Lafzullah

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الأنبياء 21:69 – الحج 22:68

المؤلف / المصدر: ابن عجيبة (ت 1224هـ) · المصدر الرقمي: OpenITI/RELEASE 1224IbnCajiba.BahrMadid.Tafsir03037-ara1 (أصله altafsir.com)

المحتويات
  1. الأنبياء 21:69
  2. الأنبياء 21:70
  3. الأنبياء 21:71
  4. الأنبياء 21:72
  5. الأنبياء 21:73
  6. الأنبياء 21:74
  7. الأنبياء 21:75
  8. الأنبياء 21:76
  9. الأنبياء 21:77
  10. الأنبياء 21:78
  11. الأنبياء 21:79
  12. الأنبياء 21:80
  13. الأنبياء 21:81
  14. الأنبياء 21:82
  15. الأنبياء 21:83
  16. الأنبياء 21:84
  17. الأنبياء 21:85
  18. الأنبياء 21:86
  19. الأنبياء 21:87
  20. الأنبياء 21:88
  21. الأنبياء 21:89
  22. الأنبياء 21:90
  23. الأنبياء 21:91
  24. الأنبياء 21:92
  25. الأنبياء 21:93
  26. الأنبياء 21:94
  27. الأنبياء 21:95
  28. الأنبياء 21:96
  29. الأنبياء 21:97
  30. الأنبياء 21:98
  31. الأنبياء 21:99
  32. الأنبياء 21:100
  33. الأنبياء 21:101
  34. الأنبياء 21:102
  35. الأنبياء 21:103
  36. الأنبياء 21:104
  37. الأنبياء 21:105
  38. الأنبياء 21:106
  39. الأنبياء 21:107
  40. الأنبياء 21:108
  41. الأنبياء 21:109
  42. الأنبياء 21:110
  43. الأنبياء 21:111
  44. الأنبياء 21:112
  45. الحج 22:1
  46. الحج 22:2
  47. الحج 22:3
  48. الحج 22:4
  49. الحج 22:5
  50. الحج 22:6
  51. الحج 22:7
  52. الحج 22:8
  53. الحج 22:9
  54. الحج 22:10
  55. الحج 22:11
  56. الحج 22:12
  57. الحج 22:13
  58. الحج 22:14
  59. الحج 22:15
  60. الحج 22:16
  61. الحج 22:17
  62. الحج 22:18
  63. الحج 22:19
  64. الحج 22:20
  65. الحج 22:21
  66. الحج 22:22
  67. الحج 22:23
  68. الحج 22:24
  69. الحج 22:25
  70. الحج 22:26
  71. الحج 22:27
  72. الحج 22:28
  73. الحج 22:29
  74. الحج 22:30
  75. الحج 22:31
  76. الحج 22:32
  77. الحج 22:33
  78. الحج 22:34
  79. الحج 22:35
  80. الحج 22:36
  81. الحج 22:37
  82. الحج 22:38
  83. الحج 22:39
  84. الحج 22:40
  85. الحج 22:41
  86. الحج 22:42
  87. الحج 22:43
  88. الحج 22:44
  89. الحج 22:45
  90. الحج 22:46
  91. الحج 22:47
  92. الحج 22:48
  93. الحج 22:49
  94. الحج 22:50
  95. الحج 22:51
  96. الحج 22:52
  97. الحج 22:53
  98. الحج 22:54
  99. الحج 22:55
  100. الحج 22:56
  101. الحج 22:57
  102. الحج 22:58
  103. الحج 22:59
  104. الحج 22:60
  105. الحج 22:61
  106. الحج 22:62
  107. الحج 22:63
  108. الحج 22:64
  109. الحج 22:65
  110. الحج 22:66
  111. الحج 22:67
  112. الحج 22:68

الأنبياء 21:69

يقول الحق جل جلاله: { قالوا حرقوه } أي: قال بعضهم لبعض، لما عجزوا عن المحاججة، وضاقت عليهم الحيل، وعييت بهم العلل، وهذا ديدن المبطل المحجوج، إذا قرعت شبهه بالحجة القاطعة وافتضح، لم يبق له حينئذ إلا المناصبة والمعاداة، فناصبوا إبراهيم عليه السلام، وقالوا حرقوه بالنار لأنه أشد العقوبات، { وانصروا آلهتكم } بالانتقام لها { إن كنتم فاعلين } للنصر، أي: إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا، فاختاروا له أهول المعاقبات، وهو الإحراق، وإلا فقد فرطتم في نصرتها، والذي أشار بالإحراق نمرود، أو رجل من أكراد فارس، اسمه " هيزن " ، وقيل: " هدير " ، خسفت به الأرض، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. روي أنهم، لما أجمعوا على حرقه عليه السلام، بنوا له حظيرة بكوثى - قرية من قرى الأنباط بالعراق - فجمعوا صلاب الحطب من أصناف الخشب، مدة أربعين يوما، وقيل: شهرا، حتى إن المرأة تنذر: لئن أصابت حاجتها لتحطبن في نار إبراهيم. ثم أوقدوا نارا عظيمة، لا يكاد يحوم حولها أحد، حتى إن كانت الطير لتمر بها، وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة وهجها، ولم يقدر أحد أن يقربها، فلم يعلموا كيف يلقونه عليه السلام فيها، فأتى إبليس وعلمهم علم المنجنيق، فعملوه. وقيل: صنعه لهم رجل من الأكراد، فخسف الله تعالى به في الأرض مثل الآخر، ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه السلام، فوضعوه فيه مغلولا مقيدا مجردا، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة: يا ربنا، إبراهيم، ليس في الأرض أحد يعبدك غيره، يحرق فيك، فأذن لنا في نصرته، فقال لهم: إن استغاث بواحد منكم فأغيثوه، فرموا به فيها من مكان شاسع، فقال له جبريل عليه السلام، وهو في الهواء: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فرفع همته عن الخلق، واكتفى بالواحد الحق، فجعل الله الخطيرة روضة. وهذا معنى قوله: { قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم } أي: كوني ذات برد وسلام، أي: ابردي بردا غير ضار. قال ابن عباس: لو لم يقل { وسلاما } لمات إبراهيم من بردها، ولم تبق يومئذ نار إلا طفئت، ظنت أن الخطاب توجه لها، فما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولم تبق دابة إلا أتت تطفئ عنه النار، إلا الوزغ. فلذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم. بقتلها، وسماها فويسقا. قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس. قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه. وروي أنه عليه السلام مكث فيها سبعة أيام، وقيل: أربعين، وقيل: خمسين، والأول أقرب. قال إبراهيم عليه السلام: ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها. قال ابن بسار: وبعث الله تعالى ملك الظل فقعد إلى جنبه يؤنسه، قالوا: وبعث الله بقميص من حرير الجنة. قلت: وقد تقدم ذكره في سورة يوسف. وأتاه جبريل فقال: إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. فنظر نمرود من صرحه، فأشرف عليه، فرآه جالسا في روضة مونقة، ومعه جليس على أحسن ما يكون من الهيئة، والنار محيطة به، فنادى: يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: فاخرج، فقام يمشي فخرج منها، فاستقبله نمرود وعظمه. وقال: من الرجل الذي رأيته معك؟ قال ذلك ملك الظل، أرسله ربي ليؤنسني، فقال: إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيته من قدرته وعزته فيما صنع بك. فقال عليه السلام: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك هذا، حتى تفارقه إلى ديني، قال: لا استطيع ترك ملكي، ولكن سأذبح له أربعة آلاف بقرة، فذبحها، وكف عن إبراهيم عليه السلام. قال شعيب الجبائي: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة، ولما علت ما أراد من ذبحه بقيت يومين وماتت في الثالث. ه. وهذا كما ترى من أكبر المعجزات، فإن انقلاب النار هواء طيبا، وإن لم يكن بدعا من قدرة الله، لكنه من أكبر الخوارق، واختلف في كيفية برودتها فقيل: إن الله تعالى أزال ما فيها من الحر والإحراق، وقيل: دفع الله عن جسم إبراهيم حرها وإحراقها مع ترك ذلك فيها، والله على كل شيء قدير. قال تعالى: { وأرادوا به كيدا } مكرا عظيما في الإضرار، { فجعلناهم الأخسرين } أي: أخسر من كل خاسر، حيث جاء سعيهم في إطفاء نور الحق برهانا قاطعا على أنه عليه السلام على الحق، وهم على الباطل، وموجبا لارتفاع درجته واستحقاقهم للهلاك، فأرسل الله على نمرود وقومه البعوض، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت بعوضة في دماغ نمرود فأهلكته بعد المحنة الشديدة، وبالله التوفيق. الإشارة: أجرى الله تعالى عادته في المتوجه الصادق، إذا أراد الوصول إلى حضرته، أن يبتليه قبل أن يمكنه، ويمتحنه قبل أن يصافيه لأن محبته تعالى مقرونة بالبلاء، والداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور. فإذا رمي الولي في منجنيق الابتلاء، وألقي في نار الجلال، وتعرضت له الأكوان: ألك حاجة؟ فيقول - إن كان مؤيدا -: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، فإذا قيل له: سله، فيقول: علمه بحالي يغني عن سؤالي. فلا جرم أن الله تعالى يقول لنار الجلال: كوني بردا وسلاما على وليي، فينقلب حرها بردا وسلاما، فلا يرى أياما أحلى من تلك الأيام التي ابتلي فيها. وهذا أمر مجرب مذوق، وأما إن التفت إلى التعلق بغير الله تعالى، فإن البلاء يشدد عليه، أو يخرج من دائرة الولاية، والعياذ بالله. فالولي هو الذي يقلب الأعيان بهمته، وبالنور الذي في قلبه، حسية كانت أو معنوية، فيقلب الخوف أمنا، والحزن سرورا، والقبض بسطا، والفاقة غنى، وهكذا... فحينئذ تنفعل له الأشياء وتطيعه، وتخرق له العوائد، حتى لو ألقي في النار الحسية لبردت. قال الورتجبي: كان الخليل منورا بنور الله، وكان فعل النار من فعل الله، فغلب نور الصفة على نور الفعل، ولو بقيت النار حتى وصل إليها الخليل لصارت مضمحلة، فعلم الحق ذلك، فقال لها: { كوني بردا وسلاما على إبراهيم } حتى تبقى لظهور معجزته وبيان كرامته. ه. ومصداق ما ذكره: قول النار يوم القيامة للمؤمن: جز فقد أطفأ نورك لهبي، كما ورد. والله أعلم. ثم ذكر هجرة إبراهيم إلى الشام:

الأنبياء 21:70

يقول الحق جل جلاله: { قالوا حرقوه } أي: قال بعضهم لبعض، لما عجزوا عن المحاججة، وضاقت عليهم الحيل، وعييت بهم العلل، وهذا ديدن المبطل المحجوج، إذا قرعت شبهه بالحجة القاطعة وافتضح، لم يبق له حينئذ إلا المناصبة والمعاداة، فناصبوا إبراهيم عليه السلام، وقالوا حرقوه بالنار لأنه أشد العقوبات، { وانصروا آلهتكم } بالانتقام لها { إن كنتم فاعلين } للنصر، أي: إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا، فاختاروا له أهول المعاقبات، وهو الإحراق، وإلا فقد فرطتم في نصرتها، والذي أشار بالإحراق نمرود، أو رجل من أكراد فارس، اسمه " هيزن " ، وقيل: " هدير " ، خسفت به الأرض، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. روي أنهم، لما أجمعوا على حرقه عليه السلام، بنوا له حظيرة بكوثى - قرية من قرى الأنباط بالعراق - فجمعوا صلاب الحطب من أصناف الخشب، مدة أربعين يوما، وقيل: شهرا، حتى إن المرأة تنذر: لئن أصابت حاجتها لتحطبن في نار إبراهيم. ثم أوقدوا نارا عظيمة، لا يكاد يحوم حولها أحد، حتى إن كانت الطير لتمر بها، وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة وهجها، ولم يقدر أحد أن يقربها، فلم يعلموا كيف يلقونه عليه السلام فيها، فأتى إبليس وعلمهم علم المنجنيق، فعملوه. وقيل: صنعه لهم رجل من الأكراد، فخسف الله تعالى به في الأرض مثل الآخر، ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه السلام، فوضعوه فيه مغلولا مقيدا مجردا، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة: يا ربنا، إبراهيم، ليس في الأرض أحد يعبدك غيره، يحرق فيك، فأذن لنا في نصرته، فقال لهم: إن استغاث بواحد منكم فأغيثوه، فرموا به فيها من مكان شاسع، فقال له جبريل عليه السلام، وهو في الهواء: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فرفع همته عن الخلق، واكتفى بالواحد الحق، فجعل الله الخطيرة روضة. وهذا معنى قوله: { قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم } أي: كوني ذات برد وسلام، أي: ابردي بردا غير ضار. قال ابن عباس: لو لم يقل { وسلاما } لمات إبراهيم من بردها، ولم تبق يومئذ نار إلا طفئت، ظنت أن الخطاب توجه لها، فما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولم تبق دابة إلا أتت تطفئ عنه النار، إلا الوزغ. فلذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم. بقتلها، وسماها فويسقا. قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس. قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه. وروي أنه عليه السلام مكث فيها سبعة أيام، وقيل: أربعين، وقيل: خمسين، والأول أقرب. قال إبراهيم عليه السلام: ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها. قال ابن بسار: وبعث الله تعالى ملك الظل فقعد إلى جنبه يؤنسه، قالوا: وبعث الله بقميص من حرير الجنة. قلت: وقد تقدم ذكره في سورة يوسف. وأتاه جبريل فقال: إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. فنظر نمرود من صرحه، فأشرف عليه، فرآه جالسا في روضة مونقة، ومعه جليس على أحسن ما يكون من الهيئة، والنار محيطة به، فنادى: يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: فاخرج، فقام يمشي فخرج منها، فاستقبله نمرود وعظمه. وقال: من الرجل الذي رأيته معك؟ قال ذلك ملك الظل، أرسله ربي ليؤنسني، فقال: إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيته من قدرته وعزته فيما صنع بك. فقال عليه السلام: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك هذا، حتى تفارقه إلى ديني، قال: لا استطيع ترك ملكي، ولكن سأذبح له أربعة آلاف بقرة، فذبحها، وكف عن إبراهيم عليه السلام. قال شعيب الجبائي: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة، ولما علت ما أراد من ذبحه بقيت يومين وماتت في الثالث. ه. وهذا كما ترى من أكبر المعجزات، فإن انقلاب النار هواء طيبا، وإن لم يكن بدعا من قدرة الله، لكنه من أكبر الخوارق، واختلف في كيفية برودتها فقيل: إن الله تعالى أزال ما فيها من الحر والإحراق، وقيل: دفع الله عن جسم إبراهيم حرها وإحراقها مع ترك ذلك فيها، والله على كل شيء قدير. قال تعالى: { وأرادوا به كيدا } مكرا عظيما في الإضرار، { فجعلناهم الأخسرين } أي: أخسر من كل خاسر، حيث جاء سعيهم في إطفاء نور الحق برهانا قاطعا على أنه عليه السلام على الحق، وهم على الباطل، وموجبا لارتفاع درجته واستحقاقهم للهلاك، فأرسل الله على نمرود وقومه البعوض، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت بعوضة في دماغ نمرود فأهلكته بعد المحنة الشديدة، وبالله التوفيق. الإشارة: أجرى الله تعالى عادته في المتوجه الصادق، إذا أراد الوصول إلى حضرته، أن يبتليه قبل أن يمكنه، ويمتحنه قبل أن يصافيه لأن محبته تعالى مقرونة بالبلاء، والداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور. فإذا رمي الولي في منجنيق الابتلاء، وألقي في نار الجلال، وتعرضت له الأكوان: ألك حاجة؟ فيقول - إن كان مؤيدا -: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، فإذا قيل له: سله، فيقول: علمه بحالي يغني عن سؤالي. فلا جرم أن الله تعالى يقول لنار الجلال: كوني بردا وسلاما على وليي، فينقلب حرها بردا وسلاما، فلا يرى أياما أحلى من تلك الأيام التي ابتلي فيها. وهذا أمر مجرب مذوق، وأما إن التفت إلى التعلق بغير الله تعالى، فإن البلاء يشدد عليه، أو يخرج من دائرة الولاية، والعياذ بالله. فالولي هو الذي يقلب الأعيان بهمته، وبالنور الذي في قلبه، حسية كانت أو معنوية، فيقلب الخوف أمنا، والحزن سرورا، والقبض بسطا، والفاقة غنى، وهكذا... فحينئذ تنفعل له الأشياء وتطيعه، وتخرق له العوائد، حتى لو ألقي في النار الحسية لبردت. قال الورتجبي: كان الخليل منورا بنور الله، وكان فعل النار من فعل الله، فغلب نور الصفة على نور الفعل، ولو بقيت النار حتى وصل إليها الخليل لصارت مضمحلة، فعلم الحق ذلك، فقال لها: { كوني بردا وسلاما على إبراهيم } حتى تبقى لظهور معجزته وبيان كرامته. ه. ومصداق ما ذكره: قول النار يوم القيامة للمؤمن: جز فقد أطفأ نورك لهبي، كما ورد. والله أعلم. ثم ذكر هجرة إبراهيم إلى الشام:

الأنبياء 21:71

قلت: { إلى الأرض }: يتعلق بحال محذوفة، ينساق إليها الكلام، أي: ذاهبا بهما إلى الأرض. يقول الحق جل جلاله: { ونجيناه } أي: إبراهيم { ولوطا } ابن أخيه هاران، ذاهبا بهما من العراق { إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } ، وهي أرض الشام. وبركاته العامة: أن أكثر الأنبياء بعثوا فيها، فانتشرت في العالمين شرائعهم، التي هي مبادئ الخيرات الدينية والدنيوية، وهي أرض المحشر، فيها يجمع الناس، وفيها ينزل عيسى عليه السلام، وقال أبي بن كعب: ما من ماء عذب إلا وأصله من تحت صخرة بيت المقدس، وهي أرض خصب، يعيش فيها الفقير والغني. قال ابن إسحاق: خرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق، وخرج معه لوط وسارة، فنزل حران، ثم خرج منها إلى مصر، ثم خرج منها إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين بزوجه سارة، بنت عمه هاران الأكبر، ونزل لوط عليه السلام بالمؤتفكة، وبينهما مسيرة يوم وليلة، وكلاهما من الشام. { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } أي: وهبنا له إسحاق ولدا من صلبه، وزاد يعقوب، ولد ولده، نافلة لأنه سأل ولدا بقوله: رب هب لي من الصالحين [الصافات: 100] فأعطيه، وأعطى يعقوب نافلة، زائدا على ما سأل لأنه أعطى من غير سؤال، فكأنه تبرعا. قال ابن جزي: واختار بعضهم - على هذا - الوقف على " إسحاق " لبيان المعنى، وهذا ضعيف لأنه معطوف على كل قول. ه. وقيل: { نافلة } يرجع لهما معا، أي: أعطيناه ولدا وولد ولد، عطية، فيكون حالا منهما معا، قيل: هو مصدر، كالعاقبة من غير لفظ الفعل، الذي هو { وهبنا } وقيل: اسم، { وكلا } أي: كل واحد من هؤلاء الأربعة، { جعلنا صالحين } بأن وفقناهم لصلاح الظاهر والباطن، حتى استحقوا الخصوصية. والله تعالى أعلم. الإشارة: الهجرة سنة من سنن الأنبياء والأولياء، فكل من لم يجد في بلده من يعينه على دينه، يجب عليه الانتقال إلى بلد يجد فيها ذلك. وكذلك المريد إذا لم يجد قلبه في محل لكثرة عوائده وشواغله بحيث يشوش عليه قلبه فلينتقل إلى بلد تقل فيها العلائق والشواغل، إن وجد فيها من يحرك معهم فنه، كان بادية أو حاضرة. والغالب أن الحاضرة تكثر فيها العوائد والحظوظ والشهوات، فلا يدخلها المريد حتى يتقوى ويملك نفسه، يأخذ النصيب من كل شيء، ولا ينقص من نصيبه شيء، وقد تقدم هذا مرارا. وبالله التوفيق. ثم مدحهم بالإماتة والاهتداء

الأنبياء 21:72

قلت: { إلى الأرض }: يتعلق بحال محذوفة، ينساق إليها الكلام، أي: ذاهبا بهما إلى الأرض. يقول الحق جل جلاله: { ونجيناه } أي: إبراهيم { ولوطا } ابن أخيه هاران، ذاهبا بهما من العراق { إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } ، وهي أرض الشام. وبركاته العامة: أن أكثر الأنبياء بعثوا فيها، فانتشرت في العالمين شرائعهم، التي هي مبادئ الخيرات الدينية والدنيوية، وهي أرض المحشر، فيها يجمع الناس، وفيها ينزل عيسى عليه السلام، وقال أبي بن كعب: ما من ماء عذب إلا وأصله من تحت صخرة بيت المقدس، وهي أرض خصب، يعيش فيها الفقير والغني. قال ابن إسحاق: خرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق، وخرج معه لوط وسارة، فنزل حران، ثم خرج منها إلى مصر، ثم خرج منها إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين بزوجه سارة، بنت عمه هاران الأكبر، ونزل لوط عليه السلام بالمؤتفكة، وبينهما مسيرة يوم وليلة، وكلاهما من الشام. { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } أي: وهبنا له إسحاق ولدا من صلبه، وزاد يعقوب، ولد ولده، نافلة لأنه سأل ولدا بقوله: رب هب لي من الصالحين [الصافات: 100] فأعطيه، وأعطى يعقوب نافلة، زائدا على ما سأل لأنه أعطى من غير سؤال، فكأنه تبرعا. قال ابن جزي: واختار بعضهم - على هذا - الوقف على " إسحاق " لبيان المعنى، وهذا ضعيف لأنه معطوف على كل قول. ه. وقيل: { نافلة } يرجع لهما معا، أي: أعطيناه ولدا وولد ولد، عطية، فيكون حالا منهما معا، قيل: هو مصدر، كالعاقبة من غير لفظ الفعل، الذي هو { وهبنا } وقيل: اسم، { وكلا } أي: كل واحد من هؤلاء الأربعة، { جعلنا صالحين } بأن وفقناهم لصلاح الظاهر والباطن، حتى استحقوا الخصوصية. والله تعالى أعلم. الإشارة: الهجرة سنة من سنن الأنبياء والأولياء، فكل من لم يجد في بلده من يعينه على دينه، يجب عليه الانتقال إلى بلد يجد فيها ذلك. وكذلك المريد إذا لم يجد قلبه في محل لكثرة عوائده وشواغله بحيث يشوش عليه قلبه فلينتقل إلى بلد تقل فيها العلائق والشواغل، إن وجد فيها من يحرك معهم فنه، كان بادية أو حاضرة. والغالب أن الحاضرة تكثر فيها العوائد والحظوظ والشهوات، فلا يدخلها المريد حتى يتقوى ويملك نفسه، يأخذ النصيب من كل شيء، ولا ينقص من نصيبه شيء، وقد تقدم هذا مرارا. وبالله التوفيق. ثم مدحهم بالإماتة والاهتداء

الأنبياء 21:73

يقول الحق جل جلاله: { وجعلناهم } أي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، { أئمة } يقتدى بهم في أمور الدين إجابة لدعوته بقوله: ومن ذريتي [البقرة: 124] أي: فاجعل أئمة، { يهدون } الخلق إلى الحق، { بأمرنا } لهم بذلك، وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين، أو يهدون الخلق بإرادتنا ومشيئتنا. { وأوحينا إليهم فعل الخيرات } وهي جميع الأعمال الصالحة، أي: أمرناهم أن يفعلوا جميع الخيرات، ليتم كمالهم بانضمام العمل الصالح إلى العلم، وأصله: أن يفعلوا الخيرات، ثم فعل الخيرات، { وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } ، وهو من عطف الخاص على العام دلالة على فضله وشرفه، وأصله: وإقامة الصلاة، فحذفت التاء المعوضة من إحدى الألفين لقيام المضاف إليه مقامها. { وكانوا لنا عابدين }: قانتين مطيعين، لا يخطر ببالهم غير عبادتنا ومشاهدتنا. وأنتم يا معشر العرب والعجم من ذريتهم، فاتبعوهم في ذلك. وبالله التوفيق. الإشارة: إنما يعظم جاه العبد عند الله بثلاثة أمور: انحياشه بقلبه إلى الله، ومسارعته إلى ما فيه رضا الله، وإرشاد العباد إلى الله، بدعائهم إلى الله بالحال والمقال، فبقدر ما يقع من هداية الخلق على يديه يعلو مقامه عند الله، إن حصلت المعرفة بالله، وبهذا تعرف شرف مرتبة مشيخة الصوفية، الدالين على الله، الداعين إلى حضرة الله، إن تكلموا وقع كلامهم في قلوب الخلق، فيرجعون إلى الله من ساعتهم، مجالسهم كلها وعظ وتذكير، حالهم ينهض إلى الله، ومقالهم يدل على الله، ففي ساعة واحدة يتوب على يديهم من الخلق ما لا يتوب على يد العالم في سنين وذلك لإنهاض الحال والمقال، فلا جرم أنهم أعز الخلق إلى الله، وأعظمهم قدرا عند الله. قال السهروردي في العوارف: ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمن لكم، إن أحب عباد الله إلى الله يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة " وهذا الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رتبة المشيخة والدعوة فإن الشيخ يحبب الله إلى عباده حقيقة، ويحبب عباد الله إلى الله. فأما كونه يحبب عباد الله إلى الله لأن الشيخ يسلك بالمريد طريق الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأخلاقه. ومن صح اقتداؤه واتباعه أحبه الله، قال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31]، ووجه كونه يحبب الله إلى عباده لأنه يسلك بالمريد طريق التزكية، وإذا تزكت النفس انجلت مرآة القلب، ودخل فيها نور العظمة الإلهية، ولاح فيها جمال التوحيد، وذلك ميراث التزكية، قال الله تعالى: قد أفلح من زكاها [الشمس: 9]، وفلاحها: الظفر بمعرفة الله، فإذا عرفه، قطعا، أحبه وفنى فيه. فرتبة المشيخة من أعلى الرتب لأنها خلافة النبوة في الدعوة إلى الله. ثم قال: فعلى المشايخ وقار لله، وبهم يتأدب المريد ظاهرا وباطنا، قال الله تعالى: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام: 90]، فالمشايخ، لما اهتدوا، أهلوا للاقتداء بهم، وجعلوا أئمة للمتقين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاكيا عن الله عز وجل: " إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي، جعلت همته ولذته في ذكري، فإذا جعلت همته ولذته في ذكري، أحبني وأحببته، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه، لا يسهو إذا سها الناس، أولئك كلامهم كلام الأنبياء، أولئك الأبطال حقا، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا، ذكرتهم فصرفته بهم عنهم " انتهى كلامه رضي الله عنه. ومن كلام ذي النون المصري - لما تكلم على الأبدال - قال: فهممهم إليه ثائرة، وأعينهم إليه بالغيب ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من رؤيته، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته، ثم قال لهم: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من فراقي فعالجوه، أو خائف مني فانصروه، أو آمن مني فحذروه، أو راغب في مواصلتي فمنوه، أو راحل نحوي فزودوه، أو جبان في متاجرتي فشجعوه، أو آيس من فضلي فرجوه، أو راج لإحساني فبشروه، أو حسن الظن بي فباسطوه، أو معظم لقدري فعظموه، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه، أو مسترشد فأرشدوه. ه. وهذه صفة مشايخ التربية على ما شهدناهم، وما شهدنا إلا بما علمنا. وبالله التوفيق. ثم ذكر نبيه لوطا ونوحا عليهما السلام

الأنبياء 21:74

قلت: { ولوطا }: إما مفعول بمحذوف يفسره قوله: { آتيناه } أي: وآتينا لوطا، أو: باذكر. و { نوحا }: مفعول باذكر. يقول الحق جل جلاله: { ولوطا آتيناه حكما } أي: حكمة، أو نبوة، أو فصلا بين الخصوم بالحق، { وعلما } بنا وبما ينبغي علمه للأنبياء - عليهم السلام - من علم السياسة، { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث } اللواطة، وقذف المارة بالحصى، وغيرها، وصفت بصفة أهلها، وأسندت إليها على حذف مضاف، أي: من أهل القرية، بدليل قوله: { إنهم كانوا قوم سوء فاسقين }: خارجين عن طاعة الله ورسوله. { وأدخلناه في رحمتنا } أي: في أهل رحمتنا، أو جنتنا، { إنه من الصالحين } الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، فنجيناه جزاء على صلاحه، كما أهلكنا قريته عقابا على فسادهم. { و } اذكر { نوحا } ، وقدم هؤلاء عليه لتعلقهم بإبراهيم، أي: خبره، { إذ نادى } أي: دعا الله تعالى على قومه بالهلاك، أي: اذكر نبأه الواقع وقت دعائه، { من قبل } هؤلاء المذكورين، { فاستجبنا له } دعاءه الذي من جملته قوله: أني مغلوب فانتصر [القمر: 10]، { فنجيناه وأهله } المؤمنين به، من ولده وقومه، { من الكرب العظيم } ، وهو الطوفان وتكذيب أهل الطغيان. وأصل الكرب: الغم الشديد، { ونصرناه } نصرا مستتبعا للانتقام، { من القوم الذين كذبوا بآياتنا } أي: منعناه من إذايتهم، { إنهم كانوا قوم سوء } ، تعليل لما قبله، { فأغرقناهم أجمعين } ، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم لأن الإصرار على تكذيب الحق، والانهماك في الشر والفساد، مما يوجب الإهلاك العام. والله تعالى أعلم. الإشارة: نبي الله لوط عليه السلام لما هاجر من أرض الظلمة إلى الأرض المقدسة، أعطاه الله العلم والحكمة. فكل من هاجر من الغفلة إلى محل الذكر واليقظة، وهجر ما نهى الله عنه عوضه الله علما بلا تعلم، وأجرى على لسانه ينابيع الحكمة. قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: إذا اعتقدت النفس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة، من غير أن يؤدي إليها عالم علما. ومصداقه الحديث: " من عمل بما يعلم، ورثه الله علم ما لم يعلم " ولما أجهد نفسه في تغيير المنكر نجاه الله من أذاهم وما لحق بهم، وكذلك نبيه نوح عليه السلام لما دعا قومه إلى الله، وأجهد نفسه في نصحهم، نجاه الله من شرهم وجعل النسل من ذريته، فكان آدم الأصغر. وهذه عادة الله تعالى في خواصه، يكثر فروعهم، ويجعل البركة في تركتهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر داوود وسليمان عليهما السلام

الأنبياء 21:75

قلت: { ولوطا }: إما مفعول بمحذوف يفسره قوله: { آتيناه } أي: وآتينا لوطا، أو: باذكر. و { نوحا }: مفعول باذكر. يقول الحق جل جلاله: { ولوطا آتيناه حكما } أي: حكمة، أو نبوة، أو فصلا بين الخصوم بالحق، { وعلما } بنا وبما ينبغي علمه للأنبياء - عليهم السلام - من علم السياسة، { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث } اللواطة، وقذف المارة بالحصى، وغيرها، وصفت بصفة أهلها، وأسندت إليها على حذف مضاف، أي: من أهل القرية، بدليل قوله: { إنهم كانوا قوم سوء فاسقين }: خارجين عن طاعة الله ورسوله. { وأدخلناه في رحمتنا } أي: في أهل رحمتنا، أو جنتنا، { إنه من الصالحين } الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، فنجيناه جزاء على صلاحه، كما أهلكنا قريته عقابا على فسادهم. { و } اذكر { نوحا } ، وقدم هؤلاء عليه لتعلقهم بإبراهيم، أي: خبره، { إذ نادى } أي: دعا الله تعالى على قومه بالهلاك، أي: اذكر نبأه الواقع وقت دعائه، { من قبل } هؤلاء المذكورين، { فاستجبنا له } دعاءه الذي من جملته قوله: أني مغلوب فانتصر [القمر: 10]، { فنجيناه وأهله } المؤمنين به، من ولده وقومه، { من الكرب العظيم } ، وهو الطوفان وتكذيب أهل الطغيان. وأصل الكرب: الغم الشديد، { ونصرناه } نصرا مستتبعا للانتقام، { من القوم الذين كذبوا بآياتنا } أي: منعناه من إذايتهم، { إنهم كانوا قوم سوء } ، تعليل لما قبله، { فأغرقناهم أجمعين } ، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم لأن الإصرار على تكذيب الحق، والانهماك في الشر والفساد، مما يوجب الإهلاك العام. والله تعالى أعلم. الإشارة: نبي الله لوط عليه السلام لما هاجر من أرض الظلمة إلى الأرض المقدسة، أعطاه الله العلم والحكمة. فكل من هاجر من الغفلة إلى محل الذكر واليقظة، وهجر ما نهى الله عنه عوضه الله علما بلا تعلم، وأجرى على لسانه ينابيع الحكمة. قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: إذا اعتقدت النفس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة، من غير أن يؤدي إليها عالم علما. ومصداقه الحديث: " من عمل بما يعلم، ورثه الله علم ما لم يعلم " ولما أجهد نفسه في تغيير المنكر نجاه الله من أذاهم وما لحق بهم، وكذلك نبيه نوح عليه السلام لما دعا قومه إلى الله، وأجهد نفسه في نصحهم، نجاه الله من شرهم وجعل النسل من ذريته، فكان آدم الأصغر. وهذه عادة الله تعالى في خواصه، يكثر فروعهم، ويجعل البركة في تركتهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر داوود وسليمان عليهما السلام

الأنبياء 21:76

قلت: { ولوطا }: إما مفعول بمحذوف يفسره قوله: { آتيناه } أي: وآتينا لوطا، أو: باذكر. و { نوحا }: مفعول باذكر. يقول الحق جل جلاله: { ولوطا آتيناه حكما } أي: حكمة، أو نبوة، أو فصلا بين الخصوم بالحق، { وعلما } بنا وبما ينبغي علمه للأنبياء - عليهم السلام - من علم السياسة، { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث } اللواطة، وقذف المارة بالحصى، وغيرها، وصفت بصفة أهلها، وأسندت إليها على حذف مضاف، أي: من أهل القرية، بدليل قوله: { إنهم كانوا قوم سوء فاسقين }: خارجين عن طاعة الله ورسوله. { وأدخلناه في رحمتنا } أي: في أهل رحمتنا، أو جنتنا، { إنه من الصالحين } الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، فنجيناه جزاء على صلاحه، كما أهلكنا قريته عقابا على فسادهم. { و } اذكر { نوحا } ، وقدم هؤلاء عليه لتعلقهم بإبراهيم، أي: خبره، { إذ نادى } أي: دعا الله تعالى على قومه بالهلاك، أي: اذكر نبأه الواقع وقت دعائه، { من قبل } هؤلاء المذكورين، { فاستجبنا له } دعاءه الذي من جملته قوله: أني مغلوب فانتصر [القمر: 10]، { فنجيناه وأهله } المؤمنين به، من ولده وقومه، { من الكرب العظيم } ، وهو الطوفان وتكذيب أهل الطغيان. وأصل الكرب: الغم الشديد، { ونصرناه } نصرا مستتبعا للانتقام، { من القوم الذين كذبوا بآياتنا } أي: منعناه من إذايتهم، { إنهم كانوا قوم سوء } ، تعليل لما قبله، { فأغرقناهم أجمعين } ، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم لأن الإصرار على تكذيب الحق، والانهماك في الشر والفساد، مما يوجب الإهلاك العام. والله تعالى أعلم. الإشارة: نبي الله لوط عليه السلام لما هاجر من أرض الظلمة إلى الأرض المقدسة، أعطاه الله العلم والحكمة. فكل من هاجر من الغفلة إلى محل الذكر واليقظة، وهجر ما نهى الله عنه عوضه الله علما بلا تعلم، وأجرى على لسانه ينابيع الحكمة. قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: إذا اعتقدت النفس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة، من غير أن يؤدي إليها عالم علما. ومصداقه الحديث: " من عمل بما يعلم، ورثه الله علم ما لم يعلم " ولما أجهد نفسه في تغيير المنكر نجاه الله من أذاهم وما لحق بهم، وكذلك نبيه نوح عليه السلام لما دعا قومه إلى الله، وأجهد نفسه في نصحهم، نجاه الله من شرهم وجعل النسل من ذريته، فكان آدم الأصغر. وهذه عادة الله تعالى في خواصه، يكثر فروعهم، ويجعل البركة في تركتهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر داوود وسليمان عليهما السلام

الأنبياء 21:77

قلت: { ولوطا }: إما مفعول بمحذوف يفسره قوله: { آتيناه } أي: وآتينا لوطا، أو: باذكر. و { نوحا }: مفعول باذكر. يقول الحق جل جلاله: { ولوطا آتيناه حكما } أي: حكمة، أو نبوة، أو فصلا بين الخصوم بالحق، { وعلما } بنا وبما ينبغي علمه للأنبياء - عليهم السلام - من علم السياسة، { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث } اللواطة، وقذف المارة بالحصى، وغيرها، وصفت بصفة أهلها، وأسندت إليها على حذف مضاف، أي: من أهل القرية، بدليل قوله: { إنهم كانوا قوم سوء فاسقين }: خارجين عن طاعة الله ورسوله. { وأدخلناه في رحمتنا } أي: في أهل رحمتنا، أو جنتنا، { إنه من الصالحين } الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، فنجيناه جزاء على صلاحه، كما أهلكنا قريته عقابا على فسادهم. { و } اذكر { نوحا } ، وقدم هؤلاء عليه لتعلقهم بإبراهيم، أي: خبره، { إذ نادى } أي: دعا الله تعالى على قومه بالهلاك، أي: اذكر نبأه الواقع وقت دعائه، { من قبل } هؤلاء المذكورين، { فاستجبنا له } دعاءه الذي من جملته قوله: أني مغلوب فانتصر [القمر: 10]، { فنجيناه وأهله } المؤمنين به، من ولده وقومه، { من الكرب العظيم } ، وهو الطوفان وتكذيب أهل الطغيان. وأصل الكرب: الغم الشديد، { ونصرناه } نصرا مستتبعا للانتقام، { من القوم الذين كذبوا بآياتنا } أي: منعناه من إذايتهم، { إنهم كانوا قوم سوء } ، تعليل لما قبله، { فأغرقناهم أجمعين } ، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم لأن الإصرار على تكذيب الحق، والانهماك في الشر والفساد، مما يوجب الإهلاك العام. والله تعالى أعلم. الإشارة: نبي الله لوط عليه السلام لما هاجر من أرض الظلمة إلى الأرض المقدسة، أعطاه الله العلم والحكمة. فكل من هاجر من الغفلة إلى محل الذكر واليقظة، وهجر ما نهى الله عنه عوضه الله علما بلا تعلم، وأجرى على لسانه ينابيع الحكمة. قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: إذا اعتقدت النفس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة، من غير أن يؤدي إليها عالم علما. ومصداقه الحديث: " من عمل بما يعلم، ورثه الله علم ما لم يعلم " ولما أجهد نفسه في تغيير المنكر نجاه الله من أذاهم وما لحق بهم، وكذلك نبيه نوح عليه السلام لما دعا قومه إلى الله، وأجهد نفسه في نصحهم، نجاه الله من شرهم وجعل النسل من ذريته، فكان آدم الأصغر. وهذه عادة الله تعالى في خواصه، يكثر فروعهم، ويجعل البركة في تركتهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر داوود وسليمان عليهما السلام

الأنبياء 21:78

قلت: { وداود }: عطف على { نوحا } ، أو معمول لاذكر، و { إذ يحكمان }: ظرف للمضاف المقدر، أي: اذكر خبرهما، و { إذ نفشت }: ظرف للحكم. { ففهمناها }: عطف على { يحكمان } فإنه في حكم الماضي. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر خبر { داود وسليمان إذ يحكمان } أي: وقت حكمهما { في الحرث } أي: في الزرع، أو في الكرم المتدلي عناقيده، والحرث يطلق عليهما، { إذ نفشت }: دخلت { فيه غنم القوم } فأفسدته ليلا، فالنفش: الرعي بالليل، والهمل بالنهار، وهما الرعي بلا راع. { وكنا لحكمهم } أي: لهما وللمتحاكمين إليهما، أو على أن أقل الجمع اثنان، { شاهدين } ، كان ذلك بعلمنا ومرأى منا، لم يغب عنا شيء منه، { ففهمناها } أي: الحكومة، أو الفتوى، { سليمان } ، وفيه دليل على أن الصواب كان مع سليمان. وقصتهما على ما قال ابن عباس وغيره: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما: صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن هذا نفشت غنمه ليلا، فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئا، فقال له داود: اذهب فإن الغنم لك، ولعله استوت قيمتاهما - أي: قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث - فخرج الرجلان على سليمان، وهو بالباب، وكان ابن إحدى عشرة سنة، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه، فقال: يا نبي الله لو حكمت بغير هذا لكان أرفق بالفريقين، قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها، حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا كمل الزرع، ردت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها، فقال داود: وفقت يا بني، وقضى بينهم بذلك. والذي يظهر: أن حكمهما - عليهما السلام - كان باجتهاد، ففيه دليل على أن الأنبياء يجتهدون فيما لم ينزل فيه وحي، فإن قول سليمان عليه السلام: " هذا أرفق " ، وقوله: " أرى أن تدفع... " الخ، صريح في أنه ليس بطريق الوحي، وإلا لبت القول بذلك، ولعله وجه حكم داود عليه السلام قياس ذلك على جناية العبد، فإن العبد فيما جنى. وإذا قلنا: كان بوحي، يكون حكم سليمان ناسخا لحكم داود عليه السلام. وأما حكم إفساد المواشي للزرع في شرعنا: فقال مالك والشافعي: يضمن أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك، على تفصيل في مذهب مالك فيما أفسدت بالنهار. وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار لقوله - عليه الصلاة والسلام -: " العجماء جرحها جبار " ، ما لم يكن معها سائق أو قائد، فيضمن عنده. قال تعالى: { وكلا آتينا حكما وعلما } أي: كل واحد منهما آتيناه حكما، أي: نبوة، وعلما: معرفة بمواجب الحكم، لا سليمان وحده. وفيه دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح في علمه ولا يرفع عنه صفة الاجتهاد. ثم بين ما اختص به كل واحد منهما من المعجزات، فقال: { وسخرنا } أي: ذللنا { مع داود الجبال } ، حال كونها { يسبحن } أي: مسبحات ينزهن الله تعالى بلسان المقال، كما سبح الحصا في كف نبينا عليه الصلاة والسلام. { و } سخرنا له { الطير } كانت تسبح معه. وقدم الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد. قال الكواشي: كان داود إذا سبح سبح معه الجبال والطير، وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر، وكان إذا فتر من التسبيح، يسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. وروي أنه كان إذا سار سارت الجبال معه مسبحة، قال قتادة: " يسبحن " ، أي: يصلين معه إذا صلى، وهذا غير ممتنع في قدرة الله تعالى. وفي الأثر: " كان داود يمر، وصفاح الروحاء تجاوبه، والطير تساعده ". { وكنا فاعلين } بالأنبياء أمثال هذا وأكثر، فليس ذلك ببدع منا ولا صعب على قدرتنا. { وعلمناه صنعة لبوس } أي: صنعة الدروع. واللبوس لغة في اللباس، والمراد: الدرع، { لكم } أي: نافع لكم، { ليحصنكم } أي: اللبوس، أو داود. وقرئ بالتأنيث، أي: الصنعة، أو اللبوس بتأويل الدرع. وقرئ بنون العظمة، أي: الله تعالى، وهو بدل اشتمال من " لكم ". وقوله: { من بأسكم } أي: من حرب عدوكم، أو من وقع السلاح فيكم، { فهل أنتم شاكرون } الله على ذلك؟ وهو استفهام بمعنى الأمر للمبالغة والتقريع. ثم ذكر ما اختص به سليمان عليه السلام فقال: { ولسليمان الريح } أي: وسخرنا له الريح. وإيراد اللام هنا، دون الأولى للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت، فإن تسخير ما سخر لسليمان عليه السلام كان بطريق الانقياد الكلي والامتثال لأمره ونهيه، بخلاف تسخير الجبال، لم يكن بهذه المثابة، بل بطريق التبعية والاقتداء. حال كون الريح { عاصفة } شديدة الهبوب، من حيث إنها كانت تقطع مسافة بعيدة في مدة يسيرة، وكانت رخاء في نفسها، طيبة، وقيل: كانت رخاء تارة، وعاصفة أخرى، على حسب ما أراد منها. أو رخاء في ذهابه وعاصفة في رجوعه لأن عادة المسافرين: الإسراع في الرجوع، أو عاصفة إذا رفعت البساط ورخاء إذا جرت به. { تجري بأمره } بمشيئة سليمان، { إلى الأرض التي باركنا فيها } بكثرة الأنهار والأشجار والثمار، وهي الشام. وكان منزله بها، وتحمله إلى نواحيها. قال وهب: كان سليمان إذا خرج من منزله عكفت عليه الطير، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان غزاء لا يقصر عن الغزو، فإذا أراد غزوا أمر فضرب له بخشب، ثم ينصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف فدخلت تحت الخشب فاحتملته، فإذا استقلت، أمر الرخاء فمرت به شهرا في روحته وشهرا في غدوته، إلى حيث أراد. ه. { وكنا بكل شيء عالمين } أي: أحاط علمنا بكل شيء، فنجري الأشياء على ما سبق به علمنا، واقتضته حكمتنا. { ومن الشياطين } ، قيل: لما ذكر تسخير الريح - وهي شفافة لا تعقل - ذكر ما هو شفاف يعقل، وهم الشياطين، مع سرعة الحركة في الكل، أي: وسخرنا له من الشياطين { من يغوصون } في البحار، ويستخرجون { له } من نفائسه، كالدر والياقوت، { ويعملون عملا دون ذلك } أي: غير ما ذكر من بناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات، وقيل: الحمام، والنورة، والطاحون، والقوارير، والصابون، مما استخرجوه له، { وكنا لهم حافظين } أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه، على ما هو مقتضى جبلتهم. وقال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار. وقيل: وكل بهم جمعا من الملائكة، وجمعا من مؤمني الجن. روي أن المسخر له عليه السلام: كفارهم، لا مؤمنهم لقوله تعالى: { ومن الشياطين }. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ففهمناها سليمان } ، قال الورتجبي: بين، سبحانه، أن الفضل متعلق بفضله، لا يتعلق بالصغر والكبر والشيخوخة والاكتساب والتعلم، إنما الفهم تعريف الله أحكام ربوبيته بنور هدايته، وإبراز لطائف علومه الغيبية، فحيث يظهر ذلك فهناك مواضع الفهوم من العلوم، فهو سبحانه من على سليمان بعلمه، ولم يمن عليه بشيء خارج عن نفسه من الملك، والحدثان أفضل من العلم فإن العلم صفة من صفاته تعالى، فلما جعله متصفا بصفاته من عليه بجلال كبريائه. ه. وقال في قوله: { وكلا آتينا حكما وعلما }: حكما معرفة بالربوبية، وعلما بالعبودية. ه. وقوله تعالى: { وسخرنا مع داود الجبال... } الخ. { ولسليمان الريح... } الآية، لما كانا - عليهما السلام - مع المكون كانت الأكوان معهما، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك " ، وذكر في القوت: أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوم قميصا رفيعا جديدا، ثم ركب البساط، وحملته الريح، فبينما هو يسير إذ نظر إلى عطفه نظرة، فأنزلته الريح، فقال: لم أنزلتني ولم آمرك؟! فقالت: نطيعك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وحملته. ه بالمعنى. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أيوب عليه السلام

الأنبياء 21:79

قلت: { وداود }: عطف على { نوحا } ، أو معمول لاذكر، و { إذ يحكمان }: ظرف للمضاف المقدر، أي: اذكر خبرهما، و { إذ نفشت }: ظرف للحكم. { ففهمناها }: عطف على { يحكمان } فإنه في حكم الماضي. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر خبر { داود وسليمان إذ يحكمان } أي: وقت حكمهما { في الحرث } أي: في الزرع، أو في الكرم المتدلي عناقيده، والحرث يطلق عليهما، { إذ نفشت }: دخلت { فيه غنم القوم } فأفسدته ليلا، فالنفش: الرعي بالليل، والهمل بالنهار، وهما الرعي بلا راع. { وكنا لحكمهم } أي: لهما وللمتحاكمين إليهما، أو على أن أقل الجمع اثنان، { شاهدين } ، كان ذلك بعلمنا ومرأى منا، لم يغب عنا شيء منه، { ففهمناها } أي: الحكومة، أو الفتوى، { سليمان } ، وفيه دليل على أن الصواب كان مع سليمان. وقصتهما على ما قال ابن عباس وغيره: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما: صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن هذا نفشت غنمه ليلا، فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئا، فقال له داود: اذهب فإن الغنم لك، ولعله استوت قيمتاهما - أي: قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث - فخرج الرجلان على سليمان، وهو بالباب، وكان ابن إحدى عشرة سنة، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه، فقال: يا نبي الله لو حكمت بغير هذا لكان أرفق بالفريقين، قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها، حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا كمل الزرع، ردت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها، فقال داود: وفقت يا بني، وقضى بينهم بذلك. والذي يظهر: أن حكمهما - عليهما السلام - كان باجتهاد، ففيه دليل على أن الأنبياء يجتهدون فيما لم ينزل فيه وحي، فإن قول سليمان عليه السلام: " هذا أرفق " ، وقوله: " أرى أن تدفع... " الخ، صريح في أنه ليس بطريق الوحي، وإلا لبت القول بذلك، ولعله وجه حكم داود عليه السلام قياس ذلك على جناية العبد، فإن العبد فيما جنى. وإذا قلنا: كان بوحي، يكون حكم سليمان ناسخا لحكم داود عليه السلام. وأما حكم إفساد المواشي للزرع في شرعنا: فقال مالك والشافعي: يضمن أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك، على تفصيل في مذهب مالك فيما أفسدت بالنهار. وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار لقوله - عليه الصلاة والسلام -: " العجماء جرحها جبار " ، ما لم يكن معها سائق أو قائد، فيضمن عنده. قال تعالى: { وكلا آتينا حكما وعلما } أي: كل واحد منهما آتيناه حكما، أي: نبوة، وعلما: معرفة بمواجب الحكم، لا سليمان وحده. وفيه دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح في علمه ولا يرفع عنه صفة الاجتهاد. ثم بين ما اختص به كل واحد منهما من المعجزات، فقال: { وسخرنا } أي: ذللنا { مع داود الجبال } ، حال كونها { يسبحن } أي: مسبحات ينزهن الله تعالى بلسان المقال، كما سبح الحصا في كف نبينا عليه الصلاة والسلام. { و } سخرنا له { الطير } كانت تسبح معه. وقدم الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد. قال الكواشي: كان داود إذا سبح سبح معه الجبال والطير، وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر، وكان إذا فتر من التسبيح، يسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. وروي أنه كان إذا سار سارت الجبال معه مسبحة، قال قتادة: " يسبحن " ، أي: يصلين معه إذا صلى، وهذا غير ممتنع في قدرة الله تعالى. وفي الأثر: " كان داود يمر، وصفاح الروحاء تجاوبه، والطير تساعده ". { وكنا فاعلين } بالأنبياء أمثال هذا وأكثر، فليس ذلك ببدع منا ولا صعب على قدرتنا. { وعلمناه صنعة لبوس } أي: صنعة الدروع. واللبوس لغة في اللباس، والمراد: الدرع، { لكم } أي: نافع لكم، { ليحصنكم } أي: اللبوس، أو داود. وقرئ بالتأنيث، أي: الصنعة، أو اللبوس بتأويل الدرع. وقرئ بنون العظمة، أي: الله تعالى، وهو بدل اشتمال من " لكم ". وقوله: { من بأسكم } أي: من حرب عدوكم، أو من وقع السلاح فيكم، { فهل أنتم شاكرون } الله على ذلك؟ وهو استفهام بمعنى الأمر للمبالغة والتقريع. ثم ذكر ما اختص به سليمان عليه السلام فقال: { ولسليمان الريح } أي: وسخرنا له الريح. وإيراد اللام هنا، دون الأولى للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت، فإن تسخير ما سخر لسليمان عليه السلام كان بطريق الانقياد الكلي والامتثال لأمره ونهيه، بخلاف تسخير الجبال، لم يكن بهذه المثابة، بل بطريق التبعية والاقتداء. حال كون الريح { عاصفة } شديدة الهبوب، من حيث إنها كانت تقطع مسافة بعيدة في مدة يسيرة، وكانت رخاء في نفسها، طيبة، وقيل: كانت رخاء تارة، وعاصفة أخرى، على حسب ما أراد منها. أو رخاء في ذهابه وعاصفة في رجوعه لأن عادة المسافرين: الإسراع في الرجوع، أو عاصفة إذا رفعت البساط ورخاء إذا جرت به. { تجري بأمره } بمشيئة سليمان، { إلى الأرض التي باركنا فيها } بكثرة الأنهار والأشجار والثمار، وهي الشام. وكان منزله بها، وتحمله إلى نواحيها. قال وهب: كان سليمان إذا خرج من منزله عكفت عليه الطير، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان غزاء لا يقصر عن الغزو، فإذا أراد غزوا أمر فضرب له بخشب، ثم ينصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف فدخلت تحت الخشب فاحتملته، فإذا استقلت، أمر الرخاء فمرت به شهرا في روحته وشهرا في غدوته، إلى حيث أراد. ه. { وكنا بكل شيء عالمين } أي: أحاط علمنا بكل شيء، فنجري الأشياء على ما سبق به علمنا، واقتضته حكمتنا. { ومن الشياطين } ، قيل: لما ذكر تسخير الريح - وهي شفافة لا تعقل - ذكر ما هو شفاف يعقل، وهم الشياطين، مع سرعة الحركة في الكل، أي: وسخرنا له من الشياطين { من يغوصون } في البحار، ويستخرجون { له } من نفائسه، كالدر والياقوت، { ويعملون عملا دون ذلك } أي: غير ما ذكر من بناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات، وقيل: الحمام، والنورة، والطاحون، والقوارير، والصابون، مما استخرجوه له، { وكنا لهم حافظين } أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه، على ما هو مقتضى جبلتهم. وقال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار. وقيل: وكل بهم جمعا من الملائكة، وجمعا من مؤمني الجن. روي أن المسخر له عليه السلام: كفارهم، لا مؤمنهم لقوله تعالى: { ومن الشياطين }. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ففهمناها سليمان } ، قال الورتجبي: بين، سبحانه، أن الفضل متعلق بفضله، لا يتعلق بالصغر والكبر والشيخوخة والاكتساب والتعلم، إنما الفهم تعريف الله أحكام ربوبيته بنور هدايته، وإبراز لطائف علومه الغيبية، فحيث يظهر ذلك فهناك مواضع الفهوم من العلوم، فهو سبحانه من على سليمان بعلمه، ولم يمن عليه بشيء خارج عن نفسه من الملك، والحدثان أفضل من العلم فإن العلم صفة من صفاته تعالى، فلما جعله متصفا بصفاته من عليه بجلال كبريائه. ه. وقال في قوله: { وكلا آتينا حكما وعلما }: حكما معرفة بالربوبية، وعلما بالعبودية. ه. وقوله تعالى: { وسخرنا مع داود الجبال... } الخ. { ولسليمان الريح... } الآية، لما كانا - عليهما السلام - مع المكون كانت الأكوان معهما، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك " ، وذكر في القوت: أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوم قميصا رفيعا جديدا، ثم ركب البساط، وحملته الريح، فبينما هو يسير إذ نظر إلى عطفه نظرة، فأنزلته الريح، فقال: لم أنزلتني ولم آمرك؟! فقالت: نطيعك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وحملته. ه بالمعنى. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أيوب عليه السلام

الأنبياء 21:80

قلت: { وداود }: عطف على { نوحا } ، أو معمول لاذكر، و { إذ يحكمان }: ظرف للمضاف المقدر، أي: اذكر خبرهما، و { إذ نفشت }: ظرف للحكم. { ففهمناها }: عطف على { يحكمان } فإنه في حكم الماضي. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر خبر { داود وسليمان إذ يحكمان } أي: وقت حكمهما { في الحرث } أي: في الزرع، أو في الكرم المتدلي عناقيده، والحرث يطلق عليهما، { إذ نفشت }: دخلت { فيه غنم القوم } فأفسدته ليلا، فالنفش: الرعي بالليل، والهمل بالنهار، وهما الرعي بلا راع. { وكنا لحكمهم } أي: لهما وللمتحاكمين إليهما، أو على أن أقل الجمع اثنان، { شاهدين } ، كان ذلك بعلمنا ومرأى منا، لم يغب عنا شيء منه، { ففهمناها } أي: الحكومة، أو الفتوى، { سليمان } ، وفيه دليل على أن الصواب كان مع سليمان. وقصتهما على ما قال ابن عباس وغيره: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما: صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن هذا نفشت غنمه ليلا، فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئا، فقال له داود: اذهب فإن الغنم لك، ولعله استوت قيمتاهما - أي: قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث - فخرج الرجلان على سليمان، وهو بالباب، وكان ابن إحدى عشرة سنة، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه، فقال: يا نبي الله لو حكمت بغير هذا لكان أرفق بالفريقين، قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها، حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا كمل الزرع، ردت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها، فقال داود: وفقت يا بني، وقضى بينهم بذلك. والذي يظهر: أن حكمهما - عليهما السلام - كان باجتهاد، ففيه دليل على أن الأنبياء يجتهدون فيما لم ينزل فيه وحي، فإن قول سليمان عليه السلام: " هذا أرفق " ، وقوله: " أرى أن تدفع... " الخ، صريح في أنه ليس بطريق الوحي، وإلا لبت القول بذلك، ولعله وجه حكم داود عليه السلام قياس ذلك على جناية العبد، فإن العبد فيما جنى. وإذا قلنا: كان بوحي، يكون حكم سليمان ناسخا لحكم داود عليه السلام. وأما حكم إفساد المواشي للزرع في شرعنا: فقال مالك والشافعي: يضمن أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك، على تفصيل في مذهب مالك فيما أفسدت بالنهار. وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار لقوله - عليه الصلاة والسلام -: " العجماء جرحها جبار " ، ما لم يكن معها سائق أو قائد، فيضمن عنده. قال تعالى: { وكلا آتينا حكما وعلما } أي: كل واحد منهما آتيناه حكما، أي: نبوة، وعلما: معرفة بمواجب الحكم، لا سليمان وحده. وفيه دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح في علمه ولا يرفع عنه صفة الاجتهاد. ثم بين ما اختص به كل واحد منهما من المعجزات، فقال: { وسخرنا } أي: ذللنا { مع داود الجبال } ، حال كونها { يسبحن } أي: مسبحات ينزهن الله تعالى بلسان المقال، كما سبح الحصا في كف نبينا عليه الصلاة والسلام. { و } سخرنا له { الطير } كانت تسبح معه. وقدم الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد. قال الكواشي: كان داود إذا سبح سبح معه الجبال والطير، وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر، وكان إذا فتر من التسبيح، يسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. وروي أنه كان إذا سار سارت الجبال معه مسبحة، قال قتادة: " يسبحن " ، أي: يصلين معه إذا صلى، وهذا غير ممتنع في قدرة الله تعالى. وفي الأثر: " كان داود يمر، وصفاح الروحاء تجاوبه، والطير تساعده ". { وكنا فاعلين } بالأنبياء أمثال هذا وأكثر، فليس ذلك ببدع منا ولا صعب على قدرتنا. { وعلمناه صنعة لبوس } أي: صنعة الدروع. واللبوس لغة في اللباس، والمراد: الدرع، { لكم } أي: نافع لكم، { ليحصنكم } أي: اللبوس، أو داود. وقرئ بالتأنيث، أي: الصنعة، أو اللبوس بتأويل الدرع. وقرئ بنون العظمة، أي: الله تعالى، وهو بدل اشتمال من " لكم ". وقوله: { من بأسكم } أي: من حرب عدوكم، أو من وقع السلاح فيكم، { فهل أنتم شاكرون } الله على ذلك؟ وهو استفهام بمعنى الأمر للمبالغة والتقريع. ثم ذكر ما اختص به سليمان عليه السلام فقال: { ولسليمان الريح } أي: وسخرنا له الريح. وإيراد اللام هنا، دون الأولى للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت، فإن تسخير ما سخر لسليمان عليه السلام كان بطريق الانقياد الكلي والامتثال لأمره ونهيه، بخلاف تسخير الجبال، لم يكن بهذه المثابة، بل بطريق التبعية والاقتداء. حال كون الريح { عاصفة } شديدة الهبوب، من حيث إنها كانت تقطع مسافة بعيدة في مدة يسيرة، وكانت رخاء في نفسها، طيبة، وقيل: كانت رخاء تارة، وعاصفة أخرى، على حسب ما أراد منها. أو رخاء في ذهابه وعاصفة في رجوعه لأن عادة المسافرين: الإسراع في الرجوع، أو عاصفة إذا رفعت البساط ورخاء إذا جرت به. { تجري بأمره } بمشيئة سليمان، { إلى الأرض التي باركنا فيها } بكثرة الأنهار والأشجار والثمار، وهي الشام. وكان منزله بها، وتحمله إلى نواحيها. قال وهب: كان سليمان إذا خرج من منزله عكفت عليه الطير، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان غزاء لا يقصر عن الغزو، فإذا أراد غزوا أمر فضرب له بخشب، ثم ينصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف فدخلت تحت الخشب فاحتملته، فإذا استقلت، أمر الرخاء فمرت به شهرا في روحته وشهرا في غدوته، إلى حيث أراد. ه. { وكنا بكل شيء عالمين } أي: أحاط علمنا بكل شيء، فنجري الأشياء على ما سبق به علمنا، واقتضته حكمتنا. { ومن الشياطين } ، قيل: لما ذكر تسخير الريح - وهي شفافة لا تعقل - ذكر ما هو شفاف يعقل، وهم الشياطين، مع سرعة الحركة في الكل، أي: وسخرنا له من الشياطين { من يغوصون } في البحار، ويستخرجون { له } من نفائسه، كالدر والياقوت، { ويعملون عملا دون ذلك } أي: غير ما ذكر من بناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات، وقيل: الحمام، والنورة، والطاحون، والقوارير، والصابون، مما استخرجوه له، { وكنا لهم حافظين } أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه، على ما هو مقتضى جبلتهم. وقال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار. وقيل: وكل بهم جمعا من الملائكة، وجمعا من مؤمني الجن. روي أن المسخر له عليه السلام: كفارهم، لا مؤمنهم لقوله تعالى: { ومن الشياطين }. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ففهمناها سليمان } ، قال الورتجبي: بين، سبحانه، أن الفضل متعلق بفضله، لا يتعلق بالصغر والكبر والشيخوخة والاكتساب والتعلم، إنما الفهم تعريف الله أحكام ربوبيته بنور هدايته، وإبراز لطائف علومه الغيبية، فحيث يظهر ذلك فهناك مواضع الفهوم من العلوم، فهو سبحانه من على سليمان بعلمه، ولم يمن عليه بشيء خارج عن نفسه من الملك، والحدثان أفضل من العلم فإن العلم صفة من صفاته تعالى، فلما جعله متصفا بصفاته من عليه بجلال كبريائه. ه. وقال في قوله: { وكلا آتينا حكما وعلما }: حكما معرفة بالربوبية، وعلما بالعبودية. ه. وقوله تعالى: { وسخرنا مع داود الجبال... } الخ. { ولسليمان الريح... } الآية، لما كانا - عليهما السلام - مع المكون كانت الأكوان معهما، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك " ، وذكر في القوت: أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوم قميصا رفيعا جديدا، ثم ركب البساط، وحملته الريح، فبينما هو يسير إذ نظر إلى عطفه نظرة، فأنزلته الريح، فقال: لم أنزلتني ولم آمرك؟! فقالت: نطيعك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وحملته. ه بالمعنى. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أيوب عليه السلام

الأنبياء 21:81

قلت: { وداود }: عطف على { نوحا } ، أو معمول لاذكر، و { إذ يحكمان }: ظرف للمضاف المقدر، أي: اذكر خبرهما، و { إذ نفشت }: ظرف للحكم. { ففهمناها }: عطف على { يحكمان } فإنه في حكم الماضي. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر خبر { داود وسليمان إذ يحكمان } أي: وقت حكمهما { في الحرث } أي: في الزرع، أو في الكرم المتدلي عناقيده، والحرث يطلق عليهما، { إذ نفشت }: دخلت { فيه غنم القوم } فأفسدته ليلا، فالنفش: الرعي بالليل، والهمل بالنهار، وهما الرعي بلا راع. { وكنا لحكمهم } أي: لهما وللمتحاكمين إليهما، أو على أن أقل الجمع اثنان، { شاهدين } ، كان ذلك بعلمنا ومرأى منا، لم يغب عنا شيء منه، { ففهمناها } أي: الحكومة، أو الفتوى، { سليمان } ، وفيه دليل على أن الصواب كان مع سليمان. وقصتهما على ما قال ابن عباس وغيره: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما: صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن هذا نفشت غنمه ليلا، فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئا، فقال له داود: اذهب فإن الغنم لك، ولعله استوت قيمتاهما - أي: قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث - فخرج الرجلان على سليمان، وهو بالباب، وكان ابن إحدى عشرة سنة، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه، فقال: يا نبي الله لو حكمت بغير هذا لكان أرفق بالفريقين، قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها، حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا كمل الزرع، ردت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها، فقال داود: وفقت يا بني، وقضى بينهم بذلك. والذي يظهر: أن حكمهما - عليهما السلام - كان باجتهاد، ففيه دليل على أن الأنبياء يجتهدون فيما لم ينزل فيه وحي، فإن قول سليمان عليه السلام: " هذا أرفق " ، وقوله: " أرى أن تدفع... " الخ، صريح في أنه ليس بطريق الوحي، وإلا لبت القول بذلك، ولعله وجه حكم داود عليه السلام قياس ذلك على جناية العبد، فإن العبد فيما جنى. وإذا قلنا: كان بوحي، يكون حكم سليمان ناسخا لحكم داود عليه السلام. وأما حكم إفساد المواشي للزرع في شرعنا: فقال مالك والشافعي: يضمن أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك، على تفصيل في مذهب مالك فيما أفسدت بالنهار. وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار لقوله - عليه الصلاة والسلام -: " العجماء جرحها جبار " ، ما لم يكن معها سائق أو قائد، فيضمن عنده. قال تعالى: { وكلا آتينا حكما وعلما } أي: كل واحد منهما آتيناه حكما، أي: نبوة، وعلما: معرفة بمواجب الحكم، لا سليمان وحده. وفيه دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح في علمه ولا يرفع عنه صفة الاجتهاد. ثم بين ما اختص به كل واحد منهما من المعجزات، فقال: { وسخرنا } أي: ذللنا { مع داود الجبال } ، حال كونها { يسبحن } أي: مسبحات ينزهن الله تعالى بلسان المقال، كما سبح الحصا في كف نبينا عليه الصلاة والسلام. { و } سخرنا له { الطير } كانت تسبح معه. وقدم الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد. قال الكواشي: كان داود إذا سبح سبح معه الجبال والطير، وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر، وكان إذا فتر من التسبيح، يسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. وروي أنه كان إذا سار سارت الجبال معه مسبحة، قال قتادة: " يسبحن " ، أي: يصلين معه إذا صلى، وهذا غير ممتنع في قدرة الله تعالى. وفي الأثر: " كان داود يمر، وصفاح الروحاء تجاوبه، والطير تساعده ". { وكنا فاعلين } بالأنبياء أمثال هذا وأكثر، فليس ذلك ببدع منا ولا صعب على قدرتنا. { وعلمناه صنعة لبوس } أي: صنعة الدروع. واللبوس لغة في اللباس، والمراد: الدرع، { لكم } أي: نافع لكم، { ليحصنكم } أي: اللبوس، أو داود. وقرئ بالتأنيث، أي: الصنعة، أو اللبوس بتأويل الدرع. وقرئ بنون العظمة، أي: الله تعالى، وهو بدل اشتمال من " لكم ". وقوله: { من بأسكم } أي: من حرب عدوكم، أو من وقع السلاح فيكم، { فهل أنتم شاكرون } الله على ذلك؟ وهو استفهام بمعنى الأمر للمبالغة والتقريع. ثم ذكر ما اختص به سليمان عليه السلام فقال: { ولسليمان الريح } أي: وسخرنا له الريح. وإيراد اللام هنا، دون الأولى للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت، فإن تسخير ما سخر لسليمان عليه السلام كان بطريق الانقياد الكلي والامتثال لأمره ونهيه، بخلاف تسخير الجبال، لم يكن بهذه المثابة، بل بطريق التبعية والاقتداء. حال كون الريح { عاصفة } شديدة الهبوب، من حيث إنها كانت تقطع مسافة بعيدة في مدة يسيرة، وكانت رخاء في نفسها، طيبة، وقيل: كانت رخاء تارة، وعاصفة أخرى، على حسب ما أراد منها. أو رخاء في ذهابه وعاصفة في رجوعه لأن عادة المسافرين: الإسراع في الرجوع، أو عاصفة إذا رفعت البساط ورخاء إذا جرت به. { تجري بأمره } بمشيئة سليمان، { إلى الأرض التي باركنا فيها } بكثرة الأنهار والأشجار والثمار، وهي الشام. وكان منزله بها، وتحمله إلى نواحيها. قال وهب: كان سليمان إذا خرج من منزله عكفت عليه الطير، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان غزاء لا يقصر عن الغزو، فإذا أراد غزوا أمر فضرب له بخشب، ثم ينصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف فدخلت تحت الخشب فاحتملته، فإذا استقلت، أمر الرخاء فمرت به شهرا في روحته وشهرا في غدوته، إلى حيث أراد. ه. { وكنا بكل شيء عالمين } أي: أحاط علمنا بكل شيء، فنجري الأشياء على ما سبق به علمنا، واقتضته حكمتنا. { ومن الشياطين } ، قيل: لما ذكر تسخير الريح - وهي شفافة لا تعقل - ذكر ما هو شفاف يعقل، وهم الشياطين، مع سرعة الحركة في الكل، أي: وسخرنا له من الشياطين { من يغوصون } في البحار، ويستخرجون { له } من نفائسه، كالدر والياقوت، { ويعملون عملا دون ذلك } أي: غير ما ذكر من بناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات، وقيل: الحمام، والنورة، والطاحون، والقوارير، والصابون، مما استخرجوه له، { وكنا لهم حافظين } أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه، على ما هو مقتضى جبلتهم. وقال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار. وقيل: وكل بهم جمعا من الملائكة، وجمعا من مؤمني الجن. روي أن المسخر له عليه السلام: كفارهم، لا مؤمنهم لقوله تعالى: { ومن الشياطين }. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ففهمناها سليمان } ، قال الورتجبي: بين، سبحانه، أن الفضل متعلق بفضله، لا يتعلق بالصغر والكبر والشيخوخة والاكتساب والتعلم، إنما الفهم تعريف الله أحكام ربوبيته بنور هدايته، وإبراز لطائف علومه الغيبية، فحيث يظهر ذلك فهناك مواضع الفهوم من العلوم، فهو سبحانه من على سليمان بعلمه، ولم يمن عليه بشيء خارج عن نفسه من الملك، والحدثان أفضل من العلم فإن العلم صفة من صفاته تعالى، فلما جعله متصفا بصفاته من عليه بجلال كبريائه. ه. وقال في قوله: { وكلا آتينا حكما وعلما }: حكما معرفة بالربوبية، وعلما بالعبودية. ه. وقوله تعالى: { وسخرنا مع داود الجبال... } الخ. { ولسليمان الريح... } الآية، لما كانا - عليهما السلام - مع المكون كانت الأكوان معهما، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك " ، وذكر في القوت: أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوم قميصا رفيعا جديدا، ثم ركب البساط، وحملته الريح، فبينما هو يسير إذ نظر إلى عطفه نظرة، فأنزلته الريح، فقال: لم أنزلتني ولم آمرك؟! فقالت: نطيعك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وحملته. ه بالمعنى. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أيوب عليه السلام

الأنبياء 21:82

قلت: { وداود }: عطف على { نوحا } ، أو معمول لاذكر، و { إذ يحكمان }: ظرف للمضاف المقدر، أي: اذكر خبرهما، و { إذ نفشت }: ظرف للحكم. { ففهمناها }: عطف على { يحكمان } فإنه في حكم الماضي. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر خبر { داود وسليمان إذ يحكمان } أي: وقت حكمهما { في الحرث } أي: في الزرع، أو في الكرم المتدلي عناقيده، والحرث يطلق عليهما، { إذ نفشت }: دخلت { فيه غنم القوم } فأفسدته ليلا، فالنفش: الرعي بالليل، والهمل بالنهار، وهما الرعي بلا راع. { وكنا لحكمهم } أي: لهما وللمتحاكمين إليهما، أو على أن أقل الجمع اثنان، { شاهدين } ، كان ذلك بعلمنا ومرأى منا، لم يغب عنا شيء منه، { ففهمناها } أي: الحكومة، أو الفتوى، { سليمان } ، وفيه دليل على أن الصواب كان مع سليمان. وقصتهما على ما قال ابن عباس وغيره: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما: صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن هذا نفشت غنمه ليلا، فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئا، فقال له داود: اذهب فإن الغنم لك، ولعله استوت قيمتاهما - أي: قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث - فخرج الرجلان على سليمان، وهو بالباب، وكان ابن إحدى عشرة سنة، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه، فقال: يا نبي الله لو حكمت بغير هذا لكان أرفق بالفريقين، قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها، حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا كمل الزرع، ردت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها، فقال داود: وفقت يا بني، وقضى بينهم بذلك. والذي يظهر: أن حكمهما - عليهما السلام - كان باجتهاد، ففيه دليل على أن الأنبياء يجتهدون فيما لم ينزل فيه وحي، فإن قول سليمان عليه السلام: " هذا أرفق " ، وقوله: " أرى أن تدفع... " الخ، صريح في أنه ليس بطريق الوحي، وإلا لبت القول بذلك، ولعله وجه حكم داود عليه السلام قياس ذلك على جناية العبد، فإن العبد فيما جنى. وإذا قلنا: كان بوحي، يكون حكم سليمان ناسخا لحكم داود عليه السلام. وأما حكم إفساد المواشي للزرع في شرعنا: فقال مالك والشافعي: يضمن أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك، على تفصيل في مذهب مالك فيما أفسدت بالنهار. وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار لقوله - عليه الصلاة والسلام -: " العجماء جرحها جبار " ، ما لم يكن معها سائق أو قائد، فيضمن عنده. قال تعالى: { وكلا آتينا حكما وعلما } أي: كل واحد منهما آتيناه حكما، أي: نبوة، وعلما: معرفة بمواجب الحكم، لا سليمان وحده. وفيه دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح في علمه ولا يرفع عنه صفة الاجتهاد. ثم بين ما اختص به كل واحد منهما من المعجزات، فقال: { وسخرنا } أي: ذللنا { مع داود الجبال } ، حال كونها { يسبحن } أي: مسبحات ينزهن الله تعالى بلسان المقال، كما سبح الحصا في كف نبينا عليه الصلاة والسلام. { و } سخرنا له { الطير } كانت تسبح معه. وقدم الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد. قال الكواشي: كان داود إذا سبح سبح معه الجبال والطير، وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر، وكان إذا فتر من التسبيح، يسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. وروي أنه كان إذا سار سارت الجبال معه مسبحة، قال قتادة: " يسبحن " ، أي: يصلين معه إذا صلى، وهذا غير ممتنع في قدرة الله تعالى. وفي الأثر: " كان داود يمر، وصفاح الروحاء تجاوبه، والطير تساعده ". { وكنا فاعلين } بالأنبياء أمثال هذا وأكثر، فليس ذلك ببدع منا ولا صعب على قدرتنا. { وعلمناه صنعة لبوس } أي: صنعة الدروع. واللبوس لغة في اللباس، والمراد: الدرع، { لكم } أي: نافع لكم، { ليحصنكم } أي: اللبوس، أو داود. وقرئ بالتأنيث، أي: الصنعة، أو اللبوس بتأويل الدرع. وقرئ بنون العظمة، أي: الله تعالى، وهو بدل اشتمال من " لكم ". وقوله: { من بأسكم } أي: من حرب عدوكم، أو من وقع السلاح فيكم، { فهل أنتم شاكرون } الله على ذلك؟ وهو استفهام بمعنى الأمر للمبالغة والتقريع. ثم ذكر ما اختص به سليمان عليه السلام فقال: { ولسليمان الريح } أي: وسخرنا له الريح. وإيراد اللام هنا، دون الأولى للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت، فإن تسخير ما سخر لسليمان عليه السلام كان بطريق الانقياد الكلي والامتثال لأمره ونهيه، بخلاف تسخير الجبال، لم يكن بهذه المثابة، بل بطريق التبعية والاقتداء. حال كون الريح { عاصفة } شديدة الهبوب، من حيث إنها كانت تقطع مسافة بعيدة في مدة يسيرة، وكانت رخاء في نفسها، طيبة، وقيل: كانت رخاء تارة، وعاصفة أخرى، على حسب ما أراد منها. أو رخاء في ذهابه وعاصفة في رجوعه لأن عادة المسافرين: الإسراع في الرجوع، أو عاصفة إذا رفعت البساط ورخاء إذا جرت به. { تجري بأمره } بمشيئة سليمان، { إلى الأرض التي باركنا فيها } بكثرة الأنهار والأشجار والثمار، وهي الشام. وكان منزله بها، وتحمله إلى نواحيها. قال وهب: كان سليمان إذا خرج من منزله عكفت عليه الطير، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان غزاء لا يقصر عن الغزو، فإذا أراد غزوا أمر فضرب له بخشب، ثم ينصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف فدخلت تحت الخشب فاحتملته، فإذا استقلت، أمر الرخاء فمرت به شهرا في روحته وشهرا في غدوته، إلى حيث أراد. ه. { وكنا بكل شيء عالمين } أي: أحاط علمنا بكل شيء، فنجري الأشياء على ما سبق به علمنا، واقتضته حكمتنا. { ومن الشياطين } ، قيل: لما ذكر تسخير الريح - وهي شفافة لا تعقل - ذكر ما هو شفاف يعقل، وهم الشياطين، مع سرعة الحركة في الكل، أي: وسخرنا له من الشياطين { من يغوصون } في البحار، ويستخرجون { له } من نفائسه، كالدر والياقوت، { ويعملون عملا دون ذلك } أي: غير ما ذكر من بناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات، وقيل: الحمام، والنورة، والطاحون، والقوارير، والصابون، مما استخرجوه له، { وكنا لهم حافظين } أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه، على ما هو مقتضى جبلتهم. وقال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار. وقيل: وكل بهم جمعا من الملائكة، وجمعا من مؤمني الجن. روي أن المسخر له عليه السلام: كفارهم، لا مؤمنهم لقوله تعالى: { ومن الشياطين }. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ففهمناها سليمان } ، قال الورتجبي: بين، سبحانه، أن الفضل متعلق بفضله، لا يتعلق بالصغر والكبر والشيخوخة والاكتساب والتعلم، إنما الفهم تعريف الله أحكام ربوبيته بنور هدايته، وإبراز لطائف علومه الغيبية، فحيث يظهر ذلك فهناك مواضع الفهوم من العلوم، فهو سبحانه من على سليمان بعلمه، ولم يمن عليه بشيء خارج عن نفسه من الملك، والحدثان أفضل من العلم فإن العلم صفة من صفاته تعالى، فلما جعله متصفا بصفاته من عليه بجلال كبريائه. ه. وقال في قوله: { وكلا آتينا حكما وعلما }: حكما معرفة بالربوبية، وعلما بالعبودية. ه. وقوله تعالى: { وسخرنا مع داود الجبال... } الخ. { ولسليمان الريح... } الآية، لما كانا - عليهما السلام - مع المكون كانت الأكوان معهما، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك " ، وذكر في القوت: أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوم قميصا رفيعا جديدا، ثم ركب البساط، وحملته الريح، فبينما هو يسير إذ نظر إلى عطفه نظرة، فأنزلته الريح، فقال: لم أنزلتني ولم آمرك؟! فقالت: نطيعك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وحملته. ه بالمعنى. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أيوب عليه السلام

الأنبياء 21:83

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر خبر { أيوب } عليه السلام { إذ نادى ربه }: دعاه: { إني } أي: بأني { مسني الضر } وهو بالضم: ما يصيب النفس من مرض وهزال، وبالفتح: الضرر في كل شيء، { وأنت أرحم الراحمين } ، تلطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب من كمال أدبه، فكأنه قال: أنت أهل أن ترحم، وأيوب أهل أن يرحم، فارحمه، واكشف عنه ضره الذي مسه. عن أنس: أنه أخبر عن ضعفه حين لم يقدر على النهوض إلى الصلاة، ولم يشتك، وكيف يشكو، والله تعالى يقول: إنا وجدناه صابرا نعم العبد [ص: 44]. وقيل: إنما اشتكى إليه تلذذا بالنجوى، لا تضررا بالشكوى، والشكاية إليه غاية في القرب، كما أن الشكاية منه غاية في البعد، وسيأتي في الإشارة تكميله، إن شاء الله. روي أن أيوب عليه السلام، كان من الروم، وهو أيوب بن أموص ابن تارح بن رعويل بن عيص بن إسحاق. وكانت أمه من ولد لوط عليه السلام اصطفاه الله للنبوة والرسالة، وبسط عليه الدنيا فكان له ثلاثة آلاف بعير، وسبعة آلاف شاة، وخمسمائة فدان، يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد، وكان له سبعة بنين، وسبع بنات. قاله النسفي. زاد الثعلبي: وكانت له المشيئة من أرض الشام كلها، وكان له فيها من صنوف المال ما لم يكن لأحد من الخيل والبقر والغنم والحمر وغيره، وكان برا تقيا رحيما بالمساكين، يكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف، ويبلغ ابن السبيل، شاكرا لأنعم الله، لا يصيب منه إبليس ما يصيب من أهل الغنى من الغفلة والغرة، وكان معه ثلاثة قد آمنوا به: رجل من اليمن واثنان من بلده، كهولا. قال وهب: فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة عليه في السماء فحسده، فقال: إلهي، عبدك أيوب أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ولم تجربه بشدة ولا بلاء، فلو جربته بالبلاء ليكفرن بك وبنعمتك، فقال له تعالى: انطلق، فقد سلطتك على ماله، فجمع عفاريته وأخبرهم، فقال عفريت من الجن: أعطيت من القوة ما إذا تحولت إعصارا من نار أحرقت كل شيء آتي عليه، فقال له إبليس: دونك الإبل ورعاتها، فجاءها حتى وثبت في مراعيها، فأثار من تحت الأرض إعصارا من نار فأحرقها وأحرق رعاءها. فلما فرغ منها تمثل إبليس براعيها، وجلس على قعود منها، فأتاه، وقال: يا أيوب، إن ربك الذي عبدته قد أحرق إبلك ورعاءها، فقال أيوب: هو ماله، أعارنيه، يفعل فيه ما يشاء، فرجع إبليس خاسئا، حين حمد أيوب ربه، فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا صحت لم يسمع صوتي ذو روح إلا خرجت روحه، قال له إبليس: ائت الغنم ورعاءها، فأتى، فصاح، فصارت أمواتا ورعاتها، ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة، فقال له كمقالته في الإبل، فأجابه أيوب بمثل ما أجابه فيها، فرجع خاسئا، فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا تحولت ريحا عاصفا نسفت كل شيء أتيت عليه، قال إبليس: فأت الفدادين والحرث، فجاءها، فهبت ريح عاصفة فنسفت كل شيء، حتى كأنه لم يكن ثم شيء، فخرج إبليس متمثلا بقهرمان الحرث، فقال له مثل قوله الأول، ورد عليه مثل رده، حتى أتى على جميع ماله، وأيوب يحمد الله تعالى. فقال إبليس: إلهي إن أيوب يقول: إنك ما متعته إلا بنفسه وولده، فهل تسلطني على ولده، فإنها الفتنة؟ قال الله تعالى: قد سلطتك على ولده، فجاء إبليس فقلب عليهم القصر منكسين، وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي يعلمهم الحكمة، وهو جريح، فقال: يا أيوب لو رأيت بنيك كيف عذبوا؟ ونكسوا على رؤوسهم، وسال دماغهم من أنوفهم، فلم يزل من قوله حتى رق أيوب وبكى، وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه، فصعد إبليس مسرورا، ثم ذهب أيوب، فلما أبصر ذلك استغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة، بتوبته فبادروا إلى الله تعالى، وهو أعلم، فوقف إبليس خاسئا، فقال: إلهي إنما هون أيوب خطر المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده، فإني لك زعيم إن سلطني على جسده ليكفرن بك، قال الله تعالى: قد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه وقلبه وعقله، فجاءه إبليس فوجده ساجدا، فجاء من قبل الأرض، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فوهل، وخرج من قرنه إلى قدمه تآليل مثل آليات الغنم، ووقعت به حكة لا يملكها، فحك بأظفاره، ثم بالمسوح الخشنة، ثم بالحجارة، حتى نغل لحمه، وتغير، ونش، وتدود، فأخرجه أهل القرية، وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشا، ورفضه الخلق كلهم، إلا { رحمة } امرأته بنت إفراثيم بن يوسف عليه السلام، فقامت عليه بما يصلحه. روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أيوب نبي الله لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد " الحديث، وقال كعب: سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وما قاله - عليه الصلاة والسلام - إن ثبت، هو الصحيح. وقال الحسن: مكث أيوب مطرودا على كناسة، في مزبلة بني إسرائيل سبع سنين وشهرا، يختلف فيه الدود. ويمكن الجمع بين الأقوال بأن الشدة كانت سبعا والباقي مقدمات لها. روي أن امرأته قالت له يوما: لو دعوت الله عز وجل؟ فقال لها: كم كانت مدة الرخاء؟ قالت: ثمانين سنة. فقال: إني أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي. ه. وروي أن الدود أكل جميع جسده حتى بقي عظاما نخرة، وهو مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله وحمده وشكره، فصرخ إبليس صرخة، وقال: أعياني هذا العبد الذي سألت ربي أن يسلطني عليه، قالت له العفاريت: أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة، ما أتيته إلا من قبل امرأته، فتمثل بها بصورة رجل طيب، وفي رواية الحسن: في هيئة ليست كهيئة بني آدم، في أحسن صورة، فقال لها: أين بعلك يا أمة الله؟ فقالت: هو ذاك، يحك قروحه، ويتردد الدود في جسده، فقال لها: أنا إله الأرض الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني، فلو سجد لي سجدة واحدة لرددت لكما ما كان لكما. وقال وهب: قال لها: لو أكل طعاما ولم يسم عليه لعوفي من البلاء، فأخبرت أيوب، فقال: أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم، إن عافه الله، ليضربنها مائة ضربة. ثم حلف لا يأكل لها طعاما، فبقي مهملا لا يأتي إليه أحد، وقال عند ذلك: { مسني الضر } من طمع إبليس في سجودي له، { وأنت أرحم الراحمين } ، فقيل له: { اركض برجلك } فركض، فنبعت عين ماء، فاغتسل منها، فلم يبق من دائه شيء، وسقطت الدود من جسده، وعاد شبابه وجماله. ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، وكانت امرأته " رحمة " حين حلف، تركته مدة، ثم ندمت وعادت، فوجدته في أحسن هيئة، فلم تعرفه، فقالت له: أين الرجل المبتلى الذي كان هنا؟ قال: أنا هو، شفاني الله، ثم عرفته بضحكه، فتعانقا، ثم أمره الله تعالى أن يأخذ جماعة من القضبان فيضربها ضربة واحدة ليبر في يمينه. ه. قلت: تسليط الشيطان على بشرية الأنبياء الظاهرة: جائز وواقع. وأما الأمراض المنفرة، فإن كانت بعد التبليغ وتقرير الشرائع، فجائز عند بعضهم، وهو الصواب، جمعا بين ما ثبت في الأخبار عن السلف وبين الدلائل العقلية في تنزيه الأنبياء - عليهم السلام -، لأن العلة هي تنفير الخلق عنهم، وبعد التبليغ فلا يضر، وقد ورد أن شعيبا عليه السلام عمى في آخر عمره، وكذلك يعقوب، وكان بعد تبليغ الرسالة، فلم يضر. ثم قال تعالى في حق أيوب عليه السلام: { فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر } إنعاما عليه، فلما قام من مرضه جعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له من الأهل، والمال، ثم أحيا الله أولاده بأعيانهم، ورزقه مثلهم، ورد عليه ماله، بأن أخلف له مثله، وذلك قوله تعالى: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } وقيل: كان ذلك بأن ولد له ضعف ما كان له. وقال عكرمة: آتيناه أهله في الآخرة، ومثلهم معهم في الدنيا، والأول هو ظاهر الآية، ردهم الله تعالى بأعيانهم إظهارا لكمال قدرته تعالى. ثم قال { رحمة من عندنا }: مفعول من أجله، أي: آتينا ما ذكر لرحمتنا أيوب، { وذكرى للعابدين } أي: وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، ويثابوا كما أثيب، أو لرحمتنا العابدين، الذين من جملتهم أيوب، وذكرنا إياهم بالإحسان، وعدم نسياننا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما ينزل بالمؤمن من الأوجاع والأسقام والشدائد والنوائب، في النفس أو في الأهل، كله رحمة، عظيمة، ومنة جسيمة، ويقاس عليه: مفارقة الأحباب والأوطان ومشاق الأسفار والمتاعب البدنية، ويسمى عند الصوفية: التعرفات الجلالية لأن الله تعالى يتعرف إليهم بها ليعرفوه عيانا، ولذلك تجدهم يفرحون بها، وينبسطون عند ورودها لما يتنسمون فيها، ويجدون بعدها، من مزيد الاقتراب وكشف الحجاب، وطي مسافة البعد بينهم وبين رب الأرباب، فهم يؤثرونها على الأعمال الظاهرة لما يتحققون بها من وجود الأعمال الباطنية كالصبر والزهد والرضا والتسليم، وما ينشأ عنها، عند ترقيق البشرية، من تشحيذ الفكرة والنظرة، وغير ذلك من أعمال القلوب. وفي الحكم: " إذا فتح لك وجهة من التعرف، فلا تبالي معها إن قل عملك فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك منها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟ ". قال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: معرفة الله تعالى هي غاية المطالب، ونهاية الأماني والمآرب، فإذا واجه الله عبده ببعض أسبابها، وفتح له باب التعرف له منها، فذلك من النعم الجزيلة عليه، فينبغي ألا يكترث بما يفوته بسبب ذلك من أعمال البر، وما يترتب عليها من جزيل الأجر، وليعلم أنه سلك به مسلك الخاصة المقربين، المؤدي إلى حقائق التوحيد واليقين، من غير اكتساب من العبد ولا تعمل، والأعمال التي من شأنها أن يتلبس بها هي باكتسابه وتعمله، وقد لا يسلم من دخول الآفات عليها، والمطالبة بوجود الإخلاص فيها، وقد لا يحصل له ما أمله من الثواب عند مناقشة الحساب، وأين أحدهما من الآخرة. ومثاله: ما يصاب به الإنسان من البلايا والشدائد التي تنغص عليه لذات الدنيا، وتمنعه من كثير من أعمال البر، فإن مراد العبد أن يستمر بقاؤه في الدنيا، طيب العيش ناعم البال، ويكون حاله في طلب سعادة الاخرة حال المترفين فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة، التي لا كثير مؤنة عليه فيها ولا مشقة، ولا تقطع عنه لذة، ولا يفوته شهوة، ومراد الله منه أن يطهره من أخلاقه اللئيمة، ويحول بينه وبين صفاته الذميمة، ويخرجه من أسر وجوده إلى متسع شهوده، ولا سبيل إلى الوصول إلى هذا المقام على غاية الكمال والتمام، إلا بما يضاد مراده، ويشوش عليه معتاده، وتكون حاله حينئذ المعاملة بالباطن، ولا مناسبة بينها وبين الأعمال الظاهرة، فإذا فهم هذا علم أن اختيار الله له، ومراده منه، خير من اختياره لنفسه ومراده لها. وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: " إني إذا أنزلت بعبدي بلائي، فدعاني، فماطلته بالإجابة، فشكاني، قلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك " ؟ وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عواده، أنشطته من عقالي، وبدلته لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، ويستأنف العمل " ثم نقل عن أبي العباس ابن العريف رضي الله عنه قال: كان رجل بالمغرب يدعى أبا الخيار، وقد عم جسده الجذام، ورائحة المسك توجد منه على مسافة بعيدة، لقيه بعض الناس، فقال له: يا سيدي كأن الله تعالى لم يجد للبلاء محلا من أعدائه حتى أنزله بكم، وأنتم خاصة أوليائه!! فقال لي: اسكت، لا تقل ذلك لأنا لما أشرفنا على خزائن العطاء، لم نجد عند الله أشرف ولا أقرب من البلاء، فسألناه إياه، وكيف بك لو رأيت سيد الزهاد، وقطب العباد، وإمام الأولياء والأوتاد، في غار بأرض طرطوس وجبالها، ولحمه يتناثر، وجلده يسيل قيحا وصديدا، وقد أحاط به الذباب والنمل، فإذا كان الليل لم يقنع بذكر الله وشكره على ما أعطاه من الرحمة، حتى يشد نفسه بالحديد، ويستقبل القبلة عامة ليله حتى يطلع الفجر. ه. وقد تكلم الصوفية في قول أيوب عليه السلام: { مسني الضر } هل شكى ضرر جسمه، أو ضرر قلبه من جهة دينه؟ قال بعضهم: قيل: إنه أراد النهوض إلى الصلاة فلم يستطع، فقال: { مسني الضر } ، وقيل: إنه أكل الدود جميع جسده، حتى بقي عظاما، فلما قصد الدود قلبه ولسانه غار على قلبه لأنه موضع المعرفة والتوحيد، والنبوة والولاية، وأسرار الله تعالى، وخاف انقطاع الذكر، فقال: { مسني الضر } ، وقيل: خاف تبدد همه وتفرق قلبه، وليس في العقوبة شيء أشد من تبدد الهم، فتارة يقول: لعلي ببلائي معاقب، وتارة يقول: بضري مستدرج، فلما خاف تشتيت خاطره عليه، قال: { مسني الضر }. ه. قلت: هذا المقام لا يليق بالأنبياء، وإنما يجوز على غيرهم إذ الأولياء يترقون عن هذا المقام فكيف بالأنبياء! وقال بعضهم: قال: مسني الضر من شماتة الأعداء، واقتصر عليه ابن جزي، وفيه شيء إذ كثير من الأولياء سقط الناس من عينهم، فلا يبالون بخيرهم ولا شرهم، ولا مدحهم ولا ذمهم، فكيف بالأنبياء - عليهم السلام -؟! وقال القشيري " كان ذلك منه إظهارا للعجز، لا اعتراضا، فلا ينافي الصبر، مع ما فيه من التنفيس عن الضعفاء من الأمة، ليكون أسوة. وقال: إن جبريل أمره بذلك، وقال له: إن الله يغضب إن لم يسأل، وسيان عنده البلاء والعافية، فسله العافية. ويقال: إن أيوب كان مكاشفا بالحقيقة، مأخوذا عنه، وكان لا يحس بالبلاء، فستر عليه، فرده إليه، فقال: مسني الضر، وقيل: أدخل على أيوب تلك الحالة، فاستخرج منه تلك المقالة ليظهر عليه سمة العبودية. ه. وقال الورتجبي: سئل الجنيد عن قوله: { مسني الضر } ، فقال عرفه فاقة السؤال، ليمن عليه بكرم النوال، وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه جاء إليه رجل فسأله عن قول أيوب { مسني الضر } فبكى - عليه الصلاة والسلام - وقال: والذي بعثني بالحق نبيا ما شكى فقرا نزل من ربه، ولكن كان في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، فلما كان في بعض الساعات وثب ليصلي، فلم يستطع النهوض، فقال: { مسني الضر } الخ. ثم قال: - عليه الصلاة والسلام -: أكل الدود عامة جسده حتى بقي عظاما نخرة، فكادت الشمس تطلع من قبله وتخرج من دبره، وما بقي إلا قلبه ولسانه، وكان قلبه لا يخلو من ذكر الله، ولسانه لا يخلو من ثنائه على ربه، فلما أحب الله له الفرج، بعث إليه الدودتين إحداهما إلى لسانه والأخرى إلى قلبه، فقال: يا رب ما بقي إلا هاتان الجارحتان، أذكرك بهما، فأقبلت هاتان الدودتان إليهما ليشغلاني عنك ويطلعان على سري، مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. ه. وفي قوله تعالى: { رحمة من عندنا وذكرى للعابدين }: تسلية لمن أصيب بشيء من هذه التعرفات الجلالية، وقد تقدم في أول الإشارة الكلام على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما بقي من مشاهير الأنبياء

الأنبياء 21:84

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر خبر { أيوب } عليه السلام { إذ نادى ربه }: دعاه: { إني } أي: بأني { مسني الضر } وهو بالضم: ما يصيب النفس من مرض وهزال، وبالفتح: الضرر في كل شيء، { وأنت أرحم الراحمين } ، تلطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب من كمال أدبه، فكأنه قال: أنت أهل أن ترحم، وأيوب أهل أن يرحم، فارحمه، واكشف عنه ضره الذي مسه. عن أنس: أنه أخبر عن ضعفه حين لم يقدر على النهوض إلى الصلاة، ولم يشتك، وكيف يشكو، والله تعالى يقول: إنا وجدناه صابرا نعم العبد [ص: 44]. وقيل: إنما اشتكى إليه تلذذا بالنجوى، لا تضررا بالشكوى، والشكاية إليه غاية في القرب، كما أن الشكاية منه غاية في البعد، وسيأتي في الإشارة تكميله، إن شاء الله. روي أن أيوب عليه السلام، كان من الروم، وهو أيوب بن أموص ابن تارح بن رعويل بن عيص بن إسحاق. وكانت أمه من ولد لوط عليه السلام اصطفاه الله للنبوة والرسالة، وبسط عليه الدنيا فكان له ثلاثة آلاف بعير، وسبعة آلاف شاة، وخمسمائة فدان، يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد، وكان له سبعة بنين، وسبع بنات. قاله النسفي. زاد الثعلبي: وكانت له المشيئة من أرض الشام كلها، وكان له فيها من صنوف المال ما لم يكن لأحد من الخيل والبقر والغنم والحمر وغيره، وكان برا تقيا رحيما بالمساكين، يكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف، ويبلغ ابن السبيل، شاكرا لأنعم الله، لا يصيب منه إبليس ما يصيب من أهل الغنى من الغفلة والغرة، وكان معه ثلاثة قد آمنوا به: رجل من اليمن واثنان من بلده، كهولا. قال وهب: فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة عليه في السماء فحسده، فقال: إلهي، عبدك أيوب أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ولم تجربه بشدة ولا بلاء، فلو جربته بالبلاء ليكفرن بك وبنعمتك، فقال له تعالى: انطلق، فقد سلطتك على ماله، فجمع عفاريته وأخبرهم، فقال عفريت من الجن: أعطيت من القوة ما إذا تحولت إعصارا من نار أحرقت كل شيء آتي عليه، فقال له إبليس: دونك الإبل ورعاتها، فجاءها حتى وثبت في مراعيها، فأثار من تحت الأرض إعصارا من نار فأحرقها وأحرق رعاءها. فلما فرغ منها تمثل إبليس براعيها، وجلس على قعود منها، فأتاه، وقال: يا أيوب، إن ربك الذي عبدته قد أحرق إبلك ورعاءها، فقال أيوب: هو ماله، أعارنيه، يفعل فيه ما يشاء، فرجع إبليس خاسئا، حين حمد أيوب ربه، فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا صحت لم يسمع صوتي ذو روح إلا خرجت روحه، قال له إبليس: ائت الغنم ورعاءها، فأتى، فصاح، فصارت أمواتا ورعاتها، ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة، فقال له كمقالته في الإبل، فأجابه أيوب بمثل ما أجابه فيها، فرجع خاسئا، فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا تحولت ريحا عاصفا نسفت كل شيء أتيت عليه، قال إبليس: فأت الفدادين والحرث، فجاءها، فهبت ريح عاصفة فنسفت كل شيء، حتى كأنه لم يكن ثم شيء، فخرج إبليس متمثلا بقهرمان الحرث، فقال له مثل قوله الأول، ورد عليه مثل رده، حتى أتى على جميع ماله، وأيوب يحمد الله تعالى. فقال إبليس: إلهي إن أيوب يقول: إنك ما متعته إلا بنفسه وولده، فهل تسلطني على ولده، فإنها الفتنة؟ قال الله تعالى: قد سلطتك على ولده، فجاء إبليس فقلب عليهم القصر منكسين، وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي يعلمهم الحكمة، وهو جريح، فقال: يا أيوب لو رأيت بنيك كيف عذبوا؟ ونكسوا على رؤوسهم، وسال دماغهم من أنوفهم، فلم يزل من قوله حتى رق أيوب وبكى، وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه، فصعد إبليس مسرورا، ثم ذهب أيوب، فلما أبصر ذلك استغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة، بتوبته فبادروا إلى الله تعالى، وهو أعلم، فوقف إبليس خاسئا، فقال: إلهي إنما هون أيوب خطر المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده، فإني لك زعيم إن سلطني على جسده ليكفرن بك، قال الله تعالى: قد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه وقلبه وعقله، فجاءه إبليس فوجده ساجدا، فجاء من قبل الأرض، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فوهل، وخرج من قرنه إلى قدمه تآليل مثل آليات الغنم، ووقعت به حكة لا يملكها، فحك بأظفاره، ثم بالمسوح الخشنة، ثم بالحجارة، حتى نغل لحمه، وتغير، ونش، وتدود، فأخرجه أهل القرية، وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشا، ورفضه الخلق كلهم، إلا { رحمة } امرأته بنت إفراثيم بن يوسف عليه السلام، فقامت عليه بما يصلحه. روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أيوب نبي الله لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد " الحديث، وقال كعب: سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وما قاله - عليه الصلاة والسلام - إن ثبت، هو الصحيح. وقال الحسن: مكث أيوب مطرودا على كناسة، في مزبلة بني إسرائيل سبع سنين وشهرا، يختلف فيه الدود. ويمكن الجمع بين الأقوال بأن الشدة كانت سبعا والباقي مقدمات لها. روي أن امرأته قالت له يوما: لو دعوت الله عز وجل؟ فقال لها: كم كانت مدة الرخاء؟ قالت: ثمانين سنة. فقال: إني أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي. ه. وروي أن الدود أكل جميع جسده حتى بقي عظاما نخرة، وهو مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله وحمده وشكره، فصرخ إبليس صرخة، وقال: أعياني هذا العبد الذي سألت ربي أن يسلطني عليه، قالت له العفاريت: أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة، ما أتيته إلا من قبل امرأته، فتمثل بها بصورة رجل طيب، وفي رواية الحسن: في هيئة ليست كهيئة بني آدم، في أحسن صورة، فقال لها: أين بعلك يا أمة الله؟ فقالت: هو ذاك، يحك قروحه، ويتردد الدود في جسده، فقال لها: أنا إله الأرض الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني، فلو سجد لي سجدة واحدة لرددت لكما ما كان لكما. وقال وهب: قال لها: لو أكل طعاما ولم يسم عليه لعوفي من البلاء، فأخبرت أيوب، فقال: أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم، إن عافه الله، ليضربنها مائة ضربة. ثم حلف لا يأكل لها طعاما، فبقي مهملا لا يأتي إليه أحد، وقال عند ذلك: { مسني الضر } من طمع إبليس في سجودي له، { وأنت أرحم الراحمين } ، فقيل له: { اركض برجلك } فركض، فنبعت عين ماء، فاغتسل منها، فلم يبق من دائه شيء، وسقطت الدود من جسده، وعاد شبابه وجماله. ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، وكانت امرأته " رحمة " حين حلف، تركته مدة، ثم ندمت وعادت، فوجدته في أحسن هيئة، فلم تعرفه، فقالت له: أين الرجل المبتلى الذي كان هنا؟ قال: أنا هو، شفاني الله، ثم عرفته بضحكه، فتعانقا، ثم أمره الله تعالى أن يأخذ جماعة من القضبان فيضربها ضربة واحدة ليبر في يمينه. ه. قلت: تسليط الشيطان على بشرية الأنبياء الظاهرة: جائز وواقع. وأما الأمراض المنفرة، فإن كانت بعد التبليغ وتقرير الشرائع، فجائز عند بعضهم، وهو الصواب، جمعا بين ما ثبت في الأخبار عن السلف وبين الدلائل العقلية في تنزيه الأنبياء - عليهم السلام -، لأن العلة هي تنفير الخلق عنهم، وبعد التبليغ فلا يضر، وقد ورد أن شعيبا عليه السلام عمى في آخر عمره، وكذلك يعقوب، وكان بعد تبليغ الرسالة، فلم يضر. ثم قال تعالى في حق أيوب عليه السلام: { فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر } إنعاما عليه، فلما قام من مرضه جعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له من الأهل، والمال، ثم أحيا الله أولاده بأعيانهم، ورزقه مثلهم، ورد عليه ماله، بأن أخلف له مثله، وذلك قوله تعالى: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } وقيل: كان ذلك بأن ولد له ضعف ما كان له. وقال عكرمة: آتيناه أهله في الآخرة، ومثلهم معهم في الدنيا، والأول هو ظاهر الآية، ردهم الله تعالى بأعيانهم إظهارا لكمال قدرته تعالى. ثم قال { رحمة من عندنا }: مفعول من أجله، أي: آتينا ما ذكر لرحمتنا أيوب، { وذكرى للعابدين } أي: وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، ويثابوا كما أثيب، أو لرحمتنا العابدين، الذين من جملتهم أيوب، وذكرنا إياهم بالإحسان، وعدم نسياننا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما ينزل بالمؤمن من الأوجاع والأسقام والشدائد والنوائب، في النفس أو في الأهل، كله رحمة، عظيمة، ومنة جسيمة، ويقاس عليه: مفارقة الأحباب والأوطان ومشاق الأسفار والمتاعب البدنية، ويسمى عند الصوفية: التعرفات الجلالية لأن الله تعالى يتعرف إليهم بها ليعرفوه عيانا، ولذلك تجدهم يفرحون بها، وينبسطون عند ورودها لما يتنسمون فيها، ويجدون بعدها، من مزيد الاقتراب وكشف الحجاب، وطي مسافة البعد بينهم وبين رب الأرباب، فهم يؤثرونها على الأعمال الظاهرة لما يتحققون بها من وجود الأعمال الباطنية كالصبر والزهد والرضا والتسليم، وما ينشأ عنها، عند ترقيق البشرية، من تشحيذ الفكرة والنظرة، وغير ذلك من أعمال القلوب. وفي الحكم: " إذا فتح لك وجهة من التعرف، فلا تبالي معها إن قل عملك فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك منها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟ ". قال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: معرفة الله تعالى هي غاية المطالب، ونهاية الأماني والمآرب، فإذا واجه الله عبده ببعض أسبابها، وفتح له باب التعرف له منها، فذلك من النعم الجزيلة عليه، فينبغي ألا يكترث بما يفوته بسبب ذلك من أعمال البر، وما يترتب عليها من جزيل الأجر، وليعلم أنه سلك به مسلك الخاصة المقربين، المؤدي إلى حقائق التوحيد واليقين، من غير اكتساب من العبد ولا تعمل، والأعمال التي من شأنها أن يتلبس بها هي باكتسابه وتعمله، وقد لا يسلم من دخول الآفات عليها، والمطالبة بوجود الإخلاص فيها، وقد لا يحصل له ما أمله من الثواب عند مناقشة الحساب، وأين أحدهما من الآخرة. ومثاله: ما يصاب به الإنسان من البلايا والشدائد التي تنغص عليه لذات الدنيا، وتمنعه من كثير من أعمال البر، فإن مراد العبد أن يستمر بقاؤه في الدنيا، طيب العيش ناعم البال، ويكون حاله في طلب سعادة الاخرة حال المترفين فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة، التي لا كثير مؤنة عليه فيها ولا مشقة، ولا تقطع عنه لذة، ولا يفوته شهوة، ومراد الله منه أن يطهره من أخلاقه اللئيمة، ويحول بينه وبين صفاته الذميمة، ويخرجه من أسر وجوده إلى متسع شهوده، ولا سبيل إلى الوصول إلى هذا المقام على غاية الكمال والتمام، إلا بما يضاد مراده، ويشوش عليه معتاده، وتكون حاله حينئذ المعاملة بالباطن، ولا مناسبة بينها وبين الأعمال الظاهرة، فإذا فهم هذا علم أن اختيار الله له، ومراده منه، خير من اختياره لنفسه ومراده لها. وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: " إني إذا أنزلت بعبدي بلائي، فدعاني، فماطلته بالإجابة، فشكاني، قلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك " ؟ وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عواده، أنشطته من عقالي، وبدلته لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، ويستأنف العمل " ثم نقل عن أبي العباس ابن العريف رضي الله عنه قال: كان رجل بالمغرب يدعى أبا الخيار، وقد عم جسده الجذام، ورائحة المسك توجد منه على مسافة بعيدة، لقيه بعض الناس، فقال له: يا سيدي كأن الله تعالى لم يجد للبلاء محلا من أعدائه حتى أنزله بكم، وأنتم خاصة أوليائه!! فقال لي: اسكت، لا تقل ذلك لأنا لما أشرفنا على خزائن العطاء، لم نجد عند الله أشرف ولا أقرب من البلاء، فسألناه إياه، وكيف بك لو رأيت سيد الزهاد، وقطب العباد، وإمام الأولياء والأوتاد، في غار بأرض طرطوس وجبالها، ولحمه يتناثر، وجلده يسيل قيحا وصديدا، وقد أحاط به الذباب والنمل، فإذا كان الليل لم يقنع بذكر الله وشكره على ما أعطاه من الرحمة، حتى يشد نفسه بالحديد، ويستقبل القبلة عامة ليله حتى يطلع الفجر. ه. وقد تكلم الصوفية في قول أيوب عليه السلام: { مسني الضر } هل شكى ضرر جسمه، أو ضرر قلبه من جهة دينه؟ قال بعضهم: قيل: إنه أراد النهوض إلى الصلاة فلم يستطع، فقال: { مسني الضر } ، وقيل: إنه أكل الدود جميع جسده، حتى بقي عظاما، فلما قصد الدود قلبه ولسانه غار على قلبه لأنه موضع المعرفة والتوحيد، والنبوة والولاية، وأسرار الله تعالى، وخاف انقطاع الذكر، فقال: { مسني الضر } ، وقيل: خاف تبدد همه وتفرق قلبه، وليس في العقوبة شيء أشد من تبدد الهم، فتارة يقول: لعلي ببلائي معاقب، وتارة يقول: بضري مستدرج، فلما خاف تشتيت خاطره عليه، قال: { مسني الضر }. ه. قلت: هذا المقام لا يليق بالأنبياء، وإنما يجوز على غيرهم إذ الأولياء يترقون عن هذا المقام فكيف بالأنبياء! وقال بعضهم: قال: مسني الضر من شماتة الأعداء، واقتصر عليه ابن جزي، وفيه شيء إذ كثير من الأولياء سقط الناس من عينهم، فلا يبالون بخيرهم ولا شرهم، ولا مدحهم ولا ذمهم، فكيف بالأنبياء - عليهم السلام -؟! وقال القشيري " كان ذلك منه إظهارا للعجز، لا اعتراضا، فلا ينافي الصبر، مع ما فيه من التنفيس عن الضعفاء من الأمة، ليكون أسوة. وقال: إن جبريل أمره بذلك، وقال له: إن الله يغضب إن لم يسأل، وسيان عنده البلاء والعافية، فسله العافية. ويقال: إن أيوب كان مكاشفا بالحقيقة، مأخوذا عنه، وكان لا يحس بالبلاء، فستر عليه، فرده إليه، فقال: مسني الضر، وقيل: أدخل على أيوب تلك الحالة، فاستخرج منه تلك المقالة ليظهر عليه سمة العبودية. ه. وقال الورتجبي: سئل الجنيد عن قوله: { مسني الضر } ، فقال عرفه فاقة السؤال، ليمن عليه بكرم النوال، وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه جاء إليه رجل فسأله عن قول أيوب { مسني الضر } فبكى - عليه الصلاة والسلام - وقال: والذي بعثني بالحق نبيا ما شكى فقرا نزل من ربه، ولكن كان في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، فلما كان في بعض الساعات وثب ليصلي، فلم يستطع النهوض، فقال: { مسني الضر } الخ. ثم قال: - عليه الصلاة والسلام -: أكل الدود عامة جسده حتى بقي عظاما نخرة، فكادت الشمس تطلع من قبله وتخرج من دبره، وما بقي إلا قلبه ولسانه، وكان قلبه لا يخلو من ذكر الله، ولسانه لا يخلو من ثنائه على ربه، فلما أحب الله له الفرج، بعث إليه الدودتين إحداهما إلى لسانه والأخرى إلى قلبه، فقال: يا رب ما بقي إلا هاتان الجارحتان، أذكرك بهما، فأقبلت هاتان الدودتان إليهما ليشغلاني عنك ويطلعان على سري، مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. ه. وفي قوله تعالى: { رحمة من عندنا وذكرى للعابدين }: تسلية لمن أصيب بشيء من هذه التعرفات الجلالية، وقد تقدم في أول الإشارة الكلام على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما بقي من مشاهير الأنبياء

الأنبياء 21:85

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إسماعيل } بن إبراهيم، وكان أكبر من إسحاق، { وإدريس } واسمه: أخنوخ بن شيث بن آدم. قاله النسفي { وذا الكفل } وهو إلياس، أو زكريا، أو يوشع بن نون، قلت: كونه زكريا بعيد لأنه سيذكره بخصوصه بعد. وسمي ذا الكفل لأنه ذو حظ من الله، والكفل: الحظ. أو تكفل بضعف عمل أنبياء زمانه، أو بصيام النهار وقيام الليل. وقال أبو موسى الأشعري: إن ذا الكفل لم يكن نبيا، ولكنه كان عبدا صالحا، تكفل بعمل رجل صالح عند موته، وكان يصلي لله تعالى، في كل يوم، مائة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء. ه. وقال عمر بن عبد الله بن الحارث: إن نبيا من الأنبياء قال: من تكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب؟ فقال شاب: أنا، فمات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب يقضي بين الناس، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم، فضرب الباب ضربا شديدا، فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة، فأرسل له رجلا، فلم يرض، ثم أرسل معه آخر، فلم يرض، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق معه إلى السوق، ثم خلاه وذهب، فسمي ذا الكفل. ه. { كل من الصابرين } أي: كل واحد من هؤلاء موصوف بالصبر التام على مشاق التكليف وشدائد النوب، { وأدخلناهم في رحمتنا } في النبوة، أو في الآخرة، { إنهم من الصالحين } أي: الكاملين في الصلاح الذي لا تحوم حوله شائبة الفساد، وهم الأنبياء، فإن صلاحهم معصوم من كدر الفساد. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد مدح الله هؤلاء السادات بخصلتين، من تحقق بهما: التحق بهم، وانخرط في سلكهم: الصبر على مشاق الطاعة، وعلى ترك المعصية، وفي حال البلية. والصلاح، وهو: إصلاح الظاهر بالشريعة، وإصلاح الباطن بنور الحقيقة. فمن تحقق بهاتين الخصلتين كان من المقربين مع النبيين والصديقين. وبالله التوفيق. ثم ذكر يونس عليه السلام

الأنبياء 21:86

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { إسماعيل } بن إبراهيم، وكان أكبر من إسحاق، { وإدريس } واسمه: أخنوخ بن شيث بن آدم. قاله النسفي { وذا الكفل } وهو إلياس، أو زكريا، أو يوشع بن نون، قلت: كونه زكريا بعيد لأنه سيذكره بخصوصه بعد. وسمي ذا الكفل لأنه ذو حظ من الله، والكفل: الحظ. أو تكفل بضعف عمل أنبياء زمانه، أو بصيام النهار وقيام الليل. وقال أبو موسى الأشعري: إن ذا الكفل لم يكن نبيا، ولكنه كان عبدا صالحا، تكفل بعمل رجل صالح عند موته، وكان يصلي لله تعالى، في كل يوم، مائة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء. ه. وقال عمر بن عبد الله بن الحارث: إن نبيا من الأنبياء قال: من تكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب؟ فقال شاب: أنا، فمات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب يقضي بين الناس، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم، فضرب الباب ضربا شديدا، فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة، فأرسل له رجلا، فلم يرض، ثم أرسل معه آخر، فلم يرض، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق معه إلى السوق، ثم خلاه وذهب، فسمي ذا الكفل. ه. { كل من الصابرين } أي: كل واحد من هؤلاء موصوف بالصبر التام على مشاق التكليف وشدائد النوب، { وأدخلناهم في رحمتنا } في النبوة، أو في الآخرة، { إنهم من الصالحين } أي: الكاملين في الصلاح الذي لا تحوم حوله شائبة الفساد، وهم الأنبياء، فإن صلاحهم معصوم من كدر الفساد. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد مدح الله هؤلاء السادات بخصلتين، من تحقق بهما: التحق بهم، وانخرط في سلكهم: الصبر على مشاق الطاعة، وعلى ترك المعصية، وفي حال البلية. والصلاح، وهو: إصلاح الظاهر بالشريعة، وإصلاح الباطن بنور الحقيقة. فمن تحقق بهاتين الخصلتين كان من المقربين مع النبيين والصديقين. وبالله التوفيق. ثم ذكر يونس عليه السلام

الأنبياء 21:87

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { ذا النون } أي: صاحب الحوت، وهو يونس عليه السلام، { إذ ذهب مغاضبا } أي: مراغما لقومه، فارا عنهم، وغضب من طول دعوته إياهم، وشدة شكيمتهم، وتمادي إصرارهم، فخرج مهاجرا عنهم، قبل أن يؤمر، وقيل: وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم لأجل توبتهم، ولم يشعر بها، فظن أنه كذبهم، فغضب من ذلك، فهو من باب المغالبة للمبالغة أو لأنه غضب لما رأى منهم من الإصرار، وغضبوا لمفارقته إياهم، وكان من حقه عليه السلام أن يصبر وينتظر الإذن الخاص من الله تعالى، فلما استعجل ابتلي ببطن الحوت، وقال ابن عباس: قال جبريل ليونس عليه السلام: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم، قال: ألتمس دابة، قال: الأمر أعجل من ذلك، فانطلق إلى السفينة فركبها، فاحتبست السفينة فساهموا فسهم، فجاءه الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت: إنا لم نجعل يونس لك رزقا، إنما جعلناه لك حرزا، فالتقمه، ومر به على الأبلة، ثم على دجلة، ثم مر به حتى ألقاه بنينوى. ه. وقال وهب بن منبه رضي الله عنه: إن يونس كان عبدا صالحا ضيق الخلق، فلما حمل أثقال النبوة تفسخ منها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، فقذفها وخرج هاربا عنها، ولذلك أخرجه الله من أولي العزم، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل [الأحقاف: 35]، وقال: ولا تكن كصاحب الحوت [القلم: 48]، أي: لا تلق أمري كما ألقاه. ه. وأما قول الحسن: مغاضبا لربه، فلا يليق بمقام الأنبياء - عليهم السلام - إلا أن يحمل على أن خروجه بلا إذن كأنه مغاضب. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: { فظن أن لن نقدر عليه } أي: لن نضيق عليه، أو لن نقدر عليه بالعقوبة، فهو من القدرة، ويؤيده قراءة من شدد، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: دخلت يوما على معاوية، فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلا أرى لنفسي خلاصا إلا بك، قال: وما هي؟ فقرأ الآية... فقال: أو يظن نبي الله ألا يقدر عليه؟ قال: هذا من القدر لا من القدرة. ه. وقيل: إنه على حذف الاستفهام. أي: أيظن أن لن نقدر عليه، وقيل: هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن يقدر عليه، أي: تعامل معاملة من ظن أن لن نقدر عليه حيث استعجل الفرار. قلت: لإعلاء مقامه كثرت مطالبته بالأدب، فحين خرج من غير إذن خاص عد خروجه كأنه ظن ألا تنفذ فيه القدرة، وتمسك عليه السلام بالإذن العام، وهو الهجرة من دار الكفر، وهو لا يكفي في حق أمثاله، فعوقب بالسجن في بطن الحوت. { فنادى في الظلمات } أي: في الظلمة الشديدة المتكاثفة كقوله: ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات... [البقرة: 17]، أو في ظلمة بطن الحوت والبحر والليل: { أن لا إله إلا أنت } أي: بأنه لا إله إلا أنت، أو تفسيرية، أي: قال: لا إله إلا أنت، { سبحانك } أي: أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يعجزك شيء، أو: تنزيها لك عما ظننت فيك، { إني كنت من الظالمين } لنفسي بخروجي عن قومي قبل أن تأذن لي، أو من الظالمين لأنفسهم بتعريضها للهلكة، وعن الحسن: ما نجاه، والله، إلا إقراره على نفسه بالظلم. { فاستجبنا له } أي: أجبنا دعاءه الذي دعا في ضمن الاعتراف بالذنب على ألطف وجه وأحسنه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له " { ونجيناه من الغم }: الذلة والوحشة والوحدة، وذلك بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات، وقيل: بعد ثلاثة أيام، { وكذلك ننجي المؤمنين } أي: مثل ذلك الإنجاء الكامل ننجي المؤمنين من غمومهم، إذا دعوا الله، مخلصين في دعائهم. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اسم الله الذي إذا دعي به أجب، وإذا سئل به أعطى " دعوة يونس بن متى، قيل: يا رسول الله، أليونس خاصة؟ قال: " بل هي عامة لكل مؤمن، ألم تسمع قول الله تعالى: { وكذلك ننجي المؤمنين } " وهنا قراءات في { ننجي } ، مذكورة في كتب القراءات، تركتها لطول الكلام فيها. الإشارة: من تحققت له سابقة العناية لا تبعده الجناية، ولا تخرجه عن دائرة الولاية، بل يؤدب في الدنيا بالابتلاء في بدنه أو ماله، على قدر الجناية وعلو المقام، ثم يرد إلى مقامه. وها هنا حكايات للصوفية - رضي الله عنهم - من هذا النوع، منها: حكاية خير النساج رضي الله عنه، قيل له: أكان النسج صنعتك؟ قال: لا، ولكن كنت عاهدت الله واعتقدت ألا آكل الرطب، فغلبتني نفسي واشتريت رطلا منه، فجلست لآكله، فإذا رجل وقف علي، وخنقني، وقال: يا عبد السوء، أتهرب من مولاك - وكان له عبد اسمه: " خير " أبق منه، ألقى الله شبهه علي - فحملني إلى حانوته، وقال: اعمل عملك، أمرني بعمل الكرباس - وهو القطن - فدليت رجلي لأنسجه، فكأني كنت أعمله سنين، فبقيت معه أشهرا، فقمت ليلة إلى صلاة الغداة، وقلت: إلهي لا أعود، فأصبحت، فإذا الشبه قد زال عني، وعدت إلى صورتي التي كنت عليها، فأطلقت، فثبت علي هذا الاسم، فكان سببه اتباع شهوتي. ومنها قضية أبي الخير العسقلاني رضي الله عنه قال: اشتهيت السمك سنين، ثم ظهر له من وجه حلال، فلما مد يده ليأكل، أخذت شوكة من عظامه إصبعه، فذهبت في ذلك، فقال: إلهي هذا لمن مد يده لشهوة من حلال، فكيف بمن مد يده لشهوة من حرام. ومنها: قضية إبراهيم الخواص رضي الله عنه قال: كنت جائعا في الطريق، فوافيت الري - اسم بلدة - فخطر ببالي أن لي بها معارف، فإذا دخلتها أضافوني وأطعموني، فلما دخلت البلد رأيت فيها منكرا احتجت أن آمر فيه بالمعروف، فأخذوني وضربوني، فقلت في نفسي: من أين أصابني هذا، على جوعي؟ فنوديت في سري: إنك سكنت إلى معارفك بقلبك، ولم تسكن إلى خالقك. وأمثال هذا كثير بأهل الخصوصية، يؤدبون على أقل شيء من سوء الأدب لشدة قربهم، ثم يردون إلى مقامهم. ومن هذا النوع قصة سيدنا يونس عليه السلام حيث خرج من غير إذن خاص، فأدبه، ثم رده إلى النبوة والرسالة، وقد كنت سمعت من بعض الأشياخ أن أيوب عليه السلام إنما أصيب في ماله، لأنه كان بجوار ماله كافر، فكان يداريه لأجل ماله، فأصيب فيه وفي بدنه تأديبا وتكميلا له. و الله تعالى أعلم. ثم ذكر زكريا عليه السلام

الأنبياء 21:88

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { ذا النون } أي: صاحب الحوت، وهو يونس عليه السلام، { إذ ذهب مغاضبا } أي: مراغما لقومه، فارا عنهم، وغضب من طول دعوته إياهم، وشدة شكيمتهم، وتمادي إصرارهم، فخرج مهاجرا عنهم، قبل أن يؤمر، وقيل: وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم لأجل توبتهم، ولم يشعر بها، فظن أنه كذبهم، فغضب من ذلك، فهو من باب المغالبة للمبالغة أو لأنه غضب لما رأى منهم من الإصرار، وغضبوا لمفارقته إياهم، وكان من حقه عليه السلام أن يصبر وينتظر الإذن الخاص من الله تعالى، فلما استعجل ابتلي ببطن الحوت، وقال ابن عباس: قال جبريل ليونس عليه السلام: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم، قال: ألتمس دابة، قال: الأمر أعجل من ذلك، فانطلق إلى السفينة فركبها، فاحتبست السفينة فساهموا فسهم، فجاءه الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت: إنا لم نجعل يونس لك رزقا، إنما جعلناه لك حرزا، فالتقمه، ومر به على الأبلة، ثم على دجلة، ثم مر به حتى ألقاه بنينوى. ه. وقال وهب بن منبه رضي الله عنه: إن يونس كان عبدا صالحا ضيق الخلق، فلما حمل أثقال النبوة تفسخ منها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، فقذفها وخرج هاربا عنها، ولذلك أخرجه الله من أولي العزم، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل [الأحقاف: 35]، وقال: ولا تكن كصاحب الحوت [القلم: 48]، أي: لا تلق أمري كما ألقاه. ه. وأما قول الحسن: مغاضبا لربه، فلا يليق بمقام الأنبياء - عليهم السلام - إلا أن يحمل على أن خروجه بلا إذن كأنه مغاضب. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: { فظن أن لن نقدر عليه } أي: لن نضيق عليه، أو لن نقدر عليه بالعقوبة، فهو من القدرة، ويؤيده قراءة من شدد، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: دخلت يوما على معاوية، فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلا أرى لنفسي خلاصا إلا بك، قال: وما هي؟ فقرأ الآية... فقال: أو يظن نبي الله ألا يقدر عليه؟ قال: هذا من القدر لا من القدرة. ه. وقيل: إنه على حذف الاستفهام. أي: أيظن أن لن نقدر عليه، وقيل: هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن يقدر عليه، أي: تعامل معاملة من ظن أن لن نقدر عليه حيث استعجل الفرار. قلت: لإعلاء مقامه كثرت مطالبته بالأدب، فحين خرج من غير إذن خاص عد خروجه كأنه ظن ألا تنفذ فيه القدرة، وتمسك عليه السلام بالإذن العام، وهو الهجرة من دار الكفر، وهو لا يكفي في حق أمثاله، فعوقب بالسجن في بطن الحوت. { فنادى في الظلمات } أي: في الظلمة الشديدة المتكاثفة كقوله: ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات... [البقرة: 17]، أو في ظلمة بطن الحوت والبحر والليل: { أن لا إله إلا أنت } أي: بأنه لا إله إلا أنت، أو تفسيرية، أي: قال: لا إله إلا أنت، { سبحانك } أي: أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يعجزك شيء، أو: تنزيها لك عما ظننت فيك، { إني كنت من الظالمين } لنفسي بخروجي عن قومي قبل أن تأذن لي، أو من الظالمين لأنفسهم بتعريضها للهلكة، وعن الحسن: ما نجاه، والله، إلا إقراره على نفسه بالظلم. { فاستجبنا له } أي: أجبنا دعاءه الذي دعا في ضمن الاعتراف بالذنب على ألطف وجه وأحسنه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له " { ونجيناه من الغم }: الذلة والوحشة والوحدة، وذلك بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات، وقيل: بعد ثلاثة أيام، { وكذلك ننجي المؤمنين } أي: مثل ذلك الإنجاء الكامل ننجي المؤمنين من غمومهم، إذا دعوا الله، مخلصين في دعائهم. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اسم الله الذي إذا دعي به أجب، وإذا سئل به أعطى " دعوة يونس بن متى، قيل: يا رسول الله، أليونس خاصة؟ قال: " بل هي عامة لكل مؤمن، ألم تسمع قول الله تعالى: { وكذلك ننجي المؤمنين } " وهنا قراءات في { ننجي } ، مذكورة في كتب القراءات، تركتها لطول الكلام فيها. الإشارة: من تحققت له سابقة العناية لا تبعده الجناية، ولا تخرجه عن دائرة الولاية، بل يؤدب في الدنيا بالابتلاء في بدنه أو ماله، على قدر الجناية وعلو المقام، ثم يرد إلى مقامه. وها هنا حكايات للصوفية - رضي الله عنهم - من هذا النوع، منها: حكاية خير النساج رضي الله عنه، قيل له: أكان النسج صنعتك؟ قال: لا، ولكن كنت عاهدت الله واعتقدت ألا آكل الرطب، فغلبتني نفسي واشتريت رطلا منه، فجلست لآكله، فإذا رجل وقف علي، وخنقني، وقال: يا عبد السوء، أتهرب من مولاك - وكان له عبد اسمه: " خير " أبق منه، ألقى الله شبهه علي - فحملني إلى حانوته، وقال: اعمل عملك، أمرني بعمل الكرباس - وهو القطن - فدليت رجلي لأنسجه، فكأني كنت أعمله سنين، فبقيت معه أشهرا، فقمت ليلة إلى صلاة الغداة، وقلت: إلهي لا أعود، فأصبحت، فإذا الشبه قد زال عني، وعدت إلى صورتي التي كنت عليها، فأطلقت، فثبت علي هذا الاسم، فكان سببه اتباع شهوتي. ومنها قضية أبي الخير العسقلاني رضي الله عنه قال: اشتهيت السمك سنين، ثم ظهر له من وجه حلال، فلما مد يده ليأكل، أخذت شوكة من عظامه إصبعه، فذهبت في ذلك، فقال: إلهي هذا لمن مد يده لشهوة من حلال، فكيف بمن مد يده لشهوة من حرام. ومنها: قضية إبراهيم الخواص رضي الله عنه قال: كنت جائعا في الطريق، فوافيت الري - اسم بلدة - فخطر ببالي أن لي بها معارف، فإذا دخلتها أضافوني وأطعموني، فلما دخلت البلد رأيت فيها منكرا احتجت أن آمر فيه بالمعروف، فأخذوني وضربوني، فقلت في نفسي: من أين أصابني هذا، على جوعي؟ فنوديت في سري: إنك سكنت إلى معارفك بقلبك، ولم تسكن إلى خالقك. وأمثال هذا كثير بأهل الخصوصية، يؤدبون على أقل شيء من سوء الأدب لشدة قربهم، ثم يردون إلى مقامهم. ومن هذا النوع قصة سيدنا يونس عليه السلام حيث خرج من غير إذن خاص، فأدبه، ثم رده إلى النبوة والرسالة، وقد كنت سمعت من بعض الأشياخ أن أيوب عليه السلام إنما أصيب في ماله، لأنه كان بجوار ماله كافر، فكان يداريه لأجل ماله، فأصيب فيه وفي بدنه تأديبا وتكميلا له. و الله تعالى أعلم. ثم ذكر زكريا عليه السلام

الأنبياء 21:89

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر خبر { زكريا إذ نادى ربه } في طلب الولد، وقال: { رب لا تذرني فردا } وحيدا بلا ولد يرثني، ثم رد أمره إليه مستسلما، فقال: { وأنت خير الوارثين } ، فحسبي أنت، وإن لم ترزقني وارثا فلا أبالي فإنك خير وارث، { فاستجبنا له } دعاءه، { ووهبنا له يحيى } ولدا { وأصلحنا له زوجه } أي: أصلحناها للولادة بعد عقمها، أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقها. وكانت قبل سيئة الخلق، { إنهم } أي: ما تقدم من الأنبياء، { كانوا يسارعون في الخيرات } أي: إنما استحقوا الإجابة إلى مطالبهم، وأسعفناهم فيما أملوا لمبادرتهم أبواب الخير، ومسارعتهم إلى تحصيلها، مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير كله، وهو السر في إتيان: { في } ، دون " إلى " ، المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات، متوجهين إليها، كما في قوله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم [آل عمران: 133]. { و } كانوا { يدعوننا رغبا ورهبا } طمعا وخوفا، وهما مصدران في موضع الحال، أو المفعول له، أي: راغبين في الثواب أو الإجابة، وراهبين من العقاب أو الخيبة، أو للرغبة والرهبة، { وكانوا لنا خاشعين }: متواضعين خائفين، أي: إنما نالوا هذه المراتب العلية، واستحقوا هذه الخصوصية لاتصافهم بهذه الأوصاف الحميدة. والله تعالى أعلم. الإشارة: الغالب في وراثة الخصوصية الحقيقية أن تكون لغير ورثة النسب، وأما الخصوصية المجازية، التي هي مقام الصلاح أو العلم، فقد تكون لورثة النسب، وتكون لغيرهم. والخصوصية الحقيقية هي مقام الفناء والبقاء، والتأهل للتربية النبوية، ولا بأس بطلب وارث هذه الخصوصية، لئلا ينقطع النفع بها. وقد قيل، في قول الشيخ ابن مشيش رضي الله عنه: اسمع ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا، إنه أشار إلى طلب الوارث الروحاني. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } ، فيه إشارة إلى بيان سبب حصول الخصوصية لأن بابها هو المسارعة إلى عمل الخيرات وأنواع الطاعات، وأوكدها ثلاثة: دوام ذكر الله، وحسن الظن بالله، وبعباد الله. وفي الحديث: " خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حسن الظن بالله، وحسن الظن بعباد الله " وقوله: { ويدعوننا رغبا ورهبا } ، هذه حالة الطالبين المسترشدين المتعطشين إلى الله، يدعونه رغبا في الوصول، ورهبا من الانقطاع والرجوع، وقد تكون للواصلين رغبا في زيادة الترقي، ورهبا من الوقوف أو الإبعاد. وقال بعضهم: الرغب والرهب حاصلتان لكل مؤمن، إذ لو لم تكن رغبة لكان قنوطا، وهو كفر، ولو لم تكن رهبة لكان أمنا، والأمن كفر. والله تعالى أعلم. ثم ذكر مريم وابنها عليهما السلام

الأنبياء 21:90

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر خبر { زكريا إذ نادى ربه } في طلب الولد، وقال: { رب لا تذرني فردا } وحيدا بلا ولد يرثني، ثم رد أمره إليه مستسلما، فقال: { وأنت خير الوارثين } ، فحسبي أنت، وإن لم ترزقني وارثا فلا أبالي فإنك خير وارث، { فاستجبنا له } دعاءه، { ووهبنا له يحيى } ولدا { وأصلحنا له زوجه } أي: أصلحناها للولادة بعد عقمها، أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقها. وكانت قبل سيئة الخلق، { إنهم } أي: ما تقدم من الأنبياء، { كانوا يسارعون في الخيرات } أي: إنما استحقوا الإجابة إلى مطالبهم، وأسعفناهم فيما أملوا لمبادرتهم أبواب الخير، ومسارعتهم إلى تحصيلها، مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير كله، وهو السر في إتيان: { في } ، دون " إلى " ، المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات، متوجهين إليها، كما في قوله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم [آل عمران: 133]. { و } كانوا { يدعوننا رغبا ورهبا } طمعا وخوفا، وهما مصدران في موضع الحال، أو المفعول له، أي: راغبين في الثواب أو الإجابة، وراهبين من العقاب أو الخيبة، أو للرغبة والرهبة، { وكانوا لنا خاشعين }: متواضعين خائفين، أي: إنما نالوا هذه المراتب العلية، واستحقوا هذه الخصوصية لاتصافهم بهذه الأوصاف الحميدة. والله تعالى أعلم. الإشارة: الغالب في وراثة الخصوصية الحقيقية أن تكون لغير ورثة النسب، وأما الخصوصية المجازية، التي هي مقام الصلاح أو العلم، فقد تكون لورثة النسب، وتكون لغيرهم. والخصوصية الحقيقية هي مقام الفناء والبقاء، والتأهل للتربية النبوية، ولا بأس بطلب وارث هذه الخصوصية، لئلا ينقطع النفع بها. وقد قيل، في قول الشيخ ابن مشيش رضي الله عنه: اسمع ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا، إنه أشار إلى طلب الوارث الروحاني. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } ، فيه إشارة إلى بيان سبب حصول الخصوصية لأن بابها هو المسارعة إلى عمل الخيرات وأنواع الطاعات، وأوكدها ثلاثة: دوام ذكر الله، وحسن الظن بالله، وبعباد الله. وفي الحديث: " خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حسن الظن بالله، وحسن الظن بعباد الله " وقوله: { ويدعوننا رغبا ورهبا } ، هذه حالة الطالبين المسترشدين المتعطشين إلى الله، يدعونه رغبا في الوصول، ورهبا من الانقطاع والرجوع، وقد تكون للواصلين رغبا في زيادة الترقي، ورهبا من الوقوف أو الإبعاد. وقال بعضهم: الرغب والرهب حاصلتان لكل مؤمن، إذ لو لم تكن رغبة لكان قنوطا، وهو كفر، ولو لم تكن رهبة لكان أمنا، والأمن كفر. والله تعالى أعلم. ثم ذكر مريم وابنها عليهما السلام

الأنبياء 21:91

يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { التي أحصنت فرجها } على الإطلاق من الحلال والحرام، والتعبير عنها بالموصول لتفخيم شأنها، وتنزيهها عما زعموه في حقها. { فنفخنا فيها من روحنا } أي: أجرينا روح عيسى فيه وهو في بطنها، أو نفخنا في درع جيبها من ناحية روحنا، وهو جبريل عليه السلام، فأحدثنا بذلك النفخ عيسى عليه السلام، وإضافة الروح إليه تعالى لتشريف عيسى عليه السلام، { وجعلناها وابنها } أي قضيتهما، أو حالهما، { آية للعالمين } ، فإن من تأمل حالهما تحقق بكمال قدرته تعالى. وإنما لم يقل آيتين، كما قال: وجعلنا الليل والنهار آيتين [الإسراء: 12] لأن مجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل. وقيل: التقدير: وجعلناها آية وابنها كذلك، فآية مفعول المعطوف عليه، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: من حصل التقوى في صغره، كان آية في كبره. تقول العامة: الثور الحراث في الربك يبان، وتقول الصوفية: البداية مجلاة النهاية. وقالت الحكماء: الصغر يخدم على الكبر. وبالله التوفيق. ثم ذكر اتفاقهم في التوحيد

الأنبياء 21:92

قلت: { أمة }: حال من { أمتكم } أي: متحدة أو متفقة، والعامل فيه ومعنى الإشارة، والإشارة إلى طريق الأنبياء المذكورين قبل. يقول الحق جل جلاله: { إن هذه } الطريق والسيرة التي سلكها الأنبياء المذكورون، واتفقوا عليها، وهو التوحيد، هي { أمتكم } أي: ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها، ولا تخرجوا عنها، حال كونها { أمة واحدة } ، غير مختلفة فيما بين الأنبياء - عليهم السلام - وإن اختلفت شرائعهم. وفي الحديث: " الأنبياء أبناء علات، أمهاتهم شتى، وأبوهم واحد " والعلات: الضرائر، أي: شرائعهم مختلفة، وأبوهم واحد، وهو التوحيد. قال القشيري: { وأنا ربكم فاعبدون } أي: ربيتكم اختيارا، فاعبدوني شكرا وافتخارا. ه. والخطاب للناس كافة. { وتقطعوا أمرهم } ، أصل الكلام: وتقطعتم في أمر دينكم وتفرقتم. إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة، على طريقة الالتفات لينعي عليهم ما أفسدوه في الدين، والمعنى: فجعلوا أمر دينهم فيما { بينهم } قطعا، وصاروا أحزابا متفرقة، كأنه ينهي إلى أهل التوحيد قبائح أفعالهم، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، الذي أجمعت عليه كافة الأديان؟ ثم توعدهم بقوله: { كل إلينا راجعون } أي: كل واحد، من الفرق المتقطعة، راجع إلينا بالبعث، فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم. ثم فصل الجزاء فقال: { فمن يعمل } شيئا { من الصالحات وهو مؤمن } بالله ورسله وبما يجب الإيمان به. قال القشيري: وهو مؤمن، أي: في المآل بأن يختم له به، وكأنه يشير إلى الخاتمة لأن من لم يختم له بالإيمان لا ثواب لأعماله، والعياذ بالله، { فلا كفران لسعيه } أي: لا حرمان لثواب عمله، بل سعيه مشكور مقبول، فالكفران مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في إعطائه، وعبر عن ذلك بالكفران، الذي هو ستر النعمة وجحدها لبيان كمال تنزهه تعالى عنه. وعبر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به، { وإنا له } أي: لسعيه { كاتبون } مثبتون في صحائف أعمالهم، نأمر الحفظة بذلك، لا نغادر من ذلك شيئا. والله تعالى أعلم. الإشارة: الصوفية - رضي الله عنهم -، في حال سيرهم إلى الحضرة وسلوكهم في طريق التربية، مختلفون بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص. وفي حال نهايتهم - وهو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان، وإشراق شمس العرفان، الذي هو مقام الإحسان، ويعبرون عنه بالفناء والبقاء، وهو التوحيد الخاص - متفقون، وفي ذلك يقول القائل: عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير لأن ما كان ذوقا ووجدا لا يختلف، بل يجده كل من له ذوق سليم. نعم تتفاوت أذواقهم على حسب مشاربهم، ومشاربهم على حسب إعطائهم نفوسهم وبيعها لله، وتتفاوت أيضا بحسب التخلية والتفرغ، وبحسب الجد والاجتهاد، وكلهم على بصيرة من الله وبينة من ربهم: نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم، آمين. ثم تمم قوله كذلك إلينا راجعون فقال:

الأنبياء 21:93

قلت: { أمة }: حال من { أمتكم } أي: متحدة أو متفقة، والعامل فيه ومعنى الإشارة، والإشارة إلى طريق الأنبياء المذكورين قبل. يقول الحق جل جلاله: { إن هذه } الطريق والسيرة التي سلكها الأنبياء المذكورون، واتفقوا عليها، وهو التوحيد، هي { أمتكم } أي: ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها، ولا تخرجوا عنها، حال كونها { أمة واحدة } ، غير مختلفة فيما بين الأنبياء - عليهم السلام - وإن اختلفت شرائعهم. وفي الحديث: " الأنبياء أبناء علات، أمهاتهم شتى، وأبوهم واحد " والعلات: الضرائر، أي: شرائعهم مختلفة، وأبوهم واحد، وهو التوحيد. قال القشيري: { وأنا ربكم فاعبدون } أي: ربيتكم اختيارا، فاعبدوني شكرا وافتخارا. ه. والخطاب للناس كافة. { وتقطعوا أمرهم } ، أصل الكلام: وتقطعتم في أمر دينكم وتفرقتم. إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة، على طريقة الالتفات لينعي عليهم ما أفسدوه في الدين، والمعنى: فجعلوا أمر دينهم فيما { بينهم } قطعا، وصاروا أحزابا متفرقة، كأنه ينهي إلى أهل التوحيد قبائح أفعالهم، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، الذي أجمعت عليه كافة الأديان؟ ثم توعدهم بقوله: { كل إلينا راجعون } أي: كل واحد، من الفرق المتقطعة، راجع إلينا بالبعث، فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم. ثم فصل الجزاء فقال: { فمن يعمل } شيئا { من الصالحات وهو مؤمن } بالله ورسله وبما يجب الإيمان به. قال القشيري: وهو مؤمن، أي: في المآل بأن يختم له به، وكأنه يشير إلى الخاتمة لأن من لم يختم له بالإيمان لا ثواب لأعماله، والعياذ بالله، { فلا كفران لسعيه } أي: لا حرمان لثواب عمله، بل سعيه مشكور مقبول، فالكفران مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في إعطائه، وعبر عن ذلك بالكفران، الذي هو ستر النعمة وجحدها لبيان كمال تنزهه تعالى عنه. وعبر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به، { وإنا له } أي: لسعيه { كاتبون } مثبتون في صحائف أعمالهم، نأمر الحفظة بذلك، لا نغادر من ذلك شيئا. والله تعالى أعلم. الإشارة: الصوفية - رضي الله عنهم -، في حال سيرهم إلى الحضرة وسلوكهم في طريق التربية، مختلفون بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص. وفي حال نهايتهم - وهو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان، وإشراق شمس العرفان، الذي هو مقام الإحسان، ويعبرون عنه بالفناء والبقاء، وهو التوحيد الخاص - متفقون، وفي ذلك يقول القائل: عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير لأن ما كان ذوقا ووجدا لا يختلف، بل يجده كل من له ذوق سليم. نعم تتفاوت أذواقهم على حسب مشاربهم، ومشاربهم على حسب إعطائهم نفوسهم وبيعها لله، وتتفاوت أيضا بحسب التخلية والتفرغ، وبحسب الجد والاجتهاد، وكلهم على بصيرة من الله وبينة من ربهم: نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم، آمين. ثم تمم قوله كذلك إلينا راجعون فقال:

الأنبياء 21:94

قلت: { أمة }: حال من { أمتكم } أي: متحدة أو متفقة، والعامل فيه ومعنى الإشارة، والإشارة إلى طريق الأنبياء المذكورين قبل. يقول الحق جل جلاله: { إن هذه } الطريق والسيرة التي سلكها الأنبياء المذكورون، واتفقوا عليها، وهو التوحيد، هي { أمتكم } أي: ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها، ولا تخرجوا عنها، حال كونها { أمة واحدة } ، غير مختلفة فيما بين الأنبياء - عليهم السلام - وإن اختلفت شرائعهم. وفي الحديث: " الأنبياء أبناء علات، أمهاتهم شتى، وأبوهم واحد " والعلات: الضرائر، أي: شرائعهم مختلفة، وأبوهم واحد، وهو التوحيد. قال القشيري: { وأنا ربكم فاعبدون } أي: ربيتكم اختيارا، فاعبدوني شكرا وافتخارا. ه. والخطاب للناس كافة. { وتقطعوا أمرهم } ، أصل الكلام: وتقطعتم في أمر دينكم وتفرقتم. إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة، على طريقة الالتفات لينعي عليهم ما أفسدوه في الدين، والمعنى: فجعلوا أمر دينهم فيما { بينهم } قطعا، وصاروا أحزابا متفرقة، كأنه ينهي إلى أهل التوحيد قبائح أفعالهم، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، الذي أجمعت عليه كافة الأديان؟ ثم توعدهم بقوله: { كل إلينا راجعون } أي: كل واحد، من الفرق المتقطعة، راجع إلينا بالبعث، فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم. ثم فصل الجزاء فقال: { فمن يعمل } شيئا { من الصالحات وهو مؤمن } بالله ورسله وبما يجب الإيمان به. قال القشيري: وهو مؤمن، أي: في المآل بأن يختم له به، وكأنه يشير إلى الخاتمة لأن من لم يختم له بالإيمان لا ثواب لأعماله، والعياذ بالله، { فلا كفران لسعيه } أي: لا حرمان لثواب عمله، بل سعيه مشكور مقبول، فالكفران مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في إعطائه، وعبر عن ذلك بالكفران، الذي هو ستر النعمة وجحدها لبيان كمال تنزهه تعالى عنه. وعبر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به، { وإنا له } أي: لسعيه { كاتبون } مثبتون في صحائف أعمالهم، نأمر الحفظة بذلك، لا نغادر من ذلك شيئا. والله تعالى أعلم. الإشارة: الصوفية - رضي الله عنهم -، في حال سيرهم إلى الحضرة وسلوكهم في طريق التربية، مختلفون بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص. وفي حال نهايتهم - وهو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان، وإشراق شمس العرفان، الذي هو مقام الإحسان، ويعبرون عنه بالفناء والبقاء، وهو التوحيد الخاص - متفقون، وفي ذلك يقول القائل: عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير لأن ما كان ذوقا ووجدا لا يختلف، بل يجده كل من له ذوق سليم. نعم تتفاوت أذواقهم على حسب مشاربهم، ومشاربهم على حسب إعطائهم نفوسهم وبيعها لله، وتتفاوت أيضا بحسب التخلية والتفرغ، وبحسب الجد والاجتهاد، وكلهم على بصيرة من الله وبينة من ربهم: نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم، آمين. ثم تمم قوله كذلك إلينا راجعون فقال:

الأنبياء 21:95

قلت: { حرام }: مبتدأ، وفيه لغتان: حرام وحرم، كحلال وحل. و { أنهم... } الخ: خبر، أو فاعل سد مسده، على مذهب الكوفيين والأخفش. والجملة: تقرير لقوله: { كل إلينا راجعون } ، و { لا } نافية، أي: ممتنع على قرية أهلكناها عدم رجوعهم إلينا بالبعث، بل كل إلينا راجعون. وقيل: { لا } زائدة، والتقدير: ممتنع رجوع قرية أردنا إهلاكها عن غيهم، { فإنهم }: على هذا: فاعل بحرام. قاله القصار. و { حتى }: ابتدائية، غاية لما يدل عليه ما قبلها، أي: يستمرون على ما هم عليه من الهلاك، حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا، ويقولون: { يا ويلنا }. وقال أبو البقاء: { حتى }: متعلقة في المعنى بحرام، أي: يستقر الامتناع، أي: هذا الوقت. و { فإذا هي }: جواب { إذا }. وفي الأزهري: وقد يجمع بين الفاء وإذا الفجائية تأكيدا، خلافا لمن منع ذلك. قال تعالى: { فإذا هي شاخصة } ، فإنه لو قيل: إذا هي، أو فهي شاخصة لصح. ه. وقيل: { يا ويلنا }: على حذف القول، أي: إذا فتحت قالوا: يا ويلهم. و { اقترب }: عطف على فتحت. يقول الحق جل جلاله: { وحرام } أي: ممتنع { على } أهل { قرية أهلكناها } قدرنا هلاكها، أو حكمنا بإهلاكها لعتوهم، { إنهم إلينا لا يرجعون } بالبعث والحشر، بل لا بد من بعثهم وحشرهم وجزائهم على أعمالهم. وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع للكل لقوله: { كل إلينا راجعون } لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم. وقيل: المعنى: وممتنع على قرية، أردنا إهلاكها، رجوعهم إلى التوبة، أو ممتنع على قرية، أهلكناها بالفعل، رجوعهم إلى الدنيا. وفيه رد على مذهب القائلين بالرجعة من الروافض وأهل التناسخ، على أن " لا " صلة. وقرئ بالكسر، على أنه تعليل لما قبله، فحرام، على هذا، خبر عن مبتدأ محذوف، أي: ذلك العمل الصالح حرام على قرية أردنا إهلاكها لأنهم لا يرجعون عن غيرهم. وقال الزجاج: المعنى: وحرام على قرية، أردنا إهلاكها، أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون، ويجوز حمل المفتوحة على هذا بحذف اللام، ويستمرون على ما هم عليه من الهلاك، أو: فليستمر امتناعهم من الرجوع. { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } ونفخ في الصور، وقامت القيامة، فيرجعون، ولا ينفعهم الرجوع. ويأجوج ومأجوج قبيلتان، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج. والمراد بفتحها: فتح سدها، على حذف مضاف أي: حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج، { وهم } أي: يأجوج ومأجوج، وقيل: الناس بعد البعث، { من كل حدب } أي: نشز ومرتفع من الأرض، { ينسلون }: يسرعون، وأصل النسل: مقاربة الخطو مع الإسراع. ويدل على عود الضمير ليأجوج ومأجوج: قوله - عليه الصلاة والسلام -: " ويفتح ردم يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس، كما قال الله تعالى: { من كل حدب ينسلون... } " الحديث، ويؤيد إعادته على الناس قراءة مجاهد: " من كل جدث " بالجيم، وهو القبر. ثم قال تعالى: { واقترب الوعد الحق } أي: ما بعد النفخة الثانية من البعث والحساب، { فإذا هي شاخصة } أي: فإذا القصة أو الشأن، وهو { أبصار الذين كفروا } شاخصة، أي: مرتفعة الأجفان، لا تكاد تطرق من شدة الهول، حال كونهم يقولون: { يا ويلنا } يا هلكتنا، هذا أوانك، فاحضري، { قد كنا في غفلة } تامة { من هذا } الذي دهمنا من البعث، والرجوع إليه تعالى، للجزاء، ولم تعلم، حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر، أنه حق، { بل كنا ظالمين } بتلك الآيات والنذر، مكذبين بها، أو ظالمين أنفسنا بتعريضها للعذاب المخلد. وهو إضراب عما قبله، من وصف أنفسهم بالغفلة، أي: لم نكن غافلين عنه، حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر، بل كنا ظالمين بتكذيبهم، والله تعالى أعلم. تذييل: روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أول الآية: الدجال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قرن عدن، تسوق النار إلى المحشر - أي الشام - تقيل معهم إذا قالوا، والدخان، والدابة، ثم يأجوج ومأجوج " قلت: وبعد موت يأجوج ومأجوج، تبقى مدة عيسى عليه السلام، في أمنة ورغد عيش. قيل: سبع سنين، وقيل: أربعون. ثم يقبض عيسى، ويدفن في روضته صلى الله عليه وسلم، ثم تهب ريح تقبض المؤمنين، فلا يبقى من يقول الله الله، قيل: مائة سنة، وقيل: أقل، ثم تخرب الكعبة، ثم ينفخ في الصور للصعق، واقترب الوعد الحق. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحضرة محرمة على قلب خراب، أهلكه الله بالوساوس والخواطر، وفتحت عليه من الشواغل والشواغب والخواطر يأجوج ومأجوج، فأفسدته وخربته وجعلته مزبلة للشياطين. فحرام عليه رجوعه إلى الحضرة حتى يتطهر من هذه الوساوس والخواطر، ومن الشواغل والعلائق. قال بعض الصوفية: حضرة القدوس محرمة على أهل النفوس. فإذا اقترب وعد الحق، وهو أجل موته، قال: يا ويلنا إنا كنا عن هذا غافلين، لم نتأهب للقاء رب العالمين، حتى لقيته بقلب سقيم. والعياذ بالله. ثم ذكر قال الكفرة إذا وقع الوعد الحق

الأنبياء 21:96

قلت: { حرام }: مبتدأ، وفيه لغتان: حرام وحرم، كحلال وحل. و { أنهم... } الخ: خبر، أو فاعل سد مسده، على مذهب الكوفيين والأخفش. والجملة: تقرير لقوله: { كل إلينا راجعون } ، و { لا } نافية، أي: ممتنع على قرية أهلكناها عدم رجوعهم إلينا بالبعث، بل كل إلينا راجعون. وقيل: { لا } زائدة، والتقدير: ممتنع رجوع قرية أردنا إهلاكها عن غيهم، { فإنهم }: على هذا: فاعل بحرام. قاله القصار. و { حتى }: ابتدائية، غاية لما يدل عليه ما قبلها، أي: يستمرون على ما هم عليه من الهلاك، حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا، ويقولون: { يا ويلنا }. وقال أبو البقاء: { حتى }: متعلقة في المعنى بحرام، أي: يستقر الامتناع، أي: هذا الوقت. و { فإذا هي }: جواب { إذا }. وفي الأزهري: وقد يجمع بين الفاء وإذا الفجائية تأكيدا، خلافا لمن منع ذلك. قال تعالى: { فإذا هي شاخصة } ، فإنه لو قيل: إذا هي، أو فهي شاخصة لصح. ه. وقيل: { يا ويلنا }: على حذف القول، أي: إذا فتحت قالوا: يا ويلهم. و { اقترب }: عطف على فتحت. يقول الحق جل جلاله: { وحرام } أي: ممتنع { على } أهل { قرية أهلكناها } قدرنا هلاكها، أو حكمنا بإهلاكها لعتوهم، { إنهم إلينا لا يرجعون } بالبعث والحشر، بل لا بد من بعثهم وحشرهم وجزائهم على أعمالهم. وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع للكل لقوله: { كل إلينا راجعون } لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم. وقيل: المعنى: وممتنع على قرية، أردنا إهلاكها، رجوعهم إلى التوبة، أو ممتنع على قرية، أهلكناها بالفعل، رجوعهم إلى الدنيا. وفيه رد على مذهب القائلين بالرجعة من الروافض وأهل التناسخ، على أن " لا " صلة. وقرئ بالكسر، على أنه تعليل لما قبله، فحرام، على هذا، خبر عن مبتدأ محذوف، أي: ذلك العمل الصالح حرام على قرية أردنا إهلاكها لأنهم لا يرجعون عن غيرهم. وقال الزجاج: المعنى: وحرام على قرية، أردنا إهلاكها، أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون، ويجوز حمل المفتوحة على هذا بحذف اللام، ويستمرون على ما هم عليه من الهلاك، أو: فليستمر امتناعهم من الرجوع. { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } ونفخ في الصور، وقامت القيامة، فيرجعون، ولا ينفعهم الرجوع. ويأجوج ومأجوج قبيلتان، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج. والمراد بفتحها: فتح سدها، على حذف مضاف أي: حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج، { وهم } أي: يأجوج ومأجوج، وقيل: الناس بعد البعث، { من كل حدب } أي: نشز ومرتفع من الأرض، { ينسلون }: يسرعون، وأصل النسل: مقاربة الخطو مع الإسراع. ويدل على عود الضمير ليأجوج ومأجوج: قوله - عليه الصلاة والسلام -: " ويفتح ردم يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس، كما قال الله تعالى: { من كل حدب ينسلون... } " الحديث، ويؤيد إعادته على الناس قراءة مجاهد: " من كل جدث " بالجيم، وهو القبر. ثم قال تعالى: { واقترب الوعد الحق } أي: ما بعد النفخة الثانية من البعث والحساب، { فإذا هي شاخصة } أي: فإذا القصة أو الشأن، وهو { أبصار الذين كفروا } شاخصة، أي: مرتفعة الأجفان، لا تكاد تطرق من شدة الهول، حال كونهم يقولون: { يا ويلنا } يا هلكتنا، هذا أوانك، فاحضري، { قد كنا في غفلة } تامة { من هذا } الذي دهمنا من البعث، والرجوع إليه تعالى، للجزاء، ولم تعلم، حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر، أنه حق، { بل كنا ظالمين } بتلك الآيات والنذر، مكذبين بها، أو ظالمين أنفسنا بتعريضها للعذاب المخلد. وهو إضراب عما قبله، من وصف أنفسهم بالغفلة، أي: لم نكن غافلين عنه، حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر، بل كنا ظالمين بتكذيبهم، والله تعالى أعلم. تذييل: روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أول الآية: الدجال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قرن عدن، تسوق النار إلى المحشر - أي الشام - تقيل معهم إذا قالوا، والدخان، والدابة، ثم يأجوج ومأجوج " قلت: وبعد موت يأجوج ومأجوج، تبقى مدة عيسى عليه السلام، في أمنة ورغد عيش. قيل: سبع سنين، وقيل: أربعون. ثم يقبض عيسى، ويدفن في روضته صلى الله عليه وسلم، ثم تهب ريح تقبض المؤمنين، فلا يبقى من يقول الله الله، قيل: مائة سنة، وقيل: أقل، ثم تخرب الكعبة، ثم ينفخ في الصور للصعق، واقترب الوعد الحق. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحضرة محرمة على قلب خراب، أهلكه الله بالوساوس والخواطر، وفتحت عليه من الشواغل والشواغب والخواطر يأجوج ومأجوج، فأفسدته وخربته وجعلته مزبلة للشياطين. فحرام عليه رجوعه إلى الحضرة حتى يتطهر من هذه الوساوس والخواطر، ومن الشواغل والعلائق. قال بعض الصوفية: حضرة القدوس محرمة على أهل النفوس. فإذا اقترب وعد الحق، وهو أجل موته، قال: يا ويلنا إنا كنا عن هذا غافلين، لم نتأهب للقاء رب العالمين، حتى لقيته بقلب سقيم. والعياذ بالله. ثم ذكر قال الكفرة إذا وقع الوعد الحق

الأنبياء 21:97

قلت: { حرام }: مبتدأ، وفيه لغتان: حرام وحرم، كحلال وحل. و { أنهم... } الخ: خبر، أو فاعل سد مسده، على مذهب الكوفيين والأخفش. والجملة: تقرير لقوله: { كل إلينا راجعون } ، و { لا } نافية، أي: ممتنع على قرية أهلكناها عدم رجوعهم إلينا بالبعث، بل كل إلينا راجعون. وقيل: { لا } زائدة، والتقدير: ممتنع رجوع قرية أردنا إهلاكها عن غيهم، { فإنهم }: على هذا: فاعل بحرام. قاله القصار. و { حتى }: ابتدائية، غاية لما يدل عليه ما قبلها، أي: يستمرون على ما هم عليه من الهلاك، حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا، ويقولون: { يا ويلنا }. وقال أبو البقاء: { حتى }: متعلقة في المعنى بحرام، أي: يستقر الامتناع، أي: هذا الوقت. و { فإذا هي }: جواب { إذا }. وفي الأزهري: وقد يجمع بين الفاء وإذا الفجائية تأكيدا، خلافا لمن منع ذلك. قال تعالى: { فإذا هي شاخصة } ، فإنه لو قيل: إذا هي، أو فهي شاخصة لصح. ه. وقيل: { يا ويلنا }: على حذف القول، أي: إذا فتحت قالوا: يا ويلهم. و { اقترب }: عطف على فتحت. يقول الحق جل جلاله: { وحرام } أي: ممتنع { على } أهل { قرية أهلكناها } قدرنا هلاكها، أو حكمنا بإهلاكها لعتوهم، { إنهم إلينا لا يرجعون } بالبعث والحشر، بل لا بد من بعثهم وحشرهم وجزائهم على أعمالهم. وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع للكل لقوله: { كل إلينا راجعون } لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم. وقيل: المعنى: وممتنع على قرية، أردنا إهلاكها، رجوعهم إلى التوبة، أو ممتنع على قرية، أهلكناها بالفعل، رجوعهم إلى الدنيا. وفيه رد على مذهب القائلين بالرجعة من الروافض وأهل التناسخ، على أن " لا " صلة. وقرئ بالكسر، على أنه تعليل لما قبله، فحرام، على هذا، خبر عن مبتدأ محذوف، أي: ذلك العمل الصالح حرام على قرية أردنا إهلاكها لأنهم لا يرجعون عن غيرهم. وقال الزجاج: المعنى: وحرام على قرية، أردنا إهلاكها، أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون، ويجوز حمل المفتوحة على هذا بحذف اللام، ويستمرون على ما هم عليه من الهلاك، أو: فليستمر امتناعهم من الرجوع. { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } ونفخ في الصور، وقامت القيامة، فيرجعون، ولا ينفعهم الرجوع. ويأجوج ومأجوج قبيلتان، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج. والمراد بفتحها: فتح سدها، على حذف مضاف أي: حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج، { وهم } أي: يأجوج ومأجوج، وقيل: الناس بعد البعث، { من كل حدب } أي: نشز ومرتفع من الأرض، { ينسلون }: يسرعون، وأصل النسل: مقاربة الخطو مع الإسراع. ويدل على عود الضمير ليأجوج ومأجوج: قوله - عليه الصلاة والسلام -: " ويفتح ردم يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس، كما قال الله تعالى: { من كل حدب ينسلون... } " الحديث، ويؤيد إعادته على الناس قراءة مجاهد: " من كل جدث " بالجيم، وهو القبر. ثم قال تعالى: { واقترب الوعد الحق } أي: ما بعد النفخة الثانية من البعث والحساب، { فإذا هي شاخصة } أي: فإذا القصة أو الشأن، وهو { أبصار الذين كفروا } شاخصة، أي: مرتفعة الأجفان، لا تكاد تطرق من شدة الهول، حال كونهم يقولون: { يا ويلنا } يا هلكتنا، هذا أوانك، فاحضري، { قد كنا في غفلة } تامة { من هذا } الذي دهمنا من البعث، والرجوع إليه تعالى، للجزاء، ولم تعلم، حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر، أنه حق، { بل كنا ظالمين } بتلك الآيات والنذر، مكذبين بها، أو ظالمين أنفسنا بتعريضها للعذاب المخلد. وهو إضراب عما قبله، من وصف أنفسهم بالغفلة، أي: لم نكن غافلين عنه، حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر، بل كنا ظالمين بتكذيبهم، والله تعالى أعلم. تذييل: روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أول الآية: الدجال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قرن عدن، تسوق النار إلى المحشر - أي الشام - تقيل معهم إذا قالوا، والدخان، والدابة، ثم يأجوج ومأجوج " قلت: وبعد موت يأجوج ومأجوج، تبقى مدة عيسى عليه السلام، في أمنة ورغد عيش. قيل: سبع سنين، وقيل: أربعون. ثم يقبض عيسى، ويدفن في روضته صلى الله عليه وسلم، ثم تهب ريح تقبض المؤمنين، فلا يبقى من يقول الله الله، قيل: مائة سنة، وقيل: أقل، ثم تخرب الكعبة، ثم ينفخ في الصور للصعق، واقترب الوعد الحق. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحضرة محرمة على قلب خراب، أهلكه الله بالوساوس والخواطر، وفتحت عليه من الشواغل والشواغب والخواطر يأجوج ومأجوج، فأفسدته وخربته وجعلته مزبلة للشياطين. فحرام عليه رجوعه إلى الحضرة حتى يتطهر من هذه الوساوس والخواطر، ومن الشواغل والعلائق. قال بعض الصوفية: حضرة القدوس محرمة على أهل النفوس. فإذا اقترب وعد الحق، وهو أجل موته، قال: يا ويلنا إنا كنا عن هذا غافلين، لم نتأهب للقاء رب العالمين، حتى لقيته بقلب سقيم. والعياذ بالله. ثم ذكر قال الكفرة إذا وقع الوعد الحق

الأنبياء 21:98

يقول الحق جل جلاله: { إنكم } ، يا كفار قريش ومن دان دينكم، { وما تعبدون من دون الله } من الأصنام والشياطين لأنهم، لطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم، في حكم عبادتهم، ويدخل فيه الشمس والقمر والنجوم، وكل ما عبد من دون الله ممن لا يعقل، للحديث الوارد في دخولهم النار، تبكيتا لمن عبدهم لأنهم لا يتضررون بالنار. وأما من يعقل فلا يدخل حيث عبر بما. وقيل: يدخل، ثم استثناه بقوله: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى... } ، فكل من عبد شيئا من دون الله فهو معه، { حصب جهنم } أي: حطبها، وقرئ بالطاء، أي: وقودها { أنتم لها واردون } أي: فيها داخلون. { لو كان هؤلاء آلهة } كما زعمتم { ما وردوها } ما دخلوا النار، { وكل فيها خالدون } أي: وكل من العابد والمعبود في النار خالدون. { لهم فيها زفير } أي: للكفار في النار أنين وبكاء وعويل، { وهم فيها لا يسمعون } شيئا لأن في سماع بعضهم بعضا نوع أنس. قال ابن مسعود رضي الله عنه: يجعلون في توابيت من نار، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخر لها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد الحرام، وصناديد قريش في الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم... } الآيات الثلاث. ثم أقبل عبد الله بن الزبعرى فرآهم يتساهمون، فقال: فيم خوضكم؟ فأخفى الوليد ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخبره بعضهم بما قاله، عليه الصلاة والسلام، فقال ابن الزبعرى للنبي صلى الله عليه وسلم: أأنت قلت: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم }؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك، ورب الكعبة، أليست اليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بل هم يعبدون الشياطين التي أمرتهم بهذا، فأنزل الله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى... } ". قلت: كل من عبد شيئا من دون الله فإنما عبد في الحقيقة الشيطان لأنه أمر به وزينه له، ويدل على ذلك أنهم يتبرؤون يوم القيامة، حين تتحقق الحقائق، من عبادتهم، كما قال تعالى: ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من أوليآء } [الفرقان: 17، 18] مع قوله تعالى: { وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل [العنكبوت: 38]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من أحب شيئا حشر معه، من أحب أولياء الله حشر معهم، ومن أحب الصالحين حشر معهم، ومن أحب الفجار حشر معهم، ومن أحب الدنيا بعث معها، ثم بعث إلى النار، وهكذا... المرء مع من أحب. ثم استثنى بذكر حال أهل السعادة

الأنبياء 21:99

يقول الحق جل جلاله: { إنكم } ، يا كفار قريش ومن دان دينكم، { وما تعبدون من دون الله } من الأصنام والشياطين لأنهم، لطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم، في حكم عبادتهم، ويدخل فيه الشمس والقمر والنجوم، وكل ما عبد من دون الله ممن لا يعقل، للحديث الوارد في دخولهم النار، تبكيتا لمن عبدهم لأنهم لا يتضررون بالنار. وأما من يعقل فلا يدخل حيث عبر بما. وقيل: يدخل، ثم استثناه بقوله: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى... } ، فكل من عبد شيئا من دون الله فهو معه، { حصب جهنم } أي: حطبها، وقرئ بالطاء، أي: وقودها { أنتم لها واردون } أي: فيها داخلون. { لو كان هؤلاء آلهة } كما زعمتم { ما وردوها } ما دخلوا النار، { وكل فيها خالدون } أي: وكل من العابد والمعبود في النار خالدون. { لهم فيها زفير } أي: للكفار في النار أنين وبكاء وعويل، { وهم فيها لا يسمعون } شيئا لأن في سماع بعضهم بعضا نوع أنس. قال ابن مسعود رضي الله عنه: يجعلون في توابيت من نار، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخر لها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد الحرام، وصناديد قريش في الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم... } الآيات الثلاث. ثم أقبل عبد الله بن الزبعرى فرآهم يتساهمون، فقال: فيم خوضكم؟ فأخفى الوليد ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخبره بعضهم بما قاله، عليه الصلاة والسلام، فقال ابن الزبعرى للنبي صلى الله عليه وسلم: أأنت قلت: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم }؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك، ورب الكعبة، أليست اليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بل هم يعبدون الشياطين التي أمرتهم بهذا، فأنزل الله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى... } ". قلت: كل من عبد شيئا من دون الله فإنما عبد في الحقيقة الشيطان لأنه أمر به وزينه له، ويدل على ذلك أنهم يتبرؤون يوم القيامة، حين تتحقق الحقائق، من عبادتهم، كما قال تعالى: ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من أوليآء } [الفرقان: 17، 18] مع قوله تعالى: { وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل [العنكبوت: 38]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من أحب شيئا حشر معه، من أحب أولياء الله حشر معهم، ومن أحب الصالحين حشر معهم، ومن أحب الفجار حشر معهم، ومن أحب الدنيا بعث معها، ثم بعث إلى النار، وهكذا... المرء مع من أحب. ثم استثنى بذكر حال أهل السعادة

الأنبياء 21:100

يقول الحق جل جلاله: { إنكم } ، يا كفار قريش ومن دان دينكم، { وما تعبدون من دون الله } من الأصنام والشياطين لأنهم، لطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم، في حكم عبادتهم، ويدخل فيه الشمس والقمر والنجوم، وكل ما عبد من دون الله ممن لا يعقل، للحديث الوارد في دخولهم النار، تبكيتا لمن عبدهم لأنهم لا يتضررون بالنار. وأما من يعقل فلا يدخل حيث عبر بما. وقيل: يدخل، ثم استثناه بقوله: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى... } ، فكل من عبد شيئا من دون الله فهو معه، { حصب جهنم } أي: حطبها، وقرئ بالطاء، أي: وقودها { أنتم لها واردون } أي: فيها داخلون. { لو كان هؤلاء آلهة } كما زعمتم { ما وردوها } ما دخلوا النار، { وكل فيها خالدون } أي: وكل من العابد والمعبود في النار خالدون. { لهم فيها زفير } أي: للكفار في النار أنين وبكاء وعويل، { وهم فيها لا يسمعون } شيئا لأن في سماع بعضهم بعضا نوع أنس. قال ابن مسعود رضي الله عنه: يجعلون في توابيت من نار، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخر لها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد الحرام، وصناديد قريش في الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم... } الآيات الثلاث. ثم أقبل عبد الله بن الزبعرى فرآهم يتساهمون، فقال: فيم خوضكم؟ فأخفى الوليد ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخبره بعضهم بما قاله، عليه الصلاة والسلام، فقال ابن الزبعرى للنبي صلى الله عليه وسلم: أأنت قلت: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم }؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك، ورب الكعبة، أليست اليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بل هم يعبدون الشياطين التي أمرتهم بهذا، فأنزل الله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى... } ". قلت: كل من عبد شيئا من دون الله فإنما عبد في الحقيقة الشيطان لأنه أمر به وزينه له، ويدل على ذلك أنهم يتبرؤون يوم القيامة، حين تتحقق الحقائق، من عبادتهم، كما قال تعالى: ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من أوليآء } [الفرقان: 17، 18] مع قوله تعالى: { وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل [العنكبوت: 38]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من أحب شيئا حشر معه، من أحب أولياء الله حشر معهم، ومن أحب الصالحين حشر معهم، ومن أحب الفجار حشر معهم، ومن أحب الدنيا بعث معها، ثم بعث إلى النار، وهكذا... المرء مع من أحب. ثم استثنى بذكر حال أهل السعادة

الأنبياء 21:101

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } أي: الخصلة الحسنى، أو المشيئة الحسنى، وهي السعادة، أو التوفيق للطاعة، أو البشرى بالثواب، { أولئك عنها }: عن جهنم { مبعدون } لأنهم في الجنة، وشتان ما بينهما. قال القشيري: لم يقل متباعدون ليعلم العابدون أن المدار على التقدير وسبق الحكم من الله، لا على تباعد العبد وتقربه. ه. وكأنه يشير لقوله: " هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي " ، أي: بأعمالهم. { لا يسمعون حسيسها } أي: صوتها الذي يحس، وحركة تلهبها، وهذه مبالغة في الإبعاد، أي: لا يقربوها حتى لا يسمعوا صوتها أو صوت من فيها. قال الكواشي: لا يسمعون صوت النار وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم من الجنة. ه. وقال ابن عطية: وذلك بعد دخولهم الجنة لأن الحديث يقتضي أن في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا خر على ركبتيه. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: محمل الحديث، إن صح في حق الأنبياء والأكابر، على شهود الجلال والإجلال لله تعالى، ولذلك يقولون: " نفسي نفسي " ، لا من خوف النار. ه. قلت: أما كون الناس يصعقون يوم القيامة، فيكون المصطفى أول من يفيق، فثابت في الصحيح، أما سبب الصعقة فقد ورد في غير البخاري: " أنه يؤتى بجهنم، ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ثم تزفر زفرة، فلا يبقى نبي ولا ملك إلا خر " .. الحديث، ويؤيده قوله تعالى: وجيء يومئذ بجهنم [الفجر: 23] والأنبياء - عليهم السلام - بشر عبيد، قد تعمهم القهرية، ولا تقدح في منصبهم، وليس صعقهم خوفا، لكن غلبة ودهشا، كما صعق موسى - عليه السلام - عند الرؤية، ونبينا - عليه الصلاة والسلام - حين تجلى له جبريل على صورته. والله أعلم. وقال جعفر الصادق: وكيف يسمعون حسيسها، والنار تخمد بمطالعتهم، وتتلاشى برؤيتهم؟ ثم ذكر حديث قول النار للمؤمن: جز... الخ. ويدل على أن هذه الحالة إنما هي بعد دخولهم الجنة، قوله تعالى: { وهم فيما اشتهت أنفسهم } من النعيم { خالدون }: دائمون، والشهوة: طلب النفس للذة. وهو بيان لفوزهم بالمطالب، إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب، أي: دائمون في غاية التنعم، { لا يحزنهم الفزع الأكبر } ، وهو القيام من القبور عند صيحة البعث، بدليل قوله: { وتتلقاهم الملائكة }. قال ابن عباس: " تتلقاهم الملائكة بالرحمة، عند خروجهم من القبور " ، قائلين: { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } بالكرامة والثواب، والنعيم المقيم فيه، أي: بعد دخولكم الجنة. وقال الحسن: الفزع الأكبر: الانصراف إلى النار. وعن الضحاك: حين يطبق على أهل النار. وقيل: حين نفخة الصعق، وقيل: حين يذبح الموت. قلت: من سبقت له الحسنى ينجو من جميعها. وقيل: تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة، مهنئين لهم قائلين: { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } في الدنيا، ويبشرون بما فيه من فنون المثوبات على الإيمان والطاعات. وهذا، كما ترى، صريح في أن المراد بالذين سبقت لهم الحسنى: كافة المؤمنين الموصوفين بالإيمان والأعمال الصالحة، لا من ذكر من المسيح، وعزير، والملائكة، كما قيل. قاله أبو السعود، قلت: وقد يجاب بأنها نزلت في شأنهم وتعم غيرهم لأن سبب النزول لا يخصص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الجنيد رضي الله عنه: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } أي: سبقت لهم منا العناية في البداية، فظهرت لهم الولاية في النهاية. ه. { أولئك عنها } أي: عن نار القطيعة، وهي أغيار الدنيا، مبعدون، لا يسمعون حسيسها، ولا ما يقع فيها من الهرج والفتن، لغيبتهم عنها بالكلية في الشغل بالله تعالى، فهم فيما اشتهت أنفسهم من لذة الشهود، والقرب من الملك الودود، خالدون دائمون، لا يحزنهم الفزع الأكبر في الدنيا والآخرة، وتتلقاهم الملائكة بالبشرى بالوصول، هذا يومكم الذي كنتم توعدون، وهو يوم ملاقاة الحبيب والعكوف في حضرة القريب، عند مليك مقتدر. منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنه وكرمه. ثم ذكر أوصاف ذلك اليوم

الأنبياء 21:102

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } أي: الخصلة الحسنى، أو المشيئة الحسنى، وهي السعادة، أو التوفيق للطاعة، أو البشرى بالثواب، { أولئك عنها }: عن جهنم { مبعدون } لأنهم في الجنة، وشتان ما بينهما. قال القشيري: لم يقل متباعدون ليعلم العابدون أن المدار على التقدير وسبق الحكم من الله، لا على تباعد العبد وتقربه. ه. وكأنه يشير لقوله: " هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي " ، أي: بأعمالهم. { لا يسمعون حسيسها } أي: صوتها الذي يحس، وحركة تلهبها، وهذه مبالغة في الإبعاد، أي: لا يقربوها حتى لا يسمعوا صوتها أو صوت من فيها. قال الكواشي: لا يسمعون صوت النار وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم من الجنة. ه. وقال ابن عطية: وذلك بعد دخولهم الجنة لأن الحديث يقتضي أن في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا خر على ركبتيه. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: محمل الحديث، إن صح في حق الأنبياء والأكابر، على شهود الجلال والإجلال لله تعالى، ولذلك يقولون: " نفسي نفسي " ، لا من خوف النار. ه. قلت: أما كون الناس يصعقون يوم القيامة، فيكون المصطفى أول من يفيق، فثابت في الصحيح، أما سبب الصعقة فقد ورد في غير البخاري: " أنه يؤتى بجهنم، ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ثم تزفر زفرة، فلا يبقى نبي ولا ملك إلا خر " .. الحديث، ويؤيده قوله تعالى: وجيء يومئذ بجهنم [الفجر: 23] والأنبياء - عليهم السلام - بشر عبيد، قد تعمهم القهرية، ولا تقدح في منصبهم، وليس صعقهم خوفا، لكن غلبة ودهشا، كما صعق موسى - عليه السلام - عند الرؤية، ونبينا - عليه الصلاة والسلام - حين تجلى له جبريل على صورته. والله أعلم. وقال جعفر الصادق: وكيف يسمعون حسيسها، والنار تخمد بمطالعتهم، وتتلاشى برؤيتهم؟ ثم ذكر حديث قول النار للمؤمن: جز... الخ. ويدل على أن هذه الحالة إنما هي بعد دخولهم الجنة، قوله تعالى: { وهم فيما اشتهت أنفسهم } من النعيم { خالدون }: دائمون، والشهوة: طلب النفس للذة. وهو بيان لفوزهم بالمطالب، إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب، أي: دائمون في غاية التنعم، { لا يحزنهم الفزع الأكبر } ، وهو القيام من القبور عند صيحة البعث، بدليل قوله: { وتتلقاهم الملائكة }. قال ابن عباس: " تتلقاهم الملائكة بالرحمة، عند خروجهم من القبور " ، قائلين: { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } بالكرامة والثواب، والنعيم المقيم فيه، أي: بعد دخولكم الجنة. وقال الحسن: الفزع الأكبر: الانصراف إلى النار. وعن الضحاك: حين يطبق على أهل النار. وقيل: حين نفخة الصعق، وقيل: حين يذبح الموت. قلت: من سبقت له الحسنى ينجو من جميعها. وقيل: تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة، مهنئين لهم قائلين: { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } في الدنيا، ويبشرون بما فيه من فنون المثوبات على الإيمان والطاعات. وهذا، كما ترى، صريح في أن المراد بالذين سبقت لهم الحسنى: كافة المؤمنين الموصوفين بالإيمان والأعمال الصالحة، لا من ذكر من المسيح، وعزير، والملائكة، كما قيل. قاله أبو السعود، قلت: وقد يجاب بأنها نزلت في شأنهم وتعم غيرهم لأن سبب النزول لا يخصص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الجنيد رضي الله عنه: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } أي: سبقت لهم منا العناية في البداية، فظهرت لهم الولاية في النهاية. ه. { أولئك عنها } أي: عن نار القطيعة، وهي أغيار الدنيا، مبعدون، لا يسمعون حسيسها، ولا ما يقع فيها من الهرج والفتن، لغيبتهم عنها بالكلية في الشغل بالله تعالى، فهم فيما اشتهت أنفسهم من لذة الشهود، والقرب من الملك الودود، خالدون دائمون، لا يحزنهم الفزع الأكبر في الدنيا والآخرة، وتتلقاهم الملائكة بالبشرى بالوصول، هذا يومكم الذي كنتم توعدون، وهو يوم ملاقاة الحبيب والعكوف في حضرة القريب، عند مليك مقتدر. منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنه وكرمه. ثم ذكر أوصاف ذلك اليوم

الأنبياء 21:103

يقول الحق جل جلاله: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } أي: الخصلة الحسنى، أو المشيئة الحسنى، وهي السعادة، أو التوفيق للطاعة، أو البشرى بالثواب، { أولئك عنها }: عن جهنم { مبعدون } لأنهم في الجنة، وشتان ما بينهما. قال القشيري: لم يقل متباعدون ليعلم العابدون أن المدار على التقدير وسبق الحكم من الله، لا على تباعد العبد وتقربه. ه. وكأنه يشير لقوله: " هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي " ، أي: بأعمالهم. { لا يسمعون حسيسها } أي: صوتها الذي يحس، وحركة تلهبها، وهذه مبالغة في الإبعاد، أي: لا يقربوها حتى لا يسمعوا صوتها أو صوت من فيها. قال الكواشي: لا يسمعون صوت النار وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم من الجنة. ه. وقال ابن عطية: وذلك بعد دخولهم الجنة لأن الحديث يقتضي أن في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا خر على ركبتيه. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: محمل الحديث، إن صح في حق الأنبياء والأكابر، على شهود الجلال والإجلال لله تعالى، ولذلك يقولون: " نفسي نفسي " ، لا من خوف النار. ه. قلت: أما كون الناس يصعقون يوم القيامة، فيكون المصطفى أول من يفيق، فثابت في الصحيح، أما سبب الصعقة فقد ورد في غير البخاري: " أنه يؤتى بجهنم، ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ثم تزفر زفرة، فلا يبقى نبي ولا ملك إلا خر " .. الحديث، ويؤيده قوله تعالى: وجيء يومئذ بجهنم [الفجر: 23] والأنبياء - عليهم السلام - بشر عبيد، قد تعمهم القهرية، ولا تقدح في منصبهم، وليس صعقهم خوفا، لكن غلبة ودهشا، كما صعق موسى - عليه السلام - عند الرؤية، ونبينا - عليه الصلاة والسلام - حين تجلى له جبريل على صورته. والله أعلم. وقال جعفر الصادق: وكيف يسمعون حسيسها، والنار تخمد بمطالعتهم، وتتلاشى برؤيتهم؟ ثم ذكر حديث قول النار للمؤمن: جز... الخ. ويدل على أن هذه الحالة إنما هي بعد دخولهم الجنة، قوله تعالى: { وهم فيما اشتهت أنفسهم } من النعيم { خالدون }: دائمون، والشهوة: طلب النفس للذة. وهو بيان لفوزهم بالمطالب، إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب، أي: دائمون في غاية التنعم، { لا يحزنهم الفزع الأكبر } ، وهو القيام من القبور عند صيحة البعث، بدليل قوله: { وتتلقاهم الملائكة }. قال ابن عباس: " تتلقاهم الملائكة بالرحمة، عند خروجهم من القبور " ، قائلين: { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } بالكرامة والثواب، والنعيم المقيم فيه، أي: بعد دخولكم الجنة. وقال الحسن: الفزع الأكبر: الانصراف إلى النار. وعن الضحاك: حين يطبق على أهل النار. وقيل: حين نفخة الصعق، وقيل: حين يذبح الموت. قلت: من سبقت له الحسنى ينجو من جميعها. وقيل: تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة، مهنئين لهم قائلين: { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } في الدنيا، ويبشرون بما فيه من فنون المثوبات على الإيمان والطاعات. وهذا، كما ترى، صريح في أن المراد بالذين سبقت لهم الحسنى: كافة المؤمنين الموصوفين بالإيمان والأعمال الصالحة، لا من ذكر من المسيح، وعزير، والملائكة، كما قيل. قاله أبو السعود، قلت: وقد يجاب بأنها نزلت في شأنهم وتعم غيرهم لأن سبب النزول لا يخصص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الجنيد رضي الله عنه: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } أي: سبقت لهم منا العناية في البداية، فظهرت لهم الولاية في النهاية. ه. { أولئك عنها } أي: عن نار القطيعة، وهي أغيار الدنيا، مبعدون، لا يسمعون حسيسها، ولا ما يقع فيها من الهرج والفتن، لغيبتهم عنها بالكلية في الشغل بالله تعالى، فهم فيما اشتهت أنفسهم من لذة الشهود، والقرب من الملك الودود، خالدون دائمون، لا يحزنهم الفزع الأكبر في الدنيا والآخرة، وتتلقاهم الملائكة بالبشرى بالوصول، هذا يومكم الذي كنتم توعدون، وهو يوم ملاقاة الحبيب والعكوف في حضرة القريب، عند مليك مقتدر. منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنه وكرمه. ثم ذكر أوصاف ذلك اليوم

الأنبياء 21:104

قلت: { يوم }: ظرف لاذكر، أو لقوله: { لا يحزنهم الفزع } ، أو لتتلقاهم. والسجل: الصحيفة، والكتاب: مصدر، و { كما بدأنا }: منصوب بمضمر، يفسره ما بعده، و { ما }: موصولة. يقول الحق جل جلاله: واذكر { يوم نطوي السماء } وذلك يوم الحشر والناس في الموقف، فتجمع وتكور وتطوى { كطي السجل } الصحيفة { للكتاب } أي: لأجل الكتابة فيها لأن الكاتب يطوي الصحيفة على اثنين ليكتب فيها. فاللام للتعليل، أو بمعنى " على " ، أي: كطي الصحيفة على الكتابة التي فيها، لتصان، وقرأ أبو جعفر: " تطوى " بالبناء للمفعول. وذلك بمحو رسومها وتكوير نجومها وشمسها وقمرها. وأصل الطي: الدرج، الذي هو ضد النشر. وقرأ الأخوان وحفص: { للكتب } بالجمع، أي: للمكتوبات، أي: كطي الصحيفة لأجل المعاني الكثيرة التي تكتب فيها، أو كطيها عليها لتصان. فالكتاب أصله مصدر، كالبناء، ثم يوقع على المكتوب. وقيل: السجل: ملك يطوي كتب ابن آدم، إذا رفعت إليه، فالكتاب، على هذا، اسم للصحيفة المكتوب فيها، والطي مضاف إلى الفاعل، وعلى الأول: إلى المفعول. { كما بدأنا أول خلق نعيده } أي: نعيد ما خلقنا حين نبعثهم، كما بدأناهم أول مرة، فالتنوين في { خلق } مثله في قولك: أول رجل جاءني، تريد أول الرجال والتقدير: كما بدأنا أول الخلائق، نعيدهم حفاة عراة غرلا. قال صلى الله عليه وسلم: " إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا. وأول من يكسى إبراهيم خليل الله " ، أي: لأنه جرد في ذات الله، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: واسوءتاه! فلا يحتشم الناس بعضهم من بعض؟ فقال: " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " ثم قرأ - عليه الصلاة والسلام -: { كما بدأنا أول خلق نعيده }. كما بدأناه من الماء نعيده كيوم ولدته أمه. قلت: قد استدل بعضهم، بظاهر الآية والحديث، أن أهل الجنة ليس لهم أسنان، ولا دليل فيه لأن المقصود من الآية: الاستدلال على كمال قدرته تعالى، وعلى البعث الذي تنكره الكفرة، لا بيان الهيئة، وعدم وجودها نقصان، ولا نقص في الجنة. ثم أكد الإعادة بقوله: { وعدا علينا } أي: نعيده وعدا، فهو مصدر مؤكد لغير فعله بل لما في " { نعيده } من معنى العدة، أي: وعدنا ذلك وعدا واجبا علينا إنجازه لأنا لا نخلف الميعاد، { إنا كنا فاعلين } لما ذكرنا لا محالة، فاستعدوا له، وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال. وبالله التوفيق. الإشارة: إذا أشرقت على القلب شموس العرفان، انطوت عن مشهده وجود الأكوان، وأفضى إلى فضاء العيان، فلا سماء تظله ولا أرض تحمله، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه: لقد تجلى ما كان مخبى والكون كل طويت طي

الأنبياء 21:105

يقول الحق جل جلاله: { ولقد كتبنا في الزبور } كتاب داود عليه السلام، { من بعد الذكر }: التوراة، أو اللوح المحفوظ، { أن الأرض } أي: جنس الأرض، يعني: مشارقها ومغاربها، { يرثها عبادي الصالحون } وهم أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الآية ثناء عليهم وبشارة لهم، وإخبار بظهور غيب تحقق ظهوره في الوجود من فتح الله على هذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها، كقوله: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض [النور: 55]. وقال القشيري: على قوله: { عبادي الصالحون }: هم أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - وهم بجملتهم قوم صالحون لنعمته، وهم المطيعون، وآخرون صالحون لرحمته وهم العاصون. ه. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أن حديث: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله " ، مفسر للآية، وموافق لوعدها. قيل: وهذه الطائفة مفترقة من أنواع المؤمنين، ممن فيه عائدة على الدين ونفع له من شجعان مقاتلين، وفقهاء ومحدثين، وزهاد وصالحين، وناهين وآمرين بالمعروف. ه. قلت: وعارفين متمكنين، علماء بالله ربانيين. ثم قال: وغير ذلك من أنواع أهل الحسنى، ولا يلزم اجتماعهم، بل يكونون متفرقين في أقطار. ه. قلت ": وفيه نظر لأن مراد الآية الأمة كلها، كما قال القشيري، ومراد الحديث بعضها، فلا يليق أن يكون تفسيرا لها، وهي أعم منه. وقيل: المراد بالأرض: أرض الشام، وقيل: أرض الجنة. ثم قال تعالى: { إن في هذا } أي: ما ذكر في السورة الكريمة من الأخبار والمواعظ البالغة، والوعد والوعيد، والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد وصحة النبوة، { لبلاغا } أي: كفاية، أو سبب بلوغ إلى البغية، من رضوان الله تعالى، ومحبته، وجزيل ثوابه، فمن تبع القرآن وعمل به، وصل إلى ما يرجو من الثواب العظيم، فالقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر، فهو بلاغ وزاد { لقوم عابدين } أي: لقوم همتهم العبادة دون العادة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد أورث الله أرضه وبلاده لأهل التوجه إلى الله، والإقبال عليه. فوراثة كل أحد على قدر توجهه وإقباله على مولاه. والمراد بالوراثة: التصرف بالهمة ونفوذ الكلمة في صلاح الدين وهداية المخلوقين، وهم على قسمين: قسم يتصرف في ظواهر الخلق بإصلاح ظواهرهم، وهم العلماء الأتقياء، فهم يبلغون الشرائع والأحكام، لإصلاح نظام الإسلام، وقد تقدم تفصيلهم في سورة التوبة عند قوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة... [التوبة: 122] الخ، وقسم يتصرفون في بواطنهم وهم أهل التصرف العارفون بالله، على اختلاف مراتبهم من غوث وأقطاب وأوتاد، وأبدال، ونجباء، ونقباء، وصالحين، وشيوخ مربين، فهم يعالجون بواطن الناس بالتربية بالهمة والحال والمقال، حتى يتطهر من يصحبهم من الرذائل، ويتحلى بأنواع الفضائل، فيتأهل لحضرة القدس ومحل الأنس. وهؤلاء حازوا الوراثة النبوية كلها، كما قال ابن البنا في مباحثه: تبعه العالم في الأقوال والعابد الزاهد في الأفعال وبهما الصوفي في السباق لكنه قد زاد بالأخلاق ثم ختم ذكر الانبياء عليهم السلام بذكر سيد الوجود...

الأنبياء 21:106

يقول الحق جل جلاله: { ولقد كتبنا في الزبور } كتاب داود عليه السلام، { من بعد الذكر }: التوراة، أو اللوح المحفوظ، { أن الأرض } أي: جنس الأرض، يعني: مشارقها ومغاربها، { يرثها عبادي الصالحون } وهم أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الآية ثناء عليهم وبشارة لهم، وإخبار بظهور غيب تحقق ظهوره في الوجود من فتح الله على هذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها، كقوله: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض [النور: 55]. وقال القشيري: على قوله: { عبادي الصالحون }: هم أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - وهم بجملتهم قوم صالحون لنعمته، وهم المطيعون، وآخرون صالحون لرحمته وهم العاصون. ه. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أن حديث: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله " ، مفسر للآية، وموافق لوعدها. قيل: وهذه الطائفة مفترقة من أنواع المؤمنين، ممن فيه عائدة على الدين ونفع له من شجعان مقاتلين، وفقهاء ومحدثين، وزهاد وصالحين، وناهين وآمرين بالمعروف. ه. قلت: وعارفين متمكنين، علماء بالله ربانيين. ثم قال: وغير ذلك من أنواع أهل الحسنى، ولا يلزم اجتماعهم، بل يكونون متفرقين في أقطار. ه. قلت ": وفيه نظر لأن مراد الآية الأمة كلها، كما قال القشيري، ومراد الحديث بعضها، فلا يليق أن يكون تفسيرا لها، وهي أعم منه. وقيل: المراد بالأرض: أرض الشام، وقيل: أرض الجنة. ثم قال تعالى: { إن في هذا } أي: ما ذكر في السورة الكريمة من الأخبار والمواعظ البالغة، والوعد والوعيد، والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد وصحة النبوة، { لبلاغا } أي: كفاية، أو سبب بلوغ إلى البغية، من رضوان الله تعالى، ومحبته، وجزيل ثوابه، فمن تبع القرآن وعمل به، وصل إلى ما يرجو من الثواب العظيم، فالقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر، فهو بلاغ وزاد { لقوم عابدين } أي: لقوم همتهم العبادة دون العادة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد أورث الله أرضه وبلاده لأهل التوجه إلى الله، والإقبال عليه. فوراثة كل أحد على قدر توجهه وإقباله على مولاه. والمراد بالوراثة: التصرف بالهمة ونفوذ الكلمة في صلاح الدين وهداية المخلوقين، وهم على قسمين: قسم يتصرف في ظواهر الخلق بإصلاح ظواهرهم، وهم العلماء الأتقياء، فهم يبلغون الشرائع والأحكام، لإصلاح نظام الإسلام، وقد تقدم تفصيلهم في سورة التوبة عند قوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة... [التوبة: 122] الخ، وقسم يتصرفون في بواطنهم وهم أهل التصرف العارفون بالله، على اختلاف مراتبهم من غوث وأقطاب وأوتاد، وأبدال، ونجباء، ونقباء، وصالحين، وشيوخ مربين، فهم يعالجون بواطن الناس بالتربية بالهمة والحال والمقال، حتى يتطهر من يصحبهم من الرذائل، ويتحلى بأنواع الفضائل، فيتأهل لحضرة القدس ومحل الأنس. وهؤلاء حازوا الوراثة النبوية كلها، كما قال ابن البنا في مباحثه: تبعه العالم في الأقوال والعابد الزاهد في الأفعال وبهما الصوفي في السباق لكنه قد زاد بالأخلاق ثم ختم ذكر الانبياء عليهم السلام بذكر سيد الوجود...

الأنبياء 21:107

قلت: { رحمة }: مفعول لأجله، أو حال. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلناك } يا محمد { إلا رحمة للعالمين } أي: ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما هو مناط سعادة الدارين، لعلة من العلل، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة. أو ما أرسلناك في حال من الأحوال، إلا حال كونك رحمة لهم، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أوتي من قبل نفسه، حيث فرط في اتباعه، وقيل: إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال، والأمن من المسخ والخسف والغرق، حسبما نطق به قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } أي: ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد لأنه المقصود الأصلي من البعثة، وأما ما عداه فإنما هو من الأحكام المتفرعة عليه، لا يصح بدونه. و { إنما } الأولى: لقصر الحكم على الشيء، كقولك: إنما يقوم زيد، والثانية: لقصر الشيء على الحكم، كقولك: إنما زيد قائم، أي: إنما يوحى إلي وحدي أنما إلهكم واحد. { فهل أنتم مسلمون } أي: مخلصون العبادة لله { فإن تولوا } عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي، { فقل آذنتكم } أي: أعلمتكم ما أمرت به، أو بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم، فتكونوا { على سواء } ، أو كائنين على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية. قيل: وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته. { وإن أدري } أي: ما أدري { أقريب أم بعيد ما توعدون } من البعث والحساب متى يكون لأن الله تعالى لم يطلعني عليه، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة، وكل آت قريب. ولذلك قال: واقترب الوعد الحق [الأنبياء: 97]، أو: لا أدري متى يحل بكم العذاب، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين، { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } أي: إنه عالم بكل شيء، يعلم ما تجهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات، وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه نقيرا وقطميرا. { وإن أدري لعله فتنة لكم } أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم لينظر كيف تعملون، أو استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، { ومتاع إلى حين } أي: تمتع لكم إلى حين موتكم ليكون حجة عليكم، أو إلى أجل مقدر تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة. { قل رب احكم بالحق } أي: اقض بيننا وبين كفار مكة بالعدل، المقتضي لتعجيل العذاب. فهو كقول شعيب عليه السلام: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق [الأعراف: 89]، أو بما يحق عليهم من العذاب، واشدد عليهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشدد وطأتك على مضر " ، وقد استجيب دعاؤه - عليه الصلاة والسلام -، حيث عذبوا ببدر أي تعذيب. وقرأ الكسائي وحفص: { قال } حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم. ثم استعان بالله على إبطال ما كانوا يؤملون من النصرة لهم، وتكذيبهم في ذلك، فقال: { وربنا الرحمن } كثير الرحمة على عباده، { المستعان على ما تصفون } من كون الغلبة لكم. كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة والغلبة لهم، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، وغير أحوالهم، ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وخذلهم لكفرهم. وبالله التوفيق. الإشارة: قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: الأنبياء - عليهم السلام - خلقوا من الرحمة، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة، قال تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }. ه. وقال أيضا: الأنبياء - عليهم السلام - لأممهم صدقة، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية. قال صلى الله عليه وسلم: " وأنا النعمة المهداة " ، فالصدقة للفقراء، والهدية للكبراء. ثم إن غاية الرحمة: الوصول إلى التوحيد الخاص لأنه سبب الزلفى من الله والاختصاص، ولذلك أمره به، بعد أن جعله رحمة، فقال: { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد... } الخ. فمن أعرض عنه فقد أوذن بالبعد والطرد. ولعل تأخير العقوبة عنه، في الدنيا، استدراج ومتاع إلى حين. ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص - وهو توحيد العيان -: القواطع الأربع: النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. زاد بعضهم: الناس - أي: عوام الناس، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع، وصل إلى صريح المعرفة. { قل رب احكم بالحق } أي: احكم بيني وبين عدوي بحكمك الحق، حتى تدفعه عني وتدمغه، { وربنا الرحمن المستعان } به { على ما تصفون } من التعويق والتشغيب. والله المستعان، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الأنبياء 21:108

قلت: { رحمة }: مفعول لأجله، أو حال. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلناك } يا محمد { إلا رحمة للعالمين } أي: ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما هو مناط سعادة الدارين، لعلة من العلل، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة. أو ما أرسلناك في حال من الأحوال، إلا حال كونك رحمة لهم، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أوتي من قبل نفسه، حيث فرط في اتباعه، وقيل: إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال، والأمن من المسخ والخسف والغرق، حسبما نطق به قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } أي: ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد لأنه المقصود الأصلي من البعثة، وأما ما عداه فإنما هو من الأحكام المتفرعة عليه، لا يصح بدونه. و { إنما } الأولى: لقصر الحكم على الشيء، كقولك: إنما يقوم زيد، والثانية: لقصر الشيء على الحكم، كقولك: إنما زيد قائم، أي: إنما يوحى إلي وحدي أنما إلهكم واحد. { فهل أنتم مسلمون } أي: مخلصون العبادة لله { فإن تولوا } عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي، { فقل آذنتكم } أي: أعلمتكم ما أمرت به، أو بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم، فتكونوا { على سواء } ، أو كائنين على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية. قيل: وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته. { وإن أدري } أي: ما أدري { أقريب أم بعيد ما توعدون } من البعث والحساب متى يكون لأن الله تعالى لم يطلعني عليه، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة، وكل آت قريب. ولذلك قال: واقترب الوعد الحق [الأنبياء: 97]، أو: لا أدري متى يحل بكم العذاب، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين، { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } أي: إنه عالم بكل شيء، يعلم ما تجهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات، وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه نقيرا وقطميرا. { وإن أدري لعله فتنة لكم } أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم لينظر كيف تعملون، أو استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، { ومتاع إلى حين } أي: تمتع لكم إلى حين موتكم ليكون حجة عليكم، أو إلى أجل مقدر تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة. { قل رب احكم بالحق } أي: اقض بيننا وبين كفار مكة بالعدل، المقتضي لتعجيل العذاب. فهو كقول شعيب عليه السلام: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق [الأعراف: 89]، أو بما يحق عليهم من العذاب، واشدد عليهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشدد وطأتك على مضر " ، وقد استجيب دعاؤه - عليه الصلاة والسلام -، حيث عذبوا ببدر أي تعذيب. وقرأ الكسائي وحفص: { قال } حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم. ثم استعان بالله على إبطال ما كانوا يؤملون من النصرة لهم، وتكذيبهم في ذلك، فقال: { وربنا الرحمن } كثير الرحمة على عباده، { المستعان على ما تصفون } من كون الغلبة لكم. كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة والغلبة لهم، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، وغير أحوالهم، ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وخذلهم لكفرهم. وبالله التوفيق. الإشارة: قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: الأنبياء - عليهم السلام - خلقوا من الرحمة، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة، قال تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }. ه. وقال أيضا: الأنبياء - عليهم السلام - لأممهم صدقة، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية. قال صلى الله عليه وسلم: " وأنا النعمة المهداة " ، فالصدقة للفقراء، والهدية للكبراء. ثم إن غاية الرحمة: الوصول إلى التوحيد الخاص لأنه سبب الزلفى من الله والاختصاص، ولذلك أمره به، بعد أن جعله رحمة، فقال: { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد... } الخ. فمن أعرض عنه فقد أوذن بالبعد والطرد. ولعل تأخير العقوبة عنه، في الدنيا، استدراج ومتاع إلى حين. ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص - وهو توحيد العيان -: القواطع الأربع: النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. زاد بعضهم: الناس - أي: عوام الناس، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع، وصل إلى صريح المعرفة. { قل رب احكم بالحق } أي: احكم بيني وبين عدوي بحكمك الحق، حتى تدفعه عني وتدمغه، { وربنا الرحمن المستعان } به { على ما تصفون } من التعويق والتشغيب. والله المستعان، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الأنبياء 21:109

قلت: { رحمة }: مفعول لأجله، أو حال. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلناك } يا محمد { إلا رحمة للعالمين } أي: ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما هو مناط سعادة الدارين، لعلة من العلل، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة. أو ما أرسلناك في حال من الأحوال، إلا حال كونك رحمة لهم، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أوتي من قبل نفسه، حيث فرط في اتباعه، وقيل: إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال، والأمن من المسخ والخسف والغرق، حسبما نطق به قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } أي: ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد لأنه المقصود الأصلي من البعثة، وأما ما عداه فإنما هو من الأحكام المتفرعة عليه، لا يصح بدونه. و { إنما } الأولى: لقصر الحكم على الشيء، كقولك: إنما يقوم زيد، والثانية: لقصر الشيء على الحكم، كقولك: إنما زيد قائم، أي: إنما يوحى إلي وحدي أنما إلهكم واحد. { فهل أنتم مسلمون } أي: مخلصون العبادة لله { فإن تولوا } عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي، { فقل آذنتكم } أي: أعلمتكم ما أمرت به، أو بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم، فتكونوا { على سواء } ، أو كائنين على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية. قيل: وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته. { وإن أدري } أي: ما أدري { أقريب أم بعيد ما توعدون } من البعث والحساب متى يكون لأن الله تعالى لم يطلعني عليه، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة، وكل آت قريب. ولذلك قال: واقترب الوعد الحق [الأنبياء: 97]، أو: لا أدري متى يحل بكم العذاب، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين، { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } أي: إنه عالم بكل شيء، يعلم ما تجهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات، وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه نقيرا وقطميرا. { وإن أدري لعله فتنة لكم } أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم لينظر كيف تعملون، أو استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، { ومتاع إلى حين } أي: تمتع لكم إلى حين موتكم ليكون حجة عليكم، أو إلى أجل مقدر تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة. { قل رب احكم بالحق } أي: اقض بيننا وبين كفار مكة بالعدل، المقتضي لتعجيل العذاب. فهو كقول شعيب عليه السلام: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق [الأعراف: 89]، أو بما يحق عليهم من العذاب، واشدد عليهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشدد وطأتك على مضر " ، وقد استجيب دعاؤه - عليه الصلاة والسلام -، حيث عذبوا ببدر أي تعذيب. وقرأ الكسائي وحفص: { قال } حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم. ثم استعان بالله على إبطال ما كانوا يؤملون من النصرة لهم، وتكذيبهم في ذلك، فقال: { وربنا الرحمن } كثير الرحمة على عباده، { المستعان على ما تصفون } من كون الغلبة لكم. كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة والغلبة لهم، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، وغير أحوالهم، ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وخذلهم لكفرهم. وبالله التوفيق. الإشارة: قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: الأنبياء - عليهم السلام - خلقوا من الرحمة، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة، قال تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }. ه. وقال أيضا: الأنبياء - عليهم السلام - لأممهم صدقة، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية. قال صلى الله عليه وسلم: " وأنا النعمة المهداة " ، فالصدقة للفقراء، والهدية للكبراء. ثم إن غاية الرحمة: الوصول إلى التوحيد الخاص لأنه سبب الزلفى من الله والاختصاص، ولذلك أمره به، بعد أن جعله رحمة، فقال: { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد... } الخ. فمن أعرض عنه فقد أوذن بالبعد والطرد. ولعل تأخير العقوبة عنه، في الدنيا، استدراج ومتاع إلى حين. ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص - وهو توحيد العيان -: القواطع الأربع: النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. زاد بعضهم: الناس - أي: عوام الناس، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع، وصل إلى صريح المعرفة. { قل رب احكم بالحق } أي: احكم بيني وبين عدوي بحكمك الحق، حتى تدفعه عني وتدمغه، { وربنا الرحمن المستعان } به { على ما تصفون } من التعويق والتشغيب. والله المستعان، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الأنبياء 21:110

قلت: { رحمة }: مفعول لأجله، أو حال. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلناك } يا محمد { إلا رحمة للعالمين } أي: ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما هو مناط سعادة الدارين، لعلة من العلل، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة. أو ما أرسلناك في حال من الأحوال، إلا حال كونك رحمة لهم، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أوتي من قبل نفسه، حيث فرط في اتباعه، وقيل: إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال، والأمن من المسخ والخسف والغرق، حسبما نطق به قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } أي: ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد لأنه المقصود الأصلي من البعثة، وأما ما عداه فإنما هو من الأحكام المتفرعة عليه، لا يصح بدونه. و { إنما } الأولى: لقصر الحكم على الشيء، كقولك: إنما يقوم زيد، والثانية: لقصر الشيء على الحكم، كقولك: إنما زيد قائم، أي: إنما يوحى إلي وحدي أنما إلهكم واحد. { فهل أنتم مسلمون } أي: مخلصون العبادة لله { فإن تولوا } عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي، { فقل آذنتكم } أي: أعلمتكم ما أمرت به، أو بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم، فتكونوا { على سواء } ، أو كائنين على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية. قيل: وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته. { وإن أدري } أي: ما أدري { أقريب أم بعيد ما توعدون } من البعث والحساب متى يكون لأن الله تعالى لم يطلعني عليه، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة، وكل آت قريب. ولذلك قال: واقترب الوعد الحق [الأنبياء: 97]، أو: لا أدري متى يحل بكم العذاب، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين، { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } أي: إنه عالم بكل شيء، يعلم ما تجهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات، وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه نقيرا وقطميرا. { وإن أدري لعله فتنة لكم } أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم لينظر كيف تعملون، أو استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، { ومتاع إلى حين } أي: تمتع لكم إلى حين موتكم ليكون حجة عليكم، أو إلى أجل مقدر تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة. { قل رب احكم بالحق } أي: اقض بيننا وبين كفار مكة بالعدل، المقتضي لتعجيل العذاب. فهو كقول شعيب عليه السلام: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق [الأعراف: 89]، أو بما يحق عليهم من العذاب، واشدد عليهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشدد وطأتك على مضر " ، وقد استجيب دعاؤه - عليه الصلاة والسلام -، حيث عذبوا ببدر أي تعذيب. وقرأ الكسائي وحفص: { قال } حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم. ثم استعان بالله على إبطال ما كانوا يؤملون من النصرة لهم، وتكذيبهم في ذلك، فقال: { وربنا الرحمن } كثير الرحمة على عباده، { المستعان على ما تصفون } من كون الغلبة لكم. كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة والغلبة لهم، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، وغير أحوالهم، ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وخذلهم لكفرهم. وبالله التوفيق. الإشارة: قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: الأنبياء - عليهم السلام - خلقوا من الرحمة، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة، قال تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }. ه. وقال أيضا: الأنبياء - عليهم السلام - لأممهم صدقة، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية. قال صلى الله عليه وسلم: " وأنا النعمة المهداة " ، فالصدقة للفقراء، والهدية للكبراء. ثم إن غاية الرحمة: الوصول إلى التوحيد الخاص لأنه سبب الزلفى من الله والاختصاص، ولذلك أمره به، بعد أن جعله رحمة، فقال: { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد... } الخ. فمن أعرض عنه فقد أوذن بالبعد والطرد. ولعل تأخير العقوبة عنه، في الدنيا، استدراج ومتاع إلى حين. ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص - وهو توحيد العيان -: القواطع الأربع: النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. زاد بعضهم: الناس - أي: عوام الناس، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع، وصل إلى صريح المعرفة. { قل رب احكم بالحق } أي: احكم بيني وبين عدوي بحكمك الحق، حتى تدفعه عني وتدمغه، { وربنا الرحمن المستعان } به { على ما تصفون } من التعويق والتشغيب. والله المستعان، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الأنبياء 21:111

قلت: { رحمة }: مفعول لأجله، أو حال. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلناك } يا محمد { إلا رحمة للعالمين } أي: ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما هو مناط سعادة الدارين، لعلة من العلل، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة. أو ما أرسلناك في حال من الأحوال، إلا حال كونك رحمة لهم، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أوتي من قبل نفسه، حيث فرط في اتباعه، وقيل: إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال، والأمن من المسخ والخسف والغرق، حسبما نطق به قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } أي: ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد لأنه المقصود الأصلي من البعثة، وأما ما عداه فإنما هو من الأحكام المتفرعة عليه، لا يصح بدونه. و { إنما } الأولى: لقصر الحكم على الشيء، كقولك: إنما يقوم زيد، والثانية: لقصر الشيء على الحكم، كقولك: إنما زيد قائم، أي: إنما يوحى إلي وحدي أنما إلهكم واحد. { فهل أنتم مسلمون } أي: مخلصون العبادة لله { فإن تولوا } عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي، { فقل آذنتكم } أي: أعلمتكم ما أمرت به، أو بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم، فتكونوا { على سواء } ، أو كائنين على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية. قيل: وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته. { وإن أدري } أي: ما أدري { أقريب أم بعيد ما توعدون } من البعث والحساب متى يكون لأن الله تعالى لم يطلعني عليه، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة، وكل آت قريب. ولذلك قال: واقترب الوعد الحق [الأنبياء: 97]، أو: لا أدري متى يحل بكم العذاب، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين، { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } أي: إنه عالم بكل شيء، يعلم ما تجهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات، وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه نقيرا وقطميرا. { وإن أدري لعله فتنة لكم } أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم لينظر كيف تعملون، أو استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، { ومتاع إلى حين } أي: تمتع لكم إلى حين موتكم ليكون حجة عليكم، أو إلى أجل مقدر تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة. { قل رب احكم بالحق } أي: اقض بيننا وبين كفار مكة بالعدل، المقتضي لتعجيل العذاب. فهو كقول شعيب عليه السلام: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق [الأعراف: 89]، أو بما يحق عليهم من العذاب، واشدد عليهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشدد وطأتك على مضر " ، وقد استجيب دعاؤه - عليه الصلاة والسلام -، حيث عذبوا ببدر أي تعذيب. وقرأ الكسائي وحفص: { قال } حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم. ثم استعان بالله على إبطال ما كانوا يؤملون من النصرة لهم، وتكذيبهم في ذلك، فقال: { وربنا الرحمن } كثير الرحمة على عباده، { المستعان على ما تصفون } من كون الغلبة لكم. كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة والغلبة لهم، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، وغير أحوالهم، ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وخذلهم لكفرهم. وبالله التوفيق. الإشارة: قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: الأنبياء - عليهم السلام - خلقوا من الرحمة، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة، قال تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }. ه. وقال أيضا: الأنبياء - عليهم السلام - لأممهم صدقة، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية. قال صلى الله عليه وسلم: " وأنا النعمة المهداة " ، فالصدقة للفقراء، والهدية للكبراء. ثم إن غاية الرحمة: الوصول إلى التوحيد الخاص لأنه سبب الزلفى من الله والاختصاص، ولذلك أمره به، بعد أن جعله رحمة، فقال: { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد... } الخ. فمن أعرض عنه فقد أوذن بالبعد والطرد. ولعل تأخير العقوبة عنه، في الدنيا، استدراج ومتاع إلى حين. ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص - وهو توحيد العيان -: القواطع الأربع: النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. زاد بعضهم: الناس - أي: عوام الناس، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع، وصل إلى صريح المعرفة. { قل رب احكم بالحق } أي: احكم بيني وبين عدوي بحكمك الحق، حتى تدفعه عني وتدمغه، { وربنا الرحمن المستعان } به { على ما تصفون } من التعويق والتشغيب. والله المستعان، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الأنبياء 21:112

قلت: { رحمة }: مفعول لأجله، أو حال. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلناك } يا محمد { إلا رحمة للعالمين } أي: ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما هو مناط سعادة الدارين، لعلة من العلل، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة. أو ما أرسلناك في حال من الأحوال، إلا حال كونك رحمة لهم، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أوتي من قبل نفسه، حيث فرط في اتباعه، وقيل: إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال، والأمن من المسخ والخسف والغرق، حسبما نطق به قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33]. { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } أي: ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد لأنه المقصود الأصلي من البعثة، وأما ما عداه فإنما هو من الأحكام المتفرعة عليه، لا يصح بدونه. و { إنما } الأولى: لقصر الحكم على الشيء، كقولك: إنما يقوم زيد، والثانية: لقصر الشيء على الحكم، كقولك: إنما زيد قائم، أي: إنما يوحى إلي وحدي أنما إلهكم واحد. { فهل أنتم مسلمون } أي: مخلصون العبادة لله { فإن تولوا } عن الإسلام، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي، { فقل آذنتكم } أي: أعلمتكم ما أمرت به، أو بمحاربتي لكم ومخالفتي لدينكم، فتكونوا { على سواء } ، أو كائنين على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية. قيل: وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته. { وإن أدري } أي: ما أدري { أقريب أم بعيد ما توعدون } من البعث والحساب متى يكون لأن الله تعالى لم يطلعني عليه، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة، وكل آت قريب. ولذلك قال: واقترب الوعد الحق [الأنبياء: 97]، أو: لا أدري متى يحل بكم العذاب، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين، { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } أي: إنه عالم بكل شيء، يعلم ما تجهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات، وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه نقيرا وقطميرا. { وإن أدري لعله فتنة لكم } أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم لينظر كيف تعملون، أو استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، { ومتاع إلى حين } أي: تمتع لكم إلى حين موتكم ليكون حجة عليكم، أو إلى أجل مقدر تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة. { قل رب احكم بالحق } أي: اقض بيننا وبين كفار مكة بالعدل، المقتضي لتعجيل العذاب. فهو كقول شعيب عليه السلام: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق [الأعراف: 89]، أو بما يحق عليهم من العذاب، واشدد عليهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشدد وطأتك على مضر " ، وقد استجيب دعاؤه - عليه الصلاة والسلام -، حيث عذبوا ببدر أي تعذيب. وقرأ الكسائي وحفص: { قال } حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم. ثم استعان بالله على إبطال ما كانوا يؤملون من النصرة لهم، وتكذيبهم في ذلك، فقال: { وربنا الرحمن } كثير الرحمة على عباده، { المستعان على ما تصفون } من كون الغلبة لكم. كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة والغلبة لهم، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، وغير أحوالهم، ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وخذلهم لكفرهم. وبالله التوفيق. الإشارة: قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: الأنبياء - عليهم السلام - خلقوا من الرحمة، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو عين الرحمة، قال تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }. ه. وقال أيضا: الأنبياء - عليهم السلام - لأممهم صدقة، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية. قال صلى الله عليه وسلم: " وأنا النعمة المهداة " ، فالصدقة للفقراء، والهدية للكبراء. ثم إن غاية الرحمة: الوصول إلى التوحيد الخاص لأنه سبب الزلفى من الله والاختصاص، ولذلك أمره به، بعد أن جعله رحمة، فقال: { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد... } الخ. فمن أعرض عنه فقد أوذن بالبعد والطرد. ولعل تأخير العقوبة عنه، في الدنيا، استدراج ومتاع إلى حين. ثم إن الصارف عن الدخول إلى التوحيد الخاص - وهو توحيد العيان -: القواطع الأربع: النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. زاد بعضهم: الناس - أي: عوام الناس، فإذا حكم الله بين العبد وبين هذه القواطع، وصل إلى صريح المعرفة. { قل رب احكم بالحق } أي: احكم بيني وبين عدوي بحكمك الحق، حتى تدفعه عني وتدمغه، { وربنا الرحمن المستعان } به { على ما تصفون } من التعويق والتشغيب. والله المستعان، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الحج 22:1

قلت: { زلزلة }: مصدر مضاف إلى فاعله على المجاز، أو إلى الظرف، وهي الساعة. و { يوم }: منصوب بتذهل. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس اتقوا ربكم } ، الخطاب عام لجميع المكلفين ممن وجد عند النزول، وينخرط في سلكهم من سيوجد إلى يوم القيامة. ولفظ { الناس } يشمل الذكور والإناث. والمأمور به مطلق التقوى، الذي هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي ظاهرا وباطنا، والتعرض لعنوان الربوبية، مع إضافتها لضمير المخاطبين لتأكيد الأمر، وتأكيد إيجاب الامتثال به لأن الربوبية دائمة، والعبودية واجبة بدوامها، أي: احذروا عقوبة مالك أموركم ومربيكم. ثم علل وجوب التقوى بذكر بعض عقوبته الهائلة عند قيام الساعة، فقال: { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } ، فإن ملاحظة عظمها وهولها وفظاعة ما هي من مبادئه ومقدماته، مما يوجب مزيد اعتناء بملابسة التقوى والتدرع بها. والزلزلة: التحرك الشديد والإزعاج العنيف، بطريق التكرير، بحيث تزيل الأشياء من مقارها، وتخرجها عن مراكزها، وهي الزلزلة المذكورة في قوله تعالى: إذا زلزلت الأرض زلزالها [الزلزلة: 1] الآية. واختلف في هذه الزلزلة وما ذكر بعدها، هل هي قيام الساعة عند نفخة الصعق، أو بعدها عند الحشر؟ فقال الحسن رضي الله عنه: إنها تكون يوم القيامة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: زلزلة الساعة: قيامها. وعن علقمة والشعبي: أنها قبل طلوع الشمس من مغربها، فإضافتها إلى الساعة لكونها من أشراطها. قال الكواشي: وهذه الزلزلة تكون قبل قيام الساعة من أشراطها. قالوا: ومن أشراط الساعة، قبل قيامها، ست آيات: بينما الناس في أسواقهم، إذ ذهب ضوء الشمس، ثم تناثرت النجوم، ثم وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت الأرض، ففزع الإنس والجن، وماج بعض في بعض خوفا ودهشا، فقالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فذهبوا، فرأوا البحار تأجج نارا، فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض السابعة، ثم جاءتهم الريح فماتوا. ه. وانظر ابن عطية. قاله المحشي. والتحقيق: ما قدمناه عند قوله: واقترب الوعد الحق [الأنبياء: 97]، وأن الريح إنما تقبض أرواح المؤمنين، وهذه الزلزلة إنما تقع عند نفخة الصعق. والله تعالى أعلم. وفي التعبير ب { شيء عظيم } إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها، والعبارة ضيقة، لا تحيط بها إلا على وجه الإبهام. ثم هول شأنها، فقال: { يوم ترونها } أي: الزلزلة، وتشاهدون هول مطلعها، { تذهل كل مرضعة } أي: مباشرة للإرضاع، { عما أرضعت } أي: تغفل وتغيب، من شدة الدهش عما هي بصدد إرضاعه من طفلها، الذي ألقمته ثديها. فالمرضعة، بالتاء، هي المباشرة الإرضاع بالفعل، والمرضع - بلا تاء - لمن شأنها ترضع، ولو لم تباشر الإرضاع. والتعبير عنه " بما " ، دون " من " لتأكيد الذهول، كأنها من شدة الهول لا تدري من هو بخصوصه، وقيل: " ما " مصدرية، أي: تذهل عن إرضاعها. والأول أدل على شدة الهول وكمال الانزعاج. { وتضع كل ذات حمل حملها } أي: تلقى جنينها من غير تمام، كما أن المرضعة تذهل عن ولدها قبل الفطام. وهذا على قول من يقول: إنها قبل نفخة الصعق ظاهر، وأما على من يقول، إنها بعد قيام الساعة، فقد قيل: إنه تمثيل لتهويل الأمر وشدته. { وترى الناس سكارى } أي: وترى أيها الناظر الناس سكارى، على التشبيه، من شدة الهول، كأنهم سكارى لما شاهدوا بساط العزة وسلطنة القهرية، حتى قال كل نبي: نفسي نفسي. { وما هم بسكارى } على التحقيق، { ولكن عذاب الله شديد } ، فخوف عذابه هو الذي أذهل عقولهم، وطير تمييزهم، وردهم في حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه. وعن الحسن: وترى الناس سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب. وقرئ: سكرى كعطشى. والمعنى واحد، غير أن فعلى يختص بما فيه آفة، كجرحى وقتلى ومرضى. والله تعالى أعلم. الإشارة: يا أيها الناس اتقوا ربكم وتوجهوا إليه بكليتكم، حتى تشرق على قلوبكم أنوار ربكم، فتزلزل أرض نفوسكم، وتدك جبال عقولكم، عند سطوع شمس العرفان، والاستشراف على مقام الإحسان. إن زلزلة الساعة، التي تشرف فيها على أسرار الذات، شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، لو كانت أنثى، وتضع كل ذات حمل حملها كذلك، أو تضع كل ذات حمل أثقالها بالغيبة في ربها، وترى الناس سكارى من خمر المحبة، وما هم بسكارى من شراب الدوالي، لكن من خمر الكبير المتعالي، كما قال الششتري في الخمرة الأزلية - بعد كلام -: لا شراب الدوالي إنها أرضية خمرها دون خمري خمرتي أزلية ولكن عذاب الله - الذي قدمه قبل دخول جنته المعنوية وحفت به، وهي جنة المعارف - شديد، ولكنه يحلو في جانب ما ينال بعده، كما قال الشاعر: والنفس عزت ولكن فيك أبذلها والذل مر ولكن في رضاك حلا يا من عذابي عذب في محبته لا أشتكي منك لا صدا ولا مللا

الحج 22:2

قلت: { زلزلة }: مصدر مضاف إلى فاعله على المجاز، أو إلى الظرف، وهي الساعة. و { يوم }: منصوب بتذهل. يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس اتقوا ربكم } ، الخطاب عام لجميع المكلفين ممن وجد عند النزول، وينخرط في سلكهم من سيوجد إلى يوم القيامة. ولفظ { الناس } يشمل الذكور والإناث. والمأمور به مطلق التقوى، الذي هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي ظاهرا وباطنا، والتعرض لعنوان الربوبية، مع إضافتها لضمير المخاطبين لتأكيد الأمر، وتأكيد إيجاب الامتثال به لأن الربوبية دائمة، والعبودية واجبة بدوامها، أي: احذروا عقوبة مالك أموركم ومربيكم. ثم علل وجوب التقوى بذكر بعض عقوبته الهائلة عند قيام الساعة، فقال: { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } ، فإن ملاحظة عظمها وهولها وفظاعة ما هي من مبادئه ومقدماته، مما يوجب مزيد اعتناء بملابسة التقوى والتدرع بها. والزلزلة: التحرك الشديد والإزعاج العنيف، بطريق التكرير، بحيث تزيل الأشياء من مقارها، وتخرجها عن مراكزها، وهي الزلزلة المذكورة في قوله تعالى: إذا زلزلت الأرض زلزالها [الزلزلة: 1] الآية. واختلف في هذه الزلزلة وما ذكر بعدها، هل هي قيام الساعة عند نفخة الصعق، أو بعدها عند الحشر؟ فقال الحسن رضي الله عنه: إنها تكون يوم القيامة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: زلزلة الساعة: قيامها. وعن علقمة والشعبي: أنها قبل طلوع الشمس من مغربها، فإضافتها إلى الساعة لكونها من أشراطها. قال الكواشي: وهذه الزلزلة تكون قبل قيام الساعة من أشراطها. قالوا: ومن أشراط الساعة، قبل قيامها، ست آيات: بينما الناس في أسواقهم، إذ ذهب ضوء الشمس، ثم تناثرت النجوم، ثم وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت الأرض، ففزع الإنس والجن، وماج بعض في بعض خوفا ودهشا، فقالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فذهبوا، فرأوا البحار تأجج نارا، فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض السابعة، ثم جاءتهم الريح فماتوا. ه. وانظر ابن عطية. قاله المحشي. والتحقيق: ما قدمناه عند قوله: واقترب الوعد الحق [الأنبياء: 97]، وأن الريح إنما تقبض أرواح المؤمنين، وهذه الزلزلة إنما تقع عند نفخة الصعق. والله تعالى أعلم. وفي التعبير ب { شيء عظيم } إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها، والعبارة ضيقة، لا تحيط بها إلا على وجه الإبهام. ثم هول شأنها، فقال: { يوم ترونها } أي: الزلزلة، وتشاهدون هول مطلعها، { تذهل كل مرضعة } أي: مباشرة للإرضاع، { عما أرضعت } أي: تغفل وتغيب، من شدة الدهش عما هي بصدد إرضاعه من طفلها، الذي ألقمته ثديها. فالمرضعة، بالتاء، هي المباشرة الإرضاع بالفعل، والمرضع - بلا تاء - لمن شأنها ترضع، ولو لم تباشر الإرضاع. والتعبير عنه " بما " ، دون " من " لتأكيد الذهول، كأنها من شدة الهول لا تدري من هو بخصوصه، وقيل: " ما " مصدرية، أي: تذهل عن إرضاعها. والأول أدل على شدة الهول وكمال الانزعاج. { وتضع كل ذات حمل حملها } أي: تلقى جنينها من غير تمام، كما أن المرضعة تذهل عن ولدها قبل الفطام. وهذا على قول من يقول: إنها قبل نفخة الصعق ظاهر، وأما على من يقول، إنها بعد قيام الساعة، فقد قيل: إنه تمثيل لتهويل الأمر وشدته. { وترى الناس سكارى } أي: وترى أيها الناظر الناس سكارى، على التشبيه، من شدة الهول، كأنهم سكارى لما شاهدوا بساط العزة وسلطنة القهرية، حتى قال كل نبي: نفسي نفسي. { وما هم بسكارى } على التحقيق، { ولكن عذاب الله شديد } ، فخوف عذابه هو الذي أذهل عقولهم، وطير تمييزهم، وردهم في حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه. وعن الحسن: وترى الناس سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب. وقرئ: سكرى كعطشى. والمعنى واحد، غير أن فعلى يختص بما فيه آفة، كجرحى وقتلى ومرضى. والله تعالى أعلم. الإشارة: يا أيها الناس اتقوا ربكم وتوجهوا إليه بكليتكم، حتى تشرق على قلوبكم أنوار ربكم، فتزلزل أرض نفوسكم، وتدك جبال عقولكم، عند سطوع شمس العرفان، والاستشراف على مقام الإحسان. إن زلزلة الساعة، التي تشرف فيها على أسرار الذات، شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، لو كانت أنثى، وتضع كل ذات حمل حملها كذلك، أو تضع كل ذات حمل أثقالها بالغيبة في ربها، وترى الناس سكارى من خمر المحبة، وما هم بسكارى من شراب الدوالي، لكن من خمر الكبير المتعالي، كما قال الششتري في الخمرة الأزلية - بعد كلام -: لا شراب الدوالي إنها أرضية خمرها دون خمري خمرتي أزلية ولكن عذاب الله - الذي قدمه قبل دخول جنته المعنوية وحفت به، وهي جنة المعارف - شديد، ولكنه يحلو في جانب ما ينال بعده، كما قال الشاعر: والنفس عزت ولكن فيك أبذلها والذل مر ولكن في رضاك حلا يا من عذابي عذب في محبته لا أشتكي منك لا صدا ولا مللا

الحج 22:3

قلت: { ومن الناس }: خبر، و { من يجادل }: مبتدأ، و { بغير علم }: حال من ضمير " يجادل " ، و { أنه }: نائب فاعل { كتب } ، أي: كتب عليه إضلال من تولاه، و { فإنه }: من فتح: عنده خبر عن مبتدأ مضمر، أي: فشأنه أن يضله، والجملة جواب " من " ، إن جعلتها شرطية، وخبر، إن جعلتها موصولة متضمنة لمعنى الشرط، ومن كسر: فخبر، أو جواب " من ". يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يجادل } ويخاصم { في الله } أي: في شأنه، ويقول ما لا يليق بجلال كبريائه وكمال قدرته، ملابسا { بغير علم } ، بل بجهل عظيم حمله على ما فعل. نزلت في النضر بن الحارث، وكان جدلا، يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ولا بعث بعد الموت، والله غير قادر على إحياء من بلى وصار رميما. وهي عامة له ولأضرابه من العتاة المتمردين، وكل من يخاصم في الدين بالهوى. { ويتبع } في ذلك { كل شيطان مريد } عات متمرد، مستمر في الشر. قال الزجاج: المريد والمارد: المرتفع الأملس، أي: الذي لا يتعلق به شيء من الخير، والمراد: إما رؤساء الكفرة الذين يدعونهم إلى الكفر، وإما إبليس وجنوده. ثم وصف الشيطان المريد بقوله: { كتب عليه } أي: قضى على ذلك الشيطان { أنه } أي: الأمر والشأن { من تولاه } أي: اتخذه وليا وتبعه، { فأنه } أي: الشيطان { يضله } عن سواء السبيل، { ويهديه إلى عذاب السعير } أي: النار. والعياذ بالله. الإشارة: ومن الناس من تنكبت عنه سابقة الخصوصية، فجعل يجادل في طريق الله، وينكر على المتوجهين إلى الله، إذا حرقوا عوائد أنفسهم، وسد الباب في وجوه عباد الله، فيقول: انقطعت التربية النبوية، وذلك منه بلا علم تحقيق ولا حجة ولا برهان، وإنما يتبع في ذلك كل شيطان مريد، سول له ذلك وتبعه فيه. كتب عليه أنه من تولاه، وتبعه في ذلك، فإنه يضله عن طريق الخصوص، الذين فازوا بمشاهدة المحبوب، ويهديه إلى عذاب السعير، وهو غم الحجاب والحصر في سجن الأكوان، وفي أسر نفسه وهيكل ذاته، عائذا بالله من ذلك. ثم برهن على قيام الساعة التي خوف منها: { يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث }.

الحج 22:4

قلت: { ومن الناس }: خبر، و { من يجادل }: مبتدأ، و { بغير علم }: حال من ضمير " يجادل " ، و { أنه }: نائب فاعل { كتب } ، أي: كتب عليه إضلال من تولاه، و { فإنه }: من فتح: عنده خبر عن مبتدأ مضمر، أي: فشأنه أن يضله، والجملة جواب " من " ، إن جعلتها شرطية، وخبر، إن جعلتها موصولة متضمنة لمعنى الشرط، ومن كسر: فخبر، أو جواب " من ". يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يجادل } ويخاصم { في الله } أي: في شأنه، ويقول ما لا يليق بجلال كبريائه وكمال قدرته، ملابسا { بغير علم } ، بل بجهل عظيم حمله على ما فعل. نزلت في النضر بن الحارث، وكان جدلا، يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ولا بعث بعد الموت، والله غير قادر على إحياء من بلى وصار رميما. وهي عامة له ولأضرابه من العتاة المتمردين، وكل من يخاصم في الدين بالهوى. { ويتبع } في ذلك { كل شيطان مريد } عات متمرد، مستمر في الشر. قال الزجاج: المريد والمارد: المرتفع الأملس، أي: الذي لا يتعلق به شيء من الخير، والمراد: إما رؤساء الكفرة الذين يدعونهم إلى الكفر، وإما إبليس وجنوده. ثم وصف الشيطان المريد بقوله: { كتب عليه } أي: قضى على ذلك الشيطان { أنه } أي: الأمر والشأن { من تولاه } أي: اتخذه وليا وتبعه، { فأنه } أي: الشيطان { يضله } عن سواء السبيل، { ويهديه إلى عذاب السعير } أي: النار. والعياذ بالله. الإشارة: ومن الناس من تنكبت عنه سابقة الخصوصية، فجعل يجادل في طريق الله، وينكر على المتوجهين إلى الله، إذا حرقوا عوائد أنفسهم، وسد الباب في وجوه عباد الله، فيقول: انقطعت التربية النبوية، وذلك منه بلا علم تحقيق ولا حجة ولا برهان، وإنما يتبع في ذلك كل شيطان مريد، سول له ذلك وتبعه فيه. كتب عليه أنه من تولاه، وتبعه في ذلك، فإنه يضله عن طريق الخصوص، الذين فازوا بمشاهدة المحبوب، ويهديه إلى عذاب السعير، وهو غم الحجاب والحصر في سجن الأكوان، وفي أسر نفسه وهيكل ذاته، عائذا بالله من ذلك. ثم برهن على قيام الساعة التي خوف منها: { يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث }.

الحج 22:5

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث } أي: إن شككتم في أمر البعث، فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم، وقد كنتم في الابتداء ترابا وماء، وليس سبب إنكاركم البعث إلا هذا، وهو صيرورة الخلق ترابا وماء، فكما بدأكم منه يعيدكم منه، كما قال تعالى: { فإنا خلقناكم } أي: أباكم { من تراب، ثم } خلقناكم { من نطفة ثم من علقة } أي: قطعة دم جامدة، { ثم من مضغة } أي: لحمة صغيرة، بقدر ما يمضغ، { مخلقة } أي: مصورة الخلقة، { وغير مخلقة } أي: لم يتبين خلقها وصورتها بعد. والمراد: تفصيل حال المضغة من كونها أولا مضغة، لم يظهر فيها شيء من الأعضاء، ثم ظهرت بعد ذلك شيئا فشيئا. وكان مقتضى الترتيب أن يقدم غير المخلقة على المخلقة، وإنما أخرت عنها لأنها عدم الملكة، والملكة أشرف من العدم. وإنما فعلنا ذلك { لنبين لكم } ، بهذا التدريج، كمال قدرتنا وحكمتنا لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا، وقدر على أن يجعل النطفة علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظاما، قدر على إعادة ما بدأ، بل هو أهون في القياس { ونقر } أي: نثبت { في الأرحام ما نشاء } ثبوته { إلى أجل مسمى }: وقت الولادة، وما لم نشأ ثبوته أسقطته الأرحام. { ثم نخرجكم } من الرحم { طفلا } ، أي: حال كونكم أطفالا. والإفراد باعتبار كل واحد منهم، أو بإرادة الجنس، { ثم لتبلغوا أشدكم } أي: ثم نربيكم لتبلغوا كمال عقلكم وقوتكم. والأشد: من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل له واحد. ووقته: قيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون. { ومنكم من يتوفى } قبل بلوغ الأشد أو بعده، { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } أي: أخسه، وهو الهرم والخرف، { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } أي: لكيلا يعلم شيئا من بعد ما كان يعلمه من العلوم، مبالغة في انتقاص علمه، وانتكاس حاله، أي: ليعود إلى: ما كان عليه في أوان الطفولية، من ضعف البنية، وسخافة العقل، وقلة الفهم، فينسى ما علمه، وينكر ما عرفه، ويعجز عما قدر عليه. قال ابن عباس: من قرأ القرآن، وعمل به، لا يلحقه أرذل العمر. ثم ذكر دليلا آخر على البعث، فقال: { وترى الأرض هامدة }: ميتة يابسة، { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت } تحركت بالنبات { وربت } انتفخت { وأنبتت من كل زوج }: صنف { بهيج }: حسن رائق يسر ناظره. { ذلك بأن الله هو الحق } أي: ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم، وإحياء الأرض، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم، حاصل بهذا، وهو أن الله هو الحق، أي: الثابت الوجود. هكذا للزمخشري ومن تبعه، وقال ابن جزي: والظاهر: أن الياء ليست سببية، كما قال الزمخشري، وهو أيضا مقتضى تفسير ابن عطية، وإنما يقدر لها فعل يتعلق به ويقتضيه المعنى، وذلك أن يكون التقدير: ذلك الذي تقدم من خلق الإنسان والنبات، شاهد بأن الله هو الحق، وبأنه يحيي الموتى، وبأن الساعة آتية، فيصح عطف { وأن الساعة } على ما قبله، بهذا التقدير، وتكون هذه الأشياء المذكورة، بعد قوله: { ذلك } ، مما استدل عليه بخلقة الإنسان والنبات. ه. قال المحشي الفاسي: ويرد عليه: أن تقديره عاملا خاصا يمنع حذفه، وإنما يحذف إذا كان كونا مطلقا، فلا يقال: زيد في الدار، وتريد ضاحك مثلا، إلا أن يقال في الآية: دل عليه السياق، فكأنه مذكور. وعند الكواشي: ليعلموا بأن الله هو الحق. وقال القرطبي: قوله: { ذلك بأن الله هو الحق } ، لما ذكر افتقار الموجودات إليه، وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره، قال بعد ذلك: { ذلك بأن الله هو الحق } ، نبه بهذا على أن كل ما سواه، وإن كان موجودا فإنه لا حقيقة له من نفسه لأنه مسخر ومصرف، والحق الحقيقي هو الموجود المطلق، الغني المطلق، وإن وجود كل موجود من وجوب وجوده، ولهذا قال في آخر السورة: وأن ما يدعون من دونه هو الباطل [الحج: 62]، والحق هو الوجود الثابت، الذي لا يزول ولا يتغير، وهو الله تعالى. ثم قال عن الزجاج: { ذلك } في موضع رفع، أي: الأمر ما وصف لكم وبين لأن الله تعالى هو الحق، ويجوز كونه في موضع نصب، أي: فعل ذلك بأن الله هو الحق، قادر على ما أراد. ه. وذلك أيضا شاهد بأنه { يحيي الموتى } كما أحيا الأرض، مرة بعد أخرى، { وأنه على كل شيء قدير } أي: مبالغ في القدرة، وإلا لما أوجد هذه الموجودات الفائتة الحصر. وتخصيص إحياء الموتى بالذكر، مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها للتصريح بما فيه النزاع، وللطعن في نحور المنكرين. { وأن الساعة آتية }: قادمة عليكم، { لا ريب فيها } ، وإيثار اسم الفاعل على الفعل للدلالة على تحقق إتيانها وتقريره ألبتة. ومعنى نفي الريب عنها: أنها، في ظهور أمرها ووضوح دلائلها، بحيث ليس فيها مظنة الريب، { وأن الله يبعث من في القبور } لأنه تعالى حكم بذلك ووعد به، وهو لا يخلف الميعاد، والتعبير ب " من في القبور ": خرج مخرج الغالب، وإلا فهو يبعث كل من يموت. والله تعالى أعلم وأحكم. الإشارة: يا أيها الناس المنكرون لوجود التربية النبوية، وظهور أهل الخصوصية في زمانهم، الذين يحيي الله الأرواح الميتة، بالجهل والغفلة، على أيديهم إن كنتم في ريب من هذا البعث فانظروا إلى أصل نشأتكم وتنقلات أطواركم، فمن فعل ذلك وقدر عليه، قدر أن يحيي النفوس الميتة بالغفلة في كل زمان. وفي الحكم: " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدرا ". وجرت عادته أنه لا يحييها في الغالب إلا على أيدي أهل الخصوصية. وترى أرض النفوس هامدة ميتة بالغفلة، فإذا أنزلنا عليها ماء الحياة، وهي الواردات الإلهية، وأسقيناها الخمرة القدسية، اهتزت فرحا بالله، وربت، وارتفعت بالعلم بالله، وأنبتت من أصناف العلوم والحكم، ما تبهج منه العقول، ذلك شاهد بوحدانية الحق، وأن ما سواه باطل. وبالله التوفيق. ثم ذكر نوعا آخر من أهل الانكار والجدل: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم }.

الحج 22:6

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث } أي: إن شككتم في أمر البعث، فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم، وقد كنتم في الابتداء ترابا وماء، وليس سبب إنكاركم البعث إلا هذا، وهو صيرورة الخلق ترابا وماء، فكما بدأكم منه يعيدكم منه، كما قال تعالى: { فإنا خلقناكم } أي: أباكم { من تراب، ثم } خلقناكم { من نطفة ثم من علقة } أي: قطعة دم جامدة، { ثم من مضغة } أي: لحمة صغيرة، بقدر ما يمضغ، { مخلقة } أي: مصورة الخلقة، { وغير مخلقة } أي: لم يتبين خلقها وصورتها بعد. والمراد: تفصيل حال المضغة من كونها أولا مضغة، لم يظهر فيها شيء من الأعضاء، ثم ظهرت بعد ذلك شيئا فشيئا. وكان مقتضى الترتيب أن يقدم غير المخلقة على المخلقة، وإنما أخرت عنها لأنها عدم الملكة، والملكة أشرف من العدم. وإنما فعلنا ذلك { لنبين لكم } ، بهذا التدريج، كمال قدرتنا وحكمتنا لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا، وقدر على أن يجعل النطفة علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظاما، قدر على إعادة ما بدأ، بل هو أهون في القياس { ونقر } أي: نثبت { في الأرحام ما نشاء } ثبوته { إلى أجل مسمى }: وقت الولادة، وما لم نشأ ثبوته أسقطته الأرحام. { ثم نخرجكم } من الرحم { طفلا } ، أي: حال كونكم أطفالا. والإفراد باعتبار كل واحد منهم، أو بإرادة الجنس، { ثم لتبلغوا أشدكم } أي: ثم نربيكم لتبلغوا كمال عقلكم وقوتكم. والأشد: من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل له واحد. ووقته: قيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون. { ومنكم من يتوفى } قبل بلوغ الأشد أو بعده، { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } أي: أخسه، وهو الهرم والخرف، { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } أي: لكيلا يعلم شيئا من بعد ما كان يعلمه من العلوم، مبالغة في انتقاص علمه، وانتكاس حاله، أي: ليعود إلى: ما كان عليه في أوان الطفولية، من ضعف البنية، وسخافة العقل، وقلة الفهم، فينسى ما علمه، وينكر ما عرفه، ويعجز عما قدر عليه. قال ابن عباس: من قرأ القرآن، وعمل به، لا يلحقه أرذل العمر. ثم ذكر دليلا آخر على البعث، فقال: { وترى الأرض هامدة }: ميتة يابسة، { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت } تحركت بالنبات { وربت } انتفخت { وأنبتت من كل زوج }: صنف { بهيج }: حسن رائق يسر ناظره. { ذلك بأن الله هو الحق } أي: ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم، وإحياء الأرض، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم، حاصل بهذا، وهو أن الله هو الحق، أي: الثابت الوجود. هكذا للزمخشري ومن تبعه، وقال ابن جزي: والظاهر: أن الياء ليست سببية، كما قال الزمخشري، وهو أيضا مقتضى تفسير ابن عطية، وإنما يقدر لها فعل يتعلق به ويقتضيه المعنى، وذلك أن يكون التقدير: ذلك الذي تقدم من خلق الإنسان والنبات، شاهد بأن الله هو الحق، وبأنه يحيي الموتى، وبأن الساعة آتية، فيصح عطف { وأن الساعة } على ما قبله، بهذا التقدير، وتكون هذه الأشياء المذكورة، بعد قوله: { ذلك } ، مما استدل عليه بخلقة الإنسان والنبات. ه. قال المحشي الفاسي: ويرد عليه: أن تقديره عاملا خاصا يمنع حذفه، وإنما يحذف إذا كان كونا مطلقا، فلا يقال: زيد في الدار، وتريد ضاحك مثلا، إلا أن يقال في الآية: دل عليه السياق، فكأنه مذكور. وعند الكواشي: ليعلموا بأن الله هو الحق. وقال القرطبي: قوله: { ذلك بأن الله هو الحق } ، لما ذكر افتقار الموجودات إليه، وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره، قال بعد ذلك: { ذلك بأن الله هو الحق } ، نبه بهذا على أن كل ما سواه، وإن كان موجودا فإنه لا حقيقة له من نفسه لأنه مسخر ومصرف، والحق الحقيقي هو الموجود المطلق، الغني المطلق، وإن وجود كل موجود من وجوب وجوده، ولهذا قال في آخر السورة: وأن ما يدعون من دونه هو الباطل [الحج: 62]، والحق هو الوجود الثابت، الذي لا يزول ولا يتغير، وهو الله تعالى. ثم قال عن الزجاج: { ذلك } في موضع رفع، أي: الأمر ما وصف لكم وبين لأن الله تعالى هو الحق، ويجوز كونه في موضع نصب، أي: فعل ذلك بأن الله هو الحق، قادر على ما أراد. ه. وذلك أيضا شاهد بأنه { يحيي الموتى } كما أحيا الأرض، مرة بعد أخرى، { وأنه على كل شيء قدير } أي: مبالغ في القدرة، وإلا لما أوجد هذه الموجودات الفائتة الحصر. وتخصيص إحياء الموتى بالذكر، مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها للتصريح بما فيه النزاع، وللطعن في نحور المنكرين. { وأن الساعة آتية }: قادمة عليكم، { لا ريب فيها } ، وإيثار اسم الفاعل على الفعل للدلالة على تحقق إتيانها وتقريره ألبتة. ومعنى نفي الريب عنها: أنها، في ظهور أمرها ووضوح دلائلها، بحيث ليس فيها مظنة الريب، { وأن الله يبعث من في القبور } لأنه تعالى حكم بذلك ووعد به، وهو لا يخلف الميعاد، والتعبير ب " من في القبور ": خرج مخرج الغالب، وإلا فهو يبعث كل من يموت. والله تعالى أعلم وأحكم. الإشارة: يا أيها الناس المنكرون لوجود التربية النبوية، وظهور أهل الخصوصية في زمانهم، الذين يحيي الله الأرواح الميتة، بالجهل والغفلة، على أيديهم إن كنتم في ريب من هذا البعث فانظروا إلى أصل نشأتكم وتنقلات أطواركم، فمن فعل ذلك وقدر عليه، قدر أن يحيي النفوس الميتة بالغفلة في كل زمان. وفي الحكم: " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدرا ". وجرت عادته أنه لا يحييها في الغالب إلا على أيدي أهل الخصوصية. وترى أرض النفوس هامدة ميتة بالغفلة، فإذا أنزلنا عليها ماء الحياة، وهي الواردات الإلهية، وأسقيناها الخمرة القدسية، اهتزت فرحا بالله، وربت، وارتفعت بالعلم بالله، وأنبتت من أصناف العلوم والحكم، ما تبهج منه العقول، ذلك شاهد بوحدانية الحق، وأن ما سواه باطل. وبالله التوفيق. ثم ذكر نوعا آخر من أهل الانكار والجدل: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم }.

الحج 22:7

يقول الحق جل جلاله: { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث } أي: إن شككتم في أمر البعث، فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم، وقد كنتم في الابتداء ترابا وماء، وليس سبب إنكاركم البعث إلا هذا، وهو صيرورة الخلق ترابا وماء، فكما بدأكم منه يعيدكم منه، كما قال تعالى: { فإنا خلقناكم } أي: أباكم { من تراب، ثم } خلقناكم { من نطفة ثم من علقة } أي: قطعة دم جامدة، { ثم من مضغة } أي: لحمة صغيرة، بقدر ما يمضغ، { مخلقة } أي: مصورة الخلقة، { وغير مخلقة } أي: لم يتبين خلقها وصورتها بعد. والمراد: تفصيل حال المضغة من كونها أولا مضغة، لم يظهر فيها شيء من الأعضاء، ثم ظهرت بعد ذلك شيئا فشيئا. وكان مقتضى الترتيب أن يقدم غير المخلقة على المخلقة، وإنما أخرت عنها لأنها عدم الملكة، والملكة أشرف من العدم. وإنما فعلنا ذلك { لنبين لكم } ، بهذا التدريج، كمال قدرتنا وحكمتنا لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا، وقدر على أن يجعل النطفة علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظاما، قدر على إعادة ما بدأ، بل هو أهون في القياس { ونقر } أي: نثبت { في الأرحام ما نشاء } ثبوته { إلى أجل مسمى }: وقت الولادة، وما لم نشأ ثبوته أسقطته الأرحام. { ثم نخرجكم } من الرحم { طفلا } ، أي: حال كونكم أطفالا. والإفراد باعتبار كل واحد منهم، أو بإرادة الجنس، { ثم لتبلغوا أشدكم } أي: ثم نربيكم لتبلغوا كمال عقلكم وقوتكم. والأشد: من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل له واحد. ووقته: قيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون. { ومنكم من يتوفى } قبل بلوغ الأشد أو بعده، { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } أي: أخسه، وهو الهرم والخرف، { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } أي: لكيلا يعلم شيئا من بعد ما كان يعلمه من العلوم، مبالغة في انتقاص علمه، وانتكاس حاله، أي: ليعود إلى: ما كان عليه في أوان الطفولية، من ضعف البنية، وسخافة العقل، وقلة الفهم، فينسى ما علمه، وينكر ما عرفه، ويعجز عما قدر عليه. قال ابن عباس: من قرأ القرآن، وعمل به، لا يلحقه أرذل العمر. ثم ذكر دليلا آخر على البعث، فقال: { وترى الأرض هامدة }: ميتة يابسة، { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت } تحركت بالنبات { وربت } انتفخت { وأنبتت من كل زوج }: صنف { بهيج }: حسن رائق يسر ناظره. { ذلك بأن الله هو الحق } أي: ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم، وإحياء الأرض، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم، حاصل بهذا، وهو أن الله هو الحق، أي: الثابت الوجود. هكذا للزمخشري ومن تبعه، وقال ابن جزي: والظاهر: أن الياء ليست سببية، كما قال الزمخشري، وهو أيضا مقتضى تفسير ابن عطية، وإنما يقدر لها فعل يتعلق به ويقتضيه المعنى، وذلك أن يكون التقدير: ذلك الذي تقدم من خلق الإنسان والنبات، شاهد بأن الله هو الحق، وبأنه يحيي الموتى، وبأن الساعة آتية، فيصح عطف { وأن الساعة } على ما قبله، بهذا التقدير، وتكون هذه الأشياء المذكورة، بعد قوله: { ذلك } ، مما استدل عليه بخلقة الإنسان والنبات. ه. قال المحشي الفاسي: ويرد عليه: أن تقديره عاملا خاصا يمنع حذفه، وإنما يحذف إذا كان كونا مطلقا، فلا يقال: زيد في الدار، وتريد ضاحك مثلا، إلا أن يقال في الآية: دل عليه السياق، فكأنه مذكور. وعند الكواشي: ليعلموا بأن الله هو الحق. وقال القرطبي: قوله: { ذلك بأن الله هو الحق } ، لما ذكر افتقار الموجودات إليه، وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره، قال بعد ذلك: { ذلك بأن الله هو الحق } ، نبه بهذا على أن كل ما سواه، وإن كان موجودا فإنه لا حقيقة له من نفسه لأنه مسخر ومصرف، والحق الحقيقي هو الموجود المطلق، الغني المطلق، وإن وجود كل موجود من وجوب وجوده، ولهذا قال في آخر السورة: وأن ما يدعون من دونه هو الباطل [الحج: 62]، والحق هو الوجود الثابت، الذي لا يزول ولا يتغير، وهو الله تعالى. ثم قال عن الزجاج: { ذلك } في موضع رفع، أي: الأمر ما وصف لكم وبين لأن الله تعالى هو الحق، ويجوز كونه في موضع نصب، أي: فعل ذلك بأن الله هو الحق، قادر على ما أراد. ه. وذلك أيضا شاهد بأنه { يحيي الموتى } كما أحيا الأرض، مرة بعد أخرى، { وأنه على كل شيء قدير } أي: مبالغ في القدرة، وإلا لما أوجد هذه الموجودات الفائتة الحصر. وتخصيص إحياء الموتى بالذكر، مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها للتصريح بما فيه النزاع، وللطعن في نحور المنكرين. { وأن الساعة آتية }: قادمة عليكم، { لا ريب فيها } ، وإيثار اسم الفاعل على الفعل للدلالة على تحقق إتيانها وتقريره ألبتة. ومعنى نفي الريب عنها: أنها، في ظهور أمرها ووضوح دلائلها، بحيث ليس فيها مظنة الريب، { وأن الله يبعث من في القبور } لأنه تعالى حكم بذلك ووعد به، وهو لا يخلف الميعاد، والتعبير ب " من في القبور ": خرج مخرج الغالب، وإلا فهو يبعث كل من يموت. والله تعالى أعلم وأحكم. الإشارة: يا أيها الناس المنكرون لوجود التربية النبوية، وظهور أهل الخصوصية في زمانهم، الذين يحيي الله الأرواح الميتة، بالجهل والغفلة، على أيديهم إن كنتم في ريب من هذا البعث فانظروا إلى أصل نشأتكم وتنقلات أطواركم، فمن فعل ذلك وقدر عليه، قدر أن يحيي النفوس الميتة بالغفلة في كل زمان. وفي الحكم: " من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدرا ". وجرت عادته أنه لا يحييها في الغالب إلا على أيدي أهل الخصوصية. وترى أرض النفوس هامدة ميتة بالغفلة، فإذا أنزلنا عليها ماء الحياة، وهي الواردات الإلهية، وأسقيناها الخمرة القدسية، اهتزت فرحا بالله، وربت، وارتفعت بالعلم بالله، وأنبتت من أصناف العلوم والحكم، ما تبهج منه العقول، ذلك شاهد بوحدانية الحق، وأن ما سواه باطل. وبالله التوفيق. ثم ذكر نوعا آخر من أهل الانكار والجدل: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم }.

الحج 22:8

يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يجادل في الله } أي: في شأنه، فيصفه بغير ما هو أهله، وهو أبو جهل، كما قال ابن عباس رضي الله عنه، وقيل: هو من يتصدى لإضلال الناس، كائنا من كان. حال كونه { بغير علم } ، بل بجهل وهوى. والمراد بالعلم: الضروري، كما أن المراد بالهدى في قوله: { ولا هدى }: هو الاستدلال والنظر الصحيح، الهادي إلى المعرفة. { ولا كتاب منير } أي: وحي يستند إليه، والحجة إنما تقوم بأحد هذه الثلاثة، أي: يجادل في شأنه تعالى، من غير تمسك بمقدمة ضرورية، ولا بحجة نظرية، ولا برهان سمعي. حال كونه { ثاني عطفه } أي: لاويا عنقه عن طاعة الله كبرا وعتوا، أو عاطفا بجانبه، وطاويا كشحه، معرضا متكبرا، فثني العطف كناية عن التكبر. وقرأ الحسن بفتح العين، أي: مانعا تعطفه على المساكين قسوة. فعل ذلك الجدال { ليضل عن سبيل الله } أي: ليضل الناس عن سبيل الله فإن غرضه بالمجادلة إضلال المؤمنين، أو جميع الناس، وقرأ المكي وأبو عمر: بفتح الياء، أي: ليصير ضالا عن سبيل الله. وجعل ضلاله غاية لجداله، من حيث إن المراد به الضلال المبين، الذي لا هداية بعده، مع تمكنه منها قبل ذلك، أي: ليرسخ في الضلالة أي رسوخ، { له في الدنيا خزي }: هوان وذل، وهو القتل يوم بدر، وهو بيان نتيجة ما سلكه من الطريقة، أي: يثبت له، بسبب ما فعل، خزي وصغار، وهو ما أصابه ببدر، { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } أي: النار المحرقة. { ذلك } أي: ما ذكر من العذاب الدنيوي والأخروي. وما في الإشارة من البعد للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول والفظاعة، أي: ذلك العذاب الهائل { بما قدمت يداك } أي: بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي. وإسناده إلى يديه لأن الاكتساب في الغالب بهما. والالتفات لتأكيد الوعيد وتشديد التهديد. أو يقال له يوم القيامة: { ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد } ، فلا يأخذ أحدا بغير ذنب ولا بذنب غيره. وهو خبر عن مضمر، أي: والأمر أن الله ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب، وأما عطفه على " بما " فغير سديد، ولفظ المبالغة لاقترانه بلفظ الجمع في العبيد، ولأن قليل الظلم منه، مع علمه بقبحه واستغنائه عنه، كالكثير منا. قاله النسفي. وقيل: { ظلام }: بمعنى: ذي ظلم، فتكون الصيغة للنسب. والتعبير عن ذلك بنفي الظلم، مع أن تعذيبهم بغير ذنب، ليس بظلم قطعا، على ما تقرر في مذهب أهل السنة، فضلا عن كونه ظلما بالغا لأن الحق تعالى إنما يظهر لنا كمال العدل، وغاية التنزيه، وإن كان في نفس الأمر جائز أن يعذب عباده بلا ذنب، ولا يسمى ظلما لأنه تصرف في ملكه، لكنه تعالى لم يظهر لنا في عالم الشهادة إلا كمال العدل. والله تعالى أعلم. الإشارة: من يخاصم في طريق القوم، وينفيها عن أهلها، إما أن يكون تقليدا، وهو ما تقدم، أو يكون تكبرا وعتوا، بحيث لم يرض أن يحط رأسه لهم، وهو ما أشير إليه هنا. ولا شك أن المتكبر لا بد أن يلحقه ذل، ولو عند الموت. ويوم القيامة يحشر صاغرا كالذر، كما في الحديث. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حال المذبذبين بعد ذكر حال المجادلين: { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه... }.

الحج 22:9

يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يجادل في الله } أي: في شأنه، فيصفه بغير ما هو أهله، وهو أبو جهل، كما قال ابن عباس رضي الله عنه، وقيل: هو من يتصدى لإضلال الناس، كائنا من كان. حال كونه { بغير علم } ، بل بجهل وهوى. والمراد بالعلم: الضروري، كما أن المراد بالهدى في قوله: { ولا هدى }: هو الاستدلال والنظر الصحيح، الهادي إلى المعرفة. { ولا كتاب منير } أي: وحي يستند إليه، والحجة إنما تقوم بأحد هذه الثلاثة، أي: يجادل في شأنه تعالى، من غير تمسك بمقدمة ضرورية، ولا بحجة نظرية، ولا برهان سمعي. حال كونه { ثاني عطفه } أي: لاويا عنقه عن طاعة الله كبرا وعتوا، أو عاطفا بجانبه، وطاويا كشحه، معرضا متكبرا، فثني العطف كناية عن التكبر. وقرأ الحسن بفتح العين، أي: مانعا تعطفه على المساكين قسوة. فعل ذلك الجدال { ليضل عن سبيل الله } أي: ليضل الناس عن سبيل الله فإن غرضه بالمجادلة إضلال المؤمنين، أو جميع الناس، وقرأ المكي وأبو عمر: بفتح الياء، أي: ليصير ضالا عن سبيل الله. وجعل ضلاله غاية لجداله، من حيث إن المراد به الضلال المبين، الذي لا هداية بعده، مع تمكنه منها قبل ذلك، أي: ليرسخ في الضلالة أي رسوخ، { له في الدنيا خزي }: هوان وذل، وهو القتل يوم بدر، وهو بيان نتيجة ما سلكه من الطريقة، أي: يثبت له، بسبب ما فعل، خزي وصغار، وهو ما أصابه ببدر، { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } أي: النار المحرقة. { ذلك } أي: ما ذكر من العذاب الدنيوي والأخروي. وما في الإشارة من البعد للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول والفظاعة، أي: ذلك العذاب الهائل { بما قدمت يداك } أي: بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي. وإسناده إلى يديه لأن الاكتساب في الغالب بهما. والالتفات لتأكيد الوعيد وتشديد التهديد. أو يقال له يوم القيامة: { ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد } ، فلا يأخذ أحدا بغير ذنب ولا بذنب غيره. وهو خبر عن مضمر، أي: والأمر أن الله ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب، وأما عطفه على " بما " فغير سديد، ولفظ المبالغة لاقترانه بلفظ الجمع في العبيد، ولأن قليل الظلم منه، مع علمه بقبحه واستغنائه عنه، كالكثير منا. قاله النسفي. وقيل: { ظلام }: بمعنى: ذي ظلم، فتكون الصيغة للنسب. والتعبير عن ذلك بنفي الظلم، مع أن تعذيبهم بغير ذنب، ليس بظلم قطعا، على ما تقرر في مذهب أهل السنة، فضلا عن كونه ظلما بالغا لأن الحق تعالى إنما يظهر لنا كمال العدل، وغاية التنزيه، وإن كان في نفس الأمر جائز أن يعذب عباده بلا ذنب، ولا يسمى ظلما لأنه تصرف في ملكه، لكنه تعالى لم يظهر لنا في عالم الشهادة إلا كمال العدل. والله تعالى أعلم. الإشارة: من يخاصم في طريق القوم، وينفيها عن أهلها، إما أن يكون تقليدا، وهو ما تقدم، أو يكون تكبرا وعتوا، بحيث لم يرض أن يحط رأسه لهم، وهو ما أشير إليه هنا. ولا شك أن المتكبر لا بد أن يلحقه ذل، ولو عند الموت. ويوم القيامة يحشر صاغرا كالذر، كما في الحديث. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حال المذبذبين بعد ذكر حال المجادلين: { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه... }.

الحج 22:10

يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يجادل في الله } أي: في شأنه، فيصفه بغير ما هو أهله، وهو أبو جهل، كما قال ابن عباس رضي الله عنه، وقيل: هو من يتصدى لإضلال الناس، كائنا من كان. حال كونه { بغير علم } ، بل بجهل وهوى. والمراد بالعلم: الضروري، كما أن المراد بالهدى في قوله: { ولا هدى }: هو الاستدلال والنظر الصحيح، الهادي إلى المعرفة. { ولا كتاب منير } أي: وحي يستند إليه، والحجة إنما تقوم بأحد هذه الثلاثة، أي: يجادل في شأنه تعالى، من غير تمسك بمقدمة ضرورية، ولا بحجة نظرية، ولا برهان سمعي. حال كونه { ثاني عطفه } أي: لاويا عنقه عن طاعة الله كبرا وعتوا، أو عاطفا بجانبه، وطاويا كشحه، معرضا متكبرا، فثني العطف كناية عن التكبر. وقرأ الحسن بفتح العين، أي: مانعا تعطفه على المساكين قسوة. فعل ذلك الجدال { ليضل عن سبيل الله } أي: ليضل الناس عن سبيل الله فإن غرضه بالمجادلة إضلال المؤمنين، أو جميع الناس، وقرأ المكي وأبو عمر: بفتح الياء، أي: ليصير ضالا عن سبيل الله. وجعل ضلاله غاية لجداله، من حيث إن المراد به الضلال المبين، الذي لا هداية بعده، مع تمكنه منها قبل ذلك، أي: ليرسخ في الضلالة أي رسوخ، { له في الدنيا خزي }: هوان وذل، وهو القتل يوم بدر، وهو بيان نتيجة ما سلكه من الطريقة، أي: يثبت له، بسبب ما فعل، خزي وصغار، وهو ما أصابه ببدر، { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } أي: النار المحرقة. { ذلك } أي: ما ذكر من العذاب الدنيوي والأخروي. وما في الإشارة من البعد للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول والفظاعة، أي: ذلك العذاب الهائل { بما قدمت يداك } أي: بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي. وإسناده إلى يديه لأن الاكتساب في الغالب بهما. والالتفات لتأكيد الوعيد وتشديد التهديد. أو يقال له يوم القيامة: { ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد } ، فلا يأخذ أحدا بغير ذنب ولا بذنب غيره. وهو خبر عن مضمر، أي: والأمر أن الله ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب، وأما عطفه على " بما " فغير سديد، ولفظ المبالغة لاقترانه بلفظ الجمع في العبيد، ولأن قليل الظلم منه، مع علمه بقبحه واستغنائه عنه، كالكثير منا. قاله النسفي. وقيل: { ظلام }: بمعنى: ذي ظلم، فتكون الصيغة للنسب. والتعبير عن ذلك بنفي الظلم، مع أن تعذيبهم بغير ذنب، ليس بظلم قطعا، على ما تقرر في مذهب أهل السنة، فضلا عن كونه ظلما بالغا لأن الحق تعالى إنما يظهر لنا كمال العدل، وغاية التنزيه، وإن كان في نفس الأمر جائز أن يعذب عباده بلا ذنب، ولا يسمى ظلما لأنه تصرف في ملكه، لكنه تعالى لم يظهر لنا في عالم الشهادة إلا كمال العدل. والله تعالى أعلم. الإشارة: من يخاصم في طريق القوم، وينفيها عن أهلها، إما أن يكون تقليدا، وهو ما تقدم، أو يكون تكبرا وعتوا، بحيث لم يرض أن يحط رأسه لهم، وهو ما أشير إليه هنا. ولا شك أن المتكبر لا بد أن يلحقه ذل، ولو عند الموت. ويوم القيامة يحشر صاغرا كالذر، كما في الحديث. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حال المذبذبين بعد ذكر حال المجادلين: { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه... }.

الحج 22:11

قلت: { لمن ضره }: قال ابن عطية: جرى فيه إشكال وهو دخول اللام على " من " ، وهو في الظاهر مفعول، واللام لا تدخل على المفعول. وأجيب بثلاثة أوجه أحدها: أن اللام متقدمة على موضعها، والأصل أن يقال: يدعو من لضره أقرب، فموضعها الدخول على المبتدأ، وثانيها: أن { يدعوا } تأكيد ليدعو الأول، وتم الكلام عنده، ثم ابتدأ قوله: { لمن ضره } ، فمن مبتدأ، وخبره: { لبئس المولى } - قلت -: وإياه اعتمد الهبطي في وقفه، وثالثها: أن معنى { يدعو }: يقول يوم القيامة هذا الكلام، إذا رأى مضرة الأصنام، فدخلت اللام على مبتدأ في أول الكلام. ه. قلت والأقرب ما قاله الزجاج، وهو: أن مفعول { يدعو } محذوف، ويكون ضميرا يعود على الضلال، وجملة: { يدعو }: حال، والمعنى: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، أي: حال كونه مدعوا له، ويكون قوله: { لمن ضره } مستأنفا مبتدأ، خبره: { لبئس المولى }. نقله المحشي. وحكم المحلي بزيادة اللام. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يعبد الله على حرف } أي: على طرف من الدين لا ثبات له فيه، كالذي ينحرف إلى طرف الجيش، فإن أحس بظفر قر، وإلا فر. وفي البخاري عن ابن عباس: " كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا الدين سوء ". وكأن الحق تعالى سلك في الآية مسلك التدلي، بدأ بالكافر المصمم، يجادل جدالا مجملا، يتبع فيه كل شيطان مريد. والثاني: مقلد مجادل، من غير دليل ولا برهان، والثالث: كافر أسلم إسلاما ضعيفا. ثم قابل الأقسام الثلاثة بضدهم، بقوله: { إن الله يدخل الذين آمنوا... } الآية. ثم كمل حال المذبذب بقوله: { فإن أصابه خير } أي: دنيوي من الصحة في البدن، والسعة في المعيشة، { اطمأن به } أي: ثبت على ما كان عليه ظاهرا، لا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين، الذين لا يلويهم عنه صارف، ولا يثنيهم عنه عاطف. { وإن أصابته فتنة }: بلاء في جسده، وضيق في معيشته، أو شيء يفتتن به، من مكروه يعتريه في بدنه أو أهله أو ماله، { انقلب على وجهه } أي: ارتد ورجع إلى الكفر، كأنه تنكس بوجهه إلى أسفل. أو انقلب على جهته التي كان عليها. وتقدم عن ابن عباس أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة، مهاجرين، فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا، وولدت امرأته غلاما سويا، وكثر ماله وماشيته، قال: ما أصبت، مذ دخلت في ديني هذا، إلا خيرا، واطمأن، وإن كان الأمر خلافه، قال: ما أصبت إلا شرا، وانقلب عن دينه. وعن أبي سعيد رضي الله عنه: أن يهوديا أسلم فأصابته مصائب، وتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني، فقال: " إن الإسلام لا يقال " فنزلت. { خسر الدنيا والآخرة }: فقدهما، وضيعهما بذهاب عصمته، وحبوط عمله بالارتداد. وقرأ يعقوب: خاسر، على حال. { ذلك هو الخسران المبين } الواضح، الذي لا يخفى على أحد أنه لا خسران مثله. ثم بين وجه خسرانه بقوله: { يدعو } أي: يعبد { من دون الله } أي: متجاوزا عنه تعالى، { ما لا يضره } إذا لم يعبده، { وما لا ينفعه } إذا عبده. { ذلك } الدعاء { هو الضلال البعيد } أي: التلف البعيد عن الحق. { يدعو } أي: يعبد { لمن ضره } أي: الصنم الجامد الذي ضرره { أقرب من نفعه }. وقرأ ابن مسعود: " يدعو من ضره " ، بحذف اللام. أو: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه هذا المذبذب المنقلب على وجهه. قال ابن جزي: وهنا إشكال: وهو أنه تعالى وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأن ضررها أكثر من نفعها، فنفى الضر ثم أثبته؟ والجواب: أن الضر المنفي أولا يراد به ما يكون من فعلها، وهي لا تفعل شيئا، والضر الثاني، الذي أثبته لها، يراد به ما يكون بسببها من العذاب وغيره. ه. { لبئس المولى } أي: الناصر، { ولبئس العشير } أي: الصاحب. أو يدعو ويصرخ يوم القيامة، حين يرى استضراره بالأصنام، ولا يرى لها أثر الشفاعة، ويقول لمن ضره أقرب من نفعه: لبئس المولى هو ولبئس العشير. والله تعالى أعلم. الإشارة: ومن الناس من يعبد الله على حرف على طرف من الدين، غير متمكن فيه، فإنه أصابه خير، وهو ما تسر به النفس من أنواع الجمال، اطمأن به، وإن أصابته فتنة، وهو ما يؤلم النفس وينغص عليها مرادها وشهوتها من أنواع الجلال، انقلب على وجهه. أو: ومن الناس من يعبد الله على طمع في الجزاء الدنيوي أو الأخروي، فإن أصابه خير فرح واطمأن به وإن أصابته فتنة سخط وقنط وانقلب على وجهه. أو: ومن الناس من يعبد الله ويسير إليه على حرف، أي: حالة واحدة، فإن أصابه خير كقوة ونشاط وورود حال اطمأن به وفرح، وإن أصابته فتنة كضعف وكسل وذهاب حال، انقلب على وجهه، ورجع إلى العمومية، أو وقف عن السير، خسر الدنيا والآخرة. خسران الدنيا: ما يفوته من عز الله ونصره لأوليائه، وحلاوة برد الرضا والتسليم، ولذيذ مشاهدته. وخسران الآخرة: ما يفوته من درجة المقربين ودوام شهود رب العالمين - فالواجب على العبد أن يكون عبدا لله في جميع الحالات، لا يختار لنفسه حالا على حال، ولا يقف مع مقام ولا حال، بل يتبع رياح القضاء، ويدور معها حيث دارت، ويسير إلى الله في الضعف والقوة. قال بعضهم: سيروا إلى الله عرجى ومكاسير. وفي الحكم: " إلهي قد علمت، باختلاف الآثار وتنقلات الأطور أن مرادك مني أن تتعرف إلي في كل شيء، حتى لا أجهلك في شيء ". وقال أيضا: " لا تطلبن بقاء الواردات، بعد أن بسطت أنوارها، وأودعت أسرارها، فلك في الله غنى عن كل شيء، وليس يغنيك عنه شيء ". فكن عبد المحول، ولا تكن عبد الحال، فالحال تحول وتتغير، والله تعالى لا يحول ولا يزول، فكن عبدا لله، ولا تكن عبدا لغيره. لكل شيء إن فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض ثم شفع الحق تعالى بضد ما ذكره قبل: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات... }.

الحج 22:12

قلت: { لمن ضره }: قال ابن عطية: جرى فيه إشكال وهو دخول اللام على " من " ، وهو في الظاهر مفعول، واللام لا تدخل على المفعول. وأجيب بثلاثة أوجه أحدها: أن اللام متقدمة على موضعها، والأصل أن يقال: يدعو من لضره أقرب، فموضعها الدخول على المبتدأ، وثانيها: أن { يدعوا } تأكيد ليدعو الأول، وتم الكلام عنده، ثم ابتدأ قوله: { لمن ضره } ، فمن مبتدأ، وخبره: { لبئس المولى } - قلت -: وإياه اعتمد الهبطي في وقفه، وثالثها: أن معنى { يدعو }: يقول يوم القيامة هذا الكلام، إذا رأى مضرة الأصنام، فدخلت اللام على مبتدأ في أول الكلام. ه. قلت والأقرب ما قاله الزجاج، وهو: أن مفعول { يدعو } محذوف، ويكون ضميرا يعود على الضلال، وجملة: { يدعو }: حال، والمعنى: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، أي: حال كونه مدعوا له، ويكون قوله: { لمن ضره } مستأنفا مبتدأ، خبره: { لبئس المولى }. نقله المحشي. وحكم المحلي بزيادة اللام. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يعبد الله على حرف } أي: على طرف من الدين لا ثبات له فيه، كالذي ينحرف إلى طرف الجيش، فإن أحس بظفر قر، وإلا فر. وفي البخاري عن ابن عباس: " كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا الدين سوء ". وكأن الحق تعالى سلك في الآية مسلك التدلي، بدأ بالكافر المصمم، يجادل جدالا مجملا، يتبع فيه كل شيطان مريد. والثاني: مقلد مجادل، من غير دليل ولا برهان، والثالث: كافر أسلم إسلاما ضعيفا. ثم قابل الأقسام الثلاثة بضدهم، بقوله: { إن الله يدخل الذين آمنوا... } الآية. ثم كمل حال المذبذب بقوله: { فإن أصابه خير } أي: دنيوي من الصحة في البدن، والسعة في المعيشة، { اطمأن به } أي: ثبت على ما كان عليه ظاهرا، لا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين، الذين لا يلويهم عنه صارف، ولا يثنيهم عنه عاطف. { وإن أصابته فتنة }: بلاء في جسده، وضيق في معيشته، أو شيء يفتتن به، من مكروه يعتريه في بدنه أو أهله أو ماله، { انقلب على وجهه } أي: ارتد ورجع إلى الكفر، كأنه تنكس بوجهه إلى أسفل. أو انقلب على جهته التي كان عليها. وتقدم عن ابن عباس أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة، مهاجرين، فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا، وولدت امرأته غلاما سويا، وكثر ماله وماشيته، قال: ما أصبت، مذ دخلت في ديني هذا، إلا خيرا، واطمأن، وإن كان الأمر خلافه، قال: ما أصبت إلا شرا، وانقلب عن دينه. وعن أبي سعيد رضي الله عنه: أن يهوديا أسلم فأصابته مصائب، وتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني، فقال: " إن الإسلام لا يقال " فنزلت. { خسر الدنيا والآخرة }: فقدهما، وضيعهما بذهاب عصمته، وحبوط عمله بالارتداد. وقرأ يعقوب: خاسر، على حال. { ذلك هو الخسران المبين } الواضح، الذي لا يخفى على أحد أنه لا خسران مثله. ثم بين وجه خسرانه بقوله: { يدعو } أي: يعبد { من دون الله } أي: متجاوزا عنه تعالى، { ما لا يضره } إذا لم يعبده، { وما لا ينفعه } إذا عبده. { ذلك } الدعاء { هو الضلال البعيد } أي: التلف البعيد عن الحق. { يدعو } أي: يعبد { لمن ضره } أي: الصنم الجامد الذي ضرره { أقرب من نفعه }. وقرأ ابن مسعود: " يدعو من ضره " ، بحذف اللام. أو: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه هذا المذبذب المنقلب على وجهه. قال ابن جزي: وهنا إشكال: وهو أنه تعالى وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأن ضررها أكثر من نفعها، فنفى الضر ثم أثبته؟ والجواب: أن الضر المنفي أولا يراد به ما يكون من فعلها، وهي لا تفعل شيئا، والضر الثاني، الذي أثبته لها، يراد به ما يكون بسببها من العذاب وغيره. ه. { لبئس المولى } أي: الناصر، { ولبئس العشير } أي: الصاحب. أو يدعو ويصرخ يوم القيامة، حين يرى استضراره بالأصنام، ولا يرى لها أثر الشفاعة، ويقول لمن ضره أقرب من نفعه: لبئس المولى هو ولبئس العشير. والله تعالى أعلم. الإشارة: ومن الناس من يعبد الله على حرف على طرف من الدين، غير متمكن فيه، فإنه أصابه خير، وهو ما تسر به النفس من أنواع الجمال، اطمأن به، وإن أصابته فتنة، وهو ما يؤلم النفس وينغص عليها مرادها وشهوتها من أنواع الجلال، انقلب على وجهه. أو: ومن الناس من يعبد الله على طمع في الجزاء الدنيوي أو الأخروي، فإن أصابه خير فرح واطمأن به وإن أصابته فتنة سخط وقنط وانقلب على وجهه. أو: ومن الناس من يعبد الله ويسير إليه على حرف، أي: حالة واحدة، فإن أصابه خير كقوة ونشاط وورود حال اطمأن به وفرح، وإن أصابته فتنة كضعف وكسل وذهاب حال، انقلب على وجهه، ورجع إلى العمومية، أو وقف عن السير، خسر الدنيا والآخرة. خسران الدنيا: ما يفوته من عز الله ونصره لأوليائه، وحلاوة برد الرضا والتسليم، ولذيذ مشاهدته. وخسران الآخرة: ما يفوته من درجة المقربين ودوام شهود رب العالمين - فالواجب على العبد أن يكون عبدا لله في جميع الحالات، لا يختار لنفسه حالا على حال، ولا يقف مع مقام ولا حال، بل يتبع رياح القضاء، ويدور معها حيث دارت، ويسير إلى الله في الضعف والقوة. قال بعضهم: سيروا إلى الله عرجى ومكاسير. وفي الحكم: " إلهي قد علمت، باختلاف الآثار وتنقلات الأطور أن مرادك مني أن تتعرف إلي في كل شيء، حتى لا أجهلك في شيء ". وقال أيضا: " لا تطلبن بقاء الواردات، بعد أن بسطت أنوارها، وأودعت أسرارها، فلك في الله غنى عن كل شيء، وليس يغنيك عنه شيء ". فكن عبد المحول، ولا تكن عبد الحال، فالحال تحول وتتغير، والله تعالى لا يحول ولا يزول، فكن عبدا لله، ولا تكن عبدا لغيره. لكل شيء إن فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض ثم شفع الحق تعالى بضد ما ذكره قبل: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات... }.

الحج 22:13

قلت: { لمن ضره }: قال ابن عطية: جرى فيه إشكال وهو دخول اللام على " من " ، وهو في الظاهر مفعول، واللام لا تدخل على المفعول. وأجيب بثلاثة أوجه أحدها: أن اللام متقدمة على موضعها، والأصل أن يقال: يدعو من لضره أقرب، فموضعها الدخول على المبتدأ، وثانيها: أن { يدعوا } تأكيد ليدعو الأول، وتم الكلام عنده، ثم ابتدأ قوله: { لمن ضره } ، فمن مبتدأ، وخبره: { لبئس المولى } - قلت -: وإياه اعتمد الهبطي في وقفه، وثالثها: أن معنى { يدعو }: يقول يوم القيامة هذا الكلام، إذا رأى مضرة الأصنام، فدخلت اللام على مبتدأ في أول الكلام. ه. قلت والأقرب ما قاله الزجاج، وهو: أن مفعول { يدعو } محذوف، ويكون ضميرا يعود على الضلال، وجملة: { يدعو }: حال، والمعنى: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، أي: حال كونه مدعوا له، ويكون قوله: { لمن ضره } مستأنفا مبتدأ، خبره: { لبئس المولى }. نقله المحشي. وحكم المحلي بزيادة اللام. يقول الحق جل جلاله: { ومن الناس من يعبد الله على حرف } أي: على طرف من الدين لا ثبات له فيه، كالذي ينحرف إلى طرف الجيش، فإن أحس بظفر قر، وإلا فر. وفي البخاري عن ابن عباس: " كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا الدين سوء ". وكأن الحق تعالى سلك في الآية مسلك التدلي، بدأ بالكافر المصمم، يجادل جدالا مجملا، يتبع فيه كل شيطان مريد. والثاني: مقلد مجادل، من غير دليل ولا برهان، والثالث: كافر أسلم إسلاما ضعيفا. ثم قابل الأقسام الثلاثة بضدهم، بقوله: { إن الله يدخل الذين آمنوا... } الآية. ثم كمل حال المذبذب بقوله: { فإن أصابه خير } أي: دنيوي من الصحة في البدن، والسعة في المعيشة، { اطمأن به } أي: ثبت على ما كان عليه ظاهرا، لا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين، الذين لا يلويهم عنه صارف، ولا يثنيهم عنه عاطف. { وإن أصابته فتنة }: بلاء في جسده، وضيق في معيشته، أو شيء يفتتن به، من مكروه يعتريه في بدنه أو أهله أو ماله، { انقلب على وجهه } أي: ارتد ورجع إلى الكفر، كأنه تنكس بوجهه إلى أسفل. أو انقلب على جهته التي كان عليها. وتقدم عن ابن عباس أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة، مهاجرين، فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا، وولدت امرأته غلاما سويا، وكثر ماله وماشيته، قال: ما أصبت، مذ دخلت في ديني هذا، إلا خيرا، واطمأن، وإن كان الأمر خلافه، قال: ما أصبت إلا شرا، وانقلب عن دينه. وعن أبي سعيد رضي الله عنه: أن يهوديا أسلم فأصابته مصائب، وتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني، فقال: " إن الإسلام لا يقال " فنزلت. { خسر الدنيا والآخرة }: فقدهما، وضيعهما بذهاب عصمته، وحبوط عمله بالارتداد. وقرأ يعقوب: خاسر، على حال. { ذلك هو الخسران المبين } الواضح، الذي لا يخفى على أحد أنه لا خسران مثله. ثم بين وجه خسرانه بقوله: { يدعو } أي: يعبد { من دون الله } أي: متجاوزا عنه تعالى، { ما لا يضره } إذا لم يعبده، { وما لا ينفعه } إذا عبده. { ذلك } الدعاء { هو الضلال البعيد } أي: التلف البعيد عن الحق. { يدعو } أي: يعبد { لمن ضره } أي: الصنم الجامد الذي ضرره { أقرب من نفعه }. وقرأ ابن مسعود: " يدعو من ضره " ، بحذف اللام. أو: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه هذا المذبذب المنقلب على وجهه. قال ابن جزي: وهنا إشكال: وهو أنه تعالى وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأن ضررها أكثر من نفعها، فنفى الضر ثم أثبته؟ والجواب: أن الضر المنفي أولا يراد به ما يكون من فعلها، وهي لا تفعل شيئا، والضر الثاني، الذي أثبته لها، يراد به ما يكون بسببها من العذاب وغيره. ه. { لبئس المولى } أي: الناصر، { ولبئس العشير } أي: الصاحب. أو يدعو ويصرخ يوم القيامة، حين يرى استضراره بالأصنام، ولا يرى لها أثر الشفاعة، ويقول لمن ضره أقرب من نفعه: لبئس المولى هو ولبئس العشير. والله تعالى أعلم. الإشارة: ومن الناس من يعبد الله على حرف على طرف من الدين، غير متمكن فيه، فإنه أصابه خير، وهو ما تسر به النفس من أنواع الجمال، اطمأن به، وإن أصابته فتنة، وهو ما يؤلم النفس وينغص عليها مرادها وشهوتها من أنواع الجلال، انقلب على وجهه. أو: ومن الناس من يعبد الله على طمع في الجزاء الدنيوي أو الأخروي، فإن أصابه خير فرح واطمأن به وإن أصابته فتنة سخط وقنط وانقلب على وجهه. أو: ومن الناس من يعبد الله ويسير إليه على حرف، أي: حالة واحدة، فإن أصابه خير كقوة ونشاط وورود حال اطمأن به وفرح، وإن أصابته فتنة كضعف وكسل وذهاب حال، انقلب على وجهه، ورجع إلى العمومية، أو وقف عن السير، خسر الدنيا والآخرة. خسران الدنيا: ما يفوته من عز الله ونصره لأوليائه، وحلاوة برد الرضا والتسليم، ولذيذ مشاهدته. وخسران الآخرة: ما يفوته من درجة المقربين ودوام شهود رب العالمين - فالواجب على العبد أن يكون عبدا لله في جميع الحالات، لا يختار لنفسه حالا على حال، ولا يقف مع مقام ولا حال، بل يتبع رياح القضاء، ويدور معها حيث دارت، ويسير إلى الله في الضعف والقوة. قال بعضهم: سيروا إلى الله عرجى ومكاسير. وفي الحكم: " إلهي قد علمت، باختلاف الآثار وتنقلات الأطور أن مرادك مني أن تتعرف إلي في كل شيء، حتى لا أجهلك في شيء ". وقال أيضا: " لا تطلبن بقاء الواردات، بعد أن بسطت أنوارها، وأودعت أسرارها، فلك في الله غنى عن كل شيء، وليس يغنيك عنه شيء ". فكن عبد المحول، ولا تكن عبد الحال، فالحال تحول وتتغير، والله تعالى لا يحول ولا يزول، فكن عبدا لله، ولا تكن عبدا لغيره. لكل شيء إن فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض ثم شفع الحق تعالى بضد ما ذكره قبل: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات... }.

الحج 22:14

يقول الحق جل جلاله: { إن الله يدخل الذين آمنوا } ، وتمكنوا من الإيمان، وعبدوا الله وحده في جميع الحالات، ولم يعبدوه على حرف، { وعملوا } الأعمال { الصالحات } ، { جنات تجري من تحتها } أي: من تحت قصورها { الأنهار } الأربعة. وهذا بيان حال المؤمنين العابدين له تعالى في جميع الحالات، وأن الله تفضل عليهم، بما لا غاية وراءه، إثر بيان سوء حال الكفرة، من المجاهرين والمذبذبين، وأن معبودهم لا ينفعهم، بل يضرهم مضرة عظيمة. ثم قال تعالى: { إن الله يفعل ما يريد } من الأفعال المتقنة، المبنية على الحكم البالغة الرائقة، التي من جملتها: إثابة من آمن به، وصدق رسوله، وعبده على كل حال، وعقاب من أشرك به، وكذب رسول الله، أو عبده على حرف. وبالله التوفيق. الإشارة: إن الله يدخل الذين آمنوا، واطمأنوا به، وعبدوه في جميع الحالات، وقاموا بعمل العبودية في كل الأوقات، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحكم، إن الله يفعل ما يريد فيقرب هذا، ويبعد هذا، بلا سبب " جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ". وبالله التوفيق. ولما كان نفوذ هذا الوعيد من المشرعين وإنجاز وعد المؤمنين تصديقا لرسوله

الحج 22:15

يقول الحق جل جلاله: لا تظنوا أن الله غير ناصر لرسوله صلى الله عليه وسلم بل هو ناصر له في الدنيا والآخرة لا محالة، فمن كان { يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة } ، ويغيظه ذلك من أعاديه وحساده، ويفعل ما يدفع ذلك من الخدع والمكائد، فليبالغ في استفراغ المجهود، وليجاوز كل حد معهود، فعاقبة أمره أن يختنق خنقا من ضلال مساعيه، وعدم إنتاج مقدماته ومبادئه. { فليمدد بسبب إلى السماء } أي: فليمدد حبلا إلى سقف بيته، { ثم ليقطع } أي: ليختنق، من قطع: إذا اختنق لأنه يقطع نفسه بحبس مجاريه. أو: ليقطع من الأرض، بعد ربط الحبل في العنق وربطه في السقف. { فلينظر هل يذهبن كيده } أي: فليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه بسبب فعله، وسمى فعله كيدا، على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد به نفسه. والمراد: ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه، فتحصل أن الضمير في { ينصره } يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يتقدم ذكره صراحة، لكنه معهود إذ الوحي إنما ينزل عليه. وقيل: يعود على { من } ، والمعنى على هذا: من ظن - بسبب ضيق صدره، وكثرة غمه - أن لن ينصره الله، فليختنق وليمت بغيظه، فإنه لا يقدر على غير ذلك، فموجب الاختناق، على هذا، القنوط والسخط من القضاء، وسوء الظن بالله تعالى، حتى يئس من نصره. قال ابن جزي: وهذا القول أرجح من الأول لوجهين: أحدهما: أن هذا القول مناسب لمن يعبد الله على حرف لأنه، إذا أصابته فتنة، انقلب وقنط، حتى ظن أن لن ينصره الله. ويؤيده من فسر { أن لن ينصره الله } أي: لن يرزقه إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله عز وجل، فيكون الكلام، على هذا، متصلا بما قبله. ويؤيده أيضا: قوله تعالى، قبله: { إن الله يفعل ما يريد } أي: الأمور بيد الله، فلا ينبغي لأحد أن يسخط من قضاء الله، ولا ينقلب إذا أصابته فتنة، والوجه الثاني: أن الضمير في " ينصره " ، على هذا، يعود على ما تقدمه ذكر، دون الأول. ه. وانظر ابن عطية والكواشي، ففيهما ما يدفع درك ابن جزي، ورده للأول، بما في سبب الآية ونزولها من المناسبة. ثم قال تعالى: { وكذلك أنزلناه آيات } أي: ومثل ذلك الإنزال البديع، المنطوي على الحكم البالغة، أنزلناه، أي: القرآن الكريم كله، حال كونه { آيات بينات } واضحات الدلالة على معانيها الرائقة، { وأن الله يهدي } به { من يريد } هدايته ابتداء، أو يثبته على الهدى دواما، ومحل " أن ": إما الجار، أي: ولأن الله يهدي، أو الرفع، أي: والأمر أن الله يهدي من يريد. الإشارة: من غلبته نفسه، وملكته وأسرته في يدها فدواؤه: الفزع إلى الله، والاضطرار إليه آناء الليل والنهار، والمنهاج الواضح في علاجها وقهرها: هو الفزع إلى أولياء الله، العارفين به، الذين سلكوا طريق التربية على يد شيخ كامل، فإذا ظفر بهم، فليلزم صحبتهم، وليتبع طريقهم، وليسارع إلى فعل كل ما يشيرون به إليه، من غير تردد ولا توقف، فهم معناه، شرعا، أم لا، فلا شك أن الله ينصره ويؤيده، ويظفر بنفسه في أسرع مدة. وليس الخبر كالعيان، وجرب... ففي التجريب علم الحقائق، وكذلك من ابتلي بالوسواس وخواطر السوء في أمر التوحيد، فليفزع إليه، حتى يقلعوا من قلبه عروق الشكوك والأوهام، وتذهب عنه الأمراض والأسقام، بإشراق شمس العرفان على قلبه، ويفضي إلى طريق الذوق والوجدان، وغير هذا عناء وتعب، ولو فرض أنه يسكن عنه ذلك، فلا يذهب عنه بالكلية، فربما يهيج عليه في وقت الضعف، عند الموت، فلا يستطيع دفعه، فيلقى الله بقلب سقيم. والعياذ بالله. فإن قلت: هذا الذي دللتني عليه عزيز غريب، فقد دللتني على عنقاء مغرب؟ قلت: والله، إن حسنت الظن بالله وبعباد الله، واضطررت إليه اضطرار الظمآن إلى الماء، لوجدته أقرب إليك من كل شيء. والله، لقد وجدناهم وظفرنا بهم، على مناهج الجنيد وأضرابه، يغنون بالنظر، ويسيرون بالمريد حتى يقول له: ها أنت وربك. والمنة لله. فمن ترك ما قلنا له، وآيس من الدواء، وظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، فليمت غيظا وقنطا، فلا يضر إلا نفسه لأن الله يهدي من يريد، فيوفقه للدواء، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قال من آمن بالقرآن الذي هو آيات بينات

الحج 22:16

يقول الحق جل جلاله: لا تظنوا أن الله غير ناصر لرسوله صلى الله عليه وسلم بل هو ناصر له في الدنيا والآخرة لا محالة، فمن كان { يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة } ، ويغيظه ذلك من أعاديه وحساده، ويفعل ما يدفع ذلك من الخدع والمكائد، فليبالغ في استفراغ المجهود، وليجاوز كل حد معهود، فعاقبة أمره أن يختنق خنقا من ضلال مساعيه، وعدم إنتاج مقدماته ومبادئه. { فليمدد بسبب إلى السماء } أي: فليمدد حبلا إلى سقف بيته، { ثم ليقطع } أي: ليختنق، من قطع: إذا اختنق لأنه يقطع نفسه بحبس مجاريه. أو: ليقطع من الأرض، بعد ربط الحبل في العنق وربطه في السقف. { فلينظر هل يذهبن كيده } أي: فليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه بسبب فعله، وسمى فعله كيدا، على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد به نفسه. والمراد: ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه، فتحصل أن الضمير في { ينصره } يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يتقدم ذكره صراحة، لكنه معهود إذ الوحي إنما ينزل عليه. وقيل: يعود على { من } ، والمعنى على هذا: من ظن - بسبب ضيق صدره، وكثرة غمه - أن لن ينصره الله، فليختنق وليمت بغيظه، فإنه لا يقدر على غير ذلك، فموجب الاختناق، على هذا، القنوط والسخط من القضاء، وسوء الظن بالله تعالى، حتى يئس من نصره. قال ابن جزي: وهذا القول أرجح من الأول لوجهين: أحدهما: أن هذا القول مناسب لمن يعبد الله على حرف لأنه، إذا أصابته فتنة، انقلب وقنط، حتى ظن أن لن ينصره الله. ويؤيده من فسر { أن لن ينصره الله } أي: لن يرزقه إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله عز وجل، فيكون الكلام، على هذا، متصلا بما قبله. ويؤيده أيضا: قوله تعالى، قبله: { إن الله يفعل ما يريد } أي: الأمور بيد الله، فلا ينبغي لأحد أن يسخط من قضاء الله، ولا ينقلب إذا أصابته فتنة، والوجه الثاني: أن الضمير في " ينصره " ، على هذا، يعود على ما تقدمه ذكر، دون الأول. ه. وانظر ابن عطية والكواشي، ففيهما ما يدفع درك ابن جزي، ورده للأول، بما في سبب الآية ونزولها من المناسبة. ثم قال تعالى: { وكذلك أنزلناه آيات } أي: ومثل ذلك الإنزال البديع، المنطوي على الحكم البالغة، أنزلناه، أي: القرآن الكريم كله، حال كونه { آيات بينات } واضحات الدلالة على معانيها الرائقة، { وأن الله يهدي } به { من يريد } هدايته ابتداء، أو يثبته على الهدى دواما، ومحل " أن ": إما الجار، أي: ولأن الله يهدي، أو الرفع، أي: والأمر أن الله يهدي من يريد. الإشارة: من غلبته نفسه، وملكته وأسرته في يدها فدواؤه: الفزع إلى الله، والاضطرار إليه آناء الليل والنهار، والمنهاج الواضح في علاجها وقهرها: هو الفزع إلى أولياء الله، العارفين به، الذين سلكوا طريق التربية على يد شيخ كامل، فإذا ظفر بهم، فليلزم صحبتهم، وليتبع طريقهم، وليسارع إلى فعل كل ما يشيرون به إليه، من غير تردد ولا توقف، فهم معناه، شرعا، أم لا، فلا شك أن الله ينصره ويؤيده، ويظفر بنفسه في أسرع مدة. وليس الخبر كالعيان، وجرب... ففي التجريب علم الحقائق، وكذلك من ابتلي بالوسواس وخواطر السوء في أمر التوحيد، فليفزع إليه، حتى يقلعوا من قلبه عروق الشكوك والأوهام، وتذهب عنه الأمراض والأسقام، بإشراق شمس العرفان على قلبه، ويفضي إلى طريق الذوق والوجدان، وغير هذا عناء وتعب، ولو فرض أنه يسكن عنه ذلك، فلا يذهب عنه بالكلية، فربما يهيج عليه في وقت الضعف، عند الموت، فلا يستطيع دفعه، فيلقى الله بقلب سقيم. والعياذ بالله. فإن قلت: هذا الذي دللتني عليه عزيز غريب، فقد دللتني على عنقاء مغرب؟ قلت: والله، إن حسنت الظن بالله وبعباد الله، واضطررت إليه اضطرار الظمآن إلى الماء، لوجدته أقرب إليك من كل شيء. والله، لقد وجدناهم وظفرنا بهم، على مناهج الجنيد وأضرابه، يغنون بالنظر، ويسيرون بالمريد حتى يقول له: ها أنت وربك. والمنة لله. فمن ترك ما قلنا له، وآيس من الدواء، وظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، فليمت غيظا وقنطا، فلا يضر إلا نفسه لأن الله يهدي من يريد، فيوفقه للدواء، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قال من آمن بالقرآن الذي هو آيات بينات

الحج 22:17

قلت: إن { الله يفصل }: خبر " إن " الأولى. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين آمنوا } بما ذكر من الآيات البينات، أو بكل ما يجب الإيمان به - فيدخل ما ذكر دخولا أوليا - أي: آمنوا بذلك، بهداية الله وإرادته، { والذين هادوا والصابئين } ، وهم قوم من النصارى، اعتزلوهم، ولبسوا المسوح، وقيل: أخذوا من دين النصارى شيئا، ومن دين اليهود شيئا، وهم القائلون بأن للعالم أصلين: نورا وظلمة، ويعتقدون تأثير النجوم. { والمجوس } وهم الذين يعبدون النار، ويقولون: إن الخير من النور، والشر من الظلمة، { والذين أشركوا } ، وهم عبدة الأصنام من العرب وغيرهم، فهذه ستة أديان، خمسة للشيطان، وواحد للرحمن. { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } في الأحوال والأماكن، فلا يجازيهم جزاء واحدا، ولا يجمعهم في موطن واحد. أو يحكم بين المؤمنين، وبين الفرق الخمسة المتفقة على ملة الكفر، بإظهار المحق من المبطل، فيكرم المحق ويهين المبطل، { إن الله على كل شيء شهيد } أي: عالم بكل شيء، مراقب لأحواله، حافظ له، مطلع على سره وعقده. ومن قضية الإحاطة بتفاصيل كل فرد من أفراد الفرق المذكورة: إجراء جزائه اللائق عليه، وهو أبلغ وعيد. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما يفصل الله يوم القيامة بين الملل المستقيمة والفاسدة يفصل أيضا بين أرباب القلوب المستقيمة الصحيحة المعمورة بنور الله، وبين أرباب القلوب السقيمة الخاربة من النور، المعمورة بالظلمة من الوساوس والخواطر، فيرفع الأولين مع المقربين الصديقين، ويسقط الآخرين في أسفل سافلين، أو مع عامة أهل اليمين. وبالله التوفيق. ثم برهن على كونه شهيدا على الاشياء بسجودها له

الحج 22:18

يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } ، أيها السامع، أو من يتأتى منه الرؤية، أي: رؤية علم واستبصار، أو: يا محمد، علما يقوم مقام العيان، { أن الله يسجد له } أي: ينقاد إليه انقيادا تاما { من في السماوات } من الملائكة، { ومن في الأرض } من الإنس والجن والملائكة. ويحتمل أن تكون " من " عامة للعاقل وغيره، فيدخل كل ما في السماوات من عجائب المصنوعات، وكل ما في الأرض من أنواع المخلوقات. ويكون قوله: { والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب } ، من عطف الخاص على العام لاستبعاد ذلك منها عادة. ويحتمل أن يكون السجود على حقيقته، ولكن لا نفقه ذلك، كما لا نفقه تسبيحهم. ونقل الكواشي عن أبي العالية: ما في السماء نجم، ولا شمس، ولا قمر، إلا يقع ساجدا حين تغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له. وذكر في صحيح البخاري: " أن الشمس لا تطلع حتى تسجد وتستأذن " وقال مجاهد: سجود الجبال والشجر والدواب: تحول ظلالها. أو سجودها: طاعتها فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله تعالى، خاشع، يسبح له. شبه طاعتها له وانقيادها لأمره بسجود المكلف الذي كل خضوع دونه. { وكثير من الناس } يسجد لله تعالى سجود طاعة وعبادة، { وكثير حق عليه العذاب } حيث امتنع من هذا السجود، الذي هو سجود عبادة لكفره وعتوه. قال ابن عرفة قوله: { وكثير }: يحتمل كونه مبتدأ، ويكون في الآية حذف المقابل، أي: وكثير من الناس مثاب، وكثير حق عليه العذاب. فلا يرد سؤال الزمخشري. ه. وقدره غيره: وكثير من الناس يسجدون، وكثير يأبى السجود فحق عليه العذاب. وقيل: وكثير حق عليه العذاب بإنكاره النبوة، وإن سجد للصانع كالفلاسفة واليهود والنصارى. ه. { ومن يهن الله } بأن صرفته الشقاوة عن الانقياد لأمره الشرعي، { فما له من مكرم } بالسعادة، أو يوم القيامة، بل يذل ويهان، { إن الله يفعل ما يشاء } في ملكه يكرم من يشاء بفضله، ويهين من يشاء بعدله، لا معقب لحكمه. اللهم أكرمنا بطاعتك ومحبتك، واجعلنا منقادين لأمرك وحكمك، ونعمنا بحلاوة شهودك ومعرفتك، إنك على كل شيء قدير. هكذا يدعى في هذه السجدة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد تجلى الحق جل جلاله بأسرار ذاته لباطن الأشياء، وبأنوار صفاته لظاهرها، فتعرف لكل شيء بأسرار ذاته وأنوار صفاته، فعرفه كل شيء، ولذلك سجد له وسبح بحمده. وفي الحكم: " أنت الذي تعرفت لكل شيء، فما جهلك شيء ". فظواهر الأواني ساجدة لأسرار المعاني، وخاضعة للكبير المتعالي، ولا يفقه هذا إلا من خاض بحر المعاني، ولم يقف مع حس الأواني، ولم يمتنع من الانقياد والخضوع لجلال الحق وكبريائه في الظاهر والباطن، إلا من أهانه الله من عصاة بني آدم. ومن يهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء. ثم بين الفصل الذي يفصل به يوم القيامة بين المؤمنين والكفرة

الحج 22:19

قلت: { خصمان }: صفة لمحذوف، أي: فريقان خصمان، والمراد: فريق المؤمنين، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة. وقيل: اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد هنا: الجماعة، بدليل قوله: { اختصموا } بالجمع. يقول الحق جل جلاله: { هذان خصمان } أي: مختصمان { اختصموا } أي: فريق المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: راجع إلى أهل الأديان المذكورة فالمؤمنون خصم، وسائر الخمسة خصم، تخاصموا { في ربهم } أي: في شأنه تعالى، أو في دينه، أو في ذاته وصفاته. والكل من شؤونه تعالى، فكل فريق يصحح اعتقاده. ويبطل اعتقاد خصمه. وقيل: تخاصمت اليهود والمؤمنون فقالت اليهود: نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بنبينا ونبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم كفرتم به حسدا. وكان أبو ذر يقسم أنها نزلت في ستة نفر من قريش، تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، مع عتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد. وقال علي رضي الله عنه: إني لأول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة للخصومة. ه. ثم بين الفصل بينهم، المذكور في قوله: { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } ، فقال: { فالذين كفروا } بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، { قطعت لهم ثياب من نار } أي فصلت وقدرت على مقادير جثثهم، تشتمل عليهم، كما تقطع الثياب للبوس. وعبر بالماضي لتحقق وقوعه. { يصب من فوق رؤوسهم الحميم } أي: الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنه: " لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها ". { يصهر }: يذاب { به } أي: بالحميم، { ما في بطونهم } من الأمعاء والأحشاء، { والجلود } تذاب أيضا، فيؤثر في الظاهر والباطن، كلما نضجت جلودهم بدلت. وتقديم ما في الباطن للإيذان بأن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس. { ولهم مقامع من حديد } أي: ولتعذيب الكفرة، أو لأجلهم، مقامع: جمع مقمعة، وهي آلة القمع، أي: سياط من حديد، يضربون بها. { كلما أرادوا أن يخرجوا منها } أي: أشرفوا على الخروج من النار، ودنوا منه، حسبما روي: أنها تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا بأعلاها ضربوا بالمقامع، فهووا فيها سبعين خريفا. وقوله: { من غم }: بدل اشتمال من ضمير { منها } بإعادة الجار، والعائد: محذوف، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا من غم شديد من غمومها { أعيدوا فيها } أي: في قعرها، بأن ردوا من أعاليها إلى أسافلها، من غير أن يخرجوا منها، { و } قيل لهم: { ذوقوا عذاب الحريق } أي: الغليظ من النار، العظيم الإحراق. ثم ذكر جزاء الخصم الآخر، وهم أهل الحق، فقال: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } ، وغير الأسلوب فيه، بإسناد الإدخال إلى الله عز وجل، وتصدير الجملة بحرف التأكيد إيذانا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة، وإظهارا لمزيد العناية بحال المؤمنين، { يحلون فيها } من التحلية، وهو التزين، أي: تحليهم الملائكة بأمره تعالى { من أساور } أي: بعض أساور: جمع سوار، { من ذهب } للبيان، أي يلبسون أساور مصنوعة من ذهب، { ولؤلؤا } ، من جره: عطفه على { ذهب } ، أو { أساور } ، ومن نصبه: فعلى محل { من أساور } ، أي: ويحلون لؤلؤا، أو بفعل محذوف، أي: ويؤتون لؤلؤا. { ولباسهم فيها حرير }: أبريسم، وغير الأسلوب، فلم يقل: ويلبسون حريرا لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج للبيان: أي لباس هو، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنها ليست من اللوازم الضرورية، فجعل بيان حليتهم بها مقصودا بالذات. انظر أبا السعود. { وهدوا إلى الطيب من القول } ، وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله أو: الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بدليل قوله: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10]. { وهدوا إلى صراط الحميد } أي: المحمود، وهو الإسلام. أو: ألهمهم الله في الآخرة أن يقولوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم فيها إلى طريق الجنة. وقيل: إلى طريق الوصول إلى الله العزيز الحميد، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية، فقال أهل الظاهر: الحق تعالى لا يرى في دار الدنيا، ولا تمكن معرفته، إلا من جهة الدليل والبرهان، على طريق الإيمان بالغيب. وقال أهل الباطن من أكابر الصوفية: الحق تعالى يرى في هذه الدار، كما يرى في تلك الدار، من طريق العرفان، على نعت الشهود والعيان، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس لأهل التربية النبوية، فلا يزال يحاذيه ويسير به، حتى يقول: ها أنت وربك، فحينئذ تشرق عليه شموس العرفان، فتغطى عنه وجود حس الأكوان، فلا يرى حينئذ إلا المكون، حتى لو كلف أن يرى غيره لم يستطع إذ لا غير معه حتى يشهده. وقال بعضهم: محال أن تشهده، وتشهد معه سواه. وفي مناجاة الحكم العطائية: " إلهي، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! ". وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدا، فمن كفر بها وجحدها قطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونا بسرادقات محيطاته، محصورا في هيكل ذاته، لا يرى إلا ظلمة الأكوان، يصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حر التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حيرة الدهش، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له: ذق عذاب الحريق، وهو حرمانك من شهود التحقيق. إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب. حققنا الله بمقامهم بمنه وكرمه. ثم شرع في المقصود من السورة وهو أحكام الحج

الحج 22:20

قلت: { خصمان }: صفة لمحذوف، أي: فريقان خصمان، والمراد: فريق المؤمنين، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة. وقيل: اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد هنا: الجماعة، بدليل قوله: { اختصموا } بالجمع. يقول الحق جل جلاله: { هذان خصمان } أي: مختصمان { اختصموا } أي: فريق المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: راجع إلى أهل الأديان المذكورة فالمؤمنون خصم، وسائر الخمسة خصم، تخاصموا { في ربهم } أي: في شأنه تعالى، أو في دينه، أو في ذاته وصفاته. والكل من شؤونه تعالى، فكل فريق يصحح اعتقاده. ويبطل اعتقاد خصمه. وقيل: تخاصمت اليهود والمؤمنون فقالت اليهود: نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بنبينا ونبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم كفرتم به حسدا. وكان أبو ذر يقسم أنها نزلت في ستة نفر من قريش، تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، مع عتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد. وقال علي رضي الله عنه: إني لأول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة للخصومة. ه. ثم بين الفصل بينهم، المذكور في قوله: { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } ، فقال: { فالذين كفروا } بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، { قطعت لهم ثياب من نار } أي فصلت وقدرت على مقادير جثثهم، تشتمل عليهم، كما تقطع الثياب للبوس. وعبر بالماضي لتحقق وقوعه. { يصب من فوق رؤوسهم الحميم } أي: الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنه: " لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها ". { يصهر }: يذاب { به } أي: بالحميم، { ما في بطونهم } من الأمعاء والأحشاء، { والجلود } تذاب أيضا، فيؤثر في الظاهر والباطن، كلما نضجت جلودهم بدلت. وتقديم ما في الباطن للإيذان بأن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس. { ولهم مقامع من حديد } أي: ولتعذيب الكفرة، أو لأجلهم، مقامع: جمع مقمعة، وهي آلة القمع، أي: سياط من حديد، يضربون بها. { كلما أرادوا أن يخرجوا منها } أي: أشرفوا على الخروج من النار، ودنوا منه، حسبما روي: أنها تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا بأعلاها ضربوا بالمقامع، فهووا فيها سبعين خريفا. وقوله: { من غم }: بدل اشتمال من ضمير { منها } بإعادة الجار، والعائد: محذوف، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا من غم شديد من غمومها { أعيدوا فيها } أي: في قعرها، بأن ردوا من أعاليها إلى أسافلها، من غير أن يخرجوا منها، { و } قيل لهم: { ذوقوا عذاب الحريق } أي: الغليظ من النار، العظيم الإحراق. ثم ذكر جزاء الخصم الآخر، وهم أهل الحق، فقال: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } ، وغير الأسلوب فيه، بإسناد الإدخال إلى الله عز وجل، وتصدير الجملة بحرف التأكيد إيذانا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة، وإظهارا لمزيد العناية بحال المؤمنين، { يحلون فيها } من التحلية، وهو التزين، أي: تحليهم الملائكة بأمره تعالى { من أساور } أي: بعض أساور: جمع سوار، { من ذهب } للبيان، أي يلبسون أساور مصنوعة من ذهب، { ولؤلؤا } ، من جره: عطفه على { ذهب } ، أو { أساور } ، ومن نصبه: فعلى محل { من أساور } ، أي: ويحلون لؤلؤا، أو بفعل محذوف، أي: ويؤتون لؤلؤا. { ولباسهم فيها حرير }: أبريسم، وغير الأسلوب، فلم يقل: ويلبسون حريرا لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج للبيان: أي لباس هو، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنها ليست من اللوازم الضرورية، فجعل بيان حليتهم بها مقصودا بالذات. انظر أبا السعود. { وهدوا إلى الطيب من القول } ، وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله أو: الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بدليل قوله: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10]. { وهدوا إلى صراط الحميد } أي: المحمود، وهو الإسلام. أو: ألهمهم الله في الآخرة أن يقولوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم فيها إلى طريق الجنة. وقيل: إلى طريق الوصول إلى الله العزيز الحميد، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية، فقال أهل الظاهر: الحق تعالى لا يرى في دار الدنيا، ولا تمكن معرفته، إلا من جهة الدليل والبرهان، على طريق الإيمان بالغيب. وقال أهل الباطن من أكابر الصوفية: الحق تعالى يرى في هذه الدار، كما يرى في تلك الدار، من طريق العرفان، على نعت الشهود والعيان، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس لأهل التربية النبوية، فلا يزال يحاذيه ويسير به، حتى يقول: ها أنت وربك، فحينئذ تشرق عليه شموس العرفان، فتغطى عنه وجود حس الأكوان، فلا يرى حينئذ إلا المكون، حتى لو كلف أن يرى غيره لم يستطع إذ لا غير معه حتى يشهده. وقال بعضهم: محال أن تشهده، وتشهد معه سواه. وفي مناجاة الحكم العطائية: " إلهي، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! ". وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدا، فمن كفر بها وجحدها قطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونا بسرادقات محيطاته، محصورا في هيكل ذاته، لا يرى إلا ظلمة الأكوان، يصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حر التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حيرة الدهش، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له: ذق عذاب الحريق، وهو حرمانك من شهود التحقيق. إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب. حققنا الله بمقامهم بمنه وكرمه. ثم شرع في المقصود من السورة وهو أحكام الحج

الحج 22:21

قلت: { خصمان }: صفة لمحذوف، أي: فريقان خصمان، والمراد: فريق المؤمنين، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة. وقيل: اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد هنا: الجماعة، بدليل قوله: { اختصموا } بالجمع. يقول الحق جل جلاله: { هذان خصمان } أي: مختصمان { اختصموا } أي: فريق المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: راجع إلى أهل الأديان المذكورة فالمؤمنون خصم، وسائر الخمسة خصم، تخاصموا { في ربهم } أي: في شأنه تعالى، أو في دينه، أو في ذاته وصفاته. والكل من شؤونه تعالى، فكل فريق يصحح اعتقاده. ويبطل اعتقاد خصمه. وقيل: تخاصمت اليهود والمؤمنون فقالت اليهود: نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بنبينا ونبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم كفرتم به حسدا. وكان أبو ذر يقسم أنها نزلت في ستة نفر من قريش، تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، مع عتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد. وقال علي رضي الله عنه: إني لأول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة للخصومة. ه. ثم بين الفصل بينهم، المذكور في قوله: { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } ، فقال: { فالذين كفروا } بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، { قطعت لهم ثياب من نار } أي فصلت وقدرت على مقادير جثثهم، تشتمل عليهم، كما تقطع الثياب للبوس. وعبر بالماضي لتحقق وقوعه. { يصب من فوق رؤوسهم الحميم } أي: الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنه: " لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها ". { يصهر }: يذاب { به } أي: بالحميم، { ما في بطونهم } من الأمعاء والأحشاء، { والجلود } تذاب أيضا، فيؤثر في الظاهر والباطن، كلما نضجت جلودهم بدلت. وتقديم ما في الباطن للإيذان بأن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس. { ولهم مقامع من حديد } أي: ولتعذيب الكفرة، أو لأجلهم، مقامع: جمع مقمعة، وهي آلة القمع، أي: سياط من حديد، يضربون بها. { كلما أرادوا أن يخرجوا منها } أي: أشرفوا على الخروج من النار، ودنوا منه، حسبما روي: أنها تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا بأعلاها ضربوا بالمقامع، فهووا فيها سبعين خريفا. وقوله: { من غم }: بدل اشتمال من ضمير { منها } بإعادة الجار، والعائد: محذوف، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا من غم شديد من غمومها { أعيدوا فيها } أي: في قعرها، بأن ردوا من أعاليها إلى أسافلها، من غير أن يخرجوا منها، { و } قيل لهم: { ذوقوا عذاب الحريق } أي: الغليظ من النار، العظيم الإحراق. ثم ذكر جزاء الخصم الآخر، وهم أهل الحق، فقال: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } ، وغير الأسلوب فيه، بإسناد الإدخال إلى الله عز وجل، وتصدير الجملة بحرف التأكيد إيذانا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة، وإظهارا لمزيد العناية بحال المؤمنين، { يحلون فيها } من التحلية، وهو التزين، أي: تحليهم الملائكة بأمره تعالى { من أساور } أي: بعض أساور: جمع سوار، { من ذهب } للبيان، أي يلبسون أساور مصنوعة من ذهب، { ولؤلؤا } ، من جره: عطفه على { ذهب } ، أو { أساور } ، ومن نصبه: فعلى محل { من أساور } ، أي: ويحلون لؤلؤا، أو بفعل محذوف، أي: ويؤتون لؤلؤا. { ولباسهم فيها حرير }: أبريسم، وغير الأسلوب، فلم يقل: ويلبسون حريرا لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج للبيان: أي لباس هو، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنها ليست من اللوازم الضرورية، فجعل بيان حليتهم بها مقصودا بالذات. انظر أبا السعود. { وهدوا إلى الطيب من القول } ، وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله أو: الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بدليل قوله: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10]. { وهدوا إلى صراط الحميد } أي: المحمود، وهو الإسلام. أو: ألهمهم الله في الآخرة أن يقولوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم فيها إلى طريق الجنة. وقيل: إلى طريق الوصول إلى الله العزيز الحميد، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية، فقال أهل الظاهر: الحق تعالى لا يرى في دار الدنيا، ولا تمكن معرفته، إلا من جهة الدليل والبرهان، على طريق الإيمان بالغيب. وقال أهل الباطن من أكابر الصوفية: الحق تعالى يرى في هذه الدار، كما يرى في تلك الدار، من طريق العرفان، على نعت الشهود والعيان، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس لأهل التربية النبوية، فلا يزال يحاذيه ويسير به، حتى يقول: ها أنت وربك، فحينئذ تشرق عليه شموس العرفان، فتغطى عنه وجود حس الأكوان، فلا يرى حينئذ إلا المكون، حتى لو كلف أن يرى غيره لم يستطع إذ لا غير معه حتى يشهده. وقال بعضهم: محال أن تشهده، وتشهد معه سواه. وفي مناجاة الحكم العطائية: " إلهي، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! ". وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدا، فمن كفر بها وجحدها قطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونا بسرادقات محيطاته، محصورا في هيكل ذاته، لا يرى إلا ظلمة الأكوان، يصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حر التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حيرة الدهش، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له: ذق عذاب الحريق، وهو حرمانك من شهود التحقيق. إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب. حققنا الله بمقامهم بمنه وكرمه. ثم شرع في المقصود من السورة وهو أحكام الحج

الحج 22:22

قلت: { خصمان }: صفة لمحذوف، أي: فريقان خصمان، والمراد: فريق المؤمنين، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة. وقيل: اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد هنا: الجماعة، بدليل قوله: { اختصموا } بالجمع. يقول الحق جل جلاله: { هذان خصمان } أي: مختصمان { اختصموا } أي: فريق المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: راجع إلى أهل الأديان المذكورة فالمؤمنون خصم، وسائر الخمسة خصم، تخاصموا { في ربهم } أي: في شأنه تعالى، أو في دينه، أو في ذاته وصفاته. والكل من شؤونه تعالى، فكل فريق يصحح اعتقاده. ويبطل اعتقاد خصمه. وقيل: تخاصمت اليهود والمؤمنون فقالت اليهود: نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بنبينا ونبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم كفرتم به حسدا. وكان أبو ذر يقسم أنها نزلت في ستة نفر من قريش، تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، مع عتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد. وقال علي رضي الله عنه: إني لأول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة للخصومة. ه. ثم بين الفصل بينهم، المذكور في قوله: { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } ، فقال: { فالذين كفروا } بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، { قطعت لهم ثياب من نار } أي فصلت وقدرت على مقادير جثثهم، تشتمل عليهم، كما تقطع الثياب للبوس. وعبر بالماضي لتحقق وقوعه. { يصب من فوق رؤوسهم الحميم } أي: الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنه: " لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها ". { يصهر }: يذاب { به } أي: بالحميم، { ما في بطونهم } من الأمعاء والأحشاء، { والجلود } تذاب أيضا، فيؤثر في الظاهر والباطن، كلما نضجت جلودهم بدلت. وتقديم ما في الباطن للإيذان بأن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس. { ولهم مقامع من حديد } أي: ولتعذيب الكفرة، أو لأجلهم، مقامع: جمع مقمعة، وهي آلة القمع، أي: سياط من حديد، يضربون بها. { كلما أرادوا أن يخرجوا منها } أي: أشرفوا على الخروج من النار، ودنوا منه، حسبما روي: أنها تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا بأعلاها ضربوا بالمقامع، فهووا فيها سبعين خريفا. وقوله: { من غم }: بدل اشتمال من ضمير { منها } بإعادة الجار، والعائد: محذوف، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا من غم شديد من غمومها { أعيدوا فيها } أي: في قعرها، بأن ردوا من أعاليها إلى أسافلها، من غير أن يخرجوا منها، { و } قيل لهم: { ذوقوا عذاب الحريق } أي: الغليظ من النار، العظيم الإحراق. ثم ذكر جزاء الخصم الآخر، وهم أهل الحق، فقال: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } ، وغير الأسلوب فيه، بإسناد الإدخال إلى الله عز وجل، وتصدير الجملة بحرف التأكيد إيذانا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة، وإظهارا لمزيد العناية بحال المؤمنين، { يحلون فيها } من التحلية، وهو التزين، أي: تحليهم الملائكة بأمره تعالى { من أساور } أي: بعض أساور: جمع سوار، { من ذهب } للبيان، أي يلبسون أساور مصنوعة من ذهب، { ولؤلؤا } ، من جره: عطفه على { ذهب } ، أو { أساور } ، ومن نصبه: فعلى محل { من أساور } ، أي: ويحلون لؤلؤا، أو بفعل محذوف، أي: ويؤتون لؤلؤا. { ولباسهم فيها حرير }: أبريسم، وغير الأسلوب، فلم يقل: ويلبسون حريرا لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج للبيان: أي لباس هو، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنها ليست من اللوازم الضرورية، فجعل بيان حليتهم بها مقصودا بالذات. انظر أبا السعود. { وهدوا إلى الطيب من القول } ، وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله أو: الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بدليل قوله: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10]. { وهدوا إلى صراط الحميد } أي: المحمود، وهو الإسلام. أو: ألهمهم الله في الآخرة أن يقولوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم فيها إلى طريق الجنة. وقيل: إلى طريق الوصول إلى الله العزيز الحميد، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية، فقال أهل الظاهر: الحق تعالى لا يرى في دار الدنيا، ولا تمكن معرفته، إلا من جهة الدليل والبرهان، على طريق الإيمان بالغيب. وقال أهل الباطن من أكابر الصوفية: الحق تعالى يرى في هذه الدار، كما يرى في تلك الدار، من طريق العرفان، على نعت الشهود والعيان، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس لأهل التربية النبوية، فلا يزال يحاذيه ويسير به، حتى يقول: ها أنت وربك، فحينئذ تشرق عليه شموس العرفان، فتغطى عنه وجود حس الأكوان، فلا يرى حينئذ إلا المكون، حتى لو كلف أن يرى غيره لم يستطع إذ لا غير معه حتى يشهده. وقال بعضهم: محال أن تشهده، وتشهد معه سواه. وفي مناجاة الحكم العطائية: " إلهي، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! ". وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدا، فمن كفر بها وجحدها قطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونا بسرادقات محيطاته، محصورا في هيكل ذاته، لا يرى إلا ظلمة الأكوان، يصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حر التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حيرة الدهش، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له: ذق عذاب الحريق، وهو حرمانك من شهود التحقيق. إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب. حققنا الله بمقامهم بمنه وكرمه. ثم شرع في المقصود من السورة وهو أحكام الحج

الحج 22:23

قلت: { خصمان }: صفة لمحذوف، أي: فريقان خصمان، والمراد: فريق المؤمنين، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة. وقيل: اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد هنا: الجماعة، بدليل قوله: { اختصموا } بالجمع. يقول الحق جل جلاله: { هذان خصمان } أي: مختصمان { اختصموا } أي: فريق المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: راجع إلى أهل الأديان المذكورة فالمؤمنون خصم، وسائر الخمسة خصم، تخاصموا { في ربهم } أي: في شأنه تعالى، أو في دينه، أو في ذاته وصفاته. والكل من شؤونه تعالى، فكل فريق يصحح اعتقاده. ويبطل اعتقاد خصمه. وقيل: تخاصمت اليهود والمؤمنون فقالت اليهود: نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بنبينا ونبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم كفرتم به حسدا. وكان أبو ذر يقسم أنها نزلت في ستة نفر من قريش، تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، مع عتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد. وقال علي رضي الله عنه: إني لأول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة للخصومة. ه. ثم بين الفصل بينهم، المذكور في قوله: { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } ، فقال: { فالذين كفروا } بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، { قطعت لهم ثياب من نار } أي فصلت وقدرت على مقادير جثثهم، تشتمل عليهم، كما تقطع الثياب للبوس. وعبر بالماضي لتحقق وقوعه. { يصب من فوق رؤوسهم الحميم } أي: الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنه: " لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها ". { يصهر }: يذاب { به } أي: بالحميم، { ما في بطونهم } من الأمعاء والأحشاء، { والجلود } تذاب أيضا، فيؤثر في الظاهر والباطن، كلما نضجت جلودهم بدلت. وتقديم ما في الباطن للإيذان بأن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس. { ولهم مقامع من حديد } أي: ولتعذيب الكفرة، أو لأجلهم، مقامع: جمع مقمعة، وهي آلة القمع، أي: سياط من حديد، يضربون بها. { كلما أرادوا أن يخرجوا منها } أي: أشرفوا على الخروج من النار، ودنوا منه، حسبما روي: أنها تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا بأعلاها ضربوا بالمقامع، فهووا فيها سبعين خريفا. وقوله: { من غم }: بدل اشتمال من ضمير { منها } بإعادة الجار، والعائد: محذوف، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا من غم شديد من غمومها { أعيدوا فيها } أي: في قعرها، بأن ردوا من أعاليها إلى أسافلها، من غير أن يخرجوا منها، { و } قيل لهم: { ذوقوا عذاب الحريق } أي: الغليظ من النار، العظيم الإحراق. ثم ذكر جزاء الخصم الآخر، وهم أهل الحق، فقال: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } ، وغير الأسلوب فيه، بإسناد الإدخال إلى الله عز وجل، وتصدير الجملة بحرف التأكيد إيذانا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة، وإظهارا لمزيد العناية بحال المؤمنين، { يحلون فيها } من التحلية، وهو التزين، أي: تحليهم الملائكة بأمره تعالى { من أساور } أي: بعض أساور: جمع سوار، { من ذهب } للبيان، أي يلبسون أساور مصنوعة من ذهب، { ولؤلؤا } ، من جره: عطفه على { ذهب } ، أو { أساور } ، ومن نصبه: فعلى محل { من أساور } ، أي: ويحلون لؤلؤا، أو بفعل محذوف، أي: ويؤتون لؤلؤا. { ولباسهم فيها حرير }: أبريسم، وغير الأسلوب، فلم يقل: ويلبسون حريرا لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج للبيان: أي لباس هو، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنها ليست من اللوازم الضرورية، فجعل بيان حليتهم بها مقصودا بالذات. انظر أبا السعود. { وهدوا إلى الطيب من القول } ، وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله أو: الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بدليل قوله: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10]. { وهدوا إلى صراط الحميد } أي: المحمود، وهو الإسلام. أو: ألهمهم الله في الآخرة أن يقولوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم فيها إلى طريق الجنة. وقيل: إلى طريق الوصول إلى الله العزيز الحميد، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية، فقال أهل الظاهر: الحق تعالى لا يرى في دار الدنيا، ولا تمكن معرفته، إلا من جهة الدليل والبرهان، على طريق الإيمان بالغيب. وقال أهل الباطن من أكابر الصوفية: الحق تعالى يرى في هذه الدار، كما يرى في تلك الدار، من طريق العرفان، على نعت الشهود والعيان، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس لأهل التربية النبوية، فلا يزال يحاذيه ويسير به، حتى يقول: ها أنت وربك، فحينئذ تشرق عليه شموس العرفان، فتغطى عنه وجود حس الأكوان، فلا يرى حينئذ إلا المكون، حتى لو كلف أن يرى غيره لم يستطع إذ لا غير معه حتى يشهده. وقال بعضهم: محال أن تشهده، وتشهد معه سواه. وفي مناجاة الحكم العطائية: " إلهي، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! ". وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدا، فمن كفر بها وجحدها قطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونا بسرادقات محيطاته، محصورا في هيكل ذاته، لا يرى إلا ظلمة الأكوان، يصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حر التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حيرة الدهش، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له: ذق عذاب الحريق، وهو حرمانك من شهود التحقيق. إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب. حققنا الله بمقامهم بمنه وكرمه. ثم شرع في المقصود من السورة وهو أحكام الحج

الحج 22:24

قلت: { خصمان }: صفة لمحذوف، أي: فريقان خصمان، والمراد: فريق المؤمنين، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة. وقيل: اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد هنا: الجماعة، بدليل قوله: { اختصموا } بالجمع. يقول الحق جل جلاله: { هذان خصمان } أي: مختصمان { اختصموا } أي: فريق المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: راجع إلى أهل الأديان المذكورة فالمؤمنون خصم، وسائر الخمسة خصم، تخاصموا { في ربهم } أي: في شأنه تعالى، أو في دينه، أو في ذاته وصفاته. والكل من شؤونه تعالى، فكل فريق يصحح اعتقاده. ويبطل اعتقاد خصمه. وقيل: تخاصمت اليهود والمؤمنون فقالت اليهود: نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بنبينا ونبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم كفرتم به حسدا. وكان أبو ذر يقسم أنها نزلت في ستة نفر من قريش، تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، مع عتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد. وقال علي رضي الله عنه: إني لأول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة للخصومة. ه. ثم بين الفصل بينهم، المذكور في قوله: { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } ، فقال: { فالذين كفروا } بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، { قطعت لهم ثياب من نار } أي فصلت وقدرت على مقادير جثثهم، تشتمل عليهم، كما تقطع الثياب للبوس. وعبر بالماضي لتحقق وقوعه. { يصب من فوق رؤوسهم الحميم } أي: الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنه: " لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها ". { يصهر }: يذاب { به } أي: بالحميم، { ما في بطونهم } من الأمعاء والأحشاء، { والجلود } تذاب أيضا، فيؤثر في الظاهر والباطن، كلما نضجت جلودهم بدلت. وتقديم ما في الباطن للإيذان بأن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس. { ولهم مقامع من حديد } أي: ولتعذيب الكفرة، أو لأجلهم، مقامع: جمع مقمعة، وهي آلة القمع، أي: سياط من حديد، يضربون بها. { كلما أرادوا أن يخرجوا منها } أي: أشرفوا على الخروج من النار، ودنوا منه، حسبما روي: أنها تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا بأعلاها ضربوا بالمقامع، فهووا فيها سبعين خريفا. وقوله: { من غم }: بدل اشتمال من ضمير { منها } بإعادة الجار، والعائد: محذوف، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا من غم شديد من غمومها { أعيدوا فيها } أي: في قعرها، بأن ردوا من أعاليها إلى أسافلها، من غير أن يخرجوا منها، { و } قيل لهم: { ذوقوا عذاب الحريق } أي: الغليظ من النار، العظيم الإحراق. ثم ذكر جزاء الخصم الآخر، وهم أهل الحق، فقال: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } ، وغير الأسلوب فيه، بإسناد الإدخال إلى الله عز وجل، وتصدير الجملة بحرف التأكيد إيذانا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة، وإظهارا لمزيد العناية بحال المؤمنين، { يحلون فيها } من التحلية، وهو التزين، أي: تحليهم الملائكة بأمره تعالى { من أساور } أي: بعض أساور: جمع سوار، { من ذهب } للبيان، أي يلبسون أساور مصنوعة من ذهب، { ولؤلؤا } ، من جره: عطفه على { ذهب } ، أو { أساور } ، ومن نصبه: فعلى محل { من أساور } ، أي: ويحلون لؤلؤا، أو بفعل محذوف، أي: ويؤتون لؤلؤا. { ولباسهم فيها حرير }: أبريسم، وغير الأسلوب، فلم يقل: ويلبسون حريرا لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج للبيان: أي لباس هو، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنها ليست من اللوازم الضرورية، فجعل بيان حليتهم بها مقصودا بالذات. انظر أبا السعود. { وهدوا إلى الطيب من القول } ، وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله أو: الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بدليل قوله: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10]. { وهدوا إلى صراط الحميد } أي: المحمود، وهو الإسلام. أو: ألهمهم الله في الآخرة أن يقولوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم فيها إلى طريق الجنة. وقيل: إلى طريق الوصول إلى الله العزيز الحميد، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية، فقال أهل الظاهر: الحق تعالى لا يرى في دار الدنيا، ولا تمكن معرفته، إلا من جهة الدليل والبرهان، على طريق الإيمان بالغيب. وقال أهل الباطن من أكابر الصوفية: الحق تعالى يرى في هذه الدار، كما يرى في تلك الدار، من طريق العرفان، على نعت الشهود والعيان، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس لأهل التربية النبوية، فلا يزال يحاذيه ويسير به، حتى يقول: ها أنت وربك، فحينئذ تشرق عليه شموس العرفان، فتغطى عنه وجود حس الأكوان، فلا يرى حينئذ إلا المكون، حتى لو كلف أن يرى غيره لم يستطع إذ لا غير معه حتى يشهده. وقال بعضهم: محال أن تشهده، وتشهد معه سواه. وفي مناجاة الحكم العطائية: " إلهي، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! ". وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدا، فمن كفر بها وجحدها قطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونا بسرادقات محيطاته، محصورا في هيكل ذاته، لا يرى إلا ظلمة الأكوان، يصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حر التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حيرة الدهش، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له: ذق عذاب الحريق، وهو حرمانك من شهود التحقيق. إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب. حققنا الله بمقامهم بمنه وكرمه. ثم شرع في المقصود من السورة وهو أحكام الحج

الحج 22:25

قلت: خبر { إن }: محذوف، يدل عليه ما بعده، أي: الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم لأنه إذا كان الملحد في الحرم معدبا فالجامع بين الكفر والصد أولى. ومن رفع { سواء } جعله خبرا مقدما. و { العاكف }: مبتدأ. ومن نصبه: جعله مفعول { جعل } ، و { العاكف } فاعل به. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا ويصدون } الناس { عن سبيل الله } ، أي: واستمروا على الصد، ولذلك حسن عطفه على الماضي، { و } يصدون أيضا عن { المسجد الحرام } والدخول فيه، كأهل مكة مع المسلمين، { الذي جعلناه للناس } أي: مقاما ومسكنا للناس، كائنا من كان، لا فرق فيه بين مكي وآفاقي، وضعيف وقوي، حاضر وباد. فإن أريد بالمسجد الحرام " مكة " ، ففيه دليل على أن دور مكة لا تباع، وأن الناس فيها سواء، فيجوز للقادم أن ينزل منها حيث شاء، وليس لأحد فيها ملك. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك وغيره: ليست الدور فيها كالمسجد، بل هي متملكة. وإن أريد به البيت كان نصا في إباحته لجميع المؤمنين. وهو مجمع عليه. { سواء العاكف فيه } أي: مستو المقيم فيه { والباد } ، أي: المسافر من أهل البادية، { من يرد فيه } أي: في المسجد، إحداث شيء { بإلحاد } أي: بسبب ميل عن القصد، { بظلم } ، وهما حالان مترادفان، أي: ومن يرد فيه إحداث شيء مائلا عن الحق، ظالما فيه، { نذقه من عذاب أليم } في الآخرة. وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك. { و } اذكر يا محمد { إذ بوأنا }: حين هيأنا { لإبراهيم مكان البيت } وعيناه له، حتى بناه في مكانه مسامتا للبيت المعمور، حيث كان بناه آدم عليه السلام، وقد كان رفع إلى السماء الرابعة، أيام الطوفان، وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله إبراهيم مكانه، بريح أرسلها، يقال لها: الخجوح، فكنست مكان البيت، وقيل: سحابة على قدر البيت، وقيل: كلمته، وقالت له: ابن على قدري. ه. فبناه على أساسه القديم، وفي ابن حجر: أنه جعل طوله في السماء تسعة أذرع، ودوره في الأرض ثلاثين ذراعا بذراعه. وأدخل الحجر في البيت، وكان قبل ذلك لغنم إسماعيل. وبنى الحجارة بعضها على بعض، أي: بلا تراب، ولم يجعل له سقفا، وحفر له بئرا، عند بابه خزانة للبيت، يلقي ما يهدى له. ه. روي أن الكعبة الشريفة بنيت خمس مرات، إحداها: بنتها الملائكة، وكانت من ياقوتة حمراء، ثم رفعت أيام الطوفان. والثانية: بناها إبراهيم عليه السلام، وقيل: إن جرهم كانت بنتها قبله، ثم هدمت، ويدل عليه: التجاء عاد إليها، حين نزل بهم القحط. فأرسل الله عليهم الريح، وكان ذلك قبل إبراهيم عليه السلام، والثالثة: بنتها قريش، وقد حضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة. والرابعة: بناها ابن الزبير، والخامسة: الحجاج. ثم قال تعالى: { أن لا تشرك } أي: وقلنا له: ألا تشرك { بي شيئا } ، بل خلص عملك في بنائها وغيره، من شوائب حظ النفس، عاجلا وآجلا، لا طمعا في جزاء، ولا خوفا من عقوبة، بل محبة وشكرا وعبودية. قال القشيري: أي: لا تلاحظ البيت ولا بنيانك. ه. وقيل: في الآية طعن على من أشرك من قطان البيت، أي: هذا الشرط كان على أبيكم فمن بعده وأنتم، فلم تقبلوه، بل أشركتم وصددتم وألحدتم، فاستحققتم التوبيخ والذم على سلوككم على غير طريق أبيكم. { وطهر بيتي } من الأصنام والأقذار، { للطائفين } به { والقائمين } للصلاة فيه، أو المقيمين فيه، { والركع السجود } أي: المصلين، جمعا من راكع وساجد. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الذين كفروا بطريق الخصوصية، ويصدون الناس عن الدخول فيها، ويعوقونهم عن مسجد الحضرة، الذي جعله للناس محلا تسكن فيه قلوبهم، وتعشش فيه أرواحهم. فكل من قصده وباع نفسه وقلبه لله، وصله ودخله، وهو محل المشاهدة والمكالمة، والمساررة والمناجاة، محل شهود الحبيب والمساررة مع القريب، محل نزهة الأفكار في فضاء الشهود والاستبصار، فمن عاق عنها نذقه من عذاب أليم. وقوله تعالى: { سواء العاكف فيه الباد } ، قال القشيري: فيه إشارة إلى أن التفاوت إنما يكون في الطريق، وأما بعد الوصول، فلا تفاوت. ثم إذا اجتمعت النفوس، فالموضع الواحد مجمعها، ولكن لكل حال يعرف به. ه. قلت: مقام التوحيد الخاص، وهو الفناء، هو محل الاجتماع، وتتفاوت بعد ذلك أذواقهم ومواجيدهم، وازدياد كشوفاتهم وترقياتهم، تفاوتا بعيدا، على حسب التفرغ والانقطاع، والتأهب والاتباع، حسبما سبقت به القسمة الأزلية. وقال الورتجبي، على قوله تعالى: { وإذ بوأنا... } الآية: هيأ لخليله وجميع أحبائه بيته، ودله إلى ما فيه من الكرامات والآيات، وما ألبسه من أنوار حضرته ليكون وسيلة لعبادته، ومرآة لأنوار آياته. ه. قلت: الإشارة بالبيت إلى القلب لأنه بيت الرب، أي: هيأنا لإبراهيم مكان قلبه لمشاهدة أسرار جبروتنا وأنوار ملكوتنا، ليكون من الموقنين بشهود ذاتنا، وقلنا له: لا تشرك بنا شيئا من السوى، ولا ترى معنا غيرنا، وطهر بيتي، الذي هو القلب، من الأغيار والأكدار، ليكون محلا للطائفين به من الواردات والأنوار، والعاكفين فيه من المشاهدات والأسرار، والركع السجود من القلوب التي تواجهك بالتعظيم والانكسار، فإن قلب العارف كعبة للواردات والأسرار، ومحل حج قلوب الصالحين والأبرار. وفي بعض الأثر: " يا داود طهر لي بيتا أسكنه، فقال: يا رب... وأي بيت يسعك؟ فقال: لم يسعني أرضي ولا سمائي. ووسعني قلب عبدي المؤمن ". وفيه عند أهل الحديث كلام. ووسعه للربوبية بالعلم والمعرفة الخاصة. والله تعالى أعلم. ولما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت....

الحج 22:26

قلت: خبر { إن }: محذوف، يدل عليه ما بعده، أي: الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم لأنه إذا كان الملحد في الحرم معدبا فالجامع بين الكفر والصد أولى. ومن رفع { سواء } جعله خبرا مقدما. و { العاكف }: مبتدأ. ومن نصبه: جعله مفعول { جعل } ، و { العاكف } فاعل به. يقول الحق جل جلاله: { إن الذين كفروا ويصدون } الناس { عن سبيل الله } ، أي: واستمروا على الصد، ولذلك حسن عطفه على الماضي، { و } يصدون أيضا عن { المسجد الحرام } والدخول فيه، كأهل مكة مع المسلمين، { الذي جعلناه للناس } أي: مقاما ومسكنا للناس، كائنا من كان، لا فرق فيه بين مكي وآفاقي، وضعيف وقوي، حاضر وباد. فإن أريد بالمسجد الحرام " مكة " ، ففيه دليل على أن دور مكة لا تباع، وأن الناس فيها سواء، فيجوز للقادم أن ينزل منها حيث شاء، وليس لأحد فيها ملك. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك وغيره: ليست الدور فيها كالمسجد، بل هي متملكة. وإن أريد به البيت كان نصا في إباحته لجميع المؤمنين. وهو مجمع عليه. { سواء العاكف فيه } أي: مستو المقيم فيه { والباد } ، أي: المسافر من أهل البادية، { من يرد فيه } أي: في المسجد، إحداث شيء { بإلحاد } أي: بسبب ميل عن القصد، { بظلم } ، وهما حالان مترادفان، أي: ومن يرد فيه إحداث شيء مائلا عن الحق، ظالما فيه، { نذقه من عذاب أليم } في الآخرة. وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك. { و } اذكر يا محمد { إذ بوأنا }: حين هيأنا { لإبراهيم مكان البيت } وعيناه له، حتى بناه في مكانه مسامتا للبيت المعمور، حيث كان بناه آدم عليه السلام، وقد كان رفع إلى السماء الرابعة، أيام الطوفان، وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله إبراهيم مكانه، بريح أرسلها، يقال لها: الخجوح، فكنست مكان البيت، وقيل: سحابة على قدر البيت، وقيل: كلمته، وقالت له: ابن على قدري. ه. فبناه على أساسه القديم، وفي ابن حجر: أنه جعل طوله في السماء تسعة أذرع، ودوره في الأرض ثلاثين ذراعا بذراعه. وأدخل الحجر في البيت، وكان قبل ذلك لغنم إسماعيل. وبنى الحجارة بعضها على بعض، أي: بلا تراب، ولم يجعل له سقفا، وحفر له بئرا، عند بابه خزانة للبيت، يلقي ما يهدى له. ه. روي أن الكعبة الشريفة بنيت خمس مرات، إحداها: بنتها الملائكة، وكانت من ياقوتة حمراء، ثم رفعت أيام الطوفان. والثانية: بناها إبراهيم عليه السلام، وقيل: إن جرهم كانت بنتها قبله، ثم هدمت، ويدل عليه: التجاء عاد إليها، حين نزل بهم القحط. فأرسل الله عليهم الريح، وكان ذلك قبل إبراهيم عليه السلام، والثالثة: بنتها قريش، وقد حضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة. والرابعة: بناها ابن الزبير، والخامسة: الحجاج. ثم قال تعالى: { أن لا تشرك } أي: وقلنا له: ألا تشرك { بي شيئا } ، بل خلص عملك في بنائها وغيره، من شوائب حظ النفس، عاجلا وآجلا، لا طمعا في جزاء، ولا خوفا من عقوبة، بل محبة وشكرا وعبودية. قال القشيري: أي: لا تلاحظ البيت ولا بنيانك. ه. وقيل: في الآية طعن على من أشرك من قطان البيت، أي: هذا الشرط كان على أبيكم فمن بعده وأنتم، فلم تقبلوه، بل أشركتم وصددتم وألحدتم، فاستحققتم التوبيخ والذم على سلوككم على غير طريق أبيكم. { وطهر بيتي } من الأصنام والأقذار، { للطائفين } به { والقائمين } للصلاة فيه، أو المقيمين فيه، { والركع السجود } أي: المصلين، جمعا من راكع وساجد. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الذين كفروا بطريق الخصوصية، ويصدون الناس عن الدخول فيها، ويعوقونهم عن مسجد الحضرة، الذي جعله للناس محلا تسكن فيه قلوبهم، وتعشش فيه أرواحهم. فكل من قصده وباع نفسه وقلبه لله، وصله ودخله، وهو محل المشاهدة والمكالمة، والمساررة والمناجاة، محل شهود الحبيب والمساررة مع القريب، محل نزهة الأفكار في فضاء الشهود والاستبصار، فمن عاق عنها نذقه من عذاب أليم. وقوله تعالى: { سواء العاكف فيه الباد } ، قال القشيري: فيه إشارة إلى أن التفاوت إنما يكون في الطريق، وأما بعد الوصول، فلا تفاوت. ثم إذا اجتمعت النفوس، فالموضع الواحد مجمعها، ولكن لكل حال يعرف به. ه. قلت: مقام التوحيد الخاص، وهو الفناء، هو محل الاجتماع، وتتفاوت بعد ذلك أذواقهم ومواجيدهم، وازدياد كشوفاتهم وترقياتهم، تفاوتا بعيدا، على حسب التفرغ والانقطاع، والتأهب والاتباع، حسبما سبقت به القسمة الأزلية. وقال الورتجبي، على قوله تعالى: { وإذ بوأنا... } الآية: هيأ لخليله وجميع أحبائه بيته، ودله إلى ما فيه من الكرامات والآيات، وما ألبسه من أنوار حضرته ليكون وسيلة لعبادته، ومرآة لأنوار آياته. ه. قلت: الإشارة بالبيت إلى القلب لأنه بيت الرب، أي: هيأنا لإبراهيم مكان قلبه لمشاهدة أسرار جبروتنا وأنوار ملكوتنا، ليكون من الموقنين بشهود ذاتنا، وقلنا له: لا تشرك بنا شيئا من السوى، ولا ترى معنا غيرنا، وطهر بيتي، الذي هو القلب، من الأغيار والأكدار، ليكون محلا للطائفين به من الواردات والأنوار، والعاكفين فيه من المشاهدات والأسرار، والركع السجود من القلوب التي تواجهك بالتعظيم والانكسار، فإن قلب العارف كعبة للواردات والأسرار، ومحل حج قلوب الصالحين والأبرار. وفي بعض الأثر: " يا داود طهر لي بيتا أسكنه، فقال: يا رب... وأي بيت يسعك؟ فقال: لم يسعني أرضي ولا سمائي. ووسعني قلب عبدي المؤمن ". وفيه عند أهل الحديث كلام. ووسعه للربوبية بالعلم والمعرفة الخاصة. والله تعالى أعلم. ولما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت....

الحج 22:27

{ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه... } قلت: { وعلى كل ضامر }: حال معطوفة على حال، أي: يأتوك حال كونهم رجالا وركبانا. و { يأتين }: صفة لكل ضامر لأنه في معنى الجمع. وقرأ عبد الله: " يأتون " ، صفة لرجال. و { رجال }: جمع راجل كقائم وقيام. يقول الحق جل جلاله: لإبراهيم عليه السلام: { وأذن في الناس بالحج } أي: ناد فيهم ليحجوا. روي: أنه عليه السلام صعد أبا قبيس، فقال: يا أيها الناس، حجوا بيت ربكم، فأسمعه الله تعالى الأرواح، فأجاب من قدر له أن يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك. { يأتوك } إن أذنت { رجالا } أي: مشاة { و } ركبانا { على كل ضامر } أي: بعير مهزول، أتعبه بعد الشقة، فهزله، أو زاد هزاله. وقدم الرجال على الركبان لفضيلة المشاة، كما ورد في الحديث { يأتين } تلك الضوامر بركبانها، { من كل فج } طريق { عميق } بعيد. قال محمد بن ياسين: قال لي شيخ في الطواف: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان. فقال: كم بينك وبين البيت؟ فقلت: مسيرة شهرين أو ثلاثة. قال: فأنتم جيران البيت. فقلت: وأنت من أين سعيت؟ فقال: من مسيرة خمس سنوات، وخرجت وأنا شاب، فاكتهلت. فقلت: هذه والله هي الطاعة الجميلة، والمحبة الصادقة، فضحك. وقال: زر من هويت وإن شطت بك الدار وحال من دونه حجب وأستار لا يمنعنك بعد عن زيارته إن المحب لمن يهواه زوار { ليشهدوا منافع لهم } أي: يأتوك ليحضروا منافع لهم، دنيوية ودينية، لا توجد في غير هذه العبادة كالطواف ونظر الكعبة، وتضعيف أمر الصلاة لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم، أو بالمال، وقد اشتمل الحج عليهما، مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال، وقطع الأسباب وقطيعة الأصحاب، وهجرة البلاد والأوطان، ومفارقة الأهل والولدان. ولذلك ورد أنه يكفر الذنوب كلها، كما في الحديث: " من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " { ويذكروا اسم الله } عند ذبح الضحايا والهدايا { في أيام معدودات } ، وهي أيام النحر عند مالك، وعند الشافعي: اليوم الأول والثاني والثالث لأن هذه هي أيام الضحايا عنده. ولم يجز ذبحها بالليل لقوله: { في أيام }. وقال أبو حنيفة: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة ويوم النحر، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وأما الأيام المعدودات، فهي: الثلاثة بعد يوم النحر - فيوم النحر معلوم لا معدود -، ورابعه: معدود لا معلوم، واليومان بعده: معلومان ومعدودان. فيذكروا اسم الله { على ما رزقهم } أي: على ذبح ما رزقهم { من بهيمة الأنعام } ، وهي الإبل والبقر والغنم، { فكلوا منها } من لحومها، والأمر: للإباحة، ولإزاحة ما كانت عليه الجاهلية من التحرج. قال ابن جزي: ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا، ويتصدق بالأكثر. ه. وقال النسفي: ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران لأنه دم نسك لأنه أشبه الأضحية، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا. ه. وهو حنفي، وفي مذهب مالك تفصيل يطول ذكره. { وأطعموا البائس } ، وهو الذي أصابه البؤس، أي: ضرر الحاجة، وقيل: المتعفف، وقيل: الذي يظهر عليه أثر الجوع، { الفقير }: المحتاج الذي أضعفه الإعسار. { ثم ليقضوا تفثهم } أي: ليزيلوا عنهم أدرانهم، قاله نفطويه. وقيل: قضاء التفث: قص الشارب والأظافر، ونتف الإبط، والاستحداد، وسائر خصال الفطرة. وهذا بعد أن يحلوا من الحج التحلل الأصغر بالنحر. { وليوفوا نذورهم } أي: ما ينذرونه من البر في الحج وغيره، وقيل: مواجب حجهم من فعل أركانه، { وليطوفوا } طواف الإفاضة، الذي هو ركن لا يجبر بالدم، وبه يتم الحج، ويكون { بالبيت العتيق }: القديم لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم ثم جدده إبراهيم، أو الكريم، ومنه: عتاق الخيل لكرائمها، أو: لأنه عتق من الغرق، أو من أيدي الجبابرة، فكم من جبار رام هدمه فمنعه الله منه. وقيل: عتيق لم يملكه أحد قط، وهو مطاف أهل الغبراء، كما أن البيت المعمور مطاف أهل السماء. { ذلك } أي: الأمر ذلك، وهذا من فضل الكلام، كما يقدم الكاتب جملة من الكلام، ثم يقول: هذا، وقد كان كذا وكذا وكذا، إذا أراد أن يخرج من كلام إلى كلام آخر، وإن كان له تعلق بما قبله. والكلام هنا متصل بتعظيم حرمات البيت، فقال: { ومن يعظم حرمات الله } ، جمع حرمة، وهو ما لا يحل هتكه من الشريعة، فيدخل ما يتعلق بالحج دخولا أوليا، وقيل: حرمات الله: البيت الحرام، والمشعر الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام. وقيل: المحافظة على الفرائض والسنن واجتناب المعاصي، { فهو خير له } أي: فالتعظيم خير له ثوابا { عند ربه } ، ومعنى التعظيم: العلم بوجوب مراعاتها، والعمل بموجبه، والاهتمام بشأنه والتأدب معه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ثم ليقضوا تفثهم } ، قال القشيري: أي: حوائجهم، ويحققوا عهودهم، ويوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فمن كان عقده التوبة فوفاؤه ألا يرجع إلى العصيان، ومن كان عهده اعتناق الطاعة، فشرط وفائه ترك تقصيره، ومن كان عهده ألا يرجع إلى طلب مقام وتطلع إكرام، فوفاؤه استقامته على الجملة، التي دخل عليها في هذه الطريق، بألا يرجع إلى استعجال نصيب واقتضاء حظ. ه. قلت: ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس، فوفاؤه ألا يرجع عن صحبة من سقاه خمرة المحبة، وحمله إلى درجة المعرفة. ثم قال: ومن عاهد الله بقلبه، ثم لا يفي بذلك، فهو من جملة قول الزور. ه. وهو أيضا ليس بمعظم لحرمات الله، حيث طلبها ثم تهاون وتركها. والله تعالى أعلم. ولما كان الإحرام يحرم لحوم الصيد، فربما يتوهم أن اللحوم كلها تجتنب، رفع ذلك الإبهام، فقال: {... وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفآء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } يقول الحق جل جلاله: { وأحلت لكم الأنعام } أي: أكلها، { إلا ما يتلى } أي: سيتلى { عليكم } منها في آية المائدة، كالميتة والموقوذة وأخواتهما. والمعنى: إن الله قد أحل لكم الأنعام إلا ما بين في كتابه، فحافظوا على حدوده، ولا تحرموا شيئا مما أحل لكم، كتحريم البحيرة وما معها، ولا تحلوا ما حرم، كإحلال المشركين الميتة والموقوذة وغيرهما. ثم نهى عن الأوثان التي كانوا يذبحون لها، فقال: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } لأن ذلك من تعظيم حرمات الله، و { من }: للبيان، أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والرجس: كل ما يستقذر من الخبث، وسمى الأوثان رجسا على طريقة التشبيه، أي: فكما تنفرون بطباعكم من الرجس، فعليكم أن تنفروا عنها. والمراد: النهي عن عبادتها، أو عن الذبح تقربا لها. { واجتنبوا قول الزور } ، وهو تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، ويدخل فيه الكذب والبهتان وشهادة الزور. وقيل: المراد شهادة الزور فقط، لما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالى " ثلاثا، وتلى هذه الآية. والزور من الزور، وهو الانحراف والميل لأن صاحبه ينحرف عن الحق، ولا شك أن الشرك داخل في الزور لأن المشرك يزعم أن الوثن تحق له العبادة، وهو باطل وزور. ثم قال تعالى: { حنفاء لله }: مائلين عن كل دين زائغ إلى دين الحق، مخلصين لله، { غير مشركين به } شيئا من الأشياء، { ومن يشرك بالله } ، أظهر الاسم الجليل لإظهار كمال قبح الشرك، { فكأنما خر }: سقط { من السماء } إلى الأرض لأنه يسقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر. وقيل: هو إشارة إلى ما يكون له حين يصعد بروحه عند الموت، فتطرح من السماء إلى الأرض. قاله ابن البنا. { فتخطفه الطير } أي: تتناوله بسرعة، فالخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة لأن الأهواء المردية كانت توزع أفكاره، { أو تهوي به الريح } أي: تسقطه وتقذفه. والهوى: السقوط. { في مكان سحيق }: بعيد لأن الشيطان قد طرحه في الضلال والتحير الكبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: جعل الحق تعالى شكر النعم أمرين: طهارة الباطن من شرك الميل إلى السوى، ولسانه من زور الدعوى، وهو الترامي على مراتب الرجال قبل التحقق بها، حنيفا موحدا، شاكرا لأنعمه يجتبيه ربه، ويهديه إلى صراط مستقيم. ومن يشرك بالله بأن يحب معه غيره، فقد سقط عن درجة القرب والتحقيق، فتخطفه طيور الحظوظ والشهوات، وتهوي به ريح الهوى، في مكان سحيق. والعياذ بالله. ثم حض على الاعتناء بشأن الهدايا

الحج 22:28

{ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه... } قلت: { وعلى كل ضامر }: حال معطوفة على حال، أي: يأتوك حال كونهم رجالا وركبانا. و { يأتين }: صفة لكل ضامر لأنه في معنى الجمع. وقرأ عبد الله: " يأتون " ، صفة لرجال. و { رجال }: جمع راجل كقائم وقيام. يقول الحق جل جلاله: لإبراهيم عليه السلام: { وأذن في الناس بالحج } أي: ناد فيهم ليحجوا. روي: أنه عليه السلام صعد أبا قبيس، فقال: يا أيها الناس، حجوا بيت ربكم، فأسمعه الله تعالى الأرواح، فأجاب من قدر له أن يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك. { يأتوك } إن أذنت { رجالا } أي: مشاة { و } ركبانا { على كل ضامر } أي: بعير مهزول، أتعبه بعد الشقة، فهزله، أو زاد هزاله. وقدم الرجال على الركبان لفضيلة المشاة، كما ورد في الحديث { يأتين } تلك الضوامر بركبانها، { من كل فج } طريق { عميق } بعيد. قال محمد بن ياسين: قال لي شيخ في الطواف: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان. فقال: كم بينك وبين البيت؟ فقلت: مسيرة شهرين أو ثلاثة. قال: فأنتم جيران البيت. فقلت: وأنت من أين سعيت؟ فقال: من مسيرة خمس سنوات، وخرجت وأنا شاب، فاكتهلت. فقلت: هذه والله هي الطاعة الجميلة، والمحبة الصادقة، فضحك. وقال: زر من هويت وإن شطت بك الدار وحال من دونه حجب وأستار لا يمنعنك بعد عن زيارته إن المحب لمن يهواه زوار { ليشهدوا منافع لهم } أي: يأتوك ليحضروا منافع لهم، دنيوية ودينية، لا توجد في غير هذه العبادة كالطواف ونظر الكعبة، وتضعيف أمر الصلاة لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم، أو بالمال، وقد اشتمل الحج عليهما، مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال، وقطع الأسباب وقطيعة الأصحاب، وهجرة البلاد والأوطان، ومفارقة الأهل والولدان. ولذلك ورد أنه يكفر الذنوب كلها، كما في الحديث: " من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " { ويذكروا اسم الله } عند ذبح الضحايا والهدايا { في أيام معدودات } ، وهي أيام النحر عند مالك، وعند الشافعي: اليوم الأول والثاني والثالث لأن هذه هي أيام الضحايا عنده. ولم يجز ذبحها بالليل لقوله: { في أيام }. وقال أبو حنيفة: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة ويوم النحر، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وأما الأيام المعدودات، فهي: الثلاثة بعد يوم النحر - فيوم النحر معلوم لا معدود -، ورابعه: معدود لا معلوم، واليومان بعده: معلومان ومعدودان. فيذكروا اسم الله { على ما رزقهم } أي: على ذبح ما رزقهم { من بهيمة الأنعام } ، وهي الإبل والبقر والغنم، { فكلوا منها } من لحومها، والأمر: للإباحة، ولإزاحة ما كانت عليه الجاهلية من التحرج. قال ابن جزي: ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا، ويتصدق بالأكثر. ه. وقال النسفي: ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران لأنه دم نسك لأنه أشبه الأضحية، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا. ه. وهو حنفي، وفي مذهب مالك تفصيل يطول ذكره. { وأطعموا البائس } ، وهو الذي أصابه البؤس، أي: ضرر الحاجة، وقيل: المتعفف، وقيل: الذي يظهر عليه أثر الجوع، { الفقير }: المحتاج الذي أضعفه الإعسار. { ثم ليقضوا تفثهم } أي: ليزيلوا عنهم أدرانهم، قاله نفطويه. وقيل: قضاء التفث: قص الشارب والأظافر، ونتف الإبط، والاستحداد، وسائر خصال الفطرة. وهذا بعد أن يحلوا من الحج التحلل الأصغر بالنحر. { وليوفوا نذورهم } أي: ما ينذرونه من البر في الحج وغيره، وقيل: مواجب حجهم من فعل أركانه، { وليطوفوا } طواف الإفاضة، الذي هو ركن لا يجبر بالدم، وبه يتم الحج، ويكون { بالبيت العتيق }: القديم لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم ثم جدده إبراهيم، أو الكريم، ومنه: عتاق الخيل لكرائمها، أو: لأنه عتق من الغرق، أو من أيدي الجبابرة، فكم من جبار رام هدمه فمنعه الله منه. وقيل: عتيق لم يملكه أحد قط، وهو مطاف أهل الغبراء، كما أن البيت المعمور مطاف أهل السماء. { ذلك } أي: الأمر ذلك، وهذا من فضل الكلام، كما يقدم الكاتب جملة من الكلام، ثم يقول: هذا، وقد كان كذا وكذا وكذا، إذا أراد أن يخرج من كلام إلى كلام آخر، وإن كان له تعلق بما قبله. والكلام هنا متصل بتعظيم حرمات البيت، فقال: { ومن يعظم حرمات الله } ، جمع حرمة، وهو ما لا يحل هتكه من الشريعة، فيدخل ما يتعلق بالحج دخولا أوليا، وقيل: حرمات الله: البيت الحرام، والمشعر الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام. وقيل: المحافظة على الفرائض والسنن واجتناب المعاصي، { فهو خير له } أي: فالتعظيم خير له ثوابا { عند ربه } ، ومعنى التعظيم: العلم بوجوب مراعاتها، والعمل بموجبه، والاهتمام بشأنه والتأدب معه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ثم ليقضوا تفثهم } ، قال القشيري: أي: حوائجهم، ويحققوا عهودهم، ويوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فمن كان عقده التوبة فوفاؤه ألا يرجع إلى العصيان، ومن كان عهده اعتناق الطاعة، فشرط وفائه ترك تقصيره، ومن كان عهده ألا يرجع إلى طلب مقام وتطلع إكرام، فوفاؤه استقامته على الجملة، التي دخل عليها في هذه الطريق، بألا يرجع إلى استعجال نصيب واقتضاء حظ. ه. قلت: ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس، فوفاؤه ألا يرجع عن صحبة من سقاه خمرة المحبة، وحمله إلى درجة المعرفة. ثم قال: ومن عاهد الله بقلبه، ثم لا يفي بذلك، فهو من جملة قول الزور. ه. وهو أيضا ليس بمعظم لحرمات الله، حيث طلبها ثم تهاون وتركها. والله تعالى أعلم. ولما كان الإحرام يحرم لحوم الصيد، فربما يتوهم أن اللحوم كلها تجتنب، رفع ذلك الإبهام، فقال: {... وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفآء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } يقول الحق جل جلاله: { وأحلت لكم الأنعام } أي: أكلها، { إلا ما يتلى } أي: سيتلى { عليكم } منها في آية المائدة، كالميتة والموقوذة وأخواتهما. والمعنى: إن الله قد أحل لكم الأنعام إلا ما بين في كتابه، فحافظوا على حدوده، ولا تحرموا شيئا مما أحل لكم، كتحريم البحيرة وما معها، ولا تحلوا ما حرم، كإحلال المشركين الميتة والموقوذة وغيرهما. ثم نهى عن الأوثان التي كانوا يذبحون لها، فقال: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } لأن ذلك من تعظيم حرمات الله، و { من }: للبيان، أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والرجس: كل ما يستقذر من الخبث، وسمى الأوثان رجسا على طريقة التشبيه، أي: فكما تنفرون بطباعكم من الرجس، فعليكم أن تنفروا عنها. والمراد: النهي عن عبادتها، أو عن الذبح تقربا لها. { واجتنبوا قول الزور } ، وهو تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، ويدخل فيه الكذب والبهتان وشهادة الزور. وقيل: المراد شهادة الزور فقط، لما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالى " ثلاثا، وتلى هذه الآية. والزور من الزور، وهو الانحراف والميل لأن صاحبه ينحرف عن الحق، ولا شك أن الشرك داخل في الزور لأن المشرك يزعم أن الوثن تحق له العبادة، وهو باطل وزور. ثم قال تعالى: { حنفاء لله }: مائلين عن كل دين زائغ إلى دين الحق، مخلصين لله، { غير مشركين به } شيئا من الأشياء، { ومن يشرك بالله } ، أظهر الاسم الجليل لإظهار كمال قبح الشرك، { فكأنما خر }: سقط { من السماء } إلى الأرض لأنه يسقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر. وقيل: هو إشارة إلى ما يكون له حين يصعد بروحه عند الموت، فتطرح من السماء إلى الأرض. قاله ابن البنا. { فتخطفه الطير } أي: تتناوله بسرعة، فالخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة لأن الأهواء المردية كانت توزع أفكاره، { أو تهوي به الريح } أي: تسقطه وتقذفه. والهوى: السقوط. { في مكان سحيق }: بعيد لأن الشيطان قد طرحه في الضلال والتحير الكبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: جعل الحق تعالى شكر النعم أمرين: طهارة الباطن من شرك الميل إلى السوى، ولسانه من زور الدعوى، وهو الترامي على مراتب الرجال قبل التحقق بها، حنيفا موحدا، شاكرا لأنعمه يجتبيه ربه، ويهديه إلى صراط مستقيم. ومن يشرك بالله بأن يحب معه غيره، فقد سقط عن درجة القرب والتحقيق، فتخطفه طيور الحظوظ والشهوات، وتهوي به ريح الهوى، في مكان سحيق. والعياذ بالله. ثم حض على الاعتناء بشأن الهدايا

الحج 22:29

{ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه... } قلت: { وعلى كل ضامر }: حال معطوفة على حال، أي: يأتوك حال كونهم رجالا وركبانا. و { يأتين }: صفة لكل ضامر لأنه في معنى الجمع. وقرأ عبد الله: " يأتون " ، صفة لرجال. و { رجال }: جمع راجل كقائم وقيام. يقول الحق جل جلاله: لإبراهيم عليه السلام: { وأذن في الناس بالحج } أي: ناد فيهم ليحجوا. روي: أنه عليه السلام صعد أبا قبيس، فقال: يا أيها الناس، حجوا بيت ربكم، فأسمعه الله تعالى الأرواح، فأجاب من قدر له أن يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك. { يأتوك } إن أذنت { رجالا } أي: مشاة { و } ركبانا { على كل ضامر } أي: بعير مهزول، أتعبه بعد الشقة، فهزله، أو زاد هزاله. وقدم الرجال على الركبان لفضيلة المشاة، كما ورد في الحديث { يأتين } تلك الضوامر بركبانها، { من كل فج } طريق { عميق } بعيد. قال محمد بن ياسين: قال لي شيخ في الطواف: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان. فقال: كم بينك وبين البيت؟ فقلت: مسيرة شهرين أو ثلاثة. قال: فأنتم جيران البيت. فقلت: وأنت من أين سعيت؟ فقال: من مسيرة خمس سنوات، وخرجت وأنا شاب، فاكتهلت. فقلت: هذه والله هي الطاعة الجميلة، والمحبة الصادقة، فضحك. وقال: زر من هويت وإن شطت بك الدار وحال من دونه حجب وأستار لا يمنعنك بعد عن زيارته إن المحب لمن يهواه زوار { ليشهدوا منافع لهم } أي: يأتوك ليحضروا منافع لهم، دنيوية ودينية، لا توجد في غير هذه العبادة كالطواف ونظر الكعبة، وتضعيف أمر الصلاة لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم، أو بالمال، وقد اشتمل الحج عليهما، مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال، وقطع الأسباب وقطيعة الأصحاب، وهجرة البلاد والأوطان، ومفارقة الأهل والولدان. ولذلك ورد أنه يكفر الذنوب كلها، كما في الحديث: " من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " { ويذكروا اسم الله } عند ذبح الضحايا والهدايا { في أيام معدودات } ، وهي أيام النحر عند مالك، وعند الشافعي: اليوم الأول والثاني والثالث لأن هذه هي أيام الضحايا عنده. ولم يجز ذبحها بالليل لقوله: { في أيام }. وقال أبو حنيفة: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة ويوم النحر، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وأما الأيام المعدودات، فهي: الثلاثة بعد يوم النحر - فيوم النحر معلوم لا معدود -، ورابعه: معدود لا معلوم، واليومان بعده: معلومان ومعدودان. فيذكروا اسم الله { على ما رزقهم } أي: على ذبح ما رزقهم { من بهيمة الأنعام } ، وهي الإبل والبقر والغنم، { فكلوا منها } من لحومها، والأمر: للإباحة، ولإزاحة ما كانت عليه الجاهلية من التحرج. قال ابن جزي: ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا، ويتصدق بالأكثر. ه. وقال النسفي: ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران لأنه دم نسك لأنه أشبه الأضحية، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا. ه. وهو حنفي، وفي مذهب مالك تفصيل يطول ذكره. { وأطعموا البائس } ، وهو الذي أصابه البؤس، أي: ضرر الحاجة، وقيل: المتعفف، وقيل: الذي يظهر عليه أثر الجوع، { الفقير }: المحتاج الذي أضعفه الإعسار. { ثم ليقضوا تفثهم } أي: ليزيلوا عنهم أدرانهم، قاله نفطويه. وقيل: قضاء التفث: قص الشارب والأظافر، ونتف الإبط، والاستحداد، وسائر خصال الفطرة. وهذا بعد أن يحلوا من الحج التحلل الأصغر بالنحر. { وليوفوا نذورهم } أي: ما ينذرونه من البر في الحج وغيره، وقيل: مواجب حجهم من فعل أركانه، { وليطوفوا } طواف الإفاضة، الذي هو ركن لا يجبر بالدم، وبه يتم الحج، ويكون { بالبيت العتيق }: القديم لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم ثم جدده إبراهيم، أو الكريم، ومنه: عتاق الخيل لكرائمها، أو: لأنه عتق من الغرق، أو من أيدي الجبابرة، فكم من جبار رام هدمه فمنعه الله منه. وقيل: عتيق لم يملكه أحد قط، وهو مطاف أهل الغبراء، كما أن البيت المعمور مطاف أهل السماء. { ذلك } أي: الأمر ذلك، وهذا من فضل الكلام، كما يقدم الكاتب جملة من الكلام، ثم يقول: هذا، وقد كان كذا وكذا وكذا، إذا أراد أن يخرج من كلام إلى كلام آخر، وإن كان له تعلق بما قبله. والكلام هنا متصل بتعظيم حرمات البيت، فقال: { ومن يعظم حرمات الله } ، جمع حرمة، وهو ما لا يحل هتكه من الشريعة، فيدخل ما يتعلق بالحج دخولا أوليا، وقيل: حرمات الله: البيت الحرام، والمشعر الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام. وقيل: المحافظة على الفرائض والسنن واجتناب المعاصي، { فهو خير له } أي: فالتعظيم خير له ثوابا { عند ربه } ، ومعنى التعظيم: العلم بوجوب مراعاتها، والعمل بموجبه، والاهتمام بشأنه والتأدب معه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ثم ليقضوا تفثهم } ، قال القشيري: أي: حوائجهم، ويحققوا عهودهم، ويوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فمن كان عقده التوبة فوفاؤه ألا يرجع إلى العصيان، ومن كان عهده اعتناق الطاعة، فشرط وفائه ترك تقصيره، ومن كان عهده ألا يرجع إلى طلب مقام وتطلع إكرام، فوفاؤه استقامته على الجملة، التي دخل عليها في هذه الطريق، بألا يرجع إلى استعجال نصيب واقتضاء حظ. ه. قلت: ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس، فوفاؤه ألا يرجع عن صحبة من سقاه خمرة المحبة، وحمله إلى درجة المعرفة. ثم قال: ومن عاهد الله بقلبه، ثم لا يفي بذلك، فهو من جملة قول الزور. ه. وهو أيضا ليس بمعظم لحرمات الله، حيث طلبها ثم تهاون وتركها. والله تعالى أعلم. ولما كان الإحرام يحرم لحوم الصيد، فربما يتوهم أن اللحوم كلها تجتنب، رفع ذلك الإبهام، فقال: {... وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفآء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } يقول الحق جل جلاله: { وأحلت لكم الأنعام } أي: أكلها، { إلا ما يتلى } أي: سيتلى { عليكم } منها في آية المائدة، كالميتة والموقوذة وأخواتهما. والمعنى: إن الله قد أحل لكم الأنعام إلا ما بين في كتابه، فحافظوا على حدوده، ولا تحرموا شيئا مما أحل لكم، كتحريم البحيرة وما معها، ولا تحلوا ما حرم، كإحلال المشركين الميتة والموقوذة وغيرهما. ثم نهى عن الأوثان التي كانوا يذبحون لها، فقال: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } لأن ذلك من تعظيم حرمات الله، و { من }: للبيان، أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والرجس: كل ما يستقذر من الخبث، وسمى الأوثان رجسا على طريقة التشبيه، أي: فكما تنفرون بطباعكم من الرجس، فعليكم أن تنفروا عنها. والمراد: النهي عن عبادتها، أو عن الذبح تقربا لها. { واجتنبوا قول الزور } ، وهو تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، ويدخل فيه الكذب والبهتان وشهادة الزور. وقيل: المراد شهادة الزور فقط، لما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالى " ثلاثا، وتلى هذه الآية. والزور من الزور، وهو الانحراف والميل لأن صاحبه ينحرف عن الحق، ولا شك أن الشرك داخل في الزور لأن المشرك يزعم أن الوثن تحق له العبادة، وهو باطل وزور. ثم قال تعالى: { حنفاء لله }: مائلين عن كل دين زائغ إلى دين الحق، مخلصين لله، { غير مشركين به } شيئا من الأشياء، { ومن يشرك بالله } ، أظهر الاسم الجليل لإظهار كمال قبح الشرك، { فكأنما خر }: سقط { من السماء } إلى الأرض لأنه يسقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر. وقيل: هو إشارة إلى ما يكون له حين يصعد بروحه عند الموت، فتطرح من السماء إلى الأرض. قاله ابن البنا. { فتخطفه الطير } أي: تتناوله بسرعة، فالخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة لأن الأهواء المردية كانت توزع أفكاره، { أو تهوي به الريح } أي: تسقطه وتقذفه. والهوى: السقوط. { في مكان سحيق }: بعيد لأن الشيطان قد طرحه في الضلال والتحير الكبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: جعل الحق تعالى شكر النعم أمرين: طهارة الباطن من شرك الميل إلى السوى، ولسانه من زور الدعوى، وهو الترامي على مراتب الرجال قبل التحقق بها، حنيفا موحدا، شاكرا لأنعمه يجتبيه ربه، ويهديه إلى صراط مستقيم. ومن يشرك بالله بأن يحب معه غيره، فقد سقط عن درجة القرب والتحقيق، فتخطفه طيور الحظوظ والشهوات، وتهوي به ريح الهوى، في مكان سحيق. والعياذ بالله. ثم حض على الاعتناء بشأن الهدايا

الحج 22:30

{ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه... } قلت: { وعلى كل ضامر }: حال معطوفة على حال، أي: يأتوك حال كونهم رجالا وركبانا. و { يأتين }: صفة لكل ضامر لأنه في معنى الجمع. وقرأ عبد الله: " يأتون " ، صفة لرجال. و { رجال }: جمع راجل كقائم وقيام. يقول الحق جل جلاله: لإبراهيم عليه السلام: { وأذن في الناس بالحج } أي: ناد فيهم ليحجوا. روي: أنه عليه السلام صعد أبا قبيس، فقال: يا أيها الناس، حجوا بيت ربكم، فأسمعه الله تعالى الأرواح، فأجاب من قدر له أن يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك. { يأتوك } إن أذنت { رجالا } أي: مشاة { و } ركبانا { على كل ضامر } أي: بعير مهزول، أتعبه بعد الشقة، فهزله، أو زاد هزاله. وقدم الرجال على الركبان لفضيلة المشاة، كما ورد في الحديث { يأتين } تلك الضوامر بركبانها، { من كل فج } طريق { عميق } بعيد. قال محمد بن ياسين: قال لي شيخ في الطواف: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان. فقال: كم بينك وبين البيت؟ فقلت: مسيرة شهرين أو ثلاثة. قال: فأنتم جيران البيت. فقلت: وأنت من أين سعيت؟ فقال: من مسيرة خمس سنوات، وخرجت وأنا شاب، فاكتهلت. فقلت: هذه والله هي الطاعة الجميلة، والمحبة الصادقة، فضحك. وقال: زر من هويت وإن شطت بك الدار وحال من دونه حجب وأستار لا يمنعنك بعد عن زيارته إن المحب لمن يهواه زوار { ليشهدوا منافع لهم } أي: يأتوك ليحضروا منافع لهم، دنيوية ودينية، لا توجد في غير هذه العبادة كالطواف ونظر الكعبة، وتضعيف أمر الصلاة لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم، أو بالمال، وقد اشتمل الحج عليهما، مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال، وقطع الأسباب وقطيعة الأصحاب، وهجرة البلاد والأوطان، ومفارقة الأهل والولدان. ولذلك ورد أنه يكفر الذنوب كلها، كما في الحديث: " من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " { ويذكروا اسم الله } عند ذبح الضحايا والهدايا { في أيام معدودات } ، وهي أيام النحر عند مالك، وعند الشافعي: اليوم الأول والثاني والثالث لأن هذه هي أيام الضحايا عنده. ولم يجز ذبحها بالليل لقوله: { في أيام }. وقال أبو حنيفة: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة ويوم النحر، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وأما الأيام المعدودات، فهي: الثلاثة بعد يوم النحر - فيوم النحر معلوم لا معدود -، ورابعه: معدود لا معلوم، واليومان بعده: معلومان ومعدودان. فيذكروا اسم الله { على ما رزقهم } أي: على ذبح ما رزقهم { من بهيمة الأنعام } ، وهي الإبل والبقر والغنم، { فكلوا منها } من لحومها، والأمر: للإباحة، ولإزاحة ما كانت عليه الجاهلية من التحرج. قال ابن جزي: ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا، ويتصدق بالأكثر. ه. وقال النسفي: ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران لأنه دم نسك لأنه أشبه الأضحية، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا. ه. وهو حنفي، وفي مذهب مالك تفصيل يطول ذكره. { وأطعموا البائس } ، وهو الذي أصابه البؤس، أي: ضرر الحاجة، وقيل: المتعفف، وقيل: الذي يظهر عليه أثر الجوع، { الفقير }: المحتاج الذي أضعفه الإعسار. { ثم ليقضوا تفثهم } أي: ليزيلوا عنهم أدرانهم، قاله نفطويه. وقيل: قضاء التفث: قص الشارب والأظافر، ونتف الإبط، والاستحداد، وسائر خصال الفطرة. وهذا بعد أن يحلوا من الحج التحلل الأصغر بالنحر. { وليوفوا نذورهم } أي: ما ينذرونه من البر في الحج وغيره، وقيل: مواجب حجهم من فعل أركانه، { وليطوفوا } طواف الإفاضة، الذي هو ركن لا يجبر بالدم، وبه يتم الحج، ويكون { بالبيت العتيق }: القديم لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم ثم جدده إبراهيم، أو الكريم، ومنه: عتاق الخيل لكرائمها، أو: لأنه عتق من الغرق، أو من أيدي الجبابرة، فكم من جبار رام هدمه فمنعه الله منه. وقيل: عتيق لم يملكه أحد قط، وهو مطاف أهل الغبراء، كما أن البيت المعمور مطاف أهل السماء. { ذلك } أي: الأمر ذلك، وهذا من فضل الكلام، كما يقدم الكاتب جملة من الكلام، ثم يقول: هذا، وقد كان كذا وكذا وكذا، إذا أراد أن يخرج من كلام إلى كلام آخر، وإن كان له تعلق بما قبله. والكلام هنا متصل بتعظيم حرمات البيت، فقال: { ومن يعظم حرمات الله } ، جمع حرمة، وهو ما لا يحل هتكه من الشريعة، فيدخل ما يتعلق بالحج دخولا أوليا، وقيل: حرمات الله: البيت الحرام، والمشعر الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام. وقيل: المحافظة على الفرائض والسنن واجتناب المعاصي، { فهو خير له } أي: فالتعظيم خير له ثوابا { عند ربه } ، ومعنى التعظيم: العلم بوجوب مراعاتها، والعمل بموجبه، والاهتمام بشأنه والتأدب معه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ثم ليقضوا تفثهم } ، قال القشيري: أي: حوائجهم، ويحققوا عهودهم، ويوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فمن كان عقده التوبة فوفاؤه ألا يرجع إلى العصيان، ومن كان عهده اعتناق الطاعة، فشرط وفائه ترك تقصيره، ومن كان عهده ألا يرجع إلى طلب مقام وتطلع إكرام، فوفاؤه استقامته على الجملة، التي دخل عليها في هذه الطريق، بألا يرجع إلى استعجال نصيب واقتضاء حظ. ه. قلت: ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس، فوفاؤه ألا يرجع عن صحبة من سقاه خمرة المحبة، وحمله إلى درجة المعرفة. ثم قال: ومن عاهد الله بقلبه، ثم لا يفي بذلك، فهو من جملة قول الزور. ه. وهو أيضا ليس بمعظم لحرمات الله، حيث طلبها ثم تهاون وتركها. والله تعالى أعلم. ولما كان الإحرام يحرم لحوم الصيد، فربما يتوهم أن اللحوم كلها تجتنب، رفع ذلك الإبهام، فقال: {... وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفآء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } يقول الحق جل جلاله: { وأحلت لكم الأنعام } أي: أكلها، { إلا ما يتلى } أي: سيتلى { عليكم } منها في آية المائدة، كالميتة والموقوذة وأخواتهما. والمعنى: إن الله قد أحل لكم الأنعام إلا ما بين في كتابه، فحافظوا على حدوده، ولا تحرموا شيئا مما أحل لكم، كتحريم البحيرة وما معها، ولا تحلوا ما حرم، كإحلال المشركين الميتة والموقوذة وغيرهما. ثم نهى عن الأوثان التي كانوا يذبحون لها، فقال: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } لأن ذلك من تعظيم حرمات الله، و { من }: للبيان، أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والرجس: كل ما يستقذر من الخبث، وسمى الأوثان رجسا على طريقة التشبيه، أي: فكما تنفرون بطباعكم من الرجس، فعليكم أن تنفروا عنها. والمراد: النهي عن عبادتها، أو عن الذبح تقربا لها. { واجتنبوا قول الزور } ، وهو تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، ويدخل فيه الكذب والبهتان وشهادة الزور. وقيل: المراد شهادة الزور فقط، لما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالى " ثلاثا، وتلى هذه الآية. والزور من الزور، وهو الانحراف والميل لأن صاحبه ينحرف عن الحق، ولا شك أن الشرك داخل في الزور لأن المشرك يزعم أن الوثن تحق له العبادة، وهو باطل وزور. ثم قال تعالى: { حنفاء لله }: مائلين عن كل دين زائغ إلى دين الحق، مخلصين لله، { غير مشركين به } شيئا من الأشياء، { ومن يشرك بالله } ، أظهر الاسم الجليل لإظهار كمال قبح الشرك، { فكأنما خر }: سقط { من السماء } إلى الأرض لأنه يسقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر. وقيل: هو إشارة إلى ما يكون له حين يصعد بروحه عند الموت، فتطرح من السماء إلى الأرض. قاله ابن البنا. { فتخطفه الطير } أي: تتناوله بسرعة، فالخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة لأن الأهواء المردية كانت توزع أفكاره، { أو تهوي به الريح } أي: تسقطه وتقذفه. والهوى: السقوط. { في مكان سحيق }: بعيد لأن الشيطان قد طرحه في الضلال والتحير الكبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: جعل الحق تعالى شكر النعم أمرين: طهارة الباطن من شرك الميل إلى السوى، ولسانه من زور الدعوى، وهو الترامي على مراتب الرجال قبل التحقق بها، حنيفا موحدا، شاكرا لأنعمه يجتبيه ربه، ويهديه إلى صراط مستقيم. ومن يشرك بالله بأن يحب معه غيره، فقد سقط عن درجة القرب والتحقيق، فتخطفه طيور الحظوظ والشهوات، وتهوي به ريح الهوى، في مكان سحيق. والعياذ بالله. ثم حض على الاعتناء بشأن الهدايا

الحج 22:31

{ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه... } قلت: { وعلى كل ضامر }: حال معطوفة على حال، أي: يأتوك حال كونهم رجالا وركبانا. و { يأتين }: صفة لكل ضامر لأنه في معنى الجمع. وقرأ عبد الله: " يأتون " ، صفة لرجال. و { رجال }: جمع راجل كقائم وقيام. يقول الحق جل جلاله: لإبراهيم عليه السلام: { وأذن في الناس بالحج } أي: ناد فيهم ليحجوا. روي: أنه عليه السلام صعد أبا قبيس، فقال: يا أيها الناس، حجوا بيت ربكم، فأسمعه الله تعالى الأرواح، فأجاب من قدر له أن يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك. { يأتوك } إن أذنت { رجالا } أي: مشاة { و } ركبانا { على كل ضامر } أي: بعير مهزول، أتعبه بعد الشقة، فهزله، أو زاد هزاله. وقدم الرجال على الركبان لفضيلة المشاة، كما ورد في الحديث { يأتين } تلك الضوامر بركبانها، { من كل فج } طريق { عميق } بعيد. قال محمد بن ياسين: قال لي شيخ في الطواف: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان. فقال: كم بينك وبين البيت؟ فقلت: مسيرة شهرين أو ثلاثة. قال: فأنتم جيران البيت. فقلت: وأنت من أين سعيت؟ فقال: من مسيرة خمس سنوات، وخرجت وأنا شاب، فاكتهلت. فقلت: هذه والله هي الطاعة الجميلة، والمحبة الصادقة، فضحك. وقال: زر من هويت وإن شطت بك الدار وحال من دونه حجب وأستار لا يمنعنك بعد عن زيارته إن المحب لمن يهواه زوار { ليشهدوا منافع لهم } أي: يأتوك ليحضروا منافع لهم، دنيوية ودينية، لا توجد في غير هذه العبادة كالطواف ونظر الكعبة، وتضعيف أمر الصلاة لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم، أو بالمال، وقد اشتمل الحج عليهما، مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال، وقطع الأسباب وقطيعة الأصحاب، وهجرة البلاد والأوطان، ومفارقة الأهل والولدان. ولذلك ورد أنه يكفر الذنوب كلها، كما في الحديث: " من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " { ويذكروا اسم الله } عند ذبح الضحايا والهدايا { في أيام معدودات } ، وهي أيام النحر عند مالك، وعند الشافعي: اليوم الأول والثاني والثالث لأن هذه هي أيام الضحايا عنده. ولم يجز ذبحها بالليل لقوله: { في أيام }. وقال أبو حنيفة: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة ويوم النحر، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وأما الأيام المعدودات، فهي: الثلاثة بعد يوم النحر - فيوم النحر معلوم لا معدود -، ورابعه: معدود لا معلوم، واليومان بعده: معلومان ومعدودان. فيذكروا اسم الله { على ما رزقهم } أي: على ذبح ما رزقهم { من بهيمة الأنعام } ، وهي الإبل والبقر والغنم، { فكلوا منها } من لحومها، والأمر: للإباحة، ولإزاحة ما كانت عليه الجاهلية من التحرج. قال ابن جزي: ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا، ويتصدق بالأكثر. ه. وقال النسفي: ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران لأنه دم نسك لأنه أشبه الأضحية، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا. ه. وهو حنفي، وفي مذهب مالك تفصيل يطول ذكره. { وأطعموا البائس } ، وهو الذي أصابه البؤس، أي: ضرر الحاجة، وقيل: المتعفف، وقيل: الذي يظهر عليه أثر الجوع، { الفقير }: المحتاج الذي أضعفه الإعسار. { ثم ليقضوا تفثهم } أي: ليزيلوا عنهم أدرانهم، قاله نفطويه. وقيل: قضاء التفث: قص الشارب والأظافر، ونتف الإبط، والاستحداد، وسائر خصال الفطرة. وهذا بعد أن يحلوا من الحج التحلل الأصغر بالنحر. { وليوفوا نذورهم } أي: ما ينذرونه من البر في الحج وغيره، وقيل: مواجب حجهم من فعل أركانه، { وليطوفوا } طواف الإفاضة، الذي هو ركن لا يجبر بالدم، وبه يتم الحج، ويكون { بالبيت العتيق }: القديم لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم ثم جدده إبراهيم، أو الكريم، ومنه: عتاق الخيل لكرائمها، أو: لأنه عتق من الغرق، أو من أيدي الجبابرة، فكم من جبار رام هدمه فمنعه الله منه. وقيل: عتيق لم يملكه أحد قط، وهو مطاف أهل الغبراء، كما أن البيت المعمور مطاف أهل السماء. { ذلك } أي: الأمر ذلك، وهذا من فضل الكلام، كما يقدم الكاتب جملة من الكلام، ثم يقول: هذا، وقد كان كذا وكذا وكذا، إذا أراد أن يخرج من كلام إلى كلام آخر، وإن كان له تعلق بما قبله. والكلام هنا متصل بتعظيم حرمات البيت، فقال: { ومن يعظم حرمات الله } ، جمع حرمة، وهو ما لا يحل هتكه من الشريعة، فيدخل ما يتعلق بالحج دخولا أوليا، وقيل: حرمات الله: البيت الحرام، والمشعر الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام. وقيل: المحافظة على الفرائض والسنن واجتناب المعاصي، { فهو خير له } أي: فالتعظيم خير له ثوابا { عند ربه } ، ومعنى التعظيم: العلم بوجوب مراعاتها، والعمل بموجبه، والاهتمام بشأنه والتأدب معه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ثم ليقضوا تفثهم } ، قال القشيري: أي: حوائجهم، ويحققوا عهودهم، ويوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فمن كان عقده التوبة فوفاؤه ألا يرجع إلى العصيان، ومن كان عهده اعتناق الطاعة، فشرط وفائه ترك تقصيره، ومن كان عهده ألا يرجع إلى طلب مقام وتطلع إكرام، فوفاؤه استقامته على الجملة، التي دخل عليها في هذه الطريق، بألا يرجع إلى استعجال نصيب واقتضاء حظ. ه. قلت: ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس، فوفاؤه ألا يرجع عن صحبة من سقاه خمرة المحبة، وحمله إلى درجة المعرفة. ثم قال: ومن عاهد الله بقلبه، ثم لا يفي بذلك، فهو من جملة قول الزور. ه. وهو أيضا ليس بمعظم لحرمات الله، حيث طلبها ثم تهاون وتركها. والله تعالى أعلم. ولما كان الإحرام يحرم لحوم الصيد، فربما يتوهم أن اللحوم كلها تجتنب، رفع ذلك الإبهام، فقال: {... وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفآء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } يقول الحق جل جلاله: { وأحلت لكم الأنعام } أي: أكلها، { إلا ما يتلى } أي: سيتلى { عليكم } منها في آية المائدة، كالميتة والموقوذة وأخواتهما. والمعنى: إن الله قد أحل لكم الأنعام إلا ما بين في كتابه، فحافظوا على حدوده، ولا تحرموا شيئا مما أحل لكم، كتحريم البحيرة وما معها، ولا تحلوا ما حرم، كإحلال المشركين الميتة والموقوذة وغيرهما. ثم نهى عن الأوثان التي كانوا يذبحون لها، فقال: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } لأن ذلك من تعظيم حرمات الله، و { من }: للبيان، أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والرجس: كل ما يستقذر من الخبث، وسمى الأوثان رجسا على طريقة التشبيه، أي: فكما تنفرون بطباعكم من الرجس، فعليكم أن تنفروا عنها. والمراد: النهي عن عبادتها، أو عن الذبح تقربا لها. { واجتنبوا قول الزور } ، وهو تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، ويدخل فيه الكذب والبهتان وشهادة الزور. وقيل: المراد شهادة الزور فقط، لما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالى " ثلاثا، وتلى هذه الآية. والزور من الزور، وهو الانحراف والميل لأن صاحبه ينحرف عن الحق، ولا شك أن الشرك داخل في الزور لأن المشرك يزعم أن الوثن تحق له العبادة، وهو باطل وزور. ثم قال تعالى: { حنفاء لله }: مائلين عن كل دين زائغ إلى دين الحق، مخلصين لله، { غير مشركين به } شيئا من الأشياء، { ومن يشرك بالله } ، أظهر الاسم الجليل لإظهار كمال قبح الشرك، { فكأنما خر }: سقط { من السماء } إلى الأرض لأنه يسقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر. وقيل: هو إشارة إلى ما يكون له حين يصعد بروحه عند الموت، فتطرح من السماء إلى الأرض. قاله ابن البنا. { فتخطفه الطير } أي: تتناوله بسرعة، فالخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة لأن الأهواء المردية كانت توزع أفكاره، { أو تهوي به الريح } أي: تسقطه وتقذفه. والهوى: السقوط. { في مكان سحيق }: بعيد لأن الشيطان قد طرحه في الضلال والتحير الكبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: جعل الحق تعالى شكر النعم أمرين: طهارة الباطن من شرك الميل إلى السوى، ولسانه من زور الدعوى، وهو الترامي على مراتب الرجال قبل التحقق بها، حنيفا موحدا، شاكرا لأنعمه يجتبيه ربه، ويهديه إلى صراط مستقيم. ومن يشرك بالله بأن يحب معه غيره، فقد سقط عن درجة القرب والتحقيق، فتخطفه طيور الحظوظ والشهوات، وتهوي به ريح الهوى، في مكان سحيق. والعياذ بالله. ثم حض على الاعتناء بشأن الهدايا

الحج 22:32

يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: الأمر ذلك، أو امتثلوا ذلك، { ومن يعظم شعائر الله } أي: الهدايا، فإنها معالم الدين وشعائره تعالى، كما ينبئ عنه: { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } وتعظيمها: اعتقاد التقرب بها، وأن يختارها سمانا حسانا غالية الأثمان، روي " أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة، فيها جمل لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب ". وأن عمر رضي الله عنه - أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار -. وقيل: شعائر الله: مواضع الحج، كعرفة ومنى والمزدلفة. وتعظيمها: إجلالها وتوقيرها، والتقصد إليها. وقيل: الشعائر: أمور الدين على الإطلاق، وتعظيمها: القيام بها ومراعاة آدابها. { فإنها } أي: فإن تعظيمها { من تقوى القلوب } أي: من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات. أو فإن تعظيمها ناشئ من تقوى القلوب لأنها مراكز التقوى. { لكم فيها منافع } من الركوب عند الحاجة، ولبنها عند الضرورة، { إلى أجل مسمى } إلى أن تنحر. ومن قال: شعائر الله: مواضع الحج، فالمنافع: التجارة فيها والأجر، والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة. { ثم محلها } منتهية { إلى البيت العتيق } ، قال ابن جزي: من قال: إن الشعائر الهدايا، فمحلها موضع نحرها، وهي منى ومكة. وخص البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم، وهو المقصود بالهدي. و " ثم " ، على هذا، ليست للترتيب في الزمان لأن محلها قبل نحرها، وإنما هي لترتيب الجمل. ومن قال: إن الشعائر مواضع الحج، فمحلها مأخوذ من إحلال المحرم، أي: آخر ذلك كله: الطواف بالبيت، أي: طواف الإفاضة إذ به يحل المحرم. ه. أي: محل شعائر الحج كلها تنتهي إلى الطواف بالبيت، طواف الإفاضة. ومثله في الموطأ. { ولكل أمة } جماعة مؤمنة قبلكم، { جعلنا منسكا } أي: متعبدا وقربانا يتقربون به إلى الله - عز وجل - والمنسك - بالفتح -: مصدر، وبالكسر: اسم موضع النسك، أي: لكل حعلنا عبادة يتعبدون بها، أو موضع قربان، يذبحون فيه مناسكهم، { ليذكروا اسم الله } دون غيره، { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } أي: عند نحرها وذبحها، { فإلهكم إله واحد } أي: اذكروا على الذبائح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد، { فله أسلموا } أي: فإذا كان إلهكم إلها واحدا فأخلصوا له التقرب، أو الذكر خاصة، واجعلوه له سالما، لا تشوبوه بإشراك. { وبشر المخبتين } المطمئنين بذكر الله، أو المتواضعين، أو المخلصين، فإن الإخبات من الوظائف الخاصة بهم. والخبت: المطمئن من الأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنه: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقيل: تفسيره ما بعده، وهو قوله: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }: خافت منه هيبة لإشراق أشعة جلاله عليها. { والصابرين على ما أصابهم } من مشاق التكاليف ومصائب الزمان والنوائب، { والمقيمي الصلاة } في أوقاتها، { ومما رزقناهم ينفقون } في وجوه الخيرات. { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } أي: من أعلام دينه، وأضافها إلى نفسه تعظيما لها، وهي: جمع بدنة، سميت به لعظم بدنها، ويتناول الإبل والبقر والغنم. { لكم فيها خير } أي: منافع دينية ودنيوية، النفع في الدنيا، والأجر في العقبى. { فاذكروا اسم الله عليها } بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، اللهم منك وإليك. حال كونها { صواف } أي: قائمات، قد صففن أيديهن وأرجلهن. { فإذا وجبت جنوبها }: سقطت على الأرض، وسكنت حركتها، من وجب الحائط وجبة: سقط، وهي كناية عن الموت. { فكلوا منها } إن شئتم { وأطعموا القانع }: السائل، من: قنع إليه قنوعا: إذا خضع، { والمعتر } الذي يعرض ولا يسأل. وقيل: القانع: الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال، والمعتر: المتعرض للسؤال. { كذلك سخرناها لكم } أي: كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم، أي: ذللناها لكم، مع قوتها وعظم أجرامها لتتمكنوا من نحرها، { لعلكم تشكرون } أي: لكي تشكروا إنعام الله عليكم. { لن ينال الله لحومها } المتصدق بها، { ولا دماؤها } المهراقة بالنحر، أي: لن يصل إلى الله اللحم والدم، { ولكن يناله التقوى منكم } فإنه هو الذي طلب منكم، وعليه يحصل الثواب. والمراد: لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى، أي: الإخلاص لله، وقصد وجه الله، بما تذبحون وتنحرون من الهدايا. فعبر عن هذا المعنى بلفظ { ينال } مبالغة وتأكيدا، كأنه قال: لن تصل لحومها ولا دماؤها إلى الله، وإنما يصل إليه التقوى منكم، وقيل: كان أهل الجاهلية يلطخون الكعبة بدماء قربانهم، فهم المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك، فنزلت الآية. { كذلك سخرها لكم } أي: البدن، وهو تكرير للتذكير والتعليل، لقوله: { لتكبروا الله على ما هداكم } أي: لتعرفوا عظمة الله، باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره، فتوحدوه بالكبرياء شكرا على هدايته لكم. وقيل: هو التكبير عند الذبح { وبشر المحسنين }: المخلصين في كل ما يأتون ويذرون في أمور دينهم. وبالله التوفيق. الإشارة: أعظم شعائر الله التي يجب تعظيمها أولياء الله، الدالين على الله، ثم الفقراء المتوجهون إلى الله، ثم العلماء المعلمون أحكام الله، ثم الصالحون المنتسبون إلى الله، ثم عامة المؤمنين الذين هم من جملة عباد الله. ويجب تعظيم من نصبه الله لقيام خطة من الخطط لإصلاح العباد كالسلاطين، ولو لم يعدلوا، والقضاة والقواد، والمقدمين لأمور العامة، فتعظيم هؤلاء كله من تقوى القلوب. ويدخل في ذلك: الأماكن المعظمة كالمساجد والزوايا، وأما الفقير فيعظم كل ما خلق الله حتى الكلاب، ويتأدب مع كل مخلوق. وقوله تعالى: { لكم فيها منافع } أي: لكم في هذه التجليات، إن عظمتموها وعرفتم الله فيها، منافع، ترعون من أنوارها وتشربون من خمرة أسرارها، فتزدادوا معرفة وتكميلا، إلى أجل مسمى، وهو مقام التمكين، فحينئذ تواجهه أنوار المواجهة، فتكون الأنوار له، لا هو للأنوار، لأنه لله لا لشئ دونه، قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون [الأنعام: 91]. ثم محل هذه الأنوار إلى بيت الحضرة، فحينئذ يستغني بالله عن كل ما سواه. وقوله تعالى: { ولكل أمة جعلنا منسكا } أي: لكل عصر جعلنا تربية مخصوصة، والوصول واحد ولذلك قال: { فإلهكم إله واحد }. وقال القشيري: الشرائع مختلفة فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف. ثم قال: ذكرهم الله بأنه هو الذي أمرهم ويثيبهم، { فله أسلموا }: استسلموا لحكمه، من غير استكراه من داخل القلب ولا من اللفظ. ه. وقوله تعالى: { والبدن... } الآية. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى ذبح النفس بالمجاهدات، وزمها بالرياضات عن المخالفات، وفناء الوجود للمشاهدات، حتى لا يبقى للعارف في طريقه حظ من حظوظه، ويبقى لله مفردا من جميع الخلائق. ه. وفي قوله تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها صواف } ، إشارة إلى أن النفس لا تموت إلا بصحبة من ماتت نفسه، فلا تموت النفس مع صحبة أهل النفوس الحية أبدا. فإذا ماتت وسقطت جنوبها، وظفرتم بها فكلوا من أنوار أسرارها وعلومها لأن النفس، إذا ماتت، حييت الروح، وفاضت عليها العلوم اللدنية، فكلوا منها، وأطعموا السائل والمتعرض لنفحاتكم. وقوله تعالى: { لن ينال الله لحومها... } الآية، قال الورتجبي: الإشارة فيه إلى جميع الأعمال الصالحة من العرش إلى الثرى، لا يلحق الحق بحق المراد منه، ولكن يصل إليه قلب جريح من محبته، ذبح بسيف شوقه، مطروح على باب عشقه. قال سهل في قوله: { ولكن يناله التقوى }: هو التبري والإخلاص. ه. قال القشيري: لا عبرة بإظهار الأفعال، سواء كانت بدنية أو مالية صرفا، أو مما يتعلق بالوجهين، ولكن العبرة بقرائنها من الإخلاص، فإذا انضاف إلى الجوارح إخلاص القصود، وتجردت عن ملاحظة أصحابها الأغيار، صلحت للقبول، وينال صاحبها القرب، بشهود الحق بنعت التفرد. ثم قال: { لتكبروا الله على ما هداكم } وأرشدكم إلى القيام بحق العبودية على قضية الشرع، { وبشر المحسنين } ، الإحسان، كما في الخبر: " أن تعبد الله كأنك تراه " وأمارة صحته: سقوط تعب القلب عن صاحبه، فلا يستثقل شيئا ولا يتبرم بشيء. ه. قلت: خواطر الاستثقال والتبرم لا تضر لأنه طبع بشري، وإنما يضر ما سكن في القلب. وقال في الإحياء: ليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم، بل ميل القلب عن حب الدنيا، وبذلها إيثارا لوجه الله تعالى، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة، وإن عاق عن العمل عائق. فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، والتقوى ها هنا عمل القلب، من نية القربة، وإرادة الخير، وإخلاص القصد لله، وهو المقصود، وعمل الظاهر مؤكد له، ولذلك كانت نية المؤمن أبلغ من عمله فإن الطاعات غذاء القلوب، والمقصود: لذة السعادة بلقاء الله تعالى، والتنعم بها، وذلك فرع محبته والأنس به، ولا يكون إلا بذكره، ولا يفرغ إلا بالزهد في الدنيا، وترك شواغلها والانقطاع عنها. ه. ومن كانت هذه صفته كان من المحسنين....

الحج 22:33

يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: الأمر ذلك، أو امتثلوا ذلك، { ومن يعظم شعائر الله } أي: الهدايا، فإنها معالم الدين وشعائره تعالى، كما ينبئ عنه: { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } وتعظيمها: اعتقاد التقرب بها، وأن يختارها سمانا حسانا غالية الأثمان، روي " أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة، فيها جمل لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب ". وأن عمر رضي الله عنه - أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار -. وقيل: شعائر الله: مواضع الحج، كعرفة ومنى والمزدلفة. وتعظيمها: إجلالها وتوقيرها، والتقصد إليها. وقيل: الشعائر: أمور الدين على الإطلاق، وتعظيمها: القيام بها ومراعاة آدابها. { فإنها } أي: فإن تعظيمها { من تقوى القلوب } أي: من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات. أو فإن تعظيمها ناشئ من تقوى القلوب لأنها مراكز التقوى. { لكم فيها منافع } من الركوب عند الحاجة، ولبنها عند الضرورة، { إلى أجل مسمى } إلى أن تنحر. ومن قال: شعائر الله: مواضع الحج، فالمنافع: التجارة فيها والأجر، والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة. { ثم محلها } منتهية { إلى البيت العتيق } ، قال ابن جزي: من قال: إن الشعائر الهدايا، فمحلها موضع نحرها، وهي منى ومكة. وخص البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم، وهو المقصود بالهدي. و " ثم " ، على هذا، ليست للترتيب في الزمان لأن محلها قبل نحرها، وإنما هي لترتيب الجمل. ومن قال: إن الشعائر مواضع الحج، فمحلها مأخوذ من إحلال المحرم، أي: آخر ذلك كله: الطواف بالبيت، أي: طواف الإفاضة إذ به يحل المحرم. ه. أي: محل شعائر الحج كلها تنتهي إلى الطواف بالبيت، طواف الإفاضة. ومثله في الموطأ. { ولكل أمة } جماعة مؤمنة قبلكم، { جعلنا منسكا } أي: متعبدا وقربانا يتقربون به إلى الله - عز وجل - والمنسك - بالفتح -: مصدر، وبالكسر: اسم موضع النسك، أي: لكل حعلنا عبادة يتعبدون بها، أو موضع قربان، يذبحون فيه مناسكهم، { ليذكروا اسم الله } دون غيره، { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } أي: عند نحرها وذبحها، { فإلهكم إله واحد } أي: اذكروا على الذبائح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد، { فله أسلموا } أي: فإذا كان إلهكم إلها واحدا فأخلصوا له التقرب، أو الذكر خاصة، واجعلوه له سالما، لا تشوبوه بإشراك. { وبشر المخبتين } المطمئنين بذكر الله، أو المتواضعين، أو المخلصين، فإن الإخبات من الوظائف الخاصة بهم. والخبت: المطمئن من الأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنه: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقيل: تفسيره ما بعده، وهو قوله: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }: خافت منه هيبة لإشراق أشعة جلاله عليها. { والصابرين على ما أصابهم } من مشاق التكاليف ومصائب الزمان والنوائب، { والمقيمي الصلاة } في أوقاتها، { ومما رزقناهم ينفقون } في وجوه الخيرات. { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } أي: من أعلام دينه، وأضافها إلى نفسه تعظيما لها، وهي: جمع بدنة، سميت به لعظم بدنها، ويتناول الإبل والبقر والغنم. { لكم فيها خير } أي: منافع دينية ودنيوية، النفع في الدنيا، والأجر في العقبى. { فاذكروا اسم الله عليها } بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، اللهم منك وإليك. حال كونها { صواف } أي: قائمات، قد صففن أيديهن وأرجلهن. { فإذا وجبت جنوبها }: سقطت على الأرض، وسكنت حركتها، من وجب الحائط وجبة: سقط، وهي كناية عن الموت. { فكلوا منها } إن شئتم { وأطعموا القانع }: السائل، من: قنع إليه قنوعا: إذا خضع، { والمعتر } الذي يعرض ولا يسأل. وقيل: القانع: الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال، والمعتر: المتعرض للسؤال. { كذلك سخرناها لكم } أي: كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم، أي: ذللناها لكم، مع قوتها وعظم أجرامها لتتمكنوا من نحرها، { لعلكم تشكرون } أي: لكي تشكروا إنعام الله عليكم. { لن ينال الله لحومها } المتصدق بها، { ولا دماؤها } المهراقة بالنحر، أي: لن يصل إلى الله اللحم والدم، { ولكن يناله التقوى منكم } فإنه هو الذي طلب منكم، وعليه يحصل الثواب. والمراد: لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى، أي: الإخلاص لله، وقصد وجه الله، بما تذبحون وتنحرون من الهدايا. فعبر عن هذا المعنى بلفظ { ينال } مبالغة وتأكيدا، كأنه قال: لن تصل لحومها ولا دماؤها إلى الله، وإنما يصل إليه التقوى منكم، وقيل: كان أهل الجاهلية يلطخون الكعبة بدماء قربانهم، فهم المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك، فنزلت الآية. { كذلك سخرها لكم } أي: البدن، وهو تكرير للتذكير والتعليل، لقوله: { لتكبروا الله على ما هداكم } أي: لتعرفوا عظمة الله، باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره، فتوحدوه بالكبرياء شكرا على هدايته لكم. وقيل: هو التكبير عند الذبح { وبشر المحسنين }: المخلصين في كل ما يأتون ويذرون في أمور دينهم. وبالله التوفيق. الإشارة: أعظم شعائر الله التي يجب تعظيمها أولياء الله، الدالين على الله، ثم الفقراء المتوجهون إلى الله، ثم العلماء المعلمون أحكام الله، ثم الصالحون المنتسبون إلى الله، ثم عامة المؤمنين الذين هم من جملة عباد الله. ويجب تعظيم من نصبه الله لقيام خطة من الخطط لإصلاح العباد كالسلاطين، ولو لم يعدلوا، والقضاة والقواد، والمقدمين لأمور العامة، فتعظيم هؤلاء كله من تقوى القلوب. ويدخل في ذلك: الأماكن المعظمة كالمساجد والزوايا، وأما الفقير فيعظم كل ما خلق الله حتى الكلاب، ويتأدب مع كل مخلوق. وقوله تعالى: { لكم فيها منافع } أي: لكم في هذه التجليات، إن عظمتموها وعرفتم الله فيها، منافع، ترعون من أنوارها وتشربون من خمرة أسرارها، فتزدادوا معرفة وتكميلا، إلى أجل مسمى، وهو مقام التمكين، فحينئذ تواجهه أنوار المواجهة، فتكون الأنوار له، لا هو للأنوار، لأنه لله لا لشئ دونه، قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون [الأنعام: 91]. ثم محل هذه الأنوار إلى بيت الحضرة، فحينئذ يستغني بالله عن كل ما سواه. وقوله تعالى: { ولكل أمة جعلنا منسكا } أي: لكل عصر جعلنا تربية مخصوصة، والوصول واحد ولذلك قال: { فإلهكم إله واحد }. وقال القشيري: الشرائع مختلفة فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف. ثم قال: ذكرهم الله بأنه هو الذي أمرهم ويثيبهم، { فله أسلموا }: استسلموا لحكمه، من غير استكراه من داخل القلب ولا من اللفظ. ه. وقوله تعالى: { والبدن... } الآية. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى ذبح النفس بالمجاهدات، وزمها بالرياضات عن المخالفات، وفناء الوجود للمشاهدات، حتى لا يبقى للعارف في طريقه حظ من حظوظه، ويبقى لله مفردا من جميع الخلائق. ه. وفي قوله تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها صواف } ، إشارة إلى أن النفس لا تموت إلا بصحبة من ماتت نفسه، فلا تموت النفس مع صحبة أهل النفوس الحية أبدا. فإذا ماتت وسقطت جنوبها، وظفرتم بها فكلوا من أنوار أسرارها وعلومها لأن النفس، إذا ماتت، حييت الروح، وفاضت عليها العلوم اللدنية، فكلوا منها، وأطعموا السائل والمتعرض لنفحاتكم. وقوله تعالى: { لن ينال الله لحومها... } الآية، قال الورتجبي: الإشارة فيه إلى جميع الأعمال الصالحة من العرش إلى الثرى، لا يلحق الحق بحق المراد منه، ولكن يصل إليه قلب جريح من محبته، ذبح بسيف شوقه، مطروح على باب عشقه. قال سهل في قوله: { ولكن يناله التقوى }: هو التبري والإخلاص. ه. قال القشيري: لا عبرة بإظهار الأفعال، سواء كانت بدنية أو مالية صرفا، أو مما يتعلق بالوجهين، ولكن العبرة بقرائنها من الإخلاص، فإذا انضاف إلى الجوارح إخلاص القصود، وتجردت عن ملاحظة أصحابها الأغيار، صلحت للقبول، وينال صاحبها القرب، بشهود الحق بنعت التفرد. ثم قال: { لتكبروا الله على ما هداكم } وأرشدكم إلى القيام بحق العبودية على قضية الشرع، { وبشر المحسنين } ، الإحسان، كما في الخبر: " أن تعبد الله كأنك تراه " وأمارة صحته: سقوط تعب القلب عن صاحبه، فلا يستثقل شيئا ولا يتبرم بشيء. ه. قلت: خواطر الاستثقال والتبرم لا تضر لأنه طبع بشري، وإنما يضر ما سكن في القلب. وقال في الإحياء: ليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم، بل ميل القلب عن حب الدنيا، وبذلها إيثارا لوجه الله تعالى، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة، وإن عاق عن العمل عائق. فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، والتقوى ها هنا عمل القلب، من نية القربة، وإرادة الخير، وإخلاص القصد لله، وهو المقصود، وعمل الظاهر مؤكد له، ولذلك كانت نية المؤمن أبلغ من عمله فإن الطاعات غذاء القلوب، والمقصود: لذة السعادة بلقاء الله تعالى، والتنعم بها، وذلك فرع محبته والأنس به، ولا يكون إلا بذكره، ولا يفرغ إلا بالزهد في الدنيا، وترك شواغلها والانقطاع عنها. ه. ومن كانت هذه صفته كان من المحسنين....

الحج 22:34

يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: الأمر ذلك، أو امتثلوا ذلك، { ومن يعظم شعائر الله } أي: الهدايا، فإنها معالم الدين وشعائره تعالى، كما ينبئ عنه: { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } وتعظيمها: اعتقاد التقرب بها، وأن يختارها سمانا حسانا غالية الأثمان، روي " أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة، فيها جمل لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب ". وأن عمر رضي الله عنه - أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار -. وقيل: شعائر الله: مواضع الحج، كعرفة ومنى والمزدلفة. وتعظيمها: إجلالها وتوقيرها، والتقصد إليها. وقيل: الشعائر: أمور الدين على الإطلاق، وتعظيمها: القيام بها ومراعاة آدابها. { فإنها } أي: فإن تعظيمها { من تقوى القلوب } أي: من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات. أو فإن تعظيمها ناشئ من تقوى القلوب لأنها مراكز التقوى. { لكم فيها منافع } من الركوب عند الحاجة، ولبنها عند الضرورة، { إلى أجل مسمى } إلى أن تنحر. ومن قال: شعائر الله: مواضع الحج، فالمنافع: التجارة فيها والأجر، والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة. { ثم محلها } منتهية { إلى البيت العتيق } ، قال ابن جزي: من قال: إن الشعائر الهدايا، فمحلها موضع نحرها، وهي منى ومكة. وخص البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم، وهو المقصود بالهدي. و " ثم " ، على هذا، ليست للترتيب في الزمان لأن محلها قبل نحرها، وإنما هي لترتيب الجمل. ومن قال: إن الشعائر مواضع الحج، فمحلها مأخوذ من إحلال المحرم، أي: آخر ذلك كله: الطواف بالبيت، أي: طواف الإفاضة إذ به يحل المحرم. ه. أي: محل شعائر الحج كلها تنتهي إلى الطواف بالبيت، طواف الإفاضة. ومثله في الموطأ. { ولكل أمة } جماعة مؤمنة قبلكم، { جعلنا منسكا } أي: متعبدا وقربانا يتقربون به إلى الله - عز وجل - والمنسك - بالفتح -: مصدر، وبالكسر: اسم موضع النسك، أي: لكل حعلنا عبادة يتعبدون بها، أو موضع قربان، يذبحون فيه مناسكهم، { ليذكروا اسم الله } دون غيره، { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } أي: عند نحرها وذبحها، { فإلهكم إله واحد } أي: اذكروا على الذبائح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد، { فله أسلموا } أي: فإذا كان إلهكم إلها واحدا فأخلصوا له التقرب، أو الذكر خاصة، واجعلوه له سالما، لا تشوبوه بإشراك. { وبشر المخبتين } المطمئنين بذكر الله، أو المتواضعين، أو المخلصين، فإن الإخبات من الوظائف الخاصة بهم. والخبت: المطمئن من الأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنه: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقيل: تفسيره ما بعده، وهو قوله: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }: خافت منه هيبة لإشراق أشعة جلاله عليها. { والصابرين على ما أصابهم } من مشاق التكاليف ومصائب الزمان والنوائب، { والمقيمي الصلاة } في أوقاتها، { ومما رزقناهم ينفقون } في وجوه الخيرات. { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } أي: من أعلام دينه، وأضافها إلى نفسه تعظيما لها، وهي: جمع بدنة، سميت به لعظم بدنها، ويتناول الإبل والبقر والغنم. { لكم فيها خير } أي: منافع دينية ودنيوية، النفع في الدنيا، والأجر في العقبى. { فاذكروا اسم الله عليها } بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، اللهم منك وإليك. حال كونها { صواف } أي: قائمات، قد صففن أيديهن وأرجلهن. { فإذا وجبت جنوبها }: سقطت على الأرض، وسكنت حركتها، من وجب الحائط وجبة: سقط، وهي كناية عن الموت. { فكلوا منها } إن شئتم { وأطعموا القانع }: السائل، من: قنع إليه قنوعا: إذا خضع، { والمعتر } الذي يعرض ولا يسأل. وقيل: القانع: الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال، والمعتر: المتعرض للسؤال. { كذلك سخرناها لكم } أي: كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم، أي: ذللناها لكم، مع قوتها وعظم أجرامها لتتمكنوا من نحرها، { لعلكم تشكرون } أي: لكي تشكروا إنعام الله عليكم. { لن ينال الله لحومها } المتصدق بها، { ولا دماؤها } المهراقة بالنحر، أي: لن يصل إلى الله اللحم والدم، { ولكن يناله التقوى منكم } فإنه هو الذي طلب منكم، وعليه يحصل الثواب. والمراد: لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى، أي: الإخلاص لله، وقصد وجه الله، بما تذبحون وتنحرون من الهدايا. فعبر عن هذا المعنى بلفظ { ينال } مبالغة وتأكيدا، كأنه قال: لن تصل لحومها ولا دماؤها إلى الله، وإنما يصل إليه التقوى منكم، وقيل: كان أهل الجاهلية يلطخون الكعبة بدماء قربانهم، فهم المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك، فنزلت الآية. { كذلك سخرها لكم } أي: البدن، وهو تكرير للتذكير والتعليل، لقوله: { لتكبروا الله على ما هداكم } أي: لتعرفوا عظمة الله، باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره، فتوحدوه بالكبرياء شكرا على هدايته لكم. وقيل: هو التكبير عند الذبح { وبشر المحسنين }: المخلصين في كل ما يأتون ويذرون في أمور دينهم. وبالله التوفيق. الإشارة: أعظم شعائر الله التي يجب تعظيمها أولياء الله، الدالين على الله، ثم الفقراء المتوجهون إلى الله، ثم العلماء المعلمون أحكام الله، ثم الصالحون المنتسبون إلى الله، ثم عامة المؤمنين الذين هم من جملة عباد الله. ويجب تعظيم من نصبه الله لقيام خطة من الخطط لإصلاح العباد كالسلاطين، ولو لم يعدلوا، والقضاة والقواد، والمقدمين لأمور العامة، فتعظيم هؤلاء كله من تقوى القلوب. ويدخل في ذلك: الأماكن المعظمة كالمساجد والزوايا، وأما الفقير فيعظم كل ما خلق الله حتى الكلاب، ويتأدب مع كل مخلوق. وقوله تعالى: { لكم فيها منافع } أي: لكم في هذه التجليات، إن عظمتموها وعرفتم الله فيها، منافع، ترعون من أنوارها وتشربون من خمرة أسرارها، فتزدادوا معرفة وتكميلا، إلى أجل مسمى، وهو مقام التمكين، فحينئذ تواجهه أنوار المواجهة، فتكون الأنوار له، لا هو للأنوار، لأنه لله لا لشئ دونه، قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون [الأنعام: 91]. ثم محل هذه الأنوار إلى بيت الحضرة، فحينئذ يستغني بالله عن كل ما سواه. وقوله تعالى: { ولكل أمة جعلنا منسكا } أي: لكل عصر جعلنا تربية مخصوصة، والوصول واحد ولذلك قال: { فإلهكم إله واحد }. وقال القشيري: الشرائع مختلفة فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف. ثم قال: ذكرهم الله بأنه هو الذي أمرهم ويثيبهم، { فله أسلموا }: استسلموا لحكمه، من غير استكراه من داخل القلب ولا من اللفظ. ه. وقوله تعالى: { والبدن... } الآية. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى ذبح النفس بالمجاهدات، وزمها بالرياضات عن المخالفات، وفناء الوجود للمشاهدات، حتى لا يبقى للعارف في طريقه حظ من حظوظه، ويبقى لله مفردا من جميع الخلائق. ه. وفي قوله تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها صواف } ، إشارة إلى أن النفس لا تموت إلا بصحبة من ماتت نفسه، فلا تموت النفس مع صحبة أهل النفوس الحية أبدا. فإذا ماتت وسقطت جنوبها، وظفرتم بها فكلوا من أنوار أسرارها وعلومها لأن النفس، إذا ماتت، حييت الروح، وفاضت عليها العلوم اللدنية، فكلوا منها، وأطعموا السائل والمتعرض لنفحاتكم. وقوله تعالى: { لن ينال الله لحومها... } الآية، قال الورتجبي: الإشارة فيه إلى جميع الأعمال الصالحة من العرش إلى الثرى، لا يلحق الحق بحق المراد منه، ولكن يصل إليه قلب جريح من محبته، ذبح بسيف شوقه، مطروح على باب عشقه. قال سهل في قوله: { ولكن يناله التقوى }: هو التبري والإخلاص. ه. قال القشيري: لا عبرة بإظهار الأفعال، سواء كانت بدنية أو مالية صرفا، أو مما يتعلق بالوجهين، ولكن العبرة بقرائنها من الإخلاص، فإذا انضاف إلى الجوارح إخلاص القصود، وتجردت عن ملاحظة أصحابها الأغيار، صلحت للقبول، وينال صاحبها القرب، بشهود الحق بنعت التفرد. ثم قال: { لتكبروا الله على ما هداكم } وأرشدكم إلى القيام بحق العبودية على قضية الشرع، { وبشر المحسنين } ، الإحسان، كما في الخبر: " أن تعبد الله كأنك تراه " وأمارة صحته: سقوط تعب القلب عن صاحبه، فلا يستثقل شيئا ولا يتبرم بشيء. ه. قلت: خواطر الاستثقال والتبرم لا تضر لأنه طبع بشري، وإنما يضر ما سكن في القلب. وقال في الإحياء: ليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم، بل ميل القلب عن حب الدنيا، وبذلها إيثارا لوجه الله تعالى، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة، وإن عاق عن العمل عائق. فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، والتقوى ها هنا عمل القلب، من نية القربة، وإرادة الخير، وإخلاص القصد لله، وهو المقصود، وعمل الظاهر مؤكد له، ولذلك كانت نية المؤمن أبلغ من عمله فإن الطاعات غذاء القلوب، والمقصود: لذة السعادة بلقاء الله تعالى، والتنعم بها، وذلك فرع محبته والأنس به، ولا يكون إلا بذكره، ولا يفرغ إلا بالزهد في الدنيا، وترك شواغلها والانقطاع عنها. ه. ومن كانت هذه صفته كان من المحسنين....

الحج 22:35

يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: الأمر ذلك، أو امتثلوا ذلك، { ومن يعظم شعائر الله } أي: الهدايا، فإنها معالم الدين وشعائره تعالى، كما ينبئ عنه: { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } وتعظيمها: اعتقاد التقرب بها، وأن يختارها سمانا حسانا غالية الأثمان، روي " أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة، فيها جمل لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب ". وأن عمر رضي الله عنه - أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار -. وقيل: شعائر الله: مواضع الحج، كعرفة ومنى والمزدلفة. وتعظيمها: إجلالها وتوقيرها، والتقصد إليها. وقيل: الشعائر: أمور الدين على الإطلاق، وتعظيمها: القيام بها ومراعاة آدابها. { فإنها } أي: فإن تعظيمها { من تقوى القلوب } أي: من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات. أو فإن تعظيمها ناشئ من تقوى القلوب لأنها مراكز التقوى. { لكم فيها منافع } من الركوب عند الحاجة، ولبنها عند الضرورة، { إلى أجل مسمى } إلى أن تنحر. ومن قال: شعائر الله: مواضع الحج، فالمنافع: التجارة فيها والأجر، والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة. { ثم محلها } منتهية { إلى البيت العتيق } ، قال ابن جزي: من قال: إن الشعائر الهدايا، فمحلها موضع نحرها، وهي منى ومكة. وخص البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم، وهو المقصود بالهدي. و " ثم " ، على هذا، ليست للترتيب في الزمان لأن محلها قبل نحرها، وإنما هي لترتيب الجمل. ومن قال: إن الشعائر مواضع الحج، فمحلها مأخوذ من إحلال المحرم، أي: آخر ذلك كله: الطواف بالبيت، أي: طواف الإفاضة إذ به يحل المحرم. ه. أي: محل شعائر الحج كلها تنتهي إلى الطواف بالبيت، طواف الإفاضة. ومثله في الموطأ. { ولكل أمة } جماعة مؤمنة قبلكم، { جعلنا منسكا } أي: متعبدا وقربانا يتقربون به إلى الله - عز وجل - والمنسك - بالفتح -: مصدر، وبالكسر: اسم موضع النسك، أي: لكل حعلنا عبادة يتعبدون بها، أو موضع قربان، يذبحون فيه مناسكهم، { ليذكروا اسم الله } دون غيره، { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } أي: عند نحرها وذبحها، { فإلهكم إله واحد } أي: اذكروا على الذبائح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد، { فله أسلموا } أي: فإذا كان إلهكم إلها واحدا فأخلصوا له التقرب، أو الذكر خاصة، واجعلوه له سالما، لا تشوبوه بإشراك. { وبشر المخبتين } المطمئنين بذكر الله، أو المتواضعين، أو المخلصين، فإن الإخبات من الوظائف الخاصة بهم. والخبت: المطمئن من الأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنه: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقيل: تفسيره ما بعده، وهو قوله: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }: خافت منه هيبة لإشراق أشعة جلاله عليها. { والصابرين على ما أصابهم } من مشاق التكاليف ومصائب الزمان والنوائب، { والمقيمي الصلاة } في أوقاتها، { ومما رزقناهم ينفقون } في وجوه الخيرات. { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } أي: من أعلام دينه، وأضافها إلى نفسه تعظيما لها، وهي: جمع بدنة، سميت به لعظم بدنها، ويتناول الإبل والبقر والغنم. { لكم فيها خير } أي: منافع دينية ودنيوية، النفع في الدنيا، والأجر في العقبى. { فاذكروا اسم الله عليها } بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، اللهم منك وإليك. حال كونها { صواف } أي: قائمات، قد صففن أيديهن وأرجلهن. { فإذا وجبت جنوبها }: سقطت على الأرض، وسكنت حركتها، من وجب الحائط وجبة: سقط، وهي كناية عن الموت. { فكلوا منها } إن شئتم { وأطعموا القانع }: السائل، من: قنع إليه قنوعا: إذا خضع، { والمعتر } الذي يعرض ولا يسأل. وقيل: القانع: الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال، والمعتر: المتعرض للسؤال. { كذلك سخرناها لكم } أي: كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم، أي: ذللناها لكم، مع قوتها وعظم أجرامها لتتمكنوا من نحرها، { لعلكم تشكرون } أي: لكي تشكروا إنعام الله عليكم. { لن ينال الله لحومها } المتصدق بها، { ولا دماؤها } المهراقة بالنحر، أي: لن يصل إلى الله اللحم والدم، { ولكن يناله التقوى منكم } فإنه هو الذي طلب منكم، وعليه يحصل الثواب. والمراد: لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى، أي: الإخلاص لله، وقصد وجه الله، بما تذبحون وتنحرون من الهدايا. فعبر عن هذا المعنى بلفظ { ينال } مبالغة وتأكيدا، كأنه قال: لن تصل لحومها ولا دماؤها إلى الله، وإنما يصل إليه التقوى منكم، وقيل: كان أهل الجاهلية يلطخون الكعبة بدماء قربانهم، فهم المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك، فنزلت الآية. { كذلك سخرها لكم } أي: البدن، وهو تكرير للتذكير والتعليل، لقوله: { لتكبروا الله على ما هداكم } أي: لتعرفوا عظمة الله، باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره، فتوحدوه بالكبرياء شكرا على هدايته لكم. وقيل: هو التكبير عند الذبح { وبشر المحسنين }: المخلصين في كل ما يأتون ويذرون في أمور دينهم. وبالله التوفيق. الإشارة: أعظم شعائر الله التي يجب تعظيمها أولياء الله، الدالين على الله، ثم الفقراء المتوجهون إلى الله، ثم العلماء المعلمون أحكام الله، ثم الصالحون المنتسبون إلى الله، ثم عامة المؤمنين الذين هم من جملة عباد الله. ويجب تعظيم من نصبه الله لقيام خطة من الخطط لإصلاح العباد كالسلاطين، ولو لم يعدلوا، والقضاة والقواد، والمقدمين لأمور العامة، فتعظيم هؤلاء كله من تقوى القلوب. ويدخل في ذلك: الأماكن المعظمة كالمساجد والزوايا، وأما الفقير فيعظم كل ما خلق الله حتى الكلاب، ويتأدب مع كل مخلوق. وقوله تعالى: { لكم فيها منافع } أي: لكم في هذه التجليات، إن عظمتموها وعرفتم الله فيها، منافع، ترعون من أنوارها وتشربون من خمرة أسرارها، فتزدادوا معرفة وتكميلا، إلى أجل مسمى، وهو مقام التمكين، فحينئذ تواجهه أنوار المواجهة، فتكون الأنوار له، لا هو للأنوار، لأنه لله لا لشئ دونه، قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون [الأنعام: 91]. ثم محل هذه الأنوار إلى بيت الحضرة، فحينئذ يستغني بالله عن كل ما سواه. وقوله تعالى: { ولكل أمة جعلنا منسكا } أي: لكل عصر جعلنا تربية مخصوصة، والوصول واحد ولذلك قال: { فإلهكم إله واحد }. وقال القشيري: الشرائع مختلفة فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف. ثم قال: ذكرهم الله بأنه هو الذي أمرهم ويثيبهم، { فله أسلموا }: استسلموا لحكمه، من غير استكراه من داخل القلب ولا من اللفظ. ه. وقوله تعالى: { والبدن... } الآية. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى ذبح النفس بالمجاهدات، وزمها بالرياضات عن المخالفات، وفناء الوجود للمشاهدات، حتى لا يبقى للعارف في طريقه حظ من حظوظه، ويبقى لله مفردا من جميع الخلائق. ه. وفي قوله تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها صواف } ، إشارة إلى أن النفس لا تموت إلا بصحبة من ماتت نفسه، فلا تموت النفس مع صحبة أهل النفوس الحية أبدا. فإذا ماتت وسقطت جنوبها، وظفرتم بها فكلوا من أنوار أسرارها وعلومها لأن النفس، إذا ماتت، حييت الروح، وفاضت عليها العلوم اللدنية، فكلوا منها، وأطعموا السائل والمتعرض لنفحاتكم. وقوله تعالى: { لن ينال الله لحومها... } الآية، قال الورتجبي: الإشارة فيه إلى جميع الأعمال الصالحة من العرش إلى الثرى، لا يلحق الحق بحق المراد منه، ولكن يصل إليه قلب جريح من محبته، ذبح بسيف شوقه، مطروح على باب عشقه. قال سهل في قوله: { ولكن يناله التقوى }: هو التبري والإخلاص. ه. قال القشيري: لا عبرة بإظهار الأفعال، سواء كانت بدنية أو مالية صرفا، أو مما يتعلق بالوجهين، ولكن العبرة بقرائنها من الإخلاص، فإذا انضاف إلى الجوارح إخلاص القصود، وتجردت عن ملاحظة أصحابها الأغيار، صلحت للقبول، وينال صاحبها القرب، بشهود الحق بنعت التفرد. ثم قال: { لتكبروا الله على ما هداكم } وأرشدكم إلى القيام بحق العبودية على قضية الشرع، { وبشر المحسنين } ، الإحسان، كما في الخبر: " أن تعبد الله كأنك تراه " وأمارة صحته: سقوط تعب القلب عن صاحبه، فلا يستثقل شيئا ولا يتبرم بشيء. ه. قلت: خواطر الاستثقال والتبرم لا تضر لأنه طبع بشري، وإنما يضر ما سكن في القلب. وقال في الإحياء: ليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم، بل ميل القلب عن حب الدنيا، وبذلها إيثارا لوجه الله تعالى، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة، وإن عاق عن العمل عائق. فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، والتقوى ها هنا عمل القلب، من نية القربة، وإرادة الخير، وإخلاص القصد لله، وهو المقصود، وعمل الظاهر مؤكد له، ولذلك كانت نية المؤمن أبلغ من عمله فإن الطاعات غذاء القلوب، والمقصود: لذة السعادة بلقاء الله تعالى، والتنعم بها، وذلك فرع محبته والأنس به، ولا يكون إلا بذكره، ولا يفرغ إلا بالزهد في الدنيا، وترك شواغلها والانقطاع عنها. ه. ومن كانت هذه صفته كان من المحسنين....

الحج 22:36

يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: الأمر ذلك، أو امتثلوا ذلك، { ومن يعظم شعائر الله } أي: الهدايا، فإنها معالم الدين وشعائره تعالى، كما ينبئ عنه: { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } وتعظيمها: اعتقاد التقرب بها، وأن يختارها سمانا حسانا غالية الأثمان، روي " أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة، فيها جمل لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب ". وأن عمر رضي الله عنه - أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار -. وقيل: شعائر الله: مواضع الحج، كعرفة ومنى والمزدلفة. وتعظيمها: إجلالها وتوقيرها، والتقصد إليها. وقيل: الشعائر: أمور الدين على الإطلاق، وتعظيمها: القيام بها ومراعاة آدابها. { فإنها } أي: فإن تعظيمها { من تقوى القلوب } أي: من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات. أو فإن تعظيمها ناشئ من تقوى القلوب لأنها مراكز التقوى. { لكم فيها منافع } من الركوب عند الحاجة، ولبنها عند الضرورة، { إلى أجل مسمى } إلى أن تنحر. ومن قال: شعائر الله: مواضع الحج، فالمنافع: التجارة فيها والأجر، والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة. { ثم محلها } منتهية { إلى البيت العتيق } ، قال ابن جزي: من قال: إن الشعائر الهدايا، فمحلها موضع نحرها، وهي منى ومكة. وخص البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم، وهو المقصود بالهدي. و " ثم " ، على هذا، ليست للترتيب في الزمان لأن محلها قبل نحرها، وإنما هي لترتيب الجمل. ومن قال: إن الشعائر مواضع الحج، فمحلها مأخوذ من إحلال المحرم، أي: آخر ذلك كله: الطواف بالبيت، أي: طواف الإفاضة إذ به يحل المحرم. ه. أي: محل شعائر الحج كلها تنتهي إلى الطواف بالبيت، طواف الإفاضة. ومثله في الموطأ. { ولكل أمة } جماعة مؤمنة قبلكم، { جعلنا منسكا } أي: متعبدا وقربانا يتقربون به إلى الله - عز وجل - والمنسك - بالفتح -: مصدر، وبالكسر: اسم موضع النسك، أي: لكل حعلنا عبادة يتعبدون بها، أو موضع قربان، يذبحون فيه مناسكهم، { ليذكروا اسم الله } دون غيره، { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } أي: عند نحرها وذبحها، { فإلهكم إله واحد } أي: اذكروا على الذبائح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد، { فله أسلموا } أي: فإذا كان إلهكم إلها واحدا فأخلصوا له التقرب، أو الذكر خاصة، واجعلوه له سالما، لا تشوبوه بإشراك. { وبشر المخبتين } المطمئنين بذكر الله، أو المتواضعين، أو المخلصين، فإن الإخبات من الوظائف الخاصة بهم. والخبت: المطمئن من الأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنه: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقيل: تفسيره ما بعده، وهو قوله: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }: خافت منه هيبة لإشراق أشعة جلاله عليها. { والصابرين على ما أصابهم } من مشاق التكاليف ومصائب الزمان والنوائب، { والمقيمي الصلاة } في أوقاتها، { ومما رزقناهم ينفقون } في وجوه الخيرات. { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } أي: من أعلام دينه، وأضافها إلى نفسه تعظيما لها، وهي: جمع بدنة، سميت به لعظم بدنها، ويتناول الإبل والبقر والغنم. { لكم فيها خير } أي: منافع دينية ودنيوية، النفع في الدنيا، والأجر في العقبى. { فاذكروا اسم الله عليها } بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، اللهم منك وإليك. حال كونها { صواف } أي: قائمات، قد صففن أيديهن وأرجلهن. { فإذا وجبت جنوبها }: سقطت على الأرض، وسكنت حركتها، من وجب الحائط وجبة: سقط، وهي كناية عن الموت. { فكلوا منها } إن شئتم { وأطعموا القانع }: السائل، من: قنع إليه قنوعا: إذا خضع، { والمعتر } الذي يعرض ولا يسأل. وقيل: القانع: الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال، والمعتر: المتعرض للسؤال. { كذلك سخرناها لكم } أي: كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم، أي: ذللناها لكم، مع قوتها وعظم أجرامها لتتمكنوا من نحرها، { لعلكم تشكرون } أي: لكي تشكروا إنعام الله عليكم. { لن ينال الله لحومها } المتصدق بها، { ولا دماؤها } المهراقة بالنحر، أي: لن يصل إلى الله اللحم والدم، { ولكن يناله التقوى منكم } فإنه هو الذي طلب منكم، وعليه يحصل الثواب. والمراد: لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى، أي: الإخلاص لله، وقصد وجه الله، بما تذبحون وتنحرون من الهدايا. فعبر عن هذا المعنى بلفظ { ينال } مبالغة وتأكيدا، كأنه قال: لن تصل لحومها ولا دماؤها إلى الله، وإنما يصل إليه التقوى منكم، وقيل: كان أهل الجاهلية يلطخون الكعبة بدماء قربانهم، فهم المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك، فنزلت الآية. { كذلك سخرها لكم } أي: البدن، وهو تكرير للتذكير والتعليل، لقوله: { لتكبروا الله على ما هداكم } أي: لتعرفوا عظمة الله، باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره، فتوحدوه بالكبرياء شكرا على هدايته لكم. وقيل: هو التكبير عند الذبح { وبشر المحسنين }: المخلصين في كل ما يأتون ويذرون في أمور دينهم. وبالله التوفيق. الإشارة: أعظم شعائر الله التي يجب تعظيمها أولياء الله، الدالين على الله، ثم الفقراء المتوجهون إلى الله، ثم العلماء المعلمون أحكام الله، ثم الصالحون المنتسبون إلى الله، ثم عامة المؤمنين الذين هم من جملة عباد الله. ويجب تعظيم من نصبه الله لقيام خطة من الخطط لإصلاح العباد كالسلاطين، ولو لم يعدلوا، والقضاة والقواد، والمقدمين لأمور العامة، فتعظيم هؤلاء كله من تقوى القلوب. ويدخل في ذلك: الأماكن المعظمة كالمساجد والزوايا، وأما الفقير فيعظم كل ما خلق الله حتى الكلاب، ويتأدب مع كل مخلوق. وقوله تعالى: { لكم فيها منافع } أي: لكم في هذه التجليات، إن عظمتموها وعرفتم الله فيها، منافع، ترعون من أنوارها وتشربون من خمرة أسرارها، فتزدادوا معرفة وتكميلا، إلى أجل مسمى، وهو مقام التمكين، فحينئذ تواجهه أنوار المواجهة، فتكون الأنوار له، لا هو للأنوار، لأنه لله لا لشئ دونه، قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون [الأنعام: 91]. ثم محل هذه الأنوار إلى بيت الحضرة، فحينئذ يستغني بالله عن كل ما سواه. وقوله تعالى: { ولكل أمة جعلنا منسكا } أي: لكل عصر جعلنا تربية مخصوصة، والوصول واحد ولذلك قال: { فإلهكم إله واحد }. وقال القشيري: الشرائع مختلفة فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف. ثم قال: ذكرهم الله بأنه هو الذي أمرهم ويثيبهم، { فله أسلموا }: استسلموا لحكمه، من غير استكراه من داخل القلب ولا من اللفظ. ه. وقوله تعالى: { والبدن... } الآية. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى ذبح النفس بالمجاهدات، وزمها بالرياضات عن المخالفات، وفناء الوجود للمشاهدات، حتى لا يبقى للعارف في طريقه حظ من حظوظه، ويبقى لله مفردا من جميع الخلائق. ه. وفي قوله تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها صواف } ، إشارة إلى أن النفس لا تموت إلا بصحبة من ماتت نفسه، فلا تموت النفس مع صحبة أهل النفوس الحية أبدا. فإذا ماتت وسقطت جنوبها، وظفرتم بها فكلوا من أنوار أسرارها وعلومها لأن النفس، إذا ماتت، حييت الروح، وفاضت عليها العلوم اللدنية، فكلوا منها، وأطعموا السائل والمتعرض لنفحاتكم. وقوله تعالى: { لن ينال الله لحومها... } الآية، قال الورتجبي: الإشارة فيه إلى جميع الأعمال الصالحة من العرش إلى الثرى، لا يلحق الحق بحق المراد منه، ولكن يصل إليه قلب جريح من محبته، ذبح بسيف شوقه، مطروح على باب عشقه. قال سهل في قوله: { ولكن يناله التقوى }: هو التبري والإخلاص. ه. قال القشيري: لا عبرة بإظهار الأفعال، سواء كانت بدنية أو مالية صرفا، أو مما يتعلق بالوجهين، ولكن العبرة بقرائنها من الإخلاص، فإذا انضاف إلى الجوارح إخلاص القصود، وتجردت عن ملاحظة أصحابها الأغيار، صلحت للقبول، وينال صاحبها القرب، بشهود الحق بنعت التفرد. ثم قال: { لتكبروا الله على ما هداكم } وأرشدكم إلى القيام بحق العبودية على قضية الشرع، { وبشر المحسنين } ، الإحسان، كما في الخبر: " أن تعبد الله كأنك تراه " وأمارة صحته: سقوط تعب القلب عن صاحبه، فلا يستثقل شيئا ولا يتبرم بشيء. ه. قلت: خواطر الاستثقال والتبرم لا تضر لأنه طبع بشري، وإنما يضر ما سكن في القلب. وقال في الإحياء: ليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم، بل ميل القلب عن حب الدنيا، وبذلها إيثارا لوجه الله تعالى، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة، وإن عاق عن العمل عائق. فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، والتقوى ها هنا عمل القلب، من نية القربة، وإرادة الخير، وإخلاص القصد لله، وهو المقصود، وعمل الظاهر مؤكد له، ولذلك كانت نية المؤمن أبلغ من عمله فإن الطاعات غذاء القلوب، والمقصود: لذة السعادة بلقاء الله تعالى، والتنعم بها، وذلك فرع محبته والأنس به، ولا يكون إلا بذكره، ولا يفرغ إلا بالزهد في الدنيا، وترك شواغلها والانقطاع عنها. ه. ومن كانت هذه صفته كان من المحسنين....

الحج 22:37

يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: الأمر ذلك، أو امتثلوا ذلك، { ومن يعظم شعائر الله } أي: الهدايا، فإنها معالم الدين وشعائره تعالى، كما ينبئ عنه: { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } وتعظيمها: اعتقاد التقرب بها، وأن يختارها سمانا حسانا غالية الأثمان، روي " أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة، فيها جمل لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب ". وأن عمر رضي الله عنه - أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار -. وقيل: شعائر الله: مواضع الحج، كعرفة ومنى والمزدلفة. وتعظيمها: إجلالها وتوقيرها، والتقصد إليها. وقيل: الشعائر: أمور الدين على الإطلاق، وتعظيمها: القيام بها ومراعاة آدابها. { فإنها } أي: فإن تعظيمها { من تقوى القلوب } أي: من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات. أو فإن تعظيمها ناشئ من تقوى القلوب لأنها مراكز التقوى. { لكم فيها منافع } من الركوب عند الحاجة، ولبنها عند الضرورة، { إلى أجل مسمى } إلى أن تنحر. ومن قال: شعائر الله: مواضع الحج، فالمنافع: التجارة فيها والأجر، والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة. { ثم محلها } منتهية { إلى البيت العتيق } ، قال ابن جزي: من قال: إن الشعائر الهدايا، فمحلها موضع نحرها، وهي منى ومكة. وخص البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم، وهو المقصود بالهدي. و " ثم " ، على هذا، ليست للترتيب في الزمان لأن محلها قبل نحرها، وإنما هي لترتيب الجمل. ومن قال: إن الشعائر مواضع الحج، فمحلها مأخوذ من إحلال المحرم، أي: آخر ذلك كله: الطواف بالبيت، أي: طواف الإفاضة إذ به يحل المحرم. ه. أي: محل شعائر الحج كلها تنتهي إلى الطواف بالبيت، طواف الإفاضة. ومثله في الموطأ. { ولكل أمة } جماعة مؤمنة قبلكم، { جعلنا منسكا } أي: متعبدا وقربانا يتقربون به إلى الله - عز وجل - والمنسك - بالفتح -: مصدر، وبالكسر: اسم موضع النسك، أي: لكل حعلنا عبادة يتعبدون بها، أو موضع قربان، يذبحون فيه مناسكهم، { ليذكروا اسم الله } دون غيره، { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } أي: عند نحرها وذبحها، { فإلهكم إله واحد } أي: اذكروا على الذبائح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد، { فله أسلموا } أي: فإذا كان إلهكم إلها واحدا فأخلصوا له التقرب، أو الذكر خاصة، واجعلوه له سالما، لا تشوبوه بإشراك. { وبشر المخبتين } المطمئنين بذكر الله، أو المتواضعين، أو المخلصين، فإن الإخبات من الوظائف الخاصة بهم. والخبت: المطمئن من الأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنه: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقيل: تفسيره ما بعده، وهو قوله: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }: خافت منه هيبة لإشراق أشعة جلاله عليها. { والصابرين على ما أصابهم } من مشاق التكاليف ومصائب الزمان والنوائب، { والمقيمي الصلاة } في أوقاتها، { ومما رزقناهم ينفقون } في وجوه الخيرات. { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } أي: من أعلام دينه، وأضافها إلى نفسه تعظيما لها، وهي: جمع بدنة، سميت به لعظم بدنها، ويتناول الإبل والبقر والغنم. { لكم فيها خير } أي: منافع دينية ودنيوية، النفع في الدنيا، والأجر في العقبى. { فاذكروا اسم الله عليها } بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، اللهم منك وإليك. حال كونها { صواف } أي: قائمات، قد صففن أيديهن وأرجلهن. { فإذا وجبت جنوبها }: سقطت على الأرض، وسكنت حركتها، من وجب الحائط وجبة: سقط، وهي كناية عن الموت. { فكلوا منها } إن شئتم { وأطعموا القانع }: السائل، من: قنع إليه قنوعا: إذا خضع، { والمعتر } الذي يعرض ولا يسأل. وقيل: القانع: الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال، والمعتر: المتعرض للسؤال. { كذلك سخرناها لكم } أي: كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم، أي: ذللناها لكم، مع قوتها وعظم أجرامها لتتمكنوا من نحرها، { لعلكم تشكرون } أي: لكي تشكروا إنعام الله عليكم. { لن ينال الله لحومها } المتصدق بها، { ولا دماؤها } المهراقة بالنحر، أي: لن يصل إلى الله اللحم والدم، { ولكن يناله التقوى منكم } فإنه هو الذي طلب منكم، وعليه يحصل الثواب. والمراد: لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى، أي: الإخلاص لله، وقصد وجه الله، بما تذبحون وتنحرون من الهدايا. فعبر عن هذا المعنى بلفظ { ينال } مبالغة وتأكيدا، كأنه قال: لن تصل لحومها ولا دماؤها إلى الله، وإنما يصل إليه التقوى منكم، وقيل: كان أهل الجاهلية يلطخون الكعبة بدماء قربانهم، فهم المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك، فنزلت الآية. { كذلك سخرها لكم } أي: البدن، وهو تكرير للتذكير والتعليل، لقوله: { لتكبروا الله على ما هداكم } أي: لتعرفوا عظمة الله، باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره، فتوحدوه بالكبرياء شكرا على هدايته لكم. وقيل: هو التكبير عند الذبح { وبشر المحسنين }: المخلصين في كل ما يأتون ويذرون في أمور دينهم. وبالله التوفيق. الإشارة: أعظم شعائر الله التي يجب تعظيمها أولياء الله، الدالين على الله، ثم الفقراء المتوجهون إلى الله، ثم العلماء المعلمون أحكام الله، ثم الصالحون المنتسبون إلى الله، ثم عامة المؤمنين الذين هم من جملة عباد الله. ويجب تعظيم من نصبه الله لقيام خطة من الخطط لإصلاح العباد كالسلاطين، ولو لم يعدلوا، والقضاة والقواد، والمقدمين لأمور العامة، فتعظيم هؤلاء كله من تقوى القلوب. ويدخل في ذلك: الأماكن المعظمة كالمساجد والزوايا، وأما الفقير فيعظم كل ما خلق الله حتى الكلاب، ويتأدب مع كل مخلوق. وقوله تعالى: { لكم فيها منافع } أي: لكم في هذه التجليات، إن عظمتموها وعرفتم الله فيها، منافع، ترعون من أنوارها وتشربون من خمرة أسرارها، فتزدادوا معرفة وتكميلا، إلى أجل مسمى، وهو مقام التمكين، فحينئذ تواجهه أنوار المواجهة، فتكون الأنوار له، لا هو للأنوار، لأنه لله لا لشئ دونه، قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون [الأنعام: 91]. ثم محل هذه الأنوار إلى بيت الحضرة، فحينئذ يستغني بالله عن كل ما سواه. وقوله تعالى: { ولكل أمة جعلنا منسكا } أي: لكل عصر جعلنا تربية مخصوصة، والوصول واحد ولذلك قال: { فإلهكم إله واحد }. وقال القشيري: الشرائع مختلفة فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف. ثم قال: ذكرهم الله بأنه هو الذي أمرهم ويثيبهم، { فله أسلموا }: استسلموا لحكمه، من غير استكراه من داخل القلب ولا من اللفظ. ه. وقوله تعالى: { والبدن... } الآية. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى ذبح النفس بالمجاهدات، وزمها بالرياضات عن المخالفات، وفناء الوجود للمشاهدات، حتى لا يبقى للعارف في طريقه حظ من حظوظه، ويبقى لله مفردا من جميع الخلائق. ه. وفي قوله تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها صواف } ، إشارة إلى أن النفس لا تموت إلا بصحبة من ماتت نفسه، فلا تموت النفس مع صحبة أهل النفوس الحية أبدا. فإذا ماتت وسقطت جنوبها، وظفرتم بها فكلوا من أنوار أسرارها وعلومها لأن النفس، إذا ماتت، حييت الروح، وفاضت عليها العلوم اللدنية، فكلوا منها، وأطعموا السائل والمتعرض لنفحاتكم. وقوله تعالى: { لن ينال الله لحومها... } الآية، قال الورتجبي: الإشارة فيه إلى جميع الأعمال الصالحة من العرش إلى الثرى، لا يلحق الحق بحق المراد منه، ولكن يصل إليه قلب جريح من محبته، ذبح بسيف شوقه، مطروح على باب عشقه. قال سهل في قوله: { ولكن يناله التقوى }: هو التبري والإخلاص. ه. قال القشيري: لا عبرة بإظهار الأفعال، سواء كانت بدنية أو مالية صرفا، أو مما يتعلق بالوجهين، ولكن العبرة بقرائنها من الإخلاص، فإذا انضاف إلى الجوارح إخلاص القصود، وتجردت عن ملاحظة أصحابها الأغيار، صلحت للقبول، وينال صاحبها القرب، بشهود الحق بنعت التفرد. ثم قال: { لتكبروا الله على ما هداكم } وأرشدكم إلى القيام بحق العبودية على قضية الشرع، { وبشر المحسنين } ، الإحسان، كما في الخبر: " أن تعبد الله كأنك تراه " وأمارة صحته: سقوط تعب القلب عن صاحبه، فلا يستثقل شيئا ولا يتبرم بشيء. ه. قلت: خواطر الاستثقال والتبرم لا تضر لأنه طبع بشري، وإنما يضر ما سكن في القلب. وقال في الإحياء: ليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم، بل ميل القلب عن حب الدنيا، وبذلها إيثارا لوجه الله تعالى، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة، وإن عاق عن العمل عائق. فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، والتقوى ها هنا عمل القلب، من نية القربة، وإرادة الخير، وإخلاص القصد لله، وهو المقصود، وعمل الظاهر مؤكد له، ولذلك كانت نية المؤمن أبلغ من عمله فإن الطاعات غذاء القلوب، والمقصود: لذة السعادة بلقاء الله تعالى، والتنعم بها، وذلك فرع محبته والأنس به، ولا يكون إلا بذكره، ولا يفرغ إلا بالزهد في الدنيا، وترك شواغلها والانقطاع عنها. ه. ومن كانت هذه صفته كان من المحسنين....

الحج 22:38

يقول الحق جل جلاله: { إن الله يدافع } يدفع غائلة المشركين { عن الذين آمنوا } فلا يقدرون أن يعوقوهم عن شيء من عبادة الله، بل ينصرهم ويؤيدهم كما قال تعالى: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا [غافر: 51]، وصيغة المفاعلة: إما للمبالغة، أو للدلالة على تكرير الدفع، فإنها قد تجرد عن وقوع الفعل المتكرر من الجانبين، فيبقى تكرره من جانب واحد، كما في المحارسة، أي: يبالغ في دفع ضرر المشركين وشوكتهم، التي من جملتها صدهم عن سبيل الله، مبالغة من يغالب فيه، أو يدفعها عنهم مرة بعد أخرى، بحسب تجرد قصد الإضرار بالمسلمين، كما في قوله: كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله [المائدة: 64]. وقرأ المكي والبصري: " يدفع ". ثم علل ذلك الدفع بقوله: { إن الله لا يحب كل خوان كفور } أي: لأن الله يبغض كل خوان في أمانة الله تعالى، وهي: أوامره ونواهيه، ومن أعظمها: الإيمان بالله ورسوله. أو في جميع الأمانات، كفور لنعم الله. والمعنى: إن الله يدافع عنهم لأنه يبغض أعداءهم، وهم: الخونة الكفرة، الذين يخونون الله والرسول، ويخونون أماناتهم. وصيغة المبالغة فيها لبيان أنهم كذلك فيهما، لا لتقييد البعض بغاية الجناية فإن الخائن ممقوت مطلقا. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الله يدفع عن أوليائه، والمتوجهين إليه، كل عائق وشاغل، وغائلة كل غائل، الذين حازوا ذروة الإيمان، وقصدوا تحقيق مقام الإحسان. فمن رام صدهم عن ذلك فهو خائن كفور، { إن الله لا يحب كل خوان كفور }.

الحج 22:39

قلت: { إلا أن يقولوا } ، قيل: منقطع، وقال الزمخشري: في محل الجر، بدل من حق. ه. وهو على طريق قول الشاعر: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب يقول الحق جل جلاله: { أذن } أي: رخص وشرع، أو أذن الله { للذين يقاتلون } أي: يقاتلهم الكفار المشركون، وحذف المأذون فيه لدلالة " يقاتلون " عليه، أي: في قتالهم، { بأنهم ظلموا } أي: بسبب كونهم مظلومين، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدا، وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج، فيتظلمون إليه، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اصبروا فإني لم أومر بالقتال " حتى هاجر، فنزلت هذه الآية. وهي أول آية نزلت في الجهاد، بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية. { وإن الله على نصرهم لقدير }. وعد لهم بالنصر، وتأكيد لما مر من العدة الكريمة بالدفع، وتصريح بأن المراد ليس مجرد تخليصهم من يد المشركين، بل بغلبتهم وإظهارهم عليهم. وتأكيده بكلمة التحقيق. واللام لمزيد من تحقيق مضمونه، وزيادة توطين نفوس المؤمنين. ثم وصف الذين أذن لهم، أو فسرهم، أو مدحهم بقوله: { الذين أخرجوا من ديارهم } ، يعني مكة: { بغير حق } بغير ما يوجب إخراجهم { إلا أن يقولوا ربنا الله } أي: بغير موجب سوى التوحيد، الذي ينبغي أن يكون موجبا للإقرار لا للإخراج. ومثله: هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله [المائدة: 59]. { ولولا دفع الله الناس }: لولا أن يدفع الله الناس { بعضهم ببعض } بتسليط المؤمنين على الكافرين في كل عصر وزمان، وإقامة الحدود وكف المظالم، { لهدمت } أي لخربت باستيلاء الكفرة على الملل، { صوامع }: جمع صومعة - بفتح الميم -، وهي: متعبد النصارى والصابئين منهم، ويسمى أيضا الدير. وسمي بها موضع الأذان من الإسلام: { وبيع }: جمع بيعة - بكسر الباء -: كنائس النصارى، { وصلوات }: كنائس اليهود، سميت بما يقع فيها، وأصلها: صلوتا بالعبرانية، ثم عربت، { ومساجد } للمسلمين، { يذكر فيها اسم الله كثيرا } أي: ذكرا كثيرا، أو وقتا كثيرا، صفة مادحة للمساجد، خصت بها دلالة على فضلها وفضل أهلها. وقيل يرجع للأربع، وفيه نظر فإن ذكر الله تعالى في الصوامع والبيع والكنائس قد انقطع بظهور الإسلام، فقصد بيانه، بعد نسخ شرائعها مما لا يقتضيه المقام، ولا ترتضيه الأفهام. وقدمت الثلاثة على المساجد لتقدمها وجودا، أو لقربها من التهديم. { ولينصرن الله من ينصره } أي: وتالله، لينصرن الله من ينصر دينه ونبيه - عليه الصلاة والسلام - وأولياءه. ومن نصره: إشهاره وإظهاره، وتعليمه لمن لا يعلمه، وإعزاز حامل لوائه من العلماء والأولياء. وقد أنجز الله وعده، حيث سلط المهاجرين والأنصارعلى صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم، { إن الله لقوي عزيز }: غالب على ما يريد، ومن جملته: نصرهم وإعلاؤهم. ثم وصف الذين أخرجوا من ديارهم بقوله: { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر } قلت: الصواب ما قاله مكي: أنه بدل من: " من ينصره " ، في محل نصب. قيل: المراد بهم: الصحابة - رضي الله عنهم -، وقيل: الأمة كلها. وقيل الخلفاء الأربعة لأنهم هم الذين مكنوا في الأرض بالخلافة، وفعلوا ما وصفهم الله به. وفيه دليل صحة أمر الخلفاء الراشدين لأن الله - عز وجل - أعطاهم التمكين، ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة. وعن عثمان رضي الله عنه: هذا، والله، ثناء قبل بلاء، يعني: أن الله تعالى أثنى عليهم قبل ظهور الشر من الهرج والفتن فيهم. { ولله عاقبة الأمور } فإن مرجعها إلى حكمه وتقديره فقط. وفيه تأكيد للوعد بإظهار أوليائه وإعلاء كلمته. الإشارة: إذا اتصل الإنسان بشيخ التربية فقد أذن له في جهاد نفسه، إن أراد الوصول إلى حضرة ربه لأنها ظالمة تحول بينه وبين سعادته الأبدية. وإن الله على نصرهم لقدير لأن همة الشيخ تحمله وتنصره بإذن الله. وأما إن لم يتصل بشيخ التربية، فإن مجاهدته لنفسه لا تصيب مقاتلها لدخولها تحت الرماية، فلا يصيبها ضربه، وأما الشيخ فلأنه يريه مساوئها ويعينه على قتلها. وقوله تعالى: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } هم الذين أمروا بقتل نفوسهم، فإنهم إذا خرقوا عوائد نفوسهم، وخرجوا عن عوائد الناس، رفضوهم وأنكروهم، وربما أخرجوهم من ديارهم، فقل أن تجد وليا بقي في وطنه الأول، وما نقموا منهم وأخرجوهم إلا لقصدهم مولاهم، وقولهم: ربنا الله دون شيء سواه، فحيث خرجوا عن عوائدهم وقصدوا مولاهم، أنكروهم وأخرجوهم من أوطانهم، ولولا دفع الناس بعضهم ببعض بأن شفع خيارهم في شرارهم، لهدمت دعائم الوجود لأن من آذى وليا فقد آذن بالحرب. قال القشيري: { ولولا دفع الله الناس } ، أي: يتجاوز عن الأصاغر لقدر الأكابر استبقاء لمنازل العبادة، تلك سنة أجراها. ثم قال: { الذين إن مكناهم في الأرض } ، أي: لم يشتغلوا في ذلك بحظوظ، ولكن قاموا لأداء حقوقنا. ه. وكما بشر نبيه عليه الصلاة والسلام مع المؤمنين بالدفع والنصر...

الحج 22:40

قلت: { إلا أن يقولوا } ، قيل: منقطع، وقال الزمخشري: في محل الجر، بدل من حق. ه. وهو على طريق قول الشاعر: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب يقول الحق جل جلاله: { أذن } أي: رخص وشرع، أو أذن الله { للذين يقاتلون } أي: يقاتلهم الكفار المشركون، وحذف المأذون فيه لدلالة " يقاتلون " عليه، أي: في قتالهم، { بأنهم ظلموا } أي: بسبب كونهم مظلومين، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدا، وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج، فيتظلمون إليه، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اصبروا فإني لم أومر بالقتال " حتى هاجر، فنزلت هذه الآية. وهي أول آية نزلت في الجهاد، بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية. { وإن الله على نصرهم لقدير }. وعد لهم بالنصر، وتأكيد لما مر من العدة الكريمة بالدفع، وتصريح بأن المراد ليس مجرد تخليصهم من يد المشركين، بل بغلبتهم وإظهارهم عليهم. وتأكيده بكلمة التحقيق. واللام لمزيد من تحقيق مضمونه، وزيادة توطين نفوس المؤمنين. ثم وصف الذين أذن لهم، أو فسرهم، أو مدحهم بقوله: { الذين أخرجوا من ديارهم } ، يعني مكة: { بغير حق } بغير ما يوجب إخراجهم { إلا أن يقولوا ربنا الله } أي: بغير موجب سوى التوحيد، الذي ينبغي أن يكون موجبا للإقرار لا للإخراج. ومثله: هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله [المائدة: 59]. { ولولا دفع الله الناس }: لولا أن يدفع الله الناس { بعضهم ببعض } بتسليط المؤمنين على الكافرين في كل عصر وزمان، وإقامة الحدود وكف المظالم، { لهدمت } أي لخربت باستيلاء الكفرة على الملل، { صوامع }: جمع صومعة - بفتح الميم -، وهي: متعبد النصارى والصابئين منهم، ويسمى أيضا الدير. وسمي بها موضع الأذان من الإسلام: { وبيع }: جمع بيعة - بكسر الباء -: كنائس النصارى، { وصلوات }: كنائس اليهود، سميت بما يقع فيها، وأصلها: صلوتا بالعبرانية، ثم عربت، { ومساجد } للمسلمين، { يذكر فيها اسم الله كثيرا } أي: ذكرا كثيرا، أو وقتا كثيرا، صفة مادحة للمساجد، خصت بها دلالة على فضلها وفضل أهلها. وقيل يرجع للأربع، وفيه نظر فإن ذكر الله تعالى في الصوامع والبيع والكنائس قد انقطع بظهور الإسلام، فقصد بيانه، بعد نسخ شرائعها مما لا يقتضيه المقام، ولا ترتضيه الأفهام. وقدمت الثلاثة على المساجد لتقدمها وجودا، أو لقربها من التهديم. { ولينصرن الله من ينصره } أي: وتالله، لينصرن الله من ينصر دينه ونبيه - عليه الصلاة والسلام - وأولياءه. ومن نصره: إشهاره وإظهاره، وتعليمه لمن لا يعلمه، وإعزاز حامل لوائه من العلماء والأولياء. وقد أنجز الله وعده، حيث سلط المهاجرين والأنصارعلى صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم، { إن الله لقوي عزيز }: غالب على ما يريد، ومن جملته: نصرهم وإعلاؤهم. ثم وصف الذين أخرجوا من ديارهم بقوله: { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر } قلت: الصواب ما قاله مكي: أنه بدل من: " من ينصره " ، في محل نصب. قيل: المراد بهم: الصحابة - رضي الله عنهم -، وقيل: الأمة كلها. وقيل الخلفاء الأربعة لأنهم هم الذين مكنوا في الأرض بالخلافة، وفعلوا ما وصفهم الله به. وفيه دليل صحة أمر الخلفاء الراشدين لأن الله - عز وجل - أعطاهم التمكين، ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة. وعن عثمان رضي الله عنه: هذا، والله، ثناء قبل بلاء، يعني: أن الله تعالى أثنى عليهم قبل ظهور الشر من الهرج والفتن فيهم. { ولله عاقبة الأمور } فإن مرجعها إلى حكمه وتقديره فقط. وفيه تأكيد للوعد بإظهار أوليائه وإعلاء كلمته. الإشارة: إذا اتصل الإنسان بشيخ التربية فقد أذن له في جهاد نفسه، إن أراد الوصول إلى حضرة ربه لأنها ظالمة تحول بينه وبين سعادته الأبدية. وإن الله على نصرهم لقدير لأن همة الشيخ تحمله وتنصره بإذن الله. وأما إن لم يتصل بشيخ التربية، فإن مجاهدته لنفسه لا تصيب مقاتلها لدخولها تحت الرماية، فلا يصيبها ضربه، وأما الشيخ فلأنه يريه مساوئها ويعينه على قتلها. وقوله تعالى: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } هم الذين أمروا بقتل نفوسهم، فإنهم إذا خرقوا عوائد نفوسهم، وخرجوا عن عوائد الناس، رفضوهم وأنكروهم، وربما أخرجوهم من ديارهم، فقل أن تجد وليا بقي في وطنه الأول، وما نقموا منهم وأخرجوهم إلا لقصدهم مولاهم، وقولهم: ربنا الله دون شيء سواه، فحيث خرجوا عن عوائدهم وقصدوا مولاهم، أنكروهم وأخرجوهم من أوطانهم، ولولا دفع الناس بعضهم ببعض بأن شفع خيارهم في شرارهم، لهدمت دعائم الوجود لأن من آذى وليا فقد آذن بالحرب. قال القشيري: { ولولا دفع الله الناس } ، أي: يتجاوز عن الأصاغر لقدر الأكابر استبقاء لمنازل العبادة، تلك سنة أجراها. ثم قال: { الذين إن مكناهم في الأرض } ، أي: لم يشتغلوا في ذلك بحظوظ، ولكن قاموا لأداء حقوقنا. ه. وكما بشر نبيه عليه الصلاة والسلام مع المؤمنين بالدفع والنصر...

الحج 22:41

قلت: { إلا أن يقولوا } ، قيل: منقطع، وقال الزمخشري: في محل الجر، بدل من حق. ه. وهو على طريق قول الشاعر: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب يقول الحق جل جلاله: { أذن } أي: رخص وشرع، أو أذن الله { للذين يقاتلون } أي: يقاتلهم الكفار المشركون، وحذف المأذون فيه لدلالة " يقاتلون " عليه، أي: في قتالهم، { بأنهم ظلموا } أي: بسبب كونهم مظلومين، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدا، وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج، فيتظلمون إليه، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اصبروا فإني لم أومر بالقتال " حتى هاجر، فنزلت هذه الآية. وهي أول آية نزلت في الجهاد، بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية. { وإن الله على نصرهم لقدير }. وعد لهم بالنصر، وتأكيد لما مر من العدة الكريمة بالدفع، وتصريح بأن المراد ليس مجرد تخليصهم من يد المشركين، بل بغلبتهم وإظهارهم عليهم. وتأكيده بكلمة التحقيق. واللام لمزيد من تحقيق مضمونه، وزيادة توطين نفوس المؤمنين. ثم وصف الذين أذن لهم، أو فسرهم، أو مدحهم بقوله: { الذين أخرجوا من ديارهم } ، يعني مكة: { بغير حق } بغير ما يوجب إخراجهم { إلا أن يقولوا ربنا الله } أي: بغير موجب سوى التوحيد، الذي ينبغي أن يكون موجبا للإقرار لا للإخراج. ومثله: هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله [المائدة: 59]. { ولولا دفع الله الناس }: لولا أن يدفع الله الناس { بعضهم ببعض } بتسليط المؤمنين على الكافرين في كل عصر وزمان، وإقامة الحدود وكف المظالم، { لهدمت } أي لخربت باستيلاء الكفرة على الملل، { صوامع }: جمع صومعة - بفتح الميم -، وهي: متعبد النصارى والصابئين منهم، ويسمى أيضا الدير. وسمي بها موضع الأذان من الإسلام: { وبيع }: جمع بيعة - بكسر الباء -: كنائس النصارى، { وصلوات }: كنائس اليهود، سميت بما يقع فيها، وأصلها: صلوتا بالعبرانية، ثم عربت، { ومساجد } للمسلمين، { يذكر فيها اسم الله كثيرا } أي: ذكرا كثيرا، أو وقتا كثيرا، صفة مادحة للمساجد، خصت بها دلالة على فضلها وفضل أهلها. وقيل يرجع للأربع، وفيه نظر فإن ذكر الله تعالى في الصوامع والبيع والكنائس قد انقطع بظهور الإسلام، فقصد بيانه، بعد نسخ شرائعها مما لا يقتضيه المقام، ولا ترتضيه الأفهام. وقدمت الثلاثة على المساجد لتقدمها وجودا، أو لقربها من التهديم. { ولينصرن الله من ينصره } أي: وتالله، لينصرن الله من ينصر دينه ونبيه - عليه الصلاة والسلام - وأولياءه. ومن نصره: إشهاره وإظهاره، وتعليمه لمن لا يعلمه، وإعزاز حامل لوائه من العلماء والأولياء. وقد أنجز الله وعده، حيث سلط المهاجرين والأنصارعلى صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم، { إن الله لقوي عزيز }: غالب على ما يريد، ومن جملته: نصرهم وإعلاؤهم. ثم وصف الذين أخرجوا من ديارهم بقوله: { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر } قلت: الصواب ما قاله مكي: أنه بدل من: " من ينصره " ، في محل نصب. قيل: المراد بهم: الصحابة - رضي الله عنهم -، وقيل: الأمة كلها. وقيل الخلفاء الأربعة لأنهم هم الذين مكنوا في الأرض بالخلافة، وفعلوا ما وصفهم الله به. وفيه دليل صحة أمر الخلفاء الراشدين لأن الله - عز وجل - أعطاهم التمكين، ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة. وعن عثمان رضي الله عنه: هذا، والله، ثناء قبل بلاء، يعني: أن الله تعالى أثنى عليهم قبل ظهور الشر من الهرج والفتن فيهم. { ولله عاقبة الأمور } فإن مرجعها إلى حكمه وتقديره فقط. وفيه تأكيد للوعد بإظهار أوليائه وإعلاء كلمته. الإشارة: إذا اتصل الإنسان بشيخ التربية فقد أذن له في جهاد نفسه، إن أراد الوصول إلى حضرة ربه لأنها ظالمة تحول بينه وبين سعادته الأبدية. وإن الله على نصرهم لقدير لأن همة الشيخ تحمله وتنصره بإذن الله. وأما إن لم يتصل بشيخ التربية، فإن مجاهدته لنفسه لا تصيب مقاتلها لدخولها تحت الرماية، فلا يصيبها ضربه، وأما الشيخ فلأنه يريه مساوئها ويعينه على قتلها. وقوله تعالى: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } هم الذين أمروا بقتل نفوسهم، فإنهم إذا خرقوا عوائد نفوسهم، وخرجوا عن عوائد الناس، رفضوهم وأنكروهم، وربما أخرجوهم من ديارهم، فقل أن تجد وليا بقي في وطنه الأول، وما نقموا منهم وأخرجوهم إلا لقصدهم مولاهم، وقولهم: ربنا الله دون شيء سواه، فحيث خرجوا عن عوائدهم وقصدوا مولاهم، أنكروهم وأخرجوهم من أوطانهم، ولولا دفع الناس بعضهم ببعض بأن شفع خيارهم في شرارهم، لهدمت دعائم الوجود لأن من آذى وليا فقد آذن بالحرب. قال القشيري: { ولولا دفع الله الناس } ، أي: يتجاوز عن الأصاغر لقدر الأكابر استبقاء لمنازل العبادة، تلك سنة أجراها. ثم قال: { الذين إن مكناهم في الأرض } ، أي: لم يشتغلوا في ذلك بحظوظ، ولكن قاموا لأداء حقوقنا. ه. وكما بشر نبيه عليه الصلاة والسلام مع المؤمنين بالدفع والنصر...

الحج 22:42

يقول الحق جل جلاله: { وإن يكذبوك } يا محمد، أي: أهل مكة، فلا تحزن فلست بأول من كذب، { فقد كذبت قبلهم } أي: قبل قومك { قوم نوح } نوحا، { وعاد } هودا، { وثمود } صالحا، { وقوم إبراهيم } إبراهيم، { وقوم لوط } لوطا، { وأصحاب مدين } شعيبا، { وكذب موسى } كذبه فرعون والقبط. ولم يقل: وقوم موسى لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه القبط. أو: كأنه لما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم، قال: وكذب موسى، مع وضوح آياته وظهور معجزاته، فما ظنك بغيره؟ { فأمليت للكافرين }: أمهلتهم وأخرت عقوبتهم، { ثم أخذتهم }: عاقبتهم على كفرهم، أي: أخذت كل فريق من فرق المكذبين، بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله، { فكيف كان نكير } أي: إنكاري وتغييري حيث أبدلتهم بالنعم نقما، وبالحياة هلاكا، وبالعمارة خرابا، فكان ذلك في غاية ما يكون من الهول والفظاعة. { فكأين من قرية أهلكناها } أي: كثيرا من القرى أهلكناها وخربناها بإهلاك أهلها، { وهي ظالمة } أي: والحال أنها ظالمة بالكفر والمعاصي، { فهي خاوية }: ساقطة على { عروشها } ، من خوى النجم: سقط. والمعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي: خربت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. ويجوز أن يكون { على عروشها }: خبرا بعد خبر، أي: فهي خالية من السكان، وهي على عروشها، أي: قائمة مشرفة على السقوف الساقطة. { وبئر معطلة } أي: وكم من بئر متروكة مهملة في البوادي والحواضر، لا يستسقى منها لهلاك أهلها مع توفير مائها، { وقصر مشيد }: مرفوع البنيان، من شاد البنيان: إذا رفعه، أو مجصص بالشيد، أي: الجص، أي: مبنيا بالشيد والجندل. وقال الضحاك: كانت هذه البئر المعطلة بحضرموت، في بلدة يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف ممن آمن بصالح، ونجوا من العذاب، أتوا حضرموت، ومعهم صالح، فلما حضروا ذلك الموضع، مات صالح، فسمي حضرموت لأن صالحا لما حضره مات، فبنوا حاضوراء، وقعدوا على هذه البئر، فأقاموا دهرا طويلا، وتناسلوا حتى كثروا، ثم عبدوا الأصنام وكفروا، فأرسل الله إليهم نبيا يقال له: " حنظلة بن صفوان " ، فقتلوه فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم وخربت قصورهم. ه. وحاصل المعنى: وكم قرية أهلكناها، وكم بئر عطلناها عن سقاتها، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنه، أي: أهلكنا البادية والحاضرة جميعا، فخلت القصور عن أربابها، والآبار عن روادها. فالأظهر أن البئر والقصر على العموم. الإشارة: ما سلى به الرسل - عليهم السلام - تسلى به الأولياء - رضوان الله عليهم - فتكذيب أهل الخصوصية سنة ماضية، غير أن مكذبي الرسل يعاجلون بالعقوبة، ومكذبي الأولياء يعاقبون بالبعد والحجاب. وقال القشيري: { وبئر معطلة } ، الإشارة إلى العيون المفجرة من بواطنهم، { وقصر مشيد } الإشارة إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها، من الهيبة والأنس وسائر المواجيد. ه. قلت: وكأنه فسر القرية بالقلب، وهلاكه: خلاؤه من نور التوحيد، فقلوب الغافلين خاوية على عروش عقولهم، المطموس نورها، وعيون بواطنهم معطلة من الفكرة، وأسرارهم خاربة من نور النظرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالاعتبار عن سلف من القرون المهلكة والآبار المعطلة

الحج 22:43

يقول الحق جل جلاله: { وإن يكذبوك } يا محمد، أي: أهل مكة، فلا تحزن فلست بأول من كذب، { فقد كذبت قبلهم } أي: قبل قومك { قوم نوح } نوحا، { وعاد } هودا، { وثمود } صالحا، { وقوم إبراهيم } إبراهيم، { وقوم لوط } لوطا، { وأصحاب مدين } شعيبا، { وكذب موسى } كذبه فرعون والقبط. ولم يقل: وقوم موسى لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه القبط. أو: كأنه لما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم، قال: وكذب موسى، مع وضوح آياته وظهور معجزاته، فما ظنك بغيره؟ { فأمليت للكافرين }: أمهلتهم وأخرت عقوبتهم، { ثم أخذتهم }: عاقبتهم على كفرهم، أي: أخذت كل فريق من فرق المكذبين، بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله، { فكيف كان نكير } أي: إنكاري وتغييري حيث أبدلتهم بالنعم نقما، وبالحياة هلاكا، وبالعمارة خرابا، فكان ذلك في غاية ما يكون من الهول والفظاعة. { فكأين من قرية أهلكناها } أي: كثيرا من القرى أهلكناها وخربناها بإهلاك أهلها، { وهي ظالمة } أي: والحال أنها ظالمة بالكفر والمعاصي، { فهي خاوية }: ساقطة على { عروشها } ، من خوى النجم: سقط. والمعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي: خربت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. ويجوز أن يكون { على عروشها }: خبرا بعد خبر، أي: فهي خالية من السكان، وهي على عروشها، أي: قائمة مشرفة على السقوف الساقطة. { وبئر معطلة } أي: وكم من بئر متروكة مهملة في البوادي والحواضر، لا يستسقى منها لهلاك أهلها مع توفير مائها، { وقصر مشيد }: مرفوع البنيان، من شاد البنيان: إذا رفعه، أو مجصص بالشيد، أي: الجص، أي: مبنيا بالشيد والجندل. وقال الضحاك: كانت هذه البئر المعطلة بحضرموت، في بلدة يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف ممن آمن بصالح، ونجوا من العذاب، أتوا حضرموت، ومعهم صالح، فلما حضروا ذلك الموضع، مات صالح، فسمي حضرموت لأن صالحا لما حضره مات، فبنوا حاضوراء، وقعدوا على هذه البئر، فأقاموا دهرا طويلا، وتناسلوا حتى كثروا، ثم عبدوا الأصنام وكفروا، فأرسل الله إليهم نبيا يقال له: " حنظلة بن صفوان " ، فقتلوه فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم وخربت قصورهم. ه. وحاصل المعنى: وكم قرية أهلكناها، وكم بئر عطلناها عن سقاتها، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنه، أي: أهلكنا البادية والحاضرة جميعا، فخلت القصور عن أربابها، والآبار عن روادها. فالأظهر أن البئر والقصر على العموم. الإشارة: ما سلى به الرسل - عليهم السلام - تسلى به الأولياء - رضوان الله عليهم - فتكذيب أهل الخصوصية سنة ماضية، غير أن مكذبي الرسل يعاجلون بالعقوبة، ومكذبي الأولياء يعاقبون بالبعد والحجاب. وقال القشيري: { وبئر معطلة } ، الإشارة إلى العيون المفجرة من بواطنهم، { وقصر مشيد } الإشارة إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها، من الهيبة والأنس وسائر المواجيد. ه. قلت: وكأنه فسر القرية بالقلب، وهلاكه: خلاؤه من نور التوحيد، فقلوب الغافلين خاوية على عروش عقولهم، المطموس نورها، وعيون بواطنهم معطلة من الفكرة، وأسرارهم خاربة من نور النظرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالاعتبار عن سلف من القرون المهلكة والآبار المعطلة

الحج 22:44

يقول الحق جل جلاله: { وإن يكذبوك } يا محمد، أي: أهل مكة، فلا تحزن فلست بأول من كذب، { فقد كذبت قبلهم } أي: قبل قومك { قوم نوح } نوحا، { وعاد } هودا، { وثمود } صالحا، { وقوم إبراهيم } إبراهيم، { وقوم لوط } لوطا، { وأصحاب مدين } شعيبا، { وكذب موسى } كذبه فرعون والقبط. ولم يقل: وقوم موسى لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه القبط. أو: كأنه لما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم، قال: وكذب موسى، مع وضوح آياته وظهور معجزاته، فما ظنك بغيره؟ { فأمليت للكافرين }: أمهلتهم وأخرت عقوبتهم، { ثم أخذتهم }: عاقبتهم على كفرهم، أي: أخذت كل فريق من فرق المكذبين، بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله، { فكيف كان نكير } أي: إنكاري وتغييري حيث أبدلتهم بالنعم نقما، وبالحياة هلاكا، وبالعمارة خرابا، فكان ذلك في غاية ما يكون من الهول والفظاعة. { فكأين من قرية أهلكناها } أي: كثيرا من القرى أهلكناها وخربناها بإهلاك أهلها، { وهي ظالمة } أي: والحال أنها ظالمة بالكفر والمعاصي، { فهي خاوية }: ساقطة على { عروشها } ، من خوى النجم: سقط. والمعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي: خربت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. ويجوز أن يكون { على عروشها }: خبرا بعد خبر، أي: فهي خالية من السكان، وهي على عروشها، أي: قائمة مشرفة على السقوف الساقطة. { وبئر معطلة } أي: وكم من بئر متروكة مهملة في البوادي والحواضر، لا يستسقى منها لهلاك أهلها مع توفير مائها، { وقصر مشيد }: مرفوع البنيان، من شاد البنيان: إذا رفعه، أو مجصص بالشيد، أي: الجص، أي: مبنيا بالشيد والجندل. وقال الضحاك: كانت هذه البئر المعطلة بحضرموت، في بلدة يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف ممن آمن بصالح، ونجوا من العذاب، أتوا حضرموت، ومعهم صالح، فلما حضروا ذلك الموضع، مات صالح، فسمي حضرموت لأن صالحا لما حضره مات، فبنوا حاضوراء، وقعدوا على هذه البئر، فأقاموا دهرا طويلا، وتناسلوا حتى كثروا، ثم عبدوا الأصنام وكفروا، فأرسل الله إليهم نبيا يقال له: " حنظلة بن صفوان " ، فقتلوه فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم وخربت قصورهم. ه. وحاصل المعنى: وكم قرية أهلكناها، وكم بئر عطلناها عن سقاتها، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنه، أي: أهلكنا البادية والحاضرة جميعا، فخلت القصور عن أربابها، والآبار عن روادها. فالأظهر أن البئر والقصر على العموم. الإشارة: ما سلى به الرسل - عليهم السلام - تسلى به الأولياء - رضوان الله عليهم - فتكذيب أهل الخصوصية سنة ماضية، غير أن مكذبي الرسل يعاجلون بالعقوبة، ومكذبي الأولياء يعاقبون بالبعد والحجاب. وقال القشيري: { وبئر معطلة } ، الإشارة إلى العيون المفجرة من بواطنهم، { وقصر مشيد } الإشارة إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها، من الهيبة والأنس وسائر المواجيد. ه. قلت: وكأنه فسر القرية بالقلب، وهلاكه: خلاؤه من نور التوحيد، فقلوب الغافلين خاوية على عروش عقولهم، المطموس نورها، وعيون بواطنهم معطلة من الفكرة، وأسرارهم خاربة من نور النظرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالاعتبار عن سلف من القرون المهلكة والآبار المعطلة

الحج 22:45

يقول الحق جل جلاله: { وإن يكذبوك } يا محمد، أي: أهل مكة، فلا تحزن فلست بأول من كذب، { فقد كذبت قبلهم } أي: قبل قومك { قوم نوح } نوحا، { وعاد } هودا، { وثمود } صالحا، { وقوم إبراهيم } إبراهيم، { وقوم لوط } لوطا، { وأصحاب مدين } شعيبا، { وكذب موسى } كذبه فرعون والقبط. ولم يقل: وقوم موسى لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه القبط. أو: كأنه لما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم، قال: وكذب موسى، مع وضوح آياته وظهور معجزاته، فما ظنك بغيره؟ { فأمليت للكافرين }: أمهلتهم وأخرت عقوبتهم، { ثم أخذتهم }: عاقبتهم على كفرهم، أي: أخذت كل فريق من فرق المكذبين، بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله، { فكيف كان نكير } أي: إنكاري وتغييري حيث أبدلتهم بالنعم نقما، وبالحياة هلاكا، وبالعمارة خرابا، فكان ذلك في غاية ما يكون من الهول والفظاعة. { فكأين من قرية أهلكناها } أي: كثيرا من القرى أهلكناها وخربناها بإهلاك أهلها، { وهي ظالمة } أي: والحال أنها ظالمة بالكفر والمعاصي، { فهي خاوية }: ساقطة على { عروشها } ، من خوى النجم: سقط. والمعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي: خربت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. ويجوز أن يكون { على عروشها }: خبرا بعد خبر، أي: فهي خالية من السكان، وهي على عروشها، أي: قائمة مشرفة على السقوف الساقطة. { وبئر معطلة } أي: وكم من بئر متروكة مهملة في البوادي والحواضر، لا يستسقى منها لهلاك أهلها مع توفير مائها، { وقصر مشيد }: مرفوع البنيان، من شاد البنيان: إذا رفعه، أو مجصص بالشيد، أي: الجص، أي: مبنيا بالشيد والجندل. وقال الضحاك: كانت هذه البئر المعطلة بحضرموت، في بلدة يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف ممن آمن بصالح، ونجوا من العذاب، أتوا حضرموت، ومعهم صالح، فلما حضروا ذلك الموضع، مات صالح، فسمي حضرموت لأن صالحا لما حضره مات، فبنوا حاضوراء، وقعدوا على هذه البئر، فأقاموا دهرا طويلا، وتناسلوا حتى كثروا، ثم عبدوا الأصنام وكفروا، فأرسل الله إليهم نبيا يقال له: " حنظلة بن صفوان " ، فقتلوه فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم وخربت قصورهم. ه. وحاصل المعنى: وكم قرية أهلكناها، وكم بئر عطلناها عن سقاتها، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنه، أي: أهلكنا البادية والحاضرة جميعا، فخلت القصور عن أربابها، والآبار عن روادها. فالأظهر أن البئر والقصر على العموم. الإشارة: ما سلى به الرسل - عليهم السلام - تسلى به الأولياء - رضوان الله عليهم - فتكذيب أهل الخصوصية سنة ماضية، غير أن مكذبي الرسل يعاجلون بالعقوبة، ومكذبي الأولياء يعاقبون بالبعد والحجاب. وقال القشيري: { وبئر معطلة } ، الإشارة إلى العيون المفجرة من بواطنهم، { وقصر مشيد } الإشارة إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها، من الهيبة والأنس وسائر المواجيد. ه. قلت: وكأنه فسر القرية بالقلب، وهلاكه: خلاؤه من نور التوحيد، فقلوب الغافلين خاوية على عروش عقولهم، المطموس نورها، وعيون بواطنهم معطلة من الفكرة، وأسرارهم خاربة من نور النظرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالاعتبار عن سلف من القرون المهلكة والآبار المعطلة

الحج 22:46

قلت: { أفلم }: الفاء عطف على مقدار أي أغفلوا فلم يسيروا فيعتبروا، { فإنها }: ضمير القصة، أو مبهم يفسره ما بعده. و { لن يخلف الله وعده }: حالية، أي: ينكرون مجيء العذاب الموعود، والحال: أنه تعالى لا يخلف وعده، أو اعتراضية مبينة لما ذكر، و { إن يوما }: استئنافية، إن كانت الأولى حالية، ومعطوفة، إن كانت اعتراضية سيقت لبيان خطئهم. يقول الحق جل جلاله: { أفلم يسيروا في الأرض } فيروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم الدارسة وقصورهم الخالية، وديارهم الخربة، فيعتبروا. وهو حث لهم على السفر ليشاهدوا ذلك. { فتكون لهم } بسبب ما شاهدوه من مظان الاعتبار ومواطن الاستبصار { قلوب يعقلون بها } ما يجب أن يعقل من التوحيد ونحوه، { أو آذان يسمعون بها } ما يجب أن يسمع من الوحي أو من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورهم من الناس فإنهم أعرف بحالهم. قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق إهلاك الأمم السالفة، وبقيت آثارهم خرابا، عقبه بذم هؤلاء في عدم اتعاظهم بذلك. والسير في الأرض: إما حسي، أو معنوي باعتبار سماع أخبارها من الغير، أو قراءتها في الكتب. فقوله: { فتكون لهم قلوب }: راجع للسير الحسي، وقوله: { أو آذان } للسير المعنوي. ه. { فإنها لا تعمى الأبصار } الحسية، { ولكن تعمى القلوب } عن التفكر والاعتبار، أي: ليس الخلل في مشاعرهم، ولكن الخلل في عقولهم، باتباع الهوى والانهماك في الغفلة. وذكر الصدور للتأكيد، ونفي توهم التجوز لأن قلب الشيء: لبه، فربما يقال: إن القلب يراد به هذا العضو، ولكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه، وعينان في قلبه، وتسمى البصيرة، فإن انفتح ما في القلب، وعمي ما في الرأس فلا يضر، وإن انفتح ما في الرأس وانطمس ما في القلب لم ينفع، والتحق بالبهائم، بل هو أضل. ثم ذكر علامة عمى القلوب، وهو الاستهزاء بالوعد الحق، فقال: { ويستعجلونك بالعذاب } المتوعد به استهزاء وإنكارا وتعجيزا، { ولن يخلف الله وعده } أي: يستعجلون به، والحال أنه تعالى لا يخلف وعده أبدا، وقد سبق الوعد به، فمن لا يخلف وعده فلا بد من مجيئه، ولو بعد حين. { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } أي: كيف يستعجلونك بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم لأن أيام الشدة طوال. وقيل: تطول حقيقة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك خمسمائة سنة " { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها } أي كثيرا من أهل قرية كانوا ظالمين مثلكم، قد أمهلتهم حينا وأمليت لهم، كما أمليت لكم، ثم أخذتهم بالعذاب والنكال بعد طول الإملاء والإمهال. والإملاء هو الإمهال مع إرادة المعاقبة. { وإلي المصير } أي: المرجع إلي، فلا يفوتني شيء من أمر المستعجلين وغيرهم، أو: إلى حكمي مرجع الكل، لا إلى غيري، لا استقلالا ولا شركة، فأفعل بهم ما يليق بأعمالهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: عمى القلوب هو انطماس البصيرة، وعلامة انطماسها أمور: إرسال الجوارح في معاصي الله، والانهماك في الغفلة عن الله، والوقيعة في أولياء الله، والاجتهاد في طلب الدنيا مع التقصير فيما طلبه منه الله. وفي الحكم: " اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك ". وعلامة فتحها أمور: المسارعة إلى طاعة الله، واستعمال المجهود في معرفة الله، بصحبة أولياء الله، والإعراض عن الدنيا وأهلها، والأنس بالله، والغيبة عن كل ما سواه. واعلم أن البصر والبصيرة متقابلان في أصل نشأتهما، فالبصر لا يبصر إلا الأشياء الحسية الحادثة، والبصيرة لا تبصر إلا المعاني القديمة الأزلية، فإذا انطمست البصيرة كان العبد مفروقا عن الله، لا يرى إلا الأكوان الظلمانية الحادثة. وفي ذلك يقول المجذوب رضي الله عنه. من نظر الكون بالكون غره في عمى البصيرة ومن نظر الكون بالمكون صادق علاج السريرة وإذا انفتحت البصيرة بالكلية استولى نورها على نور البصر، فانعكس نور البصر إلى البصيرة، فلا يرى العبد إلا أسرار المعاني الأزلية، المفنية للأواني الحادثة، فيغيب عن رؤية الأكوان بشهود المكون. وعلاج انفتاحها يكون على يد طبيب ماهر عارف بالله، يقدحها له بمرود التوحيد، فلا يزال يعالجها بإثمد توحيد الأفعال، ثم توحيد الصفات، ثم توحيد الذات، حتى تنفتح. فتوحيد الأفعال والصفات يشهد قرب الحق من العبد، وتوحيد الذات يشهد عدمه لوجود الحق، وهو الذي أشار إليه في الحكم بقوله: " شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق، لا عدمك ولا وجودك. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ". فيرى حينئذ من أسرار الذات وأنوار الصفات ما لا يراه الناظرون، ويشاهد ما لا يشاهده الجاهلون. وفي ذلك يقول الحلاج: قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يرى للناظرينا وأجنحة تطير بغير ريش إلى ملكوت رب العالمينا وألسنة بأسرار تناجي تغيب عن الكرام الكاتبينا وقال الورتجبي: الجهال يرون الأشياء بأبصار الظواهر، وقلوبهم محجوبة عن رؤية حقائق الأشياء، التي تلمع منها أنوار الذات والصفات، وأعماهم الله بغشاوة الغفلة وغطاء الشهوة. ه. ثم أمر نبيه بالجواب عن استعجالهم العذاب

الحج 22:47

قلت: { أفلم }: الفاء عطف على مقدار أي أغفلوا فلم يسيروا فيعتبروا، { فإنها }: ضمير القصة، أو مبهم يفسره ما بعده. و { لن يخلف الله وعده }: حالية، أي: ينكرون مجيء العذاب الموعود، والحال: أنه تعالى لا يخلف وعده، أو اعتراضية مبينة لما ذكر، و { إن يوما }: استئنافية، إن كانت الأولى حالية، ومعطوفة، إن كانت اعتراضية سيقت لبيان خطئهم. يقول الحق جل جلاله: { أفلم يسيروا في الأرض } فيروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم الدارسة وقصورهم الخالية، وديارهم الخربة، فيعتبروا. وهو حث لهم على السفر ليشاهدوا ذلك. { فتكون لهم } بسبب ما شاهدوه من مظان الاعتبار ومواطن الاستبصار { قلوب يعقلون بها } ما يجب أن يعقل من التوحيد ونحوه، { أو آذان يسمعون بها } ما يجب أن يسمع من الوحي أو من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورهم من الناس فإنهم أعرف بحالهم. قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق إهلاك الأمم السالفة، وبقيت آثارهم خرابا، عقبه بذم هؤلاء في عدم اتعاظهم بذلك. والسير في الأرض: إما حسي، أو معنوي باعتبار سماع أخبارها من الغير، أو قراءتها في الكتب. فقوله: { فتكون لهم قلوب }: راجع للسير الحسي، وقوله: { أو آذان } للسير المعنوي. ه. { فإنها لا تعمى الأبصار } الحسية، { ولكن تعمى القلوب } عن التفكر والاعتبار، أي: ليس الخلل في مشاعرهم، ولكن الخلل في عقولهم، باتباع الهوى والانهماك في الغفلة. وذكر الصدور للتأكيد، ونفي توهم التجوز لأن قلب الشيء: لبه، فربما يقال: إن القلب يراد به هذا العضو، ولكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه، وعينان في قلبه، وتسمى البصيرة، فإن انفتح ما في القلب، وعمي ما في الرأس فلا يضر، وإن انفتح ما في الرأس وانطمس ما في القلب لم ينفع، والتحق بالبهائم، بل هو أضل. ثم ذكر علامة عمى القلوب، وهو الاستهزاء بالوعد الحق، فقال: { ويستعجلونك بالعذاب } المتوعد به استهزاء وإنكارا وتعجيزا، { ولن يخلف الله وعده } أي: يستعجلون به، والحال أنه تعالى لا يخلف وعده أبدا، وقد سبق الوعد به، فمن لا يخلف وعده فلا بد من مجيئه، ولو بعد حين. { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } أي: كيف يستعجلونك بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم لأن أيام الشدة طوال. وقيل: تطول حقيقة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك خمسمائة سنة " { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها } أي كثيرا من أهل قرية كانوا ظالمين مثلكم، قد أمهلتهم حينا وأمليت لهم، كما أمليت لكم، ثم أخذتهم بالعذاب والنكال بعد طول الإملاء والإمهال. والإملاء هو الإمهال مع إرادة المعاقبة. { وإلي المصير } أي: المرجع إلي، فلا يفوتني شيء من أمر المستعجلين وغيرهم، أو: إلى حكمي مرجع الكل، لا إلى غيري، لا استقلالا ولا شركة، فأفعل بهم ما يليق بأعمالهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: عمى القلوب هو انطماس البصيرة، وعلامة انطماسها أمور: إرسال الجوارح في معاصي الله، والانهماك في الغفلة عن الله، والوقيعة في أولياء الله، والاجتهاد في طلب الدنيا مع التقصير فيما طلبه منه الله. وفي الحكم: " اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك ". وعلامة فتحها أمور: المسارعة إلى طاعة الله، واستعمال المجهود في معرفة الله، بصحبة أولياء الله، والإعراض عن الدنيا وأهلها، والأنس بالله، والغيبة عن كل ما سواه. واعلم أن البصر والبصيرة متقابلان في أصل نشأتهما، فالبصر لا يبصر إلا الأشياء الحسية الحادثة، والبصيرة لا تبصر إلا المعاني القديمة الأزلية، فإذا انطمست البصيرة كان العبد مفروقا عن الله، لا يرى إلا الأكوان الظلمانية الحادثة. وفي ذلك يقول المجذوب رضي الله عنه. من نظر الكون بالكون غره في عمى البصيرة ومن نظر الكون بالمكون صادق علاج السريرة وإذا انفتحت البصيرة بالكلية استولى نورها على نور البصر، فانعكس نور البصر إلى البصيرة، فلا يرى العبد إلا أسرار المعاني الأزلية، المفنية للأواني الحادثة، فيغيب عن رؤية الأكوان بشهود المكون. وعلاج انفتاحها يكون على يد طبيب ماهر عارف بالله، يقدحها له بمرود التوحيد، فلا يزال يعالجها بإثمد توحيد الأفعال، ثم توحيد الصفات، ثم توحيد الذات، حتى تنفتح. فتوحيد الأفعال والصفات يشهد قرب الحق من العبد، وتوحيد الذات يشهد عدمه لوجود الحق، وهو الذي أشار إليه في الحكم بقوله: " شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق، لا عدمك ولا وجودك. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ". فيرى حينئذ من أسرار الذات وأنوار الصفات ما لا يراه الناظرون، ويشاهد ما لا يشاهده الجاهلون. وفي ذلك يقول الحلاج: قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يرى للناظرينا وأجنحة تطير بغير ريش إلى ملكوت رب العالمينا وألسنة بأسرار تناجي تغيب عن الكرام الكاتبينا وقال الورتجبي: الجهال يرون الأشياء بأبصار الظواهر، وقلوبهم محجوبة عن رؤية حقائق الأشياء، التي تلمع منها أنوار الذات والصفات، وأعماهم الله بغشاوة الغفلة وغطاء الشهوة. ه. ثم أمر نبيه بالجواب عن استعجالهم العذاب

الحج 22:48

قلت: { أفلم }: الفاء عطف على مقدار أي أغفلوا فلم يسيروا فيعتبروا، { فإنها }: ضمير القصة، أو مبهم يفسره ما بعده. و { لن يخلف الله وعده }: حالية، أي: ينكرون مجيء العذاب الموعود، والحال: أنه تعالى لا يخلف وعده، أو اعتراضية مبينة لما ذكر، و { إن يوما }: استئنافية، إن كانت الأولى حالية، ومعطوفة، إن كانت اعتراضية سيقت لبيان خطئهم. يقول الحق جل جلاله: { أفلم يسيروا في الأرض } فيروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم الدارسة وقصورهم الخالية، وديارهم الخربة، فيعتبروا. وهو حث لهم على السفر ليشاهدوا ذلك. { فتكون لهم } بسبب ما شاهدوه من مظان الاعتبار ومواطن الاستبصار { قلوب يعقلون بها } ما يجب أن يعقل من التوحيد ونحوه، { أو آذان يسمعون بها } ما يجب أن يسمع من الوحي أو من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورهم من الناس فإنهم أعرف بحالهم. قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق إهلاك الأمم السالفة، وبقيت آثارهم خرابا، عقبه بذم هؤلاء في عدم اتعاظهم بذلك. والسير في الأرض: إما حسي، أو معنوي باعتبار سماع أخبارها من الغير، أو قراءتها في الكتب. فقوله: { فتكون لهم قلوب }: راجع للسير الحسي، وقوله: { أو آذان } للسير المعنوي. ه. { فإنها لا تعمى الأبصار } الحسية، { ولكن تعمى القلوب } عن التفكر والاعتبار، أي: ليس الخلل في مشاعرهم، ولكن الخلل في عقولهم، باتباع الهوى والانهماك في الغفلة. وذكر الصدور للتأكيد، ونفي توهم التجوز لأن قلب الشيء: لبه، فربما يقال: إن القلب يراد به هذا العضو، ولكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه، وعينان في قلبه، وتسمى البصيرة، فإن انفتح ما في القلب، وعمي ما في الرأس فلا يضر، وإن انفتح ما في الرأس وانطمس ما في القلب لم ينفع، والتحق بالبهائم، بل هو أضل. ثم ذكر علامة عمى القلوب، وهو الاستهزاء بالوعد الحق، فقال: { ويستعجلونك بالعذاب } المتوعد به استهزاء وإنكارا وتعجيزا، { ولن يخلف الله وعده } أي: يستعجلون به، والحال أنه تعالى لا يخلف وعده أبدا، وقد سبق الوعد به، فمن لا يخلف وعده فلا بد من مجيئه، ولو بعد حين. { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } أي: كيف يستعجلونك بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم لأن أيام الشدة طوال. وقيل: تطول حقيقة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: " يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك خمسمائة سنة " { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها } أي كثيرا من أهل قرية كانوا ظالمين مثلكم، قد أمهلتهم حينا وأمليت لهم، كما أمليت لكم، ثم أخذتهم بالعذاب والنكال بعد طول الإملاء والإمهال. والإملاء هو الإمهال مع إرادة المعاقبة. { وإلي المصير } أي: المرجع إلي، فلا يفوتني شيء من أمر المستعجلين وغيرهم، أو: إلى حكمي مرجع الكل، لا إلى غيري، لا استقلالا ولا شركة، فأفعل بهم ما يليق بأعمالهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: عمى القلوب هو انطماس البصيرة، وعلامة انطماسها أمور: إرسال الجوارح في معاصي الله، والانهماك في الغفلة عن الله، والوقيعة في أولياء الله، والاجتهاد في طلب الدنيا مع التقصير فيما طلبه منه الله. وفي الحكم: " اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك ". وعلامة فتحها أمور: المسارعة إلى طاعة الله، واستعمال المجهود في معرفة الله، بصحبة أولياء الله، والإعراض عن الدنيا وأهلها، والأنس بالله، والغيبة عن كل ما سواه. واعلم أن البصر والبصيرة متقابلان في أصل نشأتهما، فالبصر لا يبصر إلا الأشياء الحسية الحادثة، والبصيرة لا تبصر إلا المعاني القديمة الأزلية، فإذا انطمست البصيرة كان العبد مفروقا عن الله، لا يرى إلا الأكوان الظلمانية الحادثة. وفي ذلك يقول المجذوب رضي الله عنه. من نظر الكون بالكون غره في عمى البصيرة ومن نظر الكون بالمكون صادق علاج السريرة وإذا انفتحت البصيرة بالكلية استولى نورها على نور البصر، فانعكس نور البصر إلى البصيرة، فلا يرى العبد إلا أسرار المعاني الأزلية، المفنية للأواني الحادثة، فيغيب عن رؤية الأكوان بشهود المكون. وعلاج انفتاحها يكون على يد طبيب ماهر عارف بالله، يقدحها له بمرود التوحيد، فلا يزال يعالجها بإثمد توحيد الأفعال، ثم توحيد الصفات، ثم توحيد الذات، حتى تنفتح. فتوحيد الأفعال والصفات يشهد قرب الحق من العبد، وتوحيد الذات يشهد عدمه لوجود الحق، وهو الذي أشار إليه في الحكم بقوله: " شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق، لا عدمك ولا وجودك. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ". فيرى حينئذ من أسرار الذات وأنوار الصفات ما لا يراه الناظرون، ويشاهد ما لا يشاهده الجاهلون. وفي ذلك يقول الحلاج: قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يرى للناظرينا وأجنحة تطير بغير ريش إلى ملكوت رب العالمينا وألسنة بأسرار تناجي تغيب عن الكرام الكاتبينا وقال الورتجبي: الجهال يرون الأشياء بأبصار الظواهر، وقلوبهم محجوبة عن رؤية حقائق الأشياء، التي تلمع منها أنوار الذات والصفات، وأعماهم الله بغشاوة الغفلة وغطاء الشهوة. ه. ثم أمر نبيه بالجواب عن استعجالهم العذاب

الحج 22:49

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين } أي: أنذركم إنذارا مبينا بما أوحي إلي من أخبار الأمم المهلكة، من غير أن يكون لي دخل في الإتيان بما توعدونه من العذاب الذي تستعجلونه... وإنما لم يقل: نذير وبشير، مع ذكر الفريقين بعده لأن الحديث مسوق إلى المشركين فقط. والمراد بالناس: الذين قيل فيهم: { أفلم يسيروا في الأرض } ، ووصفوا بالاستعجال، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظهم. { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة } لذنوبهم، { ورزق كريم } أي: حسن، وهي الجنة. والكريم من كل نعيم: ما يجمع فضائله ويجوز كمالاته. { والذين سعوا } ، يقال: سعى في أمر فلان: إذا أفسده بسعيه، أي: أفسدوا { في آياتنا } أي: القرآن بسعيهم في إبطاله، { معاجزين } أي: مسابقين. وقرأ المكي والبصري: " معجزين ". بالشد، أي: مثبطين الناس عن الإيمان. يقال: عاجزه: سابقه لأن كل واحد منهما يطلب عجز الآخر، واللحوق به، فإذا غلبه، قيل: أعجزه وعجزه. والمعنى: سعوا في معناها بالفساد من الطعن فيها، حيث سموها سحرا وشعرا وأساطير الأولين، مسابقين في زعمهم وتقديرهم، طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم. { أولئك أصحاب الجحيم } أي: ملازمو النار الموقودة. وقيل: هو اسم دركة من دركاتها. الإشارة: الدعاة إلى الله تعالى إنما شأنهم التحذير والتبشير، ثم ينظرون ما يفعل الله في ملكه وخلقه، من هداية أو إضلال، وليس من شأنهم طلب ظهور المعجزات، أو الكرامات، ولا الحرص على هداية الخلق بالكد والاجتهاد، إنما شأنهم التذكير، ويردون الأمر إلى الملك القدير، فلا يتأسفون على من تخلف عنهم. وكان عليه الصلاة والسلام - يحرص على هداية قومه -، فلما نهاه الحق تعالى عن ذلك، رجع وتأدب بكمال العبودية، وبه اقتدى خلفاؤه من بعده، فكان صلى الله عليه وسلم في أول أمره يتمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبين قومه، لعلهم يتدبرون فيما ينزل عليه فيسلموا، فقرأ يوما سورة النجم، فألقي في مسامعهم ما يدل على مدح آلهتهم، فحزن - عليه الصلاة والسلام - حين نسبوا ذلك له. مثلا الله تعالى بقوله.

الحج 22:50

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين } أي: أنذركم إنذارا مبينا بما أوحي إلي من أخبار الأمم المهلكة، من غير أن يكون لي دخل في الإتيان بما توعدونه من العذاب الذي تستعجلونه... وإنما لم يقل: نذير وبشير، مع ذكر الفريقين بعده لأن الحديث مسوق إلى المشركين فقط. والمراد بالناس: الذين قيل فيهم: { أفلم يسيروا في الأرض } ، ووصفوا بالاستعجال، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظهم. { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة } لذنوبهم، { ورزق كريم } أي: حسن، وهي الجنة. والكريم من كل نعيم: ما يجمع فضائله ويجوز كمالاته. { والذين سعوا } ، يقال: سعى في أمر فلان: إذا أفسده بسعيه، أي: أفسدوا { في آياتنا } أي: القرآن بسعيهم في إبطاله، { معاجزين } أي: مسابقين. وقرأ المكي والبصري: " معجزين ". بالشد، أي: مثبطين الناس عن الإيمان. يقال: عاجزه: سابقه لأن كل واحد منهما يطلب عجز الآخر، واللحوق به، فإذا غلبه، قيل: أعجزه وعجزه. والمعنى: سعوا في معناها بالفساد من الطعن فيها، حيث سموها سحرا وشعرا وأساطير الأولين، مسابقين في زعمهم وتقديرهم، طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم. { أولئك أصحاب الجحيم } أي: ملازمو النار الموقودة. وقيل: هو اسم دركة من دركاتها. الإشارة: الدعاة إلى الله تعالى إنما شأنهم التحذير والتبشير، ثم ينظرون ما يفعل الله في ملكه وخلقه، من هداية أو إضلال، وليس من شأنهم طلب ظهور المعجزات، أو الكرامات، ولا الحرص على هداية الخلق بالكد والاجتهاد، إنما شأنهم التذكير، ويردون الأمر إلى الملك القدير، فلا يتأسفون على من تخلف عنهم. وكان عليه الصلاة والسلام - يحرص على هداية قومه -، فلما نهاه الحق تعالى عن ذلك، رجع وتأدب بكمال العبودية، وبه اقتدى خلفاؤه من بعده، فكان صلى الله عليه وسلم في أول أمره يتمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبين قومه، لعلهم يتدبرون فيما ينزل عليه فيسلموا، فقرأ يوما سورة النجم، فألقي في مسامعهم ما يدل على مدح آلهتهم، فحزن - عليه الصلاة والسلام - حين نسبوا ذلك له. مثلا الله تعالى بقوله.

الحج 22:51

يقول الحق جل جلاله: { قل } يا محمد: { يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين } أي: أنذركم إنذارا مبينا بما أوحي إلي من أخبار الأمم المهلكة، من غير أن يكون لي دخل في الإتيان بما توعدونه من العذاب الذي تستعجلونه... وإنما لم يقل: نذير وبشير، مع ذكر الفريقين بعده لأن الحديث مسوق إلى المشركين فقط. والمراد بالناس: الذين قيل فيهم: { أفلم يسيروا في الأرض } ، ووصفوا بالاستعجال، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظهم. { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة } لذنوبهم، { ورزق كريم } أي: حسن، وهي الجنة. والكريم من كل نعيم: ما يجمع فضائله ويجوز كمالاته. { والذين سعوا } ، يقال: سعى في أمر فلان: إذا أفسده بسعيه، أي: أفسدوا { في آياتنا } أي: القرآن بسعيهم في إبطاله، { معاجزين } أي: مسابقين. وقرأ المكي والبصري: " معجزين ". بالشد، أي: مثبطين الناس عن الإيمان. يقال: عاجزه: سابقه لأن كل واحد منهما يطلب عجز الآخر، واللحوق به، فإذا غلبه، قيل: أعجزه وعجزه. والمعنى: سعوا في معناها بالفساد من الطعن فيها، حيث سموها سحرا وشعرا وأساطير الأولين، مسابقين في زعمهم وتقديرهم، طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم. { أولئك أصحاب الجحيم } أي: ملازمو النار الموقودة. وقيل: هو اسم دركة من دركاتها. الإشارة: الدعاة إلى الله تعالى إنما شأنهم التحذير والتبشير، ثم ينظرون ما يفعل الله في ملكه وخلقه، من هداية أو إضلال، وليس من شأنهم طلب ظهور المعجزات، أو الكرامات، ولا الحرص على هداية الخلق بالكد والاجتهاد، إنما شأنهم التذكير، ويردون الأمر إلى الملك القدير، فلا يتأسفون على من تخلف عنهم. وكان عليه الصلاة والسلام - يحرص على هداية قومه -، فلما نهاه الحق تعالى عن ذلك، رجع وتأدب بكمال العبودية، وبه اقتدى خلفاؤه من بعده، فكان صلى الله عليه وسلم في أول أمره يتمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبين قومه، لعلهم يتدبرون فيما ينزل عليه فيسلموا، فقرأ يوما سورة النجم، فألقي في مسامعهم ما يدل على مدح آلهتهم، فحزن - عليه الصلاة والسلام - حين نسبوا ذلك له. مثلا الله تعالى بقوله.

الحج 22:52

قال ابن عباس وغيره من المفسرين الأولين - رضي الله عنهم -: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مباعدة قومه وتوليهم، وشق عليه ذلك تمنى أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه وبين قومه، فجلس يوما في جمع لهم، فنزلت سورة النجم، فقرأها عليهم، فلما بلغ: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [النجم: 19، 20]، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترجى. ه. قلت: بلى، ألقى ذلك في مسامعهم فقط، ولم ينطق بذلك - عليه الصلاة والسلام - فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر السورة، وسجد المسلمون والمشركون، إلا الوليد بن المغيرة، رفع حفنة من التراب وسجد عليه، فقالت قريش: ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعل محمد لها نصيبا فنحن معه، فلما أمسى أتاه جبريل. فقال يا محمد ما صنعت فقد تلوت على الناس ما لم آتك به؟ فحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا، فنزلت الآية تسلية له عليه الصلاة والسلام. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا من قبلك من رسول } ، يوحى إليه بشرع، ويؤمر بالتبليغ، { ولا نبي } يوحى إليه، ولم يؤمر بالتبليغ، فالرسول مكلف بغيره، والنبي مقتصر على نفسه، أو الرسول: من بعث بشرع جديد، والنبي: من قرر شريعة سابقة، ولذلك شبه صلى الله عليه وسلم علماء أمته بهم، فالنبي أعم من الرسول، وقد سئل - عليه الصلاة والسلام - عن الأنبياء، فقال: " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جما غفيرا " { إلا إذا تمنى } هيأ في نفسه ما يهواه كهداية قومه ومقاربتهم له، { ألقى الشيطان في أمنيته } في تشهيه ما يوجب حصول ما تمناه، أو مقاربته، كما ألقى في مسامع قريش ما يوجب مقاربتهم له - عليه الصلاة والسلام - ثم ينسخ الله ذلك. أو { إذا تمنى }: قرأ، كما قال الشاعر: تمنى كتاب الله أول ليلة تمنى داود الزبور على رسل { ألقى الشيطان في أمنيته }: في قراءته، حين قرأ سورة النجم بعد قوله: { ومناة الثالثة الأخرى } ، تلك الغرانيق العلى، كما تقدم. قال القشيري: كانت لنبينا صلى الله عليه وسلم سكتات، في خلال قراءته عند قراءة القرآن، عند انقضاء كل آية، فتلفظ الشيطان ببعض الألفاظ، فمن لم يكن له تحصيل توهم أنه من ألفاظ الرسول. ه. وقال ابن البنا: التمني هو التلاوة التي يتمنى فيها، فيتلو النبي وهو يريد أن يفهم عنه معناها، فيلقي الشيطان في فهوم السامعين غير المعنى المراد، وما قال الزمخشري: قرأ تلك الغرانيق العلى، على جهة السهو والغلط، فباطل، لقول الله العظيم: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 3، 4]، فهو معصوم من السهو والغلط في تبليغ الوحي. ه. قلت: فتحصل أنه - عليه الصلاة والسلام - لم ينطق بتلك الكلمات قط، لا سهوا ولا عمدا، وإنما ألقيت في مسامع الكفار ليحصل ما تمناه - عليه الصلاة والسلام - من المقاربة. ويدل على هذا أن من حضر من المسلمين لم يسمعوا من ذلك شيئا. فإذا تقرر هذا علمت أن ما حكاه السلف الصالح من المفسرين وأهل السير من أصل القصة في سبب نزول الآية صحيح، لكنه يحتاج إلى نظر دقيق وتأويل قريب، فلا تحسن المبادرة بالإنكار والرد عليهم، وهم عدول، لا سيما حبر هذه الأمة، وإنما يحتاج اللبيب إلى التطبيق بين المنقول والمعقول، فإن لم يمكن، قدم المنقول، إن ثبتت صحته، وحكم على العقل بالعجز. هذا مذهب المحققين من الصوفية - رضي الله عنهم - ونسبة الإلقاء إلى الشيطان أدب وتشريع إذ لا فاعل في الحقيقة سواه تعالى. { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي: يذهب به ويبطله، أو يرشد إلى ما يزيحه، { ثم يحكم الله آياته } أي: يثبتها ويحفظها عن لحوق الزيادة من الشيطان، { والله عليم حكيم } أي: عليم بما يوحى إلى نبيه، حكيم في وحيه، لا يدع الباطل يأتيه من بين يديه ولا من خلفه. ثم ذكر حكمة ذلك الإلقاء، فقال: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة } أي: محنة وابتلاء { للذين في قلوبهم مرض }: شك وشرك، { والقاسية قلوبهم } البعيدة من الخير، الخاربة من النور، واليابسة الصلبة، لا رحمة فيها ولا شفقة وهم المشركون المكذبون، فيزدادون به شكا وظلمة. { وإن الظالمين } وهم الكفرة المتقدمة، ووضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم، { لفي شقاق بعيد } أي: عداوة شديدة ومخالفة تامة بعيدة عن الحق. { وليعلم الذين أوتوا العلم } بالله { أنه } أي: القرآن { الحق من ربك } أي: النازل من عنده { فيؤمنوا به } أي: بالقرآن { فتخبت }: تطمئن، أو تخشع { له قلوبهم } بالانقياد إليه والإذعان لما فيه، { وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم } بالنظر الموصل إلى الحق الصريح، فيتأولوا ما تشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، ويطلبوا، لما أشكل منه، المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة، حتى لا يلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا وقع التعبير من جانب الحق فكل واحد من المستمعين يسمع ما يليق بمقامه ويقويه فيه. فأهل الباطل يسمعون ما يليق بباطلهم ويمدهم فيه، وأهل الحق يسمعون ما يليق بحقهم ويرقيهم، فأهل الإيمان يسمعون ما يقوي إيمانهم ويزيدهم يقينا، وأهل الوصول يسمعون ما يليق بمقامهم ويرقيهم فيه، وهكذا. وتأمل قضية الثلاثة الذين سمعوا قائلا يقول: يا سعترا بري. فسمع أحدهم: اسع تر بري، وسمع الآخر: الساعة ترى بري... وسمع الثالث: ما أوسع بري، فالأول: طالب للوصول، فقال له: اسع ترى بري، والثاني: سائر مستشرف على الوصول، فقال له: الساعة ترى بري، والثالث: واصل قد اتسع عليه ميدان النعم، فقال له: ما أوسع بري. وكل من قدم على الأولياء فإنما يسمع حسب ما عنده فمن قدم عليهم بالميزان لا يسمع إلا ما يبعده، ومن قدم بالتصديق والتعظيم لا يسمع ولا يرى إلا ما يقربه من الكمالات والأنوار. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضد الذين أوتوا العلم الذين تحققوا بحقية القرآن

الحج 22:53

قال ابن عباس وغيره من المفسرين الأولين - رضي الله عنهم -: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مباعدة قومه وتوليهم، وشق عليه ذلك تمنى أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه وبين قومه، فجلس يوما في جمع لهم، فنزلت سورة النجم، فقرأها عليهم، فلما بلغ: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [النجم: 19، 20]، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترجى. ه. قلت: بلى، ألقى ذلك في مسامعهم فقط، ولم ينطق بذلك - عليه الصلاة والسلام - فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر السورة، وسجد المسلمون والمشركون، إلا الوليد بن المغيرة، رفع حفنة من التراب وسجد عليه، فقالت قريش: ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعل محمد لها نصيبا فنحن معه، فلما أمسى أتاه جبريل. فقال يا محمد ما صنعت فقد تلوت على الناس ما لم آتك به؟ فحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا، فنزلت الآية تسلية له عليه الصلاة والسلام. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا من قبلك من رسول } ، يوحى إليه بشرع، ويؤمر بالتبليغ، { ولا نبي } يوحى إليه، ولم يؤمر بالتبليغ، فالرسول مكلف بغيره، والنبي مقتصر على نفسه، أو الرسول: من بعث بشرع جديد، والنبي: من قرر شريعة سابقة، ولذلك شبه صلى الله عليه وسلم علماء أمته بهم، فالنبي أعم من الرسول، وقد سئل - عليه الصلاة والسلام - عن الأنبياء، فقال: " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جما غفيرا " { إلا إذا تمنى } هيأ في نفسه ما يهواه كهداية قومه ومقاربتهم له، { ألقى الشيطان في أمنيته } في تشهيه ما يوجب حصول ما تمناه، أو مقاربته، كما ألقى في مسامع قريش ما يوجب مقاربتهم له - عليه الصلاة والسلام - ثم ينسخ الله ذلك. أو { إذا تمنى }: قرأ، كما قال الشاعر: تمنى كتاب الله أول ليلة تمنى داود الزبور على رسل { ألقى الشيطان في أمنيته }: في قراءته، حين قرأ سورة النجم بعد قوله: { ومناة الثالثة الأخرى } ، تلك الغرانيق العلى، كما تقدم. قال القشيري: كانت لنبينا صلى الله عليه وسلم سكتات، في خلال قراءته عند قراءة القرآن، عند انقضاء كل آية، فتلفظ الشيطان ببعض الألفاظ، فمن لم يكن له تحصيل توهم أنه من ألفاظ الرسول. ه. وقال ابن البنا: التمني هو التلاوة التي يتمنى فيها، فيتلو النبي وهو يريد أن يفهم عنه معناها، فيلقي الشيطان في فهوم السامعين غير المعنى المراد، وما قال الزمخشري: قرأ تلك الغرانيق العلى، على جهة السهو والغلط، فباطل، لقول الله العظيم: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 3، 4]، فهو معصوم من السهو والغلط في تبليغ الوحي. ه. قلت: فتحصل أنه - عليه الصلاة والسلام - لم ينطق بتلك الكلمات قط، لا سهوا ولا عمدا، وإنما ألقيت في مسامع الكفار ليحصل ما تمناه - عليه الصلاة والسلام - من المقاربة. ويدل على هذا أن من حضر من المسلمين لم يسمعوا من ذلك شيئا. فإذا تقرر هذا علمت أن ما حكاه السلف الصالح من المفسرين وأهل السير من أصل القصة في سبب نزول الآية صحيح، لكنه يحتاج إلى نظر دقيق وتأويل قريب، فلا تحسن المبادرة بالإنكار والرد عليهم، وهم عدول، لا سيما حبر هذه الأمة، وإنما يحتاج اللبيب إلى التطبيق بين المنقول والمعقول، فإن لم يمكن، قدم المنقول، إن ثبتت صحته، وحكم على العقل بالعجز. هذا مذهب المحققين من الصوفية - رضي الله عنهم - ونسبة الإلقاء إلى الشيطان أدب وتشريع إذ لا فاعل في الحقيقة سواه تعالى. { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي: يذهب به ويبطله، أو يرشد إلى ما يزيحه، { ثم يحكم الله آياته } أي: يثبتها ويحفظها عن لحوق الزيادة من الشيطان، { والله عليم حكيم } أي: عليم بما يوحى إلى نبيه، حكيم في وحيه، لا يدع الباطل يأتيه من بين يديه ولا من خلفه. ثم ذكر حكمة ذلك الإلقاء، فقال: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة } أي: محنة وابتلاء { للذين في قلوبهم مرض }: شك وشرك، { والقاسية قلوبهم } البعيدة من الخير، الخاربة من النور، واليابسة الصلبة، لا رحمة فيها ولا شفقة وهم المشركون المكذبون، فيزدادون به شكا وظلمة. { وإن الظالمين } وهم الكفرة المتقدمة، ووضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم، { لفي شقاق بعيد } أي: عداوة شديدة ومخالفة تامة بعيدة عن الحق. { وليعلم الذين أوتوا العلم } بالله { أنه } أي: القرآن { الحق من ربك } أي: النازل من عنده { فيؤمنوا به } أي: بالقرآن { فتخبت }: تطمئن، أو تخشع { له قلوبهم } بالانقياد إليه والإذعان لما فيه، { وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم } بالنظر الموصل إلى الحق الصريح، فيتأولوا ما تشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، ويطلبوا، لما أشكل منه، المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة، حتى لا يلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا وقع التعبير من جانب الحق فكل واحد من المستمعين يسمع ما يليق بمقامه ويقويه فيه. فأهل الباطل يسمعون ما يليق بباطلهم ويمدهم فيه، وأهل الحق يسمعون ما يليق بحقهم ويرقيهم، فأهل الإيمان يسمعون ما يقوي إيمانهم ويزيدهم يقينا، وأهل الوصول يسمعون ما يليق بمقامهم ويرقيهم فيه، وهكذا. وتأمل قضية الثلاثة الذين سمعوا قائلا يقول: يا سعترا بري. فسمع أحدهم: اسع تر بري، وسمع الآخر: الساعة ترى بري... وسمع الثالث: ما أوسع بري، فالأول: طالب للوصول، فقال له: اسع ترى بري، والثاني: سائر مستشرف على الوصول، فقال له: الساعة ترى بري، والثالث: واصل قد اتسع عليه ميدان النعم، فقال له: ما أوسع بري. وكل من قدم على الأولياء فإنما يسمع حسب ما عنده فمن قدم عليهم بالميزان لا يسمع إلا ما يبعده، ومن قدم بالتصديق والتعظيم لا يسمع ولا يرى إلا ما يقربه من الكمالات والأنوار. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضد الذين أوتوا العلم الذين تحققوا بحقية القرآن

الحج 22:54

قال ابن عباس وغيره من المفسرين الأولين - رضي الله عنهم -: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مباعدة قومه وتوليهم، وشق عليه ذلك تمنى أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه وبين قومه، فجلس يوما في جمع لهم، فنزلت سورة النجم، فقرأها عليهم، فلما بلغ: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [النجم: 19، 20]، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترجى. ه. قلت: بلى، ألقى ذلك في مسامعهم فقط، ولم ينطق بذلك - عليه الصلاة والسلام - فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر السورة، وسجد المسلمون والمشركون، إلا الوليد بن المغيرة، رفع حفنة من التراب وسجد عليه، فقالت قريش: ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعل محمد لها نصيبا فنحن معه، فلما أمسى أتاه جبريل. فقال يا محمد ما صنعت فقد تلوت على الناس ما لم آتك به؟ فحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا، فنزلت الآية تسلية له عليه الصلاة والسلام. يقول الحق جل جلاله: { وما أرسلنا من قبلك من رسول } ، يوحى إليه بشرع، ويؤمر بالتبليغ، { ولا نبي } يوحى إليه، ولم يؤمر بالتبليغ، فالرسول مكلف بغيره، والنبي مقتصر على نفسه، أو الرسول: من بعث بشرع جديد، والنبي: من قرر شريعة سابقة، ولذلك شبه صلى الله عليه وسلم علماء أمته بهم، فالنبي أعم من الرسول، وقد سئل - عليه الصلاة والسلام - عن الأنبياء، فقال: " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جما غفيرا " { إلا إذا تمنى } هيأ في نفسه ما يهواه كهداية قومه ومقاربتهم له، { ألقى الشيطان في أمنيته } في تشهيه ما يوجب حصول ما تمناه، أو مقاربته، كما ألقى في مسامع قريش ما يوجب مقاربتهم له - عليه الصلاة والسلام - ثم ينسخ الله ذلك. أو { إذا تمنى }: قرأ، كما قال الشاعر: تمنى كتاب الله أول ليلة تمنى داود الزبور على رسل { ألقى الشيطان في أمنيته }: في قراءته، حين قرأ سورة النجم بعد قوله: { ومناة الثالثة الأخرى } ، تلك الغرانيق العلى، كما تقدم. قال القشيري: كانت لنبينا صلى الله عليه وسلم سكتات، في خلال قراءته عند قراءة القرآن، عند انقضاء كل آية، فتلفظ الشيطان ببعض الألفاظ، فمن لم يكن له تحصيل توهم أنه من ألفاظ الرسول. ه. وقال ابن البنا: التمني هو التلاوة التي يتمنى فيها، فيتلو النبي وهو يريد أن يفهم عنه معناها، فيلقي الشيطان في فهوم السامعين غير المعنى المراد، وما قال الزمخشري: قرأ تلك الغرانيق العلى، على جهة السهو والغلط، فباطل، لقول الله العظيم: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 3، 4]، فهو معصوم من السهو والغلط في تبليغ الوحي. ه. قلت: فتحصل أنه - عليه الصلاة والسلام - لم ينطق بتلك الكلمات قط، لا سهوا ولا عمدا، وإنما ألقيت في مسامع الكفار ليحصل ما تمناه - عليه الصلاة والسلام - من المقاربة. ويدل على هذا أن من حضر من المسلمين لم يسمعوا من ذلك شيئا. فإذا تقرر هذا علمت أن ما حكاه السلف الصالح من المفسرين وأهل السير من أصل القصة في سبب نزول الآية صحيح، لكنه يحتاج إلى نظر دقيق وتأويل قريب، فلا تحسن المبادرة بالإنكار والرد عليهم، وهم عدول، لا سيما حبر هذه الأمة، وإنما يحتاج اللبيب إلى التطبيق بين المنقول والمعقول، فإن لم يمكن، قدم المنقول، إن ثبتت صحته، وحكم على العقل بالعجز. هذا مذهب المحققين من الصوفية - رضي الله عنهم - ونسبة الإلقاء إلى الشيطان أدب وتشريع إذ لا فاعل في الحقيقة سواه تعالى. { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي: يذهب به ويبطله، أو يرشد إلى ما يزيحه، { ثم يحكم الله آياته } أي: يثبتها ويحفظها عن لحوق الزيادة من الشيطان، { والله عليم حكيم } أي: عليم بما يوحى إلى نبيه، حكيم في وحيه، لا يدع الباطل يأتيه من بين يديه ولا من خلفه. ثم ذكر حكمة ذلك الإلقاء، فقال: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة } أي: محنة وابتلاء { للذين في قلوبهم مرض }: شك وشرك، { والقاسية قلوبهم } البعيدة من الخير، الخاربة من النور، واليابسة الصلبة، لا رحمة فيها ولا شفقة وهم المشركون المكذبون، فيزدادون به شكا وظلمة. { وإن الظالمين } وهم الكفرة المتقدمة، ووضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم، { لفي شقاق بعيد } أي: عداوة شديدة ومخالفة تامة بعيدة عن الحق. { وليعلم الذين أوتوا العلم } بالله { أنه } أي: القرآن { الحق من ربك } أي: النازل من عنده { فيؤمنوا به } أي: بالقرآن { فتخبت }: تطمئن، أو تخشع { له قلوبهم } بالانقياد إليه والإذعان لما فيه، { وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم } بالنظر الموصل إلى الحق الصريح، فيتأولوا ما تشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، ويطلبوا، لما أشكل منه، المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة، حتى لا يلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا وقع التعبير من جانب الحق فكل واحد من المستمعين يسمع ما يليق بمقامه ويقويه فيه. فأهل الباطل يسمعون ما يليق بباطلهم ويمدهم فيه، وأهل الحق يسمعون ما يليق بحقهم ويرقيهم، فأهل الإيمان يسمعون ما يقوي إيمانهم ويزيدهم يقينا، وأهل الوصول يسمعون ما يليق بمقامهم ويرقيهم فيه، وهكذا. وتأمل قضية الثلاثة الذين سمعوا قائلا يقول: يا سعترا بري. فسمع أحدهم: اسع تر بري، وسمع الآخر: الساعة ترى بري... وسمع الثالث: ما أوسع بري، فالأول: طالب للوصول، فقال له: اسع ترى بري، والثاني: سائر مستشرف على الوصول، فقال له: الساعة ترى بري، والثالث: واصل قد اتسع عليه ميدان النعم، فقال له: ما أوسع بري. وكل من قدم على الأولياء فإنما يسمع حسب ما عنده فمن قدم عليهم بالميزان لا يسمع إلا ما يبعده، ومن قدم بالتصديق والتعظيم لا يسمع ولا يرى إلا ما يقربه من الكمالات والأنوار. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضد الذين أوتوا العلم الذين تحققوا بحقية القرآن

الحج 22:55

يقول الحق جل جلاله: { ولا يزال الذين كفروا في مرية }: شك { منه } من القرآن، أو الصراط المستقيم، { حتى تأتيهم الساعة بغتة }: فجأة، { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } ، وهو عذاب يوم القيامة، كأنه قيل: حتى تأتيهم الساعة أو عذابها، فزاد " اليوم العقيم " لمزيد التهويل. واليوم العقيم: الذي لا يوم بعده، كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا يوم بعده يكون عقيما. وقيل: اليوم العقيم: يوم بدر، فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فرح أو راحة، كالريح العقيم لا تأتي بخير، أو لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، ولكن لا يساعده ما بعده، من قوله: { الملك يومئذ لله } أي: السلطان القاهر، والتصرف التام، يومئذ لله وحده، ولا منازع له فيه، ولا تصرف لأحد معه، لا حقيقة ولا مجازا، ولا صورة ولا معنى، كما في الدنيا، فإن للبعض فيه تصرفا مجازيا صوريا. { يحكم بينهم } أي: بين فريق أهل المرية وأهل الإيمان. ثم بين حكمه فيهم، فقال: { فالذين آمنوا } بالقرآن الكريم ولم يماروا فيه، { وعملوا الصالحات } امتثالا لما أمر به في تضاعيفه { في جنات النعيم } ، { والذين كفروا } بالقرآن وشكوا فيه، أو بالبعث والجزاء، { وكذبوا بآياتنا } الدالة على كمال قدرتنا أو القرآن، { فأولئك لهم عذاب مهين } ، يهينهم ويخزيهم. ثم خص قوما من الفريق الأول بفضيلة، فقال: { والذين هاجروا في سبيل الله }: خرجوا من أوطانهم مجاهدين، { ثم قتلوا } في الجهاد، { أو ماتوا } حتف أنفهم، { ليرزقنهم الله رزقا حسنا } ، وهو ما لا ينقطع من نعيم الجنان. ومراتب الحسن متفاوتة، فيجوز تفاوت حال المرزوقين، حسب تفاوت أرزاق الجنة. روي أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا معك؟ فنزلت: { والذين هاجروا... } الآيتين. وقيل: نزلت في طوائف، خرجوا من مكة إلى المدينة، فتبعهم المشركون فقتلوهم. ثم قال تعالى: { وإن الله لهو خير الرازقين } ، فإنه يرزق بغير حساب، مع أن ما يرزقه لا يقدر عليه غيره، { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } ، وهو الجنة لأن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، قيل: لما ذكر الرزق ذكر المسكن، { وإن الله لعليم حليم } ، عليم بأحوال من قضى نحبه مجاهدا، وآمال من مات وهو ينتظره معاهدا، حليم بإمهال من قاتلهم معاندا. الإشارة: من لم يصحب العارفين أهل الرسوخ واليقين، لا يمكن أن تنقطع عنه خواطر الشكوك والأوهام، حتى يلقى الله بقلب سقيم، فيفضي إلى الهوان المقيم. والذين هاجروا في طلب محبوبهم لتكميل يقينهم، ثم قتلوا قبل الوصول، أو ماتوا بعد الوصول، ليرزقنهم الله جميعا رزقا حسنا، وهو لذة الشهود والعيان، في مقعد صدق مع المقربين، { وإن الله لهو خير الرازقين }. والمدخل الذي يرضونه: هو القرب الدائم، والشهود المتصل. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه. ولما ذكر ثواب من هاجر وقتل في سبيل الله أو مات....

الحج 22:56

يقول الحق جل جلاله: { ولا يزال الذين كفروا في مرية }: شك { منه } من القرآن، أو الصراط المستقيم، { حتى تأتيهم الساعة بغتة }: فجأة، { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } ، وهو عذاب يوم القيامة، كأنه قيل: حتى تأتيهم الساعة أو عذابها، فزاد " اليوم العقيم " لمزيد التهويل. واليوم العقيم: الذي لا يوم بعده، كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا يوم بعده يكون عقيما. وقيل: اليوم العقيم: يوم بدر، فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فرح أو راحة، كالريح العقيم لا تأتي بخير، أو لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، ولكن لا يساعده ما بعده، من قوله: { الملك يومئذ لله } أي: السلطان القاهر، والتصرف التام، يومئذ لله وحده، ولا منازع له فيه، ولا تصرف لأحد معه، لا حقيقة ولا مجازا، ولا صورة ولا معنى، كما في الدنيا، فإن للبعض فيه تصرفا مجازيا صوريا. { يحكم بينهم } أي: بين فريق أهل المرية وأهل الإيمان. ثم بين حكمه فيهم، فقال: { فالذين آمنوا } بالقرآن الكريم ولم يماروا فيه، { وعملوا الصالحات } امتثالا لما أمر به في تضاعيفه { في جنات النعيم } ، { والذين كفروا } بالقرآن وشكوا فيه، أو بالبعث والجزاء، { وكذبوا بآياتنا } الدالة على كمال قدرتنا أو القرآن، { فأولئك لهم عذاب مهين } ، يهينهم ويخزيهم. ثم خص قوما من الفريق الأول بفضيلة، فقال: { والذين هاجروا في سبيل الله }: خرجوا من أوطانهم مجاهدين، { ثم قتلوا } في الجهاد، { أو ماتوا } حتف أنفهم، { ليرزقنهم الله رزقا حسنا } ، وهو ما لا ينقطع من نعيم الجنان. ومراتب الحسن متفاوتة، فيجوز تفاوت حال المرزوقين، حسب تفاوت أرزاق الجنة. روي أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا معك؟ فنزلت: { والذين هاجروا... } الآيتين. وقيل: نزلت في طوائف، خرجوا من مكة إلى المدينة، فتبعهم المشركون فقتلوهم. ثم قال تعالى: { وإن الله لهو خير الرازقين } ، فإنه يرزق بغير حساب، مع أن ما يرزقه لا يقدر عليه غيره، { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } ، وهو الجنة لأن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، قيل: لما ذكر الرزق ذكر المسكن، { وإن الله لعليم حليم } ، عليم بأحوال من قضى نحبه مجاهدا، وآمال من مات وهو ينتظره معاهدا، حليم بإمهال من قاتلهم معاندا. الإشارة: من لم يصحب العارفين أهل الرسوخ واليقين، لا يمكن أن تنقطع عنه خواطر الشكوك والأوهام، حتى يلقى الله بقلب سقيم، فيفضي إلى الهوان المقيم. والذين هاجروا في طلب محبوبهم لتكميل يقينهم، ثم قتلوا قبل الوصول، أو ماتوا بعد الوصول، ليرزقنهم الله جميعا رزقا حسنا، وهو لذة الشهود والعيان، في مقعد صدق مع المقربين، { وإن الله لهو خير الرازقين }. والمدخل الذي يرضونه: هو القرب الدائم، والشهود المتصل. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه. ولما ذكر ثواب من هاجر وقتل في سبيل الله أو مات....

الحج 22:57

يقول الحق جل جلاله: { ولا يزال الذين كفروا في مرية }: شك { منه } من القرآن، أو الصراط المستقيم، { حتى تأتيهم الساعة بغتة }: فجأة، { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } ، وهو عذاب يوم القيامة، كأنه قيل: حتى تأتيهم الساعة أو عذابها، فزاد " اليوم العقيم " لمزيد التهويل. واليوم العقيم: الذي لا يوم بعده، كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا يوم بعده يكون عقيما. وقيل: اليوم العقيم: يوم بدر، فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فرح أو راحة، كالريح العقيم لا تأتي بخير، أو لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، ولكن لا يساعده ما بعده، من قوله: { الملك يومئذ لله } أي: السلطان القاهر، والتصرف التام، يومئذ لله وحده، ولا منازع له فيه، ولا تصرف لأحد معه، لا حقيقة ولا مجازا، ولا صورة ولا معنى، كما في الدنيا، فإن للبعض فيه تصرفا مجازيا صوريا. { يحكم بينهم } أي: بين فريق أهل المرية وأهل الإيمان. ثم بين حكمه فيهم، فقال: { فالذين آمنوا } بالقرآن الكريم ولم يماروا فيه، { وعملوا الصالحات } امتثالا لما أمر به في تضاعيفه { في جنات النعيم } ، { والذين كفروا } بالقرآن وشكوا فيه، أو بالبعث والجزاء، { وكذبوا بآياتنا } الدالة على كمال قدرتنا أو القرآن، { فأولئك لهم عذاب مهين } ، يهينهم ويخزيهم. ثم خص قوما من الفريق الأول بفضيلة، فقال: { والذين هاجروا في سبيل الله }: خرجوا من أوطانهم مجاهدين، { ثم قتلوا } في الجهاد، { أو ماتوا } حتف أنفهم، { ليرزقنهم الله رزقا حسنا } ، وهو ما لا ينقطع من نعيم الجنان. ومراتب الحسن متفاوتة، فيجوز تفاوت حال المرزوقين، حسب تفاوت أرزاق الجنة. روي أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا معك؟ فنزلت: { والذين هاجروا... } الآيتين. وقيل: نزلت في طوائف، خرجوا من مكة إلى المدينة، فتبعهم المشركون فقتلوهم. ثم قال تعالى: { وإن الله لهو خير الرازقين } ، فإنه يرزق بغير حساب، مع أن ما يرزقه لا يقدر عليه غيره، { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } ، وهو الجنة لأن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، قيل: لما ذكر الرزق ذكر المسكن، { وإن الله لعليم حليم } ، عليم بأحوال من قضى نحبه مجاهدا، وآمال من مات وهو ينتظره معاهدا، حليم بإمهال من قاتلهم معاندا. الإشارة: من لم يصحب العارفين أهل الرسوخ واليقين، لا يمكن أن تنقطع عنه خواطر الشكوك والأوهام، حتى يلقى الله بقلب سقيم، فيفضي إلى الهوان المقيم. والذين هاجروا في طلب محبوبهم لتكميل يقينهم، ثم قتلوا قبل الوصول، أو ماتوا بعد الوصول، ليرزقنهم الله جميعا رزقا حسنا، وهو لذة الشهود والعيان، في مقعد صدق مع المقربين، { وإن الله لهو خير الرازقين }. والمدخل الذي يرضونه: هو القرب الدائم، والشهود المتصل. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه. ولما ذكر ثواب من هاجر وقتل في سبيل الله أو مات....

الحج 22:58

يقول الحق جل جلاله: { ولا يزال الذين كفروا في مرية }: شك { منه } من القرآن، أو الصراط المستقيم، { حتى تأتيهم الساعة بغتة }: فجأة، { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } ، وهو عذاب يوم القيامة، كأنه قيل: حتى تأتيهم الساعة أو عذابها، فزاد " اليوم العقيم " لمزيد التهويل. واليوم العقيم: الذي لا يوم بعده، كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا يوم بعده يكون عقيما. وقيل: اليوم العقيم: يوم بدر، فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فرح أو راحة، كالريح العقيم لا تأتي بخير، أو لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، ولكن لا يساعده ما بعده، من قوله: { الملك يومئذ لله } أي: السلطان القاهر، والتصرف التام، يومئذ لله وحده، ولا منازع له فيه، ولا تصرف لأحد معه، لا حقيقة ولا مجازا، ولا صورة ولا معنى، كما في الدنيا، فإن للبعض فيه تصرفا مجازيا صوريا. { يحكم بينهم } أي: بين فريق أهل المرية وأهل الإيمان. ثم بين حكمه فيهم، فقال: { فالذين آمنوا } بالقرآن الكريم ولم يماروا فيه، { وعملوا الصالحات } امتثالا لما أمر به في تضاعيفه { في جنات النعيم } ، { والذين كفروا } بالقرآن وشكوا فيه، أو بالبعث والجزاء، { وكذبوا بآياتنا } الدالة على كمال قدرتنا أو القرآن، { فأولئك لهم عذاب مهين } ، يهينهم ويخزيهم. ثم خص قوما من الفريق الأول بفضيلة، فقال: { والذين هاجروا في سبيل الله }: خرجوا من أوطانهم مجاهدين، { ثم قتلوا } في الجهاد، { أو ماتوا } حتف أنفهم، { ليرزقنهم الله رزقا حسنا } ، وهو ما لا ينقطع من نعيم الجنان. ومراتب الحسن متفاوتة، فيجوز تفاوت حال المرزوقين، حسب تفاوت أرزاق الجنة. روي أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا معك؟ فنزلت: { والذين هاجروا... } الآيتين. وقيل: نزلت في طوائف، خرجوا من مكة إلى المدينة، فتبعهم المشركون فقتلوهم. ثم قال تعالى: { وإن الله لهو خير الرازقين } ، فإنه يرزق بغير حساب، مع أن ما يرزقه لا يقدر عليه غيره، { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } ، وهو الجنة لأن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، قيل: لما ذكر الرزق ذكر المسكن، { وإن الله لعليم حليم } ، عليم بأحوال من قضى نحبه مجاهدا، وآمال من مات وهو ينتظره معاهدا، حليم بإمهال من قاتلهم معاندا. الإشارة: من لم يصحب العارفين أهل الرسوخ واليقين، لا يمكن أن تنقطع عنه خواطر الشكوك والأوهام، حتى يلقى الله بقلب سقيم، فيفضي إلى الهوان المقيم. والذين هاجروا في طلب محبوبهم لتكميل يقينهم، ثم قتلوا قبل الوصول، أو ماتوا بعد الوصول، ليرزقنهم الله جميعا رزقا حسنا، وهو لذة الشهود والعيان، في مقعد صدق مع المقربين، { وإن الله لهو خير الرازقين }. والمدخل الذي يرضونه: هو القرب الدائم، والشهود المتصل. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه. ولما ذكر ثواب من هاجر وقتل في سبيل الله أو مات....

الحج 22:59

يقول الحق جل جلاله: { ولا يزال الذين كفروا في مرية }: شك { منه } من القرآن، أو الصراط المستقيم، { حتى تأتيهم الساعة بغتة }: فجأة، { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } ، وهو عذاب يوم القيامة، كأنه قيل: حتى تأتيهم الساعة أو عذابها، فزاد " اليوم العقيم " لمزيد التهويل. واليوم العقيم: الذي لا يوم بعده، كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا يوم بعده يكون عقيما. وقيل: اليوم العقيم: يوم بدر، فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فرح أو راحة، كالريح العقيم لا تأتي بخير، أو لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، ولكن لا يساعده ما بعده، من قوله: { الملك يومئذ لله } أي: السلطان القاهر، والتصرف التام، يومئذ لله وحده، ولا منازع له فيه، ولا تصرف لأحد معه، لا حقيقة ولا مجازا، ولا صورة ولا معنى، كما في الدنيا، فإن للبعض فيه تصرفا مجازيا صوريا. { يحكم بينهم } أي: بين فريق أهل المرية وأهل الإيمان. ثم بين حكمه فيهم، فقال: { فالذين آمنوا } بالقرآن الكريم ولم يماروا فيه، { وعملوا الصالحات } امتثالا لما أمر به في تضاعيفه { في جنات النعيم } ، { والذين كفروا } بالقرآن وشكوا فيه، أو بالبعث والجزاء، { وكذبوا بآياتنا } الدالة على كمال قدرتنا أو القرآن، { فأولئك لهم عذاب مهين } ، يهينهم ويخزيهم. ثم خص قوما من الفريق الأول بفضيلة، فقال: { والذين هاجروا في سبيل الله }: خرجوا من أوطانهم مجاهدين، { ثم قتلوا } في الجهاد، { أو ماتوا } حتف أنفهم، { ليرزقنهم الله رزقا حسنا } ، وهو ما لا ينقطع من نعيم الجنان. ومراتب الحسن متفاوتة، فيجوز تفاوت حال المرزوقين، حسب تفاوت أرزاق الجنة. روي أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا معك؟ فنزلت: { والذين هاجروا... } الآيتين. وقيل: نزلت في طوائف، خرجوا من مكة إلى المدينة، فتبعهم المشركون فقتلوهم. ثم قال تعالى: { وإن الله لهو خير الرازقين } ، فإنه يرزق بغير حساب، مع أن ما يرزقه لا يقدر عليه غيره، { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } ، وهو الجنة لأن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، قيل: لما ذكر الرزق ذكر المسكن، { وإن الله لعليم حليم } ، عليم بأحوال من قضى نحبه مجاهدا، وآمال من مات وهو ينتظره معاهدا، حليم بإمهال من قاتلهم معاندا. الإشارة: من لم يصحب العارفين أهل الرسوخ واليقين، لا يمكن أن تنقطع عنه خواطر الشكوك والأوهام، حتى يلقى الله بقلب سقيم، فيفضي إلى الهوان المقيم. والذين هاجروا في طلب محبوبهم لتكميل يقينهم، ثم قتلوا قبل الوصول، أو ماتوا بعد الوصول، ليرزقنهم الله جميعا رزقا حسنا، وهو لذة الشهود والعيان، في مقعد صدق مع المقربين، { وإن الله لهو خير الرازقين }. والمدخل الذي يرضونه: هو القرب الدائم، والشهود المتصل. جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه. ولما ذكر ثواب من هاجر وقتل في سبيل الله أو مات....

الحج 22:60

قلت: { ذلك }: خبر، أي: الأمر ذلك. و { من عاقب }: شرط سد مسد جوابه، أي: من عاقب بمثل ما عوقب به ينصره الله. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: الأمر ذلك، كما أخبرتك في بيان الفريقين، ثم استأنف فقال: { ومن عاقب بمثل ما عوقب به } أي: لم يزد في القصاص على ما فعل به، وسمى الابتداء عقابا للمشاكلة ولملابسته له، من حيث إنه سبب له وهو مسبب عنه. { ثم بغي عليه لينصرنه الله } أي: من جازى بمثل ما فعل به من الظلم، ثم ظلم، بعد ذلك، وبغي عليه بعد ذلك، فحق على الله أن ينصره { إن الله لعفو } يمحو آثار الذنوب، { غفور } يستر أنواع العيوب. ومناسبة الوصفين لما قبلهما: أن المعاقب مأمور بالعفو من عند الله، بقوله فمن عفا وأصلح فأجره على الله [الشورى: 40]، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [الشورى: 43]، فحين لم يفعل ذلك، وانتصر لنفسه، فكأنه مذنب، فمعنى العفو في حقه أنه لا يلزمه على ترك الفضل شيء، وأنه ضامن لنصره في الكرة الثانية، إذا ترك العفو وانتقم من الباغي عليه، وعرض، مع ذلك، بما كان أولى به من العفو بذكر هاتين الصفتين. ثم ذكر دلائل قدرته على النصر وغيره بقوله: { ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير } أي: ذلك النصر للمظلوم بسبب أنه قادر على ما يشاء. ومن آيات قدرته أنه { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } أي: يدخل أحدهما في الآخر، فيدخل الليل في النهار إذا طال النهار، ويدخل النهار في الليل إذا طال الليل، فيزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر. أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما، بإدخال أحدهما على الآخر، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر، والبغي والإنصاف. { وأن الله سميع } لما يقولون، لا يشغله سمع عن سمع، وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات، { بصير } بما يفعلون، فلا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي، وإن توالت الظلمات. { ذلك بأن الله هو الحق } الواجب لذاته، الثابت في نفسه، الواحد في صفاته وأفعاله، فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان كونه مبديا لكل ما يوجد من الموجودات، عالما بكل المعلومات. وإذا ثبت أنه الحق فدينه حق، وعبادته حق، { وأن ما تدعون من دونه } إلها { هو الباطل } ي: المعدوم في حد ذاته. أو الباطل ألوهيته، { وأن الله هو العلي الكبير } أي: المتعالي عن مدارك العقول، وعن سمات الحدوث، أو المرتفع على كل شيء بقهريته، أو المتعالي عن الأنداد والأشباه، الكبير شأنا وعظمة وكبرياء إذ كل شيء يصغر دون كبريائه، فلا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا لأن له الوجود المطلق. والله تعالى أعلم. الإشارة: ومن عاقب نفسه وجاهدها وأدبها في أيام اليقظة، بمثل ما عاقبته وجنت عليه وطغت في أيام الغفلة، ثم صرعته بعد ذلك وغلبته لينصرنه الله عليها، حتى يغلبها ويملكها، فكلما هاجت عليه هجم عليها، حتى يملكها ذلك بأن الله يولج ليل المعصية في نهار الطاعة، ويولج نهار الطاعة في ليل المعصية، أي: يدخل أحدهما على الآخر، فلا يزال العبد يعصي ويطيع حتى يمن عليه بالتوبة النصوح. أو يولج ليل المعصية في نفس الطاعة، فتنقلب الطاعة معصية، إذا صحبها علو واستكبار. ويولج نهار الطاعة في عين المعصية، فتنقلب طاعة إذا صحبها ذل وافتقار. ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما دونه باطل. ثم ذكر دليلا آخر على قدرته

الحج 22:61

قلت: { ذلك }: خبر، أي: الأمر ذلك. و { من عاقب }: شرط سد مسد جوابه، أي: من عاقب بمثل ما عوقب به ينصره الله. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: الأمر ذلك، كما أخبرتك في بيان الفريقين، ثم استأنف فقال: { ومن عاقب بمثل ما عوقب به } أي: لم يزد في القصاص على ما فعل به، وسمى الابتداء عقابا للمشاكلة ولملابسته له، من حيث إنه سبب له وهو مسبب عنه. { ثم بغي عليه لينصرنه الله } أي: من جازى بمثل ما فعل به من الظلم، ثم ظلم، بعد ذلك، وبغي عليه بعد ذلك، فحق على الله أن ينصره { إن الله لعفو } يمحو آثار الذنوب، { غفور } يستر أنواع العيوب. ومناسبة الوصفين لما قبلهما: أن المعاقب مأمور بالعفو من عند الله، بقوله فمن عفا وأصلح فأجره على الله [الشورى: 40]، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [الشورى: 43]، فحين لم يفعل ذلك، وانتصر لنفسه، فكأنه مذنب، فمعنى العفو في حقه أنه لا يلزمه على ترك الفضل شيء، وأنه ضامن لنصره في الكرة الثانية، إذا ترك العفو وانتقم من الباغي عليه، وعرض، مع ذلك، بما كان أولى به من العفو بذكر هاتين الصفتين. ثم ذكر دلائل قدرته على النصر وغيره بقوله: { ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير } أي: ذلك النصر للمظلوم بسبب أنه قادر على ما يشاء. ومن آيات قدرته أنه { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } أي: يدخل أحدهما في الآخر، فيدخل الليل في النهار إذا طال النهار، ويدخل النهار في الليل إذا طال الليل، فيزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر. أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما، بإدخال أحدهما على الآخر، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر، والبغي والإنصاف. { وأن الله سميع } لما يقولون، لا يشغله سمع عن سمع، وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات، { بصير } بما يفعلون، فلا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي، وإن توالت الظلمات. { ذلك بأن الله هو الحق } الواجب لذاته، الثابت في نفسه، الواحد في صفاته وأفعاله، فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان كونه مبديا لكل ما يوجد من الموجودات، عالما بكل المعلومات. وإذا ثبت أنه الحق فدينه حق، وعبادته حق، { وأن ما تدعون من دونه } إلها { هو الباطل } ي: المعدوم في حد ذاته. أو الباطل ألوهيته، { وأن الله هو العلي الكبير } أي: المتعالي عن مدارك العقول، وعن سمات الحدوث، أو المرتفع على كل شيء بقهريته، أو المتعالي عن الأنداد والأشباه، الكبير شأنا وعظمة وكبرياء إذ كل شيء يصغر دون كبريائه، فلا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا لأن له الوجود المطلق. والله تعالى أعلم. الإشارة: ومن عاقب نفسه وجاهدها وأدبها في أيام اليقظة، بمثل ما عاقبته وجنت عليه وطغت في أيام الغفلة، ثم صرعته بعد ذلك وغلبته لينصرنه الله عليها، حتى يغلبها ويملكها، فكلما هاجت عليه هجم عليها، حتى يملكها ذلك بأن الله يولج ليل المعصية في نهار الطاعة، ويولج نهار الطاعة في ليل المعصية، أي: يدخل أحدهما على الآخر، فلا يزال العبد يعصي ويطيع حتى يمن عليه بالتوبة النصوح. أو يولج ليل المعصية في نفس الطاعة، فتنقلب الطاعة معصية، إذا صحبها علو واستكبار. ويولج نهار الطاعة في عين المعصية، فتنقلب طاعة إذا صحبها ذل وافتقار. ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما دونه باطل. ثم ذكر دليلا آخر على قدرته

الحج 22:62

قلت: { ذلك }: خبر، أي: الأمر ذلك. و { من عاقب }: شرط سد مسد جوابه، أي: من عاقب بمثل ما عوقب به ينصره الله. يقول الحق جل جلاله: { ذلك } أي: الأمر ذلك، كما أخبرتك في بيان الفريقين، ثم استأنف فقال: { ومن عاقب بمثل ما عوقب به } أي: لم يزد في القصاص على ما فعل به، وسمى الابتداء عقابا للمشاكلة ولملابسته له، من حيث إنه سبب له وهو مسبب عنه. { ثم بغي عليه لينصرنه الله } أي: من جازى بمثل ما فعل به من الظلم، ثم ظلم، بعد ذلك، وبغي عليه بعد ذلك، فحق على الله أن ينصره { إن الله لعفو } يمحو آثار الذنوب، { غفور } يستر أنواع العيوب. ومناسبة الوصفين لما قبلهما: أن المعاقب مأمور بالعفو من عند الله، بقوله فمن عفا وأصلح فأجره على الله [الشورى: 40]، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [الشورى: 43]، فحين لم يفعل ذلك، وانتصر لنفسه، فكأنه مذنب، فمعنى العفو في حقه أنه لا يلزمه على ترك الفضل شيء، وأنه ضامن لنصره في الكرة الثانية، إذا ترك العفو وانتقم من الباغي عليه، وعرض، مع ذلك، بما كان أولى به من العفو بذكر هاتين الصفتين. ثم ذكر دلائل قدرته على النصر وغيره بقوله: { ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير } أي: ذلك النصر للمظلوم بسبب أنه قادر على ما يشاء. ومن آيات قدرته أنه { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } أي: يدخل أحدهما في الآخر، فيدخل الليل في النهار إذا طال النهار، ويدخل النهار في الليل إذا طال الليل، فيزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر. أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما، بإدخال أحدهما على الآخر، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر، والبغي والإنصاف. { وأن الله سميع } لما يقولون، لا يشغله سمع عن سمع، وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات، { بصير } بما يفعلون، فلا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي، وإن توالت الظلمات. { ذلك بأن الله هو الحق } الواجب لذاته، الثابت في نفسه، الواحد في صفاته وأفعاله، فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان كونه مبديا لكل ما يوجد من الموجودات، عالما بكل المعلومات. وإذا ثبت أنه الحق فدينه حق، وعبادته حق، { وأن ما تدعون من دونه } إلها { هو الباطل } ي: المعدوم في حد ذاته. أو الباطل ألوهيته، { وأن الله هو العلي الكبير } أي: المتعالي عن مدارك العقول، وعن سمات الحدوث، أو المرتفع على كل شيء بقهريته، أو المتعالي عن الأنداد والأشباه، الكبير شأنا وعظمة وكبرياء إذ كل شيء يصغر دون كبريائه، فلا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا لأن له الوجود المطلق. والله تعالى أعلم. الإشارة: ومن عاقب نفسه وجاهدها وأدبها في أيام اليقظة، بمثل ما عاقبته وجنت عليه وطغت في أيام الغفلة، ثم صرعته بعد ذلك وغلبته لينصرنه الله عليها، حتى يغلبها ويملكها، فكلما هاجت عليه هجم عليها، حتى يملكها ذلك بأن الله يولج ليل المعصية في نهار الطاعة، ويولج نهار الطاعة في ليل المعصية، أي: يدخل أحدهما على الآخر، فلا يزال العبد يعصي ويطيع حتى يمن عليه بالتوبة النصوح. أو يولج ليل المعصية في نفس الطاعة، فتنقلب الطاعة معصية، إذا صحبها علو واستكبار. ويولج نهار الطاعة في عين المعصية، فتنقلب طاعة إذا صحبها ذل وافتقار. ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما دونه باطل. ثم ذكر دليلا آخر على قدرته

الحج 22:63

قلت: { فتصبح }: عطف على { أنزل } ، والعطف بالفاء أغنى عن الضمير، وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار بتجدد أثر الإنزال، وهو الاخضرار واستمراره، أو لاستحضار صورة الاخضرار، وإنما لم ينصب جوابا للاستفهام لأنه لو نصب لبطل الغرض لأن معناه في الرفع إثبات الاخضرار، فينقلب في النصب إلى نفيه، كما تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، إن نصبته نفيت شكره، وشكوت من تفريطه، وإن رفعته أثبت شكره. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو يا من يسمع، { أن الله أنزل من السماء ماء } مطرا { فتصبح الأرض مخضرة } بالنبات، بعدما كانت مسودة يابسة، { إن الله لطيف } بعباده، أو في ذاته لا يدرك، { خبير } بمصالح خلقه ومنافعهم، أو اللطيف المختص بدقائق التدبير، الخبير بكل جليل وحقير، قليل وكثير. { له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وملكا، قد أحاط بهم قدرة وعلما، { وإن الله لهو الغني } عن كل شيء، المفتقر إليه كل شيء، { الحميد }: المحمود بنعمته، قبل ثناء من في السماوات والأرض عليه، أو المستحق للحمد، أعطى أو لم يعط. ثم ذكر موجب الحمد من عباده، فقال: { ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض } من الأنعام لتأكلوا منها، ومن البهائم لتركبوها في البر، { والفلك تجري في البحر بأمره }: بقدرته وإذنه، أي: وسخر لكم المراكب حال كونها جارية في البحر بإذنه، { ويمسك السماء أن تقع على الأرض } أي: يحفظها من السقوط، بأن خلقها على هيئة متداعية إلى الاستمساك، { إلا بإذنه }: إلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة، وفيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية، فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها. { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } حيث هيأ لهم هذه الأسباب لقيام معاشهم، وفتح لهم أبواب المنافع، ودفع عنهم أنواع المضار، فأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية، فله الحمد وله الشكر. الإشارة: ألم تر أن الله أنزل من سماء المعاني ماء علم الغيوب، وهو علم أسرار الذات وأنوار الصفات، أعني: التوحيد الخاص، فإذا نزل على أرض النفوس، اهتزت وربت، واخضرت بالعلوم والمعارف، إن الله لطيف خبير، لطيف لسريان معانيه اللطيفة في كل شيء، خبير ببواطن كل شيء، فمن كوشف بلطيف معانيه وإحاطة علمه في كل شيء، وبكل شيء، حيي قلبه بمعرفة الله، واخضرت أرض نفسه بأنواع العلوم والمعارف. ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض، يكون عند أمركم ونهيكم، وفلك الفكرة تجري في بحر التوحيد بأمره، ويمسك سماء الأرواح أن تقع على أرض الحظوظ إلا بإذنه، بعد الرسوخ في معرفته، والتمكين من الفهم عنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم حيث فتح لهم باب العلوم، وهيأ لهم أسباب الفهوم، وهي الرياضة والتأديب. ثم ذكر دليلا آخر على قدرته

الحج 22:64

قلت: { فتصبح }: عطف على { أنزل } ، والعطف بالفاء أغنى عن الضمير، وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار بتجدد أثر الإنزال، وهو الاخضرار واستمراره، أو لاستحضار صورة الاخضرار، وإنما لم ينصب جوابا للاستفهام لأنه لو نصب لبطل الغرض لأن معناه في الرفع إثبات الاخضرار، فينقلب في النصب إلى نفيه، كما تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، إن نصبته نفيت شكره، وشكوت من تفريطه، وإن رفعته أثبت شكره. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو يا من يسمع، { أن الله أنزل من السماء ماء } مطرا { فتصبح الأرض مخضرة } بالنبات، بعدما كانت مسودة يابسة، { إن الله لطيف } بعباده، أو في ذاته لا يدرك، { خبير } بمصالح خلقه ومنافعهم، أو اللطيف المختص بدقائق التدبير، الخبير بكل جليل وحقير، قليل وكثير. { له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وملكا، قد أحاط بهم قدرة وعلما، { وإن الله لهو الغني } عن كل شيء، المفتقر إليه كل شيء، { الحميد }: المحمود بنعمته، قبل ثناء من في السماوات والأرض عليه، أو المستحق للحمد، أعطى أو لم يعط. ثم ذكر موجب الحمد من عباده، فقال: { ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض } من الأنعام لتأكلوا منها، ومن البهائم لتركبوها في البر، { والفلك تجري في البحر بأمره }: بقدرته وإذنه، أي: وسخر لكم المراكب حال كونها جارية في البحر بإذنه، { ويمسك السماء أن تقع على الأرض } أي: يحفظها من السقوط، بأن خلقها على هيئة متداعية إلى الاستمساك، { إلا بإذنه }: إلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة، وفيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية، فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها. { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } حيث هيأ لهم هذه الأسباب لقيام معاشهم، وفتح لهم أبواب المنافع، ودفع عنهم أنواع المضار، فأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية، فله الحمد وله الشكر. الإشارة: ألم تر أن الله أنزل من سماء المعاني ماء علم الغيوب، وهو علم أسرار الذات وأنوار الصفات، أعني: التوحيد الخاص، فإذا نزل على أرض النفوس، اهتزت وربت، واخضرت بالعلوم والمعارف، إن الله لطيف خبير، لطيف لسريان معانيه اللطيفة في كل شيء، خبير ببواطن كل شيء، فمن كوشف بلطيف معانيه وإحاطة علمه في كل شيء، وبكل شيء، حيي قلبه بمعرفة الله، واخضرت أرض نفسه بأنواع العلوم والمعارف. ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض، يكون عند أمركم ونهيكم، وفلك الفكرة تجري في بحر التوحيد بأمره، ويمسك سماء الأرواح أن تقع على أرض الحظوظ إلا بإذنه، بعد الرسوخ في معرفته، والتمكين من الفهم عنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم حيث فتح لهم باب العلوم، وهيأ لهم أسباب الفهوم، وهي الرياضة والتأديب. ثم ذكر دليلا آخر على قدرته

الحج 22:65

قلت: { فتصبح }: عطف على { أنزل } ، والعطف بالفاء أغنى عن الضمير، وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار بتجدد أثر الإنزال، وهو الاخضرار واستمراره، أو لاستحضار صورة الاخضرار، وإنما لم ينصب جوابا للاستفهام لأنه لو نصب لبطل الغرض لأن معناه في الرفع إثبات الاخضرار، فينقلب في النصب إلى نفيه، كما تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، إن نصبته نفيت شكره، وشكوت من تفريطه، وإن رفعته أثبت شكره. يقول الحق جل جلاله: { ألم تر } يا محمد، أو يا من يسمع، { أن الله أنزل من السماء ماء } مطرا { فتصبح الأرض مخضرة } بالنبات، بعدما كانت مسودة يابسة، { إن الله لطيف } بعباده، أو في ذاته لا يدرك، { خبير } بمصالح خلقه ومنافعهم، أو اللطيف المختص بدقائق التدبير، الخبير بكل جليل وحقير، قليل وكثير. { له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وملكا، قد أحاط بهم قدرة وعلما، { وإن الله لهو الغني } عن كل شيء، المفتقر إليه كل شيء، { الحميد }: المحمود بنعمته، قبل ثناء من في السماوات والأرض عليه، أو المستحق للحمد، أعطى أو لم يعط. ثم ذكر موجب الحمد من عباده، فقال: { ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض } من الأنعام لتأكلوا منها، ومن البهائم لتركبوها في البر، { والفلك تجري في البحر بأمره }: بقدرته وإذنه، أي: وسخر لكم المراكب حال كونها جارية في البحر بإذنه، { ويمسك السماء أن تقع على الأرض } أي: يحفظها من السقوط، بأن خلقها على هيئة متداعية إلى الاستمساك، { إلا بإذنه }: إلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة، وفيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية، فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها. { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } حيث هيأ لهم هذه الأسباب لقيام معاشهم، وفتح لهم أبواب المنافع، ودفع عنهم أنواع المضار، فأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية، فله الحمد وله الشكر. الإشارة: ألم تر أن الله أنزل من سماء المعاني ماء علم الغيوب، وهو علم أسرار الذات وأنوار الصفات، أعني: التوحيد الخاص، فإذا نزل على أرض النفوس، اهتزت وربت، واخضرت بالعلوم والمعارف، إن الله لطيف خبير، لطيف لسريان معانيه اللطيفة في كل شيء، خبير ببواطن كل شيء، فمن كوشف بلطيف معانيه وإحاطة علمه في كل شيء، وبكل شيء، حيي قلبه بمعرفة الله، واخضرت أرض نفسه بأنواع العلوم والمعارف. ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض، يكون عند أمركم ونهيكم، وفلك الفكرة تجري في بحر التوحيد بأمره، ويمسك سماء الأرواح أن تقع على أرض الحظوظ إلا بإذنه، بعد الرسوخ في معرفته، والتمكين من الفهم عنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم حيث فتح لهم باب العلوم، وهيأ لهم أسباب الفهوم، وهي الرياضة والتأديب. ثم ذكر دليلا آخر على قدرته

الحج 22:66

يقول الحق جل جلاله: { وهو الذي أحياكم } بعد أن كنتم جمادا، عناصر ونطفا في الأصلاب والأرحام، حسبما فصل في صدر السورة، { ثم يميتكم } عند مجيء آجالكم، { ثم يحييكم } عند البعث، لإيصال جزائكم، { إن الإنسان لكفور }: لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم، ودفع عنه من صنوف النقم، أو لا يعرف نعمة الإيجاد المظهرة للوجود، ولا نعمة الإمداد الممدة بعد الوجود، ولا نعمة الإفناء المقربة إلى الموعود، ولا نعمة الإحياء الموصلة إلى المقصود، وهو التنعم في جوار الملك الودود، فله الحمد دائما وله الشكر. الإشارة: وهو الذي أحياكم باليقظة بعد الغفلة، وبالعلم بعد الجهل، ثم يميتكم عن حظوظ نفوسكم وهواها، ثم يحييكم بالمعرفة به، حياة لا موت بعدها، فمن لم يعرف هذا فهو كنود. ولا يمكن الوقوف على هذه النعم والقيام بشكرها...

الحج 22:67

يقول الحق جل جلاله: { لكل أمة } من الأمم الخالية والباقية { جعلنا } أي: وضعنا، وعينا { منسكا }: شريعة خاصة يتمسكون بها، أي: عينا كل شريعة لأمة معينة من الأمم، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى، لا استقلالا ولا اشتراكا، فكل جيل لهم شرع مخصوص، { هم ناسكوه }: عاملون به، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - عليهما السلام - منسكهم التوراة، هم عاملون به لا غيرهم. والتي كانت من مبعث عيسى عليه السلام إلى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم منسكهم الإنجيل، هم ناسكوه وعاملون به. وأما الأمة الموجودة عند مبعث النبي - عليه الصلاة والسلام - ومن بعدهم إلى يوم القيامة فهم أمة واحدة، منسكهم القرآن، ليس إلا. والفاء في قوله: { فلا ينازعنك في الأمر } لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن تعيين كل أمة بشرع مخصوص، يجب اتباعه، يوجب اتباع هؤلاء الموجودين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم منازعتهم له في أمر الدين، أي: فلا يجادلنك في أمر الدين، بل يجب عليهم الاستسلام والانقياد لكل أمر ونهي. أو: فلا تلتفت إلى قولهم، ولا تمكنهم من أن ينازعوك في الأمر، أي: أمر الدين أو أمر الذبائح. قيل: نزلت حين قال المشركون للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله؟ يعني: الميتة، فأمر الله بالغيبة عنهم، وعدم الالتفات إلى قولهم. { وادع إلى ربك } أي: دم على الدعاء إلى الله، والتمسك بدينه القويم { إنك لعلى هدى مستقيم }: طريق قويم موصل إلى الحق. { وإن جادلوك } بعد ظهور الحق مراء وتعنتا، كما يفعله السفهاء، بعد اجتهادك ألا يكون بينك وبينهم تنازع وجدال، { فقل الله أعلم بما تعملون } أي: فلا تجادلهم، وادفعهم بهذا القول، والمعنى: إن الله عالم بأعمالكم وما تستحقون عليها من الجزاء، فهو يجازيكم به. وهذا وعيد وإنذار، ولكن برفق ولين، يجيب به العاقل كل متعنت سفيه. قال تعالى: { الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين، وهو خطاب من الله تعالى للمؤمنين والكافرين، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان يلقى منهم. { ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض } ، الاستفهام للتقرير، أي: قد علمت أن الله يعلم كل ما يحدث في السماء والأرض، ولا يخفى عليه شيء من الأشياء، ومن جملتها: ما تقوله الكفرة وما يعملونه، { إن ذلك في كتاب } في اللوح المحفوظ، { إن ذلك على الله يسير } أي: علمه بجميع ذلك عليه يسير، فلا يخفى عليه معلوم، ولا يعسر عليه مقدور. { ويعبدون من دون الله } أي: متجاوزين إياه، مع ظهور دلائل عظمته وقدرته وتوحيده، { ما لم ينزل به سلطانا }: حجة وبرهانا، { وما ليس لهم به علم } أي: وما ليس لهم بجواز عبادته علم من ضرورة أو استدلال، أي: لم يتمسكوا في عبادتهم لها ببرهان سماوي من جهة الوحي، ولا حملهم عليها دليل عقلي، بل لمجرد التقليد الرديء، { وما للظالمين من نصير } أي: وما للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم العظيم من أحد ينصرهم، أو يصوب مذهبهم، أو يدفع العذاب عنهم، حين يعتريهم بسبب ظلمهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما اختلفت الشرائع باختلاف الملل، اختلفت التربية باختلاف الأشخاص والأعصار، وقد تقدم عند قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة: 48]. وجملتها ترجع إلى الهمة والحال، وبهما كانت التربية في الصدر الأول، فكانت الملاقاة والصحبة تكفي، ويحصل التهذيب والتصفية وكمال المعرفة. وذلك في زمان الصحابة والتابعين إلى القرن الثالث لقربهم من النور النبوي. فلما بعد الأمر، وأظلمت القلوب، أحدثوا تربية الاصطلاح، وهو التزيي بزي مخصوص، كالمرقعة وحمل السبحة في العنق، والركوة، وغير ذلك من مسائل التجريد، وترتيب أمور تموت بها النفوس وتعالج بها القلوب، واستعمال أوراد مخصوصة، فكانت التربية حينئذ بالهمة والحال والاصطلاح. وقد تحصل التربية لمن له الهمة والحال بغير اصطلاح، إذا رآه ينجع فيه ذلك، فبقي الأمر كذلك إلى القرن التاسع، فتصدى للتربية بالاصطلاح قوم مدعون، لا همة لهم ولا حال، فقال الحضرمي حسما لهذه الدعوى: قد انقطعت التربية بالاصطلاح، وما بقي إلا الهمة والحال، فعليكم بالكتاب والسنة، أي: بظاهر الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان، يعني طريق الأحوال والاصطلاح. ومراده بذلك: قطع التربية بالاصطلاح من غير همة ولا حال. وأما من له الهمة والحال فلا يقصد الحضرمي قطع تربيته بالاصطلاح. والحاصل: أن الحضرمي ما حكم إلا على وقته لما رأى من الفساد الذي دخل في التربية. وقد وجد بعده رجال مربون بالاصطلاح مع الهمة والحال. والمراد بالهمة: العلم بالله على نعت الشهود والعيان، وبالحال: إنهاض القلوب عند رؤيته لذكر الله لقوله - عليه الصلاة والسلام -: " خيركم من إذا رؤوا ذكر الله " ولا بد من إذن خاص من الشيخ، أو من يقوم مقامه، وإلا فلا تنجح تربيته، ولا ينهض حاله. والله تعالى أعلم. فإن تأهلت للتربية بإذن خاص، فلا ينازعنك في الأمر، أي: لا تلفت إلى من ينازعك ويحتج عليك بانقطاع التربية تعنتا وعنادا. وادع إلى ربك، إنك لعلى هدى مستقيم. قال القشيري: قوله: { وإن جادلوك... } الخ، أي: كلهم إلينا، عندما راموا أمر الجدال، ولا تتكل على ما تختاره من الاحتيال، واحذر جنوح قلبك إلى الاستغاثة بالأمثال والأشكال فإنهم قوالب خاوية. وأشباح من رؤية المعاني خالية. ه. ويوم القيامة يظهر المحق من المبطل، ويقال في شأن من يعبد هواه: { ويعبدون من دون الله... } الآية. ثم ذكر وصفا آخر لأهل الإنكار فقال:-

الحج 22:68

يقول الحق جل جلاله: { لكل أمة } من الأمم الخالية والباقية { جعلنا } أي: وضعنا، وعينا { منسكا }: شريعة خاصة يتمسكون بها، أي: عينا كل شريعة لأمة معينة من الأمم، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى، لا استقلالا ولا اشتراكا، فكل جيل لهم شرع مخصوص، { هم ناسكوه }: عاملون به، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - عليهما السلام - منسكهم التوراة، هم عاملون به لا غيرهم. والتي كانت من مبعث عيسى عليه السلام إلى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم منسكهم الإنجيل، هم ناسكوه وعاملون به. وأما الأمة الموجودة عند مبعث النبي - عليه الصلاة والسلام - ومن بعدهم إلى يوم القيامة فهم أمة واحدة، منسكهم القرآن، ليس إلا. والفاء في قوله: { فلا ينازعنك في الأمر } لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن تعيين كل أمة بشرع مخصوص، يجب اتباعه، يوجب اتباع هؤلاء الموجودين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم منازعتهم له في أمر الدين، أي: فلا يجادلنك في أمر الدين، بل يجب عليهم الاستسلام والانقياد لكل أمر ونهي. أو: فلا تلتفت إلى قولهم، ولا تمكنهم من أن ينازعوك في الأمر، أي: أمر الدين أو أمر الذبائح. قيل: نزلت حين قال المشركون للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله؟ يعني: الميتة، فأمر الله بالغيبة عنهم، وعدم الالتفات إلى قولهم. { وادع إلى ربك } أي: دم على الدعاء إلى الله، والتمسك بدينه القويم { إنك لعلى هدى مستقيم }: طريق قويم موصل إلى الحق. { وإن جادلوك } بعد ظهور الحق مراء وتعنتا، كما يفعله السفهاء، بعد اجتهادك ألا يكون بينك وبينهم تنازع وجدال، { فقل الله أعلم بما تعملون } أي: فلا تجادلهم، وادفعهم بهذا القول، والمعنى: إن الله عالم بأعمالكم وما تستحقون عليها من الجزاء، فهو يجازيكم به. وهذا وعيد وإنذار، ولكن برفق ولين، يجيب به العاقل كل متعنت سفيه. قال تعالى: { الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } من أمر الدين، وهو خطاب من الله تعالى للمؤمنين والكافرين، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان يلقى منهم. { ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض } ، الاستفهام للتقرير، أي: قد علمت أن الله يعلم كل ما يحدث في السماء والأرض، ولا يخفى عليه شيء من الأشياء، ومن جملتها: ما تقوله الكفرة وما يعملونه، { إن ذلك في كتاب } في اللوح المحفوظ، { إن ذلك على الله يسير } أي: علمه بجميع ذلك عليه يسير، فلا يخفى عليه معلوم، ولا يعسر عليه مقدور. { ويعبدون من دون الله } أي: متجاوزين إياه، مع ظهور دلائل عظمته وقدرته وتوحيده، { ما لم ينزل به سلطانا }: حجة وبرهانا، { وما ليس لهم به علم } أي: وما ليس لهم بجواز عبادته علم من ضرورة أو استدلال، أي: لم يتمسكوا في عبادتهم لها ببرهان سماوي من جهة الوحي، ولا حملهم عليها دليل عقلي، بل لمجرد التقليد الرديء، { وما للظالمين من نصير } أي: وما للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم العظيم من أحد ينصرهم، أو يصوب مذهبهم، أو يدفع العذاب عنهم، حين يعتريهم بسبب ظلمهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما اختلفت الشرائع باختلاف الملل، اختلفت التربية باختلاف الأشخاص والأعصار، وقد تقدم عند قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة: 48]. وجملتها ترجع إلى الهمة والحال، وبهما كانت التربية في الصدر الأول، فكانت الملاقاة والصحبة تكفي، ويحصل التهذيب والتصفية وكمال المعرفة. وذلك في زمان الصحابة والتابعين إلى القرن الثالث لقربهم من النور النبوي. فلما بعد الأمر، وأظلمت القلوب، أحدثوا تربية الاصطلاح، وهو التزيي بزي مخصوص، كالمرقعة وحمل السبحة في العنق، والركوة، وغير ذلك من مسائل التجريد، وترتيب أمور تموت بها النفوس وتعالج بها القلوب، واستعمال أوراد مخصوصة، فكانت التربية حينئذ بالهمة والحال والاصطلاح. وقد تحصل التربية لمن له الهمة والحال بغير اصطلاح، إذا رآه ينجع فيه ذلك، فبقي الأمر كذلك إلى القرن التاسع، فتصدى للتربية بالاصطلاح قوم مدعون، لا همة لهم ولا حال، فقال الحضرمي حسما لهذه الدعوى: قد انقطعت التربية بالاصطلاح، وما بقي إلا الهمة والحال، فعليكم بالكتاب والسنة، أي: بظاهر الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان، يعني طريق الأحوال والاصطلاح. ومراده بذلك: قطع التربية بالاصطلاح من غير همة ولا حال. وأما من له الهمة والحال فلا يقصد الحضرمي قطع تربيته بالاصطلاح. والحاصل: أن الحضرمي ما حكم إلا على وقته لما رأى من الفساد الذي دخل في التربية. وقد وجد بعده رجال مربون بالاصطلاح مع الهمة والحال. والمراد بالهمة: العلم بالله على نعت الشهود والعيان، وبالحال: إنهاض القلوب عند رؤيته لذكر الله لقوله - عليه الصلاة والسلام -: " خيركم من إذا رؤوا ذكر الله " ولا بد من إذن خاص من الشيخ، أو من يقوم مقامه، وإلا فلا تنجح تربيته، ولا ينهض حاله. والله تعالى أعلم. فإن تأهلت للتربية بإذن خاص، فلا ينازعنك في الأمر، أي: لا تلفت إلى من ينازعك ويحتج عليك بانقطاع التربية تعنتا وعنادا. وادع إلى ربك، إنك لعلى هدى مستقيم. قال القشيري: قوله: { وإن جادلوك... } الخ، أي: كلهم إلينا، عندما راموا أمر الجدال، ولا تتكل على ما تختاره من الاحتيال، واحذر جنوح قلبك إلى الاستغاثة بالأمثال والأشكال فإنهم قوالب خاوية. وأشباح من رؤية المعاني خالية. ه. ويوم القيامة يظهر المحق من المبطل، ويقال في شأن من يعبد هواه: { ويعبدون من دون الله... } الآية. ثم ذكر وصفا آخر لأهل الإنكار فقال:-