البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — طه 20:124 – الأنبياء 21:68
المحتويات
- طه 20:124
- طه 20:125
- طه 20:126
- طه 20:127
- طه 20:128
- طه 20:129
- طه 20:130
- طه 20:131
- طه 20:132
- طه 20:133
- طه 20:134
- طه 20:135
- الأنبياء 21:1
- الأنبياء 21:2
- الأنبياء 21:3
- الأنبياء 21:4
- الأنبياء 21:5
- الأنبياء 21:6
- الأنبياء 21:7
- الأنبياء 21:8
- الأنبياء 21:9
- الأنبياء 21:10
- الأنبياء 21:11
- الأنبياء 21:12
- الأنبياء 21:13
- الأنبياء 21:14
- الأنبياء 21:15
- الأنبياء 21:16
- الأنبياء 21:17
- الأنبياء 21:18
- الأنبياء 21:19
- الأنبياء 21:20
- الأنبياء 21:21
- الأنبياء 21:22
- الأنبياء 21:23
- الأنبياء 21:24
- الأنبياء 21:25
- الأنبياء 21:26
- الأنبياء 21:27
- الأنبياء 21:28
- الأنبياء 21:29
- الأنبياء 21:30
- الأنبياء 21:31
- الأنبياء 21:32
- الأنبياء 21:33
- الأنبياء 21:34
- الأنبياء 21:35
- الأنبياء 21:36
- الأنبياء 21:37
- الأنبياء 21:38
- الأنبياء 21:39
- الأنبياء 21:40
- الأنبياء 21:41
- الأنبياء 21:42
- الأنبياء 21:43
- الأنبياء 21:44
- الأنبياء 21:45
- الأنبياء 21:46
- الأنبياء 21:47
- الأنبياء 21:48
- الأنبياء 21:49
- الأنبياء 21:50
- الأنبياء 21:51
- الأنبياء 21:52
- الأنبياء 21:53
- الأنبياء 21:54
- الأنبياء 21:55
- الأنبياء 21:56
- الأنبياء 21:57
- الأنبياء 21:58
- الأنبياء 21:59
- الأنبياء 21:60
- الأنبياء 21:61
- الأنبياء 21:62
- الأنبياء 21:63
- الأنبياء 21:64
- الأنبياء 21:65
- الأنبياء 21:66
- الأنبياء 21:67
- الأنبياء 21:68
طه 20:124
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:125
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:126
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:127
{ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة... } قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحق جل جلاله: { و } الله { لقد عهدنا } وتقدمنا { إلى آدم } من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، فلا تغتر بنصحه { فنسي } ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولا أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، { ولم نجد له عزما } أي: ثبات قدم، وحزما في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غره الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها، ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو وزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "
وقيل: { ولم نجد له عزما } على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: { وعصى... } فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه، " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: { وإذ قلنا } أي: واذكر وقت قولنا { للملائكة اسجدوا لآدم } ، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس آبى } السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. { فقلنا } عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: { يا آدم إن هذا } الذي رأيته فعل ما فعل { عدو لك ولزوجك } حيث لم يرض بالسجود لك، { فلا يخرجكما من الجنة } أي: لا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، { فتشقى }: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه. ولم يقل: فتشقيا لأنه غلب الذكر لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: { إن لك } يا آدم { أن لا تجوع فيها ولا تعرى } من فقد اللباس، { وأنك لا تظمأ }: لا تعطش { فيها ولا تضحى } تبرز للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو لتنفير تلك الأمور المنكرة ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى:
ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما
[البقرة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا اكتفاء بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يعوزون طعاما ولا شرابا ولا كنا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان } أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، { قال } فيها: { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد }؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلا، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكا، { و } أدلك على { ملك لا يبلى } أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يختل بوجه من الوجوه، { فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما } قال ابن عباس رضي الله عنه: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. { وطفقا يخصفان } يرقعان { عليهما من ورق الجنة } ، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمتعة جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأخرج من النعيم والجنة ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. ه. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة.
ه. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمة من الله. وقوله تعالى: { ولم نجد له عزما } ، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحجر. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام:
" فحج آدم موسى "
، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورا ومأخوذا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. ه. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: { فنسي } ، وإن كان تناوله، ذاكرا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له:
ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة...
[الأعراف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية لأن آدم عليه السلام عاين قرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة ليتناول الملكية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه:
وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين
[الأعراف: 21]، قال آدم عليه السلام: ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فكان كما قال الله سبحانه: { فدلاهما بغرور }. ه. وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى: { هل أدلك على شجرة الخلد }؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لم أدبتني، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركت بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. ه. والحاصل: أنه إما أن يحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يعارضه: { ما نهاكما عن هذه الشجرة } لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا، مع شهود الجبر باطنا، وإما أن يحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه لأنه أرجح عنده.
قاله المحشي. وقوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان... } الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وعصى ءادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقول الحق جل جلاله: { وعصى آدم ربه } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلا لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. ه. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. { ثم اجتباه ربه } أي: اصطفاه وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. { فتاب عليه } أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين:
ربنا ظلمنآ أنفسنا
[الأعراف: 23] الآية. { وهدى } أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها.
الرجال قوامون على النسآء
[النساء: 34]. { قال اهبطا منها جميعا } ، وهو استئناف بياني، كأن سائلا قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: { اهبطا منها } أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم { بعضكم لبعض عدو } أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواء يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة.
وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبا. انظر بقية كلامه. { فإما يأتينكم مني هدى } أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إلي، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. { فمن اتبع هداي } بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله { فلا يضل } في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: { فمن اتبع هداي } أي: كتابي ورسولي، { فلا يضل } في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. وفي لفظ آخر: أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة. قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: { فإما... } الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلا منه تعالى، ولذلك أتى " بإن " ، دون " إذا " المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. { ومن أعرض عن ذكري } عن القرآن، أو عن الهدى الذاكر لي والداعي إلي، { فإن له معيشة ضنكا }: ضيقا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: " ضنكى " كسكرى. وإنما كان عيشه ضيقا لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن نور الإيمان يوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري:
" يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا... "
الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. { ونحشره يوم القيامة أعمى }: فاقد البصر كقوله:
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا
[الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } في الدنيا؟ { قال كذلك } أي: مثل ذلك فعلت أنت { أتتك آياتنا } أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا { فنسيتها } أي: عميت عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، { وكذلك اليوم تنسى }: تترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم.
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، فيوم القيامة ألوان. ثم قال تعالى: { وكذلك } أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. { نجزي من أسرف } وتعدى بالانهماك في الشهوات، { ولم يؤمن بآيات ربه } ، بل كذب بها وأعرض عنها، { ولعذاب الآخرة } على الإطلاق، أو عذاب النار، { أشد وأبقى } من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: { وعصى آدم ربه } ، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: أذنبت ذنبا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن. وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد توجب القرب من الكريم الغفار " معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا " ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا، ومخالفة آدم حيث كانت الجوارح أورثت قربا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يرد العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنا ما كان، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي توجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يؤثر في الاجتبائية، وقوله: { وعصى } أي: أظهر خلافا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: { فنسي ولم نجد له عزما }. ه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: نعمت المعصية أورثت الخلافة. واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو } ، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: داع يدعو إلي، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى.
ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال رب لم حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تنسى لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلا بوجود الحق، كما كان جاهلا في الدنيا، كما قال علي - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. ه. وقال القشيري: في الخبر:
" من كان بحالة لقي الله بها "
فمن كان في الدنيا أعمى القلب، يحشر على حالته، يعيش على ما جهل، ويحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا }؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية، كما يتركون التدبر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم. ه. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثم حض على الاعتبار في هذه الدار
طه 20:128
قلت: { أفلم } الهمزة للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على محذوف، أي: أغفلوا فلم يهد لهم. وعدى الهداية باللام لتضمنها معنى التبيين، والفاعل مضمون { كم أهلكنا } ، أي: أفلم يبين لهم مآل أمرهم كثرة إهلاكنا للقرون الأولى؟ وقيل: الفاعل ضمير عائد إلى الله. و { كم... } الخ: معلق للفعل سد مسد مفعوله. أي: أفلم يبين الله لهم كثرة إهلاك القرون من قبلهم؟ والأوجه: أن لا يلاحظ له مفعول، كأنه قيل: أفلم يفعل الله لهم الهداية، ثم قيل بطريق الالتفات: كم أهلكنا... الخ بيانا لتلك الهداية. و { من القرون }: في محل نصب، نعت لمفعول محذوف، أي: قرنا كائنا من القرون. وجملة { يمشون }: حال من القرون، أي: أهلكناهم وهم في حال أمن وتقلب في ديارهم، أو من الضمير في " لهم " ، مؤكد للإنكار، والعامل: " يهد " ، والمعنى: أفلم يهد لهم إهلاكنا للقرون السالفة، كقوم نوح ولوط وأصحاب الأيكة، حال كونهم، أي: قريش - ماشين في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام -، و { أجل مسمى }: عطف على { كلمة } ، أو استئناف، أي: وأجل مسمى حاصل لهم. يقول الحق جل جلاله: { أفلم يهد لهم } أي: أو لم يبين لهم عاقبة أمرهم { كم أهلكنا قبلهم من القرون } أي: كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم، وهم { يمشون في مساكنهم } إذا سافروا إلى الشام، كأصحاب الحجر، وثمود، وفرعون، وقوم لوط، مشاهدين لآثار ديارهم خاربة، مع علمهم بما جرى عليهم، بسبب تكذيبهم، فإن ذلك مما يوجب أن يهتدوا إلى الحق، فيعتبروا، لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك، أو: { أفلم يهد لهم } كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم، حال كونهم آمنين، { يمشون } في ديارهم ويتقلبون في رباعهم
فأصبحوا في دارهم جاثمين
[الأعراف: 78]. { إن في ذلك } الإهلاك الفظيع { لآيات } كثيرة عظيمة واضحة الهداية، دالة على الحق { لأولي النهى } لذوي العقول الناهية عن القبائح، التي من أقبحها ما يتعاطاه كفار مكة من الكفر بآيات الله، والتعامي عنها، وغير ذلك من فنون المعاصي. { ولولا كلمة سبقت من ربك } ، وهو تأخير العذاب عن هذه الأمة إلى الآخرة لحكمة، لعجلنا لهم الهلاك كما عجلنا لتلك القرون المهلكة، التي يمرون عليها ولا يعتبرون، فأصروا على الكفر والعصيان، فلولا تلك العدة بتأخير العذاب { لكان لزاما } أي: لكان عقاب جناياتهم لازما لهؤلاء الكفرة، بحيث لا يتأخرون عن جناياتهم ساعة، لزوم ما أنزل بأولئك الغابرين، وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - تلويح بأن ذلك التأخير تشريف له صلى الله عليه وسلم، كما ينبئ عنه قوله تعالى:
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
[الأنفال: 33]. واللزام: مصدر لازم، وصف به للمبالغة، { وأجل مسمى } أي: لولا كلمة سبقت بتأخيرهم، وأجل مسمى لأعمارهم أو عذابهم، وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، لما تأخر عذابهم أصلا.
وإنما فصله عما عطف عليه، للمسارعة إلى بيان جواب " لولا " ، وللإشعار باستقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب المعجل، ومراعاة فواصل الآية الكريمة. { فاصبر على ما يقولون } أي: إذا كان الأمر على ما ذكرنا من أن تأخير عذابهم ليس بإهمال، بل إمهال، وأنه لازم لهم ألبتة. فاصبر على ما يقولون من كلمات الكفر فإن علمه صلى الله عليه وسلم بأنهم هالكون لا محالة مما يسليه ويحمله على الصبر، أو اصبر على ما يقولون، واشتغل بالله عنهم، ولا تلتفت إلى هلاكهم ولا بقائهم، فالله أدرى بهم. { وسبح بحمد ربك } أي: نزهه عما ينسبون إليه، ما لا يليق بشأنه الرفيع، حامدا له على ما خصك به من الهدى، معترفا بأنه مولى النعم كلها. قال الورتجبي: سماع الأذى يوجب المشقة، فأزال عنه ما كان قد لحقه من سماع ما يقولونه بقوله: { وسبح بحمد ربك } أي: إن كان سماع ما يقولون يوحشك، فتسبيحنا يروحك. ه. أو: صل وأنت حامد لربك، الذي يبلغك إلى كمال هدايتك، ويرجح هذا قوله: { قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ، فإن توقيت التنزيه غير معهود، فإن المراد بقبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل غروبها: صلاة الظهر والعصر، وقيل: العصر فقط. { ومن أناء الليل } أي: ساعاته { فسبح } أي: صل، والمراد به المغرب والعشاء، وآناء: جمع " إنى " ، بالكسر والقصر، أو " أناء " بالفتح والمد. وتقديم المجرور في قوله تعالى: { ومن آناء الليل فسبح } لاختصاصها بمزيد الفضل، فإن القلب فيها أجمع، والنفس إلى الاستراحة أميل، فتكون العبادة فيها أشق، ولذلك قال تعالى:
إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا
[المزمل: 6]. { و } سبح أيضا، { أطراف النهار } وهو تكرير لصلاتي الفجر والمغرب إيذانا باختصاصهما بمزيد مزية. وجمع أطراف بحسب اللفظ مع أمن اللبس، أو يراد بأطراف النهار: الفجر والمغرب والظهر لأنها نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الثاني، أو يريد التطوع في أجزاء النهار. قلت: وإذا حملناه على التنزيه - وهو أن يقول: سبحان الله، أو: لا إله إلا الله، أو كل ما يدل على تنزيه الحق - يكون تخصيص هذه الأوقات بالذكر لشرفها. فقد وردت أحاديث في الترغيب في ذكر الله أول النهار وآخره، وآناء الليل حين ينتبه من نومه، بحيث يكون كلما تيقظ من نومه سبح الله وهلله وكبره، قبل أن يعود إلى نومه. وهكذا كان أهل اليقظة من السلف الصالح. وقوله تعالى: { لعلك ترضى } أي: بما يعطيك من الثواب الجزيل، بالتسبيح في هذه الأوقات. أو ترضى بالشفاعة في جميع الخلائق، فتقر عينك حينئذ.
وفي صحيح البخاري: " إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس ليس دونها سحاب، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " ، ثم تلا هذه الآية: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ، ففيه ترجيح من فسرها بالصلاة، وفيه إشارة إلى أن الصلاة ذكر وإقبال على الله وانقطاع إليه، وذلك مزرعة المشاهدة والرؤية في الآخرة. وقد جاء في أهل الجنة: " أنهم يرون ربهم بكرة وعشيا " ، هذا في حق العموم، وأما خصوص الخصوص، ففي كل ساعة ولحظة. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفلم يهد لأهل الإيمان والاعتبار، وأهل الشهود والاستبصار، كم أهلكنا قبلهم من القرون الخالية، والأمم الماضية، فهم يمشون في مساكنهم الدارسة، ويشاهدون آثارهم الدائرة، كيف رحلوا عنها وتركوها، واستبدلوا ما كانوا فيه من سعة القصور بضيق القبور، وما كانوا عليه من الفرش الممهدة بافتراش التراب وتغطية اللحود الممددة، فيعتبروا ويتأهبوا للحوق بهم، فقد كانوا مثلهم أو أشد منهم، قد نما ذكرهم، وعلا قدرهم، وخسف بعد الكمال بدرهم. فكأنهم ما كانوا، وعن قريب مضوا وبانوا، وأفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا، إلى القضاء وسلموا، ففي ذلك عبر وآيات لأولي النهى. لكن القلوب القاسية لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير، فلولا كلمة الرحمة والحلم بتأخير العذاب، وأجل مسمى لأعمارهم، لعجل لهم العقاب. فاصبر، أيها المتوجه إلى الله، المنفرد بطاعة مولاه، على ما يقولون، مما يكدر القلوب، واشتغل بذكر ربك وتنزيهه، مع الطلوع والغروب وآناء الليل والنهار، حتى تغيب في حضرة علام الغيوب، لعلك ترضى بمشاهدة المحبوب. وبالله التوفيق. ولما كان محصل الاعتبار هو صرف الهمة عن هذه الدار...
طه 20:129
قلت: { أفلم } الهمزة للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على محذوف، أي: أغفلوا فلم يهد لهم. وعدى الهداية باللام لتضمنها معنى التبيين، والفاعل مضمون { كم أهلكنا } ، أي: أفلم يبين لهم مآل أمرهم كثرة إهلاكنا للقرون الأولى؟ وقيل: الفاعل ضمير عائد إلى الله. و { كم... } الخ: معلق للفعل سد مسد مفعوله. أي: أفلم يبين الله لهم كثرة إهلاك القرون من قبلهم؟ والأوجه: أن لا يلاحظ له مفعول، كأنه قيل: أفلم يفعل الله لهم الهداية، ثم قيل بطريق الالتفات: كم أهلكنا... الخ بيانا لتلك الهداية. و { من القرون }: في محل نصب، نعت لمفعول محذوف، أي: قرنا كائنا من القرون. وجملة { يمشون }: حال من القرون، أي: أهلكناهم وهم في حال أمن وتقلب في ديارهم، أو من الضمير في " لهم " ، مؤكد للإنكار، والعامل: " يهد " ، والمعنى: أفلم يهد لهم إهلاكنا للقرون السالفة، كقوم نوح ولوط وأصحاب الأيكة، حال كونهم، أي: قريش - ماشين في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام -، و { أجل مسمى }: عطف على { كلمة } ، أو استئناف، أي: وأجل مسمى حاصل لهم. يقول الحق جل جلاله: { أفلم يهد لهم } أي: أو لم يبين لهم عاقبة أمرهم { كم أهلكنا قبلهم من القرون } أي: كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم، وهم { يمشون في مساكنهم } إذا سافروا إلى الشام، كأصحاب الحجر، وثمود، وفرعون، وقوم لوط، مشاهدين لآثار ديارهم خاربة، مع علمهم بما جرى عليهم، بسبب تكذيبهم، فإن ذلك مما يوجب أن يهتدوا إلى الحق، فيعتبروا، لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك، أو: { أفلم يهد لهم } كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم، حال كونهم آمنين، { يمشون } في ديارهم ويتقلبون في رباعهم
فأصبحوا في دارهم جاثمين
[الأعراف: 78]. { إن في ذلك } الإهلاك الفظيع { لآيات } كثيرة عظيمة واضحة الهداية، دالة على الحق { لأولي النهى } لذوي العقول الناهية عن القبائح، التي من أقبحها ما يتعاطاه كفار مكة من الكفر بآيات الله، والتعامي عنها، وغير ذلك من فنون المعاصي. { ولولا كلمة سبقت من ربك } ، وهو تأخير العذاب عن هذه الأمة إلى الآخرة لحكمة، لعجلنا لهم الهلاك كما عجلنا لتلك القرون المهلكة، التي يمرون عليها ولا يعتبرون، فأصروا على الكفر والعصيان، فلولا تلك العدة بتأخير العذاب { لكان لزاما } أي: لكان عقاب جناياتهم لازما لهؤلاء الكفرة، بحيث لا يتأخرون عن جناياتهم ساعة، لزوم ما أنزل بأولئك الغابرين، وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - تلويح بأن ذلك التأخير تشريف له صلى الله عليه وسلم، كما ينبئ عنه قوله تعالى:
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
[الأنفال: 33]. واللزام: مصدر لازم، وصف به للمبالغة، { وأجل مسمى } أي: لولا كلمة سبقت بتأخيرهم، وأجل مسمى لأعمارهم أو عذابهم، وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، لما تأخر عذابهم أصلا.
وإنما فصله عما عطف عليه، للمسارعة إلى بيان جواب " لولا " ، وللإشعار باستقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب المعجل، ومراعاة فواصل الآية الكريمة. { فاصبر على ما يقولون } أي: إذا كان الأمر على ما ذكرنا من أن تأخير عذابهم ليس بإهمال، بل إمهال، وأنه لازم لهم ألبتة. فاصبر على ما يقولون من كلمات الكفر فإن علمه صلى الله عليه وسلم بأنهم هالكون لا محالة مما يسليه ويحمله على الصبر، أو اصبر على ما يقولون، واشتغل بالله عنهم، ولا تلتفت إلى هلاكهم ولا بقائهم، فالله أدرى بهم. { وسبح بحمد ربك } أي: نزهه عما ينسبون إليه، ما لا يليق بشأنه الرفيع، حامدا له على ما خصك به من الهدى، معترفا بأنه مولى النعم كلها. قال الورتجبي: سماع الأذى يوجب المشقة، فأزال عنه ما كان قد لحقه من سماع ما يقولونه بقوله: { وسبح بحمد ربك } أي: إن كان سماع ما يقولون يوحشك، فتسبيحنا يروحك. ه. أو: صل وأنت حامد لربك، الذي يبلغك إلى كمال هدايتك، ويرجح هذا قوله: { قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ، فإن توقيت التنزيه غير معهود، فإن المراد بقبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل غروبها: صلاة الظهر والعصر، وقيل: العصر فقط. { ومن أناء الليل } أي: ساعاته { فسبح } أي: صل، والمراد به المغرب والعشاء، وآناء: جمع " إنى " ، بالكسر والقصر، أو " أناء " بالفتح والمد. وتقديم المجرور في قوله تعالى: { ومن آناء الليل فسبح } لاختصاصها بمزيد الفضل، فإن القلب فيها أجمع، والنفس إلى الاستراحة أميل، فتكون العبادة فيها أشق، ولذلك قال تعالى:
إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا
[المزمل: 6]. { و } سبح أيضا، { أطراف النهار } وهو تكرير لصلاتي الفجر والمغرب إيذانا باختصاصهما بمزيد مزية. وجمع أطراف بحسب اللفظ مع أمن اللبس، أو يراد بأطراف النهار: الفجر والمغرب والظهر لأنها نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الثاني، أو يريد التطوع في أجزاء النهار. قلت: وإذا حملناه على التنزيه - وهو أن يقول: سبحان الله، أو: لا إله إلا الله، أو كل ما يدل على تنزيه الحق - يكون تخصيص هذه الأوقات بالذكر لشرفها. فقد وردت أحاديث في الترغيب في ذكر الله أول النهار وآخره، وآناء الليل حين ينتبه من نومه، بحيث يكون كلما تيقظ من نومه سبح الله وهلله وكبره، قبل أن يعود إلى نومه. وهكذا كان أهل اليقظة من السلف الصالح. وقوله تعالى: { لعلك ترضى } أي: بما يعطيك من الثواب الجزيل، بالتسبيح في هذه الأوقات. أو ترضى بالشفاعة في جميع الخلائق، فتقر عينك حينئذ.
وفي صحيح البخاري: " إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس ليس دونها سحاب، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " ، ثم تلا هذه الآية: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ، ففيه ترجيح من فسرها بالصلاة، وفيه إشارة إلى أن الصلاة ذكر وإقبال على الله وانقطاع إليه، وذلك مزرعة المشاهدة والرؤية في الآخرة. وقد جاء في أهل الجنة: " أنهم يرون ربهم بكرة وعشيا " ، هذا في حق العموم، وأما خصوص الخصوص، ففي كل ساعة ولحظة. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفلم يهد لأهل الإيمان والاعتبار، وأهل الشهود والاستبصار، كم أهلكنا قبلهم من القرون الخالية، والأمم الماضية، فهم يمشون في مساكنهم الدارسة، ويشاهدون آثارهم الدائرة، كيف رحلوا عنها وتركوها، واستبدلوا ما كانوا فيه من سعة القصور بضيق القبور، وما كانوا عليه من الفرش الممهدة بافتراش التراب وتغطية اللحود الممددة، فيعتبروا ويتأهبوا للحوق بهم، فقد كانوا مثلهم أو أشد منهم، قد نما ذكرهم، وعلا قدرهم، وخسف بعد الكمال بدرهم. فكأنهم ما كانوا، وعن قريب مضوا وبانوا، وأفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا، إلى القضاء وسلموا، ففي ذلك عبر وآيات لأولي النهى. لكن القلوب القاسية لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير، فلولا كلمة الرحمة والحلم بتأخير العذاب، وأجل مسمى لأعمارهم، لعجل لهم العقاب. فاصبر، أيها المتوجه إلى الله، المنفرد بطاعة مولاه، على ما يقولون، مما يكدر القلوب، واشتغل بذكر ربك وتنزيهه، مع الطلوع والغروب وآناء الليل والنهار، حتى تغيب في حضرة علام الغيوب، لعلك ترضى بمشاهدة المحبوب. وبالله التوفيق. ولما كان محصل الاعتبار هو صرف الهمة عن هذه الدار...
طه 20:130
قلت: { أفلم } الهمزة للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على محذوف، أي: أغفلوا فلم يهد لهم. وعدى الهداية باللام لتضمنها معنى التبيين، والفاعل مضمون { كم أهلكنا } ، أي: أفلم يبين لهم مآل أمرهم كثرة إهلاكنا للقرون الأولى؟ وقيل: الفاعل ضمير عائد إلى الله. و { كم... } الخ: معلق للفعل سد مسد مفعوله. أي: أفلم يبين الله لهم كثرة إهلاك القرون من قبلهم؟ والأوجه: أن لا يلاحظ له مفعول، كأنه قيل: أفلم يفعل الله لهم الهداية، ثم قيل بطريق الالتفات: كم أهلكنا... الخ بيانا لتلك الهداية. و { من القرون }: في محل نصب، نعت لمفعول محذوف، أي: قرنا كائنا من القرون. وجملة { يمشون }: حال من القرون، أي: أهلكناهم وهم في حال أمن وتقلب في ديارهم، أو من الضمير في " لهم " ، مؤكد للإنكار، والعامل: " يهد " ، والمعنى: أفلم يهد لهم إهلاكنا للقرون السالفة، كقوم نوح ولوط وأصحاب الأيكة، حال كونهم، أي: قريش - ماشين في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام -، و { أجل مسمى }: عطف على { كلمة } ، أو استئناف، أي: وأجل مسمى حاصل لهم. يقول الحق جل جلاله: { أفلم يهد لهم } أي: أو لم يبين لهم عاقبة أمرهم { كم أهلكنا قبلهم من القرون } أي: كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم، وهم { يمشون في مساكنهم } إذا سافروا إلى الشام، كأصحاب الحجر، وثمود، وفرعون، وقوم لوط، مشاهدين لآثار ديارهم خاربة، مع علمهم بما جرى عليهم، بسبب تكذيبهم، فإن ذلك مما يوجب أن يهتدوا إلى الحق، فيعتبروا، لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك، أو: { أفلم يهد لهم } كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم، حال كونهم آمنين، { يمشون } في ديارهم ويتقلبون في رباعهم
فأصبحوا في دارهم جاثمين
[الأعراف: 78]. { إن في ذلك } الإهلاك الفظيع { لآيات } كثيرة عظيمة واضحة الهداية، دالة على الحق { لأولي النهى } لذوي العقول الناهية عن القبائح، التي من أقبحها ما يتعاطاه كفار مكة من الكفر بآيات الله، والتعامي عنها، وغير ذلك من فنون المعاصي. { ولولا كلمة سبقت من ربك } ، وهو تأخير العذاب عن هذه الأمة إلى الآخرة لحكمة، لعجلنا لهم الهلاك كما عجلنا لتلك القرون المهلكة، التي يمرون عليها ولا يعتبرون، فأصروا على الكفر والعصيان، فلولا تلك العدة بتأخير العذاب { لكان لزاما } أي: لكان عقاب جناياتهم لازما لهؤلاء الكفرة، بحيث لا يتأخرون عن جناياتهم ساعة، لزوم ما أنزل بأولئك الغابرين، وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - تلويح بأن ذلك التأخير تشريف له صلى الله عليه وسلم، كما ينبئ عنه قوله تعالى:
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
[الأنفال: 33]. واللزام: مصدر لازم، وصف به للمبالغة، { وأجل مسمى } أي: لولا كلمة سبقت بتأخيرهم، وأجل مسمى لأعمارهم أو عذابهم، وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، لما تأخر عذابهم أصلا.
وإنما فصله عما عطف عليه، للمسارعة إلى بيان جواب " لولا " ، وللإشعار باستقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب المعجل، ومراعاة فواصل الآية الكريمة. { فاصبر على ما يقولون } أي: إذا كان الأمر على ما ذكرنا من أن تأخير عذابهم ليس بإهمال، بل إمهال، وأنه لازم لهم ألبتة. فاصبر على ما يقولون من كلمات الكفر فإن علمه صلى الله عليه وسلم بأنهم هالكون لا محالة مما يسليه ويحمله على الصبر، أو اصبر على ما يقولون، واشتغل بالله عنهم، ولا تلتفت إلى هلاكهم ولا بقائهم، فالله أدرى بهم. { وسبح بحمد ربك } أي: نزهه عما ينسبون إليه، ما لا يليق بشأنه الرفيع، حامدا له على ما خصك به من الهدى، معترفا بأنه مولى النعم كلها. قال الورتجبي: سماع الأذى يوجب المشقة، فأزال عنه ما كان قد لحقه من سماع ما يقولونه بقوله: { وسبح بحمد ربك } أي: إن كان سماع ما يقولون يوحشك، فتسبيحنا يروحك. ه. أو: صل وأنت حامد لربك، الذي يبلغك إلى كمال هدايتك، ويرجح هذا قوله: { قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ، فإن توقيت التنزيه غير معهود، فإن المراد بقبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل غروبها: صلاة الظهر والعصر، وقيل: العصر فقط. { ومن أناء الليل } أي: ساعاته { فسبح } أي: صل، والمراد به المغرب والعشاء، وآناء: جمع " إنى " ، بالكسر والقصر، أو " أناء " بالفتح والمد. وتقديم المجرور في قوله تعالى: { ومن آناء الليل فسبح } لاختصاصها بمزيد الفضل، فإن القلب فيها أجمع، والنفس إلى الاستراحة أميل، فتكون العبادة فيها أشق، ولذلك قال تعالى:
إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا
[المزمل: 6]. { و } سبح أيضا، { أطراف النهار } وهو تكرير لصلاتي الفجر والمغرب إيذانا باختصاصهما بمزيد مزية. وجمع أطراف بحسب اللفظ مع أمن اللبس، أو يراد بأطراف النهار: الفجر والمغرب والظهر لأنها نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الثاني، أو يريد التطوع في أجزاء النهار. قلت: وإذا حملناه على التنزيه - وهو أن يقول: سبحان الله، أو: لا إله إلا الله، أو كل ما يدل على تنزيه الحق - يكون تخصيص هذه الأوقات بالذكر لشرفها. فقد وردت أحاديث في الترغيب في ذكر الله أول النهار وآخره، وآناء الليل حين ينتبه من نومه، بحيث يكون كلما تيقظ من نومه سبح الله وهلله وكبره، قبل أن يعود إلى نومه. وهكذا كان أهل اليقظة من السلف الصالح. وقوله تعالى: { لعلك ترضى } أي: بما يعطيك من الثواب الجزيل، بالتسبيح في هذه الأوقات. أو ترضى بالشفاعة في جميع الخلائق، فتقر عينك حينئذ.
وفي صحيح البخاري: " إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس ليس دونها سحاب، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " ، ثم تلا هذه الآية: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ، ففيه ترجيح من فسرها بالصلاة، وفيه إشارة إلى أن الصلاة ذكر وإقبال على الله وانقطاع إليه، وذلك مزرعة المشاهدة والرؤية في الآخرة. وقد جاء في أهل الجنة: " أنهم يرون ربهم بكرة وعشيا " ، هذا في حق العموم، وأما خصوص الخصوص، ففي كل ساعة ولحظة. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفلم يهد لأهل الإيمان والاعتبار، وأهل الشهود والاستبصار، كم أهلكنا قبلهم من القرون الخالية، والأمم الماضية، فهم يمشون في مساكنهم الدارسة، ويشاهدون آثارهم الدائرة، كيف رحلوا عنها وتركوها، واستبدلوا ما كانوا فيه من سعة القصور بضيق القبور، وما كانوا عليه من الفرش الممهدة بافتراش التراب وتغطية اللحود الممددة، فيعتبروا ويتأهبوا للحوق بهم، فقد كانوا مثلهم أو أشد منهم، قد نما ذكرهم، وعلا قدرهم، وخسف بعد الكمال بدرهم. فكأنهم ما كانوا، وعن قريب مضوا وبانوا، وأفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا، إلى القضاء وسلموا، ففي ذلك عبر وآيات لأولي النهى. لكن القلوب القاسية لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير، فلولا كلمة الرحمة والحلم بتأخير العذاب، وأجل مسمى لأعمارهم، لعجل لهم العقاب. فاصبر، أيها المتوجه إلى الله، المنفرد بطاعة مولاه، على ما يقولون، مما يكدر القلوب، واشتغل بذكر ربك وتنزيهه، مع الطلوع والغروب وآناء الليل والنهار، حتى تغيب في حضرة علام الغيوب، لعلك ترضى بمشاهدة المحبوب. وبالله التوفيق. ولما كان محصل الاعتبار هو صرف الهمة عن هذه الدار...
طه 20:131
قلت: { زهرة }: مفعول بمحذوف، يدل عليه { متعنا } أي: أعطينا، أو على الذم، وفيه لغتان: سكون الهاء وفتحها. يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا تمدن عينيك } أي لا تطل نظرهما، بطريق الرغبة والميل { إلى ما متعنا به } من زخارف الدنيا { أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفرة، والمعنى: لا تنظر إلى ما أعطيناه أصناف الكفرة من زخارف الدنيا الغرارة، ولا تستحسن ذلك، فإنه فان، وهو من { زهرة الحياة الدنيا } أي بهجتها، ثم يفنى ويبيد، كشأن الزهر، فإنه فائق المنظر، سريع الذبول والذهاب. متعناهم بذلك، وأعطيناهم الأموال والعز في الدنيا { لنفتنهم فيه } أي: لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم، هل يقومون بشكره فيؤمنوا بك، ويصرفوه في الجهاد معك، وينفقوه على من آمن معك... أم لا؟ أو لنعذبهم في الآخرة بسببه، فلا تهتم بذلك. { ورزق ربك } أي: ما ادخر لك في الآخرة { خير } ، أو: ورزقك في الدنيا من الكفاف مع الهدى، خير مما منحهم في الدنيا، لأنه مأمون الغائلة بخلاف ما منحوه، فعاقبته الحساب والعقاب. { وأبقى } فإنه لا ينقطع نفسه أو أثره، بخلاف زهرة الدنيا، فإنها فانية منقطعة. فالواجب: الاشتغال بما يدوم ثوابه، ولذلك قال له صلى الله عليه وسلم: { وأمر أهلك بالصلاة } ، أمره بأن يأمر أهل بيته، أو التابعين له من أمته، بالصلاة، بعد ما أمر هو بقوله: { وسبح بحمد ربك } على ما مر ليتعاونوا على الاستعانة على الخصاصة، ولا يهتموا بأمر المعيشة، ولا يلتفتوا لغنى أرباب الثروة. { واصطبر عليها } وتكلف الصبر على مداومتها، غير ملتفت لأمر المعاش، { لا نسألك رزقا } أي: لا نكلفك أن ترزق نفسك ولا أهلك، { نحن نرزقك } وإياهم، ففرغ قلبك لمشاهدة أسرارنا، { والعاقبة } المحمودة { للتقوى } أي: لأهل التقوى. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أو خصاصة أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما خوطب به نبينا صلى الله عليه وسلم خوطب به خاصة أمته، فلا تمدن عينيك، أيها الفقير، إلى ما متع به أهل الدنيا، من زهرتها وبهجتها، بل ارفع همتك عن النظر إليها، واستنكف عن استحسان ما شيدوا وزخرفوا، فإن ذلك حمق وغرور. كان عروة بن الزبير رضي الله عنه إذا رأى أبناء السلاطين وشاراتهم دخل داره وتلا: { ولا تمدن عينيك... } الآية. وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول لعلماء زمانه: يا علماء السوء دياركم هامانية، ومراكبكم قارونية، وملابسكم فرعونية، فأين السنة المحمدية؟ ولا تشتغل بطلب رزق فرزق ربك - وهو ما يبرز لك في وقتك من عين المنة، من غير سبب ولا خدمة - خير وأبقى -، أما كونه خيرا فلما يصحبه من اليقين والفرح بالله وزيادة المعرفة، وأما كونه أبقى لأن خزائنه لا تنفد، مع بقاء أثره في القلب من ازدياد اليقين، والتعلق برب العالمين. { وأمر أهلك بالصلاة } واصطبر أنت عليها، فإن رزقنا يأتيك لا محالة، في الوقت الذي نريده، { لا نسألك رزقا } لك ولا لأهلك، { نحن نرزقك } ، لكن رزق المتقين، لا رزق المترفين، { والعاقبة للتقوى }. وبالله التوفيق. ثم ذكر بعض أقاويل الكفرة التي أمر عليه الصلاة والسلام بالصبر عليها...
طه 20:132
قلت: { زهرة }: مفعول بمحذوف، يدل عليه { متعنا } أي: أعطينا، أو على الذم، وفيه لغتان: سكون الهاء وفتحها. يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا تمدن عينيك } أي لا تطل نظرهما، بطريق الرغبة والميل { إلى ما متعنا به } من زخارف الدنيا { أزواجا منهم } أي: أصنافا من الكفرة، والمعنى: لا تنظر إلى ما أعطيناه أصناف الكفرة من زخارف الدنيا الغرارة، ولا تستحسن ذلك، فإنه فان، وهو من { زهرة الحياة الدنيا } أي بهجتها، ثم يفنى ويبيد، كشأن الزهر، فإنه فائق المنظر، سريع الذبول والذهاب. متعناهم بذلك، وأعطيناهم الأموال والعز في الدنيا { لنفتنهم فيه } أي: لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم، هل يقومون بشكره فيؤمنوا بك، ويصرفوه في الجهاد معك، وينفقوه على من آمن معك... أم لا؟ أو لنعذبهم في الآخرة بسببه، فلا تهتم بذلك. { ورزق ربك } أي: ما ادخر لك في الآخرة { خير } ، أو: ورزقك في الدنيا من الكفاف مع الهدى، خير مما منحهم في الدنيا، لأنه مأمون الغائلة بخلاف ما منحوه، فعاقبته الحساب والعقاب. { وأبقى } فإنه لا ينقطع نفسه أو أثره، بخلاف زهرة الدنيا، فإنها فانية منقطعة. فالواجب: الاشتغال بما يدوم ثوابه، ولذلك قال له صلى الله عليه وسلم: { وأمر أهلك بالصلاة } ، أمره بأن يأمر أهل بيته، أو التابعين له من أمته، بالصلاة، بعد ما أمر هو بقوله: { وسبح بحمد ربك } على ما مر ليتعاونوا على الاستعانة على الخصاصة، ولا يهتموا بأمر المعيشة، ولا يلتفتوا لغنى أرباب الثروة. { واصطبر عليها } وتكلف الصبر على مداومتها، غير ملتفت لأمر المعاش، { لا نسألك رزقا } أي: لا نكلفك أن ترزق نفسك ولا أهلك، { نحن نرزقك } وإياهم، ففرغ قلبك لمشاهدة أسرارنا، { والعاقبة } المحمودة { للتقوى } أي: لأهل التقوى. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أو خصاصة أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما خوطب به نبينا صلى الله عليه وسلم خوطب به خاصة أمته، فلا تمدن عينيك، أيها الفقير، إلى ما متع به أهل الدنيا، من زهرتها وبهجتها، بل ارفع همتك عن النظر إليها، واستنكف عن استحسان ما شيدوا وزخرفوا، فإن ذلك حمق وغرور. كان عروة بن الزبير رضي الله عنه إذا رأى أبناء السلاطين وشاراتهم دخل داره وتلا: { ولا تمدن عينيك... } الآية. وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول لعلماء زمانه: يا علماء السوء دياركم هامانية، ومراكبكم قارونية، وملابسكم فرعونية، فأين السنة المحمدية؟ ولا تشتغل بطلب رزق فرزق ربك - وهو ما يبرز لك في وقتك من عين المنة، من غير سبب ولا خدمة - خير وأبقى -، أما كونه خيرا فلما يصحبه من اليقين والفرح بالله وزيادة المعرفة، وأما كونه أبقى لأن خزائنه لا تنفد، مع بقاء أثره في القلب من ازدياد اليقين، والتعلق برب العالمين. { وأمر أهلك بالصلاة } واصطبر أنت عليها، فإن رزقنا يأتيك لا محالة، في الوقت الذي نريده، { لا نسألك رزقا } لك ولا لأهلك، { نحن نرزقك } ، لكن رزق المتقين، لا رزق المترفين، { والعاقبة للتقوى }. وبالله التوفيق. ثم ذكر بعض أقاويل الكفرة التي أمر عليه الصلاة والسلام بالصبر عليها...
طه 20:133
يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار مكة: { لولا }: هلا { يأتينا بآية من ربه } تدل على صدقه، أو بآية مما اقترحوها من تفجير الأرض وتسيير الجبال، ولم يعدوا ما شهدوا من المعجزات التي تخر لها الجبال من قبيل الآيات مكابرة وعنادا. قال تعالى: { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } أي: أو لم يأتهم القرآن الذي فيه بيان ما في الصحف الأولى التوراة والإنجيل والزبور، وسائر الكتب السماوية لاشتماله على ما فيها، وزيادة علوم وأسرار. وهذا رد من جهته تعالى لمقالتهم، وتكذيب لهم فيما دسوا تحتها، من إنكار إتيان الآية، بإتيان القرآن الكريم، الذي هو أبهر الآيات، وأسنى المعجزات، وأعظمها، وأبقاها لأن حقيقة المعجزة: اختصاص مدعي النبوة بنوع من الأمور الخارقة للعادة، أي أمر كان، ولا ريب في أن العلم أجل الأمور وأعلاها إذ هو أصل الأعمال، ولقد ظهر، مع حيازته لعلوم الأولين والآخرين، على يد أمي، لم يمارس شيئا من العلوم، ولم يدارس أحدا من أهلها أصلا، فأي معجزة تراد بعد وروده؟ وأي آية ترام مع وجوده؟! وفي إيراده بعنوان كونه بينة لما في الصحف الأولى، أي: شاهدا بحقية ما فيها من العقائد والأحكام، التي أجمعت عليها كافة الرسل، ما لا يخفى من تنويه شأنه وإنارة برهانه، ومزيد تقرير وتحقيق لإتيانه. وقال بعض أهل المعاني: أو لم يأتهم بيان ما في الكتب الأولى، من أنباء الأمم الذين أهلكناهم، لما سألوا الآيات، فأتتهم، فكفروا بها، كيف عجلنا لهم الهلاك؟ فما يؤمن هؤلاء، إن أتتهم البينة، أن يكون حالهم كأولئك. { ولو أنا أهلكناهم } في الدنيا { بعذاب } مستأصل، { من قبله } أي: من قبل إتيان البينة، وهو نزول القرآن ومجيء محمد صلى الله عليه وسلم، { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } يدعونا مع كتاب يهدينا، { فنتبع آياتك } التي جاءنا بها، { من قبل أن نذل } بالعذاب في الدنيا، { ونخزى } بدخول النار يوم القيامة، ولكنا لم نهلكهم قبل إتيانها، فانقطعت حجتهم، فإذا كان يوم القيامة
قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء
[الملك: 9]. { قل } لأولئك الكفرة المتمردين: { كل } أي: كل واحد منكم ومنا، { متربص }: منتظر ما يؤول إليه أمرنا وأمركم، { فتربصوا } فانتظروا. أو كل منتظر دوائر الزمان، ولمن يكون النصر، { فتربصوا فستعلمون } عن قريب { من أصحاب الصراط السوي } أي: المستقيم، أو السواء، أي: الوسط الجيد، { ومن اهتدى } من الضلالة، هل نحن أو أنتم. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يشترط في الولي العارف بالله، الداعي إلى الله، إظهار الآيات، ويكفي، برهانا عليهم، كونهم على بينة من ربهم، وهداية الخلق على أيديهم، وما أظهروه من علم أسرار التوحيد، ومن فنون علم الطريق، مع كون بعضهم أميين، لم يتقدم له مدارسة علم قط، كما شهدناهم، بعثهم الله في كل عصر، يعرفون بالله، ويدلون على أسرار ذاته وأنوار صفاته، على سبيل العيان، لتقوم الحجة على العباد، فإذا بعثوا يوم القيامة جاهلين بالله محجوبين عن شهود ذاته، متخلفين عن مقام المقربين، يقولون: لولا أرسلت إلينا رسولا يعرفنا بك، فنتبع آياتك حتى نصل إليك، من قبل أن نذل بالانحطاط عن درجة المقربين، أو نخزى بإسدال الحجاب.
يقول الحق تعالى: قد بعثتهم، فأنكرتموهم، فإذا اغتروا اليوم، واحتجوا بقول من قال: انقطعت التربية، فقل: كل متربص فتربصوا، فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما.
طه 20:134
يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار مكة: { لولا }: هلا { يأتينا بآية من ربه } تدل على صدقه، أو بآية مما اقترحوها من تفجير الأرض وتسيير الجبال، ولم يعدوا ما شهدوا من المعجزات التي تخر لها الجبال من قبيل الآيات مكابرة وعنادا. قال تعالى: { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } أي: أو لم يأتهم القرآن الذي فيه بيان ما في الصحف الأولى التوراة والإنجيل والزبور، وسائر الكتب السماوية لاشتماله على ما فيها، وزيادة علوم وأسرار. وهذا رد من جهته تعالى لمقالتهم، وتكذيب لهم فيما دسوا تحتها، من إنكار إتيان الآية، بإتيان القرآن الكريم، الذي هو أبهر الآيات، وأسنى المعجزات، وأعظمها، وأبقاها لأن حقيقة المعجزة: اختصاص مدعي النبوة بنوع من الأمور الخارقة للعادة، أي أمر كان، ولا ريب في أن العلم أجل الأمور وأعلاها إذ هو أصل الأعمال، ولقد ظهر، مع حيازته لعلوم الأولين والآخرين، على يد أمي، لم يمارس شيئا من العلوم، ولم يدارس أحدا من أهلها أصلا، فأي معجزة تراد بعد وروده؟ وأي آية ترام مع وجوده؟! وفي إيراده بعنوان كونه بينة لما في الصحف الأولى، أي: شاهدا بحقية ما فيها من العقائد والأحكام، التي أجمعت عليها كافة الرسل، ما لا يخفى من تنويه شأنه وإنارة برهانه، ومزيد تقرير وتحقيق لإتيانه. وقال بعض أهل المعاني: أو لم يأتهم بيان ما في الكتب الأولى، من أنباء الأمم الذين أهلكناهم، لما سألوا الآيات، فأتتهم، فكفروا بها، كيف عجلنا لهم الهلاك؟ فما يؤمن هؤلاء، إن أتتهم البينة، أن يكون حالهم كأولئك. { ولو أنا أهلكناهم } في الدنيا { بعذاب } مستأصل، { من قبله } أي: من قبل إتيان البينة، وهو نزول القرآن ومجيء محمد صلى الله عليه وسلم، { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } يدعونا مع كتاب يهدينا، { فنتبع آياتك } التي جاءنا بها، { من قبل أن نذل } بالعذاب في الدنيا، { ونخزى } بدخول النار يوم القيامة، ولكنا لم نهلكهم قبل إتيانها، فانقطعت حجتهم، فإذا كان يوم القيامة
قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء
[الملك: 9]. { قل } لأولئك الكفرة المتمردين: { كل } أي: كل واحد منكم ومنا، { متربص }: منتظر ما يؤول إليه أمرنا وأمركم، { فتربصوا } فانتظروا. أو كل منتظر دوائر الزمان، ولمن يكون النصر، { فتربصوا فستعلمون } عن قريب { من أصحاب الصراط السوي } أي: المستقيم، أو السواء، أي: الوسط الجيد، { ومن اهتدى } من الضلالة، هل نحن أو أنتم. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يشترط في الولي العارف بالله، الداعي إلى الله، إظهار الآيات، ويكفي، برهانا عليهم، كونهم على بينة من ربهم، وهداية الخلق على أيديهم، وما أظهروه من علم أسرار التوحيد، ومن فنون علم الطريق، مع كون بعضهم أميين، لم يتقدم له مدارسة علم قط، كما شهدناهم، بعثهم الله في كل عصر، يعرفون بالله، ويدلون على أسرار ذاته وأنوار صفاته، على سبيل العيان، لتقوم الحجة على العباد، فإذا بعثوا يوم القيامة جاهلين بالله محجوبين عن شهود ذاته، متخلفين عن مقام المقربين، يقولون: لولا أرسلت إلينا رسولا يعرفنا بك، فنتبع آياتك حتى نصل إليك، من قبل أن نذل بالانحطاط عن درجة المقربين، أو نخزى بإسدال الحجاب.
يقول الحق تعالى: قد بعثتهم، فأنكرتموهم، فإذا اغتروا اليوم، واحتجوا بقول من قال: انقطعت التربية، فقل: كل متربص فتربصوا، فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما.
طه 20:135
يقول الحق جل جلاله: { وقالوا } أي: كفار مكة: { لولا }: هلا { يأتينا بآية من ربه } تدل على صدقه، أو بآية مما اقترحوها من تفجير الأرض وتسيير الجبال، ولم يعدوا ما شهدوا من المعجزات التي تخر لها الجبال من قبيل الآيات مكابرة وعنادا. قال تعالى: { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } أي: أو لم يأتهم القرآن الذي فيه بيان ما في الصحف الأولى التوراة والإنجيل والزبور، وسائر الكتب السماوية لاشتماله على ما فيها، وزيادة علوم وأسرار. وهذا رد من جهته تعالى لمقالتهم، وتكذيب لهم فيما دسوا تحتها، من إنكار إتيان الآية، بإتيان القرآن الكريم، الذي هو أبهر الآيات، وأسنى المعجزات، وأعظمها، وأبقاها لأن حقيقة المعجزة: اختصاص مدعي النبوة بنوع من الأمور الخارقة للعادة، أي أمر كان، ولا ريب في أن العلم أجل الأمور وأعلاها إذ هو أصل الأعمال، ولقد ظهر، مع حيازته لعلوم الأولين والآخرين، على يد أمي، لم يمارس شيئا من العلوم، ولم يدارس أحدا من أهلها أصلا، فأي معجزة تراد بعد وروده؟ وأي آية ترام مع وجوده؟! وفي إيراده بعنوان كونه بينة لما في الصحف الأولى، أي: شاهدا بحقية ما فيها من العقائد والأحكام، التي أجمعت عليها كافة الرسل، ما لا يخفى من تنويه شأنه وإنارة برهانه، ومزيد تقرير وتحقيق لإتيانه. وقال بعض أهل المعاني: أو لم يأتهم بيان ما في الكتب الأولى، من أنباء الأمم الذين أهلكناهم، لما سألوا الآيات، فأتتهم، فكفروا بها، كيف عجلنا لهم الهلاك؟ فما يؤمن هؤلاء، إن أتتهم البينة، أن يكون حالهم كأولئك. { ولو أنا أهلكناهم } في الدنيا { بعذاب } مستأصل، { من قبله } أي: من قبل إتيان البينة، وهو نزول القرآن ومجيء محمد صلى الله عليه وسلم، { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } يدعونا مع كتاب يهدينا، { فنتبع آياتك } التي جاءنا بها، { من قبل أن نذل } بالعذاب في الدنيا، { ونخزى } بدخول النار يوم القيامة، ولكنا لم نهلكهم قبل إتيانها، فانقطعت حجتهم، فإذا كان يوم القيامة
قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء
[الملك: 9]. { قل } لأولئك الكفرة المتمردين: { كل } أي: كل واحد منكم ومنا، { متربص }: منتظر ما يؤول إليه أمرنا وأمركم، { فتربصوا } فانتظروا. أو كل منتظر دوائر الزمان، ولمن يكون النصر، { فتربصوا فستعلمون } عن قريب { من أصحاب الصراط السوي } أي: المستقيم، أو السواء، أي: الوسط الجيد، { ومن اهتدى } من الضلالة، هل نحن أو أنتم. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يشترط في الولي العارف بالله، الداعي إلى الله، إظهار الآيات، ويكفي، برهانا عليهم، كونهم على بينة من ربهم، وهداية الخلق على أيديهم، وما أظهروه من علم أسرار التوحيد، ومن فنون علم الطريق، مع كون بعضهم أميين، لم يتقدم له مدارسة علم قط، كما شهدناهم، بعثهم الله في كل عصر، يعرفون بالله، ويدلون على أسرار ذاته وأنوار صفاته، على سبيل العيان، لتقوم الحجة على العباد، فإذا بعثوا يوم القيامة جاهلين بالله محجوبين عن شهود ذاته، متخلفين عن مقام المقربين، يقولون: لولا أرسلت إلينا رسولا يعرفنا بك، فنتبع آياتك حتى نصل إليك، من قبل أن نذل بالانحطاط عن درجة المقربين، أو نخزى بإسدال الحجاب.
يقول الحق تعالى: قد بعثتهم، فأنكرتموهم، فإذا اغتروا اليوم، واحتجوا بقول من قال: انقطعت التربية، فقل: كل متربص فتربصوا، فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما.
الأنبياء 21:1
{ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم... } قلت: { وهم }: مبتدأ، و { في غفلة }: خبر، و { معرضون }: خبر بعد خبر، والجملة: حال من الناس. و { من ذكر }: فاعل بيأتي. و { من }: صلة، و { من ربهم }: صفة لذكر، أي: حاصل من ربهم، أو متعلق بيأتيهم، أو صفة لذكر، وجملة { استمعوه }: حال من مفعول " يأتيهم " ، بإضمار { قد } أو بدونه، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال. و { هم يلعبون }: حال أيضا من فاعل " استمعوه " ، و { لاهية }: حال من واو " يلعبون " ، و { قلوبهم }: فاعل بلاهية. يقول الحق جل جلاله: { اقترب للناس حسابهم } أي: قرب قيام الساعة التي هي محل حسابهم. قال ابن عباس: " المراد بالناس: المشركون " وهو الذي يفصح عنه ما بعده ولم يقل تعالى: " اقترب حساب الناس " ، بل قدم لام الجر على الفاعل للمسارعة إلى إدخال الروعة، فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجا، كما أن تقديم اللام في قوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29] لتعجيل المسرة لأن كون الخلق لأجل المخاطبين مما يسرهم ويزيدهم رغبة وشوقا إليه تعالى. وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب المنبئ عن التوجه نحوهم، مع صحة إسناد الاقتراب إليهم بأن يتوجهوا نحوه، من تفخيم شأنه، وتهويل أمره، ما لا يخفى، لما فيه من تصويره بشيء مقبل عليهم، لا يزال يطلبهم حتى يصيبهم لا محالة. ومعنى اقترابه: دنوه منهم شيئا فشيئا حتى يلحقهم لأن كل آت قريب، أي: دنا حساب أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب. { وهم في غفلة } تامة منه، ساهون بالمرة عنه، غير ذاكرين له، لا أنهم غير مبالين به، مع اعترافهم بإتيانه، بل هم منكرون له، كافرون به، { معرضون } عن الآيات والنذر المنبهة لهم عن سنة الغفلة. { ما يأتيهم من ذكر } أي: من طائفة نازلة من القرآن، تذكر ذلك الحساب، وتنبههم عن الغفلة عنه، كائن أو نازل { من ربهم } ، أو ذاكر ومذكر من ناحية ربهم. وفي إضافته إليه سبحانه دلالة على شرفه، وكمال شناعة ما فعلوه من الإعراض عنه، وفي التعبير بعنوان الربوبية تشنيع لكمال عتوهم، ومن صفة ذلك الذكر { محدث } تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة، بمعنى أنه نزل شيئا فشيئا، أو قريب عهد بالنزول، فمعاني القرآن قديمة، وإظهاره بهذه الحروف والأصوات حادث. وقال ابن راهويه: قديم من رب العزة، محدث إلى أهل الأرض. فما ينزل عليهم شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم { إلا استمعوه وهم يلعبون } لا يتعظون به، ولا يتدبرون في معانيه، { لاهية قلوبهم } ساهية، معرضة عن التفكر والتدبر في معانيه.
وتقدير الآية: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث، في حال من الأحوال، إلا حال استماعهم إياه كانوا لاعبين مستهزئين به، لاهين عنه، حال كون قلوبهم لاهية عنه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر والتفكر في عواقب الأمور. والله تعالى أعلم. الإشارة: حمل الآية على العموم هو الظاهر عند الصوفية. وقد ورد عن رجل من الصحابة أنه كان يبني، فلقي بعض الصحابة فقال: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال له: { اقترب للناس حسابهم } ، فنفض التراب، وقال: والله لا بنيت. ه. أي: اقترب للناس حسابهم على النقير والقطمير، وهم في غفلة عن التأهب والاستعداد، معرضون عن اتخاذ الزاد، ما يأتيهم من ذكر من ربهم، يعظهم ويوقظهم، إلا استمعوه بآذانهم، وهم يلعبون ساهون عنه بقلوبهم لحشوها بالوساوس الشيطانية والعلائق النفسانية. لاهية قلوبهم عن التفكر والاعتبار والتدبر والاستبصار. قال القشيري: ويقال: الغفلة على قسمين غافل عن حسابه لاستغراقه في دنياه، وغافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه، فالغفلة الأولى سمة الهجر، والثانية صفة الوصل، فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى، وهؤلاء لا يرجون عن غيبتهم أبد الأبد لفنائهم في وجود الحق. ه. قلت: القسمة ثلاثية: قوم غفلوا عن حسابهم لاشتغالهم بحظوظهم وهواهم، وهم: الغافلون الجاهلون، وقوم ذكروا حسابهم، وجعلوه نصب أعينهم، وتأهبوا له، وهم: الصالحون والعباد والزهاد، وقوم غفلوا عنه، وغابوا عنه لاستغراقهم في شهود مولاهم، وهم: العارفون المقربون. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم ذكر المنهمكين في الغفلة، فقال: {... وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون } قلت: { الذين ظلموا }: بدل من الواو، منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم فيما أسروا به. وقال الكلبي: فيه تقديم وتأخير، أراد الذين ظلموا أسروا النجوى. فيكون { الذين }: مبتدأ و { أسروا }: خبر مقدم. وقال قطرب: على لغة بعض العرب، يقولون: أكلوني البراغيث، وهي بلغة بلحارث وغيرهم. وقال الفراء: بدل من الناس، أي: اقترب للناس وهم الذين ظلموا. و { هل هذا... } الخ: بدل من النجوى، أو مفعول بقول مضمر، كأنه قيل: ماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: هل هذا... الخ و { أنتم تبصرون }: حال من واو " تأتون " مقررة للإنكار، مؤكدة للاستبعاد. و { من قرية }: فاعل آمنت، و " من ": صلة للعموم. و { أهلكناها }: صفة لقرية. يقول الحق جل جلاله: { وأسروا النجوى }: أخفوا تناجيهم بحيث لم يشعر أحد بما قالوا، وهم { الذين ظلموا } بالكفر والطغيان، قائلين في تلك النجوى الشنيعة: { هل هذا } أي: ما هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول { إلا بشر مثلكم } أي: من جنسكم، وما أتى به سحر، { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } أي: تعلمون ذلك فتأتونه، وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول، وأنتم تعاينون أنه سحر؟ قالوا ذلك، بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ، أن الرسول لا يكون إلا ملكا، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق هو من قبيل السحر، وغاب عنهم أن إرسال البشر إلى البشر هو الذي تقتضيه الحكمة التشريعية.
قاتلهم الله أنى يؤفكون. وإذا أسروا ذلك ولم يعلنوه لأنه كان على طريق توثيق العهد خفية، وتمهيدا لمقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة، وإطفاء نور الدين.
والله متم نوره ولو كره الكافرون
[الصف: 8]. ثم فضح الله سرهم ونجواهم بقوله: { قل ربي يعلم القول في السماء والأرض } أي: قل يا محمد: ربي يعلم القول، سرا كان أو جهرا، سواء كان في السماء أو الأرض، فلا يخفى عليه ما تناجيتم به، فيفضحكم به ويجازيكم عليه. وقرأ أكثر أهل الكوفة: قال على الخبر، وهو حكاية من جهته تعالى لما قاله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما أوحى إليه أحوالهم وأقوالهم بيانا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم، وإيثار القول المشتمل على السر والجهر للإيذان بأن علمه تعالى بالسر والجهر على وتيرة واحدة، لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء، كما في علوم الخلق. { وهو السميع العليم } أي: المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات، التي من جملة ما أسروه من النجوى، فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم. { بل قالوا أضغاث أحلام } ، هو إضراب من جهته تعالى، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية قول آخر مضطرب في مضارب البطلان، أي: لم يقتصروا على أن يقولوا في حقه - عليه الصلاة والسلام -: هل هذا إلا بشر، وفي حق ما ظهر على يديه من القرآن الكريم: إنه السحر، بل قالوا: هو تخاليط أحلام وأباطيلها، فهو أشبه شيء بالهذيان، ثم أضربوا عنه، وقالوا: { بل افتراه } من تلقاء نفسه، من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل. ثم قالوا: { بل هو شاعر } ، وما أتى به شعر يخيل إلى السامع، لا حقيقة لها. وهكذا شأن المبطل المحجوج، متحير، لا يزال يتردد بين باطل وأبطل، ويتذبذب بين فاسد وأفسد. فالإضراب الأول، كما ترى، من جهته تعالى، والثاني والثالث من قبلهم. وقد قيل: الكل من قبلهم، حيث أضربوا عن قولهم: هو سحر، إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى، ثم إلى أنه قول شاعر، وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لقال: قالوا: بل أضغاث أحلام... الخ. ثم قالوا: { فليأتنا بآية } وهو جواب عن شرط محذوف، يفصح عنه السياق، كأنه قيل: وإن لم يكن كما قلنا، بل كان رسولا من الله تعالى، فليأتنا بمعجزة ظاهرة { كما أرسل الأولون } أي: مثل الآية التي أرسل بها الأولون كاليد، والعصا، و الناقة وشبه ذلك.
فالكاف: صفة لمصدر محذوف، أي: إتيانا مثل إتيان الأولين. قال تعالى: { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } أي: أهلكنا أهلها، { أفهم } أي: هؤلاء المقترحون عليك الآيات، { يؤمنون } أي: قد اقترحت الأمم السالفة الآيات على رسلها، فأعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، فأهلكناهم، فكيف يؤمن هؤلاء، وهم أعتى منهم؟ فالهمزة: لإنكار الوقوع، والفاء: للعطف على مقدر، فأفادت إنكار وقوع إيمانهم. والمعنى: لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه، مع كونهم أعتى منهم وأطغى؟ فهم في اقتراح الآيات كالباحث على حتفه فطلبه، وفي ترك إجابتهم إبقاء عليهم، كيف لا، ولو أعطوا ما اقترحوا، مع عدم إيمانهم قطعا، لوجب استئصالهم، بجريان سنة الله تعالى من الأمم السالفة أن المقترحين، إذا أعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة، وقد سبقت كلمة الحق منه تعالى أن هؤلاء لا يعذبون بعذاب الاستئصال، فلذلك لم يظهر لهم ما اقترحوا من الآيات. والله تعالى أعلم. الإشارة: العلماء بالله، الداعون إلى الله، هم ورثة الأنبياء والرسل، فما قيل في الأصل قد قيل في الفرع، فكل عصر يوجد من ينكر على خواص ذلك العصر، ويرميهم بالسحر والجنون. والافتراء على الله سنة ماضية. غير أن أولياء هذه الأمة على قدم نبيهم، رحمة للعالمين، فمن آذاهم لا يعاجل بالعقوبة في الغالب، وقد تكون باطنية، كقسوة القلوب، والخذلان، والشكوك، والأوهام. وهذا الوصف في العارفين الكملة، وأما الزهاد والعباد والصالحون: فمن آذاهم عوجل بالعقوبة في الغالب لنقص كمالهم، وعدم اتساع دائرة معرفتهم. وبالله التوفيق. ثم رد على من أنكر رسالة البشر.
الأنبياء 21:2
{ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم... } قلت: { وهم }: مبتدأ، و { في غفلة }: خبر، و { معرضون }: خبر بعد خبر، والجملة: حال من الناس. و { من ذكر }: فاعل بيأتي. و { من }: صلة، و { من ربهم }: صفة لذكر، أي: حاصل من ربهم، أو متعلق بيأتيهم، أو صفة لذكر، وجملة { استمعوه }: حال من مفعول " يأتيهم " ، بإضمار { قد } أو بدونه، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال. و { هم يلعبون }: حال أيضا من فاعل " استمعوه " ، و { لاهية }: حال من واو " يلعبون " ، و { قلوبهم }: فاعل بلاهية. يقول الحق جل جلاله: { اقترب للناس حسابهم } أي: قرب قيام الساعة التي هي محل حسابهم. قال ابن عباس: " المراد بالناس: المشركون " وهو الذي يفصح عنه ما بعده ولم يقل تعالى: " اقترب حساب الناس " ، بل قدم لام الجر على الفاعل للمسارعة إلى إدخال الروعة، فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجا، كما أن تقديم اللام في قوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29] لتعجيل المسرة لأن كون الخلق لأجل المخاطبين مما يسرهم ويزيدهم رغبة وشوقا إليه تعالى. وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب المنبئ عن التوجه نحوهم، مع صحة إسناد الاقتراب إليهم بأن يتوجهوا نحوه، من تفخيم شأنه، وتهويل أمره، ما لا يخفى، لما فيه من تصويره بشيء مقبل عليهم، لا يزال يطلبهم حتى يصيبهم لا محالة. ومعنى اقترابه: دنوه منهم شيئا فشيئا حتى يلحقهم لأن كل آت قريب، أي: دنا حساب أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب. { وهم في غفلة } تامة منه، ساهون بالمرة عنه، غير ذاكرين له، لا أنهم غير مبالين به، مع اعترافهم بإتيانه، بل هم منكرون له، كافرون به، { معرضون } عن الآيات والنذر المنبهة لهم عن سنة الغفلة. { ما يأتيهم من ذكر } أي: من طائفة نازلة من القرآن، تذكر ذلك الحساب، وتنبههم عن الغفلة عنه، كائن أو نازل { من ربهم } ، أو ذاكر ومذكر من ناحية ربهم. وفي إضافته إليه سبحانه دلالة على شرفه، وكمال شناعة ما فعلوه من الإعراض عنه، وفي التعبير بعنوان الربوبية تشنيع لكمال عتوهم، ومن صفة ذلك الذكر { محدث } تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة، بمعنى أنه نزل شيئا فشيئا، أو قريب عهد بالنزول، فمعاني القرآن قديمة، وإظهاره بهذه الحروف والأصوات حادث. وقال ابن راهويه: قديم من رب العزة، محدث إلى أهل الأرض. فما ينزل عليهم شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم { إلا استمعوه وهم يلعبون } لا يتعظون به، ولا يتدبرون في معانيه، { لاهية قلوبهم } ساهية، معرضة عن التفكر والتدبر في معانيه.
وتقدير الآية: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث، في حال من الأحوال، إلا حال استماعهم إياه كانوا لاعبين مستهزئين به، لاهين عنه، حال كون قلوبهم لاهية عنه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر والتفكر في عواقب الأمور. والله تعالى أعلم. الإشارة: حمل الآية على العموم هو الظاهر عند الصوفية. وقد ورد عن رجل من الصحابة أنه كان يبني، فلقي بعض الصحابة فقال: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال له: { اقترب للناس حسابهم } ، فنفض التراب، وقال: والله لا بنيت. ه. أي: اقترب للناس حسابهم على النقير والقطمير، وهم في غفلة عن التأهب والاستعداد، معرضون عن اتخاذ الزاد، ما يأتيهم من ذكر من ربهم، يعظهم ويوقظهم، إلا استمعوه بآذانهم، وهم يلعبون ساهون عنه بقلوبهم لحشوها بالوساوس الشيطانية والعلائق النفسانية. لاهية قلوبهم عن التفكر والاعتبار والتدبر والاستبصار. قال القشيري: ويقال: الغفلة على قسمين غافل عن حسابه لاستغراقه في دنياه، وغافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه، فالغفلة الأولى سمة الهجر، والثانية صفة الوصل، فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى، وهؤلاء لا يرجون عن غيبتهم أبد الأبد لفنائهم في وجود الحق. ه. قلت: القسمة ثلاثية: قوم غفلوا عن حسابهم لاشتغالهم بحظوظهم وهواهم، وهم: الغافلون الجاهلون، وقوم ذكروا حسابهم، وجعلوه نصب أعينهم، وتأهبوا له، وهم: الصالحون والعباد والزهاد، وقوم غفلوا عنه، وغابوا عنه لاستغراقهم في شهود مولاهم، وهم: العارفون المقربون. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم ذكر المنهمكين في الغفلة، فقال: {... وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون } قلت: { الذين ظلموا }: بدل من الواو، منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم فيما أسروا به. وقال الكلبي: فيه تقديم وتأخير، أراد الذين ظلموا أسروا النجوى. فيكون { الذين }: مبتدأ و { أسروا }: خبر مقدم. وقال قطرب: على لغة بعض العرب، يقولون: أكلوني البراغيث، وهي بلغة بلحارث وغيرهم. وقال الفراء: بدل من الناس، أي: اقترب للناس وهم الذين ظلموا. و { هل هذا... } الخ: بدل من النجوى، أو مفعول بقول مضمر، كأنه قيل: ماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: هل هذا... الخ و { أنتم تبصرون }: حال من واو " تأتون " مقررة للإنكار، مؤكدة للاستبعاد. و { من قرية }: فاعل آمنت، و " من ": صلة للعموم. و { أهلكناها }: صفة لقرية. يقول الحق جل جلاله: { وأسروا النجوى }: أخفوا تناجيهم بحيث لم يشعر أحد بما قالوا، وهم { الذين ظلموا } بالكفر والطغيان، قائلين في تلك النجوى الشنيعة: { هل هذا } أي: ما هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول { إلا بشر مثلكم } أي: من جنسكم، وما أتى به سحر، { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } أي: تعلمون ذلك فتأتونه، وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول، وأنتم تعاينون أنه سحر؟ قالوا ذلك، بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ، أن الرسول لا يكون إلا ملكا، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق هو من قبيل السحر، وغاب عنهم أن إرسال البشر إلى البشر هو الذي تقتضيه الحكمة التشريعية.
قاتلهم الله أنى يؤفكون. وإذا أسروا ذلك ولم يعلنوه لأنه كان على طريق توثيق العهد خفية، وتمهيدا لمقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة، وإطفاء نور الدين.
والله متم نوره ولو كره الكافرون
[الصف: 8]. ثم فضح الله سرهم ونجواهم بقوله: { قل ربي يعلم القول في السماء والأرض } أي: قل يا محمد: ربي يعلم القول، سرا كان أو جهرا، سواء كان في السماء أو الأرض، فلا يخفى عليه ما تناجيتم به، فيفضحكم به ويجازيكم عليه. وقرأ أكثر أهل الكوفة: قال على الخبر، وهو حكاية من جهته تعالى لما قاله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما أوحى إليه أحوالهم وأقوالهم بيانا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم، وإيثار القول المشتمل على السر والجهر للإيذان بأن علمه تعالى بالسر والجهر على وتيرة واحدة، لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء، كما في علوم الخلق. { وهو السميع العليم } أي: المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات، التي من جملة ما أسروه من النجوى، فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم. { بل قالوا أضغاث أحلام } ، هو إضراب من جهته تعالى، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية قول آخر مضطرب في مضارب البطلان، أي: لم يقتصروا على أن يقولوا في حقه - عليه الصلاة والسلام -: هل هذا إلا بشر، وفي حق ما ظهر على يديه من القرآن الكريم: إنه السحر، بل قالوا: هو تخاليط أحلام وأباطيلها، فهو أشبه شيء بالهذيان، ثم أضربوا عنه، وقالوا: { بل افتراه } من تلقاء نفسه، من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل. ثم قالوا: { بل هو شاعر } ، وما أتى به شعر يخيل إلى السامع، لا حقيقة لها. وهكذا شأن المبطل المحجوج، متحير، لا يزال يتردد بين باطل وأبطل، ويتذبذب بين فاسد وأفسد. فالإضراب الأول، كما ترى، من جهته تعالى، والثاني والثالث من قبلهم. وقد قيل: الكل من قبلهم، حيث أضربوا عن قولهم: هو سحر، إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى، ثم إلى أنه قول شاعر، وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لقال: قالوا: بل أضغاث أحلام... الخ. ثم قالوا: { فليأتنا بآية } وهو جواب عن شرط محذوف، يفصح عنه السياق، كأنه قيل: وإن لم يكن كما قلنا، بل كان رسولا من الله تعالى، فليأتنا بمعجزة ظاهرة { كما أرسل الأولون } أي: مثل الآية التي أرسل بها الأولون كاليد، والعصا، و الناقة وشبه ذلك.
فالكاف: صفة لمصدر محذوف، أي: إتيانا مثل إتيان الأولين. قال تعالى: { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } أي: أهلكنا أهلها، { أفهم } أي: هؤلاء المقترحون عليك الآيات، { يؤمنون } أي: قد اقترحت الأمم السالفة الآيات على رسلها، فأعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، فأهلكناهم، فكيف يؤمن هؤلاء، وهم أعتى منهم؟ فالهمزة: لإنكار الوقوع، والفاء: للعطف على مقدر، فأفادت إنكار وقوع إيمانهم. والمعنى: لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه، مع كونهم أعتى منهم وأطغى؟ فهم في اقتراح الآيات كالباحث على حتفه فطلبه، وفي ترك إجابتهم إبقاء عليهم، كيف لا، ولو أعطوا ما اقترحوا، مع عدم إيمانهم قطعا، لوجب استئصالهم، بجريان سنة الله تعالى من الأمم السالفة أن المقترحين، إذا أعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة، وقد سبقت كلمة الحق منه تعالى أن هؤلاء لا يعذبون بعذاب الاستئصال، فلذلك لم يظهر لهم ما اقترحوا من الآيات. والله تعالى أعلم. الإشارة: العلماء بالله، الداعون إلى الله، هم ورثة الأنبياء والرسل، فما قيل في الأصل قد قيل في الفرع، فكل عصر يوجد من ينكر على خواص ذلك العصر، ويرميهم بالسحر والجنون. والافتراء على الله سنة ماضية. غير أن أولياء هذه الأمة على قدم نبيهم، رحمة للعالمين، فمن آذاهم لا يعاجل بالعقوبة في الغالب، وقد تكون باطنية، كقسوة القلوب، والخذلان، والشكوك، والأوهام. وهذا الوصف في العارفين الكملة، وأما الزهاد والعباد والصالحون: فمن آذاهم عوجل بالعقوبة في الغالب لنقص كمالهم، وعدم اتساع دائرة معرفتهم. وبالله التوفيق. ثم رد على من أنكر رسالة البشر.
الأنبياء 21:3
{ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم... } قلت: { وهم }: مبتدأ، و { في غفلة }: خبر، و { معرضون }: خبر بعد خبر، والجملة: حال من الناس. و { من ذكر }: فاعل بيأتي. و { من }: صلة، و { من ربهم }: صفة لذكر، أي: حاصل من ربهم، أو متعلق بيأتيهم، أو صفة لذكر، وجملة { استمعوه }: حال من مفعول " يأتيهم " ، بإضمار { قد } أو بدونه، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال. و { هم يلعبون }: حال أيضا من فاعل " استمعوه " ، و { لاهية }: حال من واو " يلعبون " ، و { قلوبهم }: فاعل بلاهية. يقول الحق جل جلاله: { اقترب للناس حسابهم } أي: قرب قيام الساعة التي هي محل حسابهم. قال ابن عباس: " المراد بالناس: المشركون " وهو الذي يفصح عنه ما بعده ولم يقل تعالى: " اقترب حساب الناس " ، بل قدم لام الجر على الفاعل للمسارعة إلى إدخال الروعة، فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجا، كما أن تقديم اللام في قوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29] لتعجيل المسرة لأن كون الخلق لأجل المخاطبين مما يسرهم ويزيدهم رغبة وشوقا إليه تعالى. وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب المنبئ عن التوجه نحوهم، مع صحة إسناد الاقتراب إليهم بأن يتوجهوا نحوه، من تفخيم شأنه، وتهويل أمره، ما لا يخفى، لما فيه من تصويره بشيء مقبل عليهم، لا يزال يطلبهم حتى يصيبهم لا محالة. ومعنى اقترابه: دنوه منهم شيئا فشيئا حتى يلحقهم لأن كل آت قريب، أي: دنا حساب أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب. { وهم في غفلة } تامة منه، ساهون بالمرة عنه، غير ذاكرين له، لا أنهم غير مبالين به، مع اعترافهم بإتيانه، بل هم منكرون له، كافرون به، { معرضون } عن الآيات والنذر المنبهة لهم عن سنة الغفلة. { ما يأتيهم من ذكر } أي: من طائفة نازلة من القرآن، تذكر ذلك الحساب، وتنبههم عن الغفلة عنه، كائن أو نازل { من ربهم } ، أو ذاكر ومذكر من ناحية ربهم. وفي إضافته إليه سبحانه دلالة على شرفه، وكمال شناعة ما فعلوه من الإعراض عنه، وفي التعبير بعنوان الربوبية تشنيع لكمال عتوهم، ومن صفة ذلك الذكر { محدث } تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة، بمعنى أنه نزل شيئا فشيئا، أو قريب عهد بالنزول، فمعاني القرآن قديمة، وإظهاره بهذه الحروف والأصوات حادث. وقال ابن راهويه: قديم من رب العزة، محدث إلى أهل الأرض. فما ينزل عليهم شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم { إلا استمعوه وهم يلعبون } لا يتعظون به، ولا يتدبرون في معانيه، { لاهية قلوبهم } ساهية، معرضة عن التفكر والتدبر في معانيه.
وتقدير الآية: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث، في حال من الأحوال، إلا حال استماعهم إياه كانوا لاعبين مستهزئين به، لاهين عنه، حال كون قلوبهم لاهية عنه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر والتفكر في عواقب الأمور. والله تعالى أعلم. الإشارة: حمل الآية على العموم هو الظاهر عند الصوفية. وقد ورد عن رجل من الصحابة أنه كان يبني، فلقي بعض الصحابة فقال: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال له: { اقترب للناس حسابهم } ، فنفض التراب، وقال: والله لا بنيت. ه. أي: اقترب للناس حسابهم على النقير والقطمير، وهم في غفلة عن التأهب والاستعداد، معرضون عن اتخاذ الزاد، ما يأتيهم من ذكر من ربهم، يعظهم ويوقظهم، إلا استمعوه بآذانهم، وهم يلعبون ساهون عنه بقلوبهم لحشوها بالوساوس الشيطانية والعلائق النفسانية. لاهية قلوبهم عن التفكر والاعتبار والتدبر والاستبصار. قال القشيري: ويقال: الغفلة على قسمين غافل عن حسابه لاستغراقه في دنياه، وغافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه، فالغفلة الأولى سمة الهجر، والثانية صفة الوصل، فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى، وهؤلاء لا يرجون عن غيبتهم أبد الأبد لفنائهم في وجود الحق. ه. قلت: القسمة ثلاثية: قوم غفلوا عن حسابهم لاشتغالهم بحظوظهم وهواهم، وهم: الغافلون الجاهلون، وقوم ذكروا حسابهم، وجعلوه نصب أعينهم، وتأهبوا له، وهم: الصالحون والعباد والزهاد، وقوم غفلوا عنه، وغابوا عنه لاستغراقهم في شهود مولاهم، وهم: العارفون المقربون. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم ذكر المنهمكين في الغفلة، فقال: {... وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون } قلت: { الذين ظلموا }: بدل من الواو، منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم فيما أسروا به. وقال الكلبي: فيه تقديم وتأخير، أراد الذين ظلموا أسروا النجوى. فيكون { الذين }: مبتدأ و { أسروا }: خبر مقدم. وقال قطرب: على لغة بعض العرب، يقولون: أكلوني البراغيث، وهي بلغة بلحارث وغيرهم. وقال الفراء: بدل من الناس، أي: اقترب للناس وهم الذين ظلموا. و { هل هذا... } الخ: بدل من النجوى، أو مفعول بقول مضمر، كأنه قيل: ماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: هل هذا... الخ و { أنتم تبصرون }: حال من واو " تأتون " مقررة للإنكار، مؤكدة للاستبعاد. و { من قرية }: فاعل آمنت، و " من ": صلة للعموم. و { أهلكناها }: صفة لقرية. يقول الحق جل جلاله: { وأسروا النجوى }: أخفوا تناجيهم بحيث لم يشعر أحد بما قالوا، وهم { الذين ظلموا } بالكفر والطغيان، قائلين في تلك النجوى الشنيعة: { هل هذا } أي: ما هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول { إلا بشر مثلكم } أي: من جنسكم، وما أتى به سحر، { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } أي: تعلمون ذلك فتأتونه، وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول، وأنتم تعاينون أنه سحر؟ قالوا ذلك، بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ، أن الرسول لا يكون إلا ملكا، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق هو من قبيل السحر، وغاب عنهم أن إرسال البشر إلى البشر هو الذي تقتضيه الحكمة التشريعية.
قاتلهم الله أنى يؤفكون. وإذا أسروا ذلك ولم يعلنوه لأنه كان على طريق توثيق العهد خفية، وتمهيدا لمقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة، وإطفاء نور الدين.
والله متم نوره ولو كره الكافرون
[الصف: 8]. ثم فضح الله سرهم ونجواهم بقوله: { قل ربي يعلم القول في السماء والأرض } أي: قل يا محمد: ربي يعلم القول، سرا كان أو جهرا، سواء كان في السماء أو الأرض، فلا يخفى عليه ما تناجيتم به، فيفضحكم به ويجازيكم عليه. وقرأ أكثر أهل الكوفة: قال على الخبر، وهو حكاية من جهته تعالى لما قاله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما أوحى إليه أحوالهم وأقوالهم بيانا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم، وإيثار القول المشتمل على السر والجهر للإيذان بأن علمه تعالى بالسر والجهر على وتيرة واحدة، لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء، كما في علوم الخلق. { وهو السميع العليم } أي: المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات، التي من جملة ما أسروه من النجوى، فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم. { بل قالوا أضغاث أحلام } ، هو إضراب من جهته تعالى، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية قول آخر مضطرب في مضارب البطلان، أي: لم يقتصروا على أن يقولوا في حقه - عليه الصلاة والسلام -: هل هذا إلا بشر، وفي حق ما ظهر على يديه من القرآن الكريم: إنه السحر، بل قالوا: هو تخاليط أحلام وأباطيلها، فهو أشبه شيء بالهذيان، ثم أضربوا عنه، وقالوا: { بل افتراه } من تلقاء نفسه، من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل. ثم قالوا: { بل هو شاعر } ، وما أتى به شعر يخيل إلى السامع، لا حقيقة لها. وهكذا شأن المبطل المحجوج، متحير، لا يزال يتردد بين باطل وأبطل، ويتذبذب بين فاسد وأفسد. فالإضراب الأول، كما ترى، من جهته تعالى، والثاني والثالث من قبلهم. وقد قيل: الكل من قبلهم، حيث أضربوا عن قولهم: هو سحر، إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى، ثم إلى أنه قول شاعر، وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لقال: قالوا: بل أضغاث أحلام... الخ. ثم قالوا: { فليأتنا بآية } وهو جواب عن شرط محذوف، يفصح عنه السياق، كأنه قيل: وإن لم يكن كما قلنا، بل كان رسولا من الله تعالى، فليأتنا بمعجزة ظاهرة { كما أرسل الأولون } أي: مثل الآية التي أرسل بها الأولون كاليد، والعصا، و الناقة وشبه ذلك.
فالكاف: صفة لمصدر محذوف، أي: إتيانا مثل إتيان الأولين. قال تعالى: { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } أي: أهلكنا أهلها، { أفهم } أي: هؤلاء المقترحون عليك الآيات، { يؤمنون } أي: قد اقترحت الأمم السالفة الآيات على رسلها، فأعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، فأهلكناهم، فكيف يؤمن هؤلاء، وهم أعتى منهم؟ فالهمزة: لإنكار الوقوع، والفاء: للعطف على مقدر، فأفادت إنكار وقوع إيمانهم. والمعنى: لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه، مع كونهم أعتى منهم وأطغى؟ فهم في اقتراح الآيات كالباحث على حتفه فطلبه، وفي ترك إجابتهم إبقاء عليهم، كيف لا، ولو أعطوا ما اقترحوا، مع عدم إيمانهم قطعا، لوجب استئصالهم، بجريان سنة الله تعالى من الأمم السالفة أن المقترحين، إذا أعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة، وقد سبقت كلمة الحق منه تعالى أن هؤلاء لا يعذبون بعذاب الاستئصال، فلذلك لم يظهر لهم ما اقترحوا من الآيات. والله تعالى أعلم. الإشارة: العلماء بالله، الداعون إلى الله، هم ورثة الأنبياء والرسل، فما قيل في الأصل قد قيل في الفرع، فكل عصر يوجد من ينكر على خواص ذلك العصر، ويرميهم بالسحر والجنون. والافتراء على الله سنة ماضية. غير أن أولياء هذه الأمة على قدم نبيهم، رحمة للعالمين، فمن آذاهم لا يعاجل بالعقوبة في الغالب، وقد تكون باطنية، كقسوة القلوب، والخذلان، والشكوك، والأوهام. وهذا الوصف في العارفين الكملة، وأما الزهاد والعباد والصالحون: فمن آذاهم عوجل بالعقوبة في الغالب لنقص كمالهم، وعدم اتساع دائرة معرفتهم. وبالله التوفيق. ثم رد على من أنكر رسالة البشر.
الأنبياء 21:4
{ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم... } قلت: { وهم }: مبتدأ، و { في غفلة }: خبر، و { معرضون }: خبر بعد خبر، والجملة: حال من الناس. و { من ذكر }: فاعل بيأتي. و { من }: صلة، و { من ربهم }: صفة لذكر، أي: حاصل من ربهم، أو متعلق بيأتيهم، أو صفة لذكر، وجملة { استمعوه }: حال من مفعول " يأتيهم " ، بإضمار { قد } أو بدونه، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال. و { هم يلعبون }: حال أيضا من فاعل " استمعوه " ، و { لاهية }: حال من واو " يلعبون " ، و { قلوبهم }: فاعل بلاهية. يقول الحق جل جلاله: { اقترب للناس حسابهم } أي: قرب قيام الساعة التي هي محل حسابهم. قال ابن عباس: " المراد بالناس: المشركون " وهو الذي يفصح عنه ما بعده ولم يقل تعالى: " اقترب حساب الناس " ، بل قدم لام الجر على الفاعل للمسارعة إلى إدخال الروعة، فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجا، كما أن تقديم اللام في قوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29] لتعجيل المسرة لأن كون الخلق لأجل المخاطبين مما يسرهم ويزيدهم رغبة وشوقا إليه تعالى. وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب المنبئ عن التوجه نحوهم، مع صحة إسناد الاقتراب إليهم بأن يتوجهوا نحوه، من تفخيم شأنه، وتهويل أمره، ما لا يخفى، لما فيه من تصويره بشيء مقبل عليهم، لا يزال يطلبهم حتى يصيبهم لا محالة. ومعنى اقترابه: دنوه منهم شيئا فشيئا حتى يلحقهم لأن كل آت قريب، أي: دنا حساب أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب. { وهم في غفلة } تامة منه، ساهون بالمرة عنه، غير ذاكرين له، لا أنهم غير مبالين به، مع اعترافهم بإتيانه، بل هم منكرون له، كافرون به، { معرضون } عن الآيات والنذر المنبهة لهم عن سنة الغفلة. { ما يأتيهم من ذكر } أي: من طائفة نازلة من القرآن، تذكر ذلك الحساب، وتنبههم عن الغفلة عنه، كائن أو نازل { من ربهم } ، أو ذاكر ومذكر من ناحية ربهم. وفي إضافته إليه سبحانه دلالة على شرفه، وكمال شناعة ما فعلوه من الإعراض عنه، وفي التعبير بعنوان الربوبية تشنيع لكمال عتوهم، ومن صفة ذلك الذكر { محدث } تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة، بمعنى أنه نزل شيئا فشيئا، أو قريب عهد بالنزول، فمعاني القرآن قديمة، وإظهاره بهذه الحروف والأصوات حادث. وقال ابن راهويه: قديم من رب العزة، محدث إلى أهل الأرض. فما ينزل عليهم شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم { إلا استمعوه وهم يلعبون } لا يتعظون به، ولا يتدبرون في معانيه، { لاهية قلوبهم } ساهية، معرضة عن التفكر والتدبر في معانيه.
وتقدير الآية: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث، في حال من الأحوال، إلا حال استماعهم إياه كانوا لاعبين مستهزئين به، لاهين عنه، حال كون قلوبهم لاهية عنه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر والتفكر في عواقب الأمور. والله تعالى أعلم. الإشارة: حمل الآية على العموم هو الظاهر عند الصوفية. وقد ورد عن رجل من الصحابة أنه كان يبني، فلقي بعض الصحابة فقال: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال له: { اقترب للناس حسابهم } ، فنفض التراب، وقال: والله لا بنيت. ه. أي: اقترب للناس حسابهم على النقير والقطمير، وهم في غفلة عن التأهب والاستعداد، معرضون عن اتخاذ الزاد، ما يأتيهم من ذكر من ربهم، يعظهم ويوقظهم، إلا استمعوه بآذانهم، وهم يلعبون ساهون عنه بقلوبهم لحشوها بالوساوس الشيطانية والعلائق النفسانية. لاهية قلوبهم عن التفكر والاعتبار والتدبر والاستبصار. قال القشيري: ويقال: الغفلة على قسمين غافل عن حسابه لاستغراقه في دنياه، وغافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه، فالغفلة الأولى سمة الهجر، والثانية صفة الوصل، فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى، وهؤلاء لا يرجون عن غيبتهم أبد الأبد لفنائهم في وجود الحق. ه. قلت: القسمة ثلاثية: قوم غفلوا عن حسابهم لاشتغالهم بحظوظهم وهواهم، وهم: الغافلون الجاهلون، وقوم ذكروا حسابهم، وجعلوه نصب أعينهم، وتأهبوا له، وهم: الصالحون والعباد والزهاد، وقوم غفلوا عنه، وغابوا عنه لاستغراقهم في شهود مولاهم، وهم: العارفون المقربون. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم ذكر المنهمكين في الغفلة، فقال: {... وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون } قلت: { الذين ظلموا }: بدل من الواو، منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم فيما أسروا به. وقال الكلبي: فيه تقديم وتأخير، أراد الذين ظلموا أسروا النجوى. فيكون { الذين }: مبتدأ و { أسروا }: خبر مقدم. وقال قطرب: على لغة بعض العرب، يقولون: أكلوني البراغيث، وهي بلغة بلحارث وغيرهم. وقال الفراء: بدل من الناس، أي: اقترب للناس وهم الذين ظلموا. و { هل هذا... } الخ: بدل من النجوى، أو مفعول بقول مضمر، كأنه قيل: ماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: هل هذا... الخ و { أنتم تبصرون }: حال من واو " تأتون " مقررة للإنكار، مؤكدة للاستبعاد. و { من قرية }: فاعل آمنت، و " من ": صلة للعموم. و { أهلكناها }: صفة لقرية. يقول الحق جل جلاله: { وأسروا النجوى }: أخفوا تناجيهم بحيث لم يشعر أحد بما قالوا، وهم { الذين ظلموا } بالكفر والطغيان، قائلين في تلك النجوى الشنيعة: { هل هذا } أي: ما هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول { إلا بشر مثلكم } أي: من جنسكم، وما أتى به سحر، { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } أي: تعلمون ذلك فتأتونه، وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول، وأنتم تعاينون أنه سحر؟ قالوا ذلك، بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ، أن الرسول لا يكون إلا ملكا، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق هو من قبيل السحر، وغاب عنهم أن إرسال البشر إلى البشر هو الذي تقتضيه الحكمة التشريعية.
قاتلهم الله أنى يؤفكون. وإذا أسروا ذلك ولم يعلنوه لأنه كان على طريق توثيق العهد خفية، وتمهيدا لمقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة، وإطفاء نور الدين.
والله متم نوره ولو كره الكافرون
[الصف: 8]. ثم فضح الله سرهم ونجواهم بقوله: { قل ربي يعلم القول في السماء والأرض } أي: قل يا محمد: ربي يعلم القول، سرا كان أو جهرا، سواء كان في السماء أو الأرض، فلا يخفى عليه ما تناجيتم به، فيفضحكم به ويجازيكم عليه. وقرأ أكثر أهل الكوفة: قال على الخبر، وهو حكاية من جهته تعالى لما قاله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما أوحى إليه أحوالهم وأقوالهم بيانا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم، وإيثار القول المشتمل على السر والجهر للإيذان بأن علمه تعالى بالسر والجهر على وتيرة واحدة، لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء، كما في علوم الخلق. { وهو السميع العليم } أي: المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات، التي من جملة ما أسروه من النجوى، فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم. { بل قالوا أضغاث أحلام } ، هو إضراب من جهته تعالى، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية قول آخر مضطرب في مضارب البطلان، أي: لم يقتصروا على أن يقولوا في حقه - عليه الصلاة والسلام -: هل هذا إلا بشر، وفي حق ما ظهر على يديه من القرآن الكريم: إنه السحر، بل قالوا: هو تخاليط أحلام وأباطيلها، فهو أشبه شيء بالهذيان، ثم أضربوا عنه، وقالوا: { بل افتراه } من تلقاء نفسه، من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل. ثم قالوا: { بل هو شاعر } ، وما أتى به شعر يخيل إلى السامع، لا حقيقة لها. وهكذا شأن المبطل المحجوج، متحير، لا يزال يتردد بين باطل وأبطل، ويتذبذب بين فاسد وأفسد. فالإضراب الأول، كما ترى، من جهته تعالى، والثاني والثالث من قبلهم. وقد قيل: الكل من قبلهم، حيث أضربوا عن قولهم: هو سحر، إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى، ثم إلى أنه قول شاعر، وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لقال: قالوا: بل أضغاث أحلام... الخ. ثم قالوا: { فليأتنا بآية } وهو جواب عن شرط محذوف، يفصح عنه السياق، كأنه قيل: وإن لم يكن كما قلنا، بل كان رسولا من الله تعالى، فليأتنا بمعجزة ظاهرة { كما أرسل الأولون } أي: مثل الآية التي أرسل بها الأولون كاليد، والعصا، و الناقة وشبه ذلك.
فالكاف: صفة لمصدر محذوف، أي: إتيانا مثل إتيان الأولين. قال تعالى: { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } أي: أهلكنا أهلها، { أفهم } أي: هؤلاء المقترحون عليك الآيات، { يؤمنون } أي: قد اقترحت الأمم السالفة الآيات على رسلها، فأعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، فأهلكناهم، فكيف يؤمن هؤلاء، وهم أعتى منهم؟ فالهمزة: لإنكار الوقوع، والفاء: للعطف على مقدر، فأفادت إنكار وقوع إيمانهم. والمعنى: لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه، مع كونهم أعتى منهم وأطغى؟ فهم في اقتراح الآيات كالباحث على حتفه فطلبه، وفي ترك إجابتهم إبقاء عليهم، كيف لا، ولو أعطوا ما اقترحوا، مع عدم إيمانهم قطعا، لوجب استئصالهم، بجريان سنة الله تعالى من الأمم السالفة أن المقترحين، إذا أعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة، وقد سبقت كلمة الحق منه تعالى أن هؤلاء لا يعذبون بعذاب الاستئصال، فلذلك لم يظهر لهم ما اقترحوا من الآيات. والله تعالى أعلم. الإشارة: العلماء بالله، الداعون إلى الله، هم ورثة الأنبياء والرسل، فما قيل في الأصل قد قيل في الفرع، فكل عصر يوجد من ينكر على خواص ذلك العصر، ويرميهم بالسحر والجنون. والافتراء على الله سنة ماضية. غير أن أولياء هذه الأمة على قدم نبيهم، رحمة للعالمين، فمن آذاهم لا يعاجل بالعقوبة في الغالب، وقد تكون باطنية، كقسوة القلوب، والخذلان، والشكوك، والأوهام. وهذا الوصف في العارفين الكملة، وأما الزهاد والعباد والصالحون: فمن آذاهم عوجل بالعقوبة في الغالب لنقص كمالهم، وعدم اتساع دائرة معرفتهم. وبالله التوفيق. ثم رد على من أنكر رسالة البشر.
الأنبياء 21:5
{ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم... } قلت: { وهم }: مبتدأ، و { في غفلة }: خبر، و { معرضون }: خبر بعد خبر، والجملة: حال من الناس. و { من ذكر }: فاعل بيأتي. و { من }: صلة، و { من ربهم }: صفة لذكر، أي: حاصل من ربهم، أو متعلق بيأتيهم، أو صفة لذكر، وجملة { استمعوه }: حال من مفعول " يأتيهم " ، بإضمار { قد } أو بدونه، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال. و { هم يلعبون }: حال أيضا من فاعل " استمعوه " ، و { لاهية }: حال من واو " يلعبون " ، و { قلوبهم }: فاعل بلاهية. يقول الحق جل جلاله: { اقترب للناس حسابهم } أي: قرب قيام الساعة التي هي محل حسابهم. قال ابن عباس: " المراد بالناس: المشركون " وهو الذي يفصح عنه ما بعده ولم يقل تعالى: " اقترب حساب الناس " ، بل قدم لام الجر على الفاعل للمسارعة إلى إدخال الروعة، فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجا، كما أن تقديم اللام في قوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29] لتعجيل المسرة لأن كون الخلق لأجل المخاطبين مما يسرهم ويزيدهم رغبة وشوقا إليه تعالى. وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب المنبئ عن التوجه نحوهم، مع صحة إسناد الاقتراب إليهم بأن يتوجهوا نحوه، من تفخيم شأنه، وتهويل أمره، ما لا يخفى، لما فيه من تصويره بشيء مقبل عليهم، لا يزال يطلبهم حتى يصيبهم لا محالة. ومعنى اقترابه: دنوه منهم شيئا فشيئا حتى يلحقهم لأن كل آت قريب، أي: دنا حساب أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب. { وهم في غفلة } تامة منه، ساهون بالمرة عنه، غير ذاكرين له، لا أنهم غير مبالين به، مع اعترافهم بإتيانه، بل هم منكرون له، كافرون به، { معرضون } عن الآيات والنذر المنبهة لهم عن سنة الغفلة. { ما يأتيهم من ذكر } أي: من طائفة نازلة من القرآن، تذكر ذلك الحساب، وتنبههم عن الغفلة عنه، كائن أو نازل { من ربهم } ، أو ذاكر ومذكر من ناحية ربهم. وفي إضافته إليه سبحانه دلالة على شرفه، وكمال شناعة ما فعلوه من الإعراض عنه، وفي التعبير بعنوان الربوبية تشنيع لكمال عتوهم، ومن صفة ذلك الذكر { محدث } تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة، بمعنى أنه نزل شيئا فشيئا، أو قريب عهد بالنزول، فمعاني القرآن قديمة، وإظهاره بهذه الحروف والأصوات حادث. وقال ابن راهويه: قديم من رب العزة، محدث إلى أهل الأرض. فما ينزل عليهم شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم { إلا استمعوه وهم يلعبون } لا يتعظون به، ولا يتدبرون في معانيه، { لاهية قلوبهم } ساهية، معرضة عن التفكر والتدبر في معانيه.
وتقدير الآية: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث، في حال من الأحوال، إلا حال استماعهم إياه كانوا لاعبين مستهزئين به، لاهين عنه، حال كون قلوبهم لاهية عنه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر والتفكر في عواقب الأمور. والله تعالى أعلم. الإشارة: حمل الآية على العموم هو الظاهر عند الصوفية. وقد ورد عن رجل من الصحابة أنه كان يبني، فلقي بعض الصحابة فقال: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال له: { اقترب للناس حسابهم } ، فنفض التراب، وقال: والله لا بنيت. ه. أي: اقترب للناس حسابهم على النقير والقطمير، وهم في غفلة عن التأهب والاستعداد، معرضون عن اتخاذ الزاد، ما يأتيهم من ذكر من ربهم، يعظهم ويوقظهم، إلا استمعوه بآذانهم، وهم يلعبون ساهون عنه بقلوبهم لحشوها بالوساوس الشيطانية والعلائق النفسانية. لاهية قلوبهم عن التفكر والاعتبار والتدبر والاستبصار. قال القشيري: ويقال: الغفلة على قسمين غافل عن حسابه لاستغراقه في دنياه، وغافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه، فالغفلة الأولى سمة الهجر، والثانية صفة الوصل، فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى، وهؤلاء لا يرجون عن غيبتهم أبد الأبد لفنائهم في وجود الحق. ه. قلت: القسمة ثلاثية: قوم غفلوا عن حسابهم لاشتغالهم بحظوظهم وهواهم، وهم: الغافلون الجاهلون، وقوم ذكروا حسابهم، وجعلوه نصب أعينهم، وتأهبوا له، وهم: الصالحون والعباد والزهاد، وقوم غفلوا عنه، وغابوا عنه لاستغراقهم في شهود مولاهم، وهم: العارفون المقربون. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم ذكر المنهمكين في الغفلة، فقال: {... وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون } قلت: { الذين ظلموا }: بدل من الواو، منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم فيما أسروا به. وقال الكلبي: فيه تقديم وتأخير، أراد الذين ظلموا أسروا النجوى. فيكون { الذين }: مبتدأ و { أسروا }: خبر مقدم. وقال قطرب: على لغة بعض العرب، يقولون: أكلوني البراغيث، وهي بلغة بلحارث وغيرهم. وقال الفراء: بدل من الناس، أي: اقترب للناس وهم الذين ظلموا. و { هل هذا... } الخ: بدل من النجوى، أو مفعول بقول مضمر، كأنه قيل: ماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: هل هذا... الخ و { أنتم تبصرون }: حال من واو " تأتون " مقررة للإنكار، مؤكدة للاستبعاد. و { من قرية }: فاعل آمنت، و " من ": صلة للعموم. و { أهلكناها }: صفة لقرية. يقول الحق جل جلاله: { وأسروا النجوى }: أخفوا تناجيهم بحيث لم يشعر أحد بما قالوا، وهم { الذين ظلموا } بالكفر والطغيان، قائلين في تلك النجوى الشنيعة: { هل هذا } أي: ما هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول { إلا بشر مثلكم } أي: من جنسكم، وما أتى به سحر، { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } أي: تعلمون ذلك فتأتونه، وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول، وأنتم تعاينون أنه سحر؟ قالوا ذلك، بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ، أن الرسول لا يكون إلا ملكا، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق هو من قبيل السحر، وغاب عنهم أن إرسال البشر إلى البشر هو الذي تقتضيه الحكمة التشريعية.
قاتلهم الله أنى يؤفكون. وإذا أسروا ذلك ولم يعلنوه لأنه كان على طريق توثيق العهد خفية، وتمهيدا لمقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة، وإطفاء نور الدين.
والله متم نوره ولو كره الكافرون
[الصف: 8]. ثم فضح الله سرهم ونجواهم بقوله: { قل ربي يعلم القول في السماء والأرض } أي: قل يا محمد: ربي يعلم القول، سرا كان أو جهرا، سواء كان في السماء أو الأرض، فلا يخفى عليه ما تناجيتم به، فيفضحكم به ويجازيكم عليه. وقرأ أكثر أهل الكوفة: قال على الخبر، وهو حكاية من جهته تعالى لما قاله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما أوحى إليه أحوالهم وأقوالهم بيانا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم، وإيثار القول المشتمل على السر والجهر للإيذان بأن علمه تعالى بالسر والجهر على وتيرة واحدة، لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء، كما في علوم الخلق. { وهو السميع العليم } أي: المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات، التي من جملة ما أسروه من النجوى، فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم. { بل قالوا أضغاث أحلام } ، هو إضراب من جهته تعالى، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية قول آخر مضطرب في مضارب البطلان، أي: لم يقتصروا على أن يقولوا في حقه - عليه الصلاة والسلام -: هل هذا إلا بشر، وفي حق ما ظهر على يديه من القرآن الكريم: إنه السحر، بل قالوا: هو تخاليط أحلام وأباطيلها، فهو أشبه شيء بالهذيان، ثم أضربوا عنه، وقالوا: { بل افتراه } من تلقاء نفسه، من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل. ثم قالوا: { بل هو شاعر } ، وما أتى به شعر يخيل إلى السامع، لا حقيقة لها. وهكذا شأن المبطل المحجوج، متحير، لا يزال يتردد بين باطل وأبطل، ويتذبذب بين فاسد وأفسد. فالإضراب الأول، كما ترى، من جهته تعالى، والثاني والثالث من قبلهم. وقد قيل: الكل من قبلهم، حيث أضربوا عن قولهم: هو سحر، إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى، ثم إلى أنه قول شاعر، وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لقال: قالوا: بل أضغاث أحلام... الخ. ثم قالوا: { فليأتنا بآية } وهو جواب عن شرط محذوف، يفصح عنه السياق، كأنه قيل: وإن لم يكن كما قلنا، بل كان رسولا من الله تعالى، فليأتنا بمعجزة ظاهرة { كما أرسل الأولون } أي: مثل الآية التي أرسل بها الأولون كاليد، والعصا، و الناقة وشبه ذلك.
فالكاف: صفة لمصدر محذوف، أي: إتيانا مثل إتيان الأولين. قال تعالى: { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } أي: أهلكنا أهلها، { أفهم } أي: هؤلاء المقترحون عليك الآيات، { يؤمنون } أي: قد اقترحت الأمم السالفة الآيات على رسلها، فأعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، فأهلكناهم، فكيف يؤمن هؤلاء، وهم أعتى منهم؟ فالهمزة: لإنكار الوقوع، والفاء: للعطف على مقدر، فأفادت إنكار وقوع إيمانهم. والمعنى: لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه، مع كونهم أعتى منهم وأطغى؟ فهم في اقتراح الآيات كالباحث على حتفه فطلبه، وفي ترك إجابتهم إبقاء عليهم، كيف لا، ولو أعطوا ما اقترحوا، مع عدم إيمانهم قطعا، لوجب استئصالهم، بجريان سنة الله تعالى من الأمم السالفة أن المقترحين، إذا أعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة، وقد سبقت كلمة الحق منه تعالى أن هؤلاء لا يعذبون بعذاب الاستئصال، فلذلك لم يظهر لهم ما اقترحوا من الآيات. والله تعالى أعلم. الإشارة: العلماء بالله، الداعون إلى الله، هم ورثة الأنبياء والرسل، فما قيل في الأصل قد قيل في الفرع، فكل عصر يوجد من ينكر على خواص ذلك العصر، ويرميهم بالسحر والجنون. والافتراء على الله سنة ماضية. غير أن أولياء هذه الأمة على قدم نبيهم، رحمة للعالمين، فمن آذاهم لا يعاجل بالعقوبة في الغالب، وقد تكون باطنية، كقسوة القلوب، والخذلان، والشكوك، والأوهام. وهذا الوصف في العارفين الكملة، وأما الزهاد والعباد والصالحون: فمن آذاهم عوجل بالعقوبة في الغالب لنقص كمالهم، وعدم اتساع دائرة معرفتهم. وبالله التوفيق. ثم رد على من أنكر رسالة البشر.
الأنبياء 21:6
{ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم... } قلت: { وهم }: مبتدأ، و { في غفلة }: خبر، و { معرضون }: خبر بعد خبر، والجملة: حال من الناس. و { من ذكر }: فاعل بيأتي. و { من }: صلة، و { من ربهم }: صفة لذكر، أي: حاصل من ربهم، أو متعلق بيأتيهم، أو صفة لذكر، وجملة { استمعوه }: حال من مفعول " يأتيهم " ، بإضمار { قد } أو بدونه، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال. و { هم يلعبون }: حال أيضا من فاعل " استمعوه " ، و { لاهية }: حال من واو " يلعبون " ، و { قلوبهم }: فاعل بلاهية. يقول الحق جل جلاله: { اقترب للناس حسابهم } أي: قرب قيام الساعة التي هي محل حسابهم. قال ابن عباس: " المراد بالناس: المشركون " وهو الذي يفصح عنه ما بعده ولم يقل تعالى: " اقترب حساب الناس " ، بل قدم لام الجر على الفاعل للمسارعة إلى إدخال الروعة، فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجا، كما أن تقديم اللام في قوله تعالى:
خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29] لتعجيل المسرة لأن كون الخلق لأجل المخاطبين مما يسرهم ويزيدهم رغبة وشوقا إليه تعالى. وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب المنبئ عن التوجه نحوهم، مع صحة إسناد الاقتراب إليهم بأن يتوجهوا نحوه، من تفخيم شأنه، وتهويل أمره، ما لا يخفى، لما فيه من تصويره بشيء مقبل عليهم، لا يزال يطلبهم حتى يصيبهم لا محالة. ومعنى اقترابه: دنوه منهم شيئا فشيئا حتى يلحقهم لأن كل آت قريب، أي: دنا حساب أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب. { وهم في غفلة } تامة منه، ساهون بالمرة عنه، غير ذاكرين له، لا أنهم غير مبالين به، مع اعترافهم بإتيانه، بل هم منكرون له، كافرون به، { معرضون } عن الآيات والنذر المنبهة لهم عن سنة الغفلة. { ما يأتيهم من ذكر } أي: من طائفة نازلة من القرآن، تذكر ذلك الحساب، وتنبههم عن الغفلة عنه، كائن أو نازل { من ربهم } ، أو ذاكر ومذكر من ناحية ربهم. وفي إضافته إليه سبحانه دلالة على شرفه، وكمال شناعة ما فعلوه من الإعراض عنه، وفي التعبير بعنوان الربوبية تشنيع لكمال عتوهم، ومن صفة ذلك الذكر { محدث } تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة، بمعنى أنه نزل شيئا فشيئا، أو قريب عهد بالنزول، فمعاني القرآن قديمة، وإظهاره بهذه الحروف والأصوات حادث. وقال ابن راهويه: قديم من رب العزة، محدث إلى أهل الأرض. فما ينزل عليهم شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم { إلا استمعوه وهم يلعبون } لا يتعظون به، ولا يتدبرون في معانيه، { لاهية قلوبهم } ساهية، معرضة عن التفكر والتدبر في معانيه.
وتقدير الآية: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث، في حال من الأحوال، إلا حال استماعهم إياه كانوا لاعبين مستهزئين به، لاهين عنه، حال كون قلوبهم لاهية عنه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر والتفكر في عواقب الأمور. والله تعالى أعلم. الإشارة: حمل الآية على العموم هو الظاهر عند الصوفية. وقد ورد عن رجل من الصحابة أنه كان يبني، فلقي بعض الصحابة فقال: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال له: { اقترب للناس حسابهم } ، فنفض التراب، وقال: والله لا بنيت. ه. أي: اقترب للناس حسابهم على النقير والقطمير، وهم في غفلة عن التأهب والاستعداد، معرضون عن اتخاذ الزاد، ما يأتيهم من ذكر من ربهم، يعظهم ويوقظهم، إلا استمعوه بآذانهم، وهم يلعبون ساهون عنه بقلوبهم لحشوها بالوساوس الشيطانية والعلائق النفسانية. لاهية قلوبهم عن التفكر والاعتبار والتدبر والاستبصار. قال القشيري: ويقال: الغفلة على قسمين غافل عن حسابه لاستغراقه في دنياه، وغافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه، فالغفلة الأولى سمة الهجر، والثانية صفة الوصل، فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى، وهؤلاء لا يرجون عن غيبتهم أبد الأبد لفنائهم في وجود الحق. ه. قلت: القسمة ثلاثية: قوم غفلوا عن حسابهم لاشتغالهم بحظوظهم وهواهم، وهم: الغافلون الجاهلون، وقوم ذكروا حسابهم، وجعلوه نصب أعينهم، وتأهبوا له، وهم: الصالحون والعباد والزهاد، وقوم غفلوا عنه، وغابوا عنه لاستغراقهم في شهود مولاهم، وهم: العارفون المقربون. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ثم ذكر المنهمكين في الغفلة، فقال: {... وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون } قلت: { الذين ظلموا }: بدل من الواو، منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم فيما أسروا به. وقال الكلبي: فيه تقديم وتأخير، أراد الذين ظلموا أسروا النجوى. فيكون { الذين }: مبتدأ و { أسروا }: خبر مقدم. وقال قطرب: على لغة بعض العرب، يقولون: أكلوني البراغيث، وهي بلغة بلحارث وغيرهم. وقال الفراء: بدل من الناس، أي: اقترب للناس وهم الذين ظلموا. و { هل هذا... } الخ: بدل من النجوى، أو مفعول بقول مضمر، كأنه قيل: ماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: هل هذا... الخ و { أنتم تبصرون }: حال من واو " تأتون " مقررة للإنكار، مؤكدة للاستبعاد. و { من قرية }: فاعل آمنت، و " من ": صلة للعموم. و { أهلكناها }: صفة لقرية. يقول الحق جل جلاله: { وأسروا النجوى }: أخفوا تناجيهم بحيث لم يشعر أحد بما قالوا، وهم { الذين ظلموا } بالكفر والطغيان، قائلين في تلك النجوى الشنيعة: { هل هذا } أي: ما هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول { إلا بشر مثلكم } أي: من جنسكم، وما أتى به سحر، { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } أي: تعلمون ذلك فتأتونه، وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول، وأنتم تعاينون أنه سحر؟ قالوا ذلك، بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ، أن الرسول لا يكون إلا ملكا، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق هو من قبيل السحر، وغاب عنهم أن إرسال البشر إلى البشر هو الذي تقتضيه الحكمة التشريعية.
قاتلهم الله أنى يؤفكون. وإذا أسروا ذلك ولم يعلنوه لأنه كان على طريق توثيق العهد خفية، وتمهيدا لمقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة، وإطفاء نور الدين.
والله متم نوره ولو كره الكافرون
[الصف: 8]. ثم فضح الله سرهم ونجواهم بقوله: { قل ربي يعلم القول في السماء والأرض } أي: قل يا محمد: ربي يعلم القول، سرا كان أو جهرا، سواء كان في السماء أو الأرض، فلا يخفى عليه ما تناجيتم به، فيفضحكم به ويجازيكم عليه. وقرأ أكثر أهل الكوفة: قال على الخبر، وهو حكاية من جهته تعالى لما قاله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما أوحى إليه أحوالهم وأقوالهم بيانا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم، وإيثار القول المشتمل على السر والجهر للإيذان بأن علمه تعالى بالسر والجهر على وتيرة واحدة، لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء، كما في علوم الخلق. { وهو السميع العليم } أي: المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات، التي من جملة ما أسروه من النجوى، فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم. { بل قالوا أضغاث أحلام } ، هو إضراب من جهته تعالى، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية قول آخر مضطرب في مضارب البطلان، أي: لم يقتصروا على أن يقولوا في حقه - عليه الصلاة والسلام -: هل هذا إلا بشر، وفي حق ما ظهر على يديه من القرآن الكريم: إنه السحر، بل قالوا: هو تخاليط أحلام وأباطيلها، فهو أشبه شيء بالهذيان، ثم أضربوا عنه، وقالوا: { بل افتراه } من تلقاء نفسه، من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل. ثم قالوا: { بل هو شاعر } ، وما أتى به شعر يخيل إلى السامع، لا حقيقة لها. وهكذا شأن المبطل المحجوج، متحير، لا يزال يتردد بين باطل وأبطل، ويتذبذب بين فاسد وأفسد. فالإضراب الأول، كما ترى، من جهته تعالى، والثاني والثالث من قبلهم. وقد قيل: الكل من قبلهم، حيث أضربوا عن قولهم: هو سحر، إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى، ثم إلى أنه قول شاعر، وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لقال: قالوا: بل أضغاث أحلام... الخ. ثم قالوا: { فليأتنا بآية } وهو جواب عن شرط محذوف، يفصح عنه السياق، كأنه قيل: وإن لم يكن كما قلنا، بل كان رسولا من الله تعالى، فليأتنا بمعجزة ظاهرة { كما أرسل الأولون } أي: مثل الآية التي أرسل بها الأولون كاليد، والعصا، و الناقة وشبه ذلك.
فالكاف: صفة لمصدر محذوف، أي: إتيانا مثل إتيان الأولين. قال تعالى: { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } أي: أهلكنا أهلها، { أفهم } أي: هؤلاء المقترحون عليك الآيات، { يؤمنون } أي: قد اقترحت الأمم السالفة الآيات على رسلها، فأعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، فأهلكناهم، فكيف يؤمن هؤلاء، وهم أعتى منهم؟ فالهمزة: لإنكار الوقوع، والفاء: للعطف على مقدر، فأفادت إنكار وقوع إيمانهم. والمعنى: لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون، لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوه، مع كونهم أعتى منهم وأطغى؟ فهم في اقتراح الآيات كالباحث على حتفه فطلبه، وفي ترك إجابتهم إبقاء عليهم، كيف لا، ولو أعطوا ما اقترحوا، مع عدم إيمانهم قطعا، لوجب استئصالهم، بجريان سنة الله تعالى من الأمم السالفة أن المقترحين، إذا أعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة، وقد سبقت كلمة الحق منه تعالى أن هؤلاء لا يعذبون بعذاب الاستئصال، فلذلك لم يظهر لهم ما اقترحوا من الآيات. والله تعالى أعلم. الإشارة: العلماء بالله، الداعون إلى الله، هم ورثة الأنبياء والرسل، فما قيل في الأصل قد قيل في الفرع، فكل عصر يوجد من ينكر على خواص ذلك العصر، ويرميهم بالسحر والجنون. والافتراء على الله سنة ماضية. غير أن أولياء هذه الأمة على قدم نبيهم، رحمة للعالمين، فمن آذاهم لا يعاجل بالعقوبة في الغالب، وقد تكون باطنية، كقسوة القلوب، والخذلان، والشكوك، والأوهام. وهذا الوصف في العارفين الكملة، وأما الزهاد والعباد والصالحون: فمن آذاهم عوجل بالعقوبة في الغالب لنقص كمالهم، وعدم اتساع دائرة معرفتهم. وبالله التوفيق. ثم رد على من أنكر رسالة البشر.
الأنبياء 21:7
يقول الحق جل جلاله في جواب قول الكفرة:
هل هذآ إلا بشر مثلكم
[الأنبياء: 3] بعد تقديم الجواب عن قولهم: { فليأتنا بآية } لأنهم قالوه بطريق التعجيز، فلا بد من المسارعة إلى رده، كما تقدم مرارا في الكتاب العزيز، كقوله:
إنما يأتيكم به الله...
[هود: 33] الآية،
ما ننزل الملائكة إلا بالحق
[الحجر: 8] الآية. إلى غير ذلك، فقال جل جلاله: { وما أرسلنا قبلك } في الأمم السالفة { إلا رجالا } بشرا من جنس القوم الذين أرسلوا إليهم لأن مقتضى الحكمة أن يرسل البشر إلى البشر، والملك إلى الملك، حسبما نطق به قوله تعالى:
قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا
[الإسراء: 95]، فإن عامة البشر لا تطيق المفاوضة مع الملك لتوقفها على التناسب بين المفاوض والمستفيض فبعث لكل جنس ما يناسبه للحكمة التي يدور عليها فلك التكوين والتشريع، والذي تقتضيه الحكمة الإلهية أن يبعث الملك إلى خواص البشر المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدين بالقوة القدسية، المتعلقين بالعالم الروحاني والجسماني، ليتلقوا من جانب العالم الروحاني، ويلقوا إلى العالم الجسماني، فبعث رجالا من البشر يوحي إليهم على أيدي الملائكة أو بلا واسطة. والمعنى: وما أرسلنا إلى الأمم، قبل إرسالك إلى أمتك، إلا رجالا مخصوصين من أفراد الجنس، متأهلين للاصطفاء والإرسال، { نوحي إليهم } ، بواسطة الملك، ما يوحى من الشرائع والأحكام، وغيرهما من القصص والأخبار، كما يوحى إليك من غير فرق بينهما، { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } أي: فاسألوا، أيها الجهلة، أهل العلم كأهل الكتب الواقفين على أحوال الرسل السالفة - عليهم الصلاة والسلام - لتزول شبهتكم إن كنتم لا علم لكم بذلك. أمروا بذلك لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم الضروري، لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين عداوته صلى الله عليه وسلم، ويشاورونهم في أمورهم، فإذا أخبروهم أن الرسل إنما كانوا بشرا، ولم يكونوا ملائكة، حصل لهم العلم بالحق، وقامت الحجة عليهم. وتوجيه الخطاب إلى الكفرة في السؤال، بعد توجيهه إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - في الإرسال لأنه الحقيق بالخطاب في أمثال تلك العلوم والحقائق الأنيقة، وأما الوقوف عليها باستخبار من الغير فهو من وظائف العوام. ثم بين كون الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أسوة لأفراد الجنس في أحكام البشرية، فقال: { وما جعلناهم جسدا } أي: أجسادا، فالإفراد لإرادة الجنس، أو ذوي جسد، { لا يأكلون الطعام } أي: وما جعلناهم أجسادا صمدانيين، أغنياء عن الطعام والشراب، بل محتاجين إلى ذلك لتحقيق العبودية التي اقتضت شرفهم. { وما كانوا خالدين } لأن كل من يفتقر إلى الغذاء لا بد أن يتحلل بدنه بسرعة، حسبما جرت العادة الإلهية، والمراد بالخلود: المكث المديد، كما هو شأن الملائكة أو الأبدية.
وهم معتقدون أنهم كانوا يموتون. والمعنى: بل جعلناهم أجسادا مفتقرة صائرة إلى الموت عند انقضاء آجالهم، لا ملائكة ولا أجسادا صمدانية. { ثم صدقناهم الوعد } بالنصر وإهلاك أعدائهم، وهو عطف على ما يفهم من وحيه تعالى إليهم، كأنه قيل: أوحينا إليهم ما أوحينا، ثم صدقناهم في الوعد، الذي وعدناهم في تضاعيف الوحي، بإهلاك أعدائهم، { فأنجيناهم ومن نشاء } من المؤمنين وغيرهم، ممن تستدعي الحكمة إبقاءه، كمن سيؤمن هو أو بعض فروعه، وهو السر في حماية العرب من عذاب الاستئصال. أو يخص هذا العموم بغير نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم فإن أمته لا تستأصل، وإن بقي فيها من يكفر بالله لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله تعالى. { وأهلكنا المسرفين } أي: المجاوزين الحد في الكفر والمعاصي. ولما ذكر برهان حقية الرسول - عليه الصلاة والسلام - ذكر حقية القرآن المنزل عليه، الذي ذكر في صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته، فقال: { لقد أنزلنا إليكم } ، صدره بالقسم إظهارا لمزيد الاعتناء بمضمونه، وإيذانا بكون المخاطبين في أقصى مراتب التنكير، أي: والله لقد أنزلنا إليكم، يا معشر قريش، { كتابا } عظيم الشأن نير البرهان. فالتنكير للتفخيم، أي: كتابا جليل القدر { فيه ذكركم } أي: شرفكم وحسن صيتكم، كقوله تعالى:
وإنه لذكر لك ولقومك
[الزخرف: 44]، أو فيه تذكيركم وموعظتكم، أو ما تحتاجون إليه في أمر دينكم ودنياكم، أو ما تطالبون به حسن الذكر والثناء من مكارم الأخلاق، { أفلا تعقلون } فتتدبروا في معانيه حتى تدركوا حقيته. فالهمزة للإنكار التوبيخي. وفيه حث لهم على التدبر في أمر الكتاب، والتأمل في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر، التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة، والمعطوف: محذوف، أي: أعميت بصائركم فلا تعقلون؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: ثبوت الخصوصية لا ينافي وصف البشرية، فنسبة أهل الخصوصية من البشر كاليواقيت بين الحجر. ولا فرق بين خصوصية النبوة والولاية في الاتصاف بأوصاف البشرية، التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية. وتتميز خصوصية النبوة من الولاية بوحي الأحكام، وتتميز خصوصية الولاية من العمومية بالتطهير من الرذائل والتحلي بالفضائل، وبالغيبة عن رؤية الأكوان، بإشراق شمس العرفان، وذلك بالفناء عن الأثر بشهود المؤثر، ثم بالبقاء بشهود الأثر حكمة، مع الغيبة عنه، قدرة، ولا يعرف هذا إلا أهل الذكر الحقيقي، فلا يعرف مقام الأولياء إلا من دخل معهم، ولا يسأل عنهم إلا أمثالهم
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[النحل: 43]. فلا يشترط في الولي استغناؤه عن الطعام والشراب إذ لم يكن للأنبياء، فكيف بالأولياء؟ ولا استغناؤه عن النساء، قال تعالى:
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية
[الرعد: 38]، نعم صاحب الخصوصية مالك لنفسه من غلبة الشهوة عليه، ينزل إلى أرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وتقدم الكلام على قوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر } في سورة النحل. وبالله التوفيق. ثم بين ما أجمل عن قوله: { وأهلكنا المسرفين }
الأنبياء 21:8
يقول الحق جل جلاله في جواب قول الكفرة:
هل هذآ إلا بشر مثلكم
[الأنبياء: 3] بعد تقديم الجواب عن قولهم: { فليأتنا بآية } لأنهم قالوه بطريق التعجيز، فلا بد من المسارعة إلى رده، كما تقدم مرارا في الكتاب العزيز، كقوله:
إنما يأتيكم به الله...
[هود: 33] الآية،
ما ننزل الملائكة إلا بالحق
[الحجر: 8] الآية. إلى غير ذلك، فقال جل جلاله: { وما أرسلنا قبلك } في الأمم السالفة { إلا رجالا } بشرا من جنس القوم الذين أرسلوا إليهم لأن مقتضى الحكمة أن يرسل البشر إلى البشر، والملك إلى الملك، حسبما نطق به قوله تعالى:
قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا
[الإسراء: 95]، فإن عامة البشر لا تطيق المفاوضة مع الملك لتوقفها على التناسب بين المفاوض والمستفيض فبعث لكل جنس ما يناسبه للحكمة التي يدور عليها فلك التكوين والتشريع، والذي تقتضيه الحكمة الإلهية أن يبعث الملك إلى خواص البشر المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدين بالقوة القدسية، المتعلقين بالعالم الروحاني والجسماني، ليتلقوا من جانب العالم الروحاني، ويلقوا إلى العالم الجسماني، فبعث رجالا من البشر يوحي إليهم على أيدي الملائكة أو بلا واسطة. والمعنى: وما أرسلنا إلى الأمم، قبل إرسالك إلى أمتك، إلا رجالا مخصوصين من أفراد الجنس، متأهلين للاصطفاء والإرسال، { نوحي إليهم } ، بواسطة الملك، ما يوحى من الشرائع والأحكام، وغيرهما من القصص والأخبار، كما يوحى إليك من غير فرق بينهما، { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } أي: فاسألوا، أيها الجهلة، أهل العلم كأهل الكتب الواقفين على أحوال الرسل السالفة - عليهم الصلاة والسلام - لتزول شبهتكم إن كنتم لا علم لكم بذلك. أمروا بذلك لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم الضروري، لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين عداوته صلى الله عليه وسلم، ويشاورونهم في أمورهم، فإذا أخبروهم أن الرسل إنما كانوا بشرا، ولم يكونوا ملائكة، حصل لهم العلم بالحق، وقامت الحجة عليهم. وتوجيه الخطاب إلى الكفرة في السؤال، بعد توجيهه إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - في الإرسال لأنه الحقيق بالخطاب في أمثال تلك العلوم والحقائق الأنيقة، وأما الوقوف عليها باستخبار من الغير فهو من وظائف العوام. ثم بين كون الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أسوة لأفراد الجنس في أحكام البشرية، فقال: { وما جعلناهم جسدا } أي: أجسادا، فالإفراد لإرادة الجنس، أو ذوي جسد، { لا يأكلون الطعام } أي: وما جعلناهم أجسادا صمدانيين، أغنياء عن الطعام والشراب، بل محتاجين إلى ذلك لتحقيق العبودية التي اقتضت شرفهم. { وما كانوا خالدين } لأن كل من يفتقر إلى الغذاء لا بد أن يتحلل بدنه بسرعة، حسبما جرت العادة الإلهية، والمراد بالخلود: المكث المديد، كما هو شأن الملائكة أو الأبدية.
وهم معتقدون أنهم كانوا يموتون. والمعنى: بل جعلناهم أجسادا مفتقرة صائرة إلى الموت عند انقضاء آجالهم، لا ملائكة ولا أجسادا صمدانية. { ثم صدقناهم الوعد } بالنصر وإهلاك أعدائهم، وهو عطف على ما يفهم من وحيه تعالى إليهم، كأنه قيل: أوحينا إليهم ما أوحينا، ثم صدقناهم في الوعد، الذي وعدناهم في تضاعيف الوحي، بإهلاك أعدائهم، { فأنجيناهم ومن نشاء } من المؤمنين وغيرهم، ممن تستدعي الحكمة إبقاءه، كمن سيؤمن هو أو بعض فروعه، وهو السر في حماية العرب من عذاب الاستئصال. أو يخص هذا العموم بغير نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم فإن أمته لا تستأصل، وإن بقي فيها من يكفر بالله لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله تعالى. { وأهلكنا المسرفين } أي: المجاوزين الحد في الكفر والمعاصي. ولما ذكر برهان حقية الرسول - عليه الصلاة والسلام - ذكر حقية القرآن المنزل عليه، الذي ذكر في صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته، فقال: { لقد أنزلنا إليكم } ، صدره بالقسم إظهارا لمزيد الاعتناء بمضمونه، وإيذانا بكون المخاطبين في أقصى مراتب التنكير، أي: والله لقد أنزلنا إليكم، يا معشر قريش، { كتابا } عظيم الشأن نير البرهان. فالتنكير للتفخيم، أي: كتابا جليل القدر { فيه ذكركم } أي: شرفكم وحسن صيتكم، كقوله تعالى:
وإنه لذكر لك ولقومك
[الزخرف: 44]، أو فيه تذكيركم وموعظتكم، أو ما تحتاجون إليه في أمر دينكم ودنياكم، أو ما تطالبون به حسن الذكر والثناء من مكارم الأخلاق، { أفلا تعقلون } فتتدبروا في معانيه حتى تدركوا حقيته. فالهمزة للإنكار التوبيخي. وفيه حث لهم على التدبر في أمر الكتاب، والتأمل في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر، التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة، والمعطوف: محذوف، أي: أعميت بصائركم فلا تعقلون؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: ثبوت الخصوصية لا ينافي وصف البشرية، فنسبة أهل الخصوصية من البشر كاليواقيت بين الحجر. ولا فرق بين خصوصية النبوة والولاية في الاتصاف بأوصاف البشرية، التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية. وتتميز خصوصية النبوة من الولاية بوحي الأحكام، وتتميز خصوصية الولاية من العمومية بالتطهير من الرذائل والتحلي بالفضائل، وبالغيبة عن رؤية الأكوان، بإشراق شمس العرفان، وذلك بالفناء عن الأثر بشهود المؤثر، ثم بالبقاء بشهود الأثر حكمة، مع الغيبة عنه، قدرة، ولا يعرف هذا إلا أهل الذكر الحقيقي، فلا يعرف مقام الأولياء إلا من دخل معهم، ولا يسأل عنهم إلا أمثالهم
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[النحل: 43]. فلا يشترط في الولي استغناؤه عن الطعام والشراب إذ لم يكن للأنبياء، فكيف بالأولياء؟ ولا استغناؤه عن النساء، قال تعالى:
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية
[الرعد: 38]، نعم صاحب الخصوصية مالك لنفسه من غلبة الشهوة عليه، ينزل إلى أرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وتقدم الكلام على قوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر } في سورة النحل. وبالله التوفيق. ثم بين ما أجمل عن قوله: { وأهلكنا المسرفين }
الأنبياء 21:9
يقول الحق جل جلاله في جواب قول الكفرة:
هل هذآ إلا بشر مثلكم
[الأنبياء: 3] بعد تقديم الجواب عن قولهم: { فليأتنا بآية } لأنهم قالوه بطريق التعجيز، فلا بد من المسارعة إلى رده، كما تقدم مرارا في الكتاب العزيز، كقوله:
إنما يأتيكم به الله...
[هود: 33] الآية،
ما ننزل الملائكة إلا بالحق
[الحجر: 8] الآية. إلى غير ذلك، فقال جل جلاله: { وما أرسلنا قبلك } في الأمم السالفة { إلا رجالا } بشرا من جنس القوم الذين أرسلوا إليهم لأن مقتضى الحكمة أن يرسل البشر إلى البشر، والملك إلى الملك، حسبما نطق به قوله تعالى:
قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا
[الإسراء: 95]، فإن عامة البشر لا تطيق المفاوضة مع الملك لتوقفها على التناسب بين المفاوض والمستفيض فبعث لكل جنس ما يناسبه للحكمة التي يدور عليها فلك التكوين والتشريع، والذي تقتضيه الحكمة الإلهية أن يبعث الملك إلى خواص البشر المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدين بالقوة القدسية، المتعلقين بالعالم الروحاني والجسماني، ليتلقوا من جانب العالم الروحاني، ويلقوا إلى العالم الجسماني، فبعث رجالا من البشر يوحي إليهم على أيدي الملائكة أو بلا واسطة. والمعنى: وما أرسلنا إلى الأمم، قبل إرسالك إلى أمتك، إلا رجالا مخصوصين من أفراد الجنس، متأهلين للاصطفاء والإرسال، { نوحي إليهم } ، بواسطة الملك، ما يوحى من الشرائع والأحكام، وغيرهما من القصص والأخبار، كما يوحى إليك من غير فرق بينهما، { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } أي: فاسألوا، أيها الجهلة، أهل العلم كأهل الكتب الواقفين على أحوال الرسل السالفة - عليهم الصلاة والسلام - لتزول شبهتكم إن كنتم لا علم لكم بذلك. أمروا بذلك لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم الضروري، لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين عداوته صلى الله عليه وسلم، ويشاورونهم في أمورهم، فإذا أخبروهم أن الرسل إنما كانوا بشرا، ولم يكونوا ملائكة، حصل لهم العلم بالحق، وقامت الحجة عليهم. وتوجيه الخطاب إلى الكفرة في السؤال، بعد توجيهه إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - في الإرسال لأنه الحقيق بالخطاب في أمثال تلك العلوم والحقائق الأنيقة، وأما الوقوف عليها باستخبار من الغير فهو من وظائف العوام. ثم بين كون الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أسوة لأفراد الجنس في أحكام البشرية، فقال: { وما جعلناهم جسدا } أي: أجسادا، فالإفراد لإرادة الجنس، أو ذوي جسد، { لا يأكلون الطعام } أي: وما جعلناهم أجسادا صمدانيين، أغنياء عن الطعام والشراب، بل محتاجين إلى ذلك لتحقيق العبودية التي اقتضت شرفهم. { وما كانوا خالدين } لأن كل من يفتقر إلى الغذاء لا بد أن يتحلل بدنه بسرعة، حسبما جرت العادة الإلهية، والمراد بالخلود: المكث المديد، كما هو شأن الملائكة أو الأبدية.
وهم معتقدون أنهم كانوا يموتون. والمعنى: بل جعلناهم أجسادا مفتقرة صائرة إلى الموت عند انقضاء آجالهم، لا ملائكة ولا أجسادا صمدانية. { ثم صدقناهم الوعد } بالنصر وإهلاك أعدائهم، وهو عطف على ما يفهم من وحيه تعالى إليهم، كأنه قيل: أوحينا إليهم ما أوحينا، ثم صدقناهم في الوعد، الذي وعدناهم في تضاعيف الوحي، بإهلاك أعدائهم، { فأنجيناهم ومن نشاء } من المؤمنين وغيرهم، ممن تستدعي الحكمة إبقاءه، كمن سيؤمن هو أو بعض فروعه، وهو السر في حماية العرب من عذاب الاستئصال. أو يخص هذا العموم بغير نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم فإن أمته لا تستأصل، وإن بقي فيها من يكفر بالله لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله تعالى. { وأهلكنا المسرفين } أي: المجاوزين الحد في الكفر والمعاصي. ولما ذكر برهان حقية الرسول - عليه الصلاة والسلام - ذكر حقية القرآن المنزل عليه، الذي ذكر في صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته، فقال: { لقد أنزلنا إليكم } ، صدره بالقسم إظهارا لمزيد الاعتناء بمضمونه، وإيذانا بكون المخاطبين في أقصى مراتب التنكير، أي: والله لقد أنزلنا إليكم، يا معشر قريش، { كتابا } عظيم الشأن نير البرهان. فالتنكير للتفخيم، أي: كتابا جليل القدر { فيه ذكركم } أي: شرفكم وحسن صيتكم، كقوله تعالى:
وإنه لذكر لك ولقومك
[الزخرف: 44]، أو فيه تذكيركم وموعظتكم، أو ما تحتاجون إليه في أمر دينكم ودنياكم، أو ما تطالبون به حسن الذكر والثناء من مكارم الأخلاق، { أفلا تعقلون } فتتدبروا في معانيه حتى تدركوا حقيته. فالهمزة للإنكار التوبيخي. وفيه حث لهم على التدبر في أمر الكتاب، والتأمل في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر، التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة، والمعطوف: محذوف، أي: أعميت بصائركم فلا تعقلون؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: ثبوت الخصوصية لا ينافي وصف البشرية، فنسبة أهل الخصوصية من البشر كاليواقيت بين الحجر. ولا فرق بين خصوصية النبوة والولاية في الاتصاف بأوصاف البشرية، التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية. وتتميز خصوصية النبوة من الولاية بوحي الأحكام، وتتميز خصوصية الولاية من العمومية بالتطهير من الرذائل والتحلي بالفضائل، وبالغيبة عن رؤية الأكوان، بإشراق شمس العرفان، وذلك بالفناء عن الأثر بشهود المؤثر، ثم بالبقاء بشهود الأثر حكمة، مع الغيبة عنه، قدرة، ولا يعرف هذا إلا أهل الذكر الحقيقي، فلا يعرف مقام الأولياء إلا من دخل معهم، ولا يسأل عنهم إلا أمثالهم
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[النحل: 43]. فلا يشترط في الولي استغناؤه عن الطعام والشراب إذ لم يكن للأنبياء، فكيف بالأولياء؟ ولا استغناؤه عن النساء، قال تعالى:
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية
[الرعد: 38]، نعم صاحب الخصوصية مالك لنفسه من غلبة الشهوة عليه، ينزل إلى أرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وتقدم الكلام على قوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر } في سورة النحل. وبالله التوفيق. ثم بين ما أجمل عن قوله: { وأهلكنا المسرفين }
الأنبياء 21:10
يقول الحق جل جلاله في جواب قول الكفرة:
هل هذآ إلا بشر مثلكم
[الأنبياء: 3] بعد تقديم الجواب عن قولهم: { فليأتنا بآية } لأنهم قالوه بطريق التعجيز، فلا بد من المسارعة إلى رده، كما تقدم مرارا في الكتاب العزيز، كقوله:
إنما يأتيكم به الله...
[هود: 33] الآية،
ما ننزل الملائكة إلا بالحق
[الحجر: 8] الآية. إلى غير ذلك، فقال جل جلاله: { وما أرسلنا قبلك } في الأمم السالفة { إلا رجالا } بشرا من جنس القوم الذين أرسلوا إليهم لأن مقتضى الحكمة أن يرسل البشر إلى البشر، والملك إلى الملك، حسبما نطق به قوله تعالى:
قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا
[الإسراء: 95]، فإن عامة البشر لا تطيق المفاوضة مع الملك لتوقفها على التناسب بين المفاوض والمستفيض فبعث لكل جنس ما يناسبه للحكمة التي يدور عليها فلك التكوين والتشريع، والذي تقتضيه الحكمة الإلهية أن يبعث الملك إلى خواص البشر المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدين بالقوة القدسية، المتعلقين بالعالم الروحاني والجسماني، ليتلقوا من جانب العالم الروحاني، ويلقوا إلى العالم الجسماني، فبعث رجالا من البشر يوحي إليهم على أيدي الملائكة أو بلا واسطة. والمعنى: وما أرسلنا إلى الأمم، قبل إرسالك إلى أمتك، إلا رجالا مخصوصين من أفراد الجنس، متأهلين للاصطفاء والإرسال، { نوحي إليهم } ، بواسطة الملك، ما يوحى من الشرائع والأحكام، وغيرهما من القصص والأخبار، كما يوحى إليك من غير فرق بينهما، { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } أي: فاسألوا، أيها الجهلة، أهل العلم كأهل الكتب الواقفين على أحوال الرسل السالفة - عليهم الصلاة والسلام - لتزول شبهتكم إن كنتم لا علم لكم بذلك. أمروا بذلك لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم الضروري، لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين عداوته صلى الله عليه وسلم، ويشاورونهم في أمورهم، فإذا أخبروهم أن الرسل إنما كانوا بشرا، ولم يكونوا ملائكة، حصل لهم العلم بالحق، وقامت الحجة عليهم. وتوجيه الخطاب إلى الكفرة في السؤال، بعد توجيهه إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - في الإرسال لأنه الحقيق بالخطاب في أمثال تلك العلوم والحقائق الأنيقة، وأما الوقوف عليها باستخبار من الغير فهو من وظائف العوام. ثم بين كون الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أسوة لأفراد الجنس في أحكام البشرية، فقال: { وما جعلناهم جسدا } أي: أجسادا، فالإفراد لإرادة الجنس، أو ذوي جسد، { لا يأكلون الطعام } أي: وما جعلناهم أجسادا صمدانيين، أغنياء عن الطعام والشراب، بل محتاجين إلى ذلك لتحقيق العبودية التي اقتضت شرفهم. { وما كانوا خالدين } لأن كل من يفتقر إلى الغذاء لا بد أن يتحلل بدنه بسرعة، حسبما جرت العادة الإلهية، والمراد بالخلود: المكث المديد، كما هو شأن الملائكة أو الأبدية.
وهم معتقدون أنهم كانوا يموتون. والمعنى: بل جعلناهم أجسادا مفتقرة صائرة إلى الموت عند انقضاء آجالهم، لا ملائكة ولا أجسادا صمدانية. { ثم صدقناهم الوعد } بالنصر وإهلاك أعدائهم، وهو عطف على ما يفهم من وحيه تعالى إليهم، كأنه قيل: أوحينا إليهم ما أوحينا، ثم صدقناهم في الوعد، الذي وعدناهم في تضاعيف الوحي، بإهلاك أعدائهم، { فأنجيناهم ومن نشاء } من المؤمنين وغيرهم، ممن تستدعي الحكمة إبقاءه، كمن سيؤمن هو أو بعض فروعه، وهو السر في حماية العرب من عذاب الاستئصال. أو يخص هذا العموم بغير نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم فإن أمته لا تستأصل، وإن بقي فيها من يكفر بالله لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله تعالى. { وأهلكنا المسرفين } أي: المجاوزين الحد في الكفر والمعاصي. ولما ذكر برهان حقية الرسول - عليه الصلاة والسلام - ذكر حقية القرآن المنزل عليه، الذي ذكر في صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته، فقال: { لقد أنزلنا إليكم } ، صدره بالقسم إظهارا لمزيد الاعتناء بمضمونه، وإيذانا بكون المخاطبين في أقصى مراتب التنكير، أي: والله لقد أنزلنا إليكم، يا معشر قريش، { كتابا } عظيم الشأن نير البرهان. فالتنكير للتفخيم، أي: كتابا جليل القدر { فيه ذكركم } أي: شرفكم وحسن صيتكم، كقوله تعالى:
وإنه لذكر لك ولقومك
[الزخرف: 44]، أو فيه تذكيركم وموعظتكم، أو ما تحتاجون إليه في أمر دينكم ودنياكم، أو ما تطالبون به حسن الذكر والثناء من مكارم الأخلاق، { أفلا تعقلون } فتتدبروا في معانيه حتى تدركوا حقيته. فالهمزة للإنكار التوبيخي. وفيه حث لهم على التدبر في أمر الكتاب، والتأمل في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر، التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة، والمعطوف: محذوف، أي: أعميت بصائركم فلا تعقلون؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: ثبوت الخصوصية لا ينافي وصف البشرية، فنسبة أهل الخصوصية من البشر كاليواقيت بين الحجر. ولا فرق بين خصوصية النبوة والولاية في الاتصاف بأوصاف البشرية، التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية. وتتميز خصوصية النبوة من الولاية بوحي الأحكام، وتتميز خصوصية الولاية من العمومية بالتطهير من الرذائل والتحلي بالفضائل، وبالغيبة عن رؤية الأكوان، بإشراق شمس العرفان، وذلك بالفناء عن الأثر بشهود المؤثر، ثم بالبقاء بشهود الأثر حكمة، مع الغيبة عنه، قدرة، ولا يعرف هذا إلا أهل الذكر الحقيقي، فلا يعرف مقام الأولياء إلا من دخل معهم، ولا يسأل عنهم إلا أمثالهم
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[النحل: 43]. فلا يشترط في الولي استغناؤه عن الطعام والشراب إذ لم يكن للأنبياء، فكيف بالأولياء؟ ولا استغناؤه عن النساء، قال تعالى:
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية
[الرعد: 38]، نعم صاحب الخصوصية مالك لنفسه من غلبة الشهوة عليه، ينزل إلى أرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وتقدم الكلام على قوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر } في سورة النحل. وبالله التوفيق. ثم بين ما أجمل عن قوله: { وأهلكنا المسرفين }
الأنبياء 21:11
قلت: { كم }: خبرية مفيدة للتكثير، ومحلها نصب، مفعول بقصمنا، و { من قرية }: تمييز، و { كانت... } الخ: صفة لقرية. يقول الحق جل جلاله: { وكم قصمنا من قرية } أي: كثيرا أهلكنا من أهل قرية { كانت ظالمة } بآيات الله تعالى، كافرين بها. وفي لفظ القصم - الذي هو عبارة عن الكسر بإبانة أجزاء المكسور وإزالتها بالكلية - من الدلالة على قوة الغضب والسخط ما لا يخفى. { وأنشأنا } أي: أحدثنا { بعدها } أي: بعد إهلاكها { قوما آخرين } ليسوا منهم نسبا ولا دينا، ففيه تنبيه على استئصالهم وقطع دابرهم بالكلية. { فلما أحسوا بأسنا } أي: أدركوا عذابنا الشديد إدراك المشاهد المحسوس { إذا هم منها } أي: من القرية { يركضون }: يهربون مدبرين راكضين دوابهم. فقيل لهم، بلسان الحال أو المقال من الملك، أو ممن حضرهم من المؤمنين، بطريق الاستهزاء والتوبيخ: { لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } من النعم والتلذذ { و } إلى { مساكنكم } التي كنتم تفتخرون بها، { لعلكم تسألون } تقصدون للسؤال، إذ كانوا أغنياء، أو للتشاور والتدبر في المهمات والنوازل، أو تسألون الفداء فتفتدوا من العذاب، أو تسألون عن قتل نبيكم وفيم قتلتموه. قيل: نزلت في أهل حاضورا قرية باليمن، وكان أهلها العرب، فبعث الله إليهم نبيا فكذبوه وقتلوه، فسلط الله تعالى عليهم بختنصر، فقتلهم وسباهم، فلما انهزموا وهربوا قالت لهم الملائكة: لا تركضوا، وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم استهزاء بهم، وأتبعهم بختنصر، فأخذتهم السيوف، ونادى مناد من السماء: يا لثارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم، فقالوا: { يا ويلنا } يا هلاكنا { إنا كنا ظالمين } مستوجبين العذاب. وهذا اعتراف منهم وندم حين لم ينفعهم ذلك. { فما زالت تلك دعواهم } أي: فما زالوا يرددون تلك الكلمة، ويدعون بها، ويقولون: يا ويلنا، { حتى جعلناهم حصيدا } أي: مثل الحصيد، وهو المحصود من الزرع والنبات، فهو فعيل بمعنى مفعول، فلذلك لم يجمع، كجريح وقتيل. وجعلناهم { خامدين } ميتين، من خمدت النار إذا طفئت. وهو، مع " حصيدا " ، في حيز المفعول الثاني لجعل، كقولك: جعلته حلوا حامضا، والمعنى: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود، أو حال من الضمير المنصوب في " جعلناهم " ، ولفظ الآية يقتضي العموم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكم من قرية من قرى القلوب قصمنا أهلها، أي: ما فيها من الشكوك والأوهام، كانت ظالمة بتلك الخواطر، فأخرجناهم منها، وأنشأنا بعدها أنوارا وأسرارا وعلوما آخرين. فلما حسوا بأسنا بورود الواردات الإلهية عليها، التي تأتي من حضرة القهار، إذا هم منها يركضون لأن الواردات الإلهية تأتي من حضرة القهار، لأجل ذلك لا تصادم شيئا من الظلمات إلا دمغته، فيقال لتلك الظلمات، التي هي الشكوك والأوهام: لا تركضوا، ولكن ارجعوا أنوارا، وانقلبوا واردات وأسرارا، وتنعموا في محلكم بشهود الحق، لعلكم تسألون، أي: تستفتون في الأمور، لأن القلب إذا صفا من الأكدار استفتى في العلوم، وفي الأمور التي تعرض، قالوا بلسان الحال - أي تلك الظلمات -: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بحجب صاحبنا عن الله، فما زالت تلك دعواهم حتى صاروا خامدين، هامدين، ساكنين تحت مجاري الأقدار، مطمئنين بالله الواحد القهار، وهذه إشارة دقيقة، لا يفهمها إلا دقيق الفهم غزير العلم. وبالله التوفيق. ثم ذكر أن إهلاك تلك القرى الظالمة كان لحكمة بليغة...
الأنبياء 21:12
قلت: { كم }: خبرية مفيدة للتكثير، ومحلها نصب، مفعول بقصمنا، و { من قرية }: تمييز، و { كانت... } الخ: صفة لقرية. يقول الحق جل جلاله: { وكم قصمنا من قرية } أي: كثيرا أهلكنا من أهل قرية { كانت ظالمة } بآيات الله تعالى، كافرين بها. وفي لفظ القصم - الذي هو عبارة عن الكسر بإبانة أجزاء المكسور وإزالتها بالكلية - من الدلالة على قوة الغضب والسخط ما لا يخفى. { وأنشأنا } أي: أحدثنا { بعدها } أي: بعد إهلاكها { قوما آخرين } ليسوا منهم نسبا ولا دينا، ففيه تنبيه على استئصالهم وقطع دابرهم بالكلية. { فلما أحسوا بأسنا } أي: أدركوا عذابنا الشديد إدراك المشاهد المحسوس { إذا هم منها } أي: من القرية { يركضون }: يهربون مدبرين راكضين دوابهم. فقيل لهم، بلسان الحال أو المقال من الملك، أو ممن حضرهم من المؤمنين، بطريق الاستهزاء والتوبيخ: { لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } من النعم والتلذذ { و } إلى { مساكنكم } التي كنتم تفتخرون بها، { لعلكم تسألون } تقصدون للسؤال، إذ كانوا أغنياء، أو للتشاور والتدبر في المهمات والنوازل، أو تسألون الفداء فتفتدوا من العذاب، أو تسألون عن قتل نبيكم وفيم قتلتموه. قيل: نزلت في أهل حاضورا قرية باليمن، وكان أهلها العرب، فبعث الله إليهم نبيا فكذبوه وقتلوه، فسلط الله تعالى عليهم بختنصر، فقتلهم وسباهم، فلما انهزموا وهربوا قالت لهم الملائكة: لا تركضوا، وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم استهزاء بهم، وأتبعهم بختنصر، فأخذتهم السيوف، ونادى مناد من السماء: يا لثارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم، فقالوا: { يا ويلنا } يا هلاكنا { إنا كنا ظالمين } مستوجبين العذاب. وهذا اعتراف منهم وندم حين لم ينفعهم ذلك. { فما زالت تلك دعواهم } أي: فما زالوا يرددون تلك الكلمة، ويدعون بها، ويقولون: يا ويلنا، { حتى جعلناهم حصيدا } أي: مثل الحصيد، وهو المحصود من الزرع والنبات، فهو فعيل بمعنى مفعول، فلذلك لم يجمع، كجريح وقتيل. وجعلناهم { خامدين } ميتين، من خمدت النار إذا طفئت. وهو، مع " حصيدا " ، في حيز المفعول الثاني لجعل، كقولك: جعلته حلوا حامضا، والمعنى: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود، أو حال من الضمير المنصوب في " جعلناهم " ، ولفظ الآية يقتضي العموم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكم من قرية من قرى القلوب قصمنا أهلها، أي: ما فيها من الشكوك والأوهام، كانت ظالمة بتلك الخواطر، فأخرجناهم منها، وأنشأنا بعدها أنوارا وأسرارا وعلوما آخرين. فلما حسوا بأسنا بورود الواردات الإلهية عليها، التي تأتي من حضرة القهار، إذا هم منها يركضون لأن الواردات الإلهية تأتي من حضرة القهار، لأجل ذلك لا تصادم شيئا من الظلمات إلا دمغته، فيقال لتلك الظلمات، التي هي الشكوك والأوهام: لا تركضوا، ولكن ارجعوا أنوارا، وانقلبوا واردات وأسرارا، وتنعموا في محلكم بشهود الحق، لعلكم تسألون، أي: تستفتون في الأمور، لأن القلب إذا صفا من الأكدار استفتى في العلوم، وفي الأمور التي تعرض، قالوا بلسان الحال - أي تلك الظلمات -: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بحجب صاحبنا عن الله، فما زالت تلك دعواهم حتى صاروا خامدين، هامدين، ساكنين تحت مجاري الأقدار، مطمئنين بالله الواحد القهار، وهذه إشارة دقيقة، لا يفهمها إلا دقيق الفهم غزير العلم. وبالله التوفيق. ثم ذكر أن إهلاك تلك القرى الظالمة كان لحكمة بليغة...
الأنبياء 21:13
قلت: { كم }: خبرية مفيدة للتكثير، ومحلها نصب، مفعول بقصمنا، و { من قرية }: تمييز، و { كانت... } الخ: صفة لقرية. يقول الحق جل جلاله: { وكم قصمنا من قرية } أي: كثيرا أهلكنا من أهل قرية { كانت ظالمة } بآيات الله تعالى، كافرين بها. وفي لفظ القصم - الذي هو عبارة عن الكسر بإبانة أجزاء المكسور وإزالتها بالكلية - من الدلالة على قوة الغضب والسخط ما لا يخفى. { وأنشأنا } أي: أحدثنا { بعدها } أي: بعد إهلاكها { قوما آخرين } ليسوا منهم نسبا ولا دينا، ففيه تنبيه على استئصالهم وقطع دابرهم بالكلية. { فلما أحسوا بأسنا } أي: أدركوا عذابنا الشديد إدراك المشاهد المحسوس { إذا هم منها } أي: من القرية { يركضون }: يهربون مدبرين راكضين دوابهم. فقيل لهم، بلسان الحال أو المقال من الملك، أو ممن حضرهم من المؤمنين، بطريق الاستهزاء والتوبيخ: { لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } من النعم والتلذذ { و } إلى { مساكنكم } التي كنتم تفتخرون بها، { لعلكم تسألون } تقصدون للسؤال، إذ كانوا أغنياء، أو للتشاور والتدبر في المهمات والنوازل، أو تسألون الفداء فتفتدوا من العذاب، أو تسألون عن قتل نبيكم وفيم قتلتموه. قيل: نزلت في أهل حاضورا قرية باليمن، وكان أهلها العرب، فبعث الله إليهم نبيا فكذبوه وقتلوه، فسلط الله تعالى عليهم بختنصر، فقتلهم وسباهم، فلما انهزموا وهربوا قالت لهم الملائكة: لا تركضوا، وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم استهزاء بهم، وأتبعهم بختنصر، فأخذتهم السيوف، ونادى مناد من السماء: يا لثارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم، فقالوا: { يا ويلنا } يا هلاكنا { إنا كنا ظالمين } مستوجبين العذاب. وهذا اعتراف منهم وندم حين لم ينفعهم ذلك. { فما زالت تلك دعواهم } أي: فما زالوا يرددون تلك الكلمة، ويدعون بها، ويقولون: يا ويلنا، { حتى جعلناهم حصيدا } أي: مثل الحصيد، وهو المحصود من الزرع والنبات، فهو فعيل بمعنى مفعول، فلذلك لم يجمع، كجريح وقتيل. وجعلناهم { خامدين } ميتين، من خمدت النار إذا طفئت. وهو، مع " حصيدا " ، في حيز المفعول الثاني لجعل، كقولك: جعلته حلوا حامضا، والمعنى: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود، أو حال من الضمير المنصوب في " جعلناهم " ، ولفظ الآية يقتضي العموم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكم من قرية من قرى القلوب قصمنا أهلها، أي: ما فيها من الشكوك والأوهام، كانت ظالمة بتلك الخواطر، فأخرجناهم منها، وأنشأنا بعدها أنوارا وأسرارا وعلوما آخرين. فلما حسوا بأسنا بورود الواردات الإلهية عليها، التي تأتي من حضرة القهار، إذا هم منها يركضون لأن الواردات الإلهية تأتي من حضرة القهار، لأجل ذلك لا تصادم شيئا من الظلمات إلا دمغته، فيقال لتلك الظلمات، التي هي الشكوك والأوهام: لا تركضوا، ولكن ارجعوا أنوارا، وانقلبوا واردات وأسرارا، وتنعموا في محلكم بشهود الحق، لعلكم تسألون، أي: تستفتون في الأمور، لأن القلب إذا صفا من الأكدار استفتى في العلوم، وفي الأمور التي تعرض، قالوا بلسان الحال - أي تلك الظلمات -: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بحجب صاحبنا عن الله، فما زالت تلك دعواهم حتى صاروا خامدين، هامدين، ساكنين تحت مجاري الأقدار، مطمئنين بالله الواحد القهار، وهذه إشارة دقيقة، لا يفهمها إلا دقيق الفهم غزير العلم. وبالله التوفيق. ثم ذكر أن إهلاك تلك القرى الظالمة كان لحكمة بليغة...
الأنبياء 21:14
قلت: { كم }: خبرية مفيدة للتكثير، ومحلها نصب، مفعول بقصمنا، و { من قرية }: تمييز، و { كانت... } الخ: صفة لقرية. يقول الحق جل جلاله: { وكم قصمنا من قرية } أي: كثيرا أهلكنا من أهل قرية { كانت ظالمة } بآيات الله تعالى، كافرين بها. وفي لفظ القصم - الذي هو عبارة عن الكسر بإبانة أجزاء المكسور وإزالتها بالكلية - من الدلالة على قوة الغضب والسخط ما لا يخفى. { وأنشأنا } أي: أحدثنا { بعدها } أي: بعد إهلاكها { قوما آخرين } ليسوا منهم نسبا ولا دينا، ففيه تنبيه على استئصالهم وقطع دابرهم بالكلية. { فلما أحسوا بأسنا } أي: أدركوا عذابنا الشديد إدراك المشاهد المحسوس { إذا هم منها } أي: من القرية { يركضون }: يهربون مدبرين راكضين دوابهم. فقيل لهم، بلسان الحال أو المقال من الملك، أو ممن حضرهم من المؤمنين، بطريق الاستهزاء والتوبيخ: { لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } من النعم والتلذذ { و } إلى { مساكنكم } التي كنتم تفتخرون بها، { لعلكم تسألون } تقصدون للسؤال، إذ كانوا أغنياء، أو للتشاور والتدبر في المهمات والنوازل، أو تسألون الفداء فتفتدوا من العذاب، أو تسألون عن قتل نبيكم وفيم قتلتموه. قيل: نزلت في أهل حاضورا قرية باليمن، وكان أهلها العرب، فبعث الله إليهم نبيا فكذبوه وقتلوه، فسلط الله تعالى عليهم بختنصر، فقتلهم وسباهم، فلما انهزموا وهربوا قالت لهم الملائكة: لا تركضوا، وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم استهزاء بهم، وأتبعهم بختنصر، فأخذتهم السيوف، ونادى مناد من السماء: يا لثارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم، فقالوا: { يا ويلنا } يا هلاكنا { إنا كنا ظالمين } مستوجبين العذاب. وهذا اعتراف منهم وندم حين لم ينفعهم ذلك. { فما زالت تلك دعواهم } أي: فما زالوا يرددون تلك الكلمة، ويدعون بها، ويقولون: يا ويلنا، { حتى جعلناهم حصيدا } أي: مثل الحصيد، وهو المحصود من الزرع والنبات، فهو فعيل بمعنى مفعول، فلذلك لم يجمع، كجريح وقتيل. وجعلناهم { خامدين } ميتين، من خمدت النار إذا طفئت. وهو، مع " حصيدا " ، في حيز المفعول الثاني لجعل، كقولك: جعلته حلوا حامضا، والمعنى: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود، أو حال من الضمير المنصوب في " جعلناهم " ، ولفظ الآية يقتضي العموم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكم من قرية من قرى القلوب قصمنا أهلها، أي: ما فيها من الشكوك والأوهام، كانت ظالمة بتلك الخواطر، فأخرجناهم منها، وأنشأنا بعدها أنوارا وأسرارا وعلوما آخرين. فلما حسوا بأسنا بورود الواردات الإلهية عليها، التي تأتي من حضرة القهار، إذا هم منها يركضون لأن الواردات الإلهية تأتي من حضرة القهار، لأجل ذلك لا تصادم شيئا من الظلمات إلا دمغته، فيقال لتلك الظلمات، التي هي الشكوك والأوهام: لا تركضوا، ولكن ارجعوا أنوارا، وانقلبوا واردات وأسرارا، وتنعموا في محلكم بشهود الحق، لعلكم تسألون، أي: تستفتون في الأمور، لأن القلب إذا صفا من الأكدار استفتى في العلوم، وفي الأمور التي تعرض، قالوا بلسان الحال - أي تلك الظلمات -: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بحجب صاحبنا عن الله، فما زالت تلك دعواهم حتى صاروا خامدين، هامدين، ساكنين تحت مجاري الأقدار، مطمئنين بالله الواحد القهار، وهذه إشارة دقيقة، لا يفهمها إلا دقيق الفهم غزير العلم. وبالله التوفيق. ثم ذكر أن إهلاك تلك القرى الظالمة كان لحكمة بليغة...
الأنبياء 21:15
قلت: { كم }: خبرية مفيدة للتكثير، ومحلها نصب، مفعول بقصمنا، و { من قرية }: تمييز، و { كانت... } الخ: صفة لقرية. يقول الحق جل جلاله: { وكم قصمنا من قرية } أي: كثيرا أهلكنا من أهل قرية { كانت ظالمة } بآيات الله تعالى، كافرين بها. وفي لفظ القصم - الذي هو عبارة عن الكسر بإبانة أجزاء المكسور وإزالتها بالكلية - من الدلالة على قوة الغضب والسخط ما لا يخفى. { وأنشأنا } أي: أحدثنا { بعدها } أي: بعد إهلاكها { قوما آخرين } ليسوا منهم نسبا ولا دينا، ففيه تنبيه على استئصالهم وقطع دابرهم بالكلية. { فلما أحسوا بأسنا } أي: أدركوا عذابنا الشديد إدراك المشاهد المحسوس { إذا هم منها } أي: من القرية { يركضون }: يهربون مدبرين راكضين دوابهم. فقيل لهم، بلسان الحال أو المقال من الملك، أو ممن حضرهم من المؤمنين، بطريق الاستهزاء والتوبيخ: { لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } من النعم والتلذذ { و } إلى { مساكنكم } التي كنتم تفتخرون بها، { لعلكم تسألون } تقصدون للسؤال، إذ كانوا أغنياء، أو للتشاور والتدبر في المهمات والنوازل، أو تسألون الفداء فتفتدوا من العذاب، أو تسألون عن قتل نبيكم وفيم قتلتموه. قيل: نزلت في أهل حاضورا قرية باليمن، وكان أهلها العرب، فبعث الله إليهم نبيا فكذبوه وقتلوه، فسلط الله تعالى عليهم بختنصر، فقتلهم وسباهم، فلما انهزموا وهربوا قالت لهم الملائكة: لا تركضوا، وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم استهزاء بهم، وأتبعهم بختنصر، فأخذتهم السيوف، ونادى مناد من السماء: يا لثارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم، فقالوا: { يا ويلنا } يا هلاكنا { إنا كنا ظالمين } مستوجبين العذاب. وهذا اعتراف منهم وندم حين لم ينفعهم ذلك. { فما زالت تلك دعواهم } أي: فما زالوا يرددون تلك الكلمة، ويدعون بها، ويقولون: يا ويلنا، { حتى جعلناهم حصيدا } أي: مثل الحصيد، وهو المحصود من الزرع والنبات، فهو فعيل بمعنى مفعول، فلذلك لم يجمع، كجريح وقتيل. وجعلناهم { خامدين } ميتين، من خمدت النار إذا طفئت. وهو، مع " حصيدا " ، في حيز المفعول الثاني لجعل، كقولك: جعلته حلوا حامضا، والمعنى: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود، أو حال من الضمير المنصوب في " جعلناهم " ، ولفظ الآية يقتضي العموم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكم من قرية من قرى القلوب قصمنا أهلها، أي: ما فيها من الشكوك والأوهام، كانت ظالمة بتلك الخواطر، فأخرجناهم منها، وأنشأنا بعدها أنوارا وأسرارا وعلوما آخرين. فلما حسوا بأسنا بورود الواردات الإلهية عليها، التي تأتي من حضرة القهار، إذا هم منها يركضون لأن الواردات الإلهية تأتي من حضرة القهار، لأجل ذلك لا تصادم شيئا من الظلمات إلا دمغته، فيقال لتلك الظلمات، التي هي الشكوك والأوهام: لا تركضوا، ولكن ارجعوا أنوارا، وانقلبوا واردات وأسرارا، وتنعموا في محلكم بشهود الحق، لعلكم تسألون، أي: تستفتون في الأمور، لأن القلب إذا صفا من الأكدار استفتى في العلوم، وفي الأمور التي تعرض، قالوا بلسان الحال - أي تلك الظلمات -: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بحجب صاحبنا عن الله، فما زالت تلك دعواهم حتى صاروا خامدين، هامدين، ساكنين تحت مجاري الأقدار، مطمئنين بالله الواحد القهار، وهذه إشارة دقيقة، لا يفهمها إلا دقيق الفهم غزير العلم. وبالله التوفيق. ثم ذكر أن إهلاك تلك القرى الظالمة كان لحكمة بليغة...
الأنبياء 21:16
قلت: { لاعبين }: حال من فاعل خلق، و " إن كنا ": شرط حذف جوابه، أي: إن كنا فاعلين اتخذناه من لدنا، وقيل: نافية. يقول الحق جل جلاله: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما } من المخلوقات التي لا تحصى أجناسها، ولا تعد أفرادها، ولا تحصر أنواعها وآحادها، على هذا النمط البديع والأسلوب الغريب، { لاعبين } خالية عن الحكم والمصالح، بل لحكم بديعة ومصالح عديدة، دينية تقضي بسعادة الأبد أو بشقاوته، ودنيوية لا تعد ولا تحصى، وهذا كقوله:
وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا
[ص: 27]، فالمراد من الآية: إشارة إجمالية إلى أن تكوين العالم، وإبداع بني آدم، مؤسس على قواعد الحكم البالغة، المستتبعة للغايات الجليلة، وتنبيه على أن ما حكي من العذاب الهائل، والعقاب النازل بأهل القرى، من مقتضيات تلك الحكم، ومتفرع عليها حسبما اقتضته أعمالهم. وإنما فعل ذلك عدلا منه، ومجازاة على أعمالهم، وأن المخاطبين المتقدمين - وهم قريش - على آثارهم لأن لهم ذنوبا مثل ذنوبهم. وإنما عبر عن نفي الحكمة باللعب، حيث قال: { لاعبين } لبيان كمال تنزهه تعالى عن الخلق الخالي عن الحكمة، بتصويره بصورة ما لا يرتاب أحد في استحالة صدوره منه سبحانه، وهو اللهو واللعب، بل إنما خلقناهما، وما بينهما لتكون مبدأ الوجود الإنساني وسببا لمعاشه، ودليلا يقوده إلى تحصيل معرفتنا، التي هي الغاية القصوى والسعادة العظمى. ثم قرر انتفاء اللعب واللهو عنه، فقال: { لو أردنا أن نتخذ لهوا } أي: ما يلهى به ويلعب، { لاتخذناه من لدنا } أي: من أنفسنا لعلمنا بحقائق الأشياء، واستغنائنا عن جلب المصالح ودرء المفاسد. والمعنى: لو أردنا أن نخلق شيئا، لا لتحصيل مصلحة لكم، ولا لدرء مفسدة عنكم، لفعلنا ذلك في أنفسنا بأن نخلق عوالم ومظاهر عارية عن الحكمة والمصلحة لأنا أحق منكم بالاستغناء عما يجلب المصلحة ويدرأ المفسدة، لكن من عادتنا ربط الأسباب بمسبباتها، وأنا لم نخلق شيئا عبثا، بل خلقنا كل نوع من النبات والحيوانات والجمادات لمصلحة ومنفعة، علمها، من علمها وجهلها من جهلها، فحصل من هذا نفي التحسين والتقبيح عقلا، بهذه الشرطية، وإثباته سمعا. أو: { لاتخذناه من لدنا } مما يليق بشأننا من المجردات، لا من الأجسام المرفوعة والأجرام الموضوعة، كعادة الجبابرة من رفع العروش وتحسينها، وتمهيد الفرش وتزيينها، لأغراض عراض، لكن يستحيل إرادتنا لذلك لمنافاته للحكمة الإلهية المنزهة عن الأغراض. ه. من أبي السعود، وأصله للزمخشري. وفيه تكلف. وسأل طاوس ومجاهد الحسن عن هذه الآية؟ فقال: اللهو: المرأة. وقال ابن عباس: " الولد ". ومعنى { لاتخذناه من لدنا }: بحيث لا يطلعون عليه، وما اتخذنا نساءا وولدا من أهل الأرض. نزلت في الذين قالوا: اتخذ الله ولدا.
وتكون الآية، حينئذ تتميما لما قبلها، أي: ليس اللعب واللهو من شأننا، إذ لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: حمل الآية على الزوجة غير مفيد، إلا أن يراد بذلك مجرد الرحمة والشفقة، مما يمكن عقلا، فيصح دخول النفي الشرعي عليه. انظر ابن عرفة، فقد جوز، عقلا، اتخاذه على معنى الرحمة. وكذا ابن عطية في آية الزمر. ومنع ذلك القشيري. قلت: وكأنه لما يشير إليه قوله تعالى:
هو الله الواحد القهار
[الزمر: 4]، فإن القهر لا يناسب التبني بوجه، وقد يقال: إنه مانع سمعي شرعي، لا عقلي، فلا يخالف ما قاله ابن عرفة ولا ابن عطية. وفيه نظر لأنه يؤدي إلى تعطيل اسمه القهار ونحوه، وهو محال، والله أعلم. ه. قلت: قد حمل النسفي الآية على الولد، فقال: { لو أردنا أن نتخذ لهوا } أي: ولدا، أو امرأة، رد على من قال عيسى ابنه، ومريم صاحبته، { لاتخذناه من لدنا } من الولدان أو الحور، { إن كنا فاعلين } أي: إن كنا ممن يفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا. ه. قلت: والذي تكلف الحمل الأول رأى أن حمله على الولد يقتضي جواز الاتخاذ عقلا وإنما منعه عدم الإرادة. وأجاب ابن عرفة: بأن يحمل الاتخاذ على معنى الرحمة، لا على حقيقة البنوة. قلت: من خاض بحار التوحيد الخاص وحاز مقام الجمع، لا يتوقف في مثل هذا إذ تجليات الحق لا تنحصر، لكن لم يوجد منها، ولم تتعلق إرادته إلا بما هو كمال في حقه تعالى في باب القدرة، وأما باب الحكمة، فهي رداء لمحل النقائص، فافهم، وأصحب أهل الجمع حتى يفهموك ما ذكرت لك، والسلام. ثم قال تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل } أي: نرمي بالحق، الذي هو الجد، على الباطل، الذي من جملته اللهو، وهو إضراب عن اتخاذ الولد، بل عن إرادته، كأنه قيل: لكنا لا نريده، بل شأننا أن نقذف بالحق على الباطل { فيدمغه }: فيمحقه بالكلية، كما فعلنا بأهل القرى المحكية وأمثالهم، وقد استعير، لإيراد الحق على الباطل، القذف، الذي هو الرمي الشديد، وللباطل الدمغ، الذي هو تشتيت الدماغ وتزهيق الروح، فكأن الباطل حيوان له دماغ، فإذا تشتت دماغه مات واضمحل، { فإذا هو زاهق } أي: فإذا الباطل ذاهب بالكلية، متلاش عن أصله. وفي { إذا } الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال السرعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى. ثم رد على أهل الباطل فقال: { ولكم الويل مما تصفون } أي: وقد استقر لكم الويل والهلاك من أجل ما تصفونه، سبحانه، بما لا يليق بشأنه الجليل، من الولد والزوجة، وغير ذلك مما هو باطل. وهو وعيد لقريش ومن دان دينهم، بأن لهم أيضا مثل ما لأولئك القرى المتقدمة من الهلاك، إن لم ينزجروا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما نصبت لك الكائنات لتراها كائنات، بل لتراها أنوارا وتجليات، الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فالغير والسوى عند أهل الحق باطل، والباطل لا يثبت مع الحق. قال تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق }. قال القشيري: ندخل نهار التحقيق على ليالي الأوهام، أي: فتمحى، وتبقى شمس الأحدية ساطعة. ه. وبالله التوفيق. ثم قرر وحدانيته تعالى في ملكه وملكوته
الأنبياء 21:17
قلت: { لاعبين }: حال من فاعل خلق، و " إن كنا ": شرط حذف جوابه، أي: إن كنا فاعلين اتخذناه من لدنا، وقيل: نافية. يقول الحق جل جلاله: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما } من المخلوقات التي لا تحصى أجناسها، ولا تعد أفرادها، ولا تحصر أنواعها وآحادها، على هذا النمط البديع والأسلوب الغريب، { لاعبين } خالية عن الحكم والمصالح، بل لحكم بديعة ومصالح عديدة، دينية تقضي بسعادة الأبد أو بشقاوته، ودنيوية لا تعد ولا تحصى، وهذا كقوله:
وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا
[ص: 27]، فالمراد من الآية: إشارة إجمالية إلى أن تكوين العالم، وإبداع بني آدم، مؤسس على قواعد الحكم البالغة، المستتبعة للغايات الجليلة، وتنبيه على أن ما حكي من العذاب الهائل، والعقاب النازل بأهل القرى، من مقتضيات تلك الحكم، ومتفرع عليها حسبما اقتضته أعمالهم. وإنما فعل ذلك عدلا منه، ومجازاة على أعمالهم، وأن المخاطبين المتقدمين - وهم قريش - على آثارهم لأن لهم ذنوبا مثل ذنوبهم. وإنما عبر عن نفي الحكمة باللعب، حيث قال: { لاعبين } لبيان كمال تنزهه تعالى عن الخلق الخالي عن الحكمة، بتصويره بصورة ما لا يرتاب أحد في استحالة صدوره منه سبحانه، وهو اللهو واللعب، بل إنما خلقناهما، وما بينهما لتكون مبدأ الوجود الإنساني وسببا لمعاشه، ودليلا يقوده إلى تحصيل معرفتنا، التي هي الغاية القصوى والسعادة العظمى. ثم قرر انتفاء اللعب واللهو عنه، فقال: { لو أردنا أن نتخذ لهوا } أي: ما يلهى به ويلعب، { لاتخذناه من لدنا } أي: من أنفسنا لعلمنا بحقائق الأشياء، واستغنائنا عن جلب المصالح ودرء المفاسد. والمعنى: لو أردنا أن نخلق شيئا، لا لتحصيل مصلحة لكم، ولا لدرء مفسدة عنكم، لفعلنا ذلك في أنفسنا بأن نخلق عوالم ومظاهر عارية عن الحكمة والمصلحة لأنا أحق منكم بالاستغناء عما يجلب المصلحة ويدرأ المفسدة، لكن من عادتنا ربط الأسباب بمسبباتها، وأنا لم نخلق شيئا عبثا، بل خلقنا كل نوع من النبات والحيوانات والجمادات لمصلحة ومنفعة، علمها، من علمها وجهلها من جهلها، فحصل من هذا نفي التحسين والتقبيح عقلا، بهذه الشرطية، وإثباته سمعا. أو: { لاتخذناه من لدنا } مما يليق بشأننا من المجردات، لا من الأجسام المرفوعة والأجرام الموضوعة، كعادة الجبابرة من رفع العروش وتحسينها، وتمهيد الفرش وتزيينها، لأغراض عراض، لكن يستحيل إرادتنا لذلك لمنافاته للحكمة الإلهية المنزهة عن الأغراض. ه. من أبي السعود، وأصله للزمخشري. وفيه تكلف. وسأل طاوس ومجاهد الحسن عن هذه الآية؟ فقال: اللهو: المرأة. وقال ابن عباس: " الولد ". ومعنى { لاتخذناه من لدنا }: بحيث لا يطلعون عليه، وما اتخذنا نساءا وولدا من أهل الأرض. نزلت في الذين قالوا: اتخذ الله ولدا.
وتكون الآية، حينئذ تتميما لما قبلها، أي: ليس اللعب واللهو من شأننا، إذ لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: حمل الآية على الزوجة غير مفيد، إلا أن يراد بذلك مجرد الرحمة والشفقة، مما يمكن عقلا، فيصح دخول النفي الشرعي عليه. انظر ابن عرفة، فقد جوز، عقلا، اتخاذه على معنى الرحمة. وكذا ابن عطية في آية الزمر. ومنع ذلك القشيري. قلت: وكأنه لما يشير إليه قوله تعالى:
هو الله الواحد القهار
[الزمر: 4]، فإن القهر لا يناسب التبني بوجه، وقد يقال: إنه مانع سمعي شرعي، لا عقلي، فلا يخالف ما قاله ابن عرفة ولا ابن عطية. وفيه نظر لأنه يؤدي إلى تعطيل اسمه القهار ونحوه، وهو محال، والله أعلم. ه. قلت: قد حمل النسفي الآية على الولد، فقال: { لو أردنا أن نتخذ لهوا } أي: ولدا، أو امرأة، رد على من قال عيسى ابنه، ومريم صاحبته، { لاتخذناه من لدنا } من الولدان أو الحور، { إن كنا فاعلين } أي: إن كنا ممن يفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا. ه. قلت: والذي تكلف الحمل الأول رأى أن حمله على الولد يقتضي جواز الاتخاذ عقلا وإنما منعه عدم الإرادة. وأجاب ابن عرفة: بأن يحمل الاتخاذ على معنى الرحمة، لا على حقيقة البنوة. قلت: من خاض بحار التوحيد الخاص وحاز مقام الجمع، لا يتوقف في مثل هذا إذ تجليات الحق لا تنحصر، لكن لم يوجد منها، ولم تتعلق إرادته إلا بما هو كمال في حقه تعالى في باب القدرة، وأما باب الحكمة، فهي رداء لمحل النقائص، فافهم، وأصحب أهل الجمع حتى يفهموك ما ذكرت لك، والسلام. ثم قال تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل } أي: نرمي بالحق، الذي هو الجد، على الباطل، الذي من جملته اللهو، وهو إضراب عن اتخاذ الولد، بل عن إرادته، كأنه قيل: لكنا لا نريده، بل شأننا أن نقذف بالحق على الباطل { فيدمغه }: فيمحقه بالكلية، كما فعلنا بأهل القرى المحكية وأمثالهم، وقد استعير، لإيراد الحق على الباطل، القذف، الذي هو الرمي الشديد، وللباطل الدمغ، الذي هو تشتيت الدماغ وتزهيق الروح، فكأن الباطل حيوان له دماغ، فإذا تشتت دماغه مات واضمحل، { فإذا هو زاهق } أي: فإذا الباطل ذاهب بالكلية، متلاش عن أصله. وفي { إذا } الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال السرعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى. ثم رد على أهل الباطل فقال: { ولكم الويل مما تصفون } أي: وقد استقر لكم الويل والهلاك من أجل ما تصفونه، سبحانه، بما لا يليق بشأنه الجليل، من الولد والزوجة، وغير ذلك مما هو باطل. وهو وعيد لقريش ومن دان دينهم، بأن لهم أيضا مثل ما لأولئك القرى المتقدمة من الهلاك، إن لم ينزجروا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما نصبت لك الكائنات لتراها كائنات، بل لتراها أنوارا وتجليات، الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فالغير والسوى عند أهل الحق باطل، والباطل لا يثبت مع الحق. قال تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق }. قال القشيري: ندخل نهار التحقيق على ليالي الأوهام، أي: فتمحى، وتبقى شمس الأحدية ساطعة. ه. وبالله التوفيق. ثم قرر وحدانيته تعالى في ملكه وملكوته
الأنبياء 21:18
قلت: { لاعبين }: حال من فاعل خلق، و " إن كنا ": شرط حذف جوابه، أي: إن كنا فاعلين اتخذناه من لدنا، وقيل: نافية. يقول الحق جل جلاله: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما } من المخلوقات التي لا تحصى أجناسها، ولا تعد أفرادها، ولا تحصر أنواعها وآحادها، على هذا النمط البديع والأسلوب الغريب، { لاعبين } خالية عن الحكم والمصالح، بل لحكم بديعة ومصالح عديدة، دينية تقضي بسعادة الأبد أو بشقاوته، ودنيوية لا تعد ولا تحصى، وهذا كقوله:
وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا
[ص: 27]، فالمراد من الآية: إشارة إجمالية إلى أن تكوين العالم، وإبداع بني آدم، مؤسس على قواعد الحكم البالغة، المستتبعة للغايات الجليلة، وتنبيه على أن ما حكي من العذاب الهائل، والعقاب النازل بأهل القرى، من مقتضيات تلك الحكم، ومتفرع عليها حسبما اقتضته أعمالهم. وإنما فعل ذلك عدلا منه، ومجازاة على أعمالهم، وأن المخاطبين المتقدمين - وهم قريش - على آثارهم لأن لهم ذنوبا مثل ذنوبهم. وإنما عبر عن نفي الحكمة باللعب، حيث قال: { لاعبين } لبيان كمال تنزهه تعالى عن الخلق الخالي عن الحكمة، بتصويره بصورة ما لا يرتاب أحد في استحالة صدوره منه سبحانه، وهو اللهو واللعب، بل إنما خلقناهما، وما بينهما لتكون مبدأ الوجود الإنساني وسببا لمعاشه، ودليلا يقوده إلى تحصيل معرفتنا، التي هي الغاية القصوى والسعادة العظمى. ثم قرر انتفاء اللعب واللهو عنه، فقال: { لو أردنا أن نتخذ لهوا } أي: ما يلهى به ويلعب، { لاتخذناه من لدنا } أي: من أنفسنا لعلمنا بحقائق الأشياء، واستغنائنا عن جلب المصالح ودرء المفاسد. والمعنى: لو أردنا أن نخلق شيئا، لا لتحصيل مصلحة لكم، ولا لدرء مفسدة عنكم، لفعلنا ذلك في أنفسنا بأن نخلق عوالم ومظاهر عارية عن الحكمة والمصلحة لأنا أحق منكم بالاستغناء عما يجلب المصلحة ويدرأ المفسدة، لكن من عادتنا ربط الأسباب بمسبباتها، وأنا لم نخلق شيئا عبثا، بل خلقنا كل نوع من النبات والحيوانات والجمادات لمصلحة ومنفعة، علمها، من علمها وجهلها من جهلها، فحصل من هذا نفي التحسين والتقبيح عقلا، بهذه الشرطية، وإثباته سمعا. أو: { لاتخذناه من لدنا } مما يليق بشأننا من المجردات، لا من الأجسام المرفوعة والأجرام الموضوعة، كعادة الجبابرة من رفع العروش وتحسينها، وتمهيد الفرش وتزيينها، لأغراض عراض، لكن يستحيل إرادتنا لذلك لمنافاته للحكمة الإلهية المنزهة عن الأغراض. ه. من أبي السعود، وأصله للزمخشري. وفيه تكلف. وسأل طاوس ومجاهد الحسن عن هذه الآية؟ فقال: اللهو: المرأة. وقال ابن عباس: " الولد ". ومعنى { لاتخذناه من لدنا }: بحيث لا يطلعون عليه، وما اتخذنا نساءا وولدا من أهل الأرض. نزلت في الذين قالوا: اتخذ الله ولدا.
وتكون الآية، حينئذ تتميما لما قبلها، أي: ليس اللعب واللهو من شأننا، إذ لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: حمل الآية على الزوجة غير مفيد، إلا أن يراد بذلك مجرد الرحمة والشفقة، مما يمكن عقلا، فيصح دخول النفي الشرعي عليه. انظر ابن عرفة، فقد جوز، عقلا، اتخاذه على معنى الرحمة. وكذا ابن عطية في آية الزمر. ومنع ذلك القشيري. قلت: وكأنه لما يشير إليه قوله تعالى:
هو الله الواحد القهار
[الزمر: 4]، فإن القهر لا يناسب التبني بوجه، وقد يقال: إنه مانع سمعي شرعي، لا عقلي، فلا يخالف ما قاله ابن عرفة ولا ابن عطية. وفيه نظر لأنه يؤدي إلى تعطيل اسمه القهار ونحوه، وهو محال، والله أعلم. ه. قلت: قد حمل النسفي الآية على الولد، فقال: { لو أردنا أن نتخذ لهوا } أي: ولدا، أو امرأة، رد على من قال عيسى ابنه، ومريم صاحبته، { لاتخذناه من لدنا } من الولدان أو الحور، { إن كنا فاعلين } أي: إن كنا ممن يفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا. ه. قلت: والذي تكلف الحمل الأول رأى أن حمله على الولد يقتضي جواز الاتخاذ عقلا وإنما منعه عدم الإرادة. وأجاب ابن عرفة: بأن يحمل الاتخاذ على معنى الرحمة، لا على حقيقة البنوة. قلت: من خاض بحار التوحيد الخاص وحاز مقام الجمع، لا يتوقف في مثل هذا إذ تجليات الحق لا تنحصر، لكن لم يوجد منها، ولم تتعلق إرادته إلا بما هو كمال في حقه تعالى في باب القدرة، وأما باب الحكمة، فهي رداء لمحل النقائص، فافهم، وأصحب أهل الجمع حتى يفهموك ما ذكرت لك، والسلام. ثم قال تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل } أي: نرمي بالحق، الذي هو الجد، على الباطل، الذي من جملته اللهو، وهو إضراب عن اتخاذ الولد، بل عن إرادته، كأنه قيل: لكنا لا نريده، بل شأننا أن نقذف بالحق على الباطل { فيدمغه }: فيمحقه بالكلية، كما فعلنا بأهل القرى المحكية وأمثالهم، وقد استعير، لإيراد الحق على الباطل، القذف، الذي هو الرمي الشديد، وللباطل الدمغ، الذي هو تشتيت الدماغ وتزهيق الروح، فكأن الباطل حيوان له دماغ، فإذا تشتت دماغه مات واضمحل، { فإذا هو زاهق } أي: فإذا الباطل ذاهب بالكلية، متلاش عن أصله. وفي { إذا } الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال السرعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى. ثم رد على أهل الباطل فقال: { ولكم الويل مما تصفون } أي: وقد استقر لكم الويل والهلاك من أجل ما تصفونه، سبحانه، بما لا يليق بشأنه الجليل، من الولد والزوجة، وغير ذلك مما هو باطل. وهو وعيد لقريش ومن دان دينهم، بأن لهم أيضا مثل ما لأولئك القرى المتقدمة من الهلاك، إن لم ينزجروا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما نصبت لك الكائنات لتراها كائنات، بل لتراها أنوارا وتجليات، الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فالغير والسوى عند أهل الحق باطل، والباطل لا يثبت مع الحق. قال تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق }. قال القشيري: ندخل نهار التحقيق على ليالي الأوهام، أي: فتمحى، وتبقى شمس الأحدية ساطعة. ه. وبالله التوفيق. ثم قرر وحدانيته تعالى في ملكه وملكوته
الأنبياء 21:19
يقول الحق جل جلاله: { وله من في السماوات والأرض } أي له جميع المخلوقات، خلقا وملكا، وتدبيرا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل، لا استقلالا ولا استتباعا، ولا فرق بين أهل العالم العلوي والسفلي، { ومن عنده } وهم الملائكة - عليهم السلام - عبر عنهم بذلك إثر ما عبر عنهم بمن في السماوات تنزيلا لهم - لكرامتهم عليه، وزلفاهم عنده - منزلة المقربين عند الملك، وهو مبتدأ وخبره: { لا يستكبرون عن عبادته } أي: لا يتعاظمون عنها، ولا يعدون أنفسهم كبراء، { ولا يستحسرون } أي: لا يكلون ولا يعيون، { يسبحون الليل والنهار } أي: ينزهونه في جميع الأوقات، ويعظمونه ويمجدونه دائما. وهو استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا يصنعون في عبادتهم، أو كيف يعبدون؟ فقال: يسبحون.. الخ. { لا يفترون } أي: لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا، ولا شغل آخر. ولما برهن على وحدانيته تعالى في ملكه بأنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة، وأنهم قاطبة تحت ملكه وقهره، وأن عباده مذعنون لطاعته، ومثابرون على عبادته، ومنزهون له عن كل ما لا يليق بشأنه، أنكر على من أشرك معه بعد هذا البيان، فقال: { أم اتخذوا آلهة } يعبدونها { من الأرض } أي: اتخذوها من جنس الأرض، أحجارا وخشبا، { هم ينشرون } أي: يبعثون الموتى. وهذا هو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع لا محالة، أي: بل اتخذوا آلهة من الأرض، هم مع حقارتهم، ينشرون الموتى، كلا... فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك، وهم، وإن لم يقولوا بذلك صريحا، لكنهم حيث ادعوا لها الألوهية، فكأنهم ادعوا لها الإنشار، ضرورة لأنه من خصائص الإلهية، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير في: { هم ينشرون }: التنبيه على كمال مباينة حالهم للإنشار، الموجبة لمزيد الإنكار، كما في قوله تعالى:
أفي الله شك
[إبراهيم: 10]. وفي قوله تعالى:
أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون
[التوبة: 65]، فإن تقديم الجار والمجرور للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه ويستهزأ به. ثم أبطل الاشتراك في الألوهية، فقال: { لو كان فيهما آلهة إلا الله } أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله، كما هو اعتقادهم الباطل، { لفسدتا } أي: لفسد نظامهما بما فيهما، لوجود التمانع، كعادة الملوك، أو لبطلتا بما فيهما، ولم يوجد شيء منهما للزوم العجز لهما، بيان ذلك: أن الألوهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق، تغييرا وبديلا، وإيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، فبقاؤهما على ما هما عليه من غير فساد، إما بتأثير كل منها، وهو محال لاستحالة وقوع الأثر الواحد بين مؤثرين، وإما بتأثير واحد منها، فالباقي بمعزل عن الإلهية، والمسألة مقررة في علم الكلام.
و { إلا }: صفة لآلهة، كما يوصف بغير، ولما كانت حرفا، ظهر إعرابها في اسم الجلالة، ولا يصح رفعه على البدل لعدم وجود النفي. ثم قال تعالى: { فسبحان الله } أي: فسبحوا سبحان الله اللائق به، وننزهوه عما لا يليق به من الأمور، التي من جملتها: أن يكون له شريك في الألوهية. وإيراد الجلالة في موضع الإضمار، حيث لم يقل فسبحانه للإشعار بعلية الحكم، فإن الألوهية مناط لجميع صفات كماله، التي من جملتها: تنزهه تعالى عما لا يليق به، ولتربية المهابة وإدخال الروعة. ثم وصفه بقوله: { رب العرش } ، وخصه بالذكر، مع كونه رب كل شيء لعظم شأنه لأن الأكوان في جوفه كلا شيء، أي: تنزيها له عما يصفونه عن أن يكون من دونه آلهة. ثم بين قوة عظمته وعز سلطانه القاهر، فقال: { لا يسأل عما يفعل } أي: لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يناقشه أو يسأله عما يفعل هيبة وإجلالا، { وهم يسألون } أي: وعباده يسألون عما يفعلون، نقيرا وقطميرا لأنهم مملوكون له تعالى، مستعبدون، ففيه وعيد للكفرة، فالآية تتميم لقوله: { لاعبين } ، بل خلقنا الأشياء كلها لحكمة، فمنها ما أدركتم حكمته، ومنها ما غاب عنكم، فكلوا أمره إلى الله، ولا تسألوه عما يفعل، فإنه لا يسأل عن فعله، وأنتم تسألون. ثم قال تعالى: { أم اتخذوا من دونه آلهة } ، هو إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة بإظهار خلوها من خصائص الألوهية، التي من جملتها إنشار الموتى، وإقامة البرهان القاطع على استحالة تعدد الإله، إلى إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة، مع عرائها عن تلك الخصائص، وتبكيتهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة. والهمزة: لإنكار ما اتخذوه واستقباحه، أي: بل اتخذوا من دونه - أي: متجاوزين إياه تعالى، مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية - آلهة، مع ظهور خلوهم عن خصوص الإلهية بالكلية. { قل } لهم، بطريق التبكيت: { هاتوا برهانكم } على ما تدعونه، من جهة العقل والنقل فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في الأمور الدينية، لا سيما في هذا الأمر الخطير، فإن بهتوا فقل لهم: { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } أي: بهذا نطقت الكتب السماوية قاطبة، وشهدت به سنة الرسل المتقدمة كافة. فهذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع { ذكر من معي } من أمتي، أي: عظتهم، { وذكر من قبلي } من الأمم السالفة، أي: بهذا أمرنا ربنا ووعظنا، وبه أمر من قبلنا، يعني: انفراده سبحانه بالألوهية واختصاصه بها. وقيل: المعنى: هذا كتاب أنزل على أمتي، وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء - عليهم السلام - قبلي، فانظروا: هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيت لهم.
{ بل أكثرهم لا يعلمون الحق } أي: لا يفهمونه، ولا يميزون بينه وبين الباطل، فهو إضراب وانتقال من تبكيتهم بمطالبة البرهان، إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المحاججة لجهلهم وعنادهم، ولذلك قال: { فهم معرضون } أي: فهم لأجل جهلهم وعتوهم مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال، وإن كررت عليهم البينات والحجج. أو معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية لانهماكهم. { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } ، هذا مقرر لما قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية، وأجمعت عليه الرسل - عليهم السلام - قاطبة. وصيغة المضارع في يوحى لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورة الوحي العجيبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ، العندية، هنا، عندية اصطفاء وتقريب، وهذه صفة العارفين المقربين، لا يستكبرون عن عبادته، بل خاضعون لجلاله وقهريته على الدوام، ولا يستحسرون: لا يملون منها ولا يشبعون، غير أنهم يتلونون فيها من عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب كالتفكر والاعتبار، إلى عبادة الأرواح كالشهود والاستبصار، إلى عبادة الأسرار كالعكوف في حضرة الكريم الغفار، ينزهون الله تعالى في جميع الأوقات، لا يفترون عن تسبيحه بالمقال أو الحال. وقوله تعالى: { أم اتخذوا آلهة... } الخ، تصدق على من مال بقلبه إلى محبة الأكوان، أو ركن إلى الحظوظ والشهوات، وقوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ، اعلم أن ثلاثة اشياء إذا تعدد مدبرها فسد نظامها أولها: الألوهية، فلو تعددت لفسد نظام العالم، وثانيها: السلطنة، إذا تعددت في قطر واحد فسدت الرعية، وثالثها: الشيخوخة، إذا تعددت على مريد واحد فسدت ترتبيته، كالطبيب إذا تعدد على مريض واحد فسد علاجه. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } قال الكواشي: يعني: لا يسأل عن فعله وحكمه لأنه الرب، وهم يسألون لأنهم عبيده. وبعض الناس يقول: هذه آية الدبوس. قلت: وقد تقلب السين زايا، ومعناها: أن كل ما تحكم به القدرة يجب حنو الرأس له، من غير تردد ولا سؤال. ثم قال: ولو نظر النظر الصحيح لرآها أنصف آية في كتاب الله تعالى وذلك لأنه جمع فيها بين صفة الربوبية وصفة العبودية. ه. وقوله: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا } يعني: أن التوحيد مما أجمعت عليه الرسل والكتب السماوية. والفناء فيه على ثلاثة أقسام: فناء في توحيد الأفعال، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله، ويغيب عن الوسائط والأسباب، وفناء في توحيد الصفات، وهو أن يرى ألا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم إلا الله، وفناء في توحيد الذات، وهو أن يرى ألا موجود إلا الله، ذوقا ووجدا وعقدا. كما قال صاحب العينية:
هو الموجد الأشياء وهو وجودها وعين ذوات الكل وهو الجوامع
وقد أشار بعضهم إلى هذه الفناءات، فقال:
فيفنى ثم يفنى ثم يفنى فكان فناؤه عين البقاء
وهنا - أي: في مقام الفناء والبقاء - انتهت أقدام السائرين، ورسخت أسرار العارفين، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين، جعلنا الله من حزبهم. آمين. ثم انكر على من ادعى الولد له
الأنبياء 21:20
يقول الحق جل جلاله: { وله من في السماوات والأرض } أي له جميع المخلوقات، خلقا وملكا، وتدبيرا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل، لا استقلالا ولا استتباعا، ولا فرق بين أهل العالم العلوي والسفلي، { ومن عنده } وهم الملائكة - عليهم السلام - عبر عنهم بذلك إثر ما عبر عنهم بمن في السماوات تنزيلا لهم - لكرامتهم عليه، وزلفاهم عنده - منزلة المقربين عند الملك، وهو مبتدأ وخبره: { لا يستكبرون عن عبادته } أي: لا يتعاظمون عنها، ولا يعدون أنفسهم كبراء، { ولا يستحسرون } أي: لا يكلون ولا يعيون، { يسبحون الليل والنهار } أي: ينزهونه في جميع الأوقات، ويعظمونه ويمجدونه دائما. وهو استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا يصنعون في عبادتهم، أو كيف يعبدون؟ فقال: يسبحون.. الخ. { لا يفترون } أي: لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا، ولا شغل آخر. ولما برهن على وحدانيته تعالى في ملكه بأنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة، وأنهم قاطبة تحت ملكه وقهره، وأن عباده مذعنون لطاعته، ومثابرون على عبادته، ومنزهون له عن كل ما لا يليق بشأنه، أنكر على من أشرك معه بعد هذا البيان، فقال: { أم اتخذوا آلهة } يعبدونها { من الأرض } أي: اتخذوها من جنس الأرض، أحجارا وخشبا، { هم ينشرون } أي: يبعثون الموتى. وهذا هو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع لا محالة، أي: بل اتخذوا آلهة من الأرض، هم مع حقارتهم، ينشرون الموتى، كلا... فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك، وهم، وإن لم يقولوا بذلك صريحا، لكنهم حيث ادعوا لها الألوهية، فكأنهم ادعوا لها الإنشار، ضرورة لأنه من خصائص الإلهية، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير في: { هم ينشرون }: التنبيه على كمال مباينة حالهم للإنشار، الموجبة لمزيد الإنكار، كما في قوله تعالى:
أفي الله شك
[إبراهيم: 10]. وفي قوله تعالى:
أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون
[التوبة: 65]، فإن تقديم الجار والمجرور للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه ويستهزأ به. ثم أبطل الاشتراك في الألوهية، فقال: { لو كان فيهما آلهة إلا الله } أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله، كما هو اعتقادهم الباطل، { لفسدتا } أي: لفسد نظامهما بما فيهما، لوجود التمانع، كعادة الملوك، أو لبطلتا بما فيهما، ولم يوجد شيء منهما للزوم العجز لهما، بيان ذلك: أن الألوهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق، تغييرا وبديلا، وإيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، فبقاؤهما على ما هما عليه من غير فساد، إما بتأثير كل منها، وهو محال لاستحالة وقوع الأثر الواحد بين مؤثرين، وإما بتأثير واحد منها، فالباقي بمعزل عن الإلهية، والمسألة مقررة في علم الكلام.
و { إلا }: صفة لآلهة، كما يوصف بغير، ولما كانت حرفا، ظهر إعرابها في اسم الجلالة، ولا يصح رفعه على البدل لعدم وجود النفي. ثم قال تعالى: { فسبحان الله } أي: فسبحوا سبحان الله اللائق به، وننزهوه عما لا يليق به من الأمور، التي من جملتها: أن يكون له شريك في الألوهية. وإيراد الجلالة في موضع الإضمار، حيث لم يقل فسبحانه للإشعار بعلية الحكم، فإن الألوهية مناط لجميع صفات كماله، التي من جملتها: تنزهه تعالى عما لا يليق به، ولتربية المهابة وإدخال الروعة. ثم وصفه بقوله: { رب العرش } ، وخصه بالذكر، مع كونه رب كل شيء لعظم شأنه لأن الأكوان في جوفه كلا شيء، أي: تنزيها له عما يصفونه عن أن يكون من دونه آلهة. ثم بين قوة عظمته وعز سلطانه القاهر، فقال: { لا يسأل عما يفعل } أي: لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يناقشه أو يسأله عما يفعل هيبة وإجلالا، { وهم يسألون } أي: وعباده يسألون عما يفعلون، نقيرا وقطميرا لأنهم مملوكون له تعالى، مستعبدون، ففيه وعيد للكفرة، فالآية تتميم لقوله: { لاعبين } ، بل خلقنا الأشياء كلها لحكمة، فمنها ما أدركتم حكمته، ومنها ما غاب عنكم، فكلوا أمره إلى الله، ولا تسألوه عما يفعل، فإنه لا يسأل عن فعله، وأنتم تسألون. ثم قال تعالى: { أم اتخذوا من دونه آلهة } ، هو إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة بإظهار خلوها من خصائص الألوهية، التي من جملتها إنشار الموتى، وإقامة البرهان القاطع على استحالة تعدد الإله، إلى إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة، مع عرائها عن تلك الخصائص، وتبكيتهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة. والهمزة: لإنكار ما اتخذوه واستقباحه، أي: بل اتخذوا من دونه - أي: متجاوزين إياه تعالى، مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية - آلهة، مع ظهور خلوهم عن خصوص الإلهية بالكلية. { قل } لهم، بطريق التبكيت: { هاتوا برهانكم } على ما تدعونه، من جهة العقل والنقل فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في الأمور الدينية، لا سيما في هذا الأمر الخطير، فإن بهتوا فقل لهم: { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } أي: بهذا نطقت الكتب السماوية قاطبة، وشهدت به سنة الرسل المتقدمة كافة. فهذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع { ذكر من معي } من أمتي، أي: عظتهم، { وذكر من قبلي } من الأمم السالفة، أي: بهذا أمرنا ربنا ووعظنا، وبه أمر من قبلنا، يعني: انفراده سبحانه بالألوهية واختصاصه بها. وقيل: المعنى: هذا كتاب أنزل على أمتي، وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء - عليهم السلام - قبلي، فانظروا: هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيت لهم.
{ بل أكثرهم لا يعلمون الحق } أي: لا يفهمونه، ولا يميزون بينه وبين الباطل، فهو إضراب وانتقال من تبكيتهم بمطالبة البرهان، إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المحاججة لجهلهم وعنادهم، ولذلك قال: { فهم معرضون } أي: فهم لأجل جهلهم وعتوهم مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال، وإن كررت عليهم البينات والحجج. أو معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية لانهماكهم. { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } ، هذا مقرر لما قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية، وأجمعت عليه الرسل - عليهم السلام - قاطبة. وصيغة المضارع في يوحى لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورة الوحي العجيبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ، العندية، هنا، عندية اصطفاء وتقريب، وهذه صفة العارفين المقربين، لا يستكبرون عن عبادته، بل خاضعون لجلاله وقهريته على الدوام، ولا يستحسرون: لا يملون منها ولا يشبعون، غير أنهم يتلونون فيها من عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب كالتفكر والاعتبار، إلى عبادة الأرواح كالشهود والاستبصار، إلى عبادة الأسرار كالعكوف في حضرة الكريم الغفار، ينزهون الله تعالى في جميع الأوقات، لا يفترون عن تسبيحه بالمقال أو الحال. وقوله تعالى: { أم اتخذوا آلهة... } الخ، تصدق على من مال بقلبه إلى محبة الأكوان، أو ركن إلى الحظوظ والشهوات، وقوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ، اعلم أن ثلاثة اشياء إذا تعدد مدبرها فسد نظامها أولها: الألوهية، فلو تعددت لفسد نظام العالم، وثانيها: السلطنة، إذا تعددت في قطر واحد فسدت الرعية، وثالثها: الشيخوخة، إذا تعددت على مريد واحد فسدت ترتبيته، كالطبيب إذا تعدد على مريض واحد فسد علاجه. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } قال الكواشي: يعني: لا يسأل عن فعله وحكمه لأنه الرب، وهم يسألون لأنهم عبيده. وبعض الناس يقول: هذه آية الدبوس. قلت: وقد تقلب السين زايا، ومعناها: أن كل ما تحكم به القدرة يجب حنو الرأس له، من غير تردد ولا سؤال. ثم قال: ولو نظر النظر الصحيح لرآها أنصف آية في كتاب الله تعالى وذلك لأنه جمع فيها بين صفة الربوبية وصفة العبودية. ه. وقوله: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا } يعني: أن التوحيد مما أجمعت عليه الرسل والكتب السماوية. والفناء فيه على ثلاثة أقسام: فناء في توحيد الأفعال، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله، ويغيب عن الوسائط والأسباب، وفناء في توحيد الصفات، وهو أن يرى ألا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم إلا الله، وفناء في توحيد الذات، وهو أن يرى ألا موجود إلا الله، ذوقا ووجدا وعقدا. كما قال صاحب العينية:
هو الموجد الأشياء وهو وجودها وعين ذوات الكل وهو الجوامع
وقد أشار بعضهم إلى هذه الفناءات، فقال:
فيفنى ثم يفنى ثم يفنى فكان فناؤه عين البقاء
وهنا - أي: في مقام الفناء والبقاء - انتهت أقدام السائرين، ورسخت أسرار العارفين، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين، جعلنا الله من حزبهم. آمين. ثم انكر على من ادعى الولد له
الأنبياء 21:21
يقول الحق جل جلاله: { وله من في السماوات والأرض } أي له جميع المخلوقات، خلقا وملكا، وتدبيرا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل، لا استقلالا ولا استتباعا، ولا فرق بين أهل العالم العلوي والسفلي، { ومن عنده } وهم الملائكة - عليهم السلام - عبر عنهم بذلك إثر ما عبر عنهم بمن في السماوات تنزيلا لهم - لكرامتهم عليه، وزلفاهم عنده - منزلة المقربين عند الملك، وهو مبتدأ وخبره: { لا يستكبرون عن عبادته } أي: لا يتعاظمون عنها، ولا يعدون أنفسهم كبراء، { ولا يستحسرون } أي: لا يكلون ولا يعيون، { يسبحون الليل والنهار } أي: ينزهونه في جميع الأوقات، ويعظمونه ويمجدونه دائما. وهو استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا يصنعون في عبادتهم، أو كيف يعبدون؟ فقال: يسبحون.. الخ. { لا يفترون } أي: لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا، ولا شغل آخر. ولما برهن على وحدانيته تعالى في ملكه بأنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة، وأنهم قاطبة تحت ملكه وقهره، وأن عباده مذعنون لطاعته، ومثابرون على عبادته، ومنزهون له عن كل ما لا يليق بشأنه، أنكر على من أشرك معه بعد هذا البيان، فقال: { أم اتخذوا آلهة } يعبدونها { من الأرض } أي: اتخذوها من جنس الأرض، أحجارا وخشبا، { هم ينشرون } أي: يبعثون الموتى. وهذا هو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع لا محالة، أي: بل اتخذوا آلهة من الأرض، هم مع حقارتهم، ينشرون الموتى، كلا... فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك، وهم، وإن لم يقولوا بذلك صريحا، لكنهم حيث ادعوا لها الألوهية، فكأنهم ادعوا لها الإنشار، ضرورة لأنه من خصائص الإلهية، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير في: { هم ينشرون }: التنبيه على كمال مباينة حالهم للإنشار، الموجبة لمزيد الإنكار، كما في قوله تعالى:
أفي الله شك
[إبراهيم: 10]. وفي قوله تعالى:
أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون
[التوبة: 65]، فإن تقديم الجار والمجرور للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه ويستهزأ به. ثم أبطل الاشتراك في الألوهية، فقال: { لو كان فيهما آلهة إلا الله } أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله، كما هو اعتقادهم الباطل، { لفسدتا } أي: لفسد نظامهما بما فيهما، لوجود التمانع، كعادة الملوك، أو لبطلتا بما فيهما، ولم يوجد شيء منهما للزوم العجز لهما، بيان ذلك: أن الألوهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق، تغييرا وبديلا، وإيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، فبقاؤهما على ما هما عليه من غير فساد، إما بتأثير كل منها، وهو محال لاستحالة وقوع الأثر الواحد بين مؤثرين، وإما بتأثير واحد منها، فالباقي بمعزل عن الإلهية، والمسألة مقررة في علم الكلام.
و { إلا }: صفة لآلهة، كما يوصف بغير، ولما كانت حرفا، ظهر إعرابها في اسم الجلالة، ولا يصح رفعه على البدل لعدم وجود النفي. ثم قال تعالى: { فسبحان الله } أي: فسبحوا سبحان الله اللائق به، وننزهوه عما لا يليق به من الأمور، التي من جملتها: أن يكون له شريك في الألوهية. وإيراد الجلالة في موضع الإضمار، حيث لم يقل فسبحانه للإشعار بعلية الحكم، فإن الألوهية مناط لجميع صفات كماله، التي من جملتها: تنزهه تعالى عما لا يليق به، ولتربية المهابة وإدخال الروعة. ثم وصفه بقوله: { رب العرش } ، وخصه بالذكر، مع كونه رب كل شيء لعظم شأنه لأن الأكوان في جوفه كلا شيء، أي: تنزيها له عما يصفونه عن أن يكون من دونه آلهة. ثم بين قوة عظمته وعز سلطانه القاهر، فقال: { لا يسأل عما يفعل } أي: لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يناقشه أو يسأله عما يفعل هيبة وإجلالا، { وهم يسألون } أي: وعباده يسألون عما يفعلون، نقيرا وقطميرا لأنهم مملوكون له تعالى، مستعبدون، ففيه وعيد للكفرة، فالآية تتميم لقوله: { لاعبين } ، بل خلقنا الأشياء كلها لحكمة، فمنها ما أدركتم حكمته، ومنها ما غاب عنكم، فكلوا أمره إلى الله، ولا تسألوه عما يفعل، فإنه لا يسأل عن فعله، وأنتم تسألون. ثم قال تعالى: { أم اتخذوا من دونه آلهة } ، هو إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة بإظهار خلوها من خصائص الألوهية، التي من جملتها إنشار الموتى، وإقامة البرهان القاطع على استحالة تعدد الإله، إلى إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة، مع عرائها عن تلك الخصائص، وتبكيتهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة. والهمزة: لإنكار ما اتخذوه واستقباحه، أي: بل اتخذوا من دونه - أي: متجاوزين إياه تعالى، مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية - آلهة، مع ظهور خلوهم عن خصوص الإلهية بالكلية. { قل } لهم، بطريق التبكيت: { هاتوا برهانكم } على ما تدعونه، من جهة العقل والنقل فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في الأمور الدينية، لا سيما في هذا الأمر الخطير، فإن بهتوا فقل لهم: { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } أي: بهذا نطقت الكتب السماوية قاطبة، وشهدت به سنة الرسل المتقدمة كافة. فهذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع { ذكر من معي } من أمتي، أي: عظتهم، { وذكر من قبلي } من الأمم السالفة، أي: بهذا أمرنا ربنا ووعظنا، وبه أمر من قبلنا، يعني: انفراده سبحانه بالألوهية واختصاصه بها. وقيل: المعنى: هذا كتاب أنزل على أمتي، وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء - عليهم السلام - قبلي، فانظروا: هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيت لهم.
{ بل أكثرهم لا يعلمون الحق } أي: لا يفهمونه، ولا يميزون بينه وبين الباطل، فهو إضراب وانتقال من تبكيتهم بمطالبة البرهان، إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المحاججة لجهلهم وعنادهم، ولذلك قال: { فهم معرضون } أي: فهم لأجل جهلهم وعتوهم مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال، وإن كررت عليهم البينات والحجج. أو معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية لانهماكهم. { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } ، هذا مقرر لما قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية، وأجمعت عليه الرسل - عليهم السلام - قاطبة. وصيغة المضارع في يوحى لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورة الوحي العجيبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ، العندية، هنا، عندية اصطفاء وتقريب، وهذه صفة العارفين المقربين، لا يستكبرون عن عبادته، بل خاضعون لجلاله وقهريته على الدوام، ولا يستحسرون: لا يملون منها ولا يشبعون، غير أنهم يتلونون فيها من عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب كالتفكر والاعتبار، إلى عبادة الأرواح كالشهود والاستبصار، إلى عبادة الأسرار كالعكوف في حضرة الكريم الغفار، ينزهون الله تعالى في جميع الأوقات، لا يفترون عن تسبيحه بالمقال أو الحال. وقوله تعالى: { أم اتخذوا آلهة... } الخ، تصدق على من مال بقلبه إلى محبة الأكوان، أو ركن إلى الحظوظ والشهوات، وقوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ، اعلم أن ثلاثة اشياء إذا تعدد مدبرها فسد نظامها أولها: الألوهية، فلو تعددت لفسد نظام العالم، وثانيها: السلطنة، إذا تعددت في قطر واحد فسدت الرعية، وثالثها: الشيخوخة، إذا تعددت على مريد واحد فسدت ترتبيته، كالطبيب إذا تعدد على مريض واحد فسد علاجه. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } قال الكواشي: يعني: لا يسأل عن فعله وحكمه لأنه الرب، وهم يسألون لأنهم عبيده. وبعض الناس يقول: هذه آية الدبوس. قلت: وقد تقلب السين زايا، ومعناها: أن كل ما تحكم به القدرة يجب حنو الرأس له، من غير تردد ولا سؤال. ثم قال: ولو نظر النظر الصحيح لرآها أنصف آية في كتاب الله تعالى وذلك لأنه جمع فيها بين صفة الربوبية وصفة العبودية. ه. وقوله: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا } يعني: أن التوحيد مما أجمعت عليه الرسل والكتب السماوية. والفناء فيه على ثلاثة أقسام: فناء في توحيد الأفعال، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله، ويغيب عن الوسائط والأسباب، وفناء في توحيد الصفات، وهو أن يرى ألا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم إلا الله، وفناء في توحيد الذات، وهو أن يرى ألا موجود إلا الله، ذوقا ووجدا وعقدا. كما قال صاحب العينية:
هو الموجد الأشياء وهو وجودها وعين ذوات الكل وهو الجوامع
وقد أشار بعضهم إلى هذه الفناءات، فقال:
فيفنى ثم يفنى ثم يفنى فكان فناؤه عين البقاء
وهنا - أي: في مقام الفناء والبقاء - انتهت أقدام السائرين، ورسخت أسرار العارفين، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين، جعلنا الله من حزبهم. آمين. ثم انكر على من ادعى الولد له
الأنبياء 21:22
يقول الحق جل جلاله: { وله من في السماوات والأرض } أي له جميع المخلوقات، خلقا وملكا، وتدبيرا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل، لا استقلالا ولا استتباعا، ولا فرق بين أهل العالم العلوي والسفلي، { ومن عنده } وهم الملائكة - عليهم السلام - عبر عنهم بذلك إثر ما عبر عنهم بمن في السماوات تنزيلا لهم - لكرامتهم عليه، وزلفاهم عنده - منزلة المقربين عند الملك، وهو مبتدأ وخبره: { لا يستكبرون عن عبادته } أي: لا يتعاظمون عنها، ولا يعدون أنفسهم كبراء، { ولا يستحسرون } أي: لا يكلون ولا يعيون، { يسبحون الليل والنهار } أي: ينزهونه في جميع الأوقات، ويعظمونه ويمجدونه دائما. وهو استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا يصنعون في عبادتهم، أو كيف يعبدون؟ فقال: يسبحون.. الخ. { لا يفترون } أي: لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا، ولا شغل آخر. ولما برهن على وحدانيته تعالى في ملكه بأنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة، وأنهم قاطبة تحت ملكه وقهره، وأن عباده مذعنون لطاعته، ومثابرون على عبادته، ومنزهون له عن كل ما لا يليق بشأنه، أنكر على من أشرك معه بعد هذا البيان، فقال: { أم اتخذوا آلهة } يعبدونها { من الأرض } أي: اتخذوها من جنس الأرض، أحجارا وخشبا، { هم ينشرون } أي: يبعثون الموتى. وهذا هو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع لا محالة، أي: بل اتخذوا آلهة من الأرض، هم مع حقارتهم، ينشرون الموتى، كلا... فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك، وهم، وإن لم يقولوا بذلك صريحا، لكنهم حيث ادعوا لها الألوهية، فكأنهم ادعوا لها الإنشار، ضرورة لأنه من خصائص الإلهية، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير في: { هم ينشرون }: التنبيه على كمال مباينة حالهم للإنشار، الموجبة لمزيد الإنكار، كما في قوله تعالى:
أفي الله شك
[إبراهيم: 10]. وفي قوله تعالى:
أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون
[التوبة: 65]، فإن تقديم الجار والمجرور للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه ويستهزأ به. ثم أبطل الاشتراك في الألوهية، فقال: { لو كان فيهما آلهة إلا الله } أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله، كما هو اعتقادهم الباطل، { لفسدتا } أي: لفسد نظامهما بما فيهما، لوجود التمانع، كعادة الملوك، أو لبطلتا بما فيهما، ولم يوجد شيء منهما للزوم العجز لهما، بيان ذلك: أن الألوهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق، تغييرا وبديلا، وإيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، فبقاؤهما على ما هما عليه من غير فساد، إما بتأثير كل منها، وهو محال لاستحالة وقوع الأثر الواحد بين مؤثرين، وإما بتأثير واحد منها، فالباقي بمعزل عن الإلهية، والمسألة مقررة في علم الكلام.
و { إلا }: صفة لآلهة، كما يوصف بغير، ولما كانت حرفا، ظهر إعرابها في اسم الجلالة، ولا يصح رفعه على البدل لعدم وجود النفي. ثم قال تعالى: { فسبحان الله } أي: فسبحوا سبحان الله اللائق به، وننزهوه عما لا يليق به من الأمور، التي من جملتها: أن يكون له شريك في الألوهية. وإيراد الجلالة في موضع الإضمار، حيث لم يقل فسبحانه للإشعار بعلية الحكم، فإن الألوهية مناط لجميع صفات كماله، التي من جملتها: تنزهه تعالى عما لا يليق به، ولتربية المهابة وإدخال الروعة. ثم وصفه بقوله: { رب العرش } ، وخصه بالذكر، مع كونه رب كل شيء لعظم شأنه لأن الأكوان في جوفه كلا شيء، أي: تنزيها له عما يصفونه عن أن يكون من دونه آلهة. ثم بين قوة عظمته وعز سلطانه القاهر، فقال: { لا يسأل عما يفعل } أي: لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يناقشه أو يسأله عما يفعل هيبة وإجلالا، { وهم يسألون } أي: وعباده يسألون عما يفعلون، نقيرا وقطميرا لأنهم مملوكون له تعالى، مستعبدون، ففيه وعيد للكفرة، فالآية تتميم لقوله: { لاعبين } ، بل خلقنا الأشياء كلها لحكمة، فمنها ما أدركتم حكمته، ومنها ما غاب عنكم، فكلوا أمره إلى الله، ولا تسألوه عما يفعل، فإنه لا يسأل عن فعله، وأنتم تسألون. ثم قال تعالى: { أم اتخذوا من دونه آلهة } ، هو إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة بإظهار خلوها من خصائص الألوهية، التي من جملتها إنشار الموتى، وإقامة البرهان القاطع على استحالة تعدد الإله، إلى إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة، مع عرائها عن تلك الخصائص، وتبكيتهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة. والهمزة: لإنكار ما اتخذوه واستقباحه، أي: بل اتخذوا من دونه - أي: متجاوزين إياه تعالى، مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية - آلهة، مع ظهور خلوهم عن خصوص الإلهية بالكلية. { قل } لهم، بطريق التبكيت: { هاتوا برهانكم } على ما تدعونه، من جهة العقل والنقل فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في الأمور الدينية، لا سيما في هذا الأمر الخطير، فإن بهتوا فقل لهم: { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } أي: بهذا نطقت الكتب السماوية قاطبة، وشهدت به سنة الرسل المتقدمة كافة. فهذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع { ذكر من معي } من أمتي، أي: عظتهم، { وذكر من قبلي } من الأمم السالفة، أي: بهذا أمرنا ربنا ووعظنا، وبه أمر من قبلنا، يعني: انفراده سبحانه بالألوهية واختصاصه بها. وقيل: المعنى: هذا كتاب أنزل على أمتي، وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء - عليهم السلام - قبلي، فانظروا: هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيت لهم.
{ بل أكثرهم لا يعلمون الحق } أي: لا يفهمونه، ولا يميزون بينه وبين الباطل، فهو إضراب وانتقال من تبكيتهم بمطالبة البرهان، إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المحاججة لجهلهم وعنادهم، ولذلك قال: { فهم معرضون } أي: فهم لأجل جهلهم وعتوهم مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال، وإن كررت عليهم البينات والحجج. أو معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية لانهماكهم. { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } ، هذا مقرر لما قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية، وأجمعت عليه الرسل - عليهم السلام - قاطبة. وصيغة المضارع في يوحى لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورة الوحي العجيبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ، العندية، هنا، عندية اصطفاء وتقريب، وهذه صفة العارفين المقربين، لا يستكبرون عن عبادته، بل خاضعون لجلاله وقهريته على الدوام، ولا يستحسرون: لا يملون منها ولا يشبعون، غير أنهم يتلونون فيها من عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب كالتفكر والاعتبار، إلى عبادة الأرواح كالشهود والاستبصار، إلى عبادة الأسرار كالعكوف في حضرة الكريم الغفار، ينزهون الله تعالى في جميع الأوقات، لا يفترون عن تسبيحه بالمقال أو الحال. وقوله تعالى: { أم اتخذوا آلهة... } الخ، تصدق على من مال بقلبه إلى محبة الأكوان، أو ركن إلى الحظوظ والشهوات، وقوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ، اعلم أن ثلاثة اشياء إذا تعدد مدبرها فسد نظامها أولها: الألوهية، فلو تعددت لفسد نظام العالم، وثانيها: السلطنة، إذا تعددت في قطر واحد فسدت الرعية، وثالثها: الشيخوخة، إذا تعددت على مريد واحد فسدت ترتبيته، كالطبيب إذا تعدد على مريض واحد فسد علاجه. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } قال الكواشي: يعني: لا يسأل عن فعله وحكمه لأنه الرب، وهم يسألون لأنهم عبيده. وبعض الناس يقول: هذه آية الدبوس. قلت: وقد تقلب السين زايا، ومعناها: أن كل ما تحكم به القدرة يجب حنو الرأس له، من غير تردد ولا سؤال. ثم قال: ولو نظر النظر الصحيح لرآها أنصف آية في كتاب الله تعالى وذلك لأنه جمع فيها بين صفة الربوبية وصفة العبودية. ه. وقوله: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا } يعني: أن التوحيد مما أجمعت عليه الرسل والكتب السماوية. والفناء فيه على ثلاثة أقسام: فناء في توحيد الأفعال، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله، ويغيب عن الوسائط والأسباب، وفناء في توحيد الصفات، وهو أن يرى ألا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم إلا الله، وفناء في توحيد الذات، وهو أن يرى ألا موجود إلا الله، ذوقا ووجدا وعقدا. كما قال صاحب العينية:
هو الموجد الأشياء وهو وجودها وعين ذوات الكل وهو الجوامع
وقد أشار بعضهم إلى هذه الفناءات، فقال:
فيفنى ثم يفنى ثم يفنى فكان فناؤه عين البقاء
وهنا - أي: في مقام الفناء والبقاء - انتهت أقدام السائرين، ورسخت أسرار العارفين، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين، جعلنا الله من حزبهم. آمين. ثم انكر على من ادعى الولد له
الأنبياء 21:23
يقول الحق جل جلاله: { وله من في السماوات والأرض } أي له جميع المخلوقات، خلقا وملكا، وتدبيرا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل، لا استقلالا ولا استتباعا، ولا فرق بين أهل العالم العلوي والسفلي، { ومن عنده } وهم الملائكة - عليهم السلام - عبر عنهم بذلك إثر ما عبر عنهم بمن في السماوات تنزيلا لهم - لكرامتهم عليه، وزلفاهم عنده - منزلة المقربين عند الملك، وهو مبتدأ وخبره: { لا يستكبرون عن عبادته } أي: لا يتعاظمون عنها، ولا يعدون أنفسهم كبراء، { ولا يستحسرون } أي: لا يكلون ولا يعيون، { يسبحون الليل والنهار } أي: ينزهونه في جميع الأوقات، ويعظمونه ويمجدونه دائما. وهو استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا يصنعون في عبادتهم، أو كيف يعبدون؟ فقال: يسبحون.. الخ. { لا يفترون } أي: لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا، ولا شغل آخر. ولما برهن على وحدانيته تعالى في ملكه بأنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة، وأنهم قاطبة تحت ملكه وقهره، وأن عباده مذعنون لطاعته، ومثابرون على عبادته، ومنزهون له عن كل ما لا يليق بشأنه، أنكر على من أشرك معه بعد هذا البيان، فقال: { أم اتخذوا آلهة } يعبدونها { من الأرض } أي: اتخذوها من جنس الأرض، أحجارا وخشبا، { هم ينشرون } أي: يبعثون الموتى. وهذا هو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع لا محالة، أي: بل اتخذوا آلهة من الأرض، هم مع حقارتهم، ينشرون الموتى، كلا... فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك، وهم، وإن لم يقولوا بذلك صريحا، لكنهم حيث ادعوا لها الألوهية، فكأنهم ادعوا لها الإنشار، ضرورة لأنه من خصائص الإلهية، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير في: { هم ينشرون }: التنبيه على كمال مباينة حالهم للإنشار، الموجبة لمزيد الإنكار، كما في قوله تعالى:
أفي الله شك
[إبراهيم: 10]. وفي قوله تعالى:
أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون
[التوبة: 65]، فإن تقديم الجار والمجرور للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه ويستهزأ به. ثم أبطل الاشتراك في الألوهية، فقال: { لو كان فيهما آلهة إلا الله } أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله، كما هو اعتقادهم الباطل، { لفسدتا } أي: لفسد نظامهما بما فيهما، لوجود التمانع، كعادة الملوك، أو لبطلتا بما فيهما، ولم يوجد شيء منهما للزوم العجز لهما، بيان ذلك: أن الألوهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق، تغييرا وبديلا، وإيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، فبقاؤهما على ما هما عليه من غير فساد، إما بتأثير كل منها، وهو محال لاستحالة وقوع الأثر الواحد بين مؤثرين، وإما بتأثير واحد منها، فالباقي بمعزل عن الإلهية، والمسألة مقررة في علم الكلام.
و { إلا }: صفة لآلهة، كما يوصف بغير، ولما كانت حرفا، ظهر إعرابها في اسم الجلالة، ولا يصح رفعه على البدل لعدم وجود النفي. ثم قال تعالى: { فسبحان الله } أي: فسبحوا سبحان الله اللائق به، وننزهوه عما لا يليق به من الأمور، التي من جملتها: أن يكون له شريك في الألوهية. وإيراد الجلالة في موضع الإضمار، حيث لم يقل فسبحانه للإشعار بعلية الحكم، فإن الألوهية مناط لجميع صفات كماله، التي من جملتها: تنزهه تعالى عما لا يليق به، ولتربية المهابة وإدخال الروعة. ثم وصفه بقوله: { رب العرش } ، وخصه بالذكر، مع كونه رب كل شيء لعظم شأنه لأن الأكوان في جوفه كلا شيء، أي: تنزيها له عما يصفونه عن أن يكون من دونه آلهة. ثم بين قوة عظمته وعز سلطانه القاهر، فقال: { لا يسأل عما يفعل } أي: لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يناقشه أو يسأله عما يفعل هيبة وإجلالا، { وهم يسألون } أي: وعباده يسألون عما يفعلون، نقيرا وقطميرا لأنهم مملوكون له تعالى، مستعبدون، ففيه وعيد للكفرة، فالآية تتميم لقوله: { لاعبين } ، بل خلقنا الأشياء كلها لحكمة، فمنها ما أدركتم حكمته، ومنها ما غاب عنكم، فكلوا أمره إلى الله، ولا تسألوه عما يفعل، فإنه لا يسأل عن فعله، وأنتم تسألون. ثم قال تعالى: { أم اتخذوا من دونه آلهة } ، هو إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة بإظهار خلوها من خصائص الألوهية، التي من جملتها إنشار الموتى، وإقامة البرهان القاطع على استحالة تعدد الإله، إلى إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة، مع عرائها عن تلك الخصائص، وتبكيتهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة. والهمزة: لإنكار ما اتخذوه واستقباحه، أي: بل اتخذوا من دونه - أي: متجاوزين إياه تعالى، مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية - آلهة، مع ظهور خلوهم عن خصوص الإلهية بالكلية. { قل } لهم، بطريق التبكيت: { هاتوا برهانكم } على ما تدعونه، من جهة العقل والنقل فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في الأمور الدينية، لا سيما في هذا الأمر الخطير، فإن بهتوا فقل لهم: { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } أي: بهذا نطقت الكتب السماوية قاطبة، وشهدت به سنة الرسل المتقدمة كافة. فهذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع { ذكر من معي } من أمتي، أي: عظتهم، { وذكر من قبلي } من الأمم السالفة، أي: بهذا أمرنا ربنا ووعظنا، وبه أمر من قبلنا، يعني: انفراده سبحانه بالألوهية واختصاصه بها. وقيل: المعنى: هذا كتاب أنزل على أمتي، وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء - عليهم السلام - قبلي، فانظروا: هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيت لهم.
{ بل أكثرهم لا يعلمون الحق } أي: لا يفهمونه، ولا يميزون بينه وبين الباطل، فهو إضراب وانتقال من تبكيتهم بمطالبة البرهان، إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المحاججة لجهلهم وعنادهم، ولذلك قال: { فهم معرضون } أي: فهم لأجل جهلهم وعتوهم مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال، وإن كررت عليهم البينات والحجج. أو معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية لانهماكهم. { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } ، هذا مقرر لما قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية، وأجمعت عليه الرسل - عليهم السلام - قاطبة. وصيغة المضارع في يوحى لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورة الوحي العجيبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ، العندية، هنا، عندية اصطفاء وتقريب، وهذه صفة العارفين المقربين، لا يستكبرون عن عبادته، بل خاضعون لجلاله وقهريته على الدوام، ولا يستحسرون: لا يملون منها ولا يشبعون، غير أنهم يتلونون فيها من عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب كالتفكر والاعتبار، إلى عبادة الأرواح كالشهود والاستبصار، إلى عبادة الأسرار كالعكوف في حضرة الكريم الغفار، ينزهون الله تعالى في جميع الأوقات، لا يفترون عن تسبيحه بالمقال أو الحال. وقوله تعالى: { أم اتخذوا آلهة... } الخ، تصدق على من مال بقلبه إلى محبة الأكوان، أو ركن إلى الحظوظ والشهوات، وقوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ، اعلم أن ثلاثة اشياء إذا تعدد مدبرها فسد نظامها أولها: الألوهية، فلو تعددت لفسد نظام العالم، وثانيها: السلطنة، إذا تعددت في قطر واحد فسدت الرعية، وثالثها: الشيخوخة، إذا تعددت على مريد واحد فسدت ترتبيته، كالطبيب إذا تعدد على مريض واحد فسد علاجه. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } قال الكواشي: يعني: لا يسأل عن فعله وحكمه لأنه الرب، وهم يسألون لأنهم عبيده. وبعض الناس يقول: هذه آية الدبوس. قلت: وقد تقلب السين زايا، ومعناها: أن كل ما تحكم به القدرة يجب حنو الرأس له، من غير تردد ولا سؤال. ثم قال: ولو نظر النظر الصحيح لرآها أنصف آية في كتاب الله تعالى وذلك لأنه جمع فيها بين صفة الربوبية وصفة العبودية. ه. وقوله: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا } يعني: أن التوحيد مما أجمعت عليه الرسل والكتب السماوية. والفناء فيه على ثلاثة أقسام: فناء في توحيد الأفعال، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله، ويغيب عن الوسائط والأسباب، وفناء في توحيد الصفات، وهو أن يرى ألا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم إلا الله، وفناء في توحيد الذات، وهو أن يرى ألا موجود إلا الله، ذوقا ووجدا وعقدا. كما قال صاحب العينية:
هو الموجد الأشياء وهو وجودها وعين ذوات الكل وهو الجوامع
وقد أشار بعضهم إلى هذه الفناءات، فقال:
فيفنى ثم يفنى ثم يفنى فكان فناؤه عين البقاء
وهنا - أي: في مقام الفناء والبقاء - انتهت أقدام السائرين، ورسخت أسرار العارفين، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين، جعلنا الله من حزبهم. آمين. ثم انكر على من ادعى الولد له
الأنبياء 21:24
يقول الحق جل جلاله: { وله من في السماوات والأرض } أي له جميع المخلوقات، خلقا وملكا، وتدبيرا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل، لا استقلالا ولا استتباعا، ولا فرق بين أهل العالم العلوي والسفلي، { ومن عنده } وهم الملائكة - عليهم السلام - عبر عنهم بذلك إثر ما عبر عنهم بمن في السماوات تنزيلا لهم - لكرامتهم عليه، وزلفاهم عنده - منزلة المقربين عند الملك، وهو مبتدأ وخبره: { لا يستكبرون عن عبادته } أي: لا يتعاظمون عنها، ولا يعدون أنفسهم كبراء، { ولا يستحسرون } أي: لا يكلون ولا يعيون، { يسبحون الليل والنهار } أي: ينزهونه في جميع الأوقات، ويعظمونه ويمجدونه دائما. وهو استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا يصنعون في عبادتهم، أو كيف يعبدون؟ فقال: يسبحون.. الخ. { لا يفترون } أي: لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا، ولا شغل آخر. ولما برهن على وحدانيته تعالى في ملكه بأنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة، وأنهم قاطبة تحت ملكه وقهره، وأن عباده مذعنون لطاعته، ومثابرون على عبادته، ومنزهون له عن كل ما لا يليق بشأنه، أنكر على من أشرك معه بعد هذا البيان، فقال: { أم اتخذوا آلهة } يعبدونها { من الأرض } أي: اتخذوها من جنس الأرض، أحجارا وخشبا، { هم ينشرون } أي: يبعثون الموتى. وهذا هو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع لا محالة، أي: بل اتخذوا آلهة من الأرض، هم مع حقارتهم، ينشرون الموتى، كلا... فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك، وهم، وإن لم يقولوا بذلك صريحا، لكنهم حيث ادعوا لها الألوهية، فكأنهم ادعوا لها الإنشار، ضرورة لأنه من خصائص الإلهية، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير في: { هم ينشرون }: التنبيه على كمال مباينة حالهم للإنشار، الموجبة لمزيد الإنكار، كما في قوله تعالى:
أفي الله شك
[إبراهيم: 10]. وفي قوله تعالى:
أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون
[التوبة: 65]، فإن تقديم الجار والمجرور للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه ويستهزأ به. ثم أبطل الاشتراك في الألوهية، فقال: { لو كان فيهما آلهة إلا الله } أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله، كما هو اعتقادهم الباطل، { لفسدتا } أي: لفسد نظامهما بما فيهما، لوجود التمانع، كعادة الملوك، أو لبطلتا بما فيهما، ولم يوجد شيء منهما للزوم العجز لهما، بيان ذلك: أن الألوهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق، تغييرا وبديلا، وإيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، فبقاؤهما على ما هما عليه من غير فساد، إما بتأثير كل منها، وهو محال لاستحالة وقوع الأثر الواحد بين مؤثرين، وإما بتأثير واحد منها، فالباقي بمعزل عن الإلهية، والمسألة مقررة في علم الكلام.
و { إلا }: صفة لآلهة، كما يوصف بغير، ولما كانت حرفا، ظهر إعرابها في اسم الجلالة، ولا يصح رفعه على البدل لعدم وجود النفي. ثم قال تعالى: { فسبحان الله } أي: فسبحوا سبحان الله اللائق به، وننزهوه عما لا يليق به من الأمور، التي من جملتها: أن يكون له شريك في الألوهية. وإيراد الجلالة في موضع الإضمار، حيث لم يقل فسبحانه للإشعار بعلية الحكم، فإن الألوهية مناط لجميع صفات كماله، التي من جملتها: تنزهه تعالى عما لا يليق به، ولتربية المهابة وإدخال الروعة. ثم وصفه بقوله: { رب العرش } ، وخصه بالذكر، مع كونه رب كل شيء لعظم شأنه لأن الأكوان في جوفه كلا شيء، أي: تنزيها له عما يصفونه عن أن يكون من دونه آلهة. ثم بين قوة عظمته وعز سلطانه القاهر، فقال: { لا يسأل عما يفعل } أي: لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يناقشه أو يسأله عما يفعل هيبة وإجلالا، { وهم يسألون } أي: وعباده يسألون عما يفعلون، نقيرا وقطميرا لأنهم مملوكون له تعالى، مستعبدون، ففيه وعيد للكفرة، فالآية تتميم لقوله: { لاعبين } ، بل خلقنا الأشياء كلها لحكمة، فمنها ما أدركتم حكمته، ومنها ما غاب عنكم، فكلوا أمره إلى الله، ولا تسألوه عما يفعل، فإنه لا يسأل عن فعله، وأنتم تسألون. ثم قال تعالى: { أم اتخذوا من دونه آلهة } ، هو إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة بإظهار خلوها من خصائص الألوهية، التي من جملتها إنشار الموتى، وإقامة البرهان القاطع على استحالة تعدد الإله، إلى إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة، مع عرائها عن تلك الخصائص، وتبكيتهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة. والهمزة: لإنكار ما اتخذوه واستقباحه، أي: بل اتخذوا من دونه - أي: متجاوزين إياه تعالى، مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية - آلهة، مع ظهور خلوهم عن خصوص الإلهية بالكلية. { قل } لهم، بطريق التبكيت: { هاتوا برهانكم } على ما تدعونه، من جهة العقل والنقل فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في الأمور الدينية، لا سيما في هذا الأمر الخطير، فإن بهتوا فقل لهم: { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } أي: بهذا نطقت الكتب السماوية قاطبة، وشهدت به سنة الرسل المتقدمة كافة. فهذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع { ذكر من معي } من أمتي، أي: عظتهم، { وذكر من قبلي } من الأمم السالفة، أي: بهذا أمرنا ربنا ووعظنا، وبه أمر من قبلنا، يعني: انفراده سبحانه بالألوهية واختصاصه بها. وقيل: المعنى: هذا كتاب أنزل على أمتي، وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء - عليهم السلام - قبلي، فانظروا: هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيت لهم.
{ بل أكثرهم لا يعلمون الحق } أي: لا يفهمونه، ولا يميزون بينه وبين الباطل، فهو إضراب وانتقال من تبكيتهم بمطالبة البرهان، إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المحاججة لجهلهم وعنادهم، ولذلك قال: { فهم معرضون } أي: فهم لأجل جهلهم وعتوهم مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال، وإن كررت عليهم البينات والحجج. أو معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية لانهماكهم. { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } ، هذا مقرر لما قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية، وأجمعت عليه الرسل - عليهم السلام - قاطبة. وصيغة المضارع في يوحى لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورة الوحي العجيبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ، العندية، هنا، عندية اصطفاء وتقريب، وهذه صفة العارفين المقربين، لا يستكبرون عن عبادته، بل خاضعون لجلاله وقهريته على الدوام، ولا يستحسرون: لا يملون منها ولا يشبعون، غير أنهم يتلونون فيها من عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب كالتفكر والاعتبار، إلى عبادة الأرواح كالشهود والاستبصار، إلى عبادة الأسرار كالعكوف في حضرة الكريم الغفار، ينزهون الله تعالى في جميع الأوقات، لا يفترون عن تسبيحه بالمقال أو الحال. وقوله تعالى: { أم اتخذوا آلهة... } الخ، تصدق على من مال بقلبه إلى محبة الأكوان، أو ركن إلى الحظوظ والشهوات، وقوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ، اعلم أن ثلاثة اشياء إذا تعدد مدبرها فسد نظامها أولها: الألوهية، فلو تعددت لفسد نظام العالم، وثانيها: السلطنة، إذا تعددت في قطر واحد فسدت الرعية، وثالثها: الشيخوخة، إذا تعددت على مريد واحد فسدت ترتبيته، كالطبيب إذا تعدد على مريض واحد فسد علاجه. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } قال الكواشي: يعني: لا يسأل عن فعله وحكمه لأنه الرب، وهم يسألون لأنهم عبيده. وبعض الناس يقول: هذه آية الدبوس. قلت: وقد تقلب السين زايا، ومعناها: أن كل ما تحكم به القدرة يجب حنو الرأس له، من غير تردد ولا سؤال. ثم قال: ولو نظر النظر الصحيح لرآها أنصف آية في كتاب الله تعالى وذلك لأنه جمع فيها بين صفة الربوبية وصفة العبودية. ه. وقوله: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا } يعني: أن التوحيد مما أجمعت عليه الرسل والكتب السماوية. والفناء فيه على ثلاثة أقسام: فناء في توحيد الأفعال، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله، ويغيب عن الوسائط والأسباب، وفناء في توحيد الصفات، وهو أن يرى ألا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم إلا الله، وفناء في توحيد الذات، وهو أن يرى ألا موجود إلا الله، ذوقا ووجدا وعقدا. كما قال صاحب العينية:
هو الموجد الأشياء وهو وجودها وعين ذوات الكل وهو الجوامع
وقد أشار بعضهم إلى هذه الفناءات، فقال:
فيفنى ثم يفنى ثم يفنى فكان فناؤه عين البقاء
وهنا - أي: في مقام الفناء والبقاء - انتهت أقدام السائرين، ورسخت أسرار العارفين، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين، جعلنا الله من حزبهم. آمين. ثم انكر على من ادعى الولد له
الأنبياء 21:25
يقول الحق جل جلاله: { وله من في السماوات والأرض } أي له جميع المخلوقات، خلقا وملكا، وتدبيرا وتصرفا، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل، لا استقلالا ولا استتباعا، ولا فرق بين أهل العالم العلوي والسفلي، { ومن عنده } وهم الملائكة - عليهم السلام - عبر عنهم بذلك إثر ما عبر عنهم بمن في السماوات تنزيلا لهم - لكرامتهم عليه، وزلفاهم عنده - منزلة المقربين عند الملك، وهو مبتدأ وخبره: { لا يستكبرون عن عبادته } أي: لا يتعاظمون عنها، ولا يعدون أنفسهم كبراء، { ولا يستحسرون } أي: لا يكلون ولا يعيون، { يسبحون الليل والنهار } أي: ينزهونه في جميع الأوقات، ويعظمونه ويمجدونه دائما. وهو استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا يصنعون في عبادتهم، أو كيف يعبدون؟ فقال: يسبحون.. الخ. { لا يفترون } أي: لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا، ولا شغل آخر. ولما برهن على وحدانيته تعالى في ملكه بأنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة، وأنهم قاطبة تحت ملكه وقهره، وأن عباده مذعنون لطاعته، ومثابرون على عبادته، ومنزهون له عن كل ما لا يليق بشأنه، أنكر على من أشرك معه بعد هذا البيان، فقال: { أم اتخذوا آلهة } يعبدونها { من الأرض } أي: اتخذوها من جنس الأرض، أحجارا وخشبا، { هم ينشرون } أي: يبعثون الموتى. وهذا هو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع لا محالة، أي: بل اتخذوا آلهة من الأرض، هم مع حقارتهم، ينشرون الموتى، كلا... فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك، وهم، وإن لم يقولوا بذلك صريحا، لكنهم حيث ادعوا لها الألوهية، فكأنهم ادعوا لها الإنشار، ضرورة لأنه من خصائص الإلهية، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير في: { هم ينشرون }: التنبيه على كمال مباينة حالهم للإنشار، الموجبة لمزيد الإنكار، كما في قوله تعالى:
أفي الله شك
[إبراهيم: 10]. وفي قوله تعالى:
أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون
[التوبة: 65]، فإن تقديم الجار والمجرور للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه ويستهزأ به. ثم أبطل الاشتراك في الألوهية، فقال: { لو كان فيهما آلهة إلا الله } أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله، كما هو اعتقادهم الباطل، { لفسدتا } أي: لفسد نظامهما بما فيهما، لوجود التمانع، كعادة الملوك، أو لبطلتا بما فيهما، ولم يوجد شيء منهما للزوم العجز لهما، بيان ذلك: أن الألوهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق، تغييرا وبديلا، وإيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، فبقاؤهما على ما هما عليه من غير فساد، إما بتأثير كل منها، وهو محال لاستحالة وقوع الأثر الواحد بين مؤثرين، وإما بتأثير واحد منها، فالباقي بمعزل عن الإلهية، والمسألة مقررة في علم الكلام.
و { إلا }: صفة لآلهة، كما يوصف بغير، ولما كانت حرفا، ظهر إعرابها في اسم الجلالة، ولا يصح رفعه على البدل لعدم وجود النفي. ثم قال تعالى: { فسبحان الله } أي: فسبحوا سبحان الله اللائق به، وننزهوه عما لا يليق به من الأمور، التي من جملتها: أن يكون له شريك في الألوهية. وإيراد الجلالة في موضع الإضمار، حيث لم يقل فسبحانه للإشعار بعلية الحكم، فإن الألوهية مناط لجميع صفات كماله، التي من جملتها: تنزهه تعالى عما لا يليق به، ولتربية المهابة وإدخال الروعة. ثم وصفه بقوله: { رب العرش } ، وخصه بالذكر، مع كونه رب كل شيء لعظم شأنه لأن الأكوان في جوفه كلا شيء، أي: تنزيها له عما يصفونه عن أن يكون من دونه آلهة. ثم بين قوة عظمته وعز سلطانه القاهر، فقال: { لا يسأل عما يفعل } أي: لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يناقشه أو يسأله عما يفعل هيبة وإجلالا، { وهم يسألون } أي: وعباده يسألون عما يفعلون، نقيرا وقطميرا لأنهم مملوكون له تعالى، مستعبدون، ففيه وعيد للكفرة، فالآية تتميم لقوله: { لاعبين } ، بل خلقنا الأشياء كلها لحكمة، فمنها ما أدركتم حكمته، ومنها ما غاب عنكم، فكلوا أمره إلى الله، ولا تسألوه عما يفعل، فإنه لا يسأل عن فعله، وأنتم تسألون. ثم قال تعالى: { أم اتخذوا من دونه آلهة } ، هو إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة بإظهار خلوها من خصائص الألوهية، التي من جملتها إنشار الموتى، وإقامة البرهان القاطع على استحالة تعدد الإله، إلى إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة، مع عرائها عن تلك الخصائص، وتبكيتهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة. والهمزة: لإنكار ما اتخذوه واستقباحه، أي: بل اتخذوا من دونه - أي: متجاوزين إياه تعالى، مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية - آلهة، مع ظهور خلوهم عن خصوص الإلهية بالكلية. { قل } لهم، بطريق التبكيت: { هاتوا برهانكم } على ما تدعونه، من جهة العقل والنقل فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في الأمور الدينية، لا سيما في هذا الأمر الخطير، فإن بهتوا فقل لهم: { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } أي: بهذا نطقت الكتب السماوية قاطبة، وشهدت به سنة الرسل المتقدمة كافة. فهذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع { ذكر من معي } من أمتي، أي: عظتهم، { وذكر من قبلي } من الأمم السالفة، أي: بهذا أمرنا ربنا ووعظنا، وبه أمر من قبلنا، يعني: انفراده سبحانه بالألوهية واختصاصه بها. وقيل: المعنى: هذا كتاب أنزل على أمتي، وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء - عليهم السلام - قبلي، فانظروا: هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيت لهم.
{ بل أكثرهم لا يعلمون الحق } أي: لا يفهمونه، ولا يميزون بينه وبين الباطل، فهو إضراب وانتقال من تبكيتهم بمطالبة البرهان، إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المحاججة لجهلهم وعنادهم، ولذلك قال: { فهم معرضون } أي: فهم لأجل جهلهم وعتوهم مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال، وإن كررت عليهم البينات والحجج. أو معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية لانهماكهم. { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } ، هذا مقرر لما قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية، وأجمعت عليه الرسل - عليهم السلام - قاطبة. وصيغة المضارع في يوحى لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورة الوحي العجيبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ، العندية، هنا، عندية اصطفاء وتقريب، وهذه صفة العارفين المقربين، لا يستكبرون عن عبادته، بل خاضعون لجلاله وقهريته على الدوام، ولا يستحسرون: لا يملون منها ولا يشبعون، غير أنهم يتلونون فيها من عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب كالتفكر والاعتبار، إلى عبادة الأرواح كالشهود والاستبصار، إلى عبادة الأسرار كالعكوف في حضرة الكريم الغفار، ينزهون الله تعالى في جميع الأوقات، لا يفترون عن تسبيحه بالمقال أو الحال. وقوله تعالى: { أم اتخذوا آلهة... } الخ، تصدق على من مال بقلبه إلى محبة الأكوان، أو ركن إلى الحظوظ والشهوات، وقوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ، اعلم أن ثلاثة اشياء إذا تعدد مدبرها فسد نظامها أولها: الألوهية، فلو تعددت لفسد نظام العالم، وثانيها: السلطنة، إذا تعددت في قطر واحد فسدت الرعية، وثالثها: الشيخوخة، إذا تعددت على مريد واحد فسدت ترتبيته، كالطبيب إذا تعدد على مريض واحد فسد علاجه. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } قال الكواشي: يعني: لا يسأل عن فعله وحكمه لأنه الرب، وهم يسألون لأنهم عبيده. وبعض الناس يقول: هذه آية الدبوس. قلت: وقد تقلب السين زايا، ومعناها: أن كل ما تحكم به القدرة يجب حنو الرأس له، من غير تردد ولا سؤال. ثم قال: ولو نظر النظر الصحيح لرآها أنصف آية في كتاب الله تعالى وذلك لأنه جمع فيها بين صفة الربوبية وصفة العبودية. ه. وقوله: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا } يعني: أن التوحيد مما أجمعت عليه الرسل والكتب السماوية. والفناء فيه على ثلاثة أقسام: فناء في توحيد الأفعال، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله، ويغيب عن الوسائط والأسباب، وفناء في توحيد الصفات، وهو أن يرى ألا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم إلا الله، وفناء في توحيد الذات، وهو أن يرى ألا موجود إلا الله، ذوقا ووجدا وعقدا. كما قال صاحب العينية:
هو الموجد الأشياء وهو وجودها وعين ذوات الكل وهو الجوامع
وقد أشار بعضهم إلى هذه الفناءات، فقال:
فيفنى ثم يفنى ثم يفنى فكان فناؤه عين البقاء
وهنا - أي: في مقام الفناء والبقاء - انتهت أقدام السائرين، ورسخت أسرار العارفين، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين، جعلنا الله من حزبهم. آمين. ثم انكر على من ادعى الولد له
الأنبياء 21:26
يقول الحق جل جلاله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } ، حكى الله تعالى جناية أخرى لبعض المشركين، جيء بها لبيان بطلانها. والقائل بهذه المقالة حي من خزاعة، وقيل: قريش وجهينة وبنو سلمة وبنو مليح، يقولون: الملائكة بنات الله، وأمهاتهم سروات الجن، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. والتعرض لعنوان الرحمانية المنبئة عن كون جميع ما سواه مربوبا له تعالى، نعمة أو منعما عليه لإبراز كمال شناعة مقالتهم الباطلة، { سبحانه } أي: تنزه تنزيها يليق بكمال ذاته، وتقدس عن الصاحبة والولد، { بل } هم { عباد } لله تعالى، و " بل " إبطال لما قالوا، أي: ليست الملائكة كما قالوا، { بل عباد مكرمون } مقربون عنده، { لا يسبقونه } أي: لا يتقدمونه { بالقول } ، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به. وهذه صفة أخرى لهم، منبهة على كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره تعالى، أي: لا يقولون شيئا حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به. وأصله: لا يسبق قولهم قوله، ثم أسند السبق إليهم لمزيد تنزههم عن ذلك، { وهم بأمره يعملون } أي: لا يعملون إلا ما أمرهم به، وهو بيان لتبعيتهم له تعالى في الأفعال، إثر بيان تبعيتهم له في الأقوال، فإن نفي سبقيتهم له تعالى بالقول: عبارة عن تبعيتهم له تعالى فيه، كأنه قيل: هم بأمره يقولون وبأمره يعملون، لا بغير أمره أصلا. { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } أي: ما عملوا وما هم عاملون، وقيل: ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم. وهو تقرير لتحقق عبوديتهم لأنهم إذا كانوا مقهورين تحت علمه تعالى وإحاطته انتفت عنهم أوصاف الربوبية المكتسبة من مجانسة البنوة، { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } أن يشفع له، مهابة منه تعالى. قال ابن عباس: " هم أهل لا إله إلا الله " ، { وهم من خشيته } عز وجل { مشفقون }: خائفون مرتعدون. قال بعضهم: أصل الخشية: الخوف مع التعظيم، ولذلك خص بها العلماء، وأصل الإشفاق: الخوف مع الاعتناء، فعند تعديته بمن: يكون معنى الخوف فيه أظهر، وعند تعديته بعلى: ينعكس الأمر فيكون معنى الإشفاق فيه أظهر. { ومن يقل منهم } أي: من الملائكة إذ الكلام فيهم، { إني إله من دونه } أي: متجاوزا إياه تعالى، { فذلك } الذي فرض أنه قال ذلك فرض المحال، { نجزيه جهنم } كسائر المجرمين، ولا ينفي هذا عنهم ما ذكر قبل من صفاتهم السنية وأفعالهم المرضية لأنه فرض تقدير، وفيه من الدلالة على قوة ملكوته تعالى، وعزة جبروته، واستحالة كون الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ما توهمه أولئك الكفرة، ما لا يخفى، { كذلك نجزي الظالمين } أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين، الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها، ويتعدون أطوارهم.
قال الكواشي: هذا القول وارد على سبيل التهديد والوعيد الشديد على ارتكاب الشرك، كقوله:
ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون
[الأنعام: 88]. ه. فالقصد: تفظيع أمر الشرك، وأنه لو صدر ممن صدر لأحبط عمله، وكان جزاء صاحبه جهنم، ومثل ذلك الجزاء نجزي الظالمين، وهم الكافرون، والحاصل: أنه على سبيل الفرض، مع علمه تعالى أنه لا يكون من الملائكة، فهو من إخباره عما لا يكون كيف يكون، لعلمه بما لا يكون، مما جاز أن يكون، كيف يكون. ه. من الحاشية الفاسية ببعض اختصار. فالكاف من " كذلك ": في محل مصدر تشبيهي، مؤكد لمضمون ما قبله. والقصر، المستفاد من التقديم للمصدر، معتبر بالنسبة إلى النقصان دون الزيادة، أي: لا جزاء أنقص منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: أنوار الملكوت متدفقة من بحر أسرار الجبروت، من غير تفريع، ولا تولد، ولا علاج، ولا امتزاج، بل: كن فيكون، لكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأشياء وتفريع بعضها من بعض، ليبقى السر مصونا والكنز مدفونا. فأسرار الذات العلية منزهة عن اتخاذ الصاحبة والولد، بل القدرة تبرز الأشياء بلا علاج ولا أسباب، والحكمة تسترها بوجود العلاج والأسباب. فكل ما ظهر في عالم التكوين قد عمته قهرية العبودية، وانتفت عنه نسبة البنوة لأسرار الربوبية، فأهل الملأ الأعلى عباد مكرمون، مقدسون من دنس الحس، مستغرقون في هيمان القرب والأنس، وأهل الملأ الأسفل مختلفون، فمن غلب عقله على شهوته، ومعناه على حسه، وروحانيته على بشريته، فهو كالملائكة أو أفضل. ومن غلبت شهوته على عقله، وحسه على معناه، وبشريته على روحانيته، كان كالبهائم أو أضل. ومن التحق بالملأ الأعلى، من الأولياء المقربين، انسحب عليه ما مدحهم به تعالى من قوله: { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ، ومن قوله: { لا يسبقونه بالقول } ، بأن يدبروا معه شيئا قبل ظهور تدبيره، وهم بطاعته يعملون، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشية هيبته مشفقون، { ومن يقل منهم إني إله من دونه } بأن يدعي شيئا من أوصاف الربوبية، كالكبرياء، والعظمة على عباده، فذلك نجزيه جهنم، وهي نار القطيعة، كذلك نجزي الظالمين. وفي الحكم: " منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين "؟ ثم برهن على وحدانيته
الأنبياء 21:27
يقول الحق جل جلاله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } ، حكى الله تعالى جناية أخرى لبعض المشركين، جيء بها لبيان بطلانها. والقائل بهذه المقالة حي من خزاعة، وقيل: قريش وجهينة وبنو سلمة وبنو مليح، يقولون: الملائكة بنات الله، وأمهاتهم سروات الجن، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. والتعرض لعنوان الرحمانية المنبئة عن كون جميع ما سواه مربوبا له تعالى، نعمة أو منعما عليه لإبراز كمال شناعة مقالتهم الباطلة، { سبحانه } أي: تنزه تنزيها يليق بكمال ذاته، وتقدس عن الصاحبة والولد، { بل } هم { عباد } لله تعالى، و " بل " إبطال لما قالوا، أي: ليست الملائكة كما قالوا، { بل عباد مكرمون } مقربون عنده، { لا يسبقونه } أي: لا يتقدمونه { بالقول } ، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به. وهذه صفة أخرى لهم، منبهة على كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره تعالى، أي: لا يقولون شيئا حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به. وأصله: لا يسبق قولهم قوله، ثم أسند السبق إليهم لمزيد تنزههم عن ذلك، { وهم بأمره يعملون } أي: لا يعملون إلا ما أمرهم به، وهو بيان لتبعيتهم له تعالى في الأفعال، إثر بيان تبعيتهم له في الأقوال، فإن نفي سبقيتهم له تعالى بالقول: عبارة عن تبعيتهم له تعالى فيه، كأنه قيل: هم بأمره يقولون وبأمره يعملون، لا بغير أمره أصلا. { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } أي: ما عملوا وما هم عاملون، وقيل: ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم. وهو تقرير لتحقق عبوديتهم لأنهم إذا كانوا مقهورين تحت علمه تعالى وإحاطته انتفت عنهم أوصاف الربوبية المكتسبة من مجانسة البنوة، { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } أن يشفع له، مهابة منه تعالى. قال ابن عباس: " هم أهل لا إله إلا الله " ، { وهم من خشيته } عز وجل { مشفقون }: خائفون مرتعدون. قال بعضهم: أصل الخشية: الخوف مع التعظيم، ولذلك خص بها العلماء، وأصل الإشفاق: الخوف مع الاعتناء، فعند تعديته بمن: يكون معنى الخوف فيه أظهر، وعند تعديته بعلى: ينعكس الأمر فيكون معنى الإشفاق فيه أظهر. { ومن يقل منهم } أي: من الملائكة إذ الكلام فيهم، { إني إله من دونه } أي: متجاوزا إياه تعالى، { فذلك } الذي فرض أنه قال ذلك فرض المحال، { نجزيه جهنم } كسائر المجرمين، ولا ينفي هذا عنهم ما ذكر قبل من صفاتهم السنية وأفعالهم المرضية لأنه فرض تقدير، وفيه من الدلالة على قوة ملكوته تعالى، وعزة جبروته، واستحالة كون الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ما توهمه أولئك الكفرة، ما لا يخفى، { كذلك نجزي الظالمين } أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين، الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها، ويتعدون أطوارهم.
قال الكواشي: هذا القول وارد على سبيل التهديد والوعيد الشديد على ارتكاب الشرك، كقوله:
ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون
[الأنعام: 88]. ه. فالقصد: تفظيع أمر الشرك، وأنه لو صدر ممن صدر لأحبط عمله، وكان جزاء صاحبه جهنم، ومثل ذلك الجزاء نجزي الظالمين، وهم الكافرون، والحاصل: أنه على سبيل الفرض، مع علمه تعالى أنه لا يكون من الملائكة، فهو من إخباره عما لا يكون كيف يكون، لعلمه بما لا يكون، مما جاز أن يكون، كيف يكون. ه. من الحاشية الفاسية ببعض اختصار. فالكاف من " كذلك ": في محل مصدر تشبيهي، مؤكد لمضمون ما قبله. والقصر، المستفاد من التقديم للمصدر، معتبر بالنسبة إلى النقصان دون الزيادة، أي: لا جزاء أنقص منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: أنوار الملكوت متدفقة من بحر أسرار الجبروت، من غير تفريع، ولا تولد، ولا علاج، ولا امتزاج، بل: كن فيكون، لكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأشياء وتفريع بعضها من بعض، ليبقى السر مصونا والكنز مدفونا. فأسرار الذات العلية منزهة عن اتخاذ الصاحبة والولد، بل القدرة تبرز الأشياء بلا علاج ولا أسباب، والحكمة تسترها بوجود العلاج والأسباب. فكل ما ظهر في عالم التكوين قد عمته قهرية العبودية، وانتفت عنه نسبة البنوة لأسرار الربوبية، فأهل الملأ الأعلى عباد مكرمون، مقدسون من دنس الحس، مستغرقون في هيمان القرب والأنس، وأهل الملأ الأسفل مختلفون، فمن غلب عقله على شهوته، ومعناه على حسه، وروحانيته على بشريته، فهو كالملائكة أو أفضل. ومن غلبت شهوته على عقله، وحسه على معناه، وبشريته على روحانيته، كان كالبهائم أو أضل. ومن التحق بالملأ الأعلى، من الأولياء المقربين، انسحب عليه ما مدحهم به تعالى من قوله: { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ، ومن قوله: { لا يسبقونه بالقول } ، بأن يدبروا معه شيئا قبل ظهور تدبيره، وهم بطاعته يعملون، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشية هيبته مشفقون، { ومن يقل منهم إني إله من دونه } بأن يدعي شيئا من أوصاف الربوبية، كالكبرياء، والعظمة على عباده، فذلك نجزيه جهنم، وهي نار القطيعة، كذلك نجزي الظالمين. وفي الحكم: " منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين "؟ ثم برهن على وحدانيته
الأنبياء 21:28
يقول الحق جل جلاله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } ، حكى الله تعالى جناية أخرى لبعض المشركين، جيء بها لبيان بطلانها. والقائل بهذه المقالة حي من خزاعة، وقيل: قريش وجهينة وبنو سلمة وبنو مليح، يقولون: الملائكة بنات الله، وأمهاتهم سروات الجن، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. والتعرض لعنوان الرحمانية المنبئة عن كون جميع ما سواه مربوبا له تعالى، نعمة أو منعما عليه لإبراز كمال شناعة مقالتهم الباطلة، { سبحانه } أي: تنزه تنزيها يليق بكمال ذاته، وتقدس عن الصاحبة والولد، { بل } هم { عباد } لله تعالى، و " بل " إبطال لما قالوا، أي: ليست الملائكة كما قالوا، { بل عباد مكرمون } مقربون عنده، { لا يسبقونه } أي: لا يتقدمونه { بالقول } ، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به. وهذه صفة أخرى لهم، منبهة على كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره تعالى، أي: لا يقولون شيئا حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به. وأصله: لا يسبق قولهم قوله، ثم أسند السبق إليهم لمزيد تنزههم عن ذلك، { وهم بأمره يعملون } أي: لا يعملون إلا ما أمرهم به، وهو بيان لتبعيتهم له تعالى في الأفعال، إثر بيان تبعيتهم له في الأقوال، فإن نفي سبقيتهم له تعالى بالقول: عبارة عن تبعيتهم له تعالى فيه، كأنه قيل: هم بأمره يقولون وبأمره يعملون، لا بغير أمره أصلا. { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } أي: ما عملوا وما هم عاملون، وقيل: ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم. وهو تقرير لتحقق عبوديتهم لأنهم إذا كانوا مقهورين تحت علمه تعالى وإحاطته انتفت عنهم أوصاف الربوبية المكتسبة من مجانسة البنوة، { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } أن يشفع له، مهابة منه تعالى. قال ابن عباس: " هم أهل لا إله إلا الله " ، { وهم من خشيته } عز وجل { مشفقون }: خائفون مرتعدون. قال بعضهم: أصل الخشية: الخوف مع التعظيم، ولذلك خص بها العلماء، وأصل الإشفاق: الخوف مع الاعتناء، فعند تعديته بمن: يكون معنى الخوف فيه أظهر، وعند تعديته بعلى: ينعكس الأمر فيكون معنى الإشفاق فيه أظهر. { ومن يقل منهم } أي: من الملائكة إذ الكلام فيهم، { إني إله من دونه } أي: متجاوزا إياه تعالى، { فذلك } الذي فرض أنه قال ذلك فرض المحال، { نجزيه جهنم } كسائر المجرمين، ولا ينفي هذا عنهم ما ذكر قبل من صفاتهم السنية وأفعالهم المرضية لأنه فرض تقدير، وفيه من الدلالة على قوة ملكوته تعالى، وعزة جبروته، واستحالة كون الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ما توهمه أولئك الكفرة، ما لا يخفى، { كذلك نجزي الظالمين } أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين، الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها، ويتعدون أطوارهم.
قال الكواشي: هذا القول وارد على سبيل التهديد والوعيد الشديد على ارتكاب الشرك، كقوله:
ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون
[الأنعام: 88]. ه. فالقصد: تفظيع أمر الشرك، وأنه لو صدر ممن صدر لأحبط عمله، وكان جزاء صاحبه جهنم، ومثل ذلك الجزاء نجزي الظالمين، وهم الكافرون، والحاصل: أنه على سبيل الفرض، مع علمه تعالى أنه لا يكون من الملائكة، فهو من إخباره عما لا يكون كيف يكون، لعلمه بما لا يكون، مما جاز أن يكون، كيف يكون. ه. من الحاشية الفاسية ببعض اختصار. فالكاف من " كذلك ": في محل مصدر تشبيهي، مؤكد لمضمون ما قبله. والقصر، المستفاد من التقديم للمصدر، معتبر بالنسبة إلى النقصان دون الزيادة، أي: لا جزاء أنقص منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: أنوار الملكوت متدفقة من بحر أسرار الجبروت، من غير تفريع، ولا تولد، ولا علاج، ولا امتزاج، بل: كن فيكون، لكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأشياء وتفريع بعضها من بعض، ليبقى السر مصونا والكنز مدفونا. فأسرار الذات العلية منزهة عن اتخاذ الصاحبة والولد، بل القدرة تبرز الأشياء بلا علاج ولا أسباب، والحكمة تسترها بوجود العلاج والأسباب. فكل ما ظهر في عالم التكوين قد عمته قهرية العبودية، وانتفت عنه نسبة البنوة لأسرار الربوبية، فأهل الملأ الأعلى عباد مكرمون، مقدسون من دنس الحس، مستغرقون في هيمان القرب والأنس، وأهل الملأ الأسفل مختلفون، فمن غلب عقله على شهوته، ومعناه على حسه، وروحانيته على بشريته، فهو كالملائكة أو أفضل. ومن غلبت شهوته على عقله، وحسه على معناه، وبشريته على روحانيته، كان كالبهائم أو أضل. ومن التحق بالملأ الأعلى، من الأولياء المقربين، انسحب عليه ما مدحهم به تعالى من قوله: { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ، ومن قوله: { لا يسبقونه بالقول } ، بأن يدبروا معه شيئا قبل ظهور تدبيره، وهم بطاعته يعملون، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشية هيبته مشفقون، { ومن يقل منهم إني إله من دونه } بأن يدعي شيئا من أوصاف الربوبية، كالكبرياء، والعظمة على عباده، فذلك نجزيه جهنم، وهي نار القطيعة، كذلك نجزي الظالمين. وفي الحكم: " منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين "؟ ثم برهن على وحدانيته
الأنبياء 21:29
يقول الحق جل جلاله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } ، حكى الله تعالى جناية أخرى لبعض المشركين، جيء بها لبيان بطلانها. والقائل بهذه المقالة حي من خزاعة، وقيل: قريش وجهينة وبنو سلمة وبنو مليح، يقولون: الملائكة بنات الله، وأمهاتهم سروات الجن، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. والتعرض لعنوان الرحمانية المنبئة عن كون جميع ما سواه مربوبا له تعالى، نعمة أو منعما عليه لإبراز كمال شناعة مقالتهم الباطلة، { سبحانه } أي: تنزه تنزيها يليق بكمال ذاته، وتقدس عن الصاحبة والولد، { بل } هم { عباد } لله تعالى، و " بل " إبطال لما قالوا، أي: ليست الملائكة كما قالوا، { بل عباد مكرمون } مقربون عنده، { لا يسبقونه } أي: لا يتقدمونه { بالقول } ، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به. وهذه صفة أخرى لهم، منبهة على كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره تعالى، أي: لا يقولون شيئا حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به. وأصله: لا يسبق قولهم قوله، ثم أسند السبق إليهم لمزيد تنزههم عن ذلك، { وهم بأمره يعملون } أي: لا يعملون إلا ما أمرهم به، وهو بيان لتبعيتهم له تعالى في الأفعال، إثر بيان تبعيتهم له في الأقوال، فإن نفي سبقيتهم له تعالى بالقول: عبارة عن تبعيتهم له تعالى فيه، كأنه قيل: هم بأمره يقولون وبأمره يعملون، لا بغير أمره أصلا. { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } أي: ما عملوا وما هم عاملون، وقيل: ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم. وهو تقرير لتحقق عبوديتهم لأنهم إذا كانوا مقهورين تحت علمه تعالى وإحاطته انتفت عنهم أوصاف الربوبية المكتسبة من مجانسة البنوة، { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } أن يشفع له، مهابة منه تعالى. قال ابن عباس: " هم أهل لا إله إلا الله " ، { وهم من خشيته } عز وجل { مشفقون }: خائفون مرتعدون. قال بعضهم: أصل الخشية: الخوف مع التعظيم، ولذلك خص بها العلماء، وأصل الإشفاق: الخوف مع الاعتناء، فعند تعديته بمن: يكون معنى الخوف فيه أظهر، وعند تعديته بعلى: ينعكس الأمر فيكون معنى الإشفاق فيه أظهر. { ومن يقل منهم } أي: من الملائكة إذ الكلام فيهم، { إني إله من دونه } أي: متجاوزا إياه تعالى، { فذلك } الذي فرض أنه قال ذلك فرض المحال، { نجزيه جهنم } كسائر المجرمين، ولا ينفي هذا عنهم ما ذكر قبل من صفاتهم السنية وأفعالهم المرضية لأنه فرض تقدير، وفيه من الدلالة على قوة ملكوته تعالى، وعزة جبروته، واستحالة كون الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ما توهمه أولئك الكفرة، ما لا يخفى، { كذلك نجزي الظالمين } أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين، الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها، ويتعدون أطوارهم.
قال الكواشي: هذا القول وارد على سبيل التهديد والوعيد الشديد على ارتكاب الشرك، كقوله:
ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون
[الأنعام: 88]. ه. فالقصد: تفظيع أمر الشرك، وأنه لو صدر ممن صدر لأحبط عمله، وكان جزاء صاحبه جهنم، ومثل ذلك الجزاء نجزي الظالمين، وهم الكافرون، والحاصل: أنه على سبيل الفرض، مع علمه تعالى أنه لا يكون من الملائكة، فهو من إخباره عما لا يكون كيف يكون، لعلمه بما لا يكون، مما جاز أن يكون، كيف يكون. ه. من الحاشية الفاسية ببعض اختصار. فالكاف من " كذلك ": في محل مصدر تشبيهي، مؤكد لمضمون ما قبله. والقصر، المستفاد من التقديم للمصدر، معتبر بالنسبة إلى النقصان دون الزيادة، أي: لا جزاء أنقص منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: أنوار الملكوت متدفقة من بحر أسرار الجبروت، من غير تفريع، ولا تولد، ولا علاج، ولا امتزاج، بل: كن فيكون، لكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأشياء وتفريع بعضها من بعض، ليبقى السر مصونا والكنز مدفونا. فأسرار الذات العلية منزهة عن اتخاذ الصاحبة والولد، بل القدرة تبرز الأشياء بلا علاج ولا أسباب، والحكمة تسترها بوجود العلاج والأسباب. فكل ما ظهر في عالم التكوين قد عمته قهرية العبودية، وانتفت عنه نسبة البنوة لأسرار الربوبية، فأهل الملأ الأعلى عباد مكرمون، مقدسون من دنس الحس، مستغرقون في هيمان القرب والأنس، وأهل الملأ الأسفل مختلفون، فمن غلب عقله على شهوته، ومعناه على حسه، وروحانيته على بشريته، فهو كالملائكة أو أفضل. ومن غلبت شهوته على عقله، وحسه على معناه، وبشريته على روحانيته، كان كالبهائم أو أضل. ومن التحق بالملأ الأعلى، من الأولياء المقربين، انسحب عليه ما مدحهم به تعالى من قوله: { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ، ومن قوله: { لا يسبقونه بالقول } ، بأن يدبروا معه شيئا قبل ظهور تدبيره، وهم بطاعته يعملون، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشية هيبته مشفقون، { ومن يقل منهم إني إله من دونه } بأن يدعي شيئا من أوصاف الربوبية، كالكبرياء، والعظمة على عباده، فذلك نجزيه جهنم، وهي نار القطيعة، كذلك نجزي الظالمين. وفي الحكم: " منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين "؟ ثم برهن على وحدانيته
الأنبياء 21:30
قلت: { فجاجا }: حال من " سبل " ، وأصله: وصف له، فلما تقدم أعرب حالا. وقيل { سبلا }: بدل من { فجاجا }. وفي إتيانه: إيذان أن تلك الفجاج نافذة لأن الفج قد يكون نافذا وقد لا. قاله المحشي. يقول الحق جل جلاله: { أو لم ير الذين كفروا } رؤية اعتبار { أن السماوات والأرض } أي: جماعة السماوات وجماعة الأرض { كانتا } ، ولذلك لم يقل كن، { رتقا } أي: ملتصقة بعضها ببعض. والرتق: الضم والالتصاق. وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: كانتا مرتوقتين، أي: ملتصقتين، { ففتقناهما } فشققناهما، فالفتق ضد الرتق. قال ابن عباس رضي الله عنه: " كانتا شيئا واحدا متصلتين، ففصل الله بينهما، فرفع السماء إلى حيث هي، وأقر الأرض ". وفي رواية عنه: أرسل ريحا فتوسطتهما ففتقتهما. وقال السدي: كانت السماوات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها، فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض، كانت طبقة واحدة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين. فإن قيل: متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك؟ قلنا: مصب الكلام والتقرير هو فتق السماوات ورفعها، وهو مشاهد بالأبصار، وهم متمكنون من النظر والاعتبار، فيعلمون أن لها مدبرا حكيما، فتقها ورفعها، وهو الحق جل جلاله، وذكر الرتق زيادة إخبار، فكأنه قال: ألم يروا إلى فتق السماوات ورفعها؟ وقال الكواشي: لما كان القرآن معجزا، كان وروده برتقهما كالمشاهد المرئي، أو: لما كان تلاصق السماوات والأرضين، وما بينهما، وتباينهما، جائزا عقلا، وجب تخصيص التلاصق من التباين، وليس ذلك إلا لله تعالى. ه. وقيل: كانت السماوات صلبة لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالأمطار، والأرض بالنبات. وروي هذا عن ابن عباس أيضا، وعليه أكثر المفسرين، وعلم الكفرة الرتق والفتق، بهذا المعنى، مما لا خفاء فيه. والرؤية على الأول رؤية علم، وعلى الثاني رؤية عين. { وجعلنا من الماء كل شيء حي } أي: خلقنا من الماء كل حيوان، كقوله تعالى:
والله خلق كل دآبة من مآء
[النور: 45]، وذلك لأنه من أعظم مواده، أو لفرط احتياجه إليه، وحبه له، وعدم صبره عنه، وانتفاعه به، ويدخل في ذلك: النبات مجازا دون الملائكة، فأل فيه للحقيقة والماهية، إلا أنه صرفه عن ذلك إلى العهد الذهني قرينة الجعل، كما في آية:
فأكله الذئب
[يوسف: 17]، فإن القرينة تخلص ذلك للبعضية وإرادة الأشخاص. وقيل المراد به: المني. فأل فيه، حينئذ، للعهد الذهني فقط. قال القشيري: كل مخلوق حي فمن الماء خلقه، فإن أصل الحيوان الذي يحصل بالتناسل النطفة، وهي من جملة الماء. ه. وتقدم أن الملائكة لا تناسل فيها. { أفلا يؤمنون } بالله وحده، وهو إنكار لعدم إيمانهم، مع ظهور ما يوجبه حتما من الآيات الآفاقية والأنفسية، الدالة على تفرده تعالى بالألوهية.
{ وجعلنا في الأرض رواسي } أي: جبالا ثوابت، من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، { أن تميد بهم } أي: كراهية أن تتحرك وتضطرب بهم، أو لئلا تميد بهم - بحذف اللام -، و " لا " لعدم الإلباس. { وجعلنا فيها } أي: في الأرض، وتكرير الجعل لاختلاف المجعولين، ولتوفية مقام الامتنان حقه، أو في الرواسي لأنها المحتاجة إلى الطرق، { فجاجا }: جمع فج، وهو الطريق الواسع، نفذ أم لا، أي: جعلنا في الأرض مسالك واسعة، و { سبلا } نافذة: فالسبل هي الفجاج مع قيد النفوذ. فإن قيل: أي فرق بين هذا وبين قوله:
لتسلكوا منها سبلا فجاجا
[نوح: 20]؟ فالجواب: أنه هنا بين أنه خلقها على هذه الصفة، وهناك بين أنه جعل فيها طرقا واسعة، وليس فيه بيان أنه خلقها كذلك، فما هنا تفسير لما هناك. انظر النسفي. وقوله تعالى: { لعلهم يهتدون } أي: إلى البلاد المقصودة بتلك السبل، أو إلى مصالحهم ومهماتهم. { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } من السقوط، كقوله:
ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه
[الحج: 65]، أو من الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم، أو من استراق السمع بالشهب، كما قال:
وحفظا من كل شيطان مارد
[الصافات: 7]. { وهم } أي: الكفار { عن آياتها } أي: عن الأدلة التي فيها، كالشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك مما فيها من العجائب الدالة على وحدانيته تعالى وقدرته وحكمته، التي بعضها محسوس، وبعضها معلوم بالبحث في علمي الطبيعة والهيئة، { معرضون } لا يتدبرون فيها، فيقفون على ما هم عليه من الكفر والضلال، فيؤمنون. { وهو الذي خلق الليل } لتسكنوا فيه، { والنهار } لتتصرفوا فيه، { والشمس } لتكون سراج النهار، { والقمر } ليكون سراج الليل، وهذا بيان لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون. وقوله: { كل } أي: كلهم، والمراد: جنس الطوالع، { في فلك يسبحون } أي: يسيرون سير العائم في الماء. عن ابن عباس رضي الله عنه: الفلك السماء، وقيل: موج مكفوف تحت السماء، يجري فيه الشمس والقمر والنجوم. وجمهور أهل الهيئة أن الفلك: جسم مستدير، وأنهن تسعة، وهل هي السماوات السبع، فيكون الكرسي ثامنا، والعرش تاسعا، أو غيرهن، فتكون تحت السماوات أو فوقها؟ قولان لهم. والمراد هنا: الجنس، كقولك: كساهم الأمير حلة، أي: حلة حلة، وجعل الضمير واو العقلاء لأن السباحة حالهم. قال في المستخرج من كتاب الغزنوني: " كل " أي: كل واحد من الشمس والقمر وسائر السيارة، وإن لم تذكرون لأنه جمع قوله: { يسبحون } والمعنى: يجرون كالسابح أو يدورون، والسيارة تجري في الفلك على عكس جري الفلك، ولها تسعة أفلاك، فالقمر في الفلك الأدنى، ثم عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل، والثامن: فلك البروج، والتاسع: الفلك الأعظم. ه. وقال في سورة يس: خص الشمس والقمر هنا، وفي سورة الأنبياء لأن سيرهما أبدا على عكس دور الفلك، وسير الخمسة قد يكون موافقا لسيره عند رجوعها.
ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: أو لم ير الذين كفروا بوجود التربية أن سماوات الأرواح وأرض النفوس كانتا رتقا صلبة، ميتة بالجهل، ففتقناهما بالعلوم وأسرار التوحيد؟ والمعنى: أن بعض الأرواح والنفوس تكون ميتة صلبة، فإذا صحبت أهل التربية، انفتقت بالعلوم والأسرار، فهذا شاهد بوجود أهل التربية، ومن قال بانقطاعها فقوله مردود بالمشاهدة. وجعلنا من ماء الغيب - وهي الخمرة الأزلية - كل شيء حي، أفلا يؤمنون بوجود هذا الماء عند أربابه؟ وجعلنا في أرض النفوس جبالا من العقول لئلا تميل إلى الهوى فتموت، وجعلنا فيها طرقا يسلك منها إلى الحضرة، وهي كيفية الرياضة وأنواع المجاهدة، وهي طرق كثيرة، والمقصد واحد، وهو الوصول إلى الفناء والبقاء، التي هي معرفة الحق بالعيان، وهو قوله تعالى: { لعلهم يهتدون } إلى الوصول إلى حضرتنا. وجعلنا السماء، أي: سماء القلوب الصافية، سقفا محفوظا من الخواطر والوساوس والشكوك والأوهام والشياطين، قال بعضهم: " إذا كان الحق تعالى قد حفظ السماء بالشهب من الشياطين، فقلوب أوليائه أولى بالحفظ. وهم عن آياتها، أي: عن دلائل حفظها وصيانتها معرضون لانهماكهم في الغفلة. وهو الذي خلق ليل القبض ونهار البسط وشمس العرفان وقمر توحيد الدليل والبرهان، كل في موضعه، لا يتعدى أحد على صاحبه، ولكل واحد سير معلوم وأدب محتوم. وبالله التوفيق. ولما قامت الحجة على الكفرة بما ذكر من الآيات والدلائل القاطعة، وانقطعوا، قالوا: ننتظر به ريب المنون، فنستريح منه. فأنزل الله تعالى
الأنبياء 21:31
قلت: { فجاجا }: حال من " سبل " ، وأصله: وصف له، فلما تقدم أعرب حالا. وقيل { سبلا }: بدل من { فجاجا }. وفي إتيانه: إيذان أن تلك الفجاج نافذة لأن الفج قد يكون نافذا وقد لا. قاله المحشي. يقول الحق جل جلاله: { أو لم ير الذين كفروا } رؤية اعتبار { أن السماوات والأرض } أي: جماعة السماوات وجماعة الأرض { كانتا } ، ولذلك لم يقل كن، { رتقا } أي: ملتصقة بعضها ببعض. والرتق: الضم والالتصاق. وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: كانتا مرتوقتين، أي: ملتصقتين، { ففتقناهما } فشققناهما، فالفتق ضد الرتق. قال ابن عباس رضي الله عنه: " كانتا شيئا واحدا متصلتين، ففصل الله بينهما، فرفع السماء إلى حيث هي، وأقر الأرض ". وفي رواية عنه: أرسل ريحا فتوسطتهما ففتقتهما. وقال السدي: كانت السماوات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها، فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض، كانت طبقة واحدة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين. فإن قيل: متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك؟ قلنا: مصب الكلام والتقرير هو فتق السماوات ورفعها، وهو مشاهد بالأبصار، وهم متمكنون من النظر والاعتبار، فيعلمون أن لها مدبرا حكيما، فتقها ورفعها، وهو الحق جل جلاله، وذكر الرتق زيادة إخبار، فكأنه قال: ألم يروا إلى فتق السماوات ورفعها؟ وقال الكواشي: لما كان القرآن معجزا، كان وروده برتقهما كالمشاهد المرئي، أو: لما كان تلاصق السماوات والأرضين، وما بينهما، وتباينهما، جائزا عقلا، وجب تخصيص التلاصق من التباين، وليس ذلك إلا لله تعالى. ه. وقيل: كانت السماوات صلبة لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالأمطار، والأرض بالنبات. وروي هذا عن ابن عباس أيضا، وعليه أكثر المفسرين، وعلم الكفرة الرتق والفتق، بهذا المعنى، مما لا خفاء فيه. والرؤية على الأول رؤية علم، وعلى الثاني رؤية عين. { وجعلنا من الماء كل شيء حي } أي: خلقنا من الماء كل حيوان، كقوله تعالى:
والله خلق كل دآبة من مآء
[النور: 45]، وذلك لأنه من أعظم مواده، أو لفرط احتياجه إليه، وحبه له، وعدم صبره عنه، وانتفاعه به، ويدخل في ذلك: النبات مجازا دون الملائكة، فأل فيه للحقيقة والماهية، إلا أنه صرفه عن ذلك إلى العهد الذهني قرينة الجعل، كما في آية:
فأكله الذئب
[يوسف: 17]، فإن القرينة تخلص ذلك للبعضية وإرادة الأشخاص. وقيل المراد به: المني. فأل فيه، حينئذ، للعهد الذهني فقط. قال القشيري: كل مخلوق حي فمن الماء خلقه، فإن أصل الحيوان الذي يحصل بالتناسل النطفة، وهي من جملة الماء. ه. وتقدم أن الملائكة لا تناسل فيها. { أفلا يؤمنون } بالله وحده، وهو إنكار لعدم إيمانهم، مع ظهور ما يوجبه حتما من الآيات الآفاقية والأنفسية، الدالة على تفرده تعالى بالألوهية.
{ وجعلنا في الأرض رواسي } أي: جبالا ثوابت، من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، { أن تميد بهم } أي: كراهية أن تتحرك وتضطرب بهم، أو لئلا تميد بهم - بحذف اللام -، و " لا " لعدم الإلباس. { وجعلنا فيها } أي: في الأرض، وتكرير الجعل لاختلاف المجعولين، ولتوفية مقام الامتنان حقه، أو في الرواسي لأنها المحتاجة إلى الطرق، { فجاجا }: جمع فج، وهو الطريق الواسع، نفذ أم لا، أي: جعلنا في الأرض مسالك واسعة، و { سبلا } نافذة: فالسبل هي الفجاج مع قيد النفوذ. فإن قيل: أي فرق بين هذا وبين قوله:
لتسلكوا منها سبلا فجاجا
[نوح: 20]؟ فالجواب: أنه هنا بين أنه خلقها على هذه الصفة، وهناك بين أنه جعل فيها طرقا واسعة، وليس فيه بيان أنه خلقها كذلك، فما هنا تفسير لما هناك. انظر النسفي. وقوله تعالى: { لعلهم يهتدون } أي: إلى البلاد المقصودة بتلك السبل، أو إلى مصالحهم ومهماتهم. { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } من السقوط، كقوله:
ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه
[الحج: 65]، أو من الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم، أو من استراق السمع بالشهب، كما قال:
وحفظا من كل شيطان مارد
[الصافات: 7]. { وهم } أي: الكفار { عن آياتها } أي: عن الأدلة التي فيها، كالشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك مما فيها من العجائب الدالة على وحدانيته تعالى وقدرته وحكمته، التي بعضها محسوس، وبعضها معلوم بالبحث في علمي الطبيعة والهيئة، { معرضون } لا يتدبرون فيها، فيقفون على ما هم عليه من الكفر والضلال، فيؤمنون. { وهو الذي خلق الليل } لتسكنوا فيه، { والنهار } لتتصرفوا فيه، { والشمس } لتكون سراج النهار، { والقمر } ليكون سراج الليل، وهذا بيان لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون. وقوله: { كل } أي: كلهم، والمراد: جنس الطوالع، { في فلك يسبحون } أي: يسيرون سير العائم في الماء. عن ابن عباس رضي الله عنه: الفلك السماء، وقيل: موج مكفوف تحت السماء، يجري فيه الشمس والقمر والنجوم. وجمهور أهل الهيئة أن الفلك: جسم مستدير، وأنهن تسعة، وهل هي السماوات السبع، فيكون الكرسي ثامنا، والعرش تاسعا، أو غيرهن، فتكون تحت السماوات أو فوقها؟ قولان لهم. والمراد هنا: الجنس، كقولك: كساهم الأمير حلة، أي: حلة حلة، وجعل الضمير واو العقلاء لأن السباحة حالهم. قال في المستخرج من كتاب الغزنوني: " كل " أي: كل واحد من الشمس والقمر وسائر السيارة، وإن لم تذكرون لأنه جمع قوله: { يسبحون } والمعنى: يجرون كالسابح أو يدورون، والسيارة تجري في الفلك على عكس جري الفلك، ولها تسعة أفلاك، فالقمر في الفلك الأدنى، ثم عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل، والثامن: فلك البروج، والتاسع: الفلك الأعظم. ه. وقال في سورة يس: خص الشمس والقمر هنا، وفي سورة الأنبياء لأن سيرهما أبدا على عكس دور الفلك، وسير الخمسة قد يكون موافقا لسيره عند رجوعها.
ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: أو لم ير الذين كفروا بوجود التربية أن سماوات الأرواح وأرض النفوس كانتا رتقا صلبة، ميتة بالجهل، ففتقناهما بالعلوم وأسرار التوحيد؟ والمعنى: أن بعض الأرواح والنفوس تكون ميتة صلبة، فإذا صحبت أهل التربية، انفتقت بالعلوم والأسرار، فهذا شاهد بوجود أهل التربية، ومن قال بانقطاعها فقوله مردود بالمشاهدة. وجعلنا من ماء الغيب - وهي الخمرة الأزلية - كل شيء حي، أفلا يؤمنون بوجود هذا الماء عند أربابه؟ وجعلنا في أرض النفوس جبالا من العقول لئلا تميل إلى الهوى فتموت، وجعلنا فيها طرقا يسلك منها إلى الحضرة، وهي كيفية الرياضة وأنواع المجاهدة، وهي طرق كثيرة، والمقصد واحد، وهو الوصول إلى الفناء والبقاء، التي هي معرفة الحق بالعيان، وهو قوله تعالى: { لعلهم يهتدون } إلى الوصول إلى حضرتنا. وجعلنا السماء، أي: سماء القلوب الصافية، سقفا محفوظا من الخواطر والوساوس والشكوك والأوهام والشياطين، قال بعضهم: " إذا كان الحق تعالى قد حفظ السماء بالشهب من الشياطين، فقلوب أوليائه أولى بالحفظ. وهم عن آياتها، أي: عن دلائل حفظها وصيانتها معرضون لانهماكهم في الغفلة. وهو الذي خلق ليل القبض ونهار البسط وشمس العرفان وقمر توحيد الدليل والبرهان، كل في موضعه، لا يتعدى أحد على صاحبه، ولكل واحد سير معلوم وأدب محتوم. وبالله التوفيق. ولما قامت الحجة على الكفرة بما ذكر من الآيات والدلائل القاطعة، وانقطعوا، قالوا: ننتظر به ريب المنون، فنستريح منه. فأنزل الله تعالى
الأنبياء 21:32
قلت: { فجاجا }: حال من " سبل " ، وأصله: وصف له، فلما تقدم أعرب حالا. وقيل { سبلا }: بدل من { فجاجا }. وفي إتيانه: إيذان أن تلك الفجاج نافذة لأن الفج قد يكون نافذا وقد لا. قاله المحشي. يقول الحق جل جلاله: { أو لم ير الذين كفروا } رؤية اعتبار { أن السماوات والأرض } أي: جماعة السماوات وجماعة الأرض { كانتا } ، ولذلك لم يقل كن، { رتقا } أي: ملتصقة بعضها ببعض. والرتق: الضم والالتصاق. وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: كانتا مرتوقتين، أي: ملتصقتين، { ففتقناهما } فشققناهما، فالفتق ضد الرتق. قال ابن عباس رضي الله عنه: " كانتا شيئا واحدا متصلتين، ففصل الله بينهما، فرفع السماء إلى حيث هي، وأقر الأرض ". وفي رواية عنه: أرسل ريحا فتوسطتهما ففتقتهما. وقال السدي: كانت السماوات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها، فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض، كانت طبقة واحدة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين. فإن قيل: متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك؟ قلنا: مصب الكلام والتقرير هو فتق السماوات ورفعها، وهو مشاهد بالأبصار، وهم متمكنون من النظر والاعتبار، فيعلمون أن لها مدبرا حكيما، فتقها ورفعها، وهو الحق جل جلاله، وذكر الرتق زيادة إخبار، فكأنه قال: ألم يروا إلى فتق السماوات ورفعها؟ وقال الكواشي: لما كان القرآن معجزا، كان وروده برتقهما كالمشاهد المرئي، أو: لما كان تلاصق السماوات والأرضين، وما بينهما، وتباينهما، جائزا عقلا، وجب تخصيص التلاصق من التباين، وليس ذلك إلا لله تعالى. ه. وقيل: كانت السماوات صلبة لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالأمطار، والأرض بالنبات. وروي هذا عن ابن عباس أيضا، وعليه أكثر المفسرين، وعلم الكفرة الرتق والفتق، بهذا المعنى، مما لا خفاء فيه. والرؤية على الأول رؤية علم، وعلى الثاني رؤية عين. { وجعلنا من الماء كل شيء حي } أي: خلقنا من الماء كل حيوان، كقوله تعالى:
والله خلق كل دآبة من مآء
[النور: 45]، وذلك لأنه من أعظم مواده، أو لفرط احتياجه إليه، وحبه له، وعدم صبره عنه، وانتفاعه به، ويدخل في ذلك: النبات مجازا دون الملائكة، فأل فيه للحقيقة والماهية، إلا أنه صرفه عن ذلك إلى العهد الذهني قرينة الجعل، كما في آية:
فأكله الذئب
[يوسف: 17]، فإن القرينة تخلص ذلك للبعضية وإرادة الأشخاص. وقيل المراد به: المني. فأل فيه، حينئذ، للعهد الذهني فقط. قال القشيري: كل مخلوق حي فمن الماء خلقه، فإن أصل الحيوان الذي يحصل بالتناسل النطفة، وهي من جملة الماء. ه. وتقدم أن الملائكة لا تناسل فيها. { أفلا يؤمنون } بالله وحده، وهو إنكار لعدم إيمانهم، مع ظهور ما يوجبه حتما من الآيات الآفاقية والأنفسية، الدالة على تفرده تعالى بالألوهية.
{ وجعلنا في الأرض رواسي } أي: جبالا ثوابت، من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، { أن تميد بهم } أي: كراهية أن تتحرك وتضطرب بهم، أو لئلا تميد بهم - بحذف اللام -، و " لا " لعدم الإلباس. { وجعلنا فيها } أي: في الأرض، وتكرير الجعل لاختلاف المجعولين، ولتوفية مقام الامتنان حقه، أو في الرواسي لأنها المحتاجة إلى الطرق، { فجاجا }: جمع فج، وهو الطريق الواسع، نفذ أم لا، أي: جعلنا في الأرض مسالك واسعة، و { سبلا } نافذة: فالسبل هي الفجاج مع قيد النفوذ. فإن قيل: أي فرق بين هذا وبين قوله:
لتسلكوا منها سبلا فجاجا
[نوح: 20]؟ فالجواب: أنه هنا بين أنه خلقها على هذه الصفة، وهناك بين أنه جعل فيها طرقا واسعة، وليس فيه بيان أنه خلقها كذلك، فما هنا تفسير لما هناك. انظر النسفي. وقوله تعالى: { لعلهم يهتدون } أي: إلى البلاد المقصودة بتلك السبل، أو إلى مصالحهم ومهماتهم. { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } من السقوط، كقوله:
ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه
[الحج: 65]، أو من الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم، أو من استراق السمع بالشهب، كما قال:
وحفظا من كل شيطان مارد
[الصافات: 7]. { وهم } أي: الكفار { عن آياتها } أي: عن الأدلة التي فيها، كالشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك مما فيها من العجائب الدالة على وحدانيته تعالى وقدرته وحكمته، التي بعضها محسوس، وبعضها معلوم بالبحث في علمي الطبيعة والهيئة، { معرضون } لا يتدبرون فيها، فيقفون على ما هم عليه من الكفر والضلال، فيؤمنون. { وهو الذي خلق الليل } لتسكنوا فيه، { والنهار } لتتصرفوا فيه، { والشمس } لتكون سراج النهار، { والقمر } ليكون سراج الليل، وهذا بيان لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون. وقوله: { كل } أي: كلهم، والمراد: جنس الطوالع، { في فلك يسبحون } أي: يسيرون سير العائم في الماء. عن ابن عباس رضي الله عنه: الفلك السماء، وقيل: موج مكفوف تحت السماء، يجري فيه الشمس والقمر والنجوم. وجمهور أهل الهيئة أن الفلك: جسم مستدير، وأنهن تسعة، وهل هي السماوات السبع، فيكون الكرسي ثامنا، والعرش تاسعا، أو غيرهن، فتكون تحت السماوات أو فوقها؟ قولان لهم. والمراد هنا: الجنس، كقولك: كساهم الأمير حلة، أي: حلة حلة، وجعل الضمير واو العقلاء لأن السباحة حالهم. قال في المستخرج من كتاب الغزنوني: " كل " أي: كل واحد من الشمس والقمر وسائر السيارة، وإن لم تذكرون لأنه جمع قوله: { يسبحون } والمعنى: يجرون كالسابح أو يدورون، والسيارة تجري في الفلك على عكس جري الفلك، ولها تسعة أفلاك، فالقمر في الفلك الأدنى، ثم عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل، والثامن: فلك البروج، والتاسع: الفلك الأعظم. ه. وقال في سورة يس: خص الشمس والقمر هنا، وفي سورة الأنبياء لأن سيرهما أبدا على عكس دور الفلك، وسير الخمسة قد يكون موافقا لسيره عند رجوعها.
ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: أو لم ير الذين كفروا بوجود التربية أن سماوات الأرواح وأرض النفوس كانتا رتقا صلبة، ميتة بالجهل، ففتقناهما بالعلوم وأسرار التوحيد؟ والمعنى: أن بعض الأرواح والنفوس تكون ميتة صلبة، فإذا صحبت أهل التربية، انفتقت بالعلوم والأسرار، فهذا شاهد بوجود أهل التربية، ومن قال بانقطاعها فقوله مردود بالمشاهدة. وجعلنا من ماء الغيب - وهي الخمرة الأزلية - كل شيء حي، أفلا يؤمنون بوجود هذا الماء عند أربابه؟ وجعلنا في أرض النفوس جبالا من العقول لئلا تميل إلى الهوى فتموت، وجعلنا فيها طرقا يسلك منها إلى الحضرة، وهي كيفية الرياضة وأنواع المجاهدة، وهي طرق كثيرة، والمقصد واحد، وهو الوصول إلى الفناء والبقاء، التي هي معرفة الحق بالعيان، وهو قوله تعالى: { لعلهم يهتدون } إلى الوصول إلى حضرتنا. وجعلنا السماء، أي: سماء القلوب الصافية، سقفا محفوظا من الخواطر والوساوس والشكوك والأوهام والشياطين، قال بعضهم: " إذا كان الحق تعالى قد حفظ السماء بالشهب من الشياطين، فقلوب أوليائه أولى بالحفظ. وهم عن آياتها، أي: عن دلائل حفظها وصيانتها معرضون لانهماكهم في الغفلة. وهو الذي خلق ليل القبض ونهار البسط وشمس العرفان وقمر توحيد الدليل والبرهان، كل في موضعه، لا يتعدى أحد على صاحبه، ولكل واحد سير معلوم وأدب محتوم. وبالله التوفيق. ولما قامت الحجة على الكفرة بما ذكر من الآيات والدلائل القاطعة، وانقطعوا، قالوا: ننتظر به ريب المنون، فنستريح منه. فأنزل الله تعالى
الأنبياء 21:33
قلت: { فجاجا }: حال من " سبل " ، وأصله: وصف له، فلما تقدم أعرب حالا. وقيل { سبلا }: بدل من { فجاجا }. وفي إتيانه: إيذان أن تلك الفجاج نافذة لأن الفج قد يكون نافذا وقد لا. قاله المحشي. يقول الحق جل جلاله: { أو لم ير الذين كفروا } رؤية اعتبار { أن السماوات والأرض } أي: جماعة السماوات وجماعة الأرض { كانتا } ، ولذلك لم يقل كن، { رتقا } أي: ملتصقة بعضها ببعض. والرتق: الضم والالتصاق. وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: كانتا مرتوقتين، أي: ملتصقتين، { ففتقناهما } فشققناهما، فالفتق ضد الرتق. قال ابن عباس رضي الله عنه: " كانتا شيئا واحدا متصلتين، ففصل الله بينهما، فرفع السماء إلى حيث هي، وأقر الأرض ". وفي رواية عنه: أرسل ريحا فتوسطتهما ففتقتهما. وقال السدي: كانت السماوات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها، فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض، كانت طبقة واحدة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين. فإن قيل: متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك؟ قلنا: مصب الكلام والتقرير هو فتق السماوات ورفعها، وهو مشاهد بالأبصار، وهم متمكنون من النظر والاعتبار، فيعلمون أن لها مدبرا حكيما، فتقها ورفعها، وهو الحق جل جلاله، وذكر الرتق زيادة إخبار، فكأنه قال: ألم يروا إلى فتق السماوات ورفعها؟ وقال الكواشي: لما كان القرآن معجزا، كان وروده برتقهما كالمشاهد المرئي، أو: لما كان تلاصق السماوات والأرضين، وما بينهما، وتباينهما، جائزا عقلا، وجب تخصيص التلاصق من التباين، وليس ذلك إلا لله تعالى. ه. وقيل: كانت السماوات صلبة لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالأمطار، والأرض بالنبات. وروي هذا عن ابن عباس أيضا، وعليه أكثر المفسرين، وعلم الكفرة الرتق والفتق، بهذا المعنى، مما لا خفاء فيه. والرؤية على الأول رؤية علم، وعلى الثاني رؤية عين. { وجعلنا من الماء كل شيء حي } أي: خلقنا من الماء كل حيوان، كقوله تعالى:
والله خلق كل دآبة من مآء
[النور: 45]، وذلك لأنه من أعظم مواده، أو لفرط احتياجه إليه، وحبه له، وعدم صبره عنه، وانتفاعه به، ويدخل في ذلك: النبات مجازا دون الملائكة، فأل فيه للحقيقة والماهية، إلا أنه صرفه عن ذلك إلى العهد الذهني قرينة الجعل، كما في آية:
فأكله الذئب
[يوسف: 17]، فإن القرينة تخلص ذلك للبعضية وإرادة الأشخاص. وقيل المراد به: المني. فأل فيه، حينئذ، للعهد الذهني فقط. قال القشيري: كل مخلوق حي فمن الماء خلقه، فإن أصل الحيوان الذي يحصل بالتناسل النطفة، وهي من جملة الماء. ه. وتقدم أن الملائكة لا تناسل فيها. { أفلا يؤمنون } بالله وحده، وهو إنكار لعدم إيمانهم، مع ظهور ما يوجبه حتما من الآيات الآفاقية والأنفسية، الدالة على تفرده تعالى بالألوهية.
{ وجعلنا في الأرض رواسي } أي: جبالا ثوابت، من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، { أن تميد بهم } أي: كراهية أن تتحرك وتضطرب بهم، أو لئلا تميد بهم - بحذف اللام -، و " لا " لعدم الإلباس. { وجعلنا فيها } أي: في الأرض، وتكرير الجعل لاختلاف المجعولين، ولتوفية مقام الامتنان حقه، أو في الرواسي لأنها المحتاجة إلى الطرق، { فجاجا }: جمع فج، وهو الطريق الواسع، نفذ أم لا، أي: جعلنا في الأرض مسالك واسعة، و { سبلا } نافذة: فالسبل هي الفجاج مع قيد النفوذ. فإن قيل: أي فرق بين هذا وبين قوله:
لتسلكوا منها سبلا فجاجا
[نوح: 20]؟ فالجواب: أنه هنا بين أنه خلقها على هذه الصفة، وهناك بين أنه جعل فيها طرقا واسعة، وليس فيه بيان أنه خلقها كذلك، فما هنا تفسير لما هناك. انظر النسفي. وقوله تعالى: { لعلهم يهتدون } أي: إلى البلاد المقصودة بتلك السبل، أو إلى مصالحهم ومهماتهم. { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } من السقوط، كقوله:
ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه
[الحج: 65]، أو من الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم، أو من استراق السمع بالشهب، كما قال:
وحفظا من كل شيطان مارد
[الصافات: 7]. { وهم } أي: الكفار { عن آياتها } أي: عن الأدلة التي فيها، كالشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك مما فيها من العجائب الدالة على وحدانيته تعالى وقدرته وحكمته، التي بعضها محسوس، وبعضها معلوم بالبحث في علمي الطبيعة والهيئة، { معرضون } لا يتدبرون فيها، فيقفون على ما هم عليه من الكفر والضلال، فيؤمنون. { وهو الذي خلق الليل } لتسكنوا فيه، { والنهار } لتتصرفوا فيه، { والشمس } لتكون سراج النهار، { والقمر } ليكون سراج الليل، وهذا بيان لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون. وقوله: { كل } أي: كلهم، والمراد: جنس الطوالع، { في فلك يسبحون } أي: يسيرون سير العائم في الماء. عن ابن عباس رضي الله عنه: الفلك السماء، وقيل: موج مكفوف تحت السماء، يجري فيه الشمس والقمر والنجوم. وجمهور أهل الهيئة أن الفلك: جسم مستدير، وأنهن تسعة، وهل هي السماوات السبع، فيكون الكرسي ثامنا، والعرش تاسعا، أو غيرهن، فتكون تحت السماوات أو فوقها؟ قولان لهم. والمراد هنا: الجنس، كقولك: كساهم الأمير حلة، أي: حلة حلة، وجعل الضمير واو العقلاء لأن السباحة حالهم. قال في المستخرج من كتاب الغزنوني: " كل " أي: كل واحد من الشمس والقمر وسائر السيارة، وإن لم تذكرون لأنه جمع قوله: { يسبحون } والمعنى: يجرون كالسابح أو يدورون، والسيارة تجري في الفلك على عكس جري الفلك، ولها تسعة أفلاك، فالقمر في الفلك الأدنى، ثم عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل، والثامن: فلك البروج، والتاسع: الفلك الأعظم. ه. وقال في سورة يس: خص الشمس والقمر هنا، وفي سورة الأنبياء لأن سيرهما أبدا على عكس دور الفلك، وسير الخمسة قد يكون موافقا لسيره عند رجوعها.
ه. والله تعالى أعلم. الإشارة: أو لم ير الذين كفروا بوجود التربية أن سماوات الأرواح وأرض النفوس كانتا رتقا صلبة، ميتة بالجهل، ففتقناهما بالعلوم وأسرار التوحيد؟ والمعنى: أن بعض الأرواح والنفوس تكون ميتة صلبة، فإذا صحبت أهل التربية، انفتقت بالعلوم والأسرار، فهذا شاهد بوجود أهل التربية، ومن قال بانقطاعها فقوله مردود بالمشاهدة. وجعلنا من ماء الغيب - وهي الخمرة الأزلية - كل شيء حي، أفلا يؤمنون بوجود هذا الماء عند أربابه؟ وجعلنا في أرض النفوس جبالا من العقول لئلا تميل إلى الهوى فتموت، وجعلنا فيها طرقا يسلك منها إلى الحضرة، وهي كيفية الرياضة وأنواع المجاهدة، وهي طرق كثيرة، والمقصد واحد، وهو الوصول إلى الفناء والبقاء، التي هي معرفة الحق بالعيان، وهو قوله تعالى: { لعلهم يهتدون } إلى الوصول إلى حضرتنا. وجعلنا السماء، أي: سماء القلوب الصافية، سقفا محفوظا من الخواطر والوساوس والشكوك والأوهام والشياطين، قال بعضهم: " إذا كان الحق تعالى قد حفظ السماء بالشهب من الشياطين، فقلوب أوليائه أولى بالحفظ. وهم عن آياتها، أي: عن دلائل حفظها وصيانتها معرضون لانهماكهم في الغفلة. وهو الذي خلق ليل القبض ونهار البسط وشمس العرفان وقمر توحيد الدليل والبرهان، كل في موضعه، لا يتعدى أحد على صاحبه، ولكل واحد سير معلوم وأدب محتوم. وبالله التوفيق. ولما قامت الحجة على الكفرة بما ذكر من الآيات والدلائل القاطعة، وانقطعوا، قالوا: ننتظر به ريب المنون، فنستريح منه. فأنزل الله تعالى
الأنبياء 21:34
يقول الحق جل جلاله: لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } أي: البقاء الدائم لكونه مخالفا للحكمة التكوينية والتشريعية، { أفإن مت } بمقتضى حكمتنا { فهم الخالدون } بعدك؟ نزلت حين قالوا: نتربص به رب المنون، فنفى عنه الشماتة بموته، فإن الشماتة بالموت مما لا ينبغي أن يصدر من عاقل، أي: قضى الله ألا يخلد في الدنيا بشرا، فإن مت - يا محمد - أيبقى هؤلاء الكفرة؟ كلا { كل نفس ذائقة الموت } أي: ذائقة مرارة مفارقتها جسدها، فتستوي أنت وهم فيها، فلا تتصور الشماتة بأمر عام. { ونبلوكم } ، الخطاب: إما للناس كافة بطريق التلوين، أو للكفرة بطريق الالتفات، وسمي ابتلاء، وإن كان عالما بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار، أي: نختبركم { بالشر والخير } ، أي: بالفقر والغنى، أو بالضر والنفع، أو بالعطاء والمنع، أو بالذل والعز، أو بالبلاء والعافية، { فتنة } اختبارا، هل تصبرون وتشكرون، أو تجزعون وتكفرون. و { فتنة }: مصدر مؤكد { لنبلوكم } ، من غير لفظه. { وإلينا ترجعون } لا إلى غيرنا، فنجازيكم على حسب ما يؤخذ منكم من الصبر والشكر، أو الجزع والكفران. وفيه إيماء إلى أن المقصود من هذه الدنيا: الابتلاء والتعرض للثواب والعقاب. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا بد لهذا الوجود بما فيه أن تنهد دعائمه، وتسلب كرائمه، ولا بد من الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار التعب إلى دار الهناء، ومن دار العمل إلى دار الجزاء. فالعاقل من أعرض بكليته عن هذه الدار، وصرف وجهته إلى دار القرار، فاشتغل بالتزود للرحيل، وبالتأهب للمسير، فلا مطمع للخلود في هذه الدار، وقد رحل منها الأنبياء والصالحون والأبرار، وتأمل قول الشاعر:
صبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع
وقوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ، اعلم أن تخالف الآثار وتنقلات الأطوار على العبد من أفضل المنن عليه، إن صحبته اليقظة، فيرجع إلى الله تعالى في كل حال تنزل به، إن أصابته ضراء رجع إلى الله بالصبر والرضا، وإن أصابته سراء رجع إليه بالحمد والشكر، فيكون دائما في السير والترقي، وهذا معنى قوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون } أي: بهما. فالرجوع إلى الله في السراء والضراء من أركان الطريق، والرجوع إلى الله في الضراء بالصبر والرضا، وفي السراء بالحمد والشكر، ورؤية ذلك من الله بلا واسطة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" من ابتلي فصبر، وأعطي فشكر، وظلم فغفر أو ظلم فاستغفر "
، ثم سكت - عليه الصلاة والسلام - فقالوا: ما له يا رسول الله؟ قال:
أولئك لهم الأمن وهم مهتدون
وقال صلى الله عليه وسلم:
" عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له ".
والرجوع إلى الله في الضراء أصعب، والسير به أقوى لما فيه من التصفية والتطهير من أوصاف البشرية، ولذلك قدمه الحق تعالى. وفي الحديث:
" إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه "
وفي الخبر عن الله تعالى:
" الفقر سجني، والمرض قيدي، أحبس بذلك من أحببت من عبادي "
وبه يحصل على عمل القلوب الذي هو الصبر والرضا والزهد والتوكل، وغير ذلك من المقامات، وذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح، ومن أعمال القلوب يفضي إلى أعمال الأرواح والأسرار، كفكرة الشهود والاستبصار. وفكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة، بل من ألف سنة، كما قال الشاعر:
كل وقت من حبيبي قدره كألف حجه
لأن المقصود من الطاعات وأنواع العبادات: هو الوصول إلى مشاهدة الحق ومعرفته، فالفكرة والنظرة لا جزاء لها إلا زيادة كشف الذات وأنوار الصفات، منحنا الله من ذلك، الحظ الأوفر. آمين. ومن جملة الشر الذي ابتلى الله به عباده: إذابة الخلق كما قال نبيه عليه الصلاة والسلام
الأنبياء 21:35
يقول الحق جل جلاله: لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } أي: البقاء الدائم لكونه مخالفا للحكمة التكوينية والتشريعية، { أفإن مت } بمقتضى حكمتنا { فهم الخالدون } بعدك؟ نزلت حين قالوا: نتربص به رب المنون، فنفى عنه الشماتة بموته، فإن الشماتة بالموت مما لا ينبغي أن يصدر من عاقل، أي: قضى الله ألا يخلد في الدنيا بشرا، فإن مت - يا محمد - أيبقى هؤلاء الكفرة؟ كلا { كل نفس ذائقة الموت } أي: ذائقة مرارة مفارقتها جسدها، فتستوي أنت وهم فيها، فلا تتصور الشماتة بأمر عام. { ونبلوكم } ، الخطاب: إما للناس كافة بطريق التلوين، أو للكفرة بطريق الالتفات، وسمي ابتلاء، وإن كان عالما بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار، أي: نختبركم { بالشر والخير } ، أي: بالفقر والغنى، أو بالضر والنفع، أو بالعطاء والمنع، أو بالذل والعز، أو بالبلاء والعافية، { فتنة } اختبارا، هل تصبرون وتشكرون، أو تجزعون وتكفرون. و { فتنة }: مصدر مؤكد { لنبلوكم } ، من غير لفظه. { وإلينا ترجعون } لا إلى غيرنا، فنجازيكم على حسب ما يؤخذ منكم من الصبر والشكر، أو الجزع والكفران. وفيه إيماء إلى أن المقصود من هذه الدنيا: الابتلاء والتعرض للثواب والعقاب. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا بد لهذا الوجود بما فيه أن تنهد دعائمه، وتسلب كرائمه، ولا بد من الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار التعب إلى دار الهناء، ومن دار العمل إلى دار الجزاء. فالعاقل من أعرض بكليته عن هذه الدار، وصرف وجهته إلى دار القرار، فاشتغل بالتزود للرحيل، وبالتأهب للمسير، فلا مطمع للخلود في هذه الدار، وقد رحل منها الأنبياء والصالحون والأبرار، وتأمل قول الشاعر:
صبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع
وقوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ، اعلم أن تخالف الآثار وتنقلات الأطوار على العبد من أفضل المنن عليه، إن صحبته اليقظة، فيرجع إلى الله تعالى في كل حال تنزل به، إن أصابته ضراء رجع إلى الله بالصبر والرضا، وإن أصابته سراء رجع إليه بالحمد والشكر، فيكون دائما في السير والترقي، وهذا معنى قوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون } أي: بهما. فالرجوع إلى الله في السراء والضراء من أركان الطريق، والرجوع إلى الله في الضراء بالصبر والرضا، وفي السراء بالحمد والشكر، ورؤية ذلك من الله بلا واسطة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:
" من ابتلي فصبر، وأعطي فشكر، وظلم فغفر أو ظلم فاستغفر "
، ثم سكت - عليه الصلاة والسلام - فقالوا: ما له يا رسول الله؟ قال:
أولئك لهم الأمن وهم مهتدون
وقال صلى الله عليه وسلم:
" عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له ".
والرجوع إلى الله في الضراء أصعب، والسير به أقوى لما فيه من التصفية والتطهير من أوصاف البشرية، ولذلك قدمه الحق تعالى. وفي الحديث:
" إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه "
وفي الخبر عن الله تعالى:
" الفقر سجني، والمرض قيدي، أحبس بذلك من أحببت من عبادي "
وبه يحصل على عمل القلوب الذي هو الصبر والرضا والزهد والتوكل، وغير ذلك من المقامات، وذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح، ومن أعمال القلوب يفضي إلى أعمال الأرواح والأسرار، كفكرة الشهود والاستبصار. وفكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة، بل من ألف سنة، كما قال الشاعر:
كل وقت من حبيبي قدره كألف حجه
لأن المقصود من الطاعات وأنواع العبادات: هو الوصول إلى مشاهدة الحق ومعرفته، فالفكرة والنظرة لا جزاء لها إلا زيادة كشف الذات وأنوار الصفات، منحنا الله من ذلك، الحظ الأوفر. آمين. ومن جملة الشر الذي ابتلى الله به عباده: إذابة الخلق كما قال نبيه عليه الصلاة والسلام
الأنبياء 21:36
قلت: { أهذا الذي }: مقول لحال محذوفة، أي: قائلين: أهذا الذي، وحذف الحال، إذا كان قولا، مطرد. { وهم بذكر الرحمن }: حال، و { بل تأتيهم }: عطف على { لا يكفون } أي: لا يكفونها، بل تأتيهم. يقول الحق جل جلاله: { وإذا رآك الذين كفروا } أي: المشركون { إن يتخذونك } ما يتخذونك { إلا هزوا } مهزوءا بك على معنى قصر معاملتهم معه - عليه الصلاة والسلام - على اتخاذهم إياه هزوا، كأنه قيل: ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوا. نزلت في أبي جهل - لعنه الله -، مر به النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك وقال: هذا نبي بني عبد مناف. قال القشيري: لو شاهدوه على ما هو عليه من أوصاف التخصيص، وما رقاه الله من المنزلة، لظلوا له خاضعين، ولكنهم حجبوا عن معانيه وسريرته، وعاينوا فيه جسمه وصورته. فاستهزؤوا بما لم يحيطوا بعلمه، حال كونهم يقولون: { أهذا الذي يذكر } أي: يعيب { آلهتكم } ، فالذكر يكون بخير وبضده، فإن كان الذاكر صديقا للمذكور فهو ثناء. وإن كان عدوا فهو ذم. { وهم بذكر الرحمن } أي: بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، { هم كافرون } لا يصدقون به أصلا، فهم أحق بالهزء والسخرية منك لأنك محق وهم مبطلون. والمعنى أنهم يعيبون - عليه الصلاة والسلام - أن يذكر آلهتهم، التي لا تضر ولا تنفع، بالسوء، والحال: أنهم بذكر الرحمن، المنعم عليهم بأنواع النعم، التي هي من مقتضيات رحمانيته، كافرون، لا يذكرونه بما يليق به من التوحيد وأوصاف الكمال، أو: بما أنزل من القرآن لأنه ذكر الرحمن، { هم كافرون } جاحدون، فهم أحقاء بالعيب والإنكار. وكرر لفظ " هم " للتأكيد، أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر، فأعيد المبتدأ. ثم قال تعالى: { خلق الإنسان من عجل } ، العجل والعجلة مصدران، وهو تقديم الشيء على وقته. والمراد بالإنسان: الجنس، جعل لفرط استعجاله، وقلة صبره، كأنه خلق من العجلة، والعرب تقول لمن يكثر منه الشيء: خلق منه، تقول لمن يكثر منه الكرم: خلق من الكرم. ومن عجلته: مبادرته إلى الكفر واستعجاله بالوعيد. روي أنها نزلت في النضر بن الحارث، حين استعجل العذاب بقوله:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا...
[الأنفال: 32] الآية، كأنه قال: ليس ببدع منه أن يستعجل، فإنه مجبول على ذلك، وطبعه، وسجيته. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بالإنسان آدم عليه السلام، فإنه حين بلغ الروح صدره أراد أن يقوم. وروي: أنه لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ولما وصل جوفه اشتهى الطعام، فكانت العجلة من سجيته، وسرت في أولاده. وإنما منع الإنسان من الاستعجال وهو مطبوع عليه، ليتكمل بعد النقص، كما أمره بقطع الشهوة وقد ركبها فيه لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة.
قال القشيري: العجلة مذمومة، والمسارعة محمودة. والفرق بينهما: أن المسارعة: البدار إلى الشيء في أول وقته، والعجلة: استقباله قبل وقته، والعجلة سمة وسوسة الشيطان، والمسارعة قضية التوفيق. ه. وقال الورتجبي: خلقهم من العجلة، وزجرهم عن التعجيل إظهارا لقهاريته على كل مخلوق، وعجزهم عن الخروج عن ملكه وسلطانه. وحقيقة العجلة متولدة من الجهل بالمقادير السابقة. ه. قلت: ما زالت الطمأنينة والرزانة من شأن العارفين، وبها عرفوا، والعجل والقلق من شأن الجاهلين، وبها وصفوا. وقيل: العجل الطين، بلغة حمير، ولا مناسبة له هنا. قال تعالى، صارفا للخطاب عن الرسول إلى المستعجلين: { سأوريكم آياتي }: نقماتي، كعذاب النار وغيره، { فلا تستعجلون } بالإتيان بها، وهو نهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقهروها عن مرادها من الاستعجال. { ويقولون متى هذا الوعد }: إتيان العذاب، أو القيامة، { إن كنتم صادقين } في وعدكم بأنه يأتينا، قالوه استعجالا بطريق الاستهزاء، والإنكار، لا طلبا لتعيين وقته، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن مجيء الساعة. قال تعالى: { لو يعلم الذين كفروا } ، هذا استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه، وفظاعة ما فيه من العذاب، وأنهم يستعجلونه لجهلهم بشأنه. وقوله تعالى: { حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون }: مفعول { يعلم } ، وهو عبارة عن الوقت الموعود، الذي كانوا يستعجلونه. وقوله: { لو يعلم الذين كفروا } أي: حين يرون ويعلمون حقيقة الحال، وهو معاينة العذاب. وجواب " لو ": محذوف، أي: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم: متى هذا الوعد؟ وهو الوقت الذي تحيط بهم النار من ورائهم وقدامهم، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بهذه الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم. { بل تأتيهم بغتة } أي: بل تأتيهم النار أو الساعة فجأة، { فتبهتهم }: فتحيرهم أو تغلبهم، { فلا يستطيعون ردها } فلا يقدرون على دفعها عنهم، أي: النار أو الساعة، { ولا هم ينظرون }: يمهلون ليستريحوا طرفة عين. ثم سلى رسوله عن استهزائهم، فقال: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق }: نزل أو أحاط أو حل { بالذين سخروا منهم } أي: من أولئك الرسل - عليهم السلام - جزاء { ما كانوا به يستهزئون } ، وهو العذاب الدائم. نسأل الله العافية. الإشارة: كل من خرق عوائد نفسه، وخرج عن عوائد الناس، أو أمر بالخروج عن العوائد، رفضه الناس واتخذوه هزوا، سنة الله التي قد خلت من قبل، لم يأت أحد بذلك إلا عودي، فإن ظهر عليه أثر الخصوصية من علم لدني، أو هداية خلق على يده، استعجلوه بإظهار الكرامة، كما هو شأن الإنسان، خلق من عجل، فيقول: سأوريكم آياتي، فإن الأمر إذا كان مؤسسا على الحق لا بد أن تظهر أنواره وأسراره، فلو يعلم الذين كفروا بطريق الخصوص، حين ترهقهم الحسرة، وتحيط بهم الندامة، إذا رأوا أهل الصفاء يسرحون في أعلى عليين حيث شاؤوا، وجوههم كالشموس الضاحية، لبادروا إلى الانقياد لهم، وتقبيل التراب تحت أقدامهم، ولكنهم اليوم في غفلة ساهون.
ويقال لمن أنكر عليه أهل زمانه طريق التجريد وخرق العوائد: ولقد استهزئ بمن كان قبلك ممن سلك هذه الطريق، فأوذوا، وضربوا، وأخرجوا من بلادهم، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون، إما في الدنيا أو في الآخرة. فإذا أنزل بأسه فلا حافظ منه إلا الرحمن
الأنبياء 21:37
قلت: { أهذا الذي }: مقول لحال محذوفة، أي: قائلين: أهذا الذي، وحذف الحال، إذا كان قولا، مطرد. { وهم بذكر الرحمن }: حال، و { بل تأتيهم }: عطف على { لا يكفون } أي: لا يكفونها، بل تأتيهم. يقول الحق جل جلاله: { وإذا رآك الذين كفروا } أي: المشركون { إن يتخذونك } ما يتخذونك { إلا هزوا } مهزوءا بك على معنى قصر معاملتهم معه - عليه الصلاة والسلام - على اتخاذهم إياه هزوا، كأنه قيل: ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوا. نزلت في أبي جهل - لعنه الله -، مر به النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك وقال: هذا نبي بني عبد مناف. قال القشيري: لو شاهدوه على ما هو عليه من أوصاف التخصيص، وما رقاه الله من المنزلة، لظلوا له خاضعين، ولكنهم حجبوا عن معانيه وسريرته، وعاينوا فيه جسمه وصورته. فاستهزؤوا بما لم يحيطوا بعلمه، حال كونهم يقولون: { أهذا الذي يذكر } أي: يعيب { آلهتكم } ، فالذكر يكون بخير وبضده، فإن كان الذاكر صديقا للمذكور فهو ثناء. وإن كان عدوا فهو ذم. { وهم بذكر الرحمن } أي: بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، { هم كافرون } لا يصدقون به أصلا، فهم أحق بالهزء والسخرية منك لأنك محق وهم مبطلون. والمعنى أنهم يعيبون - عليه الصلاة والسلام - أن يذكر آلهتهم، التي لا تضر ولا تنفع، بالسوء، والحال: أنهم بذكر الرحمن، المنعم عليهم بأنواع النعم، التي هي من مقتضيات رحمانيته، كافرون، لا يذكرونه بما يليق به من التوحيد وأوصاف الكمال، أو: بما أنزل من القرآن لأنه ذكر الرحمن، { هم كافرون } جاحدون، فهم أحقاء بالعيب والإنكار. وكرر لفظ " هم " للتأكيد، أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر، فأعيد المبتدأ. ثم قال تعالى: { خلق الإنسان من عجل } ، العجل والعجلة مصدران، وهو تقديم الشيء على وقته. والمراد بالإنسان: الجنس، جعل لفرط استعجاله، وقلة صبره، كأنه خلق من العجلة، والعرب تقول لمن يكثر منه الشيء: خلق منه، تقول لمن يكثر منه الكرم: خلق من الكرم. ومن عجلته: مبادرته إلى الكفر واستعجاله بالوعيد. روي أنها نزلت في النضر بن الحارث، حين استعجل العذاب بقوله:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا...
[الأنفال: 32] الآية، كأنه قال: ليس ببدع منه أن يستعجل، فإنه مجبول على ذلك، وطبعه، وسجيته. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بالإنسان آدم عليه السلام، فإنه حين بلغ الروح صدره أراد أن يقوم. وروي: أنه لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ولما وصل جوفه اشتهى الطعام، فكانت العجلة من سجيته، وسرت في أولاده. وإنما منع الإنسان من الاستعجال وهو مطبوع عليه، ليتكمل بعد النقص، كما أمره بقطع الشهوة وقد ركبها فيه لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة.
قال القشيري: العجلة مذمومة، والمسارعة محمودة. والفرق بينهما: أن المسارعة: البدار إلى الشيء في أول وقته، والعجلة: استقباله قبل وقته، والعجلة سمة وسوسة الشيطان، والمسارعة قضية التوفيق. ه. وقال الورتجبي: خلقهم من العجلة، وزجرهم عن التعجيل إظهارا لقهاريته على كل مخلوق، وعجزهم عن الخروج عن ملكه وسلطانه. وحقيقة العجلة متولدة من الجهل بالمقادير السابقة. ه. قلت: ما زالت الطمأنينة والرزانة من شأن العارفين، وبها عرفوا، والعجل والقلق من شأن الجاهلين، وبها وصفوا. وقيل: العجل الطين، بلغة حمير، ولا مناسبة له هنا. قال تعالى، صارفا للخطاب عن الرسول إلى المستعجلين: { سأوريكم آياتي }: نقماتي، كعذاب النار وغيره، { فلا تستعجلون } بالإتيان بها، وهو نهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقهروها عن مرادها من الاستعجال. { ويقولون متى هذا الوعد }: إتيان العذاب، أو القيامة، { إن كنتم صادقين } في وعدكم بأنه يأتينا، قالوه استعجالا بطريق الاستهزاء، والإنكار، لا طلبا لتعيين وقته، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن مجيء الساعة. قال تعالى: { لو يعلم الذين كفروا } ، هذا استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه، وفظاعة ما فيه من العذاب، وأنهم يستعجلونه لجهلهم بشأنه. وقوله تعالى: { حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون }: مفعول { يعلم } ، وهو عبارة عن الوقت الموعود، الذي كانوا يستعجلونه. وقوله: { لو يعلم الذين كفروا } أي: حين يرون ويعلمون حقيقة الحال، وهو معاينة العذاب. وجواب " لو ": محذوف، أي: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم: متى هذا الوعد؟ وهو الوقت الذي تحيط بهم النار من ورائهم وقدامهم، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بهذه الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم. { بل تأتيهم بغتة } أي: بل تأتيهم النار أو الساعة فجأة، { فتبهتهم }: فتحيرهم أو تغلبهم، { فلا يستطيعون ردها } فلا يقدرون على دفعها عنهم، أي: النار أو الساعة، { ولا هم ينظرون }: يمهلون ليستريحوا طرفة عين. ثم سلى رسوله عن استهزائهم، فقال: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق }: نزل أو أحاط أو حل { بالذين سخروا منهم } أي: من أولئك الرسل - عليهم السلام - جزاء { ما كانوا به يستهزئون } ، وهو العذاب الدائم. نسأل الله العافية. الإشارة: كل من خرق عوائد نفسه، وخرج عن عوائد الناس، أو أمر بالخروج عن العوائد، رفضه الناس واتخذوه هزوا، سنة الله التي قد خلت من قبل، لم يأت أحد بذلك إلا عودي، فإن ظهر عليه أثر الخصوصية من علم لدني، أو هداية خلق على يده، استعجلوه بإظهار الكرامة، كما هو شأن الإنسان، خلق من عجل، فيقول: سأوريكم آياتي، فإن الأمر إذا كان مؤسسا على الحق لا بد أن تظهر أنواره وأسراره، فلو يعلم الذين كفروا بطريق الخصوص، حين ترهقهم الحسرة، وتحيط بهم الندامة، إذا رأوا أهل الصفاء يسرحون في أعلى عليين حيث شاؤوا، وجوههم كالشموس الضاحية، لبادروا إلى الانقياد لهم، وتقبيل التراب تحت أقدامهم، ولكنهم اليوم في غفلة ساهون.
ويقال لمن أنكر عليه أهل زمانه طريق التجريد وخرق العوائد: ولقد استهزئ بمن كان قبلك ممن سلك هذه الطريق، فأوذوا، وضربوا، وأخرجوا من بلادهم، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون، إما في الدنيا أو في الآخرة. فإذا أنزل بأسه فلا حافظ منه إلا الرحمن
الأنبياء 21:38
قلت: { أهذا الذي }: مقول لحال محذوفة، أي: قائلين: أهذا الذي، وحذف الحال، إذا كان قولا، مطرد. { وهم بذكر الرحمن }: حال، و { بل تأتيهم }: عطف على { لا يكفون } أي: لا يكفونها، بل تأتيهم. يقول الحق جل جلاله: { وإذا رآك الذين كفروا } أي: المشركون { إن يتخذونك } ما يتخذونك { إلا هزوا } مهزوءا بك على معنى قصر معاملتهم معه - عليه الصلاة والسلام - على اتخاذهم إياه هزوا، كأنه قيل: ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوا. نزلت في أبي جهل - لعنه الله -، مر به النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك وقال: هذا نبي بني عبد مناف. قال القشيري: لو شاهدوه على ما هو عليه من أوصاف التخصيص، وما رقاه الله من المنزلة، لظلوا له خاضعين، ولكنهم حجبوا عن معانيه وسريرته، وعاينوا فيه جسمه وصورته. فاستهزؤوا بما لم يحيطوا بعلمه، حال كونهم يقولون: { أهذا الذي يذكر } أي: يعيب { آلهتكم } ، فالذكر يكون بخير وبضده، فإن كان الذاكر صديقا للمذكور فهو ثناء. وإن كان عدوا فهو ذم. { وهم بذكر الرحمن } أي: بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، { هم كافرون } لا يصدقون به أصلا، فهم أحق بالهزء والسخرية منك لأنك محق وهم مبطلون. والمعنى أنهم يعيبون - عليه الصلاة والسلام - أن يذكر آلهتهم، التي لا تضر ولا تنفع، بالسوء، والحال: أنهم بذكر الرحمن، المنعم عليهم بأنواع النعم، التي هي من مقتضيات رحمانيته، كافرون، لا يذكرونه بما يليق به من التوحيد وأوصاف الكمال، أو: بما أنزل من القرآن لأنه ذكر الرحمن، { هم كافرون } جاحدون، فهم أحقاء بالعيب والإنكار. وكرر لفظ " هم " للتأكيد، أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر، فأعيد المبتدأ. ثم قال تعالى: { خلق الإنسان من عجل } ، العجل والعجلة مصدران، وهو تقديم الشيء على وقته. والمراد بالإنسان: الجنس، جعل لفرط استعجاله، وقلة صبره، كأنه خلق من العجلة، والعرب تقول لمن يكثر منه الشيء: خلق منه، تقول لمن يكثر منه الكرم: خلق من الكرم. ومن عجلته: مبادرته إلى الكفر واستعجاله بالوعيد. روي أنها نزلت في النضر بن الحارث، حين استعجل العذاب بقوله:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا...
[الأنفال: 32] الآية، كأنه قال: ليس ببدع منه أن يستعجل، فإنه مجبول على ذلك، وطبعه، وسجيته. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بالإنسان آدم عليه السلام، فإنه حين بلغ الروح صدره أراد أن يقوم. وروي: أنه لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ولما وصل جوفه اشتهى الطعام، فكانت العجلة من سجيته، وسرت في أولاده. وإنما منع الإنسان من الاستعجال وهو مطبوع عليه، ليتكمل بعد النقص، كما أمره بقطع الشهوة وقد ركبها فيه لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة.
قال القشيري: العجلة مذمومة، والمسارعة محمودة. والفرق بينهما: أن المسارعة: البدار إلى الشيء في أول وقته، والعجلة: استقباله قبل وقته، والعجلة سمة وسوسة الشيطان، والمسارعة قضية التوفيق. ه. وقال الورتجبي: خلقهم من العجلة، وزجرهم عن التعجيل إظهارا لقهاريته على كل مخلوق، وعجزهم عن الخروج عن ملكه وسلطانه. وحقيقة العجلة متولدة من الجهل بالمقادير السابقة. ه. قلت: ما زالت الطمأنينة والرزانة من شأن العارفين، وبها عرفوا، والعجل والقلق من شأن الجاهلين، وبها وصفوا. وقيل: العجل الطين، بلغة حمير، ولا مناسبة له هنا. قال تعالى، صارفا للخطاب عن الرسول إلى المستعجلين: { سأوريكم آياتي }: نقماتي، كعذاب النار وغيره، { فلا تستعجلون } بالإتيان بها، وهو نهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقهروها عن مرادها من الاستعجال. { ويقولون متى هذا الوعد }: إتيان العذاب، أو القيامة، { إن كنتم صادقين } في وعدكم بأنه يأتينا، قالوه استعجالا بطريق الاستهزاء، والإنكار، لا طلبا لتعيين وقته، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن مجيء الساعة. قال تعالى: { لو يعلم الذين كفروا } ، هذا استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه، وفظاعة ما فيه من العذاب، وأنهم يستعجلونه لجهلهم بشأنه. وقوله تعالى: { حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون }: مفعول { يعلم } ، وهو عبارة عن الوقت الموعود، الذي كانوا يستعجلونه. وقوله: { لو يعلم الذين كفروا } أي: حين يرون ويعلمون حقيقة الحال، وهو معاينة العذاب. وجواب " لو ": محذوف، أي: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم: متى هذا الوعد؟ وهو الوقت الذي تحيط بهم النار من ورائهم وقدامهم، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بهذه الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم. { بل تأتيهم بغتة } أي: بل تأتيهم النار أو الساعة فجأة، { فتبهتهم }: فتحيرهم أو تغلبهم، { فلا يستطيعون ردها } فلا يقدرون على دفعها عنهم، أي: النار أو الساعة، { ولا هم ينظرون }: يمهلون ليستريحوا طرفة عين. ثم سلى رسوله عن استهزائهم، فقال: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق }: نزل أو أحاط أو حل { بالذين سخروا منهم } أي: من أولئك الرسل - عليهم السلام - جزاء { ما كانوا به يستهزئون } ، وهو العذاب الدائم. نسأل الله العافية. الإشارة: كل من خرق عوائد نفسه، وخرج عن عوائد الناس، أو أمر بالخروج عن العوائد، رفضه الناس واتخذوه هزوا، سنة الله التي قد خلت من قبل، لم يأت أحد بذلك إلا عودي، فإن ظهر عليه أثر الخصوصية من علم لدني، أو هداية خلق على يده، استعجلوه بإظهار الكرامة، كما هو شأن الإنسان، خلق من عجل، فيقول: سأوريكم آياتي، فإن الأمر إذا كان مؤسسا على الحق لا بد أن تظهر أنواره وأسراره، فلو يعلم الذين كفروا بطريق الخصوص، حين ترهقهم الحسرة، وتحيط بهم الندامة، إذا رأوا أهل الصفاء يسرحون في أعلى عليين حيث شاؤوا، وجوههم كالشموس الضاحية، لبادروا إلى الانقياد لهم، وتقبيل التراب تحت أقدامهم، ولكنهم اليوم في غفلة ساهون.
ويقال لمن أنكر عليه أهل زمانه طريق التجريد وخرق العوائد: ولقد استهزئ بمن كان قبلك ممن سلك هذه الطريق، فأوذوا، وضربوا، وأخرجوا من بلادهم، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون، إما في الدنيا أو في الآخرة. فإذا أنزل بأسه فلا حافظ منه إلا الرحمن
الأنبياء 21:39
قلت: { أهذا الذي }: مقول لحال محذوفة، أي: قائلين: أهذا الذي، وحذف الحال، إذا كان قولا، مطرد. { وهم بذكر الرحمن }: حال، و { بل تأتيهم }: عطف على { لا يكفون } أي: لا يكفونها، بل تأتيهم. يقول الحق جل جلاله: { وإذا رآك الذين كفروا } أي: المشركون { إن يتخذونك } ما يتخذونك { إلا هزوا } مهزوءا بك على معنى قصر معاملتهم معه - عليه الصلاة والسلام - على اتخاذهم إياه هزوا، كأنه قيل: ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوا. نزلت في أبي جهل - لعنه الله -، مر به النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك وقال: هذا نبي بني عبد مناف. قال القشيري: لو شاهدوه على ما هو عليه من أوصاف التخصيص، وما رقاه الله من المنزلة، لظلوا له خاضعين، ولكنهم حجبوا عن معانيه وسريرته، وعاينوا فيه جسمه وصورته. فاستهزؤوا بما لم يحيطوا بعلمه، حال كونهم يقولون: { أهذا الذي يذكر } أي: يعيب { آلهتكم } ، فالذكر يكون بخير وبضده، فإن كان الذاكر صديقا للمذكور فهو ثناء. وإن كان عدوا فهو ذم. { وهم بذكر الرحمن } أي: بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، { هم كافرون } لا يصدقون به أصلا، فهم أحق بالهزء والسخرية منك لأنك محق وهم مبطلون. والمعنى أنهم يعيبون - عليه الصلاة والسلام - أن يذكر آلهتهم، التي لا تضر ولا تنفع، بالسوء، والحال: أنهم بذكر الرحمن، المنعم عليهم بأنواع النعم، التي هي من مقتضيات رحمانيته، كافرون، لا يذكرونه بما يليق به من التوحيد وأوصاف الكمال، أو: بما أنزل من القرآن لأنه ذكر الرحمن، { هم كافرون } جاحدون، فهم أحقاء بالعيب والإنكار. وكرر لفظ " هم " للتأكيد، أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر، فأعيد المبتدأ. ثم قال تعالى: { خلق الإنسان من عجل } ، العجل والعجلة مصدران، وهو تقديم الشيء على وقته. والمراد بالإنسان: الجنس، جعل لفرط استعجاله، وقلة صبره، كأنه خلق من العجلة، والعرب تقول لمن يكثر منه الشيء: خلق منه، تقول لمن يكثر منه الكرم: خلق من الكرم. ومن عجلته: مبادرته إلى الكفر واستعجاله بالوعيد. روي أنها نزلت في النضر بن الحارث، حين استعجل العذاب بقوله:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا...
[الأنفال: 32] الآية، كأنه قال: ليس ببدع منه أن يستعجل، فإنه مجبول على ذلك، وطبعه، وسجيته. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بالإنسان آدم عليه السلام، فإنه حين بلغ الروح صدره أراد أن يقوم. وروي: أنه لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ولما وصل جوفه اشتهى الطعام، فكانت العجلة من سجيته، وسرت في أولاده. وإنما منع الإنسان من الاستعجال وهو مطبوع عليه، ليتكمل بعد النقص، كما أمره بقطع الشهوة وقد ركبها فيه لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة.
قال القشيري: العجلة مذمومة، والمسارعة محمودة. والفرق بينهما: أن المسارعة: البدار إلى الشيء في أول وقته، والعجلة: استقباله قبل وقته، والعجلة سمة وسوسة الشيطان، والمسارعة قضية التوفيق. ه. وقال الورتجبي: خلقهم من العجلة، وزجرهم عن التعجيل إظهارا لقهاريته على كل مخلوق، وعجزهم عن الخروج عن ملكه وسلطانه. وحقيقة العجلة متولدة من الجهل بالمقادير السابقة. ه. قلت: ما زالت الطمأنينة والرزانة من شأن العارفين، وبها عرفوا، والعجل والقلق من شأن الجاهلين، وبها وصفوا. وقيل: العجل الطين، بلغة حمير، ولا مناسبة له هنا. قال تعالى، صارفا للخطاب عن الرسول إلى المستعجلين: { سأوريكم آياتي }: نقماتي، كعذاب النار وغيره، { فلا تستعجلون } بالإتيان بها، وهو نهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقهروها عن مرادها من الاستعجال. { ويقولون متى هذا الوعد }: إتيان العذاب، أو القيامة، { إن كنتم صادقين } في وعدكم بأنه يأتينا، قالوه استعجالا بطريق الاستهزاء، والإنكار، لا طلبا لتعيين وقته، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن مجيء الساعة. قال تعالى: { لو يعلم الذين كفروا } ، هذا استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه، وفظاعة ما فيه من العذاب، وأنهم يستعجلونه لجهلهم بشأنه. وقوله تعالى: { حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون }: مفعول { يعلم } ، وهو عبارة عن الوقت الموعود، الذي كانوا يستعجلونه. وقوله: { لو يعلم الذين كفروا } أي: حين يرون ويعلمون حقيقة الحال، وهو معاينة العذاب. وجواب " لو ": محذوف، أي: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم: متى هذا الوعد؟ وهو الوقت الذي تحيط بهم النار من ورائهم وقدامهم، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بهذه الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم. { بل تأتيهم بغتة } أي: بل تأتيهم النار أو الساعة فجأة، { فتبهتهم }: فتحيرهم أو تغلبهم، { فلا يستطيعون ردها } فلا يقدرون على دفعها عنهم، أي: النار أو الساعة، { ولا هم ينظرون }: يمهلون ليستريحوا طرفة عين. ثم سلى رسوله عن استهزائهم، فقال: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق }: نزل أو أحاط أو حل { بالذين سخروا منهم } أي: من أولئك الرسل - عليهم السلام - جزاء { ما كانوا به يستهزئون } ، وهو العذاب الدائم. نسأل الله العافية. الإشارة: كل من خرق عوائد نفسه، وخرج عن عوائد الناس، أو أمر بالخروج عن العوائد، رفضه الناس واتخذوه هزوا، سنة الله التي قد خلت من قبل، لم يأت أحد بذلك إلا عودي، فإن ظهر عليه أثر الخصوصية من علم لدني، أو هداية خلق على يده، استعجلوه بإظهار الكرامة، كما هو شأن الإنسان، خلق من عجل، فيقول: سأوريكم آياتي، فإن الأمر إذا كان مؤسسا على الحق لا بد أن تظهر أنواره وأسراره، فلو يعلم الذين كفروا بطريق الخصوص، حين ترهقهم الحسرة، وتحيط بهم الندامة، إذا رأوا أهل الصفاء يسرحون في أعلى عليين حيث شاؤوا، وجوههم كالشموس الضاحية، لبادروا إلى الانقياد لهم، وتقبيل التراب تحت أقدامهم، ولكنهم اليوم في غفلة ساهون.
ويقال لمن أنكر عليه أهل زمانه طريق التجريد وخرق العوائد: ولقد استهزئ بمن كان قبلك ممن سلك هذه الطريق، فأوذوا، وضربوا، وأخرجوا من بلادهم، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون، إما في الدنيا أو في الآخرة. فإذا أنزل بأسه فلا حافظ منه إلا الرحمن
الأنبياء 21:40
قلت: { أهذا الذي }: مقول لحال محذوفة، أي: قائلين: أهذا الذي، وحذف الحال، إذا كان قولا، مطرد. { وهم بذكر الرحمن }: حال، و { بل تأتيهم }: عطف على { لا يكفون } أي: لا يكفونها، بل تأتيهم. يقول الحق جل جلاله: { وإذا رآك الذين كفروا } أي: المشركون { إن يتخذونك } ما يتخذونك { إلا هزوا } مهزوءا بك على معنى قصر معاملتهم معه - عليه الصلاة والسلام - على اتخاذهم إياه هزوا، كأنه قيل: ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوا. نزلت في أبي جهل - لعنه الله -، مر به النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك وقال: هذا نبي بني عبد مناف. قال القشيري: لو شاهدوه على ما هو عليه من أوصاف التخصيص، وما رقاه الله من المنزلة، لظلوا له خاضعين، ولكنهم حجبوا عن معانيه وسريرته، وعاينوا فيه جسمه وصورته. فاستهزؤوا بما لم يحيطوا بعلمه، حال كونهم يقولون: { أهذا الذي يذكر } أي: يعيب { آلهتكم } ، فالذكر يكون بخير وبضده، فإن كان الذاكر صديقا للمذكور فهو ثناء. وإن كان عدوا فهو ذم. { وهم بذكر الرحمن } أي: بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، { هم كافرون } لا يصدقون به أصلا، فهم أحق بالهزء والسخرية منك لأنك محق وهم مبطلون. والمعنى أنهم يعيبون - عليه الصلاة والسلام - أن يذكر آلهتهم، التي لا تضر ولا تنفع، بالسوء، والحال: أنهم بذكر الرحمن، المنعم عليهم بأنواع النعم، التي هي من مقتضيات رحمانيته، كافرون، لا يذكرونه بما يليق به من التوحيد وأوصاف الكمال، أو: بما أنزل من القرآن لأنه ذكر الرحمن، { هم كافرون } جاحدون، فهم أحقاء بالعيب والإنكار. وكرر لفظ " هم " للتأكيد، أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر، فأعيد المبتدأ. ثم قال تعالى: { خلق الإنسان من عجل } ، العجل والعجلة مصدران، وهو تقديم الشيء على وقته. والمراد بالإنسان: الجنس، جعل لفرط استعجاله، وقلة صبره، كأنه خلق من العجلة، والعرب تقول لمن يكثر منه الشيء: خلق منه، تقول لمن يكثر منه الكرم: خلق من الكرم. ومن عجلته: مبادرته إلى الكفر واستعجاله بالوعيد. روي أنها نزلت في النضر بن الحارث، حين استعجل العذاب بقوله:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا...
[الأنفال: 32] الآية، كأنه قال: ليس ببدع منه أن يستعجل، فإنه مجبول على ذلك، وطبعه، وسجيته. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بالإنسان آدم عليه السلام، فإنه حين بلغ الروح صدره أراد أن يقوم. وروي: أنه لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ولما وصل جوفه اشتهى الطعام، فكانت العجلة من سجيته، وسرت في أولاده. وإنما منع الإنسان من الاستعجال وهو مطبوع عليه، ليتكمل بعد النقص، كما أمره بقطع الشهوة وقد ركبها فيه لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة.
قال القشيري: العجلة مذمومة، والمسارعة محمودة. والفرق بينهما: أن المسارعة: البدار إلى الشيء في أول وقته، والعجلة: استقباله قبل وقته، والعجلة سمة وسوسة الشيطان، والمسارعة قضية التوفيق. ه. وقال الورتجبي: خلقهم من العجلة، وزجرهم عن التعجيل إظهارا لقهاريته على كل مخلوق، وعجزهم عن الخروج عن ملكه وسلطانه. وحقيقة العجلة متولدة من الجهل بالمقادير السابقة. ه. قلت: ما زالت الطمأنينة والرزانة من شأن العارفين، وبها عرفوا، والعجل والقلق من شأن الجاهلين، وبها وصفوا. وقيل: العجل الطين، بلغة حمير، ولا مناسبة له هنا. قال تعالى، صارفا للخطاب عن الرسول إلى المستعجلين: { سأوريكم آياتي }: نقماتي، كعذاب النار وغيره، { فلا تستعجلون } بالإتيان بها، وهو نهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقهروها عن مرادها من الاستعجال. { ويقولون متى هذا الوعد }: إتيان العذاب، أو القيامة، { إن كنتم صادقين } في وعدكم بأنه يأتينا، قالوه استعجالا بطريق الاستهزاء، والإنكار، لا طلبا لتعيين وقته، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن مجيء الساعة. قال تعالى: { لو يعلم الذين كفروا } ، هذا استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه، وفظاعة ما فيه من العذاب، وأنهم يستعجلونه لجهلهم بشأنه. وقوله تعالى: { حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون }: مفعول { يعلم } ، وهو عبارة عن الوقت الموعود، الذي كانوا يستعجلونه. وقوله: { لو يعلم الذين كفروا } أي: حين يرون ويعلمون حقيقة الحال، وهو معاينة العذاب. وجواب " لو ": محذوف، أي: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم: متى هذا الوعد؟ وهو الوقت الذي تحيط بهم النار من ورائهم وقدامهم، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بهذه الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم. { بل تأتيهم بغتة } أي: بل تأتيهم النار أو الساعة فجأة، { فتبهتهم }: فتحيرهم أو تغلبهم، { فلا يستطيعون ردها } فلا يقدرون على دفعها عنهم، أي: النار أو الساعة، { ولا هم ينظرون }: يمهلون ليستريحوا طرفة عين. ثم سلى رسوله عن استهزائهم، فقال: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق }: نزل أو أحاط أو حل { بالذين سخروا منهم } أي: من أولئك الرسل - عليهم السلام - جزاء { ما كانوا به يستهزئون } ، وهو العذاب الدائم. نسأل الله العافية. الإشارة: كل من خرق عوائد نفسه، وخرج عن عوائد الناس، أو أمر بالخروج عن العوائد، رفضه الناس واتخذوه هزوا، سنة الله التي قد خلت من قبل، لم يأت أحد بذلك إلا عودي، فإن ظهر عليه أثر الخصوصية من علم لدني، أو هداية خلق على يده، استعجلوه بإظهار الكرامة، كما هو شأن الإنسان، خلق من عجل، فيقول: سأوريكم آياتي، فإن الأمر إذا كان مؤسسا على الحق لا بد أن تظهر أنواره وأسراره، فلو يعلم الذين كفروا بطريق الخصوص، حين ترهقهم الحسرة، وتحيط بهم الندامة، إذا رأوا أهل الصفاء يسرحون في أعلى عليين حيث شاؤوا، وجوههم كالشموس الضاحية، لبادروا إلى الانقياد لهم، وتقبيل التراب تحت أقدامهم، ولكنهم اليوم في غفلة ساهون.
ويقال لمن أنكر عليه أهل زمانه طريق التجريد وخرق العوائد: ولقد استهزئ بمن كان قبلك ممن سلك هذه الطريق، فأوذوا، وضربوا، وأخرجوا من بلادهم، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون، إما في الدنيا أو في الآخرة. فإذا أنزل بأسه فلا حافظ منه إلا الرحمن
الأنبياء 21:41
قلت: { أهذا الذي }: مقول لحال محذوفة، أي: قائلين: أهذا الذي، وحذف الحال، إذا كان قولا، مطرد. { وهم بذكر الرحمن }: حال، و { بل تأتيهم }: عطف على { لا يكفون } أي: لا يكفونها، بل تأتيهم. يقول الحق جل جلاله: { وإذا رآك الذين كفروا } أي: المشركون { إن يتخذونك } ما يتخذونك { إلا هزوا } مهزوءا بك على معنى قصر معاملتهم معه - عليه الصلاة والسلام - على اتخاذهم إياه هزوا، كأنه قيل: ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوا. نزلت في أبي جهل - لعنه الله -، مر به النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك وقال: هذا نبي بني عبد مناف. قال القشيري: لو شاهدوه على ما هو عليه من أوصاف التخصيص، وما رقاه الله من المنزلة، لظلوا له خاضعين، ولكنهم حجبوا عن معانيه وسريرته، وعاينوا فيه جسمه وصورته. فاستهزؤوا بما لم يحيطوا بعلمه، حال كونهم يقولون: { أهذا الذي يذكر } أي: يعيب { آلهتكم } ، فالذكر يكون بخير وبضده، فإن كان الذاكر صديقا للمذكور فهو ثناء. وإن كان عدوا فهو ذم. { وهم بذكر الرحمن } أي: بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، { هم كافرون } لا يصدقون به أصلا، فهم أحق بالهزء والسخرية منك لأنك محق وهم مبطلون. والمعنى أنهم يعيبون - عليه الصلاة والسلام - أن يذكر آلهتهم، التي لا تضر ولا تنفع، بالسوء، والحال: أنهم بذكر الرحمن، المنعم عليهم بأنواع النعم، التي هي من مقتضيات رحمانيته، كافرون، لا يذكرونه بما يليق به من التوحيد وأوصاف الكمال، أو: بما أنزل من القرآن لأنه ذكر الرحمن، { هم كافرون } جاحدون، فهم أحقاء بالعيب والإنكار. وكرر لفظ " هم " للتأكيد، أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر، فأعيد المبتدأ. ثم قال تعالى: { خلق الإنسان من عجل } ، العجل والعجلة مصدران، وهو تقديم الشيء على وقته. والمراد بالإنسان: الجنس، جعل لفرط استعجاله، وقلة صبره، كأنه خلق من العجلة، والعرب تقول لمن يكثر منه الشيء: خلق منه، تقول لمن يكثر منه الكرم: خلق من الكرم. ومن عجلته: مبادرته إلى الكفر واستعجاله بالوعيد. روي أنها نزلت في النضر بن الحارث، حين استعجل العذاب بقوله:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا...
[الأنفال: 32] الآية، كأنه قال: ليس ببدع منه أن يستعجل، فإنه مجبول على ذلك، وطبعه، وسجيته. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بالإنسان آدم عليه السلام، فإنه حين بلغ الروح صدره أراد أن يقوم. وروي: أنه لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ولما وصل جوفه اشتهى الطعام، فكانت العجلة من سجيته، وسرت في أولاده. وإنما منع الإنسان من الاستعجال وهو مطبوع عليه، ليتكمل بعد النقص، كما أمره بقطع الشهوة وقد ركبها فيه لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة.
قال القشيري: العجلة مذمومة، والمسارعة محمودة. والفرق بينهما: أن المسارعة: البدار إلى الشيء في أول وقته، والعجلة: استقباله قبل وقته، والعجلة سمة وسوسة الشيطان، والمسارعة قضية التوفيق. ه. وقال الورتجبي: خلقهم من العجلة، وزجرهم عن التعجيل إظهارا لقهاريته على كل مخلوق، وعجزهم عن الخروج عن ملكه وسلطانه. وحقيقة العجلة متولدة من الجهل بالمقادير السابقة. ه. قلت: ما زالت الطمأنينة والرزانة من شأن العارفين، وبها عرفوا، والعجل والقلق من شأن الجاهلين، وبها وصفوا. وقيل: العجل الطين، بلغة حمير، ولا مناسبة له هنا. قال تعالى، صارفا للخطاب عن الرسول إلى المستعجلين: { سأوريكم آياتي }: نقماتي، كعذاب النار وغيره، { فلا تستعجلون } بالإتيان بها، وهو نهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقهروها عن مرادها من الاستعجال. { ويقولون متى هذا الوعد }: إتيان العذاب، أو القيامة، { إن كنتم صادقين } في وعدكم بأنه يأتينا، قالوه استعجالا بطريق الاستهزاء، والإنكار، لا طلبا لتعيين وقته، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن مجيء الساعة. قال تعالى: { لو يعلم الذين كفروا } ، هذا استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه، وفظاعة ما فيه من العذاب، وأنهم يستعجلونه لجهلهم بشأنه. وقوله تعالى: { حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون }: مفعول { يعلم } ، وهو عبارة عن الوقت الموعود، الذي كانوا يستعجلونه. وقوله: { لو يعلم الذين كفروا } أي: حين يرون ويعلمون حقيقة الحال، وهو معاينة العذاب. وجواب " لو ": محذوف، أي: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم: متى هذا الوعد؟ وهو الوقت الذي تحيط بهم النار من ورائهم وقدامهم، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بهذه الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم. { بل تأتيهم بغتة } أي: بل تأتيهم النار أو الساعة فجأة، { فتبهتهم }: فتحيرهم أو تغلبهم، { فلا يستطيعون ردها } فلا يقدرون على دفعها عنهم، أي: النار أو الساعة، { ولا هم ينظرون }: يمهلون ليستريحوا طرفة عين. ثم سلى رسوله عن استهزائهم، فقال: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق }: نزل أو أحاط أو حل { بالذين سخروا منهم } أي: من أولئك الرسل - عليهم السلام - جزاء { ما كانوا به يستهزئون } ، وهو العذاب الدائم. نسأل الله العافية. الإشارة: كل من خرق عوائد نفسه، وخرج عن عوائد الناس، أو أمر بالخروج عن العوائد، رفضه الناس واتخذوه هزوا، سنة الله التي قد خلت من قبل، لم يأت أحد بذلك إلا عودي، فإن ظهر عليه أثر الخصوصية من علم لدني، أو هداية خلق على يده، استعجلوه بإظهار الكرامة، كما هو شأن الإنسان، خلق من عجل، فيقول: سأوريكم آياتي، فإن الأمر إذا كان مؤسسا على الحق لا بد أن تظهر أنواره وأسراره، فلو يعلم الذين كفروا بطريق الخصوص، حين ترهقهم الحسرة، وتحيط بهم الندامة، إذا رأوا أهل الصفاء يسرحون في أعلى عليين حيث شاؤوا، وجوههم كالشموس الضاحية، لبادروا إلى الانقياد لهم، وتقبيل التراب تحت أقدامهم، ولكنهم اليوم في غفلة ساهون.
ويقال لمن أنكر عليه أهل زمانه طريق التجريد وخرق العوائد: ولقد استهزئ بمن كان قبلك ممن سلك هذه الطريق، فأوذوا، وضربوا، وأخرجوا من بلادهم، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون، إما في الدنيا أو في الآخرة. فإذا أنزل بأسه فلا حافظ منه إلا الرحمن
الأنبياء 21:42
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { من يكلؤكم }: يحفظكم { بالليل والنهار من } بأس { الرحمن } الذي تستحقونه، إذا نزل بكم ليلا أو نهارا. قال الواسطي: من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن أن يظهر عليكم ما سبق فيكم؟ وقال ابن عطاء: من يكلؤكم من أمر الرحمن سوى الرحمن، وهل يقدر أحد على الكلاءة سواه؟ وتقديم الليل لأن الدواهي فيه أكثر وقوعا وأشد وقعا. وفي التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كلاءتهم ليس إلا برحمته العامة. { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } أي: بل هم معرضون عن ذكره، ولا يخطرونه ببالهم، فضلا أن يخافوا بأسه، حتى إذا رزقوا الكلاءة عرفوا من الكالئ، وصلحوا للسؤال عنه. والمعنى: أنه أمر رسوله - عليه الصلاة والسلام - بسؤالهم عن الكالئ، ثم أضرب عنه، وبين أنهم لا يصلحون لذلك، لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. هكذا للزمخشري ومن تبعه. وقال ابن جزي: والمعنى: أنه تهديد وإقامة حجة عليهم لأنهم لو أجابوا عن هذا السؤال لاعترفوا بأنه ليس لهم مانع ولا حافظ غيره تعالى - يعني لما جربوه في أحوال محنتهم - ثم قال: وجاء قوله: { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ، بمعنى أنهم، إذا سئلوا ذلك السؤال، لم يجيبوا عنه، لأنهم تقوم عليهم الحجة إن أجابوا، ولكنهم يعرضون عن ذكر الله. ه. أي: يعرضون عن أن يقولوا: كالأنا الله عتوا وعنادا. وهو معنى قوله: { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ، كأنه قال: لو سئلوا، لم يجدوا جوابا، إلا أن يقولوا: هو الله، لكنهم يعرضون عن ذكره مكابرة. قلت: وما قاله ابن جزي أحسن مما قاله الزمخشري ومن تبعه، وأقرب. ثم قال تعالى: { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا } ، هذا انتقال من بيان جهلهم بحفظه تعالى، أو إعراضهم عن ذكره، إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم. والمعنى: ألهم آلهة تمنعهم من العذاب تجاوز منعنا وحفظنا، فهم يعولون عليها واثقون بحفظها؟ وفي توجيه الإنكار والنفي إلى وجود الآلهة بما ذكر من المنع، لا إلى نفس الصفة، بأن يقال: أم تمنعهم آلهتهم... الخ. من الدلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود، فضلا عن رتبة المنع، ما لا يخفى. ثم قال تعالى: { لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون } أي: يجارون. والصاحب: المجير الوافي، يعني: أن الأصنام لا تجير نفسها، ولا نجيرهم نحن، أو لا يصحبهم نصر من جهتنا، فهم لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم، ولا يصحبون بالنصر والتأييد من جهتنا، فكيف يتوهم أن ينصروا غيرهم؟ { بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر } ، إضراب عما توهموه من منع آلهتهم وحفظها لهم، أي: ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا، لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا وإمهالا، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وظنوا أنهم دائمون على ذلك، وهو أمل كاذب.
{ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } أي: ألا ينظرون فيرون أنا نأتي أرض الكفرة فننقصها من أطرافها بإدخالها في أيدي المسلمين، فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا. وهو تمثيل وتصوير لما يخربه الله من ديارهم على أيدي المسلمين، ويضيفها إلى دار الإسلام. وفي التعبير بنأتي: إشارة إلى أن الله تعالى يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم كانت تأتيهم لغزوهم غالبة عليهم، ناقصة من أطراف أرضهم. { أفهم الغالبون } على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أي: أفكفار مكة يغلبون بعد أن نقصنا من أطراف أرضهم؟ أي: ليس كذلك، بل يغلبهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه الكرام، وقد تحقق ذلك وأنجز الله وعده، والله غالب على أمره. الإشارة: قل من يكلؤ قلوبكم وأسراركم من الرحمن، أن يذهب بما أودع فيها من المعارف وأنوار الإحسان؟ فلا أحد يحفظها إلا من رحمها بما أودع فيها، ولهذا كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، لا يعتمدون على عمل ولا حال، ولا على علم ولا مقال، وفي الحكم: " إلهي، حكمك النافذ، ومشيئتك القاهرة، لم يتركا لذي حال حالا، ولا لذي مقال مقالا ". وقال أيضا: " إلهي كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها، هدم اعتمادي عليها عدلك، بل أقالني منها فضلك ". وكثير من الناس غافلون عن هذا المعنى، بل هم عن ذكر ربهم معرضون. قال الورتجبي: قوله تعالى: { قل من يكلؤكم... } الآية، أخبر عن كمال إحاطته بكل مخلوق، وتنزيهه عن العجلة بمؤاخذتهم، كأنه يقول: أنا بذاتي تعاليت، أدفع بلطفي القديم عنكم قهري القديم، ولولا فضلي السابق وعنايتي القديمة بالرحمة عليكم، من يدفعه بالعلة الحدثانية؟ وهذا من كمال لطفي عليكم وأنتم بعد معرضون عني يا أهل الجفا، وذلك قوله: { بل هم عن ذكر ربهم معرضون }. ه. بلفظه مع تصحيف في النسخة. وقوله تعالى: { بل متعنا هؤلاء... } الآية، تمتيع العبد بطول الحياة، إن كان ذلك في طاعة الله، وازدياد في معرفته، فهو من النعم العظيمة. وفي الحديث:
" خيركم من طال عمره وحسن عمله "
لكن عند الصوفية: أنه لا ينبغي للمريد أن ينظر إلى ما مضى من عمره في طريق القوم، فقد كان بعض الشيوخ يقول: لا يكن أحدكم عبد الدهور وعبد العدد. قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: معنى كلامه: أنه لا ينبغي للفقير أن يعدكم له في طريق القوم، ليقول: أنا لي كذا وكذا من السنين في طريق القوم. ه. بالمعنى. ولعل علة النهي لئلا يرى للأيام تأثيرا في الفتح، فقد قالوا: هي لمن صدق لا لمن سبق. وقوله تعالى: { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } قال القشيري: فيه إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين، وتطاول العمر، فإن آخر الأمر كما قيل:
آخر الأمر ما ترى القبر واللحد والثرى
وكما قيل:
طوى العصران ما نشراه مني فأبلى جدتي نشر وطي أراني كل يوم في انتقاص ولا يبقى مع النقصان شي
وكأنه فسر الأرض بأرض النفوس من باب الإشارة. والله تعالى أعلم.
الأنبياء 21:43
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { من يكلؤكم }: يحفظكم { بالليل والنهار من } بأس { الرحمن } الذي تستحقونه، إذا نزل بكم ليلا أو نهارا. قال الواسطي: من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن أن يظهر عليكم ما سبق فيكم؟ وقال ابن عطاء: من يكلؤكم من أمر الرحمن سوى الرحمن، وهل يقدر أحد على الكلاءة سواه؟ وتقديم الليل لأن الدواهي فيه أكثر وقوعا وأشد وقعا. وفي التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كلاءتهم ليس إلا برحمته العامة. { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } أي: بل هم معرضون عن ذكره، ولا يخطرونه ببالهم، فضلا أن يخافوا بأسه، حتى إذا رزقوا الكلاءة عرفوا من الكالئ، وصلحوا للسؤال عنه. والمعنى: أنه أمر رسوله - عليه الصلاة والسلام - بسؤالهم عن الكالئ، ثم أضرب عنه، وبين أنهم لا يصلحون لذلك، لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. هكذا للزمخشري ومن تبعه. وقال ابن جزي: والمعنى: أنه تهديد وإقامة حجة عليهم لأنهم لو أجابوا عن هذا السؤال لاعترفوا بأنه ليس لهم مانع ولا حافظ غيره تعالى - يعني لما جربوه في أحوال محنتهم - ثم قال: وجاء قوله: { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ، بمعنى أنهم، إذا سئلوا ذلك السؤال، لم يجيبوا عنه، لأنهم تقوم عليهم الحجة إن أجابوا، ولكنهم يعرضون عن ذكر الله. ه. أي: يعرضون عن أن يقولوا: كالأنا الله عتوا وعنادا. وهو معنى قوله: { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ، كأنه قال: لو سئلوا، لم يجدوا جوابا، إلا أن يقولوا: هو الله، لكنهم يعرضون عن ذكره مكابرة. قلت: وما قاله ابن جزي أحسن مما قاله الزمخشري ومن تبعه، وأقرب. ثم قال تعالى: { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا } ، هذا انتقال من بيان جهلهم بحفظه تعالى، أو إعراضهم عن ذكره، إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم. والمعنى: ألهم آلهة تمنعهم من العذاب تجاوز منعنا وحفظنا، فهم يعولون عليها واثقون بحفظها؟ وفي توجيه الإنكار والنفي إلى وجود الآلهة بما ذكر من المنع، لا إلى نفس الصفة، بأن يقال: أم تمنعهم آلهتهم... الخ. من الدلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود، فضلا عن رتبة المنع، ما لا يخفى. ثم قال تعالى: { لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون } أي: يجارون. والصاحب: المجير الوافي، يعني: أن الأصنام لا تجير نفسها، ولا نجيرهم نحن، أو لا يصحبهم نصر من جهتنا، فهم لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم، ولا يصحبون بالنصر والتأييد من جهتنا، فكيف يتوهم أن ينصروا غيرهم؟ { بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر } ، إضراب عما توهموه من منع آلهتهم وحفظها لهم، أي: ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا، لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا وإمهالا، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وظنوا أنهم دائمون على ذلك، وهو أمل كاذب.
{ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } أي: ألا ينظرون فيرون أنا نأتي أرض الكفرة فننقصها من أطرافها بإدخالها في أيدي المسلمين، فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا. وهو تمثيل وتصوير لما يخربه الله من ديارهم على أيدي المسلمين، ويضيفها إلى دار الإسلام. وفي التعبير بنأتي: إشارة إلى أن الله تعالى يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم كانت تأتيهم لغزوهم غالبة عليهم، ناقصة من أطراف أرضهم. { أفهم الغالبون } على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أي: أفكفار مكة يغلبون بعد أن نقصنا من أطراف أرضهم؟ أي: ليس كذلك، بل يغلبهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه الكرام، وقد تحقق ذلك وأنجز الله وعده، والله غالب على أمره. الإشارة: قل من يكلؤ قلوبكم وأسراركم من الرحمن، أن يذهب بما أودع فيها من المعارف وأنوار الإحسان؟ فلا أحد يحفظها إلا من رحمها بما أودع فيها، ولهذا كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، لا يعتمدون على عمل ولا حال، ولا على علم ولا مقال، وفي الحكم: " إلهي، حكمك النافذ، ومشيئتك القاهرة، لم يتركا لذي حال حالا، ولا لذي مقال مقالا ". وقال أيضا: " إلهي كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها، هدم اعتمادي عليها عدلك، بل أقالني منها فضلك ". وكثير من الناس غافلون عن هذا المعنى، بل هم عن ذكر ربهم معرضون. قال الورتجبي: قوله تعالى: { قل من يكلؤكم... } الآية، أخبر عن كمال إحاطته بكل مخلوق، وتنزيهه عن العجلة بمؤاخذتهم، كأنه يقول: أنا بذاتي تعاليت، أدفع بلطفي القديم عنكم قهري القديم، ولولا فضلي السابق وعنايتي القديمة بالرحمة عليكم، من يدفعه بالعلة الحدثانية؟ وهذا من كمال لطفي عليكم وأنتم بعد معرضون عني يا أهل الجفا، وذلك قوله: { بل هم عن ذكر ربهم معرضون }. ه. بلفظه مع تصحيف في النسخة. وقوله تعالى: { بل متعنا هؤلاء... } الآية، تمتيع العبد بطول الحياة، إن كان ذلك في طاعة الله، وازدياد في معرفته، فهو من النعم العظيمة. وفي الحديث:
" خيركم من طال عمره وحسن عمله "
لكن عند الصوفية: أنه لا ينبغي للمريد أن ينظر إلى ما مضى من عمره في طريق القوم، فقد كان بعض الشيوخ يقول: لا يكن أحدكم عبد الدهور وعبد العدد. قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: معنى كلامه: أنه لا ينبغي للفقير أن يعدكم له في طريق القوم، ليقول: أنا لي كذا وكذا من السنين في طريق القوم. ه. بالمعنى. ولعل علة النهي لئلا يرى للأيام تأثيرا في الفتح، فقد قالوا: هي لمن صدق لا لمن سبق. وقوله تعالى: { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } قال القشيري: فيه إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين، وتطاول العمر، فإن آخر الأمر كما قيل:
آخر الأمر ما ترى القبر واللحد والثرى
وكما قيل:
طوى العصران ما نشراه مني فأبلى جدتي نشر وطي أراني كل يوم في انتقاص ولا يبقى مع النقصان شي
وكأنه فسر الأرض بأرض النفوس من باب الإشارة. والله تعالى أعلم.
الأنبياء 21:44
يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد: { من يكلؤكم }: يحفظكم { بالليل والنهار من } بأس { الرحمن } الذي تستحقونه، إذا نزل بكم ليلا أو نهارا. قال الواسطي: من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن أن يظهر عليكم ما سبق فيكم؟ وقال ابن عطاء: من يكلؤكم من أمر الرحمن سوى الرحمن، وهل يقدر أحد على الكلاءة سواه؟ وتقديم الليل لأن الدواهي فيه أكثر وقوعا وأشد وقعا. وفي التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كلاءتهم ليس إلا برحمته العامة. { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } أي: بل هم معرضون عن ذكره، ولا يخطرونه ببالهم، فضلا أن يخافوا بأسه، حتى إذا رزقوا الكلاءة عرفوا من الكالئ، وصلحوا للسؤال عنه. والمعنى: أنه أمر رسوله - عليه الصلاة والسلام - بسؤالهم عن الكالئ، ثم أضرب عنه، وبين أنهم لا يصلحون لذلك، لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. هكذا للزمخشري ومن تبعه. وقال ابن جزي: والمعنى: أنه تهديد وإقامة حجة عليهم لأنهم لو أجابوا عن هذا السؤال لاعترفوا بأنه ليس لهم مانع ولا حافظ غيره تعالى - يعني لما جربوه في أحوال محنتهم - ثم قال: وجاء قوله: { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ، بمعنى أنهم، إذا سئلوا ذلك السؤال، لم يجيبوا عنه، لأنهم تقوم عليهم الحجة إن أجابوا، ولكنهم يعرضون عن ذكر الله. ه. أي: يعرضون عن أن يقولوا: كالأنا الله عتوا وعنادا. وهو معنى قوله: { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ، كأنه قال: لو سئلوا، لم يجدوا جوابا، إلا أن يقولوا: هو الله، لكنهم يعرضون عن ذكره مكابرة. قلت: وما قاله ابن جزي أحسن مما قاله الزمخشري ومن تبعه، وأقرب. ثم قال تعالى: { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا } ، هذا انتقال من بيان جهلهم بحفظه تعالى، أو إعراضهم عن ذكره، إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم. والمعنى: ألهم آلهة تمنعهم من العذاب تجاوز منعنا وحفظنا، فهم يعولون عليها واثقون بحفظها؟ وفي توجيه الإنكار والنفي إلى وجود الآلهة بما ذكر من المنع، لا إلى نفس الصفة، بأن يقال: أم تمنعهم آلهتهم... الخ. من الدلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود، فضلا عن رتبة المنع، ما لا يخفى. ثم قال تعالى: { لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون } أي: يجارون. والصاحب: المجير الوافي، يعني: أن الأصنام لا تجير نفسها، ولا نجيرهم نحن، أو لا يصحبهم نصر من جهتنا، فهم لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم، ولا يصحبون بالنصر والتأييد من جهتنا، فكيف يتوهم أن ينصروا غيرهم؟ { بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر } ، إضراب عما توهموه من منع آلهتهم وحفظها لهم، أي: ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا، لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا وإمهالا، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وظنوا أنهم دائمون على ذلك، وهو أمل كاذب.
{ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } أي: ألا ينظرون فيرون أنا نأتي أرض الكفرة فننقصها من أطرافها بإدخالها في أيدي المسلمين، فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا. وهو تمثيل وتصوير لما يخربه الله من ديارهم على أيدي المسلمين، ويضيفها إلى دار الإسلام. وفي التعبير بنأتي: إشارة إلى أن الله تعالى يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم كانت تأتيهم لغزوهم غالبة عليهم، ناقصة من أطراف أرضهم. { أفهم الغالبون } على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أي: أفكفار مكة يغلبون بعد أن نقصنا من أطراف أرضهم؟ أي: ليس كذلك، بل يغلبهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه الكرام، وقد تحقق ذلك وأنجز الله وعده، والله غالب على أمره. الإشارة: قل من يكلؤ قلوبكم وأسراركم من الرحمن، أن يذهب بما أودع فيها من المعارف وأنوار الإحسان؟ فلا أحد يحفظها إلا من رحمها بما أودع فيها، ولهذا كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، لا يعتمدون على عمل ولا حال، ولا على علم ولا مقال، وفي الحكم: " إلهي، حكمك النافذ، ومشيئتك القاهرة، لم يتركا لذي حال حالا، ولا لذي مقال مقالا ". وقال أيضا: " إلهي كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها، هدم اعتمادي عليها عدلك، بل أقالني منها فضلك ". وكثير من الناس غافلون عن هذا المعنى، بل هم عن ذكر ربهم معرضون. قال الورتجبي: قوله تعالى: { قل من يكلؤكم... } الآية، أخبر عن كمال إحاطته بكل مخلوق، وتنزيهه عن العجلة بمؤاخذتهم، كأنه يقول: أنا بذاتي تعاليت، أدفع بلطفي القديم عنكم قهري القديم، ولولا فضلي السابق وعنايتي القديمة بالرحمة عليكم، من يدفعه بالعلة الحدثانية؟ وهذا من كمال لطفي عليكم وأنتم بعد معرضون عني يا أهل الجفا، وذلك قوله: { بل هم عن ذكر ربهم معرضون }. ه. بلفظه مع تصحيف في النسخة. وقوله تعالى: { بل متعنا هؤلاء... } الآية، تمتيع العبد بطول الحياة، إن كان ذلك في طاعة الله، وازدياد في معرفته، فهو من النعم العظيمة. وفي الحديث:
" خيركم من طال عمره وحسن عمله "
لكن عند الصوفية: أنه لا ينبغي للمريد أن ينظر إلى ما مضى من عمره في طريق القوم، فقد كان بعض الشيوخ يقول: لا يكن أحدكم عبد الدهور وعبد العدد. قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: معنى كلامه: أنه لا ينبغي للفقير أن يعدكم له في طريق القوم، ليقول: أنا لي كذا وكذا من السنين في طريق القوم. ه. بالمعنى. ولعل علة النهي لئلا يرى للأيام تأثيرا في الفتح، فقد قالوا: هي لمن صدق لا لمن سبق. وقوله تعالى: { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } قال القشيري: فيه إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين، وتطاول العمر، فإن آخر الأمر كما قيل:
آخر الأمر ما ترى القبر واللحد والثرى
وكما قيل:
طوى العصران ما نشراه مني فأبلى جدتي نشر وطي أراني كل يوم في انتقاص ولا يبقى مع النقصان شي
وكأنه فسر الأرض بأرض النفوس من باب الإشارة. والله تعالى أعلم.
الأنبياء 21:45
ولما بين الحق تعالى غاية هول ما يستعجله المستعجلون، ونهاية سوء حالهم، عند إتيانه، ونعى عليهم جهلهم بذلك، وإعراضهم عند ذكر ربهم، الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار، أمر نبيه - عليه الصلاة والسلام - بأن يخبرهم أن ما ينذرهم به، مما يستعجلونه، إنما هو بالوحي، لا من عنده. قلت: من قرأ: { يسمع } بفتح الياء، فالصم: فاعل، والدعاء: مفعول، ومن قرأ بضم التاء، رباعي فالصم: مفعول أول، والدعاء: مفعول ثان. ومن قرأ: { مثقال } بضم اللام، فكان تامة، وبالنصب: خبر كان، أي: وإن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد { إنما أنذركم } وأخوفكم من العذاب الذي تستعجلونه، أو بالساعة الموعودة، { بالوحي } القرآني الصادق، الناطق بإتيانه، وفظاعة شأنه، أي: إنما شأني أن أنذركم بالإخبار به، لا بإتيانه فإنه مخالف للحكمة الإلهية إذ الإيمان برهاني لا عياني، فإذا أنذرتهم فلا يسمع إنذارك إلا من سبقت له العناية، دون من سبق له الشقاء، ولذلك قال تعالى: { ولا يسمع الصم الدعاء } أي: الإنذار، أو لا تسمع أنت الصم الدعاء { إذا ما ينذرون } يخوفون، واللام في للعهد، وهو إشارة إلى هؤلاء المنذرين، والأصل: ولا يسمعون إنذارك إذا ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى تصاممهم وسد أسماعهم إذا أنذروا، وتسجيلا عليهم بذلك. وفي التعبير بالدعاء، دون الكلام في الإنذار، إشارة إلى تناهي صممهم في حال الإنذار، فإن الدعاء من شأنه أن يكون بأصوات عالية مكررة مقارنة لهيئة دالة عليه، فإذا لم يسمعوا، مع هذه الحالة، يكون صممهم في غاية لا غاية ورائها. { ولئن مستهم نفحة } أي: دفعة يسيرة { من عذاب ربك } أي: كائنة منه، { ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين } ، وهذا بيان لسرعة تأثيرهم من مجيء نفس العذاب، إثر بيان عدم تأثرهم من مجرد الإخبار به، لانهماكهم في الغفلة، أي: والله لئن أصابهم أدنى شيء من هذا العذاب الذي ينذرون به، لذلوا، ودعوا بالويل على أنفسهم، وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصامموا وأعرضوا. وقد بولغ في الكلام، حيث عبر بالمس والنفح لأن النفح يدل على القلة، فأصل النفح: هبوب رائحة الشيء، يقال: نفحه بعطية، إذا أعطاه شيئا يسيرا، مع أن بناءها للمرة مؤكد لقلتها. ثم بين ما يقع عند إتيان ما أنذروه، فقال: { ونضع الموازين القسط } أي: نقيم الموازين العادلة التي توزن بها الأعمال، وهو جمع ميزان، وهو ما يوزن به الشيء ليعرف كميته. وعن الحسن: " هو ميزان له كفتان ولسان " ، وإنما جمع الموازين لتعظيم شأنها، والوزن لصحائف الأعمال في قول، وقيل: وضع الميزان كناية عن تحقيق العدل، والجزاء على حسب الأعمال.
وإفراد القسط لأنه مصدر وصف به للمبالغة، كأنها في نفسها قسط، أو على حذف مضاف، أي: ذوات القسط. وقوله: { ليوم القيامة } أي: لأهل يوم القيامة، أي: لأجلهم، أو في يوم القيامة، { فلا تظلم نفس شيئا } من الظلم، ولا تنقص حقا من حقوقها، بل يؤتى كل ذي حق حقه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. { وإن كان مثقال حبة من خردل } أي: وإن كان الشيء أو العمل مثقال حبة من خردل، { أتينا بها }: أحضرناها وجازينا عليها، وأنث ضمير المثقال لإضافته إلى حبة، { وكفى بنا حاسبين } ، إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا، أو عالمين حافظين، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه، قاله ابن عباس - رضي الله عنهما -. الإشارة: كان صلى الله عليه وسلم ينذر الناس ويذكرهم بالوحي التنزيلي، وبقي خلفاؤه يذكرون بالوحي الإلهامي، موافقا للتنزيلي، ولا يسمع وعظهم ويحضر مجالسهم إلا من سبقت له سابقة العناية، وأما من انتكبت عنه العناية تنكب مجالسهم، وتصامم عن وعظهم وتذكيرهم، ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون، ولا يندمون إلا حين تنزل بهم الأهوال، ولا ينفع الندم وقد جف القلم، وذلك حين توضع موازين الأعمال، فتثقل أعمال المخلصين، وتخف أعمال المخلطين، ولا توضع الموازين إلا لأهل النفوس الموجودة، وأما من غاب عن نفسه في شهود محبوبه، لفنائه في شهوده، وانطوائه في وجوده، فلا ينصب له ميزان إذ لا يشهد لنفسه حسا ولا فعلا ولا تركا، وإنما الفعل كله للواحد القهار. ويكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه. آمين. ثم شرع في تفصيل ما أجمل في قوله:
ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم
، [الأنبياء: 7] إلى قوله:
وأهلكنا المسرفين
[الأنبياء:9].
الأنبياء 21:46
ولما بين الحق تعالى غاية هول ما يستعجله المستعجلون، ونهاية سوء حالهم، عند إتيانه، ونعى عليهم جهلهم بذلك، وإعراضهم عند ذكر ربهم، الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار، أمر نبيه - عليه الصلاة والسلام - بأن يخبرهم أن ما ينذرهم به، مما يستعجلونه، إنما هو بالوحي، لا من عنده. قلت: من قرأ: { يسمع } بفتح الياء، فالصم: فاعل، والدعاء: مفعول، ومن قرأ بضم التاء، رباعي فالصم: مفعول أول، والدعاء: مفعول ثان. ومن قرأ: { مثقال } بضم اللام، فكان تامة، وبالنصب: خبر كان، أي: وإن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد { إنما أنذركم } وأخوفكم من العذاب الذي تستعجلونه، أو بالساعة الموعودة، { بالوحي } القرآني الصادق، الناطق بإتيانه، وفظاعة شأنه، أي: إنما شأني أن أنذركم بالإخبار به، لا بإتيانه فإنه مخالف للحكمة الإلهية إذ الإيمان برهاني لا عياني، فإذا أنذرتهم فلا يسمع إنذارك إلا من سبقت له العناية، دون من سبق له الشقاء، ولذلك قال تعالى: { ولا يسمع الصم الدعاء } أي: الإنذار، أو لا تسمع أنت الصم الدعاء { إذا ما ينذرون } يخوفون، واللام في للعهد، وهو إشارة إلى هؤلاء المنذرين، والأصل: ولا يسمعون إنذارك إذا ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى تصاممهم وسد أسماعهم إذا أنذروا، وتسجيلا عليهم بذلك. وفي التعبير بالدعاء، دون الكلام في الإنذار، إشارة إلى تناهي صممهم في حال الإنذار، فإن الدعاء من شأنه أن يكون بأصوات عالية مكررة مقارنة لهيئة دالة عليه، فإذا لم يسمعوا، مع هذه الحالة، يكون صممهم في غاية لا غاية ورائها. { ولئن مستهم نفحة } أي: دفعة يسيرة { من عذاب ربك } أي: كائنة منه، { ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين } ، وهذا بيان لسرعة تأثيرهم من مجيء نفس العذاب، إثر بيان عدم تأثرهم من مجرد الإخبار به، لانهماكهم في الغفلة، أي: والله لئن أصابهم أدنى شيء من هذا العذاب الذي ينذرون به، لذلوا، ودعوا بالويل على أنفسهم، وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصامموا وأعرضوا. وقد بولغ في الكلام، حيث عبر بالمس والنفح لأن النفح يدل على القلة، فأصل النفح: هبوب رائحة الشيء، يقال: نفحه بعطية، إذا أعطاه شيئا يسيرا، مع أن بناءها للمرة مؤكد لقلتها. ثم بين ما يقع عند إتيان ما أنذروه، فقال: { ونضع الموازين القسط } أي: نقيم الموازين العادلة التي توزن بها الأعمال، وهو جمع ميزان، وهو ما يوزن به الشيء ليعرف كميته. وعن الحسن: " هو ميزان له كفتان ولسان " ، وإنما جمع الموازين لتعظيم شأنها، والوزن لصحائف الأعمال في قول، وقيل: وضع الميزان كناية عن تحقيق العدل، والجزاء على حسب الأعمال.
وإفراد القسط لأنه مصدر وصف به للمبالغة، كأنها في نفسها قسط، أو على حذف مضاف، أي: ذوات القسط. وقوله: { ليوم القيامة } أي: لأهل يوم القيامة، أي: لأجلهم، أو في يوم القيامة، { فلا تظلم نفس شيئا } من الظلم، ولا تنقص حقا من حقوقها، بل يؤتى كل ذي حق حقه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. { وإن كان مثقال حبة من خردل } أي: وإن كان الشيء أو العمل مثقال حبة من خردل، { أتينا بها }: أحضرناها وجازينا عليها، وأنث ضمير المثقال لإضافته إلى حبة، { وكفى بنا حاسبين } ، إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا، أو عالمين حافظين، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه، قاله ابن عباس - رضي الله عنهما -. الإشارة: كان صلى الله عليه وسلم ينذر الناس ويذكرهم بالوحي التنزيلي، وبقي خلفاؤه يذكرون بالوحي الإلهامي، موافقا للتنزيلي، ولا يسمع وعظهم ويحضر مجالسهم إلا من سبقت له سابقة العناية، وأما من انتكبت عنه العناية تنكب مجالسهم، وتصامم عن وعظهم وتذكيرهم، ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون، ولا يندمون إلا حين تنزل بهم الأهوال، ولا ينفع الندم وقد جف القلم، وذلك حين توضع موازين الأعمال، فتثقل أعمال المخلصين، وتخف أعمال المخلطين، ولا توضع الموازين إلا لأهل النفوس الموجودة، وأما من غاب عن نفسه في شهود محبوبه، لفنائه في شهوده، وانطوائه في وجوده، فلا ينصب له ميزان إذ لا يشهد لنفسه حسا ولا فعلا ولا تركا، وإنما الفعل كله للواحد القهار. ويكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه. آمين. ثم شرع في تفصيل ما أجمل في قوله:
ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم
، [الأنبياء: 7] إلى قوله:
وأهلكنا المسرفين
[الأنبياء:9].
الأنبياء 21:47
ولما بين الحق تعالى غاية هول ما يستعجله المستعجلون، ونهاية سوء حالهم، عند إتيانه، ونعى عليهم جهلهم بذلك، وإعراضهم عند ذكر ربهم، الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار، أمر نبيه - عليه الصلاة والسلام - بأن يخبرهم أن ما ينذرهم به، مما يستعجلونه، إنما هو بالوحي، لا من عنده. قلت: من قرأ: { يسمع } بفتح الياء، فالصم: فاعل، والدعاء: مفعول، ومن قرأ بضم التاء، رباعي فالصم: مفعول أول، والدعاء: مفعول ثان. ومن قرأ: { مثقال } بضم اللام، فكان تامة، وبالنصب: خبر كان، أي: وإن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين. يقول الحق جل جلاله: { قل } لهم يا محمد { إنما أنذركم } وأخوفكم من العذاب الذي تستعجلونه، أو بالساعة الموعودة، { بالوحي } القرآني الصادق، الناطق بإتيانه، وفظاعة شأنه، أي: إنما شأني أن أنذركم بالإخبار به، لا بإتيانه فإنه مخالف للحكمة الإلهية إذ الإيمان برهاني لا عياني، فإذا أنذرتهم فلا يسمع إنذارك إلا من سبقت له العناية، دون من سبق له الشقاء، ولذلك قال تعالى: { ولا يسمع الصم الدعاء } أي: الإنذار، أو لا تسمع أنت الصم الدعاء { إذا ما ينذرون } يخوفون، واللام في للعهد، وهو إشارة إلى هؤلاء المنذرين، والأصل: ولا يسمعون إنذارك إذا ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى تصاممهم وسد أسماعهم إذا أنذروا، وتسجيلا عليهم بذلك. وفي التعبير بالدعاء، دون الكلام في الإنذار، إشارة إلى تناهي صممهم في حال الإنذار، فإن الدعاء من شأنه أن يكون بأصوات عالية مكررة مقارنة لهيئة دالة عليه، فإذا لم يسمعوا، مع هذه الحالة، يكون صممهم في غاية لا غاية ورائها. { ولئن مستهم نفحة } أي: دفعة يسيرة { من عذاب ربك } أي: كائنة منه، { ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين } ، وهذا بيان لسرعة تأثيرهم من مجيء نفس العذاب، إثر بيان عدم تأثرهم من مجرد الإخبار به، لانهماكهم في الغفلة، أي: والله لئن أصابهم أدنى شيء من هذا العذاب الذي ينذرون به، لذلوا، ودعوا بالويل على أنفسهم، وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصامموا وأعرضوا. وقد بولغ في الكلام، حيث عبر بالمس والنفح لأن النفح يدل على القلة، فأصل النفح: هبوب رائحة الشيء، يقال: نفحه بعطية، إذا أعطاه شيئا يسيرا، مع أن بناءها للمرة مؤكد لقلتها. ثم بين ما يقع عند إتيان ما أنذروه، فقال: { ونضع الموازين القسط } أي: نقيم الموازين العادلة التي توزن بها الأعمال، وهو جمع ميزان، وهو ما يوزن به الشيء ليعرف كميته. وعن الحسن: " هو ميزان له كفتان ولسان " ، وإنما جمع الموازين لتعظيم شأنها، والوزن لصحائف الأعمال في قول، وقيل: وضع الميزان كناية عن تحقيق العدل، والجزاء على حسب الأعمال.
وإفراد القسط لأنه مصدر وصف به للمبالغة، كأنها في نفسها قسط، أو على حذف مضاف، أي: ذوات القسط. وقوله: { ليوم القيامة } أي: لأهل يوم القيامة، أي: لأجلهم، أو في يوم القيامة، { فلا تظلم نفس شيئا } من الظلم، ولا تنقص حقا من حقوقها، بل يؤتى كل ذي حق حقه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. { وإن كان مثقال حبة من خردل } أي: وإن كان الشيء أو العمل مثقال حبة من خردل، { أتينا بها }: أحضرناها وجازينا عليها، وأنث ضمير المثقال لإضافته إلى حبة، { وكفى بنا حاسبين } ، إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا، أو عالمين حافظين، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه، قاله ابن عباس - رضي الله عنهما -. الإشارة: كان صلى الله عليه وسلم ينذر الناس ويذكرهم بالوحي التنزيلي، وبقي خلفاؤه يذكرون بالوحي الإلهامي، موافقا للتنزيلي، ولا يسمع وعظهم ويحضر مجالسهم إلا من سبقت له سابقة العناية، وأما من انتكبت عنه العناية تنكب مجالسهم، وتصامم عن وعظهم وتذكيرهم، ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون، ولا يندمون إلا حين تنزل بهم الأهوال، ولا ينفع الندم وقد جف القلم، وذلك حين توضع موازين الأعمال، فتثقل أعمال المخلصين، وتخف أعمال المخلطين، ولا توضع الموازين إلا لأهل النفوس الموجودة، وأما من غاب عن نفسه في شهود محبوبه، لفنائه في شهوده، وانطوائه في وجوده، فلا ينصب له ميزان إذ لا يشهد لنفسه حسا ولا فعلا ولا تركا، وإنما الفعل كله للواحد القهار. ويكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، جعلنا الله من خواصهم بمنه وكرمه. آمين. ثم شرع في تفصيل ما أجمل في قوله:
ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم
، [الأنبياء: 7] إلى قوله:
وأهلكنا المسرفين
[الأنبياء:9].
الأنبياء 21:48
يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين } ، هذه الأوصاف كلها للتوراة، فهي فرقان بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به، ويتوصل به إلى سبيل النجاة، وذكرا، أي: شرفا، أو وعظا وتذكيرا. وتوكيده بالقسم لإظهار كمال الاعتناء به، أي: والله لقد آتيناهما وحيا ساطعا وكتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وذكرا ينتفع به الناس، أو شرفا لمن عمل به، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المستضيئون بأنواره، المغتنمون لمغانم آثاره، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع والأحكام، ودخلت الواو في الصفات، كقوله تعالى
وسيدا وحصورا ونبيا
[آل عمران: 39]، وتقول: مررت بزيد الكريم والعالم والصالح. ثم وصف المتقين أو مدحهم بقوله: { الذين يخشون ربهم } ، حال كونهم { بالغيب } أي: يخافون عذابه تعالى، وهو غائب عنهم غير مشاهد لهم، ففيه تعريض بالكفرة، حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهدوا ما أنذروه. أو يخافون الله في الخلاء كما يخافونه بين الناس، أو يخافونه بمجرد الإيمان به غير مشاهدين له، { وهم من الساعة مشفقون } أي: خائفون معتنون بالتأهي لها. وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر، بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق للإيذان بكونها أعظم المخلوقات، وللتنصيص على الاتصاف بضد ما اتصف به الكفرة الغافلون عنها، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه لهم. { وهذا } أي: القرآن الكريم، أشير إليه بهذا إيذانا بغاية وضوح أمره، { ذكر } يتذكر به من تذكر، وصفه ببعض أوصاف التوراة لموافقته له في الإنزال، ولما مر في صدر السورة من قوله:
ما يأتيهم من ذكر
[الأنبياء: 2] الخ، { مبارك } كثير الخير، غزير النفع، يتبرك به على الدوام. قال القشيري: وصفه بالبركة هو إخبار عن ثباته، من قولهم: برك البعير، وبرك الطائر على الماء، أي: داوم. وهذا الكتاب دائم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو دال على كلامه القديم، فلا انتهاء له، كما لا ابتداء له ولا انتهاء لكلامه. ه. { أنزلناه } على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صفة ثانية للكتاب { أفأنتم له منكرون } استفهام توبيخي، أي: جاحدون أنه منزل من عند الله، والمعنى: أبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة، في الإنزال والإيحاء، أنتم منكرون لكونه منزلا من عندنا فإن ذلك، بعد ملاحظة التوراة، مما لا مساغ له أصلا. وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما وصف به التوراة وصف به كتابنا العزيز، قال تعالى:
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده
[الفرقان: 1]، وقال:
وأنزلنآ إليكم نورا مبينا
[النساء: 174]، وقال هنا: { وهذا ذكر مبارك } ، فزاده البركة لعموم خيره ودوام نفعه، وخصوصا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب: قال القشيري: والخشية بالغيب: إطراق السريرة في أول الحضور، باستشعار الوجل من جريان سوء الأدب، والحذر من أن يبدو من الغيب بغتات التقدير، مما يوجب حجبة العبد. ه. ثم ذكر بقية المشاهير من الرسل وبدأ بإبراهيم....
الأنبياء 21:49
يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين } ، هذه الأوصاف كلها للتوراة، فهي فرقان بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به، ويتوصل به إلى سبيل النجاة، وذكرا، أي: شرفا، أو وعظا وتذكيرا. وتوكيده بالقسم لإظهار كمال الاعتناء به، أي: والله لقد آتيناهما وحيا ساطعا وكتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وذكرا ينتفع به الناس، أو شرفا لمن عمل به، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المستضيئون بأنواره، المغتنمون لمغانم آثاره، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع والأحكام، ودخلت الواو في الصفات، كقوله تعالى
وسيدا وحصورا ونبيا
[آل عمران: 39]، وتقول: مررت بزيد الكريم والعالم والصالح. ثم وصف المتقين أو مدحهم بقوله: { الذين يخشون ربهم } ، حال كونهم { بالغيب } أي: يخافون عذابه تعالى، وهو غائب عنهم غير مشاهد لهم، ففيه تعريض بالكفرة، حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهدوا ما أنذروه. أو يخافون الله في الخلاء كما يخافونه بين الناس، أو يخافونه بمجرد الإيمان به غير مشاهدين له، { وهم من الساعة مشفقون } أي: خائفون معتنون بالتأهي لها. وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر، بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق للإيذان بكونها أعظم المخلوقات، وللتنصيص على الاتصاف بضد ما اتصف به الكفرة الغافلون عنها، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه لهم. { وهذا } أي: القرآن الكريم، أشير إليه بهذا إيذانا بغاية وضوح أمره، { ذكر } يتذكر به من تذكر، وصفه ببعض أوصاف التوراة لموافقته له في الإنزال، ولما مر في صدر السورة من قوله:
ما يأتيهم من ذكر
[الأنبياء: 2] الخ، { مبارك } كثير الخير، غزير النفع، يتبرك به على الدوام. قال القشيري: وصفه بالبركة هو إخبار عن ثباته، من قولهم: برك البعير، وبرك الطائر على الماء، أي: داوم. وهذا الكتاب دائم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو دال على كلامه القديم، فلا انتهاء له، كما لا ابتداء له ولا انتهاء لكلامه. ه. { أنزلناه } على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صفة ثانية للكتاب { أفأنتم له منكرون } استفهام توبيخي، أي: جاحدون أنه منزل من عند الله، والمعنى: أبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة، في الإنزال والإيحاء، أنتم منكرون لكونه منزلا من عندنا فإن ذلك، بعد ملاحظة التوراة، مما لا مساغ له أصلا. وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما وصف به التوراة وصف به كتابنا العزيز، قال تعالى:
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده
[الفرقان: 1]، وقال:
وأنزلنآ إليكم نورا مبينا
[النساء: 174]، وقال هنا: { وهذا ذكر مبارك } ، فزاده البركة لعموم خيره ودوام نفعه، وخصوصا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب: قال القشيري: والخشية بالغيب: إطراق السريرة في أول الحضور، باستشعار الوجل من جريان سوء الأدب، والحذر من أن يبدو من الغيب بغتات التقدير، مما يوجب حجبة العبد. ه. ثم ذكر بقية المشاهير من الرسل وبدأ بإبراهيم....
الأنبياء 21:50
يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين } ، هذه الأوصاف كلها للتوراة، فهي فرقان بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به، ويتوصل به إلى سبيل النجاة، وذكرا، أي: شرفا، أو وعظا وتذكيرا. وتوكيده بالقسم لإظهار كمال الاعتناء به، أي: والله لقد آتيناهما وحيا ساطعا وكتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وذكرا ينتفع به الناس، أو شرفا لمن عمل به، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المستضيئون بأنواره، المغتنمون لمغانم آثاره، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع والأحكام، ودخلت الواو في الصفات، كقوله تعالى
وسيدا وحصورا ونبيا
[آل عمران: 39]، وتقول: مررت بزيد الكريم والعالم والصالح. ثم وصف المتقين أو مدحهم بقوله: { الذين يخشون ربهم } ، حال كونهم { بالغيب } أي: يخافون عذابه تعالى، وهو غائب عنهم غير مشاهد لهم، ففيه تعريض بالكفرة، حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهدوا ما أنذروه. أو يخافون الله في الخلاء كما يخافونه بين الناس، أو يخافونه بمجرد الإيمان به غير مشاهدين له، { وهم من الساعة مشفقون } أي: خائفون معتنون بالتأهي لها. وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر، بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق للإيذان بكونها أعظم المخلوقات، وللتنصيص على الاتصاف بضد ما اتصف به الكفرة الغافلون عنها، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه لهم. { وهذا } أي: القرآن الكريم، أشير إليه بهذا إيذانا بغاية وضوح أمره، { ذكر } يتذكر به من تذكر، وصفه ببعض أوصاف التوراة لموافقته له في الإنزال، ولما مر في صدر السورة من قوله:
ما يأتيهم من ذكر
[الأنبياء: 2] الخ، { مبارك } كثير الخير، غزير النفع، يتبرك به على الدوام. قال القشيري: وصفه بالبركة هو إخبار عن ثباته، من قولهم: برك البعير، وبرك الطائر على الماء، أي: داوم. وهذا الكتاب دائم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو دال على كلامه القديم، فلا انتهاء له، كما لا ابتداء له ولا انتهاء لكلامه. ه. { أنزلناه } على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صفة ثانية للكتاب { أفأنتم له منكرون } استفهام توبيخي، أي: جاحدون أنه منزل من عند الله، والمعنى: أبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة، في الإنزال والإيحاء، أنتم منكرون لكونه منزلا من عندنا فإن ذلك، بعد ملاحظة التوراة، مما لا مساغ له أصلا. وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما وصف به التوراة وصف به كتابنا العزيز، قال تعالى:
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده
[الفرقان: 1]، وقال:
وأنزلنآ إليكم نورا مبينا
[النساء: 174]، وقال هنا: { وهذا ذكر مبارك } ، فزاده البركة لعموم خيره ودوام نفعه، وخصوصا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب: قال القشيري: والخشية بالغيب: إطراق السريرة في أول الحضور، باستشعار الوجل من جريان سوء الأدب، والحذر من أن يبدو من الغيب بغتات التقدير، مما يوجب حجبة العبد. ه. ثم ذكر بقية المشاهير من الرسل وبدأ بإبراهيم....
الأنبياء 21:51
قلت: { إذ قال }: ظرف لآتينا، أو لرشده. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا إبراهيم رشده } أي: الرشد اللائق به وبأمثاله من كبراء الرسل، وهو الاهتداء الكامل، المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي، مع الاقتدار على إصلاح الأمة وإرشادها بسياسة النبوة والوحي الإلهي، { من قبل } أي: من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وتقديم ذكرهما، لما بين التوراة والقرآن من الشبه التام. وقيل: من قبل إنزال القرآن، أو من قبل استنبائه، أو من قبل بلوغه، { وكنا به عالمين } أي: بأنه أهل لما آتيناه، أو عالمين برشده، وما خصصناه به من الهداية الخاصة. { إذ قال لأبيه وقومه } أي: آتيناه ذلك حين قال لأبيه، أو اذكر وقت قوله لهم: { ما هذه التماثيل } أي: الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور والإنسان، وفيه تجاهل بهم تحقيرا لها، مع علمه بتعظيمهم لها توبيخا لهم على إجلالها مع كونها خشبا وأحجارا لا تضر ولا تنفع، { التي أنتم لها عاكفون } أي: لأجل عبادتها مقيمون، فلما عجزوا عن الدليل { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } فقلدناهم، فأبطله عليه السلام، على طريقة التوكيد بالقسم، فقال: { لقد كنتم أنتم وآباؤكم } الذين سنوا لكم هذه السنة الباطلة، { في ضلال مبين }: ظاهر بين، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء، أي: والله لقد كنتم مستقرين في ضلال عظيم ظاهر لعدم استناده إلى دليل، فالتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في الجملة، لا فيما اتضح بطلانه، سيما في أمر التوحيد. { قالوا أجئتنا بالحق } أي: بالجد، { أم أنت من اللاعبين } ، فتقول ما تقول على الملاعبة والمزاح. والمعنى: أجاد أنت، أم لاعب فيما تقول؟ قالوا ذلك استعظاما منهم لإنكاره، واستبعادا لكون ما هم عليه ضلال، وتعجيبا من تضليله إياهم. ثم أضرب عنهم مخبرا بأنه جاد فيما قال، غير لاعب، بإقامة البرهان على بطلان ما ادعوه فقال: { بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن } ، لا التماثيل التي صورتم. وقيل: هو إضراب عما بنوا عليه مقالتهم من اعتقاد كونها أربابا لهم، كما يفصح عنه قولهم:
نعبد أصناما فنظل لها عاكفين
[الشعراء: 71]، كأنه قال: ليس الأمر كذلك، بل ربكم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وأنشأهن، فالضمير للسماوات والأرض، وصفه تعالى بإيجادهن، إثر وصفه تعالى بربوبيته لهن تحقيقا للحق، وتنبيها على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من الربوبية، أي: أنشأهن بما فيهن من المخلوقات، التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه، من غير مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه. وقيل: الضمير للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم، وأظهر في إلزام الحجة عليهم لما فيه من التصريح المغني عن التأمل في كون ما يعبدونه من المخلوقات، والأول أقرب.
ثم قال عليه السلام: { وأنا على ذلكم } الذي ذكرت: من كون ربكم رب السماوات والأرض، دون ما عداه، كائنا ما كان، { من الشاهدين } أي: العالمين به على سبيل الحقيقة، المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء: من تحققه وبرهن عليه، كأنه قال: وأنا أعلم ذلك، وأتحققه، وأبرهن عليه، والله تعالى أعلم. الإشارة: زخارف الدنيا وبهجتها، من تشييد بناء، وتزويق سقف وحيطان، وإنشاء غروس وبساتين، وجمع أموال، وتربية جاه، كلها تماثيل لا حقيقة لها، فانية لا دوام لها. فمن عكف عليها، وأولع بخدمتها وجمعها وتحصيلها، كان عابدا لها، فينبغي لذي الرشد والعقل الوافر، الذي تحرر منها، أن ينكر عليهم، ويقول لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فإن قالوا: وجدنا أباءنا يفعلون هذا، وعلماءنا مثلنا، فليقل لهم: لقد كنتم وآباؤكم وعلماؤكم في ضلال مبين، عما كان عليه الأنبياء والأولياء والسلف الصالح. فإن قالوا: أجاد أنت أم لا؟ فليقل: بل ربكم الذي ينبغي أن يفرد بالمحبة والخدمة، وهو رب السماوات والأرض، لا ما أنتم عليه من محبة الدنيا وبهجتها، وأنا على ذلكم من الشاهدين. ثم ذكر كسره الاصنام وما ترتب عليه
الأنبياء 21:52
قلت: { إذ قال }: ظرف لآتينا، أو لرشده. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا إبراهيم رشده } أي: الرشد اللائق به وبأمثاله من كبراء الرسل، وهو الاهتداء الكامل، المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي، مع الاقتدار على إصلاح الأمة وإرشادها بسياسة النبوة والوحي الإلهي، { من قبل } أي: من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وتقديم ذكرهما، لما بين التوراة والقرآن من الشبه التام. وقيل: من قبل إنزال القرآن، أو من قبل استنبائه، أو من قبل بلوغه، { وكنا به عالمين } أي: بأنه أهل لما آتيناه، أو عالمين برشده، وما خصصناه به من الهداية الخاصة. { إذ قال لأبيه وقومه } أي: آتيناه ذلك حين قال لأبيه، أو اذكر وقت قوله لهم: { ما هذه التماثيل } أي: الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور والإنسان، وفيه تجاهل بهم تحقيرا لها، مع علمه بتعظيمهم لها توبيخا لهم على إجلالها مع كونها خشبا وأحجارا لا تضر ولا تنفع، { التي أنتم لها عاكفون } أي: لأجل عبادتها مقيمون، فلما عجزوا عن الدليل { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } فقلدناهم، فأبطله عليه السلام، على طريقة التوكيد بالقسم، فقال: { لقد كنتم أنتم وآباؤكم } الذين سنوا لكم هذه السنة الباطلة، { في ضلال مبين }: ظاهر بين، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء، أي: والله لقد كنتم مستقرين في ضلال عظيم ظاهر لعدم استناده إلى دليل، فالتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في الجملة، لا فيما اتضح بطلانه، سيما في أمر التوحيد. { قالوا أجئتنا بالحق } أي: بالجد، { أم أنت من اللاعبين } ، فتقول ما تقول على الملاعبة والمزاح. والمعنى: أجاد أنت، أم لاعب فيما تقول؟ قالوا ذلك استعظاما منهم لإنكاره، واستبعادا لكون ما هم عليه ضلال، وتعجيبا من تضليله إياهم. ثم أضرب عنهم مخبرا بأنه جاد فيما قال، غير لاعب، بإقامة البرهان على بطلان ما ادعوه فقال: { بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن } ، لا التماثيل التي صورتم. وقيل: هو إضراب عما بنوا عليه مقالتهم من اعتقاد كونها أربابا لهم، كما يفصح عنه قولهم:
نعبد أصناما فنظل لها عاكفين
[الشعراء: 71]، كأنه قال: ليس الأمر كذلك، بل ربكم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وأنشأهن، فالضمير للسماوات والأرض، وصفه تعالى بإيجادهن، إثر وصفه تعالى بربوبيته لهن تحقيقا للحق، وتنبيها على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من الربوبية، أي: أنشأهن بما فيهن من المخلوقات، التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه، من غير مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه. وقيل: الضمير للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم، وأظهر في إلزام الحجة عليهم لما فيه من التصريح المغني عن التأمل في كون ما يعبدونه من المخلوقات، والأول أقرب.
ثم قال عليه السلام: { وأنا على ذلكم } الذي ذكرت: من كون ربكم رب السماوات والأرض، دون ما عداه، كائنا ما كان، { من الشاهدين } أي: العالمين به على سبيل الحقيقة، المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء: من تحققه وبرهن عليه، كأنه قال: وأنا أعلم ذلك، وأتحققه، وأبرهن عليه، والله تعالى أعلم. الإشارة: زخارف الدنيا وبهجتها، من تشييد بناء، وتزويق سقف وحيطان، وإنشاء غروس وبساتين، وجمع أموال، وتربية جاه، كلها تماثيل لا حقيقة لها، فانية لا دوام لها. فمن عكف عليها، وأولع بخدمتها وجمعها وتحصيلها، كان عابدا لها، فينبغي لذي الرشد والعقل الوافر، الذي تحرر منها، أن ينكر عليهم، ويقول لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فإن قالوا: وجدنا أباءنا يفعلون هذا، وعلماءنا مثلنا، فليقل لهم: لقد كنتم وآباؤكم وعلماؤكم في ضلال مبين، عما كان عليه الأنبياء والأولياء والسلف الصالح. فإن قالوا: أجاد أنت أم لا؟ فليقل: بل ربكم الذي ينبغي أن يفرد بالمحبة والخدمة، وهو رب السماوات والأرض، لا ما أنتم عليه من محبة الدنيا وبهجتها، وأنا على ذلكم من الشاهدين. ثم ذكر كسره الاصنام وما ترتب عليه
الأنبياء 21:53
قلت: { إذ قال }: ظرف لآتينا، أو لرشده. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا إبراهيم رشده } أي: الرشد اللائق به وبأمثاله من كبراء الرسل، وهو الاهتداء الكامل، المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي، مع الاقتدار على إصلاح الأمة وإرشادها بسياسة النبوة والوحي الإلهي، { من قبل } أي: من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وتقديم ذكرهما، لما بين التوراة والقرآن من الشبه التام. وقيل: من قبل إنزال القرآن، أو من قبل استنبائه، أو من قبل بلوغه، { وكنا به عالمين } أي: بأنه أهل لما آتيناه، أو عالمين برشده، وما خصصناه به من الهداية الخاصة. { إذ قال لأبيه وقومه } أي: آتيناه ذلك حين قال لأبيه، أو اذكر وقت قوله لهم: { ما هذه التماثيل } أي: الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور والإنسان، وفيه تجاهل بهم تحقيرا لها، مع علمه بتعظيمهم لها توبيخا لهم على إجلالها مع كونها خشبا وأحجارا لا تضر ولا تنفع، { التي أنتم لها عاكفون } أي: لأجل عبادتها مقيمون، فلما عجزوا عن الدليل { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } فقلدناهم، فأبطله عليه السلام، على طريقة التوكيد بالقسم، فقال: { لقد كنتم أنتم وآباؤكم } الذين سنوا لكم هذه السنة الباطلة، { في ضلال مبين }: ظاهر بين، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء، أي: والله لقد كنتم مستقرين في ضلال عظيم ظاهر لعدم استناده إلى دليل، فالتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في الجملة، لا فيما اتضح بطلانه، سيما في أمر التوحيد. { قالوا أجئتنا بالحق } أي: بالجد، { أم أنت من اللاعبين } ، فتقول ما تقول على الملاعبة والمزاح. والمعنى: أجاد أنت، أم لاعب فيما تقول؟ قالوا ذلك استعظاما منهم لإنكاره، واستبعادا لكون ما هم عليه ضلال، وتعجيبا من تضليله إياهم. ثم أضرب عنهم مخبرا بأنه جاد فيما قال، غير لاعب، بإقامة البرهان على بطلان ما ادعوه فقال: { بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن } ، لا التماثيل التي صورتم. وقيل: هو إضراب عما بنوا عليه مقالتهم من اعتقاد كونها أربابا لهم، كما يفصح عنه قولهم:
نعبد أصناما فنظل لها عاكفين
[الشعراء: 71]، كأنه قال: ليس الأمر كذلك، بل ربكم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وأنشأهن، فالضمير للسماوات والأرض، وصفه تعالى بإيجادهن، إثر وصفه تعالى بربوبيته لهن تحقيقا للحق، وتنبيها على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من الربوبية، أي: أنشأهن بما فيهن من المخلوقات، التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه، من غير مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه. وقيل: الضمير للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم، وأظهر في إلزام الحجة عليهم لما فيه من التصريح المغني عن التأمل في كون ما يعبدونه من المخلوقات، والأول أقرب.
ثم قال عليه السلام: { وأنا على ذلكم } الذي ذكرت: من كون ربكم رب السماوات والأرض، دون ما عداه، كائنا ما كان، { من الشاهدين } أي: العالمين به على سبيل الحقيقة، المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء: من تحققه وبرهن عليه، كأنه قال: وأنا أعلم ذلك، وأتحققه، وأبرهن عليه، والله تعالى أعلم. الإشارة: زخارف الدنيا وبهجتها، من تشييد بناء، وتزويق سقف وحيطان، وإنشاء غروس وبساتين، وجمع أموال، وتربية جاه، كلها تماثيل لا حقيقة لها، فانية لا دوام لها. فمن عكف عليها، وأولع بخدمتها وجمعها وتحصيلها، كان عابدا لها، فينبغي لذي الرشد والعقل الوافر، الذي تحرر منها، أن ينكر عليهم، ويقول لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فإن قالوا: وجدنا أباءنا يفعلون هذا، وعلماءنا مثلنا، فليقل لهم: لقد كنتم وآباؤكم وعلماؤكم في ضلال مبين، عما كان عليه الأنبياء والأولياء والسلف الصالح. فإن قالوا: أجاد أنت أم لا؟ فليقل: بل ربكم الذي ينبغي أن يفرد بالمحبة والخدمة، وهو رب السماوات والأرض، لا ما أنتم عليه من محبة الدنيا وبهجتها، وأنا على ذلكم من الشاهدين. ثم ذكر كسره الاصنام وما ترتب عليه
الأنبياء 21:54
قلت: { إذ قال }: ظرف لآتينا، أو لرشده. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا إبراهيم رشده } أي: الرشد اللائق به وبأمثاله من كبراء الرسل، وهو الاهتداء الكامل، المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي، مع الاقتدار على إصلاح الأمة وإرشادها بسياسة النبوة والوحي الإلهي، { من قبل } أي: من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وتقديم ذكرهما، لما بين التوراة والقرآن من الشبه التام. وقيل: من قبل إنزال القرآن، أو من قبل استنبائه، أو من قبل بلوغه، { وكنا به عالمين } أي: بأنه أهل لما آتيناه، أو عالمين برشده، وما خصصناه به من الهداية الخاصة. { إذ قال لأبيه وقومه } أي: آتيناه ذلك حين قال لأبيه، أو اذكر وقت قوله لهم: { ما هذه التماثيل } أي: الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور والإنسان، وفيه تجاهل بهم تحقيرا لها، مع علمه بتعظيمهم لها توبيخا لهم على إجلالها مع كونها خشبا وأحجارا لا تضر ولا تنفع، { التي أنتم لها عاكفون } أي: لأجل عبادتها مقيمون، فلما عجزوا عن الدليل { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } فقلدناهم، فأبطله عليه السلام، على طريقة التوكيد بالقسم، فقال: { لقد كنتم أنتم وآباؤكم } الذين سنوا لكم هذه السنة الباطلة، { في ضلال مبين }: ظاهر بين، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء، أي: والله لقد كنتم مستقرين في ضلال عظيم ظاهر لعدم استناده إلى دليل، فالتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في الجملة، لا فيما اتضح بطلانه، سيما في أمر التوحيد. { قالوا أجئتنا بالحق } أي: بالجد، { أم أنت من اللاعبين } ، فتقول ما تقول على الملاعبة والمزاح. والمعنى: أجاد أنت، أم لاعب فيما تقول؟ قالوا ذلك استعظاما منهم لإنكاره، واستبعادا لكون ما هم عليه ضلال، وتعجيبا من تضليله إياهم. ثم أضرب عنهم مخبرا بأنه جاد فيما قال، غير لاعب، بإقامة البرهان على بطلان ما ادعوه فقال: { بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن } ، لا التماثيل التي صورتم. وقيل: هو إضراب عما بنوا عليه مقالتهم من اعتقاد كونها أربابا لهم، كما يفصح عنه قولهم:
نعبد أصناما فنظل لها عاكفين
[الشعراء: 71]، كأنه قال: ليس الأمر كذلك، بل ربكم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وأنشأهن، فالضمير للسماوات والأرض، وصفه تعالى بإيجادهن، إثر وصفه تعالى بربوبيته لهن تحقيقا للحق، وتنبيها على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من الربوبية، أي: أنشأهن بما فيهن من المخلوقات، التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه، من غير مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه. وقيل: الضمير للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم، وأظهر في إلزام الحجة عليهم لما فيه من التصريح المغني عن التأمل في كون ما يعبدونه من المخلوقات، والأول أقرب.
ثم قال عليه السلام: { وأنا على ذلكم } الذي ذكرت: من كون ربكم رب السماوات والأرض، دون ما عداه، كائنا ما كان، { من الشاهدين } أي: العالمين به على سبيل الحقيقة، المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء: من تحققه وبرهن عليه، كأنه قال: وأنا أعلم ذلك، وأتحققه، وأبرهن عليه، والله تعالى أعلم. الإشارة: زخارف الدنيا وبهجتها، من تشييد بناء، وتزويق سقف وحيطان، وإنشاء غروس وبساتين، وجمع أموال، وتربية جاه، كلها تماثيل لا حقيقة لها، فانية لا دوام لها. فمن عكف عليها، وأولع بخدمتها وجمعها وتحصيلها، كان عابدا لها، فينبغي لذي الرشد والعقل الوافر، الذي تحرر منها، أن ينكر عليهم، ويقول لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فإن قالوا: وجدنا أباءنا يفعلون هذا، وعلماءنا مثلنا، فليقل لهم: لقد كنتم وآباؤكم وعلماؤكم في ضلال مبين، عما كان عليه الأنبياء والأولياء والسلف الصالح. فإن قالوا: أجاد أنت أم لا؟ فليقل: بل ربكم الذي ينبغي أن يفرد بالمحبة والخدمة، وهو رب السماوات والأرض، لا ما أنتم عليه من محبة الدنيا وبهجتها، وأنا على ذلكم من الشاهدين. ثم ذكر كسره الاصنام وما ترتب عليه
الأنبياء 21:55
قلت: { إذ قال }: ظرف لآتينا، أو لرشده. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا إبراهيم رشده } أي: الرشد اللائق به وبأمثاله من كبراء الرسل، وهو الاهتداء الكامل، المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي، مع الاقتدار على إصلاح الأمة وإرشادها بسياسة النبوة والوحي الإلهي، { من قبل } أي: من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وتقديم ذكرهما، لما بين التوراة والقرآن من الشبه التام. وقيل: من قبل إنزال القرآن، أو من قبل استنبائه، أو من قبل بلوغه، { وكنا به عالمين } أي: بأنه أهل لما آتيناه، أو عالمين برشده، وما خصصناه به من الهداية الخاصة. { إذ قال لأبيه وقومه } أي: آتيناه ذلك حين قال لأبيه، أو اذكر وقت قوله لهم: { ما هذه التماثيل } أي: الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور والإنسان، وفيه تجاهل بهم تحقيرا لها، مع علمه بتعظيمهم لها توبيخا لهم على إجلالها مع كونها خشبا وأحجارا لا تضر ولا تنفع، { التي أنتم لها عاكفون } أي: لأجل عبادتها مقيمون، فلما عجزوا عن الدليل { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } فقلدناهم، فأبطله عليه السلام، على طريقة التوكيد بالقسم، فقال: { لقد كنتم أنتم وآباؤكم } الذين سنوا لكم هذه السنة الباطلة، { في ضلال مبين }: ظاهر بين، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء، أي: والله لقد كنتم مستقرين في ضلال عظيم ظاهر لعدم استناده إلى دليل، فالتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في الجملة، لا فيما اتضح بطلانه، سيما في أمر التوحيد. { قالوا أجئتنا بالحق } أي: بالجد، { أم أنت من اللاعبين } ، فتقول ما تقول على الملاعبة والمزاح. والمعنى: أجاد أنت، أم لاعب فيما تقول؟ قالوا ذلك استعظاما منهم لإنكاره، واستبعادا لكون ما هم عليه ضلال، وتعجيبا من تضليله إياهم. ثم أضرب عنهم مخبرا بأنه جاد فيما قال، غير لاعب، بإقامة البرهان على بطلان ما ادعوه فقال: { بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن } ، لا التماثيل التي صورتم. وقيل: هو إضراب عما بنوا عليه مقالتهم من اعتقاد كونها أربابا لهم، كما يفصح عنه قولهم:
نعبد أصناما فنظل لها عاكفين
[الشعراء: 71]، كأنه قال: ليس الأمر كذلك، بل ربكم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وأنشأهن، فالضمير للسماوات والأرض، وصفه تعالى بإيجادهن، إثر وصفه تعالى بربوبيته لهن تحقيقا للحق، وتنبيها على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من الربوبية، أي: أنشأهن بما فيهن من المخلوقات، التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه، من غير مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه. وقيل: الضمير للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم، وأظهر في إلزام الحجة عليهم لما فيه من التصريح المغني عن التأمل في كون ما يعبدونه من المخلوقات، والأول أقرب.
ثم قال عليه السلام: { وأنا على ذلكم } الذي ذكرت: من كون ربكم رب السماوات والأرض، دون ما عداه، كائنا ما كان، { من الشاهدين } أي: العالمين به على سبيل الحقيقة، المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء: من تحققه وبرهن عليه، كأنه قال: وأنا أعلم ذلك، وأتحققه، وأبرهن عليه، والله تعالى أعلم. الإشارة: زخارف الدنيا وبهجتها، من تشييد بناء، وتزويق سقف وحيطان، وإنشاء غروس وبساتين، وجمع أموال، وتربية جاه، كلها تماثيل لا حقيقة لها، فانية لا دوام لها. فمن عكف عليها، وأولع بخدمتها وجمعها وتحصيلها، كان عابدا لها، فينبغي لذي الرشد والعقل الوافر، الذي تحرر منها، أن ينكر عليهم، ويقول لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فإن قالوا: وجدنا أباءنا يفعلون هذا، وعلماءنا مثلنا، فليقل لهم: لقد كنتم وآباؤكم وعلماؤكم في ضلال مبين، عما كان عليه الأنبياء والأولياء والسلف الصالح. فإن قالوا: أجاد أنت أم لا؟ فليقل: بل ربكم الذي ينبغي أن يفرد بالمحبة والخدمة، وهو رب السماوات والأرض، لا ما أنتم عليه من محبة الدنيا وبهجتها، وأنا على ذلكم من الشاهدين. ثم ذكر كسره الاصنام وما ترتب عليه
الأنبياء 21:56
قلت: { إذ قال }: ظرف لآتينا، أو لرشده. يقول الحق جل جلاله: { ولقد آتينا إبراهيم رشده } أي: الرشد اللائق به وبأمثاله من كبراء الرسل، وهو الاهتداء الكامل، المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي، مع الاقتدار على إصلاح الأمة وإرشادها بسياسة النبوة والوحي الإلهي، { من قبل } أي: من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وتقديم ذكرهما، لما بين التوراة والقرآن من الشبه التام. وقيل: من قبل إنزال القرآن، أو من قبل استنبائه، أو من قبل بلوغه، { وكنا به عالمين } أي: بأنه أهل لما آتيناه، أو عالمين برشده، وما خصصناه به من الهداية الخاصة. { إذ قال لأبيه وقومه } أي: آتيناه ذلك حين قال لأبيه، أو اذكر وقت قوله لهم: { ما هذه التماثيل } أي: الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور والإنسان، وفيه تجاهل بهم تحقيرا لها، مع علمه بتعظيمهم لها توبيخا لهم على إجلالها مع كونها خشبا وأحجارا لا تضر ولا تنفع، { التي أنتم لها عاكفون } أي: لأجل عبادتها مقيمون، فلما عجزوا عن الدليل { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } فقلدناهم، فأبطله عليه السلام، على طريقة التوكيد بالقسم، فقال: { لقد كنتم أنتم وآباؤكم } الذين سنوا لكم هذه السنة الباطلة، { في ضلال مبين }: ظاهر بين، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء، أي: والله لقد كنتم مستقرين في ضلال عظيم ظاهر لعدم استناده إلى دليل، فالتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في الجملة، لا فيما اتضح بطلانه، سيما في أمر التوحيد. { قالوا أجئتنا بالحق } أي: بالجد، { أم أنت من اللاعبين } ، فتقول ما تقول على الملاعبة والمزاح. والمعنى: أجاد أنت، أم لاعب فيما تقول؟ قالوا ذلك استعظاما منهم لإنكاره، واستبعادا لكون ما هم عليه ضلال، وتعجيبا من تضليله إياهم. ثم أضرب عنهم مخبرا بأنه جاد فيما قال، غير لاعب، بإقامة البرهان على بطلان ما ادعوه فقال: { بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن } ، لا التماثيل التي صورتم. وقيل: هو إضراب عما بنوا عليه مقالتهم من اعتقاد كونها أربابا لهم، كما يفصح عنه قولهم:
نعبد أصناما فنظل لها عاكفين
[الشعراء: 71]، كأنه قال: ليس الأمر كذلك، بل ربكم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وأنشأهن، فالضمير للسماوات والأرض، وصفه تعالى بإيجادهن، إثر وصفه تعالى بربوبيته لهن تحقيقا للحق، وتنبيها على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من الربوبية، أي: أنشأهن بما فيهن من المخلوقات، التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه، من غير مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه. وقيل: الضمير للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم، وأظهر في إلزام الحجة عليهم لما فيه من التصريح المغني عن التأمل في كون ما يعبدونه من المخلوقات، والأول أقرب.
ثم قال عليه السلام: { وأنا على ذلكم } الذي ذكرت: من كون ربكم رب السماوات والأرض، دون ما عداه، كائنا ما كان، { من الشاهدين } أي: العالمين به على سبيل الحقيقة، المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء: من تحققه وبرهن عليه، كأنه قال: وأنا أعلم ذلك، وأتحققه، وأبرهن عليه، والله تعالى أعلم. الإشارة: زخارف الدنيا وبهجتها، من تشييد بناء، وتزويق سقف وحيطان، وإنشاء غروس وبساتين، وجمع أموال، وتربية جاه، كلها تماثيل لا حقيقة لها، فانية لا دوام لها. فمن عكف عليها، وأولع بخدمتها وجمعها وتحصيلها، كان عابدا لها، فينبغي لذي الرشد والعقل الوافر، الذي تحرر منها، أن ينكر عليهم، ويقول لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فإن قالوا: وجدنا أباءنا يفعلون هذا، وعلماءنا مثلنا، فليقل لهم: لقد كنتم وآباؤكم وعلماؤكم في ضلال مبين، عما كان عليه الأنبياء والأولياء والسلف الصالح. فإن قالوا: أجاد أنت أم لا؟ فليقل: بل ربكم الذي ينبغي أن يفرد بالمحبة والخدمة، وهو رب السماوات والأرض، لا ما أنتم عليه من محبة الدنيا وبهجتها، وأنا على ذلكم من الشاهدين. ثم ذكر كسره الاصنام وما ترتب عليه
الأنبياء 21:57
قلت: { من فعل }: استفهام، وقيل: موصولة، و { إنه }: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و { يذكرهم }: إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و { يقال }: صفة أخرى لفتى. و { إبراهيم }: نائب فاعل يقال. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي: لأمكرن بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد { بعد أن تولوا مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرا، ولم يسمعه إلا رجل فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: { ألا تأكلون }؟ استهزاء بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون { فراغ } مال
عليهم ضربا باليمين
[الصافات: 93]. { فجعلهم جذاذا } أي: قطعا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخفاف، والضم كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي: للأصنام { لعلهم إليه } أي: إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صنع بآلهتهم، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا } ، على طريق الإنكار والتوبيخ، { إنه لمن الظالمين } أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة، { قالوا } أي: بعض منهم، وهو من سمع مقالته: { سمعنا فتى يذكرهم } أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، { يقال له إبراهيم } أي: يقال له هذا الاسم. { قالوا } أي: السائلون: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصب أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان { قال } إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } ، غار أن يعبدوا معه، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على { بل فعله } أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و " هذا ": بدل، أو وصف، ونسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أمي، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أمي لا يحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف حين نادى على إخوته:
إنكم لسارقون
[يوسف: 70]، ولم يكونوا سارقين لما في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا علموا أن كبيرهم لم يفعل شيئا، وأنه عاجز عن النطق، فضلا عن الفعل، فلا يجوز أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يعظم أكثر منها، ويعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولا، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: { فاسألوهم } عن حالهم، { إن كانوا ينطقون } فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودا؟ { فقالوا } أي: قال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: { إنه لمن الظالمين }. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، { ثم نكسوا على رؤوسهم } ، وردوا إلى أسفل سافلين، أجري الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ { قال } مبكتا لهم وتوبيخا: { أفتعبدون من دون الله } أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى { ما لا ينفعكم شيئا } من النفع، { ولا يضركم } إن لم تعبدوه، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ، أف: اسم صوت تدل على التضجر، تضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها.
والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض، ويكون من الموقنين.، وأم الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
فإن غبت عنه، وكسرته، غابت عنك جميع العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإن هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة تحريقه وانجائه
الأنبياء 21:58
قلت: { من فعل }: استفهام، وقيل: موصولة، و { إنه }: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و { يذكرهم }: إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و { يقال }: صفة أخرى لفتى. و { إبراهيم }: نائب فاعل يقال. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي: لأمكرن بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد { بعد أن تولوا مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرا، ولم يسمعه إلا رجل فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: { ألا تأكلون }؟ استهزاء بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون { فراغ } مال
عليهم ضربا باليمين
[الصافات: 93]. { فجعلهم جذاذا } أي: قطعا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخفاف، والضم كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي: للأصنام { لعلهم إليه } أي: إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صنع بآلهتهم، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا } ، على طريق الإنكار والتوبيخ، { إنه لمن الظالمين } أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة، { قالوا } أي: بعض منهم، وهو من سمع مقالته: { سمعنا فتى يذكرهم } أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، { يقال له إبراهيم } أي: يقال له هذا الاسم. { قالوا } أي: السائلون: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصب أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان { قال } إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } ، غار أن يعبدوا معه، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على { بل فعله } أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و " هذا ": بدل، أو وصف، ونسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أمي، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أمي لا يحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف حين نادى على إخوته:
إنكم لسارقون
[يوسف: 70]، ولم يكونوا سارقين لما في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا علموا أن كبيرهم لم يفعل شيئا، وأنه عاجز عن النطق، فضلا عن الفعل، فلا يجوز أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يعظم أكثر منها، ويعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولا، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: { فاسألوهم } عن حالهم، { إن كانوا ينطقون } فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودا؟ { فقالوا } أي: قال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: { إنه لمن الظالمين }. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، { ثم نكسوا على رؤوسهم } ، وردوا إلى أسفل سافلين، أجري الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ { قال } مبكتا لهم وتوبيخا: { أفتعبدون من دون الله } أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى { ما لا ينفعكم شيئا } من النفع، { ولا يضركم } إن لم تعبدوه، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ، أف: اسم صوت تدل على التضجر، تضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها.
والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض، ويكون من الموقنين.، وأم الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
فإن غبت عنه، وكسرته، غابت عنك جميع العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإن هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة تحريقه وانجائه
الأنبياء 21:59
قلت: { من فعل }: استفهام، وقيل: موصولة، و { إنه }: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و { يذكرهم }: إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و { يقال }: صفة أخرى لفتى. و { إبراهيم }: نائب فاعل يقال. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي: لأمكرن بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد { بعد أن تولوا مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرا، ولم يسمعه إلا رجل فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: { ألا تأكلون }؟ استهزاء بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون { فراغ } مال
عليهم ضربا باليمين
[الصافات: 93]. { فجعلهم جذاذا } أي: قطعا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخفاف، والضم كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي: للأصنام { لعلهم إليه } أي: إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صنع بآلهتهم، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا } ، على طريق الإنكار والتوبيخ، { إنه لمن الظالمين } أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة، { قالوا } أي: بعض منهم، وهو من سمع مقالته: { سمعنا فتى يذكرهم } أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، { يقال له إبراهيم } أي: يقال له هذا الاسم. { قالوا } أي: السائلون: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصب أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان { قال } إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } ، غار أن يعبدوا معه، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على { بل فعله } أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و " هذا ": بدل، أو وصف، ونسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أمي، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أمي لا يحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف حين نادى على إخوته:
إنكم لسارقون
[يوسف: 70]، ولم يكونوا سارقين لما في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا علموا أن كبيرهم لم يفعل شيئا، وأنه عاجز عن النطق، فضلا عن الفعل، فلا يجوز أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يعظم أكثر منها، ويعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولا، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: { فاسألوهم } عن حالهم، { إن كانوا ينطقون } فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودا؟ { فقالوا } أي: قال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: { إنه لمن الظالمين }. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، { ثم نكسوا على رؤوسهم } ، وردوا إلى أسفل سافلين، أجري الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ { قال } مبكتا لهم وتوبيخا: { أفتعبدون من دون الله } أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى { ما لا ينفعكم شيئا } من النفع، { ولا يضركم } إن لم تعبدوه، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ، أف: اسم صوت تدل على التضجر، تضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها.
والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض، ويكون من الموقنين.، وأم الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
فإن غبت عنه، وكسرته، غابت عنك جميع العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإن هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة تحريقه وانجائه
الأنبياء 21:60
قلت: { من فعل }: استفهام، وقيل: موصولة، و { إنه }: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و { يذكرهم }: إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و { يقال }: صفة أخرى لفتى. و { إبراهيم }: نائب فاعل يقال. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي: لأمكرن بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد { بعد أن تولوا مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرا، ولم يسمعه إلا رجل فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: { ألا تأكلون }؟ استهزاء بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون { فراغ } مال
عليهم ضربا باليمين
[الصافات: 93]. { فجعلهم جذاذا } أي: قطعا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخفاف، والضم كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي: للأصنام { لعلهم إليه } أي: إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صنع بآلهتهم، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا } ، على طريق الإنكار والتوبيخ، { إنه لمن الظالمين } أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة، { قالوا } أي: بعض منهم، وهو من سمع مقالته: { سمعنا فتى يذكرهم } أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، { يقال له إبراهيم } أي: يقال له هذا الاسم. { قالوا } أي: السائلون: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصب أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان { قال } إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } ، غار أن يعبدوا معه، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على { بل فعله } أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و " هذا ": بدل، أو وصف، ونسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أمي، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أمي لا يحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف حين نادى على إخوته:
إنكم لسارقون
[يوسف: 70]، ولم يكونوا سارقين لما في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا علموا أن كبيرهم لم يفعل شيئا، وأنه عاجز عن النطق، فضلا عن الفعل، فلا يجوز أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يعظم أكثر منها، ويعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولا، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: { فاسألوهم } عن حالهم، { إن كانوا ينطقون } فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودا؟ { فقالوا } أي: قال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: { إنه لمن الظالمين }. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، { ثم نكسوا على رؤوسهم } ، وردوا إلى أسفل سافلين، أجري الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ { قال } مبكتا لهم وتوبيخا: { أفتعبدون من دون الله } أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى { ما لا ينفعكم شيئا } من النفع، { ولا يضركم } إن لم تعبدوه، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ، أف: اسم صوت تدل على التضجر، تضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها.
والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض، ويكون من الموقنين.، وأم الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
فإن غبت عنه، وكسرته، غابت عنك جميع العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإن هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة تحريقه وانجائه
الأنبياء 21:61
قلت: { من فعل }: استفهام، وقيل: موصولة، و { إنه }: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و { يذكرهم }: إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و { يقال }: صفة أخرى لفتى. و { إبراهيم }: نائب فاعل يقال. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي: لأمكرن بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد { بعد أن تولوا مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرا، ولم يسمعه إلا رجل فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: { ألا تأكلون }؟ استهزاء بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون { فراغ } مال
عليهم ضربا باليمين
[الصافات: 93]. { فجعلهم جذاذا } أي: قطعا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخفاف، والضم كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي: للأصنام { لعلهم إليه } أي: إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صنع بآلهتهم، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا } ، على طريق الإنكار والتوبيخ، { إنه لمن الظالمين } أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة، { قالوا } أي: بعض منهم، وهو من سمع مقالته: { سمعنا فتى يذكرهم } أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، { يقال له إبراهيم } أي: يقال له هذا الاسم. { قالوا } أي: السائلون: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصب أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان { قال } إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } ، غار أن يعبدوا معه، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على { بل فعله } أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و " هذا ": بدل، أو وصف، ونسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أمي، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أمي لا يحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف حين نادى على إخوته:
إنكم لسارقون
[يوسف: 70]، ولم يكونوا سارقين لما في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا علموا أن كبيرهم لم يفعل شيئا، وأنه عاجز عن النطق، فضلا عن الفعل، فلا يجوز أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يعظم أكثر منها، ويعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولا، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: { فاسألوهم } عن حالهم، { إن كانوا ينطقون } فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودا؟ { فقالوا } أي: قال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: { إنه لمن الظالمين }. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، { ثم نكسوا على رؤوسهم } ، وردوا إلى أسفل سافلين، أجري الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ { قال } مبكتا لهم وتوبيخا: { أفتعبدون من دون الله } أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى { ما لا ينفعكم شيئا } من النفع، { ولا يضركم } إن لم تعبدوه، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ، أف: اسم صوت تدل على التضجر، تضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها.
والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض، ويكون من الموقنين.، وأم الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
فإن غبت عنه، وكسرته، غابت عنك جميع العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإن هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة تحريقه وانجائه
الأنبياء 21:62
قلت: { من فعل }: استفهام، وقيل: موصولة، و { إنه }: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و { يذكرهم }: إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و { يقال }: صفة أخرى لفتى. و { إبراهيم }: نائب فاعل يقال. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي: لأمكرن بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد { بعد أن تولوا مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرا، ولم يسمعه إلا رجل فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: { ألا تأكلون }؟ استهزاء بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون { فراغ } مال
عليهم ضربا باليمين
[الصافات: 93]. { فجعلهم جذاذا } أي: قطعا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخفاف، والضم كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي: للأصنام { لعلهم إليه } أي: إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صنع بآلهتهم، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا } ، على طريق الإنكار والتوبيخ، { إنه لمن الظالمين } أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة، { قالوا } أي: بعض منهم، وهو من سمع مقالته: { سمعنا فتى يذكرهم } أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، { يقال له إبراهيم } أي: يقال له هذا الاسم. { قالوا } أي: السائلون: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصب أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان { قال } إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } ، غار أن يعبدوا معه، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على { بل فعله } أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و " هذا ": بدل، أو وصف، ونسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أمي، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أمي لا يحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف حين نادى على إخوته:
إنكم لسارقون
[يوسف: 70]، ولم يكونوا سارقين لما في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا علموا أن كبيرهم لم يفعل شيئا، وأنه عاجز عن النطق، فضلا عن الفعل، فلا يجوز أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يعظم أكثر منها، ويعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولا، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: { فاسألوهم } عن حالهم، { إن كانوا ينطقون } فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودا؟ { فقالوا } أي: قال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: { إنه لمن الظالمين }. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، { ثم نكسوا على رؤوسهم } ، وردوا إلى أسفل سافلين، أجري الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ { قال } مبكتا لهم وتوبيخا: { أفتعبدون من دون الله } أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى { ما لا ينفعكم شيئا } من النفع، { ولا يضركم } إن لم تعبدوه، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ، أف: اسم صوت تدل على التضجر، تضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها.
والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض، ويكون من الموقنين.، وأم الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
فإن غبت عنه، وكسرته، غابت عنك جميع العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإن هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة تحريقه وانجائه
الأنبياء 21:63
قلت: { من فعل }: استفهام، وقيل: موصولة، و { إنه }: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و { يذكرهم }: إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و { يقال }: صفة أخرى لفتى. و { إبراهيم }: نائب فاعل يقال. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي: لأمكرن بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد { بعد أن تولوا مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرا، ولم يسمعه إلا رجل فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: { ألا تأكلون }؟ استهزاء بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون { فراغ } مال
عليهم ضربا باليمين
[الصافات: 93]. { فجعلهم جذاذا } أي: قطعا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخفاف، والضم كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي: للأصنام { لعلهم إليه } أي: إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صنع بآلهتهم، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا } ، على طريق الإنكار والتوبيخ، { إنه لمن الظالمين } أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة، { قالوا } أي: بعض منهم، وهو من سمع مقالته: { سمعنا فتى يذكرهم } أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، { يقال له إبراهيم } أي: يقال له هذا الاسم. { قالوا } أي: السائلون: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصب أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان { قال } إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } ، غار أن يعبدوا معه، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على { بل فعله } أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و " هذا ": بدل، أو وصف، ونسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أمي، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أمي لا يحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف حين نادى على إخوته:
إنكم لسارقون
[يوسف: 70]، ولم يكونوا سارقين لما في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا علموا أن كبيرهم لم يفعل شيئا، وأنه عاجز عن النطق، فضلا عن الفعل، فلا يجوز أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يعظم أكثر منها، ويعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولا، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: { فاسألوهم } عن حالهم، { إن كانوا ينطقون } فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودا؟ { فقالوا } أي: قال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: { إنه لمن الظالمين }. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، { ثم نكسوا على رؤوسهم } ، وردوا إلى أسفل سافلين، أجري الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ { قال } مبكتا لهم وتوبيخا: { أفتعبدون من دون الله } أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى { ما لا ينفعكم شيئا } من النفع، { ولا يضركم } إن لم تعبدوه، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ، أف: اسم صوت تدل على التضجر، تضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها.
والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض، ويكون من الموقنين.، وأم الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
فإن غبت عنه، وكسرته، غابت عنك جميع العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإن هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة تحريقه وانجائه
الأنبياء 21:64
قلت: { من فعل }: استفهام، وقيل: موصولة، و { إنه }: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و { يذكرهم }: إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و { يقال }: صفة أخرى لفتى. و { إبراهيم }: نائب فاعل يقال. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي: لأمكرن بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد { بعد أن تولوا مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرا، ولم يسمعه إلا رجل فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: { ألا تأكلون }؟ استهزاء بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون { فراغ } مال
عليهم ضربا باليمين
[الصافات: 93]. { فجعلهم جذاذا } أي: قطعا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخفاف، والضم كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي: للأصنام { لعلهم إليه } أي: إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صنع بآلهتهم، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا } ، على طريق الإنكار والتوبيخ، { إنه لمن الظالمين } أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة، { قالوا } أي: بعض منهم، وهو من سمع مقالته: { سمعنا فتى يذكرهم } أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، { يقال له إبراهيم } أي: يقال له هذا الاسم. { قالوا } أي: السائلون: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصب أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان { قال } إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } ، غار أن يعبدوا معه، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على { بل فعله } أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و " هذا ": بدل، أو وصف، ونسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أمي، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أمي لا يحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف حين نادى على إخوته:
إنكم لسارقون
[يوسف: 70]، ولم يكونوا سارقين لما في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا علموا أن كبيرهم لم يفعل شيئا، وأنه عاجز عن النطق، فضلا عن الفعل، فلا يجوز أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يعظم أكثر منها، ويعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولا، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: { فاسألوهم } عن حالهم، { إن كانوا ينطقون } فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودا؟ { فقالوا } أي: قال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: { إنه لمن الظالمين }. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، { ثم نكسوا على رؤوسهم } ، وردوا إلى أسفل سافلين، أجري الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ { قال } مبكتا لهم وتوبيخا: { أفتعبدون من دون الله } أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى { ما لا ينفعكم شيئا } من النفع، { ولا يضركم } إن لم تعبدوه، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ، أف: اسم صوت تدل على التضجر، تضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها.
والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض، ويكون من الموقنين.، وأم الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
فإن غبت عنه، وكسرته، غابت عنك جميع العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإن هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة تحريقه وانجائه
الأنبياء 21:65
قلت: { من فعل }: استفهام، وقيل: موصولة، و { إنه }: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و { يذكرهم }: إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و { يقال }: صفة أخرى لفتى. و { إبراهيم }: نائب فاعل يقال. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي: لأمكرن بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد { بعد أن تولوا مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرا، ولم يسمعه إلا رجل فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: { ألا تأكلون }؟ استهزاء بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون { فراغ } مال
عليهم ضربا باليمين
[الصافات: 93]. { فجعلهم جذاذا } أي: قطعا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخفاف، والضم كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي: للأصنام { لعلهم إليه } أي: إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صنع بآلهتهم، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا } ، على طريق الإنكار والتوبيخ، { إنه لمن الظالمين } أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة، { قالوا } أي: بعض منهم، وهو من سمع مقالته: { سمعنا فتى يذكرهم } أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، { يقال له إبراهيم } أي: يقال له هذا الاسم. { قالوا } أي: السائلون: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصب أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان { قال } إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } ، غار أن يعبدوا معه، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على { بل فعله } أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و " هذا ": بدل، أو وصف، ونسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أمي، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أمي لا يحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف حين نادى على إخوته:
إنكم لسارقون
[يوسف: 70]، ولم يكونوا سارقين لما في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا علموا أن كبيرهم لم يفعل شيئا، وأنه عاجز عن النطق، فضلا عن الفعل، فلا يجوز أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يعظم أكثر منها، ويعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولا، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: { فاسألوهم } عن حالهم، { إن كانوا ينطقون } فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودا؟ { فقالوا } أي: قال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: { إنه لمن الظالمين }. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، { ثم نكسوا على رؤوسهم } ، وردوا إلى أسفل سافلين، أجري الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ { قال } مبكتا لهم وتوبيخا: { أفتعبدون من دون الله } أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى { ما لا ينفعكم شيئا } من النفع، { ولا يضركم } إن لم تعبدوه، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ، أف: اسم صوت تدل على التضجر، تضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها.
والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض، ويكون من الموقنين.، وأم الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
فإن غبت عنه، وكسرته، غابت عنك جميع العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإن هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة تحريقه وانجائه
الأنبياء 21:66
قلت: { من فعل }: استفهام، وقيل: موصولة، و { إنه }: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و { يذكرهم }: إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و { يقال }: صفة أخرى لفتى. و { إبراهيم }: نائب فاعل يقال. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي: لأمكرن بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد { بعد أن تولوا مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرا، ولم يسمعه إلا رجل فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: { ألا تأكلون }؟ استهزاء بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون { فراغ } مال
عليهم ضربا باليمين
[الصافات: 93]. { فجعلهم جذاذا } أي: قطعا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخفاف، والضم كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي: للأصنام { لعلهم إليه } أي: إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صنع بآلهتهم، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا } ، على طريق الإنكار والتوبيخ، { إنه لمن الظالمين } أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة، { قالوا } أي: بعض منهم، وهو من سمع مقالته: { سمعنا فتى يذكرهم } أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، { يقال له إبراهيم } أي: يقال له هذا الاسم. { قالوا } أي: السائلون: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصب أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان { قال } إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } ، غار أن يعبدوا معه، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على { بل فعله } أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و " هذا ": بدل، أو وصف، ونسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أمي، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أمي لا يحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف حين نادى على إخوته:
إنكم لسارقون
[يوسف: 70]، ولم يكونوا سارقين لما في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا علموا أن كبيرهم لم يفعل شيئا، وأنه عاجز عن النطق، فضلا عن الفعل، فلا يجوز أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يعظم أكثر منها، ويعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولا، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: { فاسألوهم } عن حالهم، { إن كانوا ينطقون } فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودا؟ { فقالوا } أي: قال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: { إنه لمن الظالمين }. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، { ثم نكسوا على رؤوسهم } ، وردوا إلى أسفل سافلين، أجري الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ { قال } مبكتا لهم وتوبيخا: { أفتعبدون من دون الله } أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى { ما لا ينفعكم شيئا } من النفع، { ولا يضركم } إن لم تعبدوه، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ، أف: اسم صوت تدل على التضجر، تضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها.
والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض، ويكون من الموقنين.، وأم الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
فإن غبت عنه، وكسرته، غابت عنك جميع العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإن هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة تحريقه وانجائه
الأنبياء 21:67
قلت: { من فعل }: استفهام، وقيل: موصولة، و { إنه }: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و { يذكرهم }: إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و { يقال }: صفة أخرى لفتى. و { إبراهيم }: نائب فاعل يقال. يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله عليه السلام: { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي: لأمكرن بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد { بعد أن تولوا مدبرين } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرا، ولم يسمعه إلا رجل فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاما كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: { ألا تأكلون }؟ استهزاء بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون { فراغ } مال
عليهم ضربا باليمين
[الصافات: 93]. { فجعلهم جذاذا } أي: قطعا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخفاف، والضم كحطيم وحطام. روي أنها كانت سبعين صنما مصطفة. وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } أي: للأصنام { لعلهم إليه } أي: إلى إبراهيم عليه السلام { يرجعون } فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صنع بآلهتهم، { قالوا من فعل هذا بآلهتنا } ، على طريق الإنكار والتوبيخ، { إنه لمن الظالمين } أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لمن الظالمين حيث عرض نفسه للهلكة، { قالوا } أي: بعض منهم، وهو من سمع مقالته: { سمعنا فتى يذكرهم } أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، { يقال له إبراهيم } أي: يقال له هذا الاسم. { قالوا } أي: السائلون: { فأتوا به على أعين الناس } أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصب أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يحضرون عقوبتنا له.
فلما أحضروه { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم }؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان { قال } إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } ، غار أن يعبدوا معه، مشيرا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على { بل فعله } أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و " هذا ": بدل، أو وصف، ونسب الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتا لهم، وإلزاما للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أمي، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أمي لا يحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أذن الله تعالى له في ذلك كما أذن ليوسف حين نادى على إخوته:
إنكم لسارقون
[يوسف: 70]، ولم يكونوا سارقين لما في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا علموا أن كبيرهم لم يفعل شيئا، وأنه عاجز عن النطق، فضلا عن الفعل، فلا يجوز أن يعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. ه. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يعظم أكثر منها، ويعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولا، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: { فاسألوهم } عن حالهم، { إن كانوا ينطقون } فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودا؟ { فقالوا } أي: قال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأن من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: { إنه لمن الظالمين }. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، { ثم نكسوا على رؤوسهم } ، وردوا إلى أسفل سافلين، أجري الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: { لقد علمت } يا إبراهيم { ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ { قال } مبكتا لهم وتوبيخا: { أفتعبدون من دون الله } أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى { ما لا ينفعكم شيئا } من النفع، { ولا يضركم } إن لم تعبدوه، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ، أف: اسم صوت تدل على التضجر، تضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، { أفلا تعقلون } أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها.
والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض، ويكون من الموقنين.، وأم الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل:
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
فإن غبت عنه، وكسرته، غابت عنك جميع العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله:
بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإن هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة تحريقه وانجائه
الأنبياء 21:68
يقول الحق جل جلاله: { قالوا حرقوه } أي: قال بعضهم لبعض، لما عجزوا عن المحاججة، وضاقت عليهم الحيل، وعييت بهم العلل، وهذا ديدن المبطل المحجوج، إذا قرعت شبهه بالحجة القاطعة وافتضح، لم يبق له حينئذ إلا المناصبة والمعاداة، فناصبوا إبراهيم عليه السلام، وقالوا حرقوه بالنار لأنه أشد العقوبات، { وانصروا آلهتكم } بالانتقام لها { إن كنتم فاعلين } للنصر، أي: إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا، فاختاروا له أهول المعاقبات، وهو الإحراق، وإلا فقد فرطتم في نصرتها، والذي أشار بالإحراق نمرود، أو رجل من أكراد فارس، اسمه " هيزن " ، وقيل: " هدير " ، خسفت به الأرض، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. روي أنهم، لما أجمعوا على حرقه عليه السلام، بنوا له حظيرة بكوثى - قرية من قرى الأنباط بالعراق - فجمعوا صلاب الحطب من أصناف الخشب، مدة أربعين يوما، وقيل: شهرا، حتى إن المرأة تنذر: لئن أصابت حاجتها لتحطبن في نار إبراهيم. ثم أوقدوا نارا عظيمة، لا يكاد يحوم حولها أحد، حتى إن كانت الطير لتمر بها، وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة وهجها، ولم يقدر أحد أن يقربها، فلم يعلموا كيف يلقونه عليه السلام فيها، فأتى إبليس وعلمهم علم المنجنيق، فعملوه. وقيل: صنعه لهم رجل من الأكراد، فخسف الله تعالى به في الأرض مثل الآخر، ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه السلام، فوضعوه فيه مغلولا مقيدا مجردا، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة: يا ربنا، إبراهيم، ليس في الأرض أحد يعبدك غيره، يحرق فيك، فأذن لنا في نصرته، فقال لهم: إن استغاث بواحد منكم فأغيثوه، فرموا به فيها من مكان شاسع، فقال له جبريل عليه السلام، وهو في الهواء: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فرفع همته عن الخلق، واكتفى بالواحد الحق، فجعل الله الخطيرة روضة. وهذا معنى قوله: { قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم } أي: كوني ذات برد وسلام، أي: ابردي بردا غير ضار. قال ابن عباس: لو لم يقل { وسلاما } لمات إبراهيم من بردها، ولم تبق يومئذ نار إلا طفئت، ظنت أن الخطاب توجه لها، فما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولم تبق دابة إلا أتت تطفئ عنه النار، إلا الوزغ. فلذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم. بقتلها، وسماها فويسقا. قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس. قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه. وروي أنه عليه السلام مكث فيها سبعة أيام، وقيل: أربعين، وقيل: خمسين، والأول أقرب.
قال إبراهيم عليه السلام: ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها. قال ابن بسار: وبعث الله تعالى ملك الظل فقعد إلى جنبه يؤنسه، قالوا: وبعث الله بقميص من حرير الجنة. قلت: وقد تقدم ذكره في سورة يوسف. وأتاه جبريل فقال: إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. فنظر نمرود من صرحه، فأشرف عليه، فرآه جالسا في روضة مونقة، ومعه جليس على أحسن ما يكون من الهيئة، والنار محيطة به، فنادى: يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: فاخرج، فقام يمشي فخرج منها، فاستقبله نمرود وعظمه. وقال: من الرجل الذي رأيته معك؟ قال ذلك ملك الظل، أرسله ربي ليؤنسني، فقال: إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيته من قدرته وعزته فيما صنع بك. فقال عليه السلام: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك هذا، حتى تفارقه إلى ديني، قال: لا استطيع ترك ملكي، ولكن سأذبح له أربعة آلاف بقرة، فذبحها، وكف عن إبراهيم عليه السلام. قال شعيب الجبائي: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة، ولما علت ما أراد من ذبحه بقيت يومين وماتت في الثالث. ه. وهذا كما ترى من أكبر المعجزات، فإن انقلاب النار هواء طيبا، وإن لم يكن بدعا من قدرة الله، لكنه من أكبر الخوارق، واختلف في كيفية برودتها فقيل: إن الله تعالى أزال ما فيها من الحر والإحراق، وقيل: دفع الله عن جسم إبراهيم حرها وإحراقها مع ترك ذلك فيها، والله على كل شيء قدير. قال تعالى: { وأرادوا به كيدا } مكرا عظيما في الإضرار، { فجعلناهم الأخسرين } أي: أخسر من كل خاسر، حيث جاء سعيهم في إطفاء نور الحق برهانا قاطعا على أنه عليه السلام على الحق، وهم على الباطل، وموجبا لارتفاع درجته واستحقاقهم للهلاك، فأرسل الله على نمرود وقومه البعوض، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت بعوضة في دماغ نمرود فأهلكته بعد المحنة الشديدة، وبالله التوفيق. الإشارة: أجرى الله تعالى عادته في المتوجه الصادق، إذا أراد الوصول إلى حضرته، أن يبتليه قبل أن يمكنه، ويمتحنه قبل أن يصافيه لأن محبته تعالى مقرونة بالبلاء، والداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور. فإذا رمي الولي في منجنيق الابتلاء، وألقي في نار الجلال، وتعرضت له الأكوان: ألك حاجة؟ فيقول - إن كان مؤيدا -: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، فإذا قيل له: سله، فيقول: علمه بحالي يغني عن سؤالي. فلا جرم أن الله تعالى يقول لنار الجلال: كوني بردا وسلاما على وليي، فينقلب حرها بردا وسلاما، فلا يرى أياما أحلى من تلك الأيام التي ابتلي فيها.
وهذا أمر مجرب مذوق، وأما إن التفت إلى التعلق بغير الله تعالى، فإن البلاء يشدد عليه، أو يخرج من دائرة الولاية، والعياذ بالله. فالولي هو الذي يقلب الأعيان بهمته، وبالنور الذي في قلبه، حسية كانت أو معنوية، فيقلب الخوف أمنا، والحزن سرورا، والقبض بسطا، والفاقة غنى، وهكذا... فحينئذ تنفعل له الأشياء وتطيعه، وتخرق له العوائد، حتى لو ألقي في النار الحسية لبردت. قال الورتجبي: كان الخليل منورا بنور الله، وكان فعل النار من فعل الله، فغلب نور الصفة على نور الفعل، ولو بقيت النار حتى وصل إليها الخليل لصارت مضمحلة، فعلم الحق ذلك، فقال لها: { كوني بردا وسلاما على إبراهيم } حتى تبقى لظهور معجزته وبيان كرامته. ه. ومصداق ما ذكره: قول النار يوم القيامة للمؤمن: جز فقد أطفأ نورك لهبي، كما ورد. والله أعلم. ثم ذكر هجرة إبراهيم إلى الشام: