البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الشعراء 26:1 – الشعراء 26:104
المحتويات
- الشعراء 26:1
- الشعراء 26:2
- الشعراء 26:3
- الشعراء 26:4
- الشعراء 26:5
- الشعراء 26:6
- الشعراء 26:7
- الشعراء 26:8
- الشعراء 26:9
- الشعراء 26:10
- الشعراء 26:11
- الشعراء 26:12
- الشعراء 26:13
- الشعراء 26:14
- الشعراء 26:15
- الشعراء 26:16
- الشعراء 26:17
- الشعراء 26:18
- الشعراء 26:19
- الشعراء 26:20
- الشعراء 26:21
- الشعراء 26:22
- الشعراء 26:23
- الشعراء 26:24
- الشعراء 26:25
- الشعراء 26:26
- الشعراء 26:27
- الشعراء 26:28
- الشعراء 26:29
- الشعراء 26:30
- الشعراء 26:31
- الشعراء 26:32
- الشعراء 26:33
- الشعراء 26:34
- الشعراء 26:35
- الشعراء 26:36
- الشعراء 26:37
- الشعراء 26:38
- الشعراء 26:39
- الشعراء 26:40
- الشعراء 26:41
- الشعراء 26:42
- الشعراء 26:43
- الشعراء 26:44
- الشعراء 26:45
- الشعراء 26:46
- الشعراء 26:47
- الشعراء 26:48
- الشعراء 26:49
- الشعراء 26:50
- الشعراء 26:51
- الشعراء 26:52
- الشعراء 26:53
- الشعراء 26:54
- الشعراء 26:55
- الشعراء 26:56
- الشعراء 26:57
- الشعراء 26:58
- الشعراء 26:59
- الشعراء 26:60
- الشعراء 26:61
- الشعراء 26:62
- الشعراء 26:63
- الشعراء 26:64
- الشعراء 26:65
- الشعراء 26:66
- الشعراء 26:67
- الشعراء 26:68
- الشعراء 26:69
- الشعراء 26:70
- الشعراء 26:71
- الشعراء 26:72
- الشعراء 26:73
- الشعراء 26:74
- الشعراء 26:75
- الشعراء 26:76
- الشعراء 26:77
- الشعراء 26:78
- الشعراء 26:79
- الشعراء 26:80
- الشعراء 26:81
- الشعراء 26:82
- الشعراء 26:83
- الشعراء 26:84
- الشعراء 26:85
- الشعراء 26:86
- الشعراء 26:87
- الشعراء 26:88
- الشعراء 26:89
- الشعراء 26:90
- الشعراء 26:91
- الشعراء 26:92
- الشعراء 26:93
- الشعراء 26:94
- الشعراء 26:95
- الشعراء 26:96
- الشعراء 26:97
- الشعراء 26:98
- الشعراء 26:99
- الشعراء 26:100
- الشعراء 26:101
- الشعراء 26:102
- الشعراء 26:103
- الشعراء 26:104
الشعراء 26:1
يقول الحق جل جلاله: { طسم } أي: يا طاهر، يا سيد، يا محمد، أو: أيها الطاهر السيد المجيد. وقال الواحدي: أقسم تعالى بطوله وسنائه وملكه، والمقسم عليه: { إن نشأ ننزل... } إلخ. { تلك آيات الكتاب المبين } أي: ما نسرده عليك في هذه السورة وغيرها من الآيات، هي آيات الكتاب، أي: القرآن المبين أي: الظاهر إعجازه وأنه من عند الله على أنه من أبان بمعنى بان أو: المبين للأحكام الشرعية والحكم الربانية، أو: الفاصل بين الحق والباطل. وما في الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلة المشار إليه في الفخامة ورفعة القدر. ثم شرع في تسليته بقوله: { لعلك باخع نفسك } أي: قاتل نفسك. قال سهل: تهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم، وقد سبق مني الحكم بإيمان المؤمنين وكفر الكافرين، فلا تبديل ولا تغيير. و " لعل ":للإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على مافاتك من إسلام قومك { ألا يكونوا مؤمنين } أي: لعدم إيمانهم بذلك الكتاب المبين، { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } ، هو تعليل لما قبله من النهي عن التحسر ببيان أن إيمانهم ليس مما تعلقت به المشيئة، فلا وجه للطمع فيه والتألم من فواته، والمفعول محذوف، أي: إن نشأ إيمانهم ننزل عليهم من السماء آية ملجئة لهم إلى الإيمان، قاهرة لهم عليه، { فظلت أعناقهم لها خاضعين } منقادين. والأصل: فظلوا لها خاضعين، فأقمحت الأعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع، وترك الخبر على حاله من جمع العقلاء. وقيل: لما وصفت الأعناق بصفة العقلاء أجريت مجراهم، كقوله تعالى:
رأيتهم لي ساجدين
[يوسف: 4]. وقيل المراد بالأعناق: الرؤساء ومقدمو الجماعة، وقيل: الجماعة، من قولهم: جاءنا عنق من الناس، أي: فوج. وقرئ: خاضعة، على الأصل. { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } ، هذا بيان لشدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما كانوا عليه من الكفر والتكذيب لصرف رسوله صلى الله عليه وسلم عن الحرص على إسلامهم، وقطع رجائه فيهم على الجملة، قال القشيري: أي: ما نجدد لهم شرعا، أو نرسل رسولا إلا أعرضوا عما دل برهانه عليه، وقابلوه بالتكذيب، فلو أنهم أنعموا النظر في آياتهم، لا تضح لهم صدقهم، ولكن المقسوم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيمان والتصديق. ه. والتعرض لعنوان الرحمة لتغليظ شناعتهم، وتهويل جنايتهم فإن الإعراض عما يأتيهم من جنابه عز وجل على الإطلاق شنيع قبيح، وعما يأتيهم بموجب الرحمة، لمحض منفعتهم، أشنع وأقبح، أي: ما يأتيهم من موعظة من المواعظ القرآنية أو من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم أكمل تذكير وتنبههم من الغفلة أتم تنبيه، بمقتضى رحمته الواسعة، إلا جددوا إعراضا عنه على وجه التكذيب والاستهزاء إصرارا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال.
{ فقد كذبوا } بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا مقارنا للاستهزاء، { فسيأتيهم } أي: فسيعلمون { أنباء } أي: أخبار { وما كانوا به يستهزئون } ، وأنباؤه: ما يحيق بهم من العقوبات العاجلة والآجلة، عبر عنها بالأنباء إما لكونها مما أنبأ بها القرآن الكريم، وإما لأنهم، بمشاهدتها، يقفون على حقيقة القرآن الكريم، كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم، باستماع الأنباء. وفيه تهويل لأن الأنباء لا تطلق إلا على خبر خطير له وقع كبير، أي: فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا يستهزئون به، إما في الدنيا، كيوم بدر وغيره من مواطن الحتوف، أو يوم القيامة. والله تعالى أعلم. الإشارة: طسم، الطاء تشير إلى طهارة سره - عليه الصلاة والسلام -، والسين تشير إلى سيادة قدره، والميم إلى مجادة أمره، وهذا بداية الشرف ونهايته. أو: الطاء تشير إلى التنزيه للقلب، من حيث هو، والتطهير والسين تشير إلى تحليته بالسر الكبير، والميم تشير إلى تصرفه في الملك والملكوت بإذن العلي الكبير. وهذه بداية السير ونهايته، فيكون حينئذ عارفا بالله، خليفة رسول الله في العودة إلى الله، فإن حرص على هداية الخلق فيقال له: { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ، فلو شاء ربك لهدى الناس جميعا، ولا يزالون مختلفين، { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين }. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل قدرته على ما ذكر، فقال: { أولم يروا إلى الأرض... }
الشعراء 26:2
يقول الحق جل جلاله: { طسم } أي: يا طاهر، يا سيد، يا محمد، أو: أيها الطاهر السيد المجيد. وقال الواحدي: أقسم تعالى بطوله وسنائه وملكه، والمقسم عليه: { إن نشأ ننزل... } إلخ. { تلك آيات الكتاب المبين } أي: ما نسرده عليك في هذه السورة وغيرها من الآيات، هي آيات الكتاب، أي: القرآن المبين أي: الظاهر إعجازه وأنه من عند الله على أنه من أبان بمعنى بان أو: المبين للأحكام الشرعية والحكم الربانية، أو: الفاصل بين الحق والباطل. وما في الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلة المشار إليه في الفخامة ورفعة القدر. ثم شرع في تسليته بقوله: { لعلك باخع نفسك } أي: قاتل نفسك. قال سهل: تهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم، وقد سبق مني الحكم بإيمان المؤمنين وكفر الكافرين، فلا تبديل ولا تغيير. و " لعل ":للإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على مافاتك من إسلام قومك { ألا يكونوا مؤمنين } أي: لعدم إيمانهم بذلك الكتاب المبين، { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } ، هو تعليل لما قبله من النهي عن التحسر ببيان أن إيمانهم ليس مما تعلقت به المشيئة، فلا وجه للطمع فيه والتألم من فواته، والمفعول محذوف، أي: إن نشأ إيمانهم ننزل عليهم من السماء آية ملجئة لهم إلى الإيمان، قاهرة لهم عليه، { فظلت أعناقهم لها خاضعين } منقادين. والأصل: فظلوا لها خاضعين، فأقمحت الأعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع، وترك الخبر على حاله من جمع العقلاء. وقيل: لما وصفت الأعناق بصفة العقلاء أجريت مجراهم، كقوله تعالى:
رأيتهم لي ساجدين
[يوسف: 4]. وقيل المراد بالأعناق: الرؤساء ومقدمو الجماعة، وقيل: الجماعة، من قولهم: جاءنا عنق من الناس، أي: فوج. وقرئ: خاضعة، على الأصل. { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } ، هذا بيان لشدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما كانوا عليه من الكفر والتكذيب لصرف رسوله صلى الله عليه وسلم عن الحرص على إسلامهم، وقطع رجائه فيهم على الجملة، قال القشيري: أي: ما نجدد لهم شرعا، أو نرسل رسولا إلا أعرضوا عما دل برهانه عليه، وقابلوه بالتكذيب، فلو أنهم أنعموا النظر في آياتهم، لا تضح لهم صدقهم، ولكن المقسوم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيمان والتصديق. ه. والتعرض لعنوان الرحمة لتغليظ شناعتهم، وتهويل جنايتهم فإن الإعراض عما يأتيهم من جنابه عز وجل على الإطلاق شنيع قبيح، وعما يأتيهم بموجب الرحمة، لمحض منفعتهم، أشنع وأقبح، أي: ما يأتيهم من موعظة من المواعظ القرآنية أو من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم أكمل تذكير وتنبههم من الغفلة أتم تنبيه، بمقتضى رحمته الواسعة، إلا جددوا إعراضا عنه على وجه التكذيب والاستهزاء إصرارا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال.
{ فقد كذبوا } بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا مقارنا للاستهزاء، { فسيأتيهم } أي: فسيعلمون { أنباء } أي: أخبار { وما كانوا به يستهزئون } ، وأنباؤه: ما يحيق بهم من العقوبات العاجلة والآجلة، عبر عنها بالأنباء إما لكونها مما أنبأ بها القرآن الكريم، وإما لأنهم، بمشاهدتها، يقفون على حقيقة القرآن الكريم، كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم، باستماع الأنباء. وفيه تهويل لأن الأنباء لا تطلق إلا على خبر خطير له وقع كبير، أي: فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا يستهزئون به، إما في الدنيا، كيوم بدر وغيره من مواطن الحتوف، أو يوم القيامة. والله تعالى أعلم. الإشارة: طسم، الطاء تشير إلى طهارة سره - عليه الصلاة والسلام -، والسين تشير إلى سيادة قدره، والميم إلى مجادة أمره، وهذا بداية الشرف ونهايته. أو: الطاء تشير إلى التنزيه للقلب، من حيث هو، والتطهير والسين تشير إلى تحليته بالسر الكبير، والميم تشير إلى تصرفه في الملك والملكوت بإذن العلي الكبير. وهذه بداية السير ونهايته، فيكون حينئذ عارفا بالله، خليفة رسول الله في العودة إلى الله، فإن حرص على هداية الخلق فيقال له: { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ، فلو شاء ربك لهدى الناس جميعا، ولا يزالون مختلفين، { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين }. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل قدرته على ما ذكر، فقال: { أولم يروا إلى الأرض... }
الشعراء 26:3
يقول الحق جل جلاله: { طسم } أي: يا طاهر، يا سيد، يا محمد، أو: أيها الطاهر السيد المجيد. وقال الواحدي: أقسم تعالى بطوله وسنائه وملكه، والمقسم عليه: { إن نشأ ننزل... } إلخ. { تلك آيات الكتاب المبين } أي: ما نسرده عليك في هذه السورة وغيرها من الآيات، هي آيات الكتاب، أي: القرآن المبين أي: الظاهر إعجازه وأنه من عند الله على أنه من أبان بمعنى بان أو: المبين للأحكام الشرعية والحكم الربانية، أو: الفاصل بين الحق والباطل. وما في الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلة المشار إليه في الفخامة ورفعة القدر. ثم شرع في تسليته بقوله: { لعلك باخع نفسك } أي: قاتل نفسك. قال سهل: تهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم، وقد سبق مني الحكم بإيمان المؤمنين وكفر الكافرين، فلا تبديل ولا تغيير. و " لعل ":للإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على مافاتك من إسلام قومك { ألا يكونوا مؤمنين } أي: لعدم إيمانهم بذلك الكتاب المبين، { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } ، هو تعليل لما قبله من النهي عن التحسر ببيان أن إيمانهم ليس مما تعلقت به المشيئة، فلا وجه للطمع فيه والتألم من فواته، والمفعول محذوف، أي: إن نشأ إيمانهم ننزل عليهم من السماء آية ملجئة لهم إلى الإيمان، قاهرة لهم عليه، { فظلت أعناقهم لها خاضعين } منقادين. والأصل: فظلوا لها خاضعين، فأقمحت الأعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع، وترك الخبر على حاله من جمع العقلاء. وقيل: لما وصفت الأعناق بصفة العقلاء أجريت مجراهم، كقوله تعالى:
رأيتهم لي ساجدين
[يوسف: 4]. وقيل المراد بالأعناق: الرؤساء ومقدمو الجماعة، وقيل: الجماعة، من قولهم: جاءنا عنق من الناس، أي: فوج. وقرئ: خاضعة، على الأصل. { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } ، هذا بيان لشدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما كانوا عليه من الكفر والتكذيب لصرف رسوله صلى الله عليه وسلم عن الحرص على إسلامهم، وقطع رجائه فيهم على الجملة، قال القشيري: أي: ما نجدد لهم شرعا، أو نرسل رسولا إلا أعرضوا عما دل برهانه عليه، وقابلوه بالتكذيب، فلو أنهم أنعموا النظر في آياتهم، لا تضح لهم صدقهم، ولكن المقسوم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيمان والتصديق. ه. والتعرض لعنوان الرحمة لتغليظ شناعتهم، وتهويل جنايتهم فإن الإعراض عما يأتيهم من جنابه عز وجل على الإطلاق شنيع قبيح، وعما يأتيهم بموجب الرحمة، لمحض منفعتهم، أشنع وأقبح، أي: ما يأتيهم من موعظة من المواعظ القرآنية أو من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم أكمل تذكير وتنبههم من الغفلة أتم تنبيه، بمقتضى رحمته الواسعة، إلا جددوا إعراضا عنه على وجه التكذيب والاستهزاء إصرارا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال.
{ فقد كذبوا } بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا مقارنا للاستهزاء، { فسيأتيهم } أي: فسيعلمون { أنباء } أي: أخبار { وما كانوا به يستهزئون } ، وأنباؤه: ما يحيق بهم من العقوبات العاجلة والآجلة، عبر عنها بالأنباء إما لكونها مما أنبأ بها القرآن الكريم، وإما لأنهم، بمشاهدتها، يقفون على حقيقة القرآن الكريم، كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم، باستماع الأنباء. وفيه تهويل لأن الأنباء لا تطلق إلا على خبر خطير له وقع كبير، أي: فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا يستهزئون به، إما في الدنيا، كيوم بدر وغيره من مواطن الحتوف، أو يوم القيامة. والله تعالى أعلم. الإشارة: طسم، الطاء تشير إلى طهارة سره - عليه الصلاة والسلام -، والسين تشير إلى سيادة قدره، والميم إلى مجادة أمره، وهذا بداية الشرف ونهايته. أو: الطاء تشير إلى التنزيه للقلب، من حيث هو، والتطهير والسين تشير إلى تحليته بالسر الكبير، والميم تشير إلى تصرفه في الملك والملكوت بإذن العلي الكبير. وهذه بداية السير ونهايته، فيكون حينئذ عارفا بالله، خليفة رسول الله في العودة إلى الله، فإن حرص على هداية الخلق فيقال له: { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ، فلو شاء ربك لهدى الناس جميعا، ولا يزالون مختلفين، { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين }. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل قدرته على ما ذكر، فقال: { أولم يروا إلى الأرض... }
الشعراء 26:4
يقول الحق جل جلاله: { طسم } أي: يا طاهر، يا سيد، يا محمد، أو: أيها الطاهر السيد المجيد. وقال الواحدي: أقسم تعالى بطوله وسنائه وملكه، والمقسم عليه: { إن نشأ ننزل... } إلخ. { تلك آيات الكتاب المبين } أي: ما نسرده عليك في هذه السورة وغيرها من الآيات، هي آيات الكتاب، أي: القرآن المبين أي: الظاهر إعجازه وأنه من عند الله على أنه من أبان بمعنى بان أو: المبين للأحكام الشرعية والحكم الربانية، أو: الفاصل بين الحق والباطل. وما في الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلة المشار إليه في الفخامة ورفعة القدر. ثم شرع في تسليته بقوله: { لعلك باخع نفسك } أي: قاتل نفسك. قال سهل: تهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم، وقد سبق مني الحكم بإيمان المؤمنين وكفر الكافرين، فلا تبديل ولا تغيير. و " لعل ":للإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على مافاتك من إسلام قومك { ألا يكونوا مؤمنين } أي: لعدم إيمانهم بذلك الكتاب المبين، { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } ، هو تعليل لما قبله من النهي عن التحسر ببيان أن إيمانهم ليس مما تعلقت به المشيئة، فلا وجه للطمع فيه والتألم من فواته، والمفعول محذوف، أي: إن نشأ إيمانهم ننزل عليهم من السماء آية ملجئة لهم إلى الإيمان، قاهرة لهم عليه، { فظلت أعناقهم لها خاضعين } منقادين. والأصل: فظلوا لها خاضعين، فأقمحت الأعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع، وترك الخبر على حاله من جمع العقلاء. وقيل: لما وصفت الأعناق بصفة العقلاء أجريت مجراهم، كقوله تعالى:
رأيتهم لي ساجدين
[يوسف: 4]. وقيل المراد بالأعناق: الرؤساء ومقدمو الجماعة، وقيل: الجماعة، من قولهم: جاءنا عنق من الناس، أي: فوج. وقرئ: خاضعة، على الأصل. { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } ، هذا بيان لشدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما كانوا عليه من الكفر والتكذيب لصرف رسوله صلى الله عليه وسلم عن الحرص على إسلامهم، وقطع رجائه فيهم على الجملة، قال القشيري: أي: ما نجدد لهم شرعا، أو نرسل رسولا إلا أعرضوا عما دل برهانه عليه، وقابلوه بالتكذيب، فلو أنهم أنعموا النظر في آياتهم، لا تضح لهم صدقهم، ولكن المقسوم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيمان والتصديق. ه. والتعرض لعنوان الرحمة لتغليظ شناعتهم، وتهويل جنايتهم فإن الإعراض عما يأتيهم من جنابه عز وجل على الإطلاق شنيع قبيح، وعما يأتيهم بموجب الرحمة، لمحض منفعتهم، أشنع وأقبح، أي: ما يأتيهم من موعظة من المواعظ القرآنية أو من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم أكمل تذكير وتنبههم من الغفلة أتم تنبيه، بمقتضى رحمته الواسعة، إلا جددوا إعراضا عنه على وجه التكذيب والاستهزاء إصرارا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال.
{ فقد كذبوا } بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا مقارنا للاستهزاء، { فسيأتيهم } أي: فسيعلمون { أنباء } أي: أخبار { وما كانوا به يستهزئون } ، وأنباؤه: ما يحيق بهم من العقوبات العاجلة والآجلة، عبر عنها بالأنباء إما لكونها مما أنبأ بها القرآن الكريم، وإما لأنهم، بمشاهدتها، يقفون على حقيقة القرآن الكريم، كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم، باستماع الأنباء. وفيه تهويل لأن الأنباء لا تطلق إلا على خبر خطير له وقع كبير، أي: فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا يستهزئون به، إما في الدنيا، كيوم بدر وغيره من مواطن الحتوف، أو يوم القيامة. والله تعالى أعلم. الإشارة: طسم، الطاء تشير إلى طهارة سره - عليه الصلاة والسلام -، والسين تشير إلى سيادة قدره، والميم إلى مجادة أمره، وهذا بداية الشرف ونهايته. أو: الطاء تشير إلى التنزيه للقلب، من حيث هو، والتطهير والسين تشير إلى تحليته بالسر الكبير، والميم تشير إلى تصرفه في الملك والملكوت بإذن العلي الكبير. وهذه بداية السير ونهايته، فيكون حينئذ عارفا بالله، خليفة رسول الله في العودة إلى الله، فإن حرص على هداية الخلق فيقال له: { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ، فلو شاء ربك لهدى الناس جميعا، ولا يزالون مختلفين، { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين }. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل قدرته على ما ذكر، فقال: { أولم يروا إلى الأرض... }
الشعراء 26:5
يقول الحق جل جلاله: { طسم } أي: يا طاهر، يا سيد، يا محمد، أو: أيها الطاهر السيد المجيد. وقال الواحدي: أقسم تعالى بطوله وسنائه وملكه، والمقسم عليه: { إن نشأ ننزل... } إلخ. { تلك آيات الكتاب المبين } أي: ما نسرده عليك في هذه السورة وغيرها من الآيات، هي آيات الكتاب، أي: القرآن المبين أي: الظاهر إعجازه وأنه من عند الله على أنه من أبان بمعنى بان أو: المبين للأحكام الشرعية والحكم الربانية، أو: الفاصل بين الحق والباطل. وما في الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلة المشار إليه في الفخامة ورفعة القدر. ثم شرع في تسليته بقوله: { لعلك باخع نفسك } أي: قاتل نفسك. قال سهل: تهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم، وقد سبق مني الحكم بإيمان المؤمنين وكفر الكافرين، فلا تبديل ولا تغيير. و " لعل ":للإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على مافاتك من إسلام قومك { ألا يكونوا مؤمنين } أي: لعدم إيمانهم بذلك الكتاب المبين، { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } ، هو تعليل لما قبله من النهي عن التحسر ببيان أن إيمانهم ليس مما تعلقت به المشيئة، فلا وجه للطمع فيه والتألم من فواته، والمفعول محذوف، أي: إن نشأ إيمانهم ننزل عليهم من السماء آية ملجئة لهم إلى الإيمان، قاهرة لهم عليه، { فظلت أعناقهم لها خاضعين } منقادين. والأصل: فظلوا لها خاضعين، فأقمحت الأعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع، وترك الخبر على حاله من جمع العقلاء. وقيل: لما وصفت الأعناق بصفة العقلاء أجريت مجراهم، كقوله تعالى:
رأيتهم لي ساجدين
[يوسف: 4]. وقيل المراد بالأعناق: الرؤساء ومقدمو الجماعة، وقيل: الجماعة، من قولهم: جاءنا عنق من الناس، أي: فوج. وقرئ: خاضعة، على الأصل. { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } ، هذا بيان لشدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما كانوا عليه من الكفر والتكذيب لصرف رسوله صلى الله عليه وسلم عن الحرص على إسلامهم، وقطع رجائه فيهم على الجملة، قال القشيري: أي: ما نجدد لهم شرعا، أو نرسل رسولا إلا أعرضوا عما دل برهانه عليه، وقابلوه بالتكذيب، فلو أنهم أنعموا النظر في آياتهم، لا تضح لهم صدقهم، ولكن المقسوم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيمان والتصديق. ه. والتعرض لعنوان الرحمة لتغليظ شناعتهم، وتهويل جنايتهم فإن الإعراض عما يأتيهم من جنابه عز وجل على الإطلاق شنيع قبيح، وعما يأتيهم بموجب الرحمة، لمحض منفعتهم، أشنع وأقبح، أي: ما يأتيهم من موعظة من المواعظ القرآنية أو من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم أكمل تذكير وتنبههم من الغفلة أتم تنبيه، بمقتضى رحمته الواسعة، إلا جددوا إعراضا عنه على وجه التكذيب والاستهزاء إصرارا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال.
{ فقد كذبوا } بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا مقارنا للاستهزاء، { فسيأتيهم } أي: فسيعلمون { أنباء } أي: أخبار { وما كانوا به يستهزئون } ، وأنباؤه: ما يحيق بهم من العقوبات العاجلة والآجلة، عبر عنها بالأنباء إما لكونها مما أنبأ بها القرآن الكريم، وإما لأنهم، بمشاهدتها، يقفون على حقيقة القرآن الكريم، كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم، باستماع الأنباء. وفيه تهويل لأن الأنباء لا تطلق إلا على خبر خطير له وقع كبير، أي: فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا يستهزئون به، إما في الدنيا، كيوم بدر وغيره من مواطن الحتوف، أو يوم القيامة. والله تعالى أعلم. الإشارة: طسم، الطاء تشير إلى طهارة سره - عليه الصلاة والسلام -، والسين تشير إلى سيادة قدره، والميم إلى مجادة أمره، وهذا بداية الشرف ونهايته. أو: الطاء تشير إلى التنزيه للقلب، من حيث هو، والتطهير والسين تشير إلى تحليته بالسر الكبير، والميم تشير إلى تصرفه في الملك والملكوت بإذن العلي الكبير. وهذه بداية السير ونهايته، فيكون حينئذ عارفا بالله، خليفة رسول الله في العودة إلى الله، فإن حرص على هداية الخلق فيقال له: { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ، فلو شاء ربك لهدى الناس جميعا، ولا يزالون مختلفين، { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين }. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل قدرته على ما ذكر، فقال: { أولم يروا إلى الأرض... }
الشعراء 26:6
يقول الحق جل جلاله: { طسم } أي: يا طاهر، يا سيد، يا محمد، أو: أيها الطاهر السيد المجيد. وقال الواحدي: أقسم تعالى بطوله وسنائه وملكه، والمقسم عليه: { إن نشأ ننزل... } إلخ. { تلك آيات الكتاب المبين } أي: ما نسرده عليك في هذه السورة وغيرها من الآيات، هي آيات الكتاب، أي: القرآن المبين أي: الظاهر إعجازه وأنه من عند الله على أنه من أبان بمعنى بان أو: المبين للأحكام الشرعية والحكم الربانية، أو: الفاصل بين الحق والباطل. وما في الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلة المشار إليه في الفخامة ورفعة القدر. ثم شرع في تسليته بقوله: { لعلك باخع نفسك } أي: قاتل نفسك. قال سهل: تهلك نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم، وقد سبق مني الحكم بإيمان المؤمنين وكفر الكافرين، فلا تبديل ولا تغيير. و " لعل ":للإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على مافاتك من إسلام قومك { ألا يكونوا مؤمنين } أي: لعدم إيمانهم بذلك الكتاب المبين، { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } ، هو تعليل لما قبله من النهي عن التحسر ببيان أن إيمانهم ليس مما تعلقت به المشيئة، فلا وجه للطمع فيه والتألم من فواته، والمفعول محذوف، أي: إن نشأ إيمانهم ننزل عليهم من السماء آية ملجئة لهم إلى الإيمان، قاهرة لهم عليه، { فظلت أعناقهم لها خاضعين } منقادين. والأصل: فظلوا لها خاضعين، فأقمحت الأعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع، وترك الخبر على حاله من جمع العقلاء. وقيل: لما وصفت الأعناق بصفة العقلاء أجريت مجراهم، كقوله تعالى:
رأيتهم لي ساجدين
[يوسف: 4]. وقيل المراد بالأعناق: الرؤساء ومقدمو الجماعة، وقيل: الجماعة، من قولهم: جاءنا عنق من الناس، أي: فوج. وقرئ: خاضعة، على الأصل. { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } ، هذا بيان لشدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما كانوا عليه من الكفر والتكذيب لصرف رسوله صلى الله عليه وسلم عن الحرص على إسلامهم، وقطع رجائه فيهم على الجملة، قال القشيري: أي: ما نجدد لهم شرعا، أو نرسل رسولا إلا أعرضوا عما دل برهانه عليه، وقابلوه بالتكذيب، فلو أنهم أنعموا النظر في آياتهم، لا تضح لهم صدقهم، ولكن المقسوم من الخذلان في سابق الحكم يمنعهم من الإيمان والتصديق. ه. والتعرض لعنوان الرحمة لتغليظ شناعتهم، وتهويل جنايتهم فإن الإعراض عما يأتيهم من جنابه عز وجل على الإطلاق شنيع قبيح، وعما يأتيهم بموجب الرحمة، لمحض منفعتهم، أشنع وأقبح، أي: ما يأتيهم من موعظة من المواعظ القرآنية أو من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم أكمل تذكير وتنبههم من الغفلة أتم تنبيه، بمقتضى رحمته الواسعة، إلا جددوا إعراضا عنه على وجه التكذيب والاستهزاء إصرارا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال.
{ فقد كذبوا } بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا مقارنا للاستهزاء، { فسيأتيهم } أي: فسيعلمون { أنباء } أي: أخبار { وما كانوا به يستهزئون } ، وأنباؤه: ما يحيق بهم من العقوبات العاجلة والآجلة، عبر عنها بالأنباء إما لكونها مما أنبأ بها القرآن الكريم، وإما لأنهم، بمشاهدتها، يقفون على حقيقة القرآن الكريم، كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم، باستماع الأنباء. وفيه تهويل لأن الأنباء لا تطلق إلا على خبر خطير له وقع كبير، أي: فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا يستهزئون به، إما في الدنيا، كيوم بدر وغيره من مواطن الحتوف، أو يوم القيامة. والله تعالى أعلم. الإشارة: طسم، الطاء تشير إلى طهارة سره - عليه الصلاة والسلام -، والسين تشير إلى سيادة قدره، والميم إلى مجادة أمره، وهذا بداية الشرف ونهايته. أو: الطاء تشير إلى التنزيه للقلب، من حيث هو، والتطهير والسين تشير إلى تحليته بالسر الكبير، والميم تشير إلى تصرفه في الملك والملكوت بإذن العلي الكبير. وهذه بداية السير ونهايته، فيكون حينئذ عارفا بالله، خليفة رسول الله في العودة إلى الله، فإن حرص على هداية الخلق فيقال له: { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ، فلو شاء ربك لهدى الناس جميعا، ولا يزالون مختلفين، { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين }. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل قدرته على ما ذكر، فقال: { أولم يروا إلى الأرض... }
الشعراء 26:7
قلت: الهمزة: للإنكار التوبيخي، والواو: للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: أفعلوا ما فعلوا من الإعراض والتكذيب، ولم ينظروا إلى عجائب الأرض.. إلخ. وكم: خبرية منصوبة بما بعدها على المفعولية. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يروا } أي: ينظروا { إلى } عجائب { الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } أي: من كل صنف محمود كثير المنفعة، يأكل منه الناس والأنعام. وتخصيص النبات بالذكر، دون ما عداه من الأصناف لاختصاصه بالدلالة على القدرة والنعمة معا. ويحتمل أن يراد به جميع أصناف النبات نافعها وضارها، ويكون وصف الكل بالكرم للتنبيه على أنه تعالى ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة، إما وحده، أو بانضمامه إلى غيره، كما نطق به قوله تعالى:
هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا
[البقرة: 29] فإن الحكيم لا يكاد يفعل فعلا إلا وفيه حكمة بالغة، وإن غفل عنه الغافلون، ولم يتوصل إلى معرفة كنهه العاقلون. وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة والإحاطة، وهما " كم " و " كل " أن كلمة " كل " تدل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و " كم " تدل على أن هذا المحاط متكاثر، مفرط الكثرة، وبه نبه على كمال قدرته. { إن في ذلك } الإنبات، أو: كل صنف من تلك الأصناف { لآية } عظيمة دالة على كمال قدرته، وسعة علمه وحكمته، ونهاية رحمته الموجبة للإيمان، الوازعة عن الكفر والطغيان. { وما كان أكثرهم } أي: أكثر قومه - عليه الصلاة والسلام - { مؤمنين } في علم الله تعالى وقضائه، حيث علم أنهم سيصرفون عنه، ولا يتدبرون في هذه الآيات العظام. وقال سيبويه: " كان ": صلة، والمعنى: وما أكثرهم مؤمنين، وهو الأنسب بمقام عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد، مع تعاضد موجبات الإيمان من جهته تعالى. وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى وقضائه فربما يتوهم أنهم معذورون فيه بحسب الظاهر لأن التفريق بين القدرة والحكمة، اللتين هما محل التحقيق والتشريع، قد خفي على مهرة العلماء، فضلا عن غيرهم. فالحكم بزيادة " كان " أقرب كأنه قيل: إن في ذلك لآية باهرة موجبة للإيمان، وما أكثرهم مؤمنين مع ذلك لغاية عتوهم وعنادهم. ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم لأن منهم من سبق له أنه يؤمن. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من هؤلاء، { الرحيم } المبالغ في الرحمة، ولذلك يمهلهم، ولا يؤاخذهم بغتة بما اجترأوا عليه من العظائم الموجبة لفنون العقوبات. وفي التعرض لوصف الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام -، من تشريفه والعدة الحقية بالانتقام من الكفرة مالا يخفى.
قاله أبو السعود. الإشارة: أو لم يروا إلى أرض النفوس الطيبة، كم أنبتنا فيها من كل صنف من أصناف العلوم الغريبة، والحكم العجيبة، بعد أن كانت ميتة بالجهل والغفلة، إن في ذلك لآية ظاهرة على وجود الخصوصية فيها، وعلى كمال من عالجها حتى ظهرت عليها. أو: أو لم يروا إلى أرض العبودية، كم أنبتنا فيها من أصناف الآداب المرضية، والمقامات اليقينية، والمكاشفات الوهبية، إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم مؤمنين بهذه الخصوصية عند أربابها، وإن ربك لهو العزيز الرحيم، يعز من يشاء، ويرحم بها من يشاء. وبالله التوفيق. ثم شرع في قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وبدأ بموسى عليه السلام، لشدة معالجته لقومه، فقال: { وإذ نادى ربك... }
الشعراء 26:8
قلت: الهمزة: للإنكار التوبيخي، والواو: للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: أفعلوا ما فعلوا من الإعراض والتكذيب، ولم ينظروا إلى عجائب الأرض.. إلخ. وكم: خبرية منصوبة بما بعدها على المفعولية. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يروا } أي: ينظروا { إلى } عجائب { الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } أي: من كل صنف محمود كثير المنفعة، يأكل منه الناس والأنعام. وتخصيص النبات بالذكر، دون ما عداه من الأصناف لاختصاصه بالدلالة على القدرة والنعمة معا. ويحتمل أن يراد به جميع أصناف النبات نافعها وضارها، ويكون وصف الكل بالكرم للتنبيه على أنه تعالى ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة، إما وحده، أو بانضمامه إلى غيره، كما نطق به قوله تعالى:
هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا
[البقرة: 29] فإن الحكيم لا يكاد يفعل فعلا إلا وفيه حكمة بالغة، وإن غفل عنه الغافلون، ولم يتوصل إلى معرفة كنهه العاقلون. وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة والإحاطة، وهما " كم " و " كل " أن كلمة " كل " تدل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و " كم " تدل على أن هذا المحاط متكاثر، مفرط الكثرة، وبه نبه على كمال قدرته. { إن في ذلك } الإنبات، أو: كل صنف من تلك الأصناف { لآية } عظيمة دالة على كمال قدرته، وسعة علمه وحكمته، ونهاية رحمته الموجبة للإيمان، الوازعة عن الكفر والطغيان. { وما كان أكثرهم } أي: أكثر قومه - عليه الصلاة والسلام - { مؤمنين } في علم الله تعالى وقضائه، حيث علم أنهم سيصرفون عنه، ولا يتدبرون في هذه الآيات العظام. وقال سيبويه: " كان ": صلة، والمعنى: وما أكثرهم مؤمنين، وهو الأنسب بمقام عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد، مع تعاضد موجبات الإيمان من جهته تعالى. وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى وقضائه فربما يتوهم أنهم معذورون فيه بحسب الظاهر لأن التفريق بين القدرة والحكمة، اللتين هما محل التحقيق والتشريع، قد خفي على مهرة العلماء، فضلا عن غيرهم. فالحكم بزيادة " كان " أقرب كأنه قيل: إن في ذلك لآية باهرة موجبة للإيمان، وما أكثرهم مؤمنين مع ذلك لغاية عتوهم وعنادهم. ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم لأن منهم من سبق له أنه يؤمن. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من هؤلاء، { الرحيم } المبالغ في الرحمة، ولذلك يمهلهم، ولا يؤاخذهم بغتة بما اجترأوا عليه من العظائم الموجبة لفنون العقوبات. وفي التعرض لوصف الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام -، من تشريفه والعدة الحقية بالانتقام من الكفرة مالا يخفى.
قاله أبو السعود. الإشارة: أو لم يروا إلى أرض النفوس الطيبة، كم أنبتنا فيها من كل صنف من أصناف العلوم الغريبة، والحكم العجيبة، بعد أن كانت ميتة بالجهل والغفلة، إن في ذلك لآية ظاهرة على وجود الخصوصية فيها، وعلى كمال من عالجها حتى ظهرت عليها. أو: أو لم يروا إلى أرض العبودية، كم أنبتنا فيها من أصناف الآداب المرضية، والمقامات اليقينية، والمكاشفات الوهبية، إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم مؤمنين بهذه الخصوصية عند أربابها، وإن ربك لهو العزيز الرحيم، يعز من يشاء، ويرحم بها من يشاء. وبالله التوفيق. ثم شرع في قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وبدأ بموسى عليه السلام، لشدة معالجته لقومه، فقال: { وإذ نادى ربك... }
الشعراء 26:9
قلت: الهمزة: للإنكار التوبيخي، والواو: للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: أفعلوا ما فعلوا من الإعراض والتكذيب، ولم ينظروا إلى عجائب الأرض.. إلخ. وكم: خبرية منصوبة بما بعدها على المفعولية. يقول الحق جل جلاله: { أو لم يروا } أي: ينظروا { إلى } عجائب { الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } أي: من كل صنف محمود كثير المنفعة، يأكل منه الناس والأنعام. وتخصيص النبات بالذكر، دون ما عداه من الأصناف لاختصاصه بالدلالة على القدرة والنعمة معا. ويحتمل أن يراد به جميع أصناف النبات نافعها وضارها، ويكون وصف الكل بالكرم للتنبيه على أنه تعالى ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة، إما وحده، أو بانضمامه إلى غيره، كما نطق به قوله تعالى:
هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا
[البقرة: 29] فإن الحكيم لا يكاد يفعل فعلا إلا وفيه حكمة بالغة، وإن غفل عنه الغافلون، ولم يتوصل إلى معرفة كنهه العاقلون. وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة والإحاطة، وهما " كم " و " كل " أن كلمة " كل " تدل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و " كم " تدل على أن هذا المحاط متكاثر، مفرط الكثرة، وبه نبه على كمال قدرته. { إن في ذلك } الإنبات، أو: كل صنف من تلك الأصناف { لآية } عظيمة دالة على كمال قدرته، وسعة علمه وحكمته، ونهاية رحمته الموجبة للإيمان، الوازعة عن الكفر والطغيان. { وما كان أكثرهم } أي: أكثر قومه - عليه الصلاة والسلام - { مؤمنين } في علم الله تعالى وقضائه، حيث علم أنهم سيصرفون عنه، ولا يتدبرون في هذه الآيات العظام. وقال سيبويه: " كان ": صلة، والمعنى: وما أكثرهم مؤمنين، وهو الأنسب بمقام عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد، مع تعاضد موجبات الإيمان من جهته تعالى. وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى وقضائه فربما يتوهم أنهم معذورون فيه بحسب الظاهر لأن التفريق بين القدرة والحكمة، اللتين هما محل التحقيق والتشريع، قد خفي على مهرة العلماء، فضلا عن غيرهم. فالحكم بزيادة " كان " أقرب كأنه قيل: إن في ذلك لآية باهرة موجبة للإيمان، وما أكثرهم مؤمنين مع ذلك لغاية عتوهم وعنادهم. ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم لأن منهم من سبق له أنه يؤمن. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من هؤلاء، { الرحيم } المبالغ في الرحمة، ولذلك يمهلهم، ولا يؤاخذهم بغتة بما اجترأوا عليه من العظائم الموجبة لفنون العقوبات. وفي التعرض لوصف الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام -، من تشريفه والعدة الحقية بالانتقام من الكفرة مالا يخفى.
قاله أبو السعود. الإشارة: أو لم يروا إلى أرض النفوس الطيبة، كم أنبتنا فيها من كل صنف من أصناف العلوم الغريبة، والحكم العجيبة، بعد أن كانت ميتة بالجهل والغفلة، إن في ذلك لآية ظاهرة على وجود الخصوصية فيها، وعلى كمال من عالجها حتى ظهرت عليها. أو: أو لم يروا إلى أرض العبودية، كم أنبتنا فيها من أصناف الآداب المرضية، والمقامات اليقينية، والمكاشفات الوهبية، إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم مؤمنين بهذه الخصوصية عند أربابها، وإن ربك لهو العزيز الرحيم، يعز من يشاء، ويرحم بها من يشاء. وبالله التوفيق. ثم شرع في قصص الأنبياء، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وبدأ بموسى عليه السلام، لشدة معالجته لقومه، فقال: { وإذ نادى ربك... }
الشعراء 26:10
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { إذ نادى ربك موسى } أي: وقت ندائه إياه، وذكر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم زجرا لهم، وتحذيرا من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين. أو: واذكر حاله لتتسلى به وبما عالج مع قومه حيث أرسله وقال له: { أن ائت القوم الظالمين } أو: بأن ائت القوم الظالمين بالكفر والمعاصي، أو: باستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم. { قوم فرعون }: عطف بيان، تسجل عليهم بالظلم، ثم فسرهم، وقل لهم: { ألا يتقون } الله، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان. وقرئ بتاء الخطاب على طريقة الالتفات، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم، كأن ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك. وليس هذا نفس ما ناداه به، بل ما في سورة طه من قوله:
إنى أنا ربك...
[طه: 12] إلخ، واختصره هنا لمقتضى المقام. { قال } موسى عليه السلام متضرعا إلى الله عز وجل: { رب إني أخاف أن يكذبون } من أول الأمر، { ويضيق صدري } بتكذيبهم إياي، { ولا ينطلق لساني } بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال، وأسمع من الجدال، أو: تغلبني عقدة لساني، { فأرسل إلى هارون } أخي، أي: أرسل جبريل إليه، ليكون نبيا معي، أتقوى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بعث موسى بجبل الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر، وإنما هو استدعاء لما يعينه على الامتثال، وتمهيد عذره. ثم قال: { ولهم علي ذنب } أي: تبعة ذنب بقتل القبطي، فحذف المضاف، أو: سمي تبعة الذنب ذنبا، كما يسمى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنبا بحسب زعمهم. { فأخاف أن يقتلون } به قصاصا. وليس هذا تعللا أيضا، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة، ولذلك وعده بالكلاءة، والدفع عنه بكلمة الردع، وجمع له الاستجابتين معا بقوله: { قال كلا فاذهبا } لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه رسالة أخيه، فأجابه بقوله: { اذهبا } ، أي: جعلته رسولا معك { فاذهبا بآياتنا } أي: مع آياتنا، وهو اليد والعصا وغير ذلك، فقوله: { فاذهبا }: عطف على مضمر، ينبئ عنه الردع، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوبا بآياتنا، فإنها تدفع ما تخافه. { إنما معكم مستمعون } أي: سامعون ما يقال لك، وما يجري بينكما وبينه، فنظهركما عليه. شبه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة، فسمع ما يجري بينهم، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة، فاستعير الاستماع، الذي هو الإصغاء للسمع، الذي هو العلم بالحروف والأصوات، وهو تعليل للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما، بضمان كمال الحفظ والنصر، كقوله تعالى:
إننى معكمآ أسمع وأرى
[طه: 46]. { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب لأن معنى هذا: الوصول إلى المرسل إليه، والذهاب: مطلق التوجه، ولم يثن الرسول هنا كما ثناه في سورة طه لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة، فيكون مصدرا، فجعل ثمة بمعنى المرسل فثنى، وجعل هنا بمعنى الرسالة، فسوى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، كما تقول: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل لاتحادهما في شريعة واحدة، كأنهما رسول واحد. قلت: والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر أن الخطاب في سورة طه توجه أول القصة إليهما معا بقوله { اذهب أنت وأخوك } فجرى في آخر القصة على ما افتتحت به، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى موسى وحده، بقوله: { وإذا نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } ، فجرى على ما افتتح به القصة من الإفراد. والله تعالى أعلم. { أن أرسل معنا بني إسرائيل } ، " أن ": مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خل بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام، وكان مسكنهم بفلسطين منه، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السلام إلى مصر، في زمن يوسف عليه السلام. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان أهلا للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ولا خوف الإذاية، فإن الله معه بالحفظ والرعاية. نعم إن طلب المعين فلا بأس، فإن أبهة الجماعة، في حال الإقبال على من يعظمهم، أقوى في الإدخال الهيبة والروع في قلوبهم، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته، فقال: { قال ألم نربك فينا وليدا... }
الشعراء 26:11
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { إذ نادى ربك موسى } أي: وقت ندائه إياه، وذكر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم زجرا لهم، وتحذيرا من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين. أو: واذكر حاله لتتسلى به وبما عالج مع قومه حيث أرسله وقال له: { أن ائت القوم الظالمين } أو: بأن ائت القوم الظالمين بالكفر والمعاصي، أو: باستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم. { قوم فرعون }: عطف بيان، تسجل عليهم بالظلم، ثم فسرهم، وقل لهم: { ألا يتقون } الله، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان. وقرئ بتاء الخطاب على طريقة الالتفات، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم، كأن ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك. وليس هذا نفس ما ناداه به، بل ما في سورة طه من قوله:
إنى أنا ربك...
[طه: 12] إلخ، واختصره هنا لمقتضى المقام. { قال } موسى عليه السلام متضرعا إلى الله عز وجل: { رب إني أخاف أن يكذبون } من أول الأمر، { ويضيق صدري } بتكذيبهم إياي، { ولا ينطلق لساني } بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال، وأسمع من الجدال، أو: تغلبني عقدة لساني، { فأرسل إلى هارون } أخي، أي: أرسل جبريل إليه، ليكون نبيا معي، أتقوى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بعث موسى بجبل الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر، وإنما هو استدعاء لما يعينه على الامتثال، وتمهيد عذره. ثم قال: { ولهم علي ذنب } أي: تبعة ذنب بقتل القبطي، فحذف المضاف، أو: سمي تبعة الذنب ذنبا، كما يسمى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنبا بحسب زعمهم. { فأخاف أن يقتلون } به قصاصا. وليس هذا تعللا أيضا، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة، ولذلك وعده بالكلاءة، والدفع عنه بكلمة الردع، وجمع له الاستجابتين معا بقوله: { قال كلا فاذهبا } لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه رسالة أخيه، فأجابه بقوله: { اذهبا } ، أي: جعلته رسولا معك { فاذهبا بآياتنا } أي: مع آياتنا، وهو اليد والعصا وغير ذلك، فقوله: { فاذهبا }: عطف على مضمر، ينبئ عنه الردع، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوبا بآياتنا، فإنها تدفع ما تخافه. { إنما معكم مستمعون } أي: سامعون ما يقال لك، وما يجري بينكما وبينه، فنظهركما عليه. شبه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة، فسمع ما يجري بينهم، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة، فاستعير الاستماع، الذي هو الإصغاء للسمع، الذي هو العلم بالحروف والأصوات، وهو تعليل للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما، بضمان كمال الحفظ والنصر، كقوله تعالى:
إننى معكمآ أسمع وأرى
[طه: 46]. { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب لأن معنى هذا: الوصول إلى المرسل إليه، والذهاب: مطلق التوجه، ولم يثن الرسول هنا كما ثناه في سورة طه لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة، فيكون مصدرا، فجعل ثمة بمعنى المرسل فثنى، وجعل هنا بمعنى الرسالة، فسوى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، كما تقول: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل لاتحادهما في شريعة واحدة، كأنهما رسول واحد. قلت: والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر أن الخطاب في سورة طه توجه أول القصة إليهما معا بقوله { اذهب أنت وأخوك } فجرى في آخر القصة على ما افتتحت به، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى موسى وحده، بقوله: { وإذا نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } ، فجرى على ما افتتح به القصة من الإفراد. والله تعالى أعلم. { أن أرسل معنا بني إسرائيل } ، " أن ": مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خل بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام، وكان مسكنهم بفلسطين منه، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السلام إلى مصر، في زمن يوسف عليه السلام. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان أهلا للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ولا خوف الإذاية، فإن الله معه بالحفظ والرعاية. نعم إن طلب المعين فلا بأس، فإن أبهة الجماعة، في حال الإقبال على من يعظمهم، أقوى في الإدخال الهيبة والروع في قلوبهم، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته، فقال: { قال ألم نربك فينا وليدا... }
الشعراء 26:12
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { إذ نادى ربك موسى } أي: وقت ندائه إياه، وذكر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم زجرا لهم، وتحذيرا من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين. أو: واذكر حاله لتتسلى به وبما عالج مع قومه حيث أرسله وقال له: { أن ائت القوم الظالمين } أو: بأن ائت القوم الظالمين بالكفر والمعاصي، أو: باستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم. { قوم فرعون }: عطف بيان، تسجل عليهم بالظلم، ثم فسرهم، وقل لهم: { ألا يتقون } الله، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان. وقرئ بتاء الخطاب على طريقة الالتفات، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم، كأن ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك. وليس هذا نفس ما ناداه به، بل ما في سورة طه من قوله:
إنى أنا ربك...
[طه: 12] إلخ، واختصره هنا لمقتضى المقام. { قال } موسى عليه السلام متضرعا إلى الله عز وجل: { رب إني أخاف أن يكذبون } من أول الأمر، { ويضيق صدري } بتكذيبهم إياي، { ولا ينطلق لساني } بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال، وأسمع من الجدال، أو: تغلبني عقدة لساني، { فأرسل إلى هارون } أخي، أي: أرسل جبريل إليه، ليكون نبيا معي، أتقوى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بعث موسى بجبل الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر، وإنما هو استدعاء لما يعينه على الامتثال، وتمهيد عذره. ثم قال: { ولهم علي ذنب } أي: تبعة ذنب بقتل القبطي، فحذف المضاف، أو: سمي تبعة الذنب ذنبا، كما يسمى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنبا بحسب زعمهم. { فأخاف أن يقتلون } به قصاصا. وليس هذا تعللا أيضا، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة، ولذلك وعده بالكلاءة، والدفع عنه بكلمة الردع، وجمع له الاستجابتين معا بقوله: { قال كلا فاذهبا } لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه رسالة أخيه، فأجابه بقوله: { اذهبا } ، أي: جعلته رسولا معك { فاذهبا بآياتنا } أي: مع آياتنا، وهو اليد والعصا وغير ذلك، فقوله: { فاذهبا }: عطف على مضمر، ينبئ عنه الردع، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوبا بآياتنا، فإنها تدفع ما تخافه. { إنما معكم مستمعون } أي: سامعون ما يقال لك، وما يجري بينكما وبينه، فنظهركما عليه. شبه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة، فسمع ما يجري بينهم، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة، فاستعير الاستماع، الذي هو الإصغاء للسمع، الذي هو العلم بالحروف والأصوات، وهو تعليل للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما، بضمان كمال الحفظ والنصر، كقوله تعالى:
إننى معكمآ أسمع وأرى
[طه: 46]. { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب لأن معنى هذا: الوصول إلى المرسل إليه، والذهاب: مطلق التوجه، ولم يثن الرسول هنا كما ثناه في سورة طه لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة، فيكون مصدرا، فجعل ثمة بمعنى المرسل فثنى، وجعل هنا بمعنى الرسالة، فسوى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، كما تقول: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل لاتحادهما في شريعة واحدة، كأنهما رسول واحد. قلت: والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر أن الخطاب في سورة طه توجه أول القصة إليهما معا بقوله { اذهب أنت وأخوك } فجرى في آخر القصة على ما افتتحت به، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى موسى وحده، بقوله: { وإذا نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } ، فجرى على ما افتتح به القصة من الإفراد. والله تعالى أعلم. { أن أرسل معنا بني إسرائيل } ، " أن ": مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خل بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام، وكان مسكنهم بفلسطين منه، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السلام إلى مصر، في زمن يوسف عليه السلام. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان أهلا للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ولا خوف الإذاية، فإن الله معه بالحفظ والرعاية. نعم إن طلب المعين فلا بأس، فإن أبهة الجماعة، في حال الإقبال على من يعظمهم، أقوى في الإدخال الهيبة والروع في قلوبهم، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته، فقال: { قال ألم نربك فينا وليدا... }
الشعراء 26:13
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { إذ نادى ربك موسى } أي: وقت ندائه إياه، وذكر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم زجرا لهم، وتحذيرا من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين. أو: واذكر حاله لتتسلى به وبما عالج مع قومه حيث أرسله وقال له: { أن ائت القوم الظالمين } أو: بأن ائت القوم الظالمين بالكفر والمعاصي، أو: باستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم. { قوم فرعون }: عطف بيان، تسجل عليهم بالظلم، ثم فسرهم، وقل لهم: { ألا يتقون } الله، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان. وقرئ بتاء الخطاب على طريقة الالتفات، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم، كأن ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك. وليس هذا نفس ما ناداه به، بل ما في سورة طه من قوله:
إنى أنا ربك...
[طه: 12] إلخ، واختصره هنا لمقتضى المقام. { قال } موسى عليه السلام متضرعا إلى الله عز وجل: { رب إني أخاف أن يكذبون } من أول الأمر، { ويضيق صدري } بتكذيبهم إياي، { ولا ينطلق لساني } بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال، وأسمع من الجدال، أو: تغلبني عقدة لساني، { فأرسل إلى هارون } أخي، أي: أرسل جبريل إليه، ليكون نبيا معي، أتقوى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بعث موسى بجبل الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر، وإنما هو استدعاء لما يعينه على الامتثال، وتمهيد عذره. ثم قال: { ولهم علي ذنب } أي: تبعة ذنب بقتل القبطي، فحذف المضاف، أو: سمي تبعة الذنب ذنبا، كما يسمى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنبا بحسب زعمهم. { فأخاف أن يقتلون } به قصاصا. وليس هذا تعللا أيضا، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة، ولذلك وعده بالكلاءة، والدفع عنه بكلمة الردع، وجمع له الاستجابتين معا بقوله: { قال كلا فاذهبا } لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه رسالة أخيه، فأجابه بقوله: { اذهبا } ، أي: جعلته رسولا معك { فاذهبا بآياتنا } أي: مع آياتنا، وهو اليد والعصا وغير ذلك، فقوله: { فاذهبا }: عطف على مضمر، ينبئ عنه الردع، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوبا بآياتنا، فإنها تدفع ما تخافه. { إنما معكم مستمعون } أي: سامعون ما يقال لك، وما يجري بينكما وبينه، فنظهركما عليه. شبه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة، فسمع ما يجري بينهم، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة، فاستعير الاستماع، الذي هو الإصغاء للسمع، الذي هو العلم بالحروف والأصوات، وهو تعليل للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما، بضمان كمال الحفظ والنصر، كقوله تعالى:
إننى معكمآ أسمع وأرى
[طه: 46]. { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب لأن معنى هذا: الوصول إلى المرسل إليه، والذهاب: مطلق التوجه، ولم يثن الرسول هنا كما ثناه في سورة طه لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة، فيكون مصدرا، فجعل ثمة بمعنى المرسل فثنى، وجعل هنا بمعنى الرسالة، فسوى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، كما تقول: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل لاتحادهما في شريعة واحدة، كأنهما رسول واحد. قلت: والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر أن الخطاب في سورة طه توجه أول القصة إليهما معا بقوله { اذهب أنت وأخوك } فجرى في آخر القصة على ما افتتحت به، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى موسى وحده، بقوله: { وإذا نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } ، فجرى على ما افتتح به القصة من الإفراد. والله تعالى أعلم. { أن أرسل معنا بني إسرائيل } ، " أن ": مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خل بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام، وكان مسكنهم بفلسطين منه، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السلام إلى مصر، في زمن يوسف عليه السلام. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان أهلا للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ولا خوف الإذاية، فإن الله معه بالحفظ والرعاية. نعم إن طلب المعين فلا بأس، فإن أبهة الجماعة، في حال الإقبال على من يعظمهم، أقوى في الإدخال الهيبة والروع في قلوبهم، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته، فقال: { قال ألم نربك فينا وليدا... }
الشعراء 26:14
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { إذ نادى ربك موسى } أي: وقت ندائه إياه، وذكر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم زجرا لهم، وتحذيرا من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين. أو: واذكر حاله لتتسلى به وبما عالج مع قومه حيث أرسله وقال له: { أن ائت القوم الظالمين } أو: بأن ائت القوم الظالمين بالكفر والمعاصي، أو: باستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم. { قوم فرعون }: عطف بيان، تسجل عليهم بالظلم، ثم فسرهم، وقل لهم: { ألا يتقون } الله، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان. وقرئ بتاء الخطاب على طريقة الالتفات، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم، كأن ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك. وليس هذا نفس ما ناداه به، بل ما في سورة طه من قوله:
إنى أنا ربك...
[طه: 12] إلخ، واختصره هنا لمقتضى المقام. { قال } موسى عليه السلام متضرعا إلى الله عز وجل: { رب إني أخاف أن يكذبون } من أول الأمر، { ويضيق صدري } بتكذيبهم إياي، { ولا ينطلق لساني } بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال، وأسمع من الجدال، أو: تغلبني عقدة لساني، { فأرسل إلى هارون } أخي، أي: أرسل جبريل إليه، ليكون نبيا معي، أتقوى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بعث موسى بجبل الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر، وإنما هو استدعاء لما يعينه على الامتثال، وتمهيد عذره. ثم قال: { ولهم علي ذنب } أي: تبعة ذنب بقتل القبطي، فحذف المضاف، أو: سمي تبعة الذنب ذنبا، كما يسمى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنبا بحسب زعمهم. { فأخاف أن يقتلون } به قصاصا. وليس هذا تعللا أيضا، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة، ولذلك وعده بالكلاءة، والدفع عنه بكلمة الردع، وجمع له الاستجابتين معا بقوله: { قال كلا فاذهبا } لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه رسالة أخيه، فأجابه بقوله: { اذهبا } ، أي: جعلته رسولا معك { فاذهبا بآياتنا } أي: مع آياتنا، وهو اليد والعصا وغير ذلك، فقوله: { فاذهبا }: عطف على مضمر، ينبئ عنه الردع، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوبا بآياتنا، فإنها تدفع ما تخافه. { إنما معكم مستمعون } أي: سامعون ما يقال لك، وما يجري بينكما وبينه، فنظهركما عليه. شبه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة، فسمع ما يجري بينهم، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة، فاستعير الاستماع، الذي هو الإصغاء للسمع، الذي هو العلم بالحروف والأصوات، وهو تعليل للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما، بضمان كمال الحفظ والنصر، كقوله تعالى:
إننى معكمآ أسمع وأرى
[طه: 46]. { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب لأن معنى هذا: الوصول إلى المرسل إليه، والذهاب: مطلق التوجه، ولم يثن الرسول هنا كما ثناه في سورة طه لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة، فيكون مصدرا، فجعل ثمة بمعنى المرسل فثنى، وجعل هنا بمعنى الرسالة، فسوى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، كما تقول: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل لاتحادهما في شريعة واحدة، كأنهما رسول واحد. قلت: والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر أن الخطاب في سورة طه توجه أول القصة إليهما معا بقوله { اذهب أنت وأخوك } فجرى في آخر القصة على ما افتتحت به، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى موسى وحده، بقوله: { وإذا نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } ، فجرى على ما افتتح به القصة من الإفراد. والله تعالى أعلم. { أن أرسل معنا بني إسرائيل } ، " أن ": مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خل بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام، وكان مسكنهم بفلسطين منه، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السلام إلى مصر، في زمن يوسف عليه السلام. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان أهلا للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ولا خوف الإذاية، فإن الله معه بالحفظ والرعاية. نعم إن طلب المعين فلا بأس، فإن أبهة الجماعة، في حال الإقبال على من يعظمهم، أقوى في الإدخال الهيبة والروع في قلوبهم، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته، فقال: { قال ألم نربك فينا وليدا... }
الشعراء 26:15
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { إذ نادى ربك موسى } أي: وقت ندائه إياه، وذكر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم زجرا لهم، وتحذيرا من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين. أو: واذكر حاله لتتسلى به وبما عالج مع قومه حيث أرسله وقال له: { أن ائت القوم الظالمين } أو: بأن ائت القوم الظالمين بالكفر والمعاصي، أو: باستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم. { قوم فرعون }: عطف بيان، تسجل عليهم بالظلم، ثم فسرهم، وقل لهم: { ألا يتقون } الله، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان. وقرئ بتاء الخطاب على طريقة الالتفات، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم، كأن ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك. وليس هذا نفس ما ناداه به، بل ما في سورة طه من قوله:
إنى أنا ربك...
[طه: 12] إلخ، واختصره هنا لمقتضى المقام. { قال } موسى عليه السلام متضرعا إلى الله عز وجل: { رب إني أخاف أن يكذبون } من أول الأمر، { ويضيق صدري } بتكذيبهم إياي، { ولا ينطلق لساني } بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال، وأسمع من الجدال، أو: تغلبني عقدة لساني، { فأرسل إلى هارون } أخي، أي: أرسل جبريل إليه، ليكون نبيا معي، أتقوى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بعث موسى بجبل الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر، وإنما هو استدعاء لما يعينه على الامتثال، وتمهيد عذره. ثم قال: { ولهم علي ذنب } أي: تبعة ذنب بقتل القبطي، فحذف المضاف، أو: سمي تبعة الذنب ذنبا، كما يسمى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنبا بحسب زعمهم. { فأخاف أن يقتلون } به قصاصا. وليس هذا تعللا أيضا، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة، ولذلك وعده بالكلاءة، والدفع عنه بكلمة الردع، وجمع له الاستجابتين معا بقوله: { قال كلا فاذهبا } لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه رسالة أخيه، فأجابه بقوله: { اذهبا } ، أي: جعلته رسولا معك { فاذهبا بآياتنا } أي: مع آياتنا، وهو اليد والعصا وغير ذلك، فقوله: { فاذهبا }: عطف على مضمر، ينبئ عنه الردع، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوبا بآياتنا، فإنها تدفع ما تخافه. { إنما معكم مستمعون } أي: سامعون ما يقال لك، وما يجري بينكما وبينه، فنظهركما عليه. شبه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة، فسمع ما يجري بينهم، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة، فاستعير الاستماع، الذي هو الإصغاء للسمع، الذي هو العلم بالحروف والأصوات، وهو تعليل للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما، بضمان كمال الحفظ والنصر، كقوله تعالى:
إننى معكمآ أسمع وأرى
[طه: 46]. { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب لأن معنى هذا: الوصول إلى المرسل إليه، والذهاب: مطلق التوجه، ولم يثن الرسول هنا كما ثناه في سورة طه لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة، فيكون مصدرا، فجعل ثمة بمعنى المرسل فثنى، وجعل هنا بمعنى الرسالة، فسوى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، كما تقول: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل لاتحادهما في شريعة واحدة، كأنهما رسول واحد. قلت: والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر أن الخطاب في سورة طه توجه أول القصة إليهما معا بقوله { اذهب أنت وأخوك } فجرى في آخر القصة على ما افتتحت به، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى موسى وحده، بقوله: { وإذا نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } ، فجرى على ما افتتح به القصة من الإفراد. والله تعالى أعلم. { أن أرسل معنا بني إسرائيل } ، " أن ": مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خل بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام، وكان مسكنهم بفلسطين منه، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السلام إلى مصر، في زمن يوسف عليه السلام. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان أهلا للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ولا خوف الإذاية، فإن الله معه بالحفظ والرعاية. نعم إن طلب المعين فلا بأس، فإن أبهة الجماعة، في حال الإقبال على من يعظمهم، أقوى في الإدخال الهيبة والروع في قلوبهم، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته، فقال: { قال ألم نربك فينا وليدا... }
الشعراء 26:16
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { إذ نادى ربك موسى } أي: وقت ندائه إياه، وذكر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم زجرا لهم، وتحذيرا من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين. أو: واذكر حاله لتتسلى به وبما عالج مع قومه حيث أرسله وقال له: { أن ائت القوم الظالمين } أو: بأن ائت القوم الظالمين بالكفر والمعاصي، أو: باستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم. { قوم فرعون }: عطف بيان، تسجل عليهم بالظلم، ثم فسرهم، وقل لهم: { ألا يتقون } الله، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان. وقرئ بتاء الخطاب على طريقة الالتفات، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم، كأن ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك. وليس هذا نفس ما ناداه به، بل ما في سورة طه من قوله:
إنى أنا ربك...
[طه: 12] إلخ، واختصره هنا لمقتضى المقام. { قال } موسى عليه السلام متضرعا إلى الله عز وجل: { رب إني أخاف أن يكذبون } من أول الأمر، { ويضيق صدري } بتكذيبهم إياي، { ولا ينطلق لساني } بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال، وأسمع من الجدال، أو: تغلبني عقدة لساني، { فأرسل إلى هارون } أخي، أي: أرسل جبريل إليه، ليكون نبيا معي، أتقوى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بعث موسى بجبل الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر، وإنما هو استدعاء لما يعينه على الامتثال، وتمهيد عذره. ثم قال: { ولهم علي ذنب } أي: تبعة ذنب بقتل القبطي، فحذف المضاف، أو: سمي تبعة الذنب ذنبا، كما يسمى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنبا بحسب زعمهم. { فأخاف أن يقتلون } به قصاصا. وليس هذا تعللا أيضا، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة، ولذلك وعده بالكلاءة، والدفع عنه بكلمة الردع، وجمع له الاستجابتين معا بقوله: { قال كلا فاذهبا } لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه رسالة أخيه، فأجابه بقوله: { اذهبا } ، أي: جعلته رسولا معك { فاذهبا بآياتنا } أي: مع آياتنا، وهو اليد والعصا وغير ذلك، فقوله: { فاذهبا }: عطف على مضمر، ينبئ عنه الردع، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوبا بآياتنا، فإنها تدفع ما تخافه. { إنما معكم مستمعون } أي: سامعون ما يقال لك، وما يجري بينكما وبينه، فنظهركما عليه. شبه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة، فسمع ما يجري بينهم، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة، فاستعير الاستماع، الذي هو الإصغاء للسمع، الذي هو العلم بالحروف والأصوات، وهو تعليل للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما، بضمان كمال الحفظ والنصر، كقوله تعالى:
إننى معكمآ أسمع وأرى
[طه: 46]. { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب لأن معنى هذا: الوصول إلى المرسل إليه، والذهاب: مطلق التوجه، ولم يثن الرسول هنا كما ثناه في سورة طه لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة، فيكون مصدرا، فجعل ثمة بمعنى المرسل فثنى، وجعل هنا بمعنى الرسالة، فسوى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، كما تقول: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل لاتحادهما في شريعة واحدة، كأنهما رسول واحد. قلت: والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر أن الخطاب في سورة طه توجه أول القصة إليهما معا بقوله { اذهب أنت وأخوك } فجرى في آخر القصة على ما افتتحت به، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى موسى وحده، بقوله: { وإذا نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } ، فجرى على ما افتتح به القصة من الإفراد. والله تعالى أعلم. { أن أرسل معنا بني إسرائيل } ، " أن ": مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خل بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام، وكان مسكنهم بفلسطين منه، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السلام إلى مصر، في زمن يوسف عليه السلام. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان أهلا للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ولا خوف الإذاية، فإن الله معه بالحفظ والرعاية. نعم إن طلب المعين فلا بأس، فإن أبهة الجماعة، في حال الإقبال على من يعظمهم، أقوى في الإدخال الهيبة والروع في قلوبهم، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته، فقال: { قال ألم نربك فينا وليدا... }
الشعراء 26:17
يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر يا محمد { إذ نادى ربك موسى } أي: وقت ندائه إياه، وذكر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم زجرا لهم، وتحذيرا من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين. أو: واذكر حاله لتتسلى به وبما عالج مع قومه حيث أرسله وقال له: { أن ائت القوم الظالمين } أو: بأن ائت القوم الظالمين بالكفر والمعاصي، أو: باستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم. { قوم فرعون }: عطف بيان، تسجل عليهم بالظلم، ثم فسرهم، وقل لهم: { ألا يتقون } الله، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان. وقرئ بتاء الخطاب على طريقة الالتفات، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم، كأن ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك. وليس هذا نفس ما ناداه به، بل ما في سورة طه من قوله:
إنى أنا ربك...
[طه: 12] إلخ، واختصره هنا لمقتضى المقام. { قال } موسى عليه السلام متضرعا إلى الله عز وجل: { رب إني أخاف أن يكذبون } من أول الأمر، { ويضيق صدري } بتكذيبهم إياي، { ولا ينطلق لساني } بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال، وأسمع من الجدال، أو: تغلبني عقدة لساني، { فأرسل إلى هارون } أخي، أي: أرسل جبريل إليه، ليكون نبيا معي، أتقوى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بعث موسى بجبل الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر، وإنما هو استدعاء لما يعينه على الامتثال، وتمهيد عذره. ثم قال: { ولهم علي ذنب } أي: تبعة ذنب بقتل القبطي، فحذف المضاف، أو: سمي تبعة الذنب ذنبا، كما يسمى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنبا بحسب زعمهم. { فأخاف أن يقتلون } به قصاصا. وليس هذا تعللا أيضا، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة، ولذلك وعده بالكلاءة، والدفع عنه بكلمة الردع، وجمع له الاستجابتين معا بقوله: { قال كلا فاذهبا } لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه رسالة أخيه، فأجابه بقوله: { اذهبا } ، أي: جعلته رسولا معك { فاذهبا بآياتنا } أي: مع آياتنا، وهو اليد والعصا وغير ذلك، فقوله: { فاذهبا }: عطف على مضمر، ينبئ عنه الردع، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوبا بآياتنا، فإنها تدفع ما تخافه. { إنما معكم مستمعون } أي: سامعون ما يقال لك، وما يجري بينكما وبينه، فنظهركما عليه. شبه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة، فسمع ما يجري بينهم، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم مبالغة في الوعد بالإعانة، فاستعير الاستماع، الذي هو الإصغاء للسمع، الذي هو العلم بالحروف والأصوات، وهو تعليل للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما، بضمان كمال الحفظ والنصر، كقوله تعالى:
إننى معكمآ أسمع وأرى
[طه: 46]. { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب لأن معنى هذا: الوصول إلى المرسل إليه، والذهاب: مطلق التوجه، ولم يثن الرسول هنا كما ثناه في سورة طه لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة، فيكون مصدرا، فجعل ثمة بمعنى المرسل فثنى، وجعل هنا بمعنى الرسالة، فسوى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، كما تقول: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل لاتحادهما في شريعة واحدة، كأنهما رسول واحد. قلت: والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر أن الخطاب في سورة طه توجه أول القصة إليهما معا بقوله { اذهب أنت وأخوك } فجرى في آخر القصة على ما افتتحت به، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى موسى وحده، بقوله: { وإذا نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } ، فجرى على ما افتتح به القصة من الإفراد. والله تعالى أعلم. { أن أرسل معنا بني إسرائيل } ، " أن ": مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خل بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام، وكان مسكنهم بفلسطين منه، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السلام إلى مصر، في زمن يوسف عليه السلام. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان أهلا للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ولا خوف الإذاية، فإن الله معه بالحفظ والرعاية. نعم إن طلب المعين فلا بأس، فإن أبهة الجماعة، في حال الإقبال على من يعظمهم، أقوى في الإدخال الهيبة والروع في قلوبهم، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته، فقال: { قال ألم نربك فينا وليدا... }
الشعراء 26:18
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:19
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:20
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:21
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:22
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:23
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:24
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:25
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:26
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:27
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:28
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:29
يقول الحق جل جلاله: لما أتى موسى وهارون فرعون وبلغا الرسالة، { قال } له: { ألم نربك... } إلخ، روي أنهما أتيا بابه فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأذن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعون، فقال له: { ألم نربك فينا } في حجرنا ومنازلنا، { وليدا } أي طفلا. عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام: { إنا رسول رب العالمين } ، بنسبته تربيته إليه وليدا. ولذلك تجاهل بقوله: { وما رب العالمين } ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله: { لئن اتخذت إلها غيري... } إلخ، { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل: قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على إثر ذلك. والله أعلم. ثم قال له: { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني: قتل القبطي، بعدما عدد عليه نعمته من تربيته، وتبليغه مبلغ الرجال، وبخه بما جرى عليه مع خبازه، أي: قتلت صاحبي، { وأنت من الكافرين } بنعمتي، حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصي، أو: أنت حينئذ ممن تفكر بهم الآن، أي: كنت على ديننا الذي تسميه كفرا، وهذا افتراء منه عليه لأنه معصوم، وكان يعاشرهم بالتقية، وإلا فأين هو عليه السلام من مشاركتهم في الدين. { قال فعلتها إذا } أي: إذ ذاك { وأنا من الضالين } أي: من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله، بل أراد تأديبه، أو: الذاهلين عما يؤدي إليه الوكز. أو: من الضالين عن النبوة، ولم يأت عن الله في ذلك شيء، فليس علي توبيخ في تلك الحالة. والفرض أن المقتول كافر، فالقتل للكافر لم يكن فيه شرع، وهذا كله لا ينافي النبوة. وكذلك التربية لا تنافي النبوة. { ففررت منكم } إلى ربي، متوجها إلى مدين { لما خفتكم } أن تصيبني بمضرة، أو تؤاخذني بما لا أستحقه. { فوهب لي ربي حكما } أي: حكمة، أو: نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة، { وجعلني من المرسلين } من جملة رسله، { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تلك التربية نعمة تمن بها علي ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقهرك إياهم، بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك، ولو تركتهم لرباني أبواي. فكأن فرعون في الحقيقة امتن على موسى بتعبيد قومه وإخراجه من حجر أبويه. فقال له موسى عليه السلام: أو تلك نعمة تمنها علي استعبادك لهم، ليس ذلك بنعمة، ولا لك فيها علي منة، وتعبيده: تذليلهم واستخدامهم على الدوام.
ووحد الضمير في " تمنها " و " وعبدت " ، وجمعها في " منكم " و " خفتكم " لأن الفرار والخوف كان منه ومن ملئه المؤتمرين به، وأما الامتنان فمنه وحده. وحين انقطعت حجة فرعون وروغانه عن ذكر رب العالمين، أخذ يستفهم موسى عن الذي ذكر أنه رسول من عنده مكابرة وتجاهلا وتعاميا، طلبا للرئاسة، كما قال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين } ، أي: أي شيء رب العالمين، الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب غيره، حسبما يعرب عنه قوله:
أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقوله:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]. أو: فما صفته، أو حقيقته؟ { قال } موسى: هو { رب السموات والأرض وما بينهما } أي: ما بين الجنسين، { إن كنتم موقنين } أي: إن كنتم موقنين بالأشياء، محققين لها، علمتم ذلك، أو: إن كنتم موقنين شيئا من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان لظهور دليله وإنارة برهانه. { قال } فرعون، عند سماع جوابه عليه السلام، خوفا من تأثيره في قلوبهم، { لمن حوله } من أشراف قومه، وكانوا خمسمائة مسورة بالأسورة: { ألا تستمعون } ، أنا أسأله عن الماهية، وهو يجيبني بالخاصية. ولما كانت ما هي الربوبية لا تدرك ولا تنال حقيقتها، أجابه بما يمكن إدراكه من خواص الماهية. ثم { قال } عليه السلام: { ربكم ورب آبائكم الأولين } أي: هو خالقكم وخالق آبائكم الأولين، أي: وفرعون من جملة المخلوقين فلا يصلح للربوبية، وإنما قال: { ورب آبائكم } لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم. { قال } فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث يزعم أن في الوجود ألها غيري، أو: حيث لا يطابق جوابه سؤالي لأني أسأله عن الحقيقة وهو يجيبني بالخاصية، { قال } موسى عليه السلام: { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فتستدلون بما أقول حتى تعرفوا ربكم. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص من العام أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله، من وقت ميلاده إلى وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبهما في الآخر، على تقدير مستقيم وحساب مستو، من أقوى الدلائل على وحدانية الربوبية، ووجوب وجودها. أو: تقول: لما سأله عن ماهية الربوبية جهلا فأجابه، بالخاصية، { قال ألا تستمعون }؟ فعاد موسى إلى مثل قوله، فجننه فرعون، زاعما أنه حائد عن الجواب، فعاد ثالثا مبينا أن الواجب الوجود، الفرد الصمد، لا يدرك بالكنه، إنما يعرف بالصفات، وما عرفه بالذات إلا خواص الخواص، فالسؤال عن الذات من أمثاله جهل وحمق. ولذلك قال: { إن كنتم تعقلون } ، أي: إن كان لكم عقل علمتم أنه لا يمكن أن تعرفوه إلا بهذا الطريق.
قال ابن جزي: إن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا: { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب: أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبخهم بقوله " إن كنتم تعقلون " ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }. ه. ولما تجبر فرعون وبهت { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } ، أي: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يرى سجنه، فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض، بعيدة العمق، فردا، لا ينظر فيها ولا يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. ولو قال: لأسجننك، لم يؤد هذا المعنى، وإن كان أخصر. قاله النسفي. الإشارة: التربية لها حق يراعي ويجب شكرها، ولا فرق بين تربية البشرية والروحانية. قال القشيري: لم يجحد موسى حق التربية والإحسان إليه في الظاهر، ولكن بين أنه إذا أمر الله بشيء وجب اتباع أمره، وإذا كانت تربية المخلوقين توجب حقا، فتربية الله أولى بأن يعظم العبد قدرها. ه. فكل من أحسن إلى بشريتك بشيء وجب عليه شكره بالإحسان إليه، ولو بالدعاء، وكل من أحسن إلى روحانيتك بالعلم أو بالمعرفة، وجب عليك خدمته وتعظيمه، وإنكار ذلك بسبب المقت والطرد، والعياذ بالله. وقول فرعون: { وما رب العالمين }: سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى:
هو الأول والآخر والظاهر والباطن
[الحديد: 3] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئا، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين ترق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبدا، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة العصا وما يتبعها، فقال: { قال أولو جئتك... }
الشعراء 26:30
قلت: لو: هنا، ليست امتناعية، بل إغيائية، فلا جواب لها، أي: تفعل بي هذا على كل حال ولو جئتك بشيء مبين. يقول الحق جل جلاله: { قال } موسى عليه السلام لفرعون، لما هدده بالسجن: { أولو } أتفعل ما ذكرت من سجني ولو { جئتك بشيء مبين } واضح الدلالة على صدقي، وتوحيد رب العالمين. يريد به المعجزة فإنها جامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته، وبين الدلالة على صدق دعوى من ظهرت على يده. والتعبير عنه بالشيء للتهويل. { قال } فرعون: { فأت به إن كنت من الصادقين } فيما قلت من الإتيان بالشيء الواضح على صدق دعواك، أو: من الصادقين في دعوى الرسالة. { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي: ظاهرثعبانيته، لا أنه تخيل بما يشبهه كشأن الشعوذة والسحر. روي أنها ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة على فرعون، تقول: يا موسى مرني بما شئت، فيقول فرعون: أسألك بالذي أرسلك إلا اخذتها، فأخذها، فعادت عصا. { ونزع يده } أي: أخرجها من تحت إبطه، { فإذا هي بيضاء للناظرين } أي: بياضا خارجا عن العادة، بحيث يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة. روي أن فرعون لما أبصر الآية الأولى قال: هل لك غيرها؟ فأخرج يده، وقال لفرعون: ما هذا؟ قال: يدك، فأدخلها تحت إبطه، ثم نزعها، ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق. فسبحان القادر على كل شيء. الإشارة: النفوس الفرعونية هي التي تتوقف في الصدق والإيمان على ظهور المعجزة أو الكرامة، وأما النفوس الزكية فلا تحتاج إلى معجزة ولا كرامة، بل يخلق الله فيها الهداية والتصديق بطريقة الخصوصية، من غير توقف على شيء. وبالله التوفيق.
الشعراء 26:31
قلت: لو: هنا، ليست امتناعية، بل إغيائية، فلا جواب لها، أي: تفعل بي هذا على كل حال ولو جئتك بشيء مبين. يقول الحق جل جلاله: { قال } موسى عليه السلام لفرعون، لما هدده بالسجن: { أولو } أتفعل ما ذكرت من سجني ولو { جئتك بشيء مبين } واضح الدلالة على صدقي، وتوحيد رب العالمين. يريد به المعجزة فإنها جامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته، وبين الدلالة على صدق دعوى من ظهرت على يده. والتعبير عنه بالشيء للتهويل. { قال } فرعون: { فأت به إن كنت من الصادقين } فيما قلت من الإتيان بالشيء الواضح على صدق دعواك، أو: من الصادقين في دعوى الرسالة. { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي: ظاهرثعبانيته، لا أنه تخيل بما يشبهه كشأن الشعوذة والسحر. روي أنها ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة على فرعون، تقول: يا موسى مرني بما شئت، فيقول فرعون: أسألك بالذي أرسلك إلا اخذتها، فأخذها، فعادت عصا. { ونزع يده } أي: أخرجها من تحت إبطه، { فإذا هي بيضاء للناظرين } أي: بياضا خارجا عن العادة، بحيث يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة. روي أن فرعون لما أبصر الآية الأولى قال: هل لك غيرها؟ فأخرج يده، وقال لفرعون: ما هذا؟ قال: يدك، فأدخلها تحت إبطه، ثم نزعها، ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق. فسبحان القادر على كل شيء. الإشارة: النفوس الفرعونية هي التي تتوقف في الصدق والإيمان على ظهور المعجزة أو الكرامة، وأما النفوس الزكية فلا تحتاج إلى معجزة ولا كرامة، بل يخلق الله فيها الهداية والتصديق بطريقة الخصوصية، من غير توقف على شيء. وبالله التوفيق.
الشعراء 26:32
قلت: لو: هنا، ليست امتناعية، بل إغيائية، فلا جواب لها، أي: تفعل بي هذا على كل حال ولو جئتك بشيء مبين. يقول الحق جل جلاله: { قال } موسى عليه السلام لفرعون، لما هدده بالسجن: { أولو } أتفعل ما ذكرت من سجني ولو { جئتك بشيء مبين } واضح الدلالة على صدقي، وتوحيد رب العالمين. يريد به المعجزة فإنها جامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته، وبين الدلالة على صدق دعوى من ظهرت على يده. والتعبير عنه بالشيء للتهويل. { قال } فرعون: { فأت به إن كنت من الصادقين } فيما قلت من الإتيان بالشيء الواضح على صدق دعواك، أو: من الصادقين في دعوى الرسالة. { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي: ظاهرثعبانيته، لا أنه تخيل بما يشبهه كشأن الشعوذة والسحر. روي أنها ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة على فرعون، تقول: يا موسى مرني بما شئت، فيقول فرعون: أسألك بالذي أرسلك إلا اخذتها، فأخذها، فعادت عصا. { ونزع يده } أي: أخرجها من تحت إبطه، { فإذا هي بيضاء للناظرين } أي: بياضا خارجا عن العادة، بحيث يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة. روي أن فرعون لما أبصر الآية الأولى قال: هل لك غيرها؟ فأخرج يده، وقال لفرعون: ما هذا؟ قال: يدك، فأدخلها تحت إبطه، ثم نزعها، ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق. فسبحان القادر على كل شيء. الإشارة: النفوس الفرعونية هي التي تتوقف في الصدق والإيمان على ظهور المعجزة أو الكرامة، وأما النفوس الزكية فلا تحتاج إلى معجزة ولا كرامة، بل يخلق الله فيها الهداية والتصديق بطريقة الخصوصية، من غير توقف على شيء. وبالله التوفيق.
الشعراء 26:33
قلت: لو: هنا، ليست امتناعية، بل إغيائية، فلا جواب لها، أي: تفعل بي هذا على كل حال ولو جئتك بشيء مبين. يقول الحق جل جلاله: { قال } موسى عليه السلام لفرعون، لما هدده بالسجن: { أولو } أتفعل ما ذكرت من سجني ولو { جئتك بشيء مبين } واضح الدلالة على صدقي، وتوحيد رب العالمين. يريد به المعجزة فإنها جامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته، وبين الدلالة على صدق دعوى من ظهرت على يده. والتعبير عنه بالشيء للتهويل. { قال } فرعون: { فأت به إن كنت من الصادقين } فيما قلت من الإتيان بالشيء الواضح على صدق دعواك، أو: من الصادقين في دعوى الرسالة. { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي: ظاهرثعبانيته، لا أنه تخيل بما يشبهه كشأن الشعوذة والسحر. روي أنها ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة على فرعون، تقول: يا موسى مرني بما شئت، فيقول فرعون: أسألك بالذي أرسلك إلا اخذتها، فأخذها، فعادت عصا. { ونزع يده } أي: أخرجها من تحت إبطه، { فإذا هي بيضاء للناظرين } أي: بياضا خارجا عن العادة، بحيث يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة. روي أن فرعون لما أبصر الآية الأولى قال: هل لك غيرها؟ فأخرج يده، وقال لفرعون: ما هذا؟ قال: يدك، فأدخلها تحت إبطه، ثم نزعها، ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق. فسبحان القادر على كل شيء. الإشارة: النفوس الفرعونية هي التي تتوقف في الصدق والإيمان على ظهور المعجزة أو الكرامة، وأما النفوس الزكية فلا تحتاج إلى معجزة ولا كرامة، بل يخلق الله فيها الهداية والتصديق بطريقة الخصوصية، من غير توقف على شيء. وبالله التوفيق.
الشعراء 26:34
قلت: حوله: ظرف وقع موقع الحال، أي: مستقرين حوله. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون، لما رأى ما بهته وحيره، { للملإ حوله } ، وهم أشراف قومه: { إن هذا لساحر عليم } فائق في فن السحر. ثم أعدى قومه على موسى بقوله: { يريد أن يخرجكم } بما صنع { من أرضكم بسحره فماذا تأمرون } تشيرون في أمره من حبس أو قتل، وهو من المؤامرة، أي: المشاورة، أو: ماذا تأمرون به، من الأمر، لما بهره سلطان المعجزة وحيره، حط نفسه عن ذروة ادعاء الربوبية إلى حضيض الخضوع لعبيده - في زعمه - والامتثال لأمرهم، وجعل نفسه مأمورة، أو: إلى مقام مؤامرتهم ومشاورتهم، بعد ما كان مستقلا في الرأي والتدبير. { قالوا } له: { أرجه وأخاه } أي: أخر أمرهما، ولا تعجل بقتلهما خوفا من الفتنة أو: احبسهما، { وابعث في المدائن حاشرين } أي: شرطا يحشرون السحرة، { يأتوك } أي: الحاشرون { بكل سحار عليم } فائق في فن السحر. وأتوا بصيغة المبالغة ليسكنوا بعض روعته. والله تعالى أعلم. الإشارة: المشاورة في الأمور المهمة من شأن أهل السياسة والرأي، وفي الحديث:
" ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار "
، فالمشاورة من الأمر القديم، وما زالت الأكابر من الأولياء والأمراء يتشاورون في أمورهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالله التوفيق. ثم ذكر جمع الحرة، فقال: { فجمع السحرة... }
الشعراء 26:35
قلت: حوله: ظرف وقع موقع الحال، أي: مستقرين حوله. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون، لما رأى ما بهته وحيره، { للملإ حوله } ، وهم أشراف قومه: { إن هذا لساحر عليم } فائق في فن السحر. ثم أعدى قومه على موسى بقوله: { يريد أن يخرجكم } بما صنع { من أرضكم بسحره فماذا تأمرون } تشيرون في أمره من حبس أو قتل، وهو من المؤامرة، أي: المشاورة، أو: ماذا تأمرون به، من الأمر، لما بهره سلطان المعجزة وحيره، حط نفسه عن ذروة ادعاء الربوبية إلى حضيض الخضوع لعبيده - في زعمه - والامتثال لأمرهم، وجعل نفسه مأمورة، أو: إلى مقام مؤامرتهم ومشاورتهم، بعد ما كان مستقلا في الرأي والتدبير. { قالوا } له: { أرجه وأخاه } أي: أخر أمرهما، ولا تعجل بقتلهما خوفا من الفتنة أو: احبسهما، { وابعث في المدائن حاشرين } أي: شرطا يحشرون السحرة، { يأتوك } أي: الحاشرون { بكل سحار عليم } فائق في فن السحر. وأتوا بصيغة المبالغة ليسكنوا بعض روعته. والله تعالى أعلم. الإشارة: المشاورة في الأمور المهمة من شأن أهل السياسة والرأي، وفي الحديث:
" ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار "
، فالمشاورة من الأمر القديم، وما زالت الأكابر من الأولياء والأمراء يتشاورون في أمورهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالله التوفيق. ثم ذكر جمع الحرة، فقال: { فجمع السحرة... }
الشعراء 26:36
قلت: حوله: ظرف وقع موقع الحال، أي: مستقرين حوله. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون، لما رأى ما بهته وحيره، { للملإ حوله } ، وهم أشراف قومه: { إن هذا لساحر عليم } فائق في فن السحر. ثم أعدى قومه على موسى بقوله: { يريد أن يخرجكم } بما صنع { من أرضكم بسحره فماذا تأمرون } تشيرون في أمره من حبس أو قتل، وهو من المؤامرة، أي: المشاورة، أو: ماذا تأمرون به، من الأمر، لما بهره سلطان المعجزة وحيره، حط نفسه عن ذروة ادعاء الربوبية إلى حضيض الخضوع لعبيده - في زعمه - والامتثال لأمرهم، وجعل نفسه مأمورة، أو: إلى مقام مؤامرتهم ومشاورتهم، بعد ما كان مستقلا في الرأي والتدبير. { قالوا } له: { أرجه وأخاه } أي: أخر أمرهما، ولا تعجل بقتلهما خوفا من الفتنة أو: احبسهما، { وابعث في المدائن حاشرين } أي: شرطا يحشرون السحرة، { يأتوك } أي: الحاشرون { بكل سحار عليم } فائق في فن السحر. وأتوا بصيغة المبالغة ليسكنوا بعض روعته. والله تعالى أعلم. الإشارة: المشاورة في الأمور المهمة من شأن أهل السياسة والرأي، وفي الحديث:
" ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار "
، فالمشاورة من الأمر القديم، وما زالت الأكابر من الأولياء والأمراء يتشاورون في أمورهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالله التوفيق. ثم ذكر جمع الحرة، فقال: { فجمع السحرة... }
الشعراء 26:37
قلت: حوله: ظرف وقع موقع الحال، أي: مستقرين حوله. يقول الحق جل جلاله: { قال } فرعون، لما رأى ما بهته وحيره، { للملإ حوله } ، وهم أشراف قومه: { إن هذا لساحر عليم } فائق في فن السحر. ثم أعدى قومه على موسى بقوله: { يريد أن يخرجكم } بما صنع { من أرضكم بسحره فماذا تأمرون } تشيرون في أمره من حبس أو قتل، وهو من المؤامرة، أي: المشاورة، أو: ماذا تأمرون به، من الأمر، لما بهره سلطان المعجزة وحيره، حط نفسه عن ذروة ادعاء الربوبية إلى حضيض الخضوع لعبيده - في زعمه - والامتثال لأمرهم، وجعل نفسه مأمورة، أو: إلى مقام مؤامرتهم ومشاورتهم، بعد ما كان مستقلا في الرأي والتدبير. { قالوا } له: { أرجه وأخاه } أي: أخر أمرهما، ولا تعجل بقتلهما خوفا من الفتنة أو: احبسهما، { وابعث في المدائن حاشرين } أي: شرطا يحشرون السحرة، { يأتوك } أي: الحاشرون { بكل سحار عليم } فائق في فن السحر. وأتوا بصيغة المبالغة ليسكنوا بعض روعته. والله تعالى أعلم. الإشارة: المشاورة في الأمور المهمة من شأن أهل السياسة والرأي، وفي الحديث:
" ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار "
، فالمشاورة من الأمر القديم، وما زالت الأكابر من الأولياء والأمراء يتشاورون في أمورهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالله التوفيق. ثم ذكر جمع الحرة، فقال: { فجمع السحرة... }
الشعراء 26:38
يقول الحق جل جلاله: { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } ، وهو ما عينه موسى عليه السلام بقوله:
موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
[طه: 59]. والميقات: ما وقت به، أي: حد من زمان ومكان. ومنه: مواقيت الحج. { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } أي: اجتمعوا. وعبر بالاستفهام حثا على الاجتماع. واستبطاء لهم، والمراد: استعجالهم إليه، { لعلنا نتبع السحرة } في دينهم { إن كانوا هم الغالبين } أي: إن غلبوا موسى، ولا نتبع موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي ألا يتبعوا موسى، فساقوا كلامهم مساق الكناية حملا لهم على الاهتمام والجد في المغالبة لأنهم إذا اتبعوا السحرة لم يكونوا متبعين لموسى، وهو مرادهم، ولأن السحرة إذا سمعوا ذلك حملهم التروس على الجد في المغالبة. { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا } أي: جزاء وافرا { إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } لكم ذلك، { وإنكم } مع ذلك، { إذا لمن المقربين } عندي في المرتبة والحال، فتكونون أول من يدخل علي، وآخر من يخرج عني. ولما كان قوله: { أئن لنا لأجرا } ، في معنى جزاء الشرط لدلالته عليه، وكان قوله: { وإنكم إذا }: معطوفا عليه، دخلت " إذا " قارة في مكانها، الذي تقتضيه من الجواب والجزاء. { قال لهم موسى } بعد أن قالوا له:
إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون أول من ألقى
[طه: 65]: { ألقوا ما أنتم ملقون } من السحر، فسوف ترون عاقبته. لم يرد به الأمر بالسحر والتمويه، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه البتة توسلا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل، { فألقوا حبالهم وعصيهم } ، وكانوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا. وقيل: كانت الحبال اثنين وسبعين، وكذا العصي. { وقالوا } بعد الإلقاء، لما رأوها تتحرك وتقبل وتدبر: { بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } ، قالوا ذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم، وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر، أقسموا بعزته وقوته، وهو من أيمان الجاهلية. والله تعالى أعلم. الإشارة: السحر على قسمين: سحر القلوب إلى حضرة الحق، وسحر النفوس إلى عالم الخلق، أو: إلى عالم الخيال. فالأول: من شأن العارفين بالله، الداعين إلى الله، فهم يسحرون قلوب من أتى إليهم إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، فيقال في شأنهم: فجمع السحرة بقلوبهم، إلى ميقات يوم معلوم، وهو يوم الفتح والتمكين، أو يوم النفحات، عند اتفاق جمعهم في مكان معلوم. وقيل للناس، وهم عوام الناس: هل أنتم مجتمعون لتفيقوا من سكرتكم، وتتيقظوا من نوم غفلتكم، لعنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، ولا شك في غلبتهم ونصرهم لقوله تعالى:
ولينصرن الله من ينصره
[الحج: 40]. ثم ذكر إبطال سحرهم، وإسلامهم، فقال: { فألقى موسى عصاه... }
الشعراء 26:39
يقول الحق جل جلاله: { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } ، وهو ما عينه موسى عليه السلام بقوله:
موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
[طه: 59]. والميقات: ما وقت به، أي: حد من زمان ومكان. ومنه: مواقيت الحج. { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } أي: اجتمعوا. وعبر بالاستفهام حثا على الاجتماع. واستبطاء لهم، والمراد: استعجالهم إليه، { لعلنا نتبع السحرة } في دينهم { إن كانوا هم الغالبين } أي: إن غلبوا موسى، ولا نتبع موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي ألا يتبعوا موسى، فساقوا كلامهم مساق الكناية حملا لهم على الاهتمام والجد في المغالبة لأنهم إذا اتبعوا السحرة لم يكونوا متبعين لموسى، وهو مرادهم، ولأن السحرة إذا سمعوا ذلك حملهم التروس على الجد في المغالبة. { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا } أي: جزاء وافرا { إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } لكم ذلك، { وإنكم } مع ذلك، { إذا لمن المقربين } عندي في المرتبة والحال، فتكونون أول من يدخل علي، وآخر من يخرج عني. ولما كان قوله: { أئن لنا لأجرا } ، في معنى جزاء الشرط لدلالته عليه، وكان قوله: { وإنكم إذا }: معطوفا عليه، دخلت " إذا " قارة في مكانها، الذي تقتضيه من الجواب والجزاء. { قال لهم موسى } بعد أن قالوا له:
إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون أول من ألقى
[طه: 65]: { ألقوا ما أنتم ملقون } من السحر، فسوف ترون عاقبته. لم يرد به الأمر بالسحر والتمويه، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه البتة توسلا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل، { فألقوا حبالهم وعصيهم } ، وكانوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا. وقيل: كانت الحبال اثنين وسبعين، وكذا العصي. { وقالوا } بعد الإلقاء، لما رأوها تتحرك وتقبل وتدبر: { بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } ، قالوا ذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم، وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر، أقسموا بعزته وقوته، وهو من أيمان الجاهلية. والله تعالى أعلم. الإشارة: السحر على قسمين: سحر القلوب إلى حضرة الحق، وسحر النفوس إلى عالم الخلق، أو: إلى عالم الخيال. فالأول: من شأن العارفين بالله، الداعين إلى الله، فهم يسحرون قلوب من أتى إليهم إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، فيقال في شأنهم: فجمع السحرة بقلوبهم، إلى ميقات يوم معلوم، وهو يوم الفتح والتمكين، أو يوم النفحات، عند اتفاق جمعهم في مكان معلوم. وقيل للناس، وهم عوام الناس: هل أنتم مجتمعون لتفيقوا من سكرتكم، وتتيقظوا من نوم غفلتكم، لعنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، ولا شك في غلبتهم ونصرهم لقوله تعالى:
ولينصرن الله من ينصره
[الحج: 40]. ثم ذكر إبطال سحرهم، وإسلامهم، فقال: { فألقى موسى عصاه... }
الشعراء 26:40
يقول الحق جل جلاله: { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } ، وهو ما عينه موسى عليه السلام بقوله:
موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
[طه: 59]. والميقات: ما وقت به، أي: حد من زمان ومكان. ومنه: مواقيت الحج. { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } أي: اجتمعوا. وعبر بالاستفهام حثا على الاجتماع. واستبطاء لهم، والمراد: استعجالهم إليه، { لعلنا نتبع السحرة } في دينهم { إن كانوا هم الغالبين } أي: إن غلبوا موسى، ولا نتبع موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي ألا يتبعوا موسى، فساقوا كلامهم مساق الكناية حملا لهم على الاهتمام والجد في المغالبة لأنهم إذا اتبعوا السحرة لم يكونوا متبعين لموسى، وهو مرادهم، ولأن السحرة إذا سمعوا ذلك حملهم التروس على الجد في المغالبة. { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا } أي: جزاء وافرا { إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } لكم ذلك، { وإنكم } مع ذلك، { إذا لمن المقربين } عندي في المرتبة والحال، فتكونون أول من يدخل علي، وآخر من يخرج عني. ولما كان قوله: { أئن لنا لأجرا } ، في معنى جزاء الشرط لدلالته عليه، وكان قوله: { وإنكم إذا }: معطوفا عليه، دخلت " إذا " قارة في مكانها، الذي تقتضيه من الجواب والجزاء. { قال لهم موسى } بعد أن قالوا له:
إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون أول من ألقى
[طه: 65]: { ألقوا ما أنتم ملقون } من السحر، فسوف ترون عاقبته. لم يرد به الأمر بالسحر والتمويه، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه البتة توسلا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل، { فألقوا حبالهم وعصيهم } ، وكانوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا. وقيل: كانت الحبال اثنين وسبعين، وكذا العصي. { وقالوا } بعد الإلقاء، لما رأوها تتحرك وتقبل وتدبر: { بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } ، قالوا ذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم، وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر، أقسموا بعزته وقوته، وهو من أيمان الجاهلية. والله تعالى أعلم. الإشارة: السحر على قسمين: سحر القلوب إلى حضرة الحق، وسحر النفوس إلى عالم الخلق، أو: إلى عالم الخيال. فالأول: من شأن العارفين بالله، الداعين إلى الله، فهم يسحرون قلوب من أتى إليهم إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، فيقال في شأنهم: فجمع السحرة بقلوبهم، إلى ميقات يوم معلوم، وهو يوم الفتح والتمكين، أو يوم النفحات، عند اتفاق جمعهم في مكان معلوم. وقيل للناس، وهم عوام الناس: هل أنتم مجتمعون لتفيقوا من سكرتكم، وتتيقظوا من نوم غفلتكم، لعنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، ولا شك في غلبتهم ونصرهم لقوله تعالى:
ولينصرن الله من ينصره
[الحج: 40]. ثم ذكر إبطال سحرهم، وإسلامهم، فقال: { فألقى موسى عصاه... }
الشعراء 26:41
يقول الحق جل جلاله: { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } ، وهو ما عينه موسى عليه السلام بقوله:
موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
[طه: 59]. والميقات: ما وقت به، أي: حد من زمان ومكان. ومنه: مواقيت الحج. { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } أي: اجتمعوا. وعبر بالاستفهام حثا على الاجتماع. واستبطاء لهم، والمراد: استعجالهم إليه، { لعلنا نتبع السحرة } في دينهم { إن كانوا هم الغالبين } أي: إن غلبوا موسى، ولا نتبع موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي ألا يتبعوا موسى، فساقوا كلامهم مساق الكناية حملا لهم على الاهتمام والجد في المغالبة لأنهم إذا اتبعوا السحرة لم يكونوا متبعين لموسى، وهو مرادهم، ولأن السحرة إذا سمعوا ذلك حملهم التروس على الجد في المغالبة. { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا } أي: جزاء وافرا { إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } لكم ذلك، { وإنكم } مع ذلك، { إذا لمن المقربين } عندي في المرتبة والحال، فتكونون أول من يدخل علي، وآخر من يخرج عني. ولما كان قوله: { أئن لنا لأجرا } ، في معنى جزاء الشرط لدلالته عليه، وكان قوله: { وإنكم إذا }: معطوفا عليه، دخلت " إذا " قارة في مكانها، الذي تقتضيه من الجواب والجزاء. { قال لهم موسى } بعد أن قالوا له:
إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون أول من ألقى
[طه: 65]: { ألقوا ما أنتم ملقون } من السحر، فسوف ترون عاقبته. لم يرد به الأمر بالسحر والتمويه، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه البتة توسلا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل، { فألقوا حبالهم وعصيهم } ، وكانوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا. وقيل: كانت الحبال اثنين وسبعين، وكذا العصي. { وقالوا } بعد الإلقاء، لما رأوها تتحرك وتقبل وتدبر: { بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } ، قالوا ذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم، وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر، أقسموا بعزته وقوته، وهو من أيمان الجاهلية. والله تعالى أعلم. الإشارة: السحر على قسمين: سحر القلوب إلى حضرة الحق، وسحر النفوس إلى عالم الخلق، أو: إلى عالم الخيال. فالأول: من شأن العارفين بالله، الداعين إلى الله، فهم يسحرون قلوب من أتى إليهم إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، فيقال في شأنهم: فجمع السحرة بقلوبهم، إلى ميقات يوم معلوم، وهو يوم الفتح والتمكين، أو يوم النفحات، عند اتفاق جمعهم في مكان معلوم. وقيل للناس، وهم عوام الناس: هل أنتم مجتمعون لتفيقوا من سكرتكم، وتتيقظوا من نوم غفلتكم، لعنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، ولا شك في غلبتهم ونصرهم لقوله تعالى:
ولينصرن الله من ينصره
[الحج: 40]. ثم ذكر إبطال سحرهم، وإسلامهم، فقال: { فألقى موسى عصاه... }
الشعراء 26:42
يقول الحق جل جلاله: { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } ، وهو ما عينه موسى عليه السلام بقوله:
موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
[طه: 59]. والميقات: ما وقت به، أي: حد من زمان ومكان. ومنه: مواقيت الحج. { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } أي: اجتمعوا. وعبر بالاستفهام حثا على الاجتماع. واستبطاء لهم، والمراد: استعجالهم إليه، { لعلنا نتبع السحرة } في دينهم { إن كانوا هم الغالبين } أي: إن غلبوا موسى، ولا نتبع موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي ألا يتبعوا موسى، فساقوا كلامهم مساق الكناية حملا لهم على الاهتمام والجد في المغالبة لأنهم إذا اتبعوا السحرة لم يكونوا متبعين لموسى، وهو مرادهم، ولأن السحرة إذا سمعوا ذلك حملهم التروس على الجد في المغالبة. { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا } أي: جزاء وافرا { إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } لكم ذلك، { وإنكم } مع ذلك، { إذا لمن المقربين } عندي في المرتبة والحال، فتكونون أول من يدخل علي، وآخر من يخرج عني. ولما كان قوله: { أئن لنا لأجرا } ، في معنى جزاء الشرط لدلالته عليه، وكان قوله: { وإنكم إذا }: معطوفا عليه، دخلت " إذا " قارة في مكانها، الذي تقتضيه من الجواب والجزاء. { قال لهم موسى } بعد أن قالوا له:
إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون أول من ألقى
[طه: 65]: { ألقوا ما أنتم ملقون } من السحر، فسوف ترون عاقبته. لم يرد به الأمر بالسحر والتمويه، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه البتة توسلا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل، { فألقوا حبالهم وعصيهم } ، وكانوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا. وقيل: كانت الحبال اثنين وسبعين، وكذا العصي. { وقالوا } بعد الإلقاء، لما رأوها تتحرك وتقبل وتدبر: { بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } ، قالوا ذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم، وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر، أقسموا بعزته وقوته، وهو من أيمان الجاهلية. والله تعالى أعلم. الإشارة: السحر على قسمين: سحر القلوب إلى حضرة الحق، وسحر النفوس إلى عالم الخلق، أو: إلى عالم الخيال. فالأول: من شأن العارفين بالله، الداعين إلى الله، فهم يسحرون قلوب من أتى إليهم إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، فيقال في شأنهم: فجمع السحرة بقلوبهم، إلى ميقات يوم معلوم، وهو يوم الفتح والتمكين، أو يوم النفحات، عند اتفاق جمعهم في مكان معلوم. وقيل للناس، وهم عوام الناس: هل أنتم مجتمعون لتفيقوا من سكرتكم، وتتيقظوا من نوم غفلتكم، لعنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، ولا شك في غلبتهم ونصرهم لقوله تعالى:
ولينصرن الله من ينصره
[الحج: 40]. ثم ذكر إبطال سحرهم، وإسلامهم، فقال: { فألقى موسى عصاه... }
الشعراء 26:43
يقول الحق جل جلاله: { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } ، وهو ما عينه موسى عليه السلام بقوله:
موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
[طه: 59]. والميقات: ما وقت به، أي: حد من زمان ومكان. ومنه: مواقيت الحج. { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } أي: اجتمعوا. وعبر بالاستفهام حثا على الاجتماع. واستبطاء لهم، والمراد: استعجالهم إليه، { لعلنا نتبع السحرة } في دينهم { إن كانوا هم الغالبين } أي: إن غلبوا موسى، ولا نتبع موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي ألا يتبعوا موسى، فساقوا كلامهم مساق الكناية حملا لهم على الاهتمام والجد في المغالبة لأنهم إذا اتبعوا السحرة لم يكونوا متبعين لموسى، وهو مرادهم، ولأن السحرة إذا سمعوا ذلك حملهم التروس على الجد في المغالبة. { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا } أي: جزاء وافرا { إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } لكم ذلك، { وإنكم } مع ذلك، { إذا لمن المقربين } عندي في المرتبة والحال، فتكونون أول من يدخل علي، وآخر من يخرج عني. ولما كان قوله: { أئن لنا لأجرا } ، في معنى جزاء الشرط لدلالته عليه، وكان قوله: { وإنكم إذا }: معطوفا عليه، دخلت " إذا " قارة في مكانها، الذي تقتضيه من الجواب والجزاء. { قال لهم موسى } بعد أن قالوا له:
إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون أول من ألقى
[طه: 65]: { ألقوا ما أنتم ملقون } من السحر، فسوف ترون عاقبته. لم يرد به الأمر بالسحر والتمويه، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه البتة توسلا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل، { فألقوا حبالهم وعصيهم } ، وكانوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا. وقيل: كانت الحبال اثنين وسبعين، وكذا العصي. { وقالوا } بعد الإلقاء، لما رأوها تتحرك وتقبل وتدبر: { بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } ، قالوا ذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم، وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر، أقسموا بعزته وقوته، وهو من أيمان الجاهلية. والله تعالى أعلم. الإشارة: السحر على قسمين: سحر القلوب إلى حضرة الحق، وسحر النفوس إلى عالم الخلق، أو: إلى عالم الخيال. فالأول: من شأن العارفين بالله، الداعين إلى الله، فهم يسحرون قلوب من أتى إليهم إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، فيقال في شأنهم: فجمع السحرة بقلوبهم، إلى ميقات يوم معلوم، وهو يوم الفتح والتمكين، أو يوم النفحات، عند اتفاق جمعهم في مكان معلوم. وقيل للناس، وهم عوام الناس: هل أنتم مجتمعون لتفيقوا من سكرتكم، وتتيقظوا من نوم غفلتكم، لعنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، ولا شك في غلبتهم ونصرهم لقوله تعالى:
ولينصرن الله من ينصره
[الحج: 40]. ثم ذكر إبطال سحرهم، وإسلامهم، فقال: { فألقى موسى عصاه... }
الشعراء 26:44
يقول الحق جل جلاله: { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } ، وهو ما عينه موسى عليه السلام بقوله:
موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
[طه: 59]. والميقات: ما وقت به، أي: حد من زمان ومكان. ومنه: مواقيت الحج. { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } أي: اجتمعوا. وعبر بالاستفهام حثا على الاجتماع. واستبطاء لهم، والمراد: استعجالهم إليه، { لعلنا نتبع السحرة } في دينهم { إن كانوا هم الغالبين } أي: إن غلبوا موسى، ولا نتبع موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي ألا يتبعوا موسى، فساقوا كلامهم مساق الكناية حملا لهم على الاهتمام والجد في المغالبة لأنهم إذا اتبعوا السحرة لم يكونوا متبعين لموسى، وهو مرادهم، ولأن السحرة إذا سمعوا ذلك حملهم التروس على الجد في المغالبة. { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا } أي: جزاء وافرا { إن كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } لكم ذلك، { وإنكم } مع ذلك، { إذا لمن المقربين } عندي في المرتبة والحال، فتكونون أول من يدخل علي، وآخر من يخرج عني. ولما كان قوله: { أئن لنا لأجرا } ، في معنى جزاء الشرط لدلالته عليه، وكان قوله: { وإنكم إذا }: معطوفا عليه، دخلت " إذا " قارة في مكانها، الذي تقتضيه من الجواب والجزاء. { قال لهم موسى } بعد أن قالوا له:
إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون أول من ألقى
[طه: 65]: { ألقوا ما أنتم ملقون } من السحر، فسوف ترون عاقبته. لم يرد به الأمر بالسحر والتمويه، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه البتة توسلا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل، { فألقوا حبالهم وعصيهم } ، وكانوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا. وقيل: كانت الحبال اثنين وسبعين، وكذا العصي. { وقالوا } بعد الإلقاء، لما رأوها تتحرك وتقبل وتدبر: { بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } ، قالوا ذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم، وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر، أقسموا بعزته وقوته، وهو من أيمان الجاهلية. والله تعالى أعلم. الإشارة: السحر على قسمين: سحر القلوب إلى حضرة الحق، وسحر النفوس إلى عالم الخلق، أو: إلى عالم الخيال. فالأول: من شأن العارفين بالله، الداعين إلى الله، فهم يسحرون قلوب من أتى إليهم إلى حضرة القدس، ومحل الأنس، فيقال في شأنهم: فجمع السحرة بقلوبهم، إلى ميقات يوم معلوم، وهو يوم الفتح والتمكين، أو يوم النفحات، عند اتفاق جمعهم في مكان معلوم. وقيل للناس، وهم عوام الناس: هل أنتم مجتمعون لتفيقوا من سكرتكم، وتتيقظوا من نوم غفلتكم، لعنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، ولا شك في غلبتهم ونصرهم لقوله تعالى:
ولينصرن الله من ينصره
[الحج: 40]. ثم ذكر إبطال سحرهم، وإسلامهم، فقال: { فألقى موسى عصاه... }
الشعراء 26:45
يقول الحق جل جلاله: { فألقى موسى عصاه } من يده، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع بسرعة { ما يأفكون }: ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم، ويزورونه، فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، { فألقي السحرة ساجدين } لما شاهدوا ذلك من غير تلعثم ولا تردد، غير متمالكين لأنفسهم لعلمهم بأن ذلك خارج عن حدود السحر، وأنه أمر إلهي، يدل على تصديق موسى عليه السلام. وعبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة لقوله: { ألقو ما أنتم ملقون } ، فألقى، فلما خروا سجودا، { قالوا آمنا برب العالمين } ، قال عكرمة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. ه. { رب موسى وهارون }: عطف بيان، أو: بدل من { رب العالمين }. فدفع توهم إرادة فرعون لأنه كان يدعي الربوبية، فأرادوا أن يعزلوه منها. وقيل: إن فرعون لما سمع منهم: { آمنا برب العالمين } ، قال: إياي عنيتم؟ قالوا: { رب موسى وهارون }. { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } أي: بغير إذن لكم، كما في قوله تعالى:
قبل أن تنفد كلمات ربي
[الكهف: 109]، لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع، { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } فتواطأتم على ما فعلتم مكرا وحيلة. أراد بذلك التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق. ثم هددهم بقوله: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } ، يدا من جهة ورجلا من أخرى، أو: من أجل خلاف ظهر منكم، { ولأصلبنكم أجمعين } قيل: إنه فعل ذلك، وروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه لم يقدر على ذلك، لقوله تعالى:
أنتما ومن اتبعكما الغالبون
[القصص: 35]. { قالوا } أي: السحرة: { لا ضير } أي: لا ضرر علينا في ذلك، فحذف خبر " لا " ، { إنا إلى ربنا } الذي عرفناه وواليناه { منقلبون } لا إليك، فيكرم مثوانا ويكفر خطايانا، أو: لا ضرر علينا توعدتنا به إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بالموت، فلأن يكون في ذاته وسبب دينه أولى، قال الورتجبي: لما عاينوا مشاهدة الحق سهل عليهم البلاء، لا سيما أنهم يطمعون أن يصلوا إليه، بنعت الرضا والغفران. ه. ولذلك قالوا: { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا } أي: لأن كنا { أول المؤمنين } من أهل المشهد، أو: من أتباع فرعون. الإشارة: من شأن خواص الملك ألا يفعلوا شيئا إلا بإذن من ملكهم، ولذلك أنكر فرعون على السحرة المبادرة إلى الإيمان قبل إذنه، وبه أخذت الصوفية الكبار والفقراء مع أشياخهم، فلا يفعلون فعلا حتى يستأذنوا فيه الحق تعالى والمشايخ، وللإذن سر كبير، لا يفهمه إلا من ذاق سره. وتقدم بقية الإشارة في سورة الأعراف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر خورج موسى من مصر وتوجهه نحو البحر، فقال: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر... }
الشعراء 26:46
يقول الحق جل جلاله: { فألقى موسى عصاه } من يده، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع بسرعة { ما يأفكون }: ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم، ويزورونه، فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، { فألقي السحرة ساجدين } لما شاهدوا ذلك من غير تلعثم ولا تردد، غير متمالكين لأنفسهم لعلمهم بأن ذلك خارج عن حدود السحر، وأنه أمر إلهي، يدل على تصديق موسى عليه السلام. وعبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة لقوله: { ألقو ما أنتم ملقون } ، فألقى، فلما خروا سجودا، { قالوا آمنا برب العالمين } ، قال عكرمة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. ه. { رب موسى وهارون }: عطف بيان، أو: بدل من { رب العالمين }. فدفع توهم إرادة فرعون لأنه كان يدعي الربوبية، فأرادوا أن يعزلوه منها. وقيل: إن فرعون لما سمع منهم: { آمنا برب العالمين } ، قال: إياي عنيتم؟ قالوا: { رب موسى وهارون }. { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } أي: بغير إذن لكم، كما في قوله تعالى:
قبل أن تنفد كلمات ربي
[الكهف: 109]، لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع، { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } فتواطأتم على ما فعلتم مكرا وحيلة. أراد بذلك التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق. ثم هددهم بقوله: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } ، يدا من جهة ورجلا من أخرى، أو: من أجل خلاف ظهر منكم، { ولأصلبنكم أجمعين } قيل: إنه فعل ذلك، وروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه لم يقدر على ذلك، لقوله تعالى:
أنتما ومن اتبعكما الغالبون
[القصص: 35]. { قالوا } أي: السحرة: { لا ضير } أي: لا ضرر علينا في ذلك، فحذف خبر " لا " ، { إنا إلى ربنا } الذي عرفناه وواليناه { منقلبون } لا إليك، فيكرم مثوانا ويكفر خطايانا، أو: لا ضرر علينا توعدتنا به إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بالموت، فلأن يكون في ذاته وسبب دينه أولى، قال الورتجبي: لما عاينوا مشاهدة الحق سهل عليهم البلاء، لا سيما أنهم يطمعون أن يصلوا إليه، بنعت الرضا والغفران. ه. ولذلك قالوا: { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا } أي: لأن كنا { أول المؤمنين } من أهل المشهد، أو: من أتباع فرعون. الإشارة: من شأن خواص الملك ألا يفعلوا شيئا إلا بإذن من ملكهم، ولذلك أنكر فرعون على السحرة المبادرة إلى الإيمان قبل إذنه، وبه أخذت الصوفية الكبار والفقراء مع أشياخهم، فلا يفعلون فعلا حتى يستأذنوا فيه الحق تعالى والمشايخ، وللإذن سر كبير، لا يفهمه إلا من ذاق سره. وتقدم بقية الإشارة في سورة الأعراف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر خورج موسى من مصر وتوجهه نحو البحر، فقال: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر... }
الشعراء 26:47
يقول الحق جل جلاله: { فألقى موسى عصاه } من يده، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع بسرعة { ما يأفكون }: ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم، ويزورونه، فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، { فألقي السحرة ساجدين } لما شاهدوا ذلك من غير تلعثم ولا تردد، غير متمالكين لأنفسهم لعلمهم بأن ذلك خارج عن حدود السحر، وأنه أمر إلهي، يدل على تصديق موسى عليه السلام. وعبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة لقوله: { ألقو ما أنتم ملقون } ، فألقى، فلما خروا سجودا، { قالوا آمنا برب العالمين } ، قال عكرمة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. ه. { رب موسى وهارون }: عطف بيان، أو: بدل من { رب العالمين }. فدفع توهم إرادة فرعون لأنه كان يدعي الربوبية، فأرادوا أن يعزلوه منها. وقيل: إن فرعون لما سمع منهم: { آمنا برب العالمين } ، قال: إياي عنيتم؟ قالوا: { رب موسى وهارون }. { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } أي: بغير إذن لكم، كما في قوله تعالى:
قبل أن تنفد كلمات ربي
[الكهف: 109]، لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع، { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } فتواطأتم على ما فعلتم مكرا وحيلة. أراد بذلك التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق. ثم هددهم بقوله: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } ، يدا من جهة ورجلا من أخرى، أو: من أجل خلاف ظهر منكم، { ولأصلبنكم أجمعين } قيل: إنه فعل ذلك، وروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه لم يقدر على ذلك، لقوله تعالى:
أنتما ومن اتبعكما الغالبون
[القصص: 35]. { قالوا } أي: السحرة: { لا ضير } أي: لا ضرر علينا في ذلك، فحذف خبر " لا " ، { إنا إلى ربنا } الذي عرفناه وواليناه { منقلبون } لا إليك، فيكرم مثوانا ويكفر خطايانا، أو: لا ضرر علينا توعدتنا به إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بالموت، فلأن يكون في ذاته وسبب دينه أولى، قال الورتجبي: لما عاينوا مشاهدة الحق سهل عليهم البلاء، لا سيما أنهم يطمعون أن يصلوا إليه، بنعت الرضا والغفران. ه. ولذلك قالوا: { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا } أي: لأن كنا { أول المؤمنين } من أهل المشهد، أو: من أتباع فرعون. الإشارة: من شأن خواص الملك ألا يفعلوا شيئا إلا بإذن من ملكهم، ولذلك أنكر فرعون على السحرة المبادرة إلى الإيمان قبل إذنه، وبه أخذت الصوفية الكبار والفقراء مع أشياخهم، فلا يفعلون فعلا حتى يستأذنوا فيه الحق تعالى والمشايخ، وللإذن سر كبير، لا يفهمه إلا من ذاق سره. وتقدم بقية الإشارة في سورة الأعراف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر خورج موسى من مصر وتوجهه نحو البحر، فقال: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر... }
الشعراء 26:48
يقول الحق جل جلاله: { فألقى موسى عصاه } من يده، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع بسرعة { ما يأفكون }: ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم، ويزورونه، فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، { فألقي السحرة ساجدين } لما شاهدوا ذلك من غير تلعثم ولا تردد، غير متمالكين لأنفسهم لعلمهم بأن ذلك خارج عن حدود السحر، وأنه أمر إلهي، يدل على تصديق موسى عليه السلام. وعبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة لقوله: { ألقو ما أنتم ملقون } ، فألقى، فلما خروا سجودا، { قالوا آمنا برب العالمين } ، قال عكرمة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. ه. { رب موسى وهارون }: عطف بيان، أو: بدل من { رب العالمين }. فدفع توهم إرادة فرعون لأنه كان يدعي الربوبية، فأرادوا أن يعزلوه منها. وقيل: إن فرعون لما سمع منهم: { آمنا برب العالمين } ، قال: إياي عنيتم؟ قالوا: { رب موسى وهارون }. { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } أي: بغير إذن لكم، كما في قوله تعالى:
قبل أن تنفد كلمات ربي
[الكهف: 109]، لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع، { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } فتواطأتم على ما فعلتم مكرا وحيلة. أراد بذلك التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق. ثم هددهم بقوله: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } ، يدا من جهة ورجلا من أخرى، أو: من أجل خلاف ظهر منكم، { ولأصلبنكم أجمعين } قيل: إنه فعل ذلك، وروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه لم يقدر على ذلك، لقوله تعالى:
أنتما ومن اتبعكما الغالبون
[القصص: 35]. { قالوا } أي: السحرة: { لا ضير } أي: لا ضرر علينا في ذلك، فحذف خبر " لا " ، { إنا إلى ربنا } الذي عرفناه وواليناه { منقلبون } لا إليك، فيكرم مثوانا ويكفر خطايانا، أو: لا ضرر علينا توعدتنا به إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بالموت، فلأن يكون في ذاته وسبب دينه أولى، قال الورتجبي: لما عاينوا مشاهدة الحق سهل عليهم البلاء، لا سيما أنهم يطمعون أن يصلوا إليه، بنعت الرضا والغفران. ه. ولذلك قالوا: { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا } أي: لأن كنا { أول المؤمنين } من أهل المشهد، أو: من أتباع فرعون. الإشارة: من شأن خواص الملك ألا يفعلوا شيئا إلا بإذن من ملكهم، ولذلك أنكر فرعون على السحرة المبادرة إلى الإيمان قبل إذنه، وبه أخذت الصوفية الكبار والفقراء مع أشياخهم، فلا يفعلون فعلا حتى يستأذنوا فيه الحق تعالى والمشايخ، وللإذن سر كبير، لا يفهمه إلا من ذاق سره. وتقدم بقية الإشارة في سورة الأعراف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر خورج موسى من مصر وتوجهه نحو البحر، فقال: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر... }
الشعراء 26:49
يقول الحق جل جلاله: { فألقى موسى عصاه } من يده، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع بسرعة { ما يأفكون }: ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم، ويزورونه، فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، { فألقي السحرة ساجدين } لما شاهدوا ذلك من غير تلعثم ولا تردد، غير متمالكين لأنفسهم لعلمهم بأن ذلك خارج عن حدود السحر، وأنه أمر إلهي، يدل على تصديق موسى عليه السلام. وعبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة لقوله: { ألقو ما أنتم ملقون } ، فألقى، فلما خروا سجودا، { قالوا آمنا برب العالمين } ، قال عكرمة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. ه. { رب موسى وهارون }: عطف بيان، أو: بدل من { رب العالمين }. فدفع توهم إرادة فرعون لأنه كان يدعي الربوبية، فأرادوا أن يعزلوه منها. وقيل: إن فرعون لما سمع منهم: { آمنا برب العالمين } ، قال: إياي عنيتم؟ قالوا: { رب موسى وهارون }. { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } أي: بغير إذن لكم، كما في قوله تعالى:
قبل أن تنفد كلمات ربي
[الكهف: 109]، لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع، { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } فتواطأتم على ما فعلتم مكرا وحيلة. أراد بذلك التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق. ثم هددهم بقوله: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } ، يدا من جهة ورجلا من أخرى، أو: من أجل خلاف ظهر منكم، { ولأصلبنكم أجمعين } قيل: إنه فعل ذلك، وروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه لم يقدر على ذلك، لقوله تعالى:
أنتما ومن اتبعكما الغالبون
[القصص: 35]. { قالوا } أي: السحرة: { لا ضير } أي: لا ضرر علينا في ذلك، فحذف خبر " لا " ، { إنا إلى ربنا } الذي عرفناه وواليناه { منقلبون } لا إليك، فيكرم مثوانا ويكفر خطايانا، أو: لا ضرر علينا توعدتنا به إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بالموت، فلأن يكون في ذاته وسبب دينه أولى، قال الورتجبي: لما عاينوا مشاهدة الحق سهل عليهم البلاء، لا سيما أنهم يطمعون أن يصلوا إليه، بنعت الرضا والغفران. ه. ولذلك قالوا: { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا } أي: لأن كنا { أول المؤمنين } من أهل المشهد، أو: من أتباع فرعون. الإشارة: من شأن خواص الملك ألا يفعلوا شيئا إلا بإذن من ملكهم، ولذلك أنكر فرعون على السحرة المبادرة إلى الإيمان قبل إذنه، وبه أخذت الصوفية الكبار والفقراء مع أشياخهم، فلا يفعلون فعلا حتى يستأذنوا فيه الحق تعالى والمشايخ، وللإذن سر كبير، لا يفهمه إلا من ذاق سره. وتقدم بقية الإشارة في سورة الأعراف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر خورج موسى من مصر وتوجهه نحو البحر، فقال: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر... }
الشعراء 26:50
يقول الحق جل جلاله: { فألقى موسى عصاه } من يده، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع بسرعة { ما يأفكون }: ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم، ويزورونه، فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، { فألقي السحرة ساجدين } لما شاهدوا ذلك من غير تلعثم ولا تردد، غير متمالكين لأنفسهم لعلمهم بأن ذلك خارج عن حدود السحر، وأنه أمر إلهي، يدل على تصديق موسى عليه السلام. وعبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة لقوله: { ألقو ما أنتم ملقون } ، فألقى، فلما خروا سجودا، { قالوا آمنا برب العالمين } ، قال عكرمة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. ه. { رب موسى وهارون }: عطف بيان، أو: بدل من { رب العالمين }. فدفع توهم إرادة فرعون لأنه كان يدعي الربوبية، فأرادوا أن يعزلوه منها. وقيل: إن فرعون لما سمع منهم: { آمنا برب العالمين } ، قال: إياي عنيتم؟ قالوا: { رب موسى وهارون }. { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } أي: بغير إذن لكم، كما في قوله تعالى:
قبل أن تنفد كلمات ربي
[الكهف: 109]، لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع، { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } فتواطأتم على ما فعلتم مكرا وحيلة. أراد بذلك التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق. ثم هددهم بقوله: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } ، يدا من جهة ورجلا من أخرى، أو: من أجل خلاف ظهر منكم، { ولأصلبنكم أجمعين } قيل: إنه فعل ذلك، وروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه لم يقدر على ذلك، لقوله تعالى:
أنتما ومن اتبعكما الغالبون
[القصص: 35]. { قالوا } أي: السحرة: { لا ضير } أي: لا ضرر علينا في ذلك، فحذف خبر " لا " ، { إنا إلى ربنا } الذي عرفناه وواليناه { منقلبون } لا إليك، فيكرم مثوانا ويكفر خطايانا، أو: لا ضرر علينا توعدتنا به إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بالموت، فلأن يكون في ذاته وسبب دينه أولى، قال الورتجبي: لما عاينوا مشاهدة الحق سهل عليهم البلاء، لا سيما أنهم يطمعون أن يصلوا إليه، بنعت الرضا والغفران. ه. ولذلك قالوا: { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا } أي: لأن كنا { أول المؤمنين } من أهل المشهد، أو: من أتباع فرعون. الإشارة: من شأن خواص الملك ألا يفعلوا شيئا إلا بإذن من ملكهم، ولذلك أنكر فرعون على السحرة المبادرة إلى الإيمان قبل إذنه، وبه أخذت الصوفية الكبار والفقراء مع أشياخهم، فلا يفعلون فعلا حتى يستأذنوا فيه الحق تعالى والمشايخ، وللإذن سر كبير، لا يفهمه إلا من ذاق سره. وتقدم بقية الإشارة في سورة الأعراف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر خورج موسى من مصر وتوجهه نحو البحر، فقال: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر... }
الشعراء 26:51
يقول الحق جل جلاله: { فألقى موسى عصاه } من يده، { فإذا هي تلقف } أي: تبتلع بسرعة { ما يأفكون }: ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم، ويزورونه، فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، { فألقي السحرة ساجدين } لما شاهدوا ذلك من غير تلعثم ولا تردد، غير متمالكين لأنفسهم لعلمهم بأن ذلك خارج عن حدود السحر، وأنه أمر إلهي، يدل على تصديق موسى عليه السلام. وعبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة لقوله: { ألقو ما أنتم ملقون } ، فألقى، فلما خروا سجودا، { قالوا آمنا برب العالمين } ، قال عكرمة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. ه. { رب موسى وهارون }: عطف بيان، أو: بدل من { رب العالمين }. فدفع توهم إرادة فرعون لأنه كان يدعي الربوبية، فأرادوا أن يعزلوه منها. وقيل: إن فرعون لما سمع منهم: { آمنا برب العالمين } ، قال: إياي عنيتم؟ قالوا: { رب موسى وهارون }. { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم } أي: بغير إذن لكم، كما في قوله تعالى:
قبل أن تنفد كلمات ربي
[الكهف: 109]، لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع، { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } فتواطأتم على ما فعلتم مكرا وحيلة. أراد بذلك التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق. ثم هددهم بقوله: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } ، يدا من جهة ورجلا من أخرى، أو: من أجل خلاف ظهر منكم، { ولأصلبنكم أجمعين } قيل: إنه فعل ذلك، وروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه لم يقدر على ذلك، لقوله تعالى:
أنتما ومن اتبعكما الغالبون
[القصص: 35]. { قالوا } أي: السحرة: { لا ضير } أي: لا ضرر علينا في ذلك، فحذف خبر " لا " ، { إنا إلى ربنا } الذي عرفناه وواليناه { منقلبون } لا إليك، فيكرم مثوانا ويكفر خطايانا، أو: لا ضرر علينا توعدتنا به إذ لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بالموت، فلأن يكون في ذاته وسبب دينه أولى، قال الورتجبي: لما عاينوا مشاهدة الحق سهل عليهم البلاء، لا سيما أنهم يطمعون أن يصلوا إليه، بنعت الرضا والغفران. ه. ولذلك قالوا: { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا } أي: لأن كنا { أول المؤمنين } من أهل المشهد، أو: من أتباع فرعون. الإشارة: من شأن خواص الملك ألا يفعلوا شيئا إلا بإذن من ملكهم، ولذلك أنكر فرعون على السحرة المبادرة إلى الإيمان قبل إذنه، وبه أخذت الصوفية الكبار والفقراء مع أشياخهم، فلا يفعلون فعلا حتى يستأذنوا فيه الحق تعالى والمشايخ، وللإذن سر كبير، لا يفهمه إلا من ذاق سره. وتقدم بقية الإشارة في سورة الأعراف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر خورج موسى من مصر وتوجهه نحو البحر، فقال: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر... }
الشعراء 26:52
قلت: أسرى وسرى: لغتان، وقرئ بهما. يقول الحق جل جلاله: { وأوحينا إلى موسى أن أسر } بقطع الهمزة ووصلها أي: سر { بعبادي } ليلا. وسماهم عباده لإيمانهم بنبيهم، وذلك بعد إيمان السحرة بسنين، أقام بين أظهرهم، يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات، ثم أمره بالخروج، وقال: { إنكم متبعون } أي: يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين، فأسر بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر، فيدخلوا مداخلكم، فأطبقه عليهم فأغرقهم. روي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ولد، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله أوحى إلى موسى: أن أجمع بين إسرائيل، كل أربعة ابيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا تدخل بيتا فيه دم، وسآمرها فتقتل أبكار القبط، وأخبزوا فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. ه. وحكمة لطخ الدم ليتميز بيوت بني إسرائيل، فلا تقتل الملائكة فيها أحدا. عاملهم على قدر عقولهم، وإلا فالملك لا يخفى عليه ما أمر به. { فأرسل فرعون } حين أخبر بمسيرهم { في المدائن حاشرين } جامعين للعساكر ليتبعهم، فلما اجتمعوا قال: { إن هؤلاء } ، يريد بني إسرائيل { لشرذمة } طائفة قليلة { قليلون } ، ذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل فيدل على ان كل حزب منهم قليل. أو: أراد بالقلة: الذلة، لا قلة العدد، أي: إنهم لذلتهم، لا يبالي بهم، ولا يتوقع غلبتهم. قال ابن عرفة: شرذمة: تقليل لهم باعتبار الكيفية، وقليلون: باعتبار الكمية، وإنما استقل قوم موسى - وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا - لكثرة من معه، فعن الضحاك: كانوا سبعة آلاف ألف، وروي أنه أرسل في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور، مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على حصان، وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه خرج فرعون في ألف ألف حصان، من سوى الإناث. ه. { وإنهم لنا لغائظون } أي: فاعلون ما يغيظنا، وتضيق به صدورنا، وهو خروجهم من مصر، وحملهم حلينا، وقتلهم أبكارنا، { وإنا لجميع حاذرون } أي: ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرته وحسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن العجز. وقرئ حذرون بالمد والقصر، فالأول دال على تجدد الحذر، والثاني على ثبوته. قال تعالى: { فأخرجناهم } أي: خلقنا فيهم داعية الخروج وحملناهم عليه، { من جنات } بساتين { وعيون } ، وأنهار جارية، { وكنوز } أموال وافرة من ذهب وفضة، وسماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى شيئا.
{ ومقام كريم } أي: منزل رفيع بهي، وعن ابن عباس: المنابر. { كذلك } أي: الأمر كذلك، أو: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج العجيب، فهو خبر، أو: مصدر تشبيهي لأخرجنا. { وأورثنا بني إسرائيل } أي: ملكناها إياهم، على طريقة تمليك مال الموروث للوارث لأنهم ملكوها من حين خروج أربابها عنها قبل أن يقبضوها. وعن الحسن: لما عبروا النهر رجعوا، وأخذوا ديارهم وأموالهم. ه. قال ابن جزي: لم يذكر في التواريخ ملك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام، فتأويله على هذا: أورثناهم مثل ذلك بالشام. ه. قلت: بل التحقيق أنهم ملكوا التصرف في مصر، ووصلت حكومتهم إليها، ولم يرجعوا إليها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينتصر نبي ولا ولي إلا بعد أن يهاجر من وطنه سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا، والنصرة مقرونة مع الذلة والقلة { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة }. وبالله التوفيق. ثم ذكره معجزة فلق البحر، وغرق فرعون، فقال: { فأتبعوهم... }
الشعراء 26:53
قلت: أسرى وسرى: لغتان، وقرئ بهما. يقول الحق جل جلاله: { وأوحينا إلى موسى أن أسر } بقطع الهمزة ووصلها أي: سر { بعبادي } ليلا. وسماهم عباده لإيمانهم بنبيهم، وذلك بعد إيمان السحرة بسنين، أقام بين أظهرهم، يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات، ثم أمره بالخروج، وقال: { إنكم متبعون } أي: يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين، فأسر بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر، فيدخلوا مداخلكم، فأطبقه عليهم فأغرقهم. روي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ولد، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله أوحى إلى موسى: أن أجمع بين إسرائيل، كل أربعة ابيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا تدخل بيتا فيه دم، وسآمرها فتقتل أبكار القبط، وأخبزوا فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. ه. وحكمة لطخ الدم ليتميز بيوت بني إسرائيل، فلا تقتل الملائكة فيها أحدا. عاملهم على قدر عقولهم، وإلا فالملك لا يخفى عليه ما أمر به. { فأرسل فرعون } حين أخبر بمسيرهم { في المدائن حاشرين } جامعين للعساكر ليتبعهم، فلما اجتمعوا قال: { إن هؤلاء } ، يريد بني إسرائيل { لشرذمة } طائفة قليلة { قليلون } ، ذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل فيدل على ان كل حزب منهم قليل. أو: أراد بالقلة: الذلة، لا قلة العدد، أي: إنهم لذلتهم، لا يبالي بهم، ولا يتوقع غلبتهم. قال ابن عرفة: شرذمة: تقليل لهم باعتبار الكيفية، وقليلون: باعتبار الكمية، وإنما استقل قوم موسى - وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا - لكثرة من معه، فعن الضحاك: كانوا سبعة آلاف ألف، وروي أنه أرسل في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور، مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على حصان، وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه خرج فرعون في ألف ألف حصان، من سوى الإناث. ه. { وإنهم لنا لغائظون } أي: فاعلون ما يغيظنا، وتضيق به صدورنا، وهو خروجهم من مصر، وحملهم حلينا، وقتلهم أبكارنا، { وإنا لجميع حاذرون } أي: ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرته وحسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن العجز. وقرئ حذرون بالمد والقصر، فالأول دال على تجدد الحذر، والثاني على ثبوته. قال تعالى: { فأخرجناهم } أي: خلقنا فيهم داعية الخروج وحملناهم عليه، { من جنات } بساتين { وعيون } ، وأنهار جارية، { وكنوز } أموال وافرة من ذهب وفضة، وسماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى شيئا.
{ ومقام كريم } أي: منزل رفيع بهي، وعن ابن عباس: المنابر. { كذلك } أي: الأمر كذلك، أو: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج العجيب، فهو خبر، أو: مصدر تشبيهي لأخرجنا. { وأورثنا بني إسرائيل } أي: ملكناها إياهم، على طريقة تمليك مال الموروث للوارث لأنهم ملكوها من حين خروج أربابها عنها قبل أن يقبضوها. وعن الحسن: لما عبروا النهر رجعوا، وأخذوا ديارهم وأموالهم. ه. قال ابن جزي: لم يذكر في التواريخ ملك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام، فتأويله على هذا: أورثناهم مثل ذلك بالشام. ه. قلت: بل التحقيق أنهم ملكوا التصرف في مصر، ووصلت حكومتهم إليها، ولم يرجعوا إليها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينتصر نبي ولا ولي إلا بعد أن يهاجر من وطنه سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا، والنصرة مقرونة مع الذلة والقلة { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة }. وبالله التوفيق. ثم ذكره معجزة فلق البحر، وغرق فرعون، فقال: { فأتبعوهم... }
الشعراء 26:54
قلت: أسرى وسرى: لغتان، وقرئ بهما. يقول الحق جل جلاله: { وأوحينا إلى موسى أن أسر } بقطع الهمزة ووصلها أي: سر { بعبادي } ليلا. وسماهم عباده لإيمانهم بنبيهم، وذلك بعد إيمان السحرة بسنين، أقام بين أظهرهم، يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات، ثم أمره بالخروج، وقال: { إنكم متبعون } أي: يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين، فأسر بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر، فيدخلوا مداخلكم، فأطبقه عليهم فأغرقهم. روي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ولد، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله أوحى إلى موسى: أن أجمع بين إسرائيل، كل أربعة ابيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا تدخل بيتا فيه دم، وسآمرها فتقتل أبكار القبط، وأخبزوا فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. ه. وحكمة لطخ الدم ليتميز بيوت بني إسرائيل، فلا تقتل الملائكة فيها أحدا. عاملهم على قدر عقولهم، وإلا فالملك لا يخفى عليه ما أمر به. { فأرسل فرعون } حين أخبر بمسيرهم { في المدائن حاشرين } جامعين للعساكر ليتبعهم، فلما اجتمعوا قال: { إن هؤلاء } ، يريد بني إسرائيل { لشرذمة } طائفة قليلة { قليلون } ، ذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل فيدل على ان كل حزب منهم قليل. أو: أراد بالقلة: الذلة، لا قلة العدد، أي: إنهم لذلتهم، لا يبالي بهم، ولا يتوقع غلبتهم. قال ابن عرفة: شرذمة: تقليل لهم باعتبار الكيفية، وقليلون: باعتبار الكمية، وإنما استقل قوم موسى - وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا - لكثرة من معه، فعن الضحاك: كانوا سبعة آلاف ألف، وروي أنه أرسل في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور، مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على حصان، وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه خرج فرعون في ألف ألف حصان، من سوى الإناث. ه. { وإنهم لنا لغائظون } أي: فاعلون ما يغيظنا، وتضيق به صدورنا، وهو خروجهم من مصر، وحملهم حلينا، وقتلهم أبكارنا، { وإنا لجميع حاذرون } أي: ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرته وحسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن العجز. وقرئ حذرون بالمد والقصر، فالأول دال على تجدد الحذر، والثاني على ثبوته. قال تعالى: { فأخرجناهم } أي: خلقنا فيهم داعية الخروج وحملناهم عليه، { من جنات } بساتين { وعيون } ، وأنهار جارية، { وكنوز } أموال وافرة من ذهب وفضة، وسماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى شيئا.
{ ومقام كريم } أي: منزل رفيع بهي، وعن ابن عباس: المنابر. { كذلك } أي: الأمر كذلك، أو: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج العجيب، فهو خبر، أو: مصدر تشبيهي لأخرجنا. { وأورثنا بني إسرائيل } أي: ملكناها إياهم، على طريقة تمليك مال الموروث للوارث لأنهم ملكوها من حين خروج أربابها عنها قبل أن يقبضوها. وعن الحسن: لما عبروا النهر رجعوا، وأخذوا ديارهم وأموالهم. ه. قال ابن جزي: لم يذكر في التواريخ ملك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام، فتأويله على هذا: أورثناهم مثل ذلك بالشام. ه. قلت: بل التحقيق أنهم ملكوا التصرف في مصر، ووصلت حكومتهم إليها، ولم يرجعوا إليها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينتصر نبي ولا ولي إلا بعد أن يهاجر من وطنه سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا، والنصرة مقرونة مع الذلة والقلة { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة }. وبالله التوفيق. ثم ذكره معجزة فلق البحر، وغرق فرعون، فقال: { فأتبعوهم... }
الشعراء 26:55
قلت: أسرى وسرى: لغتان، وقرئ بهما. يقول الحق جل جلاله: { وأوحينا إلى موسى أن أسر } بقطع الهمزة ووصلها أي: سر { بعبادي } ليلا. وسماهم عباده لإيمانهم بنبيهم، وذلك بعد إيمان السحرة بسنين، أقام بين أظهرهم، يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات، ثم أمره بالخروج، وقال: { إنكم متبعون } أي: يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين، فأسر بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر، فيدخلوا مداخلكم، فأطبقه عليهم فأغرقهم. روي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ولد، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله أوحى إلى موسى: أن أجمع بين إسرائيل، كل أربعة ابيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا تدخل بيتا فيه دم، وسآمرها فتقتل أبكار القبط، وأخبزوا فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. ه. وحكمة لطخ الدم ليتميز بيوت بني إسرائيل، فلا تقتل الملائكة فيها أحدا. عاملهم على قدر عقولهم، وإلا فالملك لا يخفى عليه ما أمر به. { فأرسل فرعون } حين أخبر بمسيرهم { في المدائن حاشرين } جامعين للعساكر ليتبعهم، فلما اجتمعوا قال: { إن هؤلاء } ، يريد بني إسرائيل { لشرذمة } طائفة قليلة { قليلون } ، ذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل فيدل على ان كل حزب منهم قليل. أو: أراد بالقلة: الذلة، لا قلة العدد، أي: إنهم لذلتهم، لا يبالي بهم، ولا يتوقع غلبتهم. قال ابن عرفة: شرذمة: تقليل لهم باعتبار الكيفية، وقليلون: باعتبار الكمية، وإنما استقل قوم موسى - وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا - لكثرة من معه، فعن الضحاك: كانوا سبعة آلاف ألف، وروي أنه أرسل في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور، مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على حصان، وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه خرج فرعون في ألف ألف حصان، من سوى الإناث. ه. { وإنهم لنا لغائظون } أي: فاعلون ما يغيظنا، وتضيق به صدورنا، وهو خروجهم من مصر، وحملهم حلينا، وقتلهم أبكارنا، { وإنا لجميع حاذرون } أي: ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرته وحسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن العجز. وقرئ حذرون بالمد والقصر، فالأول دال على تجدد الحذر، والثاني على ثبوته. قال تعالى: { فأخرجناهم } أي: خلقنا فيهم داعية الخروج وحملناهم عليه، { من جنات } بساتين { وعيون } ، وأنهار جارية، { وكنوز } أموال وافرة من ذهب وفضة، وسماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى شيئا.
{ ومقام كريم } أي: منزل رفيع بهي، وعن ابن عباس: المنابر. { كذلك } أي: الأمر كذلك، أو: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج العجيب، فهو خبر، أو: مصدر تشبيهي لأخرجنا. { وأورثنا بني إسرائيل } أي: ملكناها إياهم، على طريقة تمليك مال الموروث للوارث لأنهم ملكوها من حين خروج أربابها عنها قبل أن يقبضوها. وعن الحسن: لما عبروا النهر رجعوا، وأخذوا ديارهم وأموالهم. ه. قال ابن جزي: لم يذكر في التواريخ ملك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام، فتأويله على هذا: أورثناهم مثل ذلك بالشام. ه. قلت: بل التحقيق أنهم ملكوا التصرف في مصر، ووصلت حكومتهم إليها، ولم يرجعوا إليها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينتصر نبي ولا ولي إلا بعد أن يهاجر من وطنه سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا، والنصرة مقرونة مع الذلة والقلة { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة }. وبالله التوفيق. ثم ذكره معجزة فلق البحر، وغرق فرعون، فقال: { فأتبعوهم... }
الشعراء 26:56
قلت: أسرى وسرى: لغتان، وقرئ بهما. يقول الحق جل جلاله: { وأوحينا إلى موسى أن أسر } بقطع الهمزة ووصلها أي: سر { بعبادي } ليلا. وسماهم عباده لإيمانهم بنبيهم، وذلك بعد إيمان السحرة بسنين، أقام بين أظهرهم، يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات، ثم أمره بالخروج، وقال: { إنكم متبعون } أي: يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين، فأسر بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر، فيدخلوا مداخلكم، فأطبقه عليهم فأغرقهم. روي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ولد، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله أوحى إلى موسى: أن أجمع بين إسرائيل، كل أربعة ابيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا تدخل بيتا فيه دم، وسآمرها فتقتل أبكار القبط، وأخبزوا فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. ه. وحكمة لطخ الدم ليتميز بيوت بني إسرائيل، فلا تقتل الملائكة فيها أحدا. عاملهم على قدر عقولهم، وإلا فالملك لا يخفى عليه ما أمر به. { فأرسل فرعون } حين أخبر بمسيرهم { في المدائن حاشرين } جامعين للعساكر ليتبعهم، فلما اجتمعوا قال: { إن هؤلاء } ، يريد بني إسرائيل { لشرذمة } طائفة قليلة { قليلون } ، ذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل فيدل على ان كل حزب منهم قليل. أو: أراد بالقلة: الذلة، لا قلة العدد، أي: إنهم لذلتهم، لا يبالي بهم، ولا يتوقع غلبتهم. قال ابن عرفة: شرذمة: تقليل لهم باعتبار الكيفية، وقليلون: باعتبار الكمية، وإنما استقل قوم موسى - وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا - لكثرة من معه، فعن الضحاك: كانوا سبعة آلاف ألف، وروي أنه أرسل في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور، مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على حصان، وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه خرج فرعون في ألف ألف حصان، من سوى الإناث. ه. { وإنهم لنا لغائظون } أي: فاعلون ما يغيظنا، وتضيق به صدورنا، وهو خروجهم من مصر، وحملهم حلينا، وقتلهم أبكارنا، { وإنا لجميع حاذرون } أي: ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرته وحسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن العجز. وقرئ حذرون بالمد والقصر، فالأول دال على تجدد الحذر، والثاني على ثبوته. قال تعالى: { فأخرجناهم } أي: خلقنا فيهم داعية الخروج وحملناهم عليه، { من جنات } بساتين { وعيون } ، وأنهار جارية، { وكنوز } أموال وافرة من ذهب وفضة، وسماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى شيئا.
{ ومقام كريم } أي: منزل رفيع بهي، وعن ابن عباس: المنابر. { كذلك } أي: الأمر كذلك، أو: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج العجيب، فهو خبر، أو: مصدر تشبيهي لأخرجنا. { وأورثنا بني إسرائيل } أي: ملكناها إياهم، على طريقة تمليك مال الموروث للوارث لأنهم ملكوها من حين خروج أربابها عنها قبل أن يقبضوها. وعن الحسن: لما عبروا النهر رجعوا، وأخذوا ديارهم وأموالهم. ه. قال ابن جزي: لم يذكر في التواريخ ملك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام، فتأويله على هذا: أورثناهم مثل ذلك بالشام. ه. قلت: بل التحقيق أنهم ملكوا التصرف في مصر، ووصلت حكومتهم إليها، ولم يرجعوا إليها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينتصر نبي ولا ولي إلا بعد أن يهاجر من وطنه سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا، والنصرة مقرونة مع الذلة والقلة { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة }. وبالله التوفيق. ثم ذكره معجزة فلق البحر، وغرق فرعون، فقال: { فأتبعوهم... }
الشعراء 26:57
قلت: أسرى وسرى: لغتان، وقرئ بهما. يقول الحق جل جلاله: { وأوحينا إلى موسى أن أسر } بقطع الهمزة ووصلها أي: سر { بعبادي } ليلا. وسماهم عباده لإيمانهم بنبيهم، وذلك بعد إيمان السحرة بسنين، أقام بين أظهرهم، يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات، ثم أمره بالخروج، وقال: { إنكم متبعون } أي: يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين، فأسر بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر، فيدخلوا مداخلكم، فأطبقه عليهم فأغرقهم. روي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ولد، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله أوحى إلى موسى: أن أجمع بين إسرائيل، كل أربعة ابيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا تدخل بيتا فيه دم، وسآمرها فتقتل أبكار القبط، وأخبزوا فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. ه. وحكمة لطخ الدم ليتميز بيوت بني إسرائيل، فلا تقتل الملائكة فيها أحدا. عاملهم على قدر عقولهم، وإلا فالملك لا يخفى عليه ما أمر به. { فأرسل فرعون } حين أخبر بمسيرهم { في المدائن حاشرين } جامعين للعساكر ليتبعهم، فلما اجتمعوا قال: { إن هؤلاء } ، يريد بني إسرائيل { لشرذمة } طائفة قليلة { قليلون } ، ذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل فيدل على ان كل حزب منهم قليل. أو: أراد بالقلة: الذلة، لا قلة العدد، أي: إنهم لذلتهم، لا يبالي بهم، ولا يتوقع غلبتهم. قال ابن عرفة: شرذمة: تقليل لهم باعتبار الكيفية، وقليلون: باعتبار الكمية، وإنما استقل قوم موسى - وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا - لكثرة من معه، فعن الضحاك: كانوا سبعة آلاف ألف، وروي أنه أرسل في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور، مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على حصان، وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه خرج فرعون في ألف ألف حصان، من سوى الإناث. ه. { وإنهم لنا لغائظون } أي: فاعلون ما يغيظنا، وتضيق به صدورنا، وهو خروجهم من مصر، وحملهم حلينا، وقتلهم أبكارنا، { وإنا لجميع حاذرون } أي: ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرته وحسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن العجز. وقرئ حذرون بالمد والقصر، فالأول دال على تجدد الحذر، والثاني على ثبوته. قال تعالى: { فأخرجناهم } أي: خلقنا فيهم داعية الخروج وحملناهم عليه، { من جنات } بساتين { وعيون } ، وأنهار جارية، { وكنوز } أموال وافرة من ذهب وفضة، وسماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى شيئا.
{ ومقام كريم } أي: منزل رفيع بهي، وعن ابن عباس: المنابر. { كذلك } أي: الأمر كذلك، أو: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج العجيب، فهو خبر، أو: مصدر تشبيهي لأخرجنا. { وأورثنا بني إسرائيل } أي: ملكناها إياهم، على طريقة تمليك مال الموروث للوارث لأنهم ملكوها من حين خروج أربابها عنها قبل أن يقبضوها. وعن الحسن: لما عبروا النهر رجعوا، وأخذوا ديارهم وأموالهم. ه. قال ابن جزي: لم يذكر في التواريخ ملك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام، فتأويله على هذا: أورثناهم مثل ذلك بالشام. ه. قلت: بل التحقيق أنهم ملكوا التصرف في مصر، ووصلت حكومتهم إليها، ولم يرجعوا إليها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينتصر نبي ولا ولي إلا بعد أن يهاجر من وطنه سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا، والنصرة مقرونة مع الذلة والقلة { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة }. وبالله التوفيق. ثم ذكره معجزة فلق البحر، وغرق فرعون، فقال: { فأتبعوهم... }
الشعراء 26:58
قلت: أسرى وسرى: لغتان، وقرئ بهما. يقول الحق جل جلاله: { وأوحينا إلى موسى أن أسر } بقطع الهمزة ووصلها أي: سر { بعبادي } ليلا. وسماهم عباده لإيمانهم بنبيهم، وذلك بعد إيمان السحرة بسنين، أقام بين أظهرهم، يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات، ثم أمره بالخروج، وقال: { إنكم متبعون } أي: يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين، فأسر بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر، فيدخلوا مداخلكم، فأطبقه عليهم فأغرقهم. روي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ولد، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله أوحى إلى موسى: أن أجمع بين إسرائيل، كل أربعة ابيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا تدخل بيتا فيه دم، وسآمرها فتقتل أبكار القبط، وأخبزوا فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. ه. وحكمة لطخ الدم ليتميز بيوت بني إسرائيل، فلا تقتل الملائكة فيها أحدا. عاملهم على قدر عقولهم، وإلا فالملك لا يخفى عليه ما أمر به. { فأرسل فرعون } حين أخبر بمسيرهم { في المدائن حاشرين } جامعين للعساكر ليتبعهم، فلما اجتمعوا قال: { إن هؤلاء } ، يريد بني إسرائيل { لشرذمة } طائفة قليلة { قليلون } ، ذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل فيدل على ان كل حزب منهم قليل. أو: أراد بالقلة: الذلة، لا قلة العدد، أي: إنهم لذلتهم، لا يبالي بهم، ولا يتوقع غلبتهم. قال ابن عرفة: شرذمة: تقليل لهم باعتبار الكيفية، وقليلون: باعتبار الكمية، وإنما استقل قوم موسى - وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا - لكثرة من معه، فعن الضحاك: كانوا سبعة آلاف ألف، وروي أنه أرسل في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور، مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على حصان، وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه خرج فرعون في ألف ألف حصان، من سوى الإناث. ه. { وإنهم لنا لغائظون } أي: فاعلون ما يغيظنا، وتضيق به صدورنا، وهو خروجهم من مصر، وحملهم حلينا، وقتلهم أبكارنا، { وإنا لجميع حاذرون } أي: ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرته وحسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن العجز. وقرئ حذرون بالمد والقصر، فالأول دال على تجدد الحذر، والثاني على ثبوته. قال تعالى: { فأخرجناهم } أي: خلقنا فيهم داعية الخروج وحملناهم عليه، { من جنات } بساتين { وعيون } ، وأنهار جارية، { وكنوز } أموال وافرة من ذهب وفضة، وسماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى شيئا.
{ ومقام كريم } أي: منزل رفيع بهي، وعن ابن عباس: المنابر. { كذلك } أي: الأمر كذلك، أو: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج العجيب، فهو خبر، أو: مصدر تشبيهي لأخرجنا. { وأورثنا بني إسرائيل } أي: ملكناها إياهم، على طريقة تمليك مال الموروث للوارث لأنهم ملكوها من حين خروج أربابها عنها قبل أن يقبضوها. وعن الحسن: لما عبروا النهر رجعوا، وأخذوا ديارهم وأموالهم. ه. قال ابن جزي: لم يذكر في التواريخ ملك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام، فتأويله على هذا: أورثناهم مثل ذلك بالشام. ه. قلت: بل التحقيق أنهم ملكوا التصرف في مصر، ووصلت حكومتهم إليها، ولم يرجعوا إليها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينتصر نبي ولا ولي إلا بعد أن يهاجر من وطنه سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا، والنصرة مقرونة مع الذلة والقلة { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة }. وبالله التوفيق. ثم ذكره معجزة فلق البحر، وغرق فرعون، فقال: { فأتبعوهم... }
الشعراء 26:59
قلت: أسرى وسرى: لغتان، وقرئ بهما. يقول الحق جل جلاله: { وأوحينا إلى موسى أن أسر } بقطع الهمزة ووصلها أي: سر { بعبادي } ليلا. وسماهم عباده لإيمانهم بنبيهم، وذلك بعد إيمان السحرة بسنين، أقام بين أظهرهم، يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات، ثم أمره بالخروج، وقال: { إنكم متبعون } أي: يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين، فأسر بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر، فيدخلوا مداخلكم، فأطبقه عليهم فأغرقهم. روي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ولد، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي أن الله أوحى إلى موسى: أن أجمع بين إسرائيل، كل أربعة ابيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا تدخل بيتا فيه دم، وسآمرها فتقتل أبكار القبط، وأخبزوا فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. ه. وحكمة لطخ الدم ليتميز بيوت بني إسرائيل، فلا تقتل الملائكة فيها أحدا. عاملهم على قدر عقولهم، وإلا فالملك لا يخفى عليه ما أمر به. { فأرسل فرعون } حين أخبر بمسيرهم { في المدائن حاشرين } جامعين للعساكر ليتبعهم، فلما اجتمعوا قال: { إن هؤلاء } ، يريد بني إسرائيل { لشرذمة } طائفة قليلة { قليلون } ، ذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل فيدل على ان كل حزب منهم قليل. أو: أراد بالقلة: الذلة، لا قلة العدد، أي: إنهم لذلتهم، لا يبالي بهم، ولا يتوقع غلبتهم. قال ابن عرفة: شرذمة: تقليل لهم باعتبار الكيفية، وقليلون: باعتبار الكمية، وإنما استقل قوم موسى - وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا - لكثرة من معه، فعن الضحاك: كانوا سبعة آلاف ألف، وروي أنه أرسل في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور، مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على حصان، وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه خرج فرعون في ألف ألف حصان، من سوى الإناث. ه. { وإنهم لنا لغائظون } أي: فاعلون ما يغيظنا، وتضيق به صدورنا، وهو خروجهم من مصر، وحملهم حلينا، وقتلهم أبكارنا، { وإنا لجميع حاذرون } أي: ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرته وحسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن العجز. وقرئ حذرون بالمد والقصر، فالأول دال على تجدد الحذر، والثاني على ثبوته. قال تعالى: { فأخرجناهم } أي: خلقنا فيهم داعية الخروج وحملناهم عليه، { من جنات } بساتين { وعيون } ، وأنهار جارية، { وكنوز } أموال وافرة من ذهب وفضة، وسماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى شيئا.
{ ومقام كريم } أي: منزل رفيع بهي، وعن ابن عباس: المنابر. { كذلك } أي: الأمر كذلك، أو: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج العجيب، فهو خبر، أو: مصدر تشبيهي لأخرجنا. { وأورثنا بني إسرائيل } أي: ملكناها إياهم، على طريقة تمليك مال الموروث للوارث لأنهم ملكوها من حين خروج أربابها عنها قبل أن يقبضوها. وعن الحسن: لما عبروا النهر رجعوا، وأخذوا ديارهم وأموالهم. ه. قال ابن جزي: لم يذكر في التواريخ ملك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام، فتأويله على هذا: أورثناهم مثل ذلك بالشام. ه. قلت: بل التحقيق أنهم ملكوا التصرف في مصر، ووصلت حكومتهم إليها، ولم يرجعوا إليها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينتصر نبي ولا ولي إلا بعد أن يهاجر من وطنه سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا، والنصرة مقرونة مع الذلة والقلة { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة }. وبالله التوفيق. ثم ذكره معجزة فلق البحر، وغرق فرعون، فقال: { فأتبعوهم... }
الشعراء 26:60
يقول الحق جل جلاله: { فأتبعوهم } أي: فأتبع فرعون وقومه بني إسرائيل، أي: لحقوا بهم، وقرئ بشد التاء، على الأصل، { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس، أي: طلوعها، { فلما تراءى الجمعان } أي: تقابلا، بحيث يرى كل فريق صاحبه، أي: بنو إسرائيل والقبط، { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أي: قرب أن يلحقنا عدونا، وأمامنا البحر، { قال } موسى عليه السلام ثقة بوعد ربه: { كلا } ارتدعوا عن سوء الظن بالله، فلن يدرككم أبدا، { إن معي ربي سيهدين } أي: سيهديني طريق النجاة منهم. روي أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع عليه السلام: يا كليم الله، أين أمرت، فقد غشينا فرعون، والبحر أمامنا؟ قال عليه السلام: ها هنا، فخاض يوشع الماء، وضرب موسى بعصاه البحر، فكان ما كان، وقال الذي كان يكتم إيمانه يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: ها هنا. فكبح فرسه بلجامه، ثم أقحمه البحر، فرسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع؟ فأوحى الله إليه: { أن اضرب بعصاك البحر } ، فضربه، فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه، لم يبتل لبده ولا سرجه. وقال محمد بن حمزة: لما انتهى موسى إلى البحر، دعا، فقال: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، وذلك قوله تعالى: { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } أي: القلزم، أو النيل، { فانفلق } أي: فضرب فانفلق وانشق فصار اثني عشر فرقا على عدد الأسباط. { فكان كل فرق } أي: جزء من الماء { كالطود }: كالجبل المنطاد في السماء { العظيم } ، وبين تلك الجبال من الماء مسالك، بأن صار الماء مكفوفا كالجامد، وما بينها يبس، فدخل كل سبط في شعب منها. { وأزلفنا } أي: قربنا { ثم الآخرين } أي: فرعون وقومه، حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم، { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } من الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة، حتى عبروه، { ثم أغرقنا الآخرين } بإطباقه عليهم. قال النسفي: وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك، على اختلاف طوالعهم. روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول: رويدكم، ليلحق آخركم. ه. { إن في ذلك لآية } أي: في جميع ما فصل مما صدر عن موسى عليه السلام، وما ظهر على يديه من المعجزات القاهرة، وفيما فعل فرعون وقومه من الأفعال والأقوال، وما فعل بهم من العذاب والنكال، لعبرة عظيمة، لا تكاد توصف، موجبة لأن يعتبر المعتبرون، ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن موسى عليه السلام، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ويجتنبوا تعاطي ما كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول، فيؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله، كي لا يحل بهم ما حل بأولئك، أو: إن فيما فصل من القصة من حيث حكايته عليه السلام إياها على ما هي عليه، من غير أن يسمعها من أحد، لآية عظيمة دالة على ان ذلك بطريق الوحي الصادق، موجبة للإيمان بالله تعالى، وتصديق من جاء بها وطاعته.
{ وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما كان اكثر هؤلاء المكذبين الذين سمعوا قصصهم منه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين، فلم يقيسوا حاله صلى الله عليه وسلم بحال موسى، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ولم يتدبروا في حكايته صلى الله عليه وسلم لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد، مع كونه أميا لا يقرأ، وكل من الطريقين مما يؤدي إلى الإيمان، قطعا لانهماكهم في الغفلة، فكان على هذا، زائدة، كما هو رأي سيبوبه، فيكون قوله تعالى:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] وهو إخبار منه تعالى بعدم إيمانهم في المستقبل، أو: وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين بموسى عليه السلام، قال مقاتل: لم يؤمن من أهل مصر غير رجل وامرأتين حزيقل المؤمن من آل فرعون، وآسية امرأة فرعون، ومريم بنت ياموشى، التي دلت على عظام يوسف. ه. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من المكذبين، { الرحيم } البالغ في الرحمة، ولذلك أمهلهم ولم يعاجل عقوبتهم، أو: العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. جعلنا الله من خاصتهم بمنه وكرمه، آمين. الإشارة: قوله تعالى: { إن معي ربي سيهدين }: اعلم أن المعية تختلف باختلاف المقام، فالمعية، باعتبار عامة الخلق، تكون بالإحاطة والقهرية والعلم والإقتدار، وباعتبار الخاصة تكون بالحفظ والرعاية والنصر والمعونة. فمن تحقق أن الله معه بعلمه وحفظه ورعايته اكتفى بعلمه، وفوض الأمر إلى سيده، وكلما قوي التفويض والتسليم دل على رفع المقام، ولذلك فضل ما حكاه الحق تعالى عن حبيبه بقوله:
إن الله معنا
[التوبة: 40]، على ما حكى عن كليمه بزيادة قوله: { سيهدين } فتأمل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة إبراهيم لما فيها من الرد على أهل الشرك تقبيحا لما عليه قريش والعرب مع كونهم من ذريته، فقال: { واتل عليهم... }
الشعراء 26:61
يقول الحق جل جلاله: { فأتبعوهم } أي: فأتبع فرعون وقومه بني إسرائيل، أي: لحقوا بهم، وقرئ بشد التاء، على الأصل، { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس، أي: طلوعها، { فلما تراءى الجمعان } أي: تقابلا، بحيث يرى كل فريق صاحبه، أي: بنو إسرائيل والقبط، { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أي: قرب أن يلحقنا عدونا، وأمامنا البحر، { قال } موسى عليه السلام ثقة بوعد ربه: { كلا } ارتدعوا عن سوء الظن بالله، فلن يدرككم أبدا، { إن معي ربي سيهدين } أي: سيهديني طريق النجاة منهم. روي أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع عليه السلام: يا كليم الله، أين أمرت، فقد غشينا فرعون، والبحر أمامنا؟ قال عليه السلام: ها هنا، فخاض يوشع الماء، وضرب موسى بعصاه البحر، فكان ما كان، وقال الذي كان يكتم إيمانه يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: ها هنا. فكبح فرسه بلجامه، ثم أقحمه البحر، فرسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع؟ فأوحى الله إليه: { أن اضرب بعصاك البحر } ، فضربه، فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه، لم يبتل لبده ولا سرجه. وقال محمد بن حمزة: لما انتهى موسى إلى البحر، دعا، فقال: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، وذلك قوله تعالى: { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } أي: القلزم، أو النيل، { فانفلق } أي: فضرب فانفلق وانشق فصار اثني عشر فرقا على عدد الأسباط. { فكان كل فرق } أي: جزء من الماء { كالطود }: كالجبل المنطاد في السماء { العظيم } ، وبين تلك الجبال من الماء مسالك، بأن صار الماء مكفوفا كالجامد، وما بينها يبس، فدخل كل سبط في شعب منها. { وأزلفنا } أي: قربنا { ثم الآخرين } أي: فرعون وقومه، حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم، { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } من الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة، حتى عبروه، { ثم أغرقنا الآخرين } بإطباقه عليهم. قال النسفي: وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك، على اختلاف طوالعهم. روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول: رويدكم، ليلحق آخركم. ه. { إن في ذلك لآية } أي: في جميع ما فصل مما صدر عن موسى عليه السلام، وما ظهر على يديه من المعجزات القاهرة، وفيما فعل فرعون وقومه من الأفعال والأقوال، وما فعل بهم من العذاب والنكال، لعبرة عظيمة، لا تكاد توصف، موجبة لأن يعتبر المعتبرون، ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن موسى عليه السلام، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ويجتنبوا تعاطي ما كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول، فيؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله، كي لا يحل بهم ما حل بأولئك، أو: إن فيما فصل من القصة من حيث حكايته عليه السلام إياها على ما هي عليه، من غير أن يسمعها من أحد، لآية عظيمة دالة على ان ذلك بطريق الوحي الصادق، موجبة للإيمان بالله تعالى، وتصديق من جاء بها وطاعته.
{ وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما كان اكثر هؤلاء المكذبين الذين سمعوا قصصهم منه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين، فلم يقيسوا حاله صلى الله عليه وسلم بحال موسى، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ولم يتدبروا في حكايته صلى الله عليه وسلم لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد، مع كونه أميا لا يقرأ، وكل من الطريقين مما يؤدي إلى الإيمان، قطعا لانهماكهم في الغفلة، فكان على هذا، زائدة، كما هو رأي سيبوبه، فيكون قوله تعالى:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] وهو إخبار منه تعالى بعدم إيمانهم في المستقبل، أو: وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين بموسى عليه السلام، قال مقاتل: لم يؤمن من أهل مصر غير رجل وامرأتين حزيقل المؤمن من آل فرعون، وآسية امرأة فرعون، ومريم بنت ياموشى، التي دلت على عظام يوسف. ه. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من المكذبين، { الرحيم } البالغ في الرحمة، ولذلك أمهلهم ولم يعاجل عقوبتهم، أو: العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. جعلنا الله من خاصتهم بمنه وكرمه، آمين. الإشارة: قوله تعالى: { إن معي ربي سيهدين }: اعلم أن المعية تختلف باختلاف المقام، فالمعية، باعتبار عامة الخلق، تكون بالإحاطة والقهرية والعلم والإقتدار، وباعتبار الخاصة تكون بالحفظ والرعاية والنصر والمعونة. فمن تحقق أن الله معه بعلمه وحفظه ورعايته اكتفى بعلمه، وفوض الأمر إلى سيده، وكلما قوي التفويض والتسليم دل على رفع المقام، ولذلك فضل ما حكاه الحق تعالى عن حبيبه بقوله:
إن الله معنا
[التوبة: 40]، على ما حكى عن كليمه بزيادة قوله: { سيهدين } فتأمل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة إبراهيم لما فيها من الرد على أهل الشرك تقبيحا لما عليه قريش والعرب مع كونهم من ذريته، فقال: { واتل عليهم... }
الشعراء 26:62
يقول الحق جل جلاله: { فأتبعوهم } أي: فأتبع فرعون وقومه بني إسرائيل، أي: لحقوا بهم، وقرئ بشد التاء، على الأصل، { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس، أي: طلوعها، { فلما تراءى الجمعان } أي: تقابلا، بحيث يرى كل فريق صاحبه، أي: بنو إسرائيل والقبط، { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أي: قرب أن يلحقنا عدونا، وأمامنا البحر، { قال } موسى عليه السلام ثقة بوعد ربه: { كلا } ارتدعوا عن سوء الظن بالله، فلن يدرككم أبدا، { إن معي ربي سيهدين } أي: سيهديني طريق النجاة منهم. روي أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع عليه السلام: يا كليم الله، أين أمرت، فقد غشينا فرعون، والبحر أمامنا؟ قال عليه السلام: ها هنا، فخاض يوشع الماء، وضرب موسى بعصاه البحر، فكان ما كان، وقال الذي كان يكتم إيمانه يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: ها هنا. فكبح فرسه بلجامه، ثم أقحمه البحر، فرسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع؟ فأوحى الله إليه: { أن اضرب بعصاك البحر } ، فضربه، فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه، لم يبتل لبده ولا سرجه. وقال محمد بن حمزة: لما انتهى موسى إلى البحر، دعا، فقال: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، وذلك قوله تعالى: { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } أي: القلزم، أو النيل، { فانفلق } أي: فضرب فانفلق وانشق فصار اثني عشر فرقا على عدد الأسباط. { فكان كل فرق } أي: جزء من الماء { كالطود }: كالجبل المنطاد في السماء { العظيم } ، وبين تلك الجبال من الماء مسالك، بأن صار الماء مكفوفا كالجامد، وما بينها يبس، فدخل كل سبط في شعب منها. { وأزلفنا } أي: قربنا { ثم الآخرين } أي: فرعون وقومه، حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم، { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } من الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة، حتى عبروه، { ثم أغرقنا الآخرين } بإطباقه عليهم. قال النسفي: وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك، على اختلاف طوالعهم. روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول: رويدكم، ليلحق آخركم. ه. { إن في ذلك لآية } أي: في جميع ما فصل مما صدر عن موسى عليه السلام، وما ظهر على يديه من المعجزات القاهرة، وفيما فعل فرعون وقومه من الأفعال والأقوال، وما فعل بهم من العذاب والنكال، لعبرة عظيمة، لا تكاد توصف، موجبة لأن يعتبر المعتبرون، ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن موسى عليه السلام، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ويجتنبوا تعاطي ما كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول، فيؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله، كي لا يحل بهم ما حل بأولئك، أو: إن فيما فصل من القصة من حيث حكايته عليه السلام إياها على ما هي عليه، من غير أن يسمعها من أحد، لآية عظيمة دالة على ان ذلك بطريق الوحي الصادق، موجبة للإيمان بالله تعالى، وتصديق من جاء بها وطاعته.
{ وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما كان اكثر هؤلاء المكذبين الذين سمعوا قصصهم منه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين، فلم يقيسوا حاله صلى الله عليه وسلم بحال موسى، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ولم يتدبروا في حكايته صلى الله عليه وسلم لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد، مع كونه أميا لا يقرأ، وكل من الطريقين مما يؤدي إلى الإيمان، قطعا لانهماكهم في الغفلة، فكان على هذا، زائدة، كما هو رأي سيبوبه، فيكون قوله تعالى:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] وهو إخبار منه تعالى بعدم إيمانهم في المستقبل، أو: وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين بموسى عليه السلام، قال مقاتل: لم يؤمن من أهل مصر غير رجل وامرأتين حزيقل المؤمن من آل فرعون، وآسية امرأة فرعون، ومريم بنت ياموشى، التي دلت على عظام يوسف. ه. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من المكذبين، { الرحيم } البالغ في الرحمة، ولذلك أمهلهم ولم يعاجل عقوبتهم، أو: العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. جعلنا الله من خاصتهم بمنه وكرمه، آمين. الإشارة: قوله تعالى: { إن معي ربي سيهدين }: اعلم أن المعية تختلف باختلاف المقام، فالمعية، باعتبار عامة الخلق، تكون بالإحاطة والقهرية والعلم والإقتدار، وباعتبار الخاصة تكون بالحفظ والرعاية والنصر والمعونة. فمن تحقق أن الله معه بعلمه وحفظه ورعايته اكتفى بعلمه، وفوض الأمر إلى سيده، وكلما قوي التفويض والتسليم دل على رفع المقام، ولذلك فضل ما حكاه الحق تعالى عن حبيبه بقوله:
إن الله معنا
[التوبة: 40]، على ما حكى عن كليمه بزيادة قوله: { سيهدين } فتأمل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة إبراهيم لما فيها من الرد على أهل الشرك تقبيحا لما عليه قريش والعرب مع كونهم من ذريته، فقال: { واتل عليهم... }
الشعراء 26:63
يقول الحق جل جلاله: { فأتبعوهم } أي: فأتبع فرعون وقومه بني إسرائيل، أي: لحقوا بهم، وقرئ بشد التاء، على الأصل، { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس، أي: طلوعها، { فلما تراءى الجمعان } أي: تقابلا، بحيث يرى كل فريق صاحبه، أي: بنو إسرائيل والقبط، { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أي: قرب أن يلحقنا عدونا، وأمامنا البحر، { قال } موسى عليه السلام ثقة بوعد ربه: { كلا } ارتدعوا عن سوء الظن بالله، فلن يدرككم أبدا، { إن معي ربي سيهدين } أي: سيهديني طريق النجاة منهم. روي أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع عليه السلام: يا كليم الله، أين أمرت، فقد غشينا فرعون، والبحر أمامنا؟ قال عليه السلام: ها هنا، فخاض يوشع الماء، وضرب موسى بعصاه البحر، فكان ما كان، وقال الذي كان يكتم إيمانه يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: ها هنا. فكبح فرسه بلجامه، ثم أقحمه البحر، فرسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع؟ فأوحى الله إليه: { أن اضرب بعصاك البحر } ، فضربه، فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه، لم يبتل لبده ولا سرجه. وقال محمد بن حمزة: لما انتهى موسى إلى البحر، دعا، فقال: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، وذلك قوله تعالى: { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } أي: القلزم، أو النيل، { فانفلق } أي: فضرب فانفلق وانشق فصار اثني عشر فرقا على عدد الأسباط. { فكان كل فرق } أي: جزء من الماء { كالطود }: كالجبل المنطاد في السماء { العظيم } ، وبين تلك الجبال من الماء مسالك، بأن صار الماء مكفوفا كالجامد، وما بينها يبس، فدخل كل سبط في شعب منها. { وأزلفنا } أي: قربنا { ثم الآخرين } أي: فرعون وقومه، حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم، { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } من الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة، حتى عبروه، { ثم أغرقنا الآخرين } بإطباقه عليهم. قال النسفي: وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك، على اختلاف طوالعهم. روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول: رويدكم، ليلحق آخركم. ه. { إن في ذلك لآية } أي: في جميع ما فصل مما صدر عن موسى عليه السلام، وما ظهر على يديه من المعجزات القاهرة، وفيما فعل فرعون وقومه من الأفعال والأقوال، وما فعل بهم من العذاب والنكال، لعبرة عظيمة، لا تكاد توصف، موجبة لأن يعتبر المعتبرون، ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن موسى عليه السلام، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ويجتنبوا تعاطي ما كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول، فيؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله، كي لا يحل بهم ما حل بأولئك، أو: إن فيما فصل من القصة من حيث حكايته عليه السلام إياها على ما هي عليه، من غير أن يسمعها من أحد، لآية عظيمة دالة على ان ذلك بطريق الوحي الصادق، موجبة للإيمان بالله تعالى، وتصديق من جاء بها وطاعته.
{ وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما كان اكثر هؤلاء المكذبين الذين سمعوا قصصهم منه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين، فلم يقيسوا حاله صلى الله عليه وسلم بحال موسى، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ولم يتدبروا في حكايته صلى الله عليه وسلم لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد، مع كونه أميا لا يقرأ، وكل من الطريقين مما يؤدي إلى الإيمان، قطعا لانهماكهم في الغفلة، فكان على هذا، زائدة، كما هو رأي سيبوبه، فيكون قوله تعالى:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] وهو إخبار منه تعالى بعدم إيمانهم في المستقبل، أو: وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين بموسى عليه السلام، قال مقاتل: لم يؤمن من أهل مصر غير رجل وامرأتين حزيقل المؤمن من آل فرعون، وآسية امرأة فرعون، ومريم بنت ياموشى، التي دلت على عظام يوسف. ه. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من المكذبين، { الرحيم } البالغ في الرحمة، ولذلك أمهلهم ولم يعاجل عقوبتهم، أو: العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. جعلنا الله من خاصتهم بمنه وكرمه، آمين. الإشارة: قوله تعالى: { إن معي ربي سيهدين }: اعلم أن المعية تختلف باختلاف المقام، فالمعية، باعتبار عامة الخلق، تكون بالإحاطة والقهرية والعلم والإقتدار، وباعتبار الخاصة تكون بالحفظ والرعاية والنصر والمعونة. فمن تحقق أن الله معه بعلمه وحفظه ورعايته اكتفى بعلمه، وفوض الأمر إلى سيده، وكلما قوي التفويض والتسليم دل على رفع المقام، ولذلك فضل ما حكاه الحق تعالى عن حبيبه بقوله:
إن الله معنا
[التوبة: 40]، على ما حكى عن كليمه بزيادة قوله: { سيهدين } فتأمل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة إبراهيم لما فيها من الرد على أهل الشرك تقبيحا لما عليه قريش والعرب مع كونهم من ذريته، فقال: { واتل عليهم... }
الشعراء 26:64
يقول الحق جل جلاله: { فأتبعوهم } أي: فأتبع فرعون وقومه بني إسرائيل، أي: لحقوا بهم، وقرئ بشد التاء، على الأصل، { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس، أي: طلوعها، { فلما تراءى الجمعان } أي: تقابلا، بحيث يرى كل فريق صاحبه، أي: بنو إسرائيل والقبط، { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أي: قرب أن يلحقنا عدونا، وأمامنا البحر، { قال } موسى عليه السلام ثقة بوعد ربه: { كلا } ارتدعوا عن سوء الظن بالله، فلن يدرككم أبدا، { إن معي ربي سيهدين } أي: سيهديني طريق النجاة منهم. روي أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع عليه السلام: يا كليم الله، أين أمرت، فقد غشينا فرعون، والبحر أمامنا؟ قال عليه السلام: ها هنا، فخاض يوشع الماء، وضرب موسى بعصاه البحر، فكان ما كان، وقال الذي كان يكتم إيمانه يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: ها هنا. فكبح فرسه بلجامه، ثم أقحمه البحر، فرسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع؟ فأوحى الله إليه: { أن اضرب بعصاك البحر } ، فضربه، فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه، لم يبتل لبده ولا سرجه. وقال محمد بن حمزة: لما انتهى موسى إلى البحر، دعا، فقال: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، وذلك قوله تعالى: { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } أي: القلزم، أو النيل، { فانفلق } أي: فضرب فانفلق وانشق فصار اثني عشر فرقا على عدد الأسباط. { فكان كل فرق } أي: جزء من الماء { كالطود }: كالجبل المنطاد في السماء { العظيم } ، وبين تلك الجبال من الماء مسالك، بأن صار الماء مكفوفا كالجامد، وما بينها يبس، فدخل كل سبط في شعب منها. { وأزلفنا } أي: قربنا { ثم الآخرين } أي: فرعون وقومه، حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم، { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } من الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة، حتى عبروه، { ثم أغرقنا الآخرين } بإطباقه عليهم. قال النسفي: وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك، على اختلاف طوالعهم. روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول: رويدكم، ليلحق آخركم. ه. { إن في ذلك لآية } أي: في جميع ما فصل مما صدر عن موسى عليه السلام، وما ظهر على يديه من المعجزات القاهرة، وفيما فعل فرعون وقومه من الأفعال والأقوال، وما فعل بهم من العذاب والنكال، لعبرة عظيمة، لا تكاد توصف، موجبة لأن يعتبر المعتبرون، ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن موسى عليه السلام، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ويجتنبوا تعاطي ما كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول، فيؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله، كي لا يحل بهم ما حل بأولئك، أو: إن فيما فصل من القصة من حيث حكايته عليه السلام إياها على ما هي عليه، من غير أن يسمعها من أحد، لآية عظيمة دالة على ان ذلك بطريق الوحي الصادق، موجبة للإيمان بالله تعالى، وتصديق من جاء بها وطاعته.
{ وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما كان اكثر هؤلاء المكذبين الذين سمعوا قصصهم منه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين، فلم يقيسوا حاله صلى الله عليه وسلم بحال موسى، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ولم يتدبروا في حكايته صلى الله عليه وسلم لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد، مع كونه أميا لا يقرأ، وكل من الطريقين مما يؤدي إلى الإيمان، قطعا لانهماكهم في الغفلة، فكان على هذا، زائدة، كما هو رأي سيبوبه، فيكون قوله تعالى:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] وهو إخبار منه تعالى بعدم إيمانهم في المستقبل، أو: وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين بموسى عليه السلام، قال مقاتل: لم يؤمن من أهل مصر غير رجل وامرأتين حزيقل المؤمن من آل فرعون، وآسية امرأة فرعون، ومريم بنت ياموشى، التي دلت على عظام يوسف. ه. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من المكذبين، { الرحيم } البالغ في الرحمة، ولذلك أمهلهم ولم يعاجل عقوبتهم، أو: العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. جعلنا الله من خاصتهم بمنه وكرمه، آمين. الإشارة: قوله تعالى: { إن معي ربي سيهدين }: اعلم أن المعية تختلف باختلاف المقام، فالمعية، باعتبار عامة الخلق، تكون بالإحاطة والقهرية والعلم والإقتدار، وباعتبار الخاصة تكون بالحفظ والرعاية والنصر والمعونة. فمن تحقق أن الله معه بعلمه وحفظه ورعايته اكتفى بعلمه، وفوض الأمر إلى سيده، وكلما قوي التفويض والتسليم دل على رفع المقام، ولذلك فضل ما حكاه الحق تعالى عن حبيبه بقوله:
إن الله معنا
[التوبة: 40]، على ما حكى عن كليمه بزيادة قوله: { سيهدين } فتأمل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة إبراهيم لما فيها من الرد على أهل الشرك تقبيحا لما عليه قريش والعرب مع كونهم من ذريته، فقال: { واتل عليهم... }
الشعراء 26:65
يقول الحق جل جلاله: { فأتبعوهم } أي: فأتبع فرعون وقومه بني إسرائيل، أي: لحقوا بهم، وقرئ بشد التاء، على الأصل، { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس، أي: طلوعها، { فلما تراءى الجمعان } أي: تقابلا، بحيث يرى كل فريق صاحبه، أي: بنو إسرائيل والقبط، { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أي: قرب أن يلحقنا عدونا، وأمامنا البحر، { قال } موسى عليه السلام ثقة بوعد ربه: { كلا } ارتدعوا عن سوء الظن بالله، فلن يدرككم أبدا، { إن معي ربي سيهدين } أي: سيهديني طريق النجاة منهم. روي أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع عليه السلام: يا كليم الله، أين أمرت، فقد غشينا فرعون، والبحر أمامنا؟ قال عليه السلام: ها هنا، فخاض يوشع الماء، وضرب موسى بعصاه البحر، فكان ما كان، وقال الذي كان يكتم إيمانه يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: ها هنا. فكبح فرسه بلجامه، ثم أقحمه البحر، فرسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع؟ فأوحى الله إليه: { أن اضرب بعصاك البحر } ، فضربه، فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه، لم يبتل لبده ولا سرجه. وقال محمد بن حمزة: لما انتهى موسى إلى البحر، دعا، فقال: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، وذلك قوله تعالى: { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } أي: القلزم، أو النيل، { فانفلق } أي: فضرب فانفلق وانشق فصار اثني عشر فرقا على عدد الأسباط. { فكان كل فرق } أي: جزء من الماء { كالطود }: كالجبل المنطاد في السماء { العظيم } ، وبين تلك الجبال من الماء مسالك، بأن صار الماء مكفوفا كالجامد، وما بينها يبس، فدخل كل سبط في شعب منها. { وأزلفنا } أي: قربنا { ثم الآخرين } أي: فرعون وقومه، حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم، { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } من الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة، حتى عبروه، { ثم أغرقنا الآخرين } بإطباقه عليهم. قال النسفي: وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك، على اختلاف طوالعهم. روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول: رويدكم، ليلحق آخركم. ه. { إن في ذلك لآية } أي: في جميع ما فصل مما صدر عن موسى عليه السلام، وما ظهر على يديه من المعجزات القاهرة، وفيما فعل فرعون وقومه من الأفعال والأقوال، وما فعل بهم من العذاب والنكال، لعبرة عظيمة، لا تكاد توصف، موجبة لأن يعتبر المعتبرون، ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن موسى عليه السلام، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ويجتنبوا تعاطي ما كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول، فيؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله، كي لا يحل بهم ما حل بأولئك، أو: إن فيما فصل من القصة من حيث حكايته عليه السلام إياها على ما هي عليه، من غير أن يسمعها من أحد، لآية عظيمة دالة على ان ذلك بطريق الوحي الصادق، موجبة للإيمان بالله تعالى، وتصديق من جاء بها وطاعته.
{ وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما كان اكثر هؤلاء المكذبين الذين سمعوا قصصهم منه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين، فلم يقيسوا حاله صلى الله عليه وسلم بحال موسى، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ولم يتدبروا في حكايته صلى الله عليه وسلم لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد، مع كونه أميا لا يقرأ، وكل من الطريقين مما يؤدي إلى الإيمان، قطعا لانهماكهم في الغفلة، فكان على هذا، زائدة، كما هو رأي سيبوبه، فيكون قوله تعالى:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] وهو إخبار منه تعالى بعدم إيمانهم في المستقبل، أو: وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين بموسى عليه السلام، قال مقاتل: لم يؤمن من أهل مصر غير رجل وامرأتين حزيقل المؤمن من آل فرعون، وآسية امرأة فرعون، ومريم بنت ياموشى، التي دلت على عظام يوسف. ه. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من المكذبين، { الرحيم } البالغ في الرحمة، ولذلك أمهلهم ولم يعاجل عقوبتهم، أو: العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. جعلنا الله من خاصتهم بمنه وكرمه، آمين. الإشارة: قوله تعالى: { إن معي ربي سيهدين }: اعلم أن المعية تختلف باختلاف المقام، فالمعية، باعتبار عامة الخلق، تكون بالإحاطة والقهرية والعلم والإقتدار، وباعتبار الخاصة تكون بالحفظ والرعاية والنصر والمعونة. فمن تحقق أن الله معه بعلمه وحفظه ورعايته اكتفى بعلمه، وفوض الأمر إلى سيده، وكلما قوي التفويض والتسليم دل على رفع المقام، ولذلك فضل ما حكاه الحق تعالى عن حبيبه بقوله:
إن الله معنا
[التوبة: 40]، على ما حكى عن كليمه بزيادة قوله: { سيهدين } فتأمل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة إبراهيم لما فيها من الرد على أهل الشرك تقبيحا لما عليه قريش والعرب مع كونهم من ذريته، فقال: { واتل عليهم... }
الشعراء 26:66
يقول الحق جل جلاله: { فأتبعوهم } أي: فأتبع فرعون وقومه بني إسرائيل، أي: لحقوا بهم، وقرئ بشد التاء، على الأصل، { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس، أي: طلوعها، { فلما تراءى الجمعان } أي: تقابلا، بحيث يرى كل فريق صاحبه، أي: بنو إسرائيل والقبط، { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أي: قرب أن يلحقنا عدونا، وأمامنا البحر، { قال } موسى عليه السلام ثقة بوعد ربه: { كلا } ارتدعوا عن سوء الظن بالله، فلن يدرككم أبدا، { إن معي ربي سيهدين } أي: سيهديني طريق النجاة منهم. روي أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع عليه السلام: يا كليم الله، أين أمرت، فقد غشينا فرعون، والبحر أمامنا؟ قال عليه السلام: ها هنا، فخاض يوشع الماء، وضرب موسى بعصاه البحر، فكان ما كان، وقال الذي كان يكتم إيمانه يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: ها هنا. فكبح فرسه بلجامه، ثم أقحمه البحر، فرسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع؟ فأوحى الله إليه: { أن اضرب بعصاك البحر } ، فضربه، فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه، لم يبتل لبده ولا سرجه. وقال محمد بن حمزة: لما انتهى موسى إلى البحر، دعا، فقال: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، وذلك قوله تعالى: { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } أي: القلزم، أو النيل، { فانفلق } أي: فضرب فانفلق وانشق فصار اثني عشر فرقا على عدد الأسباط. { فكان كل فرق } أي: جزء من الماء { كالطود }: كالجبل المنطاد في السماء { العظيم } ، وبين تلك الجبال من الماء مسالك، بأن صار الماء مكفوفا كالجامد، وما بينها يبس، فدخل كل سبط في شعب منها. { وأزلفنا } أي: قربنا { ثم الآخرين } أي: فرعون وقومه، حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم، { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } من الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة، حتى عبروه، { ثم أغرقنا الآخرين } بإطباقه عليهم. قال النسفي: وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك، على اختلاف طوالعهم. روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول: رويدكم، ليلحق آخركم. ه. { إن في ذلك لآية } أي: في جميع ما فصل مما صدر عن موسى عليه السلام، وما ظهر على يديه من المعجزات القاهرة، وفيما فعل فرعون وقومه من الأفعال والأقوال، وما فعل بهم من العذاب والنكال، لعبرة عظيمة، لا تكاد توصف، موجبة لأن يعتبر المعتبرون، ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن موسى عليه السلام، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ويجتنبوا تعاطي ما كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول، فيؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله، كي لا يحل بهم ما حل بأولئك، أو: إن فيما فصل من القصة من حيث حكايته عليه السلام إياها على ما هي عليه، من غير أن يسمعها من أحد، لآية عظيمة دالة على ان ذلك بطريق الوحي الصادق، موجبة للإيمان بالله تعالى، وتصديق من جاء بها وطاعته.
{ وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما كان اكثر هؤلاء المكذبين الذين سمعوا قصصهم منه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين، فلم يقيسوا حاله صلى الله عليه وسلم بحال موسى، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ولم يتدبروا في حكايته صلى الله عليه وسلم لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد، مع كونه أميا لا يقرأ، وكل من الطريقين مما يؤدي إلى الإيمان، قطعا لانهماكهم في الغفلة، فكان على هذا، زائدة، كما هو رأي سيبوبه، فيكون قوله تعالى:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] وهو إخبار منه تعالى بعدم إيمانهم في المستقبل، أو: وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين بموسى عليه السلام، قال مقاتل: لم يؤمن من أهل مصر غير رجل وامرأتين حزيقل المؤمن من آل فرعون، وآسية امرأة فرعون، ومريم بنت ياموشى، التي دلت على عظام يوسف. ه. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من المكذبين، { الرحيم } البالغ في الرحمة، ولذلك أمهلهم ولم يعاجل عقوبتهم، أو: العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. جعلنا الله من خاصتهم بمنه وكرمه، آمين. الإشارة: قوله تعالى: { إن معي ربي سيهدين }: اعلم أن المعية تختلف باختلاف المقام، فالمعية، باعتبار عامة الخلق، تكون بالإحاطة والقهرية والعلم والإقتدار، وباعتبار الخاصة تكون بالحفظ والرعاية والنصر والمعونة. فمن تحقق أن الله معه بعلمه وحفظه ورعايته اكتفى بعلمه، وفوض الأمر إلى سيده، وكلما قوي التفويض والتسليم دل على رفع المقام، ولذلك فضل ما حكاه الحق تعالى عن حبيبه بقوله:
إن الله معنا
[التوبة: 40]، على ما حكى عن كليمه بزيادة قوله: { سيهدين } فتأمل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة إبراهيم لما فيها من الرد على أهل الشرك تقبيحا لما عليه قريش والعرب مع كونهم من ذريته، فقال: { واتل عليهم... }
الشعراء 26:67
يقول الحق جل جلاله: { فأتبعوهم } أي: فأتبع فرعون وقومه بني إسرائيل، أي: لحقوا بهم، وقرئ بشد التاء، على الأصل، { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس، أي: طلوعها، { فلما تراءى الجمعان } أي: تقابلا، بحيث يرى كل فريق صاحبه، أي: بنو إسرائيل والقبط، { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أي: قرب أن يلحقنا عدونا، وأمامنا البحر، { قال } موسى عليه السلام ثقة بوعد ربه: { كلا } ارتدعوا عن سوء الظن بالله، فلن يدرككم أبدا، { إن معي ربي سيهدين } أي: سيهديني طريق النجاة منهم. روي أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع عليه السلام: يا كليم الله، أين أمرت، فقد غشينا فرعون، والبحر أمامنا؟ قال عليه السلام: ها هنا، فخاض يوشع الماء، وضرب موسى بعصاه البحر، فكان ما كان، وقال الذي كان يكتم إيمانه يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: ها هنا. فكبح فرسه بلجامه، ثم أقحمه البحر، فرسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع؟ فأوحى الله إليه: { أن اضرب بعصاك البحر } ، فضربه، فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه، لم يبتل لبده ولا سرجه. وقال محمد بن حمزة: لما انتهى موسى إلى البحر، دعا، فقال: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، وذلك قوله تعالى: { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } أي: القلزم، أو النيل، { فانفلق } أي: فضرب فانفلق وانشق فصار اثني عشر فرقا على عدد الأسباط. { فكان كل فرق } أي: جزء من الماء { كالطود }: كالجبل المنطاد في السماء { العظيم } ، وبين تلك الجبال من الماء مسالك، بأن صار الماء مكفوفا كالجامد، وما بينها يبس، فدخل كل سبط في شعب منها. { وأزلفنا } أي: قربنا { ثم الآخرين } أي: فرعون وقومه، حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم، { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } من الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة، حتى عبروه، { ثم أغرقنا الآخرين } بإطباقه عليهم. قال النسفي: وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك، على اختلاف طوالعهم. روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول: رويدكم، ليلحق آخركم. ه. { إن في ذلك لآية } أي: في جميع ما فصل مما صدر عن موسى عليه السلام، وما ظهر على يديه من المعجزات القاهرة، وفيما فعل فرعون وقومه من الأفعال والأقوال، وما فعل بهم من العذاب والنكال، لعبرة عظيمة، لا تكاد توصف، موجبة لأن يعتبر المعتبرون، ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن موسى عليه السلام، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ويجتنبوا تعاطي ما كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول، فيؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله، كي لا يحل بهم ما حل بأولئك، أو: إن فيما فصل من القصة من حيث حكايته عليه السلام إياها على ما هي عليه، من غير أن يسمعها من أحد، لآية عظيمة دالة على ان ذلك بطريق الوحي الصادق، موجبة للإيمان بالله تعالى، وتصديق من جاء بها وطاعته.
{ وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما كان اكثر هؤلاء المكذبين الذين سمعوا قصصهم منه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين، فلم يقيسوا حاله صلى الله عليه وسلم بحال موسى، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ولم يتدبروا في حكايته صلى الله عليه وسلم لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد، مع كونه أميا لا يقرأ، وكل من الطريقين مما يؤدي إلى الإيمان، قطعا لانهماكهم في الغفلة، فكان على هذا، زائدة، كما هو رأي سيبوبه، فيكون قوله تعالى:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] وهو إخبار منه تعالى بعدم إيمانهم في المستقبل، أو: وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين بموسى عليه السلام، قال مقاتل: لم يؤمن من أهل مصر غير رجل وامرأتين حزيقل المؤمن من آل فرعون، وآسية امرأة فرعون، ومريم بنت ياموشى، التي دلت على عظام يوسف. ه. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من المكذبين، { الرحيم } البالغ في الرحمة، ولذلك أمهلهم ولم يعاجل عقوبتهم، أو: العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. جعلنا الله من خاصتهم بمنه وكرمه، آمين. الإشارة: قوله تعالى: { إن معي ربي سيهدين }: اعلم أن المعية تختلف باختلاف المقام، فالمعية، باعتبار عامة الخلق، تكون بالإحاطة والقهرية والعلم والإقتدار، وباعتبار الخاصة تكون بالحفظ والرعاية والنصر والمعونة. فمن تحقق أن الله معه بعلمه وحفظه ورعايته اكتفى بعلمه، وفوض الأمر إلى سيده، وكلما قوي التفويض والتسليم دل على رفع المقام، ولذلك فضل ما حكاه الحق تعالى عن حبيبه بقوله:
إن الله معنا
[التوبة: 40]، على ما حكى عن كليمه بزيادة قوله: { سيهدين } فتأمل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة إبراهيم لما فيها من الرد على أهل الشرك تقبيحا لما عليه قريش والعرب مع كونهم من ذريته، فقال: { واتل عليهم... }
الشعراء 26:68
يقول الحق جل جلاله: { فأتبعوهم } أي: فأتبع فرعون وقومه بني إسرائيل، أي: لحقوا بهم، وقرئ بشد التاء، على الأصل، { مشرقين } داخلين في وقت شروق الشمس، أي: طلوعها، { فلما تراءى الجمعان } أي: تقابلا، بحيث يرى كل فريق صاحبه، أي: بنو إسرائيل والقبط، { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أي: قرب أن يلحقنا عدونا، وأمامنا البحر، { قال } موسى عليه السلام ثقة بوعد ربه: { كلا } ارتدعوا عن سوء الظن بالله، فلن يدرككم أبدا، { إن معي ربي سيهدين } أي: سيهديني طريق النجاة منهم. روي أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع عليه السلام: يا كليم الله، أين أمرت، فقد غشينا فرعون، والبحر أمامنا؟ قال عليه السلام: ها هنا، فخاض يوشع الماء، وضرب موسى بعصاه البحر، فكان ما كان، وقال الذي كان يكتم إيمانه يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: ها هنا. فكبح فرسه بلجامه، ثم أقحمه البحر، فرسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع؟ فأوحى الله إليه: { أن اضرب بعصاك البحر } ، فضربه، فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه، لم يبتل لبده ولا سرجه. وقال محمد بن حمزة: لما انتهى موسى إلى البحر، دعا، فقال: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، وذلك قوله تعالى: { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر } أي: القلزم، أو النيل، { فانفلق } أي: فضرب فانفلق وانشق فصار اثني عشر فرقا على عدد الأسباط. { فكان كل فرق } أي: جزء من الماء { كالطود }: كالجبل المنطاد في السماء { العظيم } ، وبين تلك الجبال من الماء مسالك، بأن صار الماء مكفوفا كالجامد، وما بينها يبس، فدخل كل سبط في شعب منها. { وأزلفنا } أي: قربنا { ثم الآخرين } أي: فرعون وقومه، حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم، { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } من الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة، حتى عبروه، { ثم أغرقنا الآخرين } بإطباقه عليهم. قال النسفي: وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك، على اختلاف طوالعهم. روي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول: رويدكم، ليلحق آخركم. ه. { إن في ذلك لآية } أي: في جميع ما فصل مما صدر عن موسى عليه السلام، وما ظهر على يديه من المعجزات القاهرة، وفيما فعل فرعون وقومه من الأفعال والأقوال، وما فعل بهم من العذاب والنكال، لعبرة عظيمة، لا تكاد توصف، موجبة لأن يعتبر المعتبرون، ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن موسى عليه السلام، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ويجتنبوا تعاطي ما كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول، فيؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله، كي لا يحل بهم ما حل بأولئك، أو: إن فيما فصل من القصة من حيث حكايته عليه السلام إياها على ما هي عليه، من غير أن يسمعها من أحد، لآية عظيمة دالة على ان ذلك بطريق الوحي الصادق، موجبة للإيمان بالله تعالى، وتصديق من جاء بها وطاعته.
{ وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما كان اكثر هؤلاء المكذبين الذين سمعوا قصصهم منه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين، فلم يقيسوا حاله صلى الله عليه وسلم بحال موسى، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين، ولم يتدبروا في حكايته صلى الله عليه وسلم لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد، مع كونه أميا لا يقرأ، وكل من الطريقين مما يؤدي إلى الإيمان، قطعا لانهماكهم في الغفلة، فكان على هذا، زائدة، كما هو رأي سيبوبه، فيكون قوله تعالى:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] وهو إخبار منه تعالى بعدم إيمانهم في المستقبل، أو: وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين بموسى عليه السلام، قال مقاتل: لم يؤمن من أهل مصر غير رجل وامرأتين حزيقل المؤمن من آل فرعون، وآسية امرأة فرعون، ومريم بنت ياموشى، التي دلت على عظام يوسف. ه. { وإن ربك لهو العزيز } الغالب على كل ما يريد من الأمور، التي من جملتها: الانتقام من المكذبين، { الرحيم } البالغ في الرحمة، ولذلك أمهلهم ولم يعاجل عقوبتهم، أو: العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. جعلنا الله من خاصتهم بمنه وكرمه، آمين. الإشارة: قوله تعالى: { إن معي ربي سيهدين }: اعلم أن المعية تختلف باختلاف المقام، فالمعية، باعتبار عامة الخلق، تكون بالإحاطة والقهرية والعلم والإقتدار، وباعتبار الخاصة تكون بالحفظ والرعاية والنصر والمعونة. فمن تحقق أن الله معه بعلمه وحفظه ورعايته اكتفى بعلمه، وفوض الأمر إلى سيده، وكلما قوي التفويض والتسليم دل على رفع المقام، ولذلك فضل ما حكاه الحق تعالى عن حبيبه بقوله:
إن الله معنا
[التوبة: 40]، على ما حكى عن كليمه بزيادة قوله: { سيهدين } فتأمل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة إبراهيم لما فيها من الرد على أهل الشرك تقبيحا لما عليه قريش والعرب مع كونهم من ذريته، فقال: { واتل عليهم... }
الشعراء 26:69
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:70
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:71
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:72
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:73
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:74
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:75
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:76
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:77
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:78
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:79
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:80
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:81
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:82
يقول الحق جل جلاله: { واتل عليهم } أي: على المشركين { نبأ إبراهيم } أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصة إلا في هذه تفخيما لشأنه، وتعظيما لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. { إذ قال } أي: وقت قوله { لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: أي شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة الأصنام، لكنه سألهم ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، { قالوا نعبد أصناما } ، وجواب { ما تعبدون }: هو قولهم: { أصناما } لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى:
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو
[البقرة: 219]، وكقوله تعالى:
ماذا قال ربكم قالوا الحق
[سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، { فنظل لها عاكفين } أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: { فنظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. { قال } إبراهيم عليه السلام: { هل يسمعونكم إذ تدعون } أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، { أو ينفعونكم } إن عبدتموها، { أو يضرون } أو يضرونكم إن تركتم عبادتها إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. { قال } إبراهيم: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون { أنتم وآباؤكم الأقدمون } حق الإبصار، أو حق العلم، { فإنهم عدو لي } أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله:
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا
[مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة لأنه فعول، كصبور. وفي قوله: { عدو لي } ، دون " لكم " زيادة نصح، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، { إلا رب العالمين }: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزجاج أن يكون متصلا، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عبد الله تعالى، وهم أيضا كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الرب تعالى قوله: { الذي خلقني } بالتكوين في القرار المكين، { فهو يهدين } وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلته.
ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو ليخصه به تعالى. { والذي هو يطعمني } لا غيره، أصناف الإطعام إلى مولي الإنعام لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام. { و } هو أيضا الذي { يسقين } أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. { وإذا مرضت فهو يشفين }: عطف على { يطعمني ويسقين } ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالبا. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولما كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. ه. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79]،
فأراد ربك أن يبلغا أشدهما
[الكهف: 82]. { والذي يميتني ثم يحيين } ، ولم يقل: وإذا مت لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضا: الموت والإحياء من كمال الكمال لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. { والذي أطمع أن يغفر لي } أي: في مغفرته لي { خطيئتي يوم الدين } ، ذكره عليه السلام هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. ه. وقيل: أشار إلى قوله:
إني سقيم
[الصافات: 89]
فعله كبيرهم هذا
[الأنبياء: 63] وقوله في سارة: " هي أختي " حذرا من الجبار. وفيه نظر لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها إنما يظهر يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا، فتنبذ جميع الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها.
أو: إذا مرضت برؤية السوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال:
شراب المحبة خير الشراب وكل شراب سواه سراب
وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شرابا، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ه. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه.
فلم تهوني ما لم تكن في فانيا ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
وقال الجنيد رضي الله عنه: يحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة. ه. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل:
" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ".
قال أبو الوراق في قوله تعالى: { الذي هو يطعمني ويسقين } أي: يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ، فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. ه. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتا، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما، ولم يشك أنه مات، فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. ه. ومكث سفيان الثوري بمكة دهرا، وكان يسف من السبت إلى السبت كفا من الرمل. ه. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: { رب هب لي حكما... }
الشعراء 26:83
يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السلام: { رب هب لي حكما } أي: حكمة، أو حكما بين الناس، أو نبوة لأن النبي ذو حكم بين عباد الله. { وألحقني بالصالحين } أي: الأنبياء، الذين صلحوا لحمل أعباء النبوة والرسالة، وصلحت سرائرهم للحضرة، ولقد أجابه بقوله: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين }. { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي: ثناء حسنا، وذكرا جميلا في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطي ذلك، فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه، ووضع اللسان موضع القول لأن القول يكون به. أو: واجعلني على طريق قويم، وحال مرضي، يقتدى بي فيهما، ويحمد أثري بعد موتي، كما قيل:
موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقد تحقق له جميع ذلك، وخصوصا في هذه الأمة، حتى أنه مذكور ومقرون في كل صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: سأل أن يجعله صالحا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن كاذبا. وقيل: سأل الإمامة في التوحيد والدين، وقد أجيب بقوله:
إنى جاعلك للناس إماما
[البقرة: 124]. { واجعلني من ورثة جنة النعيم } أي: اجعلني وارثا من ورثة جنة النعيم، أي: الباقين فيها، { واغفر لأبي } ، أي: اجعله أهلا للمغفرة، بإعطاء الإسلام { إنه كان من الضالين }: الكافرين، أو: اغفر له على حاله. وكان قبل النهي. { ولا تخزني يوم يبعثون } أي: لا تهني يوم يبعثون. الضمير للعباد لأنه معلوم، أو: للضالين، أي: لا تخزني في أبي يوم البعث، وهذا من جملة الاستغفار لأبيه، وكان قبل النهي عنه، أي: لا تهني، { يوم لا ينفع مال ولا بنون } ، أي: لا ينفع فيه مال، وإن كان مصروفا في وجوه البر، ولا بنون، وإن كانوا صلحاء متأهلين للشفاعة، { إلا من أتى الله بقلب سليم } من الكفر والنفاق فإنه ينفعه ماله المصروف في طاعة الله، ويشفع فيه بنوه، إن تأهلوا للشفاعة، بأن أدبهم ودرجهم إلى اكتساب الكمالات والفضائل. وقال ابن المسيب: القلب السليم هو قلب المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض قال الله تعالى:
فى قلوبهم مرض
[البقرة: 10]. وقال أبو عثمان: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة. وقال الحسن بن الفضل: سليم من آفات المال، والبنين والله تعالى أعلم. الإشارة: قد استعمل إبراهيم عليه السلام الأدب، الذي هو عمدة الصوفية، حيث قدم الثناء قبل الطلب، وهو مأخوذ من ترتيب فاتحة الكتاب. وقوله تعالى: { رب هب لي حكما }: قال القشيري: أي: على نفسي أولا، فإن من لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره، { وألحقني بالصالحين } بالقيام بحقك، دون الرجوع إلى طلب الاستقلال لنفسي دون حقك. ه.
ومما اصطلحت عليه الصوفية أن الصالحين: من صلحت ظواهرهم، وتطهرت قلوبهم من الأمراض. وفوقهم الأولياء، وهم من كشف عنهم الحجاب، وأفضوا إلى الشهود والعيان، وفوقهم درجة النبوة والرسالة، فقول الخليل { وألحقني بالصالحين } ، وكذلك قال الصديق، هو تنزل وتواضع ليعرف جلالة قدر الصالحين، فما بالك بمن فوقهم! فهو كقول نبينا صلى الله عليه وسلم:
" اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين "
أي: اجعل المساكين هم قرابتي، المحدقون بي في المحشر، فقد عرف صلى الله عليه وسلم بفضيلة المساكين، وعظم جاههم، بطلبه أن يكونوا في كفالته، لا أنه في كفالتهم، وكذلك الخليل والصديق، عرفا بفضيلة الصالحين من أهل الإسلام، أو أنهما طلبا اللحوق بهم. وقوله تعالى: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } كل من اخلص وجهه لله، وتخلصت سريرته مما سوى الله، وكان إبراهيميا حنيفيا، جعل الله له لسان صدق فيمن يأتي بعده، وحسن الثناء عليه في حياته وبعد مماته، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السموات: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { واغفر لأبي... } إلخ. قال القشيري: هذا عند العلماء: إنما قاله قبل يأسه من إيمانه، وعن أهل الإشارة: ذكره في وقت غلبة البسط، وتجاوز ذلك عنه، وليس إجابة العبد واجبة عليه في كل شيء، وأكثر ما فيه: أنه لا يجيبه في ذلك، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدي إليه كل أحد. ه. قال المحشي: وينظر لما قاله العلماء، وبه الفتوى، قوله:
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه
[التوبة: 114]، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة، وتكلمه فيه بقوله: وأي خزي أعظم من كون أبي في النار... الحديث، وكذا قوله:
ومن عصاني فإنك غفور رحيم
[إبراهيم: 36]، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة، على سعة العلم، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أبي، وصلاته عليه، وانظر الطيبي في آية:
وسعت كل شيء رحمة وعلما
[غافر: 7]. ه. وقوله تعالى: { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، أظهر ما قيل في القلب السليم: أنه السالم من الشكوك والأوهام، والخواطر الردية، ومن الأمراض القلبية، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل، يخرجه من الأوصاف البشرية، إلى الأوصاف الروحانية، ويحققه بالحضرة القدسية، وإلا بقي مريضا، حتى يلقى الله بقلب سقيم. وفي الإحياء: السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا، والجود بالمال من عوارض الدنيا، فشرط القلب أن يكون سليما بينهما، أي: لا يكون ملتفتا إلى المال، ولا يكون حريصا على إمساكه ولا حريصا على إنفاقه فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك. وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعا. وقال الداراني: القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله تعالى. ه. وقال الجنيد رضي الله عنه: السليم في اللغة: اللديغ، فمعناه: كاللديغ من خوف الله تعالى. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر هول ذلك اليوم، فقال: { وأزلفت الجنة... }
الشعراء 26:84
يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السلام: { رب هب لي حكما } أي: حكمة، أو حكما بين الناس، أو نبوة لأن النبي ذو حكم بين عباد الله. { وألحقني بالصالحين } أي: الأنبياء، الذين صلحوا لحمل أعباء النبوة والرسالة، وصلحت سرائرهم للحضرة، ولقد أجابه بقوله: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين }. { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي: ثناء حسنا، وذكرا جميلا في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطي ذلك، فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه، ووضع اللسان موضع القول لأن القول يكون به. أو: واجعلني على طريق قويم، وحال مرضي، يقتدى بي فيهما، ويحمد أثري بعد موتي، كما قيل:
موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقد تحقق له جميع ذلك، وخصوصا في هذه الأمة، حتى أنه مذكور ومقرون في كل صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: سأل أن يجعله صالحا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن كاذبا. وقيل: سأل الإمامة في التوحيد والدين، وقد أجيب بقوله:
إنى جاعلك للناس إماما
[البقرة: 124]. { واجعلني من ورثة جنة النعيم } أي: اجعلني وارثا من ورثة جنة النعيم، أي: الباقين فيها، { واغفر لأبي } ، أي: اجعله أهلا للمغفرة، بإعطاء الإسلام { إنه كان من الضالين }: الكافرين، أو: اغفر له على حاله. وكان قبل النهي. { ولا تخزني يوم يبعثون } أي: لا تهني يوم يبعثون. الضمير للعباد لأنه معلوم، أو: للضالين، أي: لا تخزني في أبي يوم البعث، وهذا من جملة الاستغفار لأبيه، وكان قبل النهي عنه، أي: لا تهني، { يوم لا ينفع مال ولا بنون } ، أي: لا ينفع فيه مال، وإن كان مصروفا في وجوه البر، ولا بنون، وإن كانوا صلحاء متأهلين للشفاعة، { إلا من أتى الله بقلب سليم } من الكفر والنفاق فإنه ينفعه ماله المصروف في طاعة الله، ويشفع فيه بنوه، إن تأهلوا للشفاعة، بأن أدبهم ودرجهم إلى اكتساب الكمالات والفضائل. وقال ابن المسيب: القلب السليم هو قلب المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض قال الله تعالى:
فى قلوبهم مرض
[البقرة: 10]. وقال أبو عثمان: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة. وقال الحسن بن الفضل: سليم من آفات المال، والبنين والله تعالى أعلم. الإشارة: قد استعمل إبراهيم عليه السلام الأدب، الذي هو عمدة الصوفية، حيث قدم الثناء قبل الطلب، وهو مأخوذ من ترتيب فاتحة الكتاب. وقوله تعالى: { رب هب لي حكما }: قال القشيري: أي: على نفسي أولا، فإن من لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره، { وألحقني بالصالحين } بالقيام بحقك، دون الرجوع إلى طلب الاستقلال لنفسي دون حقك. ه.
ومما اصطلحت عليه الصوفية أن الصالحين: من صلحت ظواهرهم، وتطهرت قلوبهم من الأمراض. وفوقهم الأولياء، وهم من كشف عنهم الحجاب، وأفضوا إلى الشهود والعيان، وفوقهم درجة النبوة والرسالة، فقول الخليل { وألحقني بالصالحين } ، وكذلك قال الصديق، هو تنزل وتواضع ليعرف جلالة قدر الصالحين، فما بالك بمن فوقهم! فهو كقول نبينا صلى الله عليه وسلم:
" اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين "
أي: اجعل المساكين هم قرابتي، المحدقون بي في المحشر، فقد عرف صلى الله عليه وسلم بفضيلة المساكين، وعظم جاههم، بطلبه أن يكونوا في كفالته، لا أنه في كفالتهم، وكذلك الخليل والصديق، عرفا بفضيلة الصالحين من أهل الإسلام، أو أنهما طلبا اللحوق بهم. وقوله تعالى: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } كل من اخلص وجهه لله، وتخلصت سريرته مما سوى الله، وكان إبراهيميا حنيفيا، جعل الله له لسان صدق فيمن يأتي بعده، وحسن الثناء عليه في حياته وبعد مماته، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السموات: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { واغفر لأبي... } إلخ. قال القشيري: هذا عند العلماء: إنما قاله قبل يأسه من إيمانه، وعن أهل الإشارة: ذكره في وقت غلبة البسط، وتجاوز ذلك عنه، وليس إجابة العبد واجبة عليه في كل شيء، وأكثر ما فيه: أنه لا يجيبه في ذلك، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدي إليه كل أحد. ه. قال المحشي: وينظر لما قاله العلماء، وبه الفتوى، قوله:
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه
[التوبة: 114]، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة، وتكلمه فيه بقوله: وأي خزي أعظم من كون أبي في النار... الحديث، وكذا قوله:
ومن عصاني فإنك غفور رحيم
[إبراهيم: 36]، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة، على سعة العلم، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أبي، وصلاته عليه، وانظر الطيبي في آية:
وسعت كل شيء رحمة وعلما
[غافر: 7]. ه. وقوله تعالى: { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، أظهر ما قيل في القلب السليم: أنه السالم من الشكوك والأوهام، والخواطر الردية، ومن الأمراض القلبية، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل، يخرجه من الأوصاف البشرية، إلى الأوصاف الروحانية، ويحققه بالحضرة القدسية، وإلا بقي مريضا، حتى يلقى الله بقلب سقيم. وفي الإحياء: السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا، والجود بالمال من عوارض الدنيا، فشرط القلب أن يكون سليما بينهما، أي: لا يكون ملتفتا إلى المال، ولا يكون حريصا على إمساكه ولا حريصا على إنفاقه فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك. وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعا. وقال الداراني: القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله تعالى. ه. وقال الجنيد رضي الله عنه: السليم في اللغة: اللديغ، فمعناه: كاللديغ من خوف الله تعالى. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر هول ذلك اليوم، فقال: { وأزلفت الجنة... }
الشعراء 26:85
يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السلام: { رب هب لي حكما } أي: حكمة، أو حكما بين الناس، أو نبوة لأن النبي ذو حكم بين عباد الله. { وألحقني بالصالحين } أي: الأنبياء، الذين صلحوا لحمل أعباء النبوة والرسالة، وصلحت سرائرهم للحضرة، ولقد أجابه بقوله: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين }. { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي: ثناء حسنا، وذكرا جميلا في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطي ذلك، فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه، ووضع اللسان موضع القول لأن القول يكون به. أو: واجعلني على طريق قويم، وحال مرضي، يقتدى بي فيهما، ويحمد أثري بعد موتي، كما قيل:
موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقد تحقق له جميع ذلك، وخصوصا في هذه الأمة، حتى أنه مذكور ومقرون في كل صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: سأل أن يجعله صالحا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن كاذبا. وقيل: سأل الإمامة في التوحيد والدين، وقد أجيب بقوله:
إنى جاعلك للناس إماما
[البقرة: 124]. { واجعلني من ورثة جنة النعيم } أي: اجعلني وارثا من ورثة جنة النعيم، أي: الباقين فيها، { واغفر لأبي } ، أي: اجعله أهلا للمغفرة، بإعطاء الإسلام { إنه كان من الضالين }: الكافرين، أو: اغفر له على حاله. وكان قبل النهي. { ولا تخزني يوم يبعثون } أي: لا تهني يوم يبعثون. الضمير للعباد لأنه معلوم، أو: للضالين، أي: لا تخزني في أبي يوم البعث، وهذا من جملة الاستغفار لأبيه، وكان قبل النهي عنه، أي: لا تهني، { يوم لا ينفع مال ولا بنون } ، أي: لا ينفع فيه مال، وإن كان مصروفا في وجوه البر، ولا بنون، وإن كانوا صلحاء متأهلين للشفاعة، { إلا من أتى الله بقلب سليم } من الكفر والنفاق فإنه ينفعه ماله المصروف في طاعة الله، ويشفع فيه بنوه، إن تأهلوا للشفاعة، بأن أدبهم ودرجهم إلى اكتساب الكمالات والفضائل. وقال ابن المسيب: القلب السليم هو قلب المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض قال الله تعالى:
فى قلوبهم مرض
[البقرة: 10]. وقال أبو عثمان: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة. وقال الحسن بن الفضل: سليم من آفات المال، والبنين والله تعالى أعلم. الإشارة: قد استعمل إبراهيم عليه السلام الأدب، الذي هو عمدة الصوفية، حيث قدم الثناء قبل الطلب، وهو مأخوذ من ترتيب فاتحة الكتاب. وقوله تعالى: { رب هب لي حكما }: قال القشيري: أي: على نفسي أولا، فإن من لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره، { وألحقني بالصالحين } بالقيام بحقك، دون الرجوع إلى طلب الاستقلال لنفسي دون حقك. ه.
ومما اصطلحت عليه الصوفية أن الصالحين: من صلحت ظواهرهم، وتطهرت قلوبهم من الأمراض. وفوقهم الأولياء، وهم من كشف عنهم الحجاب، وأفضوا إلى الشهود والعيان، وفوقهم درجة النبوة والرسالة، فقول الخليل { وألحقني بالصالحين } ، وكذلك قال الصديق، هو تنزل وتواضع ليعرف جلالة قدر الصالحين، فما بالك بمن فوقهم! فهو كقول نبينا صلى الله عليه وسلم:
" اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين "
أي: اجعل المساكين هم قرابتي، المحدقون بي في المحشر، فقد عرف صلى الله عليه وسلم بفضيلة المساكين، وعظم جاههم، بطلبه أن يكونوا في كفالته، لا أنه في كفالتهم، وكذلك الخليل والصديق، عرفا بفضيلة الصالحين من أهل الإسلام، أو أنهما طلبا اللحوق بهم. وقوله تعالى: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } كل من اخلص وجهه لله، وتخلصت سريرته مما سوى الله، وكان إبراهيميا حنيفيا، جعل الله له لسان صدق فيمن يأتي بعده، وحسن الثناء عليه في حياته وبعد مماته، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السموات: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { واغفر لأبي... } إلخ. قال القشيري: هذا عند العلماء: إنما قاله قبل يأسه من إيمانه، وعن أهل الإشارة: ذكره في وقت غلبة البسط، وتجاوز ذلك عنه، وليس إجابة العبد واجبة عليه في كل شيء، وأكثر ما فيه: أنه لا يجيبه في ذلك، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدي إليه كل أحد. ه. قال المحشي: وينظر لما قاله العلماء، وبه الفتوى، قوله:
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه
[التوبة: 114]، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة، وتكلمه فيه بقوله: وأي خزي أعظم من كون أبي في النار... الحديث، وكذا قوله:
ومن عصاني فإنك غفور رحيم
[إبراهيم: 36]، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة، على سعة العلم، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أبي، وصلاته عليه، وانظر الطيبي في آية:
وسعت كل شيء رحمة وعلما
[غافر: 7]. ه. وقوله تعالى: { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، أظهر ما قيل في القلب السليم: أنه السالم من الشكوك والأوهام، والخواطر الردية، ومن الأمراض القلبية، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل، يخرجه من الأوصاف البشرية، إلى الأوصاف الروحانية، ويحققه بالحضرة القدسية، وإلا بقي مريضا، حتى يلقى الله بقلب سقيم. وفي الإحياء: السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا، والجود بالمال من عوارض الدنيا، فشرط القلب أن يكون سليما بينهما، أي: لا يكون ملتفتا إلى المال، ولا يكون حريصا على إمساكه ولا حريصا على إنفاقه فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك. وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعا. وقال الداراني: القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله تعالى. ه. وقال الجنيد رضي الله عنه: السليم في اللغة: اللديغ، فمعناه: كاللديغ من خوف الله تعالى. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر هول ذلك اليوم، فقال: { وأزلفت الجنة... }
الشعراء 26:86
يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السلام: { رب هب لي حكما } أي: حكمة، أو حكما بين الناس، أو نبوة لأن النبي ذو حكم بين عباد الله. { وألحقني بالصالحين } أي: الأنبياء، الذين صلحوا لحمل أعباء النبوة والرسالة، وصلحت سرائرهم للحضرة، ولقد أجابه بقوله: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين }. { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي: ثناء حسنا، وذكرا جميلا في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطي ذلك، فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه، ووضع اللسان موضع القول لأن القول يكون به. أو: واجعلني على طريق قويم، وحال مرضي، يقتدى بي فيهما، ويحمد أثري بعد موتي، كما قيل:
موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقد تحقق له جميع ذلك، وخصوصا في هذه الأمة، حتى أنه مذكور ومقرون في كل صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: سأل أن يجعله صالحا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن كاذبا. وقيل: سأل الإمامة في التوحيد والدين، وقد أجيب بقوله:
إنى جاعلك للناس إماما
[البقرة: 124]. { واجعلني من ورثة جنة النعيم } أي: اجعلني وارثا من ورثة جنة النعيم، أي: الباقين فيها، { واغفر لأبي } ، أي: اجعله أهلا للمغفرة، بإعطاء الإسلام { إنه كان من الضالين }: الكافرين، أو: اغفر له على حاله. وكان قبل النهي. { ولا تخزني يوم يبعثون } أي: لا تهني يوم يبعثون. الضمير للعباد لأنه معلوم، أو: للضالين، أي: لا تخزني في أبي يوم البعث، وهذا من جملة الاستغفار لأبيه، وكان قبل النهي عنه، أي: لا تهني، { يوم لا ينفع مال ولا بنون } ، أي: لا ينفع فيه مال، وإن كان مصروفا في وجوه البر، ولا بنون، وإن كانوا صلحاء متأهلين للشفاعة، { إلا من أتى الله بقلب سليم } من الكفر والنفاق فإنه ينفعه ماله المصروف في طاعة الله، ويشفع فيه بنوه، إن تأهلوا للشفاعة، بأن أدبهم ودرجهم إلى اكتساب الكمالات والفضائل. وقال ابن المسيب: القلب السليم هو قلب المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض قال الله تعالى:
فى قلوبهم مرض
[البقرة: 10]. وقال أبو عثمان: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة. وقال الحسن بن الفضل: سليم من آفات المال، والبنين والله تعالى أعلم. الإشارة: قد استعمل إبراهيم عليه السلام الأدب، الذي هو عمدة الصوفية، حيث قدم الثناء قبل الطلب، وهو مأخوذ من ترتيب فاتحة الكتاب. وقوله تعالى: { رب هب لي حكما }: قال القشيري: أي: على نفسي أولا، فإن من لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره، { وألحقني بالصالحين } بالقيام بحقك، دون الرجوع إلى طلب الاستقلال لنفسي دون حقك. ه.
ومما اصطلحت عليه الصوفية أن الصالحين: من صلحت ظواهرهم، وتطهرت قلوبهم من الأمراض. وفوقهم الأولياء، وهم من كشف عنهم الحجاب، وأفضوا إلى الشهود والعيان، وفوقهم درجة النبوة والرسالة، فقول الخليل { وألحقني بالصالحين } ، وكذلك قال الصديق، هو تنزل وتواضع ليعرف جلالة قدر الصالحين، فما بالك بمن فوقهم! فهو كقول نبينا صلى الله عليه وسلم:
" اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين "
أي: اجعل المساكين هم قرابتي، المحدقون بي في المحشر، فقد عرف صلى الله عليه وسلم بفضيلة المساكين، وعظم جاههم، بطلبه أن يكونوا في كفالته، لا أنه في كفالتهم، وكذلك الخليل والصديق، عرفا بفضيلة الصالحين من أهل الإسلام، أو أنهما طلبا اللحوق بهم. وقوله تعالى: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } كل من اخلص وجهه لله، وتخلصت سريرته مما سوى الله، وكان إبراهيميا حنيفيا، جعل الله له لسان صدق فيمن يأتي بعده، وحسن الثناء عليه في حياته وبعد مماته، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السموات: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { واغفر لأبي... } إلخ. قال القشيري: هذا عند العلماء: إنما قاله قبل يأسه من إيمانه، وعن أهل الإشارة: ذكره في وقت غلبة البسط، وتجاوز ذلك عنه، وليس إجابة العبد واجبة عليه في كل شيء، وأكثر ما فيه: أنه لا يجيبه في ذلك، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدي إليه كل أحد. ه. قال المحشي: وينظر لما قاله العلماء، وبه الفتوى، قوله:
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه
[التوبة: 114]، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة، وتكلمه فيه بقوله: وأي خزي أعظم من كون أبي في النار... الحديث، وكذا قوله:
ومن عصاني فإنك غفور رحيم
[إبراهيم: 36]، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة، على سعة العلم، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أبي، وصلاته عليه، وانظر الطيبي في آية:
وسعت كل شيء رحمة وعلما
[غافر: 7]. ه. وقوله تعالى: { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، أظهر ما قيل في القلب السليم: أنه السالم من الشكوك والأوهام، والخواطر الردية، ومن الأمراض القلبية، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل، يخرجه من الأوصاف البشرية، إلى الأوصاف الروحانية، ويحققه بالحضرة القدسية، وإلا بقي مريضا، حتى يلقى الله بقلب سقيم. وفي الإحياء: السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا، والجود بالمال من عوارض الدنيا، فشرط القلب أن يكون سليما بينهما، أي: لا يكون ملتفتا إلى المال، ولا يكون حريصا على إمساكه ولا حريصا على إنفاقه فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك. وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعا. وقال الداراني: القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله تعالى. ه. وقال الجنيد رضي الله عنه: السليم في اللغة: اللديغ، فمعناه: كاللديغ من خوف الله تعالى. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر هول ذلك اليوم، فقال: { وأزلفت الجنة... }
الشعراء 26:87
يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السلام: { رب هب لي حكما } أي: حكمة، أو حكما بين الناس، أو نبوة لأن النبي ذو حكم بين عباد الله. { وألحقني بالصالحين } أي: الأنبياء، الذين صلحوا لحمل أعباء النبوة والرسالة، وصلحت سرائرهم للحضرة، ولقد أجابه بقوله: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين }. { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي: ثناء حسنا، وذكرا جميلا في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطي ذلك، فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه، ووضع اللسان موضع القول لأن القول يكون به. أو: واجعلني على طريق قويم، وحال مرضي، يقتدى بي فيهما، ويحمد أثري بعد موتي، كما قيل:
موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقد تحقق له جميع ذلك، وخصوصا في هذه الأمة، حتى أنه مذكور ومقرون في كل صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: سأل أن يجعله صالحا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن كاذبا. وقيل: سأل الإمامة في التوحيد والدين، وقد أجيب بقوله:
إنى جاعلك للناس إماما
[البقرة: 124]. { واجعلني من ورثة جنة النعيم } أي: اجعلني وارثا من ورثة جنة النعيم، أي: الباقين فيها، { واغفر لأبي } ، أي: اجعله أهلا للمغفرة، بإعطاء الإسلام { إنه كان من الضالين }: الكافرين، أو: اغفر له على حاله. وكان قبل النهي. { ولا تخزني يوم يبعثون } أي: لا تهني يوم يبعثون. الضمير للعباد لأنه معلوم، أو: للضالين، أي: لا تخزني في أبي يوم البعث، وهذا من جملة الاستغفار لأبيه، وكان قبل النهي عنه، أي: لا تهني، { يوم لا ينفع مال ولا بنون } ، أي: لا ينفع فيه مال، وإن كان مصروفا في وجوه البر، ولا بنون، وإن كانوا صلحاء متأهلين للشفاعة، { إلا من أتى الله بقلب سليم } من الكفر والنفاق فإنه ينفعه ماله المصروف في طاعة الله، ويشفع فيه بنوه، إن تأهلوا للشفاعة، بأن أدبهم ودرجهم إلى اكتساب الكمالات والفضائل. وقال ابن المسيب: القلب السليم هو قلب المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض قال الله تعالى:
فى قلوبهم مرض
[البقرة: 10]. وقال أبو عثمان: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة. وقال الحسن بن الفضل: سليم من آفات المال، والبنين والله تعالى أعلم. الإشارة: قد استعمل إبراهيم عليه السلام الأدب، الذي هو عمدة الصوفية، حيث قدم الثناء قبل الطلب، وهو مأخوذ من ترتيب فاتحة الكتاب. وقوله تعالى: { رب هب لي حكما }: قال القشيري: أي: على نفسي أولا، فإن من لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره، { وألحقني بالصالحين } بالقيام بحقك، دون الرجوع إلى طلب الاستقلال لنفسي دون حقك. ه.
ومما اصطلحت عليه الصوفية أن الصالحين: من صلحت ظواهرهم، وتطهرت قلوبهم من الأمراض. وفوقهم الأولياء، وهم من كشف عنهم الحجاب، وأفضوا إلى الشهود والعيان، وفوقهم درجة النبوة والرسالة، فقول الخليل { وألحقني بالصالحين } ، وكذلك قال الصديق، هو تنزل وتواضع ليعرف جلالة قدر الصالحين، فما بالك بمن فوقهم! فهو كقول نبينا صلى الله عليه وسلم:
" اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين "
أي: اجعل المساكين هم قرابتي، المحدقون بي في المحشر، فقد عرف صلى الله عليه وسلم بفضيلة المساكين، وعظم جاههم، بطلبه أن يكونوا في كفالته، لا أنه في كفالتهم، وكذلك الخليل والصديق، عرفا بفضيلة الصالحين من أهل الإسلام، أو أنهما طلبا اللحوق بهم. وقوله تعالى: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } كل من اخلص وجهه لله، وتخلصت سريرته مما سوى الله، وكان إبراهيميا حنيفيا، جعل الله له لسان صدق فيمن يأتي بعده، وحسن الثناء عليه في حياته وبعد مماته، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السموات: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { واغفر لأبي... } إلخ. قال القشيري: هذا عند العلماء: إنما قاله قبل يأسه من إيمانه، وعن أهل الإشارة: ذكره في وقت غلبة البسط، وتجاوز ذلك عنه، وليس إجابة العبد واجبة عليه في كل شيء، وأكثر ما فيه: أنه لا يجيبه في ذلك، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدي إليه كل أحد. ه. قال المحشي: وينظر لما قاله العلماء، وبه الفتوى، قوله:
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه
[التوبة: 114]، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة، وتكلمه فيه بقوله: وأي خزي أعظم من كون أبي في النار... الحديث، وكذا قوله:
ومن عصاني فإنك غفور رحيم
[إبراهيم: 36]، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة، على سعة العلم، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أبي، وصلاته عليه، وانظر الطيبي في آية:
وسعت كل شيء رحمة وعلما
[غافر: 7]. ه. وقوله تعالى: { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، أظهر ما قيل في القلب السليم: أنه السالم من الشكوك والأوهام، والخواطر الردية، ومن الأمراض القلبية، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل، يخرجه من الأوصاف البشرية، إلى الأوصاف الروحانية، ويحققه بالحضرة القدسية، وإلا بقي مريضا، حتى يلقى الله بقلب سقيم. وفي الإحياء: السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا، والجود بالمال من عوارض الدنيا، فشرط القلب أن يكون سليما بينهما، أي: لا يكون ملتفتا إلى المال، ولا يكون حريصا على إمساكه ولا حريصا على إنفاقه فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك. وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعا. وقال الداراني: القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله تعالى. ه. وقال الجنيد رضي الله عنه: السليم في اللغة: اللديغ، فمعناه: كاللديغ من خوف الله تعالى. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر هول ذلك اليوم، فقال: { وأزلفت الجنة... }
الشعراء 26:88
يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السلام: { رب هب لي حكما } أي: حكمة، أو حكما بين الناس، أو نبوة لأن النبي ذو حكم بين عباد الله. { وألحقني بالصالحين } أي: الأنبياء، الذين صلحوا لحمل أعباء النبوة والرسالة، وصلحت سرائرهم للحضرة، ولقد أجابه بقوله: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين }. { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي: ثناء حسنا، وذكرا جميلا في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطي ذلك، فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه، ووضع اللسان موضع القول لأن القول يكون به. أو: واجعلني على طريق قويم، وحال مرضي، يقتدى بي فيهما، ويحمد أثري بعد موتي، كما قيل:
موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقد تحقق له جميع ذلك، وخصوصا في هذه الأمة، حتى أنه مذكور ومقرون في كل صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: سأل أن يجعله صالحا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن كاذبا. وقيل: سأل الإمامة في التوحيد والدين، وقد أجيب بقوله:
إنى جاعلك للناس إماما
[البقرة: 124]. { واجعلني من ورثة جنة النعيم } أي: اجعلني وارثا من ورثة جنة النعيم، أي: الباقين فيها، { واغفر لأبي } ، أي: اجعله أهلا للمغفرة، بإعطاء الإسلام { إنه كان من الضالين }: الكافرين، أو: اغفر له على حاله. وكان قبل النهي. { ولا تخزني يوم يبعثون } أي: لا تهني يوم يبعثون. الضمير للعباد لأنه معلوم، أو: للضالين، أي: لا تخزني في أبي يوم البعث، وهذا من جملة الاستغفار لأبيه، وكان قبل النهي عنه، أي: لا تهني، { يوم لا ينفع مال ولا بنون } ، أي: لا ينفع فيه مال، وإن كان مصروفا في وجوه البر، ولا بنون، وإن كانوا صلحاء متأهلين للشفاعة، { إلا من أتى الله بقلب سليم } من الكفر والنفاق فإنه ينفعه ماله المصروف في طاعة الله، ويشفع فيه بنوه، إن تأهلوا للشفاعة، بأن أدبهم ودرجهم إلى اكتساب الكمالات والفضائل. وقال ابن المسيب: القلب السليم هو قلب المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض قال الله تعالى:
فى قلوبهم مرض
[البقرة: 10]. وقال أبو عثمان: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة. وقال الحسن بن الفضل: سليم من آفات المال، والبنين والله تعالى أعلم. الإشارة: قد استعمل إبراهيم عليه السلام الأدب، الذي هو عمدة الصوفية، حيث قدم الثناء قبل الطلب، وهو مأخوذ من ترتيب فاتحة الكتاب. وقوله تعالى: { رب هب لي حكما }: قال القشيري: أي: على نفسي أولا، فإن من لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره، { وألحقني بالصالحين } بالقيام بحقك، دون الرجوع إلى طلب الاستقلال لنفسي دون حقك. ه.
ومما اصطلحت عليه الصوفية أن الصالحين: من صلحت ظواهرهم، وتطهرت قلوبهم من الأمراض. وفوقهم الأولياء، وهم من كشف عنهم الحجاب، وأفضوا إلى الشهود والعيان، وفوقهم درجة النبوة والرسالة، فقول الخليل { وألحقني بالصالحين } ، وكذلك قال الصديق، هو تنزل وتواضع ليعرف جلالة قدر الصالحين، فما بالك بمن فوقهم! فهو كقول نبينا صلى الله عليه وسلم:
" اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين "
أي: اجعل المساكين هم قرابتي، المحدقون بي في المحشر، فقد عرف صلى الله عليه وسلم بفضيلة المساكين، وعظم جاههم، بطلبه أن يكونوا في كفالته، لا أنه في كفالتهم، وكذلك الخليل والصديق، عرفا بفضيلة الصالحين من أهل الإسلام، أو أنهما طلبا اللحوق بهم. وقوله تعالى: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } كل من اخلص وجهه لله، وتخلصت سريرته مما سوى الله، وكان إبراهيميا حنيفيا، جعل الله له لسان صدق فيمن يأتي بعده، وحسن الثناء عليه في حياته وبعد مماته، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السموات: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { واغفر لأبي... } إلخ. قال القشيري: هذا عند العلماء: إنما قاله قبل يأسه من إيمانه، وعن أهل الإشارة: ذكره في وقت غلبة البسط، وتجاوز ذلك عنه، وليس إجابة العبد واجبة عليه في كل شيء، وأكثر ما فيه: أنه لا يجيبه في ذلك، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدي إليه كل أحد. ه. قال المحشي: وينظر لما قاله العلماء، وبه الفتوى، قوله:
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه
[التوبة: 114]، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة، وتكلمه فيه بقوله: وأي خزي أعظم من كون أبي في النار... الحديث، وكذا قوله:
ومن عصاني فإنك غفور رحيم
[إبراهيم: 36]، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة، على سعة العلم، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أبي، وصلاته عليه، وانظر الطيبي في آية:
وسعت كل شيء رحمة وعلما
[غافر: 7]. ه. وقوله تعالى: { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، أظهر ما قيل في القلب السليم: أنه السالم من الشكوك والأوهام، والخواطر الردية، ومن الأمراض القلبية، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل، يخرجه من الأوصاف البشرية، إلى الأوصاف الروحانية، ويحققه بالحضرة القدسية، وإلا بقي مريضا، حتى يلقى الله بقلب سقيم. وفي الإحياء: السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا، والجود بالمال من عوارض الدنيا، فشرط القلب أن يكون سليما بينهما، أي: لا يكون ملتفتا إلى المال، ولا يكون حريصا على إمساكه ولا حريصا على إنفاقه فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك. وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعا. وقال الداراني: القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله تعالى. ه. وقال الجنيد رضي الله عنه: السليم في اللغة: اللديغ، فمعناه: كاللديغ من خوف الله تعالى. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر هول ذلك اليوم، فقال: { وأزلفت الجنة... }
الشعراء 26:89
يقول الحق جل جلاله: حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السلام: { رب هب لي حكما } أي: حكمة، أو حكما بين الناس، أو نبوة لأن النبي ذو حكم بين عباد الله. { وألحقني بالصالحين } أي: الأنبياء، الذين صلحوا لحمل أعباء النبوة والرسالة، وصلحت سرائرهم للحضرة، ولقد أجابه بقوله: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين }. { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي: ثناء حسنا، وذكرا جميلا في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطي ذلك، فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه، ووضع اللسان موضع القول لأن القول يكون به. أو: واجعلني على طريق قويم، وحال مرضي، يقتدى بي فيهما، ويحمد أثري بعد موتي، كما قيل:
موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقد تحقق له جميع ذلك، وخصوصا في هذه الأمة، حتى أنه مذكور ومقرون في كل صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: سأل أن يجعله صالحا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن كاذبا. وقيل: سأل الإمامة في التوحيد والدين، وقد أجيب بقوله:
إنى جاعلك للناس إماما
[البقرة: 124]. { واجعلني من ورثة جنة النعيم } أي: اجعلني وارثا من ورثة جنة النعيم، أي: الباقين فيها، { واغفر لأبي } ، أي: اجعله أهلا للمغفرة، بإعطاء الإسلام { إنه كان من الضالين }: الكافرين، أو: اغفر له على حاله. وكان قبل النهي. { ولا تخزني يوم يبعثون } أي: لا تهني يوم يبعثون. الضمير للعباد لأنه معلوم، أو: للضالين، أي: لا تخزني في أبي يوم البعث، وهذا من جملة الاستغفار لأبيه، وكان قبل النهي عنه، أي: لا تهني، { يوم لا ينفع مال ولا بنون } ، أي: لا ينفع فيه مال، وإن كان مصروفا في وجوه البر، ولا بنون، وإن كانوا صلحاء متأهلين للشفاعة، { إلا من أتى الله بقلب سليم } من الكفر والنفاق فإنه ينفعه ماله المصروف في طاعة الله، ويشفع فيه بنوه، إن تأهلوا للشفاعة، بأن أدبهم ودرجهم إلى اكتساب الكمالات والفضائل. وقال ابن المسيب: القلب السليم هو قلب المؤمن فإن قلب الكافر والمنافق مريض قال الله تعالى:
فى قلوبهم مرض
[البقرة: 10]. وقال أبو عثمان: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة. وقال الحسن بن الفضل: سليم من آفات المال، والبنين والله تعالى أعلم. الإشارة: قد استعمل إبراهيم عليه السلام الأدب، الذي هو عمدة الصوفية، حيث قدم الثناء قبل الطلب، وهو مأخوذ من ترتيب فاتحة الكتاب. وقوله تعالى: { رب هب لي حكما }: قال القشيري: أي: على نفسي أولا، فإن من لا حكم له على نفسه لا حكم له على غيره، { وألحقني بالصالحين } بالقيام بحقك، دون الرجوع إلى طلب الاستقلال لنفسي دون حقك. ه.
ومما اصطلحت عليه الصوفية أن الصالحين: من صلحت ظواهرهم، وتطهرت قلوبهم من الأمراض. وفوقهم الأولياء، وهم من كشف عنهم الحجاب، وأفضوا إلى الشهود والعيان، وفوقهم درجة النبوة والرسالة، فقول الخليل { وألحقني بالصالحين } ، وكذلك قال الصديق، هو تنزل وتواضع ليعرف جلالة قدر الصالحين، فما بالك بمن فوقهم! فهو كقول نبينا صلى الله عليه وسلم:
" اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين "
أي: اجعل المساكين هم قرابتي، المحدقون بي في المحشر، فقد عرف صلى الله عليه وسلم بفضيلة المساكين، وعظم جاههم، بطلبه أن يكونوا في كفالته، لا أنه في كفالتهم، وكذلك الخليل والصديق، عرفا بفضيلة الصالحين من أهل الإسلام، أو أنهما طلبا اللحوق بهم. وقوله تعالى: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } كل من اخلص وجهه لله، وتخلصت سريرته مما سوى الله، وكان إبراهيميا حنيفيا، جعل الله له لسان صدق فيمن يأتي بعده، وحسن الثناء عليه في حياته وبعد مماته، لقوله صلى الله عليه وسلم:
" إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السموات: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "
أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { واغفر لأبي... } إلخ. قال القشيري: هذا عند العلماء: إنما قاله قبل يأسه من إيمانه، وعن أهل الإشارة: ذكره في وقت غلبة البسط، وتجاوز ذلك عنه، وليس إجابة العبد واجبة عليه في كل شيء، وأكثر ما فيه: أنه لا يجيبه في ذلك، ثم لهم أسوة في ذكر أمثال هذا الخطاب، وهذا لا يهتدي إليه كل أحد. ه. قال المحشي: وينظر لما قاله العلماء، وبه الفتوى، قوله:
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه
[التوبة: 114]، وينظر للسان الإشارة شفاعته له يوم القيامة، وتكلمه فيه بقوله: وأي خزي أعظم من كون أبي في النار... الحديث، وكذا قوله:
ومن عصاني فإنك غفور رحيم
[إبراهيم: 36]، وجاء ذلك من استغراقه في بحر الرحمة، على سعة العلم، ومثله استغفار نبينا صلى الله عليه وسلم لابن أبي، وصلاته عليه، وانظر الطيبي في آية:
وسعت كل شيء رحمة وعلما
[غافر: 7]. ه. وقوله تعالى: { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، أظهر ما قيل في القلب السليم: أنه السالم من الشكوك والأوهام، والخواطر الردية، ومن الأمراض القلبية، ولا يتحقق له هذا إلا بصحبة شيخ كامل، يخرجه من الأوصاف البشرية، إلى الأوصاف الروحانية، ويحققه بالحضرة القدسية، وإلا بقي مريضا، حتى يلقى الله بقلب سقيم. وفي الإحياء: السعادة منوطة بسلامة القلب من عوارض الدنيا، والجود بالمال من عوارض الدنيا، فشرط القلب أن يكون سليما بينهما، أي: لا يكون ملتفتا إلى المال، ولا يكون حريصا على إمساكه ولا حريصا على إنفاقه فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق، كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك. وكان كمال القلب أن يصفو من الوصفين جميعا. وقال الداراني: القلب السليم هو الذي ليس فيه غير الله تعالى. ه. وقال الجنيد رضي الله عنه: السليم في اللغة: اللديغ، فمعناه: كاللديغ من خوف الله تعالى. ه. وبالله التوفيق. ثم ذكر هول ذلك اليوم، فقال: { وأزلفت الجنة... }
الشعراء 26:90
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:91
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:92
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:93
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:94
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:95
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:96
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:97
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:98
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:99
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:100
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:101
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:102
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:103
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }
الشعراء 26:104
قلت: وأزلفت: عطف على ينفع، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها لتحقق الوقوع. يقول الحق جل جلاله، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون: { وأزلفت } أي: قربت { الجنة للمتقين } ، أي: تزلف من موقف السعداء، فينظرون إليها، { وبرزت الجحيم }: أظهرت، حتى يكاد يأخذهم لهبها، { للغاوين }: للكافرين، { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } بدفع العذاب عنكم، { أو ينتصرون } بدفعه عن أنفسهم، يوبخون على إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم التي عبدتموها، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها؟ كلا، بل هم وآلهتهم وقود النار، كما قوله تعالى: { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في الجحيم على وجوههم، مرة بعد أخرى، إلى أن يستقروا في قعرها. وفي القاموس: كبه: قلبه وصرعه، كأكبه وكبكبه. ه. أي: صرعوا منكبين في الجحيم على وجوههم، { هم } أي: آلهتهم { والغاوون } أي: الذين كانوا يعبدونهم. وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء حالها، فيزدادوا غما على غم، { وجنود إبليس } أي: يكبكبون معهم { أجمعون } ، وهو شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام، وسائر فنون الكفر والمعاصي، أو:متبعوه من عصاة الجن والإنس ليجتمعوا في العذاب، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. { قالوا } أي: العبدة { وهم فيها يختصمون } أي: قالوا معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة متحسرين، والحال: أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين فيجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح منها التخاصم والتقاول، ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. قالوا: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } أي: إن الشأن كنا في ضلال واضح، لا خفاء فيه، { إذ نسويكم } نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم معه، أي: تالله لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام، في استحقاق العبادة، برب العالمين، الذي أنتم أدنى مخلوقاته، وأذلهم وأعجزهم، { وما أضلنا إلا المجرمون } أي: رؤساؤهم، الذين أضلوهم، وإبليس وجنوده، ومن سن الشرك. وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم، من غير أن يستقلوا به، وهذا كقولهم:
ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67]. وعن السدي: هم الأولون الذين اقتدوا بهم. وأيا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا: { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون }. ثم قالوا: { فما لنا من شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهل للشفاعة. { ولا صديق حميم } كما لهم أصدقاء إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية.
أو: ما لنا من شافعين، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند الله، وكان له أصدقاء من شياطين الإنس، فلم ينفعهم شيء من ذلك. وجمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء. وأما الصديق، وهو الصادق في ودادك، الذي يهمه ما أهمك، ويسره ما أسرك، فقليل، وسئل حكيم عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له، أي: لا وجود له، والبركة لا تنقطع. قال القشيري: في الخبر: يجيء يوم القيامة عبد فيحاسب، فتستوي حسناته وسيئاته، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه، فيقول الله سبحانه له: عبدي يقيت لك حسنة، إن كانت أدخلتك الجنة، انظر، وتطلب من الناس لعل أحدا يهبها لك. فيأتي الصفين، فيطلب من أبيه، ثم من أمه، ثم من أصحابه، فلا يجيبه أحد إلا بقوله: أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة، فيرجع إلى مكانه، فيسأله الحق - سبحانه: ما جئت به؟ فيقول: يا رب لم يعطني أحد حسنة، فيقول الله تعالى: عبدي... ألم يكن لك صديق؟ فيتذكر العبد، ويقول فلان كان صديقا لي فيك، فيأتيه ويدل الحق عليه، فيكلمه، فيقول: بل لي عبادات كثيرة، فإن قبلها الله مني فقد وهبتها لك، فيسر ويجيء إلى موضعه، فيخبر بذلك ربه تعالى فيقول قد قبلتها منه ولم أنقص من حقه شيئا وقد غفرت لك وله - فهذا معناه. ه. ونقل القرطبي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة، إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفعون. ه. ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } ، وجواب { لو } التمنية: محذوف، أي: لفعلنا كيت وكيت إذ " لو " ، في مثل هذا، للتمني، أي: فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين. { إن في ذلك } أي: فيما ذكر من الأنباء العجيبة كقصة إبراهيم مع قومه، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد، { لآية } عظيمة، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام، لا سيما لأهل مكة، الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، أو: إن في ذكر نبأه، وتلاوته عليهم، على ما هو عليه، من غير أن تسمعه من أحد، لآية عظيمة دالة على أن ما نتلوه عليهم وحي صادق، نازل من جهته تعالى، موجبة للإيمان به، { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي: وما أكثر هؤلاء، الذين تتلو عليهم هذه الأنباء، مؤمنين، بل هم مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. ولا يحسن رجوعه لقوم إبراهيم، على أن { كان } أصلية لأنه لم يؤمن من قومه إلا لوط فقط. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك، ولكنه يمهلهم بحلمه ورحمته ليؤمن بعض منهم أو من ذريتهم.
وبالله التوفيق. الإشارة: وأزلفت جنة المعارف للمتقين السوى، وبرزت جحيم القطيعة للغاوين، المتبعين الهوى. وفي الحكم: " لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك " وقيل لأهل الهوى: أين ما كنتم تعبدون من دون الله، من الحاملين لكم على البقاء مع الحظوظ والشهوات، هل ينصروكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا في الحضيض الأسفل، هم والغاوون لهم، الذين منعوهم من الدخول في حضرة الأولياء، وجنود إبليس أجمعون. قالوا - وهم في غم الحجاب ونار القطيهة يختصمون -: تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين في المحبة والميل، وما أضلنا إلا المجرمون، الذين حكموا بقطع التربية على الدوام، وسدوا الباب في وجوه الرجال، فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، يشفع لنا حتى نلتحق بالمقربين. هيات لا يكون اللحوق بهم إلا بالدخول معهم، في مقام المجاهدة في دار الدنيا، ثم يتمنون الرجوع ليصدقوا بهم، وينخرطوا في سلكهم، فلا يجدون له سبيلا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، فقال: { كذبت قوم نوح... }