلم وتنعم، ومن تولى فقد عذب وتألم، حسبما نطق به قوله تعالى: { والسلام على من اتبع الهدى }.
وقيل: فما بالها لم تبعث كما يزعم موسى، أو: ما بالها لم تكن على دينك، أو: ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب، وكلها بعيدة. قلت: والذي يظهر أن الطاغية فهم قوله تعالى: { ثم هدى } أي: إلى الإيمان، فاعترض بقوله: فما بال القرون الأولى لم تؤمن حتى هلكت؟ فأجابه موسى عليه السلام بقوله: { علمها عند ربي } ، فهو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى. وقوله: { في كتاب } أي: اللوح المحفوظ، فقد أثبتت فيه بتفاصيلها، ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن تمكنه وتقريره في علم الله - عز وجل - تمكن من استحفظ الشيء، وقيده بالكتابة، كما يلوح به قوله تعالى: { لا يضل ربي } أي: لا يخطئ ابتداء، { ولا ينسى } فيتذكر. وفيه تنبيه على أن كتابته في اللوح المحفوظ ليس لحاجته إليه في العلم به ابتداء أو بقاءا. وإظهار { ربي } في موضع الإضمار، للتلذذ بذكره، وللإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال والنسيان. ولقد أجاب عليه السلام عن السؤال بجواب عبقري بديع، حيث كشف عن حقيقة الحق حجابها، مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى، ووصف الحق تعالى بأوصاف لا يمكن عدو الله أن يتصف بشيء منها، لا حقيقة ولا مجازا، ولو قال له: هو الخالق الرازق، وشبه ذلك، لأمكن أن يغالط ويدعي ذلك لنفسه. ثم تخلص إليه حيث قال: بطريق الحكاية عن الله عز وجل، أو من كلامه عليه السلام: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: كالمهد تتمهدونها بالسكن والقرار، أي: جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم. { وسلك لكم فيها سبلا } أي: طرقا تتوصلون بها من قطر إلى قطر، لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمرافقها ومنافعها، ووسطها بين الجبال والأودية لتعرف أمارات سبلها. { وأنزل من السماء ماء } هو المطر، { فأخرجنا به } ، يحتمل أن يكون من كلام الله، وما قبله من كلام موسى، أو كله من كلام الله تعالى، حكاه موسى عليه السلام، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن، أي: فأخرجنا بذلك الماء { أزواجا }: أصنافا، سميت أزواجا لازدواجها، واقتران بعضها ببعض، كائنة { من نبات شتى }: متفرقة، جمع شتيت: أي: متفرق، وهو، في الأصل، مصدر، يستوي فيه الواحد والجمع، يعني: أنها مختلفة في الشكل واللون والطعم والرائحة والنفع، وبعضها صالح للناس على اختلاف صلاحها لهم، وبعضها للبهائم.
ومن تمام نعمته تعالى أن أرزاق عباده، لما كان تحصيلها بعمل الأنعام، جعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يليق بكونه طعاما لهم، وهو معنى قوله: { كلوا وارعوا أنعامكم } ، والجملة: حال، على إرادة القول، أي: أخرجنا منها أصناف النبات، قائلين: كلوا وارعوا أنعامكم، آذنين في ذلك لكم. { إن في ذلك } المذكور، من شؤونه تعالى، وأفعاله وأنعامه، { لآيات } جليلة واضحة الدلالة على عظيم شأنه تعالى، في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى صحة نبوة موسى وهارون - عليهما السلام-، { لأولي النهى } أي: العقول الصافية، جمع " نهية " ، سمى بها العقل، لنهيه عن اتباع الباطل، وارتكاب القبيح، أي: لذوي العقول الناهية عن الأباطيل، التي من جملتها ما يدعيه الطاغية وما يقبله منه الفئة الباغية. وتخصيص كونها آيات لهم، مع أنها آية للعالمين لأنهم المنتفعون بها. { منها خلقناكم } أي: من الأرض الممهدة لكم، خلقناكم بخلق أبيكم آدم عليه السلام، وأنتم في ضمنه، إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه عليه السلام، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء إجماليا، فكان خلقه عليه السلام منها خلقا لكل منها، وقيل: خلقت أبدانكم من النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض. وقال عطاء: إن الملك الموكل بالرحم ينطلق، فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه العبد، فيذره على النطفة، فتخلق من التراب ومن النطفة. ه. { وفيها نعيدكم } بالإماتة وتفريق الأجزاء، والكلام على الأشباح دون الأرواح، فإنها، بعد السؤال، تصعد إلى السماء، كما يأتي عند قوله تعالى:
فأمآ إن كان من المقربين
[الواقعة: 88] الآية. ولم يقل: وإليها نعيدكم إشارة إلى استقرار العبد فيها، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بتأليف أجزائكم المتفتتة، المختلطة بالتراب، على الهيئة السابقة، ورد الأرواح إليها. وكون هذا الإخراج تارة أخرى: باعتبار أن خلقهم من الأرض إخراج لهم منها، وإن لم يكن على التارة الثانية. والتارة في الأصل: اسم للتور، وهو الجريان، فالتارة واحدة منه، ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتحدة، كما مر في المرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه، مما سبق لهم في أزله، ثم هدى إلى الأسباب الموصلة إليه، فمنهم من كان حظه في الأزل قوت الأشباح، هداه إلى أسبابها، وهم أهل مقام البعد، ومنهم من كان حظه قوت القلوب، فهداه إلى أسبابها من المجاهدة في الطاعات وأنواع القربات، وهم أنواع: فمنهم من شغلهم بتدريس العلوم وتدقيق الفهوم، وتحرير المسائل وتمهيد النوازل، وهداهم إلى أسباب ذلك، وهم حملة الشريعة، إن صحت نيتهم وثبت إخلاصهم. ومنهم من شغلهم بتوالي الطاعات وتعمير الأوقات، وهداهم إلى أسبابها، وقواهم على مشاقها، وهم العباد والزهاد.
ومنهم من شغلهم بإطعام الطعام والرفق بالأنام، وتعمير الزوايا وقبول الهدايا، وهداهم إلى أسباب عمارتها والقيام بها، وهم الصالحون. ومنهم: من كان حظه قوت الأرواح، وهم المريدون السائرون، أهل الرياضة والتصفية، والتخلية والتحلية، والتهذيب والتدريب، وهداهم إلى أسبابها، ووصلهم إلى شيخ كامل يبينها ويسلكها، وهم في ذلك مقامات متفاوتة، على حسب صدقهم وجدهم، ومنهم من كان حظه قوت الأسرار، وهم العارفون الكبار، السابقون المقربون، أهل الفناء والبقاء، أهل الرسوخ والتمكين، فهداهم إلى ما أملوا، ووصلهم إلى ما طلبوا. نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. وقوله: { فما بال القرون الأولى... } الآية، فيه زجر للمريد عن الاشتغال بالحكايات الماضية، لأن في ذلك شغلا عن الله، إلا ما كان فيه زيادة إلى الله، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. وقوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: جعل أرض النفوس مهادا للقيام برسم العبودية، وسلك فيها سبلا توصل إلى مشاهدة الربوبية، لمن سلكها بالرياضة والمجاهدة، وأنزل من سماء الملكوت ماء الواردات الإلهية، تحيا به الأرواح، فتخرج أصنافا من العلوم والحكم شتى، كلوا برعي القلوب في نوار تجلياتها، وارعوا لقوت أشباحكم من ثمار حسياتها، إن في ذلك لآيات لأولي النهى. { منها خلقناكم }: من أرض نفوسكم أخرجناكم، بشهود عظمة الربوبية، وفيها نعيدكم للقيام برسم العبودية، ومنها نخرجكم لتكونوا لله، لا لشيء دونه. أو منها خلقناكم، أي: أخرجناكم من شهود ظلمتها إلى نور خالقها، بالفناء عنها، وفيها نعيدكم بالرجوع إلى الأثر في مقام البقاء، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بعقد الحرية في مقام البقاء، فتكونوا عبيدا شكرا. وبالله التوفيق. ثم إن فرعون لم ينفعه هذه الموعظة ولا ما رأى من الآيات الباهرة...
طه 20:50
قلت: { خلقه }: يحتمل أن يكون اسما بمعنى المخلوق، فيكون مفعولا أولا، و { كل شيء }: مفعولا ثانيا، أو يكون مصدرا بمعنى الخلقة، فيكون مفعولا ثانيا، أي: أعطى كل شيء خلقته وصورته التي هو عليها. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون في جواب موسى، لما أتاه مع أخيه وبلغا الرسالة، وقالا له ما أمرهما به ربهما، وإنما حذفه للإيجاز، وللإشعار بأنهما لما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال من غير تلعثم، أو بأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به، فقال لهما فرعون: { فمن ربكما يا موسى }؟ لم يضف الرب إلى نفسه لغاية عتوه وطغيانه، بل أضافه إليهما، وفي الشعراء:
وما رب العالمين
[الشعراء: 23]، والجمع بينهما تعدد الدعوة، ففي كل مرة حكى لنا ما قال. وتخصيص النداء بموسى، مع توجيه الخطاب إليهما لأنه الأصل في الرسالة، وهارون وزيره. { قال } موسى عليه السلام مجيبا له: { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه } أي: ربنا هو الذي أعطى كل شيء خلقه، أي: مخلوقاته مما يحتاجون إليه ويرتفقون به في قوام أبدانهم ومعايشهم، أو أعطى كل شيء خلقته وصورته التي يختص بها، ولم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان. ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا. أو أعطى كل شيء فعله وتصرفه، فاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، أو أعطى كل شيء شكله من جنسه، للإنسان زوجة، وللبعير ناقة، وللفرس رمكة، وللحمار أتانا. { ثم هدى } إلى طريق الانتفاع والارتقاء، بما أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله، فألهمه الرضاع والأكل والشرب والجماع، وطلب الرعي وتوفي المهالك، وكيف يأتي الذكر الأنثى. ولما كان الخلق - الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام - مقدما على الهداية، التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجسام، عطف بثم المفيدة للتراخي. ولقد ساق عليه السلام جوابه على نمط رائق، وأسلوب لائق حيث بين أنه تعالى عالم قادر بالذات، خالق لجميع الكائنات، منعم عليهم بجميع النعم السابغات، هاد لهم إلى طرق المرتفقات. { قال } فرعون: { فما بال القرون الأولى } أي: ما حالها بعد الموت، وما فعل الله بها؟ فقال له موسى: هذا غيب لا يعلمه إلا الله، وهو معنى قوله: { علمها عند ربي } ، أو ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ فأجابه عليه السلام بأن العلم بأحوالهم مفصلة مما لا ملامسة له بمنصب الرسالة، وإنما علمها عند الله عز وجل. وكأن عدو الله، لما خاف أن يبهت، ويفتضح، ويظهر للناس حجة موسى عليه السلام، أراد أن يصرفه عليه السلام إلى ما لا يعني، من ذكر الحكايات التي لا مسيس لها بمنصب الرسالة فلذلك أعرض عنه، و { قال علمها عند ربي } ، وهذا أحسن من الأول لأنه لو كان سؤاله عن أحوالها بعد الموت لأمكن أن يقول له: من اتبع الهدى منهم فقد سلم وتنعم، ومن تولى فقد عذب وتألم، حسبما نطق به قوله تعالى: { والسلام على من اتبع الهدى }.
وقيل: فما بالها لم تبعث كما يزعم موسى، أو: ما بالها لم تكن على دينك، أو: ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب، وكلها بعيدة. قلت: والذي يظهر أن الطاغية فهم قوله تعالى: { ثم هدى } أي: إلى الإيمان، فاعترض بقوله: فما بال القرون الأولى لم تؤمن حتى هلكت؟ فأجابه موسى عليه السلام بقوله: { علمها عند ربي } ، فهو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى. وقوله: { في كتاب } أي: اللوح المحفوظ، فقد أثبتت فيه بتفاصيلها، ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن تمكنه وتقريره في علم الله - عز وجل - تمكن من استحفظ الشيء، وقيده بالكتابة، كما يلوح به قوله تعالى: { لا يضل ربي } أي: لا يخطئ ابتداء، { ولا ينسى } فيتذكر. وفيه تنبيه على أن كتابته في اللوح المحفوظ ليس لحاجته إليه في العلم به ابتداء أو بقاءا. وإظهار { ربي } في موضع الإضمار، للتلذذ بذكره، وللإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال والنسيان. ولقد أجاب عليه السلام عن السؤال بجواب عبقري بديع، حيث كشف عن حقيقة الحق حجابها، مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى، ووصف الحق تعالى بأوصاف لا يمكن عدو الله أن يتصف بشيء منها، لا حقيقة ولا مجازا، ولو قال له: هو الخالق الرازق، وشبه ذلك، لأمكن أن يغالط ويدعي ذلك لنفسه. ثم تخلص إليه حيث قال: بطريق الحكاية عن الله عز وجل، أو من كلامه عليه السلام: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: كالمهد تتمهدونها بالسكن والقرار، أي: جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم. { وسلك لكم فيها سبلا } أي: طرقا تتوصلون بها من قطر إلى قطر، لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمرافقها ومنافعها، ووسطها بين الجبال والأودية لتعرف أمارات سبلها. { وأنزل من السماء ماء } هو المطر، { فأخرجنا به } ، يحتمل أن يكون من كلام الله، وما قبله من كلام موسى، أو كله من كلام الله تعالى، حكاه موسى عليه السلام، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن، أي: فأخرجنا بذلك الماء { أزواجا }: أصنافا، سميت أزواجا لازدواجها، واقتران بعضها ببعض، كائنة { من نبات شتى }: متفرقة، جمع شتيت: أي: متفرق، وهو، في الأصل، مصدر، يستوي فيه الواحد والجمع، يعني: أنها مختلفة في الشكل واللون والطعم والرائحة والنفع، وبعضها صالح للناس على اختلاف صلاحها لهم، وبعضها للبهائم.
ومن تمام نعمته تعالى أن أرزاق عباده، لما كان تحصيلها بعمل الأنعام، جعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يليق بكونه طعاما لهم، وهو معنى قوله: { كلوا وارعوا أنعامكم } ، والجملة: حال، على إرادة القول، أي: أخرجنا منها أصناف النبات، قائلين: كلوا وارعوا أنعامكم، آذنين في ذلك لكم. { إن في ذلك } المذكور، من شؤونه تعالى، وأفعاله وأنعامه، { لآيات } جليلة واضحة الدلالة على عظيم شأنه تعالى، في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى صحة نبوة موسى وهارون - عليهما السلام-، { لأولي النهى } أي: العقول الصافية، جمع " نهية " ، سمى بها العقل، لنهيه عن اتباع الباطل، وارتكاب القبيح، أي: لذوي العقول الناهية عن الأباطيل، التي من جملتها ما يدعيه الطاغية وما يقبله منه الفئة الباغية. وتخصيص كونها آيات لهم، مع أنها آية للعالمين لأنهم المنتفعون بها. { منها خلقناكم } أي: من الأرض الممهدة لكم، خلقناكم بخلق أبيكم آدم عليه السلام، وأنتم في ضمنه، إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه عليه السلام، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء إجماليا، فكان خلقه عليه السلام منها خلقا لكل منها، وقيل: خلقت أبدانكم من النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض. وقال عطاء: إن الملك الموكل بالرحم ينطلق، فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه العبد، فيذره على النطفة، فتخلق من التراب ومن النطفة. ه. { وفيها نعيدكم } بالإماتة وتفريق الأجزاء، والكلام على الأشباح دون الأرواح، فإنها، بعد السؤال، تصعد إلى السماء، كما يأتي عند قوله تعالى:
فأمآ إن كان من المقربين
[الواقعة: 88] الآية. ولم يقل: وإليها نعيدكم إشارة إلى استقرار العبد فيها، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بتأليف أجزائكم المتفتتة، المختلطة بالتراب، على الهيئة السابقة، ورد الأرواح إليها. وكون هذا الإخراج تارة أخرى: باعتبار أن خلقهم من الأرض إخراج لهم منها، وإن لم يكن على التارة الثانية. والتارة في الأصل: اسم للتور، وهو الجريان، فالتارة واحدة منه، ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتحدة، كما مر في المرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه، مما سبق لهم في أزله، ثم هدى إلى الأسباب الموصلة إليه، فمنهم من كان حظه في الأزل قوت الأشباح، هداه إلى أسبابها، وهم أهل مقام البعد، ومنهم من كان حظه قوت القلوب، فهداه إلى أسبابها من المجاهدة في الطاعات وأنواع القربات، وهم أنواع: فمنهم من شغلهم بتدريس العلوم وتدقيق الفهوم، وتحرير المسائل وتمهيد النوازل، وهداهم إلى أسباب ذلك، وهم حملة الشريعة، إن صحت نيتهم وثبت إخلاصهم. ومنهم من شغلهم بتوالي الطاعات وتعمير الأوقات، وهداهم إلى أسبابها، وقواهم على مشاقها، وهم العباد والزهاد.
ومنهم من شغلهم بإطعام الطعام والرفق بالأنام، وتعمير الزوايا وقبول الهدايا، وهداهم إلى أسباب عمارتها والقيام بها، وهم الصالحون. ومنهم: من كان حظه قوت الأرواح، وهم المريدون السائرون، أهل الرياضة والتصفية، والتخلية والتحلية، والتهذيب والتدريب، وهداهم إلى أسبابها، ووصلهم إلى شيخ كامل يبينها ويسلكها، وهم في ذلك مقامات متفاوتة، على حسب صدقهم وجدهم، ومنهم من كان حظه قوت الأسرار، وهم العارفون الكبار، السابقون المقربون، أهل الفناء والبقاء، أهل الرسوخ والتمكين، فهداهم إلى ما أملوا، ووصلهم إلى ما طلبوا. نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. وقوله: { فما بال القرون الأولى... } الآية، فيه زجر للمريد عن الاشتغال بالحكايات الماضية، لأن في ذلك شغلا عن الله، إلا ما كان فيه زيادة إلى الله، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. وقوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: جعل أرض النفوس مهادا للقيام برسم العبودية، وسلك فيها سبلا توصل إلى مشاهدة الربوبية، لمن سلكها بالرياضة والمجاهدة، وأنزل من سماء الملكوت ماء الواردات الإلهية، تحيا به الأرواح، فتخرج أصنافا من العلوم والحكم شتى، كلوا برعي القلوب في نوار تجلياتها، وارعوا لقوت أشباحكم من ثمار حسياتها، إن في ذلك لآيات لأولي النهى. { منها خلقناكم }: من أرض نفوسكم أخرجناكم، بشهود عظمة الربوبية، وفيها نعيدكم للقيام برسم العبودية، ومنها نخرجكم لتكونوا لله، لا لشيء دونه. أو منها خلقناكم، أي: أخرجناكم من شهود ظلمتها إلى نور خالقها، بالفناء عنها، وفيها نعيدكم بالرجوع إلى الأثر في مقام البقاء، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بعقد الحرية في مقام البقاء، فتكونوا عبيدا شكرا. وبالله التوفيق. ثم إن فرعون لم ينفعه هذه الموعظة ولا ما رأى من الآيات الباهرة...
طه 20:51
قلت: { خلقه }: يحتمل أن يكون اسما بمعنى المخلوق، فيكون مفعولا أولا، و { كل شيء }: مفعولا ثانيا، أو يكون مصدرا بمعنى الخلقة، فيكون مفعولا ثانيا، أي: أعطى كل شيء خلقته وصورته التي هو عليها. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون في جواب موسى، لما أتاه مع أخيه وبلغا الرسالة، وقالا له ما أمرهما به ربهما، وإنما حذفه للإيجاز، وللإشعار بأنهما لما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال من غير تلعثم، أو بأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به، فقال لهما فرعون: { فمن ربكما يا موسى }؟ لم يضف الرب إلى نفسه لغاية عتوه وطغيانه، بل أضافه إليهما، وفي الشعراء:
وما رب العالمين
[الشعراء: 23]، والجمع بينهما تعدد الدعوة، ففي كل مرة حكى لنا ما قال. وتخصيص النداء بموسى، مع توجيه الخطاب إليهما لأنه الأصل في الرسالة، وهارون وزيره. { قال } موسى عليه السلام مجيبا له: { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه } أي: ربنا هو الذي أعطى كل شيء خلقه، أي: مخلوقاته مما يحتاجون إليه ويرتفقون به في قوام أبدانهم ومعايشهم، أو أعطى كل شيء خلقته وصورته التي يختص بها، ولم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان. ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا. أو أعطى كل شيء فعله وتصرفه، فاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، أو أعطى كل شيء شكله من جنسه، للإنسان زوجة، وللبعير ناقة، وللفرس رمكة، وللحمار أتانا. { ثم هدى } إلى طريق الانتفاع والارتقاء، بما أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله، فألهمه الرضاع والأكل والشرب والجماع، وطلب الرعي وتوفي المهالك، وكيف يأتي الذكر الأنثى. ولما كان الخلق - الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام - مقدما على الهداية، التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجسام، عطف بثم المفيدة للتراخي. ولقد ساق عليه السلام جوابه على نمط رائق، وأسلوب لائق حيث بين أنه تعالى عالم قادر بالذات، خالق لجميع الكائنات، منعم عليهم بجميع النعم السابغات، هاد لهم إلى طرق المرتفقات. { قال } فرعون: { فما بال القرون الأولى } أي: ما حالها بعد الموت، وما فعل الله بها؟ فقال له موسى: هذا غيب لا يعلمه إلا الله، وهو معنى قوله: { علمها عند ربي } ، أو ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ فأجابه عليه السلام بأن العلم بأحوالهم مفصلة مما لا ملامسة له بمنصب الرسالة، وإنما علمها عند الله عز وجل. وكأن عدو الله، لما خاف أن يبهت، ويفتضح، ويظهر للناس حجة موسى عليه السلام، أراد أن يصرفه عليه السلام إلى ما لا يعني، من ذكر الحكايات التي لا مسيس لها بمنصب الرسالة فلذلك أعرض عنه، و { قال علمها عند ربي } ، وهذا أحسن من الأول لأنه لو كان سؤاله عن أحوالها بعد الموت لأمكن أن يقول له: من اتبع الهدى منهم فقد سلم وتنعم، ومن تولى فقد عذب وتألم، حسبما نطق به قوله تعالى: { والسلام على من اتبع الهدى }.
وقيل: فما بالها لم تبعث كما يزعم موسى، أو: ما بالها لم تكن على دينك، أو: ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب، وكلها بعيدة. قلت: والذي يظهر أن الطاغية فهم قوله تعالى: { ثم هدى } أي: إلى الإيمان، فاعترض بقوله: فما بال القرون الأولى لم تؤمن حتى هلكت؟ فأجابه موسى عليه السلام بقوله: { علمها عند ربي } ، فهو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى. وقوله: { في كتاب } أي: اللوح المحفوظ، فقد أثبتت فيه بتفاصيلها، ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن تمكنه وتقريره في علم الله - عز وجل - تمكن من استحفظ الشيء، وقيده بالكتابة، كما يلوح به قوله تعالى: { لا يضل ربي } أي: لا يخطئ ابتداء، { ولا ينسى } فيتذكر. وفيه تنبيه على أن كتابته في اللوح المحفوظ ليس لحاجته إليه في العلم به ابتداء أو بقاءا. وإظهار { ربي } في موضع الإضمار، للتلذذ بذكره، وللإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال والنسيان. ولقد أجاب عليه السلام عن السؤال بجواب عبقري بديع، حيث كشف عن حقيقة الحق حجابها، مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى، ووصف الحق تعالى بأوصاف لا يمكن عدو الله أن يتصف بشيء منها، لا حقيقة ولا مجازا، ولو قال له: هو الخالق الرازق، وشبه ذلك، لأمكن أن يغالط ويدعي ذلك لنفسه. ثم تخلص إليه حيث قال: بطريق الحكاية عن الله عز وجل، أو من كلامه عليه السلام: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: كالمهد تتمهدونها بالسكن والقرار، أي: جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم. { وسلك لكم فيها سبلا } أي: طرقا تتوصلون بها من قطر إلى قطر، لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمرافقها ومنافعها، ووسطها بين الجبال والأودية لتعرف أمارات سبلها. { وأنزل من السماء ماء } هو المطر، { فأخرجنا به } ، يحتمل أن يكون من كلام الله، وما قبله من كلام موسى، أو كله من كلام الله تعالى، حكاه موسى عليه السلام، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن، أي: فأخرجنا بذلك الماء { أزواجا }: أصنافا، سميت أزواجا لازدواجها، واقتران بعضها ببعض، كائنة { من نبات شتى }: متفرقة، جمع شتيت: أي: متفرق، وهو، في الأصل، مصدر، يستوي فيه الواحد والجمع، يعني: أنها مختلفة في الشكل واللون والطعم والرائحة والنفع، وبعضها صالح للناس على اختلاف صلاحها لهم، وبعضها للبهائم.
ومن تمام نعمته تعالى أن أرزاق عباده، لما كان تحصيلها بعمل الأنعام، جعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يليق بكونه طعاما لهم، وهو معنى قوله: { كلوا وارعوا أنعامكم } ، والجملة: حال، على إرادة القول، أي: أخرجنا منها أصناف النبات، قائلين: كلوا وارعوا أنعامكم، آذنين في ذلك لكم. { إن في ذلك } المذكور، من شؤونه تعالى، وأفعاله وأنعامه، { لآيات } جليلة واضحة الدلالة على عظيم شأنه تعالى، في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى صحة نبوة موسى وهارون - عليهما السلام-، { لأولي النهى } أي: العقول الصافية، جمع " نهية " ، سمى بها العقل، لنهيه عن اتباع الباطل، وارتكاب القبيح، أي: لذوي العقول الناهية عن الأباطيل، التي من جملتها ما يدعيه الطاغية وما يقبله منه الفئة الباغية. وتخصيص كونها آيات لهم، مع أنها آية للعالمين لأنهم المنتفعون بها. { منها خلقناكم } أي: من الأرض الممهدة لكم، خلقناكم بخلق أبيكم آدم عليه السلام، وأنتم في ضمنه، إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه عليه السلام، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء إجماليا، فكان خلقه عليه السلام منها خلقا لكل منها، وقيل: خلقت أبدانكم من النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض. وقال عطاء: إن الملك الموكل بالرحم ينطلق، فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه العبد، فيذره على النطفة، فتخلق من التراب ومن النطفة. ه. { وفيها نعيدكم } بالإماتة وتفريق الأجزاء، والكلام على الأشباح دون الأرواح، فإنها، بعد السؤال، تصعد إلى السماء، كما يأتي عند قوله تعالى:
فأمآ إن كان من المقربين
[الواقعة: 88] الآية. ولم يقل: وإليها نعيدكم إشارة إلى استقرار العبد فيها، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بتأليف أجزائكم المتفتتة، المختلطة بالتراب، على الهيئة السابقة، ورد الأرواح إليها. وكون هذا الإخراج تارة أخرى: باعتبار أن خلقهم من الأرض إخراج لهم منها، وإن لم يكن على التارة الثانية. والتارة في الأصل: اسم للتور، وهو الجريان، فالتارة واحدة منه، ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتحدة، كما مر في المرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه، مما سبق لهم في أزله، ثم هدى إلى الأسباب الموصلة إليه، فمنهم من كان حظه في الأزل قوت الأشباح، هداه إلى أسبابها، وهم أهل مقام البعد، ومنهم من كان حظه قوت القلوب، فهداه إلى أسبابها من المجاهدة في الطاعات وأنواع القربات، وهم أنواع: فمنهم من شغلهم بتدريس العلوم وتدقيق الفهوم، وتحرير المسائل وتمهيد النوازل، وهداهم إلى أسباب ذلك، وهم حملة الشريعة، إن صحت نيتهم وثبت إخلاصهم. ومنهم من شغلهم بتوالي الطاعات وتعمير الأوقات، وهداهم إلى أسبابها، وقواهم على مشاقها، وهم العباد والزهاد.
ومنهم من شغلهم بإطعام الطعام والرفق بالأنام، وتعمير الزوايا وقبول الهدايا، وهداهم إلى أسباب عمارتها والقيام بها، وهم الصالحون. ومنهم: من كان حظه قوت الأرواح، وهم المريدون السائرون، أهل الرياضة والتصفية، والتخلية والتحلية، والتهذيب والتدريب، وهداهم إلى أسبابها، ووصلهم إلى شيخ كامل يبينها ويسلكها، وهم في ذلك مقامات متفاوتة، على حسب صدقهم وجدهم، ومنهم من كان حظه قوت الأسرار، وهم العارفون الكبار، السابقون المقربون، أهل الفناء والبقاء، أهل الرسوخ والتمكين، فهداهم إلى ما أملوا، ووصلهم إلى ما طلبوا. نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. وقوله: { فما بال القرون الأولى... } الآية، فيه زجر للمريد عن الاشتغال بالحكايات الماضية، لأن في ذلك شغلا عن الله، إلا ما كان فيه زيادة إلى الله، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. وقوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: جعل أرض النفوس مهادا للقيام برسم العبودية، وسلك فيها سبلا توصل إلى مشاهدة الربوبية، لمن سلكها بالرياضة والمجاهدة، وأنزل من سماء الملكوت ماء الواردات الإلهية، تحيا به الأرواح، فتخرج أصنافا من العلوم والحكم شتى، كلوا برعي القلوب في نوار تجلياتها، وارعوا لقوت أشباحكم من ثمار حسياتها، إن في ذلك لآيات لأولي النهى. { منها خلقناكم }: من أرض نفوسكم أخرجناكم، بشهود عظمة الربوبية، وفيها نعيدكم للقيام برسم العبودية، ومنها نخرجكم لتكونوا لله، لا لشيء دونه. أو منها خلقناكم، أي: أخرجناكم من شهود ظلمتها إلى نور خالقها، بالفناء عنها، وفيها نعيدكم بالرجوع إلى الأثر في مقام البقاء، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بعقد الحرية في مقام البقاء، فتكونوا عبيدا شكرا. وبالله التوفيق. ثم إن فرعون لم ينفعه هذه الموعظة ولا ما رأى من الآيات الباهرة...
طه 20:52
قلت: { خلقه }: يحتمل أن يكون اسما بمعنى المخلوق، فيكون مفعولا أولا، و { كل شيء }: مفعولا ثانيا، أو يكون مصدرا بمعنى الخلقة، فيكون مفعولا ثانيا، أي: أعطى كل شيء خلقته وصورته التي هو عليها. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون في جواب موسى، لما أتاه مع أخيه وبلغا الرسالة، وقالا له ما أمرهما به ربهما، وإنما حذفه للإيجاز، وللإشعار بأنهما لما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال من غير تلعثم، أو بأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به، فقال لهما فرعون: { فمن ربكما يا موسى }؟ لم يضف الرب إلى نفسه لغاية عتوه وطغيانه، بل أضافه إليهما، وفي الشعراء:
وما رب العالمين
[الشعراء: 23]، والجمع بينهما تعدد الدعوة، ففي كل مرة حكى لنا ما قال. وتخصيص النداء بموسى، مع توجيه الخطاب إليهما لأنه الأصل في الرسالة، وهارون وزيره. { قال } موسى عليه السلام مجيبا له: { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه } أي: ربنا هو الذي أعطى كل شيء خلقه، أي: مخلوقاته مما يحتاجون إليه ويرتفقون به في قوام أبدانهم ومعايشهم، أو أعطى كل شيء خلقته وصورته التي يختص بها، ولم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان. ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا. أو أعطى كل شيء فعله وتصرفه، فاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، أو أعطى كل شيء شكله من جنسه، للإنسان زوجة، وللبعير ناقة، وللفرس رمكة، وللحمار أتانا. { ثم هدى } إلى طريق الانتفاع والارتقاء، بما أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله، فألهمه الرضاع والأكل والشرب والجماع، وطلب الرعي وتوفي المهالك، وكيف يأتي الذكر الأنثى. ولما كان الخلق - الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام - مقدما على الهداية، التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجسام، عطف بثم المفيدة للتراخي. ولقد ساق عليه السلام جوابه على نمط رائق، وأسلوب لائق حيث بين أنه تعالى عالم قادر بالذات، خالق لجميع الكائنات، منعم عليهم بجميع النعم السابغات، هاد لهم إلى طرق المرتفقات. { قال } فرعون: { فما بال القرون الأولى } أي: ما حالها بعد الموت، وما فعل الله بها؟ فقال له موسى: هذا غيب لا يعلمه إلا الله، وهو معنى قوله: { علمها عند ربي } ، أو ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ فأجابه عليه السلام بأن العلم بأحوالهم مفصلة مما لا ملامسة له بمنصب الرسالة، وإنما علمها عند الله عز وجل. وكأن عدو الله، لما خاف أن يبهت، ويفتضح، ويظهر للناس حجة موسى عليه السلام، أراد أن يصرفه عليه السلام إلى ما لا يعني، من ذكر الحكايات التي لا مسيس لها بمنصب الرسالة فلذلك أعرض عنه، و { قال علمها عند ربي } ، وهذا أحسن من الأول لأنه لو كان سؤاله عن أحوالها بعد الموت لأمكن أن يقول له: من اتبع الهدى منهم فقد سلم وتنعم، ومن تولى فقد عذب وتألم، حسبما نطق به قوله تعالى: { والسلام على من اتبع الهدى }.
وقيل: فما بالها لم تبعث كما يزعم موسى، أو: ما بالها لم تكن على دينك، أو: ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب، وكلها بعيدة. قلت: والذي يظهر أن الطاغية فهم قوله تعالى: { ثم هدى } أي: إلى الإيمان، فاعترض بقوله: فما بال القرون الأولى لم تؤمن حتى هلكت؟ فأجابه موسى عليه السلام بقوله: { علمها عند ربي } ، فهو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى. وقوله: { في كتاب } أي: اللوح المحفوظ، فقد أثبتت فيه بتفاصيلها، ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن تمكنه وتقريره في علم الله - عز وجل - تمكن من استحفظ الشيء، وقيده بالكتابة، كما يلوح به قوله تعالى: { لا يضل ربي } أي: لا يخطئ ابتداء، { ولا ينسى } فيتذكر. وفيه تنبيه على أن كتابته في اللوح المحفوظ ليس لحاجته إليه في العلم به ابتداء أو بقاءا. وإظهار { ربي } في موضع الإضمار، للتلذذ بذكره، وللإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال والنسيان. ولقد أجاب عليه السلام عن السؤال بجواب عبقري بديع، حيث كشف عن حقيقة الحق حجابها، مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى، ووصف الحق تعالى بأوصاف لا يمكن عدو الله أن يتصف بشيء منها، لا حقيقة ولا مجازا، ولو قال له: هو الخالق الرازق، وشبه ذلك، لأمكن أن يغالط ويدعي ذلك لنفسه. ثم تخلص إليه حيث قال: بطريق الحكاية عن الله عز وجل، أو من كلامه عليه السلام: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: كالمهد تتمهدونها بالسكن والقرار، أي: جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم. { وسلك لكم فيها سبلا } أي: طرقا تتوصلون بها من قطر إلى قطر، لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمرافقها ومنافعها، ووسطها بين الجبال والأودية لتعرف أمارات سبلها. { وأنزل من السماء ماء } هو المطر، { فأخرجنا به } ، يحتمل أن يكون من كلام الله، وما قبله من كلام موسى، أو كله من كلام الله تعالى، حكاه موسى عليه السلام، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن، أي: فأخرجنا بذلك الماء { أزواجا }: أصنافا، سميت أزواجا لازدواجها، واقتران بعضها ببعض، كائنة { من نبات شتى }: متفرقة، جمع شتيت: أي: متفرق، وهو، في الأصل، مصدر، يستوي فيه الواحد والجمع، يعني: أنها مختلفة في الشكل واللون والطعم والرائحة والنفع، وبعضها صالح للناس على اختلاف صلاحها لهم، وبعضها للبهائم.
ومن تمام نعمته تعالى أن أرزاق عباده، لما كان تحصيلها بعمل الأنعام، جعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يليق بكونه طعاما لهم، وهو معنى قوله: { كلوا وارعوا أنعامكم } ، والجملة: حال، على إرادة القول، أي: أخرجنا منها أصناف النبات، قائلين: كلوا وارعوا أنعامكم، آذنين في ذلك لكم. { إن في ذلك } المذكور، من شؤونه تعالى، وأفعاله وأنعامه، { لآيات } جليلة واضحة الدلالة على عظيم شأنه تعالى، في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى صحة نبوة موسى وهارون - عليهما السلام-، { لأولي النهى } أي: العقول الصافية، جمع " نهية " ، سمى بها العقل، لنهيه عن اتباع الباطل، وارتكاب القبيح، أي: لذوي العقول الناهية عن الأباطيل، التي من جملتها ما يدعيه الطاغية وما يقبله منه الفئة الباغية. وتخصيص كونها آيات لهم، مع أنها آية للعالمين لأنهم المنتفعون بها. { منها خلقناكم } أي: من الأرض الممهدة لكم، خلقناكم بخلق أبيكم آدم عليه السلام، وأنتم في ضمنه، إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه عليه السلام، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء إجماليا، فكان خلقه عليه السلام منها خلقا لكل منها، وقيل: خلقت أبدانكم من النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض. وقال عطاء: إن الملك الموكل بالرحم ينطلق، فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه العبد، فيذره على النطفة، فتخلق من التراب ومن النطفة. ه. { وفيها نعيدكم } بالإماتة وتفريق الأجزاء، والكلام على الأشباح دون الأرواح، فإنها، بعد السؤال، تصعد إلى السماء، كما يأتي عند قوله تعالى:
فأمآ إن كان من المقربين
[الواقعة: 88] الآية. ولم يقل: وإليها نعيدكم إشارة إلى استقرار العبد فيها، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بتأليف أجزائكم المتفتتة، المختلطة بالتراب، على الهيئة السابقة، ورد الأرواح إليها. وكون هذا الإخراج تارة أخرى: باعتبار أن خلقهم من الأرض إخراج لهم منها، وإن لم يكن على التارة الثانية. والتارة في الأصل: اسم للتور، وهو الجريان، فالتارة واحدة منه، ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتحدة، كما مر في المرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه، مما سبق لهم في أزله، ثم هدى إلى الأسباب الموصلة إليه، فمنهم من كان حظه في الأزل قوت الأشباح، هداه إلى أسبابها، وهم أهل مقام البعد، ومنهم من كان حظه قوت القلوب، فهداه إلى أسبابها من المجاهدة في الطاعات وأنواع القربات، وهم أنواع: فمنهم من شغلهم بتدريس العلوم وتدقيق الفهوم، وتحرير المسائل وتمهيد النوازل، وهداهم إلى أسباب ذلك، وهم حملة الشريعة، إن صحت نيتهم وثبت إخلاصهم. ومنهم من شغلهم بتوالي الطاعات وتعمير الأوقات، وهداهم إلى أسبابها، وقواهم على مشاقها، وهم العباد والزهاد.
ومنهم من شغلهم بإطعام الطعام والرفق بالأنام، وتعمير الزوايا وقبول الهدايا، وهداهم إلى أسباب عمارتها والقيام بها، وهم الصالحون. ومنهم: من كان حظه قوت الأرواح، وهم المريدون السائرون، أهل الرياضة والتصفية، والتخلية والتحلية، والتهذيب والتدريب، وهداهم إلى أسبابها، ووصلهم إلى شيخ كامل يبينها ويسلكها، وهم في ذلك مقامات متفاوتة، على حسب صدقهم وجدهم، ومنهم من كان حظه قوت الأسرار، وهم العارفون الكبار، السابقون المقربون، أهل الفناء والبقاء، أهل الرسوخ والتمكين، فهداهم إلى ما أملوا، ووصلهم إلى ما طلبوا. نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. وقوله: { فما بال القرون الأولى... } الآية، فيه زجر للمريد عن الاشتغال بالحكايات الماضية، لأن في ذلك شغلا عن الله، إلا ما كان فيه زيادة إلى الله، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. وقوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: جعل أرض النفوس مهادا للقيام برسم العبودية، وسلك فيها سبلا توصل إلى مشاهدة الربوبية، لمن سلكها بالرياضة والمجاهدة، وأنزل من سماء الملكوت ماء الواردات الإلهية، تحيا به الأرواح، فتخرج أصنافا من العلوم والحكم شتى، كلوا برعي القلوب في نوار تجلياتها، وارعوا لقوت أشباحكم من ثمار حسياتها، إن في ذلك لآيات لأولي النهى. { منها خلقناكم }: من أرض نفوسكم أخرجناكم، بشهود عظمة الربوبية، وفيها نعيدكم للقيام برسم العبودية، ومنها نخرجكم لتكونوا لله، لا لشيء دونه. أو منها خلقناكم، أي: أخرجناكم من شهود ظلمتها إلى نور خالقها، بالفناء عنها، وفيها نعيدكم بالرجوع إلى الأثر في مقام البقاء، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بعقد الحرية في مقام البقاء، فتكونوا عبيدا شكرا. وبالله التوفيق. ثم إن فرعون لم ينفعه هذه الموعظة ولا ما رأى من الآيات الباهرة...
طه 20:53
قلت: { خلقه }: يحتمل أن يكون اسما بمعنى المخلوق، فيكون مفعولا أولا، و { كل شيء }: مفعولا ثانيا، أو يكون مصدرا بمعنى الخلقة، فيكون مفعولا ثانيا، أي: أعطى كل شيء خلقته وصورته التي هو عليها. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون في جواب موسى، لما أتاه مع أخيه وبلغا الرسالة، وقالا له ما أمرهما به ربهما، وإنما حذفه للإيجاز، وللإشعار بأنهما لما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال من غير تلعثم، أو بأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به، فقال لهما فرعون: { فمن ربكما يا موسى }؟ لم يضف الرب إلى نفسه لغاية عتوه وطغيانه، بل أضافه إليهما، وفي الشعراء:
وما رب العالمين
[الشعراء: 23]، والجمع بينهما تعدد الدعوة، ففي كل مرة حكى لنا ما قال. وتخصيص النداء بموسى، مع توجيه الخطاب إليهما لأنه الأصل في الرسالة، وهارون وزيره. { قال } موسى عليه السلام مجيبا له: { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه } أي: ربنا هو الذي أعطى كل شيء خلقه، أي: مخلوقاته مما يحتاجون إليه ويرتفقون به في قوام أبدانهم ومعايشهم، أو أعطى كل شيء خلقته وصورته التي يختص بها، ولم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان. ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا. أو أعطى كل شيء فعله وتصرفه، فاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، أو أعطى كل شيء شكله من جنسه، للإنسان زوجة، وللبعير ناقة، وللفرس رمكة، وللحمار أتانا. { ثم هدى } إلى طريق الانتفاع والارتقاء، بما أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله، فألهمه الرضاع والأكل والشرب والجماع، وطلب الرعي وتوفي المهالك، وكيف يأتي الذكر الأنثى. ولما كان الخلق - الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام - مقدما على الهداية، التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجسام، عطف بثم المفيدة للتراخي. ولقد ساق عليه السلام جوابه على نمط رائق، وأسلوب لائق حيث بين أنه تعالى عالم قادر بالذات، خالق لجميع الكائنات، منعم عليهم بجميع النعم السابغات، هاد لهم إلى طرق المرتفقات. { قال } فرعون: { فما بال القرون الأولى } أي: ما حالها بعد الموت، وما فعل الله بها؟ فقال له موسى: هذا غيب لا يعلمه إلا الله، وهو معنى قوله: { علمها عند ربي } ، أو ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ فأجابه عليه السلام بأن العلم بأحوالهم مفصلة مما لا ملامسة له بمنصب الرسالة، وإنما علمها عند الله عز وجل. وكأن عدو الله، لما خاف أن يبهت، ويفتضح، ويظهر للناس حجة موسى عليه السلام، أراد أن يصرفه عليه السلام إلى ما لا يعني، من ذكر الحكايات التي لا مسيس لها بمنصب الرسالة فلذلك أعرض عنه، و { قال علمها عند ربي } ، وهذا أحسن من الأول لأنه لو كان سؤاله عن أحوالها بعد الموت لأمكن أن يقول له: من اتبع الهدى منهم فقد سلم وتنعم، ومن تولى فقد عذب وتألم، حسبما نطق به قوله تعالى: { والسلام على من اتبع الهدى }.
وقيل: فما بالها لم تبعث كما يزعم موسى، أو: ما بالها لم تكن على دينك، أو: ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب، وكلها بعيدة. قلت: والذي يظهر أن الطاغية فهم قوله تعالى: { ثم هدى } أي: إلى الإيمان، فاعترض بقوله: فما بال القرون الأولى لم تؤمن حتى هلكت؟ فأجابه موسى عليه السلام بقوله: { علمها عند ربي } ، فهو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى. وقوله: { في كتاب } أي: اللوح المحفوظ، فقد أثبتت فيه بتفاصيلها، ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن تمكنه وتقريره في علم الله - عز وجل - تمكن من استحفظ الشيء، وقيده بالكتابة، كما يلوح به قوله تعالى: { لا يضل ربي } أي: لا يخطئ ابتداء، { ولا ينسى } فيتذكر. وفيه تنبيه على أن كتابته في اللوح المحفوظ ليس لحاجته إليه في العلم به ابتداء أو بقاءا. وإظهار { ربي } في موضع الإضمار، للتلذذ بذكره، وللإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال والنسيان. ولقد أجاب عليه السلام عن السؤال بجواب عبقري بديع، حيث كشف عن حقيقة الحق حجابها، مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى، ووصف الحق تعالى بأوصاف لا يمكن عدو الله أن يتصف بشيء منها، لا حقيقة ولا مجازا، ولو قال له: هو الخالق الرازق، وشبه ذلك، لأمكن أن يغالط ويدعي ذلك لنفسه. ثم تخلص إليه حيث قال: بطريق الحكاية عن الله عز وجل، أو من كلامه عليه السلام: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: كالمهد تتمهدونها بالسكن والقرار، أي: جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم. { وسلك لكم فيها سبلا } أي: طرقا تتوصلون بها من قطر إلى قطر، لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمرافقها ومنافعها، ووسطها بين الجبال والأودية لتعرف أمارات سبلها. { وأنزل من السماء ماء } هو المطر، { فأخرجنا به } ، يحتمل أن يكون من كلام الله، وما قبله من كلام موسى، أو كله من كلام الله تعالى، حكاه موسى عليه السلام، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن، أي: فأخرجنا بذلك الماء { أزواجا }: أصنافا، سميت أزواجا لازدواجها، واقتران بعضها ببعض، كائنة { من نبات شتى }: متفرقة، جمع شتيت: أي: متفرق، وهو، في الأصل، مصدر، يستوي فيه الواحد والجمع، يعني: أنها مختلفة في الشكل واللون والطعم والرائحة والنفع، وبعضها صالح للناس على اختلاف صلاحها لهم، وبعضها للبهائم.
ومن تمام نعمته تعالى أن أرزاق عباده، لما كان تحصيلها بعمل الأنعام، جعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يليق بكونه طعاما لهم، وهو معنى قوله: { كلوا وارعوا أنعامكم } ، والجملة: حال، على إرادة القول، أي: أخرجنا منها أصناف النبات، قائلين: كلوا وارعوا أنعامكم، آذنين في ذلك لكم. { إن في ذلك } المذكور، من شؤونه تعالى، وأفعاله وأنعامه، { لآيات } جليلة واضحة الدلالة على عظيم شأنه تعالى، في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى صحة نبوة موسى وهارون - عليهما السلام-، { لأولي النهى } أي: العقول الصافية، جمع " نهية " ، سمى بها العقل، لنهيه عن اتباع الباطل، وارتكاب القبيح، أي: لذوي العقول الناهية عن الأباطيل، التي من جملتها ما يدعيه الطاغية وما يقبله منه الفئة الباغية. وتخصيص كونها آيات لهم، مع أنها آية للعالمين لأنهم المنتفعون بها. { منها خلقناكم } أي: من الأرض الممهدة لكم، خلقناكم بخلق أبيكم آدم عليه السلام، وأنتم في ضمنه، إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه عليه السلام، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء إجماليا، فكان خلقه عليه السلام منها خلقا لكل منها، وقيل: خلقت أبدانكم من النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض. وقال عطاء: إن الملك الموكل بالرحم ينطلق، فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه العبد، فيذره على النطفة، فتخلق من التراب ومن النطفة. ه. { وفيها نعيدكم } بالإماتة وتفريق الأجزاء، والكلام على الأشباح دون الأرواح، فإنها، بعد السؤال، تصعد إلى السماء، كما يأتي عند قوله تعالى:
فأمآ إن كان من المقربين
[الواقعة: 88] الآية. ولم يقل: وإليها نعيدكم إشارة إلى استقرار العبد فيها، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بتأليف أجزائكم المتفتتة، المختلطة بالتراب، على الهيئة السابقة، ورد الأرواح إليها. وكون هذا الإخراج تارة أخرى: باعتبار أن خلقهم من الأرض إخراج لهم منها، وإن لم يكن على التارة الثانية. والتارة في الأصل: اسم للتور، وهو الجريان، فالتارة واحدة منه، ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتحدة، كما مر في المرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه، مما سبق لهم في أزله، ثم هدى إلى الأسباب الموصلة إليه، فمنهم من كان حظه في الأزل قوت الأشباح، هداه إلى أسبابها، وهم أهل مقام البعد، ومنهم من كان حظه قوت القلوب، فهداه إلى أسبابها من المجاهدة في الطاعات وأنواع القربات، وهم أنواع: فمنهم من شغلهم بتدريس العلوم وتدقيق الفهوم، وتحرير المسائل وتمهيد النوازل، وهداهم إلى أسباب ذلك، وهم حملة الشريعة، إن صحت نيتهم وثبت إخلاصهم. ومنهم من شغلهم بتوالي الطاعات وتعمير الأوقات، وهداهم إلى أسبابها، وقواهم على مشاقها، وهم العباد والزهاد.
ومنهم من شغلهم بإطعام الطعام والرفق بالأنام، وتعمير الزوايا وقبول الهدايا، وهداهم إلى أسباب عمارتها والقيام بها، وهم الصالحون. ومنهم: من كان حظه قوت الأرواح، وهم المريدون السائرون، أهل الرياضة والتصفية، والتخلية والتحلية، والتهذيب والتدريب، وهداهم إلى أسبابها، ووصلهم إلى شيخ كامل يبينها ويسلكها، وهم في ذلك مقامات متفاوتة، على حسب صدقهم وجدهم، ومنهم من كان حظه قوت الأسرار، وهم العارفون الكبار، السابقون المقربون، أهل الفناء والبقاء، أهل الرسوخ والتمكين، فهداهم إلى ما أملوا، ووصلهم إلى ما طلبوا. نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. وقوله: { فما بال القرون الأولى... } الآية، فيه زجر للمريد عن الاشتغال بالحكايات الماضية، لأن في ذلك شغلا عن الله، إلا ما كان فيه زيادة إلى الله، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. وقوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: جعل أرض النفوس مهادا للقيام برسم العبودية، وسلك فيها سبلا توصل إلى مشاهدة الربوبية، لمن سلكها بالرياضة والمجاهدة، وأنزل من سماء الملكوت ماء الواردات الإلهية، تحيا به الأرواح، فتخرج أصنافا من العلوم والحكم شتى، كلوا برعي القلوب في نوار تجلياتها، وارعوا لقوت أشباحكم من ثمار حسياتها، إن في ذلك لآيات لأولي النهى. { منها خلقناكم }: من أرض نفوسكم أخرجناكم، بشهود عظمة الربوبية، وفيها نعيدكم للقيام برسم العبودية، ومنها نخرجكم لتكونوا لله، لا لشيء دونه. أو منها خلقناكم، أي: أخرجناكم من شهود ظلمتها إلى نور خالقها، بالفناء عنها، وفيها نعيدكم بالرجوع إلى الأثر في مقام البقاء، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بعقد الحرية في مقام البقاء، فتكونوا عبيدا شكرا. وبالله التوفيق. ثم إن فرعون لم ينفعه هذه الموعظة ولا ما رأى من الآيات الباهرة...
طه 20:54
قلت: { خلقه }: يحتمل أن يكون اسما بمعنى المخلوق، فيكون مفعولا أولا، و { كل شيء }: مفعولا ثانيا، أو يكون مصدرا بمعنى الخلقة، فيكون مفعولا ثانيا، أي: أعطى كل شيء خلقته وصورته التي هو عليها. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون في جواب موسى، لما أتاه مع أخيه وبلغا الرسالة، وقالا له ما أمرهما به ربهما، وإنما حذفه للإيجاز، وللإشعار بأنهما لما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال من غير تلعثم، أو بأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به، فقال لهما فرعون: { فمن ربكما يا موسى }؟ لم يضف الرب إلى نفسه لغاية عتوه وطغيانه، بل أضافه إليهما، وفي الشعراء:
وما رب العالمين
[الشعراء: 23]، والجمع بينهما تعدد الدعوة، ففي كل مرة حكى لنا ما قال. وتخصيص النداء بموسى، مع توجيه الخطاب إليهما لأنه الأصل في الرسالة، وهارون وزيره. { قال } موسى عليه السلام مجيبا له: { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه } أي: ربنا هو الذي أعطى كل شيء خلقه، أي: مخلوقاته مما يحتاجون إليه ويرتفقون به في قوام أبدانهم ومعايشهم، أو أعطى كل شيء خلقته وصورته التي يختص بها، ولم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان. ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا. أو أعطى كل شيء فعله وتصرفه، فاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، أو أعطى كل شيء شكله من جنسه، للإنسان زوجة، وللبعير ناقة، وللفرس رمكة، وللحمار أتانا. { ثم هدى } إلى طريق الانتفاع والارتقاء، بما أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله، فألهمه الرضاع والأكل والشرب والجماع، وطلب الرعي وتوفي المهالك، وكيف يأتي الذكر الأنثى. ولما كان الخلق - الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام - مقدما على الهداية، التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجسام، عطف بثم المفيدة للتراخي. ولقد ساق عليه السلام جوابه على نمط رائق، وأسلوب لائق حيث بين أنه تعالى عالم قادر بالذات، خالق لجميع الكائنات، منعم عليهم بجميع النعم السابغات، هاد لهم إلى طرق المرتفقات. { قال } فرعون: { فما بال القرون الأولى } أي: ما حالها بعد الموت، وما فعل الله بها؟ فقال له موسى: هذا غيب لا يعلمه إلا الله، وهو معنى قوله: { علمها عند ربي } ، أو ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ فأجابه عليه السلام بأن العلم بأحوالهم مفصلة مما لا ملامسة له بمنصب الرسالة، وإنما علمها عند الله عز وجل. وكأن عدو الله، لما خاف أن يبهت، ويفتضح، ويظهر للناس حجة موسى عليه السلام، أراد أن يصرفه عليه السلام إلى ما لا يعني، من ذكر الحكايات التي لا مسيس لها بمنصب الرسالة فلذلك أعرض عنه، و { قال علمها عند ربي } ، وهذا أحسن من الأول لأنه لو كان سؤاله عن أحوالها بعد الموت لأمكن أن يقول له: من اتبع الهدى منهم فقد سلم وتنعم، ومن تولى فقد عذب وتألم، حسبما نطق به قوله تعالى: { والسلام على من اتبع الهدى }.
وقيل: فما بالها لم تبعث كما يزعم موسى، أو: ما بالها لم تكن على دينك، أو: ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب، وكلها بعيدة. قلت: والذي يظهر أن الطاغية فهم قوله تعالى: { ثم هدى } أي: إلى الإيمان، فاعترض بقوله: فما بال القرون الأولى لم تؤمن حتى هلكت؟ فأجابه موسى عليه السلام بقوله: { علمها عند ربي } ، فهو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى. وقوله: { في كتاب } أي: اللوح المحفوظ، فقد أثبتت فيه بتفاصيلها، ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن تمكنه وتقريره في علم الله - عز وجل - تمكن من استحفظ الشيء، وقيده بالكتابة، كما يلوح به قوله تعالى: { لا يضل ربي } أي: لا يخطئ ابتداء، { ولا ينسى } فيتذكر. وفيه تنبيه على أن كتابته في اللوح المحفوظ ليس لحاجته إليه في العلم به ابتداء أو بقاءا. وإظهار { ربي } في موضع الإضمار، للتلذذ بذكره، وللإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال والنسيان. ولقد أجاب عليه السلام عن السؤال بجواب عبقري بديع، حيث كشف عن حقيقة الحق حجابها، مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى، ووصف الحق تعالى بأوصاف لا يمكن عدو الله أن يتصف بشيء منها، لا حقيقة ولا مجازا، ولو قال له: هو الخالق الرازق، وشبه ذلك، لأمكن أن يغالط ويدعي ذلك لنفسه. ثم تخلص إليه حيث قال: بطريق الحكاية عن الله عز وجل، أو من كلامه عليه السلام: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: كالمهد تتمهدونها بالسكن والقرار، أي: جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم. { وسلك لكم فيها سبلا } أي: طرقا تتوصلون بها من قطر إلى قطر، لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمرافقها ومنافعها، ووسطها بين الجبال والأودية لتعرف أمارات سبلها. { وأنزل من السماء ماء } هو المطر، { فأخرجنا به } ، يحتمل أن يكون من كلام الله، وما قبله من كلام موسى، أو كله من كلام الله تعالى، حكاه موسى عليه السلام، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن، أي: فأخرجنا بذلك الماء { أزواجا }: أصنافا، سميت أزواجا لازدواجها، واقتران بعضها ببعض، كائنة { من نبات شتى }: متفرقة، جمع شتيت: أي: متفرق، وهو، في الأصل، مصدر، يستوي فيه الواحد والجمع، يعني: أنها مختلفة في الشكل واللون والطعم والرائحة والنفع، وبعضها صالح للناس على اختلاف صلاحها لهم، وبعضها للبهائم.
ومن تمام نعمته تعالى أن أرزاق عباده، لما كان تحصيلها بعمل الأنعام، جعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يليق بكونه طعاما لهم، وهو معنى قوله: { كلوا وارعوا أنعامكم } ، والجملة: حال، على إرادة القول، أي: أخرجنا منها أصناف النبات، قائلين: كلوا وارعوا أنعامكم، آذنين في ذلك لكم. { إن في ذلك } المذكور، من شؤونه تعالى، وأفعاله وأنعامه، { لآيات } جليلة واضحة الدلالة على عظيم شأنه تعالى، في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى صحة نبوة موسى وهارون - عليهما السلام-، { لأولي النهى } أي: العقول الصافية، جمع " نهية " ، سمى بها العقل، لنهيه عن اتباع الباطل، وارتكاب القبيح، أي: لذوي العقول الناهية عن الأباطيل، التي من جملتها ما يدعيه الطاغية وما يقبله منه الفئة الباغية. وتخصيص كونها آيات لهم، مع أنها آية للعالمين لأنهم المنتفعون بها. { منها خلقناكم } أي: من الأرض الممهدة لكم، خلقناكم بخلق أبيكم آدم عليه السلام، وأنتم في ضمنه، إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه عليه السلام، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء إجماليا، فكان خلقه عليه السلام منها خلقا لكل منها، وقيل: خلقت أبدانكم من النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض. وقال عطاء: إن الملك الموكل بالرحم ينطلق، فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه العبد، فيذره على النطفة، فتخلق من التراب ومن النطفة. ه. { وفيها نعيدكم } بالإماتة وتفريق الأجزاء، والكلام على الأشباح دون الأرواح، فإنها، بعد السؤال، تصعد إلى السماء، كما يأتي عند قوله تعالى:
فأمآ إن كان من المقربين
[الواقعة: 88] الآية. ولم يقل: وإليها نعيدكم إشارة إلى استقرار العبد فيها، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بتأليف أجزائكم المتفتتة، المختلطة بالتراب، على الهيئة السابقة، ورد الأرواح إليها. وكون هذا الإخراج تارة أخرى: باعتبار أن خلقهم من الأرض إخراج لهم منها، وإن لم يكن على التارة الثانية. والتارة في الأصل: اسم للتور، وهو الجريان، فالتارة واحدة منه، ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتحدة، كما مر في المرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه، مما سبق لهم في أزله، ثم هدى إلى الأسباب الموصلة إليه، فمنهم من كان حظه في الأزل قوت الأشباح، هداه إلى أسبابها، وهم أهل مقام البعد، ومنهم من كان حظه قوت القلوب، فهداه إلى أسبابها من المجاهدة في الطاعات وأنواع القربات، وهم أنواع: فمنهم من شغلهم بتدريس العلوم وتدقيق الفهوم، وتحرير المسائل وتمهيد النوازل، وهداهم إلى أسباب ذلك، وهم حملة الشريعة، إن صحت نيتهم وثبت إخلاصهم. ومنهم من شغلهم بتوالي الطاعات وتعمير الأوقات، وهداهم إلى أسبابها، وقواهم على مشاقها، وهم العباد والزهاد.
ومنهم من شغلهم بإطعام الطعام والرفق بالأنام، وتعمير الزوايا وقبول الهدايا، وهداهم إلى أسباب عمارتها والقيام بها، وهم الصالحون. ومنهم: من كان حظه قوت الأرواح، وهم المريدون السائرون، أهل الرياضة والتصفية، والتخلية والتحلية، والتهذيب والتدريب، وهداهم إلى أسبابها، ووصلهم إلى شيخ كامل يبينها ويسلكها، وهم في ذلك مقامات متفاوتة، على حسب صدقهم وجدهم، ومنهم من كان حظه قوت الأسرار، وهم العارفون الكبار، السابقون المقربون، أهل الفناء والبقاء، أهل الرسوخ والتمكين، فهداهم إلى ما أملوا، ووصلهم إلى ما طلبوا. نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. وقوله: { فما بال القرون الأولى... } الآية، فيه زجر للمريد عن الاشتغال بالحكايات الماضية، لأن في ذلك شغلا عن الله، إلا ما كان فيه زيادة إلى الله، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. وقوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: جعل أرض النفوس مهادا للقيام برسم العبودية، وسلك فيها سبلا توصل إلى مشاهدة الربوبية، لمن سلكها بالرياضة والمجاهدة، وأنزل من سماء الملكوت ماء الواردات الإلهية، تحيا به الأرواح، فتخرج أصنافا من العلوم والحكم شتى، كلوا برعي القلوب في نوار تجلياتها، وارعوا لقوت أشباحكم من ثمار حسياتها، إن في ذلك لآيات لأولي النهى. { منها خلقناكم }: من أرض نفوسكم أخرجناكم، بشهود عظمة الربوبية، وفيها نعيدكم للقيام برسم العبودية، ومنها نخرجكم لتكونوا لله، لا لشيء دونه. أو منها خلقناكم، أي: أخرجناكم من شهود ظلمتها إلى نور خالقها، بالفناء عنها، وفيها نعيدكم بالرجوع إلى الأثر في مقام البقاء، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بعقد الحرية في مقام البقاء، فتكونوا عبيدا شكرا. وبالله التوفيق. ثم إن فرعون لم ينفعه هذه الموعظة ولا ما رأى من الآيات الباهرة...
طه 20:55
قلت: { خلقه }: يحتمل أن يكون اسما بمعنى المخلوق، فيكون مفعولا أولا، و { كل شيء }: مفعولا ثانيا، أو يكون مصدرا بمعنى الخلقة، فيكون مفعولا ثانيا، أي: أعطى كل شيء خلقته وصورته التي هو عليها. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون في جواب موسى، لما أتاه مع أخيه وبلغا الرسالة، وقالا له ما أمرهما به ربهما، وإنما حذفه للإيجاز، وللإشعار بأنهما لما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال من غير تلعثم، أو بأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به، فقال لهما فرعون: { فمن ربكما يا موسى }؟ لم يضف الرب إلى نفسه لغاية عتوه وطغيانه، بل أضافه إليهما، وفي الشعراء:
وما رب العالمين
[الشعراء: 23]، والجمع بينهما تعدد الدعوة، ففي كل مرة حكى لنا ما قال. وتخصيص النداء بموسى، مع توجيه الخطاب إليهما لأنه الأصل في الرسالة، وهارون وزيره. { قال } موسى عليه السلام مجيبا له: { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه } أي: ربنا هو الذي أعطى كل شيء خلقه، أي: مخلوقاته مما يحتاجون إليه ويرتفقون به في قوام أبدانهم ومعايشهم، أو أعطى كل شيء خلقته وصورته التي يختص بها، ولم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان. ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا. أو أعطى كل شيء فعله وتصرفه، فاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، أو أعطى كل شيء شكله من جنسه، للإنسان زوجة، وللبعير ناقة، وللفرس رمكة، وللحمار أتانا. { ثم هدى } إلى طريق الانتفاع والارتقاء، بما أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله، فألهمه الرضاع والأكل والشرب والجماع، وطلب الرعي وتوفي المهالك، وكيف يأتي الذكر الأنثى. ولما كان الخلق - الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام - مقدما على الهداية، التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجسام، عطف بثم المفيدة للتراخي. ولقد ساق عليه السلام جوابه على نمط رائق، وأسلوب لائق حيث بين أنه تعالى عالم قادر بالذات، خالق لجميع الكائنات، منعم عليهم بجميع النعم السابغات، هاد لهم إلى طرق المرتفقات. { قال } فرعون: { فما بال القرون الأولى } أي: ما حالها بعد الموت، وما فعل الله بها؟ فقال له موسى: هذا غيب لا يعلمه إلا الله، وهو معنى قوله: { علمها عند ربي } ، أو ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ فأجابه عليه السلام بأن العلم بأحوالهم مفصلة مما لا ملامسة له بمنصب الرسالة، وإنما علمها عند الله عز وجل. وكأن عدو الله، لما خاف أن يبهت، ويفتضح، ويظهر للناس حجة موسى عليه السلام، أراد أن يصرفه عليه السلام إلى ما لا يعني، من ذكر الحكايات التي لا مسيس لها بمنصب الرسالة فلذلك أعرض عنه، و { قال علمها عند ربي } ، وهذا أحسن من الأول لأنه لو كان سؤاله عن أحوالها بعد الموت لأمكن أن يقول له: من اتبع الهدى منهم فقد سلم وتنعم، ومن تولى فقد عذب وتألم، حسبما نطق به قوله تعالى: { والسلام على من اتبع الهدى }.
وقيل: فما بالها لم تبعث كما يزعم موسى، أو: ما بالها لم تكن على دينك، أو: ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب، وكلها بعيدة. قلت: والذي يظهر أن الطاغية فهم قوله تعالى: { ثم هدى } أي: إلى الإيمان، فاعترض بقوله: فما بال القرون الأولى لم تؤمن حتى هلكت؟ فأجابه موسى عليه السلام بقوله: { علمها عند ربي } ، فهو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى. وقوله: { في كتاب } أي: اللوح المحفوظ، فقد أثبتت فيه بتفاصيلها، ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن تمكنه وتقريره في علم الله - عز وجل - تمكن من استحفظ الشيء، وقيده بالكتابة، كما يلوح به قوله تعالى: { لا يضل ربي } أي: لا يخطئ ابتداء، { ولا ينسى } فيتذكر. وفيه تنبيه على أن كتابته في اللوح المحفوظ ليس لحاجته إليه في العلم به ابتداء أو بقاءا. وإظهار { ربي } في موضع الإضمار، للتلذذ بذكره، وللإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال والنسيان. ولقد أجاب عليه السلام عن السؤال بجواب عبقري بديع، حيث كشف عن حقيقة الحق حجابها، مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى، ووصف الحق تعالى بأوصاف لا يمكن عدو الله أن يتصف بشيء منها، لا حقيقة ولا مجازا، ولو قال له: هو الخالق الرازق، وشبه ذلك، لأمكن أن يغالط ويدعي ذلك لنفسه. ثم تخلص إليه حيث قال: بطريق الحكاية عن الله عز وجل، أو من كلامه عليه السلام: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: كالمهد تتمهدونها بالسكن والقرار، أي: جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم. { وسلك لكم فيها سبلا } أي: طرقا تتوصلون بها من قطر إلى قطر، لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمرافقها ومنافعها، ووسطها بين الجبال والأودية لتعرف أمارات سبلها. { وأنزل من السماء ماء } هو المطر، { فأخرجنا به } ، يحتمل أن يكون من كلام الله، وما قبله من كلام موسى، أو كله من كلام الله تعالى، حكاه موسى عليه السلام، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن، أي: فأخرجنا بذلك الماء { أزواجا }: أصنافا، سميت أزواجا لازدواجها، واقتران بعضها ببعض، كائنة { من نبات شتى }: متفرقة، جمع شتيت: أي: متفرق، وهو، في الأصل، مصدر، يستوي فيه الواحد والجمع، يعني: أنها مختلفة في الشكل واللون والطعم والرائحة والنفع، وبعضها صالح للناس على اختلاف صلاحها لهم، وبعضها للبهائم.
ومن تمام نعمته تعالى أن أرزاق عباده، لما كان تحصيلها بعمل الأنعام، جعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يليق بكونه طعاما لهم، وهو معنى قوله: { كلوا وارعوا أنعامكم } ، والجملة: حال، على إرادة القول، أي: أخرجنا منها أصناف النبات، قائلين: كلوا وارعوا أنعامكم، آذنين في ذلك لكم. { إن في ذلك } المذكور، من شؤونه تعالى، وأفعاله وأنعامه، { لآيات } جليلة واضحة الدلالة على عظيم شأنه تعالى، في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى صحة نبوة موسى وهارون - عليهما السلام-، { لأولي النهى } أي: العقول الصافية، جمع " نهية " ، سمى بها العقل، لنهيه عن اتباع الباطل، وارتكاب القبيح، أي: لذوي العقول الناهية عن الأباطيل، التي من جملتها ما يدعيه الطاغية وما يقبله منه الفئة الباغية. وتخصيص كونها آيات لهم، مع أنها آية للعالمين لأنهم المنتفعون بها. { منها خلقناكم } أي: من الأرض الممهدة لكم، خلقناكم بخلق أبيكم آدم عليه السلام، وأنتم في ضمنه، إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه عليه السلام، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء إجماليا، فكان خلقه عليه السلام منها خلقا لكل منها، وقيل: خلقت أبدانكم من النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض. وقال عطاء: إن الملك الموكل بالرحم ينطلق، فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه العبد، فيذره على النطفة، فتخلق من التراب ومن النطفة. ه. { وفيها نعيدكم } بالإماتة وتفريق الأجزاء، والكلام على الأشباح دون الأرواح، فإنها، بعد السؤال، تصعد إلى السماء، كما يأتي عند قوله تعالى:
فأمآ إن كان من المقربين
[الواقعة: 88] الآية. ولم يقل: وإليها نعيدكم إشارة إلى استقرار العبد فيها، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بتأليف أجزائكم المتفتتة، المختلطة بالتراب، على الهيئة السابقة، ورد الأرواح إليها. وكون هذا الإخراج تارة أخرى: باعتبار أن خلقهم من الأرض إخراج لهم منها، وإن لم يكن على التارة الثانية. والتارة في الأصل: اسم للتور، وهو الجريان، فالتارة واحدة منه، ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتحدة، كما مر في المرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه، مما سبق لهم في أزله، ثم هدى إلى الأسباب الموصلة إليه، فمنهم من كان حظه في الأزل قوت الأشباح، هداه إلى أسبابها، وهم أهل مقام البعد، ومنهم من كان حظه قوت القلوب، فهداه إلى أسبابها من المجاهدة في الطاعات وأنواع القربات، وهم أنواع: فمنهم من شغلهم بتدريس العلوم وتدقيق الفهوم، وتحرير المسائل وتمهيد النوازل، وهداهم إلى أسباب ذلك، وهم حملة الشريعة، إن صحت نيتهم وثبت إخلاصهم. ومنهم من شغلهم بتوالي الطاعات وتعمير الأوقات، وهداهم إلى أسبابها، وقواهم على مشاقها، وهم العباد والزهاد.
ومنهم من شغلهم بإطعام الطعام والرفق بالأنام، وتعمير الزوايا وقبول الهدايا، وهداهم إلى أسباب عمارتها والقيام بها، وهم الصالحون. ومنهم: من كان حظه قوت الأرواح، وهم المريدون السائرون، أهل الرياضة والتصفية، والتخلية والتحلية، والتهذيب والتدريب، وهداهم إلى أسبابها، ووصلهم إلى شيخ كامل يبينها ويسلكها، وهم في ذلك مقامات متفاوتة، على حسب صدقهم وجدهم، ومنهم من كان حظه قوت الأسرار، وهم العارفون الكبار، السابقون المقربون، أهل الفناء والبقاء، أهل الرسوخ والتمكين، فهداهم إلى ما أملوا، ووصلهم إلى ما طلبوا. نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. وقوله: { فما بال القرون الأولى... } الآية، فيه زجر للمريد عن الاشتغال بالحكايات الماضية، لأن في ذلك شغلا عن الله، إلا ما كان فيه زيادة إلى الله، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. وقوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهادا } أي: جعل أرض النفوس مهادا للقيام برسم العبودية، وسلك فيها سبلا توصل إلى مشاهدة الربوبية، لمن سلكها بالرياضة والمجاهدة، وأنزل من سماء الملكوت ماء الواردات الإلهية، تحيا به الأرواح، فتخرج أصنافا من العلوم والحكم شتى، كلوا برعي القلوب في نوار تجلياتها، وارعوا لقوت أشباحكم من ثمار حسياتها، إن في ذلك لآيات لأولي النهى. { منها خلقناكم }: من أرض نفوسكم أخرجناكم، بشهود عظمة الربوبية، وفيها نعيدكم للقيام برسم العبودية، ومنها نخرجكم لتكونوا لله، لا لشيء دونه. أو منها خلقناكم، أي: أخرجناكم من شهود ظلمتها إلى نور خالقها، بالفناء عنها، وفيها نعيدكم بالرجوع إلى الأثر في مقام البقاء، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } بعقد الحرية في مقام البقاء، فتكونوا عبيدا شكرا. وبالله التوفيق. ثم إن فرعون لم ينفعه هذه الموعظة ولا ما رأى من الآيات الباهرة...
طه 20:56
قلت: { موعدا }: مصدر، مفعول أول ل { اجعل }. و { مكانا }: مفعول بفعل محذوف، أي: تعدنا مكانا سوى، لا بموعد، لأنه وصف، ويجوز نصبه على إسقاط الخافض، و { يوم الزينة }: على حذف مضاف، أي: مكان يوم الزينة، و { أن يحشر }: عطف على يوم، أو الزينة. يقول الحق جل جلاله: { ولقد أريناه } أي: فرعون، { آياتنا } ، حين قال له:
فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين
[الشعراء: 31-33]، وعبر بالجمع، مع كونهما اثنتين، باعتبار ما في تضاعيفهما من الخوارق، التي كل واحدة منها آية. وقد رأى فرعون من هاتين الآيتين أمورا دواهي، فإنه روى أنه عليه السلام، لما ألقى العصا، انقلبت ثعبانا أشعر، فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه، فصاح فرعون: يا موسى أنشدك الذي أرسلك إلا أخذته، فأخذه، فعاد عصا. وروي أنها، لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة نحو فرعون، وجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت، ويقول فرعون: أنشدك... الخ. ونزع يده من جيبه، فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادة. ففي تضاعيف كل من الآيتين آيات جمة، لكنها لما كانت غير مذكورة بالصراحة، أكدت بقوله تعالى: { كلها } ، كأنه قيل: أريناه آياتنا بجميع مستتبعاتها وتفاصيلها، قصدا إلى بيان أنه لم يبق له في ذلك عذر. وقيل: أريناه آياتنا التسع، وهو بعيد لأنها إنما ظهرت على يده عليه السلام بعد ما غلبت السحرة على مهل، في نحو من عشرين سنة، والكلام هنا قبل المعارضة، اللهم إلا أن يكون الحق تعالى أخبرنا أنه أراه الآيات التسع كلها، فأبى عن الإيمان، ثم رجع إلى إتمام القصة. وأبعد منه: من عد في الآيات ما جعل لإهلاكهم، لا لإرشادهم إلى الإيمان من فلق البحر، وما ظهر بعد مهلكه من الآيات الظاهرة لبني إسرائيل من نتق الجبل والحجر، وغير ذلك، وكذلك من عد منها الآيات الظاهرة على يد الأنبياء - عليهم السلام - حيث حكاها موسى عليه السلام لفرعون، بناء على أن حكايته إياها له في حكم إظهارها بين يديه لاستحالة الكذب عليه، فإن حكايته إياها لفرعون مما لم يجر ذكره هنا، فكل هذا بعيد من سياق النظم الكريم. قال تعالى: { فكذب } فرعون موسى، { وأبى } الإيمان والطاعة، مع ما شاهد على يده من الشواهد الناطقة بصدقه. جحودا وعنادا لعتوه واستكباره، وقيل: كذب بالآيات جميعا، وأبى أن يقبل شيئا منها.
{ قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى } ، هذا استئناف مبين لكيفية تكذيبه وإبائه. والمجيء إما على حقيقته، أو بمعنى الإقبال على الأمر والتصدي له، أي: أجئتنا من مكانك الذي كنت فيه ترعى الغنم لتخرجنا من أرضنا؟ أو: أقبلت إلينا لتخرجنا من مصر بما أظهرت لنا من السحر، فإن ذلك مما لا يصدر عن عاقل لكونه من باب محاولة المحال، وإنما قاله تحريضا لقومه على مقت موسى والبعد عنه، بإظهار أن مراده عليه السلام إخراج القبط من وطنهم، وحيازة أموالهم، وإهلاكهم بالكلية، حتى لا يميل أحد إليه،
والله غالب على أمره
[يوسف: 21]. وسمى ما أظهره عليه السلام من المعجزة الباهرة سحرا، ثم ادعى أنه يعارضه، حيث قال: { فلنأتينك بسحر مثله } أي: وإذا كان الأمر كذلك، فوالله لنأتينك بسحر مثل سحرك، { فاجعل بيننا وبينك موعدا } أي: وعدا { لا نخلفه } أي: لا نخلف ذلك الوعد، ولا نجاوزه { نحن ولا أنت } ، بل نجتمع فيه وقت ذلك الموعد، وإنما فوض اللعين أمر الوعد إلى موسى عليه السلام للاحتراز عن نسبته إلى ضعف القلب ودخول الرعب إليه، وإظهار الجلادة، بإظهار أنه متمكن من تهيئة أسباب المعارضة، طال الأمر أو قصر، كما أن تقديم ضميره على ضمير موسى عليه السلام، وتوسيط كلمة " النفي " بينهما للإيذان بمسارعته إلى عدم الاختلاف. وقوله تعالى: { مكانا سوى } أي: يكون ذلك الوعد - أي: وعد الاجتماع - في مكان مستو، تستوي مسافته بيننا وبينك، عدلا، لا ظلم على أحد في الإتيان إليه، منا ومنك، وفيه لغتان: ضم السين وكسرها. { قال } لهم موسى عليه السلام: { موعدكم يوم الزينة } أي: مكان الزينة لأن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه في ذلك اليوم، وهو يوم عيد لهم، في كل عام يتزينون ويجتمعون فيه، وقيل: يوم النيروز، وقيل: يوم عاشوراء، وقيل: يوم سوق لهم. { وأن يحشر الناس ضحى } أي: موعدكم يوم الزينة، وحشر الناس ضحى، أو يوم حشر الناس في وقت الضحى، يجتمعون نهارا جهارا، أراد عليه السلام أن يكون أبلغ في إظهار الحجة وإدحاض الباطل، بكونه على رؤوس الأشهاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: من سبق له البعد عن الرحمن، لا ينفع فيه خوارق معجزات، ولا قاطع برهان ودليل، أبعده التكبر والطغيان، ودفع الحق بالباطل. نعوذ بالله من موارد الخذلان. ثم ذكر جمعهم وما كان من شأنهم
طه 20:57
قلت: { موعدا }: مصدر، مفعول أول ل { اجعل }. و { مكانا }: مفعول بفعل محذوف، أي: تعدنا مكانا سوى، لا بموعد، لأنه وصف، ويجوز نصبه على إسقاط الخافض، و { يوم الزينة }: على حذف مضاف، أي: مكان يوم الزينة، و { أن يحشر }: عطف على يوم، أو الزينة. يقول الحق جل جلاله: { ولقد أريناه } أي: فرعون، { آياتنا } ، حين قال له:
فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين
[الشعراء: 31-33]، وعبر بالجمع، مع كونهما اثنتين، باعتبار ما في تضاعيفهما من الخوارق، التي كل واحدة منها آية. وقد رأى فرعون من هاتين الآيتين أمورا دواهي، فإنه روى أنه عليه السلام، لما ألقى العصا، انقلبت ثعبانا أشعر، فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه، فصاح فرعون: يا موسى أنشدك الذي أرسلك إلا أخذته، فأخذه، فعاد عصا. وروي أنها، لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة نحو فرعون، وجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت، ويقول فرعون: أنشدك... الخ. ونزع يده من جيبه، فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادة. ففي تضاعيف كل من الآيتين آيات جمة، لكنها لما كانت غير مذكورة بالصراحة، أكدت بقوله تعالى: { كلها } ، كأنه قيل: أريناه آياتنا بجميع مستتبعاتها وتفاصيلها، قصدا إلى بيان أنه لم يبق له في ذلك عذر. وقيل: أريناه آياتنا التسع، وهو بعيد لأنها إنما ظهرت على يده عليه السلام بعد ما غلبت السحرة على مهل، في نحو من عشرين سنة، والكلام هنا قبل المعارضة، اللهم إلا أن يكون الحق تعالى أخبرنا أنه أراه الآيات التسع كلها، فأبى عن الإيمان، ثم رجع إلى إتمام القصة. وأبعد منه: من عد في الآيات ما جعل لإهلاكهم، لا لإرشادهم إلى الإيمان من فلق البحر، وما ظهر بعد مهلكه من الآيات الظاهرة لبني إسرائيل من نتق الجبل والحجر، وغير ذلك، وكذلك من عد منها الآيات الظاهرة على يد الأنبياء - عليهم السلام - حيث حكاها موسى عليه السلام لفرعون، بناء على أن حكايته إياها له في حكم إظهارها بين يديه لاستحالة الكذب عليه، فإن حكايته إياها لفرعون مما لم يجر ذكره هنا، فكل هذا بعيد من سياق النظم الكريم. قال تعالى: { فكذب } فرعون موسى، { وأبى } الإيمان والطاعة، مع ما شاهد على يده من الشواهد الناطقة بصدقه. جحودا وعنادا لعتوه واستكباره، وقيل: كذب بالآيات جميعا، وأبى أن يقبل شيئا منها.
{ قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى } ، هذا استئناف مبين لكيفية تكذيبه وإبائه. والمجيء إما على حقيقته، أو بمعنى الإقبال على الأمر والتصدي له، أي: أجئتنا من مكانك الذي كنت فيه ترعى الغنم لتخرجنا من أرضنا؟ أو: أقبلت إلينا لتخرجنا من مصر بما أظهرت لنا من السحر، فإن ذلك مما لا يصدر عن عاقل لكونه من باب محاولة المحال، وإنما قاله تحريضا لقومه على مقت موسى والبعد عنه، بإظهار أن مراده عليه السلام إخراج القبط من وطنهم، وحيازة أموالهم، وإهلاكهم بالكلية، حتى لا يميل أحد إليه،
والله غالب على أمره
[يوسف: 21]. وسمى ما أظهره عليه السلام من المعجزة الباهرة سحرا، ثم ادعى أنه يعارضه، حيث قال: { فلنأتينك بسحر مثله } أي: وإذا كان الأمر كذلك، فوالله لنأتينك بسحر مثل سحرك، { فاجعل بيننا وبينك موعدا } أي: وعدا { لا نخلفه } أي: لا نخلف ذلك الوعد، ولا نجاوزه { نحن ولا أنت } ، بل نجتمع فيه وقت ذلك الموعد، وإنما فوض اللعين أمر الوعد إلى موسى عليه السلام للاحتراز عن نسبته إلى ضعف القلب ودخول الرعب إليه، وإظهار الجلادة، بإظهار أنه متمكن من تهيئة أسباب المعارضة، طال الأمر أو قصر، كما أن تقديم ضميره على ضمير موسى عليه السلام، وتوسيط كلمة " النفي " بينهما للإيذان بمسارعته إلى عدم الاختلاف. وقوله تعالى: { مكانا سوى } أي: يكون ذلك الوعد - أي: وعد الاجتماع - في مكان مستو، تستوي مسافته بيننا وبينك، عدلا، لا ظلم على أحد في الإتيان إليه، منا ومنك، وفيه لغتان: ضم السين وكسرها. { قال } لهم موسى عليه السلام: { موعدكم يوم الزينة } أي: مكان الزينة لأن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه في ذلك اليوم، وهو يوم عيد لهم، في كل عام يتزينون ويجتمعون فيه، وقيل: يوم النيروز، وقيل: يوم عاشوراء، وقيل: يوم سوق لهم. { وأن يحشر الناس ضحى } أي: موعدكم يوم الزينة، وحشر الناس ضحى، أو يوم حشر الناس في وقت الضحى، يجتمعون نهارا جهارا، أراد عليه السلام أن يكون أبلغ في إظهار الحجة وإدحاض الباطل، بكونه على رؤوس الأشهاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: من سبق له البعد عن الرحمن، لا ينفع فيه خوارق معجزات، ولا قاطع برهان ودليل، أبعده التكبر والطغيان، ودفع الحق بالباطل. نعوذ بالله من موارد الخذلان. ثم ذكر جمعهم وما كان من شأنهم
طه 20:58
قلت: { موعدا }: مصدر، مفعول أول ل { اجعل }. و { مكانا }: مفعول بفعل محذوف، أي: تعدنا مكانا سوى، لا بموعد، لأنه وصف، ويجوز نصبه على إسقاط الخافض، و { يوم الزينة }: على حذف مضاف، أي: مكان يوم الزينة، و { أن يحشر }: عطف على يوم، أو الزينة. يقول الحق جل جلاله: { ولقد أريناه } أي: فرعون، { آياتنا } ، حين قال له:
فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين
[الشعراء: 31-33]، وعبر بالجمع، مع كونهما اثنتين، باعتبار ما في تضاعيفهما من الخوارق، التي كل واحدة منها آية. وقد رأى فرعون من هاتين الآيتين أمورا دواهي، فإنه روى أنه عليه السلام، لما ألقى العصا، انقلبت ثعبانا أشعر، فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه، فصاح فرعون: يا موسى أنشدك الذي أرسلك إلا أخذته، فأخذه، فعاد عصا. وروي أنها، لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة نحو فرعون، وجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت، ويقول فرعون: أنشدك... الخ. ونزع يده من جيبه، فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادة. ففي تضاعيف كل من الآيتين آيات جمة، لكنها لما كانت غير مذكورة بالصراحة، أكدت بقوله تعالى: { كلها } ، كأنه قيل: أريناه آياتنا بجميع مستتبعاتها وتفاصيلها، قصدا إلى بيان أنه لم يبق له في ذلك عذر. وقيل: أريناه آياتنا التسع، وهو بعيد لأنها إنما ظهرت على يده عليه السلام بعد ما غلبت السحرة على مهل، في نحو من عشرين سنة، والكلام هنا قبل المعارضة، اللهم إلا أن يكون الحق تعالى أخبرنا أنه أراه الآيات التسع كلها، فأبى عن الإيمان، ثم رجع إلى إتمام القصة. وأبعد منه: من عد في الآيات ما جعل لإهلاكهم، لا لإرشادهم إلى الإيمان من فلق البحر، وما ظهر بعد مهلكه من الآيات الظاهرة لبني إسرائيل من نتق الجبل والحجر، وغير ذلك، وكذلك من عد منها الآيات الظاهرة على يد الأنبياء - عليهم السلام - حيث حكاها موسى عليه السلام لفرعون، بناء على أن حكايته إياها له في حكم إظهارها بين يديه لاستحالة الكذب عليه، فإن حكايته إياها لفرعون مما لم يجر ذكره هنا، فكل هذا بعيد من سياق النظم الكريم. قال تعالى: { فكذب } فرعون موسى، { وأبى } الإيمان والطاعة، مع ما شاهد على يده من الشواهد الناطقة بصدقه. جحودا وعنادا لعتوه واستكباره، وقيل: كذب بالآيات جميعا، وأبى أن يقبل شيئا منها.
{ قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى } ، هذا استئناف مبين لكيفية تكذيبه وإبائه. والمجيء إما على حقيقته، أو بمعنى الإقبال على الأمر والتصدي له، أي: أجئتنا من مكانك الذي كنت فيه ترعى الغنم لتخرجنا من أرضنا؟ أو: أقبلت إلينا لتخرجنا من مصر بما أظهرت لنا من السحر، فإن ذلك مما لا يصدر عن عاقل لكونه من باب محاولة المحال، وإنما قاله تحريضا لقومه على مقت موسى والبعد عنه، بإظهار أن مراده عليه السلام إخراج القبط من وطنهم، وحيازة أموالهم، وإهلاكهم بالكلية، حتى لا يميل أحد إليه،
والله غالب على أمره
[يوسف: 21]. وسمى ما أظهره عليه السلام من المعجزة الباهرة سحرا، ثم ادعى أنه يعارضه، حيث قال: { فلنأتينك بسحر مثله } أي: وإذا كان الأمر كذلك، فوالله لنأتينك بسحر مثل سحرك، { فاجعل بيننا وبينك موعدا } أي: وعدا { لا نخلفه } أي: لا نخلف ذلك الوعد، ولا نجاوزه { نحن ولا أنت } ، بل نجتمع فيه وقت ذلك الموعد، وإنما فوض اللعين أمر الوعد إلى موسى عليه السلام للاحتراز عن نسبته إلى ضعف القلب ودخول الرعب إليه، وإظهار الجلادة، بإظهار أنه متمكن من تهيئة أسباب المعارضة، طال الأمر أو قصر، كما أن تقديم ضميره على ضمير موسى عليه السلام، وتوسيط كلمة " النفي " بينهما للإيذان بمسارعته إلى عدم الاختلاف. وقوله تعالى: { مكانا سوى } أي: يكون ذلك الوعد - أي: وعد الاجتماع - في مكان مستو، تستوي مسافته بيننا وبينك، عدلا، لا ظلم على أحد في الإتيان إليه، منا ومنك، وفيه لغتان: ضم السين وكسرها. { قال } لهم موسى عليه السلام: { موعدكم يوم الزينة } أي: مكان الزينة لأن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه في ذلك اليوم، وهو يوم عيد لهم، في كل عام يتزينون ويجتمعون فيه، وقيل: يوم النيروز، وقيل: يوم عاشوراء، وقيل: يوم سوق لهم. { وأن يحشر الناس ضحى } أي: موعدكم يوم الزينة، وحشر الناس ضحى، أو يوم حشر الناس في وقت الضحى، يجتمعون نهارا جهارا، أراد عليه السلام أن يكون أبلغ في إظهار الحجة وإدحاض الباطل، بكونه على رؤوس الأشهاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: من سبق له البعد عن الرحمن، لا ينفع فيه خوارق معجزات، ولا قاطع برهان ودليل، أبعده التكبر والطغيان، ودفع الحق بالباطل. نعوذ بالله من موارد الخذلان. ثم ذكر جمعهم وما كان من شأنهم
طه 20:59
قلت: { موعدا }: مصدر، مفعول أول ل { اجعل }. و { مكانا }: مفعول بفعل محذوف، أي: تعدنا مكانا سوى، لا بموعد، لأنه وصف، ويجوز نصبه على إسقاط الخافض، و { يوم الزينة }: على حذف مضاف، أي: مكان يوم الزينة، و { أن يحشر }: عطف على يوم، أو الزينة. يقول الحق جل جلاله: { ولقد أريناه } أي: فرعون، { آياتنا } ، حين قال له:
فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين
[الشعراء: 31-33]، وعبر بالجمع، مع كونهما اثنتين، باعتبار ما في تضاعيفهما من الخوارق، التي كل واحدة منها آية. وقد رأى فرعون من هاتين الآيتين أمورا دواهي، فإنه روى أنه عليه السلام، لما ألقى العصا، انقلبت ثعبانا أشعر، فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه، فصاح فرعون: يا موسى أنشدك الذي أرسلك إلا أخذته، فأخذه، فعاد عصا. وروي أنها، لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة نحو فرعون، وجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت، ويقول فرعون: أنشدك... الخ. ونزع يده من جيبه، فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادة. ففي تضاعيف كل من الآيتين آيات جمة، لكنها لما كانت غير مذكورة بالصراحة، أكدت بقوله تعالى: { كلها } ، كأنه قيل: أريناه آياتنا بجميع مستتبعاتها وتفاصيلها، قصدا إلى بيان أنه لم يبق له في ذلك عذر. وقيل: أريناه آياتنا التسع، وهو بعيد لأنها إنما ظهرت على يده عليه السلام بعد ما غلبت السحرة على مهل، في نحو من عشرين سنة، والكلام هنا قبل المعارضة، اللهم إلا أن يكون الحق تعالى أخبرنا أنه أراه الآيات التسع كلها، فأبى عن الإيمان، ثم رجع إلى إتمام القصة. وأبعد منه: من عد في الآيات ما جعل لإهلاكهم، لا لإرشادهم إلى الإيمان من فلق البحر، وما ظهر بعد مهلكه من الآيات الظاهرة لبني إسرائيل من نتق الجبل والحجر، وغير ذلك، وكذلك من عد منها الآيات الظاهرة على يد الأنبياء - عليهم السلام - حيث حكاها موسى عليه السلام لفرعون، بناء على أن حكايته إياها له في حكم إظهارها بين يديه لاستحالة الكذب عليه، فإن حكايته إياها لفرعون مما لم يجر ذكره هنا، فكل هذا بعيد من سياق النظم الكريم. قال تعالى: { فكذب } فرعون موسى، { وأبى } الإيمان والطاعة، مع ما شاهد على يده من الشواهد الناطقة بصدقه. جحودا وعنادا لعتوه واستكباره، وقيل: كذب بالآيات جميعا، وأبى أن يقبل شيئا منها.
{ قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى } ، هذا استئناف مبين لكيفية تكذيبه وإبائه. والمجيء إما على حقيقته، أو بمعنى الإقبال على الأمر والتصدي له، أي: أجئتنا من مكانك الذي كنت فيه ترعى الغنم لتخرجنا من أرضنا؟ أو: أقبلت إلينا لتخرجنا من مصر بما أظهرت لنا من السحر، فإن ذلك مما لا يصدر عن عاقل لكونه من باب محاولة المحال، وإنما قاله تحريضا لقومه على مقت موسى والبعد عنه، بإظهار أن مراده عليه السلام إخراج القبط من وطنهم، وحيازة أموالهم، وإهلاكهم بالكلية، حتى لا يميل أحد إليه،
والله غالب على أمره
[يوسف: 21]. وسمى ما أظهره عليه السلام من المعجزة الباهرة سحرا، ثم ادعى أنه يعارضه، حيث قال: { فلنأتينك بسحر مثله } أي: وإذا كان الأمر كذلك، فوالله لنأتينك بسحر مثل سحرك، { فاجعل بيننا وبينك موعدا } أي: وعدا { لا نخلفه } أي: لا نخلف ذلك الوعد، ولا نجاوزه { نحن ولا أنت } ، بل نجتمع فيه وقت ذلك الموعد، وإنما فوض اللعين أمر الوعد إلى موسى عليه السلام للاحتراز عن نسبته إلى ضعف القلب ودخول الرعب إليه، وإظهار الجلادة، بإظهار أنه متمكن من تهيئة أسباب المعارضة، طال الأمر أو قصر، كما أن تقديم ضميره على ضمير موسى عليه السلام، وتوسيط كلمة " النفي " بينهما للإيذان بمسارعته إلى عدم الاختلاف. وقوله تعالى: { مكانا سوى } أي: يكون ذلك الوعد - أي: وعد الاجتماع - في مكان مستو، تستوي مسافته بيننا وبينك، عدلا، لا ظلم على أحد في الإتيان إليه، منا ومنك، وفيه لغتان: ضم السين وكسرها. { قال } لهم موسى عليه السلام: { موعدكم يوم الزينة } أي: مكان الزينة لأن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه في ذلك اليوم، وهو يوم عيد لهم، في كل عام يتزينون ويجتمعون فيه، وقيل: يوم النيروز، وقيل: يوم عاشوراء، وقيل: يوم سوق لهم. { وأن يحشر الناس ضحى } أي: موعدكم يوم الزينة، وحشر الناس ضحى، أو يوم حشر الناس في وقت الضحى، يجتمعون نهارا جهارا، أراد عليه السلام أن يكون أبلغ في إظهار الحجة وإدحاض الباطل، بكونه على رؤوس الأشهاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: من سبق له البعد عن الرحمن، لا ينفع فيه خوارق معجزات، ولا قاطع برهان ودليل، أبعده التكبر والطغيان، ودفع الحق بالباطل. نعوذ بالله من موارد الخذلان. ثم ذكر جمعهم وما كان من شأنهم
طه 20:60
قلت: { إن هذان لساحران }: من خفف { إن }: جعلها نافية، أو مخففة، واللام فارقة. ومن ثقلها وقرأها: { هذان } بالألف، فقيل: على لغة بلحارث بن كعب وخثعم وكنانة، فإنهم يلزمون الألف رفعا ونصبا وجرا، ويعربونها تقديرا، وقيل: اسمها: ضمير الشأن، أي: إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. وقيل: " إن " بمعنى " نعم " ، لا تعمل، وما بعدها: جملة من مبتدأ وخبر. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنه خطأ من الكتاب، مثل قوله:
والمقيمين الصلاة
[النساء: 162]،
والصابئون
[المائدة: 69]، في المائدة، ويرده تواتر القراءة. يقول الحق جل جلاله: { فتولى فرعون } أي: انصرف عن المجلس، ورجع إلى وطنه، { فجمع كيده } أي: حيله وسحرته ليكيد به موسى عليه السلام، { ثم أتى } الموعد، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته، وسيأتي عددهم. { قال لهم موسى } ، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة: { ويلكم } أي: ألزمكم الله الويل، إن افتريتم على الله الكذب، { لا تفتروا على الله كذبا } بإشراك أحد معه، كما تعتقدون في فرعون، أو بأن تحيلوا الباطل حقا، { فيسحتكم } أي: يستأصلكم، بسببه، { بعذاب } لا يقادر قدره، وقرئ رباعيا وثلاثيا، يقال: سحت وأسحت. فالثلاثي: لغة أهل الحجاز، والرباعي: لغة بني تميم ونجد. { وقد خاب } وخسر { من افترى } على الله، كائنا من كان، بأي وجه كان، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا، أو: قد خاب فرعون المفتري على الله، فلا تكونوا مثله في الخيبة. { فتنازعوا } أي: السحرة، حين سمعوا كلامه عليه السلام، { أمرهم } أي: في أمرهم الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة، وتشاجروا، ورددوا القول في ذلك، { وأسروا النجوى } أي: من موسى عليه السلام لئلا يقف عليه فيدافعه، ونجواهم على هذا هو قوله: { قالوا إن هذان } أي: موسى وهارون، { لساحران } عظيمان { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } مصر، بالاستيلاء عليها { بسحرهما } الذي أظهره قبل، { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي: بمذهبكم، الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. قال ابن عطية: والأظهر، في الطريقة هنا، أنه السيرة والمملكة. والمثلى: تأنيث الأمثل، أي: الفاضلة الحسنة. ه. وقيل: الطريقة هنا: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، لأنهم قدوة لغيرهم، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس وأشرافهم إليهما، ويبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ: بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم بعيد، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وقوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم }: تصريح بالمطلوب، أي: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم، فأجمعوا كيدكم، أي: اجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وارموه عن قوس واحدة.
وقرأ أبو عمرو: { فاجمعوا } ، من الجمع، أي: فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي، { ثم ائتوا صفا } أي: مصطفين، أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان مكانا متسعا، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. ثم قالوا في آخر نجواهم: { وقد أفلح اليوم من استعلى } فاز بالمطلوب من غلب، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس. وقيل: كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السلام -: ما هذا بقول ساحر، وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: قالوا فيها: إن كان ساحرا غلبناه، وإن كان من السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون، ويحمل قولهم: { إن هذان لساحران... } الخ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. ثم طلبوا المعارضة، فقالوا: { يا موسى إما أن تلقي } ما تلقيه أولا، { وإما أن نكون أول من ألقى } ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر مراعاة للأدب، لما رأوا عليه من مخايل الخير، وإظهارا للجلادة، { قال بل ألقوا } أنتم أولا، مقابلة لأدبهم بأحسن منه، فبت القول بإلقائهم أولا، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه كما تعود من ربه. فألقوا ما عندهم، { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } أي: ففوجئ موسى، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. قلت: هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين، كما يفعله أهل الشعوذة، وهو علم معروف من علوم السحر، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على بطونها، تقصد موسى عليه السلام، فكيف يفعل الزئبق هذا؟ قال ابن جزي: استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. ه. { فأوجس في نفسه خيفة } أي: خوفا، { موسى }: أي: أضمر في نفسه بعض خوف، من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات، والاحتراز من ضررها. وقال مقاتل: إنما خاف موسى، إذ صنع القوم مثل صنيعه، بأن يشكوا فيه، فلا يتبعوه، ويشك فيه من تابعه. { قلنا لا تخف } ما توهمت، { إنك أنت الأعلى } الغالب عليهم، والجملة: تعليل لنهيه عن الخوف، وتقرير لغلبته، على أبلغ وجه، كما يعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق، وتأكيد الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلو. ثم قال له: { وألق ما في يمينك } أي: عصاك، وإنما أبهمت تفخيما لشأنها، وإيذانا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس، مبهمة الكنه، مستتبعة لآثار غريبة، وأما حمل الإبهام على التحقير، بمعنى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الذي في يدك، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها، وصغره وكبرها، فيأباه ظهور حالها، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. وقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا }: جواب الأمر، من لقفه، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، أي: تبتلع، وتلتقم بسرعة، ما صنعوا من الحبال والعصي، التي تخيل إليك، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السلام وعلوه، وإدحاض الخوف عنه، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس، مما يقلع مادته بالكلية. وهذا، كما ترى، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله: { تلقف ما صنعوا } صريح في عدم الالتباس إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم، فتأمله. { إنما صنعوا كيد ساحر } أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر وحيله. وقرأ أهل الكوفة: { سحر } بكسر السين، فالإضافة للبيان، كما في " علم فقه " ، أو: كيد ذي سحر، أو يسمى الساحر سحرا مبالغة. والجملة تعليل لقوله: { تلقف } أي: تبتلعه لأنه كيد ساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي: حيث وجد، وأين أقبل، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير، المتوجه إلى الله تعالى، من قبل الحق: إما أن تلقي الدنيا من يدك، وإما أن نكون أول من ألقاها عنك، أي: إما أن تتركها اختيارا، أو تزول عنك اضطرارا لأن عادته تعالى، مع المتوجه الصادق، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب -: بل ألقها، ولا حاجة لي بها، فألقاها الحق تعالى، وأخرجها من يده، عناية به، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في هلاكه وخراب قلبه وتضييع عمره، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة، قلنا: لا تخف، حيث توجهت إلى مولاك، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب، وألق ما في يمين قلبك من اليقين، تلقف ما صنعوا، أي: ما صنعت بك خواطر السوء والشيطان، لأنه يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وإنما صنعوا ذلك تخويفا وتمويها، لا حقيقة له، كما يفعل الساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى }. ثم ذكر إسلام السحرة وما كان من شأنهم
طه 20:61
قلت: { إن هذان لساحران }: من خفف { إن }: جعلها نافية، أو مخففة، واللام فارقة. ومن ثقلها وقرأها: { هذان } بالألف، فقيل: على لغة بلحارث بن كعب وخثعم وكنانة، فإنهم يلزمون الألف رفعا ونصبا وجرا، ويعربونها تقديرا، وقيل: اسمها: ضمير الشأن، أي: إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. وقيل: " إن " بمعنى " نعم " ، لا تعمل، وما بعدها: جملة من مبتدأ وخبر. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنه خطأ من الكتاب، مثل قوله:
والمقيمين الصلاة
[النساء: 162]،
والصابئون
[المائدة: 69]، في المائدة، ويرده تواتر القراءة. يقول الحق جل جلاله: { فتولى فرعون } أي: انصرف عن المجلس، ورجع إلى وطنه، { فجمع كيده } أي: حيله وسحرته ليكيد به موسى عليه السلام، { ثم أتى } الموعد، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته، وسيأتي عددهم. { قال لهم موسى } ، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة: { ويلكم } أي: ألزمكم الله الويل، إن افتريتم على الله الكذب، { لا تفتروا على الله كذبا } بإشراك أحد معه، كما تعتقدون في فرعون، أو بأن تحيلوا الباطل حقا، { فيسحتكم } أي: يستأصلكم، بسببه، { بعذاب } لا يقادر قدره، وقرئ رباعيا وثلاثيا، يقال: سحت وأسحت. فالثلاثي: لغة أهل الحجاز، والرباعي: لغة بني تميم ونجد. { وقد خاب } وخسر { من افترى } على الله، كائنا من كان، بأي وجه كان، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا، أو: قد خاب فرعون المفتري على الله، فلا تكونوا مثله في الخيبة. { فتنازعوا } أي: السحرة، حين سمعوا كلامه عليه السلام، { أمرهم } أي: في أمرهم الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة، وتشاجروا، ورددوا القول في ذلك، { وأسروا النجوى } أي: من موسى عليه السلام لئلا يقف عليه فيدافعه، ونجواهم على هذا هو قوله: { قالوا إن هذان } أي: موسى وهارون، { لساحران } عظيمان { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } مصر، بالاستيلاء عليها { بسحرهما } الذي أظهره قبل، { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي: بمذهبكم، الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. قال ابن عطية: والأظهر، في الطريقة هنا، أنه السيرة والمملكة. والمثلى: تأنيث الأمثل، أي: الفاضلة الحسنة. ه. وقيل: الطريقة هنا: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، لأنهم قدوة لغيرهم، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس وأشرافهم إليهما، ويبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ: بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم بعيد، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وقوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم }: تصريح بالمطلوب، أي: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم، فأجمعوا كيدكم، أي: اجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وارموه عن قوس واحدة.
وقرأ أبو عمرو: { فاجمعوا } ، من الجمع، أي: فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي، { ثم ائتوا صفا } أي: مصطفين، أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان مكانا متسعا، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. ثم قالوا في آخر نجواهم: { وقد أفلح اليوم من استعلى } فاز بالمطلوب من غلب، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس. وقيل: كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السلام -: ما هذا بقول ساحر، وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: قالوا فيها: إن كان ساحرا غلبناه، وإن كان من السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون، ويحمل قولهم: { إن هذان لساحران... } الخ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. ثم طلبوا المعارضة، فقالوا: { يا موسى إما أن تلقي } ما تلقيه أولا، { وإما أن نكون أول من ألقى } ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر مراعاة للأدب، لما رأوا عليه من مخايل الخير، وإظهارا للجلادة، { قال بل ألقوا } أنتم أولا، مقابلة لأدبهم بأحسن منه، فبت القول بإلقائهم أولا، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه كما تعود من ربه. فألقوا ما عندهم، { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } أي: ففوجئ موسى، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. قلت: هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين، كما يفعله أهل الشعوذة، وهو علم معروف من علوم السحر، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على بطونها، تقصد موسى عليه السلام، فكيف يفعل الزئبق هذا؟ قال ابن جزي: استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. ه. { فأوجس في نفسه خيفة } أي: خوفا، { موسى }: أي: أضمر في نفسه بعض خوف، من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات، والاحتراز من ضررها. وقال مقاتل: إنما خاف موسى، إذ صنع القوم مثل صنيعه، بأن يشكوا فيه، فلا يتبعوه، ويشك فيه من تابعه. { قلنا لا تخف } ما توهمت، { إنك أنت الأعلى } الغالب عليهم، والجملة: تعليل لنهيه عن الخوف، وتقرير لغلبته، على أبلغ وجه، كما يعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق، وتأكيد الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلو. ثم قال له: { وألق ما في يمينك } أي: عصاك، وإنما أبهمت تفخيما لشأنها، وإيذانا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس، مبهمة الكنه، مستتبعة لآثار غريبة، وأما حمل الإبهام على التحقير، بمعنى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الذي في يدك، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها، وصغره وكبرها، فيأباه ظهور حالها، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. وقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا }: جواب الأمر، من لقفه، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، أي: تبتلع، وتلتقم بسرعة، ما صنعوا من الحبال والعصي، التي تخيل إليك، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السلام وعلوه، وإدحاض الخوف عنه، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس، مما يقلع مادته بالكلية. وهذا، كما ترى، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله: { تلقف ما صنعوا } صريح في عدم الالتباس إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم، فتأمله. { إنما صنعوا كيد ساحر } أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر وحيله. وقرأ أهل الكوفة: { سحر } بكسر السين، فالإضافة للبيان، كما في " علم فقه " ، أو: كيد ذي سحر، أو يسمى الساحر سحرا مبالغة. والجملة تعليل لقوله: { تلقف } أي: تبتلعه لأنه كيد ساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي: حيث وجد، وأين أقبل، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير، المتوجه إلى الله تعالى، من قبل الحق: إما أن تلقي الدنيا من يدك، وإما أن نكون أول من ألقاها عنك، أي: إما أن تتركها اختيارا، أو تزول عنك اضطرارا لأن عادته تعالى، مع المتوجه الصادق، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب -: بل ألقها، ولا حاجة لي بها، فألقاها الحق تعالى، وأخرجها من يده، عناية به، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في هلاكه وخراب قلبه وتضييع عمره، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة، قلنا: لا تخف، حيث توجهت إلى مولاك، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب، وألق ما في يمين قلبك من اليقين، تلقف ما صنعوا، أي: ما صنعت بك خواطر السوء والشيطان، لأنه يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وإنما صنعوا ذلك تخويفا وتمويها، لا حقيقة له، كما يفعل الساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى }. ثم ذكر إسلام السحرة وما كان من شأنهم