البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — الشعراء 26:105 – الشعراء 26:215
المحتويات
- الشعراء 26:105
- الشعراء 26:106
- الشعراء 26:107
- الشعراء 26:108
- الشعراء 26:109
- الشعراء 26:110
- الشعراء 26:111
- الشعراء 26:112
- الشعراء 26:113
- الشعراء 26:114
- الشعراء 26:115
- الشعراء 26:116
- الشعراء 26:117
- الشعراء 26:118
- الشعراء 26:119
- الشعراء 26:120
- الشعراء 26:121
- الشعراء 26:122
- الشعراء 26:123
- الشعراء 26:124
- الشعراء 26:125
- الشعراء 26:126
- الشعراء 26:127
- الشعراء 26:128
- الشعراء 26:129
- الشعراء 26:130
- الشعراء 26:131
- الشعراء 26:132
- الشعراء 26:133
- الشعراء 26:134
- الشعراء 26:135
- الشعراء 26:136
- الشعراء 26:137
- الشعراء 26:138
- الشعراء 26:139
- الشعراء 26:140
- الشعراء 26:141
- الشعراء 26:142
- الشعراء 26:143
- الشعراء 26:144
- الشعراء 26:145
- الشعراء 26:146
- الشعراء 26:147
- الشعراء 26:148
- الشعراء 26:149
- الشعراء 26:150
- الشعراء 26:151
- الشعراء 26:152
- الشعراء 26:153
- الشعراء 26:154
- الشعراء 26:155
- الشعراء 26:156
- الشعراء 26:157
- الشعراء 26:158
- الشعراء 26:159
- الشعراء 26:160
- الشعراء 26:161
- الشعراء 26:162
- الشعراء 26:163
- الشعراء 26:164
- الشعراء 26:165
- الشعراء 26:166
- الشعراء 26:167
- الشعراء 26:168
- الشعراء 26:169
- الشعراء 26:170
- الشعراء 26:171
- الشعراء 26:172
- الشعراء 26:173
- الشعراء 26:174
- الشعراء 26:175
- الشعراء 26:176
- الشعراء 26:177
- الشعراء 26:178
- الشعراء 26:179
- الشعراء 26:180
- الشعراء 26:181
- الشعراء 26:182
- الشعراء 26:183
- الشعراء 26:184
- الشعراء 26:185
- الشعراء 26:186
- الشعراء 26:187
- الشعراء 26:188
- الشعراء 26:189
- الشعراء 26:190
- الشعراء 26:191
- الشعراء 26:192
- الشعراء 26:193
- الشعراء 26:194
- الشعراء 26:195
- الشعراء 26:196
- الشعراء 26:197
- الشعراء 26:198
- الشعراء 26:199
- الشعراء 26:200
- الشعراء 26:201
- الشعراء 26:202
- الشعراء 26:203
- الشعراء 26:204
- الشعراء 26:205
- الشعراء 26:206
- الشعراء 26:207
- الشعراء 26:208
- الشعراء 26:209
- الشعراء 26:210
- الشعراء 26:211
- الشعراء 26:212
- الشعراء 26:213
- الشعراء 26:214
- الشعراء 26:215
الشعراء 26:105
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:106
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:107
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:108
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:109
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:110
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:111
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:112
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:113
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:114
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:115
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:116
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:117
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:118
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:119
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:120
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:121
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:122
قلت: اسم الجمع واسم الجنس يذكر ويؤنث، كقوم، ورهط، وشجر. يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم نوح } ، وهو نوح بن لامك. قيل: ولد في زمن آدم عليه السلام، قاله النسفي، وإنما قال: { المرسلين } ، والمراد: نوح فقط لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الجميع، لاتفاقهم في الدعوة إلى الإيمان، لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل. وقد يراد بالجمع: الواحد كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد واحد. { إذ قال لهم }: ظرف للتكذيب، أي: كذبوه وقت قوله لهم { أخوهم نوح } نسبا، لا دينا، وقيل: أخوة المجانسة، كما في آية:
بلسان قومه
[إبراهيم: 4]: { ألا تتقون } خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام، { إني لكم رسول أمين } ، كان مشهورا بالأمانة عندهم، كحال نبينا صلى الله عليه وسلم في قريش، ما كانوا يسمونه إلا محمدا الأمين. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الإيمان. { وما أسألكم عليه } أي: على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح، { من أجر } أصلا { إن أجري } فيما أتولاه { إلا على رب العالمين } لا أطمع في غيره، { فاتقوا الله وأطيعون } ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزيهه عليه السلام عن الطمع، كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته. والتكرير للتأكيد، والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟ كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله وأطيعون. { قالوا أنؤمن لك واتبعك } والحالة أنه قد تبعك { الأرذلون } أي: الأرذلون جاها ومالا، والرذالة: الدناءة والخسة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعة الدنيئة، قيل: كانوا حاكة وأساكفة - جمع إسكاف - وهو الخفاف - أي: الخراز، وقيل: النجار. والصناعة لا تزري بالديانة، فالغنى غنى القلوب، والنسب نسب التقوى، والعز عز العلم بالله لا غير، ومرادهم بذلك: أنه لا مزية لك في اتباعهم إذ ليس لهم رزانة عقل، ولا إصابة رأي، وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي. وهذا من كمال سخافة عقولهم، وقصر نظرهم على حطام الدنيا حتى اعتقدوا أن الأشرف من جمعها، والأرذل من حرمها. وقد جهلوا بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، وسكن في جوار الله، والأرذل من حرم ذلك. قال القشيري: ذكر ما لقي من قومه، وقوله: { واتبعك الأرذلون } ، وكذلك أتباع الرسل، إنما هم الأضعفون، لكنهم - في حكم الله - هم المقدمون الأكرمون، قال صلى الله عليه وسلم:
" نصرت بضعفائكم "
، إلخ كلامه. { قال وما علمي } أي: وأي شيء علمي { بما كانوا يعملون } من الصناعات، إنما أطلب منهم الإيمان.
وقيل: إنهم طعنوا في إيمانهم، وقالوا: لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما اتبعوك طمعا في العدة والمال، أي: وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، دون التنقير على بواطنهم، والشق عن قلوبهم، { إن حسابهم إلا على ربي } أي: ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كيفياتها إلا على ربي فإنه المطلع على السرائر، { لو تشعرون } بشيء من الأشياء، أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك، ولكنكم كالبهائم أو أضل. { وما أنا بطارد المؤمنين } أي: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم، فأطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء طردهم وتعليق إيمانهم بذلك، حيث جعلوا اتباعهم له مانعا عنه، { إن أنا إلا نذير مبين } وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان القاطع، وأنتم أعلم بشأنكم، أي: وما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين، سواء كانوا أعزاء أو أراذل، فكيف يمكنني طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟. { قالوا لئن لم تنته يا نوح } عما تقول { لتكونن من المرجومين } من المقتولين بالحجارة. قالوه في آخر أمره. { قال رب إن قومي كذبون } تمادوا على تكذيبي، وأصروا عليه، بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وليس هذا من قبيل الإخبار لأن الله لا يخفى عليه شيء، وإنما هو تضرع وابتهال، بدليل قوله: { فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: احكم بيني وبينهم بما يستحقه كل واحد منا، وهذه حكاية إجمالية، قد فصلت في سورة نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين } من شرهم، أو من شؤم عملهم. { فأنجيناه ومن معه } حسب دعائه { في الفلك المشحون } المملوء بهم وبما لا بد لهم منه. { ثم أغرقنا بعد } أي: بعد إنجائهم { الباقين } من قومه، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } الممتنع القاهر بإهانة من جحد وأصر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: أخبر عن كل واحد من الأنبياء بقوله: { وما أسألكم عليه من أجر } ليعلم الكافة أنه من عمل له فلا ينبغي أن يطلب الأجر من غيره، ففي هذا تنبيه للعلماء - الذين هم ورثة الأنبياء - أن يتأدبوا بآدابهم، وألا يطلبوا من الناس شيئا في بث علومهم، ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، ومن ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكرها من الدين، يعظ بها المسلمين، فلا بارك الله للمسلمين فيما يسمعون منه، ولا للعلماء أيضا بركة فيما منهم يأخذون، فيبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركضة لهم فيه، إذ لا يتقربون به إلى الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون على سخط من الله. ه. قلت: أما ما يأخذه العالم من الأحباس فلا يدخل في هذا إذ ليس فيه تكلف من أحد، وكذلك ما يأخذه الواعظ على وجه الزيارة والهدية، من غير استشراف نفس ولا طمع ولا تكلف. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: { كذبت عاد... }
الشعراء 26:123
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:124
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:125
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:126
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:127
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:128
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:129
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:130
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:131
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:132
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:133
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:134
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:135
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:136
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:137
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:138
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:139
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:140
يقول الحق جل جلاله: { كذبت عاد المرسلين } ، وهي قبيلة، ولذلك أنث الفعل، وفي الأصل: اسم رجل، هو أبو القبيلة. { إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } ، وقد مر تفسيره، { فاتقوا الله } في تكذيب الرسول الأمين، { وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العامين } ، وتصدير القصص بتكذيب الرسل والأمر بالطاعة للدلالة على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق، والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب، ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء - عليهم السلام - مجمعون على ذلك، وإن اختلفوا في فروع الشرائع، المختلفة باختلاف الأزمنة والأعصار، وأنهم منزهون عن المطامع الدنيئة، والأغراض الدنيوية بالكلية. ثم وبخهم بقوله: { أتبنون بكل ريع }: مكان مرتفع، ومنه: ريع الأرض لارتفاعها، وفيه لغتان: كسر الراء وفتحها. { آية } علما للمارة، كانوا يصعدونه ويسخرون بمن يمر بهم. وقيل: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا على الطريق أعلاما ليهتدوا بها عبثا، وقيل: برج حمام، دليله: { تعبثون } أي: تلعبون ببنائها، أو: بمن يمر بهم على الأول، { وتتخذون مصانع } ، مآخذ الماء، أو قصورا مشيدة، أو حصونا، وهو جمع مصنع، والمصنع: كل ماصنع وأتقن في بنيانه، { لعلكم تخلدون } أي: راجين الخلود في الدنيا، عاملين عمل من يرجو ذلك، أو كأنكم تخلدون. { وإذا بطشتم } بسوط او سيف، أو أخذتم أحدا لعقوبة { بطشتم جبارين } مسلطين، قاسية قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأديب، ولا نظرا للعواقب. والجبار الذي يضرب أو يقتل على الغضب. { فاتقوا الله } في البطش، { وأطيعون } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم، { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } من ألوان النعماء وأصناف الآلاء. ثم فصلها بقوله: { أمدكم بأنعام وبنين } فإن التفصيل بعد الإجمال أدخل في القلب. وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام بها. { وجنات } بساتين { وعيون }: أنهار خلال الجنات، { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } إن عصيتموني، أو: إن لم تقوموا بشكرها فإن كفران النعم مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها، قال تعالى:
لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
[إبراهيم: 7]. { قالوا سواء علينا أوعظت أم تكن من الواعظين } فإنا لن نرعوي عما نحن عليه، ولا نقبل كلامك ودعوتك، وعظت أو سكت. ولم يقل: أم لم تعظ لرؤوس الآي. { إن هذا إلا خلق الأولين } بضم اللام، أي: ما هذا الذي نحن عليه من ألا بعث ولا حساب، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم، أو: ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها، ولا شيء بعدها، أو: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش، إلا عادة من قبلنا، فنحن نقتدي بهم، وما نعذب على ذلك.
وبسكون اللام، أي: ما هذا الذي خوفتنا به { إلا خلق الأولين } أي: اختلاقهم وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا كخلقهم، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، { وما نحن بمعذبين } على ما نحن عليه من الأعمال. { فكذبوه } أي: أصروا على تكذيبه، { فأهلكناهم } بسبب ذلك بربح صرصر، تقدم في الأعراف كيفيته، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم } أي: قوم هود { مؤمنين } ما أسلم معه ثلاثمائة ألف... وأهلك باقيهم. قاله المحشي الفاسي. وقيل: وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا، على أن { كان }: صلة. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز بالانتقام من أعدائه، الرحيم بالانتصار لأوليائه. الإشارة: أنكر هود عليه السلام على قومه أمرين مذمومين، وهما من صفة أهل البعد عن الله الأول التطاول في البنيان، والزيادة على الحاجة، وهي ما يكن من البرد، ويقي من الحر، من غير تمويه ولا تزويق، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه، كما في الحديث، وفي خبر أخر:
" إذاعلا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين؟ ".
والثاني: التجبر على عباد الله، والعنف معهم، من غير رحمة ولا رقة، وهو من قساوة القلب، والقلب القاسي بعيد من الله، وفي الخبر عن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تشعرون. وفي الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم:
" لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء وسلو الله العافية "
وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: { كذبت ثمود... }
الشعراء 26:141
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:142
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:143
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:144
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:145
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:146
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:147
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:148
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:149
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:150
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:151
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:152
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:153
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:154
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:155
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:156
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:157
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:158
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:159
يقول الحق جل جلاله: { كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم } نسبا، { صالح ألا تتقون } الله تعالى، فتوحدونه، { إني لكم رسول أمين }: مشهور فيكم بالأمانة، { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي: أتطمعون أن تتركوا فيما ها هنا من النعمة والترفه، آمنين من عقاب الله وعذابه، وأنتم على كفركم وشرككم، كلا، والله لنختبرنكم ببعث الرسول، فإن كفرتم عاجلتكم بالعقوبة. ثم فسر ما هم فيه من النعمة بقوله: { في جنات وعيون وزروع ونخل } هو دخل فيما قبله، وخصه بالذكر شرفا له. أو: في جنات بلا نخل، { طلعها هضيم } ، والطلع: عنقود التمر في أول نباته، باقيا في غلافه. والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو: لأن النخل أنثى وطلع الأنثى ألطف، أو: لنضجه، كأنه: قيل: ونخل قد أرطب ثمره. قال ابن عباس: إذا أينع فهو هضيم. وقال أيضا: هضيم: طيب، وقال الزجاج: هو الذي رطبه بغير نوى، أو: دان من الأرض، قريب التناول. { وتنحتون } أي: تنقبون { من الجبال بيوتا فارهين } حال من الواو، أي: حاذقين، أو: ناشطين، أو: أقوياء، وقيل: أشرين بطرين. قيل: كانوا في زمن الشتاء يسكنون الجبال، وفي زمن الربيع والصيف ينزلون بمواشيهم إلى الريف ومكان الخصب. { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، أي: لا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم { الذين يفسدون في الأرض } بالإسراف بالكفر والمعاصي، { ولا يصلحون } بالإيمان والطاعة. والمعنى: أن فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. { قالوا إنما أنت من المسحرين } الذين سحرووا، حتى غلب على عقلهم السحر { وما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } في دعوى الرسالة، { قال هذه ناقة } ، قالها بعدما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه السلام، { لها شرب } نصيب من الماء، فلا تزاحموها فيه، { ولكم شرب يوم معلوم } لا تزاحمكم فيه. روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا - والسقب: ولد الناقة - فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين، وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة، ونتجت سقبا مثلها في العظم، وصدرها ستون ذراعا - أي: طولها - وإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وإذا كان يوم شربهم لا تشرب فيه. { ولا تمسوها بسوء } بضرب، أو عقر، أو غير ذلك، { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } ، وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب، { فعقروها } عقرها " قدار " ، وأسند العقر إلى جميعهم لأنهم راضون به.
روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين. وكانوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين بعقر الناقة؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم، { فأصبحوا نادمين } على عقرها خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة لأنهم طلبوا صالحا ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب، وندموا حين لا ينفع الندم، وذلك حين معاينة العذاب. { فأخذهم العذاب } أي: صيحة جبريل، فتقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }: ميتين، صغيرهم وكبيرهم، { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }. روي أنه أسلم منهم ألفان وثلاثمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألفا، من سوى النساء والذرية. ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. قاله القرطبي: قيل: في نفي الإيمان عن أكثرهم إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو: شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وأن قريشا إنما عصموا من تعجيل العذاب ببركة من آمن منهم. وعلى أن كان زائدة يكون الضمير لقريش، كما تقدم. { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. الإشارة: قوله: { أتتركون فيما ها هنا آمنين } أنكر عليهم ركونهم إلى الدنيا وزخارفها الغرارة، واطمئنانهم إليها، وهو غرور وحمق إذ الدنيا كسحابة الصيف، تظل ساعة ثم ترتحل، فالدنيا عرض حائل، وظل آفل، فالكيس من أعرض عنها، وتوجه بكليته إلى مولاه، صبر قليلا وربح كثيرا، والأحمق من وقع في شبكتها، حتى اختطفته منيته، وفي الحديث:
" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم عنده ".
ثم ذكر قصة لوط عليه السلام، فقال: { كذبت قوم لوط... }.
الشعراء 26:160
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:161
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:162
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:163
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:164
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:165
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:166
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:167
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:168
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:169
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:170
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:171
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:172
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:173
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:174
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:175
يقول الحق جل جلاله: { كذبت قوم لوط... } إلخ، وهو ظاهر، ثم قال { أتأتون الذكران من العالمين } ، أراد بالعالمين: الناس، أي: أتطؤون الناس مع كثرة الإناث، أو: أتطؤون أنتم من بين سائر العالمين الذكران، وتختصون بهذه الفاحشة { وتذرون ما خلق لكم ربكم } من الإناث: أو: ما خلق لكم لأجل استمتاعكم من الفروج، { من أزواجكم } ، فمن للبيان، إن أريد ب " ما ": جنس الإناث، وهو الظاهر، وللتبعيض، إن أريد بها العضو المباح منهن، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما. { بل أنتم قوم عادون } أي: متعدون. والعادي: المتعدي في ظلمه، المتجاوز فيه الحد، أي: أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة، التي لم يرتكبها أحد قبلكم، ولو من الحيوانات البهيمية. { قالوا لئن لم تنته يا لوط } عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا { لتكونن من المخرجين } من بلدنا، أي: من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال. { قال إني لعملكم من القالين } من المبغضين غاية البغض، كأنه يقلي الفؤاد والكبد من شدته. والقلى: أشد البغض، وهو أبلغ من أن يقول: لعملكم قال، فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم. وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها. ثم قال: { رب نجني وأهلي مما يعملون } من عقوبة عملهم، { فنجيناه وأهله أجمعين } يعني: بناته، ومن آمن معه، { إلا عجوزا } هي امرأته، وكانت راضية بذلك، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، ولو لم يحضر. واستثناؤها من الأهل لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج. بقيت { في الغابرين } في الباقين في العذاب، وهي صفة لها. والغابر في اللغة: الباقي، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، أي: مقدرا غبورها إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم. { ثم دمرنا الآخرين } أي: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه، { وأمطرنا عليهم مطرا } أي: مطرا غير معهود. وعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم، أي: الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم، وقلب المدينة بمن فيها. وقيل: لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة، { فساء مطر المنذرين } أي: قبح مطر المنذرين مطرهم، فالمخصوص محذوف. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون. أو: ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز } الغالب، { الرحيم } حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها. الإشارة: من شناعة هذه المعصية حذر الصوفية من مخالطة الشبان، وكذلك النساء. وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا، إن سلم من الفاحشة اتهم بها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم. والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة، وهي كالعقارب، الصغيرة تلدغ، والكبيرة تلدغ، فالسلامة البعد عن ساحتهن، إلا على وجه أباحته الشريعة، كالتعليم أو التذكير، مع غض البصر، أو حجاب بينه وبينهن، وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام، فقال: { كذب أصحاب الأيكة... }
الشعراء 26:176
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:177
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:178
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:179
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:180
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:181
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:182
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:183
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:184
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:185
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:186
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:187
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:188
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:189
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:190
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:191
يقول الحق جل جلاله: { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } وهي: الغيضة التي تنبت الشجر، والمراد بها: غيضة بقرب مدين، يسكنها طائفة منهم، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل: { إذ قال لهم شعيب } ولم يقل: أخوهم، بخلاف مدين، فإنه منهم، ولذلك قال:
أخاهم شعيبا
[الأعراف: 85 وهود: 84 والعنكبوت: 36] وقيل: الأيكة: الشجر الملتف، وكان شجرهم المقل، وهو الدوم. قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا. وقرئ: " ليكة " بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، وإنما كتبت هنا وفي " ص " باللام اتباعا للفظ. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } الله، فتوحدوه ولا تطففوا، { إني لكم رسول امين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه } أي: التبليغ { من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أوفوا الكيل } أي: أتموه { ولا تكونوا من المخسرين } أي: حقوق الناس بالتطفيف، { وزنوا } أشياءكم التي تبيعونها { بالقسطاس المستقيم } السوي. والقسطاس - بضم القاف وكسرها: الميزان، فإن كان من القسط - وهو العدل، وجعلت العين مكررة - فوزنه: فعلاس، وإلا فهو رباعي، ووزنه: فعلال. وقيل: عجمي. { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي: لا تنقصوا شيئا من حقوقهم، أي حق كان، يقال: بخسه حقه: إذا انتقصه. وقيل: نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها. فالكيل على ثلاثة أقسام: واف، وزائد وناقص. فأمر الحق تعالى بالوافي، ونهى عن الناقص، وسكت عن الزائد، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن، وإن تركه فلا عليه. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ولا تبالغوا فيها بالإفساد، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع. وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه، يقال: عثي كفرح، وعثا يعثو، كنصر. { واتقوا الذي خلقكم و } خلق { الجبلة الأولين } أي: الخلق الماضين، وهم من تقدمهم من الأمم، { قالوا إنما أنت من المسحرين وما انت إلا بشر مثلنا } ، أدخل الواو بين الجملتين هنا لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، فتكذيبهم أقبح من ثمود حيث تركه فدل على معنى واحد وهو كونه مسحورا وقرره بكونه بشرا. ثم قالوا: { وإن نظنك } " إن ": مخففة، أي: وإنه، أي: الأمر والشأن لنظنك { لمن الكاذبين } فيما تدعيه من النبوة. ثم استعجلوا العذاب بقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: قطعا، جمع كسفة، وقرئ بالسكون. أي: جزءا منه، والمراد بالسماء: إما السحاب، أو: السماء المظلة، { إن كنت من الصادقين } في دعواك الرسالة، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه.
{ قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما تعملون } من الكفر والمعاصي، وبما تستحقونه من العذاب، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، { فكذبوه } أي: فتمادوا على تكذيبه، وأصروا عليه { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حسبما اقترحوه. وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا. وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة. وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. { إنه كان عذاب يوم عظيم } أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة. { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } قيل: آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان، أو: وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله:
لعلك باخع نفسك...
[الشعراء: 3]. إلخ،
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا
[الشعراء: 5، 6] الآية، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول، قد أتاهم من جهته تعالى، بموجب رحمته الواسعة. { وما كان أكثرهم مؤمنين } بعد ما سمعوها على التفصيل، قصة بعد قصة، ليتدبروا فيها، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان، والزجر عن الكفر والطغيان، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة، الناطقة بتلك القصص، على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا، فلم يفعلوا شيئا من ذلك واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال. وبالله التوفيق. الإشارة: كما أمر الله تعالى بوفاء المكيال، أمر بالوفاء في الأعمال، ووفاؤها: إتقانها وإخلاصها، وتخليصها من شوائب النقص، في الظاهر والباطن. وكما أمر بالعدل في الميزان الحسي بقوله: { وزنوا بالقسطاس المستقيم } ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به، لا يخرجه، حتى يزنه بميزان الشرع، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان، أو غيره، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه، قبل أن يصير هما أو عزما، فيعسر رده. وبالله التوفيق. ثم ذكر شواهد حقية القرآن، فقال: { وإنه لتنزيل... }
الشعراء 26:192
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:193
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:194
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:195
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:196
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:197
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:198
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:199
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:200
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:201
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:202
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:203
قلت: " آية " خبر " كان " ، و " أن يعلمه ": اسمها، ومن قرأ " آية " بالرفع فآية اسمها، و { أن... } إلخ: خبر أو " كان ": تامة، و " آية ": فاعل، و " أن يعلمه ": بدل منه. يقول الحق جل جلاله: { وإنه } أي: القرآن المشتمل على القصص المتقدمة، وكأنه تعالى عاد إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر، ليتناسب المفتتح والمختتم، أي: وإن القرآن الكريم { لتنزيل رب العالمين } أي: منزل من جهته. ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان بأن تنزيله من أحكام ربوبيته للعالمين ورأفته للكل. { نزل به } أي: أنزله { الروح الأمين } أي: جبريل عليه السلام، لأنه أمين على الوحي الذي فيه روح القلوب، ومن قرأ بالتشديد: فالفاعل هو الله، والروح: مفعول به أي: جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به. والباء للتعدية نزل به { على قلبك } أي: حفظك وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى:6]. { لتكون من المنذرين } بما فيه من العقوبات الهائلة والمواعظ الزاجرة، { بلسان عربي } بلغة قريش وجرهم، فصيح بليغ، والباء: إما متعلق بمنذرين، أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو: بنزل، أي: نزله بلسان عربي لتنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه أي: لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب المشركين: ما أنذره إبراهيم لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته. { وإنه } أي: القرآن { لفي زبر الأولين } يعني: أنه مذكور في سائر الكتب السماوية. وقيل: ثبت فيها معناه، فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل، بحسب تبدل الأعصار، من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها، وكذا ما في تضاعيفه من المواعظ والقصص. قال النسفي: وفيه دليل على أن القرآن إذا ترجم عنه بغير العربية بقي قرآنا، ففيه دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة. ه. وهو حنفي المذهب، وأما مذهب مالك: فلا. { أو لم يكن لهم آية } أي: أغفلوا ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل رب العالمين حقا، { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } ، كعبد الله بن سلام، وغيره، لوجود ذكره في التوراة. قال تعالى:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]. والمعنى: أو لم يكفهم دليلا على كون القرآن من عند الله علم أحبار بني إسرائيل به.
ومعرفتهم له، كما يعرفون أبناءهم لموافقته لما عندهم في كثير من القصص والأخبار، حتى إن سورة يوسف مذكورة في التوراة بمعنى واحد، وترتيب واحد، وما اختلف مع القرآن فيها إلا في كلمة واحدة: " وجاؤوا على قميصه بدم كذب " ، عندهم في التوراة: وجاؤوا على قميصه بدم جدي. وكذا سورة طه: جلها في التوراة. وقد تقدم الحديث:
" أوتيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى "
وقد فسر بعض علماء هذه الأمة القرآن العظيم كله بالكتب المتقدمة، ينقل في كل آية ما يوافقها من الكتب السماوية. ثم قال تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } أي: ولو نزلناه كما هو بنظمه الرائق على بعض من لا يفهم العربية، ولا يقدر على التكلم بها، { فقرأه عليهم } قراءة صحيحة، خارقة للعادة، { ما كانوا به مؤمنين } مع انضمام إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم، قال النسفي: والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه، وعرفوا فصاحته وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على البشارة بإنزاله، وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزلناه على بعض الأعاجم، الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله، { فقرأه عليهم } هكذا معجزا، لكفروا به، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه: سحرا. ه. والأعجمين: جمع الأعجمي، فإن أفعل، إذا كان للتفضيل، يجمع جمع سلامة إذا لم يكن معناه للتفضيل كأحمر، وأصل الأعجمين: الأعجمين، فحذفت ياؤه، وقيل: جمع أعجم، فلا حذف. { كذلك سلكناه } أي: أدخلنا التكذيب والكفر، وهو مدلول قوله: { ما كانوا به مؤمنين } ، { في قلوب المجرمين }: الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه. يعني: مثل هذا السلك الغريب سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه، من التكذيب والإصرار عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد خيرها وشرها. وقوله: { لا يؤمنون } توضيح وتقرير لما قبله. ويجوز أن يكون حالا، أي: سلكناه فيها غير مؤمنين به، أو: مثل ذلك السلك البديع سلكناه، أي: أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته وبلاغته، وأنه خارج عن القوة البشرية، من حيث النظم المعجز والأخبار الغيبية. وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية. ومع ذلك { لا يؤمنون به } ، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه، { حتى يروا العذاب الأليم } الملجئ إلى الإيمان، حين لا ينفعهم الإيمان، { فيأتيهم بغتة } فجأة في الدنيا والآخرة { وهم لا يشعرون } بإتيانه، { فيقولون هل نحن منظرون } مؤخرون ساعة.
قالوه تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرضوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار، وملئ بالمعارف والأسرار، كان مهبطا لوحي الإلهام ووحي الإعلام، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ليكون من الواعظين بلسان عربي مبين، يفصح عن جواهر الحقائق، ويواقيت العلوم، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين، وإن كان أميا لأن علوم الأذواق لا تختلف. أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين. وقال الورتجبي على هذه الآية: أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمن، فكان قلبه عليه الصلاة والسلام صدف لآلئ خطاب الحق، يسبح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل عليه السلام في البين: واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله: { نزل به الروح الأمين على قلبك... } لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك: الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر: ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال: { لتكون من المنذرين } بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقام لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. ه. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق. ثم هددهم بنزول العذاب، فقال: { أفبعذابنا.... }
الشعراء 26:204
يقول الحق جل جلاله: توبيخا لمن اقترح نزول العذاب، كقولهم:
فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم
[الأنفال: 32] { أفبعذابنا يستعجلون } مع كونهم لا يطيقونه إذا نزل بهم؟ وتقديم الجار للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ هو كون المستعجل به عذابه، مع ما فيه من رعاية الفواصل. { أفرأيت } أي: أخبرني. ولما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار بالشيء وأشهرها شاع استعمال " أرأيت " في معنى أخبرني. والخطاب لكل من يسمع، أي: أخبرني أيها السامع: { إن متعناهم } إن متعنا هؤلاء الكفرة { سنين } متطاولة بطول الأعمار وطيب المعاش، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } من العذاب، { ما أغنى عنهم } أي: أي سيء أو أي إغناء أغنى عنهم { ما كانوا يمتعون } أي: كونهم متمتعين ذلك التمتع المديد، أي شيء أغنى في دفع العذاب، وما: مصدرية، أو: ما كانوا يتمتعون به من متاع الحياة الدنيا، على أنها موصولة، حذف عائدها، وأيا ما كان فالاستفهام للإنكار والنفي. وقيل: ما: نافية، أي: لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب. والأول أرجح. { وما أهلكنا من قرية } من القرى المهلكة، { إلا لها منذرون } قد أنذروا أهلها لتقوم الحجة عليهم، { ذكرى } أي: تذكرة، وهو مصد منذرون لأن أنذر وذكر متقاربان، كأنه قيل: لها مذكرون تذكرة. أو مفعول له، أي: ينذرونهم لأجل التذكرة والموعظة، أو خبر، أي: هذه ذكرى، أو يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولا له،والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة، بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصون مثل عصيانهم، { وما كنا ظالمين } فنهلك قوما غير ظالمين، أو قبل إنذارهم. والتعبير عن ذلك بنفي الظالمية مع أن إهلاكهم قبل الإنذار ليس بظلم إذ لا يجب عليه تعالى شيء - كما تقرر من قاعدة أهل السنة - لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك، وتحقيقا لكمال عدله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله، في جانب أهل البطالة والغفلة: أفرأيت إن متعناهم سنين بالأموال والنساء والبنين، فاشتغلوا بجمع الأموال والدثور، وبناء الغرف وتشييد القصور،ثم جاءهم ما كانوا يوعدون من الموت، والرحيل من الأوطان، ومفارقة الأحباب والعشائر والإخوان، أي شيء أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون به، من لذيذ المآكل والمشارب، ومفاخر الملابس والمراكب، هيهات هيهات، قد انقطعت اللذات، وفنيت الشهوات، وما بقي إلا الحسرات، فتأمل أيها العبد فيما مضى من عمرك، فما بقي في يدك منه إلا ما كان في طاعة مولاك، من ذكر،، أو تلاوة، أو صلاة، أو صيام، أو علم نافع، أو تعليم، أو فكرة، أو شهود، وما سوى ذلك بطالة وخسران، فالوقت الذي تصرفه في طاعة مولاك ذخائره موجودة، وكنوزه مذخورة، والوقت الذي تصرفه في هوى نفسك ضائع، تجيد حسرته يوم القيامة، ففي الحديث:
" ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مضت لهم، لم يذكروا الله تعالى فيها "
قال يحيى بن معاذ: أشد الناس عذابا يوم القيامة من اغتر بحياته والتذ بمراداته، وسكن إلى مألوفاته، والله تعالى يقول: { أفرأيت إن متعناهم سنين... } الآية. وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف، وكان يتمنى لقاءه، فقال له: عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال: لقد وعظت فأبلغت. وعن عمر بن العزيز رضي الله عنه: أنه كان يقرؤها عند جلوسه ليحكم بين الناس. ه. وبالله التوفيق. ثم تمم قوله: { وإنه لتنزيل رب العالمين } ، بقوله: { وما تنزلت به... }
الشعراء 26:205
يقول الحق جل جلاله: توبيخا لمن اقترح نزول العذاب، كقولهم:
فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم
[الأنفال: 32] { أفبعذابنا يستعجلون } مع كونهم لا يطيقونه إذا نزل بهم؟ وتقديم الجار للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ هو كون المستعجل به عذابه، مع ما فيه من رعاية الفواصل. { أفرأيت } أي: أخبرني. ولما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار بالشيء وأشهرها شاع استعمال " أرأيت " في معنى أخبرني. والخطاب لكل من يسمع، أي: أخبرني أيها السامع: { إن متعناهم } إن متعنا هؤلاء الكفرة { سنين } متطاولة بطول الأعمار وطيب المعاش، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } من العذاب، { ما أغنى عنهم } أي: أي سيء أو أي إغناء أغنى عنهم { ما كانوا يمتعون } أي: كونهم متمتعين ذلك التمتع المديد، أي شيء أغنى في دفع العذاب، وما: مصدرية، أو: ما كانوا يتمتعون به من متاع الحياة الدنيا، على أنها موصولة، حذف عائدها، وأيا ما كان فالاستفهام للإنكار والنفي. وقيل: ما: نافية، أي: لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب. والأول أرجح. { وما أهلكنا من قرية } من القرى المهلكة، { إلا لها منذرون } قد أنذروا أهلها لتقوم الحجة عليهم، { ذكرى } أي: تذكرة، وهو مصد منذرون لأن أنذر وذكر متقاربان، كأنه قيل: لها مذكرون تذكرة. أو مفعول له، أي: ينذرونهم لأجل التذكرة والموعظة، أو خبر، أي: هذه ذكرى، أو يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولا له،والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة، بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصون مثل عصيانهم، { وما كنا ظالمين } فنهلك قوما غير ظالمين، أو قبل إنذارهم. والتعبير عن ذلك بنفي الظالمية مع أن إهلاكهم قبل الإنذار ليس بظلم إذ لا يجب عليه تعالى شيء - كما تقرر من قاعدة أهل السنة - لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك، وتحقيقا لكمال عدله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله، في جانب أهل البطالة والغفلة: أفرأيت إن متعناهم سنين بالأموال والنساء والبنين، فاشتغلوا بجمع الأموال والدثور، وبناء الغرف وتشييد القصور،ثم جاءهم ما كانوا يوعدون من الموت، والرحيل من الأوطان، ومفارقة الأحباب والعشائر والإخوان، أي شيء أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون به، من لذيذ المآكل والمشارب، ومفاخر الملابس والمراكب، هيهات هيهات، قد انقطعت اللذات، وفنيت الشهوات، وما بقي إلا الحسرات، فتأمل أيها العبد فيما مضى من عمرك، فما بقي في يدك منه إلا ما كان في طاعة مولاك، من ذكر،، أو تلاوة، أو صلاة، أو صيام، أو علم نافع، أو تعليم، أو فكرة، أو شهود، وما سوى ذلك بطالة وخسران، فالوقت الذي تصرفه في طاعة مولاك ذخائره موجودة، وكنوزه مذخورة، والوقت الذي تصرفه في هوى نفسك ضائع، تجيد حسرته يوم القيامة، ففي الحديث:
" ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مضت لهم، لم يذكروا الله تعالى فيها "
قال يحيى بن معاذ: أشد الناس عذابا يوم القيامة من اغتر بحياته والتذ بمراداته، وسكن إلى مألوفاته، والله تعالى يقول: { أفرأيت إن متعناهم سنين... } الآية. وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف، وكان يتمنى لقاءه، فقال له: عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال: لقد وعظت فأبلغت. وعن عمر بن العزيز رضي الله عنه: أنه كان يقرؤها عند جلوسه ليحكم بين الناس. ه. وبالله التوفيق. ثم تمم قوله: { وإنه لتنزيل رب العالمين } ، بقوله: { وما تنزلت به... }
الشعراء 26:206
يقول الحق جل جلاله: توبيخا لمن اقترح نزول العذاب، كقولهم:
فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم
[الأنفال: 32] { أفبعذابنا يستعجلون } مع كونهم لا يطيقونه إذا نزل بهم؟ وتقديم الجار للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ هو كون المستعجل به عذابه، مع ما فيه من رعاية الفواصل. { أفرأيت } أي: أخبرني. ولما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار بالشيء وأشهرها شاع استعمال " أرأيت " في معنى أخبرني. والخطاب لكل من يسمع، أي: أخبرني أيها السامع: { إن متعناهم } إن متعنا هؤلاء الكفرة { سنين } متطاولة بطول الأعمار وطيب المعاش، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } من العذاب، { ما أغنى عنهم } أي: أي سيء أو أي إغناء أغنى عنهم { ما كانوا يمتعون } أي: كونهم متمتعين ذلك التمتع المديد، أي شيء أغنى في دفع العذاب، وما: مصدرية، أو: ما كانوا يتمتعون به من متاع الحياة الدنيا، على أنها موصولة، حذف عائدها، وأيا ما كان فالاستفهام للإنكار والنفي. وقيل: ما: نافية، أي: لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب. والأول أرجح. { وما أهلكنا من قرية } من القرى المهلكة، { إلا لها منذرون } قد أنذروا أهلها لتقوم الحجة عليهم، { ذكرى } أي: تذكرة، وهو مصد منذرون لأن أنذر وذكر متقاربان، كأنه قيل: لها مذكرون تذكرة. أو مفعول له، أي: ينذرونهم لأجل التذكرة والموعظة، أو خبر، أي: هذه ذكرى، أو يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولا له،والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة، بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصون مثل عصيانهم، { وما كنا ظالمين } فنهلك قوما غير ظالمين، أو قبل إنذارهم. والتعبير عن ذلك بنفي الظالمية مع أن إهلاكهم قبل الإنذار ليس بظلم إذ لا يجب عليه تعالى شيء - كما تقرر من قاعدة أهل السنة - لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك، وتحقيقا لكمال عدله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله، في جانب أهل البطالة والغفلة: أفرأيت إن متعناهم سنين بالأموال والنساء والبنين، فاشتغلوا بجمع الأموال والدثور، وبناء الغرف وتشييد القصور،ثم جاءهم ما كانوا يوعدون من الموت، والرحيل من الأوطان، ومفارقة الأحباب والعشائر والإخوان، أي شيء أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون به، من لذيذ المآكل والمشارب، ومفاخر الملابس والمراكب، هيهات هيهات، قد انقطعت اللذات، وفنيت الشهوات، وما بقي إلا الحسرات، فتأمل أيها العبد فيما مضى من عمرك، فما بقي في يدك منه إلا ما كان في طاعة مولاك، من ذكر،، أو تلاوة، أو صلاة، أو صيام، أو علم نافع، أو تعليم، أو فكرة، أو شهود، وما سوى ذلك بطالة وخسران، فالوقت الذي تصرفه في طاعة مولاك ذخائره موجودة، وكنوزه مذخورة، والوقت الذي تصرفه في هوى نفسك ضائع، تجيد حسرته يوم القيامة، ففي الحديث:
" ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مضت لهم، لم يذكروا الله تعالى فيها "
قال يحيى بن معاذ: أشد الناس عذابا يوم القيامة من اغتر بحياته والتذ بمراداته، وسكن إلى مألوفاته، والله تعالى يقول: { أفرأيت إن متعناهم سنين... } الآية. وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف، وكان يتمنى لقاءه، فقال له: عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال: لقد وعظت فأبلغت. وعن عمر بن العزيز رضي الله عنه: أنه كان يقرؤها عند جلوسه ليحكم بين الناس. ه. وبالله التوفيق. ثم تمم قوله: { وإنه لتنزيل رب العالمين } ، بقوله: { وما تنزلت به... }
الشعراء 26:207
يقول الحق جل جلاله: توبيخا لمن اقترح نزول العذاب، كقولهم:
فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم
[الأنفال: 32] { أفبعذابنا يستعجلون } مع كونهم لا يطيقونه إذا نزل بهم؟ وتقديم الجار للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ هو كون المستعجل به عذابه، مع ما فيه من رعاية الفواصل. { أفرأيت } أي: أخبرني. ولما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار بالشيء وأشهرها شاع استعمال " أرأيت " في معنى أخبرني. والخطاب لكل من يسمع، أي: أخبرني أيها السامع: { إن متعناهم } إن متعنا هؤلاء الكفرة { سنين } متطاولة بطول الأعمار وطيب المعاش، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } من العذاب، { ما أغنى عنهم } أي: أي سيء أو أي إغناء أغنى عنهم { ما كانوا يمتعون } أي: كونهم متمتعين ذلك التمتع المديد، أي شيء أغنى في دفع العذاب، وما: مصدرية، أو: ما كانوا يتمتعون به من متاع الحياة الدنيا، على أنها موصولة، حذف عائدها، وأيا ما كان فالاستفهام للإنكار والنفي. وقيل: ما: نافية، أي: لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب. والأول أرجح. { وما أهلكنا من قرية } من القرى المهلكة، { إلا لها منذرون } قد أنذروا أهلها لتقوم الحجة عليهم، { ذكرى } أي: تذكرة، وهو مصد منذرون لأن أنذر وذكر متقاربان، كأنه قيل: لها مذكرون تذكرة. أو مفعول له، أي: ينذرونهم لأجل التذكرة والموعظة، أو خبر، أي: هذه ذكرى، أو يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولا له،والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة، بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصون مثل عصيانهم، { وما كنا ظالمين } فنهلك قوما غير ظالمين، أو قبل إنذارهم. والتعبير عن ذلك بنفي الظالمية مع أن إهلاكهم قبل الإنذار ليس بظلم إذ لا يجب عليه تعالى شيء - كما تقرر من قاعدة أهل السنة - لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك، وتحقيقا لكمال عدله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله، في جانب أهل البطالة والغفلة: أفرأيت إن متعناهم سنين بالأموال والنساء والبنين، فاشتغلوا بجمع الأموال والدثور، وبناء الغرف وتشييد القصور،ثم جاءهم ما كانوا يوعدون من الموت، والرحيل من الأوطان، ومفارقة الأحباب والعشائر والإخوان، أي شيء أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون به، من لذيذ المآكل والمشارب، ومفاخر الملابس والمراكب، هيهات هيهات، قد انقطعت اللذات، وفنيت الشهوات، وما بقي إلا الحسرات، فتأمل أيها العبد فيما مضى من عمرك، فما بقي في يدك منه إلا ما كان في طاعة مولاك، من ذكر،، أو تلاوة، أو صلاة، أو صيام، أو علم نافع، أو تعليم، أو فكرة، أو شهود، وما سوى ذلك بطالة وخسران، فالوقت الذي تصرفه في طاعة مولاك ذخائره موجودة، وكنوزه مذخورة، والوقت الذي تصرفه في هوى نفسك ضائع، تجيد حسرته يوم القيامة، ففي الحديث:
" ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مضت لهم، لم يذكروا الله تعالى فيها "
قال يحيى بن معاذ: أشد الناس عذابا يوم القيامة من اغتر بحياته والتذ بمراداته، وسكن إلى مألوفاته، والله تعالى يقول: { أفرأيت إن متعناهم سنين... } الآية. وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف، وكان يتمنى لقاءه، فقال له: عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال: لقد وعظت فأبلغت. وعن عمر بن العزيز رضي الله عنه: أنه كان يقرؤها عند جلوسه ليحكم بين الناس. ه. وبالله التوفيق. ثم تمم قوله: { وإنه لتنزيل رب العالمين } ، بقوله: { وما تنزلت به... }
الشعراء 26:208
يقول الحق جل جلاله: توبيخا لمن اقترح نزول العذاب، كقولهم:
فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم
[الأنفال: 32] { أفبعذابنا يستعجلون } مع كونهم لا يطيقونه إذا نزل بهم؟ وتقديم الجار للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ هو كون المستعجل به عذابه، مع ما فيه من رعاية الفواصل. { أفرأيت } أي: أخبرني. ولما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار بالشيء وأشهرها شاع استعمال " أرأيت " في معنى أخبرني. والخطاب لكل من يسمع، أي: أخبرني أيها السامع: { إن متعناهم } إن متعنا هؤلاء الكفرة { سنين } متطاولة بطول الأعمار وطيب المعاش، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } من العذاب، { ما أغنى عنهم } أي: أي سيء أو أي إغناء أغنى عنهم { ما كانوا يمتعون } أي: كونهم متمتعين ذلك التمتع المديد، أي شيء أغنى في دفع العذاب، وما: مصدرية، أو: ما كانوا يتمتعون به من متاع الحياة الدنيا، على أنها موصولة، حذف عائدها، وأيا ما كان فالاستفهام للإنكار والنفي. وقيل: ما: نافية، أي: لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب. والأول أرجح. { وما أهلكنا من قرية } من القرى المهلكة، { إلا لها منذرون } قد أنذروا أهلها لتقوم الحجة عليهم، { ذكرى } أي: تذكرة، وهو مصد منذرون لأن أنذر وذكر متقاربان، كأنه قيل: لها مذكرون تذكرة. أو مفعول له، أي: ينذرونهم لأجل التذكرة والموعظة، أو خبر، أي: هذه ذكرى، أو يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولا له،والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة، بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصون مثل عصيانهم، { وما كنا ظالمين } فنهلك قوما غير ظالمين، أو قبل إنذارهم. والتعبير عن ذلك بنفي الظالمية مع أن إهلاكهم قبل الإنذار ليس بظلم إذ لا يجب عليه تعالى شيء - كما تقرر من قاعدة أهل السنة - لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك، وتحقيقا لكمال عدله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله، في جانب أهل البطالة والغفلة: أفرأيت إن متعناهم سنين بالأموال والنساء والبنين، فاشتغلوا بجمع الأموال والدثور، وبناء الغرف وتشييد القصور،ثم جاءهم ما كانوا يوعدون من الموت، والرحيل من الأوطان، ومفارقة الأحباب والعشائر والإخوان، أي شيء أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون به، من لذيذ المآكل والمشارب، ومفاخر الملابس والمراكب، هيهات هيهات، قد انقطعت اللذات، وفنيت الشهوات، وما بقي إلا الحسرات، فتأمل أيها العبد فيما مضى من عمرك، فما بقي في يدك منه إلا ما كان في طاعة مولاك، من ذكر،، أو تلاوة، أو صلاة، أو صيام، أو علم نافع، أو تعليم، أو فكرة، أو شهود، وما سوى ذلك بطالة وخسران، فالوقت الذي تصرفه في طاعة مولاك ذخائره موجودة، وكنوزه مذخورة، والوقت الذي تصرفه في هوى نفسك ضائع، تجيد حسرته يوم القيامة، ففي الحديث:
" ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مضت لهم، لم يذكروا الله تعالى فيها "
قال يحيى بن معاذ: أشد الناس عذابا يوم القيامة من اغتر بحياته والتذ بمراداته، وسكن إلى مألوفاته، والله تعالى يقول: { أفرأيت إن متعناهم سنين... } الآية. وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف، وكان يتمنى لقاءه، فقال له: عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال: لقد وعظت فأبلغت. وعن عمر بن العزيز رضي الله عنه: أنه كان يقرؤها عند جلوسه ليحكم بين الناس. ه. وبالله التوفيق. ثم تمم قوله: { وإنه لتنزيل رب العالمين } ، بقوله: { وما تنزلت به... }
الشعراء 26:209
يقول الحق جل جلاله: توبيخا لمن اقترح نزول العذاب، كقولهم:
فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم
[الأنفال: 32] { أفبعذابنا يستعجلون } مع كونهم لا يطيقونه إذا نزل بهم؟ وتقديم الجار للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ هو كون المستعجل به عذابه، مع ما فيه من رعاية الفواصل. { أفرأيت } أي: أخبرني. ولما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار بالشيء وأشهرها شاع استعمال " أرأيت " في معنى أخبرني. والخطاب لكل من يسمع، أي: أخبرني أيها السامع: { إن متعناهم } إن متعنا هؤلاء الكفرة { سنين } متطاولة بطول الأعمار وطيب المعاش، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } من العذاب، { ما أغنى عنهم } أي: أي سيء أو أي إغناء أغنى عنهم { ما كانوا يمتعون } أي: كونهم متمتعين ذلك التمتع المديد، أي شيء أغنى في دفع العذاب، وما: مصدرية، أو: ما كانوا يتمتعون به من متاع الحياة الدنيا، على أنها موصولة، حذف عائدها، وأيا ما كان فالاستفهام للإنكار والنفي. وقيل: ما: نافية، أي: لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب. والأول أرجح. { وما أهلكنا من قرية } من القرى المهلكة، { إلا لها منذرون } قد أنذروا أهلها لتقوم الحجة عليهم، { ذكرى } أي: تذكرة، وهو مصد منذرون لأن أنذر وذكر متقاربان، كأنه قيل: لها مذكرون تذكرة. أو مفعول له، أي: ينذرونهم لأجل التذكرة والموعظة، أو خبر، أي: هذه ذكرى، أو يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولا له،والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة، بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصون مثل عصيانهم، { وما كنا ظالمين } فنهلك قوما غير ظالمين، أو قبل إنذارهم. والتعبير عن ذلك بنفي الظالمية مع أن إهلاكهم قبل الإنذار ليس بظلم إذ لا يجب عليه تعالى شيء - كما تقرر من قاعدة أهل السنة - لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك، وتحقيقا لكمال عدله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله، في جانب أهل البطالة والغفلة: أفرأيت إن متعناهم سنين بالأموال والنساء والبنين، فاشتغلوا بجمع الأموال والدثور، وبناء الغرف وتشييد القصور،ثم جاءهم ما كانوا يوعدون من الموت، والرحيل من الأوطان، ومفارقة الأحباب والعشائر والإخوان، أي شيء أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون به، من لذيذ المآكل والمشارب، ومفاخر الملابس والمراكب، هيهات هيهات، قد انقطعت اللذات، وفنيت الشهوات، وما بقي إلا الحسرات، فتأمل أيها العبد فيما مضى من عمرك، فما بقي في يدك منه إلا ما كان في طاعة مولاك، من ذكر،، أو تلاوة، أو صلاة، أو صيام، أو علم نافع، أو تعليم، أو فكرة، أو شهود، وما سوى ذلك بطالة وخسران، فالوقت الذي تصرفه في طاعة مولاك ذخائره موجودة، وكنوزه مذخورة، والوقت الذي تصرفه في هوى نفسك ضائع، تجيد حسرته يوم القيامة، ففي الحديث:
" ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مضت لهم، لم يذكروا الله تعالى فيها "
قال يحيى بن معاذ: أشد الناس عذابا يوم القيامة من اغتر بحياته والتذ بمراداته، وسكن إلى مألوفاته، والله تعالى يقول: { أفرأيت إن متعناهم سنين... } الآية. وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف، وكان يتمنى لقاءه، فقال له: عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال: لقد وعظت فأبلغت. وعن عمر بن العزيز رضي الله عنه: أنه كان يقرؤها عند جلوسه ليحكم بين الناس. ه. وبالله التوفيق. ثم تمم قوله: { وإنه لتنزيل رب العالمين } ، بقوله: { وما تنزلت به... }
الشعراء 26:210
يقول الحق جل جلاله: { وما تنزلت به } بالقرآن، { الشياطين } ، ردا لما يزعمه الكفرة من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة، بعد تحقيق الحق فيه، ببيان أنه نزل به الروح الأمين. { ما ينبغي لهم } أي: وما يصح وما يستقيم لهم ذلك، { وما يستطيعون } إنزاله أصلا، { إنهم عن السمع } أي: عن استراقة السمع من الملائكة { لمعزولون } لممنوعون بالشهب، أو: لانتفاء المشاركة بينهم وبين الملائكة في قبول الاستعداد لفيضان أنوار الحق، والانتعاش بأنوار العلوم الربانية والمعارف القدسية لأن نفوس الشياطين خبيثة ظلمانية شريرة، ليست مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه، من فنون الشرور، فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن الكريم، المنطوي على الحقائق الرائقة الغيبية، التي لا يمكن تلقيتها إلا من الملائكة الكرام - عليهم السلام؟. { فلا تدع مع الله إلها آخر } كما هو شأن الأنفس الخبيثة الشيطانية، { فتكون من المعذبين } ، تهديد لغيره على سبيل التعريض، وتحريك له على زيادة الإخلاص، وتنبيه لسائر المكلفين على أن الإشراك بلغ من القبح والسوء، بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه، فكيف بمن عداه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وحي الإلهام الذي يتنزل على القلوب الصافية من الأغيار، كوحي الأحكام، ما تتنزل به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون لأنهم ممنوعون من قلوب العارفين لما احتفت به من الأنوار، وما صانها من الأسرار، أعني أنوار التوحيد وأسرار التفريد. وقال في لطائف المنن: إذا كان الحق تعالى حرس السماء من الشياطين بالشهب، فقلوب أوليائه أولى بأن يحرسها من الأغيار. ه. بالمعنى: فلا تدع مع الله إلها آخر، وهو ما سوى الله، فتكون من المعذبين بوساوس الشياطين والخواطر والشكوك لأن القلب إذا مال إلى غير الله سلط الله عليه الشيطان، فيكون ذلك القلب جرابا للشيطان، يحشو فيه ما يشاء. والعياذ بالله. ثم أمر نبيه بالإنذار والتذكير، فقال: { وأنذر عشيرتك... }
الشعراء 26:211
يقول الحق جل جلاله: { وما تنزلت به } بالقرآن، { الشياطين } ، ردا لما يزعمه الكفرة من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة، بعد تحقيق الحق فيه، ببيان أنه نزل به الروح الأمين. { ما ينبغي لهم } أي: وما يصح وما يستقيم لهم ذلك، { وما يستطيعون } إنزاله أصلا، { إنهم عن السمع } أي: عن استراقة السمع من الملائكة { لمعزولون } لممنوعون بالشهب، أو: لانتفاء المشاركة بينهم وبين الملائكة في قبول الاستعداد لفيضان أنوار الحق، والانتعاش بأنوار العلوم الربانية والمعارف القدسية لأن نفوس الشياطين خبيثة ظلمانية شريرة، ليست مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه، من فنون الشرور، فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن الكريم، المنطوي على الحقائق الرائقة الغيبية، التي لا يمكن تلقيتها إلا من الملائكة الكرام - عليهم السلام؟. { فلا تدع مع الله إلها آخر } كما هو شأن الأنفس الخبيثة الشيطانية، { فتكون من المعذبين } ، تهديد لغيره على سبيل التعريض، وتحريك له على زيادة الإخلاص، وتنبيه لسائر المكلفين على أن الإشراك بلغ من القبح والسوء، بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه، فكيف بمن عداه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وحي الإلهام الذي يتنزل على القلوب الصافية من الأغيار، كوحي الأحكام، ما تتنزل به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون لأنهم ممنوعون من قلوب العارفين لما احتفت به من الأنوار، وما صانها من الأسرار، أعني أنوار التوحيد وأسرار التفريد. وقال في لطائف المنن: إذا كان الحق تعالى حرس السماء من الشياطين بالشهب، فقلوب أوليائه أولى بأن يحرسها من الأغيار. ه. بالمعنى: فلا تدع مع الله إلها آخر، وهو ما سوى الله، فتكون من المعذبين بوساوس الشياطين والخواطر والشكوك لأن القلب إذا مال إلى غير الله سلط الله عليه الشيطان، فيكون ذلك القلب جرابا للشيطان، يحشو فيه ما يشاء. والعياذ بالله. ثم أمر نبيه بالإنذار والتذكير، فقال: { وأنذر عشيرتك... }
الشعراء 26:212
يقول الحق جل جلاله: { وما تنزلت به } بالقرآن، { الشياطين } ، ردا لما يزعمه الكفرة من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة، بعد تحقيق الحق فيه، ببيان أنه نزل به الروح الأمين. { ما ينبغي لهم } أي: وما يصح وما يستقيم لهم ذلك، { وما يستطيعون } إنزاله أصلا، { إنهم عن السمع } أي: عن استراقة السمع من الملائكة { لمعزولون } لممنوعون بالشهب، أو: لانتفاء المشاركة بينهم وبين الملائكة في قبول الاستعداد لفيضان أنوار الحق، والانتعاش بأنوار العلوم الربانية والمعارف القدسية لأن نفوس الشياطين خبيثة ظلمانية شريرة، ليست مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه، من فنون الشرور، فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن الكريم، المنطوي على الحقائق الرائقة الغيبية، التي لا يمكن تلقيتها إلا من الملائكة الكرام - عليهم السلام؟. { فلا تدع مع الله إلها آخر } كما هو شأن الأنفس الخبيثة الشيطانية، { فتكون من المعذبين } ، تهديد لغيره على سبيل التعريض، وتحريك له على زيادة الإخلاص، وتنبيه لسائر المكلفين على أن الإشراك بلغ من القبح والسوء، بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه، فكيف بمن عداه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وحي الإلهام الذي يتنزل على القلوب الصافية من الأغيار، كوحي الأحكام، ما تتنزل به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون لأنهم ممنوعون من قلوب العارفين لما احتفت به من الأنوار، وما صانها من الأسرار، أعني أنوار التوحيد وأسرار التفريد. وقال في لطائف المنن: إذا كان الحق تعالى حرس السماء من الشياطين بالشهب، فقلوب أوليائه أولى بأن يحرسها من الأغيار. ه. بالمعنى: فلا تدع مع الله إلها آخر، وهو ما سوى الله، فتكون من المعذبين بوساوس الشياطين والخواطر والشكوك لأن القلب إذا مال إلى غير الله سلط الله عليه الشيطان، فيكون ذلك القلب جرابا للشيطان، يحشو فيه ما يشاء. والعياذ بالله. ثم أمر نبيه بالإنذار والتذكير، فقال: { وأنذر عشيرتك... }
الشعراء 26:213
يقول الحق جل جلاله: { وما تنزلت به } بالقرآن، { الشياطين } ، ردا لما يزعمه الكفرة من أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة، بعد تحقيق الحق فيه، ببيان أنه نزل به الروح الأمين. { ما ينبغي لهم } أي: وما يصح وما يستقيم لهم ذلك، { وما يستطيعون } إنزاله أصلا، { إنهم عن السمع } أي: عن استراقة السمع من الملائكة { لمعزولون } لممنوعون بالشهب، أو: لانتفاء المشاركة بينهم وبين الملائكة في قبول الاستعداد لفيضان أنوار الحق، والانتعاش بأنوار العلوم الربانية والمعارف القدسية لأن نفوس الشياطين خبيثة ظلمانية شريرة، ليست مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه، من فنون الشرور، فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن الكريم، المنطوي على الحقائق الرائقة الغيبية، التي لا يمكن تلقيتها إلا من الملائكة الكرام - عليهم السلام؟. { فلا تدع مع الله إلها آخر } كما هو شأن الأنفس الخبيثة الشيطانية، { فتكون من المعذبين } ، تهديد لغيره على سبيل التعريض، وتحريك له على زيادة الإخلاص، وتنبيه لسائر المكلفين على أن الإشراك بلغ من القبح والسوء، بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه، فكيف بمن عداه. والله تعالى أعلم. الإشارة: وحي الإلهام الذي يتنزل على القلوب الصافية من الأغيار، كوحي الأحكام، ما تتنزل به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون لأنهم ممنوعون من قلوب العارفين لما احتفت به من الأنوار، وما صانها من الأسرار، أعني أنوار التوحيد وأسرار التفريد. وقال في لطائف المنن: إذا كان الحق تعالى حرس السماء من الشياطين بالشهب، فقلوب أوليائه أولى بأن يحرسها من الأغيار. ه. بالمعنى: فلا تدع مع الله إلها آخر، وهو ما سوى الله، فتكون من المعذبين بوساوس الشياطين والخواطر والشكوك لأن القلب إذا مال إلى غير الله سلط الله عليه الشيطان، فيكون ذلك القلب جرابا للشيطان، يحشو فيه ما يشاء. والعياذ بالله. ثم أمر نبيه بالإنذار والتذكير، فقال: { وأنذر عشيرتك... }
الشعراء 26:214
يقول الحق جل جلاله: { وأنذر } يا محمد { عشيرتك الأقربين } ، إنما خصهم بالذكر لئلا يتكلوا على النسب، فيدعوا ما يجب عليهم، لأن من الواجبات ما لا يشفع فيها، بقوله في تارك الزكاة وقد استغاث به: " لا أملك لكم من الله شيئا ". وفي الغال كذلك. وقيل: إنما خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرابته، وليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئا إذ النجاة في اتباعه، لا في قربه منهم. ولما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى الأقرب فالأقرب، وقال:
" يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يابني عبد مناف، يا عباس - عم النبي صلى الله عليه وسلم - يا صفية - عمة النبي صلى الله عليه وسلم لا أملك لكم من الله شيئا "
وقال ابن عباس رضي الله عنه: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى:
" يا صباحاه "
فاجتمع الناس، فقال صلى الله عليه وسلم:
" يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، إن أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ما جمعتنا إلا لهذا "
؟ فنزلت:
تبت يدآ أبي لهب وتب
[المسد: 1]. ثم قال: { واخفض جناحك } أي: وألن جانبك وتواضع، وأصله: أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض الجناح مثلا في التواضع ولين الجانب. ويكن ذلك التواضع { لمن اتبعك من المؤمنين } من قرابتك وغيرهم. { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } أي: أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك وغيره. { وتوكل على العزيز الرحيم } أي: على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته، فإنه يكفيك شر من يعاديك. { الذي يراك حين تقوم } للتهجد، { و } يرى { تقلبك في الساجدين } في المصلين. أتبع كونه رحيما برسوله ما هو من أسباب الرحمة، وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل، من قيامه للتهجد، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون. وقيل: معناه: ويراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة، وتقلبك في الساجدين: تصرفه فيما بينهم، بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن مقاتل: أنه سأل أبا حنيفة: هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن؟ فقال: لا يحضرني، فتلا له هذه الآية. وقيل: تقلبه في أصلاب الرجال. وروي عنه صلى الله عليه وسلم في الآية أنه قال:
" من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيا ".
{ إنه هو السميع } لما تقول، { العليم } بما تنويه وتعمله. هون عليه مشاق العبادة، حيث أخبره برؤيته له، إذ لا مشقة على من يعلم أنه يعمل بمرأى من مولاه، وهو كقوله في الحديث القدسي:
" بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي "
والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لمن أهل للوعظ والتذكير أن يبدأ بالأقرب فالأقرب، ولو علم أنه لا ينتفع به إلا النزر القليل. فمن تبعه على مذهبه فليلن له جانبه وليتواضع له، ومن أعرض عنه واشتغل بهواه فليتبرأ من فعله، ولا ينساه من نصحه، ولذلك قال تعالى: { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } ، ولم يقل: " منكم " ، وهذا مذهب الجمهور وأن الأخ إذا زل إنما يبغض عمله فقط. وعن بعض الصحابة - وقد قيل له في أخيه، فقال: إنما أبغض عمله، وإلا فهو أخي، وذكر مثل ذلك عن أبي الدرداء. وأن الأخ في الله لا يبغض لزلته، ولا يترك لشيء من الأشياء، وإنما يبغض عمله، ووافقه على ذلك سلمان، وتابعهما عمر، وخالف في ذلك أبو ذر، فقال: إذا وقعت المخالفة، وانقلب عما كان عليه، فأبغضه من حيث أحببته. قال صاحب القوت: وأبو ذر صاحب شدائد، وعزائم، وهذا من عزائمه وشدائده. ه. وهذا في المؤمن بدليل قول أبي الدرداء: الأخ في الله لا يبغض لزلة. وأما الكافر فصريح آياته:
إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله
[الممتحنة: 4]، ونحوها. وحديث ابن عمر وتبرئه من نفاة القدر - كما في مسلم - موجب للبراءة، وليس لكون حكم الأصول أشد من الفروع. وذكر في الإحياء تأكيد الإعراض عمن يتعدى أذاه لغيره بظلم، أو غصب، أو غيبة، أو نميمة، أو شهادة زور لأن المعصية شديدة فيما يرجع لأذى الخلق. ه. من الحاشية. قوله تعالى: { فتوكل على العزيز الرحيم } ، قيل: التوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وهو الله وحده، والمتوكل من إذا دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية. وقال الجنيد رضي الله عنه: التوكل أن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض بالكلية عمن دونه فإن حاجتك إنما هي إليه في الدارين. ه. قال القشيري: { وتقلبك في الساجدين } من أصحابك، ويقال: تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين، الذين عرفوا الله، فسجدوا له، دون من لم يعرفه. ه. وفي القوت: قيل: وتقلبك في أصلاب الأنبياء - عليهم السلام، يقلبك في صلب نبي بعد نبي، حتى أخرجك من ذرية أسماعيل، وروينا معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحاصل: أنه من ذرية الأنبياء والمؤمنين الساجدين في الجملة، ولا يقتضي كل فرد من الأفراد. ه. ثم ذكر قوله: { وما تنزلت به الشياطين } ، فقال: { هل أنبئكم على من تنزل... }
الشعراء 26:215
يقول الحق جل جلاله: { وأنذر } يا محمد { عشيرتك الأقربين } ، إنما خصهم بالذكر لئلا يتكلوا على النسب، فيدعوا ما يجب عليهم، لأن من الواجبات ما لا يشفع فيها، بقوله في تارك الزكاة وقد استغاث به: " لا أملك لكم من الله شيئا ". وفي الغال كذلك. وقيل: إنما خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرابته، وليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئا إذ النجاة في اتباعه، لا في قربه منهم. ولما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى الأقرب فالأقرب، وقال:
" يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يابني عبد مناف، يا عباس - عم النبي صلى الله عليه وسلم - يا صفية - عمة النبي صلى الله عليه وسلم لا أملك لكم من الله شيئا "
وقال ابن عباس رضي الله عنه: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، ونادى:
" يا صباحاه "
فاجتمع الناس، فقال صلى الله عليه وسلم:
" يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، إن أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ما جمعتنا إلا لهذا "
؟ فنزلت:
تبت يدآ أبي لهب وتب
[المسد: 1]. ثم قال: { واخفض جناحك } أي: وألن جانبك وتواضع، وأصله: أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض الجناح مثلا في التواضع ولين الجانب. ويكن ذلك التواضع { لمن اتبعك من المؤمنين } من قرابتك وغيرهم. { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } أي: أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك وغيره. { وتوكل على العزيز الرحيم } أي: على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته، فإنه يكفيك شر من يعاديك. { الذي يراك حين تقوم } للتهجد، { و } يرى { تقلبك في الساجدين } في المصلين. أتبع كونه رحيما برسوله ما هو من أسباب الرحمة، وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل، من قيامه للتهجد، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون. وقيل: معناه: ويراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة، وتقلبك في الساجدين: تصرفه فيما بينهم، بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن مقاتل: أنه سأل أبا حنيفة: هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن؟ فقال: لا يحضرني، فتلا له هذه الآية. وقيل: تقلبه في أصلاب الرجال. وروي عنه صلى الله عليه وسلم في الآية أنه قال:
" من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيا ".
{ إنه هو السميع } لما تقول، { العليم } بما تنويه وتعمله. هون عليه مشاق العبادة، حيث أخبره برؤيته له، إذ لا مشقة على من يعلم أنه يعمل بمرأى من مولاه، وهو كقوله في الحديث القدسي:
" بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي "
والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لمن أهل للوعظ والتذكير أن يبدأ بالأقرب فالأقرب، ولو علم أنه لا ينتفع به إلا النزر القليل. فمن تبعه على مذهبه فليلن له جانبه وليتواضع له، ومن أعرض عنه واشتغل بهواه فليتبرأ من فعله، ولا ينساه من نصحه، ولذلك قال تعالى: { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } ، ولم يقل: " منكم " ، وهذا مذهب الجمهور وأن الأخ إذا زل إنما يبغض عمله فقط. وعن بعض الصحابة - وقد قيل له في أخيه، فقال: إنما أبغض عمله، وإلا فهو أخي، وذكر مثل ذلك عن أبي الدرداء. وأن الأخ في الله لا يبغض لزلته، ولا يترك لشيء من الأشياء، وإنما يبغض عمله، ووافقه على ذلك سلمان، وتابعهما عمر، وخالف في ذلك أبو ذر، فقال: إذا وقعت المخالفة، وانقلب عما كان عليه، فأبغضه من حيث أحببته. قال صاحب القوت: وأبو ذر صاحب شدائد، وعزائم، وهذا من عزائمه وشدائده. ه. وهذا في المؤمن بدليل قول أبي الدرداء: الأخ في الله لا يبغض لزلة. وأما الكافر فصريح آياته:
إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله
[الممتحنة: 4]، ونحوها. وحديث ابن عمر وتبرئه من نفاة القدر - كما في مسلم - موجب للبراءة، وليس لكون حكم الأصول أشد من الفروع. وذكر في الإحياء تأكيد الإعراض عمن يتعدى أذاه لغيره بظلم، أو غصب، أو غيبة، أو نميمة، أو شهادة زور لأن المعصية شديدة فيما يرجع لأذى الخلق. ه. من الحاشية. قوله تعالى: { فتوكل على العزيز الرحيم } ، قيل: التوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وهو الله وحده، والمتوكل من إذا دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية. وقال الجنيد رضي الله عنه: التوكل أن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض بالكلية عمن دونه فإن حاجتك إنما هي إليه في الدارين. ه. قال القشيري: { وتقلبك في الساجدين } من أصحابك، ويقال: تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين، الذين عرفوا الله، فسجدوا له، دون من لم يعرفه. ه. وفي القوت: قيل: وتقلبك في أصلاب الأنبياء - عليهم السلام، يقلبك في صلب نبي بعد نبي، حتى أخرجك من ذرية أسماعيل، وروينا معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحاصل: أنه من ذرية الأنبياء والمؤمنين الساجدين في الجملة، ولا يقتضي كل فرد من الأفراد. ه. ثم ذكر قوله: { وما تنزلت به الشياطين } ، فقال: { هل أنبئكم على من تنزل... }