البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — طه 20:62 – طه 20:123
المحتويات
- طه 20:62
- طه 20:63
- طه 20:64
- طه 20:65
- طه 20:66
- طه 20:67
- طه 20:68
- طه 20:69
- طه 20:70
- طه 20:71
- طه 20:72
- طه 20:73
- طه 20:74
- طه 20:75
- طه 20:76
- طه 20:77
- طه 20:78
- طه 20:79
- طه 20:80
- طه 20:81
- طه 20:82
- طه 20:83
- طه 20:84
- طه 20:85
- طه 20:86
- طه 20:87
- طه 20:88
- طه 20:89
- طه 20:90
- طه 20:91
- طه 20:92
- طه 20:93
- طه 20:94
- طه 20:95
- طه 20:96
- طه 20:97
- طه 20:98
- طه 20:99
- طه 20:100
- طه 20:101
- طه 20:102
- طه 20:103
- طه 20:104
- طه 20:105
- طه 20:106
- طه 20:107
- طه 20:108
- طه 20:109
- طه 20:110
- طه 20:111
- طه 20:112
- طه 20:113
- طه 20:114
- طه 20:115
- طه 20:116
- طه 20:117
- طه 20:118
- طه 20:119
- طه 20:120
- طه 20:121
- طه 20:122
- طه 20:123
طه 20:62
قلت: { إن هذان لساحران }: من خفف { إن }: جعلها نافية، أو مخففة، واللام فارقة. ومن ثقلها وقرأها: { هذان } بالألف، فقيل: على لغة بلحارث بن كعب وخثعم وكنانة، فإنهم يلزمون الألف رفعا ونصبا وجرا، ويعربونها تقديرا، وقيل: اسمها: ضمير الشأن، أي: إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. وقيل: " إن " بمعنى " نعم " ، لا تعمل، وما بعدها: جملة من مبتدأ وخبر. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنه خطأ من الكتاب، مثل قوله:
والمقيمين الصلاة
[النساء: 162]،
والصابئون
[المائدة: 69]، في المائدة، ويرده تواتر القراءة. يقول الحق جل جلاله: { فتولى فرعون } أي: انصرف عن المجلس، ورجع إلى وطنه، { فجمع كيده } أي: حيله وسحرته ليكيد به موسى عليه السلام، { ثم أتى } الموعد، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته، وسيأتي عددهم. { قال لهم موسى } ، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة: { ويلكم } أي: ألزمكم الله الويل، إن افتريتم على الله الكذب، { لا تفتروا على الله كذبا } بإشراك أحد معه، كما تعتقدون في فرعون، أو بأن تحيلوا الباطل حقا، { فيسحتكم } أي: يستأصلكم، بسببه، { بعذاب } لا يقادر قدره، وقرئ رباعيا وثلاثيا، يقال: سحت وأسحت. فالثلاثي: لغة أهل الحجاز، والرباعي: لغة بني تميم ونجد. { وقد خاب } وخسر { من افترى } على الله، كائنا من كان، بأي وجه كان، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا، أو: قد خاب فرعون المفتري على الله، فلا تكونوا مثله في الخيبة. { فتنازعوا } أي: السحرة، حين سمعوا كلامه عليه السلام، { أمرهم } أي: في أمرهم الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة، وتشاجروا، ورددوا القول في ذلك، { وأسروا النجوى } أي: من موسى عليه السلام لئلا يقف عليه فيدافعه، ونجواهم على هذا هو قوله: { قالوا إن هذان } أي: موسى وهارون، { لساحران } عظيمان { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } مصر، بالاستيلاء عليها { بسحرهما } الذي أظهره قبل، { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي: بمذهبكم، الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. قال ابن عطية: والأظهر، في الطريقة هنا، أنه السيرة والمملكة. والمثلى: تأنيث الأمثل، أي: الفاضلة الحسنة. ه. وقيل: الطريقة هنا: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، لأنهم قدوة لغيرهم، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس وأشرافهم إليهما، ويبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ: بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم بعيد، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وقوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم }: تصريح بالمطلوب، أي: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم، فأجمعوا كيدكم، أي: اجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وارموه عن قوس واحدة.
وقرأ أبو عمرو: { فاجمعوا } ، من الجمع، أي: فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي، { ثم ائتوا صفا } أي: مصطفين، أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان مكانا متسعا، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. ثم قالوا في آخر نجواهم: { وقد أفلح اليوم من استعلى } فاز بالمطلوب من غلب، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس. وقيل: كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السلام -: ما هذا بقول ساحر، وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: قالوا فيها: إن كان ساحرا غلبناه، وإن كان من السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون، ويحمل قولهم: { إن هذان لساحران... } الخ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. ثم طلبوا المعارضة، فقالوا: { يا موسى إما أن تلقي } ما تلقيه أولا، { وإما أن نكون أول من ألقى } ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر مراعاة للأدب، لما رأوا عليه من مخايل الخير، وإظهارا للجلادة، { قال بل ألقوا } أنتم أولا، مقابلة لأدبهم بأحسن منه، فبت القول بإلقائهم أولا، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه كما تعود من ربه. فألقوا ما عندهم، { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } أي: ففوجئ موسى، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. قلت: هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين، كما يفعله أهل الشعوذة، وهو علم معروف من علوم السحر، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على بطونها، تقصد موسى عليه السلام، فكيف يفعل الزئبق هذا؟ قال ابن جزي: استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. ه. { فأوجس في نفسه خيفة } أي: خوفا، { موسى }: أي: أضمر في نفسه بعض خوف، من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات، والاحتراز من ضررها. وقال مقاتل: إنما خاف موسى، إذ صنع القوم مثل صنيعه، بأن يشكوا فيه، فلا يتبعوه، ويشك فيه من تابعه. { قلنا لا تخف } ما توهمت، { إنك أنت الأعلى } الغالب عليهم، والجملة: تعليل لنهيه عن الخوف، وتقرير لغلبته، على أبلغ وجه، كما يعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق، وتأكيد الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلو. ثم قال له: { وألق ما في يمينك } أي: عصاك، وإنما أبهمت تفخيما لشأنها، وإيذانا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس، مبهمة الكنه، مستتبعة لآثار غريبة، وأما حمل الإبهام على التحقير، بمعنى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الذي في يدك، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها، وصغره وكبرها، فيأباه ظهور حالها، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. وقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا }: جواب الأمر، من لقفه، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، أي: تبتلع، وتلتقم بسرعة، ما صنعوا من الحبال والعصي، التي تخيل إليك، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السلام وعلوه، وإدحاض الخوف عنه، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس، مما يقلع مادته بالكلية. وهذا، كما ترى، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله: { تلقف ما صنعوا } صريح في عدم الالتباس إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم، فتأمله. { إنما صنعوا كيد ساحر } أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر وحيله. وقرأ أهل الكوفة: { سحر } بكسر السين، فالإضافة للبيان، كما في " علم فقه " ، أو: كيد ذي سحر، أو يسمى الساحر سحرا مبالغة. والجملة تعليل لقوله: { تلقف } أي: تبتلعه لأنه كيد ساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي: حيث وجد، وأين أقبل، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير، المتوجه إلى الله تعالى، من قبل الحق: إما أن تلقي الدنيا من يدك، وإما أن نكون أول من ألقاها عنك، أي: إما أن تتركها اختيارا، أو تزول عنك اضطرارا لأن عادته تعالى، مع المتوجه الصادق، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب -: بل ألقها، ولا حاجة لي بها، فألقاها الحق تعالى، وأخرجها من يده، عناية به، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في هلاكه وخراب قلبه وتضييع عمره، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة، قلنا: لا تخف، حيث توجهت إلى مولاك، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب، وألق ما في يمين قلبك من اليقين، تلقف ما صنعوا، أي: ما صنعت بك خواطر السوء والشيطان، لأنه يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وإنما صنعوا ذلك تخويفا وتمويها، لا حقيقة له، كما يفعل الساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى }. ثم ذكر إسلام السحرة وما كان من شأنهم
طه 20:63
قلت: { إن هذان لساحران }: من خفف { إن }: جعلها نافية، أو مخففة، واللام فارقة. ومن ثقلها وقرأها: { هذان } بالألف، فقيل: على لغة بلحارث بن كعب وخثعم وكنانة، فإنهم يلزمون الألف رفعا ونصبا وجرا، ويعربونها تقديرا، وقيل: اسمها: ضمير الشأن، أي: إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. وقيل: " إن " بمعنى " نعم " ، لا تعمل، وما بعدها: جملة من مبتدأ وخبر. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنه خطأ من الكتاب، مثل قوله:
والمقيمين الصلاة
[النساء: 162]،
والصابئون
[المائدة: 69]، في المائدة، ويرده تواتر القراءة. يقول الحق جل جلاله: { فتولى فرعون } أي: انصرف عن المجلس، ورجع إلى وطنه، { فجمع كيده } أي: حيله وسحرته ليكيد به موسى عليه السلام، { ثم أتى } الموعد، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته، وسيأتي عددهم. { قال لهم موسى } ، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة: { ويلكم } أي: ألزمكم الله الويل، إن افتريتم على الله الكذب، { لا تفتروا على الله كذبا } بإشراك أحد معه، كما تعتقدون في فرعون، أو بأن تحيلوا الباطل حقا، { فيسحتكم } أي: يستأصلكم، بسببه، { بعذاب } لا يقادر قدره، وقرئ رباعيا وثلاثيا، يقال: سحت وأسحت. فالثلاثي: لغة أهل الحجاز، والرباعي: لغة بني تميم ونجد. { وقد خاب } وخسر { من افترى } على الله، كائنا من كان، بأي وجه كان، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا، أو: قد خاب فرعون المفتري على الله، فلا تكونوا مثله في الخيبة. { فتنازعوا } أي: السحرة، حين سمعوا كلامه عليه السلام، { أمرهم } أي: في أمرهم الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة، وتشاجروا، ورددوا القول في ذلك، { وأسروا النجوى } أي: من موسى عليه السلام لئلا يقف عليه فيدافعه، ونجواهم على هذا هو قوله: { قالوا إن هذان } أي: موسى وهارون، { لساحران } عظيمان { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } مصر، بالاستيلاء عليها { بسحرهما } الذي أظهره قبل، { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي: بمذهبكم، الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. قال ابن عطية: والأظهر، في الطريقة هنا، أنه السيرة والمملكة. والمثلى: تأنيث الأمثل، أي: الفاضلة الحسنة. ه. وقيل: الطريقة هنا: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، لأنهم قدوة لغيرهم، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس وأشرافهم إليهما، ويبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ: بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم بعيد، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وقوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم }: تصريح بالمطلوب، أي: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم، فأجمعوا كيدكم، أي: اجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وارموه عن قوس واحدة.
وقرأ أبو عمرو: { فاجمعوا } ، من الجمع، أي: فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي، { ثم ائتوا صفا } أي: مصطفين، أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان مكانا متسعا، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. ثم قالوا في آخر نجواهم: { وقد أفلح اليوم من استعلى } فاز بالمطلوب من غلب، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس. وقيل: كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السلام -: ما هذا بقول ساحر، وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: قالوا فيها: إن كان ساحرا غلبناه، وإن كان من السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون، ويحمل قولهم: { إن هذان لساحران... } الخ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. ثم طلبوا المعارضة، فقالوا: { يا موسى إما أن تلقي } ما تلقيه أولا، { وإما أن نكون أول من ألقى } ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر مراعاة للأدب، لما رأوا عليه من مخايل الخير، وإظهارا للجلادة، { قال بل ألقوا } أنتم أولا، مقابلة لأدبهم بأحسن منه، فبت القول بإلقائهم أولا، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه كما تعود من ربه. فألقوا ما عندهم، { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } أي: ففوجئ موسى، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. قلت: هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين، كما يفعله أهل الشعوذة، وهو علم معروف من علوم السحر، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على بطونها، تقصد موسى عليه السلام، فكيف يفعل الزئبق هذا؟ قال ابن جزي: استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. ه. { فأوجس في نفسه خيفة } أي: خوفا، { موسى }: أي: أضمر في نفسه بعض خوف، من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات، والاحتراز من ضررها. وقال مقاتل: إنما خاف موسى، إذ صنع القوم مثل صنيعه، بأن يشكوا فيه، فلا يتبعوه، ويشك فيه من تابعه. { قلنا لا تخف } ما توهمت، { إنك أنت الأعلى } الغالب عليهم، والجملة: تعليل لنهيه عن الخوف، وتقرير لغلبته، على أبلغ وجه، كما يعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق، وتأكيد الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلو. ثم قال له: { وألق ما في يمينك } أي: عصاك، وإنما أبهمت تفخيما لشأنها، وإيذانا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس، مبهمة الكنه، مستتبعة لآثار غريبة، وأما حمل الإبهام على التحقير، بمعنى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الذي في يدك، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها، وصغره وكبرها، فيأباه ظهور حالها، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. وقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا }: جواب الأمر، من لقفه، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، أي: تبتلع، وتلتقم بسرعة، ما صنعوا من الحبال والعصي، التي تخيل إليك، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السلام وعلوه، وإدحاض الخوف عنه، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس، مما يقلع مادته بالكلية. وهذا، كما ترى، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله: { تلقف ما صنعوا } صريح في عدم الالتباس إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم، فتأمله. { إنما صنعوا كيد ساحر } أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر وحيله. وقرأ أهل الكوفة: { سحر } بكسر السين، فالإضافة للبيان، كما في " علم فقه " ، أو: كيد ذي سحر، أو يسمى الساحر سحرا مبالغة. والجملة تعليل لقوله: { تلقف } أي: تبتلعه لأنه كيد ساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي: حيث وجد، وأين أقبل، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير، المتوجه إلى الله تعالى، من قبل الحق: إما أن تلقي الدنيا من يدك، وإما أن نكون أول من ألقاها عنك، أي: إما أن تتركها اختيارا، أو تزول عنك اضطرارا لأن عادته تعالى، مع المتوجه الصادق، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب -: بل ألقها، ولا حاجة لي بها، فألقاها الحق تعالى، وأخرجها من يده، عناية به، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في هلاكه وخراب قلبه وتضييع عمره، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة، قلنا: لا تخف، حيث توجهت إلى مولاك، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب، وألق ما في يمين قلبك من اليقين، تلقف ما صنعوا، أي: ما صنعت بك خواطر السوء والشيطان، لأنه يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وإنما صنعوا ذلك تخويفا وتمويها، لا حقيقة له، كما يفعل الساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى }. ثم ذكر إسلام السحرة وما كان من شأنهم
طه 20:64
قلت: { إن هذان لساحران }: من خفف { إن }: جعلها نافية، أو مخففة، واللام فارقة. ومن ثقلها وقرأها: { هذان } بالألف، فقيل: على لغة بلحارث بن كعب وخثعم وكنانة، فإنهم يلزمون الألف رفعا ونصبا وجرا، ويعربونها تقديرا، وقيل: اسمها: ضمير الشأن، أي: إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. وقيل: " إن " بمعنى " نعم " ، لا تعمل، وما بعدها: جملة من مبتدأ وخبر. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنه خطأ من الكتاب، مثل قوله:
والمقيمين الصلاة
[النساء: 162]،
والصابئون
[المائدة: 69]، في المائدة، ويرده تواتر القراءة. يقول الحق جل جلاله: { فتولى فرعون } أي: انصرف عن المجلس، ورجع إلى وطنه، { فجمع كيده } أي: حيله وسحرته ليكيد به موسى عليه السلام، { ثم أتى } الموعد، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته، وسيأتي عددهم. { قال لهم موسى } ، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة: { ويلكم } أي: ألزمكم الله الويل، إن افتريتم على الله الكذب، { لا تفتروا على الله كذبا } بإشراك أحد معه، كما تعتقدون في فرعون، أو بأن تحيلوا الباطل حقا، { فيسحتكم } أي: يستأصلكم، بسببه، { بعذاب } لا يقادر قدره، وقرئ رباعيا وثلاثيا، يقال: سحت وأسحت. فالثلاثي: لغة أهل الحجاز، والرباعي: لغة بني تميم ونجد. { وقد خاب } وخسر { من افترى } على الله، كائنا من كان، بأي وجه كان، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا، أو: قد خاب فرعون المفتري على الله، فلا تكونوا مثله في الخيبة. { فتنازعوا } أي: السحرة، حين سمعوا كلامه عليه السلام، { أمرهم } أي: في أمرهم الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة، وتشاجروا، ورددوا القول في ذلك، { وأسروا النجوى } أي: من موسى عليه السلام لئلا يقف عليه فيدافعه، ونجواهم على هذا هو قوله: { قالوا إن هذان } أي: موسى وهارون، { لساحران } عظيمان { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } مصر، بالاستيلاء عليها { بسحرهما } الذي أظهره قبل، { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي: بمذهبكم، الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. قال ابن عطية: والأظهر، في الطريقة هنا، أنه السيرة والمملكة. والمثلى: تأنيث الأمثل، أي: الفاضلة الحسنة. ه. وقيل: الطريقة هنا: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، لأنهم قدوة لغيرهم، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس وأشرافهم إليهما، ويبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ: بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم بعيد، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وقوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم }: تصريح بالمطلوب، أي: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم، فأجمعوا كيدكم، أي: اجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وارموه عن قوس واحدة.
وقرأ أبو عمرو: { فاجمعوا } ، من الجمع، أي: فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي، { ثم ائتوا صفا } أي: مصطفين، أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان مكانا متسعا، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. ثم قالوا في آخر نجواهم: { وقد أفلح اليوم من استعلى } فاز بالمطلوب من غلب، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس. وقيل: كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السلام -: ما هذا بقول ساحر، وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: قالوا فيها: إن كان ساحرا غلبناه، وإن كان من السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون، ويحمل قولهم: { إن هذان لساحران... } الخ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. ثم طلبوا المعارضة، فقالوا: { يا موسى إما أن تلقي } ما تلقيه أولا، { وإما أن نكون أول من ألقى } ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر مراعاة للأدب، لما رأوا عليه من مخايل الخير، وإظهارا للجلادة، { قال بل ألقوا } أنتم أولا، مقابلة لأدبهم بأحسن منه، فبت القول بإلقائهم أولا، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه كما تعود من ربه. فألقوا ما عندهم، { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } أي: ففوجئ موسى، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. قلت: هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين، كما يفعله أهل الشعوذة، وهو علم معروف من علوم السحر، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على بطونها، تقصد موسى عليه السلام، فكيف يفعل الزئبق هذا؟ قال ابن جزي: استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. ه. { فأوجس في نفسه خيفة } أي: خوفا، { موسى }: أي: أضمر في نفسه بعض خوف، من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات، والاحتراز من ضررها. وقال مقاتل: إنما خاف موسى، إذ صنع القوم مثل صنيعه، بأن يشكوا فيه، فلا يتبعوه، ويشك فيه من تابعه. { قلنا لا تخف } ما توهمت، { إنك أنت الأعلى } الغالب عليهم، والجملة: تعليل لنهيه عن الخوف، وتقرير لغلبته، على أبلغ وجه، كما يعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق، وتأكيد الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلو. ثم قال له: { وألق ما في يمينك } أي: عصاك، وإنما أبهمت تفخيما لشأنها، وإيذانا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس، مبهمة الكنه، مستتبعة لآثار غريبة، وأما حمل الإبهام على التحقير، بمعنى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الذي في يدك، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها، وصغره وكبرها، فيأباه ظهور حالها، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. وقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا }: جواب الأمر، من لقفه، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، أي: تبتلع، وتلتقم بسرعة، ما صنعوا من الحبال والعصي، التي تخيل إليك، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السلام وعلوه، وإدحاض الخوف عنه، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس، مما يقلع مادته بالكلية. وهذا، كما ترى، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله: { تلقف ما صنعوا } صريح في عدم الالتباس إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم، فتأمله. { إنما صنعوا كيد ساحر } أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر وحيله. وقرأ أهل الكوفة: { سحر } بكسر السين، فالإضافة للبيان، كما في " علم فقه " ، أو: كيد ذي سحر، أو يسمى الساحر سحرا مبالغة. والجملة تعليل لقوله: { تلقف } أي: تبتلعه لأنه كيد ساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي: حيث وجد، وأين أقبل، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير، المتوجه إلى الله تعالى، من قبل الحق: إما أن تلقي الدنيا من يدك، وإما أن نكون أول من ألقاها عنك، أي: إما أن تتركها اختيارا، أو تزول عنك اضطرارا لأن عادته تعالى، مع المتوجه الصادق، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب -: بل ألقها، ولا حاجة لي بها، فألقاها الحق تعالى، وأخرجها من يده، عناية به، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في هلاكه وخراب قلبه وتضييع عمره، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة، قلنا: لا تخف، حيث توجهت إلى مولاك، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب، وألق ما في يمين قلبك من اليقين، تلقف ما صنعوا، أي: ما صنعت بك خواطر السوء والشيطان، لأنه يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وإنما صنعوا ذلك تخويفا وتمويها، لا حقيقة له، كما يفعل الساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى }. ثم ذكر إسلام السحرة وما كان من شأنهم
طه 20:65
قلت: { إن هذان لساحران }: من خفف { إن }: جعلها نافية، أو مخففة، واللام فارقة. ومن ثقلها وقرأها: { هذان } بالألف، فقيل: على لغة بلحارث بن كعب وخثعم وكنانة، فإنهم يلزمون الألف رفعا ونصبا وجرا، ويعربونها تقديرا، وقيل: اسمها: ضمير الشأن، أي: إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. وقيل: " إن " بمعنى " نعم " ، لا تعمل، وما بعدها: جملة من مبتدأ وخبر. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنه خطأ من الكتاب، مثل قوله:
والمقيمين الصلاة
[النساء: 162]،
والصابئون
[المائدة: 69]، في المائدة، ويرده تواتر القراءة. يقول الحق جل جلاله: { فتولى فرعون } أي: انصرف عن المجلس، ورجع إلى وطنه، { فجمع كيده } أي: حيله وسحرته ليكيد به موسى عليه السلام، { ثم أتى } الموعد، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته، وسيأتي عددهم. { قال لهم موسى } ، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة: { ويلكم } أي: ألزمكم الله الويل، إن افتريتم على الله الكذب، { لا تفتروا على الله كذبا } بإشراك أحد معه، كما تعتقدون في فرعون، أو بأن تحيلوا الباطل حقا، { فيسحتكم } أي: يستأصلكم، بسببه، { بعذاب } لا يقادر قدره، وقرئ رباعيا وثلاثيا، يقال: سحت وأسحت. فالثلاثي: لغة أهل الحجاز، والرباعي: لغة بني تميم ونجد. { وقد خاب } وخسر { من افترى } على الله، كائنا من كان، بأي وجه كان، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا، أو: قد خاب فرعون المفتري على الله، فلا تكونوا مثله في الخيبة. { فتنازعوا } أي: السحرة، حين سمعوا كلامه عليه السلام، { أمرهم } أي: في أمرهم الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة، وتشاجروا، ورددوا القول في ذلك، { وأسروا النجوى } أي: من موسى عليه السلام لئلا يقف عليه فيدافعه، ونجواهم على هذا هو قوله: { قالوا إن هذان } أي: موسى وهارون، { لساحران } عظيمان { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } مصر، بالاستيلاء عليها { بسحرهما } الذي أظهره قبل، { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي: بمذهبكم، الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. قال ابن عطية: والأظهر، في الطريقة هنا، أنه السيرة والمملكة. والمثلى: تأنيث الأمثل، أي: الفاضلة الحسنة. ه. وقيل: الطريقة هنا: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، لأنهم قدوة لغيرهم، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس وأشرافهم إليهما، ويبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ: بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم بعيد، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وقوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم }: تصريح بالمطلوب، أي: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم، فأجمعوا كيدكم، أي: اجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وارموه عن قوس واحدة.
وقرأ أبو عمرو: { فاجمعوا } ، من الجمع، أي: فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي، { ثم ائتوا صفا } أي: مصطفين، أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان مكانا متسعا، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. ثم قالوا في آخر نجواهم: { وقد أفلح اليوم من استعلى } فاز بالمطلوب من غلب، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس. وقيل: كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السلام -: ما هذا بقول ساحر، وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: قالوا فيها: إن كان ساحرا غلبناه، وإن كان من السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون، ويحمل قولهم: { إن هذان لساحران... } الخ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. ثم طلبوا المعارضة، فقالوا: { يا موسى إما أن تلقي } ما تلقيه أولا، { وإما أن نكون أول من ألقى } ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر مراعاة للأدب، لما رأوا عليه من مخايل الخير، وإظهارا للجلادة، { قال بل ألقوا } أنتم أولا، مقابلة لأدبهم بأحسن منه، فبت القول بإلقائهم أولا، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه كما تعود من ربه. فألقوا ما عندهم، { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } أي: ففوجئ موسى، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. قلت: هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين، كما يفعله أهل الشعوذة، وهو علم معروف من علوم السحر، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على بطونها، تقصد موسى عليه السلام، فكيف يفعل الزئبق هذا؟ قال ابن جزي: استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. ه. { فأوجس في نفسه خيفة } أي: خوفا، { موسى }: أي: أضمر في نفسه بعض خوف، من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات، والاحتراز من ضررها. وقال مقاتل: إنما خاف موسى، إذ صنع القوم مثل صنيعه، بأن يشكوا فيه، فلا يتبعوه، ويشك فيه من تابعه. { قلنا لا تخف } ما توهمت، { إنك أنت الأعلى } الغالب عليهم، والجملة: تعليل لنهيه عن الخوف، وتقرير لغلبته، على أبلغ وجه، كما يعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق، وتأكيد الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلو. ثم قال له: { وألق ما في يمينك } أي: عصاك، وإنما أبهمت تفخيما لشأنها، وإيذانا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس، مبهمة الكنه، مستتبعة لآثار غريبة، وأما حمل الإبهام على التحقير، بمعنى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الذي في يدك، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها، وصغره وكبرها، فيأباه ظهور حالها، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. وقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا }: جواب الأمر، من لقفه، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، أي: تبتلع، وتلتقم بسرعة، ما صنعوا من الحبال والعصي، التي تخيل إليك، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السلام وعلوه، وإدحاض الخوف عنه، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس، مما يقلع مادته بالكلية. وهذا، كما ترى، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله: { تلقف ما صنعوا } صريح في عدم الالتباس إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم، فتأمله. { إنما صنعوا كيد ساحر } أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر وحيله. وقرأ أهل الكوفة: { سحر } بكسر السين، فالإضافة للبيان، كما في " علم فقه " ، أو: كيد ذي سحر، أو يسمى الساحر سحرا مبالغة. والجملة تعليل لقوله: { تلقف } أي: تبتلعه لأنه كيد ساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي: حيث وجد، وأين أقبل، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير، المتوجه إلى الله تعالى، من قبل الحق: إما أن تلقي الدنيا من يدك، وإما أن نكون أول من ألقاها عنك، أي: إما أن تتركها اختيارا، أو تزول عنك اضطرارا لأن عادته تعالى، مع المتوجه الصادق، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب -: بل ألقها، ولا حاجة لي بها، فألقاها الحق تعالى، وأخرجها من يده، عناية به، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في هلاكه وخراب قلبه وتضييع عمره، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة، قلنا: لا تخف، حيث توجهت إلى مولاك، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب، وألق ما في يمين قلبك من اليقين، تلقف ما صنعوا، أي: ما صنعت بك خواطر السوء والشيطان، لأنه يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وإنما صنعوا ذلك تخويفا وتمويها، لا حقيقة له، كما يفعل الساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى }. ثم ذكر إسلام السحرة وما كان من شأنهم
طه 20:66
قلت: { إن هذان لساحران }: من خفف { إن }: جعلها نافية، أو مخففة، واللام فارقة. ومن ثقلها وقرأها: { هذان } بالألف، فقيل: على لغة بلحارث بن كعب وخثعم وكنانة، فإنهم يلزمون الألف رفعا ونصبا وجرا، ويعربونها تقديرا، وقيل: اسمها: ضمير الشأن، أي: إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. وقيل: " إن " بمعنى " نعم " ، لا تعمل، وما بعدها: جملة من مبتدأ وخبر. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنه خطأ من الكتاب، مثل قوله:
والمقيمين الصلاة
[النساء: 162]،
والصابئون
[المائدة: 69]، في المائدة، ويرده تواتر القراءة. يقول الحق جل جلاله: { فتولى فرعون } أي: انصرف عن المجلس، ورجع إلى وطنه، { فجمع كيده } أي: حيله وسحرته ليكيد به موسى عليه السلام، { ثم أتى } الموعد، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته، وسيأتي عددهم. { قال لهم موسى } ، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة: { ويلكم } أي: ألزمكم الله الويل، إن افتريتم على الله الكذب، { لا تفتروا على الله كذبا } بإشراك أحد معه، كما تعتقدون في فرعون، أو بأن تحيلوا الباطل حقا، { فيسحتكم } أي: يستأصلكم، بسببه، { بعذاب } لا يقادر قدره، وقرئ رباعيا وثلاثيا، يقال: سحت وأسحت. فالثلاثي: لغة أهل الحجاز، والرباعي: لغة بني تميم ونجد. { وقد خاب } وخسر { من افترى } على الله، كائنا من كان، بأي وجه كان، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا، أو: قد خاب فرعون المفتري على الله، فلا تكونوا مثله في الخيبة. { فتنازعوا } أي: السحرة، حين سمعوا كلامه عليه السلام، { أمرهم } أي: في أمرهم الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة، وتشاجروا، ورددوا القول في ذلك، { وأسروا النجوى } أي: من موسى عليه السلام لئلا يقف عليه فيدافعه، ونجواهم على هذا هو قوله: { قالوا إن هذان } أي: موسى وهارون، { لساحران } عظيمان { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } مصر، بالاستيلاء عليها { بسحرهما } الذي أظهره قبل، { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي: بمذهبكم، الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. قال ابن عطية: والأظهر، في الطريقة هنا، أنه السيرة والمملكة. والمثلى: تأنيث الأمثل، أي: الفاضلة الحسنة. ه. وقيل: الطريقة هنا: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، لأنهم قدوة لغيرهم، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس وأشرافهم إليهما، ويبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ: بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم بعيد، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وقوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم }: تصريح بالمطلوب، أي: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم، فأجمعوا كيدكم، أي: اجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وارموه عن قوس واحدة.
وقرأ أبو عمرو: { فاجمعوا } ، من الجمع، أي: فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي، { ثم ائتوا صفا } أي: مصطفين، أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان مكانا متسعا، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. ثم قالوا في آخر نجواهم: { وقد أفلح اليوم من استعلى } فاز بالمطلوب من غلب، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس. وقيل: كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السلام -: ما هذا بقول ساحر، وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: قالوا فيها: إن كان ساحرا غلبناه، وإن كان من السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون، ويحمل قولهم: { إن هذان لساحران... } الخ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. ثم طلبوا المعارضة، فقالوا: { يا موسى إما أن تلقي } ما تلقيه أولا، { وإما أن نكون أول من ألقى } ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر مراعاة للأدب، لما رأوا عليه من مخايل الخير، وإظهارا للجلادة، { قال بل ألقوا } أنتم أولا، مقابلة لأدبهم بأحسن منه، فبت القول بإلقائهم أولا، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه كما تعود من ربه. فألقوا ما عندهم، { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } أي: ففوجئ موسى، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. قلت: هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين، كما يفعله أهل الشعوذة، وهو علم معروف من علوم السحر، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على بطونها، تقصد موسى عليه السلام، فكيف يفعل الزئبق هذا؟ قال ابن جزي: استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. ه. { فأوجس في نفسه خيفة } أي: خوفا، { موسى }: أي: أضمر في نفسه بعض خوف، من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات، والاحتراز من ضررها. وقال مقاتل: إنما خاف موسى، إذ صنع القوم مثل صنيعه، بأن يشكوا فيه، فلا يتبعوه، ويشك فيه من تابعه. { قلنا لا تخف } ما توهمت، { إنك أنت الأعلى } الغالب عليهم، والجملة: تعليل لنهيه عن الخوف، وتقرير لغلبته، على أبلغ وجه، كما يعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق، وتأكيد الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلو. ثم قال له: { وألق ما في يمينك } أي: عصاك، وإنما أبهمت تفخيما لشأنها، وإيذانا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس، مبهمة الكنه، مستتبعة لآثار غريبة، وأما حمل الإبهام على التحقير، بمعنى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الذي في يدك، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها، وصغره وكبرها، فيأباه ظهور حالها، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. وقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا }: جواب الأمر، من لقفه، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، أي: تبتلع، وتلتقم بسرعة، ما صنعوا من الحبال والعصي، التي تخيل إليك، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السلام وعلوه، وإدحاض الخوف عنه، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس، مما يقلع مادته بالكلية. وهذا، كما ترى، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله: { تلقف ما صنعوا } صريح في عدم الالتباس إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم، فتأمله. { إنما صنعوا كيد ساحر } أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر وحيله. وقرأ أهل الكوفة: { سحر } بكسر السين، فالإضافة للبيان، كما في " علم فقه " ، أو: كيد ذي سحر، أو يسمى الساحر سحرا مبالغة. والجملة تعليل لقوله: { تلقف } أي: تبتلعه لأنه كيد ساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي: حيث وجد، وأين أقبل، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير، المتوجه إلى الله تعالى، من قبل الحق: إما أن تلقي الدنيا من يدك، وإما أن نكون أول من ألقاها عنك، أي: إما أن تتركها اختيارا، أو تزول عنك اضطرارا لأن عادته تعالى، مع المتوجه الصادق، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب -: بل ألقها، ولا حاجة لي بها، فألقاها الحق تعالى، وأخرجها من يده، عناية به، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في هلاكه وخراب قلبه وتضييع عمره، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة، قلنا: لا تخف، حيث توجهت إلى مولاك، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب، وألق ما في يمين قلبك من اليقين، تلقف ما صنعوا، أي: ما صنعت بك خواطر السوء والشيطان، لأنه يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وإنما صنعوا ذلك تخويفا وتمويها، لا حقيقة له، كما يفعل الساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى }. ثم ذكر إسلام السحرة وما كان من شأنهم
طه 20:67
قلت: { إن هذان لساحران }: من خفف { إن }: جعلها نافية، أو مخففة، واللام فارقة. ومن ثقلها وقرأها: { هذان } بالألف، فقيل: على لغة بلحارث بن كعب وخثعم وكنانة، فإنهم يلزمون الألف رفعا ونصبا وجرا، ويعربونها تقديرا، وقيل: اسمها: ضمير الشأن، أي: إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. وقيل: " إن " بمعنى " نعم " ، لا تعمل، وما بعدها: جملة من مبتدأ وخبر. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنه خطأ من الكتاب، مثل قوله:
والمقيمين الصلاة
[النساء: 162]،
والصابئون
[المائدة: 69]، في المائدة، ويرده تواتر القراءة. يقول الحق جل جلاله: { فتولى فرعون } أي: انصرف عن المجلس، ورجع إلى وطنه، { فجمع كيده } أي: حيله وسحرته ليكيد به موسى عليه السلام، { ثم أتى } الموعد، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته، وسيأتي عددهم. { قال لهم موسى } ، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة: { ويلكم } أي: ألزمكم الله الويل، إن افتريتم على الله الكذب، { لا تفتروا على الله كذبا } بإشراك أحد معه، كما تعتقدون في فرعون، أو بأن تحيلوا الباطل حقا، { فيسحتكم } أي: يستأصلكم، بسببه، { بعذاب } لا يقادر قدره، وقرئ رباعيا وثلاثيا، يقال: سحت وأسحت. فالثلاثي: لغة أهل الحجاز، والرباعي: لغة بني تميم ونجد. { وقد خاب } وخسر { من افترى } على الله، كائنا من كان، بأي وجه كان، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا، أو: قد خاب فرعون المفتري على الله، فلا تكونوا مثله في الخيبة. { فتنازعوا } أي: السحرة، حين سمعوا كلامه عليه السلام، { أمرهم } أي: في أمرهم الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة، وتشاجروا، ورددوا القول في ذلك، { وأسروا النجوى } أي: من موسى عليه السلام لئلا يقف عليه فيدافعه، ونجواهم على هذا هو قوله: { قالوا إن هذان } أي: موسى وهارون، { لساحران } عظيمان { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } مصر، بالاستيلاء عليها { بسحرهما } الذي أظهره قبل، { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي: بمذهبكم، الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. قال ابن عطية: والأظهر، في الطريقة هنا، أنه السيرة والمملكة. والمثلى: تأنيث الأمثل، أي: الفاضلة الحسنة. ه. وقيل: الطريقة هنا: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، لأنهم قدوة لغيرهم، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس وأشرافهم إليهما، ويبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ: بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم بعيد، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وقوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم }: تصريح بالمطلوب، أي: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم، فأجمعوا كيدكم، أي: اجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وارموه عن قوس واحدة.
وقرأ أبو عمرو: { فاجمعوا } ، من الجمع، أي: فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي، { ثم ائتوا صفا } أي: مصطفين، أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان مكانا متسعا، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. ثم قالوا في آخر نجواهم: { وقد أفلح اليوم من استعلى } فاز بالمطلوب من غلب، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس. وقيل: كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السلام -: ما هذا بقول ساحر، وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: قالوا فيها: إن كان ساحرا غلبناه، وإن كان من السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون، ويحمل قولهم: { إن هذان لساحران... } الخ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. ثم طلبوا المعارضة، فقالوا: { يا موسى إما أن تلقي } ما تلقيه أولا، { وإما أن نكون أول من ألقى } ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر مراعاة للأدب، لما رأوا عليه من مخايل الخير، وإظهارا للجلادة، { قال بل ألقوا } أنتم أولا، مقابلة لأدبهم بأحسن منه، فبت القول بإلقائهم أولا، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه كما تعود من ربه. فألقوا ما عندهم، { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } أي: ففوجئ موسى، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. قلت: هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين، كما يفعله أهل الشعوذة، وهو علم معروف من علوم السحر، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على بطونها، تقصد موسى عليه السلام، فكيف يفعل الزئبق هذا؟ قال ابن جزي: استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. ه. { فأوجس في نفسه خيفة } أي: خوفا، { موسى }: أي: أضمر في نفسه بعض خوف، من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات، والاحتراز من ضررها. وقال مقاتل: إنما خاف موسى، إذ صنع القوم مثل صنيعه، بأن يشكوا فيه، فلا يتبعوه، ويشك فيه من تابعه. { قلنا لا تخف } ما توهمت، { إنك أنت الأعلى } الغالب عليهم، والجملة: تعليل لنهيه عن الخوف، وتقرير لغلبته، على أبلغ وجه، كما يعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق، وتأكيد الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلو. ثم قال له: { وألق ما في يمينك } أي: عصاك، وإنما أبهمت تفخيما لشأنها، وإيذانا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس، مبهمة الكنه، مستتبعة لآثار غريبة، وأما حمل الإبهام على التحقير، بمعنى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الذي في يدك، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها، وصغره وكبرها، فيأباه ظهور حالها، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. وقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا }: جواب الأمر، من لقفه، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، أي: تبتلع، وتلتقم بسرعة، ما صنعوا من الحبال والعصي، التي تخيل إليك، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السلام وعلوه، وإدحاض الخوف عنه، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس، مما يقلع مادته بالكلية. وهذا، كما ترى، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله: { تلقف ما صنعوا } صريح في عدم الالتباس إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم، فتأمله. { إنما صنعوا كيد ساحر } أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر وحيله. وقرأ أهل الكوفة: { سحر } بكسر السين، فالإضافة للبيان، كما في " علم فقه " ، أو: كيد ذي سحر، أو يسمى الساحر سحرا مبالغة. والجملة تعليل لقوله: { تلقف } أي: تبتلعه لأنه كيد ساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي: حيث وجد، وأين أقبل، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير، المتوجه إلى الله تعالى، من قبل الحق: إما أن تلقي الدنيا من يدك، وإما أن نكون أول من ألقاها عنك، أي: إما أن تتركها اختيارا، أو تزول عنك اضطرارا لأن عادته تعالى، مع المتوجه الصادق، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب -: بل ألقها، ولا حاجة لي بها، فألقاها الحق تعالى، وأخرجها من يده، عناية به، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في هلاكه وخراب قلبه وتضييع عمره، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة، قلنا: لا تخف، حيث توجهت إلى مولاك، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب، وألق ما في يمين قلبك من اليقين، تلقف ما صنعوا، أي: ما صنعت بك خواطر السوء والشيطان، لأنه يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وإنما صنعوا ذلك تخويفا وتمويها، لا حقيقة له، كما يفعل الساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى }. ثم ذكر إسلام السحرة وما كان من شأنهم
طه 20:68
قلت: { إن هذان لساحران }: من خفف { إن }: جعلها نافية، أو مخففة، واللام فارقة. ومن ثقلها وقرأها: { هذان } بالألف، فقيل: على لغة بلحارث بن كعب وخثعم وكنانة، فإنهم يلزمون الألف رفعا ونصبا وجرا، ويعربونها تقديرا، وقيل: اسمها: ضمير الشأن، أي: إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. وقيل: " إن " بمعنى " نعم " ، لا تعمل، وما بعدها: جملة من مبتدأ وخبر. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنه خطأ من الكتاب، مثل قوله:
والمقيمين الصلاة
[النساء: 162]،
والصابئون
[المائدة: 69]، في المائدة، ويرده تواتر القراءة. يقول الحق جل جلاله: { فتولى فرعون } أي: انصرف عن المجلس، ورجع إلى وطنه، { فجمع كيده } أي: حيله وسحرته ليكيد به موسى عليه السلام، { ثم أتى } الموعد، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته، وسيأتي عددهم. { قال لهم موسى } ، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة: { ويلكم } أي: ألزمكم الله الويل، إن افتريتم على الله الكذب، { لا تفتروا على الله كذبا } بإشراك أحد معه، كما تعتقدون في فرعون، أو بأن تحيلوا الباطل حقا، { فيسحتكم } أي: يستأصلكم، بسببه، { بعذاب } لا يقادر قدره، وقرئ رباعيا وثلاثيا، يقال: سحت وأسحت. فالثلاثي: لغة أهل الحجاز، والرباعي: لغة بني تميم ونجد. { وقد خاب } وخسر { من افترى } على الله، كائنا من كان، بأي وجه كان، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا، أو: قد خاب فرعون المفتري على الله، فلا تكونوا مثله في الخيبة. { فتنازعوا } أي: السحرة، حين سمعوا كلامه عليه السلام، { أمرهم } أي: في أمرهم الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة، وتشاجروا، ورددوا القول في ذلك، { وأسروا النجوى } أي: من موسى عليه السلام لئلا يقف عليه فيدافعه، ونجواهم على هذا هو قوله: { قالوا إن هذان } أي: موسى وهارون، { لساحران } عظيمان { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } مصر، بالاستيلاء عليها { بسحرهما } الذي أظهره قبل، { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي: بمذهبكم، الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. قال ابن عطية: والأظهر، في الطريقة هنا، أنه السيرة والمملكة. والمثلى: تأنيث الأمثل، أي: الفاضلة الحسنة. ه. وقيل: الطريقة هنا: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، لأنهم قدوة لغيرهم، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس وأشرافهم إليهما، ويبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ: بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم بعيد، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وقوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم }: تصريح بالمطلوب، أي: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم، فأجمعوا كيدكم، أي: اجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وارموه عن قوس واحدة.
وقرأ أبو عمرو: { فاجمعوا } ، من الجمع، أي: فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي، { ثم ائتوا صفا } أي: مصطفين، أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان مكانا متسعا، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. ثم قالوا في آخر نجواهم: { وقد أفلح اليوم من استعلى } فاز بالمطلوب من غلب، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس. وقيل: كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السلام -: ما هذا بقول ساحر، وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: قالوا فيها: إن كان ساحرا غلبناه، وإن كان من السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون، ويحمل قولهم: { إن هذان لساحران... } الخ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. ثم طلبوا المعارضة، فقالوا: { يا موسى إما أن تلقي } ما تلقيه أولا، { وإما أن نكون أول من ألقى } ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر مراعاة للأدب، لما رأوا عليه من مخايل الخير، وإظهارا للجلادة، { قال بل ألقوا } أنتم أولا، مقابلة لأدبهم بأحسن منه، فبت القول بإلقائهم أولا، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه كما تعود من ربه. فألقوا ما عندهم، { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } أي: ففوجئ موسى، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. قلت: هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين، كما يفعله أهل الشعوذة، وهو علم معروف من علوم السحر، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على بطونها، تقصد موسى عليه السلام، فكيف يفعل الزئبق هذا؟ قال ابن جزي: استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. ه. { فأوجس في نفسه خيفة } أي: خوفا، { موسى }: أي: أضمر في نفسه بعض خوف، من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات، والاحتراز من ضررها. وقال مقاتل: إنما خاف موسى، إذ صنع القوم مثل صنيعه، بأن يشكوا فيه، فلا يتبعوه، ويشك فيه من تابعه. { قلنا لا تخف } ما توهمت، { إنك أنت الأعلى } الغالب عليهم، والجملة: تعليل لنهيه عن الخوف، وتقرير لغلبته، على أبلغ وجه، كما يعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق، وتأكيد الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلو. ثم قال له: { وألق ما في يمينك } أي: عصاك، وإنما أبهمت تفخيما لشأنها، وإيذانا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس، مبهمة الكنه، مستتبعة لآثار غريبة، وأما حمل الإبهام على التحقير، بمعنى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الذي في يدك، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها، وصغره وكبرها، فيأباه ظهور حالها، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. وقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا }: جواب الأمر، من لقفه، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، أي: تبتلع، وتلتقم بسرعة، ما صنعوا من الحبال والعصي، التي تخيل إليك، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السلام وعلوه، وإدحاض الخوف عنه، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس، مما يقلع مادته بالكلية. وهذا، كما ترى، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله: { تلقف ما صنعوا } صريح في عدم الالتباس إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم، فتأمله. { إنما صنعوا كيد ساحر } أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر وحيله. وقرأ أهل الكوفة: { سحر } بكسر السين، فالإضافة للبيان، كما في " علم فقه " ، أو: كيد ذي سحر، أو يسمى الساحر سحرا مبالغة. والجملة تعليل لقوله: { تلقف } أي: تبتلعه لأنه كيد ساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي: حيث وجد، وأين أقبل، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير، المتوجه إلى الله تعالى، من قبل الحق: إما أن تلقي الدنيا من يدك، وإما أن نكون أول من ألقاها عنك، أي: إما أن تتركها اختيارا، أو تزول عنك اضطرارا لأن عادته تعالى، مع المتوجه الصادق، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب -: بل ألقها، ولا حاجة لي بها، فألقاها الحق تعالى، وأخرجها من يده، عناية به، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في هلاكه وخراب قلبه وتضييع عمره، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة، قلنا: لا تخف، حيث توجهت إلى مولاك، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب، وألق ما في يمين قلبك من اليقين، تلقف ما صنعوا، أي: ما صنعت بك خواطر السوء والشيطان، لأنه يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وإنما صنعوا ذلك تخويفا وتمويها، لا حقيقة له، كما يفعل الساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى }. ثم ذكر إسلام السحرة وما كان من شأنهم
طه 20:69
قلت: { إن هذان لساحران }: من خفف { إن }: جعلها نافية، أو مخففة، واللام فارقة. ومن ثقلها وقرأها: { هذان } بالألف، فقيل: على لغة بلحارث بن كعب وخثعم وكنانة، فإنهم يلزمون الألف رفعا ونصبا وجرا، ويعربونها تقديرا، وقيل: اسمها: ضمير الشأن، أي: إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. وقيل: " إن " بمعنى " نعم " ، لا تعمل، وما بعدها: جملة من مبتدأ وخبر. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنه خطأ من الكتاب، مثل قوله:
والمقيمين الصلاة
[النساء: 162]،
والصابئون
[المائدة: 69]، في المائدة، ويرده تواتر القراءة. يقول الحق جل جلاله: { فتولى فرعون } أي: انصرف عن المجلس، ورجع إلى وطنه، { فجمع كيده } أي: حيله وسحرته ليكيد به موسى عليه السلام، { ثم أتى } الموعد، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته، وسيأتي عددهم. { قال لهم موسى } ، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة: { ويلكم } أي: ألزمكم الله الويل، إن افتريتم على الله الكذب، { لا تفتروا على الله كذبا } بإشراك أحد معه، كما تعتقدون في فرعون، أو بأن تحيلوا الباطل حقا، { فيسحتكم } أي: يستأصلكم، بسببه، { بعذاب } لا يقادر قدره، وقرئ رباعيا وثلاثيا، يقال: سحت وأسحت. فالثلاثي: لغة أهل الحجاز، والرباعي: لغة بني تميم ونجد. { وقد خاب } وخسر { من افترى } على الله، كائنا من كان، بأي وجه كان، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا، أو: قد خاب فرعون المفتري على الله، فلا تكونوا مثله في الخيبة. { فتنازعوا } أي: السحرة، حين سمعوا كلامه عليه السلام، { أمرهم } أي: في أمرهم الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا { بينهم } في كيفية المعارضة، وتشاجروا، ورددوا القول في ذلك، { وأسروا النجوى } أي: من موسى عليه السلام لئلا يقف عليه فيدافعه، ونجواهم على هذا هو قوله: { قالوا إن هذان } أي: موسى وهارون، { لساحران } عظيمان { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } مصر، بالاستيلاء عليها { بسحرهما } الذي أظهره قبل، { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي: بمذهبكم، الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. قال ابن عطية: والأظهر، في الطريقة هنا، أنه السيرة والمملكة. والمثلى: تأنيث الأمثل، أي: الفاضلة الحسنة. ه. وقيل: الطريقة هنا: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، لأنهم قدوة لغيرهم، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس وأشرافهم إليهما، ويبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ: بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم بعيد، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وقوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم }: تصريح بالمطلوب، أي: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم، فأجمعوا كيدكم، أي: اجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وارموه عن قوس واحدة.
وقرأ أبو عمرو: { فاجمعوا } ، من الجمع، أي: فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي، { ثم ائتوا صفا } أي: مصطفين، أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان مكانا متسعا، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. ثم قالوا في آخر نجواهم: { وقد أفلح اليوم من استعلى } فاز بالمطلوب من غلب، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس. وقيل: كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السلام -: ما هذا بقول ساحر، وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: قالوا فيها: إن كان ساحرا غلبناه، وإن كان من السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون، ويحمل قولهم: { إن هذان لساحران... } الخ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. ثم طلبوا المعارضة، فقالوا: { يا موسى إما أن تلقي } ما تلقيه أولا، { وإما أن نكون أول من ألقى } ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر مراعاة للأدب، لما رأوا عليه من مخايل الخير، وإظهارا للجلادة، { قال بل ألقوا } أنتم أولا، مقابلة لأدبهم بأحسن منه، فبت القول بإلقائهم أولا، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه كما تعود من ربه. فألقوا ما عندهم، { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } أي: ففوجئ موسى، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. قلت: هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين، كما يفعله أهل الشعوذة، وهو علم معروف من علوم السحر، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على بطونها، تقصد موسى عليه السلام، فكيف يفعل الزئبق هذا؟ قال ابن جزي: استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. ه. { فأوجس في نفسه خيفة } أي: خوفا، { موسى }: أي: أضمر في نفسه بعض خوف، من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات، والاحتراز من ضررها. وقال مقاتل: إنما خاف موسى، إذ صنع القوم مثل صنيعه، بأن يشكوا فيه، فلا يتبعوه، ويشك فيه من تابعه. { قلنا لا تخف } ما توهمت، { إنك أنت الأعلى } الغالب عليهم، والجملة: تعليل لنهيه عن الخوف، وتقرير لغلبته، على أبلغ وجه، كما يعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق، وتأكيد الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلو. ثم قال له: { وألق ما في يمينك } أي: عصاك، وإنما أبهمت تفخيما لشأنها، وإيذانا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس، مبهمة الكنه، مستتبعة لآثار غريبة، وأما حمل الإبهام على التحقير، بمعنى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الذي في يدك، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها، وصغره وكبرها، فيأباه ظهور حالها، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. وقوله تعالى: { تلقف ما صنعوا }: جواب الأمر، من لقفه، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، أي: تبتلع، وتلتقم بسرعة، ما صنعوا من الحبال والعصي، التي تخيل إليك، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السلام وعلوه، وإدحاض الخوف عنه، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس، مما يقلع مادته بالكلية. وهذا، كما ترى، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله: { تلقف ما صنعوا } صريح في عدم الالتباس إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم، فتأمله. { إنما صنعوا كيد ساحر } أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر وحيله. وقرأ أهل الكوفة: { سحر } بكسر السين، فالإضافة للبيان، كما في " علم فقه " ، أو: كيد ذي سحر، أو يسمى الساحر سحرا مبالغة. والجملة تعليل لقوله: { تلقف } أي: تبتلعه لأنه كيد ساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي: حيث وجد، وأين أقبل، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير، المتوجه إلى الله تعالى، من قبل الحق: إما أن تلقي الدنيا من يدك، وإما أن نكون أول من ألقاها عنك، أي: إما أن تتركها اختيارا، أو تزول عنك اضطرارا لأن عادته تعالى، مع المتوجه الصادق، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب -: بل ألقها، ولا حاجة لي بها، فألقاها الحق تعالى، وأخرجها من يده، عناية به، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في هلاكه وخراب قلبه وتضييع عمره، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة، قلنا: لا تخف، حيث توجهت إلى مولاك، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب، وألق ما في يمين قلبك من اليقين، تلقف ما صنعوا، أي: ما صنعت بك خواطر السوء والشيطان، لأنه يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وإنما صنعوا ذلك تخويفا وتمويها، لا حقيقة له، كما يفعل الساحر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى }. ثم ذكر إسلام السحرة وما كان من شأنهم
طه 20:70
قلت: { في جذوع النخل } ، قال المحلي: أي: عليها، وهو مذهب كوفي، وأما مذهب البصريين فيقولون: ليست " في " بمعنى " على " ، ولكن شبه المصلوب، لتمكنه في الجذع، بالحال في الشيء، وهو من الاستعارة التعبيرية، و { من خلاف }: في موضع الحال، أي: مختلفات. يقول الحق جل جلاله: فلما ألقى موسى عصاه انقلبت حية عظيمة، فابتلعت تلك الحبال والعصي، { فألقي السحرة سجدا } لما تيقنوا أن ذلك ليس من باب السحر، وإنما هي آية من آيات الله. روي أن رئيسهم قال: كنا نغلب أعين الناس، وكانت الآلات تبقى علينا، فلو كان هذا سحرا، فأين ما ألقينا من الآلات؟ فاستدلوا بما رأوا على صحة رسالة موسى. فألقاهم ما شاهدوه على وجوههم، فتابوا وآمنوا، وأتوا بما هو غاية الخضوع، قيل: لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، والثواب والعقاب. وعن عكرمة: لما خروا سجدا، أراهم الله تعالى، في سجودهم، منازلهم في الجنة. ولا ينافيه قولهم: { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } ، لأن كون تلك المنازل منازلهم هو السبب في صدور هذا القول منهم. { قالوا آمنا برب هارون وموسى } ، قدموا هارون إما لكبر سنه، أو للمبالغة في الاحتراز عن التوهم الباطل من جهة فرعون، حيث كان ربى موسى عليه السلام في صغره، فلو قدموا موسى لربما توهم اللعين وقومه، من أول الأمر، أن مرادهم فرعون، فأزاحوا تلك الخطرة من أول مرة. { قال آمنتم له } أي: لموسى، واللام لتضمن الفعل معنى الانقياد والخضوع، أي: أذعنتم له { قبل أن آذن لكم } أي: من غير أن آذن لكم، { إنه } أي: موسى { لكبيركم } أي: أستاذكم وأعلمكم في فنكم، { الذي علمكم السحر } ، فتواطأتم على ما فعلتم، وهذه منه شبهة واهية أين كان موسى عليه السلام، وأين كان السحرة، حتى علمهم؟ ولكن صدر منه هذا خوفا على الناس أن يتبعوا موسى عليه السلام، ويقتدوا بالسحرة، فأوهم عليهم، مع ما سبق في علم الله من ضلالتهم. ثم اقبل على السحرة بالوعيد، فقال: { فلأقطعن أيديكم } أي: فوالله لأقطعن أيديكم { وأرجلكم من خلاف } أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى. وتعيين تلك الحال للإيذان بتحقيق هذا الأمر وإيقاعه لا محالة، فتعيين تلك الحالة المعهودة من باب السياسة، أو لأنها معهودة لمن خرج عن حكم طاعته. { ولأصلبنكم في جذوع النخل } أي: عليها، وإتيان كلمة " في " للدلالة على إبقائهم عليها زمنا مديدا، تشبيها في استمرارهم عليها باستقرار الظرف في المظروف المشتمل عليه، وقيل: هو أول من صلب. { ولتعلمن أينا } ، يريد نفسه أو موسى عليه السلام، حيث خافوا من عصاه فأسلموا، فهم اللعين أن إيمانهم لم يكن للمعجزة، إنما كان خوفا، حيث رأوا عصاه ابتلعت حبالهم وعصيهم، أو يريد { أينا } أي: أنا أو رب موسى وهارون، الذي آمنتم به، { أشد عذابا وأبقى } أي: أدوم.
قالوا: لم يثبت في القرآن أن فرعون فعل بأولئك المؤمنين ما أوعدهم به، ولم يثبت في الأخبار، لكن روي عن ابن عباس، وغيره، أنه أنفذه. وروي أن امرأة فرعون كانت تسأل: من غلب؟ فيقال لها: موسى، فقالت: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون يهددها، وقال: انظروا أعظم صخرة، فإن استقرت على قولها فألقوها عليها، فلما ألقوها رفعت بصرها إلى السماء فأريت بيتها في الجنة، فمضت على قولها، وانتزعت روحها منها، وألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه. قاله الثعلبي. والله تعالى أعلم. الإشارة: من سبقت له العناية، لا تضره الجناية. هؤلاء السحرة جاؤوا يحادون الله ورسوله، فأضحوا أولياء الله. روي أن موسى عليه السلام لما قال لهم: { ألقوا ما أنتم ملقون } ، سمع هاتفا يقول: ألقوا يا أولياء الله، فتحير موسى عليه السلام، وأوجس في نفسه خيفة، وقال: كيف أعارض أولياء الله، فلما ألقى عصاه ظهرت ولايتهم. فكم من لصوص خرج منهم الخصوص. ففي أمثال هؤلاء تقوية لرجاء أهل الجناية، إذا طلبوا من الله سر العناية، وإدراك مقام الولاية، ولذلك ابتدأ القشيري في رسالته بذكر من تقدم له جنايات من الأولياء، كالفضيل، وابن أدهم، وأضرابهم - رضي الله عن جميعهم -. ثم ذكر ثبوت السحرة على الإيمان وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون
طه 20:71
قلت: { في جذوع النخل } ، قال المحلي: أي: عليها، وهو مذهب كوفي، وأما مذهب البصريين فيقولون: ليست " في " بمعنى " على " ، ولكن شبه المصلوب، لتمكنه في الجذع، بالحال في الشيء، وهو من الاستعارة التعبيرية، و { من خلاف }: في موضع الحال، أي: مختلفات. يقول الحق جل جلاله: فلما ألقى موسى عصاه انقلبت حية عظيمة، فابتلعت تلك الحبال والعصي، { فألقي السحرة سجدا } لما تيقنوا أن ذلك ليس من باب السحر، وإنما هي آية من آيات الله. روي أن رئيسهم قال: كنا نغلب أعين الناس، وكانت الآلات تبقى علينا، فلو كان هذا سحرا، فأين ما ألقينا من الآلات؟ فاستدلوا بما رأوا على صحة رسالة موسى. فألقاهم ما شاهدوه على وجوههم، فتابوا وآمنوا، وأتوا بما هو غاية الخضوع، قيل: لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، والثواب والعقاب. وعن عكرمة: لما خروا سجدا، أراهم الله تعالى، في سجودهم، منازلهم في الجنة. ولا ينافيه قولهم: { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } ، لأن كون تلك المنازل منازلهم هو السبب في صدور هذا القول منهم. { قالوا آمنا برب هارون وموسى } ، قدموا هارون إما لكبر سنه، أو للمبالغة في الاحتراز عن التوهم الباطل من جهة فرعون، حيث كان ربى موسى عليه السلام في صغره، فلو قدموا موسى لربما توهم اللعين وقومه، من أول الأمر، أن مرادهم فرعون، فأزاحوا تلك الخطرة من أول مرة. { قال آمنتم له } أي: لموسى، واللام لتضمن الفعل معنى الانقياد والخضوع، أي: أذعنتم له { قبل أن آذن لكم } أي: من غير أن آذن لكم، { إنه } أي: موسى { لكبيركم } أي: أستاذكم وأعلمكم في فنكم، { الذي علمكم السحر } ، فتواطأتم على ما فعلتم، وهذه منه شبهة واهية أين كان موسى عليه السلام، وأين كان السحرة، حتى علمهم؟ ولكن صدر منه هذا خوفا على الناس أن يتبعوا موسى عليه السلام، ويقتدوا بالسحرة، فأوهم عليهم، مع ما سبق في علم الله من ضلالتهم. ثم اقبل على السحرة بالوعيد، فقال: { فلأقطعن أيديكم } أي: فوالله لأقطعن أيديكم { وأرجلكم من خلاف } أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى. وتعيين تلك الحال للإيذان بتحقيق هذا الأمر وإيقاعه لا محالة، فتعيين تلك الحالة المعهودة من باب السياسة، أو لأنها معهودة لمن خرج عن حكم طاعته. { ولأصلبنكم في جذوع النخل } أي: عليها، وإتيان كلمة " في " للدلالة على إبقائهم عليها زمنا مديدا، تشبيها في استمرارهم عليها باستقرار الظرف في المظروف المشتمل عليه، وقيل: هو أول من صلب. { ولتعلمن أينا } ، يريد نفسه أو موسى عليه السلام، حيث خافوا من عصاه فأسلموا، فهم اللعين أن إيمانهم لم يكن للمعجزة، إنما كان خوفا، حيث رأوا عصاه ابتلعت حبالهم وعصيهم، أو يريد { أينا } أي: أنا أو رب موسى وهارون، الذي آمنتم به، { أشد عذابا وأبقى } أي: أدوم.
قالوا: لم يثبت في القرآن أن فرعون فعل بأولئك المؤمنين ما أوعدهم به، ولم يثبت في الأخبار، لكن روي عن ابن عباس، وغيره، أنه أنفذه. وروي أن امرأة فرعون كانت تسأل: من غلب؟ فيقال لها: موسى، فقالت: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون يهددها، وقال: انظروا أعظم صخرة، فإن استقرت على قولها فألقوها عليها، فلما ألقوها رفعت بصرها إلى السماء فأريت بيتها في الجنة، فمضت على قولها، وانتزعت روحها منها، وألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه. قاله الثعلبي. والله تعالى أعلم. الإشارة: من سبقت له العناية، لا تضره الجناية. هؤلاء السحرة جاؤوا يحادون الله ورسوله، فأضحوا أولياء الله. روي أن موسى عليه السلام لما قال لهم: { ألقوا ما أنتم ملقون } ، سمع هاتفا يقول: ألقوا يا أولياء الله، فتحير موسى عليه السلام، وأوجس في نفسه خيفة، وقال: كيف أعارض أولياء الله، فلما ألقى عصاه ظهرت ولايتهم. فكم من لصوص خرج منهم الخصوص. ففي أمثال هؤلاء تقوية لرجاء أهل الجناية، إذا طلبوا من الله سر العناية، وإدراك مقام الولاية، ولذلك ابتدأ القشيري في رسالته بذكر من تقدم له جنايات من الأولياء، كالفضيل، وابن أدهم، وأضرابهم - رضي الله عن جميعهم -. ثم ذكر ثبوت السحرة على الإيمان وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون
طه 20:72
قلت: { هذه الحياة الدنيا }: نصب على إسقاط الخافض. اتساعا، لا نصب على الظرفية لأن الظرف المختص لا ينتصب على الظرفية، على المشهور، و { الذي فطرنا }: عطف على { ما جاءنا } ، أو قسم حذف جوابه، أي: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك... الخ. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن السحرة، لما خوفهم فرعون: { قالوا } غير مكترثين بوعيده: { لن نؤثرك } أي: لن نختارك، باتباعك { على ما جاءنا } من الله تعالى على يد موسى عليه السلام { من البينات } أي: المعجزات الظاهرة لأن ما ظهر من العصا كان مشتملا على معجزات جمة، كما تقدم. { والذي فطرنا }: خلقنا وخلق سائر المخلوقات، أي: لن نختارك على ما ظهر لنا من دلائل صحة نبوة موسى، ولا على الذي خلقنا، حتى نتبعك ونترك الحق، وكان ما شاهدوه آية حسية، وهذه آية عقلية. وإيراده بعنوان فاطريته تعالى للإشعار بعلية الحكم، فإن خالقيته تعالى لهم ولفرعون - وهو من جملة مخلوقاته - مما يوجب عدم إيثارهم له عليه سبحانه، أو: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على ما جاءنا، { فاقض ما أنت قاض } أي: فاصنع ما أنت صانعه، أو: فاحكم ما أنت حاكمه. وهو جواب لقوله: { لأقطعن أيديكم... } الخ. { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } أي: إنما تصنع ما تهواه، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدنيا الفانية، ولا رغبة لنا في البقاء فيها، رغبة في سكنى الدار الدائمة، بسبب موتنا على الإيمان. { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } التي اقترفنا، من الكفر والمعاصي، ولا يؤاخذنا بها في الآخرة، فلا نغتر بتلك الحياة الفانية، حتى نتأثر بما أوعدتنا به من القطع والصلب، { و } يغفر لنا أيضا { ما أكرهتنا عليه من السحر } الذي عملناه في معارضة موسى عليه السلام، بإكراهك وحشرك لنا من المدائن القاصية، وخصوه بالذكر، مع اندراجه في خطاياهم إظهارا لغاية نفرتهم عنه، ورغبة في مغفرته، وفي ذكره الإكراه: نوع اعتذار لاستجلاب المغفرة، وقيل: أرادوا الإكراه على تعلم السحر، لما روي أن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر، وقيل: إنه أكرههم على المعارضة، حيث روي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما، ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر، فإن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه. لكن يأباه تصديهم للمعارضة بالرغبة والنشاط، كما يعرب عنه قولهم:
إن لنا لأجرا...
[الأعراف: 113] الخ، وقولهم:
بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون
[الشعراء: 44]، إلا أن يقال: لما رأوا جده طمعوا وطلبوا الأجر. { والله خير وأبقى } أي: وثواب الله خير من إيثار الدنيا الفانية، وأبقى في الدار الباقية، أو: والله في ذاته خير، وجزاؤه أبقى، نعيما كان أو عذابا.
ثم عللوا خيريته وبقاءه فقالوا: { إنه من يأت ربه مجرما } بأن يموت على الكفر والمعاصي، { فإن له جهنم لا يموت فيها } فيستريح وينتهي عذابه، وهذا تحقيق لقوله: { وأبقى } ، { ولا يحيا } حياة ينتفع بها، وضمير { إنه }: للشأن، وفيه تنبيه على فخامة مضمون الجملة لأن مناط وضع الضمير موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره، مع ما فيه من زيادة التقرير، فإن الضمير لا يفهم منه أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر، فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه، فيتمكن، عند وروده، فضل تمكن، كأنه قيل الشأن الخطير هذا. { ومن يأته مؤمنا } به تعالى، وما جاء من عنده من المعجزات، التي من جملتها ما شهدناه، حال كونه { قد عمل الصالحات } أي: الأعمال الصالحات، وهي كل ما استقام شرعا وخلص عقدا، { فأولئك } أي: من يأت مؤمنا... الخ. وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، كما أن الإفراد في الفعلين السابقين باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم، أي: فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات، { لهم } بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحات { الدرجات العلى } أي: المنازل الرفيعة، وليس فيه ما يدل على عدم اعتبار الإيمان المجرد عن العمل في استتباع الثواب لأن ما نيط بالإيمان المقرون بالأعمال الصالحة هو الفوز بالدرجات العلى، لا بالثواب مطلقا. ثم فسر تلك الدرجات، فقال: { جنات عدن } أي: إقامة على الخلود، حال كونها { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء من تزكى } الإشارة إلى ما أنتج لهم من الفوز بالدرجات العلى. والبعد في الإشارة للتفخيم، أي: ما تقدم من الفوز بالدرجات العلى هو جزاء من تطهر من دنس الكفر والمعاصي، بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة، وهذا تحقيق لكون ثوابه تعالى أبقى. وتقدم ذكر حال المجرم، للمسارعة إلى بيان أشدية عذابه ودوامه، ردا على ما ادعاه فرعون بقوله: { أينا أشد عذابا وأبقى } ، هذا وقد قيل: إن قوله: { إنه من يأت... } الخ، ابتداء كلام من الله عز وجل. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية تحريض للفقراء أهل النسبة وأرباب الأحوال، على الثبوت في طريق السلوك، وعدم الرجوع عنها، حين يكثر عليهم الإنكار والتهديد، والتخويف بأنواع العذاب، فلا يكترثون بذلك ولا يتضعضعون، وليقولوا كما قال سحرة فرعون: { لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا... } الآية. وقد جرى هذا على كثير من الصوفية، أوذوا على النسبة، فمنهم من قتل، ومنهم من طوف، ومنهم من أجلى عن وطنه، إلى غير ذلك مما جرى عليهم، ومع ذلك لم يرجعوا عما هم عليه، حتى وصلوا إلى حضرته تعالى وذاقوا. وما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبدا، ولو قطع إربا إربا. والله ولي المتقين. ثم ذكر خروج بني إسرائيل إلى الشام
طه 20:73
قلت: { هذه الحياة الدنيا }: نصب على إسقاط الخافض. اتساعا، لا نصب على الظرفية لأن الظرف المختص لا ينتصب على الظرفية، على المشهور، و { الذي فطرنا }: عطف على { ما جاءنا } ، أو قسم حذف جوابه، أي: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك... الخ. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن السحرة، لما خوفهم فرعون: { قالوا } غير مكترثين بوعيده: { لن نؤثرك } أي: لن نختارك، باتباعك { على ما جاءنا } من الله تعالى على يد موسى عليه السلام { من البينات } أي: المعجزات الظاهرة لأن ما ظهر من العصا كان مشتملا على معجزات جمة، كما تقدم. { والذي فطرنا }: خلقنا وخلق سائر المخلوقات، أي: لن نختارك على ما ظهر لنا من دلائل صحة نبوة موسى، ولا على الذي خلقنا، حتى نتبعك ونترك الحق، وكان ما شاهدوه آية حسية، وهذه آية عقلية. وإيراده بعنوان فاطريته تعالى للإشعار بعلية الحكم، فإن خالقيته تعالى لهم ولفرعون - وهو من جملة مخلوقاته - مما يوجب عدم إيثارهم له عليه سبحانه، أو: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على ما جاءنا، { فاقض ما أنت قاض } أي: فاصنع ما أنت صانعه، أو: فاحكم ما أنت حاكمه. وهو جواب لقوله: { لأقطعن أيديكم... } الخ. { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } أي: إنما تصنع ما تهواه، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدنيا الفانية، ولا رغبة لنا في البقاء فيها، رغبة في سكنى الدار الدائمة، بسبب موتنا على الإيمان. { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } التي اقترفنا، من الكفر والمعاصي، ولا يؤاخذنا بها في الآخرة، فلا نغتر بتلك الحياة الفانية، حتى نتأثر بما أوعدتنا به من القطع والصلب، { و } يغفر لنا أيضا { ما أكرهتنا عليه من السحر } الذي عملناه في معارضة موسى عليه السلام، بإكراهك وحشرك لنا من المدائن القاصية، وخصوه بالذكر، مع اندراجه في خطاياهم إظهارا لغاية نفرتهم عنه، ورغبة في مغفرته، وفي ذكره الإكراه: نوع اعتذار لاستجلاب المغفرة، وقيل: أرادوا الإكراه على تعلم السحر، لما روي أن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر، وقيل: إنه أكرههم على المعارضة، حيث روي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما، ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر، فإن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه. لكن يأباه تصديهم للمعارضة بالرغبة والنشاط، كما يعرب عنه قولهم:
إن لنا لأجرا...
[الأعراف: 113] الخ، وقولهم:
بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون
[الشعراء: 44]، إلا أن يقال: لما رأوا جده طمعوا وطلبوا الأجر. { والله خير وأبقى } أي: وثواب الله خير من إيثار الدنيا الفانية، وأبقى في الدار الباقية، أو: والله في ذاته خير، وجزاؤه أبقى، نعيما كان أو عذابا.
ثم عللوا خيريته وبقاءه فقالوا: { إنه من يأت ربه مجرما } بأن يموت على الكفر والمعاصي، { فإن له جهنم لا يموت فيها } فيستريح وينتهي عذابه، وهذا تحقيق لقوله: { وأبقى } ، { ولا يحيا } حياة ينتفع بها، وضمير { إنه }: للشأن، وفيه تنبيه على فخامة مضمون الجملة لأن مناط وضع الضمير موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره، مع ما فيه من زيادة التقرير، فإن الضمير لا يفهم منه أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر، فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه، فيتمكن، عند وروده، فضل تمكن، كأنه قيل الشأن الخطير هذا. { ومن يأته مؤمنا } به تعالى، وما جاء من عنده من المعجزات، التي من جملتها ما شهدناه، حال كونه { قد عمل الصالحات } أي: الأعمال الصالحات، وهي كل ما استقام شرعا وخلص عقدا، { فأولئك } أي: من يأت مؤمنا... الخ. وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، كما أن الإفراد في الفعلين السابقين باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم، أي: فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات، { لهم } بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحات { الدرجات العلى } أي: المنازل الرفيعة، وليس فيه ما يدل على عدم اعتبار الإيمان المجرد عن العمل في استتباع الثواب لأن ما نيط بالإيمان المقرون بالأعمال الصالحة هو الفوز بالدرجات العلى، لا بالثواب مطلقا. ثم فسر تلك الدرجات، فقال: { جنات عدن } أي: إقامة على الخلود، حال كونها { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء من تزكى } الإشارة إلى ما أنتج لهم من الفوز بالدرجات العلى. والبعد في الإشارة للتفخيم، أي: ما تقدم من الفوز بالدرجات العلى هو جزاء من تطهر من دنس الكفر والمعاصي، بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة، وهذا تحقيق لكون ثوابه تعالى أبقى. وتقدم ذكر حال المجرم، للمسارعة إلى بيان أشدية عذابه ودوامه، ردا على ما ادعاه فرعون بقوله: { أينا أشد عذابا وأبقى } ، هذا وقد قيل: إن قوله: { إنه من يأت... } الخ، ابتداء كلام من الله عز وجل. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية تحريض للفقراء أهل النسبة وأرباب الأحوال، على الثبوت في طريق السلوك، وعدم الرجوع عنها، حين يكثر عليهم الإنكار والتهديد، والتخويف بأنواع العذاب، فلا يكترثون بذلك ولا يتضعضعون، وليقولوا كما قال سحرة فرعون: { لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا... } الآية. وقد جرى هذا على كثير من الصوفية، أوذوا على النسبة، فمنهم من قتل، ومنهم من طوف، ومنهم من أجلى عن وطنه، إلى غير ذلك مما جرى عليهم، ومع ذلك لم يرجعوا عما هم عليه، حتى وصلوا إلى حضرته تعالى وذاقوا. وما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبدا، ولو قطع إربا إربا. والله ولي المتقين. ثم ذكر خروج بني إسرائيل إلى الشام
طه 20:74
قلت: { هذه الحياة الدنيا }: نصب على إسقاط الخافض. اتساعا، لا نصب على الظرفية لأن الظرف المختص لا ينتصب على الظرفية، على المشهور، و { الذي فطرنا }: عطف على { ما جاءنا } ، أو قسم حذف جوابه، أي: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك... الخ. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن السحرة، لما خوفهم فرعون: { قالوا } غير مكترثين بوعيده: { لن نؤثرك } أي: لن نختارك، باتباعك { على ما جاءنا } من الله تعالى على يد موسى عليه السلام { من البينات } أي: المعجزات الظاهرة لأن ما ظهر من العصا كان مشتملا على معجزات جمة، كما تقدم. { والذي فطرنا }: خلقنا وخلق سائر المخلوقات، أي: لن نختارك على ما ظهر لنا من دلائل صحة نبوة موسى، ولا على الذي خلقنا، حتى نتبعك ونترك الحق، وكان ما شاهدوه آية حسية، وهذه آية عقلية. وإيراده بعنوان فاطريته تعالى للإشعار بعلية الحكم، فإن خالقيته تعالى لهم ولفرعون - وهو من جملة مخلوقاته - مما يوجب عدم إيثارهم له عليه سبحانه، أو: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على ما جاءنا، { فاقض ما أنت قاض } أي: فاصنع ما أنت صانعه، أو: فاحكم ما أنت حاكمه. وهو جواب لقوله: { لأقطعن أيديكم... } الخ. { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } أي: إنما تصنع ما تهواه، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدنيا الفانية، ولا رغبة لنا في البقاء فيها، رغبة في سكنى الدار الدائمة، بسبب موتنا على الإيمان. { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } التي اقترفنا، من الكفر والمعاصي، ولا يؤاخذنا بها في الآخرة، فلا نغتر بتلك الحياة الفانية، حتى نتأثر بما أوعدتنا به من القطع والصلب، { و } يغفر لنا أيضا { ما أكرهتنا عليه من السحر } الذي عملناه في معارضة موسى عليه السلام، بإكراهك وحشرك لنا من المدائن القاصية، وخصوه بالذكر، مع اندراجه في خطاياهم إظهارا لغاية نفرتهم عنه، ورغبة في مغفرته، وفي ذكره الإكراه: نوع اعتذار لاستجلاب المغفرة، وقيل: أرادوا الإكراه على تعلم السحر، لما روي أن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر، وقيل: إنه أكرههم على المعارضة، حيث روي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما، ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر، فإن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه. لكن يأباه تصديهم للمعارضة بالرغبة والنشاط، كما يعرب عنه قولهم:
إن لنا لأجرا...
[الأعراف: 113] الخ، وقولهم:
بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون
[الشعراء: 44]، إلا أن يقال: لما رأوا جده طمعوا وطلبوا الأجر. { والله خير وأبقى } أي: وثواب الله خير من إيثار الدنيا الفانية، وأبقى في الدار الباقية، أو: والله في ذاته خير، وجزاؤه أبقى، نعيما كان أو عذابا.
ثم عللوا خيريته وبقاءه فقالوا: { إنه من يأت ربه مجرما } بأن يموت على الكفر والمعاصي، { فإن له جهنم لا يموت فيها } فيستريح وينتهي عذابه، وهذا تحقيق لقوله: { وأبقى } ، { ولا يحيا } حياة ينتفع بها، وضمير { إنه }: للشأن، وفيه تنبيه على فخامة مضمون الجملة لأن مناط وضع الضمير موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره، مع ما فيه من زيادة التقرير، فإن الضمير لا يفهم منه أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر، فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه، فيتمكن، عند وروده، فضل تمكن، كأنه قيل الشأن الخطير هذا. { ومن يأته مؤمنا } به تعالى، وما جاء من عنده من المعجزات، التي من جملتها ما شهدناه، حال كونه { قد عمل الصالحات } أي: الأعمال الصالحات، وهي كل ما استقام شرعا وخلص عقدا، { فأولئك } أي: من يأت مؤمنا... الخ. وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، كما أن الإفراد في الفعلين السابقين باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم، أي: فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات، { لهم } بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحات { الدرجات العلى } أي: المنازل الرفيعة، وليس فيه ما يدل على عدم اعتبار الإيمان المجرد عن العمل في استتباع الثواب لأن ما نيط بالإيمان المقرون بالأعمال الصالحة هو الفوز بالدرجات العلى، لا بالثواب مطلقا. ثم فسر تلك الدرجات، فقال: { جنات عدن } أي: إقامة على الخلود، حال كونها { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء من تزكى } الإشارة إلى ما أنتج لهم من الفوز بالدرجات العلى. والبعد في الإشارة للتفخيم، أي: ما تقدم من الفوز بالدرجات العلى هو جزاء من تطهر من دنس الكفر والمعاصي، بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة، وهذا تحقيق لكون ثوابه تعالى أبقى. وتقدم ذكر حال المجرم، للمسارعة إلى بيان أشدية عذابه ودوامه، ردا على ما ادعاه فرعون بقوله: { أينا أشد عذابا وأبقى } ، هذا وقد قيل: إن قوله: { إنه من يأت... } الخ، ابتداء كلام من الله عز وجل. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية تحريض للفقراء أهل النسبة وأرباب الأحوال، على الثبوت في طريق السلوك، وعدم الرجوع عنها، حين يكثر عليهم الإنكار والتهديد، والتخويف بأنواع العذاب، فلا يكترثون بذلك ولا يتضعضعون، وليقولوا كما قال سحرة فرعون: { لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا... } الآية. وقد جرى هذا على كثير من الصوفية، أوذوا على النسبة، فمنهم من قتل، ومنهم من طوف، ومنهم من أجلى عن وطنه، إلى غير ذلك مما جرى عليهم، ومع ذلك لم يرجعوا عما هم عليه، حتى وصلوا إلى حضرته تعالى وذاقوا. وما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبدا، ولو قطع إربا إربا. والله ولي المتقين. ثم ذكر خروج بني إسرائيل إلى الشام
طه 20:75
قلت: { هذه الحياة الدنيا }: نصب على إسقاط الخافض. اتساعا، لا نصب على الظرفية لأن الظرف المختص لا ينتصب على الظرفية، على المشهور، و { الذي فطرنا }: عطف على { ما جاءنا } ، أو قسم حذف جوابه، أي: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك... الخ. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن السحرة، لما خوفهم فرعون: { قالوا } غير مكترثين بوعيده: { لن نؤثرك } أي: لن نختارك، باتباعك { على ما جاءنا } من الله تعالى على يد موسى عليه السلام { من البينات } أي: المعجزات الظاهرة لأن ما ظهر من العصا كان مشتملا على معجزات جمة، كما تقدم. { والذي فطرنا }: خلقنا وخلق سائر المخلوقات، أي: لن نختارك على ما ظهر لنا من دلائل صحة نبوة موسى، ولا على الذي خلقنا، حتى نتبعك ونترك الحق، وكان ما شاهدوه آية حسية، وهذه آية عقلية. وإيراده بعنوان فاطريته تعالى للإشعار بعلية الحكم، فإن خالقيته تعالى لهم ولفرعون - وهو من جملة مخلوقاته - مما يوجب عدم إيثارهم له عليه سبحانه، أو: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على ما جاءنا، { فاقض ما أنت قاض } أي: فاصنع ما أنت صانعه، أو: فاحكم ما أنت حاكمه. وهو جواب لقوله: { لأقطعن أيديكم... } الخ. { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } أي: إنما تصنع ما تهواه، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدنيا الفانية، ولا رغبة لنا في البقاء فيها، رغبة في سكنى الدار الدائمة، بسبب موتنا على الإيمان. { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } التي اقترفنا، من الكفر والمعاصي، ولا يؤاخذنا بها في الآخرة، فلا نغتر بتلك الحياة الفانية، حتى نتأثر بما أوعدتنا به من القطع والصلب، { و } يغفر لنا أيضا { ما أكرهتنا عليه من السحر } الذي عملناه في معارضة موسى عليه السلام، بإكراهك وحشرك لنا من المدائن القاصية، وخصوه بالذكر، مع اندراجه في خطاياهم إظهارا لغاية نفرتهم عنه، ورغبة في مغفرته، وفي ذكره الإكراه: نوع اعتذار لاستجلاب المغفرة، وقيل: أرادوا الإكراه على تعلم السحر، لما روي أن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر، وقيل: إنه أكرههم على المعارضة، حيث روي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما، ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر، فإن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه. لكن يأباه تصديهم للمعارضة بالرغبة والنشاط، كما يعرب عنه قولهم:
إن لنا لأجرا...
[الأعراف: 113] الخ، وقولهم:
بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون
[الشعراء: 44]، إلا أن يقال: لما رأوا جده طمعوا وطلبوا الأجر. { والله خير وأبقى } أي: وثواب الله خير من إيثار الدنيا الفانية، وأبقى في الدار الباقية، أو: والله في ذاته خير، وجزاؤه أبقى، نعيما كان أو عذابا.
ثم عللوا خيريته وبقاءه فقالوا: { إنه من يأت ربه مجرما } بأن يموت على الكفر والمعاصي، { فإن له جهنم لا يموت فيها } فيستريح وينتهي عذابه، وهذا تحقيق لقوله: { وأبقى } ، { ولا يحيا } حياة ينتفع بها، وضمير { إنه }: للشأن، وفيه تنبيه على فخامة مضمون الجملة لأن مناط وضع الضمير موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره، مع ما فيه من زيادة التقرير، فإن الضمير لا يفهم منه أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر، فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه، فيتمكن، عند وروده، فضل تمكن، كأنه قيل الشأن الخطير هذا. { ومن يأته مؤمنا } به تعالى، وما جاء من عنده من المعجزات، التي من جملتها ما شهدناه، حال كونه { قد عمل الصالحات } أي: الأعمال الصالحات، وهي كل ما استقام شرعا وخلص عقدا، { فأولئك } أي: من يأت مؤمنا... الخ. وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، كما أن الإفراد في الفعلين السابقين باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم، أي: فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات، { لهم } بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحات { الدرجات العلى } أي: المنازل الرفيعة، وليس فيه ما يدل على عدم اعتبار الإيمان المجرد عن العمل في استتباع الثواب لأن ما نيط بالإيمان المقرون بالأعمال الصالحة هو الفوز بالدرجات العلى، لا بالثواب مطلقا. ثم فسر تلك الدرجات، فقال: { جنات عدن } أي: إقامة على الخلود، حال كونها { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء من تزكى } الإشارة إلى ما أنتج لهم من الفوز بالدرجات العلى. والبعد في الإشارة للتفخيم، أي: ما تقدم من الفوز بالدرجات العلى هو جزاء من تطهر من دنس الكفر والمعاصي، بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة، وهذا تحقيق لكون ثوابه تعالى أبقى. وتقدم ذكر حال المجرم، للمسارعة إلى بيان أشدية عذابه ودوامه، ردا على ما ادعاه فرعون بقوله: { أينا أشد عذابا وأبقى } ، هذا وقد قيل: إن قوله: { إنه من يأت... } الخ، ابتداء كلام من الله عز وجل. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية تحريض للفقراء أهل النسبة وأرباب الأحوال، على الثبوت في طريق السلوك، وعدم الرجوع عنها، حين يكثر عليهم الإنكار والتهديد، والتخويف بأنواع العذاب، فلا يكترثون بذلك ولا يتضعضعون، وليقولوا كما قال سحرة فرعون: { لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا... } الآية. وقد جرى هذا على كثير من الصوفية، أوذوا على النسبة، فمنهم من قتل، ومنهم من طوف، ومنهم من أجلى عن وطنه، إلى غير ذلك مما جرى عليهم، ومع ذلك لم يرجعوا عما هم عليه، حتى وصلوا إلى حضرته تعالى وذاقوا. وما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبدا، ولو قطع إربا إربا. والله ولي المتقين. ثم ذكر خروج بني إسرائيل إلى الشام
طه 20:76
قلت: { هذه الحياة الدنيا }: نصب على إسقاط الخافض. اتساعا، لا نصب على الظرفية لأن الظرف المختص لا ينتصب على الظرفية، على المشهور، و { الذي فطرنا }: عطف على { ما جاءنا } ، أو قسم حذف جوابه، أي: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك... الخ. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن السحرة، لما خوفهم فرعون: { قالوا } غير مكترثين بوعيده: { لن نؤثرك } أي: لن نختارك، باتباعك { على ما جاءنا } من الله تعالى على يد موسى عليه السلام { من البينات } أي: المعجزات الظاهرة لأن ما ظهر من العصا كان مشتملا على معجزات جمة، كما تقدم. { والذي فطرنا }: خلقنا وخلق سائر المخلوقات، أي: لن نختارك على ما ظهر لنا من دلائل صحة نبوة موسى، ولا على الذي خلقنا، حتى نتبعك ونترك الحق، وكان ما شاهدوه آية حسية، وهذه آية عقلية. وإيراده بعنوان فاطريته تعالى للإشعار بعلية الحكم، فإن خالقيته تعالى لهم ولفرعون - وهو من جملة مخلوقاته - مما يوجب عدم إيثارهم له عليه سبحانه، أو: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على ما جاءنا، { فاقض ما أنت قاض } أي: فاصنع ما أنت صانعه، أو: فاحكم ما أنت حاكمه. وهو جواب لقوله: { لأقطعن أيديكم... } الخ. { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } أي: إنما تصنع ما تهواه، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدنيا الفانية، ولا رغبة لنا في البقاء فيها، رغبة في سكنى الدار الدائمة، بسبب موتنا على الإيمان. { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } التي اقترفنا، من الكفر والمعاصي، ولا يؤاخذنا بها في الآخرة، فلا نغتر بتلك الحياة الفانية، حتى نتأثر بما أوعدتنا به من القطع والصلب، { و } يغفر لنا أيضا { ما أكرهتنا عليه من السحر } الذي عملناه في معارضة موسى عليه السلام، بإكراهك وحشرك لنا من المدائن القاصية، وخصوه بالذكر، مع اندراجه في خطاياهم إظهارا لغاية نفرتهم عنه، ورغبة في مغفرته، وفي ذكره الإكراه: نوع اعتذار لاستجلاب المغفرة، وقيل: أرادوا الإكراه على تعلم السحر، لما روي أن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر، وقيل: إنه أكرههم على المعارضة، حيث روي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما، ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر، فإن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه. لكن يأباه تصديهم للمعارضة بالرغبة والنشاط، كما يعرب عنه قولهم:
إن لنا لأجرا...
[الأعراف: 113] الخ، وقولهم:
بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون
[الشعراء: 44]، إلا أن يقال: لما رأوا جده طمعوا وطلبوا الأجر. { والله خير وأبقى } أي: وثواب الله خير من إيثار الدنيا الفانية، وأبقى في الدار الباقية، أو: والله في ذاته خير، وجزاؤه أبقى، نعيما كان أو عذابا.
ثم عللوا خيريته وبقاءه فقالوا: { إنه من يأت ربه مجرما } بأن يموت على الكفر والمعاصي، { فإن له جهنم لا يموت فيها } فيستريح وينتهي عذابه، وهذا تحقيق لقوله: { وأبقى } ، { ولا يحيا } حياة ينتفع بها، وضمير { إنه }: للشأن، وفيه تنبيه على فخامة مضمون الجملة لأن مناط وضع الضمير موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره، مع ما فيه من زيادة التقرير، فإن الضمير لا يفهم منه أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر، فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه، فيتمكن، عند وروده، فضل تمكن، كأنه قيل الشأن الخطير هذا. { ومن يأته مؤمنا } به تعالى، وما جاء من عنده من المعجزات، التي من جملتها ما شهدناه، حال كونه { قد عمل الصالحات } أي: الأعمال الصالحات، وهي كل ما استقام شرعا وخلص عقدا، { فأولئك } أي: من يأت مؤمنا... الخ. وجمع الإشارة باعتبار معنى " من " ، كما أن الإفراد في الفعلين السابقين باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم، أي: فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات، { لهم } بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحات { الدرجات العلى } أي: المنازل الرفيعة، وليس فيه ما يدل على عدم اعتبار الإيمان المجرد عن العمل في استتباع الثواب لأن ما نيط بالإيمان المقرون بالأعمال الصالحة هو الفوز بالدرجات العلى، لا بالثواب مطلقا. ثم فسر تلك الدرجات، فقال: { جنات عدن } أي: إقامة على الخلود، حال كونها { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء من تزكى } الإشارة إلى ما أنتج لهم من الفوز بالدرجات العلى. والبعد في الإشارة للتفخيم، أي: ما تقدم من الفوز بالدرجات العلى هو جزاء من تطهر من دنس الكفر والمعاصي، بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة، وهذا تحقيق لكون ثوابه تعالى أبقى. وتقدم ذكر حال المجرم، للمسارعة إلى بيان أشدية عذابه ودوامه، ردا على ما ادعاه فرعون بقوله: { أينا أشد عذابا وأبقى } ، هذا وقد قيل: إن قوله: { إنه من يأت... } الخ، ابتداء كلام من الله عز وجل. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية تحريض للفقراء أهل النسبة وأرباب الأحوال، على الثبوت في طريق السلوك، وعدم الرجوع عنها، حين يكثر عليهم الإنكار والتهديد، والتخويف بأنواع العذاب، فلا يكترثون بذلك ولا يتضعضعون، وليقولوا كما قال سحرة فرعون: { لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا... } الآية. وقد جرى هذا على كثير من الصوفية، أوذوا على النسبة، فمنهم من قتل، ومنهم من طوف، ومنهم من أجلى عن وطنه، إلى غير ذلك مما جرى عليهم، ومع ذلك لم يرجعوا عما هم عليه، حتى وصلوا إلى حضرته تعالى وذاقوا. وما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبدا، ولو قطع إربا إربا. والله ولي المتقين. ثم ذكر خروج بني إسرائيل إلى الشام
طه 20:77
يقول الحق جل جلاله: { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي } بعد ما لبث يدعو فرعون إلى الله تعالى ويريه الآيات المفصلات، بعد غلبة السحرة، نحوا من عشرين سنة، كما فصل ذلك في الأعراف، فلما أيس من إيمانهم أوحى الله بالخروج عنهم، أي: والله لقد أوحينا إلى موسى أن أسر، أو بأن أسر بعبادي الذين أرسلتك لإنقاذهم من يد فرعون، أي: سر بهم من مصر ليلا إلى بحر القلزم. والتصدير بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها، والتعبير عنهم بعبادي لإظهار الرحمة والاعتناء بهم، والتنبيه على غاية قبح صنيع فرعون، حيث استعبدهم، وهم عباده عز وجل، وفعل بهم من فنون العذاب ما فعل. { فاضرب لهم } أي: اجعل لهم، أو اتخذ لهم { طريقا في البحر يبسا } أي: يابسا لا ماء فيه، { لا تخاف دركا } أي: حال كونك آمنا من أن يدرككم العدو، { ولا تخشى } الغرق، وقرأ حمزة: " لا تخف " بالجزم، جوابا للأمر، فيكون { ولا تخشى }: إما استئناف، أي: وأنت لا تخشى، أو عطف عليه، والألف للإطلاق، أو يقدر الجزم، كقوله:
ألم يأتك والأنباء تنمي
..الخ. وتقديم نفي خوف الدرك، للمسارعة إلى إزاحة ما كانوا عليه من الخوف، حيث قالوا:
إنا لمدركون
[الشعراء: 61]. { فأتبعهم فرعون بجنوده } أي: تبعهم ومعه جنوده حتى لحقهم، يقال: اتبعتهم، أي: تبعتهم، إذا كانوا سبقوك ولحقتهم، ويؤيده قراءة: { فاتبعهم } بالشد. وقيل: الباء زائدة، والمعنى: فأتبعهم فرعون جنوده، أي: ساقهم خلفهم، وأيا ما كان، فالفاء فصيحة معربة عن مضمر قد طوى ذكره، ثقة بظهوره، وإيذانا بكمال مسارعة موسى إلى الامتثال، أي: ففعل ما أمر به من الإسراء بهم، وضرب الطريق في البحر وسلكوه، فأتبعهم بجنوده برا وبحرا. روي أن موسى عليه السلام خرج بهم أول الليل، وكانوا ستمائة وسبعين ألفا، فأخبر فرعون بذلك، فأتبعهم بعساكره، وكانت مقدمته سبعمائة ألف، فقص أثرهم فلحقهم، بحيث تراءى الجمعان، فلما أبصروا رهج الخيل، قالوا:
إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين
[الشعراء: 61، 62]. فلما قربوا، قالوا: يا موسى أين نمضي، البحر أمامنا، وخيل فرعون خلفنا، فعند ذلك ضرب موسى عصاه البحر فانفلق على ثنتي عشرة فرقة،
كل فرق كالطود العظيم
[الشعراء: 63] أي: كالجبل العظيم من الماء، وكانوا يمرون به، وكلهم بنو أعمام، لا يرى بعضهم بعضا، فقالوا: قد غرق إخواننا، فأوحى الله إلى أطواد الماء: أن اشتبكي، وصارت شبابك، يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض، فلما أتى فرعون الساحل، وجد البحر منفلقا، فقال: سحر موسى البحر، فقالوا: إن كنت ربا فادخل كما دخل، فجاء جبريل على رمكة وديق، أي: تحب الفحل، وكان فرعون على حصان، فاقتحم جبريل بالرمكة الماء، فلم يتمالك حصان فرعون، فاقتحم البحر على إثره، ودخل القبط كلهم، فلما لججوا، أوحى الله تعالى إلى البحر أن أغرقهم، فعلاهم البحر وأغرقهم.
فعبر موسى عليه السلام بمن معه من الأسباط سالمين، وأما فرعون وجنوده { فغشيهم من اليم ما غشيهم } أي: علاهم منه وغمرهم من الأمر الهائل، الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه. قال القشيري: فغرقوا بجملتهم، وآمن فرعون لما ظهر له البأس، فلم ينفعه إقراره، وكان ينفعه لو لم يكن إصراره، وقد أدركته الشقاوة التي سبقت له من التقدير. ه. وقال الكواشي: { وغشيهم } من الغضب والغرق، وغير ذلك، ما لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى. ه. فإبهام الصلة للتهويل والتفخيم، وقيل: { غشيهم من اليم } ما سمعت قصته في غير هذه السورة، وليس بشيء فإن مدار الإبهام على التهويل والتفخيم، بحيث يخرج عن حدود الفهم والوصف، لا سماع قصته فقط. { وأضل فرعون قومه } أي: أتلفهم وسلك بهم مسلكا أدى بهم إلى الخيبة والخسران، حيث ماتوا على الكفر، وأوصلهم إلى العذاب الهائل الدنيوي، المتصل بالعذاب الدائم الأخري، { وما هدى } أي: ما أرشدهم قط إلى طريق توصلهم إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية. وهو تقرير لإضلاله وتأكيد له، وفيه نوع تهكم به في قوله:
ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد
[غافر: 29]، فإن نفي الهداية عن شخص مشعر بكونه ممن يتصور منه الهداية في الجملة، وذلك إنما يتصور في حقه بطريق التهكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر عاقبة من شد يده على دينه، وصبر على شدائد زمانه، كيف خرقت له العوائد، وجاءه العز والنصر فأنساه تلك الشدائد، وأهلك الله من كان يؤذيه من الأعداء، وسلك به سبيل النجاة والهدى، وهذه عادة الله مع أوليائه، يشدد عليهم أولا بضروب البلايا والمحن، ثم يعقبهم العز والنصر وضروب المنن. ولذلك ذكر الله بني إسرائيل بما أنعم عليهم بعد البحر
طه 20:78
يقول الحق جل جلاله: { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي } بعد ما لبث يدعو فرعون إلى الله تعالى ويريه الآيات المفصلات، بعد غلبة السحرة، نحوا من عشرين سنة، كما فصل ذلك في الأعراف، فلما أيس من إيمانهم أوحى الله بالخروج عنهم، أي: والله لقد أوحينا إلى موسى أن أسر، أو بأن أسر بعبادي الذين أرسلتك لإنقاذهم من يد فرعون، أي: سر بهم من مصر ليلا إلى بحر القلزم. والتصدير بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها، والتعبير عنهم بعبادي لإظهار الرحمة والاعتناء بهم، والتنبيه على غاية قبح صنيع فرعون، حيث استعبدهم، وهم عباده عز وجل، وفعل بهم من فنون العذاب ما فعل. { فاضرب لهم } أي: اجعل لهم، أو اتخذ لهم { طريقا في البحر يبسا } أي: يابسا لا ماء فيه، { لا تخاف دركا } أي: حال كونك آمنا من أن يدرككم العدو، { ولا تخشى } الغرق، وقرأ حمزة: " لا تخف " بالجزم، جوابا للأمر، فيكون { ولا تخشى }: إما استئناف، أي: وأنت لا تخشى، أو عطف عليه، والألف للإطلاق، أو يقدر الجزم، كقوله:
ألم يأتك والأنباء تنمي
..الخ. وتقديم نفي خوف الدرك، للمسارعة إلى إزاحة ما كانوا عليه من الخوف، حيث قالوا:
إنا لمدركون
[الشعراء: 61]. { فأتبعهم فرعون بجنوده } أي: تبعهم ومعه جنوده حتى لحقهم، يقال: اتبعتهم، أي: تبعتهم، إذا كانوا سبقوك ولحقتهم، ويؤيده قراءة: { فاتبعهم } بالشد. وقيل: الباء زائدة، والمعنى: فأتبعهم فرعون جنوده، أي: ساقهم خلفهم، وأيا ما كان، فالفاء فصيحة معربة عن مضمر قد طوى ذكره، ثقة بظهوره، وإيذانا بكمال مسارعة موسى إلى الامتثال، أي: ففعل ما أمر به من الإسراء بهم، وضرب الطريق في البحر وسلكوه، فأتبعهم بجنوده برا وبحرا. روي أن موسى عليه السلام خرج بهم أول الليل، وكانوا ستمائة وسبعين ألفا، فأخبر فرعون بذلك، فأتبعهم بعساكره، وكانت مقدمته سبعمائة ألف، فقص أثرهم فلحقهم، بحيث تراءى الجمعان، فلما أبصروا رهج الخيل، قالوا:
إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين
[الشعراء: 61، 62]. فلما قربوا، قالوا: يا موسى أين نمضي، البحر أمامنا، وخيل فرعون خلفنا، فعند ذلك ضرب موسى عصاه البحر فانفلق على ثنتي عشرة فرقة،
كل فرق كالطود العظيم
[الشعراء: 63] أي: كالجبل العظيم من الماء، وكانوا يمرون به، وكلهم بنو أعمام، لا يرى بعضهم بعضا، فقالوا: قد غرق إخواننا، فأوحى الله إلى أطواد الماء: أن اشتبكي، وصارت شبابك، يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض، فلما أتى فرعون الساحل، وجد البحر منفلقا، فقال: سحر موسى البحر، فقالوا: إن كنت ربا فادخل كما دخل، فجاء جبريل على رمكة وديق، أي: تحب الفحل، وكان فرعون على حصان، فاقتحم جبريل بالرمكة الماء، فلم يتمالك حصان فرعون، فاقتحم البحر على إثره، ودخل القبط كلهم، فلما لججوا، أوحى الله تعالى إلى البحر أن أغرقهم، فعلاهم البحر وأغرقهم.
فعبر موسى عليه السلام بمن معه من الأسباط سالمين، وأما فرعون وجنوده { فغشيهم من اليم ما غشيهم } أي: علاهم منه وغمرهم من الأمر الهائل، الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه. قال القشيري: فغرقوا بجملتهم، وآمن فرعون لما ظهر له البأس، فلم ينفعه إقراره، وكان ينفعه لو لم يكن إصراره، وقد أدركته الشقاوة التي سبقت له من التقدير. ه. وقال الكواشي: { وغشيهم } من الغضب والغرق، وغير ذلك، ما لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى. ه. فإبهام الصلة للتهويل والتفخيم، وقيل: { غشيهم من اليم } ما سمعت قصته في غير هذه السورة، وليس بشيء فإن مدار الإبهام على التهويل والتفخيم، بحيث يخرج عن حدود الفهم والوصف، لا سماع قصته فقط. { وأضل فرعون قومه } أي: أتلفهم وسلك بهم مسلكا أدى بهم إلى الخيبة والخسران، حيث ماتوا على الكفر، وأوصلهم إلى العذاب الهائل الدنيوي، المتصل بالعذاب الدائم الأخري، { وما هدى } أي: ما أرشدهم قط إلى طريق توصلهم إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية. وهو تقرير لإضلاله وتأكيد له، وفيه نوع تهكم به في قوله:
ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد
[غافر: 29]، فإن نفي الهداية عن شخص مشعر بكونه ممن يتصور منه الهداية في الجملة، وذلك إنما يتصور في حقه بطريق التهكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر عاقبة من شد يده على دينه، وصبر على شدائد زمانه، كيف خرقت له العوائد، وجاءه العز والنصر فأنساه تلك الشدائد، وأهلك الله من كان يؤذيه من الأعداء، وسلك به سبيل النجاة والهدى، وهذه عادة الله مع أوليائه، يشدد عليهم أولا بضروب البلايا والمحن، ثم يعقبهم العز والنصر وضروب المنن. ولذلك ذكر الله بني إسرائيل بما أنعم عليهم بعد البحر
طه 20:79
يقول الحق جل جلاله: { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي } بعد ما لبث يدعو فرعون إلى الله تعالى ويريه الآيات المفصلات، بعد غلبة السحرة، نحوا من عشرين سنة، كما فصل ذلك في الأعراف، فلما أيس من إيمانهم أوحى الله بالخروج عنهم، أي: والله لقد أوحينا إلى موسى أن أسر، أو بأن أسر بعبادي الذين أرسلتك لإنقاذهم من يد فرعون، أي: سر بهم من مصر ليلا إلى بحر القلزم. والتصدير بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها، والتعبير عنهم بعبادي لإظهار الرحمة والاعتناء بهم، والتنبيه على غاية قبح صنيع فرعون، حيث استعبدهم، وهم عباده عز وجل، وفعل بهم من فنون العذاب ما فعل. { فاضرب لهم } أي: اجعل لهم، أو اتخذ لهم { طريقا في البحر يبسا } أي: يابسا لا ماء فيه، { لا تخاف دركا } أي: حال كونك آمنا من أن يدرككم العدو، { ولا تخشى } الغرق، وقرأ حمزة: " لا تخف " بالجزم، جوابا للأمر، فيكون { ولا تخشى }: إما استئناف، أي: وأنت لا تخشى، أو عطف عليه، والألف للإطلاق، أو يقدر الجزم، كقوله:
ألم يأتك والأنباء تنمي
..الخ. وتقديم نفي خوف الدرك، للمسارعة إلى إزاحة ما كانوا عليه من الخوف، حيث قالوا:
إنا لمدركون
[الشعراء: 61]. { فأتبعهم فرعون بجنوده } أي: تبعهم ومعه جنوده حتى لحقهم، يقال: اتبعتهم، أي: تبعتهم، إذا كانوا سبقوك ولحقتهم، ويؤيده قراءة: { فاتبعهم } بالشد. وقيل: الباء زائدة، والمعنى: فأتبعهم فرعون جنوده، أي: ساقهم خلفهم، وأيا ما كان، فالفاء فصيحة معربة عن مضمر قد طوى ذكره، ثقة بظهوره، وإيذانا بكمال مسارعة موسى إلى الامتثال، أي: ففعل ما أمر به من الإسراء بهم، وضرب الطريق في البحر وسلكوه، فأتبعهم بجنوده برا وبحرا. روي أن موسى عليه السلام خرج بهم أول الليل، وكانوا ستمائة وسبعين ألفا، فأخبر فرعون بذلك، فأتبعهم بعساكره، وكانت مقدمته سبعمائة ألف، فقص أثرهم فلحقهم، بحيث تراءى الجمعان، فلما أبصروا رهج الخيل، قالوا:
إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين
[الشعراء: 61، 62]. فلما قربوا، قالوا: يا موسى أين نمضي، البحر أمامنا، وخيل فرعون خلفنا، فعند ذلك ضرب موسى عصاه البحر فانفلق على ثنتي عشرة فرقة،
كل فرق كالطود العظيم
[الشعراء: 63] أي: كالجبل العظيم من الماء، وكانوا يمرون به، وكلهم بنو أعمام، لا يرى بعضهم بعضا، فقالوا: قد غرق إخواننا، فأوحى الله إلى أطواد الماء: أن اشتبكي، وصارت شبابك، يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض، فلما أتى فرعون الساحل، وجد البحر منفلقا، فقال: سحر موسى البحر، فقالوا: إن كنت ربا فادخل كما دخل، فجاء جبريل على رمكة وديق، أي: تحب الفحل، وكان فرعون على حصان، فاقتحم جبريل بالرمكة الماء، فلم يتمالك حصان فرعون، فاقتحم البحر على إثره، ودخل القبط كلهم، فلما لججوا، أوحى الله تعالى إلى البحر أن أغرقهم، فعلاهم البحر وأغرقهم.
فعبر موسى عليه السلام بمن معه من الأسباط سالمين، وأما فرعون وجنوده { فغشيهم من اليم ما غشيهم } أي: علاهم منه وغمرهم من الأمر الهائل، الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه. قال القشيري: فغرقوا بجملتهم، وآمن فرعون لما ظهر له البأس، فلم ينفعه إقراره، وكان ينفعه لو لم يكن إصراره، وقد أدركته الشقاوة التي سبقت له من التقدير. ه. وقال الكواشي: { وغشيهم } من الغضب والغرق، وغير ذلك، ما لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى. ه. فإبهام الصلة للتهويل والتفخيم، وقيل: { غشيهم من اليم } ما سمعت قصته في غير هذه السورة، وليس بشيء فإن مدار الإبهام على التهويل والتفخيم، بحيث يخرج عن حدود الفهم والوصف، لا سماع قصته فقط. { وأضل فرعون قومه } أي: أتلفهم وسلك بهم مسلكا أدى بهم إلى الخيبة والخسران، حيث ماتوا على الكفر، وأوصلهم إلى العذاب الهائل الدنيوي، المتصل بالعذاب الدائم الأخري، { وما هدى } أي: ما أرشدهم قط إلى طريق توصلهم إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية. وهو تقرير لإضلاله وتأكيد له، وفيه نوع تهكم به في قوله:
ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد
[غافر: 29]، فإن نفي الهداية عن شخص مشعر بكونه ممن يتصور منه الهداية في الجملة، وذلك إنما يتصور في حقه بطريق التهكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر عاقبة من شد يده على دينه، وصبر على شدائد زمانه، كيف خرقت له العوائد، وجاءه العز والنصر فأنساه تلك الشدائد، وأهلك الله من كان يؤذيه من الأعداء، وسلك به سبيل النجاة والهدى، وهذه عادة الله مع أوليائه، يشدد عليهم أولا بضروب البلايا والمحن، ثم يعقبهم العز والنصر وضروب المنن. ولذلك ذكر الله بني إسرائيل بما أنعم عليهم بعد البحر
طه 20:80
يقول الحق جل جلاله: لبني إسرائيل، بعد ما أنجاهم من الغرق، وأفاض عليهم من فنون النعم الدينية والدنيوية: { يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم } فرعون وقومه، حيث كانوا
يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم
[البقرة: 49]، { ووعدناكم جانب الطور الأيمن } أي: واعدناكم بواسطة نبيكم، إتيان جانب الطور، الجانب الأيمن منه للمناجاة وإنزال التوراة. وهل هو الطور الذي أبصر فيه النار ووقعت فيه الرسالة، أو غيره؟ خلاف. ونسبة المواعدة إليهم مع كونه لموسى عليه السلام خاصة، أو له وللسبعين المختارين، نظر إلى ملابستها إياهم، وسراية منفعتها إليهم، وإعطاء لمقام الامتنان حقه. كما في قوله تعالى:
ولقد خلقناكم ثم صورناكم
[الأعراف: 11] حيث نسب الخلق والتصوير للمخاطبين، مع أن المخلوق كذلك هو آدم عليه السلام. ثم قال تعالى: { ونزلنا عليكم } حين تهتم، { المن والسلوى } أي: الترنجبين والطير السماني، حيث كان ينزل عليهم المن وهم في التيه، مثل الثلج، من الفجر إلى الطلوع، لكل إنسان صالح، ويبعث الجنوب عليهم السماني، فيذبح الرجل منه ما يكفيه. وقلنا لهم: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } أي: من لذائده، أو حلاله. وفي البدء بنعمة الإنجاء ثم بالنعمة الدينية ثم بالنعمة الدنيوية من حسن الترتيب ما لا يخفى. { ولا تطغوا فيه } أي: فيما رزقناكم بالإخلال بشكره، والتعدي لما حد لكم فيه، كالترفه والبطر والمنع من المستحق. وقال القشيري: مجاوزة الحلال إلى الحرام، أو بالزيادة على الكفاف وما لا بد منه، فأزاد على سد الرمق، أو بالأكل على الغفلة والنسيان. ه. وقيل: لا تدخروا، فادخروا فتعودوا، وقيل: لا تنفقوه في المعصية، { فيحل عليكم غضبي } بفعل شيء من ذلك، أي: ينزل ويجب، من حل الدين إذا وجب. { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } أي: تردى وهلك، أو وقع في المهاوي. { وإني لغفار } أي: كثير الغفران { لمن تاب } عن الشرك والمعاصي، التي من جملتها الطغيان فيما ذكر، { وآمن } بما يجب الإيمان به، { وعمل صالحا } أي: عملا صالحا مستقيما عند الشرع، وفيه ترغيب وحث لمن وقع في زلة أو طغيان على التوبة والإيمان، { ثم اهتدى } أي: استقام على الهدى ودام عليها حتى مات. وفيه إشارة إلى أن من لم يستمر عليها بمعزل عن الغفران. قال الكواشي: { ثم اهتدى } أي: علم أن ذلك بتوفيق من الله تعالى. ه. الإشارة: إذا ذهبت عن العبد أيام المحن، وجاءت له أيام المنن، فينبغي له أن يتذكر ما سلف له من المحن، وينظر ما هو فيه الآن من المنن، ليزداد شكرا وتواضعا، فتزداد نعمه، وتتواتر عليه الخيرات. وأما إن نسي أيام المحن، ولم يشكر ما هو فيه من المنن، فحقيق أن تزول عنه، ويرجع إلى ما كان عليه.
وتذكر حديث الأبرص والأقرع والأعمى، حسبما في الصحيح. فإن الأبرص والأقرع، حين شفاهما الله وأغناهما، أنكرا ما كانا عليه، فرجعا إلى ما كانا عليه، والأعمى حين أقر بما كان عليه، وشكر الحال الذي حال إليه، دامت نعمته وكثر خيره. فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود. فيقال لأهل النعم، إن قاموا بشكرها: كلوا من طيبات ما رزقناكم، ولا تطغوا فيه، بأن تصرفوه في غير محله، أو تمنعوه عن مستحقه، { فيحل عليكم غضبي... } الآية. وقوله تعالى: { وإني لغفار لمن تاب... } الخ، قال القشيري: { وإني لغفار لمن تاب } من الزلة { وآمن } فلم ير أعماله من نفسه، بل جميع الحوادث من الحق، { وعمل صالحا } فلم يخل بالفرائض، { ثم اهتدى } للسنة والجماعة، وقال أيضا: ثم اهتدى بنا إلينا. ه. قال الورتجبي: التائب: المنقطع إلى الله، والمؤمن: العارف بالله، والعمل الصالح: تركه ما دون الله، فإذا كان كذلك، فاهتدى بالله إلى الله، ويكون مغمورا برحمة الله، ومعصوما بعصمة الله. ه. ثم ذكر فتنة بني إسرائيل بالعجل
طه 20:81
يقول الحق جل جلاله: لبني إسرائيل، بعد ما أنجاهم من الغرق، وأفاض عليهم من فنون النعم الدينية والدنيوية: { يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم } فرعون وقومه، حيث كانوا
يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم
[البقرة: 49]، { ووعدناكم جانب الطور الأيمن } أي: واعدناكم بواسطة نبيكم، إتيان جانب الطور، الجانب الأيمن منه للمناجاة وإنزال التوراة. وهل هو الطور الذي أبصر فيه النار ووقعت فيه الرسالة، أو غيره؟ خلاف. ونسبة المواعدة إليهم مع كونه لموسى عليه السلام خاصة، أو له وللسبعين المختارين، نظر إلى ملابستها إياهم، وسراية منفعتها إليهم، وإعطاء لمقام الامتنان حقه. كما في قوله تعالى:
ولقد خلقناكم ثم صورناكم
[الأعراف: 11] حيث نسب الخلق والتصوير للمخاطبين، مع أن المخلوق كذلك هو آدم عليه السلام. ثم قال تعالى: { ونزلنا عليكم } حين تهتم، { المن والسلوى } أي: الترنجبين والطير السماني، حيث كان ينزل عليهم المن وهم في التيه، مثل الثلج، من الفجر إلى الطلوع، لكل إنسان صالح، ويبعث الجنوب عليهم السماني، فيذبح الرجل منه ما يكفيه. وقلنا لهم: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } أي: من لذائده، أو حلاله. وفي البدء بنعمة الإنجاء ثم بالنعمة الدينية ثم بالنعمة الدنيوية من حسن الترتيب ما لا يخفى. { ولا تطغوا فيه } أي: فيما رزقناكم بالإخلال بشكره، والتعدي لما حد لكم فيه، كالترفه والبطر والمنع من المستحق. وقال القشيري: مجاوزة الحلال إلى الحرام، أو بالزيادة على الكفاف وما لا بد منه، فأزاد على سد الرمق، أو بالأكل على الغفلة والنسيان. ه. وقيل: لا تدخروا، فادخروا فتعودوا، وقيل: لا تنفقوه في المعصية، { فيحل عليكم غضبي } بفعل شيء من ذلك، أي: ينزل ويجب، من حل الدين إذا وجب. { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } أي: تردى وهلك، أو وقع في المهاوي. { وإني لغفار } أي: كثير الغفران { لمن تاب } عن الشرك والمعاصي، التي من جملتها الطغيان فيما ذكر، { وآمن } بما يجب الإيمان به، { وعمل صالحا } أي: عملا صالحا مستقيما عند الشرع، وفيه ترغيب وحث لمن وقع في زلة أو طغيان على التوبة والإيمان، { ثم اهتدى } أي: استقام على الهدى ودام عليها حتى مات. وفيه إشارة إلى أن من لم يستمر عليها بمعزل عن الغفران. قال الكواشي: { ثم اهتدى } أي: علم أن ذلك بتوفيق من الله تعالى. ه. الإشارة: إذا ذهبت عن العبد أيام المحن، وجاءت له أيام المنن، فينبغي له أن يتذكر ما سلف له من المحن، وينظر ما هو فيه الآن من المنن، ليزداد شكرا وتواضعا، فتزداد نعمه، وتتواتر عليه الخيرات. وأما إن نسي أيام المحن، ولم يشكر ما هو فيه من المنن، فحقيق أن تزول عنه، ويرجع إلى ما كان عليه.
وتذكر حديث الأبرص والأقرع والأعمى، حسبما في الصحيح. فإن الأبرص والأقرع، حين شفاهما الله وأغناهما، أنكرا ما كانا عليه، فرجعا إلى ما كانا عليه، والأعمى حين أقر بما كان عليه، وشكر الحال الذي حال إليه، دامت نعمته وكثر خيره. فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود. فيقال لأهل النعم، إن قاموا بشكرها: كلوا من طيبات ما رزقناكم، ولا تطغوا فيه، بأن تصرفوه في غير محله، أو تمنعوه عن مستحقه، { فيحل عليكم غضبي... } الآية. وقوله تعالى: { وإني لغفار لمن تاب... } الخ، قال القشيري: { وإني لغفار لمن تاب } من الزلة { وآمن } فلم ير أعماله من نفسه، بل جميع الحوادث من الحق، { وعمل صالحا } فلم يخل بالفرائض، { ثم اهتدى } للسنة والجماعة، وقال أيضا: ثم اهتدى بنا إلينا. ه. قال الورتجبي: التائب: المنقطع إلى الله، والمؤمن: العارف بالله، والعمل الصالح: تركه ما دون الله، فإذا كان كذلك، فاهتدى بالله إلى الله، ويكون مغمورا برحمة الله، ومعصوما بعصمة الله. ه. ثم ذكر فتنة بني إسرائيل بالعجل
طه 20:82
يقول الحق جل جلاله: لبني إسرائيل، بعد ما أنجاهم من الغرق، وأفاض عليهم من فنون النعم الدينية والدنيوية: { يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم } فرعون وقومه، حيث كانوا
يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم
[البقرة: 49]، { ووعدناكم جانب الطور الأيمن } أي: واعدناكم بواسطة نبيكم، إتيان جانب الطور، الجانب الأيمن منه للمناجاة وإنزال التوراة. وهل هو الطور الذي أبصر فيه النار ووقعت فيه الرسالة، أو غيره؟ خلاف. ونسبة المواعدة إليهم مع كونه لموسى عليه السلام خاصة، أو له وللسبعين المختارين، نظر إلى ملابستها إياهم، وسراية منفعتها إليهم، وإعطاء لمقام الامتنان حقه. كما في قوله تعالى:
ولقد خلقناكم ثم صورناكم
[الأعراف: 11] حيث نسب الخلق والتصوير للمخاطبين، مع أن المخلوق كذلك هو آدم عليه السلام. ثم قال تعالى: { ونزلنا عليكم } حين تهتم، { المن والسلوى } أي: الترنجبين والطير السماني، حيث كان ينزل عليهم المن وهم في التيه، مثل الثلج، من الفجر إلى الطلوع، لكل إنسان صالح، ويبعث الجنوب عليهم السماني، فيذبح الرجل منه ما يكفيه. وقلنا لهم: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } أي: من لذائده، أو حلاله. وفي البدء بنعمة الإنجاء ثم بالنعمة الدينية ثم بالنعمة الدنيوية من حسن الترتيب ما لا يخفى. { ولا تطغوا فيه } أي: فيما رزقناكم بالإخلال بشكره، والتعدي لما حد لكم فيه، كالترفه والبطر والمنع من المستحق. وقال القشيري: مجاوزة الحلال إلى الحرام، أو بالزيادة على الكفاف وما لا بد منه، فأزاد على سد الرمق، أو بالأكل على الغفلة والنسيان. ه. وقيل: لا تدخروا، فادخروا فتعودوا، وقيل: لا تنفقوه في المعصية، { فيحل عليكم غضبي } بفعل شيء من ذلك، أي: ينزل ويجب، من حل الدين إذا وجب. { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } أي: تردى وهلك، أو وقع في المهاوي. { وإني لغفار } أي: كثير الغفران { لمن تاب } عن الشرك والمعاصي، التي من جملتها الطغيان فيما ذكر، { وآمن } بما يجب الإيمان به، { وعمل صالحا } أي: عملا صالحا مستقيما عند الشرع، وفيه ترغيب وحث لمن وقع في زلة أو طغيان على التوبة والإيمان، { ثم اهتدى } أي: استقام على الهدى ودام عليها حتى مات. وفيه إشارة إلى أن من لم يستمر عليها بمعزل عن الغفران. قال الكواشي: { ثم اهتدى } أي: علم أن ذلك بتوفيق من الله تعالى. ه. الإشارة: إذا ذهبت عن العبد أيام المحن، وجاءت له أيام المنن، فينبغي له أن يتذكر ما سلف له من المحن، وينظر ما هو فيه الآن من المنن، ليزداد شكرا وتواضعا، فتزداد نعمه، وتتواتر عليه الخيرات. وأما إن نسي أيام المحن، ولم يشكر ما هو فيه من المنن، فحقيق أن تزول عنه، ويرجع إلى ما كان عليه.
وتذكر حديث الأبرص والأقرع والأعمى، حسبما في الصحيح. فإن الأبرص والأقرع، حين شفاهما الله وأغناهما، أنكرا ما كانا عليه، فرجعا إلى ما كانا عليه، والأعمى حين أقر بما كان عليه، وشكر الحال الذي حال إليه، دامت نعمته وكثر خيره. فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود. فيقال لأهل النعم، إن قاموا بشكرها: كلوا من طيبات ما رزقناكم، ولا تطغوا فيه، بأن تصرفوه في غير محله، أو تمنعوه عن مستحقه، { فيحل عليكم غضبي... } الآية. وقوله تعالى: { وإني لغفار لمن تاب... } الخ، قال القشيري: { وإني لغفار لمن تاب } من الزلة { وآمن } فلم ير أعماله من نفسه، بل جميع الحوادث من الحق، { وعمل صالحا } فلم يخل بالفرائض، { ثم اهتدى } للسنة والجماعة، وقال أيضا: ثم اهتدى بنا إلينا. ه. قال الورتجبي: التائب: المنقطع إلى الله، والمؤمن: العارف بالله، والعمل الصالح: تركه ما دون الله، فإذا كان كذلك، فاهتدى بالله إلى الله، ويكون مغمورا برحمة الله، ومعصوما بعصمة الله. ه. ثم ذكر فتنة بني إسرائيل بالعجل
طه 20:83
يقول الحق جل جلاله لموسى عليه السلام، لما ذهب إلى الطور، لموافاة الميقات، للعهد الذي عهد إليه، واختار سبعين من بني إسرائيل، يحضرون معه لأخذ التوراة بأمره تعالى، فلما دنا من الجبل حمله الشوق، فاستعجل إلى الجبل، وترك قومه أسفله، فقال له الحق جل جلاله: { وما أعجلك عن قومك يا موسى } أي: ما حملك على العجلة، وأي شيء أعجلك منفردا عن قومك، وقد أمرتك باستصحابهم، ولعل في إفرادك عنهم عدم اعتناء بهم؟ فأجاب عليه السلام بقول: { هم أولاء على أثري } أي: هم هؤلاء قريبا مني، فهم معي، وإنما سبقتهم بخطا يسيرة، ظننت أنها لا تخل بالمعية، ولا تقدح في الاستصحاب، فإن ذلك مما لا يعتد به فيما بين الرفقة. قال الكواشي: ولما كان سؤال الرب تعالى لموسى يقتضي شيئين: أحدهما: إنكار العجلة، والثاني: السؤال عن السبب والحامل عليها، كان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل أن قال: إن ما وجد مني تقدم يسير، لا يعتد بمثله في العادة لقربه، كما يتقدم الوفد رئيسهم ومتقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال فقال: { عجلت إليك رب لترضى } لتزداد عني رضا لمسارعتي إلى الامتثال لأمرك، واعتنائي بالوفاء بعهدك لأنه ظن أن إسراعه إليه أبلغ في رضاه. وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء - عليهم السلام - والمعنى: لتعلم أني أحبك ولا قرار لي مع غيرك. ه. وقال القشيري: { هم أولاء على أثري } ما خلفتهم لتضييعي إياهم، ولكن عجلت إليك رب لترضى. قال: يا موسى، رضائي في أن تكون معهم، ولا تتقدمهم ولا تسبقهم، وكونك مع الضعفاء، الذين استصحبتهم في حصول رضاي، أبلغ من تقدمك عليهم. ه. { قال } له تعالى: { فإنا فتنا قومك من بعدك } أي: ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم. روي أنهم أقاموا على ما وصاهم به موسى عليه السلام عشرين ليلة، بعد ذهابه، فحسبوها مع أيامها أربعين، وقالوا: قد أكملنا العدة، وليس من موسى عين ولا أثر، وكان وعدهم أن يغيب عنهم أربعين يوما، واستخلف هارون على من بقي منهم، وكانوا ستمائة ألف، فافتتنوا بعبادة العجل كلهم، ما نجا منهم إلا اثنا عشر ألفا. وهذا معنى قوله تعالى: { وأضلهم السامري } ، حيث كان هو السبب في فتنتهم، فقال لهم: إنما أخلف موسى عليه السلام ميعادكم لما معكم من حلي القوم، فهو حرام عليكم، فكان من أمر العجل ما يأتي تفسيره إن شاء الله. فإخباره تعالى بهذه الفتنة عند قدومه عليه السلام، قبل وقوعها، إما باعتبار تحققها في علمه تعالى، وإما باعتبار التعبير عن المتوقع بالواقع، كما في قوله تعالى:
ونادى أصحاب الجنة
[الأعراف: 44]، أو لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام، وتصدى لها بترتيب مبادئها، فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار بها. والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، يقال لها: سامرة، وقيل: كان رجلا من كرمان. وقال ابن عباس: كان من قرية يعبدون البقر، فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام، وفي قلبه ما فيه من حب عبادة البقرة، فابتلى الله به بني إسرائيل، واسمه: موسى بن ظفر. { فرجع موسى إلى قومه } بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة، لا عقب الإخبار بالفتنة، كما يتوهم من قوله تعالى: { غضبان أسفا } ، فإن كون الرجوع بعد الأربعين أمر مقرر مشهور، يرفع كون الرجوع عقب الفتنة. والأسف: أشد الغضب، وقيل: أسفا: حزينا جزعا على ضلال قومه. { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } بأن يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى، { أفطال عليكم العهد } أي: مدة مفارقتي إياكم. والهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف، أي: أوعدكم ذلك فطال زمان الإنجاز، فأخطأتم بسببه، { أم أردتم أن يحل عليكم غضب } شديد كائن { من ربكم } أي: من مالك أمركم، { فأخلفتم موعدي } أي: وعدي إياكم بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات، أو وعدكم إياي بأن تثبتوا على ما أمرتكم به، على إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله، والفاء، لترتيب ما بعدها، كأنه قيل: أنسيتم الوعد بطول العهد فأخلفتموني خطأ { أم أردتم } حلول الغضب عليكم فأخلفتموه عمدا. { قالوا ما أخلفنا موعدك } أي: وعدنا إياك بالثبات على ما أمرتنا به، { بملكنا } أي: بسلطاننا وقدرتنا، ونحن نملك أمرنا. وفيه لغتان: فتح الميم وكسرها. يعنون: لو خلينا وأمورنا، ولم يسول لنا السامري ما سوله، ما أخلفنا، ولكن غلبنا على أمرنا، واستغوانا السامري مع مساعدة الأحوال. وقال القشيري: أي: لم نكن في ابتداء حالنا قاصدين إلى ما حصل منا، ولا عالمين بما آلت إليه عاقبة أمرنا، وإن الذي حملنا عليه حلي القبط، صاغ السامري منه العجل، فآل الأمر إلى ما بلغ من الشر، وكذلك الحرام لا يخلو شؤمه من الفتنة والشر. ه. وقوله تعالى: { ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم } ، استدراك عما سبق، واعتذار ببيان منشأ الخطأ، أي: حملنا أحمالا من حلي القبط، التي استعرناها منهم، حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس. وقيل: كانوا استعاروها لعيد كان لهم، ثم لم يردوها إليهم، مخافة أن يقفوا على أمرهم. وقيل: لما رمى البحر أجساد القبط، وكان غالب ثيابهم الذهب والفضة، التقطها بنو إسرائيل، فهي زينة القوم التي صيغ منها العجل، ولعل تسميتها أوزارا لأنها تبعات وآثام، حيث لم تحل الغنائم لهم. { فقذفناها } أي: في النار رجاء الخلاص من عقوبتها، أو قذفناها إلى السامري وألقاها في النار، { فكذلك ألقى السامري } ما كان معه منها كما ألقيناه، أو ألقى ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل، كان قد صره في عمامته، وكان ألقى إليه الشيطان: أنه ما خالط شيئا إلا حيى، فألقاه في فمه فصار يخور.
روي: أنه قال لهم: إنما تأخر موسى عنكم، لما معكم من الأوزار، فالرأي أن نحفر حفرة ويسجر فيها نار، ونقذف فيها كل ما معنا، ففعلوا، { فأخرج لهم } من ذلك الحلي المذاب { عجلا } أي: صورة عجل { جسدا } أي: جثة ذات لحم ودم، أو جسدا من ذهب لا روح فيه، { له خوار } أي: صوت عجل، { فقالوا } أي: السامري ومن افتتن به: { هذا إلهكم وإله موسى فنسي } أي: غفل عنه وذهب يطلبه في الطور. فقوله تعالى: { فأخرج لهم... } الخ... هو من كلام الله تعالى، حكاية لنتيجة فتنة السامري، قولا وفعلا، قصدا إلى زيادة تقريرها، وتمهيدا للإنكار عليهم، وليس من كلام المعتذرين، وإلا لقال: فأخرج لنا... والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لرئيس القوم، إذا كان في سفر، أن يكون وسطهم، أو سائقا لهم، ولا يتقدمهم أو يستعجل لأمر عنهم، فإن التأني كله من الله، والعجلة كلها من الشيطان، والخير كله في الاجتماع مع الضعفاء والمساكين، حتى يكون كأحدهم، فإن فارقهم، لأمر مهم، فليستخلف عليهم من يثق به في دينه، وليكن اعتماده في ذلك على ربه، ونظره كله إلى رعايته وحفظه. قال الكواشي: عن ابن عطاء: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتدري من أين أتيت؟ - يعني في فتنة قومه - قال: لا يا رب، قال: حين قلت لهارون: اخلفني في قومي، أين كنت أنا حين اعتمدت على هارون؟. ه. فكل فتنة أو ضلال يصيب الفقراء، فإنما ذلك من عدم الاجتماع مع أهل الفن، أو قلة الاستماع لهم، فإن أصابتهم فتنة الأسباب، والركون إلى شيء من الدنيا في غيبة الشيخ، فليرجع إليهم غضبان أسفا، وليقل لهم: ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا، وهو الفتح الكبير لو صبرتم على السير والتجريد، أفطال عليكم العهد، فقد كانت الرجال تمكث في خدمة الأشياخ العشرين والثلاثين سنة، أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، بالإبعاد وإسدال الحجاب، حيث خالفتم عهود أشياخكم، فإن اعتذروا فليقبل عذرهم، وإن ركنوا إلى عبادة شيء من عجل الدنيا فليخرجه من أيديهم، وليقل: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا. وبالله التوفيق. ثم ذكر الانكار على عبدة العجل
طه 20:84
يقول الحق جل جلاله لموسى عليه السلام، لما ذهب إلى الطور، لموافاة الميقات، للعهد الذي عهد إليه، واختار سبعين من بني إسرائيل، يحضرون معه لأخذ التوراة بأمره تعالى، فلما دنا من الجبل حمله الشوق، فاستعجل إلى الجبل، وترك قومه أسفله، فقال له الحق جل جلاله: { وما أعجلك عن قومك يا موسى } أي: ما حملك على العجلة، وأي شيء أعجلك منفردا عن قومك، وقد أمرتك باستصحابهم، ولعل في إفرادك عنهم عدم اعتناء بهم؟ فأجاب عليه السلام بقول: { هم أولاء على أثري } أي: هم هؤلاء قريبا مني، فهم معي، وإنما سبقتهم بخطا يسيرة، ظننت أنها لا تخل بالمعية، ولا تقدح في الاستصحاب، فإن ذلك مما لا يعتد به فيما بين الرفقة. قال الكواشي: ولما كان سؤال الرب تعالى لموسى يقتضي شيئين: أحدهما: إنكار العجلة، والثاني: السؤال عن السبب والحامل عليها، كان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل أن قال: إن ما وجد مني تقدم يسير، لا يعتد بمثله في العادة لقربه، كما يتقدم الوفد رئيسهم ومتقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال فقال: { عجلت إليك رب لترضى } لتزداد عني رضا لمسارعتي إلى الامتثال لأمرك، واعتنائي بالوفاء بعهدك لأنه ظن أن إسراعه إليه أبلغ في رضاه. وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء - عليهم السلام - والمعنى: لتعلم أني أحبك ولا قرار لي مع غيرك. ه. وقال القشيري: { هم أولاء على أثري } ما خلفتهم لتضييعي إياهم، ولكن عجلت إليك رب لترضى. قال: يا موسى، رضائي في أن تكون معهم، ولا تتقدمهم ولا تسبقهم، وكونك مع الضعفاء، الذين استصحبتهم في حصول رضاي، أبلغ من تقدمك عليهم. ه. { قال } له تعالى: { فإنا فتنا قومك من بعدك } أي: ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم. روي أنهم أقاموا على ما وصاهم به موسى عليه السلام عشرين ليلة، بعد ذهابه، فحسبوها مع أيامها أربعين، وقالوا: قد أكملنا العدة، وليس من موسى عين ولا أثر، وكان وعدهم أن يغيب عنهم أربعين يوما، واستخلف هارون على من بقي منهم، وكانوا ستمائة ألف، فافتتنوا بعبادة العجل كلهم، ما نجا منهم إلا اثنا عشر ألفا. وهذا معنى قوله تعالى: { وأضلهم السامري } ، حيث كان هو السبب في فتنتهم، فقال لهم: إنما أخلف موسى عليه السلام ميعادكم لما معكم من حلي القوم، فهو حرام عليكم، فكان من أمر العجل ما يأتي تفسيره إن شاء الله. فإخباره تعالى بهذه الفتنة عند قدومه عليه السلام، قبل وقوعها، إما باعتبار تحققها في علمه تعالى، وإما باعتبار التعبير عن المتوقع بالواقع، كما في قوله تعالى:
ونادى أصحاب الجنة
[الأعراف: 44]، أو لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام، وتصدى لها بترتيب مبادئها، فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار بها. والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، يقال لها: سامرة، وقيل: كان رجلا من كرمان. وقال ابن عباس: كان من قرية يعبدون البقر، فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام، وفي قلبه ما فيه من حب عبادة البقرة، فابتلى الله به بني إسرائيل، واسمه: موسى بن ظفر. { فرجع موسى إلى قومه } بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة، لا عقب الإخبار بالفتنة، كما يتوهم من قوله تعالى: { غضبان أسفا } ، فإن كون الرجوع بعد الأربعين أمر مقرر مشهور، يرفع كون الرجوع عقب الفتنة. والأسف: أشد الغضب، وقيل: أسفا: حزينا جزعا على ضلال قومه. { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } بأن يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى، { أفطال عليكم العهد } أي: مدة مفارقتي إياكم. والهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف، أي: أوعدكم ذلك فطال زمان الإنجاز، فأخطأتم بسببه، { أم أردتم أن يحل عليكم غضب } شديد كائن { من ربكم } أي: من مالك أمركم، { فأخلفتم موعدي } أي: وعدي إياكم بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات، أو وعدكم إياي بأن تثبتوا على ما أمرتكم به، على إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله، والفاء، لترتيب ما بعدها، كأنه قيل: أنسيتم الوعد بطول العهد فأخلفتموني خطأ { أم أردتم } حلول الغضب عليكم فأخلفتموه عمدا. { قالوا ما أخلفنا موعدك } أي: وعدنا إياك بالثبات على ما أمرتنا به، { بملكنا } أي: بسلطاننا وقدرتنا، ونحن نملك أمرنا. وفيه لغتان: فتح الميم وكسرها. يعنون: لو خلينا وأمورنا، ولم يسول لنا السامري ما سوله، ما أخلفنا، ولكن غلبنا على أمرنا، واستغوانا السامري مع مساعدة الأحوال. وقال القشيري: أي: لم نكن في ابتداء حالنا قاصدين إلى ما حصل منا، ولا عالمين بما آلت إليه عاقبة أمرنا، وإن الذي حملنا عليه حلي القبط، صاغ السامري منه العجل، فآل الأمر إلى ما بلغ من الشر، وكذلك الحرام لا يخلو شؤمه من الفتنة والشر. ه. وقوله تعالى: { ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم } ، استدراك عما سبق، واعتذار ببيان منشأ الخطأ، أي: حملنا أحمالا من حلي القبط، التي استعرناها منهم، حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس. وقيل: كانوا استعاروها لعيد كان لهم، ثم لم يردوها إليهم، مخافة أن يقفوا على أمرهم. وقيل: لما رمى البحر أجساد القبط، وكان غالب ثيابهم الذهب والفضة، التقطها بنو إسرائيل، فهي زينة القوم التي صيغ منها العجل، ولعل تسميتها أوزارا لأنها تبعات وآثام، حيث لم تحل الغنائم لهم. { فقذفناها } أي: في النار رجاء الخلاص من عقوبتها، أو قذفناها إلى السامري وألقاها في النار، { فكذلك ألقى السامري } ما كان معه منها كما ألقيناه، أو ألقى ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل، كان قد صره في عمامته، وكان ألقى إليه الشيطان: أنه ما خالط شيئا إلا حيى، فألقاه في فمه فصار يخور.
روي: أنه قال لهم: إنما تأخر موسى عنكم، لما معكم من الأوزار، فالرأي أن نحفر حفرة ويسجر فيها نار، ونقذف فيها كل ما معنا، ففعلوا، { فأخرج لهم } من ذلك الحلي المذاب { عجلا } أي: صورة عجل { جسدا } أي: جثة ذات لحم ودم، أو جسدا من ذهب لا روح فيه، { له خوار } أي: صوت عجل، { فقالوا } أي: السامري ومن افتتن به: { هذا إلهكم وإله موسى فنسي } أي: غفل عنه وذهب يطلبه في الطور. فقوله تعالى: { فأخرج لهم... } الخ... هو من كلام الله تعالى، حكاية لنتيجة فتنة السامري، قولا وفعلا، قصدا إلى زيادة تقريرها، وتمهيدا للإنكار عليهم، وليس من كلام المعتذرين، وإلا لقال: فأخرج لنا... والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لرئيس القوم، إذا كان في سفر، أن يكون وسطهم، أو سائقا لهم، ولا يتقدمهم أو يستعجل لأمر عنهم، فإن التأني كله من الله، والعجلة كلها من الشيطان، والخير كله في الاجتماع مع الضعفاء والمساكين، حتى يكون كأحدهم، فإن فارقهم، لأمر مهم، فليستخلف عليهم من يثق به في دينه، وليكن اعتماده في ذلك على ربه، ونظره كله إلى رعايته وحفظه. قال الكواشي: عن ابن عطاء: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتدري من أين أتيت؟ - يعني في فتنة قومه - قال: لا يا رب، قال: حين قلت لهارون: اخلفني في قومي، أين كنت أنا حين اعتمدت على هارون؟. ه. فكل فتنة أو ضلال يصيب الفقراء، فإنما ذلك من عدم الاجتماع مع أهل الفن، أو قلة الاستماع لهم، فإن أصابتهم فتنة الأسباب، والركون إلى شيء من الدنيا في غيبة الشيخ، فليرجع إليهم غضبان أسفا، وليقل لهم: ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا، وهو الفتح الكبير لو صبرتم على السير والتجريد، أفطال عليكم العهد، فقد كانت الرجال تمكث في خدمة الأشياخ العشرين والثلاثين سنة، أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، بالإبعاد وإسدال الحجاب، حيث خالفتم عهود أشياخكم، فإن اعتذروا فليقبل عذرهم، وإن ركنوا إلى عبادة شيء من عجل الدنيا فليخرجه من أيديهم، وليقل: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا. وبالله التوفيق. ثم ذكر الانكار على عبدة العجل
طه 20:85
يقول الحق جل جلاله لموسى عليه السلام، لما ذهب إلى الطور، لموافاة الميقات، للعهد الذي عهد إليه، واختار سبعين من بني إسرائيل، يحضرون معه لأخذ التوراة بأمره تعالى، فلما دنا من الجبل حمله الشوق، فاستعجل إلى الجبل، وترك قومه أسفله، فقال له الحق جل جلاله: { وما أعجلك عن قومك يا موسى } أي: ما حملك على العجلة، وأي شيء أعجلك منفردا عن قومك، وقد أمرتك باستصحابهم، ولعل في إفرادك عنهم عدم اعتناء بهم؟ فأجاب عليه السلام بقول: { هم أولاء على أثري } أي: هم هؤلاء قريبا مني، فهم معي، وإنما سبقتهم بخطا يسيرة، ظننت أنها لا تخل بالمعية، ولا تقدح في الاستصحاب، فإن ذلك مما لا يعتد به فيما بين الرفقة. قال الكواشي: ولما كان سؤال الرب تعالى لموسى يقتضي شيئين: أحدهما: إنكار العجلة، والثاني: السؤال عن السبب والحامل عليها، كان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل أن قال: إن ما وجد مني تقدم يسير، لا يعتد بمثله في العادة لقربه، كما يتقدم الوفد رئيسهم ومتقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال فقال: { عجلت إليك رب لترضى } لتزداد عني رضا لمسارعتي إلى الامتثال لأمرك، واعتنائي بالوفاء بعهدك لأنه ظن أن إسراعه إليه أبلغ في رضاه. وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء - عليهم السلام - والمعنى: لتعلم أني أحبك ولا قرار لي مع غيرك. ه. وقال القشيري: { هم أولاء على أثري } ما خلفتهم لتضييعي إياهم، ولكن عجلت إليك رب لترضى. قال: يا موسى، رضائي في أن تكون معهم، ولا تتقدمهم ولا تسبقهم، وكونك مع الضعفاء، الذين استصحبتهم في حصول رضاي، أبلغ من تقدمك عليهم. ه. { قال } له تعالى: { فإنا فتنا قومك من بعدك } أي: ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم. روي أنهم أقاموا على ما وصاهم به موسى عليه السلام عشرين ليلة، بعد ذهابه، فحسبوها مع أيامها أربعين، وقالوا: قد أكملنا العدة، وليس من موسى عين ولا أثر، وكان وعدهم أن يغيب عنهم أربعين يوما، واستخلف هارون على من بقي منهم، وكانوا ستمائة ألف، فافتتنوا بعبادة العجل كلهم، ما نجا منهم إلا اثنا عشر ألفا. وهذا معنى قوله تعالى: { وأضلهم السامري } ، حيث كان هو السبب في فتنتهم، فقال لهم: إنما أخلف موسى عليه السلام ميعادكم لما معكم من حلي القوم، فهو حرام عليكم، فكان من أمر العجل ما يأتي تفسيره إن شاء الله. فإخباره تعالى بهذه الفتنة عند قدومه عليه السلام، قبل وقوعها، إما باعتبار تحققها في علمه تعالى، وإما باعتبار التعبير عن المتوقع بالواقع، كما في قوله تعالى:
ونادى أصحاب الجنة
[الأعراف: 44]، أو لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام، وتصدى لها بترتيب مبادئها، فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار بها. والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، يقال لها: سامرة، وقيل: كان رجلا من كرمان. وقال ابن عباس: كان من قرية يعبدون البقر، فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام، وفي قلبه ما فيه من حب عبادة البقرة، فابتلى الله به بني إسرائيل، واسمه: موسى بن ظفر. { فرجع موسى إلى قومه } بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة، لا عقب الإخبار بالفتنة، كما يتوهم من قوله تعالى: { غضبان أسفا } ، فإن كون الرجوع بعد الأربعين أمر مقرر مشهور، يرفع كون الرجوع عقب الفتنة. والأسف: أشد الغضب، وقيل: أسفا: حزينا جزعا على ضلال قومه. { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } بأن يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى، { أفطال عليكم العهد } أي: مدة مفارقتي إياكم. والهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف، أي: أوعدكم ذلك فطال زمان الإنجاز، فأخطأتم بسببه، { أم أردتم أن يحل عليكم غضب } شديد كائن { من ربكم } أي: من مالك أمركم، { فأخلفتم موعدي } أي: وعدي إياكم بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات، أو وعدكم إياي بأن تثبتوا على ما أمرتكم به، على إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله، والفاء، لترتيب ما بعدها، كأنه قيل: أنسيتم الوعد بطول العهد فأخلفتموني خطأ { أم أردتم } حلول الغضب عليكم فأخلفتموه عمدا. { قالوا ما أخلفنا موعدك } أي: وعدنا إياك بالثبات على ما أمرتنا به، { بملكنا } أي: بسلطاننا وقدرتنا، ونحن نملك أمرنا. وفيه لغتان: فتح الميم وكسرها. يعنون: لو خلينا وأمورنا، ولم يسول لنا السامري ما سوله، ما أخلفنا، ولكن غلبنا على أمرنا، واستغوانا السامري مع مساعدة الأحوال. وقال القشيري: أي: لم نكن في ابتداء حالنا قاصدين إلى ما حصل منا، ولا عالمين بما آلت إليه عاقبة أمرنا، وإن الذي حملنا عليه حلي القبط، صاغ السامري منه العجل، فآل الأمر إلى ما بلغ من الشر، وكذلك الحرام لا يخلو شؤمه من الفتنة والشر. ه. وقوله تعالى: { ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم } ، استدراك عما سبق، واعتذار ببيان منشأ الخطأ، أي: حملنا أحمالا من حلي القبط، التي استعرناها منهم، حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس. وقيل: كانوا استعاروها لعيد كان لهم، ثم لم يردوها إليهم، مخافة أن يقفوا على أمرهم. وقيل: لما رمى البحر أجساد القبط، وكان غالب ثيابهم الذهب والفضة، التقطها بنو إسرائيل، فهي زينة القوم التي صيغ منها العجل، ولعل تسميتها أوزارا لأنها تبعات وآثام، حيث لم تحل الغنائم لهم. { فقذفناها } أي: في النار رجاء الخلاص من عقوبتها، أو قذفناها إلى السامري وألقاها في النار، { فكذلك ألقى السامري } ما كان معه منها كما ألقيناه، أو ألقى ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل، كان قد صره في عمامته، وكان ألقى إليه الشيطان: أنه ما خالط شيئا إلا حيى، فألقاه في فمه فصار يخور.
روي: أنه قال لهم: إنما تأخر موسى عنكم، لما معكم من الأوزار، فالرأي أن نحفر حفرة ويسجر فيها نار، ونقذف فيها كل ما معنا، ففعلوا، { فأخرج لهم } من ذلك الحلي المذاب { عجلا } أي: صورة عجل { جسدا } أي: جثة ذات لحم ودم، أو جسدا من ذهب لا روح فيه، { له خوار } أي: صوت عجل، { فقالوا } أي: السامري ومن افتتن به: { هذا إلهكم وإله موسى فنسي } أي: غفل عنه وذهب يطلبه في الطور. فقوله تعالى: { فأخرج لهم... } الخ... هو من كلام الله تعالى، حكاية لنتيجة فتنة السامري، قولا وفعلا، قصدا إلى زيادة تقريرها، وتمهيدا للإنكار عليهم، وليس من كلام المعتذرين، وإلا لقال: فأخرج لنا... والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لرئيس القوم، إذا كان في سفر، أن يكون وسطهم، أو سائقا لهم، ولا يتقدمهم أو يستعجل لأمر عنهم، فإن التأني كله من الله، والعجلة كلها من الشيطان، والخير كله في الاجتماع مع الضعفاء والمساكين، حتى يكون كأحدهم، فإن فارقهم، لأمر مهم، فليستخلف عليهم من يثق به في دينه، وليكن اعتماده في ذلك على ربه، ونظره كله إلى رعايته وحفظه. قال الكواشي: عن ابن عطاء: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتدري من أين أتيت؟ - يعني في فتنة قومه - قال: لا يا رب، قال: حين قلت لهارون: اخلفني في قومي، أين كنت أنا حين اعتمدت على هارون؟. ه. فكل فتنة أو ضلال يصيب الفقراء، فإنما ذلك من عدم الاجتماع مع أهل الفن، أو قلة الاستماع لهم، فإن أصابتهم فتنة الأسباب، والركون إلى شيء من الدنيا في غيبة الشيخ، فليرجع إليهم غضبان أسفا، وليقل لهم: ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا، وهو الفتح الكبير لو صبرتم على السير والتجريد، أفطال عليكم العهد، فقد كانت الرجال تمكث في خدمة الأشياخ العشرين والثلاثين سنة، أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، بالإبعاد وإسدال الحجاب، حيث خالفتم عهود أشياخكم، فإن اعتذروا فليقبل عذرهم، وإن ركنوا إلى عبادة شيء من عجل الدنيا فليخرجه من أيديهم، وليقل: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا. وبالله التوفيق. ثم ذكر الانكار على عبدة العجل
طه 20:86
يقول الحق جل جلاله لموسى عليه السلام، لما ذهب إلى الطور، لموافاة الميقات، للعهد الذي عهد إليه، واختار سبعين من بني إسرائيل، يحضرون معه لأخذ التوراة بأمره تعالى، فلما دنا من الجبل حمله الشوق، فاستعجل إلى الجبل، وترك قومه أسفله، فقال له الحق جل جلاله: { وما أعجلك عن قومك يا موسى } أي: ما حملك على العجلة، وأي شيء أعجلك منفردا عن قومك، وقد أمرتك باستصحابهم، ولعل في إفرادك عنهم عدم اعتناء بهم؟ فأجاب عليه السلام بقول: { هم أولاء على أثري } أي: هم هؤلاء قريبا مني، فهم معي، وإنما سبقتهم بخطا يسيرة، ظننت أنها لا تخل بالمعية، ولا تقدح في الاستصحاب، فإن ذلك مما لا يعتد به فيما بين الرفقة. قال الكواشي: ولما كان سؤال الرب تعالى لموسى يقتضي شيئين: أحدهما: إنكار العجلة، والثاني: السؤال عن السبب والحامل عليها، كان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل أن قال: إن ما وجد مني تقدم يسير، لا يعتد بمثله في العادة لقربه، كما يتقدم الوفد رئيسهم ومتقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال فقال: { عجلت إليك رب لترضى } لتزداد عني رضا لمسارعتي إلى الامتثال لأمرك، واعتنائي بالوفاء بعهدك لأنه ظن أن إسراعه إليه أبلغ في رضاه. وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء - عليهم السلام - والمعنى: لتعلم أني أحبك ولا قرار لي مع غيرك. ه. وقال القشيري: { هم أولاء على أثري } ما خلفتهم لتضييعي إياهم، ولكن عجلت إليك رب لترضى. قال: يا موسى، رضائي في أن تكون معهم، ولا تتقدمهم ولا تسبقهم، وكونك مع الضعفاء، الذين استصحبتهم في حصول رضاي، أبلغ من تقدمك عليهم. ه. { قال } له تعالى: { فإنا فتنا قومك من بعدك } أي: ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم. روي أنهم أقاموا على ما وصاهم به موسى عليه السلام عشرين ليلة، بعد ذهابه، فحسبوها مع أيامها أربعين، وقالوا: قد أكملنا العدة، وليس من موسى عين ولا أثر، وكان وعدهم أن يغيب عنهم أربعين يوما، واستخلف هارون على من بقي منهم، وكانوا ستمائة ألف، فافتتنوا بعبادة العجل كلهم، ما نجا منهم إلا اثنا عشر ألفا. وهذا معنى قوله تعالى: { وأضلهم السامري } ، حيث كان هو السبب في فتنتهم، فقال لهم: إنما أخلف موسى عليه السلام ميعادكم لما معكم من حلي القوم، فهو حرام عليكم، فكان من أمر العجل ما يأتي تفسيره إن شاء الله. فإخباره تعالى بهذه الفتنة عند قدومه عليه السلام، قبل وقوعها، إما باعتبار تحققها في علمه تعالى، وإما باعتبار التعبير عن المتوقع بالواقع، كما في قوله تعالى:
ونادى أصحاب الجنة
[الأعراف: 44]، أو لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام، وتصدى لها بترتيب مبادئها، فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار بها. والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، يقال لها: سامرة، وقيل: كان رجلا من كرمان. وقال ابن عباس: كان من قرية يعبدون البقر، فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام، وفي قلبه ما فيه من حب عبادة البقرة، فابتلى الله به بني إسرائيل، واسمه: موسى بن ظفر. { فرجع موسى إلى قومه } بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة، لا عقب الإخبار بالفتنة، كما يتوهم من قوله تعالى: { غضبان أسفا } ، فإن كون الرجوع بعد الأربعين أمر مقرر مشهور، يرفع كون الرجوع عقب الفتنة. والأسف: أشد الغضب، وقيل: أسفا: حزينا جزعا على ضلال قومه. { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } بأن يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى، { أفطال عليكم العهد } أي: مدة مفارقتي إياكم. والهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف، أي: أوعدكم ذلك فطال زمان الإنجاز، فأخطأتم بسببه، { أم أردتم أن يحل عليكم غضب } شديد كائن { من ربكم } أي: من مالك أمركم، { فأخلفتم موعدي } أي: وعدي إياكم بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات، أو وعدكم إياي بأن تثبتوا على ما أمرتكم به، على إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله، والفاء، لترتيب ما بعدها، كأنه قيل: أنسيتم الوعد بطول العهد فأخلفتموني خطأ { أم أردتم } حلول الغضب عليكم فأخلفتموه عمدا. { قالوا ما أخلفنا موعدك } أي: وعدنا إياك بالثبات على ما أمرتنا به، { بملكنا } أي: بسلطاننا وقدرتنا، ونحن نملك أمرنا. وفيه لغتان: فتح الميم وكسرها. يعنون: لو خلينا وأمورنا، ولم يسول لنا السامري ما سوله، ما أخلفنا، ولكن غلبنا على أمرنا، واستغوانا السامري مع مساعدة الأحوال. وقال القشيري: أي: لم نكن في ابتداء حالنا قاصدين إلى ما حصل منا، ولا عالمين بما آلت إليه عاقبة أمرنا، وإن الذي حملنا عليه حلي القبط، صاغ السامري منه العجل، فآل الأمر إلى ما بلغ من الشر، وكذلك الحرام لا يخلو شؤمه من الفتنة والشر. ه. وقوله تعالى: { ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم } ، استدراك عما سبق، واعتذار ببيان منشأ الخطأ، أي: حملنا أحمالا من حلي القبط، التي استعرناها منهم، حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس. وقيل: كانوا استعاروها لعيد كان لهم، ثم لم يردوها إليهم، مخافة أن يقفوا على أمرهم. وقيل: لما رمى البحر أجساد القبط، وكان غالب ثيابهم الذهب والفضة، التقطها بنو إسرائيل، فهي زينة القوم التي صيغ منها العجل، ولعل تسميتها أوزارا لأنها تبعات وآثام، حيث لم تحل الغنائم لهم. { فقذفناها } أي: في النار رجاء الخلاص من عقوبتها، أو قذفناها إلى السامري وألقاها في النار، { فكذلك ألقى السامري } ما كان معه منها كما ألقيناه، أو ألقى ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل، كان قد صره في عمامته، وكان ألقى إليه الشيطان: أنه ما خالط شيئا إلا حيى، فألقاه في فمه فصار يخور.
روي: أنه قال لهم: إنما تأخر موسى عنكم، لما معكم من الأوزار، فالرأي أن نحفر حفرة ويسجر فيها نار، ونقذف فيها كل ما معنا، ففعلوا، { فأخرج لهم } من ذلك الحلي المذاب { عجلا } أي: صورة عجل { جسدا } أي: جثة ذات لحم ودم، أو جسدا من ذهب لا روح فيه، { له خوار } أي: صوت عجل، { فقالوا } أي: السامري ومن افتتن به: { هذا إلهكم وإله موسى فنسي } أي: غفل عنه وذهب يطلبه في الطور. فقوله تعالى: { فأخرج لهم... } الخ... هو من كلام الله تعالى، حكاية لنتيجة فتنة السامري، قولا وفعلا، قصدا إلى زيادة تقريرها، وتمهيدا للإنكار عليهم، وليس من كلام المعتذرين، وإلا لقال: فأخرج لنا... والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لرئيس القوم، إذا كان في سفر، أن يكون وسطهم، أو سائقا لهم، ولا يتقدمهم أو يستعجل لأمر عنهم، فإن التأني كله من الله، والعجلة كلها من الشيطان، والخير كله في الاجتماع مع الضعفاء والمساكين، حتى يكون كأحدهم، فإن فارقهم، لأمر مهم، فليستخلف عليهم من يثق به في دينه، وليكن اعتماده في ذلك على ربه، ونظره كله إلى رعايته وحفظه. قال الكواشي: عن ابن عطاء: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتدري من أين أتيت؟ - يعني في فتنة قومه - قال: لا يا رب، قال: حين قلت لهارون: اخلفني في قومي، أين كنت أنا حين اعتمدت على هارون؟. ه. فكل فتنة أو ضلال يصيب الفقراء، فإنما ذلك من عدم الاجتماع مع أهل الفن، أو قلة الاستماع لهم، فإن أصابتهم فتنة الأسباب، والركون إلى شيء من الدنيا في غيبة الشيخ، فليرجع إليهم غضبان أسفا، وليقل لهم: ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا، وهو الفتح الكبير لو صبرتم على السير والتجريد، أفطال عليكم العهد، فقد كانت الرجال تمكث في خدمة الأشياخ العشرين والثلاثين سنة، أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، بالإبعاد وإسدال الحجاب، حيث خالفتم عهود أشياخكم، فإن اعتذروا فليقبل عذرهم، وإن ركنوا إلى عبادة شيء من عجل الدنيا فليخرجه من أيديهم، وليقل: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا. وبالله التوفيق. ثم ذكر الانكار على عبدة العجل
طه 20:87
يقول الحق جل جلاله لموسى عليه السلام، لما ذهب إلى الطور، لموافاة الميقات، للعهد الذي عهد إليه، واختار سبعين من بني إسرائيل، يحضرون معه لأخذ التوراة بأمره تعالى، فلما دنا من الجبل حمله الشوق، فاستعجل إلى الجبل، وترك قومه أسفله، فقال له الحق جل جلاله: { وما أعجلك عن قومك يا موسى } أي: ما حملك على العجلة، وأي شيء أعجلك منفردا عن قومك، وقد أمرتك باستصحابهم، ولعل في إفرادك عنهم عدم اعتناء بهم؟ فأجاب عليه السلام بقول: { هم أولاء على أثري } أي: هم هؤلاء قريبا مني، فهم معي، وإنما سبقتهم بخطا يسيرة، ظننت أنها لا تخل بالمعية، ولا تقدح في الاستصحاب، فإن ذلك مما لا يعتد به فيما بين الرفقة. قال الكواشي: ولما كان سؤال الرب تعالى لموسى يقتضي شيئين: أحدهما: إنكار العجلة، والثاني: السؤال عن السبب والحامل عليها، كان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل أن قال: إن ما وجد مني تقدم يسير، لا يعتد بمثله في العادة لقربه، كما يتقدم الوفد رئيسهم ومتقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال فقال: { عجلت إليك رب لترضى } لتزداد عني رضا لمسارعتي إلى الامتثال لأمرك، واعتنائي بالوفاء بعهدك لأنه ظن أن إسراعه إليه أبلغ في رضاه. وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء - عليهم السلام - والمعنى: لتعلم أني أحبك ولا قرار لي مع غيرك. ه. وقال القشيري: { هم أولاء على أثري } ما خلفتهم لتضييعي إياهم، ولكن عجلت إليك رب لترضى. قال: يا موسى، رضائي في أن تكون معهم، ولا تتقدمهم ولا تسبقهم، وكونك مع الضعفاء، الذين استصحبتهم في حصول رضاي، أبلغ من تقدمك عليهم. ه. { قال } له تعالى: { فإنا فتنا قومك من بعدك } أي: ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم. روي أنهم أقاموا على ما وصاهم به موسى عليه السلام عشرين ليلة، بعد ذهابه، فحسبوها مع أيامها أربعين، وقالوا: قد أكملنا العدة، وليس من موسى عين ولا أثر، وكان وعدهم أن يغيب عنهم أربعين يوما، واستخلف هارون على من بقي منهم، وكانوا ستمائة ألف، فافتتنوا بعبادة العجل كلهم، ما نجا منهم إلا اثنا عشر ألفا. وهذا معنى قوله تعالى: { وأضلهم السامري } ، حيث كان هو السبب في فتنتهم، فقال لهم: إنما أخلف موسى عليه السلام ميعادكم لما معكم من حلي القوم، فهو حرام عليكم، فكان من أمر العجل ما يأتي تفسيره إن شاء الله. فإخباره تعالى بهذه الفتنة عند قدومه عليه السلام، قبل وقوعها، إما باعتبار تحققها في علمه تعالى، وإما باعتبار التعبير عن المتوقع بالواقع، كما في قوله تعالى:
ونادى أصحاب الجنة
[الأعراف: 44]، أو لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام، وتصدى لها بترتيب مبادئها، فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار بها. والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، يقال لها: سامرة، وقيل: كان رجلا من كرمان. وقال ابن عباس: كان من قرية يعبدون البقر، فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام، وفي قلبه ما فيه من حب عبادة البقرة، فابتلى الله به بني إسرائيل، واسمه: موسى بن ظفر. { فرجع موسى إلى قومه } بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة، لا عقب الإخبار بالفتنة، كما يتوهم من قوله تعالى: { غضبان أسفا } ، فإن كون الرجوع بعد الأربعين أمر مقرر مشهور، يرفع كون الرجوع عقب الفتنة. والأسف: أشد الغضب، وقيل: أسفا: حزينا جزعا على ضلال قومه. { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } بأن يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى، { أفطال عليكم العهد } أي: مدة مفارقتي إياكم. والهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف، أي: أوعدكم ذلك فطال زمان الإنجاز، فأخطأتم بسببه، { أم أردتم أن يحل عليكم غضب } شديد كائن { من ربكم } أي: من مالك أمركم، { فأخلفتم موعدي } أي: وعدي إياكم بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات، أو وعدكم إياي بأن تثبتوا على ما أمرتكم به، على إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله، والفاء، لترتيب ما بعدها، كأنه قيل: أنسيتم الوعد بطول العهد فأخلفتموني خطأ { أم أردتم } حلول الغضب عليكم فأخلفتموه عمدا. { قالوا ما أخلفنا موعدك } أي: وعدنا إياك بالثبات على ما أمرتنا به، { بملكنا } أي: بسلطاننا وقدرتنا، ونحن نملك أمرنا. وفيه لغتان: فتح الميم وكسرها. يعنون: لو خلينا وأمورنا، ولم يسول لنا السامري ما سوله، ما أخلفنا، ولكن غلبنا على أمرنا، واستغوانا السامري مع مساعدة الأحوال. وقال القشيري: أي: لم نكن في ابتداء حالنا قاصدين إلى ما حصل منا، ولا عالمين بما آلت إليه عاقبة أمرنا، وإن الذي حملنا عليه حلي القبط، صاغ السامري منه العجل، فآل الأمر إلى ما بلغ من الشر، وكذلك الحرام لا يخلو شؤمه من الفتنة والشر. ه. وقوله تعالى: { ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم } ، استدراك عما سبق، واعتذار ببيان منشأ الخطأ، أي: حملنا أحمالا من حلي القبط، التي استعرناها منهم، حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس. وقيل: كانوا استعاروها لعيد كان لهم، ثم لم يردوها إليهم، مخافة أن يقفوا على أمرهم. وقيل: لما رمى البحر أجساد القبط، وكان غالب ثيابهم الذهب والفضة، التقطها بنو إسرائيل، فهي زينة القوم التي صيغ منها العجل، ولعل تسميتها أوزارا لأنها تبعات وآثام، حيث لم تحل الغنائم لهم. { فقذفناها } أي: في النار رجاء الخلاص من عقوبتها، أو قذفناها إلى السامري وألقاها في النار، { فكذلك ألقى السامري } ما كان معه منها كما ألقيناه، أو ألقى ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل، كان قد صره في عمامته، وكان ألقى إليه الشيطان: أنه ما خالط شيئا إلا حيى، فألقاه في فمه فصار يخور.
روي: أنه قال لهم: إنما تأخر موسى عنكم، لما معكم من الأوزار، فالرأي أن نحفر حفرة ويسجر فيها نار، ونقذف فيها كل ما معنا، ففعلوا، { فأخرج لهم } من ذلك الحلي المذاب { عجلا } أي: صورة عجل { جسدا } أي: جثة ذات لحم ودم، أو جسدا من ذهب لا روح فيه، { له خوار } أي: صوت عجل، { فقالوا } أي: السامري ومن افتتن به: { هذا إلهكم وإله موسى فنسي } أي: غفل عنه وذهب يطلبه في الطور. فقوله تعالى: { فأخرج لهم... } الخ... هو من كلام الله تعالى، حكاية لنتيجة فتنة السامري، قولا وفعلا، قصدا إلى زيادة تقريرها، وتمهيدا للإنكار عليهم، وليس من كلام المعتذرين، وإلا لقال: فأخرج لنا... والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لرئيس القوم، إذا كان في سفر، أن يكون وسطهم، أو سائقا لهم، ولا يتقدمهم أو يستعجل لأمر عنهم، فإن التأني كله من الله، والعجلة كلها من الشيطان، والخير كله في الاجتماع مع الضعفاء والمساكين، حتى يكون كأحدهم، فإن فارقهم، لأمر مهم، فليستخلف عليهم من يثق به في دينه، وليكن اعتماده في ذلك على ربه، ونظره كله إلى رعايته وحفظه. قال الكواشي: عن ابن عطاء: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتدري من أين أتيت؟ - يعني في فتنة قومه - قال: لا يا رب، قال: حين قلت لهارون: اخلفني في قومي، أين كنت أنا حين اعتمدت على هارون؟. ه. فكل فتنة أو ضلال يصيب الفقراء، فإنما ذلك من عدم الاجتماع مع أهل الفن، أو قلة الاستماع لهم، فإن أصابتهم فتنة الأسباب، والركون إلى شيء من الدنيا في غيبة الشيخ، فليرجع إليهم غضبان أسفا، وليقل لهم: ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا، وهو الفتح الكبير لو صبرتم على السير والتجريد، أفطال عليكم العهد، فقد كانت الرجال تمكث في خدمة الأشياخ العشرين والثلاثين سنة، أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، بالإبعاد وإسدال الحجاب، حيث خالفتم عهود أشياخكم، فإن اعتذروا فليقبل عذرهم، وإن ركنوا إلى عبادة شيء من عجل الدنيا فليخرجه من أيديهم، وليقل: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا. وبالله التوفيق. ثم ذكر الانكار على عبدة العجل
طه 20:88
يقول الحق جل جلاله لموسى عليه السلام، لما ذهب إلى الطور، لموافاة الميقات، للعهد الذي عهد إليه، واختار سبعين من بني إسرائيل، يحضرون معه لأخذ التوراة بأمره تعالى، فلما دنا من الجبل حمله الشوق، فاستعجل إلى الجبل، وترك قومه أسفله، فقال له الحق جل جلاله: { وما أعجلك عن قومك يا موسى } أي: ما حملك على العجلة، وأي شيء أعجلك منفردا عن قومك، وقد أمرتك باستصحابهم، ولعل في إفرادك عنهم عدم اعتناء بهم؟ فأجاب عليه السلام بقول: { هم أولاء على أثري } أي: هم هؤلاء قريبا مني، فهم معي، وإنما سبقتهم بخطا يسيرة، ظننت أنها لا تخل بالمعية، ولا تقدح في الاستصحاب، فإن ذلك مما لا يعتد به فيما بين الرفقة. قال الكواشي: ولما كان سؤال الرب تعالى لموسى يقتضي شيئين: أحدهما: إنكار العجلة، والثاني: السؤال عن السبب والحامل عليها، كان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل أن قال: إن ما وجد مني تقدم يسير، لا يعتد بمثله في العادة لقربه، كما يتقدم الوفد رئيسهم ومتقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال فقال: { عجلت إليك رب لترضى } لتزداد عني رضا لمسارعتي إلى الامتثال لأمرك، واعتنائي بالوفاء بعهدك لأنه ظن أن إسراعه إليه أبلغ في رضاه. وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء - عليهم السلام - والمعنى: لتعلم أني أحبك ولا قرار لي مع غيرك. ه. وقال القشيري: { هم أولاء على أثري } ما خلفتهم لتضييعي إياهم، ولكن عجلت إليك رب لترضى. قال: يا موسى، رضائي في أن تكون معهم، ولا تتقدمهم ولا تسبقهم، وكونك مع الضعفاء، الذين استصحبتهم في حصول رضاي، أبلغ من تقدمك عليهم. ه. { قال } له تعالى: { فإنا فتنا قومك من بعدك } أي: ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم. روي أنهم أقاموا على ما وصاهم به موسى عليه السلام عشرين ليلة، بعد ذهابه، فحسبوها مع أيامها أربعين، وقالوا: قد أكملنا العدة، وليس من موسى عين ولا أثر، وكان وعدهم أن يغيب عنهم أربعين يوما، واستخلف هارون على من بقي منهم، وكانوا ستمائة ألف، فافتتنوا بعبادة العجل كلهم، ما نجا منهم إلا اثنا عشر ألفا. وهذا معنى قوله تعالى: { وأضلهم السامري } ، حيث كان هو السبب في فتنتهم، فقال لهم: إنما أخلف موسى عليه السلام ميعادكم لما معكم من حلي القوم، فهو حرام عليكم، فكان من أمر العجل ما يأتي تفسيره إن شاء الله. فإخباره تعالى بهذه الفتنة عند قدومه عليه السلام، قبل وقوعها، إما باعتبار تحققها في علمه تعالى، وإما باعتبار التعبير عن المتوقع بالواقع، كما في قوله تعالى:
ونادى أصحاب الجنة
[الأعراف: 44]، أو لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام، وتصدى لها بترتيب مبادئها، فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار بها. والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، يقال لها: سامرة، وقيل: كان رجلا من كرمان. وقال ابن عباس: كان من قرية يعبدون البقر، فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام، وفي قلبه ما فيه من حب عبادة البقرة، فابتلى الله به بني إسرائيل، واسمه: موسى بن ظفر. { فرجع موسى إلى قومه } بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة، لا عقب الإخبار بالفتنة، كما يتوهم من قوله تعالى: { غضبان أسفا } ، فإن كون الرجوع بعد الأربعين أمر مقرر مشهور، يرفع كون الرجوع عقب الفتنة. والأسف: أشد الغضب، وقيل: أسفا: حزينا جزعا على ضلال قومه. { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } بأن يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى، { أفطال عليكم العهد } أي: مدة مفارقتي إياكم. والهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف، أي: أوعدكم ذلك فطال زمان الإنجاز، فأخطأتم بسببه، { أم أردتم أن يحل عليكم غضب } شديد كائن { من ربكم } أي: من مالك أمركم، { فأخلفتم موعدي } أي: وعدي إياكم بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات، أو وعدكم إياي بأن تثبتوا على ما أمرتكم به، على إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله، والفاء، لترتيب ما بعدها، كأنه قيل: أنسيتم الوعد بطول العهد فأخلفتموني خطأ { أم أردتم } حلول الغضب عليكم فأخلفتموه عمدا. { قالوا ما أخلفنا موعدك } أي: وعدنا إياك بالثبات على ما أمرتنا به، { بملكنا } أي: بسلطاننا وقدرتنا، ونحن نملك أمرنا. وفيه لغتان: فتح الميم وكسرها. يعنون: لو خلينا وأمورنا، ولم يسول لنا السامري ما سوله، ما أخلفنا، ولكن غلبنا على أمرنا، واستغوانا السامري مع مساعدة الأحوال. وقال القشيري: أي: لم نكن في ابتداء حالنا قاصدين إلى ما حصل منا، ولا عالمين بما آلت إليه عاقبة أمرنا، وإن الذي حملنا عليه حلي القبط، صاغ السامري منه العجل، فآل الأمر إلى ما بلغ من الشر، وكذلك الحرام لا يخلو شؤمه من الفتنة والشر. ه. وقوله تعالى: { ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم } ، استدراك عما سبق، واعتذار ببيان منشأ الخطأ، أي: حملنا أحمالا من حلي القبط، التي استعرناها منهم، حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس. وقيل: كانوا استعاروها لعيد كان لهم، ثم لم يردوها إليهم، مخافة أن يقفوا على أمرهم. وقيل: لما رمى البحر أجساد القبط، وكان غالب ثيابهم الذهب والفضة، التقطها بنو إسرائيل، فهي زينة القوم التي صيغ منها العجل، ولعل تسميتها أوزارا لأنها تبعات وآثام، حيث لم تحل الغنائم لهم. { فقذفناها } أي: في النار رجاء الخلاص من عقوبتها، أو قذفناها إلى السامري وألقاها في النار، { فكذلك ألقى السامري } ما كان معه منها كما ألقيناه، أو ألقى ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل، كان قد صره في عمامته، وكان ألقى إليه الشيطان: أنه ما خالط شيئا إلا حيى، فألقاه في فمه فصار يخور.
روي: أنه قال لهم: إنما تأخر موسى عنكم، لما معكم من الأوزار، فالرأي أن نحفر حفرة ويسجر فيها نار، ونقذف فيها كل ما معنا، ففعلوا، { فأخرج لهم } من ذلك الحلي المذاب { عجلا } أي: صورة عجل { جسدا } أي: جثة ذات لحم ودم، أو جسدا من ذهب لا روح فيه، { له خوار } أي: صوت عجل، { فقالوا } أي: السامري ومن افتتن به: { هذا إلهكم وإله موسى فنسي } أي: غفل عنه وذهب يطلبه في الطور. فقوله تعالى: { فأخرج لهم... } الخ... هو من كلام الله تعالى، حكاية لنتيجة فتنة السامري، قولا وفعلا، قصدا إلى زيادة تقريرها، وتمهيدا للإنكار عليهم، وليس من كلام المعتذرين، وإلا لقال: فأخرج لنا... والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لرئيس القوم، إذا كان في سفر، أن يكون وسطهم، أو سائقا لهم، ولا يتقدمهم أو يستعجل لأمر عنهم، فإن التأني كله من الله، والعجلة كلها من الشيطان، والخير كله في الاجتماع مع الضعفاء والمساكين، حتى يكون كأحدهم، فإن فارقهم، لأمر مهم، فليستخلف عليهم من يثق به في دينه، وليكن اعتماده في ذلك على ربه، ونظره كله إلى رعايته وحفظه. قال الكواشي: عن ابن عطاء: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتدري من أين أتيت؟ - يعني في فتنة قومه - قال: لا يا رب، قال: حين قلت لهارون: اخلفني في قومي، أين كنت أنا حين اعتمدت على هارون؟. ه. فكل فتنة أو ضلال يصيب الفقراء، فإنما ذلك من عدم الاجتماع مع أهل الفن، أو قلة الاستماع لهم، فإن أصابتهم فتنة الأسباب، والركون إلى شيء من الدنيا في غيبة الشيخ، فليرجع إليهم غضبان أسفا، وليقل لهم: ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا، وهو الفتح الكبير لو صبرتم على السير والتجريد، أفطال عليكم العهد، فقد كانت الرجال تمكث في خدمة الأشياخ العشرين والثلاثين سنة، أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، بالإبعاد وإسدال الحجاب، حيث خالفتم عهود أشياخكم، فإن اعتذروا فليقبل عذرهم، وإن ركنوا إلى عبادة شيء من عجل الدنيا فليخرجه من أيديهم، وليقل: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا. وبالله التوفيق. ثم ذكر الانكار على عبدة العجل
طه 20:89
قلت: { ألا يرجع }: " أن " مخففة، لأن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين، ومن قرأ بالنصب جعل الرؤية بصرية. يقول الحق جل جلاله: منكرا على عبدة العجل ومقبحا لرأيهم: { أفلا يرون } أي: أفلا يتفكر هؤلاء الضالون المضلون فيعلمون { أن } الأمر والشأن: { لا يرجع إليهم } العجل كلاما، ولا يرد عليها جوابا، وإنما هو جماد لا روح فيه؟ فكيف يتوهمونه أنه إله؟ وتعليق الإبصار بما ذكر مع كونه عدميا للتنبيه على كمال ظهوره، المستدعي لمزيد تشنيعهم وتركيك عقولهم. { و } هو أيضا { لا يملك لهم ضرا ولا نفعا } أي: أفلا يرون أيضا أن العجل لا يقدر أن يدفع عنهم ضرا، أو يجلب لهم نفعا؟ أو لا يقدر على أن يضرهم إن لم يعبدوه، أو ينفعهم إن عبدوه. { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي: والله لقد نصحهم هارون ونبههم على الحق، من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم، وقال لهم: { يا قوم إنما فتنتم به } أي: وقعتم في الفتنة بالعجل أو ضللتم به، والمعنى: إنما فعل بكم الفتنة، لا الإرشاد إلى الحق، { وإن ربكم الرحمن } وحده، لا العجل، أرشدهم إلى الحق بعد أن زجرهم عن الباطل. والتعرض لعنوان الرحمانية للاعتناء باستمالتهم إلى الحق المفضي إلى الرحمة الشاملة، أي: إن ربكم الذي يستحق أن يعبد هو الرحمن لا غير. { فاتبعوني } على الثبات على الدين، { وأطيعوا أمري } من ترك عبادة ما علمتم شأنه. { قالوا } في جواب هارون عليه السلام: { لن نبرح عليه عاكفين } أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } ، جعلوا رجوعه عليه السلام غاية لعكوفهم على عبادة العجل، لكن لا على طريق الوعد بتركها عند رجوعه، بل بطريق التعلل والتسويف، وقد دسوا تحت ذلك أنه عليه السلام لا يرجع بشيء مبين لإبطالها، تعويلا على مقالة السامري. روي أنهم، لما قالوا ذلك، اعتزلهم هارون عليه السلام في اثني عشر ألفا ممن لم يعبد العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل، قال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، فلما وصل إليهم قال لهم ما قال من قوله: { ألم يعدكم... } الخ. وسمع منهم ما قالوا من قولهم: { ما أخلفنا... } الخ. فلما رأى هارون أخذ شعره بيمينه، ولحيته بشماله، غضبا، { قال يا هارون } ، وإنما جرده من الواو لأنه استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا قال موسى لهارون حين سمع جوابهم له؟ وهل رضي بسكوته بعدما شهد منهم ما شهد؟ فقيل: { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } بعبادة العجل، وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بتلك المقالة الشنعاء، { ألا تتبعن } أي: أن تتبعني.
على أن " لا " مزيدة، أي: أي شيء منعك، حين رأيت ضلالتهم، من أن تتبعني فيما أمرتك، وتعمل بوصيتي فتقاتلهم بمن معك؟ قال ابن عطية: والتحقيق: أن " لا " غير مزيدة، ويقدر فعل، أي: ما منعك مجانبتهم وسول لك ألا تتبعن. ه. قلت: وفيه نظر لأن مجانبة هارون عليه السلام للقوم كانت حاصلة، وإنما أنكر عليه عدم مقاتلتهم، أو عدم لحوقه ليخبره، فتأمله. وقيل: المعنى: ما حملك على ألا تتبعن، فإن المنع من الشيء مستلزم للحمل على مقابله، وقيل: ما منعك أن تلحقني وتخبرني بضلالهم، فتكون مفارقتك زجرا لهم، وهذا أظهر. { أفعصيت أمري } بالصلابة في الدين والمحاماة عليه، فإن قوله: { اخلفني في قومي } متضمن للأمر بهما حتما، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره المستخلف لو كان حاضرا، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف، أي: أخالفتني فعصيت أمري. { قال يا ابن أم } ، خص الأم بالذكر استعطافا لحقها، وترقيقا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه، فإن الجمهور على أنهما شقيقان. قال له: { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } أي: بشعر رأسي. وقد كان عليه السلام أخذ بهما كما تقدم، من شدة غيظه وفرط غضبه لله، وكان حديدا متصلبا في كل شيء، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل، حتى فعل ما فعل. ثم اعتذر له أخوه بقوله: { إني خشيت } إن قاتلت بعضهم ببعض وتفرقوا، { أن تقول فرقت بين بني إسرائيل } برأيك، مع كونهم أبناء رجل واحد، كما ينبئ عنه ذكرهم بذلك العنوان دون القوم ونحوه. وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه القتال من التفريق: الذي لا يرى بعده اجتماع، فخشيت أن تقول: فرقت بينهم، { ولم ترقب قولي } أي: قوله: { اخلفني في قومي وأصلح... } الخ، يعني: إني رأيت أن الأصلح هو في حفظ الدماء والمداراة معهم، إلى أن ترجع إليهم، فلذلك استأنيتك لتكون أنت المتدارك للأمر بما رأيت، لا سيما وقد كانوا في غاية القوة، ونحن على القلة والضعف، كما يعرب عنه قوله:
إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني
[الأعراف: 150]. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من اعتمد على غير الله، أو مال بمحبته إلى ما سوى الله، فهو في حقه عجل بني إسرائيل، فيقال له: كيف تركن إليه وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا، وإنما فتنت به عن السير إلى ربك، وانطمست به حضرة قدسك، فربك الرحمن الكريم المنان، فاتبع ما أمرك به من الطاعات، وكن عبدا له في جميع الحالات، تكن خالصا لله، حرا مما سواه. وبالله التوفيق. ثم توجه العتاب إلى السامري
طه 20:90
قلت: { ألا يرجع }: " أن " مخففة، لأن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين، ومن قرأ بالنصب جعل الرؤية بصرية. يقول الحق جل جلاله: منكرا على عبدة العجل ومقبحا لرأيهم: { أفلا يرون } أي: أفلا يتفكر هؤلاء الضالون المضلون فيعلمون { أن } الأمر والشأن: { لا يرجع إليهم } العجل كلاما، ولا يرد عليها جوابا، وإنما هو جماد لا روح فيه؟ فكيف يتوهمونه أنه إله؟ وتعليق الإبصار بما ذكر مع كونه عدميا للتنبيه على كمال ظهوره، المستدعي لمزيد تشنيعهم وتركيك عقولهم. { و } هو أيضا { لا يملك لهم ضرا ولا نفعا } أي: أفلا يرون أيضا أن العجل لا يقدر أن يدفع عنهم ضرا، أو يجلب لهم نفعا؟ أو لا يقدر على أن يضرهم إن لم يعبدوه، أو ينفعهم إن عبدوه. { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي: والله لقد نصحهم هارون ونبههم على الحق، من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم، وقال لهم: { يا قوم إنما فتنتم به } أي: وقعتم في الفتنة بالعجل أو ضللتم به، والمعنى: إنما فعل بكم الفتنة، لا الإرشاد إلى الحق، { وإن ربكم الرحمن } وحده، لا العجل، أرشدهم إلى الحق بعد أن زجرهم عن الباطل. والتعرض لعنوان الرحمانية للاعتناء باستمالتهم إلى الحق المفضي إلى الرحمة الشاملة، أي: إن ربكم الذي يستحق أن يعبد هو الرحمن لا غير. { فاتبعوني } على الثبات على الدين، { وأطيعوا أمري } من ترك عبادة ما علمتم شأنه. { قالوا } في جواب هارون عليه السلام: { لن نبرح عليه عاكفين } أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } ، جعلوا رجوعه عليه السلام غاية لعكوفهم على عبادة العجل، لكن لا على طريق الوعد بتركها عند رجوعه، بل بطريق التعلل والتسويف، وقد دسوا تحت ذلك أنه عليه السلام لا يرجع بشيء مبين لإبطالها، تعويلا على مقالة السامري. روي أنهم، لما قالوا ذلك، اعتزلهم هارون عليه السلام في اثني عشر ألفا ممن لم يعبد العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل، قال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، فلما وصل إليهم قال لهم ما قال من قوله: { ألم يعدكم... } الخ. وسمع منهم ما قالوا من قولهم: { ما أخلفنا... } الخ. فلما رأى هارون أخذ شعره بيمينه، ولحيته بشماله، غضبا، { قال يا هارون } ، وإنما جرده من الواو لأنه استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا قال موسى لهارون حين سمع جوابهم له؟ وهل رضي بسكوته بعدما شهد منهم ما شهد؟ فقيل: { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } بعبادة العجل، وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بتلك المقالة الشنعاء، { ألا تتبعن } أي: أن تتبعني.
على أن " لا " مزيدة، أي: أي شيء منعك، حين رأيت ضلالتهم، من أن تتبعني فيما أمرتك، وتعمل بوصيتي فتقاتلهم بمن معك؟ قال ابن عطية: والتحقيق: أن " لا " غير مزيدة، ويقدر فعل، أي: ما منعك مجانبتهم وسول لك ألا تتبعن. ه. قلت: وفيه نظر لأن مجانبة هارون عليه السلام للقوم كانت حاصلة، وإنما أنكر عليه عدم مقاتلتهم، أو عدم لحوقه ليخبره، فتأمله. وقيل: المعنى: ما حملك على ألا تتبعن، فإن المنع من الشيء مستلزم للحمل على مقابله، وقيل: ما منعك أن تلحقني وتخبرني بضلالهم، فتكون مفارقتك زجرا لهم، وهذا أظهر. { أفعصيت أمري } بالصلابة في الدين والمحاماة عليه، فإن قوله: { اخلفني في قومي } متضمن للأمر بهما حتما، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره المستخلف لو كان حاضرا، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف، أي: أخالفتني فعصيت أمري. { قال يا ابن أم } ، خص الأم بالذكر استعطافا لحقها، وترقيقا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه، فإن الجمهور على أنهما شقيقان. قال له: { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } أي: بشعر رأسي. وقد كان عليه السلام أخذ بهما كما تقدم، من شدة غيظه وفرط غضبه لله، وكان حديدا متصلبا في كل شيء، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل، حتى فعل ما فعل. ثم اعتذر له أخوه بقوله: { إني خشيت } إن قاتلت بعضهم ببعض وتفرقوا، { أن تقول فرقت بين بني إسرائيل } برأيك، مع كونهم أبناء رجل واحد، كما ينبئ عنه ذكرهم بذلك العنوان دون القوم ونحوه. وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه القتال من التفريق: الذي لا يرى بعده اجتماع، فخشيت أن تقول: فرقت بينهم، { ولم ترقب قولي } أي: قوله: { اخلفني في قومي وأصلح... } الخ، يعني: إني رأيت أن الأصلح هو في حفظ الدماء والمداراة معهم، إلى أن ترجع إليهم، فلذلك استأنيتك لتكون أنت المتدارك للأمر بما رأيت، لا سيما وقد كانوا في غاية القوة، ونحن على القلة والضعف، كما يعرب عنه قوله:
إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني
[الأعراف: 150]. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من اعتمد على غير الله، أو مال بمحبته إلى ما سوى الله، فهو في حقه عجل بني إسرائيل، فيقال له: كيف تركن إليه وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا، وإنما فتنت به عن السير إلى ربك، وانطمست به حضرة قدسك، فربك الرحمن الكريم المنان، فاتبع ما أمرك به من الطاعات، وكن عبدا له في جميع الحالات، تكن خالصا لله، حرا مما سواه. وبالله التوفيق. ثم توجه العتاب إلى السامري
طه 20:91
قلت: { ألا يرجع }: " أن " مخففة، لأن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين، ومن قرأ بالنصب جعل الرؤية بصرية. يقول الحق جل جلاله: منكرا على عبدة العجل ومقبحا لرأيهم: { أفلا يرون } أي: أفلا يتفكر هؤلاء الضالون المضلون فيعلمون { أن } الأمر والشأن: { لا يرجع إليهم } العجل كلاما، ولا يرد عليها جوابا، وإنما هو جماد لا روح فيه؟ فكيف يتوهمونه أنه إله؟ وتعليق الإبصار بما ذكر مع كونه عدميا للتنبيه على كمال ظهوره، المستدعي لمزيد تشنيعهم وتركيك عقولهم. { و } هو أيضا { لا يملك لهم ضرا ولا نفعا } أي: أفلا يرون أيضا أن العجل لا يقدر أن يدفع عنهم ضرا، أو يجلب لهم نفعا؟ أو لا يقدر على أن يضرهم إن لم يعبدوه، أو ينفعهم إن عبدوه. { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي: والله لقد نصحهم هارون ونبههم على الحق، من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم، وقال لهم: { يا قوم إنما فتنتم به } أي: وقعتم في الفتنة بالعجل أو ضللتم به، والمعنى: إنما فعل بكم الفتنة، لا الإرشاد إلى الحق، { وإن ربكم الرحمن } وحده، لا العجل، أرشدهم إلى الحق بعد أن زجرهم عن الباطل. والتعرض لعنوان الرحمانية للاعتناء باستمالتهم إلى الحق المفضي إلى الرحمة الشاملة، أي: إن ربكم الذي يستحق أن يعبد هو الرحمن لا غير. { فاتبعوني } على الثبات على الدين، { وأطيعوا أمري } من ترك عبادة ما علمتم شأنه. { قالوا } في جواب هارون عليه السلام: { لن نبرح عليه عاكفين } أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } ، جعلوا رجوعه عليه السلام غاية لعكوفهم على عبادة العجل، لكن لا على طريق الوعد بتركها عند رجوعه، بل بطريق التعلل والتسويف، وقد دسوا تحت ذلك أنه عليه السلام لا يرجع بشيء مبين لإبطالها، تعويلا على مقالة السامري. روي أنهم، لما قالوا ذلك، اعتزلهم هارون عليه السلام في اثني عشر ألفا ممن لم يعبد العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل، قال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، فلما وصل إليهم قال لهم ما قال من قوله: { ألم يعدكم... } الخ. وسمع منهم ما قالوا من قولهم: { ما أخلفنا... } الخ. فلما رأى هارون أخذ شعره بيمينه، ولحيته بشماله، غضبا، { قال يا هارون } ، وإنما جرده من الواو لأنه استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا قال موسى لهارون حين سمع جوابهم له؟ وهل رضي بسكوته بعدما شهد منهم ما شهد؟ فقيل: { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } بعبادة العجل، وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بتلك المقالة الشنعاء، { ألا تتبعن } أي: أن تتبعني.
على أن " لا " مزيدة، أي: أي شيء منعك، حين رأيت ضلالتهم، من أن تتبعني فيما أمرتك، وتعمل بوصيتي فتقاتلهم بمن معك؟ قال ابن عطية: والتحقيق: أن " لا " غير مزيدة، ويقدر فعل، أي: ما منعك مجانبتهم وسول لك ألا تتبعن. ه. قلت: وفيه نظر لأن مجانبة هارون عليه السلام للقوم كانت حاصلة، وإنما أنكر عليه عدم مقاتلتهم، أو عدم لحوقه ليخبره، فتأمله. وقيل: المعنى: ما حملك على ألا تتبعن، فإن المنع من الشيء مستلزم للحمل على مقابله، وقيل: ما منعك أن تلحقني وتخبرني بضلالهم، فتكون مفارقتك زجرا لهم، وهذا أظهر. { أفعصيت أمري } بالصلابة في الدين والمحاماة عليه، فإن قوله: { اخلفني في قومي } متضمن للأمر بهما حتما، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره المستخلف لو كان حاضرا، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف، أي: أخالفتني فعصيت أمري. { قال يا ابن أم } ، خص الأم بالذكر استعطافا لحقها، وترقيقا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه، فإن الجمهور على أنهما شقيقان. قال له: { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } أي: بشعر رأسي. وقد كان عليه السلام أخذ بهما كما تقدم، من شدة غيظه وفرط غضبه لله، وكان حديدا متصلبا في كل شيء، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل، حتى فعل ما فعل. ثم اعتذر له أخوه بقوله: { إني خشيت } إن قاتلت بعضهم ببعض وتفرقوا، { أن تقول فرقت بين بني إسرائيل } برأيك، مع كونهم أبناء رجل واحد، كما ينبئ عنه ذكرهم بذلك العنوان دون القوم ونحوه. وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه القتال من التفريق: الذي لا يرى بعده اجتماع، فخشيت أن تقول: فرقت بينهم، { ولم ترقب قولي } أي: قوله: { اخلفني في قومي وأصلح... } الخ، يعني: إني رأيت أن الأصلح هو في حفظ الدماء والمداراة معهم، إلى أن ترجع إليهم، فلذلك استأنيتك لتكون أنت المتدارك للأمر بما رأيت، لا سيما وقد كانوا في غاية القوة، ونحن على القلة والضعف، كما يعرب عنه قوله:
إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني
[الأعراف: 150]. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من اعتمد على غير الله، أو مال بمحبته إلى ما سوى الله، فهو في حقه عجل بني إسرائيل، فيقال له: كيف تركن إليه وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا، وإنما فتنت به عن السير إلى ربك، وانطمست به حضرة قدسك، فربك الرحمن الكريم المنان، فاتبع ما أمرك به من الطاعات، وكن عبدا له في جميع الحالات، تكن خالصا لله، حرا مما سواه. وبالله التوفيق. ثم توجه العتاب إلى السامري
طه 20:92
قلت: { ألا يرجع }: " أن " مخففة، لأن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين، ومن قرأ بالنصب جعل الرؤية بصرية. يقول الحق جل جلاله: منكرا على عبدة العجل ومقبحا لرأيهم: { أفلا يرون } أي: أفلا يتفكر هؤلاء الضالون المضلون فيعلمون { أن } الأمر والشأن: { لا يرجع إليهم } العجل كلاما، ولا يرد عليها جوابا، وإنما هو جماد لا روح فيه؟ فكيف يتوهمونه أنه إله؟ وتعليق الإبصار بما ذكر مع كونه عدميا للتنبيه على كمال ظهوره، المستدعي لمزيد تشنيعهم وتركيك عقولهم. { و } هو أيضا { لا يملك لهم ضرا ولا نفعا } أي: أفلا يرون أيضا أن العجل لا يقدر أن يدفع عنهم ضرا، أو يجلب لهم نفعا؟ أو لا يقدر على أن يضرهم إن لم يعبدوه، أو ينفعهم إن عبدوه. { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي: والله لقد نصحهم هارون ونبههم على الحق، من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم، وقال لهم: { يا قوم إنما فتنتم به } أي: وقعتم في الفتنة بالعجل أو ضللتم به، والمعنى: إنما فعل بكم الفتنة، لا الإرشاد إلى الحق، { وإن ربكم الرحمن } وحده، لا العجل، أرشدهم إلى الحق بعد أن زجرهم عن الباطل. والتعرض لعنوان الرحمانية للاعتناء باستمالتهم إلى الحق المفضي إلى الرحمة الشاملة، أي: إن ربكم الذي يستحق أن يعبد هو الرحمن لا غير. { فاتبعوني } على الثبات على الدين، { وأطيعوا أمري } من ترك عبادة ما علمتم شأنه. { قالوا } في جواب هارون عليه السلام: { لن نبرح عليه عاكفين } أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } ، جعلوا رجوعه عليه السلام غاية لعكوفهم على عبادة العجل، لكن لا على طريق الوعد بتركها عند رجوعه، بل بطريق التعلل والتسويف، وقد دسوا تحت ذلك أنه عليه السلام لا يرجع بشيء مبين لإبطالها، تعويلا على مقالة السامري. روي أنهم، لما قالوا ذلك، اعتزلهم هارون عليه السلام في اثني عشر ألفا ممن لم يعبد العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل، قال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، فلما وصل إليهم قال لهم ما قال من قوله: { ألم يعدكم... } الخ. وسمع منهم ما قالوا من قولهم: { ما أخلفنا... } الخ. فلما رأى هارون أخذ شعره بيمينه، ولحيته بشماله، غضبا، { قال يا هارون } ، وإنما جرده من الواو لأنه استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا قال موسى لهارون حين سمع جوابهم له؟ وهل رضي بسكوته بعدما شهد منهم ما شهد؟ فقيل: { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } بعبادة العجل، وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بتلك المقالة الشنعاء، { ألا تتبعن } أي: أن تتبعني.
على أن " لا " مزيدة، أي: أي شيء منعك، حين رأيت ضلالتهم، من أن تتبعني فيما أمرتك، وتعمل بوصيتي فتقاتلهم بمن معك؟ قال ابن عطية: والتحقيق: أن " لا " غير مزيدة، ويقدر فعل، أي: ما منعك مجانبتهم وسول لك ألا تتبعن. ه. قلت: وفيه نظر لأن مجانبة هارون عليه السلام للقوم كانت حاصلة، وإنما أنكر عليه عدم مقاتلتهم، أو عدم لحوقه ليخبره، فتأمله. وقيل: المعنى: ما حملك على ألا تتبعن، فإن المنع من الشيء مستلزم للحمل على مقابله، وقيل: ما منعك أن تلحقني وتخبرني بضلالهم، فتكون مفارقتك زجرا لهم، وهذا أظهر. { أفعصيت أمري } بالصلابة في الدين والمحاماة عليه، فإن قوله: { اخلفني في قومي } متضمن للأمر بهما حتما، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره المستخلف لو كان حاضرا، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف، أي: أخالفتني فعصيت أمري. { قال يا ابن أم } ، خص الأم بالذكر استعطافا لحقها، وترقيقا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه، فإن الجمهور على أنهما شقيقان. قال له: { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } أي: بشعر رأسي. وقد كان عليه السلام أخذ بهما كما تقدم، من شدة غيظه وفرط غضبه لله، وكان حديدا متصلبا في كل شيء، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل، حتى فعل ما فعل. ثم اعتذر له أخوه بقوله: { إني خشيت } إن قاتلت بعضهم ببعض وتفرقوا، { أن تقول فرقت بين بني إسرائيل } برأيك، مع كونهم أبناء رجل واحد، كما ينبئ عنه ذكرهم بذلك العنوان دون القوم ونحوه. وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه القتال من التفريق: الذي لا يرى بعده اجتماع، فخشيت أن تقول: فرقت بينهم، { ولم ترقب قولي } أي: قوله: { اخلفني في قومي وأصلح... } الخ، يعني: إني رأيت أن الأصلح هو في حفظ الدماء والمداراة معهم، إلى أن ترجع إليهم، فلذلك استأنيتك لتكون أنت المتدارك للأمر بما رأيت، لا سيما وقد كانوا في غاية القوة، ونحن على القلة والضعف، كما يعرب عنه قوله:
إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني
[الأعراف: 150]. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من اعتمد على غير الله، أو مال بمحبته إلى ما سوى الله، فهو في حقه عجل بني إسرائيل، فيقال له: كيف تركن إليه وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا، وإنما فتنت به عن السير إلى ربك، وانطمست به حضرة قدسك، فربك الرحمن الكريم المنان، فاتبع ما أمرك به من الطاعات، وكن عبدا له في جميع الحالات، تكن خالصا لله، حرا مما سواه. وبالله التوفيق. ثم توجه العتاب إلى السامري
طه 20:93
قلت: { ألا يرجع }: " أن " مخففة، لأن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين، ومن قرأ بالنصب جعل الرؤية بصرية. يقول الحق جل جلاله: منكرا على عبدة العجل ومقبحا لرأيهم: { أفلا يرون } أي: أفلا يتفكر هؤلاء الضالون المضلون فيعلمون { أن } الأمر والشأن: { لا يرجع إليهم } العجل كلاما، ولا يرد عليها جوابا، وإنما هو جماد لا روح فيه؟ فكيف يتوهمونه أنه إله؟ وتعليق الإبصار بما ذكر مع كونه عدميا للتنبيه على كمال ظهوره، المستدعي لمزيد تشنيعهم وتركيك عقولهم. { و } هو أيضا { لا يملك لهم ضرا ولا نفعا } أي: أفلا يرون أيضا أن العجل لا يقدر أن يدفع عنهم ضرا، أو يجلب لهم نفعا؟ أو لا يقدر على أن يضرهم إن لم يعبدوه، أو ينفعهم إن عبدوه. { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي: والله لقد نصحهم هارون ونبههم على الحق، من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم، وقال لهم: { يا قوم إنما فتنتم به } أي: وقعتم في الفتنة بالعجل أو ضللتم به، والمعنى: إنما فعل بكم الفتنة، لا الإرشاد إلى الحق، { وإن ربكم الرحمن } وحده، لا العجل، أرشدهم إلى الحق بعد أن زجرهم عن الباطل. والتعرض لعنوان الرحمانية للاعتناء باستمالتهم إلى الحق المفضي إلى الرحمة الشاملة، أي: إن ربكم الذي يستحق أن يعبد هو الرحمن لا غير. { فاتبعوني } على الثبات على الدين، { وأطيعوا أمري } من ترك عبادة ما علمتم شأنه. { قالوا } في جواب هارون عليه السلام: { لن نبرح عليه عاكفين } أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } ، جعلوا رجوعه عليه السلام غاية لعكوفهم على عبادة العجل، لكن لا على طريق الوعد بتركها عند رجوعه، بل بطريق التعلل والتسويف، وقد دسوا تحت ذلك أنه عليه السلام لا يرجع بشيء مبين لإبطالها، تعويلا على مقالة السامري. روي أنهم، لما قالوا ذلك، اعتزلهم هارون عليه السلام في اثني عشر ألفا ممن لم يعبد العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل، قال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، فلما وصل إليهم قال لهم ما قال من قوله: { ألم يعدكم... } الخ. وسمع منهم ما قالوا من قولهم: { ما أخلفنا... } الخ. فلما رأى هارون أخذ شعره بيمينه، ولحيته بشماله، غضبا، { قال يا هارون } ، وإنما جرده من الواو لأنه استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا قال موسى لهارون حين سمع جوابهم له؟ وهل رضي بسكوته بعدما شهد منهم ما شهد؟ فقيل: { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } بعبادة العجل، وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بتلك المقالة الشنعاء، { ألا تتبعن } أي: أن تتبعني.
على أن " لا " مزيدة، أي: أي شيء منعك، حين رأيت ضلالتهم، من أن تتبعني فيما أمرتك، وتعمل بوصيتي فتقاتلهم بمن معك؟ قال ابن عطية: والتحقيق: أن " لا " غير مزيدة، ويقدر فعل، أي: ما منعك مجانبتهم وسول لك ألا تتبعن. ه. قلت: وفيه نظر لأن مجانبة هارون عليه السلام للقوم كانت حاصلة، وإنما أنكر عليه عدم مقاتلتهم، أو عدم لحوقه ليخبره، فتأمله. وقيل: المعنى: ما حملك على ألا تتبعن، فإن المنع من الشيء مستلزم للحمل على مقابله، وقيل: ما منعك أن تلحقني وتخبرني بضلالهم، فتكون مفارقتك زجرا لهم، وهذا أظهر. { أفعصيت أمري } بالصلابة في الدين والمحاماة عليه، فإن قوله: { اخلفني في قومي } متضمن للأمر بهما حتما، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره المستخلف لو كان حاضرا، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف، أي: أخالفتني فعصيت أمري. { قال يا ابن أم } ، خص الأم بالذكر استعطافا لحقها، وترقيقا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه، فإن الجمهور على أنهما شقيقان. قال له: { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } أي: بشعر رأسي. وقد كان عليه السلام أخذ بهما كما تقدم، من شدة غيظه وفرط غضبه لله، وكان حديدا متصلبا في كل شيء، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل، حتى فعل ما فعل. ثم اعتذر له أخوه بقوله: { إني خشيت } إن قاتلت بعضهم ببعض وتفرقوا، { أن تقول فرقت بين بني إسرائيل } برأيك، مع كونهم أبناء رجل واحد، كما ينبئ عنه ذكرهم بذلك العنوان دون القوم ونحوه. وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه القتال من التفريق: الذي لا يرى بعده اجتماع، فخشيت أن تقول: فرقت بينهم، { ولم ترقب قولي } أي: قوله: { اخلفني في قومي وأصلح... } الخ، يعني: إني رأيت أن الأصلح هو في حفظ الدماء والمداراة معهم، إلى أن ترجع إليهم، فلذلك استأنيتك لتكون أنت المتدارك للأمر بما رأيت، لا سيما وقد كانوا في غاية القوة، ونحن على القلة والضعف، كما يعرب عنه قوله:
إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني
[الأعراف: 150]. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من اعتمد على غير الله، أو مال بمحبته إلى ما سوى الله، فهو في حقه عجل بني إسرائيل، فيقال له: كيف تركن إليه وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا، وإنما فتنت به عن السير إلى ربك، وانطمست به حضرة قدسك، فربك الرحمن الكريم المنان، فاتبع ما أمرك به من الطاعات، وكن عبدا له في جميع الحالات، تكن خالصا لله، حرا مما سواه. وبالله التوفيق. ثم توجه العتاب إلى السامري
طه 20:94
قلت: { ألا يرجع }: " أن " مخففة، لأن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين، ومن قرأ بالنصب جعل الرؤية بصرية. يقول الحق جل جلاله: منكرا على عبدة العجل ومقبحا لرأيهم: { أفلا يرون } أي: أفلا يتفكر هؤلاء الضالون المضلون فيعلمون { أن } الأمر والشأن: { لا يرجع إليهم } العجل كلاما، ولا يرد عليها جوابا، وإنما هو جماد لا روح فيه؟ فكيف يتوهمونه أنه إله؟ وتعليق الإبصار بما ذكر مع كونه عدميا للتنبيه على كمال ظهوره، المستدعي لمزيد تشنيعهم وتركيك عقولهم. { و } هو أيضا { لا يملك لهم ضرا ولا نفعا } أي: أفلا يرون أيضا أن العجل لا يقدر أن يدفع عنهم ضرا، أو يجلب لهم نفعا؟ أو لا يقدر على أن يضرهم إن لم يعبدوه، أو ينفعهم إن عبدوه. { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي: والله لقد نصحهم هارون ونبههم على الحق، من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم، وقال لهم: { يا قوم إنما فتنتم به } أي: وقعتم في الفتنة بالعجل أو ضللتم به، والمعنى: إنما فعل بكم الفتنة، لا الإرشاد إلى الحق، { وإن ربكم الرحمن } وحده، لا العجل، أرشدهم إلى الحق بعد أن زجرهم عن الباطل. والتعرض لعنوان الرحمانية للاعتناء باستمالتهم إلى الحق المفضي إلى الرحمة الشاملة، أي: إن ربكم الذي يستحق أن يعبد هو الرحمن لا غير. { فاتبعوني } على الثبات على الدين، { وأطيعوا أمري } من ترك عبادة ما علمتم شأنه. { قالوا } في جواب هارون عليه السلام: { لن نبرح عليه عاكفين } أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } ، جعلوا رجوعه عليه السلام غاية لعكوفهم على عبادة العجل، لكن لا على طريق الوعد بتركها عند رجوعه، بل بطريق التعلل والتسويف، وقد دسوا تحت ذلك أنه عليه السلام لا يرجع بشيء مبين لإبطالها، تعويلا على مقالة السامري. روي أنهم، لما قالوا ذلك، اعتزلهم هارون عليه السلام في اثني عشر ألفا ممن لم يعبد العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل، قال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، فلما وصل إليهم قال لهم ما قال من قوله: { ألم يعدكم... } الخ. وسمع منهم ما قالوا من قولهم: { ما أخلفنا... } الخ. فلما رأى هارون أخذ شعره بيمينه، ولحيته بشماله، غضبا، { قال يا هارون } ، وإنما جرده من الواو لأنه استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا قال موسى لهارون حين سمع جوابهم له؟ وهل رضي بسكوته بعدما شهد منهم ما شهد؟ فقيل: { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } بعبادة العجل، وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بتلك المقالة الشنعاء، { ألا تتبعن } أي: أن تتبعني.
على أن " لا " مزيدة، أي: أي شيء منعك، حين رأيت ضلالتهم، من أن تتبعني فيما أمرتك، وتعمل بوصيتي فتقاتلهم بمن معك؟ قال ابن عطية: والتحقيق: أن " لا " غير مزيدة، ويقدر فعل، أي: ما منعك مجانبتهم وسول لك ألا تتبعن. ه. قلت: وفيه نظر لأن مجانبة هارون عليه السلام للقوم كانت حاصلة، وإنما أنكر عليه عدم مقاتلتهم، أو عدم لحوقه ليخبره، فتأمله. وقيل: المعنى: ما حملك على ألا تتبعن، فإن المنع من الشيء مستلزم للحمل على مقابله، وقيل: ما منعك أن تلحقني وتخبرني بضلالهم، فتكون مفارقتك زجرا لهم، وهذا أظهر. { أفعصيت أمري } بالصلابة في الدين والمحاماة عليه، فإن قوله: { اخلفني في قومي } متضمن للأمر بهما حتما، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره المستخلف لو كان حاضرا، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف، أي: أخالفتني فعصيت أمري. { قال يا ابن أم } ، خص الأم بالذكر استعطافا لحقها، وترقيقا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه، فإن الجمهور على أنهما شقيقان. قال له: { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } أي: بشعر رأسي. وقد كان عليه السلام أخذ بهما كما تقدم، من شدة غيظه وفرط غضبه لله، وكان حديدا متصلبا في كل شيء، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل، حتى فعل ما فعل. ثم اعتذر له أخوه بقوله: { إني خشيت } إن قاتلت بعضهم ببعض وتفرقوا، { أن تقول فرقت بين بني إسرائيل } برأيك، مع كونهم أبناء رجل واحد، كما ينبئ عنه ذكرهم بذلك العنوان دون القوم ونحوه. وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه القتال من التفريق: الذي لا يرى بعده اجتماع، فخشيت أن تقول: فرقت بينهم، { ولم ترقب قولي } أي: قوله: { اخلفني في قومي وأصلح... } الخ، يعني: إني رأيت أن الأصلح هو في حفظ الدماء والمداراة معهم، إلى أن ترجع إليهم، فلذلك استأنيتك لتكون أنت المتدارك للأمر بما رأيت، لا سيما وقد كانوا في غاية القوة، ونحن على القلة والضعف، كما يعرب عنه قوله:
إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني
[الأعراف: 150]. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من اعتمد على غير الله، أو مال بمحبته إلى ما سوى الله، فهو في حقه عجل بني إسرائيل، فيقال له: كيف تركن إليه وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا، وإنما فتنت به عن السير إلى ربك، وانطمست به حضرة قدسك، فربك الرحمن الكريم المنان، فاتبع ما أمرك به من الطاعات، وكن عبدا له في جميع الحالات، تكن خالصا لله، حرا مما سواه. وبالله التوفيق. ثم توجه العتاب إلى السامري
طه 20:95
يقول الحق جل جلاله: { قال } موسى عليه السلام في توبيخ السامري: { فما خطبك يا سامري } أي: ما شأنك، وما مطلوبك فيما فعلت من فتنة القوم؟ خاطبه بذلك ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه، وليفعل به وبما صنع من العقاب ما يكون نكالا للمفتونين به، ولمن خلفهم من الأمم من بعده، { قال } السامري في جوابه: { بصرت بما لم يبصروا به } أي: علمت ما لم يعلمه القوم، وفطنت لما لم يفطنوا به، أو رأيت ما لم يروه، وهذا أنسب، وقد كان رأى جبريل عليه السلام، جاء راكبا فرسا، وكان كلما رفع الفرس يده أو رجله عن الطريق اليبس، اخضر ما تحت قدمه بالنبات، فعرف أن له شأنا، فأخذ من موطئه شيئا من التراب. وذلك قوله تعالى: { فقبضت قبضة من أثر الرسول } أي: أثر فرس الرسول، وهو جبريل، الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور. وقال في اللباب: كان السامري من المقربين لموسى عليه السلام، فرأى جبريل راكبا على فرس، وقد دخل البحر فانفلق، فأخذ من أثره، ولم ير ذلك إلا من كان مع موسى. ه. وقال قتادة: كان السامري عظيما في بني إسرائيل، من قبيلة يقال لها: سامرة، ولكن عدو الله نافق، بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم يعكفون على أصنام لهم، وكانوا يعبدون البقر،
قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة
[الأعراف: 138]. فاغتنمها السامري فاتخذ العجل. ه. وقال الكواشي: وإنما عرف السامري جبريل من بين سائر الناس لأن أمه ولدته في السنة التي يقتل فيها الغلمان، فوضعته في كهف حذرا عليه، فبعث الله تعالى جبريل ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة. ه. وضعفه ابن عطية. قلت: ولعل تضعيفه من جهة النقل، وأما القدرة فهي صالحة ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ثم قال: فأخذت تلك القبضة { فنبذتها } في فم تلك الصورة المذابة من الحلي، فصارت تخور، { وكذلك سولت لي نفسي } أي: زينت. والإشارة: نعت لمصدر محذوف، أي: سولت لي نفسي تسويلا كائنا مثل ذلك التسويل البديع. وحاصل جوابه: أن ما فعله إنما صدر منه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة وإغوائها، لا لشيء آخر من البرهان العقلي أو الإلهام الإلهي، فند ذلك { قال } له موسى عليه السلام: { فاذهب } أي: اخرج من بين الناس، { فإن لك في الحياة } أي: في مدة حياتك، { أن تقول لا مساس } والمعنى: أن لك في مدة حياتك أن تفارقهم مفارقة كلية، لا بحسب الاختيار، بل بحسب الاضطرار الملجئ إليه، وذلك أنه تعالى رماه بداء عقام، لا يكاد يمسه أحد، أو يمس أحدا، إلا حم من ساعته حمى شديدة، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح بأقصى طوقه: لا مساس.
وقيل: إن موسى عليه السلام نفاه من قومه، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه. قال الحسن: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه. جعل ذلك له ولمن كان منه إلى يوم القيامة. فكأن الله تعالى شدد عليه المحنة، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ويقال: ابتلي بالوسواس، وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياه اليوم يقولون ذلك: لا مساس. ويقال: إن موسى هم بقتل السامري، فقال الله تعالى له: لا تقتله فإنه سخي. ولعل الحكمة في عقابه بهذه العقوبة: أن مخالطته للناس نشأت من هذه الفتنة، فعوقب بالطرد والبعد عنهم. ثم قال له الله: { وإن لك موعدا } أي: في الآخرة، { لن تخلفه } أي: لن يخلفك الله ذلك الوعد، بل ينجزه لك ألبتة، بعد ما عاقبك في الدنيا. أو لن تجاوزه ولن تخطئه، بل لا بد لك من ملاقاته. { وانظر إلى إلهك } العجل، { الذي ظلت عليه عاكفا } مقيما على عبادته، { لنحرقنه } أي: والله لنحرقنه بالنار، وقيل بالمبرد، مبالغة في الحرق، ويعضده قراءة: " لنحرقنه " ، { ثم لننسفنه } أي: لنذرينه بالريح { في اليم } في البحر، رمادا، أو مبرودا كأنه هباء، { نسفا } بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر، وقد فعل عليه السلام ذلك كله حينئذ، كما يشهد بذلك الأمر بالنظر، وإنما لم يصرح به تنبيها على كمال ظهوره، واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين. ثم نبه على الحق فقال: { إنما إلهكم الله } أي: إنما معبودكم المستحق للعبادة هو الله. والجملة: استئنافية مسوقة لتحقيق الحق، إثر إبطال الباطل، بتلوين الخطاب وتوجيهه إلى الكل، ثم وصفه بقوله: { الذي لا إله إلا هو } وحده، من غير أن يشاركه في الألوهية شيء من الأشياء، { وسع كل شيء علما } أي: وسع علمه كل ما من شأنه أن يعلم. وجملة: { وسع }: بدل من الصلة، أي: إنما إلهكم: الذي وسع كل شيء علما لا غيره كائنا ما كان، فيدخل فيه العجل دخولا أوليا. وهذا ختم كلام موسى عليه السلام، بتقرير أمر التوحيد، كما كان افتتاح الوحي إليه به بقوله: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا }. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر أثر حافر فرس جبريل: كيف حييت به الأشباح، فكيف لا تحيا بتقبيل أثر وطء العارفين بالله، أو بتقبيل أقدامهم، بل كل من خضع لهم وقبل أقدامهم حييت روحه، وشعشعت أنواره، وتحقق عرفانه، كما هو معلوم لأن الخضوع لأولياء الله إنما هو خضوع لله لأنهم يدلون على الله، ويبعدون عن كل ما سواه. وانظر السامري حين خضع لغير الله بمجرد هواه كيف طرد وأبعد، حتى صار مثلا في الناس. فقالت الصوفية: ينبغي للفقير أن يفر من أبناء جنسه، ويكون كالسامري، إذا رأى أحدا قال: لا مساس، وأنشدوا:
وخف أبناء جنسك واخش منهم كما تخشى الضراغم والسنبتا وخالطهم وزايلهم حذارا وكن كالسامري إذا لمست
والسنبتاء: كل حيوان جريء، وقيل: اسم للنمر. ويقال، لمن ركن إلى شيء دون الله تعالى من علم، أو عمل، أو حال، أو مقام، أو فني في مخلوق: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا. وفي بعض الأثر: يقول الله:
" يا عبدي، لا تركن لشيء دوني، فإن ركنت إلى علم جهلناك فيه، وإن ركنت إلى عمل رددناه عليك، وإن ركنت إلى حال وقفناك معه، وإن ركنت إلى معرفة نكرناها عليك. فأي حيلة لك أيها العبد، فكن لنا عبدا أكن لك ربا "
أو كما قال. وإليه الإشارة بقوله: { إنما إلهكم الله... } الآية. ثم ذكر نبيه عليه الصلاة والسلام بنعمة اطلاعه على هذه القصص البديعة
طه 20:96
يقول الحق جل جلاله: { قال } موسى عليه السلام في توبيخ السامري: { فما خطبك يا سامري } أي: ما شأنك، وما مطلوبك فيما فعلت من فتنة القوم؟ خاطبه بذلك ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه، وليفعل به وبما صنع من العقاب ما يكون نكالا للمفتونين به، ولمن خلفهم من الأمم من بعده، { قال } السامري في جوابه: { بصرت بما لم يبصروا به } أي: علمت ما لم يعلمه القوم، وفطنت لما لم يفطنوا به، أو رأيت ما لم يروه، وهذا أنسب، وقد كان رأى جبريل عليه السلام، جاء راكبا فرسا، وكان كلما رفع الفرس يده أو رجله عن الطريق اليبس، اخضر ما تحت قدمه بالنبات، فعرف أن له شأنا، فأخذ من موطئه شيئا من التراب. وذلك قوله تعالى: { فقبضت قبضة من أثر الرسول } أي: أثر فرس الرسول، وهو جبريل، الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور. وقال في اللباب: كان السامري من المقربين لموسى عليه السلام، فرأى جبريل راكبا على فرس، وقد دخل البحر فانفلق، فأخذ من أثره، ولم ير ذلك إلا من كان مع موسى. ه. وقال قتادة: كان السامري عظيما في بني إسرائيل، من قبيلة يقال لها: سامرة، ولكن عدو الله نافق، بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم يعكفون على أصنام لهم، وكانوا يعبدون البقر،
قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة
[الأعراف: 138]. فاغتنمها السامري فاتخذ العجل. ه. وقال الكواشي: وإنما عرف السامري جبريل من بين سائر الناس لأن أمه ولدته في السنة التي يقتل فيها الغلمان، فوضعته في كهف حذرا عليه، فبعث الله تعالى جبريل ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة. ه. وضعفه ابن عطية. قلت: ولعل تضعيفه من جهة النقل، وأما القدرة فهي صالحة ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ثم قال: فأخذت تلك القبضة { فنبذتها } في فم تلك الصورة المذابة من الحلي، فصارت تخور، { وكذلك سولت لي نفسي } أي: زينت. والإشارة: نعت لمصدر محذوف، أي: سولت لي نفسي تسويلا كائنا مثل ذلك التسويل البديع. وحاصل جوابه: أن ما فعله إنما صدر منه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة وإغوائها، لا لشيء آخر من البرهان العقلي أو الإلهام الإلهي، فند ذلك { قال } له موسى عليه السلام: { فاذهب } أي: اخرج من بين الناس، { فإن لك في الحياة } أي: في مدة حياتك، { أن تقول لا مساس } والمعنى: أن لك في مدة حياتك أن تفارقهم مفارقة كلية، لا بحسب الاختيار، بل بحسب الاضطرار الملجئ إليه، وذلك أنه تعالى رماه بداء عقام، لا يكاد يمسه أحد، أو يمس أحدا، إلا حم من ساعته حمى شديدة، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح بأقصى طوقه: لا مساس.
وقيل: إن موسى عليه السلام نفاه من قومه، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه. قال الحسن: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه. جعل ذلك له ولمن كان منه إلى يوم القيامة. فكأن الله تعالى شدد عليه المحنة، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ويقال: ابتلي بالوسواس، وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياه اليوم يقولون ذلك: لا مساس. ويقال: إن موسى هم بقتل السامري، فقال الله تعالى له: لا تقتله فإنه سخي. ولعل الحكمة في عقابه بهذه العقوبة: أن مخالطته للناس نشأت من هذه الفتنة، فعوقب بالطرد والبعد عنهم. ثم قال له الله: { وإن لك موعدا } أي: في الآخرة، { لن تخلفه } أي: لن يخلفك الله ذلك الوعد، بل ينجزه لك ألبتة، بعد ما عاقبك في الدنيا. أو لن تجاوزه ولن تخطئه، بل لا بد لك من ملاقاته. { وانظر إلى إلهك } العجل، { الذي ظلت عليه عاكفا } مقيما على عبادته، { لنحرقنه } أي: والله لنحرقنه بالنار، وقيل بالمبرد، مبالغة في الحرق، ويعضده قراءة: " لنحرقنه " ، { ثم لننسفنه } أي: لنذرينه بالريح { في اليم } في البحر، رمادا، أو مبرودا كأنه هباء، { نسفا } بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر، وقد فعل عليه السلام ذلك كله حينئذ، كما يشهد بذلك الأمر بالنظر، وإنما لم يصرح به تنبيها على كمال ظهوره، واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين. ثم نبه على الحق فقال: { إنما إلهكم الله } أي: إنما معبودكم المستحق للعبادة هو الله. والجملة: استئنافية مسوقة لتحقيق الحق، إثر إبطال الباطل، بتلوين الخطاب وتوجيهه إلى الكل، ثم وصفه بقوله: { الذي لا إله إلا هو } وحده، من غير أن يشاركه في الألوهية شيء من الأشياء، { وسع كل شيء علما } أي: وسع علمه كل ما من شأنه أن يعلم. وجملة: { وسع }: بدل من الصلة، أي: إنما إلهكم: الذي وسع كل شيء علما لا غيره كائنا ما كان، فيدخل فيه العجل دخولا أوليا. وهذا ختم كلام موسى عليه السلام، بتقرير أمر التوحيد، كما كان افتتاح الوحي إليه به بقوله: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا }. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر أثر حافر فرس جبريل: كيف حييت به الأشباح، فكيف لا تحيا بتقبيل أثر وطء العارفين بالله، أو بتقبيل أقدامهم، بل كل من خضع لهم وقبل أقدامهم حييت روحه، وشعشعت أنواره، وتحقق عرفانه، كما هو معلوم لأن الخضوع لأولياء الله إنما هو خضوع لله لأنهم يدلون على الله، ويبعدون عن كل ما سواه. وانظر السامري حين خضع لغير الله بمجرد هواه كيف طرد وأبعد، حتى صار مثلا في الناس. فقالت الصوفية: ينبغي للفقير أن يفر من أبناء جنسه، ويكون كالسامري، إذا رأى أحدا قال: لا مساس، وأنشدوا:
وخف أبناء جنسك واخش منهم كما تخشى الضراغم والسنبتا وخالطهم وزايلهم حذارا وكن كالسامري إذا لمست
والسنبتاء: كل حيوان جريء، وقيل: اسم للنمر. ويقال، لمن ركن إلى شيء دون الله تعالى من علم، أو عمل، أو حال، أو مقام، أو فني في مخلوق: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا. وفي بعض الأثر: يقول الله:
" يا عبدي، لا تركن لشيء دوني، فإن ركنت إلى علم جهلناك فيه، وإن ركنت إلى عمل رددناه عليك، وإن ركنت إلى حال وقفناك معه، وإن ركنت إلى معرفة نكرناها عليك. فأي حيلة لك أيها العبد، فكن لنا عبدا أكن لك ربا "
أو كما قال. وإليه الإشارة بقوله: { إنما إلهكم الله... } الآية. ثم ذكر نبيه عليه الصلاة والسلام بنعمة اطلاعه على هذه القصص البديعة
طه 20:97
يقول الحق جل جلاله: { قال } موسى عليه السلام في توبيخ السامري: { فما خطبك يا سامري } أي: ما شأنك، وما مطلوبك فيما فعلت من فتنة القوم؟ خاطبه بذلك ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه، وليفعل به وبما صنع من العقاب ما يكون نكالا للمفتونين به، ولمن خلفهم من الأمم من بعده، { قال } السامري في جوابه: { بصرت بما لم يبصروا به } أي: علمت ما لم يعلمه القوم، وفطنت لما لم يفطنوا به، أو رأيت ما لم يروه، وهذا أنسب، وقد كان رأى جبريل عليه السلام، جاء راكبا فرسا، وكان كلما رفع الفرس يده أو رجله عن الطريق اليبس، اخضر ما تحت قدمه بالنبات، فعرف أن له شأنا، فأخذ من موطئه شيئا من التراب. وذلك قوله تعالى: { فقبضت قبضة من أثر الرسول } أي: أثر فرس الرسول، وهو جبريل، الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور. وقال في اللباب: كان السامري من المقربين لموسى عليه السلام، فرأى جبريل راكبا على فرس، وقد دخل البحر فانفلق، فأخذ من أثره، ولم ير ذلك إلا من كان مع موسى. ه. وقال قتادة: كان السامري عظيما في بني إسرائيل، من قبيلة يقال لها: سامرة، ولكن عدو الله نافق، بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم يعكفون على أصنام لهم، وكانوا يعبدون البقر،
قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة
[الأعراف: 138]. فاغتنمها السامري فاتخذ العجل. ه. وقال الكواشي: وإنما عرف السامري جبريل من بين سائر الناس لأن أمه ولدته في السنة التي يقتل فيها الغلمان، فوضعته في كهف حذرا عليه، فبعث الله تعالى جبريل ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة. ه. وضعفه ابن عطية. قلت: ولعل تضعيفه من جهة النقل، وأما القدرة فهي صالحة ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ثم قال: فأخذت تلك القبضة { فنبذتها } في فم تلك الصورة المذابة من الحلي، فصارت تخور، { وكذلك سولت لي نفسي } أي: زينت. والإشارة: نعت لمصدر محذوف، أي: سولت لي نفسي تسويلا كائنا مثل ذلك التسويل البديع. وحاصل جوابه: أن ما فعله إنما صدر منه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة وإغوائها، لا لشيء آخر من البرهان العقلي أو الإلهام الإلهي، فند ذلك { قال } له موسى عليه السلام: { فاذهب } أي: اخرج من بين الناس، { فإن لك في الحياة } أي: في مدة حياتك، { أن تقول لا مساس } والمعنى: أن لك في مدة حياتك أن تفارقهم مفارقة كلية، لا بحسب الاختيار، بل بحسب الاضطرار الملجئ إليه، وذلك أنه تعالى رماه بداء عقام، لا يكاد يمسه أحد، أو يمس أحدا، إلا حم من ساعته حمى شديدة، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح بأقصى طوقه: لا مساس.
وقيل: إن موسى عليه السلام نفاه من قومه، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه. قال الحسن: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه. جعل ذلك له ولمن كان منه إلى يوم القيامة. فكأن الله تعالى شدد عليه المحنة، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ويقال: ابتلي بالوسواس، وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياه اليوم يقولون ذلك: لا مساس. ويقال: إن موسى هم بقتل السامري، فقال الله تعالى له: لا تقتله فإنه سخي. ولعل الحكمة في عقابه بهذه العقوبة: أن مخالطته للناس نشأت من هذه الفتنة، فعوقب بالطرد والبعد عنهم. ثم قال له الله: { وإن لك موعدا } أي: في الآخرة، { لن تخلفه } أي: لن يخلفك الله ذلك الوعد، بل ينجزه لك ألبتة، بعد ما عاقبك في الدنيا. أو لن تجاوزه ولن تخطئه، بل لا بد لك من ملاقاته. { وانظر إلى إلهك } العجل، { الذي ظلت عليه عاكفا } مقيما على عبادته، { لنحرقنه } أي: والله لنحرقنه بالنار، وقيل بالمبرد، مبالغة في الحرق، ويعضده قراءة: " لنحرقنه " ، { ثم لننسفنه } أي: لنذرينه بالريح { في اليم } في البحر، رمادا، أو مبرودا كأنه هباء، { نسفا } بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر، وقد فعل عليه السلام ذلك كله حينئذ، كما يشهد بذلك الأمر بالنظر، وإنما لم يصرح به تنبيها على كمال ظهوره، واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين. ثم نبه على الحق فقال: { إنما إلهكم الله } أي: إنما معبودكم المستحق للعبادة هو الله. والجملة: استئنافية مسوقة لتحقيق الحق، إثر إبطال الباطل، بتلوين الخطاب وتوجيهه إلى الكل، ثم وصفه بقوله: { الذي لا إله إلا هو } وحده، من غير أن يشاركه في الألوهية شيء من الأشياء، { وسع كل شيء علما } أي: وسع علمه كل ما من شأنه أن يعلم. وجملة: { وسع }: بدل من الصلة، أي: إنما إلهكم: الذي وسع كل شيء علما لا غيره كائنا ما كان، فيدخل فيه العجل دخولا أوليا. وهذا ختم كلام موسى عليه السلام، بتقرير أمر التوحيد، كما كان افتتاح الوحي إليه به بقوله: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا }. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر أثر حافر فرس جبريل: كيف حييت به الأشباح، فكيف لا تحيا بتقبيل أثر وطء العارفين بالله، أو بتقبيل أقدامهم، بل كل من خضع لهم وقبل أقدامهم حييت روحه، وشعشعت أنواره، وتحقق عرفانه، كما هو معلوم لأن الخضوع لأولياء الله إنما هو خضوع لله لأنهم يدلون على الله، ويبعدون عن كل ما سواه. وانظر السامري حين خضع لغير الله بمجرد هواه كيف طرد وأبعد، حتى صار مثلا في الناس. فقالت الصوفية: ينبغي للفقير أن يفر من أبناء جنسه، ويكون كالسامري، إذا رأى أحدا قال: لا مساس، وأنشدوا:
وخف أبناء جنسك واخش منهم كما تخشى الضراغم والسنبتا وخالطهم وزايلهم حذارا وكن كالسامري إذا لمست
والسنبتاء: كل حيوان جريء، وقيل: اسم للنمر. ويقال، لمن ركن إلى شيء دون الله تعالى من علم، أو عمل، أو حال، أو مقام، أو فني في مخلوق: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا. وفي بعض الأثر: يقول الله:
" يا عبدي، لا تركن لشيء دوني، فإن ركنت إلى علم جهلناك فيه، وإن ركنت إلى عمل رددناه عليك، وإن ركنت إلى حال وقفناك معه، وإن ركنت إلى معرفة نكرناها عليك. فأي حيلة لك أيها العبد، فكن لنا عبدا أكن لك ربا "
أو كما قال. وإليه الإشارة بقوله: { إنما إلهكم الله... } الآية. ثم ذكر نبيه عليه الصلاة والسلام بنعمة اطلاعه على هذه القصص البديعة
طه 20:98
يقول الحق جل جلاله: { قال } موسى عليه السلام في توبيخ السامري: { فما خطبك يا سامري } أي: ما شأنك، وما مطلوبك فيما فعلت من فتنة القوم؟ خاطبه بذلك ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه، وليفعل به وبما صنع من العقاب ما يكون نكالا للمفتونين به، ولمن خلفهم من الأمم من بعده، { قال } السامري في جوابه: { بصرت بما لم يبصروا به } أي: علمت ما لم يعلمه القوم، وفطنت لما لم يفطنوا به، أو رأيت ما لم يروه، وهذا أنسب، وقد كان رأى جبريل عليه السلام، جاء راكبا فرسا، وكان كلما رفع الفرس يده أو رجله عن الطريق اليبس، اخضر ما تحت قدمه بالنبات، فعرف أن له شأنا، فأخذ من موطئه شيئا من التراب. وذلك قوله تعالى: { فقبضت قبضة من أثر الرسول } أي: أثر فرس الرسول، وهو جبريل، الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور. وقال في اللباب: كان السامري من المقربين لموسى عليه السلام، فرأى جبريل راكبا على فرس، وقد دخل البحر فانفلق، فأخذ من أثره، ولم ير ذلك إلا من كان مع موسى. ه. وقال قتادة: كان السامري عظيما في بني إسرائيل، من قبيلة يقال لها: سامرة، ولكن عدو الله نافق، بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم يعكفون على أصنام لهم، وكانوا يعبدون البقر،
قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة
[الأعراف: 138]. فاغتنمها السامري فاتخذ العجل. ه. وقال الكواشي: وإنما عرف السامري جبريل من بين سائر الناس لأن أمه ولدته في السنة التي يقتل فيها الغلمان، فوضعته في كهف حذرا عليه، فبعث الله تعالى جبريل ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة. ه. وضعفه ابن عطية. قلت: ولعل تضعيفه من جهة النقل، وأما القدرة فهي صالحة ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ثم قال: فأخذت تلك القبضة { فنبذتها } في فم تلك الصورة المذابة من الحلي، فصارت تخور، { وكذلك سولت لي نفسي } أي: زينت. والإشارة: نعت لمصدر محذوف، أي: سولت لي نفسي تسويلا كائنا مثل ذلك التسويل البديع. وحاصل جوابه: أن ما فعله إنما صدر منه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة وإغوائها، لا لشيء آخر من البرهان العقلي أو الإلهام الإلهي، فند ذلك { قال } له موسى عليه السلام: { فاذهب } أي: اخرج من بين الناس، { فإن لك في الحياة } أي: في مدة حياتك، { أن تقول لا مساس } والمعنى: أن لك في مدة حياتك أن تفارقهم مفارقة كلية، لا بحسب الاختيار، بل بحسب الاضطرار الملجئ إليه، وذلك أنه تعالى رماه بداء عقام، لا يكاد يمسه أحد، أو يمس أحدا، إلا حم من ساعته حمى شديدة، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح بأقصى طوقه: لا مساس.
وقيل: إن موسى عليه السلام نفاه من قومه، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه. قال الحسن: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه. جعل ذلك له ولمن كان منه إلى يوم القيامة. فكأن الله تعالى شدد عليه المحنة، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ويقال: ابتلي بالوسواس، وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياه اليوم يقولون ذلك: لا مساس. ويقال: إن موسى هم بقتل السامري، فقال الله تعالى له: لا تقتله فإنه سخي. ولعل الحكمة في عقابه بهذه العقوبة: أن مخالطته للناس نشأت من هذه الفتنة، فعوقب بالطرد والبعد عنهم. ثم قال له الله: { وإن لك موعدا } أي: في الآخرة، { لن تخلفه } أي: لن يخلفك الله ذلك الوعد، بل ينجزه لك ألبتة، بعد ما عاقبك في الدنيا. أو لن تجاوزه ولن تخطئه، بل لا بد لك من ملاقاته. { وانظر إلى إلهك } العجل، { الذي ظلت عليه عاكفا } مقيما على عبادته، { لنحرقنه } أي: والله لنحرقنه بالنار، وقيل بالمبرد، مبالغة في الحرق، ويعضده قراءة: " لنحرقنه " ، { ثم لننسفنه } أي: لنذرينه بالريح { في اليم } في البحر، رمادا، أو مبرودا كأنه هباء، { نسفا } بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر، وقد فعل عليه السلام ذلك كله حينئذ، كما يشهد بذلك الأمر بالنظر، وإنما لم يصرح به تنبيها على كمال ظهوره، واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين. ثم نبه على الحق فقال: { إنما إلهكم الله } أي: إنما معبودكم المستحق للعبادة هو الله. والجملة: استئنافية مسوقة لتحقيق الحق، إثر إبطال الباطل، بتلوين الخطاب وتوجيهه إلى الكل، ثم وصفه بقوله: { الذي لا إله إلا هو } وحده، من غير أن يشاركه في الألوهية شيء من الأشياء، { وسع كل شيء علما } أي: وسع علمه كل ما من شأنه أن يعلم. وجملة: { وسع }: بدل من الصلة، أي: إنما إلهكم: الذي وسع كل شيء علما لا غيره كائنا ما كان، فيدخل فيه العجل دخولا أوليا. وهذا ختم كلام موسى عليه السلام، بتقرير أمر التوحيد، كما كان افتتاح الوحي إليه به بقوله: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا }. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر أثر حافر فرس جبريل: كيف حييت به الأشباح، فكيف لا تحيا بتقبيل أثر وطء العارفين بالله، أو بتقبيل أقدامهم، بل كل من خضع لهم وقبل أقدامهم حييت روحه، وشعشعت أنواره، وتحقق عرفانه، كما هو معلوم لأن الخضوع لأولياء الله إنما هو خضوع لله لأنهم يدلون على الله، ويبعدون عن كل ما سواه. وانظر السامري حين خضع لغير الله بمجرد هواه كيف طرد وأبعد، حتى صار مثلا في الناس. فقالت الصوفية: ينبغي للفقير أن يفر من أبناء جنسه، ويكون كالسامري، إذا رأى أحدا قال: لا مساس، وأنشدوا:
وخف أبناء جنسك واخش منهم كما تخشى الضراغم والسنبتا وخالطهم وزايلهم حذارا وكن كالسامري إذا لمست
والسنبتاء: كل حيوان جريء، وقيل: اسم للنمر. ويقال، لمن ركن إلى شيء دون الله تعالى من علم، أو عمل، أو حال، أو مقام، أو فني في مخلوق: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا. وفي بعض الأثر: يقول الله:
" يا عبدي، لا تركن لشيء دوني، فإن ركنت إلى علم جهلناك فيه، وإن ركنت إلى عمل رددناه عليك، وإن ركنت إلى حال وقفناك معه، وإن ركنت إلى معرفة نكرناها عليك. فأي حيلة لك أيها العبد، فكن لنا عبدا أكن لك ربا "
أو كما قال. وإليه الإشارة بقوله: { إنما إلهكم الله... } الآية. ثم ذكر نبيه عليه الصلاة والسلام بنعمة اطلاعه على هذه القصص البديعة
طه 20:99
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:100
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:101
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:102
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:103
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:104
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:105
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:106
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:107
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:108
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:109
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:110
{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق... } قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصا مثل ذلك القص المار. وما في الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبعد منزلته في الفضل. و { من أنباء }: في محل النصب، إما على أنه مفعول { نقص } باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرا كائنا من أخبار ما قد سبق. يقول الحق جل جلاله: { كذلك } أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته { نقص عليك من أنباء ما قد سبق } أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسير العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } قلت: { من أعرض }: شرطية أو موصولة، وعلى كل فهي صفة لذكرا، و { خالدين }: حال من فاعل { يحمل } ، أو الجمع، باعتبار معنى " من " ، و { حملا }: تمييز، تفسير لضمير { ساء } ، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملا وزرهم، و { يوم ينفخ }: بدل من { يوم القيامة } ، أو منصوب باذكر. و { يتخافتون }: استئناف مبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من { المجرمين }. و { قاعا }: حال من ضمير { يذرها } ، أو مفعول ثان ليذر. و { صفصفا }: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: { لا ترى }: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و { يومئذ }: ظرف ليتبعون، أو بدل من { يوم القيامة }. يقول الحق جل جلاله: { وقد آتيناك } يا محمد { من لدنا } خصوص عنديتنا { ذكرا } عظيما وقرآنا كريما، جامعا لكل كمال، مخبرا بعجائب القصص والأمثال.
{ من أعرض عنه } أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرا لتشبيهها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يثقل الحامل وينقض ظهره، وقيل: يجسم، ويجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: { خالدين فيه } أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل لاستمراره فيه بعد دخول النار، { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة لزيادة التهويل. { يوم ينفخ في الصور } أي: ذلك اليوم هو يوم ينفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، { ونحشر المجرمين } أي: المشركين { يومئذ } أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلا، حال كونهم { زرقا } أي: زرق العيون. وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ألا كل ضبي من اللؤم أزرق
وقيل زرقا، أي: عميا لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عطاشا لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. { يتخافتون بينهم } أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا } أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال استقصارا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافا به، وتحقيقا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. روي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي: أعدلهم رأيا وأوفاهم عقلا: { إن لبثتم إلا يوما } ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. { ويسألونك عن الجبال } أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، { فقل } لهم: { ينسفها ربي نسفا } أي: يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، { فيذرها } أي: يترك ما كان تحتها من الأرض { قاعا صفصفا } أي: أرضا مستوية لأن الجبال إذا سويت، وجعل سطحها مساويا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطحا واحدا.
فالضمير في { يذرها } إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، { لا ترى فيها } أي: في الأرض الذي نسفت جبالها { عوجا } أي: اعوجاجا وانخفاضا، { ولا أمتا } نتوءا وارتفاعا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. { يومئذ } أي: يوم إذ نسفت الجبال، { يتبعون الداعي } أي: يتبع الناس داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائما على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلا: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة قوموا إلى العرض والحساب، فيقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فينادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: { لا عوج له } أي: لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، { وخشعت الأصوات للرحمن } أي: خضعت وسكنت لهيبته { فلا تسمع إلا همسا } أي: صوتا خفيا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، { إلا من أذن له الرحمن } في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، { ورضي له قولا } أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: { ورضي له قولا } في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولا من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت لقوله تعالى:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]. { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، { وما خلفهم }: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، { ولا يحيطون به علما } أي: لا تحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: { به } ، يحتمل أن تعود إلى { ما بين أيديهم وما خلفهم } ، ويحتمل أن تعود إلى الحق - سبحانه - وهو طريقة السلف، يقولون: يعلم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يرى ولا يدرك.
ه. الإشارة: وقد آتيناك من لدنا ذكرا، أي: قرآنا يجمع القلوب على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وزرا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيكرم المتقين، ويهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان، فقل ينسفها ربي نسفا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعا صفصفا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا. وإنما ترى وجودا متصلا، وبحرا طامسا، ليس فيه بعد ولا قرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر:
من أبصر الخلق كالسراب فقد ترقى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحكم: " ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ". وقالوا: من عرف الله كل لسانه، وإليه الإشارة بقوله: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا }. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة } أي: في دخول الحضرة، { إلا من أذن له الرحمن } في التربية والترقية، { ورضي له قولا } ، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: { ولا يحيطون به علما } إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق لهم ترق، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكل عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم
طه 20:111
قلت: { وقد خاب... } الخ: استئناف، تعليل ما لأجله عنت وجوههم، أو اعتراض، كأنه قيل: خابوا وخسروا، أو حال من الوجوه، و { من }: عبارة عنها، مغنية عن ضميرها، أي: خضعت الوجوه، والحال أنها خابت حين حملت ظلما. وقيل: { الوجوه } على العموم، فالمعنى حينئذ: وقد خاب من حمل منهم ظلما، ومن قرأ: " فلا يخف ": فعلى النهي، وهو جواب، ومن قرأ بالرفع: فعلى الخبر، أي: فهو لا يخاف. يقول الحق جل جلاله: { وعنت الوجوه للحي القيوم } أي: ذلت وخضعت خضوع العناة، أي: الأسارى في يد الملك القهار، ومنه قيل للأسير: " عان " ، أي: خاضع ذليل، وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت:
مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد
ولعلها وجوه المجرمين، كقوله تعالى
سيئت وجوه الذين كفروا
[الملك: 27]، ويؤيده وصله بقوله: { وقد خاب من حمل ظلما } أي: وعنت الوجوه لأنها قد خابت وخسرت حين حملت ظلما. قال ابن عباس رضي الله عنه: خسر من أشرك بالله ولم يتب، فإنما تذل وجوه من أشرك بالله، وأما أهل التوحيد فأشار إليهم بقوله: { ومن يعمل من الصالحات... } الخ، فهو قسيم لقوله: { ومن خاب من حمل ظلما } ، لا لقوله: { وعنت الوجوه }. وإذا حملنا { عنت } على مطلق الخضوع أو السجود كان عاما، لأن الخلائق كلها تخضع لله في ذلك الوقت. ثم فصلهم: فمن حمل ظلما فقد خاب وخسر، { ومن يعمل من الصالحات } أي: بعضها، { وهو مؤمن } ، فالإيمان شرط في صحة الطاعات وقبول الحسنات، { فلا يخاف ظلما } أي: منع ثواب قد استحقه بموجب الوعد، أو زيادة عقاب على موجب سيئاته، { ولا هضما } أي: كسرا ونقصا من ثواب حسناته، وأصل الهضم: النقص والكسر يقال: هضمت لك من حقك، أي: حططت، وهضمت الطعام: حططته إلى أسفل المعدة، وامرأة هضيمة الكشح: أي: ضامرة البطن، فالحق تعالى إنما تعرض لنفي الظلم والهضم عن عامل الصالحات، لأن نفي ذلك إنما يكون مع العمل، ففيه يتوهم الهضم والنقص، وأما بدونه فلا... نعم، الإيمان المجرد نافع على مذهب أهل السنة، لكن صاحبه على خطر في نفوذ الوعيد، ولو غفر له، فإنه ناقص عن درجة عامل الصالحات، كما علم شرعا. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا سرحت الفكرة، وجالت في أقطار الملكوت وأسرار الجبروت، وتحققت بعدم الإحاطة، رجعت إلى عش العبودية، وخضعت للحي القيوم، وقد خاب وخسر من لم يبلغ إلى هذا المقام، حين حمل ظلما بالميل إلى الشيء من السوى، بغلبة الطبع والهوى، وأما من نهض إلى مولاه، واشتغل بالأعمال التي تقربه إلى حضرته، فلا يخاف ظلما ولا هضما فإن الله يرفع العبد على قدر همته، وينعمه على قدر طاعته. وبهذا جاء الوحي والتنزيل.
طه 20:112
قلت: { وقد خاب... } الخ: استئناف، تعليل ما لأجله عنت وجوههم، أو اعتراض، كأنه قيل: خابوا وخسروا، أو حال من الوجوه، و { من }: عبارة عنها، مغنية عن ضميرها، أي: خضعت الوجوه، والحال أنها خابت حين حملت ظلما. وقيل: { الوجوه } على العموم، فالمعنى حينئذ: وقد خاب من حمل منهم ظلما، ومن قرأ: " فلا يخف ": فعلى النهي، وهو جواب، ومن قرأ بالرفع: فعلى الخبر، أي: فهو لا يخاف. يقول الحق جل جلاله: { وعنت الوجوه للحي القيوم } أي: ذلت وخضعت خضوع العناة، أي: الأسارى في يد الملك القهار، ومنه قيل للأسير: " عان " ، أي: خاضع ذليل، وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت:
مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد
ولعلها وجوه المجرمين، كقوله تعالى
سيئت وجوه الذين كفروا
[الملك: 27]، ويؤيده وصله بقوله: { وقد خاب من حمل ظلما } أي: وعنت الوجوه لأنها قد خابت وخسرت حين حملت ظلما. قال ابن عباس رضي الله عنه: خسر من أشرك بالله ولم يتب، فإنما تذل وجوه من أشرك بالله، وأما أهل التوحيد فأشار إليهم بقوله: { ومن يعمل من الصالحات... } الخ، فهو قسيم لقوله: { ومن خاب من حمل ظلما } ، لا لقوله: { وعنت الوجوه }. وإذا حملنا { عنت } على مطلق الخضوع أو السجود كان عاما، لأن الخلائق كلها تخضع لله في ذلك الوقت. ثم فصلهم: فمن حمل ظلما فقد خاب وخسر، { ومن يعمل من الصالحات } أي: بعضها، { وهو مؤمن } ، فالإيمان شرط في صحة الطاعات وقبول الحسنات، { فلا يخاف ظلما } أي: منع ثواب قد استحقه بموجب الوعد، أو زيادة عقاب على موجب سيئاته، { ولا هضما } أي: كسرا ونقصا من ثواب حسناته، وأصل الهضم: النقص والكسر يقال: هضمت لك من حقك، أي: حططت، وهضمت الطعام: حططته إلى أسفل المعدة، وامرأة هضيمة الكشح: أي: ضامرة البطن، فالحق تعالى إنما تعرض لنفي الظلم والهضم عن عامل الصالحات، لأن نفي ذلك إنما يكون مع العمل، ففيه يتوهم الهضم والنقص، وأما بدونه فلا... نعم، الإيمان المجرد نافع على مذهب أهل السنة، لكن صاحبه على خطر في نفوذ الوعيد، ولو غفر له، فإنه ناقص عن درجة عامل الصالحات، كما علم شرعا. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا سرحت الفكرة، وجالت في أقطار الملكوت وأسرار الجبروت، وتحققت بعدم الإحاطة، رجعت إلى عش العبودية، وخضعت للحي القيوم، وقد خاب وخسر من لم يبلغ إلى هذا المقام، حين حمل ظلما بالميل إلى الشيء من السوى، بغلبة الطبع والهوى، وأما من نهض إلى مولاه، واشتغل بالأعمال التي تقربه إلى حضرته، فلا يخاف ظلما ولا هضما فإن الله يرفع العبد على قدر همته، وينعمه على قدر طاعته. وبهذا جاء الوحي والتنزيل.
طه 20:113
قلت: { وكذلك }: عطف على قوله: { كذلك نقص } ، و " ذلك ": إشارة إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد، المنبئة عما سيقع من أهوال يوم القيامة. يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: ومثل ذلك الإنزال المتقدم، { أنزلناه } أي: القرآن كله، وإضماره، من غير سبقية ذكره للإيذان بنباهة شأنه، وكونه مركوزا في العقول، حاضرا في الأذهان، حال كونه: { قرآنا عربيا } ليفهمه العرب، ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز، الدال على كونه خارجا عن طوق البشر، نازلا من عند خلاق القوى والقدر. { وصرفنا فيه من الوعيد } أي: كررنا فيه بعض الوعيد، أو من جنس الوعيد، { لعلهم يتقون } أي كي يتقوا الكفر والمعاصي بالفعل، { أو يحدث لهم ذكرا } اتعاظا واعتبارا يؤديهم إلى الارتقاء، { فتعالى الله } أي: تعاظم شأنه عما يصفه الكفرة، وتهاون العصاة، الذين لم يحدث فيهم القرآن زجرا ولا وعظا، أي: ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله، { الملك } لها، النافذ أمره ونهيه، الحقيق بأن يرجى وعده، ويخشى وعيده، { الحق } في ألوهيته لذاته، أو الثابت الذي لا يمكن عدمه، أزلا وأبدا. { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي وإذا كنا أنزلنا عليك قرآنا عربيا، وصرفنا فيه من الوعيد، فأمهل عند نزوله، حتى يقرأه عليك الملك، ولا تعجل به قبل أن يتم وحيه، ويفرغ من قراءته عليك. كان صلى الله عليه وسلم، إذا ألقى جبريل عليه الوحي، يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة، لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ، فنهى عن ذلك لأنه ربما يشغله التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها، ولأن المراد من الألفاظ فهم المعاني المتضمنة للعلوم التي لا حصر لها، ولذلك أمره باستفاضة العلم واستزادته منه فقال: { وقل رب زدني علما } أي: وقل في نفسك، أو بلسانك: رب زدني علما، والمراد: سل الله عز وجل زيادة العلم به وبأحكامه إذ لا نهاية لعلمه كما لا نهاية لذاته، فإنه الموصل إلى مطلبك دون الاستعجال. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا، يعرب عن كمال ظهور ذاته وأنوار صفاته، وصرفنا فيه من الوعيد، لمن تخلف عن شهوده، بعد كمال ظهوره، لعلهم يتقون ما يحجبهم عن رؤيته، أو يحدث لهم ذكرا، أي: شوقا يزعجهم إلى النهوض إلى حضرته، والوصول إليه، فتعالى الله الملك الحق أن يتصل بشيء، أو يتصل به شيء، وإنما الوصول إليه: العلم بإحاطته ووحدة ذاته. ولا تعجل، أيها العارف، بالقرآن الذي ينزل على قلبك من وحي الإلهام، من قبل أن يقضى إليك وحيه، فإن الواردات الإلهية تأتي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان، { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه } ، ولكن استزد من ربك العلوم اللدنية والكشوفات الإلهية، أي: لا يكن همك استعجال الواردات أو بقاءها، وليكن همك استزادة العلوم ومعرفة واهبها، فإن العلوم وسائل لمعرفة المعلوم، والوصول للحي القيوم. وبالله التوفيق. ثم بين تصريف الوعيد على ارتكاب العصيان وبيان منشئه...
طه 20:114
قلت: { وكذلك }: عطف على قوله: { كذلك نقص } ، و " ذلك ": إشارة إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد، المنبئة عما سيقع من أهوال يوم القيامة. يقول الحق جل جلاله: { وكذلك } أي: ومثل ذلك الإنزال المتقدم، { أنزلناه } أي: القرآن كله، وإضماره، من غير سبقية ذكره للإيذان بنباهة شأنه، وكونه مركوزا في العقول، حاضرا في الأذهان، حال كونه: { قرآنا عربيا } ليفهمه العرب، ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز، الدال على كونه خارجا عن طوق البشر، نازلا من عند خلاق القوى والقدر. { وصرفنا فيه من الوعيد } أي: كررنا فيه بعض الوعيد، أو من جنس الوعيد، { لعلهم يتقون } أي كي يتقوا الكفر والمعاصي بالفعل، { أو يحدث لهم ذكرا } اتعاظا واعتبارا يؤديهم إلى الارتقاء، { فتعالى الله } أي: تعاظم شأنه عما يصفه الكفرة، وتهاون العصاة، الذين لم يحدث فيهم القرآن زجرا ولا وعظا، أي: ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله، { الملك } لها، النافذ أمره ونهيه، الحقيق بأن يرجى وعده، ويخشى وعيده، { الحق } في ألوهيته لذاته، أو الثابت الذي لا يمكن عدمه، أزلا وأبدا. { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي وإذا كنا أنزلنا عليك قرآنا عربيا، وصرفنا فيه من الوعيد، فأمهل عند نزوله، حتى يقرأه عليك الملك، ولا تعجل به قبل أن يتم وحيه، ويفرغ من قراءته عليك. كان صلى الله عليه وسلم، إذا ألقى جبريل عليه الوحي، يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة، لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ، فنهى عن ذلك لأنه ربما يشغله التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها، ولأن المراد من الألفاظ فهم المعاني المتضمنة للعلوم التي لا حصر لها، ولذلك أمره باستفاضة العلم واستزادته منه فقال: { وقل رب زدني علما } أي: وقل في نفسك، أو بلسانك: رب زدني علما، والمراد: سل الله عز وجل زيادة العلم به وبأحكامه إذ لا نهاية لعلمه كما لا نهاية لذاته، فإنه الموصل إلى مطلبك دون الاستعجال. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا، يعرب عن كمال ظهور ذاته وأنوار صفاته، وصرفنا فيه من الوعيد، لمن تخلف عن شهوده، بعد كمال ظهوره، لعلهم يتقون ما يحجبهم عن رؤيته، أو يحدث لهم ذكرا، أي: شوقا يزعجهم إلى النهوض إلى حضرته، والوصول إليه، فتعالى الله الملك الحق أن يتصل بشيء، أو يتصل به شيء، وإنما الوصول إليه: العلم بإحاطته ووحدة ذاته. ولا تعجل، أيها العارف، بالقرآن الذي ينزل على قلبك من وحي الإلهام، من قبل أن يقضى إليك وحيه، فإن الواردات الإلهية تأتي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان، { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه } ، ولكن استزد من ربك العلوم اللدنية والكشوفات الإلهية، أي: لا يكن همك استعجال الواردات أو بقاءها، وليكن همك استزادة العلوم ومعرفة واهبها، فإن العلوم وسائل لمعرفة المعلوم، والوصول للحي القيوم. وبالله التوفيق. ثم بين تصريف الوعيد على ارتكاب العصيان وبيان منشئه...
طه 20:115
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:116
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:117
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:118
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:119
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:120
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:121
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:122
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:123
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار